Advertisement

الإحاطة في أخبار غرناطة 001



الكتاب: الإحاطة في أخبار غرناطة
المؤلف: محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب (المتوفى: 776هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت
الطبعة: الأولى، 1424 هـ
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] لسان الدين ابن الخطيب

محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني، قرطبيّ الأصل، ثم طليطليّ، ثم لوشيّ، ثم غرناطيّ. يكنى أبا عبد الله، ويلقّب بلسان الدين، وهو من الألقاب المشرقية. وزير، طبيب، أديب، مؤرخ، وفقيه مالكي أندلسي.
ولد بمدينة لوشة في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 713 هـ.
نشأ لسان الدين بغرناطة، وتأدّب على شيوخها، وهم كثر، فأخذ عنهم القرآن، والفقه، والتفسير، واللغة، والرواية، والطب، وصناعة التعديل.
التزم خدمة عدد من السلاطين كأبي الحجاج والسروي محمد الخامس المعروف بالغني بالله وتعرف على علماء المغرب وأصحاب مناصبها كابن خلدون وغيره وبدأ فيها يكتب بعض آثاره المنظومة والمنثورة.
كما وتقلّد بعض المناصب الحكومية ولذلك كان يتوخى تسلم زمام الأمور على الإطلاق، فأخذ يقوم بإبعاد رقبائه، الأمر الذي كلّفه حياته. حتى أنه لم يكن يحتمل وجود صديقه الشهير عبد الرحمن ابن خلدون في غرناطة، إذ كان يقلقه اهتمام الغني بالله به.
ثم شعر ابن الخطيب بأنّ أعداءه، أخذوا يكيدون له عند الغني بالله، وتخيّل أن الغني بالله أخذ يميل إلى قبول وشاياتهم، فاتّصل سرّاً بسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني، فوعده بأن يؤمّن له الحماية اللازمة والرعاية الكافية، وأخذ منه عهداً بالإقامة في كنفه. عندئذ استأذن الغنيّ بالله في تفقّد الثغور، وسار إليها في لمّة من فرسانه، ومعه ابنه عليّ، فمال إلى جبل طارق، فتلقّاه قائد الجبل، بناء على أمر سلطان المغرب المذكور أعلاه، فأجاز إلى سبتة في جمادى الآخرة من عام 773 هـ، ثم توجّه إلى تلمسان فوصلها في التاسع عشر من رجب من العام المذكور، واستقبله السلطان أحسن استقبال، وأحلّه من مجلسه محل الاصطفاء.
وفي الشهر نفسه من السنة نفسها أرسل سلطان المغرب سفيره إلى غرناطة، فأتى بأسرة ابن الخطيب مكرّمة.
عندئذ وجّه إليه القاضي النباهي تهمة الإلحاد والزندقة والطعن في الشريعة والوقوع في جناب الرسول الكريم، بعد أن نعى عليه تدخّله في شؤون القضاء أيام ولايته القضاء، فأصدر فتوى بإحراق كتبه، فأحرقت في ساحة غرناطة، وصودرت أملاكه، واستحثّ سلطان المغرب على تسليمه لإجراء العقوبة عليه، فرفض. ولمّا توفي سلطان المغرب في ربيع الآخر من عام 774 هـ فقد ابن الخطيب حاكماً مخلصاً يحميه من أعدائه. وأخيراً أودع في السجن، فطوقوا السجن ليلاً وقتلوه خنقاً. ثم أخرجوا جثته من القبر، وأشعلوا من حوله النار، فاحترق شعره واسودّت بشرته، ثم أعيد إلى القبر قبل أن يحترق، وذلك في ربيع الأول من العام 776 هـ.
أفاد ابن خطيب من أبرز أساتذة ذلك العصر ولكنه لم يرب الكثير من التلامذة إذ لم يكن له مجلس درس.
آثاره
وله تأليفات كثيرة تربو على الستّين مؤلّفاً، ما بين كتاب ورسالة، منها: آداب الوزارة، الإحاطة في أخبار غرناطة، أوصاف الناس في التاريخ والصلاة، جيش التوشيح، رقم الحلل في نظم الدول، روضة التعريف بالحب الشريف، ريحانة الكتاب وغيرها.
(/)

[المجلد الاول]
مقدمة المحقّق
بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا هو كتاب «الإحاطة، في أخبار غرناطة» نقدّمه للقرّاء والباحثين، بعد أن أدركنا أنّنا، بعون الله تعالى، سنقوى على تذليل الصّعاب التي نمرّ بها في أثناء التحقيق؛ فالكتاب موسوعة تاريخية وأدبية وجغرافية، يحتاج إلى لجنة من المؤرّخين والأدباء والجغرافيين المهتمّين بالحقل الأندلسي؛ لأن الجهد الفردي غير كاف لنشر مثل هذه الموسوعات العلمية التي تحتاج إلى مجهود جماعي؛ لتحقيق أماكنها الجغرافية والتعريف بأعلامها التاريخية والأدبية، ودراسة الشعر الذي يشغل خمس الكتاب أو أكثر بقليل.
وهذا الكتاب أشهر وأضخم مؤلّفات لسان الدين ابن الخطيب، التي تنوف على السّتّين. وقد استهلّه بمقدّمة مسجّعة بدأها بالحمد والثّناء، ثم انتقل إلى ذكر السبب الذي دعاه إلى كتابته وهو أن بعض المصنّفين أفرد لوطنه تاريخا، كتاريخ مدينة بخارى لمحمد بن أحمد بن سليمان الفخار، وتاريخ بغداد للخطيب أبي بكر أحمد بن علي البغدادي، وتاريخ دمشق لأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر، وتاريخ مصر لعبد الرحمن بن أحمد بن نواس، وتاريخ مالقة لأبي عبد الله بن عسكر، فداخلته عصبية حبّ الوطن، فأقدم على كتابة تاريخ لوطنه غرناطة.
وعنوان الكتاب يدلّ على الغاية التي رمى إليها ابن الخطيب بتأليفه؛ وهي تقديم صورة شاملة عن كل ما يتعلّق بمدينة غرناطة من أوصاف وأخبار، فذكر مروجها وجبالها وأنهارها، وتغنّى بها فقال «1» : [الكامل]
بلد تحفّ به الرياض كأنّه ... وجه جميل والرياض عذاره

(المقدمة/3)

وكان قبله قد تغنّى بها ابن جبير، صاحب الرحلة، فقال «1» : [مجزوء الرمل]
يا دمشق الغرب هاتي ... ك، لقد زدت عليها
تحتك الأنهار تجري ... وهي تنصبّ إليها
وترجم لثلاث وتسعين وأربعمائة شخصية أندلسية، ممّن حكموا غرناطة، أو وفدوا إليها من المغرب أو المشرق، من ملوك، وأمراء، وأعيان، وولاة، ووزراء، وقضاة، وعلماء، وزهّاد، وصوفيّة ... ولم ينس أن يكتب سيرته الذاتية في آخر الكتاب، ولكنها ترجمة موجزة تناولت نسبه ومولده ونشأته وتقلّده الوزارة لأبي الحجّاج يوسف النّصري ثم لولده الغني بالله، ونكبته مع الغني وهجرته إلى المغرب، ثم عوده مع الغني سنة 763 هـ، ثم مشيخته، ومؤلّفاته، وإيراده بعض شعره.
والكتاب لم يكتب دفعة واحدة؛ فقد بدأ بجمعه قبل نفيه مع سلطانه الغني بالله سنة 761 هـ، واستأنف العمل فيه بعد عودته من المنفى سنة 763 هـ، فراجعه وزاد فيه فجعله في ستة مجلدات. وظلّ يضيف إليه وينقّح فيه حتى عام 771 هـ، تاريخ غزوة الغني بالله لأحواز مدينة إشبيلية التي كانت آنذاك في قبضة الإسبان «2» . وقد يكون زاد فيه بعد هذا التاريخ، ونرجّح أن يكون انتهى من تأليفه سنة 772 هـ، أي قبل فراره إلى المغرب بسنة.
وقد استعمل ابن الخطيب غير تسمية للكتاب، فذكره، إلى جانب العنوان الذي وضعناه له، باسم «الإحاطة، في تاريخ غرناطة» وقال: إنه في سبعة أسفار «3» ، ثم ذكره باسم «الإحاطة بما تيسّر من تاريخ غرناطة» وقال: إنه كتاب كبير في تسعة أسفار «4» . ثم عاد واختصره باسم «تاريخ غرناطة» وقال: إنه في اثني عشر سفرا «5» .
وقد استعمل ابن الخطيب هذه التسمية الأخيرة المختصرة في مواطن كثيرة. وفي كتابه «اللمحة البدرية» ذكر اسم كتاب عنوانه: «الإماطة، عن وجه الإحاطة، فيما أمكن من تاريخ غرناطة» «6» . ثم عاد وذكره في كتابه المذكور عند حديثه عن عوائد أهل غرناطة وأوصافهم، فقال العبارة التالية: «من كتاب الإماطة، عن وجه الإحاطة، فيما أمكن من تاريخ غرناطة» «7» . ثم أورد هذه العبارة نفسها في كتاب الإحاطة «8» . ونحن،

(المقدمة/4)

بدورنا، نميل إلى أن كتاب «الإماطة» هو اسم آخر لكتاب «الإحاطة» أو هو مختصر كتاب «الإحاطة» ؛ لأنّ ابن الخطيب لم يذكر «الإماطة» في ثبت كتبه في آخر «الإحاطة» .
والترتيب الذي اعتمده هو ذكر الحاضرة غرناطة، ووصف محاسنها والحديث عن الذين سكنوها وتولّوها، ملتزما الترتيب الأبجدي لأصحاب التراجم، لا الترتيب التاريخي. وقدّم للكتاب، وجعله قسمين، القسم الأول في حلي المعاهد والأماكن والمنازل والمساكن، والقسم الثاني في حلي الزائر والقاطن والمتحرّك والساكن «1» .
وبعد أن انتهى من مقدمة الكتاب بدأ في القسم الأوّل بفصل يدور حول اسم مدينة غرناطة، فقدّم لنا وصفا جغرافيّا دقيقا لهذه المدينة «2» ، ثم تناول تاريخها منذ أن نزلها العرب أيام الفتح حتى سلاطين بني نصر «3» . وذكر قراها، وقال: إنها تنوف على ثلاثمائة قرية «4» . ثم انتهى إلى فصل ثان ذكر فيه سير أهل غرناطة وأخلاقهم وأحوالهم وأنسابهم وجندهم وزيّهم «5» . وأنهى القسم الأول بفصل ثالث حصره فيمن تداول هذه المدينة منذ أصبحت دار إمارة «6» . ثم بدأ القسم الثاني، ويتناول الذين ترجم لهم، وعقد في آخره ترجمة مختصرة لنفسه.
والكتب التي اعتمدها ابن الخطيب في جمع مادته كثيرة، أهمها تاريخ أبي عبد الله محمد بن جزي الغرناطي، الذي شرع في أثناء مقامه بفاس بكتابة تاريخ عام لبلده غرناطة، ولكنه مات سنة 757 هـ قبل أن يتمّه. وقد صرّح ابن الخطيب بأنه اطّلع على هذا الكتاب بمدينة فاس عندما قام بسفارة إلى المغرب سنة 755 هـ، وسار على منهاجه عند تأليف «الإحاطة» «7» . أضف إلى ذلك الوثائق والمعلومات التي اعتمدها والتي أخذها من معاصريه ذوي الشأن.
ويعدّ كتاب «الإحاطة» من أهم المصادر الأندلسية في التراجم والتاريخ..؛ فهو من جهة معجم في التراجم، ومن جهة ثانية كتاب في التاريخ، إلّا أنه كتاب تراجم أكثر منه كتاب تاريخ. وبرغم ذلك، فإنه يلقي علينا الضوء على أهم ظاهرة اجتماعية كانت منتشرة في أيامه في بلاد المغرب والأندلس معا، ألا وهي مصارعة الثيران؛ فقد ذكر أنه حضر في المغرب في عهد أبي عنان فارس بن أبي الحسن بن أبي سعيد بن

(المقدمة/5)

أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، عندما أرسله سلطان غرناطة الغني بالله رسولا على إثر بيعته عام 755 هـ، مصارعة بين ثور وأسد، انتهت بانتصار الثور وجرح الأسد، وخروج طائفة من الرجال المسلحين أخذوا يناوشون الأسد الجريح إلى أن قتلوه، بعد أن أردى بعضهم «1» . وفي مكان آخر يصف ابن الخطيب المصارع الغرناطي بأنه فارس مغوار صارع الثور وهو ممتط فرسه المدرّب، ثم قتله برمحه.
وهذا النوع الثاني من المصارعة ما يزال موجودا في إسبانيا حتى اليوم.
وقد لاقى كتاب «الإحاطة» استحسانا من قبل قارئيه، فعدّه المقري من الكتب التي ذاع صيتها بالمشرق والمغرب، وذهب إلى أن المشارقة كانوا أشدّ إعجابا به من المغاربة، وأكثر لهجا بذكره، مع قلّته في تلك البلاد المشرقية، إذ اعتنى باختصاره الأديب المصري الشهير بدر الدين محمد بن إبراهيم البشتكي، المتوفّى سنة 830 هـ، وسمّاه: «مركز الإحاطة، في أدباء غرناطة» ، وفي في مجلدين بخطّه «2» .
وبرغم ما في كتابه من إيجابيات، وهي كثيرة جدّا، فإن لنا بعض المؤاخذات عليه والنقد له، إذ الكمال لواهبه، ومنها أنه كثير التكرار في كتاباته، من ذلك رسالة ينقلها في «الإحاطة» ثم يوردها كما هي في كتابه «الريحانة» ، وقد صدرت عنه عن سلطان غرناطة الغني بالله، وتتعلق بمجموع الفتوحات والغزوات التي قام بها السلطان المذكور، أرسلها إلى صاحب تونس أبي إسحاق المستنصر إبراهيم بن أبي بكر ابن يحيى الحفصي «3» . ورسالة ثانية هي رسالة «السياسة» ، وقد نقلها في «الإحاطة» ضمن ترجمته الشخصية، ثم أوردها كما هي في الريحانة «4» . كذلك نقل في «الإحاطة» بعض مقاماته ورسائله وبعض كتبه الصغيرة، وأوردها كما هي في الريحانة.
وقد طبع هذا الكتاب مرتين؛ طبعة ناقصة بجزءين في مجلد واحد، وطبعة كاملة بأربعة أجزاء، بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله عنان، مصر، 1973- 1977، وقد رأينا أن نتولّى هذا العمل تحقيقا وإشرافا، فآلينا على أنفسنا ألّا نوفّر جهدا في سبيل القدرة على الاضطلاع بكل ما يحتاجه التحقيق، فبذلنا في إخراجه من العناية ما استطعنا عليه؛ صحّحنا عددا غير قليل من أخطاء القراءة، التي لا تكاد صفحة تخلو منها تحريفا وتصحيفا ونقصا وتشويها، وبخاصة الشعر حيث قمنا بمراجعته وضبطه وفقا للمصادر التي ورد فيها، وقرنّا النصوص بهوامش وتعليقات تفسيرية، فعرّفنا

(المقدمة/6)

بالأعلام والأماكن حيث كان ذلك ضروريّا، وشرحنا الألفاظ التي تتطلب الشرح وبخاصة بعض المصطلحات الأندلسية غير المعروفة عند المشارقة، بصورة تتّفق مع ما تتطلبه المناهج العلمية الحديثة من أساليب البحث والتحقيق المقارن. وقد تمّ ذلك بعد أن رأى الحاجّ محمد علي بيضون، صاحب دار الكتب العلمية، أن نعيد طبع هذا الكتاب؛ إذ رغب إلينا في أن نقوم بتحقيقه، فقبلنا طلبه، وتولّينا الكتاب بالتحقيق العلمي، وشرعنا بالعمل منذ أكثر من ثلاث سنوات، احتجنا في خلالها إلى أناة قد لا يقوى عليها الكثير من الناس، فجاء الكتاب كما يراه القارئ، وبحسبنا أننا أدّينا الذي يجب علينا في هذا السبيل، فإن قصّرنا فما توفيقنا إلّا بالله تعالى، والكمال لله تعالى وحده. وارتأينا أن نتمّم عملنا بتقديم نبذة موجزة عن سيرة المؤلّف فنقول: هو «1» محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني، نسبة إلى سلمان، وسلمان حيّ من مراد من عرب اليمن القحطانيين. قرطبيّ الأصل، ثم طليطليّه، ثم لوشيّه، ثم غرناطيّه.
يكنى أبا عبد الله، ويلقّب بلسان الدين، وهو من الألقاب المشرقية، وقد أسبغ عليه الغني بالله لقب ذي الوزارتين؛ لجمعه بين الوزارة والكتابة. ويقال له: «ذو العمرين» ؛ لاشتغاله بتدبير الحكم في نهاره، والتصنيف في ليله.
ولد بمدينة لوشة في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 713 هـ، وتوفي قتيلا بمدينة فاس في ربيع الأول من عام 776 هـ.
أصل سلفه بني سلمان، كما مرّ معنا قبل قليل، من عرب اليمن، استقرّوا عقب الفتح بقرطبة، ثم غادروها وانتقلوا مع كثير من المعارضين للحكم الرّبضي، ومع أعلام الجالية القرطبية، كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله، عند وقعة الرّبض الشهيرة سنة 202 هـ إلى طليطلة واستقرّوا بها. وعندما شعروا بقرب سقوط طليطلة «2» غادروا إلى لوشة.

(المقدمة/7)

عرف بيته في القديم بقرطبة وطليطلة ببني وزير، ثم حديثا بلوشة ببني الخطيب. وقد أطلق لقب «الخطيب» على جدّه الأعلى «سعيد» ؛ كونه كان خطيبا بلوشة، فعرف به أبناؤه من بعده. وسعيد هذا هو أول من استوطن لوشة، وكان من أهل العلم والصّلاح والدين والخير والفضل، توفي عند تغلّب العدو على بلده عنوة.
انتقل جدّه الأقرب سعيد والد أبيه من لوشة إلى غرناطة عندما نافسه جيرته بنو الطنجالي الهاشميون، وكان مستوليا على خلال حميدة من فقه وحساب وأدب وخط وتلاوة، تزوج من إحدى قريبات زوجة السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن يوسف النّصري (671- 701 هـ) ، ما أحكم الصّلة بينه وبين القصر. وكانت وفاته في ربيع الآخر من عام ثلاثة وثمانين وستمائة.
ولد أبوه «1» عبد الله بغرناطة عام 672 هـ، وكان من أهل العلم والأدب، ومن أكابر علماء غرناطة. ترك غرناطة وانتقل إلى لوشة مخصوصا بلقب الوزارة. ولمّا تولّى السلطان أبو الوليد إسماعيل بن فرج النّصري (713- 725 هـ) مقاليد الحكم، عاد عبد الله إلى غرناطة ليخدم في القصر السّلطاني. ثم لازم السلطان أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن فرج النصري (725- 733 هـ) ، ثم السلطان أبا الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج النصري (733- 755 هـ) . خدم كمشرف على مخازن الطعام، ثم في ديوان الإنشاء مع الوزير أبي الحسن ابن الجيّاب، إلى أن توفي يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، مع ولده الأكبر في موقعة طريف.
نشأ لسان الدين بغرناطة، وتأدّب على شيوخها، وهم كثر، فأخذ عنهم القرآن، والفقه، والتفسير، واللغة، والرواية، والطب، وصناعة التعديل. وقد ذكرهم تحت عنوان «المشيخة» في آخر كتاب «الإحاطة» «2» . وروى ابن خلدون أن لسان الدين تأدّب على مشيخة غرناطة وأخذ عن أشياخه دون أن يذكرهم، واكتفى بالقول بأنه اختصّ بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، فأخذ عنه العلوم الفلسفية، وبرّز في الطب، ونبغ في الشعر والترسّل «3» . وأضاف أنه امتدح السلطان أبا الحجاج، وملأ الدولة بمدائحه، فرقّاه السلطان إلى خدمته، وأثبته في ديوان الكتّاب ببابه مرءوسا بأبي

(المقدمة/8)

الحسن ابن الجيّاب، شيخ النظم والنثر. ولمّا هلك ابن الجيّاب سنة 749 هـ ولّاه أبو الحجّاج رئاسة الكتّاب ببابه، وثنّاها بالوزارة، ولقّبه بها يوم كان الحاجب أبو النعيم رضوان رئيس وزرائه «1» ، ثم أرسله سفيرا عنه إلى سلطان المغرب أبي عنان المريني، ليستمدّ منه العون على عدوّه الإسباني، فجلّى في أغراض سفارته «2» . ولمّا مات أبو الحجاج، أبقاه ابنه السلطان الجديد الغني بالله محمد بن أبي الحجاج يوسف النصري (755- 793 هـ) في مركزه وزاد في تكريمه، وضاعف حظوته، وأعلى مجلسه، وأرسله سفيرا عنه إلى سلطان المغرب أبي عنان المريني؛ لتجديد أواصر المحبة التي كانت قائمة بين أبيه أبي الحجاج يوسف وبين أبي عنان، وذلك في الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة 755 هـ. وفي الخامس عشر من محرم من العام 756 هـ، عاد ابن الخطيب إلى غرناطة. وفي الثامن والعشرين من رمضان من عام 760 هـ، قام أخو الغني بالله، إسماعيل بن أبي الحجاج يوسف النصري، الذي كان معتقلا في أبراج قلعة الحمراء، بمؤازرة بعض الناقمين على الغني، بثورة على هذا الأخير، وأقصوه عن الحكم، وقتلوا الحاجب رضوان، ونادوا بإسماعيل سلطانا، ففرّ الغني إلى وادي آش. وسعى ابن الخطيب إلى مصانعة السلطان الجديد، فاستبقاه في الوزارة، ولكن لأسابيع قليلة فقط، حيث قبض عليه واعتقله. وسعى سلطان المغرب أبو سالم المريني لدى سلطان غرناطة الجديد إلى أن يجيز للغني الانتقال إلى المغرب برفقة ابن الخطيب، فأفرج عن ابن الخطيب، فلحق بسلطانه المخلوع في وادي آش، وانتقل الاثنان من هناك إلى المغرب، فوصلا مدينة فاس في السادس من محرم سنة 761 هـ «3» . وفي السادس لذي القعدة من العام التالي، توفيت زوجته أمّ ولده، فدفنها بالبستان المتصل بداره بمدينة سلا، ووصفها بواحدة نساء زمانها.
ولمّا ثاروا بغرناطة وقتلوا السلطان إسماعيل، ونادوا بمحمد بن إسماعيل بن فرج سلطانا، جاز الغني بالله إلى الأندلس مع قاضي حضرته أبي الحسن النباهي ووزيره ابن الخطيب، ففرّ السلطان الجديد، واستردّ الغني ملكه، وذلك في الحادي والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 763 هـ «4» . وفي الثامن من رمضان أصدر

(المقدمة/9)

الغني مرسوما بإعادة ابن الخطيب إلى منصبه في الوزارة. وفي أوائل سنة 764 هـ وصل ابن خلدون إلى غرناطة، بعد أن فقد نفوذه في بلاط فاس، فاستقبله الغني أحسن استقبال، وفي سنة 765 هـ أرسله الغني سفيرا إلى قشتالة، وفي سنة 766 هـ عاد ابن خلدون إلى المغرب، بعد أن فترت العلاقات مع ابن الخطيب.
ثم شعر ابن الخطيب بأنّ أعداءه، وفي مقدمتهم الوزير أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن زمرك، والقاضي أبو الحسن علي بن عبد الله النباهي، والوزير سليمان بن داود، أخذوا يكيدون له عند الغني بالله، وتخيّل أن الغني بالله أخذ يميل إلى قبول وشاياتهم، فاتّصل سرّا بسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني، فوعده بأن يؤمّن له الحماية اللازمة والرعاية الكافية، وأخذ منه عهدا بالإقامة في كنفه. عندئذ استأذن الغنيّ بالله في تفقّد الثغور، وسار إليها في لمّة من فرسانه، ومعه ابنه عليّ، فمال إلى جبل طارق، فتلقّاه قائد الجبل، بناء على أمر سلطان المغرب المذكور أعلاه، فأجاز إلى سبتة في جمادى الآخرة من عام 773 هـ، ثم توجّه إلى تلمسان فوصلها في التاسع عشر من رجب من العام المذكور، واستقبله السلطان أحسن استقبال، وأحلّه من مجلسه محل الاصطفاء.
وكان قد بعث، وهو يغادر وطنه إلى غير رجعة، برسالة وداع إلى الغني بالله، يبرّىء فيها نفسه ونزاهة مقصده، وبعث منها نسخة إلى ابن خلدون، أوردها هذا الأخير كاملة في كتابيه «كتاب العبر» و «التعريف بابن خلدون» «1» ، وهي من أروع الرسائل إجادة وبلاغة، وقد بدأها بأربعة أبيات من الشعر، نذكر منها هذين البيتين:
[المنسرح]
بانوا فمن كان باكيا يبكي ... هذي ركاب السّرى بلا شكّ
تصدّع الشّمل مثلما انحدرت ... إلى صبوب جواهر السّلك
وفي الشهر نفسه من السنة نفسها أرسل سلطان المغرب سفيره إلى غرناطة، فأتى بأسرة ابن الخطيب مكرّمة.
عندئذ وجّه إليه القاضي النباهي تهمة الإلحاد والزندقة والطعن في الشريعة والوقوع في جناب الرسول الكريم، بعد أن نعى عليه تدخّله في شؤون القضاء أيام ولايته القضاء، فأصدر فتوى بإحراق كتبه، فأحرقت في ساحة غرناطة، وصودرت أملاكه، واستحثّ سلطان المغرب على تسليمه لإجراء العقوبة عليه، فرفض. ولمّا

(المقدمة/10)

توفي سلطان المغرب في ربيع الآخر من عام 774 هـ فقد ابن الخطيب حاكما مخلصا يحميه من أعدائه، فلجأ إلى الوزير أبي بكر ابن غازي، الذي تولّى أمور الدولة ريثما يكبر ابن السلطان الطفل السعيد.
وانتقل ابن الخطيب والوزير ابن غازي من تلمسان إلى فاس، فقام الثوّار واقتحموا مدينة فاس ونادوا بولاية أحمد ابن السلطان أبي سالم، فأذعن ابن غازي لمطالبهم، فخلع الطفل السعيد، ودخل أحمد البلد وجلس على العرش، وذلك في أوائل محرم من العام 776 هـ. عندئذ تحقّق لسلطان غرناطة ما يريده، فقبض سلطان المغرب الجديد على ابن الخطيب، وأودعه السجن، وأخبر الغنيّ بالأمر، فأرسل الغنيّ وزيره ابن زمرك إلى فاس، فأحضر ابن الخطيب في مجلس شورى، ووجّهت إليه التّهم المذكورة، وامتحن بالعذاب. وبرغم دفاعه عن نفسه وظهور براءته من تهمة الزندقة، فقد أعيد إلى السجن. ثم دسّ إليه خصمه الوزير سليمان بن داود بعض الأوغاد من حاشيته، فطرقوا السجن ليلا وقتلوه خنقا. وفي اليوم الثاني أخرجت جثّته ودفن في مقبرة باب المحروق، أحد أبواب فاس القديمة. ثم أخرجوه في اليوم الثالث من القبر، وأشعلوا من حوله النار، فاحترق شعره واسودّت بشرته، ثم أعيد إلى القبر قبل أن يحترق، وذلك في ربيع الأول من العام 776 هـ «1» . وما يزال قبره قائما في باب المحروق بفاس في ضريح صغير عليه هذه العبارة: «هذا ضريح العلّامة لسان الدين ابن الخطيب» .
ولم يتخذ ابن الخطيب النثر والشعر وسيلة للتكسّب، بل كتبهما ليظهر مواهبه، ويتمشّى مع مفهوم العصر، الذي كان يفرض على كل أديب أن ينثر وينظم. امتلك ناصية الأدب، شعرا ونثرا، فكان له نثر مستملح غلب عليه السّجع وجمع بين دقّة الصّنعة ورقّة الطّبع، وشعر برع فيه ونبغ، سواء في القصيدة العربية الكلاسيكية أو في فنّ التوشيح، حتى انتهت إليه رئاسة هذا الفن، وصار من ألمع شعراء وأدباء عصره، ما دفع ابن خلدون إلى القول: «ونبغ في الشعر والترسّل بحيث لا يجارى فيهما» «2» .
وأضاف: «وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النظم والنثر، والمعارف والأدب، لا يساجل مداه، ولا يهتدى فيها بمثل هداه» «3» . كما عدّه ابن الأحمر «شاعر الدنيا، وعلم المفرد والثّنيا، وكاتب الأرض إلى يوم العرض ... » «4» .

(المقدمة/11)

وكان ابن الخطيب معجبا بشعره، معتدّا به، اسمعه وهو يقول من قصيدة هنّأ بها الغني بالله يوم عقد بيعته سنة 755 هـ «1» : [الطويل]
ودونكها من بحر فكري جواهرا ... تقلّد في نحر وتنظم في عقد
ركضت لها خيل البديهة جاهدا ... وأسمعت آذان المعاني على بعد
تناول فيه موضوعات الشعر العربي وأغراضه المعروفة من مديح ورثاء وغزل ... وقد استفرغ معظم مدائحه في سلاطين بني نصر، وكان أبو الحجّاج يوسف أوفرهم نصيبا. كما مدح سلاطين بني مرين بالمغرب. وجرى في قصائد المديح ومقطوعاته على سنن قدماء المسارقة، فبدأها بالغزل ووصف الخمر والطّلل، وعدّد فيها صفات الممدوح المعروفة من شجاعة وكرم ومروءة وعدل ... كذلك له مدائح نبوية قالها في مناسبة ذكرى مولد الرسول الكريم، أشاد فيها بذكره، وأشار إلى بعض معجزاته، وهي تختلف عن قصائد المدح من حيث دفق العاطفة وحرارة الإيمان.
وفي الرثاء بدت عاطفته صادقة، عبّر فيه بوجدانية صادقة عن إحساسه العميق بحقيقة الموت، ولا سيما في رثاء زوجته التي أخذت منه كل مأخذ، فقد أظهر رثاؤه مدى لوعته وحرقته على فقدها، حيث أحسّ بقرب الرحيل، فطلب منها أن تمهّد لديها مضطجعا له «2» : [المنسرح]
روّع بالي وهاج بلبالي ... وسامني الثّكل بعد إقبال
فانتظريني، فالشّوق يقلقني ... ويقتضي سرعتي وإعجالي
ومهّدي لي لديك مضطجعا ... فعن قريب يكون ترحالي
ولمّا توقّع، وهو في السجن، مصيبة الموت، نظم شعرا مؤثّرا، بكى فيه نفسه «3» : [المتقارب]
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا لوعد ونحن صموت
وكنّا عظاما فصرنا عظاما «4» ... وكنّا نقوت فها نحن قوت
وكنّا شموس سماء العلا ... غربن فناحت عليها السّموت

(المقدمة/12)

فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ... وفات فمن ذا الذي لا يفوت؟
ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت
وجادت قريحته بشعر الغزل، فسار فيه على خطى ابن زيدون وأمثاله ممّن كانت المحبوبات يقمن بزيارتهم عند قدوم الظلام، كقوله فيمن عاتبته؛ لأنه تناساها «1» :
[البسيط]
زارت ونجم الدّجى يشكو من الأرق ... والزّهر سابحة من لجّة الأفق
والليل من روعة الإصباح في دهش ... قد شاب مفرقه من شدّة الغرق
قالت: تناسيت عهد الحبّ، قلت لها: ... لا والذي خلق الإنسان من علق
وقد أجمع النّقّاد على أنه من كبار وشّاحي الأندلس، برغم أنّ فن التوشيح طمس رسمه في زمانه، وأهمّ موشّحاته تلك التي مطلعها «2» :
جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلّا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
وقد عارض فيها موشحة ابن سهل الإسرائيلي الإشبيلي، التي مطلعها «3» :
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبّ حلّه عن مكنس؟
فهو في حرّ وخفق مثلما ... لعبت ريح الصّبا بالقبس
وتآليفه جيدة في ملح الشعر والخبر، وقد توزّع إنتاجه في التأليف ما بين نظم ونثر، يدور حول الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والسياسة، والطب، وأصول الدين، والتصوّف والشريعة، والموسيقى، والتراجم، بعضه كتبه في غرناطة، والبعض الآخر في المغرب، ويربو على الستّين مؤلّفا، ما بين كتاب ورسالة. وقد أورد ابن الخطيب ثبتا بمؤلّفاته في ترجمته التي عقدها لنفسه في آخر كتابه «الإحاطة» «4» ، غير أن هذا الثّبت لا يشمل كل كتبه. كما ذكر بعض كتبه ورسائله في كتابيه «نفاضة الجراب» «5»

(المقدمة/13)

و «ريحانة الكتّاب» «1» . وذكر المقري مؤلّفات ابن الخطيب وقال: إنها نحو الستين «2» .
ومؤلّفاته التي وصلت إلينا تدور في معظمها حول الأدب والتاريخ، وما لم يصل إلينا فقد أحرق معظمه، ويتعلق بالطب والأخلاق والعقائد.
أولا- مؤلّفاته التاريخية:
1- الإحاطة، في أخبار غرناطة: تحدّثنا عنه في أول المقدمة.
2- أعمال الأعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام، من ملوك الإسلام، وما يجرّ ذلك من شجون الكلام: هو آخر مؤلّف كتبه ابن الخطيب، وقد ألّفه للوزير أبي بكر بن غازي، القائم بالدولة، والوصيّ على الطفل محمد السعيد، الذي تولّى الحكم في المغرب بعد موت والده السلطان عبد العزيز المريني سنة 774 هـ. وفيه استأنف حملته على القاضي أبي الحسن النباهي، ونعته ب «الجعسوس» أي القزم الدميم. ولم يتح له القدر إكماله، فتركه ناقصا، والذي كتبه يشتمل على ثلاثة أقسام: قسم يتناول تاريخ المشرق ومصر والشام. والثاني يتناول تاريخ الأندلس حتى أيام ابن الخطيب.
والثالث يتناول تاريخ المغرب وإفريقية. نشر منه فقط القسمان الثاني والثالث.
3- رقم الحلل، في نظم الدول: عبارة عن أرجوزة من نظم ابن الخطيب نفسه، أهداها إلى سلطان المغرب في أثناء إقامته بمدينة سلا في المدة التي قضاها منفيّا بالمغرب ما بين 760 و 763 هـ. وتدور حول تاريخ الدول الإسلامية بالمشرق والأندلس، منذ أيام الرسول الكريم حتى أيام ابن الخطيب، بدءا بالخلفاء الراشدين، ومرورا بدولة بني أمية، وبني العباس، وبني الأغلب، والفاطميين، وبني أمية بالأندلس، وانتهاء بدولة بني نصر بغرناطة وبني حفص بإفريقية وبني مرين بالمغرب.
وهكذا سرد ابن الخطيب التاريخ الإسلامي شعرا، وقام في الوقت نفسه بشرح ما رواه نظما. والكتاب، على حدّ قول المقري، في غاية الحلاوة والعذوبة والجزالة، وقد ابتدأه بقوله «3» : [الرجز]
الحمد لله الذي لا ينكره ... من سرحت في الكائنات فكره
وهذا الكتاب مطبوع في تونس. وهو أيضا من منشورات وزارة الثقافة بدمشق، 1990.

(المقدمة/14)

4- طرفة العصر، في دولة بني نصر: يقع في ثلاثة أسفار، ويؤرّخ لبني نصر.
وهو مفقود.
5- قطع الفلاة، بأخبار الولاة: عبارة عن رسالة قصيرة في النثر، تمثّل فيها ابن الخطيب بشعر من نظم غيره. وتدور حول ولاة مغاربة أمثال ابن الربيب، أحد خدّام السلطان أبي سالم المريني، الذي كان مكلّفا بصرف جراية ابن الخطيب في أثناء إقامته بالمغرب، ووالي مكناسة عبد الله بن محمد. والرسالة لا تزيد عن عشر صفحات، وقد أوردها ابن الخطيب في كتابه «نفاضة الجراب» «1» .
6- اللّمحة البدريّة، في الدولة النّصرية: كتاب مختصر لتاريخ بني نصر بغرناطة، بدأ تدوينه عام 763 هـ، وانتهى منه أول عام 765 هـ، وقد توخّى فيه الصدق وبعد النظر في درك الحقائق. وهو مطبوع.
7- نفاضة الجراب، في علالة الاغتراب: هو سجلّ لمذكّرات ابن الخطيب الشخصية عن المدة التي قضاها منفيّا في مدينة سلا المغربية مع سلطانه الغني بالله ما بين 760 و 763 هـ. وهو في أربعة أسفار، طبع منه فقط السّفر الثاني، وفيه يهنّئ سلطان المغرب أبا سالم المريني بمناسبة فتح تلمسان، ويذكر بعض القصائد والرسائل التي كتبها في سلا، ويتحدّث عن حال غرناطة في عهد السلطان أبي سعيد البرميخو المغتصب، ويرثي زوجته التي توفيت في عام 762 هـ. ويأتي من حيث الأهمية بعد كتاب «الإحاطة» . وجاء اسم الكتاب في كتابه «الريحانة» هكذا: «نفاخة الجراب» في ثلاثة أسفار «2» . وجاء في مكان آخر من الكتاب نفسه: «نفاضة الجراب» «3» .
ثانيا- مؤلّفاته في الجغرافيا والرحلات:
1- خطرة الطّيف، ورحلة الشتاء والصيف: رسالة مسجّعة وصف فيها ابن الخطيب رحلة قام بها برفقة سلطانه أبي الحجاج يوسف النّصري في السابع عشر من محرم لعام 748 هـ، لتفقّد مقاطعات غرناطة الشرقية. وردت ضمن أربع رسائل جمعها الدكتور أحمد مختار العبادي في كتاب أسماه: «مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس» «4» تحت عنوان: «خطرة الطيف، في رحلة الشتاء والصيف» .

(المقدمة/15)

2- معيار الاختبار، في أحوال المعاهد والديار: رسالة في الأدب والترسّل المسجّع، وصف فيها ابن الخطيب أهم مدن المغرب والأندلس، وقد دوّنها في أثناء المدة التي قضاها في المنفى مع سلطانه الغني بالله بين عامي 760 و 763 هـ.
ووردت ضمن أربع رسائل جمعها الدكتور أحمد مختار العبادي في كتاب أسماه «مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس» «1» تحت عنوان:
«معيار الاختبار، في ذكر أحوال المعاهد والديار» . والعنوان الذي اخترناه من «نفاضة الجراب» حيث جاء فيه أنه «كتاب غريب مصوّر لم يسبق متقدم إلى غرضه» «2» . وجاء العنوان في «الإحاطة» و «أزهار الرياض» هكذا: «معيار الاختيار» «3» ، وفي «النفح» :
«معيار الأخبار» «4» .
3- مفاضلة بين مالقة وسلا: عبارة عن رسالة مسجّعة قارن فيها ابن الخطيب بين مدينة مالقة الأندلسية ومدينة سلا المغربية، وقد تحيّز فيها إلى مالقة التي كانت آنذاك تابعة لمملكة غرناطة. وقد وردت ضمن أربع رسائل جمعها الدكتور أحمد مختار العبادي في كتاب أسماه: «مشاهدات لسان الدين ... » «5» تحت عنوان «مفاخرات مالقة وسلا» . وهذا العنوان اخترناه من كتاب «الإحاطة» «6» ، وهو في كتاب «الريحانة» «7» هكذا: «مفاخرة بين مالقة وسلا» ، وهو عند المقري «8» : «مفاضلة مالقة وسلا» . ونستطيع أن نعدّ هذه الرسالة ضمن الرسائل الأدبية، وبمعنى آخر، فهي رسالة في أدب الجغرافيا.
ثالثا- مؤلّفاته في التراجم:
1- الإكليل الزاهر، فيما فضل عند نظم التاج من الجواهر: هو تتمة لكتابه «التاج المحلّى» ، كتبه لسلطانه أبي الحجاج يوسف النصري، واعتمد فيه أسلوب السّجع في ترجمة بعض أعلام عصره. وقد ورد العنوان نفسه في كتابه «ريحانة الكتاب» «9» هكذا: «الإكليل الزاهر، فيمن فضل عند نظم التاج من الجواهر» . وهو غير مطبوع، وتوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الإسكوريال تحت رقم 554.

(المقدمة/16)

2- التاج المحلّى، في مساجلة القدح المعلّى: يقع في سفر، وهو مفقود، وقد كتبه لسلطانه أبي الحجاج يوسف النصري في زمان الحداثة، ويترجم لمائة وعشرة شعراء عاشوا في مملكة غرناطة في القرن الثامن الهجري. وقد ورد اسمه في كتابه «ريحانة الكتاب» «1» هكذا: «التاج المحلّى، ومساجلة القدح المعلّى» . وكتاب «القدح المعلّى» الذي يساجله ابن الخطيب هو لابن سعيد الأندلسي.
3- عائد الصلة: يقع في سفرين، وهو مفقود، وقد وصل به «صلة الصلة» للأستاذ أبي جعفر بن الزبير، المتوفّى سنة 708 هـ. ويترجم لطائفة من الأعلام الذين لم يرد ذكرهم في كتاب ابن الزبير.
4- الكتيبة الكامنة، في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة: كتبه في جمادى الآخرة من عام 774 هـ، بعد وفاة السلطان أبي فارس عبد العزيز المريني بثلاثة أشهر. وفيه يحمل بشدّة على القاضي أبي الحسن النباهي وينعته بأقسى النعوت. ويترجم لمائة وثلاثة من أدباء وشعراء وفقهاء الأندلس المعاصرين له. ذكره في ثبت كتبه، الذي أورده في كتابه «الإحاطة» «2» تحت عنوان: «الكتيبة الكامنة، في أدباء المائة الثامنة» . وكذا أورده المقري «3» . وأورده في مكان آخر هكذا «4» : «الكتيبة الكامنة، في شعراء المائة الثامنة» . ونحن اعتمدنا العنوان الذي اعتمده محقّق الكتاب، الدكتور إحسان عباس، طبعة دار الثقافة، بيروت، 1963. والعنوان نفسه ذكره ابن الخطيب في مقدمة الكتاب المذكور «5» . وينسب إليه كتاب عنوانه: «تحفة ذوي الأدب، في مشكل الأسماء والنسب، في ضبط ما وقع في الموطإ والصحيحين من الأسماء والنسب» . والكتاب نشره تروغرتمان في ليدن، سنة 1905، ويقع في إحدى وسبعين ومائتي صفحة «6» .
رابعا- المؤلّفات الأدبية (شعرا ونثرا) :
1- أبيات الأبيات: مفقود، اختاره ابن الخطيب من مطالع ما له من الشعر، وذكره ضمن مؤلّفاته التي كتبها في بادئ الأمر «7» . كما ذكره المقري في كتابيه «النفح» و «الأزهار» «8» ، دون أن يزيد شيئا عمّا جاء به ابن الخطيب.

(المقدمة/17)

2- تافه من جمّ، ونقطة من يمّ: مفقود، وهو عبارة عن مجموعة رسائل اقتضبها ابن الخطيب من نثر شيخه أبي الحسن علي بن محمد الأنصاري، المعروف بابن الجيّاب، على حدّ قول ابن الخطيب نفسه في ترجمة شيخه المذكور في المجلد الرابع من كتابه «الإحاطة» . وذهب المقري إلى أن ابن الخطيب جمع في هذا الكتاب نثر ابن الجيّاب «1» . وأضاف أنه دوّن أيضا شعر شيخه ابن الجيّاب «2» .
3- تخليص الذهب، في اختيار عيون الكتب: مفقود، وأغلب الظن أنه يدور حول ثلاثة كتب أدبية، لم يذكر اسمها.
4- جيش التوشيح: كتاب في سفرين؛ السّفر الأول مطبوع بتونس، سنة 1967، وفيه مائة وخمس وستون موشحة لستة عشر وشّاحا عاشوا في القرن السادس الهجري، ومن ضمنها خمس عشرة موشحة خرجاتها عجمية (الإسبانية القديمة) .
والسفر الثاني مفقود، ويدور حول وشّاحي القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن الهجري.
5- خلع الرّسن، في أمر القاضي ابن الحسن: مفقود، وقد ألّفه للسلطان أبي فارس عبد العزيز المريني، بعد أن فرّ من الأندلس إلى المغرب، وفيه يهجو خصمه اللدود القاضي أبا الحسن علي بن عبد الله ابن الحسن النباهي، صاحب كتاب «المرقبة العليا» . وورد اسمه في مكان آخر بهذا الاسم «3» : «خلع الرّسن، في التعريف بأحوال ابن الحسن» .
6- الدرر الفاخرة، واللّجج الزاخرة، مفقود، جمع فيه ابن الخطيب ديوان شعر أبي جعفر أحمد بن إبراهيم ابن صفوان المالقي، المتوفّى سنة 763 هـ، أيام مقامه بمالقة عند توجّهه بصحبة السلطان أبي الحجاج إلى نجدة الجزيرة الخضراء عام 744 هـ، حسبما يذكر في ترجمة ابن صفوان المذكور، في الجزء الأول من كتاب الإحاطة.
7- ريحانة الكتّاب، ونجعة المنتاب: يقع في ثمانية أسفار، وفيه طائفة كبيرة من الرسائل السلطانية والسياسية، يتعلق بعضها بوصف الغزوات والوقائع الحربية التي جرت في إشبيلية وجيان والجزيرة الخضراء وجبل طارق، وبعضها يطلب فيها الإنجاد والعون من سلاطين المغرب. كما يحتوي على مخاطبات ملوك النصارى الإسبان.

(المقدمة/18)

وهو مطبوع في مجلدين، بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1981.
8- السّحر والشّعر: عبارة عن مختارات شعرية لمشارقة وأندلسيين أمثال أبي العتاهية، وابن الرومي، وابن رشيق، والمعتمد بن عباد، وابن عمّار، وابن اللبانة، تعالج موضوعات شتى، من ضمنها الوصايا والنقد. توجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الإسكوريال تحمل الرقم 456، ونسخة أخرى بخزانة الرباط العامّة ذات الرقم.D 1295
9- الصّيّب والجهام، والماضي والكهام: عنوان الديوان الذي جمع فيه ابن الخطيب معظم شعره، ويقع في سفرين، ويعالج معظم أغراض الشعر. السفر الأول حقّقه الدكتور محمد الشريف قاهر، الجزائر، 1973. والسفر الثاني مفقود.
10- طلّ الغمام، المقتضب من الصّيّب والجهام: أغلب الظنّ أنه مختصر ديوان شعر ابن الخطيب، السابق الذّكر، إذ لم يذكره ابن الخطيب ضمن مؤلّفاته، كما لم يذكره ممّن ترجم له، وانفرد ابن القاضي بذكره «1» .
11- فتات الخوان، ولقط الصّوان: مفقود، ويقع في سفر واحد، ويتضمن فقط مقطوعات شعرية.
12- كناسة الدّكّان، بعد انتقال السّكّان: كتاب أدب وترسّل، يدور حول العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة والمغرب في القرن الثامن الهجري. ويضمّ مجموعة من الرسائل السلطانية التي كتبها كلّ من أبي الحجّاج يوسف وولده الغني بالله إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس، وقد جمعها ابن الخطيب عند إقامته بمدينة سلا المغربية، بعد التجائه مع سلطانه الغني بالله إلى المغرب. وهو مطبوع بالقاهرة، 1966.
13- المباخر الطيبية، في المفاخر الخطيبية: مفقود، ألّفه للسلطان أبي فارس عبد العزيز المريني، بعد هروبه إلى المغرب سنة 773 هـ. يدور موضوعه حول الرّدّ على خصومه الذين انتقصوا من منزلة بني الخطيب؛ يذكر فيه نباهة سلفه وما لهم من المجد، ويردّ على من جاهر له بالعداوة وقدح في فخر أسلافه.
14- مثلى الطريقة، في ذمّ الوثيقة: عبارة عن رسالة صغيرة يعرّض فيها ابن الخطيب بالموثقين والعدول، وقد أوجبها محاورة صدرت في ذلك بينه وبين بعض

(المقدمة/19)

شيوخ تلك الطريقة، تضمّنت نظما ونثرا، وفقها وحكاية «1» . وهذه الرسالة منشورة ضمن: دراسات ووثائق، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، بتحقيق الدكتور عبد المجيد التركي.
15- مساجلة البيان: لم يرد ذكره في أيّ من المصادر التي ترجمت لابن الخطيب، كما أنه لم يرد اسمه ضمن مؤلّفات ابن الخطيب، التي ذكرها بنفسه.
وانفرد التطواني بذكره في كتابه: «ابن الخطيب من خلال كتبه» «2» . وأغلب الظن أنه يدور حول علم البيان، وهو واحد من علوم البلاغة العربية؛ علم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني.
16- النّفاية، بعد الكفاية: مفقود، كذا ورد اسمه في كتاب «الإحاطة» ، وجاء فيه أنه في نحو «قلائد العقيان» و «مطمح الأنفس» لابن خاقان «3» . وهو عند المقري «4» : «النّقاية» بالقاف. ولابن الخطيب كتاب في غرض الهجاء، مفقود، ويوجد منه قسم في الخزانة العامّة بالرباط تحت رقم 1233، أوله: الباب الثالث والأربعون «5» .
خامسا- مؤلّفاته في الشريعة والتّصوّف والحثّ على جهاد النفس:
1- استنزال اللّطف الموجود، في سرّ الوجود: كذا ورد اسمه في الإحاطة، ونفح الطيب وأزهار الرّياض «6» . وجاء في «ريحانة الكتاب» «أسرار» بدل «سرّ» ، كما يقول ابن الخطيب نفسه: «وثبتّ في صدر كتابي المسمّى ب «استنزال اللّطف الموجود، في أسرار الوجود، وهو ما جمعته لهذا العهد ... » «7» . وهذا المؤلّف عبارة عن رسالة صغيرة في التصوّف، توجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة العامّة بتطوان تحمل الرقم 353.
2- أنشدت على أهل الرّدّ: عبارة عن رسالة في الشعر، مفقودة، يدور موضوعها حول الرّدّ على أصحاب الآراء المضلّة وأهل الزندقة، وقد ذكرها ابن الخطيب في ترجمة الغني بالله محمد بن يوسف النصري، وهي أول ترجمة في الجزء الثاني من كتابه «الإحاطة» .

(المقدمة/20)

3- الحلل المرقومة، في اللّمع المنظومة: عبارة عن أرجوزة من ألف بيت في أصول الفقه «1» . توجد منه نسخة مخطوطة في خزانة القرويين بفاس، تحمل الرقم 78 «2» .
4- حمل الجمهور، على السّنن المشهور: عبارة عن رسالة مفقودة، يدور موضوعها حول السّنن المشهور، كجهاد النّفس، وإخماد البدع، والاشتداد على أهل الزّيغ والزندقة، الذين أضاقوا الشريعة بأضاليلهم. وقد ذكرها ابن الخطيب في ترجمة الغني بالله، في أوّل الجزء الثاني من كتابه «الإحاطة» «3» .
5- رجز الأصول: هو أرجوزة مفقودة تبحث في أصول الفقه، وقد شرحها ابن خلدون، صاحب كتاب العبر، وصرّح ابن الخطيب نفسه بأنّ له خمس أراجيز من نظمه في أصول الفقه، نظمها بمدينة سلا «4» .
6- الرّدّ على أهل الإباحة: هو كتاب مفقود، يردّ فيه ابن الخطيب على من أباح ما لم يبح.
7- الرّميمة: أغلب الظّنّ أنه مقالة مفقودة تدور حول أصول الدين والدّفاع عن الشريعة، وقد ورد ذكرها فقط في كتاب الإحاطة «5» .
8- روضة التعريف، بالحبّ الشريف: كتاب في التصوّف، موضوعه المحبة الروحية والإلهية، عارض به «ديوان الصبابة» لأبي العباس أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التّلمساني، وتكلّم فيه على طريقة أهل الوحدة المطلقة. وجعله خصومه وثيقة اتّهام وجّهوها إليه فنسبوه إلى مذهب الحلول وغيره، ما أدّى إلى نكبته التي ذهبت فيها نفسه. نشره الأستاذ عبد القادر أحمد عطا، بدار الفكر العربي بالقاهرة، سنة 1968.
9- الزّبدة الممخوضة: نعتقد أنّه مقالة مفقودة تدور حول أصول الدين، ورد ذكرها فقط في كتاب الإحاطة «6» .

(المقدمة/21)

10- سدّ الذريعة، في تفضيل الشريعة: كتاب مفقود، يبحث في أصول الدين.
11- كتاب المحبة: مفقود، ويقع في سفرين، وموضوعه المحبة الإلهية.
12- الغيرة، على أهل الحيرة: رسالة مفقودة يدور موضوعها حول الغيرة على الدين، وتغيّر أحوال الملحدين، وهو ما وقع به العمل على إذهاب الآراء المضلّة، وقد ذكرها ابن الخطيب في ترجمة الغني بالله، في أوّل الجزء الثاني من كتابه «الإحاطة» «1» .
سادسا- مؤلّفاته في السياسة:
1- الإشارة إلى أدب الوزارة: هو كتاب في السياسة، ذكره ابن الخطيب بهذا الاسم في كتابه «الريحانة» ، وذكر منه ما يقارب خمس صفحات تتناول الوزير والوزارة «2» . واكتفى في الإحاطة بذكره باسم: «الإشارة» «3» ، وكذا ذكره المقري «4» .
وذكره الدكتور أحمد مختار العبادي باسم: «الإشارة، إلى أدب السياسة في الوزارة» «5» . نشره الأستاذ عبد القادر زمامة بدمشق، 1972.
2- بستان الدول: كتاب مفقود، يدور حول السياسة والحرب والقضاء وأهل الحرف والمهن، لم يكن يسمع بمثله قبل أن يؤلّف. يشتمل على عشر شجرات:
أولها شجرة السلطان، ثمّ شجرة الوزارة، ثمّ شجرة الكتابة، ثمّ شجرة القضاء، ثمّ شجرة الشرطة والحسبة، ثمّ شجرة العمل، ثمّ شجرة الجهاد (أسطول وخيول) ، ثمّ شجرة ما يضطر باب الملك إليه من الأطباء، والبيازرة والبياطرة، والشعراء، ثمّ شجرة الرعايا. كذا ذكر ابن الخطيب أنها عشر شجرات، ولكنه لم يورد منها إلّا تسعا «6» . وهذا الكتاب لم يكمل، كتب منه ابن الخطيب فقط نحو ثلاثين جزءا تقارب الأسفار.
3- تخصيص الرياسة، بتلخيص السياسة: الكتاب مفقود، كذا أورده ابن الخطيب في كتابه «نفاضة الجراب» ، وقال: هذا المؤلّف أرجوزة نظمتها في فنّ

(المقدمة/22)

السياسة، في نحو ستمائة بيت «1» . ثمّ أورده في الكتاب المذكور باسم: «السياسة» «2» .
وقد يكون هو نفسه الذي ذكره الدكتور أحمد مختار العبادي باسم: «قصيدة في السياسة» ، وقال: توجد من هذه القصيدة نسخة مخطوطة في خزانة الرباط تحت رقم (د 7740) «3» . وذكره ابن الخطيب في كتاب الإحاطة «4» باسم: «رجز السياسة» . ثمّ ذكره «5» باسم: «السياسة المدنية» .
4- رسالة السياسة: أوردها ابن الخطيب في آخر كتابه «الإحاطة» ضمن ترجمته الشخصية، فقال: «ولنختتم هذا الغرض ببعض ما صدر عني في السياسة، وكان إملاؤها في ليلة واحدة» «6» . كذلك أوردها في كتابه «ريحانة الكتاب» «7» . وهي رسالة قصيرة تقع في أقلّ من عشرين صفحة، بطلها الخليفة هارون الرشيد، وتدور حول الوزير، والجند، والعمّال، والولد، والخدم، والحرم.
5- رسالة في السياسة: هي رسالة قصيرة، ذكرها الدكتور أحمد مختار العبادي فقال «8» : لابن الخطيب رسالة في السياسة مكتوبة باللغة القشتالية (الإسبانية القديمة) وموجّهة إلى ملك قشتالة بدرو المعروف بالقاسي، نشرها المؤرّخ الإسباني لوبث دي أيالا Lopez De Ayala في كتابه: «حوليات ملوك قشتالة.Castilla ,Tomo I.pp.483 -493 ,Madrid ,6771 Gronica de los Reyes de «
6- رسالة في أحوال خدمة الدولة ومصائرهم، وتنبيههم على النظر في عواقب الرياسة بعيوب بصائرهم: وجّهها ابن الخطيب إلى الخطيب أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن مرزوق، وتوجد منها نسخة مخطوطة في خزانة الرباط تحت رقم (د.
0972 د. 1421) «9» .
7- كتاب الوزارة: يبحث في شؤون الوزارة. ذكره ابن الخطيب في كتابه الإحاطة «10» دون أن يتحدّث عنه بشيء. ومثله فعل المقري «11» .

(المقدمة/23)

8- مقامة السياسة: كذا أدرجها ابن الخطيب في كتابه الإحاطة «1» ، دون أن يتحدّث عنها. وبهذا الاسم أيضا أوردها المقري «2» . وأوردها الدكتور أحمد مختار العبادي تحت اسم «رسالة في غرض السياسة» وقال «3» : هي مقامة توجد منها نسخة مخطوطة في خزانة الرباط تحت رقم (د. 1092 د. 1421) .
سابعا- مؤلّفاته في الطّبّ والأغذية:
1- أرجوزة في فن العلاج من صنعة الطب: عدد أبياتها نحو ألف وستماية بيت، تتضمّن ذكر جميع الأمراض الكلية والجزئية، وذكر أسبابها وعلاماتها وتدبيرها وجلب العلاج بحسب أحوالها. توجد منها نسخة مخطوطة بخزانة القرويين، ضمن رسائل ابن الخطيب الطبيّة «4» . وقد أورد ابن الخطيب اسمها في الإحاطة «5» هكذا:
«رجز الطب» . وكذا أوردها المقري في أزهار الرياض «6» .
2- الأرجوزة المعلومة: مفقودة، وهي أرجوزة طبيّة موضوعها الرتبة وعلاج السموم. وقد صرّح ابن الخطيب بأنه كتبها ليعارض بها من جهة أرجوزة أبي علي بن سينا الطبية، الموسومة ب «الأرجوزة المجهولة» التي موضوعها العلاج من الرأس إلى القدم، ولتكتمل بها، من جهة ثانية، صناعة الطب كمالا لا يشينه نقص «7» .
3- البيطرة: مفقود، ويقع في سفر واحد يجمع لما يرجع إلى البيطرة من محاسن الخيل وغير ذلك من علاج الحيوانات.
4- البيزرة: مفقود، ويقع في مجلد يبحث في أحوال الجوارح من الطيور.
5- الرجز في عمل التّرياق الفاروقي: مفقود، ويدور حول الترياق الفاروقي، وهو دواء مركّب يدفع السموم، وهو أجلّ المركّبات؛ لأنه يفرّق بين المرض والصّحّة.

(المقدمة/24)

6- رسالة تكوين الجنين: مفقودة، وتتناول، كما يبدو من عنوانها، مراحل الحمل. كذا ورد اسمها في الإحاطة «1» . وجاء في النفح وأزهار الرياض «2» : «تكون بدل «تكوين» .
7- رسالة الطاعون: كذا ورد اسمها في الإحاطة وأزهار الرياض «3» . ثم ورد في الإحاطة ونفح الطيب «4» اسم آخر هو: «الكلام على الطاعون المعاصر» . وأغلب الظن أنهما رسالة واحدة تتحدّث عن علاج مرض الطاعون الذي اجتاح الأندلس وغيرها من البلدان الإسلامية غير مرة. وقد تكون هي نفسها: «مقنعة السائل، عن المرض الهائل» ، وهي الرسالة الصّحّيّة التي تتحدّث عن مرض الطاعون الذي دهم الأندلس في سنة 749 هـ. وقد نشرت بألمانيا مع ترجمة لها بالألمانية في مجلة أكاديمية العلوم سنة.Bayerische Akademic Der Wissens haft،1863
8- عمل من طبّ، لمن حبّ: كتاب ضخم يقع في سفر، ويبحث في مختلف الأمراض وكيفية علاجها، وقد ألّفه ابن الخطيب لسلطان المغرب أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن المريني، في أثناء إقامته بسلا بعد أن خلع سلطانه الغني بالله في عام 761 هـ. توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة القرويين بفاس تحمل الرقم 40/607، كذلك في المكتبة الوطنية بمدريد برقم 211، والمكتبة الأهلية بباريس برقم 3011.
9- المسائل الطبيّة: مفقود، وهو عبارة عن رسالة طبيّة وصحيّة تقع في سفر واحد.
10- المعتمدة في الأغذية المفردة: كذا ورد اسم هذا المؤلّف في الإحاطة ونفح الطيب «5» . وكان ابن الخطيب والمقري «6» قد ذكراه أيضا باسم «رجز الأغذية» .
وهو عبارة عن أرجوزة من نظم ابن الخطيب، تتحدّث عن منافع الأغذية ومضارّها.
توجد منها نسخة مخطوطة بخزانة القرويين الكبرى «7» .

(المقدمة/25)

11- الوصول، لحفظ الصّحّة في الفصول: يبحث في الحمية، وقد فرغ ابن الخطيب من تأليفه سنة 771 هـ. توجد منه نسخة مخطوطة في الخزانة العامّة برباط الفتح تحت رقم.D 1299
12- اليوسفي في صناعة الطب: كذا ورد اسمه في الإحاطة والنفح «1» . وكان ابن الخطيب والمقري «2» قد ذكراه أيضا باسم: «اليوسفي في الطب» . والكتاب مفقود، وهو ممتع، يقع في سفرين كبيرين، ألّفه ابن الخطيب لسلطانه أبي الحجاج يوسف، ونسبه إليه اقتداء بالرازي الطبيب المشهور في كتابه «المنصوري» .
كذلك ألّف في الموسيقى، وقد أشار نفسه إلى ذلك في كتابه «الإحاطة» «3» دون أي إضافة. ومثله فعل المقري «4» .
وله مؤلّفات مفقودة لا نعلم عنها شيئا هي:
1- تقرير الشّبه، وتحرير المشبّه: ذكره ابن الخطيب، ضمن ترجمته لنفسه في آخر كتابه «الإحاطة» «5» ، دون أن يتحدّث عنه بشيء. كذلك ذكره المقري في كتابيه «النفح» و «الأزهار» «6» ، وجاء فيهما أنه: «تقرير الشبه، وتحرير الشّبه» .
2- قطع السلوك: ذكره ابن الخطيب، ضمن ترجمته لنفسه، في آخر كتابه الإحاطة «7» دون ذكر أيّ شيء آخر.
وأخيرا نقدّم شكرنا الحارّ للحاج محمد علي بيضون، صاحب دار الكتب العلمية؛ لتشجيعه إيّانا على القيام بهذا العمل الشّاقّ، فبذلنا الاستطاعة والجهد، وما يكلّف الإنسان إلّا ما تصل قدرته إليه. حرسنا الله تعالى من التردّي في مهاوي الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية، وستر عيوبنا بكرمه الضافي، ولا كدّر علينا ما منحنا من مشرع إغضائه النمير الصافي.
كفر كلا في الثالث والعشرين من تموز 2002 أ. د. يوسف علي طويل

(المقدمة/26)

ثبت بأسماء مصادر ومراجع الدراسة والتحقيق
1- قرآن كريم.
2- أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها لمجهول. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981.
3- أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السّفر للسلفي. تحقيق الدكتور إحسان عباس. دار الثقافة، بيروت، 1963.
4- اختصار القدح المعلّى، في التاريخ المحلّى لابن سعيد. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1980.
5- الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة للدكتور أحمد هيكل. دار المعارف بمصر، 1979.
6- أزهار الرياض، في أخبار عياض للمقري (1- 3) . تحقيق الأساتذة مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة، 1939- 1942.
7- أزهار الرياض، في أخبار عياض للمقري (4- 5) . تحقيق الأساتذة سعيد أحمد أعراب ومحمد بن تاويت وعبد السلام الهراس. الرباط، 1978- 1980.
8- الاستقصاء، لأخبار المغرب الأقصى للناصري (1- 9) . تحقيق الأستاذين جعفر الناصري ومحمد الناصري. دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954.
9- الإشارة، إلى أدب الوزارة لابن الخطيب. نشره الأستاذ عبد القادر زمامة.
دمشق، 1972.
10- الأعلام للزّركلي (1- 8) . دار العلم للملايين. بيروت، 1980.
11- أعمال الأعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام، من ملوك الإسلام لابن الخطيب.
القسم الثاني، تحقيق الأستاذ إ. ليثقي بروقنسال. دار المكشوف، بيروت، 1956.

(المقدمة/27)

12- أعمال الأعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام، من ملوك الإسلام لابن الخطيب.
القسم الثالث، تحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي والأستاذ محمد إبراهيم الكتاني. دار الكتاب، الدار البيضاء، 1964.
13- الأغاني لأبي فرج الأصفهاني (1- 25) . شرحه الدكتور يوسف طويل، والأستاذان عبد علي مهنا وسمير جابر. دار الكتب العلمية، بيروت، 1986.
14- إنباه الرواة، على أنباه النحاة للقفطي (1- 3) . تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الكتب المصرية، 1950.
15- الأنيس المطرب، بروض القرطاس، في أخبار ملوك المغرب، وتاريخ مدينة فاس. عني بتصحيحه وطبعه الأستاذ كارول تورنبرغ. دار الطباعة المدرسية بمدينة أو بسالة، 1843.
16- البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير (1- 14) . مكتبة المعارف، بيروت، 1979- 1980.
17- برنامج شيوخ الرعيني، تحقيق الأستاذ إبراهيم شبّوح. وزارة الثقافة بدمشق، 1962.
18- بغية الروّاد، في ذكر الملوك من بني عبد الواد ليحيى بن محمد ابن خلدون (1- 2) . الجزائر، 1903.
19- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس للضبي. دار الكاتب العربي، القاهرة، 1967.
20- بغية الوعاة، في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي. دار المعرفة، بيروت.
21- البيان المغرب، في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري المراكشي (1- 4) .
تحقيق الأساتذة ج. س. كولان وإ. ليقي بروقنسال وإحسان عباس. دار الثقافة، بيروت.
22- البيان المغرب لابن عذاري المراكشي (قسم الموحدين) . تحقيق الأساتذة محمد إبراهيم الكتاني ومحمد بن تاويت ومحمد زنيبر وعبد القادر زمامة. دار الثقافة ببيروت، دار الغرب الإسلامي ببيروت، الدار البيضاء، 1985.
23- تاج المفرق، في تحلية علماء المشرق، المعروف ب (رحلة البلوي) للشيخ خالد البلوي. مخطوط رقم 1053 جغرافية بدار الكتب.
24- تاريخ ابن الوردي، المسمّى تتمة المختصر في أخبار البشر (1- 2) . تحقيق الأستاذ أحمد رفعت البدراوي. دار المعرفة، بيروت، 1970.
25- تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني. بيروت، 1982.

(المقدمة/28)

26- تاريخ الأندلس لابن الكردبوس. تحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي. معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، 1971.
27- تاريخ الفكر الأندلسي لأنجل جنثالث بالنثيا. نقله إلى العربية الدكتور حسين مؤنس. القاهرة. 1955.
28- تاريخ قضاة الأندلس أو المرقبة العليا فيمن يستحقّ القضاء والفتيا لابن الحسن النباهي. تحقيق الدكتورة مريم قاسم، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995.
29- تاريخ المنّ بالإمامة لابن أبي صاحب الصلاة. تحقيق الدكتور عبد الهادي التازي. دار الأندلس، بيروت، 1964.
30- تتمة المختصر: انظر تاريخ ابن الوردي.
31- تذكرة الحفاظ للذهبي (1- 4) . الهند، حيدر آباد الدكن، 1955.
32- التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا لابن خلدون. تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي. طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1951.
33- تقويم البلدان لأبي الفداء. تحقيق رينود وماك كوكين دي سلان. باريس، 1850. يطلب من مكتبة المثنى ببغداد ومؤسسة الخانجي بمصر.
34- التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (1- 4) . تحقيق الدكتور عبد السلام الهراش.
دار الفكر، بيروت، 1995.
35- تكملة المعاجم العربية لرنيهارت دوزي. نقله إلى العربية الدكتور محمد سليم النعيمي. وزارة الثقافة والفنون بالعراق.
36- جذوة الاقتباس لابن القاضي. طبعة الرباط، 1973.
37- جذوة المقتبس، في ذكر ولاة الأندلس للحميدي. الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966.
38- جغرافية الأندلس وأوروبا من كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري.
تحقيق الدكتور عبد الرحمن الحجي. دار الإرشاد، بيروت، 1968.
39- جمهرة أنساب العرب لابن حزم. تحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هارون. دار المعارف بمصر، 1962.
40- جيش التوشيح لابن الخطيب. تحقيق الأستاذين هلال ناجي ومحمد ماضور.
مطبعة المنار بتونس، 1967.
41- حسن المحاضرة، في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي (1- 2) . تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، 1967- 1968.

(المقدمة/29)

42- الحلّة السّيراء لابن الأبّار (1- 2) . تحقيق الدكتور حسين مؤنس. الشركة العربية للطباعة والنشر. القاهرة، 1963.
43- الحلل الموشيّة، في ذكر الأخبار المراكشية للسان الدين بن الخطيب. مطبعة التقدم الإسلامية بتونس، 1329 هـ. وهناك طبعة الرباط (1936) بتحقيق الأستاذ علوش مصدّرة بعبارة «مجهول المؤلف» ، وهي عبارة صحيحة؛ لأنه لا يصحّ أن ينسب هذا الكتاب إلى ابن الخطيب لأسباب عدّة، منها الصياغة والمضمون. ونحن اعتمدنا طبعة تونس، لعدم توفّر الثانية.
44- خريدة القصر، وجريدة العصر للعماد الكاتب الأصفهاني (قسم شعراء المغرب والأندلس، الجزء الثاني) . تحقيق الأستاذين عمر الدسوقي وعلي عبد العظيم.
دار نهضة مصر، القاهرة، 1969.
45- ابن الخطيب من خلال كتبه لمحمد بن أبي بكر التطواني. دار الطباعة المغربية، تطوان، 1954.
46- دائرة المعارف الإسلامية (1- 15) . نقلها إلى العربية الأساتذة أحمد الشنتاوي وإبراهيم خورشيد وعبد الحميد يونس. دار المعرفة ببيروت.
47- دار الطراز في عمل الموشحات لابن سناء الملك. تحقيق الدكتور جودت الركابي. دار الفكر بدمشق، 1980.
48- درّة الحجال، في أسماء الرجال لابن القاضي. تحقيق الأستاذ محمد الأحمدي أبو النور. القاهرة، 1970.
49- الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (1- 4) . الهند، حيدر آباد الدكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1930.
50- الديباج المذهّب، في معرفة أعيان المذهب لابن فرحون. الطبعة الأولى، مصر، 1351 هـ.
51- ديوان ابن الحداد الأندلسي. تحقيق الدكتور يوسف علي طويل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1990.
52- ديوان الحطيئة. دار صادر، بيروت، 1967.
53- ديوان ابن خفاجة، دار بيروت للطباعة والنشر. بيروت، 1980.
54- ديوان ابن دراج القسطلي. تحقيق الدكتور محمود علي مكّي. منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، 1961.
55- ديوان ابن عبد ربّه. تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية. مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979.

(المقدمة/30)

56- ديوان أبي الأسود الدؤلي. (ضمن نفائس المخطوطات، المجموعة الثانية، ص 6- 51، من تحقيق الأستاذ محمد آل ياسين، بغداد، 1954) .
57- ديوان أبي تمام. تحقيق الدكتور شاهين عطية. دار صعب، بيروت.
58- ديوان أبي نواس. تحقيق الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي. دار الكتاب العربي، بيروت، 1953.
59- ديوان امرئ القيس. تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف بمصر، 1969.
60- ديوان البحتري (1- 2) . شرحه الدكتور يوسف الشيخ محمد. دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.
61- ديوان بشار بن برد. جمعه وحقّقه السيد بدر الدين العلوي. دار الثقافة، بيروت، 1983.
62- ديوان جميل بثينة. دار بيروت، بيروت، 1984.
63- ديوان أبي الحسن الششتري. تحقيق الدكتور علي سامي النشار. طبعة الإسكندرية، 1960.
64- ديوان الفرزدق (شرح ديوان الفرزدق) . تحقيق الأستاذين سيف الدين الكاتب وأحمد عصام الكاتب. دار مكتبة الحياة، بيروت، 1983.
65- ديوان قيس بن الخطيم. تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد. الطبعة الأولى، القاهرة، 1962.
66- ديوان لبيد بن ربيعة العامري. دار صادر، بيروت.
67- ديوان المتنبي (العرف الطّيّب في شرح ديوان أبي الطّيّب) . شرحه الشيخ ناصيف اليازجي. دار القلم، بيروت.
68- ديوان مهيار الديلمي (1- 4) . دار الكتب المصرية، القاهرة.
69- ديوان النابغة الذبياني. تحقيق الأستاذ فوزي عطوي. دار صعب، بيروت، 1980.
70- الذخيرة، في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني (أربعة أقسام في ثمانية مجلدات) . تحقيق الدكتور إحسان عباس. دار الثقافة، بيروت، 1978- 1979.
71- الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي (1- 6) . تحقيق الأستاذين محمد بن شريفة وإحسان عباس. دار الثقافة، بيروت، 1965- 1973.

(المقدمة/31)

72- الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي. الجزء الثامن. تحقيق الدكتور محمد بن شريفة. مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية.
73- رايات المبرزين، وغايات المميزين لابن سعيد الأندلسي. تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية. دار طلاس، دمشق، 1987.
74- رحلة ابن بطوطة، وتسمّى تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
75- رحلة البلوي: انظر تاج المفرق.
76- رسائل ابن حزم الأندلسي (1- 4) . تحقيق الدكتور إحسان عباس. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت، 1980- 1983.
77- رسائل ابن سبعين لابن سبعين. تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي. الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1956.
78- رقم الحلل، في نظم الدول لابن الخطيب. تعليق الدكتور عدنان درويش.
وزارة الثقافة بدمشق، 1990.
79- روضة التعريف، بالحب الشريف لابن الخطيب. نشره الأستاذ عبد القادر أحمد عطا، دار الفكر العربي بالقاهرة، 1968.
80- الروض المعطار، في خبر الأقطار للحميري. تحقيق الدكتور إحسان عباس.
مؤسسة ناصر للثقافة. بيروت، 1980.
81- ريحانة الكتّاب، ونجعة المنتاب لابن الخطيب (1- 2) . تحقيق الأستاذ محمد عبد الله عنان. مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1980- 1981.
82- زاد المسافر، وغرّة محيّا الأدب السافر لأبي بحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي. تحقيق الأستاذ عبد القادر محداد. دار الرائد العربي، بيروت، 1939.
83- السفن الإسلامية على حروف المعجم للأستاذ درويش النخيلي. الإسكندرية، 1974.
84- سير أعلام النبلاء للذهبي (1- 23) . تحقيق الأستاذين شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. مؤسسة الرسالة، بيروت، 1981- 1988.
85- شذرات الذهب، في أخبار من ذهب للعماد الحنبلي (1- 8) . نشره القدسي، القاهرة، 1350- 1351 هـ.
86- شروح سقط الزند لأبي العلاء المعري (1- 5) . دار الكتب المصرية، 1945- 1948.

(المقدمة/32)

87- الشعر والشعراء لابن قتيبة (1- 2) . دار الثقافة، بيروت، 1969.
88- صبح الأعشى، في صناعة الإنشاء للقلقشندي (1- 14) . شرحه وعلّق عليه الأستاذ محمد حسين شمس الدين والدكتور يوسف علي طويل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.
89- الصلة لابن بشكوال (1- 3) . تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب المصري بالقاهرة، دار الكتاب اللبناني ببيروت، 1989.
90- صلة الصلة لابن الزبير. تحقيق الأستاذ إ. ليقي بروفنسال. الرباط، 1937.
91- الصّيّب والجهام، والماضي والكهام لابن الخطيب. تحقيق الدكتور محمد الشريف قاهر. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. 1973.
92- الضوء اللامع للسخاوي (1- 12) . طبعة مصر، 1353- 1355 هـ.
93- طبقات الشعراء لابن سلام. نشر جوزف هل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1982.
94- العبر، في خبر من غبر للذهبي (1- 4) . تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد.
الكويت، 1960- 1963.
95- عنوان الدراية، فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية لأبي العباس الغبريني. نشر بعناية الأستاذ محمد بن أبي شنب، الجزائر، 1910.
96- عيون الأنباء، في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة. تحقيق الدكتور نزار رضا.
دار مكتبة الحياة. بيروت، 1965.
97- غاية النهاية في طبقات القرّاء لابن الجزري (1- 3) . تحقيق برجشتراسر.
القاهرة، 1932- 1933.
98- الغصون اليانعة، في محاسن شعراء المائة السابعة لابن سعيد. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار المعارف بمصر، 1977.
99- الفلاكة والمفلوكون لشهاب الدين أحمد بن علي الدلجي. مكتبة الأندلس ببغداد، 1385 هـ.
100- الفهرست لابن النديم. ضبطه وشرحه الدكتور يوسف علي طويل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1996.
101- فهرسة ابن خير لابن خير (1- 2) . تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب المصري بالقاهرة، دار الكتاب اللبناني ببيروت، 1989.
102- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (1- 5) . تحقيق الدكتور إحسان عباس. دار الثقافة، بيروت، 1973- 1974.

(المقدمة/33)

103- قضاة قرطبة للخشني. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982.
104- قلائد الجمان، في التعريف بقبائل عرب الزمان للقلقشندي. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982.
105- قلائد العقيان، في محاسن الأعيان لابن خاقان. القاهرة، 1284 هـ.
106- الكامل في التاريخ لابن الأثير (1- 12) . دار صادر، بيروت، 1982.
107- كتاب العبر، وديوان المتبدإ والخبر لابن خلدون (ثمانية مجلدات في أربعة عشر جزءا) . دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981.
108- كتاب القوافي للأخفش. تحقيق الدكتور عزّة حسن. دمشق، 1970.
109- الكتيبة الكامنة، في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة لابن الخطيب.
تحقيق الدكتور إحسان عباس. دار الثقافة، بيروت، 1963.
110- كشف الظنون، عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة (1- 2) . إستانبول، 1941- 1943.
111- كناسة الدكّان، بعد انتقال السّكّان لابن الخطيب. تحقيق الدكتور محمد كمال شبانة والدكتور حسن محمود. دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1966.
112- لسان الدين ابن الخطيب، حياته وتراثه الفكري لمحمد عبد الله عنان. مكتبة الخانجي، القاهرة، 1968.
113- لسان العرب لابن منظور (1- 15) . دار صادر، بيروت.
114- اللمحة البدرية، في الدولة النصرية لابن الخطيب. دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1980.
115- مثلى الطريقة، في ذمّ الوثيقة لابن الخطيب. تحقيق الأستاذ عبد المجيد التركي، دراسات ووثائق المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر، 1983.
116- مجمع الأمثال للميداني (1- 2) . تحقيق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد. مطبعة السّنّة المحمدية، 1955.
117- محيط المحيط للمعلّم بطرس البستاني. مكتبة لبنان، بيروت، 1977.
118- مختار الصّحاح للرازي. مؤسسة الرسالة، دار البصائر، بيروت، 1985.
119- المختصر، في أخبار البشر لأبي الفدا (1- 4) . المطبعة الحسينية المصرية، الطبعة الأولى.

(المقدمة/34)

120- مدخل إلى الأدب الأندلسي للدكتور يوسف طويل. دار الفكر اللبناني، بيروت، 1991.
121- مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة، المسمّاة بكتاب التبيان.
نشر وتحقيق إ. ليقي بروفنسال. دار المعارف بمصر، 1955.
122- مرآة الجنان لأبي محمد اليافعي (1- 4) . الهند، حيدر آباد الدكن، 1337- 1339 هـ.
123- المرقبة العليا. انظر: تاريخ قضاة الأندلس.
124- مروج الذهب للمسعودي (1- 4) ضبطها الأستاذ يوسف أسعد داغر. دار الأندلس، بيروت، 1981.
125- مسالك الأبصار، في ممالك الأمصار لشهاب الدين ابن فضل الله العمري (الجزء الحادي عشر) . مخطوطة مصوّرة بالميكروفيلم في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت تحت رقم.Mic -A -08
126- مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس (مجموعة من رسائله) لابن الخطيب. نشر وتحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي. مؤسسة شباب جامعة الإسكندرية، 1983.
127- المطرب، من أشعار أهل المغرب لابن دحية. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري والدكتور حامد عبد الحميد والدكتور أحمد أحمد بدوي. دار العلم للجميع، بيروت، 1955.
128- مطمح الأنفس، ومسرح التأنّس، في ملح أهل الأندلس لابن خاقان. دراسة وتحقيق الأستاذ محمد علي شوابكة. دار عمار، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1983.
129- المعجب، في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي. تحقيق الأستاذ محمد سعيد العريان، القاهرة، 1963.
130- معجم الأدباء لياقوت الحموي (1- 5) . دار الكتب العلمية، بيروت، 1991.
131- معجم البلدان لياقوت الحموي (1- 5) . دار صادر، دار بيروت، بيروت، 1984.
132- معجم السّفر للسلفي. تحقيق الأستاذ عبد الله البارودي. دار الفكر، بيروت، 1993.
133- معجم الشعراء للمرزباني، ومعه المؤتلف والمختلف للآمدي. تصحيح الدكتور ف. كرنكو. دار الكتب العلمية، بيروت، 1982.

(المقدمة/35)

134- المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي لابن الأبار. تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب المصري بالقاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1989.
135- المغرب، في حلى المغرب لابن سعيد الأندلسي (1- 2) . تحقيق الدكتور شوقي ضيف. دار المعارف بمصر، 1964.
136- المقتبس من أنباء أهل الأندلس لابن حيان القرطبي (تتمة السفر الثاني، ويؤرّخ من سنة 232 حتى 267 هـ) . تحقيق الدكتور محمود علي مكي. دار الكتاب العربي، بيروت، 1973.
137- المقتبس في أخبار بلد الأندلس لابن حيان القرطبي (ويؤرّخ من سنة 360 حتى 364 هـ) . تحقيق الأستاذ عبد الرحمن الحجي. دار الثقافة، بيروت، 1965.
138- المقتبس لابن حيان القرطبي (الجزء الخامس، ويؤرّخ من سنة 300 حتى 330 هـ) . نشره ب. شالميتا وف. كورنيطي والدكتور محمود صبح. المعهد الإسباني العربي للثقافة. كلية الآداب بالرباط، مدريد، 1979.
139- المقتبس في تاريخ الأندلس لابن حيان الأندلسي. تحقيق الدكتور عبد الرحمن علي الحجي، بيروت، 1965.
140- المقتضب من كتاب تحفة القادم لابن الأبار. اختيار الأستاذ إبراهيم بن محمد البلفيقي، وتحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1983.
141- الملل والنّحل للشهرستاني (1- 2) . تحقيق الأستاذ محمد سيد كيلاني. دار المعرفة، بيروت.
142- مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر للدكتورة مريم قاسم. مكتبة الوحدة العربية بالدار البيضاء، دار الكتب العلمية ببيروت، 1994.
143- المؤنس، في تاريخ إفريقيا وتونس لابن أبي دينار. تحقيق الأستاذ محمد شمام. المكتبة العتيقة بتونس، 1967.
144- نثير فرائد الجمان، في نظم فحول الزمان لابن الأحمر. تحقيق الأستاذ محمد رضوان الداية. دار الثقافة، بيروت، 1967.
145- النجوم الزاهرة، في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي (1- 16) . نسخة مصوّرة عن طبعة دار الكتب. وزارة الثقافة، المؤسسة المصرية العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.

