Advertisement

الإحاطة في أخبار غرناطة 004



الكتاب: الإحاطة في أخبار غرناطة
المؤلف: محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب (المتوفى: 776هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت
الطبعة: الأولى، 1424 هـ
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] حرف النون الملوك والأمراء
نصر بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر بن أحمد ابن محمد بن خميس بن عقيل الخزرجي الأنصاري «1»
أمير المسلمين بالأندلس، بعد أبيه وجدّه وأخيه، يكنى أبا الجيوش، وقد تقدم من أوليّة هؤلاء الملوك ما يغني عن الإعادة.
حاله: من كتاب «طرفة العصر في أخبار الملوك من بني نصر» من تصنيفنا، قال: كان فتى يملأ «2» العيون حسنا وتمام صورة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، عفيفا، مجبولا على طلب الهدنة وحبّ الخير، مغمد السّيف، قليل الشّر، نافرا للبطر وإراقة الدماء، محبّا في العلم وأهله، آخذا من صناعة التّعديل «3» بحظّ رغيب، يخطّ التقاويم «4» الصّحيحة، ويصنع الآلات الطّريقة «5» بيده، اختصّ في ذلك الشيخ الإمام أبا عبد الله بن الرّقّام، وحيد عصره، فجاء واحد دهره ظرفا وإحكاما. وكان حسن العهد، كثير الوفاء. حمله الوفاء على اللّجاج في أمر «6» وزيره المطلوب بعزله، على الاستهداف للخلع.
تقدّم يوم خلع أخيه، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، وسنّه ثلاث وعشرون سنة، فكان من تمام الخلق، وجمال الصّورة، والتّأنق في «7» ملوكي اللّباس، آية من آيات الله خالقه. واقتدى «8» برسوم أبيه وأخيه، وأجرى الألقاب والعوائد لأول دولته. وكانت أيامه، كما شاء الله، أيام نحس مستمرّ، شملت المسلمين فيها الأزمة، وأحاط بهم الذّعر، وكلب العدوّ. وسيمرّ من ذلك ما فيه كفاية «9» . وكان فتى أيّ فتى، لو ساعده الجدّ، والأمر لله من قبل ومن بعد.
(3/254)

وزراء دولته: وزر له مقيم أمره ومحكم التّدبير على أخيه، أبو «1» بكر عتيق بن محمد بن المول. وبيت بني مول بقرطبة بيت «2» له ذكر وأصالة. ولما تغلّب عليها «3» ابن هود اختفى بها أبوه أياما عدة «4» . ولما تملّكها السلطان الغالب بالله تلك البرهة، خرج إليه وصحبه إلى غرناطة، فاتّصلت قرباه بعقده على بنت للرئيس أبي جعفر المعروف «5» بالعجلب ابن عمّ السلطان. واشتدّ عضده، ثم تأكّدت القربى بعقد مول أخي هذا الوزير على بنت الرئيس أبي الوليد أخت الرئيس أبي سعيد، منجب هؤلاء الملوك الكرام، فقام «6» بأمره، واضطلع بأعباء سلطانه، إلى أن كان من تغلّب أهل الدولة عليه، وإخافة سلطانه منه، ما أوجب صرفه إلى المغرب في غرض الرسالة، وأشير عليه في طريقه بإقامته بالمغرب، فكان صرفا حسنا. وتولّى الوزارة محمد بن علي بن عبد الله بن الحاج، المسيّر «7» لخلعه، واجتثاث أصله وفرعه، وكان خبّا داهية، أعلم الناس بأخبار الرّوم وسيرهم وآثارهم. فحدثت بين السلطان وبين أهل «8» حضرته الوحشة بسببه.
قضاته: أقرّ على خطة القضاء بحضرته قاضي أخيه الشيخ الفقيه أبا جعفر القرشي المنبز بابن فركون، وقد تقدم التعريف به مستوفى بحول الله «9» .
كتّابه: شيخنا «10» الصدر الوجيه، نسيج وحده أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن الجيّاب إلى آخر مدته.
من كان على عهده من الملوك: بالمغرب «11» ، السلطان أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن أبي يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. تصيّر الأمر إليه بعد وفاة أخيه السلطان أبي ثابت عامر بأحواز طنجة، في صفر عام ثمانية وسبعمائة.
وكان «12» مشكورا، مبخت الولاية. وفي دولته عادت سبتة إلى الإيالة المرينيّة. ثم توفي بتازى «13» في مستهل رجب «14» من عام عشرة وسبعمائة. وتولّى الملك بعده عمّ
(3/255)

أبيه السلطان الجليل الكبير، خدن العافية، ووليّ السلامة، وممهّد الدولة أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. واستمرّت ولايته إلى تمام أيام هذا الأمير، وكثيرا «1» من أيام من بعده. وقد تقدّم من ذكر السلطان أبي يوسف في اسم من تقدم من الملوك ما فيه كفاية.
وبتلمسان، الأمير أبو حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن، [سلطان بني عبد الواد، مذلّل الصّقع] «2» ، والمثل «3» السّائر في الحزم والتيقّظ، وصلابة الوجه، زعموا، وإحكام القحة، والإغراب في خبث «4» السّيرة. واستمرّت ولايته إلى عام ثمانية عشر وسبعمائة، إلى أن سطا به ولده عبد الرحمن أبو تاشفين.
وبتونس، الأمير الخليفة أبو عبد الله محمد بن الواثق «5» يحيى بن المستنصر محمد «6» بن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص «7» . ثم توفي في ربيع «8» الآخر عام تسعة «9» وسبعمائة. فولي الأمر قريبه الأمير أبو بكر «10» عبد الرحمن بن الأمير أبي يحيى «11» زكريا ابن الأمير [أبي إسحاق بن الأمير] «12» أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص. ونهض إليه من بجاية قريبة السلطان أبو البقاء خالد ابن الأمير أبي زكريا ابن الأمير أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا يحيى «13» بن عبد الواحد بن أبي حفص، فالتقيا «14» بأرض تونس، فهزم أبو بكر «15» ، ونجا بنفسه، فدخل بستانا لبعض أهل الخدمة، مختفيا فيه، فسعي به إلى أبي البقاء، فجيء به إليه، فأمر بعض القرابة بقتله صبرا، نفعه الله «16» . وتمّ الأمر لأبي البقاء في رابع جمادى الأولى منه، إلى أن وفد «17» الشيخ المعظم «18» أبو يحيى زكريا الشهير «19»
(3/256)

باللّحياني، قافلا من بلاد المشرق، وهو كبير آل أبي حفص نسبا «1» وقدرا، فأقام بإطرابلس، وأنفذ إلى تونس خاصّته الشيخ الفقيه أبا عبد الله المردوري «2» محاربا لأبي البقاء، وطالبا للأمر. فتمّ الأمر «3» ، وخلع أبو البقاء تاسع جمادى الأولى عام أحد عشر وسبعمائة. وتمّ الأمير للشيخ أبي يحيى. واعتقل أبو البقاء، فلم يزل معتقلا إلى أن توفي في شوال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، ودفن بالجبّانة المعروفة لهم «4» بالزلّاج، فضريحه «5» فيما تعرّفنا بإزاء ضريح قتيله «6» المظلوم أبي بكر، لا فاصل بينهما. وعند الله تجتمع الخصوم.
واتّصلت أيام الأمير أبي يحيى، إلى أن انقرضت مدة الأمير أبي الجيوش. وقد تضمّن الإلماع بذلك «7» الرّجز المسمّى ب «قطع السّلوك» «8» من نظمي. فمن «9» ذلك فيما يختصّ بملوك «10» المغرب قولي في ذكر السلطان أبي يعقوب: [الرجز]
ثم تقضّى معظم الزمان ... مواصلا حصر بني زيّان
حتى أتى أهل تلمسان الفرج ... ونشقوا من جانب اللّطف الأرج
لما ترقّى درج السّعد درج ... فانفضّ ضيق الحصر عنها وانفرج
وابن ابنه وهو المسمّى عامرا ... أصبح بعد ناهيا وآمرا
وكان ليثا دامي المخالب ... تغلّب «11» الأمر بجدّ غالب
أباح بالسّيف نفوسا عدّه ... فلم تطل في الملك منه المدّة
ومات حتف أنفه واخترما ... ثم سليمان عليها قدّما
أبو الربيع دهره ربيع ... يثني على سيرته الجميع
حتى إذا الملك سليمان قضى ... تصيّر الملك «12» لعثمان الرّضا
فلاح نور السّعد فيها وأضا ... ونسي «13» العهد الذي كان مضى
(3/257)

وفيما يختصّ ببني زيّان، بعد ذكر أبي زيّان: [الرجز]
حتى إذا استوفى زمان سعده ... قام أبو حمّو بها من بعده
وهو الذي سطا عليه ولده ... حتى انتهى على يديه أمده «1»
وفيما يختصّ بآل أبي حفص بعد ذكر جملة «2» منهم: [الرجز]
ثم الشهيد «3» والأمير «4» خالد ... هيهات ما في الدهر حيّ خالد
وزكريّاء «5» بها بعد ثوى ... ثم نوى الرّحلة عنها والنوى
وحلّ «6» بالشرق وبالشرق ثوى ... وربما فاز امرؤ بما نوى
ومن ملوك النصارى بقشتاله: هرانده بن شانجه بن ألهنشه «7» بن هرانده بن شانجه. ونازل على عهده الجزيرة الخضراء، ثم أقلع عنها عن ضريبة «8» وشروط، ثم نازل في أخريات أمره «9» حصن القبذاق، وأدركه ألم الموت بظاهره، فاحتمل من المحلّة «10» إلى جيّان، وبقيت المحلّة منيخة على الحصن، إلى أن تملّك بعد موت الطّاغية بأيام «11» ثلاثة، كتموا فيها موته. ولسبب 1»
هلاكه حكاية ظريفة، تضمنتها «طرفة العصر، في تاريخ دولة بني نصر» . وقام بعده بأمر النصرانية ولده ألهنشه، واستمرّت أيامه إلى «13» عام خمسين وسبعمائة.
بعض الأحداث في أيامه: نازل على أول أمره طاغية قشتالة الجزيرة الخضراء في الحادي والعشرين من «14» عام تسعة وسبعمائة، وأقام عليها إلى أخريات شعبان من العام المذكور، وأقلع «15» عنها بعد ظهوره على الجبل «16» وفوز قداحه به. ونازل
(3/258)

صاحب برجلونة مدينة ألمريّة غرّة ربيع الأول من هذا العام، وأخذ بمخنّقها، وتفرّقت الظبا على الخراش «1» ، ووقعت على جيش المسلمين الناهد إليه وقيعة «2» كبيرة، واستمرّت المطاولة إلى أخريات شعبان، ونفّس الله الحصر، وفرّج الكرب. وما كاد أهل الأندلس يستنشقون «3» ريح العافية، حتى نشأ نجم الفتنة «4» ، ونشأت ريح الخلاف، واستفسد وزير الدولة ضمائر أهلها، واستهدف إلى رعيتها بإيثار النصارى والصاغية إلى العدوّ، وأظهر الرّئيس «5» ابن عم الأب صاحب مالقة أبو سعيد فرج «6» بن إسماعيل، صنو الغالب بالله «7» ابن نصر، الامتساك بما كان بيده، والدعاء لنفسه، وقدّم ولده الدّائل إلى طلب الملك. وثار أهل غرناطة، يوم الخامس والعشرين لرمضان «8» من العام، وأعلن منهم من أعلن بالخلاف ثم خانهم التدبير، وخبطوا العشواء «9» ، ونزل الحشم، فلاذ الناس منهم بديارهم، وبرز السلطان إلى باب القلعة، متقدّما بالعفّة عن الناس، وفرّ الحاسرون عن القناع، فلحقوا بالسلطان أبي الوليد بمالقة، فاستنهضوه «10» إلى الحركة، وقصد الحضرة، فأجابهم وتحرّك، فأطاعته الحصون بطريقه، واحتلّ خارج «11» غرناطة صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين لشوال منه «12» ، فابتدره الناس من صائح ومشير بثوبه، ومتطارح بنفسه، فدخل البلد من ناحية ربض البيّازين، واستقرّ بالقصبة «13» ، كما تقدم في اسمه. وفي ظهر يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر، نزل «14» الحمراء دار الملك، وانفصل السلطان المترجم به، موفّى له شرط عقده من انتقاله إلى وادي آش، مستبدّا بها، وتعيين مال مخصوص، وغير ذلك. ورحل ليلة الثلاثاء الثالث لذي قعدة من العام. واستمرّت الحال، بين حرب ومهادنة «15» ، وجرت بسبب ذلك أمور صعبة إلى حين وفاته.
رحمه الله.
(3/259)

مولده: ولد «1» في رمضان عام ستة وثمانين وستمائة. وكانت سنّه ستا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ودولته الجامعة خمس سنين وشهرا واحدا، ومقامه بوادي آش تسعة أعوام وثلاثة أيام.
وفاته: توفي، رحمه الله، ليلة الأربعاء سادس ذي قعدة من عام اثنين وعشرين وسبعمائة بوادي آش، ودفن بجامع القصبة منها، ثم نقل في أوائل «2» ذي الحجة منه إلى الحضرة، فكان وصوله يوم الخميس السادس منه، وبرز إليه السلطان، والجمع الكثير من الناس، ووضع «3» سريره بالمصلّى العيدي، وصلّى عليه إثر صلاة العصر، ودفن بمقبرة سلفه بالسّبيكة، وكان يوما من الأيام المشهودة، وعلى قبره مكتوب في الرّخام:
«هذا قبر السلطان المرفّع «4» المقدار، الكريم البيت العظيم النّجار، سلالة الملوك الأعلام الأخيار، الصّريح النّسب في صميم الأنصار «5» ، الملك الأوحد الذي له السّلف العالي المنار، في الملك المنيع الذّمار، رابع ملوك بني نصر أنصار دين المصطفى «6» المختار، المجاهدين في سبيل الملك الغفار، الباذلين في رضاه كرائم الأموال ونفائس الأعمار، المعظّم المقدّس المرحوم أبي الجيوش نصر ابن السلطان الأعلى، الهمام الأسمى، المجاهد الأحمى، الملك العادل، الطّاهر الشّمائل، ناصر دين الإسلام، ومبيد عبدة الأصنام، المؤيد المنصور، المقدّس، المرحوم أمير المسلمين أبي عبد الله ابن السلطان الجليل «7» ، الملك الشهير، مؤسّس قواعد الملك على التّقوى والرّضوان، وحافظ كلمة الإسلام وناصر دين الإيمان، الغالب بالله، المنصور بفضل الله، المقدّس المرحوم، أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر، تغمّده الله برحمته وغفرانه، وبوّأه منازل إحسانه، وكتبه في أهل رضوانه، وكان «8» مولده في يوم الاثنين الرابع والعشرين لشهر رمضان المعظم عام ستة وثمانين وستمائة. وبويع يوم الجمعة غرّة شوال عام ثمانية وسبعمائة، وتوفي، رحمه الله «9» ، ليلة يوم الأربعاء
(3/260)

السادس لشهر ذي قعدة عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فسبحان الملك الحقّ المبين، وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وفي جهة «1» : [الكامل]
يا قبر، جاد ثراك «2» صوب غمام ... يهمي عليك برحمة وسلام
بوركت لحدا فيه أيّ وديعة ... ملك كريم من نجار كرام
ما شئت من حلم ومن خلق رضى ... وزكاء أعراق ومجد سام
فاسعد بنصر رابع الأملاك من ... أبناء نصر ناصري الإسلام
من خزرج الفخر الذين مقامهم ... في نصر خير الخلق خير مقام
يا أيها المولى المؤسّس بيته ... في معدن الأحساب والأحلام
ما للمنيّة والشباب مساعد ... قد أقصدتك بصائبات سهام
عجلت على ذاك الجمال فغادرت ... ربع المحاسن طامس الأعلام
فمحى الرّدى من حسن وجهك آية ... نحو «3» النهار لسدفة الإظلام
ما كنت إلّا بدر تمّ باهرا ... أخنى الخسوف عليك عند تمام
فعلى ضريح أبي الجيوش تحيّة ... كالمسك عرفا عند فضّ ختام
وتغمّدته رحمة الله التي ... ترضيه من عدن بدار مقام
ومن الأعيان والوزراء
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري
يكنى أبا الفتح، أصلهم من حصن أريول من عمل مرسية، ولهم في الدولة النّصرية مزية خصّوا لها بأعظم رتب القيادة، واستعمل بعضهم في ولاية السلطان.
حاله: نقلت من خط شيخنا أبي بكر بن شبرين، قال: وفي السادس عشر لذي قعدة منه، يعني عام عشرة وسبعمائة، توفي بغرناطة القائد المبارك أبو الفتح، أحد الولاة والأعيان الذاكرين لله تعالى، أولي النزاهة والوفاء.
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح بن نصر بن إبراهيم ابن نصر الفهري
يكنى أبا الفتح، حفيد المذكور معه في هذا الباب.
(3/261)

حاله: من كتاب «طرفة العصر» : نسيج وحده في الخير والعفاف، ولين العريكة، ودماثة الأخلاق، إلى بعد الهمّة، وجمال الأبّهة، وضخامة التّجنّد، واستجادة المركب والعدّة، وارتباط العبادة. استعان على ذلك بالنّعمة العريضة بين منادية إليه بميراث، ومكتسب من جرّاء المتغلّب على الدولة صهره ابن المحروق معياشة لبنته. ونمت حال هذا الشهم النّجد، وشمخت رتبته حتى خطب للوزارة في أخريات أيامه، وعاق عن تمام المراد به إلحاح السّقم على بدنه وملازمة الضّنا لجثمانه، فمضى لسبيله، عزيز الفقد عند الخاصّة، ذائع الثّناء، نقي العرض، صدرا في الولاة، وعلما في القوّاد الحماة.
وفاته: توفي بغرناطة ليلة الجمعة الثامن والعشرين لجمادى الآخرة عام خمسة وأربعين وسبعمائة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، ركب إليها السلطان، ووقف بإزاء لحده، إلى أن ووري، تنويها بقدره، وإشادة ببقاء الحرمة على خلفه. وحمل سريره الجملة من فرسانه وأبناء نعمته.
ومن الكتّاب والشعراء
نزهون بنت القليعي»
قال ابن الأبّار «2» : وهو فيما أحسب أبو بكر محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغسّاني، غرناطية «3» .
حالها: كانت «4» أديبة شاعرة، سريعة الجواب، صاحبة فكاهة ودعابة. وقد جرى شيء من ذلك في اسم أبي بكر بن قزمان «5» ، والمخزومي الأعمى «6» ، وأبي بكر بن سعيد «7» .
(3/262)

شعرها: دخل «1» الأديب أبو بكر الكتندي «2» الشاعر، وهي تقرأ على المخزومي الأعمى، فلمّا نظر إليها، قال: أجز يا أستاذ: [الكامل]
لو كنت تبصر من تكلّمه «3» ... ..............
فأفحم المخزومي زامعا، فقالت: [الكامل]
................ .. ... لغدوت أخرس من خلاخله
ثم زادت:
البدر يطلع من أزرّته ... والغصن يمرح في غلائله
ولا خفاء ببراعة هذه الإجازة ورفاعة هذا الأدب.
وكتب إليها أبو بكر بن سعيد، وقد بلغه أنها تخالط غيره من الأدباء الأعيان «4» :
[المجتث]
يا من له ألف خلّ «5» ... من عاشق وعشيق «6»
أراك خلّيت للنّا ... س سدّ ذاك الطريق «7»
فأجابته بقولها: [الطويل]
حللت أبا بكر محلّا منعته ... سواك، وهل غير الرفيع «8» له صدري؟
وإن كان لي كم من حبيب فإنما ... يقدّم أهل الحقّ فضل «9» أبي بكر
وهذه غاية في الحسن بعيدة. ومحاسنها شهيرة، وكانت من غرر المفاخر الغرناطية.
(3/263)

حرف الصاد
من الأعيان والوزراء
الصّميل بن حاتم بن عمر بن جذع بن شمر بن ذي الجوشن الضّبابي الكلبي «1»
وهو من أشراف عرب الكوفة.
أوليته: قال صاحب الكتاب «الخزائني» : جدّه «2» أحد قتلة الحسين بن علي والذي قدم برأسه على يزيد بن معاوية، فلمّا قام المختار «3» ثائرا بالحسين فرّ عنه شمر ولحق بالشام فأقام بها في عزّ ومنعة. ولمّا خرج كلثوم بن عياض غازيا إلى المغرب، كان الصّميل ممن ضرب عليه البعث في أشراف أهل الشام. ودخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر القشيري، فشرف ببدنه إلى شرف تقدّم له، وردّ ابن حيّان هذا. وقال في كتاب «بهجة الأنفس، وروضة الأنس» : كان الصّميل بن حاتم هذا جدّه شمر قاتل الحسين، رضي الله عنه، من أهل الكوفة، فلمّا قتله، تمكّن منه المختار فقتله، وهدم داره، فارتحل ولده من الكوفة، فرأس بالأندلس، وفاق أقرانه بالنجدة والسّخاء.
حاله: قال «4» : كان شجاعا، نجدا، جوادا، كريما، إلّا أنه كان رجلا أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان «5» له في قلب الدول وتدبير الحروب، أخبار مشهورة.
من أخباره: حكى ابن القوطيّة، قال «6» : مرّ الصّميل بمعلّم يتلو: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
«7» ، فوقف يسمع، ونادى بالمعلّم: يا هناه، كذا نزلت
(3/264)

هذه الآية؟ فقال: نعم، فقال: أرى والله أن سيشركنا في هذا الأمر العبيد والأراذل والسّفلة.
خبره في الجود: قال: كان أبو الأجرب الشاعر «1» وقفا على أمداح الصّميل، وهو القائل: [الوافر]
بنى لك حاتم بيتا رفيعا ... رأيناه على عمد طوال
وقد كان ابتنى شمر وعمرو ... بيوتا غير ضاحية الظّلال
فأنت ابن الأكارم من معدّ ... تعلج للأباطح «2» والرّمال
وقارضه بإجزاله لعطائه وانتمائه في ثوابه، بأن أغلظ القسم على نفسه بأن لا يراه إلّا أعطاه ما حضره، فكان أبو الأجرب قد اعتمد اجتنابه في اللقاء حياء منه وإبقاء على ماله، فكان لا يزوره إلّا في العيدين قاضيا لحقّه. وقد لقيه يوما مواجهة ببعض الطريق، والصّميل راكب، ومعه ابناه، فلم يحضره ما يعطيه، فأرجل أحد ابنيه، وأعطاه دابّته، فضرب في صنعه، وفيه يقول من قصيدة:
[الكامل]
دون الصّميل شريعة مورودة ... لا يستطيع لها العدوّ ورودا
فتّ الورى وجمعت أشتات العلا ... وحويت مجدا لا ينال وجودا
فإذا هلكت فلا تحمّل فارس ... سيفا ولا حمل النساء وليدا
وكان صاحب أمره ولّاه الأندلس قبل الأمويين؛ لهم الأسماء وله معنى الإمرة، وكان مظفّر الحروب، سديد الرأي، شهير الموقف، عظيم الصبر. وأوقع باليمانيّة وقائع كثيرة، منها وقيعة شقندة، ولم يكن بالأندلس مثلها، أثخن فيها القتل باليمانية.
أنفته: قال: وكان أبيّا للضّيم، محاميا عن العشيرة، كلّم أبا الخطّار الأمير في رجل من قومه انتصر به، فأفجمه، وردّ عليه، فأمر به، فتعتع ومالت عمامته، فلمّا خرج قال له بعض من على باب الأمير: يا أبا الجوشن، ما باب عمامتك مائلة؟
فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها، وخرج من ليلته، فأفسد ملكه.
(3/265)

وفاؤه: وخبر وفائه مشهور، فيما كان من جوابه لرسولي عبد الرحمن بن معاوية إليه، بما قطع به رجاء الهوادة في أمر أميره يوسف بن عبد الرحمن الفهري، والتّستّر مع ذلك عليهما، فلينظر في كتاب «المقتبس» .
دخوله غرناطة: ولما صار الأمر إلى عبد الرحمن بن معاوية، صقر بني أمية، وقهر الأمير يوسف الفهري ووزيره الصّميل، إذ عزله الناس، ورجع معه يوسف الفهري والصميل إلى قرطبة، ولم يلبثا أن نكثا، ولحقا فحص غرناطة، ونازلهما الأمير عبد الرحمن بن معاوية في خبر طويل، واستنزلهما عن عهد، وعاد الجميع إلى قرطبة، وكان يوسف والصميل يركبان إلى القصر كل جمعة إلى أن مضيا لسبيلهما. وكان عبد الرحمن بن معاوية يسترجع ويقول: ما رأيت مثله رجلا. لقد صحبني من إلبيرة إلى قرطبة، فما مسّت ركبتي ركبته، ولا خرجت دابّته عن دابّتي.
ومن الكتّاب والشعراء
صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى ابن إدريس التّجيبي «1»
من أهل مرسية، يكنى أبا بجر «2» .
حاله: كان «3» أديبا، حسيبا جليلا، أصيلا، ممتعا من الظّرف، ريّان من الأدب، حافظا، حسن الخطّ، سريع البديهة، ترف النّشأة، على تصاون وعفاف، جميلا سريّا، سمحا ذكيا، مليح العشرة، طيّب النفس، ممّن تساوى حظّه في النظم والنثر، على تباين الناس في ذلك.
مشيخته: روى عن أبيه وخاله، ابن عمّ أبيه القاضي أبي القاسم بن إدريس، وأبي بكر بن مغاور، وأبي الحسن بن القاسم، وأبي رجال بن غلبون، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد الحجري، وابن حوط الله، وأبي الوليد بن رشد، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال.
(3/266)

من روى عنه: أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن أبي البقاء، وأبو عمرو بن سالم، ومحمد بن محمد بن عيشون.
تواليفه: له تواليف أدبيّة منها، «زاد المسافر» ، وكتاب «الرحلة» ، وكتاب «العجالة» سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدبا لا كفاء له. وانفرد من تأبين الحسين، رضي الله عنه، وبكاء أهل البيت، بما ظهرت عليه بركته في «1» حكايات كثيرة.
شعره: ثبتّ من ذلك في العجالة قوله «2» : [الكامل]
جاد الزمان بأنّة الجرعاء ... توقان من دمعي وغيث سماء «3»
فالدّمع يقضي عندها حقّ الهوى ... والغيم حقّ البانة الغيناء «4»
خلت الصّدور من القلوب كما خلت ... تلك المقاصر من مها وظباء
ولقد أقول لصاحبيّ وإنما ... ذخر الصّديق لأمجد «5» الأشياء
يا صاحبيّ، ولا أقلّ إذا أنا ... ناديت من أن تصغيا لندائي «6»
عوجا بحار «7» الغيم في سقي الحما ... حتى ترى «8» كيف انسكاب الماء
ونسنّ في سقي المنازل سنّة ... نمضي بها حكما على الظّرفاء
يا منزلا نشطت إليه عبرتي ... حتى تبسّم زهره لبكائي «9»
ما كنت قبل مزار ربعك عالما ... أنّ المدامع أصدق الأنواء
يا ليت شعري والزّمان تنقّل ... والدّهر ناسخ شدّة برخاء
هل نلتقي في روضة موشيّة ... خفّاقة الأغصان والأفياء؟
وننال فيها من تألّفنا ولو ... ما فيه سخمة «10» أعين الرّقباء؟
في حيث أتلعت الغصون سوالفا ... قد قلّدت بلآلئ الأنداء
وجرت «11» ثغور الياسمين فقبّلت ... عنيّ «12» عذار الآسة الميساء
(3/267)

والورد في شطّ الخليج كأنّه ... رمد ألمّ بمقلة زرقاء
وكأنّ غصن «1» الزّهر في خضر الرّبى ... زهر النجوم تلوح بالخضراء
وكأنما جاء النّسيم مبشّرا ... للرّوض يخبره بطول بقاء
فكساه خلعة طيبه ورمى له ... بدراهم الأزهار رمي سخاء
وكأنّما احتقر الصّنيع فبادرت ... بالعذر «2» عنه نغمة الورقاء
والغصن يرقص في حلى أوراقه ... كالخود في موشيّة خضراء
وافترّ ثغر الأقحوان بما رأى ... طربا وقهقه منه جري الماء
أفديه من أنس تصرّم فانقضى ... فكأنّه قد كان في الإغفاء
لم يبق منه غير ذكر أو منى ... وكلاهما سبب لطول عناء
أو رقعة من صاحب هي تحفة ... إنّ الرّقاع لتحفة النّبهاء
كبطاقة الوسميّ «3» إذ حيّا بها ... إنّ الكتاب تحيّة الظّرفاء «4»
وهي طويلة «5» . وقال مراجعا عن كتاب أيضا: [الوافر]
ألا سمح الزمان به كتابا ... ذرى بوروده أنسي قبابا
فلا أدري أكانا تحت وعد ... دعا بهما لبرئي فاستجابا؟
وقد ظفرت يدي بالغنم منه ... فليت الدهر سنّى لي إيابا
فلو لم أستفد شيئا سواه ... قنعت بمثله علقا لبابا
إذا أحرزت هذا في اغترابي ... فدعني أقطع العمر اغترابا
رجمت بأنسه شيطان همّي ... فهل وجّهت طرسا أم شهابا؟
رشفت به رضاب الودّ عذبا ... يذكّرني شمائلك العذابا
وكدت أجرّ أذيالي نشاطا ... ولكن خلت قولهم تصابا
فضضت ختامه عنّي كأني ... فتحت بفضّه للروض بابا
فكدت أبثّه في جفن عيني ... لكي أستودع الزّهر السّحابا
وكنت أصونه في القلب لكن ... خشيت عليه أن يفنى التهابا
ولو أنّ الليالي سامحتني ... لكنت على كتابكم الجوابا
(3/268)

فأبلي عندكم بالشّكر عذرا ... وأجزل من ثنائكم الثّوابا
ولكنّ الليالي قيّدتني ... وقيّد عدّتي «1» إلّا الخطابا
فما تلقاني الأحباب إلّا ... سلاما أو مناما أو كتابا
لأمر ما يقصّ الدهر ريشي ... لأنّ السّهم مهما ريش صابا
وعاذلة تقول ولست أصغي ... ولو أصغيت لم أرفع جوابا
تخوّفني الدّواهي وهي عندي ... أقل من أن أضيق بها جنابا
إذا طرقت أعدّ لها قراها ... وقارا واحتسابا واصطبارا
وما مثلي يخوّف بالدواهي ... عرين اللّيث لا يخشى الذّبابا
تعاتبني فلا يرتدّ طرفي ... وهل تسترقص الرّيح الهضابا؟
ولو أنّ العتاب يفيد شيئا ... ملأت مسامع الدّنيا عتابا
وقد وصّيتها بالصّمت عنّي ... فما صمتت ولا قالت صوابا
تعنّفني على تركي بلادا ... عهدت بها القرارة والشّبابا
تقول: وهل يضرّ السّيف إلّا ... إذا ما فارق السيف القرابا
فقلت: وهل يضرّ السيف فلّ ... إذا قطّ الجماجم والرّقابا؟
بخوض الهول تكتسب المعالي ... يحلّ السّهل من ركب الصّعابا
فليث الغاب يفترس الأناسي ... وليث البيت يفترس الذّبابا
ولو كان انقضاض الطّير سهلا ... لكانت كلّ طائرة عقابا
دعيني والنهار أسير فيه ... أسير عزائم تفري الصّلابا
أغازل من غزالته فتاة ... تبيّض فودها هرما وشابا
إذا شاءت مواصلتي تجلّت ... وإن ملّت توارت لي احتجابا
وأسري اللّيل لا ألوي عنانا ... ولو نيل الأماني ما «2» أصابا
أطارح من كواكبه كماما ... وأزجر من دجنّته غرابا
وأركب أشهبا «3» غبرا كباعي ... وخضرا مثل خاطري انسيابا
وآخذ من بنات الدّهر حقّي ... جهاز البيت استلب استلابا
ولست أذيل بالمدح القوافي ... ولا أرضى بخطّتها اكتسابا
(3/269)

أأمدح من به أهجو مديحي ... إذا طيّبت بالمسك الكلاما
سأخزنها عن الأسماع حتى ... أردّ الصّمت بينهما حجابا
فلست بمادح ما عشت إلّا ... سيوفا أو جيادا أو صحابا
أبا موسى، وإنّي ذو «1» وداد ... أناجي لو سمعت إذا أجابا
ولكن دون ذلك مهمه لو ... طوته الريح لم ترج الإيابا
أخي، برّ المودّة كلّ برّ ... إذا برّ الأشقّا «2» الانتسابا
بعثت إليك من نظمي بدرّ ... شققت عليه من فكري عبابا
عداني الدهر أن يلقاك شخصي ... فأغنى الشّعر عن شخصي ونابا
وقال في الغرض الذي نظم فيه الرّصافي «3» من وصف بلده، وذكر إخوانه ومعاهده، مساجلا في العروض والرّوي، عقب رسالة سماها «رسالة طراد الجياد في الميدان، وتنازع اللّدان والإخوان، في تنفيق مرسية على غيرها من البلدان» «4» :
[الطويل]
لعلّ «5» رسول البرق يغتنم الأجرا ... فينثر «6» عنّي ماء عبرته نثرا!
معاملة أربو «7» بها غير مذنب ... فأقضيه دمع العين من نقطة بحرا
ليسقي «8» من تدمير قطرا محبّبا ... يقرّ بعين القطر أن تشرب القطرا
ويقرضه ذوب اللّجين وإنما ... توفّيه عيني من مدامعها تبرا
وما ذاك تقصيرا بها غير أنه ... سجيّة ماء البحر أن يذوي الزّهرا
خليليّ، قوما فاحبسا طرق الصّبا ... مخافة أن تحمي «9» بزفرتي الحرّى
فإنّ الصّبا ريح عليّ كريمة ... بآية ما تسري من الجنّة الصّغرى
(3/270)

خليليّ، أعني أرض مرسية المنى ... ولولا توخّي الصّدق سمّيتها الكبرى
محلّي بل جوّي الذي عبقت به ... نواسم آدابي معطّرة نشرا
ووكري الذي منه درجت فليتني ... فجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بها ... مجرّتها نهرا وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرّة ... وقد فضحت أزهار ساحتها الزّهرا
وقد أسكرت أزهار «1» أغصانها الصّبا ... وما كنت أعتدّ الصّبا قبلها خمرا
هنالك بين الغصن والقطر والصّبا ... وزهر الرّبى ولّدت آدابي الغرّا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ... تعلّم نظام النّثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصّبا زهر الرّبى ... تعلّمت حلّ الشّعر أسبكه نثرا
فوائد أسحار هناك اقتبستها ... ولم أر روضا غيره يقرئ السّحرا
كأنّ هزيز الريح يمدح روضها ... فتملأ فاه من أزاهر ها درّا «2»
أيا زنقات «3» الحسن، هل فيك نظرة ... من الجرف الأعلى إلى السّكّة الغرّا؟
فأنظر من هذي لتلك كأنما ... أغيّر إذ غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمّم حسنها ... وقدّت لها أوراقها حللا خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ... وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكة «4» ... أغاريدها تسترقص الغصن النّضرا
فقل في خليج يلبس الحوت درعه ... ولكنه لا يستطيع بها قصرا «5»
إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ... كصفحة سيف وسمها قبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبّهت متنه ... بسطر «6» لجين ضمّ من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيا ... لنهر «7» يودّ الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلّا صفاء تعاتبا ... وقد بكيا من رقّة ذلك النّهرا
وكم لي بالباب الجديد «8» عشيّة ... من الأنس ما فيه سوى أنّه مرّا
(3/271)

عشايا «1» كأنّ الدّهر غصّ «2» بحسنها ... فأجلت سياط «3» البرق أفراسها الشّقرا «4»
عليهنّ أجري خيل دمعي بوجنتي ... إذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا
أعهدي بالغرس المنعّم دوحه ... سقتك دموعي إنها مزنة شكرى «5»
فكم فيك من يوم أغرّ محجّل ... تقضّت أمانيه فخلّدتها ذكرا
على مذنّب كالنحر «6» من فرط حسنه ... تودّ الثّريّا أن تكون «7» له نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ... نقا الرّملة البيضاء فالنّهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قضيت حقوقهم ... لما فارقت عيني وجوههم الزّهرا
ولو كنت أقضي حقّ نفسي ولم أكن ... لما بتّ أستحلي فراقهم المرّا
وما اخترت هذا البعد إلّا ضروة ... وهل تستجير العين أن تفقد الشّفرا «8» ؟
قضى الله أن ينأى «9» بي الدهر عنهم ... أراد بذاك الله أن أعتب الدهرا
وو الله لو نلت المنى ما حمدتها ... وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيأنس باللّذات قلبي ودونهم ... مرام يجدّ الرّكب «10» في طيّها شهرا؟
ويصحب هادي الليل راء وحرفة ... وصادا ونونا قد تقوّس «11» واصفرّا
فديتهم بانوا وضنّوا بكتبهم ... فلا خبرا منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا همّاتهم لعتبتهم ... ولكن عراب الخيل لا تحمل الزّجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السّرى ... بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحقّقت ذاك الضّرب جمعا وعدّة ... وطرحا وتجميلا فأخرج لي صفرا
كأنّ زماني حاسب متعسّف ... يطارحني كسرا، أما يحسن الجبرا؟
فكم عارف بي وهو يحسب «12» رتبتي ... فيمدحني سرّا ويشتمني جهرا
(3/272)

لذلك ما أعطيت نفسي حقّها ... وقلت لسرب الشّعر: لا ترم «1» الفكرا «2»
فما برحت فكري عذارى قصائدي ... ومن خلق العذراء أن تألف الخدرا
ولست وإن طاشت سهامي بآيس ... فإنّ مع العذر «3» الذي يتّقى يسرا
ومن مقطوعاته «4» : [السريع]
يا قمرا مطلعه أضلعي ... له سواد القلب منها «5» غسق
وربّما استوقد نار الهوى ... فناب فيها لونها عن شفق
ملّكتني في «6» دولة من صبا ... وصدتني في «7» شرك من حدق
عندي من حبّك «8» ما لو سرت ... في البحر منه شعلة لاحترق
ومن مقطوعاته أيضا «9» : [الكامل]
قد كان لي قلب فلمّا فارقوا ... سوّى جناحا للغرام وطارا
وجرت سحاب بالدموع «10» فأوقدت ... بين الجوانح لوعة وأوارا
ومن العجائب أنّ فيض مدامعي ... ماء ويثمر «11» في ضلوعي نارا
وشعره الرّمل والقطر كثرة، فلنختم له المقطوعات بقوله «12» : [المنسرح]
قالوا وقد طال بي مدى خطئي ... ولم أزل في تجرّمي ساهي «13»
أعددت شيئا ترجو النجاة به؟ ... فقلت: أعددت رحمة الله
نثره: كتب يهنّئ «14» قاضي الجماعة أبا القاسم بن بقيّ من رسالة «15» : لأن «16» قدره «17» دام عمره، وامتثل نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلّا، من أن
(3/273)

يتحلّى بخطّة هي به تتحلّى. كيف يهنأ بالقعود لسماع دعوة «1» الباطل، ولمعاناة «2» الإنصاف الممطول من الماطل، والتّعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة. أما لو علم المتشوّقون «3» إلى خطّة الأحكام، المستشرفون إلى ما لها من التّبسّط والاحتكام، ما يجب لها من اللّوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدوّ وذي الذّنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السّبيل، على ذي الرّحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسّع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك ممّا علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل لخلقه «4» الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم «5» ، فنبذوه وراء ظهورهم «6» ، اللهمّ إلّا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طودا في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحرب والسّلم، وكان كقاضي الجماعة «7» ، في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلّد الأحكام للأجر، لا للتّعسف «8» والزّجر، ويتولّاها للثواب، لا للغلظة في ردّ الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبح «9» الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذّخر، لا للإزراء والسّخر. فإذا كان كذلك، وسلك المتوليّ هذا السّالك «10» ، وكان كقاضي «11» الجماعة ولا مثل له، ونفع الحقّ به علله، ونقع غلله، فيومئذ تهنأ «12» به خطّة القضاء، ويعرف ما لله عليه «13» من اليد البيضاء.
ومحاسنه في النثر أيضا جمّة.
ومن أخباره «14» أنه رحل إلى مرّاكش متسبّبا «15» في جهاز بنت بلغت التّزويج، وقصد دار الإمارة مادحا، فما تيسّر له شيء من أمله، ففكّر في خيبة قصده، وقال:
لو كنت تأمّلت «16» جهة الله، ومدحت المصطفى «17» صلى الله عليه وسلم، وآل بيته الطاهرين، لبلغت أملي بمحمود عملي. ثم استغفر الله «18» في توجّهه الأول، وعلم أن ليس على غير
(3/274)

الثاني من «1» معوّل، فلم يكن إلّا أن صوّب نحو هذا القصد سهمه، وأمضى فيه عزمه، وإذا به قد وجّه عنه، وأدخل «2» على الخليفة، فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحا به، فأنفذه وزاده عليه، وأخبره أنّ ذلك لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في النّوم يأمره «3» بقضاء حاجته. فانفصل موفّى الأغراض، واستمرّ في مدح أهل البيت حتى اشتهر في ذلك «4» .
وفاته: سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنّه دون الأربعين سنة، وصلّى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الدّين «5» والفضل، رحمة الله عليه، وتلقيت من جهات أنه دخل غرناطة، لما امتدح القائد أبا عبد الله بن صناديد بمدينة جيّان، حسبما يظهر من عجالته، من غير تحقيق لذلك.
صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم ابن علي بن شريف النّفزي «6»
من أهل رندة، يكنى أبا الطّيّب.
حاله: قال ابن الزّبير: شاعر مجيد في المدح والغزل، وغير ذلك. وعنده مشاركة في الحساب والفرائض. نظم في ذلك. وله تواليف أدبية، وقصائد زهدية، وجزء على حديث جبريل عليه السلام، وغير ذلك مما روى عنه. وكان في الجملة معدودا في أهل الخير، وذوي الفضل والدّين. تكرّر لقائي إياه، وقد أقام بمالقة أشهرا، أيام إقرائي. وكان لا يفارق مجالس إقرائي، وأنشدني كثيرا من شعره.
وقال ابن عبد الملك «7» : كان خاتمة الأدباء بالأندلس، بارع التّصرّف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيها حافظا، فرضيّا، متفنّنا في معارف شتى «8» ، نبيل المقاصد «9» ، متواضعا، مقتصدا في أحواله. وله مقامات بديعة في أغراض شتّى، وكلامه، نظما ونثرا، مدوّن.
(3/275)

مشيخته: روى «1» عن آباء الحسن: أبيه، والدبّاج، وابن الفخّار الشّريشي، وابن قطرال، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي القاسم ابن الجدّ «2» .
تواليفه: ألّف جزءا على حديث جبريل، وتصنيفا في الفرائض وأعمالها، وآخر في العروض، وآخر في صنعة الشعر سماه «الوافي «3» ، في علم القوافي» .
وله كتاب كبير سماه «روضة الأنس، ونزهة النّفس» .
دخوله غرناطة: وكان كثير الوفادة على غرناطة، والتردّد إليها، يسترفد ملوكها، وينشد أمراءها، والقصيدة التي أوّلها: «أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا» «4» ، أخبرني شيخنا أبو عبد الله اللّوشي أنه نظمها باقتراح السلطان، رحمه الله، وقد أوعز إليه ألّا يخرج عن بعض بساتين الملك حتى يكملها في معارضة محمد بن هاني الإلبيري.
شعره: وهو كثير، سهل المأخذ، عذب اللفظ، رائق المعنى، غير مؤثر للجزالة. فمن ذلك قوله، رحمه الله، في غرض المدح من السّلطانيات «5» : [الوافر]
سرى والحبّ أمر لا يرام ... وقد أغرى به الشّوق الغرام «6»
وأغفى أهلها إلّا وشاة ... إذا نام الحوادث لا تنام
وما أخفاه «7» بين القوم إلّا ... ضنى ولربما «8» نفع السّقام
فنال بها على قدر مناه ... وبين القبض والبسط القوام
وأشهى الوصل ما كان اختلاسا ... وخير الحبّ ما فيه اختتام
وما أحلى الوصال لو أنّ شيئا ... من الدّنيا للذّته دوام
بكيت من الفراق بغير أرضي ... وقد يبكي الغريب المستهام
أعاذلتي، وقد فارقت إلفي ... أمثلي في صبابته يلام؟
أأفقده فلا أبكي عليه؟ ... يكون أرقّ من قلبي الحمام
أأنساه فأحسبه كصبري ... وهل ينسى لمحبوب ذمام؟
(3/276)

رويدا، إنّ بعض اللّوم لوم ... ومثلي لا ينهنهه الملام
ويوم نوى وضعت الكفّ فيه ... على قلب يطير به الهيام
ولولا أن سفحت به جفونا ... تفيض دما لأحرقها الضّرام «1»
وليل بتّه «2» كالدّهر طولا ... تنكّر لي وعرّفه التّمام
كأنّ سماءه «3» زهر «4» تجلّى ... بزهر الزّهر والشّرق «5» الكمام
كأنّ البدر تحت الغيم وجه ... عليه من ملاحته لثام
كأنّ الكوكب الدّرّي كأس ... وقد رقّ الزّجاجة والمدام
كأنّ سطور أفلاك الدّراري ... قسيّ والرّجوم لها سهام
كأنّ مدار قطب بنات نعش ... نديّ والنجوم به ندام
كأنّ بناته الكبرى جوار ... جوار والسّهى فيها غلام
كأنّ بناته الصّغرى جمان ... على لبّاتها منها «6» نظام
كواكب بتّ أرعاهنّ حتى ... كأنّي عاشق وهي الذّمام
إلى أن مزّقت كفّ الثّريّا ... جيوب الأفق وانجاب الظلام
فما خلت انصداع الفجر إلّا ... قرابا ينتضى منه حسام
وما شبّهت وجه الشمس إلّا ... لوجهك «7» أيها الملك الهمام
وإن شبّهته بالبدر يوما ... فللبدر الملاحة والتّمام
تهلّل منه حسن الدهر حتى ... كأنّك في محيّاه ابتسام
وعرف ما تنكّر من معال ... كأنّك لاسمها ألف ولام
وملء العين منك جلال مولى ... صنائعه كغرّته وسام
إذا ما قيل في يده غمام ... فقد بخست وقد خدع الغمام
وحشو الدّرع أروع غالبيّ ... يراع بذكره الجيش اللهام
إذا ما سلّ سيف العزم يوما ... على أمر فسلّم يا سلام
(3/277)

تناهى مجده كرما وبأسا ... فما يدري أمحيا أم حمام
نمّته للمكارم والمعالي ... سراة من بني نصر كرام
هم الأنصار هم نصروا وآووا ... ولولا المسك ما طاب الختام
وهم قادوا الجيوش لكلّ فتح ... ولولا الجدّ ما قطع الحسام
وهم منحوا الجزيرة من حماهم ... جوارا لا يذمّ ولا يضام
فمن حرب تشيب له النّواصي ... وسلم تحيّته سلام
بسعدك، يا محمد، عزّ دين ... له بعد «1» الإله بك اعتصام
وباسمك تمّ للإسلام سلم ... وغبّ السّلم نصر مستدام
وكان مرامه صعبا ولكن ... بحمد الله قد سهل المرام
أدام الله أمرك من أمير ... ففيه لكل مكرمة دوام
وأنت العروة الوثقى تماما ... وما للعروة الوثقى انفصام
وروح أنت والجسم المعالي ... ومعنى أنت واللّفظ «2» الأنام
إذا ما ضاقت الدنيا بحرّ ... كفاه لثم كفّك والسلام
ومن شعره أيضا: [الطويل]
أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا ... وصالك ما أحلى وهجرك ما أجفا!
ومن عجب للطّيف أن جاء واهتدى ... فعاد عليلا عاد كالطّيف أم أخفى
فيا سائرا، لولا التخيّل ما سرى ... ويا شاهدا، لولا التعلّل ما أغفى
ألمّ فأحياني وولّى فراعني ... ولم أر أجفى منك طبعا ولا أشفى
بعيني شكواي للغرام وتيهه ... إلى أن تثنّى عطفه فانثنى عطفا
فعانقته شوقا وقبّلته هوى ... ولا قبلة تكفي ولا لوعة تطفا
ومن نزعاته العجيبة قوله، وقد سبق إلى غرضه غيره: [البسيط]
يا طلعة الشمس إلّا أنه قمر ... أمّا هواك فلا يبقي ولا يذر
كيف التخلّص من عينيك لي ومتى ... وفيهما القاتلان الغنج والحور
وكيف يسلي فؤادى عن صبابته ... ولو نهى النّاهيان الشّيب والكبر
أنت المنى والمنايا فيك قد جمعت ... وعندك الحالتان النّفع والضّرر
(3/278)

ولي من الشّوق ما لا دواء له ... ومنك لي الشّافيان القرب والنّظر
وفي وصالك ما أبقي به رمقي ... لو ساعد المسعدان الذّكر والقدر
وكان طيف خيال منك يقنعني ... لو يذهب المانعان الدّمع والسّهر
يا نابيا، لم يكن إلّا ليملكني ... من بعده المهلكان الغمّ والغير
ما غبت إلّا وغاب الجنس أجمعه ... واستوحش المؤنسان السّمع والبصر
بما تكنّ ضلوعي في هواك بمن ... يعنو له السّاجدان النّجم والشجر
أدرك بقيّة نفس لست مدركها ... إذا مضى الهاديان العين والأثر
ودلّ حيرة مهجور بلا سبب ... يبكي له القاسيان الدّهر والحجر
وإن أبيت فلي من ليس يسلمني ... إذا نبا المذهبان الورد والصّدر
مؤيّدا لملك بالآراء يحكمها ... في ضمنها المبهجان اليمن والظّفر
من كالأمير أبي عبد الإله إذا ما ... خانت القدمان البيض والسّمر
الواهب الخيل آلافا وفارسها ... إذا استوى المهطعان الصّرّ والصّبر
والمشبه اللّيث في بأس وفي خطر ... ونعمت الحليتان البأس والخفر
تأمّن الناس في أيامه ومشوا ... كما مشى الصّاحبان الشاة والنّمر
وزال ما كان من خوف ومن حذر ... فما يرى الدّايلان الخوف والحذر
رأيت منه الذي كنت أسمعه ... وحبّذا الطّيّبان الخبر والخبر
ما شئت من شيم عليا ومن شيم ... كأنها الرّائقان الظّلّ والزّهر
وما أردت من إحسان ومن كرم ... ينسى به الأجودان البحر والمطر
وغرّة يتلألأ من سماحتها ... كأنها النّهران الشمس والقمر
إيه، فلولا دواع من محبّته ... لم يسهل الأصعبان البين والخطر
نأيت عنه اضطرارا ثم عدت له ... كما اقتضى المبرمان الحلّ والسّفر
فإن قضى الله أن يقضي به أملي ... فحسبي المحسبان الظّلّ والثّمر
ولست أبعد إذ والحال متّسع ... أن يبلغ الغائبان السّؤل والوطر
ومن شعره في أغراض متعددة، قال في الليل والسّهر: [مجزوء السريع]
أطال ليلي الكمد ... فالدهر عندي سرمد
وما أظنّ أنه ... ليلة الهجر غد
يا نائما عن لوعتي ... عوفيت ممّا أجد
ارقد هنيّا إنّني ... لا أستطيع أرقد
لواعج ما تنطفي ... وأدمع تضطرد
(3/279)

وكبدي كبد الهوى ... وأين منّي الكبد؟
ولا تسل عن جلدي ... والله ما لي جلد
ومن شعره أيضا في المقطوعات: [السريع]
وليلة قصّر من طولها ... بزورة من رشا نافر
استوفر الدهر بها غالطا ... فأدغم الأوّل والآخر
وقال من قصيدة مغربة في الإحسان «1» : [السريع]
وليلة نبّهت أجفانها ... والفجر قد فجّر نهر النهار
والليل كالمهزوم يوم «2» الوغا ... والشّهب مثل الشّهب «3» عند الفرار
كأنما استخفى السّها خيفة ... وطولب النّجم بثأر فثار
لذاك ما شابت نواصي الدّجى ... وطارح النّسر أخاه فطار
وفي الثّريّا قمر سافر ... عن غرّة غيّر منها الشّفار «4»
كأنّ عنقودا بها ماثل «5» ... إذ صار كالعرجون عند السّرار
كأنها تسبك ديناره ... وكفّها تفتل منه سوار «6»
كأنما الظّلماء مظلومة ... تحكّم الفجر عليها فجار
كأنما الصّبح لمشتاقه ... إقبال دنيا «7» بعد ذلّ افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقت ... وجه أبي عبد الإله استنار
وفي وصف البحر والأنهار وما في معنى ذلك: [البسيط]
البحر أعظم مما أنت تحسبه ... من لم ير البحر يوما ما رأى عجبا
طام له حبب طاف على زورق ... مثل السماء إذا ما ملئت شهبا
وقال في وصف نهر: [الطويل]
وأزرق محفوف بزهر كأنّه ... نجوم بأكناف المجرّة تزهر
يسيل على مثل الجمان مسلسلا ... كما سلّ عن غمد حسام مجوهر
(3/280)

وقد صافح الأدواح من صفحاته ... وحتى «1» حباب بالنّسيم مكسّر
فما كان في عطف الخليج قلامة ... وما كان في وجه الغدير فمغفر
وفي العقل والتّغرّب: [السريع]
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصوم الحرّ أسراره
لا سيما إن كان في غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره
ومن وصفه الجيش والسلاح: [الكامل]
وكتيبة بالدّارعين كثيفة ... جرّت ديول الجحفل الجرّار
روض المنايا بينها القضب التي ... زفّت بها الرّايات كالأزهار
فيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... أسد الشّرى بين القنا الخطّار
متهلّلين لدى اللّقاء كأنهم ... خلقت وجوههم من الأقمار
من كلّ ليث فوق برق خاطف ... بيمينه قدر من الأقدار
من كلّ ماض قد تقلّد مثله ... فيصبّ آجالا على الأعمار
لبسوا القلوب على الدروع وأسرعوا ... لأكفّهم نارا لأهل النار
وتقدّموا ولهم على أعدائهم ... حنق العدا وحميّة الأنصار
فارتاع ناقوس بخلع لسانه ... وبكى الصّليب لذلّة الكفّار
ثم انثنوا عنه وعن عبّاده و ... قد أصبحوا خبرا من الأخبار
وفي السّيف: [البسيط]
وأبيض صيغ من ماء ومن لهب ... على اعتدال فلم يخمد ولم يسل
ماضي الغرار يهاب العمر صولته ... كأنما هو مطبوع من الأجل
أبهى من الوصل بعد الهجر منظره ... حسنا وأقطع من دين على ملل «2»
وأسمر ظنّ أن «3» ما كل سابغة ... فخاض كالأيم يستشفي من النّهل
هام الكماة به حبّا ولا عجب ... من لوعة بمليح القدّ معتدل
إذا الطّعين تلقّاه وأرعفه ... حسبته عاشقا يبكي على طلل
(3/281)

ومن ذلك قوله في وصف قوس: [الوافر]
تنكّبها كحاجبه وسوّى ... بأهداب الجفون لها نبالا
فلم أر قبله بدرا منيرا ... تحمّل فوق عاتقه هلالا
ومن ذلك في وصف قلم: [المتقارب]
وأصفر كالصّبّ في رونق ... تظنّ به الحبّ ممن نحل
بديع الصّفات حديد السّبات ... يطول الرّماح وإن لم يطل
يعبّر عمّا وراء الضمير ... ويفعل فعل «1» الظّبا والذّبل
ومن ذلك قوله فيما يظهر منها: [البسيط]
تفاخر السّيف فيما قيل والقلم ... والفصل بينهما لا شكّ منفهم
كلاهما شرف لله «2» درّهما ... وحبّذ الخطّتان الحكم والحكم
ومن ذلك قوله في سكّين الدواة: [الخفيف]
أنا صمصامة الكتابة ما لي ... من شبيه في المرهفات الرّقاق
فكأنّي في الحسن يوم وصال ... وكأنّي في القطع يوم فراق
ومن ذلك قوله في المقصّ: [الوافر]
ومعتنقين ما اشتهرا بعشق ... وإن وصفا بضمّ واعتناق
لعمر أبيك ما اعتنقا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق
ومن ذلك قوله في الورد: [مخلع البسيط]
الورد سلطان كلّ زهر ... لو أنّه دائم الورود
بعد خدود الملاح شيء ... ما أشبه الورد بالخدود
ومن ذلك قوله في الخيريّ: [السريع]
وأزرق كمثل السماء ... فيه لمن ينظر سرّ عجيب
شحّ مع الصّبح بأنفاسه ... كأنما الصّبح عليه رقيب
وباح بالليل بأسراره ... لمّا رأى اللّيل نهار الأريب
(3/282)

ومن ذلك قوله في الرّيحان: [الوافر]
وأخضر فستقيّ اللون غضّ ... يروق بحسن منظره العيونا
أغار على التّرنج وقد حكاه ... وزاد على اسمه ألفا ونونا
وقال من جملة قصائده المطوّلات التي تفنّن فيها، رحمه الله: [الطويل]
وغانية يغني عن العود صوتها ... وجارية تسقي وساقية تجري
بحيث يجرّ النهر ذيل مجرّة ... يرفّ على حافاتها الزّهر كالزّهر
وقد هزّت الأرواح خصر كتائب ... بألوية بيض على أسل سمر
رمى قزح نبلا إليها فجرّدت ... سيوف سواقيها على دارع النّهر
وهبّت صبا نجد فجرّت غلائلا ... تجفّف دمع الطّلّ عن وجنة الزّهر
كأنّ بصفح الرّوض وشي صحيفة ... وكالألفات القضب والطّرس كالتّبر
كأنّ به الأقحوان خواتما ... مفضّضة فيها فصوص من التّبر
كأنّ به النّرجس الغضّ أعيا ... ترقرق في أجفانها أدمع القطر
كأنّ شذا الخيريّ زورة عاشق ... يرى أنّ جنح اللّيل أكتم للسّرّ
وقال في وصف الرّمان: [البسيط]
لله رمّانة قد راق منظرها ... فمثلها ببديع الحسن منعوت
القشر حقّ لها قد ضمّ داخله ... والشّحم قطن لها «1» والحبّ ياقوت
ومن ذلك قوله في الجزر: [البسيط]
انظر إلى جزر «2» في اللون مختلف ... البعض من سبج والبعض من ذهب
إن قلت: قصب فقل: قصب بلا زهر ... أو قلت: شمع فقل: شمع بلا لهب
وفي الاغتراب وما يتعلّق به مما يقرب من المطولات: [الوافر]
غريب كلّما يلقى غريب ... فلا وطن لديه ولا حبيب
تذكّر أصله فبكى اشتياقا ... وليس غريبا أن يبكي غريب
ومما هاج أشواقي حديث ... جرى فجرى له الدّمع السّكوب
(3/283)

ذكرت به الشّباب فشقّ قلبي ... ألم تر كيف تنشقّ القلوب؟
على زمن الصّبا فليبك مثلي ... فما زمن الصّبا إلّا عجيب
جهلت شبيبتي حتى تولّت ... وقدر الشيء يعرف إذ يغيب
ألا ذكر الإله بكل خير ... بلادا لا يضيع بها أديب
بلاد ماؤها عذب زلال ... وريح هوائها مسك رطيب
بها قلبي الذي قلبي المعنّى ... يكاد من الحنين له يذوب
رزقت الصّبر بلين أبي وأمي ... كلانا بعد صاحبه كثيب
ألا فتوخّ بعدي من أؤاخي ... ودع ما لا يريب لما يريب
ولا تحكم بأول ما تراه ... فإنّ الفجر أوله كذوب
ألا إنا خلقنا في زمان ... يشيب بهوله من لا يشيب
وقد لذّ الحمام وطاب عندي ... وعيشي لا يلذّ ولا يطيب
لحى الله الضّرورة فهي بلوى ... تهين الحرّ والبلوى ضروب
رأيت المال يستر كلّ عيب ... ولا تخفى مع الفقر العيوب
وفقد المال في التّحقيق عندي ... كفقد الرّوح ذا من ذا قريب
وقد أجهدت نفسي في اجتهاد ... وما أن كلّ مجتهد مصيب
وقد تجري الأمور على قياس ... ولو تجري لعاش بها اللّبيب
كأنّ العقل للدّنيا عدوّ ... فما يقضي بها أربا أريب
إذا لم يرزق الإنسان بختا ... فما حسناته إلّا ذنوب
ومن نسيبه قوله في بادرة من حمّام: [الكامل]
برزت من الحمّام تمسح وجهها ... عن مثل ماء الورد بالعنّاب
والماء يقطر من ذوائب شعرها ... كالطّل يسقط من جناح غراب
فكأنها الشمس المنيرة في الضّحى ... طلعت علينا من خلال سحاب
ومن مقطوعاته أيضا قوله: [الكامل]
ومتيّم لو كان صوّر نفسه ... ما زادها شيئا سوى الإشفاق
ما كان يرضى بالصّدود وإنّما ... كثرت عليه مسائل العشّاق
وقال: [مخلع البسيط]
وافى وقد زانه جمال ... فيه لعشّاقه اعتذار
(3/284)

ثلاثة ما لها مثال: ... الوجه والخدّ والعذار
فمن رآه رأى رياضا: ... الورد والآس والبهار
ومن ذلك قوله في ذمّ إخوة السوء: [الكامل]
ليس الأخوّة «1» باللّسان أخوّة ... فإذا تراد أخوّتي لا تنفع
لا أنت في الدّنيا تفرّج كربه ... عنّي ولا يوم القيامة تشفع
وقال كذلك: [الكامل]
ولقد عرفت الدّهر حين خبرته ... وبلوت بالحاجات أهل زمان
فإذا الأخوّة باللسان كثيرة ... وإذا الدّراهم ميلق الإخوان
ومن ذلك قوله في ثقيل: [المتقارب]
تزلزلت الأرض زلزالها ... فقلت لسكانها: ما لها؟
فقالوا: أتانا أبو عامر ... فأخرجت الأرض أثقالها
ومن ذلك قوله في الصّبر: [السريع]
الدهر لا يبقي على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
ومن ذلك قوله في الموت: [السريع]
الموت سرّ الله في خلقه ... وحكمة دلّت على قهره
ما أصعب الموت وما بعده ... لو فكّر الإنسان في أمره
أيام طاعات الفتى وحدها ... هي التي تحسب من عمره
لا تلهك الدنيا ولذّاتها ... عن نهي مولاك ولا أمره
وانظر إلى من ملك الأرض هل ... صحّ له منها سوى قبره؟
نثره: قال في كتاب «روضة الأنس» ما نصّه:
«ويتعلّق بهذا الباب ما خاطبني به الفقيه الكاتب الجليل أبو بكر البرذعي، من أهل بلدنا، أعزّه الله: أخبرك بعجاب، إذ لا سرّ دونك ولا حجاب، بعد أن أتقدّم إليك أن لا تعجل باللوم إليّ، قبل علم ما لديّ، فإنّ الدهر أخدع من كفّة الحابل،
(3/285)

وقلب الإنسان للآفات قابل. مشيت يوما إلى سوق الرّقيق، لأخذ حقّ فؤاد عتيق، فرأيت بها جارية عسجدية اللون، حديثة عهد بالصّون، متمايلة القدّ، قائمة النّهد، بلحظ قد أوتي من السّحر أوفر حظّ، وفم كشرطة رشحت بدم، داخله سمطان لولا هما ما عرف النّظم، ولا حكم على الدّر للعظم، في صدغها لامان ما خطّ شكلهما قلم، ولا قصّ مثلهما حلم. لها جيد تتمنّاه الغيد، وخصر هو قبضة الكفّ في الحصر، وردف يظلمه من يشبه به بالحقف، ويدان خلقا للوشي، وقدمان أهلّتا للّثم لا للمشي، فتطاولت إليه الأعناق، وبذلت فيها الأعلاق، والمياسير عليها مغرم في القوم، وتسوّم أهل السّوم، وكل فيها يزيد، ليبلغ ما يريد، إلى أن جاء فتى صادق في حبّه، لا يبالي بفساد ماله في صلاح قلبه، فعدّ المال عدّا، ولم يجد غيره من التسليم بدّا. فلمّا فاتتني، تركت الأشواق وأتتني، وانتقضت عزائم صبري فما أتتني، فالله الله، تدارك أخاك سريعا، قبل أن تلفيه من الوجد صريعا، واستنزله خادما، قبل أن تصبح عليه نادما، ولن أحتاج أن أصفها إليك، مع ما قصصته عليك، وقد أهديتها دررا، فخذها على جهة الفكاهة والدّعابة: [الوافر]
ولا تطلع أخا جهل عليها ... فمن لم يدر قدر الشيء عابه
فأجبته: نعم نعم، أنعم الله بالك، وسنى آمالك، أنا بحول الله أرتاد لك من نحو هاتيك، ما يسليك ويؤاتيك، وإلّا فبيضا كاللّجين، هل القلب والعين، زهرة غصن في روضة حسن، ذات ذوائب، كأنها الليل على نهار، أو بنفسج في بهار.
لها وجه أبهى من الغنا، وأشهى من نيل المنى، فيه حاجبان كأنهما قوس صنعت من السّبح، ورصّعت بعاج من البلح، على عينين ساحرتين، بالعقل ساخرتين، بهما تصاب الكبود، وتشقّ القلوب قبل الجلود، إلى فم كأنّه ختام مسك، على نظام سلك، سقاه الحسن رحيقه، فأنبتت درره وعقيقه، وجيد في الحسن وحيد على صدر كأنه من مرمر، فيه حقّتا عاج طوّقتا بعنبر، قد خلقتا للعضّ، في جسم غضّ، له خصر مدمج، وردفه يتموّج، وأطراف كالعنم، رقمت رقم القلم، من اللائي شهدن ابن المؤمّل، وقال في مثلها الأول، إن هي تاهت فمثلها تاها، أو هي باهت فمثلها باها، من أين للغصن مثل قامتها أو أين للبدر مثل مرآها، ما فعلت في العقول صابية ما فعلت في العقول عيناها، تملكني بالهوى وأملكها، فهأنا عبدها ومولاها، فأيّهما لست بذلت فيه الجهد، وأرقيت للمجد والودّ إن شاء الله تعالى.
وأنا فيما عرض لسيدي، حفظه الله، على ما يحبّ، أعذره ولا أعذله، وأنصره ولا أخذله، لكني أقول كما قال بعض الحكماء: لا ينبغي لمن قلبه رقيق، أن يدخل سوق الرّقيق، إلّا أن يكون قد جمع بين المال، والجمال يتنافس في العالي،
(3/286)

ويسترخص بالثمن الغالي، ولا يبالي بما قال الأئمة، إذا وجد من يلائمه، كما قال الشاعر: [الخفيف]
ما انتفاع المحبّ بالمال إذ «1» لم ... يتوصّل به لوصل الحبيب
إنما ينبغي بحكم الهوى أن ... ينفق المال في صلاح القلوب
والسلام على سيدي، ما كانت الفكاهة من شأن الوفاء، والمداعبة من شيم الظّرفاء، ورحمة الله وبركاته.
مولده: ولد في محرم سنة إحدى وستمائة.
وفاته: توفي في عام أربعة وثمانين وستمائة.
نقلت من خط صاحبنا الفقيه المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال: أنشدني الشيخ الرّاوية الأديب القاضي الفاضل أبو الحجاج يوسف بن موسى بن سليمان المنتشافري، قال: أنشدني القاضي الفاضل أبو القاسم ابن الوزير أبي الحجاج ابن الحقالة، قال: أنشدني الأديب أبو الطيب صالح بن أبي خالد يزيد بن صالح بن شريف الرّندي لنفسه، ليكتب على قبره: [الطويل]
خليليّ، بالودّ الذي بيننا اجعلا ... إذا متّ قبري عرضة للتّرحّم
عسى مسلم يدنو فيدعو برحمة ... فإني محتاج لدعوة مسلم
حرف العين من ترجمة الملوك والأمراء
عبد الله بن إبراهيم بن علي بن محمد التجيبي الرئيس أبو محمد بن إشقيلولة
أوليته: قد مرّ شيء من ذلك في اسم الرئيس أبي إسحاق أبيه.
حاله: كان أميرا شهما، مضطلعا بالقضية، شهير المواقف، أبيّ النفس، عالي العمة. انتزى على خاله أمير المسلمين الغالب بالله «2» ، وكان أملك لما بيده من مدينة وادي آش وما إليها، معزّزا بأخيه الرئيس أبي الحسن مظاهره في الأمر، ومشاركه في
(3/287)

السلطان. واستمرّت الحال مدة حياة خاله السلطان، ولمّا صار الأمر إلى مخيفه ولي العهد «1» ، استشرى الداء، وأعضل الأمر، وعمّت الفتنة، وزاحمه السلطان بالمنكّب؛ انفجم، واعتوره بالحيلة، حتى تحيّف أطرافه، وكان ما هو معلوم من إجازة أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق «2» البحر إلى الجهاد، ومال الحال بينه وبين السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر إلى التّقاطع، وتصيّرت مالقة إلى الإيالة المغربية، ثم عادت إلى السلطان.
وفي أخريات هذه الأحوال، أحكم السلطان مع طاغية الرّوم السّلم، وصرف وجهه إلى مطالبة الرئيس أبي محمد، صاحب وادي آش، فألجأه الحال إلى أن صرف الدعوة بوادي آش إلى السلطان بالمغرب ورفع شعاره، فأقعد عنه. ووقعت مراسلات أجلت عن انتقال الرئيس أبي محمد إلى المغرب، معوّضا عن مدينة وادي آش بقصر كتامة «3» ، وذلك في عام تسعة وثمانين وستمائة.
وفاته: دخلت قصر كتامة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من ذي قعدة عام خمسة وخمسين وسبعمائة في غرض الرسالة، وزرت مقبرة الرؤساء بني إشقيلولة بظاهرها، وفي قبّة ضخمة البناء رحيبة الفناء، نسيجة وحدها بذلك البلد بين منازل البلى وديار الفناء، وبها قبر الرئيس أبي محمد هذا، عن يسار الداخل، بينه وبين جدار القبلة قبر، وسنامه رخام مكتوب عليه: [المجتث]
قبر عزيز علينا ... لو أنّ من فيه يفدى
أسكنت قرّة عيني ... وقطعة القلب لحدا
ما زال حكما عليه ... وما القضاء تعدّى
فالصّبر «4» أحسن ثوب ... به العزيز تردّى
وعند رأس السّنام الرخامي، مهد مائل من الرخام فيه:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله، وسلّم تسليما. هذا قبر الرئيس الجليل، الأعلى الهمام، الأوحد،
(3/288)

الأسعد، المبارك، الأسنى، الأسمى، الأحفل، الأكمل، المجاهد، المقدس، المرحوم، أبي محمد عبد الله، ابن الرئيس الجليل، الهمام، الأوحد، الأسعد، المبارك، الأمضى، الأسنى، الأسمى، المعظم، المرفّع، المجاهد، الأرضى، المقدس، المرحوم أبي إسحاق إبراهيم بن إشقيلولة، رحمه الله وعفا عنه وأسكنه جنّته. ظهر، عفا الله عنه، بوادي آش، أمّنها الله، قاعدة من قواعد الأندلس، وتسلطن، ونشرت علامات سلطنته، وضربت الطبول. وجاهد منها العدو، قصمه الله، وظهر على خاله سلطان الأندلس، وأقام في سلطنته نحوا من ثلاث وعشرين سنة. ثم قام بدعوة الملك الأعلى، السلطان المؤيد المنصور، أمير المسلمين، المؤيد بالله أبي يعقوب، أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته ويسره، وأمره، أيّده الله، أن يتخلّى عن وادي آش المذكورة، ويصل للمغرب، فتنحّى عن الأندلس للمغرب، آنسه الله، في جمادى الأولى من عام ستة وثمانين وستمائة، فأعطاه، أيّده الله، قصر عبد الكريم، أمّنه الله، وأنعم عليه، فأقام به مدة من ثمانية أعوام، وجاز منه إلى الأندلس، أمّنها الله، وجاهد بها مرّتين، ثم رجع إلى قصر عبد الكريم المذكور، وتوفي، شرّف الله روحه الطّيبة المجاهدة، عشيّ يوم السبت العاشر من شهر محرم سنة خمس وتسعين وستمائة» .
عبد الله بن بلقّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن ابن زيري بن مناد الصّنهاجي»
أمير غرناطة.
أوليته: قد مرّ من ذلك في اسم جدّه ما فيه كفاية.
حاله: لقبه المظفّر بالله، الناصر لدين الله. ولي بعد جدّه باديس في شوال سنة خمس وستين وأربعمائة، وصحبه سماجة الصّنهاجي تسع سنين. قال الغافقي: وكان قد حاز حظّا وافرا من البلاغة والمعرفة، شاعرا جيّد الشعر، مطبوعه، حسن الخطّ.
كانت بغرناطة ربعة مصحف بخطّه في نهاية الصّنعة والإتقان. ووصفه ابن الصّيرفي
(3/289)

فقال «1» : كان جبانا معمد «2» السيف، قلقا، لا يثبت على الظّهر، عزهاة «3» لا أرب له في النساء «4» ، هيّابة، مفرط الجزع، يخلد إلى الرّاحات، ويستوزر الأغمار.
خلعه: قال: «5» وفي عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، تحرّك أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، لخلع رؤساء الأندلس، فأجاز البحر، ويمّم قرطبة، وتواترت الأنباء عن حفيد باديس صاحب غرناطة، بما يغيظه ويحقده، حسبما تقدم في اسم مؤمّل مولى باديس. وقدّم إلى غرناطة أربع محلّات، فنزلت بمقربة منها، ولم تمتدّ يد إلى شيء يوجد، فسرّ الناس واستبشروا، وأمنت البادية، وتمايل أهل الحاضرة إلى القوي. وأسرع حفيد باديس في المال، وألحق السّوقة والحاكّة «6» ، واستكثر من اللّفيف، وألحّ بالكتب على أذفونش بما يطمعه. وتحقّق يوسف بن تاشفين استشراف الحضرة إلى مقدمه، فتحرّك. وفي ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب، اجتمع إلى حفيد باديس صنائعه، فخوّفوه من عاقبة التربّص، وحملوه على الخروج إليه، فركب وركبت أمّه وتركا القصر على حاله، ولقي أمير المسلمين على فرسخين من المدينة، فترجّل، وسأله العفو، فعفا عنه، ووقف عليه، وأمره بالرّكوب، فركب، وأقبل حتى نزل ب «المشايخ» من خارج الحضرة. واضطربت المحلّات، وأمر مؤمّلا بثقافه في القصر، فتولّى ذلك، وخرج الجمّ من أهل المدينة، فبايعوا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فلقيهم، وأنسهم، وسكّن جأشهم، فاطمأنوا. وسهّل مؤمّل إليه دخول الأعيان، فأمر بكتب الصّكوك، ورفع أنواع القبالات والخراج، إلّا زكاة العين، وصدقة الماشية، وعشر الزّرع. واستقصي ما كان بالقصر، فظهر على ما يحول الناظر، ويروع الخاطر، من الأعلاق والذّخيرة، والحلى، ونفيس الجوهر، وأحجار الياقوت، وقصب الزّمرد، وآنية الذّهب والفضة، وأطباق البلّور المحكم، والجرداذنات، والعراقيّات، والثّياب الرّفيعة، والأنماط، والكلل، والسّتائر، وأوطية الدّيباج، مما كان في ادّخار باديس واكتسابه. وأقبلت دوابّ الظّهر من المنكّب
(3/290)

بأحمال السّبيك والمسبوك، واختلفت أمّ عبد الله لاستخراج ما أودع بطن الأرض، حتى لم يبق إلّا الخرثى والثّقل والسّقط. وزّع ذلك الأمير على قوّاده، ولم يستأثر منه بشيء. قال «1» : ورغب إليه مؤمّل في دخول القصر، فركب إليه، وكثر استحسانه إياه، وأمر بحفظه. وتفقّد أوضاعه وأفنيته. ونقل عبد الله إلى مرّاكش، وسنّه يوم خلع، خمس وثلاثون سنة وسبعة أشهر، فاستقرّ بها هو وأخوه تميم، وحلّ اعتقالهما، ورفّه عنهما، وأجري المرتّب والمساهمة عليهما. وأحسن عبد الله أداء الطاعة، مع لين الكلمة، فقضيت مآربه، وأسعفت رغباته، وخفّ على الدولة، واستراح واستريح منه، ورزق الولد في الخمول، فعاش له ابنان وبنت، جمع لهم المال. فلمّا توفي ترك مالا جمّا.
مولده: ولد عبد الله سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
عبد الله بن علي بن محمد التّجيبي، الرئيس أبو محمد ابن إشقيلولة
حاله: كان رئيسا شجاعا، بهمة، حازما، أيّدا، جلدا. تولّى مدينة مالقة عقب وفاة الرئيس واليها أبي الوليد بن أبي الحجاج بن نصر، صنو أمير المسلمين، الغالب بالله، في أوائل عام خمسة وخمسين وستمائة. وكان صهر السلطان على إحدى بناته، وله منه محلّ كبير، ومكان قريب، وله من ملكه حظّ رغيب.
واستمرّت حاله إلى عام أربعة وستين وستمائة، وفسد ما بينه وبين وليّ العهد، الأمير أبي عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي عبد الله الغالب بالله، إذ وغر له صدره، ولا بني أخيه الرئيسين، أبي محمد وأبي الحسن، ابني الرئيس أبي إسحاق بن إشقيلولة المتأمّرين بوادي آش، فضايقهم وأخافهم بما أدّاهم إلى الامتناع والدّعاء لأنفسهم والاستمساك بما بأيديهم. وعمّت المسلمين الفتنة المنسوبة إليهم، فانتزى هذا الرئيس بمدينة مالقة، وكان أملك لما بيده، واستعان بالنّصري، وشمّر عن ساعد الجدّ، فأباد الكثير من أعيان البلدة في باب توسّم التهم وتطرّق السعايات، واستولى على أموالهم. واستمرت الحال بين حرب أجلت فيها غلبة الأمير مخيفه، ولي العهد، بجيش النّصري، ونازل مالقة أربعين يوما، وشعّث الكثير بظاهرها، وتسمّى بعلم الأمير عند أهل مالقة، وما بين سلم ومهادنة. وفي عام
(3/291)

ستين وستمائة، نازله السلطان الغالب بالله صهره، وأعيا عليه أمر مالقة، لاضطلاع هذا الرئيس بأمره، وضبط من لنظره، واستمساكه بعروة حزمه.
وفي بعض الأيام ركب السلطان في ثلاثة من مماليكه، متخفّيا، كاتما غرضه، وقعد بباب المدينة، فلمّا بصر به الرجال القائمون به، هالهم الأمر، وأدهشتهم الهيبة، فأفرجوا له، موقّرين لجلاله، آنسين لقلّة أتباعه، فدخل، وقصد القصبة، وقد نذر به الرئيس أبو محمد، فبادر إليه راجلا، متبذّلا، مهرولا، حافيا. ولمّا دنا منه ترامى على رجليه يقبّلهما، إظهارا لحقّ أبوّته، وتعظيما لقدره، ودخل معه إلى بنته وحفدته، فترامى الجميع على أطرافه يلثمونها، ويتعلّقون بأذياله وأدرانه، وهو يبكي إظهارا للشّفقة والمودّة وتكلّم الجميل. وأقام معهم بياض يومه، ثم انصرف إلى محلّته، وأتبعه الرئيس، فأمره بالاستمساك بقصبته وملازمة محلّ إمرته، وما لبث أن شرع في الارتحال عن ألطاف ومهادات، وتقدير جرايات، وإحكام هديّة، وتقرير إمارة، إلى أن توفي السلطان، رحمه الله، فعادت الفتنة جزعة، ووالى ولده أمير المسلمين بعده الضرب على مالقة، إلى أن هلك الرئيس أبو محمد، واستقرّ بالأمور ولده المذكور في المحمّدين، وكان من الأمر ما ينظره في مكانه من أراد استيفاءه، بحول الله.
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد العزفي
يكنى أبا طالب، الرئيس الفقيه، الكبير الشّهير، صاحب الأمر والرّئاسة والإمارة بسبتة، نيابة عن أخيه الرئيس الصّالح أبي حاتم، بحكم الاستقلال في ذلك، والاستبداد التّام، من غير مطالعة لأخيه ولا رجوع إليه في شيء من الأمور، ولا تشوّف من أخيه إلى ذلك، لخروجه البتّة عنه، وإيثاره العزلة، واشتغاله بنفسه.
حاله: قد تقدم من ذكر أوّليته ما فيه كفاية. وكان من أهل الجلالة والصّيانة، وطهارة النّشأة، حافظا للحديث، ملازما لتلاوة كتاب الله، عارفا بالتاريخ، عظيم الهيبة، كبير القدر والصّيت، عالي الهمّة، شديد البأو، معظّما عند الملوك، جميل الشّارة، ممتثل الإشارة لديهم، عجيب السّكينة والوقار، بعيد المرمى، شديد الانقباض، مطاع السّلطان بموضعه، مرهوب الجانب، من غير إيقاع بأحد، ولا هتك حرمة، محافظا على إقامة الرّسوم الحسبيّة والدّينية.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع وغيره.
نكبته: تغلّب على بلده أيام إمارته، وثار أهله إليه في السّلاح والعدّة؛ ليحيطوا بمن في القصبة، فخرج إليهم، وشكر مساعيهم، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن
(3/292)

عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، فانصرفوا، ودخل منزله ملقيا بيده، ومسلّما لقضاء الله سبحانه في كسره، إلى أن قبض عليه وعلى سائر بنيه وقومه، عند ارتفاع النهار وانتشار المتغلّبين على القصبة، فنقفوا متحرّجين من دماء المسلمين، وصرفوا إلى الأندلس، في ضحو يوم الخميس الثاني عشر من ذي قعدة عام خمسة وسبعمائة، بعد انقضاء خمسة عشر يوما من تملّك بلدهم، فاستقرّ بغرناطة تحت ستر واحترام وجراية فيها كفاف. ثم لما خرجت سبتة عن طاعة أمير المسلمين، انصرف القوم إلى فاس، فتوفي بها.
وفاته: في شعبان المكرم من عام ثلاثة عشر وسبعمائة.
عبد الله بن الجبير بن عثمان بن عيسى بن الجبير اليحصبي «1»
من أهل لوشة، وهو محسوب من الغرناطيين. قال الأستاذ «2» : من أعيانها ذوي الشرف والجلالة. قلت: ينسب إليه بها معاهد تدلّ على قدم وأصالة.
حاله: قال أبو القاسم الملّاحي «3» : كان أديبا بارع الأدب، كاتبا، بليغا، شاعرا مطبوعا، لسنا مفوّها، عارفا بالنحو والأدب واللغات، وقد مال في عنفوان شبيبته إلى الجندية لشهامته وعزّة نفسه، فكان في عسكر المأمون بن عبّاد «4» ، واشتمل عليه المأمون، وكان من أظرف الناس، وأملحهم شبيبة «5» ، وأحسنهم شارة، وأتمّهم معرفة.
مشيخته: أخذ «6» عن أشياخ بلده غرناطة، وأخذ بمالقة عن غانم الأديب، وبقرطبة عن ابن سراج.
شعره: وله في إنشاده لدى المأمون مجال رحب، فمن ذلك قوله «7» :
[البسيط]
يا هاجرين، أضلّ الله سعيكم ... كم تهجرون محبّيكم بلا سبب
(3/293)

ويا مسرّين للإخوان غائلة ... ومظهرين وجوه البرّ والرّحب
ما كان ضرّكم الإخلاص لو طبعت ... تلك النفوس على علياء أو أدب
أشبهتم الدّهر لمّا كان والدكم ... فأنتم شرّ أبناء لشرّ «1» أب
عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد ابن علي السّلماني «2»
والد المؤلف، رضي الله عنه، يكنى أبا محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، ثم طليطليّه، ثم قرطبيّه.
أوليته: كان سلفه يعرفون بقرطبة ببني وزير، وهم بها أهل نباهة، وبيتهم بيت فقه وخيريّة وماليّة، ونجارهم نجار فرسان يمانيّة. ولمّا حدث على الحكم بن هشام الوقيعة الرّبضيّة، وكان له الفلج، وبأهل الرّبض الدّبرة، كان أعلام هذا البيت من الجالية أمام الحكم، حسبما امتحن به الكثير من أعلام المشيخة بها، كالفقيه طالوت، ويحيى بن يحيى، وغيرهما «3» ، ولحقوا بطليطلة، فاستقرّوا بها، ونبا بهم وطنهم، ثم حوّموا على سكنى الموسّطة، وآب إلى قرطبة قبلهم بعد عهد متقادم، ومنهم خلف وعبد الرحمن، وقد مرّ له ذكر في هذا الكتاب. وولّي القضاء بالكورة. ومنهم قوم من قرابتهم تملّكوا منتفريد «4» ، الحصن المعروف الآن بالمنعة والخصب، وتمدّن فيهم، وبنيت به القلعة السّامية، ونسب إليه ذلك المجد، فهم يعرفون ببلدنا ببني المنتفريدين. واستقرّ منهم جدّنا الأعلى بلوشة خطيبا وقاضيا بالصّقع ومشاورا «5» ، وهو المضاف إلى اسمه التّسويد بلوشة عرفا كأنه اسم مركّب، فلا يقول أحد منهم في القديم إلّا سيّدي سعيد. كذا تعرّفنا من المشيخة، وإليه النّسبة اليوم، وبه يعرف خلفه ببني الخطيب، وكان صالحا فاضلا، من أهل العلم والعمل. حدّثني الشيخ المسنّ أبو الحكم المنتفريدي، وقد وقفني على جدار برج ببعض أملاكنا بها، على الطّريق الآتية من غرناطة إلى لوشة، ثم إلى غيرها، كإشبيلية وسواها، فقال: كان جدّك يسكن بهذا البرج كذا من فصول العام، ويتلو القرآن ليلا، فلا يتمالك المارّون على الطّريق، أن يقربوا إصغاء لحسن تلاوته
(3/294)

وخشوعا. وكان ولده عبد الله بعده، على وتيرة حسنة من الخير والنّباهة وطيب الطّعمة، ثم جدّه الأقرب سعيد على سننه، مرب عليه بمزيد المعرفة، وحسن الخطّ.
ولما وقع بلوشة بلده، ما هو معروف من ثورة أصهارهم من بني الطّنجالي، وكان بينهم ما يكون بين الفحول في الهجمات من التّشاجر، فرّ عنهم خيفة على نفسه، وعلى ذلك فناله اعتقال طويل، عدا به عليه عن تلك الثورة. ثم بان عذره، وبرّئت ساحته، واستظهر به السلطان، وأقام بغرناطة، مكرّما، مؤثرا، مؤتمنا، وصاهر في أشراف بيوتاتها، فكانت عنده بنت الوزير أبي العلى أضحى بن أضحى الهمداني، وتوفيت تحته، فأنجز له بسببها الحظّ في الحمّام الأعظم المنسوب إلى جدّها اليوم.
ثم تزوج بنت القائد أبي جعفر أحمد بن محمد الجعدالة السّلمي، أم الأب المترجم به، ولها إلى السلطان ثاني ملوك بني نصر وعظيمهم «1» متات ببنوّة الخؤولة من جهة القوّاد الأصلاء القرطبيين بني دحون، فوضح القصد، وتأكدت الحظوة. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك كله في محلّه. ثم رسخت لولده أبي، القدم في الخدمة والعناية، حسبما يتقرّر في موضعه.
حاله: كان، رحمه الله، فذّا في حسن الشكل والأبّهة، وطلاقة اللسان، ونصاعة الظّرف، وحضور الجواب، وطيب المجالسة، وثقوب الفهم، مشارا إليه في الحلاوة وعذوبة الفكاهة، واسترسال الانبساط، مغييا في ميدان الدّعابة، جزلا، مهيبا، صارما، متجنّدا، رائق الخصل ركضا وثقافة، وعدوا وسباحة وشطرنجا، حافظا للمثل واللّغة، أخباريا، مضطلعا بالتاريخ، ناظما نائرا، جميل البزّة، فاره المركب، مليح الشّيبة. نشأ بغرناطة تحت ترف ونعمة، من جهة أمّه وأبيه، وقرأ على أبي إسحاق بن زرقال، وأبي الحسن البلّوطي، ثم على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزّبير، ظاهرة عليه مخيّلة النّجابة والإدراك. ثم أقصر لعدم الحامل على الدّؤوب، وانتقل إلى بلد سلفه، متحيّفا الكثير من الأصول في باب البذل وقرى الضّيوف، ومداومة الصّيد، وإيثار الراحة، معتمدا بالتّجلّة، مقصود الحلّة، مخطوب المداخلة، من أبناء أشراف الدولة، منتجعا لأولي الكدية. ولما قام بالأمر السلطان، أمير المسلمين أبو الوليد، وأمّه بنت السلطان ثاني الملوك من بني نصر، جزم ما تقدّم من المتات والوسيلة، استنهضه للإعانة على أمره، وجعل طريقه على بلده، فحطب في حبله، وتمسّك بدعوته، واعتمده بنزله وضيافته، وكان أعظم الأسباب في حصول الأمر بيده، ودخوله
(3/295)

