Advertisement

اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء موافق للمطبوع 001



الكتاب : اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء
المؤلف : تقي الدين أحمد بن علي المقريزي
دار النشر : وزارة الأوقاف - مصر - 1416هـ - 1996م
الطبعة : الثانية
تحقيق : د. جمال الدين الشيال
عدد الأجزاء / 3
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب : اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا
المؤلف : تقي الدين أحمد بن علي المقريزي
دار النشر : وزارة الأوقاف - مصر - 1416هـ - 1996م
الطبعة : الثانية
تحقيق : د. جمال الدين الشيال
عدد الأجزاء / 3
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ]
(1/2)

"""""" صفحة رقم 3 """"""
بسم الله الرحمن الرحيم
عونك اللهم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كما ذكره الذاكرون ، وكما غفل عن ذكره الغافلون .
الحمد لله الذي برأ سماواتٍ طباقاً رفيعات ، ولما دونها محيطات ، وجعلها في الأقدار متفاوتات ، وبالحركة متباينات ، وفي التركيب مختلفات ، ذات بروج معدودة ، وأقسام مقدرة محدودة ، وكواكب نيرة موارة ، في أفلاك بها دوارة ، تتحرك لنفسها تارة فتردها أفلاكها بقدرته تعالى مقسورة ؛ كل ذلك يجري على ما قدر له من إسراع وتأثير ، وإبطاء وتدبير ، وإنماء وتغيير ، بأمر الحكيم القدير ، وتقدير العليم الخبير ؛ ودحا الأرض فسطحها مهادا ، وأرسى عليها الجبال فصارت أوتادا .
ثم خلق الإنسان من طين ، وأنشأ منه البشر من سلالة من ماء مهين ، واستعمرهم في الأرض لينظر كيف يعملون ، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض لعلهم يشكرون ، ومكنهم من النعماء ، وتبسطوا في فنون الأفضال والآلاء ، وأثاروا الأرض وعمروها ، واتخذوا المدائن واستوطنوها ، وقهروا الأعداء ممن ناوأهم ، وخضدوا بالقهر شوكة من عاندهم أو شانأهم .
حتى إذا كفروا النعم ، ولم يخشوا العقوبة والنقم ، أبادهم الله الذي أيدهم وأهلكهم القادر الذي مكنهم ، وجزاءً بما اكتسبوا من السيئات ، وعقوبة لهم على اجتراح الخطيئات ، وسيعيدهم أجمعين إليه ، ويوقفهم كلهم للحساب بين يديه .
(1/3)

"""""" صفحة رقم 4 """"""
أحمده حمداً يليق بجلاله ، وينبغي لعظمته وكماله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير ، ولا معاون له فيما يريده ولا وزير ، شهادةً تعبر عن قلب قد عمر بالإخلاص ، وذخيرة للنجاء من النار والخلاص .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ونبيه وخليله ، الذي أنقذ الله به العباد من الهلاك ، وخلصهم به من أشراك الإشراك ، حتى قاموا لله سبحانه بما شرع له من طاعته ، وأنزل عليه من أحكام عبادته . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، وأوليائه ومتبعيه وأحبابه ، وشرف وكرم .
وبعد : فإني لما أعانني الله جلت قدرته ، وتعالت عظمته ، على إكمال كتاب : عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط . وضمنته ما وقفت عليه ، وأرشدني الله سبحانه إليه من أحوال مدينة الفسطاط . منذ افتتح أرض مصر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصارت دار إسلام ، إلى أن قدمت جيوش الإمام المعز لدين الله أبي تميم معد من بلاد المغرب مع عبده وقائده وكاتبه أبي الحسين جوهر القائد الصقلي في سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة ، ونزلت في شمال الفسطاط بالمناخ ، وأسس مدينة القاهرة وحل بها ، أحببت أن أضع لمن ملك القاهرة من الخلفاء ديواناً يشتمل على جمل خبرهم ، ويعرب عن أكثر سيرهم ، فجمعت هذا الكتاب وسميته كتاب :
إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا
والله تعالى أسأل أن يحفظني فيه ، وفيما خولني من دنيا ودين ، ويجعلني يوم الفزع الأكبر من الآمنين بمنه وكرمه .
الجزء الأول
(1/4)

"""""" صفحة رقم 5 """"""
ذكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
اعلم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل ليلة الجمعة لإحدى عشرة ، وقيل لثلاث عشرة ، وقيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين من سني الهجرة بالكوفة .
وولد له من الأولاد الذكور : الحسن ، والحسين أمهما فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
(1/5)

"""""" صفحة رقم 6 """"""
ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي . والعباس الأكبر ، وعبد الله ، وعثمان الأكبر وجعفر الأكبر أمهم أم البنين بنت المحل بن الديان بن حرام الكلابي ، وقتل هؤلاء الأربعة مع الحسين بن علي عليه السلام بالطف .
(1/6)

"""""" صفحة رقم 7 """"""
وعمر الأصغر أمه الصهباء أم حبيبة بنت ربيعة التغلبي .
وعبد الرحمن الذي يكنى أبا بكر ، وعبيد الله . أمهما ليلى بنت مسعود بن خالد التميمي .
ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية .
ومحمد الأصغر أمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ، وأمها زينب بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
وجعفر الأصغر من أم ولد .
ومحمد الأوسط ، وعباس الأصغر أمهما أم ولد .
وعمر الأصغر وعثمان الأصغر .
فهؤلاء هم الذكور من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، منهم من مات في حياة أبيه وهو طفل صغير ، ومنهم من قتل ولا عقب له .
(1/7)

"""""" صفحة رقم 8 """"""
وولد له أيضاً إناث . ولم يعقب من أولاده الذكور سوى خمسة ، هم : الحسن ، والحسين ، ومحمد بن الحنفية ، والعباس ، وعمر ؛ وسائرهم لم يعقب .
فولد للحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام : زيد من أم ولد .
والحسن بن الحسن من أم ولد .
والقاسم ، وأبو بكر ، وعبد الله ، لا عقب لهم ، قتلوا مع عمهم الإمام الحسين بن علي عليه السلام بالطف .
وعمرو بن الحسن ، وعبد الرحمن بن الحسن ، والحسين ، ومحمد ، ويعقوب ، وإسماعيل بنو الحسن .
فهؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام .
ولم يعقب من ولد الحسن بن علي سوى رجلين : هما الحسن بن الحسن وزيد بن الحسن ، وسائر ولد الحسن بن علي لا عقب لهم .
(1/8)

"""""" صفحة رقم 9 """"""
فولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا ، وبه كان يكنى ، وعبد الله أعقب ، وحسناً ، وإبراهيم ، وجعفر ، وداود وهذه الخمسة قد أعقبوا ، ولم يعقب محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولدا ذكرا .
فولد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا وهو الذي قتل بمدينة رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإبراهيم المقتول بالبصرة ، قتلا في الحرب أيام الخليفة أبي جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة .
وموسى بن عبد الله .
ويحيى بن عبد الله وهو الذي كان بالديلم ، ونزل بالأمان على يد الفضل بن يحيى
(1/9)

"""""" صفحة رقم 10 """"""
ابن خالد بن برمك ، ثم حبسه الخليفة هرون الرشيد ، ومات في حبسه ، ويقال إنه قتل عند سندى بن شاهك .
وسليمان الذي قتل في وقعة فخ وإدريس الأصغر الذي صار إلى بلاد المغرب ، وبه عقبه وعقب أخيه سليمان فولد محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بالمدينة عبد الله الأشتر وهو المعقب من ولده ، قتل بكابل ، وعلياً أخذ بمصر ، وحبس في سجن المهدي حتى مات ، والحسين بن محمد قتل بفخ ، وطاهر وإبراهيم ابنا محمد ، لا عقب لهما .
وولد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو المقتول بالبصرة حسناً ، فولد حسن بن إبراهيم عبد الله ومات متغيبا ، ومحمداً ، وإبراهيم .
وولد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي محمداً .
(1/10)

"""""" صفحة رقم 11 """"""
وولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي المقتول بفخ محمداً ، فر إلى المغرب ، وولده هناك .
وولد إدريس الأصغر بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو الذي صار إلى المغرب ، وغلب على موضع منه في أيام المنصور ، فدس إليه المنصور بمتطبب فسقاه فقتله إدريس بن إدريس ، ولد بالمغرب وأمه بربرية ، وعقبه بالمغرب .
وولد الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي أبا جعفر عبد الله ، وعلياً مات في حبس المنصور مع أبيه ، وحسناً درج ولا عقب له ، والعباس ، وطلحة ابنا الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي انقرضا .
وولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إسماعيل أعقب ، وإسحق أعقب ثم انقرض ، ويعقوب لا عقب له ، ومحمدا الذي يسمى الديباج الأصغر ، لا عقب له ، وعليا أعقب الحسن ، وولد الحسن محمدا وإبراهيم .
وولد إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي حسنا وإبراهيم أعقبا .
وولد جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي الحسن ، فولد الحسن بن جعفر عبد الله ، وولد عبد الله عبيد الله ولاه المأمون الكوفة ثم مكة ، وإبراهيم بن جعفر ؛ فولد إبراهيم عبد الله كان له بنات .
وولد داود بن الحسن بن الحسن بن علي سليمان وعبد الله ، كان عبد اله من أهل الفضل والورع ؛ وقد أعقب سليمان وعبد الله ابنا داود .
وولد زيد بن الحسن بن علي الحسن لا عقب له إلا منه ، وكان فاضلا ، ولاه المنصور المدينة .
فولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي إسماعيل والقاسم ، وعبد الله ، وإبراهيم ، وزيدا ، وعليا ، وإسحق .
(1/11)

"""""" صفحة رقم 12 """"""
فمن بيوت بني الحسن بن علي بن أبي طالب : بنو طباطبا .
والرسيون .
وبنو المطوق .
وبنو تج واسمه الحسن .
وولد الهادي باليمن الذي له الإمارة .
وبنو الأذرع .
وولد الداعي إلى الحق بطبرستان .
(1/12)

"""""" صفحة رقم 13 """"""
وولد الحسن بن زيد الذي له الإمارة بالديلم .
وولد الناصر الحسنى الذي كان باليمن .
وغير ذلك من بيوتات ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم .
وأما ولد الحسين بن علي بن أبي طالب فإن الحسين : ولد علياً الأكبر وقتل بالطف ، ولا عقب له ؛ وعليا الأصغر وفيه البقية ، وجعفرا لا عقب له ؛ وعبد الله ، قتل صغيرا بالطف ، ولا عقب له .
هؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي ، وهم لأمهات شتى . فولد علي الأصغر بن الحسين حسناً ، وحسسينا لا عقب لهما ؛ وأبا جعفر محمداً ؛ وعبد الله ، أمهما أم ولد .
وزيدا ؛ وعمر ؛ وعليا ، ومحمداً الأوسط ولا عقب له ؛ وعبد الرحمن ، وحسينا الأصغر ؛ وسليمان ؛ والقاسم ولا عقب له .
(1/13)

"""""" صفحة رقم 14 """"""
وهؤلاء هم الذكور من ولد علي بن الحسين بن علي ؛ وعدتهم ثلاثة عشر ذكراً ، أعقب منهم ستة وهم : محمد المكنى بأبي جعفر .
وعبد الله .
وزيد .
وعمر .
وعلي .
والحسين الأصغر .
فولد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي جعفراً الصادق ؛ وعبد الله أمهما أم ولد ، وإبراهيم ، وعبيد الله لا بقية لهما ، درجا ، وأمهما أم ولد ؛ وعلياً لا عقب له ، وأمه أم ولد .
فولد جعفر بن محمد الصادق إسماعيل أعقب ؛ وعبد الله لا عقب له ، أمهما فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ؛ وموسى ، وإسحق ، ومحمداً لأم
(1/14)

"""""" صفحة رقم 15 """"""
ولد ؛ والعباس لا عقب له ، وأمه أم ولد وعلياً المعروف بالعريضي وأمه أم ولد .
وحيث انتهينا إلى ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب فإنه الغرض ، وإليه ينسب الخلفاء الفاطميون بناة القاهرة ، فنقول : إن إسماعيل بن جعفر الصادق مات في حياة أبيه جعفر سنة ثمان وثلاثين ومائة ، وخلف من الأولاد محمداً ، وعلياً ، وفاطمة .
فأما محمد بن إسماعيل فإنه الذي إليه الدعوى ؛ وكان له من الولد جعفر ، وإسماعيل فقط ، أمهما أم ولد : فولد جعفر بن محمد بن إسماعيل محمداً ، وأحمد ؛ أما أحمد فلا عقب له .
وأما محمد فولد جعفرا ، وإسماعيل ، وأحمد ، والحسن .
قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم
وولد إسماعيل بن جعفر : علي ، ومحمد فقط ؛ وإمامة محمد هذا تدعى القرامطة والغلاة بعد أبيه إسماعيل .
فولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد جعفر ، وإسماعيل ، منهم بنو جعفر البغيض بن الحسن بن محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق .
(1/15)

"""""" صفحة رقم 16 """"""
وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو حسن بن محمد هذا ، وشهد له بذلك رجل من بني البغيض ، وشهد له أيضاً بذلك جعفر بن محمد بن الحسين بن أبي الجن علي بن محمد الشاعر بن علي بن إسماعيل بن جعفر ، ومرة ادعى أنه ولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ؛ وكل هذه دعوى مفتضحة ، لأن محمد بن إسماعيل بن جعفر لم يكن له قط ولد اسمه الحسين .
وهذا كذب فاحش ، لأن مثل هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب ، ولا يجهل أهله إلا جاهل .
قلت : وأما ما ذكره أبو محمد من انتسابهم إلى الحسين بن محمد بن إسماعيل قول افتعله معاديهم ، فقد كان أبو محمد بقرطبة ، وملوكها بنو أمية ، وهم أعدى أعادي القوم ، فنقل ما أشاعه هناك ملوك بلده ، حتى اشتهر كما هي عادة الأعداء .
والذي يقوله أهل هذا البيت ويذهبون إليه : أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده ، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر هو ابنه محمد ، ويلقبونه بالمكتوم ، وبعد المكتوم ابنه جعفر بن محمد بن إسماعيل ، ويلقبون جعفرا هذا بالمصدق ، وبعد جعفر المصدق ابنه محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق .
قالوا : فولد محمد الحبيب عبيد الله بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد المكتوم بن الإمام إسماعيل .
(1/16)

"""""" صفحة رقم 17 """"""
وعبيد الله هذا هو القائم بالمغرب ، الملقب بالمهدي ، المنسوب إليه سائر الخلفاء الفاطميين بالمغرب وبمصر .
هذا هو الثابت في درج نسبهم .
قال الشريف الجواني النقيب
محمد بن أسعد بن علي الحسيني
وأما إسماعيل بن جعفر يعين الصادق ، فعقبه من ابنيه : محمد وعلي .
فأما علي فمن ولده أبو الجن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر وهم بدمشق ويقال لهم : بنو أبي الجن بجيم ونون .
وأما محمد بن إسماعيل فينسب إليه الذين تغلبوا على إفريقية الغرب ، ثم تغلبوا على مصر والشام .
ففي النسابين من أثبتهم ، وفيهم من نفاهم ، وفيهم من أمسك .
سألت الشريف النسابة جمال الدين أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي القاسم الإدريسي الحسني بمدينة القاهرة عن هؤلاء ، فقال : المثبتون لأنساب أهل القصر بالقاهرة هم : شيخ الشرف العبيدلي ، وابن ملقطة العمري ، وأبو عبد الله البخاري .
والنافون لأنسابهم هم : الشريف ابن العابد ، وابن وكيع من أصحاب سحنون ، وابن حزم الأندلس صاحب كتاب الجماهير في أنساب المشاهير . والمتوقفون في أنسابهم هم : محمد المبرقع ، وأخوه الحسن الزيديان ، في جماعة كثيرة من النسابين ، كابن خداع ، وشبل بن تكين ، وغيرهم .
والذي قاله شيخ الشرف :
(1/17)

"""""" صفحة رقم 18 """"""
وبنو عبد الله بالمغرب في نسب القطع .
هذا ما أملاه علي الإدريسي ، وكان من العلماء بالنسب والتاريخ .
قال : ووجدت في كتاب أبي الغنائم عبد الله النسابة الزيدي الحسيني في ذكره ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر : المعقب من جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر رجل واحد هو محمد ، أمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي ، وأمها أروى ابنة الهيثم ابن العريان بن الهيثم بن الأسود الجشمي ؛ والمعقب من محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل رجل واحد ، وهو الحسن الحبيب لأم ولد ، وكان له : جعفر ، وإسماعيل ، وأحمد ، وعبيد الله ، وعلي اغتربوا فلم يعلم كيف جرى أمرهم ، وهل اعقبوا أم لا ؟ .
ويقال إن ولد عبد الله بالمغرب ؛ وآخر من ذكره من عقب محمد بن إسماعيل : الحسين ابن أبي طالب ، علي بن الحسين ، أبي القاسم بن الحسين بن الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ؟ .
وأما غيرهم فيقول : إن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ولد جعفراً ، وإسماعيل ، وأحمد ، والحسن .
وولد الحسن جعفراً توفي بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين .
فولد جعفر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا جعفر محمداً .
فولد محمد أبا عبد الله جعفراً ، وعليا ، وأحمد ، والحسن ، ويحيى .
هؤلاء الذكور من ولد الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكانوا بمصر .
وولد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب أحمد ، ويحيى ، ومحمداً ، وعليا ، درج ولا عقب له .
فولد أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل توفي بمصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين ومائتين .
ومحمداً لا عقب له .
(1/18)

"""""" صفحة رقم 19 """"""
وزيدا ، وعليا ، والحسين لأم ولد .
فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله أحمد توفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة بمصر .
وأبا جعفر محمداً توفي سنة اثنتين وثلاثمائة بمصر .
وأبا القاسم جعفرا توفي سنة أربع وسبعين ومائتين بمصر ، وحمزة درج في سنة خمس وسبعين ومائتين ولا عقب له .
وأبا عبد الله الحسين توفي سنة أربع وتسعين ومائتين .
وأبا الحسن عليا توفي في طريق مكة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة .
فولد أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا محمد إسماعيل ، وأبا الحسن عليا ، وأبا القاسم جعفرا ، وتوفي سنة ثلاثمائة ، وموسى ولا عقب له .
فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا الحسن عليا ، وأبا عبد الله الحسين ، والحسن .
وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بنتاً لم يلد غيرها .
وولد جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله الحسين ، وأبا إبراهيم إسماعيل ، وأبا جعفر محمدا ، وأبا الحسين محمدا .
هؤلاء هم بنو أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وهم بمصر .
وولد محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليا ، والحسين ، وموسى .
(1/19)

"""""" صفحة رقم 20 """"""
وولد علي بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الحسن ، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولا عقب له .
وولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا ولا عقب له ، ومحمداً وجعفرا ، وأحمد ، وإسماعيل ولد بالمغرب ولا عقب له .
وولد موسى بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر يحيى ، وجعفراً ، وعليا ، وإبراهيم ، وإسماعيل ولا عقب له .
فهؤلاء بنو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر وهم بمصر .
وولد الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمداً أبا الحسين ، ومحمداً أبا عبد الله وهم بمصر . وولد جعفر بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زينب لم يلد غيرها .
وولد علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل ، ومحمداً ، والحسين ، والحسن ، وجعفراً .
وولد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمداً ولا عقب له ، وعبد الله .
وولد محمد بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر إبراهيم ، وزيداً ، وعبد الله ، ومحسناً ، وعلياً .
وولد الحسين بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق حمزة وجعفراً وهم بمصر .
وولد زيد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق موسى ولا عقب له .
وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة ماتت بدمشق .
(1/20)

"""""" صفحة رقم 21 """"""
وولد الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيداً مات ببغداد ، ومحمداً ، وإسماعيل النقيب بدمشق ، وأحمد ، والحسن ، وعلياً ، وجعفرا ولا عقب له .
فولد زيد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الحسين ولا عقب له ، وأم سلمة ، وخديجة وكان لها ولد ببغداد ، وموسى لا عقب له .
وولد محمد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة لم يخلف غيرها .
وولد إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمداً ، وموسى ، وإبراهيم ، والحسين ، وطاهراً .
فولد محمد بن إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر أحمد .
وولد أحمد بن الحسين حمزة ، ومحمداً وقد انقرضا ولا عقب لهما من الذكور .
وولد الحسن بن الحسين بن أحمد محمداً ، وعقيلاً ، وإبراهيم ولا عقب له ، وعبيد الله ، ومحسنا ولا بقية لهما .
وولد علي بن الحسين بن أحمد المحسن ، وأحمد ، ومحمداً المعروف بأخي محسن ، كان سكن دمشق ، ولا عقب لأحمد ومحمد هذين .
وولد يحيى بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر أحمد وفاطمة درجا .
وولد محمد إسماعيل ، بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمداً .
فولد محمد هذا الحسن ، والحسين ، ومحمدا .
وولد الحسن بن محمد الحسين ، وأحمد وهم بالكوفة .
فهؤلاء جميع ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق .
وأما بقية أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق فلا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا .
(1/21)

"""""" صفحة رقم 22 """"""
ذكر ما قيل في أنساب خلفاء الفاطميين
قال مؤلفه رحمة الله تعالى عليه
وقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين ، تأليف الشريف العابد المعروف بأخي محسن ، وهو محمد بن علي بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ويكنى بأبي الحسين ؛ وهو كتاب مفيد .
وقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحاق النديم في كتاب الفهرست ذكر هذا الكلام بنصه ، وعزاه إلى أبي عبد الله بن رزام ، وأنه
(1/22)

"""""" صفحة رقم 23 """"""
ذكره في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيلية ، قال وأنا بريء من قوله : هؤلاء القوم من ولد ديصان الثنوي ، الذي ينسب إليه الثنوية وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين ، أحدهما يخلق النور ، والآخر يخلق الظلمة فولد ديصان هذا ابناً يقال له ميمون القداح .
(1/23)

"""""" صفحة رقم 24 """"""
وإليه تنسب الميمونية ، وكان له مذهب في الغلو ؛ فولد لميمون هذا ابن يقال له عبد الله كان أخبث من أبيه ، وأعلم بالحيل ، فعمل أبوابا عظيمة من المكر والخديعة على بطلان الإسلام ؛ وكان عارفاً عالماً بجميع الشرائع والسنن ، وجميع علوم المذاهب كلها ، فرتب ما جعله من المكر في سبع دعوات ، يتدرج الإنسان من واحدة إلى أخرى ، حتى ينتهي إلى الأخيرة ، فيبقى معراً عن جميع الأديان ، لا يعتقد غير التعطيل والإباحة ، ولا يرجو ثوابا ، ولا يخشى عقابا ، ويقول إنه على هدى هو وأهل مذهبه ، وغيرهم ضال مغفل .
(1/24)

"""""" صفحة رقم 25 """"""
وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا في الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة ، وأما في الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام من آل البيت : محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ليجمع الناس بهذه الحيلة . وكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له ، وأصله من موضع بالأهواز يعرف بقورج العباس ، ثم نزل عسكر مكرم وسكن ساباط أبي نوح فنال بدعوته مالا ، وكان يتستر بالتشيع والعلم ، وصار له دعاة ، فظهر ما هو عليه من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة ، فثارت به الشيعة والمعتزلة ، وكسروا داره ، ففر إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي ، فادعى أنه من ولد عقيل بن أبي
(1/25)

"""""" صفحة رقم 26 """"""
طالب ، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ثم اشتهر خبره ، فطلبه العسكريون ، فهرب هو والحسين الأهوازي إلى سلمية ليخفى أمره بها ، فولد بها ابن يقال له أحمد ، ومات عبد الله بن ميمون ، فقام من بعده ابنه أحمد هذا في ترتيب الدعوة ، وبعث الحسين الأهوازي داعية إلى العراق ، فلقي حمدان بن الأشعت قرمط بسواد الكوفة .
وولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ولدان ، هما : الحسين ومحمد المعروف بأبي الشلعلع ، ثم هلك أحمد ، فخلفه ابنه الحسين في الدعوة ؛ فلما هلك الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع .
وكان للحسين ابن اسمه سعيد ، فبقيت الدعوة له حتى كبر ، وكان قد بعث محمد هذا داعيين إلى المغرب ، وهما ؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد ، وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد ؛ فنزلا في قبيلتين من البربر ، وأخذا على أهلها .
(1/26)

"""""" صفحة رقم 27 """"""
وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية ، وأيسروا ، وصار لهم أملاك كثيرة ، فبلغ خبرهم السلطان ، فبعث في طلبهم ، ففر سعيد من سلمية يريد المغرب ، وكان على مصر يومئذ عيسى النوشري ، فدخل سعيد على النوشري ونادمه ، فبلغ السلطان خبره ، وكان يتقصى عنه ، فبعث إلى النوشري بالقبض عليه ، فقرىء الكتاب وفي المجلس ابن المدبر ، وكان مؤاخياً لسعيد ، فبعث إليه يحذره ، فهرب سعيد ، وكبس النوشري داره فلم يوجد ، وسار إلى الاسكندرية ، فبعث النوشري إلى والي الاسكندرية بالقبض على سعيد ، وكان رجلا ديلميا يقال له علي بن وهسودان .
وكان سعيد خداعاً ، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال : إني رجل من آل رسول الله .
فرق له ، وأخذ بعض ما كان معه وخلاه ، فسار حتى نزل سجلماسة وهو في زي
(1/27)

"""""" صفحة رقم 28 """"""
التجار فتقرب إلى واليها وخدمه ، وأقام عنده مدة ، فبلغ المعتضد خبره ، فبعث في طلبه ، فلم يقبض عليه والي سجلماسة ؛ فورد عليه كتاب آخر ، فقبض عليه وحبسه ؛ وكان خبره قد اتصل بأبي عبد الله الداعي الذي تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر ، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة ، وقتل واليها ، وأخذ سعيداً ، وصار صاحب الأمر ، وتسمى بعبيد الله ، وتكنى بأبي محمد ، وتلقب بالمهدي ؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق ؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعي ، وتملك البربر ، وقلع بني الأغلب ولاة المغرب .
قال : فعبيد الله الملقب بالمهدي : هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي ، وأصلهم من المجوس .
قال : أما سعيد هذا الذي استولى على المغرب ، وتسمى بعبيد الله ، فإنه كان بعد أبيه يتيما في
(1/28)

"""""" صفحة رقم 29 """"""
حجر عمه الملقب بأبي الشلعلع ، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه ، فرتب أمرها لسعيد ، فلما هلك وكبر سعيد ، وصار على الدعوة ، وترتيب الدعاة والرياسة ، ظهر أمره ، وطلبه المعتضد ، فهرب إلى المغرب من سلمية .
ويقال إنه ترسم بالتعليم كي يخفي أمره ، وكان يقول عن محمد أنه ربيب في حجره ، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وذلك لضعف أمره في مبدئه ، ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله يتيم المعلم .
وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيباً في حجر بعض الأشراف ، وكان يطلب الإمامة ، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه ؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة صاحب علم .
انتهى ما ذكره الشريف .
قال : ولم يدع سعيد هذا المسمى عبيد الله نسباً إلى علي بن أبي طالب إلا من بعد هربه من سلمية ، وآباؤه من قبله لم يدعوا هذا النسب ؛ وإنما كانوا يظهرون التشيع والعلم ، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وأنه حي لم يمت .
وهذا القول باطل ، وباطنهم غير ظاهرهم ، وليس يعرف هذا القول إلا لهم ؛ وهم أهل تعطيل وإباحة ، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باباً للخديعة والمكر . ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال : أنا من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتم له بذلك الحيلة والخديعة ، وشاع بين الناس أنه علوي فاطمي من ولد إسماعيل بن جعفر ، فاستعبدهم بهذا القول ، وخفي أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته في تعطيل البارىء ، والطعن على جميع الأنبياء ، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم ، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسباً على منبر ، ولا في مجمع بين الناس ، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغير نسب ينتسبونه ، تمويهاً على العامة .
(1/29)

"""""" صفحة رقم 30 """"""
ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم في أمر نسبهم احتقاراً منه بهم وببلدهم ، ولبعد ما بينهم من المسافة ، فجرى أمرهم على ما ذكرنا منذ ملك سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معد يعني العزيز بمصر .
ثم ملك فنا خسرو بن الحسن الديلمي بغداد ، فقرب ما بينهما من المسافة ، فجمع العلويين ببغداد ، وقال لهم : هذا الذي بمصر يقول إنه علوي منكم .
فقالوا : ليس هو منا .
فقال لهم .
ضعوا خطوطكم .
فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوي ، ولا من ولد أبي طالب .
ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولاً يقول له : نريد نعرف ممن أنت ؟ .
(1/30)

"""""" صفحة رقم 31 """"""
فعظم ذلك عليه ، فذكر أن قاضيه ابن النعمان ساس الأمر ، لأنه كان يلي أمر الدعوة والمكاتبة في أمرها ، فنسب نزاراً إلى آبائه ، وكتب نسبه ، وأمر به أن يقرأ على المنابر ، فقرىء على منبر جامع دمشق صدر الكتاب ، ثم قال : نزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله ، بن إسماعيل المنصور بالله ، بن محمد القائم بأمر الله ، ابن عبيد الله المهدي ، بن الأئمة الممتحنين أو قال المستضعفين وقطع .
ثم إن رسول فنا خسرو سار راجعا ، فقتل بالسم في طرابلس ، فلم يأتهم من بعده رسول ، وهلك فنا خسرو .
وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي ، وابنه غرس الدولة
(1/31)

"""""" صفحة رقم 32 """"""
محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق ، وابنه أبو القاسم عليا المرتضى ، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء ، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن أحمد الحسين التي أولها :
ما مقامي على الهوان وعندي . . . مقولٌ صارمٌ ، وأنفٌ حميّ
وإباءٌ محلّقٌ بي عن الضيم ، . . . كما راغ طائرٌ وحشيّ
أيّ عذر له إلى المجد إن ذلّ . . . غلامٌ في غمده المشرفيّ
أحمل الضيم في بلاد الأعادي ، . . . وبمصر الخليفة العلويّ
(1/32)

"""""" صفحة رقم 33 """"""
من أبوه أبي ، ومولاه مولا . . . ي ، إذا ضامني البعيد القصيّ
لفّ عرقي بعرقه سيدا النا . . . س جميعا : محمدٌ وعليّ
إنّ جوعي بذلك الربع شبعٌ . . . وأُوامي بذلك الظلّ ريّ
مثل من يركب الظلام وقد أس . . . رى ومن خلفه هلالٌ مضيّ
وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد : قل لولدك محمد : أي هوان قد أقام فيه عندنا ؟ وأي ضيم لقي من جهتنا ؟ وأي ذلك أصابه في مملكتنا ؟ وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه ؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا ؟ ألم نوله النقابة ؟ ألم نوله المظالم ؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج ؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا ؟ ما نظنه كان يكون لو حصل عنده إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر .
فقال النقيب أبو أحمد : أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه ، ولا رأيناه بخطه ، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه ، وعزاه إليه .
فقال القادر : إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر ، ويكتب محمد خطه فيه .
فكتب محضر بذلك ، شهد فيه جميع من حضر المجلس ، منهم : النقيب أبو أحمد ، وابنه المرتضى .
وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب فيه خطه ، حمله أبوه وأخوه ، فامتنع ، وقال : لا أكتب ، وأخاف دعاة صاحب مصر .
(1/33)

"""""" صفحة رقم 34 """"""
وأنكر الشعر ، وكتب بخطه أنه ليس بشعره ، ولا يعرفه ؛ فأجبره أبوه على أن يسطر خطه في المحضر ، فلم يفعل ، وقال : أخاف دعاة المصريين وغلبتهم ، فإنهم معروفون بذلك .
فقال أبوه : يا عجبا أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع ؟ وحلف أن لا يكلمه ، وكذلك المرتضى ، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر ، وتسكينا له .
فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له ، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة ، وولاها محمد بن عمر النهرسابسي .
(1/34)

"""""" صفحة رقم 35 """"""
وقال الإمام علي بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزري في كتاب الكامل في التاريخ
ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية
هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها ، وطالت مدتها ، فنحتاج نستقصي ذكرها ، فنقول : أول من ولى منهم : أبو محمد عبيد الله ، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله : عبد الله بن ميمون القداح الذي ينسب إليه القداحيه .
وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل بن جعفر يعني الصادق ، وقد اختلف العلماء في صحة نسبه .
فقال : هو وأصحابه القائلون بإمامته إن نسبه صحيح ، ولم يرتابوا فيه . وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضاً ، وشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضي .
ما مقامي على الهوان ؟ وعندي . . . مقولٌ صارمٌ ، وأنفٌ حميّ
ألبس الذلّ في بلاد الأعادي . . . وبمصر الخليفة العلويّ ؟
من أبوه أبي ، ومولاه مولا . . . ي إذا ضامني البعيد القصيّ
لفّ عرقي بعرقه سيّدا النا . . . س جميعاً : محمدٌ وعليّ
إنّ ذلّي بذلك الحيّ عزٌّ ، . . . وأُوامي بذلك الرّبع ريّ
(1/35)

"""""" صفحة رقم 36 """"""
قال أي ابن الأثير : إنما لم يودعها ديوانه خوفاً ، ولا حجة فيما كتبه في المحضر المتضمن القدح في أنسابهم ، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا ، على أنه قد ورد ما يصدق ما ذكرته ، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر الباقلاني ، وأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريف الرضي يقول له : قد عرفت منزلك منا ، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة ، وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة ، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة نرضاها ، ويكون ولدك على ما يضادها ؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا ، وهو كذا وكذا ، فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام ؟ وهو ناظر في النقابة والحج وهما من أشرف الأعمال ولو كان في مصر لكان كبعض الرعايا .
وأطال القول .
فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك ، وأحضر ولده ، فقال له في المعنى ، فأنكر الشعر ، فقال له : اكتب خطك إلى الخليفة بالاعتذار ، واذكر فيه أن نسب المصري مدخول ، وأنه مدع في نسبه .
فقال : لا أفعل .
فقال أبوه : أتكذبني في قولي ؟
(1/36)

"""""" صفحة رقم 37 """"""
فقال : ما أكذبك ، ولكن أخاف الديلم ، وأخاف من المصري ، ومن الدعاة التي له في البلاد .
فقال أبوه : أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه ، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع ، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك ؟ .
وتردد القول بينهما ، ولم يكتب الرضي خطه ، فحرد عليه أبوه وغضب ، وحلف أن لا يقيم معه في بلد ، فآل الأمر إلى أن حلف الرضي أنه ما قال هذا الشعر .
واندرجت القصة على هذا .
ففي امتناع الرضي من الاعتذار ، ومن أن يكتب طعناً في نسبهم دليل قوي على صحة نسبهم .
وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا في صحته .
وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح ، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهودياً .
وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده ، وكتب فيه جماعة من العلويين وغيرهم : أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه غير صحيح .
وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفاً وتقية ، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله .
وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس صاحب تاريخ إفريقية والغرب أن نسبه معرق في اليهودية ، ونقل فيه عن جماعة من العلماء ، وقد استقصى ذلك في ابتداء دولتهم وبالغ .
(1/37)

"""""" صفحة رقم 38 """"""
وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه ، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر ، قال : لما بعث الله محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب ، لأنه سفه أحلامهم ، وعاب أديانهم ، فاجتمعوا يداً واحدة عليه ، فكفاه الله كيدهم ، وأسلم منهم من هداه الله ، فلما قبض ( صلى الله عليه وسلم ) نجم النفاق ، وارتدت العرب ، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده ، فجاهد أبو بكر رضي الله عنه في سبيل الله ، فقتل مسيلمة وأهل الرده ، ووطأ جزيرة العرب ، وغزا فارس والروم ، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام ، فاستخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأذل فارس والروم ، وغلب على ممالكهما ، فدس عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله ، ظنا منهم أن بقتله ينطفىء نور الإسلام ، فولى عثمان رضي الله عنه ، فزاد في الفتوح ، فلما قتل وولى علي رضي الله عنه قام بالأم أحسن قيام ، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة ، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم ، بأمور قد ضبطها المحدثون ، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه .
وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسيد ، وأبو شاكر ، ميمون بن ديصان ، وغيرهما ، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا ، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك ، ولا حرم عليهم شيئا ، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات ، وقالوا : هذه قيود للعامة ، وهي ساقطة عن الخاصة ، وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليستروا أمرهم ، ويستميلوا العامة .
(1/38)

"""""" صفحة رقم 39 """"""
وتفرق أصحابهم في البلاد ، وأظهروا الزهد والعبادة ، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه ، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة ، وكان أصحابه قالوا له : إنا نخاف الجند فقال لهم : إن أسلحتهم لا تعمل فيكم .
فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم ، قال له أصحابه : ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا ؟ فقال : إذا كان قد بدا الله فما حيلتي ؟ وتفرقت هذه الطائفة في البلاد ، وتعلموا الشعبذة ، والنأرنجيات ، والنجوم ، والكيمياء ، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم ، وعلى العامة بإظهار الزهد .
ونشأ لابن ديصان ابن يقال له أبو عبد الله القداح علمه الحيل ، وأطلعه على أسرار هذه النحلة ، فحذق وتقدم .
وكان بنواحي أصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ، ويلقب بدندان ، يتولى
(1/39)

"""""" صفحة رقم 40 """"""
تلك المواضع ، وكان يبغض العرب ، ويجمع مساويهم ، فسار إليه القداح ، وعرفه من ذلك ما زاد به محله ، وأشار إليه أن لا يظهر ما في نفسه ويكتمه ، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة ، فاستحسن قوله ، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب ، فسير دعاته إلى كور الأهواز ، والبصرة ، والكوفة ، والطالقان ، وخراسان ، وسلمية من أرض حمص .
وتوفي القداح ودندان ، فقام من بعد القداح ابنه أحمد ، وصحبه انسان يقال له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب بن زاذان النجار ، من أهل الكوفة ، وألقى إليه مذهبه فقبله ، وسيره إلى اليمن ، وأمره بلزوم العبادة والزهد ، ودعا الناس إلى المهدي ، وأنه خارج
(1/40)

"""""" صفحة رقم 41 """"""
في هذا الزمان ، فنزل بعد ، بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى ، فأظهر أمره ، وقرب أمر المهدي ، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح .
واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق ، فساروا إليه ، وكثر جمعهم ، وعظم بأسهم ، وأغاروا على من جاورهم ، وسبوا ، وجبوا الأموال ، وأرسل إلى من بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة .
وأوفدوا إلى المغرب رجلين : أحدهما الحلواني ، والآخر أبو سفيان ، وقالوا لهما : إن المغرب أرض بور ، فاذهبا فأحرثا حتى يجيء صاحب البذر .
فسارا ، ونزل أحدهما بأرض كتامة ، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما ، وحملوا إليهما الأموال والتحف ، فأقاما سنين كثيرة وماتا ، وكان من إرسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب ما كان .
فلما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبي طالب ، وهم مع هذا يسترون أمرهم ، ويخفون أشخاصهم .
وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم ، فتوفي وخلف ولده محمداً ، ثم توفي محمد وخلف أحمد والحسين ، فسار الحسين إلى سلمية ، وله بها ودائع من جهة جده عبد الله القداح ، ووكلاء وغلمان . وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع ، وكان الحسين يدعى أنه الوصي وصاحب الأمر ، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه ، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية ،
(1/41)

"""""" صفحة رقم 42 """"""
فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن ولها ولد من الحداد يماثلها في الجمال ، فأحبها وحسن موقعها منه ، وأحب ولدها ، وأدبه وعلمه ، فتعلم العلم ، وصارت له نفس عظيمة ، وهمة كبيرة ، فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية وهو الحسين مات ولم يكن له ولد ، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد
(1/42)

"""""" صفحة رقم 43 """"""
وهو عبيد الله ، وعلمه أسرار الدعوة من قول وفعل ، وأين الدعاة ، وأعطاه الأموال والعلامات ، وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته ، وأنه الإمام والوصي ، وزوجه ابنة عمه أبي الشلعلع ، وجعل لنفسه نسبا ، وهو : عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
وبعض الناس يقول : إن عبيد الله هذا من ولد القداح .
وقال أي ابن الأثير : هذه الأقوال فيها ما فيها ، فيا ليت شعري ، ما الذي حمل أبا عبد الله الشيعي وغيره ممن قام في إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودي ؟ وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده دينا يثاب عليه ؟ قال : فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له : إنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة ، وتلقى محنا شديدة فتوفي الحسين ، وقام بعده عبيد الله ، وانتشرت دعوته ، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه ، وأنهم ينتظرونه .
وشاع خبر عند الناس أيام المكتفي ، فطلب ، فهرب هو وولده أبو القاسم الذي ولي بعده وتلقب بالقائم وهو يومئذ غلام ، وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب ، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب .
انتهى ما ذكره ابن الأثير .
قال المؤلف رحمة الله عليه وأما المحضر فنسخته
هذا ما شهد به الشهود
(1/43)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذي تنسب إليه الديصانية .
وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله .
وأن من تقدمه من سلفه من الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج ، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل .
وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار ، فساق ، زنادقة ، ملحدون ، معطلون ، وللإسلام جاحدون ، أباحوا الفروج ، وأحلوا الخمور ، وسبوا الأنبياء ، وادعوا الربوبية .
وفي آخره : وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة .
وقال ابن خلدون في كتاب العبر
وديوان المبتدأ والخبر
ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة ، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق ، يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس ، تزلفاً إليهم بالقدح فيمن ناصبهم ، وتفننا في الشمات بعدوهم ، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم ؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات ، وأدلة الأحوال التي اقتضت
(1/44)

"""""" صفحة رقم 45 """"""
خلاف ذلك من تكذيب دعواهم ، والرد عليهم ، فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا بكتامة للرضى من آل محمد ، واشتهر خبره ، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي ، وابنه أبي القاسم خشياً على أنفسهما ، فهرا من المشرق محل الخلافة ، واجتازا بمصر .
وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار ، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر فسرح في طلبهما الخيالة ، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا من الشارة والزي ، فأقبلوا إلى المغرب .
وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان ، وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما ، وإذكاء العيون في طلبهما ، فعثر اليسع صاحب سجلماسة ابن آل مدرار على خفي مكانهما ببلده ، واعتقلهما مرضاة للخليفة .
هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان . ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب ، ثم باليمن ، ثم بالاسكندرية ، ثم بمصر والشام والحجاز ؛ وقاسموا بني العباس في ممالك الإسلام شق الأبلمة ، وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ، ويديلون من أمرهم .
(1/45)

"""""" صفحة رقم 46 """"""
ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم ، وخطب لهم على منابرها حولا كاملا .
وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم ، وملوك بني أميه وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم .
وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب ، يكذب في انتحال الأمر ؟ واعتبر حال القرمطي إذ كان دعيا في انتسابه ، كيف تلاشت دعوته ، وتفرق اتباعه ، وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم ، فساءت عاقبتهم ، وذاقوا وبال أمرهم ، ولو كان أمر العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة .
فمهما تكن عند امرىءٍ من خليفةٍ . . . وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة ، وملكوا مقام إبراهيم ومصلاه ، وموطن الرسول ومدفنه ، وموقف الحجيج ، ومهبط الملائكة ، ثم انقرض أمرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم ، والحب فيهم ، واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق .
ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم ، هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم ، يزعمون استحقاقهم للخلافة ، ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة ، ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم ، فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ، ولا يشبه في بدعته ، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله .
(1/46)

"""""" صفحة رقم 47 """"""
والعجب في القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ، ويرى هذا الرأي الضعيف ، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين ، والتعمق في الرافضية ، فليس ذلك بدافع في صدد بدعتهم ، وليس إثبات منتسبهم بالذي يغنى عنهم من الله شيئاً في كفرهم ، وقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه : ' إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ، إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ، فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ ' وقال ( صلى الله عليه وسلم ) لفاطمة يعظها : يا فاطمة : اعملي : فلن أغنى عنك من الله شيئاً .
ومتى عرف أمرؤ قضية ، أو استيقن أمراً ، وجب عليه أن يصدع به ' واللّهُ يَقُولُ الحقَّ وَهُوَ يَهْدِى السبيلَ ' .
والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم ، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم ، وانتشارهم في القاصية بدعوتهم ، وتكرر خروجهم مرةً بعد أخرى ، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ، ولم يكادوا يعرفون . كما قيل :
فلو تسأل الأيام ما أسمى ما درت . . . وأين مكاني ؟ ما اعرفن مكاني
حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم ، سمته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم ، فتوصل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم ، وازدلفوا بهذا الرأي القائل إلى المستضعفين من خلفائهم ، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم ، المتولون لحروبهم مع الأعداء ، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين شيعة العبيديين وأهل دعوتهم ، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب ، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة ، منهم :
(1/47)

"""""" صفحة رقم 48 """"""
الشريف الرضي .
وأخوه المرتضى .
وابن البطحاوي .
ومن العلماء : أبو حامد الاسفراييني .
والقدوري .
والصيمري .
(1/48)

"""""" صفحة رقم 49 """"""
وابن الاكفاني .
والأبيوردي .
وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة .
وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد ، في يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة في أيام القادر ؛ وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد ، وغالبها شيعة بني العباس ، الطاعنون في هذا النسب ، فنقله الأخباريون كما سمعوه ، وروه حسبما وعوه ، والحق من ورائه . وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان ، وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد ، وأوضح دليل على صحة نسبهم ، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد ، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع ، وتلتمس فيه ضوال الحكم ، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار ، وما نفق فيها نفق عند الكافة ، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والإفن والشقشقة ، وسلكت النهج الأمم ، ولم تجر عن قصد السبيل ، نفق بأسواقها الإبريز الخالص ، واللجين المصفى ، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود ، وماجت
(1/49)

"""""" صفحة رقم 50 """"""
بسماسرة البغي والباطل ، نفق البهرج والزائف ، والناقد البصير قسطاس نظره ، وميزان بحثه وملتمسه .
قال أي ابن خلدون : وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده ، وأن الإمام بعده ابنه محمد المكتوم ، وبعده ابنه جعفر المصدق ، وبعده ابنه محمد الحبيب ، وكانوا أهل غلو في دعاويهم في هؤلاء الأئمة .
وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته .
وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن في قوم يعرفون ببني موسى ؛ وكذلك كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرجانة ، وفي كتامة ، وفي نفزة وسماتة ، تلقوا ذلك من الحلواني وابن بكار داعيتي جعفر الصادق ، وقدم على جعفر بن محمد والد عبيد الله
(1/50)

"""""" صفحة رقم 51 """"""
من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة ، يعرف بعلي بن الفضل ، فأخبره بأخبار اليمن ، فبعث معه أبا القسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفي من رجالات الشيعة ، وقال له : ليس لليمن إلا أنت ، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين ، ودخلا اليمن ، على حين انخلع محمد بن يعفر من الملك ، وأظهر التوبة ، فدعوا للرضى من آل محمد ، وظهرت الدعوة سنة سبعين ، وتسمى أبو القاسم بالمنصور ، وابتنى حصنا بجبل لاعة ، وزحف بالجيوش ، وفتح مدائن اليمن ، وملك صنعاء ، وأخرج بني يعفر ، وفرق الدعاة في اليمن والبحرين ، واليمامة ، والسند ، والهند ، ومصر والمغرب .
وكان أبو عبد الله المحتسب داعي المغرب ، وأصله من الكوفة ، واسمه الحسين بن أحمد ابن محمد بن زكريا ، من رام هرمز وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة ، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد .
ويعرف أبو عبد الله بالمعلم ، كان يعلم الناس مذهب الإمامية الباطنية ، واتصل بالإمام محمد بن جعفر ، ورأى أهليته ، فأرسله إلى ابن حوشب صاحب اليمن ، وأمره بامتثال أمره ، والاقتداء بسيرته ، ثم يذهب بعدها إلى المغرب ، ويقصد بلد كتامة ، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه ، وشهد مجالسه ، وأفاد علمه ، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم ، ولقي به رجالات كتامة واختلط بهم ، ووجد لديهم بذار من ذلك المذهب كما قدمنا ، فاشتملوا عليه ، وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم ، ونزل بها ، وجاهر
(1/51)

"""""" صفحة رقم 52 """"""
بمذهبه ، وأعلن إمامة أهل البيت ، ودعا للرضى من آل محمد على عادة الشيعة ، وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب ، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة .
ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن عهد لابنه عبيد الله المهدي ، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية ، وطلبه المكتفي ، وكان يسكن عسكر مكرم ، فانتقل إلى الشام ، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه أبي القاسم وكان غلاما حدثا ، وبلغ مصر ، وأراد قصد اليمن ، فبلغه أن علي بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب ، وأساء السيرة ، فكره دخول اليمن ، واتصل به شأن أبي عبد الله ، وما فتح الله عليه بالمغرب ، فاعتزم على اللحاق به ؛ وسرح عيسى النوشري عامل مصر في طلبه ، وكانوا خرجوا من الإسكندرية في زي التجار ، فلما أدركت الرفقة خفي حالهم ، بما اشتبه من الزي ، فافلتوا إلى المغرب .
انتهى كلام ابن خلدون رحمه الله قال المؤلف رحمة الله عليه : وأنت إذا سلمت من العصبية والهوى ، وتأملت ما قد مر ذكره من أقوال الطاعنين في أنساب القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق في الأخبار ، وتبين لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله ، ويشهد الحس السليم بكذبه ، فإنه قد ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سبباً لانحراف الناس إليه ، وطاعتهم له على كذبه . قال تعالى عن نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ' وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ باليَمينِ ثَمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ ' .
وقال تعالى في الدلالة على صدقه : ' أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغَالِبُونَ ' .
وقد علم أن الكذب على الله تعالى ، والافتراء عليه في دعوى استحقاق الخلافة النبوية على الأمة ، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وآل بيته ، من
(1/52)

"""""" صفحة رقم 53 """"""
أعظم الجنايات ، وأكبر الكبائر ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه ، ثم يمده في ظهوره بمعونته ، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام ، ويورثها بنيه من بعده ، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه ، ويفتن بمخرقته العباد ، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة في البلاد ، ثم يخليه تعالى وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار الكذابين ، ويحل به ما من عادته تعالى أن يحل بالمفسدين ، فيدمره وقومه أجمعين .
كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه ، وحمل الكافة على عبادته ، ولا يؤيده على إعلاء كلمته ، بل يسلمه في أيدي أعداء دينه المجاهرين بكفرهم وطغيانهم ، حتى يزيدهم ذلك كفراً إلى كفرهم ، وضلالاً إلى ضلالهم ، فإن فعله هذا بالصادق في دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء ، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية ، وسنة الله التي قد خلت في عباده ، اقتضت أنه تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل ، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب ، ويحيلها بالزور في ادعائه نسبا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غير صحيح ، وصرفه الناس عن طاعة بني العباس الثابتة أنسابهم ، المرضية سيرتهم ، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم أن يحول بينه وبين همه بذلك ، ويسلبه الأسباب التي يتمكن بها من الاحتراز ، ويعرضه لما يوقعه في المهلك ، ويسلك به سبيل أهل البغي والفساد .
فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدي ، بل كتب تعالى له النصر على من ناوأه ، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه ، حتى مكن له في الأرض ، وجعله وبينه من بعده أئمةً ، وأورثهم أكثر البسيطة ، وملكهم من حد منتهى العمارة في مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر ، والشام ، والحجاز ، وعمان ، والبحرين ، واليمن ، وملكهم بغداد وديار بكر مدة ، ونشر دعوتهم إلى خراسان ، ونصرهم على عدوهم أي نصر ، تبين أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صحيحة ، وهذا دليل يجب التسليم له .
وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان مما قاله له : أتراه كاذبا أو صادقا ؟ قال أبو سفيان : بل هو
(1/53)

"""""" صفحة رقم 54 """"""
كاذب ، قال هرقل : لا تقولوا ذلك ، فإن الكذب لا يظهر به أحد ، ' واللّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ' .
وقد نقل عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الإشارة إلى أمر عبيد الله المهدي ، فمن ذلك : أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى يكون ؟ فقال : إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض ، رأسه بالمغرب ، وأسفله بالمشرق .
وكذلك كان بداية أمر المهدي عبيد الله ، فإنه ابتدأ من المغرب ، وانتهى أمره على يد بنيه إلى المشرق ، فإنه ظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة تسعين ومائتين ، وهي أقصى مسكون المغرب ، ودعي للمستنصر ببغداد في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة .
وكان علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم يقول : في سنة أربع وخمسين ومائتين ستكشف عنكم الشدة ، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنتين وأربعين ؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته ، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومائتين ، وفي ذي الحجة منها كان ظهور الإمام المهدي بالله رحمة الله عليه .
(1/54)

"""""" صفحة رقم 55 """"""
ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية
إلى أن بنيت القاهرة
وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيي ، سار إلى أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفي باليمن ، وصحبه وصار من كبار أصحابه ، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر ، فلما ورد على ابن حوشب موت الحلواني ورفيقه بالمغرب ، قال لأبي عبد الله الشعيي : إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان ، وقد ماتا ، وليس لها غيرك ، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك .
فخرج أبو عبد الله إلى مكة ، وقد أعطاه ابن حوشب مالاً ، فلما قدم سأل عن حجاج كتامة ، فأرشد إليهم ، واجتمع بهم ، ولم يعرفهم قصده ، وذلك أنه جلس قريبا منهم ، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت ، فاستحسن ذلك ، وحدثهم في معناه ، فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته ، فأذن لهم ، وسألوه أين مقصده ؟ فقال : مصر ، ففرحوا بصحبته ، فرحلوا ، وهو لا يخبرهم بغرضه ، وأظهر العبادة والزهد ، فازدادوا فيه رغبة ، وخدموه .
وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم ، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية ؛ فقالوا : ماله علينا طاعة ، وبيننا وبينه عشرة أيام .
(1/55)