(المقدمة/36)

146- نخبة الدهر، في عجائب البر والبحر. طبع بمدينة بطرسبورغ في مطبعة الأكاديمية الإمبراطورية، سنة 1865.
147- نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق للشريف الإدريسي (1- 2) . دار عالم الكتاب، بيروت، 1989.
148- نصوص عن الأندلس من كتاب ترصيع الأخبار وتنويع الآثار والبستان في غرائب البلدان والمسالك إلى جميع الممالك لأحمد بن عمر العذري، المعروف بابن الدلائي. تحقيق الدكتور عبد العزيز الأهواني. وطبعة معهد الدراسات الإسلامية.
149- نفاضة الجراب، في علالة الاغتراب لابن الخطيب. تحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي. دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.
150- نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب للمقري (1- 10) . تحقيق الدكتورة مريم قاسم والدكتور يوسف طويل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1995.
151- نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين للأستاذ محمد عبد الله عنان. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966.
152- نيل الابتهاج، بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكتي. طبعة فاس.
153- هديّة العارفين أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين من كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي (1- 2) . إستانبول، 1951- 1955.
154- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي (1- 22) . إستانبول وفيسبادن، 1931- 1983.
155- الوفيات لابن قنفذ. تحقيق الأستاذ عادل نويهض. دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983.
156- وفيات الأعيان لابن خلّكان (1- 5) . تحقيق الدكتورة مريم قاسم والدكتور يوسف طويل. دار الكتب العلمية، بيروت، 1998.
(المقدمة/37)

[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم قال الشيخ الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب السّلماني:
أمّا «1» بعد حمد الله الذي أحصى الخلائق عددا، وابتلاهم اليوم ليجزيهم غدا، وجعل جيادهم تتسابق في ميادين الآجال إلى مدى، وباين بينهم في الصور والأخلاق والأعمال والأرزاق فلا يجدون بما «2» قسم محيصا ولا فيما حكم ملتحدا «3» ، وسعهم «4» علمه على تباين أفراقهم «5» وتكاثف أعدادهم والدا وولدا، ونسبا وبلدا، ووفاة ومولدا، فمنهم النّبيه والخامل، والحالي والعاطل، والعالم والجاهل، ولا يظلم ربّك أحدا. وجعل لهم الأرض ذلولا يمشون في مناكبها ويتّخذون من جبالها بيوتا ومن متاعها عددا. وخصّ بعض أقطارها بمزايا تدعو إلى الاغتباط والاعتمار «6» ، وتحثّ على السكون والاستقرار، متبوّءا فسيحا، وهواء صحيحا، وماء نميرا، وامتناعا شهيرا، ورزقا رغدا. فسبحان من جعل التّفاضل في المساكن والسّاكن، وعرّف العباد عوارف اللطف في الظاهر والباطن، ولم يترك شيئا سدى.
والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد «7» الذي ملأ الكون نورا وهدى، وأوضح سبيل الحق وكانت طرائق قددا «8» ، أعلى الأنام يدا، وأشرف الخلق ذاتا وأكرمهم محتدا، الذي أنجز الله به من نصر دينه الحقّ موعدا، حتى بلغت دعوته ما زوي «9» له من هذا المغرب الأقصى فرفعت بكل هضبة معلما وبنت بكل قلعة مسجدا. والرّضى على آله وأصحابه الذين كانوا لسماء سنّته عمدا، ليوث العدا،
(1/3)

وغيوث النّدى، ما أقل ساعد يدا، وعمر فكر «1» خالدا، وما صباح بدا، وأورق شدا، فإن الله، عزّ وجهه، جعل الكتاب لشوارد العلم قيدا، وجوارح اليراع تثير في السهول الرّقاع صيدا. ولولا ذلك لم يشعر آت في الخلق بذاهب، ولا اتصل شاهد بغائب، فماتت الفضائل بموت أهلها، وأفلت نجومها عن أعين مجتليها، فلم يرجع إلى خبر ينقل، ولا دليل يعقل، ولا سياسة تكتسب، ولا أصالة إليها ينتسب، فهدى سبحانه وألهم، وعلّم الإنسان بالقلم، علم ما لم يكن «2» يعلم، حتى ألفينا المراسم بادية، والمراشد هادية، والأخبار منقولة، والأسانيد موصولة، والأصول محرّرة، والتواريخ مقرّرة، والسير مذكورة، والآثار مأثورة، والفضائل من بعد أهلها باقية خالدة، والمآثر ناطقة شاهدة، كأنّ النهار «3» القرطاس، والليل المداد، ينافسان الليل والنهار، في عالم الكون والفساد، فمهما طويا شيئا، ولعا هما «4» بنثره، أو دفنا ذكرا دعوا إلى نشره.
فلو «5» أنّ لسان الدهر نطق، وتأمّل هذه «6» المناقضة وتحقّق، لأتى بما شاء من عتب ولوم، وأنشده: [الوافر]
أعلّمه الرماية كل يوم «7»
ولمّا كان الفنّ «8» التاريخي مأرب البشر، ووسيلة إلى ضمّ النشر، يعرفون به أنسابهم في «9» ذلك شرعا وطبعا ما فيه، ويكتسبون به عقل التجربة في حال السكون والتّرفيه «10» ، ويستدلّون ببعض ما يبدي «11» به الدهر وما يخفيه، ويرى العاقل من «12» تصريف قدرة الله تعالى ما يشرح صدره بالإيمان ويشفيه، ويمرّ على مصارع الجبابرة فيحسبه «13» بذلك واعظا ويكفيه، وكتاب الله يتخلّله من القصص ما يتمّم هذا «14» الشاهد لهذا الفن ويوفّيه. وقال الله تعالى «15» : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ
(1/4)

بِهِ فُؤادَكَ
«1» . وقال عزّ وجلّ «2» : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
(3) «3» .
فوضح «4» سبيل مبين، وظهر أن القول بفضله يقتضيه «5» عقل ودين، وأن بعض المصنّفين ممّن ترك نومه لمن دونه، وأنزف ماء شبابه مودعا إياه بطن كتابه يقصده الناس ويردونه، اختلفت في مثل هذا الباب أغراضهم؛ فمنهم من اعتنى بإثبات حوادث الزمان، ومنهم من اعتنى برجاله بعد اختيار الأعيان، عجزا عن الإحاطة بهذا الشأن، عموما في أكثر الأقطار «6» وخصوصا في بعض البلدان، فاستهدف إلى التعميم فرسان الميدان، وتوسّعوا بحسب مادة الاطّلاع وجهد الإمكان، وجنح إلى التخصيص من أثر «7» الأولوية بحسب ما يخصّه من المكان، ويلزمه من حقوق السكان، مغرما برعاية عهود وطنه وحسن العهد من الإيمان، بادئا بمن يعوله كما جاء في الطّرق الحسان. فتذكرت جملة من موضوعات من أفرد لوطنه «8» تاريخا هزّ إليها- علم الله- وفاء وكرم، ودار عليها بقول «9» الله من رحمته الواسعة حرم، كتاريخ «10» مدينة بخارى لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الفخار. وتاريخ أصبهان لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ صاحب الحلية. وتاريخ أصبهان أيضا لأبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن قندة الحافظ. وتاريخ نيسابور للحاكم أبي عبد الله بن اليسع، وذيله لعبد الغافر بن إسماعيل. وتاريخ همذان لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه محمد بن فنا خسرو الديلمي. وتاريخ طبقات أهل شيراز لأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن القصار. وتاريخ هراة، أظنه لأبي عبد الله الحسن بن محمد الكتبي.
وأخبار هراة أيضا ومن نزلها من التابعين وغيرهم من المحدّثين لأبي إسحاق أحمد بن ياسين الحداد. وتاريخ سمرقند لعبد الرحمن بن محمد الأردسي. وتاريخ نسف لجعفر بن المعبر المستغفري. وتاريخ جرجان لأبي القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي. وتاريخ الرّقّة لأبي علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري.
وتاريخ بغداد للخطيب أبي بكر بن ثابت، وذيله لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن
(1/5)

منصور السمعاني. وأخبار بغداد لأحمد بن أبي طاهر. وتاريخ واسط لأبي الحسين علي بن الطيب الخلافي. وتاريخ من نزل حمص من الصحابة ومن دخلها، ومن ارتحل عنها، ومن أعقب، ولم يعقّب، وحدّث ولم يحدّث، لأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي. وتاريخ دمشق لأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر.
وتاريخ مكة للأزرقي. وتاريخ المدينة لابن النجّار. وتاريخ مصر لعبد الرحمن بن أحمد بن نواس. وتاريخ الإسكندرية لوجيه الدين أبي المظفر منصور بن سليمان بن منصور بن سليم الشافعي. وتاريخ طبقات فقهاء تونس لأبي محمد عبد الله بن إبراهيم بن أبي العبّاس بن خلف التميمي. وعنوان الدّراية في ذكر من كان في الماية السابعة ببجاية، لأبي العباس بن الغبريني. وتاريخ تلمسان لابن الأصفر، وتاريخها أيضا لابن هديّة. وتاريخ فاس لابن عبد الكريم، وتاريخها أيضا لابن أبي زرع.
وتاريخ فاس أيضا للقونجي، وتاريخ سبتة، المسمّى بالفنون السّتّة، لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، تركه في مسوّدته. وتاريخ بلنسية لابن علقمة. وتاريخ إلبيرة لأبي القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي الملّاحي. وتاريخ شقورة لابن إدريس. وتاريخ مالقة لأبي عبد الله بن عسكر، تركه غير متمّم، فتمّمه بعد وفاته ابن أخيه أبو بكر خمسين. والإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة، لأبي العباس أصبغ بن العباس. والاحتفال في أعلام الرجال، لأبي بكر الحسن بن محمد بن مفرّج القيسي. وتاريخ قرطبة، ومنتخب كتاب الاحتفال، وتاريخ الرؤساء والفقهاء والقضاة بطليطلة، لأبي جعفر بن مظاهر، ومنتخبه لأبي القاسم بن بشكوال. وتاريخ فقهاء قرطبة لابن حيّان. وتاريخ الجزيرة الخضراء لابن خمسين. وتاريخ قلعة يحصب، المسمّى بالطالع السّعيد، لأبي الحسن بن سعيد. وتاريخ بقيرة، لأبي عبد الله بن المؤذن. والدّرّة المكنونة في أخبار أشبونة، لأبي بكر بن محمد بن إدريس الفرابي العالوسي. ومزيّة ألمريّة لأبي جعفر أحمد بن خاتمة، من أصحابنا. وتاريخ ألمرية وباجة، لشيخنا نسيج وحده أبي البركات بن الحاج، متّع الله بإفادته، وهو في مبيّضته، لم يرمها بعد.
فداخلتني «1» عصبيّة لا تقدح في دين ولا منصب، وحميّة لا يذمّ في مثلها متعصّب، رغبة أن يقع «2» سؤالهم وذكرهم من فضل الله جناب مخصب، ورأيت أن هذه الحضرة «3» التي لا خفاء بما وفّر الله من أسباب إيثارها، وأراده من جلال
(1/6)

مقدارها، جعلها «1» ثغر الإسلام ومتبوّأ العرب الأعلام، قبيل رسوله، عليه أفضل الصلاة وأزكى «2» السلام، وما خصّها به من اعتدال الأقطار، وجريان الأنهار، وانفساح الاعتمار «3» ، والتفاف الأشجار. نزلها العرب الكرام عند دخولهم مختطّين ومقتطعين «4» ، وهبّوا بدعوة فضلها مهطعين «5» ، فعمروا وأولدوا، وأثبتوا المفاخر وخلّدوا، إلى أن صارت دار ملك، ولبّة «6» سلك، فنبه المقدار وإن كان نبيها، وازدادت الخطّة ترفيعا «7» ، وجلب إلى «8» سوق الملإ بما نفق فيها. فكم ضمّت جدرانها من رئيس يتّقي الصباح هجومه، ويتخوّف اللّيل طروقه «9» ووجومه، ويفتقر الغيث لنوافله «10» الممنوحة وسجومه، وعالم يبرز للفنون فيطيعه عاصيها، ويدعو «11» بالمشكلات فيأخذ بنواصيها، وعالم «12» بالله قد وسم السجود جبينه، وأشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّ يمينه، وبليغ قد «13» أذعنت لبراعة خطّه وشيجة الخط، يغوص على درر البدائع، فيلقيها من طرسه الرائع «14» على الشّط، لم يقم بحقها ممتعض حقّ الامتعاض، ولا فرّق بين جواهرها وبين «15» الأغراض. هذا وسمر «16» الأقلام مشرعة، ومكان القول والحمد لله ذو سعة، فهي الحسناء «17» التي عدمت الذّام، وزيّنت «18» الليالي والأيام. والهوى «19» إن قيل كلفت بمغانيها، وقصرت الأيام على معانيها، فعاشق الجمال عذره مقبول «20» ، ولله درّ أبي الطيب حيث
(1/7)

يقول «1» : [الوافر]
ضروب الناس عشّاق ضروبا ... فأعذرهم أشفّهم حبيبا
فلست ببدع ممّن فتن بحب وطن، ولا بأول ما شاقه منزل فألقى بالعطن، فحبّ الوطن معجون بطينة «2» ساكنه، وطرفه مغرى بإتمام «3» محاسنه، وقد نبّه علي بن العباس «4» على السّبب، وجاء في التماس التّعليل بالعجب، حيث يقول: [الطويل]
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
ورميت في هذا المعنى بسهم سديد، وألمحت بغرض إن لم يكنه فليس ببعيد:
[الطويل]
أحبّك يا مغنى الجلال بواجب ... وأقطع في أوصافك الغرّ أوقات
تقسّم منك التّرب قومي وجيرتي ... ففي الظّهر أحياء وفي البطن أموات
وقد كان أبو القاسم الغافقي «5» من أهل غرناطة، قام من هذا الغرض بفرض، وأتى من كله ببعض، فلم يشف من غلّة، ولا سدّ خلّة، ولا كثّر قلّة، فقمت بهذا الوظيف، وانتدبت فيه للتأليف، ورجوت على نزارة حظّ الصّحة، وازدحام الشواغل الملحّة، أن أضطلع من هذا القصد بالعبء الذي طالما طأطأت له الأكتاد، وأقف منه الموقف الذي تهيّبته الأبطال الأنجاد، فاتخذت الليل جملا لهذه الطّيّة «6» ، وانتضيت
غارب العزم ونعمت المطيّة، بحيث لا مؤانس إلّا ذبال «7» يكافح جيش الدّجى، ودفاتر تلفح الحجا، وخواطر تبتغي إلى سماء الإجادة معرجا؛ وإذا صحب العمل صدق النّيّة، أشرقت من التّوفيق كلّ ثنيّة، وطلعت من السّداد كلّ غرّة سنيّة، وقد علم الله أني لم أعتمد منها دنيا أستمنحها، ولا نسمة جاه يستنشق ريحها؛ وإنما هو صبح
(1/8)

تبيّن، وحقّ رأيته عليّ قد تعيّن، بذلت فيه جهدي، وأقطعته جانب سهدي، لينظم هذا البلد بمثله، مما أثير كامنه، وسطّرت محاسنه، وأنشر بعد الممات جانبه «1» :
[الوافر]
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
فلم أدع واحدة إلّا استنجدتها، ولا حاشية إلّا احتشدتها، ولا ضالّة إلّا نشدتها؛ والمجتهد في هذا الغرض مقصّر، والمطيل مختصر، إذ ما ذكر لا نسبة بينه وبين ما أغفل، وما جهل أكثر مما نقل، وبحار المدارك مسجورة «2» ، وغايات الإحسان على الإنسان محجورة؛ ومن أراد أن يوازن هذا الكتاب بغيره من الأوضاع فليتأمّل قصده، ويثير كامنه، ويبدي خبائنه «3» ، تتّضح له المكرمة، ولا تخفى عليه النّصفة، ويشاهد مجزي السّيّئة بالحسنة، والإغراب عن الوصمة والظّنّة، إذ الفاضل في عالم الإنسان، من عددت سقطاته، فما ظنّك بمفضوله. وللمعاصر مزية المباشرة، ومزيد الخبرة، وداعي التشفّي والمقارضة؛ وسع الجميع السّتر، وشملهم البرّ، ونشرت جنائزهم لسقي الرحمة، ومثني الشفاعة، إلّا ما شذّ من فاسق أباح الشرع حماه، أو غادر وسمه الشؤم الذي جناه، فتختلّ عرضه عن تخليد مجد، وتدوين فخر، وإبقاء ذكر، لمن لم يهمّه قطّ تحقيق اسم أبيه، ولم يعمل لما بعد يومه، فكم خلف مما ذكر فيه يجده بين يديه، شفيعا في زلّة، أو آخذا بضبع إلى رتبة، أو قائما عند ضيم بحجّة؛ أو عانس يقوم لها مقام متاع ونحلة، أو غريب يحلّ بغير قطره فيفيده نحلة، صاعد خدم قاعدا ونائما. وقد رضينا بالسلامة عن الشكر، والإصغاء عن المثوبة، والنّصفة عوض الحسرة، إذ الناس على حسب ما سطّر ورسم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
والترتيب الذي انتهت إليه حيلتي، وصرفت في اختياره مخيلتي، هو أني ذكرت البلدة «4» ، حاطها الله، منبّها منها على قديمها، وطيب هوائها وأديمها، وإشراق علاها، ومحاسن حلاها، ومن سكنها وتولّاها، وأحوال أناسها، ومن دال بها من
(1/9)

ضروب القبائل وأجناسها، وأعطيت صورتها، وأزحت في الفخر ضرورتها، وذكرت الأسماء على الحروف المبوّبة، وفصلت أجناسهم بالتراجم المترتّبة، فذكرت الملوك والأمراء، ثم الأعيان والكبراء، ثم الفضلاء، ثم القضاة، ثم المقرئين والعلماء، ثم المحدّثين والفقهاء، وسائر الطلبة النجباء، ثم الكتّاب والشعراء، ثم العمّال الأثراء، ثم الزّهّاد والصّلحاء، والصوفيّة والفقراء، ليكون الابتداء بالملك، والاختتام بالمسك، ولينظم الجميع انتظام السّلك، وكلّ طبقة تنقسم إلى من سكن المدينة بحكم الأصالة والاستقرار، أو طرأ عليها مما يجاورها من الأقطار، أو خاض إليها وهو الغريب أثباج «1» البحار، أو ألمّ بها ولو ساعة من نهار؛ فإن كثرت الأسماء نوّعت وتوسّعت، وإن قلت اختصرت وجمعت. وآثرت ترتيب الحروف في الأسماء، ثم في الأجداد والآباء، لشرود الوفيات والمواليد، التي رتّبها الزمان عن الاستقصاء، وذهبت إلى أن أذكر الرجل ونسبه وأصالته وحسبه، ومولده وبلده، ومذهبه وأنحاله؛ والفنّ الذي دعا إلى ذكره، وحليته ومشيخته، إن كان ممّن قيّد علما أو كتبه؛ ومآثره إن كان ممّن وصل الفضل بسببه؛ وشعره إن كان شاعرا؛ وأدبه وتصانيفه، إن كان ممّن ألّف في فن أو هذّبه؛ ومحنته إن كان ممّن بزّه «2» الدهر شيئا أو سلبه؛ ثم وفاته ومنقلبه، إذ استرجع الله من منحه حياته ما وهبه.
وجعلت هذا الكتاب قسمين، ومشتملا على فنّين: القسم الأول؛ «في حلى المعاهد والأماكن، والمنازل والمساكن» . القسم الثاني؛ «في حلى الزّائر والقاطن، والمتحرّك والسّاكن» .
(1/10)

القسم الأوّل في حلى المعاهد والأماكن والمنازل والمساكن
(1/11)

فصل في اسم هذه المدينة ووضعها على إجمال واختصار
بسم الله الرّحمن الرّحيم يقال «1» غرناطة، ويقال إغرناطة «2» ، وكلاهما أعجمي، وهي مدينة كورة إلبيرة، فبينهما فرسخان وثلثا فرسخ «3» . وإلبيرة من أعظم كور الأندلس، ومتوسّطة ما اشتمل عليه الفتح من البلاد، وتسمّى في تاريخ الأمم السالفة من الرّوم، سنام «4» الأندلس، وتدعى في القديم بقسطيليّة. وكان لها من الشّهرة والعمارة، ولأهلها من الثروة والعدّة، وبها من الفقهاء والعلماء، ما هو مشهور. قال أبو مروان بن حيّان: كان يجتمع بباب المسجد الجامع من إلبيرة خمسون حكمة «5» ، كلها من فضّة لكثرة الأشراف بها. ويدلّ على ذلك آثارها الخالدة، وأعلامها الماثلة، كطلل مسجدها الجامع، الذي تحامى استطالة البلى، كسلت عن طمس معالمه أكفّ الرّدى، إلى بلوغ ما فسح له من المدى.
(1/13)

بناه الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم، أمير المؤمنين الخليفة «1» بقرطبة، رحمه الله، على تأسيس حنش بن عبد الله الصّنعاني الشافعي، رحمه الله، وعلى محرابه لهذا الوقت: «بسم الله العظيم، بنيت لله؛ أمر ببنائها الأمير محمد بن عبد الرحمن، أكرمه الله، رجاء ثوابه العظيم؛ وتوسيعا لرعيته؛ فتمّ بعون الله على يدي عبد الله بن عبد الله، عامله على كورة إلبيرة في ذي قعدة سنة خمسين ومائتين» .
ولم تزل الأيام تخيف ساكنها، والعفاء يتبوّأ مساكنها، والفتن الإسلامية تجوس أماكنها، حتى شملها الخراب، وتقسّم قاطنها الاغتراب، وكلّ الذي فوق التّراب تراب. وانتقل أهلها مدة أيام الفتنة البربريّة «2» سنة أربعمائة من الهجرة، فما بعدها، ولجأوا إلى مدينة غرناطة، فصارت حاضرة الصّقع، وأمّ المصر، وبيضة ذلك الحقّ، لحصانة وضعها، وطيب هوائها، ودرور مائها، ووفور مدتها، فأمن فيها الخائف، ونظم النّشر، ورسخت الأقدام، وتأثّل المصر، وهلمّ جرّا. فهي بالأندلس، قطب بلاد الأندلس، ودار الملك، وقرى الإمارة، أبقاها الله متبوّأ الكلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بقدرته.
من «كتاب إلبيرة» «3» ، قال: بعد ذكر إلبيرة، وقد خلفها بعد ذلك كله مدينة غرناطة من أعظم مدنها وأقدمها، عندما انقلبت العمارة إليها من إلبيرة، ودارت أفلاك البلاد الأندلسية، فهي في وقتنا هذا قاعدة الدّنيا، وقرارة العليا، وحاضرة السلطان، وقبّة العدل والإحسان. لا يعدلها في داخلها ولا خارجها بلد من البلدان، ولا يضاهيها في اتّساع عمارتها، وطيب قرارتها، وطن من الأوطان. ولا يأتي على حصر أوصاف جمالها، وعدّ أصناف جلالها، قلم البيان. أدام الله فيها العزّ للمسلمين والإسلام، وحرسها ومن اشتملت عليه من خلفائه، وأنصار لوائه، بعينه التي لا تنام، وركنه الذي لا يرام.
وهذه المدينة من معمور الإقليم الخامس «4» ، يبتدئ من الشرق، من بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على شمال خراسان، ويمرّ على سواحل الشام، ممّا يلي
(1/14)

الشمال، ويمرّ على بلاد الأندلس، قرطبة وإشبيلية وما والاها إلى البحر المحيط الغربي. وقال صاعد بن أحمد في كتاب «الطّبقات» : إنّ معظم الأندلس في الإقليم الخامس، وطائفة منها في الإقليم الرابع، كمدينة إشبيلية، ومالقة، وغرناطة، وألمريّة ومرسية.
وذكر العلماء بصناعة الأحكام أنّ طالعها الذي اختطّت به السّرطان، ونحلوها، لأجل ذلك، مزايا، وحظوظا من السعادة، اقتضاها تسيير أحكام القرانات الانتقاليّة على عهد تأليف هذا الموضع.
وطولها سبع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة «1» ، وعرضها سبع وثلاثون درجة وعشر دقائق. وهي مساوية في الطول بأمر يسير لقرطبة، وميورقة، وألمريّة؛ وتقرب في العرض من إشبيلية، وألمريّة، وشاطبة وطرطوشة، وسردانية، وأنطاكية، والرّقة. كل ذلك بأقلّ من درجة. فهي «2» شاميّة في أكثر أحوالها، قريبة من الاعتدال، وبينها وبين قرطبة، أعادها الله تعالى، تسعون ميلا. وهي منها بين شرق وقبلة. وبحر الشام «3» يحول ويحاجز بين الأندلس وبلاد العدوة «4» ، وبين غرب وقبلة على أربعة برد «5» . والجبال بين شرق وقبلة، والبراجلات «6» بين شرق وجوف «7» ، والكنبانيّة «8» بين غرب وقبلة، وبين جوف وغرب، فهي لمكان جوار السّاحل، ممارة بالبواكر «9» السّاحلية، طيبة البحار، وركاب لجهاد البحر، ولمكان استقبال الجبال، المقصودة «10» بالفواكه المتأخّرة اللحاق، معلّلة بالمدّخرات،
(1/15)

ولمكان «1» استدبار الكنبانيّة واضطبار «2» البراجلات؛ بحر من بحور الحنطة، ومعدن للحبوب المفضلة، ولمكان شلير، جبل الثلج «3» ، أحد مشاهير جبال الأرض، الذي ينزل به الثلج شتاء وصيفا، وهو على قبلة منها على فرسخين؛ وينساب منه ستة وثلاثون نهرا من فوّهات الماء، وتنبجس من سفوحه العيون، صحّ منها الهواء، واضطردت في أرجائها وساحاتها المياه، وتعدّدت الجنّات بها والبساتين، والتفّت الأدواح، وشمّر الرّوّاد على منابت العشب في مظانّ العقار مستودعات الأدوية والتّرياقيّة. وبردها لذلك في المنقلب الشتوي شديد، وتجمد بسببه الأدهان والمائعات، ويتراكم بساحاتها الثلج في بعض السنين، فجسوم أهلها لصحّة الهواء صلبة، وسحانهم خشنة، وهضومهم قويّة، ونفوسهم لمكان الحرّ الغريزي جريّة «4» .
وهي دار منعة وكرسي ملك، ومقام حصانة. وكان ابن غانية «5» يقول للمرابطين في مرض موته، وقد عوّل عليها للامتساك بدعوتهم: الأندلس درقة، وغرناطة قبضتها؛ فإذا جشّمتم يا معشر المرابطين القبضة، لم تخرج الدرقة من أيديكم.
ومن أبدع ما قيل في الاعتذار عن شدّة بردها، ما هو غريب في معناه، قول شيخنا القاضي أبي بكر بن شبرين رحمه الله «6» : [الطويل]
رعى الله من غرناطة متبوّءا ... يسرّ كئيبا «7» أو يجير طريدا
تبرّم منها صاحبي عندما «8» رأى ... مسارحها بالبرد «9» عدن جليدا
هي الثّغر صان الله من أهلت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا؟
(1/16)

وقال الرّازي عند ذكر كورة إلبيرة: ويتصل بأحواز قبرة كورة إلبيرة، وهي بين الشّرق والقبلة، وأرضها سقي غزيرة الأنهار، كثيرة الثّمار، ملتفّة الأشجار، أكثرها أدواح الجوز، ويحسن فيها قصب السّكر؛ ولها معادن جوهرية من ذهب، وفضة، ورصاص، وحديد. وكورة إلبيرة أشرف الكور، نزلها جند دمشق. وقال: لها من المدن الشريفة مدينة قسطيليّة، وهي حاضرة إلبيرة، وفحصها لا يشبّه بشيء من بقاع الأرض طيبا ولا شرفا إلّا بالغوطة؛ غوطة دمشق.
وقال بعض المؤرّخين «1» : ومن كرم أرضنا أنها لا تعدم زريعة «2» بعد زريعة؛ ورعيا بعد رعي، طول العام؛ وفي عمالتها المعادن الجوهرية من الذهب، والفضة، والرّصاص، والحديد، والتوتيا. وبناحية دلاية «3» من عملها، عود اليلنجوج «4» ، لا يفوقه العود الهندي ذكا «5» وعطر رائحة. وقد سيق منه لخيران «6» صاحب ألمرية أصل كان منبته بين أحجار هناك. وبجبل شلير منها سنبل فائق الطّيب، وبه الجنطيانا، يحمل منه إلى جميع الآفاق، وهو عقير رفيع، ومكانه من الأدوية الترياقية مكانه. وبه المرقشينة على اختلافها، واللّازورد. وبفحصها وما يتصل به القرمز. وبها من العقّار والأدوية النّباتية والمعدنية ما لا يحتمل ذكرها الإيجاز. وكفى بالحرير الذي فضلت به فخرا وقيتة، وغلّة شريفة، وفائدة عظيمة، تمتاره منها البلاد، وتجلبه الرفاق، وفضيلة لا يشاركها فيها إلّا البلاد العراقية. وفحصها «7» الأفيح، المشبّه بالغوطة
(1/17)

الدمشقية «1» ، حديث الرّكاب، وسمر الليالي، قد دحاه الله في بسيط سهل «2» تخترقه «3» المذانب، وتتخلّله الأنهار جداول، وتتزاحم فيه القرى والجنّات، في ذرع أربعين ميلا أو نحوها، تنبو العين فيها عن وجهه؛ ولا تتخطّى المحاسن منها إلّا مقدار رقعة الهضاب، والجبال المتطامية منه بشكل ثلثي دارة «4» ، قد عرت «5» منه المدينة فيما يلي المركز لجهة القبلة، مستندة إلى أطواد سامية، وهضاب عالية، ومناظر مشرفة؛ فهي قيد البصر، ومنتهى الحسن، ومعنى الكمال، أضفى الله عليها، وعلى من بها من عباده المؤمنين جناح ستره، ودفع عنهم عدوّ الدّين بقدرته.
فصل في فتح هذه المدينة ونزول العرب الشاميين من جند دمشق بها وما كانت عليه أحوالهم، وما تعلق بذلك من تاريخ
قال المؤلّف: اختلف المؤرّخون في فتحها؛ قال ابن القوطيّة «6» : إن يليان «7» الرّومي الذي ندب العرب إلى غزو الأندلس طلبا لوتره «8» من ملكها لذريق بما هو معلوم، قال لطارق بن زياد مفتتحها عندما كسر جيش الرّوم على وادي لكّه: قد فضضت جيش القوم «9» ودوّخت حاميتهم، وصيّرت الرّعب في قلوبهم، فاصمد لبيضتهم؛ وهؤلاء أدلّاء من أصحابي، ففرّق جيوشك في البلدان بينهم «10» ، واعمد أنت إلى طليطلة بمعظمهم، وأشغل القوم عن النظر في أمرهم «11» ، والاجتماع إلى وليّ رأيهم.
قال «12» : ففرّق طارق جيوشه من إستجّة؛ فبعث مغيثا «13» الرّومي، مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى قرطبة؛ وبعث جيشا آخر إلى مالقة «14» ؛ وأرسل
(1/18)

جيشا ثالثا إلى غرناطة مدينة إلبيرة؛ وسار هو في معظم الناس إلى كورة جيّان «1» يريد طليطلة. قال «2» : فمضى الجيش الذي وجّه طارق إلى مالقة ففتحها، ولجأ علوجها إلى جبال هناك ممتنعة. ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجّه إلى إلبيرة، فحاصروا مدينتها، وفتحوها عنوة؛ وألفوا بها يهودا ضمّوهم إلى قصبة غرناطة؛ وصار لهم ذلك سنّة متّبعة، متى وجدوا بمدينة فتحوها «3» يهودا، يضمّونهم إلى قصبتها، ويجعلون معهم طائفة من المسلمين يسدّونها. ثم مضى الجيش إلى تدمير.
وكان دخول طارق بن زياد الأندلس يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين «4» . وقيل في شعبان، وقيل في رمضان، بموافقة شهر غشت من شهور العجمية.
وذكر معاوية بن هشام وغيره «5» : أن فتح ما ذكر تأخّر إلى دخول موسى بن نصير في سنة ثلاث وتسعين. فتوجّه ابنه عبد الأعلى في جيش إلى تدمير فافتتحها، ومضى»
إلى إلبيرة فافتتحها، ثم توجّه إلى مالقة.
قال المؤلّف رحمه الله: ولمّا استقرّ ملك الإسلام بجزيرة الأندلس، ورمى إلى قصبتها الفتح، واشرأبّ في عرصاتها الدّين، ونزلت قرطبة وسواها العرب، فتبوّؤوا الأوطان، وعمروا البلدان، فالدّاخلون على يد موسى بن نصير يسمّون بالبلديّين، والداخلون بعضهم مع بلج بن بشر القشيري، يسمّون بالشّاميين. وكان دخول بلج بن بشر القشيري بالطّالعة البلجيّة سنة خمس وعشرين ومائة.
ولمّا دخل الشاميّون مع أميرهم بلج، حسبما تقرّر في موضعه، وهم أسود الشّرى «7» عزّة وشهامة، غصّ بهم السابقون إلى الأندلس، وهم البلديّون، وطالبوهم بالخروج عن بلدهم الذي فتحوه، وزعموا أنه لا يحملهم وإياهم، واجتمعوا لغزوهم، فكانت الحروب تدور بينهم، إلى أن وصل الأندلس أبو الخطّار حسام بن ضرار الكلبي، عابرا إليها البحر من ساحل تونس، وأظلّ على قرطبة على حين غفلة، وقد
(1/19)

ستر خبر نفسه، والحرب بينهم، فانقاد إليه الجميع بحكم عهد مدينه حنظلة بن صفوان والي إفريقية «1» ، وقبض على وجوه الشاميّين عازما عليهم في الانصراف حسبما هو مشهور؛ ورأى تفريق القبائل في كور الأندلس، ليكون أبعد للفتنة، ففرّقهم، وأقطعهم ثلث أموال أهل الذّمّة، الباقين من الرّوم، فخرج القبائل الشاميون عن قرطبة.
قال أبو مروان: أشار على أبي الخطار، أرطباس قومس الأندلس، وزعيم عجم الذمّة «2» ، ومستخرج خراجهم لأمراء المسلمين- وكان هذا القومس شهير العلم والدهاء- لأول الأمر، بتفريق القبائل الشاميين العلمين عن البلد، عن دار الإمارة قرطبة، إذ كانت لا تحملهم، وإنزالهم بالكور، على شبه منازلهم التي كانت في كور شامهم، ففعل ذلك على اختيار منهم؛ فأنزل جند دمشق كورة إلبيرة، وجند الأردن كورة جيّان، وجند مصر كورة باجة، وبعضهم بكورة تدمير؛ فهذه منازل العرب الشاميين؛ وجعل لهم ثلث أموال أهل الذّمّة من العجم طعمة؛ وبقي العرب والبلديّون والبرابر «3» شركاؤهم؛ فلمّا رأوا بلدانا شبه بلدانهم بالشام، نزلوا وسكنوا واغتبطوا وكبروا وتموّلوا، إلّا من كان قد نزل منهم لأول قدومه في الفتوح على عنائهم موضعا رضيّا، فإنه لم يرتحل عنه، وسكن به مع البلديّين.
فإذا كان العطاء أو حضر الغزو ولحق بجنده، فهم الذين كانوا سمّوا الشّادّة حينئذ.
قال أحمد بن موسى: وكان الخليفة يعقد لواءين، لواء غازيا، ولواء مقيما؛ وكان رزق الغازي بلوائه مائتي دينار. ويبقى المقيم بلا رزق ثلاثة أشهر؛ ثم يدال بنظيره من أهله أو غيرهم. وكان الغزاة من الشّاميين مثل إخوة المعهود له أو بنيه أو بني عمّه، يرزقون عند انقضاء غزاته عشرة دنانير؛ وكان يعقد المعقود له مع القائد؛ يتكشّف عمّن غزا، ويستحقّ العطاء، فيعطى على قوله تكرمة له؛ وكانت خدمتهم في العسكر، واعتراضهم إليه؛ وكان من الشّاميين غازيا من غير بيوتات العقد، ارتزق خمسة دنانير عند انقضاء الغزو. ولم يكن يعطى أحد من البلديين شيئا غير المعقود له؛ وكان البلديّون أيضا يعقد لهم لواءان؛ لواء غاز، ولواء مقيم؛ وكان يرتزق الغازي
(1/20)

مائة دينار وازنة؛ وكان يعقد لغيره إلى ستة أشهر، ثم يدال بنظيره من غيرهم؛ ولم يكن الدّيوان والكتبة إلّا في الشّاميين خاصّة؛ وكانوا أحرارا من العشر، معدّين للغزو، ولا يلزمهم إلّا المقاطعة على أموال الرّوم التي كانت بأيديهم؛ وكان العرب من البلديين يؤدّون العشر، مع سائر أهل البلد، وكان أهل بيوتات منهم يغزون كما يغزو الشاميّون، بلا عطاء، فيصيّرهم إلى ما تقدّم ذكره. وإنما كان يكتب أهل البلد في الغزو؛ وكان الخليفة يخرج عسكرين، إلى ناحيتين، فيستنزلهم؛ وكانت طائفة ثالثة يسمّون النّظراء من الشاميين والبلديين، كانوا يغزون كما يغزو أهل البلد من الفريقين.
وقد بيّنّا نبذة من أحوال هؤلاء العرب. والاستقصاء يخرج كتابنا عن غرضه، والإحاطة لله سبحانه.
ذكر ما آل إليه حال من ساكن المسلمين بهذه الكورة من النصارى المعاهدين «1» على الإيجاز والاختصار
قال المؤلّف: ولمّا استقرّ بهذه الكورة الكريمة أهل الإسلام، وأنزل الأمير أبو الخطار قبائل العرب الشاميّين بهذه الكورة، وأقطعهم ثلث أموال المعاهدين، استمرّ سكناهم في غمار من الروم؛ يعالجون فلاحة الأرض، وعمران القرى، يرأسهم أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة، ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم.
وأحدهم رجل يعرف بابن القلّاس، له شهرة وصيت، وجاه عند الأمراء بها. وكانت لهم بخارج الحضرة، على غلوتين «2» ، تجاه باب إلبيرة في اعتراض الطريق إلى قولجر، كنيسة شهيرة، اتخذها لهم أحد الزعماء من أهل دينهم، استركبه بعض أمرائها في جيش خشن من الروم، فأصبحت فريدة في العمارة والحلية؛ أمر بهذمها الأمير يوسف بن تاشفين «3» ، لتأكّد رغبة الفقهاء، وتوجّه فتواهم. قال ابن الصّيرفي: خرج أهل الحضرة لهدمها يوم الاثنين عقب جمادى الآخرة من عام اثنين وتسعين وأربعمائة، فصيّرت للوقت قاعا، وذهبت كلّ يد بما أخذت من أنقاضها وآلاتها.
(1/21)

قلت: ومكانها اليوم مشهور، وجدارها ماثل ينبئ عن إحكام وأصالة، وعلى بعضها مقبرة شهيرة لابن سهل بن مالك، رحمه الله.
ولمّا تحرّكت لعدو الله الطّاغية ابن رذمير ريح الظّهور، على عهد الدولة المرابطيّة، قبل أن يخضد الله شوكته على إفراغة «1» بما هو مشهور، أملت المعاهدة «2» من النصارى لهذه الكورة إدراك الثّرّة، وأطمعت في المملكة، فخاطبوا «3» ابن رذمير من هذه الأقطار، وتوالت عليه كتبهم وتواترت رسلهم، ملحّة بالاستدعاء مطمعة في دخول غرناطة «4» ، فلمّا أبطأ عنهم، وجّهوا إليه زماما يشتمل على اثني عشر ألفا من أنجاد مقاتليهم، لم يعدّوا فيها شيخا ولا غرّا، وأخبروه أنّ من سمّوه، ممّن شهرت «5» أعينهم لقرب مواضعهم، وبالبعد من يخفى أمره، ويظهر عند ورود شخصه، فاستأثروا طمعه وابتعثوا جشعه، واستفزّوه بأوصاف غرناطة، وما لها من الفضائل «6» على سائر البلاد وبفحصها الأفيح، وكثرة فوائدها من القمح والشّعير، والكتّان، وكثرة المرافق، من الحرير والكروم، والزيتون، وأنواع الفواكه، وكثرة العيون والأنهار، ومنعة قبّتها «7» وانطباع رعيّتها، وتأتي أهل حاضرتها، وجمال إشرافها وإطلالها، وأنّها المباركة التي يمتلك منها غيرها، المسمّاة سنام الأندلس عند الملوك في تواريخها، فرموا حتى أصابوا غربه، فانتخب وأحشد، وتحرّك أول شعبان من عام خمسة عشر وخمسمائة «8» وقد أخفى مذهبه، وكتم أربه، فوافى «9» بلنسية، ثم إلى مرسية، ثم إلى بيرة، ثم اجتاز بالمنصورة ثم انحدر إلى برشانة، ثم تلوّم إلى وادي ناطلة. ثم تحرّك إلى بسطة، ثم إلى وادي آش، فنزل بالقرية المعروفة بالقصر «10» وصافح المدينة بالحرب، ولم يحل بطائل، فأقام عليها شهرا.
(1/22)

قال صاحب كتاب «الأنوار الجليّة» «1» : فبدأ «2» بحث المعاهدة بغرناطة في استدعائه، فافتضح تدبيرهم باجتلابه، وهمّ أميرها «3» بتثقيفهم «4» ، فأعياهم ذلك، وجعلوا يتسلّلون إلى محلّته على كل طريق، وقد أحدقت جيوش المسلمين من أهل العدوة «5» والأندلس بغرناطة، حتى صارت كالدّائرة، وهي في وسطها كالنّقطة، لمّا أنذروا بغرضه؛ وتحرّك من وادي آش فنزل بقرية دجمة «6» ؛ وصلّى الناس بغرناطة صلاة الخوف، يوم عيد النّحر من هذه السنة في الأسلحة والأبّهة؛ وبعيد الظهر من غده، ظهرت أخبية الرّوم بالقيل شرق المدينة، وتوالى الحرب على فرسخين منها، وقد أجلى السّواد، وتزاحم الناس بالمدينة، وتوالى الجليد، وأظلّت الأمطار. وأقام العدو بمحلّته بضع عشرة ليلة لم تسرح له سارحة، إلّا أنّ المعاهدة تجلب «7» له الأقوات؛ ثم أقلع وقد ارتفع طعمه عن المدينة، لأربع بقين من ذي الحجة عام عشرين «8» ، بعد أن تفرّغ مستدعيه إليها، وكبيره يعرف بابن القلّاس، فاحتجّوا ببطئه وتلوّمه حتى تلاحقت الجيوش، وأنهم قد وقعوا مع المسلمين في الهلكة، فرحل عن قرية مرسانة إلى بيش، ومن الغد إلى السكة من أحواز قلعة يحصب «9» ثم اتصل إلى لدوبيانة، ونكب إلى قبرة واللسّانة «10» ، والجيوش المسلمة في أذياله.
وأقام بقبرة1»
أياما، ثم تحرّك إلى بلاي والعساكر في أذياله، وشيجة في فحص الرّنيسول «12» مكافحة في أثنائها، مناوشة، وظهورا عليه.
(1/23)

ولمّا جنّ الليل، أمر أميرهم «1» برفع خبائه من وهدة كان فيها إلى نجدة، فساءت الظنون، واختلّ الأمر، ففرّ الناس وأسلموا، وتهيّب العدو المحلّة، فلم يدخلها إلّا بعد هدأة من الليل واستولى عليها. وتحرّك بعد الغد منها إلى جهة الساحل فشقّ العمامة الآمنة من الإقليم والشّارّات «2» ، فيقول بعض شيوخ تلك الجهة:
إنه اجتاز بوادي شلوبانية المطلّ الحافّات، والمتحصّن المجاز، وقال بلغته: أيّ قبر هذا لو ألفينا من يصبّ علينا التراب! ثم عرّج يمنة حتى انتهى إلى بلّش، وأنشأ بها جفنا «3» صغيرا يصيد له حوتا، أكل منه كأنه نذر كان عليه، وفّى به، أو حديث أراد أن يخلّد عنه، ثم عاد إلى غرناطة، فاضطرب بها محلته بقرية ذكر، على ثلاثة فراسخ منها قبلة، ثم انتقل بعد ذلك بيومين إلى قرية همدان «4» ، وبرز بالكتب جاعرسطة «5» من المدينة، وكان بينه وبين عساكر المسلمين مواقعة عظيمة؛ ولأهل غرناطة بهذا الموضع حدثان ينظرونه من القضايا المستقبلة.
قال ابن الصّيرفي: وقد ذكر في بعض كتب الجفر: «هذا الفحص، بخراب يجبى عن يتامى وأيامى» . وكان هذا اليوم معرّضا لذلك، فوقى الله؛ وانتقل بعد يومين إلى المرج مضيّقا عليه والخيل تحرجه، فنزل بعين أطسة، والجيوش محدقة به، وهو في نهاية من كمال التّعبئة، وأخذ الحذر، بحيث لا تصاب فيه فرصة؛ ثم تحرّك على البراجلات، إلى اللقوق، إلى وادي آش، وقد أصيب كثير من حاميته؛ وطوى المراحل إلى الشرق؛ فاجتاز إلى مرسية، إلى جوف شاطبة، والعساكر في كل ذلك تطأ أذياله، والتّناوش «6» يتخطّر به، والوباء يسرع إليه، حتى لحق بلاده، وهو ينظر إلى قفاه، مخترما، مفلولا من غير حرب، يكاد الموت يستأصل محلّته وجملته.
ولمّا بان للمسلمين من مكيدة جيرانهم المعاهدين، ما أجلت عنه هذه القضية، أخذهم الإرجاف، ووغرت لهم الصّدور. ووجّه إلى مكانهم الحزم، ووجّه القاضي
(1/24)

أبو الوليد بن رشد الأجر، وتجشّم المجاز «1» ، ولحق بالأمير علي بن يوسف بن تاشفين بمرّاكش، فبيّن له أمر الأندلس، وما منيت «2» به من معاهدها، وما جنوه عليها من استدعاء الرّوم، وما في ذلك من نقض العهد، والخروج عن الذّمة، وأفتى بتغريبهم، وإجلائهم عن «3» أوطانهم وهو أخفّ ما يؤخذ به من عقابهم؛ وأخذ بقوله، ونفّذ بذلك عهده، وأزعج منهم إلى برّ العدوة، في رمضان من العام المذكور، عدد جمّ، أنكرتهم الأهواء، وأكلتهم الطرق، وتفرّقوا شذر مذر، وأصاب كثير من الجلاء جمعتهم من اليهود؛ وتقاعدت بها منهم طائفة، هبّت لها بممالأة بعض الدول ريح، فأمّروا وأكثروا إلى عام تسعة وخمسين وخمسمائة، ووقعت فيهم وقيعة احتشّتهم، إلّا صابة «4» لهذا العهد قليلة، قديمة المذلّة، وحالفت الصّغار. جعل الله العاقبة لأوليائه.
ذكر ما ينسب إلى هذه الكورة من الأقاليم التي نزلتها العرب بخارج غرناطة، وما يتصل بها من العمالة
فصل فيما اشتمل عليه خارج المدينة من القرى والجنّات والجهات
قال المؤلّف رحمه الله: ويحفّ «5» بسور هذه المدينة المعصومة بدفاع الله تعالى، البساتين العريضة المستخلصة، والأدواح الملتفّة، فيصير سورها من خلف ذلك كأنّه من دون سياج كثيفة، تلوح نجوم الشّرفات «6» أثناء خضرائه، ولذلك ما قلت فيه في بعض الأغراض «7» : [الكامل]
بلد تحفّ «8» به الرّياض كأنّه ... وجه جميل والرّياض عذاره
وكأنّما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره
فليس تعرى عن جنباته من الكروم والجنّات جهة، إلّا ما لا عبرة به مقدار غلوة، أما ما حازه السّفل من جوفيه، فهي عظيمة الخطر، متناهية القيم، يضيق جدّه
(1/25)

من عدا أهل الملك، عن الوفاء بأثمانها، منها ما يغلّ في السنة الواحدة نحو الألف من الذّهب، قد غصّت الدكاكين بالخضر الناعمة، والفواكه الطيّبة، والثمر المدّخرة، يختصّ منها بمستخلص السلطان «1» ، المرور طوقا على ترائب بلده ما بينهن منية؛ منها الجنّة «2» المعروفة بفدّان الميسة، والجنة المعروفة بفدّان عصام، والجنة المعروفة بالمعروي، والجنة إلى المنسوبة إلى قدّاح بن سحنون، والجنة المنسوبة لابن المؤذّن، والجنة المنسوبة لابن كامل، وجنة النّخلة العليا، وجنة النخلة السفلى، وجنة ابن عمران، والجنة التي إلى نافع، والجرف الذي ينسب إلى مقبل، وجنّة العرض، وجنة الحفرة، وجنة الجرف، ومدرج نجد، ومدرج السّبيكة «3» ، وجنّة العريف «4» : كلها لا نظير لها في الحسن والدّمانة «5» والربيع، وطيب التربة، وغرقد «6» السّقيا، والتفاف الأشجار، واستجادة الأجناس، إلى ما يجاورها ويتخلّلها، ممّا يختصّ بالأحباس الموقفة، والجنّات المتملّكة، وما يتصل بها بوادي سنجيل ما يقيّد الطّرف، ويعجز الوصف، قد مثلث منها على الأنهار المتدافعة العباب، المنارة والقباب، واختصّت من أشجار العاريات ذات العصير الثاني بهذا الصّقع، ما قصرت عنه الأقطار. وهذا الوادي من محاسن هذه الحضرة، ماؤه رقراق من ذوب الثلج، ومجاجة الجليد، وممرّه على حصى جوهرية، بالنبات والظّلال محفوفة، يأتي من قبلة علام البلد إلى غربه، فيمرّ بين القصور النّجدية، ذوات المناصب الرفيعة، والأعلام الماثلة.
ولأهل الحضرة بهذه الجنّات كلف، ولذوي البطالة فوق نهره أريك من دمث الرمل، وحجال من ملتفّ الدّوح، وكان بها سطر من شجر الحور؛ تنسب إلى مامل «7» ، أحد خدّام الدولة الباديسية، أدركنا المكان، يعرف بها.
(1/26)

قال أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن حسّان: [الطويل]
أحنّ إلى غرناطة كلما هفّت ... نسيم الصّبا تهدى الجوى وتشوق
سقى الله من غرناطة كل منهل ... بمنهل سحب ماؤهنّ هريق
ديار يدور الحسن بين خيامها ... وأرض لها قلب الشّجيّ مشوق
أغرناطة العليا بالله خبّري ... أللهائم الباكي إليك طريق؟
وما شاقني إلا نضارة منظر ... وبهجة واد للعيون تروق
تأمّل إذا أمّلت حوز مؤمّل ... ومدّ من الحمرا عليك شقيق
وأعلام نجد والسّبيكة قد علت ... وللشّفق الأعلى تلوح بروق
وقد سلّ شنّيل «1» فرندا مهنّدا ... نضى فوق درّ ذرّ فيه عقيق
إذا نمّ منه طيب نشر أراكه ... أراك فتيت المسك وهو فتيق
ومهما بكى جفن الغمام تبسّمت ... ثغور أقاح للرّياض أنيق
ولقد ولعت الشعراء بوصف هذا الوادي، وتغالت الغالات فيه، في تفضيله على النيل بزيادة الشّين «2» ، وهو ألف من العدد، فكأنه نيل بألف ضعف، على عادة متناهي الخيال الشعري؛ في مثل ذلك.
ولقد ألغزت فيه لشيخنا أبي الحسن بن الجيّاب «3» ، رحمه الله، وقد نظم في المعنى المذكور ما عظم له استطرابه وهو: [البسيط]
ما اسم إذا زدته ألفا من العدد ... أفاد معناه لم ينقص ولم يزد
(1/27)

وإنما ائتلفا من بعد ما اختلفا ... معنى بشين ومن نزر ومن بلد
ثم يتصل بالحسن العادي البديع، وهو على قسمين، خمس من محكم الكدان في نهاية الإبداع والإحكام، يتّصل به بناء قديم محكم، ويستقبل الملعب، العيدي، ما بين ذنابي الجسر إلى جدار الرابطة، وملعب بديع الشكل، عن يمينه جناح بديع، عن ميدانه عدوات النهر، وعن يساره الجنّات، ويفضي بعد انتهائه إلى الرّابطة، إلى باب القصر المنسوب إلى السّيد «1» ، وسيأتي ذكره؛ ويرتفع من هذا النهر الزّلال جداول، تدور بها أعداد من الأرحيّ لا نظير لها استعدادا وإفادة.
فصل
وتركب ما ارتفع من هذه المدينة من جهاتها الثلاث، الكروم البديعة، طوقا مرقوما، يتصل بما وراءها من الجبال، فتعمّ الرّبى والوهاد، وتشمل الغور والنّجد، إلّا ما اختصّ منها بالسّهل الأفيح، متّصلا بشرقي باب إلبيرة، إلى الخندق العميق، وهو المسمّى «بالمشايخ» ، بسيط جليل، وجوّ عريض، تغمى على العدّ أمراجه ومصانيعه، تلوح مبانيها، ناجمة بين الثّمار والزيتون، وسائر ذوات الفواكه، من اللّوز والإجاص والكمثرى، محدقة من الكروم المسحّة، والرياحين الملتفّة، ببحور طامية تأتي البقعة الماء؛ ففيها كثير من البساتين والرّياض، والحصون، والأملاك المتّصلة السكنى، على الفصول؛ وإلى هذه الجهة يشير الفقيه القاضي، أبو القاسم بن أبي العافية، رحمه الله، في قصيدة، يجيب بها عروس الشعراء، الأديب الرّحّال أبا إسحاق السّاحلي، وكان ممّن نيطت عليه بهذا العهد، التّمائم: [الكامل]
يا نازحا لعب المطيّ بكوره ... لعب الرّياح الهوج بالأملود
ورمت به للطّية القصوى التي ... ما وردها لسواه بالمورود
هلّا حننت إلى معاهدنا التي ... كنت الحليّ لنحرها والجيد؟
ورياض أنس بالمشايخ «2» طارحت ... فيه الحمائم صوت سجع العود
ومبيتنا فيها وصفو مدامنا ... صفو المودّة لابنة العنقود
والعيش أخضر والهوى يدني جنى ... زهرات ثغر أو ثمار نهود
(1/28)

والقضب رافلة يعانق بعضها ... بعضا إذا اعتنقت غصون قدود
لهفي على ذاك الزمان وطيبه ... وعلى مناه وعيشه المحسود
تلك الليالي لا ليالي بعدها ... عطّلن إلّا من جوى وسهود
كانت قصارا ثم طلن ففيها «1» ... تأتي على المقصور والممدود
وأما ما استند إلى الجبل، فيتصل به البيازين في سفح الجبل، المتصل بالكدية ابن سعد، متّصلا بالكدية المبصلة، المنسوبة لعين الدّمع «2» ، منعطفة على عين القبلة، متصلة بجبل الفخّار «3» ، ناهلة في غمر الماء المجلوب على ذلك السّمت؛ أوضاع بديعة، وبساتين رائقة، وجنّات لا نظير لها، في اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، والإشراف على الأرجاء، ففيها القصور المحروسة، والمنارة المعمورة، والدّور العالية، والمباني القصبيّة «4» ، والرياحين النّضيرة، قد فضّ فيها أهل البطالة، من أولي الحبرة، الأكياس، وأرخصوا على النفقة عليها، غالي النّشب «5» ، تتنازع في ذلك غير الخادمين، من خدّام الدولة على مرّ الأيام، حتى أصبحت نادرة الأرض، والمثل في الحسن. ولهذه البقعة ذكر يجري في المنظومات على ألسنة البلغاء من ساكنيها وزوّارها؛ فمن أحسن ما مرّ من ذلك قول شيخنا أبي البركات «6» : [الطويل]
ألا قل لعين الدمع يهمي بمقلتي ... لفرقة عين الدمع وقفا على الدّم
وذكرته في قصيدة فقلت: [الكامل]
يا عهد عين الدمع، كم من لؤلؤ ... للدمع جاد به عساك تعود!
تسري نواسمك اللّدان بليلة ... فيهزّني شوق إليك شديد
(1/29)

وقلت من أبيات تكتب في قبّة بقصري الذي اخترعته بها: [الطويل]
إذا كان عين الدمع عينا حقيقة ... فإنسانها ما نحن فيه ولادع
فدام لخيل الأنس واللهو ملعبا ... ولا زال مثواه المنعّم مرتع
تودّ الثّريّا أن تكون له ثرى ... وتمدحه الشّعرى وتحرسه ألمع
وقال صاحبنا الفقيه أبو القاسم بن قطبة «1» من قصيدة: [الطويل]
أجل إنّ عين الدمع قيد النّواظر ... فسرّح عيونا في اجتلاء النّواظر
وعرّج على الأوزان إن كنت ذا هوى ... فإنّ رباه مرتع للجآذر
وصافح بها كفّ البهار مسلّما ... وقبّل عذار الأنس بين الأزاهر
وخذها على تلك الأباطح والرّبى ... معتّقة تجلو الصّدا للخواطر
مدامة حان أنسى للدهر «2» عمرها ... فلم تخش أحداث الدّهور الدّوائر
تحدّث عن كسرى وساسان قبله ... وتخبر عن كرم يخلّد داثر
وهي طويلة. وقال أيضا من قصيدة طويلة: [الطويل]
وليلا بعين الدمع وصلا قطعته ... وأنجمه بين النّجوم سعود
ترى الحسن منشور اللواء بسرّه ... وظلّ الأماني في رباه مديد
فبتنا ومن روض الخدود أزاهر ... لدينا ومن ورد الرّياض خدود
وتفّاحنا وسط الرّياض مورّد ... ورمّاننا وسط الصّدور نهود
وقد عرفت نصّ الهوى وذميله ... تهائم من أكبادنا ونجود
وقال من قصيدة: [البسيط]
ومل بنا نحو عين الدمع نشربها ... حيث السّرور بكأس الأنس يسقيني
حيث المنى وفنون اللهو راتعة ... والطّير من طرب فيها تناجيني
وجدول الماء يحكي في أجنّته ... صوارما جرّدت في يوم صفّين
وأعين الزهر في الأغصان جاحظة ... كأنها بهوى الغزلان تغريني
(1/30)

ومن ذلك: [الطويل]
سهرت بعين الدمع أرعى ربوعه ... وحسبي من الأحباب رعي المنازل
ينافحني عرف إذا هبّت الصّبا ... ويقنعني طيف الحبيب المراسل
والأقاويل في ذلك أكثر من أن يحاط بها كثرة، وما سوى هذه الجهة فغير لاحق بهذه الرّتبة، مما معوّله على محض الفائدة وصريح العائدة. وتذهب هذه الغروس المغروسة قبلة، ثم يفيض تيارها إلى غرب المدينة، وقد تركت بها الجبال الشّاهقة، والسّفوح العريضة، والبطون الممتدة، والأغوار الخائفة، مكلّلة بالأعناب، غاصّة بالأدواح، متزاحمة بالبيوت والأبراج، بلغ إلى هذا العهد عددها في ديوان الخرص «1» ، إلى ما يناهز أربعة عشر ألفا، نقلت ذلك من خطّ من يشار إليه في هذه الوظيفة؛ وقاها الله مضرّة السنين، ودفع عنها عباب القوم الظّالمين، وعدوان الكافرين.
فصل
ويحيط «2» بما خلف السّور من المنى، والجنّات، في سهل المدينة، العقار الثمين، العظيم الفائدة، المتعاقبة الغلّة، الذي لا يعرف الجمام، ولا يفارق الزّرع من الأرض البيضاء، ينتهي ثمن المرجع منها العلي، إلى خمسة وعشرين دينارا من الذهب العين، لهذا العهد فيه مستخلص السلطان، ما يضيق عنه نطاق القيمة، ذرعا وغبطة وانتظاما؛ يرجع إلى دور ناجمة، وبروج سامية، وبيادر فسيحة، وقصاب «3» للحمائم والدّواجن ماثلة، منها في طوق البلد، وحمى سورها، جملة؛ كالدّار المنسوبة إلى هذيل، والدار المنسوبة إلى أم مرضى، والدار البيضاء، والدار المنسوبة إلى السّنينات، والدار المعروفة بنبلة ووتر؛ وبالمرج ما يساير جرية النّهر كقرية وكروبها حصن خريز، وبستان وبشر عيون، والدار المنسوبة إلى خلف، وعين الأبراج، والحشّ «4» المنسوب إلى الصّحاب؛ وقرية رومة وبها حصن وبستان، والدار المنسوبة إلى العطشى، وبها حصن؛ والدار المنسوبة لابن جزي، والحشّ المنسوب لأبي علي؛ وقرية ناجرة، ومنها فضل بن مسلمة الحسني، وبها حصن، وحوله
(1/31)

ربض، فيه من الناس أمّة؛ وقرية سنيانة وفيها حصن؛ وقرية أشكر؛ وقريتي بيبش وواط، وبهما حصنان؛ وقرية واط عبد الملك بن حبيب. وفي هذه القرى الجمل الضخمة من الرجال؛ والفحول من الحيوان الحارث لآثار الأرض؛ وعلاج الفلاحة؛ وفي كثير منها الأرحى والمساجد. وما سوى هذه من القرى، المستخلص من فضلة الإقطاع، وقصرت به الشّهرة عن هذا النّمط، فكثير.
ويتخلّل هذا المتاع الغبيط «1» الذي هو لباب الفلاحة، وغير هذه المدرة «2» الطيّبة؛ سائر القرى التي بأيدي الرّعيّة، مجاورة لهذه الحدود، وبنات لهذه الأمهات.
منها ما انبسط وتمدّد، فاشترك فيه الألوف من الخلق، وتعدّدت منه الأشكال؛ ونحن نوقع الاسم منه على البقعة من غير ملاحظة للتّعدّد. ومنها ما انفرد بمالك واثنين فصاعدا، وهو قليل؛ وتنيف أسماؤها على ثلاثمائة قرية ما عدا ما يجاور الحضرة من كثير من قرى الإقليم أو ما استضافته حدود الحصون المجاورة «3» . فمن ذلك:
حوز الساعدين «4» وفيه القرى. وحوز وتر «5» ، ومنها إبراهيم بن زيد المحاربي.
وقرية قلجار «6» . وقرية ياجر الشاميّين. وقرية ياجر البلديين «7» . وقرية قشتالة «8» ، ومنها قاسم بن إمام من أصحاب سحنون، ونزل بها جدّه عطية بن خالد المحاربي. وقرية أججر «9» . وقرية أرملة الكبرى. وقرية أرملة الصغرى «10» . وقرية رقاق وهمدان «11» ، منها الغريب بن يزيد الشّمر، جدّ بني أضحى. وقرية الغيضون. وقرية لسّانة «12» .
(1/32)

وحارة الجامع. وحارة الفراق. وقرية غرليانة. وحشّ البكر «1» . وغدير الصغرى وغدير الكبرى، من إقليم البلاط، منها يربوع بن عبد الجليل، ونزل بها جدّه يربوع بن عبد الملك بن حبيب. وقرية قولر «2» . وقرية جرليانة «3» . وقرية حارة عمروس «4» .
وحشّ الطّلم «5» . وقرية المطار. وقرية الصّرمورتة «6» . وقرية بلسانة «7» . وقرية الحبشان. وقرية الشوش «8» . وقرية عرتقة. وقرية جيجانة «9» . وقرية السّيجة. وقنب قيس «10» . وقرية برذنار «11» . وقرية دوير تارش. وقرية آقلة «12» . وقرية أحجر «13» .
وقرية تجرجر «14» . وقرية والة. وقرية أنقر. وقرية الغروم «15» . وقرية دار وهدان.
وقرية بيرة «16» . وقرية القصيبة. وقرية أنطس. وقرية فنتيلان «17» . وقرية سنبودة.
وحش زنجيل. وقرية أشتر. وقرية غسّان «18» ، منها مطر بن عيسى بن الليث. وقرية شوذر «19» . وقرية سنتشر «20» . وقرية ابن ناطح. وقرية الملّاحة «21» ، ومنها محمد بن عبد الواحد الغافقي أبو القاسم الملاحي. وقرية القمور، منها أصبغ بن مطرّف. وقرية نفجر وغرنطلة «22» . وقرية بيرة، وبها مسجد قراءة ابن حبيب. وقرية قولجر «23» ، منها
(1/33)

سهل بن مالك. وقرية شون «1» ، منها محمد بن هانىء الأزدي الشاعر المفلق، ومحمد بن سهل، جدّ هذا البيت، بني سهل بن مالك. وقرية بليانة «2» . وقرية برقلش «3» . وقرية ضوجر. وقرية البلّوط «4» . وقرية أنتيانة «5» . وقرية مرسانة «6» .
وقرية الدّوير. وقرية الشّلان. وقرية طغنر «7» ، منها الطّغنري صاحب الفلاحة.
وقرية حش الدجاج. وقرية حش نوح. وقرية حش خليفة. وحش الكوباني.
وحش المعيشة. وحش السلسلة. وقرية الطرف «8» . وقرية إلبيرة «9» . وقرية الشّكروجة «10» ، ومنها عيسى بن محمد بن أبي زمنين. وعين الحورة. وحش البومل. وقرية بلومال «11» . وقرية رقّ المخيض. وقرية الغيضون الحورة. وقرية أشقطمر. وقرية الدّيموس الكبرى. وقرية الديموس الصغرى «12» . وقرية دار الغازي. وقرية سويدة. وحش قصيرة. وقرية الرّكن. وقرية ألفنت «13» ، ومنها صخر بن أبان. وقرية الكدية «14» . وقرية لاقش «15» . وقرية قربسانة «16» . وقرية برسانة برياط. وقرية الولجة. وقرية ماس. وحش علي. وحش بني الرّسيلية.
وحش رقيب. وحش البلّوطة. وحش الرّوّاس. وحش مرزوق. وقرية قبالة «17» .
وقرية نبالة. وقرية العيران. وبرج هلال «18» . وقرية قلتيش «19» . وقرية
(1/34)

القنار «1» . وقرية أربل. وقرية بربل. وقرية قرباسة. وقرية أشكن. وقرية قلنبيرة «2» .
وقرية سعدى. وقرية قلقاجج «3» . وقرية فتن «4» . وقرية مرنيط. وقرية ددشطر. وقرية شتمانس «5» . وقرية أرنالش «6» . وقرية وابشر «7» . وقرية ققلولش «8» . وقرية النّبيل «9» .
وقرية الفخّار «10» . وقرية القصر «11» ، ومنها محمد بن أحمد بن مرعياز الهلالي. وقرية بشر. وقرية بنوط «12» . وقرية كورة. وقرية لص. وقرية بيش «13» . وقرية قنتر «14» .
وقرية دور. وقرية قلنقر. وقرية غلجر «15» ، ومنها هشام بن عبد العظيم بن يزيد الخولاني. وقرية ذرذر «16» . وقرية ولجر. وقرية قنالش «17» . وقرية إبتايلس. وقرية سج. وقرية منشتال «18» . وقرية الوطا «19» . وقرية واني. وقرية قريش. وقرية الزّاوية «20» .
وقد ذكرنا أن أكثر هذه القرى أمصار، فيها ما يناهز خمسين خطبة، تنصب فيها لله المنائر، وترفع الأيدي، وتتوجّه الوجوه.
وجملة المراجع العلمية المرتفعة فيها، في الأزمنة، في العام بتقريب، ومعظمها السقي الغبيط السّمين، العالي، مائتا ألف وثنتان «21» وستون ألفا، وينضاف إلى ذلك مراجع الأملاك السلطانية، ومواضع أحباس المساجد، وسبل الخير، ما
(1/35)

ينيف على ما ذكر، فيكون الجميع باحتياط، خمسمائة ألف وستّون ألفا، والمستفاد فيها من الطعام المختلف الحبوب للجانب السلطاني، ثلاثمائة ألف قدح ويزيد، ويشتمل سورها وما وراءه من الأرحاء الطّاحنة بالماء، على ما ينيف على مائة وثلاثين رحى «1» ، ألحفها الله جناح الأمنة، ولا قطع عنها مادّة الرحمة، بفضله وكرمه.
فصل
وقد فرغنا من ذكر رسوم هذا القطر ومعاهده، وفرغنا من تصويره وتشكيله، وذكر قراه وجنّاته «2» ، وقصوره ومتنزّهاته، فنحن الآن نذكر بعضا من سير أهله، وأخلاقهم، وغير ذلك من أحوالهم بإجمال واختصار، فنقول «3» :
أحوال هذا القطر في الدّين وصلاح العقائد أحوال سنيّة، والنّحل فيهم معروفة «4» ؛ فمذاهبهم «5» على مذهب مالك بن أنس، إمام دار الهجرة جارية، وطاعتهم للأمراء محكمة، وأخلاقهم في احتمال المعاون الجبائيّة جميلة.
وصورهم حسنة، وأنوفهم»
معتدلة غير حادّة، وشعورهم سود مرسلة، وقدودهم متوسطة معتدلة، إلى القصر، وألوانهم زهر مشربة بحمرة، وألسنتهم فصيحة عربية، يتخلّلها غرب «7» كثير، وتغلب عليهم «8» الإمالة، وأخلاقهم أبيّة في معاني المنازعات، وأنسابهم عربيّة، وفيهم من البربر والمهاجرة كثير. ولباسهم الغالب على طرقاتهم «9» ، الفاشي بينهم، الملفّ المصبوغ «10» شتاء، وتتفاضل «11» أجناس البزّ «12» بتفاضل الجدّة، والمقدار، والكتّان والحرير، والقطن، والمرعزّى، والأردية الإفريقيّة، والمقاطع التونسية، والمآزر المشفوعة صيفا، فتبصرهم في المساجد، أيّام الجمع، كأنّهم الأزهار المفتّحة، في البطاح الكريمة، تحت الأهوية المعتدلة.
(1/36)

وأنسابهم حسبما يظهر من الإسترعات «1» ، والبيعات السلطانية والإجازات، عربية: يكثر فيها القرشي، والفهري، والأموي، والأمّي، والأنصاري، والأوسي، والخزرجي، والقحطاني، والحميري، والمخزومي، والتّنوخي، والغسّاني، والأزدي، والقيسي، والمعافري، والكناني، والتّميمي، والهذلي، والبكري، والكلابي، والنّمري، واليعمري، والمازني، والثّقفي، والسّلمي، والفزاري، والباهلي، والعبسي، والعنسي، والعذري، والحججي، والضّبّي، والسّكوني، والتّيمي، والعبشمي، والمرّي، والعقيلي، والفهمي، والصّريحي، والجزلي، والقشيري، والكلبي، والقضاعي، والأصبحي، والهواري، والرّعيني، واليحصبي، والتّجيبي، والصّدفي، والحضرمي، والحيّ، والجذامي، والسّلولي، والحكمي، والهمداني، والمذحجي، والخشني، والبلوي، والجهني، والمزني، والطّائي، والغافقي، والأسدي، والأشجعي، والعاملي، والخولاني، والأيادي، واللّيثي، والخثعمي، والسّكسكي، والزّبيدي، والتّغلبي، والثّعلبي، والكلاعي، والدّوسي، والحواري، والسّلماني.
هذا، ويرد كثير في شهادتهم، ويقلّ من ذلك السّلماني نسبا، وكالدّوسي، والحواري، والزّبيدي؛ ويكثر فيهم، كالأنصاري، والحميدي، والجذامي، والقيسي، والغسّاني، وكفى بهذا شاهدا على الأصالة، ودليلا على العروبيّة.
وجندهم «2» صنفان؛ أندلسي وبربري؛ والأندلسي «3» منها يقودهم رئيس من القرابة أو حصيّ «4» من شيوخ الممالك. وزيّهم في القديم شبه «5» زيّ أقتالهم وأضدادهم من جيرانهم الفرنج، إسباغ الدّروع، وتعليق التّرسة، وحفا «6» البيضات، واتخاذ عراض الأسنّة، وبشاعة قرابيس السروج، واستركاب حملة الرّايات خلفه «7» ؛ كلّ منهم بصفة «8» تختصّ بسلاحه، وشهرة يعرف بها. ثم عدلوا الآن عن هذا الذي
(1/37)

ذكرنا «1» ، إلى الجواشن المختصرة، والبيضات المرهفات «2» ، والسّروج العربية، والبيت «3» اللّمطية، والأسل العطفية «4» .
والبربري منه، يرجع «5» إلى قبائله المرينيّة، والزّناتية، والتّجانية، والمغراوية «6» والعجيسية، والعرب المغربية إلى أقطاب ورؤوس، يرجع أمرهم إلى رئيس، على رؤسائهم، وقطب لعرفائهم، من كبار القبائل المرينيّة، يمتّ إلى ملك المغرب بنسب.
والعمائم تقلّ في زيّ أهل هذه الحضرة، إلّا ما شاد «7» في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم، والجند العربي «8» منهم. وسلاح جمهورهم العصيّ الطويلة، المثنّاة بعصيّ صغار ذوات «9» عرى في أواسطها «10» ، تدفع بالأنامل عند قذفها تسمّى «بالأمداس» ؛ وقسيّ الإفرنجة «11» يحملون على التّدريب «12» بها على الأيام.
ومبانيهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد؛ والغنى «13» بمدينتهم فاش، حتى «14» في الدكاكين التي تجمع صنائعها كثيرا من الأحداث، كالخفّافين «15» ومثلهم.
وقوتهم الغالب، البرّ الطيّب، عامّة العام «16» ، وربما اقتات في فصل الشتاء الضّعفة والبوادي «17» والفعلة في الفلاحة، الذّرة العربية، أمثل أصناف القطاني «18» الطيبة.
وفواكههم اليابسة عامّة العام، متعددة؛ يدّخرون العنب سليما من الفساد إلى شطر «19» العام؛ إلى غير ذلك «20» من التّين، والزّبيب، والتفاح، والرّمّان، والقسطل «21» ،
(1/38)

والبلّوط، والجوز، واللّوز، إلى غير ذلك ممّا لا ينفد «1» ، ولا ينقطع مدده إلّا في الفصل الذي يزهد في استعماله.
وصرفهم فضّة خالصة، وذهب إبريز طيّب محفوظ «2» ، ودرهم مربّع الشّكل، من وزن المهدي القائم بدولة الموحّدين، في الأوقية منه سبعون درهما، يختلف الكتب فيه. فعلى عهدنا، في شقّ: «لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» ؛ وفي شقّ آخر: «لا غالب إلّا الله، غرناطة» . ونصفه وهو القيراط، في شقّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(2) «3» . وفي شقّ: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
«4» . ونصفه وهو الرّبع، في شقّ: هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
«5» . وفي شقّ: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
«6» .
ودينارهم في الأوقية منه، ستة دنانير وثلثا دينار؛ وفي الدينار الواحد ثمن أوقية وخمس ثمن أوقية. وفي شقّ منه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
«7» .
ويستدير به قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
(163) «8» .
وفي شقّ: «الأمير عبد الله محمد بن «9» يوسف بن أمير المسلمين أبي الحجّاج بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن نصر، أيّد الله أمره» . ويستدير به شعار هؤلاء الأمراء: «لا غالب إلّا الله» . ولتاريخ تمام هذا الكتاب، في وجّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(200) «10» .
ويستدير به: «لا غالب إلا الله» . وفي وجه: «الأمير عبد الله الغني بالله، محمد بن يوسف بن إسماعيل بن نصر، أيّده الله وأعانه» . ويستدير بربع: «بمدينة غرناطة حرسها الله» .
وعادة «11» أهل هذه المدينة الانتقال إلى حلل «12» العصير أوان إدراكه، بما تشتمل عليه دورهم، والبروز إلى الفحوص «13»
(1/39)

بأولادهم «1» ، معوّلين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم، وعلى كثب دورهم «2» ، واتّصال أمصارهم بحدود أرضه. وحليهم في القلائد، والدّمالج، والشّنوف «3» ، والخلاخل الذّهب الخالص، إلى هذا العهد، في أولي «4» الجدّة؛ واللجين في كثير من آلات الرّجلين، فيمن عداهم. والأحجار النفيسة من الياقوت، والزّبرجد والزّمرّد ونفيس الجوهر، كثير ممّن «5» ترتفع طبقاتهم المستندة إلى ظلّ دولة، أو أصالة «6» معروفة موفّرة.
وحريمهم، حريم جميل، موصوف بالسحر «7» ، وتنعّم الجسوم، واسترسال الشّعور، ونقاء الثّغور، وطيب النّشر «8» ، وخفّة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المحاورة، إلّا أن الطّول يندر فيهنّ. وقد بلغن من التّفنّن في الزينة لهذا العهد، والمظاهرة بين المصبغات، والتّنفيس «9» بالذّهبيّات والدّيباجيّات، والتّماجن في أشكال الحلي، إلى غاية نسأل الله أن يغضّ عنهنّ فيها، عين الدهر، ويكفكف الخطب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بستره، ولا يسلبهم خفيّ لطفه؛ بعزّته وقدرته.
فصل فيمن تداول هذه المدينة من لدن أصبحت دار إمارة باختصار واقتصار
قال المؤلّف «10» : أول من سكن هذه المدينة سكنى استبداد، وصيّرها دار ملكه ومقرّ أمره، الحاجب المنصور أبو مثنّى زاوي بن زيري «11» بن مناد، لمّا تغلّب جيش البربر مع أميرهم سليمان بن الحكم على قرطبة، واستولى على كثير من كور الأندلس عام ثلاثة وأربعمائة فما بعدها، وظهر على طوائف الأندلس، واشتهر أمره، وبعد صيته. ثم اجتاز البحر إلى بلد قومه بإفريقية، بعد أن ملك غرناطة سبع سنين، واستخلف ابن أخيه حبّوس بن ماكسن، وكان حازما داهية، فتوسّع النظر إلى أن مات
(1/40)

سنة تسع وعشرين وأربعمائة «1» . وولي بعده حفيده عبد الله بن بلكّين بن باديس، إلى أن خلع عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، وتصيّر أمرها إلى أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ملك لمتونة عند تملّكه الأندلس، ثم إلى ولده عليّ بن يوسف. وتنوّب إمارتها جملة من أبناء الأمراء اللمتونيين وقرابتهم كالأمير أبي الحسن علي بن الحاجّ وأخيه موسى، والأمير أبي زكريا يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم، والأمير أبي الطّاهر تميم، والأمير أبي محمد مزدلي، والأمير أبي بكر بن أبي محمد، وأبي طلحة الزّبير بن عمر، وعثمان بن بدر اللّمتوني، إلى أن انقرض أمرهم عام أربعين وخمسمائة.
وتصيّر الأمر للموحّدين، وإلى ملكهم أبي محمد عبد المؤمن بن علي «2» ، فتناوبها جملة من بنيه وقرابته، كالسيّد أبي عثمان ابن الخليفة؛ والسّيّد أبي إسحاق ابن الخليفة؛ والسّيّد أبي إبراهيم ابن الخليفة؛ والسيد أبي محمد ابن الخليفة؛ والسيد أبي عبد الله، إلى أن انقرض منها أمر الموحّدين.
وتملّكها المتوكّل على الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد يوسف بن هود «3» في عام ستة وعشرين وستمائة، ثم لم ينشب أن تملّكها أمير المسلمين الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي، جدّ هؤلاء الأمراء الكرام موالينا، رحم الله من درج منهم، وأعان من خلفه، إلى أن توفي عام أحد وسبعين وستمائة. ثم ولي الأمر بعده ولده وسميّه محمد بن محمد، فقام بها أحمد قيام، وتوفي عام أحد وسبعمائة.
ثم ولي بعده سميّه محمد إلى أن خلع يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، وتوفي عام أحد عشر وسبعمائة في ثالث شوّال منه. ثم ولي بعده أخوه نصر بن مولانا أمير المسلمين أبي عبد الله، فأرتب أمره، وطلب الملك اللّاحق به مولانا أمير المسلمين أبو الوليد إسماعيل بن فرج، فغلب على الإمارة، ثاني عشر ذي القعدة من عام ثلاثة عشر وسبعمائة؛ وانتقل نصر إلى وادي آش مخلوعا، موادعا بها إلى أن مات عام اثنين وعشرين وسبعمائة. وتمادى ملك السلطان أمير المسلمين أبي الوليد إلى السادس والعشرين من رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ووثب عليه بعض قرابته فقتله،
(1/41)

وعوجل بالقتل مع من حضر منهم. وتولّى الملك بعده ولده محمد، واستمرّ سلطانه إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، وقتل بظاهر جبل الفتح «1» . وولي بعده أخوه مولانا السلطان أبو الحجاج لباب هذا البيت، وواسطة هذا العقد، وطراز هذه الحلية، ثم اغتاله ممرور من أخابيث السّوقة، قيّضه الله إلى شهادته، وجعله سببا لسعادته، فأكبّ عليه في الرّكعة الآخرة من ركعتي عيد الفطر، بين يدي المحراب، خاشعا، ضارعا، في الحال الذي أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد، وضربه بخنجر مهيّئ للفتك به، في مثل ذلك الوقت، كان، زعموا، يحاول شحذه منذ زمان، ضربة واحدة، على الجانب الأيسر من ظهره، في ناحية قلبه، فقضى عليه، وبودر به فقتل.
وولي الأمر بعده محمد «2» ، ولده أكبر بنيه، وأفضل ذويه، خلقا وخلقا وحياء وجودا، ووقارا وسلامة وخيريّة، ودافع دولته من لا يعبأ الله به «3» ؛ ثم تدارك الأمر سبحانه، وقد أشفى، ودافع وكفى، بما يأتي في محلّه إن شاء الله. وهو أمير المسلمين لهذا العهد، متّع الله به، وأدام مدته، وكتب سعادته، وأطلق بالخير يده، وجعله بمراسيم الشريعة من العاملين، ولسلطان يوم الدين من الخائفين، المراقبين، بفضله.
وقد أتينا بما أمكن من التعريف بأحوال هذه الحضرة على اختصار. ويأتي في أثناء التّعريف برجالها كثير من تفصيل ما أجمل، وتتميم ما بدأ، وإيضاح ما خفي بحول الله تعالى.
(1/42)

القسم الثاني في حلى الزّائر والقاطن والمتحرّك والسّاكن
(1/43)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
أحمد بن خلف بن عبد الملك الغساني القليعي «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، من جلّة أعيانها، تنسب إليه الساقية الكبرى المجاورة لطوق الحضرة إلى إلبيرة، وما والاها.
حاله: قال ابن الصّيرفي: كان الفقيه أبو جعفر القليعي، من أهل غرناطة، فريد عصره، وقريع دهره، في الخير والعلم والتّلاوة؛ وله حزب من اللّيل، وكان سريع الدّمعة، كثير الرّواية؛ وهو المشار إليه في كل نازلة، وله العقد والحلّ والتقدّم والسّابقة، مع منّة في جلائل الأمور، والنّهضة بالأعباء وسموّ الهمّة.
غريبة في شأنه: قال: كان باديس بن حبّوس أمير بلده يتفرّس فيه أن ملك دولته ينقرض على يديه، فكان ينصب لشأنه أكلبا، ويتملّظ بسيفه إلى قتله، فحماه الله منه بالعلم، وغلّ يده، وأغمد سيفه، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
مشيخته: روى «2» عن أبي عمر بن القطّان، وأبي عبد الله بن عتّاب، وأبي زكريا القليعي، وأبي مروان بن سراج؛ وكان ثقة صدوقا، أخذ عنه الناس.
محنته: ولمّا أجاز أمير لمتونة يوسف بن تاشفين البحر مستدعى إلى نصر المسلمين، ثاني حركاته إلى الأندلس، ونازل حصن أليط «3» ، وسارع ملوك الطوائف
(1/45)

إلى المسير في جملته، كان ممّن وصل إليه الأمير عبد الله بن بلكّين بن باديس، صاحب غرناطة، ووصل صحبته الوزير أبو جعفر بن القليعي، لرغبته في الأجر مع شهرة مكانه، وعلوّ منصبه، ولنهوض نظرائه من زعماء الأقطار إلى هذا الغرض.
وكان مضرب خيام القليعي قريبا من مضرب حفيد باديس، ولمنزلته عند الأمير يوسف بن تاشفين، وله عليها الحفوف وله به استبداد وانفراد كثير وتردّد كثير، حتى نفى بذلك حفيد باديس، وأنهم عينه. قال المؤرّخ: وكيفما دارت الحال، فلم يخل من نصح لله ولأمير المسلمين.
قلت: حفيد باديس كان أدرى بدائه، قصّر الله خطانا من مدارك الشّرور. فلمّا صدر حفيد باديس إلى غرناطة، استحضره ونجهه، وقام من مجلسه مغضبا، وتعلقت به الخدمة، وحفّت به الوزعة «1» والحاشية، وهمّوا بضربه؛ إلّا أن أمّ عبد الله تطارحت على ابنها في استحيائه، فأمر بتخليصه، وسجنه في بعض بيوت القصر؛ فأقبل فيه على العبادة والدعاء والتّلاوة؛ وكان جهير الصوت، حسن التّلاوة، فأرتج القصر، وسكنت لاستماعه الأصوات، وهدأت له الحركات، واقشعرّت الجلود.
وخافت أم عبد الله على ولدها، عقابا من الله بسببه، فلاطفته حتى حلّ عقاله، وأطلقه من سجنه. ولمّا تخلّص أعدّها غنيمة. وكان جزلا، قويّ القلب، شديد الجزم؛ فقال الصّيد بغراب أكيس؛ فاتخذ الليل جملا؛ فطلع له الصباح بقلعة يحصب، وهي لنظر ابن عبّاد «2» ، وحثّ منها السّير إلى قرطبة؛ فخاطب منها يوسف بن تاشفين بملء فيه، بما حرّكه وأطمعه؛ فكان من حركته إلى الأندلس، وخلع عبد الله بن بلكّين من غرناطة، واستيلائه عليها، ما يرد في اسم عبد الله وفي اسم يوسف بن تاشفين، إن شاء الله. وبدا لحفيد باديس في أمر أبي جعفر القليعي، ورأى أنه أضاع الحزم في إطلاقه، فبحث عنه من الغد، وتقصّت عنه البلدة، فلم يقع له خبر، إلى أن اتّصل به خبر نجاته، ولحاقه بمأمنه. فرجع باللائمة على أمّه، ولات حين مندم. ولم يزل أبو جعفر مدّته في دول الملوك، من لمتونة، معروف الحقّ، بعيد الصّيت والذّكر، صدر الحضرة، والمخصوص بعلوّ المرتبة إلى حين وفاته «3» .
(1/46)

أحمد بن محمد بن أحمد بن يزيد الهمداني اللخمي
من أهل غرناطة.
حاله: كان فقيها وزيرا جليلا حسيبا حافلا.
وفاته: توفي بإلبيرة قبل الثلاثين وأربعمائة.
ذكره أبو القاسم الغافقي في تاريخه وابن اليسر في مختصره وأثنى عليه.
أحمد بن محمد بن أضحى بن عبد اللطيف بن غريب ابن يزيد بن الشّمر بن عبد شمس بن غريب الهمداني الإلبيري «1»
من نزلاء قرية همدان؛ ذكره ابن حيّان، والغافقي، وابن مسعدة، وغيرهم؛ فقال جميعهم: كان من أهل البلاغة، والبيان، والأدب، والشعر البارع.
مناقبه: قدم على الخليفة أبي مطرّف عبد الرحمن «2» ، فقام خطيبا بين يديه، فقال «3» : الحمد لله المحتجب بنور عظمته، عن أبصار بريّته، والدّال بحدوث خلقه على أوّليّته، والمنفرد بما أتقن من عجائب دهره ومنن «4» صمديّته، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، إقرارا بوحدانيته «5» ، وخضوعا لعزّه «6» وعظمته. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله «7» ، انتخبه من أطيب «8» البيوتات، واصطفاه من أطيب البيوتات، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما لديه. وقد قبل سعيه، وأدّى أمانته، فصلّى الله عليه وسلّم تسليما. ثم إنّ الله لمّا أن بعثه «9» من أكرم خلقه، وأكرمه «10» برسالته وأنزل عليه محكم تنزيله، واختار له من أصحابه وأشياعه مخلفا «11» ، جعل
(1/47)

منهم أئمّة يهدون بالحق، وبه يعدلون؛ فجعل الله الأمير، أعزّه الله، وارث ما خلّفوه من معاليهم «1» ، وباني ما أسّسوه من مشاهدهم، حتى أمّن المسالك، وسكن الخائف، رحمة من الله، ألبسه كرامتها، وطوّقه فضيلتها «2» ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«3» : [الرجز]
الله «4» أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك حتى قلّدوك طوقها
ثم أردف قوله بهذه الأبيات «5» : [الطويل]
أيا ملكا ترمى «6» به قضب الهند ... إذا لمعت بين المغافر والزّرد «7»
ومن بأسه في منهل الموت وارد ... إذا أنفس الأبطال كلّت «8» عن الورد
ومن ألبس الله الخلافة نعمة ... به فاقت النّعمى وجلّت عن الحدّ «9»
فلو نظمت مروان في سلك فخرها ... لأصبح من مروان واسطة العقد
تجلّى على «10» الدّنيا فأجلى «11» ظلامها ... كما انجلت الظّلماء عن قمر السّعد
إمام هدى «12» أضحت به العرب غضّة «13» ... ملبّسة نورا كواشية «14» البرد
كفاني لديه أن جعلت وسائلي «15» ... ذماما «16» شآميّ الهوى مخلص الودّ
يؤكّد ما يدلي به من متانة «17» ... خلوص «18» أبيه عبدك الفارس النّجد «19»
(1/48)

تأمّل رواه «1» والرّماح شواجر ... وخيل إلى خيل بأبطالها تردي
رأى أسدا وردا يخفّ «2» إلى الوغى ... وربّتما «3» أربى على الأسد الورد
فأنعم عليه اليوم «4» يا خير منعم ... بإظهار تشريف «5» وعقد يد عندي
ولا تشمت الأعداء أن جئت قاصدا ... إلى ملك الدّنيا فأحرم من «6» قصدي
فعند الإمام المرتضى كلّ نعمة ... وشكرا لما يلحيه «7» من نعمة عندي
فلا زال في الدّنيا سعيدا مظفّرا ... وبوّىء في دار العلى جنّة الخلد
وكان «8» من بيت سماحة «9» وفصاحة وخطابة، فعلا «10» شرفه بهذه الخصال؛ فسجّل له على أرحية؛ وحصن نبيل ببني هود «11» وغير ذلك، فانقلب مرعيّ الوسائل، ومقضيّ الرّسائل «12» .
قال «13» المؤلّف: أرى ابن فركون قبل الست عشرة والثلاثمائة.
أحمد بن محمد بن أحمد بن هشام القرشي «14»
من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن فركون.
أوليته: وكفى بالنسب القرشي أوّليّة.
حاله من عائد الصلة: كان «15» من صدور القضاة «16» بهذا الصّقع الأندلسي، اضطلاعا «17» بالمسائل ومعرفة بالأحكام من مظانّها، كثير المطالعة والدّروب،
(1/49)

وحيّ «1» الإجهاز في فصل القضايا، نافذ المقطع، كثير الاجتهاد والنّظر، مشاركا في فنون، من عربيّة، وفقه، وقراءة، وفرائض، طيّب النّغمة بالقرآن، حسن التّلاوة، عظيم الوقار، بين طبع ومكسوب، فائق الأبّهة، مزريا بمن دونه من الفقهاء، وعاقدي الشروط، مسقطا للكنى والتّجلّات، يعامل الكهول معاملة الأحداث، ويتهاون بتعاملات ذلك فيجعلها دبر أذنيه، ويسترسل في إطلاق عنان النّادرة الحارة، في مجالس حكمه، فضلا عن غيرها؛ وجد ذلك من يحمل عليها سببا للغرض منه.
نباهته: ترشّح بذاته، وباهر أدواته، إلى قضاء المدن النّبيهة، والأقطار الشهيرة، كرندة، ومالقة، وغيرهما. ثم ولّي قضاء الجماعة، في ظلّ جاه، وضمن حرمة.
غريبة في أمره: حدث أنه كان يقرأ في شبيبته على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن مستقور «2» بكرم له خارج الحضرة، على أميال منها في فصل العصير. قال: وجّهني يوما بغلّة من الرّبّ «3» لأبيعه بالبلد، فأصابني مطر شديد، وعدت إليه بحال سيّئة، بعد ما قضيت له وطره؛ وكان له أخ أسنّ منه، فعاتبه في شأني، وقال له: تأخذ صبيّا ضعيفا يأتيك لفائدة يستفيدها، وتعرّضه لمثل هذه المشقّة، في حقّ مصلحتك، ليس هذا من شيم العلماء، ولا من شيم الصّالحين. فقال له: دعه، لا بدّ أن يكون قاضي الجماعة بغرناطة؛ فكان كذلك، وصدقت فراسته، رحمه الله تعالى.
مشيخته: قرأ بالقرية على الأستاذ أبي القاسم بن الأصفر؛ وبغرناطة على العالم القاضي أبي الحسن محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، وعلى الشيخ المفتي أبي بكر محمد بن أبي إبراهيم بن مفرّج الأوسي بن الدبّاغ الإشبيلي، وعلى الخطيب الزاهد أبي الحسن العدّال، وعلى الأستاذ النّحوي أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف بن الصّايغ؛ بالصاد المهملة، والغين المعجمة، وعلى الأستاذ أبي الحسن الأبّدي «4» ؛ وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي، عرف بابن مستقور.
ولمّا دالت الدولة، كان له في مشايعة مخلوعها أمور اقتضتها منه أريحيّة وحسن وفاء، أوجبت عليه الخمول بعد استقرار دائلها السلطان أبي الوليد، رحمه الله؛
(1/50)

وأصابته أيام الهيج محن، ونسبت إليه نقائص زوّرتها حسدته، فصرف عن القضاء؛ وبقي مدّة مهجور الفناء، مضاع المكان، عاطل الدّولة، منتبذا في مليك له؛ خارج الحضرة، ينحني على خرثيّ «1» ساقط القيمة، ودفاتر ساقطة الثمن، يتعلّل بعلالتها، ويرجى الوقت بيسيرها.
حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، قال: زرته في منزله بعد عزله، ونسبة الأمور التي لا تليق بمثله، فأنشدني بما ينبئ عن ضجره وضيق صدره:
[المجتث]
أنا من الحكم تائب ... وعن دعاويه هارب «2»
بعد التّفقّه عمري «3» ... ونيل أسنى المراتب
وبعد ما كنت أرقى ... على المنابر خاطب «4»
أصبحت أرمى بعار ... للحال غير مناسب
أشكو إلى الله أمري ... فهو المثيب المعاقب
وثبت اسمه في التاريخ المسمّى «بالتاج» تأريخي بما نصّه:
شيخ الجماعة وقاضيها، ومنفّذ الأحكام وممضيها، وشايم «5» سيوفها الماضية ومنتضيها، رأس بفضيلة نفسه، وأحيا دارس رسم القضاء بدرسه، وأودع في أرض الاجتهاد، بذر السّهاد، فجنى ثمرة غرسه؛ إلى وقار يودّ رضوى رجاحته، وصدر تحسد الأرض الغبيطة ساحته، ونادرة يدعوها فلا تتوقّف، ويلقى عصاها فتتلقّف؛ ولم يزل يطمح بأمانيه، ويضطلع بما يعانيه، حتى رفع إلى الرّتبة العالية، وحصل على الحال الحالية؛ وكان له في الأدب مشاركة، وفي قريض النظم حصّة مباركة. انتهى إليّ قوله يهنّئ السلطان أبا عبد الله بن نصر «6» ، بالإبلال من مرض في اقتران بعيد وفتح، وذلك «7» : [الطويل]
شفاؤك للملك اعتزاز وتأييد ... وبرؤك مولانا به عندنا «8» عيد
(1/51)

مرضت فلم تأو النّفوس لراحة ... ولا كان للدّنيا قرار وتمهيد
ولم تستطع عيني تراك مؤلّما «1» ... ولازمها طول اعتلالك تسهيد
وشعره مختلف عن نمط الإجادة التي تناسب محلّه في العلم، وطبقته في الإدراك فاختصرته.
مولده: عام تسعة وأربعين وستمائة.
وفاته: في السادس عشر لذي القعدة عام تسعة وعشرين وسبعمائة. ذكرته في كتاب «عائد الصّلة» قاضيا، وفي كتاب «التّاج المحلى» قاضيا أديبا. وذكره أبو بكر بن الحكيم «2» في كتاب «الفوائد المستغربة، والموارد المستعذبة» من تأليفه.
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن جزيّ الكلبي «3»
من أهل غرناطة، ويعرف بابن جزيّ. أوليّته معروفة، وأصالته شهيرة، تنظر فيما مرّ من ذلك عند ذكر سلفه، وفيما يأتي في ذلك، بحول الله وقوته.
حاله: من أهل الفضل والنّزاهة، والهمّة، وحسن السّمة، واستقامة الطّريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وترشّح إلى رتب سلفه. له مشاركة حسنة في فنون، من فقه وعربيّة، وأدب، وحفظ، وشعر، تسمو ببعضه الإجادة، إلى غاية بعيدة.
مشيخته: قرأ على والده الخطيب أبي القاسم، ولازمه، واستظهر ببعض موضوعاته، وتأدّب به؛ وقرأ على بعض معاصري أبيه، وروى، واستجلب له أبوه كثيرا من أهل صقعة وغيرهم.
نباهته: ثم أرسم في الكتابة السلطانية لأوّل دولة السابع من الملوك النّصريين، منفق سوق الحلية من أبناء جنسه، أبي الحجاج بن نصر، فورى زنده، ودرّت أحلاب قريحته، وصدر له في مدائحه شعر كثير. ثم تصرّف في الخطط الشّرعية، فولّي القضاء ببرجة، ثم بأندرش، وهو الآن قاضي مدينة وادي آش، مشكور السّيرة،
(1/52)

معروف النّزاهة، أعانه ذلك وسوّده، وبلغ به رتبة سلفه. وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه:
«فاضل تحلّى بالسكينة والوقار، فمدّت إليه رقاب سلفه يد الافتقار، ما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، عني بالمحافظة على سمته من لدن عقل، ولزم خدمة العلم فما عاد ولا انتقل، ووجد من أبيه رحمه الله مرعى خصيبا فابتقل، وعمل على شاكلة سلفه في سلامة الجانب، وفضل المذاهب، وتحلّى بتلك المآثر وتوشّح، وتأهّل إلى الرّتب في سنّن الشّبيبة وترشّح؛ وله مع ذلك في لجّة الفقه سبح، وعلى بعض موضوعات أبيه شرح؛ وأدبه ساطع، وكلامه حسن المقاطع. فمن ذلك ما كتب به إليّ، وقد خاطبت ما أمكن من نظمه «1» : [المتقارب]
فديتك يا سيّدي مثلما ... فداك الزمان الذي زنته
وقوله في المقطوعات من ذلك في معنى التورية «2» : [الخفيف]
كم بكائي لبعدكم وأنيني «3» ... من ظهيري على الأسى من معيني
جرّح «4» الخدّ دمع عيني ولكن ... عجب «5» أن يجرّح ابن معين
وقال في الغنى «6» : [الطويل]
أرى الناس يولون الغنيّ كرامة ... وإن لم يكن أهلا لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وإن كان أهلا أن يلاقى بإكبار
بنو الدّهر جاءتهم أحاديث جمّة ... فما صحّحوا إلّا حديث ابن دينار «7»
ومن بديع ما صدر عنه، قوله ينسج على منوال امرئ القيس في قصيدته الشهيرة «8» : [الطويل]
أقول لحزمي «9» أو لصالح أعمالي ... (ألا عم صباحا أيها الطّلل البالي)
(1/53)

أما واعظي شيب سما فوق لمّتي ... (سموّ حباب الماء حالا على حال)
أنار به ليل الشّباب كأنه ... (مصابيح رهبان تشبّ لقفّال)
نهاني عن غيّ وقال منبّها ... (ألست ترى السّمّار والناس أحوالي) ؟
يقولون غيّره لتنعم برهة ... (وهل يعمن «1» من كان في العصر الخالي) ؟
أغالط «2» دهري وهو يعلم أنني ... (كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي)
ومؤنس نار الشّيب يقبح لهوه ... (بآنسة كأنّها خطّ تمثال) «3»
أشيخا وتأتي فعل من كان عمره ... (ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال)
وتشغفك الدّنيا وما إن شغفتها ... (كما شغف المهنوءة الرجل الطّالي)
ألا إنّها الدنيا إذا ما اعتبرتها ... (ديار لسلمى عافيات بذي خال)
فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... (لناموا فما إن من حديث ولا صال)
ذهلت بها غيّا «4» فكيف الخلاص من ... (لعوب تنسّيني إذا قمت سربالي)
وقد علمت مني مواعيد توبتي ... (بأنّ الفتى يهذي وليس بفعّال)
ومذ وثقت نفسي بحبّ محمد ... (هصرت بغصن ذي شماريخ «5» ميّال)
وأصبح شيطان الغواية خاسئا ... (عليه قتام «6» سيّء الظّنّ والبال)
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... (لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال)
فأنزل دارا للنّبيّ «7» نزيلها ... (قليل هموم ما يبيت بأوجال)
فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ... (بيثرب أدنى دارها نظر عالي)
ومن «8» ذكره عند القبول تعطّرت ... (صبا وشمأل في منازل قفّال)
جوار رسول الله مجد مؤثّل ... (وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي)
ومن «9» ذا الذي يثني عنان السّرى وقد ... (كفاني، ولم أطلب، قليلا من المال)
ألم تر أنّ الظّبية استشفعت به ... (تميل عليه هونة غير مجفال)
(1/54)

وقال لها عودي فقالت له نعم ... (ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي)
فعادت إليه والهوى قائل لها ... (وكان عداء الوحش مني على بالي)
رثى «1» لبعير قال أزمع مالكي ... (ليقتلني والمرء ليس بفعّال)
وثور ذبيح بالرسالة شاهد ... (طويل القرا «2» والرّوق أخنس ذيّال)
وحنّ إليه الجذع حنّة عاطش ... (لغيث من الوسميّ رائده خالي)
وأصلين من نخل قد التأما له ... (فما «3» احتبسا من لين مسّ وتسهال)
وقبضة «4» ترب منه ذلّت لها الظّبا ... (ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا ... (وليس بذي رمح وليس بنبّال)
وحسبك من سيف «5» الطّفيل إضاءة ... (كمصباح زيت في قناديل ذبّال)
وبذّت «6» به العجفاء كلّ مطهّم ... (له حجبات مشرفات على الفال)
ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علا ... (على هيكل نهد الجزارة جوّال)
وقد أخمدت نار لفارس طالما ... (أصابت غضى جزلا وكفّت بأجزال) «7»
أبان سبيل الرّشد إذ سبل الهدى ... (يقلن لأهل الحلم ضلّا بتضلال)
لأحمد خير العالمين انتقيتها ... (ورضت «8» فذلّت صعبة أيّ إذلال)
وإنّ رجائي أن ألاقيه غدا ... (ولست بمقليّ الخلال ولا قالي)
فأدرك آمالي وما كلّ آمل ... (بمدرك أطراف الخطوب ولا والي) «9»
ولا خفاء ببراعة هذا النّظم، وإحكام هذا النّسج، وشدّة هذه العارضة. وله تقييد في الفقه على كتاب والده، المسمّى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض يتضمّن العمل. وإحسانه كثير. وتقدم قاضيا بحضرة غرناطة، وخطيبا بمسجد السلطان، ثامن شوّال من عام ستين وسبعمائة. ثم انصرف عنها، وأعيد إليها في عام ثلاثة «10» وستين، موصوفا بالنّزاهة والمضاء.
مولده: في الخامس عشر من جمادى الأولى عام خمسة عشر وسبعمائة، وهو الآن بقيد الحياة.
(1/55)

أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي ابن محمد بن سعدة بن سعيد بن مسعدة بن ربيعة بن صخر ابن شراحيل بن عامر بن الفضل بن بكر بن بكّار بن البدر ابن سعيد بن عبد الله العامري
يكنى أبا جعفر، من أهل غرناطة.
أوّليته: عامر الذي ينتسبون إليه، عامر بن صعصعة بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
ومن مناقبهم: ميمونة أم المؤمنين، زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن عامر من أصحابه، وعاصم بن عبد الله الجعلي، ويزيد بن الحميري، وغيرهم، منزل جدّهم الداخل إلى الأندلس، وهو بكر بن بكّار بن البدر بن سعيد بن عبد الله، قرية طغنر من إقليم براجلة ابن خريز من إلبيرة.
قال ابن الصيرفي في تاريخه الصغير: منزل بني مسعدة، موضع كرم ومحمدة، ينتسبون في عامر، وهم أعيان علية، فرسان أكابر، وحجّاب وكتّاب ووزراء، ولهم سابقات ومفاخر، وأوائل وأواخر. ومنهم على القدم جليل ونبيه، ومنهم كان وضيع بن جرّاح الفقيه، لم يدخل أحد منهم في الفتنة يدا، ولا تأذّى مسلما، ولا معاهدا «1» ، على قدرتهم على ذلك، وكفى به فخرا لا ينقطع أبدا. ودخل جدّهم الأندلس بعقد بني مروان له، سنة أربع وتسعين من الهجرة. ويأتي من ذكر أعلامهم ما يدلّ على شرف بيتهم، وأصالته، وعلوّه وجلالته.
حاله: كان صدرا جليلا، فقيها مضطلعا، من أهل النّظر السّديد والبحث، قائما على المسائل، مشاركا في كثير من الفنون، جزلا مهمّا، جاريا على سنن سلفه، ريّان من العربية. وختم سيبويه تفقّها، وقرأ الفقه، واستظهر كتاب التّلقين، ودرس الأحكام الجيدة، وعرضها في مجلس واحد، وقرأ أصول الفقه، وشرح المستصفى شرحا حسنا، وقرأ الإرشاد والهداية، وكان صدرا في الفرائض والحساب، وألّف تاريخ قومه وقرابته.
(1/56)