في حكمه، وانتقل إلى حضرة الملك بانتقاله، فنال ما شاء من اصطناعه وحظوته، وجرى له هذا الرّسم في أيام من خلفه من ولده إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف تاريخ فقده.
وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصه «1» : إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أحجمت، فما أسديت في الثّناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق. هذا، ولو أنّي زجرت طير البيان من أوكاره، وجئته «2» بعيون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقّه بعد، ولا قلت إلّا التي علمت سعد «3» . فقد كان، رحمه الله، ذمر «4» عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقّد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد. فقدته «5» بكائنة طريف «6» ، جبر الله عثارها، وعجّل ثارها.
حدّث خطيب المسجد الأعظم، وهو ما هو، من وفور العقل، وصحة النّقل، قال: مررت بأبيك بعد ما تمت الكسرة، وخذلت تلك الأسرة، وقد كبا بأخيك الطّرف، وعرض عليه الحمام للصّرف، والشيخ رحمه الله لم تزلّ قدمه، ولا راعه الموقف وعظمه. ولما آيس من الخلاص وطلّابه، صرفني وقال: أنا أولى به، فقضى سعيدا شهيدا، لم يستنفره الهول، ولم يثنه ولا رضي عار الفرار عن ابنه.
شعره: قال في «الإكليل» «7» : وكان «8» له في الأدب فريضة، وفي النّادرة العذبة منادح عريضة. تكلّمت يوما بين يديه، في مسائل من الطب، وأنشدته أبياتا من شعري «9» ، وقرأت عليه رقاعا من إنشائي، فسرّ وتهلّل، وعبّر عما أمل، وما برح أن
(3/296)

ارتجل قوله رحمة الله عليه: [مخلع البسيط]
الطبّ والشّعر والكتابه ... سماتنا في بني النّجابه
هنّ ثلاث مبلّغات ... مراتبا بعضها الحجابه
ووقّع لي يوما بخطّه على ظهر أبيات، بعثتها إليه، أعرض عليه نمطها: [الكامل]
وردت كما ورد النسيم بسحره «1» ... عن روضة جاد الغمام رباها
فكأنما» هاروت أودع سحره ... فيها وآثرها به وحباها
مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ... فبمثلها «3» افتخر البليغ وباهى
فقررت عينا عند رؤية حسنها ... إني أبوك وكنت أنت أباها
ومن شعره «4» قوله: [الوافر]
وقالوا قد نأوا «5» : فاصبر ستشفى ... فترياق الهوى بعد الدّيار
فقلت: هبوا بأنّ الحقّ هذا ... فقلبي يمّموا فيم اصطباري «6» ؟
ومن قوله مما يجري مجرى الحكم والأمثال «7» : [السريع]
عليك بالصمت فكم ناطق ... كلامه أدّى إلى كلمه «8»
إنّ لسان المرء أهدى إلى ... غرّته والله من خصمه
يرى صغير الجرم مستضعفا ... وجرمه أكبر من جرمه
وقال وهو من المستحسن في التّجنيس «9» : [الخفيف]
أنا بالدّهر، يا بنيّ، خبير ... فإذا شئت علمه فتعالى
كم مليك قد ارتغى «10» منه روضا ... لم يدافع عنه الردى «11» ما ارتغى لا
كلّ شيء تراه يفنى ويبقى ... ربّنا الله ذو الجلال تعالى
أنشدني هاتين المقطوعتين.
(3/297)

مولده: ولد بحضرة غرناطة في جمادى الأولى من عام اثنين وسبعين وستمائة.
وفاته: بعد «1» يوم الوقيعة الكبرى على المسلمين بظاهر طريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة.
من رثاه: قلت في رثائه من قصيدة أولها «2» : [الطويل]
سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي ... وللدهر كفّ تستردّ الذي تعطي
وإنّا وإن كنّا على ثبج الدّنا ... فلا بدّ يوما أن نحلّ على الشّطّ
وسيّان ذلّ الفقر أو عزّة الغنى ... ومن أسرع السّير الحثيث ومن يبطي «3»
تساوى على ورد الرّدى كلّ وارد ... فلم يغن ربّ السّيف عن ربّة القرط
وقال شيخنا أبو زكريا بن هذيل من قصيدة يرثيه بها «4» : [الطويل]
إذا أنا لم أرث الصديق فما عذري ... إذا قلت أبياتا حسانا من الشعر؟
ولو كان شعري لم يكن غير ندبة ... وأجريت دمعي لليراع «5» عن الحبر
لما كنت أقضي حقّ صحبته التي ... توخّيتها عونا على نوب الدّهر
رماني عبد الله يوم وداعه ... بداهية دهياء «6» قاصمة الظّهر
قطعت رجائي حين صحّ حديثه ... فإن لم يوف دمعي فقد خانني صبري
وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتي ... أبثّ له همّي وأودعه سرّي؟
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن جزيّ «7»
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، وقد مرّ ذكر أبيه شيخنا وأخويه، وتقرّرت نباهة بيتهم.
(3/298)

حاله: هذا «1» الفاضل قريع بيت نبيه، وسلف شهير، وأبوّة خيّرة «2» ، وأخوّة بليغة، وخؤولة تميّزت من السلطات بحظوة. أديب حافظ، قام على فنّ العربيّة، مشارك في فنون لسانيّة سواه، طرف «3» في الإدراك، جيد النظم، مطواع القريحة، باطنه نبل، وظاهره غفلة. قعد للإقراء ببلده غرناطة، معيدا ومستقلّا، ثم تقدّم للقضاء بجهات نبيهة، على زمن الحداثة، وهو لهذا العهد مخطوب رتبة، وجار إلى غاية، وعين من أعيان البلدة.
مشيخته: أخذ عن والده الأستاذ الشهير «4» أبي القاسم حديث الرّحمة بشرطه، وسمع عليه على صغر السّن، أبعاضا من كتب عدة في فنون مختلفة، كبعض صحيح مسلم، وبعض صحيح البخاري، وبعض الجامع للتّرمذي، وبعض السّنن للنّسائي، وبعض سنن أبي داود، وبعض موطّأ مالك بن أنس، وبعض الشّفاء لعياض، وبعض الشّمائل للتّرمذي، وبعض الأعلام للنّميري، وبعض المشرع السّلس في الحديث المسلسل لابن أبي الأحوص، وبعض كتاب التّيسير لأبي عمرو الدّاني، وبعض كتاب التّبصرة للمكيّ، وبعض الكافي لابن شريح، وبعض الهداية للمهدي، وبعض التّلخيص للطّبري، وبعض كتاب الدّلالة في إثبات النبوّة والرسالة لأبي عامر بن ربيع، وبعض كتاب حلبة الأسانيد وبغية التلاميذ لابن الكمّاد، وبعض كتاب وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم من تواليف والده، وبعض القوانين الفقهية، وبعض كتاب الدّعوات والأذكار، وبعض كتاب النّور المبين في قواعد عقائد الدين من تأليفه، وبعض تقريب الوصول إلى علم الأصول، وبعض كتاب الصلاة، وبعض كتاب الأنوار السّنية في الكلمات السّنية، وبعض كتاب برنامجه. كل ذلك من تأليف والده، رحمه الله. وأجاز له رواية الكتب المذكورة عنه، مع رواية جميع مرويّاته وتواليفه وتقييداته، إجازة عامة. ولقّنه في صغره جملة من الأحاديث النبوية والمسائل الفقهية، والمقطوعات الشعرية.
ومنهم قاضي الجماعة أبو البركات بن الحاج، حدّثه بألمرية حديث الرحمة بشرطه، وسمع عليه بها وبغرناطة عدّة من أبعاض كتب، وأجازه عامة، وأنشده من شعره، وشعر غيره. ومنهم قاضي الجماعة الشريف أبو القاسم، لازمه مدة القراءة عليه، واستفاد منه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في كثير من النّصف الثاني من كتاب سيبويه، وفي كثير من النصف الثاني من كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وفي
(3/299)

كثير من كتاب التّسهيل لابن مالك، وفي القصيدة الخزرجية في العروض، وسمع من لفظه الرّبع الواحد أو نحوه من تأليفه شرح مقصورة حازم، وتفقّه عليه فيه، وأنشده كثيرا من شعره وشعر غيره. ومنهم الأستاذ أبو عبد الله البيّاني، لازمه مدة القراءة عليه، وتفقّه عليه بقراءته في كتاب التّسهيل البديع في اختصار التّفريع إلّا يسيرا منه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في أبعاض من كتب فقهية وغيرها، ككتاب التهذيب، وكتاب الجواهر الثمينة، وكتاب التفريع، وكتاب الرسالة لابن أبي زيد، وكتاب الأحكام لابن العربي، وكتاب شرح العمدة لابن دقيق العيد، وغير ذلك مما يطول ذكره. ومنهم الأستاذ الأعرف الشهير أبو سعيد بن لب، تفقّه عليه بقراءته في جميع النصف الثاني من كتاب الإيضاح للفارسي، وفي كثير من النصف الأول من كتاب سيبويه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في أبعاض من كتب عدة، في فنون مختلفة، كالمدوّنة والجواهر، وكتاب ابن الحاجب، وكتاب التّلقين، وكتاب الجمل، وكتاب التّسهيل والتنقيح، والشّاطبيّة، وكتاب العمدة في الحديث وغير ذلك. ومنهم الشيخ المقرئ المحدّث أبو عبد الله محمد بن بيبش، سمع عليه بقراءة أخيه الكاتب أبي عبد الله محمد، جميع كتاب الموطّأ، وكتاب الشّفا إلّا يسيرا منه، وأجازه روايتهما عنه، ورواية جميع مرويّاته، إجازة عامة، وأنشده جملة من شعره وشعر غيره. وممن أجازه عامة، رئيس الكتاب أبو الحسن بن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو عبد الله بن يحيى بن بكر الأشعري، والخطيب أبو علي القرشي، والأستاذ أبو محمد بن سلمون، والحاج الراوية أبو جعفر بن جابر، والشيخ القاضي أبو جعفر أحمد بن عتيق الشّاطبي الأزدي، والقاضي الكاتب البارع أبو بكر بن شبرين، والقاضي الخطيب الأستاذ الراوية أبو بكر بن الشيخ الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، والقاضي الخطيب أبو محمد بن محمد بن الصّايع.
وممن كتب له بالإجازة من المشايخ، شيخ المشايخ أثير الدين أبو حيّان محمد بن يوسف بن حيان، وقاضي الجماعة بفاس محمد بن محمد بن أحمد المقري، ورئيس الكتاب أبو محمد الحضرمي، وجماعة سوى من ذكر من أهل المشرق والمغرب.
شعره: وشعره نبيل الأغراض، حسن المقاصد. فمن ذلك قوله: [الطويل]
سنى الليلة الغرّاء «1» وافتك بالبشرى ... وأبدى بها «2» وجه القبول لك البشرا
(3/300)

تهلّل وجه الكون من طرب بها ... وأشرقت الدّنيا «1» بغرّتها الغرّا
لها المنّة العظمى بميلاد أحمد ... لها الرّتبة العليا لها العزّة الكبرا
طوى سرّه في صدره الدّهر مدّة ... فوافى ربيعا ناشرا ذلك السّرّا
حوى شهرة الفضل الشهير وفضله ... فأحسن به فضلا وأعظم به شهرا
لقد كان ليل الكفر في اللّيل قد جفا ... فأطلع منه في سمّة «2» الهدى فجرا
وفي ليلة الميلاد لاحت شواهد ... قضت أنّ دين الكفر قد أبطل الكفرا
لقد أخمدت أنوارها نار فارس ... وأرجت «3» كما ارتجّ إيوانه كسرى
له معجزات يعجز القلب كنهها ... ويحصر إن رام اللسان لها حصرا
معال يكلّ الشّعر عن نيل وصفها ... وتقصر عن إدراك مصعده الشّعرى
به بشّر الرّسل الكرام ولم تزل ... شمائله تتلى وآياته تترى
ففي الصّحف الأولى مناقبه العلى ... وفي الذكر آيات خصّت «4» له قدرا
لقد خصّه مولاه بالقرب والرضى ... وحسبك ما قد نصّ في النّجم والإسرا
وردّ عليه الشمس بعد غروبها ... وشقّ على رغم العداة له البدرا
وكان له في مائه وطعامه ... لطائف ربّانيّة تبهر الفكرا
غدا الماء من بين الأصابع نابعا ... وعاد قليل الزّاد من يمنه كثرا
وكم نائل أولى وكم سائل حبا ... وكم مشتك أشفى وكم مدنف أبرى!
كفى شاهدا أن ردّ عين قتادة ... فكان لها الفضل المبين على الأخرى
وحنّ إليه الجذع عند فراقه ... ولا حنّت الخنساء إذ فارقت صخرا
وحقّ له إذ بان عنه حبيبه ... ومن ذاق طعم الوصل لم يحمل الهجرا
خليليّ، والدنيا تجدّد للفقر ... ضروبا من الأشواق لو تنفع الذّكرى
بعيشكما هل لي إلى أرض طيبة ... سبيل؟ فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا
منى النفس «5» من تلك المعاهد زورة ... أبثّ بها شكوى وأشكو بها وزرا
وتعفير خدّي في عروق ترابها ... ليمحو لي ذنبا ويثبت لي أجرا
(3/301)

تعلّلني نفسي بإدراكها المنى ... وما أجهدت عيشا ولا ملّكت قفرا
ومن كانت الآمال أقصى اجتهاده ... غدت كفّه ممّا تأمّله صفرا
وكم زجرتها واعظات زمانها ... فما سمعت وعظا ولا قبلت زجرا
وكنت لها عصر الشبيبة عاذرا ... سقاه الحيا ما كان أقصره عصرا
وأمّا وقد ولّت ثلاثون حجّة ... فلست أرى للنفس من بعدها عذرا
إذا أنت لم تترك سوى النفس طائعا ... فلا بدّ بعد الشّيب من تركه قسرا
ولم أدّخر إلّا شفاعة أحمد ... لتخفيف وزر شدّ ما أوثق الظّهرا
لقد علقت «1» كفّ الرجاء بحمله ... لعلّ كسير القلب يقلبه برّا
هو المرتضى الداعي إلى منهج الرّضا ... هو المصطفى الهادي الميسّر لليسرى
هو الحاسر الماحي الضّلالة بالهدى ... هو الشّافع الواقي إذا شهر الحشرا
بأي كلام يبلغ المرء وصف من ... مكارمه تستغرق النّظم والنّثرا
خلال إذا الأفكار جاست خلالها ... تكرّ على الأعقاب خاسئة خسرا
لقد غضّ طرف النّجم باهرها سنى ... وأرغم أنف الرّوض عاطرها نشرا
سقى ليلة حيّت به واكف الحيا ... فنعماؤها ما إن يحيط بها شكرا
لقد خصّها سند الإله برحمة ... فعمّت بها الدنيا وسكّانها طرّا
أقمت أمير المسلمين حقوقها ... بأفعال برّ أضحكت للهدى ثغرا
لقد سرت فيها إذ أتتك بسرّه ... أقرّت لها عينا وسرّت لها صدرا
عرفت بها حقّ الذي عرفت به ... فأحسنتها شكرا وأوليتها برّا
وأصحبتها الإخلاص لله والتّقى ... وأعقبها الإحسان والنّائل الغمرا
لدى مصنع ملا «2» العيون محاسنا ... تجسّم فيه السّحر حتى بدا قصرا
منها بعد أبيات في المدح للسلطان:
روى عن أبي الحجاج غرّ شمائل ... أعاد لنا دهم الليالي بها غرّا
ومن كبني نصر جلالة منصب ... بهم نصر الرحمن دين الهدى نصرا
هم ما هم إن تلقهم في مهمّة ... لقيت الجناب السّهل والمعقل الوعرا
سلالة أنصار النبيّ محمد ... فسل أحدا ينبيك عنهم وسل بدرا
(3/302)

ومن شعره في المقطوعات، قال في التورية العروضية «1» : [الوافر]
لقد قطّعت قلبي يا خليلي ... بهجر طال منك على العليل
ولكن ما عجيب منك هذا ... إذ «2» التّقطيع من شأن الخليل»
وقال في التّورية النّحوية «4» : [الطويل]
لقد كنت موصولا فأبدل وصلكم ... بهجر وما مثلي على الهجر يصبر
فما بالكم غيّرتم عبدكم ... وعهدي بالمحبوب ليس يغيّر «5»
وقال في التّورية مداعبا بعض المقرئين للعدد وهو بديع «6» : [الكامل]
يا ناصبا علم الحساب حباله «7» ... لقناص ظبي ساحر الألباب
إن كنت ترجو «8» بالحساب وصاله ... فالبدر «9» يرزقنا بغير حساب
وقال في التّورية العروضية «10» : [المتقارب]
لقد كمل الودّ ما «11» بيننا ... ودمنا على فرح شامل
فإن دخل القطع في وصلنا ... فقد يدخل القطع في الكامل
وقال في تضمين مثل «12» : [الوافر]
ألا أكتم حبّ من أحببت واصبر ... فإنّ الهجر يحدثه الكلام
وإن أبداه دمع أو نحول ... فمن بعد اجتهادي «13» لا تلام
وقال «14» : [السريع]
وأشنب الثّغر له وجنة ... تعدّت النّحل على وردها
ما ذاك إلّا حسد «15» إذ رأت ... رضابه أعذب من شهدها
(3/303)

وقال في التّورية بأسماء كتب فقهية جوابا غير معمّى «1» : [الطويل]
لك الله من خلّ حباني برقعة ... حبتني من أبياتها «2» بالنوادر
رسالة رمز في الجمال نهاية «3» ... وخيرة نظم أتحفت بالجواهر
وقال في التّورية أيضا «4» : [الطويل]
إلى الله أشكو غدر آل تودّدي «5» ... إليّ فلمّا لاح سرّي لهم حالوا
لقد خدعوني إذ أروني مودّة ... ولكنّه لا غرو أن يخدع الآل
وقال يخاطب رجلا من أصحابه «6» : [الطويل]
أبا حسن «7» إن شتّت الدّهر شملنا ... فليس لودّ في الفؤاد «8» شتات
وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل «9» ... لقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدّم قبلها حسنات؟
وقال في النّسيب «10» : [الطويل]
لئن «11» كان باب القرب قد سدّ بيننا ... ولم يبق لي في نيل وصلك مطمع
وأخفرت «12» عهدي دون ذنب جنيته ... وأصبح ودّي فيك وهو مضيّع
ولم ترث لي عمّا «13» ألاقي من الأسى ... وصرت أنادي منك من ليس يسمع
وضاقت بي الأحوال عن كلّ وجهة ... فما «14» أرتجي من رحمة الله أوسع
(3/304)

وممّا نظمه في التّضمين مخاطبا بعض المنتحلين للشّعر قوله «1» : [الطويل]
لقد صرت في غصب القصائد ماهرا ... فما أسم جميع الشعر عندك غير لي «2»
ولم تبق شعرا لامرىء متقدّم «3» ... ولم تبق شعرا يا ابن بشت «4» لأول
فشعر جرير قد غصبت ورؤبة «5» ... وشعر ابن مرج الكحل وابن المرحّل
وإن دام هذا الأمر أصبحت تدّعي ... (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) »
ومن المقرئين والعلماء
عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مجاهد العبدري الكوّاب «7»
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، الخطيب، المقرئ.
حاله: من «الصّلة» : كان، رحمه الله، أتقن أهل زمانه في تجويد كتاب الله العزيز، وأبرعهم في ذلك، وأنفعهم للمتعلم، نفع الله به كل من قرأ عليه، وترك بعده جملة يرجع إليهم في ذلك، ويعمل على ما عندهم. وكان مع ذلك نبيه الأغراض، في جميع ما يحتاج إليه في علمه، ذاكرا للاختيارات التي تنسب للمقرئين، من يرجّح ويعلّل، ويختار ويردّ، موفقا في ذلك، صابرا على التعليم، دائبا عليه نهاره وليله، ذاكرا لخلاف السّبعة. رحل الناس إليه من كل مكان، خاصّتهم وعامّهم، وملأ بلده تجويدا وإتقانا، وكان مع هذا فاضلا ورعا جليلا. خطب بجامع غرناطة وأمّ به مدة طويلة إلى حين وفاته.
مشيخته: أخذ القراءات عن الحاج أبي الحسين «8» بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي عبد الله بن عروس. ورحل إلى بيّاسة فأخذ بها القراءات عن أبي بكر بن حسّون، وأخذ مع هؤلاء عن جعفر بن حكم، وأبي جعفر بن عبد الرحيم،
(3/305)

وأبي الحسن الصّدفي الفاسي، وسمع عليه كثيرا من كتاب سيبويه تفقّها، وأجاز له كتابة القاضي أبو بكر بن أبي جمرة مع آخرين ممن أخذوا عنه.
من أخذ عنه: روى عن الناس أهل بلده وغيرهم، منهم ابن أبي الأحوص، وأبو عبد الله بن إبراهيم المقرئ.
وفاته: توفي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة «1» ، ودفن بمقبرة باب إلبيرة.
عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن سلمون.
حاله: كان، رحمه الله، نسيج وحده، دينا وفضلا، وتخلّقا ودماثة، ولين جانب، حسن اللّقاء، سليم الباطن، مغرقا في الخير، عظيم الهشّة والقبول، كريم الطّويّة، عظيم الانقياد، طيّب اللهجة، متهالكا في التماس الصّالحين، يتقلّب في ذلك بين الخطإ والإصابة، صدرا في أهل الشّورى. قرأ ببلده وسمع وأسمع وأقرأ، وكتب الشروط مدة، مأثور العدالة، معروف النّزاهة، مثلا في ذلك، ويقوم على العربية والفقه، خصوصا باب البيوع، ويتقدّم السّباق في معرفة القراءات، منقطع القرين في ذلك، أشدّ الناس خفوفا في الحوائج، وأسرعهم إلى المشاركة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير بغرناطة، ولازمه، فانتفع به دراية ورواية. وقرأ على الخطيب أبي الحسن بن فضيلة، والمكتّب أبي الحسن البلّوطي، وأبي محمد النّفزي، والخطيب أبي جعفر الكحيلي. وبمالقة على الأستاذ أبي محمد الباهلي. وبسبتة على الأستاذ المقرئ رحلة وقته أبي القاسم بن الطيب، وسمع عليه الكثير. وعلى الأستاذ أبي عبد الله الدّراج، ولازم مجلس إقرائه، وعلى الشيخ المعمّر أبي عبد الله بن الخطّار الكامي، وهو أعلى من لقيه من تلك الحلبة.
وأخذ بالإجازة عن العدل أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن النّولي، وروايته عالية.
لقي أبا الربيع بن سالم، ولقي بسبتة الشّريف الرّاوية أبا علي الحسن بن أبي الشرف ربيع، والأديب الكاتب أبا علي الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق. وبفاس الفقيه أبا غالب محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغيلي. وقرأ على الخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد. وسمع على ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم. ولقي الأديب المعمّر مالك بن المرحّل. وأجازه أبو عمران موسى بن الخطيب أبي الحسن
(3/306)

الدّاري برندة. وأجازه من أهل المشرق كثير، منهم عز الدين أحمد بن محمد الحسني بقيّة الأشراف بالدّيار المصرية، وجمال الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري، ونجم الدين أحمد بن حمدان الحرّاني، وجمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشّيباني، وأحمد بن عبد المنعم الصّوفي، ومولده عام أحد وستمائة، وأحمد بن سلمان بن أحمد المقدسي، وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي، وشمس الدين إبراهيم بن سرور المقدسي، والخطيب بالمسجد الأعظم ببجاية أبو عبد الله بن صالح الكناني، وأبو عبد الله محمد بن أبي خمسة محمد بن البكري بن أبي بكر، وأبو عبد الله محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، وابن دقيق العيد تقي الدين، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة، والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت أبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السّكوني. وأجازه نحو من المايتين من أهل المشرق والمغرب. ولقي بفاس الشّيخة الأديبة الطيبة الشاعرة سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبيّة وأجازته، وألبسته خرقة التصوّف.
قال: وأنشدتني قصيدة أجابت بها الخطيب المحدّث أبا عبد الله بن رشيد، أولها يعني قصيدة ابن رشيد: [السريع]
سرى نسيم من حمى سارة ... عاد به كلّ نسيم عاطرا
وجال أفكار الدّنا ذكرها ... فسار فيها مثلا سائرا
دائرة والمجد قطب لها ... دارت عليه فلكا دائرا
فقالت:
وافى قريض منكم مذ غدا ... لبعض أوصافكم ذاكرا
أطلع من أنفاسه حجوا «1» ... ومن شذاه نفسا عاطرا
أعاد ميت الفكر من خاطري ... من بعد دفن في الثّرى ناشرا
يبهر طرفي حسن منظره ... أحبب به نظما غدا باهرا
فقلت لمّا «2» هالني حسنه ... أشاعرا أصبح أم ساحرا؟
أم روضة هذي التي قد نوى؟ ... أم بدر تمّ قد بدا زاهرا؟
أم ضرب «3» من فمه سائل؟ ... أم جوهر أضحى لنا ناثرا؟
(3/307)

لله ما أعذب ألفاظه ... وأنور الباطن والظّاهرا!
يا ابن رشيد، بل أبا الرّشد، ... من لم يزل طيّ العلا ناشرا «1»
خذ ما فدتك النّفس يا سيدي ... وكن لمن نظمها عاذرا
ما تصل الأنثى بتقصيرها ... لأن تباري ذكرا ماهرا
لا زلت تحيى من رسوم العلا ... ما كان منها دارسا داثرا
تصانيفه: الكتاب المسمى ب «الشافي في تجربة ما وقع من الخلاف بين التّيسير والتّبصرة والكافي» لا نظير له.
مولده: ولد بغرناظة بلده في الثاني والعشرين لذي قعدة من عام تسعة وستين وستمائة.
وفاته: فقد في الوقيعة العظمى بطريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من عام أحد وأربعين وسبعمائة. حدّث بعض الجند أنه رآه يتحامل، وجرح بصدره يثغب دما، وهو رابط الجأش، فكان آخر العهد به، تقبّل الله شهادته.
عبد الله بن سهل الغرناطي «2»
يكنى أبا محمد، وينبز «3» بوجه «4» نافخ.
حاله: من كتاب ابن حمامة، قال: عني بعلم القرآن والنحو والحديث عناية تامة، وبهذا كنت أسمع الثّناء عليه من الأشياخ في حال طفولتي بغرناظة، ثم شهر بعد ذلك بعلم المنطق، والعلوم الرياضية، وسائر العلوم القديمة، وعظم بسببها، وامتدّ صيته من أجلها، وأجمع المسلمون واليهود والنصارى أن ليس في زمانه مثله، ولا في كثير ممن تقدّمه، وبين هذه الملل الثلاثة من التّحاسد ما عرف. وكانت النصارى تقصده من طليطلة، تتعلّم منه أيام كان ببيّاسة «5» ، وله مع قسّيسهم مجالس في
(3/308)

التّناظر، حاز فيها قصب السّبق. قال: ثم خرج عن بيّاسة، وسار إلى نظر ابن همشك «1» عند خروج النصارى عن بيّاسة. وله تواليف. وهو الآن بحاله.
قلت: تاريخ هذا القول، عام ثلاثة وخمسين وخمسمائة.
عبد الله بن أيوب الأنصاري «2»
يكنى أبا محمد، ويعرف بابن خدوج «3» ، من أهل قلعة أيوب «4» .
حاله: فقيه حافظ لمذهب مالك. استوطن غرناطة وسكنها.
تواليفه: ألّف في الفقه كتابا مفيدا سماه «المنوطة على مذهب مالك» ، في ثمانية أسفار «5» ، أتقن فيها كل الإتقان.
وفاته: توفي بها سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وقد قارب المائة.
عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى ابن عبد الله الأنصاري «6»
مالقي، قرطبي الأصل، يكنى أبا محمد، ويعرف بالقرطبي، وقرأ بغرناظة.
حاله: كان «7» في وقته ببلده كامل المعارف، صدرا في المقرئين والمجوّدين «8» ، رئيس المحدّثين وإمامهم، واسع المعرفة، مكثرا، ثقة، عدلا، أمينا، مكين الرّواية «9» ، رائق الحطّ، نبيل التّقييد والضّبط، ناقدا، ذاكرا أسماء رجال الحديث وطبقاتهم وتواريخهم، وما حلوا به من جرح وتعديل، لا يدانيه أحد في ذلك، عزيز النّظر «10» ،
(3/309)

متيقّظا، متوقّد الذهن، كريم الخلال، حميد العشرة، دمثا، متواضعا، حسن الخلق، محبّبا إلى الناس، نزيه النفس، جميل الهيئة، وقورا، معظّما عند الخاصة والعامة، ديّنا، زاهدا، ورعا، فاضلا، نحويا ماهرا، ريّان من الأدب، قائلا الجيّد من الشعر، مقصدا ومقطعا. وكان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام، سوى مجلس تدريسه، يتكلم فيه على الحديث، إسنادا ومتنا، بطريقة عجز «1» عنها الكثير من أكابر أهل زمانه. وتصدّر للإقراء ابن عشرين سنة «2» .
من أخباره في العلم والذكاء: قالوا: قرىء «3» عليه يوما باب الابتداء بالكلم التي يلفظ بها في «4» إيضاح الفارسي، وكان أحسن الناس قياما عليه، فتكلّم على المسألة الواقعة في ذلك الباب، المتعلقة بعلم العروض، وكان في الحاضرين من أحسن «5» صناعته، فجاذبه الكلام «6» ، وضايقه في «7» المباحثة، حتى أحسّ الأستاذ من نفسه التّقصير، إذ لم يكن له قبل كبير نظر في العروض، فكفّ عن الخوض في المسألة، وانصرف إلى منزله، وعكف سائر اليوم «8» على تصفّح علم العروض حتى فهم أغراضه، وحصّل تواليفه «9» ، وصنّف فيه مختصرا نبيلا لخّص في صدره ضروبه «10» ، وأبدع فيه بنظم مثله، وجاء به من الغد، معجزا من رآه أو سمع به، فبهت الحاضرون وقضوا العجب من اقتداره وذكائه، ونفوذ فهمه، وسموّ همّته.
ومن أخباره في الدّين: قال أبو أحمد جعفر بن زعرور العاملي المالقي، تلميذه الأخصّ به: بتّ معه ليلة في دويرته التي كانت له بجبل فاره «11» للإقراء والمطالعة، فقام ساعة كنت فيها يقظانا «12» ، وهو ضاحك مسرور، يشدّ يده كأنّه ظفر بشيء نفيس، فسألته فقال: رأيت كأن الناس قد حشروا في العرض على الله، وأتي بالمحدّثين، وكنت أرى أبا عبد الله النّميري يؤتى به، فيوقف بين يدي الله تعالى،
(3/310)

فيعطي براءته من النّار، ثم يؤتى بي، فأوقفت بين يدي ربيّ، فأعطاني براءتي من النّار، فاستيقظت، وأنا أشدّ عليها يدي اغتباطا بها وفرحا، والحمد لله.
مشيخته: تلا «1» بمالقة على أبيه، وأبي زيد السّهيلي، والقاسم بن دحمان، وروى عنهم، وعن أبي الحجاج بن الشيخ، وأبوي عبد الله بن الفخّار، وابن نوح، وابن اليتيم، وابن كامل، وابن جابر، وابن بونة. وبالمنكّب عن عبد الوهاب الصّدفي. وحضر بمالقة مجلس أبي إسحاق بن قرقول. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجد، وابن صاف، وأبي جعفر بن مضاء، وأبوي الحسن عبد الرحمن بن مسلمة، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن عبد الرازق، وأبي محمد بن جمهور.
وبغرناطة عن أبوي جعفر بن حكم الحصّار، وابن شراحيل، وأبي عبد الله بن عروس، وأبوي محمد عبد الحق النّوالشي، وعبد المنعم بن الفرس. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حبيش. وبسبتة عن أبي محمد الحجري.
وأجاز له من الأندلس ابن محرز، وابن حسّون، وابن خيرة، والأركشي، وابن حفص، وابن سعادة، ويحيى المجريطي، وابن بشكوال، وابن قزمان. ومن أهل المشرق جماعة كبيرة.
شعره وتصانيفه: ألّف في العروض مجموعات نبيلة، وفي قراءة نافع. ولخّص أسانيد الموطّأ. وله المبدي، لخطإ الرّندي. ودخل يوما بمجلس أقرأ به أبو الفضل عياض، وكان أفتى منه، غير أنّ الشّيب جار عليه، وتأخّر شيب الأستاذ، فقال: يا أستاذ، شبنا وما شبتم، قال: فأنشده ارتجالا «2» : [الطويل]
وهل نافع «3» أن أخطأ الشّيب مفرقي ... وقد شاب أترابي وشاب لداتي؟
لئن كان خطب الشّيب يوجد حسّه «4» ... بتربي فمعناه يقوم بذاتي
ومن شعره في التّجنيس «5» : [الطويل]
لعمرك، ما الدّنيا وسرعة «6» سيرها ... بسكّانها إلّا طريق مجاز
حقيقتها أنّ المقام بغيرها ... ولكنهم قد أولعوا بمجاز
(3/311)

ومما يؤثر أيضا من شعره قوله «1» : [الخفيف]
سهرت أعين ونامت عيون ... لأمور «2» تكون أو لا تكون
فاطرد الهمّ ما استطعت عن النّف ... س فحملانك الهموم جنون
إنّ ربّا كفاك بالأمس ما كان ... سيكفيك «3» في غد ما يكون
مولده: ولد أبو محمد قريب ظهر يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة عام ستة وخمسين وخمسمائة.
وفاته: سحر ليلة السبت أو سحر يومها، ودفن إثر صلاة العصر من اليوم السابع لربيع الآخر سنة إحدى عشرة «4» وستمائة.
من رثاه: رثاه الأديب أبو محمد عبد الله بن حسّون البرجي من قصيدة حسنة طويلة «5» : [الطويل]
خليليّ، هبّا ساعداني بعبرة ... وقولا لمن بالريّ: ويحكم هبّوا
نبكّ «6» العلا والمجد والعلم والتّقى ... فمأتم أحزاني نوائحه الصّحب
فقد سلب الدّين الحنيفيّ روحه ... ففي كلّ سرّ «7» من نباهته نهب
وقد طمست أنوار سنّة أحمد ... وقد خلت الدنيا وقد ظعن الرّكب
مضى الكوكب الوقّاد والمرهف الذي ... يصحّح «8» في نصّ الحديث فما ينبو «9»
تمنّى علاه النّيران ونوره ... وقالا بزعم: إنّه لهما ترب
أأسلو وبحر العلم غيضت مياهه ... ومحيي رسوم العلم يحجبه التّرب؟
عزيز على الإسلام أن يودع الثرى ... مسدّدة الأسرى «10» وعالمه النّدب
(3/312)

بكى العالم العلويّ والسّبع حسرة ... أولئك «1» حزب الله ما فوقهم حزب
على القرطبيّ الحبر أستاذنا الذي ... على أهل هذا العصر فضّله الرّبّ
فقد كان فيما قد «2» مضى من زمانه ... به تحسن الدّنيا ويلتئم الشّعب
ويجمع سرب الأنس روض جنابه «3» ... فقد جفّ ذاك الرّوض وافترق السّرب
فسحقا لدنيا خادعتنا بمكرها ... إذا عاقدت سلما فمقصدها حرب
ركبنا بها «4» السّهل الذّلول فقادنا ... إلى كلّ ما في طيّه مركب صعب
ونغفل عنها والرّدى يستفزّنا ... كفى واعظا بالموت لو كان لي لبّ
عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن أحمد ابن إسماعيل بن سماك العاملي «5»
يكنى أبا محمد، مالقي الأصل.
حاله: كان فقيها أديبا، بارع الأدب، شاعرا مطبوعا، كثير النّادر، حلو الشّمايل، أدرك شيوخا جلّة، وولّي قضاء غرناطة مدّة.
مشيخته: روى عن جدّه لأمه، وابن عمّ أبيه أبي عمر أحمد بن إسماعيل، وأبي علي الغسّاني، وأبي الحسن علي بن عبيد الرحمن بن سمحون، والمرساني الأديب.
شعره: [الكامل]
الروض مخضرّ الرّبى متجمّل ... للناظرين بأجمل الألوان
وكأنما بسطت هناك سوارها ... خود زهت بقلائد العقيان
وكأنّما فتقت هناك نوافح ... من مسكة عجنت بعرف البان
والطّير يسجع في الغصون كأنما ... تقرأ القيان فيه على العيدان
(3/313)

والماء مطّرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضّة وجمان
بهجات حسن أكملت فكأنها ... حسن اليقين وبهجة الإيمان
وكتب إلى الكاتب أبي نصر الفتح بن عبيد الله «1» في أثناء رسالة «2» :
[الوافر]
تفتّحت الكتابة عن نسيم ... نسيم المسك في خلق الكريم «3»
أبا نصر، رسمت لها رسوما ... تخال رسومها وضح النّجوم
وقد كانت عفت فأنرت «4» منها ... سراجا لاح في اللّيل البهيم
فتحت من الصّناعة كلّ باب ... فصار «5» في طريق مستقيم
فكتّاب الزمان ولست منهم ... إذا راموا مرامك في هموم
فما قسّ بأبدع منك لفظا ... ولا سحبان مثلك في العلوم «6»
وفاته: في السابع والعشرين من رمضان المعظم سنة أربعين وخمسمائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ومن ترجمة القضاة
عبد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أيوب بن الحسن ابن منخل بن زيد الغافقي
من أهل غرناظة وأعيانها، يكنى أبا محمد، وينسب إلى غافق بن الشّاهد بن عك بن عدنان، لا إلى حصن غافق.
حاله: من «العائد: كان رجلا صحيح المذهب، سليم الصّدر، قليل المصانعة، كثير الحركة والهشّة والجدة، ملازم الاجتهاد والعكوف، لا يفتر عن النّسخ والتّقييد والمطالعة، على حال الكبرة، قديم التّعيّن والأصالة، ولّي القضاء عمره بمواضع كثيرة، منها بيرة ورندة ثم مالقة، مضافا إلى الخطابة بها.
(3/314)

مشيخته: حجّ في حدود سبعة وثمانين وستمائة، وروى عن جلّة من أهل المشرق، كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد عبد المؤمن الدّمياطي، وشمس الدين المصنّف أبي عبد الله بن عبد السلام. وأجازه من أهل المغرب شيخ الجماعة بالأندلس أبو جعفر بن الزبير، والقاضي ابن أبي الأحوص، والخطيب أبو الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبو الحسن ابن الصّائغ الإشبيلي، وأبو جعفر الطّباع، وغيرهم.
تواليفه: ألّف كتابا سماه ب «المنهاج، في ترتيب مسائل الفقيه المشاور أبي عبد الله ابن الحاج» .
مولده: ولد بغرناطة في حدود ستين وستمائة.
وفاته: توفي بغرناطة يوم عاشوراء من عام أحد وثلاثين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين المرّي
يكنى أبا خالد.
حاله: كان فقيها جليلا، وولّي القضاء ببعض جهات غرناطة.
مشيخته: أخذ الفقه عن أبي جعفر بن هلال، وأبي محمد بن سماك القاضي.
والعربية عن الخضر بن رضوان العبدري. والحديث عن الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية، والإمام أبي الحسن علي بن أحمد، والقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض أيام قضائه بغرناطة.
مولده: ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
وفاته: توفي في ذي قعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى ابن محمد بن يحيى بن زكريا الأنصاري «1»
يكنى أبا محمد، من أهل غرناطة، شرقي الأصل، مرسيّه، من بيوتاته النّبيهة، وقد مرّ ذكر أخيه.
(3/315)

حاله: كان»
على طريقة حسنة من دمائة الأخلاق، وسلامة السّجيّة، والتزام الحشمة، والاشتغال بما يعني. ولّي القضاء دون العشرين سنة، وتصرّف فيه عمره بالجهات الأندلسية، فأظهر فيه عدلا ونزاهة، ولم يختلف عليه اثنان مدة حياته من أهل المعرفة بالأحكام، والتّقدّم في عقد الشّروط، وصناعة الفرائض، علما وعملا، ثاقب الذهن، نافذا في صنعة العدد.
مشيخته: قرأ «2» على أبيه القاضي أبي بكر بن زكريا، وله رواية عالية من أعلام من أهل المشرق والمغرب. وقرأ على أبي الحسن بن فضيلة الوليّ الصالح، والقاضي أبي عبد الله بن هشام الألشي، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والحاج أبي محمد بن جابر، وأبي بكر القللوسي. وقرأ العدد وما أشبهه على الأستاذ التّعاليمي أبي عبد الله الرقّام، ولازمه، وأجازه طائفة كبيرة. أخبرني ولده الفاضل أبو بكر، قال: ورد سؤال من تونس مع تاجر وصل في مركب إلى مدينة المنكّب أيام قضائه بها، في رجل فرّط في إخراج زكاة ماله سنين متعدّدة، سمّيت في السؤال مع نسبة قدر المال، وطلب في السؤال أن يكون عملها بالأربعة الأعداد المتناسبة، إذ عملها بذلك أصعب من عملها بالجبر والمقابلة، فعملها وأخرجها بالعملين، وعبّر عنها بعبارة حسنة، وكتبها في بطاقة بخطّ جميل، فذكر التاجر أنه لم يبق بتونس فقيه إلّا ونسخ منها نسخة واستحسنها.
مولده: ولد يوم الخميس السابع عشر «3» لجمادى الآخرة عام خمسة وسبعين وستمائة.
وفاته: توفي قاضيا ببسطة في التاسع عشر من رمضان عام خمسة وأربعين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك ابن أبي جمرة الأزدي
من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا محمد، وبيته بمرسية من أعلام بيوتاتها، شهير التّعيّن والأصالة، ينكح «4» فيه الأمراء.
(3/316)

حاله: كان من أعلام وقته فضلا وعدالة وصلاحا ووقارا، طاهر النشأة، عفّ الطّعمة، كثير الحياء، مليح التّخلّق. نشأ بمرسية، ثم انتقل إلى غرناطة فتولّى القضاء ببيرة وجهاتها، ثم جاز إلى سبتة، وانعقدت بينه وبين رؤسائها المصاهرة في بعض بناته. ثم آب إلى غرناطة عند رجوع إيالة سبتة إلى أميرها، فتقدّم خطيبا بها.
مشيخته: روى بالإجازة عن الخطيب الحافظ أبي الرّبيع بن سالم وأمثاله.
وفاته: الغريبة المستحسنة، قال بعض شيوخنا: كنت أسمعه عند سجوده وتبتّله وضراعته إلى الله يقول: اللهم، أمتني ميتة حسنة، ويكرّر ذلك. فأجاب الله دعاءه، وتوفّاه على أتمّ وجوه التّأنيب طهارة وخشوعا وخضوعا وتأهّبا، وزمانا ومكانا، عندما صعد أوّل درج من أدراج المنبر، يوم الجمعة الثالث والعشرين لشوال من عام أحد عشر وسبعمائة، فكان يوما مشهودا لا عهد بمثله، ما رئي أكثر باكيا منه، وأكثر الناس من الثناء عليه.
عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأزدي «1»
يكنى أبا محمد.
حاله: من «الصّلة» : قال «2» : القاضي المحدّث الجليل العالم، كان فقيها جليلا أصوليا، نحويا، كاتبا، أديبا، شاعرا، متفنّنا في العلوم، ورعا، ديّنا، حافظا، ثبتا، فاضلا. وكان يدرّس كتاب سيبويه، ومستصفى أبي حامد «3» ، ويميل إلى الاجتهاد في نظره، ويغلّب طريقة الظّاهرية «4» ، مشهورا بالعقل والفضل، معظّما، عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدّما في ذلك، بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار. ولملوك الموحّدين به اعتناء كبير.
وهو كان أستاذ الناصر «5» وإخوته، وكان له عند المنصور والدهم، بذلك أكرم أثرة، مع ما كان مشهورا به من العلم والدّين والفضل. ولّي القضاء بإشبيلية وقرطبة
(3/317)

ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، سنّيّا، مجانبا لأهل البدع والأهواء، بارع الخطّ، حسن التّقييد.
مشيخته: تردّد «1» في طلب العلم، فسمع ببلنسية وشاطبة ومرسية وألمرية وقرطبة وإشبيلية ومالقة، وغيرها من البلاد الأندلسية، وتحصّل له سماع جمّ لم يشاركه فيه أحد من أهل المغرب «2» . قرأ القرآن على أبيه، وعلى أبي محمد عبد الصمد الغسّاني، وأخذ عن ابن حميد كتاب سيبويه تفقّها، وعن غيره، وسمع عن ابن بشكوال، وقرأ أكثر من ستّين تأليفا بين كبار وصغار، وكمل له على أبي محمد بن عبد الله، بين قراءة وسماع، نحو من ستة وثلاثين تأليفا، منها الصّحيحان، وأكثر عن ابن حبيش، والسّهيلي، وابن الفخّار وغيرهم. واستيفاء مشيخته يشقّ.
شعره: قال الأستاذ: أنشدنيه ابنه أبو القاسم، ونقلت من خطه «3» : [الوافر]
أتدري أنّك الخطّاء حقّا ... وأنّك بالذي تدري «4» رهين؟
وتغتاب «5» الألى «6» فعلوا وقالوا ... وذاك الظّنّ والإفك «7» المبين
مولده: في محرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة «8» .
وفاته: كان آخر عمره قد أعيد إلى مرسية، قصدها من الحضرة، فمات بغرناطة سحر يوم الخميس الثاني لربيع الأول اثنتي عشرة وستمائة، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه، يوم السبت التاسع عشر لشعبان من السنة إلى مالقة، فدفن بها.
عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري
من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ربيع.
(3/318)

حاله: كان، رحمه الله، أديبا، كاتبا، شاعرا، نحويا، فقيها أصوليّا، مشاركا في علوم، محبّا في القراءة، وطيّا عند المناطرة، متناصفا، سنيّا، أشعري المذهب والنّسب، مصمّما على طريقة الأشعريّة، ملتزما لمذهب أهل السّنّة المالكي، من بقايا الناس وعليتهم، ومن آخر طلبة الأندلس المشاركين الجلّة، المصمّمين على مذهب أهل السّنة، المنافرين للمذاهب الفلسفية والمبتدعة، والزّيغ. ولّي قضاء مواضع من الأندلس، منها مدينة شريش ورندة ومالقة، وأمّ وخطب بجامعها. ثم ولّي قضاء الجماعة «1» بحضرة غرناطة، وعقد بها مجلسا للإقراء، فانتفع به طلبتها، واستمرّ على ذلك، وكانت ولايته غرناطة نحوا من سبعة أعوام.
مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عامر وتفقّه به، وعن الخطيب أبي جعفر بن يحيى الحميري، وتلا عليه، وتأدّب به، وعن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وروى مع هؤلاء عن القاضي أبي القاسم بن بقي، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي عبد الله بن أصبغ، وغيرهم. وأجاز له الشيخ المسنّ أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشّقوري، وله به علوّ، وبالأستاذ الخطيب المسنّ أبي جعفر بن يحيى المتقدم.
وفاته: توفي في السابع عشر لشوال سنة ست وستين وستمائة، ولم يخلف بعده مثله، ولا من يقاربه.
عبد الله بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن ابن الحسين الثقفي العاصمي
من ولد عاصم بن مسلم، الداخل في طلعة بلج الملقّب بالعريان، أخو الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، شقيقه، يكنى أبا محمد.
حاله: كان طبيبا ماهرا، كاتبا شاعرا، ذاكرا للّغة، صنع «2» اليدين، متقدّما في أقرانه نباهة وفصاحة، معدوم النظير في الشجاعة والإقدام، يحضر الغزوات، فارسا وراجلا، ولقي بفحص غرناطة «3» ليلا نصرانيا يتجسّس، فأسره وجرّه، وأدخله البلد، ولم يلتفت إلى ثمنه استكتاما لتلك الفعلة.
(3/319)

مشيخته: أخذ القرآن عن الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، وروى عن أبي يحيى بن عبد الرحيم، وأبي الوليد العطار، وأبي القاسم بن ربيع، وأبي الخطار بن خليل، وأخذ عن أبي عمر بن حوط الله بمالقة، وابن أبي ريحانة. وبسبتة على أبي بكر بن مشليون. وأجاز له أبو بكر بن محرز، وأبو الحسن الشّاري. وأخذ عن الأستاذ الناقد أبي الحسن علي بن محمد الكناني.
مولده: ولد بغرناطة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي قعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وفاته: توفي بها سحر أول يوم من ذي قعدة سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
عبد الله بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي
يكنى أبا يحيى.
حاله: طالب نبيل فاضل، ورع زاهد، مؤثر في الدنيا بما تملّكه، تال لكتاب الله في جميع الأوقات.
أخباره في الإيثار: وجّه له السيد أبو إسحاق ابن الخليفة أبي يعقوب «1» خمسمائة دنير ليصلح بها من شأنه، فصرف جميعها على أهل السّتر في أقلّ من شهر. ومرّ بفتى في إشبيلية، وأعوان القاضي يحملونه إلى السّجن، وهو يبكي، فسأله، فقال: أنا غريب، وطولبت بخمسين دنيرا، وبيدي عقود، وطولبت بضامن فلم أجده، فقال: له الله، قال: نعم، قال: فدفع له خمسين دنيرا، قال: أشهد لك بها، فضجر وقال: إن الله إذا أعطى عبده شيئا لم يشهد به عليه، وتركه وانصرف لشأنه، وكانت عنده معرفة وأدب.
مولده: بغرناطة في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
ومن ترجمة الكتّاب والشعراء بين أصلي وطارىء
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي «2»
من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن المرابع.
(3/320)

حاله: من نبهاء أدباء البادية، خشن الظاهر، منطو على لوذعيّة متوارية في مظهر جفوة، كثير الانطباع عند الخبرة، قادر على النظم والنثر، متوسّط الطّبقة فيهما، مسترفد بالشعر، سيّال القريحة، مرهوب الهجاء، مشهور المكان ببلده، يعيش من الخدم المخزنيّة، بين خارص وشاهد، وجدّ بذلك وقته، يوسّط رقاعته، فتنجح الوسيلة، ويتمشّى له بين الرّضا والسّخط الغرض.
وجرى ذكره في «التاج» بما نصّه «1» : «طويل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنّه بعقائل القوافي، شاب في الأدب وشبّ، ونشق ريح البيان لمّا هبّ، فحاول رفيعه «2» وجزله، وأجاد جدّه، وأحكم هزله. فإن مدح صدح، وإن وصف أنصف، وإن عصف قصف، وإن أنشأ ودوّن، وتقلّب في أفانين البلاغة وتلوّن، أفسد ما شاء الله وكوّن، فهو شيخ الطريقة الأدبيّة وفتاها، وخطيب حفلها كلّما أتاها، لا يتوقّف عليه من أغراضها غرض، ولا يضيع لديه منها مفترض. ولم تزل بروقه تتألّق، ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلّق، حتى برّز في أبطال الكلام وفرسانه، وذعرت القلوب لسطوة «3» لسانه، وألقت إليه الصّناعة زمامها، ووقفت عليه أحكامها. وعبر البحر منتجعا بسعره «4» ، ومنفقا في سوق الكساد من شعره «5» ، فأبرق وأرعد، وحذّر وتوعّد «6» ، وبلغ جهد إمكانه، في التّعريف بمكانه، فما حرّك ولا هزّ، وذلّ في طلب الرّفد وقد عزّ، وما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتاده.
شعره: قال في «التاج» : وقد أثبتّ من نزعاته، وبعض مخترعاته، ما يدلّ على سعة باعه، ونهضة ذراعه. فمن النسيب قوله «7» : [البسيط]
ما للمحبّ دواء يذهب الألما ... عنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى
ولا يردّ عليه نوم مقلته ... إلّا الدّنوّ إلى من شفّه سقما
يا حاكما والهوى فينا يؤيّده ... هواك فيّ بما ترضاه قد حكما
أشغلتني بك شغلا شاغلا فلم «8» ... تناسى، فديتك، عنّي بعد ذاك لما؟
(3/321)

ملكت روحي فأرفق قد علمت بما ... يلقى ولا حجّة تبقى لمن علما
ما غبت عنّي إلّا غاب عن بصري ... بدرا إذا لاح يجلي نوره الظّلما
ما لحت لي فدنا طرفي لغيرك يا ... مولى لحا فيه جفني النوم قد حرما
طوعا لطيعك لا أعصيك فافض بما ... ترضاه أرضى بما ترضى ولا جرما
إنّ الهوى يقتضي ذلّا لغيرك لو ... أفادني فيك قربا يبرّد الألما
سلمت من كل عيب يا محمد لا ... كن قلب صبّك من عينيك ما سلما
ومن مخاطباته الأدبية، ما كتب به إلى شيخ الصّوفية ببلده مع طالع من ولده:
[الطويل]
مماليكم قد زاد فيكم مرابع ... من الأفق الكوني باليمن طالع
بأنواركم يهدى إلى سبل الهدى ... ويسمو لما تسمو إليه المطالع
فواسوه منكم بالدّعاء فإنه ... مجاب بفضل الله للخلق نافع
أفاض عليه الله من بركاتكم ... وأبقاكم ذو العرش ما جنّ ساجع
فوقّع له الشيخ المخاطب بها، أبو جعفر بن الزيات، رحمه الله، بما نصّه:
[الطويل]
عسى الله يؤتيه من العلم حصّة ... تصوّب على الألباب منها ينابع
ويجعله طرفا لكلّ سجيّة ... مطهّرة للناس فيها منافع
ويلحقه في الصالحات بجدّه ... فيثني عليه الكلّ دان وشاسع
وذو العرش جلّ أسما عميم نواله ... وخير الورى في نصّ ما قلت شافع
فما أنت دوني يا أباه مهنّأ ... به فالسرور الكلّ بابنك جامع
وله يستدعي إلى الباكور: [الوافر]
بدار بدار قد آن البدار ... إلى أكواس باكور تدار
تبدّت رافلات في مسوح ... له لون الدّياجي مستعار
وقد رقمت بياضا في سواد ... كأنّ الليل خالطه النّهار
وقد نضجت وما طبخت بنار ... وهل يحتاج للباكور نار؟
ولا تحتاج مضغا لا وليس ... عجيب لا يشقّ له غبار
فقل للخلق قل للضّرس دعني ... ففي البلع اكتفاء واقتصار
(3/322)

وممّا وقع له أثناء مقامات تشهد باقتداره، مقطوعة سهلة وهي «1» : [المتقارب]
رعى الله عهدا حوى ما حوى ... لأهل الوداد وأهل الهوى
أراهم أمورا حلا وردها ... وأعطاهم السؤل كيف نوى «2»
ولمّا حلا الوصل صالوا له ... وراموه مأوى وماء روى «3»
وأوردهم سر أسرارهم ... وردّ إلى كلّ داء دوا «4»
وما أمل طال إلّا وهى ... ولا آمل «5» صال إلّا هوى
وقال يرثي ديكا فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي من عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستطرف شانه «6» : [البسيط]
أودى به الحتف لمّا جاءه الأجل ... ديكا فلا عوض منه ولا بدل
قد كان لي أمل في أن يعيش فلم ... يثبت مع الحتف في بغيا لها «7» أمل
فقدته فلعمري إنها عظة ... وبالمواعظ تذري دمعها المقل
كأنّ مطرف وشي فوق ملبسه ... عليه من كلّ حسن باهر حلل
كأنّ إكليل كسرى فوق مفرقه ... وتاجه فهو عالي الشّكل محتفل
مؤقّت لم يكن يحزى «8» له خطأ ... فيما يرتّب من ورد ولا خطل «9»
كأنّ زرقيل «10» فيما مرّ علّمه ... علم المواقيت فيما «11» رتّب الأول
(3/323)

يرحّل الليل يحيى بالصراخ فما ... يصدّه كلل عنه ولا ملل
رأيته قد وهت «1» منه القوى فهوى ... للأرض فعلا يريه الشّارب الثّمل
لو يفتدى بديوك الأرض قلّ له ... ذاك الفداء «2» ولكن فاجأ الأجل
قالوا الدّواء فلم يغن الدّواء «3» ولم ... ينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا
أمّلت فيه ثوابا أجر محتسب ... إن قلت «4» ذلك «5» صحّ القول والعمل
وأمره السلطان أبو عبد الله سادس الملوك النّصريين في بعض أسفاره، وقد نظر إلى شلير «6» ، وتردّى بالثلج وتعمّم، وكمل ما أراد من بزّته وتمّم، أن ينظم أبياتا في وصفه، فقال بديهة «7» : [الطويل]
وشيخ جليل القدر قد طال عمره ... وما عنده علم بطول ولا قصر
عليه لباس أبيض باهر السّنا ... وليس بثوب أحكمته يد البشر
وطورا «8» تراه كلّه كاسيا به ... وكسوته فيها لأهل النّهى عبر
وطورا تراه عاريا ليس يشتكي «9» ... لحرّ «10» ولا برد من الشمس والقمر
وكم مرّت الأيام وهو كما ترى ... على حاله لم يشك ضعفا ولا كبر
فذاك «11» شلير شيخ غرناطة التي ... لبهجتها في الأرض ذكر قد انتشر «12»
بها ملك سامي المراقي أطاعه ... كبار ملوك الأرض في حالة الصّغر
تولّاه ربّ العرش منه بعصمة ... تقيه مدى الأيام من كلّ ما ضرر
نثره: ونثره كثير ما بين مخاطبات، وخطب، ومقطعات، ولعب، وزرديّات شأنها عجب. فمن ذلك ما خاطب به الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجدي أضحية:
(3/324)

يقول شاكر الأيادي: وذاكر فخر كل نادي، وناشر غرر الغرر للعاكف والبادي، والرائح والغادي، اسمعوا مني حديثا تلذّة الأسماع، ويستطرفه الاستماع، ويشهد بحسنه الإجماع، ويجب عليه الاجتماع، وهو من الأحاديث التي لم تتفق إلّا لمثلي، ولا ذكرت عن أحد قبلي، وذلك يا معشر الألبّاء، والخلصاء الأحبّاء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لأقضي من أخذ الغذاء أوطاري، على حسب أطواري، فقالت لي ربّة البيت: لم جئت، وبما أتيت؟ قلت: جئت لكذا وكذا، فهات الغذا، فقالت: لا غذا لك عندي اليوم، ولو أودى بك الصّوم، حتى تسل الاستخارة، وتفعل كما فعل زوج الجارة، طيّب الله نجاره، وملأ بالأرزاق وجاره.
قلت: وما فعل قريني، وأرني من العلامة ما أحببت أن تريني. قالت: إنه فكّر في العيد، ونظر في أسباب التّعييد، وفعل في ذلك ما يستحسنه القريب والبعيد، وأنت قد نسيت ذكره ومحوته من بالك، ولم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، وعيد الأضحى في اليد، والنّظر في شراء الأضحية اليوم أوفق من الغد. قلت: صدقت، وبالحقّ نطقت، بارك الله فيك، وشكر جميل تحفّيك، فلقد نبّهت بعلك لإقامة السّنة، ورفعت عنه من الغفلة منّة. والآن أسير لأبحث عمّا ذكرت، وأنظر في إحضار ما إليه أشرت، ويتأتّى ذلك إن شاء الله بسعدك، وتنالين فيه من بلوغ الأمر غاية قصدك، والجدّ ليس من الهزل، والأضحية للمرأة وللرجل الغزل. قالت: دعني من الخرافات، وأخبار الزّرافات، فإنّك حلو اللسان، قليل الإحسان، تخذت الغربة صحبتك إلى ساسان، فتهاونت بالنّساء، وأسأت فيمن أساء، وعوّدت أكل خبزك في غير منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان، وعدم ارتفاع الدّخان، فما تقيم موسما، ولا تعرف له ميسما، وأخذت معي في ذلك بطويل وعريض، وكلانا في طرفي نقيض، إلى أن قلت لها: إزارك وردائي، فقد تفاقم بك أمر دائي، وما أظنّك إلّا بعض أعدائي، قالت: ما لك والإزار، شطّ بك المزار؟ لعلك تريد إرهانه في الأضحية والأبزار، اخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك ولا بقيت، أو عدمت الدّين، وأخذ الورق بالعين. يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلّا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، وأرى لك الرّبح في تجارتي. فقمت عنها وقد لوت رأسها وولولت، وابتدرت وهرولت، وجالت في العتاب وصوّلت، وضمّت بنتها وولدها، وقامت باللّجج والانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلّا أن عدوت أطوف السّكك والشوارع، وأبادر لما غدوت بسبيله وأسارع، وأجوب الآفاق، وأسأل الرّفاق، وأخترق الأسواق، وأقتحم زريبة بعد زريبة، وأختبر منها البعيدة والقريبة، فما استرخصته استنقصته، وما استغليته استعليته، وما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضى ثلثا يومي، وقد عييت بدوراني وهومي، وأنا لم أتحصل من
(3/325)

الابتياع على فائدة، ولا عادت عليّ فيه من قضاء الأرب عائدة، فأومأت الإياب، وأنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذّئاب، إلى أن مررت بقصّاب يقصب في مجزره، قد شدّ في وسطه مئزره، وقصّر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، وشمّر عن ساعديه حتى أبدى مرفقيه، وبين يديه عنز قد شدّ يديه في رقبته وهو يجذبه فيبرك، ويجرّه فما يتحرّك، ويروم سيره فيرجع القهقرى، ويعود إلى ورا، والقصاب يشدّ على إزاره، خيفة من فراره، وهو يقول: اقتله من جان باغ، وشيطان طاغ، ما أشدّه، وما ألذّه وما أصدّه، وما أجدّه، وما أكثره بشحم، وما أطيبه بلحم، الطّلاق يلزمه إن كان عاين تيسا مثله، أو أضحية تشبهه قبله، أضحية حفيلة، ومنحة جليلة. هنّأ الله من رزقها، وأخلف عليها رزقها. فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، وأختبر فيمن اختبر. وأنا والله لا أعرف في التقليب والتّخمين، ولا أفرّق بين العجف والسّمين، غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار، وهيكلا يخبرك عن صورة العمّار، فقلت للقصّاب: كم طلبك فيه، على أن تمهل الثّمن حتى أوفيه؟ فقال: ابغني فيه أجيرا، وكن له الآن من الذّبح مجيرا، وخذه بما يرضي، لأول التقضّي. قلت:
استمع الصوت، ولا تخف الفوت. قال: ابتعه مني نسيّة، وخذه هديّة، قلت: نعم، فشقّ لي الضمير، وعاكسني فيه بالنّقير والقطمير، قال: تضمن لي فيه عشرين دينارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دنيّرا دنيّرا، قلت: إنّ هذا لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير. قال: والذي فلق الحبّة، وبرّأ النّسمة، لا أنقصك من هذا، وما قلت لك سمسمة، اللهمّ إن شئت السّعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجلبني للابتياع منه الإنساء في الأمد، وغلبني بذلك فلم أفتقر منه لرأي والد ولا ولد، ولا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، وقلت: قد اشتريته منك فضع البركة، ليصحّ النّجح في الحركة. فقال: فقيه بارك الله فيه قد بعته لك، فاقبض متاعك، وثبّت ابتياعك، وها هو في قبضك فاشدد وثاقه، وهلمّ لنعقد عليك الوثاقة. فانحدرت معه لدكان التّوثيق، وابتدرت من السّعة إلى الضّيق، وأوثقني بالشادّة تحت عقد وثيق، وحملني من ركوب الدّين ولحاق الشّين في أوعر طريق. ثم قال لي: هذا تيسك فشأنك وإياه، وما أظنّك إلّا تعصياه، وأت بحمّالين أربعة فإنك لا تقدر أن ترفعه، ولا يتأتى لك أن يتبعك ولا أن تتبعه، ولم يبق لك من الكلفة إلّا أن يحصل في محلّك، فيكمل سرور أهلك. وانطلقت للحمّال وقلت: هلم إليّ، وقم الآن بين يديّ، حتى انتهينا إلى مجزرة القصّاب، والعنز يطلب فلا يصاب، فقلت: أين التّيس، يا أبا أويس؟ قال: إنه قد فرّ، ولا أعلم حيث استقرّ. قلت: أتضيع عليّ مالي، لتخيب آمالي، والله لا يحزنك بالعصا، كمن عصا، ولا رفعتك إلى الحكّام، تجري عليك منهم الأحكام. قال: ما لي علم به، ولا بمنقلبه، لعلّه فرّ لأمّه وأبيه، وصاحبته
(3/326)

وبنيه، فعليك بالبريح. فاتجهت أنادي بالأسواق، وجيران الزّقاق، من ثقف لي تيسا فله البشارة، بعد ما أتى بالأمارة، وإذا برجل قد خرج من دهليز، وله هدير وهزيز، وهو يقول: من صاحب العنز المشوم؟ لا عدم به الشّوم، إن وقعت عليه عيني، يرتفع الكلام بينه وبيني. قلت: أنا صاحبه فما الذي دهاك منّي، أو بلغك عنّي. قال: إن عنزك حين شرد، خرج مثل الأسد، وأوقع الرّهج في البلد، وأضرّ بكل أحد، ودخل في دهليز الفخّارة فقام فيه وقعد، وكان العمل فيه مطبوخا ونيّا، فلم يترك منه شيا، ومنه كانت معيشتي، وبه استقامت عيشتي، وأنت ضامن مالي، فارتفع معي إلى الوالي، والعنز مع هذا يدور وسط الجمهور، ويكرّ كرّة العفريت المزجور، ويأتي بالكسر على ما بقي في الدّهليز من الطّواجن والقدور، والخلق قد انحسروا للضجيج، وكثر العياط والعجيج، وأنت تعرف عفرطة الباعة، وما يحوون من الوضاعة، وأنا أحاول من أخذه ما أستطيع، وأروم الإطاعة من غير مطيع، والباعة قد أكسبته من الحماقة، ما لم يكن لي به طاقة. ورجل يقول: المحتسب، واعرف ما تكتسب، وإلى من تنتسب، فقد كثر عنده بك التّشكّي، وصاحب الدهليز قبالته يبكي، وقد وجد عنده عليك وجد الشكوى، وأيقن أنك كسرت الدّعوى، وأمر بإحضارك، وهو في انتظارك، فشدّ وسطك، واحفظ إبطك، وإنك تقوم على من فتح باعه للحكم على الباعة ونصب لأرباب البراهين، على أرباب الشّواهين، ورفع على طبقة، ليملأ طبقة، ثم أمسكني باليمين، حتى أوصلني للأمين، فقال لي: أرسلت التّيس للفساد، كأنك في نعم الله من الحسّاد. قلت: إنه شرد، ولم أدر حيث ورد. قال: ولم لا أخذت ميثاقه، ولم تشدّد وثاقه، يا شرطي طرّده، واطرح يدك فيه وجرّده. قلت: أتجرّدني الساعة، ولست من الباعة؟ قال: لا بدّ من ذاك، أو تضمن ما أفسده هناك؟ قلت:
الضّمان الضّمان، الأمان الأمان. قال: قد أمّنت، إن ضمنت، وعليك الثّقاف، حتى يقع الإنصاف، أو ضامن كاف، فابتدر أحد إخواني، وبعض جيراني، فأدّى عني ما ظهر بالتّقدير، وآلت الحال للتّكدير. ثم أردت الانصراف بالتّيس، لا كان كيانه، ولا كوّن مكانه، وإذا بالشّرطي قد دار حولي، وقال لي: كلف فعلي بأداء جعلي، فقد عطّلت من أجلك شغلي، فلم يك عندي بما تكسر سورته، ولا بما تطفي جمرته، فاسترهن مئزري في بيته ليأخذ مايته. وتوجّهت لداري، وقد تقدّمت أخباري، وقدمت بغباري، وتغيّر صغاري وكباري، والتّيس على كاهل الحمّال يرغو كالبعير، ويزأر كالأسد إذا فصلت العير، فلقت للحمال: أنزله على مهل، فهلال التّعييد قد استهلّ، فحين طرحه في الأسطوان، كرّ إلى العدوان، وصرخ كالشيطان، وهمّ أن يقفز الحيطان، وعلا فوق الجدار، وأقام الرّهجة في الدار، ولم تبق في الزقاق عجوز إلّا وصلت لتراه، وتسأل عمّا اعتراه، وتقول: بكم اشتراه، والأولاد قد دارت به
(3/327)

وأرهقهم لهفه، ودخل قلوبهم خوفه، فابتدرت ربّة البيت، وقالت: كيت وكيت، لا خلّ ولا زيت، ولا حيّ ولا ميت، ولا موسم ولا عيد، ولا قريب ولا بعيد، سقت العفريت إلى المنزل، ورجعت بمعزل، ومن قال لك اشتره، ما لم تره، ومن قال لك سقه، حتى توثّقه، ومتى تفرح زوجتك، والعنز أضحيتك، ومتى تطبخ القدور، وولدك منه معذور، وبأيّ قلب تأكل الشّويّة، ولم تخلص لك فيه النيّة، ولقلّة سعدها، وأخلف وعدها، والله لو كان العنز، يخرج الكنز، ما عمر لي دارا، ولا قرب لي جوارا، اخرج عني يا لكع، فعل الله بك وصنع، وما حبسك عن الكباش السّمان، والضّأن الرّفيعة الأثمان، يا قليل التّحصيل، يا من لا يعرف الخياطة ولا التّفصيل، أدلّك على كبش سمين، واسع الصدر والجبين، أكحل عجيب، أقرن مثل كبش الخطيب، يعبق من أوداكه كلّ طيب، يغلب شحمه على لحمه، ويسيل الودك من عظمه، قد علف بالشّعير، ودبّر عليه أحسن تدبير، لا بالصّغير ولا بالكبير، تصلح منه الألوان، ويستطرف شواه في كل أوان، ويستحسن ثريده وقديده في سائر الأحيان، قلت: بيّني لي قولك، لأتعرّف فعلك، وأين توجد هذه الصّفة، يا قليلة المعرفة. قالت: عند مولانا، وكهفنا ومأوانا، الرئيس الأعلى، الشّهاب الأجلى، القمر الزّاهر، الملك الظّاهر، الذي أعزّ المسلمين بنعمته، وأذلّ المشركين بنقمته. واسترسل في المدح فأطال وفيما ثبت كفاية.
وفاته: في كائنة الطاعون ببلده بلّش في أواخر عام خمسين وسبعمائة، ودفن بها.
عبد الله بن إبراهيم بن وزمّر الحجاري «1» الصّنهاجي
الأديب المصنّف، يكنى أبا محمد.
حاله وأوليته: أبوه أديب مدينة الفرج بوادي الحجارة «2» ، المصنّف للمأمون بن ذي النون «3» كتاب «مغنيطاس الأفكار، فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم والنثر
(3/328)

والأخبار» . وكان أبو محمد هذا ماهرا، كاتبا، شاعرا، رحّالا. سكن مدينة شلب «1» بعد استيلاء العدو على بلاده بالثّغر. وله «2» في التّحوّل أشعار وأخبار. قدم غرناطة وقصد عبد الملك بن سعيد، صاحب القلعة «3» من بنيّاتها، واستأذن عليه في زيّ موحش، واستخفّ به القاعدون ببابه، إلى أن لاطف بعضهم، وسأله أن يعرّف به القائد، فلما بلّغ عنه، أمر بإدخاله، فأنشده قصيدة مطلعها «4» : [الوافر]
عليك أحالني الذّكر الجميل ... فجئت ومن ثنائك لي دليل «5»
أتيت ولم أقدّم من رسول ... لأنّ القلب كان هو الرّسول
منها في وصف زيّه البدوي المستقل وما في طيّه:
ومثّلني بدنّ فيه خمر «6» ... يخفّ بها «7» ومنظره ثقيل
فأكرم نزله، وأحسن إليه، وأقام عنده سنة، حتى ألّف بالقلعة كتاب «المسهب، في غرائب «8» المغرب» ، وفيه التّنبيه على الحلى البلادية والعبّادية. وانصرف إلى قصد ابن هود بروطة، بعد أن عذله عن التّحوّل عنه، فقال: النّفس توّاقة، وما لي بالتّغرّب طاقة، ثم أفكر وقال: [الطويل]
يقولون لي: ماذا الملال تقيم في ... محلّ فعند الأنس تذهب راحلا
فقلت لهم: مثل الحمام إذا شدا ... على غصن أمسى بآخر نازلا
نكبته: قال علي بن موسى بن سعيد «9» : ولمّا قصد الحجاري روطة، وحلّ لدى أميرها المستنصر بن عماد الدولة بن هود «10» ، وتحرّك لغزو من قصده من
(3/329)

البشكنس، فهزم جيشه، كان «1» الحجاري أحد من أسر في تلك الوقيعة، فاستقرّ ببسقاية «2» ، وبقي بها مدّة، يحرّك ابن هود بالأشعار ويحثّه على خلاصه من الإسار، فلم يجد عنده ذمامة، ولا تحرّك له اهتمامه، فخاطب عبد الملك بن سعيد بقوله:
[السريع]
أصبحت في بسقاية مسلما ... إلى الأعادي لا أرى مسلما
مكلّفا ما ليس في طاقتي ... مصفّدا منتهرا مرغما
أطلب بالخدمة، وا حسرتي! ... وحالتي تقضي بأن أخدما
فهل كريم يرتجى للأسير ... يفكّه، أكرم به منتمى
وقوله: [الخفيف]
أرئيس الزمان أغفلت أمري ... وتلذّذت تاركا لي بأسر؟
ما كذا يعمل الكرام ولكن ... قد جرى على المعوّد دهري
فاجتهد في فدائه، ولم يمرّ شهر إلّا وقد تخلص من أسره، واستقرّ لديه، فكان طليق آل سعيد، وفيهم يقول «3» :
وجدنا سعيدا منجبا خير عصبة ... هم في بني أعصارهم «4» كالمواسم
مشنّفة أسماعهم بمدائح «5» ... مسوّرة أيمانهم بالصّوارم
فكم لهم في الحرب من فضل ناثر! ... وكم لهم في السّلم من فضل ناظم
تواليفه: وتواليف الحجاري بديعة، منها «الحديقة» في البديع، وهو كتاب مشهور، ومنها «المسهب في غرائب المغرب» ، وافتتح خطبته بقوله: «الحمد لله الذي جعل العباد، من البلاد بمنزلة الأرواح من الأجساد، والأسياف من الأغماد» . وهو في ستة مجلدات.
(3/330)

عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السّلماني «1»
يكنى أبا محمد.
أوّليّته: تنظر في اسم جدّه.
حاله: حسن «2» الشّكل، جيّد الفهم، يغطّي منه رماد السّكون جمرة حركة، منقبض عن الناس، قليل البشاشة، حسن الخطّ، وسط النّظم. كتب عن الأمراء بالمغرب، وأنشدهم، واقتضى «3» خلعهم وصكوكهم بالإقطاع والإحسان. ثم لما كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه، معزّز الخطّة بالقيادة، وأنشدهم.
مشيخته: قرأ «4» على قاضي الجماعة، الشيخ «5» الأستاذ الخطيب أبي القاسم الحسني، والأستاذ «6» الخطيب أبي سعيد فرج بن لب التّغلبي، واستظهر بعض «7» المبادىء في العربية، واستجيز له من أدركه ميلاده من أهل المشرق والمغرب.
شعره: وشعره «8» مترفّع عن الوسط إلى الإجادة، بما يكفله «9» عذر الحداثة.
وقد ثبت في اسم السلطان لهذا العهد، أبي عبد الله بن نصر «10» ، أيّده الله، ما يدلّ على جودة قريحته، وذكاء طبعه. وممّا دوّن الذي ثبت له حيث ذكر قوله «11» :
لمن طلل بالرّقمتين محيل ... عفت دمنتيه شمأل وقبول «12»
يلوح كباقي الوشم غيّره البلى ... وجادت عليه السّحب وهي همول «13»
(3/331)

فيا سعد، مهلا بالرّكاب لعلّنا ... نسائل ربعا فالمحبّ سؤول
قف العيس ننظر نظرة تذهب الأسى ... ويشفى بها بين الضّلوع غليل
وعرّج على الوادي المقدّس بالحمى «1» ... فطاب لديه مربع ومقيل
فيا حبّذا تلك الديار وحبّذا ... حديث بها للعاشقين طويل
دعوت لها سقي الحمى عندما سرى «2» ... وميض وعرف للنسيم عليل
وأرسلت دمعي للغمام مساجلا ... فسال على الخدّين منه مسيل
فأصبح ذاك الرّبع من بعد محله ... رياضا بها الغصن المروح يميل
لئن حال رسم الدار عمّا عهدته ... فعهد الهوى في القلب ليس يحول «3»
وممّا شجاني بعد ما سكن الهوى ... بكاء حمامات لهنّ هديل
توسّدن فرع البان والنّجم مائل ... وقد آن من جيش الظلام رحيل
فيا صاحبي، دع عنك لومي فإنّه ... كلام على سمع المحبّ ثقيل
تقول اصطبارا عن معاهدك الألى ... وهيهات صبري ما إليه سبيل
فلله عينا من رآني وللأسى ... غداة استقلّت بالخليط حمول
يطاول ليل التّمّ مني مسهّد ... وقد بان عنّي منزل وخليل
فياليت شعري هل يعودنّ ما مضى؟ ... وهل يسمحنّ الدهر وهو بخيل؟
نثره: أجابني لما خاطبت الجملة من الكتّاب، والسلطان، رضي الله عنه، بالمنكّب، في رحلة أعملها بما نصّه:
«لله من فذّة المعاني، حيث مشوق الفؤاد عاني، لما أنارت بها المغاني، غنين عن مطّرب الأغاني، يا صاحب الإذعان، أجب بالله من دعاني، إذا صرت من كثرة الأماني، بالشوق والوجد مثل ماني. وردت سحّات سيدي التي أنشأت لغمام الرحمة عند اشتداد الأزمة رياحا، وملأت العيون محاسنا والصّدور انشراحا، وأصبح رحيب قرطاسها وعميم فضلها ونوالها وأيناسها لفرسان البلاغة مغدى ومراحا. فلم أدر أصحيفة نسخت مسطورة، أم روضة نفحت ممطورة، أطيب من المسك منتشقا، وأحسن من السلك متّسقا، فملّكتها مقادة خاطري، وأودعتها سواد قلبي وناظري، وطلعت عليّ طلوع الصّبح على عقب السّري، وخلصت خلوص الخيال مع سنة الكرى. فلله ما جلبت من أنس، وأذهبت لطائفة الشيطان من مسّ، وهاجت من
(3/332)

الشوق، الذي شبّ عمره عن الطّوق، والوجد الذي أصبح واري الزّند. فأقسم بباري النّسم، وواهب الحظوظ والقسم، لو أعطيت للنّفس مقادتها، وسوّغتها إرادتها، ما قنعت بنيابة القرطاس والمداد، عن مباشرة الأرواح والأجساد، وإن أعرضت عقبة للشّعير ورأس المزاد، وشمخ بأنفه وزاد، وما بين ذلك من علم باذخ، وطود شامخ، قد أذكرت العقاب عقابه، وصافحت النجوم هضابه، قد طمح بطرفه، وشمخ بأنفه، وسال الوقار على عطفه: [الكامل]
ملكت عنان الرّيح راحته ... فجيادها من تحته تجري
وأما الحمل الهائج، والبحر المتمايج، والطّلل المائل، والذّنب الشّائل، فمساجلة مولاي في ذلك المجال، من المحال، إذ العبد قصاراه ألفاظ مركّبة، غير مرتّبة: [الخفيف]
هو جهد المقلّ وافاك منّي ... إنّ جهد المقلّ غير قليل
وأقرأ على مولاي، أبقاه الله، سلاما عميما، تنسّم روضه نسيما، ورفّ نظره وعبق شميما، والأوفر الأذكى منه عليه معادا، ما سحّ السّحاب إرعادا، وأبرق الغمام رعدا والحسام أبعادا، ورحمة الله وبركاته. من عبده الشّبق لوجهه، عبد الله بن الخطيب، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة وستين وسبعمائة.
مولده: بحضرة غرناطة، يوم السبت سابع عشر صفر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن سارة البكري «1»
شنتريني «2» ، سكن ألمرية وغرناطة، وتردّد مادحا ومنتجعا شرقا ومغربا، ويضرب في كثير من البلاد.
(3/333)

حاله: كان ذا حظّ صالح من النحو واللغة، وحفظ الأشعار، أديبا ماهرا، شاعرا مجيدا، مطبوع الاختراع والتّوليد. تجوّل في شرق الأندلس وغربها معلّما للنحو، ومادحا ولاتها، وكتب عن بعضهم، وتعيّش بالوراقة زمانا، وكان حسن الخطّ، جيّد النقل والضّبط.
مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر.
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن مسعود، وأبو جعفر بن الباذش، وأبو عثمان بن هارون، وأبو الطاهر التّميمي، وأبو العباس بن علي اللص، وأبو العلاء بن الجنّان، وأبو محمد بن يوسف القضاعي، وإبراهيم بن محمد السّبتي.
شعره: وشعره كثير جيد شهير. منه في حرفة الوراقة قوله «1» : [الكامل]
أمّا الوراقة فهي أيكة «2» حرفة ... أغصانها «3» وثمارها الحرمان
شبّهت صاحبها بإبرة «4» خائط ... يكسو «5» العراة وظهره عريان
وقال في نجم الرّحيم، وهو من التّشبيه العقيم «6» : [البسيط]
وكوكب أبصر العفريت مسترقا ... فانقضّ «7» يذكي «8» سريعا خلفه لهبه
كفارس حلّ إحصار «9» عمامته ... فجرّها «10» كلّها من خلفه عذبه
وقال منه في المواعظ «11» : [البسيط]
يا من يصيخ إلى داعي السّفاه «12» وقد ... نادى به النّاعيان: الشّيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوى «13» ... في رأسك الواعيان: السّمع والبصر؟
(3/334)

ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدهر يبقى على حال «1» ولا الفلك ال ... أعلى ولا النّيّران: الشمس والقمر
لأرحلنّ «2» عن الدنيا ولو كرها «3» ... فراقها الثاويان: البدو والحضر
وقال في موت ابنة له «4» : [الوافر]
ألا يا موت، كنت بنا رؤوفا ... فجدّدت السّرور «5» لنا بزوره
حمدنا «6» سعيك المشكور لمّا ... كفيت «7» مؤنة وسترت عوره
فأنكحنا الضّريح بلا صداق ... وجهّزنا العروس «8» بغير شوره
وفاته: توفي عبد الله بن سارة سنة تسع عشرة وخمسمائة «9» .
عبد الله بن محمد الشرّاط «10»
يكنى أبا محمد، من أهل مالقة.
حاله: طالب جليل، ذكي، مدرك، ظريف، كثير الصّلف والختروانة «11» والإزراء بمن دونه، حادّ النّادرة، مرسل عنان الدّعابة، شاعر مكثر، يقوم على الأدب والعربية، وله تقدّم في الحساب، والبرهان على مسائله. استدعي إلى الكتابة بالباب السلطاني، واختصّ بولي العهد، ونيط به من العمل، وظيف نبيه، وكاد ينمو عشبه ويتأشّب «12» جاهه، لو أن الليالي أمهلته، فاعتبط لأمد قريب من ظهوره، وكانت بينه وبين الوزير أبي عبد الله بن الحكيم، إحنة، تخلّصه الحمام لأجلها، من كفّ انتقامه.
(3/335)

شعره: وشعره كثير، لكني لم أظفر منه إلّا باليسير. نقلت من خطّ صاحبنا القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، من نظم أبي محمد الشراط، في معنى كان أدباء عصره قد كلفوا بالنظم فيه، يظهر من هذه الأبيات في شمعة:
[الوافر]
وكنت ألفت قبل اليوم إلفا ... أنادي مرة فيجيب ألفا
وكنّا مثل وصل العهد وصلا ... وكنّا مثل وصف الشّهد وصفا
ففرّق بيننا صرف الليالي ... وسوّغنا كؤوس البين صرفا
فصرت غداة يوم البين شمعا ... وسار فصار كالعسل المصفّا
فدمعي لا يتم أسى وجسمي ... يغص بنار وجدي ليس يطفا
ثم في المعنى أيضا «1» : [البسيط]
حالي وحالك أضحت آية عجبا ... إن كنت مغتربا «2» أو كنت مقتربا «3»
إذا دنوت فإني مشعر طربا ... وإن نأيت فإني مشعل لهبا
كذاك الشّمع لا تنفكّ «4» حالته ... إلّا إلى الناس مهما فارق الضّربا
ومن ذلك أيضا: [الطويل]
رحلتم وخلّفتم مشوفكم نسيا ... رهين هيام لا يموت ولا يحيا
فضاقت عليّ الأرض واعتاص مذهبي ... وما زلت في قومي ولا ضاقت الدنيا
وما باختيار شتّت الدهر بيننا ... وهل يملك الإنسان من أمره شيّا؟
فذا أضلعي لم تخب من أجلكم جوى ... وذا أدمعي لم تأل من بعدكم جريا
كأنّني شمع في فؤاد وأدمع ... وقد فارقت من وصلكم ريّا
وذكر لي أن هذا صدر عنه في مجلس أنس مع الوزير أبي عبد الله بن عيسى بمالقة، بحضرة طائفة من ظرفاء الأدباء.
وفاته: كان حيّا سنة سبعمائة، وتوفي بغرناطة، وهو على حاله من الكتابة، رحمه الله.
(3/336)

عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان النّجاري «1»
يكنى أبا القاسم، ويعرف باسم جدّه، من أهل مالقة، وصاحب القلم الأعلى لهذا العهد بالمغرب.
حاله: هذا الفاضل نسيج وحده، فهما وانطباعا، ولوذعيّة، مع الدّين والصّون، معمّ، مخول في الخير، مستول على خصال حميدة، من خطّ وأدب وحفظ، مشارك في معارف جملة. كتب ببلده عدلا رضى، وأنشد السلطان عند حلوله ببلده. ورحل عن بلده إلى المغرب، فارتسم في كتابة الإنشاء بالباب السلطاني، ثم بان فضله، ونبه قدره، ولطف محلّه، وعاد إلى الأندلس، لما جرت على سلطانه الهزيمة بالقيروان، ولم ينتشله الدهر بعدها مع جملة من خواصّه. فلمّا استأثر الله بالسلطان المذكور، موسوم التّمحيص، وصيّر أمره إلى ولده بعده، جنح إليه، ولحق ببابه، مقترن الوفادة، بيمن الطّائر، وسعادة النّصبة، مظنّة الاصطناع، فحصل على الحظوة، وأصبح في الأمد القريب، محلا للبثّ وجليسا في الخلوة، ومؤتمنا على خطّة العلامة «2» ، من رجل ناهض بالكلّ، جلد على العمل، حذر من الذّكر، متقلّص ذيل الجاه، متهيّب، غزير المشاركة، مطفّف في حقوق الدّول عند انخفاض الأسعار، جالب لسوق الملك ما ينفق فيها، حارّ النّادرة، مليح التّندير، حلو الفكاهة، غزل مع العفة، حافظ للعيون، مقدّم في باب التّحسين والتنقيح، لم ينشب الملك أن أنس منه بهذه الحال، فشدّ عليه يد الغبطة، وأنشب فيه براثن الأثرة، ورمى إليه بمقاليد الخدمة، فسما مكانه، وعلا كعبه، ونما عشّه. وهو الآن بحاله الموصوفة، من مفاخر قطره، ومناقب وطنه، كثّر الله مثله.
مشيخته: قرأ ببلده على المقرئ أبي محمد بن أيوب، والمقرئ الصالح أبي عبد الله المهندس، والأستاذ أبي عبد الله بن أبي الجيش، والقاضي أبي جعفر بن عبد الحق. وروى عن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، والقاضي أبي
(3/337)

بكر بن منظور. وبغرناطة عن جلّة؛ منهم شيخنا رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم بن أحمد الحسني، ولازم بالمغرب الرئيس أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، والقاضي أبا إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى، وأبا العباس بن يربوع السّبتي. وبتلمسان عن أبي عبد الله الآبلي، وأبي عبد الله بن النّجار، وغيرهما. وبتونس عن قاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام، وعن جماعة غيرهم.
شعره: ونظمه ونثره متجاريان لهذا العهد في ميدان الإجادة. أما شعره، فمتناسب الوضع، سهل المأخذ، ظاهر الرّواء، محكم الإمرة للتّنقيح. وأما نثره، فطريف السّجع، كثير الدّالة، مطيع لدعوة البديهة، وربما استعمل الكلام المرسل، فجرى يراعه في ميدانه ملء عنانه.
وجرى ذكره في «التاج» أيام لم يفهق «1» حوضه، ولا أزهر روضه، ولا تباينت سماؤه ولا أرضه، بما نصه «2» : أديب أحسن ما شاء، وفتح قليبه «3» فملأ الدّلو وبلّ الرّشاء «4» ، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة، ومجد وديانة. ونشأ هذا الفاضل على أتمّ العفاف والصّون، فما مال إلى فساد بعد الكون. وله خطّ بارع، وفهم إلى الغوامض مسارع. وقد أثبتّ من كلامه، ونفثات أقلامه، كلّ محكم العقود، زاريا «5» بنت العنقود. فمن ذلك قصيدة «6» أنشدها للسلطان أمير المسلمين «7» ، مهنّئا بهلاك الأسطول الحربي بالزّقاق الغربي «8» ، أجاد أغراضها، وسبك المعاني وراضها، وهي قوله «9» : [الطويل]
لعلّكما أن ترعيا لي وسائلا ... فبالله عوجا بالرّكاب وسائلا
بأوطان أوطار قفا ومآربي ... وبالحبّ خصّا بالسّلام المنازلا
ألا فانشدا بين القباب من الحمى ... فؤاد شج أضحى عن الجسم راحلا
(3/338)

