Advertisement

الإحاطة في أخبار غرناطة 003



الكتاب: الإحاطة في أخبار غرناطة
المؤلف: محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب (المتوفى: 776هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت
الطبعة: الأولى، 1424 هـ
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ذريني أسعى للّتي تكسب العلا ... سناء وتبقي الذّكر وهو جميل
فأمّا تريني من ممارسة الهوى ... نحيلا فحدّ المشرفيّ نحيل
وفوق أنابيب اليراعة صفوة ... تزين وفي قدّ القناة ذبول
ولولا السّرى لم يحتل البدر كاملا ... ولا بات منه للسّعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا ... لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال ابن الحكيم محمد ... لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السّماك جلالة ... وليس له إلّا نجوم قبيل
من القوم أمّا في النّديّ «1» فإنهم ... هضاب وأمّا في النّدى فسيول
حووا شرف العلياء إرثا ومكسبا ... وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطّالة ذات هيدب ... مرتها شمول مرجف وقبول
لها زجل من رعدها ولوامع ... من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت ... شقاشقها عند الهياج فحول
بأجود من كفّ الوزير محمد ... إذا ما توالت للسّنين محول
ولا روضة بالحسن طيّبة الشّذا ... ينمّ عليها أذخر وجليل
وقد أذكيت للزّهر فيها مجامر ... تعطّر منها للنسيم ذيول
وفي مقل النّوّار للطّلّ عبرة ... تردّدها أجفانها وتحيل
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّما ... تفاقم خطب للزمان يهول
حويت، أبا عبد الإله، مناقبا ... تفوت يدي من رامها وتطول
فغرناطة مصر وأنت خصيبها ... ونائل يمناك الكريمة نيل
فداك رجال حاولوا درك العلا ... ببخل وهل نال العلاء بخيل؟
تخيّرك المولى وزيرا وناصحا ... فكان له مما أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوّضا ... إليك فلم يعدل يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيّد ... نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أشوس باسل ... مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنما ... على وجنتيه للنّضار مسيل
تهيم به العلياء حتى كأنها ... بثينة في الحبّ وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاؤها ... حسام لما نالت ظباه فلول
(2/318)

سرى ذكره في الخافقين فأصبحت ... إليه قلوب العالمين تميل
وأغدى قريضي جوده وثناؤه ... فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أيا فخر الوزارة أرقلت ... برحلي هوجاء الثّجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا ... بأيدي ركاب سيرهنّ ذميل
تسدّدني سهما لكل ثنيّة ... ضوامر أشباه القسيّ نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى ... ذراك برحلي هوجل وهجول
فقيّدت أفراسي به وركائبي ... ولذّ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّة ... عليها لأحداث الزمان دحول
وتهوى العلا حظي وتغري بضدّه ... لذاك اعترته رقّة ونحول
وتأبى لي الأيام إلّا إدالة ... فصونك لي أنّ الزمان مديل
فكل خضوع في جنابك عزّة ... وكل اعتزاز قد عداك خمول
شعره: وبضاعته في الشعر مزجاة، وإن كان أعلم الناس بنقده، وأشدّهم تيقّظا لمواقعه الحسنة وأضدادها. فمن ذلك قوله، ورفعه إلى السلطان ببلده رندة، وهو إذا ذاك فتى يملأ العين أبّهة، ويستميل القلوب لباقة، وهي، ومن خطه نقلت «1» :
[الرمل]
هل إلى ردّ عشيّات الوصال ... سبب أم ذاك من ضرب المحال؟
حالة يسري بها الوهم إلى ... أنها تثبت برءا باعتلال
وليال «2» ما تبقّى بعدها ... غير أشواقي إلى تلك اللّيالي
إذ مجال الوصل فيها مسرحي ... ونعيمي آمر فيها ووال
ولحالات التّراضي جولة ... مزجت «3» بين قبول واقتبال
فبوادي الخيف خوفي مسعد ... وبأكناف منى أسنى نوال «4»
لست أنسى الأنس فيها أبدا ... لا ولا بالعذل في ذاك أبالي
وغزال قد بدا لي وجهه ... فرأيت البدر في حال الكمال
ما أمال التّيه من أعطافه ... لم يكن إلّا على فضل «5» اعتدال
(2/319)

خصّ بالحسن فما أنت ترى ... بعده للناس حظّا في الجمال
من تسلّى عن هواه فأنا ... بسواه عن هواه غير سال
فلئن أتعبني حبّي له ... فكم نلت به أنعم حال
إذ لآلي «1» جيده من قبلي ... ووشاحاه يميني وشمالي
خلّف النوم لي السّهد به ... وترامى الشّخص لا طيف الخيال
فيداوى «2» بلماه ظمئي ... مزجك الصّهباء بالماء الزّلال
أو إشادات» بناء الملك ال ... أوحد الأسمى الهمام المتعالي
ملك إن قلت فيه ملكا ... لم تكن إلّا محقا في المقال
أيّد الإسلام بالعدل فما ... أن ترى رسما لأصحاب الضّلال
ذو أياد شملت كلّ الورى ... ومعال يا لها خير معال
همّة هامت بأحوال التقى ... وصفات بالجلالات حوال
وقف النّفس على إجهادها ... بين صوم وصلاة ونوال
ومنها في ذكر القوم الموقع بهم «4» :
وفريق من عتاة عاندوا ... أمره فاستوجبوا سوء نكال
غرّهم طول التّجافي عنهم ... مع شيطان لهم كان موال
فلقد كانت بهم رندة أو ... أهلها في سوء تدبير وحال
ولقد كان النّفاق مذهبا ... فاشيا بين هاتيك التلال
ما يعود اليوم إلّا بادروا ... برواة ونكيرات ثقال
طوّقوا النّعمى فلمّا أنكروا ... طوّقوا العدل بذي البيض العوال
ماطل الدهر بهم غريمه ... فهو الآن وفي بعد المطال
ولقد كنت غريم الدهر إذ ... شدّني جورهم شدّ عقال
ولكم نافرته مجتهدا ... عندما ضاق بهم صدر احتمالي
أعقبوا جزاء ما قد أسلفوا ... في الدّنا ويعقبوه في المآل
(2/320)

وهي طويلة ومنها:
أيها المولى الذي نعماؤه ... أعجزت عن شكرها كنه المقال
ها أنا أنشدكم مهنّئا ... من بديع النّظم بالسّحر الحلال
فأنا العبد الذي حبّكم ... لم يزل والله في قلبي وبالي
أورقت روضة آمالي لكم ... وتولّاها الكبير المتعالي «1»
واقتنيت الجاه من خدمتكم ... فهو «2» ما أذخره من كنز مال
ومنها:
يا أمير المسلمين هذه ... خدمة تنبىء عن أصدق حال
هي بنت ساعة أو ليلة ... سهلت بالحبّ في ذاك الجلال
ما عليها إذ أجادت مدحها ... من بعيد الفهم يلغيها وقال
فهي في تأدية الشكر لكم ... أبدا بين احتفاء واحتفال
وكتب، رحمه الله، يخاطب أهله من مدينة تونس «3» :
حيّ حيّ بالله يا ريح نجد ... وتحمّل عظيم شوقي ووجدي
وإذا ما بثثت حالي فبلّغ ... من سلامي لهم على قدر ودّي
ما تناسيتهم وهل في مغيبي ... هم «4» نسوني على تطاول بعدي
بي شوق إليهم ليس يعزى ... لجميل «5» ولا لسكّان نجد
يا نسيم الصّبا إذا جئت قوما ... ملئت أرضهم بشيح ورند
فتلطّف عند المرور عليهم ... وحقوقا لهم عليّ فأدّ
قل لهم قد غدوت من وجدهم في ... حال شوق لكلّ رند وزند
وإن استفسروا حديثي فإني ... باعتناء الإله بلّغت قصدي
فله الحمد إذ حباني بلطف ... عنده قلّ كلّ شكر وحمد
(2/321)

قال شيخنا أبو بكر ولده: وجدت بخطّه، رحمة الله عليه، رسالة خاطب بها أخاه أبا إسحاق إبراهيم افتتحها بقصيدة أولها «1» : [الكامل]
ذكر اللّوى شوقا إلى أقماره ... فقضى أسى أو كاد من تذكاره
وعلا زفير حريق نار ضلوعه ... فرمى على وجناته بشراره
لو كنت تبصر خطّه في خدّه ... لقرأت سرّ الوجد من أسطاره
يا عاذليه أقصروا فلربما «2» ... أفضى عتابكم إلى إضراره
إن لم تعينوه على برحائه «3» ... لا تنكروا بالله خلع عذاره
ما كان أكتمه لأسرار الهوى ... لو أنّ جند الصّبر من أنصاره
ما ذنبه والبين قطّع قلبه ... أسفا وأذكى النار في أعشاره
بخلّ اللّوى بالساكنيه وطيفهم ... وحديثه ونسيمه ومزاره
يا برق خذ دمعي وعرّج باللّوى ... فاسفحه في باناته وعراره
وإذا لقيت بها الذي بإخائه ... ألقى خطوب الدّهر أو بجواره
فاقر السلام عليه قدر محبتي ... فيه وترفيعي إلى مقداره
والمم «4» بسائر إخوتي وقرابتي ... من لم أكن لجوارهم بالكاره
ما منهم إلّا أخ أو سيّد ... أبدا أرى دأبي على إكباره
فاثبت «5» لذاك الحيّ أنّ أخاهم ... في حفظ عهدهم على استبصاره
ما منزل اللذات في أوطانه ... كلّا ولا السّلوان من أوطاره «6»
وقال، رحمه الله، في غرض كلّفه سلطانه القول فيه «7» : [الوافر]
ألا وأصل مواصلة العقار ... ودع عنك التخلّق بالوقار
وقم واخلع عذارك في غزال ... يحقّ لمثله خلع العذار
قضيب مائس من فوق دعص ... تعمّم بالدّجى فوق النهار
ولاح بخدّه ألف ولام ... فصار معرّفا بين الدراري
(2/322)

رماني قاسم والسين صاد ... بأشفار تنوب عن الشّفار
وقد قسمت محاسن وجنتيه ... على ضدّين من ماء ونار
فذاك الماء من دمعي عليه ... وتلك النار من فرط استعاري «1»
عجبت له أقام بربع قلبي ... على ما شبّ فيه من الأوار
ألفت الحبّ حتى صار طبعا ... فما أحتاج فيه إلى ادّكار
فما لي عن مذاهبه ذهاب ... وهذا فيه أشعاري شعاري «2»
وقال العلّامة ابن رشيد في «ملء العيبة» «3» : لما قدمنا المدينة سنة 684 هـ، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم الحكيم، وكان أرمد «4» ، فلمّا دخلنا ذا الحليفة أو نحوها، نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار، وإعظاما لمن حلّ في «5» تلك الديار، فأحسّ بالشفاء، فأنشد لنفسه في وصف الحال قوله: [الطويل]
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبّا
وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا
وحين تبدّى للعيون جمالها ... ومن بعدها عنّا أديلت لنا قربا
نزلنا من «6» الأكوار نمشي كرامة ... لمن حلّ فيها أن نلمّ به ركبا
نسحّ سجال الدّمع في عرصاتها ... ونلثم من حبّ لواطئه التّربا
وإن بقائي دونه لخسارة ... ولو أنّ كفّي تملأ الشرق والغربا
فيا عجبا ممن يحبّ بزعمه ... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا
وزلّات مثلي لا تعدّ كثيرة «7» ... وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا
ومن شعره قوله «8» : [السريع]
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
(2/323)

يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحرّ أسراره
لا سيما إن كان في غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره
وقوله رحمه الله «1» : [البسيط]
إني لأعسر أحيانا فيلحقني ... يسر من الله إنّ العسر قد زالا
يقول خير الورى في سنّة ثبتت ... (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا)
وهو من أحسن ما قاله رحمه الله.
ومن شعره قوله «2» : [الطويل]
فقدت حياتي بالفراق «3» ومن غدا ... بحال نوى عمّن يحبّ فقد فقد
ومن أجل بعدي من «4» ديار ألفتها ... جحيم فؤادي قد تلظّى وقد وقد
وحكي أن ذا الوزارتين المترجم، لما اجتمع مع الفقيه الكاتب ابن أبي مدين، أنشده ابن أبي مدين «5» : [الطويل]
عشقتكم بالسّمع قبل لقاكم ... وسمع الفتى يهوى لعمري «6» كطرفه
وحبّبني ذكر الجليس إليكم ... فلمّا التقينا كنتم فوق وصفه
فأنشده ذو الوزارتين ابن الحكيم قوله «7» : [البسيط]
ما زلت أسمع عن علياك كلّ سنا ... أبهى من الشمس أو أجلى من القمر
حتى رأى بصري فوق الذي سمعت ... أذني فوفّق بين السّمع والبصر
ومن نظمه مما يكتب على قوس «8» : [الكامل]
أنا عدّة للدين في يد من غدا ... لله منتصرا على أعدائه
أحكي الهلال وأسهمي في رجمها ... لمن اعتدى تحكي رجوم «9» سمائه
قد جاء في القرآن أني عدّة ... إذ نصّ خير الخلق محكم آيه
وإذا العدوّ أصابه سهمي فقد ... سبق القضاء بهلكه وفنائه
(2/324)

ومن «1» توقيعه ما نقلته من خط ولده أبي بكر في كتابه المسمى ب «الموارد المستعذبة» ، وكان»
بمدينة وادي آش الفقيه الكذا أبو عبد الله محمد بن غالب الطريفي، فكتب «3» يوما إلى الشيخ خاصة والدي «4» أبي جعفر بن داود، قصيدة طويلة على روي السّين، يشتكي «5» فيها من جور «6» مشرف بلدهم إذ ذاك أبي القاسم بن حسّان، منها: [البسيط]
فيا صفيّ أبي العباس، كيف ترى ... وأنت كيّس «7» من فيها من اكياس
ولّوه إن كان ممّن ترتضون به ... فقد دنا الفتح للأشراف في فاس
ومنها يستطر ذكر ذي الوزارتين، رحمه الله:
للشرق فضل منه أشرقت شهب ... من نورهم أقبسونا كل مقباس
فوقع عليها رحمة الله تعالى عليه ورضوانه «8» : [البسيط]
إن أفرطت بابن حسّان غوائله ... فالأمر يكسوه ثوب الذّل والياس «9»
وإن تزلّ به في جوره قدم ... كان الجزاء له ضربا على الرّاس
فقد أقامني المولى بنعمته ... لبثّ أحكامه بالعدل في الناس
كتابته: وهي مرتفعة عن نمط شعره، فمن ذلك رسالة كتبها عن سلطانه في فتح مدينة قيجاطة «10» :
من الأمير فلان، أيده الله ونصره، ووفّقه لما يحب حتى يكون ممن قام بفرض الجهاد ونشره. إلى ابننا الذي نمنحه الحبّ والرضى، ونسأل الله أن يهبه الخلال التي تستحسن والشّيم التي ترتضى، الولد الأنجب، الأرضى، الأنجد، الأرشد، الأسعد، محمد، وإلى الله تعالى إسعاده، وتولى بالتوفيق والإرشاد سداده،
(2/325)

وأطلع عليه من أنباء الفتوح المبشّرة بالنصر الممنوح ما يكمل من بغيته في نصر دين الإسلام ويسني مراده.
أما بعد حمد الله، الذي جعل الجهاد في سبيله أفضل الأعمال، الذي يقربه إلى رضاه، وندب إليه بما وعد من الثواب عليه، فقال: يا أيها النبي، حرّض المؤمنين على القتال، تنبيها على محل الثقة، بأن الفئة القليلة من أوليائه، تغلب الفئة الكثيرة من أعدائه، وتدارك دين الإسلام بإنجاز وعده في قوله، ولينصرنّ الله من ينصره، على رغم أنف من ظن أنه خاذله، تعالى الله عن خذلان جنده. والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله ومجتباه، لهداية الخلق لسلوك سبيل الحق، والعمل بمقتضاه. قال تعالى فيما أنزل: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
«1» تحريضا على أن يمحو ظلام ضلالهم بنور هداه صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الأبرار، وأصحابه الأشداء على الكفار، الذين جرّدوا في نصرة دينه صوارم العزم وأمضوا ظباه، وفتحوا ما زوّى له من مشارق الأرض ومغاربها حتى عمّ الإسلام حدّ المعمور ومنتهاه. فإنّا كتبنا لكم، كتب الله لكم من سماع البشائر ما يعود بتحويل الأحوال، وأطلع عليكم من أنباء الفتوح ما يلوح بآفاق الآمال، مبشرا باليمن والإقبال. من قيجاطة، وبركات ثقتنا بالله وحده، تظهر لنا عجائب مكنونات ألطافه، وتجنينا ثمار النصر في إبّان قطافه، وتسخّر لنا ورد مشرع الفتح فترد عذب نطافه، والحمد لله الذي هدانا لأن نتقلّد نجادها، ونمتطي جوادها، ونستوري زنادها، ونستفتح بها مغالق المآرب، ولطائف المطالب، حتى دخلت الملّة الحنيفية في هذه الجزيرة الأندلسية أغوارها وأنجادها. وقد «2» تقرّر عند الخاص والعام، من أهل الإسلام، واشتهر في جميع «3» الأقطار اشتهار الصبح في سواد الظلام، أنّا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة الله هي العليا، ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب الله لا لغرض «4» دنيا. وأنّا ما قصّرنا في الاستنصار والاستنفار «5» ، ولا قصرنا «6» عن الاعتضاد لكلّ من أمّلنا معونته «7» والاستظهار، ولا اكتفينا بمطوّلات الرسائل وبنات الأفكار، حتى اقتحمنا بنفوسنا لجج البحار، وسمحنا بالطّارف من أموالنا والتّلاد، وأعطينا رجاء نصرة الإسلام موفور الأموال والبلاد، واشترينا بما أنعم الله به علينا ما فرض الله على كافة أهل الإسلام من الجهاد، فلم
(2/326)

يكن بين تلبية المدعوّ وزهده، وبين قبوله وردّه، إلّا كما يحسو الطائر ماء الثّماد ويأبى الله أن يكل نصر «1» هذه الجزيرة إلى سواه، وأن يجعل فيها سببا إلّا لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه. ولمّا أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مثاويه «2» ، وبقي المسلمون يتوقّعون حادثا ساءت ظنونهم لمباديه، ألقينا إلى الثقة بالله تعالى وحده يد الاستسلام، وشمّرنا عن ساعد الجدّ والاجتهاد «3» في جهاد عبدة الأصنام، وأخذنا بمقتضى قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
«4» أخذ الاعتزام، فأمدّنا الله تعالى بتوالي البشائر، ونصرنا بألطاف أغنى فيها خلوص الضمائر عن قوّاد «5» العساكر، ونفلنا «6» على أيدي قوّادنا ورجالنا من السّبايا والغنائم ما عدّ «7» ذكره في الآفاق كالمثل السائر وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«8» ، وكيف يحصيها المحصي أو يحصرها الحاصر. وحين أبدت لنا العناية الربّانيّة وجوه الفتوح «9» سافرة المحيّا، وانتشقنا نسيم «10» النّصر الممنوح عبق الرّيّا، استخرنا الله تعالى في الغزو بأنفسنا «11» ونعم المستخار، وكتبنا إلى من قرب من عمّالنا «12» بالحضّ على الجهاد والاستنفار. وحين وافى من خفّ للجهاد من الأجناد والمطوّعين، وغدوا بحكم رغبتهم في الثواب على طاعة الله مجتمعين، خرجنا بهم ونصر الله تعالى أهدى دليل، وعناية الله بهذه الفئة المفردة من المسلمين، تقضي بتقريب البعيد من آمالنا، وتكثير القليل. ونحن نسأل الله تعالى أن يحملنا على جادّة الرّضا والقبول، وأن يرشدنا إلى طريق يفضي «13» إلى بلوغ الأمنية والمأمول «14» ، إلى أن حللنا عشيّة يوم الأحد ثاني يوم خروجنا بمقربة حصن اللّقوة فأدرنا به التّدبير، واستشرنا من أوليائنا من تحققنا نصحه فيما يشير، فاقتضى الرأي المقترن بالرّشاد، المؤذن بالإسعاد، قصد قيجاطة لما رجى من تيسير فتحها، وأملا في إضاءة فجر الأماني لديها، وبيان صبحها، فسرنا نحوها في جيش يجرّ على المجرّة ذيل النقع المثار، ويضيق عن كثرته واسع الأقطار، ويقرّ عين الإسلام بما اشتمل عليه من الحماة والأنصار، تطير بهم نيّاتهم بأجنحة العزم إلى
(2/327)

قبض أرواح الكفار. فلمّا وصلنا إلى وادي على مقربة منها نزلنا به نريح الجياد، ونكمل التأهّب للقتال والاستعداد، وبات المسلمون ليلتهم يسألون الله تعالى بأن يمنحهم الإعانة بتأييده والإمداد. وحين فجر الفجر وأنار النهار، وقدحت به الأصباح زند الأنوار، ركبنا إليها والعساكر قد انتظمت عقودها، والسيوف قد كادت تلفظها غمودها، وبصائر الأولياء المجاهدين قد لاح من نصر الله تعالى معهودها. فلمّا وصلناها وجدنا ناسنا قد سبقوا إليها بالبوس، وهتكوا ستر عصمتها المحروس، وأذن لها بزوال النعم وذهاب النفوس، فعاجلها الأولياء بالقتال، وأهدوا إليها حمر المنايا من زرق النّصال، ورشقوا جنودها بالنّبال، وجدّوا بنات الآجال، فلما رأوا ما لا طاقة لهم به لاذوا بالفرار من الأسوار، وولّوا الأدبار، وودّعوا الديار وما فيها من الآثار. وتسنّم المسلمون ذروة البلد الأول فملكوه، وخرقوا حجاب السّتر المسدول عليه وهتكوه، وتسرعوا إلى البلد الثاني وقد ملأ النصارى أسواره من حماة رجالهم، وانتقوهم من متخيّري أبطالهم، ممن وثقوا بإقدامه في حماية ضلالهم، فحمل عليهم المسلمون حملة عرّفوهم بها كيف يكون اللّقاء، وصرفوهم إلى ما تنصرف إليه أرواحهم من الشّقاء، وأظهروا لهم من صدق العزائم ما علموا به أن لدين الإسلام أنصارا لا يرغبون بأنفسهم عن الذّبّ عنه وحماية راياته، ولا يصدرون إلا إلى طاعة الله ابتغاء مرضاته. وبادر جماعة إلى إضرام باب المدينة بالنيران، وعقدوا تحت سماء العجاج منها سماء الدّخان، ورموا النصارى من النّبال بشهب تتبع منهم كل شيطان. فهزم الله النصارى، وولوا أدبارهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فأخلوا بروجهم وأسوارهم، وتسنّمها المسلمون معلنين شعار الإسلام، رافعين من الرايات الحمر كواكب في سماء السّعادة تبشّر بتيسير كل مرام. ودخلوا المدينة فألفوا بها من القوت والعتاد، والمتاع الفاخر الذي يربو على التّعداد، ما ملأ كلّ يمين وشمال، وظهروا عليها بعد بلوغ الأماني على الكمال، وقتلوا بها من الحماة أعداء أبدوا في حماية ضلالهم ماضي الفنا والاعتزام، وأعملوا فيهم ماضي العوامل وشبا الإضرام. وارتفع النصارى إلى القصبة لائذين بامتناعها، معتصمين بعلوّها وارتفاعها، متخيّلين لضلالهم، وعدم استبصارهم أن نور الهدى لا يحلّ بديارهم. فرأينا أن نرقي الرجال إلى أبراج البلد وأسواره، وأمرناهم أن يبيتوا طول ليلتهم مضيّقين على من اعتصم بالقصبة في حصاره، وعمدنا بالعسكر المظفر إلى موضع استيطانه من المحلة المنصورة واستقراره. فلمّا بدا ضوء الصباح بنور الإشراق، ولاح وجه الغزالة طارحا شعاعه على الآفاق، أمرنا بترتيب العساكر على القصبة للحصار، وعيّنّا لكل جماعة منهم جهة يبادرون إلى منازلتها بالقتال أشدّ البدار، فانتهى المسلمون من ذلك إلى غاية لم تخطر
(2/328)

للكافرين ببال، وجرّعوهم كؤوس المنايا، وأداروا بها بنات الحنايا، فأفضت السّجال وأظهر الكفار، مع وقوعهم في بحر الموت صبرا وطمعوا أن يقيموا بذلك لصلبانهم عذرا. فلما رأوا من عزمنا ما لم تتخيله ظنونهم وأوهامهم، وصابرهم المسلمون عند النزال مصابرة عظم فيها إقدامهم وثبتت أقدامهم، ألقوا بأيديهم إلى التّهلكة إلقاء من هاله لمعان الأسنّة واهتزاز ردينيات القنا، ولاذوا بطلب الأمان لياذ الغريق بالساحل بعد ما أشرف على الفنا، وهبط زعيمهم مقتحما خطر تلك المسالك، متضرّعا تضرع من طمع في الحياة بعد ما أخذته أيدي المهالك، وشرط أن يملّكنا القصبة، ويبقى خديما لنا بما بيده من البلاد الكثيرة والكتيبة المنتخبة، فلم نظهر له عند ذلك قبولا، ولم نجعل له إلى تكميل ما رغب فيه سبيلا، فقاده البأس الشديد إلى الإذعان، ورغب أن يكمل ما نريده على شرط الأمان. فأسعفنا رغبته على شروط، بعد عهد المسلمين بمثلها، وهيّئت الأسباب بما نعتمده من الثقة بالله وحده في أمورنا كلها، وذلك على كذا وكذا. وحين كملت الشروط حقّ التكميل، وظهرت لنا منه أمارات الوفاء الجميل، دخلنا القصبة حماها الله، وقد أغنى يوم النصر عن شهر السلاح، كما أغنى ضوء الصبح عن نور المصباح، ورفعت على أبراجها حمر الأعلام، ناطقة عن الإسلام، بالتعريف والإعلام. وفي الحين وجهنا من يقبض تلك الحصون، ويزيل ما بها من جرم الكفر المأفون، أمناء رجالنا.
فالحمد لله على هذه النعمة التي أحدثت للقلوب استبشارا، وخفضت علم التثليث ورفعت للتوحيد منارا، وأظهرت للملّة الحنيفية على أعدائها اعتلاء واستكبارا. وهذا القدر من الفتح وإن كان سامي الفخر، باقي الذكر بقاء الدهر، فإننا لنرجو من فضل الله أن يتبعه بما هو أعلى منه متانة، وأعظم في قلوب أهل الإيمان موقعا وأعز مكانة، وأن يرغم بما يظهر على أيدينا من عز الإسلام، أنف من أظهر له عنادا وخذلانا. فاستبشروا بهذا الفتح العظيم وبشّروا، واشكروا الله عليه، فواجب أن تشكروا. وقد كتبنا هذا، ونحن على عزمنا في غزو بلاد الكفار، والسعي الحميد إلى التنكيل بهم والإضرار، والمسلمون أعزهم الله في أرضهم يشنون المغار، ويمتلكون الأنجاد منها والأغوار، ويكثرون القتل والأسار، ويحكّمون أينما نزلوا السّيف والنار، والسلام.
ومن نثر آخر إجازة ما صورته «1» :
(2/329)

وها أنا أجري منه «1» على حسن معتقده، وأكله في هذا الغرض إلى ما رآه بمقتضى تودّده، وأجيز له ولولديه، أقرّ الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه، رواية جميع ما نقلته وحملته «2» ، وحسن اطلاعه يفصّل من ذلك ما أجملته، فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني ولهم الاختيار في تنويعه. والله سبحانه وتعالى «3» يخلّص أعمالنا لذاته، ويجعلها في ابتغاء مرضاته. قال هذا «4» محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامدا لله عزّ وجلّ، ومصلّيا ومسلما.
وفاته: قتل، رحمه الله، صبيحة عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة «5» ، وذلك لتاريخ خلع سلطانه. واستولت «6» يد الغوغاء على منازله، شغلهم بها مدبّر الفتنة خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره، فضاع بها مال لا يكتب، وعروض لا يعلم لها قيمة من الكتب، والذّخيرة والفرش والآنية والسلاح والمتاع والخرثيّ، وأخفرت ذمّته «7» ، وتعدّي به عدوة القتل إلى المثلة «8» ، وقانا الله مصارع السوء، فطيف بشلوه، وانتهب فضاع ولم يقبر، وجرت فيه شناعة كبيرة، رحمه الله تعالى.
مولده: برندة ظهر يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول المبارك، من عام ستين وستمائة. وممّن رثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين رحمه الله تعالى بقوله «9» :
[الطويل]
سقى الله أشلاء كرمن على البلى ... وما غضّ من مقدارها حادث البلا
وممّا شجاني أن أهين مكانها ... وأهمل قدر ما عهدناه مهملا
ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع ... فما كنت إلّا عبدها المتذلّلا
سفكت وما كان الرّقوء نواله ... لقد جئتها «10» شنعاء فاضحة الملا
(2/330)

بكفّي سبنتى أزرق العين مطرق «1» ... عدا فغدا في غيّه متوغّلا
لنعم قتيل القوم في يوم عيده ... قتيل تبكّيه المكارم والعلا
ألا إنّ يوم ابن الحكيم لمثكل ... فؤادي، فما ينفكّ ما عشت مثكلا
فقدناه في يوم أغرّ محجّل ... ففي الحشر نلقاه أغرّ محجّلا
سمت نحوه الأيام وهو عميدها ... فلم تشكر النّعمى ولم تحفظ الولا
تعاورت الأسياف منه ممدّحا ... كريما سما فوق السّماكين منزلا «2»
وخانته رجل في الطّواف به سعت ... فناء بصدر للعلوم تحمّلا
وجدّل لم يحضره في الحيّ ناصر ... فمن مبلغ الأحياء أنّ مهلهلا «3»
يد الله في ذاك الأديم ممزّقا «4» ... تبارك ما هبّت جنوبا وشمألا
ومن حزني أن لست أعرف ملحدا ... له فأرى للتّرب منه مقبلا
رويدك يا من قد غدا شامتا به ... فبالأمس ما كان العماد المؤمّلا
وكنّا نغادي أو نراوح بابه ... وقد ظلّ في أوج العلا متوقّلا «5»
ذكرناه يوما فاستهلّت جفوننا ... بدمع إذا ما أمحل العام أخضلا
ومازج منه الحزن طول اعتبارنا ... ولم ندر ماذا منهما كان أطولا
وهاج لنا شجوا تذكّر مجلس ... له كان يهدي الحيّ والملأ الألى
به كانت الدنيا تؤخّر مدبرا ... من الناس حتما أو تقدّم مقبلا
لتبك عيون الباكيات على فتى ... كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا
على خادم الآثار تتلى صحائحا ... على حامل القرآن يتلى مفصّلا
على عضد الملك الذي قد تضوّعت ... مكارمه في الأرض مسكا ومندلا
(2/331)

على قاسم الأموال فينا على الذي ... وضعنا لديه كلّ إصر على علا
وأنّى لنا من بعده متعلّل ... وما كان في حاجاتنا متعلّلا
ألا يا قصير العمر يا كامل العلا ... يمينا لقد غادرت حزنا مؤثّلا
يسوء المصلّى أن هلكت ولم تقم ... عليك صلاة فيه يشهدها الملا
وذاك لأنّ الأمر فيه شهادة ... وسنّتها محفوطة لن تبدّلا
فيا أيها الميت الكريم الذي قضى ... سعيدا حميدا فاضلا ومفضّلا
لتهنك «1» من ربّ السماء شهادة ... تلاقي ببشرى وجهك المتهلّلا
رثيتك عن حبّ ثوى في جوانحي ... فما ودّع القلب العميد وما قلا «2»
ويا ربّ من أوليته منك نعمة ... وكنت له ذخرا عتيدا وموئلا
تناساك حتى ما تمرّ بباله ... ولم يدّكر «3» ذاك النّدى والتّفضّلا
يرابض في مثواك كلّ عشيّة ... صفيف شواء أو قديدا «4» معجّلا «5»
لحى الله من ينسى الأذمّة رافضا ... ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا
حنانيك يا بدر الهدى فلشدّ ما ... تركت بدور الأفق بعدك «6» أفّلا
وكنت لآمالي حياة هنيئة ... فغادرت مني اليوم قلبا مقتّلا
فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي ... على البعد ينسى من ذمامك ما خلا
فأنت الذي آويتني متغرّبا ... وأنت الذي أكرمتني متطفّلا
فإن لم أنل منك الذي كنت آملا ... فما كنت إلّا المحسن المتفضّلا «7»
فآليت لا ينفكّ قلبي مكمدا ... عليك ولا ينفكّ دمعي مسبلا
محمد بن عبد الرحمن العقيلي الجراوي
من أهل وادي آش، وسكن غرناطة.
(2/332)

حاله: فقيه أديب متطبّب، متفنن في علوم جمة، شاعر مطبوع، يكنّى أبا بكر.
مدح الأمير علي بن يوسف اللمتوني بقوله: [مجزوء الكامل]
رحلوا الركائب موهنا ... فأذاع عرفهم السّنا
والحلي قد أغرى بهم ... لمّا ترنّم معلنا
كم حفّ حول حماهم ... من كلّ خطّار القنا
قال أبو جعفر بن الزبير، ينفك منها قصائد: [الكامل]
رحلوا الركاب موهّنا ليكتموا ... ظعن الحمول وهل توارى الأنجم؟
فأذاع سرّهم السّنا ورمى بهم ... فلّ الذميل شذاهم المتنسّم
كم حفّ حمل قبابهم وركابهم ... من ليث غاب في براثنه الدم
من كل خطّار القناة مموّه ... بين الرحيل نصبه يستسلم
وهي طويلة، خاطب بها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وقال في وصف القصيدة: [الطويل]
أيا ملكا يسمو بسعد مساعد ... وقدر على علو الكواكب صاعد
نظمت قصيدا في علاك مضمّنا ... ثلاث قواف في ثلاث قصائد
إذا فصلت أغنى عن البعض بعضها ... وإن وصلت كانت ككعب وساعد
فأجازه بظهير كريم بتحرير ماله وتنويهه.
محمد بن عبد الرحمن المتأهل
من أهل وادي آش، يعرف بعمامتي.
حاله: من التاج: ناظم أبيات، وموضح غرر وشيات، وصاحب توقيعات رفيعات، وإشارات ذوات شارات. وكان شاعرا مكثارا، وجوادا لا يخاف عثارا.
أدخل على أمير بلده المخلوع عن ملكه، بعد انتثار سلكه، وخروج الحضرة عن ملكه، واستقراره بوادي آش، مروع البال، معلّلا بالآمال، وقد بلغه دخول طبرنش في طاعته، فأنشده من ساعته: [مجزوء الكامل]
خذها إليك طبرنشا ... شفّع بها وادي الأشا
والأمّ تتبع بنتها ... والله يفعل ما يشا
ومن نوادره العذبة يطلب خطة الحسبة: [الطويل]
أنلني يا خير البريّة خطّة ... ترفّعني قدرا وتكسبني عزّا
(2/333)

فأعتزّ في أهلي كما اعتزّ بيدق ... على سفرة الشطرنج لما انثنى فرزا
فوقع الأمر بظهر رقعته ما ثبت في حرف النون عند ذكره، والاحتجاج بفضله.
وفاته: كان حيّا بعد سنة سبع عشرة وسبعمائة. وفد على الحضرة مرات كثيرة.
محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي «1»
من أهل وادي آش، يكنى أبا بكر.
حاله: كان عالما، صدرا، حكيما، فيلسوفا، عارفا بالمقالات والآراء، كلفا بالحكمة المشرقية، محققا، متصوفا، طبيبا ماهرا، فقيها، بارع الأدب، ناظما، ناثرا، مشاركا في جملة من الفنون.
مشيخته: روى عن أبي محمد الرّشاطي، وعبد الحق بن عطية وغيرهما.
حظوته ودخوله غرناطة:
اختصّ بالريس أبي جعفر، وأبي الحسن بن ملحان. قال ابن الأبار في تحفته «2» : وكتب لوالي غرناطة وقتا.
تواليفه: رسالة حيّ بن يقظان، والأرجوزة الطبيّة المجهولة، وغير ذلك.
شعره: قال: وهو القائل من قصيدة في فتح قفصة سنة ست وسبعين «3» ، وأنفذت إلى البلاد «4» : [الطويل]
ولمّا انقضى الفتح الذي كان يرتجى ... وأصبح حزب الله أغلب غالب
وأنجزنا وعد من الله صادق ... كفيل بإبطال الظنون الكواذب
وساعدنا التّوفيق حتى بيّنت ... مقاصدنا مشروحة بالعواقب
وأذعن من عليا هلال بن عامر ... أبيّ ولبّى الأمر كلّ مجانب
(2/334)

وهبّوا إذا «1» هبّ النسيم كما «2» سرى ... ولم يتركوا بالشّرق علقة آئب
يغصّ بهم عرض الفلا وهو واسع «3» ... وقد زاحموا الآفاق من كل جانب
كأنّ بسيط الأرض حلقة خاتم ... بهم وخضمّ البحر بعض المذانب
ومدّ على حكم «4» الصغار لسلمنا ... يديه عظيم الروم في حال راغب
يصرّح بالرؤيا «5» وبين ضلوعه ... نفس مذعور ونفرة راهب
وعى من لسان الحال أفصح خطبة ... وما «6» وضحت»
عنه فصاح القواضب
وأبصر متن الأرض كفّة حامل ... عليه وإصراه في كفّ حالب
أشرنا بأعناق الجياد إليكم ... وعجبا عليكم من صدور الرّكائب
إلى بقعة قد بيّن «8» الله فضلها ... بمن حلّ فيها من وليّ «9» وصاحب
على الصّفوة الأدنين منّا تحية ... توافيهم بين الصّبا والجنائب
وله أيضا «10» : [الطويل]
ألمّت وقد نام الرقيب «11» وهوّما ... وأسرت إلى وادي «12» العقيق من الحمى
وراحت «13» إلى نجد فرحت منجّدا ... ومرّت بنعمان فأضحى منعّما
وجرّت على ترب المحصّب «14» ذيلها ... فما زال ذاك التّرب نهبا مقسّما
تناقله «15» أيدي التّجار «16» لطيمة ... ويحمله الداريّ «17» أيّان يمّما
ولمّا رأت أن لا ظلام يجنّها ... وأنّ سراها فيه لن يتكتما
سرت «18» عذبات الرّيط عن حرّ وجهها ... فأبدت شعاعا يرفع اليوم مظلما «19»
(2/335)

فكانّ تجلّيها حجاب جمالها ... كشمس الضّحى يعشى بها الطّرف كلّما
ولمّا رأت زهر الكواكب أنها ... هي النيّر الأسمى وإن كان باسما
بكت أسفا أن لم تفز بجوارها ... وأسعدها صوب الغمام فأسجما
فجلّت يمجّ القطر ريّان بردها ... فتنفضه كالدّر فذّا وتوأما
يضمّ علينا الماء فضل زكاتها ... كما «1» بلّ سقط الطّلّ نورا مكمّما
ويفتق نضح الغيث طيب عرفها ... نسيم الصّبا بين العرار منسّما
جلت عن ثناياها وأومض برقها «2» ... فلم أدر من شقّ الدّجنّة منهما
وساعدني جفن الغمام على البكا ... فلم أدر وجدا «3» أيّنا كان أسجما
ونظم سمطي ثغرها ووشاحها ... فأبصرت درّ الثغر أحلى وأنظما
تقول وقد ألممت أطراف كمّها ... يدي وقد أنعلت أخمصها الفما
نشدتك لا يذهب بك الشوق مذهبا ... يسهّل صعبا أو يرخّص مأثما
فأقصرت «4» لا مستغنيا عن نوالها ... ولكن رأيت الصّبر أوفى وأكرما
وقال «5» : [الوافر]
أتذكر إذ مسحت بفيك عيني «6» ... وقد حلّ البكا فيها عقوده
ذكرت بأن ريقك ماء ورد ... فقابلت الحرارة بالبروده
وقال: [الوافر]
سألت من المليحة برء دائي ... برشف برودها العذب المزاج
فما زالت تقبّل في جفوني ... وتبهرني بأصناف الحجاج
وقالت إنّ طرفك كان «7» أصلا ... لدائك فليقدّم في العلاج
وفاته: توفي بمراكش سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وحضر السلطان «8» جنازته.
(2/336)

محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عيّاش التّجيبي البرشاني «1»
من أهل حصن برشانة المحسوب في هذه العمالة، يكنى أبا عبد الله، كاتب الخلافة.
حاله: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك «2» : كان كاتبا بارعا، فصيحا، مشرفا على علوم اللسان، حافظا للّغات والآداب، جزلا، سريّ الهمّة، كبير المقدار، حسن الخلق، كريم الطباع «3» ، نفّاعا بجاهه وماله، كثير الاعتناء «4» بطلبة العلم والسعي الجميل لهم، وإفاضة المعروف على قصّاده، مستعينا على ذلك بما نال من الثروة والحظوة والجاه عند الأمراء من بني عبد المؤمن، إذ كان صاحب القلم الأعلى «5» على عهد المنصور وابنه، رفيع المنزلة والمكانة لديهم، قاصدا «6» الإعراب في كلامه، لا يخاطب أحدا «7» في كلامه من الناس، على تفاريق أحوالهم، إلّا بكلام معرب، وربما استعمله «8» في مخاطبة خدمته «9» وأمته، من حوشيّ الألفاظ، ما لا يكاد يستعمله «10» ، ولا يفهمه إلّا حفّاظ اللغة من أهل العلم، عادة ألفها واستمرّت حاله عليها.
مشيخته: روى «11» عن أبي عبد الله بن حميد، وابن أبي القاسم السّهيلي، وابن حبيش، وروى عنه بنوه أبو جعفر، وأبو القاسم «12» عبد الرحمن، وأبو جعفر بن عثمان، وأبو القاسم البلوي.
(2/337)

تواليفه: له «1» اختصار حسن في إصلاح المنطق، ورسائل مشهورة، تناقلها الناس، وشعر يحسن في بعضه.
جاهه: حدّث الشيخ أبو القاسم البلوي، قال «2» : كنت أخفّ إليه «3» ، وأشفع عنده في كبار المسائل، فيسرع في قضائها. ولقد عرضت لبعض أصحابي من أهل بلاد الأندلس حاجة مهمّة كبيرة، وجب عليّ السعي فيها، والتماس قضائها وفاء لربّها، ولم يكن لها إلّا ما قدرته من حسن نظره فيها، ورجوته من جميل أثره في تيسير أمرها، وكان قد أصابه حينئذ التياث لزم من أجله داره، ودخلت «4» عليه عائدا، فأطال السؤال عن حالي، وتبسّط معي في الكلام، مبالغة في تأنيسي، فأجّلت ذكر الحاجة «5» ، ورغبت منه في الشّفاعة عند السلطان في شأنها، وكان مضطجعا، فاستوى جالسا، وقال لي: جهل الناس قدري، وكرّرها ثلاثا، في «6» مثل هذا أشفع إلى أمير المؤمنين؟ هات الدّواة والقرطاس، فناولته إياهما، فكتب برغبتي، ورفعه إلى السلطان، فصرف في الحين معلّما، فاستدعاني، ودفعه إليّ، وقال: يا أبا القاسم، لا أرضى منك أن تحجم عني في التماس قضاء حاجة تعرّضت لك خاصة، وإن كانت لأحد من معارفك عامة، كبرت أو صغرت، فألتزم قضاءها، وعليّ الوفاء، فإن لكل مكسب «7» زكاة، وزكاة الجاه بذله.
وحدّثني شيخي أبو الحسن بن الجيّاب، عمن حدّثه من أشياخه، قال: عرض أبو عبد الله بن عيّاش والكاتب ابن القالمي على المنصور كتابين، وهو في بعض الغزوات، في كلب البرد، وبين يديه كانون جمر. وكان ابن عياش بارع الخطّ، وابن القالمي ركيكه، ويفضله في البلاغة، أو بالعكس الشكّ مني. وقال المنصور: أي كتب لو كان بهذا الخط؟ وأي خطّ لو كان بهذا الكتب؟ فرضي ابن القالمي، وسخط ابن عياش. فانتزع الكتاب من يد المنصور، وطرحه في النار وانصرف. قال: فتغيّر وجه المنصور، وابتدر أحد الأشياخ، فقال: يا أمير المؤمنين، طعنتم له في الوسيلة التي عرّفته ببابكم، فعظمت غيرته لمعرفته بقدر السبب الموصل إليكم. فسرّي عن المنصور، وقال لأحد خدّامه: اذهب إلى السّبي، فاختر أجمل نساء الأبكار؛ وأت بابن عياش؛ فقل له: هذه تطفىء من خلقك. قال ابن عياش يخاطب ولده، وقد حدّث الحديث: هي أمّك، يا محمد، أو فلان.
(2/338)

بعض أخباره مع المنصور ومحاورته الدّالة على جلالة قدره:
قال ابن خميس: حدّثني خالي أبو عبد الله بن عسكر أن الكاتب أبا عبد الله بن عيّاش، كتب يوما كتابا ليهودي، فكتب فيه، ويحمل على البرّ والكرامة. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر، ويحمل على البرّ والكرامة؟ فقال: ففكّرت ساعة، وقد علمت أن الاعتراض يلزمني، فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه، وهذا عام في الكافر، وغيره. فقال: نعم هذه الكرامة، فالمبرة أين أخذتها؟ قال: فسكتّ ولم أجد جوابا. قال: فقرأ المنصور: «أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» «1» لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
«2» . قال: فشهدت بذلك، وشكرته.
شعره: من شعره «3» : [الطويل]
بلنسية، بيني عن العليا «4» سلوة ... فإنك روض لا أحنّ لزهرك
وكيف يحبّ المرء دارا تقسّمت ... على صارمي «5» جوع «6» وفتنة مشرك؟
وذكره الأديب أبو بحر صفوان بن إدريس في «زاد المسافر» عند اسم ابن عيّاش، قال: اجتمعنا في ليلة بمرّاكش، فقال أبو عبد الله بن عيّاش: [البسيط]
وليلة من ليالي الصّفح قد جمعت ... إخوان صدق ووصل للدهر مختلس «7»
كانوا على سنّة الأيام قد بعدوا ... فألّفت بينهم لو ساعد الغلس
وقال من قصيدة: [الكامل]
أشفارها أم صارم الحجّاج؟ ... وجفونها أم فتنة الحلّاج؟
فإذا نظرت لأرضها وسمائها ... لم تلف غير أسنّة وزجاج
(2/339)

وقال في المصحف الإمام، المنسوب إلى عثمان بن عفان، لما أمر المنصور بتحليته بنفيس الدّرّ من قصيدة «1» :
ونفّلته «2» من كلّ ملك ذخيرة ... كأنهم كانوا برسم مكاسبه
فإن ورث الأملاك شرقا ومغربا ... فكم قد أخلّوا جاهلين بواجبه
وألبسته الياقوت والدرّ «3» حلية ... وغيرك قد روّاه من دم صاحبه
كتابته: قال ابن سعيد في المرقصات والمطربات «4» : أبو عبد الله بن عيّاش، كاتب الناصر وغيره، من بني عبد المؤمن، وواسطة عقد ترسيله، قوله في رسالة كتبها في نزول الناصر على المهدية بحرا وبرا، واسترجاعها من أيدي الملثّمين:
ولما حللنا عرى السّفر، بأن حللنا حمى المهديّة، تفاءلنا بأن تكون لمن حلّ بساحتها هديّة، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها غربان البين، فبانت بليلة باسنيّة، وصابح يوما صافحته فيه يد المنية. ولما اجتلينا منها عروسا قد مدّ بين يديها بساط الماء، وتوجهت بالهلال وقرّطته بالثّريا ووشّجت بنجوم السّماء، والسّحب تسحب عليها أردانها فترتديها تارة متلثّمة، وطورا سافرة، وكأنما شرفاتها المشرفة أنامل مخضبة بالدّياجي، مختتمة بالكواكب الزّاهرة، تضحي عن شنب لا تزال تقبّله أفواه المجانيق، وتمسي باسمة عن لعس لا تبرح ترشفه شفاه سهام الحريق، خطبناها فأرادت التّنبيه على قدرها، والتوفير في إعلاء مهرها، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر فتمنّعت تمنّع المقصورات في الخيام، وأطالت إعمال العامل في خدمتها وتجريد الحسام، إلى أن تحقّقت عظم موقعها في النفوس، ورأت كثرة ما ألقي لها من نثار الرءوس، جنحت إلى الإحصان بعد النّشوز، ورأت اللّجاج في الامتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها، بعد مطاولة خطبها وخطابها، وأمتعته على رغم رقيها بعناقها ورشف رضابها، فبانت معرّسا حيث لا حجال إلّا من البنود، ولا خلوق إلّا من دماء أبطال الجنود، فأصبح وقد تلألأت بهذه البشائر وجوه الأفكار؛ وطارت بمسارها سوائح البراري وسوانح البحار. فالحمد
(2/340)

لله الذي أقرّ الحقّ في نصابه، واسترجعه من أيدي غصّابه، حمدا يجمع شمل النّعم، ويلقحها كما تلقح الرياح الدّيم، فشنّفوا الأسماع بهذه البشائر، واملئوا الصّدور بما يرويه لكم من أحاديثها كل وارد وصادر، فهو الفتح الذي تفتّحت له أبواب السماء، وعمّ الخير واليمن به بسيطي الشّرق والماء؛ فشكر الله عليه، فرض، في كل قطر من أقطار الأرض.
دخل غرناطة، مرتادا، ومتعلما، ومجتازا.
مولده: ببرشانة بلده، عام خمسين وخمسمائة.
وفاته: توفي بمراكش في شهر رجب «1» الفرد من عام ثمانية عشرة وستمائة، رحمه الله.
محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني
من أهل وادي آش، يكنى أبا القاسم ويعرف بابن البرّاق «2» .
حاله: قال ابن عبد الملك «3» : كان محدّثا حافظا، راوية مكثرا، ثقة ضابطا «4» ، شهر بحفظ كتب كثيرة من الحديث وغيره، ذا نظر صالح في الطّبّ «5» ، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، مكثرا لجيّده «6» ، سريع البديهة في النظم والنثر، والأدب أغلب عليه. قال أبو القاسم ابن المواعيني: ما رأيت في عباد الله أسرع ارتجالا منه.
مشيخته: روى «7» عن أبي بحر يوسف بن أحمد بن أبي عيشون، وأبي بكر بن زرقون، وابن قيد «8» ، وابن إبراهيم بن المل، وابن النّعمة وصحبه «9» ، ولقيه بمرّاكش، ووليد بن موفق، وأبي عبد الله بن يوسف بن سعادة، ولازمه أزيد من ست سنين وأكثر عنه، وابن العمرسي، وأبي العباس بن إدريس، والخرّوبي، وتلا عليه بالسّبع،
(2/341)

وأكثر عنه، وعرض عليه من حفظه كثيرا، وابن مضاء، وأبي علي بن عرب «1» ، وأبي القاسم بن حبيش، وابن عبد الجبار، وأبي محمد بن سهل الضرير، وعاشر وقاسم بن دحمان، وأبي يوسف بن طلحة. وأجاز له أبو بكر بن العربي، وابن خير، وابن مندلة «2» ، وابن تمارة «3» ، وأبو الحسن شريح، وابن هذيل، ويونس بن مغيث، وأبو الجليل «4» مفرج بن سلمة، وأبو عبد الله حفيد مكي، وأبو عبد الرحمن بن مساعد، وأبو عامر محمد بن أحمد السالمي، وأبو القاسم ابن بشكوال، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو مروان البيّاضي، وابن قزمان، وأبو الوليد بن حجاج.
من روى عنه: روى «5» عنه ابنه أبو القاسم، وأبو الحسن بن محمد بن بقي الغسّاني، وأبو عبد الله محمد «6» بن يحيى السّكري، وأبو العباس النّباتي، وأبو عمرو بن عيّاد، وهو أسنّ منه، وأبو الكرم جودي.
تواليفه: صنّف «7» في الأدب «8» مصنّفات منها «بهجة الأفكار، وفرجة «9» التّذكار، في مختار الأشعار» ، و «مباشرة ليلة السّفح» «10» ، ومقالة في الإخوان، خرّجها من شواهد الحكم، ومصنّف في أخبار معاوية، و «الدّر المنظم في الاختيار «11» المعظّم» ، و «مجموع في الألغاز» «12» ، و «روضة الحدائق، في تأليف الكلام الرائق» ، مجموع نظمه ونثره، وملقى «13» السبل في فضل رمضان، وقصيدته في ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخطرات الواجد في رثاء الواحد، ورجوع «14» الإنذار بهجوم العذار، إلى غير ذلك.
محنته: غرّبه الأمير ابن سعد «15» من وطنه، وألزمه سكنى مرسية، ثم بلنسية.
ولما مات ابن سعد آخر يوم من رجب سبع وستين وخمسمائة، عاد إلى وطنه واستقرّ به يفيده الدّية، إلى آخر عمره.
(2/342)

شعره: وشعره كثير. فمن ذلك القصيدة الشهيرة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر صحابته «1» : [الكامل]
بالهضب هضب زرود أو تلعاتها ... شاقتك «2» هاتفة على نغماتها
مصدورة تفتنّ في ترجيعها «3» ... فيبين نفث السّحر في نفثاتها
إن راقها «4» رأد الضحى أو راعها ... جنح الدّجى سيّان في ذكراتها
هذا يمتّعها وذاك يشوقها ... والموت «5» في يقظاتها وسناتها
ولو «6» التّعلل بالكرى ينتابها ... نضحت فزور «7» الطّيف برح شكاتها
لكنّ بين جفونها ومنامها «8» ... حربا «9» تثير النهب في كرّاتها
ولئن نطقت لها به فتقوّل ... من للرّياح «10» بملتقى هبّاتها؟
مطلولة الفرعين تلحفها الرّبى ... كنفا «11» وتلثمها لمى زهراتها
ويسيغها «12» ماء النّخيلة جرعة ... لغياضها «13» من مجتنى نخلاتها
منها:
يا من تبلّج نوره عن صادع ... بالواضحات الغرّ من آياتها
يا شارعا في أمّة جعلت به ... وسطا نالت «14» مستدام حياتها
(2/343)

في دار خلد لا يشيب وليدها ... حيث الشّباب يرفّ في جنّاتها
وتسنّم «1» الرّضوان في أكنافها ... وتنسّم «2» الرّيحان من جنباتها
يا مصطفاها يا «3» مرفّع قدرها ... يا كهفها يا منتهى غاياتها «4»
يا منتقاها من أرومة هاشم ... يا هاشم الصّلبان في نزاوتها
يا خاضدا للشّرك شوكة حزبه ... يا يافعا «5» للعرب في جمراتها
قلت: نقل الشيخ «6» أزيد من ذلك أو ضعفه أو نحوه. إلى أن قال: وهي طويلة، قلت: وثقيلة الرّوح. ولقد صدق في قوله.
ومن شعره: [السريع]
يا بدر تمّ طالعا في الحشا ... برّح بي منك أوان المغيب
حظّك من قلبي تعذيبه ... وحظّه منك الأسى والوجيب
فمن يكن يزهى بلبس المنى ... فإن زهوي بلحاس النّحيب
في ساعة قصر أنيابها ... غيبته لي وحضور الرقيب
لعلّ من باعد ما بيننا ... يفرّج الكربة عمّا قريب
وقال: [الكامل]
رشّوا «7» القباب بأدمع مفضوضة ... ذوى للفراق وأكبد تتصرّم
فللنّفس في تلك الرّبوع حبيبة ... والقلب في إثر الوداع مقسّم
هل لي بهاتيك الظّبا إلماعة؟ ... أم هل لذاك السّرب شمل ينظم؟
حقّا فقدت الذّات عند فراقهم ... فالشّخص يوجد والحقيقة تعدم
وفاته: توفي ببلده لثلاث بقين من رمضان ست وتسعين وخمسمائة «8» . قال أبو القاسم المواعيني: عثر في مشيه فسقط، فكان سبب منيّته، ودخل غرناطة في غير ما وجهة منها، راويا عن أبي القاسم بن الفرس، ومع ذلك فهو من أحوازها وبنيّاتها.
(2/344)

محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري «1»
من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من كتاب الإكليل ما نصّه «2» : ممن ثكلته اليراعة، وفقدته البراعة، تأدّب بأخيه «3» ، وتهذّب، وأراه في النظم المذهب، وكساه من التفهّم والتعليم البرد «4» المذهّب، فاقتفى واقتدى، وراح في الحلبة واغتدى، حتى نبل وشدا، ولو أمهله الدهر لبلغ المدى. وأما خطّه فقيد الأبصار، وطرفة من طرف الأمصار، واعتبط «5» يانع الشّبيبة، مخضرّ الكتيبة.
شعره: [البسيط]
كفّوا الملام فلا أصغي إلى العذل ... عقلي وسمعي عن العذّال في شغل
يقول في هذه القصيدة:
هزل المحبّة جدّ والهوان هوى ... والصّبّ يتلف بين الجدّ والهزل
من مسعدي وفؤادي لا يساعدني ... أو من شفيعي وذلّي ليس يشفع لي
أعلّل النّفس بالآمال أطمعها ... حتى وقعت من التّعليل في علل
لئن كنت تجهل ما في الحبّ من محن ... أنا الخبير فغيري اليوم لا تسل
أنا الذي قد حلبت الحبّ أشطره ... فلم يفدني لا حولي ولا حيل
لا أشرب الرّاح كي أحلو براحتها ... لكن لأدفع ما بالنّفس من كسل
ولا أجول بطرفي في الرياض سوى ... ذكري لأيامنا في ظلّها الأول
أنا العهد مضى ما كان أعذبه ... لم يبق لي غير آيات من الخبل
كم فديتك يا قلبي وأنت على ... تلك الغواية لم تبرح ولم تزل
فاختر لنفسك إما أن تصاحبني ... حلوا وإلّا فدعني منك وارتحل
فقد تبعتك حتى سرت من شغفي ... ولوعتي في الهوى أعجوبة المثل
(2/345)

ومن شعره «1» : [الرمل]
ومض البرق فثار القلق ... ومضى النّوم وحلّ الأرق
وينعاني من غرامي قد شكا ... ودموعي من ولوعي تنطق «2»
ودليلي في غليلي زفرتي ... وعذابي بانتحابي أصدق
وحسودي من وقودي رقّ لي «3» ... ضمّنا فيها الحمى والأبرق «4»
وعشيّات تقضّت باللّوى ... في محيّا «5» الدهر منها رونق
إذ شبابي والتّصابي جمعا ... ورياض الأنس غضّ مونق «6»
شتّ «7» يوم البين شملي ليت ما ... خلق البين لقلب يعشق
آه من يوم قضى لي فرقة ... شاب منّي يوم حلّت مفرق
ومن ذلك: [الطويل]
أيا جيرة الحيّ الممنّع جاره ... سقى ريقكم دمعي إذا بخل الوبل
متى غبتم عنّي فأنتم بخاطري ... وإن تقصدوا ذلّي فقد لذّني الذّلّ
عذابكم قرب وبخلكم ندى ... وإذلالكم عزّ وهجرانكم وصل
وأنتم نعيمي لا نعمت بغيركم ... وروضي لا ماء «8» أريد ولا ظلّ
ومن ظريف نزعاته قوله «9» : [البسيط]
الرّفع نعتكم لا خانكم «10» أمل ... والخفض شيمة شأني «11» والهوى دول
هل منكم لي عطف بعد بعدكم؟ ... إذ ليس لي منكم يا سادتي بدل
(2/346)

وفاته: اعتبط في الطاعون في أوائل ربيع الأول عام خمسين وسبعمائة. ورد إلى الحضرة غير ما مرة.
محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان الزّهري «1»
من أهل قرطبة، يكنى أبا بكر.
حاله: نسيج وحده أدبا وظرفا ولوذعيّة وشهرة. قال ابن عبد الملك: كان أديبا بارعا، محسنا، شاعرا حلو الكلام، مليح التّندير، مبرّزا في نظم الطريقة الهزلية، بلسان عوام الأندلس، الملقب بالزّجل. قلت «2» : وهذه الطريقة بديعة يتحكّم فيها ألقاب البديع، وتنفسخ لكثير مما يضيق سلوكه على الشاعر. وبلغ فيها أبو بكر مبلغا حجره الله عن سواه؛ فهو آيتها المعجزة، وحجّتها البالغة، وفارسها العلم، والمبتدى فيها والمتمّم، رحمه الله. وقال الفتح فيه «3» : «مبرّز في البيان، ومحرز السّبق «4» عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل «5» على الله اشتمالا رقّاه «6» إلى مجالس، وكساه ملابس، واقتطع «7» أسمى الرّتب وتبوّأها، ونال أسنى الخطط «8» وما تمالأها» .
شعره: قال الفتح «9» : وقد أثبت له ما يعلم «10» به رفيع قدره، ويعرف كيف أساء الزمن «11» بغدره، قوله «12» : [الكامل]
ركبوا السيول من الخيول وركّبوا ... فوق العوالي السّمر زرق نطاف «13»
(2/347)

وتجلّلوا الغدران من ماذيّهم ... مرتجّة إلّا على الأكتاف
وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال «1» يستدعيه إلى مجلس أنس: [البسيط]
إني أهزّك هزّ الصّارم الخذم ... وبيننا كلّ ما تدريه من ذمم
ذا شاك «2» من قطع أنس أنت واصله ... بما لديك من الآداب والحكم
وشتّ شمل كرام أنت ناظمه ... وردّ دعوة أهل المجد والكرم
ولو دعيت إلى أمثالها لسعت ... إليك سعي مشوق هائم قدم
وإن نشطت لتصريفي صرفت له ... وجهي وكنت من الأعوان والخدم
وما أريد سوى عفو تجود به ... وفي حديثك ما يشفى من الألم
أنت المقدّم في فخر وفي أدب ... فاطلع علينا طلوع السيّد العمم
فأجابه رحمه الله: [البسيط]
أتى من المجد أمر لا مردّ له ... نمشي على الرأس فيه لا على القدم
لبّيك لبّيك أضعافا مضاعفة ... إني أجبت ولكنّ داعي الكرم
لي همّة ولأهل العزّ مطمحها ... لا زلت في كلّ مجد مطمح الهمم
وإنّ حقّك معروف وملتزم ... وكيف يوجد عندي غير ملتزم؟
زفن «3» ورقص وما أحببت من ملح ... عندي وأكثر ما تدريه من شيم
حتى يكون كلام الحاضرين بها ... عند الصّباح وما بالعهد من قدم
يا ليلة السّفح هلّا عدت ثانية ... سقى زمانك هطّال من الدّيم
وقال في غرض النّسيب «4» : [السريع]
يا ربّ يوم زارني «5» فيه من ... أطلع من غرّته «6» كوكبا
ذو شفة لمياء معسولة ... ينشع من خدّيه ماء الصّبا
(2/348)

قلت له هب «1» لي بها قبلة ... فقال لي مبتسما: مرحبا
فذقت شيئا لم أذق مثله ... لله ما أحلى وما أعذبا
أسعدني الله بإسعاده ... يا شقوتي «2» يا شقوتي لو أبى
وقال: [المنسرح]
جئت لتوديعه وقد ذرفت ... عيناي من حسرة وعيناه
في موكب البين باكيين «3» ولا ... أصعب من موقف وقفناه
معانقا جيده على حذر ... فمن رآني مقبّلا فاه
نغّص توديعه لعاشقه ... ما كان من قبل قد تمنّاه
وقال يعتذر ارتجالا وأحسن ما أراد «4» : [البسيط]
يا أهل ذا المجلس السّامي سراوته «5» ... ما ملت لكنني مالت بي الرّاح
وإن «6» أكن مطفئا «7» مصباح بيتكم ... فكلّ من فيكم «8» في البيت مصباح
وقال يهنّئ بعرس: [الكامل]
صرفت إليك وجوهها الأفراح ... وتكنّفتك سعادة ونجاح
فاقض المآرب في زمان صالح ... لا سدّ عنك من الزّمان صلاح
إن كان كالشمس المنيرة حسنها ... فالبدر أنت وما عليك جناح
لا فرق بينكما لرأي فاستوى ... زيّ النساء قلادة ووشاح
هل يوقد المصباح عندكما مهجا ... وكلاكما ببهائه مصباح؟
أحرزت يا عبد العزيز محاسنا ... كثرت فلم تستوفها الأمداح
يا من له كفّ تجود وأضلع ... مطوي على حفظ الوداد سجاح «9»
(2/349)

ما ألقت الحاجات دوني قفلها ... إلّا ويمن يمينك المفتاح
في كل ما تنحو إليه ملاحة ... وكذاك أفعال المليح ملاح
ومن حكمه قوله «1» : [الوافر]
كثير المال تبذله فيبقى ... ولا «2» يبقى مع البخل القليل
ومن غرست يداه ثمار جود ... ففي ظلّ الثناء له مقيل
وقال رحمه الله «3» : [الوافر]
وعهدي بالشّباب وحسن قدّي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب «4»
فصرت اليوم منحنيا كأني ... أفتّش في التّراب على الشباب «5»
وقال رحمه الله «6» : [الرمل]
يمسك الفارس رمحا بيد «7» ... وأنا أمسك فيها قصبه
وكلانا «8» بطل في حربه ... إن الاقلام رماح الكتبه
قال ابن عبد الملك: أنشدت على شيخنا أبي الحسن الرّعيني، قال: أخبرنا الراوية أبو القاسم بن الطّيلسان، قال: سألته، يعني أبا القاسم أحمد بن أبي بكر هذا، أن ينشد شيئا من شعر أبيه المغرب، فأخرج لي قطعة بخط أبيه وأنشده. وقال:
أنشدني أبي رحمه الله لنفسه: [المنسرح]
أحسن ما نيط في الدّعاء «9» لمن ... رتّب في خطّة من الخطط
خلّصك الله من عوائقها ... ودمت في عصمة من الغلط
مقرّبا منك ما تسرّ به ... وكل مكروهة على شحط
الكلّ بالعدل منك مغتبط ... وليس في الناس غير مغتبط
وليس يخليك من أنا لكها ... من عمل بالنّجاة مرتبط
(2/350)

فانفذ بعون لله «1» مجتهدا ... بقلب صافي الضمير «2» مرتبط
يا صاحب الأمر والذي يده ... نائلها للعفاة غير بطي «3»
رفعتم يا بني رفاعة ما ... كان من المعلوات في هبط
ومنبر الحق من سواه بكم ... فها هو الآن غير مختلط
وانضبط الأمر واستقام لكم ... ولم يكن «4» قبل ذا بمنضبط
أتيت في كل ما أتيت به ... فالغيث بعد الرجاء «5» والقنط
جللت عمّن سواك منزلة ... فلست ممّن سواك في نمط
أنت من المجد والعلا طرف ... وكلّهم في العلا من الوسط
كتابته: وقفت من ذلك على أفانين. منها في استهلال شهر رمضان قوله:
سلام على أنس المجتهدين، وراحة المتهجّدين، وقرّة أعين المهتدين، والذي زيّن الله به الدّنيا وأعزّ به الدين. شرّف الله به الإسلام، وجعل أيامه رقوما في عواتق الأيام، وشهوره غررا في جباه الأعلام، وحلّ به عن رقاب الأمة قلائد الآثام، ونزّه فيه الأسماع عن المكاره وصان الأفواه من رفث الكلام. أشهد أن الله أثنى عليك، وأدخل من شاء الجنّة على يديك، وخصّك من الفضائل بما يمشي فيه التّفسير حتى يكلّ، ويسأم ذلك اللسان ويملّ، وأبادت ذنوب الأمة بمثل ما أبادت الشمس الظّلّ، ذلك الذي يتهلل للسماء هلاله، ويهتزّ العرش لجلاله، وترتج الملائكة في حين إقباله، وتدخل الحور العين في زينتها تكريما، وتلتزم إجلاله وتعظيما، ويهتدي فيه الناس إلى دينهم صراطا مستقيما، وتغلّ الشياطين على ما خيّلت، وتذوق وبال ما كادت به وتخيّلت، ويشمّر التّقيّ لعبادة ربّه ذيلا، وتهبط الملائكة إلى سماء الدنيا ليلا، وينتظم المتّقون في ديوانه انتظام السّلك، ويكون خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وتفتح الجنّة أبوابا، ويغفر لمن صامه إيمانا واحتسابا، جزاء من ربك عطاء حسابا، وبما فضّلك الله على سائر الشهور، وقضى لك بالشّرف والفضل المشهور. فرضك في كتابه، ومدحك في خطابه، حيث قال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، يعني تكبير الناس
(2/351)

عليك، وتقليب أحداقهم بالنظر إليك، حين لثمت بالسحاب، ونظرت من تحت ذلك النّقاب، وقد يمتاز الشّيب وإن استتر بالخضاب، حتى إذا وقف الأئمّة منك على الصّحيح، وصرّحوا برؤيتك كلّ التصريح، نظرت كل جماعة في اجتماعها، وتأهّبت القرّاء لإشفاعها، واندفعت الأصوات باختلاف أنواعها، وتضرعت الألباب، وطلبت المواقف أواخر الأعشار والأحزاب، وابتدئت ألم ذلك الكتاب، عند ما أوقدت قناديل كأنما قد بدت من الصباح، ورقصت رقص النواهد عند هبوب الرياح، والله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، فأمّلك المسلمون في سرّ وجهر، وحطّت أثقال السيئات عن كل ظهر، والتمست الليلة التي هي خير من ألف شهر، فنشط الصالحون بك صوما، وهجر المتهجّدون في ليلك نوما، وأكملناك إن أذن الله ثلاثين يوما. فيا أيها الذي رحل، رحل بعد مقامه، وقام للسّفر من مقامه، ورأى من قضى حقّه ومن قصّر في صيامه، فمشى الناس إلى تشييعه، وبكوا لفراقه وتوديعه، وندم المضيّع على ما كان من تضييعه، ولم يثق بدوام العيش إلى وقت رجوعه، فعضّ على كفّه ندما، وبكت عينه ماء وكبده دما. رويدا حتى أمرح في ميدان فراقك، وأتضرّع إلى حنانك وإشفاقك، وأتشفى من تقبيلك وعناقك، وأسأل منك حاجة إن أراد الله قضاءها، وشاء نفوذها وإمضاءها، إذا أنت وقفت لربّ العالمين، فقبلك من قوم وردّك في وجوه آخرين. إن تثني جميلا، فعسى يصفح لعهده وإن أساء، فعلم الله أني نويت التوبة أولا وآخرا، وأملت الأداء باطنا وظاهرا، وكنت على ذلك لو هدى الله قادرا، وإنما علم، من تقصير الإنسان ما علم، وللمرء ما قضي عليه به وحكم، وإن النفس لأمّارة بالسّوء إلّا من رحم، فإن غفر فبطوله وإحسانه، وإن عاقب فيما قدّمت يد العبد من عصيانه، فيا وحشة لهذه الفرقة، ويا أسفا على بعد الشّقة، ويا شدّ ما خلّفته لنا بفراقك من الجهد والمشقة، ولطالما هجر الإنسان بك ذنبه، وراقب إعظاما لكربه، وشرحت إلى أعمال البرّ قلبه. ومع هذا أتراك ترجع وترى، أم تضمّ علينا دونك أطباق الثّرى؟ فيا ويلتا إن حلّ الأجل، ولم أقض دينك، ورجعت وقد حال الموت بيني وبينك، فأغرب، لا جعله الله آخر التوديع، وأيّ قلب يستطيع.
وقال في استهلال شوال:
ولكل مقام مقال. الله أكبر هذا هلال شوّال قد طلع، وكرّ في منازله وقطع، وغاب أحد عشر شهرا ثم رجع. ما لي أراه رقيق الاستهلال، خفيّ الهلال، وروحا تردّد في مثل انملال؟ ما باله أمسى الله رسمه، وصحّح جسمه، ورفع في شهور العام اسمه؟ على وجهه صفرة بيّنة، ونار إشراقه ليّنة، وأرى السحاب تعتمده وتقف،
(2/352)

وتغشاه سويعة وتنصرف، ما أراه إلّا بطول ذلك المقام، وتوالي الأهوال العظام، أصابه مرض في فصل من فصول العام، فعادته كما يعاد المريض، وبكته الأيام الغرّ والليالي البيض، وقلن: كلأك الله وكفاك، وحاطك وشفاك، وقل: كيف نجدك لا فضّ فاك، هذا على الظّن لا على التحقيق، ومجاز لا يحكم التّصديق. وليبعد مثل هذا المقدار، أن يقدح فيه طول الغيب وتواتر الأسفار. أليس هو قد ألف مجالي الرّياح، وصحب برد الصّباح، وشاهد الأهوية مع الغدو والرّواح، وطواها بتجربته طيّ الوشاح؟ ما ذاك إلّا أنّه رأى الشمس في بعض الأيام ماشية، والحسن يأخذ منها وسطا وحاشية، ودلائل شبابها ظاهرة فاشية، فوقع منها في نفسه ما وقع، وثبت على قلبه من النّظر ما زرع، ووقع في شركها وحقّ له أن يقع. فرثت هي لحاله وأشفقت، ونهجت بوصالها وتأنّقت، وقطعت من معدن نيلها وأنفقت، ورأت أنها له شاكلة يبلغ أملها، وتبلغ مأمله، ولذلك ما مدّت لذيذ السّماح، فتعرّضت بالعشيّ وارتصدها في الصباح، مع ما أيقنّا به من الانقطاع، ويمسّنا من الاجتماع، كما نفد القدر، وصدر الخبر، وقال: تعلن لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، فوجد لذلك وجدا شديدا، وأذاقه مع الساعات شوقا جديدا، وأصبح بها دنفا، وأمسى عميدا، حتى سلب ذلك بهاه، وأذهب سناه، وردّه النحول كما شاه، ولقي منها مثل ما لقي غيلان من ميّته، وجميل من بثينته، وحنّ إليها حنين عروة إلى عفراء، وموعدهما يوم وهب ناقته الصّفراء. على رسلك أني وهمت، وحسبت ذلك حقّا وتوهّمت، والآن وقد فطنت، وأصبت الفصّ فيما ظننت، إنه لقي رمضان في إقباله، وضمّه نقصان هلاله، وصامه فجأة ولم يك في باله، فأثّر ذلك في وجهه الطّلق، وأضعفه كما فعل بسائر الخلق، وها هو قد أقبل من سفره البعيد، فقل هو هلال الفطر أو قل هو هلال العيد، فلقه صباح مشى الناس فيه مشي الحباب، ولبسوا أفضل الثياب، وبرزوا إلى مصلّاهم من كل باب، فارتفعت همّة الإسلام، وشرفت أمة محمد عليه السلام، وخطب بالناس ودعا للإمام، عندما طلعت الشمس بوجه كدور المرآة، ولون كصفا المهراة، وخرج لا ينسيها ريم الفلاة. وقضوا السّنّة، وبذلوا الجهد في ذلك والمنّة، وسألوا من الله أن يدخلهم الجنّة، ثم خطبوا حمدا لله وشكرا، وذكروه كذكرهم آباءهم أو أشدّ ذكرا، ثم انصرفوا راشدين، وافترقوا حامدين، وشبك الشيخ بيديه، ونظر الشّاب في كفّيه، ورجعوا على غير الطريق الذي أتوا عليه، فلقد استشفى من الرّؤية ذو عينين، وتذكّر العاشق موقف البين، وشقّ المتنزّه بين الصّفين، فنقل عينيه من الوشي إلى الدّيباج، ووجوه كضوء السّراج، وعيون أقتل من سيف الحجّاج، ونظرات لا يدفع داؤها بالعلاج، وقد زيّنت العيون بالتكحيل، والشعور بالتّرجيل، وكرّر السّواك على مواضع التّقبيل، وطوّقت الأعناق بالعقود، وضرب الفكر في صفحات الخدود، ومدّ بالغالية
(2/353)

على مواضع السجود، وأقبلت صنعاء بأوشيتها، وعنت بأرديتها، ودخلت العروس في حليتها، ورقمت الكفوف بالحنّاء، وأثني على الحسن وهو أحقّ بالثناء، وطلّقت التّوبة ثلاثا بعد البناء، وغصّ الذّراع بالسّوار، وتختّم في اليمين واليسار، وأمسكت الثياب بأيدي الأبكار، ومشت الإماء أمام الأحرار، وتقدمت الدّايات بالأطفال الصّغار، وامتلأت الدّنيا سرورا «1» ، وانقلب الكلّ إلى أهله مسرورا. وبينما كانت الحال كما نصصت، والحكاية كما قصصت، إذ تلألأت الدنيا برقا، وامتدّ مع الأفقين غربا وشرقا، وردّ لمعانه عيون الناظرين زرقا، ولولا أنه جرّب حتى يدرى، لقيل قد طلعت مع الشمس شمس أخرى، حتى أقبل من شرفت العرب بنسبه، وفخر الإسلام بسببه، من انتسب إلى زهرة وقصيّ، وازدانت به آل غالب وآل لؤي، من إذا ذكر المجد فهو ممسك بعده، أو الفضل فهو لابس برده، أو الفخر فهو واسطة عقده، أو الحسن فهو نسيج وحده، الذي رفع لواء العليا، وعارضت مكارمه صوب الحيا، وحكت محاسنه زهرة الحياة الدنيا. فأما وجهه فكما شرقت الشمس وأشرقت، وغربت كواكب سمائها وشرقت، وتفتّحت أطواق الليل عن غرر مجده وتشقّقت.
ولولا حيا يغلب عليه، وخفر يصحبه إذا نظرت إليه، لاستحال النهار، وغارت لنوره كواكب الأسحار، ولكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، لا يحفل بالصبح إذا انفلق، ولا بالفجر إذا عمّ آفاق الدّجا وطبّق، ولو بدا للمسافر في ليله لطرق، وقد عجم الأبنوس على العاج، وأدار جفنا كما عطف على أطفالها النّعاج، يضرب بها ضرب السيف، ويلمّ بالفؤاد إلمام الطّيف، ويتلقّاها السّحر تلقّي الكريم للضيف. لو جرّدها على الرّيم لوقف، أو على فرعون ما صرف من سحره ما صرف، أو على بسطام ابن قيس لألقى سلاحه وانصرف. وأما أدواته فكما انشقّت الأرض عن نباتها، وأخذت زخرفها في إنباتها، ونفح عرف النّسيم في جنباتها، يتفنّن أفانين الزهر، ويتقلب تقلّب الدهر، وتطلع له نوادر كالنجوم الزهر، لو أبصره مطرّف ما شهر بخطّه، ولا جرّ من العجب ذيل مرطه، ولا كان المخبر معه من شرطه. وأما أنه لو قرىء على سحبان كتابه، وانحدر على نهره عبابه، وملأت مسامعه أطنابه وأسبابه، ما قام في بيانه ولا قعد، ولنزل عن مقامه الذي إليه صعد، ولا خلّف من بلاغته ما وعد. لعمرك ما كان بشر بن المعتمر يتفنّن للبلاغة فنونا، ولا يتقبّلها بطونا ومتونا، ولا أبو العتاهية ليشرطها كلاما موزونا، ولا نمّق الحسن بن سهل الألفاظ، ولا رفع قسّ بن ساعدة صوته بعكاظ، ولا أغاظ زيد بن علي هشاما بما أغاظ، وأما مكارمه
(2/354)

فكما انسكب الغيث عن ظلاله، وخرج الودق من غلاله، فتدارك النّعمة عن فوتها، وأحيا الأرض بعد موتها، ذلك الشريف الأجلّ، الوزير الأفضل، أبو طالب ابن القرشي الزّهري، أدام الله اعتزازه، كما رقم في حلل الفخر طرازه، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها، وأشرق وجه الأرض لإشراقها، والتفّت الثياب بالثياب، وضمّ الرّكاب بالرّكاب، ولا عهد كأيام الشباب، فوصل القريب البعيد، وهنّوه كما جرت العادة بالعيد، فوقف مع ركابه وسلّمت، وجرت كلاما وبه تكلّمت، فقلت: تقبّل الله سعيك، وزكّى عملك، وبلّغك فيما تودّه أملك، ولا تأمّلت وجها من السّرور إلّا تأمّلك، ونفعك بما أوليت، وأجزل حظّك على ما صمت وصلّيت، ووافقتك لعلّ وساعدتك ليت، وهنّاك عيد الفطر وهنّأته، وبدأك بالمسرات وبدأته، وتبرّأ لك الدهر مما تحسد وبرّأته. وهكذا بحول الله أعياد واعتياد، وعمر في دوام وعزّ في ازدياد، والسّنّة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد، وأقرأ عليك سلام الله ما أشرق الضّحى، ودام الفطر والأضحى.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة، وتردّد إليها غير ما مرة، وأقام بها، وامتدح ابن أضحى «1» وابن هاني، وابن سعيد وغيرهم من أهلها. قال ابن سعيد في «طالعه» :
وقد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة، واجتماعه بجنّته بقرية الزاوية من خارجها، بنزهون القليعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع، وكان لبس غفارة صفراء: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلّا أنّك لا تسرّ النّاظرين، فقال لها: إن لم أسرّ الناظرين، فأنا أسرّ السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة. وتمكّن السّكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج منها إلّا وثيابه تقطر، وقد شرب كثيرا من الماء، فقال:
اسمع يا وزير ثم أنشد «2» : [السريع]
إيه أبا بكر ولا حول لي ... بدفع أعيان وأنذال
وذات فرج «3» واسع دافق ... بالماء يحكي حال أذيالي «4»
غرّقتني في الماء يا سيدي ... كفّره بالتغريق في المال
(2/355)

فأمر بتجريده، وخلع عليه ما يليق به، ولم يمرّ لهم بعد عهدهم بمثله.
ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة، إلّا بعد ما أجزل له من الإحسان، ومدحه بما هو في ديوان أزجاله.
محنته: جرت عليه بابن حمدين «1» محنة كبيرة عظم لها نكاله، بسبب شكاسة أخلاق كان موصوفا بها، وحدّة شقي بسببها. وقد ألمّ الفتح في قلائده بذلك، واختلّت حاله بآخرة، واحتاج بعد انفصال أمر مخدومه الذي نوّه به.
وفاته: توفي بقرطبة لليلة بقيت من رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والأمير ابن سعد يحاصر قرطبة رحمه الله.
محمد بن غالب الرّصافي «2»
يكنى أبا عبد الله، بلنسي الأصل، سكن غرناطة مدة، ثم مالقة.
حاله: قال الأستاذ «3» : كان فحلا من فحول الشعراء، ورئيسا في الأدباء، عفيفا، ساكنا، وقورا، ذا سمت وعقل. وقال القاضي «4» : كان شاعرا مجيدا، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التّشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد والأغراض، كاتبا بليغا، ديّنا، وقورا، عفيفا، متفقها، عالي الهمة، حسن الخلق والخلق والسّمت، تام العقل، مقبلا على ما يعنيه من التّعيش بصناعة الرّفي التي كان يعالجها بيده، لم يبتذل نفسه في خدمة، ولا تعرض لانتجاع بقافية، خلا وقت سكناه بغرناطة، فإنه امتدح واليها حينئذ، ثم نزع عن ذلك، راضيا بالخمول حالا، والقناعة مالا، على شدّه الرغبة فيه، واغتنام ما يصدر عنه.
أخبار عقله وسكونه: قال الفقيه أبو الحسن شاكر بن الفخّار المالقي، وكان خبيرا بأحواله: ما رأيت عمري رجلا أحسن سمتا، وأطول صمتا، من أبي عبد الله الرصافي. وقال غيره من أصحابه: كان رفّاء، فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. وقال أبو عمرو بن سالم: كان صاحبا لأبي، ولقيته غير ما مرة، وكان له
(2/356)

موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه مع أبي فألثم يده، فربما قبّل رأسي، ودعا لي، وكان أبي يسأله الدعاء فيخجل، ويقول: أنا والله أصغر من ذلك.
قال: وكان بإزائه أبو جعفر البلنسي، وكان متوقّد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار، فكان منه هفوة، فيقول له جلساؤه: شتّان والله بينك وبين أبي عبيد الله في العقل والصمت، فربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على التبسم. فلما كان أحد الأيام، جاء البلنسي ليفتح دكانه، فتعمّد إلقاء الغلق من يده، فوقع على رأس أبي عبد الله، وهو مقبل على شغله، فسال دمه، فما زاد على أن قام ومسح الدم، ثم ربط رأسه، وعاد إلى شغله. فلمّا رأى ذلك منه أبو جعفر ترامى عليه، وجعل يقبّل يديه، ويقول: والله ما سمعت برجل أصبر منك، ولا أعقل.
شعره: وشعره لا نهاية فوقه رونقا ومائية، وحلاوة وطلاوة، ورقّة ديباجة، وتمكّن ألفاظ، وتأصّل معنى. وكان، رحمه الله، قد خرج صغيرا من وطنه، فكان أبدا يكثر الحنين إليه، ويقصر أكثر منظومه عليه. ومحاسنه كثيرة فيه، فمن ذلك قوله «1» : [الطويل]
خليليّ، ما للبيد قد عبقت نشرا؟ ... وما لرؤوس الرّكب قد رنّحت «2» سكرا؟
هل المسك مفتوقا «3» بمدرجة الصّبا ... أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا؟
خليليّ، عوجا بي قليلا «4» فإنه ... حديث كبرد الماء في الكبد الحرّى
قفا غير مأمورين ولتتصدّيا «5» ... على ثقة للمزن «6» فاستسقيا القطرا
بجسر معان والرّصافة أنه ... على القطر أن يسقي الرّصافة والجسرا «7»
بلادي التي ريشت قويدمتي «8» بها ... فريخا وأورثتني قرارتها وكرا
مبادئ «9» أنيق «10» العيش في ريّق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اغتراري بها غرّا «11»
(2/357)

لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولكن عرينا من حلاه، ولم تعرا «1»
أمنزلنا عصر الشبيبة ما الذي ... طوى دوننا تلك الشبيبة والعصرا؟
محلّ أغرّ العهد لم نبد ذكره ... على كبد إلا امترى أدمعا حمرا
أكلّ مكان كان «2» في الأرض مسقطا ... لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرّا «3»
ولا مثل مدحوّ من المسك تربة ... تملّي الصّبا فيه حقيبتها «4» عطرا
نبات كأنّ الخدّ يحمل نوره ... تخال لجينا في أعاليه أو تبرا
وماء «5» كترصيع المجرّة جلّلت ... نواحيه «6» الأزهار واشتبكت «7» زهرا
أنيق كريّان «8» الحياة التي خلت «9» ... طليق كريعان «10» الشّباب الذي مرّا
وقالوا: هل الفردوس ما قد وصفته؟ ... فقلت: وما الفردوس في الجنّة الأخرى «11»
بلنسية تلك الزّمرّدة «12» التي ... تسيل عليها كلّ لؤلؤة نهرا
كأنّ عروسا أبدع الله حسنها ... فصيّر من شرخ الشّباب لها عمرا
توبّد «13» فيها شعشعانيّة الضّحى «14» ... مضاحكة الشمس البحيرة والبحرا «15»
تزاحم «16» أنفاس الرياح بزهرها ... نجوما فلا شيطان يقربها «17» ذعرا
وإن كان قد مدّت يد البين بيننا ... من الأرض ما يهوى المجدّ به شهرا «18»
(2/358)