ولايته: ولّي القضاء بمواضع من الأندلس كثيرة من البشارات «1» ، أقام بها أعواما خمسة؛ ثم لوشة، وأقام بها ثلاثة أعوام؛ ثم بسطة وبرشانة. ثم انتقل إلى مالقة وأقام بها أعواما خمسة. نبّهت على مقدار الإقامة لما في ضمن طول سني الولاية من استقامة أمر الوالي. وكان له من أمير المسلمين بالأندلس حظوة لطيفة لم تكن لغيره، استنزلها بسحر التلطّف، وخطبها بلسان التّملّق حتى استحكمت له أسبابها.
حدّثني بعض أشياخي ممّن كان يباشر مال السلطان يومئذ، قال: وجّه ابن مسعدة ابنه من مالقة، بكتاب في بعض الأغراض الضرورية، ثم رغب فيه أن ينعم على ولده بالمشافهة لإلقاء أمر ينوب عنه فيه، فلما حضر تناول رجل السلطان فقبّلها، وقال: أمرني أبي أن أنوب في تعفير الوجه، في هذه الرّجل الكريمة الجهاديّة عنه خاصّة؛ لبعد عهده بها، إلى أمثال هذا مما اقتضت الانتفاع بعاجل من الدّنيا زهيد، لا يدري ما الله صانع فيه، والإبقاء بما تجاوز الإفراط في تقدّمه بمالقة، بعده دار الأعلام، وديوان العقد، وهو حدث خليّ من العلم، قريب العهد بالبلوغ، فكانت على أنها غاية الصّدور ملعبا، إلى أن ضرب الدهر ضرباته، وانتقلت الحال.
مشيخته: أولهم قاضي الجماعة أبو الحسن بن أبي عامر بن ربيع، وثانيهم القاضي أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع، وثالثهم أبو يحيى بن عبد المنعم الخزرجي، ورابعهم العدل الرّاوية أبو الوليد العطّار، وخامسهم أبو إسحاق بن إبراهيم بن أحمد الخشني، وسادسهم الأستاذ أبو الحسن الكناني الإشبيلي، وسابعهم محمد بن إبراهيم بن مفرّج الأوسي الدبّاغ، وثامنهم أبو جعفر أحمد بن علي الرّعيني، وتاسعهم أبو علي بن أبي الأحوص.
وصمته: فروى الناس أنه وجد بخزانته بعد وفاته زمام يشتمل على مثالب أهل غرناطة، مما يحدث على الأيام في أفرادهم من فلتات يجريها عدم الاتّصاف بالعصمة. استقرّ عند ولده الفضل، زعموا، ثم خفي أثره، ستر الله عيوبنا برحمته.
وفاته: توفي بمالقة قرب صلاة المغرب، يوم الأحد الموفّي عشرين لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستمائة، ودفن بخارج باب قبالة في مالقة المذكورة بمقربة من رابعة بني عمّار، وبالروضة المنسوبة لبني يحيى، نقلت من خط ولده الفضل.
(1/57)

أحمد بن محمد بن أحمد بن قعنب الأزدي
يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن قعنب.
أوّليّته: ذكر الأستاذ ابن الزّبير في «صلته» وغيره، أن قوما بغرناطة يعرفون بهذه المعرفة، فإن كان منهم، فله أوّليّة لا بأس بها.
حاله: كان من شيوخ كتّاب الشّروط معرفة بالمسائل، واضطلاعا بالأحكام، وانفرد بصحّة الوثيقة، باقعة «1» من بواقع زمانه، وعيّابة «2» في مشايخ قطره، يألف النّادرة الحارّة في ملاء من النّوك والغفلة، فلا يهتزّ لموقع نادرة، ولا يضحك عقب عقد صرعة، لقلقه غير ما مرة، غير مجلس من مجالس القضاء من بني مسعود المزراة أحكامهم، المرميّة بتهكّمه وإزرائه، فتقتّع «3» في طريق حكمهم خطى منفسحة، غير مكترث بهوانه، ولا غاصّ بلسانه. وربما قال لبعض الوزعة «4» من قادته بمحبسه، وقد توقّفوا به في بعض الطريق، توقّعا لسكون غضب قاضيهم، ابعثوا بعضهم إلى هذا المحروم، لنرى ما عزم عليه، بكلام كثير الفتور والاستكانة، له في هذا الباب شهرة.
ذكر بعض نزعاته: حدّثني ملازمه، وقف عليه، أبو القاسم بن الشيخ الرئيس أبي الحسن بن الجيّاب، وقد أعمل والده، رحلة إلى مالقة لزيارة شيخه الذي تلمذ له، وشهر بالتشيّع فيه، أبي عبد الله السّاحلي، صاحب الأتباع والطريقة، وكان مفرط الغلوّ فيه، واستصحب ولده الصغير، فسأله عن سفر أبيه وسعيه، فقال: نعم، واحتمل أخي، فقال: أظنه منذر ولد كان غير مغتطس، فحمله الشيخ، فغطّسه، واستغرب كلّ من حضر ضحكا، فلم يبتسم هو كأنه لا شعور عنده بما ذهب إليه، فكانت إحدى الطّوام عند الشيخ.
وحدّثني، قال: جاءت امرأة تخاصم ميّارا «5» ، أوصلها من بعض المدن، في أمر نشأ بينهما، وبيده عقد، فقال بعض جيرانه، من نصّه حاكيا: «وأنه جامعها من موضع كذا إلى كذا» ولم يرسم المدّ على ألف «جا» ، فقال الشيخ للمرأة: أتعرفين أن هذا الميّار جامعك في الطريق أي فعل بك، فقالت: معاذ الله، ونفرت من ذلك،
(1/58)

فقال: كذا شهد عليك الفقيه، وأشار إلى جاره. ومثل ذلك كثير. ولّي القضاء بأماكن عديدة كلوشة، وبسطة، والمسند، وبرجة، وأرجبة، وغير ذلك.
مشيخته: يحمل عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب الصالح أبي عبد الله بن فضيلة، وأبي محمد بن سماك، وأبي الحسن بن مستقور.
مولده: عام سبعين وستمائة. توفي قاضيا ببرجة بعد علّة سدكت «1» به في السادس عشر من شعبان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، وانتقل منها في وعاء خشب.
ودفن بمقبرة إلبيرة، تجاوز الله عنه ورحمه.
أحمد بن محمد بن سعيد بن زيد الغافقي
من أهل غرناطة، وجلّة بيوتها، ويأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية.
حاله: هذا الرجل ممّن صرفت إلى الله رجعاه، وخلصت له معاملته، وخلص إليه انقطاعه. نازع في ذلك نفسا جامحة في الحزم، عريقة في الغفلة، فكتب الله له النصر عليها دفعة، فشمّر وفوّت الأصول للحضرة في باب الصّدقة، ونبذ الشواغل، وحفظ كتاب الله على الكبرة، واستقبل المحراب، ملغيا سواه، درأ به، فاتّفق على فضله، وغبط في حسن فيئته. وله ديوان نبيل يتضمّن كثيرا من فقه النفس والبدن، دلّ على نبله، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد. نفعه الله تعالى.
مولده: بغرناطة عام تسعين وستمائة.
أحمد بن أبي سهل بن سعيد بن أبي سهل الخزرجي
من أهل الحمّة «2» ، يكنى أبا جعفر.
حاله: من أهل الخير والعفاف والطهارة والانقباض، والصحة والسّلامة، أصيل البيت، معروف القدم ببلده، حرّ النادرة، قرأ بالحضرة، واجتهد، وحصّل؛ ولازم الأستاذ أبا عبد الله الفخّار وغيره من أهل عصره. وولّي القضاء ببلدة الحمّة، ثم بغربي مالقة. وهو الآن قاض بها، مشكور السّيرة.
(1/59)

أحمد بن عمر بن يوسف بن إدريس بن عبد الله ابن ورد التميمي
من أهل ألمريّة. يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ورد.
حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الفقهاء المحدّثين. قال ابن الزّبير كذلك، وزاد: موفور الحظّ من الأدب والنحو والتاريخ، متقدّما في علم الأصول والتّفسير، حافظا متقنا، ويقال إن علم المالكيّة انتهت إليه الرياسة فيه، وإلى القاضي أبي بكر بن العربي، في وقتهما، لم يتقدّمهما في الأندلس أحد بعد وفاة أبي الوليد بن رشد.
قال: أخبرني الثّقة أبو عبد الله بن جوبر عن أبي عمر بن عات، قال: حديث ابن العربي، اجتمع بابن ورد، وتبايتا ليلة، وأخذا في التّناظر والتذاكر، فكانا عجبا. يتكلّم أبو بكر فيظن السامع أنه ما ترك شيئا إلّا أتى به، ثم يجيبه أبو القاسم بأبدع جواب ينسي السامعين ما سمعوا قبله. وكانا أعجوبتي دهرهما. وكان له مجلس يتكلّم فيه على الصّحيحين، ويخصّ الأخمسة بالتفسير.
حلوله غرناطة: قال المؤرّخون: ولّي قضاء غرناطة سنة عشرين، فعدل وأحسن السّيرة، وبه تفقّه طلبتها إذ ذاك.
مشيخته: روي عن أبي علي الغسّاني، وأبي الحسن بن سراج، وأكثر عنه، وأبي بكر بن سابق الصقيلي، وأبي محمد بن عبد الله بن فرج، المعروف بالعسّال الزّاهد، ولازمه، وهو آخر من روى عنه. ورحل إلى سجلماسة، وناظر عند ابن العوّاد. وروي أيضا عن أبي الحسن المبارك، المعروف بالخشّاب، وكان الخشّاب يحمل عن أبي بكر بن ثابت الخطيب وغيره.
من روى عنه: وروى عنه جماعة كأبي جعفر بن الباذش، وأبي عبيد الله، وابن رفاعة، وابن عبد الرحيم، وابن حكيم وغيرهم. وآخر من روى عنه، أبو القاسم بن عمران الخزرجي بفاس.
وفاته: توفي بألمريّة في الثاني عشر لرمضان سنة أربعين وخمسمائة.
أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن علي الأموي «1»
يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن برطال، أصله من قرية تعرف بحارة البحر من وادي طرّش نصر، حصن منتماس من شرقي مالقة، من بيت خير وأصالة،
(1/60)

وانتقل سلفه إلى مالقة، فتوشّجت لهم بها عروق، وصاهروا إلى بيوتات نبيهة.
حاله: كان من أهل الخير، وكان على طريقة مثلى من الصّمت، والسّمت، والانقباض، والذكاء، والعدالة والتخصّص، محوّلا في الخير، ظاهر المروءة، معروف الأصالة، خالص الطّعمة، كثير العفّة، مشهور الوقار والعفاف، تحرّف بصناعة التوثيق على انقباض.
دخوله غرناطة: تقدّم قاضيا بغرناطة، بعد ولاية القضاء ببلده، وانتقل إليها، وقام بالرّسم المضاف إلى ذلك، وهو الإمامة بالمسجد الأعظم منها، والخطابة بجامع قلعتها الحمراء؛ واستقلّ بذلك إلى تاسع جمادى الثانية من عام أحد وأربعين وسبعمائة، على قصور في المعارف، وضعف في الأداة، وكلال في الجدّ، ولذلك يقول شيخنا أبو البركات بن الحاج «1» : [الرمل]
إنّ تقديم ابن برطال دعا ... طالب «2» العلم إلى ترك الطّلب
حسبوا الأشياء عن «3» أسبابها ... فإذا الأشياء عن غير سبب
إلّا أنه أعانته «4» الدربة والحنكة على تنفيذ الأحكام، فلم تؤثر عنه فيها أحدوثة، واستظهر بجزالة أمضت حكمه، وانقباض عافاه عن الهوادة، فرضيت سيرته، واستقامت طريقته.
مشيخته: لقي والده، شيخ القضاة، وبقيّة المحدّثين، وله الرواية العالية، والدرجة الرفيعة، حسبما يأتي في اسمه، ولم يؤخذ عنه شيء فيما أعلم.
شعره: أنشدني الوزير أبو بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، قال: أنشدني القاضي أبو جعفر بن برطال لنفسه، مودّعا في بعض الأسفار «5» :
[الكامل]
أستودع اللهمّ «6» من لوداعهم ... قلبي وروحي إذ دنى لوداعي «7»
(1/61)

بانوا وطرفي «1» والفؤاد ومقولي ... باك ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولا ... تجعل تفرّقنا فراق وداع
وفاته: توفي، رحمه الله وعفا عنه، أيام الطاعون الغريب «2» بمالقة، في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر عام خمسين وسبعمائة «3» ، وخرجت جنازته في اليوم التالي، ليلة وفاته في ركب من الأموات، يناهز الألف، وينيف بمائتين، واستمرّ ذلك مدة، وكان مولده عام تسعة وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى.
أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عميرة المخزومي «4»
بلنسي شقوري الأصل، يكنى أبا مطرّف.
أوّليّته: لم يكن من بيت نباهة؛ ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل، كان حقه التجافي عنه، لو وفّق.
حاله: قال ابن عبد الملك «5» : كان أوّل طلبه العلم شديد العناية بشأن الرواية، فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، وتفنّن «6» في العلوم، ونظر في العقليّات «7» وأصول الفقه، ومال إلى الأدب «8» فبرع فيه «9» براعة عدّ بها من كبار مجيدي النّظم. وأما «10» الكتابة، فهو «11» علمها المشهور، وواحدها الذي «12» عجزت عن ثانيه «13» الدّهور، ولا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، وله المطوّلات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ «14» ، ويودعه إلماعات بالمسائل «15» العلمية
(1/62)

منوّعة المقصد «1» . قلت: وعلى الجملة، فذات أبي المطرّف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكا وتفنّنا، بصيرا بالعلوم، محدّثا، مكثرا، راوية ثبتا، سجرا في التاريخ والأخبار، ريّان، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطّلاوة، جمّ العيون، غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفّاف اللفظ، حرّ المعنى، ثاني بديع الزمان، في شكوى الحرفة، وسوء الحظ، ورونق الكلام، ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم، والقصور في السّلطانيات.
مشيخته: روى عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عبد الله بن فرج وأبي علي الشّلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حوط الله، لقيهم، وقرأ عليهم، وسمع منهم، وأجازوا له؛ وأجاز له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره.
من روى عنه: روى عنه ابنه القاسم، وأبو بكر بن خطّاب، وأبو إسحاق البلقيني الحفيد، والحسن بن طاهر بن الشّقوري، وأبو عبد الله البرّي. وحدّث عنه أبو جعفر بن الزّبير، وابن شقيف، وابن ربيع، وغيرهم مما يطول ذكره.
نباهته: صحب أبا عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن خطّاب قبل توليته ما تولّى من رياسة بلده، وانتفع به كثيرا؛ وكتب عن الرئيس أبي جميل زيّان بن سعد وغيره من أمراء شرق الأندلس. ثم انتقل إلى العدوة «2» ، واستكتبه الرشيد أبو محمد عبد الواحد بمراكش، مدة يسيرة؛ ثم صرفه عن الكتابة وولّاه قضاء مليانة من نظر مرّاكش الشرقي، فتولّاه قليلا، ثم نقله إلى أقصى رباط الفتح. وتوفي الرشيد، فأقرّه على ذلك الوالي بعده، أبو الحسن المعتضد أخوه؛ ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزّيتون؛ ثم لمّا قتل المعتضد لحق بسبتة، وجرى عليه بطريقها ما يذكر في محنته. ثم ركب البحر منها متوجّها إلى إفريقية، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا يحيى بن الأمير أبي زكريا. ثم توجّه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولّي قضاء مدينة الأرش. ثم انتقل إلى قابس، وبها طالت مدة ولايته؛ واستدعاه المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا، ولطف محلّه منه، حتى كان يحضر مجالس أنسه، وداخله بما قرفته الألسن بسببه حسبما يذكر في وصمته.
(1/63)

مناقبه: وهي الكتابة والشعر؛ كان يذكر أنه رأى في منامه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فناوله أقلاما، فكان يروى له أن تأويل تلك الرّؤيا، ما أدرك من التّبريز في الكتابة، وشياع الذكر، والله أعلم.
ومن بديع ما صدر عنه، فيما كتب في غرض التّورية، قطعة من رسالة، أجاب بها العبّاس بن أمية، وقد أعلمه باستيلاء الروم على بلنسية، فقال:
«بالله أيّ نحو ننحو، أو مسطور نثبت أو نمحو؛ وقد حذف الأصل والزّائد، وذهبت الصّلة والعائد؛ وباب التعجّب طال، وحال اليأس لا تخشى الانتقال؛ وذهبت علامة الرّفع، وفقدت نون الجمع؛ والمعتلّ أعدى الصّحيح والمثلّث أردى الفصيح؛ وامتنعت الجموع من الصّرف، وأمنت زيادتها من الحذف؛ ومالت قواعد الملّة، وصرنا جمع القلّة؛ وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكلّ من البعض» .
ومن شعره في المقطوعات التي ورّى فيها بالعلوم قوله «1» : [الخفيف]
قد عكفنا على الكتابة حينا ... وأتت «2» خطّة القضاء تليها
وبكلّ لم يبق للجهد إلّا ... منزلا نابيا وعيشا كريها
نسبة بدّلت ولم تتغيّر ... مثل ما يزعم المهندس فيها
وكقوله مما افتتح به رسالة «3» : [البسيط]
يا غائبا سلبتني الأنس غيبته ... فكيف صبري وقد كابدت بينهما؟
دعواي أنّك في قلبي فعارضها «4» ... شوقي إليك فكيف الجمع بينهما؟
وفي مثل ذلك استفتاح رسالته أيضا «5» : [الكامل]
إن «6» الكتاب أتى وساحة طرسه ... روح «7» موشّى بالبديع مرتّع «8»
وله حقوق ضاق وقت وجوبها ... ومن الوجوب مضيّق «9» وموسّع
(1/64)

وفي مثل ذلك في استفتاح رسالة أيضا «1» : [الكامل]
كبّرت بالبشرى «2» أتت وسماعها ... عيدي الذي لشهوده تكبيري
وكذلك الأعياد سنّة يومها ... مختصّة بزيادة التّكبير
وفي أغراض أخر «3» : [الخفيف]
بايعونا مودّة هي عندي ... كالمرآة «4» بيعها بالخداع
فسأقضي بردّها ثم أقضي ... بعدها «5» من مدامعي ألف صاع
وله في معنى آخر «6» : [الطويل]
شرّطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلمّا أردت الأخذ بالشّرط أعرضوا ... وقالوا يصحّ البيع والشّرط باطل
تصانيفه: له تأليف في كائنة ميرقة «7» وتغلّب الرّوم عليها، نحى فيه منحى العماد الأصفهاني، في الفتح القدسي «8» ؛ وكتابه في تعقيبه على فخر الدين بن الخطيب الرّازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه؛ وردّه على كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم السّماكي في كتابه المسمّى بالتّبيان في علم البيان؛ واقتضابه النبيل في ثورة المريدين «9» ، إلى غير ذلك من التعاليق والمقالات، ودوّن الأستاذ أبو عبد الله بن هانىء السّبتي كتابته وما يتخلّلها من الشّعر في سفرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمّى ذلك «بغية المستطرف، وغنية المتطرّف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرّف» .
دخوله غرناطة: قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: عمير أخبر بذلك من شيوخه، والرجل ممّن يركن إليه في أخباره فيما أحقّوا على سبيل الرواية والإخبار، من شرّق الأندلس إلى غرناطة، إلى غربها إلى غير ذلك، عند رحلته، وهو الأقرب، وقال: قال المخبر: عهدي به طويلا، نحيف الجسم، مصفرّا، أقنى الأنف؛ أصيب
(1/65)

بمالقة ما أحوج ما كان إليه، وقد استقبل الكبرة «1» ، ونازعه سوء الحظّ. قال الشيخ أبو الحسن الرّعيني: إنه كتب إليه يعلمه بهذه الحادثة عليه، وأن المنهوب من ماله يعدل أربعة آلاف دينار عشرية، وكان ورقا وعينا وحليّا وذلك أنه لمّا قتل المعتضد، اغتنم الفطرة، وفصل عن مكناسة، قاصدا سبته، فلقي الرفقة التي كان فيها جمع من بني مرين، سلبوه وكلّ من كان معه.
مولده: بجزيرة شقر «2» ، وقيل ببلنسية، في رمضان اثنتين وثمانين وخمسمائة.
وفاته: توفي بتونس ليلة الجمعة الموفية عشرين ذي الحجة عام ستة وخمسين وستمائة «3» . قال ابن عبد الملك «4» : ووهم ابن الزبير في وفاته، إذ جعلها في حدود الخمسين وستمائة أو بعدها.
أحمد بن عبد الحق بن محمد بن يحيى ابن عبد الحق الجدلي «5»
من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن عبد الحق.
حاله: من «6» صدور أهل العلم والتفنّن في هذا الصّقع الأندلسي، نسيج وحده في الوقار والحصافة، والتزام مثلى الطريقة، جمّ التّحصيل، سديد النظر، كثير التخصّص، محافظ على الرسم، مقبوض العنان في التّطفيف في إيجاب الحقوق لأهلها، قريب من الاعتدال في معاملة أبناء جنسه، مقتصد مع ثروته، مؤثر للترتيب في كافّة أمره، متوقّد الفكرة مع سكون، ليّن العريكة مع مضاء؛ مجموع خصال حميدة مما يفيد التجريب والحنكة؛ مضطلع بصناعة العربية، حائز قصب السّبق فيها، عارف بالفروع والأحكام، مشارك في فنون من أصول، وطبّ، وأدب، قائم على
(1/66)

القراءة «1» ، إمام في الوثيقة، حسن الخطّ، مليح السّمة والشيبة، عذب الفكاهة، حسن العهد، تامّ الرجولية.
نباهته: تصدّر «2» للإقراء ببلده على وفور أهل العلم، فكان سابق الحلبة، ومناخ الطيّة، إمتاعا، وتفنّنا، وحسن إلقاء. وتصرّف في القضاء ببلّش وغيرها من غربي بلده، فحسنت سيرته، واشتهرت طريقته، وحمدت نزاهته. ثم ولّي خطّة القضاء بمالقة، والنظر في الأحباس «3» بها، على سبيل من الحظوة والنّباهة، مرجوعا إليه في كثير من مهمّات بلده، سائمة وجوه السعادة، ناطقة ألسن الخاصّة والعامّة بفضله، جمّاعة نزاهته، آويا إلى فضل بيته. واتّصلت ولايته إيّاها إلى هذا العهد، وهي أحد محامد الوالي، طول مدة الولاية، لا سيما القاضي، ممّا يدلّ على الصبر، وقلّة القدح، وسدّ أبواب التّهم، والله يعينه، ويمتّع به بمنّه.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن بكر، وهو نجيب حلبته، والسّهم المصيب من كنانته، لازمه، وبه تفقّه وانتفع، وتلا القرآن عليه وعلى محمد «4» بن أيوب، وعلى أبي القاسم بن درهم علمي وقتهما في ذلك، وعلى غيرهما، وتعلّم الوثيقة على العاقد القاضي أبي القاسم بن العريف. وروى عن الخطيبين المحدّثين أبي عثمان بن عيسى وأبي عبد الله الطّنجالي، وغيرهما.
دخوله غرناطة: تردّد إليها غير ما مرّة، منها في أمور عرضت في شؤونه الخاصّة به، ومنها مع الوفود الجلّة، من أهل بلده، تابعا قبل الولاية، متبوعا بعدها.
ومن شعره قوله في جدول «5» : [الكامل]
ومقارب الشّطّين أحكم صقله «6» ... كالمشرفيّ إذا اكتسى بفرنده
فحمائل «7» الدّيباج منه خمائل ... ومعانق «8» فيها البهار بورده
وقد اختفى طرف «9» له في دوحة ... كالسّيف ردّ ذبابه في غمده
(1/67)

وقوله في شجر نارنج مزهر «1» : [الكامل]
وثمار نارنج نرى أزهارها ... مع ناتئ «2» النّارنج في تنضيد
فإذا نظرت إلى تألّفها «3» أتت ... كمباسم أومت للثم خدود
وفاته: في زوال يوم الجمعة السابع «4» والعشرين لرجب عام خمسة وستين وسبعمائة.
مولده: ثامن شوّال عام ثمانية وتسعين وستمائة.
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن الصقر الأنصاري الخزرجي «5»
يكنى أبا العباس، من أهل الثّغر الأعلى.
أوّليته: من سرقسطة «6» ، حيث منازل الأنصار هنالك؛ انتقل جدّ أبيه عبد الرحمن بابنه الصغير «7» منها لحدوث بعض الفتن بها إلى بلنسية، فولد له ابنه عبد الرحمن أبو العباس «8» هذا؛ ثم انتقل أبوه إلى ألمريّة، فولد أبو العباس بها، ونقله أبوه إلى سبتة فأقام بها مدّة «9» .
حاله: كان «10» محدّثا مكثرا ثقة، ضابطا، مقرئا، مجوّدا، حافظا للفقه، ذاكرا للمسائل «11» ، عارفا بأصولها «12» ، متقدّما في علم الكلام، عاقدا للشروط، بصيرا بعللها؛ حاذقا بالأحكام، كاتبا بليغا، شاعرا محسنا، أتقن «13» أهل عصره خطّا، وأجلّهم منزعا، ما اكتسب قطّ شيئا من متاع الدّنيا، ولا تلبّس بها، مقتنعا
(1/68)

باليسير، راضيا بالدّون، مع الهمّة العليّة، والنفس الأبيّة، على هذا قطع عمره، وكتب من دواوين العلم ودفاتره، ما لا يحصى كثرة، بجودة «1» وضبط وحسن خطّ؛ وعني به أبوه في صغره، فأسمعه كثيرا من الشروح، وشاركه في بعضهم.
نفعه الله.
نباهته: استدعاه أبو عبد الله بن حسّون، قاضي مرّاكش، إلى كتابته، إلى أن صرف، واستقرّ هو متولّي حكمها وأحكامها، والصلاة في مسجدها، ثم ترك الأحكام، واستقرّ في الإمامة. ولمّا تصيّر الأمر إلى الموحّدين، ألحقه عبد المؤمن «2» منهم، بجملة طلبة العلم، وتحفّى به، وقدّمه إلى الأحكام بحضرة مرّاكش، فقام بها مدّة، ثم ولّاه قضاء غرناطة، ثم نقله إلى إشبيلية قاضيا بها مع وليّ عهده. ولمّا صار الأمر إلى يعقوب «3» ، ألزمه خدمة الخزانة العلمية وكانت عندهم من الخطط التي لا يعيّن لها إلّا كبار أهل العلم وعليّهم، وكانت مواهب عبد المؤمن له جزلة، وأعطياتهم مترافهة كثيرة.
مشيخته: قرأ القرآن على أبيه، وأكثر عنه، وأجاز له، وعلى أبي الحسن التطيلي، قال: وهو أول من قرأت عليه.
من روى عنه: روى عنه أبو عبد الله، وأبو خالد يزيد بن يزيد بن رفاعة، وأبو محمد بن محمد بن علي بن وهب القضاعي.
دخوله غرناطة: صحبة «4» القاضي أبي القاسم بن جمرة، ونوّه به واستخلفه إذ وليها، وقبض عليه بكلتي يديه، ثم استقضي بها أبو الفضل عياض بن موسى، فاستمسك به، واشتمل عليه؛ لصحبة كانت بينهما وقرابة، إلى أن صرف عنها أبو الفضل عياض، فانتقل إلى وادي آش، فتولّى أحكامها والصلاة بها، ثم عاد إلى غرناطة سنة ست وثلاثين، إلى أن استقضي بغرناطة في دولة أبي محمد بن
(1/69)

عبد المؤمن بن علي؛ فحمدت سيرته، وشكر عدله، وظهرت نزاهته، ودام بها حتى ظنّ من أهلها.
شعره: وشعره في طريقة الزهد، وهي لا ينفذ فيها إلّا من قويت عارضته، وتوفّرت مادّته «1» : [الطويل]
إلهي لك الملك العظيم حقيقة ... وما للورى مهما منعت نقير
تجافى بنو الدنيا مكاني فسرّني ... وما قدر مخلوق جداه حقير
وقالوا فقير وهو «2» عندي جلالة ... نعم صدقوا إني إليك فقير
وشعره في هذا المعنى كثير، وكله سلس المقادة، دالّا على جودة الطبع. ومن شعره قوله «3» : [الكامل]
أرض العدو بظاهر متصنّع ... إن كنت مضطرّا إلى استرضائه «4»
كم من فتى ألقى بوجه «5» باسم ... وجوانحي تنقدّ «6» من بغضائه
تصانيفه: له»
تصانيف مفيدة تدلّ على إدراكه وإشرافه، كشرحه «الشّهاب» ، فإنه أبدع فيه، وكتابه «أنوار الأفكار، فيمن دخل جزيرة الأندلس من الزّهّاد والأبرار» ، ابتدأ تأليفه، وتوفي دون إتمام غرضه فيه، فكمّله عبد الله ابنه.
محنته: كان ممّن وقعت عليه المحنة العظمى بمرّاكش يوم دخول الموحّدين إياها، يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوّال عام أحد «8» وأربعين وخمسمائة، على الوجه المشهور في استباحة دماء كل من اشتملت عليه من الذّكور البالغين؛ إلّا من تسترّ بالاختفاء في سرب أو غرفة أو مخبأ. وتمادى القتل فيها ثلاثة أيام، ثم نودي بالعفو عمّن أشارته الفتكة الكبرى، فظهر من جميع الخلق بها، ما يناهز السبعين رجلا، وبيعوا بيع أسارى المشركين، هم وذراريهم، وعفي عنهم، فكان أبو العباس ممّن تخطّته المنيّة، واستنقذه من الرّقّ العفو، وحسبك بها محنة، نفعه الله، وضاعت له في ذلك وفي غيره كتب كثيرة بخطّه وبغير خطّه، مما تجلّ عن القيمة.
(1/70)

مولده: بألمريّة في أواخر شهر ربيع سنة اثنتين «1» وخمسمائة.
وفاته: توفي بمرّاكش بين صلاة الظهر والعصر، في يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة «2» . ودفن يوم الاثنين بعده عقب صلاة الظهر، وصلّى عليه القاضي أبو يوسف حجاج؛ وكانت جنازته عظيمة المحفل، كثيرة الجمع؛ برز إليها الرجال والنساء ورفعوا نعشه على الأيدي، رحمه الله.
ومما رثاه به جاره وصديقه أبو بكر بن الطفيل «3» ، وهو بإشبيلية، بعث بها إلى ابنه مع كتاب في غرض العزاء «4» : [الوافر]
لأمر ما تغيّرت الدّهور ... وأظلمت الكواكب والبدور
وطال على العيون الليل حتى «5» ... كأنّ النّجم فيه لا يغور
أحمد بن أبي القاسم بن عبد الرحمن
يعرف بابن القبّاب، من أهل فاس، ويكنى أبا العباس.
حاله: هذا الرجل، صدر عدول «6» الحضرة الفاسيّة، وناهض عشّهم، طالب، فقيه، نبيه، مدرك، جيّد النظر، سديد الفهم؛ حضر الدرس بين يدي السلطان، وولّي القضاء بجبل الفتح «7» ، متّصفا فيه بجزالة وانتهاض. تعرّفت به بمدينة فاس، فأعجبتني سيمته؛ ووصل مدينة سلا في غرض اختبار واستطلاع الأحوال السلطانية؛ واستدعيته فاعتذر ببعض ما يقبل، فخاطبته بقولي «8» : [الوافر]
أبيتم دعوتي إمّا لشأو «9» ... وتأبى لومه مثلى الطريقه
(1/71)

وبالمختار للناس اقتداء ... وقد حضر الوليمة والعقيقه
وغير غريبة أن رقّ حرّ ... على من حاله مثلي رقيقه
وإمّا زاجر الورع اقتضاها ... ويأبى ذاك دكان الوثيقه
وغشيان المنازل لاختبار ... يطالب بالجليلة والدّقيقه
شكرت مخيلة كانت مجازا ... لكم وحصلت بعد على الحقيقه
وتفرّع الكلام على قولي: «ويأبى ذاك دكان الوثيقه» ، بما دعي إلى بيانه بتصنيفي فيه الكتاب المسمّى «بمثلى الطريقة في ذمّ الوثيقه» .
دخوله غرناطة: في عام اثنين وستين وسبعمائة، موجّها من قبل سلطان المغرب أبي سالم بن أبي الحسن لمباشرة صدقة عهد بها لبعض الرّبط «1» ؛ وهو إلى الآن، عدل بمدينة فاس، بحال تجلّة وشهرة. ثم تعرّفت أنه نسك ورفض العيش من الشهادة ككثير من الفضلاء.
أحمد بن إبراهيم بن الزّبير بن محمد بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسين بن الزبير بن عاصم بن مسلم بن كعب الثّقفي «2»
يكنى أبا جعفر.
أوّليته: كعب الذي ذكر، هو كعب بن مالك بن علقمة بن حباب بن مسلم بن عدي بن مرّة بن عوف بن ثقيف؛ أصله من مدينة جيّان، منزل قنّسرين، من العرب الداخلين إلى الأندلس؛ ونسبه بها كبير، وحسبه أصيل، وثروته معروفة. خرج به أبوه عند تغلّب العدوّ عليها عام ثلاثة وأربعين وستمائة، ولأبيه إذ ذاك إثراء وجدة أعانته على طلب العلم، وإرفاد «3» من أحوجته الأزمة في ذلك الزمان من جالية العلماء عن قرطبة وإشبيلية كأبي الحسن الصائغ وغيره، فنصحوا له، وحطبوا في حبله.
حاله: كان خاتمة المحدّثين، وصدور العلماء والمقرئين، نسيج وحده، في حسن التعليم، والصبر على التّسميع، والملازمة للتدريس، لم تختلّ له، مع تخطّي
(1/72)

الثمانين، ولا لحقته سآمة، كثير الخشوع والخشية، مسترسل العبرة، صليبا في الحق، شديدا على أهل البدع، ملازما للسّنّة، جزلا، مهيبا، معظّما عند الخاصّة والعامّة، عذب الفكاهة، طيّب المجالسة، حلو النّادرة، يؤثر عنه في ذلك حكايات، لا تخلّ بوقار، وتحلّ بجلال منصب.
فنونه: إليه انتهت الرّياسة بالأندلس في صناعة العربية، وتجويد القرآن، ورواية الحديث، إلى المشاركة في الفقه، والقيام على التّفسير، والخوض في الأصلين.
مشيخته: أخذ عن الجلّة المقرئين، كالمقرئ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مستقور «1» الغرناطي الطائي.
نباهته وخططه: ولّي قضاء المناكح، والخطبة بالحضرة، وبلغ من الشّهرة والإشادة بذكره، ما لم يبلغه سواه.
تصانيفه: من تأليفه كتاب «صلة الصّلة» لابن بشكوال، التي وصلتها بعده، وسمّيت كتابي ب «عائد الصلة» ، وافتتحت أول الأسماء فيه باسمه؛ وكتاب «ملاك التأويل، في المتشابه اللفظ في التّنزيل» غريب في معناه؛ والبرهان في ترتيب سور القرآن؛ وشرح الإشارة للباجي في الأصول؛ وسبيل الرّشاد في فضل الجهاد؛ وردع الجاهل عن اغتياب المجاهل، في الرد على الشّودية «2» ، وهو كتاب جليل ينبئ عن التفنّن والاضطلاع؛ وكتاب الزمان والمكان، وهو وصمة، تجاوز الله عنه.
شعره: وشعره مختلف عن نمط الإجادة، مما حقّه أن يثبت أو ثبت في كتاب شيخنا أبي البركات المسمّى «شعر من لا شعر له» مما رواه، ممّن ليس الشعر له بضاعة، من الأشياخ الذي عدّ صدر عنهم هو. فمن شعره «3» : [السريع]
ما لي وللتسئال لا أمّ لي ... سألت «4» من يعزل أو من يلي
حسبي ذنوب «5» أثقلت كاهلي ... ما إن أرى إظلامها «6» ينجلي
(1/73)

يا ربّ، عفوا إنها جمّة ... إن لم يكن عفوك لا أمّ لي
محنته: نشأت بينه وبين المتغلب بمالقة من الرؤساء التّجيبيين من بني إشقيلولة «1» ، وحشة أكّدتها سعاية بعض من استهواهم رجل ممخرق من بني الشّعوذة، ومنتحلي الكرامة، يمتطيها، زعموا إلى النبوّة، يعرف بالفزاري، واسمه إبراهيم، غريب المنزع، فذّ المآخذ، أعجوبة من أعاجيب الفتن، يخبر بالقضايا المستقبلة، ويتسوّر سور حمى العادة في التطوّر من التقشّف والخلابة، تبعه ثاغية وراغية، من العوام الصّمّ البكم، مستفزّين فيه حياته؛ وبعد زمن من مقتله، على يد الأستاذ بغرناطة، قرعه بحقّه، وبادره بتعجيل نكيره، فاستغاث بمفتونه الرئيس، ظهير محاله فاستعصى له؛ وبلغ الأستاذ النياحة، ففرّ لوجهه، وكبس منزله لحينه، فاستولت الأيدي على ذخائر كتبه، وفوائد تقييده عن شيوخه، على ما طالت له الحسرة، وجلّت فيه الرزيّة. ولحق بغرناطة آويا إلى كنف سلطانها الأمير أبي عبد الله بن الأمير الغالب بالله بن نصر؛ فأكرم مثواه، وعرف حقّه، وانثال عليه الجمّ الغفير لالتماس الأخذ عنه، إلى أن نالته لديه سعاية، بسبب جار له، من صلحاء القرابة النّصرية، كان ينتابه لنسبة الخيريّة، نميت عنه في باب تفضيله، واستهالت للأمر كلمة، أوجبت امتحانه، وتخلّل تلك الألقيّة «2» من الشكّ، ما قصر المحنة على إخراجه من منزله المجاور لذلك المتّهم به، ومنعه من التصرّف، والتزامه قعر منزل انتقل إليه بحال اعتزال من الناس، محجورا عليه مداخلتهم؛ فمكث على ذلك زمانا طويلا، إلى أن سرّيت عنه النكبة، وأقشعت الموجدة، فتخلّص من سرارها بدره؛ وأقلّ من شكاتها جاهه، وأحسنت أثرها حاله، وكثر ملتمسه، وعظمت في العالم غاشيته؛ فدوّن واستمع، وروى ودرّب، وخرّج وأدّب وعلّم، وحلّق وجهر. وكانت له الطّايلة على عدوّه، والعاقبة للحسنى، بعد ثبات أمره، والظّفر بكثير من منتهب كتبه. وآلت الدولة للأمير أبي عبد الله نصر بمالقة، فطالب الفزاريّ المذكور، واستظهر بالشّهادات عليه، وبالغ في دحض دعوته، إلى أن قتل على يده بغرناطة.
حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، قال: لما أمر بالتأهّب للقتل وهو في السجن الذي أخرج منه إلى مصرعه، جهر بتلاوة «ياسين» ، فقال له أحد الذّعرة، ممّن
(1/74)

جمع السجن بينهم «اقرأ قرآنك؛ على أيّ شيء تتطفّل على قرآننا اليوم» أو ما هو في معناه. فتركها مثلا للوذعيّته.
مولده: ببلده جيّان في أواخر عام سبعة وعشرين وستمائة.
وفاته: وتوفي بغرناطة في الثامن لشهر ربيع الأول عام ثمانية وسبعمائة.
وكانت جنازته جنازة بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، نفر لها الناس من كل أوب، واحتمل طلبة العلم نعشه على رؤوسهم، إلى جدثه، وتبعه ثناء جميل، وجزع كبير، رحمه الله.
ورثاه طائفة من طلبته؛ وممّن أخذ عنه منهم، القاضي أبو جعفر بن أبي حبل في قصيدة أولها: [الطويل]
عزيز على الإسلام والعلم ماجد ... فكيف لعيني أن يلمّ بها الكرى؟
وما لمآقي لا تفيض شؤونها ... نجيعا على قدر المصيبة أحمرا؟
فو الله ما تقضي المدامع بعض ما ... يحقّ ولو كانت سيولا وأبحرا
حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا ... وفرض على الأكباد أن تتفطّرا
أحمد بن عبد الولي بن أحمد الرعيني
يكنى أبا جعفر؛ ويعرف بالعوّاد، صنعة لأبيه الكاتب الصالح.
حاله: هو من بيت تصاون، وعفاف، ودين، والتزام السّنّة؛ كانوا في غرناطة في الأشعار، وتجويد القرآن، والامتياز بحمله، وعكوفهم عليه، نظراء بني عظيمة بإشبيلية، وبني الباذش بغرناطة؛ وكان أبو جعفر هذا، المترجم له ممّن تطوى عليه الخناصر، معرفة بكتاب الله، وتحقيقا لحقه، وإتقانا لتجويده، ومثابرة على تعليمه، ونصحا في إفادته؛ على سنن الصالحين، انقباضا عن الناس، وإعراضا عن ذوي الوجاهة، سنيّا في قوله وفعله، خاصّيّا في جميع أحواله، مخشوشنا في ملبسه، طويل الصّمت إلّا في دست تعليمه، مقتصرا في مكسبه، متّقيا لدينه، محافظا على أواده. سأل منه رجل يوما كتب رقعة، ففهم من أمره، فقال: يا هذا، والله ما كتبت قطّ يميني إلّا كتاب الله، فأحبّ أن ألقاه على سجيّتي بتوفيقه، إن شاء الله، وتسديده.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والأستاذ أبي جعفر الحزموني الكفيف، وأبي عبد الله بن رشيد وغيرهم.
(1/75)

وفاته: توفي في شهر ذي الحجة من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبّانة باب الفخّارين «1» في أسفل السفح تجاه القصور الحكمية، وأتبعه الناس أحسن الثناء.
أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري «2»
من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن الباذش.
أوّليّته: أصله من جيّان، من بيت خيريّة وتصوّن.
حاله: قال القاضي أبو محمد بن عطية: إمام في المقرئين، ومقدّم في جهابذة الأستاذين، راوية، مكثر، متفنّن في علوم القراءة، مستبحر، عارف بالأدب والإعراب، بصير بالأسانيد، نقّاد لها، مميّز لشاذّها من معروفها. قال ابن الزّبير: وما علمت فيما انتهى إليه نظري وعلمي، أحسن انقيادا لطرق القراءة، ولا أجلّ اختيارا منه، لا يكاد أحد من أهل زمانه، ولا ممّن أتى بعده أن يبلغ درجته في ذلك.
مشيخته: تفقّه بأبيه الإمام أبي الحسن، وأكثر الرواية عنه، واستوفى ما كان عنده، وشاركه في كثير من شيوخه. أخذ القراءات عرضا عن الإمام المقرئ أبي القاسم بن خلف بن النحّاس، رحل إلى قرطبة ولازمه؛ وعلى المقرئ أبي جعفر هابيل بن محمد الحلاسي، وأبي بكر بن عيّاش بن خلف المقرئ، وأبي الحسن بن زكريا، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي محمد عبد الله بن أحمد الهمداني الجيّاني، رحل إليه إلى جيان، وتلا على جميع من ذكر. وروى بالقراءة والسّماع والإجازة على عالم كثير، كأبي داود وأبي الحسن بن أخي الرّش المقرئين، أجازا له؛ وأبي علي الغسّاني في الإمامة والإتقان، وقد أسمع عليه؛ وأبي القاسم خلف بن صواب المقرئ، وأبي عامر محمد بن حبيب الجيّاني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد التّجيبي الشهير، وأبي محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي محمد عبد الله بن أبي جعفر الحافظ، وعالم كثير غير هؤلاء يطول ذكرهم.
من روى عنه: روى عنه أبو محمد عبد الله، وأبو خالد بن رفاعة، وأبو علي القلعي المعدّي، وأبو جعفر بن حكم، وأبو الحسن بن الضّحّاك، وابنه أبو محمد عبد المنعم، وهو آخر من حدّث عنه.
(1/76)

تصانيفه: ألّف كتاب «الإقناع» في القراءات، لم يؤلّف في بابه مثله؛ وألّف كتاب «الطرق المتداولة» في القراءات، وأتقنه كل الإتقان، وحرّر أسانيده وأتقنها، وانتقى لها، ولم يتّسع عمره لفرش حروفهم وخلافهم من تلك الطرق. وألّف غير ما ذكر.
مولده: في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وفاته: توفي ثاني جمادى الآخرة سنة أربعين وخمسمائة «1» ، وكان عمره تسعا وأربعين سنة.
أحمد بن عبد النور بن أحمد بن راشد رحمه الله
يكنى أبا جعفر، من أهل مالقة، ويعرف بيته بها ببني راشد. قال شيخنا أبو البركات: نقلت اسم هذا من خطّه، ولا نعلم له نسبا إذ لم يكتبه، وشهر بابن عبد النّور.
حاله: كان قيّما على العربية إذ كانت جلّ بضاعته؛ يشارك مع ذلك في المنطق، على رأي الأقدمين، وعروض الشعر، وفرائض العبادات من الفقه، وقرض الشعر. وكان له اعتناء بفكّ المعمّى، والتّنقير عن اللّغوز. وكان ذكيّ الصوت عند قراءة القرآن، خاشعا به. رحل من بلده مالقة إلى سبتة، ثم انتقل إلى الأندلس وأقرأ بوادي آش مدة، وتردّد بين ألمريّة وبرجة، يقرئ بها القرآن، وغير ذلك مما كان يشارك فيه. وناب عن بعض القضاة وقتا، ودخل غرناطة أثناء هذا السّفر.
مشيخته: قال: أخذ القرآن قراءة على طريقة أبي عمرو والدّاني، على الخطيب أبي الحسن الحجاج بن أبي ريحانة المربلّي «2» ، ولا يعلم له في بلده شيخ سواه، إذ لم يكن له اعتناء بلقاء الشيوخ، والحمل عنهم. ومن علمي أنه لقي أبا الحسن بن الأخضر المقرئ العروضي بسبتة، وذاكره في العروض، ولا أعلم هل أخذ عنه أم لا. ورأيت في تقاييدي أن القاضي أبا عبد الله بن برطال حدّثني أن ابن النّور قرأ معه الجزوليّة «3» على ابن مفرّج المالقي تفقها، وقيّد عليه تقييدا عرضه بعد ذلك، على ابن
(1/77)

مفرج هذا؛ وهو محمد بن يحيى بن علي بن مفرج المالقي. وروى عن أبي الحجّاج المتقدّم الذّكر تيسير أبي عمرو الداني، وجمل الزّجّاجي، وأشعار الستّة، وفصيح أحمد بن يحيى بن ثعلب؛ وقفت في ذلك على رقّ أجاز فيه بعض الآخذين عنه، ولم ينصّ فيه على كيفية أخذه لهذا الكتيّب عن أبي الحجّاج. قال: ورأيت في ذلك الرّقّ أوهاما تدلّ على عدم شعوره بهذا الباب جملة، وقبول التّلقين فيه، فلا ينبغي أن يركن إلى مثله فيه. ورأيت بخط بعض أصحابه، أنه تفقّه على أبي ريحانة، ولعلّ ذلك في صغره قبل أن يتحكّم طلبه ويتفنّن، إذ الفنون التي كان يأخذ منها لم يكن أبو ريحانة مليّا بها، ولا منسوبا إليها.
تصانيفه: منها كتاب «الحلية في ذكر البسملة والتصلية» . وكتاب «رصف المباني في حروف المعاني» ، وهو أجلّ ما صنّف وممّا يدلّ على تقدّمه في العربية. وجزء في العروض. وجزء في شواذّه. وكتاب في شرح الكوامل لأبي موسى الجزولي، يكون نحو الموطّأ في الجرم، وكتاب شرح مغرب أبي عبد الله بن هشام الفهري، المعروف بابن الشّواش، ولم يتمّ، انتهى فيه إلى همزة الوصل، يكون نحو الإيضاح لأبي علي.
وله تقييد على الجمل غير تام.
شعره: قال: وشعره وسط، بعيد عن طرفي الغثّ، والثمين أبعد؛ وكان لا يعتني فيه ولا يتكلّفه، ولا يقصد قصده؛ وإنّ ذلك لعذر في عدم الإجادة. قال الشيخ: ولديّ جزء منه تصفّحته على أن أستجيد منه شيئا أثبته له في هذا التّعريف، فرأيت «1» بعضه أشبه ببعض من الغرابة، فكتبت من ذلك، لا مؤثرا له على سواه من شعره؛ بل لمرجّح كونه أوّل خاطر بالبال، ومتلمّح خطّه بالبصر، فمن ذلك قوله من قصيدة، ومن خطه نقلت: [الطويل]
محاسن من أهوى يضيق لها الشرح ... له الهمّة العلياء والخلق السّمح
له بهجة يغشى البصائر نورها ... وتعشى بها الأبصار إن غلس الصّبح
إذا ما رنا فاللّحظ سهم مفوّق ... وفي كل عضو من إصابته جرح
إذا «2» ما انثنى زهوا وولّى تبخترا ... يغار لذاك القدّ من لينه الرّمح
وإن نفحت أزهاره عند روضة ... فيخجل ريّا زهرها ذلك النّفح
هو الزّمن المأمول عند ابتهاجه ... فلمّته ليل، وغرّته صبح
(1/78)

لقد خامرت نفسي مدامة حبّه ... فقلبي من سكر المدامة لا يصحو «1»
وقد هام قلبي في هواه فبرّحت ... بأسراره عين لمدمعها سبح
غفلته ونوكه: كان هذا الرجل من البله في أسباب الدنيا؛ له في ذلك حكايات دائرة على ألسنة الشقاة من الملازمين له وغيرهم، لولا تواترها لم يصدّق أحد بها، تشبه ما يحكى عن أبي علي الشلوبين. منها أنه اشترى فضلة ملف فبلّها، فانتقصت كما يجري في ذلك، فذرعها بعد البلّ فوجدها تنقصت، فطلب بذلك بائع الملف، فأخذ يبيّن له سبب ذلك فلم يفهم. ومنها أنه سار إلى بعض بساتين ألمرية مع جماعة من الطلبة واستصحبوا أرزّا ولبنا، فطلبوا قدرا لطبخه، فلم يجدوا، فقال: اطبخوا في هذا القدر، وأشار إلى قدر بها بقيّة زفت مما يطلى به السّواني «2» عندهم، فقالوا له:
وكيف يسوغ الطبخ بها، ولو طبخ بها شيء مما تأكله البهائم لعافته، فكيف الأرز باللبن؟ فقال لهم: اغسلوا معائدكم، وحينئذ تدخلون فيها الطعام. فلم يدروا ممّا يعجبون، هل من طيب نفسه بأكله مما يطبخ في تلك القدر، أم من قياسه المعدة عليها. ومنها أنهم حاولوا طبخ لحم مرّة أخرى في بعض النّزه فذاق الطعام من الملح بالمغرفة، فوجده محتاجا للملح، فجعل فيه ملحا وذاقه على الفور، قبل أن ينحلّ الملح ويسري في المرقة الأولى، فزاد ملحا إلى أن جعل فيه قدر ما يرجح اللحم، فلم يقدروا على أكله. ومنها أنه أدخل يده في مفجر صهريج فصادفت يده ضفدعا كبيرا، فقال لأصحابه: تعالوا إن هنا حجرا رطبا. ومنها أنه استعار يوما من القائد أبي الحسن بن كماشة، جوادا ملوكيّا، قرطاسي اللّون، من مراكب الأمراء؛ فقال:
وجّه لي تلك الدّابّة، فتخيّل أنه يريد الرّكوب إلى بعض المواضع، ثم تفطّن لغفلته، وقال: أي شيء تصنع به، قال: أجعله يسني شيئا يسيرا في السّانية، فقال: تقضى الحاجة، إن شاء الله بغيره؛ ووجّه له حمارا برسم السانية، وهو لا يشعر بشيء من ذلك كله.
قلت: وفي موجودات الله تعالى عبر، وأغربها عالم الإنسان، لما جبلوا عليه من الأهواء المختلفة، والطّباع المشتّتة، والقصور عن فهم أقرب الأشياء، مع الإحاطة بالغوامض.
حدّثنا غير واحد، منهم عمّي أبو القاسم، وابن الزّبير؛ إذنا في الجملة، قالا:
حدّثنا أبو الحسن بن سراج عن أبي القاسم بن بشكوال، أن الفقيه صاحب الوثائق أبا
(1/79)

عمر بن الهندي، خاصم يوما عند صاحب الشّرطة والصلاة، إبراهيم بن محمد، فنكل وعجز عن حجّته، فقال له الشرطي: ما أعجب أمرك، أبا عمر، أنت ذكي لغيرك، بكيّ»
في أمرك؛ فقال أبو عمر: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ
«2» . ثم أنشد متمثّلا: [المنسرح]
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
قال: وحدّثني الشيخ أبو العباس بن الكاتب ببجاية، وهو آخر من كتبنا معه الحديث من أصحاب ابن الغمّاز، قال: كنت آويا إلى أبي الحسن حازم القرطجاني بتونس؛ وكنت أحسن الخياطة، فقال لي: إن المستنصر خلع على جبّة جربيّة من لباسه، وتفصيلها ليس من تفصيل أثوابنا بشرق الأندلس، وأريد أن تحلّ أكمامها؛ وتصيّرها مثل ملابسنا. فقلت له: وكيف يكون العمل؟ فقال: تحلّ رأس الكمّ، ويوضع الضيّق بالأعلى، والواسع بالطرف. فقلت: وبم يحيّر الأعلى؟ فإنه إذا وضع في موضع واسع، سطت علينا فرج ما عندنا؛ ما يصنع فيها إلا أن رقّعنا بغيرها، فلم يفهم. فلما يئست منه تركته وانصرفت. فأين هذا الذهن الذي صنع المقصورة وغيرها من عجائب كلامه.
مولده: في رمضان من عام ثلاثين وستمائة.
وفاته: توفي بألمرية يوم الثلاثاء السابع والعشرين لربيع الآخر من عام اثنين وسبعمائة، ودفن بخارج باب بجاية بمقبرة من تربة الشيخ الزاهد أبي العباس بن مكنون.
أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن محمد ابن مصادف بن عبد الله
يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن مصادف؛ من أهل بسطة، واستوطن غرناطة، وقرأ وأقرأ بها.
حاله: من أهل الطلب والسّلاطة والاجتهاد، وممّن يقصر محصّله عن مدى اجتهاده، خلوب «3» اللسان، غريب الشّكل، وحشيّه، شتيت الشّعر معفيه، شديد
(1/80)

الاقتحام والتّسوّر، قادر على اللّصوق بالأشراف. رمى بنفسه على مشيخة الوقت يطرقهم طروق الأمراض الوافدة، حتى استوعب الأخذ عن أكثرهم، يفكّ عن فائدته فكّ المتبرّم، وينتزعها بواسطة الحيا، ويسلّط على قنصها جوارح التبذّل والإطراء، إلى أن ارتسم في المقرئين بغرناطة، محوّلا عليه بالنّحب والملق، وسدّ الترتيب المدني؛ ولوثة تعتاده في باب الرّكوب والثّقافة «1» ، وهو لا يستطيع أن يستقرّ بين دفّتي السّرج، ولا يفرق بين مبسوط الكف، أخذ نفسه في فنون، من قرآن، وعربيّة، وتفسير، وامتحن مرّات لجرّ حركة القلقلة الذي لا يملك عنانه، ثم تخلّص من ذلك، وهو على حاله إلى الآن.
مشيخته: قرأ على الخطيب ببسطة، وأبي الأصبغ بن عامر، والخطيبين بها أبي عبد الله وأبي إسحاق ابن عمّه، وأبي عبد الله بن جابر، وعلى أبي عثمان بن ليون بألمريّة، والخطيب أبي عبد الله بن الغربي بحمّة «2» . وتلا القرآن بقراءاته السبع على شيخنا أبي عبد الله بن الوالي العوّاد. وروى عن شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، وعلى الحاج أبي الحجاج الساحلي، فكتب الإقراء، وأخذ الفقه عن الأستاذ أبي عبد الله البيّاني «3» . وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم البيّاني، وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني. ولازم أستاذ الجماعة أبا عبد الله الفخّار، وقرأ عليه العربية، وصاهره على بنته الأستاذ المذكور، وانتفع به، إلى أن ساء ما بينهما عند وفاة الشيخ فرماه بترمية بيضاء تخلّقها، مثيرة عجب، مرّة. وحاله متصلة على ذلك، وقد ناهز الاكتهال.
أحمد بن حسن بن باصة الأسلمي المؤقّت بالمسجد الأعظم بغرناطة
أصله من شرق الأندلس، وانتقل إليها والده، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان نسيج وحده، وقريع دهره، معرفة بالهيئة، وإحكاما للآلة الفلكية، ينحت منها بيده ذخائر، يقف عندها النظر والخبر، جمال خطّ، واستواء صنعة، وصحة وضع، بلغ في ذلك درجة عالية، ونال غاية بعيدة، حتى فضل بما ينسب إليه
(1/81)

من ذلك كثيرا من الأعلام المتقدمين، وأزرت آلاته بالحمايريات والصّفاريّات وغيرها من آلات المحكمين، وتغالى الناس في أثمانها، أخذ ذلك عن والده الشيخ المتفنن شيخ الجماعة في هذا الفن.
وفاته: في عام تسعة «1» وسبعمائة.
أحمد بن محمد بن يوسف الأنصاري
من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بالحبالي.
حاله: عكف صدرا من زمانه منتظما في العدول «2» ، آويا إلى تخصيص وسكون ودماثة، وحسن معاملة، له بصر بالمساحة والحساب، وله بصر بصناعة التعديل وجداول الأبراج، وتدرّب في أحكام النجوم، مقصود في العلاج بالرّقا والعزائم، من أولي المسّ والخبال، تعلّق بسبب هذه المنتحلات بأذيال الدول، وانبتّ من شيمته الأولى، فنال استعمالا في الشهادات المخزنية، وخبر منه أيام قربه من مبادئ الأمور والنّواهي، ومداخلة السلطان؛ صمت وعقل، واقتصار على معاناة ما امتحن به، وهو الآن بقيد الحياة.
مشيخته: أخذ تلك الصناعة عن الشيخ أبي عبد الله الفخّار، المعروف بأبي خزيمة، أحد البواقع الموسومين بصحة الحكم فيها، وعلى أبي زيد بن مثنى؛ وقرأ الطب على شيخنا أبي زكريا بن هذيل، رحمه الله؛ ونسب إليه عند الحادثة على الدولة وانتقالها إلى يد المتغلّب، اختيار وقت الثورة وضمان تمام الأمر، وشهد بذلك بخطّ، وغيب من إيثارها. فلما عاد الأمر إلى السلطان المزعج بسببها إلى العدوة، أوقع به نكيرا كثيرا، وضربه بالسّياط التي لم يخلّصه منها إلا أجله، وأجلاه إلى تونس في جملة المغرّبين في أواخر عام ثلاثة وستين وسبعمائة.
وأخبرني السلطان المذكور أن المترجم به كتب إليه بمدينة فاس، قبل شروعه في الوجهة، يخبره بعودة الملك إليه، وبإيقاعه المكروه الكبير به، بما شهد بمهارته في الصنعة، إن صحّ ذلك كله من قوانينها، نسأل الله أن يضفي علينا لبوس ستره، ويقينا شرّ عثرات الألسن بمنّه.
(1/82)

أحمد بن محمد الكرني
من أهل غرناطة.
حاله: شيخ الأطباء بغرناطة على عهده، وطبيب الدار السلطانية. كان نسيج وحده، في الوقار والنّزاهة، وحسن السّمت، والتزام مثلى الطريقة، واعتزاز الصّنعة؛ قائما على صناعة الطبّ، مقرئا لها، ذاكرا لنصوصها، موفّقا في العلاج، مقصودا فيه، كثير الأمل والمثاب، مكبوح العنان عمّا تثبت به أصول صناعته من علم الطبيعة، سنيّا، مقتصرا على المداواة؛ أخذ عن الأستاذ أبي عبد الله الرّقوطي، ونازعه بالباب السلطاني، لمّا شدّ، واحتيج إلى ما لديه في حكم بعض الأموال المعروضة على الأطبّاء، منازعة أوجبت من شيخه يمينا أن لا يحضر معه بمكان، فلم يجتمعا بباب السلطان بعد، مع التمسّك بما لديهما، وأخذ عن ابن عروس وغيره، وأخذ عنه جملة من شيوخنا كالطبيب أبي عبد الله بن سالم، والطبيب أبي عبد الله بن سراج وغيرهما.
حدّثني والدي بكثير من أخباره في الوقار وحسن الترتيب، قال: كنت آنس به، ويعجبني استقصاؤه أقوال أهل هذا الفن من صنعته، على مشهوره، فلقد عرض عليه، لعليل لنا، بعض ما يخرج، وفيه حيّة، فقال على فتور، وسكونة، ووقار كثير: هذا العليل يتخلص، فقد قال الرئيس ابن سينا في أرجوزته: [الرجز]
إن خرج الخلط مع الحيّات ... في يوم بحران فعن حياة
وهذا اليوم من أيام البحرانية، فكان كما قال.
وفاته: كان حيّا سنة تسعين وستمائة.
أحمد بن محمد بن أبي الخليل، مفرّج الأموي «1»
مولاهم، من أهل إشبيلية، يكنى أبا العباس، وكناه ابن فرتون أبا جعفر وتفرّد بذلك، يعرف بالعشّاب، وابن الرّوميّة، وهي أشهرهما وألصقهما به.
أوّليّته: قال القاضي أبو عبد الله «2» : كان ولاء «3» جدّه أحد أطباء قرطبة، وكان قد تبنّاه، وعن مولاه أخذ علم النبات.
(1/83)

حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، وغرّة جنسه، إماما في الحديث، حافظا، ناقدا، ذاكرا تواريخ المحدّثين وأنسابهم وموالدهم ووفاتهم، وتعديلهم، وتجريحهم؛ عجيبة نوع الإنسان في عصره، وما قبله، وما بعده، في معرفة علم النبات، وتمييز العشب، وتحليتها، وإثبات أعيانها، على اختلاف أطوار منابتها، بمشرق أو مغرب حسّا، ومشاهدة، وتحقيقا، لا مدافع له في ذلك، ولا منازع، حجة لا تردّ ولا تدفع، إليه يسلّم في ذلك ويرجع. قام على الصّنعتين؛ لوجود القدر المشترك بينهما، وهما الحديث والنبات، إذ موادهما الرّحلة والتّقييد، وتصحيح الأصول وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان، وغير ذلك. وكان زاهدا في الدنيا، مؤثرا بما في يديه منها، موسّعا عليه في معيشته، كثير الكتب، جمّاعا لها، في كل فنّ من فنون العلم، سمحا لطلبه العلم، ربما وهب منها لملتمسه الأصل النفيس، الذي يعزّ وجوده، احتسابا وإعانة على التعليم؛ له في ذلك أخبار منبئة عن فضله، وكرم صنعه، وكان كثير الشّغف بالعلم، والدّؤوب على تقييده ومداومته، سهر الليل من أجله، مع استغراق أوقاته، وحاجات الناس إليه، إذ كان حسن العلاج في طبّه المورود، الموضوع، لثقته ودينه.
قال ابن عبد الملك «1» : إمام المغرب قاطبة فيما كان سبيله، جال الأندلس، ومغرب العدوة، ورحل إلى المشرق، فاستوعب المشهور من إفريقيّة، ومصره، وشامه، وعراقه، وحجازه، وعاين الكثير ممّا ليس بالمغرب؛ وعاوض كثيرا فيه، كلّ ما أمكنه، بمن يشهد له بالفضل في معرفته، ولم يزل باحثا على حقائقه، كاشفا عن غوامضه، حتى وقف منه على ما لم يقف عليه غيره، ممّن تقدّم في الملّة الإسلامية، فصار واحد عصره فردا، لا يجاريه فيه أحد بإجماع من أهل ذلك الشأن.
مذاهبه: كان «2» سنّيّا ظاهريّ المذهب، منحيا على أهل الرأي، شديد التعصّب لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، على دين متين، وصلاح تامّ، وورع شديد؛ انتشرت عنه تصانيف أبي محمد بن حزم، واستنسخها «3» ، وأظهرها، واعتنى بها، وأنفق عليها أموالا جمّة، حتى استوعبها جملة، حتى لم يشذّ له منها إلّا ما لا خطر، متقدما ومقتدرا على ذلك بجدّته ويساره، بعد أن تفقّه طويلا على أبي الحسن «4» محمد بن أحمد بن زرقون في مذهب مالك.
(1/84)

مشيخته: البحر الذي لا نهاية له؛ روى «1» بالأندلس عن أبي إسحاق الدّمشقي «2» ، وأبي عبد الله اليابري «3» ، وأبي البركات بن داود «4» ، وأبي بكر بن طلحة، وأبي عبد الله بن الحر، وابن العربي، وأبي علي الحافظ، وأبي زكريا بن مرزوق، وابن يوسف، وابن ميمون الشريشي، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي ذرّ مصعب، وأبي العباس ابن سيّد الناس، وأبي القاسم البرّاق، وابن جمهور، وأبي محمد بن محمد بن الجنّان، وعبد المنعم بن فرس، وأبي الوليد بن عفير؛ قرأ عليهم وسمع. وكتب إليه مجيزا من أهل الأندلس والمغرب، أبو البقاء بن قديم، وأبو جعفر حكم الجفّار، وأبو الحسن الشّقوري، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا الدمشقي، وأبو عبد الله الأندرشي، وأبو القاسم بن سمجون، وأبو محمد الحجري.
ومن أهل المشرق جملة، منهم أبو عبد الله الحمداني بن إسماعيل بن أبي صيف، وأبو الحسن الحويكر نزيل مكة. وتأدّى إليه أذن طائفة من البغداديين والعراقيين له في الرواية، منهم ظفر بن محمد، وعبد الرحمن بن المبارك، وعلي بن محمد اليزيدي، وفناخسرو فيروز بن سعيد، وابن سنيّة، ومحمد بن نصر الصّيدلاني، وابن تيميّة، وابن عبد الرحمن الفارسي، وابن الفضل المؤذّن، وابن عمر بن الفخّار، ومسعود بن محمد بن حسّان المنيغي، ومنصور بن عبد المنعم الصاعدي، وابن هوازن القشيري، وأبو الحسن النّيسابوري.
وحجّ «5» سنة اثنتي عشرة «6» وستمائة، فأدّى الفريضة سنة ثلاث عشرة «7» ، ولقّب بالمشرق بحب الدّين. وأقام في رحلته نحو ثلاثة أعوام، لقي فيها من الأعلام العلماء، أكابر جملة؛ فمنهم ببجاية أبو الحسن بن نصر «8» ، وأبو محمد بن مكّي «9» ؛ وبتونس أبو محمد المرجاني «10» ؛ وبالإسكندرية أبو الأصبغ بن عبد العزيز «11» ، وأبو
(1/85)

الحسن بن جبير الأندلسي «1» ، وأبو الفضل بن جعفر بن أبي الحسن بن أبي البركات، وأبو محمد عبد الكريم الربعي، وأبو محمد العثماني أجاز له ولم يلقه، وبمصر أبو محمد بن سحنون الغماري ولم يلقه، وأبو الميمون بن هبة الله القرشي؛ وبمكة أبو علي الحسن بن محمد بن الحسين، وأبو الفتوح نصر بن أبي الفرج الحصري؛ وببغداد «2» أحمد بن أبي السعادات، وأحمد بن أبي بكر؛ وابن أبي «3» خط طلحة، وأبو نصر القرشي «4» ، وإبراهيم بن أبي ياسر القطيعي، ورسلان «5» المسدي، والأسعد بن بقاقا»
، وإسماعيل بن باركش الجوهري، وإسماعيل بن أبي البركات.
وبرنامج مرويّاته وأشياخه، مشتمل على مئين «7» عديدة، مرتبة أسماؤهم على البلاد العراقية وغيرها، لو تتبّعتها لاستبعدت الأوراق، وخرجت عمّا قصدت.
قال القاضي أبو عبد الله المراكشي بعد الإتيان على ذلك «8» : منتهى الثّقات أبو العباس النباتي، من التّقييد الذي قيّد، وعلى ما ذكره في فهارس له منوّعة، بين بسط، وتوسّط، واقتضاب، وقفت منها بخطّه، وبخطّ بعض أصحابه، والآخذين عنه.
من أخذ عنه: حدّث ببغداد برواية واسعة، فأخذ عنه بها أبو عبد الله بن سعيد اللّوشي؛ وبمصر الحافظ أبو بكر القط، وبغيرها من البلاد أمّة وقفل برواية واسعة، وجلب كتبا غريبة.
تصانيفه: له «9» فيما ينتحله من هذين الفنّين تصانيف مفيدة، وتنبيهات نافعة، واستدراكات نبيلة بديعة «10» ، منها في الحديث ورجاله «11» «المعلم بزوائد البخاري على مسلم» ، و «اختصار غريب «12» حديث مالك» للدّارقطني، و «نظم الدّراري فيما
(1/86)

تفرّد به مسلم عن البخاري» ، و «توهين طرق حديث الأربعين» ، و «حكم الدّعاء في أدبار الصّلوات» ، و «كيفية الأذان يوم الجمعة» ، و «اختصار الكامل في الضّعفاء والمتروكين» لأبي محمد بن عدي، و «الحافل في تذييل الكامل» ؛ و «أخبار محمد بن إسحاق» .
ومنها في النبات «1» ، «شرح حشائش دياسقوريدوس وأدوية جالينوس» ، والتنبيه على أوهام ترجمتها «2» ؛ و «التنبيه على أغلاط الغافقي «3» » ، والرّحلة النّباتية والمستدركة، وهو الغريب الذي اختصّ به، إلّا أنه عدم عينه بعده، وكان معجزة في فنّه؛ إلى غير ذلك من المصنّفات الجامعة، والمقالات المفيدة المفردة، والتعاليق المنوّعة.
مناقبه: قال ابن عبد الملك وابن الزّبير، وغيرهما «4» : عني تلميذه، الآخذ به، الناقد، المحدّث، أبو محمد بن قاسم الحرّار، وتهمم بجمع أخباره، ونشر مآثره، وضمّن ذلك مجموعا حفيلا نبيلا.
شعره: ذكره أبو الحسن بن سعيد في «القدح المعلّى» ، وقال «5» : جوّال بالبلاد المشرقية «6» والمغربية، جالسته بإشبيلية بعد عوده «7» من رحلته، فرأيته متعلقا بالأدب، مرتاحا إليه ارتياح البحتري لحلب، وكان غير متظاهر بقول الشّعر، إلّا أن أصحابه يسمعون منه، ويروون عنه، وحملت عنه «8» في بعض الأوقات، فقيّدت عنه هذه الأبيات: [البسيط]
خيّم بجلّق «9» بين الكأس والوتر ... في جنّة هي ملء السّمع والبصر
ومتّع الطّرف في مرأى محاسنها ... تروض «10» فكرك بين الروض والزّهر
وانظر إلى ذهبيّات الأصيل بها ... واسمع إلى نغمات الطّير في الشّجر «11»
وقل لمن لام في لذّاته بشرا ... دعني فإنّك عندي من سوى البشر
(1/87)

قال: وكثيرا «1» ما يطنب على دمشق، ويصف محاسنها، فما انفصل «2» عني إلّا وقد امتلأ خاطري من شكلها، فأتمنّى أن أحلّ مواطنها، إلى أن أبلغ «3» الأمل قبل المنون: [الوافر]
ولو أني «4» نظرت بألف عين ... لما استوفت محاسنها العيون
دخوله غرناطة: دخلها غير ما مرّة لسماع الحديث، وتحقيق النبات؛ ونقر عن عيون النبات بجبالها، أحد خزائن الأدوية، ومظان الفوائد الغريبة، يجري ذلك في تواليفه بما لا يفتقر إلى شاهد.
مولده: في محرم سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وفاته: توفي بإشبيلية عند مغيب الشفق من ليلة الاثنين مستهل ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة «5» . وكان ممّا رثي، قال ابن الزّبير: ورثاه جماعة من تلامذته كأبي محمد الحرّار، وأبي أمية إسماعيل بن عفير، وأبي الأصبغ عبد العزيز الكبتوري «6» وأبي بكر محمد بن محمد بن جابر السقطي، وأبي العباس بن سليمان؛ ذكر جميعهم الحرار المذكور في كتاب ألّفه في فضائل الشيخ أبي العباس، رحمه الله.
أحمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم «7»
أوّليّته: بيت بني سعيد العنسي، بيت مشهور في الأندلس بقلعة يحصب، نزلها جدّهم الأعلى، عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر؛ وكان له حظوة
(1/88)

لمكانه من اليمانيّة بقرطبة؛ وداره بقرب قنطرتها، كانت معروفة؛ وهو بيت القيادة والوزارة، والقضاء، والكتابة، والعمل، وفيما يأتي، وما مرّ كفاية من التنبيه عليه.
حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الطلبة، ونبهائهم؛ وله حظّ بارع من الأدب، وكتابة مفيدة، وشعر مدوّن. قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه المسمّى ب «الطالع» «1» : نشأ محبّا في الأدب، حافظا للشعر، وذاكرا لنظم الشريف الرّضي، ومهيار، وابن خفاجة، وابن الزّقاق، فرقّت طباعه، وكثر اختراعه وإبداعه؛ ونشأت معه حفصة بنت الحاجّ الرّكوني؛ أديبة زمانها، وشاعرة أوانها، فاشتدّ بها غرامه، وطال حبّه وهيامه؛ وكانت بينهما منادمات ومغازلات أربت على ما كان بين علوة وأبي عبادة؛ يمرّ من ذلك إلمام في شعر حفصة، إن شاء الله.
نباهته وحظوته: ولمّا وفدت الأندلس، على صاحب أمر الموحّدين في ذلك الأوان، وهو محتلّ بجبل الفتح «2» ، واحتفل شعراؤها في القصائد، وخطباؤها في الخطب بين يديه، كان في وفد غرناطة، أبو جعفر هذا المترجم به، وهو حدث السنّ في جملة أبيه وإخوته وقومه، فدخل معهم على الخليفة، وأنشده قصيدة؛ قال أبو الحسن بن سعيد، كتبت منها من خط والده قوله «3» : [الطويل]
تكلّم فقد أصغى إلى قولك الدّهر ... وما لسواك اليوم «4» نهي ولا أمر
ورم كلّ ما قد شئته فهو كائن ... وحاول فلا برّ يفوت ولا بحر
وحسبك هذا البحر فألا «5» فإنه ... يقبّل تربا داسه جيشك الغمر «6»
وما صوته «7» إلّا سلام مردّد ... عليك وعن بشر بقربك يفتر «8»
بجيش لكي يلقى أمامك من غدا ... يعاند أمرا لا يقوم له أمر
(1/89)

أطلّ «1» على أرض الجزيرة سعدها ... وجدّد فيها ذلك الخبر الخبر «2»
فما طارق إلّا لذلك مطرق ... ولا ابن نصير لم يكن ذلك النّصر
هما مهّداها كي تحلّ بأفقها ... كما حلّ عند التّمّ بالهالة البدر
قال: فلمّا أتمّها أثنى عليه الخليفة، وقال لعبد الملك أبيه: أيّهما خير عندك في ابنيك؛ فقال يا سيّدنا: محمد دخل إليكم مع أبطال الأندلس وقوّادها، وهذ مع الشعر، فانظروا ما يجب أن يكون خيرا عندي، فقال الخليفة: كلّ ميسّر لما خلق له، وإذا كان الإنسان متقدّما في صناعة فلا يؤسف عليه، إنما يؤسف على متأخّر القدر، محروم الحظ. ثم أنشد فحول الشعراء والأكابر. ثم لمّا ولّي غرناطة ولده السيد أبو سعيد، استوزر أبا جعفر المذكور، واتصلت حظوته إلى أن كان ما يذكر من نكبته.
محنته: قال قريبه وغيره: فسد ما ببنه وبين السيد أبي سعيد لأجل حفصة الشاعرة، إذ كانت محلّ هواه، ثم اتصلت بالسيّد، وكان له بها علاقة، فكان كلّ منهما على مثل الرّضف «3» للآخر، ووجد حسّاده السبيل، إلى إغراء السيّد به، فكان مما نمي به عنه، أن قال لحفصة يوما: وما هذا الغرام الشديد به، يعني السيد، وكان شديد الأدمة «4» ، وأنا أقدر أن أشتري لك من المعرض أسودا خيرا منه بعشرين دينارا؛ فجعل السيد يتوسّد له المهالك، وأبو جعفر يتحفّظ كل التحفّظ. وفي حالته تلك يقول: [الكامل]
من يشتري مني الحياة وطيبها ... ووزارتي وتأدّبي وتهذّبي
بمحلّ راع في ذرى ملمومة ... زويت عن الدنيا بأقصى مرتب
لا حكم يأخذه بها إلّا لمن ... يعفو ويرؤف دائما بالمذنب
فلقد سئمت من الحياة مع امرئ ... متغضّب متغلّب مترتّب
الموت يلحظني إذا لا حظته ... ويقوم في فكري أوان تجنّبي
لا أهتدي مع طول ما حاولته ... لرضاه في الدنيا ولا للمهرب
(1/90)

وأخذ في أمره مع أبيه وإخوته، وفتنة ابن مردنيش «1» مضطربة؛ فقال له أخوه محمد وأبوه: إن حركنا حركة كنا سببا لهلاك هذا البيت، ما بقيت دولة هؤلاء القوم، والصبر عاقبته حميدة، وقد كنّا ننهاك عن الممارجة «2» ، فلم تركب إلّا هواك؛ وأخذ مع أخيه عبد الرحمن، واتفقا على أن يثورا في القلعة باسم ابن مردنيش، وساعدهما قريبهما على ذلك حاتم بن حاتم بن سعيد، وخاطبوا ابن مردنيش، وصدر لهم جوابه بالمبادرة، ووصلت منه خيل ضاربة، وتهيّأ لدخول القلعة؛ وتهيّأ الحصول في القلعة، وخافوا من ظهور الأمر؛ فبادر حاتم وعبد الرحمن إلى القلعة، وتمّ لهما المراد؛ وأخّر الجبن أبا جعفر ففاتاه، وتوقّع الطلب في الطريق إلى القلعة، فصار متخفّيا إلى مالقة، ليركب منها البحر إلى جهة ابن مردنيش؛ ووضع السيّد عليه العيون في كل جهة، فقبض عليه بمالقة، وطولع بأمره فأمر بقتله صبرا، رحمه الله.
جزالته وصبره: قال أبو الحسن بن سعيد: حدّثني الحسين بن دويرة، قال:
كنت بمالقة لمّا قبض على أبي جعفر، وتوصّلت إلى الاجتماع به، ريثما استؤذن السيد في أمره حين حبس، فدمعت عيني لما رأيته مكبولا؛ قال: أعليّ تبكي بعد ما بلغت من الدنيا أطايب لذّاتها؟ فأكلت صدور الدجاج، وشربت في الزّجاج، وركبت كل هملاج «3» ، ونمت في الديباج، وتمتعت بالسّراري والأزواج، واستعملت من الشمع السّراج الوهّاج، وهأنا في يد الحجّاج، منتظرا محنة الحلّاج؛ قادم على غافر، لا يحوج إلى اعتذار ولا احتجاج. فقلت: ألا أبكي على من ينطق بمثل هذا؟ ثم تفقّد، فقمت عنه، فما رأيته إلّا مصلوبا، رحمه الله.
شعره «4» : [الطويل]
أتاني كتاب منك يحسده الدّهر ... أما حبره ليل، أما طرسه فجر؟
به جمع الله الأمانيّ لناظري ... وسمعي وفكري فهو سحر ولا سحر
ولا غرو أن أبدى العجائب ربّه ... وفي ثوبه برّ، وفي كفّه بحر
ولا عجب إن أينع الزّهر طيّه ... فما زال صوب القطر يبدو به الزّهر
(1/91)

ومن شعره ما يجري مجرى المرقص، وقد حضر مع الرّصافي والكتندي ومعهم مغنّ بروطة «1» : [مجزوء الكامل]
لله يوم مسرّة ... أضوى وأقصر من ذباله
لما نصبنا للمنى ... فيه من أوتار حباله
ظل «2» النهار بها كمر ... تاع، وأجفلت الغزاله
وشعره مدوّن كما قلنا، وهذا القدر عنوان على نبله.
غريبة في أمره مع حفصة
قال حاتم بن سعيد: وكان قد أجرى الله على لسانه، إذا حرّكت الكأس بها غرامه، أن يقول: والله لا يقتلني أحد سواك؛ وكان يعني بالحبّ، والقدر موكل بالمنطق، قد فرغ من قتله بغيره من أجلها. قال: ولمّا بلغ حفصة قتله لبست الحداد، وجهرت بالحزن، فتوعّدت بالقتل، فقالت في ذلك: [الخفيف]
هدّدوني من أجل لبس الحداد ... لحبيب أردوه لي بالحداد
رحم الله من يجود بدمع ... أو ينوح على قتيل الأعادي
وسقته بمثل جود يديه ... حيث أضحى من البلاد الغوادي
ولم ينتفع بعد بها، ثم لحقت به بعد قليل.
وفاته: توفي على حسب ما ذكر، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
أحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون «3»
يكنى أبا جعفر.
أوّليّته: قد مرّ ذلك في اسم جدّه قاضي الجماعة «4» ، وسيأتي في اسم والده.
(1/92)

حاله: شعلة من شعل الذكاء والإدراك، ومجموع خلال حميدة على الحداثة، طالب نبيل، مدرك، نجيب، بذّ أقرانه كفاية، وسما إلى المراتب، فقرأ، وأعرب، وتمر «1» ، وتدرّب، واستجاز له والده شيوخ بلده فمن دونهم، ونظم الشعر، وقيّد كثيرا، وسبق أهل زمانه في حسن الخط سبقا أفرده بالغاية القصوى؛ فيراعه اليوم المشار إليه بالظّرف والإتقان، والحوا، والإسراح؛ اقتضى ذلك كله ارتقاؤه إلى الكتابة السلطانية. ومزية الشّفوف بها، بالخلع والاستعمال؛ واختصّ بي، وتأدب بما انفرد به من أشياخ تواليفي، فآثرته بفوائد جمّة، وبطن حوضه من تحلّمه، وترشّح إلى الاستيلاء على الغاية.
شعره: أنشد له بين يدي السلطان في الميلاد الكريم: [الكامل]
حيّ المعاهد بالكثيب وجادها ... غيث يروي حيّها وجمادها
مولده: في ربيع الآخر من عام سبعة وأربعين وسبعمائة.
أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان
من أهل مالقة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن صفوان «2» .
حاله: بقيّة الأعلام، أديب من أدباء هذا القطر، وصدر من صدور كتّابه، ومشيخة طلبته، ناظم، ناثر، عارف، ثاقب الذهن، قويّ الإدراك، أصيل النظر، إمام الفرائض والحساب والأدب والتّوثيق، ذاكر للتاريخ واللغة، مشارك في الفلسفة والتصوّف، كلف بالعلوم الإلهية، آية الله في فكّ المعمّى، لا يجاريه في ذلك أحد ممّن تقدّمه، شأنه عجب، يفكّ من المعمّيات والمستنبطات، مفصولا وغير مفصول؛ شديد التعصّب لذي ودّ، وبالعكس، تامّ الرّجولة، قليل التّهيّب، مقتحم حمى أهل الجاه والحمد والمضايقة، إذا دعاه لذلك داع حبل نقده على غاربه، راض بالخمول، متبلّغ بما تيسّر، كثير الدؤوب والنظر، والتقييد والتصنيف، على كلال الجوارح، وعائق الكبرة «3» ، متقارب نمطي الشعر والكتابة، مجيد فيهما، ولنظمه شفوف على نثره.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، أستاذ الجملة من أهل بلده، ومولى النّعمة عليهم، لازمه وانتفع به؛ ورحل إلى العدوة، فلقي جملة، كالقاضي
(1/93)

المؤرّخ أبي عبد الله بن عبد الملك، والأستاذ التعالمي أبي العباس بن البنّاء «1» ، وقرأ عليهم بمرّاكش.
نباهته: استدعاه السلطان، ثاني الملوك من بني نصر «2» ، إلى الكتابة عنه مع الجلّة، ببابه، وقد نما عشّه، وعلا كعبه، واشتهر ذكاؤه وإدراكه. ثم جنح إلى العودة لبلده. ولمّا ولّي الملك السلطان أبو الوليد، ودعاه إلى نفسه، ببلده مالقة، استكتبه رئيسا مستحقّا، إذ لم يكن ببلده. فأقام به واقتصر على كتب الشروط، معروف القدر، بمكان من القضاة ورعيهم، صدرا في مجالس الشّورى؛ وإلى الآن يجعل إلى زيارة غرناطة، حظّا من فصول بعض السنين، فينصب بها العدالة، ثم يعود إلى بلده في الفصل الذي لا يصلح لذلك. وهو الآن بقيد الحياة، قد علقته أشراك الهرم، وفيه بعد مستمتع، بديع، كبير.
تصانيفه: من تواليفه، «مطلع الأنوار الإلهية» ؛ و «بغية المستفيد» ؛ و «شرح كتاب القرشي في الفرائض» ، لا نظير له. وأما تقاييده على أقوال يعترضها، وموضوعات ينتقدها، فكثيرة.
شعره: قال في غرض التّصوّف: وبلغني أنه نظمها بإشارة من الخطيب، وليّ الله، أبي عبد الله الطّنجالي، كلف بها القوّالون والمسمّعون بين يديه «3» : [الكامل]
بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبّة بانوا
لم ينقضوا عهدا بينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان
لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران
لو صحّ حبّك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبّك الأظعان
تشتاقهم، وحشاك هالة بدرهم ... والسّرّ منك لخلّهم «4» ميدان
ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السّلوان
لا يشتكي ألم البعاد متيّم ... أحبابه في قلبه سكّان
ما عندهم إلّا الكمال وإنما ... غطّى على مرآتك «5» النّقصان
(1/94)

شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان
غمّض جفونك عن سواهم معرضا ... إنّ الصّوارم حجبها الأجفان
واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصا ... ترهم «1» بقلبك حيث «2» كنت وكانوا
ما بان «3» عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليها سحابها الهتّان
وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان
جعلوا دليلا فيك «4» منك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان
يا لا محا سرّ الوجود بعينه ... السّرّ فيك بأسره والشّان
ارجع لذاتك إن أردت تنزّها ... فيها لعيني ذي الحجا بستان
هي روضة مطلولة بل جنّة ... فيها المنى والرّوح والرّيحان
كم حكمة صارت تلوح لناظر ... حارت لباهر صنعها الأذهان
حجبت بشمسك «5» عن عيانك شمسها ... شمس محاسن ذكرها التّبيان «6»
لولاك ما خفيت عليك آياتها «7» ... والجوّ من أنوارها ملآن
أنت الحجاب لما تؤمّل منهم ... ففناؤك الأقصى لهم وجدان
فاخرج إليهم عنك مفتقرا لهم ... إنّ الملوك بالافتقار تدان
واخضع لعزّهم ولذ بهم «8» يلح ... منهم عليك تعطّف «9» وحنان
هم رشّحوك إلى الوصول إليهم ... وهم على طلب الوصال عوان «10»
عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فحلى «11» المشوق الحسن والإحسان
يا ملبسين عبيدهم حلل الضّنى ... جسمي بما تكسونه يزدان
لا سخط عندي للذي ترضونه ... قلبي بذاك مفرح «12» جذلان
فبقربكم عين الغنا وببعدكم ... محض الفنا ومحبّكم ولهان «13»
(1/95)

إني كتمت عن الأنام هواكم ... حتى دهيت وخانني الكتمان
ووشت بحالي عند ذاك «1» مدامع ... أدنى مواقع قطرها طوفان
وبدت عليّ شمائل عذريّة ... تقضي بأني فيكم هيمان
فإذا نطقت فذكركم لي منطق ... ما عن «2» سواكم للّسان بيان
وإذا صمتّ فأنتم سرّي الذي ... بين الجوانح في الفؤاد يصان
فبباطني وبظاهري لكم هوى ... من جنده الإسرار والإعلان
وجوانحي «3» وجميع أنفاسي وما ... أحوي، عليّ لحبّكم أعوان
وإليكم مني المفرّ فقصدكم ... حرم به للخائفين أمان
وقال يذمّ الدنيا ويمدح عقبى من يقلّل منها: [الطويل]
حديث الأمان في الحياة شجون ... إن ارضاك شأن أحفظتك شؤون
يميل إليها جاهل بغرورها ... فمنه اشتياق نحوها وأنين
وذو الحزم ينبو عن حجاه فحالها ... يقيه إذا شكّ عراه يقين
إليك صريع الأمن سنحة ناصح ... على نصحه سيما الشّفيق تبين
تجاف عن الدّنيا ودن باطّراحها ... فمركبها بالمطمعين حرون
وترفيعها خفض وتنعيمها أذى ... ومنهلها للواردين أجون
إذا عاهدت خانت وإن هي أقسمت ... فلا ترج برّا باليمين يمين
يروقك منها مطمع من وفائها ... وسرعان ما إثر الوفاء تخون
وتمنحك الإقبال كفّة حابل ... ومن مكرها في طيّ ذاك كمين
سقاه، لعمر الله، إمحاضك الهوى ... لمن أنت بالبغضاء فيه قمين «4»
ومن تصطفيه وهو يقطعك القلا ... وتهدى له الإعزاز وهو يهين
ألا إنّها الدنيا فلا تغترر بها ... ولود الدّواهي بالخداع تدين
يعمّ رداها الغرّ والخبّ ذا الدّها ... ويلحق فيها بالكناس عرين
وتشمل بلواها نبيلا وخاملا ... ويلقى مذال غدرها ومصون
أبنها، لحاها الله، كم فتنة لها ... تعلّم صمّ الصّخر كيف يلين
(1/96)

فلا ملك سام أقالت عثاره ... ولو أنه للفرقدين خدين
ولا معهد إلّا وقد نبهت به ... بعيد الكرى للثّاكلات جفون
أبيت لنفسي أن يدنّسها الكرى ... سكون إليها موبق وركون
فليس قرير العين فيها سوى امرئ ... قلاه لها رأي يراه ودين
أبيت طلاق الحرص فالزّهد دائبا ... خليل له مستصحب وقرين
إذا أقبلت لم يولها بشر شيّق ... ولا خفّ للإقبال منه رزين
وإن أدبرت لم يلتفت نحوها بها ... وأدّ «1» على ما لم توات حزين
خفيف المطا من حمل أثقال همّها ... إذا ما شكت ثقل الهموم متون
على حفظه للفقر أبهى ملاءة ... سنا حليها وسط الزريّ يدين
برجف تخال الخائفين منازل ... لهنّ مكان حيث حلّ مكين
منازل نجد عندها وتهامة ... سوى واستوى هند لديه وصين
يرود رياضا أين سار وورده ... زلال اعتاض الورود معين
فهذا أثيل الملك لا ملك ثائر ... لأعدائه حرب عليه زبون
وهذا عريض العزّ لا عزّ مترف ... له من مشيدات القصور سجون
حوت شخصه أوصافها فكأنّه ... وإن لم يمت فوق التّراب دفين
فيا خابطا عشواء والصّبح قد بدا ... إلام تغطّي ناظريك دجون؟
أفق من كرى هذا التّعامي ولا تضع ... بجهلك علق العمر فهو ثمين
إذا كان عقبى ذي جدّة إلى بلى ... وقصارى ذي الحياة منون
ففيم التفاني والتنافس ضلّة؟ ... وفيم التّلاحي والخصام يكون؟
إلى الله أشكوها نفوسا عميّة ... عن الرّشد والحقّ اليقين تبين
وأسأله الرّجعى إلى أمره الذي ... بتوفيقه حبل الرّجاء متين
فلا خير إلّا من لدنه وجوده ... لتيسير أسباب النّجاة ضمين
وجمعت «2» ديوان شعره أيّام مقامي بمالقة عند توجّهي صحبة الرّكاب السلطاني إلى إصراخ الخضراء عام أربعة وأربعين وسبعمائة؛ وقدّمت صدره خطبة، وسمّيت الجزء ب «الدّرر الفاخرة، واللّجج الزاخرة» ، وطلبت منه أن يجيزني، وولدي عبد الله، رواية ذلك عنه، فكتب بخطّه الرائق بظهر المجموع ما نصّه:
(1/97)

«الحمد لله مستحقّ الحمد؛ أجبت سؤال الفقيه، الأجلّ، الأفضل، السّري، الماجد، الأوحد، الأحفل، الأديب البارع، الطّالع في أفق المعرفة والنّباهة، والرّفعة المكينة والوجاهة، بأبهى المطالع، المصنّف، الحافظ، العلّامة، الحائز في فنّي النظم والنثر، وأسلوبي الكتابة والشّعر، رتبة الرياسة «1» ؛ الحامل لراية التقدّم والإمامة؛ محلّي جيد العصر بتواليفه «2» الباهرة الرّواء؛ ومجلّي محاسن بنيه، الرائقة على منصّة الإشهاد «3» والأنباء؛ أبي عبد الله بن الخطيب، وصل الله سعادته ومجادته «4» ؛ وسنى من الخير الأوفر، والصّنع الجميل «5» الأبهر، مقصده وإرادته؛ وبلّغه في نجله الأسعد، وابنه الراقي بمحتده الفاضل، ومنشئه الأطهر، محلّ الفرقد، أفضل ما يؤمّل نحلته إياه في «6» المكرمات وإفادته؛ وأجزت له ولابنه عبد الله المذكور، أبقاهما الله تعالى، في عزّة سنيّة الخلال، وعافية ممتدّة الأفياء، وارفة الظّلال؛ رواية جميع ما تقيّد في الأوراق، المكتتب على ظهر أوّل ورقة منها، من نظمي ونثري؛ وما تولّيت إنشاءه، واعتمدت بالارتحال «7» والرواية، اختياره وانتقاءه، أيام عمري؛ وجميع ما لي من تصنيف وتقييد، ومقطوعة وقصيد «8» ، وجميع ما أحمله عن أشياخي رضي الله عنهم، من العلوم، وفنون المنثور والمنظوم؛ بأيّ وجه تأدّى «9» إليّ، وصحّ حملي له، وثبت إسناده لديّ «10» إجازة تامّة، في ذلك كله عامّة، على سنن الإجازات الشّرعية «11» ، وشرطها المأثور عند أهل الحديث المرعيّ، والله ينفعني وإيّاهما بالعلم وحمله، وينظمنا جميعا في سلك حزبه المفلحين «12» وأهله، ويفيض علينا من أنوار بركته وفضله. قال ذلك وكتبه بخطّ يده الفانية، العبد الفقير إلى الغني «13» به، أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان، ختم الله له بخير؛ حامدا لله تعالى، ومصلّيا ومسلما على محمد نبيّه المصطفى الكريم، وعلى آله الطاهرين ذوي المنصب العظيم، وصحبه «14» البررة، أولي «15» المنصب والأثرة والتقديم؛ في سادس ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وسبعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل» .
(1/98)