"""""" صفحة رقم 56 """"""
قال : أتحملون السلاح ؟ قالوا : هو شغلنا ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر ، فلما أراد وداعهم قالوا له : أي شيء تطلب بمصر ؟ قال : أطلب التعليم بها قالوا : إذا كنت تقصد هذا ، فبلادنا أنفع لك ، ونحن أعرف بحقك ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم .
فلما قاربوا بلادهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره ، فرغبوا في نزوله عندهم ، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم .
ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين ، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه ، فقال لهم : أين يكون فج الأخيار ؟ فعجبوا من ذلك ، ولم يكونوا ذكروه له ، فقالوا له : عند بني سليمان .
فقال : إليه نقصد ، ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم ، ونزورهم في بيوتهم فأرضى بذلك الجميع .
(1/56)

"""""" صفحة رقم 57 """"""
وسار إلى جبل يقال له إيكجان ، وفيه فج الأخيار ، فقال : هذا فج الأخيار ، وما سمى إلا بكم ، ولقد جاء في الآثار : للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان ، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان ، قوم اسمهم مشتق من الكتمان ، وبخروجكم في هذا الفج سمى فج الأخيار .
فتسامعت القبائل ، وأتاه البرابر من كل مكان ، فعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر ، وهو لا يذكر في ذلك اسم المهدي ، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله ، فمنعه الكتاميون من المناظرة ، وكان اسمه عندهم أبا عبد الله المشرقي .
وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية ، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة ليسأله عن أمره ، فصغره عنده ، وذكر أنه يلبس الخشن ، ويأمر بالخير والعبادة ، فسكت عنه .
ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين .
أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني .
فازدادت محبتهم له ، وتعظيمهم لأمره ، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله ، قال أحد الأولياء لأصحابه : لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني الشك في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به .
(1/57)

"""""" صفحة رقم 58 """"""
قالوا : وما هي ؟ قال : كان إذا وصفه قال : في فيه إصبع فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال : هذا لا يكون فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا القول ، واشترط عليهم الكتمان ، وضع إصبعه على فيه وقال : هذا هو الإصبع الذي كان يقوله الحلواني ، أمركم بالصمت والكتمان ، فأما أن يكون في فم رجل إصبع فلا فقالوا كذلك والله هو وتفرقت البرابر وكتامة بسببه ، وأراد بعضهم قتله ، فاختفى ، ووقع بينهم قتال شديد ، واتصل الخبر بالحسن بن هرون من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه ، ودافع عنه ، ومضى به إلى مدينة تاصروت ، فأتته القبائل من كل مكان ، وعظم شأنه ، وصارت الرئاسة للحسن بن هرون ، وسلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل ، وظهر من الاستتار ، وشهد الحروب ، فكان الظفر له ، وغنم الأموال ، وخندق على مدينة تاصروت ، وقد زحفت إليه قبائل المغرب ، فاقتتلوا عدة مرار ، كان له فيها الظفر ، وصار إليه أموالهم ، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة ، وزحف إلى مدينة ميلة ، وقاتل أهلها قتالا شديدا ، وأخذ الأرباض ، ثم ملك البلد بأمان ، فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحول في إثنى عشر ألفا ، وأتبعه بمثلهم ، فالتقى مع أبي عبد الله ، فانهزم أبو عبد الله ، وقتل كثير من أصحابه ، وتبعه الأحول ، فحال بينهما الثلج ، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان ، وملك الأحول مدينة تاصروت ، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة ، فبنى أبو عبد الله دار هجرة بإيكجان ، وقصده أصحابه ، وعاد الأحول إلى إفريقية ،
(1/58)

"""""" صفحة رقم 59 """"""
فمات إبراهيم بن الأغلب ، وقتل ابنه أبو العباس ، وولى زيادة الله بن الأغلب ، واشتغل باللهو واللعب ، فاشتد سرور أبي عبد الله .
ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحول ، فانتشرت حينئذ جنود أبي عبد الله في البلاد ، وصار يقول : المهدي يخرج في هذه الأيام ، ويملك الأرض ، فيا طوبى لمن هاجر إلي ، وأطاعني .
وأخذ يغري الناس بزيادة الله ويعيبه ، وكان أكثر من عند زيادة الله من الوزراء شيعة ، فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد الله ، خصوصا وقد كان يذكر لهم من كرامات المهدي ، وأنه يحيي الموتى ، ويرد الشمس من مغربها ، ويملك الأرض بأسرها ، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء ، ويعدهم ، وبعث أبو عبد الله برجال .
(1/59)

"""""" صفحة رقم 60 """"""
ذكر خروج عبيد الله المهدي إلى المغرب
وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليه ، وأنهم ينتظرونه ، فوافوه بسلمية من أرض حمص ، قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس ، فطلبه المكتفي ، ففر من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده ، وخرج معهما خاصته ومواليه .
فلما انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزي التجار ، فأتت الكتب إلى عيسى التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته ، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه ؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير الكاتب ، فبلغ ذلك عبيد الله ، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة ، فأوسع في النفقة على من صحبه ، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله ، وخرج بنفسه ، فلما رآه لم يشك فيه ، وقبض عليه ، ووكل به وقد نزل في بستان ، ثم استدعاه ليأكل معه ، فأعلمه أنه صائم ، فرق له ، وقال : أعلمني حقيقة أمرك حتى أطلقك .
فخوفه الله تعالى وأنكر حاله ، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله ، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته ، فقال : لا حاجة إلى ذلك ، ودعا له .
وقيل إنه أعطاه مالاً في الباطن حتى أطلقه ، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم ، فندم على إطلاقه ، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده .
وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه ، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلباً كان يصيد به ،
(1/60)

"""""" صفحة رقم 61 """"""
وهو يبكي عليه ، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه ، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده ، فلما رآه النوشري سأل عن خبره ، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده ، فقال النوشري لأصحابه : قبحكم الله ، أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه ، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريباً لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه ، ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه ، ولم يعرض له .
فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له : الطاحونة ، فأخذوا بعض متاعه ، منه كتب وملاحم كانت لآبائه ، فعظم أمرها عليه ، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان . ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس ، ففارق التجار ، وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله ، فقدمه عبيد الله إلى القيروان ، فسار إليها ، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب ، فقبض على أبي العباس وقرره ، فأنكر ، وقال : أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل ، فحبس .
وبلغ الخبر إلى عبيد الله ، فسار إلى قسنطينة .
ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله ، فلم يدركه ، ووافى عبيد الله قسطنطينة ، فلم يقصد أبا عبد الله ، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ ، وسار إلى سجلماسة ، فوافت الرسل في طلبه ، وقد سار فلم يوجد ، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها ، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات .
(1/61)

"""""" صفحة رقم 62 """"""
وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار ، فأهدى إليه عبيد الله وواصله ، فقربه اليسع وأحيه ، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي عنده ، فلم يجد بداً من القبض على عبيد الله وحبسه .
وأخذ زيادة الله في جمع العساكر ، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على أربعين ألفا ، وسلم إليه الأموال والعدد ، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه ، فنزل مدينة قسنطينية ، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله ، وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا ، وأبو عبد الله متحصن بالجبل ، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر ، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره ، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا ، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه ، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط ، فقاتلهم قتالا كثيرا ، وأدركهم أبو عبد الله ، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح ، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، فسار إبراهيم إلى القيروان ، وعظم أمر أبي عبد الله ، واستقرت دولته .
وكتب كتاباً إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره ، وسير الكتاب مع بعض ثقاته ، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم ، فاجتمع به وعرفه .
ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف ، وضايق زيادة الله ، فحشد وجمع عساكره ، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير ، فقتل هرون في خلائق لا تحصى . فاشتد الأمر على زيادة الله ، وخرج بنفسه ، فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين ، وسير جيشاً مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب .
واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه ، وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئاً بعد شيء عنوة وصلحا ، فأخذ مجانة ، وتيفاش ، ومسكيانة وتبسة ، وسار إلى إبراهيم ، فقتل من أصحابه ، وعاد إلى جبل إيكجان .
(1/62)

"""""" صفحة رقم 63 """"""
فلما دخل فصل الربيع ، وطاب الزمان ، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ألف فارس وراجل ، وجمع زيادة الله ما لا يحصى ، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين ، فالتقوا مع أبي عبد الله ، واقتتلوا أشد قتال ، وطال زمنه ، وظهر أصحاب زيادة الله ، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم ، فانهزم أصحاب زيادة الله ، وأوقع فيهم القتل ، وغنم أموالهم ، وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة ، ففر زيادة الله إلى ديار مصر ، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان ، فقصد قصر الإمارة ، ونادى بالأمان ، وتسكين الناس ، وذكر زيادة الله وذمه ، وصغر أمر أبي عبد الله ، ووعد الناس بقتاله ، وطلب منهم الأموال ، فقالوا : إنما نحن فقهاء وعامة التجار ، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك ، ثم إنهم ثارا به ورجموه . فخرج عنهم .
ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة ، فأمن الناس ، ومنع من النهب ، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله ، وسلموا عليه ، وهنوه بالفتح ، فرد عليهم ردا حسنا ، وأمنهم ، وقد أعجبوا به وسرهم ، فأخذوا في ذم زيادة الله وذكر مساوئه ، فقال لهم : ما كان إلا قوياً وله منعة ودولة شامخة ، وما قصر في مدافعته ، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع .
فامسكوا عن الكلام .
وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين ، فنزل ببعض قصورها ، وفرق دورها على كتامة ، ونادى بالأمان ، فرجع الناس إلى أوطانهم ، وأخرج العمال إلى البلاد ، وطلب أهل الشر فقتلهم ، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره ، فاجتمع منه كثير ، وكان له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال ، فلم ينظر إلى واحدة منهن ، وأمر لهن بما يصلحهن . فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا ، وأمر
(1/63)

"""""" صفحة رقم 64 """"""
بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم ، وجعل في الوجه الواحد : بلغت حجة الله ، وفي الآخر : تفرق أعداء الله .
ونقش على السلاح : عدة في سبيل الله .
ووسم الخيل على أفخاذها : الملك لله .
وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون ، والقليل من الطعام الغليظ .
ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم ، ففرح به ، وكان هو الكبير .
(1/64)

"""""" صفحة رقم 65 """"""
ذكر ظهور عبيد الله المهدي من سجلماسة
وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة ، فاهتز المغرب لخروجه ، وخافته زناتة ، وزالت القبائل عن طريقه ، وأتته رسلهم فدخلوا في طاعته ، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله ، وهل أبو عبد الله قصد إليه ؟ فحلف به أنه ما رأى أبا عبد الله ، وإنما أنا رجل تاجر ، فأفرده معتقلا بدار وحده ، وأفرد ابنه أيضا ، فجعل عليهما الحرس ، وقرر ولده ، فما حال عن كلام أبيه ، وقرر رجالا كانوا معه وضربهم ، فلم يقروا بشيء .
وبلغ ذلك أبا عبد الله ، فشق عليه ، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب ، وإنما له حاجة مهمة عنده ، فرمى الكتب وقتل الرسل ، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله ، ولم يذكره ، فقتل الرسول ثانيا ، فأسرع أبو عبد الله في السير ، ونزل عليه ، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله ، فلما جنه الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه ، وبات أبو عبد الله في غم عظيم خوفا على عبيد الله .
فلما أصبح خرج إليه أهل البلد ، وأعلموه بهرب اليسع ، فدخل هو وأصحابه البلد ، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين ، وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم ؛ فأركبهما أبو عبد الله ، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما ، وأبو عبد الله يقول للناس : هذا مولاكم ، وهو يبكي من شدة الفرح ، حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه ، وبعث الخيل في طلب اليسع ، فأدرك وأخذ ، فضرب بالسياط وقتل .
(1/65)

"""""" صفحة رقم 66 """"""
وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما ، ثم سار إلى إفريقية ، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحالا ، وصار بها إلى رقادة في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين .
وزال مالك بني الأغلب من إفريقية ، وملك بني مدرار من سجلماسة ، وملك بني رستم من تاهرت .
وملك المهدي جميع ذلك ، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه ، وابنه خلفه ، فسلموا عليه ، فرد عليهم رداً جميلا ، وأمرهم بالانصراف ، ونزل بقصر من قصور رقادة .
وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة ، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في جميع البلاد ، فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة ، وأحضروا الناس ، ودعوهم إلى مذهبهم ، وقتل من لم يوافق .
وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده ، وفرق ما بقي على وجوه كتامة ، وقسم عليهم أعمال إفريقية ، ودون الدواوين ، وجبا الأموال ، واستقرت قدمه ، ودانت له أهل البلاد ، واستعمل العمال عليها :
(1/66)

"""""" صفحة رقم 67 """"""
ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي
وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه ، وكف يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس ، فداخل أبا العباس الحسد ، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي ، والأخذ والعطاء ، فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه ، ويتكلم فيه ، وأخوه ينهاه ، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا ، ولام أخاه وقال له : ملكت أمراً ، فجئت بمن أزالك عنه ، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك .
وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله ، وقال للمهدي : لو كنت تجلس في قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم ، لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس .
وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس ، فرد ردا لطيفا ، وأسر ذلك في نفسه .
وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه ، ويقول .
ما جازاكم على ما فعلتم ، بل أخذ هو الأموال من إيكجان ، ولم يقسمها فيكم . وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل ، فزاد أبو العباس في القول ، حتى قال : إن هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه ، لأن المهدي يأتي بالآيات الباهرة .
فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس ، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي بذلك وقال : إن كنت المهدي فأظهر لنا آية ، فقد شككنا فيك .
فقتله المهدي .
وخافه أبو عبد الله ، وعلم أن المهدي قد تغير عليه ، فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدي ، ودخلوا عليه مراراً ، فلم يجسروا على قتله ، ونقل ذلك إلى المهدي من رجل
(1/67)

"""""" صفحة رقم 68 """"""
كان يوافقهم على ما هم فيه ، ثم يأتي المهدي فيخبره ، فأخذ المهدي في تفريق القوم في البلاد ، وكان كبيرهم أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني ، فسيره واليا على طرابلس ، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله ، فلما وصل أبو زاكي قتله العامل ، وأرسل برأسه إلى المهدي ، فأمر حينئذ بقتل جماعة ، وأعد رجالاً لأبي عبد الله وأخيه أبي العباس ، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبد الله ، فقال : لا تفعلوا فقالوا له : إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك ، فقتل هو وأخوه في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي ، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة ، وصلى عليه المهدي ، وقال : رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك .
وثارت فتنة بسبب قتلهما ، وجرد أصحابها السيوف ، فركب المهدي وأمن الناس فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم .
وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير ، فخرج المهدي وسكن الفتنة ، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة .
وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون ، أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال .
ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم بالخلافة ، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا ، وقالوا : هذا هو المهدي ، ثم زعموا أنه يوحى إليه ، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت ، فبعث إليهم المهدي ابنه أبا القاسم ، فقاتلهم حتى هزمهم ، واتبعهم إلى البحر ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، وقتل الطفل الذي أقاموه .
ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي ، فأنفذ إليها ، وقتل من أهلها .
وخالف عليه أهل تاهرت ، فغزاها ، وقتل أهل الخلاف ، وتتبع بني الأغلب ، فقتل منهم جماعة برقادة .
فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي القاسم إلى مصر ، فساروا إلى برقة ، واستولوا عليها في ذي الحجة ، وساروا إلى الاسكندرية والفيوم
(1/68)

"""""" صفحة رقم 69 """"""
فضيق على أهلهما ، وبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في جيش كثيف ، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب .
وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه ، وبما فتح من البلاد ، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها ، فمنها :
فلو كانت الدنيا مثالاً لطائرٍ . . . لكان لكم منها بما حزتم الذّنب
فحرك همته هذا البيت ، وقال : والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت ، وإلا أهلك دونه .
وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا ، ومات ولم يظفر بها ، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه ، فشغلته الفتن ، وكان الظافر بها المعز .
فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة في البحر ، فغلب على الاسكندرية ، ثم سار منها يريد مصر ، فأرسل المقتدر بالله مؤنساً في عسكر إلى مصر ، وأمده بالسلاح والأموال ، فالتقى بحباسة في جمادى الأولى ، فكانت بينهما حروب كثيرة ، قتل فيها من الفريقين جمع عظيم ، وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة ، ويقال إنه قتل في هذه الواقعة سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي .
وفيها ، خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان ، واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر ، فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا ، فاقتتلوا ، فقتل غالب في عالم لا يحصى ، وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة ، فقال :
(1/69)

"""""" صفحة رقم 70 """"""
ما أعجب أمور الدنيا ، قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء ، وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب . ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعاً على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة ، وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته ، فلم يجد موضعاً أحسن ولا أحصن من موضع المهدية ، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند ، فبناها ، وجعلها دار ملكه ، وجعل لها سوراً محكماً ، وأبوابا عظيمة ، زنة كل مصراع مائة قنطار .
وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة ، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب ، فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى ، فقال : إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا .
وكان يأمر الصناع بما يعملون ، وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة شينى ،
(1/70)

"""""" صفحة رقم 71 """"""
وعليها باب مغلق ، ونقر في أرضها أهراء للطعام ، ومصانع للماء ، وبنى فيها القصور والدور ، فلما فرغ منها قال : اليوم آمنت على الفاطميات يعني بناته ، وارتحل عنها .
ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال : هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار ، فكان كذلك ، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة وعاد ولم يظفر .
فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم إلى مصر ، وهي المرة الثانية ، فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر ، ودخلها القاسم ، ثم سار منها ، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد ، وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى طاعته ، فلم يقبلوا منه ، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في شعبان ، فوصل إلى مصر ، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات .
ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم من أبيه ، فأرست بالاسكندرية ، وعليها سليمان الخادم ، ويعقوب الكتامي ، وكانا شجاعين . فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس ، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا ، فيها النفط والعدد ، فالتقت المراكب على رشيد ، فظفرت مراكب المقتدر ، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية ، وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير ، فيهم سليمان ويعقوب ، فمات سليمان بمصر في الحبس ، وحمل يعقوب إلى بغداد ، فهرب منها ، وعاد إلى إفريقية .
وغلب مؤنس عساكر القائم ، ووقع فيهم الغلاء والوباء ، فمات كثير منهم ، ورجع من بقي إلى
(1/71)

"""""" صفحة رقم 72 """"""
إفريقية ، وفيهم القائم ، وتلقب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفر ، لغلبته عساكر المغرب غير مرة .
فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب في جيش كثير ، في صفر ، بسبب خارجي خرج عليه ، وقتل خلقا ، فوصل إلى ما وراء تاهرت .
وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية ، وكانت خطة لبني كملان ، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان ، كالمتوقع منهم أمراً ، فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه ، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي .
وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح ، فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام ، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما ، والطلب مراصد ، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر ، ويبث دعوته ؛ وعبيد الله خرج من سلمية في الشام ، وقد أذكيت العيون عليه ، وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته ، وكلاهما تم له الأمر ، وقتل من قام بدعوته .
وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية ، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام ، ويخزنه ويحتفظ به ، ففعل ذلك ، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد ، ولقيه المنصور بن القائم بن المهدي ، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها .
فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر ، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول ، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد الله المهدي بالمهدية ، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنةً لتدبير كان له ، فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي .
(1/72)

"""""" صفحة رقم 73 """"""
وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل .
وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين سنة ، وعشرة أشهر ، وعشرين يوماً .
وقيل : كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين ، وقيل سنة ستين ومائتين ؛ وقيل : ولد بالكوفة .
ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين .
وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة .
ونقش خاتمة : بنصر الإله الممجد ، ينتصر الإمام أبو محمد .
وقال فيه سعدون الورجيلي : كفّي عن التثبيط إنّي زائرٌ . . . من أهل بيت الوحي خير مزور
هذا أمير المؤمنين تضعضعت . . . لقدومه أركان كلّ أمير
هذا الإمام الفاطميّ ومن به . . . أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه . . . من مهربٍ من جيشه المنصور
حتى يفوز من الخلافة بالغ . . . ويفاز منه بعدله المنشور
(1/73)

"""""" صفحة رقم 74 """"""
القائم بأمر الله أبو القاسم محمد وقيل عبد الرحمن بن المهدي عبيد الله
ولد بسلمية في المحرم سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين ، ورحل مع أبيه إلى المغرب ، وعهد إليه من بعده .
فلما مات أبوه ، وفرغ من جميع ما يريده ، وتمكن ، أظهر موت أبيه ، وتبع سنة أبيه ، وثار عليه جماعة ، فتمكن منهم .
وخرج عليه ابن طالوت في ناحية طرابلس ، فبعث إليه وقتله ، وجهز جيشا كثيرا إلى المغرب ، فهزم خارجياً هناك .
وسير جيشا في البحر إلى بلد الروم ، فسبى وغنم في بلد جنوه .
وسير جيشا بالغ في النفقة عليهم إلى مصر ، فدخلوا الاسكندرية ، فبعث الأخشيد فهزمهم .
(1/74)

"""""" صفحة رقم 75 """"""
ذكر أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي وحروبه
وذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد النكاري الخارجي بإفريقية ، واشتدت شوكته ، وكثرت أتباعه ، وهزم الجيوش .
وكان ابتداء أمره أنه من زناة من مدينة توزر ، وكان أبوه يختلف إلى بلاد السودان للتجارة ، فولد بها أبو يزيد من جارية صفراء هوارية ، فأتى به إلى توزر ، فنشأ بها ، وتعلم القرآن ، وخالط جماعة من النكارية ، فمالت نفسه إلى مذهبهم ، ثم سافر إلى تاهرت ، فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب عبيد الله المهدي ، فانتقل إلى تقيوس ، واشترى ضيعة ، وأقام يعلم الناس فيها .
وكان مذهبه تكفير أهل الملة ، واستباحة الأموال والدماء ، والخروج على السلطان ، فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ، وصار له جماعة يعظمونه ، وذلك في أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة .
وتزايدت شوكته ، وكثرت أتباعه في أيام القائم ، وحاصر باغاية ، وهزم الجيوش الكثيرة ، ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين ، وفتح تبسة ومجانة ، وهدم سورها ، ودخل مدينة مرمجنة ، فلقيه رجل من أهلها ، وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة ،
(1/75)

"""""" صفحة رقم 76 """"""
فركبه من ذلك اليوم ، وصار يعرف براكب الحمار ، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة ، وكان قبيح الصورة .
ثم إنه هزم كتامة ، وافتتح سبتية ، وصلب عاملها ، وفتح مدينة الأربس ، وأحرقها ونهبها ، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه ، وبلغ ذلك أهل المهدية فاستعظموه ، وقالوا للقائم : الأربس باب إفريقية ، ولما أخذت زالت دولة بني الأغلب ، فقال : لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى ، وهي أقصى غايته .
وأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد ، وجمع العساكر ، وبعث جيشا مع فتاه ميسور ، وجيشا مع فتاه بشرى ، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة ، فانهزم أبو يزيد ، وصار في أربعمائة ، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها ، فانهزم بشرى إلى تونس وقتل كثير من عسكره ، وملك أبو يزيد باجة ، وحرقها ، ونهبها ، وقتل الأطفال ، وأخذ النساء ، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه ، وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب .
وجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبي يزيد ، فسير إليهم أبو يزيد جيشا ، والتقوا ، وانهزم أصحاب أبي يزيد .
وكانت فتنة بتونس ، وهرب عاملها ، وكاتبوا أبا يزيد فأمنهم ، وولى عليهم رجلا منهم ، فخافه الناس ، وانتقلوا إلى القيروان ، وأتاه كثير منهم ، ثم لقيه بشرى ، فانهزم عسكر أبي يزيد ، وقتل منهم أربعة آلاف ، وأسر خمسمائة ، وبعث بهم إلى المهدية في السلاسل ، فقتلهم العامة .
فغضب لذلك أبو يزيد ، وجمع الجموع .
(1/76)

"""""" صفحة رقم 77 """"""
وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم ، فانهزمت الطلائع ، وتبعهم البربر إلى رقادة ، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان في مائة ألف مقاتل ، وقاتل أهل رقادة ، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا ، ودخل القيروان عسكره في أواخر صفر ، فانتهبوا البلد وقتلوا ، وأخذ عامل القيروان فحمل إلى أبي يزيد فقتله .
وخرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فطلبوا الأمان فماطلهم ، وأصحابه يقتلون وينهبون ، فعادوا إلى الشكوى وقالوا : خربت المدينة .
فقال : وما تكون ؟ خربت مكة والبيت المقدس ؟ ثم قدم ميسور في عساكر عظيمة ، فالتقى بأبي يزيد ، واشتد القتال بينهما ، وقتل ميسور ، وحمل رأسه إلى أبي يزيد ، فانهزم عامة عسكره .
وسير أبو يزيد الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر فخاف القائم ومن معه بالمدينة ، وانتقل الناس من أرباضها ، فاحتموا بالسور ، فمنعهم القائم ، ووعدهم الظفر ، فعادوا إلى زويلة واستعدوا ، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في خيم ميسور ، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية ، فيغنمون ويعودون ؛ وفتح سوسة بالسيف ، وقتل الرجال ، وسبى النساء ، وأحرق البلد ، وشق أصحابه فروج النساء ، وبقروا البطون ، حتى لم يبق موضع في إفريقية معمور ، ولا سقف مرفوع ، ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة ، فمات أكثرهم جوعا وعطشا .
(1/77)

"""""" صفحة رقم 78 """"""
وفي أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول أرباض المهدية ، وكتب إلى زيرى بن مناد سيد صنهاجة ، وإلى سادات كتامة والقبائل بحثهم على الاجتماع بالمهدية ، فتأهبوا للمسير إليه .
ورحل أبو يزيد نحو المهدية ، فنزل على خمسة عشر ميلا منها ، وبث سراياه فانتهبوا ما وجدوا ، وقتلوا من أصابوا .
فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة وأصحاب القائم إلى أبي يزيد ، فالتقوا على ستة أميال من المهدية ، واقتتلوا مع أصحاب أبي يزيد ، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم ، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال ، وأبو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح .
واقتحم قوم من البربر باب الفتح ، وأشرف أبو يزيد على المهدية ، ثم رجع إلى منزله ، وعاد إلى المهدية ، ووقف على الخندق المحدث ، وقاتل عليه حتى وصل إلى باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم ، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون ، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب ، فحمل الكتاميون على البربر ، وهزموهم وقتلوا منهم .
ووصل زيرى بن مناد فعظم القتال ، وتحير أبو يزيد ، وقد مالوا عليه ليقتلوه ، فتخلص إلى منزله بعد المغرب ، ورحل إلى ترنوطة ، وحفر على عسكره خندقا ، واجتمع
(1/78)

"""""" صفحة رقم 79 """"""
إليه خلق عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة ، والزاب ، وأقاصي المغرب ، فحصر المهدية حصاراً شديداً ، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها .
ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة ، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم ، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب ، فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح : هذا أبو يزيد فاقتلوه .
فأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد ؛ وكتب إلى عامل القيروان بإرسال مقاتلة أهلها إليه ، ففعل ذلك ، وزحف بهم آخر رجب ، فجرى قتال شديد ، وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة ، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان .
ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال ، فجرى قتال عظيم ، وانصرف إلى منزله ، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء ، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها أبوه المهدي ، وفرق ما فيها على رجاله ، وعظم البلاء على الرعية ، حتى أكلوا الدواب الميتة ، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار ، ولم يبق بها سوى الجند ، فكان البربر يأخذون من خرج ، ويشقون بطونهم طلباً للذهب .
ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة ، فخاف أبو يزيد ، وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم ، حتى أفنوا ما كان في إفريقية ، فلما لم يبق مع أبي يزيد سوى أهل أوراس وبني كملان أخرج عسكره ، فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة ، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد .
ثم زحفت عساكر القائم إليه ، فخرج من خندقه ، واشتد بينهم القتال ، ثم عادوا إلى
(1/79)

"""""" صفحة رقم 80 """"""
القتال ، فانهزم عسكر القائم ، وعاد الحصار على ما كان عليه ، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية ، وطرابلس ، ومصر ، وبلد الروم .
فلما كان آخر ذي القعدة اجتمع لأبي يزيد جمع عظيم ، وتقدم إلى المهدية ، فقاتل عليها ، وكاد أن يؤخذ ، ثم خلص .
سنة أربع وثلاثين
وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه ، فأجابه كثير من الناس ، وادعى أنه رجل عباسي ورد من بغداد ، ومعه أعلام سود ، فظفر به أصحاب أبي يزيد وساقوه إليه فقتله . وفر بعض أصحاب أبي يزيد إلى المهدية ، وخرجوا مع أصحاب القائم ، فقاتلوا أبا يزيد فظفروا ، وتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ، ولم يبق معه غير هوارة وبني كملان وكان اعتماده عليهم .
ورحل بقية أصحابه إلى القيروان ، ولم يشاوروا أبا يزيد ، فرحل مسرعا في طائفة ، وترك جميع أثقاله ، وذلك في سادس صفر ، فنزل مصلى القيروان ، فخرج أهل المهدية إلى أثقاله ، فغنموا طعاما كثيرا وخياما ، فحسنت حالهم ، ورخصت الأسعار ، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد .
ثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر ، فنهبوا جميع ما فيها ، وسبوا النساء والأطفال ، وقتلوا الرجال ، وهدموا المساجد ، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا . فسير القائم عسكرا لقتال أصحاب أبي يزيد في تونس ، فانهزم عسكر القائم ، وتبعهم أصحاب أبي يزيد ، فكر عليهم عسكر القائم وصبروا ، فانهزم أصحاب أبي يزيد ، وقتل منهم خلق كثير .
(1/80)

"""""" صفحة رقم 81 """"""
ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول ، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد ، فبعث أبو يزيد ابنه فقتل أهل البلد ، وأحرق ما بقي فيه ، وتوجه إلى باجة ، فقتل من بها من أصحاب القائم ، ودخلها بالسيف وأحرقها ؛ وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف .
وهم جماعة من أصحاب أبي يزيد بقتله ، وكاتبوا القائم بذلك ، فظفر بهم أبو يزيد فقتلهم ، وكثر النهب والسبي في القيروان .
وكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها ، فاجتمع له خلق كثير ، فطرقهم أيوب بن أبي يزيد على حين غفلة فقتل منهم ، وغنم أثقالهم ، وسير جريدة إلى تونس ، فأوقعوا بعسكر القائم ، وتكررت الحرب بينهم ، فانهزم أصحاب أبي يزيد ، وقتلوا قتلا ذريعا ، وأخذت أثقالهم ، وانهزم أيوب إلى القيروان في ربيع الأول ، فعظم على أبي يزيد ، وجمع على ابنه أيوب فسار ؟ ، وتوالت بينه وبين أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر أبي يزيد ، ثم تجمعت عسكر القائم ، وواقعت أصحاب أبي يزيد على قسنطينة ، فانهزمت أصحاب أبي يزيد .
فجد حينئذ أبو يزيد في أمره ، وجمع العساكر ، وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة ، وبها جيش القائم ، فحصرها حصرا شديدا ، وعمل عليها الدبابات
(1/81)

"""""" صفحة رقم 82 """"""
والمنجنيقات ، وقتل من أهلها خلق كثير .
فلما كان في شهر رمضان مات القائم ، وقام من بعده ابنه المنصور ، فكتم موت أبيه خوفا من أي يزيد ، وعمل المراكب وشحنها بالرجال ، وسيرها إلى سوسة ، وسار بنفسه إليها ، ثم عاد ، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو وأصحابه ، وأحرقوا خيامه ، فدخل أبو يزيد إلى القيروان ، وفر البربر على وجوههم ، فمات أكثرهم جوعا وعطشا .
ومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد ، وحصروا عامله بها ، فالتحق به ، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب ، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سبيبة ، وهي على يومين من القيروان فنزلوها .
وسار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال ، وبعث فنادى في الناس بالأمان ، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال ، فخرج إليه الناس فأمنهم ، ووجد بالقيروان حرما وأولاد لأبي يزيد ، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق .
وجمع أبو زيد العساكر ، وبعث سرية يتخبرون له ، فأرسل إليهم المنصور سرية ، فالتقوا واقتتلوا ، وهزموا أصحاب المنصور ، وبلغ الناس ، ذلك فتسرعوا إلى أبي يزيد وكثر جمعه ، وزحف إلى القيروان ، فواقعه المنصور حتى ظفر ، وباشر بنفسه القتال ، وجعل يحمل يمينا وشمالا ، والمظلة على رأسه كالعلم ، ومعه نحو خمسمائة فارس ، وأبو يزيد في قدر
(1/82)

"""""" صفحة رقم 83 """"""
ثلاثين ألفا ، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ، وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا وقصده أبو يزيد ، فلما رآه شهر سيفه ، وثبت مكانه ، وحمل بنفسه على أبي يزيد ، حتى كاد يقتله ، فولى أبو يزيد هارباً ، وقتل المنصور من أدرك منهم ، وتلاحقت به العساكر ، فقتل من أصحاب أبي يزيد خلقاً كثيراً .
وكان يوماً من الأيام المشهودة التي لم يكن فيما مضى من الأيام مثله ، وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه ، فزادت مهابته في قلوبهم .
ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة ، ثم عاد إليها غير مرة ، فلم يخرج إليه أحد ، ونادى المنصور : من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار . وأذن للناس في قتال أبي زيد ، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق ، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبي يزيد ، وافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض ، وكثرت القتلى من الفريقين ، وعادت الحرب بينهما غير مرة ، وأبو يزيد يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة .
ثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور ، ليدخل في طاعته ، على أن يؤمنه وأصحابه ، وحلف على ذلك بأغلظ الأيمان ، فسير إليه المنصور عياله مكرمين ، بعد أن وصلهم وكساهم ، فلما وصلوا إليه نكث ، وقال : إنما وجههم خوفا مني .
وانقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم .
ففي خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد ، وركب المنصور ، وكان بينهما قتال ما سمع بمثله ، وحملت البربر على المنصور ، وحمل عليها ، وجعل يضرب فيهم ، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير .
فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره ، فجعل على ميمنته أهل إفريقية ، وعلى ميسرته كتامة ، وركب في القلب ومعه عبيده وخاصته ، فوقع بين الفريقين قتال شديد ،
(1/83)

"""""" صفحة رقم 84 """"""
وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها ، ثم حمل على القلب فوقع إليه المنصور ، وقال : هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى .
وحمل فيمن معه حملة رجل واحد ، فانهزم أبو يزيد ، وأخذت السيوف أصحابه ، فولوا منهزمين ، وأسلموا أثقالهم ، وفر أبو يزيد على وجهه ، وقد قتل من أصحابه ما لا يحصى كثرة ، حتى أن الذي أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس .
وأقام المنصور يتجهز ، ثم رحل أواخر ربيع الأول ، فأدرك أبا يزيد ، ففر منه فتبعه ، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه ، واستأمن بعض أصحابه فأمنه المنصور ، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر وأهله على مذهبه ، وسلك الرمال ، فاجتمع معه خلق كثير ، وواقع عسكره المنصور ، فهزم الميمنة ، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم ، وتبعه المنصور إلى جبال وعرة ، وأودية عميقة خشنة الأرض ، فمنعت الأدلاء المنصور من سلوك تلك الأرض ، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط .
واشتد الأمر على عسكر المنصور ، فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا ، وبلغت قربة الماء دينارا ، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التي ليس فيها عمارة ، وقيل للمنصور : إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف .
فلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة ، فاتصل به الأمير زيرى بن مناد الصنهاجي ، بعساكر صنهاجة ، فأكرمه المنصور ، وأتته الأخبار بموضع أبي يزيد من الرمال .
ونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه ، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب ، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها ، فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان ، فخدعه بنو كملان هم وهوارة ومنعوه من ذلك ، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها ، واجتمع إليه أهلها ، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس ، فسار المنصور عاشر شعبان إليه ، فلم ينزل أبو يزيد ، فلما أخذ المنصور في العود ، نزل أبو يزيد إلى ساقة العسكر ، فرجع المنصور ، ووقعت الحرب ، فانهزم أبو يزيد ، وأسلم أصحابه وأولاده ، وأدركه فارسان فعقرا فرسه ، فسقط عنه ، فأركبه بعض أصحابه ،
(1/84)

"""""" صفحة رقم 85 """"""
وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه ، وكثر عليه القتال حتى خلصه أصحابه ، وخلصوا به ، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف .
وسار المنصور في أثره أول رمضان ، فاقتتلوا أشد قتال ، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته ، ثم انهزم أبو يزيد ، وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر ، واشتد الأمر حتى تواخذوا بالأيدي ، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء ، وافترقوا على السواء .
والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها ، وأقبلت هواره وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان ، فأمنهم المنصور ، وسار فحصر القلعة ، وفرق جنده حولها ، فناشبه أبو يزيد القتال ، وزحف إليها المنصور غير مرة حتى ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة ، وألقوا فيها النيران ، فانهزم أصحاب أبي يزيد ، وقتلوا قتيلا ذريعا ، وامتنع أبو يزيد وأولاده في قصر بالقلعة ومعه أعيان أصحابه ، فاجتمع أصحاب المنصور ، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار . فلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبي يزيد وهم يحملونه على أيديهم ، وحملوا على الناس حملة منكرة ، فأفرجوا له ، ونجوا به ، ونزل من القلعة خلق كثير ، فأخذوا وأخبروا بخروج أبي يزيد ، فأمر المنصور بطلبه ، وقال : ما أظنه إلا قريبا منا .
فبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبي يزيد حملوه من المعركة لقبح عرجه ، فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب ، فأخذ وحمل إلى المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم ، وبه جراحات ، فلما رآه سجد شكراً لله . وقدم به والناس يكبرون حوله ، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ؛ فمات من جراح كانت به ، فأمر المنصور بادخاله في قفص عمل له ، وجعل معه قردين يلعبان عليه ، وأمر بسلخ جلده ، وحشاه تبنا ، وكتب إلى سائر البلاد بالبشارة .
(1/85)

"""""" صفحة رقم 86 """"""
وخرج عليه بعد أبي يزيد عدة خوارج ، فظفر بهم المنصور .
ثم عاد المنصور إلى المهديلة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين .
وكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة .
وقام بالأمر من بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل المنصور بنصر الله ، وكتم موته خوفاً أن يعلم أبو يزيد ، فإنه كان على سوسة قريبا منه ، فأبقى الأمور على حالها ، ولم يتسم بالخليفة ، ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود ، وبقى كذلك حتى فرغ من أمر أبي يزيد ، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه ، وتسمى بالخلافة ، وعمل آلات الحرب .
ويقال إن القائم لم يرق سريرا ، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر حتى مات ، وإنه صلى مرة على جنازة ، وصلى مرة العيد بالناس .
وكانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة ، وسبعة أشهر ، واثنى عشر يوما .
وعمره ثمانيا وخمسين سنة ، وقيل أربعا وخمسين سنة ، وتسعة أشهر ، وستة أيام .
وأولاده : أبو الطاهر إسماعيل .
وأبو عبد الله جعفر ومات في أيام المعز وحمزة ، وعدنان ، وأبو كنانة قبضوا بالمغرب ويوسف مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعبد الجبار توفي بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وأربع بنات .
وترك سبع سرارى .
(1/86)

"""""" صفحة رقم 87 """"""
وكانت قضاته : إسحاق بن أبي المنهال ، ثم مات ، فولى أحمد بن يحيى وقتله أبو يزيد لما فتح إفريقية في صفر سنة ثلاث وثلاثين ، ثم أحمد بن الوليد .
ونقش خاتمه : بنصر الدائم ، ينتصر الإمام أبو القاسم .
وقال فيه أيوب بن إبراهيم :
يا ابن الإمام المرتضى ، وابن الو . . . صي المصطفى ، وابن النبيّ المرسل
الله أعطاك الخلافة واهباً . . . ورآك للإسلام أمنع معقل
نلت الخلافة ، وهي أعظم رتبةً . . . نيلت ، وليست من علاك بأفضل
فمنعت حوزتها ، وحطت حريمها . . . بالمشرفيّة والوشيج الذّبّل
وقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبي يزيد :
وما ودّعت خير الخلق طرّاً . . . ولا فارقته عن طيب نفس
ولكنّي طلب به رضاه . . . وعفو اللّه يوم حلول رمس
فعاش مملّكاً ما لاح نجمٌ . . . على الثّقلين من جنٍّ وإنس
(1/87)

"""""" صفحة رقم 88 """"""
المنصور بنصر الله أبو الطاهر إسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد الله المهدي
ولد بالمهدية في أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة ، وقيل ولد بالقيروان في سنة اثنتين وثلاثمائة ، وقيل بل في سنة إحدى وثلاثمائة .
وبويع له في شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة .
وتوفي يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال ، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة منها .
وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر .
وكانت ولايته الخلافة بعد أبيه ثماني سنين ، وقيل : سبع سنين وعشرة أيام ، وقيل : كان عمره تسعا وثلاثين سنة .
وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن ، حاضر الجواب ، بعيد الغور ، جيد الحدس ، يخترع الخطبة لوقته ؛ وأحواله التي تقدم ذكرها مع أبي يزيد وغيره تدل على شجاعته وعقله .
قال أبو جعفر أحمد بن محمد المرورذي : كنت مع المنصور في اليوم الذي أظهره الله بمخلد بن كيداد أبي يزيد ، وهزمه ، فتقدمت إليه ، وسلمت عليه ، وقبلت يده ، ودعوت له بالنصر والظفر ، فأمرني بالركوب وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه ، وتقلد سيف جده ذا الفقار ، وأخذ بيده رمحين فحدثته ساعة ، فجال به الفرس ، ورد أحدهما إلى يده اليسرى ، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض ،
(1/88)

"""""" صفحة رقم 89 """"""
فتفاءلت له بالظفر ، ونزلت مسرعا ، فرفعت الرمح من الأرض ، ومسحته بكمي ، فرفعته إليه ، وقبلت يده ، وقلت :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى . . . كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
فأخذ المنصور الرمح من يدي وقال : هلا قلت ما هو خير من هذا وأصدق ؟ .
قال ، قلت : وما هو ؟ .
قال : قال الله عز وجل : ' وأَوْحَيْنا إلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فّإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يأْفِكون ؛ فَوَقَعَ الحقُّ وبَطَلَ ما كانوا يَعْمَلُون ، فغُلِبوا هُنالِكَ وانقَلَبُوا صاغرينَ ' .
قال : فقلت : يا مولانا : أنت ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإمام الأمة ، عليكم نزل القرآن ، ومن بيتكم درجت الحكم ، فقلت أنت بما عندك من نور النبوة ، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر .
وكان الأمر كما قال ، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبي يزيد حتى ضرب الله في وجوههم ، فقتلوا ، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار ، وولى أبو يزيد في بقية أصحابه خائبين إلى داخل المغرب .
ولما صارت الخلافة إلى المنصور في الشهر الذي توفى أبوه فيه ، لم يغير السكة ولا البنود ، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت أبيه بعد أن ظفر بأبي يزيد .
وكان سبب موته : أنه خرج إلى سفاقس وتونس ، ثم إلى قابس ، وبعث يدعو
(1/89)

"""""" صفحة رقم 90 """"""
أهل جربة إلى الطاعة فأجابوه ، وأخذ منهم رجالا وعاد ، وكانت سفرته شهرا .
وعهد إلى ابنه معد وجعله ولى عهده .
فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء وهو موضع كثير الثمار ، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجات لعظمه فحمل منه إلى قصره ، وكانت له حظية يحبها ، فلما رأت الأترج استحسنته ، وأحبت أن تراه في أغصانه ، فأجابها إلى ذلك ، ورحل بها في خاصته ، وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية ، فأصابه في الطريق ريح شديد ، وبرد ومطر أقام أياما ، وكثر الثلج ، فمات جماعة ممن معه .
واعتل المنصور علة شديدة ، ووصل المنصورية ، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلي عن ذلك ، فلم يقبل ، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه ، ولازمه السهر ، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر ، فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه : أما في القيروان طبيب غير إسحاق ؟ فأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له : أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزار ، فجمع له أشياءً مخدرة ، وكلفه شمها ، فنام ، وخرج وهو مسرور بما فعله ، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور ، فقيل له إنه نائم ، فقال : إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات ، فدخلوا عليه فإذا هو ميت ، فدفن في قصره .
وأرادوا قتل ابن الجزار الذي صنع له المنوم ، فقام معه إسحاق ، وقال :
(1/90)

"""""" صفحة رقم 91 """"""
لا ذنب له ، إنما داواه بما ذكره الأطباء ، غير أنه جهل أصل المرض ، وما عرفتموه ، وذلك أنني في معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية ، وبها يكون النوم ، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات .
وكان نقش خاتمه : بنصر الباطن الظاهر ، ينتصر الإمام أبو الطاهر .
وكان يشبه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العباس لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة ، وأصفقت عليه الحروب ، وكاد يسل من الخلافة ، فهب له ريح النصر ، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف .
وأولاده : أبو تميم المعز لدين الله : وحيدرة مات بمصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ، وصلى عليه العزيز بالله .
وهاشم مات بمصر في ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة ، وصلى عليه العزيز بالله .
وطاهر مات في المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب .
وأبو عبد الله الحسين مات بالمغرب .
وخمس بنات : هبة ، وأروى ، وأسماء متن بمصر أيام المعز لدين الله .
وأم سلمة ماتت بمصر أيام العزيز بالله .
ومنصورة ماتت بالمغرب .
وكان له أمهات أولاد ثلاث .
وقضاته : أحمد بن محمد بن أبي الوليد .
(1/91)

"""""" صفحة رقم 92 """"""
ثم محمد بن أبي المنصور .
ثم عبد الله بن قاسم .
ثم علي بن أبي سفيان . ثم أبو محمد زرارة .
ثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي .
وحاجبه : جعفر بن علي .
(1/92)

"""""" صفحة رقم 93 """"""
المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبي الطاهر بن القائم أبي القاسم محمد ابن عبيد الله المهدي
قال : ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال وقيل يوم الجمعة سابع عشر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة .
وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم ، فسلموا عليه بالخلافة ، وكان عمره أربعا وعشرين سنة .
ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة .
ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة ، وخمسة أشهر ، وسبع عشر يوماً .
فلما كان في سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره في جبل أوراس ، وكان ملجأ كل منافق على الملوك ، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوارة ، ولم يدخلوا في طاعة من تقدمه ، فأطاعوا المعز ، ودخلوا معه البلاد ، وتقدم إلى نوابه بالإحسان إلى البربر ، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز ، فعظم أمره .
وفي سنة سبع وأربعين عظم أمر أبي الحسين جوهر عند المعز ، وعلا محله ، وصار في رتبة الوزارة ، فسيره في صفر منها على جيش كثيف ، فيهم الأمير زيرى بن مناد الصنهاجي
(1/93)

"""""" صفحة رقم 94 """"""
وغيره ، فسار إلى تاهرت ، وحارب قوماً ، وافتتح مدنا ، ونهب وأحرق ، وسار إلى فارس فنازلها مدة ، وسار إلى سجلماسة ، وقد قام بها رجل وتلقب بالشاكر لله ، وخوطب بأمير المؤمنين ، ففر من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيراً .
ومضى جوهر إلى البحر المحيط ، فأمر أن يصاد من سمكه ، وبعثه في قلال الماء إلى المعز ، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها ، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى افتتحها عنوة ، وقبض على صاحبها ، وجعله مع صاحب سجلماسة في قفصين ، وحملهما إلى المعز بالمهدية ، وعاد في أخريات السنة .
وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار المعز لدين الله الأمراء بنيه : عبد الله ، وتزار ، وعقيل ؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عماله وولاته من لدن برقة إلى أقصى سجلماسة ، وما بين ذلك ، وما حوته مملكته إلى جزيرة صقلية وما والاها ، في حضر وبدو ، وبحر وبر ، وسهل وجبل ، بطهور من وجد من أولاد سائر الخلق ، حرهم وعبدهم ، وأبيضهم وأسودهم ، ودنيئهم وشريفهم ، ومليهم وذميهم ، الذين حوتهم مملكته ، لمدة شهر ، وتوعد على ترك ذلك ، وأمرهم بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم ، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم ، فكان من جملة المنفق في ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها من المال سوى الخلع والثياب خمسون حملاً من الدنانير ، كل حمل عشرة آلاف دينار ، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله .
وابتدىء بالختان في مستهل ربيع الأول منها ، فكان المعز يطهر في اليوم من أيام الشهر
(1/94)

"""""" صفحة رقم 95 """"""
بحضرته اثنا عشر ألف صبي وفوقها ودونها ، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبي ، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق في هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا بالبغدادي .
واستدعى المعز وهو بالمنصورية في يوم شات باردة الريح عدة شيوخ من شيوخ كتامة ، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذي جرى الرسم به ، فإذا هو في مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح ، وحوله كساء ، وعليه جبة ، وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب ، وبين يديه مرفع ودواة ، وكتب حواليه ، فقال : يا إخواننا : أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد ، فقلت لأم الأمراء وإنها الآن بحيث تسمع كلامي : أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا ؟ ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم ، وأني لا أفضلكم في أحوالكم إلا فيما لا بد لي منه من دنياكم ، وبما خصني الله به من إمامتكم ، وأني مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى ، وأني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم ، وعمر بلادكم ، وأذل أعداءكم ، وقمع أضدادكم .
(1/95)

"""""" صفحة رقم 96 """"""
فافعلوا يا شيوخ في خلوتكم مثل ما أفعله ، ولا تظهروا التجبر والتكبر ، فينزع الله النعمة عنكم ، وينقلها إلى غيركم ، وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم ، ليتصل في الناس الجميل ، ويكثر الخير ، وينتشر العدل .
وأقبلوا بعدها على نسائكم ، والزموا الواحدة التي تكون لكم ، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن ، والرغبة فيهن ، فيتنغص عيشكم ، وتعود المضرة عليكم ، وتنهكوا أبدانكم ، وتذهب قوتكم ، وتضعف نحايزكم ؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة ، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم .
واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم . انهضوا رحمكم الله ونصركم .
وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر ، وأن يبنى له في كل منزلة قصر ، ففعل ذلك .
وفي يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر بموت كافور الأخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى .
واستدعى المعز يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب صاحب بيت المال وهو بالمغرب ، فوجده في وسط القصر جالسا على صندوق ، وبين يديه ألوف صناديق مبددة في صحن القصر ، فقال له : هذه صناديق مال ، وقد شذ عني ترتيبها ، فانظرها ورتبها .
قال : فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة ، وبين يدي جماعة من خدام بيت المال والفراشين ، وأنفذت إليه أعلمه ، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها ، وأن يغلق عليها ، وتختم بخاتمه ، وقال : قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك ففعل .
(1/96)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار ، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر في سنتي ثمان وتسع وخمسين مع القائد جوهر .
وكان رحيله في رابع عشر ربيع الأول منها ، ومعه ألف حمل مال ، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف ، فقدم جوهر إلى مصر ، ووصلت البشارة بفتحها في نصف رمضان سنة ثمان وخمسين ، فسر المعز سرورا كثيراً وأنشده ابن هانىء قصيدة أولها :
يقول بنو العباس : هل فتحت مصر ؟ . . . فقل لبني العباس : قد قضي الأمر
ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبي عبد الله الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم أنشده ابن هانىء قصيدة منها :
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ، . . . فاحكم فأنت الواحد القّهار
وأنشد أيضاً أخرى أولها :
وعلى أمير المؤمنين مظلّةٌ . . . زاحمت تحت لوائها جبريلا
وفي سنتي ستين وإحدى وستين قال : ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار .
ولما أنفذ جوهر إلى مصر ، وبرز يريد المسير إلى مصر ، بعث المعز خفيفاً الصقلبي صاحب الستر إلى شيوخ كتامة ، يقول :
(1/97)

"""""" صفحة رقم 98 """"""
يا إخواننا : قد رأينا أن ننفذ رجالا من بلدان كتامة ، يقيمون بينهم ، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم ، ويحفظونها علينا في بلادهم ، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله .
فقال بعض شيوخهم لخفيف وقد بلغهم ذلك : قل لمولانا : والله لا فعلنا هذا أبدا . كيف تؤدي كتامة الجزية ، ويصير عليها في الديوان ضريبة ؟ ؟ وقد أعزها الله قديما بالإسلام ، وحديثا معكم بالإيمان ، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب ؟ .
فعاد خفيف بذلك إلى المعز ، فأمر بإحضار جماعة كتامة ، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه ، فقال : ما هذا الجواب الذي صدر عنكم ؟ .
فقالوا : نعم هو جواب جماعتنا ، ما كنا يا مولانا بالذي يؤدي جزية تبقى علينا .
فقام المعز في ركابه ، وقال : بارك الله فيكم ، فهكذا أريد أن تكونوا ، وإنما أردت أن أجربكم ، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر ، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم ؟ والآن سررتموني بارك الله فيكم .
وكتب إلى جوهر وهو بمصر من الغرب : وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بني حمدان وصلت إليك كتبهم ، يبذلون الطاعة ، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك ، فاسمع لما أذكره لك : احذر أن تبتدىء أحدا من بني حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا ، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل ، ولا تستدعه إليك ؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه ، ولا تمكن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف ، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء ، عليها مدار العالم ، وليس لهم فيها نصيب : يتظاهرون بالدين ، وليس لهم فيه نصيب ؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله ؛ ويتظاهرون بالشجاعة ، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة ؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم
(1/98)