وبثّا صبّا بات هنالك واشرحا ... لهم من أحاديثي عريضا وطائلا
رعى الله مثواكم على القرب والنّوى ... ولا زال هامي السّحب في الرّبع هاملا
وهل لزمان باللّوى قد «1» سقى اللّوى ... مآرب فما ألقى مدى الدّهر حائلا؟
فحظّي بعيد الدّار منه بقربه ... ويورد فيه من مناه مناهلا
لقد جار دهري أن «2» نأى بمطالبي ... وظلّ بما أبقى «3» من القرب ماطلا
وحمّلني من صرفه ما يؤدني ... ومكّن منّي الخطوب شواغلا
عتبت عليه فاغتدى لي عاتبا ... وقال: أصخ لي لا تكن لي «4» عاذلا
أتعتبني إذ «5» قد أفدتك موقفا ... لدى أعظم الأملاك حلما ونائلا؟
مليك حباه الله بالخلق الرّضا ... وأعلى له في المكرمات المنازلا
مليك علا فوق السّماك فطرفه ... غدا كهلال الأفق يبصرنا علا
إذا ما دجا ليل الخطوب فبشره ... صباح وبدر لا يرى الدهر آفلا
نماه من الأنصار غرّ أكابر ... لهم شيم ملء الفضاء فضائلا
تلوا سور النّعماء في حزبهم كما ... جلوا صور الأيام غرّا جلائلا
تسامت لهم في المعلوات مراتب ... يرى زحل دون المراتب زاحلا
عصابة نصر الله طابت أواخرا ... كما قد زكت أصلا وطابت أوائلا
لقد كان ربع المجد من قبل خاليا ... ومن آل نصر عاد يبصر آهلا
إذا يوسف منهم تلوح يمينه ... تقول سحاب الجود والبأس هاطلا
كتائبه في الفتح تكتب أسطرا ... تبين من الأنفال فيها المسائلا
عوامله بالحذف تحكم في العدا ... كما حكموا في حذف جزم عواملا
يبدّد جمع الكفر رعبا وهيبة ... كما بدّدت منه اليمين النّوافلا
ومنها في وصفه الأسطول واللقاء:
ولمّا استقامت بالزّقاق أساطي ... ل ثم «6» استقلّت للسّعود محافلا
رآها عدوّ الله فانفضّ جمعه ... وأبصر أمواج البحار أساطلا
ومن دهش ظنّ السّواحل أبحرا ... ومن رعب خال البحار سواحلا
(3/339)

ومن جندكم هبّت عليه عواصف ... تدمّر أدناها الصّلاب الجنادلا
تفرّقهم أيدي سبا وتبيدهم ... فقد خلّفت فيهم حساما وذابلا
وعهدي بمرّ الريح للنار موقدا ... فقد أطفأت تلك الحروب المشاعلا
وكان لهم برد العذاب ولم يكن ... سلاما وما كادوه قد عاد باطلا
حداهم هواهم للإسار وللفنا ... فما أفلتوا من ذا وذاك حبائلا
فهم بين عان في القيود مصفّد ... وفان عليه السّيف أصبح صائلا
ستهلك ما بالبرّ منهم جنودكم ... كما أهلكت من كان بالبحر عاجلا
وقال أيضا يمدحه: [الطويل]
نشرت لواء النّصر واليمن والسّعد ... وأطلعت وجه اليسر والأمن والرّفد
أعدت لنا الدّنيا نعيما ولذّة ... ألا للمعالي ما تعيد وما تبدي
بنوركم والله يكلأ نوركم ... تبدّت لنا سبل السعادة والرّشد
تحلّى لكم بالملك نحر ولبّة ... فراق كذاك الجيد يزدان بالعقد
مآثركم قد سطّرتها يد العلا ... على صفحات الفخر أو مفرق الحمد
بمدحكم القرآن «1» أثنى منزّلا ... وقد حزتم مجدا بجدّكم سعد
كفاكم فخارا أنه لكم أب ... ومن فخره إن أنت تدعوه بالجدّ
ثناؤكم هذا أم المسك نافح؟ ... وذكركم أم عاطر العنبر الورد؟
أجل ذكركم أزكى وأذكى لناشق ... كما أنكم أجلى وأعلى لمشهد
طلعت على الآفاق نورا وبهجة ... فما أنت إلّا البدر في طالع السّعد
وفي جملة الأملاك عزّ ورفعة ... ودم في خلود الملك والنصر والسعد
ولو أنني فقت سحبان وائل ... وأربيت في شعري على الشاعر الكندي
لما قمت بالمعشار من بعض ما لكم ... من الجود والأفضال والبذل والرّفد
وقال في شيخه أبي بكر بن منظور، رحمه الله: [الطويل]
جلالك أولى بالعلا للمخلّد «2» ... وذكرك أعلى الذّكر في كلّ مشهد
لمجدك كان العزّ يذخر والعلى ... وأنّك للأولى بأرفع سؤدد
أبى الله إلّا أن تكون مشرّفا ... بمقعد خير العالمين محمد
(3/340)

فهنّئت بالفخر السّنيّ محلّه ... وهنّئت بالمجد الرّفيع المجدّد
شهدت بما أوليتني من عوارف ... وخوّلت من نعمى وأسديت من يد
وما حزت من مجد كريم نجاره ... وما لك من مجد ورفعة محتد
لقد نبّأتني بالرّواح لعزّكم ... مخايل إسعاد تروح وتغتدي «1»
تحدّثني نفسي وإنّي لصادق ... بأن سوف تلقى كاملا كلّ مقصد
دليلي بهذا أنّك الماجد الذي ... تسامى علوّا فوق كلّ ممجّد
ليفخر أولو الفخر المنيف بأنّكم ... لهم علم أعلى، به الكلّ مقتدي
إمام علوم معتلي القدر لم يزل ... رداء المعالي والعوارف يرتدي «2»
وقاض إذا الأحكام أشكل أمرها ... جلا لي «3» برأي الحقيقة مرشدي «4»
إذا الحقّ أبدى نوره عند حكمه ... رأيت له حدّ الحسام المهنّد
وإنّ جميع الخلق في الحقّ عنده ... سواسية ما بين دان وسيّد
هنيّا لنا بل للقضاء وفضله ... بقاض حليم في القضاء مسدّد
أمات به الرحمن كلّ ضلالة ... وأحيا بما أولاه شرعة أحمد
وكائن تراه لا يزال ملازما ... لأمر بعرف أو لزام بمسجد
وما زال قدما للحقيقة حاميا ... وللشّرعة البيضاء يهدى ويهتدي
ويمنح أفضالا ويولي أياديا ... وإحسانه للمعتفين بمرصد
يقيّد أحرارا بمنطق جوده ... فما إن يني عن مطلق أو مقيّد
نعم إن يكن للفضل شخص فإنما ... بشيمته الغرّاء في الفضل يبتدي
أيا ناثرا أسنى المعارف والغنا ... ويا طارقا يطوي السّرى كلّ فدفد
ألا الق عصا التّسيار واعش لناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ومن مقطوعاته قوله «5» : [الطويل]
تبرّأت من حولي إليك وأيقنت ... برحماك آمالي فصحّ «6» يقيني
فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأي «7» ... وحسبي يقيني باليقين «8» يقيني
(3/341)

ومن شعره لهذا العهد منقولا من خطّه، قال مما نظمه فلان، يعني نفسه في كتاب الشّفا، نفع الله به: [الكامل]
سل بالعلى وسنى المعارف يبهر ... هل زانها إلّا الأئمّة معشر؟
وهل المفاخر «1» غير ما شهدت به ... آي الكتاب وخارتها الأعصر؟
هم ما هم شرفا ونيل مراتب ... يوم القيام إذا يهول المحشر
ورثوا الهدى عن خير مبعوث به ... فخرا هديّهم النعيم «2» الأكبر
وعياض «3» الأعلى قداحا في العلى ... منهم وحوّله الفخار الأظهر
بشفائه «4» تشفى الصدور وإنه ... لرشاد نار بالشّهاب «5» النّيّر
هو للتّوالف روح صورتها وقل ... هو تاج مفرقها البهيّ الأنور
أفنت محاسنه المدائح مثل ما ... لمعيده بعد الثناء الأعطر
وله اليد البيضاء في تأليفه ... عند الجميع ففضلها لا ينكر
هو مورد الهيم العطاش هفت ... بهم أشواقهم فاعتاض منه المصدر
فبه ننال من الرضى ما نبتغي ... وبكونه فينا نغاث ونمطر
انظر إليه تميمة من كل ما ... تخشى من الخطب المهول وتحذر
لكأنّني بك يا عياض مهنأ ... بالفوز والملأ العليّ مبشّر
لكأنّني بك يا عياض منعّما ... بجوار أحمد يعتلي بك مظهر
لكأنّني بك يا عياض متوّجا ... تاج الكرامة عند ربّك تخبر
لكأنّني بك راويا من حوضه ... إذ لا صدى ترويه إلّا الكوثر
فعلى محبّته طويت ضمائرا ... وضحت شواهدها بكتبك تؤثر
ها إنّهن لشرعة الهادي الرّضا ... صدف يصان بهن منها جوهر
فجزاك ربّ العالمين تحية ... يهب النعيم سريرها والمنبر
وسقى هزيم الودق مضجعك الذي ... ما زال بالرّحمى يؤمّ ويعمر
(3/342)

وقال في محمل الكتب: [الطويل]
أنا الحبر في حمل العلوم وإن تقل ... بأني حليّ عن حلاهنّ تعدل
أقيّد ضروب العلم ما دمت قائما ... وإن لم أقم فالعلم عنّي بمعزل
خدمت بتقوى الله خير خليفة ... فبوّأني من قربه خير منزل
أبا سالم لا زال في الدهر سالما ... يسوّغ من شرب المنى كلّ منهل
وكان قد رأى ليلة الاثنين الثانية لجمادى الأولى عام ستين وسبعمائة في النوم، كأنّ الوزير أبا علي بن عمر بن يخلف بن عمران الفدودي، يأمره أن يجيب عن كلام من كتب إليه، فأجاب عنه بأبيات نظمها في النوم، ولم يحفظ منها غير هذين البيتين:
[المتقارب]
وإني لأجزي بما قد أتاه ... صديقي احتمالا لفعل الحفاء «1»
بتمكين ودّ وإثبات عهد ... وإجزال حمد وبذل حياء
ومن نظمه في التورية «2» : [الخفيف]
وبخيل لمّا دعوه لسكنى ... منزل بالجنان ضنّ بذلك
قال لي مخزن بداري فيه ... جلّ «3» مالي فلست للدار تارك «4»
لا تعرّج على الجنان بسكنى ... ولتكن ساكنا بمخزن مالك «5»
ومن ذلك أيضا «6» : [الكامل]
يا ربّ منشأة عجبت لشأنها ... وقد احتوت في البحر أعجب شان
سكنت بجنبيها «7» عصابة شدّة ... حلّت محلّ الروح في الجثمان
فتحرّكت بإرادة مع أنها ... في جنسها «8» ليست من الحيوان
(3/343)

وجرت كما قد شاءه «1» سكّانها ... فعلمت أنّ السّر في السّكان «2»
ومن ذلك أيضا قوله «3» : [الوافر]
وذي خدع دعوه لاشتغال ... وما عرفوه غثّا من سمين
فأظهر «4» زهده وغنى بمال ... وجيش الحرص منه في كمين
وأقسم لا فعلت «5» يمين «6» خبّ ... فيا عجبا لحلاف «7» مهين
يقدّ بسيره ويمين حلف «8» ... ليأكل باليسار وباليمين
شيء من نثره خاطبته من مدينة سلا بما نصه، حسبما يظهر من غرضه: [الطويل]
مرضت فأيّامي لذاك مريضة ... وبرؤك مقرون ببرئي اعتلالها
فما راع ذاك الذّات للضّرّ رائع ... ولا وسمت بالسّقم غرّ خلالها
وينظر باقي الرسالة في خبر التّعريف بمؤلّف الكتاب.
فراجعني عن ذلك بما نصّه: [الطويل]
متى شئت ألقى من علائك كل ما ... ينيل من الآمال خير منالها
كبر اعتلال من دعائك زارني ... وعادات برّ لم ترم عن وصالها
أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطوّلا بتأكيد البرّ، متفضّلا بموجبات الحمد والشكر. وردتني سمات سيدي المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغنيّ عن تعريفه، متحفّيا في السؤال عن شرح الحال، ومعلنا ما تحلّى به من كرم الخلال، والشّرف العال، والمعظّم على ما يسرّ ذلك الجلال، الوزاري، الرئاسي، أجراه الله على أفضل ما عوّده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبّه
(3/344)

المخيّم بين الجوانح. والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهو سبحانه المسؤول أن يسنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسرّه في الباطن والظاهر، بمنّ الله وفضله، والسلام على جلاله الأعلى ورحمة الله وبركاته. كتبه المعظّم الشاكر، الداعي المحبّ، ابن رضوان وفّقه الله.
ومما خاطبني به، وقد جرت بيني وبين المتغلب على دولتهم، رقاع، فيها سلم وإيقاع، ما نصه:
يا سيدي الذي علا مجده قدرا وخطرا، وسما ذكره في الأندية الحافلة ثناء وشكرا، وسما فخره في المراتب الدينيّة والدنيوية حمدا وأجرا، أبقاك الله جميل السّعي، أصيل الرأي، سديد الرمي، رشيد الأمر والنّهي، ممدوحا من بلغاء زمانك، بما يقصر بالنّوابغ والعشي، مفتوحا لك باب القبول، عند الواحد الحقّ. وصلني كتابك الذي هو للإعجاز آية، وللإحسان غاية، ولشاهد الحسن تبريز، ولثوب الأدب تطريز، وفي النّقد إبريز، وقفت منه على ما لا تفي العبارة بعجائبه، ولا يحيد الفضل كله عن مذاهبه، من كل أسلوب طار في الجو إعرابا وإغرابا، وملك من سحر البيان خطابا، وحمد ثناه مطالا وحديثا مطابا، شأن من قصر عن شأو البلغاء، بعد الإغياء، ووقف دون سباق البديع بعد الإعياء، فلم يشقّ غباره، ولا اقتفيت إلّا بالوهم آثاره، فلله من سيدي إتحاف سرّ ما شاء، وأحكم الإنشاء، وبرّ الأكابر والإنشاء، فما شئت من إفصاح وكتابة، وبرّ ورعاية، وفهم وإفهام، وتخصيص وإبهام، وكبح لطرف النّفس وقمع، وحفض في الجواب ورفع، وتحرّج وتورّع، وترقّص وتوسّع، وجماع وأصحاب، وعتب وإعتاب، وإدلال على أحباب، إلى غير ذلك من أنواع الأغراض، والمقاصد السّالمة جواهرها من الأعراض، جملة جمعت المحاسن، وأمتعت السامع والمعاين، وحلّت من امتناعها مع السهولة الحرم، إلّا من زاد الله تلك المعارف ظهورا، وجعلها في شرع المكارم هدى ونورا. وأما شكر الجناب الوزاري، أسماه الله، بحكم النّيابة عن جلالكم، فقد أبلغت فيه حمدي، وبذلت ما عندي، وودّي لكم ودي، ووردي لكم من المخالصة لكم وردي، وكل حالات ذلك الكمال، مجمع على تفضيله، معتمد من الثناء العاطر بإجماله وتفصيله. وأما مؤدّيه إليكم أخي وسيدي الفقيه المعظم، قاضي الحضرة وخطيبها، أبو الحسن، أدام الله عزّته، وحفظ أخوّته، فقد قرّر من أوصاف كمالاتكم، ما لا تفي بتقريره الأمثلة من أولي العلم بتلك السّجايا الغرّ، والشّيم الزّهر، وما تحلّيتم به من التقوى والبرّ، والعدل والفضل، والصبر والشكر، ولحمل المتاعب في أمور الجهاد، وترك الملاذ والدّعة في مرضاة
(3/345)

ربّ العباد، والإعراض عن الفانية، والإقبال على الباقية، فيا لها من صفات خلعت السعادة عليكم مطارفها، وأجزلت عوارفها، وجمعت لكم تالدها وطارفها، زكّى الله ثوابها وجدّد أثوابها، ووصل بالقبول أسبابها. وذكر لي أيضا من حسناتكم، المنقبة الكبيرة، والقربة الأثيرة، في إقامة المارستان «1» بالحضرة، والتّسبّب في إنشاء تلك المكرمة المبتكرة، التي هي من مهمّات المسلمين بالمحلّ الأعلى، ومن ضروريات الدين بالمزيّة الفضلى، وما ذخره القدر لكم من الأجر في ذلك السعي المشكور، والعمل المبرور، فسرّني لتلك المجادة إحراز ذلك الفضل العظيم، والفوز بثوابه الكريم، وفخره العميم. ومعلوم، أبقاكم الله، ما تقدّم من ضياع الغرباء والضعفاء من المضي فيما سلف هنالك، وقبل ما قدّر لهم من المرتفق العظيم وبذلك، حتى أن من حفظ قول عمر، رضي الله عنه، والله لو ضاعت نخلة بشاطئ الفرات لخفت أن يسأل الله عنها عمر. لا شك في أن من تقدّم من أهل الأمر هنالكم، لا بدّ من سؤاله عمّن ضاع لعدم القيام بهذا الواجب المغفل. والحمد لله على ما خصّكم به من مزية قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بخليفة خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه.
وأما «كتاب المحبة» «2» ، فقد وقف المعظّم على ما وجّهتهم منه، وقوفا ظهر بمزية التّأمل، وعلم منه ما ترك للآخر الأول، ولم يشكّ في أنّ الفضل للحاكي، وشتّان بين الباكي والمتباكي. حقّا لقد فاق التأليف جمعا وترتيبا، وذهب في الطّرق الصوفية مذهبا عجيبا. ولقد بهرت معانيه كالعرائس المجلوّة حسنا ونضارة، وبرعت بدائعه وروائعه سنى وإنارة، وألفاظا مختارة، وكؤوسا مدارة، وغيوثا من البركات مدرارة، أحسن بما أدّته تلك الغرر السّافرة، والأمثال السائرة، والخمائل النّاظرة، واللآلئ المفاخرة، والنجوم الزّاهرة. أما إنه لكتاب تضمّن زبدة العلوم، وثمرة الفهوم، وإن موضوعه للباب اللّباب، وخلاصة الألباب، وفذلكة الحساب، وفتح الملك الوهّاب، سنى الله لكم ولنا كماله، وبلّغ الجميع منّا آماله، وجعل السّعي فيه
(3/346)

خالصا لوجهه، وكفيلا بمعرفته بمنّه وكرمه، وهو سبحانه يبقي بركتكم، ويكلأ ذاتكم الكريمة وحوزتكم، بفضله وطوله وقوته، والسلام الكريم يخصّكم به كثيرا أثيرا، معظّم مقداركم، وملتزم إجلالكم وإكباركم، ابن رضوان، وفّقه الله، وكتب في الثامن والعشرين لرجب من عام سبعة وستين وسبعمائة.
وهو الآن بحاله الموصوفة، أعانه الله. وله تردّد إلى حضرة غرناطة، واجتياز وإلمام.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد ابن خلف بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر
غرناطي، قلعي «1» الأصل، سكن مالقة.
حاله: قال صاحب «الطالع» «2» : هو المشهور باليربطول «3» ، زاد على أخيه بخفّة الروح، وطيب النوادر، واختار سكنى مالقة، فما زال بها يمشي على كواهل ما تعاقب فيها من الدول، ويقلّب طرفه مما نال من ولاياتها بين الخيل والخول، حتى أنّ ابن عسكر، قاضي مالقة وعالمها، كان من جملة من مدحه، وتوسّل بها إلى بلوغ أغراضه عند القوم، وصنّف له شجرة الأنساب السّعيدية. وكان قبيح المنظر، مع كونه من رياحين الفضل والأدب. فمن الحكايات المتعلقة بذلك، أنه دخل يوما على الوالي بغرناطة، السّيد أبي إبراهيم «4» ، وجعل يساره، وكان مختصّا به، واقتضى ذلك أن ردّ ظهره للشيخ الفقيه الجليل، عميد البلدة، أبي الحسن سهل بن مالك، ثم التفت فردّ وجهه إليه، وقال: أعتذر لكم بأمر ضروري، فقال أبو الحسن: إنما تعتذر لسيّدنا، فانقلب المجلس ضحكا. ومنها أنه خرج إلى سوق الدواب مع ابن يحيى الحضرمي
(3/347)

المشهور أيضا بخفّة الروح، وكان مسلّطا على بني سعيد، فبينما هو واقف، إذ النخّاس ينادي على فرس: فم يشرب من القادوس، وعين تحصد بالمنجل، فقال له:
يا قائد، أبا محمد، سر بنا من هنا لئلّا تؤخذ من يدي، ولا أقدر لك بحيلة، فعلم مقصده، ولم يخف عليه أنّ تلك صورته، فقال: سل جارتك عنها، فمضى لأمّه، وأوقع بينها وبينه، فحلف أن لا يدخل عليها الدار. قال أبو عمران بن سعيد: واتفق أن جزت بدار أمّ الحضرمي، فرأيته إلى ناحية، وهو كئيب منكسر، فقلت له: ما خبرك يا أبا يحيى؟ فقال لي عن أمّه وعن نفسه: النساء يرمين أبناء الزّنا صغارا، وهذه العجوز الفاعلة الصّانعة، ترميني ابن خمسين سنة، فقلت له: وما سبب ذلك؟
فقال: ابن عمّك يوسف الجمال، لا أخذ الله له بيد، فما زلت حتى أصلحت بينها وبينه.
ومن نوادر أجوبته المسكتة، أنّه كان كثير الخلطة بمرّاكش لأحد السّادة، لا يفارقه، إلى أن ولي ذلك السّيد، وتموّل، واشتغل بدنياه عنه، فقيل له: نرى السيد فلانا أضرب عن صحبتك ومنادمتك، فقال: كان يحتاج إليّ وقتا كان يتبخّر بي، وأمّا اليوم، فإنه يتبخّر بالعود والنّدّ والعنبر. وقال له شخص كان يلقّب ب «فسيوات» في مجلس خاص: أي فائدة في «اليربطول» ؟ وفيم ذا يحتاج إليه؟ فقال له: لا تقل هذا، فإنه يقطع رائحة الفسا، فودّ أنه لم ينطق. وتكلّم شخص من المترفين فقال: أمس بعنا الباذنجان التي بدار خالتي، بعشرين مثقالا، فقال: لو بعتم الكريز التي فيها لساوى أكثر من مائة.
وأخباره شهيرة؛ قال أبو الحسن علي بن موسى: وقعت في رسائل الكاتب الجليل، شيخ الكتاب أبي زيد الفازازي، على رسائل في حق أبي محمد اليربطول، ومنه إليه، فمنها في رسالة عن السّيد أبي العلاء، صاحب قرطبة، إلى أخيه أبي موسى صاحب مالقة، ويصلكم به إن شاء الله، القائد الأجلّ الأكرم، الحسيب الأمجد الأنجد، أبو محمد أدام الله كرامته، وكتب سلامته، وهو الأكيد الحرمة، القديم الخدمة، المرعي الماتّة والذّمّة، المستحق البرّ في وجوه كثيرة، ولمعان أثيرة، منها أنه من عقب عمّار بن ياسر، رضوان الله عليه، وحسبكم هذا مجدا مؤثّلا، وشرفا موصلا، ومنها تعيّن بيته وسلفه، واختصاصهم من النّجابة والظهور، بأنوه الاسم وأشرفه، وكونهم بين معتكف على مضجعه، أو مجاهد بمرهفه ومثقّفه، ومنها سبقهم إلى هذا الأمر العزيز، وتميّزهم بأثرة الشّفوف والتّمييز، ومنها الانقطاع إلى أخيكم، ممدّ مورده ومصدره، وكرم مغيبه ومحضره، وهذه وسائل شتى، وأذمّة قلّ ما تتأتّى لغيره.
(3/348)

وفاته: كانت وفاته بمالقة بعد عشرين وستمائة؛ قال الرئيس أبو عمر بن حكم:
شاهدته قد وصل إلى السيد أبي محمد البيّاسي «1» أيام ثورته، وهو بشنتلية «2» مع وفد مالقة بالبيعة سنة ثنتين وعشرين وستمائة.
ومن الصوفية والفقراء
عبد الله بن عبد البر بن سليمان بن محمد بن محمد ابن أشعث الرّعيني «3»
من «4» أهل أرجدونة «5» من كورة ريّه، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن أبي المجد.
حاله: كان «6» من أعلام الكور «7» سلفا، وترتّبا، وصلاحا، وإنابة، ونيّة في الصالحين، متّسع الذّرع للوارد، كثير الإيثار بما تيسّر، مليح التخلّق، حسن السّمت، طيّب النفس، حسن الظنّ، له حظّ من الطّلب، من فقه وقراءات وفريضة، وخوض في طريقة الصوفية، وأدب لا بأس به، قطع عمره خطيبا وقاضيا ببلده، ووزيرا، وكتب بالدار السلطانية، في كل ذلك لم يفارق السّداد.
مشيخته: قرأ «8» على الأستاذ الجليل أبي جعفر بن الزّبير؛ رحل إليه من وطنه عام اثنين وتسعين وستمائة، ولازمه وانتفع به، أخذ عنه الكتاب العزيز والعربية، وسمع عليه الكثير من الحديث، وعلى الخطيب الصوفي المحقّق أبي الحسن فضل بن محمد بن فضيلة المعافري، وعلى الخطيب المحدّث أبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد، وسمع على الشيخ القاضي الرّاوية أبي محمد النّبعدي، والوزير المعمر
(3/349)

المحدّث الحسيب أبي محمد عبد المنعم بن سماك العاملي، والعدل الرّاوية أبي الحسن بن مستقور. وقرأ بمالقة على الأستاذ أبي بكر بن الفخّار، وأجازه من أهل المشرق طائفة.
شعره: ممّا حدّثني ابن أخته صاحبنا أبو عثمان بن سعيد، قال: نظم الفقيه القاضي الكاتب أبو بكر بن شبرين ببيت الكتّاب مألف الجملة، رحمهم الله، هذين البيتين «1» : [الطويل]
ألا يا محبّ المصطفى، زد صبابة ... وضمّخ لسان الذّكر منه بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حبّ الله حبّ حبيبه
فأخذ الأصحاب في تذييل ذلك. فقال الشيخ أبو الحسن بن الجيّاب، رحمه الله «2» : [الطويل]
فمن يعمر الأوقات طرّا بذكره ... فليس نصيب في الهدى كنصيبه
ومن كان عنه معرضا طول دهره «3» ... فكيف يرجّيه شفيع ذنوبه؟
وقال أبو القاسم بن أبي القاسم بن أبي العافية «4» : [الطويل]
أليس الذي جلّى دجى الجهل هديه ... بنور أقمنا بعده نهتدي به؟
ومن لم يكن من دأبه «5» شكر منعم ... فمشهده «6» في الناس مثل مغيبه
وقال أبو بكر بن أرقم «7» : [الطويل]
نبيّ هدانا من ضلال وحيرة ... إلى مرتقى سامي المحلّ خصيبه
فهل يذكر «8» الملهوف فضل مجيره ... ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه؟
وانتهى القول إلى الخطيب أبي محمد بن أبي المجد، فقال، رحمه الله، مذيّلا كذلك «9» : [الطويل]
ومن قال مغرورا: حجابك ذكره ... فذلك مغمور طريد عيوبه
وذكر رسول الله فرض مؤكّد ... وكلّ محقّ قائل بوجوبه
(3/350)

وقال يوما شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب هذين البيتين على عادة الأدباء في اختبار الأذهان «1» : [الخفيف]
جاهد النّفس جاهدا فإذا ما ... فنيت عنك فهي عين الوجود
وليكن حكمك «2» المسدّد فيها ... حكم سعد «3» في قتله لليهود
قال: فأجابه أبو محمد بن أبي المجد «4» : [الخفيف]
أيها العارف المعبّر ذوقا ... عن معان غزيرة في الوجود
إنّ حال الفناء «5» عن كلّ غير ... كمقام «6» المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان ... وعدويّ «7» مظاهر بجنود؟
ولو أنّي حكمت فيمن ذكرتم ... حكم سعد لكنت جدّ سعيد
فأراها صبابة «8» بي فتونا ... وأراني في حبّها كيزيد
سوف أسلو بحبكم «9» عن سواها ... ولو أبدت فعل المحبّ الودود
ليس شيء سوى إلهك يبقى ... واعتبر صدق ذا بقول لبيد «10»
وفاته: توفي، رحمه الله، ليلة النصف من شعبان المكرم عام تسعة وثلاثين وسبعمائة. وكان يجمع الفقراء ويحضر طائفتهم، وتظهر عليه حال لا يتمالك معها، وربما أوحشت من لا يعرفه بها.
عبد الله بن فارس بن زيان
من بني عبد الوادي، تلمساني، يكنى أبا محمد، وينتمي إلى بني زيّان من بيت أمرائهم.
(3/351)

كذا نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الطاهر ... «1» قاضي الجماعة أبي جعفر بن فركون، وله بأحواله عناية، وله إليه تردّد كثير وزيارة. قال: ورد الأندلس مع أبيه، وهو طفل صغير، واستقرّ بقتّورية في ديوان غزانها. ولما توفي أبوه سلك مسلكه برهة، ورفض ذلك، وجعل يتردّد بين الولد، وانقطع لشأنه.
حاله: هذا الرجل غريب النّزعة في الانقطاع عن الخلق، ينقطع ببعض جبال بني مشرف، واتخذ فيها كهوفا وبيوتا من الشّعر أزيد من أربعين عاما، وهلمّ جرّا، منفردا، لا يداخل أحدا، ولا يلابسه من العرب، ويجعل الحلفاء في عنقه ... «2»
اختلف فيه، فمن ناسب ذلك إلى التّلبيس وإلى لوثة تأتيه، وربما أثاب بشيء، ويطلبون دعاءه ومكالمته، فربما أفهم، وربما أبهم.
محنته: ذكروا أنه ورث عن أخ له مالا غنيّا، وقدم مالقة، وقد سرق تاجر بها ذهبا عينا، فاتّهم بها، فجرت عليه محنة كبيرة من الضّرب الوجيع، ثم ظهرت براءته، وطلب الحاكم الجائر منه العفو، فعفا عنه، وقال: لله عندي حقوق وذنوب، لعلّ بهذا أكفّرها، وصرف عليه المال فأباه، وقال: لا حاجة لي به فهو مال سوء، وتركه وانصرف، وكان من أمر انقطاعه ما ذكر.
شيء من أخباره: استفاض عنه بالجهة المذكورة شفاء المرضى، وتفريج الكربات ... «3» ، إلى غير ذلك من أخبار لا تحصى كثيرة. وهو إلى هذا العهد بحاله الموصوفة، وهو عام سبعين وسبعمائة.
مولده: بتلمسان عام تسعين وستمائة. ودخل غرناطة غير ما مرة.
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي «4»
يعرف بابن العسّال، ويكنى أبا محمد، طليطلي الأصل. سكن غرناطة واستوطنها، الصالح المقصود التّربة، المبرور البقعة، المفزع لأهل المدينة عند الشّدة.
(3/352)

حاله: قال ابن الصّيرفي: كان، رحمه الله، فذّا في وقته، غريب الجود، طرفا في الخير والزهد والورع، له في كل جو متنفّس، يضرب في كل علم بسهم، وله في الوعظ تواليف كبيرة، وأشعاره في الزهد مشهورة، جارية على ألسنة الناس، أكثرها كالأمثال جيّدة الرّصعة، صحيحة المباني والمعاني. وكان يحلّق في الفقه، ويجلس للوعظ. وقال الغافقي «1» : كان فقيها جليلا، زاهدا، متفنّنا، فصيحا لسنا، الأغلب عليه حفظ الحديث والآداب والنحو، حافظا، عارفا بالتفسير، شاعرا مطبوعا. كان له مجلس، يقرأ عليه فيه الحفظ والتفسير، ويتكلّم عليه، ويقصّ «2» من حفظه أحاديث.
وألّف في أنواع من العلوم، وكان يعظ الناس بجامع غرناطة، غريبا في قوته، فذّا في دهره، عزيز الوجود.
مشيخته: روى «3» عن أبي محمد مكّي بن أبي طالب، وأبي عمرو المقرئ الدّاني، وأبي عمر بن عبد البرّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الزاهد، وعن أبيه فرج، وعن أبي زيد الحشاء القاضي، وعن القاضي أبي الوليد الباجي.
شعره: وشعره كثير، ومن أمثل ما روي منه قوله: [مخلع البسيط]
لست وجيها لدى إلهي ... في مبدإ الأمر والمعاد
لو كنت وجها «4» لما براني ... في عالم الكون والفساد
وفاته: توفي، رحمه الله، يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان عام سبعة وثمانين وأربعمائة، وألحد ضحى يوم الثلاثاء بعده بمقبرة باب إلبيرة بين الجبانتين. ويعرف المكان إلى الآن بمقبرة العسّال. وكان له يوم مشهود، وقد نيّف على الثمانين، رحمه الله، ونفع به.
ومن الملوك والأمراء والأعيان والوزراء
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [بن محمد] «5» ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية، أمير المؤمنين، الناصر لدين الله «6»
الخليفة الممتّع، المجدود، المظفّر، البعيد الذكر، الشهير الصيت.
(3/353)

حاله: كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين. أول من تسمّى أمير المؤمنين، ولي الخلافة فعلا جدّه، وبعد صيته، وتوطّأ ملكه، وكأن خلافته كانت شمسا نافية للظلمات، فبايعه أجداده وأعمامه وأهل بيته، على حداثة السّن، وجدة العمر، فجدّد الخلافة، وأحيا الدعوة، وزيّن الملك، ووطّد الدولة، وأجرى الله له من السّعد ما يعظم عنه الوصف ويجلّ عن الذكر، وهيّأ له استنزال الثوار والمنافقين واجتثاث جراثيمهم.
بنوه: أحد عشر «1» ، منهم الحكم الخليفة بعده، والمنذر، وعبد الله، وعبد الجبار.
حجّابه: بدر مولاه، وموسى بن حدير.
قضاته «2» : جملة، منهم: أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن بقيّ، ومنذر بن سعيد البلوطي.
نقش خاتمه: «عبد الرحمن بقضاء الله راض» .
أمّه: أمّ ولد تسمى مزنة. وبويع له في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائتين «3» .
دخوله إلبيرة: قال المؤرخ «4» : أول غزوة غزاها بعد أن استحجب بدرا مولاه، وخرج إليها يوم الخميس رابع «5» عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة، مفوّضا إليه، ومستدعيا نصره، واستئلاف الشّاردين، وتأمين الخائفين، إلى ناحية كورة جيّان، وحصن المنتلون، فاستنزل منه سعيد بن هذيل، وأناب إليه من كان نافرا عن الطاعة، مثل ابن اللّبّانة، وابن مسرّة، ودحون الأعمى. وانصرف إلى قرطبة، وقد تجوّل، وأنزل كلّ من بحصن من حصون كورة جيان، وبسطة، وناجرة، وإلبيرة، وبجّانة،
(3/354)

والبشرّة، وغيرها، بعد أن عرض نفسه عليها. وعلى عهده توفي ابن حفصون «1» .
وجرت عليه هزيمة الخندق في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة «2» ، وطال عمره، فملك نيفا وخمسين سنة، ووجد بخطّه: أيام السّرور التي صفت لي دون كدر يوم كذا ويوم كذا، فعدّت، فوجدت أربعة عشر يوما.
وفاته: في أول رمضان من سنة خمسين وثلاثمائة «3» .
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية «4»
يكنى أبا المطرّف، ويلقب بالمرتضى.
حاله وصفته: كان أبيض أشقر أقنى، مخفّف البدن، مدوّر اللحية، خيّرا، فاضلا، من أهل الصلاح والتّقى، قام بدولته خيران العامري، بعد أن كثر السؤال عن بني أمية، فلم يجد فيهم أسدى للخلافة منه، بورعه وعفافه ووقاره، وخاطب في شأنه ملوك الطوائف على عهده، فاستجاب الكلّ إلى الطاعة بعد أن أجمع الفقهاء والشيوخ وجعلوها شورى، وانصرفوا يريدون قرطبة، وبدأوا بصنهاجة بالقتال، فكان نزوله بجبل شقشتر على محجة واط.
وفاته: «5»
يوم لثلاث خلون من جمادى الأولى سنة تسع وأربعمائة. وكانت الهزيمة على عساكر المرتضى، فتركوا المحلات وهربوا، وفشى فيهم القتل، وظفرت صنهاجة من المتاع والأموال بما يأخذه الوصف، وقتل المرتضى في تلك الهزيمة، فلم يوقع له على أثر، وقد بلغ سنّه نحو أربعين.
(3/355)

عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس «1»
يكنى أبا المطرّف، وقيل: أبا زيد، وقيل: أبا سليمان، وهو الداخل إلى الأندلس، والمجدّد الخلافة بها لذريته، والملقّب بصقر بني أمية «2» .
حاله: قال ابن مفرّج: كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية راجح العقل، راسخ العلم، ثابت الفهم، كثير الحزم، فذّ العزم، بريئا من العجز، مستخفّا للثّقل، سريع النهضة، متّصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد بإبرامها برأيه. وعلى ذلك فكان شجاعا، مقداما، بعيد الغور، شديد الحذر، قليل الطّمأنينة، بليغا، مفوّها، شاعرا محسنا، سمحا، سخيا، طلق اللسان، فاضل البنان، يلبس البياض، ويعتمّ به ويؤثره. وكان أعطي هيبة من وليّه وعدوّه لم يعطها واحد من الملوك في زمانه. وقال غيره: وألفى الأمير عبد الرحمن الأندلس ثغرا من أنأى الثغور القاصية، غفلا من سمة الملك، عاطلا من حلية الإمامة، فأرهب أهله بالطاعة السلطانية، وحرّكهم بالسّيرة الملوكية، ورفعهم بالآداب الوسطية، فألبسهم عمّا قريب المودّة، وأقامهم على الطريقة. وبدأ يدوّن الدواوين، وأقام القوانين، ورفع الأواوين، وفرض الأعطية، وأنفذ الأقضية، وعقد الألوية، وجنّد الأجناد، ورفع العماد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدّته.
نبذة من أوليّته: لمّا ظهر بنو العباس بالمشرق، ونجا فيمن نجا من بني أمية، معروفا بصفته عندهم، خرج يؤمّ المغرب لأمر كان في نفسه، من ملك الأندلس، اقتضاه حدثان، فسار حتى نزل القيروان، ومعه بدر مولاه، ثم سار حتى لحق بأخواله من نفزة، ثم سار بساحل العدوة في كنف قوم من زناتة، وبعث إلى الأندلس بدرا، فداخل له بها من يوثق به، وأجاز البحر إلى المنكّب، وسأل عنها، فقال: نكبوا عنها، ونزل بشاط من أحوازها، وقدم إليه أولو دعوته، وعقد اللّوا،
(3/356)

وقصد قرطبة في خبر يطول، وحروب مبيرة، وهزم يوسف الفهري، واستولى على قرطبة، فبويع له بها يوم عيد الأضحى من سنة ثمان وثلاثين ومائة، وهو ابن خمس وعشرين سنة.
دخوله إلبيرة: قالوا: ولمّا انهزم الأمير يوسف بن عبد الرحمن الفهري، لحق بإلبيرة، فامتنع بحصن غرناطة، وحاصره الأمير عبد الرحمن بن معاوية، وأحاط به، فنزل على صلح، وانعقد بينهما عقد، ورهنه يوسف ابنيه؛ أبا زيد وأبا الأسود، وشهد في الأمان وجوه العسكر، منهم أمية بن حمزة الفهري، وحبيب بن عبد الملك المرواني، ومالك بن عبد الله القرشي، ويحيى بن يحيى اليحصبي، ورزق بن النّعمان الغسّالي، وجدار بن سلامة المذحجي، وعمر بن عبد الحميد العبدري، وثعلبة بن عبيد الجذامي، والحريش بن حوار السلمي، وعتّاب بن علقمة اللخمي، وطالوت بن عمر اليحصبي، والجرّاح بن حبيب الأسدي، وموسى بن خالد، والحصين بن العقيلي، وعبد الرحمن بن منعم الكلبي، إلى آخرين سواهم، بتاريخ يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ومائة. نقلت أسماء من شهد، لكونهم ممن دخل البلدة، ووجب ذكره، فاجتزأت بذلك، فرارا من الإطالة، إذ هذا الأمر بعيد الأمد، والإحاطة لله.
بلاغته ونثره وشعره: قال الرّازي: قام بين يديه رجل من جند قنّسرين، يستنجد به، وقال له: يا ابن الخلائف الراشدين والسّادات الأكرمين، إليك فررنا، وبك عذت من زمن ظلوم، ودهر غشوم قلّل المال، وذهب الحال، وصيّر إليّ بذاك المنال، فأنت وليّ الحمد، وربى المجد، والمرجو للرّفد. فقال له ابن معاوية مسرعا: قد سمعنا مقالتك، فلا تعودنّ ولا سواك لمثله، من إراقة وجهك، بتصريح المسألة، والإلحاف في الطّلبة، وإذا ألمّ بك خطب أو دهاك أمر، أو أحرقتك حاجة فارفعه إلينا في رقعة لا تعدو ذكيا، تستر عليك خلّتك، وتكفّ شماتة العدوّ بك، بعد رفعها إلى مالكنا ومالكها عن وجهه، بإخلاص الدّعاء، وحسن النية. وأمر له بجائزة حسنة. وخرج الناس يعجبون من حسن منطقه، وبراعة أدبه.
ومن شعره: قوله، وقد نظر إلى نخلة بمنية الرّصافة، مفردة، هاجت شجنه إلى تذكر بلاد المشرق «1» : [الطويل]
تبدّت لنا وسط الرّصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل
(3/357)

فقلت: شبيهي في التغرّب والنّوى ... وطول التّنائي عن بنيّ وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك «1» غوادي المزن من صوبها «2» الذي ... يسحّ ويستمري «3» السّماكين بالويل
وفاته: توفي بقرطبة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين لربيع الآخر «4» سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهو ابن تسعة وخمسين عاما، وأربعة أشهر، وكانت مدّة ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر «5» ، وأخباره شهيرة.
وجرى ذكره في الرّجز المسمى بقطع السلوك، في ذكر هذين من بني أمية، قولي في ذكر الداخل: [الرجز]
وغمر الهول كقطع الليل ... بفتنة الفهريّ والصّميل
وجلّت الفتنة في أندلس ... فأصبحت فريسة المفترس
فأسرع السّير إليها وابتدر ... وكلّ شيء بقضاء وقدر
صقر قريش عابد الرحمن ... باني المعالي لبني مروان
جدّد عهد الخلفاء فيها ... وأسّس الملك لمترفيها
ثم أجاب داعي الحمام ... وخلّف الأمر إلى هشام
وقام بالأمر الحفيد الناصر ... والناس محصور بها وحاصر
فأقبل السّعد وجاء النّصر ... وأشرق الأمن وضاء القصر
وعادت الأيام في شباب ... وأصبح العدو في تباب
سطا وأعطى وتغاضى ووفا ... وكلّما أقدره الله عفا
فعاد من خالف فيها وانتزى ... وحارب الكفّار دأبا وغزا
وأوقع الرّوم به في الخندق ... فانقلب الملك بسعي مخفق
واتصلت من بعد ذا فتوح ... تغدو على مثواه أو تروح
فاغتنموا السّلم لهذا الحين ... ووصّلت إرسال قسطنطين
(3/358)

وساعد السّعد فنال واقتنى ... ثم بنى الزّهرا فيما قد بنى
حتى إذا ما كملت أيامه ... سبحان من لا ينقضي دوامه
عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن سعيد ابن محمد اللخمي
من أهل رندة وأعيانها، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الحكيم، وجدّه يحيى، هو المعروف بابن الحكيم، وقد تقدم ذكر جملة من هذا البيت.
حاله: كان، رحمه الله، عين بلده المشار إليه، كثير الانقباض والعزلة، مجانبا لأهل الدنيا، نشأ على طهارة وعفّة، مرضي الحال، معدودا في أهل النّزاهة والعدالة، وأفرط في باب الصّدقة بما انقطع عنه أهل الإثراء من المتصدّقين، ووقفوا دون شأوه.
ومن شهير ما يروى من مناقبه في هذا الباب، أنه أعتق بكل عضو من أعضائه رقبة، وفي ذلك يقول بعض أدباء عصره:
أعتق بكل عضو منه رقبه ... واعتدّ ذلك ذخرا ليوم العقبه
لا أجد منقبة مثل هذه المنقبه
مشيخته: روى عن القاضي الجليل أبي الحسن بن قطرال، وعن أبي محمد بن عبد الله بن عبد العظيم الزهري، وأبي البركات بن مودود الفارسي، وأبي الحسن الدّباج، سمع من هؤلاء وأجازوا له. وأجاز له أبو أمية بن سعد السّعود بن عفير، وأبو العباس بن مكنون الزاهد. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: وكان شيخنا القاضي العالم الجليل أبو الخطّاب بن خليل، يطنب في الثناء عليه، ووقفت على ما خاطبه به معربا عن ذلك.
شعره: منقولا من «طرفة العصر» من قصيدة يردّدها المؤذنون منها:
[البسيط]
كم ذا أعلل بالتّسويف والأمل ... قلبا تغلّب بين الوجد والوجل
وكم أجرّد أذيال الصّبا مرحا ... في مسرح اللهو وفي ملعب الغزل
وكم أماطل نفسي بالمتاب ولا ... عزم فيوضح لي عن واضح السّبل
ضللت والحقّ لا تخفى معالمه ... شتّان بين طريق الجدّ والهزل
وفاته: يوم الاثنين التاسع والعشرين لجمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
(3/359)

عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي «1»
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الفرس، ويلقّب بالمهر، من أعيان غرناطة.
حاله: كان «2» فقيها جليل القدر، رفيع الذّكر، عارفا بالنحو واللغة والأدب، ماهر «3» الكتابة، رائق الشعر، بديع التّوشيح، سريع البديهة، جاريا على أخلاق الملوك في مركبه وملبسه وزيّه. قال ابن مسعدة «4» : وطىء من درجات العزّ والمجد أعلاها، وفرع من الأصالة منتماها. ثم علت همّته إلى طلب الرّئاسة والملك، فارتحل إلى بلاد العدوة، ودعا إلى نفسه، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير، والجمّ الغفير، ودعوه باسم الخليفة، وحيّوه بتحيّة الملك. ثم خانته الأقدار، والدهر بالإنسان غدّار، فأحاطت به جيوش الناصر «5» بن المنصور، وهو في جيش عظيم من البربر، فقطع رأسه، وهزم جيشه، وسيق إلى باب الخليفة، فعلّق على باب مرّاكش، في شبكة حديد، وبقي به مدة من عشرين سنة «6» .
قال أبو جعفر بن الزبير: كان أحد نبهاء وقته لولا حدّة كانت فيه أدّت به إلى ما حدّثني به بعض شيوخي من صحبه. قال: خرجنا معه يوما على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة، فلمّا كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلّقة، وتعوّذنا بالله من الشّرّ وأهله، وسألناه سبحانه العافية. قال: فأخذ يتعجب منّا، وقال: هذا خور طريقة وخساسة همّة، والله ما الشرف والهمّة إلّا في تلك، يعني في طلب الملك، وإن أدّى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصّفة. قال: فما برحت الليالي والأيام، حتى شرع في ذلك، ورام الثورة، وسيق رأسه إلى مراكش، فعلق في جملة تلك الرءوس، وكتب عليه، أو قيل
(3/360)

فيه: [الطويل]
لقد طمّح المهر الجموح لغاية ... فقطّع أعناق الجياد السّوابق
جرى وجرت رجلاه لكنّ رأسه ... أتى سابقا والجسم ليس بسابق
وكانت ثورته ببعض جهات درعة من بلاد السّوس.
مشيخته: أخذ عن صهره القاضي أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وعن غيره من أهل بلده، وتفقّه بهم، وبهر في العقليّات والعلوم القديمة، وقرأ على القاضي المحدّث أبي بكر بن أبي زمنين، وتلا على الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن عروس، والأدب والنحو على الأستاذ الوزير أبي يحيى بن مسعدة. وأجازه الأستاذ الخطيب أبو جعفر العطّار. ومن شعره في الثورة «1» : [البسيط]
قولوا لأولاد «2» عبد المؤمن بن علي ... تأهّبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء «3» فارس «4» قحطان وسيّدها «5» ... ووارث الملك «6» والغلّاب للدول
ومن شعره القصيدة الشهيرة وهي: [الكامل]
الله حسبي لا أريد سواه ... هل في الوجود الحق إلّا الله؟
ذات الإله بها تقوم دولتنا «7» ... هل كان يوجد غيره لولاه؟
يا من يلوذ بذاته أنت الذي ... لا تطمع الأبصار في مرآه
لا غرو أنّا قد رأيناه بها ... فالحقّ يظهر ذاته وتراه
يا من له وجب الكمال بذاته ... فالكل غاية فوزهم لقياه
أنت الذي لمّا تعالى جدّه ... قصرت خطا الألباب دون حماه
أنت الذي امتلأ الوجود بحمده ... لمّا غدا ملآن من نعماه
أنت الذي اخترع الوجود بأسره ... ما بين أعلاه إلى أدناه
(3/361)

أنت الذي خصّصتنا بوجودنا ... أنت الذي عرّفتنا معناه
أنت الذي لو لم تلخ أنواره ... لم تعرف الأضداد والأشباه
لم أفش ما أودعتنيه إنّه ... ما صان سرّ الحقّ من أفشاه
عجز الأنام عن امتداحك إنه ... تتضاءل الأفكار دون مداه
من كان يعلم أنك الحقّ الذي ... بهر العقول فحسبه وكفاه
لم ينقطع أحد إليك محبّة ... إلّا وأصبح حامدا عقباه
وهي طويلة................ ................ .................
................ ................ ................ ................ ... «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا ورد، ويعرف بابن القصجة.
عديم رواء الحسّ، قريب العهد بالنجعة، فارق وطنه وعيصه، واستقبل المغرب ... الوفادة، وقدم على الأندلس في أخريات دولة الثاني «2» من الملوك النصريين، فمهد جانب البر له، وقرب مجلسه، ورعى وسيلته، وكان على عمل بر من صوم واعتكاف وجهاد.
نباهته: ووقف بي ولده الشريف أبو زيد عبد الرحيم، على رسالة كتب بها أمير مكة على عهده إلى سلطان الأندلس ثاني الملوك النصريين، رحمهم الله، وعبّر فيها عن نفسه: من عبد الله، المؤيّد بالله، محمد بن سعد الحرسني، في غرض المواصلة والمودة والمراجعة عن بر صدر عن السلطان، رحمه الله، من فصولها: «ثم أنكم، رضي الله عنكم، بالغنم في الإحسان للسيد الشريف أبي القاسم الذي انتسب إلينا، وأويتموه من أجلنا، وأكرمتموه، ورفعتموه احتراما لبيته الشريف، جعل الله عملكم معه وسيلة بين يدي جدّنا عليه السلام» . وهي طويلة وتحميدها ظريف، من شنشنة أحوال تلك البال بمكة المباركة.
وفاته: توفي شهيدا في الوقيعة بين المسلمين والنصارى بظاهر ألمرية عندما وقع الصريخ لإنجادها، ورفع العدو البرجلوني عنها في السادس والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرة وسبعمائة.
(3/362)

ومن ترجمة المقرئين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم
عبد الرحمن «1» بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن «2» بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي
مالقي، يكنى أبا زيد، وأبا القاسم، وأبا الحسين، وهي قليلة، شهر بالسّهيلي.
حاله: كان مقرئا مجوّدا، متحققا بمعرفة التفسير، غواصا على المعاني البديعة، ظريف التّهدّي إلى المقاصد الغريبة، محدّثا، واسع الرّواية، ضابطا لما يحدّث به، حافظا متقدما، ذاكرا للأدب والتواريخ والأشعار والأنساب، مبرّزا في الفهم، ذكيّا، أديبا، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، نحويا، عارفا، بارعا، يقظا، يغلب عليه علم العربية والأدب. استدعي آخرا إلى التدريس بمرّاكش، فانتقل إليها من مالقة، محلّ إقرائه، ومتبوّأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته.
مشيخته: تلا «3» بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، وبالسّبع على أبي داود بن يحيى، وعلى أبي علي منصور بن علاء، وأبي العباس بن خلف بن رضي، وروى عن أبي بكر بن طاهر، وابن العربي، وابن قندلة، وأبي الحسن شريح، وابن عيسى، ويونس بن مغيث، وأبي الحسن بن الطّراوة، وأكثر عنه في علوم اللسان، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أخت غانم، وابن معمّر، وابن نجاح، وأبي العباس بن يوسف بن يمن الله، وأبوي القاسم ابن الأبرش، وابن الرّماك، وأبوي محمد بن رشد، والقاسم بن دحمان، وأبوي مروان بن بونة، وأبي عبد الله بن بحر. وناظر في «المدوّنة» على ابن هشام. وأجاز له ولم يلقه أبو العباس عبّاد بن سرحان، وأبو القاسم بن ورد.
(3/363)

من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق الزّوالي، وأبو إسحاق الجاني، وأبو أمية بن عفير، وأبو بكر بن دحمان، وابن قنتوال، والمحمدون ابن طلحة، وابن عبد العزيز، وابن علي جو يحمات، وأبو جعفر بن عبد المجيد، والحفّار وسهل بن مالك، وابن العفّاص، وابن أبي العافية، وأبو الحسن السّراج، وأبو سليمان بن حوط الله، والسمائي، وابن عياش الأندرشي، وابن عطية، وابن يربوع، وابن رشيد، وابن ناجح، وابن جمهور، وأبو عبد الله بن عيّاش الكاتب، وابن الجذع، وأبو علي الشّلوبين، وسالم بن صالح، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم بن الطّيلسان، وعبد الرحيم بن الفرس، وابن الملجوم، وأبو الكرم جودي، وأبو محمد بن حوط الله، إلى جملة لا يحصرها الحدّ.
دخل غرناطة، وكان كثير التأميل والمدح لأبي الحسن بن أضحى، قاضيها وريّسها «1» ، وله في مدحه أشعار كثيرة، وذكر لي من أرّخ في الغرناطيين، وأخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمّن يثق به.
تواليفه: منها كتاب «الشّريف «2» والإعلام، بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام» . ومنها شرح آية الوصية، ومنها «الرّوض الآنف «3» والمشرع الرّوا، فيما اشتمل عليه كتاب السيرة واحتوى» . وابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع وستين وخمسمائة، وفرغ منه في جمادى منها. ومنها «حلية النّبيل، في معارضة ما في السّبيل» . إلى غير ذلك.
شعره: قال أبو عبد الله بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطّان، قال:
أنشدني أبو علي الرّندي، قال: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه «4» : [الطويل]
أسائل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق
(3/364)

وما لي إلى جيرانه من صبابة ... ولكنّ قلبي «1» عن صبوح يوفّق «2»
ونقلت من خطّ الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السّهيلي، مذيّلا بيت أبي العافية في قطعة لزوميّة: [الطويل]
ولمّا رأيت الدّهر تسطو خطوبه ... بكل جليد في الورى أو هداني»
ولم أر من حرز ألوذ بظلّه ... ولا من له بالحادثات يداني
فزعت إلى من ملّك «4» الدهر كفّه ... ومن ليس ذو ملك له بمران
وأعرضت عن ذكر الورى متبرّما ... إلى الرّب من قاص هناك ودان
وناديته سرّا ليرحم عبرتي ... وقلت: رجائي قادني وهداني
ولم أدعه حتى تطاول مفضلا ... عليّ بإلهام الدّعاء وعان
وقلت: أرجّي عطفه متمثّلا ... ببيت لعبد صائل بردان «5»
تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... عسى أن ترى «6» دهري وليس يراني
قلت: وما ضرّه، غفر الله له، لو سلمت أبياته من «بردان» ، ولكن أبت صناعة النحو إلّا أن تخرج أعناقها.
ومن شعره قوله: [المتقارب]
تواضع إذا كنت تبغي العلا ... وكن «7» راسيا عند صفو الغضب
فخفض الفتى نفسه رفعة ... له واعتبر برسوب الذّهب
وشعره كثير، وكتابته كذلك، وكلاهما من نمط يقصر عن الإجادة.
وقال ملغزا في محمل الكتب، وهو مما استحسن من مقاصده: [الخفيف]
حامل للعلوم غير فقيه ... ليس يرجو أمرا ولا يتّقيه
يحمل العلم فاتحا قدميه ... فإذا انضمّتا «8» فلا علم فيه
(3/365)

ومن ذلك قوله في المجبنات «1» : [الكامل]
شغف الفؤاد نواعم أبكار ... بردت فؤاد الصّبّ وهي حرار
أذكى من المسك الفتيق «2» لناشق ... وألذّ من صهباء حين تدار
وكأنّ «3» من صافي اللّجين بطونها ... وكأنّما ألوانهنّ نضار
صفت البواطن والظواهر كلها «4» ... لكن حكت ألوانها الأزهار
عجبا «5» لها وهي النعيم تصوغها ... نار، وأين من النّعيم النار؟
ومن شعره وثبت في الصّلة: [المتقارب]
إذا قلت يوما: سلام عليك ... ففيها شفاء وفيها سقام
شفا إذ قلتها مقبلا ... وإن قلتها مدبرا فالحمام
فاعجب لحال اختلافيهما ... وهذا سلام وهذا سلام
مولده: عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة «6» .
وفاته: وتوفي في مرّاكش سحر ليلة الخامس والعشرين من شعبان أحد وثمانين وخمسمائة «7» ، ودفن لظهره بجبّانة الشيوخ خارج مراكش، وكان قد عمي سبعة عشر «8» عاما من عمره.
عبد الرحمن بن هانىء اللخمي
يكنى أبا المطرف، من أهل فرقد من قرى إقليم غرناطة.
(3/366)

حاله: كان فقيها فاضلا، وتجوّل في بلاد المشرق. قال: أنشدني إمام الجامع بالبصرة: [الوافر]
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
ينيلك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون
عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن القصير «2» .
حاله: كان «3» فقيها [مشاورا، رفيع القدر جليلا] «4» ، بارع الأدب، عارفا بالوثيقة، نقّادا لها، صاحب رواية ودراية، تقلّب ببلاد الأندلس، وأخذ الناس عنه بمرسية وغيرها. ورحل إلى مدينة فاس، وإفريقية، وأخذ بها، وولّي القضاء بتقرش «5» من بلاد الجريد.
مشيخته: روى «6» عن أبيه القاضي أبي الحسن بن أحمد، وعن عمّه أبي مروان، وعن أبوي الحسن بن درّي، وابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي إسحاق بن رشيق الطليطلي، نزيل وادي آش، وأبي بكر بن العربي، وأبي الحسن بن وهب «7» ، وأبي محمد عبد الحق بن عطيّة، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسن يونس بن مغيث، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر بن مسعود الخشني، وأبي القاسم بن بقيّ، وأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، وغيرهم.
تواليفه «8» : له تواليف وخطب ورسائل ومقامات، وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره، واختصر كتاب الجمل «9» لابن خاقان الأصبهاني، وغير ذلك، وألّف برنامجا يضم رواياته.
من روى عنه: روى عنه ابن الملجوم «10» ، واستوفى خبره.
(3/367)

وفاته: ركب «1» البحر قاصدا الحج، فتوفي شهيدا في البحر؛ قتله الرّوم بمرسى تونس مع جماعة من المسلمين، صبح يوم الأحد، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة «2» .
عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري
يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الفصّال.
حاله: هذا الرجل فاضل عريق في العدالة، ذكيّ، نبيل، مختصر الجرم، شعلة من شعل الإدراك، مليح المحاورة، عظيم الكفاية، طالب متقن. قرأ على مشيخة بلده، واختصّ منهم بمولى النعمة على أبناء جنسه، أبي سعيد ابن لب، واستظهر من حفظه كتبا كثيرة، منها كتاب التفريع في الفروع، وارتسم في العدول، وتعاطى لهذا العهد الأدب، فبرّز في فنّه.
أدبه: مما جمع فيه بين نظمه ونثره، قوله يخاطب الكتّاب، ويسحر ببراعته الألباب: [الطويل]
لعلّ نسيم الريح يسري عليله ... فأهدي صحيح الودّ طيّ سقيم
لتحملها عنّي وأزكى تحية ... لقيت «3» ككهف مانع ورقيم
ويذكر ما بين الجوانح من جوى ... وشوق إليهم مقعد ومقيم
يا كتّاب المحلّ السامي، والإمام المتسامي، وواكف الأدب البسّامي، أناشدكم بانتظامي، في محبّتكم وارتسامي، وأقسم بحقّكم عليّ وحبّذا إقسامي، ألا ما أمددتم بأذهانكم الثاقبة، وأسعدتم بأفكاركم النّيرة الواقبة، على إخراج هذا المسمّى، وشرح ما أبهمه المعمّى، فلعمري لقد أحرق مزاجي، وفرّق امتزاجي، وأظلم به وهاجي، وغطّى على مرآة ابتهاجي، فأعينوني بقوة ما استطعتم، وأقطعوني من مددكم ما قطعتم، وآتوني بذلك كلّه إعانة وسدّا وإلّا فها هو بين يديكم ففكّوا غلقه، واسردوا خلقه، واجمعوا مضغه المتباينة وعلقه، حتى يستقيم جسدا قائما بذاته، متّصفا بصفاته المذكورة ولذّاته، قائلا بتسلّيه أسلوبا، مصحفا كان أو مقلوبا. وإن تأبّى عليكم وتمنّع، وأدركه الحياء فتستّر وتقنّع، وضرب على آذان الشّهدا، وربط على قلوبهم من الإرشاد له والاهتداء، فابعثوا أحدكم إلى
(3/368)

المدينة، ليسأل عنه خدينه: [المتقارب]
أحاجي ذوي العلم والحلم ممن ... ترى شعلة الفهم من زنده
عن اسم هو الموت مهما دنا ... وإن بات يبكى على فقده
لذيذ وليس بذي طعم ... ويؤمر بالغسل من بعده
وأطيب ما يجتنيه الفتى ... لدى ربّة الحسن أو عبده
مضجّعه عشر الثلث في ... حساب المصحّف من خدّه
وإن شئت قل: مطعم ذمّه الر ... رسول وحضّ على بعده
وقد جاء في الذّكر إخراجه ... لقوم نبيّ على عهده
وتصحيف ضدّ له آخر ... يبارك للنّحل في شهده
وتصحيف مقلوبه ربّه ... تردّد من قبل في ردّه
فهاكم معانيه قد بدت ... كنار الكريم على نجده
وكتب للولد، أسعده الله، يتوسّل إليه، ويروم قضاء حاجته: [الخفيف]
أيها السيد العزيز، تصدّق ... في المقام العليّ لي بالوسيلة
عند ربّ الوزارتين أطال ال ... له أيامه حسانا جميلة
علّه أن يجيرني من زمان ... مسّني الضّرّ من خطاه الثّقيلة
واستطالت عليّ بالنّهب جورا ... من يديه الخفيفة المستطيلة
لم تدع لي بضاعة غير مزجا ... ة ونزر أهون به من قليله
وإذا ما وفّى لي الكيل يوما ... حشفا ما يكيله سوء كيله
فشفى بي غليله لا شفى بي ... دون أبنائه الجميع غليله
من لهذا الزمان مذ نال منّي ... ليس لي بالزمان والله حيله
غير أن يشفع الوزير ويدعو «1» ... عبده أو خديمه أو خليله
دمت يا ابن الوزير في عزّك السا ... مي ودامت به الليالي كفيله
سيدي الذي بعزّة جاهه أصول، وبتوسّلي بعنايته أبلغ المأمول والسّول، وأروم لما أنا أحوم عليه الوصول، ببركة المشفوع إليه والرسول، المرغوب من مجدك السّامي الصريح، والمؤمّل من ذلك الوجه السّنيّ الصبيح، أن تقوم بين يدي نجوى الشّفاعة، هذه الرّقاعة، وتعين بذاتك الفاضلة النفّاعة، من لسانك مصقاعة، حتى
(3/369)

ينجلي حالي عن بلج، وأتنسّم من مهبّات القبول طيب الأرج، وتتطلع مستبشرات فرحتي من ثنيّات الفرج، فإنّ سيّد الجماعة الأعلى، وملاذ هذه البسيطة وفحلها الأجلى، فسح الله تعالى في ميدان هذا الوجود بوجوده، وأضفى على هذا القطر ملابس السّتر برأيه السديد وسعوده، وبلّغه في جميعكم غاية أمله ومقصوده، قلّما تضيع عنده شفاعة الأكبر من ولده، أو يخيب لديه من توسّل إليه بأزكى قطع كبده، وبحقك ألا ما أمرت هذه الرّقعة، بالمثول بين يدي ذلك الزّكي الذّات الطاهر البقعة، وقل لها قبل الحلول بين يدي هذا المولى الكريم، والموئل الرحيم، بعظيم التوقير والتّبجيل، واعلمي يا أيتها السائل، أن هذا الرجل هو المؤمّل، بعد الله تعالى في هذا الجيل، والحجّة البالغة في تبليغ راجيه أقصى ما يؤملونه بالتعجيل، وخاتمة كلام البلاغة وتمام الفصاحة الموقف عليه ذلك كله بالتّسجيل، وغرّة صفح دين الإسلام المؤيدة بالتّحجيل. وهذا هو مدبّر فلك الخلافة العالية بإيالته، وحافظ بدر سمائها السامية بهالته، فقرّي بالمثول بين يديه عينا، ولقد قضيت على الأيام بذلك دينا، وإذا قيل ما وسيلة مؤمّلك، وحاجة متوسّلك، فوسيلته تشيّعه في أهل ذلك المعنى، وحاجته يتكفّل بها مجدكم الصميم ويعنى، وليست تكون بحرمة جاهكم من العرض الأدنى، وتمنّ فإنّ للإنسان هنالك ما تمنّى، وتولّى تكليف مرسلي بحسب ما وسعكم، وأنتم الأعلون والله معكم. ثم اثن العنان، والله المستعان، وأعيدي السلام، ثم عودي بسلام.
وخاطب قاضي الحضرة، وقد أنكر عليه لباس ثوب أصفر:
أبقى الله المثابة العليّة ومثلها أعلى، وقدحها في المعلوّات المعلّى، ما لها أمرت لا زالت بركاتها تنثال، ولأمر ما يجب الامتثال، بتغيير ثوبي الفاقع اللون، وإحالته عن معتاده في الكون، وإلحاقه بالأسود الجون أصبغه حدادا وأيام سيدي أيام سرور، وبنو الزمان بعدله ضاحك ومسرور، ما هكذا شيمة البرور، بل لو استطعنا أن نزهو له كالميلاد، ونتزيّا في أيامه بزيّ الأعياد، ونرفل من المشروع في محبر وموروس، ونتجلّى في حلل العروس، حتى تقرّ عين سيدي بكتيبة دفاعه، وقيمة نوافله وإشفاعه، ففي علم سيدي الذي به الاهتداء، وبفضله الاقتداء، تفضيل الأصفر الفاقع، حيثما وقع من المواقع، فهو مهما حضر نزهة الحاضرين، وكفاه فاقع لونها تسرّ الناظرين.
ولقد اعتمّه جبريل عليه السلام، وبه تطرّز المحبرات والأعلام، وإنه لزيّ الظّرفاء، وشارة أهل الرّفاء، اللهمّ إلا إن كان سيدي دام له البقاء، وساعده الارتقاء، ينهي أهل التّبريز، عن مقاربة لون الذهب الإبريز، خيفة أن تميل له منهم ضريبة، فيزنّوا بريبة، فنعم إذا ونعمى عين، وسمعا وطاعة لهذا الأمر الهيّن اللّين، أتبعك لا زيدا وعمرا،
(3/370)

ولا أعصى لك أمرا، ثم لا ألبس بعدها إلّا طمرا، وأتجرّد لطاعتك تجريدا، وأسلك إليك فقيرا ومزيدا، ولا أتعرّض للسّخط بلبس شفيف أستنشق هباه، وألبس عباه، وأبرأ من لباس زي ينشئ عتابا، يلقى على لسان مثل هذا كتابا، وأتوب منه متابا، ولولا أني الليلة صفر اليدين، ومعتقل الدّين، لباكرت به من حانوت صبّاغ رأس خابية، وقاع مظلمة جابية، فأصيّره حالكا، ولا ألبسه حتى أستفتي فيه مالكا، ولعلي أجدّ فأرضي سيدي بالتّزييّ بشارته، والعمل بمقتضى إشارته، والله تعالى يبقيه للحسنات ينبّه عليها، ويومي بعمله وحظّه إليها، والسلام.
وخاطبني وقد قدم في شهادة المواريث بحضرة غرناطة: [السريع]
يا منتهى الغايات دامت لنا ... غايتك القصوى بلا فوت
طلبت إحيائي بكم فانتهى ... من قبله حالي إلى الموت
وحقّ ذاك «1» الجاه جاه العلا ... لا متّ إلّا أن أتى وقتي «2»
مولاي الذي أتأذّى من جور الزمان بذمام جلاله، وأتعوّذ من نقص شهادة المواريث بتمام كماله، شهادة يأباها المعسر والحيّ، ويودّ أن لا يوافيه أجله عليها الحيّ، مناقضة لما العبد بسبيله، غير مربح قطميرها من قليله، فإن ظهر لمولاي إعفاء عبده، فمن عنده، والله تعالى يمتّع الجميع بدوام سعده، والسلام الكريم يختص بالطاهر من ذاته ومجده، ورحمة الله وبركاته. من عبد إنعامكم ابن الفصّال لطف الله به: [البسيط]
قد كنت أسترزق الأحياء ما رزقوا ... شيئا ولا ما «3» وفوني بعض أقوات
فكيف حالي لمّا أن شكوتهم ... رجعت أطلب قوتي عند أمواتي «4»
والسلام يعود على جناب مولاي، ورحمة الله وبركاته.
وخاطب أحد أصحابه، وقد استخفى لأمر قرف به، برسالة افتتحها بأبيات على حرف الصاد، أجابه المذكور عن ذلك بما نصّه، وفيه إشارة لغلط وقع في الإعراب:
[البسيط]
يا شعلة من ذكاء أرسلت شررا ... إلى قريب من الأرجاء بعد قص
وشبهة حملت دعوى السّفاح على ... فحل يليق به مضمونها وخص
(3/371)

رحماك بي فلقد جرّعتني غصصا ... أثار تعريضها المكتوم من غصّ
بليتني بنكاة» القرح في كبدي ... كمثل مرتجف المجذوم بالبرص
أيها الأخ الذي رقى ومسح، ثم فصح، وغشّ ونصح، ومزّق ثم نصح، وتلاهب بأطراف الكلام المشقّق فما أفصح، ما لسحّاتك ذات الجيد المنصوص، توهم سمة الودّ المرصوص، ثم تعدل إلى التأويلات عن النّصوص، وتؤنس على العموم، وتوحش على الخصوص، لا درّ درّه من باب برّ ضاع مفتاحه، وتأنيس حرّ سبق بالسجن استفتاحه، ومن الذي أنهى إلى أخي خبر ثقافي، ووثيقة تحبيسي وإيقافي، وقد أبى ذلك سعد فرعه باسق، وعزّ عقده متناسق. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
«2» ، بل المثوى والحمد لله جنّات وغرف، والمنتهى مجد وشرف، فإن كان وليّي مكترثا فيحقّ له السّرور، أو شامتا فلي الظّل وله الحرور. أنا لا أزنّ والحمد لله بها من هناه، ولما أدين بها من عزّي ومناه، ولا تمرّ لي ببال فلست بذي سيف ولست بنكال نفسي أرقّ شيمة، وأكرم مشيمة، وعيني أغزر ديمة، لو كان يسأل لسان عن إنسان، أو مجاولته بملعبه خوان، أوقفني إخوان لا بمأزق عدوان، لارتسمت منه بديوان، لا يغني في حرب عوان. عين هذا الشكل والحمد لله فراره، وعنوان هذا الحدّ غراره. وأما كوني من جملة الصّفرة، وممن أجهز سيدي الفقار على ذي الفقرة، فأقسم لو ضرب القتيل ببعض البقرة، لتعين مقدار تلك الغفرة.
اللهمّ لو كنت مثل سيدي ممن تتضاءل النخلة السّحوق لقامته، ويعترف عوج لديه بقماءته ودمامته، مقبل الظّعن كالبدور في سحاب الخدور، وخليفة السّيد الذي بلغت سراويله تندوة العدوّ الأيّد، لطلت بباع مديد، وساعدني الخلق بساعد شديد، وأنا لي جسم شحت، يحف به بخت، وحسب مثلي أن يعلم في ميدان هوى تسلّ فيه سيوف اللّحاظ، على ذوي الحفاظ، وتشرع سيوف القدود، إلى شكاة الصّدود، وتسطو أولو الجفون السّود بالأسود، فكيف أخشى تبعة تزلّ عن صفاتي، وتنافي صفاتي، ولا تطمع أسبابها في التفاتي، ولا تستعمل في حربها قنا ألفاتي. والله يشكر سيدي على اهتباله، ويحلّ كريم سباله، على ما ظهر لأجلي من شغف باله، إذ رفع ما ينصب، وغيّر ما لو غيّره الحجاج لكان مع الهيبة يحصب، ونكّت بأن نفقت بالحظ سوقي، وظهر لأجله فسوقي، ويا حبّذا هو من شفيع رفيع ووسيلة لا يخالفها الرّعي، ولا
(3/372)

يخيب لها السّعي. ولله درّ القائل: [الكامل]
لله بالإنسان في تعليمه ... بوساطة القلم الكريم عنايه
فالخطّ خطّ والكتابة لم تزل ... في الدهر عن معنى الكمال كنايه
وما أقرب، يا سيدي، هذه الدعوى لشهامتك، وكبر هامتك: [الكامل]
لو كنت حاضرهم بخندق بلج ... ولحمل ما قد أبرموه فصال
لخصصت بالدعوى التي عمّوا بها ... ولقيل: فصل جلاه الفصال
وتركت فرعون بن موسى عبرة ... تتقدّ منه بسيفه الأوصال
فاحمد الله الذي نجّاك من حضور وليمتها، ولم تشهد يوم حليمتها. وأما اعتذارك عما يقلّ من تفقّد الكنز، ومنتطح العنز، فورع في سيدي أتمّ من أن يتّهم بغيبة، ولسانه أعفّ من أن ينسب إلى ريبة، لما اتّصل به من فضل ضريبة، ومقاصد في الخير غريبة، إنما يستخفّ سيدي أفرط التّهم، رمي العوامل بالتّهم، فيجري أصحّ مجرى أختها، ويلبسها ثياب تحتها، بحيث لا إثم يترتّب، ولا هو ممن تعتب «1» ، وعلى الرجال فجنايته عذبة الجنا، ومقاصده مستطرفة لفصح أو كنى. أبقاه الله رب نفاضة وجرادة، ولا أخلى مبرده القاطع من برادة، وعوّده الخير عادة، ولا أعدمه بركة وسعادة، بفضل الله. والسلام عليه من وليّه المستزيد من ورش وليه، لا بل من قلائد حليه، محمد بن فركون القرشي، ورحمة الله وبركاته.
فراجعه المترجم بما نصه، وقد اتّهم أن ذلك من إملائي: [البسيط]
يا ملبس النّصح ثوب الغشّ متّهما ... يلوي النّصيحة عنه غير منتكص
وجاهلا باتخاذ الهزل مأدبة ... أشدّ ما يتوقّى محمل الرّخص
نصحته فقصاني فانقلبت إلى ... حال يغصّ بها من جملة الغصص
بالأمس أنكرت آيات القصاص له ... واليوم يسمع فيه سورة القصص
ممّن استعرت يا بابليّ هذا السّحر، ولم تسكن بناصية السحر، ولا أعملت إلى بابل هاروت امتطاء ظهر، ومن أين جئت بقلائد ذلك النّحر؟ أمن البحر، أو مما وراء النهر؟ ما لمثل هذه الأريحيّة الفاتقة، استنشقنا مهبّك ولا قبل هذه البارقة الفائقة، استكثرنا غيّك، يا أيها الساحر ادع لنا ربّك. أأضغاث أحلام ما تريه الأقلام، أم في لحظة تلد الأيام فرائد الأعلام؟ لقد عهدت بربعك محسن دعابة، ما فرعت شعابه، أو
(3/373)

مصيبا في صبابة، ما قرعت بابه، ولا استرجعت قبل أن أعبر عبابه. اللهمّ إلّا أن تكون تلك الآيات البيّنات من بنات يراعتك، لا براعتك، ومغترس تلك الزّهر، الطالعة كالكواكب الزّهر، مختلس يد استطاعتك، لا زراعتك، وإلّا فنطّرح مصائد التعليم والإنشاء، وننتظر معنى قوله عزّ وجلّ يؤتي الحكمة من يشاء، أو نتوسّل في مقام الإلحاح والإلحاف، أن ننقل من غائلة الحسد إلى الإنصاف، وحسبي أن أطلعت بالحديقة الأنيقة، ووقفت من مثلى تلك الطّريقة على حقيقة، فألفيت بها بيانا، قد وضح تبيانا أو أطلق عنانا، ومحاسن وجدت إحسانا، فتمثّلت إنسانا، سرّح لسانا، وأجهد بنانا، إلّا أنّ صادح أيكتها يتململ في قيظ، ويكاد يتميّز من الغيظ، فيفيض ويغيض، ويهيض وينهض ثم يهيض، ويأخذ في طويل وعريض، بتسبيب وتعريض، ويتناهض في ذلك بغير مهيض، وفاتن كمائمها تسأل عن الصّادح، ويتلقّف عصا استعجاله ما يفكّه المادح، ويحرق بناره زند القادح، ويتعاطى من نفسه بالإعجاب، ويكاد ينادي من وراء حجاب، إن هذا لشيء عجاب. إيه بغير تمويه رجع الحديث الأول، إلى ما عليه المعوّل، لا درّ درّها من نصيحة غير صحيحة، ووصيّة مودّة صريحة، تعلقت بغير ذي قريحة، فهي استعجلتني بداهية كاتب، واستطالة ظالم عاتب، قد سلّ مرهفه، واستنجد مترفه، وجهّزها نحو كتيبته تسفر عن تحجيل، بغير تبجيل، وسحابة سجلّ ترمي بسجّيل، ما كان إلّا أن استقلّت، ورمتني بدائها وانسلّت، وألقت ما فيها وتخلّت، فحسبي الله تغلّب على فهمي، ورميت بسهمي، وقتلت بسلاحي، وأسكرت براحي، برئت برئت، مما به دهيت، أنت أبقاك الله لم تدن بها مني منالا وعزّا، فكيف بها تنسب إليّ بعدك وتعزى؟ نفسي التي هي أرقّ وأجدر بالمعالي وأحقّ، وشكلي أخفّ على القلوب وأدقّ، وشمائلي أملك فلا تسترق، ولساني هو الذي يسأل فلا يفلّ، وقدري يعزّ ويجلّ، عما فخرت أنت به من ملعب مائدة، ومجال رقاب متمايدة، فحاشى سيدي أن يقع منه بذلك مفخر، إلا أن يكون يلهو ويسخر، وموج بحره بالطّيّب والخبيث تزخر، وعين شكلي هي بحمد الله عين الظّرف، المشار إليه بالبنان والطّرف. وأما تعريض سيدي بصغر القامة، وتكبيره لغير إقامة، فمطّرد قول، ومدامة غول، وفريضة نشأ فيها عول، إذ لا مبالاة تجسم كائنا ما كان، أو ما سمعت أنّ السّر في السّكان، وإنما الجسد للرّوح مكان، ولم يبق إليه فقد يروح، وقد قال ويسألونك عن الرّوح، والمرء بقلبه ولسانه، لا بمستظهر عيانه، ولله درّ القائل: [الكامل]
لم يرضني أني بجسم هائل ... والرّوح ما وفّت له أغراضه
ولقد رضيت بأنّ جسمي ناحل ... والروح سابغة به فضفاضه
(3/374)

ولما وقّع سيدي بمكتوبي على المرفوع والمنصوب، وظفرت يده بالمغضوب، والباحث المعصوب، لم يقلها زلّة عالم، وإني وقد وجدتها منية حالم، فعدّد وأعاد، وشدّد وأشاد. هلّا عقل ما قال، وعلم أن المقيل سيكون مقال، وزلّة العالم لا تقال، وأن الحرب سجال، وقبضة غيره هو المتلاعب في الحجال؟ وبالجملة فلك الفضل يا سيدي ما اعتني بمعناك، وارتفع بين مغاني الكرام مغناك، فمدة ركوبك الحمران لا تجارى، ولا يشقّ أحد لك غبارا. أبقاك الله تحفظ عرى هذا الوداد، ويشمل الجميع بركة ذلك النّاد، والسلام عليك من ابن الفصّال، ورحمة الله وبركاته.
وجعلا إليّ التّحكيم، وفوّضا لنظري التّفضيل فكتبت: [البسيط]
بارك عليها بذكر الله من قصص ... واذكر لها «1» ما أتى في سورة القصص
حيث اغتدى السّحر يلهو بالعقول وقد ... أحال بين حؤول «2» كيده وعصي «3»
عقائل العقل والسحر الحلال قوت ... من كافل الصّون بعد الكون جحر وصي «4»
وأقبلت تتهادى كالبدور إذا ... بسحر من فلك النّذور في حصص
من للبدور وربّات الخدور بها ... المثل غير مطيع والمثيل «5» عصي «6»
ما قرصة البدر والشّمس المنيرة أن ... قيست بمن قاسها «7» من جملة القرض
تالله ما حكمها يوما بمنتقض ... كلّا ولا بدرها يوما بمنتقص
إن قال حكمي فيها بالسّواد فقد ... أمنت ما يحذر القاضي من الغصص
(3/375)

أو كنت أرخصت في التّرجيح مجتهدا ... لم يقبل الورع الفتيا مع الرّخص
يا مدلج ليل التّرجيح، قف فقد خفيت الكواكب، ويا قاضي طرف التّحسين والتّقبيح، تسامت والحمد لله المناكب، ويا مستوكف خبر الوقيعة من وراء أقتام القيعة تصالحت المواكب. حصحص الحقّ فارتفع اللّجاج، وتعارضت الأدلّة فسقط الاحتجاج، ووضعت الحرب أوزارها فسكن العجاج، وطاب نحل الأقلام بأزهار الأحلام فطاب المجاج، وقلّ لفرعون البيان وإن تألّه، وبلّد العقول وبلّه، وولّى بالغرور ودلّه. أوسع الكنائن نثلا، ودونك أيّدا شثلا، وشحرا حثلا، لا خطما ولا أثلا. إن هذان لساحران إلى قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وإن أثرت أدب الحليم، مع قصّة الكليم، فقل لمجمل جياد التّعاليم، وواضع جغرافيا الأقاليم، أندلسا ما علمت بلد الأجم، لا سود العجم، ومداحض السّقوط، على شوك قتاد القوط، ولم يذر إن محل ذات العجائب والأسرار التي تضرب إليها أباط النّجاب في غير الإقليم الأول، وهذا الوطن بشهادة القلب الحوّل، إنما هو رسم دارس ليس عليه من معوّل. فهنالك يتكلم الحق فيفصح ويعجم، ويرد المدد على النفوس الجريئة من مطالع الأضواء فيحدّث ويلهم، ويجود خازن الأمداد، على المتوسّل بوسيلة الاستعداد، فيقطع ويسهم. وأما إقليمنا الرابع والخامس، بعد أن تكافأت المناظر والملامس، وتناصف الليل الدّامس واليوم الشّامس، باعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكيّ بليد، ومعاش وتوليد، وطريف في البداوة وتليد، ليس به برباه ولا هرم، يخدم بها درب محترم، ويشبّ لقرياته حرم، فيفيد روحانيا يتصرف، ورئيسا يتعرّض ويتعرّف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وجلب المآرب وأذهب الأوصاب، وعلم الجواب، وفهم الصواب. ولو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال، أو مسبوقة بمثال، لتلقينا منشور القضاء بامتثال، لكنّا نخاف أن نميل بعض الميل، فنجني بذلك أبخس الجري وإرضاء الذّميل، ونجرّ تنازع الفهري مع الصّميل. فمن خيّر ميّز، ومن حكم أزري به وتهكّم، وما سلّ سيوف الخوارج، في الزمن الدّارج، إلّا التّحكيم، حتى جهل الحكيم، وخلع الخطام ونزع الشّكيم، وأضرّ بالخلق نافع، وذهب الطفل لجراه واليافع، وذم الذّمام وردّ الشّافع، وقطر سيف قطري، بكل نجيع طري، وزار الشّيب الأسد الهصور، وصلّت الغزالة بمسجد الثّقفي وهو محصور، وانتهبت المقاصير والقصور، إلّا أن مستأهل الوظيفة الشّرعية عند الضرورة يجبر، والمنتدب للبرّ محيي عند الله ويجبر، واجعلني على خزائن الأرض وهو الأوضح والأشهر، فيها به يستظهر. وأنا فإن حكمت على التّعجيل،
(3/376)

فغير مشهد على نفسي بالتّسجيل، إنما هو تلفيق يرضى وتطفيل، يعتب عليه من تصدّع بالحق ويمضى، إلّا أن يغضى، ورأيي فيها المراضاة والاستصلاح، وإلّا فالسّلاح والرّكاب الطلّاح، والصلح خير، وما استدفع بمثل التّسامح ضير. ومن وقف عليه، واعتبر ما لديه، فليعلم أني صدعت وقطعت، والحقّ أطعت، وإن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، والسلام.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي «1»
من ذرّية «2» عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس. وينتسب «3» سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، معروف «4» .
أوليته: قد ذكر بعض منها. وانتقل «5» سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعيّن وشهرة «6» عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، واستقرّ «7» بتونس منهم ثالث «8» المحمدين؛ محمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة «9» وحشمة ورسوم حسنة، وتصرّف جدّ المترجم به لملوكها «10» في القيادة.
حاله: هذا «11» الرجل الفاضل حسن الخلق، جمّ الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّيّ الزّيّ، عالي الهمّة، عزوف عن الضّيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن «12» الرئاسة، خاطب للحظّ، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر، بارع الخطّ، مغرى بالتجلّة، جواد الكفّ «13» ، حسن العشرة، مبذول
(3/377)

المشاركة، مقيم لرسوم التّعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة «1» من مفاخر التّخوم المغربية.
مشيخته: قرأ «2» القرآن ببلده على المكتّب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي «3» ، وابن العربي، وتأدّب بأبيه، وأخذ عن المحدّث أبي عبد الله بن جابر الوادي آشي. وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، وروى عن الحافظ عبد الله «4» السّطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي، وانتفع به.
توجّهه إلى المغرب: انصرف «5» عن «6» إفريقية منشئه، بعد أن تعلّق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله، وخطبه السلطان منفّق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان، واستقدمه «7» ، واستحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقّه، وأوجب فضله، واستعمله في «8» الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأنّي، وشفوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عندئذ «9» من إغفال التّحفّظ، ممّا يريب لديه، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره، وإحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله، [واستأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر] 1»
وعدم الخشوع، وإهمال التوسّل، وإبادة المكسوب في سبيل النّفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السّعيد ولده، فأعتبه قيّم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال، قبل تسوّغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرّر السّهام، نبيه الرّتبة، إلى آخر أيامه. ولمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله، مدبّر الأمر، وله إليه قبل ذلك «11» وسيلة، وفي حليه شركة، وعنده حقّ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.
(3/378)

دخوله غرناطة: ورد «1» على الأندلس في أوائل «2» شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتزّ له السلطان، وأركب خاصّته لتلقّيه، وأكرم وفادته، وخلع عليه، وأجلسه بمجلسه الخاص «3» ، ولم يدّخر عنه برّا ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة.
وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي «4» : [الطويل]
حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرّحب والسّهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشّيخ والطفل المهدّإ «5» والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسّي اغتباطي بالشّبيبة والأهل «6»
أقسمت «7» بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته، [ونور ضربت الأمثال بمشكاته «8» وزيته، لو خيّرت أيها الحبيب] «9» الذي زيارته الأمنية السّنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشّباب يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط «10» يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة «11» في ظلمته، أو يقوم حواريّه في ملّته «12» ، من الأحابش وأمّته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النّعيم ومراح، وقصف صراح «13» ، [ورقّى «14» وجراح،] «15» وانتحاب «16» واقتراح، وصدور ما بها إلّا انشراح، ومسرّات تردفها أفراح. وبين قدومك خليع الرّسن، ممتّعا والحمد
(3/379)