واشتمل هذا الجزء الذي أذن بحمله عنه من شعره على جملة من المطوّلات، منها قصيدة يعارض بها الرئيس أبا عليّ بن سينا في قصيدته الشهيرة في النّفس التي مطلعها: «هبطت إليك من المحلّ الأرفع» ، أولها: «أهلا بمسراك المحب الموضع» .
وأول قصيدة: [الطويل]
لمعناك في الأفهام سرّ مكتّم ... عليه نفوس العارفين تحوم
وأول أخرى: [الكامل]
أزهى حجابك رؤية الأغيار ... فامح الدّجى بأشعّة الأنوار
وأول أخرى: [الطويل]
ثناء وجودي في هواكم هو الخلد ... ومحو رسومي حسن ذاتي به يبدو
ومطلع أخرى: [الطويل]
ألا في الهوى بالذّلّ ترعى الوسائل ... ودمعي «1» أنادي مجيب وسائل
ومطلع أخرى: [الطويل]
هم القصد جادوا بالرّضى أو تمنّعوا ... صلوا اللوم فيما أودعوا القلب أودعوا
ومن أخرى: [البسيط]
سقى زمان «2» الرّضا هام من السّحب ... إلهي «3» العود من أثوابه القشب
ومن أخرى: [الكامل]
يا فوز نفسي في هواك هواؤها ... رقّت معانيها وراق مناؤها
ومن أخرى: [الكامل]
أمّا الغرام فبالفؤاد غريم ... هيهات منّي ما العذول يروم
ومن شعره في المقطوعات قوله «4» : [الكامل]
رشق «5» العذار لجينه بنباله ... فغدا يدور «6» على المحبّ الواله
(1/99)

خطّ العذار بصفحتيه لامه ... خطّا توعّده بمحو جماله
فحسبت أنّ جماله شمس الضّحى ... حسنا وذاك الخطّ خطّ زواله
فدنا «1» إليّ تعجّبا وأجابني ... والرّوع يبدو من خلال مقاله
إنّ الجمال اللام آخره «2» فعج ... عن رسمه واندب على أطلاله
ومن أبياته في التّورية بالفنون قوله «3» : [الوافر]
كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للرّوح الخليل
وكفّك للطويل «4» فدتك نفسي ... قبيح ليس يرضاه الخليل
وقال في التّورية بالعروض «5» : [الكامل]
يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط خدّي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك «6» بقطعها «7» ... والقطع في الأسباب ليس يجوز
وقال في التّورية بالعربية «8» : [الوافر]
أيا قمرا مطالعه جناني ... وغرّته توارى «9» عن عياني «10»
أأصرف في هواك عن اقتراحي «11» ... وسهدي وانتحابي علّتان؟
وقال أيضا: [الرجز]
لا تصحبن يا صاحبي غير الوفي ... كلّ امرئ عنوانه من يصطفي
كم من خليل بشره زهر الرّبى ... وطيّ ذاك البشر حدّ المرهف
ظاهره يريك سرّ من رأى ... وأنت من إعراضه في أسف
ووقعت بينه وبين قاضي بلده أبي عمرو بن المنظور مقاطعة، انبرى بها إلى مطالبته بما دعاه إلى التحوّل مضطرّا إلى غرناطة، وأخذ بكظمه، وطوّقه الموت
(1/100)

في أثناء القطيعة، فقال في ذلك متشفّيا، وهو من نبيه كلامه، وكلّه نبيه:
[الطويل]
تردّى ابن منظور وحمّ حماه ... وأسلمه حام له ونصير
تبرّأ منه أولياء غروره ... ولم يقه بأس المنون ظهير
وأودع بعد الأنس موحش بلقع ... فحيّاه فيه منكر ونكير
ولا رشوة يدلي القبول رشادها ... فينسخ بالسّير المريح عسير
ولا شاهد يغضي له عن شهادة ... تخلّلها إفك يصاغ وزور
ولا خدعة تجدي ولا مكر نافع ... ولا غشّ مطويّ عليه ضمير
ولكنه حقّ يصول وباطل ... يحول ومثوى جنّة وسعير
وقالوا قضاء الموت حتم على الورى ... يدير صغير كأسه وكبير
فلا تنتسم ريح ارتياح لفقده ... فإنّك عن قصد السّبيل تحور
فقلت بلى حكم المنيّة شامل ... وكلّ إلى ربّ العباد يصير
ولكن تقدّم الأعادي إلى الرّدى ... نشاط يعود القلب منه سرور
وأمن ينام المرء في برد ظلّه ... ولا حيّة للحقد ثمّ تثور
وحسبي بيت قاله شاعر مضى ... غدا مثلا في العالمين يسير
وإنّ بقاء المرء بعد عدوّه ... ولو ساعة من عمره لكثير
مولده: قال بعض شيوخنا: سألته عن مولده فقال لي: في آخر خمسة وتسعين وستمائة، أظنّ في ذي قعدة منه الشكّ.
وفاته: بمالقة في آخر جمادى الثانية من عام ثلاثة وستين وسبعمائة.
أحمد بن أيوب اللّمائي «1»
من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر.
(1/101)

حاله: قال صاحب الذّيل «1» : كان أديبا ماهرا، وشاعرا «2» جليلا، وكاتبا نبيلا «3» . كتب عن أوّل الخلفاء الهاشميين بالأندلس، علي «4» بن حمّود، ثم عن غيره من أهل بيته؛ وتولّى تدبير أمرهم «5» ، فحاز لذلك صيتا شهيرا، وجلالة عظيمة.
وذكره ابن بسّام في كتاب «الذّخيرة» ، فقال «6» : كان أبو جعفر هذا في «7» وقته أحد أئمة الكتّاب، وشهب الآداب «8» ، ممّن سخّرت له فنون البيان، تسخير الجنّ لسليمان، وتصرّف في محاسن الكلام، تصرّف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه؛ وله إنشاءات سريّة، في الدولة الحمّودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلّا أني لم أجد عند تحريري هذه النّسخة، من كلامه، إلّا بعض فصول له «9» من منثور، وهي ثماد من بحور.
فصل: من «10» رقعة خاطب بها أبا جعفر بن العباس: «غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لديّ عاطر، وريح إخلاصي لك صبا، وزمان «11» آمالي فيك صبا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظلّ «12» وفائك؛ جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البرّ قديما أصله، وسقاني إكراما برقه، وروّاني إفضالا ودقه؛ وأنت الطّالع في فجاجه، السّالك لمنهاجه؛ سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسرّه «13» ، ووصف ودّ أضمره» .
(1/102)

شعره: قال، ومما وجد بخطه لنفسه «1» : [الكامل]
طلعت طلائع «2» للربيع فأطلعت ... في الرّوض وردا قبل حين أوانه
حيّا أمير المسلمين «3» مبشّرا ... ومؤمّلا للنّيل من إحسانه
ضنّت سحائبه عليه بمائها «4» ... فأتاه يستسقيه ماء بنانه
دامت لنا أيّامه موصولة ... بالعزّ والتّمكين في سلطانه
قال: وأنشدني الأديب أبو بكر بن معن، قال: أنشدني أبو الربيع بن العريف لجدّه الكاتب أبي جعفر اللمائي، وامتحن بداء النّسمة من أمراض الصّدر، وأزمن به، نفعه الله، وأعياه علاجه، بعد أن لم يدع فيه غاية، وفي ذلك يقول «5» : [الكامل]
لم يبق من شيء أعالجها به «6» ... طمع الحياة، وأين من لا يطمع؟
«وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع» «7»
ودخل عليه بعض أصحابه فيها، وجعل يروّح عليه فقال له بديهة «8» :
[المنسرح]
روّحني عائدي فقلت له: مه «9» ... ، لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة ... عند هبوب الرياح تتّقد؟
ودخل غرناطة غير ما مرة، منها متردّدا بين أملاكه، وبين من بها من ملوك صنهاجة؛ قالوا: ولم تفارقه تلك الشّكاية حتى كانت سبب وفاته.
وفاته: بمالقة عام خمسة وستين وأربعمائة. ونقل منها إلى حصن الورد، وهو عند حصن منت ميور إذ كان قد حصّنه، واتّخذه لنفسه ملجأ عند شدّته، فدفن به،
(1/103)

بعهد منه بذلك، وأمر أن يكتب على قبره بهذه الأبيات «1» : [الطويل]
بنيت ولم «2» أسكن وحصّنت جاهدا ... فلمّا أتى المقدور صيّره «3» قبري
ولم يك «4» حظّي غير ما أنت مبصر ... بعينك ما بين الذّراع إلى الشّبر
فيا زائرا قبري أوصّيك جاهدا ... عليك بتقوى الله في السّرّ والجهر
فلا «5» تحسنن بالدّهر ظنّا فإنما ... من الحزم ألّا يستنام «6» إلى الدهر
أحمد بن محمد بن طلحة «7»
من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن جدّه طلحة.
حاله: قال صاحب «القدح المعلّى» «8» : من بيت مشهور بجزيرة شقر من عمل بلنسية، كتب عن ولاة الأمر «9» من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود «10» ، حين تغلّب على الأندلس، وربما استوزره «11» ، وهو ممّن كان والدي يكثر مجالسته، وبينهما مزاورة، ولم أستفد منه إلّا ما كنت أحفظه من «12» مجالسته.
شعره: قال «13» : سمعته يوما «14» يقول، تقيمون القيامة بحبيب «15» ، والبحتري، والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتد إليه المتقدّمون ولا المتأخّرون،
(1/104)

فانبرى إليه «1» شخص له همّة «2» وإقدام، فقال «3» : يا أبا جعفر، أين «4» برهان ذلك، فما أظنك تعني إلّا نفسك «5» ، فقال «6» : ما أعني إلّا نفسي، ولم لا، وأنا الذي أقول «7» : [السريع]
يا هل ترى أظرف «8» من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مطربة «9» كلّ قضيب وريق
والشّمس لا تشرب خمر النّدى ... في الرّوض إلّا بكؤوس «10» الشّقيق
فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ «11» كما كان، فقلت له: يا سيدي، هذا والله «12» السّحر الحلال، وما سمعت من شعراء عصرنا مثله، فبالله إلّا ما لازمتني وزدتني من هذا النمط، فقال لي: لله درّك، ودرّ أبيك من منصف ابن منصف. اسمع، وافتح أذنيك. ثم أنشد «13» : [الوافر]
أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضمّخة الملابس بالغوالي
وخدّ الأرض «14» خفّره «15» أصيل ... وجفن «16» النّهر كحّل بالظّلال
وجيد الغصن يشرف «17» في لآل ... تضيء بهنّ أكناف اللّيالي
فقلت: بالله أعد وزد، فأعاد والارتياح قد ملأ «18» عطفه، والتّيه قد رفع أنفه،
(1/105)

ثم قال «1» : [السريع]
لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحرا حلال
إذ «2» أصبح الطّلّ به ليلة ... وجال «3» فيه «4» الغصن مثل «5» الخيال
فقلت: ما على هذا مزيد في الاستحسان «6» ، فعسى أن يكون المزيد في الإنشاد، فزاد ارتياحه وأنشد «7» : [الوافر]
ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم «8» إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا
فقلت «9» : إيه زادك الله إحسانا، فزاد «10» : [الوافر]
ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرا ... كما مدّ الظلام على الضّياء
فقلت: فما تكرّر «11» ويطول، فإنه مملول، إلّا ما أوردته آنفا، فإنه كنسيم الحياة، وما إن يملّ، فبالله إلّا ما زدتني «12» ، وتفضّلت عليّ بالإعادة، فأعاد وأنشد:
[الكامل]
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فردا بغير شبيه
فالصّبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت حمائمه تخاصم فيه «13»
دخوله غرناطة: دخلها مع مخدومه المتوكل على الله ابن هود وفي جملته، إذ كان يصحبه في حركاته، ويباشر معه الحرب، وجرت عليه الهزائم، وله في ذلك كلّه شعر.
(1/106)

محنته: قالوا «1» : لم يقنع بما أجرى عليه أبو العباس الينشتي «2» من الإحسان، فكان يوغر صدره من الكلام فيه، فذكروا أن الينشتي قال يوما في مجلسه: رميت يوما بسهم من كذا، فبلغ إلى كذا؛ فقال ابن طلحة لشخص كان إلى جانبه: والله لو كان قوس قزح؛ فشعر أبو العباس إلى قوله ما يشبه ذلك، واستدعى الشخص، وعزم عليه، فأخبره بقوله، فأسرّها في نفسه، إلى أن قوّى الحقد عليه، من ما بلغه عنه من قوله يهجوه: [الوافر]
سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدا أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبدا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال عنه «3» ... يد شلّا وأمر لا يتمّ
فزادت موجدته «4» عليه، وراعى أمره إلى أن بلغته أبيات قالها في شهر رمضان، وهو على حال الاستهتار: [الوافر]
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون «5»
أتنتهكون «6» شهر الصّوم هلّا ... حماه منكم عقل ودين؟
فقلت اصحب سوانا، نحن «7» قوم ... زنادقة مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دين غير دين الر ... رعاع فما به أبدا ندين
فحيّ على الصّبوح «8» الدّهر ندعو ... وإبليس يقول لنا أمين «9»
أيا «10» شهر الصيام إليك عنّا ... إليك «11» ففيك أكفر ما نكون
(1/107)

قال: فأرسل إليه من هجم عليه، وهو على هذا «1» الحال، وأظهر إرضاء العامّة بقتله، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة «2» . ولا خفاء أنه من صدور الأندلس، وأشدّهم عثورا على المعاني الغريبة المخترعة، رحمه الله.
أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري
من أهل ألمريّة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن خاتمة «3» .
حاله: هذا «4» الرجل صدر يشار إليه، طالب متفنّن، مشارك، قويّ الإدراك، سديد النّظر، قوي الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيّد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان؛ عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السّيرة، حميد الطريقة، في ذلك كله.
وجرى ذكره في كتاب «التّاج» بما نصّه «5» : «ناظم درر الألفاظ، ومقلّد جواهر الكلام نحور الرّواة ولبّات الحفّاظ، والآداب «6» التي أصبحت شواردها حلم النائم وسمر الأيقاظ، وكم «7» في بياض طرسها وسواد نقسها «8» سحر الألحاظ «9» . رفع «10» في قطره راية هذا الشأن على وفور حلبته، وقرع فنّه البيان على سموّ هضبته، وفوّق سهمه إلى بحر الإحسان، فأثبته في لبّته؛ فإن أطال شأن الأبطال، وكاثر المنسجم
(1/108)

الهطّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها» .
مشيخته: حسبما نقل بخطّه في ثبت استدعاه منه من أخذ عنه؛ الشيخ الخطيب، الأستاذ مولى النعمة، على أهل طبقته بألمريّة، أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العيش المرّي؛ قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه؛ والشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التّنوخي. وروى عن الراوية المحدّث المكثر الرحّال، محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن شيخنا أبي البركات ابن الحاجّ، سمع عليه الكثير، وأجازه إجازة عامّة؛ والشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي من أهل بلده؛ والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجّ الزاهد، أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك. وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرّ، وغيرهم.
كتابته: ممّا «1» خاطبني به بعد إلمام الرّكب «2» السلطاني ببلده، وأنا صحبته «3» ، ولقائه إياي، بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ، وتودّد، وتردّد: [الكامل]
يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع
مرأى «4» يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع
أشكو إليك من الزمان تحاملا ... في فضّ شمل لي بقربك جامع
هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا ... حتى تقلّص مثل برق لامع
فلو انّني ذو مذهب لشفاعة ... ناديته: يا مالكي كن شافعي «5»
شكواي إلى سيدي ومعظّمي؛ أقرّ الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدرّ بثنائه ألسن الحمد! شكوى الظمآن «6» صدّ عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم عليّ بإبعاده «7» ، على حين
(1/109)

إسعاده «1» ، ودهمني بفراقه غبّ إنارة أفقي به وإشراقه؛ ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كما له الباهر، فقطع عن توفية حقّه، ومنع من تأدية مستحقّه، لا جرم أنه أنف لشعاع «2» ذكائه، من هذه المطالع النائية «3» عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره؛ وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الطّلوع «4» ، وأنّ البدر ينصرف «5» بين الاستقامة والرجوع. فما بال هذا النيّر الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها؛ أستغفر الله أن لا يعدّ ذلك من المغتفر في جانب ما أوليت «6» من الأثر «7» ، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر «8» ؛ فقد سرّت متشوّفات الخواطر، وأقرّت متشرّفات «9» النواظر، بما جلت «10» من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيّد خطى الأبصار، عن التشوّف والاستبصار؛ وأخذ بأزمّة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب؛ وأنّى للعين بالتحوّل عن كمال الزّين؟ أو للطّرف «11» ، بالتحوّل «12» عن خلال الظّرف؟ أو للسّمع من مراد، بعد ذلك «13» الإصرار والإيراد، أو للقلب من مراد، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد؛ وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع التّمام، وأنوار الفضائل «14» ضمّها جنس اتفاق والتآم؛ فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب، ولا تستهدف الآذان «15» لغير سهم في حدق البلاغة مصيب؛ ولا تطلع «16» النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب. لقد أزرى بناظم حلاه فيما تعاطاه «17» التقصير، وانفسح من أعلاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل: إنّ الإنسان عالم صغير، شكرا للدهر على يد أسداها بقلب مزاره، وتحفة ثناء «18» أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في
(1/110)

ادّخار «1» نفائسه، وبخله بنفائس ادّخاره؛ ولا «2» غرو أن يضيق عنّا نطاق الذّكر، ولمّا يتّسع لنا سوار الشكر؛ فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف، بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظلّ الإقامة، وجرى الأمر في ذلك مجرى الكرامة. ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي، حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده! مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه؛ فشرع له إلى أمله «3» بابا، ورفع له من خجله جلبابا، فهو يكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده، فهو «4» يقدم والبصر يبهرج نقده فيقعده؛ فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى؛ فإن أبطأ خطابي فلواضح الاعتذار «5» ، ومثلكم لا يقبل حياة الأعذار؛ والله عزّ وجلّ يصل إليكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ لكم «6» ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى.
كتب «7» في العاشر من ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة غير ما مرّة، منها في استدعاء شمال الخواصّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيّة «8» ، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة.
شعره: كان مجلّيا، وأنشد في حلبة الشعراء قصيدة أولها «9» : [الكامل]
أجنان خلد زخرفت أم مصنع؟ ... والعيد عاود أم صنيع يصنع؟
ومن شعره «10» : [الكامل]
من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف تولّه العشّاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي «11»
من حرّ أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآقي
(1/111)

دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد «1» متراق
ولقد أشير لمن تكلّف رحلة ... أن عج عليّ ولو بقدر فواق «2»
عليّ أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق
فمضى ولم تعطفه نحوي ذمّة ... هيهات! لا بقيا «3» على مشتاق
يا صاحبيّ وقد مضى حكم النّوى «4» ... روحا عليّ بشيمة «5» العشّاق «6»
واستقبلا بي «7» نسمة من «8» أرضكم ... فلعلّ نفحتها تحلّ وثاقي
إني ليشفيني النّسيم إذا سرى ... متضوّعا من تلكم الآفاق
من مبلغ بالجزع أهل مودّتي ... أني على حكم الصّبابة باق؟
ولئن تحوّل عهد قربهم «9» نوى ... ما حلت عن عهدي ولا «10» ميثاقي
أنفت خلائقي الكرام لخلّتي ... نسبا إلى الإخلاق والإخراق «11»
قسما به ما استغرقتني فكرة ... إلّا وفكري فيه واستغراقي
لي آهة «12» عند العشيّ لعلّه ... يصغي لها، وكذا مع الإشراق
أبكي إذا هبّ النسيم فإن تجد ... بللا به فبدمعي المهراق
أومي بتسليم «13» إليه مع الصّبا ... فالذّكر كتبي والرفاق رفاقي
من لي وقد شحط «14» المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي
إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... فسراه «15» بين القلب والأحداق
جارت عليّ يد النّوى بفراقه ... آها لما جنت النّوى بفراق
أحباب قلبي هل لماضي عيشنا «16» ... ردّ فينسخ بعدكم بتلاق؟
(1/112)

أم هل لأثواب التجلّد راقع ... إذ ليس من داء المحبّة راق
ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلّا وأمطرت الدّما آماقي
إيه أخيّ أدر عليّ حديثهم ... كأسا ذكت عرفا وطيب مذاق
وإذا جنحت لماء او طرب فمن ... دمعي الهموع «1» وقلبي الخفّاق
ذكراه راحي، والصّبابة حضرتي «2» ... والدمع ساقيتي «3» ، وأنت الساقي
فليله «4» عنّي من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي
وقال «5» : [البسيط]
وقفت والرّكب «6» قد زمّت ركائبه ... وللنفوس مع النّوى «7» تقطيع
وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل «8» القلب صدر الرّكب توديع؟
أضمّ منه كما أهوى «9» لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطّيب مجموع
تهفو «10» فأذعر خوفا من تقلّصها «11» ... إنّ الشّفيق بسوء الظنّ مولوع
هل عند من قد دعا بالبين مقلته «12» ... أنّ الرّدى منه مرئيّ ومسموع؟
أشيّع القلب من «13» رغم عليّ وما ... بقاء جسم له للقلب تشييع
أري وشاتي أنّي لست مفتقرا «14» ... لما جرى وصميم القلب مصروع
الوجد طبع «15» وسلواني مصانعة ... هيهات يشكل مصنوع ومطبوع «16»
«إنّ الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن النّاس أنّ الثّوب مرقوع»
(1/113)

وقال أيضا «1» : [الكامل]
لولا حيائي من عيون النّرجس ... للثمت خدّ الورد بين السّندس
ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميّس
وهتكت أستار الوقار ولم أبل «2» ... للباقلا «3» تلحظ بطرف أشوس
ما لي وصهباء الدّنان مطارحا ... سجع القيان مكاشفا وجه المسي
شتّان بين مظاهر ومخاتل ... ثوب الحجا ومطهّر ومدنّس
ومجمجم بالعذل باكرني به ... والطير أفصح مسعد بتأنّس
نزّهت سمعي عن سفاهة نطقه ... وأعرته صوتا رخيم الملمس
سفّهت في العشّاق يوما إن أكن ... ذاك الذي يدعى الفصيح الأخرس «4»
أعذول وجدي ليس عشّك فادرجي «5» ... ونصيح رشدي بان نصحك فاجلس
هل تبصر الأشجار والأطيار وال ... أزهار تلك الخافضات الأرؤس؟
تالله وهو أليّتي وكفى به ... قسما يفدّى برّه بالأنفس
ما ذاك من شكو ولا لخلالة «6» ... لكن سجود مسبّح ومقدّس
شكرا لمن برأ الوجود بجوده ... فثنى إليه الكلّ وجه المفلس
وسما بساط الأرض فيه «7» فمدّه ... ودحا بسيط «8» الأرض أوثر مجلس
ووشى بأنواع المحاسن هذه ... وأنار هذي بالجواري «9» الكنّس
(1/114)

وأدرّ أخلاف «1» العطاء تطوّلا ... وأنال فضلا من يطيع ومن يسي
حتى إذا انتظم الوجود بنسبة ... وكساه ثوبي نوره والحندس «2»
واستكملت كلّ النّفوس كمالها ... شفع العطايا بالعطاء الأنفس
بأجلّ هاد للخلائق مرشد ... وأتمّ نور للخلائق مقبس
بالمصطفى المهدي إلينا رحمة ... مرمى الرّجاء «3» ومسكة المتيئّس
نعم يضيق الوصف عن إحصائها ... فلّ الخطيب بها لسان الأوجس «4»
إيه فحدّثني حديث هواهم ... ما أبعد السّلوان عن قلب الأسي
«5»
إن كنت قد أحسنت نعت جمالهم ... فلقد سها عني العذول بهم وسي «6»
ما إن دعوك ببلبل إلّا لما ... قد هجت من بلبال هذي الأنفس
سبحان من صدع الجميع بحمده ... وبشكره من ناطق أو أخرس
وامتدّت الأطلال ساجدة له ... بجبالها من قائم أو أقعس
فإذا تراجعت الطيور وزايلت ... أغصانها بان «7» المطيع من المسي
فيقول ذا: سكرت لنغمة منشد ... ويقول ذا: سجدت لذكر مقدّس
كلّ يفوه بقوله «8» والحقّ لا ... يخفى على نظر اللّبيب «9» الأكيس
وقال «10» : [الكامل]
زارت على حذر من الرّقباء ... والليل ملتحف «11» بفضل رداء
تصل الدّجى بسواد فرع فاحم ... لتزيد ظلماء إلى ظلماء
فوشى «12» بها من وجهها وحليّها ... بدر الدّجى وكواكب الجوزاء
أهلا بزائرة على خطر السّرى ... ما كنت أرجوها ليوم لقاء
(1/115)

أقسمت لولا عفّة عذريّة ... وتقى عليّ له رقيب رائي
لنقعت غلّة لوعتي برضابها ... ونضحت ورد خدودها ببكائي
ومن ذلك ما قاله أيضا «1» : [الخفيف]
أرسلت ليل شعرها من عقص ... عن محيّا رمى البدور بنقص
فأرتنا الصباح في جنح ليل ... يتهادى ما بين غصن ودعص «2»
وتصدّت برامحات نهود ... أشرعت للأنام من تحت قمص
فتولّت جيوش صبري انهزاما ... وبودّي ذاك اللقاء وحرصي
ليس كلّ الذي يفرّ بناج ... ربّ ظعن «3» فيه حياة لشخص
كيف لي بالسّلو عنها وقلبي ... قد هوى حلمه بمهوى لخرص»
ما تعاطيت ظاهر الصّبر إلّا ... ردّني جيدها بأوضح نصّ
ومن ذلك قوله أيضا «5» : [الخفيف]
أنا بين الحياة والموت وقف ... نفس خافت ودمع ووكف
حلّ بي من هواك ما ليس ينبي ... عنه نعت ولا يعبّر وصف
عجبا لانعطاف صدغيك والمع ... طف والجيد ثم ما منك عطف
ضاق صدري بضيق حجلك «6» واستو ... قف طرفي حيران ذاك «7» الوقف
كيف يرجى فكاك قلب معنّى ... في غرام قيداه قرط وشنف «8»
ومن ذلك قوله أيضا «9» : [البسيط]
رقّ «10» السّنا ذهبا في اللّازورديّ ... فالأفق ما بين مرقوم وموشيّ
كأنما الشّهب والإصباح ينهبها ... لآلىء «11» سقطت من كفّ زنجيّ
(1/116)

ومن شعره في الحكم قوله «1» : [الطويل]
هو الدّهر لا يبقي على عائذ به ... فمن شاء عيشا يصطبر لنوائبه
فمن لم يصب في نفسه فمصابه ... لفوت «2» أمانيه وفقد حبائبه
ومن ذلك قوله «3» : [الوافر]
ملاك الأمر تقوى الله، فاجعل ... تقاه عدّة لصلاح أمرك
وبادر نحو طاعته بعزم ... فما تدري متى يمضي «4» بعمرك
ومن ذلك أيضا «5» : [الوافر]
دماء فوق خدّك أم خلوق «6» ؟ ... وريق ما بثغرك أم رحيق؟
وما ابتسمت ثنايا أم أقاح ... ويكنفها شفاه أم شقيق «7»
وتلك سناة نوم ما تعاطت ... جفونك أم هي الخمر العتيق
لقد أعدت معاطفك انثناء ... وقلبي سكره ما إن يفيق
جمالك حضرتي وهواك راحي ... وكأسك مقلتي فمتى أفيق؟
ومن شعره في الأوصاف «8» : [الخفيف]
أرسل الجوّ ماء ورد رذاذا ... سمّع «9» الحزن والدّمائث رشّا
فانثنى حول أسوق الدّوح حجلا ... وجرى فوق بردة الرّوض رقشا
وسما في الغصون حلي بنان ... أصبحت من سلافة الطّل رعشا
فترى الزّهر ترقم الأرض رقما ... وترى الريح تنقش الماء نقشا
فكأنّ المياه سيف صقيل ... وكأنّ البطاح غمد موشّى
(1/117)

وكتب عقب انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصّه «1» : «ممّا قلته بديهة عند «2» الإشراف على جنابكم السعيد، وقدومي «3» مع النّفر الذين أتحفتهم السيادة «4» سيادتكم «5» بالإشراف عليه، والدخول إليه، وتنعيم الأبصار في المحاسن المجموعة لديه، وإن كان يوما قد غابت شمسه، ولم يتّفق أن كمل أنسه؛ وأنشده حينئذ بعض من حضر، ولعلّه لم يبلغكم، وإن كان قد بلغكم «6» ففضلكم يحملني في «7» إعادة الحديث «8» : [الطويل]
أقول وعين الدّمع «9» نصب عيوننا ... ولاح لبستان الوزارة جانب
أهذي سماء أم بناء سما به ... كواكب غضّت عن سناها الكواكب
تناظرت الأشكال منه تقابلا ... على السّعد وسطى عقده والجنائب «10»
وقد جرت الأمواه فيه مجرّة ... مذانبها شهب لهنّ ذوائب
وأشرف من علياه «11» بهو تحفّه ... شماسي زجاج وشيها متناسب
يطلّ على ماء به الآس دائرا ... كما افترّ ثغر أو كما اخضرّ شارب
هنا لك ما شاء العلى من جلالة ... بها يزدهي بستانها والمراتب
ولما أحضر الطعام هنا لك، دعي شيخنا القاضي أبو البركات «12» إلى الأكل، فاعتذر بأنه صائم، قد بيّته من الليل، فحضرني أن قلت «13» : [المتقارب]
دعونا الخطيب أبا البركات ... لأكل طعام الوزير الأجلّ
(1/118)

وقد ضمّنا في نداه جنان ... به احتفل الحسن حتى كمل «1»
فأعرض عنّا لعذر «2» الصّيام ... وما كلّ عذر له مستقلّ
فإنّ الجنان محلّ الجزاء ... وليس الجنان محلّ العمل
وعندما فرغنا من الطعام أنشدت الأبيات شيخنا أبا البركات، فقال «3» : لو أنشدتنيها، وأنتم بعد لم تفرغوا منه «4» لأكلت معكم، برّا بهذه الأبيات، والحوالة في ذلك على الله تعالى.
ولما «5» قضى الله، عزّ وجلّ، بالإدالة، ورجعنا إلى أوطاننا من العدوة، واشتهر عني ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة، والتّيه على السلطان والدولة «6» ، والتّكبّر على أعلى رتب الخدمة، وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة، ورغبت في تفويت «7» الذمّة، ونفرت عن الأندلس بالجملة، خاطبني بعد صدر بلغ من حسن الإشارة، وبراعة الاستهلال الغاية، بقوله:
«وإلى هذا يا سيدي، ومحلّ تعظيمي وإجلالي، أمتع الله تعالى الوجود بطول بقائكم! وضاعف في العزّ درجات ارتقائكم! فإنّه من الأمر الذي لم يغب عن رأي المقول «8» ، ولا اختلف فيه أرباب المحسوس «9» والمعقول؛ أنّكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها، وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها «10» ، وعقد جيدها المنصوص، وكمال «11» زينتها «12» على المعلوم والمخصوص «13» ؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسرّ سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذي عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها؛ فلديه «14» يحلّ المشكل، وإليه يلجأ في الأمر المعضل؛ فلا غرو أن تتقيّد بكم الأسماع والأبصار، وتحدّق نحوكم الأذهان والأفكار؛ ويزجر عنكم السانح والبارح «15» ،
(1/119)

ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح، استقراء «1» لمرامكم، واستطلاعا لطالع اعتزامكم، واستكشافا لمرامي «2» سهامكم، لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق، وظهوركم في ملتمع بروق، واضطراب الظّنون فيكم مع الغروب والشروق؛ حتى تستقرّ بكم الدّار «3» ، ويلقي عصاه التّسيار؛ وله العذر في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل «4» ، وسرورها بلقائكم لم يكتمل؛ فلم يبر «5» بعد جناحها المهيض «6» ، ولا جمّ ماؤها المغيض، ولا تميّزت من داجيها لياليها البيض؛ ولا استوى نهارها، ولا تألقت أنوارها «7» ، ولا اشتملت نعماؤها، ولا نسيت غمّاؤها؛ بل هي كالنّاقه «8» ، والحديث العهد بالمكاره، تستشعر «9» نفس العافية، وتتمسّح «10» منكم باليد الشافية؛ فبحنانكم «11» عليها، وعظيم «12» حرمتكم على من لديها، لا تشربوا لها عذب المجاج بالأجاج، وتقنطوها «13» مما عوّدت من طيب المزاج، فما لدائها، وحياة قربكم غير طبّكم من علاج. وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم، وعناية بما يعنيكم، ما نال جانبكم صانه الله بهذا الوطن من الجفاء، ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء، وأنّ الوطن إحدى المواطن الأظآر التي يحقّ لهنّ جميل الاحتفاء، وما يتعلّق بكم من حرمة أولياء القرابة وأولي «14» الصّفاء، فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أجنح، وبحقّ نفسكم على أوليائكم أسمح، والتي «15» هي أعظم قيمة في «16» فضائلكم أوهب وأمنح «17» ؛ وهب أنّ الدّرّ لا يحتاج في الإثباب إلى شهادة النّحور واللبّات، والياقوت غني المكان، عن مظاهرة القلائد والتّيجان؛ أليس أنّه أعلى للعيان، وأبعد عن مكابرة البرهان، تألقها في تاج الملك أنوشروان؟ والشمس «18» وإن
(1/120)

كانت أمّ الأنوار وجلا الأبصار، مهما أغمى مكانها من الأفق قيل: أليل «1» هو أم نهار؟ وكما في علمكم ما فارق ذوو الأحلام «2» ، وأولو الأرحام، مواطن استقرارهم، وأماكن قرارهم، إلّا برغمهم واضطرارهم، واستبدال دار هي «3» خير من دارهم، ومتى توازن الأندلس بالمغرب، أو يعوّض عنها إلّا بمكة أو يثرب؟ ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعبّاد، وما فوقه مرابط جهاد، ومعاقد ألوية في سبيل الله، ومضارب أوتاد؛ ثم يبوّئ «4» ولده مبوّأ أجداده، ويجمع له بين طرافه «5» وتلاده؛ أعيذ أنظاركم المسدّدة من رأي فائل «6» ، وسعي طويل لم يحل منه بطائل، فحسبكم من هذا الإياب السعيد، والعود الحميد، وهي طويلة.
فأجبته عنها بقولي «7» : [السريع]
لم في الهوى العذريّ أو لا تلم ... فالعذل لا يدخل أسماعي
شأنك تعنيفي وشأني الهوى ... كلّ امرئ في شأنه ساعي
«أهلا بتحفة القادم، وريحانة المنادم، وذكرى «8» الهوى المتقادم، لا يصغّر «9» الله مسراك! فما أسراك، لقد جلبت «10» إليّ من همومي ليلا، وجبت «11» خيلا ورجلا، ووفّيت من صاع الوفاء كيلا، وظننت بي الأسف على ما فات، فأعملت الالتفات، لكيلا «12» ، فأقسم لو أنّ الأمر «13» اليوم بيدي، أو كانت اللّمّة السوداء من عددي، ما أفلتّ أشراكي المنصوبة لأمثالك «14» ، حول المياه
(1/121)

وبين المسالك، ولا علمت «1» ما هنا لك، لكنك طرقت حمى كسحته «2» الغارة الشّعواء، وغيّرت ربعه الأنواء، فخمد «3» بعد ارتجاجه، وسكت «4» أذين دجاجه، وتلاعبت الرياح الهوج «5» فوق فجاجه «6» ، وطال عهده بالزّمان «7» الأول، وهل عند رسم دارس من معوّل «8» وحيّا الله ندبا إلى زيارتي ندبك، وبآدابه الحكيمة «9» أدّبك: [الوافر]
فكان وقد أفاد بك الأماني ... كمن أهدى الشّفاء إلى العليل
وهي شيمة بوركت من شيمة، وهبة الله قبله من لدن المشيمة، ومن مثله في صلة رعي، وفضل سعي، وقول «10» ووعي: [مجزوء الخفيف]
قسما بالكواكب الز ... زهر والزّهر عاتمه
إنما الفضل ملّة ... ختمت بابن خاتمه
كساني حلّة وصفه «11» ، وقد ذهب زمان التجمّل، وحمّلني ناهض «12» شكره، وكتدي «13» واه عن التحمّل، ونظرني بالعين الكليلة عن العيوب «14» فهلّا أجاد التأمّل، واستطلع طلع نثّي «15» ، ووالى في مركب «16» المعجزة حثّي، نَّما أَشْكُوا بَثِّي
«17» :
[الوافر]
ولو ترك القطا ليلا لناما
(1/122)

وما حال شمل وتده «1» مفروق، وقاعدته فروق، وصواع «2» بني أبيه مسروق، وقلب «3» قرحه من عضّة الدهر دام، وجمرة حسرته ذات احتدام، هذا وقد صارت الصّغرى، التي كانت الكبرى، لمشيب لم يرع «4» أن هجم، لمّا نجم، ثم تهلّل عارضه وانسجم: [الكامل]
لا تجمعي هجرا عليّ وغربة ... فالهجر في تلف الغريب سريع
نظرت فإذا الجنب ناب «5» ، والنّفس فريسة ظفر وناب، والمال أكيلة انتهاب، والعمر رهن ذهاب، واليد صفر من كل اكتساب، وسوق المعاد مترامية، والله سريع الحساب: [الوافر]
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الزمان
وهب أنّ العمر جديد، وظلّ الأمن مديد، ورأي الاغتباط بالوطن سديد، فما الحجّة لنفسي إذا مرّت بمطارح جفوتها، وملاعب هفوتها، ومثاقف «6» قناتها، ومظاهر عزّاها «7» ومناتها، والزمان «8» ولود، وزناد الكون غير صلود «9» : [الكامل]
وإذا امرؤ لدغته أفعى مرّة ... تركته حين يجرّ حبل يفرق «10»
ثم أن المرغّب قد ذهب، والدهر قد استرجع ما وهب، والعارض قد اشتهب، وآراء «11» الاكتساب مرجوحة مرفوضة، وأسماؤه على الجوار مخفوضة، والنّيّة مع الله على الزّهد فيما بأيدي الناس معقودة، والتوبة بفضل الله عزّ وجلّ شروطها «12» غير معارضة «13» ولا منقودة، والمعاملة سامريّة، ودروع الصبر
(1/123)

سابريّة، والاقتصاد قد قرّت العين بصحبته، والله قد عوّض حبّ الدنيا بمحبّته، فإذا راجعها مثلي من بعد الفراق، وقد رقى لدغتها ألف راق، وجمعتني بها الحجرة، ما الذي تكون الأجرة؟ جلّ شاني، وقد «1» رضي الوامق وسخط «2» الشاني، إني إلى الله تعالى مهاجر، وللغرض «3» الأدنى هاجر، ولأظعان السّرى زاجر، لأحد «4» إن شاء الله وحاجر، ولكن دعاني إلى «5» الهوى، لهذا «6» المولى المنعم هوى، خلعت نعلي الوجود وما خلعته، وشوق «7» أمرني فأطعته، وغالب والله صبري فما استطعته، والحال والله أغلب، وعسى أن لا يخيب المطلب؛ فإن يسّره «8» رضاه فأمل «9» كمل، وراحل احتمل، وحاد أشجى النّاقة والجمل؛ وإن كان خلاف ذلك، فالزمان «10» جمّ العوائق «11» ، والتسليم بمقامي لائق:
[البسيط]
ما بين غمضة «12» عين وانتباهتها ... يصرّف «13» الأمر من حال إلى حال
وأما تفضيله هذا الوطن على غيره «14» ، ليمن طيره، وعموم خيره، وبركة جهاده، وعمران رباه ووهاده، بأشلاء عبّاده وزهّاده «15» ، حتى لا يفضله إلّا أحد الحرمين، فحقّ بريء من المين، لكنّي «16» للحرمين جنحت، وفي جوّ الشوق إليهما سرحت «17» ، فقد «18» أفضت إلى طريق قصدي محجّته، ونصرتني والمنّة لله حجّته، وقصد سيدي أسنى قصد، توخّاه الشكر «19» والحمد، ومعروف عرف به النّكر، وأمل «20» انتحاه الفكر، والآمال والحمد لله بعد تمتار، والله يخلق ما يشاء ويختار، ودعاؤه يظهر الغيب مدد، وعدّة وعدد، وبرّه حالي الظّعن 2»
(1/124)

والإقامة معتمل معتمد «1» ، ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أحد «2» ، والسلام «3» » .
وهو الآن بقيد الحياة، وذلك ثاني عشر شعبان عام سبعين وسبعمائة.
أحمد بن عباس بن أبي زكريا «4»
ويقال ابن زكريا. ثبت بخط ابن التّيّاني، أنصاريّ النسب، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان «5» كاتبا حسن الكتابة، بارع الخطّ فصيحا، غزير الأدب، قوي المعرفة، شارعا في الفقه، مشاركا في العلوم، حاضر الجواب، ذكيّ الخاطر، جامعا للأدوات السلطانية «6» ، جميل الوجه، حسن الخلقة، كلفا بالأدب، مؤثرا له على سائر لذّاته، جامعا للدواوين «7» العلمية، معنيا بها، مقتنيا للجيّد منها، مغاليا فيها، نفّاعا من خصّه بها «8» ، ولا يستخرج منها شيئا، لفرط بخله بها، إلّا لسبيلها، حتى لقد أثرى كثير من الورّاقين والتجّار معه فيها، وجمع منها ما لم يكن عند ملك.
يساره: يقال إنه لم يجتمع عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق ودفاتر وخرق، وآنية، ومتاع وأثاث وكراع.
مشيخته: روى عن أبي تمام غالب التّياني، وأبي عبد الله بن صاحب الأحباس.
نباهته وحظوته: وزر لزهير العامريّ «9» الآتي ذكره، وارثا الوزارة عن أبيه، وهي ما هي في قطر متحرّ بينابيع السّخيلة، وثرّ بهذه الأمنة مستندا إلى قعساء العزّة، فتبنّك نعيما كثيرا، تجاوز الله عنه.
دخوله غرناطة: الذي اتصل علمي أنه دخل غرناطة منكوبا حسبما يتقرّر.
(1/125)

نكبته: زعموا أنه كان أقوى الأسباب فيما وقع بين أميره زهير، وبين باديس أمير غرناطة، من المفاسدة، وفصل صحبه إلى وقم باديس وقبيله، وحطّه في حيّز هواه وطاعته، وكان ما شاء الله من استيلاء باديس على جملتهم، ووضع سيوف قومه فيهم، وقتل زهير، واستئصال محلّته؛ وقبض يومئذ على أحمد بن عباس، وجيء به إلى باديس، وصدره يغلي حقدا عليه، فأمر بحبسه، وشفاؤه الولوغ في دمه، وعجل عليه بعد دون أصحابه من حملة الأقلام. قال ابن حيان «1» : حديث ابن عباس أنه كان قد ولع «2» ببيت شعر صيّره هجواه أوقات لعبه بالشطرنج، أو معنى يسنح له مستطيلا بجدّه: [المتقارب]
عيون الحوادث عنّي نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام
وشاع «3» بيته هذا عند «4» الناس، وغاظهم، حتى قلب له مصراعه بعض الشعراء «5» فقال:
«سيوقظها «6» قدر لا ينام»
فما كان إلّا «كلا» و «لا» حتى «7» تنبّهت الحوادث لهضمه، انتباهة انتزعت منه نخوته وعزّته، وغادرته أسيرا ذليلا يرسف في وزن أربعين رطلا «8» من قيده، منزعجا من عضّه لساقه البضّة، التي «9» تألمت من ضغطة جوربه، يوم «10» أصبح فيه أميرا مطاعا، أعتى «11» الخلق على بابه، وآمنهم بمكره، فأخذه أخذ مليك مقتدر، والله غالب على أمره.
وفاته: قال أبو مروان «12» : كان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار من الذّهب العين، مالت إليها نفس باديس إلّا أنه عرض ذلك على أخيه بلكّين، فأنف منه، وأشار عليه بقتله، لتوقعه إثارة فتنة أخرى على يديه، تأكل من ماله أضعاف فديته. قال: فانصرف يوما من بعض ركباته مع أخيه «13» ، فلمّا توسّط الدار التي فيها
(1/126)

أحمد «1» بقصبة غرناطة، لصق القصر، وقف هو وأخوه بلكّين، وحاجبه علي بن القروي، وأمر بإخراج أحمد إليه، فأقبل يرسف في قيده حتى وقف «2» بين يديه، فأقبل على سبّه وتبكيته بذنوبه، وأحمد يتلطّف «3» إليه، ويسأله إراحته مما هو فيه، فقال له: «اليوم تستريح من هذا الألم، وتنتقل إلى ما هو أشدّ» ؛ وجعل يراطن أخاه بالبربرية «4» ، فبان لأحمد وجه الموت، فجعل «5» يكثر الضّراعة، ويضاعف «6» عدد المال، فأثار غضبه، وهزّ مزراقه «7» ، وأخرجه من صدره؛ فاستغاث الله،- زعموا-، عند ذلك، وذكر أولاده وحرمه؛ للحين أمر باديس بحزّ رأسه ورمي «8» خارج القصر.
حدّث خادم باديس، قال «9» : رأيت جسد ابن عباس ثاني يوم قتله 1»
، ثم قال لي باديس: خذ رأسه وواره مع جسده؛ قال «11» : فنبشت قبره «12» ، وأضفته إلى جسده، بجنب أبي «13» الفتوح قتيل باديس أيضا. وقال لي باديس «14» : ضع عدوّا إلى جنب عدو، إلى يوم القصاص؛ فكان قتل أبي جعفر عشيّة الحادي والعشرين من ذي حجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة «15» ، بعد اثنين وخمسين يوما من أسره. وكان يوم مات ابن ثلاثين، نفعه الله ورحمه.
أحمد بن أبي جعفر بن محمد بن عطيّة القضاعي «16»
من أهل مرّاكش، وأصله القديم من طرطوشة ثم بعد من دانية، يكنى أبا جعفر.
(1/127)

حاله: كان كاتبا بليغا، سهل المأخذ، منقاد القريحة، سيّال الطبع.
مشيخته: أخذ عن أبيه، وعن طائفة كبيرة من أهل مراكش.
نباهته: كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين، وعن ابنه «1» تاشفين، وعن أبي إسحاق، وكان أحظى كتّابهم. ثم لمّا انقطعت دولة لمتونة، دخل في لفيف الناس، وأخفى نفسه. ولمّا أثار الماسي «2» الهداية بالسوس، ورمى الموحّدين بحجرهم الذي رموا به البلاد، وأعيا أمره، وهزم جيوشهم التي جهّزوها إليه وانتدب منهم إلى ملاقاته، أبو حفص عمر بن يحيى الهنتائي، في جيش خشن من فرسان ورجّالة، كان أبو جعفر بن عطية، من الرّجالة، مرتسما بالرماية، والتقى الجمعان، فهزم جيش الماسي، وظهر عليه الموحّدون. وقتل الدّعي المذكور، وعظم موقع الفتح عند الأمير الغالب يومئذ أبو حفص عمر، فأراد إعلام الخليفة عبد المؤمن، بما سناه الله، فلم يلق في جميع من استصحبه من يجلي عنه، ويوفي ما أراده، فذكر له أن فتى من الرّماة يخاطر بشيء من الأدب والأشعار والرسائل فاستحضره، وعرض عليه غرضه، فتجاهل وظاهر بالعجز، فلم يقبل عذره، واشتدّ عليه، فكتب رسالة فائقة مشهورة، فلمّا فرغ منها وقرأها عليه اشتدّ إعجابه بها وأحسن إليه، واعتنى به، واعتقد أنه ذخر يتحف به عبد المؤمن، وأنفذ الرسالة، فلمّا قرئت بمحضر أكابر الدولة، عظم مقدارها، ونبه فضل منشئها، وصدر الجواب ومن فصوله الاعتناء بكاتبها، والإحسان إليه، واستصحابه مكرّما. ولما أدخل على عبد المؤمن سأله عن نفسه، وأحظاه لديه وقلّده خطّة الكتابة، وأسند إليه وزارته، وفوّض إليه النظر في أموره كلها؛ فنهض بأعباء ما فوّض إليه، وظهر فيه استقلاله وغناؤه، واشتهر بأجمل السّعي للناس واستمالتهم بالإحسان وعمّت صنائعه «3» ، وفشا معروفه، فكان محمود السّيرة، منحب «4» المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المأخذ، ميسّر المآرب، وكانت وزارته زينا للوقت، كمالا للدولة.
محنته: قالوا: واستمرّت حالته إلى أن بلغ الخليفة عبد المؤمن أن النصارى غزوا قصبة ألمرية، وتحصّنوا بها؛ واقترن بذلك تقديم ابنه يعقوب على إشبيلية،
(1/128)

فأصحبه أبا جعفر بن عطية، وأمره أن يتوجّه بعد استقرار ولده بها إلى ألمرية؛ وقد تقدّم إليها السيد أبو سعيد بن عبد المؤمن، وحصر من بها النصارى، وضيّق عليهم، ليحاول أمر إنزالهم، ثم يعود إلى إشبيلية، ويتوجّه منها مع واليها، إلى منازلة الثائر بها على الوهيبي؛ فعمل على ما حاوله من ذلك؛ واستنزل النصارى من ألمريّة على العهد بحسن محاولته، ورجع السيد أبو سعيد إلى غرناطة، مزعجين إليها، حتى يسبقا جيش الطاغية؛ ثم انصرف إلى إشبيلية ليقضي الغرض من أمر الوهيبي. فعندما خلا منه الجوّ، ومن الخليفة مكانه، وجدت حسّاده السبيل إلى التدبير عليه، والسعي به، حتى أو غروا صدر الخليفة؛ فاستوزر عبد المؤمن ابن عبد «1» السلام بن محمد الكومي. وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجدّ في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وأغرى به صنائعه، وشحن عليه حاشيته، فبرّوا وراشوا وانقلبوا، وكان مما نقم على أبي جعفر، نكاة القرح بالقرح، في كونه لم يقف في اصطناع العدد الكثير من اللمتونيين، وانتياشهم من خمولهم، حتى تزوج بنت يحيى الحمار من أمرائهم؛ وكانت أمها زينب بنت علي بن يوسف، فوجدوا السّبيل بذلك إلى استئصال شأفته والحكام، حتى نظم منهم مروان بن عبد العزيز، طليقه ومسترقّ اصطناعه، أبياتا طرحت بمجلس عبد المؤمن «2» : [البسيط]
قل للإمام أطال «3» الله مدّته ... قولا تبين لذي لبّ حقائقه
إنّ الزراجين قوم قد وترتهم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه «4»
وللوزير إلى آرائهم ميل ... لذاك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم في إطفاء «5» نارهم «6» ... فربما عاق عن أمر عوائقه
هم العدوّ ومن والاهم كهم ... فاحذر عدوّك واحذر من يصادقه
الله يعلم أني ناصح لكم ... والحقّ أبلج لا تخفى طرائقه «7»
(1/129)

قالوا: ولمّا وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره الفاضل «1» أبي جعفر، وأسرّ له في نفسه تغيّرا، فكان ذلك من أسباب نكبته. وقيل: أفضى إليه بسرّ فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس، فقلق وعجّل بالانصراف «2» إلى مرّاكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم الثاني «3» بعده، حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرّروا «4» ما يعلمون من أمره، وما صار إليهم منه «5» ، فأجاب كلّ بما اقتضاه هواه، فأمر «6» بسجنه، ولفّ معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجّه عبد المؤمن في إثر ذلك زائرا إلى تربة المهدي «7» ، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف.
وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة، من لطائف الأدب، نظما ونثرا في سبيل التوسّل بتربة إمامهم «8» ، عجائب لم تجد «9» ، مع نفوذ قدر الله فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه، قافلا إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت، أنفذ الأمر بقتلهما، بالشّعراء المتّصلة بالحصن على مقربة من الملّاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله «10» .
شعره وكتابته: كان ممّا خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفا كما قلناه من رسالة:
«تالله لو أحاطت بي «11» خطيئة، ولم تنفكّ نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله لم يوح إلى «12» الفلك إلى نوح، وبريت لقرار «13» ثمود نبلا، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من الطّير «14» من أثر الرسول فنبذتها؛ وافتريت على العذراء البتول «15» فقذفتها؛ وكتبت صحيفة «16» القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة،
(1/130)

وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي «1» كلّ حبشي، وقلت إن بيعة السّقيفة لا توجب لإمام «2» خليفة، وشحذت شفرة غلام «3» المغيرة بن شعبة، واعتقلت «4» من حصار الدار وقتل أشمطها «5» بشعبة، وغادرت الوجه من الهامة خضيبا، وناولت من قرع سنّ الخمسين «6» قضيبا، ثم أتيت حضرة المعصوم «7» لائذا، وبقبر الإمام المهديّ عائذا. لقد آن لمقالتي أن تسمع، وأن «8» تغفر لي هذه الخطيئات أجمع:
[الطويل]
فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا ... بحمل «9» قلوب هدّها الخفقان
[وكتب مع ابن له صغير آخرة] «10» : [البسيط]
عطفا علينا أمير المؤمنين، فقد ... بان العزاء لفرط البثّ والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلّها لجج ... وعطفة منكم أنجى من السّفن
وصادفتنا سهام كلّها غرض ... لها ورحمتكم «11» أوقى من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ... بمن أجارته رحماكم من المحن
من جاء عندكم يسعى على ثقة ... بنصره لم يخف بطشا من الزمن
فالثوب يطهر بعد «12» الغسل من درن ... والطّرف ينهض بعد الرّكض من وسن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلّهم ... من دون منّ عليهم لا ولا ثمن
ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ... تلك الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النّوح في فرع ولا فنن
قد أوجدتهم أياد منك سابغة «13» ... والكلّ لولاك لم يوجد ولم يكن
(1/131)

ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الكتابة العليّة والوزارة كما تقدم قوله «1» :
«كتبنا «2» هذا من وادي ماسة بعد ما تزحزح «3» أمر الله الكريم، ونصر الله المعلوم «4» وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
«5» فتح بمسرى «6» الأنوار إشراقا، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا، ونبّه للأماني النّائمة جفونا وأحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقا، فلا تطيق الألسن كنه «7» وصفه إدراكا ولا لحاقا؛ جمع أشتات الطبّ «8» والأدب، وتقلّب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب «9» : [البسيط]
فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
وتقدّمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة. كان أولئك الضالّون المرتدّون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى واسما، وأملى لهم الله ليزدادوا إثما؛ وكان مقدّمهم الشّقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبة «10» من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب؛ وكان الذي قادهم لذلك «11» ، وأوردهم تلك المهالك، وصول من بتلك «12» السواحل، ممّن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس، فيما سلف من الأعوام، واشتغل على رغمه «13» بالصيام والقيام، آناء الليل «14» والأيام، لبسوا الناموس أثوابا، وتدرّعوا الرياء جلبابا، فلم يفتح الله لهم إلى التوفيق «15» بابا» .
ومنها في ذكر صاحبهم «16» :
(1/132)

«فصرع والحمد «1» لله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره، ويمينه، وكان «2» يدّعي أن المنيّة في هذه الأعوام لا تصيبه، ويزعم أنه يبشّر بذلك والنوائب لا تنوبه؛ ويقول في سواه قولا كثيرا، ويختلق على الله إفكا وزورا؛ فلما عاينوا «3» هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطّته «4» الأسنة في أعضائه «5» ، ونفذ فيه من أمر الله ما لم يقدروا على استرجاعه؛ هزم لهم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم كتساقط «6» الذّباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحة «7» الرّقاب، ولم تقطر كلومهم إلّا على الأعقاب «8» ؛ فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وأذنت «9» الآجال بانقراض آمالهم «10» ، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم؛ فلم يعاين منهم إلّا من خرّ صريعا، وسقى الأرض نجيعا «11» ، ولقي من وقع «12» الهنديّات أمرا فظيعا؛ ودعت الضرورة باقيهم إلى التّرامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنّة اختطافا، وأذاقته موتا ذعافا «13» ؛ ومن لجّ في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثجّه «14» ، قضى عليه شرقه، وألوى فرقته «15» غرقه. ودخل الموحّدون إلى الباقية «16» الكائنة فيه، يتناولون قتالهم طعنا وحربا «17» ، ويلقونهم بأمر الله هونا «18» عظيما وكربا، حتى سطت «19» مراقات الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقه حمرة الشّفق على زرق «20» السماء؛ وظهرت «21» العبرة للمعتبر، في جري الدماء «22» جري الأبحر» .
(1/133)

دخوله غرناطة: احتلّ بغرناطة عام أحد وخمسين وخمسمائة، لما استدعى أهل جهات ألمريّة، السيّد أبا سعيد إلى منازلة من بها النصارى؛ وحشد، ونزل عليها، ونصب المجانيق على قصبتها، واستصرخ من بها الطاغية «1» ، فأقبل إلى نصرهم؛ واستمدّ السيد أبو سعيد الخليفة، فوجّه إليه الكبير أبا جعفر بن عطية صحبة السيد أبي يعقوب ابنه، فلحق به، واتّصل الحصار شهورا سبعة، وبذل الأمن لمن كان بها، وعادت إلى ملكة الإسلام، وانصرف الوزير أبو جعفر صحبة السيد أبي يعقوب إلى إشبيلية، وجرت أثناء هذه أمور يطول شرحها؛ ففي أثناء هذه الحركة دخل أبو جعفر غرناطة، وعدّ فيمن ورد عليها.
مولده: بمرّاكش عام سبعة وعشرين وخمسمائة «2» .
وفاته: على حسب ما تقدّم ذكره، لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة «3» .
أحمد بن محمد بن شعيب الكرياني
من أهل فاس، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن شعيب من كريانة، قبيلة من قبائل الرّيف الغربي.
حاله: من «عائد الصّلة» : من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف.
كتب في ديوان سلطان المغرب مرئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء.
مشيخته: قرأ في بلده فاس على كثير من شيوخها، كالأستاذ أبي عبد الله بن أجروم نزيل فاس، والأستاذ أبي عبد الله بن رشيد، ووصل إلى تونس، فأخذ منها الطبّ والهيئة على الشيخ رحلة وقته في تلك الفنون، يعقوب بن الدرّاس.
(1/134)

وكان مما خاطب به الشيخ أبا جعفر بن صفوان، وقد نشأت بينهما صداقة أوجبها القدر المشترك من الولوع بالصّنعة المرموزة، يتشوّق إلى جهة كانوا يخلون بها للشيخ فيها ضيعة بخارج مالقة كلأها الله: [المتقارب]
رعى الله وادي شنيانة ... وتلك الغدايا وتلك اللّيالي «1»
ومسرحنا بين خضر الغصون ... وودق المياه وسحر الظّلال
ومرتعنا تحت أدواحه ... ومكرعنا في النّمير الزّلال
نشاهد منها كعرض الحسام ... إذا ما انتشت فوقه كالعوالي «2»
ولله من درّ حصبائه ... لآل وأحسن بها من لآل
وليل به في ستور الغصون ... كخود ترنّم فوق الحجال
وأسحاره كيف راقت وص ... حّ النسيم بها في اعتدال
ولله منك أبا جعفر ... عميد الحلال حميد الخلال
تطارحني برموز الكنوز ... وتسفر لي عن معاني المعالي
وتبدلني في شجون الحديث ... ويا طيبة كلّ سحر حلال
فألقط من فيك سحر البيان ... مجيبا به عن عريض النّوال
أفدت الذي دونها معشر ... كثير المقال قليل النّوال
فأصبحت لا أبتغي بعدها ... سواك وبعدكما لا أبالي «3»
وخاطب الفقيه العالم أبا جعفر بن صفوان يسأله عن شيء من علم الصناعة بما نصّه: [الكامل]
دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد
وممّا صدّر به رسالة: [الطويل]
أيجمع هذا الشّمل بعد شتاته؟ ... ويوصل هذا الحبل بعد انبتاته؟
أما للبلى آية عيسويّة ... فينشر ميّت الأنس بعد مماته؟
ويورد عيني بعد ملح مدامعي ... برؤيته في عذبه وفراته؟
(1/135)

وأنشد له صاحبنا الجليل صاحب العلّامة «1» بالمغرب، أبو القاسم بن صفوان قوله: [المنسرح]
يا ربّ ظبي شعاره نسك ... ألحاظه في الورى لها فتك
يترك من هام به مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه التّرك
أشكو له ما لقيت من حرق ... فيمشين «2» لاهيا إذا أشكو
صبرت حتى أطلّ عارضه ... فكان صبري ختامه مسك
ومن المعاتبة والفكاهة قوله: [السريع]
وبائع للكتب يبتاعها ... بأرخض السّوم وأغلاه
في نصف الاستذكار أعطيته ومحّض العين وأرضاه وله أيضا: [الكامل]
يا من توعّدني بحادث هجره ... إنّ السّلوّ لدون ما يتوعّد
هذا عذارك وهو موضع سلوتي ... فأكفف فقد سبق الوعيد الموعد
وأظنّ سلوتنا غدا أو بعده ... فبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وله أيضا: [الكامل]
قال العذول تنقّصا لجماله ... هذا حبيبك قد أطلّ عذاره
لا بل بدا فصل الربيع بخدّه ... فلذا تساوى ليله ونهاره
وله يرثي: [مجزوء الكامل]
يا قبر صبح، حلّ في ... ك بمهجتي أسنى الأماني «3»
وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنيّة إنها ... تقصي مكانك عن مكاني «4»
كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان
وله أيضا يرثيها: [الكامل]
يا صاحب القبر الذي أعلامه ... درست وثابت حبّه لم يدرس
(1/136)

ما اليأس منك على التصبّر حاملي ... أيأستني فكأنني لم أيأس
لمّا ذهبت بكلّ حسن أصبحت ... نفسي تعاني شجو كلّ الأنفس
أصباح أيّامي ليال كلّها ... لا تنجلي عن صبحك المتنفّس
وقال في ذلك: [مجزوء الكامل]
أعلمت ما صنع الفرا ... ق غداة جدّ به الرّفاق؟
ووقفت منهم حيث للن ... نظرات والدمع استباق
سبقت مطاياهم فما ... أبطا «1» بنفسك في السباق
أأطقت حمل صدودهم ... للبين خطب لا يطاق
عن ذات عرق أصعدوا ... أتقول دارهم العراق
نزلوا ببرقة ثمهد ... فلذاك ما شئت البراق
وتيامنوا عسفان أن ... يقفوا بمجتمع الرّفاق
ما ضرّهم وهم المنى ... لو وافقوا بعض الوفاق
قالوا تفرّقنا غدا ... فشغلت عن وعد التّلاق
عمدا رأوا قتل العمي ... د فكان عيشك في اتّفاق
أولى لجسمك أن يرقّ ... ودمع عينك أن يراق
أمّا الفؤاد فعندهم ... دعه ودعوى الاشتياق
أعتاد حبّ محلهم ... فمحلّ صدرك عنه ضاق
واها لسالفة الشبا ... ب مضت بأيامي الرقاق
أبقت حرارة لوعة ... بين الترائب والتّراق
لا تنطفي وورودها ... من أدمعي كأس دهاق
وقال أيضا: [الكامل]
يا موحشي والبعد دون لقائه ... أدعوك عن شحط وإن لم تسمع
يدنيك مني الشوق حتى إنني ... لأراك رأي العين لولا أدمعي
وأحنّ شوقا للنّسيم إذا سرى ... لحديثكم وأصيح كالمستطلع
كان اللّقاء «2» فكان حظّي ناظري ... وسط الفراق فصار حظّي مسمعي «3»
(1/137)

فابعث خيالك تهده نار الحشا ... إن كان يجهل من مقامي موضعي «1»
واصحبه من نومي بتحفة قادم ... فصدى فليل ركابكم لم تجمع
دخوله غرناطة: دخل غرناطة على عهد السابع من ملوكها الأمير محمد «2» لقرب من ولايته في بعض شؤونه؛ وحقّق بها تغيير أمر الأدوية المنفردة التي يتشوّف الطّيب إليها والشحرور، وهي بقرية شون «3» من خارجها.
وفاته: رحمه الله، توفي بتونس في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن حسين بن علي بن سليمان بن عرفة اللخمي
الفقيه، الرئيس، المتفنّن، حامل راية مذهب الشعر في وقته، المشار إليه بالبنان في ذلك ببلده، يكنى أبا العباس.
حاله: كان فذّا في الأدب، طرفا في الإدراك، مهذب الشمائل، ذلق اللسان، ممتع المجالسة والمحاضرة، حلو الفكاهة، يرمي كل غرض بسهم، إلى شرف النشأة وعزّ المرتبة، وكرم المحتد، وأصالة الرياسة.
حدّثني الشيخ أبو زكريا بن هذيل، قال: حضرت بمجلس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، وأبو العباس بدر هالته، وقطب جلالته، فلم يحر بشيء إلّا ركض فيه، وتكلّم بملء فيه. ثم قمنا إلى زبّارين يصلحون شجرة عنب، فقال لعريفهم: حقّ هذا أن يقصر، ويطال هذا، ويعمل كذا. فقال الوزير: يا أبا العباس، ما تركت لهؤلاء أيضا حظّا من صناعتهم، يستحقّون به الأجرة، فعجبنا من استحضاره، ووساعة ذرعه، وامتداد حظّ كفايته.
قدومه على غرناطة: قدم عليها مع الجملة من قومه عند تغلب الدولة النصرية على بلدهم، ونزول البلاء والغلاء والمحنة بهم، والجلاء بهم في آخر عام خمسة
(1/138)

وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم بعد إن شاء الله. وكان أوفر الدواعي في الاستعطاف لهم بما تقدّم بين يدي أدعيائهم، ودخولهم على السلطان، أن الذي تنخل بمثله السّخائم، وتذهب الإحن. وخطب لنفسه، فاستمرت حاله لطيف المنزلة، معروف المكانة، ملازما مجلس مدبّر الدولة، مرسوما بصداقته، مشتملا عليه ببرّه، إلى أن كان من تقلّب الحال، وإدالة الدولة، ما كان.
شعره: وشعره نمط عال، ومحلّ البراعة حال، لطيف الهبوب، غزير المائية، أنيق الديباجة، جمّ المحاسن؛ فمنه في مذهب المدح، يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم «1» : [الكامل]
ملّكت «2» رقيّ بالجمال فأجمل ... وحكمت في «3» قلبي بجورك فاعدل
أنت الأمير على الملاح ومن يجر ... في حكمه إلّا جفونك يعزل
إن قيل أنت البدر فالفضل الذي ... لك بالكمال ونقصه لم يجهل
لولا الحظوظ لكنت أنت مكانه ... ولكان دونك في الحضيض الأسفل
عيناك نازلتا القلوب فكلّها ... إما جريح أو مصاب المقتل
هزّت ظباها بعد كسر جفونها ... فأصيب قلبي في الرّعيل الأول
ما زلت أعذل في هواك ولم يزل ... سمعي عن العذّال فيك بمعزل
أصبحت في شغل بحبك شاغل ... عن أن أصيخ إلى كلام العذّل
لم أهمل الكتمان لكن أدمعي ... هملت ولو لم تعصني لم تهمل
جمع الصحيحين الوفاء مع الهوى ... قلبي وأملى الدّمع كشف المشكل
ما في الجنوب ولا الشمال جواب ما ... أهدى إليك مع الصّبا والشّمال «4»
خلسا له من طيب عرفك نفحة ... تجيء بها دماء عليلها المتعلل
إن كنت بعدي حلت عمّا لم أحل ... عنه وأهملت الذي لم أهمل
أو حالت الأحوال فاستبدلت بي ... فإنّ حبي فيك لم يستبدل
(1/139)

لا قيت بعدك ما لو أنّ أقلّه ... لاقى الثرى لأذاب صمّ الجندل
وحملت في حبّك ما لو حمّلت ... شمّ الجبال أخفّه لم تحمل
من حيف دهر بالحوادث مقدم ... حتى على حبس الهزبر المشبل
قد كنت منه قبل كرّ صروفه ... فوق السّنام فصرت تحت الكلكل
ونصول شيب قد ألمّ بلمّتي ... وخضاب أبي شيبة لم تنصل
ينوي الإقامة ما بقيت وأقسمت ... لا تنزل اللذات ما لم يرحل
ومسير ظعن ودان حميمه ... لاقى الحمام وإنّه لم يفعل
يطوي على جسدي الضلوع فقلبه ... بأواره يغلي كغلي المرجل
في صدره ما ليس في صدري له ... من مثله مثقال حبّة خردل
أعرضت عنه ولو أشفّ لذمّه ... شعري لجرّعه نقيع الحنظل
جلّيت في حلبات سبق لم يكن ... فيها مرتاح ولا بمؤمّل
ما ضرّه سبقيه في زمن مضى ... أنّ المجلّى فيه دون الفسكل
ساءته منّي عجرفيّة قلّب ... باق على مرّ الحوادث حوّل
متحرّق في البذل مدّة سيره ... متجلّد في عسره متجمّل
حتى يثوب له الغنى من ماجد ... بقضاء حاجات الكرام موكّل
مثل الوزير ابن الحكيم وما له ... مثل يقوم مقامه متمثّل
ساد الورى بحديثه وقديمه ... في الحال والماضي وفي المستقبل
من بيت مجد قد سمعت بقبابه ... أقيال لخم في الزمان الأوّل
سامي الدعائم طال بيت وزارة ... ومشاجع وأبي الفوارس نهشل
يلقى الوفود ببسط وجه مشرق ... تجلو طلاقته هموم المجتلي
فلآملي جدواه حول فنائه ... لقط القطا الأسراب حول المنهل
وإذا نحى بالعدل فصل قضية ... لم تحظ فصلا من إطالة مفصل
يقضي على سخب الخصوم وشغبهم ... ويقيم مغريهم مقام المؤمل
ويلقّن الحج العييّ تحرّجا ... من رامح عند اللّجاج وأعزل
فإذا قضى صور المحقّ بحقّه ... عنه وحلّق عقابه بالمبطل
عجل على من يستحقّ مثوبة ... فإذا استحقّ عقوبة لم يعجل
يا كافي الإسلام كلّ عظيمة ... ومعيده غضّا كأن لم يذبل
(1/140)

وقال أيضا يمدحه بقصيدة من مطوّلاته: وإنما اجتلبت من مدحه للوزير ابن الحكيم لكونه يمدح أديبا ناقدا، وبليغا بالكلام بصيرا، والإجادة تلزم فيه منظومه، إذ لا يوسع القريحة فيه عذرا، ولا يقبل من الطّمع قدرا، وهي:
[الكامل]
أما الرّسوم فلم ترقّ لما بي ... واستعجمت عن أن تردّ جوابي
واستبدلت بوحوشها من أنس ... بيض الوجوه كواعب أتراب
ولقد وقفت بها أرقرق عبرة ... حتى اشتكى طول الوقوف صحابي «1»
يبكي لطول بكاي في عرصاتها ... صحبي ورجّعت الحنين ركابي «2»
ومن شعره في المقطوعات غير المطوّلات: [مجزوء البسيط]
لم يبق ذو عين «3» لم يسبه ... وجهك من زين بلا مين
فلاح بينهما طالعا ... كأنه قمر «4» بلا مين
ومن ذلك قوله: [البسيط]
كأنما الخال مصباح بوجنته ... هبّت عواصف أنفاسي فعطف «5»
أو نقطة قطرت في الخدّ إذ رسمت ... خطّ الجمال بخطّ اللّام والألف
ومن ذلك قوله: [المنسرح]
وعدتني أن تزور يا أملي ... فلم أزل للطريق مرتقبا
حتى إذا الشمس للغروب دنت ... وصيّرت من لجينها ذهبا
آنسني البدر منك حين بدا ... لأنّه لو ظهرت لاحتجبا
ومن ذلك قوله: [الرمل]
هجركم ما لي عليه جلد ... فأعيدوا لي «6» الرضى أو فعدوا «7»
ما قسا قلبي من هجرانكم ... ولقد طال عليه الأمد
(1/141)

ومن ذلك قوله: [البسيط]
أبدى عذارك عذري في الغرام به ... وزادني شغفا فيه إلى شغف
كأنّه ظنّ أنّي قد نسيت له ... عهدا فعرّض لي «1» باللام والألف
ومما هو أطول من المزدوجات قوله: [الطويل]
ويوم كساه الدّجن «2» دكن ثيابه ... وهبّ «3» نسيم الروض وهو عليل
ولاحت بأفلاك الأفق كواكب ... لها في البدور الطّالعات أفول
وجالت جياد الرّاح بالرّاح جولة ... فلم تحل إلّا والوقار قتيل
ومن ذلك: [الخفيف]
عذلوني فيمن أحبّ وقالوا ... دبّ نمل العذار في وجنتيه
وكذا النّمل كلّما حلّ شيئا ... منع النّفس أن تميل إليه
قلت قبل العذار أعذر فيه ... ثم من بعده ألام عليه
إنما دبّ نحو شهد بفيه ... فلذاك انتهى إلى شفتيه
وإحسانه كثير، ومثله لا يقنع منه بيسير.
وفاته: قال في «عائد الصلة» : «ولمّا كان من تغلّب الحال، وإدالة الدولة، وخلع الأمير، وقتل وزيره، يوم عيد الفطر من سنة سبع وسبعمائة، وانتهبت دار الوزير، ونالت الأيدي يومئذ، من شمله دهليز بابه، من أعيان الطبقات، وأولي الخطط والرّتب، ومنهم أبو العباس هذا، رحمه الله؛ فأفلت تحت سلاح مشهور، وحيّز مرقوف، وثوب مسلوف؛ فأصابته بسبب ذلك علّة أياما، إلى أن أودت به، فقضت عليه بغرناطة، في الثامن والعشرين لذي حجة من سنة سبع وسبعمائة «4» ؛ ودفن بمقبرة الغرباء من الرّبيط عبر الوادي تجاه قصور نجد، رحمة الله عليه» .
(1/142)

أحمد بن علي الملياني «1»
من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد الله وأبا العباس.
صاحب العلامة «2» بالمغرب، الكاتب الشهير البعيد الشأن «3» في اقتضاء التّرة «4» ، المثل المضروب في العفّة «5» ، وقوة الصّريمة، ونفاذ العزيمة.
حاله: كان «6» نبيه البيت، شهير الأصالة، رفيع المكانة، على سجيّة غريبة كانت «7» فيه، من الوقار والانقباض والصّمت. أخذ «8» بحظ من الطّب، حسن الخطّ، مليح الكتابة، قارضا للشعر، يذهب «9» نفسه فيه كلّ مذهب.
وصمته: فتك «10» فتكة شنيعة «11» أساءت الظنّ بحملة الأقلام على مرّ «12» الدهر؛ وانتقل إلى الأندلس بعد مشقّة. وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصّه «13» :
«الصّارم، الفاتك، والكاتب الباتك «14» ، أيّ «15» اضطراب في وقار، وتجهّم تحته أنس عقار! اتخذه صاحب «16» المغرب صاحب علامته، وتوّجه تاج كرامته؛ وكان يطالب جملة من أشياخ مراكش بثأر عمّه، ويطوقهم دمه بزعمه، ويقصر على الاستبصار «17» منهم بنات همّه، إذ سعوا فيه حتى اعتقل، ثم جدّوا في أمره حتى قتل؛ فترصّد كتابا إلى مراكش يتضمّن أمرا جزما، ويشلّ «18» من أمور الملك عزما،
(1/143)

جعل الأمر «1» فيه يضرب رقابهم، وسبي أسبابهم؛ ولمّا أكّد على حامله في العجل، وضايقه في تقدير الأجل، تأنّى حتى علم أنه قد وصل، وأنّ غرضه قد حصل. فرّ إلى تلمسان، وهي بحال حصارها، فاتّصل بأنصارها، حالّا بين أنوفها وأبصارها؛ وتعجّب من فراره، وسوء اغتراره، ورجحت «2» الظنون في آثاره. ثم اتّصلت «3» الأخبار بتمام الحيلة، واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة، وتركها «4» شنعة على الأيام، وعارا في الأقاليم على حملة الأقلام؛ وأقام بتلمسان إلى أن حلّ مخنّق حصارها «5» ، وأزيل هميان «6» الضيقة عن خصرها؛ فلحق بالأندلس، فلم «7» يعدم برّا، ورعيا مستمرّا، حتى أتاه حمامه، وانصرمت أيامه» .
شعره: من «8» الذي يدلّ على برّه «9» ، وانفساخ «10» خطاه في النّفاسة، وبعد شأوه، قوله: [الكامل]
العزّ ما ضربت عليه قبابي ... والفضل ما اشتملت عليه ثيابي
والزّهر ما أهداه غصن براعتي ... والمسك ما أبداه نقش «11» كتابي
والمجد «12» يمنع أن يزاحم موردي ... والعزم يأبي أن يسام «13» جنابي
فإذا بلوت صنيعة جازيتها ... بجميل شكري أو جزيل ثوابي
وإذا عقدت مودّة أجريتها ... مجرى طعامي من دمي وشرابي
وإذا طلبت من الفراقد والسّهى ... ثأرا فأوشك أن أنال طلابي
وفاته: توفي رحمه الله يوم السبت تاسع ربيع الآخر عام خمسة عشر وسبعمائة، ودفن بجبّانة باب إلبيرة، تجاوز الله تعالى «14» عنه.
أحمد بن محمد بن عيسى الأموي
يكنى أبا جعفر، ويعرف بالزّيّات.
(1/144)

حاله: من أهل الخير والصّلاح والأتباع، مفتوح عليه في طريق الله، نيّر الباطن والظاهر، مطّرح التصنّع، مستدلّ، مجانب للدنيا وأهلها، صادق الخواطر، مرسل اللسان بذكر الله، مبذول النصيحة، مثابر على اتّباع السّنّة، عارف بطريق الصوفيّة، ثبت القدم عند زلّاتها؛ ناطق بالحكمة على الأميّة؛ جميل اللقاء، متوغّل في الكلف بالجهاد، مرتبط للخيل، مبادر للهيعة، حريص على الشهادة، بركة من بركات الله في الأندلس، يعزّ وجود مثله.
وفاته: توفي، رحمه الله، ببلده غرناطة، يوم الخميس الثاني والعشرين لجمادى الثانية من عام خمسة وستين وسبعمائة؛ وشارف الاكتهال.
أحمد بن الحسن بن علي بن الزيّات الكلاعي «1»
من أهل بلّش مالقة «2» ، يكنى أبا جعفر، ويعرف بالزيّات، الخطيب، المتصوّف الشهير.
حاله: من «عائد الصلة» : كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن الخلق، مخفوض الجناح، متألّق البشر، مبذول المؤانسة، يذكّر بالسّلف الصالح في حسن شيمته وإعراب لفظه، مزدحم المجلس، كثير الإفادة، صبورا على الغاشية، واضح البيان، فارس المنابر غير مدافع، مستحقّ التصدّر في ذلك بشروط قلّما كملت عند غيره؛ منها حسن الصورة، وكمال الأبّهة، وجهوريّة الصوت، وطيب النّغمة، وعدم التّهيّب، والقدرة على الإنشاء، وغلبة الخشوع، إلى التفنّن في كثير من المآخذ العلمية، والرياسة في تجويد القرآن، والمشاركة في العربية، والفقه، واللغة، والأدب، والعروض، والمحاسّة «3» في الأصلين، والحفظ للتفسير.
قال لي شيخنا أبو البركات بن الحاجّ، وقد جرى ذكر الخطابة: ما رأيت في استيفائها مثله. كان يفتح مجالس تدريسه أكثر الأحيان، بخطب غريبة، يطبّق بها مفاصل الأغراض، التي يشرع في التكلّم فيها، وينظم الشعر دائما في مراجعاته ومخاطباته، وإجازاته، من غير تأنّ ولا رويّة، حتى اعتاده ملكة بطبعه؛ واستعمل في السّفارة بين الملوك، لدحض السّخائم، وإصلاح الأمور، فكانوا يوجيون حقّه، ويلتمسون بركته، ويلتمسون دعاءه.
(1/145)

مشيخته: تحمّل العلم عن جملة؛ منهم خاله الفقيه الحكيم أبو جعفر أحمد بن علي المذحجي من أهل الحمّة «1» ، من ذوي المعرفة بالقرآن والفرائض. ومنهم القاضي أبو علي الحسين بن أبي الأحوص الفهري، أخذ عنه قراءة وإجازة. ومنهم العارف الرّباني أبو الحسن فضل بن فضيلة، أخذ عنه طريقة الصوفية وعليه سلك، وبه تأدّب، وبينهما في ذلك مخاطبات. ومنهم أبو الزهر ربيع بن محمد بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله محمد بن يحيى أخوه. ومنهم أبو الفضل عياض بن محمد بن عياض بن موسى، قرأ عليه ببلّش وأجاز له. ومنهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، والأستاذ أبو الحسن التّجلي، وأبو محمد بن سماك، وأبو جعفر بن الطّباع، وأبو جعفر بن يوسف الهاشمي الطّنجلي «2» ، والأستاذ النحوي أبو الحسن بن الصّائغ، والكاتب الأديب أبو علي بن رشيق التّغلبي، والرّاوية أبو الحسن بن مستقور الطائي، والإمام أبو الحسن بن أبي الربيع، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي الميربي، والإمام العارف أبو محمد عبد العظيم بن الشيخ البلوي، بما كان من إجازته العامّة لكل من أدرك عام أحد وأربعين وستمائة، وغير هؤلاء ممّن يشقّ إحصاؤهم.
تصانيفه: كثيرة، منها المسمّاة ب «المقام المخزون في الكلام الموزون» ؛ والقصيدة المسمّاة ب «المشرف الأصفى في المأرب الأوفى» وكلاهما ينيف على الألف بيت؛ و «نظم السّلوك في شيم الملوك» ، و «المجتنى النّضير والمقتنى الخطير» ، و «العبارة الوجيزة عن الإشارة» ، و «اللطائف الرّوحانية والعوارف الربّانية» .
ومن تواليفه: «أسّ مبنى العلم، وأسّ معنى الحلم» في مقدمة علم الكلام، و «لذّات السمع من القراءات السّبع» نظما، و «رصف نفائس اللآلي، ووصف عرائس المعالي» في النحو، و «قاعدة البيان وضابطة اللسان» في العربية، و «لهجة اللّافظ وبهجة الحافظ» ، والأرجوزة المسمّاة ب «قرّة عين السائل وبغية نفس الآمل» في اختصار السيرة النبوية، و «الوصايا النظامية في القوافي الثلاثية» ، وكتاب «عدّة الداعي، وعمدة الواعي» ، وكتاب «عوارف الكرم، وصلات الإحسان، فيما حواه العين من لطائف الحكم وخلق الإنسان» ، وكتاب «جوامع الأشراف والعنايات، في الصّوادع والآيات» ، و «النّفحة الوسيمة، والمنحة الجسمية «3» » ، تشتمل على أربع قواعد اعتقاديّة
(1/146)

وأصوليّة وفروعيّة وتحقيقيّة، وكتاب «شروف المفارق في اختصار كتاب المشارق» ، و «تلخيص الدّلالة في تخليص الرسالة» ، و «شذور الذّهب في صروم الخطب» ، و «فائدة الملتقط وعائدة المغتبط» ، وكتاب «عدّة المحقّ وتحفة المستحقّ» .
نثره: من ذلك خطبة ألغيت الألف من حروفها، على كثرة تردّدها في الكلام وتصرّفها، وهي:
«حمدت ربي جلّ من كريم محمود، وشكرته عزّ من عظيم موجود، ونزّهته عن جهل كل ملحد كفور، وقدّسته عن قول كل مفسد غرور، كبير لو تقدم، في فهم نجد، قدير لو تصوّر في رسم لحد، لو عدته فكرة التصوّر لتصوّر، ولو حدته فكرة لتعذّر، ولو فهمت له كيفية لبطل قدمه، ولو علمت له كيفية لحصل عدمه، ولو حصره طرف لقطع بتجسّمه، ولو قهره وصف لصدع بتقسّمه، ولو فرض له شبح لرهقه كيف، ولو عرض له للحق عجل وريث. عظيم من غير تركّب قطر، عليم من غير ترتّب فكر، موجود من غير شيء يمسكه، معبود من غير وهم يدركه، كريم من غير عوض يلحقه، حكيم من غير عرض يلحقه، قوي من غير سبب يجمعه، عليّ من غير سبب يرفعه، لو وجد له جنس لعورض في قيموميته، ولو ثبت له حسّ لنوزع في ديموميّته» .
ومنها: «تقدّس عن لمّ فعله، وتنزّه عن سمّ فضله، وجلّ عن ثمّ قدرته، وعزّ عن عمّ عزّته، وعظمت عن من صفته، وكثرت عن كم منّته؛ فتق ورتق، صوّر وحلق، وقطع ووصل، ونصر وخذل، حمدته حمد من عرف ربّه، ورهب ذنبه، وصفت حقيقة يقينه قلبه، وذكرت بصيرة دينه لبّه، قنهض لوعي بشروط نفضته وحدّ، وربط سلك سلوكه وشدّ، وهدم صرح عتوّه وهدّ، وحرس معقل عقله وحدّ، طرد غرور غرّته ورذله؛ علم علم تحقيق فنحا نحوه، وتفرّد له عزّ وجلّ بثبوت ربوبيّته وقدمه، ونعتقد صدور كلّ جوهر وعرض عن جوده وكرمه، ونشهد بتبليغ محمد صلّى ربّه عليه وسلّم، رسوله وخير خلقه، ونعلن بنهوضه في تبيين فرضه، وتبليغ شرعه، ضرب قبّة شرعه، فنسخت كلّ شرع، وجدّد عزيمته فقمع عدوّه خير قمع، قوّم كل مقوّم بقويم سمته، وكريم هديه، وبيّن لقومه كيف يركنون فوره بقصده، وسديد سعيه، بشّر مطيعه، فظفر برحمته؛ وحذّر عاصيه فشقي بنقمته.
«وبعد، فقد نصحتم لو كنتم تعقلون، وهديتم لو كنتم تعلمون، وبصّرتم لو كنتم تبصرون، وذكّرتم لو كنتم تذكرون. وظهرت لكم حقيقة نشركم وبرزت
(1/147)

لكم خبيئة حشركم، فلم تركضون في طلق غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مسلول، وحكم عزم غير معلول، فكيف بكم يوم يؤخذ كلّ بذنبه؛ ويخبر بجميع كسبه؛ ويفرّق بينه وبين صحبه، ويعدم نصرة حزبه، ويشغل بهمّه وكربه، عن صديقه وتربه، وتنشر له رقعته وتعيّن له بقعته، فربح عبد نظر وهو في مهل لنفسه، وترسّل في رضى عمله جنّة لحلول رمسه، وكسر صنم شهوته ليقرّ في بحبوحة قدسه، وحصر بنظر ينزله سرير سروره بين عقله وجسمه» .
ومنها: «فتنبّه ويحك من سنتك ونومك، وتفكّر فيمن هلك من صحبك وقومك، هتف بهم من تعلم، وشبّ عليهم منه حرق مظلم، فخرّبت بصيحته ربوعهم، وتفرّقت لهو له جموعهم، وذلّ عزيزهم، وخسىء رفيعهم، وصمّ سميعهم، فخرج كلّ منهم عن قصره، ورمي غير موسّد في قبره؛ فهم بين سعيد في روضته مقرّب، وبين شقيّ في حفرته معذّب، فنستوهب منه عزّ وجل عصمته من كل خطيئة، وخصوصيّة تقي من كل نفس جريئة» .
كتب إلى شيخنا الوزير ابن ذي الوزارتين ابن الحكيم، جوابا عن مخاطبة كتبها إليه يلتمس منه وصايته ونصحه هذا الشعر: [السريع]
جلّ اسم مولانا اللّطيف الخبير ... وعزّ في سلطانه عن نظير
هو الذي أوجد ما فوقها ... وتحتها وهو العليم الخبير
ثم صلاة الله تترى على ... ياقوتة الكون البشير النذير
وصحبه الأولى نالوا مرأى ... يرجع منه الطّرف وهو الحسير
وبعد فأنفسهم جوهر ... للأرواح منه ما للأثير
فإنك استدعيت من ناصر ... نصحا طويلا وهو منه قصير
ولست أهلا أن أرى ناصحا ... لقلّة الصدق وخبث الضمير
وإنما يحسن نصح الورى ... من ليس للشّرع عليه نكير
ومستحيل أن يقود امرءا ... يد امرئ واهي المباني ضرير
وا عجبا يلتمس الخير من ... معتقل العقل مهيض كسير
لكن إذا لم يكن بدّ فعن ... جهد أوفّيك بتبر يسير
فالقنه إن كنت به قانعا ... درّا نظيما يزدري بالنثير
لازم أبا بكر على منهج ... ذاك تفز منه بخير كثير
واقنع بما يكفي ودع غيره ... فإنما الدنيا هباء نثير
(1/148)

بنيّ لا تخدعنّك هذي الدّنا ... فإنها والله شيء حقير
أين المشيدات أما زلزلت؟ ... أين أخو الإيوان أين السدير؟
أين أنو شروان أضحى كأن ... لم يك أين المعتدي أزدشير
هذا مقال من وعاه اهتدى ... وحيط من كل مخوف مبير
وصّى أبو بكر به أحمدا ... وأحمد في الوقت شيخ كبير
انقرضت أيامه وانتهى ... وهنا ومن قبل أتاه النّذير
وها هو اليوم على عدّة ... مبرمه للشّرّ وما من عذير
ومن شعره في طريقه الذي كان ينتحله «1» :
شهود ذاتك شيء «2» عنك محجوب ... لو كنت تدركه لم يبق مطلوب
علو وسفل ومن هذا وذاك معا ... دور على نقطة الإشراق «3» منصوب
ومنزل النّفس منه ميم مركزه «4» ... إن صحّ للغرض الظّنّي «5» مرغوب
وإن تناءت مساويها فمنزلها «6» ... أوج الكمال وتحت الروح تقليب
والروح إن لم تخنه النّفس قام له «7» ... في حضرة الملك تخصيص وتقريب
ومن شعره «8» : [الكامل]
دعني على حكم الهوى أتضرّع ... فعسى يلين لنا الحبيب ويخشع
إني وجدت أخا التضرّع فايزا ... بمراده ومن الدّعا ما يسمع
أهلا «9» وما شيء بأنفع للفتى ... من أن يذلّ عسى التذلّل ينفع
وامح «10» اسم نفسك طالبا إثباته ... واقنع بتفريق لعلّك تجمع
واخضع فمن دأب «11» المحبّ خضوعه ... ولربما نال المنى من يخضع
(1/149)

ومن شعره «1» : [الكامل]
ما لي بباب غير بابك موقف ... كلّا «2» ولا لي «3» عن فنائك مصرف
هذا مقامي ما حييت فإن أمت ... فالذلّ مأوى للضراعة «4» مألف
غرضي وأنت به عليم لمحة ... تذر «5» الشّتيت الشّمل وهو مؤلّف
وعليك ليس على سواك معوّلي ... جاروا عليّ لأجل ذا أو أنصفوا
ومن المقطوعات في التجنيس «6» : [الوافر]
يقال خصال أهل العلم ألف ... ومن جمع الخصال الألف سادا
ويجمعها الصّلاح فمن تعدّى ... مذاهبه فقد جمع الفسادا
ومنه في المعنى «7» : [البسيط]
إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدا ... فاسلك من العمل المرضيّ منهاجا
واغلب هوى النّفس لا تغررك خادعة «8» ... فكلّ شيء يحطّ القدر منها جا «9»
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرارا عدة تشذّ عن الحصر، أوجبتها الدّواعي بطول عمره، من طلب العلم وروايته، وحاجة عامّة، واستدعاء سلطان، وقدوم من سفارة. كان الناس ينسالون عليه ويغشون منزله، فيما أدركت، كلما تبوّأ ضيافة السلطان، تبرّكا به، وأخذا عنه.
مولده: ولد ببلّش بلده في حدود تسع وأربعين وستمائة «10» .
وفاته: توفي ببلّش سحر يوم الأربعاء السابع عشر من شوّال عام ثمانية وعشرين وسبعمائة. وممّن رثاه شيخنا، نسيج وحده، العالم الصالح الفاضل، أبو الحسن بن الجيّاب بقصيدة أولها: [الطويل]
على مثله خضابة الدهر فاجع ... تفيض نفوس لا تفيض المدامع
(1/150)

ورثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين «1» ، رحمه الله، بقصيدة أولها:
[المتدارك]
أيساعد رائده الأمل ... أم يسمع سائله الطّلل؟
يا صاح، فديتك، ما فعل «2» ... ذا من الأحباب وما فعلوا؟
فأجاب الدمع مناديه ... أمّا الأحباب فقد رحلوا
ورثاه من هذه البلدة طائفة، منهم الشيخ الأديب أبو محمد بن المرابع الآتي اسمه في العيادة له، بحول الله، بقصيدة أولها: [الكامل]
أدعوك ذا جزع لو أنّك سامع ... ماذا أقول ودمع عيني هامع
وأنشد خامس يوم دفنه قصيدة أولها: [الخفيف]
عبرات «3» تفيض حزنا وثكلا ... وشجون تعمّ بعضا وكلّا
ليس إلّا صبابة أضرمتها ... حسرة تبعث الأسى ليس إلّا
وهي حسنة طويلة.
إبراهيم بن محمد بن مفرّج بن همشك «4»
المتأمّر، رومي «5» الأصل.
أوّليّته: مفرج أو همشك، من أجداده، نصراني، أسلم على يدي أحد ملوك بني هود بسرقسطة؛ نزح إليهم، وكان مقطوع إحدى الأذنين، فكان النصارى إذا رأوه
(1/151)

في القتال عرفوه، وقالوا: هامشك، معناه ترى المقطوع الأذن، إذ «ها» عندهم قريب مما هي في اللغة العربية، و «المشك» المقطوع الأذنين في لغتهم «1» .
نباهته وظهوره: ولمّا خرج بنو هود عن سرقسطة، نشأ تحت خمول، إلّا أنه شهم متحرّك، خدم بعض الموحّدين في الصّيد، وتوسّل بدلالة الأرض؛ ثم نزع إلى ملك قشتالة واستقرّ مع النصارى؛ ثم انصرف إلى بقيّة اللّمتونيين «2» بالأندلس بعد شفاعة وإظهار توبة. ولمّا ولّي يحيى بن غانية قرطبة، ارتسم لديه برسمه. ثم كانت الفتنة عام تسعة وثلاثين وثار ابن حمدين بقرطبة، وتسمّى بأمير المؤمنين، فبعثه رسولا ثقة بكفايته ودربته وعجمة لسانه؛ لمحاولة الصلح بينه وبين ابن حمدين، فأغنى ونبه قدره؛ ثم غلي مرجل الفتنة وكثر الثوّار بالأندلس، فاتصل بالأمير ابن عياض بالشرق وغيره، إلى أن تمكّن له الامتزاز «3» بحصن شقوبش، ثم تغلّب على مدينة شقورة «4» وتملّكها وهي ما هي من النّعمة، فغلظ أمره، وساوى محمد بن مردنيش «5» أمير الشرق وداخله، حتى عقد معه صهرا على ابنته، فاتصلت له الرياسة والإمارة. وكان يعدّ سيفا لصهره المذكور، مسلّطا على من عصاه، فقاد الجيوش، وافتتح البلاد إلى أن فسد ما بينهما، فتفاتنا وتقاطعا، وانحاز بما لديه من البلاد والمعاقل، وعدّ من ثوّار الأندلس أولي الشوكة الحادّة، والبأس الشديد، والشّبا المرهوب. وآثاره بعد انقباض دولته تشهد بما تأثّل من ملك وسلف من الدولة؛ والدّار الآخرة خير لمن اتّقى. قال ابن صفوان: [الخفيف]
وديار شكوى الزمان فتشك ... حدّثتنا عن عزّة ابن همشك
حاله: قال محمد بن أيوب بن غالب، المدعو بابن حمامة: أبو إسحاق الرئيس، شجاع بهمة «6» من البهم. كان رئيسا شجاعا مقداما شديد الحزم، سديد
(1/152)