"""""" صفحة رقم 99 """"""
ولما عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب ، فوقع اختياره على أبي أحمد جعفر بن عبد الأمير ، فاستدعاه ، وأسر إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب ، فقال : تترك معي أحد أولادك أو أخوتك جالسا في القصر وأنا أدبر ، ولا تسألني عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه بازاء ما أنفقه ؛ وإذا أردت أمراً فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه ، لبعد ما بين مصر والمغرب ، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسي .
فغضب المعز وقال : يا جعفر : عزلتني عن ملكي ، وأردت أن تجعل لي شريكا في أمري ، واستبددت بالأموال والأعمال دوني ، قم فقد أخطأت حظك ، وما أصبت رشدك .
فخرج .
واستدعى المعز يوسف بن زيرى الصنهاجي ، وقال له : تأهب لخلافة المغرب فأكبر ذلك وقال : يا مولانا : أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما صفا لكم المغرب ، فكيف يصفوا لي وأنا صنهاجي بربري ؟ قتلتني يا مولاي بلا سيف ولا رمح .
ولم يزل به حتى أجاب وقال : يا مولانا : بشريطة أن تولي القضاء والخراج لمن تراه وتختاره ، والخبر لمن تثق به ، وتجعلني أنا قائما بين أيديهم ، فمن استعصى عليهم أمروني به حتى أعمل فيه ما يجب ، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك .
فحسن هذا من المعز وشكره ، فلما انصرف قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدي عبيد الله : يا مولانا : وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفي بما ذكره ؟ فقال المعز : يا عمنا : كم بين قول يوسف وقول جعفر ؟ واعلم يا عم أن الأمر الذي طلبه
(1/99)

"""""" صفحة رقم 100 """"""
جعفر ابتداءً هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف ، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر ، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوي العقل ، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره .
ووجهت أم الأمراء من المغرب بصبية ربتها لتباع في مصرن فطلب الوكيل فيها ألف دينار ، فجاءت امرأة شابة على حمار ، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار ، وقيل له يا مغربي : هذه بنت الأخشيد اشترت الجارية تتمتع بها ، وهي ست كافور .
فلما عاد أخبر المعز بذلك ، فأمر بإحضار الشيوخ ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية ، ثم قال : يا إخواننا : انهضوا إليهم ، فلن يحول بينكم وبينهم شيء ، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم ، وذهبت الغيرة منهم ، فانهضوا بنا إليهم .
فقالوا : السمع والطاعة .
فقال : خذوا في حوائجكم ، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله .
ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكين بن زيرى بألفي جمل من إبل زناتة ، وحمل ما له بالقصور من الذخائر ، وسبك الدنانير على شكل الطواحين ، جعل على كل جمل قطعتين ، في وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى ، فاستعظم ذلك الجند والرعية ، وصاروا يقفون في الطرق لرؤية بيت المال المحمول .
وخرج المعز من المغرب يوم الإثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، وخرج من المنصورية ومعه بلكين واسمه يوسف إلى سردانية من بلاد إفريقية ، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي الحجة ، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة ، وفوض
(1/100)

"""""" صفحة رقم 101 """"""
إليه أمور البلاد ، ما خلا جزيرة صقلية فإنه ترك أمرها لحسن بن علي بن أبي الحسين ، وطرابلس وأعمالها .
وقال له : إن نسيت ، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء : إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية ، ولا ترفع السيف عن البربر ، ولا تول أحدا من أخوتك وبني عمك ، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك ؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيراً .
وفارقه . وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز ، وكان المظفر يدل على المعز لأنه علمه الخط وهو صغير ، فاتفق أنه حرد يوما ، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها ، فأخذ المعز نفسه بحفظ اللغات ، فابتدأ بالبربرية فأحكمها ، ثم بالرومية ، ثم بالسودانية ، ثم استدعى الصقلبية فمرت به تلك الكلمة فيها ، فإذا هي شتمة ، فبقيت في نفسه حتى قتلهما .
وبلغه وهو بالمغرب أمر الحرب من بني حسن وبني جعفر بن أبي طالب بالحجاز ، وأنه قتل من بني الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بني جعفر ، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا ، وتحملوا الحمالات عنهما .
وكان فاضل القتلى لبني حسن عند بني جعفر سبعين قتيلاً ، فأدى القوم ذلك إليهم ، وعقدوا بينهم في المسجد الحرام صلحاً ، وتحملوا دياتهم من مال المعز ، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، فصار ذلك جميلا عند بني حسن للمعز ، فلما دخل جوهر مصر بادر حسن بن جعفر الحسني فملك مكة ودعا للمعز ، وكتب إلى جوهر بذلك ، فبعث بالخبر إلى المعز ، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله .
(1/101)

"""""" صفحة رقم 102 """"""
ذكر بناء القاهرة
قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب إتمام أخبار أمراء مصر للكندي رحمهما الله : وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر ، عليها عبده جوهر ، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا في البلد ، وكانوا يقولون : إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها ، وبيننا وبينكم الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي ، فلما مات كافور أنفذ المعز إلى دعاته بنوداً ، وقال : فرقوها على من يبايع من الجند ، وأمرهم إذا قربت العساكر ينشرونها ، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات الناس وشاورهم ، فاتفقوا على مراسلة جوهر ، وأن يشترطوا
(1/102)

"""""" صفحة رقم 103 """"""
عليه شروطاً ، وأنهم يسمعون له ويطيعونه ، ثم اجتمعوا على محاربته ، ثم انحل ذلك ، وعادوا إلى المراسلة بالصلح .
وكانت رسل جوهر ترد سراً إلى ابن الفرات ، ثم اتفقوا على خروج أبي جعفر مسلم الحسيني ، وأبي إسماعيل الرسي ، ومعهما القاضي أبو طاهر ، وجماعة ، فبرزوا إلى الجيزة لاثنتي عشرة بقيت من رجب ، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد ، ولا كاتب ، ولا عالم ، ولا شاهد ، ولا تاجر ، وساروا فلقوا جوهر بتروجة ووافقوه ، واشترطوا عليه ، فأجابهم إلى ما التمسوه ، وكتب لهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه لجماعة أهل مصر الساكنين بها ، من أهلها ومن غيرهم : أنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معي ، وهم : أبو جعفر مسلم الشريف أطال الله بقاءه وأبو إسماعيل الرسي أيده الله وأبو الطيب الهاشمي أيده الله .
وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله والقاضي أعزه الله .
وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم ، فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وحسن نظره لكم . فلتحمدوا الله على ما أولاكم ، وتشكروه على ما حماكم ، وتدأبوا فيما يلزمكم ، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم ، العائدة بالسلامة لكم ، وبالسعادة عليكم ، وهو أنه صلوات الله عليه
(1/103)

"""""" صفحة رقم 104 """"""
لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة ، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم ، إذ قد تخطفتكم الأيدي ، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة ، والتغلب عليه وأسر من فيه ، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق ، وتأكد عزمه ، واشتد كلبه ، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه بإخراج العساكر المنصورة ، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم ، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق ، الذين عمهم الخزي ، وشملتهم الذلة ، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا ، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم ، وعظم ضجيجهم ، وعلا صراخهم ، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم ، ومضه حالهم ، وأبكى عينه ما نالهم ، وأسهرها ما حل بهم ، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، فرجا بفضل الله ، وإحسانه لديه ، وما عوده وأجراه عليه استنقاذ من أصبح منهم في ذل مقيم ، وعذاب أليم ، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل ، ويفرخ روع من لم يزل في خوف ووجل ، وآثر إقامة الحج الذي تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم ، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم ، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى ، فسفكت دماؤهم ، وابتزت أموالهم ، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات ، وقطع عبث العابثين فيها ، ليتطرق الناس آمنين ، ويسيروا مطمئنين ، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات ، إذ كان قد انتهى إليه صلوات الله عليه انقطاع طرقاتها ، لخوف مادتها ، إذ لا زاجر للمعتدين ، ولا دافع للظالمين .
ثم تجديد السكة ، وصرفها إلى العيار الذي عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة ، وقطع الغش منها ، إذ كانت هذه الثلاث خصال هي التي لا يتسع لمن ينظر في أمور المسلمين إلا إصلاحها ، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها .
(1/104)

"""""" صفحة رقم 105 """"""
وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عبده من نشر العدل ، وبسط الحق ، وحسم الظلم ، وقطع العدوان ، ونفى الأذى ، ورفع المؤن ، والقيام في الحق ، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان ، وجميل النظر ، وكرم الصحبة ، ولطف العشرة ، وافتقاد الأحوال ، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم ، وحين تصرفهم في أوان ابتغاء معاشهم ، حتى لا تجري أمورهم إلا على ما لم شعثهم ، وأقام أودهم ، وأصلح بالهم ، وجمع قلوبهم ، وألف كلمتهم ، على طاعة وليه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي صلوات الله عليه بإثباتها عليكم .
وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصية من المتوفى بها ، فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال .
وأن أتقدم في رم مساجدكم ، وتزيينها بالفر والإيقاد ، وأن أعطى مؤذنيها وقومتها ومن يؤم الناس فيها أرزاقهم ، وأدرها عليهم ، ولا أقطعها عنهم ، ولا أدفعها إلا من بيت المال ، لا بإحالة على من يقبض منهم .
وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مما ضمنه كتابه هذا ما ذكره من ترسل عنكم أيدهم الله ، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم ، فذكرتها إجابة لكم ، وتطمينا لأنفسكم .
وإلا فلم يكن لذكرها معنى ، ولا في نشرها فائدة ، إذ كان الإسلام سنة واحدة ، وشريعة متبعة ، وهي إقامتكم على مذهبكم ، وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء الفروض في العلم ، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم ، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بعدهم ، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبكم وفتواهم ، وأن يجرى الأذان ، والصلاة ، وصيام شهر رمضان وفطره ، وقيام لياليه ، والزكاة ، والحج ، والجهاد على أمر الله وكتابه ، وما نصه نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في سنته ، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه .
(1/105)

"""""" صفحة رقم 106 """"""
ولكم علي أمان الله التام العام ، الدائم المتصل ، الشامل الكامل ، المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام ، في أنفسكم ، وأموالكم ، وأهليكم ، ونعمكم ، وضياعكم ، ورباعكم ، وقليلكم وكثيركم .
وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض ، ولا يتجنى عليكم متجن ، ولا يتعقب عليكم متعقب .
وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون ، ويذب عنكم ، ويمنع منكم ، فلا يتعرض إلى أذاكم ، ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم ، ولا في الاستطالة على قويكم فضلا عن ضعيفكم .
وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه ، ويشملكم نفعه ، ويصل إليكم خيره ، وتتعرفون بركته ، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه .
ولكم علي الوفاء بما التزمته ، وأعطيتكم إياه ، عهد الله ، وغليظ ميثاقه وذمته ، وذمة أنبيائه ورسله ، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين قدس الله أرواحهم ، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه فتصرحون بها وتعلنون بالانصراف إليها ، وتخرجون إلي وتسلمون علي ، وتكونون بين يدي ، إلى أن أعبر الجسر ، وأنزل في المناخ المبارك ، وتحافظون من بعد على الطاعة ، وتثابرون عليها ، وتسارعون إلى فروضها ، ولا تخذلون وليا لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وتلزمون ما أمرتم به ، وفقكم الله وأرشدكم أجمعين .
وكتب القائد جوهر الأمان بخطه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة .
وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار .
(1/106)

"""""" صفحة رقم 107 """"""
وكتب بخطه في هذا الكتاب : قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين : كتبت هذا الأمان على ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وعلى الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه .
والحمد لله رب العالمين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين .
وكتب جوهر بخطه في التاريخ المذكور : وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم : أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسيني .
وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسي الحسني .
وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمي .
والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد .
وابنه أبو يعلى محمد بن محمد .
ومحمد بن مهلب بن محمد .
وعمرو بن الحرث بن محمد .
وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وجماعة وجوه الدولة ، وخاطب ابن الفرات في كتابه بالوزير بعد مراجعة ، وكان قد توقف في مخاطبته بالوزير ، وقال : ما كان وزير خليفة ، وأجاز الجماعة وحملهم ، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه ، وأكلت الجماعة معه ، وودعوه وانصرفوا ، فوافوا لثمان خلون من شعبان .
قال ابن زولاق : سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر ، فقال : هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة ؛ وسألته عن سن القائد جوهر ، فقال لي : نيف وخمسون سنة .
(1/107)

"""""" صفحة رقم 108 """"""
فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية ، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند القائد جوهر ، فتسرعوا في الانصراف من عنده ، وبلغ جوهر بعد انصرافهم انتقاض الصلح ، فأدرك الجماعة ، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح ، وطلب إعادة أمانه إليه ، فرفقوا به ، فقال للقاضي أبي طاهر : ما تقول يا قاضي في هذه المسألة ؟ فقال : ما هي ؟ فقال : ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي إلى الجهاد لقتال الروم فمنع ، أليس له قتالهم ؟ فقال له القاضي : نعم .
فقال : وحلال قتالهم ؟ قال : نعم .
ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس ، وركب إليه ابن الفرات في موكب عظيم ، وعنده جماعة الوجوه ، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان والشرط ، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة ، فامتنع القوم من قبول ذلك ، وقال فرح البجكمي للشريف مسلم : لو جاءنا جدك بهذا ضربنا وجهه بالسيف .
فلامهم ابن الفرات على ذلك ، وقال : أنتم سألتم الشريف هذه المسألة ، فلم يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل وهو رجل حسني ، وأخذ معه قاضي المسلمين ، وأخذ معه رجلا عباسيا .
وسكت الشريف مسلم ، فلم يزد على أن قال : خار الله لكم .
واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم ، والإخشيدية والكافورية في خوض ، فقالوا كلهم : ما بيننا وبين جوهر إلا السيف :
(1/108)

"""""" صفحة رقم 109 """"""
فسلموا على تحرير شويزان بالإماره ، وخرجوا يحجبونه إلى داره ، وبقي أحمد بن علي بن الإخشيد لا يفكر فيه .
واستعدوا للحرب ، وساروا لعشر خلون من شعبان ، فنزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح ، ووافى جوهر الجزيرة ، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان ، وعبر إلى مصر من ذلك الموضع ، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها ، وتولى العبور إليهم جعفر بن قلاح عريانا في سراويل مع جمع من المغاربة ، وبلغ الإخشيدية ، فأنفذوا تحرير الأرغلي ، ويمن الطويل ومبشر الإخشيدي في خلق ، فساروا إلى الموضع ، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعاً ، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين .
وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان ، فلما كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم ، وأصبحوا غادين إلى الشام ، وقد قتل جماعة ، منهم : تحرير الأرغلي ، ومبشر الإخشيدي ، ويمن الطويل ، وخلق كثير .
وأصبح الناس على خطة عظيمة ، فبكروا في يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم يسألونه الكتاب إلى جوهر في إعادة أمانهم ، فكتب إليه ، وجلس الناس عنده ، وقد طاف علي بن
(1/109)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة السفلي ومعه رسول جوهر ، وبند عليه اسم المعز لدين الله ، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مؤونة ولا كلفة وأمن الناس ، وفرقت البنود ، فنشر كل من عنده بند بنده في درب حارته .
وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر ، ونسخته بعد البسملة : وصل كتاب الشريف الجليل أطال الله بقاءه ، وأدام عزه وتأييده وعلوه وهو المهنأ بما هنأ به من الفتح الميمون ؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول ، وقد أعدته على حاله .
وجعلت إلى الشريف أعزه الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب ، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء ، فهو أماني ، وعن إذني وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه .
وقد كتبت إلى الوزير أيده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة ، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة ، ويعمل الشريف أيده الله تعالى على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان .
فاستبشرت الجماعة وابتهجوا ، وعملوا على الغدو إلى الجزيرة للقاء جوهر مع الشريف مسلم ، وبات الناس على هدوء وطمأنينة .
فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر مسلم ، وجعفر بن الفضل بن الفرات ، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة ، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر في عساكره ، فصاح بعض حجابه :
(1/110)

"""""" صفحة رقم 111 """"""
الأرض ، إلا الشريف والوزير .
وتقدم الناس واحداً واحداً ، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى الفسطاط .
فلما زالت الشمس أقبلت العساكر ، فعبرت الجسر ، ودخلت أفواجا أفواجا ، ومعهم صناديق المال على البغال ، ويقال إن المال كان في ألف وخمسمائة صندوق ، وأقبلت القباب ، وأقبل جوهر في حلة مذهبة مثقل في فرسانه ورجالته ، وقاد العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة ، واختط موضع القصر ، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل من يوم الثلاثاء إلى آخر يوم الاثنين ، واستقرت به الدار .
وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم ، ويقال : لما أناخ جوهر في موضع القاهرة الآن اختط القصر ، فأصبح المصريون ليهنئوه ، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل .
ويقال إن جوهر لما بنى القصر ، وأدار عليها السور سماها : المنصورية ، فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها القاهرة .
(1/111)

"""""" صفحة رقم 112 """"""
ويقال في سبب تسميتها القاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين ، وعرفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند ، وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس ، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم ، فاختاروا طالعا لحفر السور ، وطالعا لابتداء وضع الحجارة في الأساس ، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب ، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس ، وقالوا للعمال : إذا تحركت الأجراس أرموا ما بأيديكم من الطين والحجارة .
فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك ، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس ، فتحركت الأجراس كلها ، وظن العمال أن المنجمين حركوها ، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا ، فصاح المنجمون : القاهر في الطالع .
فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه . ويقال إن المريخ كان في الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة ، وهو قاهر الفلك ، فسموها القاهرة ، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك .
وأدار السور اللبن احول بئر العظام ، وجعلها في القصر ، وجعل القاهرة حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعز ، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز .
ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها في البرية بغير ساحل ، وقال لجوهر : يا جوهر فاتتك عمارتك ها هنا يعني المقس بشاطىء النيل .
(1/112)

"""""" صفحة رقم 113 """"""
فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد ، قال : يا جوهر : لما فاتك الساحل كان ينبغي عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح ، وتكون قلعة لمصر .
حكاه ابن الطوير .
قال : وكان المعز عارفا بالأمور ، مطلعاً على الأحوال بالذكاء ، وكان يضرب في فنون منها النجامة ، فرتب في القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء ، بحيث لا يراهم العيان في النقلة من مكان إلى مكان ، وجعل لهم في ساحاته البحر والميدان والبستان ، وتقدم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها ، لخطبتهم فيها والصلاة في عيدي الفطر والنحر ، والآخر بالقرافة لأهل مصر .
وقال ابن الظاهر : فلما تحقق المعز وفاة كافور جهز جوهر وصحبته العساكر ، ثم نزل بموضع يعرف برقادة ، وخرج في أكثر من مائة ألف فارس ، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال
(1/113)

"""""" صفحة رقم 114 """"""
وكان المعز يخرج إلى جوهر في كل يوم ويخلو به ، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه .
وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه ، فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال : والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر ، وليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب ، ولينزلن في خرابات ابن طولون ، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا .
قال : ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، واختط القصر ، وبات الناس ، فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل ، وكانت فيه زورات غير معتدلة ، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه ، ثم قال : قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة فتركه على حاله .
وقال ابن زولاق : ولما أصبح أنفذ علي بن الوليد القاضي لعسكره ، وبين يديه أحمال مال ومناد ينادي : من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر . فاجتمع خلق من المستورين والفقراء ، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق ففرق فيهم .
ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر في عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة ، وخطب بهم هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر العباسي ببياض ، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو : اللهم صل على عبدك ووليك ، ثمرة النبوة ، وسليل العترة الهادية المهدية ، عبد الله الإمام معد أبي تميم المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الأئمة الراشدين .
(1/114)

"""""" صفحة رقم 115 """"""
اللهم ارفع درجته وأعل كلمته ، وأوضح حجته ، واجمع الأمة على طاعته ، والقلوب على موالاته وصحبته ، واجعل الرشاد في موافقته ، وورثه مشارق الأرض ومغاربها ، وأحمده مبادىء الأمور وعواقبها ، فإنك تقول وقولك الحق : ' وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ من بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثْها عِبَاديَ الصالحون ' .
فقد امتعض لدينك ، ولما انتهك من حرمتك ، ودرس من الجهاد في سبيلك ، وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فأعد للجهاد عدته ، وأخذ لكل خطب أهبته ، فسير الجيوش لنصرتك ، وأنفق الأموال في طاعتك ، وبذل المجهود في رضاك ، فارتدع الجاهل ، وقصر المتطاول ، وظهر الحق وزهق الباطل ، فانصر اللهم في جيوشه التي سيرها ، وسراياه التي انتدبها ، لقتال المشركين ، وجهاد الملحدين ، والذب عن المسلمين ، وعمارة الثغور والحرم ، وإزالة الظلم والتهم والنهم ، وبسط العدل في الأمم .
اللهم اجعل راياته عالية مشهورة ، وعساكره غالبة منصورة ، وأصلح به وعلى يديه ، واجعل لنا منك واقية علية .
وأمر جوهر بفتح دار الضرب ، وضرب السكة الحمراء ، وعليها :
(1/115)

"""""" صفحة رقم 116 """"""
دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد في سطر .
وفي السطر الآخر : المعز لدين الله أمير المؤمنين .
وفي سطر آخر : بسم الله . ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، وفي الوجه الآخر : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . علي أفضل الوصيين وزير خير المرسلين .
ورجع مزاحم بن رائق وكان قد سار مع الإخشيدية ومعه جيش كبير .
وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية ، وصلى صلاة العيد بالقاهرة ، صلى به على بن وليد الإشبيلي وخطب ، ولم يصل أهل مصر ، وصلوا من الغد في الجامع العتيق ، وخطب لهم رجل هاشمي . وكان أبو طاهر القاضي قد التمس الهلال على رسمه في سطح الجامع فلم يره ، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدد عليه .
(1/116)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
وجلس جوهر للمظالم في كل يوم سبت ، ثم رد المظالم إلى أن أبي عيسى مرشد .
وفي شوال صرف علي بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى ، ورد شبل المعرضي ، وولى عدة من جهات الخراج ، وعلى الضياع .
وفي ذي الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية ، فأنزلوا خارج القاهرة وزيد في الخطبة : اللهم صل على محمد النبي المصطفى ، وعلى علي المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول ، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا ، اللهم صل على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين ، الهادين المهديين .
ونودي برفع البراطيل ، وقائم الشرطتين ، وسائر رسوم البلد .
وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة .
وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشر ويمن وبلال .
وتولى الحسبة رجل يعرف بأبي جعفر الخراساني .
وفي نصف ذي الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية المستأمنة بمصر ، وهم أربعة عشر رئيسا ، في عسكر عدته خمسة آلاف كانوا في معسكر لهم عند مصلى العيد بالقاهرة ، فهرب
(1/117)

"""""" صفحة رقم 118 """"""
منه فاتك الهيكلي إلى الشام ، فلم يدركه الطلب ، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد .
وتوفي ابن لجعفر بن فلاح ، فحضر جوهر الجنازة ، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية والكافورية ، وانصرفوا معه ، فقال لهم في طريقه : قد حضر كتاب مولانا ومولاكم بما تسروا به ، فسيروا حتى تقفوا عليه .
فساروا معه إلى مضاربة بالقاهرة ، ودخلوا معه ، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم ، وهم : نحرير شويزان ، وقنك الخادم الأسود ، ودرى الصقلي ، وحكل الإخشيدي ، ولؤلؤ الطويل ، ومفلح الوهباني ؛ وقيلق التركي ، وفرح اليحكمي ؛ واعتقلهم ستة أشهر حتى سيرهم مع الهدية إلى المعز ، ومعهم الحسن بن عبيد الله بن طغج ، وقبض على ضياع نحرير الأرغلي وأمواله ، وقبض من يحيى بن مكي بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا ؛ وصاريين من عود رطب .
وورد كتاب المعز إلى جوهر ، وإلى أبي جعفر مسلم ، وإلى أبي إسماعيل الرسي ، وإلى الوزير جعفر بن الفرات .
وولى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف والفرما .
ودخل جوهر والغلاء شديد ، فزاد في أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار .
(1/118)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
وكان عامل الخراج علي بن يحيى بن العرمرم ، فأقره جوهر شهراً ، ثم أشرك معه رجاء ابن صولان .
وأقر ابن الفرات على وزارته .
وأزال جوهر من مصر السواد .
ومنع من قراءة سبح اسم ربك في صلاة الجمعة .
وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة .
ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه .
وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا ، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا ؛ وخلع جوهر علي ابن أبي الرداد ، وحمله فأجازه .
(1/119)

"""""" صفحة رقم 120 """"""
سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
وفي المحرم أنفذ بشير الإخشيدي من تنيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم .
وكثر الفساد في الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم في السكك .
ولاثنتي عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبي مرزوق إلى الشام ، وقاتل القرامطة بالرملة وهزمهم ، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة ، وبعثهم في القيود إلى جوهر .
وسير جوهر إلى الصعيد في البر والبحر .
وفي ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية ، وصرفهم مشاة ، وأمرهم بطلب المعيشة .
وسير الهدية جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد في ربيع الآخر .
وفي سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء ، ونزعت الأسعار ؛ وتوفي أبو جعفر المحتسب ، فرد جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزة . فضبط الساحل ، وجمع القماحين في موضع واحد ؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته ؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين وطيف بهم . وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة في جامع ابن طولون ، وأذن المؤذنون بحي على خير العمل ، وهو أول ما أذن به بمصر ، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة : وإذا جاءك المنافقون وقنت في الركعة الثانية ، وانحط
(1/120)

"""""" صفحة رقم 121 """"""
إلى السجود ، ونسي الركوع ، فصاح به على بن الوليد قاضي عسكر جوهر : بطلت الصلاة ، أعد ظهرا أربعا .
ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر ، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة ، ولا قرأها في الخطبة ، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك ، وكان قد دعا لجوهر في الجمعة الأولى في الخطبة ، فأنكر ذلك ومنعه .
وقبض جوهر الأحباس من القاضي أبي طاهر ، وردها إلى غيره .
ولأربع بقين منه أذن في الجامع العتيق بحي على خير العمل ، وجهر فيه بالبسملة في الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى المعز ومعها المعتقلون في القيود ، فكان فيما أهداه تسع وتسعون بختية ، وإحدى وعشرون قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب ، ولها مناطق من ذهب مكللة بالجوهر ، ومائة وعشرون ناقة بأجلة الديباج ، وأعنة محلاة بالفضة ، وخمسمائة جمل عرابا ، وستة وخمسون جلا ، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة ، وسبعة وأربعون فرسا بأجلة حرير منقوش ، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة ، ولجمها كذلك ؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذي يتبخر به .
وكان الأسرى : الحسن بن عبيد الله بن طغج ، وابن غزوان صاحب القرامطة وفاتك الهنكري ، والحسن بن جابر الرياحي كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج ، ونحرير شويزان ، ومفلح الرهباني ، ودرى الخازن ، وفرقيك ، وقيلغ التركي الكافوري ، وأبو منحل ،
(1/121)

"""""" صفحة رقم 122 """"""
وحكل الإخشيدي ، وفرح اليحكمي ، ولؤلؤ الطويل ، وقنك الطويل الخادم ، فحملوا في المراكب إلى الإسكندرية ، وساروا منها إلى القيروان في البر .
ونافق بشير الإخشيدي بأسفل الأرض ، فاستعطفه جوهر ، فلم يجب ، فسير إليه العساكر ، فحاربها بصهرجت ونهبها ، ومضى منهزما إلى الشام في البحر ، فأخذ بصور ، وأدخل به على فيل ومعه جماعة ، وبعث به جعفر بن فلاح .
وفي رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب .
وفي ذي القعدة ردت الحسبة إلى سليمان بن عزة المغربي ، فجمع سماسرة الغلات في مكان . وسد الطرق إلا طريقا واحدا ، فكان البيع كله هناك ، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه .
ومنع جوهر من الدينار الأبيض ، وكان بعشرة دراهم ، فأمر أن يكون الراضي بخمسة عشر درهما ، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف ، فلم يفعل الناس ذلك ، فرد الأبيض إلى ستة دراهم ، فتلف وافتقر خلق .
وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية ، وصلبوا حتى دخل المعز من المغرب .
وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال عدتها عشرون حملا للحرمين ، وعدة أحمال متاع .
وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها ، وكان من خبر جعفر بن فلاح : أنه لما سار من القاهرة في عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج ، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق في شهر رمضان ، واستخلف
(1/122)

"""""" صفحة رقم 123 """"""
عليه شمول الإخشيدي ، وكان شمول يحقد في نفسه منه ، ويكاتب جوهر القائد ، فنزل ابن طغج الرملة ، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر ، فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه ، ووافوه بالرملة ، فلقيهم وحاربهم ، فانهزم منهم ، ثم صالحهم وصاهرهم في ذي الحجة .
ورحل عنه القرمطي بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما ، فبعث إلى شمول بالمسير إليه لمحاربة من تقدم من مصر ، وأنفذ إلى الصباحي وإلى بيت المقدس بالقدوم عليه ، فتقاعد عنه شمول ، وقرب منه جعفر بن فلاح ، وقد انتشرت كتبه إلى ولاة الأعمال بعدهم الإحسان ، ويدعوهم إلى طاعة المعز ، فالتقى مع ابن طغج وحاربه ، فانهزم منه واحتوى على عسكره ، فقتل كثيرا من أصحابه ، وأخذه أسيرا في النصف من رجب سنة تسع ، فأقام بالرمة يتبع ما كان لابن طغج ولأصحابه ، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم وكان عليها من قبل كافور الإخشيدي فلم يعرض له ملهم ، وملك جعفر طبرية . وكان بحوران والبثنية بنو عقيل من قبل الإخشيد وهم : شبيب ، وظالم بن موهوب ، وملهم بن . . . قد ملكوا تلك الديار ، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من العرب فزارة ومرة ، وباطنهم على قتل ملهم ، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين غفلة ، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه . وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم ، فعفا عنهم .
وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر ، فاتفق وصولهم إليها يوم قتل فاتك ، قد ثارت بها فتنة ، فأخذوا وسلبوا ما عليهم ، فلقوا جعفر بن فلاح ، وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين ، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم .
(1/123)

"""""" صفحة رقم 124 """"""
وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر ، فلقيه بطبرية ، وصار البلد خاليا من السلطان ، فطمع الطامع ، وكثر الذعار وحمال السلاح به وجهز جعفر من طبرية من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بني عقيل بحوران والبثنية ، وأردفهم بعسكر من أصحابه ، فواقعو بني عقيل ، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم ؛ ثم رجعوا إلى الغوطة ، وامتدت أيديهم إلى أخذ الأموال وهم سائرون حتى نزلوا بظاهر دمشق ، فثار عليهم أهل البلد ، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب ، فانهزموا عنها ، وذلك لثمان خلون من ذي الحجة ، فلحقوا بطلائع جعفر ، فساروا معها إلى دمشق ، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم في خيل ورجل فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا ، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا ، وصاح الناس في الجامع بعد الصلاة : النفير ، فخرج النفير ، واشتد القتال إلى آخر النهار .
ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسية ، وأصبح الناس للقتال ، ولم يصلوا ذلك اليوم في المصلى صلاة العيد ، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند الذين كانوا مع شمول ، فكلوا ، وحملت معهم المغاربة فانهزموا ، وتمكن السيف منهم وهم منهزمون إلى أرض عاتكة وقصر حجاج ، فقتل خلق كثير ؛ وكان رئيس أهل الشام في هذه الحروب أبو القاسم ابن أبي يعلى العباسي ، ومحمد بن عصودا وصدقة الشوا .
فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها ، وصاروا إلى باب الجابية ، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد ، فاستمرت الحرب طول النهار مما يلي المصلى ، ثم كفوا عن القتال وباتوا ؛ فلما أصبح النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر وهو بالشماسية في إصلاح أمر البلد ، فأخذهم قوم من المغاربة ، وسلبوهم
(1/124)

"""""" صفحة رقم 125 """"""
ثيابهم ، وقتلوا منهم وجرحوا عدة ، وعلم بذلك أهل البلد ، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس يعلمونهم الخبر ، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا ، ثم جرت بينهم بعد ذلك وبين جعفر مراسلة ، فخرجوا إليه ، فاشتد عليهم وخوفهم بالنار والسيف ، فعادوا وقد ملئوا رعبا ، فبلغوا قوله للناس وقد تحيروا ، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر في طلب العفو ، فرجع المشايخ إليه ، وما زالوا يتضرعون إليه حتى قال : ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلي ومعكم نساؤكم مكشوفات الشعور فيتمرغن في التراب بين يدي لطلب العفو .
فقالوا له : نفعل ما يقول القائد .
وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم في الكلام ، وتقرر الأمر على أنه يدخل يوم الجمعة إلى الصلاة في الجامع .
فلما كان يوم الجمعة ركب في عسكره ، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج ، فوضع أصحابه أيديهم ينهبون الناس ، فثاروا عليهم ، وقتلوا منهم كثيرا ؛ وخرج إليه المشايخ فأنكر عليهم ، وقال لهم : دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم وهددهم ، فلطفوا معه القول وداروه ، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين ، فأجابوه ، وكان في الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف بالعقيقي العلوي وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن علي الرئيس بالمدينة كان بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فانصرفوا من عنده ، وفرضوا له المال ، فعم الناس البلاء في جبايته .
ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد أصحاب جعفر فبنوا المساكن ، وأقاموا بها الأسواق ، وصارت شبه المدينة ، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة ، وجعله عظيما
(1/125)

"""""" صفحة رقم 126 """"""
شاهقا في الهواء غريب البناء ، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم ، وضرب أعناقهم ، وصلب جثثهم ، وعلق رءوسهم على الأبواب ، وفيها رأس إسحاق بن عصودا . وكان ابن أبي يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد ، فقبض عليه ابن عليان العدوي عند تدمر ، وجاء به إلى جعفر بن فلاح ، فشهره على جمل ، وفوق رأسه قلنسوة وفي لحيته ريش وبيده قصبة ، ثم بعث به إلى مصر .
وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة في الأحساء هو وظالم بن موهوب العقيلي لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنية ، فحثوهم على المسير إلى دمشق .
فلما كان في ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى أنطاكية ، وكان لها في أيدي الروم نحو من ثلاث سنين ، وسير إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال ، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية ، وكان الوقت شتاء ، فنازلوها حتى انصرم الشتاء ، وسارت القوافل وهم ملحون في القتال ، فأردفهم جعفر بعساكر في نحو أربعة آلاف مددا لهم فظفروا بنحو مائتي بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسنكدرونة وعليها عساكر الروم فواقعوهم ، فانهزم العسكر ، وقتلوا منهم كثيرا .
وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره ، وخبر مسير القرامطة إلى الشام ، وأنهم وردوا الكوفة . فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح ، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب ابن حمدان ، تقوية لهم على حرب المغاربة ، فبعث إلى غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه ، فوافاه ذلك أول رمضان ، فسار بمن معه ، وتركوا كثيرا من العلف والطعام ، وأتوه إلى دمشق ، فصار كل قوم منهم إلى أماكنهم .
(1/126)

"""""" صفحة رقم 127 """"""
وقدم القرمطي إلى الرحبة ، فأمده أبو تغلب بالمال ، وبمن كان عنده من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين ، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة ، وصار بهم القرمطي حتى قرب من دمشق ، فخرج إليهم جعفر بن فلاح وقد استهان بهم وواقعهم ، فانهزم منهم ، وأخذ السيف أصحابه ، وقتل فلم يدر قاتله لست خلون من ذي القعدة سنة ستين ، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق ، فجاءه محمد بن عصودا فقطع رأسه ، وصلبه على حائط داره ؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما قتله جعفر وصلبه . وملك القرامطة دمشق ، وأمنوا أهلها ، ثم ساروا إلى الرملة فملكوها ، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية .
وفيها اصطلح قرعويه مولى سيف الدولة بن حمدان متولى حلب ، وأبو المعالي شريف ابن سيف الدولة ، فخطب له قرعويه بحلب ، وخطبا جميعا في معاملتيهما للإمام المعز بحلب وحمص .
(1/127)

"""""" صفحة رقم 128 """"""
ودخلت
سنة ستين وثلاثمائة
ففي المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة ، وورد جماعة من الوافدين إلى المغرب بجوائز وخلع .
وفي صفر ضرب تبر بالسياط ، وقبضت ودائعه .
وفي ربيع الآخر جرح تبر القائد أبو الحسن نفسه ، ومات بعد أيام ، فسلخ بعد موته وصلب حتى مزقته الرياح عند المنظر .
وفي جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشوىء مسموطا ، وأن يسلخ من جلده .
وفي جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد ، وأطلق لأصحاب الراتب ألف دينار فرقت فيهم ؛ وورد شمول من الشام مستأمنا ، فخلع عليه سبع خلع ، وحمل على فرسين ، وأعطى إثنا عش كيسا عينا وورقا ؛ وقدم سعادة بن حيان من المغرب في جيش كبير ، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة .
وفي شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر ، ومعه ثلاثة آلاف رأس ، فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور ، وكان محمد بن الخير بن محمد بن خزر الزناتي أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم ، هجم عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو في قليل من أصحابه يشرب ، فلما أحيط به قتل نفسه بسيفه في سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة ، فقدم رأسه على المعز لثلاث بقين منه .
وفي شوال أنفذ جوهر سعاة بن حيان إلى الرملة واليا عليها ، وقد كثر الإرجاف بالقرامطة ،
(1/128)

"""""" صفحة رقم 129 """"""
وأن جعفر بن فلاح قتل منهم ، وملكوا دمشق ، فتأهب جوهر لقتالهم ، وعمل الخندق ، ونصب عليه البابين الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيدي ، وبني القنطرة على الخليج ، وفرق السلاح على المغاربة والمصريين ؛ ووكل بابن الفرات خادما يبيت معه في داره ، ويركب معه حيث سار ؛ ووثب أهل تنيس على واليهم وقتلوا جماعة منهم الإمام في القبلة ووجدت رقاع في الجامع العتيق فيها التحذير من جوهر ، فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا .
وفي ذي الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم ، وأخذوا واليها عبد العزيز بن يوسف ، وما كان له من خيل وإبل . وكان القاع خمسة أذرع ، وبلغ ماء النيل سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع ، وخلع جوهر على ابن أبي الرداد ، وأجازه وحمله .
وفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية في المحرم .
وقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه بسكين الدواة في شهر ربيع الآخر ، فسلخه القائد جوهر ، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح .
(1/129)

"""""" صفحة رقم 130 """"""
ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة
وفي المحرم دخل برءوس من بني هلال .
وفيه كبست الفرما ، وعصى أهل تنيس ، وغيروا الدعوة وسودوا ، فحاربهم العسكر ، ودخل بعض المنهزمين من القرامطة ، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس ، فاستعد جوهر لقتالهم ، وغلق أبواب الطابية ، وضبط الداخل والخارج ، وقبض على أربعة من الجند المصريين ، وضرب أعناقهم وصلبهم ، وبعث فأخرج ابن الفرات من داره وأسكنه بالقاهرة .
وفي مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة .
وكان يوم جمعة ، فقتل من الفريقين جماعة ، وأسر عدة ، وأصبحوا يوم السبت متكافئين ، وغدوا يوم الأحد للقتال ، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذي يقال له الأعسم زعيم عسكر القرامطة بجميع عسكره على الخندق ، والباب مغلق ، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب ، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير ، وانهزم الأعسم ونهب سواده بالجب ، وأخذت صناديقه وكتبه ، وهو في الليل على طريق القلزم ، فنهبت بنو عقيل وبنو طي كثيراً من مواده ، ونادى جوهر في المدينة : من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم ، وخمسون خلعة ، وخمسون سرجا بحلى على دوابها .
فلما كان الغد من وقعة القرمطي ورد أبو محمد الحسن بن عمار من المغرب ؛ وسار عسكر لقتال أهل تنيس ، وقبض على تسعمائة من جند مصر في ساعة واحدة وقيدوا ؛ ورد جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات ، وخرج سعادة بن حيان في عسكر إلى الرملة بسبب القرامطة فدخلها ، ثم قدم عليه الأعسم القرمطي ، فعاد سعادة بمن معه إلى مصر .
وفي شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد في الطريق وحبست ، ففرح جماعة من الرعية ، ونادوا بذكر الصحابة ، وصاحوا :
(1/130)

"""""" صفحة رقم 131 """"""
معاوية خال المؤمنين ، وخال علي .
فبعث جوهر ونادى في الجامع العتيق : أيها الناس : أقلوا القول ، ودعوا الفضول ، فإننا حبسنا العجوز صيانةً لها ، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه العقوبة الموجعة .
ثم أطلقت العجوز .
وخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي بالصعيد ، وسود ، ودعا لبني العباس ، فبعث إليه جوهر في البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى ، وأنفذ بأزرق في البر على عسكر ، فأخذ وأدخل به في قفص مغلولا ، وطيف به وبمن معه .
ووافى الأسطول من المغرب ، وسار إلى الشام فأسر وغنم .
وأمر جوهر برفع الدنانير البيض .
وفي آخر ذي الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر ، فثارت الرعية ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وركب إليهم سعادة بن حيان ، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم ، وقبل قولهم في ذلك .
(1/131)

"""""" صفحة رقم 132 """"""
ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
ففي المحرم قدر جوهر قيمة الدنانير ، فجعل الأبيض بثمانية دراهم .
ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيان ، فحضر جوهر جنازته ، وصلى عليه الشريف مسلم .
وفي ربيع الأول عزل سليمان بن عزة المحتسب جماعة من الصيارفة ، فشغب طائفة منهم ، وصاحوا : معاوية خال علي بن أبي طالب .
فهم جوهر بإحراق رحبة الصيارفة ، لولا خوفه على الجامع .
وفيه أمر ألا يظهر يهودي إلا بالغيار .
ودخل الحسن بن عمار ببضع وتسعين أسيرا ، وشهروا .
ودخل عبد الله بن طاهر الحسيني على جوهر بطيلسان كحلي وفي مجلسه القضاة والعلماء والشهود فأنكر الطيلسان الكحلي ، ومد يده فشقه ، فغضب ابن طاهر وتكلم ، فأمر جوهر بتمزيقه فمزق ، وجوهر يضحك ، وبقى حاسراً بغير رداء ، فقام جوهر وأخرج له عمامة ، ورداء أخضر ، وألبسه وعممه بيده .
وفي يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان ، ثم هدأ وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة .
(1/132)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
وفي شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر ، وورد كتابه من قابس فتأهب جوهر لذلك ، وأخذ في عمارة القصر والزيادة فيه .
وفي النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب . وفي أول رجب كد جوهر الناس للقاء المعز ، فتأهبوا لذلك ، وخرج أبو طاهر القاضي ، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز ، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة ، فسار القاضي ومن معه .
وسار الحسن بن عمار إلى الحوف في عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك .
ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية ، ولقيه أبو طاهر القاضي ومن معه ، فخاطبهم بخطاب طويل ، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد في ملك ولا رجال ، ولا سار إلا رغبة في الجهاد ونصرة للمسلمين ؛ وخلع على القاضي وأجازه وحمله .
ولقيه أبو جعفر مسلم في جماعة الأشراف ، ومعهم وجوه البلد بنواحي محلة حفص ، وترجلوا له كلهم وكان سائرا فوقف ، وتقدم إليه أولا أبو جعفر مسلم ، ثم الناس على طبقاتهم ، وقبلوا له الأرض وهو واقف ، حتى فرغ الناس من السلام عليه ، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم وهو يحادثه وسأل عن الأشراف ، فتقدم إليه أكابرهم : أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع .
وأبو إسماعيل الرسي .
وعيسى أخو مسلم .
وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح ثم عزم على الشريف مسلم ، وأمره بركوب قبة لأن الحر كان شديدا وكان الصوم ، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة ، وعادله غلام له ، ونزل المعز إلى الجيزة ، فكانت مدة القائد أبي الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما .
(1/133)

"""""" صفحة رقم 134 """"""
ذكر قدوم المعز لدين الله أبي تميم إلى مصر
وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية
أبي تميم معد إلى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية
وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم .
في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية .
وفي يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثنتي وستين نزل بقصره خارج برقة .
ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان ، ونزل تحت منارتها ثم سار .
ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى ، وعقد جوهر جسر الجيزة ، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط ، ثم إلى القاهرة . وزينت له الفسطاط فلم يشقها ، ودخل معه جميع من كان وفد إليه ، وجميع أولاده وأخوته وعمومته ، وسائر ولد المهدي ، وأدخل معه توابيت آبائه : المهدي والقائم والمنصور . وكان دخوله إلى القاهرة ، وحصوله في قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة .
قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق رحمه الله ومن خطه نقلت :
(1/134)

"""""" صفحة رقم 135 """"""
حدثني أحمد بن جعفر قال : كان القائم بأمر الله عليه السلام يوماً في مجلس أبيه المهدي جالسا بين يديه ، وكان ابنه المنصور قائما بين يدي جده ، فقال المهدي لابن ابنه المنصور : ايتني بابنك يعني المعز لدين الله ، فجاءت به دايته وله سنة أو فوقها ، فأخذه المهدي في حجره وقبله ، وقال لابنه القائم بأمر الله : يا أبا القاسم : ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس ، اجتمع فيه أربعة أئمة ، يعني المهدي نفسه ، وابنه القائم ، وابن ابنه المنصور ، وابن ابنه المعز لدين الله ؛ وزادني أبو الفضل ريدان صاحب المظلة في هذا الخبر أن المهدي جمعهم في دواج وقال : جمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معه ثلاث أئمة في كساء سوى نفسه ، وقد جمع هذا الدواج أربعة أئمة .
قال ابن زولاق : ولما وصل المعز إلى قصره خر ساجدا ، ثم صلى ركعتين ، وصلى بصلاته كل من دخل معه ، واستقر في قصره بأولاده وحشمه وخواصه عبيده ، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحلي وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم ؛ وبيت المال بحاله بما فيه ، وفيه جميع ما يكون للملوك .
وخرج غد هذا اليوم وهو يوم الأربعاء جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز .
ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ في سائر مدينة مصر : خير الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأثبت اسم المعز لدين الله ، واسم ابنه عبد الله الأمير .
ووقع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب صاحب بيت المال :
(1/135)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
تقدم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله في كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس ، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة ، وكذلك حوائج المطبخ .
وللنصف منه جلس المعز في قصره على السرير الذهب الذي عمله جوهر في الإيوان الجديد ، وأذن بدخول الأشراف أولاً ، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس ، وجوهر قائم بين يديه يقدم الناس قوما بعد قوم ؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس ، وهي : من الخيل : مائة وخمسون فرساً مسرجة ملجمة ، منها مذهب ، ومنها مرصع ، ومنها بعنبر .
وإحدى وثلاثون قبة على بخاتي بالديباج والمناطق والفرش ، منها تسعة بديباج مثقل .
وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل .
وثلاثة وثلاثون بغلا ، منها سبعة مسرجة ملجمة .
ومائة وثلاثون بغلا للنقل .
وتسعون نجيبا .
وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها ، وفيها أواني الذهب والفضة .
ومائة سيف محلى بالذهب والفضة .
ودرجان من فضة مخرقة فيها جوهر .
وشاشية مرصعة في غلاف .
وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعده له من ذخائر مصر .
(1/136)

"""""" صفحة رقم 137 """"""
وأذن المعز لابنه عبد الله في الجلوس في مجلسه .
وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني هديته ، وهي : أحد عشر سفطا من متاع تونة وتنيس ودمياط .
وخيلا وبغالا .
وقال : كنت أشتهي أن يلبس منها المعز لدين الله ثوباً أو ينعم بالعمامة التي فيها ، فما عمل لخليفة قط مثلها .
وأذن المعز لجماعة بالجلوس في مجلسه ، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر ، وعدتهم نحو الألف .
وقال للقاضي أبي طاهر : كم رأيت من خليفة ؟ فقال : ما رأيت خليفة غير مولانا المعز لدين الله صلوات الله عليه .
فاستحسن ذلك منه على البديهة ، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد ، والمكتفي ، والمقتدر ، والقاهر ، والراضي ، والمتقي ، والمستكفي ، والمطيع ؛ فشكره وأعجب بقوله .
وركب المعز يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلى القاهرة الذي بناه جوهر ، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسيني قد بكر وجلس في المصلى تحت القبة ، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم ، وأقعدوه دونه ، فكان أبو جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلي .
وأقبل المعز في زيه وبنوده وقبابه ، وصلى بالناس صلاة العيد صلاةً تامة طويلة ، قرأ في الأولى بأم الكتاب ، وهل أتاك حديث الغاشية ؛ ثم كبر بعد القراءة ، وركع فأطال ، وسجد فأطال .
(1/137)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
قال ابن زولاق : أنا سبحت خلفه في كل ركعة وفي كل سجدة نيفاً وثلاثين تسبيحة ، وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير ؛ وقرأ في الثانية بأم الكتاب وسورة والضحى ، ثم كبر أيضاً بعد القراءة ؛ وهي صلاة جده علي بن أبي طالب ، وأطال أيضاً في الثانية الركوع والسجود ، وأنا سبحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة في كل ركعة وفي كل سجدة ؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة ، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير ، لقلة علمهم وتقصيرهم في العلوم .
فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر ، وسلم على الناس يمينا وشمالا ، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما ، وكان في أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل ، فجلس عليها بين الخطبتين ، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم .
وكان معه على المنبر جوهر ، وعمار بن جعفر ، وشفيع صاحب المظلة ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، استفتح بذلك وخطب وأبلغ وأبكى الناس ، وكانت خطبته بخضوع وخشوع .
فلما فرغ من خطبته انصرف في عساكره ، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن والخوذ على الخيل بأحسن زي ، وساروا بين يديه بالفيلين . فلما حصل في قصره أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام ، وعتب على من تأخر ، وتهدد من بلغه عنه صيام العيد .
ورد إلى أبي سعيد عبد الله بن أبي ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم .
وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجل ، فكان شهود مصر يشهدون عنده ويشهدون على أحكامه ، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك ؛ واستخلف أبو سعيد أحمد بن محمد الدوادي .
ومنع المعز من النداء بزيادة النيل ، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر ، فلما تم أباح النداء يعني لما تم ست عشرة ذراعاً .
(1/138)

"""""" صفحة رقم 139 """"""
وخلع على جوهر خلعةً مذهبة ، وعمامة حمراء ، وقلده سيفا ، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة ، وحمل بين يديه خمسين ألف دينار ، ومائتي ألف درهم ، وثمانين تختا من ثياب .
وركب المعز إلى المقس ، وأشرف على أسطوله ، وقرأ عليه وعوذه ، وخلفه جوهر والقاضي النعمان ووجوه أهل البلد ، ثم عاد إلى قصره .
وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحي القرافة .
وفي ذي القعدة احترق سوق القاهرة ، وأعيد .
وركب المعز لكسر خليج القاهرة ، فكسر بين يديه ، وسار على شط النيل ، ومر على سطح الجرف ، وعطف على بركة الحبش ، ثم على الصحراء إلى الخندق الذي حفره جوهر في موكب عظيم ، وخلفه وجوه أهل البلد ، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرفه بالمواضع ، وبلغ المعز أن محمداً أخا أبي إسماعيل الرسي يريد الفرار إلى الشام ، فقبض عليه وسجن مقيدا .
(1/139)

"""""" صفحة رقم 140 """"""
وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسة التي عملها للكعبة على إيوان قصره ، وسعتها اثنا عشر
(1/140)

"""""" صفحة رقم 141 """"""
شبراً في مثلها ، وأرضها ديباج أحمر ، ودورها اثنا عشر هلال ذهب ، وفي كل هلال أترجة ذهب مشبك ، جوف كل أترجة خمسون درة كبيض الحمام ، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق ، وفي دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر ، وحشو الكتابة در كبار لم ير مثله ، وحشو الشمسة المسك المسحوق ؛ فرآها الناس في القصر ومن خارجه لعلو موضعها ؛ ونصبها عدة فراشين ، وجروها لثقل وزنها .
وأول من عمل الشمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله ، فبعث سلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون ، وصارت تعلق كل سنة في وجه الكعبة ، وكان يؤتى بهذه السلسلة في كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدر والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير ، فيقدم بها قائد يبعث من العراق ، فتدفع إلى حجبة الكعبة ، ويشهد عليهم بقبضها ، فيعلقونها يوم سادس الثمان ، فتكون على الكعبة ، ثم تنزع يوم التروية .
وغدا المعز لصلاة عيد النحر في عساكره ، وصلى كما ذكر في صلاة الفطر من القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود ، وخطب وانصرف في زيه ، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها ، فلم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكر أهل العراق وأهل خراسان ، ومن يواصل الحج أنهم لم يرو قط مثل هذه
(1/141)