هي الدّرّة البيضاء من حيث جئتها «1» ... أضاءت ومن للدّرّ أن يشبه البدرا؟ «2»
خليليّ، أن أصدر لها فإنها «3» ... هي الوطن المحبوب أوكله «4» الصّدرا «5»
ولم أطو عنها الخطو هجرا لها إذا ... فلا لثمت نعلي مساكنها الخضرا
ولكنّ إجلالا لتربتها التي ... تضمّ فتاها النّدب أو كهلها الحرّى
أكارم، عاث الدهر ما شاء فيهم ... فبادت لياليهم فهل أشتكي الدهرا؟
هجوع ببطن وارض قد ضرب الرّدى ... عليهم قبيبات فويق الثّرى غبرا
تقضّوا فمن نجم سالك ساقط «6» ... أبى الله أن يرعى السّماك أو النّشرا
ومن سابق هذا إذا شاء «7» غاية ... وغير محمود جياد العلا خضرا «8»
أناس إذا لاقيت من شئت منهم ... تلقّوك لا غثّ الحديث ولا غمرا
وقد درجت أعمارهم فتطلّعوا ... هلال ثلاث لو شفا رقّ أو بدرا
ثلاثة أمجاد من النّفر الألى ... زكوا خبرا بين الورى وزكوا خبرا
أثكّلتهم «9» ثكلا دهى العين والحشا ... فعجّر ذا أمّا وسجّر ذا جمرا؟
كفى حزنا أني تباعدت عنهم ... فلم ألق من سرّي منها ولا سرّا
وإلّا «10» متى أسلو «11» بهم كلّ راكب ... ليظهر لي خيرا تأبّط لي شرّا
أباحثه عن صالحات عهدتها ... هناك فيسبيني «12» بما يقصم الظّهرا
محيّا خليل غاض ماء حياته ... وساكن قصر ضرّ «13» مسكنه القبرا
وأزهر كالإصباح قد كنت أجتلي ... سناء كما يستقبل الأرق الفجرا
فتى لم يكن خلو الصّفات من النّدى ... ولم يتناس الجود أصرم أم أثرا
يصرّف ما بين اليراعة والقنا ... أنامله لا بل هواطله الغرّا
طويل نجاد السيف لان كأنما ... تخطّى به في البرد خطّيّة سمرا
سقته على ما فيك من أريحية ... خلائق هنّ الخمر أو تشبه الخمرا
(2/359)

ونشر محيّا للمكارم لو سرت ... حميّاه في وجه الأصيل لما اصفرّا
هل السّعد إلّا حيث حطّ صعيده ... لمن بلّ في شفري ضريح له شفرا؟
طوين الليالي طيّهنّ وإنما ... أطوين «1» عنّي التّجلّد والصّبرا
فلا حرمت سقياه أدمع مزنة ... ترى مبسم النّوار عنبر معترّا
وما دعوتي للمزن عذرا لدعوتي ... إذا ما جعلت البعد عن قربه عذرا
وقال يرثي أبا محمد بن أبي العباس بمالقة «2» : [الكامل]
أبني البلاغة، فيم حفل النادي؟ ... هبها عكاظ، فأين قسّ إياد؟
أما البيان، فقد أجرّ لسانه ... فيكم بفتكته الحمام العادي
عرشت سماء «3» علاكم «4» ما أنتم ... من بعد ذلكم الشّهاب الهادي
حطّوا على عمد الطريق فقد خبا «5» ... لألاء «6» ذاك الكوكب الوقّاد
ما فلّ لهذمه «7» الصّقيل وإنما ... نثرت كعوب قناكم المنآد
إيه عميد الحيّ غير مدافع ... إيه فدى لك غابر الأمجاد
ما عذر سلك كنت عقد نظامه ... إن لم يصر بردا إلى الآباد؟
حسب «8» الزمان عليك ثكلا أن يرى ... من طول ليل في قميص حداد
يومي بأنجمه لما قلّدته ... من درّ ألفاظ وبيض أياد
كثف الحجاب فما ترى متفضلا ... في ساعة تصغي به وتنادي «9»
ألمم بربعك غير مأمور فقد ... غصّ الفناء «10» بأرجل القصّاد
خبرا يبلّغه إليك ودونه ... أمن العداة وراحة الحسّاد
قد طأطأ الجبل المنيف قذاله ... للجار بعدك واقشعرّ الوادي «11»
أعد التفاتك نحونا وأظنّه ... مثل الحديث لديك غير معاد
(2/360)

وامسح لنا عن مقلتيك من الكرى ... نوما تكابد من بكا وسهاد
هذا الصباح ولا تهبّ إلى متى ... طال الرّقاد ولات حين رقاد
وكأنما قال الرّدى نم وادعا ... سبقت إلى البشرى بحسن معاد
أموسّدا تلك الرخام بمرقد ... أخشن به من مرقد ووساد
خصبت بقدرك حفرة فكأنها ... من جوفها في مثل حرف الصّاد
وثّر لجنبك من أثاث مخيّم ... ترب النّدى «1» وصفائح أنضاد
يا ظاعنا ركب السّرى في ليلة ... طار الدليل بها وحاد الحادي
أعزز علينا إن حططت بمنزل ... تبلى «2» عن الزّوار والعوّاد
جار الأفراد هنالك جيرة «3» ... سقيا لتلك الجيرة الأفراد!
الساكنين إلى المعاد، قبابهم ... منشورة الأطناب والأغماد
من كل ملقية الجراب بمضرب ... ناب البلى فيه عن الأوتاد
بمعرّس السّفر الألى ركبوا السّرى ... مجهولة الغايات والآماد
سيّان فيهم ليلة ونهارها ... ما أشبه التّأويب بالإسناد
لحق البطون من اللّعب على الطّوى «4» ... وعلى الرّواحل عنفوان الزاد
لله هم فلشدّ ما نفضوا من ام ... تعة الحياة «5» حقائب الأجساد
يا ليت شعري والمنى لك جنّة ... والحال مؤذنة بطول بعاد
هل للعلا بك بعدها من نهضة ... أم لانقضاء نواك من ميعاد؟
بأبي وقد ساروا بنعشك صارم ... كثرت حمائله على الأكتاد «6»
ذلّت عواتق حامليك فإنّهم ... شاموك في غمد بغير نجاد
نعم الذّماء «7» البرّ ما قد غوّروا ... جثمانه بالأبرق المنقاد
علياء «8» خصّ بها الضريح وإنما ... نعم الغوير بأبؤس الأنجاد
(2/361)

أبني العباس، أيّ حلاحل ... سلبتكم الدّنيا وأيّ مصاد
هل كان إلّا العين وافق سهمها ... قدرا فأقصد أيّما إقصاد؟
أخلل بمجد لا يسدّ مكانه ... بالإخوة النّجباء والأولاد
ولكم يرى بك من هضاب لم يكن ... لولاك غير دكادك ووهاد
ما زلت تنعشها بسيبك قابضا ... منها على الأضباع والأعضاد
حتى أراك أبا محمد الرّدى ... كيف انهداد بواذخ الأطواد
يا حرّها من جمرة مشبوبة ... يلقى لها الأيدي على الأكتاد
كيف العزاء وإنها لرزيّة ... خرج الأسى فيها عن المعتاد
صدع النّعاة بها فقلت لمدمعي ... كيف انسكابك يا أبا الجوّاد؟
لك من دمي ما شئت غير منهنه ... صب كيف شئت معصفر الأبراد
بقصير مجتهد وحسبك غاية ... لو قد بلغت بها كبير مراد
أمّا الدموع فهنّ «1» أضعف ناصر ... لكنّهنّ كثيرة التّعداد «2»
ثم السّلام ولا أغبّ قراره ... وأرتك صوب روائح وغواد
تسقيك ما سفحت عليك يراعة ... في خدّ قرطاس دموع مداد
ومن غراميّاته وإخوانيّاته قوله من قصيدة «3» : [البسيط]
عاد الحديث إلى ما جرّ أطيبه ... والشيء يبعث ذكر الشيء عن سبب
إيه عن الكدية البيضاء إنّ لها ... هوى بقلب «4» أخيك الواله الوصب
راوح بها «5» السّهل من أكنافها وأرح ... ركابنا ليلنا «6» هذا من التّعب
وانضح نواحيها «7» من مقلتيك وسل ... عن «8» الكثيب الكريم العهد في الكتب «9»
وقل لسرحته يا سرحة كرمت ... على أبي عامر: عزّي عن السّحب
يا عذبة الماء والظلّ أنعمي طفلا ... حيّيت ممسية ميّادة القضب «10»
ماذا على ظلّك الألمى وقد قلصت ... أفياؤه لو ضفا شيئا لمغترب
(2/362)

أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما ... الله في رمق من جارك الجنب «1»
لولاك يا سرح لم يبق «2» الفلا عطلا ... من السّرى، والدّجى خفاقة الطّنب
ولم نبت نتقاضى من مدامعنا ... دينا لتربك من رقراقها السّرب
إنّا «3» إذا ما تصدّى من هوى طلل ... عجنا عليه فحيّيناه عن كثب
مستعطفين سخيّات الشؤون له ... حتى تحاك «4» عليه نمرق «5» العشب
سلي خميلتك الرّيّا بأيّة «6» ما ... كانت ترفّ بها ريحانة الأدب
عن فتية نزلوا عليا «7» سرارتها ... عفت محاسنهم إلّا من الكتب
محافظين على العليا وربّتما ... هزّوا السجايا قليلا بابنة العنب
حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا ... وضاحكوها إلى حدّ «8» من الطّرب
راحوا رواحا وقد زيدت عمائمهم ... حلما ودارت على أبهى من الشّهب «9»
لا يظهر السّكر «10» حالا من «11» ذوائبهم ... إلّا التفاف «12» الصّبا في ألسن العذب
المنزلين القوافي من معاقلها ... والخاضدين لديها شوكة العرب
ومن مقطوعاته قوله «13» : [الطويل]
دعاك خليل والأصيل كأنه ... عليل يقضّي مدة الزمن الباقي «14»
إلى شطّ منساب كأنّك ماؤه ... صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق «15»
ومهوى جناح للصّبا يمسح الرّبى ... خفيّ الخوافي والقوادم خفّاق
وفتيان صدق كالنجوم تألّفوا ... على النّأي من شتّى بروج وآفاق
(2/363)

على حين راح البرق في الجو مغمدا ... ظباه ودمع المزن في جفنه راق
وجالت بعيني في الرياض التفاتة ... حبست بها كأسي قليلا عن السّاقي «1»
على سطر خيريّ ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناق ويرنو بأحداق
وقف وقفة المحبوب منه فإنها ... شمائل مشغوف بمرآك مشتاق
وصل زهرات منه صفر كأنها ... وقد خضلت قطرا محاجر عشّاق
وقال، وكلفها في حائك، وهو بديع «2» : [البسيط]
قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي «3» ... لو لم تهم بمذال «4» القدر مبتذل
فقلت لو أنّ أمري في الصّبابة لي ... لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي
في كلّ قلب عزيزات مذلّلة ... للحسن والحسن ملك حيث جلّ ولي
علّقته حببيّ «5» الثّغر عاطره ... درّيّ لون المحيّا أحور المقل «6»
إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا ... ما شئت من لحظات الشّادن الوجل «7»
هيهات أبغي به من غيره بدلا ... أخرى الليالي وهل في الغير من بدل؟
غزيّل لم تزل في الغزل جائلة ... بنانه جولان الفكر في الغزل
جذلان تلعب بالمحواك «8» أنمله ... على السّدى لعب الأيام بالأمل «9»
ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا ... أفديه من تعب الأطراف مشتغل
ضربا «10» بكفّيه أو فحصا بأخمصه ... تخبّط الظّبي في أشراك محتبل
وقال «11» : [الكامل]
ومهفهف كالغصن إلّا أنّه ... سلب التّثنّي النوم عن أثنائه
(2/364)

أضحى ينام وقد تخدّد «1» خدّه ... عرقا فقلت الورد رشّ بمائه
وقال «2» : [الوافر]
أدرها فالغمامة قد أجالت ... سيوف البرق في لمم البطاح
وراق الروض طاووسا بهيّا ... تهبّ عليه أنفاس الرياح
تقول وقد ثنى قزح عليه ... ثياب الغيم معلمة النواح
خذوا للصّحو أهبتكم فإني ... أعرت المزن قادمتي جناح
وقال «3» : [الطويل]
أدرها على أمر فما ثم من باس ... وإن جدّدت آذانها ورق الآس
وما هي إلّا ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقياس
ووفد رياح زعزع النّهر مدّه ... كما وطئت درعا سنابك أفراس
وقال في وصف مغنّ محسن «4» : [الكامل]
ومطارح ممّا تجسّ «5» بنانه ... صوتا «6» أفاض عليه ماء وقاره
يثني الحمام فلا يروح لوكره ... طربا ورزق بنيه في منقاره
وقال يصف جدول ماء عليه سرحة، ولها حكاية معروفة «7» : [الكامل]
ومهدّل الشّطّين تحسب أنه ... متسيّل من درّة لصفائه
فاءت عليه مع العشيّة «8» سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدّراع استلقى بظلّ لوائه
نثره: قال من مقامة يصف القلم «9» : [المتقارب]
قصير الأنابيب «10» لكنه ... يطول مضاء «11» طوال الرّماح
(2/365)

إذا عبّ للنفس في دامس ... ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح
تجلّت به مشكلات الأمور ... ولان له الصّعب بعد الجماح
فلولا هو «1» لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليها البوسى، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة تجرها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، وتثمر أفنانها، وتستمرّ أفضالها وإحسانها، وهو رأس مالها، وقطب عمّالها وأعمالها. وصاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها، وتحكّم في طيّها ونشرها، وهو قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسرّ اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها، يعقد الرّايات لكل وال، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال، يطفي جمرة الحرب العوان، ويكايد العدوّ بلا صارم ولا سنان، يقدّ المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعوذال.
وفاته: توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين «2» وسبعين وخمسمائة. وقبره مشهور بها.
محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي
من أهل مالقة، وسكن غرناطة وتردد إليها.
حاله: كان لبيبا لوذعيّا، جامعا لخصال؛ من خطّ بارع، وكتابة، ونظم، وشطرنج، إلى نادر حار، وخاطر ذكي، وجرأة. توجّه إلى العدوة، وارتسم بها طبيبا؛ وتولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
شعره: أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد: [المجتث]
أبا عليّ حسينا ... أين الوفا منك أينا؟
قد بيّن الدمع وجدي ... وأنت تزداد بينا
بلّت لحاظك قلبي ... تالله ما قلت مينا
قطّ المقصّ لهذا ... سبب الصّبّ مينا
بقيت تفتر حسنا ... ودمت تزداد زينا
(2/366)

وقال أيضا: [البسيط]
فضل التجارات باد في الصناعات ... لولا الذي هو فيها هاجر عات
حاز الجمال فأعياني وأعجزني ... وإن دعيت بوصّاف ونعّات
وكان شديد المغالطة، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، يحرّك من لا يتحرك، ويغضب من لا يغضب. عتب يوما جدّته على طعام طبخته له، ولم يستطبه، وكان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له: ضجرا، خمسمائة سوط، فقالت له جدّته: لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، وأعطيتها باسم القط، فقال لها:
حاش لله يا مولاتي، وبهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالا طيبا، ولك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلا، وما زلنا نتفكّه بذلك، وكان في هذا الباب لا يشقّ غباره.
مولده: بمالقة عام ثلاثة وسبعمائة.
وفاته: بعث إليّ الفقيه أبو عبد الله الشّديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن سليمان بن القصيرة «1»
أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، وعلم وقته.
حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، والحامل لواء «2» البلاغة، والسابق الذي لا يشقّ غباره، ولا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين واليد. قال ابن عبد الملك «3» : وكان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين «4» .
مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن «5» شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش «6» .
(2/367)

شعره: وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه: [الطويل]
فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى ... إليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟
وهل قدّرت مذ أوحشته طلائع ال ... ظهور عليه أنّى «1» تؤنسه الخمر؟
ألم يجن يحيى من تعاطيك ظلّه ... سجا لك هيهات السّهى منك يا بدر
لجاراك واستوفيت أبعد غاية ... وآخره عن شأوك الكفّ والعثر
فأحرزت فضل السّبق عفوا وكفّه ... على رغمه مما توهّمه صفر
ويا شدّ ما أغرته قرطبة وقد ... أبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ
ومنها:
أتتك وقد أزرى ببهجة حسنها ... ولا أنها «2» من جور مالكها طمر
فألبستها من سابغ العدل حلّة ... زهاها بها تيه وغازلها كبر
وجاءتك متفالا فضمّخ حيّها ... وإزدانها «3» من ذكرك المعتلي عطر
وأجريت ماء الجود في عرصاتها ... فروّض حتى كاد أن يورق الصّخر
وطاب هواء «4» أفقها فكأنها ... تهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر
وما أدركتهم في هواك هوادة ... وما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ
وما قلّدوك الأمر «5» إلّا لواجب ... وما «6» جئته فيه المجرّب والغمر
وبوّأهم في ذروة المجد معقلا ... حرام على الأيام إلمامه حجر
وأوردهم من فضل سيبك موردا ... على كثرة الوارد مشرعه غمر
فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم ... ولا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر
أعدت نهار ليلهم ولطالما ... أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر
ولا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحة ... من العزّ في أرحابها النّعم الخضر
(2/368)

كتابته: وهي من قلّة التصنّع والإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها، ولكل زمان رجاله. وهي مع ذلك تزينها السذاجة، وتشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده:
«هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهدت على الرّضا قواعده، وأكّدت بيد التقوى مواعده ومعاقده، وسدّدت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده. أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعزّ نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه، المتقبّل هممه وشيمه، المتأثّل حلمه وتحلّمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرّف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزّه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النّصاب الرفيع واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل، وتراخي مدة، وتمثل اختياره، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية، ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلّا إليه، ولا التقى روّاد الرأي والتشاور إلّا لديه. فولّاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي، والقبض والبسط عنده بعده، وجعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسّنّة في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع، ولا يتليّن دون معلن شكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره. ثم دعا، أدام الله تأييده، لمبايعته، أدام الله عزّه ونصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبّوا مسرعين، وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب
(2/369)

والشهيد، وتطمئنّ من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة إقذائها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدّعة ويتمهّد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جدّ صالح وإقبال. والله يبارك لهم بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وأمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو، نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنه فوق هذا من بيعته، ولقيه حملة عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطي صفقته طائعا متبرعا بها. وبالله التوفيق. وكتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة» .
دخل غرناطة غير ما مرّة، وحده، وفي ركاب أميره.
وفاته: توفي في جمادى الآخرة من عام ثمانية وخمسمائة.
محمد بن يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني
من أهل سرقسطة، ودخل غرناطة، وروى عن أبي الحسن بن الباذش بها، يكنى أبا الطاهر. وله المقامات اللّزوميات المعروفة.
حاله: كان كاتبا لغويا شاعرا، معتمدا في الأدب، فردا، متقدما في ذلك في وقته، وله المقامات المعروفة، وشعره كثير مدوّن.
مشيخته: روى عن أبي علي الصّدفي، وأبي محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي عبد الله بن سليمان، المعروف بابن أخت غانم، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي محمد عبد الله بن محمد التّجيبي الدّكلي، وأبي القاسم بن صوابه، وأبي عمران بن أبي تليد، وغيرهم. أخذ عنه القاضي أبو العباس بن مضاء، أخذ عنه الكامل للمبرّد، قال: وعليه اعتمد في تقييده. وروى عنه المقرئ المسنّ الخطيب أبو جعفر بن يحيى الكتامي، وذكره هو وابن مضاء.
وفاته: توفي بقرطبة ظهر يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من جمادى الأولى، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بزمانة «1» لازمته نحوا من ثلاثة أعوام، نفعه الله.
شعره: [الوافر]
أيا قمر، أتطلع من وشاح ... على غض فاخر من كل راح؟
(2/370)

أدار السّحر من عينيه خمرا ... معتّقة فأسكر كلّ صاح
وأهدى إذ تهادى كلّ طيب ... كخوط البان في أيدي الرياح
وأحيا حين حيّا نفس صبّ ... غدت في قبضة الحبّ المتاح
وسوّغ منه عتبي بعد عتب ... وعلّلني براح فوق راح
وأجناني الأماني في أمان ... وجنح الليل مسدول الجناح
وقال أيضا: [الكامل]
ومنعّم الأعطاف معسول اللّمى ... ما شئت من بدع المحاسن فيه
لمّا ظفرت بليلة من وصله ... والصّبّ غير الوصل لا يشفيه
أنضحت وردة خدّه بنفسي ... وظللت أشرب ماءها من فيه
وقال أيضا: [الكامل]
حكت السّلاف صفاته بحبابها ... من ثغره ومذاقها من رشفه
وتورّدت فحكت شقائق خدّه ... وتأرّجت فيسيمها من عرفه
وصفت فوق أديمها فكأنها ... من حسن رونق وجنتيه ولطفه
لعبت بألباب الرجال وغادرت ... أجسامهم صرعى كفعلة طرفه
«ومن الغرباء في هذا الحرف»
محمد بن حسن العمراني الشريف «1»
من أهل فاس.
حاله: كان جهويا ساذجا، خشن البزة، غير مرهف التّجند، ينظم الشعر، ويذكر كثيرا من مسائل الفروع، ومعاناة الفرائض، يجعجع بها في مجالس الدّروس، فشقي به المدرسون، على وتيرة من صحة السّجية، وحسن العهد، وقلّة التصنّع.
وجرى ذكره في الإكليل «2» : كريم الانتماء، مستظل «3» بأغصان الشجرة الشّمّاء، من رجل سليم الضمير، ذي باطن أصفى من الماء النّمير، له في الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله، ومضاء نصوله.
(2/371)

فمن ذلك قوله يخاطب السلطان أمير المسلمين، وقد أمر له بكسوة:
[الطويل]
منحت منحت النّصر والعزّ والرضا ... ولا زلت بالإحسان منها «1» مقرّضا
ولا زلت للعليا جنى ومكارما «2» ... وللأمر، للملك «3» العزيز، مقيّضا
ولا زالت الأملاك باسمك تتّقى ... وجيشك وفرا يملأ الأرض والفضا
ولا زلت ميمون النّقيبة ظافرا ... مهيبا ووهّابا وسيفك منتضى
تقرّ به الدّين الحنيف وأهله ... وتقمع جبّارا وتهلك مبغضا
وصلت شريف البيت من آل هاشم ... وخوّلته أسنى مراد ومقتضى
وجدت بإعطاء اللّجين وكسوة ... ستكسى بها «4» ثوبا من النور أبيضا
وما زالت الأنصار تفعل هكذا ... فعال «5» عليّ في الزمان الذي مضى
هم نصروا الهادي وآووا وجدّلوا ... بحدّ ذباب السيف من كان معرضا
فخذ ذا أبا الحجاج من خير مادح ... لخير مليك في البريّة مرتضى
فقد كان قبل اليوم غاض قريضه ... فلمّا رأى الإحسان منك تفيّضا
ونظم الفتى يسمو على قدر ما يرى ... من الجود مهما ينقضي نيله انقضى
ومن حكم القول اللهى متح اللهى ... ومن مدح الأملاك يرجو التّعرّضا
فلا زال يهديك الشريف قصائدا ... ينال بها منك المودة والرضى
وقال يخاطب من أخلفته بوارق الأمل فيه، وخابت لديه وسائل قوافيه:
[البسيط]
الشّعر أسنى كلام خصّ بالعرب ... والجود في كل صنف خير مكتسب
وأفضل الشعر أبيات يقدّمها ... في صدر حاجته من كان ذا أدب
فما يوفّي كريم حقّ مادحه ... لو كان أولاه ما يحويه من نشب
المال يفنى إذا طال الثواء به ... والمدح يبقى مدى الأزمان والحقب
وقد مدحت لأقوام ذوي «6» حسب ... فيما ظننت وليسوا من ذوي حسب
(2/372)

مدحتهم بكلام لو مدحت به ... دهري أمنت من الإملاق والنّصب
فعاد مدحي لهم هجوا يصدّقه ... من لؤمهم عودتي عنهم بلا أرب
فكان ما قلت من مدحهم كذبا ... أستغفر الله من زور ومن كذب
وقال في غرض يظهر من الأبيات، يخاطب السلطان: [الكامل]
ما لي أرى تاج الملوك وحوله ... عبدان لا حلم ولا آداب
فكأنه البازي الصّيود وحوله ... نغر «1» يقلّب ريشه وغراب
يا أيها الملك الكرام جدوده ... أسنى المحافل غيرها أتراب
أبدلهما بالبيض «2» من صفّيهما ... إن العبيد محلّها الأبواب
وفاته: توفي في حدود ثمانية وأربعين وسبعمائة أو بعد ذلك «3» .
محمد بن محمد بن إبراهيم بن المرادي ابن العشاب «4»
قرطبي الأصل، تونسي الولادة والمنشأ، ابن نعمة وغذي جاه وحرمة.
حاله: كان حييّا فاضلا كريما، سخيّا. ورد على الأندلس، مفلتا من نكبة أبيه، وقد عركته عرك الرّحى لثقالها، على سنن من الوقار والدّيانة والحما، يقوم على بعض الأعمال النبيهة.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «5» : جواد لا يتعاطى طلقه، وصبح فضل لا يماثل فلقه. كانت لوالده «6» ، رحمه الله تعالى «7» ، من الدول الحفصيّة منزلة لطيفة المحلّ، ومفاوضة في العقد والحلّ، ولم يزل تسمو «8» به قدم النّجابة، من العمل إلى الحجابة. ونشأ ابنه هذا مقضيّ الديون، مفدّى بالأنفس والعيون. والدهر ذو ألوان،
(2/373)

ومارق حرب عوان «1» ، والأيام كرات تتلقّف، وأهوال «2» لا تتوقّف، فألوى بهم الدهر وأنحى «3» ، وأغام جوّهم بعقب ما أصحى «4» ، فشملهم الاعتقال، وتعاورتهم «5» النّوب الثقال، واستقرّت بالمشرق ركابه، وحطّت به أقتابه، فحجّ واعتمر، واستوطن تلك المعاهد وعمر، وعكف على كتاب الله تعالى «6» فجوّد الحروف، وأحكم «7» الخلف المعروف، وقيّد وأسند، وتكرّر إلى دور الحديث وتردّد، وقدم على هذا الوطن قدوم النّسيم البليل، على كبد العليل. ولمّا استقرّ به قراره، واشتمل على جفنه غراره، بادرت إلى مؤانسته، وثابرت على مجالسته، فاجتليت للسّرو «8» شخصا، وطالعت ديوان الوفاء مستقصا.
شعره: وشعره ليس بحايد عن الإحسان، ولا غفل من النكت الحسان. فمن ذلك ما خاطبني به «9» : [الطويل]
بيمن أبي عبد الإله «10» محمد ... تيمّن هذا القطر وانسجم القطر
أفاض علينا من جزيل عطائه ... بحورا تديم «11» المدّ ليس لها جزر
وأنسنا لمّا عدمنا مغانيا ... إذا ذكرت في القلب من ذكرها عبر «12»
هنيئا بعيد الفطر يا خير ماجد ... كريم به تسمو السّيادة والفخر
ودمت مدى الأيام في ظلّ نعمة ... تطيع لك الدنيا ويعنو «13» لك الدهر
وممّا خاطب به سلطانه في حال الاعتقال: [البسيط]
لعلّ عفوك بعد السّخط يغشاني ... يوما فينعش قلب الوالد العاني «14»
(2/374)

مولاي، رحماك، إني قد عهدتك ذا ... حلم وعفو وإشفاق وتحنان
فاصرف حنانك ثمّ اعطف «1» عليّ وجد ... برحمة منك تحيي جسمي الفاني «2»
فقد تناهى الأسى عندي وعذّبني ... وشرّد النوم عن عيني وأعياني «3»
وحقّ آلائك الحسنى وما لك من ... طول وفضل وإنعام وإحسان
إني ولو حلّت البلوى على كبدي ... وأسكبت فوق خدّ دمعي القاني «4»
لوائق بحنان منك يطرقني ... عمّا قريب وعفو عاجل دان
دامت سعودك في الدنيا مضاعفة ... تذلّ من دان «5» طوعا كلّ سلطان
محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي «6»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد الملك، من أهل مرّاكش، وسكن غرناطة.
حاله: من عائد الصلة «7» : كان، رحمه الله، غريب المنزع، شديد الانقباض، محجوب المحاسن، تنبو العين عنه جهامة، وغرابة شكل، ووحشة ظاهر «8» ، في طيّ ذلك أدب غضّ، ونفس حرّة، وحديث ممتع، وأبوّة كريمة، أحد الصابرين على الجهد، المتمسكين «9» بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة. وأبوه قاضي القضاة، نسيج وحده، الإمام العالم، التاريخي، المتبحّر في الأدب «10» ، تقلّبت به أيدي الدهر «11» بعد وفاته لتبعة سلّطت على نسبه «12» ، فاستقرّ بمالقة، متحارفا مقدورا عليه، لا يهتدي لمكان فضله، إلّا من عثر عليه جزافا.
شعره: «13» [السريع]
من لم يصن في أمل وجهه ... عنك فصن وجهك عن ردّه
(2/375)

واعرف له الفضل وعرّف به «1» ... حيث أحلّ النّفس من قصده
ومما خاطبني به قوله «2» : [الوافر]
وليت ولاية أحسنت فيها ... ليعلم أنها شرفت بقدرك
وكم وال أساء فقيل فيه ... دنيّ القدر ليس لها بمدرك
وأنشدني في ذلك أيضا رحمة الله عليه «3» : [الوافر]
وليت فقيل أحسن «4» خير وال ... ففاق «5» مدى مداركها بفضله
وكم وال أساء فقيل فيه «6» ... دنا فمحا محاسنها بفعله
وممّا خاطب به السلطان يستعديه على من مطله من العمال، وعذّر عليه واجبه من الطعام والمال: [مخلع البسيط]
مولاي نصرا «7» ، فكم يضام ... من ما له غيرك اعتصام
أمرت لي بالخلاص فامرر «8» ... لي عنده المال والطعام
فقال ما اعتاده جوابا ... وحسبي الله والإمام
هذا مقام ولا فعال ... بغير مولاي والسلام
وفاته: فقد في وقيعة على المسلمين من جيش مالقة بأحواز إستبّة «9» في ذي قعدة من عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
محمد بن خميس بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد ابن خميس الحجري حجر ذي رعين التّلمساني
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن خميس «10» .
(2/376)

حاله: من عائد الصلة «1» : كان، رحمه الله، نسيج وحده زهدا وانقباضا، وأدبا وهمّة، حسن الشّيبة، جميل الهيئة، سليم الصّدر، قليل التّصنّع، بعيدا عن الرّياء والهوادة «2» عاملا على السياحة والعزلة، عالما «3» بالمعارف القديمة، مضطلعا بتفاريق النّحل، قائما على صناعة «4» العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في النظم «5»
المطوّل، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، ومزج «6» الجزالة بالسّلاسة، ووضع الألفاظ البيانيّة مواضعها، شديد الانتقاء والإرجاء، خامد نار الرّوية، منافسا في الطريقة منافسة كبيرة. كتب بتلمسان عن ملوكها من بني زيّان، ثم فرّ عنهم، وقد أوجس منهم خيفة، لبعض ما يجري بأبواب الملوك. وبعد ذلك بمدة، قدم غرناطة، فاهتزّ الوزير ابن الحكيم لتلقّيه، ومتّ إليه بالوسيلة العلمية، واجتذبه بخطبة التلميذ، واستفزّه بتأنيسه وبرّه، وأقعده للإقراء بجواره. وكان يروم الرّحلة، وينوي السفر، والقضاء يثبّطه. حدّثني شيخنا الرئيس أبو الحسن بن الجياب، قال: بلغ الوزير أبا عبد الله «7» الحكيم أنه يروم السفر، فشقّ ذلك عليه، وكلّفنا «8» تحريك الحديث بحضرته. وجرى ذلك، فقال الشيخ: أنا كالدّم بطبعي، أتحرّك في كل ربيع.
شعره: وشعره بديع، فمن ذلك قوله يمدح أبا سعيد بن عامر، ويذكر الوحشة الواقعة بينه وبين أبي بكر بن خطّاب «9» : [الوافر]
مشوق زار ربعك يا إماما ... محا آثار دمنتها التثاما «10»
تتبّع ريقة الطّلّ ارتشافا ... فما «11» نفعت ولا نقعت أواما
وقبّل خدّ وردتها جهارا ... وما راعى لضرّتها ذماما
وما لحريم بيتك أن يدانى ... ولا لعليّ «12» قدرك أن يساما
(2/377)

ولكن عاش في رسم لمغنى «1» ... تجشّمه سلاما واستلاما
تنفّس روضة المطلول وهنا ... فحنّ وشمّ «2» ريّاه فهاما
تلقى طيب ب ... ته «3» حديثا ... روت مسندا عنه النّعاما
فيا نفس الصّبا إن جئت ساحا ... ولم تعرف لساكنها مقاما
وأخطأت الطريق إلى حماها ... فردّتك العرادة والخزاما
فلا تبصر بسرحتها قضيبا ... ولا تذعر بمسرحها سواما
وعانق قربانتها ارتباطا ... وصافح كفّ سوسنها التزاما
ونافح عرف زهرتها كبا ... تعاطك ماء ريقتها مداما
ويا برقا أضاء على أوال ... يمانيّا متى جئت الشّآما
أثغر إمامة أنت ابتساما ... أم الدّرّ الأوامى انتظاما؟
خفقت ببطن واديها لوا ... ولحت على ثنيّتها حساما
أمشبه قلبي المضني احتداما ... على م ذدت عن عيني المناما؟
ولم أسهرتني وطردت عني ... خيالا كان يأتيني لماما؟
وأبلغ منه تأريقا لجفني ... كلام أثخن الأحشا كلاما
تعرّض لي فأيقظت القوافي ... ولو ترك القطا يوما لناما
وقيل وما أرى يومي كأمسي ... جدعت رواطبا وقلبت هاما
وجرّعت العدوّ سمّا زعافا ... فكان لحسد موتا زواما
دعوت زعيمهم ذاك ابتياسا ... ورعت خميسهم ذاك اللّماما
نزعت شواه كبشهم نطاحا ... ولم أترك لقرمهم سناما
أضام وفي يدي قلبي لماذا ... أضام أبا سعيد أو علاما؟
به وبما أذلق من لساني ... أفل الصارم العضب انهزاما
وغرام الوزير أبي سعيد ... أصرفه إذا شئت انتقاما
به وبنجله البرّ انتصاري ... لما أكلوه من لحمي حراما
أعثمن بن عامر لا تكلني ... لدهر علّم الشحّ الغماما
وردت فلم أرد إلّا سرابا ... وشمت فلم أشم إلّا جهاما
(2/378)

قطعت الأرض طولا ثم عرضا ... أزور بني ممالكها الكراما
وجاجاني على كرم نداهم ... وأعجلت الخوافي والقداما
وذلّلت المطامع من إبائي ... وقبّلت البراجم والسّلاما
ومن أدبي نصبت لهم حبالا ... أصيد بها النّعام ولا النّعامى
فلم أر مثل ربعي دار أنس ... ولم أر مثل عثمن إماما
ولا كأبيه أو كنى أبيه ... أبيّ يحيي غيوثا أو رهاما
كفاني بابن عامر خفض عيش ... ورفع مكاتبي إلّا أضاما
وإني من ولائك في يفاع ... أقابل منهم بدرهم التّماما
ومن شعره، رحمه الله، قوله «1» : [الطويل]
تراجع من دنياك ما أنت تارك ... وتسألها «2» العتبى وها هي فارك «3»
تؤمّل بعد التّرك رجع ودادها ... وشرّ وداد ما تودّ التّرائك
حلا لك منها ما خلا «4» لك في الصّبا ... فأنت على حلوائه متهالك
تظاهر بالسّلوان عنها تجمّلا ... فقلبك محزون وثغرك ضاحك
تنزّهت عنها نخوة لا زهادة ... وشعر عذاري أسود اللون حالك
ليالي تغري بي وإن هي أعرضت ... زنانب من ضوّاتها وعواتك
غصون قدود في حقاف روادف ... تمايل من ثقل بين الأرائك
تطاعنني منهن في كل ملعب ... ثديّ كأسنان الرماح فواتك
وكم كلّة فيها هتكت ودونها ... صدور العوالي والسّيوف البواتك
ولا خدن إلّا ما أعدت ردينه ... لطالبها أو ما تحيّر هالك
تضلّ فواد المرء عن قصد رشده ... فواتر ألحاظ للظّبا الفواتك
وفي كل سنّ لابن آدم وإن تطل ... سنوه طباع جمّة وعوائك
وإلّا فما لي بعد ما شاب مفرقي ... وأعجز رأيي عجزهنّ «5» الرّكارك
(2/379)

أجوب إليها كلّ بيداء مملق ... ترافقني فيها الرجال الحواتك «1»
وأسترشد الشّهب الشوابك جار ... إذا اشتبهت فيها عليّ المسالك
نهازز أمثال الجياد تؤودة ... اغوارب أمثال الهضاب توامك
ظماء وما غير السّماوة مورد ... وينحى وما دون الصآة مبارك
ذواهل عن عضّ الرجال ظهورها ... إذا ما اشتكت عضّ السروج الموارك
إذا ما نبا عن سنبك الأرض سنبك ... هلعن فلانت تحتهنّ السّنابك
تقدّ بنا في كل قاع وفدفد ... بوائكها والمنغيات الدّراهك
فأمامها ريّ كالسحاب موالع ... وأمامها ركّا كالرّياح بواشك
قلاص بأطواف الجديل بوالع ... وجرد لأوساط الشّكيم عوالك
ترامى بها نياقها كلّ مرتمى ... فهنّ نواح للرّدى أو هوالك
وكم منزل خلّيته لطلابها ... تعفّيه تعدي السّافيات السّواهك
يمرّ به زوّاره وعفاته ... وما إن به إلّا لصوق حبائك
وآثارتنا تقادم عهدهم ... وهنّ عليه جاثيات بوارك
لوارب أفراس ونؤى حذاة ... ثلاث أثاف كالحمام سوادك
تمرّ عليه نسمة الفجر مثلما ... تمرّ على طيب العروس المداوك
وأركب كالشّهد ينفح برده ... لمجهول حسيّ ما له للدّهر مبانك
ويطلبها منّي غريم مماحك ... ويمطلني منها عديم مماعك «2»
أحاول منها ما تعذّر في الصّبا ... ومن دونه وقع الحمام المواشك
يسلّي الفتى منها وإن راق حسنها ... حسائف لا تحصى هنا ومبارك
فمنها ملال دائم لا تملّه ... تزوّر إفك عن رضى الحق آفك
تهاون بالإفك الرجال جهالة ... وما أهلك الأحياء إلّا الأفايك
تزن طول تسهادي وقدري تململي ... طوال الليالي والنجوم النّوابك
تغير على الدهر منه جحافل ... كأن مدوّم الرّجم فيها نيازك
فليت الذي سوّدت فيها معوّض ... بما بيّضت مني دجاها الحوالك
ألا لا تذكّرني تلمسان والهوى ... وما دهكت منّا الخطوب الدّواهك
فإنّ ادّكار ما مضى من زمانها ... لجسمي وللصّبر الجميل لناهك
(2/380)

ولا تصفن أمواهها لي فإنها ... لنيران أشواقي إليها محارك
ومن حال عن عهد أو اخفر ذمّة ... فإني على تلك العهود لرامك
سقى منزلي فيها وإن محّ رسمه ... عهاد الغوادي والدّموع السّوافك
وجادت ثرى قبر بمسجد صالح ... رواعدها والمدخمات الحواشك
ولا أقلعت عن دار يونس مزنة ... يروّي صداه قطرها المتدارك
إلى أن يروق النّاظرين رواؤها ... ويرضي الرّعاوى نبتها المتلاحك
ويصبح من حول الحيا في عراصها ... زراق تحاكي بسطها ودرانك «1»
ولا برحت منه ملائكة الرّضى ... تصلّي على ذاك الصّدى وتبارك
وطوبى لمن روى منازله الحيا ... وبشرى لمن صلّت عليه الملائك
ألا ليت شعري هل تقضّى لبانتي ... إذا ما انقضت عشر عليها دكادك
وهل مكّن الطّيف المغبّ زيارة ... فيرقب أو تلقى إليه الرّوامك
وهل تغفل الأيام عنها بقدر ما ... تؤدي إليها بالعتاب الحالك
ويا ليت شعري أي أرض تقلّني ... إذا كلّ عن رحلي الجلال اللكالك
وأي غرار من صفاها يحثني ... إذا فقدتني مسّها والدّكادك
إذا جهل الناس الزمان فإنني ... بدونهم دون الأنام لحاتك
تثبّت إذا ما قمت تعمل خطوة ... فإن بقاع الأرض طرّا شوائك
ولا تبذلن «2» وجها لصاحب نعمة ... فما مثل بذل الوجه للسّتر هاتك
تجشّم إن «3» استطعت واحذر أذاهم ... ولا تلقهم إلّا وهرّك شانك
فكلّ على ما أنعم الله حاسد ... وكلّ إذا لم يعصم الله حاسك
ولا تأس «4» ريبة الزمان فإنه ... بمن فات منّا لا محالة فاتك
تمنّى مصاب بربر وأعاره ... وترضى ذكامي فارس والهنادك
وبدّرت ليل الجون حوض لجاجها «5» ... وتعرف إقدامي عليها المهالك
فما أذعنت إلّا إليّ عشار ... ولا أصفقت إلّا عليّ الشكاشك
ولا قصدت إلا فنائي وقودها ... ولن أملت إلّا قتامي الضرارك
به شرفت أذواؤها وملوكها ... كما شرفت بالنّويهار البرامك
(2/381)

فلا تدعون غيري لدفع ملمّة ... إذا ما دهى من حادث الدهر داهك «1»
فما إن لذاك الصوت غيري سامع ... وما إن لبيت المجد بعدي سامك «2»
يغصّ ويشجى نهشل ومجاشع ... بما أورثتني حمير والسكاسك «3»
تفارقني روحي «4» التي لست غيرها ... وطيب ثنائي «5» لاصق بي صائك «6»
وماذا عسى ترجو لداتي وأرتجي ... وقد شمطت منا «7» اللّحا والأفانك «8»
يعود لنا شرخ الشّباب الذي مضى ... إذا عاد للدّنيا عقيل ومالك
ومن شعره أيضا قوله: [الكامل]
سحّت بساحك يا محلّ الأدمع ... وتصرّمت سقّا عليك الأضلع
ولطالما جادت ثرى الآمال من ... جاوي مؤمّلك الغيوث الهمّع
لله أيام بها قضّيتها ... قد كنت أعلم أنها لا ترجع
فلقد رشفت بها رضاب مدامة ... بنسيم أنفاس البديع تشعشع
في روضة يرضيك منها أنها ... مرعى لأفكار النّدام ومشرع
تجري بها فقر سكنت رهانها ... أجدى بميدان الكلام وأسرع
فقر كريعان الشباب وعهدنا ... بجنابها وهو الجناب الأمنع
نفّاثة الأنواء في عقد الثّرى ... والنّفث في عقد الثّرى لا يمنع
حتى إذا حاك الربيع برودها ... وكسا رباها وشيه المتنوّع
بدأت كمائم زهرها تبدي بها ... بدعا تفرّق تارة وتجمّع
قد صمّ منها ما تجمّع مغلق ... إذ بتّ منها ما تفرّق مصقع
وكلاهما مهما أردت مسالم ... ومحارب ومؤمّن ومروّع
كلّ له شرع البيان محلّل ... ومنكر «9» في مثل هذا مدفع
حيث ازدهت أنوار كلّ حديقة ... أدبا ينظّم تارة ويسجّع
(2/382)

فمرجّل من رقمها ومهلّل ... ومسمّط من نظمها ومصرّع
أبدى البديع بها بدائع صنعه ... فمجنّس ومبدّل ومرصّع
وموشّح ومرشّح ومصدّر ... ومكرّر ومفرّع ومتبّع
كلّ يروق بها بحسن روائه ... وإذا تزين به كلامك تبرع
ولقد غدوت بها وفي وكناتها ... طير لها فوق الغصون ترجّع
بمطهّم الفكر الذي ما إن له ... إلّا بمستنّ الأدلّة مرتع
قيد المطالب لا نزال «1» نحبّه ... بين الجياد لعتقه أو يوضع
أرمى به الأمد البعيد وإنه ... حمل يضلّ به الدليل الأصمع
من بعد ما عفت السّواري سبله ... ومحت معالمه الرّياح الأربع
لكنني جدّدت داثر رسمه ... فطريقه من بعد ذلك مهيع
أوضحت فهم حدوده وضروبه ... والكلّ في كلّ المسالك ينفع
حتى وردت من السماع مواردا ... فيها لظمآن المباحث مكرع
مع كل مصقول الذكاء فحدسه ... لذكاء أسرار الطبائع مطلع
يرتاد من نجع العناصر نجعة ... فيها مصيف للعقول ومربع
لا شيء أبدع من تجاورها وما ... يبدى «2» بها ذاك التجاور أبدع
فإذا تشعشع مزجها أورى بها ... نار الحباحب مرجها المتشعشع
فمكين سرّ حياته بحبابها ... من بعد قدح زنادها مستودع
وهنا تفاض عليه صورته التي ... لبهائها شمّ الطبائع تخضع
من واهب الصّور التي قد خصّها ... ببديع حكمته الحكيم المبدع
ربّ له في كل شيء حكمة ... يقضي بها البدعيّ والمتشرّع
وحللت من أرض الرياضة أربعا ... نفسي الفداء لها وهذي الأربع
قامت زواياها فما أوتادها ... إلّا تقوّم ما تقيم الأضلع
وتناسب أقدارها نسبا لها ... لو كنت تبصرها فروع فرّع
فأجلّ ما قد سمته بحلولها ... من بارق لجناب رشدي يلمع
لا شك أنّ وراءه مطرا له ... في كل ضرب من قياسي موقع
بحر رويّ مترع ملّاحه ... من فيضه هذا الرّويّ المترع
(2/383)

لم لا أضيع بها عهاد مدامعي ... إني إذا لعهودها «1» لمضيّع
خلّيّ، لو لم تسعداني في البكا ... لقطعت من حبليكما ما يقطع
أرأيتما نفسا تفارق جسمها ... وبه تنعّمها ولا تتوجّع؟
عظمت رزيّتها وأيّ رزيّة ... ظلّت لها أكبادنا تتصدّع
هذي حمامك، يا عليّ، سواجع ... وأخالها أسفا عليها تسجع
إن طارحتني ورقها فبأضلعي ... شوق يطارحه ادّكار موجع
آه على جسمي الذي فارقته ... لا كنت ممّن جسمه لا يرجع
ومن العجاب رجوع ما أودى به ... دهر بتشتيت «2» الأحبّة مولع
الجور منه إذا استمرّ طبيعة ... والعدل منه إذا استقام تطبّع
هذي عقوبة زلّة سلفت بها ... من أكل طعمته التي لا تشبع
قد كنت أمنع رسخ نفسي قبلها ... واليوم أوجب أنّه لا يمنح
لم لا وقد أصبحت بعد محلّة ... فيها السحائب بالرغائب تهمع؟
دار يدرّ الرزق من أخلاقها ... ولكم دعا داع بها من يوضع
وكأنّ مجلسها البهيّ بصدرها ... ملك بأعلى دسته متربّع
وكأنّ مجمر عنبر بفنائها ... يذكي وما «3» قد سيف منه يسطع
وكأنها المتوكلية بهجة ... وعليّ بن الجهم فيها يبدع
في حجر ضبّ خافض بجواره ... من كان قبل له العوامل ترفع
يا نفثة المصدور كم لك قبلها ... من زفرة بين الجوانح تسفع
وعساك تنقع غلّة بك إنها ... بجحيم ما أسبلته لا تنقع
لله أنت مذاعة أودعتها ... من كل سرّ بالضمائر يودع
بدويّة في لفظها ونظامها ... حضرية فيما به يترجّع
لم لا تشفع في الذي أشكو بها ... ومثالها في مثله يتشفّع؟
كملت وما افترعت فأيّ خريدة ... لو كان يفرعها همام أروع
بارت عليّ فأصبحت لحيائها ... مني بضافي مرطها تتلفّع
(2/384)

ومن شعره قوله يمدح ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم، وهي من مشاهير أمداحه «1» : [الطويل]
سل الرّيح إن لم تسعد السّفن أنواء ... فعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارة ... إليك بما تنمي إليها «2» وإيماء
تمرّ الليالي ليلة بعد ليلة ... وللأذن إصغاء وللعين إكلاء «3»
وإني لأصبو للصّبا كلّما سرت ... وللنّجم مهما كان للنّجم إصباء «4»
وأهدي إليها كلّ حين «5» تحيّة ... وفي ردّ إهداء التحية إهداء
وأستجلب النوم الغرار ومضجعي ... قتاد كما شاءت نواها وسلّاء «6»
لعلّ خيالا من لدنها يمرّ بي ... ففي مرّه بي من جوى الشوق إبراء
وكيف خلوص الطّيف منها وحولها «7» ... عيون لها في كلّ طالعة راء
وإني لمشتاق إليها ومنبئ ... ببعض اشتياقي لو تمكّن إنباء
وكم قائل تفنى غراما بحبّها ... وقد أخلقت منها ملاء وأملاء «8»
لعشرة أعوام عليها تجرّمت ... إذا مضى قيظ بها جاء إهراء «9»
يطنّب فيها عائثون وخرّب «10» ... ويرحل عنها قاطنون وأحياء «11»
كأنّ رماح الذاهبين «12» لملكها ... قداح، وأموال المنازل أبداء «13»
فلا تبغين فيها مناخا لراكب ... فقد قلّصت منها ظلال وأفياء
ومن عجبي «14» أن طال سقمي ونزعها ... وقسّم إضناء علينا وإطناء «15»
وكم أرجفوا غيظا بها ثم أرجأوا ... فيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
(2/385)

يردّدها عيّابها «1» الدّهر مثلما ... يردّد حرف الفاء في النطق فأفاء
فيا منزلا نال الردى منه ما اشتهى ... ترى وهل لعمر الأنس بعدك إنساء «2» ؟
وهل للظى الحرب التي فيك تلتظي ... إذا ما انقضت أيام بوسك إطفاء؟
وهل لي زمان أرتجي فيه عودة ... إليك ووجه البشر أزهر وضّاء؟
فواسيئي حالي «3» إن هلكت ولم أقل ... لصحبي بها الغرّ الكرام ألا هاؤا
ولم أطرق الدّير «4» الذي كنت طارقا ... كعادى «5» وبدر الأفق أسلع مشناء «6»
أطيف به حتى تهرّ كلابه ... وقد نام عسّاس وهوّم سبّاء
ولا صاحب إلّا حسام «7» ولهذم ... وطرف لخدّ الليل مذ كان وطّاء
وأسحم قاريّ كشعري حلكة ... تلألأ فيه من سنى الصبح أضواء
فما لشرابي في سواك مرارة «8» ... ولا لطعامي دون بابك «9» إمراء
ويا داري الأولى بدرب حلاوة «10» ... وقد جدّ عيث في بلاها وإرداء
أما آن أن يحمى حماك كعهده ... وتجتاز أحماش «11» عليك وأحماء؟
أما آن أن يعشو لنارك طارق ... جنيب له رفع إليك ودأداء؟ «12»
يرجّي نوالا أو يؤمّل دعوة ... فما زال قار في ذراك وقرّاء
أحنّ لها ما أطّت النّيب حولها ... وما عاقها عن مورد الماء أظماء «13»
فما فاتها مني نزاع على النّوى ... ولا فاتني منها على القرب إجشاء «14»
(2/386)

كذلك جدّي في صحابي وأسرتي ... ومن لي به من «1» أهل ودّي إن فاؤوا «2»
ولولا جوار ابن الحكيم محمد ... لما فات نفسي من بني الدهر إقماء «3»
حماني فلم تنتب محلّي نوائب ... بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفاء «4» بيتي في كفالة جاهه ... فصاروا عبيدا لي وهم لي أكفاء
يؤمّون قصدي طاعة ومحبة ... فما عفته عافوا وما شئته شاءوا «5»
دعاني إلى المجد لذي كنت آملا ... فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبوّأني من هضبة العزّ تلعة ... يناجي السّها منه «6» صعود وطأطاء «7»
يشيّعني منها «8» إذا سرت حافظ ... ويكلأني منها إذا نمت كلّاء «9»
ولا مثل نومي في كفالة غيره ... وللذّئب إلمام وللصّلّ إلماء
بغيضة ليث أن بمرقب خالب ... تندّ «10» كسا فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نائب الملك كافل ... ففي حيثما هوّمت كنّ وإدفاء
وإخوان صدق من صنايع جاهه ... يبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لما يرجى من الخير عندهم ... ومن كلّ ما يخشى من الشّرّ أبراء «11»
إليك أبا عبد الإله صنعتها ... لزوميّة فيها لوجدي إفشاء
مبرّاة مما يعيب لزومها ... إذا عاب إكفاء سواها وإيطاء «12»
أذعت بها السّرّ الذي كان قبلها ... عليه لأحناء الجوانح إضناء
وإن لم يكن كلّ الذي كنت آملا ... وأعوز إكلاء فما عاز إكماء «13»
ومن يتكلّف مفحما شكر منّة ... فما لي إلى ذاك التكلّف إلجاء
إذا منشد لم يكن عنك ومنشئ ... فلا كان إنشاد ولا كان إنشاء
(2/387)

ومن شعره قوله: [المتقارب]
أطار فؤادي برق ألاحا ... وقد ضمّ بعد لوكر جناحا
كأنّ تألّقه في الدّجى ... حسام جبان يهاب الكفاحا
أضاء وللعين إغفاءة ... تلذّ إذا ما سنا الفجر لاحا
كمعنى خفيّ بدا بعضه ... وزيد بيانا فزاد اتّضاحا
كأن النجوم وقد غربت ... نواهل ماء صدرن قماحا
لواغب باتت تجدّ السّرى ... فأدركها الصبح روحي طلاحا
وقد لبس الليل أسماله ... فمحّت عليه بلا وانصياحا
وأيقظ روض الرّبا زهره ... فحيّا نسيم صباه الصّباحا
كأنّ النهار وقد غالها ... مبيت مال حواه اجتياحا
أتى يستفيض دموعي امتياحا ... ويلهب نار ضلوعي اقتداحا
فلم يلق دجن انتحابي شحيحا ... ولم يلف زند اشتياقي شحاحا
ولولا توقّد نار الحشا ... لأنفدت ماء جفوني امتياحا
وممّا يشرّد عني الكرى ... هديل حمام إذا نمت صاحا
ينوح عليّ وأبكي له ... فأقطع ليلي بكا أو نياحا
أعين، أريحي أطلت الأسى ... عليك وما زدت إلّا انتزاحا
دعيني أرد ماء دمعي فلم ... أرد بعد مائك ماء قراحا
أحنّ إليك إذا سفت ريحا ... وأبكي عليك إذا ذقت راحا
وأفنى التياحا إليك وكم ... أشحت بوجهي عنك اتّشاحا
ولولا سخائم قوم أبوا ... إيابي ركبت إليك الرّياحا
أباحوا حماي وكم مرة ... حميت حمى عرضهم أن يباحا
ودافعت عنهم بشعري انتصارا ... فكان الجزاء جلائي المتاحا
أباعوا ودادي بخسا فسل ... أكان سماحهم بي رباحا؟
وأغروا بنفسي طلابها ... سرارا فجاءوا لقتلي صراحا
وآلوا يمينا على أنّ ما ... توهّمت لم يك إلّا مزاحا
فشاورت نفسي في ذا فما ... رأت لي بغير الفلاة فلاحا
فبتّ أناغي نجوم الدّجى ... نجاء فلم ألق إلّا نجاحا
(2/388)

أجوب الدياجير وحدي ولا ... مؤانس إلّا القطا والسّراحا «1»
وإلّا الثعالب تحتس في ... مبيتي فتملأ سمعي ضباحا «2»
أجوز الأفاحيص فيحا قفارا ... وأعرو الأداحيّ غبرا فساحا «3»
فأعيي شوارد هذي عداء ... وأعلو لواغي تلك صياحا
وجوّاب بدو إذا استنبحوا ... أجابوا عواء وأمّوا النّباحا
يرون قتالي في الحجر حلّا ... وإذهاب نفسي فيه مباحا
قصدت هناهم فلم أخطهم ... أعاجم شوس العيون قباحا
فسل كيف كان خلاصي من ... أسارهم أسرى أم سراحا؟
ولا مثل بيت تيمّمته ... فلم ألف إلّا الغنا والسّماحا
عيابا ملاء ونيبا سمانا ... وغيدا خدالا وعودا أقاحا «4»
وإلّا أعاريب شمّ الأنوف ... كرام الجدود فصاحا صباحا
وإلّا يعافير سود العيون ... يرين فساد المحبّ صلاحا
يردّدن فينا لحاظا مراضا ... يمرّضن منّا القلوب الصّحاحا
وتحت الوجاح طلا ربرب «5» ... لو أنّ «6» القيان رفعن الوجاحا
أراني محاسن منه فلم ... أطق عن حماه بقلبي براحا
محيّا وسيما وفرعا أثيثا ... وقدّا قويما وردفا رداحا
وأبدى لعيني بدائع لم ... يدع لي عقلا بها حين راحا
إذا لم يرد غير سفك دمي ... فحلّ وبلّ «7» له ما استباحا
وما زلت سمحا بنفسي كذا ... متى ما رأيت الوجوه الملاحا
وبابن رشيد تعوّذت من ... هواه فقد زدت فيه افتضاحا
وقد ضاق صدري عن كتمه ... وأودعته جفن عيني فباحا
(2/389)

وبابن رشيد تعوّذت من ... خطوب أجلن عليّ القداحا
ألحّ الزمان بأحداثه ... فألقيت طوعا إليه السّلاحا
أعاد شبابي مشيبا كما ... سمعت وصيّر نسكي طلاحا «1»
وفرّق بيني وبين الأهيل ... ولم ير ذا عليه جناحا
أخي وسمييّ، أصخ مسعدا ... لشجو حزين إليك استراحا
فقد جبّ ظهري على ضعفه ... كداما وأدهى شواتي نطاحا «2»
وطوّح بي عن تلمسان ما ... ظننت فراقي لها أن يتاحا
وأعجل سيري عنه ولم ... يدعني أودّع تلك البطاحا
نأى بصديقك عن ربعه ... فكان له النّأي موتا صراحا «3»
وكان عزيزا على قومه ... إذا هاج خاضوا إليه الرّماحا
فها هو إن قال لم يلتفت ... إليه امتهانا له واطّراحا
عجبت لدهري هذا وما ... ألاقي مساء به وصباحا
لقد هدّ منّي ركنا شديدا ... وذلّل منّي حياء لقاحا
وقيت الرّدى من أخ مخلص ... لو اسطعت «4» طرت إليه ارتياحا
وإني على فيح ما بيننا ... لأتبع ذاك الشّذا حيث فاحا
أحنّ إليه حنين الفحول ... ونوح الحمام إذا هو ناحا
وأسأل عنه هبوب النّسيم ... وخفق الوميض إذا ما ألاحا
وإن شئت عرفان حالي وما ... يعانيه جسمي ضنى أو صحاحا
فقلب يذوب إليك اشتياقا ... وصدر يفاح إليك انشراحا
وغرس وداد أصاب فضاء ... نديّا وصادف أرضا براحا
كراسخ مجد تأثّلته ... فلم تخش بعد عليه امتصاحا
وعلياء بوّئتها لو بغى ... سموّا إليها السّماك لطاحا
مكارم جمّعت أفذاذها ... فكانت لعطف علاك وشاحا
ودرس علوم تهيم بها ... عمرت الغدوّ به والرّواحا
(2/390)

نشأت عن الخير واعتدته ... فلم تدر إلّا التّقى والصّلاحا
وقمت لها أيّما رحلة ... كسحت المعارف فيها اكتساحا
بهرت رجال الحديث اقتداء ... وفتّ رجال الكمال اقتراحا
فما إن جليس إذا قلت قال ... أو أنّ «1» الخطيب إذا لحت لاحا
ولو لم تحجّ بها مكة ... لحجّ الملائك عنك صراحا
وأما أنا بعد نهي النّهى ... فما زادني الطّبع إلّا جماحا
أدير كؤوس هواي اغتباقا ... وأشرب ماء دموعي اصطباحا
فبرّد جواي بردّ جواب ... توبّخ فيه مشي الوقاحا
وهنّ بنيّات فكري وقد ... أتيتك فاخفض لهنّ الجناحا
ومن شعره، رحمه الله، وله يمدح ذا الوزارتين المتقدم ذكره، ويذكر غفارة وجّهها له مع هدية: [الكامل]
كبت العدى، إنعامك البغت ... فلي الهناء «2» وللعدى الكبت
يا من إلى جدوى أنامله ... يزجى السّفين وتزجر البخت «3»
لولاك لم يوصل بناحية ... وخد ولم يقطع بها دشت «4»
لولاك لم يطلع بها نشر ... منه ولم يهبط بها خبت
خوّلتني ما لم تسعه يدي ... فأصابني من كثره غمت «5»
شتّى أياد كلما عظمت ... عندي تلكّأ خاطري الهتّ «6»
يعيا لساني عن إذاعتها ... ويضيق عن شكري لها الوقت
وطّأت لي الدنيا فلا عوج ... فيما أرى منها ولا أمت
أمكنتني منها فما ليدي ... ردء ولا لمقالتي عتّ
بالغت في برّي ولا نسب ... أدلي إليك به ولا حسب
(2/391)

لكنّ حسبي إن متتّ به ... يوما إليك ودادي البحت
بوركت من رجل برؤيته ... يوسى الضّنى ويعالج الغتّ «1»
لو سار في بهماء مقفرة ... في حيث لا ماء ولا نبت
لتفجّر الماء النّمير بها ... ولأعشبت أرجاؤها المرت
لا تحسبنّ البخت نيل غنى ... نيل الرضا منه هو البخت
آلت جلالته وحقّ لها ... أن لا يحيط بكنهها نعت
أظهرت دين الله في زمن ... ما زال يغلب حقّه البهت
شيّدته وهددت ممتعضا ... لضياعه ما شيّد الجبت «2»
أمّنت أرض المسلمين فلا ... ذئب يخاف بها ولا لصت «3»
وحفظتها من كل نائبة ... تخشى فأنت حفيظها الثّبت
ونهجت سبل «4» المكرمات فما ... لمؤمّل عن غايه ألت «5»
لم تبق غفلا من متالعها ... إلّا وفيه لحائر برت «6»
هادن طغاة الكفر ما هدأت ... حتى يجيء نهارها المحت «7»
دعها تودّع في معاقلها ... ما لم تعدّ جفاتها العفت «8»
كم ذدتها عنّا وقد هبرت ... لهراشنا أشداقها الهرت «9»
بوقوف طرفك عند شدّته ... يبأى ويفخر ملكها الرّتّ «10»
والشّكر «11» ما أظهرت من كرم ... في ذاك تفصح عجمها المرت
لك من ممالكها وإن رغمت ... ما جال فيه جوادك الحتّ «12»
ولكلّ أصيد من بطارقها ... في كلّ أري له دعت «13»
(2/392)

لولا لباك البيض ما أرقت ... للقائها أفراسنا الكمت
عندي «1» لمن ينتابه مقة ... ولمن ينيب لغيره مقت
ولو أنّ «2» بيضك لم تسل لمّا ... ذلّت أنوف طغاتها السّلت
يا ابن الحكيم أمنت صرف ردى ... أبدا له في أثلتي نحت «3»
وبيمنه أنّست من أملي ... ما لم يكن يوما له عرت «4»
مثنى الوزارة موئلي وله ... ما دمت أملك قدرتي أقت «5»
وببأسه أطفي شرارة من ... يعثو وأقدح أنف من يعتو «6»
عمّ الورى جودا وفضل غنى ... حتى تساوى العدّ والغلت «7»
وهمي على عال ومنخفض ... لم يبق فوق لا ولا تحت
ظلّ إذا نصطاف معتدل ... عطر الشّذا وحيا إذا نشتو «8»
يتضاءل الصبح المنير إذا ... لاقى سناه جبينك الصّلت
حتى كأن شمس الضحى قمر ... وكأنّ ضوء شعاعها فخت «9»
وغريبة في لطف صنعتها ... يمضي الزمان وما لها أخت
ينأى النّدى بها إذا لبست ... ويتيه إن طويت بها التّخت
زنجيّة لكن لمحتدها ... في الرّوم يعنو القسّ والشّنت «10»
مثل العروس على منصّتها ... من شأنها التّزيين والزّتّ «11»
لأكون أنحل ما أكون هدى ... فيها فيعبل جسمي الشّخت
وبمثل شيبي فوق حلكتها ... يبدو الوقار ويحفظ السّمت
تظهرنني «12» بلباسها وبه ... عندي لها الإيثار ما عشت
(2/393)

لا زلت تؤثرني بها أبدا ... ولا تف من يشقى بذا السّلت
وبقيت تدرك ما تريد وما ... تهوى بقاء ما له فتّ
ومن شعره أيضا في المدح قوله، رحمه الله، من قصيدة ثبتت في ديوان مجموع من أمداحه منها قوله: [الكامل]
طرقتك وهنا أخت آل علاج ... والرّكب بين دكادك وحراج
في ليلة ليلاء لم ينبح بها ... كلب ولم يصرخ أذين دجاج
أنّى اهتدت لمضللين توهّنوا ... منها لهتك دياجر ودياج
متسربلي برد الظّلام كأنهم ... فيه قداح في رماية ساج
وثقوا بمحمود السّرى وتسلّموا ... لمخارم مجهولة وفجاج
ومنازل درس الرسوم بلاقع ... أخوين من هيج ومن هجهاج
محّت معالمهنّ غير مثلّم ... كسوار تاج أو كدملج عاج
ومواثل مثل الحمام جواثم ... ورق وأسمج دائم التّشحاج
ومشجّج ما زال منهل الحيا ... يبكي صداه بدمعه الثّجّاج
حتى أعاد لعوده أوراقه ... خضر الظّلال ذكيّة الآراج
وكسا عراة عراصه من وشيه ... حللا تبوّر صنعة الديباج
لا مثل ليلات مضين سريعة ... بردت حرارة قلبي المهتاج
أدركت منها في صباي مطالبي ... وقضيت منها في شبابي حاجي «1»
كم ليلة مرّت ولم يشعر بها ... غيري وغير منادمي وسراجي «2»
بتنا ندير إلى انبلاج صباحها ... كأس الهوى صرفا بغير مزاج
وتدير أعيننا حديث غرامنا ... بمرامز من فضّها وأحاج
بمآرج النّفحات من دارين أو ... بمدارج النّسمات من درّاج
وخلوص ودّ في نقاء سريرة ... كسلاف راح في صفاء زجاج
أمحضته حظّي من الزمن الذي ... أعيا مرامي أهله وعلاجي «3»
واخترت قرب جواره لخلوصه ... وتركت كلّ مماذق «4» مرّاج
ما في زمانك غيره فاخلص له ... غيبا وداهن من أردت وداج
لا تحفلنّ بغيره واستعفين ... بوقاره عن كل غمر ماج
(2/394)

اترك بني الدنيا وأعرض عنهم ... فعساك تطعم لذّة الإثلاج
نزّهت نفسي عنهم بنواله ... وحفظتها من جاهه بسياج
أصبحت من آلائه وولائه ... في عزّة ضحيا وعزّ داج
ولو انني «1» عجت الركاب ميمّما ... أحدا سواه ما حمدت معاجي «2»
طلق إذا احتلك الزمان أنار في ... ظلمائه كالكوكب الوهّاج
طود الرّصانة والرّزانة والحجا ... بحر النّدى المتلاطم الأمواج
وغمامه الهامي على آماله ... من غير إرعاد ولا إرعاج
وهزبر آجام القنا الضّاري إذا ... سقطت عواتمها على الأزجاج
ضمن الإله له على أعدائه ... ما شاء من ظفر ومن إفلاج
أبقى أبو عبد الإله محمد ... ما شاد والده أبو الحجّاج «3»
وبنى أبو إسحاق قبل وصنوه ... ركنا الضعيف ومعدنا المحتاج
وجرى على آثار أسلاف لهم ... درجوا وكلّهم على منهاج
ما منهم إلّا أعزّ مبارك ... مصباح ليل أو صباح عجاج
بيت بنوه من سراوة حمير ... في الذّروة العلياء من صنهاج
كم كان في الماضين من أسلافهم ... من ربّ إكليل وصاحب تاج
أساس كل رئاسة ورؤوس كل ... ل سياسة وليوث كل هياج
أعيت نجوم الليل من سهر وما ... أعيا أبو موسى من الإدلاج
حتى أصارته لرحمة ربّه ... يوم العقاب وقيعة الأعلاج
وأقيم نجل أخيه بعد مقامه ... فيهم يطاعن مثله ويواج
فردا يلفّ كتائبا بكتائب ... ويكبّ أفواجا على أفواج
حتى تجلّى دجن كلّ عجاجة ... عنهم وأمسك رعد كل ضجاج
من مثل يوسف في قراع كتائب ... ولقاء أعداء وخوض لجاج؟
أو من يشقّ من الأنام غباره ... في ردّ آراء ونقض حجاج
(2/395)

إن خاض يوما في بيان حقيقة ... أنهى عن الثّوري والحلّاج «1»
وإذا تكلّم في الغريب وضبطه ... لم يعبأ بالعتبيّ والزّجّاج «2»
أنست قصائد جرول أشعاره ... وأراجز العجليّ والعجّاج «3»
جمع الفصاحة والصبّاحة والتقى ... والجود في وجد وفي إحراج
تخشاه أسد الغاب في أجماتها ... والرّوم في الأسوار والأبراج
إنّا بني قحطان لم نخلق لغي ... ر غياث ملهوف ومنعة لاج
نبري طلى الأعراب في الهيجا وفي الل ... أواء سوف نماري الأعراجي «4»
بسيوفنا البيض اليمانية التي ... طبعت لحزّ غلاصم ووداج
تأبى لنا الإحجام عن أعدائنا ... يوم اللّقاء طهارة الأمشاج
أنصار خير العالمين وحزبه ... وحماته في الجحفل الرّجراج
وفداته بنفوسهم ونفيسهم ... من غدر مغتال وسبّة هاج
هم صفوة الخلق التي اختيرت له ... وسواهم همج من الأهماج
إلّا الألى سبقوا بباهر فضلهم ... من سائر الأصحاب والأزواج
وكفى بحكمتنا إقامة حجّة ... وبركننا من كعبة الحجّاج
ولنا مفاخر في القديم شهيرة ... كالصّبح في وضح وفي إبلاج
منّا التّبابعة الذين ببابهم ... كانت تنيخ جباة كلّ خراج
ولأمرهم كانت تدين ممالك ال ... دّنيا بلا قهر ولا إحراج
من يقتدح زندا فإنّ زنادهم ... في الجود وارية بلا إخراج
(2/396)

أبوابهم مفتوحة لضيوفهم ... أبدا بلا قفل ولا مزلاج
ومما اشتهر من شعره قوله «1» : [السريع]
أرّق عيني بارق من أثال ... كأنّه في جنح ليلي ذبال
أثار شوقا في «2» ضمير الحشا ... وعبرتي في صحن خدّي أسال
حكى فؤادي قلقا واشتعال ... وجفن عيني أرقا وانهمال
جوانح تلفح نيرانها ... وأدمع تنهلّ مثل العزال «3»
قولوا وشاة الحبّ ما شئتم ... ما لذّة الحبّ سوى أن يقال
عذرا للوّامي «4» ولا عذر لي ... فزلّة العالم ما إن تقال
قم نطرد الهمّ بمشمولة ... تقصّر الليل إذا الليل طال
وعاطها صفراء ذمّيّة ... تمنعها الذّمّة من أن تنال
كالمسك ريحا واللّمى مطعما ... والتّبر لونا والهوى في اعتدال
عتّقها في الدّنّ خمّارها ... والبكر لا تعرف غير الحجال
لا تثقب المصباح «5» لا واسقني ... على سنى البرق وضوء الهلال
فالعيش نوم والرّدى يقظة ... والمرء ما بينهما كالخيال
خذها على تنغيم مسطارها «6» ... بين خوابيها وبين الدّوال
في روضة باكر وسميّها ... أخمل دارين وأنسى أوال «7»
كأنّ فأر المسك مغبوقة «8» ... فيها إذا هبّت صبا أو شمال
من كلّ «9» ساجي الطّرف ألحاظه ... مفوّقات أبدا للنضال
من عاذري والكلّ لي عاذل «10» ... من حسن الوجه قبيح الفعال
من خلّبيّ الوعد كذّابه ... ليّان لا يعرف غير المطال
(2/397)

كأنه الدهر وأيّ امرئ ... يبقى على حال «1» إذا الدهر حال
أما تراني آخذا ناقضا ... عليه ما سوّغني من محال؟
ولم أكن قطّ له عائبا ... كمثل ما عابته قبلي رجال
يأبى ثراء المال علمي، وهل ... يجتمع الضّدّان: علم ومال؟
وتأنف الأرض مقامي بها ... حتى تهاداني ظهور الرجال «2»
لولا بنو زيّان ما لذّ لي ال ... عيش ولا هانت عليّ اللّيال
هم خوّفوا الدهر وهم خفّفوا ... على بني الدهر «3» خطاه الثّقال
ورثت «4» من عامرهم سيّدا ... غمر رداء الحمد عمر «5» النّوال
وكعبة للجود منصوبة ... يسعى إليها الناس من كل حال «6»
خذها أبا زيّان من شاعر ... مستملح النّزعة عذب المقال
يلتفظ الألفاظ لفظ النّوى ... وينظم الآلاء نظم اللآل
مجاريا مهيار «7» في قوله ... (ما كنت لولا طمعي في الخيال)
ومما قال أيضا، واشتمل ذلك على شيء من نظمه ونثره، وهذا الرجل مغرب النزعة، في شفوف نظمه على نثره «8» : [الكامل]
عجبا لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يطمع «9» أن يمرّ ببالها؟
وأنا الفقير إلى تعلّة ساعة ... منها، وتمنعني زكاة جمالها
كم ذاد عن «10» عيني الكرى متأنف «11» ... يبدو ويخفى في خفيّ مطالها
(2/398)

يسمو لها بدر الدّجى متضائلا ... كتضاؤل الحسناء في أسمالها «1»
وابن السّبيل يجيء يقبس نارها ... ليلا فتمنحه عقيلة مالها «2»
يعتادني في النوم طيف خيالها ... فتصيبني ألحاظها بنبالها
كم ليلة جادت به فكأنّما ... زفّت عليّ ذكاء «3» وقت زوالها
أسرى فعطّلها «4» وعطّل شهبها ... بأبي شذا المعطار من معطالها
وسواد طرّته كجنح ظلامها ... وبياض غرّته كضوء هلالها
دعني أشم بالوهم أدنى لمحة «5» ... من ثغرها وأشمّ مسكة خالها
ما راد طرفي في حديقة خدّها ... إلّا لفتنته بحسن دلالها
أنسيب شعري رقّ مثل نسيمها ... فشمول راحك مثل ريح شمالها
وانقل أحاديث الهوى واشرح غري ... ب لغاتها واذكر ثقات رجالها
وإذا مررت برامة فتوقّ من ... أطلائها «6» وتمشّ في أطلالها
وانصب لمغزلها حبالة قانص ... ودع الكرى شركا لصيد غزالها
وأسل جداولها بفيض دموعها ... وانضح جوانحها بفضل سجالها
أنا من بقيّة معشر عركتهم ... هذي النّوى عرك الرّحى بثفالها «7»
أكرم بها فئة أريق نجيعها ... بغيا فراق العين حسن جمالها «8»
حلّت مدامة وصلها وحلت لهم ... فإن انتشوا فبحلوها وحلالها
بلغت بهرمس غاية ما نالها ... أحد وناء بها لبعد منالها
وعدت على سقراط صورة «9» كأسها ... فهريق ما في الدّن من جريالها
(2/399)

وسرت إلى فاراب منها نفحة ... قدسيّة جاءت بنخبة آلها «1»
ليصوغ من ألحانه في حانها ... ما سوّغ القسيس من أرمالها
وتعلقت «2» في سهرورد «3» فأسهرت ... عينا يؤرّقها طروق خيالها
فخبا شهاب الدّين لمّا أشرقت ... وخبا «4» فلم يثبت لنور جلالها
ما جنّ مثل جنونه أحد ولا ... سمحت يد بيضا بمثل نوالها
وبدت على الشّوذيّ «5» منها نفحة «6» ... ما لاح منها غير لمعة آلها
بطلت حقيقته وحالت حاله ... فيما يعبّر عن حقيقة «7» حالها
هذي صبابتهم ترقّ صبابة ... فيروق شاربها صفاء زلالها
اعلم أبا الفضل بن يحيى أنني ... من بعدها أجري على آسالها «8»
فإذا رأيت مولّها «9» مثلي فخذ ... في عذله إن كنت من عذّالها
لا تعجبنّ لما ترى من شأنها ... في حلّها إن كان أو ترحالها
فصلاحها بفسادها ونعيمها ... بعذابها ورشادها بضلالها
ومن العجائب أن أقيم ببلدة ... يوما وأسلم من أذى جهّالها
شغلوا بدنياهم أما شغلتهم ... عنّي فكم ضيّعت من أشغالها
حجبوا بجهلهم فإن لاحت لهم ... شمس الهدى عبثوا «10» بضوء ذبالها
وإن انتسبت فإنني من دوحة ... تتقيّل «11» الأقيال برد ظلالها
من حمير من ذي رعين من ذرى «12» ... حجر من العظماء من أقيالها
وإذا رجعت لطينتي معنى فما ... سلسالهم «13» بأرقّ من صلصالها
(2/400)

لله درّك أيّ نجل كريمة ... ولدته فاس منك بعد حبالها «1»
ولأنت لا عدمتك والد فخرها ... وسماك سؤددها وبدر كمالها
اغلظ على من عاث من أنذالها ... واخشع لمن تلقاه من أبدالها
والبس بما أوليتها من نعمة ... حلل الثّناء وجرّ من أذيالها
خذها أبا الفضل بن يحيى تحفة ... جاءتك لم ينسج على منوالها
ما جال في مضمارها شعر ولا ... سمحت قريحة شاعر بمثالها
وأثل أبا البركات من بركاتها ... وادفع محال شكوكه بمحالها «2»
هذه، أمتع الله ببقائك، وأسعد بلقائك، وأراها بما تؤمّله من شريف اعتنائك، وترجوه من جميل احتفائك، ما تعرف به من احتذائك، وتعترف له ببركة اعتفائك، كريمة الأحياء، وعقيلة الأموات والأحياء، بنت الأذواء والأقيال، ومقصورة الأسرّة والحجال، بل أسيرة الأساوير والأحجال، على أنها حليفة آلام وأوصأب، وأليفة أشجان وأطراب، صبابة أغراب من صيّابة أعراب، جاورت سيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وجاوزت مسلمة بن مخلد يوم جابية الجولان، وذلقت لسان ابن أخته حسّان، فتضاءلت لرقة حدّه جسوم بني عبد المدان، وقرّبه وما شيم من غمده قيد ابن الإطنابة بين يدي النّعمان، قربت ببني جفنة مزار جلّق، وسعرت لبني تميم نار محلق، ومرّت على معتاد غالب فما أنست ناره، وطافت ببيت عبد الله بن دارم فلم ترض جواره، ولو حلّت بفنائه، واستحلّت ما أحلّ لها من مبذول حبائه، لاغتفر لها ما جنته ببطن أواره، ولحلّت لها حبوتا مجاشع وزراره، مزقت على مزيقيا حللا، وأذهبت يوم حليمة مثلا، وأركبت عنزا شرّ يومها يجدع جملا، وناطت بأذن مارية قرطها، وجرّت على أثر الكندي مرطها، وقفها بين الدّخول فحومل فوقفت، وأنفها يوم دارة جلجل فأنفت منه وما ألفت، عقر ناقته وانتهس عبيطها، ودخل خدر عنيزة وأمال غبيطها. أغرت أبا قابوس بزياد، وأسرجت للزبيدي فرس أبي داود ونافرت بحاتم طيّ كعب إياد، وساورت للمساور، بمثل جوده السّائر. ولئن بلت الجعفري لبيدا، فلقد استعبدت الأسدي عبيدا، وقطعت به في أثر سليماه الأسدية بيدا، أرته المنيّة على حربة هندها الملحوب، وما حال قريضه، دون جريضه، وأقفر من أهله ملحوب، وما زالت تخبط في شعاب الأنساب فترشد، وتنشد ضالتها اليمانية، فتنشد:
[الكامل]
إن كنت من سيف بن ذي يزن ... فانزل بسيف البحر من عدن
(2/401)

وذر الشآم وما بناه به الر ... روميّ من قصر ومن فدن
تعلف سيل العرم وتردغسان، وتمهد لها أهضام تبالة فتقول: مرعى ولا كالسّعدان «1» ، تساجل عن سميحة بابن خرام، وتناضل بسمير يوم خزام، وتنسى قاتل ستة آلاف، وكاسي بيت الله الحرام ثلاثة الأفواف، فلو ساجلت بنبعها أبا كرب، وأرته ضراعة خدّها التّرب، لساجلت به أخضر الجلدة في بيت العرب، ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب، بل لو حطت بفناء بيتها الحجري رحلها، وساجلت بفناء جدّها ذي رعين لاستوفت سجلها. كم عاذت بسيفها اليزني، فأدركت ذحلها، ولاذت بركنها اليمني، فأجزل محلها، ولو استسقت بأوديتها لأذهبت محلها. كافحت عن دينها الحنيفيّ، فما كهم حسامها، ونافحت عن نبيّها الأمّيّ فأيّدت بروح القدس سهامها. سدّت باب الدرب دون بني الأصفر، وشدّت لموته ثوب موت أحمر، وما شغلها كسر تاج كسرى عن قرع هامة قيصر. ولقد حلّت من سنام نسبها اليعربي باسمك ذروة، وتعلّقت من ذمام نبيّها العربي بأوثق عروة. تفرّد صاحب تيماء بأبلقه الفرد فعزّ، وتمرّد ربّ دومة الجندل لما كان من مارد في حرز، فما ظنك، أعزك الله، بمن حلّ من قدسي عقله، بمعقل قدس، يطار إليه فلا يطار، وراد من فردوس أدبه في جنّة لا يضام رائدها ولا يضار. زها بمجاورة الملك، فازدهى رؤساء الممالك، وشغف بمجاورة الملك، فاشتغل عن مطالعة المسالك، أيشقّ غباره، وعلى جبين المرزم مثاره، أو ينتهك ذماره، وقلب الأسد بيته ودار أخيه أسامة زاره. ولما قضت من أنديتها العربية أوطارها، واستوفت على أشرف منازعها الأدبية أطوارها، وعطّرت بنوافح أنفاسها الذّكية آثارها، وأطلعت في ظلم أنفاسها الدّجوجية كواكبها النيّرة وأقمارها، عطفت على معقلتها الشاذلية فحلّت عقالها، وأمر لها فراق الوطن فلمّا استمرّ لها حلالها، استودعت بطنان تبالة آلها، وتركت أهضامها المخصبة وحلالها، أطلّت على دارات العرب فحيّت أطلالها، ودعت لزيارة أختها اليونانية أذواء حمير وأقيالها. أطمعتها بلمعيّة ألمعيّتها الأعجمية، ومثلها يطمع، وجاء بها من قدماء الحكماء كلّ أوحدي الأحوذية، فباتت تخبّ إليه وتوضع، باحثة عن مركز دارتهم الفيثاغورية، آخذة في إصلاح هيئتهم الإنكساغورية، مؤثرة لما تدلّ عليه دقائق حقائق بقايا علوم مقايسهم البرهانية، وتشير إليه رموز كنوز وصايا علماء نواميسهم الكلدانية، من مأثور تأثير لاهوتية قواهم
(2/402)

السّيماوية، راغبة فيما يفاض على مادتها الجسمانية، ويطرأ على عاقليّتها الهيولانية، من علويات آثار مواهبها الربّانية، موافقة لمثلهم المفارقة أفضل موافقة، موافقة لما وافق من شوارد آرائهم الموفّقة أحسن موافقة. وتحت هذه الأستار محذرات أسرار أضرّ بها الإسرار، وطالما نكر معارفها الإنكار، ونقلت من صدور أولئك الصّدور إلى بطون هذه الأوراق، في ظهور فوق دفاتر فلسفيات معاني علومهم الرّقاق. وفي تلك المغاني، أبكار معاني، سكن الجوانح والصدور، بدل الأرائك والخدور، ولحن في دياجي، ظلم هذه الأحاجي، كأقمار في أطمار بهرن وما ظهرن، وسطعن وما لمعن، فعشقن وما رمقن، واستملحن وما لمحن. أدرن خمور أجفانهن، على ماخوريات ألحانهن، فهيّجت البلابل، نغم هذه البلابل، واستفرغته الأكياس، مترعات تلك الأكواس. ما سحر بابل، كخمر بابل، ولا منتقى أغانيهن الأوائل، كحمائمكم الهوادل، إن وصلت هديلها بحفيف، وصلن ثقيلهن بخفيف. إيه أيها الشّمري المشمعل، دعنا من حديثك المضمحل، سر بنا أيها الفارس النّدس «1» ، من حظيرة النّفس، إلى حضرة القدس، صرّح بإطلاق الجمال، وجل من عالميّتك الملكوتية في أفسح مجال، تمش بين مقاصر قصورها، ومعاصر خمورها، رخيّ البال، مرخيّ السربال، فما ينسج لك على منوال، نادم عليها من شغف دنّ سقراط، إن استحسنت لها حسان فما يصلح لك صالح بن علاط، بت صريع محيّاها فقد أوصت بمعالجة عقير معاقرة عقارها بقراط، لا تخش صاحب شرطتها فلا شرط له عليك ولا اشتراط، ما لك غير مبديك الأول، من قال امتثل الأمر وما عليك من أمر وال. على رسلك ما هذا العجل، لا خطأ تتوقعه ولا خطل، أمكره أنت في هذه الكريهة، أم بطل. لو علم أنك ضبارية هذا الخميس، وخبعثة ذلك الخميس، لما عانى اليمّ رسيس، شوقا إليك محمد بن خميس، على أن لا غالب اليوم لأني غالب، ولا طالب يدرك شأو هذا الطالب، فقه بلا تفهق، وحذق في تحذلق. أقسم أبا الفضل بما لك على أبي البركات من الفضل، ذلك العراقي الأرومة، لا هذا الفارسي الجرثومة، وإن يك ذلك، إسرائيلي الأصل، وهذا إسماعيلي الجنس، علوي الفضل. فلتلك الذات، شرف تلك الأدوات. قدّم لي غالبنا المذكور، من بأسه الغرّ لأرفع وأسمى من مقعد رقوطيّهم المشهور، من إغرناطة الحمراء، ومن متبوّإ أبي أميّتهم المرحوم من جنّات جزيرتهم الخضراء، فيما لنت أبا الفضل من هذه العربجة، وألوك، أرأيت في عمرك مثل هذا الصعلوك؟ لا والله ما على ظهر هذه الغبرا، من يتظاهر بمثل هذه المعرفة في بني غبرا. فأي
(2/403)