لله «1» باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب وإن شاقني «2» زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب «3» دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى «4» جنون اغترابي، وملّكني أزمة آرابي، وغبّطني بمائي وترابي، [ومألف أترابي،] «5» وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة «6» ، ومنتهى الطّيّة، وملتقى السّعود «7» غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظانّ «8» مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع «9» فضل مجدك في «10» التخلّف عن الإصحار «11» ، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسّلام.
ولما «12» استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، وأوضح الأدب فيها «13» مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها: [السريع]
أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشّكّ إذا جئته ... جنّبك الرحمن ما تكره
سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل والدّمالج «14» ، وتركض فوقها ركض الهمالج «15» أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، وأحكم بمرود «16» المراودة الاكتحال، وارتفع بالسّقيا الإمحال، وصحّ
(3/380)

الانتحال، وحصحص الحقّ وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفّت هند منك إلى بشر، فلله من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة، وابتذلت «1» منها أي وساد وحشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الدّيماس، ومطوق الحمام، من الحمّام، وقد حسّنت الوجه الجميل التّطرية «2» ، وأزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية «3» ، وصقلت الخدود فهي «4» كأنها الأمرية «5» ، وسلّط الدّلك على الجلود، وأغريت النّورة بالشّعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم، والمسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم والقلب يرمي من الكفّ الرّقيم «6» بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتّح ورد الخفر، وحكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر، واتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر، ورشّ بماء الطّيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب. وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزقّها السعادة، فهي تمشي على استحياء وقد ذاع طيب الريّا، وراق حسن المحيّا، حتى إذا نزع الخفّ، وقبّلت الأكفّ، وصخب «7» المزمار وتجاوب الدّف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوّز اللّوا والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزّت الأرض وربت، وعوصيت الطّباع البشرية فأبت. ولله درّ القائل «8» : [المتقارب]
ومرّت فقالت «9» : متى نلتقي؟ ... فهشّ اشتياقا إليها الخبيث
وكاد يمزّق سرباله ... فقلت: إليك يساق الحديث «10»
فلمّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام «11» ، وخاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتّى دنوّ الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضّة النهد، وقبلة الفم والخدّ، وإرسال اليد من النّجد إلى الوهد،
(3/381)

وكانت الإمالة القليلة قبل المدّ، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوّش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السّرير «1» : [الطويل]
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال
هذا «2» بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حلّ «3» التّكة، ونزع الشّكة، وتهيئة الأرض العزاز «4» عمل السّكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطّبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النّبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السّبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطّع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التّراوغ والتّزاور، وشكي التجاور «5» ، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا، ونونة «6» تصير تنينا، وبطل لم يهله «7» المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرّته «8» الحائل، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض، وتقلّد مذهب الأزارقة «9» من الخوارج في الاعتراض، ثم شقّ الصفّ، وقد خضّب الكفّ، بعد أن كاد يصيب البريّ «10» بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته «11» : [الطويل]
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقّع فاستراح البال، وتشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتّوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال، بما بال، وجعل الجريح يقول: وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه: [البسيط]
إنّي له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول: حمّلته في سفكه تعبا
(3/382)

ومن «1» سنان عاد عنانا، وشجاع صار هدانا «2» جبانا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، وماتت الغريزة الحيّة، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأسر، ويغلب الحصر، ويجفّ اللّباب «3» ، ويظهر العاب «4» ، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق، ويشتدّ الكرب والأرق، وينشأ في محلّ الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوى اللّجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدّة، ولا تعرف تلك الجارحة «5» المؤمنة إلّا ردّة: [الطويل]
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر «6» ما يجني عليه اجتهاده
فكم مغرى بطول اللّبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرّة، ليزيل المعرّة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال: [الرجز]
إنك لا تشكو إلى مصمّت ... فاصبر على الحمل الثّقيل أو مت
ومعتذر بمرض أصابه، جرّعه أوصابه «7» ، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحيانا، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد عيّ بيانا، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، ولم تسم «8» بالنّجيع أغفالها «9» ، ومن معرّات الأقذار «10» ، والنكول عن الأبكار، ومن النّزول عن البطون والسّرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدّرر، ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رويّة وارتجال. فمن قائل: [السريع]
أرفعه طورا على إصبعي ... ورأسه مضطرب «11» أسفله
كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله
(3/383)

أو قائل «1» : [السريع]
عدمت من أيري قوى حسّه ... يا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصله ... كحائط خرّ على أسّه
وقائل: [الطويل]
أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برجلي ورأسي دمّلا وزكاما؟
فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة أير لا يريد «2» قياما «3»
وقائل: [الطويل]
أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به: خبت من أير وعالتك «4» داهيه
إذا لم يك للأير بخت تعذّرت ... عليه وجوه النيك «5» من كلّ ناحيه
وقائل: [الطويل]
تعقّف «6» فوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركيّة ملتفّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضّعف
وقائل: [الطويل]
تكرّش أيري بعدما كان أملسا ... وكان غنيّا من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها أن مررن بي ... «مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى»
وقائل: [الطويل]
بنفسي من حيّيته فاستخفّ بي ... ولم يخطر الهجران منه «7» على بالي «8»
وقابلني بالغور والنّجد «9» بعدما ... حططت به رحلي «10» وجرّدت سربالي
وما أرتجي من موسر فوق دكّة «11» ... عرضت له شيئا من الحشف البالي
(3/384)

علل «1» لا تزال تبكى، وعلل على الدهر تشكى، وأحاديث تقصّ وتحكى، فإن كنت أعزّك الله من النّمط الأول، ولم تقل: [الطويل]
وهل عند رسم دارس من معوّل «2»
فقد جنيت الثّمر، واستطبت السّمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزّينة «3» ، واستبشر بالوفود، وعرّف المسمع عازفة «4» الجود، وتبجّح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمّان النّهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللّثم أقاح الثّغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى، فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسّم، واستعمل التّبسّم، واستكتم النّسوة، وأفض فيهنّ الرّشوة، وتقلّد المغالطة وارتكب، وجىء على قميصك «5» بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمورك «6» بالكتمان:
[الكامل]
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في السّرّاء والضّرّاء «7»
فلرحمة المتفجّعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبّق وما همى «8» ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
«9» ، واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكّنك الفرصة، وترفع إليك القصّة، ولا تشتره «10» إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله درّ عروة بن حزام «11» : [الكامل]
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... أقتل ولم يضرر عدوّي مشهدي
ففررت منهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
(3/385)

واللّبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح «1» ، وكم من شجاع خام «2» ، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضلّ الفريق، والله عزّ وجلّ يجعلها خلّة موصولة، وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب «3» اليمن مأمولة، حتى يكثر «4» خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة «5» باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص «6» ، وأدرك مرام عويص «7» ، وأعطي زاهد وحرم حريص، والسّلام.
تواليفه: شرح «8» القصيدة المسماة بالبردة «9» شرحا بديعا، دلّ فيه على انفساح ذرعه، وتفنّن إدراكه، وغزارة حفظه. ولخّص كثيرا من كتب ابن رشد.
وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم «10» العقلية تقييدا مفيدا في المنطق، ولخّص محصّل الإمام فخر الدين ابن الخطيب «11» الرازي. وبذلك «12» داعبته أول لقية لقيته «13» [ببعض منازل الأشراف، في سبيل المبرّة بمدينة فاس،] «14» فقلت له:
لي عليك مطالبة، فإنك لخّصت «محصّلي» . وألّف كتابا في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرّجز الصادر عني في أصول الفقه، بشيء لا غاية وراءه «15» في الكمال. وأمّا نثره وسلطانيّاته، مرسلها ومسجعها «16» ، فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع.
وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشّعر، وأغري «17» نقده باعتبار أساليبه؛ فانثال عليه جوّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. من «18» ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة
(3/386)

بقصيدة طويلة «1» : [الكامل]
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي وتحيبي
وأبين يوم البين موقف «2» ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظّاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب «3»
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروبي «4»
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنني ... ماء الملام لديّ غير شريب «5»
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وتردّدت ... في عطفها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودها ... ليجدّها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرّضت لمتيّم ... هزّته ذكراها إلى التّشبيب
إيه على الصّبر الجميل فإنه ... ألوى «6» بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغضّ طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كلّ قشيب «7»
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الإسآد «8» بالتّأويب «9»
متهافتا عن رحل كلّ مذلّل ... نشوان من أين ومسّ لغوب
تتجاذب النّفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب
(3/387)

إن هام من ظمإ الصّبابة صحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب «1»
في كلّ شعب منية من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب
هلّا عطفت صدورهنّ إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب
فتؤمّ من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوّة آيها مجلوّة ... تتلو من الآثار كلّ غريب
سرّ غريب لم تحجّبه «2» الثّرى ... ما كان سرّ الله بالمحجوب
يا سيّد الرّسل الكرام ضراعة ... تقضي منى «3» نفسي وتذهب حوبي «4»
عاقت ذنوبي عن جنابك والمنى ... فيها تعلّلني بكل كذوب
لا كالألى «5» صرفوا العزائم للتّقى ... فاستأثروا منها بخير نصيب
لم يخلصوا لله حتى فرّقوا ... في الله بين مضاجع وجنوب
هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحا جميلا عن قبيح ذنوبي
إنّ النجاة وإن أتيحت لامرىء ... فبفضل جاهك ليس بالتّسبيب
إني دعوتك واثقا بإجابتي ... يا خير مدعوّ وخير مجيب
قصّرت في مدحي فإن يك طيّبا ... فبما لذكرك من أريج الطّيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كلّ مطيب
يا هل تبلّغني الليالي زورة ... تدني إليّ الفوز بالمرغوب؟
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحطّ أوزاري وإصر ذنوبي «6»
في فتية هجروا المنى وتعوّدوا ... إنضاء كلّ نجيبة ونجيب «7»
يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب «8»
(3/388)

إن رنّم الحادي بذكرك ردّدوا ... أنفاس مشتاق إليك طروب
أو غرّد الرّكب الخليّ بطيبة ... حنّوا لمغناها حنين النّيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب
الطاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النّقع كلّ سبيب «1»
والواهبون المقربات هواتنا ... من كلّ خوّار العنان لعوب «2»
والمانعون الجار حتى عرضهم ... في منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعزّ شيمة مرتجى ومهيب
ومنها بعد كثير «3» :
سائل به طامي العباب وقد سرى ... تزجى بريح» العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنّة وعزائم ... يصدعن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلم الضّلال بسعيه ... وسطا الهدى بفريقها المغلوب
يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المعصوب
جمعوا بحفظ الدين آي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب
لله مجدك طارفا أو تالدا ... فلقد شهدنا منه كلّ عجيب
كم رهبة أو رغبة لك والعلا ... تقتاد بالتّرغيب والتّرهيب
لا زلت مسرورا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرقوب
تحيي المعالي غاديا أو رائحا ... وجديد سعدك ضامن المطلوب
وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هديّة ملك السودان «5» ، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزّرافة «6» : [الكامل]
قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد
ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد
ولربّ وصل كنت آمله ... فاعتضت منه مؤلم الصّدّ
لا عهد عند الصبر أطلبه ... إنّ الغرام أضاع من عهدي
(3/389)

يلحى العذول فما أعنّفه ... وأقول: ضلّ فأبتغي رشدي
وأعارض النّفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعلّلي بضعيف ما تهدي
يا سائق الوجناء «1» معتسفا ... طيّ الفلاة لطيّة الوجد
أرح الرّكاب ففي الصّبا نبأ ... يغني عن المستنّة الجرد «2»
وسل الرّبوع برامة خبرا ... عن ساكني نجد وعن نجد
ما لي تلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلّا الرّشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرّشد
نعم الخليفة «3» في هدى وتقى ... وبناء عزّ شامخ الطّود
نجل السّراة الغرّ شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد
ومنها في ذكر خلوصه إليه، وما ارتكبه فيه «4» :
لله منّي إذ تأوّبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفلّ بواترا «5» قضبا ... وجموع أقيال أولي أيد «6»
أوريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حقّ المجد من قصدي
ووردت عن ظمإ مناهلة ... فرويت من عزّ ومن رفد «7»
هي جنّة المأوى لمن كلفت ... آماله بمطالب المجد
لو لم أعلّ بورد كوثرها ... ما قلت: هذي جنّة الخلد
من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النّوى وتنوفة «8» البعد
أني أنفت على رجائهم ... وملكت عزّ جميعهم وحدي
(3/390)

ومنها:
ورقيمة الأعطاف حالية ... موشيّة بوشائح «1» البرد
وحشيّة الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالقود «2»
تسمو بجيد بالغ صعدا ... شرف الصّروح بغير ما جهد
طالت رؤوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفا وصلت ... آسادها «3» بالنّصّ والوخد «4»
تخدي «5» على استصعابها ذللا ... وتبيت طوع القنّ والقدّ «6»
بسعودك اللائي ضمنّ لنا ... طول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلّبهم ... أيدي السّرى بالغور والنّجد
كالطّيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسلّ من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند
يا مستعينا جلّ في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربّك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم ما يسدي «7»
وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزّة أبدا وفي سعد
وقال يخاطب «8» صدر الدولة فيما يظهر من غرض المنظوم «9» : [الكامل]
يا سيّد الفضلاء دعوة مشفق ... نادى لشكوى البثّ خير سميع
ما لي وللإقصاء بعد تعلّة ... بالقرب كنت لها أجلّ شفيع
(3/391)

وأرى الليالي رنّقت لي صافيا ... منها فأصبح في الأجاج شروعي «1»
ولقد خلصت إليك بالقرب التي ... ليس الزمان لشملها بصدوع
ووثقت منك بأيّ وعد صادق ... إني المصون وأنت غير مضيع
وسما بنفسي للخليفة طاعة ... دون الأنام هواك قبل نزوع
حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم ... فصددتهم عني وكنت منيعي
رغمت نفوسهم «2» بنجح وسائلي ... وتقطّعت أنفاسهم بصنيعي
وبغوا بما نقموا عليّ خلائقي ... حسدا فراموني بكلّ شنيع
لا تطمعنّهم ببذل في التي ... قد صنتها عنهم بفضل قنوعي
أنّى أضام وفي يدي القلم الذي ... ما كان طيّعه لهم بمطيع
ولي الخصائص ليس تأبى رتبة ... حسبي بعلمك «3» ذاك من تفريعي
قسما بمجدك وهو خير أليّة «4» ... أعتدّها لفؤادي المصدوع
إني لتصطحب الهموم بمضجعي ... فتحول ما بيني وبين هجوعي
عطفا عليّ بوحدتي عن معشر ... نفث الإباء صدودهم في روعي
أغدو إذا باكرتهم متجلّدا ... وأروح أعثر في فضول دموعي
حيران أوجس عند نفسي خيفة ... فتسرّ في الأوهام كلّ مروع
أطوي على الزّفرات قلبا إدّه «5» ... حمل الهموم تجول بين ضلوعي
ولقد أقول لصرف دهر رابني ... بحوادث جاءت على تنويع
مهلا عليك فليس خطبك ضائري ... فلقد لبست له أجنّ دروع «6»
إني ظفرت بعصمة من أوحد ... بذّ الجميع بفضله المجموع
وأنشد السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله ابن أمير المسلمين أبا الحجاج، لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم، من عام أربعة وستين وسبعمائة «7» : [البسيط]
حيّ المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني
إنّ الألى نزحت داري ودارهم ... تحمّلوا القلب في آثارهم دوني
(3/392)

وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسما لا يناجيني
أمثّل الرّبع من شوق وألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد منّي كلّ لؤلؤة ... ما زال جفني «1» عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أنّ قلبي إلى السّلوان يدعوني
أحبابنا، هل لعهد الوصل مدّكر ... منكم وهل نسمة منكم تحيّيني؟
ما لي وللطّيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلا لا يداويني
يا أهل نجد، وما نجد وساكنها ... حسنا سوى جنّة الفردوس والعين «2»
أعندكم أنّني ما مرّ ذكركم ... إلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقا، ولولاكم ما كان يصبيني «3»
يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قربا يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوما بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادّكاري يا ... من لم يكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في ذكر التفريط:
أبعد مرّ الثلاثين التي ذهبت ... أولي الشّباب بإحساني وتحسيني
أضعت فيها نفيسا ما وردت به ... إلّا سراب غرور ليس يروّيني
وا حسرتا «4» من أمان «5» كلّها خدع ... تريش غيّي ومرّ الدّهر يبريني
ومنها في وصف المشور «6» المبتنى «7» لهذا العهد:
يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطّرف مفتتنا ... فما يروقك من شكل وتلوين «8»
(3/393)

بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك السّ ... امي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... «أشهى إلى القلب من أبواب جيرون»
ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه من المغرب لأجله «1» :
من مبلغ عنّي الصّحب الألى جهلوا ... ودّي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحيّيني
وإنني ظاعن لم ألق بعدهم ... دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلّب الطّرف بين الخوف والهون
سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظّ غير مغبون
أرتاد منها مليّا لا يماطلني ... وعدا وأرجو كريما لا يعنّيني «2»
وهاك منها قواف طيّها حكم ... مثل الأزاهر في طيّ الرياحين
تلوح إن جليت درّا، وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كلّ شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني «3»
يمانع الفكر عنها ما تقسّمه ... من كلّ «4» حزن بطيّ الصّدر مكنون
لكن بسعدك ذلّت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين «5»
بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين
وهو «6» الآن قد بدا له في التّحول طوع أمل ثاب له في الأمير أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، لما عاد إليه ملك بجاية، وطار إليه بجناح شراع تفيّأ ظلّه، وصكّ من لدنه رآه مستقرّا عنده، يدعّم ذلك بدعوى تقصير خفيّ أحسّ به، وجعله علّة منقلبة، وتجنّ سار منه في مذهبه وذلك في ... «7» من عام ثمانية وستين وسبعمائة. ولما بلغ بجاية صدق رأيه، ونجحت مخيّلته، فاشتمل عليه أميرها، وولّاه
(3/394)

الحجابة بها. ولم ينشب أن ظهر عليه ابن عمّه الأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، وتملّك البلدة بعد مهلكه، وأجرى المترجم به على رسمه بما طرق إليه الظّنّة بمداخلته في الواقع. ثم ساء ما بينه وبين الأمير أبي العباس، وانصرف عنه، واستوطن بسكرة، متحوّلا إلى جوار رئيسها أبي العباس بن مزنى، متعلّلا برفده إلى هذا العهد.
وخاطبته برسالة في هذه الأيام، تنظر في اسم المؤلّف في آخر الديوان.
مولده: بمدينة تونس بلده، حرسها الله، في شهر رمضان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة «1» .
عبد الرحمن بن الحاج بن القميي الإلبيري
حاله: كان شاعرا مجيدا، هجا القاضي أبا الحسن بن توبة، قاضي غرناطة، ومن نصره من الفقهاء، فضربه القاضي ضربا وجيعا، وطيف به على الأسواق بغرناطة، فقال فيه الكاتب أبو إسحاق الإلبيري الزاهد، وكان يومئذ كاتبا للقاضي المذكور، الأبيات الشهيرة: [البسيط]
السّوط أبلغ من قول ومن قيل ... ومن نباح سفيه بالأباطيل
من الدّار كحرّ النار أبراه ... يعقل التقاضي أي تعقيل
عبد الرحمن بن يخلفتن بن أحمد بن تفليت الفازازي «2»
يكنى أبا زيد.
حاله: كان حافظا، نظّارا، ذكيا، ذا حظّ وافر من معرفة أصول الفقه وعلم الكلام، وعناية بشأن الرّواية، متبذّلا في هيئته ولباسه، قلّما يرى راكبا في حضر إلّا لضررة، فاضلا، سنيّا، شديد الإنكار والإنحاء على أهل البدع، مبالغا في التحذير منهم، عامر الإتاء، يطلب العلم شغفا به وانطباعا إليه وحبّا فيه وحرصا عليه، آية من آيات الله في سرعة البديهة، وارتجال النّظم والنّثر، وفور مادّة، وموالاة استعمال، لا يكاد يقيد، ولا يصرفه عنه إلّا نسخ أو مطالعة علم، أو مذاكرة فيه، حتى صار له
(3/395)

ملكة. لا يتكلف معها الإنشاء، مع الإجادة وتمكّن البراعة. وكان متلبّسا بالكتابة عن الولاة والأمراء، ملتزما بذلك، كارها له، حريصا على الانقطاع عنه، واختصّ بالسيد أبي إسحاق بن المنصور، وبأخيه أبي العلاء، وبملازمتهما استحقّ الذّكر فيمن دخل غرناطة، إذ عدّ ممّن دخلها من الأمراء.
مشيخته: روى عن أبيه أبي سعيد، وأبي الحسن جابر بن أحمد، وابن عتيق بن مون، وأبي الحسن بن الصائغ، وأبي زيد السّهيلي «1» ، وأبي عبد الله التّجيبي، وأبي عبد الله بن الفخّار، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي المعالي محمود الخراساني، وأبي الوليد بن يزيد بن بقي «2» وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو عبد الله، وأبو بكر بن سيّد الناس، وابن مهدي، وأبو جعفر بن علي بن غالب، وأبو العباس بن علي بن مروان، وأبو عمرو بن سالم، وأبو القاسم عبد الرحيم بن سالم، وابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن سالم، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو يحيى بن سليمان بن حوط الله، وأبو محمد بن قاسم الحرار، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو علي الماقري.
تواليفه ومنظوماته: له المعشّرات الزّهدية التي ترجمها بقوله: «المعشرات الزهدية، والمذكرات الحقيقية الجدّية، ناطقة بألسنة الوجلين المشفقين، شائقة إلى مناهج السّالكين المستبقين، نظمها متبرّكا بعبادتهم، متيمنا بأغراضهم وإشاراتهم، قابضا عنان الدّعوى عن مداناتهم ومجاراتهم، مهتديا إهداء السّنن الخمس بالأشعّة الواضحة من إشاراتهم، مخلّدا دون أفقهم العالي إلى حضيضه، جامعا لحسن أقواله وقبح أفعاله بين الشّيء ونقيضيه عبد الرحمن» . وله «المعشّرات الحبّية، وترجمتها النّفحات القلبيّة، واللّفحات الشّوقية، منظومة على ألسنة الذاهبين وجدا، الذّائبين كمدا وجهدا، الذين غربوا وبقيت أنوارهم، واحتجبوا وظهرت آثارهم، ونطقوا وصمتت أخبارهم، ووفّوا العبودية حقّها، ومحضوا المحبّة مستحقّها، نظم من نسج على منوالهم، ولم يشاركهم إلّا في أقوالهم فلان» . والقصائد، في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي كل قصيدة منها عشرون بيتا، وترجمتها الوسائل المتقبّلة، والآثار المسلمة المقبلة، مودعة في العشرنية النبوية، والحقائق اللّفظية والمعنوية، نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، وأعدّها لما يستقبله من مدهش الأهوال، وفرع خاطره لها على توالي القواطع وتتابع الأشغال، ورجال بركة خاتم الرّسالة، وغاية السّؤدد والجلالة، محو ما
(3/396)

لسلفه من خطأ في الفعل، وزلل في المقال، والله سبحانه وليّ القبول للتّوبة، والمنّان بتسويغ هذه المنّة المطلوبة، فذلك يسير في جنب قدرته، ومعهود رحمته الواسعة ومغفرته.
شعره: وشعره كثير جدا، ونثره مشهور وموجود. فمن شعره في غرض الشكر لله عزّ وجلّ، على غيث جاء بعد قحط: [الكامل]
نعم الإله بشكره تتقيّد ... فالله يشكر في النّوال ويحمد
مدّت إليه أكفّنا محتاجة ... فأنالها من جوده ما نعهد
وأغاثنا بغمائم وكّافة ... بالبشر تشرق والبشائر ترعد
حملت إلى ظمإ البسيطة ريّة ... فلها عليه منّة لا تجحد
فالجوّ برّاق والشّعاع مفضّض ... والماء فيّاض الأثير معسجد
والأرض في حلي الأتيّ كأنما ... نطف الغمام ولؤلؤ «1» وزبرجد
والرّوض مطلول الخمائل باسم ... والقضب ليّنة الحمائل ميّد
تاهت عقول الناس في حركاتها ... ألشكرها أم سكرها تتأوّد؟
فيقول أرباب البطالة تنثني ... ويقول أرباب الحقيقة تسجد
وإذا اهتديت إلى الصواب فإنها ... في شكر خالقها تقوم وتقعد
هذا هو الفضل الذي لا ينقضي ... هذا هو الجود الذي لا ينفد
احضر فؤادك للقيام بشكره ... إن كنت تعلم قدر ما تتقلّد
وانفض يديك من العباد فكلّهم ... عجز الحلّ وأنت جهلا تعقد
وإذا افتقرت إلى سواه فإنما ال ... لذي بخاطرك المجال الأبعد
نعم الإله كما تشاهد حجّة ... والغائبات أجلّ مما يشهد
فانظر إلى آثار رحمته التي ... لا يمترى فيها ولا يتردّد
يا ليت شعري والدليل مبلّغ ... من أيّ وجه يستريب الملحد
من ذا الذي يرتاب أنّ إلهه ... أحد وألسنة الجماد توحّد
كلّ يصرّح حاله ومقاله ... أن ليس إلّا الله ربّ يعبد
ومن شعره أيضا قوله: [الكامل]
عجبا لمن ترك الحقيقة جانبا ... وغدا لأرباب الصواب مجانبا
(3/397)

وابتاع بالحق المصحّح حاضرا ... ما شاء للزّور المعلّل عائبا
من بعد ما قد صار أنفذ أسهما ... وأشدّ عادية وأمضى قاضبا
لا تخدعنك سوابق من سابق ... حتى ترى الإحضار منه عواقبا
فلربما اشتدّ الخيال وعاقه ... دون الصّواب هوى وأصبح غالبا
ولكم إمام قد أضرّ بفهمه ... كتب تعبّ من الضّلال كتائبا
فانحرف بأفلاطون وأرسطا ... ليس ودونهما تسلك طريقا لاحبا «1»
ودع الفلاسفة الذّميم جميعهم ... ومقالهم تأتي الأحقّ الواجبا
يا طالب البرهان في أوضاعهم ... أعزز عليّ بأن تعمّر جانبا
أعرضت عن شطّ النّجاة ملجّجا ... في بحر هلك ليس ينجي عاطبا
وصفا الدّليل فما نفعت بصفوه ... حتى جعلت له اللّجين «2» شائبا
فانظر بعقلك هل ترى متفلسفا ... فيمن ترى إلّا دعيّا كاذبا؟
أعيته أعباء الشّريعة شدّة ... فارتدّ مسلوبا ويحسب سالبا
والله أسأل «3» عصمة وكفاية ... من أن أكون عن المحجّة ناكبا
ومن شعره: [الطويل]
إليك مددت الكفّ في كلّ شدّة ... ومنك وجدت اللّطف في كل نائب
وأنت ملاذ والأنام بمعزل ... وهل مستحيل في الرّجا «4» كرّآيب؟
فحقّق رجائي فيك يا ربّ واكفني ... شمات «5» عدوّ أو إساءة صاحب
ومن أين أخشى من عدوّ إساءة ... وسترك ضاف من جميع الجوانب؟
وكم كربة نجّيتني من غمارها ... وكانت شجا بين الحشا والتّرائب
فلا قوة عندي ولا لي حيلة ... سوى حسن ظنّي بالجميل المواهب
فيا منجي المضطرّ عند دعائه ... أغثني فقد سدّت عليّ مذاهبي «6»
رجاؤك رأس المال عندي وربحه ... وزهده «7» في المخلوق أسنى المواهب
(3/398)

إذا عجزوا عن نفعهم في نفوسهم ... فتأميلهم بعض الظّنون الكواذب
فيا محسنا فيما مضى أنت قادر ... على اللّطف في حالي وحسن العواقب
وإنّي لأرجو منك ما أنت أهله ... وإن كنت حطّا في كثير المعايب
فصلّ على المختار من آل هاشم ... إمام الورى عند اشتداد النوائب
وقال في مدّعي قراءة الخطّ دون نظر: [الطويل]
وأدور ميّاس العواطف أصبحت ... محاسنه في الناس كالنّوع في الجنس
يدير على القرطاس أنمل كفّه ... فيدرك أخفى الخطّ في أيسر اللّمس
فقال فريق: سحر بابل عنده ... وقال فريق: ليس هذا من الإنس
فقلت لهم لم تفهموا سرّ دركه ... على أنه للعقل أجلى من الشمس
ستكفه حبّ القلوب فأصبحت ... مداركها أجفان أنمله الخمس
وفاته: استقدمه المأمون «1» على حال وحشة، كانت بينه وبينه، فورد ورود الرّضا على مرّاكش في شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة. وتوفي في ذي قعدة بعده «2» ، ودفن بجبانة الشيوخ مع أخيه عبد الله وقرنائهما، رحم الله جميعهم.
انتهى السفر التاسع بحمد الله
*** ومن السفر العاشر العمال الأثرا في هذا الحرف
عبد الرحمن بن أسباط
الكاتب المنجب، كاتب أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين.
حاله: لحق به بالعدوة، فاتّصل بخدمته، وأغراه بالأندلس، إذ ألقى إليه أمورها على صورتها، حتى كان ما فرغ الله، عزّ وجلّ، من استيلائه على ممالكها، وخلعه لرؤسائها. وكان عبد الرحمن، قبل اتصاله به، مقدورا عليه في رزقه، يتحرّف بالنّسخ، ولم يكن حسن الخطّ، ولا معرّب اللفظ، إلى أن تسيّر للكتابة في باب
(3/399)

الدّيوان بألمريّة، ورأى خلال ذلك، في نومه، شخصا يوقظه، ويقول له: قم يا صاحب ربع الدّنيا، وقصّ رؤياه على صاحب له بمثواه، فبشّره، فطلب من ذلك الحين السّموّ بنفسه، فأجاز البحر، وتعلّق بحاشية الحرّة العليا زينب «1» ، فاستكتبته، فلمّا توفّيت الحرّة، أقرّه أمير المسلمين كاتبا، فنال ما شاء مما ترتمي إليه الهمم جاها ومالا وشهرة. وكان رجلا حصيفا، سكونا، عاقلا، مجدي الجاه، حسن الوساطة، شهير المكانة.
وفاته: توفي فجأة بمدينة سبتة، في عام سبعة وثمانين وأربعمائة. وتقلّد الكتابة بعده أبو بكر بن القصيرة. ذكره ابن الصّيرفي.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري «2»
وتكرر مالك في نسبه.
أوليته: قالوا: من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي، يكنى أبا محمد.
حاله: كان «3» أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصّنائع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، وأخلاق السادة الكرام «4» . لم ير بعده مثله في رجال «5» الأندلس، ذاكرا للفقه والحديث، بارعا في الأدب «6» ، شاعرا مجيدا وكاتبا بليغا، حلو الكتابة والشعر، هشّا مع وقار، ليّنا على مضاء، عالي الهمّة، كثير الخدم والأهل «7» .
من آثاره الماثلة إلى اليوم الحمّام، بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناءه «8» أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع وخمسمائة. وشرع في الزّيادة في سقف
(3/400)

الجامع من صحنه سنة ست عشرة، وعوّض أرجل قسيّه أعمدة الرخام، وجلب الرّءوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذّان الصّخيرة «1» . ومن مكارمه أنه لمّا ولّي مستخلص غرناطة وإشبيلية، وجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، وإصلاح خللها، فلمّا استوفى الغاية فيها قلّده، واستصحب جملة من ماله لمؤنته المختصّة به، فلما احتلّها سأل قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله وقلّ تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، ووسّع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله. وصدر عنها وقد أنعش خلقا كثيرا.
شعره: من قوله في مجلس أطربه سماعه، وبسطه احتشاد الأنس فيه واجتماعه «2» : [الخفيف]
لا تلمني إذا طربت لشجو «3» ... يبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شقّ الجيوب حقّا علينا ... إنما الحقّ «4» أن تشقّ القلوب
وقال، وقد قطف غلام من غلمانه نوّارة، ومدّ بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله «5» ، فقال أبو نصر «6» : [الطويل]
وبدر بدا والطّرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النّور كوكب
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
فقال أبو محمد بن مالك «7» : [الطويل]
ويحسد «8» منه الغصن أيّ مهفهف ... يجيء على مثل الكئيب ويذهب
(3/401)

نثره: قال أبو نصر «1» : كتبت إليه مودّعا، فكتب «2» إليّ مستدعيا، وأخبرني رسوله «3» أنه لما قرأ الكتاب وضعه، وما سوّى ولا فكّر ولا روى:
يا سيدي، جرت الأيام «4» بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك «5» ، فغيرك روّع بالظّعن، وأوقد للوداع جاحم «6» الشّجن، فأنت «7» من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقرّ «8» على وطن، كأنّك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه، موكّل بفضاء الأرض تذرعه «9» ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدّك «10» من العواري السّريعة الارتجاع «11» ، فلا يأسف على قلّة الثّوا «12» ، وينشد:
[الطويل]
وفارقت حتى ما أبالي من النّوى
وفاته: اعتلّ «13» بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علّته بها، وتوفي، رحمه الله، بها في غرّة شعبان سنة ثماني «14» عشرة وخمسمائة، ودفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، وحضر جنازته الخاصة والعامة.
من رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، رحمه الله، فقال:
[الكامل]
إن كنت تشفق من نزوح نواه ... فهناك مقبرة وذا مثواه
قسّم زمانك عبرة أو عبرة ... وأحل تشوّقه على ذكراه
(3/402)

وأعدده ما امتدّت حياتك غائبا ... أو عاتبا إن لم تزر زرناه
أو نائما غلبت عليه رقدة ... لمسهد لم تغتمض عيناه
أو كوكبا سرت الرّكاب بنوره ... فمضى وبلّغنا المحلّ سناه
فمتى تبعد والنفوس تزوره ... ومتى تغيب والقلوب تراه
يا واحدا عدل الجميع وأصلحت ... دنيا الجميع ودينهم دنياه
طالت أذاتك بالحياء كرامة ... والله يكرم عبده بأذاه
لشهادة التّوحيد بين لسانه ... وجنانه نور يرى مسراه
وبوجهه «1» سيما أغرّ محجّل ... مهما بدا لم تلتبس سيماه
وكأنما هو في الحياة سكينة ... لولا اهتزاز في النّدى يغشاه
وكأنّه لحظ العفاة توجّعا ... فتلازمت فوق الفؤاد يداه
أبدى رضى الرحمن عنك ثناؤهم ... إنّ الثّناء علامة لرضاه
يا ذا الذي شغف القلوب به ... وذا لا ترتجيه وذاك لا تخشاه
ما ذاك إلّا أنه فرع زكا ... وسع الجميع بظلّه وحناه
فاليوم أودى كلّ من أحببته ... ونعى إلى النفس من ينعاه
ماذا يؤمل في دمشق مسهد ... قد كنت ناظره وكنت تراه؟
يعتاد قبرك للبكا أسفا بما ... قد كان أضحكه الذي أبكاه
يا تربة حلّ الوزير ضريحها ... سقاك بل صلّى عليك الله
وسرى إليك ومنك ذكر ساطع ... كالمسك عاطرة به الأفواه
عبد الرحمن بن عبد الملك الينشتي «2»
يكنى أبا بكر، أصله من مدينة باغة «3» ، ونشأ بلوشة، وهو محسوب من الغرناطيين.
حاله: كان شيخا يبدو على مخيّلته النّبل والدّهاء، مع قصور أدواته. ينتحل النّظم والنثر في أراجيز يتوصّل بها إلى غرضه من التصرّف في العمل.
(3/403)

وجرى ذكره «في التّاج المحلّى» وغيره بما نصه «1» : قارض «2» هاج، مداهن مداج، أخبث من نظر من طرف خفي، وأغدر من تلبّس بشعار وفي، إلى مكيدة مبثوتة الحبائل، وإغراء يقطع بين الشعوب والقبائل، من شيوخ طريقة العمل، المتقلّبين من أحوالها بين الصّحو والثّمل، المتعلّلين برسومها حين اختلط المرعيّ والهمل «3» . وهو ناظم أرجاز، ومستعمل حقيقة ومجاز. نظم مختصر السّيرة، في الألفاظ اليسيرة، ونظم رجزا في الزّجر والفال، نبّه به تلك الطريقة بعد الإغفال. فمن نظمه ما خاطبني به مستدعيا إلى إعذار ولده «4» : [البسيط]
أريد من سيدي الأعلى تكلّفه ... على «5» الوصول إلى داري صباح غد
يزيدني شرفا منه ويبصر لي ... صناعة القاطع الحجّام في ولدي
فأجبته: [البسيط]
يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي ... وذا الوسيلة من أهل ومن بلد «6»
دعوت في يوم الاثنين الصّحاب ضحى ... وفيه ما ليس في بيت «7» ولا أحد
يوم السّلام على المولى وخدمته ... فاصفح وإن عثرت رجلي فخذ بيدي
والعذر أوضح من نار على علم ... فعدّ إن غبت عن لوم وعن فند «8»
بقيت في ظلّ عيش لا نفاد له ... مصاحبا غير محصور إلى أمد
ومنه أيضا: [الكامل]
قل لابن سيّد والديه: لقد علا ... وتجاوز المقدار فيما يفخر
ما ساد والده فيحمد أمره ... إلّا صغير العنز حتى يكبر
وصدرت عنه مقطوعات في غير هذا المعنى، ممّا عذب به المجنى، منها قوله «9» : [الكامل]
إنّ الولاية رفعة لكنها ... أبدا إذا حقّقتها تتنقّل «10»
(3/404)

فانظر فضائل من مضى من أهلها ... تجد الفضائل كلّها لا تعزل
وقال: [الطويل]
هنيّا أبا إسحاق دمت موفّقا ... سعيدا قرير العين بالعرس والعرس
فأنت كمثل البدر في الحسن والتي ... تملّكتها في الحسن أسنى من الشمس
وقالوا: عجيب نور بدرين ظاهر ... فقلت: نعم إنّ ألف الجنس للجنس
وكتب إليّ: [الطويل]
إذا ضاق ذرعي بالزّمان شكوته ... لمولاي من آل الخطيب فينفرج
هو العدّة العظمى هو السيّد الذي ... بأوصافه الحسنى المكارم تبتهح
وزير علا ذاتا وقدرا ومنصبا ... فمن دونه أعلا الكواكب يندرج
وفي بابه نلت الأماني وقادني ... دليل رشادي حيث رافقني الفرج
فلا زال في سعد وعزّ ونعمة ... تصان به الأموال والأهل والمهج
وفاته: توفي في الطاعون عام خمسين وسبعمائة بغرناطة.
وفي سائر الأسماء التي بمعنى عبد الله وعبد الرحمن، وأولاد الأمراء:
عبد الأعلى بن موسى بن نصير مولى لخم «1»
أوليته: أبوه المنسوب إليه فتح الأندلس، ومحلّه من الدّين والشهرة وعظم الصّيت معروف.
حاله: كان عبد الأعلى أميرا على سنن أبيه في الفضل والدين، وهو الذي باشر فتح غرناطة ومالقة، واستحقّ الذكر لذلك. قال الرّازي «2» : وكان موسى بن نصير قد أخرج ابنه عبد الأعلى فيمن رتّبه من الرجال إلى إلبيرة وتدمير؛ لفتحها، ومضى إلى إلبيرة ففتحها، وضمّ بها إلى غرناطة اليهود مستظهرا بهم على النّصر، ثم مضى إلى كورة ريّه، ففتحها.
(3/405)

عبد الحليم بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ابن محيو
يكنى أبا محمد، أوّليته معروفة.
وفسد ما بين أبيه وبين جدّه، أمير المسلمين، بما أوجب انتباذه إلى سكنى مدينة سجلماسة، معزّزة له ألقاب السلطان بها، مدوّخا ما بأحوازها من أماكن الرئاسة، منسوبة إليه بها الآثار، كالسّدّ الكبير الشهير، وقصور الملك. فلمّا نزل عنها على حكم أخيه أمير المسلمين أبي الحسن، وأمضى قتلته بالفصاد، نشأ ولده، وهم عدّة بباب عمّهم، يسعهم رفده، ويقودهم ولده، ثم جلاهم إلى الأندلس ابنه السلطان أبو عنان، عندما تصيّر الأمر إليه، فاستقرّوا بغرناطة تحت برّ وجراية، قلقا بمكانهم من جلاهم ومن بعده، لإشارة عيون التّرشيح إليهم، مغازلة من كثب، وقعودهم بحيث تعثر فيهم المظنّة، إلى أن كان من أمرهم ما هو معروف.
حاله: هذا الرجل من أهل الخير والعفاف والصّيانة ودمث الخلق وحسن المداراة، يألف أهل الفضل، خاطب للرّتبة بكل جهد وحيلة، وسدّ عنه باب الأطماع. حذّر من كان له الأمر بالأندلس من لدن وصوله؛ كي لا تختلف أحوال هذا الوطن في صرف وجوه أهله إلى غزو عدو الملّة، ومحوّلي القبلة، وإعراضهم عن الإغماض في الفتنة المسلمة، وربما يميت عنهم الحركات والهموم، فثقّفوا من فيها عليهم، إلى أن تبرأ ساحتهم ويظن به السكون. فلمّا دالت الدولة، وكانت للأخابث الكرّة، واستقرّت بيد الرئيس الغادر الكرّة، وكان ما تقدّم الإلماع به من عمل السلطان أبي سالم، ملك المغرب، على إجازة السلطان، وليّ ملك الأندلس، المزعج عنها بعلّة البغي، ذهب الدّايل الأخرق إلى المقارضة، فعندما استقرّ السلطان أبو عبد الله بجبل الفتح، حاول إجازة الأمير عبد الحليم إلى تلمسان بعد مفاوضة، فكان ذلك في أخريات ذي قعدة، وقد قضي الأمر في السلطان أبي سالم، وانحلّت العقدة، وانتكثت المريرة، وولّى الناس الرجل المعتوه، وفد إلى تلمسان من لم يرض محلّه من الإدالة، ولا قويت نفسه على العوض، ولا صابرت غضّ المخافة، وحرّك ذلك من عزمه، وقد أنجده السلطان مستدعيه بما في طوقه. ولما اتصل خبره بالقائم بالأمر بفاس، ومعمل التدبير على سلطانه، أعمل النظر فيهم؛ زعموا بتسليم الأمر، ثم حذّر من لحق به من أضداده، فصمّم على الحصار، واستراب بالقبيل المريني، وأكثف الحجاب دونهم بما يحرّك أنفتهم، فنفروا عنه بواحدة أول عام ثلاثة وستين وسبعمائة، واتفق رأيهم على الأمير عبد الحليم، فتوجّهت إليه
(3/406)

وجوههم اتّفاقا، وانثالوا عليه اضطرارا، ونازل البلد الجديد، دار الملك من مدينة فاس، يوم السبت السادس لشهر المحرم من العام. واضطربت المحلّات بظاهره، وخرج إليه أهل المدينة القدمى، فأخذ بيعتهم، وخاطب الجهات، فألقت إليه قواعدها باليد، ووصلت إليه مخاطباتها.
ومن ذلك ما خوطب به من مدينة سلا، وأنا يومئذ بها: [الخفيف]
يا إمام الهدى، وأيّ إمام ... أوضح الحقّ بعد إخفاء رسمه
أنت عبد الحليم حلمك نرجو ... فالمسمّى له نصيب من اسمه
وسلك مسلكا حسنا في الناس، وفسح الآمال، وأجمل اللقاء، وتحمّل الجفاء، واستفزّ الخاصة بجميل التأتّي وأخذ العفو، والتّظاهر بإقامة رسوم الدّيانة، وحارب البلد المحصور في يوم السبت الثالث عشر لشهر الله المحرم المذكور، كانت الملاقاة التي برز فيها وزير الملك ومدير رحاه بمن اشتملت عليه البلدة من الرّوم والجند الرّحل، واستكثر من آلات الظهور وعدد التّهويل، فكانت بين الفريقين حرب مرّة تولّى كبرها النّاشبة، فأرسلت على القوم حواصب النّبل، غارت لها الخيل، واقشعرّت الوجوه، وتقهقرت المواكب. وعندها برز السلطان المعتوه، مصاحبة له نسمة الإقدام، وتهوّر الشجاعة عند مفارقة الخلال الصّحيّة، وتوالت الشدات، وتكالبت الطّائفة المحصورة، فتمرّست بأختها، ووقعت الهزيمة ضحوة اليوم المذكور على قبيل بني مرين ومن لفّ لفّهم، فصرفوا الوجوه إلى مدينة تازي، واستقرّ بها سلطانهم، ودخلت مكناسة في أمرهم، وضاق ذرع فاس للملك بهم، إلى أن وصل الأمير المستدعى، طيّة الصبر، وأجدى دفع الدّين، ودخل البلد في يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر من العام. وكان اللقاء بين جيش السلطان، لنظر الوزير، مطعم الإمهال ومعوّد الصّنع. وبين جيش بني مرين، لنظر الأخ عبد المؤمن ابن السلطان أبي علي، فرحل القوم من مكناسة، وفرّ عنهم الكثير من الأولياء، وأخلوا العرصة، واستقرّوا أخيرا ببلد أبيهم سجلماسة، فكانت بين القوم مهادنة.
وعلى أثرها تعصّب للأخ عبد المؤمن معظم عرب الجهة، وقد برز إليهم في شأن استخلاص الجبابة، فرجعوا به إلى سجلماسة. وخرج لمدافعتهم الأمير عبد الحليم، بمن معه من أشياخ قبيله والعرب أولى مظاهر، فكانت بينهم حرب أجلت عن هزيمة الأمير عبد الحليم، واستلحم للسّيف جملة من المشاهير، كالشيخ الخاطب في حبله، خدن النّكر وقادح زند الفتنة، الدّاين بالحمل على الدول على التفصيل والجملة، المعتمد بالمغرب بالرأي والمشورة، يحيى بن رحّو بن مسطى وغيره.
وأذعن عبد الحليم بعدها للخلع، وخرج عن الأمر لأخيه، وأبقي عليه، وتحرّج من
(3/407)

قتله، وتعرّف لهذا الوقت صرفه عنه إلى الأرض الحجازية على صحراء القبلة، فانتهى أمره إلى هذه الغاية.
دخوله غرناطة: قدم على الحضرة مع الجملة من إخوته وبني عمّه في ... «1» .
جلاهم السلطان أبو عنان عندما تصيّر له الأمر، فاستقرّوا بها، يناهز عبد الحليم منهم بلوغ أشدّه.
وفاته: وتوفي ... «2» وستين وسبعمائة.
عبد المؤمن بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ابن محيو
أخو الأمير عبد الحليم، يكنى أبا محمد.
حاله: كان رجلا وقورا، سكونا، نحيفا، آية الله في جمود الكفّ، وإيثار المسك، قليل المداخلة للناس، مشتغلا بما يغنيه من خويصة نفسه، موصوفا ببسالة وإقدام، حسن الهيئة. دخل الأندلس مع أخيه، وعلى رسمه، وتحرّك معه وابن أخ لهما، فتولّى كثيرا من أمره، ولقي الهول دونه. ولمّا استقرّوا بسجلماسة، كان ما تقرّر من توبته على أمره، والعمل على خلعه، معتذرا، زعموا إليه، موفيا حقّه، موجبا تجلّته إلى حين انصرافه، ووصل الأندلس خطابه يعرّف بذلك بما نصّه في المدرجة.
ولم ينشب أن أحسّ بحركة جيش السلطان بفاس إليه، فخاطب عميد الهساكره «3» ، عامر بن محمد الهنتاتي، وعرض نفسه عليه، فاستدعاه، وبذل له أمانا.
ولما تحصّل عنده، قبض عليه وثقّفه، وشدّ عليه يده، وحصل على طلبه دهيّة من التّوعّد بمكانه، واتخاذ اليد عند السلطان بكفّ عاديته إلى هذا التاريخ.
ومن الأفراد أيضا في هذا الحرف وهم طارؤون
عبد الحق بن علي بن عثمان بن أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق
الأمير المخاف بعد أبيه أمير المسلمين أبي الحسن بمدينة الجزائر، بعد ما توجّه إلى المغرب، وجرت عليه الهزيمة من بني زيّان.
(3/408)

حاله: كان صبيّا ظاهر السكون والأدب، في سنّ المراهقة، لم ينشب أن نازله جيش عدوّه. ومالأه أهل البلد، وأخذ من معه لأنفسهم وله الأمان، فنزل عنها ولحق بالأندلس. قال في كتاب «طرفة العصر» : وفي ليلة العاشر من شهر ربيع الأول اثنين وخمسين وسبعمائة، اتّصل الخبر من جهة الساحل، بنزول الأمير عبد الحق ابن أمير المسلمين أبي الحسن ومن معه، بساحل شلوبانية «1» ، مفلتين من دهق الشّدة، بما كان من منازلة جيش بني زيّان مدينة الجزائر، وقيام أهلها بدعوتهم، لما سموه من المطاولة، ونهكهم من الفتنة، وامتنع الأمير ومن معه بقصبتها، وأخذوا لأنفسهم عهدا، فنزلوا وركبوا البحر، فرافقتهم السّلامة، وشملهم ستر العصمة. ولحين اتصل بالسلطان خبره، بادر إليه بمركبين ثقيلي الحلية، وما يناسب ذلك من بزّة، وعجّل من خدامه بمن يقوم ببرّه، وأصحبه إلى منزل كرامته. ولرابع يوم من وصوله كان قدومه، وبرز له السلطان بروزا فخما، ونزل له، قارضا إياه أحسن القرض؛ بما أسلفه من يد، وأسداه من طول. وأقام ضيفا في جواره، إلى أن استدعاه أخوه ملك المغرب، فانصرف عن رضى منه، ولم ينشب أن هلك مغتالا في جملة أرداهم الترشيح.
عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني «2»
يكنى أبا ملك «3» . وبيته في الموحّدين الملوك بتونس. وأبوه سلطان إفريقية، المترقّي إليها من رتبة الشّياخة الموحدية.
حاله: كان رجلا طوالا نحيفا، فاضلا حسيبا، مقيما للرّسوم الحسبيّة، حسن العشرة، معتدل الطّريقة. نشأ بالبلاد المشرقية، ثم اتصل بوطنه إفريقية، وتقلّد الإمارة بها برهة يسيرة، ثم فرّ عنها ولحق بالمغرب، وجاز إلى الأندلس، وقدم على سلطانها، فرحّب به، وقابله بالبرّ، ونوّه محلّه، وأطلق جرايته، ثم ارتحل أدراجه إلى العدوة، ووقعت بيني وبينه صحبة، وأنشدته عند وداعه «4» : [المتقارب]
أبا ملك، أنت نجل الملوك ... غيوث النّدى وليوث النزال
ومثلك يرتاح للمكرمات ... وما لك بين الورى من مثال
(3/409)

عزيز بأنفسنا أن نرى ... ركابك مؤذنة بارتحال
وقد خبرت منك خلقا كريما ... أناف على درجات الكمال
وفازت لديك بساعات أنس ... كما زار في النّوم «1» طيف الخيال
فلولا «2» تعلّلنا أننا ... نزورك فوق بساط الجلال
ونبلغ فيك الذي نشتهي «3» ... وذاك على الله سهل «4» المنال
لما فترت أنفس من أسى ... ولا برحت أدمع في انهمال
تلقّتك حيث احتللت السّعود ... وكان لك الله في «5» كلّ حال
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبرا
عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا إدريس، شيخ الغزاة بالأندلس.
حاله: كان شجاعا عفيفا تقيّا، وقورا جلدا، معروف الحقّ، بعيد الصّيت. نازع الأمر قومه بالمغرب، وانتزى بمدينة تازي، على السلطان أبي الرّبيع، وأخذ بها البيعة لنفسه. ثم ضاق ذرعه، فعبر فيمن معه إلى تلمسان. ولما هلك أبو الربيع، وولي السلطان أبو سعيد، قدّم للكتب في شأنه إلى سلطان الأندلس، وقد تعرّف عزمه على اللحاق، ولم ينشب أن لحق بألمرية من تلمسان، فثقّف بها؛ قضاء لحقّ من خاطب في شأنه. ثم بدا للسلطان في أمره، فأوعز لرقبائه في الغفلة عنه، وفرّ فلحق ببلاد النصري «6» فأقام بها، إلى أن كانت الوقيعة بالسلطان بغرناطة، بأحواز قرية العطشا على يد طالب الملك أمير المسلمين أبي الوليد، وأسر يومئذ شيخ الغزاة حمّو بن عبد الحق، وترجّح الرأي في إطلاقه وصرفه، إعلانا للتّهديد، فنجحت الحيلة، وعزل عن الخطّة، واستدعي عبد الحق هذا إليها، فوصل غرناطة، وقدّم شيخا على الغزاة.
ولما تغلّب السلطان أبو الوليد على الأمر، واستوسق له، وكان ممن شمله أمانه، فأقرّه مرءوسا بالشيخ أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء برهة. ثم لحق بأميره المخلوع
(3/410)

نصر، المستقرّ موادعا بوادي آش، وأوقع بجيش المسلمين مظاهر الطاغية، الوقيعة الشّنيعة بقرمونة، وأقام لديه مدّة. ثم لحق بأرض النّصري، وأجاز البحر إلى سبتة، مظاهرا لأميرها أبي عمرو يحيى بن أبي طالب العزفي، وقد كشف القناع في منابذة طاعة السلطان، ملك المغرب، وكان أملك لما بيده، وأتيح له ظفر عظيم على الجيش المضيّق على سبتة، فبيّته وهزمه. وتخلّص له ولده، الكائن بمضرب أمير الجيش في بيت من الخشب رهينة، فصرف عليه، فما شئت من ذياع شهرة، وبعد صيت، وكرم أحدوثة. ثم بدا له في التّحول إلى تلمسان، فانتقل إليها، وأقام في إيالة ملكها عبد الرحمن بن موسى بن تاشفين إلى آخر عمره.
وفاته: توفي يوم دخول مدينة تلمسان عنوة، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة، قتل على باب منزله، يدافع عن نفسه، وعلى ذلك فلم يشهر عنه يومئذ كبير غناء، وكوّر واستلحم، وحزّ رأسه. وكان أسوة أميرها في المحيا والممات، رحم الله جميعهم، فانتقل بانتقاله وقتل بمقتله. وكان أيضا علما من أعلام الحروب، ومثلا في الأبطال، وليثا من ليوث النّزال.
عبد الملك بن علي بن هذيل الفزاري وعبد الله أخوه «1»
حالهما: قال ابن مسعدة: أبو محمد وأبو مروان تولّيا خطّة الوزارة في الدولة الحبّوسية «2» ، ثم تولّيا القيادة بثغور الأندلس، وقهرا ما جاورهما من العدوّ، وغلباه، وسقياه كأس المنايا، وجرّعاه. ولم يزالا قائمين على ذلك، ظاهرين علمين، إلى أن استشهدا، رحمهما الله.
عبد القهار بن مفرج بن عبد القهار بن هذيل الفزاري
حاله: قال ابن مسعدة: كان بارع الأدب، شاعرا، نحويا، لغويا، كاتبا متوقّد الذهن، عنده معرفة بالطّب، ثم اعتزل الناس، وانقبض، وقصد سكنى البشارات «3» ؛ لينفرد بها، ويخفي نفسه؛ فرارا من الخدمة، فتهيّأ له المراد.
(3/411)

شعره: وكان شاعرا جيّد القريحة سريع الخاطر، ومن شعره: [السريع]
يا صاح، لا تعرض لزوجيّة ... كلّ البلا من أجلها يعتري
الفقر والذّلّ وطول الأسى ... لست بما أذكره مفتري
ما في فم المرأة شيء سوى ... اشتر لي واشتر لي واشتر
القضاة الفضلاء وأولا الأصليون
عبد الحق بن غالب بن عطية بن عبد الرحمن بن غالب ابن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد ابن عطية بن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكتوم المحاربي «1»
أوليته: من ولد زيد بن محارب بن عطيّة، نزل جدّه عطية بن خفاف بقرية قسلة من زاوية غرناطة، فأنسل كثيرا ممن له خطر، وفيه فضل.
حاله: كان «2» عبد الحق فقيها، عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو والأدب واللغة، مقيّدا حسن التّقييد، له نظم ونثر، ولّي القضاء بمدينة ألمريّة في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكان غاية في الدّهاء والذكاء، والتّهمّم بالعلم، سريّ الهمّة في اقتناء الكتب. توخّى الحق، وعدل في الحكم، وأعزّ الخطّة.
مشيخته: روى «3» عن الحافظ أبيه، وأبوي علي الغسّاني والصّدفي، وأبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع، وأبي المطرّف الشعبي، وأبي الحسين بن البيّان، وأبي القاسم بن الحصّار المقري، وغيرهم.
تواليفه: ألّف كتابه المسمى ب «الوجيز في التفسير» فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيّته كل مطار. وألف برنامجا ضمنه مرويّاته، وأسماء شيوخه، وجرز وأجاد.
(3/412)

شعره: قال الملّاحي: ما حدّثني به غير واحد من أشياخه عنه، قوله «1» :
[البسيط]
وليلة جبت فيها الجزع «2» مرتديا ... بالسّيف أسحب أذيالا من الظّلم
والنّجم حيران في بحر الدّجا غرق ... والبدر «3» في طيلسان اللّيل كالعلم
كأنما اللّيل زنجيّ بكاهله ... جرح فيثعب «4» أحيانا له بدم
وقال يندب عهد شبابه «5» : [البسيط]
سقيا لعهد شباب ظلت أمرح في ... ريعانه وليالي العيش أسحار
أيام روض الصّبا لم تذو أغصنه ... ورونق العمر غضّ والهوى جار «6»
والنّفس تركض في تضمين ثرّتها ... طرفا له في زمان اللهو إحضار «7»
عهدا كريما لبسنا منه «8» أردية ... كانت عيونا ومحّت «9» فهي آثار
(3/413)

مضى وأبقى بقلبي منه نار أسى ... كوني سلاما وبردا «1» فيه يا نار
أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ... ليل الشباب لصبح الشّيب إسفار «2»
ونازعتني الليالي وانثنت كسرا «3» ... عن ضيغم ما له ناب وأظفار
إلّا «4» سلاح خلال أخلصت فلها ... في منهل المجد إيراد وإصدار
أصبو إلى روض عيش روضه خضل «5» ... أو ينثني بي عن اللّقاء «6» إقصار
إذا فعطّلت «7» كفّي من شبا قلم ... آثاره في رياض العلم أزهار
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن أبي جمرة، وأبو محمد بن عبد الله، وأبو القاسم بن حبيش، وأبو جعفر بن مضاء، وأبو محمد عبد المنعم، وأبو جعفر بن حكم، وغيرهم.
مولده: ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وفاته: توفي في الخامس والعشرين لشهر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة بمدينة لورقة «8» . قصد مرسية «9» يتولّى قضاءها، فصدّ عنها، وصرف منها إلى لورقة، اعتداء عليه.
(3/414)

عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن فرج الخزرجي «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن الفرس، وقد تقدم ذكر طائفة من أهل بيته.
حاله: كان حافظا جليلا، فقيها، عارفا بالنحو واللغة، كاتبا بارعا، شاعرا مطبوعا، شهير الذكر، عالي الصّيت. ولّي القضاء بمدينة شقر، ثم بمدينة وادي آش، ثم بجيّان، ثم بغرناطة، ثم عزل عنها، ثم وليها الولاية التي كان من مضمن ظهيره بها قول المنصور «2» له: أقول لك ما قاله موسى، عليه السلام، لأخيه هارون:
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
«3» ، وجعل إليه النظر في الحسبة، والشّرطة، وغير ذلك، فكان إليه النظر في الدّماء فما دونها، ولم يكن يقطع أمر دونه ببلده وما يرجع إليه.
وقال ابن عبد الملك: كان «4» من بيت علم وجلالة، مستبحرا في فنون المعارف على تفاريقها، متحقّقا بها، نافذا فيها، ذكيّ القلب، حافظا للفقه. استظهر أوان طلبه الكتابين «5» : المدوّنة، وكتاب سيبويه وغيرهما، وعني به أبوه وجدّه عناية تامة. وقال أبو الربيع بن سالم «6» : سمعت أبا بكر بن الجدّ، وحسبك به «7» شاهدا، يقول غير ما «8» مرة: ما أعلم بالأندلس أحفظ لمذهب مالك من عبد المنعم بن الفرس، بعد أبي عبد الله بن زرقون.
مشيخته: روى «9» عن أبيه الحافظ أبي عبد الله، وعن جدّه أبي القاسم، سمع عليهما وقرأ، وعن أبي بكر بن النّفيس، وأبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة، وأبي محمد عبد الجبار بن موسى الجذامي، وأبي عامر محمد بن أحمد
(3/415)

الشّلبي، وأبي العباس أحمد وأخيه أبي الحسن، ابني زيادة الله. هذه جملة من لقي من الشيوخ وشافهه وسمع منه، وأجاز له من غير لقاء، وبعضهم باللّقاء من غير قراءة؛ ابن ورد، وابن بقي، وأبو عبد الله بن سليمان التونسي، وأبو جعفر بن قبلال، وأبو الحسن بن الباذش، ويونس بن مغيث، وابن معمّر، وشريح، وابن الوحيدي، وأبو عبد الله بن صاف، والرّشاطي، والحميري، وابن وضّاح، وابن موهب، وأبو مروان الباجي، وأبو العباس بن خلف بن عيشون، وأبو بكر بن طاهر، وجعفر بن مكّي، وابن العربي، ومساعد بن أحمد بن مساعد، وعبد الحق بن عطية، وأبو مروان بن قزمان، وابن أبي الخصال، وعياض بن موسى، والمازري، وغيرهم.
تواليفه: ألّف عدة تواليف، منها «كتاب الأحكام» «1» ، ألّفه وهو ابن خمسة وعشرين عاما، فاستوفى ووفّى، واختصر الأحكام السلطانية، وكتاب النّسب لأبي عبيد بن سلام، وناسخ القرآن ومنسوخه لابن شاهين، وكتاب المحتسب لابن جنّي.
وألّف كتابا في المسائل التي اختلف فيها النحويون من أهل البصرة والكوفة، وكتابا في صناعة الجدل، وردّ على ابن غرسيّة في رسالته في تفضيل العجم على العرب.
وكتب بخطه من كتب العربية واللغة والأدب والطب وغير ذلك.
من روى عنه: حدّث «2» عنه الحافظ أبو محمد القرطبي، وأبو علي الرّندي، وابنا حوط الله، وأبو الربيع بن سالم، والجمّ الغفير.
شعره: [الطويل]
أبى ما بقلبي اليوم أن يتكتّما ... وحسبك بالدمع السّفوح مترجما
وأعجب به من أخرس بات مفصحا ... يبيّن للواشين ما كان مبهما
فكم عبرة في نهر شقر بعثتها ... سباقا فأمسى النهر مختضبا دما
يرجع ترجيع الأنين اضطراره ... كشكوى الجريح للجريح تألّما
كملن بصحبي فوقه «3» الدّمع ناثر ... شقائق نعمان على متن أرقما
ولله ليل قد لبست ظلامه ... رداء «4» بأنوار النجوم منمنما
(3/416)

أناوح فيه الورق فوق غصونها ... فكم أورق منهنّ قد باب معجما
وما لي إلّا الفرقدين «1» مصاحب ... ويا بعد حالي في الصّبابة منهما
أبيت شتيت الشّمل والشّمل فيهما ... جميع كما أبصرت عقدا منظّما
فيا قاصدا تدمير، عرّج مصافحا ... نسائلك «2» رسما بالعقيق ومعلما
وأعلم بأبواب السلام صبابتي ... كما كان عرف المسك بالمسك علّما
وإن طفت في تلك الأجارع لا تضع ... بحقّ هواها إن «3» تلمّ مسلّما
وما ضرّها لو جاذبت ظبية النّقا ... فضول رداء قد تغشّته معلما
فيثني قضيبا أثمر البدر مائسا ... بحقف مسيل لفّه السّيل مظلما
وما كنت إلّا البدر وافى غمامة ... فما لاح حتى غاب فيها مغيّما
وما ذاك من هجر ولكن لشقوة ... أبت أن يكون الوصل منها متمّما
فيا ليتني أصبحت في الشّعر لفظة ... تردّدني مهما أردت تفهّما
ولله ما أذكى نسيمك نفحة ... أأنت أعرت الرّوض «4» طيبا تنسّما؟
ولله ما أشفى لقاءك «5» للجوى ... كأنّك قد أصبحت عيسى ابن مريما
وما الرّاح بالماء القراح مشوبة ... بأطيب من ذكراك إن خامرت فما
فما لي وللأيام قد كان شملنا ... جميعا فأضحى في يديها مقسّما
ولمّا «6» جنيت الطّيب من شهد وصلها ... جنيت من التّبديد للوصل علقما
وقد ذقت طعم البين حتى كأنني ... لألفة من أهواه ما ذقت مطعما
فمن لفؤاد شطره حازه الهوى ... وشطر لإحراز الثّواب مسلّما
ويا ليت أنّ الدّار حان مزارها ... فلو صحّ قرب الدار أدركت مغنما
ولو صحّ قرب الدار لي لجعلته ... إلى مرتقى السّلوان والصّبر سلّما
فقد طال ما ناديت سرّا وجهرة ... عسى وطن يدنو بهم ولعلّما؟
(3/417)

ومن شعره: [الطويل]
سلام على من شفّني بعد داره ... وأصبحت مشغوفا بقرب مزاره
ومن هو في عيني ألذّ من الكرى ... وفي النفس أشهى من أمان المكاره
سلام عليه كلّما ذرّ شارق ... ينمّ كعرف الزّهر غبّ فطاره
لعمرك ما أخشى غداة وداعنا ... وقد سعرت في القلب شعلة ناره
وسال على الخدّين دمع كأنه ... بقيّة ظلّ الروض «1» في جلّناره
وعانقت منه غصن بان منعّما ... ولا حظت منه الصّبح عند اشتهاره
وأصبحت في أرض وقلبي بغيرها ... وما حال مسلوب الفؤاد مكاره
نأى وجه من أهوى فأظلم أفقه ... وقد غاب عن عينيه شمس نهاره
سل البرق عن شوقي يخبّرك بالذي ... ألاقيه من برح الهوى وأواره
وهل هو إلّا نار وجدي وكلّما ... تنفّست عمّ الجوّ ضوء شراره
ومن شعره أيضا رحمة الله عليه: [مخلع البسيط]
اقرأ على شنجل «2» سلاما ... أطيب من عرفه نسيما
من مغرم القلب ليس ينسى ... منظره الرائق الوسيما
إذا رأى منظرا سواه ... عاف الجنى منه والشّميما
وإن أتى مشربا حميدا ... كان وإن راقه ذميما
وقف بنجد وقوف صبّ ... يستذكر الخدن والحميما
واندب أراكا بشعب رضوى ... قد رجعت بعدنا مشيما
واذكر شبابا مضى سريعا ... أصبحت من بعده سقيما
هيهات ولّى وجاء شيب ... وكيف للقلب أن يهيما؟
ما يصلح الشّيب غير تقوى ... تحجب عن وجهه الجحيما
في كل يوم له ارتحال ... أعجب به ظاعنا مقيما
ما العمر إلّا لديه دين ... قد آن أن يقضي الغريما
(3/418)

فعد إلى توبة نصوح ... وارج إلها بنا رحيما
قد سبق الوعد منه حتى ... أطمع ذا الشّقوة النّعيما
مولده: في سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
وفاته: عصر يوم الأحد الرابع من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسمائة «1» . وشهد دفنه بباب إلبيرة الجمّ الغفير، وازدحم الناس على نعشه حتى حملوه على أكفّهم ومزّقوه. وأمر أن يكتب على قبره: [الطويل]
عليك سلام الله يا من يسلّم ... ورحمته ما زرتني تترحّم
أتحسبني وحدي نقلت إلى هنا؟ ... ستلحق بي عمّا قريب فتعلم
ألا قل «2» لمن يمسي لدنياه مؤثرا ... ويهمل أخراه ستشقى وتندم
فلا تفرحن إلّا بتقديم طاعة ... فذاك الذي ينجي غدا ويسلّم
ومن غير الأصلبين
عبد الحكيم بن الحسين بن عبد الملك بن يحيى ابن باسيو بن تادررت التّنمالي اليدرازتيني ثم الواغديني
أصله من تينملّل «3» ، من نظر مرّاكش، وانتقل جدّه عبد الملك مع الخليفة عبد المؤمن بن علي إلى إقليم بجاية. ونشأ عبد الملك ببجاية، وانتقل إلى تونس في حدود خمسة وثمانين. وورد أبو محمد الأندلس في حدود سبعمائة.
حاله: من تعريف شيخنا أبي البركات: كان من أهل المعرفة بالفقه وأصوله على طريقة المتأخرين. وكان مع ذلك، رجلا كريم النفس، صادق اللهجة، سليم الصدر، منصفا في المذاكرة. قلت: يجمع هذا الرجل إلى ما وصفه به، الأصالة ببلده إفريقية. وثبتّ اسمه في «عائد الصلة» بما نصّه: الشيخ الأستاذ القاضي، يكنى أبا محمد. كان، رحمه الله، من أهل العلم بالفقه، والقيام على الأصلين، صحيح
(3/419)

الباطن، سليم الصدر، من أهل الدين والعدالة والأصالة. بثّ في الأندلس علم أصول الفقه، وانتفع به. وتصرّف في القضاء في جهات.
مشيخته: منقولا من خطّ ولده الفقيه أبي عبد الله صاحبنا، الكاتب بالدار السلطانية: قرأ ببلده على الفقيه الصّدر أبي علي بن عنوان، والشيخ أبي الطاهر بن سرور، والإمام أبي علي ناصر الدين المشدالي، والشيخ أبي الشّمل جماعة الحلبي، والشيخ أبي الحجاج بن قسوم وغيرهم. ومن خط المحدّث أبي بكر بن الزيات:
يحمل عن أبي الطاهر بن سرور، وعن أبي إسحاق بن عبد الرفيع.
تواليفه: من تواليفه: «المعاني المبتكرة الفكرية، في ترتيب المعالم الفقهية» ، «والإيجاز، في دلالة المجاز» ، ونصرة الحق، وردّ الباغي في مسألة الصّدقة ببعض الأضحية، والكرّاس الموسوم «1» ب «المباحث البديعة، في مقتضى الأمر من الشريعة» .
مولده: ببجاية في أحد لجمادى الأولى من عام ثلاثة وستين وستمائة.
وفاته: وتوفي قاضيا بشالش يوم الجمعة، وهو الرابع عشر لجمادى الأولى من عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة. ودفن بجبانة باب إلبيرة بمقربة من قبر ولي الله أبي عبد الله التونسي. وكانت جنازته مشهورة.
ومن المقرئين والعلماء
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة ابن العباس بن مرداس السلمي «2»
أصله من قرية قورت، وقيل: حصن واط من خارج غرناطة، وبها نشأ وقرأ.
حاله: قال ابن عبد البر: كان جمّاعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيها، نحويا، عروضيا، شاعرا، نسّابة، أخباريا. وكان أكثر من يختلف إليه الملوك
(3/420)

وأبناؤهم. قال ابن مخلوف: كان يأتي إلى معالي الأمور. وقال غيره: رأيته يخرج من الجامع، وخلفه نحو من ثلاثمائة، بين طالب حديث، وفرائض، وفقه، وإعراب. وقد رتّب الدّول عليه، كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ عليه فيها شيء إلّا تواليفه وموطّأ مالك. وكان يلبس الخزّ والسّعيد. قال ابن نمير: وإنما كان يفعله إجلالا للعلم، وتوقيرا له. وكان يلبس إلى جسمه ثوب شعر، وكان صوّاما قوّاما. وقال المغامي «1» : لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لازدريت غيره. وزعم الزّبيدي أنه نعي إلى سحنون «2» فاسترجع، وقال: مات عالم الأندلس. قال ابن الفرضي:
جمع «3» إلى إمامته في الفقه التبحبح في الأدب، والتفنّن في ضروب العلوم، وكان فقيها مفتيا. قال ابن خلف أبو القاسم الغافقي: كان له أرض وزيتون بقرية بيرة من طوق غرناطة، حبس جميع ذلك على مسجد قرطبة. وله ببيرة مسجد ينسب إليه.
وكان يهبط من قرية قورت يوم الاثنين والخميس إلى مسجده ببيرة، فيقرأ عليه، وينصرف إلى قريته.
مشيخته: روى عن صعصعة بن سلّام، والغازي «4» بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن. ورحل إلى المشرق سنة ثمان ومائتين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت رحلته من قريته بفحص غرناطة «5» ، وسمع فيها من عبد الملك بن الماجشون، ومطرّف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وابنه موسى، وجماعة سواهم. وأقام في رحلته ثلاثة أعوام وشهورا. وعاد إلى إلبيرة، إلى أن رحّله عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، في رمضان سنة ثماني «6» عشرة ومائتين.
من روى عنه: سمع منه ابناه محمد وعبد الله، وسعيد بن نمر، وأحمد بن راشد، وإبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن شعيب، ومحمد بن فطيس. وروى عنه من
(3/421)

عظماء القرطبيين، مطرّف بن عيسى، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضّاح، والمقامي في جماعة.
تواليفه: قال أبو الفضل عياض بن موسى، في كتابه في أصحاب مالك «1» :
قال بعضهم: قلت لعبد الملك بن حبيب: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتابا. قال عبد الأعلى: منها كتب المواعظ سبعة، وكتب الفضائل سبعة، وكتب أجواد قريش وأخبارها وأنسابها خمسة عشر كتابا، وكتب السلطان وسيرة الإمام ثمانية كتب، وكتب الباه والنساء ثمانية، وغير ذلك. ومن كتب سماعاته في الحديث والفقه، وتواليفه في الطب، وتفسير القرآن، ستّون كتابا. وكتاب المغازي، والنّاسخ والمنسوخ، ورغائب القرآن، وكتاب الرّهون والحدثان، خمسة وتسعون كتابا. وكتاب مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، اثنان وعشرون كتابا، وكتاب في النّسب، وفي النجوم، وكتاب الجامع، وهي كتب فيها مناسك النّبي، وكتاب الرّغائب، وكتاب الورع في المال، وكتاب الرّبا، وكتاب الحكم والعدل بالجوارح. ومن المشهورات الكتاب المسمّى بالواضحة. ومن تواليفه كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض، وكتاب الفرائض، وكتاب السّخاء واصطناع المعروف، وكتاب كراهية الغناء.
شعره: أنشد ابن الفرضي ممّا كتب بها إلى أهله من المشرق سنة عشر ومائتين «2» : [الطويل]
أحبّ بلاد الغرب والغرب موطني ... ألا كلّ غربيّ إليّ حبيب
فيا جسدا أضناه شوق كأنّه ... إذا انتضيت عنه الثّياب قضيب
ويا كبدا عادت زمانا كأنما ... يلذّغها بالكاويات طبيب
بليت وأبلاني اغترابي ونأيه ... وطول مقامي بالحجاز أجوب
وأهلي بأقصى مغرب الشمس دارهم ... ومن دونهم بحر أجشّ مهيب
وهول كريه ليله كنهاره ... وسير حثيث للرّكاب دؤوب
فما الداء إلّا أن تكون بغربة ... وحسبك داء أن يقال غريب
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بأكناف نهر الثّلج حين يصوب
وحولي أصحابي وبنتي وأمّها ... ومعشر أهلي والرؤوف مجيب
(3/422)

وكتب إلى الأمير عبد الرحمن في ليلة عاشوراء «1» : [البسيط]
لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا «2» ... واذكره لا زلت في الأحياء «3» مذكورا
قال الرسول «4» ، صلاة الله تشمله، ... قولا وجدنا عليه الحقّ والنّورا
من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يكن بعيشه في الحول محبورا
فارغب، فديتك، فيما فيه رغبتنا «5» ... خير الورى كلّهم حيّا ومقبورا
وفاته: توفي في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين ومائتين «6» . قال ابن خلف: كان يقول في دعائه: إن كنت يا ربّ راضيا عني، فاقبضني إليك قبل انقضاء سنة ثمان وثلاثين، فقبضه الله في أحبّ الشهور إليه، رمضان من عام ثمانية وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة «7» ، وصلّى عليه ولده محمد، ودفن بمقبرة أم سلمة بقبلي محراب مسجد الضّيافة من قرطبة. قالوا: والخبر متصل، إنه وجد جسده وكفنه وافرين لم يتغيّرا بعد وفاته، بتسع وأربعين سنة، وقطعت من كفنه قطعة رفعت إلى الأمير عبد الله، وذلك عندما دفن محمد بن وضّاح إلى جنبه، رحمهم الله. ورثاه أبو عبد الله الرشّاش وغيره، فقال: [الطويل]
لئن أخذت منّا المنايا مهذّبا ... وقد قلّ فيها من يقال المهذّب
لقد طاب فيه الموت والموت غبطة ... لمن هو مغموم الفؤاد معذّب
ولأحمد بن ساهي فيه: [البسيط]
ماذا تضمّن قبر أنت ساكنه ... من التّقى والنّدى يا خير مفقود
عجبت للأرض في أن غيّبتك وقد ... ملأتها حكما في البيض والسّود
قلت: فلو لم يكن من المفاخر الغرناطية إلا هذا الحبر لكفى.
(3/423)

ومن الطارئين عليها
عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السّداد الأموي المالقي، الشهير بالباهلي «1»
حاله: كان، رحمه الله، بعيد المدى، منقطع القرين في الدّين المتين والصلاح، وسكون النفس، ولين الجانب، والتواضع، وحسن الخلق، إلى وسامة الصّورة، وملاحة الشّيبة، وطيب القراءة، مولى النّعمة على الطّلبة من أهل بلده، أستاذا حافلا، متفنّنا، مضطلعا، إماما في القراءات، حائزا خصل السباق إتقانا، وأداء، ومعرفة، ورواية، وتحقيقا، ماهرا في صناعة النحو، فقيها، أصوليّا، حسن التعليم، مستمرّ القراءة، فسيح التّحليق، نافعا، متحبّبا، مقسوم الأزمنة على العلم وأهله، كثير الخضوع والخشوع، قريب الدّمعة. أقرأ عمره، وخطب بالمسجد الأعظم من مالقة، وأخذ عنه الكثير من أهل الأندلس.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الإمام أبي جعفر بن الزبير، وكان من مفاخره، وعلى القاضي أبي علي بن أبي الأحوص، وعلى المقرئ الضّرير أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن سالم بن خلف السّهيلي، والرّاوية أبي الحجاج ابن أبي ريحانة المربليّ. وكتب له بالإجازة العامة الرّاوية أبو الوليد العطار، والإمام أبو عبد الله بن سمعون الطائي. وسمع على الراوية أبي عمر عبد الرحمن بن حوط الله الأنصاري. وقرأ على القاضي أبي القاسم، قاسم بن أحمد بن حسن الحجري، الشهير بالسّكوت المالقي، وأخذ عن الشيخ الصالح أبي جعفر أحمد بن يوسف الهاشمي الطّنجالي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. ويحمل عن خاله ولي الله أبي محمد عبد العظيم ابن ولي الله محمد بن أبي الحجاج ابن الشيخ، رحمه الله.
تواليفه: شرح التّيسير في القراءات. وله تواليف غيره في القرآن والفقه.
شعره: حدّث الشيخ الفقيه القاضي أبو الحجاج المنتشافري، قال: رأيت في النّوم أبا محمد الباهلي أيام قراءتي عليه بمالقة في المسجد الجامع بها، وهو قائم يذكّر الناس ويعظهم، فعقلت من قوله: أتحسبونني غنيّا فقيرا، أنا فقير، أنا.
(3/424)

فاستيقظت وقصصتها عليه، فاستغفر الله، وقال: يا بنيّ، حقا ما رأيت. ثم رفع إلى ثاني يوم تعريفه رقعة فيها مكتوب: [المتقارب]
لئن ظنّ قوم من أهل الدّنا ... بأنّ لهم قوّة أو غنا
لقد غلطوا جمع «1» مالهم ... فتاهوا عقولا، عموا «2» أعينا
فلا تحسبوني أرى رأيهم ... فإنّي ضعيف فقير أنا
وليس افتقاري وفقري معا ... إلى الخلق ما «3» عند خلق غنى
ولكن إلى خالقي وحده ... وفي ذاك عزّ ونيل المنى
فمن ذلّ للحقّ يرقى العلا ... ومن ذلّ للخلق يلق العنا
وفاته: ببلده مالقة، رضي الله عنه، ونفع به، في خامس ذي القعدة من عام خمسة وسبعمائة. وكان الحفل في جنازته عظيما، وحفّ الناس بنعشه، وحمله الطّلبة وأهل العلم على رؤوسهم. سكن غرناطة وأقرأ بها.
ومن الكتّاب والشعراء في هذا الحرف
عبد الحق بن محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة ابن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي «4»
صاحبنا الكاتب للدولة الغادرة.
حاله: كان «5» هذا الرجل في حال الدّعة التي استصحبها، وقبل أن تبعته أيدي الفضول، بعفاف وطهارة، إلى خصل خطّ، نشط البنان، جلد على العمل. ونظمه وسط، ونثره جمهوري عامي، مبين عن الأغراض. وولّي ببلده الخطابة والقضاء ... «6» في الحداثة. ثم انتقل إلى غرناطة، فجأجأت «7» به الكتابة السلطانية
(3/425)

باختياري، مستظهرة منه ببطل كفاية، وباذل حمل كلفة، فانتقل «1» رئيسا في غرض إعانتي وانتشالي من الكلفة «2» ، على الضّعف وإلمام المرض، والتّرفّع عن الابتذال، والأنفة من الاستخدام، فرفع الكلّ، ولطف من الدولة محلّه. ثم لمّا حال الأمر، وحتم التّمحيص، وتسوّرت القلعة، وانتثر النّظم، واستأثر به الاصطناع، كشفت الخبرة منه عن سوءة لا توارى، وعورة لا يرتاب في أشنوعتها ولا يتمارى، فسبحان من علّم النفس فجورها وتقواها، إذ لصق بالدّائل «3» الفاسق، فكان آلة انتقامه، وجارحة صيده، وأحبولة كيده، فسفك الدّماء، وهتك الأستار، ومزّق الأسباب، وبدّل الأرض غير الأرض، وهو يزقّه في أذنه، فيؤمّ «4» النّصيحة، وينحله «5» لقب الهداية، ويبلغ في شدّ أزره إلى الغاية: «عنوان عقل الفتى اختياره، يجري في جميل «6» دعوته» ، طوالا، أخرق، يسيء السمع، وينسى «7» الإجابة، بدويّا، قحّا، جهوريّا، ذاهلا عن عواقب الدنيا والآخرة، طرفا في سوء العهد، وقلّة الوفاء، مردودا في الحافزة «8» ، منسلخا من آية السّعادة، تشهد عليه بالجهل «9» يده، ويقيم عليه الحجج شرهه، وتبوّئه «10» هفوات الندم جهالته. ثم أسلم المحروم مصطنعه، أحوج ما كان إليه، وتبرّأ منه، ولحقته بعده مطالبة ماليّة، لقي لأجلها ضغطا. وهو الآن بحال خزي، واحتقاب تبعات، خلّصنا الله من ورطات الدّنيا والآخرة.
أوليته وشيوخه: وبسط كثير من مجمل حاله حسبما نقلت من خطه.
قال يخاطبني بما نصّه «11» : [البسيط]
يا سيّدا، فاق في مجد وفي شرف ... وفات سبقا بفضل الذات والسّلف
وفاضلا عن سبيل الذّمّ منحرفا ... وعن سبيل المعالي غير منحرف
(3/426)

وتحفة الزمن الآتي به «1» فلقد ... أربى «2» بما حازه منها على التّحف
ومعدنا لنفيس الدّرّ فهو لما ... حواه منه لدى التّشبيه كالصّدف
وبحر علم «3» جميع الناس مغترف ... منه، ونيل المعالي حظّ مغترف «4»
وسابقا بذّ أهل العصر قاطبة ... فالكلّ في ذاك منهم غير مختلف
من ذا يخالف في نار على علم ... أو يجحد الشمس نورا وهو غير خفي؟
ما أنت إلّا وحيد العصر في شيم ... وفي ذكاء وفي علم وفي ظرف
لله من منتم للمجد منتسب ... بالفضل متّسم، بالعلم متّصف
لله من حسب عد ومن كرم ... قد شاده السّلف الأخيار للخلف
إيه أيا من به تبأى «5» الوزارة إذ ... كنت الأحقّ بها في الذّات والشرف
يا صاحب القلم الأعلى الذي جمعت ... فيه المعالي ببعض «6» البعض لم أصف
يا من يقصّر وصفي في علاه ولو ... أنسى مديح حبيب «7» في أبي دلف
(3/427)

شرّفتني عندما استدعيت من قبلي «1» ... نظما تدوّنه في أبدع الصّحف
وربما راق ثغر في مباسمه «2» ... حتى إذا ناله إلمام مرتشف
أجلّ قدرك أن ترضى لمنتجع ... بسوء كيلته حظّا مع الحشف
هذا، ولو أنني فيما أتيت به ... نافحت في الطّيب زهر الرّوضة الأنف «3»
لكنت أفضي إلى التّقصير من خجل ... أخليت «4» بالبعض ممّا تستحقّ أفي
فحسبي العجز عمّا قد أشرت به ... والعجز «5» حتما قصارى كلّ معترف
لكن أجبت إلى المطلوب ممتثلا ... وإن غدوت بمرمى «6» القوم كالهدف
فانظر إليها بعين الصّفح عن زلل ... واجعل تصفّحها من جملة الكلف
بقيت للدهر تطويه وتنشره ... تسمو من العزّ باسم غير منصرف
جئتك «7» ، أعزّك الله، ببضاعة مزجاة، وأعلقت رجائي من قبولك بأمنية مرتجاة، وما مثلك يعامل بسقط المتاع، ولا يرضى له بالحشف مع بخس المدّ والصّاع. لكن فضلك يغضي عن التّقصير ويسمح، ويتجاوز عن الخطإ ويصفح، وأنت في كل حال إلى الأدنى من الله أجنح. ولولا أنّ إشارتك واجبة الامتثال، والمسارعة إليها مقدّمة على سائر الأعمال، لما أتيت بها تمشي على استحياء، ولا عرّضت نفسي أن أقف
(3/428)

موقف حشمة وحياء، فما مثلي فيما أعرضه عليك، أو أقدّمه من هذا الهذر بين يديك، إلّا مثل من أهدى الخرز لجالب الدّرّ، أو عارض للوشل موج البحر، أو كاثر بالحصى عدد الأنجم الزّهر، على أني لو نظمت الشّعرى شعرا، وجئتك بالسّحر الحلال نظما ونثرا، ونافحتك بمثل تلك الرّوضة الأدبية التي تعبق أزاهرها نثرا، لما وصفتك ببعض البعض من نفائس حلاك، ولا وفّيت ما يجب من نشر مآثر علاك.
فما عسى أن أقول في تلك المآثر العلمية، والذّات الموسومة باسم التعريف والعلميّة، أو أعبّر عنه في وصف تلك المحاسن الأدبية، والمفاخر الحسبيّة. إن وصفت ما لك من شرف الذات، ملت إلى الاختصار وقلت: آية من الآيات، وإن ذهبت إلى ذكر مفاخرك الباهرة الآيات، بلغت في مدى الفخر والحسب إلى أبعد الغايات، وإن حلّيتك ببعض الحلى والصّفات، سلبت محاسن الرّوض الأريج النّفحات. فكم لك من التّصانيف الرائقة، والبدائع الفائقة، والآداب البارعة، والمحاسن الجامعة. فما شئت من حدائق ذات بهجة كأنما جادتها سحب نيسان، وجنّات ثمراتها صنوان وغير صنوان، تزري ببدائع بديع الزّمان، وتخجل الروض كما يخجل الورد ابتسام الأقحوان. نظم كما انتثر الدّرّ، ونثر تتمنّى الجوزاء أن تتقلّده والأنجم الزّهر، ومعان أرقّ منّ نسيم الأسحار، تهبّ على صفحات الأزهار. فأهلا بك يا روضة الآداب، وربّ البلاغة التي شمس آياتها لا تتوارى بالحجاب، فما أنت إلّا حسنة الزّمان، ومالك أزمّة البيان، وسبّاق غايات الحسن والإحسان. وقد وجدت مكان القول ذا سعة في أوصافك، وما في تحلّيك بالفضائل واتّصافك. لكنّي رأيت أني لو مددت في ذلك باع الإطناب، وأتيت فيه بالعجب العجاب، فليس لي إلّا تقصير عن المطاولة وإمساك، والعجز عن درك الإدراك إدراك. إيه أيها السّيّد الأعلى، والفاضل الذي له في قداح الفخر القدح المعلّى، فإنك أمرت أن أعرض عليك لتعريف بنفسي ومولدي، وذكر أشياخي الذين بأنوارهم أقتدي، فعلمت أن هذا إنما هو تهمّم منك بشاني، وجري على معتاد الفضل الذي يقصر عنه لساني، وفضل جميل لا أزال أجري في الثناء عليه ملء عناني. وإلّا فمن أنا في الناس حتى أنسب، أو من يذهب إلّا أنت هذا المذهب؟
أما التّعريف بنفسي، فأبدأ فيه باسم أبي: هو أبو القاسم محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي. وجدّي عطية هو الدّاخل إلى الأندلس عام الفتح، نزل بإلبيرة، وبها تفرّع من تفرّع من عقبه، إلى أن انتقلوا إلى غرناطة، فتأثّل بها حالهم، واستمرّ بها
(3/429)