"""""" صفحة رقم 142 """"""
الشمسة ؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها ، وأن شمسة بني العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه ، وأن مساحتها مثل ربع هذه .
وكذلك كانت شمسة كافور التي عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد ، وكان يسير بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوي ، ثم ابنه أبو الحسين ، ثم بعده ابنه مسلم ، ثم أبو تراب بعد أخيه ، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبي تراب .
وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا .
وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنيس في البحر ، فكانت بينهم وبين أهل تنيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة ، وأخذ منهم عدة مراكب ، وأسر طائفة منهم ، وأن أسكر ؟ نهبت ، فعظم ذلك على المعز ، واشتد خوف الناس في المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها ، ويمضي بها الحفارون ؛ فأنكر المعز ذلك ، وأمن الناس .
ولثماني عشرة من ذي الحجة ، وهو يوم غدير خم ، تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء ، فأعجب المعز ذلك ، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر .
وقدم من تنيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى ، وعدة رءوس ، ومعهم أعلام القرامطة
(1/142)

"""""" صفحة رقم 143 """"""
منكوسة ، وسلاح لهم ، فشهر ذلك في البلد ، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو في علو باب قصره .
وكانت فتنة في البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية ، فركب جوهر في طلب النهابة ، وأخذهم وجلدهم .
وفي سلخ ذي الحجة سلخ إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع في طريق القرافة ، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة .
وأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس ، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا عندهم ، وألزموا بمائتي ألف دينار ، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم .
وانتهى النيل في نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين ، وبلغ زيادة الماء الجديد سبع عشرة ذراعا وإصبعين ، وأطلق المعز لمتولى المقياس الجائزة والخلع والحملان ، فزاده على رسمه .
وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمي قاضي مكة ، ومات الإشبيلي قاضي المغاربة بمصر
(1/143)

"""""" صفحة رقم 144 """"""
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة
وأمير المؤمنين المعز لدين الله .
وخليفته القائد جوهر . والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد .
والخراج نصفين : إلى علي بن محمد بن طباطبا ، وعبد الله بن عطاء الله ؛ والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله ، والحسين بن أحمد الروذباري .
وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب .
وصاحب المظلة شفيع الصقلي .
وطبيبه موسى بن العازار .
والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم ، وشبل المعرضي .
والشرطة العليا إلى خير بن القاسم .
وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسي .
وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط .
ولست عشرة بقيت من المحرم قلد المعز الخراج ، ووجوه الأموال جميعها ، والحسبة ، والسواحل ، والجوالى ، والأحباس ، والمواريث ، والشرطتين ، وجميع ما ينضاف إلى ذلك ، وما يطوى في مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف الوزير ، وعسلوج بن الحسن ،
(1/144)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
وكتب لهما بذلك سجلاً . قرىء يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون ؛ وقبضت أيدي سائر العمال والمتضمنين .
وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال ، وحضر الناس للقبالات ، وطالبوا بالبقايا من الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال ، واستقصيا في الطلب ، ونظرا في المظالم .
وفيه تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر ، فنزلوا في الدور ، وأخرجوا الناس من دورهم ، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة ، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا في أطراف المدينة ، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز ، فأمر أن يسكنوا نواحي عين شمس ، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها ، وأمر لهم بما يبنون به ، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بالخندق ، وخندق العبيد ؛ وجعل لهم واليا وقاضيا ؛ وأسكن أكثرهم في المدينة مخالطين لأهل مصر ، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيهان وحظر ذلك عليهم ، وكان مناديه ينادي كل عشية : لا يبينم في المدينة أحد من المغاربة .
وفي يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق ، ونفيسة ، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين ، وكسروا أواني السقائين في الأسواق ، وشققوا الروايا ، وسبوا من ينفق في هذا
(1/145)

"""""" صفحة رقم 146 """"""
اليوم ، وثارت إليهم جماعة ، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمار ، ومنع الفريقين ، ولولا ذلك لعظمت الفتنة ، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق ، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر .
وكانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الأيام الإخشيدية والكافورية ، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة ، ويتعلق السودان في الطرق بالناس ويقولون للرجل : من خالك ؟ فإن قال : معاوية أكرموه ، وإن سكت لقي المكروه ، وأخذت ثيابه وما معه ، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء ، ويمنع الناس من الخروج .
ولما جلس يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن الونهاجي لعقد الضياع توفرت الأموال ، وزيد في الضياع ، وتكاشف الناس .
وفي صفر طيف بنحو مائتي رأس قدم بها من المغرب .
ومات ابن عم للمعز ، فصلى عليه المعز ، وكبر سبعا ، وكبر على غيره خمسا ، وهذا مذهب علي بن أبي طالب : أنه يكبر على الميت على قدر منزلته .
ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز ، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى .
وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ في الاستخراج إلا دينارا معزيا ، فاتضع الدينار الراضي وانحط ، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار ، فخسر الناس من أموالهم ، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف .
واشتد الاستخراج ، وأكد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر ، لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة ، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها ، وكان الذي أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه .
وحدثني بعض كتاب بيت ماله قال :
(1/146)

"""""" صفحة رقم 147 """"""
حملنا إلى مصر أكياساً فارغة أنفق ما كان فيها في أربعة أعدال على جملين . وكد يعقوب وعسلوج أنفسهما في الاستخراج ، فاستخرج في يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية ، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة ؛ واستخرج في يوم مائة وعشرون ألف دينار معزية ، وفي يوم آخر من مال تنيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتي ألف وعشرين ألف دينار ، وهذا لم يسمع بمثله قط في بلد ، إلا أن في أيام العزيز استخرج خير بن القاسم ، وعلي بن عمر العداس ، وعبد الله بن خلف المرصدي في ثلاثة أيام مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية ، منها في أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقي في يومين ، وذلك في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة .
وفي شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم في أعمال الشام ، وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبي جعفر مسلم ، فكتب إليه المعز بعد ما شكاه إليه أخيه مسلم .
وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم : الأشراف ، والعمال ، والقواد ، وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم ، فقال إنسان لبعض الأشراف : اجلس يا شريف ، فقال بعض الكتاميين : وفي الدنيا شريف غير مولانا ؟ لو ادعى هذا غيره قتلناه .
خرج الإذن للناس ، وبلغ المعز هذا ، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس قال : يا معشر الأهل وبني العم من ولد فاطمة : أنتم الأهل ، وأنتم العدة ، وما نرضى بما بلغنا من القول ، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا ، لكم بحمد الله الشرف العالي ، والرحم القريبة ، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به نكالا مشهورا .
فقبلت الجماعة الأرض ، ودعوا وشكروا ، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم .
وحدث المعز أنه رأى في منامه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان جالساً وبين يديه سيوف منها ذو الفقار ، فأخذ علي بن أبي طالب ذا الفقار فضرب به عنق القرمطي الأعسم ، وضرب حمزة عنق أخي الأعسم ، وضرب جعفر عنق آخر ؛ وانكب المعز يقبل رجل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فنسخ الناس هذه الرؤيا .
(1/147)

"""""" صفحة رقم 148 """"""
وحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البر ، وطولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها .
ولما وقف على حبس عمرو بن العاص ، وأن محمد بن أبي بكر كان قبضه وضرب عليه صافية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أهل الحق ، وأن عمرو بن العاص إنما حبسه لما دعا إلى مصر في أيام معاوية ، أخرج ذلك من كتاب أبي عمر الكندي القاضي النعمان بن محمد ، فحمله إلى المعز فقال : هذا مال لنا ، فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس ، ففعل ذلك .
وفي ربيع الآخر ثارت المغاربة في صحراء المقابر ، ونهبوا الناس ، فأنكر المعز ذلك ، وقبض على جماعة .
وفيه اعتل المعز واحتجب ، فاضطربت الرعية ، ولم يره أحد .
وفي جمادى الأولى أرجف بالقرامطة ، وقوى الاستخراج ، ومنع الناس من الحضور في الديوان لئلا يقفوا على مبلغه ؛ وجلس المعز للناس ، فسروا بسلامته .
وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذي كان يذكر أنه كان ليحيى بن خالد ابن برمك ، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم ، فلما رآه المعز قال : أراك معجبا به ، وهو يستحق الإعجاب ، ولكن نفاخرك نحن أيضاً .
(1/148)

"""""" صفحة رقم 149 """"""
فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطاً وإذهاباً وتجليداً ، فقال : هذا خط المنصور ، وإذهابه وتجليده بيده .
فقال له مسلم : فثم مصحف بخط مولانا المعز لدين الله عليه السلام ؟ .
فقال : نعم .
وأخرج له نصفين .
فقال : ما رأيت أصبح من هذا الخط .
فقال المعز : بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول : ما رأيت أصبح من هذا الخط ، ولكنه أصبح من خطك .
ثم ضحك وقال : أردت مداعبتك .
وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول : وددت أن أبي وجدي شاهداه ليفتخرا به ، فلما أقدر أن أقرن به أحداً من خلفاء بني أمية ولا بني العباس .
وتوفي محمد بن الحسين بن أبي الحسين أحد خواص المعز ، فخرج المعز وهو في بقايا علته ، وتقدم إلى القاضي النعمان بن محمد بغسله وبكفنه ، وصلى عليه المغرب ، وفتح تابوته وأضجعه .
وبعد تسعة عشر يوماً توفي القاضي النعمان بن محمد أول رجب ، فخرج المعز يبين الحزن عليه ، وصلى عليه ، وأضجعه في التابوت ، ودفن في داره بالقاهرة .
وفي شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز ، فلما توسط صحن الإيوان قال له أخوه عيسى : إن الأمير عبد الله في المجلس فسلم عليه .
وكان في المجلس جماعة ، فدخل أبو جعفر على المعز وقبل الأرض ، وقام قائماً ، وقال : يا أمير المؤمنين : حدثني أبي عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد قال : دخلت أنا وأخي عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور وهو يومئذ
(1/149)

"""""" صفحة رقم 150 """"""
أمير المدينة فقال : من أين أقبل الشيخان ؟ فقالا : من عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، سلمنا عليه وأتيناك ، فقال : سلمتما على صاحبيه ؟ فقلنا : لا ، فقال سبحان الله ، كيف لم تسلما على صاحبيه ؛ فقال له أخي عبد الله : سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب ؟ ابنك هذا منك أو صاحبي رسول الله من رسول الله ؟ فقال : ابني هذا ، فقال : ما سلمنا على ابنك في مجلسك إجلالا لك ، فنسلم على صحابي رسول الله بحضرة رسول الله ؟ فقال : والله ما قصرتما ، ثم قال مسلم : تأذن يا أمير المؤمنين في السلام على الأمير عبد الله ؟ فأذن له ، قال عيسى : وكان المعز لمسلم مكرماً .
وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة ، وأنهم ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام .
وأمر المعز المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا .
ورد المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة في الخروج إلى القاهرة .
وعاودت المعز العلة فاحتجب أياماً لا يراه أحد ، ثم جلس للناس فهنوه ، وعرضوا أنفسهم للقتال ، فشكرهم على ذلك .
ووصلت سرية القرامطة إلى أطراف الحوف ، وأنفذ القرمطي عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم إلى الصعيد ، فنزل في نواحي أسيوط وإخميم ، وحارب العمال ، واستخرج الأموال ، فثقل ذلك على المعز ، وعاتب أبا جعفر مسلم ، فاعتذر إليه ، وتبرأ من أفعاله ، ونزل الأعسم القرمطي بعسكره بلبيس ، وتأهب المعز لمنعه ورده .
وقد أحببت أن أورد هنا جملةً من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر :
(1/150)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
ذكر طرف من أخبار القرامطة
وذلك أن الحسين الأهوازي لما خرج داعيةً إلى العراق لقي حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة ، ومعه ثور ينقل عليه ، فتماشيا ساعةً ، فقال حمدان للحسين : إني أراك جئت من سفر بعيد ، وأنت معي فاركب ثوري هذا .
فقال الحسين : لم أومر بذلك .
فقال له حمدان : كأنك تعمل بأمر أمر لك ؟ .
قال : نعم .
قال : ومن يأمرك وينهاك ؟ .
قال : مالكي ومالكك ، ومن له الدنيا والآخرة .
فبهت حمدان قرمط يفكر ، ثم قال له : يا هذا : ما يملك ما ذكرته إلا الله .
قال : صدقت ، والله يهب ملكه لمن يشاء .
قال حمدان : فما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ .
وكان الحسين لما رأى قرمط في الطريق سأله : وكيف الطريق إلى قس بهرام .
فعرفه قرمط أنه سائر إليه ، فسأله عن قرية تعرف بباتنورا في السواد ، فذكر أنها
(1/151)

"""""" صفحة رقم 152 """"""
قريبة من قريته ، وكان قرمط من قرية تعرف بالدور على نهر هد من رستاق مهروسا من طسوج فرات بادفلي .
وإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين ، وخطوه متقاربا ، فسمى لذلك قرمطا .
فلما قال للحسين : ما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ قال له : رفع إلى جراب فيه علم وسر من أسرار الله ، وأمرت أن أشفي هذه القرية ، وأغني أهلها وأستنقذهم ، وأملكهم أملاك أصحابهم .
وابتدأ يدعوه ، فقال له حمدان قرمط : يا هذا : نشدتك الله ، ألا رفعت إلي من هذا العلم الذي معك ، وأنقذتني ينقذك الله ؟ .
قال له : لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين والمرسلين ، وألقى إليك ما ينفعك .
فما زال يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق ، وأخذ عليه العهد ، ثم قال له : ما اسمك ؟ .
قال له قرمط : قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه ، فإن لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي .
فصار معه إلى منزله ، وأخذ على الناس العهد ، وأقام بمنزل حمدان قرمط ، فأعجبه أمره ، وعظمه ؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائماً نهاره ، قائماً ليله ، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلةً ؛ وكان يخيط لهم الثياب ويكتسب بذلك ، فكانوا يتبركون به وبخياطته .
(1/152)

"""""" صفحة رقم 153 """"""
وأدرك الثمر ، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي وكان أحد وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل إلى عمل ثمره ، فوصف له الحسين الأهوازي ، فنصبه لحفظ ثمره ، والقيام في حظيرته ، فأحسن حفظها ، واحتاط في أداء الأمانة ، وظهر منه من التشدد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من الأمور ، وذلك في
سنة أربع وستين ومائتين واستحكمت ثقة الناس به ، وثقته هو بحمدان قرمط ، وسكونه إليه ، فأظهر له أمره ، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : يقول الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح ، وهو عيسى ، وهو الكلمة ، وهو المهدي ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية ، وهو جبريل ؛ وأن المسيح تصور في جسم إنسان ، وقال إنك الداعية ، وإنك الحجة ، وإنك الناقة ، وإنك الدابة ، وإنك يحيى بن زكريا ، وإنك روح القدس ؛ وعرفه أن الصلاة أربع ركعات : ركعتان قبل طلوع الشمس ، وركعتان قبل غروبها ؛ وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن : الله أكبر ثلاث مرات .
أشهد ألا إله إلا الله . مرتين .
أشهد أن آدم رسول الله .
أشهد أن نوحا رسول الله .
أشهد أن إبراهيم رسول الله .
أشهد أن موسى رسول الله .
أشهد أن عيسى رسول الله .
أشهد أن محمدا رسول الله .
أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله .
(1/153)

"""""" صفحة رقم 154 """"""
والقراءة في الصلاة : الحمد للّه بكلمته ، وتعالى باسمه ، المنجد لأوليائه بأوليائه ، ' قل إن الأَهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب والشهور والأَيام ، وباطنها لأوليائي الذين عرَّفوا عبادي وسيلتي ، فاتقوني يا أولى الألباب ، وأنا الذي لا أُسأل عما أفعل وأَنا العليم الحكيم ، وأَنا الذي أَبلو عبادي وأَمتحن خلقي ، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أَدخلته في جنتي ، وأَخلدته في نعيمي ؛ ومن زال عن أَمري ، وكذَّب رسلي أَخلدتُه مُهاناً في عذابي ، وأَتممت أجلي ، وأَظهرت أَمري على أَلسنة رسلي ، وأَنا الذي لم يعلُ جبارٌ إلا وضعتُه ، ولا عزيز إلا أَذللته ، وليس الذي أصرَّ على أَمره ، وداوم على جهالته ، وقال إِن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين ، أولئك هم الكافرون ' .
ثم يركع .
ومن شرائعه : صيام يومين في السنة هما : المهرجان ، والنوروز .
وأن الخمر حلال .
ولا غسل من جنابة ، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة .
(1/154)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
وأن لا يؤكل ماله ناب ولا مخلب .
ولا يشرب النبيذ .
وأن القبلة إلى بيت المقدس ، والحج إليه .
وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل .
ولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط ، وأخذ على أكثر أهل السواد ، وكان ذكيا داهية .
فكان ممن أجابه : مهرويه بن زكرويه السلماني ، وجلندي الرازي ، وعكرمة البابلي ، وإسحاق السوراني ، وعطيف النيلي ، وغيرهم ، وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس .
وكان أكبر دعاته عبدان ، وكان فطناً خبيثاً ، خارجاً عن طبقة نظرائه من أهل السواد ، ذا فهم وحذق ، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به إلى غيره ، ولا يظهر غير التشيع والعلم ، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ت ( صلى الله عليه وسلم ) محمد ابن إسماعيل بن جعفر .
فكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه ، وكان شاباً ذكياً فطناً من قرية بسواد الكوفة على نهر هد ، فنصبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه ، ومن قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله .
وكان داعية عبدان على فرات بادفلي : الحسن بن أيمن ؛ وداعيته على طسوج تستر : المعروف بالبوراني وإليه نسب البورانية ؛ وداعيته على جهة أخرى : المعروف بوليد ؛ وفي أخرى : أبو الفوارس . وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان ، ولهم دعاة تحت أيديهم ؛ فكان كل داع يدور في عمله ويتعاهده في كل شهر مرة ، وكل ذلك بسواد الكوفة .
(1/155)

"""""" صفحة رقم 156 """"""
ودخل في دعوته من العرب طائفة ، فنصب فيهم دعاة ، فلم يتخلف عنه رفاعي ولا ضبعي ، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في الدعوة منه ناس كثيراً أو قليل : من بني عباس ، وذهل ، وعنزة ، وتيم الله ، وبني ثعل ، وغيرهم من بني شيبان ؛ فقوى قرمط ، وزاد طمعه ، فأخذ في جمع الأموال من قومه : فابتدأ يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد ، وسمى ذلك : الفطرة ، على كل أحد من الرجال والنساء ، فسارعوا إلى ذلك .
فتركهم مديدة ، ثم فرض الهجرة ، وهو دينار على كل رأس أدرك ، وتلا قوله تعالى : ' خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ، إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ ، وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ' .
وقال : هذا تأويل هذا .
فدفعوا ذلك إليه ، وتعاونوا عليه ، فمن كان فقيرا أسعفوه .
فتركهم مديدة ، ثم فرض عليهم البلغة وهي سبعة دنانير ، وزعم أن ذلك هو البرهان الذي أراد الله بقوله : ' قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ' . وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان ، والدخول في السابقتين المذكورين في قوله تعالى : ' وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ' .
وصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا ، وجعله على قدر البنادق ، يطعم كل من أدى إليه سبعة دنانير منها واحدة ، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام ، فكان ينفذ إلى كل داع منها مائة بلغة ، ويطالبه بسبعمائة دينار ، لكل واحدة منها سبعة دنانير .
(1/156)

"""""" صفحة رقم 157 """"""
فلما توطأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون ، وتلا عليهم : ' واعْلَموا أَنَّما غَنِمْتُم من شيءٍ فأَنَّ لِلّه خُمُسَةُ الآية ' ، فقوموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا ذلك إليه ، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل ، والرجل يخرج خمس ما يكسبه .
فلما تم ذلك فرض عليهم الألفة ، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد ، وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه ، وتلا عليهم : ' واذكروا نِعْمَةَ اللّهِ عليكم إِذْ كُنْتُمْ أَعداءً فَأَلَّفَ بين قُلُوبِكم فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخْوانا ' الآية ، وقوله تعالى : ' لو أَنْفَقْتَ ما في الأَرضِ جميعاً ما أَلَّفْتَ بَين قُلُوبِهم ولكنَّ اللّهَ أَلَّفَ بينهم إِنَّهُ عزيز حكيم ' .
وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم ، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم ، وقال : هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون .
وطالبهم بشراء السلاح وإعداده .
وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين .
وأقام الدعاة في كل قرية : رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره ، وكان يكسو عاريهم ، وينفق على سائرهم ما يكفيهم ، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا ؛ وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والكسب بجهده ، ليكون له الفضل في رتبته ؛ وجمعت المرأة كسبها من مغزلها ، والصبي أجرة نظارته للطير ، وأتوه به ، فلم يتملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه .
فلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلةً معروفة ، ويختلطن بالرجال ، ويتراكبن ولا يتنافرن ، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم .
(1/157)

"""""" صفحة رقم 158 """"""
فلما تمكن من أمورهم ، ووثق بطاعتهم ، وتبين مقدار عقولهم ، أخذ في تدريجهم ، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية ، فسلكوا معه في ذلك حتى يقضي ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى ، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة الأموال والفروج ، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض ، وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم ، وأن معرفة صاحب الحق تغني عن كل شيء ، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب يعني إمامه الذي يدعو إليه ، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وأنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق ، وأن البيعة له ، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس له ، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر ، وأنه حي لم يمت ، وأنه يظهر في آخر الزمان ، وأنه مهدي الأمة .
فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام ، وأنه المعول والمقصد والمراد ، وبه اتسقت هذه الأمور ، ولولا هذه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم ، ظهر في كثير منهم الفجور ، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء ، وقتلوا جماعة ممن خالفهم ، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور ؛ السلاح بينهم ، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم جزعاً منهم .
ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعاً يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها ، ويجتمعون بها ، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات قرية تعرف بمهتماباد ، فحاذوا إليها صخرا عظيما ، ثم بنوا حولها سوراً منيعا عرضه ثماني أذرع ، ومن ورائه خندق عظيم ، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت ، وبنوا فيها البناء العظيم ، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان ، وسميت دار الهجرة ، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين ؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم ، ولا بقي أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم في البلاد .
(1/158)

"""""" صفحة رقم 159 """"""
وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج ، وصاحب الزنج بالبصرة ، وقصريد السلطان ، وخراب العراق ، وتركه لتدبيره ، وركوب الأعراب واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر ، وتلاف الرجال ، وفساد البلدان ، فتمكن هؤلاء ، وبسطوا أيديهم في البلاد ، وعلت كلمتهم . وكان منهم مهرويه أحد الدعاة في مبدأ أمره ينطر النخل ويأخذ أجرته تمرا فيفرغ منه النوا ويتصدق به ، ويبيع النوا ويتقوت به ، فعظم في أعين الناس قدره ، وصارت له مرتبة في الثقة والدين ، فصار إلى صاحب الزنج لما ظهر على السلطان وقال له .
ورائي مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم .
فلم يلتفت إلى قوله ، ولم يجد فيه مطمعا ، فرجع وعظم بعد ذلك في السواد ، وانقاد إليه خلق كثير ، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ، فقيل له : لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله .
فكف عن هذه الدعوى ، وصار بعد ذلك في قبة على جمل ، ودعى بالسيد ، وظهر بسواد الكوفة ؛ وسيأتي ذكر ابنه زكرويه ، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن شاء الله .
وكان رجل من أهل قرية جنابة يعمل الفراء ، يقال له أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي ، أصله من الفرس ، سافر إلى سواد الكوفة ، وتزوج من قوم يقال لهم : بنو
(1/159)

"""""" صفحة رقم 160 """"""
القصار كانوا من أصول هذه الدعوة ، فأخذ عن عبدان ، وقيل بل أخذ عن حمدان قرمط ، وسار داعية ، فنزل القطيف وهي حينئذ مدينة عظيمة فجلس بها يبيع الرقيق ، فلزم الوفاء والصدق ، وكان أول من أجابه الحسين بن سنبر ، وعلي بن سنبر ، وحمدان بن سنبر ، في قوم ضعفاء ، ما بين قصاب وحمال وأمثال ذلك ، فبلغه أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا ، أنفذه عبدان قبل أبي سعيد وكان قد أخذ على بني سنبر من قبل ، فعظم أمره على أبي سعيد وقبض عليه وقتله ، فحقد عليه بنو سنبر قتله .
واتفق أن البلد كان واسعاً ، ولأهله عادة بالحروب ، وهم رجال شداد جهال ، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار ، فقاتل بمن أطاعه من عصاه ، حتى اشتدت شوكته .
وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها ، فهابه الناس ، وأجابه كثير منهم ، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفاً من شره ، ولم يمتنع عليه إلا هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها ، وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها ، ثم وكل بها رجلا .
وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا ، وجعلها منزلا ، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها ، وكان يركب إلى هجر ، ويحارب أهلها ، ويعقب قومه على حصارها .
ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب ، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم ، فأنزلهم الأحساء ، وأطمعوه في بني كلاب ، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالا ، وساروا فأكثروا من القتل ، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء ، فدخل الناس في طاعته ، فوجه جيشاً إلى بني عقيل فظفر بهم ، ودخلوا في طاعته .
(1/160)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها ، ورد إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد ، ولم يرد عبداً ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين .
وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوماً ، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه ، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم ، ونصب لهم عرفاء ، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان ، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب ، وقد صارت دعوته طبعاً لهم .
وقبض كل مال في البلد ، والثمار ، والحنطة ، والشعير .
وأقام رعاةً للإبل والغنم ، ومعهم قوم لحفظها ، والتنقل معها على نوب معروفة .
وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه .
هذا وهو لا يغفل عن هجر ، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهراً حتى أكلوا الكلاب ، فجمع أصحابه ، وعمل دبابات ، ومشى بها الرجال إلى السور ، فاقتتلوا يومهم ، وكثر بينهم القتلى ، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء ، وباكرهم فناشوه ، فانصرف إلى قرب الأحساء ، ثم عاد في خيل ، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به ، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء ، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها ، فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر ، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه ، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم .
فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء ، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالاً كثيراً ، ورجع إلى الأحساء ، وجمع الناس كلهم ، وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف ، وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين ، وأعد الرمل والحصى والتراب ، ثم أمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين ، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة ، فقذفته العين ، ولم يعن ما فعله شيئاً ، فانصرف إلى الأحساء بمن معه .
(1/161)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر ، وأنها تنخفض كلما نزلت ، فرد جميع من كان معه ، وانحدر على النهر نحوا من ميلين ، ثم أمر بحفر نهر هنك ، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ ، ومضى الماء كله فصب في البحر ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم فركب البحر ، ودخل بعضهم في دعوته ، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء ، وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم ، وأخذ ما في المدينة ، وأخربها فبقيت خراباً ، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء .
ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة ، وأردفهم بستمائة أخرى ، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا ، وبقي من أهل عمان خمسة نفر ، ومن القرامطة ستة نفر ، فلحقوا بأبي سعيد ، فأمر بهم فقتلوا ، وقال : هؤلاء خاسوا بعهدي ولم يواسلوا أصحابهم الذين قتلوا .
وتطير بهلاك السرية ، وكف عن أهل عمان .
واتصل بالمعتضد بالله خبره ، فخاف منه على البصرة ، فأنفذ العباس بن عمرو الغنوي في ألفي رجل ، وولاه البحرين ، فخرج في سنة تسع وثمانين ومائتين والتقى مع أبي سعيد ، فانهزم أصحابه ، وأسر العباس في نحو من سبعمائة رجل من أصحابه ، واحتووا على عسكره ، وقتل من غده جميع الأسرى ، ثم أحرقهم وترك العباس ؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم في البر ، وتلف كثير منهم عطشاً ، وورج بعضهم إلى البصرة ، فارتاع الناس وأخذوا في الرحيل عن البصرة .
ثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له .
(1/162)

"""""" صفحة رقم 163 """"""
أتحب أن أطلقك ؟ قال : نعم .
قال : على أن تبلغ عني ما أقول صاحبك .
قال : أفعل .
قال : تقول له : الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغيك ، هذا بلد خارج عن يدك ، غلبت عليه ، وقمت به ، وكان بي من الفضل ما آخذ به غيره ، فما عرضت لما كان في يدك ، ولا هممت به ، ولا أخفت لك سبيلا ، ولا نلت أحداً من رعيتك بسوء ؛ فتوجيهك إلي الجيوش لأي سبب ؟ اعلم أني لا أخرج عن هذا البلد ، ولا توصل إليه وفي هذه العصابة التي معي روح ، فأكفني نفسك ، ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة ، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر .
وأطلقه ، وبعث معه من يرده إلى مأمنه ، فوصل إلى بغداد في شهر رمضان ، وقد كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره ، ويسمونه قائد الشهداء ، فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر ، ولم يبرح حتى رضى عنه .
وسأله عن خبره ، فعرفه جميعه ، وبلغه ما قال القرمطي ، فقال : صدق ، ما أخذ شيئاً كان في أيدينا .
وأطرق مفكرا ، ثم رفع رأسه وقال : كذب عدو الله الكافر ، المسلمون رعيتي حيث كانوا من بلاد الله ، والله لئن طال بي عمري لأشخصن بنفسي إلى البصرة وجميع غلماني ، ولأوجهن إليه جيشاً كثيفا ، فإن هزمه وجهت جيشا ، فإنه هزمه خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه حتى يحكم الله بيني وبينه .
فشغل المعتضد عن القرمطي بأمر وصيف غلام أبي الساج .
ثم توفي في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين ، وما يزال يذكر أبا سعيد الجنابي في مرضه ، ويتلهف ويقول :
(1/163)

"""""" صفحة رقم 164 """"""
حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي ، والله لقد كنت وضعت عند نفسي أن أركب ثم أخرج نحو البحرين ، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفي إلا ضربت عنقه ، وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة .
وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل ، وإعداد السلاح ، ونسج الدروع والمغافر ، واتخاذ الإبل ، وإصلاح الرجال ، وضرب السيوف والأسنة ، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب ، وتعليم الصبيان الفروسية ، وطرد الأعراب من قريته ، وسد الوجوه التي يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال ، وإصلاح أراضي المزارع وأصول النخل ، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها ، ونصب الأمناء على ذلك ، وأقام العرفاء على الرجال ، واحتاط على ذلك كله ، حتى بلغ من تفقده أن الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم ، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء ، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله ، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات ، ويفتل منه حبال ، ويسلم الجلد إلى الدباغ ، ثم إلى خرازى القرب والروايا ، والمزاد ؛ وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل منه ، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن . فكان ذلك دأبه لا يغفله ، ويوجه كل قليل خيلا إلى ناحية البصرة ، فتأخذ من وجدت ، وتصير بهم إليه ويستعبدهم ، فزادت بلاده ، وعظمت هيبته في صدور الناس .
وواقع بني ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم ، وأخذ منهم خلقا ، وبنى لهم حبسا عظيما جمعهم فيه ، وسده عليهم ، ومنعهم الطعام والشراب ، فصاحوا فلم يغثهم ، فمكثوا على ذلك شهرا ، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى ، ويسيرا بحال الموتى وقد تغذوا بلحوم الموتى ، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم .
وكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه ، فمكث مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاةً واحدة ، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره ، فأضمر الخادم قتله ، حتى إذا دخل الحمام معه وكانت الحمام في داره فأعد الخادم خنجرا ماضيا
(1/164)

"""""" صفحة رقم 165 """"""
والحمام خال فلما تمكن منه ذبحه ، ثم خرج فقال : يدعى فلان ، لبعض بني سنبر فأحضر ، فلما دخل قبضه وذبحه ، فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعةً من الرؤساء والوجوه ، فدخل آخرهم فإذا في البيت الأول دم جار ، فارتاب وخرج مبادرا ، وأعلم الناس ، فحصروا الخادم حتى دخلوه ، فوجدوا الجماعة صرعى ، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة ، وقيل اثنتين وثلاثمائة ، وكان قتله بأحساء من البحرين .
وكانت سنه يوم قتله نيفا وستين سنة .
وترك أبو سعيد من الأولاد : أبا القاسم سعيدا .
وأبا طاهر سليمان .
وأبا منصور أحمد .
وأبا إسحاق إبراهيم .
وأبا العباس محمدا .
وأبا يعقوب يوسف .
وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته ، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر ، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد ، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر ؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك .
وكان قد قال لهم سيكون الفتوح له ، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل أبيه ، وأمر فشد الخادم بحبال ، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات ؛ فلما كان في سنة خمس وثلاثمائة سلم سعيد إلى أخيه أبي طاهر سليمان الأمر ، فعظموا أمره .
وكان ابتداء أمر أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي بالقطيف وما والاها في سنة ست وثمانين ومائتين ؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة .
(1/165)

"""""" صفحة رقم 166 """"""
الصناديقي
وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقي على اليمن ، وكانت جيوشه بالمذيخرة وسهفنة ، وكان ابن أبي الفوارس أحد دعاة عبدان أنفذه داعيا إلى اليمن ، وكان من أهل النرس موضع يعمل فيه الثياب النرسي ، وكان يعمل من الكتان فصار إلى اليمن ، ودخل في دعوته خلق كثير ، فأظهر العظائم وقتل الأطفال ، وسبا النساء ، وتسمى برب العزة ، وكان يكاتب بذلك ، وأعلن سب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسائر الأنبياء ، واتخذ دارا خاصة سماها دار الصفوة يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن ، ويحفظ من تحبل منهن في تلك الليلة ومن تلد من ذلك ، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولاً ، ويسميهم أولاد الصفوة .
قال بعضهم : دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول : يا بني ، فقال : يا أمة نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا .
وكان يقول : إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال ، ولا ولد من ولد ، فتكونوا كنفس واحدة .
فعظمت فتنته باليمن ، وأجلى أكثر أهله عنه ، وأجلى السلطان ، وقاتل أبا القاسم محمدا
(1/166)

"""""" صفحة رقم 167 """"""
ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني الهادي ، وأزاله عن عمله من صعدة ففر منه بعياله إلى الرس ، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهي ، وهو أن الله جلت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته برداً وثلجا قتل به أكثر أصحابه في ليلة واحدة ، وقلما عرف مثل ذلك في تلك الناحية .
وسلط الله عليه الأكلة ، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده به فقتله ؛ وأنزل الله بالبلدان التي غلب عليها بثراً يخرج في كتف الرجل منهم بثرة فيموت سريعا ، فسمى ذلك البثر بتلك البلاد حبة القرمطي مدة من الزمان .
وأخرب الله أكثر تلك البلاد التي ملكها ، وأفنى أهلها بموت ذريع ، فاعتصم ابنه بجبال وأقام بها ، وكاتب أهل دعوتهم ، وعنون كتبه : من ابن رب العزة .
فأهلكه الله ، وبقي منهم بقية ، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادي ، ولم يبق للنجار لعنه الله ولا لمن كان على دعوته بقية . وكان قرمط يكاتب من بسلمية ، فلما مات من كان في وقته ، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء ، فاستراب وبعث ابن مليح أحد دعاته ليعرف الخبر فامتنع ، فأنفذ عبدان ، وعرف موت الذي كانوا يكاتبونه ، فسأل ابنه عن الحجة ، ومن الإمام الذي يدعو إليه ، فقال الابن : ومن الإمام ؟ فقال عبدان : محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان .
فأنكر ذلك وقال : لم يكن إمام غير أبي ، وأنا أقوم مقامه .
(1/167)

"""""" صفحة رقم 168 """"""
فرجع عبدان إلى قرمط ؛ وعرفه الخبر ، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا من قول صاحب سلمية : لا حق لمحمد بن إسماعيل في هذا الأمر ولا إمامة .
وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل ، فلما قطعوها من ديارهم لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم ، لأنها امتدت في سائر الأقطار ، ومن حينئذ قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية .
وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطالقان يبث الدعوة ، فلما انقطعت المكاتبة طال انتظاره ، فشخص يسأل عن قرمط ، فنزل على عبدان بسواد الكوفة ، فعتبه وعتب الدعاة في انقطاع كتبهم ، فعرفه عبدان قطعهم الدعوة ، وأنهم لا يعودون فيها ، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة ، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما كان أبوه ، ويجمع الرجال ، فقال زكرويه : إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعي البلد كله والدعاة من قبله ، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله .
وباطن على ذلك جماعة من قرابته وثقاته ، وقال لهم : إن عبدان قد نافق وعصى وخرج من الملة .
فبيتوه ليلا وقتلوه ، فشاع ذلك ، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ليقتلوه فاستتر ، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته ، وتنقل في القرى وذلك في سنة ست وثمانين والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين فأنفذ ابنه الحسن إلى الشام ، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد ، وأمره أن يقصد بني كلاب ، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل ، ويدعوهم إلى الإمام من ولده ، فاستجاب له فخذ من بني العليص ومواليهم وبايعوه ، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام ، فضم إليه
(1/168)

"""""" صفحة رقم 169 """"""
ابن أخيه فتسمى بالمدثر لقبا ، وبعبد الله اسما ، وتأول أنه المذكور في القرآن بالمدثر ويقال إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدي ، وأنه تسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق ، وعهد إليه صاحب الخال من بعده ، وغلاما من بني مهرويه يتلقب بالمطوق وكان سيافا وكتب إلى ابنه الحسن يعرفه أنه ابن الحجة ، ويأمره بالسمع والطاعة له ، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد بن عبد الله ، وقيل علي بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وأنكر قوم هذا النسب ، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه ، وكنيته أبو القاسم ، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة ، وبصاحب الجمل ، وهو أخو صاحب الخال ، القائم من بعده ، فسار حتى نزل في بني كليب ، فلقيه الحسن بن زكرويه ، وسر به ، وجمع له الجمع ، وقال : هذا صاحب الإمام ، فامتثلوا أمره ، وسروا به ، فأمرهم بالاستعداد للحرب ، وقال : قد أظلكم النصر ، ففعلوا ذلك .
واتصلت أخبارهم بشبل الديلمي مولى المعتضد في سنة تسع وثمانين ، فقصدهم ، فحاربوه وقتلوه في عدة من أصحابه بالرصافة من غربي الفرات ، ودخلوها فأحرقوا مسجدها ونهبوا .
وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف دمشق ، وكان عليها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه ، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه .
وكان القرمطي يحضر الحرب على ناقة ، ويقول لأصحابه : لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم ، فإذا سارت فاحملوا ، فإنه لا ترد لكم راية ، إذ كانت مأمورة .
(1/169)

"""""" صفحة رقم 170 """"""
فسمى بذلك : صاحب الناقة فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق ، فكتب إلى مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابه وضرب البلد ، فأنفذ إليه بدر الكبير غلام ابن طولون المعروف بالحمامي فسار حتى قرب من دمشق ، فاجتمع هو وطغج على محاربة القرمطي بقرب دمشق ، فقتل القرمطي واحتمى أصحابه وانحازوا ، فمضوا ، وكان القرمطي قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها : قل جاء الحق وزهق الباطل .
وفي الوجه الآخر : لا إله إلا الله ، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله صاحب الناقة بايعوا الحسن بن زكرويه وهو الذي يقال له أحمد بن عبد الله ، ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ويعرف بصاحب الخال ، فسار بهم ، وافتتح عدة مدن من الشام ، وظهر على حمص ، وقتل خلقا ، وتسمى بأمير المؤمنين المهدي على المنابر وفي كتبه ، وذلك في سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين .
ثم صاروا إلى الرقة ، فخرج إليهم مولى المكتفي وواقعهم فهزموه وقتلوه ، واستباحوا عسكره ، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى ، ويقتلون ويسبون ، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير غلام طغج وقاتلهم حتى قتل في خلق من أصحابه .
واتصل ذلك بالمكتفي بالله فندب أبا الأغر السلمى في عشرة آلاف وخلع عليه لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين ، فسار حتى نزل حلب ، ثم خرج فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوق ، فانهزم أبو الأغر ، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر ، ولحق أبو الأغر بطائفة من
(1/170)

"""""" صفحة رقم 171 """"""
أصحابه ، فالتجأوا بحلب ، وصار في نحو الألف ، فنازله القرامطة ، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا .
وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه ، وسار بهم إلى حمص ، فخطب له على منابرها .
ثم سار إلى حماة والمعرة ، فقتل الرجال والنساء والأطفال ، ورجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها .
ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمنهم ، ودخلها فبدأ بمن فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم .
ثم كر على أهلها فقتلهم أجمعين ، وخربها ، وخرج عنها وما بها عين تطرف ، فلم يمر بقرية إلا أخربها ، ولم يدع فيها أحدا ، فخرب البلاد وقتل الناس ، ولم يقاومه أحد ، وفنيت رجال طغج ، وبقي في عدة يسيرة ، فكانت القرامطة تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة ، فكثر الضجيج ببغداد ، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضي ، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان .
ووردت الكتب من مصر إلى المكتفي بخبر قتل عسكرهم الذي خرج إلى الشام بيد القرامطة ، وخراب الشام ، فأمر المكتفي الجيش بالاستعداد ، وخرج إلى مضربه في القواد والجند لاثنتي عشرة خلت من رمضان ، ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى نزلها ، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص ، وقلد محمد بن سليمان حرب الحسن بن زكرويه ، واختار له جيشا كثيفا وكان صاحب ديوان العطاء .
وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم ، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين .
(1/171)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
وكان الحسن بن زكرويه لما أحس بالجيوش اصطفى مقاتلة ممن معه ، ورتب أحوالهم ، فلما انهزم أصحابه رحل من وقته ، وتلاحق به من أفلت ، فقال لهم : أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله ؛ وحرضهم على المعاودة إلى الحرب ، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم ، فقال لهم : قد كاتبني خلق من أهل بغداد بالبيعة لي ودعاتي بها ينتظرون أمري ، وقد خلت من السلطان الآن ، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها ، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد صاحبي ، وكتبي ترد عليه بما يعمل ، فاسمعوا وأطيعوا .
فضمنوا ذلك له ، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر ، وصاحبه المعروف بالمطوق ، وغلام له رومى ، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق ، فساروا يريدون سواد الكوفة ، وسلك البر ، وتجنب القرى والمدن حتى صار قريبا من الرحبة بموضع يقال له الدالية ، فأمر الدليل فمال بهم إليها ، ونزل بالقرب منها خلف رابية ، ووجه بعض من معه لابتياع ما يصلحه ، فدخل القرية فأنكر بعض أهلها زيه ، وسأله عن أمره ، فورى وتلجلج ، فارتاب به وقبض عليه ، وأتى به واليها ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات ، والدالية قرية من عمل الفرات فسأله أبو خبزة ورهب عليه ، فعرفه أن القرمطي الذي خرج الخليفة المكتفي في طلبه خلف رابية أشار إليها ، فسار الوالي مع جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا ، وتوجه بهم إلى ابن كشمرد ، فصار بهم إلى المكتفي وهو بالرقة ، فشهرهم بالرقة ، وعلى الحسن بن زكرويه دراعة ديباج وبرنس حرير ، وعلى المدثر دراعة وبرنس حرير ، وذلك لأربع بقين من المحرم .
(1/172)

"""""" صفحة رقم 173 """"""
وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقة ومعه الأسرى فخلف المكتفي عساكره مع محمد ابن سليمان بالرقة ، وشخص في خاصته وغلمانه ، وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد ، ومعه القرمطي وأصحابه .
فلما صار إلى بغداد عمل له كرسي سمكه ذراعان ونصف ، وركب على فيل وأركب عليه ، ودخل المكتفي وهو بين يده مع أصحابه الأسرى ، وذلك ثالث ربيع الأول ، ثم سجنوا .
فلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتي عشرة خلت منه أمر المكتفي القواد بتلقيه والدخول معه ، فدخل في زي حسن وبين يديه نيف وسبعون أسيرا ، فخلع عليه ، وطوق بطوق من ذهب ، وسور سوارين من ذهب ، وخلع على جميع من كان معه القواد وطوقوا وسوروا .
وأمر المكتفي ببناء دكة في الجانب الشرقي من مربعة ، ذرعها عشرون ذراعا في مثلها ، وارتفاعها عشرة أذرع ، يصعد إليها بدرج ، فلما كان لأربع بقين منه خرج القواد والعامة ، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكة ، وقتلوا جميعا وعدتهم ثلاثمائة وستون ، وقيل دون ذلك .
وقدم الحسن بن زكرويه ، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما أربعة وثلاثون إنساناً من قبل وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية ، وكان الواحد منهم يبطح على وجهه ، وتقطع يده اليمنى ، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس ، ثم تقطع رجله اليسرى ، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما ، ثم يضرب عنقه ويرمى بها .
ثم قدم المدثر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب ، وضربت عنقه .
ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتي سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، وكوى ، وضربت عنقه ، ورفع رأسه على خشبة ، وكبر من على الدكة ، فكبر الناس وانصرفوا .
وحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطي فمكث نحو سنة .
(1/173)

"""""" صفحة رقم 174 """"""
ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة : من عند المهدي ، المنصور بالله ، الناصر لدين الله ، القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله ، الداعي إلى كتاب الله ، الذاب عن حرم الله ، المختار من ولد رسول الله ، أمير المؤمنين ، وإمام المسلمين ، ومذل المنافقين ، وخليفة الله على العالمين ، وحاصد الظالمين ، وقاصم المعتدين ، ومبيد الملحدين ، وقاتل القاسطين ، ومهلك المفسدين ، وسراج المستبصرين وضياء المستضيئين ، ومشتت المخالفين ، والقيم بسنة سيد المرسلين ، وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم كثيراً .
كتاب إلى فلان : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلي على محمد جدي رسول الله .
أما بعد : فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة ، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض ، فأعظمنا ذلك ، ورأينا أن ننفذ إلى ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين الذين يسعون في الأرض فسادا ؛ فأنقذنا عطيراً داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص وأمددناهم بالعساكر ، ونحن في أثرهم ، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا ، ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم .
فينبغي أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا ، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل
(1/174)

"""""" صفحة رقم 175 """"""
يعودنا في كل من مرق عن الطاعة ، وانحرف عن الإيمان ، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها ، ولا تخف عنا شيئا من أمرها إن شاء الله .
سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على جدي محمد رسوله ، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا .
وكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد .
وسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين خليفة الحسن بن زكرويه فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه ، فأخبره بخبر القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم ، وأنهم اضطربوا فخافهم وتركهم ، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا ، وقال له : ألا كاتبتني قبل انصرافك إلي ؟ .
ووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان . ثم إنه أعرض عن أبي الحسين ، وأنفذ إلى القوم في سنة ثلاث وتسعين رجلا من أصحابه كان معلما يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد ، ويكنى بأبي غانم ، فتسمى نصرا ليعمى أمره ، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم ، فدار ودعاهم ، فاستجاب له طوائف من الأصبغيين ، ومن بني العليص ، فسار بهم نحو الشام ، وعامل المكتفي بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ ، وهو بمصر في حرب ابن الخليج ، فاغتنم ذلك محمد ابن عبد الله المعلم ، وسار إلى بصرى وأذرعات فحارب أهلها ، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم ، وقتل مقاتلنهم ، وسار يريد دمشق ، فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ ، فظهروا عليه ، وقتلوا عسكره ، وأسروه فقتلوه ، وهموا بدخول دمشق فدافعهم أهلها ، فمضوا إلى طبرية ، فكانت لهم وقعة على الأردن غلبوا فيها ، ونهبوا طبرية ، وقتلوا وسبوا النساء .
(1/175)

"""""" صفحة رقم 176 """"""
فبعث المكتفي بالحسين بن حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد ، فدخل دمشق وهم بطبرية ، فساروا نحو السماوة ، وتبعهم ابن حمدان في البرية ، فأخذوا يغورون ما يرتحلون عنه من الماء ، فانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء ، ومال نحو رحبة مالك بن طوق ، فأسرى القرامطة إلى هيت ، وأغاروا عليها لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ، ونهبوا الربض والسفن التي في الفرات ، وقتلوا نحو مائتي إنسان .
ثم رحلوا بعد يومين بما غنموه ، فأنفذ المكتفي إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداج في جماعة من القواد بجيش كثيف ، وأتبعه بمؤنس ، فإذا هم قد غوروا المياه ، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد ، وكتب إلى ابن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة .
فلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم ، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذئب بن القائم فقتله ، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك ، فأسنيت له الجائزة ، وكف عن طلب قومه ، وحملت رأس القائم المسمى بنصر المعلم إلى بغداد .
ثم إن قوما من بني كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم ، ورضيه آخرون ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وافترقوا فرقتين ، فصارت الفرقة التي رضيت قتل المعلم إلى عين التمر ، وتخلفت الأخرى ؛ وبلغ ذلك زكرويه وأحمد بن القاسم عنده فرده إليهم ، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال : أنا رسول وليكم ، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذئب بن القائم ، وأنكم قد ارتددتم عن الدين .
فاعتذروا ، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم ، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف والحرب ، فقال لهم : قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني ، يقول لكم وليكم : قد حضر أمركم ، وقرب ظهوركم ، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا ، ومن أهل سوادها أكثر ، وموعدكم اليوم
(1/176)

"""""" صفحة رقم 177 """"""
الذي ذكره الله في شأن موسى ( صلى الله عليه وسلم ) وعدوه فرعون إذ يقول : موعدكم يوم الزينة ، وأن يحشر الناس ضحى فأجمعوا أمركم ، وسيروا إلى الكوفة ، فإنه لا دافع لكم عنها ، ومنجز وعدي الذي جائتكم به رسلي .
فسروا بذلك ، وارتحلوا نحو الكوفة ، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين ، فخلفوا هناك الخدم والأموال ، وأمرهم أن يلحقوا به على ستة أميال من القادسية .
ثم شاور الوجوه من أصحابه في طروق الكوفة أي وقت ، فاتفقوا على أن يكمنوا في النجف ، فيريحوا الخيل والدواب ، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارةً والناس في صلاة العيد .
فركبوا وساروا ، ثم نزلوا فناموا ، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفاً من الله بالناس ، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة ، وانصرف الناس وهم متبددون في ظاهر الكوفة ، ولأمير البلد طلائع تتفقد ، وكان قد أرجف في البلد بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة ، فوضعوا السيف وقتلوا كثيرا من الناس وأحرقوا ، فارتجت الكوفة ، وخرج الناس بالسلاح ، وتكاثروا عليهم يقذفونهم بالحجارة ، فقتلوا منهم عدةً ، وأقبل بقيتهم فخرج إليهم إسحاق بن عمران في يسير من الجند ، وتلاحق به الناس ، فاقتتلوا قتالا شديدا في يوم صائف شديد الحر ، فانصرف القرامطة مكدودين ، فنزلوا على ميلين من الكوفة ، ثم ارتحلوا عشاء نحو سوادهم ، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا لحربهم ، فانصرفوا عنها ، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد .
وسار القرامطة إلى سواد الكوفة ، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن مهرويه وكان مستترا فقال للعسكر : هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذي تنتظرونه . فترجل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض ، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما ، وطافوا به ، وسروا سروراً عظيما ، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد ، فعظم الجيش جدا .
(1/177)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
وسير المكتفي جيشا عظيما ، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير تعبئة مستخفين بالقوم ، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم ، فلقيهم القرامطة وقاتلوهم وهزموهم ، ووضعوا فيهم السيوف ، فقتل الأكثر ، ونجا الأقل إلى القادسية ، فأقاموا في جمع الغنائم ثلاثاً ، فكان من قتل من الجيش نحو الألف وخمسمائة ، فقويت القرامطة بما غنموا ، وبلغ المكتفي فخاف على الحاج ، وبعث محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج ، وطلب القرامطة ، وضم إليه خلقا عظيما .
فسار القرامطة وأدركوا الحاج ، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من المحرم سنة أربع وتسعين ، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا خلقا عظيما ، واستولى زكرويه على الأموال .
وقدم ابن كنداج فأقام بالقادسية وقد أدركه من هرب من حاج خراسان وقال : لا أغدر بجيش السلطان .
وقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة ، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى غلبوا ، وقتل كثير من الحاج ، واستولوا على جميع ما في القافلة ، وأخذوا النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها ، ومات كثير من الحاج عطشاً ، ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا ، فارتجت بغداد لذلك .
وأخرج المكتفي الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة لإحدى عشرة بقيت من المحرم . وخزائن السلاح .
ورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى ، وبث الطلائع فوافته القافلة التي فيها القواد والشمسة وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا ، ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار ، وفيها من أنواع المال ما يخرج عن الوصف ، فناهضهم زكرويه بالهبير ، وقاتلهم يومه ، فأدركتهم قافلة العمرة ، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة
(1/178)