شيء هذا المنزع؟ إيش، لا حال لنا معك ولا عيش، من يضحك على هذا الطيش. ما هذا الخبل، أخمار بك أم ثمل؟ ارجع إلى ما كنت بصدده وقيت الزّلل، خذ في الجدّ فما يليق بك الهزل، رقّ عن ذلك فحكّ لنا منه أرقّ غزل، ماذا أقول؟ وأي عقل يطاوعني على هذا المعقول؟ أفحمتني، والله، عن مكالمتكم هذه المحن، ومنعتني من طلب مسالمتكم ما لكم عليّ في دنياكم هذه من الإحن. إن تكلمت كلمت، وإذا استعجمت عجمت. أما لهذه العلة آس، أم على هذه الفيلة مواس؟ ما حيلتي في طبع بلدكم الجاسي؟ أما يلين لضعفي، أما يرقّ قلب زمانكم القاسي؟ ما هذه الدّمن، يا بني خضراوات الدمن، أظهرتم المحن، فقلب لكم ظهر المجنّ «1» . إن مرّ بكم الولي حمّقتموه، وإن زجركم العالم فجرتم عليه ففسّقتموه، وإذا نجم فيكم الحكيم غصصتم به، فكفّرتموه وزندقتموه. كونوا فوضى، فما لكم اليوم مسرى سواه واذهبوا من مراعيكم المستوبلة، حيث شئتم، فقد أهملكم الرعاة. ضيّعتم النص والشرائع، وأظهرتم في بدعكم العجائب والبدائع. نفّقتم النّفاق، وأقمتم سوق الفسوق على ساق. استصغرتم الكبائر، وأبحتم الصّغائر، أين غنيّكم الشاكر، يتفقد فقيركم الصابر؟ أين عالمكم الماهر، يرشد متعلّمكم الحائر. مات العلم بموت العلماء، وحكم الجهل بقطع دابر الحكماء. جرّد لنا شريعتك يا أفضل الشّارعين، أتمّ فيها موعظتك يا أفصح التابعين. لا، والله، ما يوقظكم من هذا الوسن، وعظ الحسن، ولا ينقذكم من فتن هذا الزمن، إلّا سيف معلّمه أبي الحسن، والسلام.
قدم غرناطة في أواخر عام ثلاثة وسبعمائة. وتوفي في يوم مقتل صاحبه الوزير أبي عبد الله بن الحكيم؛ فرّ من دهليز جاره فيمن كان بها من الأعلام، بعد أن نهبت ثيابه، حسبما جرى على غيره من الحاضرين، وهو يقول: هكذا تقوم الساعة بغتة.
ولقيه بعض قرابة السلطان، ممن كان الوزير قد وتره، فشرع الرّمح إليه، فتوسّل إليه برسول الله، فلم يقبل منه، وطعنه، فقتله يوم عيد الفطر عام ثمانية وسبعمائة، وآخر العهد به، مطّرحا بالعراء، خارج باب الفخّارين، لا يعلم قبره؛ لمكان الهرج في تلك الأيام، نسأل الله جميل ستره، وساء بأثر قتله إياه حال ذلك الرجل وفسد فكره، وشرد نومه وأصابته علّة رديّة، فكان يثب المرة بعد الأخرى، يقول: ابن خميس يقتلني، حتى مات لأيام من مقتل المذكور.
(2/404)

محمد بن عمر بن علي بن إبراهيم المليكشي «1»
يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان فاضلا، متخلقا، أديبا، شاعرا، صوفيا، جميل العشرة، حسن الخلق، كريم العهد، طيّب النفس. كتب عن الأمراء بإفريقية، ونال حظوة، ثم شرّق وحجّ، ولقي جلّة، ووصل الأندلس عام ثمانية عشر وسبعمائة، فلقي بغرناطة حفاية، وانسحبت بها عليه جراية، ثم انصرف إلى وطنه، وناله به اعتقال، ثم تخلّص من النّكبة، وأقام به، يزجى وقته إلى آخر عمره.
وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» «2» : كاتب الخلافة، ومشعشع الأدب المزري «3» بالسّلافة، كان، يرحمه الله، بطل مجال، وربّ رويّة وارتجال، قدم على هذه البلاد وقد نبا به وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه، فتلوّم بها تلوّم النسيم بين الخمائل، وحلّ بها «4» محل الطّيف من الوشاح الجائل، ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة، وميرة «5» يانعة. ثم آثر قطره، فولّى وجهه شطره، واستقبله دهره بالإنابة، وقلّده خطّة الكتابة، فاستقامت «6» حاله، وحطّت رحاله. وله شعر أنيق، وتصوّف وتحقيق، ورحلته «7» إلى الحجاز سببها «8» في الخبر وثيق، ونسبتها «9» في الصالحات عريق.
شعره: نقلت من خطّ الوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين، مما قيّد عنه، وكان خبيرا بحاله «10» : [الطويل]
رضى نلت ما ترضين «11» من كلّ ما يهوى ... فلا توقفيني «12» موقف الذلّ والشّكوى
وصفحا عن الجاني المسيء لنفسه ... كفاه الذي يلقاه من شدّة البلوى
(2/405)

بما بيننا من خلوة معنوية ... أرقّ من النجوى وأحلى من السّلوى
قفي أتشكّى لوعة البين ساعة ... ولا يك هذا آخر العهد بالنّجوى
قفي ساعة في عرصة الدار وانظري ... إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقا إليكم ... فما حنّ مسراها إليّ «1» ولا ألوى
فيا ريح، حتى أنت ممّن يغار بي ... ويا نجد، حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النّوى ... ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى
وحدّث «2» بعض من عني بأخباره، أيّام مقامه بمالقة واستقراره، أنه لقي ليلة «3» بباب الملعب من «4» أبوابها ظبية من ظبيات الإنس، وفتنة من فتن «5» هذا الجنس، فخطب وصالها، واتّقى بفؤاده نصالها، حتى همّت بالانقياد، وانعطفت انعطاف الغصن الميّاد، فأبقى على نفسه وأمسك، وأنف من خلع العذار بعد ما تنسّك، وقال «6» :
[الكامل]
لم أنس وقفتنا بباب الملعب ... بين الرّجا واليأس من متجنّب
وعدت فكنت مراقبا لحديثها ... يا ذلّ وقفة خائف مترقّب
وتدلّلت «7» فذللت بعد تعزّز ... يأتي الغرام بكلّ أمر معجب
بدويّة أبدى الجمال بوجهها ... ما شئت من خدّ شريق «8» مذهب
تدنو وتبعد نفرة وتجنّيا «9» ... فتكاد تحسبها مهاة الرّبرب «10»
ورنت بلحظ فاتر لك فاتن «11» ... أنضى وأمضى من حسام المضرب
وأرتك بابل سحرها بجفونها ... فسبت، وحقّ لمثلها أن تستبي «12»
وتضاحكت فحكت بنيّر ثغرها ... لمعان «13» نور ضياء برق خلّب «14»
بمنظّم في عقد سمطي جوهر ... عن شبه نور الأقحوان الأشنب
(2/406)

وتمايلت كالغصن أخضله النّدى «1» ... ريّان من ماء الشبيبة مخصب
تثنيه أرياح «2» الصّبابة والصّبا ... فتراه بين مشرّق ومغرّب
أبت الرّوادف أن تميل بميله ... فرست وجال كأنه في لولب
متتوّجا بهلال وجه لاح في ... خلل السجوف «3» لحاجب ومحجّب
يا من رأى فيها محبّا مغرما ... لم ينقلب إلّا بقلب قلّب
ما زال مذ ولّى يحاول حيلة ... تدنيه من نيل المنى والمطلب
فأجال نار الفكر حتى أوقدت ... في القلب نار تشوّق وتلهّب
فتلاقت الأرواح قبل جسومها ... وكذا البسيط يكون قبل مركّب
ومن مقطوعاته البديعة، مما سمع منه بغرناطة، حرسها الله، أيام مقامه بها قوله «4» : [الطويل]
أرى لك يا قلبي بقلبي محبّة ... بعثت بها سرّي إليك رسولا
فقابله بالبشرى «5» وأقبل عشيّة ... فقد هبّ مسك «6» للنسيم عليلا
ولا تعتذر بالقطر أو بلل الندى ... فأحسن ما يأتي النسيم بليلا
ونقلت من خط الفقيه القاضي أبي جعفر الرّعيني، مما أملاه عليّ بمنزله بغرناطة، قال: وحضرت في عام ثلاثة عشر وسبعمائة، يوم إحرام الكعبة العليّة، وذلك في شهر ذي القعدة على اصطلاحهم في ذلك، وصفته أن يتزيّن سدنة البيت من شيبة بأحسن زي، ويعمدوا إلى كرسي يصل فيه صاعده إلى ثلث الكسوة، ويقطعها من هنالك، ويبقى الثلثان إلى الموسم، وهو يوم مشهود عند سكان الحرم، يحتفل له، ويقوم المنشدون أدراج الكعبة ينشدون. فقلت في ذلك: [الطويل]
ألم ترها قد شمّرت تطلب الجدّا ... وتخبر أنّ الأمر قد بلغ الحدّا؟
فجدّ كما جدت إليها وشمّر ... عن السّاعد الأقوى تنل عندها سعدا
طوت بردها طيّ السّجلّ كناية ... لأمر خفيّ سرّه طوت البردا
وأندت محيّاها فحيّي «7» جماله ... وقبّل على صوت المقى «8» ذلك الخدّا
(2/407)

فكم سترت سود البرود جمالها ... وغطّته لكن عن سنها الرمدا «1»
وكم خال ذاك الخال عما مقصّر ... عن العلم بالأنساب لا يعرف الحدّا
لقد سفرت عن وجهها الكعبة التي ... لها الحجر «2» المسنيّ في حسنها المبدا
وقالت ألا أين مكلّلي، قصدوا إلى «3» ... جمالي فقد أبدى الحجاب الذي أبدا
فلبّت لها العشّاق من كل جانب ... يؤمّونها يستقربون لها البعدا
فمن ندف أشفى على تلف ومن ... محبّ على قرب يهيم بها وجدا
ومن ساهر على النجوم ولم يذق ... بعينيه طعم النور أو يبلغ القصدا
يسائل عن بدر وبدر تجاهه ... كذاك «4» اشتراك اللفظ قد ينغص الخدا
ومن مستهام لا يقرّ قراره ... كأنّ به من حرّ أشواقه وقدا
يقلّب قلبا بين جنبيه موريا ... أوار الأسى فيه فتحسبه زندا
إذا ما حدا حادي الرّكاب ركابه ... كأنّ قلوب الراكبين له نجدا
أحاد بها إن أنت جئت بها منى ... ونلت المنى والأمن فانزل ورد وردا
ولا خوف هذا الخيف «5» والتربة التي ... سرت بهما «6» قد عيّن المصطفى عدّا
وفي عرفات فاعترف وانصرف إلى ... مشاعر «7» فيها يرحم المالك العبدا
وإن كنت من أوفى العبيد جرائما ... فحسّن نبيل العقد من ربّك العقدا
لئن صدقت فيك الوعيد جرائم ... فعفوا جميل «8» الصفح يصدقك الوعدا
وعد مفضيا للبيت طف واستلم وقم ... بها للمقام الرحب واسجد وكن عبدا
ورد في الثنا والحمد والشكر واجتهد ... فمن عرف الإحسان زادته حمدا
وعج نحو فرض الحب واقض حقوقه ... وزر قبر من أولاك من هديه رشدا
قال: وكنت في زمن الحداثة، أفضّل الأصيل على السّحر، وأقول فيه رقّة المودّع ورقّة المعتذر. فلمّا كان أوان الأسفار، واتصلت ليالي السير إلى أوقات
(2/408)

الأسحار، رأيت أفق الشرق، ووجدت القائل بفضل السّحر أصدق، فابتدأت راكبا، فلمّا جئت لذكر الجناب العليّ النبوي، أتممت ماشيا، وأنا في رملة بين مصر وعقبة إيله، وقلت: [البسيط]
ما أحسن الأفق الشرقيّ إسفارا ... فكم هذا في دجى الإدلاج أسفارا
إذا بدا سارت الأظعان هادية ... له وصارت به الظلماء أنوارا
يجلو غياهب ليل طالما سدلت ... على المحبين في الظلماء أستارا
ونمّ منه نسيم ثم ذا بعد ... على أحاديث كانت ثمّ أسرارا
سرت سحيرا فبرّت سرّ ذي سحر ... أهدت له ريح من يهواه معطارا
سرت ببانات أكناف اللّوى فغدت ... كأنّ دارين قد أصبحت دارا
طابت بطيبة أرواح معطرة ... بها فأصبح أفق الشوق عطّارا
كأنما فلق الإصباح حين بدا ... خدّ وبهجة «1» حسن الشمس قد وارى
حقي بدت وتبدّت حسن صورتها ... فعمّت «2» الأرض أنجادا وأغوارا
كأنه دعوة المختار حين بدت ... دانت لها الخلق إعلانا وإصرارا
من نوره كل نور أنت تبصره ... ونوره زاد للأبصار «3» إبصارا
هدا به الله أقواما به سعدا «4» ... لولاه كانوا مع الكفر كفّارا
هو الشّفيع الذي قالت شفاعته ... للموبقين ألا لا تدخلوا النّارا
هو العفوّ «5» عن الجاني وإن عظمت ... من المسيء ذنوب كان غفّارا
هو الكريم الذي ما ردّ سائله ... يوما ولو كرّر التّسآل تكرارا
هو الحبيب الذي ألقى محبته ... في كل قلب فقلبي نحوه طارا
أحبّه كلّ مخلوق وهام به ... حتى الجمادات أحجارا وأشجارا
وانشقّ بدر الدّجى من نور غرّته ... وانهلّت السّحب من كفّيه أنهارا
ومن مقطوعاته، قال: ومما نظمته في ليل السّرى، وتخيل طيف الكرى، مبدأ قصيد قصدته، أي معنى أردته، أشغل عنه ما بي منه: [الخفيف]
منع الهجر من سليمى هجوعا ... فانثنى طبعها يريد الرّجوعا
(2/409)

بعثته ليلا يعلّل قلبا ... مستهاما بها محبّا ولوعا
لم يجد غير طرف جفن قريح ... شاخصا نحوها يذرّ الدّموعا
وكتب إلى صديقه شيخنا أبي بكر بن شبرين من بجاية، وهو معتقل بقصبتها، وقد امتحنه بذلك أبو عبد الله بن سيد الناس: [الخفيف]
شرح حالي لمن يريد سؤالي ... إنني في اعتقال مولى الموالي «1»
مطلق الحمد والثناء عليه ... وهو للعطف والجميل موال
لا أرى للولاة فيّ احتكاما ... ووليّ مال على كل وال
أرتجي بالمصاب تكفير ذنبي ... حسبما جاء في الصّحاح العوالي «2»
لا تدوم الدّنا ولا الخير فيها ... وكذا الشّرّ ذا وذا للزوال
فاغتنم ساعة الوصال وكم من ... محنة وهي منحة من نوال
فإذا غبت عنك فاحضر تجدها ... للجواب المفيد عن السؤال «3»
فهي نور النهار «4» والنور منها ... وهي الأنس في الليالي الطوال
فاستدمها تدم ولا تضج منها ... وأدرها على اليمين ووال
فإنّ الكأس مجراها على اليمين، ومسراها لفي الصبح المبين، تغني عن الإصباح والمصباح، وتدني لهم معنى النور المشرق في الوجوه الصّباح، وتجري في الأشباح، فتسري في الأرواح. وهذه الرسالة طويلة، فيها كل بديع من نظم ونثر.
فأجابه رحمه الله: [الخفيف]
أرغمن هذه القيود الثّقال ... ربّ ودّ مصيره للتّغالي «5»
طال صبري على الجديدين حتى ... كدت مما لقيت أن يشفقا لي «6»
إنّ بعض الرضا لديه فسيح ... أيّ مدّ «7» به وأيّ ابتقال
حاش لله أن أكون لشيء ... شاده الصانع القديم بغال
إن عندي من الثناء عليه ... لأماني لم يملهنّ القالي «8»
يا إمامي الذي بودّي لو أم ... كن نصلي «9» إليه أوّار قال
(2/410)

ارج دنياك وارج مولاك واعلم ... أنّ راجي سواه غير مقال
وابتغاء الثواب من ربّك اعمل ... فهو يجزي الأعمال بالمثقال
واغتنم غيبة الرّقيب ففيها ... لقلوب الرجال أيّ صقال
وأحل في الوجود فكر غنيّ ... عن ضروب الإنعام والأحقال
وإذا الوقت ضاق وسّعه بالصّب ... ر ولا تنس من شهير المقال
ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرحة كحلّ العقال
لا غرو أن وقع توان، أو تلوّم دهر ذو ألوان، فالأمر بين الكاف والنون، ومن صبر لم يبوء بصفقة المغبون، وللسعداء تخصيص، ومع التقريب تمحيص، وما عن القضاء محيص، والمتصرف في ماله غير معتوب، وقديم الحقيقة إلى الحيف ليس بمنسوب. وقد ورد خطاب عمادي أطاب الله محضره، وسدّد إلى المرامي العليّة نظره، ناطقا بلسان التفويض، سارحا من الرّضا في الفضاء العريض، لائذا بالانقياد والتسليم، قائما على أسكفّة «1» باب الأدب لمثابة حكم الحكيم.
ومنها: والوقائع عافاكم الله وعّاظ، ونحن هجود وفي الحيّ أيقاظ، وما كل المعاني تؤديها الألفاظ. وهذا الفنا الذي نشأ عن الوقت، هو إن شاء الله عين البقيا.
وإذا أحبّ الله عبدا حماه الدنيا، وما هي إلّا فنون، وجنون فنون، وحديث كله مجون. وقد يجمع الله الشتيتين، ولن يغلب عسر يسرين ولا باس، ويا خطب لا مساس، وأبعد الله الياس، وإنما يوفي الأجر الصابرون، ولا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون. وهي طويلة بديعة.
أسمع بحضرة غرناطة لما قدم عليها وارتسم في جملة الكتاب بها، وحدّث عن رضي الدين أبي أحمد إبراهيم الطهري، بسماعه من الشريف يونس بن يحيى الهاشمي، بسماعه من أبي الوقت طرّاد. وعن الإمام سراج الدين أبي حفص عمر بن طراد المعري القاضي بالحرم الشريف، وعن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد الهمداني، وعن الإمام بهاء الدين الخميري عن أبي الطاهر السّلفي، وعن جماعة غيرهم، وكان وروده على الأندلس في أوائل عام خمسة عشر وسبعمائة، وحضر بها غزوات، ولقي من كان بها من الأعلام. ثم انصرف عنها في أوائل عام ثمانية عشر، وأحلّ بسبتة، فأكرم رئيسها أبو عمر يحيى بن أبي طالب العزفي قدومه، وأنزله بدار جليلة كان بها علو مطلّ على البحر، لم يتمكن من مفتاحه، لأمر اقتضى
(2/411)

ذلك، فكتب إليه: [الكامل]
يا صاحب البلد المليح المشرق ... ما مثله في مغرب أو مشرق
منها:
وخفضت عيشي فيه فارفع منزلي ... حتى أرى الدنيا بطرف مطرق
وتجول في البلاد، ولقي من بها، واتصل بالأمير أبي علي بسجلماسة، ومدحه بقصيدة حفظ له منها: [الطويل]
فيا يوسفيّ الحسن والصّفح والرّضا ... تصدّق على الدنيا بسلطانك العدل
ثم اتصل بوطنه.
وفاته: نقلت من خط شيخنا أبي بكر المذكور: وفي عام أربعين وسبعمائة، توفي بتونس صاحبنا الحاج الفاضل المتصوّف، الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المليكشي الشهير بابن عمر. صدر في الطلبة والكتاب، شهير ذو تواضع وإيثار، وقبول حسن، رحمه الله.
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني «1»
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: هذا «2» الرجل الفاضل، صاحب رواء وأبّهة، نظيف البزّة، فاره المركب، صدوف عن الملّة، مقيم للرسم، مطفّف في مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى آماد التوغّل، سخيّ اللسان بالثناء ثرثاره، فكه مطبوع، حسن الخلق، عذب الفكاهة، مخصوص حيث حلّ من الملوك والأمراء بالأثرة، وممّن دونهم بالمداخلة والصّحبة، ينظم الشّعر، ويحاضر بالأبيات، ويتقدّم في باب التّحسين والتّقبيح، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة والأخذ عن أولي الرواية. قدم على الأندلس في إحدى جمادين، عام خمسين وسبعمائة، مفلتا من الوقيعة «3» بالسلطان أبي الحسن بالجهات الشرقية، بأيدي بني زيّان وأحلافهم،
(2/412)

فمهّد له سلطانها، رحمه الله، كنف برّه، وأواه إلى سعة رعيه، وتأكّدت بيني وبينه صحبة.
شعره: كتبت إليه لأول قدومه بما نصّه: أحذو حذو أبيات، ذكر أنّ شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها «1» : [الطويل]
أمن جانب الغربيّ نفحة بارح ... سرت منه أرواح الجوى في الجوانح «2»
قدحت بها زند الغرام وإنما ... تجافيت في دين السّلوّ لقادح
وما هي إلا نسمة حاجريّة ... رمى الشوق منها كلّ قلب بقادح
رجحنا لها من غير شكّ كأنها ... شمائل أخلاق الشّريف ابن راجح
فتى هاشم سبقا إلى كلّ عليّة «3» ... وصبرا مغار الفتل «4» في كلّ فادح «5»
أصيل العلا، جمّ السيادة، ذكره ... طراز نضار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشّكّ نوره ... حبا الله منه كلّ صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى ... صحائفه أنست مضاء الصّفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع ... وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما احتبى مستحفزا «6» في بلاغة ... وخيض «7» خضمّ القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوه ... أسنّة حرب للعيون اللّوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادح «8» ... ولا ذهبت منه بحكمة ناصح
تذكّرت قسّا قائما في عكاظه ... وقد غصّ بالشّمّ الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ... خواتمها «9» موصولة بالفواتح
رعى الله ركبا أطلع الصبح مسفرا ... لمرآك من فوق الرّبى والأباطح «10»
ومنها:
أقول لقومي عندما حطّ كورها ... وساعدها السّعدان وسط المسارح «11»
(2/413)

ذروها وأرض الله لا تعرضوا لها ... بمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيها «1» فمن لنا ... بطوع القوافي وانبعاث القرائح
بقيت منى نفس وتحفة رائد «2» ... ومورد ظمآن وكعبة مادح
ولا زلت تلقى الرحب «3» والبرّ حيثما ... أرحت السّرى من كلّ غاد ورائح
فأجابني بما نصه «4» : [الطويل]
أمن مطلع الأنوار لمحة لامح ... تعار لمفقود «5» عن الحيّ نازح؟
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوي ... غليل عليل للتواصل جانح؟
فيا فيض عين الدمع ما لك والحمى ... ورند الحمى والشّيح شيح المشايح «6»
مرابع آرامي ومورد ناقتي ... فسقيا لها سقيا لناقة صالح
سقى الله ذاك الحيّ ودقا «7» فإنه ... حمى لمحات العين عن لمح سامح»
وأبدى لنا حور الخيام تزفّ في ... حلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حيّ تلك الحور للحور مهيع «9» ... يدلّ، وهل حسم لداء التّبارح؟
ويا دوحة الريحان «10» هل لي عودة ... لعقر عقار «11» الأنس بين الأباطح؟
وهل أنت إلّا طلّة «12» حاتميّة ... تغصّ نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب «13» منابرا ... لترتيل آيات النّدى والمنائح
وشفّع بالإنجيل حمد مديحه ... وأوتر بالتّوراة شفع المدائح
وفرّق بالفرقان كلّ فريقة ... نأت عن رشاد فيه معنى «14» النصائح
وهل هو إلّا للبريّة مرشد ... لكلّ هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى «15» لسان الدين ساد بك الورى ... وأورى الهدى للرّشد أوضح واضح
(2/414)

متى قلت لم تترك مقالا لقائل ... فإن «1» لم تقل لم يغن حمد «2» لمادح
فمن حام بالحيّ الذي أنت أهله «3» ... وعام ببحر من عطائك «4» طافح
يحقّ له أن يشفع الحمد بالثّنا ... ويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدوره ... وبشرى له قد راح أربح رابح
بآرائك التي تدلّ على الهدى ... وتبدي لمن خصصت سيل «5» المناجح
ملكت خصال السّبق في كل غاية ... وملّكت من «6» ملكت يا ابن الجحاجح «7»
مطامح آمال لأشرف همّة ... أقلّ مراميها أجلّ المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحة ... أحببت بها عن مدح أشرف مادح
تهنّيك «8» بالعام الذي عمّ حمده «9» ... مواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سميّ الفخر يا خير مسبل ... على الخلق إغضاء «10» ستور التسامح
ودم خاطب العليا لها خير خاطب ... وأتوق توّاق وأطمح طامح
وتلقاني بمالقة عند قدومي من الرّسالة إلى المغرب، في محرم عام ستة وخمسين وسبعمائة، ونظم لي هذه الأبيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله: [الطويل]
قدومك ذا أبدى لذي الراية الحمرا ... ثغور الرّضى تعبر عن شنب البشرا
وأينع فجر الرّشد من فلق الهدى ... وكوّنه نهرا وفجّره فجرا
سرينا له كي يحمد السّير والسّرى ... ونرقب شمس الدين من فرعك الفجرا
ونصبح في أحياء للمنّ «11» نستلم ... مواطنكم شفعا وآثاركم وترا
ونخطب ما، يا ابن الخطيب، تشاء «12» من ... كرائم ذاك الحيّ إذ نهز الشّعرى
فقابلت بالإقبال والبرّ والرّضى ... وأقريت من يقرا وأقررت من قرّا
فأبناء قدس الحمد حضرة قدسنا ... وأقدامنا تملا وأمداحكم تقرا
(2/415)

هنيّا لنا نلنا ونلنا ولم نزل ... ننال ولكن هذه المنّة الكبرا
رأينا وزير الملد والملك واللّوى ... وحزب اللّوى كلّ يشدّ به أزرا
سجدنا وكبّرنا وقلنا: رسولنا ... أتى بالذي يرضي بشرى لنا بشرى
ويهني الورى هذا الإياب فإنّ في ... نتائجه للدّهر ما يسهر الدّهرا
أرانا سنا ذا اليوم أجمل منظر ... وجلّى لنا من وجهك الشمس والبدرا
أما والذي أوليت من نعمة غدت ... تعلّمنا للمنعم الحمد والشكرا
لأنت لسان الدّين للدّين حجّة ... تؤيّده سرّا وتعضده جهرا
بقيت لنا كتفا منيعا مشرفا ... ودمت له عضدا ودمت له نصرا
ودمنا بكم في كلّ أمن ومنّة ... ندير المنى خمرا ونصلي «1» العدا جمرا
ومن أمثل ما مدح به السلطان لأول قدومه بالنسبة إلى غير ذلك من شعره:
[الطويل]
أما والعيون النّجل ترمق عن سحر ... وورد رياض الخدّ والكأس والخمر
وريحانه والرّاح والطّلّ والطّلى ... ونرجسه والزّهر والنّور والنّهر
ونور جبين الشمس في رونق الضّحى ... وهالة بدر التّمّ منتصف الشّهر
لقد قلّدت آراء يوسف ملكه ... قلائد نصر لن تبيد مع الدّهر
وقد أيّد «2» الإسلام منه بناصر ... نصير وخير النصر نصر بني نصر
هم القوم أنصار النبيّ محمد ... به «3» عصبة الأعلام في اليسر والعسر
وحسبك من قوم حموا سيّد الورى ... وقاموا بنصر الحقّ في السّرّ والجهر
سقى شرعة الإسلام ودق سيوفهم ... رحيق الأماني طيّب العرف والنّشر
فأصبح روض الرّشد يعبق طيبه ... ودوح الهدى بالزّهر أزهاره تزري
فيا سائلي عنه وعن سطواته ... إذا لاح محفوفا براياته الحمر
وجزّ «4» مع الإقدام جيشا عرمرما ... وشرّد بالتأييد شرذمة «5» الكفر
(2/416)

لخلّيلة تنبيك عما وراءها ... ولا غرو فالإفصاح يعرف بالعجز
فيا فوز من أدناه بالغنم والغنى ... ويا ويل من أقصاه للقفر والفقر
يمينا بما اختارت يداك وأحرزت ... من الملك والتأييد والنّهي والأمر
لقد أصعدت مجدي مدائحك التي ... ومجدك والعليا مدحت بها شعري «1»
وحقّ لمثلي يشفع الحمد بالثّنا ... ويتلو معانيه مع الشّفع والوتر
فأجني ثمار الأنس من روضة المنى ... وأقطف زهر «2» الحمد من شجر الشكر
وأشرب ماء الفوز عذبا ختامه ... رحيق براح السّمح في أكؤس البشر
ولا برحت أمداحكم تعجز النهى ... وإلّا فكم تنجني من العسر لليسر
ولا زالت الأقدار تخدم رأيكم ... وراياتكم ما دام نجم للسّرا يسري
وكتب إليّ في غرض يظهر منه نصّ المراجعة، وحسبنا الله «3» : [الطويل]
أما والذي لي في حلاك من الحمد ... وما لك ملّاكي عليّ «4» من الرّفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرض ... عن المسرف اللائي لفطرك يستجدي «5»
فإن زلّة منّي «6» بدت لك جهرة ... فصفحا فما والله إذ كنت عن عمد «7»
فراجعته بقولي»
: [الطويل]
أجلّك عن عتب يغضّ من الودّ ... وأكرم وجه العذر منك عن الرّدّ
ولكنني أهدي إليك نصيحتي ... وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حدّه ... تحوّلت الأغراض منه إلى الضّدّ
فأصبح منه الجدّ هزلا مذمّما ... وأصبح منه الهزل في معرض الجدّ
فما اسطعت «9» فيضا «10» للعنان فإنه ... أحقّ السجايا بالعلاء «11» والمجد
(2/417)

توفي يوم الخميس الثالث لشعبان عام خمسة وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين سنة، ودفن بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشّعر من نابي «1» مقصّه.
وغير هذه الدعوى قرارها تجاوز القضية.
محمد بن علي بن عمر العبدري «2»
من أهل تونس، شاطبي الأصل، يكنى أبا عبد الله، صاحبنا.
حاله: كان فاضلا من أبناء النّعم، وأخلاف العافية، ولّي أبوه الحجابة بتونس عن سلطانها برهة، ثم عدا عليه الدهر، واضطر ولده هذا إلى اللحاق بالمشرق، فاتصل به سكناه وحجّ، وآب إلى هذه البلاد ظريف النّزعة، حلو الضّريبة، كثير الانطباع، يكتب ويشعر، ويكلف بالأدب، ثم انصرف إلى وطنه. وخاطبني إلى هذا العهد، يعرّفني بتقلّده خطة العلّامة، والحمد لله.
وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصّه «3» : غذيّ نعمة هامية، وقريع رتبة سامية، صرفت إلى سلفه الوجوه، ولم يبق بإفريقية «4» إلّا من يخافه ويرجوه، وبلغ هو مدة ذلك الشرف، الغاية من التّرف. ثم قلب الدهر له ظهر المجنّ، واشتدّ به الخمار «5» عند فراغ الدّنّ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة «6» وشدّة كبيرة، فامتزج بسكانه وقطّانه، ونال من اللّذّات ما لم ينله في أوطانه؛ واكتسب الشمائل العذاب، وكان كابن الجهم «7» بعث إلى الرّصافة ليرقّ فذاب، ثم حوّم على وطنه تحويم الطّائر، وألمّ بهذه المدينة «8» إلمام الخيال الزائر، فاغتنمت صفقة ودّه لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت منه على درّة تقتنى، وحديقة طيّبة الجنى.
شعره: أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه «9» : [الطويل]
لكلّ أناس مذهب وسجيّة ... ومذهب أولاد النظام المكارم
(2/418)

إذا كنت فيهم ثاويا كنت سيّدا ... وإن غبت عنهم لم تنلك المظالم
أولئك صحبي، لا عدمت حياتهم ... ولا عدموا السّعد الذي هو دائم!
أغنّي بذكراهم وطيب حديثهم ... كما غرّدت فوق الغصون الحمائم
ومن شعره يتشوّق إلى تلك الديار، ويتعلل بالتذكار، قوله «1» : [الوافر]
أحبّتنا بمصر لو رأيتم ... بكائي عند أطراف النهار
لكنتم تشفقون لفرط وجدي ... وما ألقاه من بعد المزار «2»
ومن شعره: [الطويل]
تغنّى حمام الأيك يوما بذكرهم ... فأطرب حتى كدت من ذكرهم أفنى
فقلت: حمام الأيك لا تبك جيرة ... نأوا «3» وانقضت أيام «4» وصلهم عنّا
فقال ولم يردد جوابا لسائل ... ألا ليتنا كنا جميعا بذا حقنا «5»
ومن جيد شعره الذي أجهد فيه قريحته، قوله يمدح السلطان المعظم أبا الحسن في ميلاد عام سبعة وأربعين وسبعمائة: [الطويل]
تقرّ ملوك الأرض أنّك مولاها ... وأنّ الدّنا وقف عليك قضاياها
ومنها:
طلعت بأفق الأرض شمسا منيرة ... أنار على كل البلاد محيّاها
حكيت لنا الفاروق «6» حتى كأننا ... مضينا «7» بعين لا نكذّب رؤياها
وسرت على آثاره خير سيرة ... قطعنا بأنّ الله ربّك يرضاها
إذا ذكرت سير الملوك بمحفل ... ونادى بها النّادي وحسّن دنياها
فجودك روّاها وملكك زانها ... وعدلك زانها «8» وذكرك حلّاها
وأنت لها كهف حصين ومعقل ... تلوذ بها أولى الأمور وأخراها
(2/419)

ومنها بعد كثير:
ومنكم ذوو التّيجان والهمم التي ... أناف على أعلى السّماكين أدناها
إذا غاب منهم مالك قام مالك ... فجدّد «1» للبيت المقدّس علياها
بناها على التقوى وأسّس بيتها ... أبو يوسف الزّاكي وسيّر مبناها
وأورثها عثمن خير خليفة ... وأحلم من ساس الأنام وأنداها
وقام عليّ بعده خير مالك ... وخير إمام في الورى راقب الله
علي بن عمر بن يعقوب ذو العلا ... مذيق الأعادي حيثما سار بلواها
أدام الله وأعطى الخلافة وقتها ... ونوّر أحلاك الخطوب وجلّاها
ووصلني كتاب منه مؤرخ في التاسع عشر من شهر شعبان المكرم من عام أربعة وستين وسبعمائة، جدّد عهدي من شعره بما نصّه: [الطويل]
رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبوا ... ففاضت لروعات الفراق عيون
فيا أدمعي منهلّة إثر بينهم ... كأنّ جفوني بالدموع عيون
فيا معهدا قد بنت عنه مكلّفا ... بديلي منه أنّة وحنين
سقتك غوادي المزن كرّ عشيّة ... ودادك محلول النطاق هتون
فإن تكن الأيام لم تقض بيننا ... بوصل فما يقضى فسوف يكون
يعزّ علينا أن نفارق ربعكم ... وأنّا على أيدي الخطوب نهون
ولو بلّغتني العير عنكم رسالة ... وساعد دهر باللّقاء ضنين
لكنّا على ما تعلمون من الهوى ... ولكن لأحداث الزمان فنون
(2/420)

فهرس المحتويات
محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن فرج بن يوسف بن نصر الخزرجي 3
شيخ الغزاة ورئيس الجند الغربي لأول أمره 5
الأحداث في أيامه 9
الحادثة التي جرت عليه 11
ترتيب الدولة الثانية السعيدة الدور إلى بيعة الكور 14
ظرف السلطان وحسن توقيعه 18
ومن ملوك النصارى 21
بعض مناقب الدولة لهذا العهد 24
الجهاد في شعبان من عام سبعة وستين وسبعمائة 43
الغزاة إلى حصن أشر 45
الغزاة المعملة إلى أطريرة 45
الغزاة إلى فتح جيّان 46
الغزاة إلى مدينة أبدة 46
مولده السعيد النّشيئة، الميمون الطلوع والجيئة 50
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري 51
الملوك على عهده 54
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عامر بن محمد بن أبي الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري، المنصور بن أبي عامر 57
غزواته وظهوره على أعدائه 58
محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم، لخمي النسب 61
توقيعه ونثره في البديهة 66
محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي 70
(2/421)

ما نقم عليه ووصم به 71
بعض الأحداث في أيامه، ونبذ من أخباره 73
محمد بن يوسف بن هود الجذامي 74
بعض الأحداث في أيامه 75
محمد بن أحمد بن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن بن أيوب بن حامد بن زيد بن منخل الغافقي 77
حاله ونباهته ومحنته ووفاته 77
خبر في وفاته ومعرجه 78
محمد بن أحمد بن محمد الأشعري 79
محمد بن فتح بن علي الأنصاري 80
محمد بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن الزيات الكلاعي 80
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحاج 81
محمد بن رضوان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أرقم النّميري 82
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير بن عيّاش 83
محمد بن عبد الله بن منظور القيسي 101
محمد بن علي بن الخضر بن هارون الغساني 103
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سعد الأشعري المالقي 106
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن موسى بن إبراهيم بن محمد ابن ناصر بن حيّون بن القاسم بن الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه 110
محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي 114
محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري 116
من فصل الإقبال 125
محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي 144
محمد بن عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض اليحصبي 145
محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان بن عبد السلام بن جبير الكناني 146
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن شبرين 152
محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي 159
(2/422)

محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي 161
محمد بن محمد بن محمد بن قطبة الدّوسي 162
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي 162
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي 163
محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي 163
محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن الحكيم اللخمي 172
محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي بن محمد اللّوشي
اليحصبي 174
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن الحكيم اللخمي 176
محمد بن محمد بن علي بن العابد الأنصاري 181
محمد بن مالك المرّي الطّغنري 182
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأوسي 183
محمد بن علي بن عبد الله بن علي القيسي العرادي 184
محمد بن علي بن العابد الأنصاري 185
محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي 186
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن علي الغسّاني البرجي الغرناطي 190
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد الصّريحي 196
ومن السفر السابع المفتتح بقوله ومن الطّارئين منهم في هذا الباب 207
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة الجبّائي 207
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الإستجّي الحميري 207
محمد بن أحمد بن علي الهوّاري 216
محمد بن أحمد بن الحدّاد الوادي آشي 220
محمد بن إبراهيم بن خيرة 223
محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي 224
محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري 226
محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم 228
شعره ودخوله غرناطة 229
محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري 233
محمد بن محمد بن أحمد بن شلبطور الهاشمي 243
محمد بن محمد بن جعفر بن مشتمل الأسلمي 246
محمد بن محمد بن حزب الله 249
محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري 252
(2/423)

محمد بن محمد بن عبد الله بن مقاتل 261
محمد بن أحمد بن أحمد بن صفوان القيسي 262
محمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوي 262
محمد بن محمد بن الشّديد 267
محمد بن مسعود بن خالصة بن فرج بن مجاهد بن أبي الخصال الغافقي 269
محمد بن مفضل بن مهيب اللخمي 288
محمد بن عبد الله بن داود بن خطاب الغافقي 295
محمد بن عبد الله بن محمد بن لب الأمي 299
محمد بن عبد الله بن الحاج البضيعة 308
محمد بن عبد الله بن فطيس 309
محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن فتوح بن محمد بن أيوب بن محمد بن الحكيم اللخمي ذو الوزارتين 310
محمد بن عبد الرحمن العقيلي الجراوي 332
محمد بن عبد الرحمن المتأهل 333
محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي 334
حظوته ودخوله غرناطة 334
محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عيّاش التّجيبي البرشاني 337
بعض أخباره مع المنصور ومحاورته الدّالة على جلالة قدره 339
محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني 341
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري 345
محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان الزّهري 347
محمد بن غالب الرّصافي 356
محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي 366
محمد بن سليمان بن القصيرة 367
محمد بن يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني 370
«ومن الغرباء في هذا الحرف» محمد بن حسن العمراني الشريف 371
محمد بن محمد بن إبراهيم بن المرادي ابن العشاب 373
محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي 375
محمد بن خميس بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن خميس الحجري حجر ذي رعين التّلمساني 376
محمد بن عمر بن علي بن إبراهيم المليكشي 405
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني 412
محمد بن علي بن عمر العبدري 418
(2/424)

[المجلد الثالث]
[تتمة قسم الثانى]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي «1»
من أهل سبتة، أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب.
حاله: من أهل الظّرف والبراعة، والطبع المعين، والذكاء، رئيس سبتة، وابن رؤسائها، وانتقل إلى غرناطة عند خلعه وانصرافه عن بلده. أقام بها تحت رعي حسن الرّواء، مألفا للظرفاء، واشتهر بها أدبه، ونظر في الطّبّ ودوّن فيه، وبرع في التّوشيح. ثم انتقل إلى العدوة، انتقال غبطة وأثرة، فاستعمل بها في خطط نبيهة، وكتب عن ملوكها، وهو الآن بالحالة الموصوفة.
وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «2» : فرع تأوّد من الرئاسة في دوحة، وتردّد بين غدوة في المجد وروحة، نشأ والرئاسة العزفيّة تعلّه وتنهله، والدّهر يسيّر أمله الأقصى ويسهّله، حتى اتّسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده، فألقت إليه رحالها وحطّت، ومتّعته بقربها بعدما شطّت. ثمّ كلح له الدهر بعد ما تبسّم، وعاد زعزعا «3» نسيمه الذي كان يتنسّم، وعاق هلاله عن تمّه، ما كان من تغلّب ابن عمّه، واستقرّ بهذه البلاد نائي «4» الدار بحكم الأقدار، وإن كان نبيه المكانة والمقدار، وجرت عليه جراية واسعة، ورعاية متتابعة، وله أدب كالرّوض باكرته
(3/3)

الغمائم، والزّهر تفتّحت عنه الكمائم، رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقا نافقة.
وعلى تدفّق أنهاره، وكثرة نظمه واشتهاره، فلم أظفر منه إلّا باليسير التافه بعد انصرافه.
شعره: قال: [مجزوء الرجز]
أفديك يا ريح الصّبا ... عوجي على تلك الرّبى
واحد النّعامى سحرا ... ترسل غماما صبّا
على ربى غرناطة ... لكي تقضّي ما ربا
ثم ابلغي «1» يا ريح ... عن صبّ سلاما طيّبا
ومن منظومه أيضا في بعض القضاة الفاسيّين، وهو من البديع، وورّى فيه ببابين من أبواب المدينة: [المتقارب]
وليت بفاس أمور القضاء ... فأحدثت فيها أمورا شنيعه
فتحت لنفسك باب الفتوح ... وغلقت للناس باب الشّريعة
فبادر مولى الورى فارس ... بعزلك عنها قبيل الذّريعه
وقال: [الكامل]
دع عنك قول عواذل ووشاة ... وأدر كؤوسك يا أخا اللّذّات
واخلع عذارك لاهيا في شربها ... واقطع زمانك بين هاك وهات
خذها إليك بكفّ ساق أغيد ... لين المعاطف فاتر الحركات
قد قام من ألحاظه إنسانها ... مثبّتا في فترة اللحظات
يسقيكها حمراء يسطع نورها ... في الكأس كالمصباح في المشكات
رقّت وراقت في الزّجاجة منظرا ... لمّا عدت تجلي على الرّاحات
لا تمزجنها في الأبارق إنها ... تبدو محاسنها لدى الكاسات
عجبا لها كالشمس تغرب في فم ... لكن مطالعها من الوجنات
نلنا بها ما نشتهيه من المنى ... في جنّة تزهى على الجنّات
رفّت عليها كلّ طلّ سجسج ... من كلّ غضّ يانع الثمرات
ما بين خضر حدائق وخمائل ... وجداول تفضي إلى دوحات
سرى النسيم بها يصافح زهره ... فيهبّ وهو مورّج النفحات
(3/4)

وشدا لنا فيها مغنّ شادن ... حاز المدى سبقا إلى الغايات
طربت له القضب اللّدان وبادرت ... رجعا له تختال في الحبرات
مرّت عليه ركّعا لكنها ... جعلت تحيّتها لدى الرّكعات
قصرت صلاة الخوف منه فقرّبت ... قربانها وحفته بالزّهرات
والعود مثناه يطابق زيّها ... فيها «1» ردانات على رنّات
إن جسّ مثلثه بان بغنّة «2» ... في اليمّ منه ثقيلة النّغمات
فكان ما غنّت عليه الورق من ... ألحانها ألقاه للقينات
عكفت على ألحانها تشدو لنا ... خلف السّتائر باختلاف لغات
فكأنها عجم تورات بالحجاب ... وردّدت سورا من التّورات
نطقت بأفصح نغمة في شدوها ... تتلو علينا هذه الآيات
ومما أنشده ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم: [المتقارب]
إذا لم أطق نحو نجد وصولا ... بعثت الفؤاد إليها رسولا
وكم حلّ قلبي رهينا بها ... غداة نوى الرّكب فيها النزولا
محل بها في الحلال التي ... ضحى أصبح القوم فيها حلولا
وكم بتّ فيها غداة النّوى ... أسحّ من العين دمعا همولا
على شمس حسن سما ناظري ... إليها وعنّي توارت أفولا
وقفت بوادي الغضا ساعة ... لعلّي أندب فيها الطّلولا
وفي البان من أيكه ساجع ... يرجّع بالقضب منها الهديلا
بحقّ الهوى يا حمام الحمى ... ترفّق بقلبي المعنّى قليلا
فقد هجت تالله أشواقه ... بذكرك إلفا ثنى «3» أو خليلا
ألم تدر أن ادّكاري الهوى ... يذيب ويعنى الفؤاد العليلا؟
رعى الله تلك المطايا الّتي ... إلى الحجّ وخدا سرت أو ذميلا
ويا عجبا كيف خفّت بهم ... وحمّلت القلب حملا ثقيلا
وودّعني الصبر إذ ودّعوا ... فما أن وجدت إليه سبيلا
وآثرت، يا ويح نفسي، المقام ... وآثر أهل الوداد الرّحيلا
(3/5)

وجادوا رجاء «1» الرّضى بالنفوس ... وكنت بنفسي ضنينا بخيلا
ندمت على السّير إذ فاتني ... ولازمت حزني دهرا طويلا
وفاز المخفّون إذ يمّموا ... منازل آثارها لن تزولا
وحجّوا وزاروا نبيّ الهدى ... محمدا الهاشميّ الرسولا
وفازوا بإدراك ما أملوا ... ونالوا لديه الرّضى والقبولا
ولو كنت في عزمهم مثلهم ... إذا لانصرفت إليه عجولا
ولكنني أثقلتني الذنوب ... وما كنت للثّقل منها حمولا
ركبت مطيّة جهل الصّبا ... وكانت أوان التّصابي ذلولا
ومالت بي النّفس نحو الهوى ... وقد وجدتني غرّا جهولا
فطوبى لمن حلّ في طيبة ... وعرّس بالسّفح منها الحمولا
ونال المنى في منّى عندما ... نوى بالمنازل منها نزولا
وأصفى الضمائر نحو الصّفا ... يؤمّل للوصل فيه الوصولا
وجاء إلى البيت مستبشرا ... ليطهر بالأمن فيه دخولا
وطاف ولبّى بذاك الحمى ... ونال من الحجر قصدا وسولا
بلاد بها حلّ خير الورى ... فطوبى لمن نال فيها الحلولا
نبيّ كريم سما رفعة ... وقدرا جليلا ومجدا أصيلا
وكان لأمّته رحمة ... بفضل الشفاعة فيهم كفيلا
وكان رؤوفا رحيما لهم ... عطوفا شفيعا عليهم وصولا
له يفزعون إذا ما رأوا ... لدى الحشر خسفا وأمرا مهولا
وإن جاء في ذنبهم شافعا ... بدا الرّحب من ربّه والقبولا
له معجزات إذا عدّدت ... تفوت النّهى وتكلّ العقولا
ولن يبلغ القول معشارها ... وإن كان الوصف فيها مطيلا
وقسّ البيان وسحبانه «2» ... يرى ذهنه في مداها كليلا
تخيّره الله في خلقه ... فكان الخطير لديه المثيلا
(3/6)

ولم ير في النّاس ندّا له ... ولا في الخلائق منه بديلا
وأبقى له الحكم في أرضه ... فكان الأمين عليها الوكيلا
وكلّ ظلام وظلم بها ... على الفور لمّا أتى قد أزيلا
وكانت كنار لظى فتنة ... فعادت من الأمن ظلّا ظليلا
وقد زان حسن الدّجى جيله ... إذا ذكر الدهر جيلا فجيلا
وأيّامه غرر قد بدت ... بوجه الدّنا والليالي حجولا
رسول كريم إذا جئته ... ويمّمت مغناه تلقى القبولا
بمولده في زمان الربيع ... ربيع أتانا يجرّ الذّيولا
فأهلا به الآن من زائر ... أتانا بفضل يفوق الفضولا
وقام الإمام به المرتضى ... فنال ثوابا وأجرا جزيلا
هو المستعين أبو سالم ... مليك ترفّع قدرا جليلا
وحاز من الصّيت ذكرا أثيرا ... ومن كرم الخيم مجدا أثيلا
سليل عليّ غمام النّدى ... ألا أيّد الله ذاك السّليلا
فتى أوسع النّاس من جوده ... عطاء» جزيلا وبرّا حفيلا
حلاه الوقار ولاقيه ... إذا ارتاح للجود يلفى عجولا
وقد شاع عنه جميل الثّناء «2» ... وعمّ البسيطة عرضا وطولا
وما منّ بالوعد إلّا وفى ... فلم يك بالوعد يوما مطولا
ولا في علاه مغال لمن ... يكثّر في الملك قالا وقيلا
تفرّد بالفضل في عصره ... وكان بعرف الأيادي كفيلا
أطاعت له حين وافى البلاد ... رضّى عندما حلّ فيها حلولا
وجاء «3» لطاعته أهلها ... سراعا يرومون فيها الدّخولا
فنبّه قدر الموالي بها ... وأكسف فيها المعادي خمولا
ومهّد بالأمن أفكارها ... وأمّن بالعدل فيها السبيلا
وكفّ أكفّ التعدّي بها ... فلا يظلم الناس فيها فتيلا
وعصر الكروب الذي قد مضى ... زمان المسرّات منه أديلا
(3/7)

أتانا إلى الغرب في شوكة ... بها عاد جمع الأعادي قليلا
وفوق رؤوس الطغاة انتضى ... حساما ليسمع فيها صليلا
وجرّد من عزمه مرهفا ... لحسم أمور المناوي صقيلا
وكل كفور معاد له ... سيأخذه الله أخذا وبيلا
أعزّ الخلائق لمّا ولي ... ونوّه من كان منهم ذليلا
وراعى لمن جاءه داخلا ... حماه من القاصدين الدّخيلا
فكان بأفعاله قصده ... إلى منهج الفضل قصدا جميلا
وصحّ انتعاش المعالي به ... وقد كان شخص المعالي عليلا
وشيّد مبنى العلا بالنّدى ... ووثّقه خشية أن يميلا
ينيل ويعطي جزيل العطاء «1» ... فما زال أخرى الليالي منيلا
ودام مدى الدّهر في رفعة ... تثير من الحاسدين الغليلا
ولا برح السعد في بابه ... يؤمّ به مربعا أو مقيلا
محمد المكودي «2»
من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «الإكليل» «3» : شاعر لا يتعاطى «4» ميدانه، ومرعى بيان ورف عضاهه «5» وأينع سعدانه «6» ، يدعو الكلام فيهطع «7» لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه، غير أنه أفرط في الانهماك، وهوى إلى السّمكة من أوج السّماك «8» . وقدم «9» على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار، صفر اليمين واليسار من اليسار، ملئ هوى أنحى على طريفه وتلاده، وأخرجه من بلاده.
(3/8)

ولمّا جدّ به البين، وحلّ هذه البلاد «1» بحال تقبحها العين، والسيف بهزّته، لا بحسن بزّته، دعوته «2» إلى مجلس أعاره البدر هالته، وخلع عليه الأصيل غلالته، وروض تفتّح كمامه، وهمى عليه غمامه، وكاس أنس تدور، فتتلقّى نجومها البدور. فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله، وتذكّر هواه ويوم نواه حتّى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، واستقينا «3» منها غمامه، فأمتع وأحسب، ونظر ونسب، وتكلّم في المسائل، وحضر «4» بطرف الأبيات وعيون الرسائل، حتى نشر الصباح رايته، وأطلع النهار آيته.
ومما أنشدنا ونسب لنفسه «5» : [الوافر]
غرامي فيك جلّ عن القياس ... وقد أسقيتنيه بكل كاس
ولا أنسى هواك ولو جفاني ... عليك أقاربي طرّا وناسي
ولا أدري لنفسي من كمال ... سوى أنّي لعهدك غير ناس
وقال في غرض معروف «6» : [الطويل]
بعثت بخمر فيه ماء وإنّما ... بعثت بماء «7» فيه رائحة الخمر
فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنا ... فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر
ومما خاطبني به «8» : [البسيط]
رحماك بي فلقد خلّدت في خلدي ... هوى أكابد منه حرّة «9» الكبد
حللت عقد سلوّي في «10» فؤادي إذ ... حللت منه محلّ الروح في «11» جسدي
مرآك بدري وذكراك التذاذ فمي ... ودين حبّك إضماري ومعتقدي
ومن جمالك نور لاح في بصري ... ومن ودادك روح حلّ في خلدي
لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرا «12» ... فقبل حبّك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أودى النّحول به ... فلو طلبت وجودا منه لم تجد
(3/9)

بما بطرفك من غنج ومن حور ... وما بثغرك من درّ ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفا فلقد ... حابيت «1» بعضهما فاعدل ولا تحد
فقال لي قد جعلت القلب لي وطنا ... وقد قضيت على الأجفان بالسّهد
وكيف تطلب عدلا والهوى حكم ... وحكمه قطّ لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي إلى شجن ... وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كنت من قبل إذعاني لصولته «2» ... إخال أنّ الرّشا يسطو على الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده ... فإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علّتي منه فقال: ألا «3» ... سر للطبيب فما برء الضّنى بيدي
فقلت: إن شئت برئي أو شفا ألمي ... فبارتشاف لماك الكوثريّ جد
وإن بخلت فلي مولى يجود على ... ضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي «4»
وخرج إلى المدح فأطال.
المقرئون والعلماء- الأصليون منهم
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي
«5» يكنى «6» أبا القاسم، من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا رحمة الله عليه.
أوليته: أصل «7» سلفه من ولبة «8» من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند
(3/10)

الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دعوة «1» المرابطين، وكانت لجدهم بجيّان رئاسة وانفراد بالتدبير.
حاله: كان «2» ، رحمه الله، على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصاد «3» على الاقتيات من حرّ النّشب «4» ، والاشتغال بالنّظر والتّقييد والتّدوين، فقيها، حافظا، قائما على التدريس، مشاركا في فنون من العربية «5» ، والفقه، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حفظة «6» للتفسير، مستوعبا للأقوال، جمّاعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن. تقدّم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه، فاتّفق على فضله، وجرى على سنن أصالته.
مشيخته: قرأ «7» على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير «8» ، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن. وروى عن أبي الحسن بن مستقور. وقرأ القرآن على الأستاذ المقرئ الرّاوية المكثر أبي عبد الله بن الكمّاد، ولازم الخطيب أبا عبد الله بن رشيد، وسمع على الشّيخ الوزير أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن المؤذن، وعلى الراوية المسن أبي الوليد الحضرمي. يروي عن سهل بن مالك وطبقته. وروى عن الشيخ الرّاوية أبي زكريا البرشاني، وعن الرّاوية الخطيب أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن علي الأنصاري، والقاضي أبي المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص، والقاضي أبي عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع «9» ، والخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي، والأستاذ النظّار المتفنّن أبي القاسم قاسم بن عبد الله بن الشّاط.
وألّف الكثير في فنون شتى.
تواليفه: منها «10» كتاب «وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم» وكتاب «الأنوار السّنية في الكلمات السّنّية» وكتاب «الدّعوات والأذكار، المخرجة من صحيح
(3/11)

الأخبار» وكتاب «القوانين الفقهية، في تلخيص مذهب المالكية» و «التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبليّة» وكتاب «تقريب الوصول إلى علم الأصول» وكتاب «النّور المبين، في قواعد عقائد الدين» وكتاب «المختصر البارع، في قراءة نافع» وكتاب «أصول القرّاء الستة غير نافع» ، وكتاب «الفوائد العامة، في لحن العامّة» ، إلى غير ذلك مما قيّده في التفسير والقراءات وغير ذلك. وله فهرسة كبيرة اشتملت «1» على جملة من أهل المشرق والمغرب.
شعره: قال «2» في الأبيات الغينيّة ذاهبا مذهب الجماعة كأبي العلاء المعرّي، والرئيس أبي المظفر «3» ، وأبي الطاهر السّلفي، وأبي الحجاج ابن الشيخ، وأبي الربيع بن سالم، وأبي علي بن أبي الأحوص، وغيرهم، كلهم نظم في ذلك «4» :
[الطويل]
لكلّ بني الدنيا مراد ومقصد ... وإنّ مرادي صحّة وفراغ
لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا ... يكون به لي للجنان بلاغ «5»
وفي «6» مثل هذا فلينافس أولو «7» النّهى ... وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ «8»
فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد ... به العيش رغد والشّراب يساغ
وقال في الجناب النّبوي «9» : [الطويل]
أروم امتداح المصطفى ويردّني «10» ... قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟ ... ومن لي بإحصاء «11» الحصى والكواكب
ولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذا ... لما بلغت في المدح بعض مآربي «12»
(3/12)

ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا «1» ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدّبا ... وخوفا وإعظاما لأرفع جانب «2»
وربّ سكوت كان فيه بلاغة ... وربّ كلام فيه عتب لعاتب
وقال، رحمه الله، مشفقا من ذنبه «3» : [البسيط]
يا ربّ إنّ ذنوبي اليوم قد كثرت «4» ... فما أطيق لها حصرا ولا عددا
وليس لي بعذاب النّار من قبل ... ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنّني «5» حرّ الجحيم غدا
وقال في مذهب الفخر «6» : [الوافر]
وكم من صفحة كالشمس تبدو ... فيسلي «7» حسنها قلب الحزين
غضضت الطّرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني «8»
وفاته: فقد «9» وهو يشحذ الناس ويحرّضهم، ويثبّت بصائرهم، يوم الكائنة بطريف «10» ، ضحوة يوم الاثنين السابع «11» لجمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، تقبّل الله شهادته. وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة.
محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي
شرقي الأصل، من سكان غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالطّرسوني.
(3/13)

حاله: نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: أمتع الله به، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن، ودعي بها وقتا، وكوتب بها. وكان له ابن سمّاه عبد الرحيم، فقلنا له: سمّه عبد الرحمن، ليعضّد لك الكنية التي اخترت، فأبى. كان هذا الرجل قيّما على النحو والقراءات واللغة، مجيدا في ذلك، محكما لما يأخذ فيه منه، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق، طمح إليها بفضل نباهته وذكائه، وشعوره بمراتب العلوم، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا، وظرفا وفكاهة، وسخا نفس، وجميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع. وكان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب، ويسفّر، ويحكم عمل التّراكيب الطّبّية. وعلى الجملة، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره، الذين قلّ أمثالهم.
مشيخته: أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش، وبه تفقّه ببلده ألمريّة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب أبي جعفر بن الزيات، والراوية أبي الحسن بن مستقور، والولي أبي عبد الله الطّنجالي، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه، والخطيب أبي الحسن القيجاطي، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد، وغيرهم.
شعره: من شعره قوله: [الطويل]
إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى ... ففي كل شعب لي إليك طريق
وإن أنا لم أبصر محيّاك باسما ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا ... فأسمال أحبابي لدّي فتوق
محنته: أحظاه وزير الدّولة أبو عبد الله بن المحروق «1» ، واختصّه، ورتّب له بالحمراء جراية، وقلّد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين «2» ، وترصد ما فيها، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد، فقبض عليه واعتقل، ثمّ جلّاه إلى إفريقية.
(3/14)

وفاته: ولمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه، كرّ راجعا إلى الأندلس، فتوفي في طريقه ببونة «1» ، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين، أو أقرب من الأواخر وسبعمائة.
محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي
ويعرف بابن الرمّالية، من أهل غرناطة، ويعرف خلفه الآن، ببني مرزبّة، ولهم أصالة وقدم وجدة.
حاله: فقيه، نبيه، نبيل، ذكي، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية، حسن المشاركة والمحاضرة، حاضر الذهن، ذاكر لما قرأه.
مشيخته: روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملّاحي:
وحدّثني سنة أربع وستمائة، قال: حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي، رضي الله عنه، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي، قال: خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد، ومودّعين لها من الغد، وحين أصبحنا أثيرت الجمال، وفرض الناس الرّحال، ونحن بموضع يعرف بجبّ عميرة، إذا بفتى شاحب اللّون، حسن الوجه، يشيّع الرّواحل، راحلة بعد أخرى، حتى فنيت، ومشى الحاجّ، وهو يقول في أثناء تردّده ونظره إليها: [الطويل]
أحجّاج بيت الله، في أيّ هودج ... وفي أيّ بيت من بيوتكم حبّي؟
أأبقى رهين القلب في أرض غربة ... وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب؟
فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي ... ولم أتمتّع بالسلام وبالقرب
وفرّق بيني بالرّحيل وبينكم ... فها أنذا أقضي على إثركم نحبي
يقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي «2»
قال: فلمّا كمل الحاجّ المشي، وانقطع رجاؤه، وجعل يخطو هائما، وهو ينشد، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض وقال: [المديد]
خلّ دمع العين ينهمل ... بان من تهواه وارتحل
أيّ دمع صانه كلف ... فهو يوم البين ينهمل
(3/15)

قال: ثم مال على الأرض، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا، فحفرنا له لحدا، وغسّلناه وكفّنّاه في رداء وصلّينا عليه، ودفنّاه.
وفاته: وفاة المترجم به سنة خمسين وستمائة.
محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بيبش «2» .
حاله: كان «3» خيّرا، منقبضا، عفّا، متصاونا، مشتغلا بما يعنيه، مضطلعا «4» بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة، مشاركا في الطّب، متعيّشا من التّجارة في الكتب، أثرى منها، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة، فاستدعيته ونقلته إلى بلده، فقعد للإقراء به إلى أن توفي.
وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه «5» : معلّم مدرّب، مسهّل مقرّب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصيّ المنازع مختصرها، مرتّب الأحوال مقرّرها، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها «6» منه أرضة آكلة، وسهم أصاب من رميتها شاكلة «7» ، أترب بسببها وأثرى، وأغنى جهة وأفقر أخرى، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة «8» مسقط رأسه، ومنبت غرسه، وجرت عليه جراية من أحباسها «9» ، ووقع عليه قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدى، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى.
مشيخته: قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، والأستاذ عبد الله بن الكمّاد، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.
(3/16)

شعره: أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة، التي أكثر فيها الناس وهي «1» : [مخلع البسيط]
يا ساكنا قلبي المعنّى ... وليس فيه سواك ثان
لأيّ معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان؟
فقال «2» : [مخلع البسيط]
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذ حزته مكاني «3»
لا غرو إذ كان لي مضافا ... أنّي على الكسر فيه باني
وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزّه الله، وهي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور، وقد أهدى إليه أقلاما «4» : [الطويل]
أنا ملك الغرّ التي سيب جودها ... يفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدّها «5» ... إذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر
هي الصّفر لكن تعلم البيض أنها ... محكّمة فيها على النّفع والضّرّ
مهذّبة الأوصال ممشوقة كما ... تصاغ «6» سهام الرّمي من «7» خالص التّبر
فقبّلتها عشرا ومثّلت أنني ... ظفرت بلثم في أناملك العشر
وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله «8» : [الطويل]
أساجعة بالواديين تبوّئي ... ثمارا جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره «9» سقي شربه ... صباح ضحى طير ظماء «10» عصائب
غرام فؤادي قاذف كلّ ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب
(3/17)

ومن مطولاته ما رفعه على يدي السلطان وهو قوله «1» : [الوافر]
ديار خطّها مجد قديم ... وشاد بناءها شرف صميم
وحلّ جنابها الأعلى علاء «2» ... يقصّر عنه رضوى أو شميم
سقى نجدا بها وهضاب نجد ... عهاد ثرّة «3» وحيا عميم «4»
ولا عدمت رباه رباب مزن ... يغادي روضهنّ ويستديم
فيصبح زهرها يحكي شذاه ... فتيت المسك يذكيه النّسيم
وتنثره «5» الصّبا فتريك درّا ... نثيرا خانه عقد نظيم
وظلّت في ظلال الأيك تشدو ... مطوّقة لها صوت رخيم
ترجّع في الغصون فنون سجع ... بألحان لها يصبو الحليم
أهيم بملتقى الوادي بنجد ... وليس سواه في واد أهيم
وكنت صرفت عنه النفس كرها ... وما برحت على نجد تحوم
وما ينفكّ لي ولها نزاع ... إلى مغنى به ملك كريم
له بيت سما فوق الثّريّا ... وعزّ لا يخيم ولا يريم
تبوّأ من بني نصر علاها ... وأنصار النبيّ «6» له أروم
أفاض على الورى نيلا وعدلا «7» ... سواء فيه مثر أو عديم
ملاذ للملوك إذا ألمّت ... صروف الدهر أو خطب جسيم
تؤمّله فتأمن في ذراه ... وتدنو من علاه فيستقيم «8»
ويبدو في نديّ «9» الملك بدرا ... تحفّ به الملوك وهم نجوم
بوجه يوسفيّ الحسن طلق ... يضيء بنوره اللّيل البهيم
وتلقاه العفاة «10» له ابتسام ... ومنه للعدى أخذ أليم «11»
(3/18)

فيا شرف الملوك لك انقطاعي ... وإنّي في محلّكم خديم
وآمالي أملت إليك «1» حتّى ... وردن على نداك وهنّ هيم
فلا ظمأ «2» ووردك خير ورد ... نمير ماؤه عذب جميم
ولا أضحى وفي مغناك ظلّ ... ظليل حين تحتدم السّموم
ركبت البحر نحوك والمطايا ... تسير لها ذميل أو رسيم
وإنّ علاك إن عطفت بلحظ ... عليّ فذلك العزّ المقيم «3»
فوا أسفي على عمر تقضّى ... بدار ليس لي فيها حميم
سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنه ... وبين جوانحي منه كلوم
ودون لقائها عرض الفيافي ... ونجد «4» موجه طود عظيم
لعلّ الله ينعم باجتماع ... وينظم شملنا البرّ الرحيم
بقيت بغبطة وقرار عين ... بملك سعده أبدا يدوم
كما دامت حلى الأنصار تتلى ... يشيد بذكرها الذّكر الحكيم
عليك تحية عطر شذاها ... كعرف «5» الرّوض جادته الغيوم
مولده: بغرناطة في رجب «6» ثمانين وستمائة. وتوفي عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفن بباب إلبيرة، وتبعه من الناس ثناء حسن، رحمه الله.
محمد بن محمد النّمري الضّرير
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرفه بنسبه.
حاله: من عائد الصلة: كان حافظا للقرآن، طيب النّغمة به، طرفا في ذلك، من أهل المشاركة في العلم، واعظا بليغا، أستاذا يقوم على العربية قيام تحقيق، ويستحضر الشّواهد من كتاب الله وخطب العرب وأشعارها، بعيد القرين في ذلك، آخذا في الأدب، حفظة للأناشيد والمطوّلات، بقيّة حسنة ممتعة.
(3/19)

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار الأركشي «1» ، وبه تأدّب، ولازمه كثيرا، فانتفع به.
شعره: ممّا صدّر به رسالة لزوجه وهو نازح عنها ببعض البلاد. فقال:
[الطويل]
سلام كرشف الطّل في مبسم الورد ... وسيل نسيم الريح بالقضب الملد
سلام كما ارتاح المشوق مبشّرا ... برؤية «2» من يهواه من دون ما وعد
سلام كما يرضي المحبّ حبيبه ... من الجدّ في الإخلاص والصّدق في الوعد
سلام وتكريم وبرّ ورحمة ... بقدر مزيد الشوق أو منتهى الودّ
على ظبية في الأنس مرتعها الحشا ... فتأوي إليه لا لشيح ولا رند
ومن أطلع البدر التّمام جبينها ... يرى تحت ليل من دجى الشّعر مسودّ
وثغر أقاح زانه سمط لؤلؤ ... يجبّ به المرجان في أحكم النّضد
يجول به سلسال راح معتّق ... حمته ظبا الألحاظ صونا عن الورد
فلله عينا من رأى بدر أسعد ... وروضة أزهار علت غصن القدّ
وبشرى لصبّ فاز منها بلمحة ... من القرب بشراه بمستكمل السّعد
وأضحى هواها كامنا بين أضلعي ... كمزن خفيّ النار في باطن الزّند
وراحت فراح الروح إثر رحيلها «3» ... وودّعت صبري حين ودّعها كبدي «4»
وصارت لي الأيّام تبدو لياليا ... وقد كان ليل الوصل صبحا بها يبدي «5»
فساعاتها كالدهر طولا وطالما ... حكى الدهر ساعات بها قصرا عندي
ومنها:
ترى قلبها هل هام مني بمثل ما ... بقلبي من الحبّ الملازم والوجد؟
وهل هي «6» ترعى ذمّتي ومودّتي ... كما أنا أرعاها على القرب والبعد؟
(3/20)

إليك خطابي والحديث لغائب ... كنيت بلفظي عن مغيبك بالعمد
عليك سلامي إنني متشوّق ... للقياك لي أو من جوابك بالرّدّ
وفاته: توفي بغرناطة تحت جراية من أمرائها؛ لاختصاصه بقراءة القرآن على قبورهم، في التاسع عشر من شعبان عام ستة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن عبد الولي الرّعيني
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالعوّاد.
حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ المكتّب، الأستاذ الصالح، سابق الميدان، وعلم أعلام القرآن، في إتقان تجويده، والمعرفة بطرق روايته، والاضطلاع بفنونه، لا يشقّ غباره، ولا يتعاطى طلقه، ولا تأتي الأيّام بمثله، تستقصر بين يديه مدارك الأعلام، وتظهر سقطات الأئمة، مهتديا إلى مكان الحجج على المسائل، مصروف عنان الأشغال إليه، مستندا إلى نغمة رخيمة، وإتقان غير متكلّف، وحفظ غزير.
وطلب إلى التّصدّر للإقراء، فأبى لشدّة انقباضه، فنبّهت «1» بالباب السلطاني على وجوب نصبه للناس، فكان ذلك في شهر شعبان من عام وفاته، فانتفع به، وكان أدأب الناس على سنّة، وألزمهم لميقات ورد، يجعل جيرانه حركته إلى ذلك ليلا، ميقاتا لا يختلف ولا يكذب، في ترحيل الليل، شديد الطرب، مليح الترتيب، لا تمرّ به ساعة ضياعا إلّا وقد عمرها بشأن ديني أو دنياوي ضروري مما يسوّغه الورع.
يلازم المكتب ناصح التعليم، مسوّيا بين أبناء النّعم، وحلفاء الحاجة، شامخ الأنف على أهل الدّنيا، تغصّ السّكك عند ترنّمه بالقرآن، مساوقا لتلاوة التجويد، ومباشرا أيام الأخمسة والأثانين العمل في موئل كان له، على طريقة القدماء من الإخشيشان عند المهن ونقل آلة الخدمة، غير مفارق للظّرف والخصوصية. ويقرأ أيام الجمعات كتب الوعظ والرّقائق على أهله، فيصغي إليه الجيران عادة لا تختلف. وكان له لكل عمل ثوب، ولكل مهنة زيّ، ما رأيت أحسن ترتيبا منه. وهو أستاذي وجاري الألصق، لم أتعلّم الكتاب العزيز إلّا في مكتبه، رحمة الله عليه.
مشيخته: قرأ على بقيّة المقرئين الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولازمه وانتفع به، وعلى الأستاذ أبي جعفر الجزيري الضرير، وأخذ عن الخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد.
(3/21)

مولده: في حدود عام ثمانين وستمائة.
وفاته: توفي رحمة الله عليه في ... «1» الموفي ثلاثين لذي قعدة من عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن علي بن أحمد الخولاني «2»
يكنى أبا عبد الله، أصله من مجلقر، ويعرف بابن الفخّار وبالبيري، شيخنا رحمه الله.
حاله: من «عائد الصلة» : أستاذ الجماعة، وعلم الصناعة، وسيبويه العصر، وآخر الطبقة من أهل هذا الفن. كان، رحمه الله، فاضلا، تقيّا، منقبضا، عاكفا على العلم، ملازما للتدريس، إمام الأئمّة من غير مدافع، مبرّزا أمام أعلام البصريّين من النّحاة، منتشر الذكر، بعيد الصّيت، عظيم الشهرة، مستبحر الحفظ، يتفجّر بالعربية تفجّر البحر، ويسترسل استرسال القطر، قد خالطت دمه ولحمه، لا يشكل عليه منها مشكل، ولا يعوزه توجيه، ولا تشذّ عنه حجّة. جدّد بالأندلس ما كان قد درس من لسان العرب، من لدن وفاة أبي علي الشلوبين، مقيم السوق على عهده. وكانت له مشاركة في غير صناعة العربية من قراءات وفقه، وعروض، وتفسير. وتقدم خطيبا بالجامع الأعظم، وقعد للتدريس بالمدرسة النّصرية «3» ، وقلّ في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطّلبة. واستعمل في السّفارة إلى العدوة، مع مثله من الفقهاء، فكانت له حيث حلّ الشّهرة وعليه الازدحام والغاشية، وخرّج، ودرّب، وأقرأ، وأجاز، لا يأخذ على ذلك أجرا وخصوصا فيما دون البداية، إلّا الجراية المعروفة، مقتصدا في أحواله، وقورا، مفرط الطّول، نحيفا، سريع الخطو، قليل الالتفات والتعريج، متوسط الزّي، متبذلا في معالجة ما يتملّكه بخارج البلد، قليل الدّهاء والتّصنّع، غريب النّزعة، جامعا بين الحرص والقناعة.
(3/22)

مشيخته: قرأ «1» بسبتة على الشيخ الإمام أبي إسحاق الغافقي، ولازمه كثيرا، وأخذ عنه، وأكثر عليه. وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمقرئ الشريف الفاضل أبي العبّاس الحسني، والشيخ الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط، وأخذ عن الخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي عبد الله بن القرطبي وغيرهم. وهو أستاذي، قرأت عليه القرآن، وكتابي الجمل والإيضاح، وحضرت عليه دولا من الكتاب، ولازمته مدة، وعاشرته، وتوجّه صحبتي في الرسالة إلى المغرب.
وفاته: توفي بغرناطة ليلة الاثنين الثاني عشر من رجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، وكانت جنازته حافلة. وخمدت قرائح الآخذين عنه، ممن يدلي دلو أدب، فيأتي بماء أو حمأة، على كثرتهم، تقصيرا عن الحق، وقدحا في نسب الوفاء، إلّا ما كان من بعض من تأخّر أخذه عنه، وهو محمد بن عبد الله اللّوشي، فإنه قال: وعين هذه الأبيات قرارها «2» : [الطويل]
ويوم نعى النّاعي شهاب المحامد ... تغيّرت الدنيا لمصرع «3» واحد
فلا عذر للعينين إن لم تسامحا «4» ... بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد
مضى من بني الفخّار أفضل ماجد ... جميل المساعي للعلا جدّ شاهد «5»
طواه الرّدى ما كلّ حيّ يهابه ... وما ورده عارا يشين لوارد
لقد غيّبت منه المكارم في الثّرى ... غداة ثوى «6» وانسدّ باب الفوائد
فيا حاملي أعواده، ما علمتم ... بسؤدده الجمّ الكريم المحاتد؟
ويا حفرة خطّت له اليوم مضجعا، ... سقتك الغوادي الصادقات «7» الرّواعد
ألا يا حمام الأيك ساعدن «8» بالبكا «9» ... على علم «10» الدّنيا وزين المشاهد
(3/23)

على أن لو اسطعت الفداء فديته «1» ... بأنفس مال «2» من طريف وتالد
محمد، ما النّعمى «3» لموتك غضّة «4» ... تروق «5» ولا ماء الحياة ببارد
وكيف وباب العلم بعدك مغلق ... ومورده «6» المتروك بين الموارد
أأستاذنا كنت الرّجاء «7» لآمل ... فأصبحت مهجور الفناء «8» لقاصد
فلا تبعدن شيخ المعارف والحجا «9» ... أليس «10» الذي تحت التّراب بباعد؟
لتبك العلوم «11» بعدك اليوم «12» شجوها ... ويقفر «13» لها ربع العلا والمعاهد
ليبك عليك الجود والدين «14» والتّقى ... وحسب البكا أن صرت ملحود لاحد
أمولاي، من للمشكلات يبينها ... فيجلي «15» عمى كلّ القلوب الشّواهد
ومن ذا يحلّ المقفلات صعابها؟ ... ومن ذا الذي يهدي السبيل لحائد
فيا راحلا عنّا فزعنا لفقده ... لقد أونست منك القبور بوافد
ويا كوكبا غال النهار «16» ضياءه ... وشيكا، وهل هذا الزمان بخالد؟
سأبكيك ما لاحت بروق لشائم ... وأرعاك ما كان الغمام بعائد «17»
عليك سلام الله ما دامت «18» الصّبا ... تهبّ «19» بغصن في الأراكة مائد
قلت «20» : العجب من الشيخ ابن الخطيب، كيف قال: وخمدت قرائح الآخدين عنه، وهو من أجلّ من أخذ عنه، حسبما قرره آنفا، بل أخصّ من ذلك المعاشرة
(3/24)

والسفارة للعدوة. وهو مع ذلك أقدرهم على هذا الشأن، وأسخاهم قريحة في هذا الميدان، وإن أتى غيره بماء أو حمأة، أتى هو بالبحر الذي لا ساحل له. ولعمري لو قام هو بما يجب من ذلك، لزال القدح في نسب وفاء الغير، فعين ما نسبه من التقصير عن الحق في ذلك، متوجّه عليه، ولا حقّ له، ولا يبعد عنده أن يكون وقع بينهما ما أوجب إعراضه مما يقع في الأزمان، ولا سيما من أهل هذ الشان، فيكون ذلك سببا في إعراض الغير مشيا في غرضه، ومساعدة له. والله أعلم بحقيقة ذلك كله.
محمد بن علي بن محمد البلنسي
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: طالب هشّ، حسن اللّقاء، عفيف النشأة، مكبّ على العلم، حريص على استفادته، مع زمانة أصابت يمنى يديه، نفعه الله. قيّد بأختها وانتسخ، قائم على العربية والبيان، ذاكر الكثير من المسائل، حافظ متقن، على نزعة عربية من التّجاذع في المشي وقلّة الالتفات إلّا بجملته، وجهوريّة الصوت، متحلّ بسذاجة، حسن الإلقاء والتقرير، متّ للمتغلّب على الدولة بضنّ أفاده جاها واستعمالا في خطّة السوق، ثمّ اصطناعا في الرسالة إلى ملك المغرب، جرّ عليه آخرا النّكبة، وقاد المحنة، فأرصد له السلطان أبو عبد الله في أخرياتها رجالا بعثهم في رندة، فأسروه في طريقه، وقدموا به سليبا قدوم الشّهرة والمثلة، موقنا بالقتل. ثم عطف عليه حنينا إلى حسن تلاوته في محبسه ليلا، فانتاشه لذلك من هفوة بعيدة ونكبة مبيرة. ولما عاد لملكه، أعاده للإقراء.
مشيخته: جلّ انتفاعه بشيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، لازمه وانتفع به، وأعاد دول تدريسه، وقرأ على غيره. وألّف كتابا في تفسير القرآن، متعدّد الأسفار، واستدرك على السّهيلي في أعلام القرآن كتابا نبيلا، رفعه على يدي للسّلطان. وهو من فضلاء جنسه، أعانه الله وسدّده.
محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن حسن ابن عبد الرحمن بن بقيّ «1»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه.
(3/25)

أوليته: كان القاضي العدل أبو عبد الله بن هشام، قاضي الجماعة بالأندلس، يجلّ سلفه، وبنسبه إلى بقيّ بن مخلد، قاضي الخلافة بقرطبة، وابن هشام ممّن يحتجّ به.
حاله: هذا الرّجل فاضل، حسن الخلق، جميل العشرة، كريم الصحبة، مبذول المشاركة، معروف الذكاء والعفّة، مبسوط الكنف مع الانقباض، فكه مع الحشمة، تسع الطوائف أكناف خلقه، ويعمّ المتضادّين رحب ذرعه، طالب محصل، حصيف العقل، حسن المشاركة في فنون؛ من فقه، وقراءات، ونحو، وغير ذلك. تكلّم للناس بجامع الرّبض ثمّ بمسجد البكري المجاور للزاوية والتربة اللتين أقمتهما بأخشارش من داخل الحضرة، وحلّق به لتعليم العلم، فانثال عليه المتعلم والمستفيد والسامع، لإجادة بيانه، وحسن تفهيمه.
مشيخته: قرأ القرآن بجرف نافع، على أبيه، وعلى الشيخ الخطيب المكتّب أبي عبد الله بن طرفة، والخطيب أبي عبد الله بن عامور. وقرأ العربية على إمام الجماعة الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار، وجوّد عليه القرآن بالقراءات السبع، وقرأ على الأستاذ أبي سعيد بن لب.
شعره: أنشدني من ذلك قوله بعد الانصراف من مواراة جنازة «1» : [الرمل]
كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلي ساعة من تبعه
كان لي عذر لدى عهد الصّبا ... وأنا آمل في العمر سعه
أو ما يوقظنا من كلّنا ... آنفا «2» لقبره قد شيّعه
سيّما إذ قد «3» بدا في مفرقي ... ما إخال الموت قد جاء معه
فدعوني ساعة أبكي على ... عمر أمسيت ممّن ضيّعه
ومن شعره في النوم، وهو كثيرا ما يطرقه: [الوافر]
أباد البين أجناد التّلاقي ... وحالت بيننا خيل الفراق
فجودوا وارحموا وارثوا ورقّوا ... على من جفنه سكب المآقي
(3/26)

ومن ذلك ما أنشد في النّوم على لسان رجل من أصحابه: [مخلع البسيط]
يا صاحبيّ، قفا المطايا ... وأشفقا فالعبيد عبده
إذا انتهى وانقضى زمان ... هل يرسل الله من يردّه؟
مولده: في الثاني عشر لصفر من عام اثنين وعشرين وسبعمائة.
محمد بن سعيد بن علي بن يوسف الأنصاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالطّرّاز.
حاله: من صلة ابن الزّبير: كان، رحمه الله، مقرئا جليلا، ومحدّثا حافلا، به ختم بالمغرب هذا الباب البتّة. وكان ضابطا متقنا، ومقيّدا حافلا، بارع الخطّ، حسن الوراقة، عارفا بالأسانيد والطّرق والرّجال وطبقاتهم، مقرئا، عارفا بالأسانيد والقراءات، ماهرا في صناعة التّجويد، مشاركا في علم العربية والفقه الأصول وغير ذلك، كاتبا نبيلا، مجموعا فاضلا متخلّقا، ثقة فيما روّى، عدلا ممن يرجع إليه فيما قيّد وضبط، لإتقانه وحذقه. كتب بخطه كثيرا، وترك أمّهات حديثيّة، اعتمدها الناس بعده، وعوّلوا عليها. وتجرّد آخر عمره، إلى كتاب «مشارق الأنوار» تأليف القاضي أبي الفضل عياض، وكان قد تركه في مبيّضة، في أنهى درجات النسخ والإدماج والإشكال وإهمال الحروف حتى اخترمت منفعتها، حتى استوفى ما نقل منه المؤلف، وجمع عليها أصولا حافلة وأمّهات جامعة من الأغربة وكتب اللّغة، فتخلّص الكتاب على أتمّ وجه وأحسنه، وكمل من غير أن يسقط منه حرف ولا كلمة. والكتاب في ذاته لم يؤلف مثله.
مشيخته: روى عن القاضي أبي القاسم بن سمحون، والقاضي ابن الطبّاع، وعن أبي جعفر بن شراحيل، وأبي عبد الله بن صاحب الأحكام والمتكلم، وأبي محمد بن عبد الصمد بن أبي رجا، وأبي القاسم الملّاحي، وأبي محمد الكوّاب وغيرهم، أخذ عن هؤلاء كلهم ببلده، وبقرطبة عن جماعة، وبمالقة كذلك، وبسبتة. وبإشبيلية عن أبي الحسن بن زرقون، وابن عبد النور. وبفاس وبمرسية عن جماعة.
قلت: هذه الترجمة في الأصل المختصر منه هذا طويله، واختصرتها لطولها.
وفاته: توفي بغرناطة ثالث شوال عام خمسة وأربعين وستمائة، وكانت جنازته من أحفل جنازة، إذ كان الله قد وضع له ودّا في قلوب المؤمنين.
(3/27)

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان النّفزي
«1» من أهل غرناطة، يكنى أبا حيان، ويلقب من الألقاب المشرقية بأثير الدين.
حاله: كان «2» نسيج وحده في ثقوب الذهن، وصحّة الإدراك والحفظ «3» ، والاضطلاع بعلم العربية، والتفسير وطريق الرواية، إمام النّحاة في زمانه غير مدافع، نشأ ببلده «4» غرناطة، مشارا إليه في التبريز بميدان الإدراك، وتغيير السوابق في مضمار التّحصيل. ونالته نبوة «5» لحق بسببها بالمشرق، واستقرّ بمصر، فنال ما شاء من عزّ وشهرة، وتأثّل وبرّ «6» وحظوة، وأضحى لمن حلّ بساحته من المغاربة ملجأ وعدّة.
وكان شديد البسط، مهيبا، جهوريا، مع الدّعابة والغزل، وطرح السّمت «7» ، شاعرا مكثرا، مليح الحديث، لا يملّ وإن أطال، وأسنّ جدّا، وانتفع «8» به. قال بعض أصحابنا: دخلت عليه، وهو يتوضّأ، وقد استقرّ على إحدى رجليه لغسل الأخرى، كما تفعل البرك والإوزّ، فقال «9» : لو كنت اليوم جار شلير «10» ، ما تركني لهذا العمل في هذا السّن «11» .
مشيخته: قرأ ببلده على الأستاذ حائز الرياسة أبي جعفر بن الزّبير ولازمه، وانتسب إليه، وانتفع به، وشاد له بالمشرق ذكرا كبيرا. ويقال إنه نادى في الناس عندما بلغه نعيه، وصلّى عليه بالقاهرة، وله إليه مخاطبات أدبية اختصرتها، وعلى الأستاذ الخطيب أبي جعفر علي بن محمد الرّعيني الطبّاع، والخطيب الصالح وليّ الله أبي الحسن فضل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن فضيلة المعافري. وروى عن القاضي المحدّث أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص الفهري،
(3/28)

والمكتّب أبي سهل اليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، والأستاذ أبي الحسن بن الصايغ، والأديب الكاتب أبي محمد عبد الله بن هارون الطائي بتونس، وعلى المسند صفي الدين أبي محمد عبد الوهاب بن حسن بن إسماعيل بن مظفر بن الفرات الحسني بالإسكندرية، والمسند الأصولي وجيه الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري بالثغر، والمحدّث نجيب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيّد الهمداني بالقاهرة، وغيرهم ممن يشقّ إحصارهم، كالإمام بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النّحاس الشافعي. قرأ عليه جميع كتاب سيبويه في سنة ثمان وثمانين وستمائة، وقال له عند ختمه: لم يقرأه على أحد غيره.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها شرحه كتاب «تسهيل الفوائد لابن مالك» . وهو بديع، وقد وقفت على بعضه بغرناطة في عام سبعة وخمسين وسبعمائة. وكتابه في تفسير الكتاب العزيز، وهو المسمّى ب «البحر المحيط» تسمية، زعموا، موافقة للغرض.
وألف كتابا في نحو اللّسان التّركي، حدّثنا «1» عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا، كالحاجّ أبي يزيد خالد بن عيسى، والمقري الخطيب أبي جعفر الشّقوري، والشّريف أبي عبد الله بن راجح، وشيخنا الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق. وقال «2» : حدّثنا شيخنا أثير الدّين «3» في الجملة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزلة منها «4» . قال «5» : حدّثنا الأستاذ العلّامة المتفنن «6» أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزّبير، سماعا من لفظه، وكتبا «7» من خطّه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق بن عامر الهمداني الطّوسي بفتح الطاء، حدّثنا أبو عبد الله بن محمد العنسي القرطبي، وهو آخر من حدّث عنه، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد الحافظ الجيّاني، أنبأنا «8» حكم بن محمد، أنبأنا «9» أبو بكر بن المهندس، أنبأنا «10» عبد الله بن محمد، أنبأنا «11» طالوت بن عياد «12» بن بصّال بن جعفر، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: اكفلوا لي بستّ أكفل «13» لكم في
(3/29)