الرأي، عارفا بتدبير الحرب، حميّ الأنف، عظيم السّطوة، مشهور الإقدام، مرتكبا للعظيمة. قال بعض من عرّف به من المؤرّخين: وهو وإن كان قائد فرسان، هو حليف فتنة وعدوان، ولم يصحب قطّ متشرّعا، ولا نشأ في أصحابه من كان متورّعا، سلّطه الله على الخلق وأملى له فأضرّ بمن جاوره من أهل البلاد، وحبّب إليه العيث في العباد.
سيرته: كان جبّارا قاسيا، فظّا غليظا، شديد النّكال، عظيم الجرأة والعبث بالخلق؛ بلغ من عيثه فيهم إحراقهم بالنّار، وقذفهم من الشواهق والأبراج، وإخراج الأعصاب والرّباطات على ظهورهم، عن أوتار القسيّ بزعمه، وضمّ أغصان الشجر العادي بعضها إلى بعض، وربط الإنسان بينها، ثم تسريحها، حتى يذهب كل غصن بحظّه من الأعضاء؛ ورآه بعض الصالحين في النوم بعد موته، وسأله ما فعل الله بك فأنشده: [البسيط]
من سرّه العيث في الدنيا بخلقة من ... يصوّر الخلق في الأرحام كيف يشا
فليصبر اليوم صبري تحت بطشته ... مغلّلا يمتطي جمر الغضا فرشا
شجاعته: زعموا أنه خرج من المواضع التي كانت لنصره متصيّدا، وفي صحبته محاولو اللهو وقارعو أوتار الغناء، في مائة من الفرسان، ونقاوة أصحابه؛ فما راعهم إلّا خيل العدو هاجمة على غرّة، في مائتي فارس ضعف عددهم؛ فقالوا: العدو في مائتي فارس، فقال: وإذا كنتم أنتم لمائة، وأنا لمائة، فنحن قدرهم؛ فعدّ نفسه بمائة.
ثم استدعى قدحا من شرابه، وصرف وجهه إلى المغنّي؛ وقال: أعد لي تلك الأبيات، كان يغنّيه بها فتعجبه: [الخفيف]
يتلقى النّدا بوجه حييّ ... وصدور القنا بوجه وقاح
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
فغنّاه بها، واستقبل العدوّ، وحمل عليه بنفسه وأصحابه، حملة رجل واحد، فاستولت على العدو الهزيمة، وأتى على معظمهم القتل، ورجع غانما إلى بلده.
ثم ضربت الأيام، وعاود التصيّد في موضعه ذلك، وأطلق بازه على حجلة، فأخذها، وذهب ليذكيها، فلم يحضره خنجر ذلك الغرض في الوقت، فبينما هو يلتمسه، إذ رأى نصلا من نصال المعترك من بقايا يوم الهزيمة، فأخذه من التراب، وذبح به الطائر، ونزل واستدعى الشراب؛ وأمر المغني فغنّاه بيتي أبي الطيب «1» :
(1/153)

[الطويل]
تذكّرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السّوابق
وصحبة قوم يذبحون قنيصهم ... بفضلات «1» ما قد كسّروا في المفارق
وقد رأيت من يروي هذه الحكاية عن أحد أمراء بني مردنيش، وعلى كل حال فهي من مستظرف الأخبار.
دخوله غرناطة: قالوا، وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة «2» ، في جمادى الأولى منها، قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة، وداخل طائفة من ناسها، وقد تشاغل الموحّدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم بالمغرب، وتوجّه الوالي بغرناطة السيد أبي سعيد إلى العدوة، فاقتحمها ليلا واعتصم الموحّدون بقصبتها؛ فأجاز بهم بأنواع الحرب، ونصب عليهم المجانيق، ورمى فيها من ظفر به منهم وقتلهم بأنواع من القتل. وعندما اتصل الخبر بالسيد أبي سعيد، بادر إليها فأجاز البحر، والتفّ به السيد أبو محمد بن أبي حفص بجميع جيوش الموحّدين والأندلس؛ ووصل الجميع إلى ظاهر غرناطة، وأصحر إليهم ابن همشك، وبرز منها، فالتقى الفريقان بمرج الرّقاد «3» من خارجها، ودارت الحرب بينهم، فانهزم جيش الموحّدين، واعترضت الفلّ تخوم الفدادين «4» وجداول المياه التي تتخلّل المرج «5» ، فاستولى عليهم القتل، وقتل في الوقيعة السيد أبو محمد؛ ولحق السيد أبو سعيد بمالقة؛ وعاد ابن همشك إلى غرناطة فدخلها بجملة من أسرى القوم، أفحش فيهم المثلة، بمرأى من إخوانهم المحصورين؛ واتصل الخبر بالخليفة بمراكش، وهو بمقربة سلا، قد فرغ من أمر عدوّه، فجهّز جيشا، أصحبه السيد أبا يعقوب ولده، والشيخ أبا يوسف بن سليمان زعيم وقته، وداهية زمانه؛ فأجازوا البحر، والتقوا بالسيد أبي سعيد بمالقة،
(1/154)

وتتابع الجمع، والتفّ بهم من أهل الجهاد من المطوعة، واتصل منهم السير إلى قرية دلر «1» من قرى غرناطة؛ وكان من استمرار الهزيمة على ابن همشك الذي أمدّه بنفسه وجيشه، من نصارى وغيرهم، ما يأتي ذكره عند اسم ابن مردنيش في الموحدين، في حرف الميم، بحول الله تعالى.
انخلاعه للموحدين عمّا بيده وجوازه للعدوة، ووفاته بها:
قالوا «2» : ولمّا فسد ما بينه وبين ابن مردنيش بسبب بنته التي كانت تحت الأمير أبي محمد بن سعد بن مردنيش إلى أن طلّقها، وانصرفت إلى أبيها، وأسلمت إليه ابنها منه، مختارة كنف أبيها إبراهيم، نازعة في انصرامه إلى عروقها؛ فلقد حكي أنها سئلت عن ولدها، وإمكان صبرها عنه، فقالت: جرو كلب، جرو سوء، من كلب سوء، لا حاجة لي به؛ فأرسلت كلمتها في نساء الأندلس مثلا؛ فاشتدّت بينهما الوحشة والفتنة، وعظمت المحنة، وهلك بينهما من الرعايا الممرورين، المضطّرين، بقنّينة «3» الثوّار ممّن شاء الله بهلاكه، إلى أن كان أقوى الأسباب في تدمير ملكه.
ولمّا صرف ابن سعد عزمه إلى بلاده، وتغلّب على كثير منها، خدم ابن همشك الموحّدين ولاذ بهم واستجارهم؛ فأجاز البحر، فقدم على الخليفة عام خمسة وستين وخمسمائة، وأقرّه بمواضعه؛ إلى أوائل عام أحد وسبعين، فطولب بالانصراف إلى العدوة بأهله وولده، وأسكن مكناسة وأقطع بها سآما «4» لها خطر، واتّصلت تحت عنايته إلى أن هلك.
وفاته: قالوا: واستمرّ مقام ابن همشك بمكناسة غير كبير، وابتلاه الله بفالج غريب الأعراض، شديد سوء المزاج، إلى أن هلك؛ فكان يدخل الحمّام الحارّ، فيشكو حرّه بأعلى صراخه، فيخرج، فيشكو البرد كذلك، إلى أن مضى سبيله «5» .
إبراهيم بن أمير المسلمين أبي الحسن بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحقّ
يكنى أبا سالم.
(1/155)

أوّليّته: الشمس تخبر عن حلي وعن حلل. فهو البيت الشهير، والجلال الخطير، والملك الكبير، والفلك الأثير، ملاك المسلمين، وحماة الدين، وأمراء المغرب الأقصى من بني مرين، غيوث المواهب؛ وليوث العرين، ومعتمد الصّريخ، وسهام الكافرين. أبوه السلطان أبو الحسن، الملك الكبير، البعيد شأو الصّيت والهمّة والعزيمة، والتحلّي بحليّ السّنّة، والإقامة لرسوم الملك، والاضطلاع بالهمّة، والصبر عند الشدّة. وأخوه أمير المسلمين فذلكة الحسب، وثير النّصبة، وبدرة المعدن، وبيت القصيد، أبو عنان، فارس، الملك الكبير، العالم المتبحّر، العامل النظّار، الجواد، الشجاع، القسور، الفصيح، مدد السعادة، الذي خرق الله به سياج العادة، فما عسى أن يطلب اللسان، وأين تقع العبارة، وماذا يحصر الوصف. عين هذا المجد فوّاره، وحسب هذا الحسب اشتهاره، قولا بالحق، وبعدا عن الإطراء، ونشرا للواء النّصفة، حفظ الله على الإسلام ظلّهم، وزيّن ببدور الدين والدنيا هالتهم، وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم.
حاله: كان شابّا كما تطلّع وجهه، حسن الهيئة، ظاهر الحياء والوقار، قليل الكلام، صليفة عن اللفظ، آدم اللون «1» ، ظاهر السكون والحيريّة والحشمة، فاضلا متخلّقا. قدّمه أبوه، أمير الرتبة، موفّي الألقاب، بوطن سجلماسة، وهي عمالة ملكهم، فاستحقّ الرتبة في هذا الباب بمزيد هذه الرتبة المشترط لأول تأليفه. ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، أحوج ما كانت الحال إلى من ينظم الشّت، ويجمع الكلمة، ويصون الدّما سبحانه أحوج ما كانت الدنيا إليه، وصيّر إلى وارثه طواعية وقسرا ومستحقّا وغلابا، وسلما، وذاتا وكسبا، السلطان أخيه، تحصل هو وأخ له اسمه محمد، وكنيته أبو الفضل، يأتي التعريف بحاله في مكانه إن شاء الله، فأبقى، وأغضى، واجتنب الهوى، وأجاب داعي البرّ والشفقة والتقوى، فصرفهما إلى الأندلس؛ باشرت إركابها البحر بمدينة سلا ثاني اليوم الذي انصرفت من بابه، وصدرت عن بحر جوده، وأفضت بإمامة عنايته، مصحبا بما يعرض لسان الثّناء من صنوف كرامته، في غرض السّفارة عن السلطان بالأندلس، تغمّده الله برحمته، ونزل مربلّة من بلاد الأندلس المصروفة إلى نظره، واصلا السير إلى غرناطة.
دخوله غرناطة: قدم هو وأخوه عليها، يوم عشرين من جمادى الأولى، من عام اثنين وخمسين وسبعمائة. وبرز السلطان إلى لقائهما، إبلاغا في التّجلّة،
(1/156)

وانحطاطا في ذمّة التّخلّق، فسعيا إليه مرتجلين، وفاوضهما، حتى قضيت الحقوق، واستفرجت تفقّده وجرايته، وحلّا بأحظى الأمكنة، واحتفيا في سرير مجلسه مقسوم بينهما الحظّ، من هشّته ولحظته. فأما محمد، فسوّلت له نفسه الأطماع، واستفزّته الأهواء، أمرا كان قاطع أجله، وسعد أخيه، اختاره الله من دونه. وأمّا إبراهيم المترجم به، فجنح إلى أهل العافية، بعد أن ناله اعتقال، بسبب إرضاء أخيه أمير المسلمين فارس، في الأخريات لشهر ذي حجة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة، وتقديم ولده الصبيّ، المكنى بأبي بكر، المسمّى بسعيد؛ لنظر وزيره في الحزم والكفاية، حرّكه الاستدعاء، وأقلقته الأطماع وهبّ به السائل، وعرّض بغرضه إلى صاحب الأمر بالأندلس، ورفق عن صبوحه، فشكا إلى غير مصمت، فخرج من الحضرة ليلا من بعض مجاري المياه، راكبا للخطر، في أخريات جمادى الأولى من العام بالحضرة المكتبة الجوار، من ثغور العدو، ولحق بملك قشتالة، وهو يومئذ بإشبيلية، قد شرع في تجرية إلى عدوّه من برجلونة، فطرح عليه نفسه، وعرض عليه مخاطبات استدعائه، ودسّ له المطامع المرتبطة بحصول غايته، فقبل سعايته، وجهّز له جفنا من أساطيله، أركب فيه، في طائفة تحريكه، وطعن بحر المغرب إلى ساحل أزمور «1» ، وأقام به منتظرا إلى إنجاز المواعد، ممّن بمرّاكش، فألفى الناس قد حطبوا في حبل منصور بن سليمان، وبايعوه بجملتهم، فأخفق مسعاه، وأخلف ظنّه، وقد أخذ منصور بمخنّق البلد الجديد دار ملك فاس، واستوثق له الأمر، فانصرف الجفن أدراجه. ولمّا حاذى لبلاد غمارة من أحواز أصيلا «2» . تنادى «3» به قوم منهم، وانحدروا إليه، ووعدوه الوفاء له، فنزل إليهم، واحتملوه فوق أكتادهم، وأحدقوا به في سفح جبلهم، وتنافسوا في الذّبّ عنه، ثم كبسوا أصيلا فملكوها، وضيّق بطنجة، فدخلت في أمره، واقتدت بها سبتة وجبل الفتح، واتصل به بعض الخاصّة، وخاطبه الوزير المحصور، وتخاذل أشياع منصور، فخذلوه، وفرّوا عنه جهارا بغير علّة، وانصرفت الوجوه إلى السلطان أبي سالم، فأخذ بيعاتهم عفوا، ودخل البلد المحصور، وقد تردّد بينه وبين الوزير المحصور مخاطبات في ردّ الدعوة إليه، فدخل البلد يوم الخميس خامس عشر «4» شعبان من عام التاريخ، واستقرّ وجدّد الله عليه أمره، وأعاد ملكه، وصرف عليه حقّه؛ وبلي هذا الأمير من سير الناس إلى تجديد
(1/157)

عهد أبيه، وطاعتهم إلى أمره، وجنوحهم إلى طاعته، وتمنّي مدّته، حال غريبة صارت عن كثب إلى أضدادها، فصرف ولده إلى اجتثاث شجرة أبيه، فالتقط من الصّبية بين مراهق ومحتلم ومستجمع، طائفة تناهز العشرين، غلمانا ردنة، قتلوا إغراقا من غير شفعة توجب إباحة قطرة من دمائهم، ورأى أن قد خلا له الجوّ، فتواكل، وآثر الحجبة، وأشرك الأيدي في ملكه، فاستبيحت أموال الرعايا، وضاقت الجبايات، وكثرت الظلامات، وأخذ الناس حرمان العطاء، وانفتحت أبواب الإرجاف، وحدّت أبواب القواطع، إلى أن كان من أمره ما هو معروف.
وفي أول من شهر رجب عام واحد وستين وسبعمائة، تحرّك الحركة العظمى إلى تلمسان، وقد استدعى الجهات، وبعض البلاد، ونهد في جيوش تجرّ الشوك والحجر، ففرّ سلطانها أمام عزمه، وطار الذّعر بين يدي الضّلالة، وكنّا قد استغثنا القرار في إيالته، وانتهى بنا الإزعاج إلى ساحل سلا من ساحل مملكته فخاطبته وأنا يومئذ مقيم بتربة أبيه، متذمّم بها، في سبيل استخلاص أملاكي بالأندلس، في غرض التهنئة والتوسّل:
«مولاي، فتّاح الأقطار والأمصار، فائدة الزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار» .
وفاته: وفي ليلة العشرين من شهر ذي قعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة، ثار عليه بدار الملك، وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد، من مدينة فاس، الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي، نسمة السوء، وجملة الشؤم، المثل البعيد في الجرأة على قدر، اهتبل «1» غرّة انتقاله إلى القصر السلطاني بالبلد القديم، محتولا إليه، حذرا من قاطع فلكيّ الجدر منه استعجله ضعف نفسه، وأعانه على فرض صحته به، وسدّ الباب في وجهه، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه، وأصبح حائرا بنفسه، يروم استرجاع أمر ذهب من يده، ويطوف بالبلد، يلتمس وجها إلى نجاح حيلته، فأعياه ذلك، ورشقت من معه السهام، وفرّت عنه الأجناد والوجوه، وأسلمه الدهر، وتبرّأ منه الجدّ. وعندما جنّ عليه الليل، فرّ على وجهه، وقد التفت عليه الوزراء، وقد سفّهت أحلامهم، وفالت آراؤهم، ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة، لولّوا وجوههم شطر مظنّة الخلاص، واتّصفوا بعذار الإقلاع، لكنهم نكلوا عنه، ورجعوا أدراجهم، وتسلّلوا راجعين إلى برّ غادر الجملة، وقد سلبهم الله لباس الحياء والرّجلة، وتأذّن الله لهم بسوء العاقبة، وقصد بعض بيوت البادية، وقد فضحه نهار
(1/158)

الغداة، واقتفى البعث أثره، حتى وقعوا عليه، وسيق إلى مصرعه، وقتل بظاهر البلد، ثاني اليوم الذي كان غدر فيه، جعلها الله له شهادة ونفعه بها، فلقد كان بقيّة البيت، وآخر القوم، دماثة وحياء، وبعدا عن الشرّ، وركونا للعافية.
وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثّته بالقلعة من ظاهر المدينة، قصيدة أدّيت فيها بعض حقّه: [الوافر]
بني الدنيا، بني لمع السّراب، ... لدوا للموت وابنوا للخراب
إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص عمر ابن يحيى الهنتاني، أبو إسحاق
أمير المؤمنين بتونس، وبلاد إفريقية، ابن الأمير أبي زكريا، أمير إفريقية، وأصل الملوك المتأثّلين العزّ بها، والفرع الذي دوّح بها، من فروع الموحّدين بالمغرب، واستجلابه بها أبا محمد عبد المؤمن بن علي، أبا الملوك من قومه، وتغلّب ذريته على المغرب وإفريقية والأندلس معروف كله، يفتقر بسطه إلى إطالة كثيرة، تخرج عن الغرض.
وكان جدّ هؤلاء الملوك من أصحاب المهدي، في العشرة الذين هبّوا لبيعته، وصحبوه في غربته، أبو حفص، عمر بن يحيى، ولم يزل هو وولده من بعده، مرفوع القدر، معروف الحق.
ولمّا صار الأمر للناصر «1» أبي عبد الله بن المنصور أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، صرف وجهه إلى إفريقية، ونزل بالمهديّة، وتلوّك إليه ابن غانية «2» فيمن لفّه من العرب والأوباش، في جيش يسوق الشجر والمدر، فجهّز إلى لقائه عسكرا لنظر الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص «3» ، جدّهم الأقرب،
(1/159)

فخرج من ظاهر المهدية في أهبة ضخمة، وتعبئة محكمة، والتقى الجمعان، فكانت على ابن غانية، الدائرة، ونصر الشيخ محمد نصرا لا كفاء له، وفي ذلك يقول أحمد بن خالد من شعر عندهم: [الطويل]
فتوح بها شدّت عرى الملك والدّين ... تراقب منّا منكم غير ممنون
وفتحت المهدية على هيئة ذلك الفتح، وانصرف الناصر إلى تونس، ثم تفقّد البلاد، وأحكم ثقافها «1» ، وشرع في الإياب إلى المغرب، وترجّح عنده تقديم أبي محمد بن أبي حفص المصنوع له بإفريقية، على ملكها، مستظهرا منه بمضاء وسابقة وحزم؛ بسط يده في الأموال، وجعل إليه النظر في جميع الأمور، سنة ثلاث وستمائة. ثم كان اللقاء بينه وبين ابن غانية في سنة ست بعدها؛ فهزم ابن غانية، واستولى على محلّته؛ فاتصل سعده، وتوالى ظهره، إلى أن هلك مشايعا لقومه من بني عبد المؤمن، مظاهرا بدعوتهم عام تسعة وعشرين وستمائة «2» .
وولي أمره بعده، كبير ولده، عبد الله، على عهد المستنصر بالله بن الناصر من ملوكهم؛ وقد كان الشيخ أبو محمد زوحم، عند اختلال الدولة، بالسيد أبي العلاء الكبير، عمّ أبي المستنصر على أن يكون له اسم الإمارة بقصبة تونس، والشيخ أبو محمد على ما لسائر نظره؛ فبقي ولده عبد الله على ذلك بعد، إلى أن كان ما هو أيضا معروف من تصيّر الأمر إلى المأمون أبي العلاء إدريس، ووقعه السيف في وجوه الدولة بمراكش، وأخذه بثرّة «3» أخيه وعمّه منهم. وثار أهل الأندلس على السيد أبي الربيع بعده بإشبيلية وجعجعوا بهم، وأخذوا في التشريد بهم، وتبديد دعوتهم؛ واضطربت الأمور، وكثر الخلاف، ولحق الأمير أبو زكريا بأخيه بإفريقية، وعرض عليه الاستبداد، فأنف من ذلك، وأنكره عليه إنكارا شديدا، خاف منه على نفسه؛ فلحق بقابس فارّا، واستجمع بها مع شيخها مكّي، وسلف شيوخها اليوم من بني مكي؛ فمهّد له، وتلقّاه بالرحب، وخاطب له الموحدين سرّا، فوعدوه بذلك، عند خروج عبد الله من تونس إلى الحركة، من جهة القيروان. فلمّا تحرّك نحوا عليه، وطلبوا منه المال، وتلكّأ، فاستدعوا أخاه الأمير أبا زكريا، فلم يرعه وهو قاعد في خبائه آمن في سربه، إلّا ثورة الجند به، والقبض عليه، ثم طردوه إلى مرّاكش؛ وقعد
(1/160)

أخوه الأمير أبو زكريا مقعده، وأخذ بيعة الجند والخاصّة لنفسه، مستبدّا بأمره، ورحل إلى تونس، فأخذ بيعة العامّة، وقتل السّيد الذي كان بقصبتها؛ وقبض أهل بجاية حين بلغهم الخبر على واليها السّيد أبي عمران، فقتلوه تغريقا؛ وانتظمت الدولة، وتأثّل الأمر. وكان حازما داهية مشاركا في الطّلب، أديبا راجح العقل، أصيل الرأي، حسن السياسة، مصنوعا له، موفقا في تدبيره؛ جبى الأموال، واقتنى العدد، واصطنع الرجال، واستكثر من الجيش، وهزم العرب، وافتتح البلاد، وعظمت الأمنة بينه وبين الخليفة بمراكش الملقّب بالسّعيد. وعزم كلّ منهما على ملاقاة صاحبه، فأبى القدر ذلك؛ فكان من مهلك السعيد بظاهر تلمسان ما هو معروف. واتصل بأبي زكريا هلك ولده وليّ العهد أبي يحيى ببجاية، فعظم عليه حزنه وأفرط جزعه، واشتهر من رثائه فيه قوله: [الطويل]
ألا جازع يبكي لفقد حبيبه ... فإني لعمري قد أضرّ بي الثّكل
لقد كان لي مال وأهل فقدتهم ... فهأنا لا مال لديّ «1» ولا أهل
سأبكي وأرثي حسرة لفراقهم ... بكاء قريح لا يملّ ولا يسلو «2»
فلهفي ليوم فرّق الدهر بيننا ... ألا فرج يرجى فينتظم الشّمل؟
وإني لأرضى بالقضاء وحكمه ... وأعلم ربّي أنه حاكم عدل
نسبه ابن عذاري المراكشي في البيان المغرب «3» . واعتلّ بطريقه فمات ببلد العنّاب لانقضاء أربعة من مهلك السعيد؛ وكان موت السعيد؛ يوم الثلاثاء، منسلخ صفر سنة ست وأربعين وستمائة. وبويع ولده الأمير أبو عبد الله بتونس وسنّه إحدى وعشرين سنة، فوجد ملكا مؤسّسا، وجندا مجنّدا، وسلطانا قاهرا ومالا وافرا؛ فبلغ الغاية في الجبروت والتّيه والنّخوة والصّلف، وتسمّى بأمير المؤمنين، وتلقّب بالمستنصر بالله؛ ونقم عليه أرباب دولته أمورا أوجبت مداخلة عمّه أبي عبد الله بن عبد الواحد، المعروف باللّحياني. ومبايعته سرّا بداره، وانتهى الخبر للمستنصر، فعاجل الأمر قبل انتشاره برأي الحزمة من خاصّته، كابن أبي الحسين، وأبي جميل بن أبي الحملات بن مردنيش، وظافر الكبير، وقصدوا دار عمّه فكبسوها، فقتلوا من كان بها، وعدّتهم تناهز خمسين، منهم عمّه، فسكن الإرجاف، وسلم المنازع، وأعطت
(1/161)

مقادها، واستمرّت أيّامه. وأخباره في الجود والجرأة والتّعاظم على ملوك زمانه، مشهورة. وكانت وفاته سنة أربع وسبعين وستمائة وولي أمره بعده ابنه الملقّب بالواثق بالله، وكان مضعوفا، ولم تطل مدته.
عاد الحديث، وكان عمّه المترجم، لمّا اتصل به مهلك أخيه المستنصر، قد أجاز البحر من الأندلس، ولحق بتلمسان، وداخل كثيرا من الموحّدين بها، كأبي هلال، فهيّأ له أبو هلال تملّك بجاية، ثم تحرّك إلى تونس، فتغلّب عليها، فقتل الواثق وطائفة من إخوته وبنيه، منهم صبيّ يسمّى الفضل، وكان أنهضهم، واستبدّ بالأمر، وتمّت بيعته بإفريقية، وكان من الأمر ما يذكر.
حاله: كان أيّدا «1» ، جميلا وسيما، ربعة بادنا، آدم اللون، شجاعا بهمة، عجلا غير مراخ، ولا حازم، منحطّا في هوى نفسه، منقادا للذّته، بريئا من التشمّت في جميع أمره. وولي الخلافة في حال كبره، ووخطه الشيب، وآثر اللهو، حتى زعموا أنه فقد فوجد في مزرعة باقلا مزهرة ألفي فيها بعد جهد، نائما بينها، نشوان يتناثر عليه سقطها؛ واحتجب عن مباشرة سلطانه؛ فزعموا أن خالصته «2» أبا الحسن بن سهل، داخل الناس بولده أبي فارس في خلعه، والقيام مكانه، وبلغه ذلك، فاستعدّ وتأهّب، واستركب الجند، ودعا ولده، فأحضره ينتظر الموت من يمينه وشماله، وأمر للحين فقتل وطرح بأزقّة المدينة، وعجّل بإزعاج ولده إلى بجاية، وعاد إلى حاله.
دخوله غرناطة: قالوا: ولمّا أوقع الأمير المستنصر بعمّه أبي عبد الله، كان أخوه أبو إسحاق، ممّن فرّ بنفسه إلى الأندلس؛ ولجأ إلى أميرها أبي عبد الله بن الغالب بالله أبي عبد الله بن نصر، ثاني ملوكهم «3» فنوّه به، وأكرم نزله، وبوّأه بحال عنايته، وجعل دار ضيافته لأول نزوله القصر المنسوب إلى السّيد «4» خارج حضرته،
(1/162)

وهو آثر قصوره لديه، وحضر غزوات أغزاها ببلاد الروم، فظهر منه في نكاية العدو وصدامه سهولة وغناء.
ولمّا اتصل به موت أخيه تعجّل الانصراف، ولحق بتلمسان، وداخل منها كبيرا من الموحّدين، يعرف بأبي هلال بباجة كما تقدم، فملّكه أبو هلال منها بجاية، ثم صعد تونس فملكها، فاستولى على ملك ابن أخيه وما ثمّ من ذمّه، وارتكب الوزر الأعظم فيمن قتل معه، وكان من أمره ما يأتي ذكره إن شاء الله.
إدبار أمره بهلاكه على يد الدّعيّ الذي قيّضه الله لهلاك حينه:
قالوا: واتّهم بعد استيلائه على الأمر فتى من أخصّاء فتيان المستنصر؛ اسمه نصير، بمال وذخيرة؛ وتوجّه إليه طلبه، ونال منه. وانتهز الفتى فرصة لحق فيها بالمغرب واستقرّ بحلال المراعمة من عرب دبّاب، وشارع الفساد عليه، بجملة جهده، حريصا على إفساد أمره، وعثر لقضاء الله وقدره بدعيّ من أهل بجاية يعرف بابن أبي عمارة.
حدّثني الشيخ المسنّ الحاج أبو عثمان اللّواتي من عدول المياسين، متأخر الحياة إلى هذا العهد؛ قال: خضت مع ابن أبي عمارة ببعض الدكاكين بتونس، وهو يتكهّن لنفسه ما آل إليه أمره، ويعدّ بعض ما جرى به القدر. وكان أشبه الخلق بأحد الصبية الذين ماتوا ذبحا، بالأمير أبي إسحاق، وهو الفضل، فلاحت لنصير وجه حيلته، فبكى حين رآه، وأخبره بشبهه بمولاه، ووعده الخلافة؛ فحرّك نفسا مهيّأة في عالم الغيب المحجوب إلى ما أبرزته المقادر، فوجده منقادا لهواه، فأخذ في تلقينه ألقاب الملك، وأسماء رجاله، وعوائده، وصفة قصوره، وأطلعه على إمارات جرت من المستنصر لأمراء العرب سرّا كان يعالجها نصير، وعرضه على العرب، بعد أن أظهر العويل، ولبس الحداد، وأركبه، وسار بين يديه حافيا، حزنا لما ألفاه عليه من المضيعة، وأسفا لما جرى عليه، فبايعته العرب النافرة، وأشادوا بذكره، وتقوّوا بما قرّره من إمارته؛ فعظم أمره، واتصل بأبي إسحاق نبأه فبرز إليه، بعد استدعاء ولده من بجاية، فالتقى الفريقان، وتمّت على الأمير أبي إسحاق الهزيمة، واستلحم الكثير ممّن كان معه؛ وهلك ولده، ولجأ أخوه الأمير أبو حفص لقلعة سنان، وفرّ هو لوجهه؛ حتى لحق ببجاية؛ وعاجله ابن أبي عمارة؛ فبعث جريدة من الجند لنظر أشياخ من الموحّدين، أغرت إليهم الإيقاع، فوصلت إلى بجاية، فظن من رآه من الفلّ المنهزم، فلم يعترضه معترض عن القصبة. وقبض على الأمير أبي إسحاق، فطوّقه الحمام، واحتزّ رأسه، وبعث إلى ابن أبي عمارة به، وقد دخل تونس، واستولى على ملكها،
(1/163)

وأقام سنين ثلاثة، أو نحوها في نعماء لا كفاء له، واضطلع بالأمر، وعاث في بيوت أمواله، وأجرى العظائم على نسائه ورجاله إلى أن فشا أمره، واستقال الوطن من تمرّته فيه؛ وراجع أرباب الدولة بصائرهم في شأنه، ونهد إليه الأمير أبو حفص طالبا بثأر أخيه، فاستولى، ودحض عاره، واستأصل شأفته، ومثل به؛ والملك لله الذي لا تزن الدنيا جناح بعوضة عنده.
وفي هذا قلت عند ذكر أبي حفص في الرجز المسمّى ب «نظم «1» الملوك» ، المشتمل على دول الإسلام أجمع، على اختلافها إلى عهدنا، فمنه في ذكر بني حفص: [الرجز]
أوّلهم يحيى بن عبد الواحد ... وفضلهم ليس له من جاحد
وهو الذي استبدّ بالأمور ... وحازها ببيعة الجمهور
وعظمت في صقعه آثاره ... ونال ملكا عاليا مقداره
ثم تولّى ابنه المستنصر ... وهو الذي علياه لا تنحصر
أصاب ملكا رئيسا أوطانه ... وافق عزّا ساميا سلطانه
ودولة أموالها مجموعه ... وطاعة أقوالها مسموعه
فلم تخف من عقدها انتكاثا ... وعاث في أموالها عياثا
هبّت بنصر عزّه الرياح ... وسقيت بسعده الرّماح
حتى إذا أدركه شرك الرّدى ... وانتحب النّادي عليه والنّدى
قام ابنه الواثق بالتّدبير ... ثم مضى في زمن يسير
سطا عليه العمّ إبراهيم ... والملك في أربابه عقيم
وعن قريب سلب الإماره ... عنه الدعيّ ابن أبي عماره
عجيبة من لعب الليالي ... ما خطرت لعاقل ببال
واخترم السيف أبا إسحاقا ... أبا هلال لقي المحاقا
واضطربت على الدّعي الأحوال ... والحق لا يغلبه المحال
ثم أبو حفص سما عن قرب ... وصيّر الدّعي رهين التّرب
ورجع الحق إلى أهليه ... وبعده محمد يليه
(1/164)

وهذه الأمور تستدعي الإطالة، مخلّة بالغرض، ومقصدي أن أستوفي ما أمكن من التواريخ التي لم يتضمنها ديوان، وأختصر ما ليس بقريب، والله وليّ الإعانة بمنّه.
إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم بن أحمد بن محمد ابن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم بن مالك الأزدي
يكنى أبا إسحاق.
أوّليّته: منزل جدّهم الداخل إلى الأندلس قرية شون «1» من عمل، أو قيل من إقليم إلبيرة. قال ابن البستي: بيتهم في الأزد، ومجدهم ما مثله مجد، حازوا الكمال، وانفردوا بالأصالة والجلال، مع عفّة وصيانة ووقار، وصلاح وديانة، نشأ على ذلك سلفهم، وتبعهم الآن خلفهم. وذكرهم مطرّف بن عيسى في تاريخه «2» ، في رجال الأندلس. وقال ابن مسعدة»
: وقفت على عقد قديم لسلفي، فيه ذكر محمد بن إبراهيم بن مالك الأزدي، وقد حلّي فيه بالوزير الفقيه أبي أحمد بن الوزير الفقيه أبي عمرو إبراهيم. وتاريخ العقد سنة ثلاث وأربعمائة، فناهيك من رجال تحلّوا بالجلالة والطهارة منذ أزيد من أربعمائة سنة، ويوصفون في عقودهم بالفقه والوزارة منذ ثلاثمائة سنة، في وقت كان فيه هذا المنصب في تحلية الناس، ووصفهم، في نهاية من الضّبط والحرز، بحيث لا يتّهم فيه بالتّجاوز لأحد، لا سيما في العقود، فكانوا لا يصفون فيه الشخص إلّا بما هو الحقّ فيه والصدق، وما كان قصدي في هذا إلّا أن شرفهم غير واقف عليه، أو مستند في الظهور إليه، بل ذكرهم على قديم الزمان شهير وقدرهم خطير.
قلت: ولمّا عقد لولدي عبد الله أسعده الله، على بنت الوزير أبي الحسن بن الوزير أبي الحسن القاسم بن الوزير أبي عبد الله بن الفقيه العالم الوزير، حزم فخارهم، ومجدّد آثارهم، أبي الحسن سهل بن مالك، خاطبت شيخنا أبا البركات بن
(1/165)

الحاجّ، أعرض ذلك عليه، فكان من نصّ مراجعته: فسبحان الذي أرشدك لبيت السّتر والعافية والأصالة، وشحوب الأبرار، قاتلك الله ما أجلّ اختيارك. وخلف هذا البيت الآن على سنن سلفهم من التحلّي بالوزارة، والاقتياد من العظمة الزاكية، والاستناد القديم الكريم، واغتنام العمر بالنّسك، عناية من الله، اطّرد لهم قانونها، واتصلت عادتها، والله ذو الفضل العظيم.
حاله: كان من أهل السرّ والخصوصيّة، والصّمت والوقار، ذا حظّ وافر من المعرفة بلسان العرب، ذكيّ الذّهن، متوقّد الخاطر، مليح النادرة، شنشنته معروفة فيهم. سار بسيرة أبيه، وأهل بيته، في الطهارة والعدالة، والعفاف والنّزاهة.
وفاته «1» :....
إبراهيم بن فرج بن عبد البر الخولاني
من أهل قرطبة، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن حرّة.
أوّليّته: من أهل البيوتات بالحضرة، ولي أبوه القهرمة لثاني «2» الملوك من بني نصر، فتأثّل مالا ونباهة.
حاله: هذا الرجل من أعيان القطر، ووزراء الصّقع، وشيوخ الحضرة، أغنى هذه المدرة يدا، وأشغلهم بالعرض الأدنى نفسا، تحرّف بالتّجر المربوب في حجر الجاه، ونما ماله، تحاط به الجدات، وتنمو الأموال، ففار تنّورها، وفهق حوضها، كثير الخوض في التصاريف الوقتية، والأدوات الزمانية، وأثمان السلع، وعوارض الأسعار، متبجّح بما ظهرت به يده من علق مضنّة هرى المدينة، الذي ينفق على أسواقها، عند ارتفاع القيم، وتمييز الأسعار، وبلوغها الحدّ الذي يراه كفؤ حبّته، ومنتهى ثمن غلّته. غرق الفكر، يخاطب الحيطان والشّجر والأساطين، محاسبا إياها على معاملات وأغراض فنيّة، يري من التلبّس شيئا من المعارف والآداب والصنائع، وحجة من الحجج في الرّزق. تغلب عليه السّذاجة والصحّة، دمث، متخلّق، متنزّل، مختصر الملبس والمطعم، كثير التبذّل، يعظم الانتفاع به في باب التوسعة بالتسلّف
(1/166)

والمداينة، حسن الخلق، كثير التجمّل مبتلى بالموقب والطّانز «1» ، يسمع ذي القحة، ويصمّ على ذوي المسألة.
ظهوره وحظوته: لبس الحظوة شملة، لم يفارق طوقها رقبته، إذ كان صهرا للمتغلب على الدولة أبي عبد الله بن المحروق «2» ، صار بسهم في جذور خطته، وألقى في مرقة حظوته، مشتملا على حاله، بعباءة جاهه. ثم صاهر المصيّر الأمر إليه بعده القائد الحاجب أبا النعيم رضوان، مولى الدولة النصرية، وهلمّ جرّا، بعد أن استعمل في السّفارة إلى العدوة وقشتالة، في أغراض تليق بمبعثه، مما يوجب فيه المياسير والوجوه، مشرّفين معزّزين بمن يقوم بوظيفة المخاطبة والجواب، والردّ والقبول. وولّي وزارة السلطان، لأول ملكه في طريق من ظاهر جبل الفتح إلى حضرته، وأياما يسيرة من أيام اختلاله، إلى أن رغب الخاصّة من الأندلسيين في إزالته، وصرف الأمر إلى الحاجب المذكور الذي تسقّط مع رئاسته المنافسة، وترضّى به الجملة.
محنته: وامتحن هو وأخوه، بالتّغريب إلى تونس، عن وطنهما، على عهد السلطان الثالث من بني نصر «3» . ثم آب عن عهد غير بعيد، ثم أسن واستسرّ أديمه، وضجر عن الركوب إلى فلاحته التي هي قرّة عينه، وحظّ سعادته، يتطارح في سكّة المتردّدين بإزاء بابه، مباشر الثّرى بثوبه، قد سدكت «4» به شكاية شائنة، قلّما يفلت منها الشيوخ، ولا من شركها، فهي تزفه بولاء، بحال تقتحمها العين شعثا، وبعدا عن النظر، فلم يطلق الله يده من جدته على يده، فليس في سبيل دواء ولا غذاء إلى أن هلك.
وفاته: في وسط شوّال عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
مولده: في سنة خمس وسبعين وستمائة.
(1/167)

إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي «1»
يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن المرأة.
حاله: سكن مالقة دهرا طويلا، ثم انتقل إلى مرسية، باستدعاء المحدّث أبي الفضل المرسي والقاضي أبي بكر بن محرز، وكان متقدما في علم الكلام، حافظا ذاكرا للحديث والتفسير، والفقه والتاريخ، وغير ذلك. وكان الكلام أغلب عليه، فصيح اللسان والقلم، ذاكرا لكلام أهل التصوّف، يطرّز مجالسه بأخبارهم. وكان بحرا للجمهور بمالقة ومرسية، بارعا في ذلك، متفنّنا له، متقدّما فيه، حسن الفهم لما يلقيه، له وثوب على التمثيل والتّشبيه، فيما يقرب للفهم، مؤثرا للخمول، قريبا من كل أحد، حسن العشرة، مؤثرا بما لديه. وكان بمالقة يتّجر بسوق الغزل. قال الأستاذ أبو جعفر وقد وصمه: وكان صاحب حيل ونوادر مستظرفة، يلهي بها أصحابه، ويؤنسهم، ومتطلّعا على أشياء غريبة من الخواص وغيرها، فتن بها بعض الحلبة، واطّلع كثير ممّن شاهده على بعض ذلك، وشاهد منه بعضهم ما يمنعه الشرع من المرتكبات الشّنيعة، فنافره وباعده بعد الاختلاف إليه، منهم شيخنا القاضي العدل المسمّى الفاضل، أبو بكر بن المرابط، رحمه الله؛ أخبرني من ذلك بما شاهد مما يقبح ذكره، وتبرّأ منه من كان سعى في انتقاله إلى مرسية، والله أعلم بغيبه وضميره.
تواليفه: منها «2» شرحه كتاب الإرشاد لأبي المعالي، وكان يعلقه من حفظه من غير زيادة وامتداد. وشرح الأسماء الحسنى. وألّف جزءا في إجماع الفقهاء، وشرح محاسن المجالس لأبي العباس أحمد بن العريف. وألّف غير ذلك. وتواليفه نافعة في أبوابها، حسنة الرصف والمباني.
من روى عنه: أبو عبد الله بن أحلى، وأبو محمد عبد الرحمن بن وصلة.
وفاته: توفي بمرسية سنة إحدى «3» عشرة وستمائة.
إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري
تلمساني وقرشي الأصل، نزل بسبتة، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بالتلمساني.
(1/168)

حاله: كان فقيها عارفا بعقد الشروط، مبرّزا في العدد والفرائض، أديبا، شاعرا، محسنا، ماهرا في كل ما يحاول. نظم في الفرائض، وهو ابن ثمان «1» وعشرين سنة، أرجوزة محكمة بعلمها، ضابطة، عجيبة الوضع. قال ابن عبد الملك:
وخبرت منه في تكراري عليه، تيقّظا وحضور ذهن، وتواضعا، وحسن إقبال وبرّ، وجميل لقاء ومعاشرة، وتوسّطا صالحا فيما يناظر فيه من التواليف، واشتغالا بما يعنيه من أمر معاشه، وتخاملا في هيئته ولباسه، يكاد ينحطّ عن الاقتصاد، حسب المألوف والمعروف بسبتة. قال ابن الزبير: كان أديبا لغويّا، فاضلا، إماما في الفرائض.
مشيخته: تلا بمالقة على أبي بكر بن دسمان، وأبي صالح محمد بن محمد الزّاهد، وأبي عبد الله بن حفيد، وروى بها عن أبي الحسن سهل بن مالك، ولقي أبا بكر بن محرز، وأجاز له، وكتب إليه مجيزا أبو الحسن بن طاهر الدباج، وأبو علي الشلوبين. ولقي بسبتة الحسن أبا العباس بن علي بن عصفور الهواري، وأبا المطرّف أحمد بن عبد الله بن عفيرة، فأجازا له. وسمع على أبي يعقوب بن موسى الحساني الغماري.
من روى عنه: روى عنه الكثير ممّن عاصره، كأبي عبد الله بن عبد الملك وغيره.
تواليفه: من ذلك الأرجوزة الشهيرة في الفرائض، لم يصنّف في فنّها أحسن منها. ومنظوماته في السّير، وأمداح النبي، صلى الله عليه وسلم، من ذلك المعشّرات على أوزان العرب، وقصيدة في المولد الكريم، وله مقالة في علم العروض الدّوبيتي.
شعره: وشعره كثير، مبرّز الطّبقة بين العالي والوسط، منحازا أكثر إلى الإجادة جمّة، وتقع له الأمور العجيبة فيه كقوله: [المنسرح]
الغدر في الناس شيمة سلفت ... قد طال بين الورى تصرّفها
ما كلّ من سرّبت «2» له نعم ... منك يرى قدرها ويعرفها
بل ربما أعقب الجزاء بها ... مضرّة عنك عزّ مصرفها
أما ترى الشمس تعطف بالنّ ... ور على البدر وهو يكسفها؟
دخوله غرناطة: أخبر عن نفسه أن أباه انتقل به إلى الأندلس، وهو ابن تسعة أعوام، فاستوطن به غرناطة ثلاثة أعوام، ثم رحل إلى مالقة، فسكن بها مدّة، وبها
(1/169)

قرأ معظم قراءته. ثم انتقل إلى سبتة، وتزوّج بها أخت الشيخ أبي الحكم مالك بن المرحّل. وهذا الشيخ جدّ صاحبنا وشيخنا أبي الحسين التلمساني لأبيه، وهو ممّن يطرّز به التأليف، ويشار إليه في فنون لشهرته.
ومن شعره، وهو صاحب مطوّلات مجيدة، وأمادح مبدية في الإحسان معيدة، فمن قوله يمدح الفقيه أبا القاسم العزفي أمير سبتة: [الكامل]
أرأيت من رحلوا وزمّوا العيسا «1» ... ولا نزلوا على الطلول حسيسا «2» ؟
أحسبت سوف يعود نسف ترابها ... يوما بما يشفي لديك نسيسا؟
هل مؤنس «3» نارا بجانب طورها ... لأنيسها؟ أم هل تحسّ حسيسا؟
مولده: قال ابن عبد الملك: أخبرني أنّ مولده بتلمسان سنة تسع وستمائة.
وفاته: في عام تسعين وستمائة بسبتة، على سنّ عالية، فسحت مدى الانتفاع به.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الساحلي
المشهور بالطّويجن «4» ، من غرناطة.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» : كان، رحمه الله، نسيج وحده في الأدب، نظما ونثرا، لا يشقّ فيهما غباره، كلام صافي الأديم، غزير المائية، أنيق الدّيباجة، موفور المادة، كثير الحلاوة، جامع بين الجزالة والرّقّة؛ إلى خطّ بديع، ومشاركة في فنون، وكرم نفس، واقتدار على كل محاولة. رحل بعد أن اشتهر فضله، وذاع أوجه، فشرّق، وجال في البلاد. ثم دخل إلى بلد السّودان، فاتصل بملكها، واستوطنها زمانا طويلا، بالغا فيها أقصى مبالغ المكنة، والحظوة، والشّهرة، والجلالة، واقتنى مالا دثرا، ثم آب إلى المغرب، وحوّم على وطنه، فصرفه القدر إلى مستقرّه من بلاد السودان، مستزيدا من المال. وأهدى إلى ملك المغرب هديّة تشتمل على طرف، فأثابه عليها مالا خطيرا، ومدحه بشعر بديع كتبناه عنه. وجرى ذكره في كتاب «التاج» بما نصّه «5» :
(1/170)

«جوّاب الآفاق، ومحالف الإباق «1» ، ومنفق سعد «2» الشّعر كل الإنفاق؛ رفع ببلده «3» للأدب راية لا تحجم، وأصبح فيها يسوّي ويلجم؛ فإن نسب، جرى ونظم نظم الجمان المحامد، وإن أبّن ورثى غبّر في وجوه السوابق وحثا. ولمّا اتّفق كساد سوقه، وضياق حقوقه، أخذ بالحزم، وأدخل على حروف علائه عوامل الجزم، يسقط على الدول سقوط الغيث، ويحلّ كناس الظّبا وغاب اللّيث، شيّع العجائب، وركّض النّجائب، فاستضاف بصرام، وشاهد البرابي والأهرام، ورمى بعزمته الشآم، فاحتلّ ثغوره المحوطة، ودخل دمشق، وتوجّه الغوطة، ثم عاجلها بالعراق، فحيّا بالسّلام مدينة السّلام، وأورد بالرّافدين رواحله، ورأى اليمن وسواحله، ثم عدل إلى الحقيقة عن المجاز، وتوجّه إلى شأنه الحجاز، فاستلم الرّكن والحجر، وزار القبر الكريم لمّا صدر، وتعرّف بمجتمع الوفود بملك السّود، فغمره بإرفاده، وصحبه إلى بلاده، فاستقرّ بأوّل أقاليم العرض، وأقصى ما يعمر من الأرض، فحلّ بها محلّ الحمر في الغار، والنور في سواد الأبصار؛ وتقيّد بالإحسان، وإن كان غريب الوجه واليد واللسان. وصدرت عنه رسائل أثناء إغرابه، تشهد بجلالة آدابه، وتعلّق الإحسان بأهدابه» .
نثره: فمن ذلك ما خاطب به أهل غرناطة بلده؛ وقد وصل إلى مرّاكش:
«سلام ليس دارين شعاره، وحلق الروض والنضير به صداره، وأنسى نجدا شمّه الزكي وعراره، جرّ ذيله على الشجر فتعطّر، وناجى غصن البان فاهتزّ لحديثه وتأطّر، وارتشف الندى من ثغور الشّقائق، وحيّا خدود الورد تحت أردية الحدائق، طربت له النّجدية المستهامة، فهجرت صباها ببطن تهامة، وحنّ ابن دهمان لصباه، وسلا به التّميمي عن ريّاه، وأنسى النّميري ما تضوّع برقيب من بطن نعماه، واستشرف السمر والبان، وتخلق بخلوقة الآس والظّيّان «4» ، حتى إذا راقت أنفاس تحيّاته ورقّت، وملكت نفائس النفوس واستشرقت، ولبست دارين في ملائها، ونظمت الجوزاء في عقد ثنائها، واشتغل بها الأعشى عن روضه ولها، وشهد ابن برد شهادة أطراف المساويك لها، خيّمت في ربع الجود بغرناطة ورقّت، وملأت دلوها إلى عقد ركبه، وأقبلت منابت شرقها عن غربه، لا عن عرفه؛ هناك تترى لها صدور المجالس تحمل صدورا، وترائب المعالي تحلّي عقودا نفيسة وجذورا، ومحاسن الشرف تحاسن
(1/171)

البروج في زهرها، والأفنية في إيوانها، والأندية في شعب بوّانها «1» ، لو رآها النعمان لهجر سديره، أو كسرى لنبذ إيوانه وسريره، أو سيف لقصّر عن غمدانه، أو حسّان لترك جلّق «2» لغسّانه: [الطويل]
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها
فإذا قضيت من فرض السلام ختما، وقضت من فاره الثّناء حتما، ونفضت طيب عرارها على تلك الأنداء، واقتطفت أزاهر محامدها أهل الودّ القديم والإخاء، وعمّت من هنالك من الفضلاء، وتلت سور آلائها على منبر ثنائها، وقصّت وعطفت على من تحمل من الطلبة بشارتهم، وصدرت عن إشارتهم، وأنارت نجما حول هالتهم المنيرة ودارتهم، فهناك تقصّ أحاديث وجدي على تلك المناهج، لا إلى صلة عالج، وشوقي إلى تلك العليا، لا إلى عبلة، والجزا إلى ذلك الشريف الجليل، فسقى الله تلك المعاهد غيداقا «3» يهمي دعاؤها، ويغرق روضها إغراقا، حتى تتكلّل منه نحور زندها درّا، وترنو عيون أطراف نرجسها إلى أهلها سررا، وتتعانق قدود أغصانها طربا، وتعطف خصور مذانبها على أطراف كثبانها لعبا، وتضحك ثغور أقاحيها «4» عند رقص أدواحها عجبا، وتحمّر خدود وردها حياء، وتشرق حدائق وردها سناء، وتهدي إلى ألسنة صباها خبر طيبة «5» وإنباء، حتى تشتغل المطريّة عن روضتها المردودة، والمتكلّىء عن مشاويه المجودة، والبكري عن شقائق رياض روضته النديّة، والأخطل عن خلع بيعته الموشيّة. فما الخورنق «6» وسراد، والرّصافة وبغداد، وما لفّ النّيل في ملأته كرما إلى أفدين سقايته، وحارته غمدان عن محراب، وقصر وابرية البلقاء عن غوطة ونهر، بأحسن من تلك المشاهد التي تساوي في حسنها الغائب والشاهد. وما لمصر تفخر بنيلها، والألف منها في شنيلها «7» ، وإنما زيدت الشين هنالك ليعد بذلك:
[الوافر]
ويا لله من شوق حثيث ... ومن وجد تنشّط بالصميم
إذا ما هاجه وجد حديث ... صبا منها إلى عهد قديم
(1/172)

أجنح إنساني في كل جانحة، وأنطق لساني من كل جارحة، وأهيم وقلبي رهين الأنين، وصريع البين، تهفو «1» الرياح البليلة إذا ثارت، وتطير به أجنحة البروق الخافقة أينما طارت، وقد كنت أستنزل قربهم براحة الأجل، وأقول عسى وطن يدنيهم ولعلّ، وما أقدر الله أن يدني على الشّحط، ويبري جراح البين بعد اليأس والقنط، هذا شوقي يستعيره البركان لناره، ووجدي لا يجري قيس في مضماره، فما ظنّك وقد حمت حول المورد الخصر، ونسمت ريح المنبت الخضر، ونظرت إلى تلك المعاهد من أمم، وهمست باهتصار ثمار ذلك المجد اليانع والكرم، وإن المحبّ مع القرب لأعظم همّا، وأشدّ في مقاساة الغرام غمّا: [الوافر]
وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذ دنت الدّيار من الديار
وقربت مسافة الدّوّار، لكن الدهر ذو غير، ومن ذا يحكم على القدر، وما ضرّه لو غفل قليلا، وشفى بلقاء الأحبّة غليلا، وسمح لنا بساعة اتفاق، ووصل ذلك الأمل القصير بباع، وروى مسافة أيام، كما طوى مراحل أعوام.
لدّ إبليس، أفلا أشفقت من عذابي، وسمحت ولو بسلام أحبابي؟
أسلمتني إلى ذرع البيد، ومحالفة الذميل والوخيد «2» ، والتنقّل في المشارق والمغارب، والتمطّي في الصّهوات والغوارب. يا سابق البين دع محمله، وما بقي في الجسم ما يحمله، ويا بنات جديل، ما لكنّ وللذميل؟ ليت سقمي عقيم فلم يلد ذات البين، المشتّتة ما بين المحبين، ثم ما للزاجر الكاذب، وللغراب الناعب، تجعله نذير الجلا، ورائد الخلا، ما أبعد من زاجر، عن رأي الزّاجر، إنما فعل ما ترى، ذات الغارب والقرى، المحتالة في الأزمّة والبرى، المتردّدة بين التّأويب والسّرى؛ طالما باكرت النّوى، وصدعت صدع الثّوى، وتركت الهائم بين ربع محيل، ورسم مستحيل، يقفو الأثر نحوه، ويسأل الطّلل عن عهده، وإن أنصفت فما لعين معقودة، وإبل مطرودة، مالت عن الحوض والشّوط، وأسلمت إلى الحبل والعصا والسّوط، ولو خيّر النائي لأقام، ولو ترك القطا ليلا لنام، لكن الدهر أبو براقش «3» ،
(1/173)

وسهم بينه وبين بنيه غير طائش؛ فهو الذي شتّت الشّمل وصدعه، وما رفع سيف بعماده إلّا وضعه، ولا بلّ غليلا أحرقه بنار وجده ولا نفعه. فأقسم ما ذات خضاب وطوق، شاكية غرام وشوق، برزت في منصّتها، وترجمت عن قضيّتها، أو غربت عن بيتها، ونفضت شرارة زفرتها عن عينها، ميلا حكت الميلا والغريض، وعجماء ساجلت بسجعها القريض، وكصّت «1» الفود فكأنما نقرت العود، وردّدت العويل، كأنما سمعت النّقيل، نبّهت الواله فثاب، وناحت بأشواقها فأجاب. حتى إذا افترّ بريقها، استراب في أنّتها، فنادى يا حصيبة الساق، ما لك والأشواق؟ أباكية ودموعك راقية؟ ومحرّرة وأعطافك حالية؟ عطّلت الخوافي، وحلّيت القوادم، وخضّبت الأرجل، وحضرت المآتم. أمّا أنت، فنزيعة خمار، وحليفة أنوار وأشجار، تتردّدين بين منبر وسرير، وتتهادين بين روضة وغدير؛ أسرفت في الغناء، وإنما حكيت خرير الماء، وولعت بتكرير الراء، فقالت: أعد نظر البقير، ولأمر ما جدع أنفه قصير، أنا التي أغرقت في الرّزء، فكنّيت عن الكل بالجزء؛ كنت أربع بالفيافي ما ألافي، وآنس مع مقيلي، بكرته وأصيلي، تحتال من غدير إلى شرج «2» ، وتنتقل من سرير إلى سرج، آونة تلتقط الحبّ، وحينا تتعاطى الحبّ، وطورا تتراكض الفنن، وتارة تتجاذب الشّجن، حتى رماه الدهر بالشّتات، وطرقه بالآفات، فهأنا بعده دامية العين، دائمة الأين، أتعلّل بالأثر بعد العين؛ فإن صعدت مناري، ألهبت منقاري، أو نكأت أحشائي، خضّبت رجلي بدمائي، فأقسم لا خلعت طوق عهده، حتى أردي من بعده، بل ذات خفض وترف، وجمال باهر وشرف، بسط الدهر يدها، وقبض ولدها، فهي إذا عقدت التّمائم على تريب، أو لفّت العمائم على نجيب، حثّت المفؤود، وأدارت عين الحسود، حتى إذا أينعت فسالها، وقضى حملها وفصالها، عمر لحدها بوحيد كان عندها وسطى، وفريد أضحى في نحر عشيرتها سمطا، استحثّت له مهبّات النسيم الطّارق، وخافت عليه من خطرات اللّحظ الرّاشق، فحين هشّ للجياد، ووهب التمائم للنّجاد ونادى الصريم، يا الآل والحريم، فشدّ الأناة، واعتقل القناة، وبرز يختال في عيون لامه، ويتعرّف منه رمحه بألفه ولامه، فعارضه شثن «3» الكفّين، عاري الشعر والمنكبين، فأسلمه لحتفه، وترك حاشية ردائه على عطفه، فحين انبهم
(1/174)

لشاكلته ما جرى برزت لترى: [الطويل]
فلم تلق فيها «1» غير خمس قوائم ... وأشلاء لحم تحت ليث سخايل
يحطّ على أعطافه وترائبه ... بكفّ حديد النّاب صلب المفاصل
أعظم من وجد إلى تلك الآفاق، التي أطلعت وجوه الحسن والإحسان، وسفرت عن كمال الشرف، وشرف الكمال عن كل وجه حسان، وأبرزت من ذوي الهمم المنيفة، والسّير الشريفة، ما أقرّ عين العلياء، وحلّى جيد الزمان، فتقوا للعلم أزهارا أربت على الروض المجود، وأداروا للأدب هالة استدارت حولها بدور السّعود، نظم الدهر محاسنهم حليّا في جيده ونحره، واستعار لهم الأفق ضياء شمسه وبدره، وأعرب بهم الفخر عن صميمه، وفسح لهم المجد عن مصدره، فهم إنسان عين الزمان، وملتقى طريقي الحسن والإحسان، نظمت الجوزاء مفاخرهم، ونثرت النّثرة مآثرهم، واجتلبت الشّعرى من أشعارهم، وطلع النور من أزرارهم، واجتمعت الثّريّا لمعاطاة أخبارهم، وودّ الدّلو لو كرع في حوضهم، والأسد لو ربض حول ربضهم، والنعايم لو غذّيت بنعيمهم، والمجرّة لو استمدّت من فيض كرمهم، عشق المسك محاسنهم فرقّ، وطرب الصبح لأخبارهم فخرق جبينه وشقّ، وحام النّسر حول حمامهم وحلّق، وقدّ الفخار جدار محامدهم وخلّق، إلى بلاغة أخرست لسان لبيد، وتركت عبد الحميد غير حميد، أهلّ ابن هلال لمحاسنهم وكبّر، وأعطى القارئ ما زجر به قلمه وسطّر، وأيس إياس من لحاقهم فأقصر لما قصّر.
ومنها: فما للوشي تألّق ناصعه، وتأنّق يانعه، بأحسن ممّا وشته أنفاسهم، ورسمته أطراسهم، فكم لهم من خريدة غذّاها العلم ببرّه، وفريدة حلّاها البيان بدرّه، واستضاءت المعارف بأنوارهم، وباهت الفضائل بسناء منارهم، وجلّيت المشكلات بأنوار عقولهم وأفكارهم، جلّوا عروس المجد وحلّوا، وحلّوا في ميدان السيادة ونشأوا، وزاحموا السّهى بالمناكب، واختطّوا التّرب فوق الكواكب، لزم محلّهم التّكبير، كما لزمت الياء التّصغير، وتقدّموا في رتبة الأفهام، كما تقدّمت همزة الاستفهام، ونزلوا من مراتب العلياء، منزلة حروف الاستعلاء، وما عسى أن أقول ودون النهاية مدى نازح، وما أغنى الشمس عن مدح المادح، وحسبي أن أصف ما أعانيه من الشوق، وما أجده من التّوق، وأعلّل نفسي بلقائهم، وأتعلّل بالنّسيم الوارد من تلقائهم، وإن جلاني الدهر عن ورود حوضهم، وأقعدني الزمان عن اجتناء روضهم، فما ذهب ودادي، ولا تغيّر اعتقادي، ولا جفّت أقلامي عن مدادهم ولا
(1/175)

مدادي، وأنا ابن جلا «1» في وجدهم، وطلّاع الثّنايا إلى كرم عهدهم، إن دعوا إلى ودّ صميم وجدوني، أضع العمامة عن ذوي عهد قديم عرفوني، ولو شرعوا نحوي قلم مكاتبتهم، وأسحّوا بالعلق الثّمين من مخاطبتهم، لكفّوا من قلبي العاني قيد إساره، وبلوا صدى وجدي المتحرّق بناره، ففي الكتابة بلغة الوطر، وقد يغني عن العين الأثر، والسلام الأثير الكريم الطيب الرّيا، الجميل المحيّا، يحضر محلّهم الأثير، وكبيرهم إذ ليس فيهم صغير، ويعود على من هناك من ذوي الودّ الصميم، والعهد القديم، من أخ برّ وصاحب حميم، ورحمة الله وبركاته» .
ولا خفاء ببراعة هذه الرسالة على طولها، وكثرة أصولها، وما اشتملت عليه من وصف وعارضة، وإشارة وإحالة، وحلاوة وجزالة.
شعره: ثبت لديّ من متأخّر شعره قوله من قصيدة، يمدح بها ملك المغرب «2» ، أمير المسلمين، عند دنوّ ركابه من ظاهر تلمسان ببابه أولها «3» : [الكامل]
خطرت كميّاس «4» القنا المتأطّر ... ورنت بألحاظ الغزال الأعفر
ومن شعره في النسيب: [البسيط]
زارت وفي كلّ لحظ طرف محترس ... وحول كلّ كناس كفّ مفترس
يشكو لها الجيد ما بالحلي من هدر ... ويشتكي الزّند ما بالقلب من خرس
متى تلا خدّها الزّاهي الضّحى نطقت ... سيوف ألحاظها من آية الحرس
في لحظها سحر فرعون ورقّتها ... آيات موسى وقلبي موضع القبس
تخفي النّمومين من حلي ومبتسم ... تحت الكتومين من شعر ومن غلس
وترسل اللّحظ نحوي ثم تهزأ بي ... تقول بعد نفوذ الرّمية احترس
أشكو إليها فؤادا واجلا أبدا ... في النّازعات وما تنفكّ من عبس
(1/176)

يا شقّة النّفس إنّ النّفس قد تلفت ... إلّا بقيّة رجع الصّوت والنّفس
هذا فؤادي وجفني فيك قد جمعا ... ضدّين فاعتبري إن شئت واقتبسي
ويا لطارق نوم منك أرّقني ... ليلا ونبّهني للوجد ثم نسي
ما زال يشرب من ماء القلوب فلم ... أبصرته ذابلا يشكو من اليبس
ملأت طرفي عن ورد تفتح في ... رياض خدّيك صلّا غير مفترس
وقلت للّحظ والصّدغ احرسا فهما ... ما بين مصم وفتّاك ومنتكس
وليلة جئتها سحرا أجوس بها ... شبا العوالي وخيس الأخنف الشّرس
أستفهم الليل عن أمثال أنجمه ... وأسأل «1» العيس عن سرب المها الأنس
وأهتك السّتر لا أخشى بوادره ... ما بين منتهز طورا ومنتهس
بتنا نعاطي بها ممزوجة مزجت ... حلو الفكاهة بين اللّين والشّرس
أنكحتها من أبيها وهي آيسة ... فثار أبناؤها في ساعة العرس
نور ونار أضاءا في زجاجتها ... فذاك خدّك يا ليلى وذا نفسي «2»
حتى إذا آب نور الفجر في وضح ... معرّك جال بين الفجر والغلس
وهيمنت بالضنا تحت الصباح صبا ... قد أنذرتها ببرد القلب واللّعس
قامت تجرّ فضول الريط آنسة ... كريمة الذيل لم تجنح إلى دنس
تلوث فوق كثيب الرمل مطرفها ... وتمسح النّوم عن أجفانها النّعس
فظلّ قلبي يقفوها بملتهب ... طورا ودمعي يتلوها بمنبجس
دهر يلوّن لونيه كعادته ... فالصبح في مأتم والليل في عرس
وإحسانه كثير، ومقداره كبير. ثم آب إلى بلاد السودان، وجرت عليه في طريقه محنة، ممّن يعترض الرفاق ويفسد السبيل، واستقرّ بها على حاله من الجاه والشّهرة، وقد اتخذ إماء للتسرّي من الزّنجيّات، ورزق من الجوالك أولادا كالخنافسة. ثم لم يلبث أن اتصلت الأخبار بوفاته بتنبكتو، وكان حيّا في أوائل تسعة وثلاثين وسبعمائة «3» .
(1/177)

إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أسد بن موسى ابن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أسد بن قاسم النميري
من أهل غرناطة، يكنى أبا إسحاق ويعرف بابن الحاجّ «1» .
أوّليّته: بيت نبيه، يزعم من يعنى بالأخبار، أن جدّهم الداخل إلى الأندلس ثوابة بن حمزة النّميري، ويشركهم فيه بنو أرقم الوادي شيون «2» . وكان سكناه بجهة وادي آش، ولقومه اختصاص وانتقال ببعض جهاتها، وهي شوظر، والمنظر، وقرسيس، وقطرش؛ تغلّب العدو عليها على عهد عبد العزيز، وآوى جميعهم إلى كنف الدولة النصرية، فانخرطوا في سلك الخدمة، وتمحّض خلفهم بالعمل. وكان جدّه الأقرب إبراهيم، رجلا خيّرا من أهل الدين والفضل والطهارة والذكاء؛ كتب للرؤساء من بني إشقيلولة، عند انفرادهم بوادي آش. واختصّ بهم، وحصل منهم على صهر بأم ولد بعضهم، وضبط المهمّ من أعمالهم. ثم رابته منهم سجايا أوجبت انصرافه عنهم، وجنوحه إلى خالهم السلطان الذي كاشفوه بالثورة، فعرف حقّه، وأكرم وفادته، وقبل بيانه؛ فقلّده ديوان جنده، واستمرّت أيام عمره تحت رعيه، وكنف عنايته. وكان ولده عبد الله، أبو صاحبنا المترجم به، صدرا من صدور المستخدمين في كبار الأعمال، على سنن رؤسائهم، مكسابا متلافا، سريّ النفس، غاض الحواز. ولي الأشغال بغرناطة وسبتة؛ عند تصيّرها إلى إيالة بني نصر؛ وجرى طلاقه هذا، في صلّ دنيا عريضة؛ تغلّبت عليه بآخرة، ومضى لسبيله، مصدوقا بالكفاية، وبراعة الخط، وطيب النفس، وحسن المعاملة.
حاله: هذا «3» الرجل نشأ على عفاف وطهارة؛ امتهك صبابة ترف من بقايا عافية، أعانته على الاستظهار ببزّة، وصانته من التحرّف بمهنة. ثم شدّ وبهرت خصاله، فبطح بالشّعر؛ وبلغ الغاية في إجادة «4» الخط، وحاضر بالأبيات، وأرسم «5» في كتابة الإنشاء، عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، مستحقّا حسن سمة «6» ، وبراعة
(1/178)

خط، وجودة أدب، وإطلاق يد، وظهور كفاية؛ وفي أثناء هذا الحال، يقيد ولا يفتر، ويروي الحديث، ويعلّق الأناشيد، ولا يغبّ النظم والنثر، ولا يعفي القريحة، معمّى، مخوّلا في العناية، مشتملا على الطهارة، بعيدا في زمان الشّبيبة عن الرّيبة، نزيها على الوسامة عن الصّبوة والرّقية، أعانه على ذلك نخوة في طبعه، وشفوف وهمّة. كان مليح الدّعابة، طيّب الفكاهة، آثر المشرق، فانصرف عن الأندلس في محرّم عام سبعة وثلاثين وسبعمائة، وألمّ بالدول، محرّكا إياها بشعره، هازّا أعطافها بأمداحه؛ فعرف قدره، وأعين على طيّته؛ فحجّ وتطوّف، وقيّد، واستكثر، ودوّن في رحلة سفره؛ وناهيك بها طرفة؛ وقفل إلى إفريقية، وكان علق بخدمة بعض ملوكها، فاستقرّ ببجاية لديه، مضطلعا بالكتابة والإنشاء. ثم انتقل إلى خدمة سلطان المغرب، أمير المسلمين أبي الحسن؛ ولم ينشب أن عاد إلى البلاد المشرقية، فحجّ، وفصل إلى إفريقية، وقد دالت الدولة بها بالسلطان المذكور، فتقاعد عن الخدمة، وآثر الانقباض؛ ثم ضرب الدهر ضرباته، وآل حال السلطان إلى ما هو معروف، وثابت للموحّدين برملة بجاية بارقة لم تكد تتقد حتى خبت، فعاد إلى ديوانه من الكتابة عن صاحب بجاية. ثم أبى مؤثرا للدّعة في كنف الدولة الفارسية «1» ، ونفض عن الخدمة يده، لا أحقّق مضطرا أم اختيارا، وحجة كليهما قائمة لديه، وانقطع إلى تربة الشيخ أبي مدين «2» بعبّاد تلمسان، مؤثرا للخمول، عزيزا به، ذاهبا مذهب التّجلّة من التجريد والعكوف بباب الله، مفخرا لأهل نحلته، وحجّة على أهل الحرص والتهافت، من ذوي طبقته، راجع الله بنا إليه بفضله. ثم جبرته الدولة الفارسية على الخدمة، وأبرته بزّة النّسك، فعاد إلى ديدنه من الكتابة، رئيسا ومرءوسا. ثم أفلت نفيه موت السلطان أبي عنان فلحق بالأندلس، وتلقي ببرّ وجراية، وتنويه وعناية، واستعمل في السفارة إلى الملوك؛ وولّي القضاء في الأحكام الشرعية بالقليم بقرب الحضرة؛ وهو الآن بحاله الموصوفة، صدرا من صدور القطر وأعيانه، يحضر مجلس السلطان، ويعدّ من نبهاء من ينتاب بابه، وقد توسّط من الاكتهال، مقيما لرسم الكتابة والظرف مع الترخيص للباس الحرير، والخضاب بالسواد، ومصاحبة الأبّهة، والحرص على التّجلّة.
(1/179)

وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «1» : «طلع شهابا ثاقبا، وأصبح بشعره للشّعرى مصاقبا، فنجم وبرع، وتمّم المعاني واخترع؛ إلى خطّ يستوقف الأبصار رائقه، وتقيّد الأحداق حدائقه، وتفتن الألباب فنونه البديعة وطرائقه، من بليغ يطارد أسراب المعاني البعيدة فيقتنصها، ويغوص على الدّرر الفريدة فيخرجها، ويستخلصها بطبع مذاهبه دافقة، وتأييد رايته خافقة. نبه في عصره شرف البيان من بعد الكرى، وانتدب بالنشاط إلى تجديد ذلك البساط وانبرى، فدارت الأكواس، وتضوّع الورد والآس، وطاب الصّبوح، وتبدّل الروح المروح، ولم تزل نفحاته تتأرّج، وعقائل بناته تتبرّج، حتى دعي إلى الكتابة، وخطب إلى تلك المثابة، فطرّز المفارق برقوم أقلامه، وشنّف المسامع بدرّ كلامه؛ ثم أجاب داعي نفسه التي ضاق عنها جثمانه، لا بل زمانه، وعظم لها فكره وغمّه، وتعب في مداراتها، وكما قال أبو الطيب المتنبي:
«وأتعب خلق الله من راد محمده» ، فارتحل لطيّته، واقتعد غارب مطيّته، فحجّ وزار، وشدّ للطّواف الإزار. ثم هبّ إلى المغرب وحوّم، وقفل قفول النسيم عن الرّوض بعدما تلوّم، وحطّ بإفريقية على نار القرى، وحمد بها صباح السّرى، ولم يلبث أن تنقل، ووحر الحميم شفافه وتنغل، ثم بدا له أخرى فشرق، وكان عزمه أن يجتمع فتفرّق» .
مشيخته: روى «2» عن مشيخة بلده وأشجر، وقيّد واستكثر، وأخذ في رحلته عن أناس شتّى يشقّ إحصاؤهم.
تواليفه: منها كتاب «المساهلة والمسامحة، في تبيين طرق المداعبة والممازحة» ، و «إيقاظ الكرام، بأخبار المنام» ، و «تنعيم الأشباح بمحادثة الأرواح» ، وكتاب «الوسائل، ونزهة المناظر والحمائل» و «الزّهرات، وإجالة النّظرات» ، وكتاب في «التّورية» على حروف المعجم، أكثره مروي الأسانيد عن خلق كثير، والله تعالى يخره؛ وجزء في تبيين المشكلات الحديثة الواصلة من زبيد اليمن إلى مكّة؛ وجزء في بيان اسم «3» الله الأعظم، وهو كبير الفائدة، و «نزهة الحدق، في ذكر الفرق» ، وكتاب الأربعين حديثا البلدانية، والمستدرك عليها من البلاد التي دخلتها، ورويت فيها، زيادة على الأربعين، و «روضة العباد المستخرجة من الإرشاد» ، وهو من تأليف شيخنا القطب أبي محمد الشافعي؛ والأربعون حديثا التي رويتها عن الأمراء والشيوخ،
(1/180)

الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ والشيوخ الذين رووا عن الملوك والخلفاء القريب عهدهم؛ ووصلت بها خاتمة ذكرت فيها فوائد مما رويته عن الملوك والأمراء، وعن الشيوخ الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ وكتاب «اللّباس والصّحبة» وهو الذي جمعت فيه طرق المتصوّفة، المدّعي أنه لم يجمع مثله؛ وكتاب فيه شطر الحماسة لحبيب، وهو غير مكمل؛ ورجز «1» في الفرائض على الطريقة البديعة التي ظهرت ببلاد «2» الشرق؛ ورجز صغير في الحجب والسّلاح، ورجز في الجدل؛ ورجز «3» في الأحكام الشرعية سمّاه، ب «الفصول المقتضبة، في الأحكام المنتخبة» ؛ وكتاب سمّاه ب «مثاليث «4» القوانين، في التّورية والاستخدام والتّضمين» ، وهو كله من نظمه؛ وله تأليف سمّاه ب «فيض العباب، وإجالة قداح الآداب، في الحركة إلى قسنطينة والزّاب» .
شعره: ومن شعره في المقطوعات «5» : [الكامل]
طاب العذيب بماء «6» ذكرك وانثنى ... فكأنما ماء العذيب سلافه
واهتزّ من طرب للقياك الحمى ... فكأنّما باناته «7» أعطافه
ومن ذلك «8» : [الطويل]
لي المدح يروى منذ كنت كأنما ... تصورت مدحا للورى وثناء
وما لي هجاء فاعجبنّ لشاعر ... وكاتب سرّ لا يقيم هجاء
ومن ذلك «9» : [الطويل]
ولي فرس من علية الشّهب سابق ... أصرّفه يوم الوغى كيف أطلب
غدوت «10» له في حلبة القوم مالكا ... يتابعني ما شئت في السّبق أشهب «11»
(1/181)

وقال، وقد وقف حاجب السلطان على عين ماء «فيض «1» الثغور» وشرب منها «2» : [المتقارب]
تعجّبت من ثغر هذي البلاد ... وها أنت من عينه شارب «3»
فلله ثغر أرى شاربا ... وعين بدا فوقها حاجب
ومن ذلك «4» : [المتقارب]
وحمراء في الكأس مشمولة ... تحثّ على العود في كلّ بيت
فلا غرو أن جاءني سابقا ... إلى الأنس خلّ «5» يحثّ الكميت
وقال مضمّنا، وقد تذكر حمراء غرناطة، وبابها الأحفل المعروف «بباب الفرج» «6» : [المتقارب]
أقول وحمراء غرناطة تشوق ... تشوق النّفوس وتسبي المهج
ألا ليت شعري بطول السّرى ... أرتنا الوجى واشتكت العرج
وما لي في عرج رغبة ... ولكن لأقرع باب الفرج
وقال ملغزا في قلم وهو ظريف «7» : [الطويل]
أحاجيك «8» ما واش يراد حديثه ... ويهوى الغريب النازح الدار إفصاحه
تراه مع الأحيان أصفر ناحلا ... كمثل مريض وهو قد لازم الرّاحه «9»
وقال: [الطويل]
وقالوا رمى في الكأس وردا فهل ترى ... لذلك وجها؟ قلت أحسن به قصدا
ألم تجد اللذّات في الكأس حلبة؟ ... فلا تنكروا فيها الكميت ولا الوردا
(1/182)

وقال «1» : [الطويل]
كماة تلاقت تحت نقع سيوفهم ... وللهام رقص كلّما طلب الثّار
فلا غرو أن غنّت وتلك رواقص ... لها «2» فيهم في مارد الحرب أوتار
وقال: [الرجز]
وعارض في خدّه نباته ... فحسنه بين الورى يسحرنا
أجرى دموعي إذ جرت شوقا له ... فقلت هذا عارض ممطرنا
وقال وقد توفي السلطان أبو يحيى بن أبي بكر، صاحب تونس، وولي ابنه أبو حفص بعد قتله لإخوته: [الطويل]
وقالوا أبو حفص حوى الملك غاصبا ... وإخوته أولى وقد جاء بالنّكر
فقلت لهم كفّوا فما رضي الورى ... سوى عمر من بعد موت أبي بكر
وقال مضمّنا، وقد حضر الفتى الكبير عنبر قتالا، وكان فارسا مذكورا عند بني مرين: [الكامل]
ولقد أقول وعنبر ذاك الفتى ... يلقى الفوارس في العجاج الأكور
يا عاثرين لدى الجلاد لعا فقد ... بسقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وقال وقد اشتاق إلى السّبيكة «3» خارج حمراء غرناطة: [مجزوء الرمل]
إنّ «4» إفراط بكائي ... لم يرع مني عريكه
قد أذاب العين لمّا ... زاد شوقي للسّبيكه
وقال: [الكامل]
لمّا نزلت من السّبيكة صادني ... ظبي وددت لديه أن لم أنزل
فاعجب لظبي صاد ليثا لم يكن ... من قبلها متخبّطا في أحبل
(1/183)

وقال وهو ظريف: [الكامل]
قد قارب العشرين ظبي لم يكن ... ليرى الورى عن حبّه سلوانا
وبدا الربيع بخدّه فكأنما ... وافى الربيع ينادم النّعمانا
وقال «1» : [الطويل]
أتوني فعابوا من أحبّ جماله ... وذاك على سمع المحبّ خفيف
فما فيه عيب غير أنّ جفونه ... مراض وأنّ الخصر منه ضعيف
وقال: [المتقارب]
أيا عجبا كيف تهوى الملوك ... محلّي وموطن أهلي وناسي
وتحسدني وهي مخدومة ... وما أنا إلّا خديم بفاس
نثره: ونثره تلو نظمه في الإجادة، وقد تضمّن الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» منه ذكر كل بديع؛ فمما ثبت فيه، مما خاطبته به، وقد ولّي خطّة القضاء بالإقليم، أداعبه، وأثير ما تستحويه عجائبه: [السريع]
يا «2» قاضي العدل الذي لم تزل ... تمتار شهب الفضل من شمسك
قعدت للإنصاف بين الورى ... فاطلب لنا الإنصاف من نفسك
«ما للقاضي، أبقاه الله، ضاق ذرع عدله الرّحيب، عن العجيب؛ وهمّ عن العتب، وضنّ على صديقه حتى بالكتب؛ أمن المدوّنة الكبرى ركب هذا التحريج، أم من المبسوطة ذهب إلى هذا الأمر المريج؛ أم من الواضحة امتنع عن الإمام ببديع الوفاء والتعريج؟ من أمثالهم ارض من أخيك بعشر ودّه إذا ولّي، وقد قنعنا والحمد لله بحبّة من مدّه، وإشارة من درجه، وبرّة وصاعة معتدلة، من زمان بلوغ أشدّه؛ فما باله يمطل مع الغنى، ويحوج إلى العنا، مع قرب الجنى؛ المحلة حلّة ضالع، ومطمع وطامع، ومرأى ورأي، ومستمع وسامع، والكنف واسع، والمكان لا ناء ولا شاسع؛ والضّرع حافل؛ والزّرع كاف كافل؛ والقريحة وارية الزّند، والإمالة خافقة البند؛ وهب أن البخل يقع بها في الخوان على الإخوان، فما باله يسمح بالبيان، وليس الخبر كالعيان؛ ويتعدّى حظّ الجنان، لا خطّ البنان؛ أعيذ سيدي من ارتكاب رأي ذميم، ينقل إلى نميرها بيت تميم؛ ويقصد معناه بتميم، وهلّا تلا حم؛ وعهدي بالسياسة القاضوية، وقد نامت في مهاد أهل الظرف، نوم أهل الكهف، ولم تبال بمردّد الويل
(1/184)

واللهف، أو شربة لحفظ الصّحة بختجا، ودقّت لإعادة الشّبيبة عفصا ورد سختجا؛ وغطّت الصبح بالليل إذا سجا، ومدّت على ضاحي البياض صلّا سجسجا؛ وردّت سوسن العارض بنفسجا، ولبس بحرها الزّاخر من طحلب البحر منتسجا؛ وأحكام العامّة، ومزين المرأة ينصح ويرشد، ويطوي المحاسن وينشد، حتى حسنت الدّارة، وصحّت الاستدارة، وأعجبه الوجه الجميل، والقدّ الذي يميد في دكّة الدّار ويميل، وأغرى بالسّواك السّميم والتكميل، وولج بين شفرتي سيد الميل، وقيل لو صاح اليمين خاب فيك التّأميل؛ وامتدّ جناح برنس السّرق، واحتفل الغصن الرّطيب في الورق، ورشّ الورد بمائه عند رشح العرق. وتهيّأ لمنطلق، فقرأت عليه نساء أعوانه، وكتبة ديوانه، سورة الفلق؛ من بعد ما وقف الإمليق حجّابه على إقدامهم، وسحبهم جلاوزته من أقوامهم؛ فمثلوا واصطفّوا، وتألّفوا والتفّوا، وداروا وحفّوا، وما تسلّلوا ولا خفوا؛ كأنما أسمعتهم صيحة النّشر، وأخرجوا لأول الحشر، فعيونهم بملتقى المصراع معقودة، وأذهانهم لمكان الهيبة مفقودة، وحبالتهم قبل الطلب بها منقودة؛ فبعد ما فرش الوساد، وارتفع بالنّفاق الكساد، وذارع البكا وتأرّج الحسّاد، واستقام الكون وارتفع الفساد، وراجعت أرواحها الأجساد؛ جاءت السّادة القاضوية فجلست، وتنعّمت الأحداق بالنظر فيها واختلست، وسجّت الأكفّ حتى أفلست؛ وزانت شمسها ذلك الفلك، وجلت الأنوار ذلك الحلك، وفتحت الأبواب وقالت هيت لك؛ ووقفت الأعوان سماطين ومثلوا خطّين، وتشكّلوا مجرّة تنتهي منك إلى البطين، يعلنون بالهديّة ويجهرون، ولا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
«1» ؛ من كل شهاب ثاقب وطائف غاسق واقب، وملاحظ مراقب؛ كميش الإزار، بعيد المزار، حامل للأوبار، خصيم مبين، وارث سوفسطائيّا عن رثين، مضطلع بفقه البين وحريمها، فضلا عن تلقين الخصوم وتعليمها، يرأسهم العريف المقرّب، والمقدّم المدرّب، والمشافه المباشر، والنّابح الشاكر، والنّهج العاشر؛ الذي يقتضي خلاص العقد، ويقطع الكالي والنّقد، ويزكّي ويجرّح، ويمسك ويسرّح ويطرح، ويحمل من شاء أو يشرّح، والمسيطر الذي بيده ميزان الرّزق، وجميع أجزاء المفترق، وكافة قابلة، وحم الدّواة الفاغرة، ورشا بلالة الصّدور الواغرة؛ فإذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع، أيّان يجتمع الرّعاع، وأعلنّا النّداء، وطلب الأعداء، وصاحا: جعل الله أنفسنا لك الفداء، ورفع الأمر إلى مقطع الحق، والأولى بالمثوبة الأحق، أخذتهما الأيدي دفعا في القفيّ، ورفعا السّتر اللّطيف الخفيّ، وأمسكا بالحجر والأكمام، ومنعا المباشرة والإلمام؛ فإذا أدلى بحجّته من
(1/185)

أدلى، وسمعها دينه عدلا، وحقّ القول، واستقرّ الهول، ووجبت اليمين، أو الأداء الذي يفوت له الذخر الثمين، أو الرهن أو الضّمين، أو الاعتقال الذي هو على أحدهما كالأمين؛ نهش الصّل، الذي سليمه لا هل، ولسبت العقارب، التي لا يفلتها الهارب، ولا تخفى منها المشارب؛ وكم تحت ظلام الليل من غرارة يحملها غرّ، وصدّه ريح فيها صرّ؛ ويهدي ارتقاب قلّة شهد، وكبش يجرّ بقرنيه، ويدفع بعد رفع ساقيه؛ ومعزى وجدي وقلائد، وسرب دجاج، ذوات بجاج، يفضحن الطّارق، ويشعثن المفارق، فمتى يستفيق سيدي مع هذا اللّغط العائد بالصّلة، واللهو المتّصلة، وتفرغ يده البيضاء لأعمال ارتياض، وخطّ سواد في بياض، أو حنين لدوح أو رياض؛ أو إمتاع طرف، باكتشاف حرف، أو إعمال عدل لرسول في صرف، أو حشو طرف، بتحفة ظرف؛ شأنه أشدّ استغراقا، ومثواه أكثر طراقا، من ذكرى حبيب ومنزل «1» ، وأمّ معدّل؛ وكيف يستخدم القلم الذي يصرف ماء الحبر، بذوب التّبر، في ترّهات عدم جناها؛ وأقطع جانب الخيبة لفظها ومعناها؛ اللهمّ إلا أن تحصل النفس على كفاية تحتم لها الصّدر، ويشام من خلالها اللّجين الرفيع القدر، أو يحيى للفكاهة والأنس، أو ينفق لديها ذمام على الجنس؛ فربما تقع المخاطبة المبرورة، وتبيح هذا المرتكب الصعب الضرورة؛ والمرغوب من سيّدنا القاضي أن يذكرنا يوما بالإغفال في نعيمه، ولا يخيّب آمالنا المتعلّقة بأذيال زعيمه، ويسهمنا حظّا من فرائد خطّه، لا من فوايد خطّته، ويجعل لنا كفلا من فضل بريته وحنطته لا من فضل هرّته وقطّته؛ فقد غنينا عن الحلاوات بحلاوات لفظه، وعن الطرف المجموعة، بفنون حفظه، وعن قصب السّكر، بقصب أقلامه؛ وعن جنى الرّوم بروامه، وبهديه، عن جديه؛ وبمجاجته، عن دجاجته؛ وبدلجه عن أترجّه؛ وعن البر ببرّه، وعن الحبّ بحبّه؛ ولا نأمل إلّا طلوع بطاقته، وقد رضينا بوسع طاقته؛ وإلّا فلا بدّ أن يجيش جيش الكلام إلى عتبه، ونوالي عليه ضرايب الكتائب، حتى يتّقي بضريبة كتبه، والسلام» .
فراجعني بما نصه: [الطويل]
فنيت عن الإنصاف منّي لأنني ... كما قلت لكم من فراقكم قاض
فمن سمعنا أو من بعينك إنني ... بكلّ الذي ترضاه يا سيدي راض
(1/186)

«عمرك الله أيها الإمام الفذّ، ومن بمدحه تطرب الأسماع وتلذّ، أوحد الدنيا وحائز الرّتبة العليا؛ ولولا أنك فوق ما يقال، والزّلّة إن لم تظهر العجز عن وصفك لا تقال، لأطلت في القول، وهدرت هدير قرع الشّول، لكن تحصيل الحاصل محال، ولكلّ في تهيّب كمالك مقال، ومقام وحال؛ ولولا أنّ الدعاء مأمول، وهو يظهر الغيب مقبول، والزيادة من فضل الله لا تنتهي، والنّعم قد توافيك، فوق ما تشتهي، لأريت أن ذلك أمر كفي، وأمر ظهر فيه ما خفي: [البسيط]
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا
إيه يا سيدي، ما هذه الكلمات السّحريّة والأنفاس النّفيسة الشّجرية، والألفاظ التي أنالت المرغوب وخالطت بشاشتها القلوب، والنّزعات الرّائقة، والأساليب الفائقة، والفصاحة التي سلبت العقول، والبلاغة التي أوجبت الذّهول؛ والبيان الذي لا يضيق صحيفه، ولا يبلغ أحد مدّه ونصيفه؛ يمينا بما احتوى من المحاسن، واللطائف التي لم يكن ماؤها بالآسن، وقسما ببراعتك التي هي الواسي المطاع، وطرسك الذي أبهجت به الأبصار والأسماع؛ لقد عاد لي بكتابتك عيد الشّوق، وجاد لي بخطابك جدّ التّوق، ولعهدي بنفسي رهن أشجاني، غير محلولة عقدة لساني، أشدّ من الصخرة جلدا، وأغلظ من الإبل كبدا؛ حتى إذا بدت حقيدة القلب وهبّ نسيمه الرّطب، وأفيح مورده العذب، وأضاء بنوره الشّرق والغرب، ولم يبق لي بثّ ولا شجن، ولا شاقني أهل ولا وطن؛ ومضى سيف اللسان بعد النبوّ، ونهض طرف الفكر بعد البكر، وهزّني الطّرب المثير للأفراح، ومشى الجذل في أطرافي وأعطافي مشي الرّاح؛ بيد أني خجلت ولا خجلة ربّة الخدر، وتضاءلت نفسي لجلالة ذلك القدر؛ وقلت ما لي بشربة من كأس بيانه، وقطرة من بحور إحسانه؛ حتى أؤدّي ولو بعض حقّك، وأكتب عقد ملك رقيّ لرقك، إنني على ما وليت من الصّدقة والصّداقة وبعد طلاقك؛ لكني أقوم في حقك مستغفرا، ولا أرضى أن أكون لذمّة المخدوم خفرا؛ على أنني أقول، قد كتبت فلم يردّ جوابي، وجرمت فهاج الجوى بي، ولعمري قد لزمت فيه خطّة الأدب، ولم أر التّثقيل على المولى الرّفيع الرّتب؛ فأما وقد نفقت عندك بضاعتي المزجاة، وشملني من لدنك الحلم والإناة، وشرّفتني بالخطاب الكريم، والرسالة التي عرفت في وجهها نضرة النعيم؛ فما أبغي إلّا إيرادها عليك وكلها خراج، ولبردها في الإجادة إنهاج؛ ولعلّك ترضى التّخريج من مدوّنة الأخبار، والمبسوطة والواضحة، لكن من الأعذار. وأمّا الولاية التي يقنع بسببها من الودّ بالعشر، أو بحبّة من المدّ إلى يوم النّشر، فلا بدّ أن يكون القانع محتاجا للوالي، ومفتقرا إلى التفقّد المتوالي؛ وأما إذا كان القانع هو الذي تولّى الخطّة، وأكسب الهرّ
(1/187)

الذي أشار إليه والقطّة، فهو قياس عكسه كان أقيس، بل تعليم لمن وجد في نفسه خيفة وأوجس؛ وهأنا قد فهمت وعلمت، من حسن تأديبك ما علمت، وعلى ما فرّطت في جنبك ندمت، وإلى المعذرة والحمد لله ألهمت؛ ومع ذلك أعيد حديث الشيخ القاضي، وذكر عهدك به في الزمان الماضي؛ فلقد أجاد في الخضاب بالسّواد، واعتمد على قول المالكي الذي هدى إلى الرّشاد، وأوجبه بعضهم في بلاد الجهاد؛ وبيّن عمر منافع الخضاب الصادقة الإشهاد، وخضب بالسّواد جماعة من الصّحابة الأمجاد؛ وكان ذلك ترخيصا لم يعدّ شرعا، لكنه دفع شرّا وجلب نفعا؛ لا كأخيه الذي أبكى عين الحميم، وأنشد قول الرّضيّ يوم السقيم، وفجع قلوب أترابه، ولم يأت بيت النّصف من بابه؛ وإلّا فقد علم أن في الخير مشروع «1» ، وتعجّل الشيء قبل أوانه ممنوع، وستغبط أخاك ولو بعد حين، وما كل صاحب يحمد في إيضاح وتبيين، وإني لأرجو أن تتزوجها بكرا، تلاعبها وتلاعبك، أو ثيّبا تقصر عن حبّها مآربك؛ فلا جرم ترجع إلى الخضاب، وحينئذ تمتّع برشف الرّضاب؛ وإلّا قالت سيدي، لا تعظم المنى، ولا تجعل القطر قبل أن يموت عمر؛ لعمر الله إن هذا الموقف صعب، قد ملأ الروح منه روع ورعب؛ وإن أضاف إلى ذلك غلبة الأوهام، وظن الشيخوخة الصادرة عن نيل المرام، سكن المتحرك المصلوب، وتنغّص عند ذلك المحبوب؛ والله يعينك أيّها المولى، ويواليك من بسطه أضعاف ما ولى. وأما الأوصاف التي حسبتها أوصافي، وأوجبت حكمها بالقياس على خلافي، فهي لعمري أوصاف لا تراد، ومراع لا شكّ أنها تراد؛ غير أني بعيد العهد بهذه البلاد، لا أمت لها إلّا بالانتساب والميلاد، لا كالقضاة الذين ذكرت لهم عهدا، ونظمت حلاهم في جيد الدهر عقدا؛ ولو أنك بسرّك بصّرتني بشروط القضاء وسجايا أهل الصّرامة والمضاء، لحقّقت المناط، وأظهرت الزهد والاغتباط؛ لكني جهلت والآن ألهمت؛ وما علّم الإنسان إلّا ليعلم، والله يهدينا إلى الذي يكون أحسن وأقوم؛ وإني لأعلم سيدي بخبري، وأطلع جلاله على عجري «2» وبجري؛ ولكني رحلت عن تلك الحضرة، وعدمت النّظرة في تلك النّظرة؛ لبست الإهمال، واطّلعت في السفر والاعتمال، فأقيم بادي الكآبة، مهتاج الصّبابة، قد فارقت السّكن، وخلفت الدار مثيرة الشّجن:
[الوافر]
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
(1/188)