استيطانهم، إلى حدود المائة السابعة، فتسبّب في الانتقال من بقي منهم، وهو جدّي الأقرب الأنساب، وقضى ارتحاله إلى مدينة وادي آش، ولكل أجل كتاب، وذلك أنه استقضي بنظر ما في دولة أمير المسلمين الغالب بالله «1» ، أول ملوك هذه الدولة النصرية، نصر الله خلفها، ورحم سلفها، فاتخذ فيها صهرا ونسبا، وكان ذلك لاستيطانه بها سببا، واستمرّ مقامه بها إلى أن ارتحل إلى المشرق لأداء الفريضة فكان إلى أشرف الحالات مرتحله، وقضى في إيابه من الحج أمله. واستمرّت به الاستيطان، وتعذّرت بعوده إلى غرناطة بعدما نبت فيها الأوطان. على أنه لم يعدم من الله السّتر الجميل، ولا حظّ من عنايته بإيصال النّعمة كفيل، فإنه سبحانه حفظ من سلف فيمن خلف، وجعلهم في حال الاغتراب فيمن اشتهر بنباهة الحال واتّصف، وقيّض لمصاهرتهم من خيار المجد والشرف، وبذلك حفظ الله بيتهم، وشمل باتصال النّعمة حيّهم وميتهم. فالحمد لله، بجميع محامده، على جميل عوائده. وتخلّف بوادي آش أبي وأعمامي، تغمّدهم الله وإياي برحمته، وجمع شملنا في جنّته.
وأمّا التعريف بهم، فأنت أبقاك الله، بمن سلف قديما منهم أعلم، وسبيلك في معرفتهم أجدى وأقوم، بما وهبكم الله من عوارف المعارف، وجعل لكم من الإحاطة بالتالد منها والطّارف. وأمّا من لم يقع به تعريف، ممن بعدهم، فمن اقتفى رسمهم في الطريقة العلمية، ولم يتجاوز جدّهم، وهو جدّي أبو بكر عبد الله بن طلحة ورابع أجدادي. كان، رحمه الله، ممن جرى على سنن آبائه، وقام بالعلم أحسن قيام ونهض بأعبائه. ألّف كتابا في «الرقائق» ، ففات في شأوه سبق السابق، وتصدّر ببلده للفتيا، وانتفع به الناس، وكان شيخهم المقدّم. ولم أقف على تاريخ مولده ولا وفاته، غير أنه توفي في حدود المائة الخامسة، رحمه الله. وأمّا من بيني وبينه من الآباء، كجدّي الأقرب وأبيه ومن خلفه من بنيه، فما منهم من بلغ رتبة السّابق، ولا قصر أيضا عن درجة اللّاحق، وإنما أخذ في الطلب بنصيب، ورمى فيه بسهم مصيب.
وأما مولدي «2» ، فبوادي آش، في أواخر عام تسعة وسبعمائة. وفي عام ثلاثة وعشرين، ابتدأت القراءة على الأستاذ أبي عبد الله الطّرسوني وغيره ممن يأتي ذكره.
ثم كتبت بعد ستة أعوام على من وليها من القضاة، أولي العدالة والسّير المرتضاة،
(3/430)

ولم يطل العهد حتى تقدّمت في جامعها الأعظم خطيبا وإماما، وارتسمت في هذه الخطّة التي ما زالت على من أحسن تماما، وذلك في أواخر عام ثمانية وثلاثين. ثم ولّيت القضاء بها، وبما يرجع إليها من النّظر، في شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وأربعين، واستمرّت الولاية إلى حين انتقالي للحضرة، آخر رجب من عام ستة وخمسين، أسأل الله الإقالة والصّفح عما اقترفت من خطإ أو زلل، أو ارتكبته من عمد وسهو، في قول أو عمل، بمنّه.
وأمّا أشياخي، فإني قرأت بالحضرة على الأستاذ الخطيب أبي الحسن القيجاطي، والأستاذ الخطيب أبي القاسم بن جزي. وبمالقة على الأستاذ القاضي أبي عمرو بن منظور. وبألمريّة على الأستاذ القاضي أبي الحسن بن أبي العيش، وسيّدي القاضي أبي البركات ابن الحاج، والأستاذ أبي عثمان بن ليون، وبوادي آش على الأستاذ القاضي أبي عبد الله بن غالب، والأستاذ أبي عامر بن عبد العظيم. على كل هؤلاء قرأت قراءة تفقّه، وعرضت على أكثرهم جملة كتب في النحو والفقه والأدب، أكبرها كتاب المقامات للحريري، وأمّا من لقيته من المشايخ واستفدت، منهم أبو الحسن بن الجيّاب بالحضرة، وبمالقة القاضي أبو عبد الله بن بكر، والقاضي أبو عبد الله بن عيّاش، والأستاذ أبو عبد الله بن حفيد الأمين. ومن لقيته لقاء بترك، سيدي أبو جعفر بن الزيات ببلّش. وبمالقة الخطيب أبو عبد الله السّاحلي، والصّوفي أبو الطاهر بن صفوان، والمقرئ أبو القاسم بن درهم. وبألمرية الخطيب أبو القاسم بن شعيب، والخطيب ابن فرحون. ولقيت أيضا القاضي أبا جعفر بن فركون القرشي، والقاضي الخطيب أبا محمد بن الصايغ. وممن رأيته بوادي آش، وأنا إذ ذاك في المكتب، وأخذت بحظّ من التبرّك به، سيدي أبو عبد الله الطّنجالي نفع الله به. والحمد لله ربّ العالمين.
شعره: من مطولاته قوله: ومن خطّه نقلت «1» : [الطويل]
ألا أيّها اللّيل البطيء الكواكب ... متى ينجلي صبح بنيل المآرب؟
وحتى متى أرعى النجوم مراقبا ... فمن طالع منها على إثر غارب «2»
أحدّث نفسي أن أرى الرّكب سائرا ... وذنبي يقصيني بأقصى المغارب
(3/431)

فلا فزت من نيل الأماني بطائل ... ولا قمت في «1» حقّ الحبيب بواجب
وكم «2» حدّثتني النفس أن أبلغ المنى ... وكم علّلتني بالأماني الكواذب
وما قصّرت بي عن زيارة قبره ... معاهد أنس من وصال الكواعب
ولا حبّ أوطان نبت بي ربوعها ... ولا ذكر خلّ حلّ «3» فيها وصاحب
ولكن ذنوب أثقلتني فها أنا ... من الوجد قد ضاقت عليّ مذاهبي
إليك، رسول الله، شوقي مجدّدا» ... فيا ليتني يمّمت صدر الركائب
وأعملت «5» في تلك الأباطح والرّبى ... سراي مجدّا بين تلك السباسب «6»
وقضيت من لثم البقيع لبانتي ... وجبت الفلا ما بين ماش وراكب
وروّيت من ماء زمزم «7» غلّتي ... فلله ما أشهاه يوما لشارب!
حبيبي شفيعي منتهى غايتي التي ... أرجّي ومن يرجوه ليس بخائب
محمد المختار والحاشر الذي ... بأحمد حاز الحمد «8» من كل جانب
رؤوف رحيم خصّه «9» الله باسمه ... وأعظم لاج «10» في الثّناء وعاقب
رسول كريم رفّع الله قدره ... وأعلى له قدرا رفيع الجوانب
وشرّفه أصلا وفرعا ومحتدا ... يزاحم آفاق السّهى بالمناكب «11»
سراج الهدى ذو الجاه والمجد والعلا ... وخير الورى الهادي الكريم المناسب
هو المصطفى المختار من آل هاشم ... وذو الحسب العدل «12» الرفيع المناصب
هو الأمد الأقصى هو الملجأ الذي ... ينال به مرغوبه كلّ راغب
إمام النّبيّين الكرام، وإنه ... لكالبدر فيهم بين تلك المواكب
بشير «13» نذير مفضل متطوّل ... سراج منير بذّ نور الكواكب
(3/432)

شريف منيف باهر الفضل كامل ... نفيس المعالي والحلى والمناقب
عظيم المزايا ما له من تماثل «1» ... كريم السّجايا ما له من مناسب
ملاذ منيع ملجأ عاصم لمن ... يلوذ به من بين آت وذاهب
حليم «2» جميل الخلق والخلق ما له ... نظير، ووصف الله حجّة غالب
وناهيك من فرع نمته أصوله ... إلى خير مجد من لؤيّ بن غالب
أولي الحسب العدّ الرفيع جنابه ... بدور الدّياجي أو بدور «3» الركائب
له معجزات ما لها من معارض ... وآيات صدق ما لها من مغالب
تحدّى «4» بهنّ الخلق شرقا ومغربا ... وما ذاك عمّن حاد عنها بغائب «5»
فدونكها كالأنجم الزّهر «6» عدّة ... ونور سنا لا يختفي «7» للمراقب
فإحصارها «8» مهما تتبّعت معوز ... وهل بعد نور الشمس نور لطالب؟
لقد شرّف الله الوجود بمرسل ... له في مقام الرّسل أعلى المراتب
وشرّف شهرا فيه مولده الذي ... جلا نوره الأسنى دياجي الغياهب
فشهر ربيع في الشهور مقدّم ... فلا غرو أنّ الفخر «9» ضربة لازب «10»
فلله منه ليلة قد تلألأت ... بنور شهاب نيّر «11» الأفق ثاقب «12»
ليهن أمير المسلمين بها المنى ... وأن نال من مولاه أسنى الرّغائب
على حين أحياها بذكر حبيبه ... وذكر الكرام الطاهرين الأطايب
وألّف شملا للمحبّين فيهم ... فسار على نهج من الرشد لاحب «13»
فسوف يجازى عن كريم صنيعه ... بتخليد سلطان وحسن عواقب
وسوف يريه الله في لهم «14» دينه ... غرائب صنع فوق كلّ الغرائب
فيحمي حمى الإسلام عمّن يرومه ... بسمر العوالي أو ببيض القواضب «15»
(3/433)

ويعتزّ دين الله شرقا ومغربا ... بما سوف يبقى ذكره في العجائب
إلهي، ما لي بعد رحماك مطلب ... أراه بعين الرّشد أسنى المطالب
سوى زورة القبر الشريف وإنها «1» ... لموهبة فاتت «2» جميع المواهب
عليه سلام الله ما لاح كوكب ... وما فارق «3» الأظعان حادي الرّكائب
وقال في غرض المدح والتّهنئة بعرض الجيش، وتضمّن ذلك وصف حاله في انتقاله إلى الحضرة: [البسيط]
يا قاطع البيد يطوي السّهل والجبلا ... ومنضيا في الفيافي الخيل والإبلا
يبكي بآفاق «4» أرض لا يؤانسه «5» ... إلّا تذكّر عهد للحبيب خلا
أو ظبية أذكرت عهد التواصل تح ... كي للّحاظ «6» التي عاهدت والمقلا
أستغفر الله في تلك اللّحاظ فقد ... أربى بها الحسن عن ضرب المها مثلا
أو هادل فوق غصن البان تحسبه ... صبا لفقد حبيب بان قد ثكلا
أو لامع البرق إذ تحكي إنارته ... كفّا خضيبا مشيرا بالذي عذلا
ماذا عسى أن تقضّي من زمانك في ... قطع المهامه ترجو أن تنال علا؟
وكم معالم أرض أو مجاهلها ... قطعتها لا تملّ الرّيث والعجلا
إن كنت تأمل عزّا لا نظير له ... وتبتغي السّؤل فيما شئت والأملا
فالعزّ مرسى بعيد لا ينال سوى ... بعزم من شدّ عزم البين وارتحلا
والدّرّ في صدف قلّت نفاسته ... ولم يبن فخره إلّا إذا انتقلا
فاربأ بنفسك عن أهل وعن وطن ... ................ ... «7»
وانس الدّيار التي منها نأى وطني ... وعهد أنس به قلب المحبّ سلا
وعدّ عن ذكر محبوب شغفت به ... ولا تلمّ» به مدحا ولا غزلا
واقصد إلى الحضرة العليا وحطّ بها ... رحلا ولا تبغ عن أرجائها حولا
غرناطة لا عفا رسم بها أبدا ... ولا سلا قلب من يبغي بها بدلا
(3/434)

فهي التي شرّف الله الأنام بمن ... في مقعد الملك من حمرائها نزلا
خليفة الله مولانا وموئلنا ... وخير من أمّن الأرجاء والسّبلا
محمد بن أبي الحجاج أفضل من ... قد قام فينا بحقّ الله إذ عدلا
من آل نصر أولى الملك الذي بهرت ... علاه كالشمس لمّا حلّت الحملا
هو الذي شرّف الله البلاد ومن ... فيها بدولته إذ فاقت الدّولا
أقام عدلا ورفقا في رعيّته ... وكان أرحم من آوى ومن كفلا
فهو المجار به من لا مجير له ... لم يخش إحن الليالي فادحا جللا
إنّ المدائح طرّا لا تفي أبدا ... ببعض ما قد تحلّا من نفيس علا
بالحزم والفهم والإقدام شيمته ... والجود ممّا على أوصافه اشتملا
إن قال أجمل في قول وأبدعه ... والفعل أجمل منه كلّما فعلا
يولي الجميل ويعطي عزّ نائله ... من قد رجاه ولا استجدى ولا سألا
من سائلي عن بني نصر فما أحد ... منهم بأبلغ منهم كلّما سئلا
هم الذين إذا ما استمنحوا منحوا ... أسنى العطاء «1» وأبدوا بعده الخجلا
هم الألى مهّدوا أرجاء أندلس ... إذ حكّموا في الأعادي البيض والأملا
فإن تسل عنهم يوم الرّهان فلم ... يعدل بأحدثهم في سنّه بطلا
من ذا يجاريهم في كل مكرمة ... أيشبه البحر في تمثيله الوشلا؟
مولاي، يا خير من للنّصر قد رفعت ... راياته ولواء الفخر قد حملا
لله عيني لمّا أبصرتك وقد ... أعددت بين يديك الخيل والخولا
وأنت في قبّة يسمو بها عمد ... أقام منّا لأمر «2» الدّين فاعتدلا
والجيش يعشى عيون الخلق منظره ... لما اكتسى منك نور الحقّ مكتملا
لا غرو أنّ شعاع الشمس يشمل ما ... أضحى عليه إذا ما لاح منسدلا
وراية النصر والتأييد خافقة ... قد أسبل الله منها النّصر فانسدلا
والخيل قد كسيت أثواب زينتها ... فمن براقعها قد ألبست حللا
ترى الحماة عليها يوم عرضهم ... يمشون من فرط زهو مشية الخيلا
فمن رماة قسيّ العرب عدّتها ... تحكي الأهلّة مهما نورها اكتملا
(3/435)

ومن كماة شداد البأس شأنهم ... أن يعملوا البيض والخطّيّة الذّبلا
بسعدك انتظمت تلك الجيوش لأن ... أسهمت في نظمها أسلافك الأولا
وخلّد الله ملكا أنت ناصره ... ما عاقبت بكر من دهرنا الأصلا
لا زلت تزداد بي «1» نعمى مضاعفة ... لتملأ الأرض منها السّهل والجبلا
ومن ذلك قوله: [البسيط]
يا عاذلي في الهوى، أقصر عن العذل ... وعن حديثي مع المحبوب لا تسل
فكيف أصغي إلى عذل العذول وقد ... تقلّص القلب مني صائد المقل؟
تملّكته كما شاءت بنظرتها ... فتّانة الطّرف والألحاظ تنهدل
معبرة عن نفيس الدّرّ فاضحة ... بقدّها الغضّ الميّاس «2» في الميل
من نور غرّتها شمس تروق سنى ... تحتلّ منها محلّ الشمس في الحمل
يا حبّذا عهدنا والشّمل منتظم ... بجانب الغور في أيّامنا الأول
أيام أعين هذا الدهر نائمة ... عنّا وأحداثه منّا على وجل
وحبّذا أربع قد طال ما نظمت ... عقد التّواصل في عيش بها خضل
قضيت منها أماني النّفس في دعة ... من الزمان موفّى الأنس والجذل
سطا الغمام رباها كلّ منهمر ... وكم سطتها دموعي كلّ منهمل
وجادها من سماء الجود صوب حيا ... بالعارض الهطل ابن العارض الهطل
خليفة الله والماحي بسيرته ... رسم الضّلال ومحيي واضح السّبل
محمد بن أبي الحجاج أفضل من ... سارت أحاديث علياه سرى المثل
والباعث الجيش في سهل وفي جبل ... حتى تغصّ نواحي السّهل والجبل
من آل نصر أولي الفخر الذين لهم ... مزيّة أورثت من خاتم الرسل
مهما أردت غناء في الأمور به ... شاهدت منه جميع الخلق في رجل
لن يستظلّ بعلياه أخو أمل ... إلّا غدا تحت ظلّ منه منسدل
ولا استجار به من لا مجير له ... إلّا كفاه انتياب الحادث الجلل
ينمى إلى معشر شاد الإله لهم ... ملكا على سالف الأعصار لم يزل
بملكهم قد تحلّى الدهر فهو به ... والله واليه لا يخشى من العطل
(3/436)

هم الألى نصروا أرجاء أندلس ... بالمشرفيّات والخطيّة الذّبل
هم الألى مهّدوا دين الهدى فسمت ... في الخلق ملّته العليا على الملل
من أمّهم صادي الآمال نال بهم ... جودا كفيلا له بالمعل والنّهل
أو أمّهم ضاحيا أضحى يجرّر من ... فضل النّوال ذيول الوشي والحلل
إنّ الفضائل أضحت لاسمه تبعا ... كالنّعت والعطف «1» والتأكيد والبدل
مولاي، خذها تروق السّامعين لها ... بما أجادته من مدح ومن غزل
لكنني باعتبار عظم ملكك لم ... أجد لعمري في مدحي ولم أطل
فإن خبرت كذاك الخلق أجمعهم ... سيّان محتفل أو غير محتفل
لا زلت فخر ملوك الأرض كلّهم ... تسمو بك الدولة العلياء «2» على الدول
ودمت للدهر تطويه وتنشره ... مبلّغا كلّما تبغي من الأمل
ومن ذلك ما نظمه لينقش في بعض المباني التي أنشأتها «3» : [الطويل]
أنا مصنع قد فاق كل المصانع ... فما منزل يزهى «4» بمثل بدائعي
فرسمي، إذا حقّقته واعتبرته «5» ... لكل المعاني، جامع أيّ جامع
فقد جمع الله المحاسن كلّها ... لديّ، فيا لله إبداع صانع «6» !
كما «7» جمعت كلّ الفضائل في الذي ... بسكناي قد وافاه أيمن طالع
وزير أمير المسلمين وحسبه ... مزيّة فخر ما لها من مدافع
وذو القلم الأعلى الذي فعله لمن ... يؤمّله مثل السّيوف القواطع
ومطلع آيات البيان لمبصر ... كشمس الضّحى حلّت بأسنى المطالع
وإنسان عين الدهر قرّت لنا به ... عيون وطابت منه ذكرى المسامع
هو ابن الخطيب السّيّد المنتمي إلى ... كرام سموا ما بين كهل ويافع
لقد كنت لولا عطفة من حنانه «8» ... أعدّ زمانا في الرّسوم البلاقع
(3/437)

فصيّرني مغنى كريما ومربعا «1» ... لشمل بأنس من حبيبي جامع
فها أنا ذو «2» روض يروق نسيمه «3» ... كما رقّ طبعا ما له من منازع
وقد جمعتنا نسبة الطّبع عندما ... وقعت لمرآه بأسنى المواقع
فأشبه إزهاري بطيب ثنائه ... وفضل هوائي «4» باعتدال الطبائع
فلا زلت معمورا به في مسرّة ... معدّا لأفراح وسعد مطالع
ولا زال من قد حلّني أو يحلّني ... موفّى الأماني من جميل الصّنائع
ودام لمولانا المؤيّد سعده ... فمن نوره يبدو «5» لنا كلّ ساطع
وفي التهنئة بإبلال من مرض: [البسيط]
الآن قد قامت الدّنيا على قدم ... لما استقلّ رئيس السيف والقلم
والآن قد عادت الدنيا لبهجتها ... مذ أنست برءه من طارق الألم
والآن قد عمت البشرى براحته ... فلم تزل للورى من أعظم النعم
لا سيّما عند مثلي ممن اتّضحت ... منه دلائل صدق غير متهم
فكيف لي وأيادي فضله ملكت ... رقّي بما أجزلت من وافر القسم
وصيّرتني في أهلي وفي وطني ... وبين أهل النّهى نارا على علم
وأحسبت أملي الأقصى لغايته ... إذ صرت من جاهه المأمول في حرم
ماذا «6» عسى أن أوفّي من ثنائي أو ... أنهي إلى مجده من فاضل الشّيم
ولو ملكت زمام الفضل طوع يدي ... قصّرت في ضمن منثور ومنتظم
يهنيك بشرى قد استبشرت مذ وردت ... بها لعمرك وهو البرّ في الضّيم
ومذ دعت هذه «7» البشرى بتهنئة ... فنحن أولى ومحض العهد والكرم
لا زلت للعزّة القعساء ممتطيا ... مستصحبا لعلاء غير منصرم
ودمت بدر سنى تهدي إنارته ... في حيث يعضل خطب أو يحار عم
ولا عدمت بفضل الله عافية ... تستصحب النّعم المنهلّة الديم
(3/438)

وليس لهذا العهد للرجل انتحال لغير الشّعر والكتابة. وغير هذا للشعر فراره، فقلّ أن ينتهي الشّعر في الضّعة والاسترذال إلى ما دون هذا النّمط، فهو بعير «1» ثان، شعرا وشكلا وبلدا، لطف الله به. وهو لهذا العهد، على ما تقدّم من النكبة، واتّصال السّخط من الدولة، تغمّدنا الله وإياه بلطفه، ولا نكص عنّا ظلّ عنايته وستره.
مولده: حسبما تقدّم من بسط حاله مما قيّده بخطّه في عام تسعة وسبعمائة.
عبد الرزّاق بن يوسف بن عبد الرزّاق الأشعري
من أهل قرية الأنجرون من إقليم غرناطة، أبو محمد.
حاله: فقيه أديب كاتب سري، موصوف بكرم نفس، وحسن خلق. لقي أشياخا وأخذ عنهم.
شعره: [السريع]
يا منعما ما زال من أمّه ... يرفل في السّابغ من أمّته «2»
ويا حساما جرّدته العلا ... فريع صرف الدهر من سكتته «3»
عبدك قد ساءت هنا حاله ... شوقا لمن خلّف من إخوته
شوقا يبثّ الجمر في قلبه ... ويخلع السّهد «4» على مقلته
فسكّن المؤلم من شوقه ... وانسين «5» المقلق من وحشته
وامنن عليه ببلوغ المنى ... في علمكم من مقتضى بغيته
وهاكها نفثة ذي خجلة ... تفهم ما يلقيه من نفثته
إذا شدا مدّاحكم ساجعا ... يحسده الطيّار في نغمته
وفاته: سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، عن سنّ عالية.
(3/439)

عبد الملك بن سعيد بن خلف العنسي «1»
من أهل قلعة يحصب «2» من عمل إلبيرة.
حاله ونسبه: هو عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان عينا من أعيان الأندلس، مشارا إليه في البيت والرأي، والجزالة والفضل. علقت به الآمال، ورفعت إليه الممادح، وحطّت لديه الرّحال. وكان من أولي الجلالة والنّباهة، والطّلب والكتابة الحسنة، والخطّ البارع.
واشتمل على حظوة الأمير يحيى بن غانية اللّمتوني، وكتب عنه. بلده قلعة بني سعيد، فثقفها، وجعل بها أكبر بنيه عبد الرحمن ضابطا لها وحارسا، فحصّنها أبو مروان ومهدها بالعمارة، فكانت في الفتنة مثابة وأمنا، وحرزا له ولبنيه، فانجلت الناس إليها من كل مكان. ولما قبض ابن غانية على القمط مرين وأصحابه النصارى عندما وصلوا لاستنجاز الوعد في الخروج عن جيّان، وتحصّلوا بيده بإشارة عبد الملك بن سعيد، حسبما ثبت في اسم الأمير يحيى، ثقّفهم بالقلعة بيد ثقته المذكور وأمينه أبي مروان، فتحصلوا في معقل حريز، عند أمير وافر العقل، سديد الرأي. ومات ابن غانية بغرناطة لأيام قلائل، واختلف قومه، فنظر أبو مروان لنفسه، وعاهد القمط مرين ومن معه من الزعماء على عهود، أخذها عليهم وعلى سلطانهم، أن يكون تحت أمن وحفظ طول مدّته، فأجريت القلعة في الأمن والحماية، وكفّ أيدي التّعدّي مجرى ما لملك النّصري «3» من البلاد، فشمل أهلها الأمن، واتسعت فيها العمارة، وتنكبتها النّكبات، وتحاشتها الغارات. ولم يزل أبو مروان بها إلى أن دخل في أمر الموحدين. ووصل هو وابنه إلى السيد أبي سعيد بغرناطة، وحضر معه غزوة ألمريّة، ثم دخل بجملته، فكمل له الأمن، وأقرّ على القلعة، وأمر بسكنى غرناطة بولده. ثم وصل ثانية إلى مراكش صحبة السيد أبي سعيد، ولقي من البرّ ولطف المكانة عادته، واستكتب ابنه أحمد بن أبي مروان الخليفة في هذه الوجهة، وانتظم في جملة الكتّاب والأصحاب.
(3/440)

محنته: وعاد أبو مروان وبنوه إلى غرناطة صحبة واليها السّيد أبي سعيد، فبقي في جملة العسكر عند دخول ابن مردنيش وصهره غرناطة، وقد اضطربت الفتنة، وفسد ما بين السيد وبين أبي جعفر بن أبي مروان منهم، بما تقدّم في اسمه من حديث حفصة «1» . ولما ظهرت دلائل التغيير، وخافوا على أنفسهم، أداروا الرأي في الانحياز إلى خدمة ابن مردنيش، ونهاهم والدهم أبو مروان، وأشار عليهم بمصابرة الأمر، فلحق عبد الرحمن بالقلعة، وفرّ أحمد لما انكشف الأمر، وعثر عليه بجهة مالقة، فقتل، وانجرّت بسبب ذلك النكبة على عبد الملك وابنه محمد، فبقيا بغرناطة، ومن يشار إليه من أهل بيتهما، واستصفيت أموالهما، واستخلصت «2» ضياعهما، إلى أن ورد كتاب الخليفة أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن بن علي بإطلاقهم وردّ أموالهم، بما اقتضته السياسة من استمالة من نزع منهم عن الطاعة، وأمر عبد الملك باستيلاف نافرهم. ولما هلك ابن مردنيش، وردّ من اتصل به صحبة المستأمنين من أولاد الأمير الهالك، فقدموا على رحب وسعة، وثاب جاه أبي مروان، واتصل عزّه، واتسعت حظوته، إلى أن هلك بعد أن ولي بمراكش النّظر في العدّة والأسلحة، والقيام على دار الصّنعة.
وفاته: بغرناطة سنة ستين وخمسمائة.
عبد العزيز بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد العزيز بن يست «3»
من أهل غرناطة، يكنى أبا سلطان.
حاله: فاضل «4» ، حييّ، حسن الصورة، بادي الحشمة، فاضل البيت سريّه.
كتب في ديوان الأعمال «5» ، وترقّى إلى الكتب «6» مع الجملة بالدار السلطانية، وسفر في بعض الأغراض الغربية، ولازم الشيخ أبا بكر «7» بن عتيق بن مقدّم، من شيوخ «8» الصّوفية بالحضرة، فظهرت عليه آثار ذلك في نظمه ومقاصده الأدبية «9» .
(3/441)

شعره: وشعره لا بأس به، ومن أمثله قوله ما أنشد له في ليلة الميلاد الأعظم «1» : [الكامل]
القلب يعشق والمدامع تنطق ... برح الخفاء فكلّ عضو منطق «2»
[قلت: قد ذكرها ابن الخطيب في جملة ما أنشد في الميلاد الأعظم في السفر الخامس، فلا فائدة في تكرارها هنا] «3» .
ومما خاطبني به «4» : [البسيط]
أطلت عتب زمان فلّ من أمل «5» ... وسمته «6» الذّمّ في حلّ ومرتحل
عاتبته ليلين للعتب جانبه ... فما تراجع عن مطل ولا بخل «7»
فعدت أمنحه العتبى «8» ليشفق بي «9» ... فقال لي: إنّ سمعي عنك في شغل
فالعتب عندي والعتبى «10» فلست أرى ... أصغي لمدحك إذ لم أصغ للعذل
فقلت للنّفس: كفّي عن معاتبة ... لا تنقضي وجواب صيغ من وجل «11»
من يعتلق بالدّنا «12» بابن الخطيب فقد ... سما عن الذّلّ واستولى «13» على الجذل
(3/442)

فقلت «1» : من لي بتقريبي لخدمته ... فقد أجاب قريبا من جوابك لي
قد اشتغلت عن الدّنيا بآخرتي ... وكان ما كان في «2» أيّامي الأول
وقد رعيت وما أهملت من منح ... فكيف يختلط المرعيّ بالهمل؟
ولست أرجع للدّنيا وزخرفها ... من «3» بعد شيب غدا في الرأس مشتعل
ألست تبصر أطماري وبعدي عن ... نيل الحظوظ وإعداد «4» إلى أجل
فقال «5» : ذلك قول صحّ مجمله «6» ... لكنّ من شأنه التّفصيل للجمل
ما أنت طالب «7» أمر تستعين به ... على المظالم في حال «8» ومقتبل
ولا تحلّ حراما أو تحرّم ما ... أحلّ ربّك في قول ولا عمل
ولا تبع «9» آجل الدّنيا بعاجلها ... كما الولاة تبيع اليمّ بالوشل «10»
وأين عنك الرّشا إن كنت «11» تطلبها ... هذا لعمري أمر غير منفعل
(3/443)

هل أنت تطلب إلّا أن تعود إلى ... كتب المقام الرّفيع القدر في الدول؟
فما لأوحد أهل الكون «1» قاطبة ... وأسمح الخلق «2» من حاف ومنتعل
لم يلتفت نحو ما تبغيه من وطر ... ولم يسدّ «3» الذي قد بان من خلل
إن لم تقع نظرة منه عليك فما ... يصبو لديك الّذي «4» أمّلت من أمل
فدونك السّيّد الأعلى فمطلبكم «5» ... قد نيط منه بفضل غير منفضل «6»
فقد خبرت بني الدنيا بأجمعهم ... من عالم وحكيم عارف وولي «7»
فما رأيت له في الناس من شبه ... قلّ النّظير له عندي فلا تسل
فقد «8» قصدتك يا أسمى الورى نسبا «9» ... وليس لي عن حمى «10» علياك من حول «11»
فما سواك لما أمّلت من أمل ... وليس لي عنك من زيغ ولا ميل «12»
(3/444)

فانظر لحالي فقد رقّ الحسود لها ... واحسم زمانة «1» ما قد ساء من علل
قدّم «2» لنا ولدين الله ترفعه ... ما أعقبت بكر الإصباح بالأصل
لا زلت معتليا عن كلّ حادثة ... كما علت ملّة الإسلام في الملل
عبد البر بن فرسان بن إبراهيم بن عبد الله ابن عبد الرحمن الغساني «3»
وادي آشي الأصل، يكنى أبا محمد.
حاله: كان «4» من جلّة الأدباء، وفحول الشّعراء، وبرعة الكتّاب. كتب عن الأمير أبي زكريا يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي المسّوفي الميورقي «5» ، الثائر على منصور «6» بني عبد المؤمن، ثم على من بعده من ذرّيته إلى أيام الرّشيد «7» منهم، وانقطع «8» إليه وصحبه في حركاته، وكان آية في بعد الهمّة، والذهاب بنفسه،
(3/445)

والعناء «1» ، ومواقف الحرب، فإنه دهم في المثل، أشبه امرءا يعض برّه، فقد كان أليق الناس بصحبة الميورقي، وأنسبهم إلى خدمته.
مشيخته: روى عن أبي زيد بن السّهيلي «2» .
بعض أخباره في البأو والصّرامة: حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب عمن حدّثه من أشياخه، قال «3» : وجّهه الميورقي في عشيّة يوم من أيام حروبه إلى المأزق، وقد طال العراك، وكاد يكلّ الناس عن الحرب، إلى أن يباكروها من الغد، فنفذ لما أمر به. ولما بلغ الصّدر اشتدّ على الناس، وذعر «4» أرباب الحفيظة، وأنهى إليهم العزم من أميرهم في الحملة، فانهزم عدوّهم شرّ هزيمة، ولم يعد أبو محمد إلّا في آخر الليل بالأسلاب والغنيمة، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال له: الذي عملت هو شأني، وإذا أردت من يصرف الناس عن الحرب ويذهب ريحهم، فانظر غيري.
وحدّثني «5» كذلك أنّ ولدا له صغيرا تشاجر مع ترب له من أولاد أميره أبي زكريا، فنال منه ولد الأمير، وقال: وما قدر أبيك؟ ولمّا بلغ ذلك أباه خرج مغضبا لحينه، ولقي ولد الأمير المخاطب لولده، فقال: حفظك الله! لست أشكّ في أنّي خديم أبيك، ولكني أحبّ أن أعرّفك بمقداري «6» ومقداره، اعلم إنّ أباك وجّهني رسولا إلى الخليفة «7» ببغداد بكتاب عن نفسه، فلمّا بلغت بغداد نزلت «8» في دار اكتريت لي بسبعة دراهم في الشهر، وأجري عليّ سبعة دراهم في اليوم، وطولع بكتابي، وقيل: من الميورقي الذي وجّهه؟ فقال بعض الحاضرين: هو رجل مغربي ثائر على أستاذه. وأقمت شهرا، ثم استدعيت إلى الانصراف، ولمّا دخلت دار الخلافة وتكلّمت مع من بها من الفضلاء، أرباب «9» المعارف والآداب، اعتذروا لي، وقالوا للخليفة: هذا رجل جهل مقداره، فأعدت إلى محلّ اكتري «10» لي بسبعين درهما، وأجري عليّ مثلها في اليوم، ثم استدعيت، فودعت الخليفة، واقتضيت ما تيسّر من جوابه «11» ، وصدر لي شيء له حظّ «12» من صلته. وانصرفت إلى أبيك.
(3/446)

والمعاملة الأولى كانت على قدر أبيك عند من يعرف الأقدار، والثانية كانت على قدري والمنّة لله. وأخبار ابن فرسان كثيرة.
شعره: وقد تعمّم الأمير «1» بعمامة بيضاء، وليس غفارة حمراء على جبّة خضراء، فقال «2» : [الطويل]
فديتك بالنّفس التي قد ملكتها ... بما أنت موليها من الكرم الغضّ
تودّدت «3» للحسن الحقيقيّ بهجة ... فصار بها الكلّيّ في ذاك كالبعض «4»
ولمّا تلالا «5» نور غرّتك التي ... تقسّم في طول البلاد وفي العرض
تلقّفتها «6» خضراء أحسن ناظر ... نبت عنك إجلالا وذاك من الفرض
وأسدلت حمر «7» الملابس فوقها ... بمفرق تاج المجد والشّرف المحض
وأصبحت «8» بدرا طالعا في غمامة ... على شفق دان إلى خضرة الأرض
ومن شعره، ولا خفاء ببراعته «9» : [الطويل]
ندى مخضلا ذاك الجناح المنمنما ... وسقيا وإن لم تشك يا ساجعا «10» ضما
أعدهنّ ألحانا على سمع معرب ... يطارح مرتاحا على القضب معجما
وطر «11» غير مقصوص الجناح مرفّها ... مسوّغ أشتات الحبوب منعّما
وقال أيضا رحمه الله «12» : [الطويل]
كفى حزنا أنّ الرماح «13» صقيلة ... وأنّ الشّبا رهن الصّدى بدمائه
وأنّ بياذيق «14» الجوانب فرزنت ... ولم يعد رخّ الدّست بيت بنائه
(3/447)

عبد المنعم «1» بن عمر بن عبد الله بن حسّان الغسّاني
جلياني «2» ، من أهل وادي آش، وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا محمد، وأبا الفضل.
حاله: تجوّل ببلاد المشرق سائحا، وحجّ ونزل القاهرة، وكان أديبا، بارعا حكيما، ناظما ناثرا.
تواليفه: وله مصنّفات منها «جامع أنماط السائل، في العروض والخطب والرسائل» «3» ، أكثر كلامه فيه نظما ونثرا.
مشيخته ومن روى عنه: روى عنه أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحيم الخطيب بضريح الخليل، وأبو عبد الله بن يحيى المرسي.
شعره: قال من شعره «4» : [الطويل]
ألا إنّما الدّنيا بحار تلاطمت ... فما أكثر الغرقى على الجنبات
وأكثر من «5» لاقيت «6» يغرق إلفه ... وقلّ فتى ينجي «7» من الغمرات
وفاته: سنة ثلاث وستمائة «8» .
(3/448)

فهرس المحتويات
محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي 3
محمد المكودي 8
المقرئون والعلماء- الأصليون منهم 10
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي 10
محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي 13
محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي 15
محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري 16
محمد بن محمد النّمري الضّرير 19
محمد بن عبد الولي الرّعيني 21
محمد بن علي بن أحمد الخولاني 22
محمد بن علي بن محمد البلنسي 25
محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن حسن بن عبد الرحمن بن بقيّ 25
محمد بن سعيد بن علي بن يوسف الأنصاري 27
محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان النّفزي 28
ومن الطارئين عليها في هذا الحرف 43
محمد بن أحمد بن داود بن موسى بن مالك اللّخمي اليكّي 43
ومن السفر الثامن من ترجمة المقرئين والعلماء 45
محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني 45
محمد بن أحمد بن علي بن قاسم المذحجي 46
محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني 47
محمد بن أحمد الرّقوطي المرسي 48
محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي 48
محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي 49
(3/449)

محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري 49
محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي 51
محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف بن يوسف بن خلف الأنصاري 52
محمد بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري 53
محمد بن محمد بن إدريس بن مالك بن عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله القضاعي 53
محمد بن محمد بن محارب الصّريحي 55
محمد بن محمد بن لب الكناني 56
محمد بن محمد البدوي 57
محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد الله العبدري 60
محمد بن عبد الله بن عبد العظيم بن أرقم النّميري 62
محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج ابن الجدّ الفهري 63
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الفخّار الجذامي 64
محمد بن علي بن عمر بن يحيى بن العربي الغستاني 67
محمد بن علي بن محمد العبدري 68
ومن الغرباء في هذا الباب 75
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي 75
محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي الكرسوطي 98
محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري 101
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري 102
محمد بن علي بن هاني اللّخمي السّبتي 108
محمد بن يحيى العبدري 118
المحدّثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولا الأصليون 119
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزّبير 119
محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغسّاني 121
محمد بن أحمد بن محمد الدّوسي 122
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري 122
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي زمنين المرّي 124
محمد بن جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم بن حسّان القيسي 124
محمد بن خلف بن موسى الأنصاري الأوسي 126
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الخولاني 127
محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي 129
محمد بن عبد العزيز بن سالم بن خلف القيسي 131
محمد بن عبد الله بن أبي زمنين 132
(3/450)

محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرّي 132
محمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن قاسم بن مشرّف بن قاسم بن محمد بن هاني اللخمي القائصي 133
محمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن أحمد بن يوسف بن أحمد الغساني 134
محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرّج بن أحمد بن عبد الواحد بن حريث بن جعفر بن سعيد بن محمد بن حقل الغافقي 135
محمد بن علي بن عبد الله اللخمي 136
محمد بن علي بن فرج القربلياني 137
محمد بن علي بن يوسف بن محمد السّكوني 138
محمد بن سودة بن إبراهيم بن سودة المرّي 139
محمد بن يزيد بن رفاعة الأموي البيري 139
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن خميس الأنصاري 140
محمد بن أحمد بن عبد الله العطار 141
محمد بن أحمد بن المراكشي 142
محمد بن بكرون بن حزب الله 143
محمد بن الحسن بن أحمد بن يحيى الأنصاري الخزرجي 144
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي 145
محمد بن محمد بن يوسف بن عمر الهاشمي 146
محمد بن محمد بن ميمون الخزرجي 147
محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري 148
ومن الغرباء في هذا الاسم 151
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد التّلمساني الأنصاري 151
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف بن قطرال الأنصاري 153
العمال في هذا الاسم وأولا الأصليون 154
محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل 154
محمد بن الحسن بن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي 157
محمد بن محمد بن حسّان الغافقي 157
محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أحمد بن أسد بن قاسم النّميري، المدعو بابن الحاج 158
محمد بن عبد الرحمن الكاتب 159
محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر 161
(3/451)

محمد بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر العنسي 163
ومن الطارئين في هذا الاسم من العمال 164
محمد بن أحمد بن المتأهّل العبدري 164
محمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد البلوي 166
محمد بن محمد بن شعبة الغسّاني 170
محمد بن محمد بن العراقي 171
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن فرتون الأنصاري 172
محمد بن عبد الله بن محمد بن مقاتل 173
محمد بن علي بن عبد ربه التجيبي 173
الزّهاد والصّلحاء والصّوفية والفقراء وأولا الأصليون 174
محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد الأنصاري 174
محمد بن أحمد الأنصاري 175
محمد بن حسنون الحميري 175
محمد بن محمد البكري 175
محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري 176
ومن الطّارئين عليها في هذا الاسم 177
محمد بن أحمد بن جعفر بن عبد الحق بن محمد بن جعفر بن محمد بن أحمد بن مروان بن الحسن بن نصر بن نزار بن عمرو بن زيد بن عامر بن نصر بن حقاف السلمي 177
محمد بن أحمد بن حسين بن يحيى بن الحسين بن محمد بن أحمد بن صفوان القيسي 179
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري 181
محمد بن أحمد بن قاسم الأمي 182
محمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر بن يوسف بن علي بن خالد بن عبد الرحمن بن حميد الهاشمي الطّنجالي 186
محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي بن الحاج 187
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي 190
محمد بن يوسف بن خلصون 194
ومن الغرباء في هذا الاسم 202
محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ بن إبراهيم بن جميل بن يوسف العراقي 202
محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي المرّاكشي 203
محمد بن محمد بن عبد الرحمن التميمي بن الحلفاوي 205
محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يوسف اللّواتي 206
(3/452)

سائر الأسماء في حرف الميم الملوك والأمراء وما منهم إلّا طارىء علينا أو غريب 207
مزدلي بن تيولتكان بن حمنى بن محمد بن ترقوت بن وربابطن بن منصور بن نصاله بن أمية بن واباتن الصّنهاجي اللّتموني 207
موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الهنتاني 207
منديل بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو الأمير أبو زيّان 208
ومن الطارئين 210
المطرّف بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية 210
منذر بن يحيى التّجيبي 211
موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان 216
مبارك ومظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر 220
ومن ترجمة الأعيان والوزراء بل ومن ترجمة الطارئين والغرباء منها 228
منصور بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو 228
مقاتل بن عطية البرزالي 229
ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة 230
مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي 230
ومن الطارئين والغرباء 231
المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي 231
ومن ترجمة الكتاب والشعراء وهم الأصليّون 231
مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن الفرج بن أزرق بن سعد بن سالم بن الفرج 231
ومن طارئي المقرئين والعلماء 248
منصور بن علي بن عبد الله الزواوي 248
مسلم بن سعيد التّنملّي 251
ومن العمال الأثراء 252
مؤمّل، مولى باديس بن حبّوس 252
حرف النون الملوك والأمراء نصر بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر بن أحمد بن محمد بن خميس بن عقيل الخزرجي الأنصاري 254
ومن الأعيان والوزراء 261
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري 261
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح بن نصر بن إبراهيم بن نصر الفهري 261
ومن الكتّاب والشعراء 262
نزهون بنت القليعي 262
(3/453)

حرف الصاد من الأعيان والوزراء الصّميل بن حاتم بن عمر بن جذع بن شمر بن ذي الجوشن الضّبابي الكلبي 264
ومن الكتّاب والشعراء 266
صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التّجيبي 266
صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف النّفزي 275
حرف العين من ترجمة الملوك والأمراء عبد الله بن إبراهيم بن علي بن محمد التجيبي الرئيس أبو محمد بن إشقيلولة 287
عبد الله بن بلقّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي 289
عبد الله بن علي بن محمد التّجيبي، الرئيس أبو محمد بن إشقيلولة 291
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد العزفي 292
عبد الله بن الجبير بن عثمان بن عيسى بن الجبير اليحصبي 293
عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي السّلماني 294
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن جزيّ 298
ومن المقرئين والعلماء 305
عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مجاهد العبدري الكوّاب 305
عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني 306
عبد الله بن سهل الغرناطي 308
عبد الله بن أيوب الأنصاري 309
عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري 309
عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن أحمد بن إسماعيل بن سماك العاملي 313
ومن ترجمة القضاة 314
عبد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أيوب بن الحسن بن منخل بن زيد الغافقي 314
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن أبي زمنين المرّي 315
عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى بن محمد بن يحيى بن زكريا الأنصاري 315
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك بن أبي جمرة الأزدي 316
عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأزدي 317
عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري 318
عبد الله بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن بن الحسين الثقفي العاصمي 319
عبد الله بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي 320
ومن ترجمة الكتّاب والشعراء بين أصلي وطارىء 320
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي 320
عبد الله بن إبراهيم بن وزمّر الحجاري الصّنهاجي 328
(3/454)

عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب السّلماني 331
عبد الله بن محمد بن سارة البكري 333
عبد الله بن محمد الشرّاط 335
عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان النّجاري 337
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر 347
ومن الصوفية والفقراء 349
عبد الله بن عبد البر بن سليمان بن محمد بن محمد بن أشعث الرّعيني 349
عبد الله بن فارس بن زيان 351
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي 352
ومن الملوك والأمراء والأعيان والوزراء 353
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [بن محمد] بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معوية، أمير المؤمنين، الناصر لدين الله 353
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية 355
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس 356
عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن سعيد بن محمد اللخمي 359
عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي 360
ومن ترجمة المقرئين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم 363
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي 363
عبد الرحمن بن هانىء اللخمي 366
عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي 367
عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري 368
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي 377
عبد الرحمن بن الحاج بن القميي الإلبيري 395
عبد الرحمن بن يخلفتن بن أحمد بن تفليت الفازازي 395
ومن السفر العاشر العمال الأثرا في هذا الحرف 399
عبد الرحمن بن أسباط 399
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري 400
عبد الرحمن بن عبد الملك الينشتي 403
وفي سائر الأسماء التي بمعنى عبد الله وعبد الرحمن، وأولاد الأمراء 405
(3/455)

عبد الأعلى بن موسى بن نصير مولى لخم 405
عبد الحليم بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو 406
عبد المؤمن بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو 408
ومن الأفراد أيضا في هذا الحرف وهم طارؤون 408
عبد الحق بن علي بن عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق 408
عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني 409
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبرا 410
عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق بن محيو 410
عبد الملك بن علي بن هذيل الفزاري وعبد الله أخوه 411
عبد القهار بن مفرج بن عبد القهار بن هذيل الفزاري 411
القضاة الفضلاء وأولا الأصليون 412
عبد الحق بن غالب بن عطية بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية بن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكتوم المحاربي 412
عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن فرج الخزرجي 415
ومن غير الأصليين 419
عبد الحكيم بن الحسين بن عبد الملك بن يحيى بن باسيو بن تادررت التّنمالي اليدرازتيني ثم الواغديني 419
ومن المقرئين والعلماء 420
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة بن العباس بن مرداس السلمي 420
ومن الطارئين عليها 424
عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السّداد الأموي المالقي، الشهير بالباهلي 424
ومن الكتّاب والشعراء في هذا الحرف 425
عبد الحق بن محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي 425
عبد الرزّاق بن يوسف بن عبد الرزّاق الأشعري 439
عبد الملك بن سعيد بن خلف العنسي 440
عبد العزيز بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز بن يست 441
عبد البر بن فرسان بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الغساني 445
عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسّان الغسّاني 448
(3/456)

[المجلد الرابع]
[تتمة قسم الثانى]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
ومن الغرباء
عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد ابن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي «1»
يكنى أبا محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، رحمه الله، خاتمة الصّدور، ذاتا وسلفا وتربية وجلالة. له القدح المعلّى في علم العربية، والمشاركة الحسنة في الأصلين، والإمامة في الحديث، والتّبريز في الأدب والتاريخ واللغة، والعروض والمماسة في غير ذلك.
نشأ فارس الحلبة، وعروس الوليمة، وصدر المجلس، وبيت القصيد، إلى طيب الأبوّة، وقدم الأصالة، وفضل الطّعمة، ووفور الجاه، والإغراق في النّعمة، كثير الاجتهاد والملازمة، والتفنّن والمطالعة، مقصور الأوقات على الإفادة والاستفادة، إلى أن دعته الدولة المرينيّة بالمغرب إلى كتابة الإنشاء، فاشتملت عليه اشتمالا، لم يفضل عنه من أوقاته ما يلتمس فيه ما لديه. واستمرت حاله، موصوفا بالنّزاهة والصّدق، رفيع الرّتبة، مشيد الحظوة، مشاركا للضيف فاضلا، مختصر الطّعمة والحلية، يغلب عليه ضجر يكاد يخلّ به، متصل الاجتهاد والتّقييد، لا يفتر له قلم، إلى أن مضى بسبيله.
(4/3)

وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» من تأليفنا بما نصّه «1» : تاج المفرق، وفخر المغرب على المشرق، أطلع منه نورا أضاءت الآفاق «2» ، وأثرى «3» منه بذخيرة حملت أحاديثها الرّفاق. ما شئت من مجد سامي المصاعد والمراقب، عزيز عن لحاق المجد الثاقب، وسلف زيّنت سماؤه بنجوم المناقب. نشأ بسبتة بين علم يفيده، وفخر يشيده، وطهارة يلتحف مطارفها، ورياسة يتفيّأ وارفها، وأبوه رحمه الله قطب مدارها، ومقام حجّها واعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف والسّهول، وبذّ على حداثة سنّه الكهول، فلمّا تحلّى من الفوائد العلمية بما تحلّى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلّى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، واستأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذّخائر، فاستقلّت بالسياسة ذراعه، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه، وكان عين الملك التي بها يبصر، ولسانه الذي به يسهب أو يختصر. وقد تقدّمت له إلى هذه البلاد الوفادة، وجلّت به عليها الإفادة، وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في عقودها الرّفيعة وسلوكها، وله في الأدب «4» الرّاية الخافقة، والعقود المتناسقة.
مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ الإمام أبي إسحاق الغافقي المديوني، وعلى الأستاذ المقرئ أبي القاسم محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن الطيّب، والأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وعلى الأستاذ العارف أبي عبد الله محمد بن عمر بن الدّراج التلمساني، وعلى ابن خال أبيه الأمير الصالح أبي حاتم العزفي، والعدل الرّضا أبي فارس عبد الرحمن بن إبراهيم الجزيري.
وقرأ بغرناطة على الشيخ العلّامة أبي جعفر بن الزبير، وروى عن الوزير الراوية أبي محمد عبد الله المرادي ابن المؤذن، وعلى الأستاذ أبي بكر القللوسي، وأخذ عن الشيخ الوزير أبي الوليد الحضرمي القرطبي. وبمالقة عن الإمام الولي أبي عبد الله الطّنجالي. وببلّش عن الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، وعن الخطيب أبي عبد الله بن شعيب المروي، والعلّامة أبي الحسين بن أبي الربيع، وأبي الحكم بن منظور، وابن الشّاط، وابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن ربيع، وابن البنّاء، وسميّه ابن البنّاء المالقي، وابن خميس النحوي، وأبي أمية بن سعد السّعود بن عفير الأمدي. هؤلاء كلهم لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له ما عندهم. وممن أجاز له مشافهة أو مكاتبة من أهل المغرب، الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عمر الأنصاري التّلمساني ابن الدراج، والكاتب أبو علي الحسين بن عتيق، وتناول تواليفه، والأديب
(4/4)

الشهير أبو الحكم مالك بن المرحّل، والشريف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي الشرف الحسيني، وأبو بكر بن خليل السّكوني، وأبو العباس المطري، والجزّاري، وشرف الدين بن معطي، وابن الغمّاز، وابن عبد الرفيع القاضي، وأبو الشمل جماعة بن مهيب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد التجاني وأبناء عمّه عمر وعلي، وابن عجلان، ومحمد بن إبراهيم القيسي السلولي، ومحمد بن حماد اللبيدي، وابن سيد الناس، وابنه أبو الفتح، وابن عبد النور، والمومناني، والخطيب ابن صالح الكتّاني، وابن عياش المالقي، والمشدالي، وابن هارون، والخلاسي، والدبّاغ، وابن سماك، وابن أبي السّداد، وابن رزين، وابن مستقور، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو بكر بن محزز. وكتب له من أهل المشرق جماعة منهم: الأبرقيشي، وابن أبي الفتح الشيباني، وابن حمادة، وابن الطاهري، وابن الصابوني، وابن تيمية، وابن عبد المنعم المفسر، وابن شيبان، وابن عساكر، والرضي الطبري، وابن المخزومي، وابن النحاس. قلت: من أراد استيفاءهم ينظر الأصل، فقد طال على استيفاء ما ذكره الشيخ رحمه الله. وقد ذكر جماعة من النساء، ثم قال بعد تمام ذلك: ولو قصدنا الاستقصاء لضاق عن مجاله المتبع.
شعره: وشعره متخلّ عن محلّه من العلم والشهرة، وإن كان داخلا تحت طور الإجادة.
فمن ذلك قوله «1» : [الطويل]
تراءى سحيرا والنسيم عليل ... وللنجم طرف بالصباح كليل
وللفجر بحر «2» خاضه الليل فاعتلت ... شوى أدهم الظلماء منه حجول «3»
بريق بأعلى الرّقمتين كأنه ... طلائع شهب في السواد «4» تجول
فمزّق ساجي الليل منه شرارة ... وخرّق ستر الغيم منه نصول
تبسّم ثغر الروض عند ابتسامه ... وفاضت عيون للغمام همول
ومالت غصون البان نشوى كأنها ... يدار عليها من صباه شمول
وغنّت على تلك الغصون حمائم ... لهنّ حفيف فوقها وهديل
(4/5)

إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت ... يطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعا لا تزال تشوقني ... إليه رسوم دونه وطلول
جاد رباه «1» كلما ذرّ شارق ... من الودق هتّان أجشّ هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعي ... سفوح على تلك العراص «2» همول
وعاذلة ظلّت «3» تلوم على السّرى ... وتكثر من تعذالها وتطيل
تقول: إلى كم ذا فراق وغربة ... ونأي على ما خيّلت ورحيل
ذريني أسعى للتي تكسب العلا ... سناء وتبقي الذّكر وهو جميل
فإمّا تريني من ممارسة الهوى ... نحيلا فحدّ المشرفيّ «4» نحيل
فوق أنابيب اليراعة صفرة «5» ... تزين، وفي قدّ القناة ذبول
ولولا السّرى لم يجتل البدر كاملا ... ولا بات منه للسّعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا ... لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال «6» ابن الحكيم محمد ... لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السّماك جلالة ... وليس له إلّا النجوم قبيل
من القوم، أمّا في النّديّ «7» فإنهم ... هضاب وأمّا في النّدى فسيول
حووا شرف العلياء إرثا ومكسبا ... وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطّالة ذات هيدب ... مرتها شمال مرجف وقبول «8»
لها زجل من رعدها ولوامع ... من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت ... شقاشقها عند الهياج فحول
بأجود من كفّ الوزير محمد ... إذا ما توالت للسّنين محول
ولا «9» روضة بالحسن طيبة الشّذا ... ينمّ عليها إذخر وجليل
وقد أذكيت للزهر فيها مجامر ... تعطّر منها للنسيم ذيول
(4/6)

وفي مقل النّوار للطلّ «1» عبرة ... تردّدها أجفانها وتحيل
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّما ... تفاقم خطب للزمان يهول
حويت أبا عبد الإله مناقبا ... تفوت يدي «2» من رامها وتطول
فغرناطة مصر وأنت خصيبها ... ونائل يمناك الكريمة نيل «3»
فداك رجال حاولوا درك العلا ... ببخل، وهل نال العلاء بخيل؟
تخيّرك المولى وزيرا وناصحا ... فكان له ممّا أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوّضا ... إليك فلم يعدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيّد ... نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أروع «4» باسل ... مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنما ... على وجنتيه للنّضار مسيل
تهيم به العلياء حتى كأنها ... بثينته في الحبّ وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاءها ... حسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقين فأصبحت ... إليه قلوب العالمين تميل
وأعدى قريضي جوده وثناؤه ... فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أيا فخر الوزارة أرقلت ... برحلي هو جاء النّجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا ... بأيدي ركاب سيرهنّ ذميل «5»
تسدّدني سهما لكلّ ثنيّة ... ضوامر أشباه القسيّ نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى ... ذراك برحلي «6» هوجل وهجول
فقيّدت أفراسي به وركائبي ... ولذّ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّة ... عليها لأحداث الزمان ذحول «7»
ويهوى «8» العلا حظّي ويغرى «9» بضدّه ... لذاك اعترته رقّة ونحول
(4/7)

وتأبى لي الأيام إلّا إدالة ... فصونك لي إنّ الزمان مديل
فكلّ خضوع في جنابك عزّة ... وكلّ اعتزاز قد عداك «1» خمول
وهي طويلة. ومن شعره «2» : [السريع]
سقى ثرى سبتة بين البلاد ... وعهدها المحبوب صوب العهاد
وجاد منهل الحيا ربعها ... بوبله تلك الرّبى والوهاد
وكم لنا في طور سينائها ... من رائح للأنس في إثر غاد
وعينها البيضاء كم ليلة ... بيضاء فيها قد خلت لو تعاد
وبالمنارة التي نورها ... لكلّ من ضلّ دليل وهاد
نروح منها مثلما نغتدي ... للأنس والأفراح ذات ازدياد
في فتية مثل نجوم الدّجى ... ما منهم إلّا كريم جواد
ارتشفوا كأس الصفا بينهم ... وارتضعوا أخلاف محض الوداد
ويالأيام ببنيولش «3» ... لقد عدت عنها صروف العوادي
أدركت من لبنى بها كلّما ... لبانة وساعدتني سعاد
ونلت من لذّات دهري الذي ... قد شئته وللأماني انقياد
منازل ما إن على مبدل ... هاء مكان اللام فيها انتقاد
سلوتها مذ ضمّني بعدها ... نادي الوزير ابن الحكيم الجواد
ومن المقطوعات قوله «4» : [المتقارب]
أبت همّتي أن يراني امرؤ ... على الدهر يوما له ذا خضوع
وما ذاك إلّا لأني اتّقيت ... بعزّ القناعة ذلّ القنوع «5»
ومن ذلك في المشط والنشفة من آلات الحمّام: [الكامل]
إني حسدت المشط والنّشف الذي ... لهما مزايا القرب دوني مخلصه
فأنامل من ذا تباشر صدغه ... ومراشف من ذا تقبّل أخمصه «6»
(4/8)

نثره: وقع هنا بياض مقدار وجهة في أصل الشيخ.
مولده: ولد ببلده سبتة في عام ستة وسبعين وستمائة.
وفاته: وتوفي بتونس في الثاني عشر لشوال من عام تسعة وأربعين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، بعد أن أصابته نبوة من مخدومه السلطان أبي الحسن «1» ، ثم استعتبه وتلطف له. وكانت جنازته مشهورة، ودفن بالزّلاج من جبانات خارج تونس، رحمه الله.
عبد المهيمن بن محمد الأشجعي البلّذوذي
نزيل مراكش.
حاله: من كتاب «المؤتمن» «2» ، قال: كان شاعرا مكثرا، سهل الشعر، سريعه، كثيرا ما يستجدي به، وكان يتقلّد مذهب أبي محمد علي بن حزم، الفقيه الظاهري، ويصول بلسانه على من نافره. دخل الأندلس وجال في بلادها بعد دخوله مراكش.
وكان أصله من بلّذوذ. ورد مالقة أيام قضاء أبي جعفر بن مسعدة، وأطال بها لسانه، فحمل عليه هنالك حملا أذاه، إلى أن كان مآل أمره ما أخبرني به شيوخ مالقة، وأنسيته الآن، فتوصّل إلى مآل أمره من جهة من بقي بها الآن من الشيوخ، نقلت اسمه ونسبه من خطّه.
شعره: [مجزوء الرجز]
أما على ذي شرك ... في صيدنا من درك؟
تصيدنا لواحظ ... وما لها من حرك
والبدر إن غاب فمن ... يجلو ظلام الحلك؟
قد تاب للقلب «3» فما ... يدري إن لم تدركي «4»
عدا السقام أو عدا ... وعد الذي لم يأفك
أو لم «5» يكن حلّ دمي ... فلتبطلي «6» أو أترك
(4/9)

حاربت من لا قدرة ... لديه في المعترك
يفلّ غرب سيفه ... سيف لحاظ فتّك
يا لفتى يا قبلتي ... يا حجّتي يا نسكي «1»
إن عظم الحزن فما ... أرجل حسن الفلك «2»
أو أهديت الحيّ ... فلابن عبد الملك «3»
خطيب ومران للّذي ... سلك على سلك «4»
ركن التّقى محمد ... ذو النّبل والطبع الزكي «5»
منفرد في جوده ... بماله المشترك
يا نوق، هذا بابه ... فهو أجلّ مبرك
وأنت يا حادية، ... قربت، ما أسعدك!
فبرّكي وكبّري ... وأبركي «6» وبرّك
فقد أتينا بشرا ... له صفات الملك
كفّك يهمي ملكت ... كأنّها لم تملك
قصيدتي لو لم تنل ... منك حلّى لم تسبك
أبكيت ديمة النّدى ... فزهرها ذو ضحك
لكنني يا سيدي ... من فاقتي في شرك
وشعره على هذه الوتيرة. حدّثني أبي، قال: رأيته رجلا طوالا، شديد الأدمة، حليق الرأس، دمينه، عاريه، كثير الاستجداء والتّهاتر مع المحابين من أدباء وقته، يناضل عن مذهب الظاهرية بجهده.
وفاته: من خط الشيخ أبي بكر بن شبرين: وفي عام سبعة وتسعين وستمائة توفي بفاس الأديب عبد المهيمن المكناسي، المكتنى بأبي الجيوش البلّذوذي، وكان ذا هذر وخرق، طوّافا على البلاد، ينظم شعرا ضعيفا يستمنح به الناس، وآلت حاله إلى أن سعي به لأبي فارس عزّوز الملزوزي الشاعر، شاعر السلطان أبي يعقوب وخديمه، وذكر له أنه هجاه، فألقى إلى السلطان ما أوجب سجنه، ثم ضربت عنقه صبرا، نفعه الله.
(4/10)

عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد الملزوزي
من أهل العدوة الغربية، يكنى أبا فارس، ويعرف بعزّوز.
حاله: كان شاعرا مكثرا سيّال القريحة، منحطّ الطبقة، متجنّدا، عظيم الكفاية والجرأة، جسورا على الأمراء، علق بخدمة الملوك من آل عبد الحق وأبنائهم، ووقف أشعاره عليهم، وأكثر النظم في وقائعهم وحروبهم، وخلط المعرّب باللّسان الزناتي في مخاطباتهم، فعرف بهم، ونال عريضا من دنياهم، وجمّا من تقريبهم. واحتلّ بظاهر غرناطة في جملة السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب، وأمير المسلمين أبيه، واستحقّ الذكر بذلك.
شعره: من ذلك أرجوزة نظمها بالخضراء في شوال سنة أربع وثمانين وستمائة، ورفعها إلى السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، سماها ب «نظم السلوك، في الأنبياء والخلفاء والملوك» لم يقصر فيها عن إجادة.
ومن شعره، قال مخبرا عن الأمير أبي مالك عبد الواحد ابن أمير المسلمين أبي يوسف:
دعاني يوما والسما قد ارتدت بالسحائب ... والغيث يبكي بالدموع السّواكب
كأنه عاشق صدّ عنه حبيبه ... ففاضت دموعه عليه وكثر نحيبه
ولم يرق له مدمع ... كأنه لم يبق له فيه مطمع
فكان الوعد حسرته ... والبرق لو عته وزفرته
فقال لي: ما أحسن هذا اليوم ... لو كان في غير شهر الصوم
فاقترح غاية الاقتراح عليّ ... وقال: قل فيه شعرا بين يديّ
فأنشدته هذه الأبيات: [الكامل]
اليوم يوم نزهة وعقار ... وتقرّب الآمال والأوطار
أو ما ترى شمس النهار قد اختفت ... وتستّرت عن أعين النظّار
والغيث سحّ غمامه فكأنّه ... دنف بكى من شدّة التذكار
والبرق لاح من السماء كأنه ... سيف تألّق في سماء غبار
لا شيء أحسن فيه من نيل المنى ... بمدامة «1» تبدو كشعلة نار
(4/11)

لولا صيام عاقني عن شربها ... لخلعت في هذا النهار عذاري «1»
لو كان يمكن أن يعار أعرته ... وأصوم شهرا في مكان نهار
لكن تركت سروره ومدامه ... حتى أكون لديه ذا أفكار
ونديرها في الكأس بين نواهد ... تجلو الهموم بنغمة الأوتار
فجفونها تغنيك عن أكواسها ... وخدودها تغنيك عن أزهار
فشكره لمّا سمعه غاية الشكر، وقال: أسكرتنا بشعرك من غير سكر. قال:
وأتيته بهذه الأبيات: [الكامل]
أعلمت بعدك زفرتي وأنيني ... وصبابتي يوم النّوى وشجوني «2» ؟
أودعت إذ ودّعت وجدا في الحشا ... ما إن تزال سهامه تصميني «3»
ورقيب شوقك حاضر مترقّب ... إن رمت صبرا بالأسى يغريني
من بعد بعدك ما ركنت لراحة ... يوما ولا غاضت عليك شؤوني
قد كنت أبكي الدمع أبيض ناصعا ... فاليوم تبكي بالدّماء جفوني
قل للذين قد ادّعوا فرط الهوى ... إن شئتم علم الهوى فسلوني
إنّي أخذت كثيره عن عروة ... ورويت سائره عن المجنون
هذي روايتنا عن اشياخ «4» الهوى ... فإن ادّعيتم غيرها فأروني
يا ساكني أكناف رملة عالج ... ظفرت بظبيكم الغرير يميني
كم بات في جنح الظلام معانقي ... ومجنت في صفر «5» إلى مجنون
في روضة نمّ النسيم بعرفها ... وكذاك عرف الرّوض غير مصون
والورق «6» من فوق الغصون ترنّمت ... فتريك بالألحان أيّ فنون
تصغي الغصون لما تقول فتنثني ... طربا لها فاعجب لميل غصون
والأرض قد لبست غلائل سندس ... قد كلّلت باللؤلؤ المكنون
تاهت على زهر السماء بزهرها ... وعلى البدور بوجهها الميمون
(4/12)

قال أبو فارس: وكان أمير المسلمين أبو يوسف سار إلى مدينة سلا، فبويع بها ولده أبو يعقوب، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام أحد وسبعين وستمائة، يوم مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنشدته يوم بيعته هذه القصيدة ورفعتها إليه:
[الكامل]
يا ظبية الوعساء، قد برح الخفا ... إنّي صبرت على غرامك ما كفى
كم قد عصيت على هواك عواذلي ... وأناب بالتّبعيد منك وبالجفا
حمّلتني ما لا أطيق من الهوى ... وسقيتني من غنج لحظك قرقفا «1»
وكسوتني ثوب النحول فمنظري ... للناظرين عن البيان قد اختفى
هذا قتيلك فارحميه فإنه ... قد صار من فرط النحول على شفا
لهفي على زمن تقضّى بالحمى ... وعلى محلّ بالأجيرع قد عفا
أترى يعود الشّمل كيف عهدته ... ويصير بعد فراقه متألّقا؟
لله درّك يا سلا من بلدة ... من لم يعاين مثل حسنك ما اشتفا
قد حزت برّا ثم بحرا طاميا ... وبذاك زدت ملاحة وتزخرفا
فإذا رأيت بها القطائع خلتها ... طيرا يحوم على الورود مرفرفا
والجاذفين على الرّكيم كأنهم ... قوم قد اتخذوا إماما مسرفا
جعل الصّلاة لهم ركوعا كلها ... وأتى ليشرع في السجود مخفّفا
والموج يأتي كالجبال عبابه ... فتظنّه فوق المنازل مشرفا
حتى إذا ما الموج أبصر حدّه ... غضّ العنان عن السّرى وتوقّفا
فكأنّه جيش تعاظم كثرة ... قد جاء مزدحما يبايع يوسفا
ملك به ترضى الخلافة والعلا ... وبه تجدّد في الرّئاسة ما عفا
من لم يزل يسبي الفوارس في الوغى ... إن سلّ في يوم الكريهة مرهفا
ألفت محبّته القلوب لأنه ... ملك لنا بالجود أضحى متحفا
ألقى إليه الأمر والده الذي ... عن كل خطب في الورى ما استنكفا
يعقوب الملك الهمام المجتبى ... الماجد الأوفى الرحيم الأرأفا
يهواه من دون البنين كأنما ... يعقوب يعقوب ويوسف يوسفا
(4/13)

طوبى لمن في الناس قبّل كفّه ... والويل منه لمن غدا متوقّفا
أعطاك ربّك وارتضاك لخلقه ... فاقتل بسيفك من أبى وتخلّفا
وامدد يمينك للوفود فكلهم ... لليوم عاد مؤمّلا متشوّفا
فاليوم لا تخشى النّعاج ذئابها ... ويعود من يسطو بها متعطّفا
صلح الزمان فلا عدوّ يتّقى ... لم يخش خلق في علاك تخوّفا
لم لا وعدلك للبريّة شامل؟ ... طبعا وغيرك لا يزال تكلّفا
يا من سررت بملكه وعلائه ... اليوم أعلم أنّ دهري أنصفا
فإذا ملكت فكن وفيّا حازما ... واعلم بأنّ الملك يصلح بالوفا
وأفض بذلك «1» للوجود وكن لهم ... كهفا وكن ببعيدهم مستعطفا
فالجود يصلح ما تعلّم في العلا ... وسواه يفسد في الخلافة ما صفا
إنّ البريّة في يديك زمامها ... فاحذر فديتك أن تكون معنّفا
يا من تسربل بالمكارم والعلا ... ما زال حاسدكم يزيد تأسّفا
خذها إليك قصيدة من شاعر ... في نظم فخرك كيف شاء «2» تصرّفا
خضع الكلام له فصار كعبده ... ما شاء يصنع ناظما ومؤلّفا
لا زالت الأمجاد تخدم مجدكم ... ما زارت الحجّاج مروة والصّفا
ومن شعره في رثاء الأمير أبي مالك: [الكامل]
سهم المنيّة أين منه فرار ... من في البريّة من رجاه يجار
حكم الزمان على الخلائق بالفنا ... فالدار لا يبقى بها ديّار
عش ما تشاء فإنّ غايتك الرّدى ... يبلى الزمان وتذهب الأعمار
فاحذر مسالمة الزمان وأمنه ... إنّ الزمان بأهله غدّار
وانظر إلى الأمراء قد سكنوا الثرى ... وعليهم كأس المنون تدار
تركوا القصور لغيرهم وترحّلوا ... ومن اللّحود عليهم أستار
قد وسّدوا بعد الحرير جنادلا ... ومن اللحود عليهم أستار
منعوا القباب «3» وأسكنوا بطن الثّرى ... حكمت بذاك عليهم الأقدار
(4/14)

لم تنفع الجرد الجياد ولا القنا ... يوم الرّدى والعسكر الجرّار
في موت عبد الواحد الملك الرّضا ... لجميع أملاك الورى إنذار
أن ليس يبقى في الملوك مملّك ... إلّا أتته منيّة وبوار
ناديته والحزن خامر مهجتي ... والقلب فيه لوعة وأوار
يا من ببطن الأرض أصبح آفلا ... أتغيب في بطن الثّرى الأقمار؟
أين الذين عهدت صفو ودادهم ... هل فيهم بعد الرّدى لك جار؟
تركوك في بطن الثّرى وتشاغلوا ... بعلا سواك فهجرهم إنكار
لما وقفت بقبره مترحّما ... حان العزاء «1» وهاجني استعبار
فبكيت دمعا لو بكت بمثاله ... غرّ السّحائب «2» لم تكن أمطار
يا زائريه استغفروا لمليككم ... ملك الملوك فإنه غفّار
وفاته: توفي خنقا بسجن فاس بسعاية سعيت به، جناها تهوّره في وسط عام سبعة وتسعين وستمائة، وقد كان جعل له النّظر في أمور الحسبة ببلاد المغرب.
ومن العمّال
عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز الأسدي العراقي
من أهل وادي آش، نزل سلفه طرّش من أحوازها، وجدّه استوطنها، وذكروا أنه كان له بها سبعون غلاما. وجدّه للأمّ أبو الحسن بن عمر، شارح الموطّأ ومسلم، ومصنّف غير ذلك. كذا نقلته عن أبي عبد الله العراقي، قريبه.
حاله: كان طبيبا، شاعرا مجيدا، حسن الخط، طريف العمل، مشاركا في معارف، تولّى أعمالا نبيهة.
شعره: نقلته من خطّه ما نصّه: [الوافر]
صرفت لخير صدر في الزمان ... عريق في أصالته عنان
كريم المنتمى من خير بيت ... سليل مجادة ورفيع شان
رحيب بان «3» فضل غير وان ... عن الأفضال في هذا الأوان
(4/15)

ومن هذا؟ أذاك هو ابن عيسى ... محمد المعان على المعان؟
أبو عبد الإله «1» المنتمي من ... مساوي الفضل في سرو «2» العنان
ذراني في مجادته محبّا ... فهشّ لما به يحوي جناني «3»
فأنس ثم بشر بالأماني ... ورفع بعد تأنيس مكاني
وسرّ الله «4» ما أولى ليرأى «5» ... وليس كمن رآني فازدراني
ويوجب ذو الفضائل كلّ فضل ... بما فيها ترشّحت الأواني
وكم زهر رآه وسط روض ... وكم هاذ يدي بين الدّنان
بمالقة وبالأقطار أضحت ... معاليكم مشيّدة المباني
فأبدوا للإله «6» لسوف يأتي ... لكم منّي سوابق في الرّهان
قواف كم «7» من الحكم قواف ... محامد للسّماع وللعيان
يفوق نظيمها من كل معنى ... سلوك الدّرّ من حلي الحسان
متى خفّ ازدحام من همومي ... ورجّيت الأماني «8» مع أمان
شكرت الله ثم صفا فؤادي ... وأملي ما تحبّ على لساني «9»
فهأنذا ببرّكم غذائي ... ولي منكم على بعدي تدان
محبّك حيث كنت بلا سلوّ ... وضيفك في البعاد وفي التّوان
ثنائي ثابت يبقى بقائي «10» ... ومن بعدي على طول الزمان
وما تهب الأكفّ قراك فان ... وما تهب الطّروس فغير فان
هنيئا بالنّزاهة في سرور ... ومع من لا له في الفضل ثان
فلا زالت مسرّته توالي ... ولا زالت تزفّ لك التّهاني
وفاته: ببلدة وادي آش عام خمسة عشر وسبعمائة.
(4/16)

عبد القادر بن عبد الله ابن عبد الملك بن سوّار المحاربي
حاله: هذا الرجل دمث الأخلاق، سكون، وقور. خدم أبوه بغرناطة كاتبا للغزاة، منوّها به، مشهورا بكرم وظرف. وانتقل إلى العدوة، ونشأ ابنه المذكور بها، وارتسم بخدمة ولي العهد الأمير أبي زيّان، وورد على الأندلس في وسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة في بعض خدمه، وأقام بغرناطة أياما يحاضر محاضرة يتأنّس به من أجلها الطالب، وينتظم بها مع أولي الخصوصية من أهل طريقه، وينقل حكايات مستطرفة؛ فمن ذلك أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن القروي الفاسي كان مع أبي القاسم الزياني بجامع القرويين ليلة سبع وعشرين من رمضان، فدخل عليهم ابن عبدون المكناسي، فتلقاه الزياني وتأيّده، وتوجهوا إلى الثّريّا بالقرويين وقد أوقدت، وهي تحتوي على نحو ألف كاس من الزجاج، فأنشد الزياني: [السريع]
انظر إلى ناريّة نورها ... يصدع بالّألاء حجب الغسق
فقال ابن عبدون: [السريع]
كأنّها في شكلها زهرة ... انتظم النور بها فاتّسق
وحكيت القصة للأديب الشهير أبي الحكم مالك بن المرحّل، فقال: لو حضرت أنا لقلت: [السريع]
أعيذها من شرّ ما يتّقى ... من فجأة العين بربّ الفلق
واستنشد من شعره في الثامن والعشرين لربيع الآخر من العام بقصر نجد، فقال من حكايات: إن السلطان أمير المسلمين وجد يوما على رجل أمر بتنكيله، ثم عطف عليه في الحال وأحسن إليه، وكان حاضرا مجلسه أبو الحسن المزدغي، رحمه الله، فأنشده بديهة: [البسيط]
لا تونسنّك من عثمن سطوته ... وإن تطاير من أثوابه الشرر
فإنّ سطوته والله يكلأه ... كالبرق والرّعد يأتي بعده المطر
قال المترجم به: فحدّثني بذلك والدي، فتعقّبتها عليه عام تسعة وعشرين وسبعمائة، لموجب جرّ ذلك بقولي: [البسيط]
لا تيأسن من رجا كهف الملوك أبي ... سعيد المرتجى للنّفع والضّرر
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/م 2
(4/17)

وإن بدا منه سخط أو رأيت له ... من سطوة أقبلت ترميك بالشّرر
فإنما شيء مثل الرّعد يتبعه ... برق ومن بعده ينهل المطر
وأنشدني لبعض الأحداث من طلبة فاس، يخاطب صاحبنا الفقيه الكاتب أبا عبد الله بن جزي، وقد توعده على مطل باستنساخ كتاب كان يتناول له، وهو بديع:
[الطويل]
إذا ما أتت أبطال قيس وعامر ... وأقيال عبس من بغام «1» وقسور «2»
تصادمني وسط الفلا لا تهولني ... فكيف أبالي بابن جزء مصغّر؟
مولده: بفاس في العشر الأول لذي حجة عام تسعة وسبعمائة.
ومن الزهّاد والصلحاء وأولا الأصليون
عبد الأعلى بن معلا
يكنى أبا المعلى الإلبيري، من قرى القلعة «3» ، ونشأ بالحاضرة. وكان ينسب إلى خولان. ويذكر أنه أسلم على يدي رجل من خولان، فتولّاه وانتسب إليه، وخرج إلى إلبيرة، ونشأ بها، وشغف بكتب عبد الملك بن حبيب، ولم يكن أحد في عصره يشبهه في فضله وزهده وورعه، وتواضعه وانقباضه، وتستّره؛ أرسل إليه حسين بن عبد العزيز، أخو هاشم بن عبد العزيز، وهو بإلبيرة يرغب إليه في أن يشهد جنازة ابنة توفيت له، كان يشغف بها، فتعذّر عليه إذ خشي الشّهرة. وقال لبعض جلسائه: ما علمت أن حسينا يعرفني، وعمل على الخروج من إلبيرة، وتهيّأ للخروج للحج، فحج، فلمّا كان منصرفه ونزل في بعض السّواحل، وجد هنالك مركبين يشحنان، فرغب كل من أصحاب المركبين أن يركب عنده، وتنافسا في ذلك، حتى خشي أن تقع الفتنة بينهم، فاهتم لذلك، ثم اصطلح أرباب
(4/18)

المركبين على أن يخرج كل واحد منهما قاربه إلى البرّ، فمن سبق قاربه إليه دخل عنده. ونزل في منصرفه ببجانة «1» وسكنها إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
عبد المنعم بن علي بن عبد المنعم بن إبراهيم ابن سدراي بن طفيل
يكنى أبا العرب، ويشهر بالحاج، ويدعى بكنيته.
حاله: كان عالما فاضلا صالحا، منقطعا متبتّلا، بارع الخطّ، مجتهدا في العبادة، صاحب مكاشفات وكرامات. نبذ الدنيا وراء ظهره، ولم يتلبّس منها بشيء، ولا اكتسب مالا ولا زوجة، وورث عن أبيه مالا خرج عن جميعه، وقطع زمن فتائه في السّياحة وخدمة الصالحين، وزمان شيخوخته في العزلة والمراقبة والتزام الخلوة. ورحل إلى الحج، وقرأ بالمشرق، وخدم مشايخ من الصالحين، منهم الفخر الفارسي، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهما، وكان كثير الإقامة بالعدوة، وفشا أمره عند ملوكها، فكانوا يزورونه، ويتبرّكون به، فيعرض عنهم، وهو أعظم الأسباب في جواز أهل المغرب لنصرة من بالأندلس في أول الدولة النّصرية، إذ كان الرّوم قد طمعوا في استخلاصها، فكان يحرّض على ذلك، حتى عزم صاحب العدوة على الجواز، وأخذ في الحركة بعد استدعاء سلطان «2» الأندلس إياه، وعندما تعرّف يغمور بن زيّان، ملك تلمسان، ذلك كله على بلاده بما منع من الحركة، فخاطبه الحاج أبو العرب مخاطبته المشهورة التي كفّت عدوانه، واقتصرته عما ذهب إليه.
وكان حيّا في صفر عام ثلاثة وستين وستمائة، وهو تاريخ مخاطبته أبا يحيى يغمور بن زيان.
(4/19)

ومن الطارئين وغيرهم
عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن فتح ابن سبعين العكّي «1»
مرسي، رقوطي «2» الأصل، سكن بآخرة مكّة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن سبعين.
حاله: قال ابن عبد الملك «3» : درس العربية والأدب بالأندلس، عند جماعة من شيوخها. ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوف، بإشارة بعض أصحابه، وعكف برهة على مطالعة كتبه، وتعرّض بعد لإسماعها، والتكلّم على بعض معانيها، فمالت إليه العامة، وغشيت محلّه. ثم فصل عن سبتة، وتجوّل في بلاد المغرب منقطعا إلى طريقة التصوف، داعيا إليها، محرّضا عليها. ثم رحل إلى المشرق، وحجّ حججا، وشاع ذكره، وعظم صيته هنالك، وكثر أتباعه على مذهبه الذي يدعو إليه من التصوف نحلة، ارتسموا بها من غير تحصيل لها، وصنّف في ذلك أوضاعا كثيرة، تلقّوها منه، وتقلّدوها عنه، وبثّوها في البلاد شرقا وغربا، ولا يخلو أحد منها بطايل، وهي إلى وساوس المخبولين، وهذيان الممروضين أقرب منها إلى منازع أهل العلم، ولفظه غير ما بلد وصقع، لما كان يرمى به من بلايا الله أعلم بحقيقتها، وهو المطلع على سريرته فيها. وكان حسن الأخلاق، صبورا على الأذى، آية في الإيثار، أبدع الناس خطّا.
وقال أبو العباس الغبريني في كتاب «عنوان الدّراية» «4» عند ذكره: وله علم وحكمة ومعرفة، ونباهة وبلاغة وفصاحة. ورحل إلى العدوة، وسكن بجاية مدة، ولقيه من أصحابنا ناس «5» كثير، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة له، مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، ووجاهة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان «6» ،
(4/20)

وهو آخر «1» الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء، ومن عامّة الناس، وله موضوعات كثيرة، موجودة بأيدي الناس «2» ، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد «3» . وله تسميات مخصوصات «4» في كتبه، هي نوع من الرّموز. وله تسميات ظاهرة كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريقة «5» الأدباء. وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّته «6» مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام. ولقد مشى به للمغاربة بحظّ في الحرم الشريف، لم يكن لهم في غير مدّته.
وكان أصحاب «7» مكة، شرّفها الله، يهتدون بأفعاله، ويعتمدون على مقاله.
قلت «8» : وأغراض الناس في هذا الرجل متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم الموهن «9» المكفّر، ومنهم المقلّد المعظّم، وحصل لطرفي هذين الاعتقادين من الشهرة والذّياع ما لم يقع لغيره. والذي يقرب من الحق، أنه كان من أبناء الأصالة ببلده، وولّي أبوه خطّة المدينة، وبيته نبيه، ونشأ ترفا مبجّلا، في ظل جاه، وعزّ نعمة، لم تفارق معها نفسه البلد. ثم قرأ وشدا، ونظر في العلوم العقلية، وأخذ التحقيق عن أبي إسحاق بن دهاق، وبرع في طريقة الشّوذية «10» ، وتجرّد واشتهر، وعظم أتباعه، وكان وسيما جميلا، ملوكي البزّة، عزيز النفس، قليل التصنع، يتولّى خدمته الكثير من الفقراء السّفارة، أولي العبا والدقاقيس، ويحفون به في السّكك، فلا يعدم ناقدا، ولا يفقد متحاملا. ولما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء زيّا وانتباذا ونحلة وصحبة واصطلاحا، كثر عليه التأويل، ووجهت لألفاظه المعاريض، وفلّيت موضوعاته، وتعاورته الوحشة، ولقيه فحول من منتابي تلك النّحلة، قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك والاضطلاع، والخوض في بحار تلك الأغراض. وساءت منه لهم في الملاطفة السيرة، فانصرفوا عنه مكظومين «11» يندّرون في الآفاق عليه من سوء القيلة، ما لا شيء فوقه. ورحل إلى المشرق، وجرت بينه وبين الكثير من أعلامه خطوب. ثم نزل مكة، شرفها الله تعالى، واختارها قرارا، وتلمذ له أميرها، فبلغ من
(4/21)

التعظيم الغاية. وعاقه الخوف من أمير المدينة المعظمة النبوية، عن القدوم عليها، إلى أن توفي، فعظم عليه الحمل لأجل ذلك، وقبحت الأحدوثة.
شهرته «1» ومحلّه من الإدراك:
أما اضطلاعه، فمن وقف على «البدّ» من كتبه، رأى سعة ذرعه وانفساح مدى نظره، لما اضطلع به من الآراء والأوضاع والأسماء، والوقوف على الأقوال، والتعمق في الفلسفة، والقيام على مذاهب المتكلمين، بما «2» يقضي منه العجب «3» .
ولما وردت على سبتة المسائل الصّقلية، وكانت جملة من المسائل الحكمية، وجهها علماء الروم تبكيتا للمسلمين، انتدب إلى الجواب عنها، على فتيّ من سنّه، وبديهة من فكرته. وحدّثني شيخنا أبو البركات «4» ، قال «5» : حدّثني أشياخنا من أهل المشرق، أن الأمير أبا عبد الله بن هود، سالم طاغية النصارى، فنكث عهده «6» ، ولم يف بشرطه، فاضطرّه ذلك إلى مخاطبته «7» إلى القومس الأعظم برومة، فوكّل أبا طالب بن سبعين، أخا أبي محمد «8» ، المتكلم عنه، والاستظهار بالعقود بين يديه. قال: فلما «9» بلغ باب ذلك الشخص المذكور برومة، وهو بلد لا تصل إليه المسلمون، ونظر إلى ما بيده، وسئل عن نفسه، كلّم ذلك القسّ من دنا منه محلّه من علمائهم بكلام، ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أنّ أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه.
دعواه وإزراؤه:
وقد شهر «10» عنه في هذا الباب كثير، والله أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه أو غير ذلك. فقد ذكروا أنه قال: وقد مرّ ذكر الشيخ أبي مدين رحمه الله: «شعيب عبد عمل، ونحن عبيد حضرة» «11» . وقال لأبي الحسن الشّشتري عندما لقيه، وقد سأله عن وجهته، وأخبره بقصده الشيخ أبا أحمد، إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت، وإن كنت تريد ربّ الجنة فهلم إلينا. وفي كتاب «البدّ» ما يتشوف إليه من
(4/22)