الجنة «1» ، إذا حدّث أحدكم بلا كذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف.
غضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم «2» .
وقال: أنشدنا الخطيب أبو جعفر الطبّاع، قال: أنشدنا ابن خلفون، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعيد، قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن أبي تليد لنفسه:
[المنسرح]
حالي مع الدهر في تقلّبه ... كطائر ضمّ رجله الشّرك
فهمّه في خلاص مهجته ... يروم تخليصها فيشتبك
ومن ملحه: قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيّب الأخلاق، لطيف المزاج، فكنّا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات «3» : [الطويل]
بدا كهلال العيد «4» وقت طلوعه ... وماس «5» كغصن الخيزران المنعّم
غزال رخيم الدّلّ وافى مواصلا ... موافقة منه على رغم لوّم
مليح غريب الحسن أصبح معلما ... بحمرة «6» خدّ بالمحاسن معلم
وقالوا: على شرط البخاريّ قد أتى ... فقلنا «7» : على شرط البخاريّ ومسلم
فقال البخاري: فمن هو مسلم «8» ؟ ... فقلت له: أنت البخاري ومسلم «9»
محنته: حملته «10» حدّة الشيبة على التّعريض «11» للأستاذ أبي جعفر الطّبّاع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزّبير الوحشة فنال منه، وتصدّى للتأليف في الرّد عليه، وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى «12» السلطان، فامتعض له، ونفّذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثم أجاز البحر مختفيا، ولحق بالمشرق يلتفت خلفه.
(3/30)

شعره: وشعره كثير بحيث يتّصف بالإجادة وضدّها. فمن مطوّلاته، رحمه الله، قوله «1» : [البسيط]
لا تعذلاه فما ذو الحبّ معذول ... العقل مختبل والقلب متبول
هزّت له أسمرا من خوط قامتها ... فما انثنى الصّبّ «2» إلّا وهو مقتول
جميلة فصّل الحسن البديع لها ... فكم لها جمل منه وتفصيل
فالنّحر مرمرة والنّشر عنبرة ... والثّغر جوهرة والرّيق معسول «3»
والطّرف ذو غنج والعرف ذو أرج ... والخصر مختطف، والعنق «4» مجدول
هيفاء ينبس «5» في الخصر الوشاح لها ... درماء «6» تخرس في الساق الخلاخيل
من اللواتي غذاهنّ النّعيم فما ... يشقين، آباؤها الصّيد البهاليل»
نزر الكلام غميّات الجواب إذا ... يسلن بعد الصحا حصر مكاسيل
من حليها وسناها مونس وهدى ... فليس يلحقها ذعر وتضليل
حلّت بمنعقد الزّوراء زارة ... شوسا غيارى فعقد الصّبر محلول
فصدّ عن ذكر ليلى إنّ ذكراها «8» ... على التّنائي لتعذيب وتعليل
أتاك منك نذير فأنذرن به ... وبادر التّوب إنّ التّوب مقبول
وآمل العفو واسلك مهمها قدفا ... إلى رضى الله إنّ العفو مأمول
إن الجهاد وحجّ البيت مختتما ... بزورة المصطفى للعفو تأميل
فشقّ حيزوم هذا الليل ممتطيا ... أخا خرام به قد يبلغ السّول
أقبّ أعوج يعزى للوجيه له ... وجه أغرّ وفي الرجلين تحجيل
جفر حوافره، معر قوائمه ... ضمر أياطله، وللذيل عثكول «9»
(3/31)

إذا توجّه أصغى وهو ملتفت ... مساعر «1» أعتقا فيهنّ تأليل
وإن تعارض به هوجاء «2» هاج له ... جري «3» يرى البرق عنه وهو مخذول
يحمي به «4» حوزة الإسلام ملتقيا ... كتائبا غصّ منها العرض والطّول
كتائبا قد عموا عن كل واضحة ... من الكتاب وغرّتهم أباطيل
في ماقط «5» ضرب الموت الزؤام «6» به ... سرادقا فعليهم منه تخييل
هيجاء «7» يشرف فيها المشرفيّ «8» على ... هام العدوّ ويصحى «9» النّقع تضليل
تدير كأس شعوب «10» في شعوبهم ... فكلّهم منهل بالموت معلول
وإذ «11» قضيت غزاة فالتفت عملا ... للحجّ فالحجّ للإسلام تكميل
واصل بسرّ معدّ «12» يا ابن أندلس ... والطّرف أدهم بالأشطان مغلول
يلاطم الريح منه أبيض نفق ... له من السحب المزبد إكليل
يعلو حضارين «13» منه شامخ جلل ... سام طفا وهو بالنّكباء محمول
كأنّما هو في طخياء «14» لجّته ... أيم «15» يعرو أديم السّيل شمليل
ما زالت الموج تعليه وتخفضه ... حتّى بدا من منار الثّغر قنديل
وكبّر الناس أعلاه الرنيم «16» ... وكلّهم طرفه بالشهد مكحول
وصافحوا البيد بعد اليمّ وابتدروا ... سبلا بها لجناب الله توصيل
(3/32)

على نجائب تتلوه أجنابها «1» ... خيل بها الخير معقود ومعقول
في موكب تزحف الأرض الفضاء به ... أضحت وموحشها بالناس مأمول
يطارد الوحش منه فيلق لجب ... حتى لقد ذعرت في بيدها الغول
سيوفهم طرب نحو الحجاز فهم ... ذوو ارتياح على أكوارها ميل
شعث رؤوسهم، يبس شفاههم ... خوص عيونهم، غرب مهازيل
حتى إذا لاح من بيت الإله لهم ... نور إذا هم على الغبرا أراحيل
يعفّرون وجوها طالما سمّت ... باكين حتى أديم الأرض مبلول
حفّوا بكعبة مولاهم فكعبهم ... عال بها لهم طوف وتقبيل
وبالصّفا وقتهم صاف بسعيهم ... وفي منى لمناهم كان تنويل
تعرّفوا عرفات واقفين بها ... لهم إلى الله تكبير وتهليل
لمّا قضينا من الغرّاء منكسنا ... ثرنا وكلّ بنار الشوق مشمول
شدنا إلى الشّدقميات التي سكنت ... أبدانهنّ وأفناهنّ تنقيل
إلى الرسول تزجّى كلّ تعلمة ... أجلّ من نجوة تزجي المراسيل
من أنزلت فيه آيات مطهّرة ... وأورثت فيه توراة «2» وإنجيل
وعطّرت من شذاه كلّ ناحية ... كأنّما المسك في الأرجاء محلول
سرّ من العالم العلويّ ضمّنه ... جسم من الجوهر الأرضي محمول
نور تمثّل في أبصارنا بشرا ... على الملائك من سيماه تمثيل
لقد تسامى وجبريل مصاميه ... إلى مقام رخيّ «3» فيه جبريل
أوحى إليه الذي أوحاه من كثب ... فالقلب واع بسرّ الله مشغول
يتلو كتابا من الرحمن جاء به ... مطهّرا طاهر منه وتأويل
جار على منهج الأعراب أعجزهم ... باق مع الدّهر لا يأتيه تبديل
بلاغة عندها كعّ البليغ فلم ... ينطق وفي هديه صاحت أضاليل
ومنها:
وطولبوا أن يجيبوا حين رابهم ... بسورة مثله فاستعجز القيل
(3/33)

لا ذوا بذوبان خطّيّ «1» وبتر ظبى ... يوم الوغى واعتراهم منه تنكيل
فمونف في جبال الوهد منحدر ... وموثق في حبال الغد مكبول
ما زال بالعضب هتّاكا سوابغهم ... حتى انثنى العصب منهم وهو مفلول
وقد تحطّم في نحر العدا قصد ... صمّ الوشيج «2» وخانتها العواميل
من لا يعدّله القران كان له ... من الصّفاد وبيض البتر تعديل
وكم له معجزا غير القران «3» أتى ... فيه من الحقّ منقول ومعقول
فللرسول انشقاق البدر نشهده ... كما لموسى انفلاق البحر منقول
ونبع ماء فرات من أنامله ... كالعين ثرّت فجا الهتّان ما «4» النيل
روّوا الخميس وهم زهاء سبع مي ... مع الرّكاب فمشروب ومحمول
وميّ عين بكفّ جاء يحملها ... قتادة وله شكوى وتعويل
فكان «5» أحسن عينيه ولا عجب ... مسّت أناميل فيها اليمن مجعول
والجذع حنّ إليه حين فارقه ... حنين ولهى لها للرّوم مثكول
وأشبع الكثر من قلّ الطعام ولم ... يكن ليعوزه بالكثر تقليل
وفي جراب ولا «6» هنّ عجائب كم ... يمتار منه فمبذول ومأكول
وفي ارتواء إلى ذرء «7» بزمزم ما ... يكفي تبدّن منه وهو مهزول
والعنكبوت بباب الغار قد نسجت ... حتى كأنّ رداء منه مسدول
وفرّخت في حماه الورق ساجعة ... تبكي وما دمعها في الخدّ مطلول
هذا وكم معجزات للرسول أتت ... لها من الله أمداد وتأصيل
غدت من الكثر أعداد النجوم فما ... يحصي لها عددا كتب ولا قيل
قد انقضت معجزات الرّسل منذ قضوا ... نحبا وأعجم منها ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقية ... محفوظة ما لها في الدّهر تحويل
.
(3/34)

تكفّل الله هذا الذّكر يحفظه ... وهل يضيع الذي بالله مكفول؟
هذي المفاخر لا يحظى الملوك بها ... للملك «1» منقطع والوحي موصول
ومن مطولاته في غرض يظهر منها: [الطويل]
هو العلم لا كالعلم شيء تراوده ... لقد فاز باغيه وأنجح قاصده
وما فضّل الإنسان إلّا بعلمه ... وما امتاز إلّا ثاقب الذّهن واقده
وقد قصرت أعمارنا وعلومنا ... يطول علينا حصرها ونكابده
وفي كلّها خير ولكنّ أصلها ... هو النّحو فاحذر من جهول يعانده
به يعرف القرآن والسّنّة التي ... هما أصل دين الله ذو أنت عابده
وناهيك من علم عليّ مشيد ... مبانيه أعزز بالذي هو شائده
لقد حاز في الدنيا فخارا وسؤددا ... أبو الأسود الديلي «2» فللجرّ سانده
هو استنبط العلم الذي جلّ قدره ... وطار به للعرب ذكر نعاوده
وساد عطا نجله وابن هرمز ... ويحيى ونصر ثم ميمون ماهده
وعنبسة قد كان أبرع صحبه ... فقد قلّدت جيد المعالي قلائده
وما زال هذا العلم تنميه سادة ... جهابذة تبلى به وتعاضده
إلى أن أتى الدّهر العقيم بواحد ... من الأزد تنميه إليه فرائده
إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد ... أقرّ له بالسبق في العلم حاسده
وبالبصرة الغرّاء «3» قد لاح فجره ... فنارت أدانيه وضاءت أباعده
ذكيّ «4» الورى ذهنا وأصدق لهجة ... إذا ظنّ أمرا قلت ما هو شاهده
وما أن يروّي بل جميع علومه ... بدائه «5» أعيت كلّ حبر تجالده
هو الواضع الثاني الذي فاق أولا ... ولا ثالث في الناس تصمى قواصده
فقد كان ربّانيّ أهل زمانه ... صويم قويم «6» راكع الليل ساجده
يقيّم منه دهره في مثوبة ... وثوقا بأنّ الله حقّا مواعده
(3/35)

فعام إلى حجّ وعام لغزوة ... فيعرفه البيت العتيق ووافده
ولم يثنه يوما عن العلم والتّقى ... كواعب حسن تنثني ونواهده
وأكثر سكناه بقفر بحيث لا ... تناغيه إلّا عفره وأوابده
وما قوته إلّا شعير يسيغه ... بماء قراح ليس تغشى موارده
عزوبا عن الدنيا وعن زهراتها ... وشوقا إلى المولى وما هو واعده
ولمّا رأى من سيبويه نجابة ... وأيقن أنّ الحين أدناه باعده
تخيّره إذ كان وارث علمه ... ولاطفه حتّى كأن هو والده
وعلّمه شيئا فشيئا علومه ... إلى أن بدت سيماه واشتدّ ساعده
فإذ ذاك وافاه من الله وعده ... وراح وحيد العصر إذ جاء واحده
أتى سيبويه ناشرا لعلومه ... فلولاه أضحى النحو «1» عطلا شواهده
وأبدى كتابا كان فخرا وجوده ... لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده
وجمّع فيه ما تفرّق في الورى ... فطارفه يعزى إليه وتالده
بعمرو بن عثمان بن قنبر الرّضا ... أطاعت عواصيه وتابت شوارده
عليك قران «2» النحو نحو ابن قنبر ... فآياته مشهودة وشواهده
كتاب أبي بشر «3» فلا تك قارئا ... سواه فكلّ ذاهب الحسن فاقده
هم خلج بالعلم مدّت فعندما ... تناءت غدت تزهى وليست تشاهده
ولا تعد عمّا حازه إنه الفرا ... وفي جوفه كلّ الذي أنت صائده «4»
إذا كنت يوما محكما في كتابه ... فإنّك فينا نابه القدر ماجده
ولست تبالي إن فككت رموزه ... أعضّك دهر أم عرتك ثرائده
هو العضب إن تلق الهياج شهرته ... وإن لا تصب حربا فإنّك غامده
تلقّاه كلّ بالقبول وبالرّضى ... فذو الفهم من تبدو إليه مقاصده
ولم يعترض فيه سوى ابن طراوة ... وكان طريّا لم تقادم معاهده
وجسّره طعن المبرّد قبله ... وإنّ الثّمالي بارد الذّهن خامده
(3/36)

هما ما هما صارا مدى الدهر ضحكة ... يزيّف ما قالا وتبدو مفاسده
تكون صحيح العقل حتى إذا ترى ... تباري أبا بشر، إذا أنت فاسده
يقول امرؤ قد خامر الكبر رأسه ... وقد ظنّ أنّ النحو سهل مقاصده
ولم يشتغل إلّا بنزر مسائل ... من الفقه في «1» أوراقه هو راصده
وقد نال بين الناس جاها ورتبة ... وألهاك عن نيل المعالي ولابده
وما ذاق للآداب طعما ولم يبت ... يعنّى بمنظوم ونثر يجاوده
فينكح أبكار المعاني ويبتغي ... لها الكفو من لفظ بها هو عاقده
رأى سيبويه فيه بعض نكادة ... وعجمة لفظ لا تحلّ معاقده
فقلت: أما أتى «2» ما أنت أهل لفهمه ... وما أنت إلّا غائض الفكر راكده
لعمرك ما ذو لحية وتسمّت ... وإطراق رأس والجهات تساعده
فيمشي على الأرض الهوينا كأنما ... إلى الملإ الأعلى تناهت مراصده
وإيهامك الجهّال أنّك عالم ... وأنّك فرد في الوجود وزاهده
بأجلب للنّحو الذي أنت هاجر ... من الدّرس بالليل الذي أنت هاجده
أصاح، تجنّب من غويّ مخذّل ... وخذ في طريق النّحو أنّك راشده
لك الخير فادأب ساهرا في علومه ... فلم تشم إلّا ساهر الطّرف ساهده
ولا ترج في الدنيا ثوابا فإنما ... لدى الله حقا أنت لا شكّ واجده
ذوو النحو في الدنيا قليل حظوظهم ... وذو الجهل فيها وافر الحظّ زائده
لهم أسوة فيها على لاغد «3» مضى ... ولم يلق في الدنيا صديقا يساعده
مضى بعده عنها الخليل فلم ينل ... كفافا ولم يعدم حسودا يناكده
ولاقى أبا بشر خليل «4» سفيهها ... غداة تمالت في ضلال يمادده
أتى نحو هارون «5» يناظر شيخه ... فنفحته «6» حتّى تبدّت مناكده
فأطرق شيئا ثم أبدى جوابه ... بحقّ ولكن أنكر الحقّ جاحده
وكاد علي عمرا إذا صار حاكما ... وقدما عليّ كان عمرو يكايده
سقاه بكأس لم يفق من خمارها ... وأورده الأمر الذي هو وارده
(3/37)

ولابن زياد شركة في مراده ... ولابن رشيد شرك «1» القلب رائده
هما جرّعا إلى عليّ وقنبر ... أفاويق سمّ لم تنجّد أساوده
أبكي على عمرو ولا عمر مثله ... إذا مشكل أعيا وأعور ناقده
قضى نحبه شرخ الشّبيبة لم يرع ... بشيب ولم تعلق بذامّ معاقده
لقد كان للناس اعتناء بعلمه ... بشرق وغرب تستنار فوائده
والآن فلا شخص على الأرض قارىء ... كتاب أبي بشر ولا هو رائده
سوى معشر بالغرب فيهم تلفّت ... إليه وشوق ليس يخبو مواقده
وما زال منّا أهل أندلس له ... جهابذ تبدي فضله وتناجده
وإنّي في مصر على ضعف ناصري ... لناصره ما دمت حيّا وعاضده
أثار أثير الغرب للنّحو كامنا ... وعالجه حتّى تبدّت قواعده
وأحيا أبو حيّان ميت علومه ... فأصبح علم النحو ينفق كاسده
إذا مغربي حطّ بالثّغر رحله ... تيقّن أنّ النحو أخفاه لاحده
منينا بقوم صدّروا في مجالس ... لإقراء علم ضلّ عنهم مراشده
لقد أخّر التصدير عن مستحقّه ... وقدّم غمر خامد الذهن جامده
وسوف يلاقي من سعى في جلوسهم ... جزاء «2» وعقبى أكنّت عقائده
علا عقله فيهم هواه فما درى ... بأنّ هوى الإنسان للنار قائده
أقمنا بمصر نحو «3» عشرين حجة ... يشاهدنا ذو أمرهم ونشاهده
فلمّا ننل منهم مدى الدهر طائلا ... ولمّا نجد فيهم صديقا نوادده
لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم ... وقد يتسلّى بالذي قال سارده
أخي إن تصل يوما وبلّغت سالما ... لغرناطة فانفذ لما أنا عاهده
وقبل ثرى أرض بها حلّ ملكنا ... وسلطاننا الشّهم الجميل عوائده
مبيد العدا قتلا وقد عمّ «4» شرّهم ... ومحيي النّدى فضلا وقد رمّ هامده
أفاض على الإسلام جودا ونجدة ... فعزّ مواليه وذلّ معانده
(3/38)

وعمّ بها إخواننا بتحيّة ... وخصّ بها الأستاذ لا عاش كائده
جزى الله عنّا شيخنا وإمامنا ... وأستاذنا «1» الحبر الذي عمّ فائده
لقد أطلعت جيّان أوحد عصره ... فللغرب فخر أعجز الشرق خالده
مؤرخة نحوية وإمامة ... محدّثة جلّت وصحّت مسانده
جاه عظيم من ثقيف وإنما ... به استوثقت منه العرى ومساعده
وما أنس لا أنسى سهادي ببابه ... بسبق وغيري نائم الليل راقده
فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا ... ويفتح علما مغلقات رصائده
وإنّي وإن شطّت بنا غربة النّوى ... لشاكر له في كل وقت وحامده
بغرناطة روحي وفي مصر جثّتي ... ترى هل يثنّي الفرد من هو فارده؟
أبا جعفر، خذها قوافي من فتى ... تتيه على غرّ القوافي قصائده
يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها ... فيرتاح سمّاع لها ومناشده
غريبة شكل كم حوت من غرائب ... مجيدة أصل أنتجتها أماجده
فلولاك يا مولاي ما فاه مقولي ... بمصر ولا حبّرت ما أنا قاصده
لهذّبتني حتّى أحوك مفوّقا ... من النظم لا يبلى مدى الدهر آبده
وأذكيت فكري بعد ما كان خامدا ... وقيّد شعري بعد ما ندّ شارده
جعلت ختاما فيه ذكرك إنه ... هو المسك بل أعلى وإن عزّ ناشده
ومما دون من «2» المطولات قوله رحمه الله «3» : [الطويل]
تفرّدت لمّا أن جمعت بذاتي «4» ... وأسكنت لما أن بدت حركاتي «5»
فلم أر في الأكوان غيرا «6» لأنني ... أزحت عن الأغيار روح حياتي «7»
وقدّستها عن رتبة لو تعيّنت ... لها دائما دامت لها حسراتي «8»
فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها ... إلى رتبة تقضي لها بثبات
(3/39)

تشاهد معنى روضة أذهب العنا ... وأيقظني للحقّ بعد سنات «1»
أقامت زمانا في حجاب فعندما ... تزحزح عنها رامت الخلوات
لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا ... بها وننال الجمع بعد شتات
ومن النسيب قوله «2» : [الكامل]
كتم اللسان ومدمعي قد باحا ... وثوى الأسى عندي وأنسي «3» راحا
إني لصبّ «4» طيّ ما نشر الهوى ... نشرا وما زال الهوى إفصاحا «5»
ومهجتي من لا أصرّح باسمه ... ومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم حنوّه وجنوحه ... ويروم عني جفوة وجماحا
أبدى لنا من شعره وجبينه ... ضدّين ذا ليلا وذاك صباحا «6»
عجبا له يأسو الجسوم بطبّه ... ولكم بأرواح أثار جراحا
فبلفظه «7» برء الأخيذ ولحظه ... أخذ البريّ فما يطيق براحا
ناديته «8» في ليلة لا ثالث ... إلّا أخوه البدر غار فلاحا «9»
يا حسنها من ليلة لو أنها ... دامت ومدّت للوصال «10» جناحا
وقال «11» : [الكامل]
نور بخدّك أم توقّد نار؟ ... وضنى بجفنك أم فتور «12» عقار؟
وشذا بريقك أم تأرّج مسكة؟ ... وسنى بثغرك أم شعاع دراري «13» ؟
جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت «14» ... قيد القلوب وفتنة الأبصار
(3/40)

متصاون خفر «1» إذا ناطقته ... أغضى حياء «2» في سكون وقار
في وجهه زهرات لفظ «3» تجتلى ... من نرجس مع وردة وبهار
خاف اقتطاف الورد من جنباتها «4» ... فأدار من أسر «5» سياج عذار
وتسلّلت نمل العذار بخدّه ... ليردن شهدة ريقه المعطار
وبخدّه ورد «6» حمتها وردها ... فوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أواري «7» في هواه محبّتي ... ولقد وشى بي فيه فرط أواري «8»
ومن نظمه من المقطوعات في شتى الأغراض قوله رحمه الله «9» : [البسيط]
أزحت نفسي من الإيناس بالناس ... لمّا غنيت عن الأكياس بالياس «10»
وصرت في البيت وحدى لا أرى أحدا ... بنات فكري وكتبي هنّ جلّاسي
وقال «11» : [الطويل]
وزهّدني في جمعي المال أنه ... إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا
فلا روحه يوما أراح من العنا ... ولم يكتسب حمدا ولم يدّخر أجرا
وقال: [الطويل]
سعت حيّة من شعره نحو صدغه ... وما انفصلت من خدّه إنّ ذا عجب
وأعجب من ذا أنّ سلسال ريقه ... برود ولكن شبّ في قلبي اللهب
وقال «12» : [السريع]
راض «13» حبيبي عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض
وظنّ «14» قوم أنّ قلبي سلا ... والأصل لا يعتدّ بالعارض
(3/41)

وقال «1» : [الخفيف]
سال في الخدّ للحبيب عذار ... وهو لا شكّ سائل مرحوم
وسألت التثامه فتجنّى ... فأنا اليوم سائل محروم
وقال: [الطويل]
جننت بها سوداء لون وناظر ... ويا طالما كان الجنون بسوداء
وجدت بها برد النعيم وإنّ ... فؤادي منها في جحيم ولأواء
وقال في فتى يسمى مظلوم «2» : [الطويل]
وما كنت أدري أنّ مالك مهجتي ... يسمّى «3» بمظلوم وظلم جفاؤه
إلى أن دعاني للصّبا «4» فأجبته ... ومن يك مظلوما أجيب دعاؤه
وقال «5» : [الخفيف]
جنّ غيري بعارض فترجّى ... أهله أن يفيق عمّا قريب
وفؤادي بعارضين مصاب ... فهو داء أعيا دواء «6» الطبيب
وقال «7» : [الطويل]
شكا الخصر منه ما يلاقي بردفه ... وأضعف «8» غصن البان جرّ كثيب
إذا كان منه البعض يظلم بعضه ... فما حال مشتطّ «9» المزار «10» غريب
وقال «11» : [الطويل]
وذي شفة لمياء زينت بشامة «12» ... من المسك في رشافها «13» يذهب النّسك
ظمئت إليها ريقة كوثريّة ... بمثل لآلي «14» ثغرها ينظم السّلك
(3/42)

تعلّ بمعسول كأنّ رضابه ... مدام من الفردوس «1» خاتمه مسك
وقال: [الطويل]
أجلّ شفيع ليس يمكن ردّه ... دراهم بيض للجروح مراهم
تصيّر صعب الأمر أسهل ما ترى ... ويقضي لبانات الفتى «2» وهو نائم
وقال «3» : [مخلع البسيط]
نعيد ودّ قريب ضلّ «4» ... كبير عتب، قليل عتبى «5»
كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا ... كالخشف طرفا، كالصّخر قلبا
وقال «6» : [الطويل]
عداتي «7» لهم فضل عليّ ومنّة ... فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها «8» ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
مولده: ولد بغرناطة عام اثنين وخمسين وستمائة «9» .
وفاته: أخبرني الحاج الخطيب الفاضل أبو جعفر الشّقوري، رحمه الله، قال:
توفي عام خمسة وأربعين وسبعمائة بمصر، ودفن بالقرافة. وكانت جنازته حافلة.
ومن الطارئين عليها في هذا الحرف
محمد بن أحمد بن داود بن موسى بن مالك اللّخمي اليكّي
من أهل بلّش «10» ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الكمّاد.
(3/43)

حاله: من «عائد الصلة» : كان من جلّة صدور الفقهاء الفضلاء، زهدا وقناعة وانقباضا، إلى دماثة الخلق، ولين الجانب، وحسن اللقاء، والسّذاجة المموّهة بالغفلة، والعمل على التقشّف والعزلة، قديم السّماع والرّحلة، إماما مشهورا في القراءات، يرحل إليه، ويعوّل عليه، إتقانا ومعرفة منها بالأصول، كثير المحافظة والضّبط، محدّثا ثبتا، بليغ التّحرّز، شديد الثقة، فقيها متصرّفا في المسائل، أعرف الناس بعقد الشروط، ذا حظّ من العربية واللغة والأدب. رحل إلى العدوة، وتجوّل في بلاد الأندلس، فأخذ عن كثير من الأعلام، وروى وقيّد وصنّف وأفاد، وتصدّر للإقراء بغرناطة وبلّش وغيرهما، وتخرّج بين يديه جملة وافرة من العلماء والطلبة، وانتفعوا به.
مشيخته: قرأ ببلده مرسية على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد بن لب بن أحمد بن أبي بكر الرّقوطي، والمقرئ أبي الحسن بن خلف الرّشاطي، والمحدّث الجليل أبي عمرو محمد بن علي بن عيشون اللخمي، وعلى الشيخ الفقيه الكاتب أبي محمد بن عبد الله بن داود بن خطّاب الغافقي المرسي. وممن أجازه الفقيه أبو عثمان سعيد بن عمرو البطرني، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، لقيه ببلّش مالقة وبسطة، فروى عنه الكثير، والأستاذ أبو القاسم بن الأصهر الحارثي، لقيه بألمريّة.
ولقي بغرناطة الأستاذ أبا جعفر الطّبّاع، والوزير الرّاوية أبا القاسم محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن جزيّ الكلبي، روى عنه وأجازه. وكتب له بالإجازة جماعة كبيرة من أهل المشرق والمغرب، حسبما تضمنه برنامجه.
تواليفه: اختصر كتاب «المقنع» في القراءات اختصارا بديعا، وسماه كتاب «الممتع في تهذيب المقنع» وغير ذلك.
شعره: من ذلك وقد وقف على أبيات أبي القاسم بن الصّقر في فضل الحديث: [الطويل]
لقد حاز أصحاب الحديث وأهله ... شأوا وثيرا «1» ومجدا مخلّدا
وصحّت لهم بين الأنام مزيّة ... أبانت لهم عزّا ومجدا وسؤددا
بدعوة خير الخلق أفضل مرسل ... محمد المبعوث بالنّور والهدى
فهم دوّنوا علم الحديث وأتقنوا ... ونصّوا بتبيين صحيحا ومسندا
(3/44)

وجاءوا بأخبار الرّسول وصحبه ... على وجهها لفظا ورسما مقيدا
وهم نقلوا الآثار والسّنن التي ... من أصبح «1» ذا أخذ بها فقد اهتدى
وما قصّروا فيها بفقه ولا ونوا ... بل التزموا حدّا وحزما مؤكّدا
وهم أوضحوا من بعدهم باجتهادهم ... وتبيينهم سبل الهدى لمن اقتدى
جزاهم إله العرش عنّا بنصحهم ... بأحسن ما جازى نصيحا ومرشدا
ونسأله «2» سبحانه نهج هديهم ... وسعيا إلى التّقوى سبيلا ومقصدا
ومن شعره، رحمه الله، قوله: [السريع]
عليك بالصّبر وكن راضيا ... بما قضاه الله تلقى النجاح
واسلك طريق المجد والهج به ... فهو الذي يرضاه أهل الصلاح
وقد ألّف شيخنا أبو البركات بن الحاج، جزءا سماه «شعر من لا شعر له» ، فيه من شعر هذا الرجل الفاضل ومثله كثير.
مولده: قبل الأربعين وستمائة. وتوفي ثاني شهر الله المحرم عام اثني عشر وسبعمائة.
انتهى ما اختصر من السّفر السابع من كتاب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» يتلوه في السفر الثامن بعده إن شاء الله ومن السفر الثامن من ترجمة المقرئين والعلماء رحمهم الله***
ومن السفر الثامن من ترجمة المقرئين والعلماء
محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني
من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن حفيد الأمين.
حاله: كان من أهل العلم والفضل والدين المتين، والدّؤوب على تدريس كتب الفقه. استظهر كتاب «الجواهر» لابن شاس، واضطلع بها، فكان مجلسه من مجالس الحفّاظ، حفّاظ المذهب، وانتفع به الناس، وكان معظّما فيهم، متبرّكا به، على سنن الصالحين من الزّهد والانقباض وعدم المبالاة بالملبس والمطعم. وقال صاحبنا الفقيه
(3/45)

أبو الحسن النّباهي في تذييله لتاريخ مالقة: كان رجلا ساذجا، مخشوشنا، سنّيّ المنازع، شديد الإنكار على أهل البدع. جلس للتّحليق العام بالمسجد الجامع، وأقرأ به الفقه والعربية والفرائض.
مشيخته: قال: منهم أبو علي بن أبي الأحوص، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو محمد بن أبي السّداد، والقاضي أبو القاسم ابن السّكوت. قال: وأنشد للزاهد أبي إسحاق بن قشوم، قوله: [الطويل]
يروقك يوم العيد حسن ملابس ... ونعمة أجسام ولين قدود
أجل لحظات الفكر منك فلا ترى ... سوى خرق تبلى وطعمة دود
وأنشد لأبي عمرو الزاهد: [السريع]
تختبر الدّنير في ميذق ... والدّرهم الزايف إذ يبهم
والمرء إن رمت اختبارا له ... ميذقه الدّنير والدّرهم
من عفّ عن هذا وهذا معا ... فهو التّقيّ الورع المسلم
تواليفه: له تقييد حسن في الفرائض، وجزء في تفضيل التّين على التّمر، وكلام على نوازل الفقه.
وفاته: وتوفي في الكائنة العظمى بطريف «1» .
محمد بن أحمد بن علي بن قاسم المذحجي
من أهل ملتماس «2» ، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من سراة بلده وأعيانهم، أستاذا متفنّنا مقرئا لكتاب الله، كاتبا بليغا، شديد العناية بالكتب، كثير المغالاة في قيمها وأثمانها، حتى صار له من أعلاقها وذخائرها ما عجز عن تحصيله كثير من أهل بلده. كتب بخطّه، وقيّد كثيرا من كتب العلم. وكان مقرئا مجوّدا، عارفا بالقراءات، بصيرا بالعربية، ثقة ضابطا، مبرّزا في العدالة، حريصا على العلم استفادة ثم إفادة، لا يأنف من حمله عن أقرانه، وانتفع به أهل بلده، والغرباء أكثر.
(3/46)

مشيخته: أخذ عن طائفة من أهل العلم، منهم الشّيخان الرّحلتان؛ أبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو جعفر بن الزيات، عظيما بلده، والخطيب ولي الله أبو عبد الله الطّنجالي، والقاضي أبو عبد الله بن بكر. وروى عن الشيخ الوزير أبي عبد الله بن ربيع، وابنه الرّاوية أبي عامر، والخطيب الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي. وروى عن الشيخ الرّاوية الرّحّال أبي عبد الله بن عامر الوادي آشي وغيرهم، ودخل غرناطة.
مولده: ولد ببلّش عام ثمانية وثمانين وستمائة.
وفاته: توفي ببلّش عاشر شهر شعبان من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني
من أهل مالقة، يكنى أبا الحكم، ويعرف بابن حفيد الأمين.
حاله: من «العائد» : كان هذا الشيخ من أهل العلم والدّين المتين، والجري على سنن الفقهاء المتقدّمين، عقد الشروط بمالقة مدة طويلة في العدول المبرّزين، وجلس للتّحليق في المسجد الأعظم من مالقة، بعد فقد أخيه أبي القاسم، وخطب بمسجد مالقة الأعظم. ثم أخّر عن الخطبة لمشاحنة وقعت بينه وبين بعض الولاة، أثمرت في إحنته. ولم يزل على ما كان عليه من الاجتهاد في العبادة، والتقييد للعلم، والاشتغال به، والعناية بأهله، إلى أن توفي على خير عمل.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد الباهلي، وروى عن جلّة من الشيوخ مثل صهره الخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي «1» ، وشاركه في أكثر شيوخه، والأديب الحاج الصالح أبي القاسم القبتوري «2» وغيرهم.
مولده: ولد بمالقة عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
وفاته: توفي بمالقة يوم الأربعاء الثامن عشر لذي حجة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودخل غرناطة غير ما مرّة مع الوفود من أهل بلده وفي أغراضه الخاصة.
(3/47)

محمد بن أحمد الرّقوطي «1» المرسي
يكنى أبا بكر.
حاله: كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة؛ المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطّب، فيلسوفا، طبيبا ماهرا، آية الله في المعرفة بالألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفّعا، متعاطيا. عرف طاغية الروم حقّه، لما تغلّب على مرسية، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، ولم يزل معظما عنده. ومما يحكى من ملحه معه، أنه قال له يوما، وقد أدنى منزلته، وأشاد بفضله: لو تنصّرت وحصّلت الكمال، كان عندي لك كذا وكذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده، قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحدا، وقد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني.
وطلبه سلطان المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «2» ، واستقدمه، وتلمذ له، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته. وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له، وهو بيدي الآن، فتعلّم عليه الطب والتعاليم وغيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. وكان قويّ العارضة، مضطلعا بالجدل، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما، فيظهر عليهم، لتمكنه ودالّته، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي، وأبي القاسم بن خلصون، إن شاء الله. وكان يركب إلى باب السلطان، عظيم التّؤدة، معار البغلة، رائق البزّة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها، سمح الله له.
محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي
المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي.
حاله: كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، ومعرفة عللها، عارفا بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ. وكان كثير البشاشة، عظيم الانقباض، طيّب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التّواضع، صبورا على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه وأصوله، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة. وأقرأ بجامع باب الفخّارين، وبمسجد ابن عزرة وغيره.
(3/48)

مشيخته: قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، وعلى الأستاذ أبي الحسن الدباج، وعلى القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي، وعلى القاضي أبي عبد الله بن عياض.
وفاته: توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية وستين وستمائة.
محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي
من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الرّقّام، الشيخ الأستاذ المتفنن.
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، علما بالحساب والهندسة والطب والهيئة، وغير ذلك، مديد الباع، أصيل المعرفة، مضطلعا، متبحرا لا يشقّ غبارة، أقرأ التعاليم والطب والأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، وأوضح المشكلات، وسئل من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، ودوّن في هذه الفنون كلها، ولخّص، ولم يفتر من تقييد وشرح وتلخيص وتدوين.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب «الشّفا» ، والزّيج القويم الغريب المرصد، المبنيّة رسائله على جداول ابن إسحاق، وعدّل مناخ الأهلّة، وعليه كان العمل، وقيّد أبكار الأفكار في الأصول، ولخّص المباحث، وكتاب الحيوان والخواص. ومقالاته كثيرة جدا، ودواوينه عديدة.
وفاته: توفي عن سنّ عالية بغرناطة في الحادي والعشرين لصفر من عام خمسة عشر وسبعمائة.
محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري «1»
ونسبه «2» أبو محمد القرطبي أمويّا من صريحهم، بلنسي الأصل، يكنى أبا عبد الله.
(3/49)

حاله: كان صدرا في متقني القرآن العظيم، وأئمّة تجويده، مبرّزا في النحو، إماما معتمدا عليه، بارع الأدب، وافر الحظّ من البلاغة، والتّصرّف البديع في الكتابة، طيّب الإمتاع بما يورده من الفنون، كريم الأخلاق، حسن السّمت، كثير البشر، وقورا، ديّنا، عارفا، ورعا، وافر الحظّ من رواية الحديث.
مشيخته: روى «1» عن أبي إسحاق بن صالح، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي جعفر بن ثعبان، وأبي الحجاج القفّال، وأبي الحسن شريح، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن بن هذيل، وتلا عليه بالسّبع، وأبو «2» عبد الله بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، وابن فرح «3» القيسي، وأبي القاسم خلف بن فرتون، ولم يذكر أنهم أجازوا له. وكتب له أبو بكر عبد العزيز بن سدير «4» ، وابن العزفي «5» ، وابن قندلة «6» ، فأبو الحسن طارق بن موسى، وابن موهب، ويونس بن مغيث، وأبو جعفر «7» بن أيوب، وأبو الحكم عبد الرحمن بن غشيان «8» ، وأبو عبد الله الجيّاني، المعروف بالبغدادي. وذكر أبو عبد الله بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن «9» بن الطراوة.
من روى عنه: روى «10» عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، وأبو بكر بن عتيق الأزدي «11» ، وابن قترال «12» ، وأبو جعفر الجيّار، والذّهبي، وابن عميرة الشهيد، وأبو الحسن بن عزمون «13» ، وابن عبد الرزاق «14» ، وأبو الحسن «15» عبيد الله بن عاصم الدّاري «16» ، وأبو الربيع بن سالم، وأبو زكريا الجعفري «17» ، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو عبد الله الأندرشي، وابن الحسين بن محبر «18» ، وابن إبراهيم الريسي «19» ، وابن صلتان، وابن عبد الحق التلمسيني، وابن يربوع، وأبو العباس العزفي، وأبو عثمان سعد الحفّار، وأبو علي عمر بن جميع «20» ، وأبو عمران بن إسحاق «21» ، وأبو
(3/50)

القاسم الطيب بن هرقال «1» ، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملّاحي «2» ، وأبو محمد بن دلف «3» بن اليسر، وأبو الوليد بن الحجاج «4» .
تواليفه: له شرح على «إيضاح الفارسي» ، وآخر على «جمل الزّجّاجي» .
مولده: ببلنسية سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وفاته: توفي بمرسية إثر صدوره عن غرناطة عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى «5» سنة ست وثمانين وخمسمائة.
محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي «6»
من أهل سرقسطة. سكن غرناطة ثم فاس، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان «7» مقرئا مجوّدا، محققا بعلم الكلام وأصول الفقه، محصّلا لهما، متقدّما في النحو، حافظا للغة، حاضر الذّكر لأقوال تلك العلوم، جيّد النظر، متوقّد الذهن، ذكيّ القلب، فصيح اللسان «8» . ولّي أحكام فاس، وأفتى فيها، ودرّس بها العربية: كتاب سيبويه وغير ذلك.
مشيخته: روى «9» عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبوي «10» الحسن الحضرمي، وابن سابق، وأبي جعفر بن جرّاح، وأبي طالب السّرقسطي، الأديبين، وأبوي عبد الله بن نصر، وابن يحيى بن هشام المحدّث، وأبي العباس الدلائي، وأبي عبيد الله البكري، وأبي عمر أحمد بن مروان «11» القيرواني، وأبي محمد بن قورش «12» ، وأبي مروان بن سراج. وأجاز له أبو الوليد الباجي، رحمه الله.
(3/51)

من روى عنه: روى «1» عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الحسن صالح بن خلف، وأبو عبد الله بن حسن السّبتي، وأبو «2» الحسن الأبّذي، وتوفي قبله، وابن خلف بن الأيسر «3» ، والنّميري، وأبو العباس بن عبد الرحمن بن الصّقر، وأبو علي حسن بن الجزّار «4» ، وأبو الفضل بن هارون الأزدي، وأبوا «5» محمد: عبد الحق بن بونه، وقاسم بن دحمان، وأبو مروان بن الصّقيل الوقّشي «6» .
تواليفه: شرح «7» «إيضاح الفارسي» ، وكان قيّما على كتابه، وصنّف في الجدل مصنّفين، كبيرا وصغيرا. وله عقيدة جيدة.
وفاته: توفي بفاس، وقيل بتلمسان «8» ، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف ابن يوسف بن خلف الأنصاري «9»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج، وبابن صاحب الصلاة.
حاله: كان مقرئا صدرا في أئمّة التّجويد، محدّثا متقنا ضابطا، نبيل الخطّ والتقييد، ديّنا، فاضلا. وصنّف في الحديث، وخطب بجامع بلده. وأمّ في الفريضة زمانا، واستمرّت حاله كذلك، من نشر العلم وبثّه إلى أن كرّمه الله بالشهادة في وقيعة العقاب «10» .
دخوله غرناطة، راويا عن ابن الفرس، وابن عروس، وغيرهما.
مشيخته: روى بالأندلس عن الحجاج ابن الشيخ، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد يزيد بن رفاعة، وأكثر عنه، وأبوي عبد الله بن عروس، وابن الفخّار، وأبي
(3/52)

محمد بن حوط الله، وعبد الحق بن بونه، وعبد الصّمد بن يعيش، وعبد المنعم بن الفرس، وأجازوا له. وتلا القرآن على أبي عبد الله الإستجّي. وروى الحديث عن أبي جعفر الحصّار. وحجّ في نحو سنة ثمانين وخمسمائة، وأخذ عن جماعة من أهل المشرق، كأبي الطّاهر الخشوعي وغيره.
وفاته: توفي شهيدا محرضا صابرا يوم الاثنين منتصف صفر عام تسعة وستمائة.
محمد بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن قرال، من أهل مالقة.
حاله: طالب عفيف مجتهد خيّر. قرأ بغرناطة، وقام على فنّ العربية قياما بالغا، وشارك في غيره، وانتسخ الكثير من الدّواوين بخطّ بالغ أقصى مبالغ الإجادة والحسن، وانتقل إلى مالقة فأقرأ بها العربية، واقتدى بصهره الصّالح أبي عبد الله القطّان، فكان من أهل الصلاح والفضل. وتوفي في محرم عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن إدريس بن مالك بن عبد الواحد ابن عبد الملك بن محمد بن سعيد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الله القضاعي
من أهل إسطبونة «1» ، يكنى أبا بكر، ويعرف بالقللوسي.
حاله: كان، رحمه الله، إماما في العربية والعروض والقوافي، موصوفا بذلك، منسوبا إليه، يحفظ الكثير من كتاب سيبويه، ولا يفارقه بياض يومه، شديد التعصّب له، مع خفّة وطيش يحمله على التوغّل في ذلك. حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، رحمه الله، قال: وقف أبو بكر القللوسي يوما على القاضي أبي عمرو بن الرّندون، وكان شديد الوقار، مهيبا، وتكلم في مسألة من العربية، نقلها عن سيبويه، فقال القاضي أبو عمرو: أخطأ سيبويه، فأصاب أبا بكر القللوسي قلق كاد يلبط به الأرض، ولم يقدر على جوابه بما يشفي به صدره لمكان رتبته. قال: فكان يدور بالمسجد، والدموع تنحدر على وجهه، وهو يقول: أخطأ من خطّأه، يكرّرها، والقاضي أبو عمرو يتغافل عنه، ويزري عليه. وكان، مع ذلك، مشاركا في فنون، من
(3/53)

فقه وقراءات وفرائض، من أعلام الحفّاظ للغة، حجّة في العروض والقوافي، يخطط بالقافية عند ذكره في الكتب. وله في ذلك تواليف بديعة. وولّي الخطابة ببلده مدة، وقعد للتدريس به، وانثال عليه الناس وأخذوا عنه. ونسخ بيده الكثير وقيّد، وكان بقطره علما من أعلام الفضل والإيثار والمشاركة.
تواليفه: نظم رجزا شهيرا في الفرائض علما وعملا، ونظم في العروض والقوافي، وألّف كتاب «الدّرة المكنونة في محاسن إسطبونة» ، وألّف تأليفا حسنا في ترحيل الشمس، وسوسطات الفجر، ومعرفة الأوقات، ونظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دريد، وأرجوزة في شرح كتاب «الفصيح» . ورفع للوزير ابن الحكيم كتابا في الخواص وصنعة الأمدّة والتطبّع الشاب، غريبا في معناه.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع، ولازمه، وأخذ عنه، وعن أبي القاسم بن الحصّار الضرير السّبتي، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير بغرناطة، وغيرهم.
شعره: من شعره قوله من قصيدة يمدح ابن الحكيم: [الطويل]
علاه رياض أورقت بمحامد ... تنوّر بالجدوى وتثمر بالأمل
تسحّ عليها من نداه غمامة ... تروي ثرى المعروف بالعلّ والنّيل
وهل هو إلّا الشمس نفسا ورفعة ... فيغرب بالجدوى ويبعد بالأمل؟
تعمّ أياديه البريّة كلّها ... فدان وقاص جود كفّيه قد شمل
وهي طويلة. ونقلت من خطّ صاحبنا أبي الحسن النّباهي، قال يمدح أبا عبد الله الرّنداحي: [الكامل]
أطلع بأفق الرّاح كأس الرّاح ... وصل الزّمان مساءه بصباح
خذها على رغم العذول مدامة ... تنفي الهموم وتأت بالأفراح
والأرض قد لبست برود أزاهر ... وتمنطقت من نهرها بوشاح
والجوّ إذ يبكي بدمع غمامة ... ضحك الربيع له بثغر أقاح
والرّوض مرقوم بوشي أزاهر ... والطّير يفصح أيّما إفصاح
والغصن من طرب يميل كأنما ... سقيت بكفّ الرّيح كأس الراح
والورد منتظم على أغصانه ... يبدو فتحسبه خدود ملاح
وكأنّ عرف الريح من زهر الرّبى ... عرف امتداح القائد الرّنداح
وفاته: ببلده عصر يوم الجمعة الثامن عشر لرجب الفرد سنة سبع وسبعمائة.
(3/54)

محمد بن محمد بن محارب الصّريحي
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن أبي الجيش.
حاله وأوليّته: أصل سلفه من حصن يسر من عمل مرسية، من بيت حسب وأصالة، ولخؤولته بالجهة التاكرونيّة ثورة.
وقلت فيه في «عائد الصلة» : كان من صدور المقرئين، وأعلام المتصدّرين تفنّنا واضطلاعا وإدراكا ونظرا، إماما في الفرائض والحساب، قائما على العربية، مشاركا في الفقه والأصول وكثير من العلوم العقلية.
قعد للإقراء بمالقة، وخطب بجامع الرّبض.
مشيخته: قرأ على الأستاذ القاضي المتفنّن أبي عبد الله بن بكر، ولازمه. ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت بمالقة، وهي تجويز الخلف في وعد الله، شنّع فيها على شيخنا المذكور. ونسبه إلى أن قال: وعد الله ليس بلازم الصّدق، بل يجوز فيه الخلف، إذ الأشياء في حقه متساوية. وكتب في ذلك أسئلة للعلماء بالمغرب، فقاطعه وهجره. ولمّا ولّي القاضي أبو عبد الله بن بكر القضاء، خافه، فوجّه عنه إثر ولايته، فلم يشكّ في الشّرّ، فلما دخل عليه، رحّب به، وأظهر له القبول عليه، والعفو عنه، واستأنف مودّته، فكانت تعدّ في مآثر القاضي، رحمه الله.
ورحل المذكور إلى سبتة، فقرأ بها على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ومن عاصره، ثم عاد إلى مالقة، فالتزم التدريس بها إلى حين وفاته.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرات، متعلّما، وطالب حاج. ودعي إلى الإقراء بمدرستها النّصرية «1» ، عام تسعة وأربعين وسبعمائة، فقدم على الباب السّلطاني، واعتذر بما قبل فيه عذره. وكان قد شرع في تقييد مفيد على كتاب «التسهيل» لابن مالك، في غاية النبل والاستيفاء والحصر والتّوجيه، عاقته المنية عن إتمامه.
وفاته: توفي بمالقة في كائنة الطاعون الأعظم في أخريات ربيع الآخر من عام خمسين وسبعمائة، بعد أن تصدّق بمال كثير، وعهد بريع مجد لطلبة العلم، وحبس عليهم كتبه.
(3/55)

محمد بن محمد بن لب الكناني
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن لب.
حاله: كان ذاكرا للعلوم القديمة، معتنيا بها، عاكفا عليها، متقدّما في علمها على أهل وقته، لم يكن يشاركه أحد في معرفتها، من الرياضيّات والطبيعيّات والإلهيّات، ذاكرا لمذاهب القدماء، ومآخذهم في ذلك، حافظا جدا، ذاكرا لمذاهب المتكلّمين من الأشعريّة وغيرهم، إلّا أنه يؤثر ما غلب عليه من مآخذ خصومهم، وكان نفوذه في فهمه دون نفوذه في حفظه، فكان معتمده على حفظه في إيراده ومناظرته، وكان ذاكرا مع ذلك لأصول الفقه وفروعه، عجبا في ذلك؛ إذا وردت مسألة، أورد ما للناس فيها من المذاهب. وعزم عليه آخر عمره، فقعد بجامع مالقة، يتكلّم على الموطّأ، وما كان من قبل تهيّأ لذلك، إلّا أنه ستر عليه حفظه، وتعظيم أهل بلده له. قال ابن الزّبير: وكانت فيه لوثة، واخشيشان، وكان له أربّ في التّطواف، وخصوصا بأرض النصارى، يتكلم مع الأساقفة في الدّين، فيظهر عليهم، وكانت أموره غريبة، من امتزاج اليقظة بالغفلة، وخلط السّذاجة بالدّعابة. يحكى عنه أنه كانت له شجرة تين بداره بمالقة، فباع ما عليها من أحد أهل السّوق، فلمّا همّ بجمعها، ذهب ليمهّد للتّين بالورق في الوعاء، فمنعه من ذلك، وقال له: إنما اشتريت التين، ولم تدخل الورق في البيع، فتعب ذلك المشتري ما شاء الله، وجلب ورقا من غيرها، حتى انقضى الأمر، وعزم على معاملته في السنة الثانية، فأول ما اشترط الورق، فلمّا فرغ من الغلّة، دعاه فقال له: احمل ورقك، فإنه يؤذيني، فأصابه من المشقة في جمعه من أطراف الغصون ما لم يكن يحستب، ولم تأت السنة الثالثة، إلّا والرجل فقيه، اشترط مقدار الكفاية من الورق، فسامحه ورفق به.
دخل غرناطة وغيرها، وأخباره عجيبة. قال أبو جعفر بن الزّبير: عرض لي بمالقة مسائل، يرجع بعضها إلى الطريقة البيانيّة، والمآخذ الأدبية؛ وضحت ضرورة إلى الأخذ معه فيها، وفي آيات من الكتاب العزيز، فاستدعيته إلى منزلي، وكان فيه تخلّق، وحسن ملاقاة، مع خفّته الطبيعية وتشتّت منازعه، فأجاب، وأخذت معه في ذلك، فألفيته صائما عن ذلك جملة.
وصمته: قال: وكان القاضي الجليل أبو القاسم بن ربيع وأخوه أبو الحسن ينافرانه على الإطلاق، ويحذران منه، وهو كان الظاهر من حاله. قال: واستدعاني في مرض اشتدّ به، قبل خروجي من مالقة على انفراد، فتنصّل لي مما كان يذنّ «1» به، وأكثر البكاء، حتى رثيت له.
(3/56)

وفاته: توفي بمالقة، ووصّى قبل موته بوصايا من ماله، في صدقات وأشباهها، وحبس داره وطائفة من كتبه على الجامع الكبير بمالقة.
محمد بن محمد البدوي «1»
الخطيب بالرّبض من بلّش «2» ، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «العائد» «3» : كان، رحمه الله، حسن التّلاوة لكتاب الله، ذا قدم في الفقه، له معرفة بالأصلين، شاعرا مجيدا، بصيرا، بليغا في خطبته، حسن الوعظ، سريع الدّمعة. حجّ ولقي جلّة. وأقرأ ببلّش زمانا، وانتفع به، ولقي شدايد أصلها الحسد.
مشيخته: قرأ العلم على الشّيخين المقرئين، الحجّتين، أبي جعفر بن الزّيّات، وأبي عبد الله بن الكمّاد، وقرأ العربية والأصلين على الأستاذ أبي عمرو بن منظور، ولازمه وانتفع به، وقرأ الفقه على الشيخ القاضي أبي عبد الله بن عبد السّلام بمدينة تونس.
شعره: من شعره قوله في غرض النسيب «4» : [السريع]
خال على خدّك «5» أم عنبر؟ ... ولؤلؤ ثغرك أم جوهر؟
أوريت نار الوجد طيّ الحشا ... فصارت النّار به «6» تسعر
لو جدت لي منك برشف اللّما ... لقلت: خمر عسل «7» سكّر
دعني في الحبّ أذب حسرة ... سفك دم العاشق لا ينكر
(3/57)

وقال «1» : [البسيط]
عيناي تفهم من عينيك أسرارا ... وورد خدّك يذكي في الحشا نارا
ملكت قلب محبّ فيك مكتئب ... قد أثّر الدّمع في خدّيه آثارا
رضاب ثغرك يروي حرّ غلّته ... يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا «2»
أنعم بطيف خيال منك ألمحه ... ماذا عليك بطيف «3» منك لو زارا
نفسي فداؤك من ظبي به كلفّ «4» ... يصبو له القلب مضطرّا ومختارا
وقال «5» : [مجزوء الرمل]
أيها الظّبي ترفّق ... بكئيب قد هلك
الذنب تتجنّى ... أم لشيء «6» يوصلك؟
إنّ روحي لك ملك «7» ... وكذا قلبي لك
إنّما أنت هلال ... فلك القلب فلك
ومن مجموع نظمه ونثره ما خاطبني به، وقد طلبت من أدبه لبعض ما صدر عني من المجموعات: «يا سيدي، أبقاك الله بهجة للأعيان الفضلاء، وحجّة لأعلام العلاء، ولا زلت تسير فوق النّسر، وتجري في الفضائل على كرم النّجر. ذكر لي فلان أنكم أردتم أن يرد على كمالكم، بعض الهذيان الصادر عن معظّم جلالكم، فأكبرت ذلك، ورأيتني لست هنالك، وعجبت أن ينظم مع الدّرّ السّبج، أو يضارع العمش الدّعج. بيد أنّ لنظم الدّرّ صنّاع «8» ، والحديث قد يذاع، ولا يضاع، وحين اعتذرت له فلم يعذرني، وانتظرته فلم ينظرني، بعد أن استعفيته فأبى، واستنهضت جواد الإجابة فكبى، وسلك غير طريقي، ولم يبلّغني ريقي، وفّيت الغرض، وقضيت من إجابته الحقّ المفترض، ورددت عن تعذاله النّصيح، وأثبتّ هنا ما معناه صحيح، ولفظه غير فصيح: [السريع]
بريت من حولي ومن قوّتي ... بحول من لا حول إلّا له
وثقت بالخالق فهو الذي ... يدبّر العبد وأفعاله
(3/58)

وقلت بالحرم عند الملتزم من المنظوم في مثل ذلك: [المتقارب]
أمولاي بالباب ذو فاقة ... وهذا يحطّ خطايا الأمم
فجد لي بعفوك عن زلّتي ... يجود الكريم بقدر الكرم
ومما أعددته للوفادة على خير من عقدت عليه ألوية السّيادة: [الكامل]
حمدت إليك مع الصباح سراها ... وأتتك تطلب من نداك قراها
وسرت إليك مع النّسيم يمينها ... شوقا يسابق في السّرى يسراها
ولولا العجر لوصلت، والعذر لأطلت، لكن ثنيت عناني لثنائك، لحسن اعتنائك، وقلت معتذرا من الصّورة لمجدكم، وتاليا سورة حمدكم: [البسيط]
المجد يخبر عن صدق مآثره ... وناظم المجد في العلياء ناثره
والجود إنّ جدّ جدّ المرء ينجده ... وقلّما ثمّ في الأيّام ذاكره
من نال ما نلت من مجد ومن شرف؟ ... فليس في الناس من «1» شخص يناظره
يا سيدا طاب في العلياء محتده ... دم «2» ماجدا رسخت فيه أواصره
سريت في الفضل مستنّا على سنن ال ... فضل «3» مآربه حقا وسامره
ورثته عن كبير أوحد علم ... كذاك يحمله أيضا أكابره
مبارك الوجه وضّاح الجبين له ... نور ينير أغرّ النّور باهره
موفّق بكفيل من عنايته ... مرفّع العذر سامي الذّكر طاهره
رعيت في الفضل حقّ الفضل مجتهدا ... مفهوم مجدك هذا الحكم ظاهره
علوت كالشمس إشراقا ومنزلة ... فأنت كالغيث يحيي الأرض ماطره
ينمّ بالفضل منك الفضل مشتهرا ... كما ينمّ بزهر الرّوض عاطره
دم وابق للمجد كهفا والعلا وزرا «4» ... فإنما المجد شخص أنت ناظره
مؤمّلا منك خيرا أنت صانعه ... وصانع الخير عند الله شاكره
وما وليت وما أوليت من حسن ... للنّاس «5» والعالم العلوي ذاكره
بقيت تكسب من والاك مكرمة ... وناصرا أبدا من قلّ ناصره
(3/59)

عذرا لك الفضل عمّا جئت من خطإ ... أن يخط مثلي يوما أنت عاذره
ثم السلام على علياك من رجل ... تهدي الذي أبدا «1» تخفى ضمائره
دخوله غرناظة: دخلها غير ما مرّة، ولقيته بها لتقضّي بعض أغراض بباب السلطان، مما يليق بمثله.
مولده: ... «2» .
وفاته: توفي ببلّش في أخريات عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد ابن عبد الله العبدري
قرطبي، استوطن مدينة مرّاكش، يكنى أبا بكر.
حاله: كان عالما بالقراءات، ذاكرا للتفسير، حافظا للفقه واللغات والأدب، شاعرا محسنا، كاتبا بليغا، مبرّزا في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعا، فكه المحاضرة، مليح المداعبة. وصنّف في غير ما فنّ من العلم، وكلامه كثير مدوّن، نظما ونثرا.
مشيخته: روى عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح، وعبد الرحمن بن بقي، وابن الباذش، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الوليد بن رشد، ولازمه عشرين سنة. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له، وسمع أبا بحر الأسدي، وأبوي بكر عيّاش بن عبد الملك، وابن أبي ركب، وأبا جعفر بن شانجة «3» ، وأبا الحسن عبد الجليل، وأبا عبد الله بن خلف الأيسري، وابن المناصف، وابن أخت غانم، ولم يذكر أنهم أجازوا له، وروى أيضا عن أبوي عبد الله مكّي، وابن المعمر، وأبي الوليد بن طريف.
من روى عنه: روى عنه أبو البقاء يعيش بن القديم، وأبو الحسن بن مؤمن، وأبو زكريا المرجيعي، وأبو يحيى أبو بكر الضرير واختصّ به.
(3/60)

تواليفه: من مصنّفاته «مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار» وشرحاه الكبير والصغير على «جمل الزجّاجي» ، وشرح أبيات الإيضاح العضدي، و «مقامات الحريري» ، وشرح معشّراته الغزليّة، ومكفّراته الزهدية، إلى غير ذلك، وهما مما أبان عن وفور علمه، وغزارة مادّته، واتّساع معارفه، وحسن تصرفه.
دخل غرناطة راويا عن الحسن بن الباذش ومثله.
محنته: كان يحضر مجلس عبد المؤمن «1» مع أكابر من يحضره من العلماء، فيشفّ على أكثرهم بما كان لديه من التحقيق بالمعارف، إلى أن أنشد أبا محمد عبد المؤمن أبياتا كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد بن تست، وهي:
[المتقارب]
أبا قاسم والهوى جنّة «2» ... وها أنا من مسّها لم أفق
تقحّمت جامح نار الضلوع ... كما خضت بحر دموع الحدق
أكنت الخليل، أكنت الكليم؟ ... أمنت الحريق، أمنت الغرق
فهجره عبد المؤمن، ومنعه من الحضور بمجلسه، وصرف بنيه عن القراءة عليه، وسرى ذلك في أكثر من كان يقرأ عليه، ويتردّد إليه، على أنه كان في الطبقة العليا من الطّهارة والعفاف.
شعره: قال في أبي القاسم المذكور: وكان أزرق، وقد دخل عليه ومعه أبو عبد الله محمد بن أحمد الشاطبي، وأبو عثمان سعيد بن قوسرة، فقال ابن قوسرة:
[الكامل]
عابوه بالزّرق الذي يجفونه ... والماء أزرق والعيون «3» كذلكا
فقال أبو عبد الله الشّاطبي: [الكامل]
الماء يهدي للنفوس حياتها ... والرّمح يشرع للمنون مسالكا
(3/61)

فقال أبو بكر بن ميمون المترجم به: [الكامل]
وكذاك «1» في أجفانه سبب الرّدى ... لكن «2» أرى طيب الحياة هنالكا
ومما استفاض من شعره قوله في زمن الصّبا، عفا الله عنه: [الكامل]
لا تكترث بفراق أوطان الصبا ... فعسى تنال بغيرهنّ سعودا
والدّرّ ينظم عند فقد بحاره ... بجميل أجياد الحسان عقودا
ومن مشهور شعره: [الطويل]
توسّلت يا ربي بأني مؤمن ... وما قلت أني سامع ومطيع
أيصلى بحرّ النار عاص موحّد ... وأنت كريم والرسول شفيع؟
وقال في مرضه: [مخلع البسيط]
أيرتجي العيش من عليه ... دلائل للرّدى جليّة؟
أوّلها مخبر بثان ... ذاك أمان وذا منيّه؟
وفاته: توفي بمراكش يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة تاغزوت داخل مراكش، وقد قارب السبعين سنة.
محمد بن عبد الله بن عبد العظيم بن أرقم النّميري «3»
من أهل وادي آش، يكنى أبا عامر.
حاله: كان «4» أحد شيوخ بلده وطلبته «5» ، مشاركا في فنون، من فقه وأدب وعربية، وهي أغلب الفنون عليه، مطّرح «6» السّمت، مخشوشن الزّي، قليل المبالاة بنفسه، مختصرا في كافة شؤونه، مليح الدّعابة، شديد الحمل، كثير التواضع، وبيته معمور بالعلماء أولي الأصالة والتعيّن. تصدّر ببلده للفتيا والتدريس والإسماع.
(3/62)

مشيخته: قرأ «1» على الأستاذ القاضي أبي «2» خالد بن أرقم، والأستاذ أبي العبّاس بن عبد النّور. وروى عن أبيه مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الوزير العالم أبي عبد الله بن ربيع، والقاضي أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وولي الله الحسن بن فضيلة.
ورحل إلى العدوة، فأخذ بسبته عن الأستاذ أبي بكر بن عبيدة «3» ، والإمام الزاهد أبي عبد الله بن حريث، وأبي عبد الله بن الخضار، وأبي القاسم بن الشّاط، وغيرهم.
شعره: وهو من الجزء المسمى ب «شعر من لا شعر له» والحمد لله. فمن ذلك قوله يمدح أبا زكريا العزفي بسبتة، ويذكر ظفره بالأسطول من قصيدة أولها «4» :
[الكامل]
أمّا الوصال فإنّه كالعيد ... عذر المتيّم واضح في الغيد
وفاته: توفي ببلده عام أربعين وسبعمائة. ودخل غرناطة راويا ومتعلما، وغير ذلك.
محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج ابن الجدّ الفهري
الحافظ الجليل، يكنى أبا بكر، جليل إشبيلية، وزعيم وقته في الحفظ. لبلي «5» الأصل، إشبيلي، استدعاه السّيد أبو سعيد والي غرناطة، فأقام بها عنده في جملة من الفضلاء مثله سنين. ذكر ذلك صاحب كتاب «ثورة المريدين» «6» .
حاله: كان في حفظ الفقه بحرا يغرف من محيط. يقال: إنه ما طالع شيئا من الكتب فنسيه، إلى الجلالة والأصالة، وبعد الصّيت، واشتهار المحلّ. وكان مع هذا يتكلّم عند الملوك، ويخطب بين يديها، ويأتي بعجاب، وفي كتاب «الإعلام» شيء من خبره، قال ابن الزبير.
(3/63)

مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر، أخذ عنه كتاب سيبويه وغير ذلك، وعن أبي محمد بن عتّاب، وسمع عليه بعض الموطّإ، وعن أبي بحر الأسدي، وأبي الوليد بن طريف، وأبي القاسم بن منظور القاضي، وسمع عليه صحيح البخاري كله، وشريح بن محمد، وأبي الوليد بن رشد، وناوله كتاب «البيان والتحصيل» . وكتاب «المقدّمات» . لقي هؤلاء كلهم، وأجازوا له عامة. وأخذ أيضا عن مالك بن وهيب.
من حدّث عنه: أبو الحسن بن زرقون، وأبو محمد القرطبي الحافظ، وابنا حوط الله، وغيرهم. وعليه من ختمت به المائة السادسة كأبي محمد بن جمهور، وأبي العبّاس بن خليل، وإخوته الثلاثة أبي محمد عبد الله، وأبي زيد عبد الرحمن، وأبي محمد عبد الحق. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: حدّثني عنه ابن خليل وأبو القاسم الجيّاني، وأبو الحسن بن السّرّاج.
مولده: بلبلة في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة.
وفاته: وتوفي بإشبيلية في شوال سنة ست وثمانين وخمسمائة. ذكره ابن الملجوم، وأبو الربيع بن سالم، وابن فرتون.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن الفخّار الجذامي
يكنى أبا بكر، أركشي «1» المولد والمنشإ، مالقي «2» الاستيطان، شريشي «3» التدرّب والقراءة.
حاله: من «عائد الصّلة» : كان، رحمه الله، خيّرا صالحا، شديد الانقباض، مغرقا في باب الورع، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم والملازمة، قليل الرياء والتصنّع. خرج من بلده أركش عند استيلاء العدو على قصبتها، وكان يصفها، وينشد فيها من شعر أستاذه الأديب أبي الحسن الكرماني: [المجتث]
أكرم بأركش دارا ... تاهت على البدر قدرا
(3/64)

يخاطب المجد عنها ... للقلب «1» تدني شكرا
واستوطن مدينة شريش، وقرأ بها، وروى بها عن علمائها، وأقرأ بها، ولمّا استولى العدوّ عليها لحق بالجزيرة الخضراء، فدرّس بها، ثم عبر البحر إلى سبتة، فقرأ بها وروّى. ثم كرّ إلى الأندلس، فقصد غرناطة، وأخذ عن أهلها. ثم استوطن مالقة، وتصدّر للإقراء بها؛ مفيد التعليم، متفنّنه، من فقه وعربية وقراءات وأدب وحديث، عظيم الصبر، مستغرق الوقت. يدرس من لدن صلاة الصبح إلى الزّوال. ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك، فيقرىء، وتأتيه النساء من خلفه للفتيا، فيفتيهنّ على حال سؤالاتهنّ إلى نصف ما بين العصر والعشاء الأولى. ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة، من غير أن يقبل من أحد شيئا. ومن أخذ منه بعد تحكيم الورع، أثابه بمثله، ما رئي في وقته أورع منه. وكان يتّخذ روميّة مملوكة، لا يشتمل منزله على سواها، فإذا أنس منها الضّجر للحصر وتمادى الحجاب، أعتقها، وأصحبها إلى أرضها.
ونشأت بينه وبين فقهاء بلده خصومة في أمور عدّوها عليه، مما ارتكبها اجتهاده في مناط الفتوى، وعقد لهم أمير المسلمين بالأندلس مجلسا أجلى عن ظهوره فيه، وبقاء رسمه، فكانت محنة، وخلّصه الله منها. وبلغ من تعظيم الناس إيّاه، وانحياشهم إليه، مبلغا لم ينله مثله، وانتفع بتعليمه، واستفيد منه الأدب على نسكه وسذاجته.
مشيخته: قرأ ببلده شريش على المكتّب الحاج أبي محمد عبد الله بن أبي بكر بن داود القيسي، وعلى الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد بن الرّياح، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السّكوني الكرماني؛ أخذ عنه العربية والأدب، وعلى الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى، المعروف بابن متيوان، وعلى الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المرّاكشي، وعلى الخطيب أبي العرب إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري، وعلى الفقيه أبي عبد الله الجنيدي، المعروف بالغرّاق، وعلى الفقيه العددي أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الكاتب المكناسي. وقرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الرّكبي، وروى عنه، وقرأ بها على الخطيب أبي عبيد الله بن خميس، وعلى الأصولي أبي أميّة. وقرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع، وعلى أبي يعقوب المحبساني، وعلى المحدّث أبي عمرو عثمان بن عبد الله
(3/65)

العبدري، وعلى الفقيه المالكي الحافظ أبي الحسن المتيوي، والأصولي أبي الحسن البصري، والفقيه المعمّر الراوية أبي عبد الله محمد الأزدي، والمحدّث الحافظ أبي محمد بن الكمّاد، وعلى الأستاذ العروضي الكفيف أبي الحسن بن الخضّار التلمساني. ولقي بغرناطة قاضي الجماعة أبا القاسم بن أبي عامر بن ربيع، والأستاذ أبا جعفر الطبّاع، وأبا الوليد إسماعيل بن عيسى بن أبي الوليد الأزدي، والأستاذ أبا الحسن بن الصّائغ. ولقي بمالقة الخطيب الصالح أبا محمد عبد العظيم ابن الشيخ، والرّاوية أبا عبد الله محمد بن علي بن الحسن الجذامي السّهيلي. وسمع على الرّاوية أبي عمرو بن حوط الله، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن عباس القرطبي.
تواليفه: كان، رحمه الله، مغرّى بالتأليف، فألّف نحو الثلاثين تأليفا في فنون مختلفة، منها كتاب «تحبير نظم الجمان، في تفسير أم القرآن» ، و «انتفاع الطّلبة النّبهاء، في اجتماع السّبعة القرّاء» . و «الأحاديث الأربعون، بما ينتفع به القارئون والسّامعون» ، وكتاب «منظوم الدّرر، في شرح كتاب المختصر» ، و «كتاب نصح المقالة، في شرح الرسالة» ، وكتاب «الجواب المختصر المروم، في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الرّوم» ، وكتاب «استواء النّهج، في تحريم اللعب بالشطرنج» ، وكتاب «الفيصل المنتضى المهزوز، في الرّد على من أنكر صيام يوم النّيروز» ، وكتاب «جواب البيان، على مصارمة أهل الزمان» ، وكتاب «تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر الوقت المختار، على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتدار» ، وكتاب «إرشاد السّالك، في بيان إسناد زياد عن مالك» ، وكتاب «الجوابات المجتمعة، عن السّؤالات المنوّعة» ، وكتاب «إملاء فوائد الدول، في ابتداء مقاصد الجمل» ، وكتاب «أجوبة الإقناع والإحساب، في مشكلات مسائل الكتاب» ، وكتاب «منهج الضّوابط المقسّمة، في شرح قوانين المقدّمة» ، وكتاب «التوجيه الأوضح الأسمى، في حذف التنوين من حديث أسما» ، وكتاب «التكملة والتّبرئة، في إعراب البسملة والتّصلية» ، وكتاب «سحّ مزنة الانتخاب، في شرح خطبة الكتاب» . ومنها اللّائح المعتمد عليه، في الردّ على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه، وغير ذلك من مجيد ومقصر.
شعره: وشعره كثير، غريب النّزعة، دالّ على السّذاجة، وعدم الاسترابة والشعور، والغفلة المعربة عن السّلامة، من ارتكاب الحوشي، واقتحام الضّرار، واستعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبّت بها أطراف الملاحين والمعاريض، ولع كثير من أهل زمانه بالرّدّ عليه، والتّملّح بما يصدر عنه، منهم القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك.
(3/66)

ومن منتخب شعره قوله: [الكامل]
انظر إلى ورد الرّياض كأنّه ... ديباج خدّ في بنان زبرجد
قد فتّحته نضارة فبدا له ... في القلب رونق صفرة كالعسجد
حكت الجوانب خدّ حبّ ناعم ... والقلب يحكي خدّ صبّ مكمد
حدّث الفقيه العدل أبو جعفر أحمد بن مفضل المالقي، قال: قال لي يوما الشيخ الأستاذ أبو بكر بن الفخّار: خرجت ذات يوم وأنا شاب من حلقة الأستاذ بشريش، أعادها الله للإسلام، في جملة من الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سرّاج، وإذا فتى وسيم في الحانوت يرقم جلدا كان في يده، فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب، حتى تصنع لنا شعرا في هذا الفتى. فقلت: [الوافر]
وربّ معذّر للحبّ داع ... يروق بهاء منظره البهيج
وشى في وجنتيه الحسن وشيا ... كوشي يديه في أدم السروج
مولده: بحصن أركش بلده، وكان لا يخبر به، في ما بين الثلاثين والأربعين وستمائة.
وفاته: توفي بمالقة في عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة، وكانت جنازته بمالقة مشهورة.
محمد بن علي بن عمر بن يحيى بن العربي الغستاني
من أهل الحمّة «1» من عمل المريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن العربي، وينتمي في بني أسود من أعيانها.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من أهل العلم والدين والفضل، طلق الوجه، حسن السّير، كثير الحياء، كأنّك إذا كلّمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلّا مبتسما، في حسن سمت، وفضل هوى، وجميل وقار، كثير الخشوع، وخصوصا عند الدخول في الصّلاة، تلوح عليه بذلك، عند تلاوته سيما الحضور، وحلاوة الإقبال. وكان له تحقّق بضبط القراءات، والقيام عليها، وعناية بعلم العربية، مع مشاركة في غير ذلك من الفنون السّنية، والعلوم الدينية. انتصب للإقراء والتدريس
(3/67)

بالحمّة المذكورة، فقرّب النّجعة على أهل الحصون والقرى الشّرقية، فصار مجتمعا لأرباب الطّلب من أهل تلك الجهات ومرتفقاتهم. وكان رجلا صالحا، مبارك النيّة، حسن التّعليم، نفع الله به من هنالك، وتخرّج على يديه جمع وافر من الطّلبة، عمرت بهم سائر الحصون. وكان له منزل رحب للقاصدين، ومنتدى عذب للواردين. تجول في آخرة بالأندلس والعدوة «1» ، وأخذ عمن لقي بها من العلماء، وأقام مدّة بسبتة مكبّا على قراءة القرآن والعربية. وبعد عوده من تجواله لزم التصدّر للإقراء بحيث ذكر، وقد كانت الحواضر فقيرة لمثله، غير أنه آثر الوطن، واختار الاقتصاد.
مشيخته: أخذ بألمريّة عن شيخها أبي الحسن بن أبي العيش، وبغرناطة عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور. وببلّش عن الأستاذ أبي عبد الله بن الكمّاد، والخطيب أبي جعفر بن الزيات. وبمالقة عن الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار، والشّيخ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري.
وبالجزيرة عن خطيبها أبي العبّاس بن خميس. وبسبتة عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والإمام الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والزّاهد أبي عبد الله بن معلّى، والشيخ الخطيب أبي عبد الله الغماري. وبمكناسة من القاضي وارياش. وبفاس من الحاج الخطيب أبي الربيع سليمان بن مفتاح اللجّائي، والأستاذ أبي الحسن بن سليمان، والأستاذ أبي عبد الله بن أجروم الصّنهاجي، والحاج أبي القاسم بن رجا بن محمد بن علي وغيرهم، وكل من ذكر أجاز له عامة، إلّا قاضي مكناسة أبي عبد الله محمد بن علي الكلبي الشهير بوارياش.
مولده: في أول عام اثنين وثمانين وستمائة.
وفاته: توفي بالحمّة ليلة الاثنين الثامن عشر لشهر محرّم عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
محمد بن علي بن محمد العبدري «2»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باليتيم.
(3/68)

حاله: كان، رحمه الله، أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشّيبة، لوذعيا في وقار، رشيق النظم والنثر، غزلا مع الصّون، كثير الدّعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصّوت، رائق الخطّ، بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيّب العشرة، أدّب الصّبيان مدة، وعقد الشروط أخرى، وكان يقرأ كتب الحديث والتفسير والرّقائق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، وأمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتا إلّا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة، لم يخلف مثله بعده. وخطب بقصبة مالقة، ومال أخيرا إلى نظر الطّب، فكان الناس يميلون إليه، وينتفعون به لسياغ مشاركته، وعموم انقياده، وبرّه، وعمله على التّودّد والتّجمّل.
وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «1» : مجموع أدوات حسان، من خطّ ونغمة ولسان، أوراقه «2» روض تتضوّع نسماته، وبشره صبح تتألّق قسماته، ولا تخفى «3» سماته. يقرطس أغراض الدّعابة ويصميها، ويفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلّما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطّة عن الإجادة نازلة، خمّس أبياتها وذيّلها، وصرف معانيها وسهّلها «4» ، وتركها سمر النّدمان، وأضحوكة الزمان «5» . وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة «6» ، متحلّ بوقار وسكينة، حالّ من أهلها بمكانة مكينة، لسهولة جانبه، واتّضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. واشتغل لأوّل أمره بالتّعليم «7» والتّكتيب، وبلغ الغاية في الوقار «8» والتّرتيب، والشّباب «9» لم ينصل خضابه، ولا سلّت للمشيب عضابه، ونفسه بالمحاسن كلفة صبّة «10» ، وشأنه كله هوى ومحبّة، ولذلك ما خاطبه به بعض أودّائه «11» ، وكلاهما رمى أهله بدائه، حسبما يأتي خلال هذا القول «12» وفي أثنائه، بحول الله.
(3/69)

شعره: كتبت إليه أسأل منه ما أثبت في كتاب «التّاج» من شعره، فكتب إليّ «1» : [البسيط]
أمّا الغرام فلم أخلل بمذهبه ... فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه؟
يا معرضا عن فؤاد لم يزل كلفا ... بحبّه ذا حذار من تجنّبه
قطعت عنه الذي عوّدته فغدا ... وحظّه من رضاه برق خلّبه «2»
أيام وصلك مبذول، وبرّك بي ... مجدّد، قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودّك عن إفك العواذل في ... شغل وبدر الدّجى ناس لمغربه
لا أنت «3» تمنعني نيل الرّضا كرما ... ولا فؤادي بوان في تطلّبه
لله عرفك ما أذكى تنسّمه ... لو كنت تمنحني استنشاق طيّبه
أنت الحبيب الذي لم أتّخذ بدلا ... منه وحاش لقلبي من تقلّبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كلّ سنا ... أزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلق ... أكملت «4» باسمك معنى الحسن فازه به
نأيت «5» أو غبت ما لي عن هواك غنى ... لا ينقص البدر حسنا في تغيّبه
سيّان حال التّداني والبعاد، وهل ... لمبصر البدر نيل في ترقّبه؟
يا من أحسن «6» ظنّي في رضاه وما ... ينفكّ يبدي قبيحا من تغضّبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب منّي لا ... يصغي لسمع ملام من مؤنّبه
فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناها «7» :
«يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقّيتها باليدين «8» ، وإذا قسّمت سهام وداده
(3/70)

على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة «1» والدّين، دام بقاؤك لطرفة «2» تبديها، وغريبة تردفها بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجلّيها، ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدّهر بشتّ نظمها، تؤنسها وتسلّيها، لم أزل أعزّك الله، أشدّ على بدائعها «3» يد الضّنين «4» ، وأقتني درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، والأيام بلقياك تعد، ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت عليّ سماوك بعد قحط، وتوالت «5» عليّ آلاوك على شحط «6» ، وزارتني من عقائل بيانك كلّ فاتنة الطّرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظّرف، لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرّت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، ومطاوعة اللّفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتّشبّث بالقلوب، غير أن سيّدي أفرط في التّنزّل، وخلط المخاطبة بالتّغزّل، وراجع الالتفات، ورام استدراك ما فات. يرحم «7» الله شاعر المعرّة، فلقد أجاد في قوله، وأنكر مناجاة الشّوق «8» بعد انصرام حوله، فقال «9» : [البسيط]
أبعد حول تناجي الشّوق «10» ناجية ... هلّا ونحن على عشر من العشر «11»
وقد «12» تجاوزت في الأمد «13» ، وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصّمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السّود، وحاملي «14» الأرواح مع الألواح، بالغدوّ والرّواح، لولا بعد مزارك، ما أمنت غائلة ما تحت إزارك. ثمّ إنّي حقّقت الغرض، وبحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت: للخواطر انتقال، ولكلّ مقام مقال، وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللّبس خبر الثّقات.
(3/71)

ومنها «1» : وتعرّفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التّكتيب والتّعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لا حظ الملاحظ «2» ، ما قال الجاحظ «3» ، فاعتراض لا يردّ، وقياس لا يضطرد «4» ، حبّذا والله عيش أهل «5» التّأديب، فلا بالضّنك ولا بالجديب «6» ، معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصّور الحسان، يمينا إنّ المعلّمين، لسادة المسلمين، وإنّي لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب، أمراء «7» فوق المراتب، من كل مسيطر الدّرّة، متقطّب الأسرّة، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير»
في موكبه، حتى إذا استقلّ في فرشه، واستولى على عرشه، وترنّم بتلاوة قالونه «9» وورشه، أظهر للخلق احتقارا، وأزرى «10» بالجبال وقارا، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظّالم والمظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، والرّشيد في زمانه «11» ، والحجّاج بين أعوانه. وإذا «12» استولى على البدر السّرار، وتبيّن للشهر الغرار «13» ، تحرّك «14» إلى الخرج «15» ، تحرّك العود «16» إلى الفرج، أستغفر الله مما يشقّ على سيدي سماعه، وتشمئزّ من ذكره «17» طباعه، شيم اللّسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان. فأيّ عيش هذا «18» العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش؟ طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغصّات «19» ، فكأنّما طمس الأفواه «20» ، ولأم بين الشّفاه، وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضّجيج والعجيج، وحفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدسّ، وغمزة لا تحسّ، ووعد يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز. هنّأ الله سيدي ما خوّله، وأنساه بطيب آخره أوّله. وقد بعثت
(3/72)

بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثّقة بسعة صدره، فليتلقّها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه «1» ، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا «2» بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسّلام.
ومن شعره ما كتب به إليّ «3» : [الكامل]
آيات حسنك حجّة للقال «4» ... في الحبّ قائمة على العذّال
يا من سبى طوعا عقول ذوي النّهى ... ببلاغة قد أيّدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع ما ... يجلو ويتلو من سنيّ مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرها ... وقفت فغيرك «5» لا يمرّ ببال
رفعت لديك «6» في البلاغة راية ... لمّا احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذي ... تعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب «7» ... ودّا ينافس فيك كلّ مغال «8» ؟
جذبته نحو هواك غرّ محاسن ... مشفوعة أفرادها بمعال
وشمائل رقّت لرقّة طبعها ... فزلالها يزري بكل زلال
وحليّ آداب بمثل نفيسها ... تزهو الحلى ويجلّ قدر الحالي
تستخدم «9» الياقوت عند نظامها ... فمقصّر من قاسها بلآل
سبق الأخير الأوّلين بفضلها ... فغدا المقدّم تابعا للتّالي
شغفي ببكر «10» من عقائلها إذا ... تبدو تصان من الحجى بحجال
فابعث بها بنت «11» المنى ممهورة ... طيب الثّناء لنقدها والكالي
لا زلت شمسا في الفضائل يهتدى ... بسناك في الأفعال والأقوال «12»
ثم السّلام عليك يترى ما تلت ... بكر الزّمان روادف الآصال
(3/73)

ومن الدّعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام «1» : [الوافر]
أبا عبد الله نداء خلّ ... وفيّ جاء يمنحك النّصيحه
إلى كم تألف الشّبان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحة؟
فأجابه رحمه الله: [الوافر]
فديتك، صاحب السّمة المليحه ... ومن طابت أرومته الصّريحه
ومن قلبي وضعت له محلّا ... فما عنه يحلّ بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب ... وأكباد «2» لفرقتكم قريحه
وطرفي لا يتاح له رقاد ... وهل نوم لأجفان جريحه؟
وزاد تشوّقي أبيات شعر ... أتت منكم بألفاظ فصيحه
ولم تقصد بها جدّا، ولكن ... قصدت بها مداعبة قبيحه «3»
فقلت: أتألف الشبّان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحه؟
وفيهم «4» حرفتي وقوام عيشي ... وأحوالي بخلطتهم نجيحه
وأمري فيهم أمر مطاع ... وأوجههم مصابيح صبيحه
وتعلم أنّني رجل حصور «5» ... وتعرف ذاك معرفة صحيحه
قال في «التّاج» : ولمّا «6» اشتهر المشيب بعارضه ولمّته، وخفر الدهر لعمود «7» صباه وأذمّته، أقلع واسترجع، وتألّم لما فرط وتوجّع، وهو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض والثّوب، خالص من الشّوب، باد عليه قبول قابل التوب.
وفاته رحمه الله: في آخر صفر من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.
(3/74)

ومن الغرباء في هذا الباب
محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي»
من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
حاله: هذا «2» الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصيّة ولطافة، مليح التوسّل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التّودّد، نطيف البزّة، لطيف التّأنّي «3» ، خيّر البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيّب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم «4» في الذّروة والغارب بتنزّله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع «5» غاشيتهم بتلطّفه، ممزوج الدّعابة بالوقار، والفكاهة بالنّسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل ودّه، والتّعصّب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعلق «6» ، مسخّر الرّقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاصّ المنزل بالطّلبة، منقاد الدّعوة، بارع الخطّ أنيقه، عذب التّلاوة، متّسع الرّواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيّد ويؤلّف، فلا يعدو السّداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع ولا هيابة «7» . رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده، رحمه الله، فحجّ وجاور، ولقي الجلّة، ثم فارقه، وقد عرف بالمشرق حقّه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه، وجعله مفضى سرّه، وإمام جمعته، وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في «8» أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، فاجتذبه «9» سلطانها، رحمه الله، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلّده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة
(3/75)