"""""" صفحة رقم 179 """"""
بعد خروج الحاج ، ويخرجون إذا دخل المحرم ، ويتفردون قافلة ، وانقطع ذلك من تلك السنة ، فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء ، فملك القافلة ، وقتل الناس ، وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره ، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا ، وسار فأخذ أهل فيد .
وأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا وفيها مصيبة ، وعبرة سائلة ، وضجيج وعويل ، واعتزل المكتفي النساء هما وغما ، وتقدم بالمسير خلف زكرويه ، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ربيع الأول ، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل أكثر من معه ، وأسر منهم خلق كثير ، وطرحت النار في قبته ، فخرج من ظهرها ، وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض ، فأدركه رجل يعرفه . فأركبه نجيباً فارهاً ، وسار به إلى نحو بغداد ، فمات من جراحا كانت به ، وصبر وأدخل به إلى بغداد ميتا فشهر كذلك ، ومه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى ورءوس من قتل بين يديه في الجوالقات ، ومات خبر القرامطة بموت زكرويه .
ودعوتهم ذكرها شائع .
فلما دخلت
سنة خمس وتسعين ومائتين
خرج رجل من السواد من الظط يعرف بأبي حاتم الظطي ، فقصد أصحاب البوراني داعيا وهم يعرفون بالبورانية وحرم عليها الثوم والبصل والكرات والفجل ، وحرم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان ، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البوراني ، وأمرهم بما لا يقبله إلا أحمق ، وأقام فيهم نحو سنة ، ثم زال ، فاختلفوا بعده ، فقالت طائفة : زكرويه بن مهرويه حي ، وإنما شبه على الناس به .
وقالت فرقة : الحجة لله محمد بن إسماعيل .
(1/179)

"""""" صفحة رقم 180 """"""
ثم خرج رجل من بني عجل قرمطي يقال له محمد بن قطبة ، فاجتمع عليه نحو مائة رجل ، فمضى بهم نحو واسط ، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية ، فقتلهم وأسرهم . ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي ، وعمل على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة ، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة اثنان سورافيت ، إذا احتيج إليها نصبت ، وتخلع إذا حملت ، فرحل يريد البصرة ، فلما قاربها فرق السلاح ، وحشى الغرائر بالرمل ، وحملها على الجمال ، فسار إلى السور قبل الفجر ، فوضع السلالم ، وصعد عليها قوم ، ونزلوا فوضعوا السيف وكسروا الأقفال ، فدخل الجيش ، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول في الأبواب ليمنع من غلقها ، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير ، فقاتلوا وقتل الأمير ، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام ، فخرجوا وقد قتل من الناس مقتلة عظيمة ، فباتوا ثم باكروا البلد فقاتلوا ونهبوا .
ثم رحلوا إلى الأحساء ، فأنفذ السلطان عسكراً وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة فدخل في أثرهم وأسر منهم وعاد .
فلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطي فقتل منهم ؛ وأدركهم أبو الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة ، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم ، وأخذ أبو الهيجاء أسيرا ، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له : جئناك عبد الله ، ولم نكلفك قصدنا .
فتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه ، وأمر بتمييز الحاج ، وعزل الجمالين والصناع ناحية ، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم ، فردوا بشر حال في صورة الموتى ، ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحو عشرين ألف دينار مع أموال لا تحصى كثرة ، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر ، فورد بغداد .
فلما كان في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج ، فلقي أبو طاهر القرمطي الحاج بالعقبة ، فرجع الحاج إلى الكوفة ، فتبعهم القرمطي حتى نزل بظاهرها
(1/180)

"""""" صفحة رقم 181 """"""
لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة ، فناوشه الناس وانكفأ راجعاً ، ثم باكرهم بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان ، فقاتلهم وهزمهم ، وقتل قوادهم وكثيرا من العامة ، ونهب البلد إلى العشرين منه ، فرحل عن البلد .
فلما كان في سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطي من بلده لقتال ابن أبي الساج ، وقد كان السلطان أنزله في جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطي ، فاستصعب مسيره لكثرة من معه ، وثقل عليه سيره في أرض قفر ، فاحتال على القرمطي ، وكاتبه باظهار المواطأة ، وأطمعه في أخذ بغداد ومعاضدته ، فاغتر بذلك ، ورحل بعيال وحشم وأتباع ، وجيشه على أقوى ما يمكنه ، وأقبل يريد الكوفة .
ورحل ابن أبي الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة ، وقد سبقه القرمطي ، ودخلها لسبع خلون من شوال ، فاستولى عليها ، وأخذ منها الميرة ، وأعد ما يحتاج إليه ؛ وأقبل ابن أبي الساج على غير تعبئة ، وعبر مستهينا بأمر القرمطي مستحقرا له ، ثم واقعه وهو في جيش يضيق عنه موضعه ، ولا يملك تدبيره ، وقد تفرق عنه عسكره ، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور شيئا كثيرا ، فأقبل إليه القرمطي وقاتله ، فانهزمت عساكر ابن أبي الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى والجراح ، فقتلوا الناس قتلا ذريعاً حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أربع ، واحتوى على عسكره ، ونهب الأكرة من أهل السواد ما قدروا عليه ، وأقام أربعين يوماً ؛ وخرج بعد أن يئس من مجيء عسكر إليه ، فقصد بغداد ، ونزل بسواد الأنبار ، وعبر الفرات إلى الجانب الغربي ، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد بغداد ، فجيش الجيش إليه ؛ وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد ، وقاتل القرامطة قتالا شديداً ، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال ، ويذكر ما لزم من صرف الأموال إلى وقت وصوله .
فكتب إليه : إن في مقامنا أطال الله بقاء مولانا نفقة المال ، وفي لقائنا نفقة الرجال ؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال .
(1/181)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
ثم أنفذ إلى القرمطي يقول له : ويلك ، ظننتني كمن لقيك أبرز لك رجالي ، والله ما يسرني أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابي ، ولكني أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذاً بيدي إن شاء الله . وأنفذ يلبق في جيش للإيقاع بمن في قصر ابن هبيرة ، فعظم ذلك على القرمطي فاضطرب ، وأخذ أصحابه يحتالون في الهرب ، وتركوا مضاربهم ، فنهب مؤنس ما خلفوه ، وسار جيش القرمطي من غربي الفرات ، وسار مؤنس من شرقيه ، إلى أن وافى القرمطي الرحبة ، ومؤنس يحتال في إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة ، فكان القرامطة يأخذونها ، فكثرت الميتة فيهم ، وكثر بهم الذرب ، وظهر جهدهم ، فكروا راجعين وقد قل الظهر معهم ، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين ، فدخل الكوفة على حال ضعف وجراحات وعلل لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة فأقام بها إلى مستهل ذي الحجة ، ولم يقتل ولا نهب ، ثم رحل .
فلما كان في سنة سبع عشرة رحل بجيشه ، فوافى مكة لثمان خلون من ذي الحجة ، فقتل الناس في المسجد قتلا ذريعا ، ونهب الكعبة ، وأخذ كسوتها وحليها ، ونزع الباب وستائره ، وأظهر الاستخفاف به ، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه وظن أنه مغناطيس القلوب ، وأخذ الميزاب أيضا .
وعاد إلى بلده في المحرم سنة ثماني عشرة وقد أصابه كد شديد ، وقد أخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا ، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار ، واستملك من النساء والغلمان والصبيان ما ضاق بهم الفضاء كثرةً ، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده .
فلما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة ، فعاث عسكره في
(1/182)

"""""" صفحة رقم 183 """"""
السواد ، وأسروا خلقا ، واشتروا أمتعة ، ورجعوا بعد خمسين ليلة أقاموا بها إلى بلدهم .
وبعث أبو طاهر سرية في البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف في أهل الساحل ، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه من رجل وامرأة وصبي فما نجا منهم إلا من لحق بالجبال ، وسبوا النساء ، واجتمع الناس ، فقتلوا منهم في الحرب معهم خلقا كثيرا ، وأسروا جماعة ، ثم تحاملوا عليهم ، وتبادوا بالشهادة ، وجدوا فقتلوا أكثرهم ، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد ، وحملت الأسرى إلى بغداد مع الرءوس وهم نحو المائة رجل ومائة رأس فحبسوا ببغداد .
ثم خلصوا وصاروا إلى أبي طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبي طاهر أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم ، وكان سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود ، ويطلق الأسرى ، ولا يعترضوا الحاج ، فجرى الأمر على ذلك .
ودخل القرمطي في سنة ثلاث وعشرين إلى الكوفة والحاج قد خرج في ذي القعدة ، وعاد الحاج إلى الكوفة ، ولم يقدر على مقاومتهم ، فظفر بمن ظفر منهم ، فلم يكثر القتل ، وأخذ ما وجد .
وبلغ القرمطي أن رجلا من أصحابه قال : والله ما ندري ما عند سيدنا أبي طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها ، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء ، وما يفوز بأكثر أموالكم إلا الأعراب والشذاذ من الناس ، فلو أنه حين ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدي كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ذلك منهم أحد ، وخف عليهم وسهل ، وحج الناس من كل بلد ، لأنهم ظمأى إلى ذلك جدا ، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته ، وجاء في كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج ، واستولى على الأرض وانقاد له الناس ؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة ، وصار عند الناس هو المانع من الحج .
فاستصوب القرمطي هذا الرأي ، ونادى من وقته في الناس بالأمان ، وأحضر الخراسانية ،
(1/183)

"""""" صفحة رقم 184 """"""
فوطأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال في كل سنة ، ويكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم ؛ وأخرج أهل مصر أيضاً عن الحاج ضرائب من مال السلطان ؛ ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة ، فصار لهم على الحاج رسما بالكوفة .
فلما كان سنة خمس وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة ، وقبض على شفي اللؤلؤي أميرها بأمان ، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال ، فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه ، وخدموه فيما يلتمسه ، وإلا فلا يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم ، وبر أبو طاهر شفيعاً ووصله ، فوصل شفيع إلى السلطان وعرفه ، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطي ، وملأ صدره من السلطان وأتباعه ، فزاده انكسارا ، وسار عن البلد ، فابتلاه الله بالجدري وقتله ؛ فملك التدبير بعده أخوته وابن سنبر . فلما كان في سنة تسع وثلاثين أرادوا أن يستميلوا الناس فحملوا الحجر الأسود إلى الكوفة ، ونصبوه فيها على الاسطوانة بالجامع .
وكان قد جاء عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين : أن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان .
ثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة وأمير مكة معه فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط كان به مصونا ، وعلى الحجر ضباب فضة قد عملت عليه ، تأخذه طولا وعرضا ، تضبط شقوقاً حدثت فيه بعد انقلاعه ؛ وكان قد أحضر له صانع معه جص يشد به الحجر ، وحضر جماعة من حجبة البيت ، فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر بيده في موضعه ومعه الحجبة وشده الصانع الجص بعد وضعه وقال لما رده : أخذناه بقدرة الله ، ورددناه بمشيئته .
(1/184)

"""""" صفحة رقم 185 """"""
ونظر الناس إليه وقبلوه والتمسوه ، وطاف سنبر بالبيت .
وكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الإثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة سنة سبع عشرة وثلاثمائة .
وكان رده يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذي الحجة يوم النحر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة . فكانت مدة كينونته عند الجنابي وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام .
وكان في سنة ست عشرة وثلاثمائة قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند انصراف أبي طاهر القرمطي عن بغداد إلى نحو الشام ، وتداعوا إلى الاجتماع في دار هجرتهم فكثروا ، وكبسوا نواحي الوسط ، وقتلوا خلقا كثيرا ، وملكوا ما حواه العسكر هناك من سلاح وغيره ، فقوى أمرهم ، وسار بهم عيسى بن موسى والحجازي وهما داعيان وكان الحجازي بالكوفة يبيع الخبز ، فصحب يزيد النقاش ، واجتمع عليهما غلمان ، وساروا فنهبوا وأخافوا ، والبلد ضعيف لاتصال الفتن وتخريب البوراني لسواده وضعف يد السلطان ، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل إليهم ، فاجتمعوا نحو العشرة آلاف ، وفرقوا العمال ، ورحلوا إلى الكوفة فدخلوها عنوة ، وهرب واليها ، وولوا على خراجها وعلى حربها ، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن فيه ، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا ، وقتل منهم ما لا يحصى ، وغرق منهم وهرب الباقون ، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا وصلبوا ، وحبس عيسى بن موسى مدة ، ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر أيام المقتدر ، فأقام ببغداد يدعو الناس ، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان الداعي ، نسبه فيها إلى الفلسفة ، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه ، فصار له أتباع ، وأفسد فسادا عظيما ، وصار له خلفاء من بعده مدة .
(1/185)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت بنيسابور ، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعراني ، وصار منهم خلق كثير هناك من الرؤساء وأصحاب السلاح .
وانتشرت في الري من رجل يعرف بخلف الحلاج ، وكان يحلج القطن ، فصرف بها طائفة الخلفية ، وهم خلق كثير ، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم ، وكان منهم أسفار فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة في أيامه بالري وأخذوا يقتلون الناس غيلةً حتى أفنوا خلقا كثيرا .
ثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد الساماني ، فنفر عليهم وقتلهم مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد ، وصار بعضهم إلى مفلح غلام ابن أبي الساج فاستجاب له ، ودخل في دعوته .
فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، وقد استعد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد ، فورد عليه الخبر بأن القرامطة تقصده ، ووافت الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله ، ثم جرى بينهم صلح ، وصاهر إليهم في ذي الحجة منها ، فأقام القرمطي بظاهر الرملة ثلاثين يوما ورحل . وسار جعفر بن فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد الله بن طغج ، وقتل رجاله ، وأخذه أسيرا ، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها ، فمنعه أهل البلد وقاتلوه قتالا شديدا ، ثم إنه دخلها بعد حروب ، وفر منه جماعة منهم ظالم بن موهوب العقيلي ، ومحمد بن عصودا فلحقا بالأحساء إلى القرامطة ، وحثوهم على المسير إلى الشام ، فوقع ذلك منهم بالموافقة ، لأن الإخشيدية
(1/186)

"""""" صفحة رقم 187 """"""
كانت تحمل إليهم في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، فلما صارت عساكر المعز إلى مصر مع جوهر ، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن القرامطة ، فسارت . . . . بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب ، فنزلوا الكوفة وراسلوا السلطان ببغداد ، فأنفذ إليهم خزانة سلاح ، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان ، ورحلوا إلى الرحبة وعليها أبو تغلب فحمل إليهم العلوفة والمال الذي كتبا به لهم .
وجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعد لحربهم ، فتفرق الناس عنه إلى مواضعهم ، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق ، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي ، فبعث إليه أبو تغلب يقول : هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسي وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد علي خبرك ، فإن احتجت إلى مسيري سرت إليك .
ونادى في عسكره : من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه ؛ فقد أذنا له في المسير ، والعسكران واحد .
فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب ، وفيهم كثي من الإخشيدية الذين كانوا بمصر ، صاروا إليه لما دخل جوهر من مصر وفلسطين ؛ وكان سبب هذا الفعل من أبي تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال له أبو طالب التنوخي من أهل الرملة يقول له : إني سائر إليك فنقيم الدعوة ، فقال له أبو تغلب وكان بالموصل : هذا ما لا يتم لأنا في دهليز بغداد ، والعساكر قريبة منا ، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم .
فانصرف من عنده على غير شيء .
وبلغ ذلك القرمطي فسره وزاده قوة ، وسار عن الرحبة ، فأشار أصحاب جعفر لما قارب
(1/187)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
القرامطة دمشق أن يقاتلهم بطرف البرية ، فخرج إليهم وواقعهم ، فانهزم ، وقتل لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة .
ونزل القرمطي ظاهرة المزة فجبى مالا ، وسار يريد الرملة وعليها سعادة ابن حيان فالتجأ إلى يافا ، ونزل عليه القرمطي ، وقد اجتمعت إليه عرب الشام وأتباع من الجند ، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة ، وهلك أكثرهم جوعا ثم سار عنها ، وترك على حصارها ظالم العقيلي وأبا الهيجا بن منجا ، وأقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه ، وسودوا أعلامهم ، ورجعوا عما كانوا يمخرقون به ، وأظهروا أنهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي .
ونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، فقاتله جوهر على الخندق وهزمه ، فرحل إلى الأحساء .
وأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها ، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق ، ونزلوا بظاهرها ، فاختلف ظالم العقيلي وأبو الهيجا بسبب الخراج ، فكان كل منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله ، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطي يولج إليه أموره ، ويستخلفه على تدبيره .
ورجع الحسن بن أحمد القرمطي من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا وظالم ، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف ، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم خلى عنه .
وطرح القرمطي مراكب في البحر ، وشحنها بالمقاتلة ، وسيرها إلى تنيس وغيرها من سواحل
(1/188)

"""""" صفحة رقم 189 """"""
مصر ، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم ، وتأهب للمسير إلى مصر ، هذا بعد أن كان القرامطة أولا يمخرقون بالمهدي ، ويوهمون أنه صاحب المغرب ، وأن دعوتهم إليه ، ويراسلون الإمام المنصور إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدي ، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم بمحاربة القائد جوهر لهم ، وقتله كثيرا منهم ، وكسره القبة التي كانت لهم .
فلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي كتابا عنوانه : من عبد الله ووليه ، وخيرته وصفيه ، معد أبي تميم المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، وسلالة خيبر النبيين ، ونجل على أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد : بسم الله الرحمن الرحيم رسوم النطقاء ، ومذاهب الأئمة والأنبياء ، ومسالك الرسل والأوصياء ، السالف والآنف منا ، صلوات الله علينا وعلى آبائنا ، أولى الأيدي والأبصار ، في متقدم الدهور والأكوار ، وسالف الأزمان والأعصار ، عند قيامهم بأحكام الله ، وانتصابهم لأمر الله ، الابتداء بالإعذار ، والانتهاء بالإنذار ، قبل إنفاذ الأقدار ، في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى ، والعقوبة على من باين وغوى ، حسب ما قال الله جل وعز : ' وما كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ' .
و ' وإِنْ مِنْ أُمَّةِ إِلاَّ خَلاَ فيها نَذيرٌ ' .
وقوله سبحانه : ' قُلْ هَذِه سَبِيلي أَدْعُو إِلى اللّهِ عَلَى بَصِيرةٍ أَنا وَمَنْ اتَّبَعَني ، وسُبْحانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكين ' .
(1/189)

"""""" صفحة رقم 190 """"""
' فَإِنْ آمَنوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ به فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ في شِقَاق ' .
أما بعد ، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده ، ونمجده بأحسن مماجده ، حمداً دائماً أبداً ، ومجداً عالياً سرمداً ، على سبوغ نعمائه ، وحسن بلائه ، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته ، والتسديد في نصرته ، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى ، ونستزيد منه إتمام الصلوات ، وإفاضات البركات ، وطيب التحيات ، على أوليائه الماضين ، وخلفائه التالين ، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين ، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون .
أيها الناس : ' قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ' ليذكر من يذكر ، وينذر من أبصر واعتبر .
أيها الناس : إن الله جل وعز إذا أراد أمراً قضاه ، وإذا قضاه أمضاه ، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا ، وأبرزنا أرواحا ، بالقدرة مالكين ، وبالقدوة قادرين ، حين لاسماء مبنية ، ولا أرض مدحية ، ولا شمس تضيء ، ولا قمر يسري ، ولا كوكب يجري ، ولا ليل يجن ، ولا أفق يكن ، ولا لسان ينطق ، ولا جناح يخفق ، ولا ليل ولا نهار ، ولا فلك دوار ، ولا كوكب سيار .
فنحن أول الفكرة وآخر العمل ، بقدر مقدور ، وأمر في القدم مبرور ، فعند تكامل الأمر وصحة العزم ، وإنشاء الله جل وعز المنشآت ، وإبداء الأمهات من الهيولات ، طبعنا أنوارا وظلما ، وحركة وسكونا .
وكان من حكمه السابق في علمه ما ترون من فلك دوار ، وكوكب سيار ، وليل ونهار ، وما في الآفاق من آثار معجزات ، وأقدار باهرات ، وما في الأقطار من الآثار ، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع ، من كثيف ولطيف ، وموجود ومعدوم ، وظاهر وباطن ، ومحسوس وملموس ، ودان وشاسع ، وهابط وطالع .
(1/190)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
كل ذلك لنا ومن أجلنا ، دلالةً علينا ، وإشارةً إلينا ، يهدي به الله من كان له لب سجيح ، ورأى صحيح ، قد سبقت له منا الحسنى ، فدان بالمعنى .
ثم إنه جل وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم ، آدم وحوا أبوين ذكرا وأنثى ، سببا لإنشاء البشرية ، ودلالة لإظهار القدرة القوية ؛ وزاوج بينهما فتوالدا الأولاد ، وتكاثرت الأعداد ، ونحن ننتقل في الأصلاب الزكية ، والأرحام الطاهرة المرضية ، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم ، وهلم جرا إلى آخر الجد الأول ، والأب الأفضل ، سيد المرسلين ، وإمام النبيين ، أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد ، فحسن آلاؤه ، وبان غناؤه ، وأباد المشركين ، وقصم الظالمين ، وأظهر الحق ، واستعمل الصدق ، وظهر بالأحدية ، ودان بالصمدية ؛ فعندها سقطت الأصنام ، وانعقد الإسلام ، وانتشر الإيمان ، وبطل السحر والقربان ، وهبرت الأوثان ، وأتى بالقرآن ، شاهدا بالحق والبرهان ، فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم ، منبئا عن كتب تقدمت ، في صحف قد تنزلت ، تبيانا لكل شيء ، وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا .
وكل ذلك دلالات لنا ، ومقدمات بين أيدينا ، وأسباب لإظهار أمرنا ، هدايات وآيات وشهادات ، وسعادات قدسيات ، إلاهيات أزليات ، كائنات منشآت ، مبدئات معيدات فما من ناطق نطق ، ولا نبي بعث ، ولا وصي ظهر ، إلا وقد أشار إلينا ، ولوح بنا ، ودل علينا في كتابه وخطابه ، ومنار أعلامه ، ومرموز كلامه ، فيما هو موجود غير معدوم ، وظاهر وباطن ، يعمله من سمع الندا ، وشاهد ورأى ، من الملأ الأعلى ؛ فمن أغفل منكم أو نسى ، أو ضل أو غوى ، فلينظر في الكتب الأولى ، والصحف المنزلة ، وليتأمل آي القرآن ، وما فيه من البيان ، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم ، فقد أمر الله عز وجل بالسؤال ، فقال : ' فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ' .
(1/191)

"""""" صفحة رقم 192 """"""
وقال سبحانه وتعالى : ' فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ ' .
ألا تسمعون قول الله حيث يقول : ' وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ' وقوله تقدست أسماؤه : ' ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ' .
وقوله له العزة : ' شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فيه كَبُرَ على المُشْرِكينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ' .
ومثل ذلك في كتاب الله تعالى جده كثير ، ولولا الإطالة لأتينا على كثير منه ومما دل به علينا ، وأنبأ به عنا ، قوله عز وجل : ' كَمِشْكَاةٍ فيها مصْبَاحٌ المِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُها يُضِىءُ وَلَوْلَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ، نُورٌ على نُورٍ يَهْدِى اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَىُءٍ عَلِيمٌ ' .
وقوله في تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد صلى الله عليه ، وعليه السلام إعلاما بجليل قدرنا ، وعلو أمرنا : ' وَلقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثَانِى وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ' .
هذا مع ما أشار ولوح ، وأبان وأوضح ، في السر والإعلان ، من كل مثل مضروب ، وآية وخبر وإشارة ودلالة ، حيث يقول : ' وتِلْكَ الأَمثالُ نَضرِبُها لِلنَّاس ومَا يَعْقِلُها إِلاَّ الْعَالِمُونَ ' .
(1/192)

"""""" صفحة رقم 193 """"""
وقال سبحانه وتعالى : ' إِنَّ في خَلْقِ السّموّاتِ والأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل والنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِى الأَلْبَابِ ' .
وقوله جل وعز : ' سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الآفَاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيْن لَهُمْ أنَّهُ الْحَقُّ ' .
فإن اعتبر معتبر ، وقام وتدبر ما في الأرض وما في الأقطار والآثار ، وما في النفس من الصور المختلفات ، والأعضاء المؤتلفات ، والآيات والعلامات ، والاتفاقات والاختراعات ، والأجناس والأنواع ، وما في كون الإبداع من الصور البشرية ، والآثار العلوية ، وما يشهد به حروف المعجم ، والحساب المقوم ، وما جمعته الفرائض والسنن ، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم ، وتصنيف القرآن من تحزيبه وأسباعه ، ومعانيه وأرباعه ، وموضع الشرائع المتقدمة ، والسنن المحكمة ، وما جمعته كلمة الإخلاص في تقاطيعها وحروفها وفصولها ، وما في الأرض من إقليم وجزيرة ، وبر وبحر ، وسهل وجبل ، وطول وعرض ، وفوق وتحت ، إلى ما اتفق عليه في جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا ، والأوصيا والخلفا ، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة ، وما في الحساب من أحاد وأفراد ، وأزواج وأعداد ، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته وتسابيعه ، وأبواب العشرات والمئين والألوف ، وكيف تجتمع وتشتمل على ما اجتمع عليه ما تقدم من شاهد عدل وقول صدق ، وحكمة حكيم وترتيب عليم .
فلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى .
' وإِنْ تعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوها ' .
' وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ' .
(1/193)

"""""" صفحة رقم 194 """"""
' وَلَوْ أَنَّ مَا في الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ ' . وليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، أنا كلمات الله الأزليات ، وأسماؤه التامات ، وأنواره الشعشعانيات ، وأعلامه النيرات ، ومصابيحه البينات ، وبدائعه المنشآت ، وآياته الباهرات ، وأقداره النافذات ، لا يخرج منا أمر ، ولا يخلو منا عصر .
وإنا لكما قال الله سبحانه وتعالى : ' مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثَمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ' .
فاستشعروا النظر فقد نقر في الناقور ، وفار التنور ، وأتى النذير بين يدي عذاب شديد ، فمن شاء فلينظر ، ومن شاء فليتدبر ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين .
وكتابنا هذا من فسطاط مصر ، وقد جئناها على قدر مقدور ، ووقت مذكور ، فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع ، وحكم مجموع ، وأجل معلوم ، وأمر قد سبق ، وقضاء قد تحقق .
فلما دخلنا وقد قدر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم ، والصعقة تحل بهم ، تبادروا وتعادوا شاردين ، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم ، وإنا لنار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فلم أكشف لهم خبرا ، ولا قصصت لهم أثرا ، ولكني أمرت بالنداء ، وأذنت بالأمان ، لكل باد وحاضر ، ومنافق ومشاقق ، وعاص ومارق ، ومعاند ومسابق ، ومن أظهر صفحته وأبدى لي سوءته ، فاجتمع الموافق والمخالف ، والباين والمنافق ، فقابلت الولي بالإحسان ، والمسيء بالغفران ، حتى رجع الناد والشارد ، وتساوى الفريقان ، واتفق الجمعان ، وانبسط القطوب ، وزال الشحوب ، جريا على العادة بالإحسان ، والصفح والامتنان ، والرأفة والغفران ، فتكاثرت الخيرات ، وانتشرت البركات .
(1/194)

"""""" صفحة رقم 195 """"""
كل ذلك بقدرة ربانية ، وأمرة برهانية ، فأقمت الحدود ، بالبينة والشهود ، في العرب والعبيد ، والخاص والعام ، والبادي والحاضر ، بأحكام الله عز وجل وآدابه ، وحقه وصوابه ، فالولي آمن جذلن والعدو خائف وجل .
فأما أنت الغادر الخائن ، الناكث البائن ، عن هدى آبائه وأجداده ، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده ، والموقد لنار الفتنة ، والخارج عن الجماعة والسنة ، فلم أغفل أمرك ، ولا خفي عني خبرك ، ولا استتر دوني أثرك ، وإني منى لبمنظر ومسمع ، كما قال الله جل وعز : ' إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ' ، ' مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّك بَغِيَّا ' .
فعرفنا على أي رأي أصلت ، وأي طريق سلكت : أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة ، وبعمل أبي طاهر قدوة ؟ أما نظرت في كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم وأشارهم ؟ أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم ؟ ألم تعلم أنهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد ، وعزم سديد ، وأمر رشيد وفعل حميد ، يفيض إليهم موادنا ، وينشر عليهم بركاتنا ، حتى ظهروا على الأعمال ، ودان لهم كل أمير ووال ، ولقبوا بالسادة فسادوا ، منحةً منا واسما من أسمائنا ، فعلت أسماؤهم ، واستعلت هممهم ، واشتد عزمهم ، فسارت إليهم وفود الآفاق ، وامتدت نحوهم الأحداق ، وخضعت لهيبتهم الأعناق ، وخيف منهم الفساد والعناد ، وأن يكونوا لبني العباس أضداد ، فعبئت الديوش ، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة ، والعدد المهذبة ، والعساكر الموكبة ، فلم يلقهم جيش إلا كسروه ، ولا رئيس إلا أسروه ، ولا عسكر إلا كسروه ، وألحاظنا ترمقهم ، ونصرنا يلحقهم ، كما قال الله جل وعز : ' إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ' ، ' وإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ ' ، وإن حزبنا لهم المنصورون .
(1/195)

"""""" صفحة رقم 196 """"""
فلم يزل ذلك دأبهم ، وعين الله ترمقهم ، إلى أن اختار لهم ما اختاروه من نقلهم من دار الفناء ، إلى دار البقاء ، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول ، فعاشوا محمودين ، وانتقلوا مفقودين ، إلى روح وريحان وجنات النعيم ، فطوبى لهم وحسن مآب .
ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون إلينا ، ويدلون علينا ، ويأخذون بيعتنا ، ويذكرون رجعتنا ، وينشرون علمنا ، وينذرون بأسنا ، ويبشرون بأيامنا ، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن ، وفي كل جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون ، وعنهم يأخذون ، وهو قول الله عز وجل .
' وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسْولٍ إِلاَّ بلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ' . وأنت عارف بذلك .
فيأيها الناكث الحانث ما الذي أرداك وصدك ؟ أشيء شككت فيه ؛ أم أمر استربت به ، أم كنت خليا من الحكمة ، وخارجاً عن الكلمة ، فأزلك وصدك ، وعن السبيل ردك ؟ إن هي إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين .
وأيم لله لقد كان الأعلى لجدك ، والأرفع لقدرك ، والأفضل لمجدك ، والأوسع لوفدك ، والأنضر لعودك ، والأحسن لعذرك ، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك ، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك ، لتجري على سننهم ، وتدخل في زمرهم ، وتسلك في مذهبهم ، أخذاً بأمورهم في وقتهم ، وزيهم في عصرهم ، فتكون خلفاً قفا سلفاً بجد وعزم مؤتلف ، وأمر غير مختلف .
لكن غلب الران على قلبك ، والصدى على لبك ، فأزالك عن الهدى وأزاغك عن البصيرة والضيا ، وأمالك عن مناهج الأوليا ، وكنت من بعدهم كما قال الله عز وجل : ' فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوَنَ غَيَّا ' .
(1/196)

"""""" صفحة رقم 197 """"""
ثم لم تقنع في انتكاسك ، وترديتك في ارتكاسك ، وارتباكك وانعكاسك ، من خلافك الآباء ومشيك القهقرى ، والنكوص على الأعقاب ، والتسمي بالألقاب ، بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ، وعصيانك مولاك ، وجحدك ولاك ، حتى انقلبت على الأدبار ، وتحملت عظيم الأوزار ، لتقيم دعوةً قد درست ، ودولة قد طمست ، إنك لمن الغاوين ، وإنك لفي ضلال مبين .
أم تريد أن ترد القرون السالفة ، والأشخاص الغابرة ؟ أما قرأت كتاب السفر ، وما فيه من نص وخبر ؟ فأين يذهبون إن هي إلا حياتكم الدنيا ، تموتون وتظنون أنكم لستم بمبعوثين ، ' قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسيرٌ ' .
أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس ، وآخر المترايس في الناس ؟ أما تراهم ' كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِّنْ بَاقِيَة ' ؟ ختم والله الحساب ، وطوى الكتاب ، وعاد الأمر إلى أهله ، والزمان إلى أوله ، وأزفت الآزفة ، ووقعت الواقعة ، وقرعت القارعة ، وطلعت الشمس من مغربها ، والآية من وطنها ، وجيء بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون ، هنالك الولاية لله الحق ينصر الله من يشاء ، ' يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ ' .
فقد ضل عملك ، وخاب سعيك ، وطلع نحسك ، وغاب سعدك ، حين آثرت الحياة
(1/197)

"""""" صفحة رقم 198 """"""
الدنيا على الآخرة ، ومال بك الهوى ، فأزالك عن الهدى ، فإن تكفر أنت ومن في الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد .
ثم لم يكفك ذلك مع بلائك وطول شقائك حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك ، وحشدت أوباشك وأقلاسك ، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح في فئة قليلة من كتامة وزويلة ، فتلته وقتلتهم ، جرأة على الله وردا لأمره ، واستبحت أموالهم ، وسبيت نساءهم ، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر ، ولا حقد ولا أضرار ، فعل بني الأصفر والترك والخزر ؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع ، وأقمت على كفرك ولم تقلع ، حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان في زمرة قليلة وفرقة يسيرة ، فاعتزل عنك إلى يافا ، مستكفيا شرك ، وتاركا حربك ، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا وصابحا ، وغاديا ورائحا ، تقعد لهم بكل مقعد ، وتأخذ عليهم بكل مرصد ، وتقعدهم بكل مقصد ، كأنهم ترك وروم وخزر ، لا ينهك عن سفك الدماء دين ، ولا يردعك عهد ولا يقين ، قد استوعب من الردي حيزومك ، وانقسم على الشقاء خرطومك .
أما كان لك مذكر ، وفي بعض أفعالك مزدجر ؛ أو ما كان لك في كتاب الله عز وجل معتبر حيث يقول : ' وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداُ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ' ؟ فحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك وحشرك حين لا مناص ، ولا لك من الله خلاص ، ولم تستقبلها ، وكيف تستقبلها وأنى لك مقيلها ؟ هيهات ، هيهات ، هلك الضالون ، وخسر هنالك المبطلون ، وقل النصير ، وزال العشير ؛ ومن بعد ذلك تماديك في غيك ، ومقامك في بغيك ، عداوة الله ولأوليائه ، وكفرا لهم وطغيانا ، وعمى وبهتانا .
أتراك تحسب أنك مخلد أم لأمر الله راد ؟
(1/198)

"""""" صفحة رقم 199 """"""
أم ' يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ' .
هيهات لا خلود لمذكور ، ولا مرد لمقدور ، ولا طافىء لنور ، ولا مقر لمولود ، ولا قرار لموعود ، لقد خاب منك الأمل ، وحان لك الأجل ، فإن شئت فاستعد للتوبة بابا ، وللنقلة جلبابا ، فقد بلغ الكتاب أجله ، والوالي أمله ، وقد رفع الله قبضته عن أفواه حكمته ، ونطق من كان بالأمس صامتا ، ونهض من كان هناك خائفا ، ونحن أشباح فوق الأمر والنفس ، دون العقل وأرواح في القدس ، نسبة ذاتية ، وآيات لدنية ، نسمع ونرى ، ' مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتابُ وَلاَ الإِيمانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ' ، ' وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ' .
ونحن معرضون ثلاث خصال والرابعة أردى لك ، وأشقى لبالك ، وما أحسبك تحصل إلا عليها فاختر : إما قدت نفسك لجعفر بن فلاح ، وأتباعك بأنفس المستشهدين معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيان ، ورد جميع ما كان لهم من رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير وهي أسله ما يرد عليك .
وإما أن تردهم أحياء في صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم ولا سبيل لك إلى ذلك ولا اقتدار .
وإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت ، وأجريك على إحدى ثلاث : إما قصاص ، وإما منا بعد ؟ وإما فدى ، فعسى أن يكون تمحيصا لذنوبك ، وإقالة لعشرتك .
(1/199)

"""""" صفحة رقم 200 """"""
وإن أبيت إلا فعل اللعين : ' فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ، وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ ' .
أخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون ، فما أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فلا سماء تظلك ولا أرض تقلك ، ولا ليل يجنك ، ولا نهار يكنك ، ولا علم يسترك ، ولا فئة تنصرك ؛ قد تقطعت بكم الأسباب ، وأعجزكم الذهاب ، فأنتم كما قال الله عز وجل : ' مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إلَى هَؤُلاَءِ ' .
فلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه ؛ وحنود الله في طلبك قافية ، لا تزال ذو أحقاد ، وثوار أهجاد ، ورجال أنجاد ، فلا تجد في السماء مصعدا ، ولا في الأرض مقعدا ، ولا في البر ولا في البحر منهجا ، ولا في الجبال مسلكاً ، ولا إلى الهواء سلما ، ولا إلى مخلوق ملتجا .
حينئذ يفارقك أصحابك ، ويتخلى عنك أحبابك ، ويخذلك أترابك ، فتبقى وحيداً فريداً ، وخائفاً طريداً ، وهائماً شريداً ، قد ألجمك العرق ، وكظك القلق ، وأسلمتك ذنوبك ، وازدراك خزيك ، ' كَلاَّ لاَ وَزَرَ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ' ، ' هَذَا يَوْمَ لاَ يَنْطِقُونَ ، وَلاَ يُؤْذَنَ لَهُمْ فَيَعْتّذِرُونَ ' ، ' وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ' .
واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك ، ونقف على فحوى
(1/200)

"""""" صفحة رقم 201 """"""
خطابك ، فانظر لنفسك يا شقي ليومك ومعادك قبل انغلاق باب التوبة ، وحلول وقت النوبة ، حينئذ لا ينفع نفساً إيمانها ، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً .
وإن كنت على ثقة من أمرك ، ومهل في أمر عصرك وعمرك ، فاستقر بمركزك ، وأربع على ضلعك ، فلينالنك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود ، ' وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعِ ، كُلٌّ كّذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ' ، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلةً وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد ، وعزم سديد ، أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، بقلوب نقية ، وأرواح تقية ، ونفوس أبية ، يقدمهم النصر ، ويشملهم الظفر ، تمدهم ملائكة غلاظ شداد ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون .
فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم ، أو كمراح غنم ؛ فإما نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ، وأنت في القفص مصفودا ، ونتوفنيك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين ، ' فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى ، لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَولَّى ' ، ' كأَنهم يوم يَرَوْنَ ما يُوعدُونَ لم يَلبثوا إلا ساعةَ من نهارٍ ، بلاغٌ فهل يُهْلَكُ إِلا القومُ الفاسقون ' . فليتدبر من كان ذا تدبر ، وليتفكر من كان ذا تفكر ، وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة ، ' أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يحَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللّهِ ' ، ويا حسرتنا على ما فرطنا ، ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوماً بوراً .
والسلام على من اتبع الهدى ، وسلم من عواقب الردى ، وانتمى إلى الملأ الأعلى ، وحسبنا الله وكفى ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ونعم المولى ونعم النصير .
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من عترته ، وسلم تسليماً .
فأجاب الحسن بن الأعصم بما نصه : من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم :
(1/201)

"""""" صفحة رقم 202 """"""
بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله ، وقل تحصيله ، ونحن سائرون على إثره ، والسلام ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وسار الحسن بن أحمد القرمطي بعد ذلك إلى مصر ، فنزل بعسكره بلبيس ، وبعث إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخي الشريف مسلم ، وانبثت سراياه في أرض مصر ، فتأهب المعز وعرض عساكره في ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، وأمر بتفرقة السلاح على الرجال ، ووسع عليهم في الأرزاق ، وسير معهم الأشراف والعرب .
وسير معهم المعز ابنه الأمير عبد الله ، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع ، وسير معه أولاده وجميع أهله وجمعاً من جند المصريين خلا الشريف مسلم ، فإنه أعفاه من ذلك .
وانبسطت سرية القرمطي في نواحي أسفل الأرض ، فأنفذ المعز عبده ريان الصقلبي في أربعة آلاف ، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر .
ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق ، فبرز إليهم المغاربة فهزموهم ، ثم كروا على المغاربة فقتلوا منهم جماعةً وأسروا ؛ وفر إليهم علي بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة .
وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل في الصعيد ، وقتل ، واستخرج الأموال ، وأسرف في قتل المغاربة وأسرهم ، ثم كر راجعاً إلى خميم .
ولست عشرة خلت منه جمع المعز أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم .
وفي سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رؤوس ؟
(1/202)

"""""" صفحة رقم 203 """"""
وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جب عميرة ، ونزلت عسكر القرمطي نصفين : نصف مع النعمان أخي الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن المعز ، ونصف مع الحسن بسطح الجب .
فبعث عبد الله العساكر ، فأحاطت بالحسن بن أحمد ، وعسكر وزحف إلى النعمان فقاتله فانهزم ، وقتل مع أصحابه ، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ ، فإنهم أحاطوا به ، وصار في وسطهم ؛ فاغتنم فرجة مضى على وجهه ؛ ونهب سواده وأخذت قبته ، وأسر رجاله ، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير ، وأخذ جماعة ممن كان مع المصريين .
ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم بهزيمة القرامطة وهو بالصعيد ، فعدى إلى الجانب الشرقي لينقلب إلى الشام ، فبلغه مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربي .
(1/203)

"""""" صفحة رقم 204 """"""
وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه أن عبد الله أخا مسلم قد أخذ ، فأرسل المعز إلى أخيه أبي جعفر مسلم يخبره ، فخلع على البشير .
وكانت في البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخي مسلم ، فوقع في أيديهم في الليل رجل بدوي ، فقال : أنا عبد الله أخو مسلم فجاء إلى الأمير عبد الله ، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله ، فلما جيء بالبدوي من الغد إلى الأمير عبد الله وهو في معسكره وكان في مجلسه عبد الله بن الشويخ فقال للأمير عبد الله : ما هذا عمي عبد الله .
فبطل القول .
وكان خبر هذا البدوي أنه كان مع عبد الله أخي مسلم بالصعيد ، وعبر معه يريد الشام ، فأراد أن يسقي دوابه ، فقال له البدوي : ما نأمن أن يكون على الماء طلب ، فدعني أتقدمك ، فإن لم أجد أحداً جئتك ، وإن أبطأت عليك فاعلم أني أخذت .
فلما وافى البدوي البئر أخذ فقال لهم : أنا عبد الله أخو مسلم ليشغلهم عن طلبه ، فلما أبطأ البدوي على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه ، فكر راجعاً وعاد إلى الجانب الغربي ، وركب البحر إلى عينونا ، ومضى إلى الحجاز . وكان هاروق على عسكر للمعز ، فرأى أصحابه عبد الله ، فأفلت منهم على فرس دهماء عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه ، فظفر هاروق بنوقه ، ووصل عبد الله إلى المدينة النبوية ، وجلس يتحدث في المسجد ، فقبل له : إن الكتب قد سبقتك ، وبذل فيك مال عظيم .
فنهض لوقته ، وتوجه إلى الأحساء ، فاستنهض القرامطة ، فلم يكن فيهم نهضة ، فوبخهم لما رأى من عجزهم ، وقال : أروني ما عندكم من القوة التي تقاومون بها صاحب مصر .
فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع ، فاستقله وقال :
(1/204)

"""""" صفحة رقم 205 """"""
بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب ؟ .
وانصرف عنهم إلى العراق ، فأتبعوه برجل يقال إنه من بني سنبر ، فسمه في لبن بموضع يقال له النصيرية على ميلين من البصرة فقام مائتي مجلس في ليلة ومات بموضعه ، فغسل وكفن وأدخل البصرة ، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة .
وورد الخبر بذلك إلى المعز ، فأخبر الناس بموته وموت المطيع ، فإن ابنه سمه أيضا ، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم .
وأما أخبار القرامطة ففي كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطي من عساكر المعز أن العرب لما أنكت بمسير سراياها أرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم بمخادعة حسان بن الجارح الطائي أمير العرب ببلاد الشام ، وكان قدم مع القرمطي في جمع عظيم قوى به عسكر القرمطي ؛ فبعث المعز إلى ابن الجارح وبذل له مائة ألف دينا على أن يفل عسكر القرمطي ، فأجاب إلى ذلك ، وأن المعز استكثر المال ، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب ، وجعلها في أكياس ، ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطي ما تحتها ، وشدت الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه لا يغدر بهم ، فلما وصل إليه المال تقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب ، فلما اشتد القتال ولي ابن الجراح منهزما واتبعه أصحابه وكان في جمع كبير فلما رآه القرمطي وقد انهزم تحير ، فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص ،
(1/205)

"""""" صفحة رقم 206 """"""
وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب ، فخشى على نفسه وانهزم ، واتبعوه ودخلوا عسكره ، فظفروا منه بنحو من ألف وخمسمائة رجل ، فأخذوهم أسرى ، وانتهبوا العسكر .
ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى الشام خلف القرمطي في عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا ، فظفر في طريقه بجماعة من أصحاب القرمطي ، فبعث بهم إلى مصر .
وسار الحسن بن أحمد القرمطي فنزل أذرعات ، وأنفذ أبا الهيجا في طائفة إلى دمشق .
وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلي لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطي ، فاستماله ليكون عوناً على القرمطي ، فسار يريد بعلبك ، فوافاه الخبر بهزيمة القرمطي ونزول أبي الهيجا دمشق ، فسار القرمطي ودخل البرية يريد بلده وفي نيته العود .
وكان للحسن بن أحمد القرمطي هذا شعر ، فمنه في أصحاب المعز لدين الله :
زعمت رجال الغرب أنّى هبتها . . . فدمى إذاً ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دمٍ . . . يروى ثراك ، فلا سقاك النيل
ولما كان في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحق وجعفر الهجريان من القرامطة فملكا الكوفة ، وخطبا لشرف الدولة ، فانزعج الناس لذلك لما في النفوس من هيبتهم وبأسهم ، وكان من الهيبة ما أن عضد الدولة بن بويه وبختيار أقطعاهم الكثير ، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبي بكر بن ساهويه يتحكم تحكم الوزراء ، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة ، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما ،
(1/206)

"""""" صفحة رقم 207 """"""
فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم البلاد ، وبثا أصحابهما فجبوا المال ، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب ، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه وأسروا ، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة ، وقتل مقدمتهم في جماعة ، وأسر عدة ، ونهب سوادهم ، فرحل من بقي منهم من الكوفة ، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم ، وزال من حينئذ بأسهم . وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بني المنفق جمعا كثيرا وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل في مقدم القرامطة ، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير ، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصن منه القرامطة بها ، فعدى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشي ، وسار بها إلى البصرة . . . . . .
(1/207)

"""""" صفحة رقم 208 """"""
ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبي تميم معد الفاطمي باني القاهرة
فنقول : لما انهزم الحسن بن أحمد القرمطي خرج في شعبان من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الأشراف والقاضي أبو طاهر ، والفقهاء ، والشهود ، ووجوه التجار ، وكثير من الرعية إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز بالفتح ، وكان معسكره بظاهر مشتول ، فأكرمهم وأضافهم ، وانصرفوا من الغد .
وللنصف من شعبان صرف المعز الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبي طاهر القاضي ، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم في كل سنة ، تدفع إلى المستحقين حقوقهم ، ويحمل الباقي إلى بيت المال .
وطيف بأربين رأساً جيء بها من الصعيد من أصحاب أخي مسلم .
وفي أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة بعد فراغه من قتال القرامطة بالأسارى والرؤوس وهو بمظلته فجلس له أبوه المعز في القبة على باب قصره لينظره ، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل وقبل الأرض ، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله ، ومشى إلى القصر والناس معه مشاة .
وورد الخبر بدخول أبي محمود إلى الرملة بغير قتال ، وأنه استأمن إليه جماعة من عسكر القرامطة .
وفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيارين الذين يؤذون الناس وسجنهم .
ووافى رسول ملك الروم برسالة ، فاجتمع الناس للنظر إليه ، وجلس له المعز على السرير الذهب ، فدخل إليه ، وقبل الأرض مراراً ، وأذن له بالجلوس على وسادة ، وكان علي بن الحسين قاضي أذنة حاضراً فقال : يا أمير المؤمنين صلى الله عليك ، هذا وأشار إلى الرسول آفة على الإسلام ، والمؤذي للمسلمين والأسارى .
(1/208)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
فنظر إليه المعز منكراً عليه وأخرج ؛ وتكلم الرسول في الهدنة ، وأخذ المعز كتابه ، وأنزل في دار .
وفيه أطلق المعز طنجمية ؟ ، وهم عشرة لكل واحد ثمانمائة رباعى ذهباً ، وزنها مائتي مثقال .
ووردت الأخبار بأن القرمطي فر على وجهه ، وتمزقت عساكره ، فلم يفلحوا إلى اليوم .
وطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس ، وعدتهم ألف وثلاثمائة ، مقدمهم مفلح المنجمي ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما عمل ، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة ، وبين أيديهم الرؤوس على الحراب وعدتها آلاف ، وكان يوماً عظيماً واجتماعاً كثيراً ؛ فلما فرغوا من التطواف أعتقلوا بالقاهرة .
وفيه خرج المعز على فرس ، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال والكتاب والمغاربة ، فوقفوا بين يديه ، فقال لهم : قد أنعم الله عز وجل وتفضل وخول ، ومكن ، ونريد الحج وزيارة قبر جدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والجهاد ، فايش يقصر عن هذا ؟ إن قلت ليس عندي مال ، إني لكاذب ؛ وإن قلت ليس عندي كراع وسلاح ، إني لكاذب ؛ وإن قلت ليس عندي رجال ، إني لكاذب ؛ اللهم أعني بنية أقوى من نيتي .
وفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين في الاعتقال ، فقتلوا عن آخرهم ، وحفرت لهم أخاديد ودفنوا ، فلما بلغ المعز ذلك قال : والله ما أمرت بقتلهم ، ولقد أمرت بإطلاقهم ، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير .
واغتم لذلك وتصدق وأعتق .
وورد الخبر بقتل علي بن أحمد العقيقي من الأشراف ، وابنه ذا من يح كذا الحسيني وأن البادية قتلهم بالصعيد ، وكانوا من أصحاب أخي مسلم .
وفيه قبض أبو إسماعيل الرسي على ابنه علي بن إبراهيم ، وأخبر المعز ، فقال له المعز : يكون عندك محتفظا به ، وكان أيضاً من أصحاب أخي مسلم الذين ظاهروا مع القرمطي .
(1/209)

"""""" صفحة رقم 210 """"""
وبعث أبو محمود بعمال الشام ، فجاسوا في بستان الإخشيد بالقاهرة .
وفي يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب .
وفيه ورد الخبر بدخول أبي محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق ، وتمكن سلطانه بها وقوته ، وأنه قبض على جماعة أبي الهيجاء القرمطي وابنه ، واستأمن إليه جماعة من الإخشيدية والكافورية ، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسي ، وسيره مع الجماعة إلى المعز . وكان من خبر أبي محمود إبراهيم بن جعفر أنه سار من الرملة ، ونزل على أذرعات ، وقد سار ظالم بن موهوب العقيلي نحو دمشق بمراسلة أبي محمود ليتفقا على أبي الهيجاء القرمطي ، وكان أبو الهيجاء بن منجا القرمطي بدمشق في نحو الألفي رجل ، وقد طلب منه الجند مالا ، فقال : ما معي مال ، ووافى ظالم بن موهوب العقيلي عقبة دمر ، فخرج إليه أبو الهيجاء وابنه بمن معه ، ففر عدة من الجند ، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه ، فقوى بهم ، وسار بهم فأحاط بأبي الهيجاء ، فلم يقدر على الفرار ، فأخذه وابنه ، بعد أن وقعت فيه ضربة ، وانقلب العسكر كله مع ظالم ، فملك دمشق لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين ، فحبس أبا الهيجاء وابنه ، وقبض على جماعة من أصحابه ، وأخذ أموالهم .
ثم إنه طلب شيخاً من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسي كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب ويقول : لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعةً في المغاربة وواحداً في الروم .
وكان الحسن بن أحمد القرمطي لما انهزم عن مصر ، سار أبو بكر النابلسي إلى دمشق ، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه ، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من رمضان ، فتلقاه ظالم ، فأنس به أبو محمود ، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه وأبا بكر بن النابلسي ، فعلم لكل واحد منهم قفصا من خشب ، وحملهم إلى مصر ، فدخلوا إلى القاهرة في شوال ، فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود ، وابن النابلسي ببرنس على جمل وهو مقيد ، والناس يسبونه ويشتمونه ويجرون برجله من فوق الجمل .
(1/210)

"""""" صفحة رقم 211 """"""
وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل ، فلما فرغوا من التطواف ، ردوا إلى القصر ، فعدل بأبي الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى الاعتقال ، وسيق ابن النابلسي إلى المنظر ليسلخ ، فلما علم بذلك رمى بنفسه على حجارة ليموت ، فرد على الجمل ، فعاد ورمى نفسه ثانيا ، فرد وشد وأسرع به إلى المنظر ، فسلخ وحشى جلده تبنا ، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند المنظر .
وأقام أبو محمود بدمشق وهي مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمال السلاح ، وعظم النهب في القرى ، وأخذت القوافل ، فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه لقلة ماله ، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه ، وأخذوا في النهب ، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبي محمود شيئاً منها ، ويحتج أنه أخذ البلد من أبي الهيجاء وسار إليه بمكاتبة المعز له .
هذا وكل من الفريقين يخاف الآخر ، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره المغاربة ، فكان يدارى الأمر ، وكثر قطع المغاربة للطريق ، فامتنع الناس من الذهاب والمجيء ، وهرب أهل القرى إلى المدينة ، وأوحش ظاهر البلد ، فوقع بين المغاربة وبين أهل البلد الحرب أياما كثيرة ، قام فيها ظالم مع أهل البلد وقاتل المغاربة ، فانهزم وسار إلى بعلبك ، ووقع الحريق في البلد ، واشتد القتال ، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبي محمود ولطفوا به ، فقال لهم : ما نزلت لقتالكم ، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم يعني أصحابه . ففرح الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته ، واختلطت الرعية بأصحابه ، وزال عنهم الخوف ، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه ، فولى أبو محمود الشرطة لرجلين : أحدهما مغربي ، والآخر من الإخشيدية ، فدخلا في جمع عظيم إلى المدينة بالزمر ، فجلسوا في الشرطة ، وكان يطوف لهم طوف في الليل ، ومع ذلك فلم ينكسر حمال السلاح ممن يطلب الفتنة ، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد وتهددهم ، فثار أهل الشر من الدماشقة ، ورأس الشطار فيهم ابن الماورد بسبب منازعة أهل البلد مع مغربي بسبب صبي ، فأراد المغربي أخذه ، فرفع البلدي السيف وقتل المغربي في السوق ، فعادت الفتنة ، وشهروا السلاح ، فاضطرب البلد ، وغلقت
(1/211)