هذا الغرض عند ذكره حكماء الملة. وأما ما ينسب إليه من آثار السّيمياء والتصريف فكثير.
تواليفه: وتواليفه كثيرة تشذّ عن الإحصاء، منها كتابه المسمى بالبدّ «بدّ العارف» ، وكتاب الدّرج، وكتاب الصفر، والأجوبة اليمينة، والكلّ والإحاطة. وأما رسائله في الأذكار، كالنورية في ترتيب السلوك، وفي الوصايا والعقايد فكثير، يشتمل على ما يشهد بتعظيم النبوة، وإيثار الورع، كقوله من رسالة «1» : «سلام الله عليك ورحمته. سلام الله عليك ثم سلام مناجاتك. سلام الله ورحمته الممتدّة على عوالمك كلّها، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعزّ ملائكته من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته. السلام عليك يا حبيبه «2» . السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدّمة السعد «3» ، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قد أنعم العيد «4» ، السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأزكياء الأتقياء. السلام عليك يا من جاوز في السماء «5» مقام الرّسل والأنبياء، وزاد رفعة، واستولى على ذوات الملأ الأعلى، ولم يسعه في وجهته تلك إلّا ملاحظة الرّفيق الأعلى، وذلك قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)
«6» إلى الأخرى والأولى، لا إلى الآخرة والأولى، وبلغ الغاية والمطلوب، التي عجزت عنه قوة ماهيّة النّهى، وزاد بعد ذلك حتى نظر تحته من ينظر دونه سدرة المنتهى، إلى استغراق كثير، أفضى إلى حال من مقام» .
ومن وصاياه يخاطب تلاميذه وأتباعه: حفظكم الله، حافظوا على الصلوات، وجاهدوا النفس في اجتناب الشهوات، وكونوا أوّابين، توّابين، واستعينوا على الخيرات بمكارم الأخلاق، واعملوا على نيل الدّرجات السّنية، ولا تغفلوا عن الأعمال السّنيّة، وحصّلوا مخصص الأعمال الإلهية ومهملها، وذوقوا مفصّل الذات الرّوحانية ومحملها، ولازموا المودة في الله بينكم، وعليكم بالاستقامة على الطريقة، وقدموا فرض الشريعة على الحقيقة، ولا تفرقوا بينهما؛ لأنهما من الأسماء المترادفة،
(4/23)

واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، وقولوا عليها وعلى أهلها لعنة الله؛ لأنها حقيقة كما سمّي اللّديغ سليما، وأهلها مهملون حدّ الحلال والحرام، مستخفّون بشهر الصوم والحج وعاشوراء والإحرام، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
ومنها: واعلموا أن القريب إليّ منكم، من لا يخالف سنّة أهل السّنّة ويوافق طاعة رب العزّة والمنّة، ويؤمن بالحشر والنار والجنّة، ويفضل الرّؤية على كل نعمة، ويعلم أن الرّضوان بعدها، أجلّ كل رحمة، ثم يطلب الذّات بعد الأدب مع الصفات والأفعال، ويغبط نفسه بالمشاهدة في النوم والبرزخ والأحوال، وكل مخالف سخيف، متّهم منه الفساد، وإن كان من إخوانكم، فاهجروه في الله، ولا تلتفتوا إليه، ولا تسلموا له في شيء، ولا تسلّموا عليه حتى يستغفر الله العظيم بمحضر الكل منهم، ويرضى عن نفسه وحاله وعنكم، ويخرج من صفاته المذمومة، ويترك نظام دعوته المحرومة. وأنا مذ أشهدت الله العظيم، أني قد خرجت من كل مخالف متخلّف العقل واللسان، ولا نسبة بيتي وبيته في الدنيا والآخرة، فمن زلّ قدمه يستغفر الله، ولا يخدعه قدمه، وأمثال هذا كثير.
دخوله غرناطة: أخبرني غير واحد من أصحابنا المعتنين بهذا، أنه دخل غرناطة في رحلته، وأظنّه يجتاز إلى سبتة، وأنه حلّ وسطه، على اصطلاح الفقراء، برابطة العقاب «1» من خارجها، في جملة من أتباعه.
شعره: وشعره كثير، مما حضرني منه الآن قوله «2» : [البسيط]
كم ذا تموّه بالشّعبين والعلم ... والأمر أوضح من نار على علم «3»
وكم تعبّر على سلع وكاظمة ... وعن زرود وجيران بذي سلم
ظللت تسأل «4» عن نجد وأنت بها ... وعن تهامة، هذا فعل متّهم
في الحيّ حيّ سوى ليلى فتسأله «5» ... عنها! سؤالك وهم جرّ للعدم
(4/24)

وفاته: توفي بمكة، شرّفها الله تعالى، يوم الخميس التاسع لشوال من عام تسعة وستين وستمائة «1» .
وفيما يسمى بإحدى عيون الإسلام من الأسماء العينية وهم عتيق وعمر وعثمان وعلي، وأولا الأمراء والملوك وهم ما بين طارىء وأصلي وغريب
عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر الإسلامي «2» ابن كسمسم بن دميان بن فرغلوش بن أذفونش «3»
كبير الثوار، وعظيم المنتزين، ومنازع الخلفاء بالأندلس.
أوليته وحاله: قال صاحب التاريخ «4» : أصله من رندة، من كورة تاكرنّا، وجدّه جعفر إسلامي، وانتقل إلى رندة؛ لأمر دار عليه بها في أيام الحكم بن هشام، فسكن قرية طرجيلة من كورة ريّه المجاورة لحصن أوطة، فاستوطن بها، وأنسل بها عمر، ثم أنسل بها عمر حفصا، وفخّم فقيل حفصون. ثم أنسل عمر هذا الثائر مع أخوة له، منهم أيوب وجعفر. ولمّا ترعرع عمر، ظهر له من شراسته وعتوّه ما لم يعدم معه أبواه هربا عن مواضعهما، فزالا عن وطنهما، فذكر أنه لم يمسك من حين كان عن أحد ممن ناظره، ولا سكت عن أقبح ما يمكن من السّب لمن عاتبه، وأنه قتل أحد جيرانه على سبب يسير دافعه عنه، فتغرّب لذلك عن الموضع زمانا.
وذكر ابن القوطيّة «5» أن عامل ريّه «6» عاقبه في جناية وفرّ إلى العدوة، وصار يتهرّب عند خياط كان من أهل ريّه، فبينا هو جالس في حانوته يوما إذ أتاه شخص
(4/25)

بثوب يقطعه، فقام إليه الخياط، فسأل ذلك الشخص الخياط عن عمر، فقال له:
هو رجل من جيراني، فقال الشيخ: متى عهدك بريّه؟ فقال له: منذ أربعين يوما، فقال له: أتعرف جبلا يقال له ببشتر «1» ؟ فقال: أنا ساكن عند أهله «2» ، فقال: أله حركة؟ قال: لا. قال الشيخ: قد أذن ذلك، ثم قال: تعرف فيما يجاوره رجلا يقال له عمر بن حفصون؟ ففزع من قوله، فأحدّ الشيخ النظر فيه وقال: يا منحوس، تحارب الفقر بالإبرة، ارجع إلى بلدك، فأنت صاحب بني أمية، وستملك ملكا عظيما، فقام من فوره، وأخذ خبزة «3» في كمّه، ورجع إلى الأندلس، فداخل الرجال، حتى ضبط الجبل المذكور، وانضوى إليه كل من يتوقّع التهمة على نفسه، أو تشهره إلى الانتزاء بطبعه، وضمّ إلى القلعة كل من كان حولها من العجم والمولّدين. ثم تملّك حصن أوطة وميجش، ثم تملّك قمارش وأرجدونة. ثم اتسع نظره حتى تملّك كورة ريّه، والخضراء، وإلبيرة، إلى بسطة، وأبّدة، وبيّاسة، وقبرة، إلى حصن بلي المطل على قرطبة، وأشرق الخلافة بريقها، وقطع الزمان من استكانة إلى عهد، وكشف الوجه في ختر، وتشمير الساعد عن حرب، وحسر اللّثام عن أيد وبسطة، وشدّ الحزام على جهد وصبر، ونازله الخلائف والقواد، فلم يحل بطائل، وأصابته جراحات مثخنة في الوقائع وأصبحت فتنته سمر الرّكاب، وحديث الرّفاق، شدّة أسر، وثقل وطأة، وسعة ذرع، واتّصال حبل، وطول إملاء، استغرق بها السنين، وطوى الأعمار، وأورث ذلك ولده بعده. وعند الله جزاء وحساب، وإن امتدّ المآب، لا إله إلّا هو.
دخوله غرناطة وإلبيرة:
قال ابن الفيّاض وغيره «4» : ودخل إلبيرة مرات، عندما ثار بدعوته قاتل، وانضوى إلى حصن منتشافر «5» ، من إقليم برجيلة قيس، في نحو ستة آلاف، وتغلّب على يحيى بن صقالة، ثم نازله سوّار بن حمدون، أمير العرب بغرناطة، حتى غلبه وأخذه أسيرا. ثم أوقع بجعد ومن معه من أهل إلبيرة وقائع مستأصلة، وتملّك بعدها
(4/26)

بيّاسة وأبّدة في أخبار تطول. قال أبو مروان: قصد ابن حفصون حاضرة إلبيرة وحصونها، وناصب الحرب سوّارا، وقد استمدّ سوّار رجالات العرب من كورتي جيّان وريّه وإلبيرة، فوقعت الهزيمة على ابن حفصون، وجرح جراحات مثخنة، وأصيب جماعة من فرسانه، وانقلب منهزما، فغضب عند ذلك على أهل إلبيرة فأغرمهم مغرما فدحهم، واستعمل عليهم حفص بن المرّة، فلم يزل يعمل الحيل على سوّار حتى أوقع به، وأتى بجثته إلى إلبيرة، وحمل رأسه إلى ببشتر، واستشرى داؤه، وأعيا أمره، فاتصل ملكه بالقواعد والأقطار، وغلب أكثر المدن ما بين الموسّطة والغرب، وأحدق ملكه بقرطبة، وحجر عليها الخيل من حصن بلي من حصون قبرة، فجلت الكنبانية «1» ، وامتدّ إلى بنيان المعاقل. ولمّا رأى الأمير محمد «2» ما أحاط به منه، تأهّب إلى غزوه، ونزل حصن بلي، وناهضه، فأوقع به، وهزمه وألجأه إلى أن سلّم في حصنه. فلمّا خرج منه بمن معه، تطيّرهم ريح الفرار والسيوف تأخذهم، استولى الخليفة «3» على الحصن. وفي ذلك يقول أحمد بن عبد ربه، شاعر دولتهم «4» : [الرمل]
وله يوم بليّ وقعة ... لم تدع للكفر رأسا في ثبج
لم يجد إبليس في حومتها ... نفعا من رهبة حيث بلج
دفعتهم حملة السّيل إلى ... كافح الأمواج مخض للّجج «5»
فتح الله على الدّين به ... وعلى الإسلام يا عامر تتج
وكان هذا الفتح سنة سبع وسبعين ومائتين «6» . ثم استخلص مدينة إستجّة.
وفاته: قال: ومن هذا العهد أدبر أمر ابن حفصون، وتوقّف ظهوره، بعد تخبّط شديد، ولجاج كبير، وشرّ مبير، وكانت وفاته ببشتر، موضع انتزائه على عهد
(4/27)

الخليفة «1» عبد الرحمن في سنة ست وثلاثمائة، بعد مرض شمل النّفخ به جسده، حتى تشقّق جلده، وانتقل أمره إلى ولده جعفر، ثم إلى ولده سليمان، ثم إلى ولده حفص. وعلى حفص انقرض أمرهم.
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي «2»
بطليوسي، مكناسي الأصل، من مكناسة الجوف، الأمير بالثغر الغربي، الملقب من ألقاب السلطنة بالمتوكل على الله، المكنى بأبي محمد، المنبز بابن الأفطس.
أوليته: قال ابن حيان: كان «3» جدّهم عبد الله بن مسلمة، المعروف بابن الأفطس، أصله من فحص البلّوط «4» ، من قوم لا يدّعون نباهة، غير أنه كان من أهل المعرفة التامة، والعقل، والدهاء، والسياسة. ثم كان بهذا الصّقع الغربي، بطليوس وأعمالها، وشنترين والأشبونة، وجميع الثغر الجوفي في أمر الجماعة، رجل من عبيد الحكم المستنصر، يسمى سابور، فلمّا وقعت الفتنة، وانشقّت العصا «5» ، انتزى سابور على ما كان بيده. وكان عبد الله يدبّر أمره إلى أن هلك سابور، وترك ولدين لم يبلغا الحلم، فاشتمل عبد الله على الأمر، واستأثر به على ولديه، فحصل على ملك غرب الأندلس، واستقام أمره، إلى أن مضى بسبيله، وأعقبه ابنه المظفّر محمد بن عبد الله، وكان ملكا شهيرا عالما شجاعا أديبا، وهو مؤلف الكتاب الكبير المسمّى بالمظفّري، فاستقامت أموره إلى أن توفي «6» ، فقام بأمره ولده عمر هذا المترجم به.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان «7» أديبا بارع الخطّ، حافظا للغة، جوادا، راعيا حقوق بلده، مواخيا «8» لهم، محبّبا فيهم، مرّت لهم معه أيام هدنة وتفضّل إلى حين القبض عليه.
(4/28)

وقال الفتح في قلائده «1» : ملك جنّد الكتائب والجنود، وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت، إلى لسن وفصاحة، ورحب جناب للوافدين «2» وساحة، ونظم يزري بالدّرّ النظيم، ونثر تسري رقّته سرى النسيم، وأيام كأنها من حسنها جمع، وليال كان فيها على الأنس حضور ومجتمع، راقت إشراقا وتبلّجا، وسالت مكارمه فيها «3» أنهارا وخلجا، إلى أن عادت الأيام عليه بمعهود العدوان، ودبّت إليه دبيبها لصاحب الإيوان، وانبرت إليه انبراءها لابن زهير وراء عمان.
شعره: بلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء، فكتب إليه بما نصّه «4» : [الطويل]
فما بالهم لا أنعم الله بالهم ... ينيطون «5» بي ذمّا وقد علموا فضلي
يسيئون لي «6» في القول جهلا وضلّة ... وإنّي لأرجو أن يسوءهم «7» فعلي
لئن كان حقّا ما أذاعوا فلا مشت «8» ... إلى غاية العلياء من بعدها رجلي
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ... ولم أمنح «9» العافين في زمن المحل
وكيف وراحي درس كلّ غريبة «10» ... وورد التّقى شمّي وحرب العدا نقلي؟
ولي خلق في السّخط كالشّري «11» طعمه ... وعند الرّضى أحلى جنى من جنى النّحل
فيا أيها السّاقي أخاه على النّوى ... كؤوس القلى مهلا «12» رويدك بالعلّ
لنطفئ «13» نارا أضرمت في صدورنا «14» ... فمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي
(4/29)

وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا ... فقل لي: لمن أشكو صنيعك بي؟ قل لي
فبادر إلى الأولى وإلّا فإنني ... سأشكوك يوم الحشر للحكم «1» العدل
وكتب جوابا لأبي محمد بن عبدون مع مركوب عن أبيات ثبتت في القلائد «2» :
[المتقارب]
بعثت إليك جناحا فطر ... على خفية من عيون البشر
على ذلل من نتاج البروق ... وفي ظلل «3» من نسيج الشّجر
فحسبي ممّن «4» نأى من «5» دنا ... فمن «6» غاب كان كمن «7» قد حضر
قال الفتح «8» : أخبرني الوزير «9» أبو أيوب بن أمية «10» أنه مرّ في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، فارتاح إلى الكون به بقيّة نهاره، والتّنعّم ببنفسجه وبهاره، فلمّا حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بلّلها النّدى، وكتب فيها بطرف غصن، يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه «11» : [مخلع البسيط]
أقبل «12» أبا طالب «13» إلينا ... واسقط «14» سقوط النّدى علينا
فنحن عقد بغير «15» وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا
نثره: وهو أشفّ من شعره، وإنّه لطبقة تتقاصر عنها أفذاذ الكتاب، ونهاية من نهاية الآداب. قال «16» : كان ليلة مع خواصّه للأنس معاطيا، ولمجلس كالشمس
(4/30)

واطيا، قد تفرّغ للسّرور، وتفرغ «1» عيشا كالأمل المزرور، والمنى قد أفصحت ورقها، وأومض برقها، والسّعد تطلع مخايله، والملك يبدو زهوه وتخايله، إذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، وانتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرّته، وبسط من أسرّته وأقبل على «2» خدّامه، وأسبل نداه على جلسائه وندّامه، فقال له ابن خيرة، وكان يدلّ بالشباب، وينزل منه منزلة الأحباب: لمن تولّيها، ومن يكون واليها؟ فقال «3» له: أنت، فقال: فاكتب الآن بذلك، فاستدعى «4» الدواة والرّق، وكتب وما جفّ له قلم، ولا توقّف له كلم: لم يسوّغ أولياء النّعم مثل الذي سوّغتموه من التزام الطاعة، والدخول في نهج الجماعة، وذلك «5» لا آلوكم، ونفسي فيكم، نصحا فيمن أتخيّره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدّقيق والجليل من أموركم، وقد ولّيت عليكم من لم أوثر والله فيه دواعي التّقريب، على بواعث التّجريب، ولا فوات التّخصيص، على لوازم التّمحيص، وهو الوزير القائد أبو عبد الله بن خيرة، ابني «6» دربة، وبعضي صحبة، ونشأتي سكّة «7» وقرية، وقد رسمت له من وجوه الذّبّ والحماية، ومعالم الرّفق والرّعاية، ما التزم الاستيفاء بعهده، والوقوف بجدّه عند حدّه، والمسؤول في عونه من لا عون إلّا من عنده، ولن أعرّفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله إلّا بما سيبدو للعيان، ويزكو «8» مع الامتحان، ويفشو من قبلكم إن شاء الله على كل لسان. وقد حدّدت له أن يكون لناشئكم أبا ولكهلكم أخا ولذي النفوس «9» والكبرة ابنا ما أعنتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد. وأمّا من شقّ العصا، وبان عن الطاعة وعصى «10» ، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصيّ منه، وإن متّ إليه بالرّحم الدّنيا، فكونوا خير رعيّة بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبرّ والموالاة خير وال، إن شاء الله عزّ وجلّ.
وصوله إلى غرناطة: وصلها صحبة حليفه ابن عباد، لمّا قبض يوسف بن تاشفين على صاحبها ونزل بالمشيجة من خارجها في رجب من عام ثلاثة وثمانين
(4/31)

وأربعمائة ورابهما الأمر، كما تقدّم في ذكر المعتمد بن عباد، فتعجّلا الرجوع إلى وطنهما بحيلة دبّراها.
نكبته ووفاته: ولمّا اشتدّ خوفة من أمير لمتونة، ورأى أنه أسوة ابن عباد في الخلع عن ملكه، وضيّقت الخيل على أطرافه وانتزعتها داخل طاغية الرّوم، وملّكه من مدينة الأشبونة رغبة في دفاعه عنه، فاستوحشت لذلك رعيته، وراسلت اللّمتونيين، واقتحمت عليه مدينة بطليوس، واعتصم بالقصبة، وخانه المحاربة، فدخلت عليه عنوة، وتقبّض عليه وعلى بنيه وعبيده، وتحصّلوا في ثقاف قائد الجيش اللّمتوني.
وبادر إعلام الأمير سير بن أبي بكر، فلحق بها. واستخرج ما كان عند المتوكل من المال والذّخيرة، وأزعجه إلى إشبيلية مع ابنين له، فلمّا تجاوز وبعد عن حضرته، أنزل وقيل له: تأهّب للموت، فسأل أن يقدّم ابناه يحتسبهما عند الله، فكان ذلك، وقتلا صبرا بين يديه، ثم ضرب عنقه، وذلك صدر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وانقرضت دولة بني الأفطس.
وممن رثاهم، فبلغ الأمد وفاء وشهرة وإجادة، أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدته الفريدة «1» : [البسيط]
الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور؟
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة «2» ... عن نومة بين ناب اللّيث والظّفر
فالدّهر «3» حرب وإن أبدى مسالمة ... والبيض والسّمر «4» مثل البيض والسّمر «5»
ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضّراب وبين الصّارم الذّكر
(4/32)

فلا تغرّنك «1» من دنياك نومتها ... فما صناعة «2» عينيها سوى السّهر
ما للّيالي، أقال الله عثرتنا ... من اللّيالي وخانتها «3» يد الغير
في كلّ حين لها في كل جارحة ... منّا جراح وإن زاغت عن البصر «4»
تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ به «5» ... كالأيم «6» ثار إلى الجاني من الزّهر
كم دولة وليت بالنّصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك من خبر
هوت بدارا وفلّت غرب قاتله ... وكان «7» عضبا على الأملاك ذا أثر «8»
واسترجعت من بني ساسان «9» ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
وأتبعت «10» أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض «11» المرر «12»
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
(4/33)

ومزّقت سبأ في كلّ قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب حكمها «1» ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر «2»
ولم تردّ «3» على الضّلّيل صحّته ... ولا ثنت أسدا عن ربّها حجر
ودوّخت آل ذبيان وإخواتهم «4» ... عبسا «5» وعضّت «6» بني بدر على النهر «7»
وألحقت بعديّ بالعراق «8» على ... يد ابنه أحمر «9» العينين والشّعر «10»
وأهلكت أبرويزا بابنه ورمت ... بيزد جرد إلى مرو فلم يحر
وأشرفت بخبيب فوق فارعة «11» ... وألصقت «12» طلحة الفيّاض بالعفر
ومزّقت «13» جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظّلام للجزر
(4/34)

وبلّغت يزدجرد الصّين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع التّرك والخزر
ولم تردّ «1» مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا «2» في ابنة الغير
وخضّبت «3» شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
وما «4» رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوّده إلّا الضّيح في الغمر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّا بمن شاءت من البشر
وفي ابن «5» هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة «6» الألباب والفكر
فبعضنا قائل: ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وعمّمت «7» بالرّدى «8» فودي أبي أنس ... ولم تردّ الرّدى عنه قنا زفر «9»
وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر
(4/35)

وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزّبير ولا ... راعت «1» عياذته بالبيت «2» والحجر
ولم تدع لأبي الذّبّان «3» قاضبه «4» ... ليس اللّطيم «5» لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر
حبابة حبّ رمّان ألمّ بها «6» ... وأحمر قطّرته نفحة القطر
ولم تعد قضب السّفّاح نابية ... على رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم يثجّ «7» لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيي بريق الصّارم الذّكر «8»
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد «9» الغدر
(4/36)

وروّعت كلّ مأمون ومؤتمن ... وأسلمت «1» كلّ منصور ومنتصر
وأعثرت آل عبّاس لعا لهم ... بذيل زبّاء «2» من بيض ومن سمر
ولا «3» وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتزّ من مرر
وأوثقت في عراها كلّ معتمد ... وأشرقت بقذاها كلّ مقتدر
بني المظفر والأيام ما برحت «4» ... مراحلا «5» والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما وما «6» حملت ... بمثله ليلة في سالف «7» العمر
من للأسرّة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثّغر
من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر
من للظّبا وعوالي الخطّ قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعيّ والحصر
وطوّقت «8» بالمنايا السّود بيضهم ... أعجب بذاك وما منها سوى ذكر «9»
(4/37)

أو رفع كارثة أو دفع حادثة ... أو قمع آزفة تعيي على القدر «1»
ويح السّماح وويح الجود «2» لو سلما ... وحسرة الدّين والدّنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما ارتقى «3» النّسران حيث رقوا ... وكلّ ما طار من نسر ولم يطر
ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا ... عني مضى الدهر لم يربع ولم يحر
ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبه ... حتى التمتّع بالآصال والبكر
من للجلال «4» الذي عمّت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزّهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عزّ ومن ظفر
أين الوفاء «5» الذي أصفو شرائعه ... فلم يرد أحد منهم «6» على كدر
كانوا رواسي أرض الله مذ نأوا «7» ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر
(4/38)

كانوا مصابيحها دهرا فمذ خبوا ... هذي الخليقة تالله في سدر «1»
كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الخضر «2»
من لي «3» ولا من بهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر
من لي ولا من بهم إن طبّقت «4» محن ... ولم يكن وردها «5» يفضي «6» إلى صدر
من لي «7» ولا من بهم إن عطّلت سنن ... وأخفيت ألسن الآثار «8» والسّير
ويلمّه من طلوب الثأر مدركه ... لو كان دينا على الأيام ذي عسر «9»
على الفضائل إلّا الصّبر بعدهم ... تسليم «10» مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمع «11» ... والدّهر ذو عقب شتّى وذو غير
(4/39)

قرّطت آذان من فيها بفاضحة ... على الحسان حصا الياقوت والدّرر
سيّارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شقاشقا هدرت «1» في البدو والحضر
مطاعة الأمر في الألباب «2» قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وطر
ومن الغرباء
عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن «3»
الدّائل بتلمسان، يكنى أبا سعيد.
حاله: كان شيخا مخيلا بسمة الخير، متظاهرا بالنّسف، بقية آل زيّان، متقدّما في باب الدهاء والذّكر، بالغا أقصى المبالغ في ذلك. سكن غرناطة ووادي آش، وولد بغرناطة. وكان أبوه ممن هلك في وقعة فرتونة، فارتزق مع الجند الغربي بديوانها في حجر أبيه وبعده، ثم ثنى عنانه إلى وطنه، وتخطّته المتالف عند تغلّب السلطان صاحب المغرب على بلده تلمسان، وغاص في عرض من تهنّأ الإبقاء من قبيله. وكان ممن شمله حصار الجزيرة، ووصل قبله ممدّا مع الجيش الغربي بجيش غرناطة عند منازلة القلعة. ولمّا جرت على واترهم السلطان أبي الحسن الهزيمة بظاهر القيروان، وبعد الطمع في انتشاله وجبره، ولحق كل بوطنه، حوم الفلّ من بني زيّان على ضعفهم، ومذ رحل عنه السلطان القائم بملك المغرب أبو عنان، إلى محل الأمر ودار الملك، وسدّ تلمسان بشيخ من قبيلهم يعرف بابن حرار له شهرة وانتفاخ لتنسيق رياح الاختلاف، فذ في إدارة الحيلة، وإحالة قداح السياسة، رأس الرّكب الحجازي غير ما مرة، وحلّ من الملوك ألطف محلّة. ولمّا نهد القوم إلى تلمسان، ناهضهم ابن الحرار بمن استركب من جنده، وانضمّ إليه من قومه، فدارت عليهم الهزيمة، وأحيط به، فتملّك البلد، وتحصّل في الثّقاف، إلى أن هلك به مغتالا، واستولى عثمان بن يحيى على المدينة، وانقاد إليه ما يرجع إليها من البلاد والقبائل، فثاب لهم ملك لم
(4/40)

تكد شعلته تقد حتى خبت، وعلى ذلك فبلغوا في الزمان القريب من وفور العدّة، واستجادة الآلة، وحسن السّيرة، ما يقضي منه العجب. وانفرد عثمان بالأمر، وعيّن أخاه أبا ثابت الزعيم إلى إمارة الجيش، فاستقام الصفّ، وانضمّ النّشر، وترتّبت الألقاب، واستأنفوا الدولة، وتلقّفوا الكرة، وقلّ ما أدبر شيء فأقبل. وبادر السلطان بالأندلس مفاتحته مهنّئا، وللحلف مجدّدا، بكتاب من إنشائي من فصوله:
«بعد الصّدر والتحميد، ولا زائد بفضل الله المرجو في الشّدائد، لجميل العوائد، إلّا ما شرح الصدور، وأكّد السرور، وبسط النفوس، وأضحك الرّسن العبوس، من اتّساق أمور ذلك الملك لديكم، واجتماع كلمته عليكم، وما تعرّفنا أن الدولة الزّيانيّة، وصل الله لبدورها استئناف الكمال، وأعلى أعلامها في هضاب اليمن والإقبال، تذكّرت الرسائل القديمة والأذمّة، وألقت إلى قومها بالأزمّة، وحنّت إلى عهدهم على طول النّوى، وأنشد لسان حالها: «نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى» ، فأصبح شتيتك بأهلها مجموعا، وعلم عليائها بأيدي أوليائها مرفوعا، وملابس اعتزازها بعد ابتزازها جديدة، وظلال سعودها على أغوارها ونجودها مديدة، وقبيلها قد أنجح الله في ائتلافه أمل الآمل، ومبتداها مرفوعا مع وجود العوامل، والكثير من أوطانها قد سلكت مسلكها في الطاعة، وتبادرت إلى استباق فضيلة الوفاق بحسب الاستطاعة، فعظم الاستبشار بأن كان لكم مالها، وفي إيالتكم انتيالها، من غير أن يعلق بأسبابها من ليس من أربابها، ويطمع في اكتسابها من لم يكن في حسابها. وقلنا موارث وجب، وعاصب حجب، وركب علج من بعد القفول، وشمس طلعت من بعد الأفول، وجيد حلّي بعد ما اشتكى العطل، وغريم قضى بعد ما مطل، وطرف تنبّه بعد ما سجع، ودرّيّ استقام سيره عقب ما رجع، وقضية انصرف دليلها عن حدود القواطع، وطرحت عليه أشعة السّعود السّواطع، لا بل عبد أبق، لقدر سبق، حتى إذا راجع نهاه، وعذله العقل ونهاه، جنح بعد هجره، إلى كنف من نشأ في حجره.
وعلمنا أن الدولة التي عرفنا مكارمها قد دالت، والغمامة التي شكرنا مواقعها قد انثالت، فجرينا في المسرّة ملء الأعنّة، وشاركنا في شكر هذه المنّة، وأصدرنا إليكم هذا الخطاب مهنّئا، وعن الود الكريم والولاء الصّميم منبيا، وفي تعزيز ما بين الأسلاف جدّد الله عليهم ملابس الرّضوان معيدا مبديا، وإن تأخّر منه الغرض، وقضى بهذا العهد واجبه المفترض، والأعذار واضحة، وأدلّتها راجحة، وللضّرار أحكام تمضى، والفروض للفوات تقضى، فكيف والاعتقاد الجميل مسيّر مسكّن، والوقت والحمد لله متمكن؟ وما برحنا في مناط اجتهاد، وترجيح استشهاد، والأخبار يضطرد مفهومها، والألفاظ لا يتخصّص عمومها، والأحاديث يجول في متعارضها النّظر، ولا
(4/41)

يلزم العمل ما لم يصحّ الخبر. فلمّا تحققنا الأمر من قصّه، وتعاضد قياسه بنصّه، لم نقدّم على المبادرة عملا، وبيّنا لكم من حسن اعتقادنا ما كان مجملا، فليهن تلك الإيالة ما استأنفته من شبابها، وتسربلته من جديد أثوابها، وليستقبل العيش خضرا، والدهر معتذرا، والسّعد مسفرا» .
وتمادى ملكه من الثامن والعشرين لجمادى الآخرة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى أن استوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان، واستأثر إليه أبيّه، وتحرك إلى منازلة تلمسان في جمادى الآخرة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وكسر جمعهم، واستولى على ملكهم حسبما يأتي، وبرز إليه سلطانها المذكور مؤثرا الإصحار على الاجتحار، واللقاء على الانحصار، وكانت بين الفريقين حرب ضروس، ناشب الزّيّانيون محلّات المغرب القتال، بموضع يعرف بإنكاد، على حين غفلة، وبين يدي شروع في تنقّل وسكون، وتفرّق من الحامية في ارتياد الخلا، وابتغاء الماء، فلم يرع إلّا إطلال الرّايات، وطلوع نواصي الخيل، فوقع الصراخ، وعلا النّداء، وارتفع القتام، وبادر السلطان بمن معه من الخالصة، وروّم الركاب الصّدمة، ومضى قدما، وقد طاش الخبر بهزيمته، فعاثت العربان في محلّته، وكانوا على الأموال أعدى من عدوّه، وفرّ الكثير إلى جهة المغرب بسوء الأحدوثة.
ولمّا تقاربت الوجوه، وصدق المصاع، قذف الله في قلوب الزيّانيين الرّعب، واستولى عليهم الإدبار، فانهزموا أقبح هزيمة، وتفرّقوا شذر مذر، واختفى سلطانهم عثمان المترجم به، وذهب متنكرا وقد ترجّل، فعثر عليه من الغد، وأوتي به فشدّ وثاقه، وأسرع السلطان اللّحاق بتلمسان، وقد تلقّاه أهلها معلنين بطاعته ولائذين بجناب عفوه، وتنكّبها الجيش المفلول لنظر الأمير أبي ثابت، فاستقرّ بأحواز جزائر بني مزغناي. ودخل السلطان تلمسان في يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وتدامر بنومرين، واستدركوا دحض الوصمة في اتّباع أضدادهم المحروبين، فكان اللقاء بينهم وبين الجيش المفلول، وحكم الله باستئصالهم، فمضى عليهم السيف، وأوتي بزعيمهم الزعيم، فاحتمل مع أخيه في لمّة من أوليائهم، ونفذ الأمر لأقتالهم من بني حرار بأخذ حقهم، فقتل عثمان والزّعيم، رحمهما الله، بخارج تلمسان ذبحا، وألحق بهما عميد الدّولة يحيى بن داود بعد أن استحضر عثمان بين يدي السلطان، وأسمع تأنيبا، حسن عنه جوابه بما دلّ على ثبات وصبر. وانقضى أمر كرّتهم الثانية، وخلت منهم الأوطان، وخلصت لبني مرين الجهة، وصفت العمالة. والله يعطي ملكه من شاء سبحانه لا إله إلّا هو، وكان مقتل عثمان وأخيه في أوائل شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة.
(4/42)

علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله ابن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي ابن أبي طالب «1»
أوّل ملوك «2» بني هاشم بالأندلس، يكنّى أبا الحسن، ويلقّب من الألقاب السلطانية، بالناصر لدين الله.
حاله: كان شهما لبيبا، جريء اللقاء، باطش السّيف، شديد السّطوة، أسمر، أعين، نحيف الجسم، طويل القامة، حادّ الذهن، من أولي الحزم والعزم.
خلافته: ذكروا «3» أن هشام بن الحكم «4» ، لمّا ضيّق به الحجر، كتب إليه في السّرّ بعهد ولايته، وأهّله للأخذ بثأره، فكان كذلك، وأجاز البحر من سبتة، مظهرا القيام بنصر هشام عندما خلع، فانحاش إليه كثير من الناس، وقصد قرطبة، وبرز إليه الخليفة سليمان خالع هشام ومغتاله، فظهر عليه علي بن حمّود وهزمه، ودخل قرطبة، فقتل سليمان، وبحث عن هشام، وقد فات فيه الأمر، وتسمّى بأمير المؤمنين. وأنس به أهل قرطبة؛ لقهره من كان لنظره من البرابرة، وإمضاء الأحكام عليهم. قال المؤرخ: فبرقت للعدل يومئذ بارقة، لم تكد تقد حتى خبت. وكان الأغلب عليه السّخاء والشجاعة.
ومدحه الكثير من الشعراء، منهم أبو عمر بن درّاج، وفيه يقول «5» :
[المتقارب]
لعلّك يا شمس عند الأصيل ... شجيت «6» بشجو «7» الغريب الذّليل
(4/43)

فكوني شفيعي إلى ابن الشّفيع ... وكوني رسولي إلى ابن الرسول
فإمّا شهدت فأزكى شهيد ... وإمّا دللت فأهدى دليل
إلى الهاشميّ إلى الطّالبيّ ... إلى الفاطميّ العطوف الوصول
وصوله إلى إلبيرة: قال: ولمّا استوسق الأمر، واضطرب عليه خيران صاحب ألمرية، أغراه وأذن لحربه، فخرج من قرطبة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة ثمان وأربعمائة، وساء إلى أن بلغ وادي آش، وترادفت عليه الأمطار والسّيول، وانصرف إلى إلبيرة ثم إلى قرطبة.
وفاته: قال المؤرخ: وفي «1» سنة ثمان وأربعمائة كان مقتل علي بن حمّود، وذلك أن صقالبته قتلوه بموضع أمنه، في حمام قصره، وكانوا ثلاثة من أغمار صبيان قصره، منهم نجح»
وصاحباه، وسدّوا باب الحمّام عليه، وتسلّلوا، ولم يحسّ أحد بهم، واستطال نساؤه بقاءه، فدخلوا عليه، ودمه يسيل، فصحّ خبر مقتله، وبعثت زناتة إلى أخيه «3» بإشبيلية، فخاف «4» أن تكون «5» حيلة، حتى كشف عن الأمر، ولحق بقرطبة، فأخرج جسده، وصلّى عليه، وأنفذه إلى سبتة، فدفن بها، وبني عليه مسجد هو الآن بسوق الكتان، وقبض من قاتليه على صبيّين عذّبا بأنواع العذاب، ثم قتلا وصلبا «6» .
علي بن يوسف بن تاشفين بن ترجوت «7»
وينظر اتصال نسبه في اسم أبيه.
هو أمير المسلمين بالعدوة والأندلس بعد أبيه، يكنى أبا الحسن، تصيّر إليه الملك بالعهد من أبيه عام سبعة وتسعين وأربعمائة، ثم ولّي أمره يوم وفاته وهو يوم الاثنين مستهل محرم عام خمسمائة «8» .
(4/44)

حاله: وكان ملكا عظيما، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة، شهير الحلم، عظيم السياسة، أنفذ الحق، واستظهر بالأزكياء، ووالى الغزو، وسدّ الثغور، إلى أن دهمه من أمر الدولة الموحدية ما دهمه، وكل شيء إلى مدى، فأمهل السّرح، وحالف الإدبار، وجاز إلى الأندلس، وغزا فيها بنفسه، ودخل غرناطة وباشرها.
قال ابن عذاري: تقدم الأمير أبو الحسن لذلك فاستعان بالله واستنجده وسأله حسن الكفاية فيما قلّده، فوجده ملكا مؤسّسا، وجندا مجنّدا، وسلطانا قاهرا، ومالا وافرا، فاقتفى إثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخائف، وقمع المظالم، وسدّ الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله.
دخوله غرناطة: وفي سنة خمس وخمسمائة، جاز البحر إلى الجهاد. قال المؤرخ: قدم علي بن يوسف غرناطة مرات مع أبيه. وفي سنة خمس وخمسمائة تلوّم بها ريثما تلاحقت حشوده، وتأهبت مطوّعته وجنوده، فافتتح مدينة طلبيرة عنوة «1» . ثم عبر البحر عام أحد عشر وخمسمائة، فغزا قلمرية «2» .
ظهور الموحدين في أيامه:
قال ابن عذاري: في «3» سنة أربع عشرة وخمسمائة، كان ابتداء أمر الثائر على الدولة، الجالب للفتن الجمة، الجارّ لها منذ ثلاثين سنة، حتى أقفر المعمور، وأصار الضياء كالديجور، محمد بن تومرت السوسي الملقّب بالمهدي. قلت: وأخباره عجيبة، وما زال أمره في ظهور، وأمر هذه الدولة في ثبار وإدبار، إلى أن محا رسومها، وقطع دابرها، والملك لله، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، سبحانه.
وفاته: قال: وفي «4» سنة سبع وثلاثين وخمسمائة «5» توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، لسبع خلون من رجب، ولم يشهر موته إلّا لخمس خلون من
(4/45)

شوال، فكانت مدته من حين قدّمه أبوه، تسعا وثلاثين سنة وأشهرا «1» ، وعمره إحدى وستون سنة. قال ابن حماد: ولمّا يئس من نفسه، عهد أن يدفن بين قبور المسلمين، ودفن بها في جملتهم، رحمه الله.
الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
عتيق بن زكريا بن مول التجيبي «2»
قرطبي الأصل، يمتّ إلى الإمارة النّصرية بقربى صهر، يكنى أبا بكر.
حاله: كان شهما جريّا مقداما، جهوريا، ذا أنفه وشارة، مليح التجنّد، ظاهر الرّجولية، معروف الحق، نبيه الولاية، فصيح اللسان، مطبوعا، ذكيّا، مؤثرا للفكاهة، ولّي القيادة بمدينة وادي آش عقب الرئيس المنتزي بها، ثم عزل عنها بسعاية رفعت فيه إلى ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم، فساء ما بينهما لذلك، وأعمل عليه التدبير بمداخلة الأمير نصر، وإغرائه بالأمر، فتمّ له التّوثّب على ملك أخيه، وخلعه يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة. وقتل الوزير ابن الحكيم بين يديه، وانتهبت منازله، واستقلّ بعد بالتدبير والوزارة، وحصل من صنائع الحائن، ومتوقّعي الضغط، على مال عريض، وقام بوظيف الوزارة محذور الشبا، مرهوب المدية، مسنوّ الفتكة، فلم ينشب أن عيّن للرسالة إلى باب السلطان ملك المغرب، وسدّ باب الإياب لوجهته، وأقام بالعدوة تحت الحظوة، مشارا إليه في وجوه الدولة، وزير المداخلة والرّتبة. وقد كان في ريان حداثته لحق بطاغية الرّوم، وركب في جملته، وعلقته جارية من بنات زعماء الروم، لفضل جماله، وزين شبيبته، ففرّ بها تحت حماية سيفه، ولحق ببلاد المسلمين، وكانت من أهل الأصالة والجمال، فاتصل بمحلة أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، وقد جاز إلى الأندلس غازيا، فاستخلصت منه لمزية الحسن، واستقرّت بقصر السلطان حظيّة لطيفة المحل، وجدّ أثر رفدها وانتفع، هو وبنوه بعائد جاهها، وقد هلك السلطان.
وقامت لمن خلفه مقام الأمومة، فنالوا بها دنيا عريضة، وباشر بالمغرب أهوالا، وخاض في فتن إلى أن أسنّ، وقيّدته الكبرة، واستولت على بصره الزمانة. ولما
(4/46)

ولّي الوزارة ولده على عهد سادس الأمراء من بني نصر «1» ؛ استقدمه في ربيع الثاني من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، فقدم شيخا قد استثنى أديمه واحقوقب، ومسحة الظّرف واللوذعية تتعلق منه بطلل بائد. ثم اقتضى تقلّص ظل الولاية عن ولده انصراف جميعهم إلى العدوة، فكان ذلك في رجب أو أول شعبان من العام، وبها هلك.
وفاته: توفي بمدينة فاس رابع محرم عام ثلاثين وسبعمائة. وكان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: [الطويل]
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأنزلني نصحي بدار هوان
فإن عشت لم أنصح وإن متّ فالعنوا ... دون النصح من بعدي بكل لسان
أخبرني بذلك شيخنا أبو الحسن بن الجياب وغيره.
عمر بن يحيى بن محلّى البطّوي
يكنى أبا علي.
حاله: كان يمتّ إلى السلطان ملك المغرب، رحمه الله، بالخؤولة، وله جرأة وجرم واضطلاع بالمهمة، إلى نكراء وخفوف إلى الفتنة واستسهال العظيمة. ولمّا تصيرت مالقة «2» إلى إيالة السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق من قبل رؤسائها من بني إشقيلولة، استظهر عليها من عمر هذا بحجاج رجاله، وقدّمه بقصبتها، وجعل لنظره جيشا أخشن يقوده رجل من كبار وصفائه. وداخل السلطان ثاني «3» الملوك من آل نصر عمر بن محلّى هذا بوساطة أخيه طلحة السابق إلى إيالته، فأحكم بينهما صرف مالقة إليه، وانتقال عمر إلى خدمته، معوّضا عن ذلك بمال له بال، مسلّما إليه حصن شلوبانية، ولأخيه طلحة مدينة المنكب، على أرزاق مقررة، وأحوال مرتبة مقدرة، فتمّ ذلك، وتحمل ثقات السلطان بقصبة مالقة ليلا مع عمر، واستدعي للغداة قائد الجيش ومثله من الوجوه، موريا بمعارضتهم، فسقط الغشاء بهم
(4/47)

على سرحان، وأخذهم اعتقاله رهينة استخلص بها من كان من عياله بالعدوة، وجاء بها جلواة عارية أعربت عن لؤمه وخبث أمانته، وانتقل له موفى له بعهده، فحل بحصن شلوبانية منتصف عام سبعة وستين وسبعمائة، حسبما كتب لي بعض الشّيوخ من مسنّي بقية أهله، واحتلّ أخوه طلحة بمدينة المنكب، ولم يلبث أن خرج عنها للسلطان معوضا بالمال، وأعمل الانصراف إلى الحج. وأقام عمر بشلوبانية وما يليها من العمالة، مظهرا للطاعة تمام العام المذكور، وفسد ما بينه وبين السلطان المذكور، وظهر الخلاف وأخيفت الطرق، وتحرك السلطان إلى منازلته لأشهر ثلاثة من خلافه، وحاصره أياما شدّ فيها مخنقه، فلمّا رأى عزمه، خاطب سلطانه الذي نزع عنه أمير المسلمين أبا يوسف، وعرض الحصن عليه، فبادر إليه بالأسطول، فلمّا احتل بمرسى حصنه واتصلت به يده ونشرت عنده بنوده، أفرج عنه السلطان، وانبت طمعه فيه، وصرف وجهه إلى حضرته، وبدا لعمر في أمره، فصرف الأسطول متعلّلا ببعض الأعذار، وأقام على سبيله، واتصل ذلك بالسلطان، فرتب عليه الحصن، وضيق السّبل، وتحرك في صائفة العام إلى منازلته في عدّة عظيمة، وحاصره ورماه بالمجانيق، وتتبع بها مجاثمه، فأعياه الصبر، وأعمل الحيلة بإظهار الإنابة، وعرض على السلطان التخلّي عن الحصن، وطلب منه أن يوجه لقبضه وزيره، وأحظى الرؤساء لديه، وصاحب بنده، فوجههم السلطان في طائفة من حاشيتهم، وقد أكمن لهم عمر بمعرجات الطريق، بين يدي باب القلعة، فلمّا توسطوا الكمناء، وبرز عمر ليسلم عليهم، ثار بهم رجاله الأساودة وغيرهم، وقبضوا عليهم بمرأى من السلطان، وأدخلوهم الحصن، وعاد السلطان إلى قتاله، فتوعد بقتلهم، وجعلهم بأعلى السور، ورمى عليه بحجر، فطرح أحدهم الحين، وعلا صراخهم يسترحمون السلطان، فكفّ عنه، وانصرف مكظوما. ولأيام وقعت المهادنة على تخلّيه عن شلوبانية في جملة شروط صعبة، منها العقد له على بنت السلطان المسماة بشمس، وانتقاله إلى مدينة المنكب، فتمّ ذلك في وسط ثمانية وستين بعده، وتمادت المهادنة شهورا أربعة، ثم ثاب خلافه، وضيقت عليه الحصص المرتّبة، وخرج للسلطان عن منكّب على مال وعهد، وصرف بعد وجهه إلى سلطانه، وتطارح عليه، وهو بجزيرة طريف، بعد أن أخذ أمانه، زعموا، وقد كان أخوه طلحة سبق إليه، فاعتقل يسيرا. ثم حلّ اعتقاله إيثارا للعفّة، ورعيا للمتات. ولمّا توفي السلطان أبو يوسف، اضطره حاله، وآل أمره إلى العود إلى الأندلس، وبها الأشياخ من بني عبد الله بن عبد الحق، مطالبو أبيه بدم عمّهم، سبقوا مقدمه على السلطان بإيعاز منه، وقد نزل بقرية أرملة «1» على وادي
(4/48)

أفلم، واعتصم منهم ببرج، فقاتلوه واستنزلوه فقتلوه، فانقضى أمره على هذه الوتيرة، والبقاء لله سبحانه.
عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق «1»
شيخ الغزاة بالأندلس، وابن شيخها، يكنى أبا ثابت، أجري مجرى الأصليين لولادته بالأندلس.
أوليته: تأتي في اسم أبيه.
حاله: كان رئيسا جليلا، فذّا في الكفاية والإدراك، نسيج وحده في الدّهاء والنّكراء، مشارا إليه في سعة الصدر، ووفور العقل، وانفساح الذّرع، وبعد الغور، باسلا مقداما، صعب الشّكيمة على الهمّة، لين الكلمة، ريّش جناح العزّ، وافر أسباب الرّئاسة، مجرّبا، محتنكا، عارفا بلسان قومه وأغراضهم، جاهلا جفوات أخلاقهم دبر أذنه، مهيبا على دماثة وإلحاح سقام. تولّى الأمر بعد أبيه، فقام به أحمد قيام، مسلّما لبقية من مسني القرابة وأكابر الإخوة، اعترافا بالفضل، وإيثارا لمزيّة العتاقة على الهجنة، فحلّ أرفع المحال، وتبنّك على حال الضّنا نعيما، وغزا غزوات شهيرة، إلى أن تناسى الأمر، وكبا بهم الجدّ، وحملهم قرب مخيفهم بالثّأر المنيم ملك المغرب، لما اقتحم فرضة المجاز إلى الجهاد على المبايتة ومراسلة الطاغية، فساءت القالة، وفسد ما بينهم وبين سلطانهم، وأعمل عليهم التدبير.
نكبته: ثبتّ في الكتاب المسمى ب «طرفة العصر» : ولما اتّصلت ليدي المسلمين، وفصل أميرهم من ملك المغرب، تنمّر أضدادهم المناوءون له، المعاندون قدرة الله فيه، المتهيّئون إلى القاصمة بمشاحنته، فأظهروا النّفور والحذر، وكانوا قد داخلوا ملك قشتالة وواعدوه اللحاق به، إن راعهم رائع، ووصلتهم مخاطبته بقبولهم، فلمّا تخلّف المسلمون عن اللحاق به، نسب لهم الفشل والتكاسل، فانطلقت الألسن، وملّت القلوب، وتشوّف إلى الفتك بهم، وهم عصابة بأسها شديد، أشهروا فروسية ونجدة وأتباعا، فعظم الخطب، وأعملت الشّورى في أمرهم، وصرفت الحيل إلى كف عاديتهم، ومعالجة أمرهم، فتمّ ذلك. ولما كان يوم السبت التاسع والعشرون من ربيع الأول، قعد لهم السلطان على عادته، ووجّه عنهم في غرض الاستشارة في حال السّفر إلى إمداد ملك المغرب، وقد عبر ونازل جزيرة طريف، وفاوضهم فيما عليه الناس من إنكار التّلوّم، ثم قام السلطان من
(4/49)

مجلسه، وثارت بهم الرجال، فأحيط بهم، ونزعت سيوفهم عن عواتقهم، وطارت الخيل في ضمّ من شذّ عنهم، فتقبّض على طائفة من أعلامهم، كانوا بين غرّ يباشر قنصا، أو مفلت لم يجد مهربا، وطارت الكتب إلى مالقة في شأن من بها منهم، فشملهم الاعتقال، ثم نقلوا إلى مدينة المنكب، فجعلوا في مطبق الأسرى بها، إبلاغا في النكال، وتناهيا في المثلة، فلم تجر عليهم مصيبة أعظم منها، لاضطرارهم إلى قضاء حاجة الإنسان برأي عين من أخيه، خطة خسف سئموها، مع العلم بنفور نفوسهم عن مثلها، وفيهم صدور البيت وأعلامه، كأبي ثابت المترجم به، وأخيه كبيره إبراهيم، وابن عمهم زين المواكب، وقريع السيوف، وعروس الخيل، حمّو بن عبد الله، وسواهم، وقانا الله شرّ الهلكات، واشرأب مخيفهم للسلطان صاحب المغرب، وولي الثّرة، إلى صرفهم إليه، وقد استوجب من ملك الأندلس الملاطفة لالتفاته لسيء البرد، واقتحامه باب القطر. وأخفق السعي، وضنّ بهم موقع النّقمة عن إسلامهم إليه، سيرة أحسنها في جنسهم من أولي الجهالف، فأجلاهم عما قريب في البحر إلى إفريقية، فاستقرّوا ببجاية، ثم استقدموا إلى تونس تحت إرصاد ورقبة، وأخفر فيهم ملكها الذّمة، وهم لديه، فوجّههم على بعد الدار، ونزوح المزار، إلى السلطان صاحب المغرب، مصحبين بشفاعة فيهم، كانت قصارى ما لديه، فاستقرّوا في الجملة تحت فلاح وكفاية، لا تلفت إليهم عين، ولا يتشبّث بذمل حظوتهم أمل. ثم نكبوا بظاهر سبتة نكبة ثقيلة البرك، مغارة البرك الحمل، وأودعوا شرّ السجون بمدينة مكناسة، فأصبحوا رهن قيود عديدة، ومسلحة مرتّبة، جرّ ذلك عليهم ذرّة من القول في باب طموحهم إلى الثورة، وعملهم على الانتزاء بسبتة، الله أعلم بحقّه من مينه. ولمّا صيّر الله ملك المغرب إلى السلطان، أمير المؤمنين أبي عنان، واضطره الحال إلى الاستظهار بمثلهم، انتشلهم من النكبة، وجبرهم بعد الصّدعة، وأعلق يد كبيرهم المترجم به بعروة العزّة، واستعان بآرائه على افتراع الهضبة، فألفى منه نقّابا قد هذّبته التجربة، وأرهفته المحنة، وأخلصته الصّنيعة، فسلّ منه سيفا على أعدائه، وزعموا أنه انقاد إلى هوى نفسه، واستفزّته قوة الثرّة، ولذّة التّشفي، وذهب إلى أن يكل للسلطان ناكبه المجاراة صاعا بصاع، فانتدب إلى ضبط ما بالأندلس من عمالة راجعة إلى ملك المغرب، فانقلب يجرّ وراءه الجيش، ويجنّب القوة، فقطع به عن أمله القاطع بالآمال، وأحانه الله ببعض مراحل طريقه مطعونا لطفا من الله به، وبمن استهدف إلى النّصب بمجادّته. وهو سبحانه مليء بالمغفرة عن المسرفين، سبحانه.
وفاته: في الأخريات من عام تسعة وأربعين وسبعمائة.
(4/50)

علي بن بدر الدين بن موسى بن رحّو بن عبد الله ابن عبد الحق «1»
يكنى أبا الحسن.
حاله: هذا الرجل نسيج وحده في الفضل والتخلّق، والوفاء، ونصح الجيب، وسلامة الصدر، وحسن الخلق، راجح العقل، سريّ الهمّة، جميل اللقاء، رفيع البزّة، كريم الخصال، يكتب ويشعر، ويحفظ ويطالع غرائب الفنون، صادق الموقف، معروف البسالة، ملوكيّ الصّلات، غزل، كثير الفكاهة، على تيقور وحشمة، قدّمه السلطان شيخ الغزاة بمدينة وادي آش، فلما وقعت به المحنة، وركب الليل مفلتا إليها، اتّفق لقاؤه إياه صباحا على أميال منها، وجاء به، وأدخله المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستقرّ بقصبتها وما كاد، وأخذ له صفقة أهلها، وشمّر في الذبّ عنه تشميرا نبا فيه سمعه عن المصانعة، ودهيه عن الجملة، وكفّه عن قبول الأعواض، فلم يلف فيه العدوّ مغمزا، ولا المكيدة معجما، ولا استأثر عنه بشيء ممّا لديه، إلى أن كان انتقال السلطان عنها إلى المغرب، فتبعه مشيّعا إلى مأمنه، فتركها غريبة في الوفاء، شاع خبرها وتعوطي حديثها، على حين نكر المعروف، وجحدت الحقوق، وأخوت بروق الأمل. ثم قلق المتغلّب على الدولة بمكانه، فصرفه إلى العدوة الغربية، فاستقرّت به الدار هنالك، في أوائل عام ثلاثة وستين أو أواخر العام قبله.
وخاطبته من مدينة سلا لمكان الودّ الذي بيني وبينه بما نصّه «2» : [مخلع البسيط]
يا جملة الفضل والوفاء ... ما بمعاليك من خفاء
عندي بالودّ فيك عقد ... صحّفه «3» الدّهر باكتفاء
ما كنت أقضي علاك «4» حقّا ... لو جئت مدحا بكلّ فاء
فأول وجه القبول عذري ... وجنّب «5» الشّكّ في صفاء
(4/51)

سيدي «1» ، الذي هو فضل «2» جنسه، ومزيّة يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من الله «3» ببدره افتخر منه بشمسه، رحلت عن «4» المنشإ والقرارة «5» ، ومحلّ الصّبوة والغرارة «6» ، فلم تتعلّق نفسي بذخيرة، ولا عهد حيرة «7» خيرة، كتعلّقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الرّاح، واشتملت بالمجد الصّراح، شفقة أن تصيبها معرّة «8» والله تعالى «9» يقيها، ويحفظها ويبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرّذلة غوائل «10» ، والضّدّ منحرف بالطبع ومائل. فلمّا تعرّفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، وإلقاءه «11» وراء الفرضة بالعطن، لم تبق لي تعلّة «12» ، ولا أجرضتني «13» علّة، ولا أوتي جمعي من قلّة، فكتبت أهنىء نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن «14» باليد الطولى. فالحمد لله الذي جمع الشّمل بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدّل لكلماته. وإياه أسأل أن يجعل العصمة حظّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، وأنا أحدج «15» عن بثّ كمين، ونصح أنابه قمين، بعد أن أسبر غوره، وأخبر طوره، وأرصد دوره، فإن كان له في التّشريق «16» أمل، وفي ركب الحجاز ناقة وجمل، والرأي فيه قد نجحت منه نيّة وعمل، فقد غني عن عوف «17» والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، وتأنّس بوصل السّرى ووصال السّراة، وأناله «18» إن رضي مرافق، ولو أغري «19» به خافق.
وإن كان على السّكون بناؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، والله يحفظ من الغير «20» سعده. والحقّ أن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ «21» اللسان
(4/52)

ويغضّ «1» البصر، وينخرط في الغمار، ويخلّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له، ممّن لا يقبل الله تعالى «2» قوله ولا عمله، فلا يكتم سرّا، ولا يتطرّق «3» من الرّجولة زمرا «4» ، ورفض «5» الصّحبة زمام السلامة، وترك النّجاة علامة. وأمّا حالي فكما «6» علمتم ملازم كنّ «7» ، ومبهوظ «8» تجربة وسنّ، أزجي الأيام، وأروم بعد التفرّق الالتئام، خالي اليد، مالئ «9» القلب والخلد، بفضل الواحد الصّمد، عامل على الرّحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وآمل في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قرّرته لكم ما أنتم أعلم به من ودّ قرّرته الأيام والشهور، والخلوص المشهور، وما أطلت في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختصّ بكم من موالاته، وبذل مجهود القول والعمل في مرضاته. وأما ذكركم في هذه الأوضاع، فهو ممّا يقرّ عين المجادة، والوظيفة التي تنافس «10» فيها أولو السيادة، والله يصل بقاءكم، وييسّر لقاءكم، والسلام.
وهذا الفاضل ممن جال فيه لاختيار الإمارة أيام مقامه بالعدوة الغربية؛ لذياع فضله، وكرم خلاله. وقفل إلى الأندلس عند رجوع الدولة، فجنى ثمرة ما أسلفه، وقدّم شيخ الغزاة بمالقة، ثم نقل إلى التي لا فوقها من تقديمه شيخ الغزاة بحضرته منّة لا على ميادين حظوته، مقطعا جانب تجلّته، فبلي الناس على عهد ولايته الفتوح الهنيّة، والنّعم السّنية. ولما قفل السلطان، أيّده الله، من فتح قاعدة جيّان، أصابه مرض، توفي منه في ثالث صفر من عام تسعة وستين وسبعمائة، فتأثّر الناس لفقده، لما بلوه من يمن طائره، وحسن موارده ومصادره. وكان قد صدر له المنشور الكريم، من إملائي، بما ينظر في اسم المؤلف، في آخر هذا الديوان.
(4/53)

علي بن مسعود بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مسعود المحاربي «1»
الوزير، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من أعيان أهل الحضرة، وذوي الهيئات والنباهة من بيوتاتها، أيّدا، حسن الشكل، جهير الصوت، فصيح اللسان ثرثاره، جيد الخطّ، حلو الدّعابة، طيّب النفس، لبقا، ذكيّا، أديبا، فاضلا، لوذعيّا، مدركا. وزر للسلطان أبي الوليد، نزع إليه لمّا دعا إلى نفسه بمالقة من إيالة مخلوعه بعد اصطناعه، وصرف وجهته إلى جهته، فتغلّب على هواه، وأشركه في الوزارة، مع القائد الوزير أبي عبد الله بن أبي الفتح الفهري، وقد مرّ ذكره، فأبرّ عليه بمزيد المعرفة بالأمور الاشتغالية وجماح عنان اللسان والجرأة في أبواب المداخلات الوزارية، فلم يزل يضمّ أذيال الخطّة ويقلّصها عن قسيمه إلى أن لم يبق له منها إلّا الاسم إلى حين وفاته.
وفاته: واستمرّت حاله على رسمه من القيام بالوزارة إلى أن فتك بسلطانه قرابته بباب داره كما تقدّم في اسم السلطان أبي الوليد في حرف الألف، فكرّ أدراجه وهاج بالباطشين، وسلّ سيفه يدافع عنه، فمالت إليه الأيدي، وانصرفت إليه الوجوه، وأصيب بجراحات مثخنة، أتى عليه منها جرح دماغي لأيام، وعلى ذلك فلم يبرح من سدّة السلطان، حتى تعجّل ثأره، وشمل السّيف قتلته، وأخذ البيعة لولده.
وكانت وفاته في السابع والعشرين لشعبان من عام خمسة وعشرين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، والثناء عليه كثيرا، والرحمة له مستفيضة.
ورثاه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، رحمه الله بقوله: [الطويل]
أيا زفرتي، زيدي ويا عبرتي جودي ... على فاضل الدّنيا على ابن «2» مسعود
على الشامخ الأبيات في المجد والعلا ... على السّابق الغايات في البأس والجود
على غرّة العصر التي جمعت إلى ... مهابة مرغوب طلاقة مودود
على من له في الملك غير منازع ... وزارة ميمون النّقيبة محمود
على من إذا عدّ الكرام فإنه ... بواجب حقّ الفضل أوّل معدود
(4/54)

ومن كعليّ ذي الشجاعة والرّضا ... لإصراخ مذعور وإيواء مطرود؟
ومن كعليّ ذي السّماحة والنّدى ... لإسباغ إنعام وإنجاز موعود؟
ومن كعليّ للوزارة قائما ... عليها بتصويب عليها وتصعيد؟
ومن كعليّ للإدارة سالكا ... لها نهج تليين مشوب بتشديد؟
ومن كعليّ للسياسة منفذا ... أوامر تنفيذ وأحكام توطيد
ومن كعليّ في رضا الله حاكما ... بإنجاد معدوم وإعدام موجود
ومن كعليّ واصل الرّحم التي ... تمتّ بتقريب له أو بتبعيد
ومسدي الأيادي البيض بدءا وعودة ... مردّدة تمحو دجى الثّوب للسّود «1»
أيا كافي السلطان كلّ عظيمة ... بآراء تسديد وأعمال تمهيد
ويا حامي الملك المشيد بناؤه ... بصولة محذور وغرّة مقصود
ويا كافل الأيتام يجري عليهم ... جراية نعمى بابها غير مسدود
ذكرتك في نادي الوزارة صادعا ... بأمر مطاع حكمه غير مردود
ذكرتك في صدر الكتيبة قائما ... بخدمة مولّى بعد طاعة معبود
ذكرتك في المحراب والليل دامس ... تردّد آي الذّكر أطيب ترديد
ودمعك مرفضّ وقلبك واجب ... لخشية يوم بين عينيك مشهود
عفاء «2» على الدنيا ولا درّ درّها ... فما جمعها إلّا رهين بتبديد
فمهما حلت منها لديك مسرّة ... ففي إثرها فارقب مرارة تنكيد
ألهفا على الوجه الجميل معطّرا ... بدار البلى رهين الأساود والدّود
وعهدي به مستبشرا ومبشّرا ... بتفريج مكروب وراحة مجهود
لأظلمت الدنيا عليّ لفقده ... فها أنا أرعاها بمقلة مرصود
وقلّص من ظلّ الرّجاء «3» فراقه ... فظلّ رجائي بعده غير ممدود
وكم سبحت فلك المنى في بحارها ... مواخر فاليوم استوت بي على الجود
وهوّن عندي كلّ خطب مصابه ... فبعد عليّ لست أبكي لمفقود
ولا أدّعي أني وفيت بعهده ... فلم أرع عهدا حين أودى ولم أود
فلا يشمت «4» الأعداء إن حان حينه ... فما بالرّدى عار فكل امرئ مود
(4/55)

ولا سيما إذ «1» مات ميتة عزّة ... بعيدا شهيدا ماضيا غير رعديد
وفيّا لمولاه مطيعا لربّه ... وقد بطلت ذعرا رقاب الصّناديد
فبشرى له أن فاز حيّا وميّتا ... بميتة مفقود وعيشة محسود
عليه سلام الله ما ذرّ شارق ... وما صدعت ورقاء في فرع أملود
وجادت ثرى اللّحد الزّكي سحائب ... مجدّدة الرّحمى بأحسن تجديد
علي بن لب بن محمد بن عبد الملك ابن سعيد العنسي
غرناطي، قلعي «2» .
حاله: كان ظريفا، مليح الخطّ، حارّ التّندير، عينا من عيون القطر ووزرائه.
شعره: حدّث أبو الحسن بن سعيد، قال: تمشينا معا أيام استيلاء النهب والتهدم على معظم ديار مرّاكش بالفتنة المتصلة، قال: فانتهينا إلى قصر من قصور أحد كبرائهم، وقد سجدت حيطانه، وتداعت أركانه، وبقايا النّهب والأصبغة والمقربسات تثير الكمد، ولا تبقي جلدا لأحد، فوجدنا على بعضها مكتوبا بفحم:
[الكامل]
ولقد مررت على رسوم ديارهم ... فبكيتها والرّبع قاع صفصف
وذكرت مجرى الجور في عرصاتهم ... فعلمت أنّ الدهر منهم منصف
فتناول أبو الحسن بياضا من بقيّة جيار، وكتب تحتها ما نصّه: [الكامل]
لهفي عليهم بعدهم فمثالهم ... بالله قل لي في الورى هل يخلف؟
من ذا يجيب مناديا لوسيلة ... أم من يجير من الزمان ويعطف؟
إن جار فيهم واحد من جملة ... كم كان فيهم من كريم ينصف
وفاته: توفي بمراكش سنة سبع وعشرين وستمائة.
(4/56)

علي بن يوسف بن محمد بن كماشة «1»
القائد والوزير بين القتادة والخرط، يكنى أبا الحسن.
أوليته: كان جدّه من المنتزين ببعض حصون الأندلس، طلياطة «2» ، وخدم طاغية الروم ببعضها، وانخرط في جملته، يشهد بذلك مكتوبات تلقّاها بشماله ووراء ظهره، صانها حافده المترجم به في خرقة من السّرق لا يزال يعرضها في سبيل الفخر على من يصل إلى باب السلطان من رسل الرّوم. ولقد عرضها أيام سفارته إلى ملك قشتالة على وزيره شمويل اللبي اليهودي، وطلب تجديدها، فقال له: هذا يتضمن خدمة جدّك للسلطان مولاي جدّ مولاي السلطان بجملة من بلاد المسلمين، وفيها الشّكر له والرّعاية على ذلك، فاذهب أنت هذا المذهب الذي ذهبه جدّك، يتجدّد لك ذلك إن شاء الله، فلمّا هلك ووري بين مدافن الروم، بعد أن علّق زمانا من سور الحصن في وعاء، توفية لشرط لا أحقّقه الآن. ولحق ولده بباب السلطان، فتفيّأوا ظلّ كفالته، ونشأوا في عداد صبيته. ولمّا صلحوا للاستعمال، استخدم منهم عليّا كبيرهم في العمل، فاستظهر به على حفزه بحمى ألمرية وما إليها، فأثرى وراه استغنى، وطالت مدّة ولايته، واستعمل أخاه يوسف والد المترجم به، في القيادة، وكان رجلا مضعوفا، فاستمرّت حاله إلى أن فقد بصره، جنى عليه شؤم ولده الجلا شيخا زمنا.
ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بها، حسبما يذكر في اسميهما. وكانوا يتبجّحون بنسبه إلى معن بن زائدة؛ طوّق جدّهم بتلك النسبة، بعض أولي التّنفق والكدية، فتعلّلوا منها بنسيج العناكب، وأكذبوها بالخلق الممقوت، والبخل بفتات القوت، والتعبّد لعبدة الطّاغوت إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«3» .
حاله: هذا الرجل حسن الشكل، كثير الهشّة، جيّد الرّياش، كثير التعلّق والتّوسل، لصقت بشجرات الدول صمغته، وثبت بأسبابها قراده، شديد الملاطفة لحجبة الأبواب، والمداخلة لأذيال الأمراء، متصامم على أغراضهم، مكذّب لمحسوس جفوتهم، متنفّق بالسّعاية، متبذّل في أسواق الخدمة، يسبق في الطيالس، ويلفظ الزّبير، ويصرخ بالإطراء، ويولول بالدعاء، مدلّ في الأخونة، محكم في نفسه
(4/57)

للنّادرة التي تضحكهم، بذي مهذار، قليل التصنّع، بعيد عن التّسمت، أطمع خلق الله وأبخلهم بما لديه، وأبعدهم في مهاوي الخسّة. أما فلسه، فمخزون، وأمّا خوانه، فمحجوب، وأمّا زاده، فممنوع محجور، وأمّا رفده، فمعدوم العين والأثر. وأمّا ثوبه، فحبيس التّحت إلى يوم القيامة، قد جعل لكل فصل من فصول معاشه، ونفاضة مخاليه، وسور دوابه مؤنة ما. فالنّخالة بينة المصرف، وللسرجين معين الجهة، وفتات المنديل موقفة على فطور الغد، ودهن الاستصباح جار في التّجلة والادخار مجرى دهن البلسان.
أخباره: في هذا الباب مغربة، ولزمت كعبة المنحسة، وعلق في عنقه طائر الشّؤم، فلم تنجح له وجهة، ولا سعدت له حركة، واستقرّ عند الكائنة على الدولة، بباب السلطان بالمغرب، خاطبا في حبل الغادر، المتوثّب على الملك، ومعينا للدهر على الأحبّ الحقّ ووليّ النّعمة. ثم بدا له في المقام بالمغرب أمنا واضطرابا. ولمّا رحل السلطان أبو عبد الله بن نصر «1» المذكور إلى طلب حقه، وقد أعتبه، سدّد به رسم الوزارة في طريقه، كما اضطرّ صياد إلى صحبة كلب مخابت آماله، ولحقت به المشأمة، وتبر الجدّ، واشتهر ذلك، فعلقت به الشّفقة، إلى أن خاطب السلطان بعض من يهمّه أمره بهذه الأبيات: [الطويل]
كماشكم من أجله انكمش السّعد ... إذا ما اطّرحتم شؤمه نجز الوعد
ومن لم تكن للسّعد في بدء أمره ... مخيلة نجح، كيف ترجى له بعد؟
وتصريفه المشؤوم فلتتذكّروا ... وما قلت إلّا بالتي علمت سعد
واقتضى أمره تبرّما به أن صرف من رندة، وقد استقرّ أمره بها رسولا إلى باب ملك المغرب؛ لأمور منها استخلاص ولده وإيصاله إليه، فتعذّر القصد، وسدّت الأبواب، وأزفت بدار المغرب عهد بذّ الآزفة، وتراخى مخنّق مرسله لخلو دسته منه، فثاب الرّجاء وقرب الفتح، وساعد السّعد بما طال منه التّعجب. ولمّا بلغ خبر صنع الله، وإفاقة الأيام، وجبر الله السلطان بدخول مالقة في طاعته، لحق به، وقد قلقت به الجوانب، وتنكّرت الوجوه، وساءت لطيرته الظّنون، فتوفّر العزم على صرفه عن الأندلس في أوليات رمضان عام ثلاثة وستين وسبعمائة، فقبض عليه، وصرف إلى البلاد الشرقية، وقد شرع في إغراء سلطان قشتالة بالمسلمين، وكان آخر العهد به،
(4/58)

وذكروا أنه حجّ وقفل والعودة تتبعه، والنفوس لمتوقّع شؤمه مكرهة. ورجي أن يكون ماء زمزم وضوء النقع، أو أنّ مشاهدته الآثار الكريمة تصلح ما فسد من حاله، فآب شرّ إياب، وربما نبض له شريان من جدّه الذي تقدم في خدمة النصارى ذكره، فأجاز البحر إلى ملك برجلونة، فجعل تقبيل كفّه لاستلام الحجر الأسود وسيلة ثانية وقربة مزلفة، والقول بفضل وطنه حجّة صادقة، ثم قلق لخيبة قصده، وخلوّ يده من الزّقوم الذي كان قد احتجنه للمهمّ من أمره، واستيلاء النّحس على بيت سعده، فصرف وجهه المشؤوم إلى المغرب، فاحتلّ به، وجعل يطوق كل من أسلف له بداء الذّام، ويشيع عنه سوء القيلة، ويجهر في المجتمعات والدّكاكين بكل شنيع من القول، بالغا في ألفاظ السّغيلة أقصى مبالغ الفحش، لطف الله بنا أجمعين.
عثمان بن إدريس بن عبد الله بن عبد الحق بن محيو «1»
من قبيل بني مرين، يكنى أبا سعيد، شيخ الغزاة بجزيرة الأندلس على عهده.
أوليتهم: جدّ هؤلاء الأقيال الكرام، الذي يشترك فيه الملوك الغرّ من بني مرين بالعدوة، مع هؤلاء القرابة، المنتبين عنهم أضرار التّراث، ودواعي المنافسات، عبد «2» الحق بن محيو. وكان له من الولد إدريس وعثمان وعبد الله ومحمد وأبو يحيى ويعقوب، فكان الملوك بالمغرب من ولد يعقوب، وهؤلاء من ولد عبد الله وإدريس ويعقوب ورحّو. ولمّا قتل جدّهم يعقوب بيد ابن عمّه عبد الحق بن يعقوب، أجفل أخواه ومن معهم، وانتبذوا، واستقرّوا بتلمسان، بعد أمور يطول شرحها. ثم اجتاز الشيخ أبو سعيد في جملة من اجتاز منهم إلى الأندلس، فنال بها العزّة والشّهرة.
حاله: كان رجل وقته جلالة وأصالة، ودهاء وشهرة وبسالة، مرمى لاختيار عتاقة وفراهة، واحد الزّمن أبّهة ورواء، وخلقا ورجاحة، أيّدا، عظيم الكراديس، طوالا، عريض المنكب، أقنى الأنف، تقع العين منه على أسد عيص، وفحل هجمة، بعيد الصيت، ذائع الشهرة، منجب الولد، يحمي السّرح، ويزين الدّست. لحق بتلمسان مع زوج أمّه وعمّه، موسى بن رحّو، عندما فرّوا من الجبل بأحواز وزغة، شابا كما اجتمع، وأجاز البحر منها، وخدم مرتزقا بها. ثم عاد إلى العدوة برضا من
(4/59)

عمه السلطان بها. ثم فرّ عنه ولحق بالأندلس، واستقرّ بها، وولّي خطّة الشّياخة العامة، وهي ما هي، من سموّ الهضبة، وورود الرّزق، وانفساح الإقطاع، فشارك، وتبنّك النّعيم، وأقبل ما استظهر به على ما وراء مدينة سبتة، عند انتظامها في الإيالة النّصرية، فشنّ الغارة، ودعا إلى نفسه، وخلا فطلب النّزال، فغلبت غارته أحواز وادي سبو. ثم رجع أدراجه إلى الأندلس، وذمّر السلطان أبا الوليد، منفق حظوته على طلب الملك، ففازت به قداحه، واستولى على الجمّ من ريق دنياه، وسلّ الكثير من ماله وذخيرته في أبواب من العبادة، والاسترضاء والاستهداء. ولمّا توفي، تضاعف لطف محلّه من ولده، إلى أن ساء ما بينه وبين مدبّر أمره ابن المحروق، ونفر عنه، مؤاخذا بألقيات كانت سلّما إلى تجنّيه، يحسب أن الافتقار إليه يعبّد له كل وعث، فاغتنم المذكور نفرته، واستبصر في الانتباذ عنه، مطيعا دواعي الخور والرّهبة، من شؤوب حاله. وأجلى الأمير عن رحيله وولده إلى ساحل ألمريّة، موادعا، مزمعا الرحيل عن الأندلس. وارتاد الجهات، وراسل الملوك بالعدوة، فكلّ صمّ عن ندائه، وسدّ السبيل إليه، فداخل قوما من مشيخة حصن أندرش حاضرة وطن الجباية، فاستولى عليه، وانتقل إليه بجملته، وراسل الطّاغية، فتحرّك إلى منازلة حصن وبرة من الحصون التاكرونيّة، ففازت به قداحه، واستدعي عمّ السلطان، وهو الرئيس أبو عبد الله بن فرج بن نصر، من تلمسان، فدعا إليه، وشملت الفتنة، وكانت بينه وبين جيش الحضرة وقائع تناصف فيها القوم خطّتي المساجلة إلى أن نفد صبره وماله، وسمت فتنته الدولة، واقتضت مسالمته المصلحة، فعوهد على التخلّي عن الحصن، وصرف أميره إلى متبوّئه الأقصى، وانتقاله إلى مدينة وادي آش؛ ليكون سكنه بها تحت جرايات مقدّرة، وذلك في شهر رمضان ثمانية وعشرين وسبعمائة، وعلى تفيئة ذلك، عدا على مناوءة أميره، ففتك به، واستقدم الشيخ أبا سعيد فأعاده إلى محلّه، واستمرّت على ذلك حياته إلى مدة حياته، إلى أن توفي في أخريات أيامه.
وفاته: ولمّا نزل العدوّ ثغر أطيبة، ونهض جيش المسلمين إلى مضايقته، أصابه المرض. ولمّا أشفى «1» نقل «2» إلى مالقة، فكانت بها وفاته يوم الأحد ثاني ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة عن سنّ عاليه تنيف على الثمانين سنة، ونقل إلى غرناطة، فووري بها، وبنيت عليه بنية ضخمة، وصار أمره إلى ولده. ونقش على قبره في الرخام:
(4/60)

«هذا «1» قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال الكماة، واحد الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، القائم بباب «الجنّة تحت ظلال السيوف» ، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الإمام «2» المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدّم «3» ، المرحوم، أبي سعيد عثمان، ابن الشيخ الجليل، الإمام «4» الكبير، الأصيل الشهير، المقدّس، المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق. كان عمره ثمانيا وسبعين «5» سنة، أنفقه ما بين روحة في سبيل الله، وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة، وقطع عمره جاهدا مجاهدا «6» في طاعة الرّب، محتسبا في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفار، مصادما [بين جموعهم] «7» من تدفّق التيار، وصنع الله له فيهم من الصّنائع الكبار، ما صار «8» ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السّيّار، حتى توفي، رحمه الله، وغبار الجهاد طيّ أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه، فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه، واستأثر به سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدّمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلا عن نيّته الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجّت الأندلس لفقده «9» ، أتحفه الله رحمة من عنده، توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من عام ثلاثين وسبعمائة» .
القضاة الأصليون
عتيق بن أحمد بن محمد بن يحيى الغساني «10»
غرناطي، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الفرّاء، ويعرف عقبه ببني الوادي آشي، وقد مرّ ذكر ولده أبي الفرج، وينبز بقرنيّات.
حاله: حدّثني أبي، رضي الله عنه، وكان صديقا لأبيه، أنّه كان من أهل الجلالة والفضل، حسن السّمت، عظيم الوقار، جميل الرّواء، فاضلا، حسن العشرة.
(4/61)

وقال القاضي ابن عبد الملك «1» : كان جامعا لفنون من المعارف، معروف الفضل «2» في كل ما يتناول «3» من الأمور العلمية، وقيّد كثيرا، وعني بالعلم العناية التامة، واستقضي بالمنكّب، وعرف في «4» ذلك بالعدالة والنّزاهة.
تواليفه: صنّف «5» «نزهة الأبصار، في نسب الأنصار» ، و «نظم الحليّ، في أرجوزة أبي عليّ» ، يعني ابن سينا «6» .
شعره: قال: ومما نظمته ووجّهته به صحبة رسالتين: [الكامل]
يا راكبا يبغي الجناب الأشرفا ... ومناه أن يلقى الكريم المسعفا
عرّج بطيبة مرّة لترى بها ... علمي قبول رحمة وتعطّفا
وإذا حللت بها فقبّل تربها ... وارغب جلالهم عسى أن يسعفا
وأسل دموعك رغبة وتضرّعا ... وأطل بها عند التضرّع موقفا
واذكر ذنوبك واعترف بعظيمها ... فعسى الذي ترجو له أن يعطفا
واجعل شفيعك إن قصدت عناية ... قبرا تقدّس تربة وتشرّفا
قبر تضمّن نور هدي واضحا ... لم يحتجب عن مبصريه ولا اختفى
قبر حوى النّور المبين ونوره ... يهدي به سبل السّلام من اقتفى
قبر به للهاشميّ «7» محمد ... أبهى الأنام سنا وأوفى من وفى
خير الورى علم التّقى شمس الهدى ... للمنتقى «8» والمجتبى والمصطفى
سلّم عليه وخصّه بتحيّة ... واقرأ عليه من السلام مضاعفا
واذكر، هديت، أخا البطالة، عمره ... هيهات «9» كم نقض العهود وأخلفا!
ولكم تيقّن بالدليل فما له ... ركب العناد لجاجة وتعسّفا؟
وعصى فأسلم للقطيعة والجوى ... حقّ على من خان أو لا يعرفا
هل للعفو تنفّح نحوه «10» ... يوما فيضحى بالرّضا متعرّفا؟
(4/62)

وأعد حديث مشوق قلب عنده ... من لم يذب شوقا له ما أنصفا
أخبره عن حبّي وطول تشوّقي ... تفديك «1» نفسي مخبرا ومعرّفا
وتشكّ من جاء الإله «2» فإنّ لي ... نفسا تسوّفني المتاب تسوّفا
مولده: بغرناطة في ذي حجة خمس وثلاثين وستمائة.
وفاته: ذكر أنه كان حيّا سنة خمس وثمانين وستمائة «3» .
علي بن محمد بن توبة «4»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من العلماء الجلّة الفقهاء الفضلاء. ولّي قضاء غرناطة لباديس بن حبّوس، وعلى يديه كان عمل منبر جامعها، وكان عمله في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة. وكان من قضاة العدل، وإليه تنسب قنطرة القاضي بغرناطة والمسجد المتصل بها في قبلتها. وكان كاتبه الزاهد أبا إسحاق الإلبيري، وفيه يقول:
[الخفيف]
بعلي ابن «5» توبة فاز قدحي ... وسمت همّتي على الجوزاء
فهنيّا لنا وللدين قاض ... مثله عالم بفضل القضاء
يحسم الأمر بالسياسة والعد ... ل كحسم الحسام للأماء
لو أنا سيّرناه قال اعترافا ... غلط الواصفون لي بالذكاء
لو رأى أحنف وأكبر منه ... حلمه ما انتموا إلى الحلماء
أو رأى المنصفون بحر نداه ... جعلوا حاتما من البحر لاء
هو أوفى من الشّمول وعهدا «6» ... ولما زال مغرما بالوفاء
وحياء «7» المزن وحيّا أخاه ... أهملت كفّه بوبل العطاء
(4/63)

يشهد العالمون في كل فنّ ... أنّه «1» كالشهاب في العلماء
وقضاة الزمان أرض لديهم ... وهو من فوقهم كمثل السّماء
لتعرّضت مدحه فكأنّي ... رمت بحرا مساجلا بالدّلاء
فأنا معجم على أنّ خيلي ... لا تجارى في حلبة الشّعراء
لكساني محبّرا ثوب فخر ... طال حتى حرّرته من ورائي
ولو انصفته «2» وذاك قليل ... كان خدّي لنعله كالحذاء
فأنا عبده وذاك فخاري ... وجمالي بين الورى وبهائي
وثنائي «3» وقف عليه وشكري ... ودعائي له بطول البقاء
علي بن عمر بن محمد بن مشرف بن محمد بن أضحى ابن عبد اللطيف بن الغريب بن يزيد بن الشمر ابن عبد شمس بن الغريب الهمداني «4»
والغريب بن يزيد هو أول مولود ولد للعرب اليمانيين بالأندلس، يكنى أبا الحسن.
ولي غرناطة، وكان من أهل العلم والفهم، والمشاركة في الطّب، والكفاية الجيدة، والشعر في ذروة همدان، وذوائبهما، حسن الخطّ، كريم النفس، جواد بما يمارى، عطاياه جزلة، ومواهبه سنيّة، وخلقه سهلة، كثير البشاشة، مليح الدّعابة، موطّأ الأكناف، على خلق الأشراف والسادة.
مشيخته: روى بألمرية عن القاضي أبي محمد بن سمحون وبه تفقّه، وقرأ الأدب على ابن بقنّة، وعلى الإمام الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن الباذش، وسمع الحديث على الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية وغيره.
(4/64)

شعره: من شعره يخاطب الوزير ابن أبيّ «1» ويعتذر إليه، وكان الفقيه أبو جعفر المذكور قد خاطبه شافعا في بعض الأعيان، فتلقّى شفاعته بالقبول، ثم اعتقد أنه قد جاء مقصّرا، فكتب إليه «2» : [الطويل]
ومستشفع عندي بخير الورى عندي ... وأولاهم بالشّكر منّي وبالحمد
وصلت فلمّا لم أقم بجزائه ... (لففت له رأسي حياء من المجد) «3»
وكتب يخاطب أبا نصر بن عبد الله، وقد كان أبو نصر خاطبه قبل ذلك «4» :
[الطويل]
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر ... سريع كرجع الطّرف في الخطرات
فأعربت «5» عن وجد كمين طويته ... بأهيف طاو فاتر اللّحظات
غزال أحمّ المقلتين عرفته ... بخيف «6» منّى للحسن «7» أو عرفات
رماك فأصمى «8» والقلوب رميّة ... لكلّ كحيل الطّرف ذي فتكات
وظنّ بأنّ القلب منك محصّب ... فلبّاك من جنابه «9» بالجمرات
تقرّب بالنّسّاك في كلّ منسك ... وضحّى غداة النّحر بالمهجات
وكانت له جيّان مثوى فأصبحت ... ضلوعك مثواه بكلّ فلاة «10»
يعزّ علينا أن تهيم فتنطوي ... كئيبا «11» على الأشجان والزّفرات
فلو قبلت للناس في الحبّ فدية ... فديناك بالأموال والبشرات
(4/65)

وخاطب أحد أوليائه شافعا في رجل طلّق امرأته، ثم علقت بها نفسه، فلم تسعفه، وكتب إليه «1» : [المتقارب]
ألا أيها السّيّد المجتبى ... ويا أيها الألمعيّ العلم
أتتني أبياتك المعجزات «2» ... بما قد حوت من بديع الحكم
ولم أر من قبلها بابلا «3» ... وقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنه الدّين لا يشترى ... بنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعا ... وكيف أحلّل ما قد حرم
ألست أخاف عقاب الإله ... ونارا مؤجّجة تضطرم؟
أأصرفها طالقة «4» بتّة ... على أنوك «5» قد طغى «6» واجترم؟
ولو أنّ ذلك «7» الغبيّ الخمول «8» ... تثبّت في أمري «9» ما ندم
ولكنه طاش مستعجلا ... فكان أحقّ الورى بالنّدم
ومن شعره أيضا قوله رحمه الله: [الخفيف]
يا عليما بمضمرات القلوب ... أنا عبد مثقّل بالذنوب
فاعف عني وتب عليّ وفرّج ... ما أنا فيه من أليم الكروب
حالما أشتكي سواك طبيب ... كيف أشجى به وأنت طبيبي «10» ؟
أنا ممن دعا قريب مجيب ... فأرح ما بمهجتي عن قريب
تواليفه: قال أبو القاسم بن خلف الغافقي: حدّثني عنه الفقيه أبو خالد بن يزيد بن محمد وغيره بتواليف، منها كتاب «قوت النفوس» ، «وأنس الجليس» وهو كتاب حسن، ضمن فيه كثيرا من شمائل النبيّ عليه الصلاة والسلام.
(4/66)