وخمسين «1» بعده أطرف عنه جفن برّه، في أسلوب طماح، ودالّة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة «2» ، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرّحيل العزمة، وانصرف عزيز الرّحلة، مغبوط المنقلب، في أوائل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة «3» ، فاستقرّ بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محلّ تجلّة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسّط، ناجع الشّفاعة، والله يتولّاه ويزيده من فضله.
مشيخته: من كتابه المسمى «عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشّام والحجاز» : فممن «4» لقيه بالمدينة المشرّفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلّامة عزّ الدين محمد أبو الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطّتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي «5» الكريم، وأفرد جزءا في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السّعدي العبادي، تحمّل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك وبمكة، شرّفها الله، الشيخ المعمّر الثّقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي «6» المكيّ. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي.
والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي «7» المصري.
والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجّة، انتهت إليه الرّياسة العلمية والخطط الشّرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني، قاضي القضاة بمصر «8» .
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتّقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفّاظ والعلماء بتونس، وبجاية، والزّاب، وتلمسان.
محنته: اقتضى «9» الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن، رحمه الله، وتوقّع «10» عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليمّ بالسّاحل بمدينة الجزائر، أن قبض
(3/76)

عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة، وانقطع لشدّة الثّقاف «1» أثره، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه. ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلّصه الله خلاصا جميلا، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته «2» .
شعره، وما وقع من المكاتبة بيني وبينه: ركب «3» مع السلطان خارج «4» الحمراء، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض، وزيّنت الفحص العريض، والرّوض الأريض «5» ، فارتجل في ذلك: [الكامل]
انظر إلى النّوار في أغصانه ... يحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك
حيّا أمير المسلمين وقال: قد ... عميت بصيرة من بغيرك مثّلك «6»
يا يوسفا حزت الجمال بأسره ... فمحاسن الأيام تومي هيت لك «7»
أنت الذي صعدت به أوصافه ... فيقال فيه: ذا مليك أو ملك «8»
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه «9» : [الكامل]
يا قادما وافى بكلّ نجاح ... أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها ... تنل المنى وتفز بكلّ سماح
مغنى الإمام أبي عنان يمّمن ... تظفر ببحر في العلى طفّاح
(3/77)

من قاس جود أبي عنان ذي «1» الندى ... بسواه قاس البحر بالضّحضاح «2»
ملك يفيض على العفاة نواله ... قبل السّؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى «3» في الندى ... ذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله «4» ... من أريحيّ للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا ... قد ألحفوا منه بظلّ جناح
وهمى على العافين سيب نواله ... حتى حكى سحّ الغمام الساحي
فنواله وجلاله وفعاله ... فاقت وأعيت ألسن المدّاح
وبه الدّنا أضحت تروق وأصبحت ... كلّ المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه ... متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما ... تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة ... من راحة المولى بكلّ صباح
والحمد»
لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى، حمدا يؤمّ به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظّم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال «6» . ولقدومكم على هذا المقام «7» العلي في ارتقاب، ولمواعدكم «8» بذلك في تحقّق وقوعه من غير شكّ ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيّعك «9» وجوه المسرّات صباحا، وتتلقّى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا، بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدى المحب «10» من إحسان مولاي «11» وإنعامه. ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقرّه مع غيره. فالحمد لله الذي يسّر في إيصاله، على أفضل أحواله.
فراجعته بقولي «12» : [الكامل]
راحت تذكّرني كؤوس الرّاح ... والقرب يخفض للجنوح جناحي
(3/78)

وسرت تدلّ على القبول كأنما ... دلّ النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتها ... عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحضّ على اللّياذ بمن جرت ... بسعوده الأقلام في الأفراح «1»
بخليفة الله المؤيّد فارس ... شمس المعالي الأزهر الوضّاح
ما شئت من همم «2» ومن شيم غدت ... كالزّهر أو كالزّهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه ... أنّى يقاس الغمر بالضّحضاح؟
أسنى بني عبّاسهم بلوائه ال ... منصور أو بحسامه السّفّاح
وغدت مغاني الملك لمّا حلّها ... تزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم ... في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه ... روحي وريحاني الأريج وراحي
ولقد تمازج حبّه بجوارحي ... كتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوما في يدي ... أمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزّمان وأيقنت ... من قربه نفسي بفوز قداحي
إيه أبا عبد الإله وإنه ... لنداء ودّ في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما ... ركدت لما خبت الخطوب رياحي
فإليكها مهزولة وأنا امرؤ ... قرّرت عجزي واطّرحت سلاحي
سيدي «3» ، أبقاك الله لعهد تحفظه، ووليّ بعين الولاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي ابتدعت «4» ، وبالحق من مدح «5» المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال «6» ، حتى كادت تتلف الرّحال، والحاجة إلى الغذاء قد شمّرت كشح البطين، وثانية العجماوين «7» قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطّين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنّة، وقول «لا أدري» للعالم فكيف لغيره
(3/79)

جنّة، لكنها بشّرتني بما يقلّ لمهديه «1» بذل النفوس وإن جلّت، وأطلعتني من السرّاء على وجه تحسده الشمس إذا تجلّت، بما أعلمت «2» به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيّده الله، في عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده. وهذا هو الجود المحض، والفضل الذي شكره هو الفرض. وتلك الخلافة المولويّة تتّصف بصفة «3» من يبدأ بالنّوال، من قبل الضّراعة والسؤال، من غير اعتبار للأسباب ولا مجازاة للأعمال. نسأل الله أن يبقي منها على الإسلام أوفى الظّلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال. ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهديّة، والتحفة الوديّة، وقبلتها امتثالا، واستجليت منها عتقا وجمالا. وسيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ «4» ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس. وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلّا في النّدرة، فلو رأى سيدي، ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضيّة إلى باب العارية من باب الهبة، مع وجوب «5» الحقوق المترتّبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه، وقد استصحبت مركوبا يشقّ عليّ هجره، ويناسب مقامي شكله ونجره «6» ، وسيدي في الإسعاف على الله أجره، وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعوّل، واعتماد إغضائه هو المعقول الأول. والسلام على سيدي من معظّم قدره، وملتزم برّه، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي قعدة سنة «7» خمس «8» وخمسين وسبعمائة، والسّماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظنّ أنه طوفان، واللّحاف في غد «9» بالباب المولوي، مؤمل بحول الله.
ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، وبين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة وستين وسبعمائة بمدينة فاس المحروسة «10» : [مجزوء الرجز]
أيا نسيم «11» السّحر ... بالله «12» بلّغ خبري
إن أنت يوما بالحمى ... جررت فضل المئزر
(3/80)

ثم حثثت الخطو من ... فوق الكثيب الأعفر
مستقريا في عشبه ... خفيّ «1» وطء المطر
تروي عن الضّحاك في الر ... وض حديث الزّهر
مخلّق الأذيال بال ... عبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمى ... وجدي بهم وسهري
وحقّهم ما غيّرت ... ودّي صروف الغير
لله عهد فيه قضّ ... يت حميد الأثر
أيّامه هي التي ... أحسبها من عمري
وبالليل فيه ما ... عيب بغير القصر
العمر فينان ووج ... هـ الدهر طلق الغرر
والشّمل بالأحباب من ... ظوم كنظم الدّرر
صفو من العيش بلا ... شائبة من كدر
ما بين أهل تقطف ال ... أنس جنيّ الثمر
وبين آمال تبي ... ح القرب صافي الغدر «2»
يا شجرات الحيّ حيّ ... اك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق في ... تلك المغاني فكري
خرّجت من خدّي حدي ... ث الدمع فوق الطّرر
وقلت يا خدّ أرو من ... دمعي صحاح الجوهري
عهدي بحادي «3» الرّكب كال ... ورقاء عند السّحر
والعيس تجتاب الفلا ... واليعملات تنبري «4»
تخبط بالأخفاف مظ ... لوم البرى وهو بري «5»
قد عطفت عن ميد ... والتفتت» عن حور
(3/81)

قسيّ سير «1» ما سوى ال ... عزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حل ... لت لحفيّ البشر
واستبشر النازح بال ... قرب ونيل الوطر
وعيّن الميقات للسّ ... فر «2» نجاح السّفر
والناس «3» بين محرم ... بالحجّ أو معتمر
لبّيك لبيك إل ... هـ الخلق باري الصّور
ولاحت الكعبة بي ... ت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم وال ... مأمن عند الذّعر
واغتنم القوم طوا ... ف القادم المبتدر «4»
وأعقبوا ركعتي السّ ... عي استلام الحجر
وعرّفوا في عرفا ... ت كلّ عرف أذفر «5»
ثم أفاض الناس سع ... يا في غد للمشعر «6»
فوقفوا وكبّروا ... قبل الصباح المسفر
وفي منّى نالوا المنى ... وأيقنوا بالظّفر
وبعد رمي الجمرا ... ت كان خلق الشّعر
أكرم بذاك الصّحب «7» وال ... له وذاك النّفر «8»
يا فوزه من موقف ... يا ربحه من متجر
حتى إذا كان الودا ... ع وطواف الصّدر «9»
فأيّ صبر لم يخن ... أو جلد لم يغدر «10»
وأيّ وجد لم يصل ... وسلوة لم تهجر
(3/82)

ما أفجع البين لقل ... ب الواله المستغفر «1»
ثم ثنوا نحو رسو ... ل الله سير الضّمّر
فعاينوا في طيبة ... لألاء نور نيّر
زاروا رسول الله واس ... تشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أمّلوا ... وعرّجوا في الأثر
على الضّجيعين أبي ... بكر الرّضا وعمر
زيارة الهادي الشّفي ... ع جنّة «2» في المحشر
فأحسن الله عزا ... ء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل ال ... آي به والسّور
وملتقى جبريل بال ... هادي الزّكيّ العنصر «3»
وروضة الجنّة ب ... ين روضة ومنبر
منتخب الله ومخ ... تار الورى من مضر
والمنتقى والكون من ... ملابس الخلق عري
إذ لم يكن في أفق ... من زحل أو مشتري «4»
ذو المعجزات الغرّ أم ... ثال النجوم الزّهر
يشهد بالصّدق له ... منها انشقاق القمر «5»
والضّبّ والظّبي إلى ... نطق الحصى والشّجر
من أطعم الألف بصا ... ع في صحيح الخبر
والجيش روّاه بما ... ء الرّاحة المنهمر
يا نكتة الكون التي ... فاتت منال الفكر «6»
يا حجّة الله على ال ... رائح والمبتكر
يا أكرم الرّسل على ال ... له وخير البشر
(3/83)

يا من له التّقدم ال ... حقّ على التّأخر
يا من لدى مولده ... المقدّس المطهّر
إيوان كسرى ارتجّ إذ ... ضاقت «1» قصور قيصر
وموقد النار طفا ... كأنها لم تسعر «2»
يا عمدتي يا ملجئي ... يا مفزعي يا وزري
يا من له اللّواء وال ... حوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهم ... رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقّق أملي ... بؤت بسعي المخسر
صلّى عليك الله يا ... نور الدّجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى ... من غفلتي في غمر «3»
وا حسرتا «4» من قلّة ال ... زّاد وبعد السّفر
يحجّني والله بال ... برهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب ... لو حرّكت من نظري «5»
يا حسنها من شجر ... لو أورقت من ثمر
أومّل الأوبة وال ... أمر بكفّ القدر
أسوف العزم بها «6» ... من شهر لشهر
من صفر لرجب ... من رجب لصفر
ضيّعت في الكبرة ما ... أعددته في صغري
وليس ما مرّ من ال ... أيام بالمنتظر
وقلّ ما أن حمدت ... سلامة في غرر
ولي غريم لا يني ... عن «7» طلب المنكسر
يا نفس جدّي قد بدا ال ... صبح ألا فاعتبري
واتّعظي بمن مضى ... وارتدعي وازدجري
(3/84)

ما بعد شيب الفود من ... مرتقب فشمّري
أنت وإن طال المدى ... في قلعة «1» أو سفر «2»
وليس من عذر يقي ... م حجّة المعتذر
يا ليت شعري والمنى ... تسرق طيب العمر
هل أرتجي من عودة ... أو رجعة أو صدر
فأبرّد الغلّة من ... ذاك الزّلال الخصر «3» ؟
مقتديا بمن مضى ... من سلف ومعشر
نالوا جوار الله وهـ ... والفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو ... لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتري ... في الصّدق منه الممتري «4»
فهو «5» الإمام المرتضى ... والخيّر ابن الخيّر
أكرم من نال المنى «6» ... بالمرهفات البتر
ممهّد الملك وسي ... ف الحقّ والليث الجري
خليفة الله الذي ... فاق بحسن السّير
وكان منه الخبر في ال ... علياء وفق الخبر
فصدّق التّصديق من ... مرآه للتّصور
ومستعين الله في ... ورد له وصدر
فاق الملوك الصّيدا «7» بال ... مجد الرّفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم ... منسيّة لم تذكر
وحاز منهم «8» أوحد ... وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو ... عسكره المظفّر
بسيفه السّفاح أو ... بعزمه المقتدر»
(3/85)

بالعلم المنصور أو ... بالذّابل المستنصر «1»
بابن «2» الإمام الط ... اهر البرّ الزّكي السّير
مدحك قد علّم نظ ... م الشّعر من لم يشعر
جهد المقلّ اليوم من ... مثلي كوسع المكثر
فإن يقصّر ظاهري ... فلم يقصّر مضمري
ووردت «3» على «4» باب السلطان الكبير العالم «5» أبي عنان، فبلوت من مشاركته، وحميد سعيه ما يليق بمثله. ولمّا نكبه لم أقصّر عن ممكن حيلة في أمره.
ولما «6» هلك السلطان أبو عنان، رحمه الله، وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمّى بالسّعيد، كان ممن دمث «7» له الطّاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدّعوة «8» ، وخطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة «9» ، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثّه، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلّا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلّا واقفا عند حدّه، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدّته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك، فلا تحدو «10» الحداة إلّا إليه، ولا تحطّ الرّحال إلّا لديه. إن حضر أجري الرسم، وأنفذ الأمر والنّهي، لحظا أو سرارا أو مكاتبة، وإن غاب، تردّدت الرّقاع، واختلفت الرّسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء، وغايات الحجّاب، فإذا انصرف تبعته الدّنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكلّ لحظه، وشملهم بحسب الرّتب والأموال رعيه، ووسم أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية «11» لا تدرك، والحقد «12» بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه «13» على سل،
(3/86)

وحنيت الضّلوع على بثّ، وأغمضت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته «1» ما هو معروف، جعلها الله له طهورا.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان «2» بالأندلس، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في ودّه، فوفّى كيل «3» الوفا، وأشرك في الجاه، وأدرّ الرّزق، ورفع المجلس بعد التّسبيب «4» في الخلاص والسّعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
«5» .
ولما انقضى أمر سلطانه، رحمه الله، وقذف به بحر التّمحيص إلى شطّه، وأضحى جوّ النّكبة بعد انطباقه، آثر التّشريق بأهله وجملته، واستقرّ بتونس خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التّجلّة، ذائع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن، كان الله له.
وكنت «6» أحسست منه في بعض الكتب «7» الواردة صاغية إلى الدّنيا، وحنينا لما فارق «8» من غرورها، فحملني الطّور الذي ارتكبته في هذا الأيام، بتوفيق الله، على أن خاطبته «9» بهذه الرسالة، وحقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل، أو يلمّ «10» بمعرفة، مصحفا يدرسه، وشعارا يلتزمه، وهي «11» :
سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة «12» ، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت في حمدها «13» الصّفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرّفات، أطلقك الله من أسر الكون «14» كما أطلقك من أسر بعضه، ورشّدك «15» في سمائه العالية وأرضه، وحقّر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتّصل بي الخبر السّار من تركك لشانك، وإجناء الله إيّاك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام
(3/87)

الشّدة الحالك، عن أفق حالك، فكبّرت «1» لانتشاق عفو الله العطر «2» ، واستعبرت لتضاؤل الشّدة بين يدي الفرج لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر «3» ، إنما هو فيء»
، وظلّ ليس له من الأمر شيء، ونسأله «5» جلّ وتعالى أن يجعلها آخر عهدك بالدّنيا وبنيها، وأوّل معارج نفسك التي تقرّبها من الحقّ وتدنيها، وكأنّني «6» والله أحسّ بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادّتها ولا حول ولا قوة إلّا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله في عالم الإنسان، والآلة لبثّ العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللّسان، فأقول: ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدّنيا، وإن بلغ من زبرجها «7» الرّتبة العليا، وأفرض «8» المثال لحالة «9» إقبالها، ووصل حبالها، وضراعة سبالها، وخشوع جبالها.
التوقّع المكروه صباح مسا «10» ، وارتقاب الحوالة التي تديل من النّعيم البأساء «11» ، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤسا «12» ؟ ألترتّب العتب، حتى «13» على التّقصير في الكتب، وضعينة جار الجنب، وولوع الصّديق بإحصاء الذّنب؟ ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري؟ ألاستهدافك للمضّار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضطبنها «14» ركبة السّروج وسرحة المروج، ونجوم السّما ذات البروج؟ ألتقليدك التّقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحّت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها «15» الوجود، ولا يكيّفها «16» الرّكوع للملك والسّجود؟ ألقطع الزّمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبّد، وعجاجة «17» شرّ تلبّد، وأقبوحة تخلّد وتوبّد؟ ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجّة صحيحة يجادل في مرضاة السّلطان ويمارى، وعورة لا توارى؟ ألمباكرة كلّ عائب «18» حاسد، وعدوّ مستأسد، وسوق للإنصاف والشّفقة كاسد، وحال فاسد؟ أللوفود «19» تتزاحم بسدّتك،
(3/88)

مكلّفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها «1» قلبت عليك السّماء من فوقك؟ ألجلساء ببابك، لا يقطعون زمن «2» رجوعك وإيابك، إلّا بقبيح اغتيابك؟
فالتّصرّفات تمقت، والقواطع النّجوميّات «3» توقّت، والألاقيّ «4» تبثّ، والسعايات تحثّ، والمساجد يشتكى فيها «5» البثّ، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك ولا أرب، ولا موجدة «6» لأحد كامنة، وللشّر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة وطفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرّف كيدك، وأنّك علّة حيفه، ومسلّط سيفه: الشّرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزّقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السّفيه فالسّفيه، إذ الخير يسرّه «7» الله عن الدّول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويقتحمون «8» عليك أبواب القول ويسدّون طرق السّلامة، وليس لك في أثناء هذه إلّا ما يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم. وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاه يحلّق عليه سيف منتضى؟ وإذا بلغت النّفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللّجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك «9» ، فكيف تنسب «10» إلى نبل، أو تسير «11» مع «12» السعادة في سبل؟ وإن وجدت في القعود «13» بمجلس التّحية، بعض الأريحيّة، فليت شعري أيّ شيء زادها، أو معنى أفادها، إلّا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، ومواجهة العدوّ المستأسد؟ أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس. هل «14» التذّت إلّا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب «15» ؟ إنما الحلية «16» وافتك من يحدّق إلى البزّة، ويستطيل مدّة العزّة، ويرتاب إذا حدّث 1»
(3/89)

بخبرك، ويتبع بالنّقد والتّجسّس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك «1» ، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشّرّ لك ولرئيسك «2» . وأيّ راحة لمن لا يباشر قصده، ويسير «3» متى شاء وحده؟ ولو صحّ في هذه الحال لله حظّ، وهبه زهيدا، أو عيّن «4» للرّشد عملا حميدا، لساغ الصّاب «5» ، وخفّت الأوصاب «6» ، وسهل المصاب. لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزّمن قد غمرته الحصص الوهميّة، واستنفدت منه الكميّة، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجرّ «7» الضّراس ولوم، وأمّا يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير «8» ، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. وو الله يا سيّدي، ومن فلق الحبّ وأخرج الأبّ «9» ، وذرأ من مشى ومن «10» دبّ، وسمّى نفسه الربّ، لو تعلّق المال الذي يجده هذا الكدح «11» ، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما «12» ورثه عقب، ولا خلص به محتقب «13» ، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشّاهد الدّول والمشائيم «14» الأول: فأين الرّباع المقتناة؟ وأين الدّيار المبتناة «15» ؟ وأين الحدائق «16» المغترسات، وأين الذّخائر المختلسات؟ وأين الودائع المؤمّلة، وأين الأمانات المحمّلة؟ تأذّن الله بتتبيرها، وإدناء نار التّبار «17» من دنانيرها، فقلّما تلقى أعقابهم إلّا أعراء الظّهور «18» ، مترمّقين بجرايات «19» الشّهور، متعلّلين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها «20» آباؤهم، وعرف
(3/90)

منها إباؤهم، وشمّ من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم «1» تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر، أو حلال مقرّر، وربما محقه الحرام، وتعذّر منه المرام. هذه، أعزّك الله، حال قبولها «2» ومالها مع التّرفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه. وأما ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، وطبق «3» يحجب الهواء، ويطيل في التّراب الثّواء، وثعبان قيد «4» يعضّ السّاق، وشؤبوب عذاب يمزّق الأبشار الرّقاق، وغيلة يهديها الواقب «5» الغاسق، ويجرعها العدوّ الفاسق، [فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق «6» ،] مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرّة، أو ما يساوي جرعة حال مرّة؟ وا حسرتاه للأحلام ضلّت، وللأقدام زلّت، ويا لها مصيبة جلّت! ولسيدي أن يقول: حكمت عليّ «7» باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدّنيا بين خلّانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطّبيب بالعلل أدرى، والشّفيق بسوء الظّنّ مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السّحاءات بخطّ يد «8» سيدي من مطارح الاعتقال، ومثاقف النّوب الثّقال، وخلوات «9» الاستعداد للقاء الخطوب الشّداد، ونوش «10» الأسنّة الحداد، وحيث يجمل بمثله إلّا يصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولا يثني لمخلوق عنانا.
وأتعرف أنها قد ملأت الجوّ والدوّ «11» ، وقصدت الجماد والبوّ «12» ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات، وحفظة المذمّات، وأعوان النّوب الملمّات، زيادة في الشّقاء، وقصدا بريّا من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التّجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النّقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة «13» ] ، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلّف الدّعاء وليس من أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصّالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن
(3/91)

السّموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أنّ الله قد جعل لزمن الخير والشّرّ ميقاتا، وأنّا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأنّ اللّوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا؟ أفيدونا ما يرجّح العقيدة المقررة «1» نتحوّل إليه، وبيّنوا لنا الحقّ نعوّل عليه. الله الله يا سيدي في النّفس المرشّحة، والذّات المحلّاة «2» بالفضائل الموشّحة، والسّلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرّحلة بعد حثّ السّير، ودع الدنيا لأهلها «3» فما أوكس حظوظهم، وأخسّ لحوظهم، وأقلّ متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:
[مجزوء الكامل]
ما ثمّ «4» إلّا ما رأي ... ت، وربما تعيي السّلامة
والناس إمّا جائر ... أو حائر يشكو ظلامه «5»
والله ما احتقب الحري ... ص سوى الذّنوب أو الملامه
هل ثمّ شكّ في المعا ... د الحقّ أو يوم القيامه
قولوا لنا ما عندكم ... أهل الخطابة والإمامه
وإن رميت بأحجاري، وأوجرت «6» المرّ من أشجاري، فو الله ما تلبّست منها اليوم «7» بشيء قديم ولا حديث، ولا استاثرت بطيّب فضلا عن خبيث. وما أنا إلّا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد «8» قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، ولله «9» الحمد، من الطّمع والحسد، فلم أبق عادة إلّا قطعتها، ولا جنّة للصّبر إلّا ادّرعتها، أمّا اللّباس فالصّوف، وأما الزّهد فيما في أيدي «10» الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصّدقة مصروف. وو الله
(3/92)

لو علمت أنّ حالي هذه تتّصل، وعراها «1» لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيّرني «2» الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمتّ أسفا، وحسبي الله وكفى. ومع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود، والحكمة ضالّة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم أو «3» المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك، أو ينتهي «4» في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدّنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النّفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا «5» ، فلمّا ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النّصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصّفا، ولا يشيم بارقة «6» الوفا، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين، وينظر عوّارها القادح «7» بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبيّن لي أني «8» قد كافيت «9» صنيعتك المتقدّمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت «10» لك النّصح الذي يعزّ «11» بعزّ الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب «12» ، وقلبك من النّصب «13» ، ويحقّر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. كلّ من تقع عليه «14» عينك حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك بشيّ إلّا باقتفاء رشد أو ترك غيّ، أثوابه النّبيهة يجرّدها الغاسل، وعروة عزّه «15» يفصّلها الفاصل «16» ، وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعيّن للخلف إلّا ما تعيّن للسّلف، ولا مصير المجموع إلّا إلى التّلف، ولا صحّ من الهياط والمياط «17» ، والصّياح والعياط «18» ، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخبّاط، والاستكثار والاغتباط،
(3/93)

والغلوّ والاشتطاط، وبنا الصّرح وعمل السّاباط، ورفع العماد «1» وإدارة الفسطاط، إلّا ألم «2» يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوّة، ثمّ نفس يصعد، وسكرات تتردّد، وحسرات لفراق الدّنيا تتجدّد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق الحقّ «3» وتمقل قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)
«4» . ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب الإضراب، والتّراب التّراب. وإن اعتذر سيدي بقلّة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزّاق، وبيده من التّسبّب ما يتكفّل بإمساك أرماق، أين النّسخ الذي يتبلّغ الإنسان بأجرته «5» ، في كن حجرته؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرّته؟ السؤال والله أقوم طريقا، وأكرم فريقا، من يد تمتدّ إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومّن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السّوء المعشار.
ثم طلب عند الشّدّة ففضح، وبان سومه «6» ووضح، اللهمّ طهّر منها «7» أيدينا وقلوبنا، وبلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرّفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلّا خيرك، يا الله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة «8» ، أو لبس منها شارة، أو تشوّف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغترّوا بسمة «9» ولا خلق ولا لباس، فما عدا، عمّا بدا «10» ؟ تقضّى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضرّ وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقرّ القرار، وتلازم الأذكار «11» ، وتشام الأنوار، وتتجلّى «12» الأسرار؟ ثم يقع الشّهود الذي تذهب معه الأفكار «13» ، ثم يحقّ الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار، وعليه المدار. وحقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل، والفيض الرّحماني الذي ربابه «14» الأبد «15» هاطل، ما شابت «16»
(3/94)

مخاطبتي لك شائبة تريب «1» ، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب «2» ، فيحمل جفاء «3» في الذي حملت عليه الغيره، ولا تظنّ بي غيره. وإن «4» أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا البثّ، في الأسلوب الرّث، فالحقّ أقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النّفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشّهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشّيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل، وسيف العذل «5» في كفّي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النّفوس في القبول سوا، ولا لكلّ مرض «6» دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني، حملك الله، على الجادّة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوّة الصّالحة، والسّلام.
ولمّا «7» شرح كتاب «الشّفا» للقاضي «8» أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، رحمه الله، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم «9» مقطوعات تتضمّن الثّناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلّفه، فانثال عليه من ذلك الطّم والرّم، بما تعدّدت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثارا لغرضه، ومبادرة من أهل «10» الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألمّ في ذلك بشيء، فكتبت في «11» ذلك:
[الطويل]
شفاء «12» عياض للصّدور «13» شفاء ... وليس «14» بفضل قد حواه خفاء
هديّة برّ لم يكن لجزيلها «15» ... سوى الأجر والذّكر الجميل كفاء
وفى لنبيّ الله حقّ وفائه ... وأكرم أوصاف الكرام وفاء
(3/95)

وجاء به بحرا يقول بفضله ... على البحر طعم طيّب وصفاء
وحقّ رسول الله بعد وفاته ... رعاه، وإغفال الحقوق جفاء
هو الذّخر يغني في الحياة عتاده ... ويترك منه لليقين «1» رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله ... دثور ولا يخشى «2» عليه عفاء «3»
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده لو ساعدتني فاء
واستزاد «4» من هذا الغرض الذي لم يقنع منه «5» بالقليل، فبعثت إليه من محلّ انتقالي بمدينة «6» سلا حرسها الله «7» : [مجزوء الرمل]
أأزاهير رياض ... أم شفاء لعياض
جدّل الباطل للحقّ ... بأسياف مواض
وجلا الأنوار برها ... نا بحقّ «8» وافتراض
وشفى «9» من يشتكي الغلّ ... ة في زرق الحياض
أيّ بنيان معار «10» ... آمن فوق «11» انقضاض
أيّ عهد ليس يرمى ... بانتكاث «12» وانتقاض
ومعان في سطور ... كأسود في غياض
وشفاء لصدور «13» ... من ضنى الجهل مراض
حرّر القصد فما شي ... ن بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أدر أنّ «14» ... الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللّ ... هـ برجحان القراض «15»
(3/96)

وجبت عزّ «1» المزايا ... من طوال وعراض «2»
لك يا أصدق راو «3» ... لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفّي ... ت بجدّ «4» وانتهاض
خير خلق الله في حا ... ل وفي آت وماض
سدّد الله ابن مرزو ... ق إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنى ... كلّ نسك وارتياض
فتولّى بسط ما أج ... ملت من غير انقباض
ساهر «5» لم يدر في استخ ... لاصه طعم اغتماض
إن يكن دينا على الأي ... ام قد حان التّقاضي
دام في علوّ ومن عا ... داه يهوي في انخفاض
ما وشى الصّبح الدّياجي ... في سواد بيياض «6»
ثم «7» نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التّبجّح بغرابته وإجادته «8» ، ولكن على سبيل الإشادة بالشّرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الاستبحار «9» : [السريع]
حيّيت يا مختطّ سبت بن نوح ... بكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّبا ... أمانة فيك «10» إلى كلّ روح
دار أبي الفضل عياض الذي ... أضحت بريّاه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلا في العلم جري الجموح
طرفك في الفخر «11» بعيد المدى ... طرفك للمجد شديد الطّموح
كفاك إعجازا كتاب الشّفا ... والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به من ... منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم همى فوقه ... من صيّب الفكر الغمام السّفوح
(3/97)

فمن بيان الحقّ زهر ند «1» ... ومن لسان الصّدق طير صدوح
تأرّج العرف وطاب الجنى ... وكيف لا يثمر «2» أو لا يفوح
وحلّة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين «3» شيّدته ... فهذه الأعلام منه «4» تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا ... يا من أضلّ الرّشد تبني الصّروح
في أحسن التّقويم أنشأته ... خلقا جديدا بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضي ... إذا تقضّى عمر سام ونوح
كأنّه في الحفل ريح الصّبا ... وكلّ عطف فهو غضّ «5» مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذّكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النّزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هنّ أكباد ولكن جروح
يا سيّد الأوضاع يا من له ... بسيّد الإرسال فضل الرّجوح
يا من له الفخر على غيره ... والشّهب «6» تخفى عند إشراق يوح
يا خير مشروح وفي واكتفى ... منه ابن «7» مرزوق بخير الشّروح
فتح من الله حباه به ... ومن جناب الله تأتي الفتوح
مولده: بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي «8» الكرسوطي «9»
من أهل فاس، نزيل مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: الشيخ «10» الفقيه المتكلّم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحّر الذّكر، عديم القرين، عظيم الاطّلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، ومنوطا برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه،
(3/98)

خوّار «1» العنان، وسّاع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدّى ذلك إلى غرائب المنظومات، ممّا يختصّ بنظمه أولو الشّطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطوّلات القصاص، وطوابير الوعّاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق، جمّ الاحتمال، مطرّح الوقار، رافض التّصنّع، متبذّل «2» اللّبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقي بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلائه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرئا بمسجد الصّواع منها، ومسجد الرّايات، ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخفّ به موقعه، فلم يعدم صلة، ولا فقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثّل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلّة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصّة والعامّة، لتلبّسه بالعرض الأدني. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحلّه من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفروع الفقه، كبير.
مشيخته: قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، وأبو إسحاق الحريري، وأبو الحسن بن سليمان، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن بن عفّان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدّثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال: قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدّجاج والأوز المخلات، فقال: انظر، هل يقال الدّجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعالى: وجدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. فأزرى به، ونقل إليه إزاره، فعزله. وقعد بعد ذلك للإقراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحاق الزناتي، وعن خلف الله المجاصي، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولي، وأبي الحسين المزدغي، وأبي الفضل ابنه، وأبي العبّاس بن راشد العمراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغماري، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشّاش. وبمالقة عن الخطيب الصالح الطّنجالي، وأبي عمرو بن منظور.
(3/99)

وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، وأبي إسحاق بن أبي العاص. وببلّش عن أبي جعفر الزيات.
تواليفه: منها «1» «الغرر في تكميل الطّرر» ، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم «2» «الدّرر في اختصار الطّرر» المذكور. وتقييدان على الرسالة، كبير وصغير.
ولخّص «التهذيب» لابن بشير، وحذف أسانيد المصنّفات الثلاثة، البخاري، والترمذي، ومسلم «3» ، والتزم إسقاط التكرار، واستدراك «4» الصّحاح الواقعة في التهذيب «5» على مسلم والبخاري. وقيّد على مختصر الطّليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى «6» بن عياض، برسم ولدي، أسعده الله.
شعره: أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لوث «7» العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللّياثة «8» : [الكامل]
أمعمّما قمرا تكامل حسنه ... أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادة ... فالبدر لا يمتار من نور السّها
ويصدر منه الشعر مصدّرا، لا تكنفه العناية.
محنته: أسر ببحر الزّقاق «9» ، قادما على الأندلس في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقرّ بطريف «10» عام ستة وعشرين وسبعمائة، ولقي بها شدّة ونكالا، ثم سرّح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفكّ ابنه، ويسّر الله عليه، فتخلّصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقّة.
(3/100)

بعض أخباره: قال: لقيت الشيخ وليّ الله أبا يعقوب بساحل بادس «1» ، قاصدا الأخذ عنه، والتّبرّك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن، فلمّا فرغ أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرّسالة، فقال له:
اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إليّ، ورأيت في عرصة له أصول خصّ، فتمنيت الأكل منها، وكان ربّاعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولا ثلاثة، ودفعها إليّ، وقال: كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور ربّاعها، فقال لي: إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم، فإنّه لي. قلت: وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرّؤيا ما قضيت منه العجب في غير ما شيء جرّبته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه؛ لتوفر الحمل عليه من الخاصّ والعامّ، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح، والله يتولّاه.
مولده: بمدينة فاس عام تسعين وستمائة.
محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري «2»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة، الأستاذ الحافظ.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، رجل صدق، طيّب اللهجة، سليم الصدر، تام الرّجولة، صالحا، عابدا، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيرا، وسنّه تنيف على سبع وعشرين، ففات أهل الدّؤب والسّابقة، وكان من صدور الحفّاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللّغة ما استظهره، فكاد يستظهر كتاب التّاج للجوهري وغيره، آية تتلى، ومثلا يضرب، قائما على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا، مشاركا في الأصول، آخذا في العلوم العقلية، مع الملازمة للسّنّة، يعرب أبدا كلامه ويزينه.
مشيخته: أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم أبا القاسم بن الشّاط وانتفع به وبغيره من العلماء.
(3/101)

دخوله غرناطة: قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده عندما صارت إلى إيالة الملوك من بني نصر، لما وصلوا بالبيعة.
وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب، بأحواز تيزى «1» ، حسبما وقع التّنبيه على بعضهم.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس ابن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر ابن رشيد الفهري «2»
من أهل سبتة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن رشيد.
حاله: من «عائد الصلة» : الخطيب المحدّث، المتبحّر في علوم الرّواية والإسناد. كان، رحمه الله، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النّقل، أصيل الضّبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها الرجال، جمّاعة للكتب، محافظا على الطّريقة، مضطلعا بغيرها من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النّظر، ذاكرا للتفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسّكينة، بارع الخطّ، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، متجمّلا، كلف الخاصة والعامّة، مبذول الجاه والشّفاعة، كهفا لأصناف الطّلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه، في حجّه وتشريقه، أبي عبد الله بن الحكيم، فلقي برّا، وتقدّم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة طائفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقرّ بمدينة فاس، معظّما عند الملوك والخاصّة، معروف القدر عندهم.
مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النّحاة أبي الحسن بن أبي الربيع كتاب سيبويه. وقيّد على ذلك تقييدا مفيدا، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطّار. ورحل من بلده سبتة لأداء الفريضة. حجّ ولقي
(3/102)

المشايخ عام ثمانية وثمانين وستمائة، فوافى في طريقه الحاجّ المحدّث الرّاوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلّة الذين يشقّ إحصاؤهم، فممّن لقي بإفريقية الرّاوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون، يروي عن ابن بقيّ، والأديب المتبحّر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصّفا تجاه الكعبة المعظّمة، وهو موضع جلوسه للسّماع، غرّة شوال عام أربعة وثمانين وستمائة، وعن غيره، كأبي العزّ عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله، وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السّماع والرّحلة أبي عبد الله بن الحكيم، رحمه الله، فلينظر هنالك.
تواليفه: ألّف فوائد رحلته في كتاب سمّاه «ملء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين «1» الكريمتين إلى مكّة وطيبة» . قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: وقفت على مسوّدته، ورأيت فيه فنونا وضروبا من الفوائد العلمية والتاريخ، وطرفا من الأخبار الحسان، والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت: ورأيت شيئا من مختصره بسبتة.
دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستمائة، فعقد مجالس للخاصّ والعام، يقرئ بها فنونا من العلم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم منها. حدّثني بعض شيوخنا، قال: قعد يوما على المنبر، وظنّ أن المؤذّن الثالث قد فرغ، فقام يخطب والمؤذّن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهمّ آخر بإشعاره وتنبيهه، وكلّمه آخر، فلم يثنه ذلك عمّا شرع فيه، وقال بديهة: أيها الناس، رحمكم الله، إنّ الواجب لا يبطله المندوب، وأن الأذان الذي بعد الأوّل غير مشروع الوجوب، فتأهّبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكّروا قوله، عزّ وجلّ: وما أتاكم الرّسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، وقد روّينا عنه صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب، اصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. جعلنا الله وإيّاكم ممّن علم فعمل، وعمل فقبل، وأخلص فتخلّص. وكان ذلك مما استدلّ به على قوّة جنانه، وانقياد لسانه لبيانه.
شعره: وله شعر يتكلفه، إذ كان لا يزن أعاريضه إلّا بميزان العروض، فمن ذلك ما حدّث به، قال: لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفيّة، برسم رؤية النّعل الكريمة، نعل المصطفى، صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه
(3/103)

الأبيات: [الطويل]
هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد، جدّي قد ظفرت بأسعد
وقبّلتها أشفي الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظّما عند مورد
فلله ذاك اللّثم فهو ألذّ من ... لمى شفة لميا وخدّ مورّد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بتاريخه أرّخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيّب كما ... يحبّ ويرضى ربّنا لمحمّد
وقال: وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستمائة، بثغر سبتة حرسها الله تعالى: [الطويل]
أقول إذا هبّ النّسيم المعطّر ... لعلّ بشيرا باللقاء يبشّر
وعالي الصّبا مرّت على ربع جيرتي ... فعن طيبهم عرف النّسيم يعبّر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمى ... فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يودّ المسك طيب ترابها ... ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمّة ... هم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم ... تغار لباهي نورهم فتغوّر
ومن جود جدواهم يرى اللّيث يعمر ... ومن خوف عدواهم يرى الليث «1» يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الرّوض يزهر ... ومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهدا بالمصلّى عهدته ... وروض المنى غضّ يرقّ وينضر
زمانا نعمنا فيه والظلّ وارف ... بجنّات عدن تحتها العذب يخضر
ولله أيام المصلّى وطيبها ... وأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسه ... وروضته فردوس حوض «2» ومنبر
أروم دنوّا من بهاء جمالها ... ولثما فتأبى هيبة وتوقّر
خضعت وذلّي للحبيب تعزّز ... فطرفي مغضوض وخدّي معفّر
ووجه سروري سافر متهلّل ... وحالي بهم حلّ «3» وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويا ... يجرّ بأذيال «4» الفخار وينشر
(3/104)

وإذ فات عيني أن تراهم فردّدوا ... على مسمعي ذكر المصلّى وكرّروا
وردت فيا طيب الورود بطيبة ... صدرت فواحزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرّني ... على مثل من فارقت عزّ التّصبّر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهّر ... وأسررت هجراني وحالي تخبّر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر ... ومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفرّ وفودي أبيض ... وعيشي مغبرّ ودمعي أحمر
وحين دنا التّوديع ممّن أحبّه ... وحان الذي ما زلت منه أحذّر
ونادى صحابي بالرّحيل وأزمعوا ... وسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوى إليه الجيد حتى وجعته ... وظلّ فؤادي لوعة يتفطّر
وقفت لأقضي زفرة وصبابة ... ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنّني بعت الحياة بنظرة ... لأبّت وحظّي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرى ... رضيت بما يقضي الإله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصل ... وشوقي إلى معنى الجمال موفّر
وغير جميل أن يرى عن جمالها ... فؤادي صبورا والمسير ميسّر
أيصبر ظمآن يغال بغلّة ... وفي روضة الرّضوان شهد وكوثر؟
فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونها ... من الحزن فيض بالنّجيع تفجّر
سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورها ... وأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعها ... فتنجدني طورا وطورا تغوّر
حظرت على نفسي الحذار من الرّدى ... أتحذر نفس الحبيب تسيّر؟
أينكر تغرير المشوق بنفسه ... وقد علموا أنّ المحبّ مغرّر؟
وقفت على فتوى المحبّين كلّهم ... فلم أجد التّغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرة خطرت قضت ... بهمّي وعزمي همّة لا تؤطّر
أقيم فألفي بين عينيّ همّتي ... وسيري في سبل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبة ... ولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبّة الزّهراء سمك سما علا ... وراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النّواظر والنّهى ... لها ساكن من نوره البدر يبدر
(3/105)

فأعرجوا «1» على أهل «2» الكمال وسلّموا ... سلمتم وبلّغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة ... إذا لاح نور في سناها مبشّر
وما قدر نفسي أن تكون كفاء «3» ... ولكنها جهد المقلّ فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل ... قراي عليكم أنّ ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرّما ... وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظلّ الجنان منعّما ... وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله ... بحيث ثوى جسم كريم مطهّر
ودع عنك تطواف البلاد وخيّم «4» ... بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنّبيّ محمد ... ومن مدحه المدّاح يزهى ويفخر
أطلت وإنّي في المديح مقصّر ... فكلّ طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كفّ امرئ متناول ... بها المجد إلّا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مرّ سبق ... إليك وما هبّ النّسيم المعطّر
وقال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة: [الطويل]
شباب ثوى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوى تاقت إليه الحدائق
على حين راق النّاظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها ... فلا أبصرت تلك العيون الرّوانق
وحين تدانى للكمال هلاله ... ألمّ به نقص وجدّت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعا ... عظاما سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البنيّ فجيعة ... وإن طال ما لجّت وجلّت بوائق
محمد إنّ الصّبر صبر وعلقم ... على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر ... وإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذّة ... ولا راقني مرأى لعيني رائق
(3/106)

فأني به والمذكرات عديدة ... فنبل وهمّ للعوائد خارق
فإن ألتفت «1» فالشخص للعين ماثل ... وإن أستمع فالصّوت للأذن طارق
وإن أدع شخصا باسمه لضرورة ... فإنّ أسمك المحبوب للنّطق سابق
وإن تقرع الأبواب راحة قارع ... يطر «2» عندها قلب لذكرك خافق
وكلّ كتاب قد حويت فمذكر ... وآثاره كلّ إليك توائق
سبقت كهولا «3» في الطّفولة لا تني ... وأرهقت أشياخا وأنت مراهق
فلو لم يغلك الموت دمت مجلّيا ... وأقبل سكّيتا وجيئا «4» ولا حق
على مهل أحرزت ما شئت ثانيا ... عنانك لا تجهد وأنت مسابق
رأتك المنايا سابقا فأغرتها ... فجدّ طلابا إنّهن لواحق
لئن سلبت منّي نفيس ذخائر ... فإنّي بمذخور الأجور لواثق
وقد كان ظنّي أنّني لك سابق ... فقد صار علمي أنّني بك لاحق
غريبين كنّا فرّق البين بيننا ... فأبرح ما يلقى الغريب المفارق
فبين وبعد بالغريب توكّلا ... قد رعى بما حملت والله ضائق «5»
عسى وطن يدنو فتدنو له «6» منى ... وأيّ الأماني والخطوب عوائق؟
فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسى ... ولولا البكا لم يحمل الحزن طائق
فخطّ الأسى خطّا تروق سطوره ... وتمحو البكا فالدّمع ماح وساحق
فيا واحدا قد كان للعين نورها ... عليك ضياء «7» بعد بعدك غاسق
عليك سلام الله ما جنّ ساجع ... وما طلعت شمس وما ذرّ شارق
وما همعت سحب غواد روائح ... وما لمعت تحدو الرّعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروّض ... عباد «8» لرضوان الإله موافق
(3/107)

محنته: تعرّض إليه قوم يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاءة قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجّر وترهم القتيل، فتخلّص ولا تسل كيف، وأزمع الرّحيل فلم يلبث بعد ذلك.
وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد وعشرين وسبعمائة. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالرّوضة المعروفة بمطرح الجنّة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس، وكان مولده بسبتة عام سبعة وخمسين وستمائة.
محمد بن علي بن هاني اللّخمي السّبتي «1»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه، أصلهم من إشبيلية.
حاله: كان، رحمه الله، فريد دهره في سموّ الهمّة، وإيثار الاقتصاد والتّحلّي بالقناعة، وشموخ الأنف على أهل الرّئاسة، مقتصرا على فائدة ربع له ببلده، يتبلّغ مع الاستقامة، مع الصّبر والعمل على حفظ المروءة، وصون ماء الوجه، إماما في علم العربيّة، مبرّزا متقدّما فيه، حافظا للأقوال، مستوعبا لطريق الخلاف، مستحضرا لحجج التّوجيه، لا يشقّ في ذلك غباره، ريّان من الأدب، بارع الخطّ، سهل مقادة الكلام، مشاركا في الأصلين، قائما على القراءات، حسن المجلس، رائق البزّة، بارع المحاضرة، فائق التّرسّل، متوسط النّظم، كثير الاجتهاد والعكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدّمعة، بيته شهير الحسب والجلالة.
وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه «2» : علم تشير إليه الأكفّ «3» ، ويعمل إلى لقائه الحافر والخفّ «4» ، رفع للعربيّة ببلده راية لا تتأخّر، ومرج منها لجّة تزخر، فانفسح مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض بما «5» شاء وبرّح، ودوّن وشرح، إلى شمائل تملّك «6» الظّرف زمامها، ودعابة راشت الحلاوة سهامها.
ولمّا أخذ المسلمون في منازلة الجبل «7» وحصاره، وأصابوا الكفر منه بجارحة
(3/108)

أبصاره، ورموا بالثّكل فيه نازح أمصاره، كان ممّن انتدب وتطوّع، وسمع النّداء فأهطع «1» ، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت، وبلغ من فسحة «2» الأجل الموقوت، فأقام الصّلاة بمحرابه، وقد «3» غيّر محيّاه طول اغترابه، وبادره الطّاغية قبل أن يستقرّ نصل الإسلام في قرابه «4» ، أو يعلق أصل الدّين في ترابه. وانتدب إلى الحصار به وتبرّع، ودعاه أجله فلبّى وأسرع. ولمّا هدر عليه الفنيق «5» ، وركعت إلى قبلته المجانيق «6» ، أصيب بحجر دوّم عليه كالجارح المحلّق، وانقضّ إليه انقضاض البارق المتألّق، فاقتنصه واختطفه، وعمد إلى زهره فقطفه «7» ، فمضى إلى الله طوع نيّته، وصحبته غرابة المنازع حتى في منيّته «8» .
مشيخته: قرأ على الأستاذ العلّامة أبي إسحاق الغافقي، وعلى الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، واعتمد عليه، وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث.
تواليفه: ألّف «9» كتبا، منها «10» كتاب «شرح التّسهيل لابن مالك» ، وهو أجلّ كتبه، أبدع فيه، وتنافس الناس فيه. ومنها «11» «الغرّة الطّالعة في شعراء المائة السابعة» ، ومنها «12» «إنشاد الضّوّال، وإرشاد السّوّال في لحن العامة» ، وهو كتاب «13» مفيد، و «14» «قوت المقيم» . ودوّن ترسّل «15» رئيس الكتّاب أبي المطرّف بن عميرة وضمّه في سفرين. وله رجز «16» في الفرائض مفيد.
شعره: حدّثنا «17» شيخنا القاضي الشّريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال: خاطبت الأستاذ أبا عبد الله بن هانىء، رحمه الله، بقصيدة من نظمي أولها «18» :
(3/109)

[البسيط]
هات «1» الحديث عن الرّكب «2» الذي شخصا
فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويّها «3» :
لولا مشيب بفودي للفؤاد عصى ... نضيت «4» في مهمه التّشبيب لي قلصا «5»
واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا
مسائلا عن لياليه التي انتهزت ... أيدي الأماني بها ما شئته فرصا
وكنت جاريت فيها من جرى طلقا ... من الإجادة لم يحجم «6» ولا نكصا
أصاب شاكلة المرميّ حين رمى ... من الشّوارد ما لولاه ما اقتنصا
ومن أعدّ مكان النّبل نبل حجا ... لم يرض إلّا بأبكار النّهى قنصا
ثم انثنى ثانيا عطف النّسيب إلى ... مدح به قد غلا ما كان قد رخصا
فظلت أرفل فيها لبسة شرفت ... ذاتا ومنتسبا أعزز به قمصا
يقول فيها وقد خولت منحتها ... وجرّع الكاشح المغرى بها غصصا «7»
هذي عقائل وافت منك ذا شرف ... لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا
فقلت: هلّا عكست القول منك له ... ولم يكن قابلا من «8» مدحه الرّخصا؟
وقلت: ذي بكر فكر من أخي شرف ... يردي ويرضي بها الحسّاد والخلّصا
لها حلى حسنيّات على حلل ... حسنيّة تستبي من حلّ أو شخصا
خوّلتها وقد اعتزّت ملابسها ... بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا «9»
خذها أبا قاسم منّي نتيجة ذي ... ودّ إذا شئت ودّا للورى خلصا
جاءت تجاوب عمّا قد بعثت به ... إن كنت تأخذ من درّ النحور حصا
(3/110)

وهي طويلة. وممّا ينسب إليه، وهو مليح في معناه «1» : [الكامل]
ما للنّوى مدّت لغير ضرورة ... ولقبل ما عهدي بها مقصوره
إنّ الخليل وإن دعته ضرورة ... لم يرض ذاك فكيف دون ضروره
وقال مضمّنا: [الرمل]
لا يلمني عاذلي حتى يرى «2» ... وجه من أهوى فلومي مستحيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
وقال في الفخر: [الكامل]
قل للموالي: عش بغبطة حامد ... وللمعادي: بت بضغنة حاسد
المزن كفّي والثريّا همّتي ... وذكاء «3» ذكري والسّعود مقاصدي «4»
وقال في غير ذلك: [البسيط]
غنيت بي دون غيري الدّهر عن مثل ... بعضي لبعضي أضحى يضرب المثلا
ظهري انحنى لمشيب لاح وا عجبا ... غضّ إذا أينعت أزهاره ذبلا
أذاك «5» أم زهر لاحت تخبّر أن ... يوم الصّبا والتّصابي آنس الطّفلا
ومما جمع فيه بين نظمه ونثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسني، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه «6» : [الكامل]
يا أوحد الأدباء أو يا أوحد ال ... فضلاء أو يا أوحد الشّرفاء
من ذا تراه أحقّ منك إذا التوت ... طرق الحجاج بأن يجيب ندائي «7»
أدب أرقّ من الهواء وإن تشا ... فمن الهوا والماء والصّهباء
وألذّ من ظلم «8» الحبيب وظلمه ... بالظّاء مفتوحا وضمّ الظّاء
ما السّحر إلّا ما تصوغ بنانه ... ولسانه من حلية الإنشاء
[والفضل ما حلّيته وحبيته ... وحبوتني منه بخير حباء
(3/111)

أبكار فكرك قد زفّت «1» بمدحتي ... تمشي روائعها على استحياء
لا من قصور بل لتقصيها ... من حيث لم يظفرن بالإرفاء
لكن جبرن وقد جبلن على الرضا ... فالجبر للأبكار للآباء
هذا إلى الشّرف الذي قد فزت ... علياءه «2» بالعزّة القعساء
شرف السّليل من الرسول وسيلة ... قامت بابن «3» سنا وابن «4» سناء
حسن أبو «5» حسن وفاطمة ابنة ال ... هادي البريّة خاتم النّبلاء
شرف على شرف إلى شرفين ... من حائز «6» ما حزت من علياء
هذي ثلاث أنت واحد فخرها ... فاشمخ لها شرفا بأنف علاء
من رام رتبتك السّنيّة فليقف ... دون المرام مواقف الإقصاء
هذي مآثر قد شأوت بصيتها ... من كان من آب لها أو شاء
واللّيث يرهب زأره في موطن ... ما كان من نقد به أو شاء
يكفيك من نكد المعاند أن يرى ... متقلّد الأعضاء بالبغضاء
السّنّ يفنى بالأنامل قرعه ... أو عضّه متوقّد الأحشاء
أتحفتني بقصيدة همزيّة ... مقصورة ممدودة الآراء
كم بين تلك وهذه لكنّها ... غطّى على هذي ذهاب فتائي «7»
ذو الشيب يعذره الشّباب فما لهم ... بذكاء «8» نبل أو بنبل ذكاء
من قارب الخمسين خطوا سنّه ... فمحاله مستوجب الإبطاء
أبنيّ، إنك أنت أسدى من به ... يتعاظم الآباء بالأبناء] «9»
لله نفثة سحر ما قد شدت لي ... من نفث سحرك في مشاد ثناء
عارضت صفوانا بها فأريت ما ... يستعظم الرّاوي له والرّائي «10»
لو راء لؤلؤك المنظّم لم يفز ... في «11» نظم لؤلؤه بغير عناء
(3/112)

بوّأتني منها أجلّ مبوّإ ... فلأخمصي مستوطن «1» الجوزاء
وسما بها اسمي سائرا «2» فأنا بما ... أسديت ذو الأسماء في الأسماء
وأشدت ذكري في البلاد فلي بها ... طول الثّناء وإن أطلت ثوائي «3»
ولقومي الفخر المشيد بنيته ... يا حسن «4» تشييد وحسن بناء
فليهن هانيهم يد بيضاء ما ... إن مثلها لك من يد بيضاء
حلّيت أبياتا لهم «5» لخميّة ... تجلى على «6» مضريّة غرّاء
فليشمخوا أنفا بما أوليتهم ... يا محرز الآلاء بالإيلاء
هذا «7» ، بنيّ، وصل الله سبحانه «8» لك ولي بك علوّ المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك أو»
إرادتي لك جاريات الأقدار! ما سمح «10» به الذهن الكليل، واللسان الفليل، في مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالية السّراء «11» ، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية «12» بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع «13» والأسلوب، المتحلّية بالحلى السّنيّة «14» ، العريقة المنتسب في العلى الحسنيّة، الجالية صدأ «15» قلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان السّؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها، شكت ويلها وعولها، وحرمت من فريضة الفضيلة عولها، وعهدي بها والزمان زمان، وأحكامه «16» الماضية أمانيّ مقضيّة وأمان، تتوارد ألّافها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كلّ سهل ممتع، مفترق مجمع «17» ، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضّاح الغرّة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيّد من الفصاحة بأياد، فلم يحفل بصاحبي طيّ وإياد، وكسي
(3/113)

بضاعة «1» البلاغة، فلم يعبأ بهمّام وابن المراغة «2» . شفاء المحزون، وعلم السّرّ «3» المخزون، ما بين منثوره والموزون. والآن لا ملهج ولا مبهج، ولا مرشد ولا منهج، عكست القضايا فلم تنتج، فتبلّد القلب الذّكي، ولم يرشح القليب البكي «4» ، وعمّ الإفحام، وغمّ الإحجام، وتمكّن الإكداء والإجبال، وكوّرت الشّمس وسيّرت الجبال، وعلت سآمة، وغلبت ندامة، وارتفعت ملامة، وقامت لنوعي الأدب قيامة. حتى إذا ورد ذلك المهرق، وفرّع غصنه المورق، تغنّى «5» به الحمام الأورق، وأحاط بعداد عداته الغصص والشّرق، وأمن من الغصب والسّرق، وأقبل الأمن وذهب بإقباله الفرق، نفخ في صور أهل المنظوم والمنثور، وبعثر ما في القبور، وحصّل ما في الصدور، وتراءت للأدب صور، وعمرت للبلاغة كور، وهمت لليراعة درر، ونظمت للبراعة درر، وعندها يتبيّن «6» أنك واحد حلبة البيان، والسّابق في ذلك الميدان، يوم الرّهان، فكان لك القدم، وأقرّ لك مع التأخر السّابق الأقدم، فوحقّ نصاعة ألفاظ أجدتها، حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وأزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأرويتها حين روّأتها «7» وأرويتها، وأصلتها حين فصّلتها ووصلتها «8» ، ونظام جعلته لجسد «9» البيان قلبا، ولمعصمه قلبا «10» ، وهصرت حدائقه غلبا، وارتكبت رويّه «11» صعبا، ونثار «12» أتبعته له خديما، وصيّرته لمدير كأسه نديما، ولحفظ «13» ذمامه المداميّ أو مدامه الذّماميّ مديما، لقد فتنتني حين أتتني، وسبتني حين نصبتني «14» ، فذهبت خفّتها بوقاري، ولم يرعها بعد شيب عذاري، بل دعت للتّصابي فقلت مرحبا، وحللت لفتنتها الحبا، ولم أحفل بشيب، وألفيت ما ردّ نصابي نصيب «15» ، وإن كنّا فرسي رهان، وسابقي حلبة ميدان، غير أنّ الجلدة
(3/114)

بيضاء، والمرجوّ الإغضاء، بل الإرضاء. بنيّ، كيف رأيت للبيان هذا الطّوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع؟ أين صفوان بن إدريس، ومحلّ دعواه بين رحلة وتعريس «1» ؟ كم بين ثغاء بقر «2» هذا الفلا، وبين زئير ليث العريس؟ كما أني أقطع «3» علما، وأعلم قطعا، وأحكم مضاء وأمضى حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرّائقة، وفريدتك الحالية الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته، لذهب عرضا وطولا، ثم اعتقد لك اليد الطّولى، وأقرّ بارتفاع «4» النّزاع، وذهبت له تلك العلالات «5» والأطماع، ونسي كلمته اللّؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبيّة، واستغفر الله ربّه من تلك الإلهية «6» . بنيّ، وهذا من ذلك، من الجري في تلك المسالك، والتّبسّط في تلك المآخذ والمتارك، أينزع غيري هذا المنزع؟ أم المرء بشعره «7» وابنه مولع؟ حيّا الله الأدب وبنيه، وأعاد علينا من أيّامه وسنيه! ما أعلى منازعه، وأكبا منازعه، وأجلّ مآخذه، وأجهل تاركه وأعلم آخذه، وأرقّ طباعه، وأحقّ أشياعه وأتباعه، وأبعد طريقه، وأسعد فريقه، وأقوم نهجه، وأوثق نسجه، وأسمح ألفاظه، وأفصح عكاظه، وأصدق معانيه وألفاظه، وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى شعاره ودثاره، فعائبه مطرود، وعاتبه مصفود، وجاهله محصود، وعالمه محسود، غير أن الإحسان فيه قليل، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل، من ظفر بهما وصل، وعلى الغاية القصوى منهما «8» حصل، ومن نكب عن الطريق، لم يعدّ من ذلك الفريق، فليهنك أيها الابن الذّكيّ، البرّ الزّكيّ، الحبيب الحفيّ «9» ، الصّفيّ الوفيّ، أنك حامل رايته، وواصل غايته، ليس أوّلوه وآخروه لذلك بمنكرين، ولا تجد أكثرهم شاكرين. ولولا أن يطول الكتاب، وينحرف الشّعراء والكتّاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل «10» فيضا، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضا، قرّت عيون أودّائك «11» ، وملئت غيظا صدور أعدائك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي، بفضل ربّك الكبير المتعالي. والسلام
(3/115)

الأتم «1» الأكمل الأعمّ، يخصّك به من طال في مدحه إرقالك وإغذاذك «2» ، وراد روض حمده «3» طلّك ورذاذك، وغدت مصالح سعيه في سعي مصالحك، وسينفعك بحول الله وقوته وفضله ومنّته معاذك، ووسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هانىء، ورحمة الله وبركاته.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مع الوفد من أهل بلده عند تصيّرها إلى الإيالة النّصرية، حسبما ثبت في موضعه.
وفاته: توفي بجبل الفتح، والعدوّ يحاصره، أصابه حجر المنجنيق في رأسه، فذهب به، تقبّل الله شهادته ونفعه، في أواخر ذي قعدة، من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة «4» .
وممّن رثاه قاضي الجماعة شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني، وهي القصيدة التي أولها «5» : [الطويل]
سقى الله بالخضراء أشلاء سؤدد ... تضمّنهنّ التّرب صوب الغمائم
وقد ثبت في «جهد المقل» في اسم المذكور، فلينظر هنالك.
وممّن رثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين، رحمه الله بقوله «6» : [مجزوء الكامل]
قد كان ما قال اليزيد «7» ... فاصبر فحزنك لا يفيد
أودى ابن هانىء الوضا ... فاعتادني للثّكل عيد
بحر العلوم وصدرها ... وعميدها إذ لا عميد
قد كان زينا للوجو ... د ففيه قد فجع الوجود
العلم والتّحقيق والت ... وفيق والحسب التّليد
تندى خلائقه فقل ... فيها: هي الرّوض المجود
(3/116)

مغض عن الإخوان لا ... جهم اللقاء ولا كنود «1»
أودى شهيدا باذلا ... مجهوده نعم الشّهيد
لم أنسه حين المعا ... رف باسمه فينا تشيد
وله صبوب في طلا ... ب العلم يتلوه صعود
لله وقت كان ين ... ظمنا كما نظم الفريد
أيام نغدو أو نرو ... ح وسعينا السّعي الحميد
وإذا المشيخة جثّم ... هضبات حلم لا تبيد «2»
ومرادنا جمّ النّبا ... ت وعيشنا خضر برود «3»
لهفي على الإخوان وال ... أتراب كلّهم فقيد
لو جئت أوطاني لأن ... كرني التّهائم والنّجود
ولراع نفسي شيب من ... غادرته وهو الوليد
ولطفت ما بين اللّحو ... د وقد تكاثرت اللّحود
سرعان ما عاث الحما ... م ونحن أيقاظ هجود
كم رمت إعمال المسي ... ر فقيّدت عزمي قيود
والآن أخلفت الوعو ... د وأخلقت تلك البرود
ما للفتى ما يبتغي ... والله «4» يفعل ما يريد
أعلى القديم الملك يا ... ويلاه يعترض العبيد
يا بين، قد طال المدى ... أرعد وأبرق يا يزيد «5»
ولكل شيء غاية ... ولربما لان الحديد
إيه أبا عبد الإل ... هـ ودوننا مرمى بعيد
أين الرسائل منك تأ ... تينا كما نظم «6» العقود؟
أين الرّسوم الصالحا ... ت؟ تصرّمت، أين العهود؟
(3/117)

أنعم مساء لا تخطّت ... ك «1» البشائر والسّعود
وأقدم على دار الرّضا ... حيث الإقامة والخلود
والق الأحبّة حيث دا ... ر الملك والقصر المشيد
حتى الشّهادة لم تفت ... ك فنجمك النّجم السّعيد
لا تبعدن وعدا «2» لو أن ... ن الميت «3» في الدنيا يعود
ولئن «4» بليت فإنّ ذكر ... ك في الدّنا غضّ جديد
تالله لا تنساك أن ... دية العلى ما اخضرّ عود
وإذا تسومح في الحقو ... ق فحقّك الحقّ الأكيد
جادت صداك غمامة ... يروى «5» بها ذاك الصّعيد
وتعهّدتك من المهي ... من رحمة أبدا وجود
محمد بن يحيى العبدري
من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصّدفي.
حاله: قال الأستاذ في «صلته» «6» : إمام في العربية، ذاكر للّغات والآداب، متكلم، أصولي مفيد، متفنّن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية والآداب عن النّحوي أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنهما، وأكمل الكتاب على ابن خروف، تفقّها وتقييدا وضبطا. وكان حسن الإقراء، جيّد العبارة، متين المعارف والدّين، شديد الورع، متواضعا جليلا، عالما عاملا، من أجلّ من لقيته، وأجمعهم لفنون المعارف، وضروب الأعمال، وكان الحفظ أغلب عليه، وكان سريع القلم إذا كتب أو قيّد، وسمعته يقول: ما سمعت شيئا من أحد من أشياخي، من نكت العلم، وتفسير مشكل، وما يرجع إلى ذلك، إلّا وقيّدته، ولا قيّدت بخطّي شيئا إلّا حفظته، ولا حفظت شيئا فنسيته. هذا ما سمعت منه.
(3/118)

مشيخته: أخذ العربيّة عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنه، وأخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، ولازم ثلاثتهم، وسمع وقرأ على الفقيه الصالح أبي محمد صالح، وأخذ عن غير من ذكر.
دخوله غرناطة: قال: دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه، يتّجر فيها، ودخل إشبيلية، وتردّد آخر عمره إلى غرناطة ومالقة إلى حين وفاته.
وفاته: توفي، رحمه الله، شهيدا بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدوّ فيه، فقاتل حين قتل، وذلك سنة إحدى «1» وخمسين وستمائة. وسمعته يتوسل إلى الله، ويسأله الشهادة.
المحدّثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولا الأصليون
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزّبير «2»
من أهل غرناطة، ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، يكنى أبا عمرو.
حاله: هذا «3» الشيخ سكّيت حلبة، ولد أبيه في علوّ النّباهة، إلّا أنه لوذعي فكه، حسن الحديث، رافض للتّصنّع، ركض طرف الشّبيبة في ميدان الراحة، منكبا عن سنن أبيه وقومه، مع شغوف «4» إدراك، وجودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحا. ورحل إلى العدوة، وشرّق ونال حظوة، وجرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكوّر بها، وهو الآن قد نال منه الكبر، يزجي الوقت «5» بمالقة، متعلّلا بوقف «6» من بعض الخدم المخزنيّة «7» ، لطف الله به.
مشيخته: استجاز له والده الطّم والرّم، من أهل المغرب والمشرق، ووقف عليه منهم في الصّغر وقفا لم يغتبط به عمره، وادّكره الآن بعد أمّة، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علوّ رواية، وتوفّر سبب مبرّة، وداعية إلى إقالة عثرة، وستر
(3/119)

هيبة شيبة. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء وسماعا، والشيخ الخطيب الرّاوية أبو عبد الله بن غريون. وأجازه الأستاذ أبو إسحاق الغافقي، وأبو القاسم بن الشّاط، والشّريف أبو العباس أحمد الحسني، والأستاذ الإمام أبو الحسين عبد الله بن أبي الربيع القرشي، نزيل سبتة.
ومحمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكتّاني الشّاطبي ببجاية، والإمام أبو اليمن بن عساكر بالمسجد الحرام، وابن دقيق العيد وغيرهم. ومن أهل الأندلس أبو محمد بن أبي السّداد، وأبو جعفر بن الزيات، وأبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو عبد الله بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله بن برطال، وأبو محمد عبد المنعم بن سماك، والعدل أبو الحسن بن مستقور. وأجازه من أهل المشرق والمغرب عالم كبير.
شعره: وبضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان «1» : [الوافر]
نوالي الشّكر للرحمن فرضا ... علم نعم كست طولا وعرضا
وكم لله من لطف خفيّ ... لنا منه الذي قد شا «2» وأمضى «3»
بمقدمك السّعيد أتت سعود ... ننال «4» بها نعيم الدّهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قد ... به والاك بارينا وأرضى
ويا لله من سفر سعيد ... قد أقرضت «5» المهيمن فيه قرضا
نهضت «6» بنيّة أخلصت فيها ... فأبت «7» بكل ما يبغي ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لمّا ... علمت بأنّ الأمر إليك أفضى
لقد أحييت بالتّقوى رسوما ... كما أرضيت بالتّمهيد أرضا
وقمت بسنّة المختار فينا ... تمهّد سنّة وتقيم فرضا
ورضت «8» من العلوم الصّعب حتى ... جنيت ثمارها رطبا وغضّا
(3/120)

فرأيك ناجح «1» فيما تراه ... وعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبّر أمر مولانا فيلقى ال ... مسيء لديك إشفاقا وإغضا «2»
فأعقبنا شفاء «3» وانبساطا ... وقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظمإ وأمسى ... يرد إن شاء من نعماك حوضا «4»
أبا عبد الإله إليك أشكو ... زماني حين زاد الفقر عضّا «5»
ومن نعماك أستجدي لباسا ... يفيض «6» به عليّ الجاه فيضا
بقيت مؤمّلا ترجى وتخشى ... ومثلك من إذا ما جاد أرضى
وفاته: توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة وستين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك ابن غالب الغسّاني
من أهل غرناطة، يكنى أبا أبكر، ويعرف بالقليعي «7» ،
أوليته: قد جرى من ذكره وذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية «8» .
حاله: كان «9» نبيه البيت، رفيع القدر، عالي الصيت، من أهل العلم والفضل والحسب والدّين، وأجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون سنة ثمان وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة أوائل صفر عشرة وخمسمائة، ودفن في روضة أبيه. ذكره ابن الصّيرفي وأطنب.
(3/121)

محمد بن أحمد بن محمد الدّوسي «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطبة.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، رحمه الله، شيخ الفقهاء والموثّقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل والتّخلّق والعدالة، طرفا في الخير، محبّبا إلى الكافة، مجبولا على المشاركة، مطبوعا على الفضيلة، كهفا للغرباء والقادمين، مألفا للمتعلمين، ثمالا للأسرى والعانين، تخلّص منهم على يديه أمم؛ لقصد الناس إيّاه بالصّدقة، مقصودا في الشّفاعات، معتمدا بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، ولا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظا، أخباريا محدّثا ممتعا، متقدما في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحضّ على الصدقة في المحول والأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع الله بها الضعفاء، وينقاد الناس لموعظته، ويؤثّر في القلوب بصدقة. فقد بفقدانه رسم من رسوم البرّ والصّدقة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب وليّ الله أبي الحسن بن فضيلة، وروى عن الشيخ الوزير المسنّ المحدّث أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي القاسم بن السّكوت المالقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي يحيى بن مسعود، والعدل أبي علي البجلي، وأبي محمد عبد المؤمن الخولاني. وأجازه جماعة من أهل المشرق والمغرب، وناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة وستين وستمائة، وتوفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري
من أهل غرناطة، ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن السّراج. طليطلي الأصل، طبيب الدار السلطانية.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من أهل التّفنّن والمعرفة، متناهي الأبّهة والحظوة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدّعابة والمؤانسة، ذاكرا للأخبار والطّرف، صاحب حظّ من العربية والأدب والتفسير، قارضا للشّعر، حسن الخط،
(3/122)

ظريف الوراقة، طرفا في المعرفة بالعشب، وتمييز أعيان النّبات، سنيّا، محافظا، محبّا في الصالحين، ملازما لهم، معتنيا بأخبارهم، متلمذا لهم. انحاش إلى الولي أبي عبد الله التّونسي، وانقطع إليه مدة حياته، ودوّن أحواله وكراماته. وعيّن ريع ما يستفيده في الطّبّ صدقة على يديه، أجرى ذلك بعد موته لبنيه. ونال حظا عريضا من جاه السلطان، فاطّرح حظّ نفسه مع المساكين والمحتاجين، فكان على بأوه على أهل الدنيا، يؤثر ذوي الحاجة، ويخفّ إلى زيارتهم، ويرفدهم، ويعينهم على معالجة عللهم.
مشيخته: قرأ الطّبّ على الشيخ الطبيب، نسج وحده أبي جعفر الكزني، رئيس الصناعة في وقته، ولقي فيه الأستاذ إمام التّعاليم والمعارف أبا عبد الله الرّقوطي المرسي وغيره. وقرأ القرآن على المقرئ الشهير أبي جعفر الطبّاع بالروايات السّبع، والعربية على الأستاذ أبي الحسن بن الصائغ الإشبيلي، وأكثر القراءة على شيخ الجماعة العلّامة أبي جعفر بن الزّبير.
تواليفه: ألّف كتبا كثيرة، منها في النّبات والرؤيا، ومنها كتاب سمّاه، «السّرّ المذاع، في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع» .
شعره: من ذلك قوله ملغّزا في المطر: [الطويل]
وما زائر مهما أتى ابتهجت به ... نفوس وعمّ الخلق جودا وإحسانا
يقيم فيشكو الخلق منه مقامه ... ويكربهم طرّا إذا عنهم بانا
يسرّ إذا وافى ويكرب إن نأى ... ويكره منه الوصل إن زار أحيانا
وأعجب شيء هجر حبّ مواصل ... به لم «1» يطل هواه إن لم يطل خانا
محنته: ذكر أنه لما توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر «2» فجأة، وهو يصلّي المغرب، وباكر الطبيب بابه غداة ليلة موته، سأل عن الطعام القريب عهد موته بتناوله، فأخبر أنّه تناول كعكا وصله من وليّ عهده، فقال كلاما أوجب نكبته، فامتحن بالسّجن الطويل، والتمست الأسباب الموصلة إلى هلاكه، ثم أجلي إلى العدوة. ثم دالت الأيام، فعاد إلى وطنه مستأنفا ما عهده من البرّ وفقده من التّجلّة.
ميلاده: بغرناطة عام أربعة وخمسين وستمائة.
(3/123)

وفاته: ليلة الخميس التاسع من شهر ربيع الأول من عام ثلاثين وسبعمائة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي زمنين المرّي «1»
يكنى أبا عبد الله «2» ، وبيته معلوم.
حاله: كان من أهل المعرفة والنّبل والذكاء.
مشيخته: قرأ القرآن على أبي بكر بن النّفيس، وأبي عبد الله بن شهيد المرّي المقرئ بطخشارش من غرناطة. ودرس الفقه عند المشاور أبي عبد الله بن مالك «3» المقرئ، وأبي الحسن علي بن عمر بن أضحى، وعلى غيرهما من شيوخ غرناطة.
وفاته: توفي سنة أربعين وخمسمائة.
قلت: وإنما ذكرت هذا المترجم به مع كوني اشترطت صدر خطبته ألّا أذكر هذا النمط لمكان مصاهرتي في هذا البيت. ولعلّ حافد هذا المترجم به من ولدي يطّلع على تعدادهم وذكرهم في هذا التأليف وتردادهم، فيكون ذلك محرّضا له على النّجابة، محرّضا للإجابة، جعلنا الله ممّن انتمى للعلم وأهله، واقتفى من سننه واضح سبله.
محمد بن جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم ابن حسّان القيسي «4»
الوادآشي الأصل والمعرفة، التّونسي الاستيطان، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر.
حاله: من «عائد الصلة» : نشأ بتونس، وجال في البلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من الرّواية ونقّب عن المشايخ، وقيّد الكثير، حتى أصبح جمّاعة المغرب، وراوية الوقت. ثم قدم الأندلس ظريف النّزعة، عظيم الوقار، قويم السّمت، يأوي في
(3/124)

فضل التّعيش إلى فضل ما كان بيده، يصرفه في مصارف التجارة. وقعد للإسماع والرّواية، وانتقل إلى بلّش، فقرأ بها القرآن العظيم والروايات السّبع، على الخطيب أبي جعفر بن الزيات. ثم رحل إلى المغرب، ثم أعاد الرّحلة الحجازية، وأعرق، فلقي أمّة من العلماء والمحدّثين، وأصبح بهم شيخ وحده، انفساح رواية، وعلوّ إسناد.
مشيخته: من شيوخه قاضي الجماعة بتونس أبو العباس بن الغمّاز الخزرجي البلنسي، وقاضي الجماعة بها أبو إسحاق بن عبد الرفيع، وقاضي قضاة الدّيار المصرية بدر الدين بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن صخر الكناني. وقاضي الجماعة ببجاية أبو العباس الغبريني، وسراج الدين أبو جعفر عمر بن الخضر بن طاهر بن طرّاد بن إبراهيم بن محمد بن منصور الأصبحي، وأبو محمد عبد الغفار بن محمد السّعدي المصري، ورضيّ الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الخليلي الجعفري، وشرف الدين أبو عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وأبو الفضل أبو القاسم بن حمّاد بن أبي بكر بن عبد الواحد الحضرمي اللبيد، وعبد الله بن يوسف بن موسى الخلاسي، وعبد الله بن محمد بن هارون، وإبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحاج التّجيبي، وأحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري اللّبلي «1» ، وولده جابر بن محمد بن قاسم معين الدين، وعزّ الدين أبو القاسم بن محمد بن الخطيب، وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن الصّفّار، وأبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة العزفي، ومحمد بن إبراهيم بن أحمد التجيبي، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عقاب الجذامي الشاطبي، وعبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري الأسدي القيرواني، وأبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري «2» ، وعلي بن محمد بن أبي القاسم بن رزين التّجيبي، وأحمد بن موسى بن عيسى البطرني «3» ، وغرّ القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير، وتقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري، وصدر النحاة أبو حيّان، وظهير الدين أبو محمد بن عبد الخالق المخزومي المقدسي الدّلاصي، ورضيّ
(3/125)

الدين بن إبراهيم بن أبي بكر الطّبري، والمعمّر بهاء الدين أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. وأما من كتب إليه فنحو مائة وثمانين من أهل المشرق والمغرب.
قدم غرناطة في أول عام ستة وعشرين وسبعمائة، فهو باعتبار أصله أصلي، وباعتبار قدومه طارىء وغريب.
تواليفه: له تواليف حديثيّة جملة، منها أربعون حديثا، أغرب فيها بما دلّ على سعة خطوه وانفساح رحله.
وفاته: كان حيّا سنة أربعين وسبعمائة، وبلغني أنه توفي عام سبعة بعدها.
محمد بن خلف بن موسى الأنصاري الأوسي «1»
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان «2» متكلّما، واقفا على مذاهب المتكلّمين، متحققا برأي الأشعرية، ذاكرا لكتب الأصول والاعتقادات، مشاركا في الأدب، مقدّما في الطّبّ.
مشيخته: روى عن أبي جعفر بن محمد بن حكم بن باق، وأبي جعفر بن خلف بن الهيثم، وأبوي الحسن بن خلف العنسي، وابن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن حمدين، وأبوي عبد الله بن عبد العزيز الموري، وابن فرج مولى الطلّاع، وأبي العباس بن محمد الجذامي، وأبي علي الغساني، وأبي عمرو زياد بن الصّفار، وأبي القاسم أحمد بن عمر. وأخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي، وأبي جعفر بن محمد بن باق، وأبي الحجاج بن موسى الكلبي.
وتأدّب في بعض مسائل النحو بأبي القاسم بن خلف بن يوسف بن فرتون بن الأبرش.
من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو خالد المرواني، وأبو زيد بن نزار، وأبو عبد الله بن الصّيقل المرسي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن سمعان، وأبو الوليد بن خيرة.
(3/126)

تواليفه: من تواليفه: «النّكت والأمالي، في الرّد «1» على الغزالي» ، و «الإيضاح «2» والبيان، في الكلام على القرآن» ، و «الأصول «3» ، إلى معرفة الله ونبوة الرسول» ورسالة «الاقتصار «4» ، على مذاهب الأئمّة الأخيار» ، ورسالة «البيان، في «5» حقيقة الإيمان» ، والرّد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء الواقعة له في الجزء الأول من مقدّماته، و «شرح مشكل ما وقع في الموطّإ وصحيح «6» البخاري» ، وقد كان شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر وخمسمائة «7» في شوال منه، وبلغ في الكلام فيه إلى النّكتة الرابعة والخمسين، وقطعت به قواطع المرض، وشرع في معالجة العين لرؤيا رآها، يقال له: ألّفت في نور البصيرة، فألّف في نور البصر تنفع وتنتفع، فأقبل على تأليفه في مداواة العين، وهو كتاب جمّ الإفادة، ثم أكمل النّكت.
شعره: وكان له حظّ من قرض الشعر، فمن ذلك ما مدح به إمام الحرمين أبا المعالي الجويني «8» : [الخفيف]
حبّ حبر «9» يكنى أبا للمعالي «10» ... هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرم في هواه «11» ... علّلوني بذكره علّلوني
مولده: ولد يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وخمسمائة «12» .
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الخولاني
غرناطي، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالشّريشي «13» .
(3/127)

حاله: من أهل التّصاون والحشمة والوقار، معرق في بيت الخيريّة والعفّة، وكان والده صاحبنا، رحمه الله، آية في الدّؤوب والصّبر على انتساخ الدّواوين العلمية والأجزاء، بحيث لا مظنّة معرفة أو حجرة طلب تخلو عن شيء من خطّه إلّا ما يقلّ، على سكون وعدالة وانقباض وصبر وقناعة. وأكتب للصّبيان في بعض أطواره، ونشأ ابنه المذكور ظاهر النّبل والخصوصيّة، مشاركا في فنون؛ من عربية وأدب وحساب وفريضة. وتصرّف في الشهادة المخزنيّة برهة، ثم نزع عنها انقيادا لداعي النّزاهة، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره: وشعره من نمط الإجادة، فمن ذلك قوله «1» : [السريع]
بي شادن أهيف مهما انثنى ... يحكي تثنّيه القضيب الرّطيب
ذو غرّة كالبدر قد أطلعت ... فوق قضيب نابت في كثيب
خضت حشا الظّلماء من حبّه ... أختلس الوصل حذار الرّقيب
فبتّ والوصل «2» لنا ثالث ... يضمّنا ثوب عفاف قشيب
حتى إذا ما الليل ولّى وقد ... مالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودّعته والقلب ذو لوعة ... أسبل «3» من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين ودّعته «4» ... قلب بأضلاعي غدا أم قليب؟
ومن ذلك في النسيب «5» : [السريع]
يا أجمل الناس ويا من غدت ... غرّته تمحو سنا الشمس
أنعم على عبدك يا مالكي ... دون اشتراء ومنى نفسي
بأن ترى وسطى لعقدي وأن ... تعيد ربعي كامل الأنس
فإن تفضّلت بما أرتجي ... أبقيتني في عالم الإنس
وإن تكن ترجعني خائبا ... فإنني أدرج في رمسي «6»
(3/128)

وقال في فضل العلم «1» : [السريع]
يا طالب العلم اجتهد إنه ... خير من التّالد والطّارف
فالعلم يذكو «2» قدر إنفاقه ... والمال إن «3» أنفقته تالف
وترقّى إلى هذا العهد بإشارتي إلى التي لا فوقها من تعليم ولد السلطان، والرّئاسة القرآنية بباب الإمارة، والإمامة بالمسجد الجامع من القلعة «4» ، حميد الطريقة في ذلك كله، معروف الحق، تولّاه الله.
مولده: عام ثمانية عشر وسبعمائة.
محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي
يكنى أبا القاسم.
أوليته: من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارّة «5» ، بشارّة بني حسّان، وولي جدّه الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله: هذا الفتى من أهل الخصوصيّة والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسّة في بعض أغراضها بالدؤوب والعكوف، المورّين تأثير حبل الرّكيّة في جحرها، فتصدّر للعلاج، وعانى الشّعر، وأرسم في الكتابة، وعدّ من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوّف إلى العهد للرّحلة الحجازية، والله ييسّر قصده.
مشيخته: قرأ الطبّ والتّعديل على الحبر طبيب الدّار السّلطانية، فارس ذينك الفنّين، إبراهيم بن زرزار اليهودي، ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشّريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد الله العلوي، وبلقائه نجح.
شعره: أنشد السلطان قوله: [الكامل]
جاد الحمى صوب الغمام هتونه ... تزجي البروق سحابه فتعينه
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 3/م 9.
(3/129)

وسقى ديار العامرية بعد ما ... وافى بجرعاء «1» الكثيب معينه
يندى بأفنان الأراك كأنه ... عقد تناثر بالعقيق ثمينه
ومحى الكثيب سكوبه فكأنه ... خطّ تطلّس ميمه أو نونه
حتى إذا الأرواح هبّت بالضّحى ... مسحت عليه بالجناح تبينه
وكأنّه والرعد يحدو خلفه ... صبّ يطول إلى اللقاء حنينه
أو سحّ دمعي فوق أكناف اللّوى ... جادت بلؤلؤة النفيس عيونه
والبرق في حلل السّحاب كأنه ... مكنون سرّ لم يذع «2» مضمونه
أو ثوب ضافية الملابس كاعب ... عمدت بحاشية النّضار تزينه
هنّ الديار برامة لا دهرها ... سلس القياد ولا العتاب يلينه
ولقد وقفت برسمها فكأنّني ... من ناحل الأطلال فيه أكونه
قلبي بذاك اللّوى خلّفته ... ألوى بمزدلف الرّفاق ظعينه
لا تسأل «3» العذّال عني فالهوى ... هذا «4» يخامر بالضّلوع دفينه
إن يخف عن شرحي حديث زميرتي ... فعلى الفنون فريضة تبينه
عجبا لدمعي لا يكفّ كأنما ... جدوى أبي عبد الإله هتونه
محيي المكارم بعد ما أودى بها ... زمن تقلّب بالكرام خؤونه
مولى الملوك عميد كلّ فضيلة ... علق الزمان ثمينه ومكينه
يضفي إلى داعي النّدى فيهزّه ... وبملتقى الجمعين طال سكونه
من ذا يسابق فضله لوجوده ... ويلجّ فيض البحر فاض يمينه
إن تلقه تلق الجمال وقاره ... والحلم طبع والسّماحة دينه
غمر الأنام نواله ومحا الضلا ... ل رشاده وجلا الظّلام جبينه
أحيا رسوم الدين وهي دوارس ... ولطالما صدع الشكوك يقينه
شمس الهدى حتف العدا محيي النّدا ... بحر الجدا طول المدى تمكينه
ليث الشّرى غوث الورى قمر السّرى ... سنّ القرى عمّ القرى تأمينه
فلبأسه يوم الوغى ولعزمه ... جاش الهزبر إذا الهزبر يخونه
(3/130)