"""""" صفحة رقم 212 """"""
الأسواق ، وثار العسكر من جهة المقتول ، وصاح الناس في البلد بالنفير ، وكبروا على الأسطحة ، وخرج ابن الماورد في جماعة ، فاشتد القتال بين الفريقين ، وألقى المغاربة النار في الدور ، فخرج وجوه البلد ومشايخهم إلى أبي محمود ، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر وقد كادوا يغلبون أهل البلد فكفهم عن القتال ؛ وكان ذلك في آخر ذي الحج ، فسكن الأمر ، وخرج الناس إلى أبي محمود ، ودخل صاحب الشرطة المغربي ، إلا أن أهل الغوطة كانوا قد أووا إلى البلد خوفاً من النهب ، وكان فيهم ذعار ، وفي المدينة قوم من أهل الشر ، فاجتمعوا يأخذون المستضعفين ، ويجبون مستغلات الأسواق ، ويكبسون المواضع وينتهبونها ، فحسنت أحوالهم ، وكانوا يكرهون تمكن السلطان ، فهلك لذلك كثير من الناس .
ومر صاحب الشرطة في الليل وهو يطوف البلد برجل معه سيف ، فأخذه وقتله ، فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد ؟ السلطان لهم ، فثاروا بالسلاح إلى صاحب الشرطة ، ففر منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم ، وصعد العامة إلى المآذن ، فصيحوا : النفير إلى الجامع .
فثار الناس بالسلاح ، وركب عسكر أبي محمود وطرحوا النار فيما بقى ، واشتد القتال ، وكثر القتل والحريق ، وعظم الخوف على البلد ، وعلا الضجيج ، وذلك لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين .
فبات الناس على ذلك ، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأس ، وآخر يقال له ابن بوشرات وابن المغنية ، وقسم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق ، فأظهرت المغاربة قوتها وبذلوا سيوفهم في كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد .
واستمر القتال أكثر من المحرم ، فخرج قوم المستورين إلى أبي محمود وما زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح ، وصرف صاحبي شرطته ، وولى أبا الثريا من بانياس أميرا كان على الأكراد ، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدة من أهل الشر ، فثاروا به ، ووضعوا السلاح في أصحابه ، فقتل من أصحابه ، وانهزم إلى أبي محمود ، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من
(1/212)

"""""" صفحة رقم 213 """"""
الناس ، ووقع النفير في البلد ، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربي الأول ، ثم وقع الصلح في أثناء ربيع الآخر .
وولى محمود جيش بن الصمصامة البلد ، فأقام أياما ؛ ثم إن الناس ثاروا وقتلوا عدة من المغاربة ، وساروا يريدون جيشا ، ففر منهم ، ونهبوا ما كان له ، فعادت الحرب وطرح النار في المواضع .
وأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس ، غير أن الرعية كانت تقاتل معهم ، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى ، ونصبوا الحرب يوما بعد يوم من بكرة النهار إلى آخره ، والبلد ممتنع في جميع هذه الحروب ، والقتال من ظاهره ، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقي ، وباب الصغير إلى باب الجابية .
وكان عسكر أبي محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن حضروا من الساحل ، فكانت الحرب مستمرة ، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة ، وتارة تهزم الدماشقة المغاربة ، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا رأسه ، فقتلوا خلقاً كثيراً .
وخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد ، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه بشيء البتة ، فغلت الأسعار ، وبطل البيع والشراء ، وقطع الماء عن البلد ، فعدم الناس القنى والحمامات ، فكانت الأسواق مغلقة ، والنساء جلوس على الطرق ، والرجال تصيح : النفير ، فساءت حال كثير من الناس في هذه الفتنة ، وماتوا على الطرق من القر والبرد ، وهم مع ذلك مجتهدون في القتال ، ونصبوا العرادات على أبواب البلد ، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام ، وفي الليل تضرب الأبواق فيثور الناس من فرشهم ، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح . فلما تفاقم الأمر ، واشتد البلاء ، وقوى أهل الشر من أهل البلد ، وأكلوا أموال الناس ، كتب مشايخ البلد إلى محمود في الصلح ، وأحضروا ابن الماورد وابن شرارة وزجروهم ، وانصرفوا على أن أحداً لا يعارض السلطان في البلد ، وقد فتح المسلمون المصاحف ، والنصارى الإنجيل ، واليهود التوراة ، واجتمعوا بالجامع ، وضجوا بالدعاء ، وداروا المدينة وهي منشورة على رؤوسهم .
(1/213)

"""""" صفحة رقم 214 """"""
وبلغ المعز ما وقع بدمشق من الحروب ، وما صارت إليه من الخراب ، فكتب إلى ريان الخادم وهو بطرابلس أن يسير إلى دمشق ، وينظر في أمر الرعية ، ويصرف أبا محمود عن البلد ؛ فقدم ريان إلى دمشق ، وأمر أبا محمود بالرحيل ، فسار في عدد قليل من عسكره ، وتأخر أكثرهم مع ريان ، ونزل أبو محمود في الرملة ، وورد عليه كتاب المعز يوبخه ؛ وكان صرف أبي محمود عن دمشق في شعبان سنة أربع وستين .
هذا ما كان من خبر دمشق .
وأما القاهرة فإنه طيف فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين رأساً جيء بها من الصعيد .
وفي ذي الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل كبارا ، ووجد سراويل فيه خمس شقاق ، وآخر قطع من ثماني شقاق دبيقي .
وفيه هلك رسول ملك الروم ، فسيره المعز في تابوت إلى بلد الروم .
وركب المعز لكسر الخليج .
وفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز في السكك ومن صب الماء يوم النوروز .
وكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية .
وفي يوم عرفة نصبت الشمسة في القصر .
(1/214)

"""""" صفحة رقم 215 """"""
وصلى المعز صلاة العيد ، وخطب على الرسم الذي تقدم ذكره ، وانصرف إلى القصر ، فأطعم على الناس .
وانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعاً ، وجرى الرسم في الجائزة والخلع والحملان لابن أبي الرداد على العادة .
وفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير .
ومات القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون .
(1/215)

"""""" صفحة رقم 216 """"""
ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة
والخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد .
والخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلس وعسلوج .
والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد .
والشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم .
والشرطة العليا إلى جبر المسالمي .
وصاحب المظلة شفيع الخادم الصقلبي .
والطبيب موسى بن العازار .
وإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسي .
وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب .
وإمام الخمس الحسن بن موسى الخياط .
والمحتسب عبد الله بن ذلال .
وفي المحرم قدم أفلح الناشب من برقة ، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة والقاضي والرعية وأنزل بمكان .
وورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع .
وأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه ، وخلع عليه وحمل ، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة .
ولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز .
وفي جمادى الأولى أطلق المعز الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم ، ومبلغها أربعمائة ألف درهم .
(1/216)

"""""" صفحة رقم 217 """"""
وقلد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسيني الكوفي قضاء الشامات ، ودار الضرب ، والحسبة ، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت ، وستة آلاف درهم ، وكتب له سجل .
وضمن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسي ، وأبو طاهر سهل بن قمامة خرج الأشمونين وحربها ، وخلع عليهما ، وسارا بالبنود والطبول .
وضمن أبو الحسن على بن عمر العداس كورة بوصير وأعمالها ، وخلع عليه وحمل ، وسار بالبنود والطبول .
واعتل الأمير عبد الله بن المعز ، ومات لسبع بقين منه بعد جدته بتسعة عشر يوماً فجلس المعز للعزاء ، ودخل الناس بغير عمائم ، وفيهم من شوه نفسه وأظهر الجزع الشديد ، فكان المعز يسكنهم ويقول : اتقوا الله ، وارجعو إلى الله .
وغلقت الأسواق ، ثم جلس الناس بزيهم ، ومنهم قيام ، فأمر القاضي محمد بن النعمان بغسله ، والمعز يتحدث ، ويسأل عن آي من القرآن ، وعن معانيها ، لأن القراء كانوا يقرءون ، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر ، فقال له أبو جعفر مسلم : أعوذ بالله من فقد الولد البار فقال له المعز : فما تقول في الولد العاق والأخ العاق ؟ يعرض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله ، وكونهما مع القرامطة .
فقال له أبو جعفر مسلم : إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان في الله وفي بقاء مولانا منهما عوض .
فقال له المعز : لا صان الله من لا يصونك ، ولا أكرم من لا يكرمك ، ولا أعز من لا يعزك ، ولا أجل من لا يجلك .
(1/217)

"""""" صفحة رقم 218 """"""
فقام أبو جعفر وقبل الأرض هو وجماعة من في المجلس ، وشكروه على قوله .
ثم خرج تابوت عبد الله ، وحوله أهل الكوفة بالصراخ والبكاء ، فصلى عليه المعز ، ودخل معه حتى واراه في القصر .
وفي جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخي مسلم بظاهر البصرة كما تقدم ، وبموت المطيع ببغداد ، وأن موته كان في المحرم ، وأن ابنه الطائع سمه ، وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم ، وبين الرعية والشيعة ، وغلا السعر ، ونهبت الأسواق والدور ، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد متوسطاً بين الطائع وبختيار .
وفيه سار نصير الخادم الصقلبي عبد المعز إلى الشام في عسكر كثير ، ودخل بيروت .
وفي أول رجب أصلح جسر القسطاط ، ومنع الناس من ركوبه ، وقد كان أقام ستين معطلاً .
وركب المعز إلى المقس ، وسار على شط النيل ، ومعه أبو طاهر القاضي يحدثه ، حتى عبر الجسر إلى الجزيرة ، فمضى إلى المختار .
وفيه وردت رؤوس من المغرب عدتها ثلاثة آلاف ، فطيف بها ، وذلك أن خلف بن جبر صعد في بني هواس إلى قلعه منيعة ، فاجتمع عليه كثير من البربر ، فزحف إليه يوسف ابن زيرى ، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة حتى أخذ القلعة في عاشر شعبان ، ففر خلف ، وقتل بها آلافاً كثيرة ، بعث منها سبعة آلاف رأس إلى القيروان ، فطيف بها ، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر .
وفيه وقع الجدري في كثير من الناس ، وأقام شهوراً .
وكانت وقعة مع الروم بطرابلس .
وفي شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق ، وورد كتابه على المعز وهو يستأذن في المسير ، فشاور المعز أبا جعفر مسلم ، فقال :
(1/218)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
هم قوم غدر ، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق .
فشرع المعز في تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله .
وكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد ، فأراد عز الدولة أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي سلطان العراق أن يقبض على سبكتكين التركي ، وكانت الأتراك تتعصب معه وهم في أربعة آلاف هو أميرهم ، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد ، وغلب سبكتكين التركي عليها ، وكان في قوة من المال والسلاح والرجال ، فلم تطل مدته بعد غلبته على بغداد وهلك ، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابي مولى معز الدولة بن بويه ، وكان شجاعاً ثابتاً في الحرب ، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم ، فجرى بينهم قتال عظيم .
وقاتل أفتكين حتى تفرق من حوله إلا يسيراً ، وانهزم صاحب رايته ، فلحقه وضربه باللت وأخذها من يده ، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيراً باللتوت ، ثم حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين في نحوا الأربعمائة من الأتراك ، فأخذ على الفرات حتى نزل الرحبة ، ثم أخذ في البر وقد أظهر من المهابة ما لم يتجاسر العرب على نهبه ، فنزل جوشية من قرى الشام ، فجمع له ظلم بن موهوب العقيلي وهو حينئذ على بعلبك من قدر عليه من العرب ، وأنفذ إلى أبي محمود قبل أن يسير عن دمشق يطلب منه عسكراً ، فأنفذ إليه جماعة ، وخرج يريد أفتكين وهو في ألفين فسار يريد جوشية .
وبعث أبو المعالي ابن حمدان بشارة الخادم من حمص في ثلاثمائة رجل إلى جوشية مدداً لأفتكين على ظالم ، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين وعاد إلى بعلبك ، وسار بشارة بأفتكين ، فنزل بأفتكين بظاهر حمص ، ووعده عن مولاه أبي المعالي بكل جميل ، وحمل إليه أبو المعالي وأكرمه ، فسار إلى أبي المعالي ، فأجلسه على كرسي .
وسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعاً له ، فما هو إلا أن ورد عليه رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق ، وأنه يخرج إليه بأهل البلد ، ويقاتلوا عسكر المغاربة ، ويملكوه عليهم ، فوقع ذلك منه بموقع ، فبعث إلى أبي حمدان يقول :
(1/219)

"""""" صفحة رقم 220 """"""
إني نظرت في الذي وليتني فإذا هو لا يقوم بمن معي من الغلمان ، وإني أريد أن أرجع إلى بغداد .
فقال : افعل ما تراه .
فسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البلد إلى بغداد ، وأخذ نحو دمشق ، وقد نزل ريان عليها ، وجاءته أخبار طرابلس : بأن العدو قد خرج ، ونحن نخاف علي البلد أن يؤخذ ، فانزعج وخاف على طرابلس ، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين قد توجه نحوه بموافقة أهل البلد ، فعرض عساكره ، وبرز يريد عقبة دمر . وأصبح أفتكين على ثنية العقاب ، ولم يعلم بأن ريان الخادم قد ارتحل عن البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد ، فوصل إلى البلد وقد أجهده وأصحابه التعب لأيام بقيت من شعبان .
ونزل بظاهر البلد ، فخرج الناس إليه ، واستبشروا به ، وسألوه أن يملكهم ويزيل المصريين ويكف عن الأحداث ، فأجابهم ، واستحلف على الطاعة والمساعدة ، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره .
وقطع خطبة المعز وخطب للطائع ، وقمع أهل العبث ، فهابته الكافة ، وصلح به كثير من أمر البلد ، وأقام أياماً ، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل في جيش عظيم ، فاستعدوا لقتاله ، ونزل العدو على حمص ، فلم يعرض لأحد بأرض حمص ، لهدنة كانت بينه وبين أبي المعالي ابن حمدان .
وسار أفتكين إلى بعلبك في طلب ظالم ، ففر منه ، فنزل أفتكين بعلبك ، وكانت العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق ، فأوقع بهم أفتكين ، وقتل كثيراً منهم ، وظهر منه حسن تدبيره وقوة نفس وشجاعة ، فأذعن الناس له ، وأقطع البلاد ، فكثر جمعه ، وتوفرت أمواله ، وثبت قدمه ، وملك بعلبك من ظالم بن موهوب ، فقصده الروم وعليهم الدمستق ، فقاتلهم أشد قتال ، ثم كثروا عليه فانهزم .
(1/220)

"""""" صفحة رقم 221 """"""
ودخل الروم بعلبك ، فأخذوا منها ومما حولها سلباً كثيراً ، وأحرقوا ؛ وذلك في شهر رمضان ، وانتشرت خيلهم وسراياهم في أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى ، وامتدوا إلى الزبداني ، فأخذ الناس عليم المضايق ، ومنعوهم من الدخول إلى الوادي .
وخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم في الهدنة ، فطلب منهم مالا لينصرف عن البلد ، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد ، وأهدى إليه من كل ما كان معه من بغداد ، فأكرمه وقربه ، فخاطبه أفتكين في أمر البلد ، وأعلمه بأنه خراب ليس فيه غير حمال السلاح ولا مال فيه ، فقال له : ما جئنا لنأخذ مالاً ، وإنما جئنا لنأخذ الديار بأسيافنا ، وقد جئتنا بهدية ، وقد أجبناك إلى ما طلبت ، وغرضنا فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته .
فقال أفتكين : هذا بلد ليس لي فيه إلا أيام يسيرة ، ولم آمر فيه ولم أنه ، وقد خرج معي إليك رجل له يد في البلد ، يمنعني من كل ما أفعله .
وقد كان خرج معه علاء بن الماورد ، فقال : ومن يدفعك عما تريد ؟ قال : هذا وأصحابه .
فأمر بالقبض على بن الماورد ، فقبض وقيد ، وجرت الموافقة مع أفتكين على أنه يجبي المال ويكون على سبيل الهدنة ، ويكف عن دمشق وأعمالها ، فعاهده ملك الروم على ذلك ، وعاد أفتكين إلى دمشق ، افثار أصحاب ابن الماورد بالسلاح يريدون أفتكين ، فمنعهم الناس .
وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية ، فبلغه خروج أفتكين إلى الروم ، فسير جيش بن الصمصامة في نحو الألفين ليأخذ دمشق ، فسرى من طبرية ، وكان شبل بن معروف العقيلي على شينيه وليس لجيش به علم ، فركب إليه شبل في جمع من العرب فواقعوه فانهزم ، وأتى الخبر إلى أفتكين وقد خرج من عند ملك الروم ، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم
(1/221)

"""""" صفحة رقم 222 """"""
كثيراً ، وأخذ جيش أسيراً ، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ينتظر المال .
وجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف ، ورحل فنزل على بيروت وبها نصير الخادم من قبل المعز ، فلم يزول الرومي يراسل أهل بيروت : إني لا أريد خراب بلدكم ، وإنما أريد أن تسلموا إلي هذا الخادم ومن معه ، وأجعل عندكم من قبلي من يدفع عن بلدكم .
حتى خرج إليه نصير ومن معه ، فأخذهم ، وولى على بيروت من قبله شخصا في مائتي رجل .
وسار فنزل على طرابلس وفيها ريان الخادم الذي كان على دمشق في خلق من المغاربة ، فقاتلوه أشد قتال .
ونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده ، وهلك في الطريق .
وتمكن أفتكين من دمشق ، فأنفذ شبل بن معروف العقيلي إلى طبرية ، ففر عنها أبو محمود بمن معه إلى الرملة .
وقدمت جيوش المعز ، وفيها كثر مخافتهم العرب ، واقتتلوا بجوار بيت المقدس مع العرب ، فظهر العرب عليهم وهزموهم ، وقتلوا كثيراً منهم وسيروا عدة منهم إلى دمشق ، فطيف بهم في الأسواق على الجمال ، وملأوا بهم الحبوس ، فأقاموا في ضر ، ثم ضربوا أعناقهم ؛ وكان مع ذلك أفتكين طوال مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه . وركب المعز يوم عيد الفطر ، فصلى وخطب على رسمه المعتاد ، وورد عليه الخبر بوقعة ريان بالرومى وهزيمة الروم وقد أسر ريان منهم وقتل وغنم فسر المعز بذلك وتصدق ، ودخل الناس عليه فهنأوه ، وقال الشعراء في ذلك ، وفي خلع المطيع شعراً كثيراً .
وبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة .
ووردت رؤوس من المغرب فطيف بها .
وقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التي أجراها .
وأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء .
(1/222)

"""""" صفحة رقم 223 """"""
وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة ، فقبض على جماعة وضربوا .
وفي ذي القعدة نودي لخمس خلون منه في الجامع العتيق : الحج في البر .
وكان قد انقطع منذ سنين .
وفيه مات عبد الله بن أبي ثوبان ، وكان قد نصبه المعز للنظر في مظالم المغاربة ، فتبسط في الأحكام بين المصريين ، وقال في كتبه : قاضي مصر والاسكندرية ، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين .
وفيه خاطب المعز علي بن النعمان بالقضاء ، وأذن له في النظر في الأحكام ، فجلس في داره ومسجده ونظر في الأحكام .
وطيف برؤوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد .
وقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء ، فخلع على الرسول وعلى جماعة معه ، وحملوا .
وفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير ، فأقام أياماً ، واضطرب الناس ، ولما رآه المعز استعاذ منه .
وطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس ، وأخذوا بالثمن .
وانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر في أبواب المال كلها .
وفي مستهل ذي الحجة طيف برؤوس على رماح يقال عدتها إثنا عشر ألف رأس ، وردت من المغرب ، فيها رأس خلف بن جبر ، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه البربر ، فظفر به يوسف ابن زيرى ، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من أهله .
واعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم ورد ما باعوا منه .
ووردت هدية أبي محمود من الشام ، وهي مائة فارس ، وأحمال مال .
وبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه ، فصلى وخطب ، وأطعم الناس بالقصر .
وكسر الخليج ، ولم يركب إليه المعز .
(1/223)

"""""" صفحة رقم 224 """"""
وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء ووقود النيران ، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة ، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم ، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام ، وأظهروا السماجات في اللعب بالأسواق ، فأمر بالنداء أن يكف عن اللعب ، وأخذ قوم فطيف بهم وحبسوا .
وأمر أن يكون في الشرطة السفلى فقيهان يجلسان ، ثم صرفا .
وورد الخبر بوقعة كانت لأبي محمود مع ابن الجراح الطائي بناحية طبرية .
وأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين ، وجعلت الأرطال من رصاص .
وأمر المعز القاضي أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا يكتموه شيئاً ، ونصبوا لذلك رجلاً فامتنع .
وبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعاً ، فأمر لابن أبي الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته .
ومات في هذه السنة : أبو جعفر أحمد بن القاضي النعمان بن محمد بمصر يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول .
وحسن بن سعيد الأفرنجي بالقاهرة ، فصلى عليه المعز ودفن بها .
وإسماعيل بن لبون الدنهاجي ، وصلى عليه المعز .
وعلي بن الحرسي صاحب الخراج .
ومات حسن بن رستق الدنهاجي .
ومات أيضاً أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة في ربيع الآخر
(1/224)

"""""" صفحة رقم 225 """"""
ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة
والأمر على حاله إلا أن القضاء بيد أبي طاهر محمد بن أحمد ، واشترك معه القاضي علي بن النعمان ، فكان كل منهما ينظر في داره .
وتثاقل يعقوب بن كلس عن حضور الديوان ، وانفرد بالنظر في أمور المعز في قصره .
وفي المحرم عمرت كنيسة بقصر الشمع .
وورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة الرسول ، وسائر أعمال مكة ، وبتمام الحج .
وكان هذا أول موسم دعى فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسر المعز بذلك ، وتصدق شكراً لله . وورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وكتاب أخيه الحسن بن محمد الحسني وهو أخو صفية امرأة عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم يسأل الإحسان إلى أخته صفية وكانت مستترة فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ذلك إليها ، فأحضر يعقوب بن كلس القاضي أبا طاهر وشهوده ، وأشهدهم في كتاب عن المعز أنه أمره برد ضياعها ورياعها إليها ، فظهرت وأمنت .
وكتب جعفر بن محمد الحسني أمير مكة يسأله في بني جمح أن يرد حبسهم إليهم الذي بمصر ، وفي ولد عمر وبني العاص أن يرد حبسهم بمصر إليهم ، فأطلق المعز ذلك لبني جمح .
وورد رسول ملك الروم ، فغلقت الحوانيت ، وخرج الناس تنظر إليه .
(1/225)

"""""" صفحة رقم 226 """"""
قال ابن الأثير
وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولاً كان يتردد إليه بإفريقية ، فخلا به المعز بعض الأيام ، وقال له : أتذكر إذ أتيتني رسولاً وأنا بالمهدية ، فقلت لك : لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها ؟ قال : نعم قال : وأنا أقول لك لتدخلن علي ببغداد وأنا خليفة .
فقال له الرسول : إن أمنتني ولم تغضب ، قلت لك ما عندي .
فقال له المعز : قل وأنت آمن .
فقال : بعثني إليك الملك ذلك العام ، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه ، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نوراً غطى بصري ، ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقاً ، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك ، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئاً ، أشرفت على مدينتك فرأيتها في عيني سوداء مظلمة ، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام ، فقلت إن ذلك كان أمراً مقبلاً ، وإنه الآن بضد ما كان عليه .
فأطرق المعز ، وخرج الرسول من عنده ، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد ، واتصل مرضه حتى مات .
(1/226)

"""""" صفحة رقم 227 """"""
وقال ابن سعيد في كتاب المغرب
: إن المعز أنفذ إلى ابن السوادكي فقال : من لك بالحجاز من التجار تكاتبه ، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ما يقدر عليه من خشب الأبنوس الحسن التلميع التام الطول ، الغليظ مما لا غاية وراءه .
فكتب إلى تاجر بمكة ، وأكد عليه ، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه أنه وجد منه ما ليس له في الدنيا نظير ، وحمله في مركب ، فسر بذلك ، وبكر إلى المعز فأخبره الخبر ، وأنه في القلزم ، فأطرق وتغير لونه ، فقال له : يا مولانا هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمراً يكون بعد مدة فيسهله الله في أقرب وقت .
فقال : يا محمد ليس يدري إلى حيث خرجت .
ثم سار خارجاً إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها ، ويرددها كلما فرغ منها ، ورجع فاعتل بعد جمعة ، وترددت به العلة ، فمات في الشهر الخامس ، وما طلبه منى ، ولا أذكرته به ، وكان قد تأول أن أجله نعى إليه حين رأى الأشياء منقادةً له .
قال ابن زولاق : ولأربع خلون من صفر ورد حاج البر ، وقد كان البر أقام سنين لم يسلك .
وفيه حضر على بن النعمان القاضي جامع القاهرة ، وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت ، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار ، وكان جمعاً عظيماً .
وفي ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم في الطاعة .
وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم وهو على سرير الملك ، فصاح به رجل منهم :
(1/227)

"""""" صفحة رقم 228 """"""
يا أمير المؤمنين ، قال الله عز وجل : ' وَلَقَدْ أَهْلَكْنا القرونَ مِنْ قبلكم لَمَّا ظَلَموا وجاءْتْهُم رُسُلُهمْ بالبَيِّناتِ وما كانوا ليُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ المُجْرِمين . ثم جعَلْناكُمْ خَلائِفَ في الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِم لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ' . يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون .
وقال : صدق الله ، كذا قال عز وجل ، ونسأل الله التوفيق .
واعتل المعز لثمان خلون من ربيع الأول ، فأقام ثمانياً وثلاثين يوماً ، ووصف له البطيخ البرلسي يؤخذ ماؤه ، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة دنانير ، ثم وجد منها ثماني عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر ديناراً ، وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون ، والذي يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده جوهر . فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلة . وعرف باجتماع الناس وكثرة الرقاع في الظلامات والحوائج ، وسئل فيمن ينظر في ذلك ، فأمر أن ينظر فيه ولي عهده نزار فاستخلفه ، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا .
وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه ، وخرج إليه إخوته وعمومته وسائر أهله فبايعوه ، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد ، فابتهج الناس بذلك .
ودخل عليه من الغد القاضي أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه بولاية العهد ، وقبلوا له الأرض ، فرد عليهم أحسن رد ، وأخبرهم بأن المعز بخير ، قال : مولانا صلوات الله عليه في كل عافية وسلامة في أحواله ، وفي رأيه لكم وانصرفوا .
وكان يوم جمعة ، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسي على منبر الجامع العتيق بعد أن دعا للمعز ، فقال : اللهم صل على عبدك ووليك ، ثمرة النبوة ، ومعدن الفضل والإمامة ، عبد الله معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله ، كما صليت على آبائه الطاهرين ، وأسلافه المنتخبين من قبله .
(1/228)

"""""" صفحة رقم 229 """"""
اللهم أعنه على ما وليته ، وأنجز له ما وعدته ، وملكه مشارق الأرض ومغاربها .
واشدد اللهم أزره ، وأعز نصره بالأمير نزار أبي المنصور ولي عهد المسلمين ، ابن أمير المؤمنين ، الذي جعلته القائم بدعوته ، والقائم بحجته .
اللهم أصلح به العباد ، ومهد لديه البلاد ، وأنجز له به ما وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد .
وتوفي المعز لدين الله عشية هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر ، وقيل يوم الجمعة حادي عشر ، وقيل ثالث عشر ، ولم يظهر ذلك ولا نطق به أحد مدة ثمانية أشهر .
وقيل إن السيدة لما اشتدت علة المعز أحضرت القائد جوهر وهو ملتف في برد من . . .
وحضر يعقوب بن يوسف بن كلس وعسلوج القائد وأفلح الناشب ، وطارق الصقلبي ، فقالوا للمعز : نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر .
فلم يجبهم ، فقال له جوهر : قد كنت سمعت منك قولاً في هذا استغنيت به عن إعادة السؤال ، غير أنهم أكرهوني على الدخول .
وقال لهم : قابلتموني بما لا يجب وبكى .
فخرجوا ، فلما كان اليوم الثالث مات ، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر .
قال ابن زولاق : وكان يعني المعز في غاية الفضل والاستحقاق للإمامة ، وحسن السياسة .
(1/229)

"""""" صفحة رقم 230 """"""
وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، أدرك من أيام المهدي جد أبيه أربع سنين ، وتوفي القائم وللمعز ست عشرة سنة .
واجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه ، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة وعشرون بيتاً من المال : منها أربعة عشر خلفها المهدي ، ولم يخلف القائم عليها شيئاً ، وخلف المنصور بيتاً واحداً وكسوة ، وأضاف إليها المعز تسعة ، فصارت أربعة وعشرين بيتاً ، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها ، وحصل له من مال مصر أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه .
واجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر ، فاستخرج له في يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار .
وهزمت القرامطة في أيامه أربع مرار : مرتين في البر على باب مصر ، ومرتين في البحر ، وما تم عليهم هذا قط منذ ظهر أمرهم .
وأقيمت له الدعوة يوم عرفة في مسجد إبراهيم عليه السلام وبمكة والمدينة وسائر أعمال الحرمين ، ولم ترد له راية .
وسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريان عبد المعز وهو بطرابلس فانهزم وأخذت غنائمه وأسر رجاله .
وكتب اسمه على الطرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسي قبل أن يملك مصر .
وتتابعت له الفتوح .
ودعى لفاطمة ولعلي عليهما السلام في أيامه على المنابر في سائر أعماله وفي كثير من أعمال العراق .
ونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه .
ونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه .
(1/230)

"""""" صفحة رقم 231 """"""
وكاتبه أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة .
وكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد .
وكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام .
قال ابن الأثير : وأمه أم ولد .
وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة .
ومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا .
وكانت ولايته الأمر ثلاثاً وعشرين سنة وعشرة أيام .
وهو أول الخلفاء العلويين ، ملك مصر وخرج إليها . وكان مغرى بالنجوم . ويعمل بأقوال المنجمين ، قال له منجم إن عليه قطعاً في وقت كذا ، وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت ، ففعل ما أمره ، وأحضر قواده وقال لهم : إن بيني وبين الله عهداً أنا ماض إليه ، وقد استخلفت عليكم ابني نزار ، فاسمعوا له وأطيعوا .
ونزل السرداب ، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحاباً ، نزل وأومي إليه بالسلام ظنا منه أن المعز فيه ، فغاب سنة ثم ظهر ، وبقي مدة ومرض وتوفى ، فستر ابنه نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة ، فصلى بالناس وخطبهم ، ودعا لنفسه ، وعزى بأبيه .
وذكر القاضي عبد الجبار بن عبد الجبار البصري في كتاب تثبيت نبوة نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) المعز لدين الله ، وقال : واحتجب عن الناس مدة ، ثم ظهر وجلس في حرير فائق أخضر مذهب ، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت ، وأوهم أنه كان غائباً ، وأن الله رفعه إليه ، وكان يتحدث بما يأتيه أهل الأخبار في حال غيبته ، وتوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب .
وتعرض بالجمل دون التفصل .
(1/231)

"""""" صفحة رقم 232 """"""
قال مصنفه رحمة الله عليه : ليس الأمر كما قال ابن الأثير ، فقد حكى الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب سيرة المعز وقد وقفت عليها بخطه رحمه الله أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات يوماً يوماً ، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر قبل موته بيومين ؛ وذكر أن سبب العهد إليه اجتماع الناس بباب القصر وكثرة الرقاع ، وأنه سئل فيمن ينظر في ذلك ، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر فيه فاستخلفه ؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مر من أخبار المعز ؛ وأن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصاً المعز ، فإنه كان حاضراً ذلك ومشاهداً له ، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه ، ويروى في هذه السيرة أشياء بالمشاهدة ، وأشياء مدته بها ثقات الدولة وأكابرها ، كما هو مذكور فيها ؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخي العراق والشام فيما نقلوه ، وغير خاف على من تبحر في علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم ، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية ، فكثيراً ما رأيتهم يحكون في تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء ، ويرده الحذاق العالمون بأخبار مصر ؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره ، ومؤرخو مصر أدرى بماجرياته ، وفوق كل ذى علم عليم .
قال ابن الأثير : وكان المعز عالماً فاضلاً جوادا جارياً على منهاج أبيه ، حسن السيرة وإنصاف الرعية ، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة ، ثم أظهره ، وأمر الدعاة بإظهاره ، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به .
وقال ابن سعيد في كتاب المغرب : إن جوهر القائد لما كان على عسقلان ، وهجم عليه العدو ، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه ، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم ، ترجل جوهر وقبل الأرض وقال :
(1/232)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
حذرني مولانا المعز بالمغرب ، وقال لي : احذر النار في عسكرك ببرقة فلما جزت بها تحفظت من النار ، فلما صرت في مصر : قلت الحق ما يقول مولانا ، وما هو إلا أن أعود إلى المغرب ، فيكون ذلك فيها ، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه يقال له برقة ، وكنت والله خائفاً من قول مولانا حتى رأيته عياناً .
قال : ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط ، ودفع إليه كتاباً مختوماً ، وقال له : أنت عندي موثوق به ، غير مستراب بك ، قل له يا يوسف ، تغير ما أمرتك به ، وتنسب ما فعلته لي ؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك ، ولئن أتيتك لا تركت من آل مناد أحداً ، بل من بلكانه ، لا بل من صنهاجة ؛ أخرج ابن الأديم فاردده إلى النظر في الخراج على رسمه ، وامتثل جميع ما أمرتك به ، ولا تخالف شيئاً منه .
قال : فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده ، فسرت إليه ، فلما رآني نزل وقبل الأرض لما ترجلت له ، وقيل بين عيني ، وقال : هذه العين الذي رأت مولانا .
وأوصلت إليه السجل ، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه ، وأديت إليه الرسالة بيني وبينه ، فعهدي به يرتعد وينتفخ ويسود ، ويقول : نفعل والله ، وكتب برد زيادة الله بن الأديم إلى نظره ، وأقمنا مدة . قال ابن سباط : فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجاب بكتاب لطيف ، فقرأه عليه راكبا الترجمان ، فرأيته ضرب الفرس وحركه فأقامه وأقعده ، وهز رمحه في وجوه رجاله يمينا وشمالا ، وجعل يقول : أبلكين ، أمليح اسم أمه ؟ أزيرى ، أمليح اسم أبيه ؟ أمناد ، أمليح اسم جده ؟ .
قال : فقلت في نفسي : خبر ورد إليه سره ، وأدرت فكري فوقف في أن مولانا المعز مات .
(1/233)

"""""" صفحة رقم 234 """"""
فنظر إلى وجهي متغيرا ، فأخذني ونزل إلى دار إمارته ، فأدار إلى وجهه ، وقال : مالك تغير وجهك ؟ .
فقلت له : مات مولانا المعز ، فأحسن الله عزاك عنه .
فقال : من أخبرك ؟ .
قلت : أنت أخبرتني .
قال : وكيف .
قلت : رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك .
فقال : قد صدقت ، قد مات مولانا المعز .
قلت له : فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده في مجلسه .
فقال : لا بد من ذلك .
فقلت له : ينبغي أن تنتظر كتاب ولده الذي أتى من بعده ، فسيأتيك ما تحب .
قال : صدقت ، واكتم ما جرى ، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب ، وقد صار المغرب والله في أيدينا إلى دهر طويل .
(1/234)

"""""" صفحة رقم 235 """"""
وأقمت ، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه ، فسر وخلع علي ، وسيرني .
قال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب .
وأورد ليوسف بن زيرى خطبةً كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه يقول فيها : وأعوذ بالله أن أقول ما شنعه أهل الزور والجحود ، بل أنا عبد من عبيده ، أيدني بنور هدايته ، وألبسني قميص حكمته ، وتوجني بعز سلطانه ، وحملني أثقال علم ربوبيته ، واختصني بنفس كلايته ، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه الشاعر تميما ثم عزله ، وولى ابنه عبد الله إفريقية ، ثم ولى ابنه بمصر العزيز الذي صحت له الخلافة بعده .
قال ابن سعيد : وهذا أعجب ما سمعته في تولية العهد ، لا أعلم لهذه الكائنة نظيرا .
وقال ابن الطوير : لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله وكان منجما : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا .
فقال المعز : العاقبة .
فقال حميدة .
قال المعز : الحمد لله .
ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانىء فيه :
إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله . . . فسائل عليه الوحي المنزّل تعلم
فأُقسم لو لم يأخذ الناس فضله . . . عن الله ، لم يعلم ولم يتوهّم
وأيّ قوافي الشعر فيك أجولها . . . وهل ترك القرآن من يترنّم
وكان نقش خاتمه : بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم .
وكان يشبه في بني العباس بالمأمون في سفره من القيروان .
(1/235)

"""""" صفحة رقم 236 """"""
العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبي تميم معد ابن المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ابن المهدي عبيد الله
أمه أم ولد ، واسمها درزان .
ولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة .
وولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة .
ومن كتاب ابن مهذب : سمعت مولانا العزيز يقول : خرج مولانا المعز يوماً بمصر يمشي في قصره ، وأنا ، وأخي تميم ، وعبد الله ، وعقيل ، نمشي خلفه ، فخطر ببالي أن قلت : ترى بصير هذا الأمر إلي ، أو إلى أخي عبد الله ، أو إلى أخي تميم ؛ وإن صار إلي ، ترى أمشي هكذا وهؤلاء حولي ؟ .
قال : وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد ، ووقفنا بين يديه ، وانصرفت الجماعة ، وأراد
(1/236)

"""""" صفحة رقم 237 """"""
لانصراف ، فقال : لا تبرح يا نزار ، فوقفت حتى إذا لم يبق أحد بين يديه غيري استدناني وقال : بحياتي يا نزار إذا سألتك عن شيء تصدقني ؟ .
قلت : نعم يا مولانا .
قال : التفت إليك فرأيتك وقد أعجبتك نفسك ، وأنت تنظر إلي وإلى نفسك وإلى أخوتك ، وأنا أسارقك النظر وأنت لا تعلم ، ، فقلت في نفسك : ترى هذا الأمر بصير إلي وإخوتي حولي ؟ .
قال : فاحمر وجهي ، ودنوت منه فقبلت بين يديه ، وقلت وقد غلبني البكاء : يجعل الله جميعنا فداك .
فقال : دع عنك هذا ؛ كان كذا ؟ .
قلت : نعم يا مولانا ، فكيف عرفته ؟ .
قال : حزرته عليك ، ثم لم أجد نفسي تسامحني في إعجابك بنفسك على شيء سوى هذا الأمر ، فهو صائر إليك ، فأحسن إلى إخوتك وأهلك ، خار الله لك ووفقك . وقد تقدم أن المعز لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته ، فركب العزيز بالمظلة ، وخطب بنفسه ، وعزى نفسه ، والناس تسلم عليه بالخلافة ، وركب إلى قصره فسلم عليه عماه : حيدرة وهاشم ، وعم أبيه : أبو الفرات ، وعم جده : أحمد بن عبيد الله .
وقال ابن الأثير : لما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه ، وكان هو يدبر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره ؛ ثم سير إلى المغرب دنانير عليها اسمها فرقت في الناس ؛ وأقر يوسف ابن بلكين على ولاية إفريقية ، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف ، وهي
(1/237)

"""""" صفحة رقم 238 """"""
طرابلس وغيرها ، فاستعمل عليها يوسف عماله ، وعظم أمره ، وأمن ناحية العزيز ، واستبد بالملك ، وكان يظهر الطاعة مجاملةً لا طائل تحتها .
وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها ، وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة ، فغلت الأسعار بها ، ولقى أهلها شدةً شديدة .
وأما أخبار الشام : فإن أفتكين لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام ، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز في هذه السنة ، وكان الذي وافى منهم : إسحاق ، وكسرى ، وجعفر ، فنزلوا على ظاهر دمشق ، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا في البلاد وقت وقعته مع الديلم ، لقوهم بالكوفة في الموقعات ، فأركبوهم الإبل ، وساروا بهم إلى دمشق ، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل ؛ فقوى عسكره بهم وتلقى أفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم ، وأمن من الخوف ؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا إلى الرملة وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فالتجأ إلى يافا ، ونزل القرامطة الرملة ، ونصبوا القتال على يافا حتى مل كل من الفريقين القتال ، وصار يحدث بعضهم بعضاً .
وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر ، وظن أن القرامطة قد كفوه ذلك الوجه ، وعمل على أخذ الساحل ، فسار بمن اجتمع إليه ، ونزل على صيدا ، وبها ابن الشيخ ، ورؤساء المغاربة ، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي ، فقاتلوه قتالا شديداً ، فانهزم عنهم أميالا ،
(1/238)

"""""" صفحة رقم 239 """"""
فخرجوا إليه ، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم ، وصار ظالم إلى صور ؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من عساكر المغاربة ، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق ، فطيف بها .
ونزل أفتكين على عكا ، وبها جمع من المغاربة ، فقاتلوه ، فسير العزيز القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام في عسكر عظيم لم يخرج قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع والسلاح والمال والرجال ، بلغت عدتهم عشرين ألفاً بين فارس وراجل ، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكا ، والقرامطة بالرملة ، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية ، وخرج القرامطة من الرملة ، ونزلها جوهر .
وسار إسحق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء ، لقلة من معهم من الرجال الذين يلقون بها جوهر ، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو بطبرية ، وقد بعث فجمع في حوران والبثنية ؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية ، فرحل أفتكين ، واستحث الناس في حمل الغلة من حوران والبثنية إلى دمشق ، وصار أفتكين إلى دمشق ، ومعه جعفر القرمطي ، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فيما بين داريا والشماسية ، فجمع أفتكين أحداث البلد ، وأمن من كان قد فزع منه ، فاجتمع حمال السلاح والذعار إليه ، ورئيسهم قسام .
(1/239)

"""""" صفحة رقم 240 """"""
وأخذ جوهر في حفر خندق عظيم على عسكره ، وجعل له أبوابا ، وكان ظالم بن موهوب معه ، فأنزله بعسكره خارج الخندق ، وصار أفتكين فيمن جمع من الذعار ، وأجرى لكبيرهم قسام رزقاً .
ووقع النفي على قبة الجامع والمنابر ، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع وحروب شديدة وقتال عظيم ، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة ، فجرى بينهم إثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذي الحجة .
ولم يزل إلى الحادي عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة ، انهزم فيها أفتكين بمن معه ، وهم بالهرب إلى أنطاكية ، ثم إنه استظهر . ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت ، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم ، فأرسل في الصلح ، فلم يجب أفتكين ، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطي بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق : إني سائر إلى الشام ، وبلغ ذلك جوهر ، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرر الأمر أن جوهر يرحل ، ولا يتبع عسكره أحد ، فسر أفتكين بذلك ، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة الظهر عنده ؛ وبقي من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه ، ورحل عن دمشق في ثالث جمادى الأولى .
وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطي إلى عمه جعفر بمجيئه ، وبلغ ذلك جوهر ، فجد في السير ، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج ، فأسرع بالمسير من طبرية ،
(1/240)

"""""" صفحة رقم 241 """"""
ووافى الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية ، فوجد جوهر قد سار عنها ، فبعث خلفه سرية أدركه ، فقابلهم جوهر ، وقتل منهم جماعة ، وسار فنزل ظاهر الرملة ، وتبعه القرمطي ، وقد لحقه أفتكين ، فسارا إلى الرملة ؛ ودخل جوهر زيتون الرملة ، فتحصن به ، فلما نزل الحسن بن أحمد القرمطي الرملة هلك فيها ، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر ، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة .
ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبي جعفر القرمطي ، فرجع عنه إلى الأحساء ، وكان حسان ابن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي أيضاً مع أفتكين على محاربة جوهر ، فلم ير منه ما يحب ، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين ، وقدم القاهرة على العزيز ، واشتد الأمر على جوهر ، وخاف على رجاله ، فسار يريد عسقلان ، فتبعه أفتكين .
واستولى قسام على دمشق وخطب للعزيز ، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق ، فقاتله قسام ومنعه ، فسار إلى طبرية .
وأدرك أفتكين جوهر ، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم في آخرها جوهر ، وأخذ أصحابه السيف ، فجلوا عما معهم ، والتحقوا بعسقلان ، فظفر أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره ، واستغنى به ناس كثيرون .
ونزل أفتكين على عسقلان ، فجد جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما ، وغلت عنده الأسعار ، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا ، وأخذت كتامة تسب جوهر وتنتقصه ، وكانوا قد كايدوه في قتالهم ، فراسل أفتكين يسأله : ماذا يريد بهذا الحصار ، فبعث إليه : لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤديه إلي عن أنفسكم .
فأجابه إلى ذلك ؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير ، فجمع من كان معه من كتامة ، وجمع منهم مالاً ؛ وبعث إليه أفتكين يقول : إذا أمنتكم لا بد أن تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف وأمنهم ، وعلق السيف على باب عسقلان ، فخرجوا من تحته .
(1/241)

"""""" صفحة رقم 242 """"""
وسار جوهر إلى مصر ، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا بقية سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع وستين .
وقدم جوهر على العزيز ، فأخبره بتخاذل كتامة ، فغضب غضبا شديدا ، وعذر جوهر في باطنه ، وأظهر التنكير له ، وعزله عن الوزارة ، وولى يعقوب بن كلس عوضه في المحرم سنة ثمان وستين .
وخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومى عليها صفرية فضة ، فخرج إليه أهل البلد كلهم حتى غلقت الأبواب ، وسألوه في التوقف عن السفر ، فقال : إنما أخرج للذب عنكم ، وما أريد ازدياداً في مال ولا رجال .
وصرفهم .
ومنع العزيز في هذه السنة وهي سنة سبع وستين النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس : من الاجتماع ، ونزول الماء ، وإظهار الملاهي ، وحذر من ذلك .
وسار العزيز ، وعلى مقدمته حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ، فتنحى أفتكين عن الرملة ، ونزل طبرية . واتفق أن عضد الدولة أبا شجاع فناخسرو بن ركن الدين أبي يحيى الحسن بن بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار بن أحمد بن بويه ، فسار بختيار إلى الموصل ، واتفق مع أبي تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ابن حمدان على قتال فناخسرو ، فسار إليهم فناخسرو وأوقع بهم ، فانهزموا ، وأسر بختيار وقتله ، وفر حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة المرزبان ، وأبو كاليجار وعماه : عمدة الدولة أبو إسحاق ، وأبو طاهر محمد ، ابنا معز الدولة أحمد بن بويه ، وساروا
(1/242)

"""""" صفحة رقم 243 """"""
إلى دمشق في عسكر ، فأكرمهم خليفة أفتكين ، وأنفق فيهم ، وحملهم وصيرهم إلى أفتكين بطبرية ، فقوى بهم ، وصار في اثنى عشر ألفا ، فسار بهم إلى الرملة ، ووافى بها طليعة العزيز ، فحمل عليها أفتكين مراراً ، وقتل منها نحو مائة رجل ، فأقبل عسكر العزيز زهاء سبعين ألفاً ، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر أفتكين ، وأخذوا رجاله ، فصاح الديلم الذين كانوا معه : زنهار ، زنهار ، يريدون : الأمان ، الأمان .
واستأمن إليه أبو إسحق إبراهيم بن معز الدولة ، وابن أخيه إعزاز الدولة ، والمرزبان بن بختيار ؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة ، وأخذ أكثرهم أسرى ، ولم يكن فيهم كبير قتلى ، وأخذ هفتكين نحو القدس ، فأخذ وجيء به إلى حسان بن علي بن مفرج ابن دغفل بن الجراح ، فشد عمامته في عنقه ، وساقه إلى العزيز ، فشهر في العسكر ، وأسنيت الجائزة لابن الجراح .
(1/243)

"""""" صفحة رقم 244 """"""
وكانت هذه الوقعةلسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين
.
فورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين ، وقتل عدة من أصحابه وأسره ، فقرىء على أهل مصر فاستبشروا وفرحوا .
وكتب أبو إسماعيل الرسي إلى العزيز يقول : يا مولانا : لقد استحق هذا الكافر كل عذاب ، والعجب من الإحسان إليه .
فلم يرد عليه جوابا .
وسار العزيز ومعه أفتكين مكرماً من الرملة ، وبقية الأسرى إلى مصر .
قال المسبحي : فخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسي ، فلما رآه العزيز قال : يا إبراهيم : قرأت كتابك في أمر أفتكين ، وفيما ذكرته ، وأنا أخبرك : اعلم أنا وعدناه الإحسان والولاية فما قبل ، وجاء إلينا فنصب فازاته وخيامه حذاءنا ، وأردنا منه الانصراف فلج وقاتل ، فلما ولى منهزماً وسرت إلى فازاته ودخلتها سجدت لله الكريم شكراً ، وسألته أن يفتح لي بالظفر به ، فجيء به بعد ساعة أسيراً ؛ ترى يليق بي غير الوفاء ؟ .
فقبل أبو إسماعيل رجله .
ودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى ، وعليه تاج مرصع بالجوهر ، فأنزل أفتكين في دار ، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال : لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله ونظري إليه مما غمرني من فضله وإحسانه ، فلما بلغ العزيز ذلك ، قال لعمه حيدرة :
(1/244)

"""""" صفحة رقم 245 """"""
يا عم : أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة ، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهرة ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار ، وأن يكون ذلك كله من عندي .
وبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون : ما هذا التركي ؟ فأمر به فشهر في أجمل حال ، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا ، وخلع عليه ، وأمر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم ، فما منهم إلا من أضافه ، وقاد إليه ، وقاد : يديه دوابا .
ثم سأله العزيز بعد ذلك : كيف رأيت دعوات أصحابنا فقال : يا مولاي : حسنة في الغاية ، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم .
وكان الذي أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار وقال العزيز عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض : كم عدد ما تحت يدك من الدواب ؟ فقال : عشرة آلاف رأس .
فقال العزيز : لقد أوجلتني يا حسين .
وفيها نافق حمزة بن نعله الكتامي متولى أسوان ، فخرج إليه جعفر بن محمد
(1/245)

"""""" صفحة رقم 246 """"""
ابن أبي الحسين الصقلي ، وأخذه وأتى به وبأمواله ، فأنعم بها العزيز على هفتكين ، ودفعه إليه فقتله شر قتلة .
وفيها قدم حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي على العزيز ، فخلع عليه ، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل ، وقاد إليه بين يديه خمسة أحمال مال ، وأنزله داراً .
وفيها جهز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام ، وقلد الشام كله ، ولقب بالقائد ، وخلع عليه ثوب مذهب ، ومنديل مذهب ، وقلد بسيف محلى بذهب ، وحمل على فرس ، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها ، ومائة ألف درهم ، وخمسون قطعة من الثياب الملونة ؛ فركب بالطبول والبنود ، وسار . وخرجت قافلة الحاج في ذي القعدة ، وفيها صلات الأشراف ، والقمح والشعير والدقيق والزيت ، وسائر الحبوب والزيت ، ومحراب من ذهب للكعبة .
وفيها كان بمصر وباء عظيم ، مات في خلائق ، فحكى بعض من سمع نواب السلطان يقول : الذي قبر من الديوان سبعة آلاف وسبعمائة وستون ، سوى من لم يعلم بموته ، أما من دفن بلا كفن فكثير .
(1/246)

"""""" صفحة رقم 247 """"""
وكان الماء في المقياس خمسة أذرع وثلاثا وعشرين إصبعاً ، وبلغ خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا .
وأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز في سنة سبع وستين يسأله في طرابلس وسرت وأجدابيه ، وكان عليها عبد الله بن خلف ، فأنعم له بها ، فرحل عنها عبد الله ، وتسلمها أبو الفتوح .
وفي سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبي القاسم محمد بن أبي المنهال قاضي المنصورية إلى العزيز يسأله في القدوم ، فأجابه إلى ذلك ، فسار بأهله وأولاده في آخر شوال ، وقدم القاهرة ، فأجرى له العزيز في كل سنة ألف دينار .
وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولى القضاء ؟ فكتب إليه : قد رددت هذا الأمر إليك ، فول من شئت .
فاختار محمد بن إسحاق الكوفي ، وولاه آخر ذي الحجة سنة ثمان وستين ، وكتب إلى العزيز يخبره بذلك ، فأجاز فعله ، وبعث إليه سجلاً بالقضاء .
وفي يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سير الأمير أبو الفتوح الهدية من رقادة ، ومعها المال مع محمد بن صالح صاحب بيت المال ، وعيسى بن خلف المرصدي ، وقائد المهدية زروال بن نصر ، فقدموا إلى القاهرة والعزيز آخذ في حركة السير لحرب هفتكين ، فأمر برد المال الذي أحضره الأمير زيرى مع الهدية ، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجل من العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده في الخلافة ، قرأه على الناس بالمنصورية من القيروان ، وفرق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التي ضربت باسمه على رجال الدولة ، ثم بسط رداءه ، وألقى فيه دنانير ، وقال :
(1/247)