حتى إذا حططت رحلي بالقرى، وقنعت بالزّاد الذي كفى معيارا والقرى؛ أدخلت إلى دار ضيقة المسالك، شديدة الظّلمة كالليل الحالك، تذكّرني القبر وأهواله وتنسيني الذي أهواه، بل تزيد على القبر برفل لا يتخلّص، وبراغيث كزريعة الكتّان حين تمحّص؛ وبعوض يطيل اللهز «1» ، ولا تغنّي حتى تشرب، وبوق يسقط سقوط النّدى، ويزحف إلى فراشي زحف العدا؛ وأراقم خارجة من الكوى، وحيّات بلدغها نزّاعة للشّوى؛ وجنون يسمع عزيفها، وسرّاق لا يعدم تخويفها؛ هذا ولا قرق لمن بالقهر حبس، إلّا حصير قد اسودّ من طول ما لبس؛ لا يجتزى في طهارته بالنّضح، ولا يحشد من جلس عليه إلّا بالجرح؛ حتى إذا سجا الليل، وامتدّ منه على الآفاق الذيل، فارقني العون فراق الكرى، ورأيت الدمع لما جرى قد جرى؛ فأتوسّد والله ذراعي، ولأحمد والله اضطجاعي؛ فكلا ليليّ محمومين «2» ، والوجع والسّهر محمولان على الرأس والعين؛ حتى إذا طلع الصبح، وآن لبالي وعيون الخصوم الفتح، أتاني عون قد انحنى ظهره ظهره، ونيّف عن المائة عمره، لا يشعر بالجون الصّيّب، ولا تسمعه كلمات أبي الطيّب؛ بربري الأصل، غير عارف بالفصل؛ حتى إذا أذنت للخصوم، وأردت إحياء الرسوم، دخل عليّ غولان عاقلان، وأثقل كتفي منهما مائلان، قد أكلا الثّوم النّيء والبصل، وعرقا في الزّنانير عرقا اتّصل، يهديان إليّ تلك الروائح، ويظهران لي المخازي والفضائح؛ فإذا حكمت لأحدهما على خصمه، وأردت الفصل الذي لا مطمع في فصمه؛ هرب العون هربا، وقضى من النجاة بنفسه أربا؛ واجتمع إلى النصحاء، وجاء المرضى والأصحّاء، كلّ يقول أتريد تعجيل المنايا، وإثكال الولايا، وإتعاب صديقك السّيد العماد، بمرتبة كما فعل مع القاضي الحدّاد؛ فأقول هذا جهاد، وما لي في الحياة مراد، فأرتكب الخطر، وأقضي في الحكم الوطر، والله يسلّم، ويكمل اللطف ويتمّم. وأما إذا جاء أحدكم لكتب عقد، وطمعت في نسيئة أو نقد، قطعت يومي في تفهّم مقصده، مستعيذا بالله من غضبه وحرده؛ حتى إذا ما تخلّصت منه، وملأت السّجل بما أثبته عنه، كشف عن أنياب عضل، وعبس عبوس المحب لانقطاع وصل؛ وقال: لقد أخطأت فيما كتبت، ورسمت ما أردت وأحببت؛ فأكتب عقدا ثانيا وثالثا، وأرتقب مع كل كلام حادث حادثا؛ فإذا رضي، فأسأله كيف؛ وسنّ السّالي الذي أظهره، أو اسمه أو السيف، أخرج من فمه درهما نتنا، قد لزم ضرسا عفنا؛ فأعاجله في البخور، وأحكّه في الصّخور، حتى إذا حمل لمن يبيع
(1/189)

خبز الذّرة منتنا، ويرى أنه قد فضل بذلك أنسا وحسنا، وجده ناقصا زائفا، فيرجع حامله وجلا خائفا، ويبقى القاضي فقيد الهجوع، يشدّ الحجر على بطنه من الجوع، على أنني أحمد خلاء البطن، وما بجسمي لا يحكى من الوهن؛ لتعذّر المرحاض، وبعد ماء الحياض، وكمون السّباع في الغياض، وتعلّق الأفاعي بالرّداء الفضفاض، ونجاسة الحجارة، وكثرة تردّد السّيارة، والانكشاف للريح العقيم، والمطر المنصبّ إلى الموضع الذميم. هذه الحال، وعلى شرحها مجال، وقد صدقتك سنن فكري، وأعلمتك بذات صدري، فتجلّى الغرارة غرور، وشهود الشّهد زور، والطّمع في الصّرّة إصرار، ودون التّبر يعلم الله تيّار. وأما الكبش، فحظّي منه غباره إذا خطر، والثّور بقرنه إذا العيد حضر، كما أن حظّي من الجدي التأذّي بمسلكه، وإنّ جدي السماء لأقرب لي من تملّكه، وأنا من الحلاوة سالم ابن حلاوة، ولا أعهد من طرف الطرف الدّماوة، ودون الدّجاج كل مدجّج، وعوض الأترجّ رجّة بكل معرج، ولو عرفت أنك تقبل على علّاتها الهدايا، وتوجب المزيد لأصحابك المزايا، لبعثت بالقماش، وأنفذت الرّياش، وأظهرت الغنى، والوقوف بمبنى المنى، وأوردتها عليك من غير هلع، مطّلعة في الجوف بعد بلع، من كل ساحليّة تقرّب إلى البحر، وعدوية لا تعدّ وصدر مجلس الصّدر، حتى أجمع بين الفاكهة والفكاهة، ويبدو لي بعد الشقف وجوه الوجاهة، وأتبرأ من الصّدّ المذموم، ولا أكون أهدأ من القطا لطرق اللّوم؛ لأنك زهدت في الدنيا زهد ابن أدهم، وألهمك الله من ذلك أكرم ما ألهم؛ فيدك من أموال الناس مقبوضة، وأحاديث اللها الفاتحة للها مرفوضة؛ وإذا كان المرء على دين خليله، ومن شأنه سلوك نهجه وسبيله، فالأليق أن أزهد في الصّفراء والبيضاء، وأقابل زخرف الدنيا بالبغضاء، وأحقّق وأرجو على يدك حسن التخلّي، والاطّلاع على أسرار التّجلّي؛ حتى أسعد بك في آخرتي ودنياي، وأجد بركة خاطرك في مماتي ومحياي؛ أبقاك الله بقاء يسر، وأمتع بمناقبك التي يحسدها الياقوت والدّر، ولا زلت في سيادة تروق نعتا، وسعادة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وأقرأ عليك سلاما عاطر العرف، كريم التأكيد والعطف، ما رثى لحالي راث، وذكرت أدّاية حراث، ورحمة الله وبركاته. وكتبه أخوك ومملوكك، وشيعة مجدك، في الرابع والعشرين من جمادى الأولى عام أربعة وستين وسبعمائة» .
مولده: بغرناطة عام ثلاثة عشر وسبعمائة.
محنته: توجّه رسولا عن السلطان إلى صاحب تلمسان السلطان أحمد بن موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان، وظفر بالجفن الذي ركبه العدو، بأحواز جزيرة حبيبة، من جهة وهران، فأسر هو ومن بأسطول
(1/190)

سفره من المسلمين؛ وبلغ الخبر فعظم الفجع؛ وبينا «1» نحن نروم سفر أسطول يأخذ الثار، ويستقري الآثار، فيقيل العثار؛ إذ «2» اتّصل الخبر بمهادنة السلطان المذكور، ففدي من أسر بذلك المال الذي ينيف على سبعة آلاف من العين في ذلك؛ فتخلّص من المحنة لأيام قلائل، وعاد؛ فتولّى السلطان إرضاءه عمّا فقد، وضاعف له الاستغناء وجدّد؛ وكان حديثه من أحاديث الفرج بعد الشدّة محسوبا، وإلى سعادة السلطان منسوبا. وأنشدته شعرا في مصابه، بعدها، وقد قضيت له من برّ السلطان على عادتي، ما جبر الكسر، وخفض الأمر: [المتقارب]
خلصت كما خلص الزّبرقان ... وقد محق النّور عنه السّرار «3»
وفي السّيّق والرار ... في هذا سرّ وفي ذا أسرار «4»
وكان تاريخ هذه المحنة المردفة المنحة، حسبما نقلته من خطّه؛ قال: «اعلموا يا سيدي أبقاكم الله تعالى، أنّ سفرنا من ألمريّة، كان في يوم الخميس السادس لشهر ربيع الآخر من عام ثمانية وستين وسبعمائة، وتغلّب علينا العدو في عشيّة يوم الجمعة الثاني منه، بعد قتال شديد؛ وكان خروجنا من الأسر في يوم السبت الثاني والعشرين لربيع الثاني المذكور، وكان وصولي إلى الأندلس في أسطول مولانا نصره الله، في جمادى الآخرة من العام المذكور، بعد أن وصلوا قرطاجنّة وأخذوا أجفانا ثلاثة من أجفان العدوّ، وعمل المسلمون الأعمال الكريمة» .
إبراهيم بن خلف بن محمد بن الحبيب بن عبد الله بن عمر ابن فرقد القرشي العامري «5»
قال ابن عبد الملك: كذا وقفت على نسبه بخطّه في غير ما موضع من أهل مورة «6» ، وسكن إشبيلية.
حاله: كان متفنّنا في معارفه، محدّثا، راوية، عدلا، فقيها، حافظا، شاعرا، كاتبا، بارعا، حسن الأخلاق، وطئ الأكناف، جميل المشاركة لإخوانه وأصحابه، كتب بخطه الكثير من كبار الدّواوين وصغارها، وكان من أصحّ الناس كتبا، وأتقنهم
(1/191)

ضبطا وتقييدا، لا تكاد تلقى فيما تولّى تصحيحه خللا، وكان رؤوفا شديد الحنان على الضعفاء والمساكين واليتامى، صليبا في ذات الله تعالى، يعقد الشروط محتسبا، لا يقبل ثوابا عليها إلّا من الله تعالى.
مشيخته: تلا بالسّبع على أبي عمران موسى بن حبيب، وحدّث عن أبي الحسن بن سليمان بن عبد الرحمن المقرئ، وعبد الرحمن بن بقّي، وأبي عمرو ميمون بن ياسين، وأبي محمد بن عتّاب، وتفقّه بأبويّ عبد الله بن أحمد بن الحاجّ، وابن حميد، وأبي الوليد بن رشد، وأجاز له أبو الأصبغ بن مناصف، وأبو بكر بن قزمان، وأبو الوليد بن طريف.
من روى عنه: روى عنه أبو جعفر، وأبو إسحاق بن علي المزدالي، وأبو أمية إسماعيل بن سعد السعود بن عفير، وأبو بكر بن حكم الشّرمسي، وابن خير، وابن تسع، وابن عبد العزيز الصدفي، وأبو الحجاج إبراهيم بن يعقوب، وأبو علي بن وزير، وأبو الحسن بن أحمد بن خالص، وأبو زيد محمد الأنصاري، وأبو عبد الله بن عبد العزيز الذّهبي، وأبو العباس بن سلمة، وأبو القاسم بن محمد بن إبراهيم المراعي، وأبو محمد بن أحمد بن جمهور، وعبد الله بن أحمد الأطلس.
تواليفه: دوّن برنامجا ممتعا ذكر فيه شيوخه، وكيفيّة أخذه عنهم، وله رجز في الفرائض مشهور، ومنظوم كثير، وترسّل منوّع، وخطب مختلفة المقاصد، ومجموع في العروض.
دخوله غرناطة: قال المؤرّخ: وفي عام أربعة وخمسين وخمسمائة، عند تغيّب الخليفة «1» بالمهديّة، استدعى السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة، عند استقراره بها، الحافظ أبا بكر بن الجدّ، والحافظ أبا بكر بن حبيش، والكاتب أبا القاسم بن المراعي، والكاتب أبا إسحاق بن فرقد، وهو هذا المترجم به، فأقاموا معه مدّة تقرب من عامين اثنين بها.
شعره: مما ينقل عنه قصيدة شهيرة في رثاء الأندلس: [المتقارب]
ألا مسعد منجز ذو فطن ... يبكي بدمع معين هتن
جزيرة أندلس حسرة ... لا غالب من حقود الزّمن
ويندب أطلالها آسفا ... ويرثي من الشّعر ما قد وهن
(1/192)

ويبكي الأيامى ويبكي اليتامى ... ويحكي الحمام ذوات الشّجن
ويشكو إلى الله شكوى شج ... ويدعوه في السّرّ ثم العلن
وكانت رباطا لأهل التّقى ... فعادت مناطا لأهل الوثن
وكانت معاذا لأهل التّقى ... فصارت ملاذا لمن لم يدن
وكانت شجى في حلوق العدا ... فأضحى لهم مالها محتجن
وهي طويلة، ولديّ خلاف فيمن أفرط في استحسانها. وشعره عندي وسط.
ومن شعره وهو حجّة في عمره عند الخلاف في ميلاده ووفاته، قال: [الطويل]
ثمانون «1» مع ستّ عمرت وليتني ... أرقت دموعي بالبكاء على ذنب
فلا الدّمع في محو الخطيئة غنية ... إذا هاج من قلب منيب إلى الرّبّ
فيا سامع الأصوات رحماك أرتجي ... فهب «2» إنسكاب الدّمع من رقّة القلب
وزكّ الذي تدريه من شيمة ... تعلّق بالمظلوم من شدّة الكرب
وزكّ مثابي في العقود وكتبها ... لوجهك لم أقبل ثوابا على كتب
ولا تحرمني أجر ما كنت فاعلا ... فحقّ اليتامى عندي من لذي صعب
ولا تخزني يوم الحساب وهو له ... إذا جئت مذعورا من الهول والرّعب
مولده: حسبما نقل من خط ابنه أبي جعفر، ولد، يعني أباه سنة أربع وثمانين وأربعمائة» .
وفاته: بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثاء الثامن عشر من محرم عام اثنين وسبعين وخمسمائة. ونقل غير ذلك.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبيدس بن محمود النفزي
أبّذي «4» الأصل، غرناطي الاستقرار، ويكنى أبا إسحاق.
حاله: خاتمة الرّحّال بالأندلس، وشيخ المجاهدات وأرباب المعاملات، صادق الأحوال، شريف المقامات، مأثور الإخلاص مشهور الكرامات، أصبر الناس على
(1/193)

مجاهداته، وأدومهم على عمل وذكر وصلاة وصوم، لا يفتر عن ذلك ولا ينام، آية الله في الإيثار، لا يدّخر شيئا لغد، ولا يتحرّف بشيء، وكان فقيها حافظا، ذاكرا للغة والأدب، نحويّا ماهرا، درس ذلك كلّه أول أمره، كريم الأخلاق، غلب عليه التصوّف فشهر به، وبمعرفة طريقه الذي ندّ فيها أهل زمانه، وصنّف فيها التصانيف المفيدة.
ترتيب زمانه: كان يجلس إثر صلاة الصبح لمن يقصده من الصالحين، فيتكلم لهم بما يجريه الله على لسانه، وييسّر من تفسير، وحديث وعظة، إلى طلوع الشمس؛ فيتنفّل صلاة الضّحى، وينفصل إلى منزله، ويأخذ في أوراده، من قراءة القرآن والذّكر والصلاة إلى صلاة الظهر، فيبكّر فى رواحه، ويوالي التنفّل إلى إقامة الصلاة، ثم كذلك في كل صلاة، ويصل ما بين العشاءين بالتنفّل، هذا دأبه أبدا.
وكان أمره في التوكّل عجبا، لا يلوي على سبب، وكانت تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، فيدفع ذلك بجملته، وربما كان الطعام بين يديه، وهو محتاج، فيعرض من يسأله، فيدفعه جملة، ويبقى طاويا، فكان الضعفاء والمساكين له لياذا ينسلون من كل حدب، فلا يردّ أحدا منهم خائبا، ونفع الله بخدمته وصحبته، واستخرج بين يديه عالما كثيرا.
مشيخته: أخذ القراءة عن أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الكوم جودي بن عبد الرحمن، والحديث عن أبي الحسن بن عمر الوادي آشي، وأبي محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله، والنحو واللغة عن ابن يربوع وغيره. ورحل وحجّ، وجاور وتكرّر. ولقي هناك غير واحد، من صدور العلماء وأكابر الصوفية، فأخذ صحيح البخاري سماعا منه سنة خمس وستمائة عن الشّريف أبي محمد بن يونس، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن المغرباني، ونصر بن أبي الفرج الحضرمي، وسنن أبي داود وجامع التّرمذي على أبي الحسن بن أبي المكارم نصر بن أبي المكارم البغدادي، أحد السامعين على أبي الفتح الكروخي، وأبي عبد الله محمد بن مستري الحمة، وأبي المعالي بن وهب بن البنا، وببجاية عن أبي الحسن علي بن عمر بن عطيّة.
من روى عنه: روى عنه خلق لا يحصون كثرة؛ منهم أحمد بن عبد المجيد بن هذيل الغسّاني، وأبو جعفر بن الزبير، وغيره.
تواليفه: صنّف في طريقة التصوّف وغيرها تصانيف مفيدة؛ منها «مواهب العقول وحقائق المعقول» ، و «الغيرة المذهلة، عن الحيرة والتّفرقة والجمع» ، و «الرحلة العنوية» ، ومنها «الرسائل في الفقه والمسائل» ، وغير ذلك.
(1/194)

شعره: له أشعار في التصوّف بارعة، فمن ذلك ما نقلته من خط الكاتب أبي إسحاق بن زكريا في مجموع جمع فيه الكثير من القول: [الوافر]
يضيق عليّ من وجدي الفضاء ... ويقلقني من الناس العناء
وأرض الله واسعة ولكن ... أبت نفسي تحيط بها السماء
رأينا العرش والكرسيّ أعلى ... فواليناهما حرم الولاء «1»
فأين الأين منّا أو زمان ... بحيث لنا على الكلّ استواء
شهدنا للإله بكلّ حكم ... فغاب القلب وانكشف الغطاء
ويدعوني الإله إليه حقّا ... فيؤنسني من الخوف الرّجاء
ويقبضني ويبسطني ويقضي ... بتفريقي وجمعي ما يشاء
ويعي في وجود الخلق نحوا ... ينعت من تولّاه الفناء
فكم أخفي وجودي وقت فقدي ... كأن الفقد والإحيا سواء
فسكر ثم صحو ثم سكر ... كذاك الدهر ليس له انقضاء
فوصفي حال من وصفي ولكن ... ظهور الحقّ ليس له خفاء
إذا شمس النهار بدت تولّت ... نجوم الليل ليس لها انجلاء
ومن شعره: [البسيط]
كم عارف سرحت في العلم همّته ... فعقله لحجاب العقل هتّاك
كساه نور الهدى بردا وقلّده ... درّا ففي قلبه للعلم أسلاك
كسب ابن آدم في التحقيق كسوته ... إنّ القلوب لأنوار وأحلاك
كلّف فؤادك ما يبدي عجائبه ... إنّ ابن آدم للأسرار درّاك
كيف وكم ومتى والأين منسلب ... عن وصف باريها والجهل تبّاك
كبّر وقدّس ونزّه ما أطقت فلم ... يصل إلى ملك الأملاك أملاك
كرسيه ذلّ والعرش استكان له ... ونزه الله أملاك وأفلاك
كلّ يقرّ بأنّ العجز قيّده ... والعجز عن درك الإدراك درّاك
وقال: وهو ما اشتهر عنه، وأنشدها بعض المشارقة في رحلته في غرض اقتضى ذلك، يقتضي ذكره طولا: [البسيط]
يا من أنامله كالمزن هامية ... وجود كفّيه أجرى من يجاريها
(1/195)

بحقّ من خلق الإنسان من علق ... انظر إلى رقعتي وافهم معانيها
أني فقير ومسكين بلا سبب ... سوى حروف من القرآن أتلوها
سفينة الفقر في بحر الرّجا غرقت ... فامنن عليها بريح منك يجريها
لا يعرف الشوق إلّا من يكابده ... ولا الصّبابة إلّا من يعانيها
وقال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وقد ذكره: على الجملة فبه ختم جلّة أهل هذا الشأن بصقع الأندلس، نفعه الله ونفع به.
مولده: ولد بجيّان سنة اثنتين وستين وخمسمائة أو ثلاث وستين.
إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التّسوليّ «1»
من أهل تازيّ، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى.
حاله: من أهل «الكتاب المؤتمن» «2» : كان «3» هذا الرجل قيّما على «التّهذيب» ، و «رسالة ابن أبي زيد» ، حسن الإقراء لهما؛ وله عليهما تقييدان نبيلان، قيّدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصّغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدّري بلده أحسن تدريبا «4» منه. كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفيا حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما في أيديهم «5» من الأدوات؛ وكان مجلسه وقفا على «التهذيب» و «الرسالة» ؛ وكان مع ذلك شيخا «6» فاضلا، حسن اللقاء، على خلق بائنة من «7» أخلاق أهل مصره. امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمرّ في ذلك حظّ كبير من عمره ضائعا، لا في راحة دنيا، ولا في نصيب «8» آخرة. ثم قال: هذه «9» سنّة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتا إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته، أن يبوؤا «10» بالصّفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك، وخلّصنا خلاصا جميلا.
(1/196)

ومن كتاب «عائد الصلة» «1» : الشيخ، الحافظ، الفقيه، القاضي، من صدور المغرب، مشاركا «2» في العلم، متبحّرا «3» في الفقه، كان وجيها عند الملوك، صحبهم، وحضر مجالسهم، واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه؛ تامّ السّراوة «4» ، حسن العهد، مليح المجالس، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب.
تصانيفه: قيّد «5» على «المدوّنة» بمجلس شيخه القاضي «6» أبي الحسن كتابا مفيدا وضمّ أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب «الرسالة» شرحا عظيم الفائدة.
مشيخته: لازم «7» أبا الحسن الصغير، وهو كان قارىء كتب الفقه عليه، وجلّ انتفاعه في التفقّه به. وروى عن أبي زكريا بن أبي ياسين «8» ، قرأ عليه كتاب «الموطّأ» ، إلّا كتاب «المكاتب» ، وكتاب «المدبّر» ، فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله بن رشيد، قرأ عليه «الموطأ» ، و «شفاء» عياض، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السّداري «9»
، قرأ عليه «الأحكام الصغرى» لعبد الحق، وأبي الحسن بن سليمان، قرأ عليه «رسالة ابن أبي زيد» ، وعن غيرهم.
وفاته: فلج بآخرة، فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان فمن «10» دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة «11» .
إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد ابن أبي العاصي التّنوخي «12»
أصله من جزيرة طريف، ونشأ بغرناطة واشتهر.
(1/197)

حاله: من «عائد الصلة» : كان نسيج وحده حياء، وصدقة، وتخلّقا، ومشاركة، وإيثارا. رحل عند استيلاء العدو على جزيرة طريف، عام أحد وسبعين وستمائة، متحوّلا إلى مدينة سبتة، فقرأ بها واستفاد. وورد الأندلس، فاستوطن مدينة غرناطة، وكتب في الجملة عن سلطانها، وترقى معارج الرّتب، حالّا محالا، من غير اختلاف على فضله، ولا نزاع في استحقاقه، وأقرأ فنونا من العلم، بعد مهلك أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، بإشارة منه به؛ وولّي الخطابة والإمامة بجامعها منتصف صفر عام ستة عشر وسبعمائة، وجمع بين القراءة والتدريس، فكان مقرئا للقرآن، مبرّزا في تجويده، مدرّسا للعربية والفقه، آخذا في الأدب، متكلّما في التفسير، ظريف الخط، ثبتا محققا لما ينقله. وألقى الله عليه من المحبة والقبول، وتعظيم الخلق له، ما لا عهد بمثله لأحد؛ بلغ من ذلك مبلغا عظيما، حتى كان أحبّ إلى الجمهور من أوصل أهلهم وآبائهم، يتزاحمون عليه في طريقه، يتمسّحون به، ويسعون بين يديه، ومن خلفه، ويتزاحم مساكينهم على بابه، قد عوّدهم طلاقة وجهه، ومواساته لهم بقوته، يفرّقه عليهم متى وجدوه، وربما أعجلوه قبل استواء خبزه، فيفرّقه عليهم عجينا، له في ذلك أخبار غريبة. وكان صادعا بالحق، غيورا على الدين، مخالفا لأهل البدع، ملازما للسّنّة، كثير الخشوع والتخلّق على علوّ الهمّة، مبذول المشاركة للناس والجدّ في حاجاتهم، مبتليا «1» بوسواس في وضوئه، يتحمل الناس من أجله مضضا في تأخير الصلوات ومضايقة أوقاتها.
مشيخته: قرأ ببلده على الخطيب القاضي المقرئ أبي الحسن عبيد الله بن عبد العزيز القرشي، المعروف بابن القارئ، من أهل إشبيلية، وقرأ بسبتة على الأستاذ إمام المقرئين لكتاب الله، أبي القاسم محمد بن عبد الرحمن بن الطيّب بن زرقون القيسي الضرير، نزيل سبتة، والأستاذ أبي إسحاق الغافقي المريوني، وقرأ على الشيخ الوزير أبي الحكم بن منظور القيسي الإشبيلي، وعلى الشيخ الراوية الحاج أبي عبد الله محمد بن الكتامي التلمساني بن الخضّار، وقرأ بغرناطة على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وأخذ عن أبي الحسن بن مستقور.
شعره: كان يقرض شعرا وسطا، قريبا من الانحطاط. قال شيخنا أبو بكر بن الحكيم «2» في كتابه المسمّى ب «الفوائد المنتخبة، والموارد المستعذبة» : كتب إليه
(1/198)

شيخنا وبركتنا أبو جعفر بن الزيّات في شأن شخص من أهل البيت النبوي بما نصّه:
[الخفيف]
رجل يدّعي القرابة للبي ... ت وإنّ الثريّا منه بمعزل
سال «1» مني خطابكم وهو هذا ... ولكم في القلوب أرفع منزل
فهبوه دعاءكم وامنحوني ... منه حظّا ينمي الثواب ويجزل
وعليكم تحيّة الله مادا ... م أمير الهدى يولّي ويعزل
فأجابه: [الخفيف]
يا إمامي ومن به قطركم ذا ... ك وحادي البلاد أطيب منزل
لم أضع ما نظمتم من يدي حتى ... أنيل الشّريف تحفة منزل
وحباه بكلّ منح جزيل ... من غدا يمنح الثّواب ويجزل
دمتم تنشرون علما ثواب الله فيه لكم أعزّ وأجزل
تذكرون الله ذكرا كثيرا ... وعليكم سكينة الله تنزل
وطلبتم منّي الدّعاء وإنّي ... عند نفسي من الشروط بمعزل
لكن ادعو ولتدع لي برضا الله وأبدى فهم ذكر قد أنزل
وحديث الرسول صلّى عليه ... كل وقت وربّ لنا الغيث ينزل
وعليكم تحيّتي كل حين ... ما اطمأنّت بمكة أمّ معزل
قال: ومما أنشدني من نظمه أيضا في معرض الوصيّة للطلبة «2» : [الكامل]
اعمل بعلمك تؤت علما إنما ... عدوى علوم المرء منح الأقوم «3»
وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ... يعمل به فكأنما «4» لم يعلم
(1/199)

وقال موطئا على البيت الأخير «1» : [المتقارب]
أمولاي أنت الغفور الكريم ... لبذل النّوال مع المعذره «2»
عليّ ذنوب وتصحيفها ... ومن عندك الجود والمغفره
إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد ابن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي «3»
أمير المؤمنين «4» بالأندلس، رحمه الله.
أوّليّته: تقرّر عند ذكر الملوك من قومه في اسم صنو جدّه، أمير المسلمين أبي عبد الله الغالب بالله.
حاله: من كتاب «طرفة العصر في تاريخ دولة بني نصر» من تصنيفنا «5» :
«كان، رحمه الله، حسن «6» الخلق، جميل «7» الرّواء، رجل جدّ، سليم الصدر، كثير الحياء، صحيح العقل «8» ، ثبتا في المواقف، عفيف الإزار، ناشئا في حجر الطهارة، بعيدا عن «9» الصّبوة، بريئا من المعاقرة. نشأ مشتغلا بشأنه، متبنّكا «10» نعمة أبيه، مختصّا بإيثار السلطان جدّه أبي أمّه، وابن عمّ والده، منقطعا إلى الصّيد، مصروف «11» اللّذّة إلى استجادة سلاحه، وانتقاء مراكبه، واستفراه جوارحه، إلى أن أفضى إليه الأمر، وساعدته الأيام، وخدمه الجدّ، وتنقّل «12» إلى بيته الملك به، وثوى في عقبه الذّكر، فبذل العدل في رعيّته، واقتصد في جبايته، واجتهد في مدافعة
(1/200)

عدو الله «1» ، وسدّ ثلم ثغوره «2» ، فكان غرّة في قومه، ودرّة في بيته، وحسنة من حسنات دهره. وسيرد نبذ من أحواله، مما يدلّ على فضل جلاله» .
صفته: كان معتدل القدّ، وسيم الصورة، عبل اليدين، أبيض اللون، كثير اللحية، بين السواد والصهوبة «3» أنجل أعين أفوه مليح العين، أقنى الأنف، جهير الصوت؛ أمه الحرّة الجليلة، العريقة في الملوك، فاطمة بنت أمير المؤمنين أبي عبد الله نخبة الملك، وواسطة العقد، وفخر الحرم، البعيدة الشّأو في العزّ والحرمة، وصلة الرّعي، وذكر التراث. واتصلت حياتها، ملتمسة الرأي، برنامجا للفوائد، تاريخا للأنساب، إلى أن توفيت في عهد حفيدها السلطان أبي الحجّاح، رحمها الله، وقد أنفت على تسعين من السنين، فكان الحفل في جنازتها، موازيا لمنصبها، ومتروكها، المفضي إليه خطيره، وقلت في رثائها: [الطويل]
نبيت على علم بغائلة الدهر ... ونعلم أنّ الخلق في قبضة الدّهر
ونركن للدنيا اغترارا بقهرها ... وحسبك من يرجو الوفاء من الغدر
ونمطل بالعزم الزّمان سفاهة ... فيوم إلى يوم، وشهر إلى شهر
وتغري بها نفسي المطامع والهوى ... ونرفض ما يبقى ضيعة العمر
هو الدهر لا يبقى على حدثانه ... جديد ولا ينفكّ من حادث نكر
وبين الخطوب الطارقات تفاضل ... كفضل من اغتالته في رفعة القدر
ألم تر أنّ المجد أقوت ربوعه ... وصوّح من أدواحه كل مخضرّ
ولاحت على وجه العلاء كآبة ... فقطّب من بعد الطلاقة والبشر
وثبتّ اسمها في الوفيات من الكتاب المذكور بما نصّه:
«السلطانة الحرّة، الطاهرة، فاطمة بنت أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين الغالب بالله، بقيّة نساء الملوك، الحافظة لنظام الإمارة، رعيا للمتات «4» ، وصلة للحرمة، وإسداء للمعروف، وسترا للبيوتات، واقتداء بسلفها الصالح، في نزاهة النفس، وعلوّ الهمّة، ومتانة الدين، وكشف الحجاب، ونفاذ العزم، واستشعار الصبر.
توفّيت في كفالة حفيدها أمير المسلمين أبي الحجاج، مواصلا برّها، ملتمسا دعاءها،
(1/201)

مستفيدا تجربتها وتاريخها، مباشرا مواراتها بمقبرة الجنان، داخل الحمراء، سحر يوم الأحد السابع لذي حجة، من عام تسعة وأربعين وسبعمائة» .
أولاده: تخلّف «1» من الولد أربعة؛ أكبرهم محمد، وليّ الأمر «2» من بعده، وفرج شقيقه التالي له بالسنّ، المنصرف عن الأندلس بعد مهلك أخيه المذكور، المتقلب في الإيالات، الهالك أخيرا في سجن قصبة ألمرية عام أحد وخمسين وسبعمائة، مظنونا به الاغتيال، ثم أخوه أمير المسلمين أبو الحجاج، تغمّده الله برحمته، أقعد القوم في الملك، وأبعدهم أمدا في السعادة، ثم إسماعيل أصغرهم سنّا، المبتلي في زمان «3» الشبيبة في الثّقاف «4» المخيف مدة أخية، المستقرّ الآن موادعا مرفودا، بقصر المستخلص من ظاهر شالوبانية، وبنتين ثنتين من حظيّته علوة، عقد عليهما أخوهما أبو الحجاج، لرجلين من قرابته.
وزراؤه: وزر «5» له أول أمره القائد البهمة «6» أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الفهري، وبيت هؤلاء القوّاد شهير، ومكانتهم من الملوك النصريين مكينة. أشرك معه في الوزارة الفقيه الوزير أبا الحسن علي بن مسعود بن علي بن مسعود المحاربي، من أعيان الحضرة، وذوي النباهة، فجاذب رفيقه حبل الخطّة، ونازعه لباس الحظوة، حتى ذهب باسمها ومسمّاها. وهلك القائد أبو عبد الله بن أبي الفتح، فخلص له شربها، وسيأتي التعريف بكل على انفراد.
كتابه: كتب «7» عنه لأول أمره بمالقة، ثم بطريقه إلى غرناطة، وأياما يسيرة بها، الفقيه الكاتب أبو جعفر بن صفوان المتقدّم ذكره. ثم ألقى المقادة إلى كاتب الدولة قبل، شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب فاصل الخطّة، وباري القوس، واقتصر عليه إلى آخر أيامه.
قضاته: استقضى «8» أخا وزيره، الشيخ الفقيه أبا بكر بن يحيى بن مسعود بن علي، رجل الجزالة، وفيصل الحكم، فاشتدّ في إقامة الحكم «9» ، وغلظ بالشرع، واستعان بالجاه، فخيفت «10» سطوته، واستمرّ قاضيا إلى آخر أيامه.
(1/202)

رئيس جنده الغربي: الشيخ «1» البهمة «2» ، لباب قومه، وكبير بيته، أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء «3» إدريس بن عبد الله «4» بن عبد الحق، مشاركا له في النعمة، ضاربا بسهم في المنحة، كثير التجنّي والدّالّة، إلى أن هلك المخلوع، وخلا الجوّ، فكان منه بعض الإقصار.
الملوك على عهده: وأولا «5» بعدوة المغرب: كان على عهده من ملوك المغرب السلطان الشهير، جواد الملوك، الرّحب الجناب، الكثير الأمل، خدن العافية، ومحالف الترفية، مفحم «6» النّعيم، السعيد على خاصته وعامته، أبو سعيد عثمان بن السلطان الكبير، المجاهد، المرابط، أبي يوسف»
بن عبد الحق. وجرت بينه «8» وبينه المراسلات، واتصلت أيامه بالمغرب بعد مهلكه وصدرا من أيام ولده أبي عبد الله حسبما مرّ «9» عند ذكره.
وبمدينة تلمسان، وطن القبلة، الأمير أبو حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان. ثم توفي قتيلا «10» على عهده بأمر ولده المذكور، واستغرقت أيام ولده المذكور الوالي بعده، إلى أن هلك في صدر أيام أبي الحجاج؛ وجرت بينه وبين الأمير مراسلات وهدايات.
وبمدينة تونس، الشيخ المتلقّب بأمير المؤمنين أبو يحيى زكريا بن أبي حفص المدعو باللّحياني، المتوثّب بها على الأمير أبي البقاء خالد بن أبي زكريا بن أبي حفص، وهو كبير، إلّا أن أبا حفص أكبر سنّا وقدرا، وقد تملّك تونس تاسع جمادى الآخرة من عام ظهر له اضطراب من بها، أحد عشر وسبعمائة، وتمّ له الأمر. واعتقل أبا البقاء بعد خلعه، ثم اغتاله في شوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، ثم رحل عن تونس لما ظهر له من اضطراب أمره بها، وتوجّه إلى طرابلس «11» في وسط عام خمسة عشر «12» ، واستناب صهره الشيخ أبا عبد الله بن أبي
(1/203)

عمر «1» ، ولم يعد بعد إليها. ثم اضطرب أمر إفريقية، وتنوّبه «2» عدة من الملوك الحفصيين، منهم الأمير أبو عبد الله بن أبي عمر «3» المذكور، وأبو عبد الله بن «4» اللّحياني، والسلطان أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق، لبنة تمامهم، وآخر رجالهم، واستمرّت أيامه إلى أيام ولده الأمير بالأندلس ومعظم أيام ولديه، رحم الله الجميع.
ومن ملوك الروم بقشتاله؛ كان على عهده مقرونا بالعهد القريب من ولايته، الطاغية هرانده بن شانجة بن ألهنشة «5» بن هراندة المجتمع له ملك قشتالة وليون «6» ، وهو المتغلّب على إشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وجيّان؛ ابن الهنشة «7» الذي جرت له وعليه هزيمة الأرك «8» والعقاب «9» ، ابن شانجه بن الهنشة المسمّى إنبرذور، وهو الذي أفرد صهره وزوج بنته بملك برتقال، إلى أجداد، يخرجنا تقصّي ذكرهم عن الغرض.
ومن ملوك رغون «10» من شرق الأندلس، الطّاغية جايمش بن بطره بن جايمش الذي تغلب على بلنسية، ابن بطره بن الهنشة «11» ، إلى أجداد عدة كذلك. ثم هلك في أخريات أيامه، فولّي ملك أرغون «12» بعده ألهنشة «13» بن جايمش إلى أخريات «14» أيامه.
وببرتقال ألهنشة «15» بن يومس «16» بن ألهنشة «17» بن شانجة بن ألهنشة «18» بن شانجة بن ألهونشة «19» ، وتسمّى «20» أولا دوقا.
ذكر تصيّر الأمر إليه: لما ولي «21» الأمر بالأندلس، حرسها الله، السلطان أبو الجيوش نصر بن السلطان أبي عبد الله محمد بن السلطان الغالب بالله أبي عبد الله بن
(1/204)

نصر، يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، بالهجوم على أخيه أبي عبد الله الزّمن المقعد، الآمن في ركن بيته، واغتيال ابن الحكيم وزيره ببابه، والإشادة بخلعه حسبما يأتي في موضعه، استقرّ الأمر على ضعف أخيه، وسارع دخلته، فساءت السّيرة لمنافسة الخاصّة، وكان الرئيس الكبير عميد القرابة، وعلم الدولة أبو سعيد فرج، ابن عمّ السلطان المخلوع، وأخيه الوالي بعده، راسخا قدمه وعرفه، بمثوبة الوارث، ولنظره عن أبيه المسوّغ عن جدّه مالقة وما إليها، ولنظره مدينة سبتة، المضافة إلى إيالة المخلوع عن عهد قريب، قد أفرد بها ولده المترجم به، وجميعهم تحت طاعته، وفي زمان انقياد سوغ مديد الدولة، بل مدّ سروها لما شاء عزّ وجلّ من احتوائهم في حبل هذا الدايل، يتعقبون على الرئيس الكبير أمورا تثرّ مخيمة الصدور، وتستدعي فرض الطاعة، وتحتوي على مظنّات مخلة، واحترسوا صافيات منافعه، وأوعزوا إلى ولاة الأعمال بالتضييق على رجاله، وصرفوا سننه عن نظره. ولمّا بادر إلى الحضرة لإعطاء صفقة البيعة وتهنئة السلطان نصر عن روحه وابن عمّه، على عادته، داخله بعض أرباب الأمر، محذّرا، ومشيرا بالامتناع ببلده، والدّعاء لنفسه، ووعده بما وسعه، فاستعجل الانصراف إلى بلده، ولم تمرّ إلّا برهة، واشتعلت نار الفتنة، وهاجت مراجل الحفيظة، فتلاحق به ولده، وأظهر الانفراد والاستعداد في سابع عشر رمضان من هذا العام. وأقام ولده إسماعيل، برسم الملك والسلطان، ورتّب له ألقاب الملك، ودوّن ديوان الملك بحسبه، ونازل حضرة أنتقيرة، وناصبها القتال، فتملّكها؛ ودخلت مربلّة في طاعته، وتحرّك إلى بلّش فنازلها، ونصب عليها المجانيق فدانت، فضخمت الدعوة، ومكنت الجباية، والتفّ إليه من مساعير الحروب ومن أجاب.
وتحرّك إلى غرناطة في أول شهر محرم، عام اثني عشر وسبعمائة، ونزل بقرية العطشا من مرجها. وبرز السلطان نصر في جيش خشن «1» ، مستجاد العدّة، وافر الرّجل «2» ، فكان اللقاء ثالث عشر الشهر، فأظهر الله أقلّ الفئتين «3» ، وانجرّت على الجيش الغرناطي الهزيمة، وكبا بالسلطان نصر فرسه في مجرى سقي لبعض الفدن، فنجا بعد لأي ودخل البلد مفلولا، وانصرف الجيش المالقي ظاهرا إلى بلده. وطال بالرئيس وولده الأمر وضرّستها الفتنة، وعظم احتياجه إلى المال، وكادت تفضحه المطاولة، وزاحمه الملك بمكلف ضخم، فاقتضى ذلك إذعانه إلى الصلح، وإصغاره المهادنة، على سبيله من المقام ببلده، مسلّما للسلطان في جبايته، جارية وطائفة في رئاسته، وأرزاق جنده، فتمّ ذلك في ربيع الأول من العام المذكور. ثم لقحت فتنة في العام
(1/205)

بعده، فعادت جذعة، وكانت ثورة الأشياخ في غرناطة في رمضان من العام المذكور هاتفين بخلعان السلطان، وطاعة مخلوعهم، وطالبين منه إسلام وزيره خدن الروم، المتهم على الإسلام أبي عبد الله «1» بن الحاجّ. ثم لحق زعماؤهم بمالقة عند اختلال ما أبرموه، فكانت الحركة الثانية لغرناطة بعد أمور اختصرتها، من استبداد السلطان أبي الوليد بأمره «2» ، والانحطاط في القبض على أبيه، إلى هوى جنده، والتصميم في طلب حقّه، فاتصل سيره، واحتلّ بلوشة سرار شوال فتملّكها. ورحل قافلا إلى وطنه، طريد كلب الشتاء، وافر الخزانة، واقتضى الرأي الفائل ممّن له النظر الجاش من زعيم شيوخ جندها، اتّهاما له بالطاغية، فسجنه. ثم بدا له في أمره، ثم سرّحه بعد استدعاء يمينه، فوغرت صدور حاشيته، وتبعهم من كان على مثل رأيهم، وهو شوكة حادّة، فصرفوا الوجوه إلى السلطان المقبل الحظ، المحبوب إليه هوى الملك، بما راعه، ثانيا من عنانه بأحواز أرجدونة، إلّا تثويب داعيهم، فكرّ إلى المدينة وبرز إليه جيشها، ملتفّا على عبد الحق بن عثمان، فأبلى»
، وصدق الحملة، فكادت تكون الدائرة؛ فلولا ثبوت السلطان لما استقبلت بأسفلهم الحملة، فولّوا منهزمين، وتبعهم إلى سور المدينة، وقد خفت اللّفيف والغوغاء النّاعقون «4» بالخلعان، الشّرهون إلى تبديل الدّعوات، وإلى «5» تسنّم المآذن والمنارات «6» والرّبا. وبرز أهل ربض البيّازين، الهافّون إلى مثل هذه البوارق، إلى شرف ربوتهم «7» ، كلّ يشير مستدعيا إعلانا بسوء الجوار، وملل الإيالات، والانحطاط، وبعد التلوّن والتقلّب، وسآمة العافية؛ شنشنة معروفة في الخلق مألوفة. وبودر غلق باب إلبيرة، ففضّ «8» قفله، ودخلت المدينة، وجاء «9» السلطان إلى معقل الحمراء بأهله وذخيرته وخاصّته، وبرز السلطان أبو الوليد بالقصبة القدمى تجاهها، بالدار الكبرى المنسوبة لابن المول، ينفذ الصكوك، ويذيع العفو، ويؤلف الشّارد، وضعفت بصائر المحصورين، وفشلوا على وجود الطعمة، ووفور المال، وتمكّن المنعة، فالتمسوا لهم ولسلطانهم عهدا نزلوا به، منتقلين إلى مدينة وادي آش، في سبيل العوض بمال معروف، وذخيرة موصوفة؛ وتمّ ذلك، وخرج السلطان رحمه الله مخلوعا، ساء به القرار، جانيا على ملكه الأخابيث والأغمار، ليلة الثامن والعشرين من شوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستقرّ بها
(1/206)

موادعا مرة، ومحاربا أخرى، إلى أن هلك حسبما يأتي ذكره. وخلا للسلطان «1» الجوّ، وصرفت «2» إليه المقادة، وأطاعه القاصي والدّاني، ولم يختلف عليه اثنان، والبقاء الخلص لله وحده.
مناقبه: اشتدّ «3» ، رحمه الله، على أهل البدع، وقصر الخوض على ما تضطر إليه الملّة. ولقد تذوكر بين يديه أهل البيت، فبذل في فدية بعضهم ما يعزّ بذله، ونقل منهم بعضا من حرف خبيثة، فزعموا أنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النوم، فشكر «4» له ذلك. واشتدّ في إقامة الحدود، وإراقة المسكرات، وحظر تجلّي القينات للرجال في الولائم، وقصر طربهنّ على أجناسهنّ من الناس، وأخذ يهود الذمّة بالتزام سمة تشهرهم، وشارة تميّزهم، وليوفّى «5» حقّهم من المعاملة التي أمر بها الشّارع في الخطاب والطّرق «6» ، وهي شواشي صفر.
ولقد حدّث من يخفّ حديثه، من الشيوخ أولي المجانة والدّعابة، قال: كنّا عاكفين على راح، وبرأسي شاشيّة ملف حمراء، فحاول أصحابي إنامتي، حتى أمكن ذلك، وبادروا إلى رقاع من ثوب أصفر، فصنعوا منها شاشية، ووضعوها في رأسي، مكان شاشيتي، وأيقظوني، فقمت لشأني، وقد هيّئوا ثمنا لشراء بقل وفاكهة، وجهّزوني لشرائه، فخرجت حتى أتيت دكان السوق، فساومته، فلمّا نظر إليّ قال لصاحبه: جزى الله هذا السلطان خيرا، والله لقد كنت أبادر هذا اللّعين بالسلام عند لقائه، أظنّه مسلما، وبصق عليّ؛ فهممت أن أوقع به، ثم فطنت للحلية، فانتزعتها، وبادرت فأوسعتهم ذمّا، وعظم خجلي، وسبقني إليهم عين لهم عليّ، فكاد الضحك يهلكهم عند دخولي. ومناقبه كثيرة.
جهاده وبعض الأحداث في مدته: والتأثت «7» الأمور، لأول مدته، فجرت على جيشه بمظاهرة جيش المخلوع لجيش الرّوم، الهزيمة الشنيعة، بوادي فرتونة؛ أوقع بهم الطاغية بطره، كافل ملك الروم، المملك صغيرا على عهد أبيه، وعمّه الذّابّ عنه، ففشا في الأعلام القتل، وذلك في صفر من عام ستة عشر وسبعمائة، وظهر العدوّ بعدها فغلب على حصن شتمانس «8» وحصن بجيج «9» ، وحصن طشكر،
(1/207)

وثغر «1» روط. ثم صرفت المطامع عزمه إلى الحضرة، فقصد مرجها، وكفّ الله عاديته، وقمعه، ونصر الإسلام عليه، ودالت للدين عليه الهزيمة العظمى بالمرج من ظاهر غرناطة على بريد منها، واستولى على محلّته «2» النّهب، وعلى فرسانه ورجاله القتل، وعظم الفتح، وبهر الصنع وطار الذكر، وثاب السّعد. وكانت الوقيعة سادس جمادى الأولى من عام تسعة عشر وسبعمائة، وفي ذلك يقول كاتبه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب:
الحمد حقّ الحمد للرحمن ... كافي العدو وناصر الإيمان
ومكيّف الصنع الكريم ودافع ال ... خطب العظيم وواهب الإحسان
في كل أمر للمهيمن حكمة ... أعيت على الأفكار والأذهان
واستقرّ ملكهم القتيل بأيدي المسلمين بعد فرارهم، فجعل في تابوت خشب، ونصب بالسور المنازل من الحمراء يسار الداخل بباب يعقوب من أبوابها، إذاعة للشّهرة، وتثبّتا لتخليد الفخر.
ومن الغريب أنني في هذه الأيام بعد خمسين سنة تماما «3» ، تفقدت ذلك المكان في بعض ما أباشره، أيام نيابتي عن السلطان بدار ملكه على عادتي، فألفيته قد علا عليه كوم من الحجارة، رجم الصبيان إياه، فظهر لي تجديد الإشادة به، والاستفتاح بوقوع مثله، ولمّا كشف عن الرّمة لتنقل إلى وعاء ثان، ألفي بعظم القطن «4» العريض منها سنان مرهب ثبت في العظم، انتزع منه، وقد غالبتني الرقّة والإجهاش، وقلت اللهمّ ادّخر رضوانك لمن أودع في هذه الرّمّة الطاغية، سنان جهادك إلى اليوم، وأثبه وارفع درجته، إنك أهل لذلك.
رجع «5» : واستقامت الأيام، وهلك المخلوع، فصفا الجو، واتّحدت الكلمة، وأمكن الجهاد، فتحرّك في شهر «6» رجب من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وأعمل القصد «7»
إلى بلاد العدو، ونازل حصن إشكر «8» ، الشّجى المعترض «9» في حلق
(1/208)

بسطة، فأخذ بمخنّقه «1» ، ونشر الحرب عليه «2» ، ورمى بالآلة العظمى المتخذة بالنفط كرة حديد محماة طاق «3» البرج المنيع من معقله، فاندفعت يتطاير شررها، واستقرّت بين محصوريه، فعاثت عياث الصواعق السموية، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأتوا بأيديهم، ونزلوا قسرا على حكمه في الرابع والعشرين من الشهر، وأقام بظاهره، فصيّره دار جهاد، وعمل في خندقه بيده، وانصرف، فكانت غزاة جمّة البركة عظمت بها على الشرق الجدوى، وأنشد الشعراء في هذه الوجهة قصائد أشادت بفضلها، وشهرت من ذكرها، فمن ذلك عن كاتب سرّه «4» قوله «5» : [الكامل]
أمّا مداك فغاية لم تلحق «6» ... أعيت على غرّ الجياد السّبق «7»
ورفع إليه شيخنا الحكيم أبو زكريا بن هذيل، قصيدة أولها «8» : [الطويل]
بحيث القباب «9» الحمر والأسد الورد ... كتائب سكان السماء لها جند
أنشدني منها في وصف النفط قوله:
وظنّوا بأنّ الصّعق «10» والرّعد في السما ... فحاق بهم من دونها الصّعق والرّعد
غرائب أشكال سما هرمس بها ... مهنّدة «11» تأتي الجبال فتنهدّ
ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بدّ أن يبدو
وفي «12» العاشر لشهر رجب من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، تحرّك للغزو «13» بعد أخذ الأهبة والاستكثار والاجتهاد للمطوعة، وقصد مدينة مرتش العظيمة الساحة، الطيبة البقعة، فأضرب بها المحلّات وكان القصد «14» إجمام الناس، فصوّب «15» الحشود ووجّهها إلى ما بها من بحر «16» الكروم والملتفّات، وأدواح
(1/209)

الأشجار، فأمعنوا في إفسادها، وبرز حاميتها، فناشبت الناس القتال، فحميت النفوس، وأريد منع الناس، فأعيا أمرهم وسال منهم البحر، فتعلّقوا بالأسوار، وقيل للسلطان: بادر بالركوب، فقد دخل الرّبض «1» ، فركب ووقف بإزائها، فدخل البلد «2» عنوة، واعتصم أهله بالقصبة، فدخلت أيضا القصبة عنوة، وانطلقت أيدي الغوغاء على من بها من ذكر وأنثى كبيرا أو صغيرا «3» ، فساءت القتلة، وقبحت الأحدوثة، ورفعت من الغد آكام من الجثث صعد ذراها المؤذّنون، وقفل إلى غرناطة بنصر لا كفاء «4» له، فكان «5» دخوله من هذه الغزاة في الرابع والعشرين لرجب المذكور.
وفاته: ولما «6» فصل من مرتش نقم على أحد الرؤساء من قرابته، وهر ابن عمّه محمد بن إسماعيل، المعروف بصاحب الجزيرة، أمرا تقرّعه عليه، وبالغ في الإهمال له «7» ، وتوعّده بما أثار حفيظته، فأقدم عليه بالفتكة الشّنعاء التي ارتكبها منه بباب قصره، بين عبيده وأرباب دولته «8» ، آمن ما كان سربا، وأعزّ سلطانا «9» وجندا؛ وذلك يوم الاثنين ثالث يوم من دخوله من مرتش، بعد أن عاهد في الأمر جملة من القرابة والخدّام، فوثب به، وهو مجتاز بين السّماطين من ناسه إلى مجلس «10» كان يجلس فيه للناس، فاعتنقه وانتضى «11» خنجرا كان ملصقا في ذراعه، فأصابه بجراحات ثلاث؛ إحداهنّ في عنقه، بأعلى ترقوته، فخرّ صريعا. وصاح بكر وزيره، فعمّته سيوف الحاضرين من أصحاب الفاتك، ووقعت الرّجّة، وسلّت السيوف، وتشاغل كلّ بمن يليه، واستخلص السلطان من يديه، وحيل بينه وبينه؛ وحين تشاغل القوم بالوزير، رفع السلطان وظنّ أنه قد أفلت جريحا، فوقع البهت، وبادروا الفرار، فسدّت المذاهب، فقتلوا حيث وجدوا. وأخذت الظّنّة قوما من أبريائهم، فامتحنوا «12» ، ونهب «13» الغوغاء دورهم، وعلّقت بالجدران أشلاؤهم، وكان يوما عصيبا، وموقفا صعبا، واحتمل السلطان إلى بعض دور قصره، وبه صبابة روح، أشبه
(1/210)

شيء بالعدم، للزوق العمامة بفوهة شريانه المبتور، ففاض لحينه بنفس زوال العمامة، رحمه الله.
وكان من أخذ البيعة لولده الأمير أبي عبد الله من بعده، ما هو معروف في موضعه. ودفن غلس ليلة «1» الثلاثاء، ثاني يوم وفاته، بروضة الجنة «2» من قصره، إلى جانب جدّه؛ وتنوهي الاحتفال بقبره نقشا، وتخريما «3» ، وإحكاما، وحليا، وتمويها، يشقّ «4» على الوصف، وكتب بإزاء رأسه في لوح الرخام ما نصّه، من كلام شيخنا، بعد سطر الافتتاح:
«هذا قبر السلطان الشهيد، فتّاح الأمصار، وناصر ملّة المصطفى المختار، ومحيي سبيل آبائه الأنصار، الإمام العادل، الهمام الباسل، صاحب الحرب والمحراب، الطاهر الأنساب والأثواب، أسعد الملوك دولة، وأمضاهم في ذات الله صولة، سيف الجهاد، ونور البلاد الحسام «5» المسلول في نصرة الإيمان، والفؤاد المعمور بخشية الرحمن، المجاهد في سبيل الله، المنصور بفضل الله، أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن الهمام الأعلى الطاهر الذات والفخار «6» ، الكريم المآثر والآثار، كبير الإمامة النّصرية، وعماد الدولة الغالبية، المقدّس، المرحوم أبي سعيد فرج، ابن علم الأعلام، وحامي حمى الإسلام، صنو الإمام الغالب، وظهيره «7» العليّ المراتب، المقدّس، المرحوم أبي الوليد إسماعيل بن نصر، قدّس الله روحه الطيّب، وأفاض عليها «8» غيث رحمته الصيّب، ونفعه بالجهاد والشهادة، وحباه «9» بالحسنى والزيادة، جاهد في سبيل الله حقّ الجهاد، وصنع له في فتح البلاد، وقتل كبار الأعاد «10» ، ما يجده مذخورا يوم التناد، إلى أن قضى الله بحضور أجله، فختم عمره بخير عمله، وقبضه إلى ما أعدّ له من كرامته وثوابه، وغبار الجهاد طيّ أثوابه، فاستشهد «11» رحمه الله شهادة أثبتت له في الشّهداء من الملوك قدما، ورفعت له في أعلام السعادة علما.
(1/211)

«ولد رضي الله عنه، في الساعة المباركة بين يدي الصبح من يوم الجمعة سابع عشر شوّال «1» عام سبعة وسبعين وستمائة، وبويع يوم الخميس السابع والعشرين لشوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستشهد في يوم الاثنين السادس والعشرين لشهر رجب «2» عام خمسة وعشرين وسبعمائة. فسبحان الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق» .
وبعده من جهة اللوح الأخير «3» : [البسيط]
تخصّ قبرك يا خير السلاطين ... تحيّة كالصّبا مرّت بدارين
قبر به من بني نصر إمام هدى ... عالي المراتب في الدنيا وفي الدين
أبو الوليد، وما أدراك من ملك ... مستنصر واثق بالله مأمون
سلطان عدل وبأس غالب وندى ... وفضل تقوى وأخلاق ميامين
لله ما قد طواه الموت من شرف ... وسرّ مجد بهذا اللحد مدفون
ومن لسان بذكر الله منطلق ... ومن فؤاد بحبّ الله مسكون
أما الجهاد فقد أحيا معالمه ... وقام منه بمفروض ومسنون
فكم فتوح له تزهى «4» المنابر من ... عجب بهنّ وأوراق الدواوين
مجاهد نال من فضل الشهادة ما ... يجبي عليه بأجر غير ممنون
قضى كعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وفاة مستشهد في الدار مطعون
في عارضيه غبار الغزو تمسحه ... في جنّة الخلد أيدي حورها العين
يسقى بها عين تسنيم «5» ، وقاتله ... مردّد بين زقّوم وغسلين
تبكي البلاد عليه والعباد معا ... فالخلق ما بين أحزان أفانين
لكنه حكم ربّ لا مردّ له ... فأمره الجزم بين الكاف والنون
فرحمة الله ربّ العالمين على ... سلطان عدل بهذا القبر مدفون
بعض ما رثي به: وعظمت «6» فيه فجيعة المسلمين لما ثكلوا من جهاده وعزمه، وبلوه من سعده وعزّ «7» نصره، فكثرت فيه المراثي، وتراهنت «8» في شجوه القرائح، وبكاه الغادي والرائح. فمن المراثي التي أنشدت على قبره، قول كاتبه شيخنا
(1/212)

أبي الحسن بن الجيّاب «1» : [الطويل]
أيا عبرة العين امزجي الدّمع بالدّم ... ويا زفرة الحزن احكمي وتحكّمي
ويا قلب ذب وجدا وغمّا ولوعة ... فإنّ الأسى فرض على كل مسلم
ويا سلوة الأيّام لا كنت فابعدي ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
وصح بأناة الصبر سحقا تأخري ... وقل لشكاة الحزن أهلا تقدّمي
ولم لا وشمس الملك والمجد والهدى ... وفتّاح أبواب النّدى والتكرّم
ثوى بين أطباق الثرى رهن غربة ... وحيدا وأصمته الليالي بأسهم
على ملك الإسلام فاسمح بزفرة ... تساقط درّا بين فذّ وتوأم
على علم الأعلام والقمر الذي ... تجلّى بوجه العصر غرّة أدهم
على أوحد الأملاك غير منازع ... أصالة أعراق وفضل تقدّم
ومن مثل إسماعيل نور لمهتد ... وبشرى لمكروب وعفو لمجرم
وما مثل إسماعيل للبأس والندى ... لإصراخ مذعور وإغناء معدم
وما مثل إسماعيل للحرب يجتنى ... به الفتح من غرس القنا المتحطّم
وما مثل إسماعيل سهم سعادة ... أصاب به الإسلام شاكلة الدم
شهيد سعيد صبّحته شهادة ... تبوّأ منها في الخلود التنعم
أتت وغبار الغزو طيّ ثيابه ... ظهير أمان من دخان جهنّم
فتبّا لدار لا يدوم نعيمها ... فما عرسها إلّا طليعة مأتم
ولا أنسها إلا رهين بوحشة ... ولا شهدها إلّا مشوب بعلقم
فيا من يرى الدنيا مجاجة نحلة ... ألا فاعتبرها فهي نبتة أرقم
فمن شام منها اليوم برق تبسّم ... ففي الغد تلقاه بوجه جهنّم
فضاحكها باك وجذلانها شج ... وطالعها هاو ومبصرها عم
وسرّاؤها تفنى وضرّاؤها معا ... فكلتاهما طيف الخيال المسلّم
سطت بملوك الأرض من بعد آدم ... تبدّد منهم كلّ شمل منظم
فكم من قصير قصّرت شأو عمره ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
وكم كسرت كسرى وفضّت جيوشه ... فلم تحمه منها كتائب رستم
ولو أنها ترعى إمام هداية لأعفت ... عليّا من حسام ابن ملجم «2»
(1/213)

وما قتلت عثمان في جوف داره ... فقدس من مستسلم ومسلّم
وما أمكنت فيروز «1» من عمر الرّضى ... فهدّت من الإسلام أرفع معلم
إلى آخرها. وتضمن إجمال ما ذكر من ذلك، التاريخ المسمّى ب «قطع السلوك» «2» المنظوم رجزا من تأليفي بما نصّه: [الرجز]
وعندما خيف انتثار السّلك ... ووزر الرّوم وزير الملك
تدارك الأمر الإمام الطّاهر ... فعالج الدار طبيب ماهر
وهو أبو الوليد إسماعيل ... والشمس لا يفقدها دليل
ابن الرئيس الماجد الهمام ... فرد العلا وعلم الأعلام
وجدّه صنو الإمام الغالب ... مناقب كالشّهب الثواقب
فقاد من مالقة الجنودا ... ونشر الأعلام والبنودا
وعاد نصر بمدى حمرائه ... أتى وأمر الله من ورائه
فخلع الأمر وألقى باليد ... من بعد عهد موثّق مؤكّد
وسار في الليل إلى وادي الأشى ... والملك لله يعزّ من يشا
ولم يزل فيها إلى أن ماتا ... وطلّق الدنيا بها بتاتا
واتّسق الأمر وقرّ الملك ... وربما جرّ الحياة الهلك
ومن الرجز المذكور في وصف جهاده ومقتله: [الرجز]
وكان يوم المرج في دولته ... ففرّق الأعداء من صولته
وفتح المعاقل المنيعه ... وابتهجت بعدله الشريعه
وانتبه الدهر له من نومه ... على يدي طائفة من قومه
بكى عليه الحرب والمحراب ... وندبته الضّمّر العرّاب
إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر «3»
السلطان الذي احتال على أخيه، المتوثّب على ملكه، يكنى أبا الوليد.
(1/214)

حاله: كان صبيّا كما اجتمع وجهه، بادنا «1» دمث الخلق، ليّن الجانب، شديد البياض، كثيف الحاشية، متصلا بالجفوة، لطول الحجبة، وبعد التمرّن والحنكة، غرّا، فاقدا لحسن الأدب، عريقة ألفاظه في العجمة. تصيّر الأمر إلى أخيه السلطان خيرتهم ولباب بيتهم، يوم قتل أبوهما؛ وله مزية السّنّ والرّجاحة والسكنى بمحل وفاة الأب؛ فأبقى عليه، وأسكنه بعض القصور لصقه، ولم يضايق أمّه فيما استأثرت به من بيت المال، إذ كان إقليده في يدها، وبيضاؤه وصفراؤه في حكمها، ورفّه متبوّأه، واستدعى له ولأخيه المعلم الذي كان السبب في إفاتة إرماقهما، وإعدام حياتهما، الشيخ السّفلة محمد البطروجي البائس، فردّ ذلك السّرب، فاستمرّت أيام احتجابه وانتظاره على قصره، إلى رمضان من عام ستّين وسبعمائة. وحرّك سماسرة الفتنة له ولأمّه جواز الطمع في الملك، ودندنوا لها حتى رقصت على إيقاعهم، وخفّت إلى مواعدهم، وشمّروا إلى خلاص الأمر؛ وأحام الوثبة صهره الرئيس أبو عبد الله، حلف الشؤم زوج أخته، محمد بن إسماعيل، الشهير الكائنة، المذكور في موضعه من حرف الميم، فسيّرت إليه أمّه المال، فبثّه في الدعرة والشرار، حتى تمّ غرضه، واقتحم القلعة من بعض أسوارها عند البالية، وقد هدم منها شيء في سبيل إصلاحه، ليلة الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان من عام ستين وسبعمائة؛ والسلطان ليلتئذ غير حالّ بها، فملؤوها لجبا ولغطا وصراخا وهولا وتنويرا، في جملة تناهز المائة؛ وانضاف إليهم أخوان رأيهم من حرّاسها وسكانها؛ فألبس الناس، وسقط في أيديهم. وأهدى الليل فتكتة هائلة، وأدّاها شنيعة، فاقتصر كل على النظر لنفسه، وانقسموا فرقتين؛ قصدت إحداهما دار كبير الدولة، وقيّوم التّفويض، وشيخ رجال الملك رضوان، المستبدّ بإحالة كورتها، الشيخ الذّهول، معزوز القدر، ورائب النّكتة، ومعود الإقالة، وجرّار رسن الأطواد، وطول الإملا، الماشي على خدّ الدنيا، المغضوض البصر عن النّظر، المستهين بكل سبّة وحيّة تسعى، المعوّل على نظره، وقوة سعده وإجابة دعوته، مع كونه نسيج وحده في عفافه وديانته، ورضى الناس به، وسقوط منافستهم من أجله، ومأويهم على مولّ لفظه، وبساط معاملته، وصحة عقده. فعالجوا بابه طويلا وتولّجوا داره، وقتلوه بين أهله وولده.
وقصدت الأخرى دار الأمير المترجم به ومعها صهره، فأخرجوه، وأركبوه على فرس، راعد الفرائض، ممتقع اللون، مختلط القول، تحفّ به داياته بين مولولة،
(1/215)

وتافلة ومعوّذة، قد جعلوا به سيفا مصلتا على سبيل اللّواعب بالنّصول والرّواقص، في مدارج اللهو؛ واستخرجت طبول الملك فقرعت، وقيدت الخيل من مرابطها فركبت، وقصدت الخزائن السلاحية ففرقت، وتمّ الأمر، وحلّ من الريب على دار الإمارة القصد، وخرجت الكتب إلى البلاد والقواعد، فالتقت باليد أمهاتها لقطع من بها من أولي الأمانة، بتمام الأمر، وهلاك السلطان، فتمّ له الأمر، وبادر أخوه السلطان لحينه لظهر سابق كان مرتبطا عند مجرّ له من الجنّة لصق القلعة، فاستأجر الليل، ووافق الحزم، فاستقرّ بوادي آش، وكان أملك بها، ونازلته المحلّات، وأخذ بمخنّقه الحصص، واستنصرت لمنازلته الناس، وأعملت الحيل؛ وتأذّن الله بثبوت قدمه، وانتقاله إلى ملك المغرب صبح عيد النحر من العام المذكور؛ إلى أن أعاد الله إليه أمره وردّ عليه حقّه، وتولّى بعد اليأس جبره، حسبما يذكر في موضعه، إن شاء الله.
وخلا الجو لهذا الأمير المضعوف، واستولى على أريكة الملك الأغمار وأولو البطالة، وأولياء صهره الرئيس، خاطبها له ابتداء ثم ناقلها إلى نفسه انتهاء، وحاملها إلى غايته درجا، وإلى إعاقته سلّما؛ وهو ما هو من غشّ الحبيب، وسوء العقد، ودخل السريرة، واستيطان المكروه، فأغرى منه بالعهد نفسا مطاوعة للشهوة، متبرّمة بالامتحان والخلوة، بريّة من نور العلم وتهذيب الحكمة، ناشئة بين أخابيث القسوة، جانية أماني الشهوة والمخالفة، مضادّة للفلاح، حايدة عن سبيل النجاة، بمحل اغتراب عن النّصحاء، وانتباذ عن مقاعد الأحرار؛ فجرى طلق الجموح في التخلّف، حتى كبا لفيه ويديه، وأعان نسمة السوء الرئيس على نفسه؛ وقد كان اصطنع الرجال، واستركب أولي البسالة، وأسالف الدّعرة؛ واختصّ في سبيل خدمته والذبّ عنه، بالبؤساء والمساعير، يشركهم في الأكلة، ويصافيهم النعمة. وأظلم ما بينهما، فحذر كلّ جانب أخيه، إلّا أن المهين كا أضعف من أن يستأثر بخطة المعالجة، ويهتدي إلى سبيل الحزم. وفي عشيّ يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر شعبان، شارفه من مكمن غدره الرّحب بجوار قصره، وارتبط به الخيل واستكثر من الحاشية، وأخفى المساعير، وداخل الموروري المشؤوم على الدولة، فبادر رجاله سدّ الأبواب، وانخرط في جملة أوباشه من باب السلطان، من الرّجل لنظر ممالئه في العناء، وعونه على الهول الموروري، فأحاط به، وقد بادر الاعتصام بالمصنع ثاني الصرح المنسوب إلى هامان سموّا ونفالا في السّكاك «1» وسعة ذرع. وبعدما رقي وصرخ بالناس،
(1/216)

يناشدهم الذّمام، فخفّ إليه منهم الكثير، وتراكموا بالطريق تحته، وتولّى استنزاله عن سويّه مملوك أبيه، العلج المخذول عبّاد، وقد تحصّل في قبضته الغادر، فقتل له في الغارب والذّروة، ووعده الحياة، فنزل عن أمان فسحة الغدر الصّراح، والوفاء المستباح. ولحين استهاله، أمر نقله إلى المطبق، فقيد مختبلا كثير الضراعة، إلى الأريّ «1» لصق قصره، وتعاورته السيوف، وألحق به صغيره قيس، استخرج من بعض الخزائن، وقد جهدت أمّه في إخفائه؛ فمضى لسبيله، وطرح رأسه على الرّعاع المجيبين لندائه، فانفضّوا لحينه، وبقي مطروحا موارى بحلس «2» دابّة من دواب الظهر، إلى يوم بعده، فووري هو وأخوه بمقربة من مدفن أبيهما، فكان من أمرهما عبرة. وقد استوفى ذلك الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» من تأليفنا.
وزراء دولته: قدّم للوزارة عشية «3» يوم ولايته، محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري، بطالع الشؤم، ونعبة النحس. عهد بالطبيب الإسرائيلي الحبري العظيم المهارة في الفن النجومي، إبراهيم بن زرزار، يتطاير بتلك الولاية بكون النّحس الأعظم في درجة طالعها، جذوا انفرد بنحز أديمه الجهّالة، المعدودون في البهم والهمج، الذين لا يعبأ الله بهم؛ فكان الخبر وفوق الخبر، فلم ير في الأندلس وزارة أثقل وطأة، ولا أخبث عهدا، ولا أعظم شرها، ولا أكثر حجرا منها. ثم كانت عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها، وذلك جزاء الظالمين من رجل حبركى «4» ، كمد اللون، تنطف سحنته مرّة وسمّا، غائر العين، مطأطئ الرأس، طرف في الحقد والطمع وعيّ المنطق وجمود الكفّ، معدن من معادن الجهل، مثل في الخيانة؛ تناول الأمر مزاحما فيه بالرئيس المتوثّب، وابن عمّ نفسه، الغادر، الضخم الجرارة، بالوعث المهين، وثور النقل، وثعبان الفواكه، وصاعقة الأخونة «5» ، ووكيل الدولة المنحطّ عن خلالهم بالأبوّة والنشأة؛ فجرت أمورها أسوأ مجاريها، إلى أن كان ما أذن الله به، من مداخلة الرئيس الغادر، على قتل أميره المسكين المهين، مقلّده أنوه الرّتب، وتاركه وخطة الخيانة؛ ثم أخذه الأخذة الرابية بيد من أمدّه في الغيّ، وظاهره في الخزي؛ فجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه، وموعظة للمتّقين، حسبما يأتي في اسمه، بحول الله تعالى.
(1/217)

كاتبه: واستعمل في الكتابة صاحبنا الرجل الأخرق، الطّوال، الأهوج، البريّ من الخلال الحميدة، إلّا ما كان من وسط الخط وسوقيّ السجع، والدرك الأسفل من النظم، عبد الحق «1» بن محمد بن عطية المحاربي، الآتي ذكره «2» . وهو الذي أفرده الله، جلّ جلاله؛ بالغاية البعيدة من مجال سوء العهد؛ وقلّة الوفاء. وتولّى القضاء أبو جعفر «3» أحمد بن أبي القاسم بن جزي أياما، ثم شهّر به قوم من الفقهاء منافسيه، ورشقوه بما أوجب صرفه؛ وقدّم للقضاء الشيخ المسنّ، الطويل السّباحة في بحر الأحكام، المفري الودجين والحلقوم بسكّين القضاء، المنبوز «4» بالموبقات فيه، تجاوز الله عنه، سلمون بن علي بن سلمون. وشيخ الغزاة على عهده، يحيى بن عمر بن عبد الله بن عبد الحق، شيخ الغزاة لأخيه، أصبح يوم الكائنة في قياده، ونصح له فأمر له؛ وضاعف برّه.
الملوك على عهده
مولده: في يوم الاثنين الثامن والعشرين لربيع الأول من عام أربعين وسبعمائة.
وفاته: حسبما تقرّر آنفا في يوم الأربعاء السابع والعشرين لشعبان من عام أحد وستين وسبعمائة.
أبو بكر بن إبراهيم، الأمير أبو يحيى المسوفي الصحراوي «5»
من أمراء المرابطين، صهر علي بن يوسف بن تاشفين، زوج أخته، وأبو ولده منها يحيى، المشهور بالكرم.
أوّليّته: معروفة تستقرأ عند ذكر ملوكهم.
حالهم: كان مثلا في الكرم، وآية في الجود، أنسى أجواد الإسلام والجاهلية إلى الغاية؛ في الحياء والشجاعة والتّبريز في ميدان الفضائل. استوزر الوزير الحكيم الشهير أبا بكر بن الصائغ، واختصّه؛ فتجمّلت دولته ونبه قدره. وأخباره معه شهيرة.
(1/218)

ولايته: ولّي غرناطة سنة خمسمائة. ثم انتقل منها إلى سرقسطة عند خروج المستعين بن هود إلى روطة «1» ، فأقام بها مراسم الملك، وانهمك في اللذّات، وعكف على المعاقرة، وكان يجعل التّاج بين ندمائه، ويتزيّا بزيّ الملوك، إلى أن هلك بها تحت مضايقة طاغية الروم المستولي عليها بعد.
خروجه من الصحراء: قال المؤرّخ: كان أبو بكر هذا رئيسا على بعض قبيله في الصحراء، وكان ابن عمّه منفردا بالتدبير؛ فاتفق يوما أن دخل على ابن عمّه في خبائه، وزوج ابن عمّه تمتشط في موضع قريب من الخباء؛ فاشتغلت نفس أبي «2» بكر بالمرأة لحسنها وجمالها، فحين دخل قال لابن عمّه: فلانة تريد الوصول إليك؛ وإنما قصد الاستئذان لرجل من أصحابه، فنطق باسم المرأة لشغل باله بها، فقال له ابن عمّه بعد طول صمت وفكرة، وقد أنكر ذلك: عهدي بهذا الشخص لا يستأذن علينا.
فرجع عقله، وثاب لبّه، وعلم قدر ما من القبيح وقع فيه، فخرج من ذلك المجلس، وركب جمله، وهان عليه مفارقة وطنه من أجل العار، واستصحب نفرا قليلا من أصحابه على حال استعجال، ورحل ليلا ونهارا، حتى وصل سجلماسة «3» أولي عمالات علي بن يوسف ابن عمّه؛ واتصل به قدومه، فأوجب حقّه، وعرف قدره، وعقد له على أخته، وولّاه على سرقسطة دار ملك بني هود بشرق الأندلس، بعد ولاية غرناطة.
نبذة من أخباره في الكرم: قالوا: لمّا حلّ بظاهر سجلماسة، مجهول الوفادة، خافي الأمر، نزل بظلّ نخلة بظاهرها، لا يعرف أحدا ولا يقصده، فجاء في ذلك الموضع رجل حداد فقراه «4» بعنز كان عنده، وتعرّف له، وأبو بكر يستغرب أمره؛ فلمّا فرغوا من أكلهم، قال للحداد: ألا تصحبنا لموضع أملنا، وتكون أحد إخواننا، حتى تحمد لقاءنا؟ فأجابه؛ وصحبه الحداد، وخدمه، فلمّا قربوا من مرّاكش، استأذن أبو بكر عليّ بن يوسف بن تاشفين، وأعلمه بنفسه، فأخرج له عليّ بن يوسف فرسا من عتاق خيله، وكسوة من ثيابه وألف دينار، فأمر أبو بكر بدفعها للحداد، فبهت
(1/219)

الحداد؛ وانصرف الرسول موجّها إلى مرسله فأخبره بما عاين من كرمه وفعله، فأعاده إليه في الحين بفرس أخرى، وكسى كثيرة، وآلاف من المال، فلمّا دخل مرّاكش، ولقي عليّ بن يوسف وأنزله، أنزل الحداد مع نفسه في بيت واحد، وشاركه في الأموال التي توجّه بها، فانصرف يجرّ وراءه دنيا عريضة.
ولمّا ملك سرقسطة «1» ، اختصّ الوزير الحكيم أبا بكر بن الصائغ، ولطف منه محلّه. ذكر أنه غاب يوما عنه وعن حضور مجلسه بسرقسطة، ثم بكر من الغد، فلمّا دخل قال له: أين غبت يا حكيم عنّا؟ فقال: يا مولاي، أصابتني سوداء واغتممت، فأشار إلى الفتى الذي كان يقف على رأسه، وخاطبه بلسان عجمي»
، فأحضره طبقا مملوءا مثاقيل محشمة، وعليها نوادير ياسمين، فدفعه كلّه إليه، فقال ابن باجة: يا مولاي، لم يعرف جالينوس من هذا الطّب، فضحك.
وذكر أنه أنشد شعرا في مدحه، وقد قعد للشراب، فاستفزّه الطرب، وحلف أن لا يمشي إلّا من فوق المال إلى منزله في طريقه، فالتمس الخدّام برنسه بأن كانوا يطرحون من المال شيئا له خطر، على أوعيته حتى يغمرها، فيمشي خطوا إلى أن وصل إلى منزله؛ وحسد الحكيم أصحابه، ولم يقدروا على مطالبته. واتفق أن سار الأمير أبو بكر، وأمر أصحابه بالتأهّب والاستعداد، فاستعدّ ابن باجة، واتخذ الأقبية والأخبية، واستفره الجياد من بغال الحمولة، فكانت له منها سبعة صفر الألوان، حمل عليها الثياب والفرش والمال؛ فلمّا نزل الأمير بمقرّه، مرّت عليه البغال المذكورة في أجمل الهيئات، فقال لجلسائه: لمن هذه البغال؟ ومن يكون من رجالنا هذا فأصابوا العزّة؟ فقالوا: هي للحكيم ابن الصائغ، صاحب سرقسطة، وليعلم مولانا أنّ في وسط كل حمل منها ألف دينار ذهبا سوى المتاع والعدّة؛ فاستحسن ذلك. وقال: أهذا حقّ؟ قالوا: نعم، فدعا الخازن على المال، وقال له ادفع لابن باجة خمسة آلاف دينار ليكمل له ذلك اثني عشر ألفا، فقد سمعته غير ما مرة يتمنّى أن يكون له ذلك؛ ثم بعث عنه في الحين وقال له: يا حكيم، ما هذا الاستعداد، فقال له: يا مولاي، كل ذلك من هباتكم وأعطياتكم، ولما علمت أن إظهار ذلك يسرّكم، فسرّ بذلك.
وأخباره رحمه الله كثيرة.
محنته: قالوا: ولمّا ولّي غرناطة سنة خمسمائة، ثار بها، وانبرى على قومه لأمر رابه، فانتبذ عنه قومه، وناصبوه الحرب، حتى استنزلوه عنوة، وقبضوا عليه،
(1/220)

ووجّهوه إلى علي بن يوسف، فآثر الإبقاء عليه، وعفا عنه، واستعمله بسرقسطة؛ كذا ذكره الملّاحي، وأشار إليه. وعندي أن الأمر ليس كذلك، وأنّ الذي جرى له ذلك، أبو بكر بن علي بن يوسف بن تاشفين، فيتحقّق.
وفاته: توفي بسرقسطة في سنة عشر وخمسمائة بعد أن ضاق ذرعه بطاغية الروم، الذي أناخ عليه بكلكله. وعندما تعرّف خبر وفاته، واتصلت بالأمير أبي إسحاق إبراهيم بن تاشفين، وهو يومئذ والي مرسية، بادر إلى سرقسطة، فضبطها، ونظر في سائر أمورها، ثم صدر إلى مرسية.
رثاؤه: ورثاه الحكيم أبو بكر بن الصائغ «1» بمراث اشتهر عنه منها قوله «2» :
[الطويل]
سلام وإلمام ووسميّ مزنة «3» ... على الجدث النائي «4» الذي لا أزوره
أحقّ أبو بكر تقضّى فلا ترى «5» ... تردّ جماهير الوفود ستوره
لئن أنست تلك اللحود بلحده «6» ... لقد أوحشت أقطاره «7» وقصوره
ومن ذلك قوله «8» : [الخفيف]
أيها الملك قد «9» لعمري نعى المج ... د نواعيك «10» يوم قمنا فنحنا
(1/221)

كما تقارعت والخطوب إلى أن ... غادرتك الخطوب في التّرب رهنا «1»
غير أني إذا ذكرتك والدّه ... ر أخال اليقين في ذاك ظنّا
وسألنا متى اللقاء فقيل «2» ال ... حشر قلنا صبرا إليه وحزنا
إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أمير المؤمنين، الملقب بالمأمون، مأمون الموحدين «3»
أوّليّته: جدّه عبد المؤمن، جذع الشجرة، وينبوع الجداول؛ هو ابن علي بن علوي بن يعلى بن موار بن نصر بن علي بن عامر بن موسى بن عون الله بن يحيى بن ورجايغ بن سطفور بن نفور بن مطماط بن هزرج بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وكان طالبا بربريّا ضعيفا، خرج مع عمّه يؤمّ للشرق، وكان رأى رؤيا هالته تدلّ على ملك، إذ كانت صفحته من طعام على ركبتيه، يأكل منها الناس، وكانت أمه رأت وهي حامل، كأنّ نارا خرجت منها أحرقت المشرق والمغرب؛ فكانت في نفسه حركة، لأجل هذه الرؤيا؛ فلمّا حلّ بسجلماسة، سمع بها عن المهدي، وكان رجلا يعرف بأبي عبد الله السّوسي، ووصف له بالعلم، فتشوّف إلى لقائه، ليرى ما عنده في تأويل رؤياه؛ فانصرف إليه مع بعض الطلبة، فلقي رجلا قد وسمه، على ما يزعم الناس، حدثان من أبي حامد الغزالي، وعلقت به دعوة منه، في إذهاب ملك أهل اللّثام «4» ، لحرق كتابه على أيديهم، فهو مغرّى بالخروج عليهم، مهيأ في عالم الغيب إلى تخريب دعوتهم؛ فوافق شنّ طبقة «5» ، وما اجتمع الدّاآن إلّا ليقتتلا، والله غالب على أمره، فأجلسه، وسأله عن اسمه، وبلده، وسنّه، ونسبه، بالتعريف؛ وأمره أن يخفي من أمره، وعبّر له رؤياه، بأنه يملك الأرض؛ فاهتزّت الآمال وتعاضدت؛ ونفذت مشيئة الله؛ بأن دالت الدولة، وهلك محمد بن تومرت المهدي؛ فأفضى الأمر إلى عبد المؤمن، واستولى على ملك اللّمتونيين، فأباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واستولى على
(1/222)

ملك المغرب، فأقام به رسما عظيما، وأمرا جسيما، وأورثه بنيه من بعده، والله يؤتي ملكه من يشاء.
حاله: كان، رحمه الله، شهما شجاعا، جريئا، بعيد الهمّة، نافذ العزيمة، قويّ الشكيمة، لبيبا، كاتبا أديبا، فصيحا، بليغا، أبيّا، جوادا، حازما. وذكره ابن عسكر المالقي في تاريخ بلده؛ قال: دخل مالقة من قبل أخيه، فوصل إليها في الحادي عشر من محرم، وهو شاب حدث، فكان منه من نباهة القدر وجلالة النفس، وأبّهة الملك ما يعجز عنه كثير من الملوك. ولحين وصوله عقد مجلس مذاكرة، استظهر له نبهاء الطلبة، وكان الشيخ علي بن عبد المجيد يحضره. وكان يبدو منه، مع حداثة سنّه، من الذكاء والنّبل والتفطّن، ما كان يبهت الحاضرين، وكانوا ينظرون منه إلى بدريّ الحسن، وأسديّ الهيبة، وكهليّ الوقار والتؤدة؛ واشتغل بما يشتغل به الملوك من تفخيم البناء، كبنيان رياض السيّد الذي على ضفة الوادي «1» بمالقة المعروف باسمه، لله ورسوله، وكان عرفاء البنّائين لا يتصرفون إلّا بنظره؛ واستمرّت ولايته مفخّم الأمر، عظيم الولاية، إلى أن نقل منها إلى قرطبة، ثم نقل إلى إشبيلية وفيها بويع الخلافة «2» .
تصيّر الأمر إليه، وجوازه إلى العدوة:
قام على أخيه العادل بين يدي مقلعة، ببمالأة أخيه السيد أبي زيد، أمير بلنسية وتحريكه إياه، فتمّ له ذلك؛ وعقدت له البيعة بمرّاكش والأندلس. ثم إن الموحدين في مراكش بدا لهم في أمره، وعدلوا عنه إلى ابن عمّه أبي زكريا بن الناصر؛ واتصل به خبر خلعهم إياه فهاجت نفسه، ووقدت جمرته، واستعدّ لأخذ ثأره، ورحل من إشبيلية، واستصحب جمعا من فرسان الروم، واستجاز البحر سنة ست وعشرين وستمائة، قاصدا مراكش؛ وبرز ابن عمّه إلى مدافعته، والتقى الجمعان فكانت الهزيمة على يحيى بن الناصر، وفرّ إلى الجبال، واستولى القتل على جيشه، ودخل المأمون مراكش فأمر بتقليد شرفاتها بالرؤوس فعمّتها على اتّساع السّاحة؛ واستحضر النّاكثين لبيعته وبيعة أخيه، وهم كبار الدولة، واستفتى قاضيه «3» بمرأى منهم، واستحضر
(1/223)

خطوطهم وبيعاتهم، فأفتى بقتلهم، فقتل جماعتهم، وهم نحو مائة رجل «1» ، واتّصل البحث عمّن أفلت منهم، وصرف عزمه إلى محو آثار دولة الموحّدين، وتغيير رسمها، فأزال اسم مهديها عن الخطبة والسّكّة والمآذن، وقطع النداء عند الصلاة «تاصليت الإسلام» وكذلك «منسوب رب» «وبادرى» «2» ، وغير ذلك، مما جرى عليه عمل الموحّدين؛ وأصدر في ذلك رسالة حسنة، من إنشائه، يأتي ذكرها في موضعه.
وعند انصرافه من الأندلس، خلا للأمير أبي عبد الله بن هود الجوّ، بعد وقائع خلت بينهما، وانتهز النصارى الفرصة؛ فعظمت الفتنة، وجلّت المحنة.
دخوله غرناطة: لم يصحّ عندي أنه دخل غرناطة، مع غلبة الظن القريب من العلم بذلك، إلّا طريقه إلى مدافعته المتوكل بن هود بجهة مرسية؛ فإنه تحرك لمعالجة أمره في جيش إشبيلية باستدعاء أخيه السيد أبي زيد، والي بلنسية، بعد هزائم جرت بصقع الشرق لابن هود؛ فتحرك المأمون إليه، واحتلّ غرناطة، في رمضان من عام خمسة وعشرين وستمائة، وأنفذ منها كتابه إلى أخيه، يقوّي بصيرته، ويعلمه بنفوذه إليه؛ والتفّ عليه جيش غرناطة وما والاها، واتصل سيره إلى الشرق، فبرز ابن هود إلى لقائه، فكان اللقاء بخارج لورقة، فانهزم ابن هود، وفرّ إلى مرسية، وعساكر الموحدين في عقبه؛ واستقصاء مثل هذا يخرج عن الغرض.
وخاطب لأول أمره، وأخذ الناس ببيعته من بأقطار الأندلس، صادعا بالأمر المعروف، والنّهي عن المنكر، والحضّ على الصلوات وإيتاء الزكاة، وإيتاء الصدقات، والنهي عن شرب الخمر والمسكرات والتحريض على الرعاية، فمن كتابه:
«الحمد لله الذي جعل الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر أصلين يتفرّع منهما مصالح الدنيا والدين، وأمر بالعدل والإحسان، إرشادا إلى الحق المبين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد النبي الكريم، المبعوث بالشريعة التي طهرت الجيوب من الأدران، واستخدمت بواطن القلوب وظواهر الأبدان، طورا بالشدة، وتارة باللّين؛ القائل، ولا عدول عن قوله: «ومن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه وعرضه» تنبيها على ترك الشكّ لليقين؛ وعلى آله أعلام الإسلام، الملقين راية الإسلام باليمين، الذين مكّنهم الله في الأرض، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفاء بالواجب لذلك التمكين.
(1/224)

ومن فصل: «وإذا كنّا نوفي الأمة تمهيد دنياها، ونعنى بحماية أقصاها وأدناها، فالدين أهمّ وأولى، والتهمّم بإقامة الشريعة وإحياء شعائرها، أحقّ أن يقدّم وأحرى، وعلينا أن نأخذ بحسب ما يأمر به الشرع وندع، ونتبع السّنن المشروعة ونذر البدع.
ولنا أن لا ندّخر عنها نصيحة، ولانغبنها أداة من الأدوات مريحة، ولنا عليها أن تطيع وتسمع» .
ومن فصل: «وأول ما يتناول به الأمر النافذ، الصلاة لأوقاتها، والأداء لها على أكمل صفاتها، وشهودها إظهارا لشرائع الإيمان في جماعتها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أحبّ الأعمال إليّ الصلاة لأوقاتها» . وقال: «أول ما ينظر فيه من أعمال العيد الصلاة» . وقال عمر: إن أهمّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وقال: «لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وهي الركن الأعظم من أركان الإيمان، والسور الأوثق لأعمال الإنسان، والمواظبة على حضورها في المساجد، وإيثار ما لصلاة الجماعة من المزية على صلاة الواحد، أمر لا يضيّعه المفلحون، ولا يحافظ عليها إلّا المؤمنون. قال ابن مسعود، رضي الله عنه: لقد رأينا، وما يتخلّف عنها إلّا المنافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى يتهادى بين الرّجلين، حتى يقام في الصّف. وشهود الصبح، وعشاء الآخرة شاهد بمحضر الإيمان. ولقد جاء: حضور الصبح في جماعة يعدل قيام ليلة، وحسبكم بهذا الرّجحان. ومن الواجب أن يعتنى بهذه القاعدة الكبرى من قواعد الدين، ويأخذ بها في جميع الأمصار الصغير والكبير من المسلمين، ونيط في إلزامها قوله عليه الصلاة والسلام: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين» . وهي طويلة في معاني متعددة.
نثره ونظمه: ولمّا غيّر رسوم الموحّدين وأوقع بأرباب دولتهم خبر النكث ببيعته وبيعتي أخيه وعمّه، كتب إلى الأقطار عن نفسه، ولم يكمل إنشاءه بكتابة رسالة بديعة اشتملت على فصول كثيرة تنظر في كتاب «المغرب» و «البيان المغرب» وغير ذلك.
وكتابا بخطّه إلى أهل أندوجر «1» : «إلى الجماعة والكافّة من أهل فلانة، وقاهم الله عثرات الألسنة، وأرشدهم إلى محو السيئة بالحسنة؛ أما بعد فإنّه قد وصل من قبلكم كتابكم الذي «2» جدّد لكم أسهم الانتقاد، ورماكم من السّهاد «3» ، بالداهية النّاد «4» ؛
(1/225)

أتعتذرون من المحال بضعف الحال، وقلّة «1» الرجال؟ إذا نلحقكم بربّات الحجال.
كأنّا لا نعرف مناحي أقوالكم، وسوء «2» منقلبكم وأحوالكم؛ لا جرم أنكم سمعتم بالعدوّ قصمه الله، وقصده إلى «3» ذلك الموضع عصمه الله؛ فطاشت قلوبكم خورا، وعاد صفوكم كدرا، وشممتم ريح الموت وردا وصدرا؛ وظننتم أنكم أحيط بكم من كل جانب «4» ، وأن الفضاء قد غصّ بالتفاف القنا واصطفاف المناكب «5» ، ورأيتم غير شيء فتخيّلتموه «6» طلائع الكتائب. تبّا لهمّتكم «7» المنحطّة، وشيمتكم «8» الرّاضية بأدون خطّة؛ أحين «9» ندبتم إلى حماية إخوانكم، والذبّ «10» عن كلمة إيمانكم، نسّقتم الأقوال وهي مكذوبة، ولفّقتم الأعذار وهي بالباطل مشوبة؛ لقد آن لكم أن تتبدلوا جلّ الخرصان «11» ، إلى مغازل النّسوان؛ وما لكم ولصهوات الخيول، وإنما على الغانيات جرّ الذيول. أتظهرون العناد «12» تخريصا، بل تصريحا وتلويحا، ونظنّ أن لا يجمع لكم شتّا، ولا يدني منكم نزوجا. أين المفرّ وأمر الله يدرككم، وطلبنا الحثيث لا يترككم؟ فأزيلوا «13» هذه النزعة النّفاقيّة من «14» خواطركم قبل أن نمحو بالسيف أقوالكم وأفعالكم، ونستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، ونحن نقسم بالله لو اعتسفتم كل بيداء سملق، واعتصمتم بأمنع معقل، وأحفل فيلق، ما ونينا عنكم زمانا، ولا ثنينا عن استئصال العزم منكم «15» عنانا فلا يغرّنكم الإمهال، أيّها الجهّال» . وهي طويلة. وقال عند الإيقاع بالأشياخ أولي الفساد على الدول، وصلبهم في الأشجار والأسوار، مما كلف السّلمي بحفظها واستظرافها «16» : [الكامل]
أهل الحرابة والفساد من الورى ... يعزون في التشبيه بالذّكّار «17»
(1/226)