لا تسأل «1» الهيجاء عنه إنه ... يصل المراد كما تحبّ ظنونه
لو كان يشغله المنام عن العلا ... هجر المنام وباعدته جفونه
وإذا تطاولت الملوك بماجد ... بمحمد دون الأنام يكونه
يا ابن الألى نصروا الرسول ومن بهم ... نطق الكتاب فصيحه ومبينه
خصّوا ببيعته وحاموا دونه ... نهج الرّضا حتى تقاوم دينه
أمعاضد الإسلام أنت عميده ... وخليفة الرحمن أنت أمينه
لم يبق إلّا من بسيفك طائع ... ألفنش «2» في أقصى البلاد رهينه
وبجيشك المنصور لو لاقيته ... أدرى بمشتجر الرّماح طعينه
ولو اصطنعت إلى العدوّ إدالة ... طاعت إليك بلاده وحصونه
خذها إليك قصيدة من شاعر ... حلو الكلام مهذّب تبيينه
جعل القوافي للمعالي سلّما ... فجنى القريض كما اقتضته فنونه
غطّى هواه عقله واقتاده ... يحصي النجوم جهالة تزيينه
ولو أخذته أيدي التحرير والنّقد، لرجي أن يكون شاعرا، وبالجملة فالرجل معدود من السّراة بيتا وتخصّصا.
محمد بن عبد العزيز بن سالم بن خلف القيسي
منكّبي «3» ، الأصل، يكنى أبا عبد الله، طبيب الدّار السلطانية.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، رحمه الله، فذّا في الانطباع واللّوذعية، حسن المشاركة في الطّب، مليح المحاضرة، حفظة، طلعة، مستحضرا للأدب، ذاكرا لصناعة الطب، أخذها عن إمام وقته أبي جعفر الكزني، وانتصب للعلاج، ثم انتقل إلى الخدمة بصناعته بالباب السلطاني، وولّي الحسبة، ومن شعره يخاطب السلطان على ألسنة أصحابنا الأطباء الذين جمعتهم الخدمة ببابه يومئذ، وهم أبو الأصبغ بن سعادة، وأبو تمام غالب الشّقوري: [الخفيف]
قد جمعنا ببابكم سطر علم ... لبلوغ المنى ونيل الإرادة
(3/131)

ومن أسمائنا «1» لكم حسن فال ... غالب ثم سالم وسعاده
وفاته: توفي في شهر رجب من عام سبعة عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن أبي زمنين «2»
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من الملاحي «3» ، قال: ولّي الأحكام، وكان فقيها نبيها.
وفاته: توفي بغرناطة في عشر الستين وأربعمائة.
قلت: قد تقدم اعتذاري عن إثبات مثله في هذا المختصر، فلينظر هناك إن شاء الله.
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرّي
حاله: كان من كبار المحدّثين والعلماء الراسخين، وأجلّ وقته قدرا في العلم والرّواية والحفظ للرّأي والتمييز للحديث، والمعرفة باختلاف العلماء، متفنّنا في العلم، مضطلعا بالأدب، قارضا للشّعر، متصرفا في حفظ المعاني والأخبار، مع النّسك والزّهد، والأخذ بسنن الصالحين، والتخلّق بأخلاقهم. لم يزل أمّة في الخير، قانتا لله، منيبا له، عالما زاهدا صالحا خيّرا متقشّفا، كثير التّبتّل والتّزلّف بالخيرات، مسارعا إلى الصالحات، دائم الصلاة والبكاء، واعظا، مذكرا بالله، داعيا إليه، ورعا، ملبّي الصدقة، معينا على النّائبة، مواسيا بجاهه وماله، ذا لسان وبيان، تصغي إليه الأفئدة فصيحا، بهيّا، عربيّا، شريفا، أبيّ النفس، عالي الهمّة، طيّب المجالسة، أنيس المشاهدة، ذكيّا، راسخا في كل جمّ من العلوم، صيرفيا جهبذا، ما رؤي، قبله ولا بعده، مثله.
مشيخته: سكن قرطبة، وسمع بها من أحمد بن مطرّف، ووهب بن مسرّة الحجاري، وعن أبان بن عيسى بن محمد بن دنيّر، وعن والده عبيد الله بن عيسى.
(3/132)

من روى عنه: روى عنه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري وغيره.
تواليفه: ألف كتاب المغرب في اختصار «المدوّنة» ثلاثين جزءا، ليس في المختصرات مثله بإجماع، والمهذّب في تفسير «الموطّإ» ، والمشتمل في أصول الوثائق، وحياة القلوب، وأنس الفريد، ومنتخب الأحكام، والنصائح المنظومة، وتفسير القرآن.
مولده: في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وفاته: توفي في شهر ربيع الثاني عام ثمانية وتسعين وثلاثمائة بحاضرة إلبيرة، رحمه الله ونفع به.
محمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن قاسم بن مشرّف ابن قاسم بن محمد بن هاني اللخمي القائصي «1»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان «2» وزيرا جليلا، فقيها رفيعا، جوادا، أديبا، جيّد الشعر، عارفا بصناعة النّحو والعروض، واللغة والأدب والطب، من أهل الرّواية والدّراية.
مشيخته: روى عن الحافظ أبي بكر بن عطيّة، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الوليد بن رشد القاضي الإمام، والقاضي أبي محمد عبد الله بن علي بن سمجون.
شعره: من شعره قوله «3» : [السريع]
يا حرقة البين كويت الحشا ... حتى أذبت القلب في أضلعه
أذكيت فيه النّار حتى غدا ... ينساب ذاك الذّوب من مدمعه
يا سؤل هذا القلب حتى متى ... يؤسى برشف الرّيق من منبعه؟
فإنّ في الشّهد شفاء الورى «4» ... لا سيما إن مصّ «5» من مكرعه
والله يدني منكم عاجلا ... ويبلغ القلب إلى مطمعه
(3/133)

مولده: ولد في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لثلاث بقين لذي حجة سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
وفاته: توفي في آخر «1» جمادى الأخرى سنة ست وتسعين وخمسمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن أحمد ابن يوسف بن أحمد الغساني «2»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان محدّثا نبيلا حاذقا ذكيّا، وله شرح جليل على كتاب «الشّهاب» «3» ، واختصار حسن في «اقتباس الأنوار» للرّشاطي. وكان كاتبا وافر الحظّ من الأدب، يقرض شعرا لا بأس به.
من شعره في ذكر أنساب طبقات العرب «4» : [الكامل]
الشّعب ثمّ قبيلة وعمارة ... بطن وفخذ والفصيلة تابعه
فالشّعب يجمع «5» للقبائل كلّها ... ثم القبيلة للعمارة جامعه
والبطن تجمعه العمائر «6» فاعلمن ... والفخذ تجمعه «7» البطون الواسعه
والفخذ يجمع «8» للفصائل كلها «9» ... جاءت على نسق لها متتابعه
فخزيمة شعب وإنّ كنانة ... لقبيلة عنها الفصائل شائعه «10»
وقريشها تسمي العمارة «11» يا فتى ... وقصيّ بطن للأعادي «12» قامعه
(3/134)

ذا هاشم «1» فخذ وذا «2» عبّاسها ... إلّا «3» الفصيلة لا تناط بسابعه
مولده: ولد بغرناطة سنة ثمان وستين وخمسمائة.
وفاته: بمرسية في رمضان تسع عشرة وستمائة «4» .
محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرّج بن أحمد ابن عبد الواحد بن حريث بن جعفر بن سعيد بن محمد ابن حقل الغافقي «5»
من ولد مروان بن حقل النازل بقرية الملّاحة «6» من قنب قيس من عمل إلبيرة، يكنى أبا القاسم ويعرف بالملّاحي. وقد نقلنا عنه الكثير، وهو من المفاخر الغرناطية.
حاله: كان محدّثا راوية معتنيا، أديبا، مؤرخا، فاضلا جليلا. قال الأستاذ «7» في «الصلة» : كان من أفضل الناس، وأحسنهم عشرة، وألينهم كلمة، وأكثرهم مروءة، وأحسنهم خلقا وخلقا، ما رأيت مثله، قدّس الله تربته. وذكره صاحب «الذيل» «8» الأستاذ أبو عبد الله بن عبد الملك، وأطنب فيه، وذكره المحدّث أبو عبد الله الطنجالي، وذكره ابن عساكر في تاريخه.
مشيخته: روى عن أبيه أبي محمد، وأبي القاسم بن بشكوال، وأبي العبّاس بن اليتيم، وعالم كثير من غير بلده، ومن أهل بلده سوى أبيه، وعن أبي سليمان داود بن يزيد بن عبد الله السّعدي القلعي «9» ، لازمه مدة. وعن أبي خالد بن رفاعة اللخمي، وأبي محمد عبد الحق بن يزيد العبدري، وأبي جعفر عبد الرحمن بن
(3/135)

الحسن بن القصير، وأبي بكر بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وأبي جعفر بن حكم الحصّار، وأبي عبد الله بن عروس، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي بكر الكتندي، وأبي إسحاق بن الجلّا، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي القاسم بن سمجون، وأبي محمد عبد الصمد بن محمد بن يعيش الغساني. وكان من المكثرين في باب الرّواية، أهل الضبط والتقييد والإتقان، بارع الخطّ، حسن الوراقة، أديبا بارعا ذاكرا للتاريخ والرجال، عارفا بالأنساب، نقّادا حافظا للأسانيد، ثقة عدلا، مشاركا في فنون، سياسيا. وروى عنه الأستاذ، واعتنى بالرواية عنه. وقال الأستاذ: حدّثني عنه من شيوخي جماعة، منهم القاضي العدل أبو بكر بن المرابط.
تواليفه: ألّف كتابه في «تاريخ علماء إلبيرة» ، واحتفل فيه. وألّف كتاب «الشجرة في الأنساب» ، و «كتاب الأربعين حديثا» ، و «كتاب فضائل القرآن،» و «برنامج روايته» وغير ذلك.
مولده: سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وفاته: توفي في شعبان سنة تسع عشرة وستمائة ببلده «1» .
محمد بن علي بن عبد الله اللخمي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالشّقوري، منسوبا إلى مدينة شقورة «2» ومنها أهله، صاحبنا طبيب دار الإمارة، حفظه الله.
حاله: هذا الرجل طرف في الخير والأمانة، فذّ في حسن المشاركة، نقيّ في حب الصّالحين، كثير الهوى إلى أهل التقوى، حذر من التفريط، حريص على التّعلّق بجناب الله، نشأ سابغ رداء العفّة، كثيف جلباب الصّيانة، متصدّرا للعلاج في زمن المراهقة، معمّا، مخوّلا في الصّناعة، بادي الوقار في سنّ الحشمة. ثم نظر واجتهد، فأحرز الشهرة بدينه، ويمن نقيبته، وكثرة حيطته، ولطيف علاجه، ونجح تجربته. ثم كلف بصحبة الصالحين، وخاض في السلوك، وأخذ نفسه بالارتياض والمجاهدة، حتى ظهرت عليه آثار ذلك. واستدعاه السلطان لعلاج نفسه، فاغتبط به، وشدّ اليد
(3/136)

عليه، وظهر له فضله، وهو لهذا العهد ببابه، حميد السيرة، قويم الطريقة، صحيح العقد، حسن التدبير، عظيم المشاركة للناس، أشدّ الخلق حرصا على سعادة من صحبه، وأكثرهم ثناء عليه، وأصرحهم نصيحة له، نبيل الأغراض، فطن المقاصد، قائم على الصنعة، مبين العبارة، معتدل في البحث والمذاكرة، متكلّم في طريقة الصّوفية، عديم النظير في الفضل، وكرم النّفس.
شيوخه: قرأ على جدّه للأب، وعلى الحكيم الوزير خالد بن خالد من شيوخ غرناطة، وعلى شيخنا الحكيم الفاضل أبي زكريا بن هذيل، ولازمه، وانتفع به، وسلك بالشيخ الصّوفي أبي مهذّب عيسى الزيات ثم بأخيه الصالح الفاضل أبي جعفر الزيات، والتزم طريقته، وظهرت عليه بركته.
تواليفه: ألّف كتبا نبيلة، منها «تحفة المتوصل في صنعة الطب» وكتابا أسماه «الجهاد الأكبر» ، وآخر سمّاه «قمع اليهودي عن تعدّي الحدود» أحسن فيه ما شاء.
شعره: أنشدني بعد ممانعة واعتذار، إذ هذا الغرض ليس من شأنه: [الطويل]
سألت ركاب العز أين ركابي ... فأبدى عنادا ثم ردّ جوابي
ركابك مع سيري يسير بسيره ... بغير حلول مذ حللت جنابي
فلا تلتفت سيرا لذاتك إنما ... تسير بها سيرا لغير ذهاب
وهي متعددة.
مولده: ولد في عام سبعة وعشرين وسبعمائة.
محمد بن علي بن فرج القربلياني «1»
يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشفرة.
حاله: كان رجلا ساذجا، مشتغلا بصناعة الطب، عاكفا عليها عمره، محققا لكثير من أعيان النّبات، كلفا به، متعيّشا من عشبه أول أمره، وارتاد المنابت، وسرح بالجبال، ثم تصدّر للعلاج، ورأس به، وحفظ الكثير من أقوال أهله، ونسخ جملة من كنانيشه على ركاكة خطّه، وعالج السلطان نصر المستقرّ بوادي آش، وقد طرق من بها مرض وافد حمل علاجه المشاقحة لأجله، وعظم الهلاك فيمن اختصّ بتدبيره، فطوّف
(3/137)

القلب المبارك بمبراه. ثم رحل إلى العدوة، وأقام بمرّاكش سنين عدّة، ثم كرّ إلى غرناطة في عام أحد وستين، وبها هلك على أثر وصوله.
مشيخته: زعم أنه قرأ على أبيه ببلده من قربليان بلد الدّجن «1» ، وأخذ الجراحة عن فوج من محسني صناعة عمل اليد من الرّوح. وقرأ على الطبيب عبد الله بن سراج وغيره.
تواليفه: ألّف كتابا في النّبات.
وفاته: في السابع عشر لربيع الأول عام أحد وستين وسبعمائة.
محمد بن علي بن يوسف بن محمد السّكوني «2»
يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن اللؤلؤة، أصله من جهة قمارش «3» .
حاله: رحل في فتائه، بعد أن شدا شيئا من الطلب، وكلف بالرواية والتقييد فلقي مشيخة، وأخذ عن جلّة، وقدم على بلده حسن الحالة، مستقيم الطريقة، ظاهر الانقباض والعفّة، وأدخل الأندلس فوائد وقصائد، وكان ممن ينتفع به لو أمهلته المنية.
شعره: مما نسبه إلى نفسه من الشعر قوله «4» : [المجتث]
يا من عليه اعتمادي ... في قلّ أمري وكثره
سهّل عليّ ارتحالي ... إلى النّبيّ وقبره
فذاك أقصى مرادي ... من الوجود بأسره
وليس ذا بعزيز ... عليك فامنن بيسره
ومن ذلك «5» : [الطويل]
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ... أميل لزور بالغرور مصاغ «6»
وأرتاح للّذّات والشّيب منذر ... بما ليس عنه للأنام مراغ
(3/138)

ومن لم «1» يمت قبل المشيب فإنه ... يراع بهول بعده ويراغ
فيا ربّ وفّقني إلى ما يكون لي ... به للذي أرجوه منك بلاغ
وفاته: توفي معتبطا في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعمائة، خطيبا بحصن قمارش.
محمد بن سودة بن إبراهيم بن سودة المرّي
أصله من بشرّة عرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من بعض التواريخ المتأخّرة: كان شيخا جليلا، كاتبا مجيدا، بارع الأدب، رائق الشعر، سيّال القريحة، سريع البديهة، عارفا بالنّحو واللغة والتاريخ، ذاكرا لأيام السّلف، طيّب المحاضرة، مليح الشّيبة، حسن الهيئة، مع الدّين والفضل، والطّهارة والوقار والصّمت.
مشيخته: قرأ بغرناطة على الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وغيره من شيوخ غرناطة. وبمالقة على الأستاذ أبي القاسم السّهيلي، وبجيّان على ابن يربوع، وبإشبيلية على الحسن بن زرقون وغيره من نظرائه.
أدبه: قال الغافقي: كانت بينه وبين الشيخ الفقيه واحد عصره أبي الحسن سهل بن مالك، مكاتبات ومراجعات، ظهرت فيها براعته، وشهدت له بالتقدم يراعته.
محنته: أصابته في آخر عمره نكبة ثقيلة، أسر هو وأولاده، فكانت وفاته أسفا لما جرى عليهم، نفعه الله. توفي في حدود سبعة وثلاثين وستمائة.
محمد بن يزيد بن رفاعة الأموي البيري
أصله من قرية طرّش «2» .
حاله: طلب العلم وعنى بسمعه، ونسخ أكثر كتبه بخطّه، وكان لغويّا شاعرا، من الفقهاء المشاورين الموثّقين، وولّي الصلاة بالحاضرة، وعزل، وسرد الصّوم عن نذر لزمه عمره.
(3/139)

مشيخته: سمع من شيوخ إلبيرة؛ محمد بن فطيس، وابن عمريل، وهاشم بن خالد، وعثمان بن جهير، وحفص بن نجيح، وبقرطبة من عبيد الله بن يحيى بن يحيى وغيره.
من حكاياته: قال المؤرخ: من غريب ما جرى لأبي علي البغدادي، في مقدمه إلى قرطبة، أن الخليفة الحكم «1» أمر ابن الرّماحس عامله على كورتي إلبيرة وبجّانة، أن يجيء مع أبي علي في وفد من وجوه رعيّته، وكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، إلى أن تجاروا يوما، وهم سائرون، أدب عبد الملك بن مروان، ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل، وإنشاده بيت عبدة بن الطبيب «2» : [البسيط]
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ «3» لأيدينا مناديل
وكان الذّاكر للحكاية أبو علي، فأنشد الكلمة في البيت: أعرافها «4» ، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفا، وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين، وتتجشّم الرّحلة العظيمة، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور في النّاس، لا يغلط فيه الصّبيان، والله لا تبعته خطوة، وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن الرّماحس، ورامه بأن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، فكتب إلى الخليفة يعرّفه بابن رفاعة، ويصف ما جرى معه، فأجابه الحكم على ظهر كتابه: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطّئ وفد أهل العراق، وابن رفاعة بالرّضا أولى منه بالسّخط، فدعه لشأنه، وأقدم بالرّجل غير منتقص من تكريمه، فسوف يعليه الاختبار أو يحطّه.
وفاته: توفي سنة ثلاث أو أربع وأربعمائة.
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي ابن أبي بكر بن خميس الأنصاري
من أهل الجزيرة الخضراء.
(3/140)

حاله: كان فاضلا وقورا، مشاركا، خطيبا، فقيها، مجوّدا للقرآن، قديم الطّلب، شهير البيت، معروف التّعيّن، نبيه السّلف في القضاء، والخطابة والإقراء، مضى عمره خطيبا بمسجد بلده الجزيرة الخضراء، إلى أن تغلّب العدوّ عليها، وباشر الحصار بها عشرين شهرا، نفعه الله. ثم انتقل إلى مدينة سبتة، فاستقرّ خطيبا بها إلى حين وفاته.
مشيخته: قرأ على والده، رحمه الله، وعلى شيخه، وشيخ أبيه أبي عمر، وعباس بن الطّفيل، الشهير بابن عظيمة، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد بغرناطة عند قدومه عليها، والقاضي أبي المجد بن أبي الأحوص، قاضي بلده، وكتب له بالإجازة الوزير أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، وأجازه الخطباء الثلاثة أبو عبد الله الطّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو عثمان بن سعيد. وأخذ عن القاضي بسبتة أبي عبد الله الحضرمي، والإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمحدّث أبي القاسم التّجيبي، والأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم، والأخوين أبي عبد الله وأبي إبراهيم، ابني يربوع. قال: وكلّهم لقيته وسمعت منه. وأجاز لي إجازة عامة ما عدا الإمام ابن حريث فإنه أجاز لي، ولقيته ولم أسمع عليه شيئا، وأجاز لي غيرهم كناصر الدين المشدالي، والخطيب ابن عزمون وغيرهما، ممن تضمنه برنامجه.
تواليفه: قال: وكان أحد بلغاء عصره، وله مصنّفات منها: «النّفحة الأرجيّة، في الغزوة المرجيّة» ، ودخل غرناطة مع مثله من مشيخة بلده في البيعات، أظن ذلك.
وفاته: توفي في الطّاعون بسبتة آخر جمادى الآخرة من عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله العطار
من أهل ألمريّة.
حاله: من بعض التّقييدات، كان فتى وسيما، وقورا، صيّبا، متعفّفا، نجيبا، ذكيّا. كتب عن شيخنا أبي البركات بن الحاج، وناب عنه في القضاء، وانتقل بانتقاله إلى غرناطة، فكتب بها. وكان ينظم نظما مترفّعا عن الوسط. وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه: ممّن نبغ ونجب، وخلق له البرّ بذاته ووجب، تحلّى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إلّا أنه اخترم في اقتبال، وأصيب الأجل بنبال.
(3/141)

ومن شعره قوله من قصيدة: [الطويل]
دعاني على طول البعاد هواها ... وقد سدّ أبواب اللّقاء «1» نواها
وقد شمت برقا للّقاء «2» مبشّرا ... وقد نفحت ريح الصّبا بشذاها
وجنّ دجى ليل بخيل بصبحه ... كما بخلت ليلى بطيف سراها
وقاد زماني قائد الحبّ قاصدا ... ربوعا ثوت ليلى بطول قناها
وناديت والأشواق بالوجد برّحت ... ودمعي أجرى سابغا للقاها
أيا كعبة الحسن التي النفس «3» ترتجي ... رضاها وحاشى أن يخيب رجاها
أحبك يا ليلى على البعد والنوى ... وبي منك أشواق تشبّ لظاها
لئن حجبت ليلى عن العين إنني ... بعين فؤادي لا أزال أراها
إلى أن بدا الصبح المشتّت شملنا ... وما بلغت نفس المشوق مناها
فمدّت يمينا للوداع ودمعها ... يكفكفه خوف الرقيب سراها
وقالت: وداعا لا وداع تفرّق ... لعلّ الليالي أن تديل نواها
تذكّرنا ليلى معاهد باللّوى ... رعى الله ليلات اللّوى ورعاها
وفاته: توفي في الطاعون الأعظم عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن المراكشي
من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالمرّاكشي.
حاله: كان فتى جميل الرؤيا، سكوتا، مطبوعا على المغافصة «4» والغمز، مهتديا إلى خفيّ الحيلة، قادرا على المباحثة، ذكيّا، متسوّرا على الكلام في الصّنائع والألقاب، من غير تدرّب ولا حنكة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، انتحل الطب، وتصدّر للعلاج والمداواة، واضطبن أغلوطة صارت له بها شهرة، وهي رقّ يشتمل على أعداد وخطوط وزايرجة، وجداول غريبة الأشكال، تحتها علامات فيها اصطلاحات الصّنائع والعلوم، ويتصل بها قصيدة رويّها لام الألف أولها، وهي منسوبة لأبي العباس السبتي: [الطويل]
يقول لسبتيّ «5» ويحمد ربّه ... مصلّ على هاد إلى الناس أرسلا
(3/142)

وأنها مدخل للزّيرجة، ذكر أنه عثر عليها في مظنّة غريبة، وظفر برسالة العمل بها، وتحرى بالإعلام بالكنايات، والإخبار بالخفيّ وتقدمة المعرفة، والإنذار بالوقائع، حتى استهوى بذلك جماعة من المشيخة، ممن كان يركن إلى رجحان نظره، وسلامة فطرته، واستغلّت الشهادة له بالإصابة سجيّة النفوس في حرصها على إثبات دعاوى المتحرّفين. أخبرني بعضهم أنه خبّأ له عظما صغيرا، يكون في أطراف أجنحة الطّير، أخذه من جناح ديك، وزعم أرباب الخواصّ أنه يزيل الإعياء إذا علّق، فتصرّف على عاداته من الدخول في تلك الجداول، وأخذ الأعداد الكثيرة، يضربها آونة، ويقسمها أخرى، ويستخرج من تلك الجداول جيوبا وسهاما، ويأخذ جذورا، وينتج له العمل آخرا حروفا مقطعة، يبقيها الطرح، يؤلف منها كلاما تقتنص منه الفائدة، فكان في ذلك بيت شعر: [الطويل]
وفي يدكم عظم صغير مدوّر ... يزيل به الإعياء «1» من كان في السّفر
وأخبرني آخرون أنه سئل في نازلة فقهية لم يلق فيها نص، فأخبر أن النص فيها موجود بمالقة، فكان كذلك. وعارض ذلك كله جلّة من أشياخنا، فذكّرني الشيخ نسيج وحده أبو الحسن بن الجياب أن سامره يخرج خبيئته سواد ليلة، فتأمّل ما يصنعه، فلم يأت بشيء، ولا ذهب إلى عمل يتعقّل، وظاهر الأمر أن تلك الحال كانت مبنيّة على تخيّل وتخمين، تختلف فيه الإصابة وضدها، بحسب الحالة والقائل، لتصرّف الحيلة فيه، فاقتضى ذلك تأميل طائفة من أهل الدول إياه، وانتسخوا نظائر من تلك الزيرجة المموّهة، ممطولين منه بطريق التصرّف فيها إلى اليوم، واتصل بالسلطان، فأرسم ببابه، وتعدّى الإنس إلى طبّ الجن، فافتضح أمره، وهمّ به، فنجا مفلتا. ولم تزل حاله مضطربة، إلى أن دعي من العدوة وسلطانها، منازل مدينة تلمسان، ووصلت الكتب عنه، فتوجّه في جفن هيّئ له، ولم ينشب أن توفي بالمحلّة في أوائل عام سبعة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن بكرون بن حزب الله
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من أهل الخصوصيّة والفضل، ظاهر الاقتصاد، كثير التخلّق، حسن اللقاء، دائم الطريقة، مختصر الملبس والمأكل، على سنن الفضلاء وأخلاق الجلّة.
(3/143)

انتظم لهذا العهد في نمط من يستجاز ويجيز. وكان غفلا فأقام رسما محمودا، ولم يقصّر عن غاية الاستعداد.
مشيخته: منهم الأستاذ، مولى النعمة على أهل بلده، أبو محمد عبد الواحد بن أبي السّداد الباهلي، قرأ عليه القرآن العظيم أربع عشرة «1» ختمة قراءة تجويد وإتقان بالأحرف السّبعة، وسمع عليه كتبا كثيرة، وقال عند ذكره في بعض الاستدعاءات: ولازمته، رضي الله عنه وأرضاه، إلى حين وفاته، ونلت من عظيم بركاته وخالص دعواته ما هو عندي من أجلّ الوسائل، وأعظم الذخيرة، وأفضل ما أعددته لهذه الدّار والدار الآخرة. وكان في صدر هذا الشيخ الفاضل كثير من علم اليقين. وهو علم يجعله الله في قلب العبد إذا أحبّه؛ لأنه يؤول بأهله إلى احتمال المكروه، والتزام الصّبر، ومجاهدة الهوى، ومحاسبة النّفس، ومراعاة خواطر القلب، والمراقبة لله، والحياء من الله، وصحّة المعاملة له، ودوام الإقبال عليه، وصحّة النّيّة، واستشعار الخشية. قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«2» فكفى بخشية الله علما، وبالإقبال عليه عزّا. قلت: وإنما نقلت هذا؛ لأنّ مثله لا يصدر إلّا عن ذي حركة، ومضطبن بركة، ومنهم الشيخ الخطيب الفاضل ولي الله أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الطّنجالي.
دخل غرناطة راويا، وفي غير ذلك في شؤونه، وهو الآن ببلده مالقة يخطب ببعض المساجد الجامعة بها على الحال الموصوفة.
محمد بن الحسن بن أحمد بن يحيى الأنصاري الخزرجي
الميورقي «3» الأصل، سكن غرناطة.
حاله: كان محدّثا، عالي الرّواية، عارفا بالحديث وعلله، وأسماء رجاله، مشهورا بالإتقان والضبط، ثقة فيما نقل وروى، ديّنا، زكيا، متحاملا، فاضلا، خيّرا، متقلّلا من الدّنيا، ظاهريّ المذهب داوديّة «4» ، يغلب عليه الزهد والفضل.
مشيخته: روى بالأندلس عن أبي بكر بن عبد الباقي بن محمد الحجاري، وأبي علي الصدفي الغساني، وأبي مروان الباجي، ورحل إلى المشرق وحجّ، وأخذ
(3/144)

بمكة، كرّمها الله، عن أبي ثابت وأبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم العمراني. قلت: وغيرهم اختصرتهم لطولهم، وقفل إلى الأندلس فحدّث بغير بلده منها؛ لتجواله فيها.
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن رزق، وأبو جعفر بن الغاسل، وغيرهما «1» .
محنته: امتحن من قبل علي بن يوسف بن تاشفين، فحمل إليه صحبة أبي الحكم بن يوجان، وأبي العباس بن العريف، وضرب بالسّوط عن أمره، وسجنه وقتا، ثم سرّحه وعاد إلى الأندلس، وأقام بها يسيرا، ثم انصرف إلى المشرق، فتوقف بالجزائر، وتوفي بها في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف ببلده مالقة بالمعمّم.
حاله: كان طبقة من طبقات الكفاة، ظرفا ورواء وعارضة وترتيبا، تجلّل بفضل شهرة أبيه، وجعل بعض المترفين من وزراء الدّول بالمغرب أيام وجّهته إليه صحبة الشيخ الصالح أبيه في غرض السفارة، مالا عريضا لينفقه في سبيل البرّ، فبنى المدرسة غربي المسجد الأعظم، ووقف عليها الرّباع، وابتنى غيرها من المساجد، فحصلت الشهرة، ونبه الذّكر وتطوّر، ورام العروج في مدارج السّلوك، وانقطع إلى الخلوة، فنصلت الصّبغة، وغلبت الطّبيعة، وتأثّل له مال جمّ اختلف في سبب اقتنائه، وأظهر التجر المرهف الجوانب بالجاه العريض، والحرص الشّديد، والمسامحة في باب الورع، فتبنّك به نعيما من ملبس ومطعم وطيب وترفّه، طارد به اللّذة ما شاء في باب النّكاح استمتاعا وذواقا يتبع رائد الطّرف، ويقلّد شاهد السّمع، حتى نعي عليه، وولّي الخطابة بالمسجد الأعظم بعد أبيه، فأقام الرسم، وأوسع المنبر ما شاء من جهوريّة وعارضة، وتسوّر على أعراض، وألفاظ في أسلوب ناب عن الخشوع، عريق في نسب القحة. ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية، وكرّ إلى بلده، مليح الشّيبة، بادي الوقار، نبيه الرّتبة، فتولّى الخطابة إلى حين وفاته.
(3/145)

مشيخته: حسبما قيّدته من خطّ ولده أبي الحسن، وارثه في كثير من خلاله، وأغلبها الكفاية. فمنهم والده، رحمه الله، قرأ عليه وتأدّب به، ودوّن في طريقه، حسبما يتقرر ذلك، ومنهم الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، ومنهم الشيخ الرّاوية أبو عبد الله بن عيّاش، والخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والأستاذ ابن الفخار الأركشي، والقاضي أبو عمرو بن منظور، والأستاذ ابن الزبير وغيرهم، كابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن مسعدة، وابن ربيع، وبالمشرق جماعة اختصرتهم لطولهم.
تواليفه: وتسوّر على التأليف، بفرط كفايته، فمما ينسب إليه كتاب: «التجر الرّبيح، في شرح الجامع الصحيح» . قال: منه ما جرّده من المبيّضة، ومنه ما لم يسمح الدهر بإتمامه، وكتاب «بهجة الأنوار» ، وكتاب «الأسرار» ، وكتاب «إرشاد السّائل، لنهج الوسائل» ، وكتاب «بغية السّالك، في أشرف المسالك» في التّصوف، وكتاب «أشعة الأنوار، في الكشف عن ثمرات الأذكار» . وكتاب «النّفحة القدسيّة» ، وكتاب «غنية الخطيب، بالاختصار والتّقريب» في خطب الجمع والأعياد، وكتاب «غرائب النّجب، في رغايب الشّعب» ، شعب الإيمان، وكتاب «في مناسك الحج» ، وكتاب «نظم سلك الجواهر، في جيّد معارف الصّدور والأكابر» ، فهرسة تحتوي على فوائد من العلم وما يتعلق بالرواية، وتسمية الشيوخ وتحرير الأسانيد.
دخوله غرناطة: دخلها مرات تشذّ عن الإحصاء. ولد عام ثمانية وسبعين وستمائة، وتوفي بمالقة في صبيحة ليلة النصف من شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن يوسف بن عمر الهاشمي
يكنى أبا بكر، ويعرف بالطّنجالي، ولد الشيخ الولي أبي عبد الله.
حاله: من ذيل تاريخ مالقة للقاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان هذا العالم الفاضل ممن جمع بين الدّراية والرّواية والتراث والاكتساب، وعلو الانتساب، وهو من القوم الذين وصلوا الأصالة بالصّول، وطول الألسنة بالطّول، وهدوا إلى الطّيّب من القول، أثر الشّموخ يبرق من أنفه، ونسيم الرّسوخ يعبق من عرفه، وزاجر الصّلاح يومي بطرفه، فتخاله من خوف الله ذا لمم، وفي خلقه دماثة وفي عرنينه شمم. ووصفه بكثير من هذا النّمط.
ومن «العائد» : كان من أهل العلم والتّفنّن في المعارف والتّهمّم بطلبها، جمع بين الرّواية والدّراية والصلاح. وكانت فيه خفّة، لفرط صحّة وسذاجة وفضل رجولة
(3/146)

به، بارع الخطّ، حسن التّقييد، مهيبا جزلا، مع ما كان عليه من التّواضع، يحبّه الناس ويعظمونه، خطب بالمسجد الأعظم من مالقة، وأقرأ به العلم.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، وأبيه الولي الخطيب، رحمه الله. وروى عن جدّه أبي جعفر، وعن الرّاوية الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، والرّاوية أبي عبد الله بن عيّاش، والقاضي أبي القاسم بن السّكوت، وغيرهم ممن يطول ذكره، من أهل المشرق والمغرب.
وفاته: توفي بمالقة في أول صفر من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وكان عمره نحوا من تسع وخمسين سنة.
محمد بن محمد بن ميمون الخزرجي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بلا أسلم؛ لكثرة صدور هذه اللفظة عنه، مرسي الأصل، وسكن غرناطة ووادي آش وألمريّة.
حاله: من كتاب «المؤتمن» «1» : كان دمث الأخلاق قبل أن يحرجه شيء من مضيّقات الصّدور، يشارك في العربية، والشعر النازل عن الدرجة الوسطى لا يخلو بعضه عن لحن. وكان يتعيش من صناعة الطّب. وجرت له شهرة بالمعرفة نرفع به بتلك الصّناعة على حدّ شهرة ترك النّصيحة فيها، فكانت شهرته بالمعرفة ترفع به. وشهرته بترك النصيحة تنزله، فيمرّ بين الحالتين بشظف العيش، ومقت الكافّة إيّاه.
قلت: كان لا أسلم، طرفا في المعرفة بطرق العلاج، فسيح التّجربة، يشارك في فنون، على حال غريبة من قلّة الظّرف، وجفاء الآلات، وخشن الظاهر، والإزراء بنفسه وبالناس، متقدّم في المعرفة بالخصوم، يقصد في ذلك. وله في الحرب والحيل حكايات، قال صاحبنا أبو الحسن بن الحسن: كانت للحكيم لا أسلم خمر مخبّأة، في كرم كان له بألمريّة، عثر عليها بعض الدّعرة، فسرقها له. قال: فعمد إلى جرّة وملأها بخمر أخرى، ودفنها بالجهة، وجعل فيها شيئا من العقاقير المسهّلات، وأشاع أن الخمر العتيقة التي كانت له لم تسرق، وإنما باقية بموضع كذا، فعمد إليها أولئك الدّعرة، وأخذوا في استعمالها، فعادت عليهم بالاستطلاق القبيح المهلك، فقصدوا الحكيم المذكور، وعرضوا عليه ما أصابهم، فقال لهم: إيه، أدّوا إليّ ثمن الشّريبة،
(3/147)

وحينئذ أشرع لكم في الدواء، ويقع الشّفاء بحول الله، فجمعوا له أضعاف ما كان يساويه خمره، وعالجهم حتى شفوا بعد مشقّة. وأخباره كثيرة.
وفاته: توفي عقب إقلاع الطّاغية ملك برجلونة عن ألمريّة عام تسعة وسبعمائة «1» . وخلفه ابن كان له يسمى إبراهيم، ويعرف بالحكيم، وجرى له من الشّهرة ما جرى لأبيه، مرّت عليه ببخت وقبول، وتوفي بعد عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري «2»
جيّاني الأصل مالقيه، يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشّديد على بنية التصغير، وهو كثير التردّد والمقام بحضرة غرناطة.
حاله: من «3» أهل الطّلب والذكاء والظّرف والخصوصيّة، مجموع «4» خلال من خطّ حسن واضطلاع بحمل كتاب الله. بلبل دوح السّبع المثاني، وماشطة عروس أبي الفرج الجوزي، وآية صقعه في «5» الصّوت، وطيب النّغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك، وتوصّل إلى صحبة الأشراف، وجرّ أذيال الشهرة. قرأ القرآن والعشر بين يدي السلطان، أمير المسلمين بالعدوة، ودنا منه محلّه، لولا إيثار مسقط رأسه. وتقرّب بمثل ذلك إلى ملوك وطنه، وصلّى التّراويح بمسجد قصر الحمراء، غريب المنزع، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادر «6» على الحكايات، متسوّر «7» حمى الوقار، ملبّ «8» داعي الانبساط، على استرجاع واستقامة، مبرور الوفادة، منوّه الإنزال، قلّد شهادة الدّيوان بمالقة، معوّلا عليه في ذلك، فكان مغار حبل «9» الأمانة، صليب العود، شامخا «10» ، صادق «11» النّزاهة، لوحا للألقاب، محرزا للعمل.
(3/148)

وولّي الحسبة بمالقة، حرسها الله تعالى، فخاطبته في ذلك أداعبه، وأشير إلى قوم من أجداده، وأولي الحمل عليه بما نصّه: [السريع]
يا أيها المحتسب الجزل ... ومن لديه الجدّ والهزل
تهنيك «1» والشكر لمولى الورى ... ولاية ليس لها عزل
كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنّيك ببلوغ تمنّيك، وأحذّرك من طمع نفس بالغرور تمنّيك، فكأني «2» وقد طافت بركابك الباعة «3» ، ولزم لأمرك «4» السّمع والطّاعة، وارتفعت في مصانعتك الطّماعة، وأخذت أهل الرّيب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسكوتك «5» الريح العقيم، وبين يديك القسطاس «6» المستقيم، ولا بدّ من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب «7» ، وحالة «8» كيت بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك «9» ، رحّلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفّك، حفّك العزّ فيمن حفّك. فكن لقالي المجبّنة قاليا «10» ، ولحوت السّلّة ساليا. وأبد لدقيق الحوّارى زهد حواريّ «11» ، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلواء «12» ، على السبيل السّواء، وارفض في الشّواء، دواعي الأهواء، وكن على الهرّاس «13» ، وصاحب ثريد «14» الرّاس، شديد المراس، وثب على بائع «15» طبيخ الأعراس، ليثا مرهوب الافتراس، وأدّب أطفال الفسوق «16» ، في السوق، سيّما من
(3/149)

كان قبل البلوغ والسّبوق «1» ، وصمّم في «2» استخراج الحقوق، والناس أصناف، فمنهم خسيس يطمع منك في أكلة، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة. وحاسد في مطيّة تركب، وعطيّة تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدّد إلى حربه رماحك، وأشبع الخسيس منهم مرقة دسمة «3» فإنه حنق، ودسّ له فيها عظما لعلّه يختنق، واحفر لشرّيرهم حفرة عميقة، فإنه العدوّ حقيقة، حتى إذا حصل، وعلمت أنّ وقت الانتصار قد وصل «4» ، فأوقع وأوجع، ولا ترجع، وأولياء من «5» حزب الشيطان فأفجع، والحقّ أقوى، وإن تعفو أقرب للتقوى. سدّدك الله تعالى «6» إلى غرض التّوفيق، وأعلقك «7» من الحقّ بالسّبب الوثيق، وجعل قدومك مقرونا برخص اللّحم والزّيت والدّقيق، بمنّه وفضله «8» .
مشيخته: قرأ القرآن على والده المكتّب النّصوح، رحمه الله، وحفظ كتبا كرسالة أبي محمد بن أبي زيد، وشهاب القضاعي، وفصيح ثعلب، وعرض الرّسالة على ولي الله أبي عبد الله الطّنجالي، وأجازه. ثم على ولده الخطيب أبي بكر، وقرأ عليه من القرآن، وجوّد بحرف نافع على شيخنا أبي البركات. وتلا على شيخنا أبي القاسم بن جزي. ثم رحل إلى المغرب، فلقي الشيخ الأستاذ الأوحد في التّلاوة، أبا جعفر الدرّاج، وأخذ عن الشّريف المقرئ أبي العباس الحسنى بسبتة، وأدرك أبا القاسم التّجيبي، وتلا على الأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم «9» ولازمه، واختصّ بالأستاذ ابن هاني السّبتي، ولقي بفاس جماعة كالفقيه أبي زيد الجزولي، وخلف الله المجاصي، والشيخ أبا العباس المكناسي، والشيخ البقية أبا عبد الله بن عبد الرازق، وقرأ على المقرئ الفذّ الشهير في التّرنّم بألحان القرآن أبي العباس الزّواوي سبع ختمات، وجمع عليه السّبع، والمقرئ أبي العباس بن حزب الله، واختصّ بالشيخ الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي.
شعره: من شعره ما كتب به إلى وزير الدولة المغربيّة في غرض الاستلطاف:
[الكامل]
يا من به أبدا عرفت ومن أنا ... لولاه لي دامت علاه وداما
(3/150)

لا تأخذنّك في الشّديد لومة ... فشخيص نشأته بفضلك قاما
ربّيته علّمته أدّبته ... قدّمته للفرض منك إماما
فجزاك ربّ الخلق خير جزاية ... عنّي وبوّأك الجنان مقاما
وهو الآن بالحالة الموصوفة، مستوطنا حضرة غرناطة، وتاليا الأعشار القرآنية، بين يدي السلطان، أعزّه الله، مرفّع الجانب، معزّز الجراية بولايته أحباس المدرسة، أطروفة عصره، لولا طرش نقص الأنس به، نفعه الله.
مولده: ولد بمالقة في عاشر ربيع الأول من عام عشرة وسبعمائة.
ومن الغرباء في هذا الاسم
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد التّلمساني الأنصاري
السّبتي الدّار، الغرناطي الاستيطان، يكنى أبا الحسين، ويعرف بالتّلمساني.
حاله: طرف في الخير والسلامة، معرق في بيت الصّون والفضيلة، معمّ «1» تخوّل في العدالة، قديم الطّلب والاستعمال، معروف الحقّ، مليح البسط، حلو الفكاهة، خفيف إلى هيعة الدّعابة، على سمت ووقار، غزل، لوذعي، مع استرجاع وامتساك، مترف، عريق في الحضارة، مؤثر للراحة، قليل التّجلّد، نافر عن الكدّ، متّصل الاستعمال، عريض السعادة في باب الولاية، محمول على كتد المبرّة، جار على سنن شيوخ الطّلبة والمقتاتين من الأرزاق المقدّرة، أولى الخصوصيّة والضّبط من التّظاهر بالجاه على الكفاية. قدم على الأندلس ثمانية عشر وسبعمائة، فمهد كنف القبول والاستعمال، فولّي الحسبة بغرناظة، ثم قلّد تنفيذ الأرزاق وهي الخطّة الشرعية والولاية المجدية، فاتّصلت بها ولايته. وناب عنّي في العرض والجواب بمجلس السلطان، حميد المنأى في ذلك كله، يقوم على كتاب الله حفظا وتجويدا، طيّب النّغمة، راويا محدّثا، أخباريا، مرتاحا للأدب، ضاربا فيه بسهم يقوم على كتب السّيرة النّبوية، فذّا في ذلك. قرأه بالمسجد الجامع للجمهور، عند لحاقه بغرناطة، معربا به عن نفسه، منبّها على مكانه، فزعموا أن رجلا فاضت نفسه وجدا لشجو نغمته، وحسن إلقائه. وقرأ التّراويح بمسجد قصر السلطان إماما به، واتّسم بمجلسه بالسّلامة والخير، فلم تؤثر عنه في أحد وقيعة، ولا بدرت له في الحمل على أحد بنت شفه.
(3/151)

مشيخته: منهم الشّريف أبو علي الحسن بن الشريف أبي التّقى طاهر بن أبي الشّرف ربيع بن علي بن أحمد بن علي بن أبي الطاهر بن حسن بن موهوب بن أحمد بن محمد بن طاهر بن أبي الشرف الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ومنهم والده المترجم به، ومنهم أبوه وجدّه، ومنهم الأمير الصالح أبو حاتم أحمد بن الأمير أبي القاسم محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد العزفي، والمقرئ أبو القاسم بن الطيب، وإمام الفريضة أبو عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والأستاذ ملحق الأبناء بالآباء أبو إسحاق الغافقي، والكاتب النّاسك أبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري، والأستاذ المعمر أبو عبد الله بن الخضّار، والخطيب المحدّث أبو عبد الله بن رشيد، والخطيب الأديب أبو عبد الله الغماري، والأستاذ أبو البركات الفضل بن أحمد القنطري، والوزير العابد أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك، والولي الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والقاضي الأعدل أبو عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير المعمر أبو عبد الله بن ربيع، والصّوفي الفاضل أبو عبد الله بن قطرال، والأستاذ الحسابي أبو إسحاق البرغواطي، هؤلاء لقيهم وقرأ وسمع عليهم. وممن كتب له بالإجازة، وهم خلق كثير، كخال أبيه، الشيخ الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل، والخطيب أبي الحسن فضل ابن فضيلة، والأستاذ الخاتمة أبي جعفر بن الزبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور، والوزير المعمر أبي محمد بن سماك، والخطيب أبي محمد مولى الرئيس أبي عثمان بن حكم، والشيخ الصالح أبي محمد الحلاسي، والقاضي أبي العباس بن الغمّاز، والشيخ أبي القاسم الحضرمي اللّبيدي، والعدل المعمر الراوية أبي عبد الله بن هارون، والمحدث الراوية أبي الحسن القرافي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن هبة الله بن أبي المنصور، والإمام شرف الدين أبي محمد الدّمياطي، وبهاء الدين بن النّحاس، وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، وضياء الدين أبي مهدي عيسى بن يحيى بن أحمد، وكتب في الإجازة له: [الطويل]
ولدت لعام من ثلاث وعشرة ... وستّ مئين هجرة لمحمد
تطوّفت قدما بالحجاز وإنني ... بمصر هو المربى «1» وسبتة مولدي «2»
(3/152)

إلى عالم كثير من أهل المشرق، يشقّ إحصاؤهم، قد ثبت معظمهم في اسم صاحبه أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، رحمه الله.
محنته: نالته محنة بجري الأمور الاشتغالية وتبعاتها، قال الله فيها لعثرته لغا، فاستقلّ من النّكبة، وعاد إلى الرّتبة. ثم عفّت عليه بآخرة، فهلك تحت بركها بعد مناهزة التسعين سنة، نفعه الله.
مولده: ولد عام ستة وسبعين وستمائة، وتوفي في شهر محرم من أربعة وستين وسبعمائة.
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن قطرال الأنصاري
من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطرال.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، فاضلا صوفيا، عارفا، متحدّثا، فقيها، زاهدا، تجرّد عن ثروة معروفة، واقتصر على الزّهد والتّخلّي، وملازمة العبادة، والغروب عن الدنيا. وله نظم رائق، وخطّ بارع، ونثر بليغ، وكلام على طريقة القوم، رفيع الدّرجة، عالي القدر. شرح قصيدة الإسرائيلي بما يشهد برسوخ قدمه، وتجوّل في لقاء الأكابر على حال جميلة من إيثار الصّمت والانقباض والحشمة. ثم رحل إلى المشرق حاجا صدر سنة ثلاث وسبعمائة.
مشيخته: من شيوخه القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن علي، والحافظ أبو بكر بن محمد المرادي، والفقيه أبو فارس الجروي، والعلّامة أبو الحسين بن أبي الربيع، والعدل أبو محمد بن عبيد الله، والحاج أبو عبد الله بن الخضّار، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو عبد الله بن خميس، وأبو القاسم بن السّكوت، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو القاسم بن خير. هؤلاء كلهم لقيهم، وأخذ عنهم. وكتب له بالإجازة جملة، كالقاضي أبي علي بن الأحوص، وأبي القاسم العزفي، وأبي جعفر الطّنجالي، وصالح بن شريف، وأبي عمرو الدّاري، وأبي محمد بن الحجّام، وأبي بكر بن حبيش، وأبي يعقوب بن عقاب، وعز الدين الجداي، وفخر الدين بن البخاري، وابن طرخان، وابن البوّاب، وأمين الدين بن عساكر، وقطب الدين بن القسطلانيّ، وغيرهم.
(3/153)

شعره: وأما شعره فكثير بديع. قال شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين: كتبت إليه: [المنسرح]
يا معمل السّير أيّ إعمال ... سلّم على الفاضل ابن قطرال
من أبيات راجعني عنها بأبيات منها: [المنسرح]
زارت فأزرت بمسك دارين ... تفتنّ للحسن في أفانين
ومثلها في شتّى محاسنها ... ليست ببدع من ابن شبرين
وفاته: توفي بحرم الله عاكفا على الخير وصالح الأعمال، معرضا عن زهرة الحياة الدنيا، إلى أن اتصل خبر وفاته، وفيه حكاية، عام تسعة وسبعمائة.
ودخل غرناطة برسم لقاء الخطيب الصالح أبي الحسن بن فضيلة. وغير ذلك.
العمال في هذا الاسم وأولا الأصليون
محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل «1»
يكنى أبا يحيى.
حاله: شيخ «2» حسن الشّيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذّقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصّوفية، والكلف بإطراء الخيريّة «3» ، سيما عند فقدان شكر الولاية، وجماح الحظوة، من بيت صون وحشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدّم في معرفة الأمور العملية، خائض مع الخائضين في غمار طريق «4» التصوّف، وانتحال كيمياء السّعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التّوحيد، تكذّبها أحواله الرّاهنة جملة، ولا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشّره، وغلب «5» سلطان الشّهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلّا استغراق الوقت في القواطع عن الحق، والأسف على ما رزته الأيام من متاع الزّور، وقنية الغرور، والمشاحة أيام الولاية، والشّباب «6» الشاهد بالشّره، والحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجرّ فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب
(3/154)

العين، والبذا الذي يصاحب الشّين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق واعتقال، وتقويت جدة، وإطباق روع، وقيد للعذاب، فألقيت عليه ردائي، ونفّس الله عنه بسببي، محوا للسّيئة بالحسنة، وتوسّلا إلى الله بترك الحظوظ، والمنّة لله جلّ جلاله على ذلك.
شعره: خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصّه، ولم أكن أظنّ الشّعر مما تلوكه جحفلته «1» ، ولكن الرجل من أهل الكفاية «2» : [الطويل]
رجوتك «3» بعد الله يا خير منجد ... وأكرم مأمول وأعظم مرفد «4»
وأفضل من أملت للحادث الذي ... فقدت به صبري وما ملكت يدي «5»
وحاشا وكلّا أن يخيب مؤمّلي «6» ... وقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلّا عبد أنعمه «7» التي ... عهدت بها يمني وإنجاح مقصدي «8»
وأشرف من حضّ الملوك على التّقى ... وأبدى لهم نصحا وصيّة «9» مرشد
وساس الرّعايا الآن خير سياسة ... مباركة في كل غيب ومشهد «10»
وأعرض عن دنياه زهدا وإنها ... لمظهرة طوعا له عن تودّد
وما هو إلّا اللّيث والغيث إن أتى ... له خائف أو جاء مغناه مجتدي «11»
وبحر علوم درّه كلماته ... إذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد
صقيل مرائي «12» الفكر ربّ لطائف ... محاسنها تجلى بحسن تعبّد
بديع عروج النفس للملإ الذي ... تجلّت به الأسرار في كلّ مصعد
شفيق رقيق دائم الحلم راحم ... وأيّ جميل للجميل معوّد
صفوح عن الجاني على حين قدرة ... يواصل «13» تقوى الله في اليوم والغد
(3/155)

أيا سيدي يا عمدتي عند شدّتي ... ويا مشربي «1» متى ظمئت وموردي
حنانيك وألطف بي وكن لي راحما ... ورفقا على شيخ ضعيف منكّد
رجاك رجاء «2» للذي أنت أهله ... ووافاك يهدي للثّناء «3» المجدّد
وأمّك مضطرّا لرحماك شاكيا ... بحال كحرّ الجمر «4» حين توقّد
وعندي افتقار لا يزال «5» مواصلا ... لأكرم مولى حاز أجرا وسيّد
ترفّق بأولاد صغار بكاؤهم ... يزيد لوقع الحادث المتزيّد
وليس لهم إلّا إليك تطلّع ... إذا مسّهم ضرّ أليم التّعهّد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق ... وجد بالرّضا وانظر لشمل مبدّد
وقابل أخا الكره «6» الشّديد برحمة ... وأسعف بغفران الذّنوب وأبعد «7»
ولا تنظرن إلّا لفضلك، لا إلى ... جريمة شيخ عن محلّك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تائب ... فعاود «8» لي الفعل الجميل وجدّد
بقيت بخير لا يزال «9» وعزّة ... وعيش هنيء كيف شئت وأسعد
وسخّرك الرحمن للعبد، إنّه ... لمثن «10» وداع للمحل المجدّد
وقد ولّي خططا نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدّولة، إذ كان من أولياء شيطانه وممدّيه في غيّه، وسماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري «11» ديوان الأعمال، على تهوّر واقتحام كبرة، وخطّ لا غاية وراءه في الرّكاكة، كما قال المعرّي «12» : [الوافر]
تمشّت «13» فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا
(3/156)

استحضرته يوما بين يدي السلطان، وهو غفل لفكّ ما أشكل من معمّياته في الأعمال عند المطالعة، فوصل بحال سيئة، ولما أعتب بسببه ونعيت عليه هجنته، أحسن الصّدر عن ذلك الورد، ونذر في نفسه وقال: حيّا الله رداءة الخطّ إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم، فاستحسن ذلك، لطف الله بنا أجمعين.
وفاته: توفي عام سبعة وستين وسبعمائة.
محمد بن الحسن بن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي
يكنى أبا الوليد.
أوليته: أصله من طليطلة، انتقل منها جدّ أبيه، وسكنوا غرناطة، وعدّوا في أهلها.
حاله: كان أبو الوليد طالبا نبيلا، نبيها، سريّا، ذكيّا، ذا خطّ بارع، ومعرفة بالأدب والحساب، ونزع إلى العمل فكان محمود السّيرة، مشكور الفعل. وولّي الإشراف في غير ما موضع. قلت: وآثاره في الأملاك المنسوبة إليه، التي من جملة المستخلص السلطاني بغرناطة وغيرها، مما يدل على قدم وتعمّة أصيلة.
وفاته: توفي بمدينة إشبيلية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسنّه دون الخمسين.
محمد بن محمد بن حسّان الغافقي «1»
إشبيلي الأصل، غرناطي المنشأ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن حسان.
حاله: من «العائد» : كان من أهل السّرو والظّرف والمروءة، وحسن الخلق، تولّى الإشراف بغرناطة، وخطّة الأشغال، فحسن الثناء عليه. وله أدب ومشاركة.
حدّثني بعض أشياخنا، قال: كنت على مائدة الوزير ابن الحكيم، وقد تحدّث بصرف ابن حسّان عن عمل كان بيده، وإذا رقعة قد انتهت إليه أحفظ منها: [مخلع البسيط]
لكم أياد لكم أياد ... كرّرتها إنها كثيرة
(3/157)

فإن عزمتم على انتقالي ... ريّة أبغي أو الجزيره
وإن أبيتم إلى «1» مقامي ... فنعمة منكم كبيرة
وقال لي بعضهم: جرى بين ابن حسّان هذا، وبين أحد بني علّاق، وهم أعيان، كلام وملاحة، فقال ابن حسان: إنما كان جدّكم مولى بني أضحى، وجدّ بني مشرف، فاستعدى عليه، ورفعه إلى الوزير ابن الحكيم فيما أظن، فلما استفهمه عن قوله، قال: أعزّك الله، كنت بالكتبيين، وعرض عليّ كتاب قديم في ظهره أبيات حفظتها وهي: [البسيط]
أضحى الزمان بأضحى وهو مبتسم ... لنوره في سماء المجد إشراق
فلم يزل ينتمي للمجد كل فتى ... تطيب منه مواليد وأعراق
فإن ترد شرفا يمّم مشرّفه ... وإن ترد علق مجد فهو علّاق
فعلم الوزير أن ذلك من نظمه، ونتيجة بديهته، فعجب من كفايته، وترضّى خصمه، وصرفهما بخير. وتوفي في شهر رجب ثلاثة عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن موسى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أحمد ابن أسد بن قاسم النّميري، المدعو بابن الحاج
يكنى أبا عمرو، وقد مرّ ذكر أخيه.
حاله: تولّى خطّة الإشراف بلوشة وأندرش ومالقة. وولّي النظر في مختص ألمريّة، والأعشار الرومية بغرناطة. وكان له خط حسن، وجودة كاملة، وحسن خلق، ووطأة أكناف تشهد له بجلالة قدره، ورفيع خطره. وضاهر في أعيان كالوزير أبي عبد الله بن أبي الحسن، فاضل، سريّ، متخلّق، حسن الضريبة، متميّز بخصال متعددة، من خطّ بديع، ونظم، ومشاركة في فنون، من طبّ وتعديل، وارتياض سماع، وذكر التاريخ. حجّ وجال في البلاد، ولقي جلّة. وتولّي بالمغرب خططا نبيهة علية. ثم كرّ إلى الأندلس عام ستين وسبعمائة، فأجرى من الاستعمال على رسمه.
ثم اقتضت له العناية السلطانية بإشارتي، أن يوجه في غرض الرسالة إلى تونس وصاحب مصر، لما تقدّم من مرانه على تلك البلاد، وجولاته في أقطارها، وتعرّفه بملوكها والجلّة من أهلها، فآب بعد أعوام، مشكور التصرّفات، جاريا على سنن
(3/158)

الفضلاء، مضطلعا بالأحوال التي أسندت إليه من ذلك. فلم يزل معتنى به، مرشّحا إلى الخطط التي تطمح إليها نفس مثله، مسندا النّظر في زمام العسكر الغربي إلى ولده الذي يخلفه عند رحلته نائبا عنه، معزّزا ذلك بالمرتبات والإحسان، تولّاه الله وأعانه.
شعره: مدح السلطان، وأنشد له في المواليد النبوية. ورفع إلى السلطان بحضرتي هذه الأبيات: [البسيط]
مولاي، يا خير أعلام السلاطين ... ومن له الفضل في الدنيا وفي الدّين
ومن له سير ناهيك من سير ... وافت بأكرم تحسين وتحصين
شرّفت عبدك تشريفا له رتب ... فوق النجوم التي للأفق «1» تعليني
وكان لي موعد مولاي أنجزه ... وزاد في العزّ بعد الرّتبة الدّون
والله ما الشّكر مني قاضيا وطري ... ولو أتيت به حينا على حين
ولا الثّناء موفّ حقّ أنعمه ... ولو ملأت به كل الدّواوين
لكن دعائي وحبّي قد رضيتهما ... كفاء «2» أفعاله الغرّ الميامين
وعند عبدك إخلاص يواصله ... في خدمة لم يزل للخير تدنيني
وسوف أنصح كل النصح مغتنما ... رضى إمام له فضل يرجّيني
جوزيت عني أمير المسلمين بما ... ترضاه للملك من نصر وتمكين
وأنت أكرم من ساس الأنام ومن ... عمّ البلاد بتسكين وتهدين
ومن كمثل أبي عبد الإله إذا ... أضحى الفخار لنا رحب الميادين
محمد بن أبي الحجّاج خيرة من ... أهدي له «3» مدحا بالسّعد يحظيني
وجه جميل وأفعال تناسبه ... ودولة دولة المأمون تنسيني
لا زال في السّعد والإسعاد ما سجعت ... ورق الحمام على قضب البساتين
محمد بن عبد الرحمن الكاتب
يكنى أبا عبد الله، من أهل غرناطة، أصله من وادي آش.
حاله: كان طالبا نبيها كاتبا جليلا، جيّد الكتابة. كتب عن بعض أبناء الخليفة أبي يعقوب، واختصّ بالسيد أبي زيد بغرناطة، وبشرق الأندلس، وكان أثيرا عنده
(3/159)

مكرّما. وكان، رحمه الله، شاعرا، مطبوعا، ذا معرفة جيدة بالعدد والمساحة، ثم نزع عن الكتابة، واشتغل بالعمل، فراش فيه، وولّي إشراف بنيات غرناطة. ثم ولّي إشراف غرناطة، فكفّ يده، وظهرت نصيحته. ثم نقل إلى حضرة مرّاكش، فولي إشرافها مدة، ثم صرف عنها إلى غرناطة، وقدّم على النظر في المستخلص إلى أن توفي.
مناقبه: أشهد لما قربت وفاته، أنه كان قد أخرج في صحّته وجوازه، أربعة آلاف دنير من صميم ماله لتتميم القنطرة التي بنيت على وادي شنجيل «1» بخارج غرناطة. وكان قبل ذلك قد بنى مسجد دار القضاء من ماله، وتأنّق في بنائه، وأصلح مساجد عدة، وفعل خيرا، نفعه الله.
شعره: ومن شعره ما كتب به إلى الشيخ أبي يحيى بن أبي عمران، وزير الخلافة، وهو بحال شكاية أصابته: [الطويل]
شكوت فأضنى المجد برح شكاته ... وفارق وجه الشمس حسن آياته «2»
وعادت ببعديك «3» الزّمان زمانة ... تعدّت إلى عوّاده «4» وأساته
وغيّض ما للبشر لمّا تبسّطت ... يد السّقم «5» في ساحات كافي كفاته
فكيف بمقصوص وصلت جناحه ... وأدهم قد سربلته بشاته؟
وممتحن لولاك أذعن خبرة ... وهان على الأيام غمز قناته
أمعلق أمالي ومطمح همّتي ... وواهب نفسي في عداد مباته
سأستقبل النّعمى ببرّك غضّة ... ويصغر ذنب الدهر في حسناته
وتسطو عين الحقّ منك بمرهف ... تراع الخطوب الجور من فتكاته
وتطلع في أفق الخلافة نيّرا ... تطالعنا الأقمار من قسماته
حرام على الشكوى اعتياد مطهّر ... حياة الدّنا والدين طيّ حياته
فما عرضت في قصده بمساءة ... ولكن ترجّت أن ترى في عفاته
(3/160)

مشيخته: قال الغافقي: قرأ بمالقة على الأستاذ أبي زيد السّهيلي، رحمه الله.
وفاته: وتوفي بغرناطة سنة سبع وستمائة، ودفن بداره بجهة قنطرة القاضي منها على ضفة الوادي.
محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد ابن عمار بن ياسر «1»
أوليّته: قد وقع التّنبيه عليها ويقع بحول الله.
حاله: كان «2» وزيرا جليلا بعيد الصّيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأمل «3» .
نباهته: ذكره «4» ابن صاحب الصلاة في تاريخه في الموحدين، فنبّه على مكانة محمد بن عبد الملك منهم في الرأي والحظوة، والأخذ عنه في أمور الأندلس «5» ، وأثنى عليه. وذكره أبو زيد السّهيلي في «شرح السّيرة الكريمة» «6» ، حتى انتهى إلى حديث كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الموجه إلى هرقل، وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش، مكرّما، مفتخرا به. والقضية «7» مشهورة. وأما محلّه من أمداح الشعراء، فهو الذي مدحه الأديب أبو عبد الله الرّصافي بقوله «8» : [الكامل]
أيدا «9» تفيض وخاطرا متوقّدا؟ ... دعها تبت قبسا على علم الندى
وفيه يقول أبو عبد الله بن شرف من قصيدة: [البسيط]
يا رحمة الله للرّاجي ونقمته ... لكل باغ طغى عن خيرة الرّسل
(3/161)

لم تبق منهم كفورا دون مرقبة ... مطالعا منك حتفا غير منفصل
كما بزاتك لم تترك بأرضهم ... وحشا يفرّ ولا طيرا بلا وجل
وكان كثير الصّيد، ومتردّد الغارات.
مناقبه في الدين: قالوا: لما أنشده أبو عبد الله الرّصافي في القصيدة التي مطلعها «1» : [الكامل]
لمحلّك التّرفيع والتّعظيم ... ولوجهك التّقديس والتّكريم
حلف ألّا يسمعها، وقال: عليّ جائزتك، لكنّ طباعي لا تحتمل مثل هذا، فقال الرّصافي: ومن مثلك؟ ومن يستحق ذلك في الوقت غيرك؟ فقال له: دعني من خداعك أنا وما أعلمه عن نفسي.
شعره: أنشده صاحب «الطالع» «2» ، ولا يذكر له غيره «3» : [الطويل]
فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامنا ... ولا تركبن بالغيظ في مركب وعر
ولا تبحثن في عذر من جاء تائبا ... فليس كريما من يباحث في عذر «4»
وولي من الأعمال للموحدين كثيرا، كمختص حضرة مراكش، ودار السلاح، وسلا، وإشبيلية، وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها.
محنته: وعمل فيه عقد بأن بداره من أصناف الحلى، ما لا يكون إلا عند الملوك، وأنه إذا ركب في صلاة الصبح، من دار الرّخام التي يجري الماء فيها، في اثني عشر مكانا، شوّش الناس في الصلاة، دويّ الجلاجل بالبزاة، ومناداة الصيادين، ونباح الكلاب، فأمر المنصور بالقبض عليه، وعلى ابن عمّه، صاحب أعمال إفريقية، أبي الحسين، في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطه كلّ ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقصه منه شيء، وغرم ما فات له.
(3/162)

ولد سنة أربع عشرة «1» وخمسمائة، وتوفي بغرناطة سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
محمد بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن عمار ابن ياسر العنسي «2»
يكنى أبا بكر، وقد تقدّم التّعريف بأوليته.
حاله: قال في «الطالع» : ساد في دولة الملثّمين «3» ، وولّوه بغرناطة الأعمال، وكانت له دار الرّخام المشهورة بإزاء الجامع الأعظم بغرناطة. قال الغافقي فيه: شيخ جليل، فقيه نبيه من أهل قلعة يحصب «4» . كان في عداد الفقهاء، ثم نزع إلى العمل، وولّي إشراف غرناطة في إمارة أبي سعيد الميمون بن بدر اللمتوني. وقال صاحب «المسهب» «5» : وحسب القلعة كون هذا الفاضل الكامل «6» منها، وقد رقم برد مجده بالأدب، ونال منه بالاجتهاد والسجيّة القابلة أعلى سبب، وله من المكارم ما يغيّر في وجه كعب وحاتم، لذلك ما قصدته الأدباء، وتهافتت في مدحه الشعراء، وفيه أقول:
[الطويل]
وكان أبو بكر من الكفر عصمة ... وردّ به الله الغواة إلى الحقّ
وقام بأمر الله حافظ أهله ... بلين وسبط في المبرّة والخلق
وهذا أبو بكر سليل ابن ياسر ... بغرناطة ناغاه في الرّأي والصّدق
فهذا لنا بالغرب يجني معالما ... تباهي الذي أحيا الدّيانة بالشّرق
وقد جرى من ذكره عند ذكر أبي بكر بن قزمان، ويجري عند ذكر نزهون بنت القلاعي ما فيه كفاية، إذ كان مفتونا بها، وبحمدة وزينب، بنتي زياد المؤدّب من أهل وادي آش، وفيهما يقول: [المجتث]
ما بين زينب عمري ... أحثّ كأسي وحمده
(3/163)

وكل نظم ونثر ... وحكمة مستجدّة
وليس إلّا عفاف ... يبلّغ المرء قصده
ولذلك ما سعى به المخزومي الأعمى، وقد سها عن رسم تفقّده، فكتب إلى عليّ بن يوسف «1» في شأنه بما كان سبب عزله ونكبته: [الطويل]
إليك، أمير المؤمنين، نصيحة ... يجوز بها البحر المجعجع شاعر
بغرناطة ولّيت في الناس عاملا ... ولكن بما تحويه منه المآزر
وأنت أما «2» تخفى عليك خفيّة؟ ... فسل أهلها فالأمر للناس ظاهر
وما لإلاه العرش تفنيه حمدة ... وزينب والكأس الذي هو دائر
شعره: من ذلك قوله «3» : [المجتث]
يا هذه، لا ترومي ... خداع من ضاق ذرعه
تبكي وقد قتلتني ... كالسّيف يقطر دمعه
وقال عفى الله عنه «4» : [الطويل]
لقد صدعت قلبي حمامة أيكة «5» ... أثارت غراما ما أجلّ وأكرما
ورقّ نسيم الرّيح من نحو أرضكم ... ولطّف حتى كاد أن يتكلّما
وقال في مذهب الفخر «6» : [الخفيف]
فخرنا بالحديث بعد القديم ... من معال توارثت» كالنجوم
نحن في الحرب أجبل راسيات ... ولنا في النّدي لطف النّسيم
ولادته: ولد في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
ومن الطارئين في هذا الاسم من العمال
محمد بن أحمد بن المتأهّل العبدري «8»
من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد الله.
(3/164)

حاله: كان رجلا شديد الأدمة، أعين، كثّ اللحية، طرفا في الأمانة، شديد الاسترابة بجليسه، مخينا لرفيقه، سيىء الظنّ بصديقه، قليل المداخلة، كثير الانقباض، مختصر الملبس والمطعم، عظيم المحافظة على النّفير والقطمير، مستوعب للحصر والتّقييد، أسير محيي وعابد زمام، وجنيب أمانة، وحلس سقيفة، ورقيب مشرف، لا يقبل هوادة، ولا يلابس رشوة، كثير الالتفات، متفقّدا للآلة، متمما للعمل.
جرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بسبب شعر خامل نسب إليه بما نصه «1» : رجل غليظ «2» الحاشية، معدود في جنس السائمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، ولي «3» الأشغال السلطانية، فذعرت الجباة لولايته، وأيقنوا «4» بقيام قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كلّ القنوط، وقالوا: جاءت الدّابّة تكلّمنا وهي إحدى الشروط، من رجل صائم الحسوة «5» ، بعيد عن «6» المصانعة والرّشوة، يتجنّب الناس، ويقول عند المخالطة «7» لهم: لا مساس، عهدي به في الأعمال يخبط ويتبر «8» ، وهو «9» يهلّل ويكبّر، ويحسّن «10» ويقبّح، وهو يسبّح، انتهى.
قلت: وولّي الأشغال السلطانية، فضمّ النّشر، وأوصد باب الحيلة، وبثّ أسباب الضّياع، وترصّد ليلا وأصيب بجراحة أخطأته، ثم عاجلته الوفاة، فنفّس عن أقتاله المخنّق.
شعره: قال يخاطب بعض أثراء الدّولة قبل نباهته «11» : [الطويل]
عمادي، ملاذي، موئلي، ومؤمّلي ... ألا أنعم بما ترضاه للمتأهّل
وحقّق بنيل القصد منك رجاءه ... على نحو ما يرضيك يا ذا التّفضّل
فأنت الذي في العلم يعرف قدره ... بخير زمان فيه لا زلت تعتلي «12»
فهنّيت يا مغنى «13» الكمال برتبة ... تقرّ لكم بالسّبق في كلّ محفل
(3/165)

وفاته: توفي عام ثلاثة وأربعين «1» بغرناطة أو قبل ذلك بيسير، وله خط حسن، وممارسة في الطب، وقد توسّط المعترك.
محمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد البلوي «2»
من أهل ألمريّة، يكنى أبا بكر.
أوليته: من كتاب «المؤتمن» «3» قال: يشهر بنسبه وأصل سلفه من جهة بيرة، إما من بجّانة «4» ، وإما من البريج «5» ، واستوعب سبب انتقالهم.
حاله: من «عائد الصلة» : كان أحد الشيوخ من طبقته، وصدر الوزراء من نمطه ببلده، سراوة وسماحة، ومبرّة وأدبا ولوذعيّة ودعابة، رافع راية الانطباع، وحائز قصب السبق في ميدان التّخلّق، مبذول البرّ، شائع المشاركة.
وقال في «المؤتمن» : كان رجلا عاقلا، عارفا بأقوال الناس، حافظا لمراتبهم، منزلا لهم منازلهم، ساعيا في حوائجهم، لا يصدرون عنه إلّا عن رضى بجميل مداراته. التفت إلى نفسه، فلم ينس نصيبه من الذّلّ، ولا أغفل من كان يألفه في المنزل الخشن، واصلا لرحمه، حاملا لوطأة من يجفوه منهم، في ماله حظّ للمساكين، وفي جاهه رفد للمضطرّين، شيخا ذكيّ المجالسة، تستطيب معاملته، على يقين أنه يخفي خلاف ما يظهر، من الرجال الذين يصلحون الدّنيا، ولا يعلق بهم أهل الآخرة، لعروه عن النّخوة والبطر، رحمه الله. تكرّرت له الولاية بالديوان غير ما مرّة، وورد على غرناطة، وافدا ومادحا ومعزّيا.
مشيخته وما صدر عنه: قرأ على ابن عبد النّور، وتأدّب به، وتلا على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص أيام قضائه ببسطة، ونظم رجزا في الفرائض.
(3/166)

شعره: قال الشيخ «1» في «المؤتمن» : كانت له مشاركة في نظم الشعر الوسط، وكان شعر تلك الحلبة الآخذة عن ابن عبد النور، كأنه مصوغ من شعر شيخهم المذكور، ومحذوّ عليه، في ضعف المعاني، ومهنة الألفاظ. تنظر إلى شعره، وشعر عبد الله بن الصّائغ، وشعر ابن شعبة، وابن رشيد، وابن عبيد، فتقول: ذرّية بعضها من بعض.
فمن ذلك ما نظمه في ليلة سماع واجتماع بسبب قدوم أخيه أبي الحسن من الحجاز: [الطويل]
إلهي، أجرني إنني لك تائب ... وإنّي من ذنبي إليك لهارب
عصيتك جهلا ثم جئتك نادما ... مقرّا وقد سدّت عليّ المذاهب
مضى زمن بي في البطالة لاهيا ... شبابي قد ولّى وعمري ذاهب
فخذ بيدي واقبل بفضلك توبتي ... وحقّق رجائي في الذي أنا راغب
أخاف على نفسي ذنوبا جنيتها ... وحاشاك أن أشقى وأنت المحاسب
وإني لأخشى في القيامة موقفا ... ويوما عظيما أنت فيه المطالب
وقد وضع الميزان بالقسط حاكما ... وجاء شهيد عند ذاك وكاتب
وطاشت عقول الخلق واشتدّ خوفهم ... وفرّ عن الإنسان خلّ وصاحب
فما ثمّ من يرجى سواك تفضّلا ... وإن الذي يرجو سواك لخائب
ومن ذا الذي يعطي إذا أنت لم تجد؟ ... ومن هو ذو منع إذا أنت واهب؟
عبيدك، يا مولاي، يدعوك رغبة ... وما زلت غفّارا لمن هو تائب
دعوتك مضطرا وعفوك واسع ... فأنت المجازي لي وأنت المعاقب
فهب لي من رحماك ما قد رجوته ... وبالجود يا مولاي ترجى المواهب
توسّلت بالمختار من آل هاشم ... ومن نحوه قصدا تحثّ الرّكائب
شفيع الورى يوم القيامة جاهه ... ومنقذ من في النار والحقّ واجب
ومما بلغ فيه أقصى مبالغ الإجادة، قوله من قصيدة هنّأ فيها سلطاننا أبا الحجاج بن نصر «2» ، لما وفد هو وجملة أعيان البلاد أولها: [الكامل]
يهني الخلافة فتّحت لك بابها ... فادخل على اسم الله يمنا غابها
(3/167)

منها، وهو بديع، استظرف يومئذ:
يا يوسفيّا باسمه وبوجهه ... اصعد لمنبرها وصن محرابها
في الأرض مكّنك الإله كيوسف ... ولتملكنّ بربها أربابها
بلغت بكم آرابها من بعد ما ... قالت لذلك نسوة ما رابها
كانت تراود كفوها حتى إذا ... ظفرت بيوسف غلّقت أبوابها
قلت «1» : ما ذكره المؤلف ابن الخطيب، رحمه الله، في هذا المترجم به، من أنه ينظم الشعر الوسط، ظهر خلافه، لذا أثبت له هذه المقطوعة الأخيرة. ولقد أبدع فيها وأتى بأقصى مبالغ الإجادة كما قال، وحاز بها نمطا أعلى مما وصفه به. وأما القصيدة الأولى، فلا خفاء أنها سهل المأخذ، قريبة المنزع، بعيدة من الجزالة، ولعلّ ذلك كان مقصودا من ناظمها رحمه الله.
وفاته: توفي ببلده عن سنّ عالية في شهر ربيع الآخر عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة.
ورثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين، رحمه الله، بقوله: [البسيط]
يا عين، سحّي بدمع واكف سرب ... لحامل الفضل والأخلاق والأدب
بكيت، إذ ذكر الموتى، على رجل ... إلى بليّ «2» من الأحياء منتسب
على الفقيه أبي بكر تضمّنه ... رمس وأعمل سيرا ثم لم يؤب
قد كان بي منه ودّ طاب مشرعه ... ما كان عن رغب كلّا ولا رهب
لكن ولاء «3» على الرحمن محتسبا ... في طاعة الله لم يمذق ولم يشب
فاليوم أصبح في الأجداث مرتهنا ... ما ضرّت الريح أملودا من الغضب
إنّا إلى الله من فقد الأحبّة ما ... أشدّ لذعا لقلب الثّاكل الوصب
من للفضائل يسديها ويلحمها؟ ... من للعلى بين موروث ومكتسب؟
قل فيه ما «4» تصف ركنا لمنتبذ ... روض، لمنتجع أنس، لمغترب؟
باق على العهد لا تثنيه ثانية ... عن المكارم في ورد ولا قرب
سهل الخليقة بادي البشر منبسط ... يلقى الغريب بوجه الوالد الحدب
(3/168)

كم غيّر الدهر من حال فقلّبها ... وحال إخلاصه ممتدّة الطّنب
سامي المكانة معروف تقدّمه ... وقدره في ذوي الأقدار والرّتب
أكرم به من سجايا كان يحملها ... وكلّها حسن تنبيك عن حسب
ما كان إلّا من الناس الألى درجوا ... عقلا وحلما وجودا هامي السّحب
أمسى ضجيع الثّرى في جنب بلقعة ... لكن محامده تبقى على الحقب
ليست صبابة نفسي بعده عجبا ... وإنما صبرها من أعجب العجب
أجاب دمعي إذ نادى النعيّ به ... لو غير منعاه نادى الدمع لم يجب
ما أغفل المرء عمّا قد أريد به ... في كل يوم تناديه الرّدى اقترب
يا ويح نفسي أنفاس «1» مضت هدرا ... بين البطالة والتّسويف واللّعب
ظننت أنّي بالأيام ذو هزء ... غلطت بل كانت الأيام تهزأ بي
أشكو إلى الله فقري من معاملة ... لله أنجو بها في موقف العطب
ما المال إلّا من الله فأفلح من «2» ... جاء القيامة ذا مال وذا نشب
اسمع «3» أبا بكر الأرضى نداء أخ ... باك عليك مدى الأيام مكتئب
أهلا بقدمتك الميمون ظاهرها ... على محل الرّضى والسّهل والرّحب
نم في الكرامة فالأسباب وافرة ... وربما نيلت الحسنى بلا سبب
لله لله والآجال قاطعة ... ما بيننا من خطابات ومن خطب
ومن فرائد آداب يحبّرها ... فيودع الشّهب أفلاكا من الكتب
أما الحياة فقد ملّيت مدّتها ... فعوّض الله منها خير منقلب
لولا قواطع لي أشراكها نصبت ... لزرت قبرك لا أشكو من النّصب
وقلّ ما شفيت نفس بزورة من ... حلّ البقيع ولكن جهد ذي أرب
يا نخبة ضمّها ترب ولا عجب ... إن التراب قديما مدفن النّخب
كيف السبيل إلى اللّقيا وقد ضربوا ... بيني وبينك ما بقي من الحجب؟
عليك مني سلام الله يتبعه ... حسن الثّناء «4» وما حيّيت من كثب
(3/169)

محمد بن محمد بن شعبة الغسّاني «1»
من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: قال شيخنا أبو البركات في الكتاب «المؤتمن» : من أهل ألمريّة ووجوهها، لا حظّ له في الأدب، وبضاعته في الطلب مزجاة. قطع عمره في الأشغال المخزنيّة، وهو على ذلك حتى الآن. قلت: هذا الرجل أحد فرسان الطريقة العمليّة، ماض على لين، متحرك في سكون، كاسد سوق المروءة، ضان بما يملك من جدة، منحطّ في هوّة اللّذة، غير معرج على ربع الهمّة، لطيف التّأنّي، متنزّل في المعاملة، دمث الأخلاق، مليح العمل، صحيح الحساب، منجب الولد.
مشيخته: قرأ على ابن عبد النّور، والقدر الذي يحسّ به عنه أخذه.
شعره: من شعره يخاطب أبا الحسن بن كماشة: [البسيط]
وافى البشير فوافى الأنس والجذل ... وأقبل السّعد والتوفيق والأمل
وراقت الأرض حسنا زاهرا وسنى ... واخضرّ «2» منها الرّبى والسّهل والجبل
ولاح وجه عليّ بعد ذا فغدا ... له شعاع كضوء الشّمس متّصل
مذ غاب أظلمت الدنيا لنا وغدت ... أحشاؤنا بلهيب الشّوق تشتعل
وحين أشرقت الدّنيا بغرّته ... عاد الظّلام ضياء وانتفى الخبل
إيه أبا حسن أنت الرجاء لنا ... مهما اعترت شدّة أو ضاقت الحيل
وأنت كهف منيع من نحاك فقد ... نال المنى وبدا عيش له خضل
يا سيدا قد غدا في المجد ذا رتب ... مشيدة قد بنتها السّادة الأول
بنو كماشة أهل الفضل قد شهروا ... باهت بهم في قديم الأعصر الدّول
السّالكون هدى السابقون مدى ... والباذلون ندى والناس قد بخلوا
أنت الأخير زمانا والقديم علا ... والسّيّد المرتجى والفارس البطل
إن كنت جئت أخيرا فارسا «3» فلقد ... أضحى بجود يديك يضرب المثل
حزت المآثر لا تحصى لكثرتها ... من رام إحصاءها سدّت له السّبل
جزت البدور سنى والفرقدين علا ... وأنت تجر النّدى والوابل الهطل
(3/170)

من جاء يطلب منك السّلم قابله ... وجه طليق ولفظ كلّه عسل
ومن يرد غير ذا تبّا له وردى ... لقد ترفّع في برج له زحل
هنّاك ربّك ما أولاك من نعم ... وعشت في عزّة تترى وتتّصل
ولا عدمت مدى الأيام منزلة ... من دونها رفعة في الأبرج الحمل
وخذه بعد سلاما عاطرا أرجا ... يدوم ما دامت الأسحار والأصل
من خادم لعلاكم مخلص لكم ... من حبّكم لا يرى ما عاش ينتقل
تقبيل كفّك أعلى ما يؤمّله ... فجد به فشفا الهائم القبل
وفاته: في أول عام أربعة وستين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن العراقي «1»
وادي آشي، يكنى أبا عبد الله.
حاله: فاضل «2» الأبوة، معروف الصّون والعفّة، بادي الاستقامة، دمث «3» الأخلاق، حسن الأدوات، ينظم وينثر، ويجيد الخطّ، تولّى أعمالا نبيهة، ثم علقت به الحرفة، فلقي ضغطا وفقد نشبا، واضطرّ إلى التحول عن وطنه إلى برّ العدوة عام ستة وخمسين وسبعمائة، وتعرّف لهذا العهد أنه تولّى الأشغال بقسنطينيّة «4» الهواء من عمل إفريقية.
شعره: كتب إليّ وقد أبي عملا عرض عليه «5» : [الطويل]
أأصمت ألفا ثم أنطق بالخلف ... وأفقد إلفا ثم آنس بالجلف؟
وأمسك دهري ثم أنطق «6» علقما ... ويمحق بدري ثم ألحق بالخسف؟
وعزّكم لا كنت بالذّلّ عاملا ... ولو أنّ ضعفي ينتمي بي «7» إلى حتف «8»
(3/171)

فإن تعملوني في تصرّف عزّة ... وعدل وإلّا فاحسموا علّة الصّرف
بقيت وسحب العطف «1» منكم تظلّني ... وعطف «2» ثنائي «3» دائما ثاني العطف
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن محمد بن عبد الله بن فرتون الأنصاري
من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالهنا.
أوليته: ينسب إلى القاضي ببطليوس، قاضي القضاة، رحمه الله. وبمالقة دور تنسب إلى سلفه تدلّ على نباهة، وقد قيل غير ذلك. والنّص الجلي أولى من القياس.
حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ الحاج المحدّث صاحب الأشغال بالدار السلطانية. صدر نمطه، وفريد فنّه رجولة وجزالة واضطلاعا وإدراكا وتجلّدا وصبرا.
نشأ بمالقة معدودا في أهل الطّلب والخصوصيّة، ورحل إلى الحجاز الشّريف في فتائه، فاستكثر من الرّواية، وأخذ عن أكابر من أهل المشرق والمغرب، حسبما يشهد بذلك برنامجه.
وكان على سنن من السّرو والحشمة، فذّا في الكفاية، جريّا، مقداما، مهيبا، ظريف الشّارة، فاره المركب، مليح الشّيبة، حسن الحديث، وقّاد الذهن، صابرا على الوظائف، يخلط الخوض في الأمور الدّنيوية بعبادة باهظة، وأوراد ثقيلة، ويجمع ضحك الفاتك وبكاء النّاسك في حالة واحدة، هشّا، مفرط الحدّة، يشرد عليه مجل لسانه في المجالس السلطانية بما تعروه المندمة بسببه، قائما على حفظ القرآن وتجويده وتلاوته، ذا خصال حميدة، صنّاع اليد، مقتدرا على العمليات من نسخ ومقابلة وحساب، معدودا من صدور الوقت وأعلام القطر ورجال الكمال.
مشيخته: أخذ عن الجلّة من أهل بلده كالأستاذ أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي؛ لازمه وانتفع به، والخطيب أبي عثمان بن عيسى؛ أخذ عنه، والولي أبي عبد الله الطّنجالي، وغيرهم مما يطول ذكرهم من العدوة والأندلس والمشارقة.
(3/172)

محنته: لقي نصبا في الخدمة السلطانية، وغضّا من الدهر لبأوه، بتعنّته وعدم مبالاته مرّات، ضيّق لها سجنه، وعرض عليه النّكال، ونيل منه بالإهانة كلّ منال، وأغرم مالا أجحف بمحتجنه، وعرّض للأيدي نفائس كتبه، وعلى ذلك فلم يذعر سربه، ولا أضعفت النكبة جأشه.
ولادته: ولد عام ثلاثة وسبعين وستمائة. ومات ميتة حسنة. صلّى الجمعة ظهرا، وقد لزم الفراش. ونفث دم الطاعون، ومات مستقبل القبلة، على أتمّ وجوه التأهب، سابع شوال من عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن محمد بن مقاتل
من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، أزدي النسب، إشبيلي الأصل، من بيت نزاهة ونباهة.
حاله: كان فاضلا وقورا سمحا، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، حلو النادرة، يكتب ويشعر، طرفا في الانطباع واللّوذعيّة، آية في خلط الجدّ بالهزل. ولّي الإشراف بمدينة مالقة، وتقلّب في الشهادة المخزنية عمره.
شعره: من شعره يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم، رحمه الله:
[الطويل]
فؤادي من خطب الزمان سقيم ... وفيه لسهم الحادثات كلوم
ولم أشك دائي في البريّة لامرىء ... أأشكو به وابن الحكيم حكيم؟
وفاته: توفي بمالقة يوم الخميس عاشر شهر رمضان من عام تسعة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن علي بن عبد ربه التجيبي
من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو.
حاله: كان راوية ثقة، بارع الأدب، بليغ الكتابة، طيّب النفس، كامل المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، تلبّس بالأعمال السلطانية دهرا، وولّي إشراف غرناطة وغيرها، إلى أن قعد لشكاية منعته من القيام والتّصرّف فعكف على النّظر، فانتفع به.
مشيخته: كانت له رحلة سمع فيها بالإسكندرية على أبي عبد الله بن منصور وغيره، وروى عنه الأخوان سالم وعبد الرحمن، ابنا صالح بن سالم.
(3/173)