"""""" صفحة رقم 248 """"""
ليلق كل واحد فيه ما يستطيع من التقرب .
ثم جمع أهل القيروان وصادرهم ، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد ، حتى عم أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية ، فجبى زيادة على أربعمائة ألف دينار عيناً .
فلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه ، فرأى عبد الله بن محمد برد المال نقضا عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية ، وجعل مال الهدية خاصة في صرر ، وكتب على كل صرة اسم صاحبها ، فرد العزيز صرراً نفسية إلى أصحابها ، وهم يومئذ بمصر ، وأمر برد باقي المال إلى المغرب ليفرق على أربابه ، فقال له الوزير يعقوب بن كلس : هذه أموال عظيمة ، ونحن محتاجون إليها للنفقة على هذه العساكر ، وإن رجعت أمرت يردها إليهم من بيت المال .
فقبل منه ، وأنفقها على العسكر .
(1/248)

"""""" صفحة رقم 249 """"""
ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة
في أول . . . . . . . . .
وفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله ، ورسم لهم الأكل معه على مائدته .
وفيها أرسل فلح أمير برقة للعزيز هدية ، فيها مائتا فرس مجللة ، ومائة بغل مجللة ، ومائة وخمسون بغلا بأكف ، وخمسمائة جمل ، ومائة نجيب ، ومائة صندوق فيها المال .
وفيها سار ناصر الدول أبو تغلب من طبرية إلى الرملة في المحرم وبها الفضل بن صالح ، وقد انضم إليه دغفل بن مفرج بن الجراح ، فقاتلا أبا تغلب قتالاً كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه ، فولى منهزما ، وأتبعوه ، فأخذ وقتل ، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان ، وعدة أسارى ، فأمر العزيز بإطلاق الأسرى ، وقدم هديته وهي : أحمال محزومة ، ومائتا فرس ، وخمسون بختيا ، ومائة بغل ، ومائة ناقة ، فخلع عليه ، وأركب على فرس ، وقيد بين يديه خمسة أفراس ، ومائة قطعة من الثياب ، وعشرون ألف دينار . وكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرملة بأفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ، فأنفذ إلى دمشق واليا من المغرب ، يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي رجل ، وقد غلب عليها قسام التراب السقاط عندما وردت عليه كتب العزيز عند مسيره إلى محاربة أفتكين . . . . . . من ورائه فأظهر
(1/249)

"""""" صفحة رقم 250 """"""
سام الكتب وقرأها في الجامع ، ووعد الرعية بالإحسان ، وبترك الخراج لهم إن منعوا أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشي نائب أفتكين عنه ، لقوة قسام ، وكثرة أصحابه ، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهراً القائد ومنعوه من البلد ، فأخذ الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشي ، فتمكن وأمن ، وكثر الطامع في البلد ، فولى أفتكين رجلا يقال له تكين من الأتراك ، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب على دمشق من أهل الشر ، فلما نزل أخوا بختيار دمشق قوى تكين ، وأراد أن يقهر قساماً ، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة ، ثم اصطلحا .
وكان من مجيء القرامطة ما ذكر ، فنزلوا على دمشق ، فمنعهم قسام من البلد ، وعمل على قتالهم ، فصار له بذلك يد عند العزيز ، فلما رحلوا إلى بلادهم ، وتمكن ابن الجراح من فلسطين إلى طبرية ، استولت فزارة ومرة على حوران والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها ، وجلا أهلها ، فهلكوا من الضر ، وصار كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب ، فعمرت بهم البلاد .
ثم إن قساماً وقع بينه وبين حميدان العقيلي ، فثار به ونهبه ، ففر منه ، وقوى قسام ، وكثرت رجاله ، وزاد ماله ، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود في نفر يسير ، فكان تحت يد قسام ، لا أمر له ولا نهى .
واتفق في هذه السنة أن ولي دمشق ظالم بن موهوب العقيلي ، والقرمطي ، ووشاح ، وحميدان ، وأبو محمود .
وكانت واقعة فناخسرو مع بختيار بالعراق ، فكان ممن انهزم أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ابن حمدان ، فسارت خلفه عساكر فناخسرو ، وكتب فيه إلى الأكراد والروم أن لا يجيره أحد ، ففر أبو تغلب إلى آمد ، وسار منها إلى الرحبة ، وكتب إلى العزيز أن يقيم في عمله ، وسار في البر إلى حوران ، فنزل على دمشق ، وكتب العزيز إلى قسام يمنعه من البلد ، فمنعه ، ثم أذن أن يتسوق أصحابه من المدينة .
وطمع أبو تغلب في ولاية دمشق من قبل العزيز ، فخافه قسام ، وأشير على العزيز في مصر
(1/250)

"""""" صفحة رقم 251 """"""
أن لا يمكن ابن حمدان من دمشق ، فإنه إن مكن عظم شره ، فكوتب بكل ما يحب ، وكتب إلى قسام بأن لا يمكنه .
هذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزة ، فأقام شهورا ، وثقل على قسام مقامه ، وخاف أن يلي البلد ، فأكمن لأصحابه في البلد ، وأخذ منهم سبعين ، وقتل جماعةً ، وسلب الباقي ؛ فلحقوا بأبي تغلب ، فلم يطق فعل شيء ، وكتب إلى العزيز ، وكتب قسام أيضا : بأن أبا تغلب قد حاصر البلد ، ومد يده إلى الغوطة ، وقتل رجالي ، ونحن على الحرب معه ، فخرج الفضل بن صالح كما تقدم ونزل الرملة ، وبعث إلى ابن الجراح من مصر بسجل فيه ولايته على الرملة .
وكان أبو تغلب قد سار عن دمشق ، وسار الفضل ، فنزل طبرية ، واجتمع به أبو تغلب بمكاتبة ، وقرر معه أن يكون على الرملة ، وقدم الفضل دمشق .
فجبى الخراج ، وزاد في العطاء ، واستكثر من الرجال ، وخرج عنها ، فأخذ طريق الساحل .
وكان أبو تغلب قد استولى على أهراء كانت بحوران والبثنية ، فاجتمعت إليه العرب من بني عقيل ، فيهم شبل بن معروف العقيلي ، فسار بهم إلى الرملة فخرج منها ابن الجراح ، وأخذ في جمع العرب ، وهو واثق بأن الفضل معه على أبي تغلب ، وفي ذهن أبي تغلب أن الفضل معه على ابن الجراح ، ونزل الفضل عسقلان ، فواقع ابن الجراح بجموعه أبا تغلب ، وأدركه الفضل ، فاجتمع العسكران ، وفر من كان مع أبي تغلب ، فلحقوا بالفضل ، ووقع القتال ، فانهزم أبو تغلب ، وأدركه القوم ، فأخذ وحمل إلى ابن الجراح ، فأركبه جملا ، وشهر بالرملة ، ونزع جميع ما عليه حتى بقي بثوب رقيق ، وحبسه ، فطلب شيئا يتوسد عليه ، فقال ابن الجراح :
(1/251)

"""""" صفحة رقم 252 """"""
اجعلوا تحته شوكاً يتوسده .
فحمل إليه ، وقالوا له : توسد بهذا .
فأغلظ في القول ، وشتم ابن الجراح ، فبلغه ذلك ، فغضب ، وأمر بقتله ، فقتل ، وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين ، وبعث برأسه إلى العزيز مع الفضل ، وخلة الديار لابن الجراح ، فأتت طي عليها فتعطلت الزروع من القرى . وكان فناخسرو البويهي قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر ، فخالف عليه أخ له ، واستنجد بصاحب خراسان ، فأمده بعساكر عظيمة ، فسير إليه فناخسرو العساكر من بغداد ، فشغل بذلك عن مصر .
وفيها ولد للوزير يعقوب بن كلس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهداً من صندل مرصعاً وثلاثمائة ثوب ، وعشرة آلاف دينار عزيزية ، وخمسة عشر فرسا بسروجها ولجمها ، منها اثنان ذهب ، وطيب كثير ، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار .
وعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتي ألف دينار ، وأعطى الذي كتب الكتاب ألف دينار ، وخلع على القاضي والشهود ، وحملهم على البغال ، فطافوا البلد بالطبول والبوقات .
وبعث متولى برقة هدية ، وهي : أربعون فرسا بتجافيف ، وأربعون بغلا بسروجها ولجمها ، وستة عشر حملا من المال ، ومائة بغلة ، وأربعمائة جمل .
وجهز الحاج وكسوة الكعبة ، وصلات الأشراف ، والطيب والشمع والزيت فبلغ مصروف ذلك مائة ألف دينار
(1/252)

"""""" صفحة رقم 253 """"""
وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين ، فنودي : برئت الذمة من أحد قال هذا ، وحلت به العقوبة ، فلا يحلفن إلا بالله وحده .
فانتهى الناس .
وفيها قدم كتاب ومغنين ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارين من سجن أخيهما الأمير أبي الفتوح يوسف بن زيرى ، فأكرمهما العزيز ، وخلع عليهما ، ووصلهما .
وفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة في خيل كثيرة إلى مكة مع الحاج ، فلما وصل إلى مكة أنا الطرارون فقالوا : نتقبل هذا الموسم بخمسين ألف درهم .
فقال لهم : اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم .
فلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم ، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا ، فقطعوا أجمعين .
وأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف ، فنزل الرملة وبها ابن الجراح فتباعد ، وقد استوحش كل منهما من صاحبه ، فأقام أياماً ، ورحل إلى دمشق ، فوجد قساما قد غلب عليها ، فنزل بظاهر البلد ، وقد ثقل على قسام ، وأراد سلمان يأمر وينهي في البلد فلم يقدر على ذلك ، وطال مقامه في غير شيء ، وقل المال عنده ، وأراد إقامة الحرمة فأمر قساما ألا يحمل أحد السلاح ، فأبوا عليه ، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح : وأن لا يعارضوا السلطان في بلده ، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ الخفارة ضربنا عنقه .
فقال لهم قسام : لا نفكر فيه ، كونوا على ما أنتم عليه ، وطاف العسكر الغوطة ، فوجدوا قوما يحملون السلاح ، ويأخذون الخفارة ، فقطعوا رءوسهم ، فثار قسام ومن معه إلى
(1/253)

"""""" صفحة رقم 254 """"""
الجامع ، وثار الغوغاء ، وأخرج إلى سلمان قوما فقاتلوه ، وأقام بالجامع ومعه شيوخ البلد ، وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل فناخسرو ، وأغلق البلد وقاتلهم ، وكتب بما جرى ، وسير ذلك إلى العزيز ، فبعث إلى سلمان أن يرحل عن دمشق ، فرحل بعد ما أقام شهورا .
وقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح في نفر ، وخرج الفضل بن صالح من عند العزيز ليحتال على ابن الجراح وعلى قسام ، وأظهر أنه يريد حمص وحلب ، ليأخذ تلك البلاد ، فنزل على دمشق ، وفطن ابن الجراح لما يريده ، فأخذ حذره ، وسار عن الفضل ، فرحل في طلبه ، ومعه شبل بن معروف ، فكانت بينه وبين ابن الجراح وقعة في صفر سنة سبعين ، فأوقع ببني سنبس ، فقتل شبل بن معروف ، طعنه بعض بني سنبس ، فمات .
وبعث ابن الجراح إلى العزيز يتلطف به ، ويسأله العفو ، فأرسل إلى الفضل يأمره بالكف عن ابن الجراح ، وأن لا يعرض له ، فوافاه ذلك وهو يجهز العساكر خلف ابن الجراح ، فكف عن قتاله ، وعاد إلى مصر .
ورجع ابن الجراح إلى بلاد فلسطين على ما كان ، فأهلك العمل حتى كان الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من الضر ، ومات أكثرهم .
هذا ودمشق تمتار من حمص ، وكان عليها بكجور من قبل أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ابن حمدان ، وقد عمر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة .
واتفق خراب دمشق كما تقدم ، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق ، ودمشق قد طمع في عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة ، وأبو محمود إبراهيم بن
(1/254)

"""""" صفحة رقم 255 """"""
جعفر واليا عليها تحت مذلة قسام ، فهلك في صفر سنة سبعين ، فكاتب بكجور العزيز ، فوعده بولاية دمشق ، فورد الخبر بموت فناخسرو ، فأمن العزيز مما كان يخاف ، وجهز عسكراً عليه رشيق المصطنع . وكان بشارة الخادم الإخشيدي قد فسد أمره مع أبي المعالي بحلب ، ففر منه في مائة رجل إلى مصر ، فأكرمه العزيز ، وولاه طبرية ، فاستمال رجالا من أهل حلب ، وضبط البلد وعمره فقوى أمره ، وابن الجراح بفلسطين يخرب ويأخذ الأموال .
وقدم أيضاً على العزيز رخا الصقلي في ثلاثمائة غلام من الحمدانية ، فولاه عكا ، وقدم رخا في عدة منهم ، فولاه أيضاً قيسارية .
(1/255)

"""""" صفحة رقم 256 """"""
فلما كان سنة اثنتين وسبعين
خرج عسكر من مصر إلى الشام عليه بلتكين التركي أحد أصحاب أفتكين ليكون على دمشق بدل رشيق ، وكوتب بشارة بمعاونة العسكر على حرب ابن الجراح ، ونزل العسكر الرملة ، وسار بشارة من طبرية ، واجتمعت العرب من قيس إليهم ، فكانت الحرب بينهم وبين ابن الجراح ، فانهزم ، وقتل كثير من أصحابه ؛ وصار إلى أنطاكية مستجيرا بصاحبها .
وكان الروم قد خرجوا من القسطنطينية في عسكر عظيم يريدون أرض الشام ، فخاف ابن الجراح ، فكاتب بكجور ، وسار بلتكين فنزل على دمشق في ذي الحجة ، فجمع قسام الرجال من الغوطة وغيرها ، ورم شعث السور وضبط الأبواب بالرجال ، ونصب . . . .
وكان مع قسام في البلد منشا اليهودي على عطاء العسكر وتدبيره ، وجيش بن الصمصامة شبه وال في طائفة من المغاربة ، قد ولى بعد خاله أبي محمود ، فخرج إلى بلتكين بمن معه ، وقد صار معه أيضاً بشارة بعسكره ، فبعث إلى قسام أن يسلم البلد ، ويكون آمناً هو ومن معه ، فأبى .
(1/256)

"""""" صفحة رقم 257 """"""
فلما كان التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين
.
ابتدأ القتال مع قسام ، ووقع النفير في البلد ، فلم يخرج مع قسام إلا حزبه من العيارين ، وقوم من أهل القرى كانوا يأخذون الخفارة ، ويطلبون الباطل ، وقد كره جمهور الناس قساما وأصحابه ، فلما تقاصر عنه أهل البلد انكسر قلبه ، وأصحابه ثابتون على القتال ، وقتلوا جماعةً من الجند ، وكثر فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين ، وتبين الانكسار على قسام لتقصير الرعية عن معاونته ومقتهم إياه ، وقوة أمر السلطان ، وكان قد كثر عليه الصلب من أصحابه للمال وقت الحرب ، فأمسك عنهم ، وشح بماله ، فقالوا : على أي شيء نقتل أنفسنا ؟ فتفرقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته .
واستمر القتال أياماً ، فاجتمع الخلق إلى قسام في أن يخرج إلى بلتكين ويصلحوا الأمر معه ، فلان وذل بعد تجبره ، وقال : افعلوا ما شئتم .
وكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلموه في ذلك ، فأمر بكف العسكر عن القتال ، وأمر قساماً وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه وهو ساكت حائر قد تبين الذل في وجهه ، واجتمع أكثر الناس ، فصاح من كان قد احترقت داره وهم كثير بقسام : انتقم الله ممن أذلنا وأحرق دورنا ، وشتتنا ، وتركنا مطرحين على الطرق .
فعجب قلبه من سماع صياحهم ، وقال : أسلم البلد .
فولى بلتكين حاجباً يقال له خطلخ ، فدخل المدينة في خيل ورجل ، فلم يعرض لقسام ولا لمن معه ، فتفرق عن قسام أصحابه ، فمنهم من استأمن ، ومنهم من هرب ، ومنهم من أخذ ، واختفى قسام بعد يومين ، فأصبح القوم أول صفر وقد علموا باختفائه ، فأحاطوا
(1/257)

"""""" صفحة رقم 258 """"""
بداره ، وأخذوا ما فيها ، ونزلوها وما حولها من دور أصحابه ، وبعثوا الخيل في طلبه فلم يوقف له على خبر ، ونودي في البلد .
من دل على قسام فله خمسون ألف درهم ، ومن دل على أولاده فله عشرون ألف درهم .
وكان له من الأولاد : أحمد ، ومحمد ، وبنت .
فظفروا بامرأته وابن لها معها ، فحبسا .
فلما مضى لقسام جمعة وهو مختف قلق وجاء في الليل إلى منشا بن الغرار اليهودي ، فأوصله إلى بلتكين ، فقيده وحمله إلى مصر ، فعفا عنه العزيز .
وكان قسام من بطن من العرب يقال لهم الحارثيون ، من قرى الشام ، فنشأ بدمشق وكان يعمل على الدواب في التراب ، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار ، ممن يطلب الباطل ويحمل السلاح ، فصار من حزبه ، وترقى إلى ما تقدم ذكره .
وكتب بكجور إلى العزيز يسأله في إرسال جيش ليأخذ به حلب ، فأنفذ إليه عسكراً من دمشق ، وجمع بني كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها ، فقدم دمشق الروم إلى أنطاكية ، وقصد أن يكبس بكجور ، فكتب إليه ابن الجراح يحذره ، فارتحل عن حلب ، فسار عسكر الروم خلفه ، ونزلت حمص ، وبعث بأمواله إلى بعلبك ، وارتحل إلى جوسية .
(1/258)

"""""" صفحة رقم 259 """"""
ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد ، ورحل يريد طرابلس ، وسير يريد مالا من حمص ، فامتنع أهلها ، فرجع ونهب ، وسبا ، وأحرق الجامع وغيره ، فاحترق كثير من الناس ، وذلك في تاسع عشر جمادى الأولى ، وهي دخلة الروم الثانية حمص .
ويقال أن أبا المعالي بن حمدان لخوفه من بكجور سير إلى برديس ملك الروم أن يخرب حمص ، وفارق أصحاب بلتكين بكجور ، وصاروا إلى دمشق ، فبعث بكجور إلى العزيز يسأله ولاية دمشق ، فورد جوابه : إنا قد وليناك ، فبعث إلى بعلبك واليا ، وإلى بعلبك غلامه وصيف ، فأبى عليه بلتكين ، لكتاب ورد عليه من الوزير يعقوب بن كلس ، فتحير بكجور ، وما زال بشارة والي طبرية يتوسط لبكجور في ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير ، فسار إلى القابون ، ثم تسلم البلد بعد أمور .
ورحل بلتكين أول رجب وفي نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلس لمعارضته له في ولاية دمشق ، فعمل على كاتبه ابن أبي اليهودي حتى قتله بعض الأحداث الذين كانوا مع قسام في غيبته عن دمشق ببلاد حوران ، فعظم ذلك على الوزير ، وأخذ بكجور في ظلم الناس ، وجمع الأموال ، ومخالفة ما يأمر به من مصر ، وبعث غلامه وصيف فأخذ الرقة في سنة ست وسبعين ، فعصى عليه بها .
وأخذ الوزير في قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهموا به ، فلم يتم لهم ، وظفر بهم بكجور ، وقبض على من أراد ذلك ، وقتلهم في شهر رمضان سنة سبع وسبعين ، فازداد حنق الوزير ، وعلم بكجور بما دبره الوزير ، فأخذ يعارضه في ضياعه ، ويهين عماله ، وتحزق بابن أبي العود الصغير ، وكان قد ولى بعد قتل أخيه .
واشتد جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم ، وكثرت مخالفته لما يرد عليه من العزيز ، فخرج إليه منير الخادم من مصر في سنة ثمان وسبعين بعسكر كبير ، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجراح ، فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والي طبرية ، وأنزل ابن الجراح السواد وأطمعه في ضياع الوزير ، وجعله ضد البشارة ، وكاشف بالعصيان
(1/259)

"""""" صفحة رقم 260 """"""
فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة ، وسار إلى عمان ، فسار إليه منير ، وصاروا جميعاً إلى عمل دمشق ، فجمع بكجور بني كلاب ، وبعث منير سرية إلى ابن الجراح وهو في طرف عمل دمشق ، فأوقعوا بقومه ، وغنموهم ، فانهزم .
وكتب منير إلى بكجور : إنا لم نجيء لقتالك ، وإنما جئنا لنخرج ابن الجراح من العمل ، لأنه أفسد وعصى ، فتكون معيناً لنا في هذا الأمر ، لنسير إلى حلب وأنطاكية .
فعلم أن هذا خداع ، وقد اشتد خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم ، وجوره وتعديه لئلا يثوروا به ، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير ، وأقام بالبلد ، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها ، فخاف وبعث إلى منير : أني أسلم البلد وأرحل عنه ، فأجيب إلى ذلك .
ورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجراح يريد الرقة ، وتسلم منير دمشق ، وسير إلى مصر بذلك ، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا ، فبعث العزيز إلى بكجور على لسان الوزير يقول : ما أردنا أن تبرح عن البلد ، وإنما بعثنا إلى ابن الجراح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه ، وما كان لك من الغلات والضياع فهو على رسمه ، أفعل فيه ما أحببت ، فما لنا فيه من حاجة .
فأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولى أمرها ، وبقى بالرقة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله ، ويراسل كرديا قد غلب على ميافارقين يقال له باد ، ويكاتب أبا المعالي سعد الدولة ، واسمه شريف بن سيف الدولة علي بن حمدان بحلب أن يرده إلى حمص ، فولاه حمص ، فبعث من يتسلمها ، فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلس ، فبعث إلى ناصح الطباخ وهو بعمان أن يسير إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور ، فأسرى إليها وقد حذروا منه ، وخرجوا قادمين بأموالهم ، فأخذهم وسار إلى دمشق ، فبعث بكجور إلى صاحب بغداد فلم ير منه ما يحب ، ووقع بينه وبين أبي المعالي .
(1/260)

"""""" صفحة رقم 261 """"""
سنة سبعين وثلاثمائة
فيها تمكنت حال يعقوب بن كلس مع العزيز ، فأذل كتامة وقهرهم ، وقدم الأتراك ، عزل القائد جوهر عن الوزارة ، وكان العزيز يستشيره في الباطن .
سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
فيها تقدم العزيز إلى بعض من فيه جرأة وشهامة بالتوجه إلى بغداد ، ليسرق السبع الفضة الذي على صدر زبزب عضد الدولة فسار إلى بغداد وسرقه ، فعجب الناس من ذلك .
(1/261)

"""""" صفحة رقم 262 """"""
سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن كلس وعلى الفضل بن صالح وأخوته ، وحمل ما في دورهم إلى القصر ، فكان ما حمل من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار ، واعتقل كل واحد بمفرده ، فارتجت المدينة ، ونهبت الأسواق ، وكانت الدواوين تجلس في دار الوزير ، فنقلوا إلى القصر .
وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البر فبلغت ألف دينار كل شهر ، فأمر العزيز باجرائها على أربابها ، ثم أفرج عنهم بعد شهرين ، وأعيد موجودهم ، وأعيد الوزير إلى وزارته ، ورد إليه المائة ألف دينار التي أخذت له ، وأعيد اسمه إلى الطراز بعد ما محى .
وفيها كان غلاء عظيم عم بلاد الشام والعراق .
وفيها مات هفتكين ، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمه ، فقبض عليه .
ومات القاضي محمد بن الحسن بن أبي الربس .
ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية .
(1/262)

"""""" صفحة رقم 263 """"""
وأما المغرب فإن العزيز بالله بعث في سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن الداعي الخراساني إلى القيروان ، فأكرم إكراما كثيرا ، ثم توجه إلى بلاد كتامة ، فدعاهم ، وعظم عندهم ، حتى ضرب السكة ، وركب في عساكر عظيمة .
ثم بعث العزيز في سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزان ، فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى ، فسبهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو الفهم ، ووكل بهما ، ثم خرج وهما معه في طلب أبي الفهم ، حتى أخذه وقتله شر قتلة ، وأخذه العبيد فشرحوا لحمه وأكلوا كله ، وأمر أبا العزم ورفيقه أن يمضيا إلى مصر ، ويخبرا العزيز بما شاهداه ، فقدما عليه وقالا : رأينا شيئاً . . . . . . . . . . . . . . .
ومن خط ابن الصيرفي : كان رجل من التجار الغرباء ينزل في قيسارية الإخشيد التي
(1/263)

"""""" صفحة رقم 264 """"""
يسكنها البزازون خلف الجامع العتيق ، فقتل في منزله ، وأخذ ماله ، فأصبح رشيق
(1/264)

"""""" صفحة رقم 265 """"""
غلام ميمون دبة صاحب الشرطة السفلى فاعتقل جماعةً من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد ، فشنع الناس عن رشيق أنه دس على الرجل من قتله وأخذ ماله ، ورفع إلى العزيز ذلك ، وأنه اعتقل أبرياء مستورين ، فوقع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة : سلم الله الوزير ، وأبقى نعمته عليه .
هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس ، الوزير سلمه الله يطلع عليها ويتدبرها ، والأمر والله فظيع ، يسوء الأولياء ، ويسر الأعداء ، وبالأمس كنا نضحك من فناخسرو ، واليوم ألجمنا بعار منى علينا في بلد نحن ساكنوه ، والأخبار تسير به في البلدان ، وحسبك بقتل الأنفس في مواضع الأمن والطمأنينة في وسط عمارة المسلمين وتؤخذ الأموال ، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله عز وجل ولا يتقيانه ، والدنيا فانية ، والاجال متقاربة ، وإن أصبح الناس فما يدري أنه يمسي . . . . الله عز وجل . . . . هذه الجرائم . . . . عليه منها يحرم أجره . . . . في . . . . المتغافل عنه ، فوالله لو جرى مثل هذا في بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله فيه ، فكيف تحت كنفنا وفي بلدنا ؟ فليستقص الوزير سلمه الله عن هذه القصة ، ويوتر الله ويوترنا ، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به . فوالله الذي لا إله إلا هو ، وحق جدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما كتبت إلى الوزير سلمه الله هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله جل اسمه ، لكثرة تغافلنا وإهمالنا ، إلى أن صارت المعاملة في الدماء وقتل الأنفس ، فليس على هذا صبر ، ولا بد لك من
(1/265)

"""""" صفحة رقم 266 """"""
الاستقصاء على هذه القصة ، فأوثق الناس إلى أن تنكشف ، فينتقم من فاعلها ، وتبرأ إلى الله تعالى منه .
فليعمل الوزير سلمه الله في ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره ، ولا يتوانى عنه ، فليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله جل وعلا ، وعند عبيده من بعد .
وأنا أقسم على الوزير بحياتي ألا يتوانى عن هذا الأمر ، وليسرع بالفراغ منه ، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مد يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلماً وعدواناً ، والشرط والولاية قد صارت إرثا ، فلينظر الوزير سلمه الله أن يولى الشرطتين إنسانين يخافان الله عز وجل ويتقيانه ، فلا جمع الله ما لهما ، ولا ما يجيء منهما بتقلد ، فقدم ما أمرناك به في الوجوه ، وأظهره في الناس لتطيب أنفسهم ، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا الله فيه رضى ، ولهم فيه صيانة .
والله حسبي ، وعليه توكلي .
والسلام على الوزير ورحمة الله . قال ابن الصيرفي : فنسخ أهل مصر كافةً هذا التوقيع ، وصار الصبيان في المكاتب يعلمونه كما يعلمون الحمد .
وصرف الوزير . . . . . ورشيقا عن الشرطتين .
(1/266)

"""""" صفحة رقم 267 """"""
سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة
في سبع عشر ذي الحجة حدث بالقاهرة ومصر رعد شديد ورياح عاصفة ، فاشتدت الظلمة حتى شنعت ، وظهر في السماء عمود نار ، ثم احمرت السماء والأرض حمرةً زائدة ، وظهرت الشمس متغيرة إلى يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة تسع وسبعين ، وظهر كوكب له ذؤابة فأقام اثنين وعشرين يوماً .
وفيها مات أبو الحسين أحمد أخو طغج في المحرم .
وفي رجب سنة ثمانين
خرج الناس في لياليه على رسمهم في الليل ، ليالي الجمعة وليالي النصف إلى جامع القاهرة عوضا عن القرافة ، فزيد في الوقيد .
وفي يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلة فخطب وصلى .
وفيه خط أساس الجامع الجديد مما يلي باب الفتوح وبدىء بالبناء فيه ، وتحلق الفقهاء الذين يتحلقون بجامع القاهرة فيه ، وخطب به العزيز وصلى يوم الجمعة النصف منه ، وحمل يانس الصقلي صاحب الشرطة السفلى السماط ، وبنيت مصاطب ما بين القصر والمصلى ظاهر باب النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء ، حتى يصل التكبير من المصلى إلى القصر ، وتقدم أمر القاضي محمد بن النعمان بإحضار المتفقهة والمؤمنين ، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها ، وركب العزيز فصلى وخطب .
وفي ذي القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملاً .
وفي النصف منه سارت قافلة الحاج في البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات ، فجلس العزيز للنظر إليهم ، وكانت قافلة عظيمة .
(1/267)

"""""" صفحة رقم 268 """"""
وفيها مات الوزير يعقوب بن كلس يوم الخامس من ذي الحجة ، فكفن في خمسين ثوبا ما بين وشى ، ومثقل ، وشرب ديبقي مذهب ، وجفت كافور ، وقارورتين من مسك ، وخمسين منا ماء ورد ، وصلى عليه العزيز ، فكان ما كفن به وحنط به عشرة آلاف دينار .
(1/268)

"""""" صفحة رقم 269 """"""
وحزن عليه العزيز حزناً شديداً ، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة ، ولا حضر أحد للخدمة وأقام كذلك ثلاثا ، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر ، وأوفى العزيز عنه دينه ، وهو ستة عشر ألف دينار .
وكان إقطاعه في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، سوى الرباع .
واشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار ، سوى ما سوى لابنته ، وهو مائتا ألف دينار .
وفي يوم عرفة حمل يانس السماط ، وصلى العزيز ، وخطب يوم النحر ، ونحر النوق بيده ، ومضى إلى القصر ، ونصب له السماط والموائد ، وفرق الضحايا على أهل الدولة .
وطمع بكجور في أخذ حلب ، فسار ، وجمع له أبو المعالي ابن حمدان ، وواقعه أول صفر ، فانهزم بكجور ، فبعث إليه وسيق له ، فضرب عنقه ثاني صفر وصلبه ، وسار فملك الرقة ، وأخذ ما كان فيها ، وملك الرحبة وعاد .
وبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد ، فجهز عسكرا عليه منجوتكين فيمن اصطنعه من الأتراك ، وأعطاه مالا وسلاحاً ، وولاه الشام ، فبرز إلى منية الأصبع في صفر سنة إحدى وثمانين ، وخلع عليه ، وحمل إليه مائة ألف دينار ومائة قطعة من الثياب الملونة ، وعشر قباب بأغشية ، ومناطق مثقلة ، وأهلة وفرش ، وخمسين بندا ، وعشر منجوقات ، وعشرة أفراس ، فأقام بمنية الأصبغ شهرين وسبعة عشر يوما يخرج إليه العزيز في كل غدوة وعشية ، وينفذ إليه في كل يوم الجوائز والخلع ، ورفع من منية الأصبغ في رابع عشرين جمادى الأولى ، وخلع على ابن الجراح وحمل ، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث شعبان ، فسار وودعه العزيز ، وجد في السير ، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ألف دينار ونيف ، وقدم قبل مسير ابن أبي العود الصغير ، وكان على الخراج بدمشق ، وكاشف بالعصيان ، فسار العسكر إلى الرملة ، ولقيه بشارة والي طبرية ، وكتب إلى والي طرابلس نزال ، وجمع منير رجاله ،
(1/269)

"""""" صفحة رقم 270 """"""
واعتد للحرب ، وسار إليه ، فالتقى مع منير بمرج عذرا ، وكانت الحرب ، فانهزم منير في تاسع عشر رمضان ، وأخذ فحمل إلى منجوتكين ، فشهره على جمل ومعه قرد يصفعه في مائة من أصحابه ، وقائل ينادي : هذا منير لعنه الله ، أصبحت دياره خالية ، وكلابه عاوية ، ونساؤه صائحة ، طاعنته الرماة ، ونازلته الحماة ، هذا جزاء من نافق على الله عز وجل ، وعلى مولانا العزيز بالله .
وأقام منجوتكين في دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم في الناس . ومات أبو المعالي بن حمدان في رمضان ، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من الحمدانية ، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبي المعالي ، فقاتله أشد قتال ، وأقام نحو الشهرين ، ثم عاد إلى دمشق ، وترك معضاد على حمص .
سنة ثمانين وثلاثمائة
فيها طمع باد صاحب ديار بكر في أبي طاهر إبراهيم وأبي عبد الله الحسين ابني ناصر الدولة بن حمدان ، وقاتلهما ، فقتل باذ ، فسار بن أخته أبو علي بن مروان إلى حصن كيفا ، وبه امرأة خاله باد وأهله ، فخدعها حتى صعد إليها ، وملك الحصن وغيره من بلاد خاله ، وجرت بينه وبين ابني ناصر الدولة عدة حروب ، وقدم القاهرة على العزيز بالله ، فقلده تلك النواحي ، وعاد إليها حتى ثار به عبد البر شيخ آمد ، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن دمنة ، واستولى عبد البر على ما بيده ، وزوج ابن دمنة بابنته ، فوثب ابن دمنة على عبد البر وقتله ، وملك آمد .
وكان ممهد الدولة أخو أبي علي بن مروان لما قتل أخوه أبو علي سار إلى ميافارقين وملكها في عدة من بلاد أخيه ، فثار عليه سروة أحد أكابر أصحابه وقتله ، وقتل غالب بني مروان ، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة .
(1/270)

"""""" صفحة رقم 271 """"""
ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
فورد سابق الحاج أول محرم ، فأخبر بتمام الحج ، وإقامة الدعوة للعزيز ، فخلع عليه ، وطيف به المدينة .
ووصل مفرج بن دغفل بن الجراح ، فخلع عليه .
وأمر العزيز بازالة المنكرات ، وهدم مواضعها ، فكسر لرجل واحد خمسون ألف جرة وردت من الصعيد .
وولد لأبي القاسم علي بن القائد الفضل بن صالح ولد ، فبعث إليه العزيز ثلاثين ثوباً فاخرة ، وعشرة أردية ، وعشر عمائم ، وثوبا مثقلا ، ومنديلا طوله مائة ذراع ، ومنديلا دونه ، وخمسمائة دينار ، وحملت إليه السيدة العزيزية مائة ثوب صحاحا من كل فن ، وثلاثمائة دينار ، ومهدين ، أحدهما أبنوس محلى بذهب ، والآخر صندل محلى بفضة مخرقة ، ولهما أغشية ومخاد وثياب وفرش مثقلة .
وركب العزيز لفتح الخليج .
وفي جمادى الآخرة زفت أخت كاتب السيدة العزيزية إلى زوجها بلتكين التركي ، ومعها جهاز بمائة ألف دينار ، سوى صناديق محملة على ثلاثين بغلا ، وعمل له صنيع ذبح فيه عشرون ألف حيوان ، ما بين كبش وخروف وجدي وأوزة ودجاجة وفروج ، ونزلت إليه في عشرين قبة ، وخلع عليه وحمل ، وأقامت عنده خمسة أشهر وأحد عشر يوماً ، ومات .
(1/271)

"""""" صفحة رقم 272 """"""
وفي رجب كان عيد الصليب ، فمنع العزيز من الخروج إلى بني وائل ، وضبط الطرقات والدروب ، فإنه كان يظهر فيه من المنكرات والفسوق ما يتجاوز الوصف .
وبعث العزيز إلى منجوتكين إنعاماً بمائة ألف دينار ، وكان المهرجان ، فسير إليه أيضاً هدايا ، وأهدى خواص الدولة إلى العزيز في المهرجان .
وفي ليلة النصف من شعبان كان الاجتماع بجامع القاهرة .
وفي رمضان صلى العزيز الجمع وخطب بجامعه ، وعليه طيلسان وبيده القضيب ، وفي رجله الحذاء ، وصلى أيضاً بجامع القاهرة وخطب .
واعتل منصور بن العزيز ، فتصدق العزيز على الفقراء بعشرة آلاف دينار ، وحمل السماط للعيد على العادة .
وصلى العزيز صلاة عيد الفطر ، وخطب على رسمه .
وأهدت إليه امرأة من البلدة سبعاً قد ربته ، فكانت ترضعه ولا يصرعها ، وهو في قدر الكبش الكبير .
وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة بكسورة الكعبة والصلات .
واعتل القائد جوهر ، فركب العزيز إليه ، وبعث له خمسة آلاف دينار ، ومزينة بمثقل ، وبعث إليه منصور بن العزيز خمسة آلاف دينار ؛ وتوفي لسبع بقين من ذي القعدة ، فكفن في سبعين ثوباً ما بين مثقل ووشى مذهب ، وصلى عليه العزيز ؛ وخلع على ابنه الحسين ، وجعله في رتبة أبيه ، ولقبه القائد ابن القائد ، ولم يعرض لشيء مما تركه .
ومن بديع توقيعات القائد جوهر ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتاب بصائر القدماء قال : كتب جوهر عبد الفاطمي بمصر موقعاً في قصة رفعها أهلها إليه :
(1/272)

"""""" صفحة رقم 273 """"""
سوء الاجترام ، أوقع بكم حلول الانتقام ، وكفر الإنعام ، أخرجكم من حفظ الذمام ، فاللازم فيكم ترك الإنجاب ؟ واللازم لكم ملازمة الاجتناب ، لأنكم بدأتم فأسأتم ، وعدتم فتعديتم ، فابتداؤكم ملوم ، وعودكم مذموم ، وليس بينهما فرجة تقتضي إلا التبرم بكم ، والإعراض عنكم ، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم .
وحملت أسمطة عيد النحر على العادة ، وصلى العزيز بالناس صلاة العيد ، وخطب ، ثم نحر بالقصر ثلاثة أيام ، وفرق الضحايا . وفي غد يوم النحر وصل منير الخادم من دمشق ، فشهر على جمل بطرطور طويل ، فخرجت الكافة للنظر إليه ، ومعه سبعمائة رأس على رماح فطيف به ، ثم خلع عليه وعفى عنه .
وعمل عيد الغدير على رسمه .
وضرب رجل وطيف به المدينة ، من أجل أنه وجد عنده موطأ مالك رضي الله عنه .
وفي تاسع عشره جلس علي بن عمر العداس بالقصر ، فأمر ونهى ، ونظر في الأموال ، ورتب العمال ، وتقدم أن لا يطلق لأحد شيء إلا بتوقيعه ، ولا ينفذ إلا ما قدره وأمر به ألا يرتفق ولا يرتزق ولا تقبل هدية ولا يضيع دينار ولا درهم .
وفيها كان بدمشق زلزلة عظيمة سقط منها ألف دار ، وهلك خلق كثير ، وخسف بقرية من قرى بعلبك ، وخرج الناس إلى الصحارى ؛ وكان ابتداؤها في ليلة السبت سابع عشر المحرم ، وخرج الناس إلى الصحراء ؛ ولم تزل الزلازل تتابع إلى يوم الجمعة سابع عشر صفر بلاءً .
(1/273)

"""""" صفحة رقم 274 """"""
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة
فورد سابق الحاج بتمام الحج ، وإقامة الدعوة للعزيز بالموصل واليمن ، وضربت السكة باسمه في هذه البلاد .
وقدم رسول القرامطة بأنهم في دعوة العزيز ونصرته .
وفي صفر سير إلى منجوتكين خمسون حملاً من المال ، وأربعون حملا من ثياب محزومة ، وخزانة سلاح ، وخمسمائة فارس .
وقدمت قافلة الحجاج في سابع عشره .
وجرى في الأسعار ما يعجب منه ، وهو أن اللحم أبيع في أول ربيع الأول رطل ونصف بدرهم ، ثم أبيع في سادسه عشر أواقى بدرهم ، ثم أبيع أربعة أرطال بدرهم ، ولحم البقر ستة أرطال بدرهم ، والخبز السميذ اثنا عشر رطلا بدرهم ، وما دونه سبعة عشر رطلا بدرهم ، والدراهم كل خمسة عشر درهما ونصف بدينار ، وبلغت القطع الدراهم سبعة وسبعين درهما بدينار ، ثم وصلت كل مائة درهم منها بدينار ، واضطربت الأسعار والصرف ، فضربت دراهم جدد ، وبيعت القطع المسبك كل خمسة دراهم منها بدرهم جديد ، وكان على الدرهم الجديد : الواحد الله الغفور .
(1/274)

"""""" صفحة رقم 275 """"""
وفي الوجه الآخر الإمام أبو المنصور .
وفي ربيع الآخر ورد الخبر بفتح منجوتكين حمص وحماة وشيزر ، وأنه محاصر لحلب ، فجعل الطائر الذي قدم بالخبر في قفص عليه ثوب ديباج وطيف به القاهرة ومصر .
وسعى بعض النصارى بالكتاب إلى العزيز فانكف عيه وهدد ، فقيل إنه جائع ، فرتب في كل شهر عشرون دينارا ، ونهى عن العود لمثل ذلك ، فخاف السعاة وانكفوا .
وخلع القاضي محمد بن النعمان على مالك بن سعيد الفارقي ، وقلده قضاء القاهرة ، فركب بالخلع وشق الشارع إلى القاهرة .
وفي جمادى الأولى ورد الخبر على جناح الطائر بأن سعد الدولة شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بذل لمنجوتكين ألف ألف درهم ، وألف ثوب ديباج ، ومائة فرس مسرجة ، ليرحل عنه ، فامتنع ، وقدم الروم فواقعهم منجوتكين ، وقد استخلف على قتال حلب عسكرا ، وكان منجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا ، والروم في سبعين ألفا ، وانهزم الروم عند جسر الجديد ، وأخذ سوادهم ، وقتل منهم وأسر كثير ، فقرأ العزيز الكتاب بنفسه على الناس ، ونزل القاضي محمد بن النعمان فقرأه على الكافة فوق المنبر بالجامع العتيق ، وقال في كلامه : فاحمدوا الله أيها الناس ، فإن الله تعالى قد صانكم وصان أموالكم بمولانا وسيدنا الإمام العزيز بالله عليه السلام ، فما بالعراق تاجر معه عشرة دنانير أو أكثر إلا وتؤخذ منه .
وسقط الطائر بعده بأن منجوتكين غنم غنيمة عظيمة من الأموال والرجال والدواب ، وأنه ظفر بعشرة آلاف أسير فأخذهم ، وأنهم قاتلوا معه وهو محاصر للروم في أنطاكية ، فقرأ القاضي الكتاب على المنبر ، وتصدق العزيز بصدقات كثيرة .
وسقط الطائر بوصول منجوتكين إلى مرعش ، وعاد إلى حلب .
وركب العزيز لفتح الخليج بالمظلة ، وعليه قميص ديباج مثقل ، وتاج مرصع بالجوهر .
(1/275)

"""""" صفحة رقم 276 """"""
ولأربع عشرة خلت من رجب كان عيد الصليب ، فجرى الناس في الاجتماع فيه للهو على ما كانوا عليه .
وسقط الطائر بعود منجوتكين عن حلب إلى دمشق ليشتى بها .
وردت الحسبة إلى حميد بن المفلح ، وخلع عليه ، فطاف البلد بالطبول والبنود ، وضمن ضياعا بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار ليقوم بالعلف .
وخطب العزيز في رمضان في جامع القاهرة ، وصلى ، وركب يوم الفطر فصلى بالناس ، وخطب على الرسم .
وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة .
ونودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال كي لا يدنسوا ثياب الناس . وعمل سماط عيد نحر ، وركب العزيز فصلى بالناس صلاة عيد النحر ، وخطب على رسمه ، ونحر ، وفرق الضحايا .
وعمل عيد الغدير على العادة .
وفيها سار بكجور من الرقة إلى قتال سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بحلب ، فاقتتلا ، وانهزم بكجور ، ثم قبض عليه ، وحمل إلى سعد الدولة أسيراً فقتله .
وفيها كتب العزيز سجلا بولاية العهد بالمغرب لأبي مناد باديس بن منصور بن زيرى بعد أبيه ، فسر بذلك أبوه .
(1/276)

"""""" صفحة رقم 277 """"""
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
في المحرم ردت الحسبة إلى الوبرة النصراني ضمانا مع السواحل ، فأمر أبو محمد الحسن ابن عمار بالنظر في الظلامات وحوائج الناس ، وتدبير الأموال ، ومحاسبة أرباب الدواوين ، فجلس لذلك ، ثم أعفي منه ، وأمر القائد الفضل بن صالح بالجلوس لذلك ، فجلس بالقصر ومعه القاضي محمد بن النعمان .
وقدم سابق الحاج فخلع عليه ، وطيف به .
ومحرج العزيز إلى الجيزة لصيد سبع ، وعاد وهو بين يديه على بغل وظهر بمصر جراد لم يعهد مثله ، فبيع بالأسواق منه شيء يجل عن الوصف ، وكان يباع أربعة أرطال بدرهم .
ووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر .
وعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك ، وابتدىء فيه بمصروف مؤونته ومطابخه وموائده فحذفه ، ولعن من عمله ، وقال : أشبع أنا وتجوع الناس ، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار ، فقد كدت أن أعطل المائدة وفي أول ربيع الأول أمر العزيز الكتاب كلهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو الفضل جعفر ابن الفرات ، فركبوا إليه ، وأمر ونهى ، وتكلم في الدواوين .
وكانت وقعة في البحر مع الروم بنواحي الإسكندرية ، وأسر فيها من الروم سبعون .
وأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء ؛ ووقود المصابيح على الدور وفي الأسواق وقرىء سجل بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حق طبع ، وألا يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا .
(1/277)

"""""" صفحة رقم 278 """"""
ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية ، فسار إليها العسكر في البر ، والأسطول في البحر ، فولوا من غير حرب إلى الشام ، فسار الأسطول إليهم ، وزيد فيه ثمانية عشر مركبا ، مشحونة بالسلاح والمقاتلة .
وذكر عند العزيز كتاب العين في اللغة ، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من خزانته ، منها واحد بخط الخليل بن أحمد مؤلفها .
وحملت إليه نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار ، فأمر الخزان فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة ، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه .
وذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة وفيها ركب العزيز لفتح الخليج بزيه .
وظهر رجل من الرسيين يقال له القاسم بن علي يطلب الخلافة بأعمال الحجاز .
وفي جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب ، وهي : مائة وخمسون فرساً .
وخمس عشرة بغلة مسرجة .
ومائة وثمانون فرسا ذكورا .
وخمسون حجرة .
وخمسون بغلة بأجلة .
وثلاثمائة بغل بأكف ، منها مائة بغل تحمل صناديق المال .
وخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر وغيره ، وثلاثمائة عليها أحمال المال .
(1/278)

"""""" صفحة رقم 279 """"""
وكلاب الصيد .
وخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز ، وعشرون فرسا بأجله .
وخمسة عشر خادما صقالبة .
وجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة ، وسارت العساكر بين يديه قبيلة قبيلة ، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم في كل سنة .
وحضر الفقهاء وغيرهم في رجب بجامع القاهرة في ليالي الجمع ، وفي ليلة النصف على العادة .
وفي تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له ، ومرت العساكر بالخيل والجواشن والخوذ ، فمروا قائداً قائداً ، كل واحد بعسكره في حجابه وشاكريته وبنوده ، وكانوا مائة وستين قائدا ، فيهم من عسكره ثلاثة آلاف إلى ألفين ، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر .
واستعفى جعفر بن الفرات من النظر في الأموال ، فأعفى وحوسب ، وضمن عدة من الكتاب القيام بوجوه الأموال ، وألزم ابن الفرات بمال .
وخطب العزيز في رمضان بجامعه ، وصلى بالناس صلاة الجمعة ، ومعه ابنه منصور ، فجعلت المظلة على الأمير منصور بن العزيز ، وصار العزيز بغير مظلة ، وصلى أيضاً صلاة عيد الفطر ، ومعه ابنه على الرسم .
وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة للكعبة والصلات ، فخرج حاج كبير ، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل ، وبلغت النفقة على الكسوة والصلات ثلاثمائة ألف دينار . ووصل البقط من النوبة إلى العادة ، ومعهم فيل وزرافة .
(1/279)

"""""" صفحة رقم 280 """"""
وفيها كثر بخس الباعة في البيع من المكاييل والموازين ، فكتب سجل في الأسواق بالنهي عن ذلك ، وخوفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ثلاث وفيها عيب حلت به العقوبة ، كائناً من كان من ساكن في عقار الدواوين الخاصة والأملاك أو في رباع أحد من خواص الدولة ، أو ظهر عليه بأنه بخس الناس أو غش .
وحمل سماط العيد ، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيه ، وفرق الضحايا ونحر .
وخرج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار ، فألزم بذلك ، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها ، فأصابه عنت عظيم .
وعمل عيد الغدير على العادة .
وفي هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها في سلخ جمادى الآخرة ، فأظلمت الدنيا وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفه ، ثم انجلى الكسوف آخر النهار .
وفيها حمل من تنيس صبي يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قط ، فاعتبر حاله بها فكان كذلك ، وسقي أدوية مدرة للبول فلم يبل ، فأحسن غليه ، وأعيد إلى تنيس ، وأقام بها مدةً حتى مات .
(1/280)

"""""" صفحة رقم 281 """"""
سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
في المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسني أمير مكة بالقاسم بن علي الرسي الثائر بالحجاز ، فأكرمهما العزيز ، وأحسن إليهما .
ووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر .
ونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب ، وعلى الصبي شاشية مرصعة ، وبين يديه أسطال فضة ، وثلاثون شمعة موكبيه ، وشمع معنبر ، فشق الشارع نهاراً إلى الكنيسة .
وفي ربيع الأول جلس منصور بن العزيز في المكتب .
وورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة ، والجمال ، فخلع عليه وحمل .
وفيه حمل إلى القصر بستان من فضلة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع الأزهار ، كل ذلك من فضة .
وفي ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق في ثلاثين ألفاً لقتال ابن حمدان بحلب ، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية ، فأقام بفامية ، وسير إلى ما حول أنطاكية من القرى فأخربها .
ثم رحل عنها لكثرة الحر والذباب إلى جبلة ، فأخذها وما حولها ، فنال منها شيئا كثيرا .
وسار إلى حلب ، فحاصرها نحوا من شهرين ، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان بحلب ، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب ، فبرز إليهم منجوتكين ، وواقعهم فهزمهم ، وقتل منهم نحو خمسة آلاف ، ومضى من بقي منهم إلى إنطاكية ، وذلك في شعبان .
(1/281)

"""""" صفحة رقم 282 """"""
فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين ، فنزل على حلب ، وضايق أهلها بالحصار والقتال : حتى أكلوا الميتة من الجوع ، وخرج منها خلق كثير إلى منجوتكين ، وأقام على حصارها بقية السنة .
وفي جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير ، فزينت القاهرة ومصر أعظم زينة ، وركب العزيز وابنه منصور ، وشقا الشوارع ، ثم ركب في عشاري ، ومعه العشاريات سائرة إلى المقس ، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان يوما عظيما لم ير بمصر مثله ، وقال فيه الشعراء .
وفي جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم الثائر .
واشتدت المطالبة على ابن الفرات ، وأحيل عليه بمال ، فأعنته المحتالون عليه ، ولحقه منهم مكروه ، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه ، وامتدت أيديهم إليه ، فالتجأ إلى دار القائد أبي عبد الله الحسين بن البازيار ، فأصلح قضيته .
وجهزت هدية إلى ابن زيري بالمغرب ، وهي : فيل .
ومائة فرس مسرجة ملجمة .
(1/282)

"""""" صفحة رقم 283 """"""
وبغال ونوق ، وبخاتى .
وثلاثون قبة مثقلة .
وأحمال محزومة ، فيها بز وكسوة من عمل تنيس ودمياط وغيره .
وبلور ، وصيني ، وغرائب .
وعشر خلع مذهبة بمناديلها .
وعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب .
وركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتي دينار إلا بعد عرضها على من يلي ديوان الأملاك .
وورد سبكتكين من صقلية ، فخلع عليه ؛ ووردت هدية متولي صقلية ، وهي : خيل ، وجمال ، وصناديق مال .
وصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه ، ومعه ابنه في أيام الجمع من شهر رمضان ، وعمل في آخره سماطاً للعيد ، وصلى العزيز بالناس صلاة عيد الفطر ، وخطب على الرسم .
وتسلم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين ، ونظر في جميعها ، وأمر ونهى ، وخاطب سائر الكتاب عن العزيز ، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس في مهماتهم وتوقيعاتهم . وقدم يحيى بن النعمان من تنيس ودمياط والفرما بأسفاط وتخوت وصناديق مال ، وخيل وبغال وحمير ، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة .
ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة ، فنصب له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب بصفرية فضة ، وفازة مثقل ، وقبة مثقل بالجوهر ،
(1/283)