ففساده فيه الصلاح لغيره ... بالقطع والتّعليق في الأشجار
ذكّارهم ذكري إذا ما أبصروا ... فوق الجذوع وفي «1» ذرى الأسوار
لو عمّ عفو «2» الله سائر «3» خلقه ... ما كان أكثرهم من اهل النّار
توقيعه: قال ابن عسكر: وكانت تصدر منه توقيعات نبيلة، فمنها أن امرأة رفعت رقعتها بأحد من الأجناد ممّن نزل دارها، وصدر لها أمر ينكر؛ فوقّع على رقعتها: «يخرج هذا النازل، ولا يعوّض بشيء من المنازل» . وغير ذلك مما اختصرناه.
بنوه: أبو محمد عبد الواحد وليّ عهده، وأمير المؤمنين بعد وفاته، الملقّب بالرشيد؛ وعبد العزيز، ومان؛ وأبو الحسن علي، الملقّب بالسعيد، الوالي بعد أخيه الرشيد.
بناته: ابنة العزيز، وصفية، ونجمة، وعائشة، وفتحونة؛ وأمّهات الجميع روميّات، وسرّيّات مغربيات.
وزراؤه: وزر له الشيخ أبو زكريا بن أبي الغمر وغيره.
كتّابه: كتب له جملة من مشاهير الكتّاب، منهم أبو زكريا الفازازي، وأبو المطرّف بن عميرة، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو العباس بن عمران، وغيرهم. وما منهم إلّا شهير كبير.
وفاته: توفي، رحمه الله، بوادي أم الربيع، وقد طوى المراحل من ظاهر سبتة، مقلعا عن حصارها، مبادرا إلى مرّاكش، وقد اتصل به دخول يحيى بن الناصر إياها، فأعدّ السير وقد اشتدّ حنقه على أهلها، وأقسم أن يبيح حماها للرّوم، ويذهب اسمها ومسمّاها، فهلك عند دنوّه منها فجأة، فكانت عند أهل مراكش من غرر الفرج بعد الشدة؛ وكتمت زوجه حبابة الرومية، أم الرشيد ولده، خبر وفاته إلّا عن الأفراد من قوّاد النصارى وبعض الأشياخ، واتفق القول على مبايعة ابنها المذكور، بيعة خاصّة ثاني يوم وفاته؛ ثم جعل في هودج وأشيع أنه مريض، وزحفت الجيوش على تعبئته؛ وبرز يحيى بن الناصر من مراكش إلى لقائه، والتقى الجمعان فانهزم يحيى، واستولى الرشيد عليه، ودخل مراكش فاستقام الأمر؛ وكانت
(1/227)

وفاة المأمون أبي العلا، رحمه الله، ليلة الخامس عشر لمحرم عام ثلاثين وستمائة «1» .
وجرى ذكر المأمون والمهدي وأوّليّتهم في الرجز المتضمّن ذكر المسلمة «2» من نظمي بما نصّه بعد ذكر الدولة اللّمتونية: [الرجز]
ونجم المهديّ وهو الدّاهيه ... فأصبحت تلك المباني واهيه
وانحكم الأمر له وانجمعا ... في خبر نذكر منه لمعا
لم يأل فيها أن دعا لنفسه ... وكان في الحزم فريد جنسه
أغرب في ناموسه ومذهبه ... وفي الذي سطّره من نسبه
وعنده سياسة وعلم ... وجرأة وكلام وحلم
ووافقت أيامه في الناس ... لدولة المسترشد العبّاسي
ثم انقضت أيامه المنيفه ... وكان عبد المؤمن الخليفة
فضاء لون سعده ووضحا ... ولاح مثل الشمس في وقت الضّحى
ثم تلمسان وفاسا فتحا ... وملك أصحاب اللثام قد محا
ولما انتهى القول إلى المأمون المترجم به، بعد ذكر من يليه وعبد المؤمن جدّه، قلت: [الرجز]
ثم تولّى أمرهم أبو العلا ... فسلّط البيض على بيض الطّلا
وهو الذي أركب جيش الروم ... وجدّ في إزالة الرسوم
أسباط بن جعفر بن سليمان بن أيوب بن سعد السعدي سعد ابن بكر بن عفان الإلبيري
هذا هو جدّ سعيد بن جودي بن سوادة بن جودي بن أسباط، أمير المغرب.
وقدرهم بهذه المدينة شهير.
(1/228)

حاله: وكان من أهل العلم والفقه، والدين المتين، والورع الشديد، والصلاح الشهير.
نباهته: ولّاه الأمير عبد الرحمن قضاء إلبيرة حين بلغه زهده وورعه، وأنّه لم يشرك إخوته في شيء من ميراث أبيه، إذ كان لم يحضر الفتح، فبرىء به إليهم، وابتاع موئلا بوطنه أنيط به ماء، وانفرد به للعبادة والتبتّل، فاستقدمه هشام، فركب حماره وقدم عليه في هيئة رثّة بذلّة، فتوسّم فيه الخير، وقدّمه ووسّع له في الرّزق، ووهب له ضياعا كثيرة تعرف اليوم باسمه. وتوفي هشام وهو قاض بإلبيرة، فأقرّه ابنه الحكم ثم ولّاه شرطته، إلى أن توفي أسباط. قلت: انظر حال الشرطة عند الخلفاء من كان يختار لها لولايتها.
أسلم بن عبد العزيز بن هشام بن خالد بن عبد الله بن خالد ابن حسين بن جعفر بن أسلم بن أبان
مولى عثمان بن عفّان، رضي الله عنه؛ يكنى أبا الجعد.
أوّليّته: من أهل شرق الأندلس، أصلهم من لوشة فتيّة غرناطة «1» ، وموضعهم بها معروف، وإلى جدّهم ينسب جبل أبي خالد المطلّ عليها، وكان لهم ظهور هنالك، وفيهم أعلام وفضلاء.
حاله: كان أسلم من خيار أهل إلبيرة، شريف البيت، كريم الأبوّة، من كبار أهل العلم، وكانت فيه دعابة، لم ينسب إليه قطّ بسببها خزية في دين ولا زلّة. قال أبو الفضل عياض «2» : كان أسلم من خيار أهل إلبيرة، رفيع الدرجة في العلم، وعلوّ الهمّة في الإدراك، والرواية والدّيانة، والصّحبة، وبعد الرّحلة في طلب العلم، معروف النّصيحة والإخلاص للأمراء.
مشيخته: لقي بمصر، المدني، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس، والربيع بن سليمان المؤذن، وأحمد بن عبد الرحيم البرقي. وسمع من علي بن عبد العزيز، وسليمان بن عمران بالقيروان.
(1/229)

من روى عنه: سمع منه عثمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن يونس، ومحمد بن قاسم، وغير واحد، وانصرف إلى الأندلس من رحلته، فنال الوجاهة العظيمة.
ولايته: ولّاه قضاء الجماعة بغرناطة، الناصر لدين الله، أول ولايته، وسط سنة ثلاثمائة، إلى أن استعفى سنة تسع وثلاثمائة فأعفاه، ثم أعاده. وكان في قضائه صارما لا هوادة عنده. قال المؤرّخ: كان الناصر يستخلفه في سطح القصر إذا خرج إلى مغازيه. وحكى ابن حارث أن ابن معاذ وابن صالح أتيا يوما، فلمّا أخذا مجلسهما نظر إليهما وقال: ألقوا ما أنتم ملقون فأبهتهما. ودخل عليه محمد بن وليد يوما، فكلّمه في شيء، فقال أسلم: سمعنا وعصينا. فقال ابن وليد: ونحن قلنا واحتسبنا. وأتاه في بعض مجالسه شهود، بعضهم من أهل المدينة بقرطبة، وبعضهم من شلار من الرّبض الشرقي، يشهدون في ترشيد امرأة من الرّبض الغربي، فلما أخذوا مجالسهم، فتح باب الخوخة التي في المجلس الذي يجلس بدهليزه، ونادى من بخارجه فاجتمعوا؛ اسمعوا، عجبا لله درّ الشاعر حيث يقول: [الكامل]
راحت مشرّقة ورحت مغرّبا ... شتّان بين مشرّق ومغرّب
هؤلاء من أهل المدينة وشلار، يشهدون في ترشيد امرأة من ساكنات آخر بلاط مغيث، ثم سكت فدهش القوم وتسلّلوا. وبلغه عن بعض الشهود المتّهمين أنه أرشي في شهادته ببساط، فلما أتى ليؤدّيها، ودخل على أسلم، جعل يخلع نعليه عند المشي على بساط القاضي، فناداه: أبا فلان، البساط، الله الله؛ فتنبّه بأن أمره عند القاضي، ولم يجسر على أداء شهادته تلك. وخاصم فقيه عند أسلم رجلا في خادم أغربها، وجاء بشاهد أتى به من إشبيلية، فقال: يا قاضي، هذا شاهدي فاسمع منه، فصعّد أسلم في الشاهد وصوّب، وقال: أمحتسب «1» أو مكتسب أصلحك الله؟ فقال الشاهد: أحسن الظنّ أيها القاضي، فليس هذا إليك، هذا إلى الله المطّلع على ما في القلوب، ولم تقعد هذا المقعد لتسأل عن هذا وشبهه، وإنما عليك الظاهر، وتكل الباطن إلى الله، فإن شئت، فاسمع الشهادة كما يلزمني أداؤها، ثم اقبلها أو اضرب بها الحائط. وفي رواية أخرى، وليس لك أن تكشف السّتر المنسدل بينك وبيني، فإن هذا التفسير للشهود يوقف عن الشهادة عندك، ويعرّض لإهانتك أهل لائقة، وفي ذلك من ضياع الحقوق ما لا يخفى، فأخجل أسلم كلامه، وقال له: لك ما قلت، فأدّ
(1/230)

شهادتك، يرحمك الله. قال: فأين الخادم؟ تحضر حتى أشهد على عينها، قال أسلم وفقيه أيضا: هاتوا الخادم، فجاءت من عند الأمين، فلمّا مثلت بين يديه، نظر منها مليّا، ثم قال: أعرف هذه الخادم ملكا لهذا الرجل، لا أعرف ملكه، زال عنها بوجه من الوجوه، إلى حين شهادتي هذه، سلام على القاضي، ثم خرج، فبقي أسلم متعجّبا منه.
محنته: كفّ بصره في أخريات أيامه، فطلب لأجل ذلك الإعفاء فأعفي، ولزم بيته صابرا محتسبا إلى حين وفاته.
مولده: سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
أسد بن الفرات بن بشر بن أسد المرّي
من أهل قرية الصّير مورته «1» ، من إقليم البساط من قرى غرناطة.
حاله: كان عظيم القدر والشرف والشّهرة، أصيل المعرفة والدين.
مشيخته: خرج إلى المشرق، ولقي مالك بن أنس، رضي الله عنه، روى عنه سحنون بن سعيد.
تآليفه: ألّف كتاب «المختلطة» ، وولّي القضاء بالقيروان أجمل ما كانت وأكثر علما، وولّاه زيادة الله «2» غزو صقلية، ففتحها وأبلى بلاء حسنا.
وفاته: توفي، رحمه الله، محاصرا سرقوسة منها سنة ثلاث عشرة «3» ومائتين.
هذا ما وقع في كتاب أبي القاسم الملّاحي. وذكره عياض فذكر خلافا في اسمه وفي أوّليته.
أبو بكر المخزومي الأعمى الموروري المدوّري «4»
حاله: كان أعمى «5» ، شديد القحة والشّرّ، معروفا بالهجاء، مسلّطا على
(1/231)

الأعراض، سريع الجواب، ذكيّ الذهن، فطنا للمعاريض «1» ، سابقا في ديوان «2» الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره.
دخوله غرناطة: وذكر شيء من شعره، ومهاترته مع نزهون بنت القلاعي.
قال «3» أبو الحسن بن سعيد، في كتابه المسمّى ب «الطالع السعيد» : قدم على غرناطة أيام ولاية أبي بكر بن سعيد عمل غرناطة، ونزل قريبا منه، وكان يسمع به؛ فقال: صاعقة يرسلها الله، عزّ وجلّ، على من يشاء من عباده، ثم رأى أن يبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعاه بهذه الأبيات: [المجتث]
يا ثانيا للمعرّي ... في حسن نظم ونثر
وفرط ظرف ونبل ... وغوص فهم وفكر
صل ثم واصل حفيّا ... بكلّ شكر وبرّ «4»
وليس إلّا حديث ... كما زها عقد درّ
وشادن قد تغنّي «5» ... على رباب وزمر
وما يسامح فيه ال ... غفور من كأس خمر
وبيننا عقد حلف ... لبان شرك وكفر «6»
فقم نجدّده عهدا ... بطيب شكر وسكر «7»
والكأس مثل رضاع ... ومن كمثلك يدري؟
ووجّه «8» له الوزير أبو بكر بن سعيد عبدا صغيرا قاده، فلمّا استقرّ به المجلس، وأفعمته روائح النّدّ»
والعود والأزهار، وهزّت عطفه الأوتار، قال: [البسيط]
دار السّعيديّ ذي أم دار رضوان «10» ... ما تشتهي النّفس فيها حاضر دان
(1/232)

سقت أبارقها للنّدّ سحب ندى ... تحدو برعد لأوتار وألحان «1»
والبرق من كلّ دنّ «2» ساكب مطرا ... يحيي به ميت أفكار وأشجان
هذا النعيم الذي كنّا نحدّثه ... ولا سبيل له إلّا بآذان
فقال أبو بكر بن سعيد: «ولا سبيل له إلّا بآذان» «3» ، فقال: حتى يبعث الله ولد زنا كلما أنشدت هذه الأبيات، قال: وإن قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا، فلا أنطق بحرف في ذلك، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي، الآتي ذكرها، حاضرة، فقالت: ونراك يا أستاذ، قديم النغمة «4» ، بندّ وغناء وطيب شراب، تتعجب من تأتّيه، وتشبّهه بنعيم الجنة، وتقول: ما كان يلمّ إلّا بالسّماع، ولا يبلغ إليه إلّا بالعيان؟ لكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النّغم «5» ؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى، فقالت له: دعه «6» ، فقال: من هذه الفاعلة «7» ؟ فقالت: عجوز مقام أمّك، فقال:
كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنما هذه نغمة قحبة محترقة تشمّ روائح كذا «8» منها على فرسخ «9» ، فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشّاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها لا أسمعها الله خيرا، ولا أراها إلّا أيرا «10» . فقالت له:
يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير أفضل للمرأة ممّا ذكرت «11» ؟ ففكّر المخزومي ساعة ثم قال: [الطويل]
على وجه نزهون من الحسن مسحة ... وإن كان قد أمسى من الضّوء عاريا «12»
(1/233)

قواصد نزهون توارك «1» غيرها ... ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا «2»
فأعملت فكرها وقالت «3» : [المجتث]
قل للوضيع مقالا ... يتلى إلى حين يحشر
من المدوّر أنشئ ... ت والخرا «4» منه أعطر
حيث البداوة أمست ... في أهلها «5» تتبختر
لذاك «6» أمسيت صبّا ... بكلّ شيء مدوّر «7»
خلقت أعمى ولكن ... تهيم في كلّ أعور
جازيت شعرا بشعر ... فقل لعمري من أشعر «8»
إن كنت في الخلق أنثى ... فإنّ شعري مذكّر
فقال لها اسمعي «9» : [المتقارب]
ألا قل لنزهونة ما لها ... تجرّ من التّيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة «10» شمّرت ... كما عوّدتني، سربالها
(1/234)

فحلف أبو بكر بن سعيد ألّا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمة، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيء؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنه ليّن القدّ رقيق الملمس «1» . فقال أبو بكر: لولا أنه صغير كنت أبلّغك فيه مرادك، وأهبه لك؛ ففطن لقصده، وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيرا ما آثرتني على نفسك؛ فضحك أبو بكر وقال: قد هجوت نثرا، وإن لم تهج نظما، فقال: أيها الوزير، لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح بينه وبين نزهون.
وقال يمدح القاضي بغرناطة أبا الحسن بن أضحى «2» ، رحمهما الله «3» :
عجبا للزمان يطلب هضمي «4» ... وملاذي منه عليّ بن أضحى
جاره قد سما على النّطح عزّا ... ليس يخشى من حادث الدهر «5» نطحا
فكأنّي علوت قرن فلان ... أيّ تيس مطوّل القرن ألحى
فقال له ابن أضحى: هلّا اقتصرت على ما أنت بسبيله، فكم تقع في الناس؟
فقال: أنا أعمى وهم حفر فلا أزال أقع فيها، فقال: فأعجبني كلامه على قبحه.
وحديث مقامه بغرناطة يقتضي طويلا.
وفاته: قال أبو القاسم بن خلف، كان حيّا بعد الأربعين وخمسمائة.
أصبغ بن محمد بن الشيخ المهدي
يكنى أبا القاسم؛ عالم مشهور.
حاله: كان محقّقا بعلم العدد والهندسة، مقدّما في علم الهيئة والفلك وعلم النجوم، وكانت له مع ذلك عناية بالطّب.
(1/235)

تواليفه: تواليفه حسان، وموضوعاته مفيدة؛ منها كتاب «المدخل إلى الهندسة» في تفسير كتاب أقليدس. ومنها كتاب ثمار العدد المعروف ب «المعاملات» . ومنها كتابه الكبير في الهندسة، تقصّى فيه أجزاءها. ومنها كتاب في الآلة المعروفة بالأسطرلاب. ومنها تاريخه الذي ألّفه وهو تاريخ كبير.
وفاته: قال ابن جماعة في تاريخه: أخبرني أبو مروان سليمان بن عيسى الناشىء المهندس، أنه توفي بمدينة غرناطة قاعدة الأمير حبّوس ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت لرجب سنة ست وعشرين وأربعمائة، وهو ابن ست وخمسين سنة شمسية. وعدّه من مفاخر الأندلس.
أبو علي بن هدية
من أهل غرناطة.
حاله: قال أبو القاسم الملّاحي فيه: من أهل الدين، والفضل، والأمانة، والعدالة، والمعرفة بالتكسير والأعمال السلطانية، وولّي «المستخلص» «1» بغرناطة، فثقب وأجاد النظر. قال ابن الصّيرفي: ولما ولي الوزير أبو علي بن هديّة المستخلص، وباشر جلائل الأمور ودقائقها بنفسه، حمى المناصفين، ورفع المؤن والكلف عنهم، ووسّع بسليف البذر عليهم، وآثرهم بالنّصفة بالتزام حصّة بيت المال؛ ولم يكن له حجّاب ولا بوّاب، فكان القويّ والضعيف، والمشروف والشريف، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، شرعا سواء في الوصول إليه، والتكلّم في مجلسه، فلم يهتضم جانب، ولا دحضت حجة؛ إلّا أنه ارتفعت الرّقبة، وزالت الهيبة، وأمحق نور الخطّة؛ وخصّ أحباس «2» جامع غرناطة بنظره، بفضل مال كثير من غلّته، ونبّه باجتماعه ليزيد به بلاطين في مسقفه من شرقه وغربه، فأكمل الله ذلك بسعيه وعلى يديه؛ ورام ربع المستخلص، وزاد به في حمّاماته؛ ورمّ حوانيته، واستحدث منيحة سمّاها المستحدثة، وغرس قضبان الجوز في مواضع المياه، وعوّض بما ذهب، وشمّر في جمع المال، ووالى الحفز على العمل، ونصح بمقتضى جهده، ومنتهى وسعه، ولم تمدّ يده في مصانعة، ولا مالت إلى مداخلة، ولكنه لم يحمل في حق، ولا نوقش في باطل.
(1/236)

أم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطّنجالي
من أهل لوشة.
نبيلة حسيبة، تجيد قراءة القرآن، وتشارك في فنون من الطّلب، من مبادئ غريبة، وخلف وإقراء مسائل الطّبّ، وتنظم أبياتا من الشعر. وذكرتها في خاتمة «الإكليل» «1» بما نصّه: «ثالثة حمدة وولّادة، وفاضلة الأدب والمجادة، تقلّدت المحاسن من قبل ولّادة، وأولدت أبكار الأفكار قبل سنّ الولادة. نشأت في حجر أبيها، لا يدّخر عنها تدريجا ولا سهما، حتى نهض إدراكها وظهر في المعرفة حراكها، ودرّسها الطبّ ففهمت أغراضه، وعلمت أسبابه وأعراضه» . وفي ذكر شعرها:
«ولمّا قدم أبوها من المغرب، وحدّث بخبرها المغرب، توجّه بعض الصدور إلى اختبارها، ومطالعة أخبارها، فاستنبل أغراضها واستحسنها، واستطرف لسنها، وسألها عن الخطّ، وهو أكسد بضاعة جلبت، وأشحّ درّة حلبت. فأنشدته من نظمها:
[البسيط]
الخطّ ليس له في العلم فائدة ... وإنّما هو تزيين بقرطاس
والدرس سؤلي لا أبغي به بدلا ... بقدر علم الفتى يسمو على الناس
وراجعها بعض المجّان، يغفر الله له: [مجزوء البسيط]
إن فرط الدرس يا أمّي سحق ... وهذا هو المشهور في الناس «2»
فخذ من الدرس شيئا تافها ... خطّا وبالفهم كلّ الناس «3»
ومن شعرها في غرض المدح: [الكامل]
إن قيل من للناس «4» ربّ فضيلة ... حاز العلا والمجد منه أصيل
فأقول رضوان وحيد زمان ... إنّ الزمان بمثله لبخيل
(1/237)

بلكّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن بن زيري ابن مناد الصّنهاجي «1»
الأمير الملقّب بسيف الدولة، صاحب أمر والده والمرشح للولاية بعده.
حاله: قال المؤرّخ «2» : كان زيري بن مناد، ممّن ظهر في حرب ابن يزيد بإفريقية، واتّسم هو وقومه بطاعة العبيديين أمراء الشيعة، فكانوا حربا لأضدادهم من زناتة الموالين لأملاك المراونة «3» لتحقّق جدّهم خزر بولايته عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ فلمّا صار الأمر إلى بني مناد بعد انتقال ملك الشيعة إلى المشرق، وولّي الأمر باديس بن منصور بن بلكّين بن زيري، ذهب أعمامه وأعمام أبيه إلى استضعافه، فلم يعطهم ذلك من نفسه، ووقعت بينهم الحرب التي قتل فيها عمّ أبيه ماكسن بن زيري، فرهب الباقون منهم صولة باديس، وخافوا عاديته على أنفسهم، على صغر سنّه؛ فخاطب شيخ بيته يومئذ زاوي بن زيري ومعه أبناء أخيه، المظفّر بن أبي عامر ليجوز إليه إلى الأندلس رغبة في الجهاد، فألفى همّة بعيدة، وملكا شامخا، يذهب إلى استخدام الأشراف واصطناع الملوك، فأذن في ذلك؛ فدخل منهم جماعة الأندلس مع أميرهم زاوي بن زيري، ومعه أبناء أخيه حباسة وحبّوس وماكسن؛ فأنزلهم المظفّر وأكرمهم، إلّا أنهم كابدوا مشقّة من دهرهم الذي أصارهم يخدمون بأبواب الملوك من أعدائهم غيرهم؛ فلمّا انهدمت الإمامة، وانشقّت عصا الجماعة، سعوا في الفتنة سعي غيرهم؛ من سائر قبائل البرابرة، عند تشديد أهل الأندلس للبربر؛ وانحازوا عند ظهورهم على أهل الأندلس، بملوك بني حمّود، إلى بلاد تضمّهم، فانحازت صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم زاوي بن زيري إلى مدينة غرناطة. ثم آثر زاوي العودة إلى وطنه إفريقية، فخرج عن الأندلس حسبما يتفسر في موضعه. والتفّ قومه على ابن أخيه حبّوس بن ماكسن، في جماعة عظيمة تحمي حوزته، وأقام بها ملكا؛ وغلب على ما اتصل بمدينته من الكور، فتملّك قبرة «4» ، وجيّان «5» ، واتّسع نظره، وحمى وطنه ورعيّته ممّن جاوره من البرابر؛ وكان داهية شجاعا، فدامت رئاسته، واتصل ملكه،
(1/238)

إلى أن هلك. فولى بعده ابنه باديس، وسيأتي التعريف به؛ وولد له ابنه بلكّين هذا المترجم به، فرشّحه إلى ملكه، وأخذ له بيعة قومه، وأهّله للأمر من بعده. قال المؤرّخ «1» : ونشأ لباديس بن حبّوس، ولد اسمه بلكّين، وكان عاقلا نبيلا، فرشّحه للأمر من بعده؛ وسمّاه سيف الدولة؛ وقال: ولّي مالقة في حياة أبيه، وكان نبيلا جليلا؛ ووقعت على كتاب بخطه نصّه بعد البسملة:
«هذا ما التزمه واعتقد العمل به، بلكّين بن باديس، للوزير القاضي أبي عبد الله بن الحسن الجذامي سلّمه الله. اعتقد به إقراره على خطّة الوزارة، والقضاء في جميع كوره «2» ، وأن يجري من الترفيع والإكرام له إلى أقصى غاية، وأن يحمل «3» على الجراية في جميع أملاكه بالكور «4» المذكورة، حاضرتها وباديتها، الموروثة منها، والمكتسبة، القديمة الاكتساب والحديثة، وما ابتاع منها من العالي «5» ، رحمه الله وغيره، لا يلزمها وظيف بوجه، ولا يكلّف منها كلفة، على كل حال، وأن يجري في قرابته، وخوله وحاشيته وعامري ضيعه، على المحافظة والبرّ والحرية. وأقسم على ذلك كلّه بلكّين بن باديس بالله العظيم، والقرآن «6» الحكيم، وأشهد الله على نفسه وعلى التزامه له، وكفى بالله شهيدا. وكتب بخطّ يده مستهل شهر رمضان العظيم سنة ثمان «7» وأربعين وأربعمائة، والله المستعان» . ولا شكّ أن هذا المقدار يدلّ على نبل، ويعرف عن كفاية.
سبب وفاته: قال صاحب البيان المغرب وغيره «8» : وأمضى باديس كاتب أبيه ووزيره «9» إسماعيل بن نغرالة «10» اليهودي على وزارته وكتابته وسائر أعماله، ورفعه
(1/239)

فوق كل منزلة؛ وكان لولده بلكّين «1» خاصّة من المسلمين يخدمونه، وكان مبغضا في اليهودي «2» ، فبلغه أنه تكلّم في «3» ذلك لأبيه، فبلغ منه كلّ مبلغ؛ فدبّر «4» الحيلة، فذكروا أنه دخل عليه يوما فقبّل الأرض بين يديه، فقال له الغلام: ولم ذلك؟ فقال:
يرغب العبد «5» أن تدخل داره مع من أحببت من عبيدك ورجالك، فدخل إليه بعد ذلك، فقدّم له ولرجاله طعاما وشرابا، ثم جعل السّم في الكأس لابن باديس، فرام القيء، فلم يقدر عليه، فحمل إلى قصره وقضى «6» نحبه في يومه؛ وبلغ الخبر إلى أبيه ولم يعلم السبب، فقرّر اليهوديّ عنده أنّ أصحابه وبعض جواريه سمّوه، فقتل باديس جواري «7» ولده، ومن فتيانه وبني عمّه جماعة كبيرة، وخافه سائرهم ففرّوا عنه. وكانت وفاته سنة ست وخمسين وأربعمائة. وبعده قتل اليهودي في سنة تسع وخمسين.
باديس بن حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «8»
كنيته أبو مناد، ولقبه الحاجب المظفّر بالله، الناصر لدين الله.
أوّليّته: قد تقدّم الإلماع بذلك عند ذكر ابنه بلكّين.
حاله: كان رئيسا يبسا، طاغية، جبّارا، شجاعا، داهية، حازما، جلدا، شديد الأمر، سديد الرأي، بعيد الهمّة، مأثور الإقدام، شره السيف، واري زناد الشرّ، جمّاعة للمال؛ ضخمت به الدولة، ونبهت الألقاب، وأمنت لحمايته الرعايا، وطمّ
(1/240)

تحت جناح سيفه العمران، واتّسع بطاعته المرهبة الجوانب ببأسه النظر، وانفسخ الملك، وكان ميمون الطائر، مطعم الظّفر «1» ، مصنوعا له في الأعداء، يقنع أقتاله بسلمه، ولا يطمع أعداؤه في حربه. قال ابن عسكر «2» : يكنى أبا مسعود، وكان من أهل الحزم وحماية الجانب، وكان يخطب ويدعو للعلويّين بمالقة «3» ، فلمّا توفي إدريس بن يحيى العالي «4» ، ملك مالقة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة «5» .
وقال الفتح في قلائده «6» : «كان باديس بن حبّوس بغرناطة عاتيا في فريقه، عادلا عن سنن العدل وطريقه؛ يجترئ على الله غير مراقب، ويسري «7» إلى ما شاء غير ملتفت للعواقب؛ قد حجب سنانه لسانه، وسبقت إساءته إحسانه؛ ناهيك من رجل لم يبت من ذنب على ندم، ولم «8» يشرب الماء إلّا من قليب دم؛ أحزم من كاد ومكر، وأجرم من راح وابتكر؛ وما زال متّقدا في مناحيه، متفقّدا لنواحيه، لا يرام بريث ولا عجل، ولا يبيت له جار إلّا على وجل» .
أخباره في وقائعه: ينظر إيقاعه بزهير العامري ومن معه في اسم زهير، فقد ثبت منه هنالك نبذة، وإيقاعه بجيش ابن عبّاد بمالقة عندما طرق مالقة وتملّكها، واستصرخ من استمسك بقصبتها من أساودتها، وغير ذلك مما هو معلوم، وشهرته مغنية عن الإطالة.
ومن أخباره في الجبرية والقسوة، قال ابن حيّان: عندما استوعب الفتكة بأبي نصر بن أبي نور اليفرني أمير رندة المنتزي بها وقتله، ورجوعها إلى ابن عباد؛ حكى أبو بكر الوسنشاني الفقيه عن ثقة عنده من أصادقة التّجّار، أنه حضر مدينة غرناطة، حضرة باديس بن حبّوس الجبار، أيام حدث على أبي نصر، صاحب تاكرنّا، ما حدث، وأن أميرها باديس قام للحادثة وقعد، وهاج من داء عصبيّته ما قد سكن، وشقّ أثوابه، وأعلن أعواله، وهجر شرابه الذي لا صبر له عنه، وجفا ملاذّه؛ وأوهمته
(1/241)

نفسه الخبيثة تمالؤ رعيّته من أهل الأندلس، على الذي دهى أبا نصر، فسوّلت له نفسه حمل السيف على أهل حضرته جميعا، مستحضرا لهم، وكيما ينبرهم، ويخلص برابرته وعبيده فيريح نفسه، ودبر أن يأتي ذلك إليهم عند اجتماعهم بمسجدهم الجامع الأقرب أيام الجمعة، من قوة همومه؛ وشاور وزيره اليهودي يوسف بن إسماعيل، مدبّر دولته الذي لا يقطع أمرا دونه، مستخليا مستكتما بسرّه، مصمّما في عزمه، إن هو لم يوافقه عليه؛ فنهاه عن ذلك وخطّأ رأيه فيه، وسأله الأناة ومحض الرويّة، وقال له: هبك وصلت إلى إرادتك ممّن بحضرتك، على ما في استباحتهم من الخطر، فأنّى تقدر على الإحاطة بجميعهم من أهل حضرتك، وبسائط أعمالك؟ أتراهم يطمئنون إلى الذّهول عن مصائبهم، والاستقرار في موضعهم؟ ما أراهم إلّا سيوفا ينتظمون عليك في جموع، يغرقونك في لججها أنت وجندك؛ فردّ نصيحته، وأخذ الكتمان عليه، وتقدّم إلى عارضه باعتراض الجند في السلاح، والتّعبئة لركوبه يوم الفتكة، يوم تلك الجمعة، فارتجّ البلد. وذكر أن اليهودي دسّ نسوانا إلى معارف لهنّ من زعماء المسلمين بغرناطة، ينهاهم عن حضور المسجد يومهم، ويأمرهم بإخفاء أنفسهم؛ وفشا الخبر فتخلّف الناس عن شهود الجمعة؛ ولم يأته إلّا نفر من عامّتهم، اقتدوا بمن أتاه من مشيخة البربر وأغفال القادمين؛ وجاء إلى باديس الخبر، والجيش في السلاح حوالي قصره، فساءه وفتّ في عضده، ولم يشكّ في فشوّ سرّه، وأحضر وزيره وقلّده البوح بسرّه فأنكر ما قرفه به؛ وقال: ومن أين ينكر على الناس الحذر، وأنت قد استركبت جندك وجميع جيشك في التّعبئة، لا لسفر ذكرته، ولا لعدوّ وثب إليك، فمن هناك حدس القوم على أنك تريدهم، وقد أجمل الله لك الصّنع في نفارهم، وقادك إصارهم، فأعد نظرك يا سيدي، فسوف تحمد عاقبة رأيي وغبطة نصحي. فنصّح وزيره شيخ من موالي صنهاجته، فانعطف لذلك بعد لأي، وشرح الله صدره. ويجري التعريف بشيء من أمور وزيره.
قال ابن عذاري المراكشي في كتابه المسمى ب «البيان المغرب» «1» : أمضى باديس كاتب أبيه ووزيره ابن نغرالة اليهودي «2» ، وعمالا متصرّفين من أهل ملّته، فاكتسبوا الجاه في أيامه واستطالوا على المسلمين. قال ابن حيّان: وكان هذا اللعين في ذاته، على ما زوى الله عنه من هدايته، من أكمل الرجال علما وحلما وفهما، وذكاء، ودماثة، وركانة، ودهاء، ومكرا، وملكا لنفسه، وبسطا من خلقه، ومعرفة
(1/242)

بزمانه، ومداراة لعدوّه، واستسلالا لحقودهم بحلمه؛ ناهيك من رجل كتب بالقلمين، واعتنى بالعلمين، وشغف باللسان العربي، ونظر فيه، وقرأ كتبه، وطالع أصوله؛ فانطلقت يده ولسانه، وصار يكتب عنه وعن صاحبه بالعربي، فيما احتاج إليه من فصول التحميد لله تعالى، والصلاة على رسوله، صلى الله عليه وسلم، والتزكية لدين الإسلام، وذكر فضائله، ما يريده، ولا يقصر فيما ينشئه عن أوسط كتّاب الإسلام؛ فجمع لذلك «السّجيج في علوم الأوائل الرياضية» وتقدم منتحليها بالتدقيق للمعرفة النّجومية؛ ويشارك في الهندسة والمنطق، ويفوق في الجدل كلّ مستول منه على غاية؛ قليل الكلام مع ذكائه، ماقتا للسباب، دائم التفكّر، جمّاعة للكتب. هلك في العشر الثاني لمحرم سنة تسع وخمسين وأربعمائة «1» ، فجلّل اليهود نعشه، ونكّسوا لها أعناقهم خاضعين، وتعاقدوه جازعين، وبكوه معلنين؛ وكان قد حمل ولده يوسف المكنّى بأبي حسين على مطالعة الكتب، وجمع إليه المعلمين والأدباء من كل ناحية، يعلّمونه ويدارسونه، وأعلقه بصناعة الكتابة، ورشّحه لأول حركته، لكتابة ابن مخدومه بلكّين برتبة المترشّح لمكانه، تمهيدا لقواعد خدمته؛ فلما هلك إسماعيل في هذا الوقت، أدناه باديس إليه، وأظهر الاغتباط به، والاستعاضة بخدمته عن أبيه.
ذكر مقتل اليهودي يوسف بن إسماعيل بن نغرالة الإسرائيلي:
قال صاحب البيان «2» : وترك ابنا له يسمى «3» يوسف لم يعرف ذلّ «4» الذّمّة، ولا قذر اليهودية. وكان جميل الوجه، حادّ الذّهن، فأخذ «5» في الاجتهاد في الأحوال، وجمع «6» المال، واستخراج الأموال، واستعمال «7» اليهود على الأعمال، فزادت منزلته عند أميره «8» ، وكانت له عليه «9» عيون في قصره من نساء وفتيان، يشملهم «10» بالإحسان، فلا يكاد باديس يتنفس، إلّا وهو يعلم ذلك «11» . ووقع ما تقدم ذكره، في
(1/243)

ذكر بلكّين من اتّهامه بسمّه، وتولّيه التهمة به عند أبيه، للكثير من جواريه وخدّامه، وفتك هذا بقريب له، تلو له في الخدمة والوجاهة، يدعى بالقائد، شعر منه بمزاحمته إياه فتكة شهيرة؛ واستهدف للناس فشغلت به ألسنتهم، وملئت غيظا عليه صدورهم، وذاعت قصيدة الزاهد أبي إسحاق الإلبيري، في الإغراء بهم، واتفق أن أغارت على غرناطة بعوث صمادحية تقول إنها باستدعائه، ليصير الأمر الصّنهاجيّ إلى مجهزها الأمير بمدينة ألمريّة. وباديس في هذه الحال منغمس في بطالته، عاكف على شرابه.
ونمي هذا الأمر إلى رهطه من صنهاجة، فراحوا إلى دار اليهودي مع العامّة، فدخلوا عليه، فاختفى، زعموا في بيت فحم، وسوّد وجهه، يروم التنكير فقتلوه لمّا عرفوه، وصلبوه على باب مدينة غرناطة، وقتل من اليهود في يومه، مقتلة عظيمة، ونهبت دورهم، وذلك سنة تسع وخمسين وأربعمائة «1» . وقبره اليوم وقبر أبيه يعرف أصلا من اليهود ينقلونه بتواتر عندهم، أمام باب إلبيرة، على غلوة، يعترض الطريق، على لحده حجارة كدان جافية الجرم؛ ومكانه من الترفّه والتّرف والظّرف والأدب معروف؛ وإنما أتينا ببعض أخباره لكونه ممّن لا يمنع ذكره في أعلام الأدباء والأفراد إلا نحلته.
مكان باديس من الذكاء وتولّعه بالقضايا الآتية:
قال ابن الصّيرفي: حدّثني أبو الفضل جعفر الفتى، وكان له صدق، وفي نفسه عزّة وشهامة وكرم، وأثنى عليه، وعرّف به، حسبما يأتي في اسم جعفر المذكور، قال: خاض باديس مع أصحابه في المجلس العلي، من دار الشّراب بقصره، واصطفّت الصّقاليب «2» والعبيد بالبرطل «3» المتصل به لتخدم إرادته، فورد عليه نبأ قام لتعرّفه عن مجلسه، ثم عاد إلى موضعه وقد تجهّم وجهه، وخبثت نفسه، فحذر ندماؤه على أنفسهم، وتخيّلوا وقوع الشّرّ بهم، ثم قال: أعلمتم ما حدث؟ قالوا: لا، والله يطلع على خير، قال: دخل المرابط «4» الدّمنة، فسري عن القوم، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء بنصره، وفسحة عمره، ودوام دولته، ثم وجموا لوجومه، فلمّا رأى
(1/244)

تكدّر صفوهم، قال: أقبلوا على شأنكم، ما نحن وذاك، اليوم خمر وغدا أمر «1» ، بيننا وبينه أمداد الفجو، والنّشور الجبال وأمواج البحار، ولكن لا بدّ له أن يتملّك بلدي، ويقعد منه مقعدي، وهذا أمر لا يلحقه أحد منّا، وإنما يشقى أحفادنا. قال جعفر: فلمّا دخل الأمير القصر، عند خلعه حفيد باديس برحبة مؤمّل «2» ، طاف بكل ركن ومكان منه، وأنا في جملته حتى انتهى إلى ذلك المجلس، فبسط له ما قعد عليه، فتذكرت قول باديس، وتعجبت منه تعجّبا ظهر عليّ، فالتفت إليّ أمير المسلمين منكرا، وسألني ما بي، فأخبرته وصدقته، وقصصت عليه قول باديس، فتعجّب، وقام إلى المسجد بمن معه، فصلّى فيه ركعات، وأقبل يترحّم على قبره.
وفاته: قال أبو القاسم بن خلف: توفي باديس ليلة الأحد الموفي عشرين من شوّال سنة خمس وستين وأربعمائة «3» ، ودفن بمسجد القصر. قلت: وقد ذهب أثر المسجد، وبقي القبر يحفّ به حلق له باب، كل ذلك على سبيل من الخمول، وجدث القبر رخام، إلى جانب قبر الأمير المجاهد أبي زكريا يحيى بن غانية، المدفون في دولة الموحّدين به.
وقد أدال اعتقاد الخليفة في باديس بعد وفاته، قدم العهد بتعرّف أخبار جبروته وعتوّه على الله سبحانه، لما جبلهم عليه من الانقياد للأوهام والانصياع للأضاليل، فعلى حفرته اليوم من الازدحام بطلاب الحوائج والمستشفين من الأسقام، حتى أولو الدّواب الوجيعة، ما ليس على قبر معروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي.
ومن أغرب ما وقفت عليه رقعة رفعها إلى السلطان على يدي رجل من أهل الخبر مكتّب «4» يؤمّ في مسجد القصبة القدمى من دار باديس، يعرف بابن باق، وهو يتوسّل إلى السلطان ويسأل منه الإذن في دفنه مجاورا لقبره. وعفو الله أوسع من أن يضيق على مثله، ممّن أسرف على نفسه، وضيّع حقّ ربّه. ودائره اليوم طلول قد
(1/245)

تغيّرت أشكالها وقسّم التملّك جنّاتها، ومع ذلك فمعاهدها إليه منسوبة، وأخباره متداولة.
وقد ألمعت في بعض مشاهده بقولي من قصيدة، غريبة الأغراض، تشتمل على فنون، أثبتها إحماضا وفكاهة، لمن يطالع هذا الكتاب، وإن لم يكن جلبها ضروريّا فيه، فمنها «1» : [الطويل]
عسى خطرة «2» بالرّكب يا حادي العيس ... على الهضبة الشّمّاء من قصر باديس
بكرون بن أبي بكر بن الأشقر الحضرمي
يكنى أبا يحيى.
حاله: كان من ذوي الأصالة ومشايخ الجند، فارسا نجدا حازما سديد الرأي، مسموع القول، شديد العضلة «3» ، أيّدا «4» ، فحلا وسيما، قائدا عند الجند الأندلسي، في أيام السلطان ثاني ملوك بني نصر، من أحفل ما كان الأمر، يجرّ وراءه دنيا عريضة، وجبى الجيش على عهده مغانم كثيرة.
قال شيخنا ابن شبرين في تذكرة ألفيتها بخطه: كان له في الخدمة مكان كبير، وجاه عريض، ثم صرفه الأمر عن رسمه، وأنزله الدهر عن حكمه، تغمّدنا الله وإياه برحمته.
وفاته: في عام أربعة عشر وسبعمائة، ودفن بمقبرة قومه بباب إلبيرة.
بدر مولى عبد الرّحمن بن معاوية الداخل
يكنى أبا النصر، رومي الأصل.
حاله: كان شجاعا داهية، حازما فاضلا، مصمّما تقيّا، علما من أعلام الوفاء.
لازم مولاه في أعقاب النكبة، وصحبه إلى المغرب الأقصى، مختصّا به ذابّا عنه، مشتملا عليه، وخطب له الأمر بالأندلس، فتمّ له بما هو مذكور.
(1/246)

قال أبو مروان في المقتبس: إن عبد الرّحمن لمّا شرّده الخوف إلى قاصية المغرب، وتنقّل بين قبائل البربر، ودنا من ساحل الأندلس- وكان بها همّه- يستخبر من قرب، فعرف أن بلادها مفترقة بفرقتي المضرية واليمانية، فزاد ذلك في أطماعه، فأدخل إليهم بدرا مولاه يحسّس عن خبرهم، فأتى القوم ويلي ما عندهم، فداخل اليمانيين منهم، وقد عصفت ريح المضريين بظهور بني العباس بالمشرق، فقال لهم:
ما رأيكم في رجل من أهل الخلافة يطلب الدولة بكم، فيقيم أودكم ويدرّككم آمالكم؟ فقالوا: ومن لنا به في هذه الديار، فقال بدر: ما أدناه منكم، وأنا الكفيل لكم به، هذا فلان بمكان كذا وكذا يقدّمنّ نفسه فقالوا: فجىء به أهلا، إنّا سراع إلى طاعته، وأرسلوا بدرا بكتبهم يستدعونه، فدخل إليه بأيمن طائر، واستجمع إليه خلق كثير من أنصاره قاتل بهم يوسف الفهري، فقهره لأول وقائعه، وأخذ الأندلس منه وأورثها عقبه.
محنته: قال الراوي: وكان من أكبر من أمضى عليه عبد الرحمن بن معاوية حكم سياسته وقوّمه معدلته، مولاه بدر المعتق منه بكل ذمّة محفوظة، الخائض معه لكل غمرة مرهوبة، وكل ذلك لم يغن عنه نقيرا لما أسلف في إدلاله عليه، وكثير من الانبساط لحرمته، فجمع مركب تحامله حتى أورده ألما يضيق الصدر عنه، وآسف أميره ومولاه، حتى كبح عنانه عن نفسه بعد ذلك كبحة أقعى بها أو شارف حمامه، لولا أن أبقى الأمير على نفسه التي لم يزل مسرفا عليها. قال: فانتهى في عقابه لمّا سخط عليه أن سلب نعمته، وانتزع دوره وأملاكه وأغرمه على ذلك كله أربعين ألفا من صامته، ونفاه إلى الثّغر، فأقصاه عن قربه، ولم يقله العثرة، إلى أن هلك، فرفع طمع الهوادة عن جميع ثقله وخدمته، وصيّر خبره مثلا في الناس بعده.
تاشفين بن علي بن يوسف أمير المسلمين «1» بعد أبيه بالعدوة
صالي حروب الموحدين.
أوّليّته: فيما يختصّ به التعريف بأوّليّة قومه، ينظر في اسم أبيه وجدّه إن شاء الله. قال ابن الورّاق في كتاب المقياس وغيره «2» : وفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ولّى الأمير علي بن يوسف أمير لمتونة، الشهير بالمرابط، ولده الأمير
(1/247)

المسمّى بسير عهده من بعده. وجعل له الأمر في بقية حياته؛ ورأى أن يولي ابنه تاشفين الأندلس، فولّاه مدينة «1» غرناطة، وألمريّة ثم قرطبة مضافة إلى ما بيده.
قلت: وفي قولهم رأي أن يولّى الأندلس فولّاه مدينة غرناطة، شاهد كبير على ما وصفناه من شرف هذه المدينة؛ فنظر في مصالحها، وظهر له بركة في النصر على العدو، وخدمه الجدّ الذي أسلمه. وتبرّأ منه في حروبه مع الموحّدين حسبما يتقرّر في موضعه، فكانت له على النصارى وقائع عظيمة بعد لها الصّيت، وشاع الذّكر حسبما يأتي في موضعه. قال: فكبر ذلك على أخيه سير وليّ عهد أبيه، وفاوض أباه في ذلك وقال له: إن الأمر الذي أهّلتني إليه «2» لا يحسن لي مع تاشفين، فإنه قد حمل الذكر والثّناء دوني، وغطّى على اسمي، وأمال إليه جميع أهل «3» المملكة، فليس لي معه اسم ولا ذكر، فأرضاه بأن عزله عن الأندلس وأمره بالوصول إلى حضرته، فرحل عن الأندلس في أواسط سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ووصل مرّاكش، وصار من جملة من يتصرّف بأمر أخيه سير ويقف ببابه كأحد حجّابه؛ فقضى الله وفاة الأمير سير على الصورة القبيحة حسبما يذكر في اسمه، وثكله أبوه واشتدّ جزعه عليه، وكان عظيم الإيثار والإرضاء لأمّه قمر، وهي «4» التي تسبّبت في عزل تاشفين وإخماله نظرا إلى ابنها، فقطع المقدار بها عن أملها بهلاكه.
ولمّا توفي الأمير سير، أشارت الأمّ المذكورة على أبيه بتقديم ولده إسحاق، وكان رؤوما لها، قد تولّت تربيته عند هلاك أمّه وتبنّته، فقال لها: هو صغير السّن لم يبلغ الحلم؛ ولكن حتى أجمع الناس في المسجد خاصّة وعامّة، وأخبرهم فإن صرفوا الخيار إليّ، فعلت ما أشرت به. فجمع الناس وعرض عليهم الأمر؛ فقالوا كلهم في صوت واحد: تاشفين، فلم توسعه السياسة مخالفتهم؛ فعقد له الولاية بعده ونقش اسمه في الدنانير والدراهم مع اسمه، وقلّده النظر في الأمور السلطانية، فاستقرّ بذلك. وكتب إلى العدوة والأندلس وبلاد المغرب ببيعته، فوصلت البيعات من كل جهة. ثم رمى به جيوش الموحّدين الخارجين عليه، فنبا جدّه ومرضت أيامه، وكان الأمر عليه لا له، بخلاف ما صنع الله له بالأندلس.
(1/248)

قال أبو مروان الورّاق «1» : وكان «2» أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين قد أمل في ابنه تاشفين ما لم تكن الأقدار تساعده به، فتشاءم به وعزم على خلعه وصرف عهده إلى إسحاق «3» ولده الأصغر، ووجّه إلى عامله على إشبيلية عمر «4» ، أن يصل إليه ليجعله شيخ ابنه، إلى أن وافاه خبر أمضّه وأقلقه ولم يمهله، فأزعج تاشفين إلى عدوّه على غير أهبة بتفويضه إياه، وصرف المدد في إثره، وتوفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين «5» لفعله ذلك.
ملكه ووصف حاله: فأفضى إليه ملك أبيه، بتفويضه إياه في حياته، لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وكان بطلا شجاعا حسن الرّكبة والهيئة، سالكا ناموس الشريعة، مائلا إلى طريقة المستقيمين، وكتب المريدين؛ قيل إنه لم يشرب قطّ مسكرا ولا استمع إلى قينة، ولا اشتغل بلذّة ممّا يلهو به الملوك.
الثّناء عليه: قال ابن الصيرفي «6» : وكان بطلا شجاعا، أحبّه الناس، خواصّهم وعوامّهم، وحسنت سياسته فيهم، وسدّ الثّغور، وأذكى «7» على العدو العيون، وآثر الجند، ولم يكن منه إلّا الجدّ، ولم تنل عنده الحظوة «8» ، إلّا بالعناء والنجدة. وبذلك حمل على الخيل، وقلّد الأسلحة، وأوسع الأرزاق، واستكثر من الرّماة «9» وأركبهم وأقام همّتهم «10» للاعتناء بالثغور ومباشرة الحرب، ففتح الحصون وهزم الجيوش وهابه العدو. ولم ينهض إلا ظاهرا ولا صدر إلّا ظافرا. وملك الملك ومهد بالحزم وتملّك «11» نفوس الرعيّة بالعدل «12» ، وقلوب الجند بالنّصفة. ثم قال: ولولا الاختصار الذي اشترطناه لأوردنا من سنى خلاله ما يضيق عنه الرّحب، ولا يسعه الكتب.
دينه: قال المؤرّخ: عكف على زيارة قبر أبي وهب الزاهد بقرطبة، وصاحب أهل الإرادة، وكان وطئ الأكناف «13» ، سهل الحجاب، يجالس الأعيان ويذاكرهم.
(1/249)

قال ابن الصيرفي: ولمّا قدم غرناطة أقبل على صيام النهار، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، وإخفاء الصّدقة، وإنشاء العدل، وإيثار الحق.
دعابته: قالوا: مرّ يوما بمرج القرون، من أحواز قلعة يحصب، فقال لزمّال من عبيده كان يمازحه: هذا مرجك؛ فقال الزمّال: ما هو إلّا مرجك ومرج أبيك، وأما أنا فمن أنا؟ فضحك وأعرض عنه.
دخوله غرناطة: قالوا «1» : وفي عام ثلاثة وعشرين وخمسمائة، ولّي الأمير أبو محمد تاشفين بن أمير المسلمين عليّ بن أمير المسلمين يوسف، ووافاها في السابع عشر «2» لذي حجة؛ فقوّى الحصون وسدّ الثغور وأذكى العيون «3» ، وعمد إلى رحبة القصر، فأقام بها السقائف والبيوت، واتخذها لخزن السلاح ومقاعد الرجال، وضرب السّهام؛ وأنشأ السّقي، وعمل التّراس، ونسج الدّروع، وصقل البيضات والسيوف، وارتبط الخيل، وأقام المساجد في الثغور، وبنى لنفسه مسجدا بالقصر، وواصل الجلوس للنظر في الظّلامات، وقراءة الرّقاع، وردّ الجواب؛ وكتب التوقيعات، وأكرم الفقهاء والطلبة، وكان له يوم في كل جمعة، يتفرّغ فيه للمناظرة.
وزراؤه: قال أبو بكر: وقرن الله به ممّن ورد معه، الزبير بن عمر اللّمتوني، ندرة الزمان كرما وبسالة، وحزما وأصالة، فكان كما جاء في الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من ولّي شيئا من أمور المسلمين فأراد الله به خيرا، جعل الله له بطانة خير، وجعل له وزيرا صالحا، إن نسي شيئا ذكّره، وإن ذكره أعانه» .
عمّاله: الوزير أبو محمد الحسين بن زيد بن أيوب بن حامد بن منحل بن يزيد.
كتّابه: الرئيس العالم أبو عبد الله بن أبي الخصال، والكاتب المؤرّخ أبو بكر الصيرفي وغيرهما «4» .
ومن أخبار جهاده: خرج «5» الأمير تاشفين في رمضان عام أربعة وعشرين وخمسمائة بجيش غرناطة ومطوعتها، واتصل به جيش قرطبة إلى حصن السّكّة من عمل طليطلة، وقد اتخذه العدو ركابا لإضراره بالمسلمين، وشحنه وجمّ به شوكة
(1/250)

حادّة بقومس مشهور؛ فأحدق به، ونشر الحرب عليه، فافتتحه عنوة وقتل من كان به؛ وأحيا قائده «فرند» ومن معه من الفرسان، وصدر إلى غرناطة، فبرز له الناس بروزا لم يعهد مثله. وفي شهر صفر من عام خمسة وعشرين أوقع بالعدو المضيق على أوّليته. وفي ربيع الأول من عام ستة وعشرين، تعرّف خروج عدو طليطلة إلى قرطبة؛ فبادر الأمير تاشفين إلى قرطبة، ثم نهد «1» إلى العدو في خفّ، وترك السيقة والثقل بأرجونة. وقد اكتسح العدوّ بشنت إشطبين «2» والوادي الأحمر.
وأسرى الليل، وواصل الركض، وتلاحق بالعدو بقرية براشة. فتراءى الجمعان صبحا، وافتضح الجيش، ونشرت الرّماح والرّايات، وهدرت الطبول، وضاقت المسافة، وانتبذ العدو عن الغنيمة؛ والتفّ الجمع، فتقصرت الرّماح، ووقعت المسابقة، ودارت الحرب على العدو، وأخذ السيف مأخذه، فأتى القتل على آخرهم، وصدر إلى غرناطة ظافرا. وفي «3» آخر هذا العام خرج العدو «للنمط» وقد احتفل في جيشه إلى بلاد الإسلام، فصبح إشبيلية يوم النصف من رجب، وبرز إليه الأمير أبو حفص عمر بن علي بن الحاج، فكانت به الدّبرة «4» في نفر من المسلمين استشهد جميعهم؛ ونزل العدو على فرسخين من المدينة فجلّلها نهبا وغارة؛ فقتل عظيما، وسبى عظيما؛ وبلغ الخبر الأمير تاشفين، فطوى المراحل، ودخل إشبيلية، وقد أسرّها؛ واستؤصلت باديتها، وكثر بها التأديب والتنكيل فأخذ أعقاب العدو، وقد قصد ناحية بطليوس وباجة ويابرة في ألف «5» عديده من أنجاد الرجال، ومشهور الأبطال، فراش جولا عهدا بالرّوع، فظفر بما لا يحصيه أحد، ولا يقع عليه عدد؛ وانثنى على رسل لثقل «6» السيقة، وثقته ببعد الصّارخ «7» ، وتجشمت بالأمير تاشفين الأدلاء كل ذروة وثنيّة، وأفضى به الإعداد «8» إلى فلاة بقرب الزّلاقة، وهو المهيع الذي يضطر العدو إليه، ولم يكن إلّا كلّا ولا، حتى أقبلت الطلائع منذرة بإقبال العدوّ، والغنيمة في يده قد ملأت الأرض؛ فلما تراءى
(1/251)

الجمعان، واضطربت «1» المحلات، ورتبت المراكب فأخذت مصافّها، ولزمت الرجال مراكبها»
، فكان القلب مع الأمير ووجوه المرابطين وأصحاب الطاعات؛ وعليه البنود الباسقات، مكتّبة «3» بالآيات، وفي المجتبين «4» كبار الدولة من أبطال الأندلس، عليهم حمر الرّايات بالصور الهائلة «5» ، وفي الجناحين أهل الثغر والأوشاب من أهل الجلادة، عليهم الرّايات المرقّعات بالعذبات المجزّعات. وفي المقدمة مشاهير زناته ولفيف الحشم بالرايات المصبغات المنبّقات «6» . والتقى الجمعان، ونزل الصبر، وحميت النفوس، واشتدّ الضرب والضراب وكثرت الحملات؛ فهزم الله الكافرين، وأعطوا رقابهم مدبرين، فوقع القتل، واستلحم العدوّ السيف، واستأصله الهلاك والأسار؛ وكان فتحا جليلا لا كفاء له، وصدر الأمير تاشفين ظافرا إلى «7» بلده في جمادى من هذا العام. ولو ذهبنا لاستقصاء حركات الأمير تاشفين وظهوره لاستدعى ذلك طولا كثيرا.
بعض ما مدح به: فمن ذلك «8» : [الكامل]
أمّا وبيض الهند عنك خصوم ... فالرّوم تبذل ما ظباك تروم
تمضي سيوفك في العدا ويردّها ... عن نفسه حيث الكلام وخيم «9»
وهذه القصائد قد اشتملت على أغراضها الحماسية، والملك سوق يجلب إليها ما ينفق عندها.
وفاته: قد تقدّم انصرافه عن الأندلس سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، وقيل:
سنة اثنتين «10» ، واستقراره بمرّاكش مرءوسا لأخيه سير، إلى أن أفضى إليه الأمر بعد أبيه. قال: واستقبل تاشفين مدافعة جيش أمير الموحدين، أبي محمد عبد المؤمن بن
(1/252)

علي خليفة مهديهم، ومقاومة أمر قضى الله ظهوره، والدفاع عن ملك بلغ مداه، وتمّت أيامه. كتب الله عليه، فالتأث سعده، وفلّ جدّه، ولم تقم له قائمة إلى أن هزم، وتبدّد عسكره، ولجأ إلى وهران، فأحاط به الجيش، وأخذه الحصار. قالوا:
فكان من تدبيره أن يلحق ببعض السواحل، وقد تقدّم به وصول ابن ميمون قائد أسطوله، ليرفعه إلى الأندلس؛ فخرج ليلا في نفر من خاصّته فرّقهم الليل، وأضلّهم الرّوع، وبدّدتهم الأوعار، فمنهم من قتل، ومنهم من لحق بالقطائع البحرية؛ وتردّى بتاشفين فرسه من بعض الحافّات، ووجد ميّتا في الغد، وذلك ليلة سبع وعشرين لرمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة؛ وصلبه الموحّدون، واستولوا على الأمر من بعده، والبقاء لله تعالى.
ثابت بن محمد الجرجاني ثم الأسترآباذي «1»
يكنى أبا الفتوح.
حاله: قال ابن بسّام «2» : كان الغالب على أدواته علم اللّسان، وحفظ الغريب، والشعر الجاهلي والإسلامي، إلى المشاركة في أنواع التعاليم، والتصرّف في حمل السلاح، والحذق بأنواع «3» الجندية؛ والنّفاذ في أنواع «4» الفروسيّة، فكان الكامل في خلال جمّة. قال أبو مروان: ولم يدخل الأندلس أكمل من أبي الفتوح في علمه وأدبه. قال ابن زيدون: لقيته بغرناطة، فأخذت عنه أخبار المشارقة، وحكايات كثيرة؛ وكان غزير الأدب، قويّ الحفظ في اللغة، نازغا إلى علم الأوائل من المنطق والنجوم والحكمة، له بذلك قوة ظاهرة.
طروؤه على الأندلس: قال صاحب الذخيرة «5» : طرأ على الحاجب «6» منذ صدر الفتنة للذائع من كرمه، فأكرمه «7» ورفع شأنه، وأصحبه ابنه «8» المرشّح لمكانه «9» ،
(1/253)

فلم يزل له بهما «1» المكان المكين، إلى أن تغيّر عليه يحيى لتغيّر الزمان، وتقلّب الليالي والأيام بالإنسان، ولحق «2» بغرناطة بعسكر البرابرة، فحلّت به من أميرهم باديس الفاقرة «3» .
من روى عنه: قال أبو الوليد: قرأت عليه بالحضرة الحماسة في اختيار أشعار العرب، يحملها عن أحمد بن عبد السلام بن الحسين البصري، ولقيه ببغداد سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، عن أبي رياش أحمد بن أبي هشام بن شبل العبسي بالبصرة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وله في الفضائل أخبار كثيرة.
محنته ووفاته: لحقه عند باديس مع عمه يدّير بن حباسه تهمة في التدبير عليه، والتسوّر على سلطانه، دعتهما إلى الفرار عن غرناطة، واللّحاق بإشبيلية. قال أبو يحيى الورّاق: واشتدّ شوق أبي الفتوح إلى أهله عند هربه مع يدّير إلى إشبيلية لمّا بلغه أن باديس قبض على زوجته وبنيه وحبسهم بالمنكّب عند العبد قدّاح صاحب عذابه، وكان لها من نفسه موقع عظيم، وكانت أندلسيّة جميلة جدّا لها طفلان ذكر وأنثى، لم يطق عنهما صبرا وعمل على الرجوع إلى باديس طمعا في أن يصفح عنه، كما عمل مع عمّه من أبي ريش؛ فاستأمن إلى باديس يوم نزوله على باب إستجة إثر انهزام عسكر ابن عباد، وفارق صاحبه يدّير، ورمى هو بنفسه إلى باديس من غير توثّق بأمان أو مراسلة؛ فلما أدخل عليه وسلم، قال له: ابتدئ، بأي وجه جئتني يا نمّام؟
ما أجرأك على خلقك، وأشدّ اغترارك بسحرك، فرّقت بين بني ماكسن، ثم جئت تخدعني كأنك لم تصنع شيئا؛ فلاطفه، وقال اتّق الله يا سيدي، وارع ذمامي، وارحم غربتي وسوء مقامي، ولا تلزمني ذنب ابن عمّك؛ فما لي سبب فيه، وما حملني على الفرار معه إلّا الخوف على نفسي لسابق خلطته؛ ولقد لفظتني البلاد إليك مقرّا بما لم أجنه رغبة في صفحك، فافعل أفعال الملوك الذين يجلّون عن الحقد على مثلي من الصعاليك؛ قال: بل أفعل ما تستحقّه إن شاء الله؛ أن تنطلق إلى غرناطة، فدم على حالك، والق أهلك إلى أن أقبل، فأصلح من شأنك. فاطمأنّ إلى قومه، وخرج إلى غرناطة وقد وكّل به فارسان، وقد كتب إلى قدّاح بحبسه؛ فلمّا شارف إلى غرناطة قبض عليه، وحلق رأسه، وأركب على بعير، وجعل خلفه أسود فظّ ضخم يوالي صفعه، فأدخل البلد مشهّرا، ثم أودع حبسا ضيّقا، ومعه رجل من أصحاب يدّير أسر في الوقعة من صنهاجة، فأقاما في الحبس معا إلى أن قفل باديس.
(1/254)

مقتله: قال أبو مروان في الكتاب المسمّى بالمتين: واستراح باديس أياما في غرناطة يهيم بذكر الجرجاني، ويعض أنامله، فيعارضه فيه أخوه بلكّين، ويكذب الظنون وسعى في تخليصه، فارتبك باديس في أمره أياما، ثم غافض أخاه بلكين فقتله وقتا أمن فيه أمر معارضته؛ لاشتغاله بشراب وآلة، وكانت من عادته؛ فأحضر باديس الجرجاني إلى مجلسه، وأقبل يشتمه ويسبّه ويبكّته، ويطلق الشماتة ويقول، لم تغن عنك نجومك يا كذّاب، ألم يعد أميرك الجاهل؟ يعني يدّير، أنه سوف يظفر بي ويملك بلدي ثلاثين سنة، لم لم تدقّق النظر لنفسك وتحذر ورطتك؟ قد أباح الله لي دمك. فأيقن أبو الفتوح بالموت؛ وأطرق ينظر إلى الأرض، لا يكلّمه ولا ينظر إليه؛ فزاد ذلك في غيظ باديس، فوثب من مجلسه والسيف في يده، فخبط به الجرجاني حتى جدّ له وأمر بحزّ رأسه؛ قال: وقدّم الصّنهاجي الذي كان محبوسا معه إلى السيف، فاشتدّ جزعه، وجعل يعتذر من خطيئته، ويلحّ في ضراعته؛ فقال له باديس:
أما تستحي يا ابن الفاعلة؛ يصبر المعلم الضعيف القلب على الموت مثل هذا الصبر، ويملك نفسه عن كلامه لي واستعطافي، وأنت تجزع مثل هذا الجزع؟ وطال ما أعددت نفسك في أشدّاء الرجال، لا أقال الرجال، لا أقال الله مقيلك؛ فضرب عنقه، وانقضى المجلس.
ومن تمام الحكاية ممّا جلبه ابن حيّان، قال: وكلّم الصنهاجيّون باديس في جثّة صنهاجهم المقتول مع أبي الفتوح، فأمرني بإسلامها إليهم، فخرجوا بها من فورهم إلى المقبرة على نعش، فأصابوا قبرا قد احتفر لميت من أهل البلد، فصبّوا صاحبهم الصّنهاجي فيه، وواروه من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، فعجب الناس من تسحّيهم في الاغتصاب حتى الموتى في قبورهم.
مولده: سنة خمسين وثلاثمائة.
وفاته: كما ذكر ليلة السبت لاثنتين بقيتا من محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. قال برهون من خدّام باديس: أمرني بمواراة أبي الفتوح إلى جانب قبر أحمد بن عباس، وزير زهير العامري، فقبراهما في تلك البقعة متجاوران، وقال:
اجعل قبر عدوّ إلى جانب عدو إلى يوم القصاص، فيا لهما قبران أجمّا أدبا لا كفاء له، والبقاء لله سبحانه.
جعفر بن أحمد بن علي الخزاعي
من أهل غرناطة، ويعسوب الثاغية والراغية «1» من أهل ربض البيّازين، يكنى أبا
(1/255)

أحمد الشهير ذكره بشرق الأندلس، المعروف بكرامة الناس، المقصود الحفرة، المحترم التّربة حتى من العدوّ، والرائق بغير هذه الملّة. خرج قومه من وطنهم عند تغلّب العدو على الشرق، فنزلوا ربض البيّازين جوفي «1» المدينة، وارتاشوا، وتلثّموا «2» ، وبنوا المسجد العتيق، وأقاموا رسم الإرادة، يرون أنهم تمسكوا من طريق الشيخ أبي أحمد بآثاره، فلا يغبّون بيته، ولا يقطعون اجتماعا، على حالهم المعروفة من تلاوة حسنة، وإيثار ركعات، ثم ذكر ثم ترجيع أبيات في طريق التصوّف، مما ينسب للحسين بن منصور الحلاج «3» وأمثاله، يعرفونها منهم مشيخة، قوّالون، هم فحول الأجمة وضرائك «4» تلك القطيعة يهيجون بلابلهم، فلا ينشبون أن يحمى وطيسهم، ويخلط مرعيّهم «5» بالهمل، فيرقصون رقصا غير مساوق للإيقاع الموزون، دون العجال الغالبة منهم، بإفراد كلمات من بعض المقول، ويكرّ بعضهم على بعض، وقد خلعوا خشن ثيابهم، ومرقوعات قباطيهم ودرانيكهم «6» . فيدوم حالهم حتى يتصبّبوا عرقا. وقوّالهم يحرّكون فتورهم، ويزمرون روحهم، يخرجون بهم من قول إلى آخر، ويصلون الشيء بمثله، فربما أخذت نوبة رقصهم بطرفي الليل التمام، ولا تزال المشيّعة لهم يدعونهم، ويحاجّونهم إلى منازلهم، وربما استدعاهم السلطان إلى قصره محمضا في لطائف نعيمه باخشيشانهم، مبديا التبرّك بألويتهم. ولهم في الشيخ أبي أحمد والد نحلتهم، وشحنة قلوبهم، عصبيّة له وتقليد بإيثاره، أنفجت «7» لعقده أيمانهم، وشرط في صحّة دينهم، وارتكبوا في النفور عن سماع المزمار القصبي المسمّى بالشّبابة الذي أرخص في حضور الولائم، مع نفخ برعه العدد الكثير من الجلّة الصلحاء القدوة مرتكبا، حتى ألحقوه بالكبائر الموبقة، وتعدّوا اجتنابه جبلة وكراهة طباعيّة، فتزوى عند ذكره الوجوه. وتقتحم عند الاتّهام به الدّور، وتسقط فيما
(1/256)

بينهم بفلتة سماعه أخوّة الطريق. وهم أهل سذاجة وسلامة، أولو اقتصاد في ملبس وطعمة واقتيات بأدنى بلغة، ولهم في التعصّب نزعة خارجيّة «1» ، وأعظمهم ما بين مكتسب متسبّب؛ وبين معالج مدرة، ومريع حياكة، وبين أظهرهم من الذّعرة والصعاليك كثير، والطّرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق، جعلنا الله ممّن قبل سعيه، وارتضى ما عنده، ويسّره لليسرى.
حاله: قام هذا الرجل مقام الشيخ أبي تمام قريبه على هيئة مهلكه، فسدّ مسدّه، على حال فتور وغرارة، حتى لان متن الخطة، وخفّ عليه بالمران ثقل الوظيفة، فأمّ وخطب، وقاد الجماعة من أهل الإرادة. وقضى في الأمور الشرعية بالرّبض، تحت ضبن «2» قاضي الجماعة، وهو الآن بعده على حاله، حسن السّجيّة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، سهل الجانب، مقترن الصدق والعفّة، ظاهر الجدّة، محمود الطريقة، تطأه أقدام الكلف، وتطرّح به المطارح القاصية، حوى على الشفاعات، مستور الكفاية في لفق الضعف، متوالي شعلة الإدراك في حجر الغفلة، وجه من وجوه الحضرة في الجمهورية، مرعيّ الجانب، مخفّف الوظائف، مقصودا من منتامي «3» أهل طريقه بالهدايا، مستدعى إلى من بالجهات منهم في كثير من الفصول، ظاهر الجدوى في نفير الجهاد، رحمه الله، ونفع بأهل الخير.
مولده: عام تسعة وسبعمائة.
وفاته: يوم الاثنين التاسع والعشرين لرمضان خمسة وستين وسبعمائة.
جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيدبونة الخزاعي»
من أهل شرق الأندلس، من نظر دانية، يكنى أبا أحمد، الوليّ الشهير.
حاله: كان «5» أحد الأعلام المنقطعي «6» القرين في طريق كتاب الله، وأولي الهداية الحقّة، فذّ، شهير، شائع الخلّة، كثير الأتباع، بعيد الصيت، توجب حقّه حتى الأمم الدائنة بغير دين الإسلام، عند التغلّب على قرية مدفنه بما يقضى منه بالعجب.
(1/257)

قال الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير عند ذكره في الصّلة «1» : أحد أعلام «2» المشاهير فضلا وصلاحا؛ قرأ ببلنسية «3» ، وكان يحفظ نصف «المدوّنة» وأقرأها، ويؤثر «4» الحديث والتفسير والفقه، على غير ذلك من العلوم.
مشيخته: أخذ «5» القراءات السبع عن المقرئ أبي الحسن بن هذيل، وأبي الحسن بن النّعمة، ورحل إلى المشرق، فلقي في رحلته جلّة، أشهرهم وأكبرهم في باب الزهد وأنواع سني الأحوال، ورفيع المقامات، الشيخ الجليل، الوليّ لله تعالى، العارف، أبو مدين شعيب «6» بن الحسين، المقيم ببجاية، صحبه وانتفع به، ورجع من عنده بعجائب دينية، ورفيع أحوال إيمانية، وغلبت عليه العبادة، فشهر بها حتى رحل إليه الناس للتبرّك بدعائه، والتيمّن برؤيته ولقائه، فظهرت بركته على القليل والكثير منهم وارتووا زلالا من ذلك العذب النّمير، وحظّه من العلم مع عمله الجليل موفور، وعلمه نور على نور. لقيت قريبه الشيخ أبا تمام غالب بن حسين بن سيدبونة حين ورد غرناطة، فكان يحدّث عنه بعجائب.
دخوله غرناطة: وذكر المعتنون بأخباره بالحضرة إلى طريقه، أنه دخل الحضرة وصلّى في رابطة الرّبط من باب «7» ... وأقام بها أياما، فلذلك المسجد المزية عندهم إلى اليوم. وانتقل الكثير من أهله وأذياله عند تغلّب العدو على الشرق على بلدهم، إلى هذه الحضرة، فسكنوا منها ربض البيّازين، على دين وانقباض وصلاح، فيحجّون بكنوز من أسراره، ومبشّراته مضنون بها على الناس. وبالحضرة اليوم منهم بقية تقدّم الإلماع بذكرهم.
وفاته: توفي، رحمه الله، بالموضع المعروف بزناتة، في شوّال سنة أربع وعشرين وستمائة، وقد نيّف على الثمانين «8» .
(1/258)

الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص القرشي الفهري
نشأ بغرناطة، يكنى أبا علي، ويعرف بابن الناظر «1» .
حاله: كان متفنّنا في جملة معارف، أخذ من كل علم سنا بحظّ وافر، حافظا للحديث والتفسير، ذاكرا للأدب واللغة والتواريخ، شديد العناية بالعلم، مكبّا على استفادته وإفادته، حسن اللقاء لطلبة العلم، حريصا على نفعهم، جميل المشاركة لهم.
وقال الأستاذ: كان من بقايا أهل الضبط والإتقان لما رواه، وآخر مقرئي القرآن، ممّن يعتبر في الأسانيد ومعرفة الطرق والروايات، متقدّما في ذلك على أهل وقته، وهو أوفر من كان بالأندلس في ذلك. أقرأ القرآن والعربية بغرناطة مدة، ثم انتقل إلى مالقة «2» فأقرأ بها يسيرا، ثم انقبض عن الإقراء، وبقي خطيبا بقصبة مالقة نحوا من خمس «3» وعشرين سنة، ثم كرّ منتقلا إلى غرناطة «4» ، فولي قضاء ألمريّة، ثم قضاء بسطة، ثم قضاء مالقة.
وصمته: قال الأستاذ: إلّا أنه كان فيه خلق أخلّت به، وحملته على إعداء ما ليس من شأنه، عفا الله عنه، فكان ذلك مما يزهّد فيه.
مشيخته: روى عن الأستاذ المقرئ أبي محمد عبد الله بن حسين الكوّاب، أخذ عنه قراءة السبع وغير ذلك، وعن أبي علي وأبي الحسن بن سهل بن مالك الأزديّ، وأبي عبد الله محمد بن يحيى، المعروف بالحلبي، وجماعة غير هؤلاء، ورحل إلى إشبيلية فروى بها عن الشيخ الأستاذ أبي علي «5» أكثر كتاب سيبويه تفقّها، وغير ذلك. وأخذ عن جماعة كثيرة من أهلها، وقدم عليها. إذ ذاك القاضي أبو القاسم بن بقيّ، فلقيه بها وأخذ عنه، ورحل إلى بلنسية، فأخذ بها عن الحاج أبي الحسن بن خيرة، وأبي الربيع بن سالم، وسمع عليه جملة صالحة، كأبي عامر بن يزيد بن أبي العطاء بن يزيد وغيرهم، وبجزيرة شقر عن أبي بكر بن وضّاح، وبمرسية
(1/259)

عن جماعة من أهلها، وبأوريولة عن أبي الحسن بن بقيّ، وبمالقة عن آخرين، وتحصّل له جماعة نيّفوا على الستين.
تصانيفه: منها المسلسلات، والأربعون حديثا، والترشيد في صناعة التّجويد، وبرنامج رواياته وهو نبيل.
شعره: كان يقرض شعرا لا يرضى لمثله، ممّن برّز تبريزه في المعارف.
مولده: يوم الخميس لاثنتي عشرة «1» ليلة بقيت من شوّال سنة خمسين وستمائة.
وفاته: توفي بغرناطة لأربع عشرة «2» ليلة خلت من جمادى الآخرة «3» سنة تسع وتسعين وستمائة.
الحسن بن محمد بن الحسن النباهي الجذامي «4»
من أهل مالقة، يكنى أبا علي.
أوّليّته: قال القاضي المؤرّخ أبو عبد الله بن أبي عسكر فيه: من حسباء مالقة وأعيانها وقضاتها، وهو جدّ بني الحسن المالقيين، وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة، لم يزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر، استقضى جدّه المنصور بن أبي عامر، وكانت له ولأصحابه حكاية مع المنصور.
قال القاضي ابن بياض: أخبرني أبي، قال: اجتمعنا يوما في متنزّه لنا بجهة الناعورة بقرطبة مع المنصور بن أبي عامر في حداثة سنّه، وأوان طلبه، وهو مرتج مؤمّل، ومعنا ابن عمّه عمرو بن عبد الله بن عسكلاجة، والكاتب ابن المرعزى، والفقيه أبو الحسن المالقي، وكانت سفرة فيها طعام، فقال ابن أبي عامر من ذلك الكلام الذي كان يتكلّم به: لا بدّ أن نملك الأندلس، ونحن نضحك منه ومن قوله.
ثم قال: يتمنّى كلّ واحد منكم عليّ ما شاء أولّيه؛ فقال عمرو: أتمنى أن تولّيني المدينة، نضرب ظهور الجنّات. وقال ابن المرعزى: وأنا أشتهي الأسفح «5» ، القضاء في أحكام السّوق. وقال أبو الحسن: وأنا أحب هذه، أن توليني قضاء مالقة بلدي.
(1/260)

قال موسى بن غدرون: قال لي: تمنّ أنت، فشققت لحيته بيدي، واضطربت به وقلت قولا قبيحا من قول السفهاء. فلمّا ملك ابن أبي عامر الأندلس، ولّى ابن عمّه المدينة، وولّى ابن المرعزى أحكام السوق، وولّى أبا الحسن المالقي قضاء ريّه، وبلغ كل واحد ما تمنّى، وأخذ منّي مالا عظيما أفقرني لقبح قولي: فبيت بني الحسن شهير، وسيأتي من أعلامه ما فيه كفاية.
حاله: قال ابن الزّبير: كان طالبا نبيلا من أهل الدين والفضل والنّهى والنباهة.
نباهته: قال ابن الزبير في كتاب نزهة البصائر والأبصار: استقضي بغرناطة.
وفاته: توفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، ذكره ابن بشكوال في الصّلة، وعرّف بولايته قضاء غرناطة، وذكره ابن عسكر، وتوهّم فيه الملّاحي، فقال: هو من أهل إلبيرة.
حسن بن محمد بن حسن القيسي
من أهل مالقة، يكنى أبا علي، ويعرف بالقلنار.
حاله: كان، رحمه الله، بقيّة شيوخ الأطباء ببلده، حافظا للمسائل الطّبية، ذاكرا للدواء، فسيح التّجربة، طويل المزاولة، متصرّفا في الأمور التي ترجع إلى صناعة اليدين صدلة وإخراعة، محاربا، مقدورا عليه في أخرياته، ساذجا، مخشوشنا، كثير الصحة والسلامة، محفوظ العقيدة، قليل المصانعة، بريّا من التشمّت، يعالج معيشته بيده في صبابة فلاحة. أخذ صناعة الطب عن أبي الحسن الأركشي «1» ، ومعرفة أعيان النبات عن المصحفي وسرح معه، وارتاد منابت العشب في صحبته، فكان آخر السحّارين بالأندلس، وحاول عمل التّرياق الفارق بالديار السلطانية عام اثنين وخمسين وسبعمائة مبرّزا في اختيار أجزائه، وإحكام تركيبه، وإقدام على اختبار مرهوب حياته، قتلا وصنجا وتقريصا، بما يعجب من إدلاله فيه، وفراهته عليه.
حسن بن محمد بن باصة
يكنى أبا علي، ويعرف بالصّعلعل، رئيس المؤقّتين بالمسجد الأعظم من غرناطة، أصله من شرق الأندلس.
(1/261)

حاله: كان فقيها إماما في علم الحساب والهيئة، أخذ عنه الجلّة والنبهاء، قائما على الأطلال والرّخائم والآلات الشعاعية، ماهرا في التعديل، مع التزام السّنّة، والوقوف عند ما حدّ العلماء في ذلك، مداوم النظر، ذا مستنبطات ومستدركات وتواليف، نسيج وحده ورحقة وقته.
وفاته: توفي بغرناطة عام ستة عشر وسبعمائة.
الحسن بن محمد بن علي الأنصاري
من أهل ... «1» ، يكنى أبا علي ويعرف بابن كسرى.
حاله: كان متقدّما في حفظ الأدب واللغة، مبرّزا في علم النحو، شاعرا مجيدا، ممتع المؤانسة، كثير المواساة، حسن الخلق، كريم النفس، مثرّا «2» في نظم الشعر في غير فن، مدح الملوك والرؤساء، مؤثرا للخمول على الظهور، وفي تخامله يقول شعرا ثبت في موضعه.
مشيخته: روى عن أبي بكر بن عبد الله بن ميمون الكندي، وأبي عبد الله الكندي، وأبي الحكم بن هرودس، وأبي عبد الله بن غالب الرّصافي.
ممّن روى عنه: روى عنه أبو الطاهر أحمد بن علي الهواري السّبتي، وأبو عبد الله إبراهيم بن سالم بن صالح بن سالم.
نباهته وإدراكه: من كتاب نزهة البصائر والأبصار، قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي، رحمه الله ما معناه:
قال: حدّثني الفقيه الأديب أبو علي، قال: كنت بإشبيلية، وقد قصدتها لبعض الملوك، فبينما أنا أسير في بعض طرقها، لقيت الشيخ أبا العباس، فسلّمت عليه، ووقفت معه، وكنت قد ذكر لي أنّ بها رجلا من الصالحين، زاهدا، فاضلا، ينتقد من الشعر في الزهد والرقائق، ببدائع تعجب. وكان بالمغرب قد قصّد الهربيّ والنادر، فسألني أبو العباس عن مصيري، فأعلمته بقصدي، فرغب أن يصحبني إليه، حتى أتيناه، فرأيناه رجلا عاقلا، قاعدا في موضع قذر، فسلّمنا عليه، فردّ علينا، وسألناه عن قعوده في ذلك الموضع، فقال: أتذكّر الدّنيا وسيرتها، فزدنا به غبطة؛ ثم استنشدناه في ذلك الغرض من كلامه، ففكّر ساعة ثم أنشدنا كلاما قبيحا، تضمّن من القبيح ومن الإقذاع والفواحش ما لا يحلّ
(1/262)

سماعه، فقمنا نلعنه، وخجلت من أبي العباس، واعتذرت له. ثم اتفق أن اجتمعنا في مجلس الأمير الذي كنت قد قصدته، فقال أبو العباس: إن أبا علي قد حفظ لبعض الحاضرين شعرا في الزهد، من أعذب الكلام وأحسنه، فسألني الأمير وطلب مني إنشاده، فخجلت ثم ثاب إليّ عقلي، فنظمت بيتين، فأنشدتهما إيّاه وهما:
[المنسرح]
أشهد ألّا إله إلّا الله ... محمد المصطفى رسول الله
لا حول للخلق في أمورهم ... إنما الحول كلّه لله
قال: فأعجب الأمير ذلك واستحسنه.
ومن مقاماته بين يدي الملوك وبعض حاله، نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الحسن بن أبي الحسن، قال: المروي منسوب إلى قرية بقرب مالقة، وهو الذي قال فيه الشيخ أبو الحجاج بن الشيخ رضي الله عنه: [المجتث]
إذا سمعت من اسرى ... ومن إلى المسجد أسرى
فقل ولا تتوقّف ... أبا علي ابن كسرى
قال: وهو قريب الأستاذ الأديب أبي علي الإستجي ومعلّمه، وأحد طلبة الأستاذ أبي القاسم السّهيلي، وممّن نبع صغيرا، وارتحل إلى غرناطة ومرسية. وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق بإشبيلية: [الكامل]
قسما بحمص «1» وإنّه لعظيم ... وهي المقام وأنت إبراهيم
وكان بالحضرة أبو القاسم السّهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، وقال: لمثل هذا أحسيك الحسا، وأواصل في تعليمك الإصباح والإمساء، وكان يوما مشهودا.
وأنشد الأمير أبا يعقوب حين حلّها: [الطويل]
أمعشر أهل الأرض في الطول والعرض ... بهذا استنادي في القيامة والعرض
لقد قال فيك الله ما أنت أهله ... فيقضي بحكم الله فيك بلا نقض
وإياك يعنى ذو الجلال بقوله ... كذلك مكّنّا ليوسف في الأرض
وذكره ابن الزّبير، وابن عبد الملك، وابن عسكر، وغيرهم.
(1/263)

ومن شعره في معنى الانقطاع والتسليم إلى الله تعالى، وهي لزوميّة، ولنختم بها، ختم الله لنا بالحسنى: [الطويل]
إلهي أنت الله ركني وملجئي ... وما لي إلى خلق سواك ركون
رأيت بني الأيام عقبى سكونهم ... حراك وفي عقبى الحراك سكون
رضى بالذي قدّرت تسليم عالم ... بأنّ الذي لا بدّ منه يكون
وفاته: توفي بمدينة مالقة في حدود ثلاث وستمائة.
الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق التغلبي
يكنى أبا علي، مرسيّ الأصل، سبتيّ الاستيطان، منتم إلى صاحب الثورة على المعتمد «1» .
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، إتقانا ومعرفة، ومشاركة في كثير من الفنون اللسانية والتعالميّة، متبحّرا في التاريخ، ريّانا من الأدب، شاعرا مفلقا، عجيب الاستنباط، قادرا على الاختراع والأوضاع، جهم المحيّا، موحش الشكل، يضمّ برداه طويّا لا كفاء له، تحرّف بالعدالة، وبرّز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل من الملاحات والمهاترات أشدّ ما يجري بين متناقضين، آلت به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصّها: [الكامل]
لكلاب سبتة في النّباح مدارك ... وأشدّها دركا لذلك مالك «2»
شيخ تفانى في البطالة عمره ... وأحال فكّيه الكلام الآفك
كلب له في كلّ عرض عضّة ... وبكلّ محصنة لسان آفك
متهمّم «3» بذوي الخنا متزمّع ... متهازل بذوي التّقى متضاحك
أحلى شمائله السّباب المفتري ... وأعفّ سيرته الهجاء الماعك
وألذّ شيء عنده في محفل ... لمز لأستار المحافل هاتك
(1/264)

يغشى مخاطره اللئيم تفكّها ... ويعاف رؤيته الحليم النّاسك
لو أن شخصا يستحيل كلامه ... خرءا «1» للاك الخرء منه لائك
فكأنه التمساح يقذف جوفه ... من فيه ما فيه ولا يتماسك
أنفاسه وفساؤه من عنصر ... وسعاله وضراطه متشارك
ما ضرفا من معدّ الله «2» ... لو أسلمته نواجذ وضواحك
في شعره من جاهلية طبعه ... أثقال أرض لم ينلها فاتك
صدر وقافية تعارضتا معا ... في بيت عنس أو بعرس فارك
قد عمّ أهل الأرض بلعنه ... فللأعنية في السماء ملائك
ولأعجب العجبين أنّ كلامه ... لخلاله مسك يروح ورامك
إن سام مكرمة جثا متثاقلا ... يرغو كما يرغو البعير البارك
ويدبّ في جنح الظلام إلى الخنا ... عدوا كما يعدو الظّليم الراتك
نبذ الوقار لصبية يهجونه ... فسياله فرش لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهم ... بمسالك لا يرتضيها سالك
والدهر باك لانقلاب صروفه ... ظهرا لبطن وهو لاه ضاحك
واللسن تنصحه بأفصح منطق ... لو كان ينجو بالنّصيحة هالك
تب يا ابن تسعين فقد جزت المدا ... وارتاح للّقيا بسنّك مالك
أو ما ترى من حافديك نشابها ... ابن يضاجع جدّه ويناسك
هيهات أيّة عشرة لهجت به ... هنوات مملوك وطيّع مالك
يا ابن المرحّل لو شهدت مرحّلا ... وقد انحنى بالرّحل منه الحارك
وطريد لوم لا يحلّ بمعشر ... إلّا أمال قفاه صفع دالك
مركوب لهو لجاجة وركاكة ... وأراك من ذاك اللجاج البارك
لرأيت للعين اللئيمة سحّة ... وعلا بصفع عرك أذنك عارك
وشغلت عن ذمّ الأنام بشاغل ... وثناك خصم من أبيك مماحك
قسما بمن سمك السماء مكانها ... ولديه نفس رداء نفسك شائك
لأقول للمغرور منك بشيبة ... بيضاء طيّ الصّحف منها حالك
لا تأمنن للذئب دفع مضرّة ... فالذئب إن أعفيته بك فاتك
(1/265)

عار على الملك المنزّه أن يرى ... في مثل هذا للملوك مسالك
فكلامه للدّين سمّ قاتل ... ودنوّه للعرض داء ناهك
فعليه ثم على الذي يصغى له ... ويل يعاجله وحتف واشك
وأتاه من مثواه آت مجهز ... لدم الخناجر بالخناجر سافك
وهي طويلة، تشتمل من التعريض والصريح على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: «رقاص معجّل، إلى مالك بن المرحّل» . وعمد إلى كلب، وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطا حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقرّ، وطرده بالزّقاق متكتّما بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمّة، وقرىء مكتوب الكنانة، واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب، ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرة «1» كفّت من طماحه، وغضّت عن عنان مجاراته، وتحدّث بها مدة، ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق، فعوّق سهام المراجعة، ثم أقصر مكبوحا، وفي أجوبته عن ذلك يقول: [المتقارب]
كلاب المزابل آذينني ... بأبوالهنّ على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا ... ولكن عوت من وراء الجدار
واستدعاه بآخرة أمير المغرب السلطان أبو يعقوب، فاستكتبه، واستكتب أبا الحكم صدقة، فيقال إنه جرّ عليه خجلة كانت سبب وفاة أبي علي. ودخل الأندلس، وحطّ بها بألمريّة، وقد أصيب بأسر عياله، فتوسّل إلى واليها من قرابة السلطان الغالب بالله، بشعر مدحه فيه من قصيدة أولها: [الكامل]
ملقي النوى ملق لبعض نوالكا ... فاشف المحبّ ولو بطيف خيالكا
ومنها:
لا تحسبنّي من فلان أو فلا ... أنا من رجال الله ثم رجالكا
ومنها:
نصب العدوّ حبائلا لحبائبي ... وعلقت في استخلاصها بحبالكا
وفي خاتمها:
وكفاك شرّ العين عيب واحد ... لا عيب فيه سوى فلول نصالكا
(1/266)

ولحق بغرناطة، ومدح السلطان بها، ونجحت لديه مشاركة الرئيس بألمريّة.
فجبر الله حاله، وخلّص أسره.
ومما جمع فيه بين نثره ونظمه ما كتبه لمّا كتب إليه الأديب الطبيب صالح بن شريف بهاتين القصيدتين اللتين تنازع فيهما الأقوام، واتفقوا على أن يحكم بينهما الأحلام، وعبّر عن ذلك الأقلام، ولينظرهما من تشوّق إليهما بغير هذا الموضع.
تواليفه: وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرّفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديرا. وله الكتاب الكبير في التاريخ، والتلخيص المسمّى ب «ميزان العمل» وهو من أظرف الموضوعات، وأحسنها شهرة.
وفاته: كان حيّا عام أربعة وسبعين وستمائة.
حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «1»
يكنى أبا مسعود، ملك إلبيرة وغرناطة؛ وما والاها.
حاله وأوّليّته: أما أوّليّته، فقد مرّ ذلك بما فيه كفاية عند ذكر بلكّين. ولمّا دخل زاوي بن زيري على الأندلس غبّ إيقاعه بالمرتضى الذي نصبته الجماعة، واستيلائه على محلّته بظاهر غرناطة، خاف «2» تمالؤ الأندلس عليه، ونظر للعاقبة، فأسند الأمر إلى ابن أخيه، حبّوس بن ماكسن، وكان بحصن آشر «3» ، فلمّا ركب البحر من المنكّب، وودّعه به زعيم البلدة وكبير فقهائها أبو عبد الله بن أبي زمنين، ذهب إلى ابن أخيه المذكور واستقدمه، وجرت بينه وبين ابن عمّه المتخلّف على غرناطة من قبل والده، محاورة انجلت عن رحيله تبعا لأبيه؛ حبّوس، فاستبدّ بالملك، ورأب الصّدع سنة إحدى «4» عشرة وأربعمائة. قال ابن عذاري في تاريخه «5» : فانحازت «6» صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم حبّوس بن ماكسن، وقد كان أخوه حباسة هلك في
(1/267)

الفتنة، وبقي منهم معه بعد انصراف زاوي إلى إفريقية، جماعة عظيمة، فانحازوا إلى مدينة غرناطة، وأقام حبّوس بها ملكا عظيما، وحامى «1» رعيّته ممّن جاوره من سائر البرابرة «2» المنتشرين حوله، فدامت رئاسته.
وفاته: توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «3» .
الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية «4»
صفته وحاله: كان أصهب العين، أسمر، أقنى، معسّل اللحية، جهير الصوت، طويل الصّلب، قصير الساقين، عظيم السّاعد، أفصم، وكان ملكا «5» جليلا، عظيم الصّيت، رفيع القدر، عالي الهمّة، فقيها بالمذهب، عالما بالأنساب، حافظا للتاريخ، جمّاعا للكتب، محبّا في العلم والعلماء، مشيرا للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أمية أعظم همّة، ولا أجلّ رتبة في العلم وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمّته بالجهاد، وتحدّث بصدقاته في المحلول، وأملته الجبابرة والملوك.
دخوله إلبيرة: قال ابن الفيّاض: كتب إليه من الثغر الجنوبي أن عظيم الفرنجة من النصارى حشدوا إليه وسألوه الممرة «6» بطول المحاصرة، فاحتسب شخوصه بنفسه إلى ألمرية في رجب سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، في جحفل لجب من نجدة الأولياء وأهل المراتب. ولما أحلّ إلبيرة ورد عليه كتاب أحمد بن يعلى من طرطوشة بنصر الله العزيز وصنعه الكريم على الرّوم. ووافى ألمريّة، وأشرف على أمورها، ونظر إلى أسطولها وجدّده، وعدّته يومئذ ثلاثمائة قطعة، وانصرف إلى قرطبة.
(1/268)

مولده: لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثمائة.
وفاته: لأربع «1» خلون من صفر سنة ستّ وستين وثلاثمائة، وعمره نحو من ثلاث وستين سنة، وهو خاتمة العظماء من بني أمية.
الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن أمية «2»
كنيته أبو العاصي.
صفته: آدم، شديد الأدمة «3» ، طويل، أشمّ، نحيف، لم يخضب. بنوه تسعة عشر من الذكور، منهم عبد الرحمن وليّ عهده.
بناته: إحدى وعشرون «4» ، أمّه أمّ ولد اسمها زخرف.
وزراؤه وقوّاده: خمسة، منهم إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد، وفطيس بن سليمان، وسعيد بن حسّان.
قضاته: مصعب بن عمران، وعمر «5» بن بشر، والفرج بن كنانة. وبشر بن قطن، وعبد «6» الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى.
كتابه: فطيس بن سليمان، وعطاف «7» بن زيد، وحجّاج بن العقيلي «8» .
حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث.
حاله: كان الحكم شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتّقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتولية أهل الفضل، والعدل في رعيّته، مبسوط اليد بالعطاء الكثير، وكان فصيحا، بليغا، شاعرا مجيدا، أديبا، نحويّا.
(1/269)