تواليفه: له اختصار حسن في «أغاني الأصبهاني» ، وردّ جيّد على ابن غرسيّة في رسالته الشّعوبية «1» ، لم يقصر فيها عن إجادة.
وفاته: وتوفي لسبع خلون من محرم من عام اثنين وستمائة.
الزّهاد والصّلحاء والصّوفية والفقراء وأولا الأصليون
محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد الأنصاري «2»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصّنّاع.
حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ الصّوفي، الكثير الأتباع، الفذّ الطريقة، المحبّب إلى أهل الثغور من البادية. كان، رحمه الله، شيخا حسن السّمت، كثير الذّكر والمداومة، يقود من المخشوشنين عدد ربيعة ومضر، يعمل الرّحلة إلى حصونهم، فيتألّفون عليه تألّف النّحل على أمرائها ويعاسيبها، معلنين بالذّكر، مهرولين، يغشون مثواه بأقواتهم على حالها، ويتناغون في التماس القرب منه، ويباشرون العمل في فلاحة كانت له بما يعود عليه بوفر وإعانة. وكان من الصالحين، وعلى سنن الخيار الفضلاء من المسلمين، وله حظّ من الطّلب ومشاركة، يقوم على ما يحتاج إليه من وظائف دينه، ويتكلم في طريق المتصوّفة على مذهب أبي عبد الله السّاحلي شيخه، كلاما جهوريا، قريب الغمر. وكان له طمع في صناعة الكيمياء تهافت على دفاتيرها وأهل منتحليها؛ ليستعين بها بزعم على آماله الخيريّة، فلم يحل بطائل.
مشيخته: قرأ على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، وكانت له في حاله فراسة. حدّثني بذلك شيخنا أبو عبد الله بن عبد الولي، رحمه الله. وسلك على الشيخ الصالح أبي عبد الله السّاحلي.
وفاته: وتوفي ليلة الاثنين السابع من شهر شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، وكانت جنازته آخذة في الاحتفال، قدم لها العهد، ونفر لها الناس من كل أوب، وجيء بسريره، تلوح عليه العناية، وتحفّه الأتباع المقتاتون من حلّ أموالهم وأيديهم من شيوخ البادية، فتولّوا مواراته، تعلو الأصوات حوله، ببعض أذكاره.
(3/174)

محمد بن أحمد الأنصاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالموّاق.
حاله: كان معلما لكتاب الله تعالى، خطيبا بمسجد ربض الفخّارين، طرفا في الخير ولين العريكة والسذاجة المشفوعة بالاختصار وإيثار الخمول، مستقيما في طريقته، خافتا في خطبته، عاكفا على وظيفته، مقصودا بالتماس الدعاء، مظنّة الصلاح والبركة.
وفاته: توفي بغرناطة قبل سنة خمسين وسبعمائة بيسير، وكلف الناس بقبره بعد موته، فأولوا حجارته من التعظيم وجلب أواني المياه للمداواة، ما لم يولوه معشاره أيام حياته.
محمد بن حسنون الحميري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان فاضلا صالحا، مشهور الولاية والكرامة، يقصده الناس في الشّدائد، فيسألون بركة دعائه. ومن إملاء الشيخ أبي بكر بن عتيق بن مقدّم، قال: أصله من بيّاسة «1» ، وكان عمّه من المقرئين المحدّثين بها، وسكن هو مرسية، ونشأ بها، وقرأ على أشياخها، وحفظ «كتاب التحبير» في علم أسماء الله الحسنى للإمام أبي القاسم القشيري، ثم انتقل إلى غرناطة، فسكن فيها بالقصبة القديمة، وأمّ الناس في المسجد المنسوب إليه الآن. وكان يعمل بيده في الحلفا، ويتقوت من ذلك.
وفاته: توفي عام خمسة وسبعمائة بغرناطة، وهو من عدد الزّهّاد.
ومن مناقبه: ذكروا أنه سمع يوما بعض الصّبيان يقول لصبي آخر: مرّ للحبس، فقال: أنا المخاطب بهذا، فانصرف إلى السّجن، فدخله، وقعد مع أهله، وبلغ ذلك السلطان، فوجّه وزيره، فأخرجه، وأخرج معه أهل السجن كلّهم، وكانت من كراماته.
محمد بن محمد البكري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج.
(3/175)

كان، رحمه الله، شيخا صالحا، جهوريّا، بعيدا عن المصانعة، متساوي الظاهر والباطن، مغلظا لأهل الدّنيا، شديدا عليهم، غير مبال في الله بغيره، يلبس خرقة الصّوفية من غير التزام لاصطلاح، ولا منقاد لرقو، ولا مؤثر لسماع، مشاركا للناس، ناصحا لهم، ساعيا في حوائجهم. خدم الصالح الكبير أبا العباس بن مكنون، وسلك به، وكان من بيت القيادة والتّجنّد، فرفض زيّه، ولبس المسوح والأسمال. وكان ذا حظّ من المعرفة، يتكلم للناس. قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: سمعته ينشد في بعض مجالسه: [الرجز]
يا غاديا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا؟
وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارحا؟
يا عجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنّب «1» الطريق الواضحا؟
كيف تكون حين تقرا «2» في غد ... صحيفة قد ملئت فضائحا؟
أم كيف ترضى أن تكون خاسرا ... يوم يفوز من يكون رابحا؟
ولمّا حاصر الطّاغية مدينة ألمريّة «3» وأشرفت على التلف، تبرّع بالخروج منها ولحاقه بباب السلطان؛ لبثّ حالها، واستنفار المسلمين إلى نصرها، فيسّر له من ستر غرضه، وتسهيل قصده، ما يشهد بولايته.
وفاته: توفي بألمريّة محلّ سكناه، في حدود عام خمسة عشر وسبعمائة.
محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري
غرناطي، قيجاطي «4» الأصل، يعرف بالسّواس.
قال في «المؤتمن» «5» في حاله: رجل متطبّب، سهل الخلق، حسن اللقاء، رحل من بلده، وحجّ، وفاوض بالمشرق الأطباء في طريقته، وعاد فتصدّر للطب، ثم عاد إلى بلاد المشرق. قلت: وعظم صيته، وشهر فضله، وقدّم أمينا على أحباس
(3/176)

مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة الطّاهرة وصدقاته، وذكر عنه أنه اضطرّه أمر إلى أن خصى نفسه، وسقطت لذلك لحيته.
قال شيخنا أبو البركات: أنشدنا بدكّانه برحبة المسجد الأعظم، من حضرة غرناطة، قال: أنشدنا أبو عبد الله المرّاكشي بالإسكندرية، قال: أنشدنا مالك بن المرحّل لنفسه:
أرى الكلاب بشتم الناس قد ظلمت ... والكلب أحفظ مخلوق لإحسان
فإن غضبت على شخص لتشتمه ... فقل له: أنت إنسان ابن إنسان
وفاته: كان حيّا عام خمسين وسبعمائة فيما أظن.
ومن الطّارئين عليها في هذا الاسم
محمد بن أحمد بن جعفر بن عبد الحق بن محمد بن جعفر ابن محمد بن أحمد بن مروان بن الحسن بن نصر بن نزار ابن عمرو بن زيد بن عامر بن نصر بن حقاف السلمي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جعفر، ويشهر في الأخير بالقونجي، منسوبا إلى قرية «1» بالإقليم، وكان من أهل غرناطة.
حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: كان هذا الرجل رجلا صالحا فاضلا متخلّقا، سمحا، جميل اللقاء على قدم الإيثار على رقة حاله، ممّن وضع الله له القبول في قلوب عباده، فكانت الخاصّة تبرّه ولا تنتقده، والعامة تودّه وتعتقده، وتترادف على زيارته، فئة بعد فئة، فلا تنقلب عنه إلّا راضية، وكان جاريا على طريقة الشيخ أبي الحسن الشّاذلي، إذ كان قد لقي بالمشرق الشيخ الإمام تاج الدين بن عطاء الله، ولازمه وانتفع به، كما لقي ولازم تاج الدين أبا العباس المرسي، كما لازم أبو العباس أبا الحسن الشاذلي. قال: ولقيه بعد هذا الشيخ أبي عبد الله جماعات في أقطار شتّى، ينتسبون إليه، ويجرون من ملازمته الأذكار في أوقات معينة على طريقته، وله رسائل منه إليهم طوال وقصار، يوصيهم فيها بمكارم الأخلاق، وملازمة الوظائف، وخرج عنه إليهم على طريقة التّدوين كتاب سمّاه ب «الأنوار في المخاطبات والأسرار» مضمنه جملة من كلام شيخهم تاج الدين،
(3/177)

وكلام أبي الحسن الشاذلي، ومخاطبات خوطب بها في سرّه، وكلام صاحبه أبي بكر الرّندي، وحقائق الطريق، وبعض كرامات غير من ذكر من الأولياء، وذكر الموت، وبعض فضائل القرآن.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن البلّوطي وأجازه، وعلى أبي الحسن بن فضيلة وأجازه كذلك، وعلى أبي جعفر بن الزبير وأجازه، ثم رحل فحجّ ودخل الشام، وعاش مدّة من حراسة البساتين، واعتنى بلقاء المعروفين بالزّهد والعبادة، وكان مليّا بأخبار من لقي منهم، فمنهم الشيخ أبو الفضل تاج الدين بن عطاء الله، وصاحبه أبو بكر بن محمد الرندي.
مناقبه: قال: دخلت معه إلى من خفّ على قلبي الوصول إلى منزله لمّا قدم ألمريّة، وهو رجل يعرف بالحاج رحيب، كان من أهل العافية، ورقّت حاله، ولم يكن ذلك يظهر عليه؛ لمحافظته على ستر ذلك لعلوّ همّته، ولم يكن أيضا أثر ذلك يظهر على منزله، بل أثاث العافية باق فيه من فرش وماعون. فساعة وصول هذا الشيخ، قال: الله يجبر حالك، فحسبتها فراسة من هذا الشيخ. قال: وخاطبته عند لقائي إياه بهذه الأبيات: [البسيط]
أشكو إليك بقلب لست أملكه ... ما لم يرد من سبيل فهو يسلكه
له تعاقب أهواء فيقلقه ... هذا ويأخذه هذا ويتركه
طورا يؤمّنه طورا يخوّفه ... طورا ييقّنه طورا يشكّكه
حينا يوحّشه حينا يؤنّسه ... حينا يسكّنه حينا يحرّكه
عسى الذي يمسك السّبع الطّباق على ... يديك يا مطلع الأنوار يمسكه
فيه سقام من الدنيا وزخرفها ... مهما أبيّضه بالذكر تشركه
عسى الذي شأنه السّتر الجميل كما ... غطّى عليه زمانا ليس يهتكه
فلما قرأ منها: «فيه سقام من الدنيا وزخرفها» ، قال: هذه علّتي.
مولده: سألته عنه، فقال لي: عام ثمانية وستين بقرية الجيط من قرى الإقليم.
وفاته: بقرية قنجة خطيبا بها، يوم الاثنين عشرين من شهر شعبان المكرم عام خمسين وسبعمائة، في الوباء العام، ودفن بقرية قنجة، رحمة الله عليه ورضوانه.
(3/178)

محمد بن أحمد بن حسين بن يحيى بن الحسين ابن محمد بن أحمد بن صفوان القيسي «1»
وبيته شهير بمالقة، يكنى أبا الطاهر، ويعرف بابن صفوان.
حاله: كان مفتوحا عليه في طريق القوم، ملهما لرموزهم، مصنوعا له في ذلك، مع المحافظة على السّنة والعمل بها آخر الرّعيل، وكوكب السّحر، وفذلكة الحساب ببلده، اقتداء وتخلّقا وخشوعا وصلاحا وعبادة ونصحا. رحل فحجّ، وقفل إلى بلده، مؤثرا الاقتصار على ما لديه، فإذا تكلّم في شيء من تلك النّحلة، يأتي بالعجائب، ويفكّ كل غامض من الإشارات. وعني بالجزء المنسوب إلى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الروبي المسمّى ب «منازل السّاري إلى الله» فقام على تدريسه، واضطلع بأعبائه، وقيّد عليه ما لا يدركه إلّا أولو العناية، ولازمه الجملة من أولي الفضل والصلاح، فانتفعوا به، وكانوا في الناس قدوة. وولي الخطابة بالمسجد الجامع من الرّبض الشّرقي، وبه كان يقعد، فيقصده الناس، ويتبركون به، وكان له مشاركة في الفقه، وقيام على كتاب الله.
تواليفه: ألّف بإشارة السلطان على عهده، أمير المسلمين أبي الحجاج «2» ، رحمه الله، كتابا في التّصوّف والكلام على اصطلاح القوم، كتب عليه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب بظهره، لما وقع عليه، هذه الأبيات: [الكامل]
أيام مولاي الخليفة يوسف ... جاءت بهذا العالم المتصوّف
فكفى بما أسدى من الحكم التي ... أبدين من سرّ الطريقة ما خفي «3»
وحقائق رفع الحجاب بهنّ عن ... نور الجمال فلاح غير مكيّف
كالشمس لكن هذه أبدى سنا ... للحسن والمعنى لعين المنصف
فيه حياة قلوبنا ودواؤها ... فمن استغاث بجرعة منها شفي «4»
إن ابن صفوان إمام هداية ... صافي فصوفي فهو صوفيّ صفي «5»
وإن اختبرت فإنه صفو ابن صف ... وظاهر في طيّه صفو خفي «6»
(3/179)

علم توارثه وحال قد خلت ... ذوقا فنعم المقتدى والمقتفي «1»
فليهنك المولى سعود إيالة ... فيها سراج نوره لا ينطفي «2»
جلّى وجوه شريعة وحقيقة ... صبحا سناه باهر لا يختفي «3»
لا زلت تسلك كل نهج واضح ... منها وتحيي كل سعي مزلف
ومن تواليفه: «جرّ الحرّ» في التوحيد، وعلّق على الجزء المنسوب لأبي إسماعيل الهروي.
من أخذ عنه: أخذ عنه ببلده وتبرّك به جلّة، وكان يحضر مجلسه عالم، منهم شيخ الشيوخ الأعلام أبو القاسم الكسكلان، وأبو الحسين الكوّاب، والأستاذ الصالح أبو عبد الله القطان، وصهره الأستاذ أبو عبد الله بن قرال، والعاقد الناسك أبو الحسين الأحمر وغيرهم.
شعره: رأيت من الشعر المنسوب إليه، وقد رواه عنه جماعة من أصحابنا، يذيّل قول أبي زيد «4» ، رضي الله عنه «5» : [الطويل]
رأيتك يدنيني «6» إليك تباعدي «7» ... فأبعدت نفسي لابتغاء التقرّب «8»
فقال: [الطويل]
هربت «9» به مني إليه فلم يكن ... بي البعد في بعدي فصحّ به قربي «10»
فكان به سمعي كما بصري به ... وكان به لا بي «11» لساني مع القلب
فقربي به قرب بغير تباعد ... وقربي في بعدي فلا شيء من قربي «12»
(3/180)

وفاته: سافر من بلده إلى غرناطة في بعض وجهاته إليها، وذهب سحرا يرتاد ماء لوضوئه، فتردى في حفرة تردّيا أوهن قواه، وذلك بخارج بلّش «1» ، فردّ إلى مالقة، فكانت بها وفاته قبل الفجر من ليلة يوم الجمعة الرابع عشر لشعبان عام تسعة وأربعين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري «2»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالسّاحلي.
حاله: من «عائد الصلة» : المثل السائر في عمران أوقاته كلها بالعبادة، وصبره على المجاهدة. قطع عمره في التّبتّل والتّهجّد، لا يفتر لسانه عن ذكر الله والصلاة على نبيّه، صلى الله عليه وسلم. خرج عن متروك والده، واقتصر على التّعيّش من حرفة الخياطة. ثم تعدّاها إلى النّسخ والتّعليم، وسلك على الشيخ أبي القاسم المريد، نفع الله به، حتى ظهرت عليه سيما الصالحين، وأقام عمره مستوعبا ضروب الخير، وأنواع القرب من صوم وأذان وذكر ونسخ وقراءة وملازمة خلوة، ذا حظّ من الفصاحة، وجرأة على الوعظ في صوت جهير وعارضة صليبة. اقتدى به طوائف من أصناف الناس على تباعد الدّيار، وألزمهم الأذكار، وحوّلهم للسلوك، فأصبح كثير الأتباع، بعيد الصّيت.
وولّي الخطابة بالمسجد الجامع من بلده، ونقل إلى الخطابة بجامع غرناطة في نبوة عرضت له بسبب ذنابى ذرّية طرقوا الكدر إلى سربه، ثم عاد إلى بلده متين ظهر الحظوة، وثيق أساس المبرّة.
مشيخته: قرأ ببلده مالقة على الخطيب أبي محمد بن عبد العظيم بن الشيخ، وأبي عبد الله بن لب، وأبي جعفر الحرّار، وأبي عبد الله بن الحلو، والخطيب أبي عبد الله بن الأعور.
محنته: ابتلي بعد السبعين من عمره بفقد بصره، فظهر منه من الصبر والشكر والرّضا بقضاء الله ما يظهر من مثله. وأخبرني بعض أصحابه أنه كان يقول: سألت الله أن يكفّ بصري خوفا من الفتنة. وفي هذا الخبر نظر لمكان المعارضة في أمره، صلى الله عليه وسلم، بسؤال العافية والإمتاع بالإسماع والإبصار.
(3/181)

شهرته: وجعل الله له في قلوب كثير من الخلق، الملوك فمن دونهم، من تعظيمه ما لا شيء فوقه، حتى أن الشيخ المعمر الحجّة الرّحلة أبا علي ناصر الدين المشدالي كتب إليه من بجاية بما نصه: يا أيها العزيز، مسّنا وأهلنا الضّر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل، وتصدّق علينا، إن الله يجزي المتصدّقين. وبعده:
من العبد الأصغر والمحبّ الأكبر فلان، إلى سيّد العارفين، وإمام المحققين، في ألفاظ تناسب هذا المعنى.
حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، وكان من أعلام تلاميذه، وصدور السالكين على يديه، قال: قصدت منه خلوة، فقلت: يا سيدي، أصحابنا يزعمون أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرني واشف صدري، هل هذه الرؤيا عينيّة أو قلبية؟
قال: فأفكر ساعة، ثم قال: عندي شك في رؤية ابن الجيّاب الساعة ومحادثته، فقلت: لا، فقال: كذلك الحال، قلت: وهذا أمر غريب، ولا يصح إلّا رؤية القلب، ولكن غلبت عليه حتى تخيّل في الحسّ الصورة الكريمة، إذ وجود جوهر واحد في محلّين اثنين محال.
شعره: نظم الكثير من شعر منحطّ لا يصلح للكتب ولا للرّواية، ابتلي به، رحمه الله، فمن لبابه قوله، وهو من الوسط «1» : [الكامل]
إن كنت تأمل «2» أن تنال وصالهم ... فامح الهوى في القيل والأفعال
واصبر على مرّ الدواء فإنه ... يأتيك بعد بخالص السّلسال
تواليفه: ألّف كتابا سمّاه «إعلان الحجّة، في بيان رسوم المحجّة» .
وفاته: توفي يوم الجمعة الرابع والعشرين لشوال عام خمسة وثلاثين وسبعمائة، وكانت جنازته مشهودة، تزاحم الناس على نعشه، وتناولوه تمزيقا على عادتهم من ارتكاب القحة الباردة في مسلاخ حسن الظّن.
محمد بن أحمد بن قاسم الأمي
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالقطّان، الفقيه الأوّاب المتكلم المجتهد.
حاله: من «العائد» : كان هذا الرجل غريب المنزع، عجيب التّصوّف. قرأ وعقد الشروط، وتصدّر للعدالة، ثم تجرّد، وصدق في معاملته لله، وعوّل عليه،
(3/182)

واضطلع بشروط التّوبة، فتحلّل من أهل بلده، واستفاد واسترحم، واستغفر، ونفض يديه من الدّنيا، والتزم عبادة كبيرة، فأصبح يشار إليه في الزّهد والورع، لا تراه إلّا متبسّما، ملازما لذكر الله، متواضعا لأصاغر عباده، محبّا في الضّعفاء والمساكين، جميل التّخلّق، مغضيا عن الهنات، صابرا على الإفادة. وجلس للجمهور بمجلس مالقة، يتكلم في فنون من العلم، يعظ الناس، ويرشدهم، ويزهّدهم، ويحملهم على الإيثار، في أسلوب من الاستنفار والاسترسال والدلالة والفصاحة والحفظ، كثير التأثير في القلوب، يخبر بإلهام وإعانة، فمال الخلق إليه، وتزاحموا على مجلسه، وأعلنوا بالتّوبة، وبادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات، والاستقالة من الزّلّات، ودهم الوباء، فبذلوا من الأموال في أبواب البرّ والصّدقة، ما لا يأخذه الحصر ولا يدركه الإحصاء، ولولا أن الأجل طرقه، لعظم صيته، وانتشر نفعه.
وفاته: توفي شهيد الطّاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبانة جبل فاره «1» ، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته، وصلّى عليه خارج باب قنتنالة، وألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، رحم الله جميعهم.
وممّن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورّاد فقال: [الطويل]
أبعد وليّ الله دمعي يسجم ... وغمار قلبي من كلوم تترجم؟
فؤادي مكلوم بحزني لفقده ... لذاك جفوني دمعها كلّه دم
وماذا عسى يغني التفجّع والبكا ... وماذا عسى يجدي الأسى والتّبرّم؟
سأصبر للبلوى وإن جلّ خطبها ... فصبر الفتى عند الشّدائد يعلم
كذا العلم بالسيف الصّقيل لدى الوغى ... فويق الذي من حسنه لا يوسّم «2»
على قدر صبر المرء تصغر عنده ... خطوب من الدنيا على الناس تعظم
ألا إنها الدّنيا تعلّة باطل ... ومحمض «3» أحلام لمن بات يحلم
تجنّبها أهل العقول فأقصروا ... وأغرق فيها الجاهلون وأشأموا «4»
(3/183)

أعد نظرا فيها تجبك براحة ... وإنس «1» بما تقضي عليك وتحكم
أعدّ لها درياق صبرك إنها ... من البؤس والتّلوين والله أرقم
تلفّت إلى تعذيبها لمحبّها ... وماذا بها يلقى كئيب ومغرم
يظنّ بها ريحانة وهي سدرة ... ولا منتهى إلّا الرّدى والتّندم
عجبت لها تخفى علينا عيوبها ... وذاك لأنّا في الحقيقة نوّم
أليس عجيبا أن يعوّل عاقل ... على عاجل من وصلها يتصرّم؟
وما وصلها معشار عشر صدورها ... ولكنه صرف وللدّهر «2» أدوم
إذا ابتسمت يوما ترقّب عبوسها ... فما إن لنا منها يدوم التّبسّم
ضحى كان وجه الدّهر سبر بشرّه ... فلم يمس حتى بان منه التّجهّم
ذرينا بعقد من وليّ مكانه ... مكين لدى العلياء سام معظّم
هوى مثل ما هوى من الأفق كوكب ... فجلّلنا ليل من الخطب مظلم
تساوى لديه صيدها وعبيدها ... وعالمها النّحرير والمتعلّم
هو الموت لا ينفكّ للخلق طالبا ... يروح ويغدو كلّ حين عليهم
وما هو إلّا الدّاء عزّ دواؤه ... فليس لشيء في البسيطة يحسم
دها كل مخلوق فما منه سيّد ... له الجاه عند الله ينجو ويسلم «3»
ولو كان ذا كان النّبيّ محمد ... تجنّبه، صلّوا عليه وسلّموا «4»
تعنّى به موسى ويوسف قبله ... ونوح وإدريس وشيث وآدم
به باد بهرام وتبّر بهرم ... وكسّر من كسرى سوار ومعصم
وكم من عظيم الشّأن حلّ بربعه ... فإن تختبره فهو ربّ وأعظم
ولكنّنا ننسى ونأبى حديثه ... وننجد في الإعراض عنه ونتهم
فحتّى إذا حلّ ساحة ماجد ... نطلّ بها من حسرة نتكلّم
نسينا حديث الموت جهلا بغدره ... فألهمنا إذ هزّنا منه ملهم
وفاة ورميّ في التّراب موسّد ... وآثاره فوق السّماك تخيّم
خبا ضوء ناديّ فأقفر «5» ربعه ... من العلم والتّعليم ربع ومعلم
(3/184)

تردّى فأردى فقده أهل ريّة «1» ... فما منهم إلّا كئيب ومغرم
غدا أهلها من فجعة بمصابه ... وعيشهم صاب قطيع وعلقم
وهل كان إلّا والد مات عنهم؟ ... فيا من لقوم يتّموا حين أيّموا «2»
قضى نحبه الأستاذ واحد عصره ... فكاد الأسى يقضي إلى الكلّ منهم
قضى نحبه القطّان فالحزن قاطن ... مقيم بأحناء الضّلوع محكّم
وهل كان إلّا روضة رفّ ظلّها ... أتيح له قيظ من الجون صيلم؟
وهل كان إلّا رحمة عاد فقدها ... علامة فقد العلم والله أعلم؟
سل التّائبين العاكفين على الهدى ... لكم منّة أسدى وأهدى إليهم
أفادهم من كلّ علم لبابه ... وفهّمهم أسراره فتفهّموا «3»
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... دليلا بهم نحو الهدى حيث يمّموا «4»
أبان لهم طرق الرّشاد فأقدموا ... وحذّرهم عن كل غيّ فأحجموا «5»
وجاء من التّعليم للخير كله ... بأبين من يأتي به من يعلّم
فصاحة ألفاظ وحسن عبارة ... مضيّ كما يمضي الحسام المصمّم
يصيب فلا يخطي إذا مقصدا ... ومن «6» يجيب فلا يبطي ولا يتلعثم
يحدّث في الآفاق شرقا ومغربا ... فأخباره أضحت تخطّ وترسم
سرى في الورى ذكر له ومدائح ... يكاد بها طير العلى يترنّم
لعمرك ما يأتي الزمان بمثله ... وما ضرّني لو كنت بالله أقسم
فقيه نزيه زاهد متواضع ... رؤوف عطوف مشفق مترحّم
يودّ لو أنّ الناس أثرى جميعهم ... فلم يبق مسكين ولم يبق معدم
يودّ لو أنّ الله تاب على الورى ... فتابوا فما يبقى من الكلّ مجرم
عليه من الرّحمن أوسع رحمة ... فقد كان فينا الدّهر يحنو ويرحم
(3/185)

محمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر بن يوسف بن علي ابن خالد بن عبد الرحمن بن حميد الهاشمي الطّنجالي «1»
لوشي «2» الأصل، مالقي النشأة والاستيطان.
أوليته: بيتهم نبيه إلى هاشميّة النّبه، وهم ببلدنا لوشة أشراف، وكانت لهم فيها ثروة وثورة اجتثّها الدهر ببعض طوارقه في أبواب المغالبات. ويمتّ سلفنا إليهم بصحبة ومصاهرة في حديث يستدعي طولا، وانتقل خلفهم إلى مالقة.
حاله: من «عائد الصلة» : كان هذا الولي الفاضل، المجمع على ولايته وفضله، سهل اللقاء، رفيقا بالخلق، عطوفا على الضعفاء، سالكا سنن الصّالح من السّلف سمتا وهديا، بصره مغضوض، ولسانه صامت إلّا من ذكر الله، وعلمه نافع، وثوبه خشن، وطعمته قد نفدها الورع الشّديد حتى اصطفاها مختارة، إذا أبصرت بها العين، سبقتها العبرة. بلغ من الخلق الملوك فمن دونهم الغاية، فكان يلجأ إليه المضطرّ، وتمدّ إلى عنايته الأيدي، وتحطّ بفنائه الوسائل، فلا يرتفع عن كلف الناس ولا حوائجهم، ولا ينقبض عن الشّفاعة لهم، وإصلاح ذات بينهم؛ له في ذلك كلّه أخبار طريفة. واستعمل في السّفارة بين ملكي العدوة والأندلس في أحوال المسلمين، فما فارق هيئته، وركوب حماره واستصحاب زاده، وليس الخشن من ثوبه. وكان له حظّ رغيب من فقه وحديث، وتفسير، وفريضة. ولّي الخطابة ببلده مالقة، واستسقى في المحول، فسقي الناس.
حدّثني بعض أشياخنا، قال: حضرت مقامه مستسقيا، وقد امتنع الغيث، وقحط الناس، فما زاد عند قيامنا أن قال: أستغفر الله، فضجّ الخلق بالبكاء والعجيج، ولم يبرحوا حتى سقوا. وكراماته كثيرة، ذائعة من غير خلاف ولا نزاع.
حدّث بعض أشياخنا عن الخطيب الصّالح أبي جعفر الزيات، قال: رأيت في النّوم قائلا يقول: فقد اللّيلة من يعمر بيت الإخلاص بالأندلس، فما انتصف النهار من تلك الليلة حتى ورد الخبر بموته.
(3/186)

مشيخته: من شيوخه الذين قرأ عليهم وأسند إليهم الرواية والده، رحمه الله، وأبو عمرو بن حوط الله، والخطيب ابن أبي ريحانة المربلّي، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، والراوية أبو الوليد بن العطار، والراوية المحدّث أبو بكر بن مشليون، والمقرئ أبو عبد الله بن مستقور الطائي، والأستاذ أبو جعفر الطبّاع، وأبو الحسين بن أبي الربيع، والمحدّث أبو عبد الله بن عيّاش، والأستاذ أبو الحسن السّفّاج الرّندي، والخطيب بألمريّة أبو الحسن الغزّال. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير.
وأجازه من أهل المشرق جماعة منهم أبو عبد الله بن رزيق الشافعي، والعباس أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، وأبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن أبي البركات، المعروف بالنجام، والحسن بن هبة الله بن عساكر، وإبراهيم بن محمد الطّبري، إمام الخليل، ومحمد بن محمد بن أحمد بن عبد ربه الطّبري، ومحمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، وأبو الفتح تقيّ الدين بن أبي الحسن فخر الدين، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكيّ الشّافعي وغيرهم.
ميلاده: بمالقة في رجب سنة أربعين وستمائة.
وفاته: بمالقة في يوم الخميس الثامن لجمادى الأولى من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وقد ناهز الثمانين سنة، لم ينتقص شيء من أعماله المقرّبة إلى الله، من الصوم والصلاة، وحضور الجماعات، وملازمة الإقراء والرّواية، والصبر على الإفادة.
حدّث من يوثق به أنّ ولده الفقيه أبا بكر دخل عليه، وهو في حال النّزع، والمنيّة تحشرج في صدره، فقال: يا والدي، أوصني، فقال: وعيناه تدمعان: يا ولدي، اتّق الله حيث كنت واتبع السّيئة بالحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.
محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي «1» ابن الحاج
والد شيخنا أبي البركات. وقد مرّ في ذكر النّسب المتّصل بعباس بن مرداس، والأوّليّة النّبيهة ما يغني عن الإعادة.
(3/187)

حاله: من خطّ ولده شيخنا على الاختصار، قال يخاطبني في بعض ما كتب به إليّ: ذكر أبي، وهو ممن طلبتم ذكره إلي في أخباره جزءا من نحو سبعين ورقة في المقسوم، لخّصت لك من مبيّضته ما يذكر:
نشأ، رحمه الله، بسبتة على طهارة تامة، وعفّة بالغة وصون ظاهر، كان بذلك علما لشبّان مكتبه. قرأ القرآن بالقراءات السّبع، وحفظ ما يذكر من المبادىء، واتّسم بالطلب. ثم تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوثقى التي اعتلق بها سلفه، فنبذ الدّنيا، وأقبل على الآخرة، وجرى على سنن المتّقين، آخذا بالأشدّ من ذلك والأقوى، طامحا بهمّته إلى أقصى ما يؤمّله السّالكون، فرفض زي الطّلبة، ولبس الخشنية، وترك ملابسة الخلق بالجملة، وبالغ في الانقباض عنهم، وانقطع إلى الله برباطات سبتة وجبالها، وخصوصا بمينائها، وعكف على ذلك سنين، ثم سافر إلى المغرب، سائحا في الأرض، على زي الفقهاء للقاء العبّاد وأهل العلم، فأحرز من ذلك ما شاء. ثم أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، وورد ألمريّة، مستقرّ سلفه، وأخذ في إيثار بقايا أملاك بقيت لأسلافه بها، على ما كان عليه من التّبتّل والإخبات. وكان على ما تلقينا من أصحابه وخدّانه، صوّاما، قوّاما، خاشعا، ذاكرا، تاليا، قوّالا للحق، وإن كان مرّا كبيرا في إسقاط التّصنّع والمباهاة، لا يضاهى في ذلك، ولا يشقّ غباره. وقدم على غرناطة، ودخل على أمير المسلمين، وقال له الوزير: يقول لك السلطان ما حاجتك؟ فقال: بهذا الرسم رحلت، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله، فعار على من انتسب إليه أن يقصد غيره. ثم أجاز البحر وقد اشتدّت أحوال أهل الأندلس بسبب عدوّهم، وقدم على ملكه، ووعظه موعظة أعنف عليه فيها، فانفعل لموعظته، وأجاز البحر بسببه إلى جزيرة الأندلس، وغزا بها، وأقام بها ما شاء الله، وتأدب الروم لو تمّ المراد، قال: وأخبره السلطان أبو يوسف ملك المغرب، قال: كل رجل صالح دخل عليّ كانت يده ترعد في يدي، إلّا هذا الرجل، فإن يدي كانت ترعد في يده عند مصافحته.
كراماته: وجلب له كرامات عدّة، فقال في بعضها: ومن ذلك ما حدّثني الشيخ المعلم الثّقة أبو محمد قاسم الحصّار، وكان من الملازمين له، المنقطعين إلى خدمته، والسّفر معه إلى البادية، فقال: إني لأحفظ لأبيك أشياء من الأحوال العظيمة، منها ما أذكره، ومنها ما لا أستطيع ذكره. ثم قال: حدّثني أهل وادي الزّرجون، وهو حشّ»
من أعمال سبتة، قالوا: انصرف السيد أبو عبد الله من هنا، هذا لفظه، فلما استقرّ في
(3/188)

رأس العقبة المشرفة على الوادي، صاح عليه أهل القرى، إذ كانوا قد رأوا أسدا كبيرا جدا قد تعرّض في الطريق، ما نجا قط من صادفه مثله، فلما سمع الصياح قال: ما هذا؟ فقيل له: أهل القرى يصيحون عليه خيفة من السّبع، قال: فأعرض عنهم بيده، ورفع حاجبه كالمتكبّر على ذلك، وأسكتهم، وأخذ في الطّريق حتى وصل إلى الأسد، فأشار عليه بالقضيب، وقال له: من ههنا، من ههنا، اخرج عن الطريق، فخرج بإذن الله عن الطريق، ولم يوجد هنالك بعد. وأمثال ذلك كثيرة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع القرشي، وأجازه والده أبو إسحاق إجازة عامة. ومن شيوخه القاضي المسنّ أبو عبد الله الأزدي، والمحدّث أبو بكر بن مشليون، وأبو عبد الله بن جوهر، وأبو الحسين بن السراج، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزرجي، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو الوليد بن العطار، وأبو العباس بن عبد الملك، وأبو إسحاق بن عياش، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عطيّة، وأبو بكر القرطبي حميد، وأبو إبراهيم الطّرسي، والقاضي أبو عبد الله بن عياض، والكاتب أبو الحسن الرّعيني، وأبو الحسن الشّاري، وأبو يحيى بن الفرس، وأبو إسحاق بن عبيد الله، وأبو الحسن الغزّال، وجماعة من الأندلس غير هؤلاء.
ومن أهل العدوة كأبي يعقوب المحاسبي، وابن فرتون، وغيرهما «1» .
محنته: نمي عنه إلى السلطان بالأندلس، أنه أغرى به ملك المغرب، وتخلّص بعد لأي في خبر طويل، وانتهب السلطان ماله، وألحق أملاكه بالمختص «2» ، واستمرّ، وذلك إلى دولة والده، وامتحن السّاعون به، فعجّل الله عقوبتهم.
مولده: قال شيخنا: نقلت من خطّ أبيه ما نصّه: ولد ابني أبو بكر محمد، أسعده الله ووفّقه، في النصف الأول من ليلة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي قعدة من سنة ست وأربعين وستمائة.
وفاته: قال: ألفيت بخط القاضي الأديب الكاتب أبي بكر بن شبرين، وكان ممن حضر جنازته بسبتة، وكانت وفاة الفقيه النّاسك السّالك الصالح أبي بكر محمد بن الشيخ الفقيه المحدّث أبي إسحاق السلمي البلفيقي في العشر الأواخر من رمضان أربعة وتسعين وستمائة، بمحروسة سبتة، ودفن إثر صلاة العصر بجبّانة الخرّوبة من منارتها بمقربة من قبر ريحان الأسود العبد الصالح، نفع الله به. وصلّى عليه الإمام أبو عبد الله بن حريث.
(3/189)

محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي «1»
من أهل رندة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن عبّاد، الحاجّ الصّوفي.
حاله: نشأ ببلده رندة، وهو من ذوي البيوتات الأصيلة بها، ثم رحل إلى المشرق، ولقي العلماء والصّوفية، وحضر عند المشيخة، ثم كرّ إلى الأندلس، فتصوف، وجال في النّواحي، واطّرح السّموت، وفوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا، وكان له مال له خطر، وألقى التّصنّع لأهله رأسا. وكان فيه تولّه وحدّة، وله ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات والمنقولات، على طريقة الحكماء والصّوفية، ويأتي بكل عبارة غريبة، وآثاره هائلة من غير تمكّن علم، ولا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا، وهو مع ذلك طوّاف على البلاد، زوّار للرّبط، صبّار على المجاهدة طوعا وضرورة، ولا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته.
محنته وفضله وشعره: نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبّر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى وليّ الأمر: [الطويل]
تركت لكم عزّ الغنى فأبيتم ... وأن تتركوني للمذلّة والفقر
ونازعتموني في الخمول وإنه ... لذي مهجتي أحلى من البنى والأمر
ثم قال: يا من رماني بسهمه الغرب، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم. قال: فو الله ما مرّت ثلاثة، حتى نفذ حكم الله فيمن عدا عليه.
وشعره حسن يدلّ على طبع معين، فمن ذلك: [الكامل]
سرى يسرّ إليّ أنك تاركي ... نفسي الفداء للطفك المتدارك
يا مالكي ولي الفخار بأنني ... لك في الهوى ملك وأنّك مالكي «2»
التّرك هلك فاعفني منه وعد ... بالوصل تحيي ذا «3» محبّ هالك
(3/190)

وأعد جميلا في الهوى عوّدتني ... إن لم تعده إليّ من للهالك؟
يا منية القلب الذي بجماله ... فتن الورى من فاتك أو ناسك
آتيه «1» دونك أو أحار وفي سنى ... ذاك الجمال جلا الظلام الحالك؟
ولكم سلكت إليك لكن حين لم ... تكن الدّليل اختلّ قصد السّالك
ولقد عرفت بستر سرّي في الهوى ... فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك
ما السّتر إلّا ما يحوك رضاك لا ... ما حاكه للبتر كفّ الحائك
ما الفضل إلّا ما حكمت به فصن ... واهتك وصل إن شئت أو كن تاركي «2»
ما لي سوى حبّيك يا حبّي فدع ... تركي فهلك الملك ترك المالك
وقال أيضا «3» : [الكامل]
هذا العقيق فسل معاطف بانه ... هل نسمة عادته من نعمانه؟
واسأله إن زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلمين أو سكّانه
وأصخ لحسن حديثها وأعده لل ... مضني ففيه البرء من أشجانه
يا حبّذا ذاك الحديث وحبّذا ... من قد رواه «4» وحبّذا ببيانه
وسقى الإله زمانه ومكانه ... ويعزّ قدر زمانه ومكانه
يا سعد، ساعد مستهاما فيه لا ... ذقت الهوى ونجوت من عدوانه
وأصخ لما يتلو «5» الوجود عليك من ... أنبائهم بلسان حال كيانه «6»
وأبنه لي واقبل ذمامي بشارة ... ويقلّ بذل ذماي في تبيانه
وسل النّسيم يهبّ من واديهم ... بشذا «7» خزاماه وطيب ليانه «8»
ارحم بروح منه روحي تحيه ... وبسقمه «9» سقمي فديتك عانه
وبنشره انشر نفس مشتاق قضت ... شوقا لنفحة نسمة «10» من بانه
يا سعد، حدّثني فكلّ مخبّر ... عن خسر من أهواه أو إحسانه «11»
(3/191)

يا سعد، حدّثني حديثا «1» عنهم ... ويجلّ قدر الحبّ عن نسيانه
يا سعد، طارحنيه واملأ مسمعي ... من سرّه إن شئت أو إعلانه
أنا في الغرام أخوك حقا والفتى ... لا يكتم الأسرار عن «2» إخوانه
قل كيف وادي ودّ «3» سكّان الحمى ... ومنى أمانيه وروض لسانه؟ «4»
هل قلّصت أيدي النّوى من ظلّه؟ ... أو ما جرى هل عاث في جريانه؟
وهل الربوع أواهل بحمى لهم «5» ... فسقى «6» الربوع الودق «7» من هتّانه؟
وهل التقى بان على عهد النّوى «8» ... وهل اللّوى يلوي بعود زمانه؟
فبروض أنسهم عهدت «9» نضارة ... نزّهت منها الطّرف «10» في بستانه
وأرى هجير الهجر أذبل يانعا ... منه وأذوى الغضّ من ريحانه
وأحال حال الأنس فيه وحشة ... وطوى بساط الأنس في هجرانه
آها ووالهفي وويحي أن مضى ... عهد عرفت الأنس في أزمانه
وبأجرع العلمين من شرقيّه ... حبّ غذاني حبّه بلبانه
حاز المحاسن كلّها فجمعن لي ... كلّ الهوى فحملت «11» كلّ هوانه
وزها عليّ بعزّة «12» فبواجب ... أزهو «13» بذلّي في يدي سلطانه
وقضى بأن أقضي وليت بما قضى ... يرضى فطيب العيش في رضوانه
واختار لي أن لا أميل لسلوة ... عن حبّه فسلوت عن سلوانه
يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي ... تبغي السّلوّ ولات حين أوانه
غلب الغرام وعزّ سلطان الهوى ... فالكلّ فيه عليّ من أعوانه
(3/192)

فعلام تعتب مستهاما، كلّ ما «1» ... في الكون عاذره على هيمانه «2»
دع عنك لومي إنني لك ناصح ... أبدى الجمال العذر عن هيمانه
وإذا الفتى قام الجمال بعذره ... في الحبّ فاتركه وثني عنانه
من سام قلبي في هواه سلوة ... قد سامه ما ليس في إمكانه
وقال في الغرض المذكور»
: [البسيط]
يا للرّجال، ألا حبّ يساعدني ... في ذا الغرام فأبكيه ويبكيني؟ «4»
غلبت فيه وما أجدت مغالبتي ... وهنت والصّبّ أولى الناس بالهون
ركبت لجّته وحدي فأدهشني ... ومتّ «5» في يده فردا فدلّوني «6»
واضيعة العمر والبلوى مضاعفة ... ما بين يأس وآمال ترجّيني «7»
والهف نفسي إن أودت وما ظفرت ... في ذا الهوى بتمنّ أو بتأمين
فليت «8» شعري وعمري ينقضي طمعا ... في ذا الهوى «9» بين مغلوب ومغبون
هل الألى «10» ملكوا رقيّ وقد علموا ... بذلّتي «11» وافتقاري أن يواسوني؟
فكم أكفكف دمعي بعدهم وأرى ... مجدّدا نار يأسي وهي تبليني
وكم أمرّ على الأطلال أندبها ... وبالمنازل من خيف ودارين
وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمه ... هم، علمهم بالحال يكفيني
أهمي المدامع كي أروى فتعطشني ... وألزم الذّكر للسّلوى فيشجيني
وكلّ من لمحت عيني أسائله ... عنهم فيغري بهم قلبي ويغريني
يا أهل نجد وفخري «12» أن أحبّكم ... لا أطلب الوصل عزّ الحبّ يغنيني
هل للهوى «13» من سبيل للمنى فلقد ... عزّت أمانيه في الدّنيا وفي الدّين
(3/193)

محمد بن يوسف بن خلصون
يكنى أبا القاسم، روطيّ «1» الأصل، لوشيّه «2» ، سكن لوشة وغرناطة ومالقة.
حاله: كان من جلّة المشيخة وأعلام الحكمة، فاضلا، منقطع القرين في المعرفة بالعلوم العقلية، متبحرا في الإلهيات، إماما في طريقة الصّوفية، من أهل المقامات والأحوال، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، كثير الحلاوة والطّلاوة، قائما على القرآن، فقيها أصوليا، عظيم التخلّق، جميل العشرة. انتقل من حصن روطة إلى الخطابة والإمامة بلوشة، كثير الدؤوب على النّظر والخلوة، مقصودا من منتحلي ما لديه ضرورة. لم يتزوج، وتمالأت عليه طائفة ممن شانها الغضّ من مثله، فانزعج من لوشة إلى مالقة، فتحرّف بها بصناعة الطّب، إلى حين وفاته.
حدّثني والدي، وكان خبيرا بأحواله، وهو من أصحاب أبيه، قال: أصابت الناس شدّة قحط، وكانت طائفة من أضداده تقول كلاما مسجّعا، معناه: إنكم إن أخرجتم ابن خلصون من بينكم، مطرتم. قال: فانزعج عنها، ولما كان على أميال نزل الغيث الرغد، قال: فسجد بموضعه ذلك، وهو معروف، وقال: سيدي، وأساوي عندك هذا المقدار، وأوجب شكرانا. وقدم غرناطة، وبها الأستاذ أبو عبد الله الرّقوطي، وله استيلاء على الحظوة السلطانية، وشأنه اختبار من يرد على الحضرة ممن يحمل فنّا، وللسلطان على ابن خلصون موجدة، لمدحه في حداثته أحد الثوار عليه بقمارش «3» ، بقصيدة شهيرة. فلمّا حضر، سأله الأستاذ: ما صناعتك، فقال:
التصوّف، فالتفت إلى السلطان وقال: هذا رجل ضعيف لا شيء لديه، بحيث لا يفرّق بين الصّناعة وغيرها، فصرفه رحمه الله.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، تدل على جلالته وأصالة معرفته، تنطق علما وحكمة، وتروق أدبا وظرفا. فمن ذلك كتابه في «المحبة» ، وقفت عليه بخط جدّي الأقرب سعيد، وهو نهاية. وكتاب «وصف السلوك، إلى ملك الملوك» ، عارض به معراج
(3/194)

الحاتمي، فبان له الفضل، ووجبت المزيّة، ورسالة «الفتق والرّتق، في أسرار حكمة الشرق» .
شعره: من ذلك قوله: [الكامل]
هل تعلمون مصارع العشّاق ... عند الوداع بلوعة الأشواق؟
والبين يكتب من نجيع دمائهم ... إن الشّهيد لمن يمت بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النّوى ... لرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يملّ بكاؤه ... قد أغرقته مدامع الآماق
ومحرّق الأحشاء أشعل ناره ... طول الوجيب بقلبه الخفّاق
ومولّة لا يستطيع كلامه ... مما يقاسي في الهوى ويلاقي «1»
خرس اللسان فما يطيق عبارة ... ألم المرور وما له من راق؟
ما للمحبّ من المنون وقاية ... إن لم يغثه حبيبه بتلاق
مولاي، عبدك ذاهب بغرامه ... فادرك «2» بوصلك من دماه الباقي «3»
إني إليك بذلّتي متوسّل ... فاعطف بلطف منك أو إشفاق
ومن شعره أيضا: [الكامل]
أعد الحديث إذا وصفت جماله ... فبه تهيّج للمحبّ خياله
يا واصف المحبوب كرّر ذكره ... وأدر على عشّاقه جرياله
فبذكر من أهوى وشرح صفاته ... لذّ الحديث لمسمعي وخلاله
طاب السّماع بوصفه لمسامعي ... وقررت عينا مذ لمحت هلاله
قلبي يلذّ ملامة في حبّه ... ويرى رشادا في هواه ضلاله
يا عاذلي أو ما ترقّ لسامر ... سمع الظّلام أنينه فرثا له؟
ومن شعره أيضا: [الكامل]
إن كنت تزعم حبّنا وهوانا ... فلتحملنّ مذلّة وهوانا
فاسجر لنفسك إن أردت وصالنا ... واغضب عليها إن طلبت رضانا
(3/195)

واخلع فؤادك في طلاب ودادنا ... واسمح بموتك إن هويت لقانا
فإذا فنيت عن الوجود حقيقة ... وعن الفناء فعند ذاك ترانا
أو ما علمت الحبّ فيه عبرة ... فاخلص لنا عن غيرنا وسوانا
وابذل لبابك إن وقفت ببابنا ... واترك حماك إذا فقدت حمانا
ما لعلع ما حاجر ما رامة ... ما ريم أنس يسحر الأذهانا
إنّ الجمال مخيّم بقبابنا ... وظباؤه محجوبة بظبانا
نحن الأحبّة من يلذ بفنائنا ... نجمع له مع حسننا إحسانا
نحن الموالي فاخضعنّ لعزّنا «1» ... إنّا لندفع في الهوى من هانا
إنّ التّذلّل للتّدلّل سحر ... فاخلد إلينا عاشقا ومهانا
واصبر على ذلّ المحبّة والهوى ... واسمع مقالة هائم قد لانا
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ومن لطيف كلامه ورقيق شعره: [الرمل]
لو خيال من حبيبي طرقا ... لم يدع دمعي بخدّي طرفا
ونسيم الريح منه لو سرى ... بشذاه لأزال الحرقا
ومتى هبّت عليلات الصّبا ... صحّ جسمي فهي «2» لي نفث رقا
عجبا يشكو فؤادي في الهوى ... لهب النار وجفني الفرقا
يا أهيل «3» الحيّ، لي فيكم رشا ... لم يدع لي رمقا مذ رمقا
بدر تمّ طالع أثمره ... غصن بان تحته دعص نقا
راق حسنا وجمالا مثلما ... رقّ قلبي في هواه ورقا
أنّس «4» الشمس ضياه ذهبا ... وكسا البدر سناه ورقا
حلل الحسن عليه خلعت ... فارتداها ولها قد خلقا
ومن شعره: [البسيط]
دعوت من شفتي رفقا على كبدي ... فقال لي: خلق الإنسان في كبد
قلت الخيال ولو في النّوم يقنعني ... فقال: قد كحلت عيناك بالسّهد
(3/196)

فقلت: حسبي بقلبي في تذكّره ... فقال: لي القلب والأفكار ملك يدي
قلت الوصال حياتي منك يا أملي ... قال الوصال فراق الروح للجسد
فقلت: أهلا بما يرضى الحبيب به ... فإنّ قلبي لا يلوى على أحد
ومن أقواله الصّوفية، وكلها تشير إلى ذلك المعنى: [الطويل]
ركبنا مطايا شوقنا نبتغي السّرى ... وللنّجم قنديل يضيء لمن سرى
وعين الدّجى قد نام لم يدر ما بنا ... وأجفاننا بالسّهد لم تطعم الكرى
إلى أن رأينا اللّيل شاب قذاله ... ولاح عمود الفجر غصنا منوّرا
لمحنا برأس البعد نارا منيرة ... فسرنا لها نبغي الكرامة والقرا
وأفضى بنا السير الحثيث بسحرة ... لحانة دير بالنواقس دورا
فلمّا حللنا حبوة السير عنده ... وأبصرنا القسّيس قام مكبّرا
وحرّك ناقوسا له أعجم الصّدا ... فأفصح بالسّر الذي شاء مخبرا
وقال لنا: حطّوا حمدتم مسيركم ... وعند الصّباح يحمد القوم السرى «1»
نعمتم صباحا ما الذي قد أتى بكم ... فقلنا له: إنا أتيناك زوّرا
وراحتنا في الرّاح إن كنت بائعا ... فإنّ لدينا فيه أربح مشترى
فقال لكم: عندي مدام عتيقة ... مخلّدة من قبل آدم أعصرا
مشعشعة كالشمس لكن تروحنت ... وجلّت عن التجسيم قدما فلا ترى
وحلّ لنا في الحين ختم فدامها ... فأسدى لنا مسكا فتيقا وعنبرا
وقلنا: من السّاقي فلاح بوجهه ... فأدهش ألباب الأنام وحيّرا
وأشغلنا عن خمره بجماله ... وغيّبنا سكرا فلم ندر ما جرى
ومن شعره في المعنى: [البسيط]
يا نائما يطلب الأسرار إسرارا ... فيك العيان ونبغي بعد آثارا
أرجع إليك ففيك الملك مجتمع ... والفلك والفلك العلوي قد دارا
أنت المثال وكرسي الصّفات فته ... على العوالم إعلانا وإسرارا
والطّور والدّرّ منثورا وقد كتبت ... أقلام قدرته في اللّوح آثارا
(3/197)

والبيت يعمره سرّ الملائك في ... مشكاة قلبك قد أسرجن أنوارا
ورفع الله سقفا أنت تسكنه ... سماؤه أطلعت شهبا وأقمارا
وبحر فكرك مسجور بجوهره ... فغص به مخرجا للدّرّ أسرارا
فإن رأيت بوادي القدس نار هدى ... فاثبت فنورك فيها مازج النّارا
واخلع لسمع النّدا نعليك مفتقرا ... إلى المنادي تنل عزّا وإكبارا
وغب عن الكون بالأسماء متّصفا ... واطلب من الكلّ ربّ الدار لا الدّارا
ومن ذلك في هذا المعنى: [الطويل]
أطالب ما في الرّوح من غامض السّرّ ... وقارع باب العلم من عالم الأمر
عرضت لعلم أبهم الشّرع بابه ... لكلّ جهول للحقائق لا يدري
ولكنّ خبيرا قد سألت محقّقا ... فدونك فانظم ما نثرت من الدّرّ
وبين يدي نجواك قدّم وسيلة ... تقى الله واكتم ما فهمت من السّرّ
ولا تلتفت جسما ولا ما يخصّه ... من الحسّ والتخييل والوهم والفكر
وخذ صورة كلّية جوهريّة ... تجلّ عن التمييز بالعكس والسّبر
ولكن بمرآة اليقين تولّدت ... وليست بذاتي إن سألت ولا غير
كذلك لم تحدث وليست قديمة ... وما وصفت يوما بشفع ولا وتر
ولكن بذات الذّات كان ظهورها ... إذا ما تبدّت في الدّجى غرّة الفجر
ومن هذا الغرض قوله: [الطويل]
مشاهدتي مغناك، يا غايتي، وقت ... فما أشتكي بعدا وحبّك لي نعت
مقامي بقائي عاكفا بجمالكم ... فكلّ مقام في الحقيقة لي تحت
لئن حالت الأحوال دون لقائكم ... فإنّي على حكم المحبّة ما حلت
وإن كان غيري في الهوى خان عهده ... فإني وأيم الله عهدي ما خنت
وما لي رجاء غير نيل وصالكم ... ولا خوف إلّا أن يكون له فوت
نعم إن بدا من جانب الأنس بارق ... يحرّكني بسط به نحوكم طرت
ومهما تذكّرت العتاب يهزّني ... لهيبتكم قبض يغيب به النّعت
تواجدت حتى صار لي الوجد مشربا ... ولاح وجود للحقيقة إذ غبت
فها أنا بين الصّحو والمحو دائر ... أقول: فلا حرف هناك ولا صوت
(3/198)

قصودي إليكم والورود عليكم ... ومنكم سهودي والوجود إذا عدت «1»
وفي غيبتي عنّي حضوري لديكم ... وعند امتحان الرّسم والمحو أثبتّ
وفي فرقتي الباني بحقّ جمعتني ... وفي جمع جمعي في الحقيقة فرّقت
تجلّيت «2» لي حتى دهشت مهابة ... ولما رددت اللّحظ بالسّرّ لي عشت
موارد حقّ بل مواهب غاية ... إذا ما بدت تلك البداءة لي تهت
لوائح أنوار تلوح وتختفي ... ولكن وميض البرق ليس له ثبت
ومهما بدت تلك الطّوالع أدهشت ... وإن غيّبت تلك اللّوامع أظلمت
وهيهات هيبات الجلال تردّني ... وعند التجلّي لا محالة دكدكت
نسفن جبالي فهي قاع وصفصف «3» ... وليس يرى فيهنّ زيغ ولا أمت
ولي أدمع أجّجن نار جوانحي ... ولي نفس لولاه من حبّكم ذبت
ألا فانظروا قلب العيان حقيقة ... فنائي وجودي «4» والحياة إذا متّ
مراتب في التّلوين نلت جميعها ... وفي عالم التّمكين عن كلّها بنت
وعند قيامي عن فنائي وجدتكم ... فلا رتبة علويّة فوق ما نلت
ورود وشرب ثم لا ريّ بعده ... لئن كنت أروى من شرابك لا كنت
شربت كئاس «5» الوجود مدامة ... فلست أجلّي عن ورود متى شئت
وكيف وأقداح العوالم كلّها ... ولكنني «6» من صاحب الدّير أسكرت
تعلّق قوم بالأواني وإنّني ... جمال المعاني لا المغاني علّمت
وأرضعت كأسا لم تدنّس بمزجها ... وقد نلتها صرفا لعمري «7» ما ضعت
شراب بها الأبرار طاب مزاجهم ... وأرضعتها صرفا لأنّي قرّبت
بها آدم نال الخلافة عندما ... تبدّت له شمسا لها نحوه سمت
ونجت لنوح حين فرّ لفلكه ... ومن بان عن أسرارها لي «8» عمد الموت
(3/199)

وقد أخمدت نار الخليل بنورها ... وكان لموسى عن أشعّتها بهت
وهبّت لروح الله روح نسيمها ... فأبصره الأعمى وكلّمه الميت
وسار بها المختار سيري لربّه ... إلى حيث لا فوق هناك ولا تحت
هنيئا لمن قد أسكرته بعرفها ... لقد نال ما يبغي وساعده البخت
ومن نثر الأستاذ الجليل أبي القاسم بن خلصون المترجم به، قوله من رسالة:
وصلني أيها الابن النّجيب، المخلص الحبيب، كتابك الناطق بخلوص ودّك، ورسوخ عهدك، وتلك سجيّة لائقة بمجدك، وشنشنة تعرف من والدك وجدّك، وصل الله أسباب سعدك، وأنهض عزم جدّك، بتوفيق جدّك، وبلّغك من مأمولك أقصى قصدك. فلتعلم أيها الحبيب أن جناني، ينطوي لكم أكثر مما ينشره لساني، فإني مغرى بشكركم وإن أعجمت، ومفصح بجميل ذكركم وإن جمجمت، لا جرم أنّ الوقت حكم بما حكم، واستولى الهرج فاستحكم، حتى انقطعت المسالك، وعدم الوارد والسّالك، وذلك تمحيص من الله جار على قضيّة قسطه، وتقليب لقلوب عباده بين إصبعي قبضه وبسطه، حين مدّ على الخليقة ظلّ التّلوين، ولو شاء لجعله ساكنا، ثم جعل شمس المعرفة لأهل التّمكين، عليه دليلا باطنا، ثم قبض كل الفرق عن خاصيته قبضا يسيرا، حتى أطلع عليهم من الأنس بدرا منيرا. وإلى ذلك يا بنيّ، فإني أحمد الله تعالى إليك على تشويقه إيّاك إلى مطالعة كتب المعارف، وتعطّشك للورود على بحر اللّطائف. وإنّ الإمام أبا حامد «1» ، رحمه الله، لممن أحرز خصلها، وأحكم فرعها وأصلها، لا ينكر ذلك إلّا حاسد، ولا يأباه إلّا متعسّف جاحد. هذا وصفه، رحمه الله، فيما يخصّه في ذاته. وأما تعليمه في تواليفه، وطريقه التي سلكها في كافّة تصانيفه؛ فمن علمائنا، رضي الله عنهم، من قال: إنه خلط النّهاية بالبداية، فصارت كتبه أقرب إلى التّضليل منها إلى الهداية، وإن كان لم يقصد فيها إلّا النّفع فيما أمّه من الغرض، فوجد في كتبه الضّرر بالعرض، وممن قال بهذا الفقيه الحكيم أبو بكر بن الطّفيل «2» ، قال: وأما أبو حامد، فإنه مضطرب التأليف، يربط في موضع، ويحلّ في آخر، ويتمذهب بأشياء، ويكفر بها، مثل أنه كفّر الفلاسفة باعتقادهم أن المعاد
(3/200)

روحاني، وإنكار هم حشر الأجساد. وقد لوّح هو بأن ذلك مذهبه في آخر كتاب «الجواهر والأربعين» ، وخرّج بأنه معتقد كبار الصّوفية، في كتاب آخر، وقال: إن معتقده كمعتقدهم، وأنه وقع على ذلك بعد بحث طويل وعناء شديد. قال: وإنما كلامه في كتبه على نحو تعليم الجمهور. وقد اعتذر أبو حامد نفسه عن ذلك في آخر كتاب «ميزان العمل» ، على أغلب ظنّي، فإن لي من مطالعة الكتب مدّة. قال: ولو لم يكن في هذه الألفاظ إلّا ما يشكّك في اعتقادك الموروث، يعني التّقليد، فإنه من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ففي العمى والحيرة. ثم تمثّل بقول الشاعر: [البسيط]
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وذلك أنه قسّم آراءه إلى ثلاثة: رأي يجاب به كلّ مسترشد سائل بحسب سؤاله وعلى مقدار فهمه. ورأي يجاب به الخاصّة ولا يصرّح به للعامّة. ورأي بين الإنسان وبين نفسه، لا يطّلع عليه إلّا من شريكه في اعتقاده. وأما الفقيه الفاضل أبو الوليد بن رشد، رحمه الله، فإنّه بالغ في ذلك مبالغ عظيمة، وذلك في كتابه الذي وصف فيه مناهج أدلّة المتكلّمين، فإنه لما تكلّم على طرق الأشعريّة والمعتزلة والفلاسفة والصّوفية والحشويّة وما أحدثه المتكلّمون من الضّرر في الشّريعة بتواليفهم، انعطف فقال: وأما أبو حامد، فإنه طمّ الوادي على القرى، ولم يلتزم طريقة في كتبه، فنراه مع الأشعرية أشعريّا، ومع المعتزلة معتزليّا، ومع الفلاسفة فيلسوفا، ومع الصّوفية صوفيّا، حتى كأني به: [البسيط]
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّيا فعدنان
ثم قال: والذي يجب على أهل العلم، أن ينهوا الجمهور عن كتبه، فإن الضّرر فيها بالذات، والمنفعة بالعرض. قال: وإنما ذلك لأنه صرّح في كتبه بنتائج الحكمة دون مقدّماتها، وأفصح بالتّأويلات التي لا يطلع عليها إلا العلماء الرّاسخون في العلم، وهي التي لا يجوز أن تؤوّل للجمهور، ولا أن تذكر في غير كتب البرهان. وأنا أقول: إن كتبه في الأصلين، أعني أصول الدين وأصول الفقه، في غاية النّبل والنّباهة، وبسط اللفظ، وحسن التّرتيب والتّقسيم، وقرب المسائل.
وكذلك كتبه الفقهية والخلافية والمذهبيّة، التي ألّفها على مذهب الشّافعي، فإنه كان شافعيّ المذهب في الفروع. وأما كتبه التي ذهب فيها مذهب التصوّف، فهي التي يوجد فيها ما ذكر من الضّرر بالعرض. وذلك أنه بنى الأكثر من الاعتقادات فيها على ما تأدّى إلى فهمه من مذاهب الفلاسفة، ونسبها إلى المتصوّفة. وقد نبّه على
(3/201)

ذلك الفقيه الجليل أبو بكر الطّرطوشي «1» في كتابه الذي سماه ب «مراقي العارفين» .
قال: وقد دخل على السّالكين ضرر عظيم من كتب هذا الرجل الطّوسي «2» ، فإنه تشبّه بالصّوفية ولم يلحق بمذاهبهم، وخلط مذاهب الفلاسفة بمذاهبهم، حتى غلط الناس فيها. على أنّني أقول: إنّ باعه في الفلسفة كان قصيرا، وإنه حذا حذو الشيخ أبي علي بن سينا في فلسفته التي نقلها في المقاصد، ومنطقه الذي نقله في معيار العلم، لكن قصر عنه. وتلك الاعتقادات، منها حقّ ومنها باطل، وتلخيصه لا يتأتّى إلّا لصنفين من الناس، أعني أهل البرهان وأهل المكاشفة، فبحسب ذلك تحتاج كتبه إلى تقدمة علوم البرهان، أو رياضة أهل المكاشفة. ولذلك صنّف هو معيار العلم؛ ليكون الناظر في كتبه يتقدّم، فيتعلّم منه أصناف البراهين، فيلحق بأهل البرهان. وقدّم أيضا تصنيف «ميزان العمل» ليكون المرتاض فيه، وبه يلحق بأهل المكاشفة، وحينئذ ينظر في سائر كتبه. وهذه الرسالة طويلة، تكلم فيها على كتب أبي حامد الغزالي، رحمه الله، بما يدل على تفنّنه، وعلى اضطلاعه، رحمه الله.
ومن الغرباء في هذا الاسم
محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ بن إبراهيم بن جميل ابن يوسف العراقي
ثم الخلاطي، ثم الأقشري الفارسي، وينعت من النّعوت المشرقية بجلال الدين، من بلاد فارس.
حاله: كان من الصّوفية المتجرّدين من المال والعيال، ذا وقار وتؤدة، وسكون ومحافظة على ظاهره. أكثر في بلاد المشرق من الأخذ عن الشّيوخ المحدّثين والمتصوّفين، ثم قدم المغرب، فاستوطن بعض بلاده، ثم أجاز البحر إلى الأندلس عام أربعة وسبعمائة، وأخذ عمّن بها من الشيوخ، ودخل غرناطة. وكان شافعيّ المذهب، يشارك في قرض الشّعر.
(3/202)

مشيخته: أخذ عن أبي مروان عبد الملك الشّريشي بفاس، وعن أبي بكر محمد بن محمد بن قسي المومياني، ولبس الخرقة الصّوفية من جماعة بالمشرق وبالمغرب، منهم الإمام أبو إبراهيم الماجري، عن أبي محمد صالح، عن أبي مدين.
تواليفه: أخذ عنه تأليفه في نحو اللغة الفارسية وشرح ألفاظها. قال شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم: كتب إلى والدي ببابه، وقد أحسّ بغضّ من الشيخ الإمام أبي عبد الله بن خميس، عميد مجلس الوزارة الحكيمية: [المتقارب]
عبيد بباب العلى واقف ... أيقبله المجد أم ينصرف؟
فإن قبل المجد نلت المنى ... وإلّا فقدري ما أعرف
ثم كتب على لفظه: ما من، وصحّحه، قال: فأذن له، واستظرف منزعه.
محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي المرّاكشي «1»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن شاطر.
حاله: فقير متجرّد، يلبس أحسن أطوار الخرقة، ويؤثر الاصطلاح، مليح الشّيبة، جميل الصورة، مستظرف الشّكل، ملازم للمسجد، مساكن بالمدارس، محبّب إلى الخواص، كثير الذّكر، متردّد التأوّه، شارد اللّسان، كثير الفلتات، مطّرح في أكثر الأحايين للسّمت، ينزع إلى هدف تائه، تشم عليه القحة والمجانة، مقتحم حمى الحشمة في باب إيهام التّلبيس، يزلق سوء الاعتقاد عن صفاته، وإن قارب الانهماك، وغير مبال بناقد، ولا حافل بذام، ولا حامد. كلما اتّبع انفرد، ومهمى استقام شرد، تطيب النّفس به على غرّة، ويحسن الظّن بباطنه على سوء ظاهره، مليح الحديث، كثير الاعتبار، دائم الاسترجاع والاستغفار، فعّال الموعظة، عجيب الانتزاع من الحديث والقرآن، مع عدم الحفظ، مستشهد بالأبيات الغريبة على الأحوال. قال شيخنا القاضي أبو عبد الله بن المقري: لقيت فيمن لقيت بتلمسان رجلين، أحدهما عالم الدّنيا، والآخر نادرتها. أما العالم، فشيخنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، وأما النّادرة، فأبو عبد الله بن شاطر. ثم قال: صحب أبا زيد الهزميري كثيرا، وأبا عبد الله بن تجلّات، وأبا العباس بن البنّاء «2» وإخوانهم من
(3/203)

المرّاكشيين ومن جاورهم، واختصّ بأبي زيد الهزميري، وآثره وتبنّاه، وكان يقول له:
وألقيت عليك محبّة منّي، فيظهر أثر ذلك عليه، من ستر الهنات، ووضع القبول، فلا تجد من يستثقله من راض عنه أو ساخط. دخل الأندلس، وقدم على غرناطة، وتلوّم بها أياما.
نبذ من أقواله: فمن ذلك أنه إذا سئل عن نفسه يقول: أنا وليّ مفسود، وفي هذا من النّصفة، وخفّة الرّوح ما لا خفاء به. قال بعض شيوخنا «1» : قلت له يوما:
كيف أنت؟ فقال «2» : كيف أنا محبوس في الدّم. ومن حكمه: الليل والنهار حرسيّان «3» ، أحدهما أسود، والآخر أبيض، وقد أخذ «4» بمجامع الخلق إلى «5» يوم القيامة، وإنّ مردّنا «6» إلى الله. ومرّ يوما بأبي العباس «7» بن شعيب الكاتب وهو جالس في جامع الجزيرة، وقد ذهبت به الفكرة، فصاح به، فلمّا رفع رأسه، قال، وله نعش «8» خاطر: انظر إلى مركب عزرائيل، قد رفع شراعه، والنّدا «9» عليه، اركبوا يا عزا. قال شيخنا أبو عبد الله المقري: وجدته يوما في المسجد ذاكرا، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: مهيم في روضة يجبرون، فهممت بالانصراف، فقال:
أين تذهب من روضة من رياض الجنة، يقام فيها على رأسك بهذا التّاج؟ وأشار إلى المنار، مملوءا بالله أكبر. قال: وأنشدني أبو العباس بن البنّاء، وكتبهما عنه «10» :
[الوافر]
قصدت إلى الوجازة «11» في كلامي ... لعلمي بالصّواب في الاختصار
ولم أحذر فهم «12» ما دون فهمي ... ولكن خفت إزراء الكبار
فشأن فحولة العلماء شأني ... وشأن البسط تعليم الصّغار
(3/204)

قال: وأخبار ابن شاطر تحتمل كرّاسة، قلت: رأيته بفاس في أخريات عام خمسة وخمسين، وهو الآن بحاله الموصوفة، قد أربى على السّبعين.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن التميمي ابن الحلفاوي
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله، نزيل غرناطة، ويعرف بالتّونسي وبابن المؤذن ببلده.
حاله: من «العائد» : قال: وليّ الله المجاب الدعوة، الظاهر الكرامة، المشهود له بالولاية. ورد الأندلس في جملة من تجّار بلده، وبيده مال كبير بذله في معاملة ربّه، إلى أن استأصله بالصّدقة، وأنفقه في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وتجرّد عن الدنيا، وأخذ نفسه بالصّلاة والصّوم والتّلاوة وكثرة السّجود والتّطارح على ذلك، محفوظا في ذلك كله حفظة الأولياء، مذكّرا بمن سلفه من الزّهاد، عازبا عن الدنيا، أخذ نفسه بسلوك الإيتاب عنها، رحمة للخلق، وتمالأ للمساكين، يقصده الناس بصدقاتهم، فيبثّها في ذوي الحاجات، فيتألّف في باب مسجده آلاف من رجالهم ونسائهم وصبيانهم، حتى يعمّهم الرّفد، وتسعهم الصّدقة. وكان غريب الأحوال؛ إذا وصل وقت الصلاة يظهر عليه البشر والسّرور، ويدخل مسجده الذي ابتناه واحتفل فيه، فيخلو بنفسه آخذا في تعبّدات كثيرة غريبة شاملة لجميع أركان المسجد، ويزدحم الناس حول المسجد، وأكثرهم أهل الفاقة، فإذا تمكّن الوقت أذّن أذانا مؤثّرا في القلوب، جدى وصدقا ووقارا، كان صدره ينصدع عند قول: لا إله إلّا الله. ثم يعبد التّعبّد والسّجود في الصّومعة وأدراجها، حتى يفتح باب المسجد، وينتقل إلى صدر المحراب، فيصلي ركعات خفيفة، فإذا أقام الصلاة، ووقف عند المحراب، ظهر عليه من الخوف والكآبة والحزن والانكسار والتّضرّع والتّملّق والرّغبة، ما لا تفي العبارة بوصفه، كأن موقفه موقف أهل الجرائم بين أيدي الملوك الجبابرة. فإذا أتمّ الصلاة على أتمّ هيئاتها، ترى كأن الغبار على وجهه، أو كأنه حشر من قبر، فإذا شرع في الدّعاء بأثر الصلاة، يتلوه بترداد الصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، في كل دعوة، ويتوسّل به، وتظهر عليه أحوال من الحضور والمراقبة، وينجلي عن وجهه ما كان به. وكان يختم القرآن في شهر رمضان مائة ختمة، فما من ليلة إلّا ويحيي اللّيل كلّه فيها بمسجده. هذا ترتيبه، ولو تتبّعنا ما شوهد من كراماته وأحواله، لخرجنا عن الغرض.
ولادته: ولد بتونس في حدود الأربعين وستمائة.
(3/205)

وفاته: توفي شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وسبعمائة. وكان الحفل في جنازته عظيما، استوعب الناس كافّة، وحضر السلطان فمن دونه، وكانت تنمّ، زعموا، على نعشه وقبره رائحة المسك. وتبرّك الناس بجنازته، وقصد قبره المرضى وأهل الحاجات، وبقي القرّاء يقرءون القرآن عليه مدة طويلة، وتصدّق على قبره بجملة من مال، ففدي به طائفة من الأسرى. وقبره بباب إلبيرة عن يمين الخارج إلى مقبرة العسّال، معروف هنالك.
محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن يوسف اللّواتي «1»
من أهل طنجة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بطّوطة «2» .
حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات، قال: هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطّلب، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فدخل بلاد مصر والشام والعراق، وعراق العجم، وبلاد الهند والسّند، والصين، وصين الصّين، وبلاد اليمن. وحج عام ستة وعشرين وسبعمائة. ولقي من الملوك والمشايخ عالما، وجاور بمكّة. واستقرّ عند ملك الهند، فحظي لديه، وولّاه القضاء، وأفاده مالا جسيما. وكانت رحلته على رسم الصّوفية زيّا وسجيّة، ثم قفل إلى بلاد المغرب، ودخل جزيرة الأندلس، فحكى بها أحوال المشرق، وما استفاد من أهله، فكذّب. وقال: لقيته بغرناطة، وبتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة، وحدّثنا في تلك الليلة، وفي اليوم قبلها عن البلاد المشرقيّة وغيرها، فأخبر أنّه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية العظمى، وهي على قدر مدينة مسقّفة كلها، وفيها اثنا «3» عشر ألف أسقف. قلت: وأحاديثه في الغرابة أبعد من هذا. وانتقل إلى العدوة، فدخل بلاد السّودان. ثم تعرّف أن ملك المغرب استدعاه، فلحق ببابه، وأمر بتدوين رحلته.
(3/206)

سائر الأسماء في حرف الميم الملوك والأمراء وما منهم إلّا طارىء علينا أو غريب
مزدلي بن تيولتكان بن حمنى بن محمد بن ترقوت بن وربابطن ابن منصور بن نصاله بن أمية بن واباتن الصّنهاجي اللّتموني
حاله: كان الأمير مزدلي عضد القائم بالدولة اللّمتونية يوسف بن تاشفين، وقريبه لالتقائهما في ترقوت، راش به وبرى، وجزّ وفرى، فهو شيخ الدولة اللّمتونية، وكبير العصابة الصّنهاجية، بطلا ثبتا، بهمة من البهم، بعيد الصّيت، عظيم الجلد، شهير الذّكر، أصيل الرّأي، مستحكم الحنكة. طال عمره، وحمدت مواقعه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدوّ وقائعه، وشكرت عن سلطانه نيابته.
من مناقبه: استرجاع مدينة بلنسية من أيدي الرّوم بسعيه، وردّه إلى ملكة الإسلام بحميد غنائه في منتصف رجب عام خمس وخمسمائة.
دخوله غرناطة: ولّي قرطبة وغرناطة وما إليهما من قبل يوسف بن تاشفين سنة خمس وخمسمائة.
قال ابن الصّيرفي: توفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شوال عام ثمانية وخمسمائة، غازيا على مقربة من حصن قسطانية، طرق به إلى قرطبة، فوصل يوم الأربعاء ثاني يوم وفاته، وصلّى عليه إثر صلاة العصر الفقيه القاضي بقرطبة أبو القاسم بن حمدين، ودفنه قرب أبيه، وبنيت عليه روضة حسنة. وكان، نضّر الله وجهه، البقيّة الصالحة على نهج أمير المسلمين يوسف.
موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الهنتاني
السيد أبو عمران.
حاله: بيته معروف. وكان أديبا شاعرا، جوادا، واختصّ بالعادل، فجلّ قدره في دولته، وأمله الناس بإشبيلية في حوائجهم لمحلّه منهم. ولمّا انصرف عنها العادل إلى طلب الخلافة، قدّمه عليها، فبلغ الغاية.
وفي شوال من عام اثنين وعشرين وستمائة، كانت على جيشه الوقيعة، أوقعها به السيد أبو محمد البيّاسي، وأخباره شهيرة.
وفاته: وتوفي تغريقا في البحر بعد أن ولّي بجاية، رحمه الله وعفا عنه.
(3/207)

شعره: قال: وكان أبو المطرّف بن عميرة، ينشد له، يخاطب الفقيه الأديب أبا الحسن بن حريق يستحثّه على نظم الشعر في عروض الخبب: [المتدارك]
خذ في الأشعار على الخبب ... فقصورك عنه من العجب
هذا وبنو الآداب قضوا ... بعلوّ مجدّك في الرّتب
فنظم له أبو الحسن القصيدة المشهورة، منها: [المتدارك أو الخبب]
أبعيد الشّيب هوى وصبا؟ ... كلّا لا لهوا ولا لعبا
ذرّت الستّون برادتها ... في مسك عذارك فاشتهبا
ومنها:
يا نفس أحيى أحيى تصلي أملا ... عيشي روحيا تروي عجبا
وخذي في شكر الكبرة ما ... لاح الإصباح وما ذهبا
فيها أحرزت معارف ما ... أبليت بجدّته الحقبا
والخمر إذا أعتقت وصفت ... أعلى ثمنا منها عنبا
وبقيّة عمر المرء له ... إن كان بها طبّا دربا
هبني فيها بإنابته ... ما هدّمه أيام صبا
دخل غرناطة، فوجب ذكره مع مثله.
منديل بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو الأمير أبو زيّان
حاله: كان فاضلا عاقلا جوادا، عيّنه أبوه أمير المسلمين أبو يوسف بن عبد الحقّ، للضّرب على أحواز مالقة عند الفتنة، فاضطرب المحلة تجاه سهيل «1» ، وضيّق على تلك الأحواز، وبرز إليه الجيش لنظر موسى بن رحّو من قرابته النّازعين عن إيالة المغرب من بني رحّو. وكان اللقاء، فوقعت به الدّبرة، وانهزم جيشه، وقبض عليه، وسيق إلى السلطان، فتلقّاه بالبرّ، ورعى ما لبيته الكبير من الحقّ، وأسكنه مجاورا لقصره بحمرائه «2» ، مرفّها عليه، محجوزا عن التصرّف، إلى أن كان
(3/208)

ما تلاحق بهذه الحال من وفاة أبيه السلطان أبي يوسف بالجزيرة الخضراء، وتصيّر الأمر إلى ولده السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف. وتجدّدت الألفة وتأكّدت المودّة، وارتفعت الإحنة، فكان ما هو معروف من التقائهما على تعبئة إجازة ملك المغرب أبي يعقوب البحر على ظاهر مربلّة «1» ، وصرف الأمير أبو زيان محبوّا بما يليق به.
حدّثني شيخنا أبو زكريا بن هذيل، رحمه الله، قال: نصب للسلطان أبي يعقوب خباء احتفل في اتخاذه له أمير سبتة، فبلغ الغاية التي تستطيعها الملوك، سموّ عماد، وامتداد ظلّ، وانفساح ساحة، إلى إحكام الصّنعة، والإعياء في الزّخرف. وقعد فيه السلطان ملك المغرب، وأجلس السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله بن الغالب بالله، عن يمينه، وأخاه الأمير أبا زيّان عن يساره، وقرأ عشاره المعروف بالوقّاد، آية الله في حسن الصّوت، وبعد مدى السّمع، وطيب النّغمة، قوله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89)
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91)
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
«2» . فكان مقاما مبهتا. كان السلطان، رحمه الله، يقول: لشدّ ما جنى عليّ عدوّ الله بقحته، والله لقد كان يشير بيده إلى السلطان وأخيه عند قوله: أنا يوسف وهذا أخي. ثم أجاز للعدوة، فطاح بها لعهد غير بعيد.
وكان الإيقاع بجيش الأمير أبي زيّان في أخريات ذي الحجة عام أربعة وثمانين وستمائة، فاتصل بذلك موت والد أمير المسلمين أبي يوسف بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين بعده، وكان لقاء السّلطانين بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين هذه، وكان اللّقاء، كما ذكر، في شهر ربيع الآخر من العام المذكور.
(3/209)

ومن الطارئين
المطرّف بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية «1»
حاله: كان المطرّف، ولد الخليفة «2» عبد الله أمير المسلمين بالأندلس، شجاعا مقداما، جريّا، صرفه والده الخليفة في الغزوات وقود العساكر، وهو الذي بنى حصن لوشة، ووقم كثيرا من الخوارج على والده.
دخوله غرناطة: قال ابن حيّان «3» : غزا المطرّف ببشتر «4» بسبب ابن حفصون، إذ كان صالح الأمير عبد الله، ودفع رهينة ابنه، فلما امتحن الطّفل وجد غير ابنه، فنهض إليه المطرّف، وكان القائد على العسكر قبله عبد الملك بن أمية، فنهض صحبته، ونازل المطرّف ابن حفصون، فهتك حوزته، وتقدّم إلى بنية كان ابتناها بموضع يعرف باللّويّات «5» ، فشرع في خرابها، وخرج ابن حفصون ومن معه من النّصرانية يدافع عنها، وعن كنيسة كانت بقربها، فغلب ابن حفصون، وهدمت الكنيسة، وقتل في هذه الحرب حفص بن المرّة، قائده ووجوه رجاله، وعند الفراغ من ذلك انصرف المطرّف، فدخل كورة إلبيرة، وبنا لوشة، وتقدّم منها إلى إلبيرة ودخلها، ثم طاف بتلك الجهات والحصون، ثم انصرف.
ذكر إيقاعه بعبد الملك بن أمية وسبب الإحنة بينه وبين أبيه.
قال «6» : وفي هذه الحركة أوقع بعبد الملك بن أمية؛ لما كان في نفسه لصرف والده عن عقد البيعة له وتمزيق العهد في خبر يطول. وكان والده قد أخذ عليه
(3/210)

الميثاق عند خروجه إلى شذونة «1» ألّا يعرض إليه بمكروه، وأقسم له بالأيمان، لئن نال منه شيئا ليعاقبنّه بمثله، فلمّا قتله، عقد الوثائق عليه، وأخذ الشّهادات فيها بالظّلم والشّؤم خوفا من أبيه، وكتب إليه يعتذر له، ويحكّمه في نفسه.
مقتل المطرّف: قال «2» : وظهرت عليه فعال قبيحة، من أذى جيرانه بما أكّد غائلة أبيه عليه، وأعان عليه معاوية بن هشام، لما ذكروا أنّ المطرّف كان قد خلا به، فذكروا أنه نزل يوما عنده بمنزله، وأخذوا في حديث الأبناء، وكان المطرّف عقيما، فدعا معاوية بصبيّ يكلف به، فجات وبرأسه ذؤابتان، فلمّا نظر إليه المطرّف حسده، وقال: يا معاوية، أتتشبّه بأبناء الخلفاء في بنيهم؟ وتناول السّيف فحزّ به الذّؤابة، وكان معاوية حيّة قريش دهاء ومكرا، فأظهر الاستحسان لصنعه وانبسط معه في الأنس، وهو مضطغن، فلمّا خرج كتب إلى الخليفة يسأله اتّصاله إليه، فلما أوصله كاشفه في أمر المطرّف بما أزعجه، وأقام على ذلك ليلا أحكم أمره عند الخليفة بلطف حيلته، فأصاب مقتله سهم سعايته. قال ابن الفيّاض: بعث الأمير عبد الله إلى دار ولده المطرّف عسكرا للقبض عليه، مع ابن مضر، فقوتل في داره حتى أخذ، وجيء به إليه، فتشاور الوزراء في قتله، فأشار عليه بعضهم أن لا يقتله، وقال بعضهم: إن لم تقتله قتلك، فأمر ابن مضر بصرفه إلى داره، وقتله فيها، وأن يدفنه تحت الرّيحانة التي كان يشرب الخمر تحتها، وهو ابن سبع وعشرين وسنة، وذلك في يوم الأحد ضحى لعشر خلون من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
منذر بن يحيى التّجيبي «3»
أمير الثّغر، المنتزي بعد الجماعة بقاعدة سرقسطة، يكنى أبا الحكم، ويلقّب بالحاجب المنصور، وذي الرّياستين.
حاله: قال أبو مروان «4» : وكان أبو الحكم رجلا من عرض الجند، وترقّى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى
(3/211)

الإمارة «1» . وكان أبوه من الفرسان غير النّبهاء. فأمّا ابنه منذر، فكان فارسا نقيّ الفروسة «2» ، خارجا عن مدى الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة السّاذجة. وكان على غدره، كريما، وهب قصّاده مالا عظيما، فوفدوا عليه، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، فحسنت أيامه، وهتف المدّاح بذكره.
وفيه يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي قصيدته المشهورة، حين صرف إليه وجهه، وقدم عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «3» : [الكامل]
بشراك من طول التّرحّل والسّرى ... صبح بروح السّفر لاح فأسفرا
من حاجب الشمس الذي حجب الدّجى ... فجرا بأنهار الذّرى «4» متفجّرا
نادى «5» بحيّ على الندى ثم اعتلى ... سبل «6» العفاة مهلّلا ومكبّرا
لبّيك أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخويا أو ممطرا
من كلّ طارق ليل همّ «7» ينتحي ... وجهي بوجه من لقائك أزهرا
سار ليعدل عن سمائك أنجمي ... وقد ازدهاها عن سناك محيّرا
فكأنما أعدته «8» أسباب النّوى ... قدرا لبعدي عن يديك مقدّرا «9»
أو غار من هممي فأنحى شأوها ... فلك البروج مغرّبا ومغوّرا
حتى علقت النّيّرين فأعلقا ... مثنى يدي ملك الملوك النّيّرا
فسريت في حرم الأهلّة مظلما ... ورفلت في خلع السّموم مهجّرا
وشعبت أفلاذ الفؤاد ولم أكد ... فحذوت من حذو الثّريّا منظرا
ستّ تسرّاها «10» الجلاء مغرّبا ... وحدا بها حادي النّجاء «11» مشمّرا
لا يستفيق الصّبح منها ما بدا ... فلقا ولا جدي الفراقد ما سرى
(3/212)