وفاته: توفي بغرناطة في سنة أربعين وخمسمائة، وهو يحاصر الملثمين «1» بقصبة غرناطة حسبما ثبت في اسم ابن هود أحمد.
ومن الطارئين والغرباء
عثمان بن يحيى بن محمد بن منظور القيسي «2»
من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو»
، ويعرف بابن منظور، الأستاذ القاضي، من بيت بني منظور الإشبيليين، أحد بيوت الأندلس المعمور بالنباهة.
حاله: كان «4» ، رحمه الله، صدرا في علماء بلده، أستاذا ممتعا، من أهل النظر والاجتهاد «5» والتحقيق، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مضطلعا بالمشكلات، مشاركا «6» في فنون، من فقه وعربية، برز فيهما، إلى أصول وقراءات وطب ومنطق.
قرأ كثيرا، ثم تلاحق بالشادين «7» ، ثم غبّر في وجوه السوابق. قرأ على الأستاذ أبي «8» عبد الله بن الفخار، ولازم الأستاذ أبا محمد بن أبي «9» السداد الباهلي، وتزوج ابنة «10» الفقيه أبي علي بن الحسن، فاستقرّت عنده كتب والدها، فاستعان بها على العلم والتبحّر في المسائل. وقيّد بخطّه الكثير، واجتهد، وصنّف، وأقرأ ببلده، متحرّفا «11» بصناعة التوثيق، فعظم به الانتفاع. وقعد للتدريس خلفا للراوية أبي عثمان بن عيسى في شوال عام تسعة وسبعمائة. وولي القضاء ببلّش «12» وقمارش،
(4/67)

وملتماس، ثم ببلده مالقة. وتوفي «1» قاضيا بها. لقيته وانتفعت بلقائه، وبلوت منه أحسن الناس خلقا، وأعذبهم فكاهة.
شعره: وكان قليلا ما يصدر عنه، كتب على ظهر الكتاب الذي ألّفه للوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، مقتديا بغيره من الأعلام في زمانه «2» :
[السريع]
قد جمع الحكم وفصل الخطاب ... ما ضمّه مجموع هذا الكتاب
من أدب غضّ ومن علية ... تسابقوا للخير في كلّ باب
فجاء فذّا في العلى والنّهى ... ومنتقى صفو لباب اللّباب
ألّفه الحبر الجليل الذي ... حاز العلا إرثا وكسبا فطاب
تواليفه: ألّف كتاب «اللّمع الجدلية في كيفية التحدث في علم العربية» . وله تقييد في الفرائض، حسن سمّاه، «بغية المباحث في معرفة مقدمات الموارث» ، وآخر في المسح على الأنماق الأندلسي.
وفاته: توفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لذي حجة من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة، ولم يخلف بعده مثله.
علي بن أحمد بن الحسن المذحجي
من أهل حصن ملتماس «3» ، وابن وزيره الفقيه الحافظ القاضي، يكنى أبا الحسن، ويعرف بجدّه.
حاله: من أولي الأصالة والصّيانة والتعفّف، والعكوف على الخير، والآوين إلى طعمة متوارثة، ونباهة قديمة، صنّاع اليد، متقن لكل ما يحاوله من تسعير ونجارة، مبذول المودّة، مطعم للطعام بدار له معدّة للضّيفان من فضلاء من تطويه الطريق، ويغشاه من أبناء السبيل. ولي قضاء بلده في نحو عشرين سنة، فحمدت سيرته، ثم ولي قضاء مالقة فظهرت دربته ومعرفته بالأحكام، فأعفي وعاد إلى ما كان بسبيله من القضاء بموضعه والخطابة.
(4/68)

مشيخته: قرأ على الشيخين الصالحين؛ أبي جعفر بن الزيات، وأبي عبد الله بن الكماد ببلده بلّش، وأخذ عنهما.
تواليفه: له أجوبة حسنة في الفقه، وصنّف على كتاب البراذعي تصنيفا حسنا بلغ فيه إلى آخر رزمة البيوع ثلاثة عشر سفرا، واستمرّت على ذلك حاله.
وفاته: توفي ببلده بلّش في ... «1» من عام ستة وأربعين وسبعمائة.
علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي النّباهي المالقي «2»
صاحبنا أبو الحسن.
أوليته: تنظر فيما تقدم من أهل بيته والمذكورين فيه من سلفه «3» .
حاله: هذا الرجل، ولّي قضاء الحضرة، وخطابة جامع السلطان، وعرض له تقزّز فيما يقف عليه من منتخب وصفه، وعدم رضا بما يجتهد فيه من تحليته، فوكلنا التعريف بخصائصه، إلى ما اشتهر من حميدها، تحرّجا مما يجرّ عتبه، أو يثير عدم رضاه.
مشيخته: ذكر أنه أخذ عن الشيخ الخطيب أبي بكر الطّنجالي، قريب أبيه، والناظر عليه بعده بوصاته. وكان من أهل الدّراية والرواية، وعن الشيخ الفقيه أبي القاسم محمد بن أحمد الغساني، شهر بابن حفيد الأمين، وقرأ عليه الفقه والقرآن، وسمع عليه، وتلا على الشيخ الأستاذ المقرئ أبي محمد بن أيوب، وسمع عليه الكثير. وهو آخر من حدّث عن أبي بن أبي الأحوص، وعلى الشيخ المقرئ أبي القاسم بن يحيى بن محمد بن درهم، وأخذ عن قريبه القاضي، نسيج وحده أبي بكر عبد الله بن بكر الأشعري. ومن أشياخه صهره القاضي الأستاذ أبو عمرو بن منظور،
(4/69)

والأستاذ الحافظ المتكلّم أبو عبد الله القطان، والصّوفي أبو الطاهر محمد بن صفوان، والقاضي الكاتب أبو القاسم محمد البناء. وصحب الشيخ أبا بكر بن الحكيم، ولازمه وروى عنه. ولقي الخطيب المقرئ أبا القاسم بن جزيّ، وأخذ نسبته عن الشيخ أبي القاسم بن عمران. وبرندة عن القاضي المحدّث المقيد أبي الحجاج يوسف المنتشافري. ورحل فلقي بتلمسان عمران أبا موسى المشدالي، وحضر مجلسه، والأخوين الإمامين أبا زيد وأبا موسى ابني الإمام. وبباجة «1» ، أبا العباس أحمد بن الرّباعي، وأبا عبد الله بن هارون. وبتونس أعلاما، كقاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام. قال: ومن خطّه نقلت، وأجازني من أهل المشرق والمغرب، عالم كثير.
شعره: قال: نظمت مقطوعتين، موطّئا بهما على البيتين المشهورين.
الأولى منهما قولي «2» : [الطويل]
بنفسي «3» من غزلان غزوى «4» غزالة «5» ... جمال محيّاها عن النّسك زاجر
تصيد بلحظ الطرف من رام صيدها ... ولو أنه النّسر الذي هو طائر
معطّرة الأنفاس رائقة الحلى ... هواها بقلبي في المهامه «6» سائر
«إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحبّ: ميعاد السّلوّ المقابر»
والأخرى قولي «7» : [الطويل]
وقائلة لمّا رأت شيب لمّتي ... لئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهر
زمان التّصابي قد مضى لسبيله ... وهل لك بعد الشّيب في الحبّ عاذر؟
فقلت لها: كلّا وإن تلف الفتى ... فما لهواها عند مثلي آخر
«ستبقى «8» لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر»
(4/70)

وكتب مع شكل يحذو على النّعل الكريم، من شأنه أن يكتب ذلك لكل مزمع سفر «1» : [الطويل]
فديتك لا يهدى إليك أجلّ من ... حديث نبيّ الله خاتم رسله
ومن ذلك الباب المثال الذي أتى ... به الأثر المأثور في شأن نعله
ومن فضله مهما يكن عند حامل ... له نال ما يهواه ساعة حمله
ولا سيما إن كان ذا سفر به ... فقد ظفرت يمناه بالأمن كلّه
فدونك منه أيها العلم الرّضا ... مثالا كريما لا نظير لمثله
ومن ذلك قوله «2» : [البسيط]
لا تلجأنّ لمخلوق من الناس ... من يافث كان أصلا أو من الياس «3»
وثق بربّك لا تيأس ترى «4» عجبا ... فلا أضرّ على عبد من الياس
ومن قوله يمدح السلطان ويصف الإعذار «5» : [البسيط]
أبدى لنا من ضروب الحسن أفنانا ... هذا الزمان «6» لمولانا ابن مولانا
يقول فيها لطف الله بنا وبه:
ولا «7» تحرّك لسانا يا أخا ثقة ... بريم رامة إن وفّى وإن خانا
يظلّ ينشر ميت الوجد عن جدث ... من الجفون أو الأحشاء عريانا
ثم قال فيها بعد كثير يرجى عفو الله فيه:
فما النّسيب بأولى «8» من حديث علا ... عن الإمام ينيل المرء رضوانا
يمّمه تحظ بما أملت من أمل» ... يجنيك للسّول أفنانا فأفنانا
ومنها في المدح:
ملك يخفّ لراجيه بنائله ... على وقار يرى كالعين ثملانا
(4/71)

ملك ينصّ له الآلاء عزته ... على السعادة في الدارين فرقانا
العاطر الذّكر ترتاح النفوس له ... تخال فيه لها روحا وريحانا
السّاحر المنطق في شتّى العلوم ... إذا سألت منه لوجه الرّشد هانا
كسا الزمان ثياب الفضل حتى ... قضا عن منكبي صرفه ظلما وعدوانا
وعظّم الشرع حتى أنّ داعيه ... لا يستطيع له المدعوّ عصيانا
ومنها في ذكر الإعذار:
لله درّك يا مولاي من ملك ... شيّدت بالحق للإسلام بنيانا
ولم تبال ببذل المال في غرض ... يعمّ بالفضل ولدانا وبلدانا
وقمت في الولد الميمون طائره ... بسنّة الدين إكمالا وإتقانا
بدا لنا قمرا «1» ترنو العيون له ... مقلّدا من نطاق المجد شهبانا
وقام يسحب أذيال الجمال على ... بساط ملكك بالإعذار جذلانا
خجلان بالقصور عن بلوغ مدا ... من العلى بل الحسن منه قد بانا
فدته أنفسنا لو كان يقبلها ... منّا وكانت على الإبلال قربانا
فيا دما سال عن تقوى فعاد له ... بين الدّماء طهورا طيّبا زانا
ولا دليل على الغفلة المعبّر عنها بالسلامة والذهول كقوله: وقمت في الولد الميمون طائره. ومن ذلك قوله يخاطب صاحب العلامة بالمغرب أبا القاسم بن رضوان «2» : [الطويل]
لك الله قلبي في هواك رهين ... وروحي عني إن رحلت ظعين
ملكت بحكم الفضل كلّي خالصا ... وملكك للحرّ الصّريح يزين
فهب لي من نطقي بمقدار ما به ... يترجم سرّ في الفؤاد دفين
فقد شملتنا من رضاك ملابس ... وسحّ لدينا «3» من نداك معين
أعنت على الدهر الغشوم ولم تزل ... بدنياك في الأمر المهمّ تعين
وقصّر من لم تعلم النفس أنه ... خذول إذا خان الزمان يخون
(4/72)

وإني بحمد الله عنه لفي غنى ... وحسبي صبر عن سواك يصون
أبى لي مجد عن كرام ورثته ... وقوفا بباب للكرام «1» يهين
ونفسي «2» سمت فوق السّماكين همّة ... وما كلّ نفس بالهوان تدين
ولمّا رأت عيني محيّاك أقسمت ... بأنّك للفعل الجميل ضمين
وعاد لها الأنس الذي كان قد مضى ... بريّة إذ شرخ الشّباب خدين «3»
بحيث نشأنا لابسين حلى التّقى ... وكلّ بكلّ عند ذاك ضنين
أما وسنى تلك الليالي وطيبها ... ووجد غرامي والحديث شجون «4»
وفتيان صدق كالشّموس وكالحيا ... حديثهم ما شئت عنه يكون
لئن نزحت تلك الدّيار فوجدنا ... عليها له بين الضّلوع أنين
إذا مرّ حين زاده الشوق جدّة ... وليس يعاب «5» للرّبوع حنين «6»
لقد عبثت أيدي الزمان بجمعنا ... وحان افتراق لم نخله يحين
وبعد التقينا في محلّ تغرّب ... وكلّ الذي دون الفراق يهون
فقابلت بالفضل الذي أنت أهله ... وما لك في حسن الصنيع قرين
وغبت وما غابت مكارمك التي ... على شكرها الرّبّ العظيم يعين
يمينا لقد أوليتنا منك نعمة ... تلذّ بها عند العيان عيون
ويقصر عنها الوصف إذ هي كلّها ... لها وجه حرّ بالحياء مصون
ولمّا قدمت الآن زاد سرورنا ... ومقدمك الأسنى بذاك قمين «7»
لأنك أنت الرّوح منّا وكلّنا ... جسوم، فعند البعد كيف تكون
ولو كان قدر الحبّ فيك لقاؤنا ... إليك لكنّا باللّزوم ندين
ولكن قصدنا راحة المجد دوننا «8» ... فراحته شمل الجميع تصون
(4/73)

هنيئا هنيئا أيها العلم الرّضا ... بما لك في طيّ القلوب كمين
لك الحسن والإحسان والعلم والتّقى ... فحبّك دنيا للمحبّ ودين
وكم لك في دار «1» الخلافة من يد ... أقرّت لها بالصّدق منك مرين
وقامت عليها للملوك أدلّة ... فأنت لديها ما حيّيت مكين
فلا وجه إلّا وهو بالبشر مقبل «2» ... ولا نطق إلّا عن علاك مبين
بقيت لربع الفضل تحمي ذماره «3» ... صحيحا كما قد صحّ منك يقين
ودونك يا قطب المعالي بنيّة ... من الفكر عن حال المحبّ تبين
أتتك ابن رضوان تمتّ بودّها ... وما لسوى الإغضاء منك ركون
فخلّ انتقاد البحث عن هفواتها ... ومهّد لها بالسّمح حيث تكون
وخذها على علّاتها فحديثها ... حديث غريب قد عراه سكون
ومن شعره قوله في ليلة الميلاد الكريم من قصيدة «4» : [الطويل]
خليليّ، مرّا على أرض «5» مأرب ... ولا تعذلاني إنني غير آئب
وهي طويلة أثبتت في الرّحلة، فلينظرها هنالك من أراد استيفاء غرضها.
نثره: من أمثل ما صدر عنه في غرض غريب، وهو وصف نخلة بإزاء باب الحمراء. ونثره كثير، ولكنا اخترنا له ما اختار لنفسه، وأشاد بشفوفه على أبناء جنسه:
يا أيها الأخلّاء الذين لهم الصّنائع، التي تحسدها الغمائم، والبدائع التي تودّها بدلا من أزهارها الكمائم، بقيتم وشملكم جميع، وروض أملكم مريع، والكل منكم للغريب الحسن من حديث المحبّ سميع: [الوافر]
بأرض النخل قلبي مستهام ... فكيف يطيب لي عنها المقام؟
لذاك إذا رأيت لها شبها ... أقول وما يصاحبني ملام
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
فسلّمت يوما تسليم المبرّة، على مدنها الحرّة البرّة، جارة حائط الدار، الواقفة للخدمة كالمنار، على سدّة الجدار، بياض النهار، وسواد الليل المتلفّعة بشعار
(4/74)

الوقار، المكفولة الذّيل، أنيسة مشيخة الجماعة، القاطنة من الحمراء العليّة، بباب ابن سماعة، فحين عطفت عليها، وصرفت زمام راحلتي إليها، ووقفت بإزاء فنائها، ولكنها وقوف المشفق من فنائي وفنائها، وقلت لها: كيف حالك أيتها الجارة، السّاكنة بنجدة الحجارة، الواعظة للقريب والبعيد، بمقامها صامتة على الصّعيد:
[الطويل]
سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها ... ولا زلت في خضراء غضّ نظيرها
فما أحقّك من باسقة بالتّرحيب، وأقربك من رحمات السّميع المجيب، خلتها اهتزّت عند النّداء اهتزاز السّرور، وتمايلت أكمامها تمايل الثّمل المسرور، ثم قالت لسائلها، بلسان وسائلها، عند مشاهدة مثلي تقول العرب: عينها فرارها، وابن جدّها للناظرين اصفرارها، وجملة بخيّتي، بعد إتمام تحيّتي، أنّ الدهر عجم قناتي، ومسّ الكبر كدّر سناتي، وما عسى أن أبثّ من ثكناتي، وجلّ علاتي من تركيب ذاتي.
ولكنّي أجد مع ذلك أنّ وقاري، حسّن لدى الحيّ احتقاري، وكثرة قناعتي، أثمرت إضاعتي، وكمال قدّي، أوجب قدّي، فما أنس م الأشياء، لا أنس عدوان جعسوس «1» ، من لعبوش اليهود أو المجوس، يفحص بمديته عن وريدي، ويحرص على مدّ جريدي، ويجدع كل عام بخنجره أنفي، وكلّما رمت كفّ إذايته عني، كشم كفّ، فلو رأيتم صعصعة أفناني، وسمعتم عند جدم بناني، قعقعة جناني، والدمع لمّا جفاني، يفيض من أجفاني، والجعسوس الخبيث المنحوس قد شدّ ما حدّ بأمراسه، ورفعه لبيعة كفره على راسه، بعد الأمر بوضعه على أسنمة القبور، حسبما ثبت في الحديث المشهور، لحملتكم يا بني سام وحام، على الغيرة وشائج الأرحام، فقد علمتم بنصّ الأثر أني عمّتكم القديمة، وإن لم أكن لذلك بأهل فإني لكم اليوم خديمة، أو من ذرّيّة الفريق الموجب المضروب به المثل يوم السّقيفة، لمن رام من أشراف الأندلس أن يكون إذ ذاك خليفة. وخالة أبي كانت النخلة البرشاء الكبيرة، التي حادثها الأمير عبد الرحمن بالرّصافة «2» القريبة من كورة إلبيرة. فكيف
(4/75)

يسهل اليوم عليكم إهمالي، ويجمل لديكم إخمالي، وترك احتمالي، والأيام والحمد لله مساعدة، والملك ملك بني ساعدة؟ فلمّا سمعت عتابها، وعلمت أنها قد شدّت للمناضلة أقتابها، قلت لها: أهلا بك وسهلا، ومهلا عليك أو بهلا، لقد دسع بعيرك، وعادت بالخيبة عيرك. فليست الحقيقة كالمجاز، ولا جلّيقية في النّيّات كالحجاز. هنا جنّات من أعناب مرسلة الذّيول، مكملة الأطناب، قد طاب استيارها، وحمد اختبارها واختيارها، وعذبت عيون أنهارها، وتفتّحت كمائم أزهارها، عن وردها ونرجسها وبهارها، وسرت بطرف محاسنها الرّفاق، حتى قلقت منها الشّام واليمن والعراق. فحين كثر خيرها، سحر بالضّرورة غيرها، وأنت لا كنت يا خشبة، قد صرت من المنال عشبة، وأصبحت نذلي خالفة، ورذلي بالهم تالفة، لا يجتنى بلحك ولا طلعك، ولا يرتجى نفعك، فالأولى قطعك أو قلعك، وإلّا فأين قنوك أو صنوك، أو تمرك أو سبرك؟ هلا أبقيت يا فسيلة على نفسك، وراعيته صلحة جنسك؟ ولقد انتهت بك المحارجة إلى ارتكاب ما لا يجوز، وفي علمك أنّ من أمثال الحكماء كل هالك عجوز. حسبك السّمح لك بالمقام، ما دمت حيّة في هذا المقام. فانقطع كلامها، وارتفع بحكم العجز ملامها. وما كان إلّا أن نقل مقالي، فقال المتكلم بلسان القالي: أنا أتطوّع بالجواب، وعلى الله جزيل الثّواب، ليعلم كلّ سائل، أنّ تفضيل النخل على العنب من المسائل التي لا يسع فيها جحد جاحد، وإن كانا أخوين سقيا بماء واحد. وقد جرى مثل هذا الخطاب بين يدي عمر بن الخطاب، فقيل: يا بني حتمة: أيهما أطيب، الرّطب أم العنب؟ فقال: ليس كالصقر، في رؤوس الرّقل، الراسخات في العقل، المطعمات في المحل، تحفة الصّائم، ونقلة الصّبي القادم، ونزل مريم بنت عمران، والنخلة هي التي مثّل بها المؤمن من الإنسان، ليس كالزّبيب الذي إن أكلته ضرست، وإن تركته غربت، وكفى بهذه الرواية حجّة، لمن أراد سلوك المحجّة. وعلى كل تقدير، فقد لزم التفضيل للنخلة على الكرمة لزوم الصّلة للموصول، والنّصب للمنادى الممطول، والعجز لكتابي المحصّل والمحصول. وكم على ترجيح ذلك من قياس صحيح، ونقل ثابت صريح. قال:
واعتذاركم بالمهرمة، عن فعل المكرمة، لأمة في تلك الطّباع كامنة، وسامة للتّلف لا للخلف ضامنة. وذكرتم الثّمرة والبسرة، والوقت ليس بوقت عسرة، فأذكرتم قول القائل، في بعض المسائل: دعنا من تمرتان وبسرتان أو تمرتين وبسرتين، على الوجهين، المتوجّهين في المسلتين، وفي ضمن ذكركم لذلك أدلّة صدق على
(4/76)

تطلّع النفس الفقيرة، للأعراض التافهة الحقيرة، والإمامة العظمى، أجلّ عندنا وأسمى، من أن تلحظ بعينها تلك الملاحظ، ولواصل لديها مراتبها وأفكارها ببيانه وتبيانه عمرو بن بحر الجاحظ، إذ هي كافأ الله فضلها ولا قلّص ظلّها كالسّحاب، نجود بغيثها على الآكام والضّراب، ومنابت الشجر من التّراب، فضلا عن الخدمة والأتراب، فليس يضيع مع جميل نظرها ذو نسب، ولا يجهل في أيامها السّعيدة مقدار منتسب إلى حسب. وإن وقعت هفوة صغيرة، أعقبتها حسنة كبيرة، ومنن أثيرة، ونعم كثيرة. ولم لا، وروح أمرها، ومذهب نصرة جمرها، علم السادة للقادة الأكابر، المغرم بجبر كل كسير، وناهيك من به جابر الرازي، ذكر مآثره بعرف أطيب الطّيب، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب. والمطلوب منه لهذه الشجرة الثّرما، الغريبة الشّما، التي أصلها ثابت وفرعها في السما، إنما هو يسير بنا، وظهير اعتنا، وخنجر يرما، لعل عباسة أديم دوها أن تذهب، وأكمام كباسة قنوها أن تفضّض بنعيم النضارة ثم تذهّب، ويعود إليها شرخ شبابها، وتستحكم صفرة ثيابها، وخضرة جلبابها، وذلك كله بمنّ اللطيف الخبير، من أسهل العمل على مجد الأمير، وفضل الوزير، إذ هما، دام عزّهما، على بيّنة من أن الإحسان ألقاح، والشكر نتاجه، والثناء إكليل، وهو في الحقيقة تاجه. قال المسلم: ومن يا إخوتي، لعلّي بمعارضة الحافظ أبي علي، ولو أني اشتملت شملة النّضر بن شميل، وأصبحت أفصح من عامر بن الطّفيل، وأخطب من شبيب، وأشعر من حبيب، وجزت من طرق الجدال، منازل نقدة صدور الأبدال. وعلى أنه ما قال إلّا حقّا، فبعدا للمرء وسحقا. ولكني أقسم عليكم بمقدّر الضّيا والحلك، ومسخّر نجوم الفلك، بإصابة الأعراب، وأصحاب الإغراب، وأرباب فنون الإعراب، ألا ما تأمّلتم فصول هذه المقالة، وأفتيتم بما يترجّح فيها لديكم من نسخ أو فسخ أو إجادة أو إقالة، فأنتم علماء الكلام، وزعماء كتائب الأقلام، والمراجعات بين شقاشق الرجال شنشنة معروفة، وطريقة إليها الوجوه في كثير من المخاطبات مصروفة، لا زلتم مذكورين في أهل البيان، مشكورين على بذل الفضل مدى الأحيان. والله سبحانه يجعل التّوفيق حاديكم، ونور العلم هاديكم، ومنه نسل، جلّ اسمه، التطهير من كل معابة، والسّمح فيما تخلّل هذه المقامة من دعابة، والتحية الكريمة مع السلام الطيب المعاد، يعتمد من يقف عليها من الآن إلى يوم المعاد، والرّحمات والمسرات، والبركات والخيرات، من كاتبها علي بن عبد الله بن الحسن، أرشده الله.
(4/77)

المقرئون والعلماء
علي بن أحمد بن خلف بن محمد بن الباذش الأنصاري «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، الشيخ الأستاذ، إمام الفريضة بجامع غرناطة.
حاله: من الملّاحي: أوحد زمانه إتقانا ومعرفة ومشاركة في العلوم وانفرادا بعلم العربية. وكان حسن الخطّ، كثير الكتب، ترك منها بخطه كثيرا جدا، مشاركا في الحديث، عالما بأسماء رجاله ونقلته، مع الدّين، والفضل، والزهد، والانقباض عن أهل الدنيا، وترك الملابسة لهم.
مشيخته: قرأ على المقرئ بغرناطة أبي القاسم نعم الخلف بن محمد بن يحيى الأنصاري، وأبي علي الصّدفي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وحدث عنه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، والقاضي أبو محمد بن عطية، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الرحيم، والقاضي أبو بكر جابر بن يحيى التّغلبي، والقاضي أبو خالد عبد الله بن أبي زمنين، والقاضي أبو الحسن بن أضحى.
تواليفه: ألّف في النحو كتبا كثيرة، منها على كتاب سيبويه، وعلى كتاب المقتضب، وعلى الأصول لابن السّراج، وشرح كتاب الإيضاح، وكلامه على كتاب الجمل لأبي القاسم، وكلامه على الكافي لابن النحاس، مع التنبيه على وهمه في نحو مائة موضع، إلى غير ذلك.
شعره: قال أبو القاسم: وله نظم ليس بالكثير. فمن ذلك: [الكامل]
أصبحت تقعد بالهوى وتقوم ... وبه تقرّظ معشرا وتديم
تعنيك نفسك فاشتغل بصلاحها ... إنني بغير السّقام سقيم «2»
وفاته: توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه إثر صلاة العصر ابنه الأستاذ أبو جعفر، ودفن بمقبرة باب إلبيرة، وازدحم الناس على نعشه، وكانت جنازته حافلة، وتفجّع الناس على قبره. وقبره مشهور، يتبرّك به الناس.
(4/78)

علي بن محمد بن دري
المقرئ الفقيه، الخطيب أبو الحسن، الإمام بجامع غرناطة، أصله من طليطلة.
حاله: كان من خيار الناس وفضلائهم، وأهل المعرفة منهم، عارفا بإقراء كتاب الله، عزّ وجلّ، والرواية للحديث. أخذ الناس عنه، وكانت عنده مشاركة ومسارعة لقضاء الحوائج، والمشي للإصلاح بين الناس، والإشفاق على المساكين، كثير الصدقة، والسّعي في فداء الأسرى، والوسائط الجميلة في مهمّات الأمور ومشكلاتها.
دخل رجل تاجر غريب الميضأة للوضوء، فنسي بها وعاء فيه جملة مال، فتذكّر له، فرجع ولم يجده، فسقط مغشيا عليه، فاجتمع عليه الناس، وهو يقول: مالي، ووافق خروج الأستاذ أبي الحسن المذكور من الجامع، فسأل عنه، فجالس أذنه، فقال:
مالك عندي وديعة تركته أنت عندي، وإذا كان بعد صلاة العصر تأخذه. فقام الرجل، فكأنما نشط من عقال، ومشى الخطيب في حينه إلى مشرف غرناطة ابن مالك، فقال له: إني اشتريت لك قصرا في الجنة، بخمسمائة دنير، وأنا الضّامن لذلك، فشكره، وأخبره الخطيب بالقصة، فدفع إليه المال، فدفعه إلى الرجل. وكان الناس لا يتوقّفون له في أمر.
مشيخته: روى بطليطلة عن أبي عبد الله المقامي، وعن أبي مسلم الضرير المقرئ، والقاضي أبي الوليد الوقّشي، وأخذ عن أبوي علي الصّدفي والغساني، وعن أبي مروان بن سراج، وابنه سراج.
وفاته: توفي بغرناطة في رمضان سنة عشرين وخمسمائة، وصلّى عليه القاضي أبو القاسم بن ورد، ودفن في مقبرة باب إلبيرة، وكانت جنازته حافلة، وتفجّع الناس عليه، وأخلصوا الدعاء له.
وممن رثاه أبو عبد الله بن أبي الخصال بقوله: [الطويل]
عتاب وما يغني العتاب على الزمن ... وشكوى كما تشكو الرّياح إلى السفن
وما رضيت بعد الغضارة أيكة ... نبحت ولكن عالم الكون ممتحن
وماذا عليه والسّلامة حظّه ... بأن تتخطاه النّوائب والمحن
فليت كريما ينعش الناس «1» خيره ... يعمّر فيها عمره «2» الآن أو حضن
(4/79)

ولكنه يمضي كظلّ غمامة ... ويبقى لسمّ سرّه غير مؤتمن
يودّ الفتى طول البقاء وطوله ... يورّثه ثكل الأحبّة والبدن
وأيّ اغتباط في حياة مرزّءا ... يروح على بثّ ويغدو على شجن
زيادته نغص «1» وجدّته بلى ... وراحته كرب وهدنته دخن
إذا فوّق السّهم المصيب فقلبه ... ومن صار فيه من أحبّته فنن
فيا عجبا للمرء يلتذّ عيشه ... معايش «2» قد لزّت مع الموت في قرن
أرى كلّ حيّ للمنيّة حاملا ... فيا ويحه ممّا تحمّل واحتضن
إذا زادت الأيام فينا إساءة ... نزيد على علم بما ساء حسن ظنّ
ولم أر مثل الموت حقّا كباطل ... وكلّ قباء «3» ليس بالموت مرتهن
أإخواننا، لم تبق إلّا تحيّة ... أرقّي «4» بها تلك المعاهد والدّمن
أإخواننا، هل تسمعون تحيّتي ... وذو كلم ما تحجب السّرّ والعلن؟
أبا الحسن، خلّد في الجنان منعّما ... جزاء بما أسلفت من سعيك الحسن
يطير فؤادي روعة فإذا رأى ... محيّاك في دار الغنا والرّضا سكن
وقد كنت ترتاد المواطن إذ نبت ... فبوّأك الرحمن فردوسه وطن
وبتّ معنّى بالجلاء فنلته ... وقد كان حاديه يغرّد بالظّعن
ولم ترض إلّا الأرض هجرتك التي ... تخيّرها الأولياء على القنن
وفي مثلها أنّ الرسول مهاجر «5» ... لسعد وقد واراه أكرم مدفن
على أنك المدعوّ من كل بلدة ... هلمّ فإنّا دونك الحجب الجنن «6»
سيرضيك من أرضيته في عباده ... وجاهدت فيه بالفروض وبالسّنن
ويبقى كما بقيت بعدك أنه ... لهم فلما استهوتهم روعة سكن
ويحفظهم حفظ اليتيمين أيّدا ... بوقع جدار قد تداعى وقد وهن
أبا الحسن، إنّ المدى، بعد ما بدا، ... طويل، ولا يعتدّ في جنب ما بطن
وأسير وجد في فراقك أنه ... سيبقى عليك الوجد ما بقي الزمن
(4/80)

سقى الله والسّقيا بكفّيه تربة ... مباركة ضمّتك أسرع ما هتن
ولا برحتها ديمة مستهلة ... إذا ركضتها الرّيح قام بها جرن
فلا زلت في روض وروح ورحمة ... ومقبرة تترى على ذلك الجنن
علي بن عمر بن إبراهيم ابن عبد الله الكناني القيجاطي «1»
يكنى أبا الحسن، أصله من بسطة، واستوطن غرناطة، حتى عدّ من أهلها قراءة وإقراء ولزوما.
حاله: من «العائد» «2» : أوحد زمانه علما وتخلّقا وتواضعا وتفنّنا. ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة، وقعد بمسجدها الأعظم يقرئ فنونا من العلم، من قراءات وفقه وعربية وأدب. وولّي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة، مشكور المأخذ، حسن السّيرة، عظيم النفع. وقصده الناس، وأخذ عنه البعيد والقريب «3» . وكان أديبا لو ذعيّا، فكها، حلوا، وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب، إثر قراءة المكتب.
مشيخته: قرأ على أبيه ببلده بسطة القرآن، بالرّوايات السبع، وجمعها في ختمة، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن مساعد الغسّاني. وقرأ بغرناطة القرآن على الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، والأستاذ أبي جعفر الطبّاع، والأستاذ الشهير أبي الحسن بن الضايع، والأستاذ النحوي أبي الحسن الأبّدي، وعلى القاضي أبي عمرو بن الرّندي، والفقيه القاضي أبي علي بن الأحوص، وعلى الفقيه النّسابة أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ العلامة أبي جعفر بن الزبير. ولقي الشيخ الصالح وليّ الله أبا إسحاق بن عبيدس، وحضر مجالسه العامة. وذكر أنه كان يفتتح مجلسه الذي يتكلم فيه بقوله: لا حول ولا قوة إلّا بالله، كنز من كنوز الجنة، رزقنا الله الأدب مع الله، واستعملنا فيما يرضيه، ويرضي رسوله، وجعل حظّنا في الدار الآخرة. ولقي الإمام بجامع بسطة الخطيب الراوية أبا الحسن بن نافع، وغيرهم، وله تواليف في
(4/81)

فنون، وشعر، ونثر. فمن شعره قوله «1» : [الكامل]
روض المشيب تفتّحت أزهاره ... حتى استبان ثغامه «2» وبهاره
ودجى الشباب قد استبان صباحه ... وظلامه قد لاح فيه نهاره
فأتى حمام لا يعاف وقوعه ... ومضى غراب «3» لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يرمق «4» حسنه ... حينا ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلّصت أفياؤه ... ما للصّفاء تكدّرت آثاره
والحرّ يصفح إن أخلّ خليله ... والبرّ يسمح إن تجرّأ جاره «5»
فتراه يدفع إن تمكن جاهه ... وتراه يرفع «6» إن علا مقداره
ولأنت تعلم أنني زمن الصّبا ... ما زلت زندا والحياء سواره
والهجر ما بين الأحبّة لم يزل ... ترك الكلام أو السّلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء «7» خليله ... فطن وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصرّ على التّدابر مدبر ... أفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعيّ بان نهاره ... أو كالفرزدق فارقته نواره «8»
أنكرتم من حقّ معترف لكم ... بالحقّ ما لا ينبغي إنكاره
والشّرع قد منع التقاطع نصّه ... قطعا وقد وردت به «9» أخباره
والسّنّ سنّ تورّع وتبرّع ... وتسرّع لتشرّع «10» تختاره
(4/82)

ما يومنا من أمسنا قدك «1» اتّئد ... ذهب الشّباب فكيف يبقى عاره؟
هلّا حظرتم أو حذرتم منه ما ... حقّ «2» عليكم حظره وحذاره
عجبا لمن يجري هواه لغاية ... محدودة إضماره مضماره
يأتي ضحى ما كان يأتيه دجى ... فكأنّه ما شاب منه عذاره
فيعدّ ما تفنى «3» به حسناته ... ويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانه «4» ... يشتدّ في مضمارها «5» إحضاره «6»
والمرء من إخوانه في جنّة «7» ... بل جنّة تجري بها أنهاره
فاليمن «8» قد مدّت إليه يمينه ... واليسر قد شدّت عليه يساره
شعر به أشعرت بالنصح الذي ... يهديه «9» من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكّه «10» ... لامتاز بهرجه ولاح «11» نضاره
هذا هدى فيه «12» اقتده تنل المنى «13» ... أو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثل ما ... أرجت بروض يانع أزهاره
ومن شعره في الرّثاء قوله من قصيدة «14» : [الطويل]
حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ... تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجى ... وذلك لهو «15» في ضمائرنا جدّ
أرى أرجل الأرزاء تشتدّ نحونا ... وأيديها تسعى إلينا فتمتدّ
ونحن أولو سهو عن الأمر ما لنا ... سوى أمل إيجابنا عنده جحد
(4/83)

فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطر ... فتسبيحة «1» السّاهي إذا سمع الرّعد
مصاب به قدّت قلوب وأنفس ... لدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصّمّ الصّلاب وتنهمي ... عيون ويبكي عنده الحجر الصّلد
فلا مقلة ترنو ولا أذن تعي ... ولا راحة تعطو ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصّبر منّا تجلّدا ... وهذا مصاب صبرنا فيه لا «2» يبدو
مولده: عام خمسين وستمائة.
وفاته: توفي بغرناطة ضحى يوم السبت التاسع «3» والعشرين من شهر ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة، ودفن في عصر اليوم بعد بجبانة باب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، حضرها السلطان، واحتمل الطلبة نعشه.
ومن الطارئين
عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي «4»
المعروف بالرّندي، من أهل رندة، يكنى أبا علي «5» .
حاله: كان من جملة المقرئين، وجهابذة الأستاذين، مشاركا في فنون، نقّادا، فاضلا.
مشيخته: روى «6» عن أبي زيد السّهيلي»
، وعنه أخذ العربية والأدب، وبه تفقّه، وإياه اعتمد. وعن أبي محمد القاسم بن دحمان، وأبي عبد الله بن أبان، وتلا على هؤلاء القراءات بقراءات السّبعة. وعن أبي إسحاق بن قرقول، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الحسن صالح بن عبد الملك الأوسي، وأبي محمد عبد الحق بن بونه، وأبي عبد الله الحميري الإستجّي، وأبي العباس بن اليتيم، وأبي عبد الله بن مدرك، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد. أخذ عن هؤلاء بمالقة، من أهلها، ومن الواردين عليها. ورحل إلى غرناطة، فأخذ بها عن يزيد بن رفاعة، وابن كوثر،
(4/84)

وابن عروس «1» ، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي جعفر بن حكم. وإلى قرطبة، فأخذ بها عن ابن بشكوال، وأبي القاسم المشراط. وإلى إشبيلية، فأخذ بها عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن رزق، وابن خير، وابن صاف. وأخذ بسبتة عن ابن عبيد الله. وبالجزيرة الخضراء عن القاضي أبي جعفر بن عزرة «2» . هؤلاء جملة من أخذ عنهم باللقاء والمشافهة. وأجازه جماعة من أهل المشرق كبيرة، ذكرهم في برنامجه، كالخشوعي، والأرحي، والحرشاني «3» ، وحدّث عن السلفي الحافظ بإجازته العامة.
تواليفه: شرح جمل أبي القاسم الزّجاجي، وردّ على ابن خروف، منتصرا بشيخه أبي زيد السهيلي في مسألة نحوية ردّ فيها ابن خروف على السّهيلي، وقيّد فيما جرى بينه وبين الأستاذ أبي محمد القرطبي، جزءا سماه ب «الحقبي، في أغاليط القرطبي» ، لم يخل فيه عن حمل وتعسّف. وألّف برنامجا جامعا. روى عنه أبو عبد الله بن عسكر القاضي، والشيخ أبو عبد الله بن عبيد الأوسي، وأبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب ابن أبي ريحانة.
مولده: سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وفاته: توفي سحر يوم الجمعة الموفي عشرين لشهر ربيع الثاني سنة عشر وستمائة «4» .
عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي «5»
المقرئ، الحافظ المعروف بابن الصّيرفي، قرطبي الأصل، يكنى أبا عمرو، ويشتهر بالدّاني؛ لاستيطانه دانية. ودخل إلبيرة، وقرأ على أبي عبد الله بن أبي زمنين، فوجب ذكره لذلك.
(4/85)

حاله: كان أحد الأئمة الأعلام في علم القرآن، وآياته، وتفسيره، ومعانيه وإعرابه، وجمع في ذلك كله التواليف العجيبة التي يكثر تعدادها، ويطول إيرادها، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته. وكان حسن الخطّ، جيد الضبط، آية في الحفظ والعلم، والذكاء والفهم، ديّنا عارفا، ورعا سنيّا. قال المغامي «1» :
وكان أبو عمرو مجاب الدعوة. وذكره الحميدي فقال «2» : محدّث مكثر، مقرئ متقدّم.
مشيخته: روى «3» عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عثمان القشيري بقرطبة، وعن أبي بكر حاتم بن عبد الله البزاز «4» ، وأبي عبد الله محمد بن خليفة، وأحمد بن فتح بن الرّهان «5» ، وأبي بكر بن خليل، ويونس بن عبد الله القاضي، وخلف بن يحيى، وغيرهم. وبإلبيرة عن محمد بن أبي زمنين كثيرا من رواياته وتواليفه.
وسمع بأستجّة وبجّانة وسرقسطة «6» من بلاد الثغر. ورحل إلى المشرق «7» ، فلقي «8» أبا الحسن بن أحمد بن مراس العنقي. وسمع بمصر من أبي محمد بن النحاس، وأبي القاسم بن ميسّر، وخلف بن إبراهيم بن خاقان، وفارس بن أحمد، وطاهر بن عبد المنعم، وبالقيروان من أبي الحسن القابسي «9» . وقدم الأندلس فاستوطن دانية.
شعره: قال أبو القاسم بن بشكوال: ومما يذكر من شعره قوله «10» :
[البسيط]
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري «11» على كل من يعزى إلى الأدب
(4/86)

لا شيء أبلغ من ذلّ يجرّعه «1» ... أهل الخساسة أهل الدّين والحسب
القائمين «2» بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزّيغ والرّيب
مولده: قال أبو عمرو «3» : سمعت والدي يقول: إني ولدت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأت طلب العلم بعد خمس وثمانين.
وفاته: من خط أبي الحسن المقرئ «4» : يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة بدانية، ودفن عصر اليوم المذكور ببقيعها. ومشى السلطان «5» راجلا أمام نعشه.
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح ابن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد «6»
الإمام أبو محمد بن حزم.
أوليته: أصله من الفرس، وجدّه الأقصى في الإسلام اسمه يزيد، مولى ليزيد بن أبي سفيان. قال أبو مروان بن حيان: وقد كان من عجائبه، انتماؤه في فارس وأتباع أهل بيته، له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولّى فيها الوزير، المفضّل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم، لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس مولّد الأرومة من عجم لبلة، جدّه الأدنى حديث عهد بالإسلام، لم يتقدّم لسلفه نباهة. فأبوه أحمد، على الحقيقة، هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رايته، وعمره بالخلال الفاضلة، من الرّجاحة والدّهاء والمعرفة والرجولة والرأي، فأسدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولى السابقة، فما من شرف إلّا مسبوق عن خارجته، ولم
(4/87)

يكن إلّا كلّا ولا، حتى تخطّى على هذا أوليته لبلة، فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس. فالله أعلم كيف ترقّاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة، بل وصله بها وسع علم، ووشجة رحم معقومة، فلها يستأخر الصلة، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصف، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرّة، عزّت قدرته.
حاله: قال الحميدي «1» : كان حافظا، عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنّة، متفنّنا في علوم جمّة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرّئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله، في الإدارة «2» وتدبير الممالك، متواضعا، ذا فضائل جمّة. قال: وما «3» رأينا مثله فيما اجتمع له، مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتّديّن. قال أبو مروان بن حيان: كان أبو محمد حامل فنون، من حديث وفقه ونسب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة. وله في ذلك عدة تواليف.
وقد مال أولا به النّظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله الشافعي، وناضل عن مذاهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، واستهدف بذلك إلى كثير من الفقهاء، وعيب بالشّذوذ. ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظّاهر، مذهب داود بن علي، ومن تبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى بسبيله. وكان يحمل علمه، ويجادل عنه لمن خالفه فيه، على استرسال في طباعه، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيّنه للناس، ولا يكتمونه، فآل أمره إلى ما عرف.
مشيخته: قال «4» : سمع سماعا جمّا، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربعمائة.
تواليفه: قال «5» : بلغت تواليفه أربعمائة مجلد. وقال: حمل بعير، فمنها في علم الحديث كتاب كبير سمّاه «الإيصال إلى فهم كتاب «6» الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام، في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسّنة والإجماع» ؛ أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين،
(4/88)

وبيان ذلك كله، وتحقيق القول فيه. وله كتاب «الإحكام لأصول الأحكام» في غاية التقصّي وإيراد الحجاج. وكتاب «الفصل في الملل والأهواء والنّحل» . وكتاب «الإجماع ومسائله» على أبواب الفقه. وكتاب «المجلّى والمحلّى» وكتاب «في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلّق بعضها ببعض» . وكتاب «إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا «1» يحتمل التأويل» . وهذا ممّا سبق إليه، وكتاب «التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه» بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية؛ فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظنّ عنه، وتكذيب المنحرفين «2» به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمنا «3» .
شعره: قال»
: وكان له في الأدب «5» والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه. وشعره كثير، وقد جمع على حروف المعجم. ومنه قوله «6» : [الطويل]
هل الدّهر إلّا ما عرفنا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذّاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرّة ساعة ... تولّت كمرّ الطّرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في الحساب «7» وموقف ... نودّ لديه أننا لم نكن كنّا
حصلنا على همّ وإثم وحسرة ... وفات الذي كنّا نلذّ «8» به عنّا «9»
حنين لما ولّى، وشغل لما «10» أتى ... وغمّ لما يرجى، فعيشك لا يهنا
كأنّ «11» الذي كنّا نسرّ بكونه ... إذا حقّقته النّفس لفظ بلا معنى
ومن ذلك قوله من قصيدة في الفخر «12» : [الطويل]
أنا الشّمس في جوّ العلوم منيرة ... ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب
(4/89)

ولو أنّني من جانب الشّرق طالع ... لجدّ على ما ضاع من ذكري النّهب
ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصّبّ
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسّف والكرب
فكم قائل: أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدري أنّ للبعد قصة ... وأنّ «1» كساد العلم آفته القرب
ومنها في الاعتذار عن المدح لنفسه:
ولكنّ لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من سار «2» سيرته ذنب
يقول، وقال الحقّ والصّدق، إنني ... حفيظ عليم، ما على صادق عتب
ومن شعره قوله فيما كان يعتقده من المذهب الظاهري «3» : [الطويل]
وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل «4» ؟
فقلت له: أسرفت في اللوم ظالما ... وعندي ردّ، لو أردت، طويل «5»
ألم تر أنّي ظاهريّ وأنني ... على ما بدا «6» حتى يقوم دليل؟
ومن ذلك قوله «7» : [الطويل]
أبن وجه قول الحقّ في نفس سامع ... ودعه فنور الحقّ يسري ويشرق
سيؤنسه رفقا فينسى نفاره ... كما نسي القيد الموثّق مطلق
(4/90)

ومن ذلك قوله «1» : [الوافر]
لئن أصبحت مرتحلا بشخصي «2» ... فروحي «3» عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له «4» طلب «5» المعاينة الكليم
وفي المعنى «6» : [الوافر]
يقول أخي: شجاك رحيل جسم ... وروحك ما له عنّا رحيل
فقلت له المعاين مطمئنّ ... لذا طلب المعاينة الخليل
دخوله غرناطة: وصل في جملة الإمام المرتضى، ولمّا جرت عليه الهزيمة واستولى باديس الأمير بغرناطة على محلّته، كان أبو محمد من عداد أسراه مع مثله، إلى أن أطلقه بعد لأي، وخلّصه الله منه.
محنته: قال ابن حيان: استهدف إلى فقهاء وقته، فتألّبوا على بغضه، وردّ قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا أعوامهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به، منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي غير راجع إلى ما أرادوا، به يبثّ علمه فيمن ينتابه بباديته من عامّة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يحسّون فيه الملامة بحداثتهم، ويفقّههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنّفاته في فنون العلم وقر بعير، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية، وفي ذلك يقول «7» :
[الطويل]
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمّنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
(4/91)

مولده: سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بقرطبة.
وفاته: توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة «1» .
علي بن إبراهيم بن علي الأنصاري المالقي «2»
يكنى أبا الحسن، صاحبنا حفظه الله.
حاله: آية الله في الحفظ، وثقوب الذهن، والنجابة في الفنون، وفصاحة الإلقاء، خريج طبعه، وتلميذ نفسه، ومبرز اجتهاده. إمام في العربية، لا يشقّ فيها غباره حفظا وبحثا وتوجيها واطلاعا وعثورا على سقطات الأعلام، ذاكر للغات والآداب، قائم على التفسير، مقصود للفتيا، عاقد للوثيقة، مشارك في الفنون، ينظم وينثر، فلا يعدو الإجادة والسّداد، سليم الصدر، أبيّ النفس، كثير المشاركة، مجدي الصّحبة، بعيد عن التّسمّت. رحل عن بلده مالقة بعد التبريز في العدالة والشهرة بالطلب، واستقرّ بالمغرب، فأقرأ بمدينة أنفا، منوّها به، ثم بسلا، واستوطن بها، رئيس المدرسة بها، مجمهرا بكرسيّها، فارعا بمنبرها بالواردة السلطانية، يفسر كتاب الله بين العشاءين، شرحا كثير العيون، محذوف الفضول، بالغا أقصى مبالغ الفصاحة، مسمعا على المحال النّابية، ويدرس من الغدوات بالمدرسة، دولا في العربية والفقه، أخذه بزمام النبل، مترامية إلى أقصى حدود الاضطلاع. وحضر المناظرة بين يدي السلطان، فاستأثر بشقص «3» من رعيه، وأعجب بقوة جأشه، وأصالة حفظة، فأنمى جراياته، ونوّه به.
مشيخته: قرأ ببلده على الأستاذين، علمي القطر؛ القاضي العالم أبي عبد الله ابن تبر، والقاضي النظار أبي عمرو بن منظور. وتلا القرآن على المقرئ أبي محمد بن أيوب. وذاكر بغرناطة إمام العربية أبا عبد الله بن الفخّار ورئيس الكتاب شيخنا أبا الحسن ابن الجيّاب. وبالمغرب كثيرا من أعلامه، كالرئيس أبي محمد الحضرمي، والقاضي أبي عبد الله المقرئ وغيرهما «4» . وهو الآن بحاله الموصوفة قاضيا بشرقي مالقة، وأستاذا بها متكلما، معجز من مفاخر قطره.
(4/92)

شعره: مما يؤثر من شعره منقولا من خطّ صاحبنا أبي الحسن بن الحسن:
[البسيط]
رحماك رحماك في قلب يقلّبه ... شوق يكاد بلفح الوجد يذهبه
هام الفؤاد بمعنى للجمال بدا ... عليك في السّرّ للأرواح أعجبه
ولاح منك لذي الإشراف جوهرة ... ألاحت الحسن عمّا كان يحجبه
فلو هم الصّحب أن الرّوح تيّمها ... ماضي الجفون برود الثّغر أشنبه
يظلّ معتقلا من خوط قامته ... بأسمر غالني منه مؤرّبه
وذي فرند يدبّ الموت في شطب ... منه ويوحش في جنح تلهّبه
يخاله ذو الصّدا ماء فيبصره ... يودّ في الحال أن لو كان يشربه
بالهندوانيّ والذي «1» توشّجه ... وبالصّبابة والأرواح ملعبه
كساه سرّ الجمال المحض حلّته ... إذ جاده من نكوب الجود صيّبه
وقام يرفل فيها وهي ضافية ... فأقبلت نحوه الأرواح تطلبه
هيهات من دونه باب بظاهره ... يجر الفناء «2» وجند الروح يرهبه
فمرنا والموت فيه عين عيشته ... فأوج مرقى حياة الروح مرقبه
نيدت لوائحه من بحر جوهره ... برقا يغير على الغيران خلّبه
وتستعير له روحا مظاهره ... سرّ الجمال بها يبدو تحجّبه
بدر وفي أفق الأرواح مطلعه ... مهما أفاقت وإلّا فهي مغربه
بخاطر منه سرّ لا يفارقه ... وإن غدا بغرام الشوق يلهبه
لي هواه والبعد ينهاني ويصدقني ... في نصحه وصريح الوجد يكذبه
سرّ الغرام غريب ليس يعلمه ... إلّا الذي قد غدا يرضيه مغضبه
وللصّبابة أقوام وموردهم ... بها من الأنس أحلاه وأعذبه
وليس يعرف هذا حقّ معرفة ... إلّا الذي قد تجلّى عنه غيهبه
وأبصر الحسن قد لاحت لوائحه ... وغرّ مستبشر الأضواء كوكبه
بذات أهيف من سرّ الحياة «3» ... طرس يغالبه طورا فيغلبه
(4/93)

وفي لجين الجمال المحض قد فعلت ... فعلا يردّ لها في الحكم مذهبه
أروم إعجامه هونا وتطمعني ... فيه النّفاسة والأنفاس تعرفه
فمن لمثلي بكتمان ومن نفسي ... أخو بيان مع الساعات يسهبه
لبانة السّرّ أن تحظى بمرقبة ... إلى سبيل من الزّلفى تقرّبه
تسمو على منكب الجوزاء ذروتها ... عن رقّة بشهود الفرق تسلبه
وفي مصافّات سرّ القبض يبسطه ... لدى الوجود الذي قد عزّ مطلبه
فيرتقي في مراقي الجمع مختطفا ... إلى المقام الذي إليه «1» بغيته
فذاك أعظم ما يرجوه أن سبقت ... عنّا يد نحو باب العزّ تجذبه
ومن منظومه في النسيب قوله: [الكامل]
لمحمد البرقاء حسن باهر ... كلّ الورى حلف الصّبابة فيه
السّحر مفتون بغنج لحاظه ... والشّهد ممزوج بريق «2» فيه
فسحره أضنى المتيّم في الهوى ... حتى يكاد سقامه يخفيه
ولو انه بالشّهد جاد ورشفه ... لصد لكان من الصّدا يشفيه
بصدوده قلبي يقطّع في الهوى ... يا ليته بوصاله رافيه
وصدّر كتابا بقوله يخاطبني»
: [الوافر]
أنسيانا فديتك يا حياتي ... لمن لم ينس «4» حبّك للممات
ورجما بالظنون أخا حنين ... إليك رهين «5» شوق وانبتات
يمينا بالنهار إذا تجلّى ... وبالقمر المنير وبالآيات «6»
لقد أحللت حبّك من فؤادي ... محلّ الروح من بثّ الجهات «7»
وشعره بديع، وإدراكه عجيب، وعارضته قوية.
(4/94)

علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي «1»
يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الضّائع، من أهل إشبيلية.
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: بلغ «2» الغاية في الفنّ النحوي، وفاق أصحاب الأستاذ أبي علي الشلوبين بأسرهم، وله في مشكلات الكتاب العجائب، وقرأ ببلده أيضا علم الكلام، وأصول الفقه، وكان متقدما في هذه العلوم الثلاثة، متصرّفا فيها. وأما فنّ العربية، وعلم الكلام، فلم يكن في وقته من يقاربه في هذين العلمين.
وأما فهمه وتصرفه في كتاب سيبويه، فما أراه يسبقه في ذلك أحد. وله إملاء على طائفة كبيرة من إيضاح الفارسي. وكان له اعتناء كبير بكلام الفارسي على الجملة، وبحسب ذلك استقضى اعتراضات أبي الحسين بن الطراوة على أبي علي بالردّ، واستوفى ما وقع له في ذلك حتى لم يبق بيده شيء على طريقة من الإنصاف ودليل الهدى، لم يسبق إليها، وكذا فعل في رد أبي محمد بن السيد على أبي القاسم الزجّاجي. وكذا فعل في اعتراضات أبي الحسين بن الطراوة على كتاب سيبويه. وكان بالجملة إماما في هذا كله لا يجارى. وأما اختيارات أبي الحسن بن عصفور في مغربه وغير ذلك من تعاليقه وما قيّد في ذلك، فردّ عليه معظمها أو أكثرها. ولم يلق بالأندلس والعدوة، ولا سمعنا بأنبه منه، ممن وقفنا على كلامه أو شاهدناه، ولا رأيت مختلفا عليه من أهل بلده من أترابه، ومن فوقهم. وكان إذا أخذ في فن أتى بعجائب. قال الأستاذ: لازمته، وأخذت عليه كتاب سيبويه في عدة سنين، وأكثر كتاب الإيضاح، وجمل الزجّاجي، إلى غير ذلك، وجميع التلقيحات للسّهروردي، وطائفة كبيرة من إرشاد أبي المعالي، ومن كتاب الأربعين لابن الخطيب، وغير ذلك.
مشيخته: أجاز «3» له من أهل بلده الراوية المسنّ أبو الحسن «4» بن السّراج، والقاضي أبو الخطاب بن خليل. ومن غيرهم، القاضي أبو بكر بن محرز، والمقرئ المعمّر أبو بكر الشّماتي المعروف بالشريشي، وأبو عبد الله الأزدي، وأبو عبد الله بن جوبر، وآخرين. وقرأ ببلده، ولازم الأستاذ أبا علي الشلوبين، حتى كمل عليه إيضاح
(4/95)

الفارسي، وكتاب سيبويه. وسمع جمل الزجّاجي، وغير ذلك من كتب العربية، ممن كان يقرأ في المجلس، وقرأ عليه طائفة كبيرة من تذكرة الفارسي مما يتعلّق بمسائل الكتاب، بعد أن جرّدها من التذكرة. وبلغ الغاية في الفن النحوي، وفاق أصحاب أبي علي بأسرهم.
وفاته: توفي، رحمه الله، في شهر ربيع الآخر «1» من سنة ثمانين وستمائة، وقد قارب التسعين «2» . [قلت: العجب من الشيخ الخطيب، رحمه الله، كيف لا يذكر للمترجم به، رحمه الله، شرحه لجمل الزجّاجي، بل شرحه الصغير والكبير؟ ولم يكن اليوم على الزجّاجي أجدى منها، ولا أنفع، ولا أقلّ فضولا، ولا أفصح عبارة، ولا أوجز خطابة، ولا أجمل إنصافا، ولا أجود نظرا «3» ] .
الكتاب والشعراء وأولا الأصليون منهم
علي بن محمد بن عبد الحق بن الصباغ العقيلي «4»
يكنى أبا الحسن، من أهل غرناطة.
حاله: صاحبنا أبو الحسن، من «5» أهل الفضل والسّراوة والرّجولة والجزالة. فذ في الكفاية، ظاهر السذاجة والسلامة، مصعب لأضداده، شديد العصبة «6» لأولي ودّه، في أخلاقه حدّة، وفي لسانه نبالة، أخلّا به، مشتمل على خلال من خطّ بارع، وكتابة حسنة، وشعر جيد، ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة، ومحاضرة ممتعة. ناب عن بعض القضاة، وكتب الشروط، وارتسم في ديوان الجند، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى «7» بن عمر على عهده. ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة «8» وخمسين وسبعمائة، فارتسم في الكتابة السلطانية منوّها به، مستعملا في خدم مجدية، بان غناؤه فيها، وظهرت كفايته.
(4/96)

وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه «1» : اللّسن العارف، والنّاقد «2» الجواهر المعاني كما يفعل بالسّكة الصّيارف، الأديب المجيد، الذي تحلّى به للعصر «3» النّحر والجيد، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه «4» الطّرر تحت المفارق. وإن جلا أبكار أفكاره، وأثار طير البيان «5» من أوكاره، وسلب الرّحيق المفدّم «6» فضل أبكاره «7» ، إلى نفس لا يفارقها ظرف، وهمّة لا يرتدّ إليها طرف، وإباية «8» لا يفلّ لها غرب ولا حرف. وله أدب غضّ، زهره عن «9» مجتنيه مرفضّ «10» . كتبت إليه أنتجز «11» وعده في الالتحاف «12» برائقه، والإمتاع بزهر هواتفه «13» ، وهو قولي «14» : [الكامل]
عندي لموعدك افتقار محوج «15» ... وعهودك افتقرت إلى إنجازها
والله يعلم فيك صدق مودّتي ... وحقيقة الأشياء غير مجازها
فأجابني بقوله: [الكامل]
يا مهدي الدّرّ الثمين منظّما ... كلما حلال السّحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانيا ... ورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضمار خصل سباقها ... ولأنت أسبقهم إلى إحرازها
حلّيت بالسّمطين مني عاطلا ... وبعثت من فكري متات 1» مفازها
فلأنجزنّ مواعدي مستعطفا ... فاسمح وبالإغضاء منك مجازها
ومن مقطوعاته قوله «17» : [المديد]
ليت شعري والهوى أمل ... وأماني الصّبّ لا تقف
(4/97)

هل لذاك الوصل مرتجع ... أو لهذا الهجر «1» منصرف؟
ومن ذلك: [الطويل]
وظبي سبى «2» بالطّرف والعطف والجيد «3» ... وما حاز من غنج ولين ومن غيد
أتيت «4» إليه بالدّنوّ مداعبا ... فقال: أيدنو الظّبي من غابة الأسد؟
وقال من مبدإ قصيدة مطولة فيما يظهر منها «5» : [الطويل]
حديث المغاني بعدهنّ شجون ... وأوجه أيام التباعد جون «6»
لحا الله أيام الفراق فكم شجت ... وغادرت الجذلان وهو حزين
وحيّا ديارا في ربى أغرناطة ... وإنّي بذاك القرب فيه «7» ضنين
ليالي أنفقت الشباب مطاوعا ... وعمري لدى البيض الحسان ثمين «8»
فأرخصت «9» فيها من شبابي ما غلا ... وغرمي «10» على مال العفاف أمين
خليليّ، لا أمر، بأربعها قفا ... فعندي إلى تلك الرّبوع حنين
ألم ترياني كلّما ذرّ شارق ... تضاعف عندي عبرة وأنين؟
إذا لم يساعدني أخ منكما فلا ... حدت نحو «11» قرن بعد ذاك أمون
أليس عجيبا في البريّة من لنا ... إلى عهد إخوان الزمان «12» ركون؟
فلا تثقن من ذي «13» وفاء بعهده ... فقد أجن السّلسال وهو معين
لقلبي «14» عذر في فراق ضلوعه ... وللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنه ... لعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامها ... فإنّ مكاني في الوفاء مكين
(4/98)

ولم أر مثل الدهر أمّا عدوّه ... فخبّ وأمّا خلّه فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود يمينه «1» ... لما كان في عهد الزمان معين
ومن شعره قوله «2» : [الكامل]
زار الخيال ويا لها من لذّة ... لكنّ لذّات «3» الخيال منام
ما زلت ألثم مبسما منظومه ... درّ «4» ومورده الشّهيّ مدام
وأضمّ غصن البان من أعطافه ... فأشمّ «5» مسكا فضّ عنه ختام
مولده: عام ستة وسبعمائة.
وفاته: وتوفي بمدينة فاس، وقد تخلّفه السلطان كاتب ولده، عند وجهته إلى إفريقية، في شوال عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، فتوفي في العشرين لرمضان منه.
علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان ابن حسن الأنصاري «6»
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الجيّاب، شيخنا ورئيسنا العلّامة البليغ.
حاله: من عائد الصّلة: كان، رحمه الله، على ما كان عليه من التفنّن، والإمامة في البلاغة، والأخذ بأطراف الطلب، والاستيلاء على غاية الأدب، صاحب مجاهدة، وملازمة عبادة، على طريقة مثلى من الانقباض والنزاهة، وإيثار التقشف، محبّا في أهل الخير والصلاح، منحاشا إليهم، منافرا عن أضدادهم، شيخ طلبة الأندلس، رواية وتحقيقا، ومشاركة في كثير العلوم، قائما على العربية واللغة، إماما في الفرائض والحساب، عارفا بالقراءات والحديث، متبحرا في الأدب والتاريخ، مشاركا في علم التصوّف، فذّا في المسائل الأدبية البيانية، حامل راية المنظوم والمنثور، والإكثار من ذلك، والاقتدار عليه، جلدا على الخدمة، مغتبطا بالولاية، محافظا على الرّتبة، مراقبا
(4/99)

لو ظائف الأبواب السلطانية، متوقد الذهن، ذلق الجوانب، مشغوفا بالأنس والمفاوضة في الأدب، محسنا للنادرة الظريفة، مليح الدّعابة، غزير الحفظ، غيورا على الخطّة، كثير النشاط إلى المذاكرة، مع استغراق الكلف، وعلو السن. طال به المرض حتى أذهب جواهر بدنه، وعلى ذلك فما اختلّ تميّزه، ولا تغيّر إدراكه.
بعثت إليه باكور رمّان، فقال لي من الغد، نعم بالهدنة زمانك، يعني نعمت الهدية رمّانك. فعجب الناس من اجتماع نفسه، وحضور فكره. وهو شيخي الذي نشأت بين يديه وتأدبت به، وورثت خطّته عن رضى منه. كتب عن الدول النصرية نحوا من خمسين سنة أو ما ينيف عليها، متين الجاه، رفيع المكانة، بعيد الصيت، وسفر إلى الملوك، واشتهر بالخير، والحمل على أهل الظلم، وجرى ذكره في التاج بما نصّه «1» :
صدر الصّدور الجلّة، وعلم أعلام هذه الملّة، وشيخ الكتابة وبانيها «2» ، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرياسة، فناء «3» بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة، فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه «4» ، فتفيّأ للعناية ظلّا ظليلا، وتعاقبت «5» الدول فلم تر به بديلا، من ندب على علوّه متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا تمرّ «6» مذاكرة في فنّ إلّا وله فيه التّبريز، ولا تعرض جواهر الكلام على محاكاة «7» الأفهام إلّا وكلامه الإبريز، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه، وناطقا بلسانه، وغرّب ذكره وشرّق، فأشام «8» وأعرق، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق، إلى نفس هذّبت الآداب شمائلها، وجادت الرياض خمائلها، ومراقبة لربّه، واستباق لروح الله من مهبّه، ودين لا يعجم عوده، ولا تخلف وعوده. وكلّ ما ظهر علينا- معشر «9» بنيه- من شارة تجلى «10» بها العين،
(4/100)

أو إشارة كما سبك»
اللّجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسناته محسوبة، فإنما هي أنفس راضها بآدابه، وأعلقها بأهدابه، وهذّب طباعها، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها، وما عسى أن أقول «2» في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمّة، والمثل السائر في بعد الصيت وعلوّ الهمّة.
مشيخته: نقلت من خطه، في بعض ما كتب به إلى من الأشياخ الذين لقيتهم وأجازوني عامة؛ الشيخ الفقيه الخطيب الصالح الصوفي المحقق صاحب الكرامات والمقامات، نسيج وحده، أبو الحسن فضل بن محمد بن علي ابن فضيلة المعافري، قرأت عليه كذا. ومنهم الشيخ الفقيه الأستاذ العالم العلم الكبير، خاتمة المسندين بالمغرب، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، نشأت بين يديه، وقرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجازني. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الخشني البلّوطي، قرأت عليه القرآن العزيز بالقراءات السبع وغير ذلك. ومنهم الشيخ الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عياش الخزرجي القرطبي، لقيته بمالقة. ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن علي الغساني السعدي الخطيب الصالح، قرأت عليه وسمعت. ومنهم الشيخ العدل أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن مستقور الطائي. ومنهم قاضي الجماعة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد العنسي. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب المحدّث الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد. ومنهم الشيخ الخطيب أبو جعفر أحمد بن علي الأنصاري الكحيلي. ومنهم الشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو محمد عبد الواحد بن محمد بن أبي السّداد الأموي الباهلي. ومنهم الشيخ الوزير الحسيب أبو عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، والشيخ الخطيب الأستاذ النظار أبو القاسم بن الشّاط، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن مالك بن المرحّل، والشيخ المبارك أبو محمد عبد المولى بن عبد المولى الخولاني. هؤلاء كلهم لقيتهم، وأجازوني إجازة عامة، وأما من أجازني ولم ألقه، فعالم كثير من أهل المغرب والمشرق، منهم أبو العباس بن الغمّاز، قاضي الجماعة بتونس، وأبو عبد الله بن صالح الكناني، خطيب بجاية، والشريف أبو علي الحسن بن طاهر بن أبي الشرف بن رفيع الحسني، وأبو فارس عبد العزيز الهواري، وأبو محمد بن هارون القرطبي، وأبو علي ناصر الدين المشدالي، وغيرهم.
(4/101)

شعره: وشعره كثير مدوّن، جمعته ودونته، يشتمل على الأغراض المتعددة من المعشّرات النبويّات، والقصائد السلطانيات، والإخوانيات، والمقطوعات الأدبيات، والألغاز والأحجيات.
فمن ذلك من المعشّرات في حرف الجيم على وجه التبرك «1» : [الطويل]
جريئا على الزلّات غير مفكّر ... جبانا على الطاعات غير معرّج
جمعت لما يفنى اغترارا بجمعه ... وضيّعت ما يبقى سجيّة أهوج
جنونا بدار لا يدوم سرورها ... فدعها سدى ليست بعشّك فادرج «2»
جيادك في شأو الضلال سوابق ... تفوت مدّى بين «3» الوجيه وأعوج «4»
جهلت سبيل الرشد فاقصد دليله ... تجد دار سعد بابها غير مرتج
جناب رسول ساد أولاد آدم ... وقرّب في السّبع الطّباق بمعرج
جمال أنار الأرض شرقا ومغربا ... فكلّ سنى من نوره المتبلّج
جلا صدأ المرتاب أن سبّح الحصا ... لديه بنطق ليس بالمتلجلج
جعلت امتداحي والصلاة عليه لي ... وسائل تحظيني بما أنا أرتج «5»
ومن الأغراض الصوفية السلطانية قوله «6» : [الكامل]
هات اسقني صرفا بغير مزاج ... واحي «7» التي هي راحتي وعلاجي
إن صبّ منها في الزجاجة قطرة ... شفّ الزجاج عن السّنى الوهّاج
فإذا «8» الخليع أصاب منها شربة ... حاجاه بالسّرّ المصون محاجي
وإذا المريد أصاب منها جرعة ... ناجاه بالحقّ المبين مناج
تاهت به في مهمه لا يهتدى ... فيه لتأديب «9» ولا إدلاج
يرتاح من طرب بها فكأنها «10» ... غنّته بالأرمال والأهزاج
(4/102)

هبّت عليه نفحة قدسيّة ... في فتح «1» باب دائم الإرتاج
فإذا انتشى يوما وفيه بقيّة ... سارت به قصدا على المنهاج
وإذا تمكّن منه سكر معربد ... فليبصرنّ «2» لمصرع الحلّاج
قصرت عبارة فيه عن وجدانه ... فغدا يفيض بمنطق لجلاج
أعشاه نور للحقيقة باهر ... فتراه يهبط «3» في الظلام الدّاجي
رام الصعود بها لمركز أصله ... فرمت به في بحرها الموّاج
فلئن أمدّ برحمة وسعادة ... فليخلصن من بعد طول هياج
وليرجعنّ بغنيمة موفورة ... ما شيب عذب شرابها بأجاج «4»
ولئن تخطّاه القبول لما جنى ... فليرجعن نكسا على الأدراج
ما أنت إلّا درّة مكنونة ... قد أودعت في نطفة أمشاج «5»
فاجهد على تخليصها من طبعها ... تعرّج بها في أرفع المعراج
واشدد يديك معا على حبل التّقى ... فإن اعتصمت به فأنت النّاجي
ولدى العزيز ابسط بساط تذلّل ... وإلى الغنيّ امدد يد المحتاج
هذا الطريق له مقدّمتان صا ... دقتان أنتجتا أصحّ نتاج
فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذى ... واقنع من الإسهاب بالإدماج
حرفان قد جمعا الذي قد سطروا ... من بسط أقوال وطول حجاج
والمشرب الأصفى الذي من ذاقه ... فقد اهتدى منه بنور سراج
ألا ترى إلّا الحقيقة وحدها ... والكلّ مضطرّ إليها لاجي
هذي بدائع حكمة أنشأتها ... بإشارة المولى أبي الحجّاج
وسع الأنام بفضله وبعدله ... وبحلمه وبجوده الثّجّاج
من آل نصر نخبة الملك الرّضا ... أمن المروّع هم وغيث اللّاجي «6»
من آل قيلة ناصري خير الورى ... والخلق بين تخاذل ولجاج «7»
(4/103)

ماذا أقول وكلّ قول قاصر ... في وصف بحر زاخر الأمواج
منه لباغي العرف درّ فاخر ... ولمن يعادي الدين هول فاجي «1»
دامت سعودك في مزيد، والمنى ... تأتيك أفواجا على أفواج
ومن الأمداح المطوّلة «2» : [الكامل]
لمن المطايا في السّراب سوابحا ... تفلي الفلاة غواديا وروائحا
عوج «3» كأمثال القسيّ «4» ضوامر ... يرمين في الآفاق مرمى نازحا
أو كالسحاب تسير مثقلة ... حملته «5» من سقيا البطاح دوالحا «6»
ركب ييمّم غاية بل آية ... أبدت محيّا الحقّ أبلج واضحا
لما دعا داعي الرشاد مردّدا ... لبّوه شوقا والحمام هوادحا
فلهم عجيج بالبسيطة صاعد ... يذكي بنار الشوق منك جوانحا
وإذا حدا الحادي بذكر المصطفى ... أذروا على الأكوار دمعا سابحا
عيس تهادى بالمحبّين الألى ... ركبوا من العزم المصمم جامحا
طارت بهم أشواقهم سبّاقة ... فتركن أعلام المطيّ روازحا
رفقا بهنّ فهنّ خلق مثلكم ... أنضاء أسفار قطعن منادحا
قد جين للهادي وهادا جمّة ... وسلكن نحو الأبطحيّ أباطحا
ناشدتك الرحمن وافد مكة ... ألّا صرفت إليّ صرفا طامحا
وأخا أتيت القبر قبر محمد ... وحمدت سعيا من سفارك ناجحا
وذهلت عن هذا الوجود مغيبا ... لما لمحت من الجمال ملامحا
فاقرأ سلامي عند قبر المصطفى ... وامسح بيمناك الجدار مصافحا
قسما بوفد يزخرون رواحلا ... قطعت سباسبا بلقعا وضحاضحا
حتى أناخوا بالمحصّب من منى ... وتأمّلوا النور المبين اللائحا
(4/104)

وتعرّضوا لعوارض عرفيّة هب ... بت بها تلك الرياح لوافحا
وآووا إلى الحرم الشريف فطافعا ... بالبيت أوبا لركن منه ماسحا
وسقوا به من ماء زمزم شربة ... نالوا بها في الخلد حظّا رابحا
ثم انثنوا قصدا إلى دار الهدى ... يتسابقون عزائما وجوارحا
فتبوّؤا المغنى الذي بركاته ... فاضت على الآفاق بحرا طافحا
ختموا مناسكهم بزورة أحمد ... بختام مسك طاب عرفا نافحا
إنّ السماحة والشجاعة والنّدى ... والبأس والعقل الأصيل الراجحا
وقف على شمس المعالي يوسف ... أعلى الملوك خواتما وفواتحا
فهو الذي ملأ البلاد فضائلا ... صارت لمن بارى علاه فضائحا
إن أجملت سير الكرام فخلقه ... ما زال للإجمال منها شارحا
حامي الذّمار مدافعا وموادعا ... كافي العدو محاربا ومصافحا
للملك بالعزم المؤيد مانعا ... للعرف بالجود المردد مانحا
إن تلقه في يوم جود هامر ... تلق السحاب على البلاد سوابحا
أو تلقه في يوم بأس قاهر ... تلق الأسود لدى العرين كوافحا
أو تلقه في يوم فخر ظاهر ... تلق الكواكب في السماء لوائحا
من أسرة النصر الألى هم ناصحوا ... بعزائم الصدق الأمين الناصحا
هم أسّسوا الملك المشيد بناؤه ... فكفوا به الإسلام خطبا فادحا
فاستفهم الأيام عن آثارهم ... تطلع عليك صحائفا وصفائحا
كان إذا ضنّ الغمام سحائبا ... يهمي وإن جنّ الظلام مصابحا
شادوا له مجدا صميما راسخا ... يبقى على الأعقاب ذكرا صالحا
وسماء «1» فخر فوق أمن جهادهم ... سمكوا له منه «2» سماكا رامحا
الأعظمون مغانيا ومناقبا ... والأكرمون محامدا وممادحا
يا دولة نصريّة قد جددت ... نصرا لأبواب المعاقل فاتحا
وأمامة سعدية قد أطلعت ... سعدا ولكن للأعادي ذابحا
فاضت جدى فكأنما أيامها ... جعلت لأرزاق العباد مفاتحا
كفت عدا فكأنما أوقاتها ... جاءت لآيات الأمان شوارحا
(4/105)

عدلا لأقطار الإيالة كالبا ... ولجامحات البغي منها كافحا
بشرى بيوسف ناصر الملك الذي ... ما زال عنه مجالدا ومكافحا
جمع المواهب للمواهب مانحا ... فوق المنى وعن الجرائم صافحا
ابن الإمام أبي الوليد وحسبنا ... مدحا تضمن في الفخار مدائحا
يهنيك عيد النّحر أسعد قادم ... وافاك من جدوى يمينك ماتحا
وفّيته قربانه وصلاته وأقمت ... فيه شعائرا وذبائحا
ورجعت في الجيش الذي أخباره ... تروي غرائبها الحسان صحائحا
أسد ضراغم فوق خيل ترتمي ... نحو العدو سوانحا وبوارحا
طيّارة بالدّارعين تخالها ... تنقضّ في يوم القتال جوارحا
من كلّ من تخذ القنا خيما له ... يلقى العدو مماسيا ومصابحا
والشمس أضرمت السبيكة عندما ... لقي الحديد شعاعها المطارحا
فاهنأ به وانعم بدولتك التي ... ترضي الوليّ بها وتشجي الكاشحا
دامت ودام الحقّ فيها ثابتا ... يعلو يدا والإفك فيها طالحا
وقال يمدح ويصف مصنعا سلطانيا «1» : [الكامل]
زارت تجرر نحوه أذيالها ... هيفاء تخلط بالنّفار دلالها «2»
والشمس «3» من حسد لها مصفرّة ... إذ قصّرت عن أن تكون مثالها
وافتك تمزج لينها بقساوة ... قد أدرجت طيّ العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنه ... صحّت دلائل لم تطق إعلالها
تركت على الأرجاء عند مسيرها ... أرجا كأنّ المسك فتّ خلالها
ما واصلتك محبّة وتفضّلا ... لو كان ذاك لواصلت إفضالها
لكن توقّعت السّلوّ فجدّدت ... لك لوعة لا تتّقي ترحالها
فوحبّها قسما بحق بروره ... لتجشّمنّك في الهوى أهوالها
حسّنت نظم الشّعر في أوصافها ... إذ قبّحت لك في الهوى أفعالها
يا حسن ليلة وصلها ما ضرّها ... لو أتبعت من بعدها أمثالها
(4/106)

لمّا سكرت بريقها وجفونها ... أهملت كأسك لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنه ... فافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطالة جامحا ... واقرن بأسحار المنى «1» آصالها
في جنّة تجلو محاسنها كما ... تجلو العروس لدى الزفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورى ... شرف الملوك همامها مفضالها
وصميمها أصلا وفرعا خيرها ... ذاتا «2» وخلقا، سمحها بذّالها»
الطاهر الأعلى الإمام «4» المرتضى ... بحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابرا عن كابر ... وجرى لغايات الكرام فنالها
إن «5» تلقه في يوم بذل هباته ... تلق الغمائم أرسلت هطّالها «6»
أو تلقه في يوم حرب عداته ... تلق الضّراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوما صولة ... خلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه «7» وبسيفه نال «8» المنا ... واستعجلت أعداؤه آجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالها ... فكفى العفاة سؤالها ومطالها
القاتل الآلاف قبل قراعها ... فكفى العداة قراعها ونزالها
إن قلت بحر كفّه قصّرت إذ ... شبّهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله ونواله «9» ... فالوحش لا تعدو على من غالها
وسقى البريّة فيض كفّيه فقد ... عمّ البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بفنونها «10» ... آدابها وحسابها وجدالها
منقولها، معقولها، وأصولها ... وفروعها، تفصيلها، إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهللوا ... لمّا رأوا من كفّك استهلالها
وإذا عداتك أبصروك تيقّنوا ... أنّ المنيّة سلّطت رئبالها «11»
(4/107)

بدّدت شملهم ببيض صوارم ... روّيت من علق «1» الكماة نصالها
وأبحت أرضهم فأصبح أهلها ... جزرا «2» تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورى ... أبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكّرت ... دار النعيم جنانها وظلالها
وأجلّها قدرا وأرفعها مدى ... هذا الذي سامى النجوم فطالها «3»
هو جنّة فيها الأمير مخلّد ... بلغت إمارته بها آمالها
ولأرض أندلس مفاخر، أنتم ... أربابها، أضفيتم سربالها «4»
فحميتم أرجاءها، وكفيتم ... أعداءها، وهديتم ضلّالها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهم ... لم تعتمد من قبلهم أقيالها «5»
بمحمد ومحمد ومحمد ... قصرت على الخصم الألدّ نضالها
فهم الألى ركبوا لكلّ عظيمة ... جردا كسين من النجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكلّ ملمّة ... بابا أراح بفتحه إشكالها
متقلّدون من السيوف عضابها «6» ... متأبّطون من الرماح طوالها
الراكبون من الجياد عرابها ... والضاربون من العدا أبطالها
أوليّ عهد المسلمين ونخبة ال ... أملاك صفوة محضها وزلالها
إنّ العباد مع البلاد مقرّة ... بفضائل لك مهّدت أحوالها
فتفكّ عانيها وتحمي سربها ... وتفيد حلما دائما جهّالها
ومن الرثاء قوله يرثي ولده أبا القاسم «7» : [الطويل]
هو البين حتما، لا لعلّ ولا عسى ... فما بال نفسي لم تفض عنده أسى
وما لفؤادي لم يذب منه حسرة ... فتبّا لهذا القلب سرعان ما قسا
ويا «8» لجفوني لا تفيض مورّدا ... من الدمع يهمي تارة ومورّسا «9»
(4/108)

وما للساني مفصحا بخطابه ... وما كان لو أوفى بعهد لينبسا
أمن بعد ما أودعت روحي في الثّرى ... ووسّدت مني فلذة القلب مرمسا «1»
وبعد فراق ابني أبي القاسم الذي ... كساني ثوب الثّكل لا كان ملبسا
أؤمّل في الدنيا حياة وأرتضي ... مقيلا لدى أبنائها ومعرّسا «2»
فآها وللمفجوع فيها استراحة ... ولا بدّ للمصدور أن يتنفّسا
على عمر أفنيت فيه بضاعتي ... فأسلمني للقبر حيران مفلسا
ظللت به في غفلة وجهالة ... إلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا «3»
إلى الله أشكو برح حزني فإنه ... تلبّس منه القلب ما قد تلبّسا
وصدمة «4» خطب نازلتني عشيّة ... فما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا
فقد صدّعت شملي وأصمت مقاتلي ... وقد هدّمت ركني الوثيق المؤسّسا
ثبتّ لها صبرا لشدّة وقعها ... فما زلزلت صبري الجميل وقد رسا
وأطمع «5» أن يلقى برحمته الرضا ... وأجزع أن يشقى بذنب فينكسا
أبا القاسم اسمع شجو «6» والدك الذي ... حسا من كؤوس البين أفظع ما حسا
وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسى ... وأشهد «7» لا ينفكّ وقفا محبّسا
وقطّعت آمالي من الناس كلّهم ... فلست أبالي أحسن المرء أم أسا
تواريت يا شمسي وبدري وناظري ... فصار وجودي مذ تواريت حندسا
وخلّفت لي عبئا من الثّكل فادحا ... فما أتعب الثّكلان نفسا وأتعسا
أحقّا ثوى ذاك الشباب فلا أرى ... له بعد هذا اليوم حولي مجلسا
فيا غصنا نضرا ثوى عندما استوى ... فأوحشني أضعاف ما كان آنسا
ويا نعمة لمّا تبلّغتها انقضت ... فأنعم أحوالي بها صار أبؤسا
فودّعته «8» والدمع تهمي سحابه ... كما أسلم السلك الفريد المجنّسا «9»
(4/109)

وقبّلت في ذاك الجبين مودعا ... لأكرم من نفسي عليّ وأنفسا
وخفّف «1» من وجدي به قرب رحلتي ... وماذا عسى أن ينظر الدهر ما «2» عسا
فيا رحمة للشيب يبكي شبيبة ... قياس لعمري عكسه كان أقيسا
فلو أنّ هذا الموت يقبل فدية ... حبوناه أموالا كراما وأنفسا
ولكنه حكم من الله واجب ... يسلّم فيه من بخير الورى ائتسى «3»
تغمدك الرحمن بالعفو والرضا ... وكرّم مثواك الجديد وقدّسا
وألّف منّا الشمل في جنّة العلا ... فنشرب تسنيما «4» ونلبس سندسا
وكتبت إليه قصيدة أولها «5» : [الطويل]
أمستخرجا كنز العتيق بآماقي ... أناشدك الرحمن في الرّمق الباقي
فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتي ... عليك وضاقت عن زفيري أطواقي
فأجابني رحمة الله عليه عن ذلك»
: [الطويل]
سقاني فأهلا بالسّقاية «7» والعناق «8» ... سلافا بها قام السرور على ساق
ولا نقل «9» إلّا من بدائع حكمة ... ولا كأس إلّا من سطور وأوراق
فقد أنشأت لي نشوة بعد نشوة ... تمدّ بروحانية ذات أذواق
فمن حظّها «10» الفاني متاع لناظري ... وسمعي وحظّ الروح من حظّها «11» الباقي
(4/110)

أعادت شبابي بعد سبعين حجّة ... فأثوابه قد جدّدت بعد إخلاق «1»
وما كنت يوما للمدامة صاحبا ... ولا قبلتها قطّ نشأة أخلاقي
ولا خالطت لحمي ولا مازجت دمي ... كفى شرّها مولاي فالفضل للواقي «2»
وهذا على عهد الشباب فكيف لي ... بها بعد ماء للشبيبة مهراق
تبصّر فحكما «3» القهوتين تخالفا ... فكم بين إثبات لعقل وإزهاق
وشتّان ما بين المدامين «4» فاعتبر ... فكم بين إنجاح لسعي وإخفاق «5»
فتلك تهادى بين ظلم وظلمة ... وهذي تهادى بين عدل «6» وإشراق
أيا علم الإحسان غير منازع ... شهادة إجماع عليها وإصفاق «7»
فضائلك الحسنى عليّ تواترت ... بمنهمر من سحب فكرك غيداق «8»
خزائن آداب بعثت بدرّها ... إليّ ولم تمنن بخشية «9» إنفاق
(4/111)

ولا مثل بكر حرّة عربيّة ... زكيّة أخلاق كريمة أعراق
فأقسم ما البيض الحسان تبرّمت «1» ... تناجيك سرّا بين وحي وإطراق
بدور بدت من أفق «2» أطواقها على ... رياض شدت في قضبها «3» ذات أطواق «4»
فناظر «5» منها الأقحوان ثغورها ... وقابل منها نرجس سحر «6» أحداق
وناسب منها الورد خدّا مورّدا ... سقاه الشباب النّضر «7» ، بورك من ساق!
وألبسن من صنعاء وشيا منمنما ... وحلّين من درّ نفائس أعلاق
بأحلى لأفواه، وأبهى لأعين ... وأحلى «8» لألباب، وأشهى لعشّاق
رأيت بها شهب السماء تنزّلت ... إليّ تحيّيني تحية مشتاق
ألا إنّ هذا السحر لا سحر بابل ... فقد سحرت قلبي المعنّى فمن راق «9» ؟
لقد أعجزت شكري «10» فضائل ماجد ... أبرّ بأحباب وأوفى بميثاق
تقاضى ديون الشعر مني منبّها «11» ... رويدك لا تعجل عليّ بإرهاق
(4/112)

فلو نشر الصادّان من ملحديهما «1» ... لإنصاف هذا الدّين «2» لاذا بإملاق
فخذ بزمام «3» الرّفق شيخا تقاصرت ... خطاه وعاهده «4» بمعهود إشفاق «5»
فلا «6» زلت تحيي للمكارم رسمها ... وقدرك في أهل العلا والنّهى راق
وكتبت إليه في غرض العتاب والاستعتاب»
: [الطويل]
أدرنا وضوء الأفق قد صدع الفضا ... مدامة عتب بيننا نقلها الرضا
فلله عينا من رآنا وللحيا ... حبيّ «8» بآفاق البشاشة أو مضا
نفرّ إلى عدل الزمان الذي أتى ... ونبرأ من جور الزمان الذي مضى
ونأسو «9» كلوم اللفظ باللفظ عاجلا ... كذا قدح الصّهباء داوى وأمرضا
فراجعني بقوله «10» : [الطويل]
ألا حبّذا ذاك العتاب الذي مضى ... وإن جرّه واش بزور تمضمضا
أغارت له خيل فما ذعرت حمى ... ولكنها كانت طلائع للرضا
تألّق منها بارق صاب مزنه «11» ... على معهد الحبّ الصّميم فروّضا
تلألأ نور «12» للصداقة حافظا ... وإن ظنّ سيفا للقطيعة منتضى
فإن سوّد الشيطان منه صحيفة ... أتى ملك الرّحمى عليها فبيّضا
(4/113)