قال ابن عذاري «1» : كانت فيه بطالة، إلّا أنه كان شجاعا «2» ، مبسوط اليد، عظيم العفو، وكان يسلّط قضاته وحكّامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصّته. وهو الذي جرت على يده الفتكة العظيمة بأهل ربض قرطبة «3» ، الذين هاجوا به وهتفوا بخلعانه، فأظهره الله عليهم، في خبر شهير. وهو الذي أوقع بأهل طليطلة أيضا، فأبادهم بحيلة الدّعاء إلى الطعام بما هو معلوم.
دخوله غرناطة: قالوا: وبإلبيرة وأحوازها تلاقى مع عمّه أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن، فهزمه وقتله حسبما ثبت في اسم أبي أيوب.
شعره: قالوا: وكان له خمس جوار قد استخلصهنّ لنفسه، وملّكهنّ أمره، فذهب يوما إلى الدخول عليهنّ، فتأبّين عليه، وأعرضن عنه، وكان لا يصبر عنهنّ، فقال «4» : [البسيط]
قضب من البان ماست فوق كثبان ... ولّين «5» عنّي وقد أزمعن هجراني
ناشدتهنّ بحقّي فاعتزمن على ال ... عصيان «6» حتى خلا منهنّ همياني
ملكنني ملك من ذلّت عزيمته ... للحبّ ذلّ أسير موثّق عاني
من لي بمغتصبات «7» الرّوح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزّي وسلطاني
ثم عطفن عليه بالوصال فقال «8» : [الخفيف]
نلت كلّ «9» الوصال بعد البعاد ... فكأنّي ملكت كلّ العباد
وتناهى السرور إذ نلت ما لم ... يغن عنه تكاثف الأجناد
(1/270)

مناقبة: أنهى «1» إليه عباس بن ناصح وقد عاد من الثغر أن امرأة من ناحية وادي الحجارة سمعها تقول: وا غوثاه، يا حكم، ضيّعتنا، وأسلمتنا، واشتغلت عنّا، حتى استأسد العدوّ علينا، ورفع إليه شعر في هذا المعنى والغرض، فخرج من قرطبة كاتما وجهته، وأوغل في بلاد الشّرك، ففتح الحصون، وهدّم المنازل، وقتل وسبى «2» ، وقفل بالغنائم على الناحية التي فيها تلك المرأة، فأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم يفدون به أسراهم «3» ، ويصلحون به أحوالهم، وخصّ المرأة وآثرها، وأعطاها عددا من الأسرى، وقال لها: هل أغاثك الحكم؟ قالت: إي والله، أغاثنا وما غفل عنّا، أعانه الله وأعزّ نصره.
وفاته: توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنتين»
وخمسين سنة. وجرى ذكره في الرجز من نظمي في تاريخ دول الإسلام «5» بما نصّه:
[الرجز]
حتى إذا الدهر عليه احتكما ... قام بها ابنه المسمّى حكما
واستشعر الثورة فيها وانقبض ... مستوحشا كاللّيث أقعى وربض
حتى إذا فرصته لاحت تفض ... فأفحش الوقعة في أهل الرّبض
وكان جبّارا بعيد الهمّه ... لم يرع من آل بها أو ذمّه
حكم بن أحمد بن رجا الأنصاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا العاصي.
حاله: كان من قرّائها ونبهائها، وكان من أهل الفضل والطلب، وإليه ينسب مسجد أبي العاصي، وحمام أبي العاصي ودربه بغرناطة، وكفى بذلك دليلا على الأصالة والتأثّل. ذكره أبو القاسم ولم يذكر من أمره مزيدا على ذلك.
(1/271)

حاتم بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الحسين بن عثمان بن سعيد بن عبد الملك ابن سعيد بن عمّار بن ياسر «1»
أوّليّته: قد مرّ بعض ذلك، وسيأتي بحول الله.
حاله: قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه الموضوع في مآثر القلعة «2» : كان صاحب سيف وقلم وعلم، ودخل في الفتنة المردنيشيّة «3» ، حسبما مرّ ذلك عند ذكر أخيه أبي جعفر، فصار من جلساء الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش بمرسية، وأرباب آرائه، وذوي الخاصّة من وزرائه، وكان مشهورا بالفروسية والشجاعة والرأي.
حكاياته ونوادره: قال: كان التّندير والهزل قد غلبا عليه، وعرف بذلك، فصار يحمل منه ما لا يحمل من غيره. قالوا: فحضر يوما مع الأمير محمد بن سعد، يوم الجلاب «4» من حروبه، وقد صبر الأمير صبرا جميلا. ووالى الكرّ المرّة بعد المرة.
وذلك بمرأى من حاتم؛ فردّ رأسه إليه، وقال: يا قائدا أبا الكرم، كيف رأيت؟ فقال له حاتم: لو رآك السّلطان اليوم لزاد في مرتّبك، فضحك ابن مردنيش، وعلم أنه أراد بذلك: لا تليق به المخاطرة، وإنما هو للثّبات والتدبير. وقال له يوما وقد جرى ذكر الجنّات: جنّ اليوم يا أبا الكرم على بستانك بالزّنقات. وأردت أن أكون من ضيافتك، فقال عبد الرحمن بن عبد الملك، وهو إذ ذاك وزير الأمير وبيده المجابي والأعمال:
لعل الأمير اغترّ بسماع اسمه حاتم، ما فيه من الكرم إلّا الاسم، فقال الحاتم: ولعلّ الأمير اغترّ بسماع أمانة عبد الرحمن، فقدّمه على وزرائه، وما عنده من الأمانة إلّا الاسم، فقال ابن مردنيش وقد ضحك: الأولى فهمت، ولم أفهم الثانية، فقال له كاتبه أبو محمد السلمي: إنما أشار إلى قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أمير هذه الأمة، وأمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض؛ فطرب ابن مردنيش، وجعل يقول: أحسنتما.
(1/272)

شعره: قال أبو الحسن: ولم أحفظ من شعر حاتم ما أورده في هذا المكان إلّا قوله يخاطب حفصة الرّكّونية الشاعرة، التي يأتي ذكرها، حين فرّ إلى مرسية، وتركها بغرناطة: [الوافر]
أحنّ إلى ديارك يا حياتي ... وأبصر ذو وهد سيل الظّبات «1»
وأهوى أن أعود إليك لكن ... خفوق البند «2» عاق عن القنات
وكيف إلى جنابك من سبيل ... وليس يحلّه إلّا عداتي!
مولده: في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وقال أبو القاسم الغافقي فيه عند ذكره: كان طالبا نبيها، جميلا، سريّا، تامّ المروءة، جميل العشرة.
وفاته: قال: مات بغرناطة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة «3» .
حباسة بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «4»
كان شهما هيّبا، بهمة من البهم، كريما في قومه، أبيّا في نفسه، صدرا من صدور صنهاجة؛ وكان أشجع من أخيه حبّوس.
وفاته: قال أبو مروان «5» عند ذكر وقعة «رمداي» بطرف قرطبة في حروب البرابرة لأهلها في شوّال عام اثنين وأربعمائة، قال «6» : واستلحم حباسة بن ماكسن الصنهاجي ابن أخي زاوي بن زيري، وهو فارس صنهاجة طرّا وفتاها؛ وكان قد تقدّم إلى هذه الناحية، زعموا لمّا بلغه اشتداد الأمر فيها، فرمى بنفسه على طلّابها، واتّفق أن ركب بسرج طري العمل متفتح اللّبد، وخانه مقعده عند المجاولة، لتقلّبه على الصّهوة؛ وقيل إنه كان منتبذا على ذلك، فتطارح على من بإزائه، ومضى قدما بسكرى
(1/273)

شجاعته ونشوته، يصافح البيوت بصفحته، ويستقبل القنا بلبّاته، لا يعرض له شيء إلّا حطّه، إلى أن مال به سرجه، فأتيح حمامه لاشتغاله بذلك، بطعنة من يد المسمّى النّبيه النصراني، أحد فرسان الموالي العامريين؛ فسقط لفيه، وانتظمته رماح الموالي فأبادته؛ وحامى أخوه حبّوس، وبنو عمّه، وغيرهم من أنجاد البرابرة على جثته، فلم يقدروا على استنقاذها بعد جلاد طويل، وغلب عليه الموالي فاحتزّوا رأسه، وعجّلوا به إلى قصر السلطان، وأسلموا جسده للعامّة؛ فركبوه بكل عظيمة، واجتمعوا إليه اجتماع البغاث على كبير الصّقورة، فجرّوه في الطرق وطافوا به الأسواق، وقطعوا بعض أعضائه، وأبدوا شواره وكبده بكل مكروه من أنواع الأذى، بأعظم ما ركب ميت، فلمّا سئموا تجراره، أوقدوا له نارا فحرقوه بها جريا على ذميم عادتهم، في قبح المثلة، ولؤم القدرة. وانجلت الحروب في هذا اليوم لمصابه، عن أمر عظيم، وبلغ من جميع البرابرة الحزن عليه مناله، ورأت أن دماء أهل قرطبة جميعا لا تعدله.
من الكتاب «المتين» .
حبيب بن محمد بن حبيب
من أهل النّجش «1» ، من وادي المنصورة «2» أخوه مالك النّجشي، دباب الحلقات، ومراد أذناب المقرّبين.
حاله: كان على سجيّة غريبة من الانقباض المشوب بالاسترسال، والأمانة مع الحاجة، بادي الزّي واللسان، يحفظ الغريب من اللغة، ويحرّك شعرا لا غاية وراءه في الرّكاكة، وله قيام على الفقه وحفظ القرآن، ونغمة حسنة عند التّلاوة. قدم الحضرة غير ما مرة وكان الأستاذ، إمام الجماعة، وسيبويه الصناعة، أبو عبد الله بن الفخّار، المعروف بإلبيري، أبا مثواه ومحطّ طيّته، يطلب منه مشاركته بباب السلطان في جراية يرغب في تسميتها، وحال يروم إصلاحها، فقصدني مصحبا منه رقعة تتضمن الشّفاعة، وعرض عليّ قصيدة من شعره يروم إيصالها إلى السلطان، فراجعت الأستاذ برقعة أثبتها على جهة الإحماض وهي:
«يا سيدي الذي أتشرّف، وبالانتماء إلى معارفه أتميّز، وصل إليّ عميد حصن النجش، وناهض أفراخ ذلك العشّ، تلوح عليه مخايل أخيه المسمّى بمالك، ويترجّج به الحكم في الغاية في أمثال تلك المسالك، أشبه من الغراب بالغراب، وإنها لمن
(1/274)

عجائب الماء والتراب، فألقى من ثنائكم الذي أوجبته السيادة والأبوّة، ما يقصر عن طيب الألوّة، وتخجل عند مشاهدته الغرر المجلوّة، وليست بأولي برّ أسديتم، ومكرمة أعدتم وأبديتم، والحسنات وإن كانت فهي إليكم منسوبة، وفي أياديكم محسوبة، وبلوت من الرجل طلعة نتفة، لم يغادر من صفات النبل صفة، حاضر بمسائل من الغريب، وقعد مقعد الذكي الأريب. وعرض عليّ حاجته وغرضه، وطلب مني المشاركة، وهي مني لأمثاله مفترضة، ووعدني بإيقافي على قصيدة حبّرها، وأنسى بالخبر خبرها، وباكرني بها اليوم مباكرة الساقي بدهاقه، وعرضها عليّ عرض التاجر نفائس أعلاقه، وطلب مني أن أهذّب له ما أمكن من معانيها وألفاظها، وأجلو القذى عن ألحاظها، فنظرت منها إلى روض كثرت أثغابه، وجيش من الكلام زاحم خواصّه أو شابه، ورمت الإصلاح ما استطعت، فعجزت عن ذلك وانقطعت، ورأيت لا جدوى إلى ذلك الغرض، ما لم تبدّل الأرض غير الأرض. وهذا الفنّ، أبقى الله سيدي، ما لم يمتّ إلى الإجادة بسبب وثيق، وينتمي في الإحسان إلى مجد عريق، وكان رفضه أحسن وأحمد، واطّراحه بالفائدة أعود، وإذا اعتبره من عدل وقسط، وجده طريقين لا يقبل الوسط، فمنهما مالّ يقتنى ويدّخر، وسافل يهزأ به ويسخّر، والوسط ثقيل لا يتلبّس به نبيل. قيل لبعضهم: ألا تقول الشعر؟ فقال: أريد منه ما لا يتأتّى لي، ويتأتّى لي منه ما لا أريده. وقال بعضهم: فلان كمغنّ وسط لا يجيد فيطرب، ولا يسيء فيسلّي. فاقتضى نظركم الذي لا يفارق السّداد والتوفيق، وإرشادكم الذي رافقه الهدى ونعم الرفيق، أن يشير عليه بالاستغناء عن رفعها، والامتساك عن دفعها، فهو أقوى لأمته «1» ، وأبقى على سكنته وسمته، وأستر لما لديه، قبل أن يمدّ أبو حنيفة رجليه، وإن أصمّت عن هذا العذل مسامعه، وهفت به إلى النجاح مطامعه، فليعتمد على الاختصار، فذو الإكثار جمّ العثار، وليعدل إلى الجادة عن ثنيات الطّرق، ويجتزئ عن القلادة بما أحاط بالعنق، فإذا رتّبها وهذّبها، وأوردها من موارد العبارة أعذبها، تولّيت زفافها وإهداءها، وأمطت بين يدي الكفوء الكريم رداءها، والسلام» .
حمدة بنت زياد المكتّب «2»
من ساكني وادي الحمّة بقرية بادي من وادي آش.
(1/275)

حالها: قال أبو القاسم: نبيلة، شاعرة، كاتبة؛ ومن شعرها وهو مشهور «1» :
[الوافر]
أباح الدّمع أسراري بوادي ... له في الحسن «2» آثار بوادي
فمن نهر «3» يطوف بكلّ روض ... ومن روض يطوف بكل وادي
ومن بين الظّباء مهاة إنس ... سبت لبّي وقد سلبت فؤادي «4»
لها لحظ ترقّده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح السّواد «5»
كأنّ الصّبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل في الحداد «6»
ومن غرائبها «7» : [الطويل]
ولمّا أبى الواشون إلّا قتالنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار «8»
(1/276)

وشنّوا على آذاننا «1» كلّ غارة ... وقلّت حماتي عند ذاك وأنصاري
رميتهم «2» من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسّيف والسّيل والنار
وقال أبو الحسن بن سعيد في حمدة وأختها زينب «3» : شاعرتان، أديبتان، من أهل الجمال، والمال، والمعارف والصّون، إلّا أن حبّ الأدب كان يحملهما على مخالطة أهله، مع صيانة مشهورة، ونزاهة موثّق بها.
حفصة بنت الحاج الرّكوني «4»
من أهل غرناطة، فريدة الزمان في الحسن، والظّرف، والأدب، واللّوذعيّة؛ قال أبو القاسم: كانت أديبة، نبيلة، جيّدة البديهة، سريعة الشعر.
بعض أخبارها: قال الوزير أبو بكر بن يحيى بن محمد بن عمر الهمداني:
رغبت أختي إلى حفصة أن تكتب شيئا بخطها فكتبت «5» : [البسيط]
يا ربّة الحسن، بل يا ربّة الكرم ... غضّي جفونك عمّا خطّه قلمي «6»
تصفّحيه بلحظ الودّ منعمة ... لا تحفلي بقبيح «7» الخطّ والكلم
قال أبو الحسن بن سعيد، وقد ذكر أنهما باتا بحوز مؤمّل «8» في جنّة له هنالك على ما يبيت عليه أهل الظّرف والأدب، قال «9» : [الطويل]
(1/277)

رعى الله ليلا لم يرع بمذمّم ... رعانا ووارانا بحوز مؤمّل «1»
وقد نفحت «2» من نحو نجد أريجة «3» ... إذا نفحت هبّت بريح «4» القرنفل
وغرّد قمريّ على الدّوح وانثنى ... قضيب من الرّيحان «5» من فوق جدول
يرى «6» الرّوض مسرورا بما قد بدا له: ... عناق وضمّ وارتشاف مقبّل
فقالت: [الطويل]
لعمرك ما سرّ الرياض وصالنا «7» ... ولكنه أبدى لنا الغلّ والحسد
ولا صفّق النّهر ارتياحا لقربنا ... ولا صدح «8» القمريّ إلّا لما وجد «9»
فلا تحسن «10» الظّنّ الذي أنت أهله ... فما هو في كل المواطن بالرّشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمر سوى كي ما تكون «11» لنا رصد
قال أبو الحسن بن سعيد: وبالله ما أبدع ما كتبت به إليه وقد بلغها أنه علق بجارية سوداء أسعت له من بعض القصور، فاعتكف معها أياما وليالي، بظاهر غرناطة، في ظلّ ممدود، وطيب هوى مقصور وممدود «12» : [مخلع البسيط]
يا أظرف الناس قبل حال ... أوقعه نحوه «13» القدر
عشقت سوداء مثل ليل ... بدائع الحسن قد ستر
(1/278)

لا يظهر البشر في دجاها ... كلّا ولا يبصر الخفر
بالله قل لي وأنت أدرى ... بكلّ من هام في الصّور
من الذي هام في جنان «1» ... لا نور «2» فيه ولا زهر؟
فكتب إليها بأظرف اعتذار، وألطف أنوار: [مخلع البسيط]
لا حكم إلّا لأمر ناه ... له من الذنب يعتذر «3»
له محيّا به حياتي ... أعيذ مجلاه «4» بالسّور
كضحوة «5» العيد في ابتهاج ... وطلعة الشّمس والقمر
بسعده «6» لم أمل إليه إلّا ... اطّرافا «7» له خبر
عدمت صبحي فاسودّ عشقي «8» ... وانعكس الفكر والنّظر
إن لم تلح يا نعيم روحي ... فكيف لا تفسد الفكر؟
قال: وبلغنا أنه خلا مع حاتم وغيره من أقاربهم، لهم طرب ولهو، فمرّت على الباب مستترة، وأعطت البوّاب بطاقة فيها مكتوب «9» : [الخفيف]
زائر قد أتى بجيد غزال ... طامع من محبّه بالوصال «10»
أتراكم بإذنكم مسعفيه ... أم لكم شاغل من الأشغال؟ «11»
فلمّا وصلت الرّقعة إليه، قال: وربّ الكعبة، ما صاحب هذه الرّقعة إلّا الرّقيعة حفصة؛ ثم طلبت فلم توجد، فكتب إليها راغبا في الوصال والأنس
(1/279)

الموصول «1» : [الخفيف]
أيّ شغل عن الحبيب «2» يعوق ... يا صباحا «3» قد آن منه الشّروق
صل وواصل فأنت أشهى إلينا ... من جميع «4» المنى فكم ذا نشوق
بحياة الرّضى يطيب صبوح ... عرفا إن جفوتنا أو غبوق «5»
لا وذلّ الهوى «6» وعزّ التلاقي ... واجتماع إليه عزّ الطريق
وذكرها الأستاذ في «صلته» ، فقال: وكانت أستاذة وقتها، وانتهت إلى أن علّمت النساء في دار المنصور؛ وسألها يوما أن تنشده ارتجالا فقالت «7» :
[المجتث]
امنن عليّ بصكّ «8» ... يكون للدّهر «9» عدّه
تخطّ يمناك فيه: ... الحمد لله وحده «10»
قال: فمنّ عليها، وحرّز لها ما كان لها من ملك.
وفاتها: قالوا: توفيت بحضرة مرّاكش في آخر سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وخمسمائة «11» .
(1/280)

الخضر بن أحمد بن الخضر بن أبي العافية «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» «2» : كان، رحمه الله، صدرا من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطّلب، مضطلعا «3» بالمسائل، مسائل الأحكام؛ مهتديا «4» لمظنّات النّصوص، نسخ بيده الكثير، وقيّد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس «5» في المشكلات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخطاب «6» ، بارع الأدب، شاعرا مكثرا، مصيبا غرض الإجادة.
وتصرّف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النّبيهة.
وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «7» :
«فارس في ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان؛ وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشّان «8» ؛ رفل في حلل «9» البدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس «10» العجائب فأدار جريالها «11» ، واقتحم على الفحول «12» أغيالها «13» ، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات «14» فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلّم وحصّل، وبلغ الغاية وتوصّل؛ وتولّى القضاء، فاضطلع بأحكام الشّرع، وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميّز في المسائل بطول الباع، وسعة الذّراع؛ فأصبح صدرا في مصره، وغرّة في صفحة عصره. وسيمرّ في بديع كلامه، وهثّات «15» أقلامه، وغرر إبداعه، ودرر اختراعه، ما يستنير «16» لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم» .
(1/281)

شعره: قال في غرض الحكمة والأمثال «1» : [الكامل]
عزّ «2» الهوى نقصان والرأي الذي ... ينجيك منه، إذا ارتأيت مروما «3»
فإذا رأيت الرأي يتّبع الهوى ... خالف وفاقهما تعدّ حكيما
وكيف تخاف من الحليم مداجيا «4» ... خف من نصيحك ذي «5» السّفاهة شوما
واحذر معاداة الرجال توقّيا ... منهم ظلوما كنت أو مظلوما
فالناس «6» إما جاهل لا يتّقي ... عارا ولا يخشى العقوبة لوما
أو عاقل يرمي بسهم مكيدة ... كالقوس ترسل سهمها مسموما
فاحلم عن القسمين تسلم منهما ... وتسد فتدعى سيّدا وحليما «7»
ودع المعاداة «8» التي من شأنها ... أن لا تديم على الصّفاء قديما «9»
أبت المغالبة الوداد فلا تكن ... ممّن يغالب ما حييت نديما «10»
وإذا منيت بقربه «11» فاخفض جنا ... ح «12» الذّلّ واخضع ظاعنا ومقيما
إنّ الغريب لكالقضيب محاير «13» ... إن لم يمل للريح عاد رميما
وارع «14» الكفاف ولا تجاوز حدّه ... ما بعده يجني عليك هموما
وابسط يديك متى غنيت ولا تكن ... فيما «15» يكون به المديح ذميما
وإذا بذلت فلا تبذّر إنّ ذا ال ... تبذير يومئذ أخوه رجيما «16»
وعف الورود إذا تزاحم مورد ... واحسب ورود الماء منه حميما
واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن ... يصحب لئيم الأصل عدّ لئيما
فالفضل من لبس الكرام فمن عرى ... عنه فليس لما «17» يقول كريما
(1/282)

(إنّ المقارن بالمقارن يفتدي) «1» ... مثل جرى جري الرياح قديما
وجماع كلّ الخير في التّقوى فلا ... تعدم حلى التّقوى تعدّ عديما
وقال يصف الشّيب من قصيدة، وهي طويلة؛ أولها «2» : [الكامل]
لاح الصباح، صباح شيب المفرق ... فاحمد سراك نجوت ممّا تتّقي
هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها ... قد أعتقتك وحقّ قدر المعتق
خطّت بفودك أبيضا في أسود ... بالعكس من معهود خطّ مهرق «3»
كالبرق راع بسيفه «4» طرف الدّجى ... فأعار «5» دهمته شتات «6» الأبلق
كالفجر يرسل في الدّجنّة خيطه ... ويجرّ «7» ثوب ضيائه بالمشرق
كالماء يستره بقعر «8» طحلب ... فتراه بين خلاله كالزّئبق
كالحيّة الرقشاء إلّا أنه ... لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي
كالنّجم عدّ لرجم شيطان الصّبا ... يا ليت شيطان الصّبا لم يحرق
كالزّهر إلّا أنه لم يستنم «9» ... إلّا بغصن «10» ذابل لم يورق
كتبسّم الزّنجيّ إلّا أنه ... يبكي العيون بدمعه «11» المترقرق
وكذا البياض قذى العيون ولا ترى ... للعين أبكى «12» من بياض المفرق
ما للغواني وهو لون خدودها ... يجزعن من لألائه المتألّق
وأخلته لمع السّيوف ومن يشم ... لمع السّيوف على المفارق يفرق
هو ليس ذاك ولا الذي أنكرته «13» ... كن «14» خائفا ما خفن منه واتّق
داء يعزّ على «15» الطبيب دواؤه ... ويضيع خسرا فيه مال المنفق
(1/283)

لكنه والحقّ أصدق مقول ... شين المسيء الفعل زين المتّقي
ومن مقطوعاته قوله «1» : [المتقارب]
أقلّي فما الفقر بالمرء عار «2» ... ولا دار من يألف الهون دارا
وما «3» يكسب العزّ إلّا الغنى ... غنى النّفس فلتتّخذه «4» شعارا
وما اجتمع الشّمل في غيره ... فيحسن إلّا وساء انتشارا
فزهرة غيرك لا تنظري «5» ... فيألم قلبك منه انكسارا
وهزّي إليك بجذع الرّضى ... تساقط عليك الأماني ثمارا
وقال أيضا: [المجتث]
العلم حسن وزين ... والجهل قبح وشين
والمال عزّ وعيش ... والفقر ذلّ وحين
والناس أعضاء جسم ... فمنهم است وعين
هذي مقالة حقّ ... ما في الذي قلت مين
وقال أيضا: [الخفيف]
إن أراك الزمان وجها عبوسا ... فستلقاه بعد ذلك طلقا «6»
لا يهمّنك حاله إنّ في طر ... فة عين ترتاح فيه وتشقى
أيّ عزّ رأيت أو أيّ ذلّ ... لذوي الحالتين في الدهر يبقى
سل نجوم الدّجى إذا ما استنارت ... ما الذي في وقت الظّهيرة تلقى
وتفكّر وقل بغير ارتياب ... كلّ شيء يفنى وربّك يبقى
وقال أيضا «7» : [الكامل]
لو أنّ أيام الشّباب تعود لي ... عود النّضارة للقضيب المورق
ما إن بكيت على شباب قد ذوى ... وبقيت منتظرا لآخر مونق
(1/284)

وقال في القلم «1» : [الطويل]
لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... وإن لم يكن إلّا قصيرا مجوّفا
تعلّم منه الناس «2» أبدع حكمة ... فها هو أمضى ما يكون محرّفا
وقال في التشبيه: [البسيط]
كأنما السّوسن الغضّ الذي افتتحت ... منه كمائمه المبيضّة اللون
بنان كفّ فتاة قطّ ما خضبت ... تلقى بها من يراها خيفة العين
وقال يعرّض بقوم من بني أرقم: [المتقارب]
إذا ما نزلت بوادي الأشى «3» ... فقل ربّ من لدغه سلّم
وكيف السلامة في موطن ... به عصبة من بني أرقم؟
وقال موريا بالفقه، وهو بديع «4» : [الخفيف]
لي دين على الليالي قديم ... ثابت الرّسم منذ خمسين حجّه «5»
أفأعدى بالحكم بعد عليها «6» ؟ ... أم لها في تقادم الدّهر «7» حجّه؟
ونختم مقطوعاته بقوله «8» : [الطويل]
نجوت بفضل الله ممّا أخافه ... ولم لا وخير العالمين شفيع؟
وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة ... فكيف إذا كان الشفيع أضيّع؟
وقال أيضا: [الطويل]
عليك بتقوى الله فيما ترومه ... من الأمر تخلص بالمرام وبالأجر
ولا ترج غير الله في نيل حاجة ... ولا دفع ضرّ في سرار ولا جهر
فمن أمّ غير الله أشرك عاجلا ... وفارقه إيمانه وهو لا يدري «9»
وفاته: توفي قاضيا ببرجة، وسيق إلى غرناطة، فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع «10» عام خمسة وأربعين وسبعمائة.
(1/285)

خالد بن عيسى بن إبراهيم بن أبي خالد البلوي «1»
من أهل قنتورية «2» ، من حصون وادي المنصورة.
حاله: هذا الرجل من أهل الفضل والسذاجة، كثير التواضع، منحطّ في ذمّة التّخلّق، نابه الهيئة، حسن الأخلاق، جميل العشرة، محبّ في الأدب؛ قضى ببلده وبغيره، وحجّ وقيّد رحلته في سفر، وصف فيه البلاد ومن لقي، بفصول جلب أكثرها من كلام العماد الأصبهاني، وصفوان وغيرهما، من ملح. وقفل إلى الأندلس، وارتسم في تونس في الكتابة عن أميرها زمانا يسيرا؛ وهو الآن قاض ببعض الجهات الشرقية.
وجرى ذكره في الرّحلة «3» التي صدرت عني في صحبة الرّكاب السلطاني عند تفقّد البلاد الشرقية؛ في فصل حفظه الناس، وأجروه في فكاهاتهم وهو:
«حتى إذا الفجر تبلّج، والصّبح من باب المشرق تولّج، عدنا وتوفيق الله قائد، وكنفنا من عنايته صلة وعائد، تتلقّى ركابنا الأفواج، وتحيّينا الهضاب والفجاج إلى قنتورية، فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال، قريبة البكر من الآصال، كان المبيت بإزاء قلعتها السّامية الارتفاع، الشهيرة الامتناع؛ وقد برز أهلها في العديد والعدّة؛ والاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدّة، صفوفا بتلك البقعة خيلا ورجلا كشطرنج الرّقعة، لم يتخلّف ولد عن والد، وركب قاضيها ابن أبي خالد؛ وقد شهرته النّزعة الحجازيّة، وقد لبس من الحجازيّ، وأرخى من البياض طيلسانا، وتشبّه بالمشارقة شكلا ولسانا، وصبغ لحيته بالحنّاء والكتم «4» ، ولاث عمامته واختتم، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب؛ والأريب للأريب، وخيّرته بين خصلتين، وقلت: نظمت مقطوعتين، إحداهما مدح؛ والأخرى قدح؛ فإن همت ديمتك، وكرمت شيمتك، فللذين أحسنوا الحسنى، وإلّا فالمثل الأدنى. فقال: أنشدني لأرى على أيّ امرئ أتيت، وأفرق بين ما جنّيتني وما جنيت، فقلت: [الكامل]
قالوا وقد عظمت مبرة خالد ... قاري الضيوف بطارف وبتالد
(1/286)

ماذا تممت به فجئت بحجّة ... قطعت بكل مجادل ومجالد
أن يفترق نسب يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
وأما الثانية فيكفي من البرق شعاعه، وحسبك من شرّ سماعه. ويسير التنبيه كاف للنّبيه؛ فقال: لست إلى قراي بذي حاجة، وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة؛ فقلت: ضريبة غريبة، ومؤنة قريبة؛ عجّل ولا تؤجّل، وإن انصرم أمد النهار فأسجل؛ فلم يكن إلّا كلّا ولا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشر منهم بقدومها يبتدر، يزفّونها كالعروس فوق الرّءوس، فمن قائل يقول: أمّها يمانيّة، وآخر يقول: أخوها الخصيّ الموجّه إلى الحضرة العليّة، وأدنوا مرابطها من المضرب، بعد صلاة المغرب، وألحفوا في السؤال، وتشطّطوا في طلب النّوال؛ فقلت: يا بني اللّكيعة جئتم ببازي، بماذا كنت أجازي، فانصرفوا وما كادوا يفعلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون؛ حتى إذا سلّت لذبحها المدى، وبلغت من طول أعمارها المدى، قلت: يا قوم، ظفرتم بقرّة العين، وأبشروا باقتراب اللقاء فقد ذبحت لكم غراب البين» .
ولقد بلغني أنه لهذا العهد بعد أن طال المدى، يتظلّم من ذلك، وينطوي من أجله على الوجدة؛ فكتبت إليه: وصل الله عزّة الفقيه النّبيه، العديم النظير والتّشبيه؛ وارث العدالة عن عمّه وابن أبيه، في عزّة تظلّله، وولاية تتوّج جاهه وتكلّله.
داود بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأندي «1»
يكنى أبا سليمان.
أوّليّته: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: من بيت علم وعفاف، أصله من أندة «2» ، حصن بشرقي الأندلس، وانتقل أبو سليمان هذا مع أخيه أبي محمد إلى حيث يذكر بعد.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان حافظا للقراءة، عارفا بإقراء القرآن بها، أتقن ذلك عن أبيه، ثم أخيه كبيره أبي محمد، محدّثا متّسع الرواية، شديد العناية بها، كثير
(1/287)

السّماع، مكثرا، عدلا، ضابطا لما ينقله، عارفا بطرق الحديث. أطال الرّحلة في بلاد الأندلس، شرقها وغربها، طالبا العلم بها، ورحل إلى سبتة وغيرها من بلاد الأندلس العدوية «1» . وعني بلقاء الشيوخ كبارا وصغارا والأخذ منهم أتمّ عناية، وحصل له بذلك ما لم يحصل لغيره. وكان فهيما بصيرا بعقد الشروط، حاذقا في استخراج نكتها، تلبّس بكتبها زمانا طويلا بمسجد الوحيد من مالقة، وكان محبّا في العلم وأهله، حريصا على إفادته إيّاهم، صبورا على سماع الحديث، حسن الخلق، طيّب النفس، متواضعا، ورعا، منقبضا، ليّن الجانب، مخفوض الجناح، حسن الهدى، نزيه النفس، كثير الحياء، رقيق القلب، تعدّد الثّناء عليه من الجلّة.
قال ابن الزّبير: كان من أهل العدالة والفضل، وحسن الخلق، وطيب النفس والتّواضع، وكثرة الحياء. وقال ابن عبد المجيد: كان ممّن فضّله الله بحسن الخلق والحياء على كثير من العلماء. وقال أبو عبد الله بن سلمة مثل ذلك. وقال ابن «2» ...
بمثله.
مشيخته: قال الأستاذ: أقرأ «3» بمرسية، وأخذ بها، وبقرطبة، ومالقة، وإشبيلية، وغرناطة وسبتة، وغيرها من بلاد الأندلس، وغرب العدوة، واعتناؤه يعينه وأخاه بباب الرّواة، والأخذ عن الشيوخ، حتى اجتمع لهما ما لم يجتمع لأحد من أهل عصرهما؛ فمن ذلك أبوهما أبو داود، وأبو الحسن صالح بن يحيى بن صالح الأنصاري، وأبو القاسم بن حسن، وأبو عبد الله بن حميد، وأبو زيد السّهيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عراق الغافقي، وأبو العباس يحيى بن عبد الرحمن المجريطي، وعن ابن بشكوال. وأخذ عن أبي بكر بن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي محمد بن عبد الله، وأبي عبد الله بن الفخّار الحافظ، وأبي العباس بن مضاء، وأبي محمد بن بونة، وأبي محمد بن عبد الصمد بن يعيش الغسّاني، وأبي بكر بن أبي حمزة، وأبي جعفر بن حكم الزاهد، وأبي خالد بن يزيد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي عبد الله بن عروس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي محمد بن جمهور، وأبي بكر بن النّيار، وأبي الحسن بن محمد بن عبد العزيز الغافقي الشّقوري، وأبي القاسم الحوفي القاضي، وأبي بكر بن بيبش بن محمد بن بيبش العبدري، وأبي الوليد بن جابر بن هشام الحضرمي، وأبي
(1/288)

بكر بن مالك الشّريشي، وأبي عبد اليسر الجزيري، وأبي بكر بن عبد الله السكسكي، وأبي الحجاج ابن الشيخ الفهري، وغيرهم ممّن يطول ذكرهم.
قضاؤه وسيرته فيه: قال ابن أبي الربيع: لازمت «1» ابني حوط الله، فكان أبو محمد يفوق أخاه والناس في العلم، وكان أبو سليمان يفوق أخاه والناس في الحلم.
واستقضي بسبتة وألمريّة والجزيرة الخضراء، وقام قاضيا بها مدة، ثم نقل منها إلى قضاء بلنسية آخر ثمان وستمائة، ثم صرف بأبي القاسم بن نوح، وقدّم على القضاء بمالقة في حدود إحدى عشرة «2» وستمائة، فشكرت أحواله كلها، وعرف في قضائه بالنّزاهة. قال أبو عبد الله بن سلمة: كان إذا حضر خصوم، ظهر منه من التواضع، ووطأة الأكناف، وتبيين المراشد، والصبر على المداراة، والملاطفة، وتحبيب الحقّ، وتكريه الباطل، ما يعجز عنه. ولقد حضرته. وقد أوجبت الأحكام عنده الحدود على رجل، فهاله الأمر، وذرفت عيناه، وأخذ يعتب عليه ويؤنّبه على أن ساق نفسه إلى هذا، وأمر بإخراجه ليحدّ بشهود في موضع آخر لرقّة نفسه، وشدّة إشفاقه. واستمرّت ولايته بمالقة إلى أن توفي.
مولده: ببلدة أندة سنة ستين وخمسمائة «3» .
وفاته: قال أبو عبد الرحمن بن غالب: توفي إثر صلاة الصبح من يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وستمائة، ودفن إثر صلاة العصر يوم وفاته، بسفح جبل فاره «4» ، في الروضة المدفون بها أخوه أبو محمد، فأتبعه الناس ثناء جميلا؛ ذكر، واختلفوا في جنازته، وخرج إليها النساء والصبيان داعين متبكّين.
رضوان النّصري الحاجب المعظّم «5»
حسنة الدولة النصرية، وفخر مواليها.
أوّليّته: روميّ الأصل، أخبرني أنه من أهل القلصادة «6»
، وأن انتسابه يتجاذبه القشتالية من طرف العمومة، والبرجلونيّة «7»
من طرف الخؤولة، وكلاهما نبيه في
(1/289)

قومه، وأن أباه ألجأه الخوف بدم ارتكبه في محلّ أصالته من داخل قشتالة إلى السّكنى بحيث ذكر. ووقع عليه سباء «1»
في سنّ الطفوليّة، واستقرّ بسببه بالدار السلطانية، ومحض إحراز رقّه، السلطان دايل قومه، أبو الوليد المارّ ذكره، فاختصّ به، ولازمه قبل تصيير الملك إليه، مؤثرا له مغتبطا بمخايل فضله، وتماثل استقامته، ثم صيّر الملك إليه فتدرّج في معارج حظوته، واختصّ بتربية ولده، وركن إلى فضل أمانته، وخلطه في قرب الجوار بنفسه، واستجلى الأمور المشكلة بصدقه، وجعل الجوائز السّنيّة لعظماء دولته على يده، وكان يوجب حقّه ويعرف فضله، إلى أن هلك، فتعلّق بكنف ولده، وحفظ شمله، ودبّر ملكه، فكان آخر اللّخف، وسترا للحرم، وشجى للعدا، وعدّة في الشّدة، وزينا في الرّخاء، رحمة الله عليه.
حاله وصفته: كان هذا الرجل مليح الشّيبة والهيئة، معتدل القدّ والسّحنة، مرهب البدن، مقبل الصورة، حسن الخلق، واسع الصدر، أصيل الرأي، رصين العقل، كثير التجمّل، عظيم الصبر، قليل الخوف في الهيعات «2»
، ثابت القدم في الأزمات، ميمون النّقيبة «3»
، عزيز النّفس، عالي الهمّة، بادي الحشمة، آية في العفّة، مثلا في النزاهة، ملتزما للسّنّة، دؤوبا على الجماعة، جليس القبلة؛ شديد الإدراك مع السكون، ثاقب الذّهن مع إظهار الغفلة؛ مليح الدّعابة مع الوقار والسكينة، مستظهرا لعيون التاريخ، ذاكرا للكثير من الفقه والحديث، كثير الدّالّة «4»
على تصوير الأقاليم وأوضاع البلاد، عارفا للسياسة، مكرما للعلماء، متركا للهوادة، قليل التصنّع، نافرا من أهل البدع؛ متساوي الظاهر والباطن، مقتصدا في المطعم والملبس.
مكانته من الدين: اتّفق على أنه لم يعاقر مسكرا قطّ ولا زنّ بهناة، ولا لطخ بريبة، ولا وصم بخلّة تقدح في منصب، ولا باشر عقاب جاز، ولا أظهر شفاء من غائظ، ولا اكتسب من غير التّجر والفلاحة مالا.
آثاره: أحدث المدرسة بغرناطة، ولم تكن بها بعد، وسبّب إليها الفوائد، ووقف عليها الرّباع المغلّة، وانفرد بمنقبها «5»
، فجاءت نسيجة وحدها بهجة وصدرا وظرفا وفخامة، وجلب الماء الكثير إليها من النهر، فأبّد سقيه عليها، وأدار السّور «6»
(1/290)

الأعظم على الرّبض الكبير المنسوب للبيّازين، فانتظم منه النّجد والغور، في زمان قريب، وشارف التمام إلى هذا العهد. وبنى من الأبراج المنيعة في مثالم الثّغور وروابي مطالعها المنذرة، ما ينيف على أربعين برجا، فهي ماثلة كالنجوم ما بين البحر الشرقي من ثغر بيرة «1»
، إلى الأحواز العربية. وأجرى الماء بجبل مورور، مهتديا إلى ما خفي على من تقدّمه، وأفذاذ أمثال هذه الأنقاب يشقّ تعداده.
جهاده: غزا في السادس والعشرين من محرم عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة بجيش مدينة باغة»
، وهي ما هي من الشّهرة، وكرم البقعة، فأخذ بمخنّقها، وشدّ حصارها، وعاق الصريخ عنها، فتملّكها عنوة، وعمّرها بالحماة، ورتّبها بالمرابطة، فكان الفتح فيها عظيما. وفي أوائل شهر المحرم من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة غزا بالجيش عدو المشرق، وطوى المراحل مجتازا على بلاد قشتالة، لورقة، ومرسية، وأمعن فيها.
ونازل حصن المدوّر، وهو حصن أمن غائلة العدو، مكتنف بالبلاد، مدّ بالبسيني «3»
، موضوع على طيّة التجارة، وناشبه القتال، فاستولى عنوة عليه منتصف المحرم من العام المذكور، وآب مملوء الحقائب سبيا وغنما.
وغزواته كثيرة، كمظاهرة الأمير الشهير أبي مالك على منازلة جبل الفتح، وما اشتهر عنه فيه من الجدّ والصبر، وأوثر عنه من المنقبة الدّالة على صحة اليقين، وصدق الجهاد، إذ أصابه سهم في ذراعه وهو يصلّي، فلم يشغله عن صلاته، ولا حمله توقع الإغارة على إبطال عمله.
ترتيب خدمته وما تخلّل عن ذلك من محنته:
لمّا استوثق أمر الأمير المخصوص بتربيته، محمد، ابن أمير المسلمين أبي الوليد نصر، وقام بالأمر وكيل أبيه الفقيه أبو عبد الله محمد بن المحروق، ووقع بينه وبين المترجم عهد على الوفاء والمناصحة، ولم يلبث أن نكبه وقبض عليه ليلة كذا من رجب عام ثمانية وعشرين وسبعمائة، وبعثه ليلا إلى مرسى المنكّب، واعتقله في المطبق من قصبتها بغيا عليه، وارتكب فيه أشنوعة أساءت به العامّة،
(1/291)

وأنذرت باختلال الحال، ثم أجازه البحر، فاستقرّ بتلمسان، ولم يلبث أن قتل المذكور، وبادر سلطانه الموتور بفرقته عن سدّته، فاستدعاه، فلحق محلّه من هضبة الملك متملّيا ما شاء من عزّ وعناية، فصرفت إليه المقاليد، ونيطت به الأمور، وأسلم إليه الملك، وأطلقت يده في المال. واستمرّت الأحوال إلى عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، والتأث الأمر، وظهر من سلطانه التنكّر عليه، فعاجله الحمام فخلّصه الله منه، وولي أخوه أبو الحجاج من بعده، فوقع الإجماع على اختياره للوزارة أوائل المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، فرضي الكلّ به، وفرحت العامّة والخاصّة للخطة، لارتفاع المنافسات بمكانه، ورضي الأضداد بتوسّطه، وطابت النفوس بالأمن من غائلته، فتولّى الوزارة وسحب أذيال الملك، وانفرد بالأمر، واجتهد في تنفيذ الأحكام، وتقدّم الولاة، وجواب المخاطبات وقوّاد الجيوش، إلى ليلة الأحد الثاني والعشرين من رجب عام أربعين وسبعمائة، فنكبه الأمير المذكور نكبة ثقيلة البرك، هائلة الفجأة من غير زلّة مأثورة، ولا سقطة معروفة، إلّا ما لا يعدم بأبواب الملوك من شرور المنافسات، ودبيب السّعايات الكاذبة. وقبض عليه بين يدي محراب الجامع من الحمراء إثر صلاة المغرب، وقد شهر الرّجال سيوفهم فوقه يحفّون به، ويقودونه إلى بعض دور الحمراء، وكبس ثقات السلطان منزله، فاستوعبوا ما اشتمل عليه من نعمة، وضمّ إلى المستخلص عقاره، وسوّغ الخبر عظيم غلاته. ثم نقل بعد أيام إلى قصبة ألمرية محمولا على الظّهر، فشدّ بها اعتقاله، ورتّب الحرس عليه إلى أوائل شهر ربيع الثاني من عام أحد وأربعين وسبعمائة، فبدا للسلطان في أمره واضطر إلى إعادته. ووجد فقد نصحه، وأشفق لما عدم من أمانته، والانتفاع برأيه، وعرض عليه بما لنوم الكفّ والإقصار عن ضرّه، فعفا عنه، وأعاده إلى محلّه من الكرامة، وصرف عليه من ماله، وعرض الوزارة فأباها، واختار بردّ العافية، وأنس لذّة التخلّي، فقدم لذلك من سدّ الثغور، فكان له اللفظ، ولهذا الرجل المعنى، فلم يزل مفزعا للرأي، محلّى في العظة على الولاية، كثير الآمل والغاشي، إلى أن توفي السلطان المذكور غرّة شوّال من عام خمسة وخمسين وسبعمائة، فشعب الثّأي «1»
، وحفظ البلوى، وأخذ البيعة لولده سلطاننا الأسعد أبي عبد الله، وقام خير قيام بأمره، وجرى على معهود استبرائه، وقد تحكّمت التجربة، وعلت السّنّ، وزادت أنّة الخشية، وقربت من لقاء
(1/292)

الله الشّقّة، فلا تسأل عمّا حطّ من خل، وأفاض من عدل، وبذل من مداراة. وحاول عقد السلم، وسدّ أمور الجند على القل، ودامت حاله متصلة على ما ذكر، وسنّه تتوسّط عشر التسعين إلى أن لحق بربّه. وقد علم الله أني لم يحملني على تقرير سيرته، والإشادة بمنقبته داعية، وإنما هو قول بالحق، وتسليم لحجّة الفضل، وعدل في الوصف، والله، عزّ وجلّ، يقول: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
«1» .
وفاته: في ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من رمضان من عام ستين وسبعمائة، طرق منزله بعد فراغه من إحياء ثلث الليل، متبذّل اللّبسة، خالص الطويّة، مقتضيا للأمن، مستشعرا للعافية، قائما على المسلمين بالكلّ، حاملا للعظيمة، وقد بادره الغادرون بسلطانه، فكسروا غلقه بعد طول معالجة، ودخلوا عليه وقتلوه بين أهله وولده، وذهبوا إلى الدايل برأسه، وفجعوا الإسلام، بالسائس الخصيب المتغاضي، راكب متن الصبر، ومطوق طوق النزاهة والعفاف، وآخر رجال الكمال والستر، الضافي على الأندلس، ولوئم من الغد بين رأسه وجسده، ودفن بإزاء لحود مواليه من السبيكة «2»
ظهرا. ولم يشهد جنازته إلّا القليل من الناس، وتبرّك بعد بقبره. وقلت عند الصلاة عليه، أخاطبه دون الجهر من القول لمكان التقية: [الطويل]
أرضوان، لا توحشك فتكة ظالم ... فلا مورد إلّا سيتلوه مصدر
ولله سرّ في العباد مغيّب ... يشهّد بخافيه القضاء المقدّر
سميّك مرتاح إليك مسلّم ... عليك ورضوان من الله أكبر
فحثّ المطا ليس النعيم منغّص ... ولا العيش في دار الخلود مكدّر
زاوي «3» بن زيري بن مناد الصّنهاجي
الحاجب المنصور، يكنى أبا مثنّى.
(1/293)

أوّليّته: قد مرّ «1»
ما حدث بين أبيه زيري وبين قرابته من ملوك إفريقية، وباديس بن منصور من المشاحنة التي أوجبت مخاطبة المظفر بن أبي عامر في اللّحاق بالأندلس، وإذنه في ذلك، فدخل الأندلس منهم على عهده جماعة وافرة من مساعير الحروب وآثار الحتوف، مع شيخهم هذا وأميرهم، ودخل منهم معه أبناء أخيه ماكسن وحباسة وحبّوس، وقاموا في جملة المظفّر، وزاوي مخصوص باسم الحجابة؛ فلمّا اختلّ بناء الخلافة، بمحمد بن عبد الجبار الملقّب بالمهدي، أذلّهم وتنكّر لهم، وأشاع بينهم وبين أمثالهم من البرابر، المغايرة، فكان ذلك سبب الفتنة التي يسمّيها أهل الأندلس بالبربرية؛ فانحاشوا، ونفروا عهده، وبايعوا سليمان بن الحكم، واستعانوا بالنصارى، وحرّكوا على أهل قرطبة خصوصا، وعلى أهل الأندلس عموما، ما شاء الله من استباحة، وإهلاك النفوس، وغلبوا على ملك الأندلس، وما وراء البيضة، واقتسموا أمّهات الأقطار، وانحازوا إلى بلاد تضمّهم، فانحازت صنهاجة مع رئيسهم المذكور إلى غرناطة، فأووا إليها، واتخذوها ملجأ، وحماها زاوي المذكور، وأقام بها ملكا، وأثّل بها سلطانا لذويه، فهو أوّل من مدّن غرناطة، وبناها وزادها تشييدا ومنعة، واتصل ملكه بها، وارتشحت عروقه، إلى أن كان من ظهوره بها وأحوازها، على عساكر الموالي، الراجعين بإمامهم المرتضى إلى قرطبة، البادين بقتاله، والآخذين بكظمه، بما تقرّر ويتقرّر في اسم المرتضى، من باب المحمّدين.
وكان زاوي كبش الحروب، وكاشف الكروب، خدم قومه شهير الذّكر أصيل المجد، المثل المضروب في الدهاء، والرأي، والشجاعة، والأنفة، والحزم.
قال بعضهم: أحكم التدبير، والدولة تسعده، والمقادر تنجده، وحكيت له في الحروب حكايات عجيبة.
بعض أخباره في الرأي: قال أبو مروان: وقد مرّ ذكر الفتنة البربرية؛ لمّا خلص ملأ القوم، لتشاور أميرهم، وهم فرض في خروجهم من قرطبة، عندما انتهوا إلى فحص هلال، واجتمعوا على التّأسّي، وضرب لهم زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد الصّنهاجي، مثلا بأرماح خمسة جمعها مشدودة، ودفعها لأشدّ من حضره منهم، وقال: اجهد نفسك في كسرها كما هي وأغمزها، فعالج ذلك فلم
(1/294)

يقدر عليه، فقال له: حلّها وعالجها رمحا رمحا، فلم يبعد عليه دقّها، فأقبل على الجماعة، فقال: هذا مثلكم يا برابرة، إن جمعتم لم تطاقوا، وإن تفرّقتم لم تبقوا، والجماعة في طلبكم، فانظروا لأنفسكم وعجّلوا، فقالوا: نأخذ بالوثيقة، ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، فقال لهم: بايعوا لهذا القرشي سليمان، يرفع عنكم الأنفة في الرياسات، وتستميلون إليه العامّة بالجنسية، ففعلوا، فلمّا تمّت البيعة قال: إن مثل هذا الحال لا يقوى على أهل الاستطالة، فيقيّد له رئيس كل قبيلة منكم، قبيلة يتكفّل السلطان بتقويمهم، وأنا الكفيل بصنهاجة، قال: وامتارت بطون القبائل على أرحامها، وقبائلها إلى أفخاذها وفصائلها، فاجتمع كل فريق منهم على تقديم سيّده، فاجتمعت صنهاجة على كبيرها زاوي، ولم تزل تلك القبائل المتألّفة بالأندلس لطاعة أميرها، المنادين له إلى أن أورثوهم الإمارة.
التوقيع: قالوا «1»
: ولمّا نازله المرتضى الذي أجلب به الموالي العامريين بظاهر غرناطة، خاطبه بكتاب يدعوه فيه إلى طاعته، وأجمل موعده فيه؛ فلما قرىء على زاوي قال لكاتبه: اكتب على ظهر رقعته: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
(1) السورة «2»
. فلمّا بلغت المرتضى أعاد عليه كتابا يعده فيه بوعيده، فلمّا قرىء على زاوي، قال: ردّ عليه: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
(1) «3»
إلى آخرها، فازداد المرتضى غيظا، وناشبه القتال، فكان الظّهور لزاوي.
قال المؤرّخ «4»
: واقتتلت صنهاجه مع أميرهم مستميتين لما دهمهم من بحر العساكر، على انفرادهم وقلّة عددهم، إلى أن انهزم أهل الأندلس، وطاروا على وجوههم، مسلموهم وإفرنجهم، لا يلوون على أحد، فأوقع البرابر «5»
بهم السيف، ونهبوا تلك المحلّات، واحتووا على ما لا كفاء له اتساعا وكثرة؛ ظلّ الفارس يجيء من أتباع المنهزمين ومعه العشرة، ولا تسل عمّا دون ذلك من فاخر النّهب، وخير الفساطيط، ومضارب الأمراء والرؤساء.
(1/295)

قال ابن حيّان «1»
: فحلّ بهذه الوقيعة على جماعة الأندلس مصيبة «2»
أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم «3»
جمع بعدها وفرّوا بإدبار «4»
، وباؤوا بالصّغار.
منصرفه عن الأندلس:
قال المؤرّخ «5»
: ولهول ما عاينه زاوي من اقتدار أهل الأندلس في أيّام «6»
تلك الحروب وجعاجعهم، وإشرافهم على التغلّب عليه، هان سلطانه عنده بالأندلس، وخرج «7»
عنها نظرا إلى عاقبة أمره، ودعا بجماعة «8»
من قومه لذلك فعصوه، وركب البحر بجيشه وأهله، فلحق بإفريقية وطنه. قال: فكان من أغرب الأخبار في «9» الدولة الحمّودية انزعاج ذلك الشيخ زاوي «10» عن سلطانه بعد ذلك الفتح العظيم الذي ناله على أهل الأندلس، وعبوره البحر بعد أن استأذن ابن عمّه المعز بن باديس، فأذن له.
وحرص بنو عمّه بالقيروان، على رجوعه لهم لحال سنّه، وتقريبهم «11» يومئذ من مثله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم، وحصوله هو على مقرّر «12» بني مناد، الغريب الشأن «13» ، في أن لا تحجب عنهم نساؤهم وكنّ زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت، هنّ ذوات محرم من بنات إخوته وبناتهنّ وبني بنيهنّ. وكان رحيل زاوي عن الأندلس سنة عشر «14» وأربعمائة. قال ابن حيّان «15» : وأخبار هذا الداهية كثيرة، وأفعاله ونوادره مأثورة.
زهير العامريّ، فتى المنصور بن أبي عامر «16»
حاله: كان شهما داهية، سديد المذهب، مؤثرا للأناة، ولي بعد خيران صاحب ألمريّة، وقام بأمره أحمد قيام، سنة تسع «17» عشرة وأربعمائة، يوم الجمعة لثلاث
(1/296)

خلون من جمادى الأولى. وكان أميرا بمرسية، فوجّه عنه خيران حين أحسّ بالموت، فوصل إليه، وكان عنده إلى أن مات. فخرج زهير مع ابن عباس «1» إلى الناس، فقال لهم: أمّا الخليفة خيران فقد مات، وقد قدّم أخاه زهيرا هذا، فما تقولون؟ فرضي الناس به، فدامت مدة ولايته عشرة أعوام ونصف عام إلى أن قتل.
مناقبه: قال أبو القاسم الغافقي «2» : وكان حسن السّيرة جميلها؛ بنى المسجد في ألمريّة، ودار «3» فيه من جهاته الثلاث، المشرق والمغرب والجوف؛ وبنى مسجدا ببجّانة، وشاور الفقهاء، وعمل بقولهم؛ وملك قرطبة، ودخل قصرها، يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ودام سلطانه عليها خمسة عشر شهرا ونصف شهر.
قال ابن عذاري «4» : وأما زهير الفتى فامتدّت «5» أطناب مملكته من ألمريّة إلى قرطبة «6» ونواحيها، وإلى بيّاسة، وإلى الفجّ من أول طليطلة. وقالوا «7» : قرّ ما بينه وبين باديس فأرسل باديس «8» إلى زهير رسوله مكاتبا مستدعيا تجديد المحالفة، فسارع زهير، وأقبل نحوه، وضيّع الحزم، واغترّ بالعجب، ووثق بالكثرة، أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى عامل «9» من عمّاله، قد ترك رسم «10» الالتقاء بالنّظراء وغير ذلك من وجوه الحزم، وأعرض عن ذلك كله؛ وأقبل ضاربا بسوطه، حتى تجاوز الحدّ الذي جرت «11» العادة بالوقوف عنده من عمل باديس دون إذنه؛ وصيّر الأوعار والمضايق خلف ظهره، فلا يفكّر فيها، واقتحم البلد، حتى صار «12» إلى باب غرناطة. ولمّا وصل خرج باديس في جمعه، وقد أنكر اقتحامه عليه، وعدّه حاصلا
(1/297)

في قبضته؛ فبدأه بالجميل والتّكريم، وأوسع عليه وعلى رجاله في «1» العطاء والقرى والتعظيم بما مكّن اغترارهم، وثبّت طمأنينتهم. ووقعت المناظرة بين زهير وباديس «2» ، ومن حضرهما من رجال دولتيهما، فنشأ «3» بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره على التّشطّط، فعزم باديس على اللقاء «4» ووافقه عليه قوم من خدّامه، فأقام المراتب، ونصب الكتائب، وقطع قنطرة لا محيد عنها لزهير، والحائن «5» لا يشعر؛ وغاداه عن تعبئة محكمة، فلم يرعه إلّا رجّة القوم راجعين، فدهش زهير وأصحابه، إلّا أنه أحسن تدبير الثبات لو استتمّه، وقام فنصب الحرب، وثبت في قلب العسكر، وقدّم خليفته هذيلا في وجوه أصحابه إلى الموالي، فلمّا رأتهم صنهاجة، علموا أنهم الحماة والشّوكة «6» ، ومتى حصدوا لم يثبت من وراءهم، فاختلطوا بهم «7» ، واشتدّ القتال، فحكم الله لأقلّ الطائفتين من صنهاجة ليري الله «8» قدرته، فانهزم زهير وأصحابه وتقطّعوا، وعمل السيف فيهم فمزّقوا، وقتل زهير، وجهل مصرعه؛ وغنم رجال باديس من المال والمرافق «9» والأسلحة والحلية والعدّة والغلمان والخيام «10» ، ما لا يحاط بوصفه. وكانت وفاة زهير يوم الجمعة عقب شوّال، سنة تسع وعشرين وأربعمائة بقرية ألفنت خارج غرناطة.
طلحة بن عبد العزيز بن سعيد البطليوسي وأخواه أبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنة «11»
يكنى أبا محمد.
(1/298)

حالهم: كانوا عيونا من عيون الأدب بالأندلس، ممّن اشتهروا بالظرف، والسّرو والجلالة. وقال أبو الحسن بن بسّام وقد ذكر أبا بكر منهم، فقال «1» : أحد فرسان الكلام «2» ، وحملة السيوف والأقلام، من أسرة أصالة، وبيت جلالة، أخذوا العلم أولا عن آخر، وورثوه كابرا عن كابر. ثلاثة كهقعة الجوزاء، وإن أربوا عن الشهر «3» في السّنا والسناء «4» . كتب أبو محمد عبد العزيز وأخواه عن ملك لمتونة، ودخلوا معه غرناطة. ذكر ذلك غير واحد. واجتزأت بذكر أبي محمد، وأتبعه أخويه اختصارا.
شعره: من شعر أبي محمد، قوله في الاستدعاء «5» : [المتقارب]
هلمّ إلى روضنا يا زهر «6» ... ولح في سماء المنى «7» يا قمر
وفوّق «8» إلى الأنس سهم الإخاء ... فقد عطّلت قوسه والوتر «9»
إذا لم تكن عندنا حاضرا ... فما بغصون «10» الأماني ثمر «11»
وقعت من القلب وقع المنى ... وحزت «12» من العين حسن الحور
قال أبو نصر «13» : بات مع أخويه في أيام صباه، واستطابة جنوب الشّباب وصباه، بالمنية المسمّاة بالبديع، وهي «14» روض كان المتوكل يكلف بموافاته، ويبتهج بحسن صفاته، ويقطف ريحانه «15» وزهره، ويقف «16» عليه إغفاءه وسهره، ويستفزّه الطرب متى ذكره، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره، ويدير حميّاه على ضفة نهره، ويخلع سرّه فيه لطاعة جهره، ومعه أخواه، فطاردوا اللذّات حتى أنضوها، ولبسوا برود السرور فما «17» نضوها، حتى صرعتهم العقار، وطلّحتهم تلك
(1/299)

الأوقار «1» ؛ فلمّا همّ رداء الفجر أن يندى، وجبين الصبح أن يتبدّى «2» ، قام الوزير أبو محمد فقال «3» : [الخفيف]
يا شقيقي وافى «4» الصّباح بوجه «5» ... ستر اللّيل نوره وبهاؤه
فاصطبح، واغتنم مسرّة يوم ... لست «6» تدري بما يجيء مساؤه
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال: [الخفيف]
يا أخي، قم تر النّسيم عليلا ... باكر الرّوض والمدام شمولا «7»
في رياض تعانق الزّهر فيها ... مثل ما عانق الخليل خليلا «8»
لا تنم واغتنم مسرّة يوم ... إنّ تحت التّراب نوما طويلا
ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن وقد ذهب «9» من عقله الوسن، فقال: [البسيط]
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح قهوة «10» من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيّام واغتنما ... فاليوم خمر ويبدو في غد خبر «11»
وقال أبو بكر في بقرة أخذها له الرنق «12» صاحب قلمورية، وقد أعاد أرضه «13» : [الطويل]
(1/300)

وأفقدنيها الرّنق أمّا حفيّة ... إذا هي ضفّت «1» ألّفت بين رفدين «2»
تعنّفني أمّي على أن رثيتها ... بشعري «3» وأن أتبعتها الدّم من عيني «4»
لها الفضل عندي أرضعتني أربعا «5» ... وبالرغم ما بلّغتني رأس عامين «6»
محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن نصر
الرئيس المتوثّب على الملك، وحيّ كرسي الإمارة، وعاقد صفقة الخسران المبين، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: «من نفاضة الجراب» «7» وغيره: كان شيطانا، ذميم الخلق، حرفوشا، على عرف المشارقة، متراميا للخسائس، مألفا للدّعرة والأجلاف والسّوّار وأولي الريب، خبيثا كثير النّكر، منغمسا في العهن، كلفا بالأحداث، متقلبا عليهم في الطرق، خليع الرّسن، ساقط الحشمة، كثير التّبذّل، قوّاد عصبة كلاب، معالجا لأمراضها، مباشرا للصّيد بها، راجلا في ثياب منتاب الشّعر من الجلود والسوابل والأسمال؛ عقد له السلطان على بنته لوقوع القحط في رجال بيتهم، ونوّههه بالولاية، وأركبه، وأغضى له عن موبقات تقصر به، إلى أن هلك؛ وحاد الأمر عن شقيق زوجه، واستقرّ في أخيه، وثقل على الدولة، لكراهة طلعته، وسوء الأحدوثة به، فأمر بترك المباشرة، والدخول للقلعة، وأذن له في التّصرف في البلد والفحص، وأبقيت عليه النعمة، فداخل أمّ زوجه، وضمن لها تمام الأمر لولدها، وأمدّته بالمال، فنظر من المساعير شيعة، من كسرة الأغلاق، وقتلة الزقاق، ومختلسي البضائع، ومخيفي السّابلة، واستضاف من أسافلة الدولة، من آسفته بإقصار قصد، أو مطل وعد، أو حطّ رتبة، أو عزل عن ولاية، فاستظهر منهم بعدد ولا، كالشّقيّ الدّليل الموروري، الغريب الطّور، وإبراهيم بن أبي الفتح المنبوذ بالإضليع، قريع الجهل، ومستور العظيمة، وارتادوا عورة القلعة فاهتدوا منها إلى ما شاؤوا وتألّفوا بخارج. ثم تسلّلوا
(1/301)

ببطن الوادي المعروف ب «هدارّه» ، إلى أن لصقوا بجناح السّور الصّاعد، الراكبة قوسه جرية النهر، وصعدوا مساوقين جناحه المتّصل بسور القلعة، وقد نقص كثير من ارتفاعه، لحدثان إصلاح فيه، فتسوّروه عن سلّم، ودافع بعض محاربيهم بعضا في استباق أدراجه، فدخلوا البلد في الثّلث الأخير من ليلة الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان عام ستين وسبعمائة، ثم استغلظوا بالمشاعل، وقتلوا نائب الملك رضوانا النّصري، سايس الأمر، وبقيّة المشيخة، واستخرجوا السلطان الذي هو يزيفه، فنصبوه للناس، وتمّ الأمر، بما دلّ على احتقار الدنيا عند الله؛ وانخرط هذا الخبّ في طور غريب من التنزّل للسلطان، والاستخدام لأمّه، والتهالك في نصحه، وخلط نفسه فيه، وتبذّل في خدمته؛ يتولّى له الأمور، ويمشي في زيّ الأشراط بين يديه، ويتأتّى لشهواته، ويتظاهر بحراسته. ولمّا علم أن الأمر يشقّ تصيّره إليه من غير واسطة، بغير انقياد الناس إليه، من غير تدريج كاده «1» ، فألطف الحيلة في مساعدته على اللذّات، وإغرائه بالخبائث، وشغله بالعهر، وقتله بالشّهوات المنحرفة، وجعل يتبرّأ من دنّيته وينفق بين الناس من سلع اغتيابه، ويرى الجماهير الإنكار لصنيعه، ويزيّن لهم الاستعاضة منه بعد ما غلظت شوكته، وضمّ الرجال إلى نفسه موريا بحفظه؛ والاستظهار على صونه. وفي الرابع من شعبان عام أحد وستين وسبعماية، ثار به في محلّ سكناه في جواره، واستجاش أولياء غدره؛ وكبس منزله، مداخلا للوزير المشؤوم، عاقدا معه صفقة الغدر. وامتنع السلطان بالبرج الأعظم، فاستنزله وقتله، كما مرّ في اسم المذكور قبل، واستولى على الملك، فلم يختلف عليه اثنان. واشتغل طاغية الروم بحرب، كان بينه وبين القطالنيّين «2» ، فتمالأ لمسالمته، فاغتبط الصنيع وتهنّا المنحة، وتشطّط على الروم في شروط غير معتادة، سامحوه بها مكيدة واستدراجا، واجتاز أمير المسلمين المصاب بغدره إلى الأندلس، طالبا لحقّه، ومبادرا إلى ردّ أمره، فسقط في يده، ووجّه الجيش إليه بمثواه من بلد رندة، فانصرف عنها خائبا، ورجع أدراجه، يشكّ في النجاة، وتفرّغ إليه الطاغية، ففضّ عليه جمّه؛ وقد أجرت عليه شوكته وقيعة نصر الله فيها الدّين، وأملى لهذا الوغد، فلم يقله العثرة بعدها، ونازل حصونه المهتضمة، واستولى على كثير منها، وحام فلم يصحر غلوة، وأكذب ما موّه به من البسالة، وظهر للناس بلبس الصوف، وأظهر التّوبة على سريرة دخلة، وفسق مبين، وقلّ ما بيده، ونفد بيت ماله، فلم يجد شيئا يرجع إليه، من بعد ما سبك الآنية والحلية، وباع العقار لتبذيره، وسحّه المال سحّا، في أبواب الأراجيف
(1/302)

والاختلاف، والبهج بالغنا، فشرف الإنقاب إلى الفرار، وأزمع إلى الانسلال. وعندما تحرّك السلطان إلى غربي مالقة، ونجع أهلها بطاعته ودخلوا في أمره، وسقط عليه الخبر، اشتمل على الذخيرة جمعاء، وهي التي لم تشتمل خزائن الملوك مطلقا على مثلها، من الأحجار واللؤلؤ والقصب، والتفّ عليه الجمع المستميت، جمع الضلال ومردّ الغيّ، وخرح عن المدينة ليلة الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة، وصوّب وجهه إلى سلطان قشتالة؛ مكظوم تجنيه، وموتور سوء جواره، من غير عهد، إلّا ما أمل من التبقّي عنده من التّذميم به، وضمان إتلاف الإسلام، واستباحة البلاد والعباد بنكرته.
ولمّا استقرّ لديه نزله، تقبّض عليه، وعلى شرذمته المنيفة على ثلاثمائة فارس من البغاة، كشيخ جنده الغربي إدريس بن عثمان بن إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، ومن سواه؛ تحصّل بسببهم بيد الطّاغية، كلّ ما تسمو إليه الآمال، من جواد فاره، أو منطقة ثقيلة، وسلاح محلّى، وجوشن رفيع، ودرع حصينة، وبلبلة منيعة، وبيضة مذهّبة، وبزّة فاخرة، وصامت عتيد، وذخيرة شريفة، فتنخّل منهم متولّي التسوّر، فجعلهم أسوة رأسهم في القتل، خرّ بعضهم يومئذ على بعض، في القتل، وأخذتهم السيوف، فحلّوا بعد الشّهرة، والتمثيل في أزقّة المدينة، وإشاعة النداء في الجزيرة، ثاني رجب من العام المؤرّخ به، وركب أسوق سائرهم الأداهم، واستخلصهم الإسار، وبادر بتوجيه رؤوسهم، فنصبت من فوق العورة التي كان منها تسوّرهم القلعة، فمكثت بها إلى أن استنزلت ووريت؛ وانقضى أمره على هذه الوتيرة مشؤوما دبيرا، لم يمتّعه الله بالنعيم، ولا هنّاه سكنى المحلّ الكريم، ولا سوّغه راحة، ولا ملأه موهبة، ولا أقام على فضله حجّة، ولا أعانه على زلفة. إنما كان رئيس السرّاق وعريف الخراب، وإمام الشّرار، ندر يوما في نفسه، وقد رفعت إلى امرأة من البدو تدّعي أنها سرقت دارها، قال: إن كان ليلا بعد ما سدّ باب الحمراء عليّ وعلى ناسي، فهي والله كاذبة، إذ لم يبق سارق في الدنيا، أو في البلاد، إلّا وقد تحصل خلفه، وقانا الله المحن، وثبّتنا على مستقرّ الرّشد، ولا عاقنا عن جادة الاستقامة.
وزراء دولته: استوزر الوزير المشؤوم ممدّه في الغيّ، الوغد، الجهول، المرتاش من السرقة، الحقود على عباد الله لغير علّة عن سوء العاقبة، المخالف في الأدب سنن الشريعة، البعيد عن الخير بالعادة والطبيعة، دودة القزّ، وبغل طاحونة الغدر، وزقّ القطران، محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري، فانطلقت يده على الإبشار، ولسانه على الأعراض، وعينه على النظر الشّزر، وصدره على التأوّه والرّين؛
(1/303)

يلقى الرجل كأنه قاتل أبيه، محدّقا إلى كمّيه، يحترش بهما خبيئة، أو يظنّ بهما رشوة، فأجاب الله دعاء المضطرين، ورغبات السّائلين، وعاجله بالأخذة الرّابية، والبطشة القاضية؛ فقبض عليه في ليلة السبت العاشر لرمضان من العام المذكور، وعلى ابن عمّه العصر فوط وعلى الحيرا من نواهض بيتهما، وأنفذ الأمر بتعريضهم، فمضى حكم الله بهذه المنيّة الفرعونية فيهم، لا تبديل لكلمات الله، قاهر الجبابرة، وغالب الغلاب، وجاعل العاقبة للمتّقين.
واستوزر بعده، أولي الناس وأنسبهم إلى دولته، وأحقّهم بمظاهرته، المسوس الجبّار اليأس والفطرة، المختبل الفكرة، القيل، المرجّس، الحول، الشهير، الضّجر، محمد بن علي بن مسعود؛ فيما بلي الناس على طول الحمرة، وانفساح زمان التجربة، أسوأ تدبيرا، ولا أشرّ معاملة، ولا أبذأ لسانا، ولا أكثر شكوى ومعاتبة، ولا أشحّ يدا، ولا أجدب خوانا، من ذلك المشؤوم، بنعق البوم، ينعق بما لا يسمع، ويسرد الأكاذيب، ويسيء السّمع، فيسيء الإجابة، ويقود الجيش فيعود بالخيبة، إلى أن كان الفرار، فصحبه إلى مصرعه؛ وكان ممّن استؤثر به القيد الثقيل، والأسر الشديد، والعذاب الأليم، عادة بذلك عبد «المالاخوينا» ، التي كان يحجب سمتها، زمان ترفيهه، فقضت عليه سيّىء الميتة، مطّرح الجثّة. سترنا الله بستره ولا سلبنا في الحياة ولا في الممات ثوب عنايته.
كاتب سرّه: صاحبنا الفقيه الأهوج، قصب الريح، وشجرة الخور، وصوت الصّدى، أبو محمد عبد الحق بن عطية، المستبدّ بتدبير الدّبير، خطا فوق الرّقاع الجاهلة، ومسارّة في الخلوات الفاسقة، وصدعا فوق المنابر الكبيبة، بحلّة لثّ الراية، ويذبّ عنه ذبّ الوالدة، ينتهي في الاعتذار عن هناته إلى الغايات القاصرة.
قضاته: شيخنا أبو البركات، قيس ليلى القضاء، المخدوع بزخرف الدنيا على الكبرة والعناء، لطف الله به، وألهمه رشده.
شيخ الغزاة على عهده: إدريس بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق بن محيو، بقية بيت الدّبرة، ووشيجة الشجرة المجتثّة، عذّب في الجملة من أهل بيته عند القبض عليهم، واستقرّ في القبض الأشهب من قبيله بالمغرب، مطلق الإقطاع، مرموقا بعين التجلّة، مكنوفا بشهرة الأب، إلى أن سعي به إلى السلطان، نسيج وحده، فارس بن علي، واستشعر البثّ فطار به الذّعر لا يلوي عنانا، حتى سقط بإفريقيّة، وعبر البحر
(1/304)

إلى ملك برجلونة «1» ، ثم اتّصل بالدولة النصرية، بين إدالة الغدر، وإيالة الشّرّ، فقلّده الدائل مشيخة الغزاة، ونوّه به، فاستراب معزله يحيى بن عمر، ففرّ إلى أرض الروم حسبما يذكر في اسمه؛ فقام له بهذا الوظيف، ظاهر الشّهرة والأبّهة، مخصوصا منه بالتجلّة، إلى أن كان ما كان من إزمانه وفراره؛ فوفّى له وصحبه ركابه، وقاسمه المنسجة شقّ الأبلة، واستقرّ بعد قتله أسيرا عانيا علق الدهر، لضنانة العدوّ بمثله، إلى أن أفلت من دون الأغلاق، وشدّ الوثاق. ولحق بالمسلمين في خبر لم يشتمل كتاب الفرج بعد الشدّة على مثله، والإغراب منه، يستقرّ في اسمه إلماع به؛ ثم استقرّ بالمغرب معتقلا، ثم مات رحمه الله.
من كان على عهده من الملوك: وأولا بمدينة فاس دار ملك المغرب، السلطان، الخيّر، الكريم الأبوّة، المودود قبل الولاية، الليّن العريكة، الشهير الفضل في الحياة، آية الله في إغراب الصّنع، وإغراب الإدبار، أبو سالم إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، أمير المسلمين، المترجم به في حرف الألف. ولمّا قتل يوم الحادي والعشرين لذي قعدة من عام اثنين وستين، قام بالأمر بعده أخوه المتحيّل أبو عامر تاشفين بن علي إلى أواخر صفر عام ثلاثة وستين؛ ولحق بالبلد الجديد، الأمير أبو محمد زيان بن الأمير أبي عبد الرحمن بن علي بن عثمان المترجم به في بابه، ثم المتولّي من عام ثمانية وستين وسبعمائة السلطان أبو فارس عمّه المؤمّل للمّ الشّعث، وضمّ النّشر، وتجديد الأمر بحول الله، ابن السلطان الكبير المقدّس، أبي الحسن بن سعيد بن يعقوب بن عبد الحق، وهو بعد متّصل الحال إلى اليوم.
وبتلمسان الأمير أبو حمّو، موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان.
وبإفريقية الأمير الخليفة على عرفهم، إبراهيم بن أمير المؤمنين أبي يحيى بن حفص.
وبقشتالة، بطره بن الهنشه بن هرانده بن شانجه المصنوع له، وليّ النعمة منه، ومستوجب الشكر من المسلمين لأجله، بإراحته منهم.
وبرغون، بطره بن شانجه.
(1/305)

وبرندة، مزاحمه بالملك الفخم، أمير المسلمين حقيقة، المرتّب الحقّ، المعقود البيعة، وصاحب الكرّة، ووليّ حسن العاقبة، مجتثّ شجرته الخبيثة، وصارخ إيالته الدّنيّة، أبو عبد الله محمد بن أمير المسلمين أبي الحجاج بن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر.
مولده: مولد هذه النّسمة المشؤومة أول يوم من رجب عام اثنين وثلاثين وسبعمائة.
وفاته: توفي قتيلا ممثّلا به بطيلاطة من ظاهر إشبيلية، في ثاني يوم من رجب عام ثلاثة وستين وسبعمائة، وسيقت رؤوس أشياعه، الغادرين مع رأسه إلى الحضرة فصلبت بها. وفي ذلك قلت: [السريع]
في غير حفظ الله من هامة ... هام بها الشّيطان في كل واد
لا خلّفت ذكرا ولا رحمة ... في فم إنسان ولا في فؤاد
محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف ابن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر الخزرجي «1»
أمير المسلمين بالأندلس بعد أبيه، رحمه الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان معدودا في نبلاء الملوك «2» ، صيانة، وعزّا وشهامة، وجمالا، وخصلا؛ عذب الشمائل، حلوا لبقا، لوذعيّا، هشّا، سخيّا؛ المثل المضروب به في الشجاعة المقتحمة حدّ التهوّر حلس ظهور الخيل، وأفرس «3» من جال على ظهورها «4» ، لا تقع العين، وإن غصّت الميادين، على أدرب بركض الجياد منه، مغرما بالصّيد، عارفا بسمات السّقار «5» وشتات الخيل؛ يحبّ الأدب، ويرتاح إلى الشعر، وينبّه على العيون، ويلمّ بالنادرة الحارّة. أخذت له البيعة يوم مهلك أبيه، وهو «6» يوم الثلاثاء السابع والعشرين لرجب
(1/306)

من «1» عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وناله الحجب، واشتملت عليه الكفالة إلى أن شبّ «2» وظهر، وفتك بوزيره المتغلّب على ملكه، وهو غلام لم يبقل خدّه، فهيب شأنه، ورهبت سطوته، وبرز لمباشرة الميادين، وارتياد المطارد، واجتلاء الوجوه، فكان ملء العيون والصدور.
ذكاؤه: حدّثني «3» القائد أبو القاسم ابن الوزير عبد الله بن عيسى وزير جدّه، قال: تذوكر يوما بحضرته تباين قول «4» المتنبي «5» : [المتقارب]
ألا «6» خدّد الله ورد الخدود ... وقدّ قدود الحسان القدود
وقول امرئ القيس «7» : [الطويل]
وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل «8»
وقول إبراهيم بن سهل «9» : [البسيط]
إنّي له من دمي المسفوك معتذر «10» ... أقول حمّلته في «11» سفكه تعبا
فقال، رحمه الله، بديهة «12» : بينهما ما بين نفس ملك عربي وشاعر «13» ، ونفس يهودي تحت الذّمّة، وإنما تتنفّس بقدر همّتها «14» ، أو كلاما هذا معناه. ولما «15» نازل مدينة قبرة ودخل جفنها عنوة «16» ، ونال قصبتها، ورماها بالنّفط، وتغلّب عليها، وهي ما هي عند المسلمين، وعند النصارى «17» ، من الشّهرة والجلالة، بادرناه «18» نهنّئه بما
(1/307)

نسّق «1» له، فزوى «2» وجهه عنّا، وقال: ماذا تهنّونني به، كأنكم رأيتم تلك الخرقة بكذا «3» - يعني العلم الكبير- في منار إشبيلية «4» ، فعجبنا من بعد همّته، ومرمى عزمه «5» .
شجاعته: أقسم أن يغير على باب مدينة بيّانة في عدّة قليلة عيّنها الميمن «6» ، فوقع البهت وتوقّعت الفاقرة، لقرب الصّريخ، ومنعة الحوزة، وكثرة الحامية، واتصال تخوم البلاد، ووفور الفرسان بذلك الصّقع؛ وتنخّل أهل الحفاظ، وهجم «7» على باب الكفّار نهارا، وانتهى إلى باب المدينة، وقد برزت الحامية، وتوقع فرسان الرّوم الكمناء، فأقصروا عن الإحصار، وحمي المسلمون فشدّ عليهم، فأعطوهم الضّمّة ودخلوا أمامهم المدينة؛ ورمى السلطان أحد الرجال النّاشبة بمزراق كان بيده محلّى السّنان رفيع القيمة، وتحامل «8» يريد الباب فمنع الإجهاز «9» عليه، وانتزاع الرّمح الذي كان يجرّه خلفه، وقال: اتركوه يعالج به رمحه «10» إن كان أخطأته المنيّة، وقد أفلت من أنشوطة خطر عظيم.
جهاده ومناقبه: كان له وقائع في الكفّار، على قلّة أيامه، وتحرّك ونال البلاد، وفتح قبرة، ومقدّم جيش العدو الذي بيّت بظاهرها وأثخن فيه، وفتح الله على يده مدينة باغوة، وتغلب المسلمون على حصن قشتالة، ونازل حصن قشرة «11» بنفسه لدى قرطبة، فكاد أن يتغلّب عليه، لولا مدد اتّصل للنصارى به. وأعظم مناقبه تخليص جبل الفتح، وقد أخذ الطاغية بكظمه، ونازله على قرب العهد من تملّك المسلمين إياه، وناخ «12» بكلكله، وهدّ بالمجانيق أسواره، فدارى الطّاغية، واستنزل
(1/308)

عزمه وتحفه «1» ، ولحق في موضع اختلاله، إلى أن صرفه عنه، وعقد له صلحا، ففازت به قداح الإسلام، وتخلّصه من بين ناب العدو وظفره؛ فكان الفتح عظيما لا كفاء له.
بعض الأحداث في دولته: وفي شهر المحرم «2» من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، نشأت بين المتغلّب «3» على دولته، وزيره، وبين شيخ الغزاة وأمير القبائل العدوية، عثمان بن أبي العلاء، الوحشة وألحقت ريحها السعايات، فصبّت على المسلمين شؤبوب فتنة عظم فيهم أثرها «4» معاطبا، وسئم الانصراف عن الأندلس، فلحق «5» بساحل ألمريّة، وأحوزته المذاهب وتحامت جواره الملوك، فداخل «6» أهل حصن أندرش، فدخل في طاعته، ثم استضاف «7» إليه ما يجاوره، فأعضل الدّاء، وتفاقمت اللأواء، وغامت سماء الفتنة «8» ، واستنفد خزائن الأموال المستعدة لدفاع العدو، واستلحق الشيخ أبو سعيد عمّ السلطان، وقد استقرّ بتلمسان، فلحق به، وقام بدعوته في أخريات صفر عام «9» سبعة وعشرين وسبعمائة؛ واغتنم الطاغية فتنة المسلمين فنزل ثغر بيرة «10» ، ركاب الجهاد، وشجى العدو، فتغلّب عليه، واستولى على جملة من الحصون التي تجاوره، فاتّسع نطاق الخوف «11» ، وأعيا داء الشّر، وصرف إلى نظر «12» ملك المغرب، في أخريات العام، رندة ومربلّة وما يليهما «13» ، وتردّدت الرسائل بين السلطان وبين شيخ الغزاة، فأجلت «14» الحال عن مهادنة، ومعاودة للطاعة، فصرف أميرهم أدراجه إلى العدوة، وانتقلوا إلى سكنى وادي آش على رسم الخدمة والحماية على شروط مقرّرة؛ وأوقع السلطان بوزيره، وأعاد الشيخ إلى محلّه من حضرته؛ أوائل عام ثمانية وعشرين بعده، واستقدم القائد الحاجب أبا النعيم رضوان من أعاصم حباليه
(1/309)

قتيله، فقام بأمره أحسن قيام. وعبر البحر بنفسه بعد استقرار ملكه في الرابع والعشرين من شهر ذي حجة من «1» عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، فاجتمع مع ملك المغرب السلطان الكبير أبي الحسن بن عثمان، فأكرم نزله، وأصحبه إلى الأندلس، وحباه بما لم يحب به ملك تقدّمه، من مغربيّات «2» الخيل، وخطير الذخيرة، ومستجاد العدّة؛ ونزل «3» الجيش على أثره جبل الفتح؛ وتوجّه الحاجب أبو النعيم بأكبر إخوة السلطان، مظاهرا على سبيل النّيابة، وهيّأ الله فتحه. ثم استنقاذه بلحاق السلطان، ومحاولة أمره كما تقدّم، فتمّ ذلك يوم «4» الثلاثاء الثاني عشر لذي «5» حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.
وزراء دولته: وزر له وزير أبيه «6» ، وأخذ له البيعة، وهو مثخن «7» بالجراحات التي أصابته يوم الفتك بأبيه السلطان أبي الوليد، ولم ينشب أن أجهز «8» جرح تجاوز عظم الدماغ، بعد مصابرة ألم العلاج الشديد، حسبما يأتي في اسمه، وهو أبو الحسن علي بن مسعود بن يحيى بن مسعود المحاربي. وترقى إلى الوزارة والحجابة وكيل أبيه محمد بن أحمد «9» المحروق، من أهل غرناطة، يوم الاثنين غرّة شهر رمضان من «10» عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم. ثم اغتيل «11» بأمره، عشيّ ثاني يوم من محرم فاتح تسعة وعشرين وسبعمائة. ثم وزر له القائد «12» أبو عبد الله بن القائد أبي بكر عتيق بن يحيى بن المول من وجوه الدولة، وصدور من يمتّ بوصله، إلى السابع عشر من رجب من العام؛ ثم صرف إلى العدوة. وأقام رسم الوزارة والحجابة والنيابة «13» أبو النعيم مولى أبيه، إلى آخر مدته، بعد أن التأث أمره
(1/310)

لديه، وزاحمه بأحد المماليك المسمى «1» بعصام حسبما يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
رئيس كتّابه: كتب له «2» كاتب أبيه قبله، وأخيه بعده، شيخنا نسيج وحده، أبو الحسن علي بن الجيّاب الآتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
قضاته: استمرّت الأحكام لقاضي أبيه، أخي «3» وزيره، الشيخ الفقيه أبي بكر «4» بن مسعود، رحمه الله، إلى عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ووجّهه «5» رسولا عنه إلى ملك المغرب، فأدركته «6» وفاته بمدينة سلا، فدفن بمقبرة سلا «7» . رأيت قبره بها، رحمه الله. وتخلّف ابنه «8» أبا يحيى مسعود «9» عام أحد وثلاثين وسبعمائة؛ وتولّى الأحكام الشرعية القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر الأشعري «10» ، خاتمة الفقهاء، وصدر العلماء، رحمه الله، فاستمرّت له الأحكام إلى تمام مدة أخيه بعده.
أمه: روميّة اسمها «علوة» وكانت أحظى لدّاتها عند أبيه، وأمّ بكره، إلى أن نزع عنها في أخريات أمره، لأمر جرّته الدّالّة، وتأخّرت وفاتها عنه إلى مدة أخيه.
من كان على عهده من الملوك بأقطار المسلمين والنصارى:
فبفاس «11» ، السلطان الكبير، الشهير، الجواد، خدن العافية، وحلف السعادة، وبحر الجود، وهضبة الحلم، أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، الذي بذل المعروف، وقرّب الصلحاء والعلماء، وأدنى مكانهم، وأعمل إشارتهم، وأوسع بأعطيته المؤمنين المسترفدين، وعظم قدره، واشتهر في الأقطار صيته، وفشا
(1/311)

معروفه، وعرفت بالكفّ عن الدماء والحرمات عفّته، إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة «1» عام أحد وثلاثين وسبعمائة. ثم صار الأمر إلى ولده السلطان، مقتفي «2» سننه في الفضل والمجد، وضخامة السلطان، مبرّا عليه بالبأس المرهوب، والعزم الغالب، والجدّ الذي لا يشوبه هزل، والاجتهاد الذي لا تتخلّله «3» راحة، الذي بعد مداه، وأذعن لصولته عداه، واتصلت ولايته مدته، ومعظم مدة أخيه الوالي بعده.
وبتلمسان الأمير عبد الرحمن بن موسى «4» بن يغمراسن، من بني عبد الواد، مشيّد القصور، ومروّض الغروس، ومتبنّك التّرف، واتّصل «5» إلى تمام مدته، وصدرا من مدة أخيه بعده.
وبتونس الأمير أبو يحيى، أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق لبنة تمام قومه، وصقر الجوارح «6» من عشّه، وسابق الجياد من حلبته، إلى تمام المدة، وصدرا كبيرا من دولة أخيه بعده.
ومن ملوك النصارى «7» ، ملك على عهده الجفرتين القنيطية والتاكرونية، الطاغية المرهوب الشّبا، المسلط على دين الهدى، ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألفنش بن هراندة، الذي احتوى على كثير من بلاد المسلمين حتى الجفرتين. واتصلت أيامه إلى أخريات أيام أخيه، وأوقع بالمسلمين على عهده، وتملّك الجزيرة الخضراء وغيرها.
وبرغون، ألفنش بن جايمش بن ألفنش بن بطره «8» بن جايمش الذي استولى على بلنسية، ودام إلى آخر مدته، وصدرا من مدة أخيه. وقد استقصينا من العيون أقصى ما سحّ به الاستقصاء، وما أغفلناه أكثر، ولله الإحاطة.
مولده: في الثامن من شهر المحرم من عام خمسة عشر وسبعمائة.
(1/312)

وفاته: وإلى هذا العهد مات؛ وغرت عليه من رؤوس الجند، من قبائل العدوة، الصّدور، وشحنت عليه القلوب غيظا؛ وكان شرها لسانه، غير جزوع ولا هيّاب «1» ، فربما يتكلّم بملء فيه من الوعيد الذي لا يخفى على المعتمد به. وفي ثاني يوم من إقلاع الطاغية من الجبل «2» ، وهو يوم الأربعاء الثاني «3» عشر من ذي حجة، وقد عزم على ركوب البحر من ساحل مربلة «4» ، فهو مع وادي ياروا من ظاهر جبل الفتح، تخفيفا للمؤونة، واستعجالا للصّدور، وقد أخذت على حركته المراصد؛ فلمّا توسّط كمين القوم، ثاروا إليه وهو راكب بغلا أثابه به ملك الروم، فشرعوا في عتبه بكلام غليظ، وتأنيب قبيح، وبدأوا بوكيله فقتلوه، وعجّل بعضهم بطعنه، وترامى عليه مملوك من مماليك أبيه، زنمة «5» من أخابيث العلوج يسمّى زيانا، صونع على مباشرة الإجهاز عليه، فقضى لحينه بسفح «6» الربوة الماثلة، يسرة العابر للوادي ممّن يقصد جبل الفتح «7» ، وتركوه بالعراء «8» بادي البوار، مسلوب البزّة، سييء المصرع، قد عدت عليه نعمه، وأوبقه سلاحه، وأسلمه أنصاره وحماته.
ولمّا فرغ القوم من مبايعة أخيه السلطان «9» أبي الحجاج، صرفت الوجوه يومئذ «10» إلى دار الملك، ونقل القتيل إلى مالقة، فدفن على حاله تلك برياض تجاور منية السّيد، فكانت وفاته ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر لذي «11» حجة من عام ثلاثة «12» وثلاثين وسبعمائة. وأقيمت على قبره «13» بعد حين قبّة، ونوّه بقبره. وهو اليوم «14» ماثل رهن غربة، وجالب عبرة، جعلنا الله للقائه على حذر وأهبة، وبلوح الرخام الماثل عند رأسه مكتوب:
(1/313)

هذا قبر السلطان الأجلّ، الملك الهمام، الأمضى الباسل، الجواد ذي المجد الأثيل، والملك الأصيل، المقدّس، المرحوم، أبي عبد الله محمد بن السلطان الجليل؛ الكبير، الرفيع، الأوحد، المجاهد، الهمام، صاحب الفتوح المسطورة «1» ، والمغازي المشهورة، سلالة أنصار النبي، صلى الله عليه وسلّم، أمير المؤمنين «2» ، وناصر الدين، الشهيد، المقدّس، المرحوم أبي الوليد بن فرج بن نصر، قدّس الله روحه وبرّد ضريحه. كان مولده في الثاني «3» لمحرم عام خمسة عشر وسبعمائة، وبويع في اليوم الذي استشهد فيه والده رضي الله عنه السادس والعشرين لرجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وتوفي رحمه الله في الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، فسبحان من لا يموت: [الكامل]
يا قبر سلطان الشجاعة والنّدى ... فرع الملوك الصيد أعلام الهدى
وسلالة السّلف الذي آثاره ... وضّاحة لمن اقتدى ومن اهتدى
سلف لأنصار النبيّ نجاره ... قد حلّ منه في المكارم محتدا
متوسّط البيت قد أسّست ... هـ سادة الأملاك أوحد أوحدا
بيت بناه «4» محمّدون ثلاثة ... من آل نصر أورثوه محمّدا
أودعت وجها قد تهلّل حسنه ... بدرا بآفاق الجلالة قد بدا
وندّا يسحّ على العفاة مواهبا ... مثنى الأيادي السابغات وموحدا
يبكيك مذعور بك استعدى على ... أعدائه فسقيتهم كأس الردى
يبكيك محتاج أتاك مؤمّلا ... فغدا وقد شفعت يداك له اليدا
أمّا سماحك فهو أسنى «5» ديّة ... أما جلالك فهو أسمى مصعدا
جادت ثراك من الإله سحابة «6» ... لرضاه عنك تجود هذا المعهدا
[وشرّ ما تبع هذا السلطان تواطؤ قتلته من بني أبي العلاء وأصهارهم وسواهم من شيوخ خدّامه، كالوكيل في مدة أخيه بعد، الشيخ الذهول مسافر بن حركات وسواه، على اكتتاب عقد بعد وفاته، بأمور من القول تقدح في أصل الديانة، وأغراض تقتضي إلى الوهن في الدّين، وهنات تسوّغ إراقة دمه الذي
(1/314)