ظعن ألفن القفر في غول الدّجى ... وتركن مألوف المعاهد مقفرا
يطلبن لجّ البحر حيث تقاذفت ... أمواجه والبرّ حيث تنكّرا
هيم وما يبغين دونك موردا ... أبدا ولا عن بحر جودك مصدرا
من كلّ نضو الآل محبوك المنى ... يزجيه نحوك كلّ محبوك القرا «1»
بدن فدت منّا دماء نحورها ... ببغائها «2» في كلّ أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدّبور فأنبطت ... فلق المضاجع تحت جوّ أكدرا
وصبت إلى نحو «3» الصّبا فاستخلصت ... سكن الليالي والنّهار المبصرا
خوص نفخن بنا البرى حتى انثنت ... أشلاؤهن كمثل أنصاف البرا
ندرت لنا أن لا تلاقي راحة ... مما تلاقي أو تلاقي منذرا «4»
وتقاسمت أن لا تسيغ حياتها ... دون ابن يحيى «5» أو تموت فتعذرا
لله أيّ أهلّة بلغت بنا ... يمناك يا بدر السماء المقمرا
بل أيّ غصن في ذراك هصرته ... فجرى «6» فأورق في يديك وأثمرا
فلئن صفا ماء الحياة لديك لي ... فبما شرقت إليك بالماء الصّرى «7»
ولئن خلعت عليّ بردا أخضرا ... فلقد لبست إليك عيشا أغبرا
ولئن مددت عليّ ظلّا باردا ... فلكم صليت إليك جوّا «8» مسعرا
وكفى لمن «9» جعل الحياة بضاعة ... ورأى رضاك بها رخيصا فاشترى
فمن المبلّغ عن غريب نازح ... قلبا يكاد عليّ أن يتفطّرا
لهفان لا يرتدّ طرف جفونه «10» ... إلّا تذكّر عبرتي فاستعبرا
أبنيّ، لا تذهب بنفسك حسرة ... عن غول رحلي منجدا أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجيا ... فلقد لقيت الصّبح بعدك أزهرا
ولقد وردت مياه مأرب حفّلا ... وأسمت خيلي وسط جنّة عبقرا
ونظمت للغيد الحسان قلائدا ... من تاج كسرى ذي البهاء وقيصرا
(3/213)

وحللت أرضا بدّلت حصباؤها ... ذهبا يرفّ «1» لناظريّ وجوهرا
وليعلم «2» الأملاك أنّي بعدهم ... ألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا «3»
ورمى عليّ رداءه من دونهم ... ملك تخيّر للعلا فتخيّرا
ضربوا قداحهم عليّ ففاز بي ... من كان بالقدح المعلّى أجدرا
من فكّ طرفي من تكاليف الفلا ... وأجار طرفي من تباريح السّرى
وكفى عتابي من ألام معذّرا ... وتذمّمي ممّن تجمّل «4» معذرا
ومسائل عنّي الرفاق وودّه ... لو تنبذ الساحات «5» رحلي بالعرا
وبقيت في لجج الأسى متضلّلا ... وعدلت عن سبل الهدى متحيّرا
كلّا وقد آنست من هود هدى ... ولقيت يعرب في القيول وحميرا
وأصبت في سبإ مورّث ملكه ... يسبي الملوك ولا يدبّ لها الضّرا
فكأنما تابعت تبّع رافعا ... أعلامه ملكا يدين له الورى
والحارث الجفنيّ ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجة ... تكسو «6» غلائلها الجياد الضّمّرا
وعقدت في يمن مواثق ذمّة ... مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت بحدل «7» وهو يرفع منبرا ... للدّين والدّنيا ويخفض منبرا
وحططت «8» بين جفانها وجفونها ... حرما أبت حرماته أن تخفرا
تلك البحور «9» تتابعت وخلفتها ... سعيا فكنت الجوهر المتخيّرا
ولقد نموك ولادة وسيادة ... وكسوك عزّا وابتنوا لك مفخرا
(3/214)

فممرت بالآمال «1» أكرم أكرم ... ملكا ورثت علاه أكبر أكبرا
وشمائل عبقت بها سبل الهدى ... وذرت على الآفاق مسكا أذفرا
أهدى إلى شغف القلوب من الهوى ... وألذّ في الأجفان من طعم الكرى
ومشاهد لك لم تكن أيّامها ... ظنّا يريب ولا حديثا يفترى
لاقيت فيها الموت أسود أدهما ... فذعرته بالسّيف أبيض أحمرا
ولو اجتلى في زيّ قرنك معلما ... لتركته تحت العجاج معفّرا
يا من تكبّر بالتّكرّم «2» قدره ... حتى تكرّم أن يرى متكبّرا
والمنذر الأعداء بالبشرى لنا ... صدقت صفاتك منذرا ومبشّرا
ما صوّر الإيمان في قلب امرئ ... حتى يراك الله فيه مصوّرا
فارفع لها علم الهدى فلمثلها ... رفعتك أعلام السيادة في الذّرى
وانصر نصرت من السماء فإنما ... ناسبت أنصار النبيّ لتنصرا
واسلم ولا وجدوا لجوّك منفسا ... في النائبات ولا لبحرك معبرا
سيرته: قال «3» : وساس لأول ولايته عظيم الفرنحة «4» ، فحفظت أطرافه، وبلغ من استمالته طوائف النّصرانية، أن جرى على يديه بحضرته عقد مصاهرة بعضهم «5» ، فقرفته الألسنة لسعيه في نظام سلك النصارى. وعمر به الثّغر إلى أن ألوت به المنيّة.
وقد اعترف له الناس بالرّأي والسّياسة.
كتّابه: واستكتب عدّة كتّاب كابن مدوّر، وابن أزرق، وابن واجب، وغيرهم.
وصوله إلى غرناطة: وصل غرناطة صحبة الأمير المرتضى الآتي ذكره، وكان ممن انهزم بانهزامه. وذكروا أنه مرّ بسليمان بن هود، وهو مثبت للإفرنج الذين كانوا في المحلّة لا يريم موقفه «6» ، فصاح به النّجاة: يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك، فقال له سليمان: جئت والله بها صلعا، وفضحت أهل الأندلس، ثم انقلع وراءه.
(3/215)

وفاته: وكانت «1» على يدي رجل من أبناء عمّه يدعى عبد الله بن حكم، كان مقدّما في قوّاده، أضمر غدره، فدخل عليه، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلّا نفر من خواصّ خدمه الصّقلب، قد أكبّ على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكّين أجهز به عليه.
وأجفل الخدم إلّا شهم منهم أكبّ عليه فمات معه. وملك سرقسطة، وتمسّك بها أياما، ثم فرّ عنها، وملكها ابن هود. وكان الإيقاع به غرة ذي حجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمة الله عليه.
موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيّان «2»
الأمير بتلمسان، يكنى أبا حمّو.
أوليته: أوّليته معروفة تنظر فيما سلف من الأسماء.
حاله: هذا السلطان مجمع على حزمه، وضمّه لأطراف ملكه، واضطلاعه بأعباء ملك وطنه، وصبره لدولة قومه، وطلوعه بسعادة قبيله. عاقل، حازم، حصيف، ثابت الجأش، وقور مهيب، جمّاعة للمال، مباشر للأمور، هاجر للّذات، يقظ، متشمّر. قام بالأمر غرّة ربيع الأول في عام ستين «3» ، مرتاش الجناح بالأحلاف من عرب القبلة، معوّلا عليهم عند قصد عدوّه، وحلب ضرع الجباية، فأثرى بيت ماله، ونبهت دولته، واتّقته جيرته، فهو اليوم ممن يشار إليه بالسّداد.
أدبه وشعره: ووجّه لهذا العهد في جملة هدايا ودّية، ومقاصد سنيّة، نسخة من كتابه المسمى ب «واسطة السّلوك، في سياسة الملوك» «4» ، افتتحه بقوله:
«الحمد لله الذي جعل نعمته على الخلق، بما ألّفهم عليه من الحقّ، شاملة شائعة، ويسّر طوائف من عباده لليسرى فأتت إليها مساعدة مسارعة، وحضّهم على الأخذ بالحسنى ولا أحسن من نفوس أرشدت فأقبلت لإرثها طالبة ولربّها طائعة، ولا أسمى من همم نظرت بحسن السّياسة في تدبير الرّياسة التي هي لأشتات الملك
(3/216)

جامعة، ولأسباب الملك مانعة، وأظهرت من معادنها درر الحكم وغرر الكلم لائحة لامعة، فاجتلت أقمارها طالعة، واجتنت أزهارها يانعة. وصلى الله على سيدنا محمد الكريم المبعوث بالآيات البيّنات ساطية ساطعة، والمعجزات المعجمات قاصمة لظهور الجاحدين قاطعة، الذي زويت له الأرض فتدانت أفكارها وهي نابية شاسعة، واشتاقت له المياه فبرزت بين أصابعه يانعة، وامتثل السّحاب أمره فسحّ باستسقائه دررا هامية هامعة، وحنّ الجذع له وكان حنينه لهذه الآيات الثّلاث آية رابعة، إلى ما لا يحصى مما أتت به متواترات الأخبار وصيحات الآثار ناصرة لنبوّته ساطعة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته التي أجابت داعي الله خاشية خاشعة، وأذعنت لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من الاستبداد خالية وللأنداد خالعة، صلاة ديمتها دائمة متتابعة، وسلّم كثيرا» .
جمع فيه الكثير من أخبار الملوك وسيرهم، وخصّ به ولده ووليّ عهده، فجاء مجموعا يستظرف من مثله، ويدلّ على مكانه من الأدب ومحلّه.
وثبت فيه الكثير من شعره، فمن ذلك قصيدة أجاب فيها أحد رؤوس القبائل، وقد طلب منه الرجوع إلى طاعته، والانتظام في سلك جماعته، وهي:
[الطويل]
تذكّرت أطلال الرّبوع الطّواسم ... وما قد مضى من عهدها المتقادم
وقفت بها من بعد بعد أنيسها «1» ... بصبر مناف أو بشوق ملازم
تهيم بمغناهم وتندب ربعهم ... وأيّ فؤاد بعدهم غير هائم؟
تحنّ إلى سلمى ومن سكن الحمى ... وما حبّ سلمى للفتى بمسالم
فلا تندب الأطلال واسل عن الهوى ... ولا تقل في تذكار تلك المعالم
فإن الهوى لا يستفزّ ذوي النّهى ... ولا يستبي إلّا الضّعيف العزائم
صبور على البلوى طهور من الهوى ... قريب من التّقوى بعيد المآثم
ومن يبغ درك المعلوات ونيلها ... يساق بخلق الشّهد مرّ العلاقم
ولائمة لمّا ركبنا إلى العلا ... بحار الردى في لجّها المتلاحم
تقول بإشفاق: أتنسى هوى الدّما ... وتنثر درّا «2» من دموع سواجم؟
إليك فإنّا لا يردّ اعتزامنا ... مقالة باك أو ملامة لائم
ألم تدر أنّ اللوم لوم وأننا ... لنجتنب اللّوم اجتناب المحارم؟
(3/217)

فما بسوى العلياء «1» همنا جلالة ... إذا هام قوم بالحسان النّواعم
بروق السّيوف المشرفيّات والقنا ... أحبّ إلينا من بروق المباسم
وأمّا صميل السّابحات لذي الوغى ... فأشجى لدينا من غناء «2» الحمائم
وأحسن من قدّ الفتاة وخدّها ... قدود العوالي أو خدود الصوارم
إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعد ... إلى غمدها إلّا بجرّ الغلاصم «3»
نواصل بين الهندواني الطّلاء «4» ... بتفريق ما بين الطّلى والجماجم
فيرغب منّا السّلم كلّ محارب ... ويرهب منّا الحرب كلّ مسالم
نقود إلى الهيجاء كلّ مضمّر ... ونقدم إقدام الأسود الضّراغم
وما كلّ من قاد الجيوش إلى العدا ... يعود إلى أوطانه بالغنائم
وننصر مظلوما ونمنع ظالما ... إذا شيك مظلوم بشوكة ظالم
ويأوي إلينا المستجير ويلتجي ... ويحميه منّا كلّ ليت ضبارم «5»
ألم تر إذ جاء السّبيعيّ قاصدا ... إلى بابنا يبغي التماس المكارم؟
وذلك لمّا أن جفاه صحابه ... وكلّ خليل ودّه غير دائم
وأزمع إرسالا إلينا رسالة ... بإخلاص ودّ واجب غير واجم
وكان رأى أنّ المهامه بيننا ... فخلّى لذات الخفّ ذات المناسم
وقال ألا سل من عليم مجرّب ... أبثّ له ما تحت طيّ الحيازم
فيبلغ عنه الآن خير رسالة ... تؤدّي إلى خير الملوك الأعاظم
على ناقة وجناء كالحرف ضامر ... تخيّرها بين القلاص الرّواسم
من اللائي يظلمن الظليم إذا عدى ... ويشبهه في جيده والقوائم
إذا أتلعت فوق السّحاب جوابها ... تخيّلتها بعض «6» السحاب الرّواكم
وإن هملجت بالسّير في وسط مهمه ... نزلت كمثل البرق لاح لشائم
ولم يأمن الخلّان بعد اختلالهم ... فأمسى وفي أكبادها أيّ جاحم
(3/218)

فقالوا فحمّلها الحمائم قال لا ... لبعد المدى أو خوف صيد الحمائم
وما القصد إلّا في الوصول بسرعة ... فقالوا: فحمّلها أكفّ النواسم
فقال: لنعم المرسلات وإنّما ... لها ألسن مشهورة بالنّمائم
فلم يلف فيها للأمانة موضعا ... وكلّ امرئ للسّرّ ليس بكاتم
فحينئذ وافى إلينا بنفسه ... فكان لدينا خير واف وقادم
يجوب إلى «1» البيداء قصدا وبشرنا ... يضيء له الظّلماء في كلّ عاتم
طلاب العلا تسري مع الوحش في الفلا ... ويصحب منها كلّ باغ وباغم
على سلهب «2» ذي صورتين مطعّم «3» ... من المغربات الصّافنات الصّلادم «4»
إذا شاء أيّ الوحش أدركه به ... فتحسبه في البيد بعض النّعائم
ويقدمه طوعا إلينا رجاؤه ... حمايتنا إيّاه من كلّ ظالم
ألا أيها الآتي لظلّ حناننا ... نزلت برحب في عراص المكارم
وقوبلت منّا بالذي أنت أهله ... وفاض عليك الجود فيض الغمائم
كذا دأبنا للقادمين محلّنا ... حمى وندى ينسى به جود حاتم
وهذا جواب عن نظامك إنّنا ... بعثنا به كاللؤلؤ المتناظم
ونحن ذوو التيجان من آل حمير ... لعمرك من التّيجان غير العمائم
بهمّتنا العليا سمونا إلى العلا ... وكم دون إدراك العلا من ملاحم
شددنا لها أزرا وشدنا بناءها ... وكم مكثت دهرا بغير دعائم
نظمنا شتيت المجد بعد افتراقه ... وكم بات نهبا شمله دون ناظم
ورضنا جياد الملك بعد جماحها ... فذلّت وقد كانت صعاب الشّكائم
مناقب زيّانيّة «5» موسويّة ... يذلّ لها عزّ الملوك القماقم
يقصّر عن إدراكها كلّ مبتغ ... ويعجز عن إحصائها كلّ ناظم
فلله منّا الحمد والشّكر دائما ... وصلّى «6» على المختار من آل هاشم
ونختصّكم منّا السّلام الأثير ما ... تضاحك روض عن بكاء الغمائم
(3/219)

قلت: ولمّا تعرّفت كلفه بالأدب والإلمام بمجاورته، عزمت على لقائه، وتشوّقت عند العزم على الرّحلة الحجازية، إلى زيارته، ولذلك كنت أخاطبه بكلمة منها: [الطويل]
على قدر قد جئت قومك يا موسى ... فجلّت بك النّعمى وزالت بك البوسى
فحالت دون ذلك الأحوال، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، وفّقه الله، وسائر من تولّى أمرا من أمور المسلمين.
وجرى ذكره في رجز الدول «1» من نظمي: [الرجز]
بادرها المفدي الهمام موسى ... فأذهب الرحمن عنها البوسى
جدّد فيها الملك لمّا أخلقا ... وبعث السّعد وقد كان لقا
ورتّب الرّتب والرّسوما ... وأطلع الشّموس والنّجوما
واحتجن المال بها والعدّه ... وهو بها باق لهذي المدّة
ولادته: ولد بمدينة غرناطة حسبما وقعت عليه بخط الثّقة من ناسه، في أول عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة «2» .
مبارك ومظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر «3»
حالهما: قال أبو مروان «4» : ترقّيا إلى تملّك بلنسية من وكالة السّاقية، وظهر من سياستهما وتعاوضهما «5» صحّة الألفة طول حياتهما، ما فاتا به في معناهما «6» أشقّاء الأخوّة وعشّاق الأحبّة، إذ نزلا معا بقصر الإمارة مختلطين، تجمعهما مائدة واحدة من غير تميّز في شيء، إلّا الحرم خاصّة. وكان التّقدّم لمبارك في المخاطبة، وحفظ رسوم الإمارة، أفضل صرامة وذكرا، قصر عنهما مظفّر، لدماثة خلقه، وانحطاطه
(3/220)

لصاحبه في سائر أمره، على نحلته»
بكتابة ساذجة وفروسة «2» ، فبلغا الغاية من اقتناء الأسلحة والآلات الملوكية، والخيل المغربات، ونفيس الحلي والحلل، وإشادة البناء للقصور. واشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما، ومن تعلّق بهما من وزرائهما وكتّابهما، ولم يعرض لهما عارض إنفاق «3» بتلك الآفاق، فانغمسا في النّعيم إلى قمم رؤوسهما حتى انقضى أمرهما.
قال «4» : وكان موت مبارك أنه ركب يوما من قصر بلنسية، وقد تعرّض أهلها مستغيثين من مال افترضه عليهم، فقال لهم: إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخّر عقوبتي يومي هذا. وركب إثر ذلك، فلما أتى القنطرة، وكانت من خشب، خرجت رجل فرسه من حدّها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة ناتئة «5» شرخت وجهه، وسقط الفرس عليه، ففاضت نفسه، وكفاهم الله أمره يومئذ.
وفي مبارك ومظفّر يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي، رحمه الله «6» : [الطويل]
أنورك أم أوقدت بالليل نارك ... لباغ قراك أو لباغ جوارك؟
وريّاك أم عرف المجامر أشعلت ... بعود الكباء والألوّة «7» نارك؟
ومبسمك الوضّاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي أن يجود ديارك؟
وخلخالك استنضيت أم قمر بدا؟ ... وشمس تبدّت أم ألحت سوارك؟
(3/221)

وطرّة صبح أم جبينك سافرا ... أعرت الصباح نوره أم أعارك؟
وأنت هجرت «1» الليل إذ هزم الضّحى ... كتائبه والصّبح لمّا استجارك
فللصّبح فيما بين قرطيك مطلع ... وقد سكن الليل البهيم خمارك
فيا لنهار لا يغيض «2» ظلامه ... ويا لظلام لا يغيض «3» نهارك
ونجم الثّريّا أم لآل تقسّمت ... يمينك إذ ضمّختها أم يسارك؟
لسلطان «4» حسن في بديع محاسن ... يصيد القلوب النّافرات نفارك
وجند غرام في دروع «5» صبابة ... تقلّدن أقدار الهوى واقتدارك
هو الملك لا بلقيس أدرك شأوها ... مداك ولا الزّبّاء شقّت غبارك
وقادحة «6» الجوزاء راعيت موهنا ... بحرّ هواك أم ترسّمت «7» دارك؟
وطيفك أسرى فاستثار تشوّقي ... إلى العهد أم شوقي إليك استثارك؟
وموقد «8» أنفاسي إليك استطارني ... أم الرّوح لمّا ردّ فيّ استطارك؟
فكم جزت من بحر إليّ ومهمه ... يكاد ينسّي المستهام ادّكارك
(3/222)

أذو «1» الحظّ من علم الكتاب حداك «2» لي؟ ... أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك «3» ؟
وكيف كتمت الليل وجهك مظلما ... أشعرك أعشيت «4» السّنا أم شعارك؟
وكيف اعتسفت «5» البيد لا في ظعائن ... ولا شجر الخطّيّ حفّ شجارك «6» ؟
ولا أذّن الحيّ الجميع برحلة ... أراح لها راعي المخاض عشارك «7»
ولا أرزمت «8» خوص المهاري مجيبة ... صهيل جياد يكتنفن قطارك «9»
ولا أذكت الرّكبان عنك عيونها «10» ... حذار عيون لا ينمن حذارك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق ... وما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟
وكم دون رحلي من بروج «11» مشيدة ... تحرّم من قرب المزار مزارك
وقد زأرت حولي أسود تهامست ... لها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك
وأرضي سيول من خيول مظفّر ... وليلي «12» نجوم من سماء «13» مبارك
(3/223)

بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى ... هلمّي إلى عينين «1» جادا سرارك «2»
هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدى ... عبابيهما لا يسأمان انتظارك
هلمّي إلى سيفين والحدّ واحد ... يجيران من صرف الحوادث جارك
هلمّي إلى طرفي رهان تقدّما ... إلى الأمد الجالي عليك اختيارك
هلمّي إلى قطبي نجوم كتائب ... تنادي نجوم التّعس غوري مغارك «3»
وحيّي على دوحين جاد «4» نداهما ... ظلالك واستدنى إليك»
ثمارك
وبشراك قد فازت قداحك بالعلا «6» ... وأعطيت من هذا الأنام خيارك
شريكان في صدق المنى وكلاهما ... إذا قارن «7» الأقران غير مشارك
هما سمعا دعواك يا دعوة الهدى ... وقد أوثق الدهر الخؤون إسارك
وسلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّى «8» ... بثأرك حتى أدركا لك ثارك
ويهنيك يا دار الخلافة منهما ... هلالان لاحا يرفعان منارك
كلا القمرين بين عينيه غرّة ... أنارت «9» كسوفيك وجلّت سرارك
(3/224)

فقاد إليك الخيل شعثا شوازيا ... يلبّين بالنّصر العزيز انتصارك
سوابق هيجاء كأنّ صهيلها ... يجاوب تحت الخافقات شعارك
بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدى ... وكل حميّ الأنف أحمى ذمارك
تحلّوا من المنصور نصرا وعزّة ... فأبلوك في يوم البلاء اختيارك
إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامر ... فعمرك يا هام العدى لا عمارك!
يقودهم منهم سراجا كتائب ... يقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك
إذا افترّت الرايات عن غرّتيهما ... فيا للعدى أضللت منهم فرارك
وإن أشرق النّادي بنور سناهما ... فبشرى الأماني: عينك «1» لا ضمارك «2»
وكم كشفا «3» من كربة بعد كربة ... تقول لها النيران: كفّي أوارك
وكم لبّيا من دعوة وتداركا ... شفى رمق ما كان بالمتدارك
ويا نفس غاو، كم أقرّا نفارك ... ويا رجل هاو، كم أقالا عثارك
ولست ببدع حين قلت لهمّتي ... أقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك
(3/225)

فلله صدق العزم أيّة «1» غرّة ... إذا لم تطيعي في «لعلّ» اغترارك
فإن غالت البيد اصطبارك والسّرى ... فما غال ضيم الكاشحين اصطبارك
ويا خلّة التّسويف، قومي فأغدفي «2» ... قناعك من دوني وشدّي إزارك
وحسبك بي يا خلّة النّاي خاطري ... بنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك
فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوى ... وقولك للأيّام: جوري مجارك «3»
ويا ستر البيض النّواعم، أعلني «4» ... إلى اليغملات والرّحال بدارك «5»
نواجي واستودعتهنّ نواجيا ... حفاظك يا هذي بذي وازدهارك «6»
ودونك أفلاذ الفؤاد فشمّري ... ودونك يا عين اللّبيب اعتبارك
صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرى ... وقلت: أديري والنجوم عقارك
فإن وجبت للمغربين جنوبها «7» ... فداوي برقراق السّراب خمارك
فأوري «8» بزندي سدفة ودجنّة ... إذا كانتا لي مرخك وعفارك «9»
(3/226)

وإن خلع الليل الأصائل فاخلعي ... إلى الملكين الأكرمين عذارك
بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبي ... كنوزك في أقطارها «1» وادّخارك
سينبيك زجري عن بلاء نسيته ... إذا أصبحت تلك القصور قصارك
وأظفر سعي بالرّضا من مظفّر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك «2»
قصيّ «3» المنى قد شام بارقة الحيا ... وأنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك «4»
وحمدا يميني قد تملّأت بالمنى ... وشكرا يساري قد حويت يسارك
وقل لسماء المزن: إن شئت أقلعي ... ويا أرضها «5» إن شئت غيضي بحارك
ولا توحشي يا دولة العزّ والمنى «6» ... مساءك من نوريهما وابتكارك
وصولهما إلى غرناطة: وصلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، وكان من انهزام الجميع بظاهرها، وإيقاع الصناهجة «7» بهم ما هو معلوم حسبما مرّ ويأتي بحول الله.
(3/227)

ومن ترجمة الأعيان والوزراء بل ومن ترجمة الطارئين والغرباء منها
منصور بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا علي.
أوليّته: معروفة، قد مرّت عند ذكر إخوته وقومه.
حاله: كان، رحمه الله، فتى القوم، لسنا، مفوّها، مدركا، متعاطيا للأدب والتاريخ، مخالطا للنّبلاء، متسوّرا خلق العلماء، غزلا، كلفا بالدّعابة، طرفة من طرف أهل بيته، قويّ الشّكيمة، جوادا بما في وسعه، متناهيا في البدانة. دخل غرناطة في الجملة من إخوانه وبني عمّه، مغرّبين عن مقرّ الملوك بالمغرب، وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. وركب البحر في الخامس والعشرين منه، عندما لحق أخوه عبد الحكيم بالمغرب. وبايعه الناس، ولاحت له بارقة لم تكد تقد حتى خبت، فبادر إلى مظاهرته في جفن غزوي «1» من أسطول الأندلس، وصحبه قوم ممن يخطب الخطط، ويبتدر رمق الدول، وهال عليهم البحر، فطرح الجفن بأحواز غسّاسة، وقد عادتها ملكة عدوّهم، فتقبّض عليه، وأدخل مدينة فاس في الثاني لربيع الآخر من العام، مشهور المركب على الظّهر، يضرب بين يديه طبل للشّهرة، وناقور المثلة، وأجلس بين يدي السلطان، فأبلى بما راق الحاضرين من بيانه من العذر للخروج بالاستمالة حتى لرجي خلاصه، واستقرّ مثقّفا تتعلّق به الأراجيف، ويحوم حول مطرحة الاختبار إلى حين وفاته.
شعره: أنشدني الفقيه الأديب أبو بكر بن أبي القاسم بن قطبة من شعره، وكان صاحبه في الرّحلة، ومزامله في أسطول المنحسة، وذلك قوله: [مخلع البسيط]
سوف ننال المنى ونرقى ... مراقي العزّ والمعالي
إذا حططنا بأرض فاس ... وحكّمت في العدى العوالي
فأنت عندي بها حقيق ... يا حائز الفضل والكمال
(3/228)

وفاته: في وسط جمادى الأولى من العام «1» ، دخل عليه في بيت معتقله فقتل، ودفن ببعض مدافنهم، رحمة الله عليه.
مقاتل بن عطية البرزالي
يكنى أبا حرب، وقال فيه أبو القاسم الغافقي: من أهل غرناطة، ويلقّب بذي الوزارتين، ويعرف بالرّيّه «2» لحمرة كانت في وجهه.
حاله: كان من الفرسان الشجعان، لا يصطلى بناره، وكان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال. وولّاه الأمير عبد الله بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة «3» ، والتقى به ابن عباد وأخذ بمخنّقها، وكان عبد الله يحذره. وعندما تحقّق حركة اللّمتونيين «4» إليه، صرفه عن جهته، فقلّ لذلك ناصره، وأسرع ذهاب أمره.
شجاعته: قال: وحضر مقاتل مع عبد الله بن بلقين، أمير غرناطة، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فأبلى فيها بلاء عظيما، وجرح وجهه، ومزّق درعه بالطّعن والضّرب. وذكر من حضرها ونجا منها، قال: كنت قد سقط الرمح من يدي ولم أشعر، وحملت التّرس ولم أعلم به، وحملني الله إلى طريق منجاة فركبتها، مرّة أقع ومرّة أقوم، فأدركت فارسا على فرس أدهم ورمحه على عاتقه، ودرقته على فخذه، ودرعه مهتّكة بالطّعن، وبه جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره، وهو مع ذلك ينهض على رسله، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا، فتذكرت التّرس، فأخرجت حمالته عن عاتقي، وألقيته عني، فوجدت خفّة، وعدت إلى العدوّ، فصاح ذلك الفارس: خذ التّرس، قلت: لا حاجة لي به، فقال: خذه، فتركته وولّيت مسرعا، فهمز فرسه ووضع سنان رمحه بين كتفيّ، وقال: خذ الترس، وإلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك، فرأيت الموت الذي فررت منه، ورجعت إلى التّرس فأخذته، وأنا أدعو عليه، وأسرعت عدوا، فقال لي: «على ما كنت فليكن عدوّك» ، فاستعذت
(3/229)

وقلت: ما بعثه الله إلّا لهلاكي، وإذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم وأقتل، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه وبين أقربهم منه، عطف عليه كالعقاب، وطعنه ففطره، وتخلّص الرمح منه، ثم حمل على آخر فطعنه، ومال على الثالث فانهزم منه، فرجع إليّ، وقد بهتّ من فعله، ورشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه، وقال لي: يا فاعل، يا صانع، أتلقي الرّمح ومعك مقاتل الرّيّه؟
انتهى اختصار السفر الثامن والحمد لله رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده ومن ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة*** ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة
مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي
من إلبيرة.
حاله: كان شيخا مضعوفا يغلب عليه البله، من أهل التّعيّن والحسب والأصالة، عريقا في القضاء، قاض ابن قاض ابن قاض. ولّي قضاء إلبيرة للأمير محمد.
من حكاياته: رفعت إليه امرأة كتاب صداقها، فقال: الصّداق مفسوخ، وأنتما على حرام، فافترقا، فرّق الله بينكما. ثم رمى بالصّداق إلى من حوله، وقال: عجبا لمن يدّعي فقها ولا يعلمه، أو يزعم أنه يوثّق ولا يتقنه، مثل أبي فلان وهو في المجلس يكتب هذا الصّداق، وهو مفسوخ، ما أحقّه أن يغرّم ما فيه. فدار الصّداق على يدي كل من حضر، وكل يقول: ما أرى موضع فسخ، فقال: أنتم أجهل من كاتبه، لكني أعذركم؛ لأن كل واحد منكم يستر على صاحبه خطأه، انظروا وأمنحكم اليوم، فنظروا فلم يجدوا شيئا يوجب فسخا. فدنا منه محمد بن فطيس الفقيه، فقال: أصلح الله القاضي، إن الله منحك من العلم والفهم ما نحن مقرّون بالعجز عنه، فأفدنا هذه الفائدة، فقال: ادن، فدنا منه، فقال: أو ليس في الصداق:
«ولا يمنعها زيارة ذوي محارمها، ولا يمنعهم زيارتها بالمعروف» ؟ ولولا معرفتي بمحبّتك ما أعلمتك. فشكره الشيخ، وأخذ بطرف لحيته يجرّه إليه حتى قبّلها، وكان عظيم اللحية طويلها، شيمة أهل هذه الطّبقة. قال ابن فطيس: أنا المخصوص بالفائدة، ولا أعرّف بها إلّا من تأذن بتعريفه إياها، فتبسّم القاضي معجبا بما رأى،
(3/230)

وشفعوا إليه أن لا يفسخ الصّداق، وقيل للزوجين: لا تطلبا به عنده شيئا. وولّي قضاء جيّان.
ومن الطارئين والغرباء
المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي
من أهل ألمريّة، يكنى أبا القاسم.
حاله: كان من أدهى الناس وأفصحهم، ومن أهل التّعيّن والعناية التامة، واستقضي بألمريّة.
مشيخته: سمع من أبي محمد الأصبهاني، ورحل وروى عن أبي ذرّ الهروي.
تواليفه: ألّف كتابا في «شرح البخاري» ، أخذه الناس عنه.
وفاته: توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وقيل سنة ... «1» .
ومن ترجمة الكتاب والشعراء وهم الأصليّون
مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن الفرج ابن أزرق بن سعد بن سالم بن الفرج «2»
المنزل بوادي الحجارة بمدينة الفرج المنسوبة إليه الآن.
قال ابن عبد الملك: كذا كتب لي بخطّه بسبتة، وهو مصمودي ثم شصّادي مولى بني مخزوم، مالقي، سكن سبتة طويلا ثم مدينة فاس، ثم عاد إلى سبتة مرة أخرى، وبآخرة فاس، يكنى أبا الحكم وأبا المجد، والأولى أشهر، ويعرف بابن المرحّل، وصف جرى على جدّه علي بن عبد الرحمن لمّا رحل من شنتمريّة «3» ، حين إسلامها للروم عام خمسة وستين وخمسمائة.
(3/231)

حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: شاعر رقيق مطبوع، متقدّم، سريع البديهة، رشيق الأغراض، ذاكر للأدب واللغة. تحرّف مدّة بصناعة التّوثيق ببلده، وولّي القضاء مرات بجهات غرناطة وغيرها. وكان حسن الكتابة إذا كتب، والشّعر أغلب عليه. وذكره ابن خلاد، وابن عبد الملك، فأما ابن عبد الملك، فلم يستوف له ما استوفى لغيره، وأما ابن خلّاد، فقصر به، إذ قال: كانت نشأته بمالقة بلده، وقرارة مولده في ناسها ووسط أجناسها، لم يتميّز بحسب، ولم يتقدّم في ميدان نسب، وإنما أنهضه أدبه وشعره، وعوّضه بالظّهور من الخمول نظمه ونثره، فطلع في جبين زمانه غرّة منيرة، ونصع في سلك فصحاء أوانه درّة خطيرة، وحاز من جيله رتبة التقديم، وامتاز في رعيله بإدراك كلّ معنى وسيم. والإنصاف فيه ما ثبت لي في بعض التقييدات، وهو الشيخ المسنّ المعمّر الفقيه، شاعر المغرب، وأديب صقعه، وحامل الرّاية، المعلّم بالشّهرة، المثل في الإكثار، الجامع بين سهولة اللفظ، وسلاسة المعنى، وإفادة التّوليد، وإحكام الاختراع، وانقياد القريحة، واسترسال الطّبع، والنّفاذ في الأغراض. استعان على ذلك بالعلم، بالمقاصد اللّسانية لغة وبيانا وعربيّة وعروضا، وحفظا واضطلاعا، إلى نفوذ الذّهن، وشدّة الإدراك، وقوّة العارضة، والتّبريز في ميدان اللّوذعية، والقحة والمجانة، المؤيّد ذلك بخفّة الرّوح، وذكاء الطّبع، وحرارة النّادرة، وحلاوة الدّعابة، يقوم على الأغربة والأخبار، ويشارك في الفقه، ويتقدّم في حفظ اللغة، ويقوم على الفرائض. وتولّى القضاء.
وكتب عن الأمراء، وخدم واسترفد، وكان مقصودا من رواة العلم والشّعر، وطلّاب الملح، وملتمسي الفوائد، لسعة الذّرع وانفساح المعرفة، وعلوّ السّن، وطيب المجالسة، مهيبا مخطوب السّلامة، مرهوبا على الأعراض، في شدقه شفرته وناره، فلا يتعرّض إليه أحد بنقد، أو أشار إلى قناته بغمز، إلّا وناط به آبدة، تركته في المثلات، ولذلك بخس وزنه، واقتحم حماه، وساءت بمحاسنه القالة، رحمه الله وتجاوز عنه.
مشيخته: تلا بالسّبع على أبي جعفر بن علي الفخّار «1» ، وأخذ عنه بمالقة وعن غيره. وصحب وجالس من أهلها أبا بكر عبد الرحمن بن علي بن دحمان، وأبا عبد الله الإستجي، وابن عسكر، وأبا عمرو بن سالم، وأبا النعيم رضوان بن خالد «2» ، وانتفع بهم في الطريقة، وبفاس أبا زيد اليرناسني الفقيه. ولقي بإشبيلية أبا
(3/232)

الحسن بن الدّباغ، وأبا علي الشّلوبين، وأبا القاسم بن بقي، وأجازوا له. وروى عنه أبو جعفر بن الزبير، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وجماعة.
دخوله غرناطة: قال ابن الزبير «1» : تكرّر قدومه علينا بغرناطة، وآخر انفصالاته عنها آخر سنة أربع وسبعين وستمائة. وقال لي حفيده أبو الحسين التّلمساني من شيوخنا: أنشد السلطان الغالب بالله، بمجلسه للنّاس من المقصورة بإزاء الحمراء، قبل بناء الحمراء. وقال غيره: أقام بغرناطة، وعقد بها الشروط مدة. وقال لي شيخنا أبو الحسن الجيّاب: ولي القضاء بجهات من البشارات «2» ، وشكى للسّلطان بضعف الولاية، فأضاف إليه حصن أشكر «3» ، يا متشو «4» ، وأمر أن يهمل هذا الاسم ولا يشكّل، فقال أبو الحكم، رحمه الله، عند وقوفه عليه: قال لي السلطان في تصحيف هذا الاسم، «أشكر يا تيس» وهي من المقاصد النبيلة.
تواليفه: وهي كثيرة متعدّدة، منها شعره، والذي دوّن منه أنواع، فمنه مختاره، وسمّاه بالجولات، ومنه الصدور والمطالع. وله العشريات والنّبويّات على حروف المعجم، والتزام افتتاح بيوتها بحرف الرّوي، وسمّاها، «الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدّنيا والأخرى» . وعشرياته الزّهديّة، وأرجوزته المسماة «سلك المنخّل، لمالك بن المرحّل» نظم فيها منخل أبي القاسم بن المغربي، والقصيدة الطويلة المسماة بالواضحة، والأرجوزة المسماة «اللّؤلؤ والمرجان» والموطّأة لمالك.
والأرجوزة في العروض. وكتابه في كان ماذا، المسمّى «بالرّمي بالحصا» ، إلى ما يشقّ إحصاره، من الأغراض النّبيلة، والمقاصد الأدبية.
شعره: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: كان مكثرا من النّظم، مجيدا، سريع البديهة، مستغرق الفكرة في قرضه، لا يفتر عنه حينا من ليل أو نهار. شاهدت ذلك، وأخبرني أنّه دأبه، وأنه لا يقدر على صرفه من خاطره، وإخلاء باله من الخوض فيه، حتى كان من كلامه في ذلك، أنه مرض من الأمراض المزمنة. واشتهر نظمه، وذاع شعره، فكلفت به ألسنة الخاصّة والعامّة، وصار رأس مال المستمعين
(3/233)

والمغنّين، وهجير الصّادرين والواردين، ووسيلة المكدّين، وطراز أوراد المؤذّنين وبطائقة البطالين، ونحن نجتزئ منه بنبذ من بعض الأغراض تدل على ما وراءها، إن شاء الله. فمن ذلك في غرض النّسيب: [الكامل]
دنف تستّر بالغرام طويلا ... حتى تغيّر رقّة ونحولا
بسط الوصال فما تمكّن جالسا ... حتى أقيم على البساط دليلا
يا سادتي، ماذا الجزاء «1» فديتكم ... الفضل لو غير الفتى ما قيلا
قالوا تعاطى الصّبر عن أحبابه ... لو كان يصبر للصّدود قليلا
ما ذاق إلّا شربة من هجرنا ... وكأنّه شرب الفرات شمولا
أيقول: عشت وقد تملّكه الهوى؟ ... لو قال متّ لكان أقوم قيلا
حلف الغرام بحبّنا وجمالنا ... إن لم يدعه ميّتا فعليلا
إنّ الجفون هي السّيوف وإنما ... قطعت فلم تسمع لهنّ صليلا
قل للحبيب ولا أصرّح باسمه ... ماذا الملال وما عهدت ملولا
بيني وبينك ذمّة مرعيّة ... أتراك تقطع حبلها الموصولا؟
ولكم شربت صفاء «2» ودّك خالصا ... ولبست ظلّا من رضاك ظليلا
يا «3» غصن بان بان عنّي ظلّه ... عند الهجير فما وجدت مقيلا
اعطف على المضنى الذي أحرقته ... في نار هجرك لوعة وغليلا
فارقته فتقطّعت أفلاذه ... شوقا وما ألفى إليك سبيلا
لو لم يكن منك التّغيّر لم يسل ... بالناس لو حشروا إليه قبيلا
يا راحلا عني بقلب مغضب ... أيطيق قلبي غضبة ورحيلا؟
قل للصّبا: هيّجت أشجان الصّبا ... فوجدت يا ريح القبول قبولا
هل لي رسول في الرياح؟ فإذا «4» من ... فارقته بعث النسيم رسولا؟
يا ليت شعري، أين قرّ قراره؟ ... يا قلب، ويك أما وجدت دليلا؟
إن لم يعد ذاك الوصال كعهدنا ... نكّلت عيني بالبكا تنكيلا
وقال نسيبا ومدحا: [الكامل]
أعدى عليّ هواه خصم جفونه ... ما لي به قبل ولا بفنونه
(3/234)

إن لم تجرني منه رحمة قلبه ... من ذا يجير عليه ملك يمينه؟
صاب من الأتراك أصبى مهجتي ... فعبدت نور الحسن فوق جبينه
متمكّن في الحسن نون صدغه ... فتبيّن التّمكين في تنوينه
تنساب عقرب صدغه في جنّة ... لم يجن منها الصّبّ غير منونه
ولوى ضفيرته فولّى مدبرا ... فعل الكليم ارتاع من تبيينه
قد أطمعتني فيه رقّة خدّه ... لو أمكنتني فيه رقّة دينه
ورجوت لين قوامه لو لم يكن ... كالرّمح شدّة طعنه في لينه
شاكي السّلاح وما الذي في جفنه ... أعدى عليّ من الذي بجفونه
ناديته لمّا ندت لي سينه ... وشعرت من لفظ السلام بسينه
رحماك في دنف غدا وحياته ... مماته وحراكه كسكونه
إن لم تمنّ عليّ منّة راحم ... فمناه أن يلقاه ريب منونه
ولذا أبيت سوى سمات عدوّه ... فأمانه من ذاك ظهر أمونه
سننيخها في باب أروع ماجد ... فيرى محلّ الفصل حقّ يقينه
حيث المعارف والعوارف والعلا ... في حدّ مجد جامع لفنونه
بدر وفي الحسن بن أحمد التقت ... نجب مررن على العطا بركوبه
تبغي مناها في مناها عنده ... وتطوف بالحاجات عند حجونه
فرع من الأصل اليماني طيّب ... ورث البيان وزاد في تبيينه
يبدي البشاشة في أسرّة وجهه ... طورا ويحمي العزّ في عرنينه
بسطت شمائله الزمان «1» كمثل ما ... بسط الغناء «2» نفوسنا بلحونه
يثني عليه كلّ فعل سائر ... كالمسك إذ يثني على دارينه
ومن النّسيب قوله: [البسيط]
هو الحبيب قضى بالجور أم عدلا ... لبّى الخيار وأمّا في هواه فلا
تالله ما قصّر العذّال في عذلي ... لكن أبت أذني أن تسمع العذلا
أمّا السّلوّ فشيء لست أعرفه ... كفى بخلّك غدرا أن يقال سلا
جفون غيري أصحت بعدما قطرت ... وقلب غيري صحا من بعد ما ثملا
وغصن بان تثنّى من معاطفه ... سقيته الدّمع حتى أثمر العذلا
(3/235)

آثرته «1» ونسيم الشّعر آونة ... فكلّما مال من أعطافه اعتدلا
أملت والهمّة العلياء طامحة ... وليس في الناس إلّا آمل أملا
وقال: إيها طفيليّ ومقترح ... ألست عبدي ومملوكي؟ فقلت: بلى
يا من تحدّث عن حسني وعن كلفي ... بحسنه وبحبّي فاضرب المثلا
نيّطت خدّي خوف القبض من ملكه ... إذا أشار بأدنى لحظه قتلا
تقبّل الأرض أعضائي وتخدمه ... إذا تجلّى بظهر الغيب واتّصلا
يا من له دولة في الحسن باهرة ... مثلي ومثل فؤادي يخدم الدّولا
ومن نظمه في عروض يخرج من دوبيتي مجزوّا، مقصرا قوله وملحه في اختراع الأعاريض كثيرة:
الصّبّ إلى الجمال مائل ... والحبّ لصدقه دلائل
والدّمع لسائلي جواب ... إن روجع سائل بسائل
والحسن على القلوب وال ... والقلب إلى الحبيب وابل
لو ساعد من أحبّ سعد ... ما حال من الحبيب حائل
يا عاذلي، إليك عنّي لا ... تقرّب ساحتي العواذل
ما نازلني كمثل ظبي ... يشفي بلحظة المنازل
ما بين دفونه حسام ... مخارقه له حمائل
والسيف يبتّ ثم ينبو ... واللحظ يطبق المفاصل
والسهم يصيب ثم يخطي ... واللحظ يمرّ في المقاتل
مهلا فدمي له حلال ... ما أقبل فيه قول قائل
إن صدّني فذاك قصدي ... أو جدّلني فلا أجادل
يا حسن طلوعه علينا ... والسّكر بمعطفيه مائل
ظمآن مخفّف الأعالي ... ريّان مثقّل الأسافل
قد نمّ به شذا الغوالي ... إذ هبّ ونمّت الغلائل
والطّيب منبّه عليه ... من كان عن العيان غافل
والغنج محرّك إليه ... من كان مسكّن البلابل
والسّحر رسول مقلتيه ... ما أقرب عهده ببابل!
(3/236)

والروض يعير وجنتيه ... وردا كهواي غير حائل
واللين يهزّ معطفيه ... كالغصن تهزّه الشّمائل
والكأس تلوح في يديه ... كالنّجم بأسعد المنازل
يسقيك بريقه مداما ... ما أملح ساقيا مواصل
يسبيك برقّة الحواشي ... عشقا ولكافّة الشمائل
ما أحسن ما وجدت خدّا ... إذ نجم صباي غير آفل
ومن مستحسن نزعاته: [البسيط]
يا راحلين وبي من قربهم أمل ... لو أغنت الحليتان القول «1» والعمل
سرتم وسار اشتياقي بعدكم مثلا ... من دونه السّامران الشّعر والمثل
وظلّ يعذلني في حبّكم نفر ... لا كانت المحنتان الحبّ والعذل
عطفا علينا ولا تبغوا بنا بدلا ... فما استوى التّابعان العطف والعمل
قد ذقت فضلكم دهرا فلا وأبي ... ما طاب لي الأحمران الخمر والعسل
وقد هرمت أسى من هجركم وجوى ... وشبّ مني اثنتان الحرص والأمل
غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتي ... لبّتكم «2» الخصلتان الغدر والملل
قالوا: كبرت ولم تبرح كذا غزلا ... أزرى بك الفاضحان الشّيب والغزل
لم أنس يوم تنادوا «3» للرحيل ضحى ... وقرب المركبان الطّرف والجمل
وأشرقت بهواديهم هوادجهم ... ولاحت الزّينتان الحلي والحلل
وودّعوني بأجفان ممرّضة ... تغضّها الرّقبتان الخوف والخجل
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل ... أصابه المضنيان الغنج والكحل
دارت عليهم كؤوس الحبّ مترعة ... وما أبى «4» المسكران الخمر والمقل
وآخرين اشتفوا منهم بضمّهم ... يا حبّذا الشافيان الضّم والقبل
كأنما الرّوض منهم روضة أنف ... يزهى بها المثبتان السّهل والجبل
من مسترق «5» الرّوابي والوهاد بهم ... ما راقه المعجبان الخصر والكفل
(3/237)

يا حادي العيس خذني مأخذا حسنا ... لا يستوي الضاديان «1» الرّيث «2» والعجل
لم يبق لي غير ذكر أو بكا طلل ... لو ينفع الباقيان الذّكر والطّلل
يا ليت شعري ولا أنس ولا جذل ... هل يرفع الطّيّبان الأنس والجذل؟
ومن قوله على لسان ألثغ ينطق بالسّين ثاء ويقرأ بالرّويّين: [مخلع البسيط]
عمرت ربع الهوى بقلب ... لقوّة الحبّ غير ناكس ث
لبثت فيه أجر ذيل النّ ... حول أحبب به للابس ث
إن متّ شوقا فلي غرام ... نباته بالسّقام وادس ث
أمّا حديث الهوى فحقّ ... يصرف بلواه كلّ حادس ث
تعبت بالشّوق في حبيب ... أنا به ما حييت يائس ث
يختال كالغصن ماس فيه ... طرف فأزرى بكلّ «3» مائس ث
دنيا تبدّت لكلّ وأي ... فهو لدنياه أيّ حارس ث
يلعب بالعاشقين طرّا ... والكلّ راضون وهو عابس ث
ومن شعره في الزهد يصف الدنيا بالغرور والكذب «4» والزّور: [الكامل]
يا خاطب الدنيا، طلبت غرورا ... وقبلت من تلك المحاسن زورا
دنياك إمّا فتنة أو محنة ... وأراك في كلتيهما مقهورا
وأرى السنين تمرّ عنك سريعة ... حتى لأحسبهنّ صرن شهورا
بينا تريك أهلّة في أفقها ... أبصرتها في إثر ذاك بدورا
كانت قسيّا ثم صرن دوائرا ... لا بدّ أن ترمي الورى وتدورا
يأتي الظلام فما يسوّد رقعة ... حتى ترى مسطورها منشورا
فإذا الصباح أتى ومدّ رداءه ... نفض المساء رداءه المنشورا
يتعاقبان عليك، هذا ناشر ... مسكا وهذا ناشر كافورا
ما المسك والكافور إلّا أن ترى ... من فعلك الإمساك والتّكبيرا
أمسى على فوديك من لونيهما ... سمة تسوم كآبة وبسورا
(3/238)

حتى متى لا ترعوي وإلى متى؟ ... أو ما لقيت من المشيب نذيرا؟
أخشى عليك من الذّنوب فربما ... تلفى الصّغير من الذنوب كبيرا
فانظر لنفسك إنني لك ناصح ... واستغفر المولى تجده غفورا
من قبل ضجعتك التي تلقى لها ... خدّ الصّغار على التّراب حقيرا
والهول ثم الهول في اليوم الذي ... تجد الذي قدّمته مسطورا
وقال في المعنى «1» المذكور: [الوافر]
وأشفي «2» الوجد ما أبكى العيونا ... وأشفي الدّمع ما نكأ الجفونا
فيا ابن الأربعين اركب سفينا ... من التّقوى فقد عمّرت حينا
ونح إن كنت من أصحاب نوح ... لكي تنجو نجاة الأربعينا
بدا للشّيب «3» في فوديك رقم ... فيا أهل الرّقيم، أتسمعونا؟
لأنتم أهل كهف قد ضربنا ... على آذانهم فيه سنينا
رأيت الشّيب يجري في سواد ... بياضا لا كعقل الكاتبينا
وقد يجري السّواد على بياض ... فكان «4» الحسن فيه مستبينا
فهذا العكس يؤذن بانعكاس ... وقد أشعرتم لو تشعرونا
نبات هاج ثم يرى حطاما ... وهذا اللّحظ قد شمل العيونا
نذير جاءكم عريان يعدو ... وأنتم تضحكون وتلعبونا
أخي، فإلى «5» متى هذا التّصابي؟ ... جننت بهذه الدنيا جنونا
هي الدنيا وإن وصلت وبرّت ... فكم قطعت وكم تركت بنينا!
فلا تخدعك «6» أيام تليها ... ليال واخشها بيضا وجونا
فذاك إذا نظرت سلاح دنيا ... تعيد حراك ساكنها سكونا
وبين يديك يوم أيّ يوم ... يدينك فيه ربّ الناس دينا
فإمّا دار عزّ ليس يفنى ... وإمّا دار هون لن يهونا
فطوبى في غد للمتّقينا ... وويل في غد للمجرمينا
(3/239)

وآه ثم آه ثم آه ... على نفسي أكرّرها مئينا
أخيّ، سمعت هذا الوعظ أم لا؟ ... ألا يا «1» ليتني في السامعينا
إذا ما الوعظ لم يورد بصدق ... فلا خسر كخسر الواعظينا
وقال يتشوّق إلى بيت الله الحرام، ويمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: [البسيط]
شوق كما رفعت نار على علم ... تشبّ بين فروع الضّال والسّلم
ألفّه بضلوعي وهو يحرقها ... حتى يراني بريا ليس بالقلم
من يشتريني بالبشرى ويملكني ... عبدا إذا نظرت عيني إلى الحرم؟
دع للحبيب ذمامي واحتمل رمقي ... فليس ذا قدم من ليس ذا قدم
يا أهل طيبة، طاب العيش عندكم ... جاورتم خير مبعوث إلى الأمم
عاينتم جنّة الفردوس من كثب ... في مهبط الوحي والآيات والحكم
لنتركنّ بها الأوطان خالية ... ونسلكنّ لها البيداء في الظّلم
ركابنا تحمل الأوزار مثقلة ... إلى محطّ خطايا العرب والعجم
ذنوبنا، يا رسول الله، قد كثرت ... وقد أتيناك فاستغفر لمجترم
ذنب يليه على تكراره ندم ... فقد مضى العمر في ذنب وفي ندم
نبكي فتشغلنا الدنيا فتضحكنا ... ولو صدقنا البكا شبنا دما بدم
يا ركب مصر، رويدا يلتحق بكم ... قوم مغاربة لحم على وضم
فيهم عبيد تسوق العيس زفرته ... لم يلق مولاه قد ناداه في النّسم
يبغي إليه شفيعا لا نظير له ... في الفضل والمجد والعلياء والكرم
ذاك الحبيب الذي ترجى شفاعته ... محمد خير خلق الله كلّهم
صلّى عليه إله الخلق ما طلعت ... شمس وما رفعت نار على علم
ومن مقطوعاته العجيبة في شتى الأغراض، وهي نقطة من قطر، وبلالة من بحر، قوله مما يكتب على حمالة سيف، وقد كلف بذلك غيره من الشعراء بسبتة، فلمّا رآها أخفى كل منظومه، وزعم أنه لم يأت بشيء، وهو المخترع المرقص:
[البسيط]
جماله كرياض جاورت نهرا ... فأنبتت شجرا راقت أزاهرها
كحيّة الماء عامت فيه وانصرفت ... فغاب أوّلها فيه وآخرها
(3/240)

وقوله، وقد تناول الرئيس ابن خلاص «1» بيده مقصّا فأدمى يده فأنشده:
[الوافر]
عداوة لا لكفّك من قد نمّ «2» ... فلا تعجب لقرّاض لئيم
لئن أدماك فهو لها شبيه ... وقد يسطو اللّئيم على الكريم
وقوله في الخضاب: [الطويل]
سترت مشيبي بالخضاب تعلّلا ... فلم يحظ شيبي «3» وراب خضابي
كأنّي وقد زوّرت لونا على الصّبا ... أعنون طرسا ليس فيه كتابي
غراب خضاب لم يقف من حذاره ... وأغرب شيء في الحذار غرابي
وقوله وهو من البديع المخترع: [الكامل]
لا بدّ من ميل إلى جهة فلا ... تنكر على الرجل الكريم مميلا
إنّ الفؤاد وإن توسّط في الحشا ... ليميل في جهة الشّمال قليلا
وقوله وهو معنى قد قيل فيه: [الكامل]
لا تعجبوا للمرء يجهل قدره ... أبدا ويعرف غيره فيصبر
فالعين تبصر غيرها مع بعده ... لكنّ بؤبو نفسها لا تبصر «4»
وقوله: [الوافر]
أرى المتعلّمين عليك أعدا «5» ... إذا أعلمتهم من كلّ عاد
فما عند الصّغير سوى عقوق ... ولا عند الكبير سوى عناد
وقوله في وصفه ذي الجاه: [الخفيف]
يضع الناس صاحب الجاه فيهم ... كل يوم في كفّة الميزان
(3/241)

إن رأوه يوما ترجّح وزنا ... ضاعفوا البرّ فهو ذو رجحان
أو رأوا منه نقص حبّة وزن ... ما كسوه في حبّة الجلجلان
وأنشدنا عنه غير واحد من شيوخنا وقد بلغ الثمانين: [السريع]
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشرا بعد سبعينا
سكرت من أكؤس خمر الصّبا ... فحدّك الدّهر ثمانينا
وقال: هيهات! ما أظنّه يكملها، وقال في الكبرة: [الكامل]
يا من لشيخ قد أسنّ وقد عفا ... مذ جاوز السّبعين أضحى مدنفا
خانته بعد وفائها أعضاؤه ... فغدا قعيدا لا يطيق تصرّفا
هرما غريبا ما لديه مؤانس ... إلّا حديث محمد والمصطفى
وكتب إلى القاضي أبي الحجاج الطّرسوني في مراجعة: [السريع]
يا سيدي، شاكركم مالك ... قد صيّرت ميم اسمه هاء
ومن يعش خمسا وتسعين ... قد أنهت «1» التعمير إنهاء
ومن نظمه في عرس صنعها بسبتة على طريقه في المجانة: [الكامل]
الله أكبر في منار الجامع ... من سبتة تأذين عبد خاشع
الله أكبر للصّلاة أقيمها ... بين الصّفوف من البلاط الواسع
الله أكبر محرما وموجّها ... دبري «2» إلى ربّي بقلب خاضع
الحمد لله السلام عليكم ... آمين لا تفتح لكلّ مخادع
إن النّساء خدعنني ومكرن بي ... وملأن من ذكر النساء مسامعي
حتى وقعت وما وقعت بجانب ... لكن على رأس لأمر واقع
والله ما كانت إليه ضرورة ... لكنّ أمر الله دون مدافع
فخطبن لي في بيت حسن قلن لي ... وكذبن لي في بنت قبح شانع
بكرا زعمن صغيرة في سنّها ... حسناء تسفر عن جمال بارع
خودا لها شعر أثيث حالك ... كالليل تجلى عن صباح ساطع
(3/242)

حوراء يرتاع الغزال إذا رنت ... بجفون خشف «1» في الخمائل رافع
تتلو الكتاب بغنّة وفصاحة ... فيميل نحو الذّكر قلب السامع
بسّامة عن لؤلؤ متناسق ... في ثغرها في نظمه متتابع
أنفاسها كالرّاح فضّ ختامها ... من بعد ما ختمت بمسك رائع
شمّاء دون تفاوت عربيّة ... ببسالة وشجاعة ومنازع
غيداء كالغصن الرّطيب إذا مشت ... ناءت بردف للتعجّل مانع
تخطو على رجلي حمامة أيكة ... مخضوبة تسبي فؤاد السامع
ووصفن لي من حسنها وجمالها ... ما البعض منه يقيم عذر الخالع
فدنوت واستأمنت بعد توحّشي ... وأطاع قلب لم يكن بمطاوع
فحملنني نحو الوليّ وجئنني ... بالشّاهدين وجلد كبش واسع
وبعرفه من نافع لتعادل ... والله عزّ وجلّ ليس بنافع
فشرطن أشراطا عليّ كثيرة ... ما كنت في حملي لها بمطاوع
ثم انفصلت وقد علمت «2» بأنني ... أوثقت في عنقي لها بجوامع
وتركنني يوما وعدن وقلن لي ... خذ في البناء ولكن بمرافع
واصنع لها عرسا ولا تحوج إلى ... قاض عليك ولا وكيل رافع
وقرعت سنّي عند ذاك ندامة ... ما كنت لولا أن «3» خدعت بقارع
ولزمتني حتى انفصلت بموعد ... بعد اليمين إلى النهار الرابع
فلو أنني طلّقت كنت موفّقا ... ونفضت من ذاك النكاح أصابعي
لكن طمعت بأن أرى الحسن الذي ... زوّرن لي فذممت سوء مطامعي
فنظرت في أمر البناء معجّلا ... وصنعت عرسا يا لها من صانع!
وطمعت أن «4» تجلى ويبصر وجهها ... ويقرّ عيني بالهلال الطّالع
وظننت ذاك كما ذكرن ولم يكن ... وحصلت أيضا في مقام الفازع
وحملنني ليلا إلى دار لها ... في موضع عن كل خير سامع
دار خراب في مكان توحّش ... ما بين آثار هناك بلاقع
فقعدت في بيت صغير مظلم ... ولا شيء فيه سوى حصير الجامع
(3/243)

فسمعت حسّا عن شمالي منكرا ... وتنحنحا يحكي نقيق ضفادع
فأردت أن أنجو بنفسي هاربا ... ووثبت عند الباب وثبة جازع
فلقيتهنّ وقد أتين بجذوة ... فرددنني وحبسنني بمجامع
ودخلن بي في البيت واستجلسنني ... فجلست كالمضرور يوم زعازع
وأشرن لي نحو السّماء «1» وقلن لي ... هذي زويبعة وبنت زوابع
هذي خليلتك التي زوّجتها ... فاجلس هنا معها ليوم سابع
بتنا من «2» النّعمى التي خوّلتها ... فلقد حصلت على رياض يانع
فنظرت نحو خليلتي متأمّلا ... فوجدتها محجوبة ببراقع
وأتيتها وأردت نزع خمارها ... فغدت تدافعني بجدّ وازع
فوجلتها في صدرها وحذوته ... وكشفت هامتها بغيظ صارع
فوجدتها قرعاء تحسب أنّها ... مقروعة في رأسها بمقارع
حولاء تنظر فوقها في ساقها ... فتخالها مبهوتة في الشارع
فطساء تحسب أنّ روثة أنفها ... قطعت فلا شلّت يمين القاطع
صمّاء تدعى بالبريح وتارة ... بالطّبل أو يؤتى لها بمقامع
بكماء إن رامت كلاما صوّتت ... تصويت معزى نحو جدي راضع
فقماء إن ما «3» تلتقي أسنانها ... تفسو إذا نطقت فساء الشابع
عرجاء إن قامت تعالج مشيها ... أبصرت مشية ضالع أو خامع
فلقيتها وجعلت أبصق نحوها ... وأفرّ نحو دجى وغيث هامع
حيران أغدو في الزّقاق كأنني ... لصّ أحسّ بطالب أو تابع
حتى إذا لاح الصباح وفتّحوا ... باب المدينة كنت أوّل كاسع
والله ما لي بعد ذاك بأمرها ... علم ولا بأمور بيتي الضّائع
نثره: وفضّل الناس نظمه على نثره، ونحن نسلّم ذلك من باب الكثرة، لا من باب الإجادة. وهذه الرسالة معلمة بالشهادة بحول الله.
كتب إلى الشيخين الفقيهين الأديبين البليغين أبي بكر بن يوسف بن الفخّار، وأبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري:
(3/244)

«لله درّكما حليفي صفاء، وأليفي وفاء، يتنازعان كأس المودّة تنازع الأكفاء، ويتهاديان ريحان التحية تهادي الظّرفاء. قسيمي نسب، وقريعي حسب، يتجاوزان بمطبوع من الأدب ومكتسب، ويتواردان على علم من الظّرف ونسب، رضيعي لبان، ذريعي لبان، يحرزان ميراث قسّ وسحبان، ويبرزان من الذّكاء ما بان على أبان، قسيمي مجال، فصيحي رويّة وارتجال، يترعان في أشطان البلاغة سجالا بعد سجال، ويصرعان في ميدان الفصاحة رجالا على رجال. ما بالكما؟ لا حرمت حبالكما ولا قصمت نبالكما، لم تسمحا لي من عقودكما بدرّة، ولم ترشّحاني من نقودكما بدرة، ولم تفسحا لي بحلوة ولا مرّة. لقد ابتليت من أدبكما بنهر أقربه ولا أشربه، وما أرده ولا أتبرّده. ولو كنت من أصحاب طالوت لا فسحت لي غرفة، وأتيحت لي ترفة. بل لو كنت من الإبل ذوات الأظماء، ما جليت بعد الظّمإ على الماء، ولا دخلت بالإشفاق مدخل العجماء. كيف وأنا ولا فخر في صورة إنسان، ناطق بلسان، أفرّق بين الإساءة والإحسان. وإن قلت إنّ باعي في النّظم قصير، وما لي على النّثر وليّ ولا نصير، وصنعة النحو عني بمعزل، ومنزل الفقيه ليس لي بمنزل، ولم أقدم على العلم القديم، ولا استأثرت من أهله بنديم. فأنا والحمد لله غنيّ بصنعة الجفر، وأقتني اليراع كأنها شبابيك التّبر، وأبري البريّة التي «1» تنيف على الشّبر، وأزين خدود الأسطار المستوية، بعقارب اللّامات الملتوية، ولا أقول كأنها، فلا ينكر السيدان أعزّ هما الله أنها نعم بعود أزاعم، وبمثل شكسي تحضر الملاحم. فما هذا الازدراء والاجتراء في هذا الأمر مرّ المواقير. تالله لقد ظلمتماني على علم، واستندتما إلى غير حلم، أما رهبتما شبابي، أما رغبتما في حسابي، أما رفعتما بين نفح صبابي، ولفح صبابي. لعمري لقد ركبتما خطرا، وهجتما الأسد بطرا، وأبحتما حمى محتضرا، ولم تمعنا في هذا الأمر نظرا: [الطويل]
أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما ... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا
ونفسي عين الحمار، في هذا المضمار، لا أعرف قبيلا من دبير، ولا أفرّق بحسّي بين صغير وكبير، ولا أعهد أنّ حصاة الرّمي أخفّ من ثبير، أليس في ذوي كبد رطبة أجر، وفي معاملة أهل التّقوى والمغفرة تجر؟ وإذا خوّلتماني نعمة أو نفلتماني نفلا، فاليد العليا خير من اليد السّفلى، وما نقص مال من صدقة، ولا جمال من لمح حدقة، والعلم يزيد بالإنفاق، وكتمه حرام باتفاق، فإن قلتما لي إنّ فهمك سقيم، وعوجك على الرّياضة لا يستقيم، فلعلّ الذي نصب قامتي، يمنّ
(3/245)

باستقامتي، وعسى الذي يشقّ سمعي وبصري، أن يزيل عييّ وحصري، فأعي ما تقصّان، وأجتلي ما تنصّان، وأجني ثمار تلك الأغصان، فقد شاهدتما كثيرا من الحيوان، يناغى فيتعلّم، ويلقّن فيتكلّم. هذا والجنس غير الجنس، فكيف المشارك في نوعيّة الإنس؟ فإن قلنا إن ذلك يشقّ، فأين الحقّ الذي يحقّ، والمشقّة أخت المروّة، وينعكس مساق هذه الأخوّة، فيقال المروّة أخت المشقّة، والحجيج يصبر على بعد الشّقّة، ولولا المشقّة كثر السّادة، وقلّت الحسادة، فما ضرّكما أيها السيّدان أن تحسبا تحويجي، وتكتسبا الأجر في تدريجي؟ فإنكما إن فعلتما ذلك نسبت إلى ولائكما، كما حسبت على علائكما، وأضفت إلى نديّكما، كما عرّفت بمنتداكما.
ألم تعلما أنّ المرء يعرف بخليله، ويقاس به في كثيرة وقليله؟ ولعلّي أمتحن في مرام، ويعجم عودي رام، فيقول هذا العود من تلك الأعواد، وما في الحلبة من جواد، فأكسوكما عارا، وأكون عليكما شعارا. على أني إذا دعيت باسمكما استريت من الادّعاء، فلا أستجيب لهذا الدّعاء، ولكن أقول كما قال ابن أبي سفيان حين عرف الإدارة، وأنكر الإمارة، نعم أخوّتي أصحّ، وأنّها بها أشحّ، إلا أنّ غيري نظم في السّلك، وأسهم في الملك، وأنا بينكما كالمحجوب بين طلّاب، يشاركهم في البكا لا في التّراب «1» ، إن حضرت فكنتم في الإقحام، أو لمقعد في زحام، وإن غبت فيقضى الأمر، وقد سطر زيد وعمرو. ناشدتكما الله في الإنصاف أن تريعا بواد من أودية الشّحر، في ناد من أندية الشّعر بل السّحر، حيث تندرج الأنهار، وتتأرّج الأزهار، ويتبرّج الليل والنهار، ويقرأ الطير صحفا منتثرة، ويجلو النور ثغورا مؤشّرة، ويغازل عيون النّرجس الوجل، خدود الورد الخجل، وتتمايل أعطاف البان، على أرداف الكثبان، فيرقد النسيم العليل، في حجر الرّوض وهو بليل، وتبرز هوادج الرّاح، على الرّاح، وقد هديت بأقمار، وحديت بأزهار ومزمار، وركبتها الصّبا والكميت في ذلك المضمار، ولم تزالا في طيب، وعيش رطيب، من قباب وخدور، وشموس وبدور، تصلان الليالي والأيام أعجازا بصدور، وأنا الطّريد منبوذ بالعراء، موقوذ في جهة الوراء، لا يدني محلّي، ولا يعتنى بعقدي ولا حلّي، ولا أدرج من الحرور إلى الظّل، ولا أخرج من الحرام إلى الحلّ، ولا يبعث إليّ مع النّسيم هبّة، ولا يتاح لي من الآتي عبّة. قد هلكت لغوا، ولم تقيما لي صفوا، ومتّ كمدا، ولم تبعثا لبعثي أمدا. أتراه خلفتماني جرضا، وألقيتماني حرضا؟ كم أستسقي فلا أسقى، وأسترقي فلا أرقى، لا ماء أشربه، ولا عمل في وصلكما
(3/246)

أدرّبه. لم يبق لي حيلة إلّا الدّعاء المجاب، فعسى الكرب أن ينجاب. اللهمّ كما أمددت هذين السّيّدين بالعلم الذي هو جمال، وسدّدتهما إلى العمل الذي هو كمال، وجمعت فيهما الفضائل والمكارم، وختمت بهما الأفاضل والمكارم، وجعلت الأدب الصّريح أقلّ خصالهما، والنّظر الصحيح أقلّ نصالهما، فاجعل اللهمّ لي في قلوبهما رحمة وحنانا، وابسط لي منهما وجها واشرح لي جنانا، واجعلني اللهمّ ممّن اقتدى بهما، وتعلّق بأهدابهما، وكان دأبه في الصّالحات كدأبهما، حتى أكون بهما ثالث القمرين في الآيات، وثالث العمرين في عمل البرّ وطول الحياة، اللهمّ آمين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيّين. وكأنّي أنظر إلى سيديّ عزّهما الله إذا وقفا على هذا الخطاب، ونظرا إلى هذا الاحتطاب، كيف يديران رمزا، ويسيران غمزا؟ ويقال: استتبّ الفصال، وتعاطى البيذق ما تفعل النّصال، وحنّ جذع ليس منها «1» ، وخذ عجفاءك وسمّنها، فأقول وطرفي غضيض، ومحلّي الحضيض، مثلي كمثل الفروج أو ثاني البروج، وما تقاس الأكفّ بالسّروج، فأضربا عني أيها الفاضلان، ما أنا ممّن تناضلان، والسلام» .
مولده: قال شيخنا الفقيه أبو عبد الله ابن القاضي المتبحّر العالم أبي عبد الله بن عبد الملك: سألته عن مولده فأنشدني: [الرجز]
يا سائلي عن مولدي كي أذكره ... ولدت يوم سبعة وعشره
من المحرّم افتتاح أربع ... من بعد ستمائة مفسّرة
وفاته: في التاسع «2» عشر لرجب عام تسعة وتسعين وستمائة، ودفن بمقبرة فاس، وأمر أن يكتب على قبره: [مجزوء الخفيف]
زر غريبا بمقره ... نازحا ما له ولي «3»
تركوه موسّدا ... بين ترب وجندل
ولتقل عند قبره ... بلسان التّدلّل
يرحم الله عبده ... مالك بن المرحّل
(3/247)

ومن طارئي المقرئين والعلماء
منصور بن علي بن عبد الله الزواوي
صاحبنا، يكنى أبا علي.
حاله: هذا الرجل طرف في الخير والسلامة، وحسن العهد، والصّون والطهارة والعفّة، قليل التصنّع، مؤثر للاقتصاد، منقبض عن الناس، مكفوف اللسان واليد، مشتغل بشأنه، عاكف على ما يعنيه، مستقيم الظاهر، ساذج الباطن، منصف في المذاكرة، موجب لحقّ الخصم، حريص على الإفادة والاستفادة، مثابر على تعلّم العلم وتعليمه، غير أنف عن حمله عمّن دونه، جملة من جمل السّذاجة والرّجولة وحسن المعاملة، صدر من صدور الطّلبة، له مشاركة حسنة في كثير من العلوم العقلية والنّقلية، واطّلاع وتقييد، ونظر في الأصول والمنطق وعلم الكلام، ودعوى في الحساب والهندسة والآلات. يكتب الشّعر فلا يعدو الإجادة والسّداد.
قدم الأندلس في عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، فلقي رحبا، وعرف قدره، فتقدم مقرئا بالمدرسة «1» تحت جراية نبيهة، وحلّق للناس متكلّما على الفروع الفقهية والتفسير، وتصدّر للفتيا، وحضر بالدار السلطانية مع مثله. جرّبته وصحبته، فبلوت منه دينا ونصفة، وحسن عشرة.
محنته: امتحن في هذا العهد الأخير بمطالبة شرعيّة، لمتوقّف صدر عنه لما جمع الفقهاء للنّظر في ثبوت عقد على رجل نال من جانب الله والنّبوّة، وشكّ في القول بتكفيره، فقال القوم بإشراكه في التكفير ولطخه بالعاب الكبير، إذ كان كثير المشاحّة لجماعتهم، فأجلت الحال عن صرفه عن الأندلس في أواخر شعبان عام خمسة وستين وسبعمائة.
مشيخته: طلبت منه تقييد مشيخته، فكتب مما يدل على جودة القريحة ما نصه:
«يتفضّل سيدي الأعلى الذي أهتدي بمصباحه، وأعشو إلى غرره وأوضاحه، جامع أشتات العلوم، وفاتق رتق الفهوم، حامل راية البديع، وصاحب آيات التّورية فيه
(3/248)

والتّرصيع، نخبة البلغاء، وفخر الجهابذة العلماء، قائد جياد البلاغة من نواصيها، وسائق شوارد الحكم من أقاصيها، أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله للقريض يقطف زهره، ويجتني غرره، وللبديع يطلع قمره، وينظم درره، وللأدب يحوك حلله، ويجمع تفاصيله وجمله، وللمعاني يجوس بجيوش البراعة خلالها، ويفتتح بعوامل اليراعة أقفالها، وللأسجاع يقرّط الأسماع بفرائدها، ويحلّي النحور بقلائدها، وللنّظم يورد جياده أحلى الموارد، ويجيلها في مضمار البلاغة من غير معاند، وللنّثر يفترع أبكاره، ويودعها أسراره، ولسائر العلوم يصوغها في مفرق الآداب تاجا، ويضعها في أسطر الطّروس سراجا، ولا زال ذا القلم الأعلى، وبدر الوزارة الأوضح الأجلى، ببقاء هذه الدولة المولوية والإمامة المحمدية كعبة لملوك الإسلام، ومقصدا للعلماء الأعلام، ورضى عنهم خلفا وسلفا، وبورك لنا فيهم وسطا وطرفا، ولا زالت آمالنا بعلائهم منوطة، وفي جاههم العريض مبسوطة، بقبول ما نبّه عليه، من كتب شيوخي المشاهير إليه، فها أنا أذكر ما تيسّر لي من ذلك بالاختصار، إذ لا تفي بذكرهم وحلاهم المجلّدات الكبار.
فمنهم مولاي الوالد علي بن عبد الله لقاه الله الرّوح والريحان، وأوسعه الرّضا والغفران. قرأت عليه القرآن وبعض ما يتعلق به من الإعراب والضبط. ثم بعثني إلى شيخنا المجتهد الإمام علم العلماء، وقطب الفقهاء، قدوة النّظار، وإمام الأمصار، منصور بن أحمد المشدالي، رحمه الله وقدّس روحه، فوجدته قد بلغ السّنّ به غاية أوجبت جلوسه في داره، إلّا أنه يفيد بفوائده بعض زوّاره، فقرأت من أوائل ابن الحاجب «1» عليه لإشارة والدي بذلك إليه، وذلك أول محرم عام سبعة وعشرين وسبعمائة. واشتدّ الحصار ببجاية لسماعنا أنّ السلطان العبد الوادي «2» ينزل علينا بنفسه، فأمرني بالخروج، رحمه الله، فعاقني عائق عن الرجوع إليه؛ لأتمم قراءة ابن الحاجب عليه. ثم مات، رحمه الله، عام أحد وثلاثين وسبعمائة، فخصّ مصابه البلاد وعمّ، ولفّ سائر الطلبة وضمّ، إلّا أنه ملأ بجاية وأنظارها بالعلوم النظرية وقساها، وأنظارها بالفهوم النقلية والعقلية فصار من طلبته شيخنا المعظم، ومفيدنا المقدّم، أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي المعروف بالمفسّر، رحمه الله، بالطريقة الحاجبية، والكتابة الشرعية والأدبية، مع فضل السّنّ وتقرير حسن، إلى معارف تحلّاها،
(3/249)

ومحاسن اشتمل حلاها. واستمرّ في ذكر شيوخه على هذه الوتيرة من التزام السّجع، وتقرير الحلي، فأجاد، وتجاوز المعتاد، فذكر منهم محمد بن يحيى الباهلي المذكور، وأنه أخذ عنه جملة من العلوم، فأفرده بقراءة الإرشاد؛ والأستاذ أبا علي بن حسن البجلي، وقرأ عليه جملة من الحاصل، وجملة من المعالم الدينية والفقهية، والكتب المنطقية، كالخونجي، والآيات البيّنات؛ والقاضي أبا عبد الله محمد بن أبي يوسف، قاضي الجماعة ببجاية؛ وأبا العباس أحمد بن عمران الساوي اليانيولي. قال:
ثم ثنيت العنان بتوجّهي إلى تلمسان، راغبا في علوم العربية، والفهوم الهندسية والحسابية، فأول من لقيت شيخنا الذي علمت في الدنيا جلالته وإمامته، وعرفت في أقاصي البلاد سيادته وزعامته، وذكر رئيس الكتّاب العالم الفاضل أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، والمحدّث البقيّة أبا العباس بن يربوع، والقاضي أبا إسحاق بن أبي يحيى، وقرأ شيئا من مبادئ العربية على الأستاذ أبي عبد الله الرّندي. ولقي بالأندلس جلّة؛ فممّن قرأ عليه إمام الصنعة العربية شيخنا أبو عبد الله بن الفخّار الشهير بالبيري، ولازمه إلى حين وفاته، وكتب له بالإجازة والإذن له في التّحليق بموضع قعوده من المدرسة بعده. وقاضي الجماعة الشريف أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني، نسيج وحده، ولازمه، وأخذ عنه تواليفه، وقرأ عليه تسهيل الفوائد لابن مالك، وقيّد عليه، وروى عن شيخنا إمام البقية أبي البركات ابن الحاج، وعن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، وهو الآن بالحال الموصوفة.
أعانه الله وأمتع به.
شعره: زرنا معا والشيخ القاضي المتفنّن أبو عبد الله المقرئ، عند قدومه إلى الأندلس، رباط العقاب «1» . واستنشدت القاضي، وكتب لي يومئذ بخطّه: استنشدني الفقيه الوجيه الكامل ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب، أطال الله بقاه كما أطال ثناه، وحفظ مهجته، كما أحسن بهجته، فأنشدته لنفسي: [البسيط]
لمّا رأيناك بعد الشّيب يا رجل ... لا تستقيم وأمر النفس تمتثل
زدنا يقينا بما كنّا نصدّقه ... عند المشيب يشبّ الحرص والأمل
وكان ذلك بمسجد رابطة العقاب، عقب صلاة الظهر من يوم الأحد التاسع والعشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة. وكتب الشيخ الأستاذ أبو علي يقول: منصور بن علي الزّواوي، في رابطة العقاب في كذا، أجزت صاحبنا
(3/250)

الفقيه المعظم، أبا عبد الله بن الخطيب وأولاده الثلاثة عبد الله، ومحمدا، وعليّا، أسعدهم الله، جميع ما يجوز لي وعنّي روايته، وأنشدته قولي أخاطب بعض أصحابنا:
[الطويل]
يحيّيك عن بعض المنازل صاحب ... صديق غدت تهدى إليك رسائله
مقدّمة حفظ الوداد وسيلة ... ولا ودّ أن تصحّ وسائله
يسائل عنك الدارسين «1» ولم يكن ... تغيب لبعد الدار عنك مسائله
وكتبت له قبل هذا مما أنشدته عند قدومي على غرناطة: [المجتث]
يا من وجدناه لفظا ... حقيقة في المعالي
مقدّمات علاكم ... أنتجن كلّ كمال
وكل نظم قياس ... خلوت منه فخال
وهو من لدن أزعج عن الأندلس، كما تقدّم ذكره، مقيم بتلمسان، على ما كان عليه من الإقراء والتدريس.
مسلم بن سعيد التّنملّي «2»
حاله: كان غير نبيه الأبوّة. ظهر في دولة السلطان أمير المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «3» ، بمزيد كفاية، فقلّده خطّة الحفازة، وهي تعميم النظر في المجابي، وضمّ الأموال، وإيقاع النّكير في محلّ التّقصير، ومظانّ الريب، فنمت حاله، وعظم جاهه، ورهبت سطوته، وخيف إيقاعه، وقربت من السلطان وسيلته، فتقدّم الخدّام، واستوعب أطراف الحظوة، واكتسب العقار، وصاهر في نبيه البيوتات، وأورث عنه أخبارا تشهد له بالجود وعلوّ الهمة، وشرف النفس، إلى أن قضى على هذه الوتيرة.
ذكروا أن شخصا جلب سلعة نفيسة مما يطمع في إخفائها، حيدة عن وظيفة المغرم الباهظة في مثل جنسه، فبينما هو يروم المحاولة، إذ بصر بنبيه المركب والبزة،
(3/251)

ينفضّ في زوايا الفحص عن مثل مضطبنه، فظنّه رئيسا من رؤساء الجند، فقصده ورغب منه إجازة خبيئته بباب المدينة، وقرّر لتخوّفه من ظلم الحافز الكذا مسلم، فأخذها منه وخبّأها تحت ثيابه، ووكّل به. ولم يذهب المسكين إلّا يسيرا، حتى سأل عن الرجل، فأخبر أنّه الذي فرّ عنه، فسقط في يده. ثم تحامل، فألفاه ينظره في داخل السور، فدفع إليه أمانته، وقال: سر في حفظ الله، فقد عصمها الله من ذلك الرجل الظالم. فخجل الرجل، وانصرف متعجّبا. وأخباره في السّراوة ونجح الوسيلة كثيرة.
وفاته: توفي في عام ثمانية وتسعين وستمائة، وشهد أميره دفنه، وكان قد أسفّ ولي العهد بأمور صانعه فيها من باب خدمة والده، فكان يتلمّظ لنكبته، ونصب لثاته لأكله، فعاجله الحمام قبل إيقاع نقمته به. ولمّا تصيّر إليه الأمر، نبش قبره، وأخرج شلوه، فأحرق بالنار، إغراقا في شهوة التّشفي، رحمه الله عليه.
ومن العمال الأثراء
مؤمّل، مولى باديس بن حبّوس
حاله ومحنته: قال ابن الصّيرفي: وقد ذكر عبد الله بن بلقّين، حفيد باديس، واستشارته عن أمره، لمّا بلغه حركة يوسف بن تاشفين إلى خلعه. وكان في الجملة من أحبابه، رجل من عبيد جدّه اسمه مؤمّل، وله سنّ، وعنده دهاء وفطنة، ورأي ونظر. وقال في موضع آخر: ولم يكن في وزراء مملكته وأحبار دولته، أصيل الرأي، جزل الكلمة، إلّا ابن أبي خيثمة «1» من كتبته، ومؤمّل من عبيد جدّه، وجعفر من فتيانه. رجع، قال: فألطف له مؤمّل في القول، وأعلمه برفق، وحسن أدب، أن ذلك غير صواب، وأشار إليه بالخروج إلى أمير المسلمين إذا قرب، والتّطارح عليه، فإنه لا تمكنه مدافعته، ولا تطاق حربه، والاستجداء له أحمد عاقبة وأيمن مغبّة. وتابعه على ذلك نظراؤه من أهل السّن والحنكة، ودافع في صدّ رأيه الغلمة والأغمار، فاستشاظ غيظا على مؤمّل ومن نحا نحوه، وهمّ بهم، فخرجوا،
(3/252)

وقد سلّ بهم فرقا منه. فلمّا جنّهم الليل فرّوا إلى لوشة، وبها من أبناء عبيد باديس قائدها، فملكوها وثاروا فيها، بدعوة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. وبادر مؤمّل بالخطاب إلى أمير المسلمين المذكور وقد كان سفر إليه عن سلطانه، فأعجبه عقلا ونبلا، فاهتزّ إليه، وكان أقوى الأسباب على حركته. وبادر حفيد باديس الأمر، فأشخص الجيش لنظر صهره، فتغلّب عليهم، وسيق مؤمّل ومن كان معه شرّ سوق في الحديد، وأركبوا على دواب هجن، وكشفت رؤوسهم، وأردف وراء كلّ رجل من يصفعه. وتقدّم الأمر في نصب الجذوع وإحضار الرّماة. وتلطّف جعفر في أمرهم، وقال للأمير عبد الله: إن قتلتهم الآن، أطفأت غضبك، وأذهبت ملكك، فاستخرج المال، وأنت من وراء الانتقام، فثقّفهم، وأطمعوا في أنفسهم ريثما شغله الأمر، وأنفذ إليه يوسف بن تاشفين في حلّ اعتقالهم، فلم تسعه مخالفته وأطلقهم.
ولمّا ملك غرناطة على تفيئة تلك الحال، قدّم مؤمّلا على مستخلصه «1» وجعل بيده مفاتيح قصره، فنال ما شاء من مال وحظوة، واقتنى ما أراد من صامت وذخيرة.
ونسبت إليه بغرناطة آثار، منها السّقاية بباب الفخّارين، والحوز المعروف بحوز مؤمّل «2» ، أدركتها وهي بحالها.
وفاته: قال ابن الصّيرفي: وفي ربيع الأول من هذا العام، وهو عام اثنين وتسعين وأربعمائة، توفي بغرناطة مؤمّل مولى باديس بن حبّوس، عبد أمير المسلمين، وجابي مستخلصه، وكان له دهاء وصبر، ولم يكن بقارئ ولا كاتب. رزقه الله عند أمير المسلمين، أيام حياته، منزلة لطيفة ودرجة رفيعة. ولمّا أشرف على المنيّة، أحضر ما كان عنده من مال المستخلص، وأشهد الحاضرين على دفعه إلى من استوثقه على حمله، ثم أبرأ جميع عماله وكتّابه. وأنفذ رجلا من صنائعه إلى أمير المسلمين بجملة من مال نفسه، يريه أن ذلك جميع ما اكتسبه في دولته، أيام خدمته، وأن بيت المال أولى به، ورغب في ستر أهله وولده، فلمّا وصل إليه، أظهر الأسف عليه، وأمضى تقديم صنيعته. ثم ذكر ما كشف البحث عنه من محتجنه، وشقاء من خلفه بسببه، وعدّد مالا وذخيرة.
(3/253)