وما كان حبّ أحكم الصدق عهده ... ليرمى بوسواس الوشاة فيرفضا
أعيذ ودادا زاكي القصد وافيا ... تخلّص من أدرانه فتمحّضا «1»
ونيّة صدق في رضى الله أخلصت ... سناها بآفاق البسيطة قد أضا
من الآفك الساعي ليخفي نورها ... أيخفى شعاع الشمس قد ملأ الفضا؟
وكيف يحلّ المبطلون بإفكهم ... معاقد حبّ أحكمتها يد القضا
تعرّض يبغي هدمها فكأنه ... لتشييد مبناها الوثيق تعرّضا
وحرّض في تنفيره فكأنما ... على البرّ والتسكين والحبّ حرّضا
وأوقد نارا فهو يصلى جحيمها ... يقلّب منها القلب في موقد الغضا «2»
أيا واحدي المعدود بالألف وحده ... ويا ولدي البرّ الزكي إن ارتضى
بعثت من الدّرّ النفيس قلائدا ... على ما ارتضى حكم المحبة واقتضى
نتيجة آداب وطبع مهذّب ... أطال مداه في البيان وأعرضا
ولا مثل بكر باكرتني آنفا ... كزورة خلّ بعد ما كان أعرضا
هي الروضة الغنّاء أينع زهرها ... تناظر حسنا مذهّبا ومفضّضا
أو الغادة الحسناء راقت فينقضي ... مدى العمر في وصفي لها وهو ما انقضى
تطابق منها شعرها وجبينها ... فذا اللّيل مسودّا وذا الصّبح أبيضا
أو الشهب منها زينة وهداية ... ورجم لشيطان إذا هو قيّضا
أتت ببديع الشّعر طورا مصرّحا ... بأبياتك الحسنى وطورا معرّضا
ومهّدت الأعذار دون جناية ... ولو أنك الجاني لكنت المغمّضا
لك الله من برّ وفيّ وصاحب ... محضت له صدق الضمير فأمحضا
لسانك في شكري مفيض تفضّلا ... فيا حسن ما أهدى وأسدى وأقرضا
وقلبك فاضت فيه أنوار خلّتي ... فأبقى «3» يدي تسليمه لي مفوّضا
وقصدك مشكور وعهدك ثابت ... وفضلك منشور وفعلك مرتضى
فهل مع هذا ريبة في مودّة ... بحال! وإن رابت «4» فما أنا معرضا
(4/114)

فثق بولائي إنني لك مخلص ... هوى ثابتا يبقى فليس له انقضا
عليك سلام الله ما هبّت الصّبا ... وما بارق جنح الدّجنّة أو مضا
وكتب إلى القاضي الشريف وهو بوادي آش «1» : [الطويل]
أهزلا وقد جدّت بك اللّمّة الشمطا «2» ... وأمنا وقد ساورتها حيّة رقطا «3»
أغرّك طول العمر في غير طائل ... وسرّك أنّ الموت في سيره أبطا
رويدا فإنّ الموت أسرع وافد ... على عمرك الفاني ركائبه حطّا
فإذ ذاك لا تسطيع «4» إدراك ما مضى ... بحال ولا قبضا تطيق ولا بسطا
تأهّب فقد وافى مشيبك منذرا ... وها هو في فوديك أحرفه خطّا
فرافقت منه كاتب السّرّ واشيا ... له القلم الأعلى يخطّ به وخطا
معمّى كتاب فكّه «احذر» فهذه ... سفينة هذا العمر قاربت الشّطّا
وإن طال ما خاضت بك «5» اللجج التي ... خبطت بها في كلّ مهلكة خبطا
وما زلت في أمواجها متقلّبا ... فآونة رفعا وآونة حطّا
(4/115)

فقد أوشكت تلقيك في قعر حفرة ... تشدّ عليك الجانبين بها ضغطا
ولست على علم بما أنت بعدها ... ملاق، أرضوانا من الله أم سخطا
وأعجب شيء منك دعواك في النّهى ... وهذا الهوى المردي على العقل قد غطّى
قسطت «1» عن الحقّ المبين جهالة ... وقد غالطتك «2» النّفس فادّعت القسطا
وطاوعت شيطانا تجيب إذا دعا ... وتقبل إن أغوى وتأخذ إن أعطى
تناءى عن الأخرى وقد قربت مدى ... تدانى عن الدنيا وقد أزمعت شحطا «3»
وتمنحها حبّا وفرط صبابة ... وما منحت إلّا القتادة والخرطا «4»
فها أنت تهوى وصلها وهي فارك ... وتأمل قربا من حماها وقد شطّا
صراط هدى نكّبت عنه عماية ... ودار ردّى أوعيت في سجنها سرطا
فما لك إلّا السيد الشافع الذي ... له فضل جاه كلّ ما يرتجي يعطى
دليل إلى الرحمن فانهج سبيله ... فمن حاد عن نهج الدليل فقد أخطا
محبّته شرط القبول فمن خلت ... صحيفته منها فقد فقد الشّرطا
(4/116)

وما قبلت منه لدى الله قربة ... ولا زكت الأعمال بل حبطت حبطا
به الحقّ وضاح، به الإفك زاهق ... به الفوز مرجوّ، به الذّنب قد حطّا
هو الملجأ الأحمى، هو الموئل الذي ... به في غد يستشفع المذنب الخطّا «1»
إليك ابن خير الخلق بنت بديهة ... تقبّل تبجيلا أنا ملك السّبطا
وحيدة هذا العصر وافت وحيدة ... لتبسط من شتّى بدائعها بسطا
وتتلو آيات التشيّع إنها ... لموثقة عهدا ومحكمة ربطا
لك الشرف المأثور يا ابن محمد ... وحسبك أن تنمى إلى سبطه سبطا
إلى شرفي دين وعلم تظاهرا ... تبارك من أعطى وبورك في المعطى
ورهطك أهل البيت، بيت محمد ... فأعظم به بيتا وأكرم بهم «2» رهطا
بعثت به عقدا من الدّرّ فاخرا ... وذكر رسول الله درّته الوسطى «3»
وأهديت منها للسيادة غادة ... نظمت من الدّرّ الثمين بها سمطا
وحاشيتها من كل ما شانها «4» ، فإن ... تجعّد حوشيّ تجد لفظها سبطا
(4/117)

وفي الطيبين الظاهرين نظمتها ... فساعدها من أجل ذلك حرف الطا
عليك سلام الله ما ذرّ شارق ... وما ردّدت ورقاء في غصنها لغطا
ومن غريب ما خاطبني به قوله «1» : [الرجز]
أقسم بالقيسين والنابغتين ... وشاعري طييء المولّدين
وبابن حجر وزهير وابنه «2» ... والأعشيين بعد ثمّ الأعميين
ثم بعشّاق الثريّا والرقي ... يات وعزّة وميّ وبثين
وبأبي الشيص ودعبل ومن ... كشاعري خزاعة «3» المخضرمين
وولد المعتزّ والرّضيّ والسريّ ... ثم حسن وابن الحسين
واختم بقسّ وبسحبان «4» فإن «5» ... أوجب «6» حقّ أن يكونا أوّلين
وحليتي «7» نثرهم ونظمهم ... في مشرقي أقطارهم والمغربين
أنّ الخطيب ابن الخطيب سابق ... بنثره ونظمه للحلبتين
وافتني «8» الصحيفة الحسنا التي ... شاهدت فيها المكرمات رأي عين
تجمع من براعة المعنى إلى ... يراعة الألفاظ كلتا الحسنيين
أشهد أنك الذي سبقت في ... طريقي «9» الآداب أقصى الأمدين
شعر حوى جزالة ورقّة ... تصاغ منه حلية «10» للشّعريين
رسائل أزهارها منثورة ... سرور قلب ومتاع ناظرين
يا أحوذيّا، يا نسيج وحده ... شهادة تنزهت عن قول مين «11»
بقيت في مواهب الله التي ... تقرّ عينيك وتملأ اليدين
(4/118)

ومن المقطوعات الموطّنات على المثال «1» : [مخلع البسيط]
لله عصر الشباب عصرا ... فتّح للخير كلّ باب
حفظت ما شئت فيه حفظا ... كنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما المشيب وافى ... ندّ «2» ولكن بلا إياب
لا تعتنوا بعدها بحفظ ... وقيّدوا العلم بالكتاب
ومن ذلك قوله «3» : [مخلع البسيط]
يا أيها الممسك البخيل ... إلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله تربح ... فإنّ إحسانه جزيل
وقدّم الأقربين واذكر ... ما روي ابدأ بمن تعول
ومن ذلك قوله «4» : [المتقارب]
وقائلة لم عراك المشيب ... وما إن يعهد الصّبا من قدم
فقلت لها: لم أشب كبرة ... ولكنه الهمّ نصف الهرم
ومن ذلك قوله «5» : [المتقارب]
هي النّفس إن أنت سامحتها ... رمت بك أقصى مهاوي الخديعه
وإن أنت جشّمتها خطّة ... تنافي رضاها تجدها مطيعه
فإن شئت فوزا فناقض هواها ... وإن واصلتك اجزها بالقطيعه
ولا تعبأنّ بميعادها ... فميعادها كسراب بقيعه
ومن المقطوعات أيضا «6» : [الكامل]
من أنت يا مولى الورى مقصوده ... طوبى له قد ساعدته سعوده
فليشهدنك له فؤاد صادق ... وشهوده قامت عليه شهوده
وليفنين عن نفسه ورسومه ... طرّا وفي ذاك الفناء وجوده
وليخطفنه «7» بارق يرقى به ... في أشرف المعراج ثم يعيده
حتى يظلّ وليس يدري دهشة ... تقريبه المقصود أو تبعيده
(4/119)

لكنه ألقى السلاح مسلّما ... فمراده ما أنت منه تريده
فلقد تساوى عنده إكرامه ... وهوانه ومفيده ومبيده
ومن ذلك قوله في المعنى «1» : [الطويل]
يقيني أنّ الله جلّ جلاله ... يقيني «2» فراجي الله ليس يخيب
ومن مقطوعاته في الألغاز والأحاجي قوله في حجلة «3» : [الرجز]
حاجيت «4» كلّ فطن لبيب ... ما اسم لأنثى «5» من بني يعقوب «6»
ذات كرامات فزرها قربة ... فزورها أحقّ بالتقريب
تشركها في الاسم أنثى لم تزل ... حافظة لسرّها المحجوب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضا ... لها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما الفاء «7» منه صحّفت ... صبغ الحياء «8» لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارها ... فأمرها أقرب من قريب
وفي آب الشهر «9» : [مجزوء الرجز]
حاجيتكم ما اسم علم ... ذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وهـ ... وراجع كما زعم
وصف الحميم «10» هو ... بالتصحيف او بدء قسم
دونكه أوضح من ... نار على رأس علم
ومن ذلك قوله في كانون «11» : [الهزج]
وما اسم لسميّين «12» ... ولم يجمعهما جنس
(4/120)

فهذا كلّما يأتي ... فبالآخر لي أنس
وهذا ما له شخص ... وهذا ما له حسّ
وهذا ما له سوم ... وذا قيمته فلس «1»
وهذا أصله الأرض ... وهذا أصله الشمس
وهذا واحد من سب ... عة تحيا بها النّفس
فمن محموله الجنّ ... ومن موضوعه الإنس
فقد بان الذي ألغز ... ت ما في أمره لبس
ومن ذلك قوله في نمر «2» : [الرجز]
ما حيوان ما له من حرمة ... إن اسمه صحّف فابن العمّه «3»
وقلبه من بعد تصحيف له ... يريك في الذكر الحكيم أمّه
ومن ذلك قوله في سلّم «4» : [الرجز]
ما اسم مركّب مفيد الوضع ... مستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن أكثر استعمال من «5» ... يعنى به في الخفض أو في الرفع
وهو إذا خفّفته مغيّرا «6» ... تراه شملا لم يزل ذا صدع
فالاسم إن طلبته تجده في ... خامسة من الطوال السّبع
وهو إذا صحّفته يعرب عن ... مكسّر في غير باب الجمع «7»
له أخ أفضل منه لم تزل ... آثاره محمودة في الشّرع «8»
هما جميعا من بني النجار والأف ... ضل أصل في حنين الجذع
فهاكه قد سطعت أنواره ... لا سيما لكلّ زاكي «9» الطبع
(4/121)

ومن ذلك قوله في فنار «1» : [مجزوء الرجز]
ما اسم إذا حذفت من ... هـ فاءه المنوّعه
فإنه بنت «2» الزّنا ... مضافة لأربعة
ومن ذلك قوله في حوت «3» : [مجزوء الرجز]
ما حيوان في اسمه ... إن اعتبرته فنون
حروفه «4» ثلاثة ... والكلّ منها نون «5»
تصحيفه قطع الفلا ... أو ما جناه المذنبون «6»
أو أبيض أو أسود ... أو صفة النفس الخؤون «7»
وقلبه مصحّفا «8» ... عليه دارت السنون
كانت به في ما «9» مضى ... عبرة قوم يعقلون
أودع فيها «10» عنده ... سرّ من السّرّ المصون
فهاكه كالنار في ... الزّند لها فيه «11» كمون
ومن ذلك قوله في مائدة «12» : [الرجز]
حاجيت كلّ فطن نظّار ... ما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرها ... فقلّ ما يغفل عنها القاري
(4/122)

في خبر المهديّ فاطلبها تجد ... إن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلّا العيد عيد رحمة ... ونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسن ... من وصف قضب الروضة المعطار «1»
فهاكه كالشمس في وقت الضّحى ... قد شفّ عنها حجب الأستار
ومن ذلك قوله في زبيب «2» : [الرجز]
ما نقي العرض طاهر الجسد ... عندما خالطه الماء فسد
خالط الماء القراح فغوى ... بعد ما كان من أهل الرّشد
عجميّ الأصل تمّ حسنه ... عندما صاد الغزالة الأسد «3»
واسمه اسم امرأة مصحّفا «4» ... ولقد يكون وصفا لولد
هاكه قد بهرت أنواره ... فارم بالفكر تصب قصد الرشد «5»
جميع هذه الأغراض المنسوبة إليه بحر لا ينفد مدده، وقطر لا يبلغ عدده.
وأمّا نثره فسلطانيّات مطولات، عرضت بما تخللها من الأحوال متونها، وقلّت لمكان الاستعجال والبديهة عيونها. وقد اقتضبت منها أجزاء سميته «تافها من جم ونقطة من يم» .
مولده: ولد بغرناطة في جمادى الآخرة «6» عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
وفاته: ليلة يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، حضرها السلطان فمن دونه.
ومما رثي به: رثيته بقصيدة أنشدتها على قبره خامس يوم دفنه ثبتت في غير ما موضع وهي «7» : [الكامل]
ما لليراع خواضع الأعناق ... طرق النّعيّ فهنّ في إطراق
وكأنما صبغ الشحوب وجوهها ... والسّقم من جزع ومن إشفاق
(4/123)

ما للصحائف صوّحت «1» روضاتها ... أسفا وكنّ نضيرة الأوراق
ما للبيان كؤوسه مهجورة ... غفل المدير لها ونام السّاقي
ما لي عدمت تجلّدي وتصبّري ... والصبر في الأزمات من أخلاقي
خطب أصاب بني البلاغة والحجا ... شبّ الزفير به عن الأطواق «2»
أمّا وقد أودى أبو الحسن الرضا ... فالفضل قد أودى على الإطلاق
كنز المعارف لا تبيد نقوده ... يوما ولا تفنى على الإنفاق
من للبدائع أصبحت سمر السّرى ... ما بين شام للورى وعراق
من لليراع يجيل من خطّيّها «3» ... سمّ العدا ومفاتح الأرزاق
قضب ذوابل مثمرات بالمنى ... وأراقم ينفثن بالتّرياق
من للرقاع الحمر يجمع حسنها ... خجل الخدود وصبغة الأحداق
تغتال أحشاء العدوّ كأنها ... صفحات دامية الغرار رقاق
وتهزّ أعطاف الوليّ كأنها ... راح مشعشعة براحة ساق
من للفنون يجيل في ميدانها ... خيل البيان كريمة الأعراق
من للحقائق أبهمت أبوابها ... للناس يفتحها على استغلاق
من للمساعي الغرّ تقصد جاهه ... حرما فينصرها على الإخفاق
كم شدّ من عقد وثيق حكمه ... في الله أو أفتى بحلّ وثاق
رحب الذراع بكلّ خطب فادح ... أعيت رياضته على الحذّاق
صعب المقادة في الهوادة والهوى ... سهل على العافين «4» والطّرّاق
ركب الطريق إلى الجنان وحورها ... يلقينه بتصافح وعناق
فاعجب لأنس في مظنّة وحشة ... ومقام وصل في مقام فراق
أمطيّبا بمحامد العمل الرضى ... ومكفّنا بمكارم الأخلاق
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى ... رضوى «5» تسير على الأعناق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثّرى ... أنّ اللحود خزائن الأعلاق «6»
(4/124)

يا كوكب الهدي الذي من بعده ... ركد الظلام بهذه الآفاق
يا واحدا مهما جرى في حلبة ... جلّى بغرّة سابق السّبّاق
يا ثاويا بطن الضريح وذكره ... أبدا رفيق ركائب ورفاق
يا غوث من وصل الضريح «1» فلم يجد ... في الأرض من وزر ولا من واق
ما كنت إلّا ديمة منشورة ... من غير إرعاد ولا إبراق
ما كنت إلّا روضة ممطورة ... ما شئت من ثمر ومن أوراق
يا مزمعا عنّا العشيّ ركابه ... هلّا لبثت «2» ولو بقدر فواق «3»
رفقا أبانا جلّ ما حمّلتنا ... لا تنس فينا عادة الإشفاق
واسمح ولو بمزار لقيا في الكرى ... تبقي بها منّا على الأرماق
وإذا اللقاء تصرّمت أسبابه ... كان الخيال تعلّة المشتاق
عجبا لنفس ودّعتك وأيقنت ... أن ليس بعد ثواك «4» يوم تلاق
ما عذرها إن لم تقاسمك الردى ... في فضل كأس قد شربت دهاق
إن قصّرت أجفاننا عن أن ترى ... تبكي النجيع عليك باستحقاق
واستوقفت دهشا فإنّ قلوبنا ... نهضت بكلّ وظيفة الآماق
ثق بالوفاء على المدى من فتية ... بك تقتدي في العهد والميثاق
سجعت بما طوقتها من منّة ... حتى زرت «5» بحمائم الأطواق
تبكي فراقك خلوة عمّرتها ... بالذكر في طفل وفي إشراق
أمّا الثناء على علاك فذائع ... قد صحّ بالإجماع والإصفاق
والله قد قرن الثناء بأرضه ... بثنائه من فوق سبع طباق
جادت ضريحك ديمة هطّالة ... تبكي عليه بواكف رقراق
وتغمّدتك من الإله سعادة ... تسمو بروحك للمحلّ الراقي
صبرا بني الجيّاب إنّ «6» فقيدكم ... سيسرّ مقدمه بما هو لاق
وإذا الأسى لفح القلوب أواره ... فالصبر والتسليم أيّ رواق
(4/125)

وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله بن جزي رحمه الله «1» : [الطويل]
ألم تر أنّ المجد أقوت معالمه ... فأطنابه قد قوّضت دعائمه
هوى من سماء المعلوات شهابها ... وخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلّت من الفخر المشيد عروشه ... وفلّت من العزّ المنيع صوارمه
وعطّل من حلي البلاغة قسّها ... وعرّي من جود الأنامل حاتمه «2»
أجل إنه الخطب الذي جلّ وقعه ... وثلّم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلّا فما للنوم طار مطاره ... وما للزيم الحزن قصّت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نوره ... وما لمحيّا الدهر قطّب باسمه
وما لدموع العين فضّت كأنها ... فواقع زهر والجفون كمائمه «3»
قضى الله في قطب الرياسة أن قضى ... فشتّت ذاك الشّمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجّة ... ستنبو عراره «4» ويندقّ قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسيّ «5» طبّه ... وضلّ طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخل ... فلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه
وما نفعت ربّ الجياد كرامه ... ولا منعت منه الغنيّ كرائمه
وكلّ تلاق فالفراق أمامه ... وكلّ طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذ ... إذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك «6» عليّا مستجير بعدله ... يصاخ لشكواه ويمنع ظالمه
ليبك «7» عليّا مائح «8» بحر علمه ... يروّى بأنواع المعارف هائمه
ليبك «9» عليّا مظهر فضل نصحه ... يحلّأ «10» عن ورد المآثم حائمه
(4/126)

ليبك «1» عليّا معتف «2» جود كفّه ... يواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك «3» عليّا ليله وهو قائم ... يكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك «4» عليّا فضل كلّ بلاغة ... يخلّده في صفحة الطّرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه ... ليوث الشّرى في خيسها وضراغمه «5»
تكفّل بالرزق المقدّر للورى ... إذا الله أعطى فهو للناس «6» قاسمه
يسدّده سهما وينضوه صارما ... ويشرعه رمحا فكلّ يلائمه
إذا سال من شقّيه سائل حبره «7» ... بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه الآن «8» من كان باكيا ... فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلّد منه الملك عضب بلاغة ... يقدّ السلوقيّ المضاعف صارمه
وقلّده مثنى الوزارة فاكتفى ... بها ألمعيّ حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقّها ... براعته «9» والمشرفيّ وخاتمه
سخيّ على العافين سهل قياده ... أبيّ على العادين صعب شكائمه
إذا ضلّت الآراء في ليل حادث ... رآها برأي يصدع الحقّ «10» ناجمه
وقام بأمر الملك «11» للدين حاميا ... فذلّ معاديه وضلّ مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتّقى ... به وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوّخ أعناق الليالي بهمّة ... يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعا ... أبى الله إلّا أن تتمّ مكارمه
سقيت الغوادي! أيّ علم وحكمة ... ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زلت «12» يستسقى بدعوتك الحيا ... وها هو يستسقى لقبرك ساجمه
(4/127)

بكت فقدك الكتّاب إذ كان شملهم ... يؤلّفه من روح «1» فضلك ناعمه
وطوّقتهم بالبرّ ثم سقيتهم ... نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع ... توقّد «2» في جنبيه للحزن جاحمه
فتى نال منه الدهر إلّا وفاءه ... فما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرّت عليه جيوبه ... قريح الذي شدّت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنّة ... تعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطرّا وإن عظم الأسى ... أحارب حزني مرّة وأسالمه
وأهديك إذ عزّ اللقاء تحيّة ... وطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد القاضي أبو بكر «3» القرشي قوله في قصيدة في ذلك «4» : [الوافر]
هي الآجال «5» غايتها نفاد ... وفي الغايات تمتاز الجياد
وأنشد الفقيه الكاتب أبو بكر «6» القاسم بن الحكيم قوله من قصيدة:
[الطويل]
لينع الحجا والحلم من كان ناعيا ... ويرع العلا والعلم من كان راعيا
وأنشد الفقيه القاضي أبو بكر «7» بن جزي قصيدة أولها «8» : [الطويل]
أبثّكما والصبر للعهد ناكث ... حديثا أملّته عليّ الحوادث
قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريبا لم يتقدّم به عهد بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلّة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر، فمضى بسبيله، رحمه الله.
(4/128)

علي «1» بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد «2» بن الحسن ابن عثمان «3» بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر ابن كنانة بن قيس بن الحصين بن لوذم «4» بن ثعلب ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن نام بن عبس «5» واسمه زيد بن مالك بن أدد بن زيد العنسي المذحجي «6»
من أهل قلعة يحصب «7» ، غرناطي، قلعي «8» ، سكن تونس، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن سعيد.
أوليته: قد تقرر من كرم أوليته وذكر بيته ما ينظر في محله.
حاله: هذا الرجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرّة قومه، المصنّف الأديب، الرحال، الطّرفة، الإخباري، العجيب الشأن في التجول في الأوطان، ومداخلة الأعيان، والتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية.
مشيخته: أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وأبي الحسن بن عصفور وغيرهم.
(4/129)

تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها المرقصات والمطربات «1» ، عزيز الوجود، والمقتطف أغرب وأعجب، والطالع السعيد في تاريخ بيته وبلده، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما «المغرب في حلى المغرب» ، «والمشرق في حلى المشرق» ، وغير ذلك مما لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، أنه تخلف كتابا يسمى «المرزمة» ، يشتمل على وقر بعير، لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلّا الله.
شعره: قال: تعاطى نظم الشعر في حدّ زمن الشبيبة، يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع والده، وقد مرّ في صحبته إلى إشبيلية، وفي صحبته سهل بن مالك، فجعل سهل يباحثه عن نظمه، إلى أن أنشده في صفة النهر والنسيم يردّده، والغصون تميل عليه «2» : [المنسرح]
كأنما النّهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم ينشئها «3»
لمّا أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها «4»
فطرب أبو الحسن وأثنى عليه، ثم شدا. وناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيرا من نظمه، وحفظ له في المدح: [الكامل]
يا أيها الملك الذي هباته ... وهباته شدّت عرى الإسلام
لمّا أسال نداه سلّ حسامه ... فأراك برقا في متون غمام
لله شيعتك التي ترك العدا ... أقداحهم بمواطئ الأقدام
طاروا بأجنحة السيوف إليهم ... مثل الحمام جلبن كل حمام
فهم سهام والجياد قسيّهم ... وعداهم هدف وسعدك رام
(4/130)

وقال: ومما نظمته بالحضرة في فرس كان لهم لوباني أغرّ أكحل بحلية «1» :
[الطويل]
وأجرد تبري أثرت به الثّرى ... وللفجر «2» في خصر الظلام وشاح
عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح
رحلته المشرقية، وفيها الكثير من نظمه، قال في «الطالع» : لما قدم الديار المصرية واشتهر، كان مما نظمه سلما لمعرفة الأدباء والظرفاء قوله، وقد رأى بساحلها وجوها لا يعرفها، وألسنا غير ما عهد «3» : [الكامل]
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... من «4» بينها وجها لمن أدريه
ويح الغريب توحّشت ألحاظه ... في عالم ليس له بشبيه
عودي على بدئي ضلالا بينهم ... حتى كأني من بقايا التّيه
ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعا في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس، وكان فيهم أبو الحسن الجزّار «5» ، فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن «6» : [السريع]
يا واطئ النرجس بالأرجل ... ما تستحي أن تطأ الأعين بالأرجل؟ «7»
فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته.
فقال ابن أبي الأصبغ «8» : [السريع]
فقال «9» : دعني لم أزل محرجا ... على لحاظ الرّشا «10» الأكحل
(4/131)

وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال «1» : [السريع]
قابل جفونا بجفون ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل
ثم استدعاه سيف الدين بن سابق، صاحب الأشغال السلطانية، إلى مجلس بضفة النيل، مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك «2» :
[السريع]
من فضّل النّرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعدا ... وقام في خدمته النّرجس؟
ووافق ذلك مماليك الترك، وقوفا في الخدمة على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون، من حسود ومنصف. ولقي بمصر محيي الدين بن ندا واقد التركي «3» ، والإمام زهير الحجاري بهاء الدين، وبالقاهرة جمال الدين بن مطروح، وجمال الدين بن يغمور، وتعرف بكمال الدين بن العديم رسول سلطان حلب، فاستصحبه يتحف به الملك الناصر صاحب حلب، فلقي بحمص وبيت المقدس وحماه أعلاما جلّة، وله معهم أخبار يطول ذكرها، ودخل على السلطان «4» بحلب، وأنشده قصيدة أولها «5» : [الكامل]
جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للطّيف الملمّ من الكرى «6»
فقال كمال الدين: هذا رجل عارف «7» مذ روى لمقصده من أول كلمة. ثم قال بعد أبيات:
الناصر الملك الذي عزماته ... أبدا تكون مع العساكر عسكرا
ما كان أنبا الفتح يلزم لامه ... والجمع من أعدائه متكسّرا
(4/132)

فعظم استظراف السلطان لهذه المقاصد، وأثنى عليه. ثم وصل فقال:
الدين أصلحه وعمّ صلاحه الدنيا ... وأصبح ناصرا ومظفّرا
فكأن كنيته غدت موضوعه ... من ربّه والوصف منه مقرّرا
وكأنما الأسماء قد عرضت على ... علياه قبل وجوده متخيّرا
فقال السلطان: كيف ترون؟ واستعاده. فقال عون الدين العجمي عميد المجلس وكاتب الإنشاء: استنباطه ما سمع الملوك بمثله يا خوند. ثم أنشد:
من آل أيوب الذين هم هم ... ورثوا الندى والبأس أكبر أكبرا
أهل الرياسة والسياسة والعلا ... بسيوفهم حلّوا الذّرى منحوا الذّرا «1»
سمّ العداة على حياء فيهم «2» ... لا تعجبوا فكذاك «3» آساد الشّرى
كادوا يقيلون العداة من الرّدى ... لو لم يمدّوا كالحجاب العثيرا
جعلوا خواتم سمرهم من قلب كل ... ل معاند عدّ «4» المثقّف خنصرا
وببيضهم قد توّجوا أعداءهم ... حتى لقد حلّوا لكيما تشكرا
لو لم يخافوا تيه سار «5» نحوهم ... وهبوا الكواكب والصّباح المسفرا
وهي طويلة. ثم استجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصده «6» بالرحلة، فأخبره أنه جمع كتابا في الحلى البلادية والحلى العبادية المختصّة بالمشرق، وأخبره أنه سمّاه «المشرق في حلى المشرق» . وجمع مثله فسمّاه «المغرب في حلى المغرب» . فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما لا»
عندنا، مثل خزائن الموصل وبغداد، وتضيف «8» لنا المغرب. فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعبا: إن شعراءنا ملقّبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلّا لم يعلمه «9» غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك بذلك يا خوند.
(4/133)

فتبسّم السلطان، وقال: اختر واحدة من ثلاث، إمّا الضيافة التي ذكرتها أول شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حقّ الاسم. فقال: يا خوند، المملوك ممّن «1» لا يختنق بعشر لقم، فكيف بثلاث؟ فطرب السلطان، وقال هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدّلاء «2» ، والشهاب التلعفري الشهير الذكر، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربليّ، وطائفة من بني الصاحب.
ثم تحوّل إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم ابن الملك الصالح بدمشق، وحضر بمجلس «3» خلوته. وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها. ثم رحل إلى البصرة، ودخل أرّجان، وحجّ. ثم عاد إلى المغرب. وقد صنّف في رحلته الأولى إليها مجموعا سمّاه ب «النفحة المسكيّة في الرحلة المكية» . وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية «4» من إفريقية في إحدى جمادين من عام اثنين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر «5» فنال الدرجة الرفيعة من حظوته. وقال عند اتصاله به لحين قدومه: [المتقارب]
وما زلت أضرب في الخافقين ... أروم البلاد وأرعى الدول
إلى أن رجعت إلى تونس ... محلّ الإمام وأقصى الأمل
فقلت البلاد لهذي قرى ... وقلت الأنام لهذا خول
نكبته: وحدّثني شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم، أن المستنصر جفاه في آخر عمره، وقد أسنّ لجراء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلاء منه قبل جفوة، أعقبها انتشال وعناية. فكتب إليه: [الرمل]
يا غزالا في الحشا منزله ... وبعيني دائما منهله
(4/134)

لا ترعني «1» بالجفا ثانية ... ما بقي في الجسم ما يحمله
فرق له، وعاد إلى حسن النظر فيه، إلى أن توفي تحت برّ وعناية، رحمه الله.
مولده: ولد بغرناطة ليلة الفطر في سنة عشر وستمائة.
وفاته: توفي بتونس، حرسها الله، في أحواز عام خمسة وثمانين وستمائة «2» .
علي بن عبد الرحمن بن موسى بن جودي القيسي «3»
الأديب الكاتب، يكنى أبا الحسن.
حاله: من أهل المعرفة بالعلوم القديمة، وأصله من عمل سرقسطة. وكان صديقا للوزير أبي الحسن بن هاني.
مشيخته: قرأ على الحكيم أبي بكر بن الصايغ، المعروف بابن باجة «4» . وكان خليع الرّسن فيما ذكر عنه.
شعره: من شعره: [الطويل]
خليليّ من نعمان، بالله عرّجا ... على الأيك من وادي العقيق فسلّما
وقولا له ما حال لبنى لعلّه ... إذا سمع النجوى بلبنى تكلّما
فعهدي به والظلّ ينفضّ دوحه ... وقد خضلت عيدانه فتنعّما
تباكره لبنى لإتيان موعد ... عزيز عليها أن يخان ويصرما
نبثّ حديثها فنبكي بعبرة ... فترسلها ماء ونرسلها دما
(4/135)

ومن شعره قوله «1» : [الوافر]
أدر كأس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك أورقها الصّدوح
وهبّ «2» على الرياض نسيم صبح ... يمرّ كما ونى «3» ساد طليح
وسال النّهر يشكو من حصاه ... جراحات كما أنّ الجريح
وقال: [الطويل]
سقى الله دهرا ضمّ شمل مودّة ... وجمّع إخوان الصفاء بلا وعد
بميناء تعلوها الرياح بليلة ... وتنظر منها الشمس بالأعين الرّمد
وفاته: توفي بغرناطة في حدود الثلاثين وخمسمائة «4» .
ومن الطارئين
عمر بن خلاف بن سليمان بن سلمة
من أهل شابش، يكنى أبا علي.
حاله: كان فقيها أديبا مكثرا، شهير المكان بجهته، مولعا بمكاتبة الأدباء وتقييد ما يصدر عنهم، مؤرّخا من أهل النباهة والعناية. ألّف كتابا سماه «نخبة الأعلاق، ونزهة الأحداق في الأدباء» ، وحلّى من ذكر فما قصّر عن السّداد. وله نظم ونثر وخطب، وبيعات ومراجعات تضمّنها الكثير من كتبه.
فمن شعره ما قاله يخاطب بعض إخوانه: [البسيط]
خذها إليك أبا إسحاق تذكرة ... من ذاكر لك في قرب وفي شحط
يرعى ذمامك، لا تنسى لوازمه ... ولا يمازجه بالسّهو والغلط
ولا يزال بحفظ العهد معتنيا ... ولا يعامل في البحران بالشطط
فأنت عندي أولى من أذمّة ر ... بحي ومن صفوتي في أرفع النّمط
قد طال شوقي للإعلام منك بما ... لديك إذ فيه لي تأنيس مغتبط
وقد تبّت بنكري في التغافل عن ... معهود ما كنت توليه لذي الشّحط
(4/136)

وقد عفا رسم عرفان الإخاء بما ... أوليت من كثرة الإهمال والغلط
اجبر «1» أخي وهيه وارجع لصالح ما ... عوّدت في الكتب من مستحسن الخطط
وجد ببسط انبساط أنت تبذله ... فإنّ أقبح شيء قبض منبسط
وخذ «2» سلاما كعرف المسك نفحته ... من ذي ولاء بذاك المجد مغتبط
وفي مفاتحة بعض الأدباء: [الطويل]
أبا جعفر، وافتك في صفحة الطّرس ... عقيلة ودّ لم تشنها يد اللّمس
لها حلل الإخلاص زيّا وحليها ... عطر ثنا عرف روض الربى ينبس «3»
وموجبها ما قد فشا من محامد ... حباك بها الرحمن ذو العرش والكرسي
وغرّ علوم حزتها ومعارف ... غلوت بها فحي على البدر والشّمس
فإن رزقت منك القبول تشرّفت ... وفازت بتحصيل المسرّة والأنس
خطابك يا قاضي العدالة بغيتي ... وروحي وريحاني وقصوى منى نفسي
اقتضبتها أعلى الله قدرك، كما أسنى في سماء المعارف والأدب التالد والطارف بدرك، عن ودّ ملك زمامي، وفضل في سبيل المنافسة في خطبة ودادك غاية اهتمامي، وقد تقرّر لديّ من محاسنك وإحسانك بالسماع، ما أوجب عليّ مخاطبتك عند تعذّر المشافهة بألسنة اليراع، فانقدت بزمام ذلك الواجب، وقصدت أداءه على أصحّ المذاهب، راجيا من تجاوزك وإغضائك، ما يليق بباهر علائك، وفي جوابك هو الشفاء، ولدى خطابك يلقى الاعتناء والاحتفاء، والله يطلع منك السّار، ويصل لك المبار. وقال يخاطب السلطان: [الطويل]
إلى الحضرة العلياء «4» يستبق العبد ... وفي القرب منها والدّنوّ هو القصد
إلى حضرة الولي الإمارية التي ... تبلّج فيها العدل وابتسم السّعد
وفيها وجود المرء «5» للدين والدّنا ... وقد خصّها بالرحمة الصّمد الفرد
وفاته: كان حيّا في سنة خمس وستمائة.
(4/137)

علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عمر الغساني «1»
من أهل قرية أرينتيرة من قرى سند مدينة وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من جلّة الطلبة ونبهائهم وأذكيائهم وصلحائهم. عنده معرفة بالفقه، ومشاركة في الحديث، ومعرفة بالنحو والأدب، وحسن نظم ونثر، من أحسن الناس نظما للوثائق، وأتقنهم لها، وأعرفهم بنقدها، وأقصدهم لمعانيها، يستعين على ذلك بأدب وكتابة، فيأتي بأشياء عجيبة.
مشيخته: روى عن الراوية أبي العباس الخروبي، والمقرئ أبي الحسن طاهر بن يوسف بن فتح الأنصاري، والقاضي أبي محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
تواليفه: ألّف كتابا في شرح المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج في أسفار كثيرة، أجاد فيها كل الإجادة. وله كتاب سماه ب «الوسيلة في الأسماء الحسنى» . ونظم في شمائل النبيّ، عليه أفضل الصلاة والسلام.
شعره: له شعر في الزهد وغيره، فمنه قوله: [مجزوء الرجز]
أيا كريما لم يضع ... لديك عبد أمّلك
بالباب من أنت له ... وودّ أن لو كان لك
عبد له أسئلة ... وليستحي أن يسألك
أفواههم تسأله ... ولم تحسّن عملك
ألست «2» أنت خنته ... أمانة قد حمّلك؟
ولم تكن تشكر ما ... من فضله قد خوّلك؟
وكلّما أهملته ... من حقّه ما أهملك
إنّا كما قالوا سوى ... أنك أعلى من ملك
تلك التي تؤنسني ... وترتجي من فضّلك «3»
بشراي إن نال الرّضا ... بها فقد «4» توسّلك
(4/138)

علي بن محمد بن «1» علي بن هيضم الرّعيني
من أهل إشبيلية، يكنى أبا الحسن.
حاله: الكاتب البليغ المحدّث الراوية. قال الأستاذ: كان من أهل العلم والمشاركة، وغلبت عليه الكتابة السلطانية واعتمدها صناعة. وكتب لجلّة من ملوك الأندلس والعدوة. وكان انفصاله من الأندلس قبل سنة أربعين وستمائة.
قلت: وكتب للسلطان المتوكل على الله أبي عبد الله بن هود «2» ، ثم للسلطان المتوكل الغالب بالله أبي عبد الله بن نصر «3» . وسكن بغرناطة مدة مديدة. ثم رحل إلى مراكش، فكتب عن أمير سبتة، وعن ملوك الموحدين بمراكش. ونمت حاله ونبهت رتبته، واستقلّ بالإنشاء بعد شيخه أبي زيد الفازازي، وكان محدّثا عارفا بالرواية، متعدد المشيخة، فاضلا، ديّنا، مشاركا في كثير من المعارف، حسن الخط، جيد الكتابة، متوسط الشعر. قلت: هذا الرجل له مشيخة في أصل ابن الخطيب، طويلة اختصرتها.
شعره ونثره: من ذلك ما جمع فيه بين النظم والنثر: [الكامل]
وافى الكتاب وقد تقلّد جيده ... ما أنت تحسن نظمه وتجيده
من كلّ معنى ضمن لفظه في حلى ... خطّ يزيل طلى الطرّوس فريده
أبا المطرّف، دعوة من خالص ... لعلاك غابت ودّه وشهيده
أنت الوحيد بلاغة وبراعة ... ولك البيان طريفه وتليده
فانثر فأنت «4» بديعه وعماده ... وانظم فأنت «5» حبيبه ووليده
إيه، أيها السيد الذي جلّت سيادته، وحلّت صميم الفؤاد سعادته، ودامت بها ينفع الناس عادته. ألقى إلى كتاب كريم خطّته تلك اليمنى التي اليمن فيها تخطّه، ونسّقت جواهر بيانه التي راق بها سمطه، فلا تسلوا عن ابتهاجي بأعاجيبه، وانتهاجي لأساليبه، وشدّة كلفي بالتماح وسيمه، وجدّة شغفي باسترواح نسيمه. فإنه قدم وأنس
(4/139)

النّفس راحل، واستعاده وروض الفكر ماحل، فجاده لا جرم أنه بما حوى من حدق النّوى، وروى من طرق الهوى، وبكى الربيع المحيل، وشكى من صابح الرّحيل، هيّج لواعج الأشواق وأثارها، وحرّك للنفس حوارها، فحنّت، واستوهبت العين مدارها فما ضنّت. فجاشت لوعة أسكنت، وتلاشت سلوة عنت، وكفّ دمع كفّ، وثقل عذل حفّ، واشتدّ الحنين، وامتدّ الأنين، وعلا النحيب، وعرا الوجيب، والتقى الصّبّ والحين، وهدى المحب قدر ما جناه البين، وطالما أعمل في احتمال المشاق عزيمه، وشدّ لاجتياب الآفاق حيازيمه: [المنسرح]
وادع مثوى المقام معتزما ... فلا «1» يرى للغرام ملتزما
وأزمع البين «2» عن أحبّته ... والبين عن داره التي رئما
وما درى أنه بعزمته ... قد «3» أشعل البين في الحشا ضرما
وهل جرى ذاك في تصوّره؟ ... فربما أحدث الهوى لمما
إلهي، ألا نوى مشيئته «4» ... شملا من العيش كان منتظما؟
وعاذل قال لي يعنّتني ... لا تبد فيما فعلته ندما
ما حيلة في يدي فأعملها ... عدل من الله كلّ ما حكما
أما أنّ القلب لو فهم حقيقة البين قبل وقوعه، وعلم قدر ما يشبّ من الرّوع في روعه، لبالغ في اجتنابه، واعتقد المعفي عنه من قبيل المعتنى به، ولحا الله الأطماع، فإنها تستدرج المرء وتغرّه، وتغريه بما يسرّه، ما زالت تقتل في الغارب والذّروة، وتخيل بالترغيب والثّروة، حتى أنأت عن الأحباب والحبايب، ورمت بالغريب أقصى المغارب. فيا لوحشة ألوت بإيناسه، وبالغربة أحلّت في غير وطنه وناسه، ويا عجبا للأيام وإساءتها، وقرب مسرّتها عن مساءتها، كأنها لم تتحف بوصال، ولم تسعف باتصال، ولم تمتّع بشباب، ولم تفتح لقضاء أوطار النفس كل باب: [الخفيف]
عجبا للزمان عقّ وعاقا ... وعدمنا مسرّة ووفاقا
أين أيامه وأين ليال ... كلآل تلألؤأ واتّساقا؟
كم نعمنا بظلّها فكأنّا ... مرقها للصّبا علينا رماقا
(4/140)

كم بغرناطة وحمص وصلنا ... باصطباح من السرور اغتباقا
في «1» ربى نجد تلك أو نهر هدي ... والأماني تجري إلينا استباقا
في رياض راقت وراق ولكن ... حين ندّ الحيا لها فأراقا
رقّ فيها النسيم فهو نسيب ... قد سبا رقّة نفوسا رفاقا
وثنا للغصون منها قدودا ... تتلاقى تصافحا واعتناقا
كلّما هبّ من صباه عليل ... وتداوى بها العليل أفاقا
حكم السّعد للأحبة فيه ... بكؤوس الوصال أن تنساقا
ثم كرّت للدهر عادة سوء ... شقّ فيها خطب النوى حين شاقا
شتّت الشمل بعد طول اجتماع ... وسقى للفراق «2» كأسا دهاقا
وأعاد الأوطان قفرا ولكن ... قد أعاد القطان فيها الرفاقا
ليت شعري والعيش تطويه بالفي ... فى «3» ، أشاما تبوءوا أم عراقا؟
يا حداة القلوب، رفقا بصبّ ... بلغت نفسه السياق اشتياقا
آه «4» من شجوة وآه لبين ... ألزم النّفس لوعة واحتراقا
هذه، يا سيدي، استراحة من فؤاد وقدته الفرقة والقطيعة، واستباحته لحمى الوقار بما لم تحظره الشريعة، فقديما تشوكيت الأحزان، وتبوكيت الأوطان، وحنّ المشتاق، وكنّ له من الوجد ما لا يطاق، فاستوقف الركب يشكو البلابل، واستوكف السحب لسقيا المنازل، وفدى الرّبع وإن زاده كربا، ومن له إن يلم لائما له تربا.
حسبه دموع تفيض مجاريها، ونجوم يسامرها ويسايرها: [الكامل]
ألف السهاد فشأنه إدمانه ... واستغرقت أحيانه أشجانه
وشكا جفاء «5» الطّيف إذ لم يأته ... هل ممكن من لم ينم إتيانه؟
واستعبدته صبابة وكذا الهوى ... في حكمه «6» أحراره عبدانه
كم رام كتمان المحبة جهده ... ودموعه يبدو بها كتمانه
(4/141)

وإذا المحبّ طوى حديث غرامه ... كبا الضلوع وشت به أجفانه
وهي طويلة.
وفاته: بمراكش سحر ليلة الأربعاء الرابعة والعشرين من رمضان سنة ست «1» وستين وستمائة. ودفن عقب ظهره بجبانة الشيوخ مقاربا باب السادة أحد أبواب قصر مراكش. وكان الحفل في جنازته عظيما، لم يتخلّف كبير أحد.
علي بن محمد بن علي بن البنا «2»
من أهل وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: من «الإكليل الزاهر» ، قال فيه «3» : فاضل يروقك وقاره، وصقر بعد مطاره. قدم من بلده وادي آش «4» يروم اللحاق بكتّاب الإنشاء، وتوسل بنظم أنيق، وأدب «5» في نسب الإجادة عريق، تعرب براعته عن لسان ذليق، وطبع طليق، وذكاء بالأثرة خليق، وبيننا هو يلحم في ذلك الغرض ويسدي، ويعيد ويبدي، وقد كادت وسائله أن تنجح، وليلة «6» رجائه أن تصبح، اغتاله الحمام، وخانته الأيام، والبقاء لله والدّوام.
شعره: من شعره يخاطبني لما تقلدت الكتابة العليا «7» : [البسيط]
هو العلاء «8» جرى باليمن طائره ... فكان منك على الآمال ناصره
ولو جرى بك ممتدّا إلى أمل «9» ... لأعجز الشمس ما أمّت «10» عساكره
لقد حباه منيع العزّ خالقه ... بفاضل منك لا تحصى مآثره
فليزه فخرا فما خلق يعارضه ... ولا علاء «11» مدى الدنيا يفاخره
لله أوصافك الحسنى لقد عجزت ... من كلّ ذي لسن عنها خواطره
هيهات ليس عجيبا عجز ذي لسن ... عن وصف بحر رمى بالدّرّ زاخره
(4/142)

هل أنت إلّا الخطيب ابن الخطيب ومن ... زانت حلى الدين والدنيا مفاخره
فإن يقصّر عن الأوصاف ذو أدب ... فما بدا منك في التقصير عاذره
يا ابن الكرام الألى ما شبّ طفلهم ... إلّا وللمجد قد شدّت مآزره
مهلا عليك فما العلياء قافية ... ولا العلاء «1» بسجع أنت ناثره
ولا المكارم طرسا أنت راقمه ... ولا المناقب طبّا أنت ماهره
ماذا على سابق يسري على سنن ... إن كان من نفعه «2» خلّ يسايره
سر حيث شئت من العلياء متّئدا «3» ... فما أمامك سابق «4» تحاذره
أنت الإمام لأهل الفخر إن فخروا ... أنت الجواد الذي عزّت مفاخره «5»
ما بعد ما حزته من عزّة وعلا ... شأو يطارد فيه المجد كابره
نادت بك الدولة النّصريّ «6» محتدها ... نداء مستنجد «7» أزرا يوازره
حلّيتها برداء البرّ مرتديا ... وصبح يمنك فجر السّعد سافره «8»
فالملك يرفل في أبراده مرحا ... قد عمّت الأرض إشراقا بشائره
فاهنأ «9» بها نعمة ما أن يقوم لها «10» ... من اللسان ببعض الحقّ شاكره
وليهننا أنه «11» ألقت مقالدها ... إلى سريّ «12» زكت منه عناصره
فإنه بدر تمّ في مطالعها ... قد طبّق الأرض بالأنوار نائره
ومن أطبع ما هزّ به إلى إقامة سوقه، ورعي حقوقه، قوله «13» : [البسيط]
يا معدن الفضل موروثا ومكتسبا ... فكل «14» مجد إلى عليائها «15» انتسبا
(4/143)

بباب مجدكم الأسمى أخو أدب ... مستصرخ بكم يستنجد الأدبا
ذلّ الزمان له طورا فبلّغه ... من بعض آماله بعض «1» الذي طلبا
والآن أركبه من كلّ نائبة «2» ... صعب الأعنّة لا يألو به نصبا
فحمّلته دواعي حبّكم وكفى ... بذاك شافع صدق يبلّغ الأربا
فهل سرى نسمة من جاهكم فيها «3» ... خليفة الله فينا يمطر الذّهبا
وأهدى إليّ قباقب خشب برسمي ومعها من جنسها صغار للأولاد من مدينة وادي آش من خشب الجوز، وكتب لي معها «4» : [الخفيف]
هاكها ضمّرا مطايا حسانا ... نشأت في الرياض قضبا لدانا
وثوت بين روضة وغدير ... مرضعات من النّمير لبانا «5»
ثم لمّا أراد إكرامها الله ... وسنّى لها المنى والأمانا
قصدت بابك العليّ ابتدارا ... ورجت في قبولك الإحسانا «6»
قد قبلنا جيادك الدّهم لمّا ... أن بلونا منها العتاق الحسانا
أقبلت خلف كلّ حجر ببيع «7» ... خلعت وصفها عليه عيانا
فقبلنا «8» برعيها وفسحنا ... في ديار «9» العلى لها ميدانا
وأردنا امتطاءها «10» فاتّخذنا «11» ... من شراك الأديم فيها عنانا
قدمت قبلها كتيبة سحر ... من كتاب سبت به الأذهانا
مثلما تجنب الجيوش المذاكي «12» ... عدّة للقاء مهما كانا
(4/144)

لم ترق مقلتي ولا رقّ قلبي ... كحلاها براعة وبيانا «1»
من يكن مهديا فمثلك يهدي ... لم أجد للثّنا عليك لسانا
وفاته: توفي في الرابع لشعبان من عام «2» خمسين وسبعمائة معتبطا في الطاعون، لم يبلغ الثلاثين.
علي بن محمد بن علي العبدري
سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن ويعرف بالورّاد، ويشهر أبوه باليربوني.
حاله: بقية مسنّي أدباء الأندلس في فن الهزل والمعرب، والهزل متولي شهرته، وله القدح المعلّى فيه، والطريقة المثلى، ظريف المأخذ، نبيل الأغراض، حافظ للعيون، مال بآخرة إلى النّسك وصحبة الصالحين. ولم يزل بحاله الموصوفة إلى أن استولت عليه الكبرة، وظرفه يتألّق خلال النسك. وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه: أديب، نار ذكائه كأنه يتوقّد، وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد. أمّا الهزل فطريقته المثلى، التي ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلّى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، وألمّ بالربيع وفصله، والحبيب ووصله، والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شقّ الجيوب طربا، وعلّ النفوس إربا وضربا. وإن أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعدّاها إلى وصف الصّبوح، وأجهز على الرق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، يرفلن في الحلل الزّرق، وقد اشتعلت الليل نار البرق، وطلعت بنور الصباح في شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كأسه وعقاره، بلسان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفّق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيده صانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويسار.
وقد أثبتّ من شعره المعرب، وإن كان لا يتعاطاه إلّا قليلا، ولا يجاوره إلّا تعليلا، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبّة طيب ينمّ في نفحاتها.
فمن ذلك قوله: [الطويل]
يذكّرني حسن الكواعب روضة ... لها خطر قيد النّواظر مونق
(4/145)

خدود من الورد النضير وأعين ... من النّرجس السامي إليها تحدّق
وخامات زرع يانع كذؤاب ... وما شقّها من جدول الماء مفرّق
ومن شعره قوله: [الوافر]
أسافرة النقاب، سحرت لمّا ... أمطت الخزّ عن بدر التمام
وتيّمت الفؤاد بغنج طرف ... كحيل ما يفيق من المنام
لعمر أبيك ما بالنوم بعد ... عن الجفن المكحّل بالظلام
ومن معانيه المخترعة وأغراضه المبتدعة، وكلها كذلك: [البسيط]
ما لي إذا غبتم تهمي لفرقتكم ... عيني بمنهمر كالغيث هتّان
أشبهت نيلوفرا والشمس بهجتكم ... إن غبتم غبت في أمواه أجفان
السّقم يشهد لي والدّمع برّح بي ... متى استوى عندكم سرّ وإعلان؟
وقال من المستحسن الذي رمى فأصاب، واستمطر طبعه فصاب: [الطويل]
يقولون: لاح الشيب فاله عن الصّبا ... وعن قهوة تصبو لها وتنيب
فقلت: دعوني نصطحبها سلافة ... على صبح شيبي فالصّبح عجيب
وقال كذلك: [الكامل]
لا تعجبنّ من البليد مخولا ... ومن اللبيب يعدّ في الفقراء
الماء أصل الخصب غير مدافع ... وأخو البلادة طبعه كالماء
والنار مؤثرة الجدوب وإنها ... لشبيهة بطبائع الفطناء
ومن قصائده الغريبة: [الكامل]
ومعذّر لحظ المشيب بعارضي ... فتصرّمت دوني حبال وصاله
هلّا ثنته نسبة لمحبّه؟ ... إنّ العذار لشيبة لجماله
وقال أيضا: [الوافر]
تحرّ الصّدق إن حدّثت يوما ... وإن حدّثت لا تنقل حديثا
وكن للسّرّ صوّانا كتوما ... وربما كان سرّك أو حديثا
وقال مما يكتب في غمد سيف: [الطويل]
لئن راق منّي منظر بان حسنه ... لقد سامني بالمهنّد باطن
كأنّ أديمي رقعة من حديقة ... تلقّفها صلّ لدى الروض كامن
(4/146)

وقال مما يكتب على قوس: [البسيط]
إن كان من وتر الألحان منبعثا ... سرور قوم مدى الآصال والبكر
فإنّ حزن العدا ما نال منبعثا ... منّي وحينهم في النّقر في وتر
وقال في غير هذا الغرض: [السريع]
الخير كلّ الخير في ستّة ... لم تلف إلّا في كرام الرجال
الحزم والحلم وحمل الأذى ... والصبر والصّمت وصدق المقال
ومما نختتم به محاسنه قوله: [الطويل]
ألا إنّ باب الله ليس بمغلق ... ولا دونه من مانع لموفّق
ولكن بلينا في سلوك طريقه ... بكلب من الشيطان ليس بمطرق
فمن يرم بالدنيا إليه كلقمة ... فذاك الذي من شرّه ليس يتّقي
فخلّ عن الدنيا ودع عنك حبّها ... يدعك إلى أوج السعادة ترتقي
وقوله: [البسيط]
أيقنت أنّ جميع الخلق ليس له ... شيء من الأمر في شيء فيصنعه
فلا أخاف ولا أرجو مدى عمري ... إلّا الذي في يديه الخلق أجمعه
مولده: بمدينة مالقة في اليوم الثالث والعشرين لذي حجة من عام أحد وثمانين وستمائة.
وفاته: في أحواز أحد وستين وسبعمائة.
علي بن عبد العزيز ابن الإمام الأنصاري
يكنى أبا الحسن، سرقسطي الأصل، غرناطي الاستيطان والاستعمال.
حاله: كان وزيرا جليلا، معظّم القدر، مبجلا أثيرا، ذا معارف جمة، أحد كتاب الزمن، وأهل البلاغة والفصاحة والكرم. وزر للأمير أبي الطاهر تميم بن يوسف بن تاشفين، صاحب غرناطة، فحمدت وزارته، وكتب للأمير علي بن يوسف.
وروى عن شيوخ غرناطة.
أخباره في الجود والجلالة:
قال أبو القاسم: شكى إليه بعض إخوانه من حادث طرقه، وأن النّفاق أخرجه من بلده، وحال بينه وبين بلده، فأنزله أكرم منزل، وخرج إلى المسجد الجامع،
(4/147)

وأشهد على نفسه أنه وهبه الربع من أملاكه، وكتب بذلك عقدا ودفعه إليه، وقال: يا أخي، إن ذلك سيصلح من حالك، وحالي لا يتسع لأكثر من هذا، فاعذر أخاك.
وكان الذي وهبه يساوي فوق الألف دنير مرابطية، فرحم الله الوزير أبا الحسن؛ فلقد كان نادرة الزمن.
شعره: من ذلك قوله: [الكامل]
يا ليت شعري والأماني كلّها ... زور يغرّك أو سراب يلمع
في كل يوم منزل لأحبّة ... كالظلّ يلبس للمقيل «1» ويخلع
ومن ذلك قوله: [الوافر]
تسمّوا بالمعارف والمعالي ... فليس المجد بالرحم البوال
وإن فاتا فبالبيض المواضي ... وبالسّمر المثقّفة العوالي
وإنّ المرء تنهضه هذه «2» ... فليس بناهض أخرى الليالي
ومن أسمته أسباب سواها ... فرفعتها تؤول إلى سفال
ومن المحدّثين والفقهاء والطلبة النجباء
علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم الجذامي «3»
القاضي المتفنن الحافظ، من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: من الصّلة: كان عدلا فاضلا جليلا، ضابطا لما رواه، فقيها حافظا، حسن التقييد.
تواليفه: قال: اختصر كتاب «الاستذكار» لأبي عمر بن عبد البر، وغير ذلك.
مشيخته: روى «4» عن أبي محمد عبد الحق بن بونة، والقاضي أبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي زيد السّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الوليد بن رشد.
(4/148)

مولده: ضحوة يوم الأضحى من عام خمسة وخمسين وخمسمائة «1» .
وفاته: وتوفي قريب الظهر من يوم الأربعاء التاسع عشر لذي حجة من عام اثنين وثلاثين وستمائة.
من روى عنه: روى عنه القاضي أبو علي بن أبي الأحوص «2» .
علي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الضحاك الفزاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن النّفزي.
حاله: قال أبو القاسم الغافقي: فقيه مشاور بغرناطة، محدّث متكلّم.
مشيخته: أخذ عن أبي الحسن شريح، وعن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن الباذش، وعن أبي القاسم بن ورد، وعن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى، وعن الإمام أبي عبد الله المازري، وعن أبي الطاهر السّلفي، وعن أبي مروان بن مسرّة، وأبي محمد بن سماك القاضي، وعلي بن عبد الرحمن بن سمحون القاضي، والقاضي أبي محمد بن عطية، والمشاور أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد، والقاضي أبي القاسم بن أبي جمرة، وجماعة يطول ذكرهم.
تواليفه: وله تواليف في أنواع من العلم، منها كتاب «نزهة الأصفياء، وسلوة الأولياء، في فضل الصلاة على خاتم الرسل وصفوة الأنبياء» اثنا عشر جزءا، وكتاب «زواهر الأنوار، وبواهر ذوي البصائر والاستبصار، في شمائل النبيّ المختار» سفران كبيران، وكتاب «منهج السداد، في شرح الإرشاد» ثلاثون جزءا، وكتاب «مدارك الحقائق في أصول الفقه» خمسة عشر جزءا، وكتاب «تحقيق القصد السّني، في معرفة الصمد العلي» سفر، وكتاب «نتائج الأفكار، في إيضاح ما يتعلق بمسألة الأقوال من الغوامض والأسرار» سفر، وكتاب «تنبيه المتعلمين على المقدمات والفصول، وشرح المهمات منها والأصول» سفر، وكتاب «السّباعيات» ، وكتاب «تبيين مسالك العلماء، في مدارك الأسماء» ، وكتاب «رسائل الأبرار، وذخائر أهل الحظوة والإيثار، في انتخاب الأدعية المستخرجة من الأخبار والآثار» سفران اثنان، وكتاب «الإعلام، في استيعاب الرواية عن الأئمة الأعلام» سفران.
(4/149)

وفاته: توفي في الكائنة بغرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة. خرج منها يريد وادي آش، فلم يصل إليها، وفقد فلم يوقع له على خبر.
علي بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن زكريا.
أوّليّته: قد مرّ في ذكر أبيه وعمّه.
حاله: هذا الرجل فاضل، سكون، من أهل السذاجة والسلامة والعفاف والصيانة، معمّ مخول في الخير، طاهر النشأة، جانح للعدالة. قعد للعلاج، وبرز في صناعة الطب على فتا من سنّه، واستيم إليه بمهم من نبيه العمل وخطّته، متصف بالإجادة والبيان.
مشيخته: قرأ العربية والفقه وغيرهما من المبادىء على مشيخة وقته، والطب على الوزير أبي يزيد خالد بن خالد من أهل غرناطة، وقعد معه.
شعره: ينتحل من الشعر ما عينه في الشّرود أو غير ذلك فراره، كقوله:
[الرمل]
صعّدت نار فؤادي أدمعي ... فلذا ما جفّ قلبي فانفطر
لو أباح الله لي وصل إلى «1» ... صدع للقلب مني وانجبر
أصل دائي منك لحظ فاتر ... وأشدّ اللّحظ منه «2» ما فتر
كيف أرجو منه برءا وغدت ... قهوة للحسن «3» تسقيه درر؟
فانظر قوله الأنبل من شعره: [الطويل]
ولي همّة من دونها كلّ همّة ... أموت بها عطشان أو يخلص الشّرب
يعزّ على الكريم ورود ماء ... يكدّره شوب ويطرقه نهب
وإني وإن أضحى لودّك موضع ... من القلب أضحى دون موضعه الخلب
فتمنعني نفسي لأيمان أروا ... حهم لا «4» على شرب يؤنّقه قشب
(4/150)

غفر الله له على قشب، وتجاوز عنه، فلقد دفع منه فضحها.
وهو بحاله الموصوفة.
ومن الطارئين والغرباء
علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخشني
من أهل مالقة، من قرية يعشيش من عمل ملتماس، من شرقيها، يكنى أبا الحسن. ودخل غرناطة ومدح أمراءها، وتردّد إليها.
حاله: من «عائد الصلة» : من صدور أهل الدين والفضل، والخير والصلاح والنزاهة، والاقتصاد والانقباض، تحرّف بصناعة التّوثيق بمالقة، جاريا على شاكلة مثله من الاقتصاد، والتبلّغ باليسير، ومصابرة الحاجة، مكبّا على المطالعة والنظر، مجانبا للناس، بعيدا عن الرّيب، مؤثرا للزهد في الدنيا. ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم من قصبة مالقة في عام وفاته.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الصالح الخطيب أبي جعفر بن الزيات، والأستاذ المقرئ رحلة الوقت أبي عبد الله بن الكمّاد.
شعره: وشعره آخذ بطرف من الإجادة في بعض المقاصد، فمن ذلك قوله:
[الوافر]
أرى لك في الهوى نظرا مريبا ... كأنّ عليك عذلا «1» أو رقيبا
ولست بخائف في الحب شيئا ... على نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسي ... قبيحا مالئا عيني عنيبا
أنا منه ابن قيس لا يراح ... فذق مرّ التأسف مستطيبا
إذا ما كنت تبكي فقد حبّ ... فما مثل الشباب به حبيبا
وقال في مذهب المدح من المطولات: [الكامل]
الآن تطلب ودّها ووصالها ... من بعد ما شغلت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيماء «2» الصّبا ... حالا يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت عذّالها
(4/151)

بيض تخيّل للنفوس نصولها ... سمرا تخوّل للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشا ... وأرى بفودك جثما أطالها
نار تضرّم في الفؤاد حريقها ... لكن تنير بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي ما ... زالت تهوّن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... همّا فلا «1» يهدي العليم ضلالها
صادمت من كرب الدّنا أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إقلالها
ولئن تقلّص عسرتي فيء الغنا ... عنّي فلي نفس تمدّ ظلالها
ما مزّقت ديباجتي غير امرئ ... عرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير هبّ صرفها ... والأسد غير مجنّب أغيالها
أمشي الهوينا والعداة تمرّ بي ... مرّا يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محقّقا ... وتسيء فيّ على عم «2» أقوالها
تبغي انثناء، هل «3» سمعت بنسمة ... مرّت على نجد تهزّ جبالها؟
ولربما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصباح بهاءها ... والبدر في ليل التمام كمالها
تهوي المجرّة أن تكون نجومها ... من حليها وهلالها خلخالها
عرضت كما مرّت بعينك مطفل ... ترعى بناظرك الكحيل غرامها
ما نهنهت نفسي وإن ضمنت لها ... عبراتها يوم الوداع وصالها
من كان يأمل أن يقوم بمجلس ... حطّت به شهب السما أثقالها
محا أحاديث السّرى «4» أولي النّها ... نصّا ويضري في العلى أمثالها
ألقى هواه جانبا وسرى به ... وجنا تدوّي في الدجى إعمالها
ومنها في المدح:
ألبست دين الله حلّة أمن ... أضفت على إسرائه زلزالها «5»
أنتم بني نصر نصرتم ملّة ال ... إسلام حين شكت لكم عذّالها
كنتم لها أهلا ورحّبتم بها ... في الغربتين ومنتم إنزالها
(4/152)

نزلت على سعد ليسعد جدّها ... وأوت إلى نصر لينصر آلها
أحرزتم يوم السّقيفة عودها ... دون الأنام وقودها وسكالها
لكن حبوتم من أجرتم منّة ... بخلافة الله التي يعنى لها
إذ تؤثرون سواكم قالت بذا ... آي الكتاب، فمن يردّ مقالها؟
حتى إذا عثرت ولم ينهض بها ... إلّاكم بادرتم إنشالها
آويتم خير البريّة كلّها ... ومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشّرف الرفيع وضيعها ... وكسا معصفرة الحجا جهّالها
من أمّ في السّبع العلى أملاكها ... جبريلها في الغرب أو ميكالها
من أنقذ الغرقى وقد شمل الرّدى ... هذا الأنام خيارها وحثالها
من فاضت الخيرات من تلقائه ... كالصّبح فاض على الدّجى فأزالها
من فجّر العين الفرات بكفّه ... يرو الورى ورد القطا سلسالها
من لا يقاسي «1» بالرياح إذا سرت ... نشرا تقلّ من السحاب ثقالها
معنى وجود الكون علّة كونه ... نفس الحياة منفّسا أهوالها
دامت صلاة الله ديمة عارض ... يهمي عليه ندى الدّنا هطّالها
لمّا تحقّقت النبوّة أنها ... قد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعست عن منعها أعمامها ... أمّت أئمّة نصرها أحوالها
فوثبتم مثل الليوث لنصرها ... والحرب تجنب خلفها أشبالها
وأدرتم منها زبونا أصبحت ... ترمي رؤوس الملحدين ثقالها
بدر وما بدر وردّم قلبها ... بجنادل الطاغوت تملأ جالها
ولكم بأوطاس وقد حمي الوطي ... س على العدا يوم أطاح بحالها
فنزعتم أزواجها وسبيتم ... أولادها وسلبتم أموالها
وذهبتم بالمصطفى لدياركم ... وحيا سواكم ساقها وجمالها
فزتم به فوز المعلّى منحة ... أحرزتم دون الأنام منالها
يا أيها الملك الذي من ملكه ... جنت الملوك جمالها وجلالها
ما زال حزبك منهم يعلو على ... مرّ الدهور ويعتلي أجبالها
حتى حللت من المجادة ذروة ... ما حلّ غيرك في المجادة حالها
تحمي الهدى تهمي النّدى تولي الجدا ... وتقي الردى وتري العدا أوجالها
(4/153)

قعدت شريعته بيمنك ليس من ... كدر يشين على العباد زلالها
يا سيّد السادات، يا ملك الملو ... ك وشمسها وصباحها وهلالها
يا بدرها، يا بحرها، أو غيثها ... أو ليثها أو حسنها وجمالها
خذها كما دارت بكأس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها
تثني على السّحر المبين وشاحها ... وتدير من خمر الفتور جلالها
لمياء تبرز للعيون كشاطر ... والعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو إحسانها من هاشم ... من سبط خير العالمين حيالها
يرجو رضاك وطالما أرضيتم ... آل النبيّ وكنتم أرسالها
كم من يد بيضا لدينا منكم ... شكرا «1» له وأولياه فعالها
آويتم، واسيتم، واليتم، ... أحللتمونا داركم وجلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءنا ... ووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا حياءنا «2» ما استطعتم وصله ... تعطوا من اجزاء «3» الجزاء جزالها
وله تأليف غريب عكف عليه عمره في فضل مكّة، وكأنه يروم برهانا على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مخير في نسبه إلى العرفان أو الهذيان.
وفاته: توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعمائة.
علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن مروان بن عمر الغساني
من أهل وادي آش، وروى وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان فقيها حافظا، يقظا، حسن النظر، أديبا، شاعرا مجيدا، كاتبا بليغا، فاضلا.
مشيخته: روى عن أبي إسحاق بن عبد الرحيم القيسي، وأبي الحسن طاهر بن يوسف، وأبي العباس الخرّوبي، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس الغرناطي، ومحمد بن علي بن مسرّة.
(4/154)

وروى عنه أبو بكر بن عبد النور، وأبو جعفر بن الدلال، وأبو عبد الله بن أحمد المذحجي، وأبو سعيد الطّراز، وابن يوسف، وابن طارق، وأبو علي الحسن بن سمعان، وأبو القاسم بن الطّيلسان.
تواليفه: صنّف في شرح «الموطأ» مصنّفا سمّاه «نهج المسالك، للتفقه في مذهب مالك» في عشرة مجلدات. وشرح صحيح مسلم وسمّاه «اقتباس السراج، في شرح مسلم بن الحجاج» . وشرح تفريع ابن الجلاب وسمّاه «الترصيع، في شرح مسائل التفريع» . وصنّف في الآداب منظوماته ورسائله، وهي شهيرة، شاهدة بتبريزه وتقدّمه. وله نظم شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسالة بديعة تشتمل على نظم ونثر، بعث بها إلى القبر الشريف. وله كتاب «الوسيلة إلى إصابة المعنى، في أسماء الله الحسنى» .
شعره: من شعره في «الوسيلة» ، وقد ضمّن كل قطعة أو قصيدة اسما من أسماء الله تعالى، فمنها قوله في اسم الله سبحانه: [الطويل]
قل الله نستفتح من اسمائه الحسنى ... بأعظمها لفظا وأعظمها معنى
هو الله فادع الله بالله تقترب ... لأقرب قربى من وريدك أو أدنى
وآمله مضطرّا وقف عند بابه ... وقوف عزيز لا يصدّ ولا يثنى
بباب إله أوسع الخلق رحمة ... فلله ما أولى أبرّ وما أحنى
وقدّم من الإخلاص ثم وسيلة ... تنل رتبة العلياء «1» والمقصد الأسنى
أمولاي، هل للخلق غيرك مفضل ... يصرّح عن ذكراه في اللفظ أو يكنى؟
ببابك مضطر شكا منك فقره ... لأكرم من أغنى فقيرا ومن أقنى
وللفضل والمعروف منك عوائد ... لها الحمد ما أدنى قطوفا وما أهنى
فمنها لك الإنعام دأبا خوالدا ... تفاني بها الأيام طرّا ولا يفنى
وفاته: توفي شهيدا في ربيع الآخر سنة تسع وستمائة.
علي بن صالح بن أبي الليث الأسعد بن الفرج بن يوسف «2»
طرطوشي، سكن دانية، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن عزّ الناس «3» .
(4/155)

حاله: كان «1» عالما بالفقه، حافظا لمسائله، متقدّما في علم الأصول، ثاقب الذهن، ذكي الفؤاد، بارع الاستنباط، مسدّد النظر، متوقّد الخاطر، فصيح العبارة، ذا حظّ من قرض الشعر «2» .
من روى عنه: روى «3» عنه أبو بكر أسامة بن سليمان، وسليمان بن محمد بن خلف، ويحيى بن عمر بن الفصيح.
دخوله غرناطة: قالوا «4» : واستخلصه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية «5» أيام إمارته ببلنسية لمشهور معرفته ونباهته، ثم سار معه إلى قرطبة «6» ، ولازمه إلى أن توفي أبو زكريا بن غانية بغرناطة سنة ثلاث وأربعين، فانتقل إلى شرق الأندلس، واستقرّ بدانية.
تواليفه: وله «7» مصنّفات منها «كتاب العزلة» ، ومنها «شرح معاني التحيّة» .
ولد بطرطوشة سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي بدانية؛ قتل مظلوما بإذن ابن سعد الأمير في رمضان «8» سنة ست وستين وخمسمائة.
علي بن أبي جلّا المكناسي «9»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان «10» شيخا ذكيا، طيب النفس، مليح الحديث، حافظا للمسائل الفقهية، عارفا لها، قائما على كتاب المدوّنة، تفقّه بالشيخ أبي يوسف الجزولي،
(4/156)

وعليه اجتهد في مسائل الكتاب. وكان مضطلعا بمشكلاته، حسن المذاكرة، مليح المجلس أنيسه، كثير الحكايات، إلّا أنه كان يحكي غرائب شاهدها تملّحا وأنسا، فينمّقها عليه الطلبة «1» ، وربما تعدّوا ذلك إلى الافتعال على وجه المزاح والمداعبة، حتى لجمعوا «2» من ذلك كثيرا في جزء سموه ب «السّلك «3» المحلّى، في أخبار ابن أبي جلّا» . فمن ذلك ما زعموا أنه حدّث بأنه كانت له هرّة، فدخل البيت يوما، فوجدها قد بلّت أحد «4» كفّيها، وجعلته في الدقيق حتى علق به، ونصبته بإزاء كوّة فأر في الجدار، ورفعت اليد الأخرى لصيده، فناداها باسمها، فردّت «5» رأسها، وجعلت إصبعها في «6» فمها على هيئة المشير بالصمت. وأشباه ذلك كثير.
وفاته: في حدود ستة «7» وأربعين وسبعمائة.
علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن علي ابن سمحون الهلالي
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان شيخا جليلا، فقيها، عارفا، نبيلا، نبيها، ذا مروءة كاملة، وخلق حسن، من بيت حسب وعلم ودين. قال أبو القاسم الملّاحي: حدّثني صاحبنا الفقيه الخطيب أبو جعفر بن حسان، قال: كنت أجاوره في بعض أملاكي، وكان له ملك يلاصقني، أتمنى أن أكتسبه، فينتظم لي به ما هو مفترق، فوافقته ذات يوم في القرية، فسألته المعاوضة به، وخيّرته في مواضع في أرضي، فضحك مني، وقال لي: انظر في ذلك إن شاء الله. ثم إنه وجّه لي بعد ذلك بأيام يسيرة، بعقد يتضمن البيع وقبض الثمن مني، فخجلت منه، وراودته في أخذ الثمن، فأبى وقال لي: هذا قليل في حقّك، وكان قد لقي شيوخا أخذ عنهم، وكانت له كتب كثيرة.
وفاته: توفي بالمنكّب صبح اليوم السادس من رمضان عام ستة وتسعين وخمسمائة. ولست أحقق أهو القريب أو سلفه، وعلى كلا التقديرين، فالفضل حاصل.
(4/157)

علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي «1»
يكنى أبا الحسن، ويعرف بالصّغير، بضم الصاد وفتح الغين والياء المشددة.
حاله: من «المؤتمن» «2» : كان هذا الرجل قيّما على التهذيب للبرادعي، حفظا وتفقها، يشارك في شيء من أصول الفقه، يطرّز بذلك مجالسه، مغربا به بين أقرانه من المدرسين في ذلك الوقت، لخلوّهم من تلك الطريقة بالجملة.
حضرت «3» مجلس إقرائه، وكان ربعة، آدم اللون، خفيف العارضين، يلبس أحسن زيّ صنعة، وأحسن ما فيه ليس بحسن. وكان يدرس بجامع الأصدع من داخل مدينة فاس، ويحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عال ليسمع البعيد والقريب، على انخفاض كان في صوته، حسن الإقراء، وقورا فيه، سكونا، مثبتا، صابرا على هجوم طلبة البربر، وسوء طريقتهم في المناظرة والبحث، وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتوى أيام حياته، ترد عليه السؤالات من جميع بلاد المغرب، فيحسن التوقيع على ذلك، على طريقة من الاختصار وترك فضول القول. ولّي القضاء بفاس؛ قدّمه أبو الربيع سلطان المغرب وأقام أوده، وعضده، فانطلقت يده على أهل الجاه، وأقام الحق على الكبير والصغير، وجرى من العدل على صراط مستقيم. ونقم عليه اتخاذ شمّام يستنشق على الناس الخمر، ويحقّ أن ينتقد ذلك.
مشيخته: أخذ عن الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي، وانتفع به، وعليه كان اعتماده. وأخذ عن صهره أبي الحسن بن سليم، وأبي عمران الجورماني، وعن غيرهما «4» . وقيّدت عنه بفاس على التهذيب وعلى رسالة أبي زيد، قيّدها عنه تلاميذه، وأبرزوها تأليفا كأبي سالم بن أبي يحيى.
وفاته: وفاته يوم الثلاثاء السادس لرمضان عام تسعة عشر وسبعمائة، ودخل غرناطة لمّا وصل رسولا على عهد مستقضيه، رحمهما الله.
(4/158)

علي بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الله بن يحيى الغافقي «1»
سبتي، ساري «2» الأصل، انتقل منها أبوه سنة اثنتين وستين وخمسمائة، يكنى أبا الحسن، ويشهر أهل بيته في سارة بني يحيى.
حاله: من «التكملة» «3» : كان محدّثا راوية مكثرا، عدلا ثقة، ناقدا، ذاكرا للتواريخ وأيام الناس وأحوالهم وطبقاتهم، قديما وحديثا، شديد العناية بالعلم، والرغبة فيه، جاعلا الخوض فيه، مفيدا ومستفيدا، وظيفة عمره، جمّاعة للكتب، منافسا فيها، مغاليا في أثمانها، وربما أعمل الرحلة في التماسها حتى اقتنى منها بالابتياع والانتساخ كل علق نفيس. ثم انتقى منها جملة وافرة فحبسها في مدرسته التي أحدثها بقرب باب القصير، أحد أبواب بحر سبتة، وعيّن لها من خيار أملاكه وجيّد رباعه وقفا صالحا، سالكا في ذلك طريقة أهل المشرق، وقعد بها بعد إكمالها لتروية الحديث وإسماعه، في رجب خمس وثلاثين وستمائة، وكثر الأخذ بها عنه، واستمرّ على ذلك مدة. وكان سريّ الهمّة، نزيه النفس، كريم الطبع، سمحا، مؤثرا، معانا على ما يصدر عنه من المآثر الجليلة ونبل الأغراض السنية، بالجدة المتمكنة، واليسار الواسع. وكان سنّيّا، منافرا لأهل البدع، محبّا في العلم وطلابه، سمحا لهم بأعلاق كتبه، قوي الرجاء في ذلك. وممّا يؤثر عنه من النزاهة، أنه لم يباشر قط دنيرا ولا درهما، إنما كان يباشر ذلك وكلاؤه اللائذون به.
مشيخته: روى «4» عن أبوي الحسن أبيه والتجيبي، وأبي الحسن بن عطية بن غازي، وأبي عبد الله محمد بن عيسى، وابن عبد الكريم، وابن علي الكتّاني، وأبي إسحاق الشّقوري، وأبوي بكر بن الفصيح، ويحيى بن محمد بن خلف البوريني، وأبي الحسن بن خروف النحوي، وابن عبيدس، وابن جابر، وابن جبير، وابن زرقون، وابن الصائغ، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي سليمان بن حوط الله، وأبي العباس القوراني، وأبي القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وأبي محمد الحجري وأكثر عنه، وابن حوط الله، وابن محمد بن عيسى التّادلي، وعبد العزيز بن زيدان، ويشكر بن موسى بن الغزلقي، هؤلاء أخذ «5» عنهم بين سماع وقراءة، وأكثرهم أجازه
(4/159)

أو كتب إليه مجيزا. ولم يلقه أبو جعفر بن مضاء، وأبو الحسن بن القطان ونجبه، وأبو عبد الله بن حماد، وابن عبد الحق التّلمساني، وابن الفخار، وأبو القاسم السهيلي، وابن حبيش، وأبو محمد عبد المنعم بن الفرس. واستجاز بآخرة، مكثرا من الاستفادة، أبا العباس بن الرومية، فأجاز له من إشبيلية.
من روى عنه: روى أبو بكر أحمد بن حميد القرطبي، وأبو عبد الله الطّنجالي، وابن عياش، وأبو العباس بن علي الماردي، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو محمد عبد الحق بن حكيم. وحدّث بالإجازة عنه أبو عبد الله بن إبراهيم البكري العباسي.
محنته ودخوله غرناطة:
غرّبه أمير سبتة اليانشتي الملقب بالواثق بالله، غاصّا به لجلالته وأهليته، وكونه قد عرضت عليه فأباها، فدخل الأندلس في شعبان عام أحد وأربعين وستمائة، فنزل ألمرية وأقام بها إلى المحرم من سنة ثمان وأربعين، وأخذ عنه بها عالم كثير. ثم انتقل إلى مالقة في صفر من هذه السنة ودخل غرناطة، فأخذ عنه جميع طلبتها إلّا النادر.
قال الأستاذ أبو جعفر الزبير: وقرأت إذ ذاك عليه، وكان يروم من مالقة الرجوع إلى بلده، ويحوم عليه، فلم يقض له ذلك، وأقام بها يؤخذ عنه العلم، إلى أن أتته منيّته.
مولده: بسبته يوم الخميس لخمس خلون من رمضان إحدى وسبعين وخمسمائة.
وفاته: توفي بمالقة ضحوة يوم الخميس لليلة بقيت من رمضان تسع وأربعين وستمائة، نفعه الله، بشهادة الموت غريقا.
علي بن عبد الله بن محمد ابن يوسف بن أحمد الأنصاري «1»
فاسي المولد، أصله منها قديما، ومن مراكش حديثا، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن قطرال.
(4/160)

حاله: كان ريان من الأدب، كاتبا بليغا، دمث الأخلاق، لين الجانب، فقيها حافظا، عاقدا للشروط، مقدما في النظر فيها، كتب طويلا عن قاضي الجماعة بمراكش، أبي جعفر بن مضاء، ثم عن أبي القاسم بن بقي، وأسنّ ممتعا بحواسه.
مشيخته: روى «1» عن أبوي بكر بن الجدّ، وابن أبي زمنين، وأبي جعفر بن يحيى ولازمه كثيرا، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبوي الحسن بن كوثر ونجبه، وأبي الحسن يحيى بن الصائغ، وأبي خالد بن رفاعة «2» ، وأبي عبد الله بن حفص، وابن حميد، وابن زرقون، وابن سعادة الشاطبي، وابن عروس، وابن الفخار، وأبي العباس، وابن مضاء، ويحيى المجريطي، وأبي القاسم بن بقي، وابن رشد الوراق، وابن سمحون، وابن غالب، وابن جمهور، وابن حوط الله، وعبد الحق بن بونة، وعبد الصمد. وروى عنه ابناه أبو عبد الله وأبو محمد، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو محمد بن برطلة، وأبو محمد بن هارون الطائي، وأبو يعقوب بن عقاب. قال ابن عبد الملك: وحدّثنا عنه من شيوخنا أبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرعيني، وأبو الطيب صالح بن شريف، وأبو القاسم العزفي.
محنته: وامتحن بالأسر، وهو قاض بأبّدة، حين تغلّب العدوّ الرومي عليها إثر وقيعة «العقاب» «3» ، وذهب لأجل ذلك أصول سماعه، وافتكّ بمشاركة الوزير أبي سعيد بن جامع، ويسّر الله عليه، فثاب جاهه، واستقام أمره، وقدّم للقضاء بمواضع نبيهة «4» .
دخوله غرناطة: قال: دخل غرناطة وأقام بها، وقرأ على أبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي عبد الله بن عروس.
(4/161)

ولد بفاس سنة ثنتين وستين وخمسمائة «1» . وتوفي، عفا الله عنه، يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الأولى «2» عام أحد وخمسين وستمائة بمراكش.
«انتهى اختصار السفر العاشر بحمد الله تعالى، يتلوه، ومن السفر الحادي عشر ترجمة الطارئين في ترجمة العمال والأثرا.
والحمد لله رب العالمين» *** ومن السّفر الحادي عشر من ترجمة الطارئين في ترجمة العمال والأثرا
عمر بن علي بن غفرون الكلبي «3»
من أهل منتفريد «4» .
حاله: كان شيخا مخشوشن الظاهر بدويّه، سريع الجواب، جلدا على العمل، صليبا وقاحا. له ببلده نباهة وخصل من طلب وخطّ وحساب. أمّ ببلده، وانتقل إلى الحضرة عند انتزاء ثغره، وداخل السلطان في سبيل استرجاعه، فنشأت له غمامة رزق ببابه، وأقلّته هضبة حظوة ناطت به ديوان الجيش مدة أيام السلطان، وولّي بعده خططا نبيهة، ثم التأثت حاله وأسنّ، ومات تحت خمول.
وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «5» : شيخ خدم، قام له الدهر فيها على قدم، وصاحب تعريض، ودهاء عريض، وفائز من الدولة «6» بأياد بيض، خدم الدولة النصرية ببلده عند انتزاء أهله، وكان ممن استنزلهم من حزنه إلى سهله، وحكّم الأمر الغالبي في يافعه وكهله، فاكتسب «7» حظوة أرضته، ووسيلة أرهفته وأمضته، حتى
(4/162)

عظم ماله «1» ، واتسقت آماله. ثم دالت الدول، ونكرت «2» أيامه الأول، وتقلب «3» من يجانسه، وشقي بكل «4» من كان ينافسه، فجفّ عوده، والتاثت سعوده، وهلك والخمول يطلبه «5» ، والدهر يقوته من صبابة حرث كان يستغلّه.
شعره: وله شعر لم يثقّفه النظر، ولا وضحت منه الغرر. كتب للسلطان أمير المسلمين منفق سوق خدمته، ومتغمده بنعمته، يطلب منه تجديد بعض عنايته:
[السريع]
يا ملكا، ساد ملوك الورى ... في الحال أو في الأعصر الخاليه
العبد لا يطلب شيئا سوى ... تجديد خطّ يدك العالية
ومن شعره يخبر عن وداده، ويعلن في جناب الملوك الغالبيين بحسن اعتقاده:
[الكامل]
حبّ الملوك من آل نصر ديني ... ألقى به ربّي بحسن يقيني
هو عدّتي في شدّتي وذخيرتي ... وبه يتحسّبني غدا ويقيني «6»
حتى أوان «7» الحشر لم أخدم سوى ... أبوابهم بوسيلة تكفيني «8»
أرجو نفاد العمر في أيامهم ... من تحت ستر رعاية ترضيني «9»
إن كان دهري في نفادي بعدهم ... فالله، عزّ وجلّ، لا يبقيني «10»
وسلم في أيام خموله، وانغلق على المتغلب على الدولة أبي عبد الله بن المحروق، وقد احتقره ببابه، وأعرض عن جوابه، فكتب إليه، ولم يرهب ما لديه:
[المجتث]
يا من سألتك وعدا «11» ... في كل يوم مرارا
اردد عليّ سلامي ... ولا تدعه احتقارا
(4/163)

وفاته: قال شيخنا الكاتب أبو بكر بن شبرين، رحمه الله: وفي ذي حجة من عام أربعة وأربعين وسبعمائة توفي الفقيه أبو علي بن غفرون من أهل منتفريد من حصون براجلة غرناطة. قدم قديما بالباب السلطانية في تنفيذ واجب العسكر الأندلسي وإشراف الحضرة وحفازتها. وكان ميمون النقيبة، وجها في الناس فاضلا، رحمه الله.
علي بن يحيى الفزاري «1»
من أهل مالقة، بربري النسب فزاريه. يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن البربري.
حاله: كان من أماثل طريقته عدلا، وعفافا، وفضلا، ليّن العريكة، دمث الأخلاق، حسن الخط، جيد الشعر، تغلب عليه السلامة والغفلة، تصرف في إشراف مالقة وسواها عمره، محمود الطريقة، حسن السيرة. ومدح الملوك والكبراء.
شعره: ممّا خاطبني به قوله «2» : [الطويل]
لبابك أمّ الآملون ويمّموا ... وفي ساحتي رحماك حطّوا وخيّموا «3»
ومن راحتي كفّيك جدواك تنهمي «4» ... فتروى عطاش من نداك وتنعم
وأنت لما راموه كعبة حجّهم ... إذا شاهدوا مرآك لبّوا وأحرموا «5»
يطوفون سبعا حول بابك عندما ... يلوح لهم ذاك المقام المعظّم
فيمناك يمن للرعايا «6» ومنّة ... ويسراك يسر «7» للعفاة ومغنم
ولقياك بشر للنفوس وجنّة ... تزقّ «8» بها ورق المنا وترنّم
فيا واحد الأزمان علما ومنصبا ... ويا من «9» به الدنيا تروق وتبسم
ومن وجهه كالبدر يشرق نوره ... ومن «10» جوده كالغيث بل هو أكرم
(4/164)