"""""" صفحة رقم 284 """"""
وضرب لابنه منصور مضرب آخر ، وعرضت العساكر ، فكانت مائة عسكر ، وأحضرت أسارى الروم ، وهم مائتان وخمسون ، منهم ثماني بطارقة ، وثمانية عشر من أصحاب ابن حمدان : وطيف بهم ؛ وخلع على الحمدانية ، فكان يوما عظيما .
وسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات .
وصلى العزيز صلاة عيد النحر وخطب بالمصلى على رسمه ، ونحر وفرق الضحايا .
وجرى الرسم في عيد الغدير على العادة .
(1/284)

"""""" صفحة رقم 285 """"""
سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
في المحرم ورد سابق الحاج ، وأخبر أنه لم يحج سوى أهل مصر واليمن .
وحضر العزيز لمنجوتكين مائة ألف دينار وعسكرا يتبع بعضه بعضا .
وورد البقط من النوبة .
ووصل الحاج في ثامن صفر .
وجلس في ربيع الأول القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر لقراءة علوم آل البيت ، وحضره الناس ، فمات في الزحام أحد عشر رجلا .
ووردت من منجوتكين أسرى من الروم والحمدانية ، وعدة رءوس ، فعفا عن الحمدانية ، وطيف بمن عداهم .
وورد من برقة أربعة وأربعون صندوقا على اثنين وعشرين جملا فيها المال .
وبعث مفرج بن دغفل الجراح برجل من أعمال الشام ، زعم أنه السفياتي ، فشهر على جمل وهو يصفع .
وفي ربيع الآخر ورد الخبر بوصول الروم إلى أنطاكية ، فأخرجت مضارب العزيز إلى منية الأصبغ ، وذلك أن منجوتكين لم يزل محاصراً لابن حمدان بحلب من شعبان سنة أربع إلى ربيع الأول من هذه السنة ، حتى أشرف على أخذ البلد ، وراسل ابن حمدان يرد على ملك الروم بما هو فيه .
وكانت في هدنة الروم وبني حمدان أنه إن جاء إلى حلب عدو يدفعه ملك الروم ، فخاف بسيل ملك الروم من العزيز أن يتمكن عساكره من حلب ، فيأخذ أنطاكية من الروم ، فجمع نحو أربعين ألفا ، وسار من قسطنطينية ، فكد أصحابه في السير ، والجنائب والبغال تتقطع ، حتى وصل إلى أعزاز في سبعة عشر يوما ، وهي مسافة شهرين لسير الاتصال ، وقد تقطع
(1/285)

"""""" صفحة رقم 286 """"""
أصحابه حتى بقى في سبعة عشر ألفا ، فأنفذ إلى ابن حمدان يعلمه بنزوله أعزاز ، وكان قد وكل بالدروب والمضائق ، ومنع أن يخرج أحد من بلاده حتى يخفى خبر مسيره على منجوتكين ، فيأخذه على غفلة ، فلما بعث إلى ابن حمدان يعلمه بأنه قد نزل بنفسه أعزاز فأقيموا الحروب مع منجوتكين من الغد حتى . . . . وهو في الحروب .
وكانت هذه الرسالة مع رجلين من قبله ، فلقيهما رجل من أصحاب منجوتكين في الليل فسألهما : من أين جئتما ؟ .
فظناه من الحمدانية ، فأخبراه ، فقبض عليهما ، وأتى بهما إلى منجوتكين ، فأخبراه أن بسيل ملك الروم على أعزاز ، فلما أصبح طرح النار في خزائن السلاح ، وفي بيوت وحوانيت كان قد بناها عسكره ، فاحترقت ؛ ورحل في آخر ربيع الأول إلى دمشق ، ووقع الصارخ في الناس بأن منجوتكين قد انهزم عن حلب ، وأن عسكر الروم يطلبه ، فهرب الناس من المدن والقرى ، من دمشق إلى حلب ، وغلت الأسعار ، وكانت أيام الحصاد ، فترك الناس غلالهم ودورهم .
وسار ملك الروم ، فنزل إلى حلب ، واجتمع بابن حمدان ، ثم سار عنها إلى فامية ، وبها طائفة من عسكر منجوتكين ، فقاتلهم يوما واحدا ، ثم سار فنزل على طرابلس ، وراسل أهلها ، ووعدهم بالإحسان إن يثبتوا على ما يكون بينهم وبينه من العهد ، فخرج إليه ابن نزال والي البلد ليوافقه على أمر ، فاجتمع أهل البلد على أن ينصبوا أخاه مكانه ، ويمنعونه من الدخول ، ولا يسلموا البلد إلى الروم ، فلما رجع منعوه من الدخول ، فصار إلى ملك الروم .
وصار ملك الروم عن طرابلس ، فنزل على انطرسوس وهي خراب ، فعمر حصنها ، وجعل فيه أربعة آلاف ، وسار إلى انطاكية ، فكثرت فيه الاعلال ، فسار بمن معه إلى القسطنطينية .
(1/286)

"""""" صفحة رقم 287 """"""
وخرج منجوتكين من دمشق في شوال ، فنزل على انطرسوس ، فأقام يقاتل من فيها نحوا من شهر ، ثم عاد إلى دمشق . وأخذ العزيز لما بلغه مسير ملك الروم إلى بلاد الشام في التأهب للمسير ، وأطلق خمسين ألف دينار لابتياع ما يحتاج إليه ، وأخرج للكتاميين أربعة آلاف فرس ، وأمر أن يشتري لهم ألف فرس أخرى ، وأخرج الفازة الكبيرة وهي بعمود واحد طوله أربعة وأربعون ذراعا ، وفتح الفلكة التي على رأسه سبعة عشر شبرا ، وطول ثيابها خمسون ذراعا ، وفي رأسها صفرية فضة زنتها سبعة عشر ألف درهم ، ويحمل هذه الفازة سبعون بختيا .
وقرئ سجل في الأسواق بالنفير فاضطربت البلد .
ووصلت هدية من الهند فيها شجرة عود رطب .
وظهر بمصر من الوطواط شيء كثير .
واجتمع من الرعية وطوائف الناس بالسلاح للسفر مع العزيز ألوف كثيرة ، وخرج جيش ابن الصمصامة في عسكر كبير إلى الشام ، وسير لابن الجراح خمسون ألف دينار ، ولمنجوتكين مائة ألف وخمسون ألف دينار .
وخرج العزيز بسائر العساكر إلى منية الأصبغ في عاشر رجب ، فأقام شهراً ثم رجع إلى منا جعفر ، وقتل هناك الذي زعم أنه السفياني .
وأحصيت الخيول التي سارت مع العزيز في اسطبلاته فكانت اثني عشر ألفا ، والجمال
(1/287)

"""""" صفحة رقم 288 """"""
المحملة للعزيز ولوجوه خاصته فكانت ثلاثين ألفا ، سوى ما هو مع وجوه الدولة ، وحملت الخزانة السائرة على عشرين جملا سوى خزائن الوجوه والخاصة ، وكان معه من المال خمسة آلاف جمل ، على كل جمل صندوقان كبيران مملوءان مالا ، وألف وثمانمائة بختية وبختي ، على كل واحد صندوقان في كل منهما مثل ما في الصندوقين المحمولين على الجمل .
وخرج خلق من التجار ووجوه الرعية مرتين إلى العزيز يسألونه المقام ، وأن لا يخرج من مصر ويسير العساكر ، فشكرهم ، وقال : إنما أسير لنصرة الإسلام والذب عن بلدانه ، وصيانة أهله .
فقدم رسول ملك الروم يخبر بوصوله إلى بلده ، ويعتذر عن مسيره ، ويسأل الهدنة ، فأجيب إلى الصلح .
وورد كتاب ابن حمدان يسأل فيه العفو وأن يقر على عمله ، فأجيب بالعفو عنه ، وخلع على رسوله ، وحمل .
ونودي في رمضان بالقاهرة ومصر : من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق الكثير .
وأنفذت العساكر لحفظ الأطراف .
وسير إلى الإسكندرية والصعيد بالعساكر .
وصلى منصور بن العزيز بالناس صلاة عيد الفطر ، وخطب بمنا جعفر على رسم أبيه وزيه ، وعليه المظلة والجوهر .
وفي نصف شوال ماتت أم ولد العزيز وزوجته بمنا جعفر فحملت إلى القصر ، وصلى عليها العزيز ، وكفنها بما مبلغه عشرة آلاف دينار ، وأخذت الغاسلة ما كان تحتها من الفرش وعليها
(1/288)

"""""" صفحة رقم 289 """"""
من الثياب ، فكان مبلغ ما نالها ستة آلاف دينار ، ودفع إلى الفقراء ألفا دينار ، وللقراء الذين قرأوا على قبرها ثلاثة آلاف دينار .
ورثاها جماعة من الشعراء فأجيزوا ، ففيهم من كانت جائزته خمسمائة دينار .
ورجع العزيز إلى مضاربه ، وأقامت ابنتها على قبرها شهراً تقيم العزاء ، والعزيز يأتيها كل يوم ، والناس تطعم كل ليلة أصناف الأطعمة والحلوى ، وفرق في الشعراء ألفي دينار .
وسارت قافلة الحاج بالكسوة والصلات في سادس عشر ذي القعدة .
وتوفيت أم العزيز ، فرجع العزيز إلى القاهرة ، وصلى عليها ، وأمر بالصدقة ، ورجع إلى مضاربه .
وصلى العزيز بالناس صلاة عيد النحر وخطب في مضاربه ونحر
(1/289)

"""""" صفحة رقم 290 """"""
سنة ست وثمانين وثلاثمائة
في محرم ورد سابق الحاج ، فخلع عليه بالمخيم ، وقدم الحاج لثمان بقين من صفر .
وفي ربيع الأول جهزت المراكب الحربية ، وأشحنت بالمقاتلة .
وفي العشرين منه رفع العزيز إلى غيفة فنزل بالعقارية بعد أن أقام في مناخه أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوماً ، فأقام بها ليلة ، ورفع إلى بلبيس فنزل بظاهرها .
ونودي في البلد لا يتأخر أحد عن المسير في الأسطول ، فوقعت في الأسطول نار ، فاحترق وقت صلاة الجمعة لست بقين من ربيع الآخر ، فأتت على ما فيه من عدة وسلاح ، حتى لم يبق منه غير ست مراكب ، لا شيء فيها ، فاتهم بذلك الروم الأسارى ، وكانوا في دار بجوار الصناعة بالمقس ، فنهبتهم العامة ، وقتلوا منهم مائةً وسبعة أنفس .
وحضر عيسى بن نسطورس ويانس الصقلبي متولي الشرطة إلى الروم ، فاعترفوا بأنهم أحرقوا الأسطول ، فكان ما ذهب في النهب نحو تسعين ألف دينار ، فنودي برد النهب ، وتوعد عليه .
وشرع عيسى بن نسطورس في إنشاء اسطول جديد ، وظفر بعدة من النهابة ، فقتل بعضهم ، وحبس بعضهم بعد الضرب الشديد ، فأحضر كثير مما نهب .
ووردت غزاة البحر بمائتي أسير وعشرين أسيرا طيف بهم البلد . ووصل من برقة ستون فرسا ، منها عشرة بسروجها ولجمها ، وعشرون بغلة عليها صناديق المال ، وخمسمائة جمل عليها قطران وغيره ، وعدة من صبيان وعلوج من السبر ؟
(1/290)

"""""" صفحة رقم 291 """"""
ونزع السعر ، فمنع من بيع القمح لغير الطحانين ولخمس بقين من رجب ابتدأ بالعزيز المرض ، فأقام به إلى ثامن عشرين رمضان ، فاستدعى القاضي محمد بن النعمان والحسين بن عمار لليلتين بقيتا منه ، وخاطبهما في أمر ولده ، ثم استدعى ولده وخاطبه .
ثم توفي من يومه بين صلاتي الظهر والعصر من مرض القولنج والحصاة في مسلخ الحماد ببلبيس ، فلم يكتم موته .
ورحلت سيدة الملك ابنة العزيز في الليل ، وسار بمسيرها القيصرية لأنهم كانوا برسمها ، ومعهم القاضي محمد بن النعمان ، وريدان صاحب المظلة ، وأبو سعيدا ميمون دبة ، فوافوا القاهرة ، وأقيم المأتم والصياح بالقصر ، وضبط الناس أحسن ضبط ، فلم يتحرك أحد ، ولم يبق شارع ولا زقاق . إلا وفيه صراخ ونحيب .
وبادر برجوان إلى أبي علي منصور بن العزيز فإذا هو على شجرة جميز يلعب في دار ببلبيس ، فقال له : بسك تلعب ؟ انزل .
فقال له : ما أنزل والله الساعة .
فقال له : انزل ، ويحك الله فينا وفيك ، وأنزله ، ووضع على رأسه العمامة بالجوهر وقبل له الأرض ، وقال : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .
وأخرج به إلى الناس ، فقبل جميعهم له الأرض ، وسلموا عليه بالخلافة .
وخرج الناس من الغد للقائه ، فدخل إلى القاهرة ، وبين يديه البنود والبوقات بالمظلة يحملها ريدان ، والعساكر كلها معه ، والعزيز بين يديه على عمارية ، وقد خرج قدماه منها ونودي في البلد :
(1/291)

"""""" صفحة رقم 292 """"""
لا مؤنة ولا كلفة ، وقد أمنكم الله على أنفسكم ، فمن عارضكم أو خاطبكم فقد حل دمه وماله .
وتولى القاضي ابن النعمان غسل العزيز ، ودفن مع آبائه في تربة القصر بعد عشاء الأخيرة .
وأصبح الناس والأحوال مستقيمة .
وقد لقب أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله . فاتفق كل المغاربة واشترطوا أن لا ينظر في أموالهم إلا ابن عمار .
وباتوا ليلة العيد وأصبحوا يوم الفطر ، فصلى بالناس القاضي محمد بن النعمان ، وهو متقلد للسيف ، فعندما صعد المنبر قبل موضع جلوس العزيز وبكى ، فضج الناس بالبكاء والنحيب ، وخطب فندب العزيز وبكاه ، ودعا للمحاكم ، وعاد إلى القصر ، والعساكر صفين من المصلى إلى باب القصر ، فحضر الحاكم اسماط .
وكانت مدة العزيز في الخلافة بعد أبيه المعز إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ونصف ، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة ، وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما .
وكان نقض خاتمه : بنصر العزيز الجبار ، ينتصر الإمام نزار .
وخلف من الولد : ابنه منصورا ، وسيدة الملك وولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة .
وكان أسمر طوالا ، أصهب الشعر ، أعين ، أشهل ، عريض المنكبين ، شجاعاً ، حسن العفو والقدرة ، لا يعرف سفك الدماء ، حسن الخلق ، قريباً من الناس ، بصيراً بالخيل وجوارح الطير ، محباً للصيد ، مغرىً به ، حريصا على صيد السباع خاصة .
ووزر له : يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما .
(1/292)

"""""" صفحة رقم 293 """"""
ثم أبو الحسن علي بن عمر العداس بعد ابن كلس سنة واحدة ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة .
ثم أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر .
ثم أبو محمد بن عمار شهرين .
ثم الفضل بن صالح أياما .
ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر .
وكانت قضاته : أبو طاهر محمد بن أحمد .
ثم أبو الحسن علي بن النعمان .
وكانت خرجاته إلى السفر : أولها ثامن صفر سنة سبع وستين ، ثم عاد من العباسة .
والثانية سار إلى الرملة ، وظفر بأفتكين التركي .
والثالثة سار إلى مضربه بعين شمس في صفر سنة اثنتين وسبعين ، ورجع منه بعد شهر والرابعة نزل منية الأصبغ في ربيع الأول سنة أربع وسبعين ، ثم عاد بعد ثمانية أشهر واثني عشر يوما .
والخامسة برز في عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين ، فأقام مبرزاً أربعة عشر شهراً وعشرين يوما ، وفيه مات .
وهو أول من اتخذ من أهل بيته وزيراً أثبت اسمه على الطرز ، وقرنه باسمه .
وأول من لبس منهم الخفتان والمنطقة .
(1/293)

"""""" صفحة رقم 294 """"""
وأول من اتخذ منهم الأتراك ، واصطنعهم ، وجعل منهم القواد .
وأول من رمى منهم بالنشاب .
وأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك ، وضرب بالصوالجة ، ولعب بالرمح . وأول من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان ، يفطر عليها أهل الجامع العتيق .
وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان واتخذ الحمير لركوبه إياها .
وتجدد في أيامه من العمائر : قصر الذهب بالقاهرة .
وجامع القرافة .
وجامع القاهرة . المعروف بجامع الحاكم وبستان سردوس .
والفوارة بالجامع العتيق .
(1/294)

"""""" صفحة رقم 295 """"""
والقصور بعين شمس .
والمصلى الجديد بالقاهرة .
وحصن الرسيين .
والمنظرة على الخليج .
وقنطرة الخليج القديمة التي بناها عبد العزيز بن مروان وقنطرة بني وائل .
والحمامات التي بالقاهرة .
ودار الصناعة التي بالمقس .
والمراكب مما لم ير مثله قبله كبرا ووثاقة وحسنا .
وهو أول من ركب في الجمع شهر رمضان وصلى بالناس .
وأول من بنى دار الفطرة ، وقرر فيها ما يحمل إلى الناس في العيد .
وبلغت عدة جواريه عشرة آلاف جارية .
وبلغ راتب مطبخه ومائدته في كل يوم مالا عظيما ، فلم يكن أحد من الأتراك والعبيد إلا وله وظيفة راتبة كل يوم .
(1/295)

"""""" صفحة رقم 296 """"""
وكان يعلف له من الخيل في كل يوم والبغال والحمير والجمال عشرون ألف رأس ، منها لركوبه ألف فرس ، سوى البغال .
وقال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن مهذب : قال : كتب أبو جعفر محمد ابن حسين بن مهذب صاحب بيت المال إلى العزيز : يا مولانا صلى الله عليك : ربما سألني أهلي وكتابي وبعض الكتاب المتصرفين من عبيد الدولة الموثوق بهم في قرض مال ، ومالي لا يحتمل ذلك ، ومال مولانا فلا تبسط فيه يدي إلا بإذنه ، وقد كتبت هذه الرقعة إلى مولانا أستأذنه فيما أعول عليه .
فوقع العزيز عليها : يا محمد : سلمك الله ، من أتاك من أهلك وكتابك وخزانك والمتصرفين معك ، ومن سائر عبيدنا والمتمسكين بأذيالنا يطلب منك سلفا ، ورأيت منه ما يدل على صحة ما شكاه من ضرورته ، وعلمت صدقه في ديانته ، فادفع إليه ما رأيته ، وخذ منه خطه ، ولا تطلب منه ؛ فإن رده إليك عفوا من ذات نفسه ، فخذ منه ؛ وإن لم يرده إليك ، وعلمت أن يده لا تصل إلى رده ، فاعذره في تأخير ما قبضه ؛ وإن طلب زيادةً زدته على شرطه ، واسكت عن طلبه ؛ ومن عرفت أنه قادر على رد ما قبضه ، ولم يعده إليك ، فأمسك عن طلبه ، وامنعه من مثله .
وأنفذ العزيز إلى أبي عبد الله حسين بن البازيار ببلبيس وقد اشتد به الوجع ، فبكى رأه ، فقال له العزيز : تبكي يا حسين ؟ لا تبك علي الساعة ، ولكن إذا ضرب مولاك الأمير ابني بيده على لحيته فابك البكاء الطويل إن قدرت .
فلما كان في سنة أربع وتسعين قتل الحاكم ابن البازيار عند خروج لحيته .
وكان رشيق الحمداني يقول عن الحاكم : هذا يقتلني .
فسئل عن ذلك ، فقال :
(1/296)

"""""" صفحة رقم 297 """"""
دخلت على العزيز وهو مطرق كأنه يخاطب نفسه ، فبعد وقت رفع رأسه ، وقال : أي وقت جئت ؟ فقلت : من ساعة .
فقال : كنت مفكرا في قوم أشجو صدري ، وملأوا بالغيظ قلبي ، ولا أدري ما أعمل .
فقلت : يا مولانا ابعث إليهم فاقتلهم .
فقال : ما هذا يكون بيدي ، ولكنه والله سوف يجيء من يقتلهم ويقتلك معهم .
وأرى الحاكم قد قتل جماعة ولا بد له مني . وكذا كان .
وقال القرطي : كان المثل يضرب بأيام العزيز في مصر ، لأنها كانت كلها أعياداً وأعراسا .
وقال ابن الأثير : قيل إنه ولي عيسى بن نسطورس النصراني كتابته ، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز ، فاعتز بهما النصارى واليهود ، وآذوا المسلمين ، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس ، فيها : بالذي أعز اليهود بمنشا ، والنصارى بعيسى بن نسطورس ، وأذل المسلمين بك ، إلا كشفت ظلامتي .
وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز ، والرقعة بيدها ؛ فلما رآها أمر بأخذها ، فإذا الصورة من قراطيس ، فعلم ما أريد بذلك ، فقبض عليهما ، وأخذ من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار ، ومن اليهودي شيئاً كثيراً .
وكان يحب العفو ويستعمله ، فمن حلمه :
(1/297)

"""""" صفحة رقم 298 """"""
أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي ، وكان كثير الهجاء ، فهجا يعقوب بن كلس وزير العزيز ، وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد الله بن الحسين القيرواني ، فقال :
قل لأبي نصرٍ كاتب القصر . . . والمتأتي لنقض ذلك الأمر
انقض عرى الملك الوزير . . . تفز منه بحسن الثنا والذكر
واعط وامنع ، ولا تخف أحدا ، . . . فصاحب القصر ليس في القصر وليس يدري ماذا يراد به ، . . . وهو إذا درى فما يدري
فشكاه ابن كلس إلى العزيز ، وأنشده الشعر ، فقال : هذا شيء اشتركنا فيه في الهجاء فشاركني في العفو عنه .
ثم قال هذا الشاعر أيضاً وعرض بالفضل القائد :
تنصّر ، فالتنصر دين حقٍّ ، . . . عليه زماننا هذا يدل
وقل بثلاثة عزوا وجلوا ، . . . وعطّل ما سواهم فهو عطل
فيعقوب الوزير أبٌ ، وهذا . . . العزيز ابنٌ ، وروح القدس فضل
فشكاه الوزير إلى العزيز ، فامتعض منه ، إلا أنه قال : اعف عنه .
فعفا عنه .
ثم دخل الوزير على العزيز ، فقال : لم يبق للعفو عن هذا معنى ، وفيه غض من السياسة ، ونقص لهيبة الملك ، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن رباح نديمك ، وسبك بقوله :
زيارجيٌ نديمٌ ، وكليسيٌّ وزير . . . نعم ، على قدر الكلب يصلح الساجور
فغضب الوزير ، وأمر بالقبض عليه ، فقبض عليه لوقته ، ثم بدا للعزيز إطلاقه ، فأرسل إليه يستدعيه ، وكان للوزير عين في القصر فأخبره بذلك ، فأمر بقتله فقتل ، فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعا ، فعاد إليه وأخبره ، فاغتم له .
(1/298)

"""""" صفحة رقم 299 """"""
وقال ابن الأثير : أبو الفتيان محمد بن حيوس : لما مات العزيز وحضر الناس للتعزية بالقصر ، واجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم افحم الناس بأجمعهم عن أن يوردوا في ذلك المقام شيئا مما يليق بالوقت ، ومكثوا مطرقين ، فقام صبي من أولاد الأمراء الكتاميين . وأنشد :
انظر إلى العلياء كيف تضام ، . . . ومآتم الأحساب كيف تقام
خبّرتني ركب الركاب ولم يدع . . . للسفر وجه ترحّل فأقاموا
فاستحسن الناس من إيراد الصبي لذلك ، وطرق الناس إلى إيراد المراثي ، ونهض الشعراء والخطباء فعزوا ، وأنشد كل إنسان ما عمل في التعزية .
وكان الصبي هو الذريعة إلى إيراد ما أوردوه ، وكشف ما نزل بهم من المهابة والمخافة .
(1/299)

"""""" صفحة رقم 1 """"""
اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا لتقي الدين أحمد بن على المقريزي
الجزء الثاني
(2/1)

"""""" صفحة رقم 2 """"""
صفحة فارغة
(2/2)

"""""" صفحة رقم 3 """"""
بسم الله الرحمن الرحيم الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعز لدين الله أبي تميم معد
ولد في القصر بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة ، في الساعة التاسعة ، الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب . والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة ، والشمس في برج الأسد على خمس وعشرين درجة ، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة ، وزحل بالعقرب على أربع وعشرين درجة ، والمشتري بالميزان على ثمان درج ، والمريخ بالميزان على ثلاث عشرة درجة ، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة ، وعطارد بالأسد على عشر درج ، والرأس بالدلو على خمس درج .
وسلم عليه بالخلافة في الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة . وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة ، والعزيز في قبة على ناقة بين يديه ، وعلى الحاكم دراعة مصمتة وعمامة فيها الجوهر ، وبيده رمح وقد تقلد السيف ؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء ، ودخله قبل صلاة المغرب ؛ وأخذ في جهاز أبيه العزيز ودفنه .
(2/3)

"""""" صفحة رقم 4 """"""
ثم بكر سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس ، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير . وخرج من قصره راكباً وعليه معممة الجوهر ؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبلوا الأرض ومشوا بين يديه ، حتى جلس على السرير ، فوقف من مهمته الوقوف ، وجلس من له عادة الجلوس . فسلم عليه الجماعة بالإمامة واللقب الذي اختير له ، وهو الحاكم بأمر الله . وكان سنه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام . وكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور وتجمعوا نحو المصلى . فخرج إليهم أبو محمد بن الحسن بن عمار في طائفة من شيوخهم ، وما زالوا بهم حتى أحضروهم بعد امتناعهم من الحضور ، وشكوا من قيس بن نسطورس وسألوا صرفه وأن تكون الوساطة لرجل منهم فندب لذلك أبو محمد الحسن بن عمار . فقرر أحوالهم فيما يطلق لهم من الرزق بعد خطاب طويل ، على أن يطلق لهم ثماني إطلاقات في كل سنة ، وأن يكون لكل واحد ثمانية دنانير ؛ وأن يطلق هذا الفض في يومهم بحضرة أمير المؤمنين . فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل ، وهو عشرون دينارا لكل واحد منهم . وحلفهم ابن عمار بعد ما حلف .
(2/4)

"""""" صفحة رقم 5 """"""
وخلع على أبي الحسن يانس الخادم الصقلبي وحمل على فرسخين ، وقال : يتولى القصور .
وفي أول شوال فرش على سرير الذهب في الإيوان مرتبة نسيج فضة ، وخرج الحاكم على فرس أدهم بمعممة الجوهر وقد تقلد السيف ، وفي ركابه الايمن حسين بن عبد الرحمن الرابض ، وفي ركابه الأيسر برجوان ، والناس قيام ؛ فقبلوا له الأرض ، ودعوا . فقال ابن عمار للقاضي محمد بن النعمان : مولانا يأمرك بالخوارج إلى المصلى للصلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين . فنهض قائما ، وقلده برجوان بسيف محلى بذهب من سيوف العزيز ، ومضى فصلى وأقام الدعوة ، ثم قدم .
ونصب السرير الذهب في صفة الإيوان ، ونصب السماط الفضة ؛ وخرج الحاكم من القصر ، وكان قد دخل إليه ، وهو على فرس أشقر ، فجلس على السماط ، وحضر من له رسم ، فأكلوا وانصرفوا .
وفي ثالثه خلع علي ابن عمار ، وقلد بسيف من سيوف العزيز ، وحمل على فرس بسرج ذهب ، وكناه الحاكم ، ولقبه بأمين الدولة وقال له : أنت أميني على دولتي ورجالي . وقاد بين الخيل ، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البز الرفيع . ومضى في موكب عظيم إلى داره .
وكتب سجل من إنشاء أبي منصور بن سيرين وبخطه ، قرأه القاضي محمد بن النعمان
(2/5)

"""""" صفحة رقم 6 """"""
بالجامع يتضمن وراثة الحاكم الملك من أبيه ، ويعد الرعية فيه بحسن النظر لهم ؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل . ففرح الناس .
وكانت عدة ممن قتلهم ابن نسطورس لما احترق الأسطول على الخشبة ، فأمر بتسليمهم إلى أهليهم ، وأطلق لكل واحد عشرة دنانير من أجل كفنه ، فكثر الدعاء من الرعية للحاكم . وأمر بقلع الالواح التي على دور الأخباز وسلمت لأربابها ومستحقيها ، فبلغت شيئا كثيرا .
وخلع على القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر القائد ، ورد إليه البريد والإنشاء ، فكان يخلفه ابن سورين ؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب ، وحمل على فرس بمركبين .
واستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلي ، واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم .
وأقر عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص . وخلع على جماعة بولايات عديدة وقرىء سجل ، قرأه القاضي بالجامع ، يتضمن ولاية ابن عمار الوساطة ، وتلقيبه بأمين الدولة ، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار ، فترجلوا بأسرهم له .
وفي ثاني ذي القعدة تجمع الكتاميون عند المصلى ، فأنفذ إليهم واستحضرهم ، وتقرر أمرهم على النفقة فيهم ، فأنفق عليهم . وحمل راجلهم على الخيل ؛ وكانوا نحو الألف رجل ، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب الحسنة .
(2/6)

"""""" صفحة رقم 7 """"""
وفي ثاني عشره ، خلع على أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح ، وقلد السيف ، وحمل على فرس بمركب ذهب ؛ وقيد بين يديه بأربعة أفراس مسرجة ملجمة ؛ وحمل بين يديه ثياب كثيرة من كل نوع ؛ وجرد معه عسكر ليسير إلى الشام .
وسارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة والصلات والنفقة على الرسم المعتاد في النصف منه .
وركب الحاكم يوم الأضحى فصلى بالناس صلاة العيد بالمصلى وخطب ، وأصعد معه المنبر القاضي محمد بن النعمان وبرجوان وابن عمار وجماعة .
(2/7)

"""""" صفحة رقم 8 """"""
سنة سبع وثمانين وثلثمائة
في المحرم ورد سابق الحاج ، فأخبر بتمام الحج والدعاء للحاكم في الحرمين .
وفيه نزع سعر القمح وغيره ، وعز وجوده ، واشتد الغلاء ، ووقع في البلد خوف شديد من طرف رجل من اللصوص في الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا في الليل ، وأخذت نساء من الطرقات ، وعظم الأمر في ذلك .
وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس .
ووصل الحاج في رابع عشر صفر ؛ فخلع على سبكتكين ، مقدم القافلة ، وحمل على عدد من الخيل .
ووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم . وسار أبو تميم سلمان بن جعفر بن فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدة خيول ، وحمل معه شيء كثير من الثياب ، وأنفق في أهل عسكره ؛ فنزل مسجد تبر ، فأقام إلى تاسع عشر ربيع الأول ؛ فخرج إليه الحاكم وحلفه ومن معه ، وعاد . فرحل ابن فلاح إلى القصور فأقام بها . وقرىء سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح كتامة ولعن منجوتكين
(2/8)

"""""" صفحة رقم 9 """"""
على سائر منابر مصر وفي القصر . وخلع على جماعة من الحمدانية وجهزوا إلى ابن فلاح ، فساروا معه .
وفي آخره أخرج ابن عمار إلى سلمان بن جعفر بن فلاح بخزانة مال ، على ثمانية وستين بغلا ، في صناديق ، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم ؛ وستة وأربعين حملاً من السلاح ؛ وعشر جمازات عليها دروع ؛ وست قباب بفرشها وأهلتها ومناطقها وجميع آلاتها ، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ديباج ؛ وست جمازات تجنب بآلة الديباج الملون ؛ وثلاثين جمازة بأجلتها ؛ وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها ، ومنديل حمله خادم فيه ثياب مشرف ، بها من ثياب العزيز وسيف من سيوفه .
وفي ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمار إلى القصور فودعا ابن فلاح ، وسار في ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان ، وانضم إليه من عرب الرملة ثمانية آلاف .
وفي النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة ، وزيدان يحمل مظلة عن يمينه ، وابن عمار عن يساره ، ويرجوان وحده خلفه ، فدخل الصناعة .
(2/9)

"""""" صفحة رقم 10 """"""
وأما منجوتكين فإنه لما بلغه ما فعله ابن عمار من إكرام كتامة وحطه من مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف . فلم يكن غير قليل حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين ، فسار إلى الرملة مستعد القتال من يجيئه من مصر ؛ فالتقيا برفح . وكانت الوقعة بين الطوالع ، فانهزم أصحاب منجوتكين ؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين ، فلقيه بظاهر عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح في كثير من العرب ؛ فاستأمن إلى ابن فلاح عدة من أصحاب منجوتكين . واقتتلا يوم الجمعة ، رابع جمادى الأولى ، فقتل كثير من أصحاب منجوتكين وأسر عدة منهم ؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه ، فقطع من عسقلان إلى دمشق في ثلاثة أيام ، وأهلها في مجاعة من غلاء الأسعار وقلة الطعام وقد راجت الغلال . فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم كثير ، فيهم حمال السلاح ومن يطلب الفتن . فقال الناس : نرح منجوتكين عنا ؛ وقال طلاب الفتن : لا ، ما نقاتل معه ، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج يقال لهم الهياجنة ، أهل شر وفساد ، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها . وخرج منهزما في يسير من الجند فراسخ ، فنزل على ابن الجراح .
وبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علي بن جعفر بن فلاح في ألفي رجل ؛ فنزل بظاهر دمشق ، لست بقين منه ، وبعث إلى ابن الجراح رسولاً بأن ينفذ منجوتكين إلى مولانا
(2/10)

"""""" صفحة رقم 11 """"""
فإنا لا نريد به سوءاً ، وهو آمن ، وبذل له مالا . فسار منجوتكين ودخل القاهرة في ثاني عشري رجب ، فأنزله ابن عمار في دار ، وكان يركب في خدمته ، وإذا لقيه وهو راكب ترجل له . وكان ابن عمار ينزله أدون المراتب ، وغير رسومه كلها .
وأما علي بن جعفر بن فلاح فإنه لما قدم من عند أخيه ولى البلد لرجل من المغاربة لم يكن عنده ما رآه ، بل كان فظا غليظاً ، فشاق العامة وواجههم ، فثاروا عليه بالسلاح ، وركب المغاربة ، وكانت بينهم حروب . ثم إن شيوخ البلد خرجوا إليه وأصلحوا الأمر .
وسار علي من الرملة فنزل على دمشق في عسكر عظيم يوم الاثنين لست بقين من رجب ، وأقام لا يأمر بخير ولا شر .
وأما ابن عمار فإنه لما نظر في الأمر كان ينزل على باب الحجرة التي فيها الحاكم ، ويدخل القصر راكبا ، فيشق قاعة الدواوين ، ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخاصة ، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة ، فينزل ويركب منه . وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب مغلق فيفتح بعد وقت ، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون في قاعة الدار على حصير وهو في مجلسه لا يدخل إليه أحد ، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضي ، وبعده كتامة والقواد ، فيدخل أعيانهم ؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد على الوصول إليه ، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض ، ومنهم من يقبل الركاب ، ومنهم من يقبل ركبته . وتسلم النظر والإسطبلات عامرة ؛ فأخرج لرجال كتامة وأحداثهم ألفا وخمسمائة فرس ،
(2/11)

"""""" صفحة رقم 12 """"""
ولم يبق من شيوخهم إلا من قاد إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها . وحمل لسلمان بن جعفر ابن فلاح ما يتجاوز ألف رأس ، وجل رحل العزيز وأمتعته . وباع من الخيل والبغال والنجب والحمر ما يتجاوز الألوف ؛ حتى بيعت الناقة بستة دنانير ، والحمار الذي قيمته أربعون دينارا بأربعة دنانير . وقطع أكثر الرسوم التي كانت لأولياء الدولة من الأتراك والعبيد ، وقطع أكثر ما كان في المطابخ . وقطع أرزاق جماعة أرباب الراتب ، وفرق كثيرا من الجواري طلباً للتوفير .
واصطنع أحداث المغاربة ، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم في الطرقات ؛ وعروا جماعة من الناس ، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير ؛ فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم ، فثار لذلك شر قتل فيه واحد من المغاربة وغلام تركي ؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا التركي قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك ؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر الكتامي . فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزبوا ، فوقعت الحرب بينهما وقتل جماعة ، وانطلقت ألسن كل منهما في الآخرين بالقبيح . وأقاموا على مصافهم يومين آخرهما تاسع شعبان ، فركب ابن عمار في عاشره بآلة الحرب وقد حفت به المغاربة ؛ وتبادر إليه الاتراك ؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح كثير . وجيء لابن عمار بعدة رؤوس طرحت بين يديه ، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ في ركوبه ، فعاد إلى داره .
وجاء برجوان ليصلح الأمر ، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمار للفتك به ، فأركب
(2/12)

"""""" صفحة رقم 13 """"""
برجوان إلى القصر وانبسطت أيدي المغاربة وأحداث الغلمان والنهابة ، فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته ، ودار رشا غلامه ، وأخذوا ما لا يحصى كثرة .
وانعزل لثلاث بقين منه ، وتحول من القاهرة إلى داره بمصر . فكانت أيام نظره أحد عشر شهرا غير خمسة أيام . فأقام بمصر سبعة وعشرين يوماً ، ثم عاد إلى القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه ؛ وأطلقت له رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه في أيام نظره .
وتقدم الحاكم إلى برجوان أن ينظر في التدبير على ما كان ابن عمار ، فنظر في ذلك لثلاث بقين من رمضان ، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة . وقبض على عريف الباطلية ، فإنهم كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمار ، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه . وأجرى الرسوم والرواتب التي قطعها ابن عمار ، وأجرى لابن عمار ما كان يجري له في أيام العزيز ، ولآله وحرمه ؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة خمسمائة دينار في كل شهر ، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار ، مع ما كان له من الفاكهة ، وهو في كل يوم سلة بدينار ، وعشرة أرطال شمع كل يوم ، وحمل ثلج عن يومين ؛ فأجرى له ذلك مدة حياته .
(2/13)

"""""" صفحة رقم 14 """"""
وجعل برجوان أبا العلا ، فهد بن إبراهيم النصراني ؛ كاتبه ، يوقع عنه ، فنظر في قصص الرافعين وظلاماتهم ، وطالعه بما يحتاج إليه ، فرتب الغلمان في القصر وأكد عليهم في ملازمة الخدمة ، وتفقد أحوالهم . وأزاح علل أولياء الدولة ، وتفقد أمور الناس وأزال ضروراتهم ، ومنع من الترجل له . وكان الناس يلقونه في داره ، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر . ولقب كاتبه فهد بن إبراهيم بالرئيس ، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به ، ويركب أكثر الناس إلى داره حتى يخرج برجوان إلى القصر فيجلس فيه في آخر دهاليزه ، ويجلس فهد في الدهليز الأول يوقع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له ، فيخرج الأمر بما يكون . فلم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت مدتهما .
وكان الحاكم يركب كل يوم إلى الميدان ، فيجلس على سريره بالطارمة فتعرض عليه الخيل ، والقراء بين يديه ، وربما أنشده الشعراء ؛ ثم ينصرف إلى القصر فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات ، فلا يزالان حتى لا يبقى منهم أحد ، ثم يدخلان . فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة تقدم أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه ، حتى يقرأ جميع تلك الرقاع ويوقع عليها الحاكم في أعلاها بما يراه ، ثم يخرج بها فتفرق كلها ويمضى بها إلى الديوان ، فتنفذ من غير مراجعة . وكان الحاكم إذا جلس في الطارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم فجعلها في كمه ؛
(2/14)

"""""" صفحة رقم 15 """"""
فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ومعرفة بالشعر . وكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره ، فإذا أنشده الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمر بالبيت النادر أو المعنى الحسن إلا نبه برجوان عليه واستعاده مراراً ، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ومبلغه من صناعته ، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك .
وفي يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك إلى أخيها الحاكم بأمر الله ثلاثين فرسا مسرجة ، أحدها مرصع وآخر بلور ، وبقيتها ذهب ؛ وعشرين بغلة مسرجة ملجمة ؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة ، ومائة تخت ثياب ، وتاجا مرصعا ، وشاشية مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب ، وبستانا من الفضة مزروعا من أنواع الشجر .
وفي رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب .
وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب ، وأصعد معه المنبر الحسين بن جوهر والقاضي والأستاذ برجوان وجماعة .
وسارت قافلة الحاج من بركة الجب بالكسوة للكعبة ، والزيت والدقيق والقمح والشمع والطيب لمكة والمدينة ، في تاسع ذي القعدة . وفيه خرج جيش بن الصمصامة إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح ، فرحل ابن فلاح عن دمشق في يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة بعسكره وسار إلى الرملة .
(2/15)

"""""" صفحة رقم 16 """"""
وفيها صلى الحاكم بالمصلى صلاة العيد يوم النحر بالناس وخطب على رسمه .
وورد الخبر من مدينة قوص بأن شدةً نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت من السماء ، منها ما لم يسمع بمثله ، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل والجميز ، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها . وانبثق بقوص وأعمالها زرقة خضراء على ظهر الأرض ، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة .
وفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعي علي بن عبد الله سجلين لأبي مناد باديس ابن يوسف بن زيرى ، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة الحاكم ، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بني مناد . فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة للحاكم في جمادى الآخرة ، ثم عاد ، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول .
(2/16)

"""""" صفحة رقم 17 """"""
ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلثمائة
.
في المحرم كان غطاس النصارى ؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدة مواضع من شاطىء النيل ؛ ونصبت أسرة للرئيس فهد بن إبراهيم وأوقدت له الشموع والمشاعل ؛ وحضر المغنون والملهون ، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت الغطاس فغطس وانصرف .
وورد سابق الحاج لثمان خلون منه .
وخلع على أبي الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامي ، وقيد بين يديه ، وحمل إليه ، وقلد صور وخلع على أبي سعيد ، وقلد الحسبة . وخلع على أبي الحسن يانس الخادم الصقلبي ، وقلد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس بمركب ذهب ثقيل ، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدة من الخيل والثياب ومائة غلام ، وسار لولاية برقة .
وخلع على خود الصقلبي وقلد بسيف ، وحمل ، وقيد بين يديه فرس ، وحمل إليه ثياب ، وقلد الشرطة السفلى . وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة
(2/17)

"""""" صفحة رقم 18 """"""
ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر . وسار ميسور الخادم الصقلبي والباعلي طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبي وجعل على الأسطول .
وفي سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس ، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير ، فقبل يسيراً منه وشكر ذلك لهم ، ورد الباقي إليهم .
وفي أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرملة .
وفي سادس عشر كان فصح النصارى ، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى داره ومعها بغلتان بمركبيهما وألف دينار . وخلع على أبي سعادة أيمن الخادم ، أخي برجوان ، وقلد غزة وعسقلان في سادس جمادى الأولى . وورد الخبر بفتح صور . وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة ، وقتلوا من بقى ؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى الروم ، فسيروا إليه بمراكب فيها رجال ، فخرج إليهم عسكره ، وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها في مراكبهم ، وبدت أهل البلد فألح القتال عليهم حتى ملكت منهم . وامتنع العلاقة ومعه طائفة في بعض الأبرجة ؛ ثم طلبوا الأمان . فانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعرف قدره كثرة في الرابع عشر من جمادى الآخرة . وحمل
(2/18)

"""""" صفحة رقم 19 """"""
العلاقة مقيدا ، وسيق في جماعة معهم إلى القاهرة فشهروا ، وقد ألبس العلاقة طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه ، وكاد أن يغوص على رقبته ؛ ثم قتل وصلب وقتلت أصحابه .
وفي شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية وأنطاكية . وذلك أن جيشا نزل على دمشق ، ونزل بشارة إلى طبرية أيضاً ، لأربع خلون من رجب ؛ وكتب إلى بشارة بولاية دمشق فأقر عليا والياً من قبله ؛ وسار بعساكره ، هو جيش ، في رابع عشره إلى فامية وبها الروم . فاشتد القتال بينهم وبين الروم ، فانهزم المسلمون وملك الروم سوادهم . ثم غلبوا وعادوا إلى محاربة الروم ، فواقعوهم ، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدمهم ؛ وذلك لتسع بقين من رجب . ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه ، فسار بهم إلى نحو مرعش ، فأحرقوا ، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياماً ؛ ثم رحل عنها إلى شيزر .
وسار بشارة إلى دمشق ، فنزلها للنصف من شوال على أنه قد ولى البلد ؛ فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة ، لسبع بقين من ذي القعدة ، وقد هجم الشتاء ؛ فوافى الكتاب
(2/19)

"""""" صفحة رقم 20 """"""
من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية ، واستقرار جيش على ولاية دمشق ، فدخلها واستقر بها .
وفي شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالناس بعد ما خطب وعليه رداء ، وهو متقلد سيفا وبيده قضيب ، وزرر عليه جلال القبة لما خطب ، وقال خطبة مختصرة سمعها من قرب منه . وهي أول جمعة صلاها ؛ ثم صلى جمعة أخرى ؛ وصلى صلاة عيد الفطر في المصلى ، وخطب على الرسم المعتاد ، وحضر السماط .
وأحضرت امرأة من الشام في علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة ، وافت من خراسان ، ومعها أخ لها في قد الرجال ، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها الأنزال ، وكانوا عدة ، وقطع لها في وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير . وكانت مليحة الكلام نظيفة ، ولبثت بضعة وثلاثين يوماً وماتت ، فكانت لها جنازة عظيمة .
وسارت قافلة الحاج في ثالث عشر ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة . وصلى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلى وخطب .
ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة في عشري ذي القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس كثيرة ، فطيف بهم في البلد ، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا
(2/20)

"""""" صفحة رقم 21 """"""
سنة ثمان وثمانين وثلثمائة
في حادي عشر المحرم ورد سابق الحاج فأخبر أن عدن احترقت كلها وتلف فيها من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته .
وفي ليلة الرابع من صفر مات قاضي القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم وصلى عليه . وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما ؛ ومولده لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلثمائة ؛ وكانت مدة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام . ودفن بداره ثم نقل إلى القرافة ؛ وقيدت دوابه إلى الاصطبل . وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار ، وقيل ستة وثلاثين ألف دينار ؛ فبعث برجوان كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم فختم على جميع ما ترك القاضي ، ولم يمكن ورثته من شيء ، وباع ذلك كله . وطالب الأمناء والعدول بأموال اليتامى المتبقية عليهم في ديوان القضاء ، فزعموا أن القاضي قبضها ، وأقام بعضهم بينة على ذلك وعجز بعضهم ، فأغرم من لم يقم بينة ما ثبت عليه . فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار ، أخذها الغرماء بحق النصف مما لهم . وأمر الحاكم ألا يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى ، وأن يكتروا مخزنا في زقاق القناديل وتودع فيه أموال اليتامى ، فإذا أرادوا دفع أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضي ، وجاء كل أمين فأطلق لمن يلي عليه رزقه بعد مشورة القاضي في ذلك ، فكتب على الأمين وثيقة بما بقبضه من المال لمن يلي عليه . ورجم في ولايته رجلا زنى في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة . وكان أكثر أيامه
(2/21)

"""""" صفحة رقم 22 """"""
عليلا بالنقرس والقولنج ؛ وكان برجوان ، على كلالته يعوده إذا مرض فمن دونه . وكان يكاتب بقاضي القضاة . وعلت منزلته حتى جاز حد القضاة ، وكانت النعمة تليق به ؛ وعم إحسانه سائر أصحابه وأتباعه . وكان حسن الخلق ، ندي الوجه ، فاخر الزي يلبس الدراعة والعمامة بغير طيلسان ، كثير الاستعمال للطيب والبخور في مجلسه ؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا .
ولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء ، فلما بلغ باب داره مات ؛ فقال له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله ، والله هو الحق ، ولا يزال الحق حيا حتى يصير إلى بابك فيموت ، فمات هو بعد ذلك بقليل .
ومن شعره :
أيا مشبه البدر بدر السماء . . . لسبعٍ وخمسٍ مضت واثنتين
ويا كامل الحسن في نعته . . . شغلت فؤادي وأنهرت عيني
فهل لي من مطمع أرتجيه . . . وإلا انصرفت بخفّى حنين
ويشمت بي شامت في هواك . . . صفر اليديين
فإمّا مننت وإمّا قتلت . . . فأنت القدير على الحالتين
ومنه :
تأمل لذى الدنيا ، تجدها مشوبة . . . سرورا بحزن في تقلّب أحوال
وقد قسمت أشياؤها بين أهلها . . . فمالٌ بلا أمنٍ ، وأمنٌ بلا مال
(2/22)

"""""" صفحة رقم 23 """"""
وأقامت البلد بعد موته تسع عشرة ليلة بغير قاض .
وفي ثالث عشر منه استدعى برجوان أبا عبد الله الحسين بن علي ، ابن النعمان ، إلى حضرة الحاكم بأمر الله ، وأضعف له أرزاق عمه وصلاته وإقطاعاته ، وقال له : قد أرحت عليك ، فلا توجد لي سبيلا إليك بتعرضك لدرهم من أموال المسلمين فقد أغنيتك عنها . ثم خلع عليه ثيابا بيضا ورداءً محشّى مذهبا وعمامة مذهبة ، وقلده سيفا وحمله على بغلة ، وقاد بين يديه بغلتين بسروجهما ولجمهما ، وحمل معه ثيابا كثيرة صحاحا ؛ ورد إليه القضاء بمصر وأعمالها ؛ ولم يظن ذلك أحد لضعف حاله وكان الناس يتخيلون ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان بعد أبيه لأنه كان يخلف أباه فنزل إلى الجامع العتيق ، وقرئ سجله على منبره . فنظر بين الناس ، وأوقف شهادة جماعة من الشهود ، وندب أربعة لكشف أحوال الشهود ؛ وألزم ولاة أمور الأيتام برفع حسابهم . وطالب عبد العزيز بن النعمان بما على أبيه من أموال الأيتام . وجعل موضعا بزقاق القناديل يكون مودعا لأموال الأيتام ، وجعل خمسة من الشهود يضبطون ما يرد إليه وما يخرج منه بحجج يكتب فيها خطوطهم ؛ فاستحسن ذلك من فعله . وهو أول من اتخذ مودعا للأيتام من القضاة .
واستخلف بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر ، وبالقاهرة أبا الحسن مالك ابن سعيد الفارقي ؛ وعلى العرض والنظر بين المتحاكمين إذا غاب ، الحسن بن طاهر وأبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن العوام . واستكتب أبا طاهر زيد بن أحمد بن السندي وأبا القاسم علي بن عبد الرزاق ؛ وجعل إلى أخيه أبي النعمان المنذر بن علي النظر في العيار ودار الضرب . واستخلف على الإسكندرية وأعمالها .
(2/23)

"""""" صفحة رقم 24 """"""
وقوى أمره ، وتشدد في الأحكام ، وقبل شهادة من أوقف شهادته وعزل آخرين ؛ واتخذ حاجبا . وتولى أمر الدعوة وقراءة ما يقرأ في القصر من مجالس الدعوة وكتبها ؛ وعلت منزلته .
وفي خامس عشري صفر وصل حاج البيت . وصلى الحاكم في رمضان بالناس جمعتين ؛ وخطب وصلى صلاة عيد الفطر ، وخطب ، وأصعد القاضي معه في جماعة ، وجلس على السماط .
وسارت قافلة الحاج أول ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة . وصلى الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم ؛ وأجرى الناس في أضاحيهم على عوائدهم . وعمل عيد الغدير على العادة ، وطاف الناس بالقصر على رسمهم .
(2/24)

"""""" صفحة رقم 25 """"""
سنة تسعين وثلثمائة
في أول يوم من المحرم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام .
كان سعر الخبز ستة عشر رطلاً بدرهم . وسقط إصطبل فهد بن إبراهيم فمات له نحو ستين بغلة .
وفي حادي عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة النبوية . وفي سادس عشر من ربيع الآخر أنهد الحاكم إلى برجوان عشية يستدعيه للركوب معه إلى المقس ، فجاء بعد بطء وقد ضاق الوقت إلى القصر ، ودخل بالموكب ورؤساء الدولة والكتاب إلى الباب الذي يخرج منه الحاكم إلى المقس ؛ فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم وهو يصيح : قتل مولاي ؛ وكان عقيق عيناً لبرجوان في القصر وقد جعله على خزاناته الخاصة . فاضطرب الناس وبادروا إلى باب القصر الكبير فوقفوا عنده ؛ وأشرف عليهم الحاكم . وقام زيدان ، صاحب المظلة ، فصاح بهم : من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور ؛ فانصرف الجميع . وكان قتل برجوان في بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان الحاكم فيه مع زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان . فسار الحاكم حتى خرج من باب الدويرة ، فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت في خفه ،
(2/25)

"""""" صفحة رقم 26 """"""
وابتدره قوم ، وقد أعدوا له السكاكين والخناجر ، فقتل مكانه ، وحزت رأسه وطرح عليه حائط .
وسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر في الخدمة ، واستقل بلذاته وأقبل على سماع الغناء ؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به ، فكان يجمع المغنين من الرجال والنساء بداره فيكون معهم كأحدهم ، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر من النهار ويتكامل الناس على بابه ، فيركب إلى القصر ، ولا يمضى إلا ما يختار من غير مشاورة ؛ فلما استبد بالأمر تجرد الحاكم للنظر .
وكان برجوان من استبداده يكثر من الدالة على الحاكم ، فحقد عليه أموراً ، منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيىء الأدب جدا ، والله إني لأذكر وقد استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلي ورجله على عنق دابته وبطن خفه قبالة وجهي ، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرةً في ذلك . وغير ذلك مما يطول شرحه .
وأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن إبراهيم في الليل وأمنه ، وقال : أنت كاتبي وصاحبك عبدي ، وهو كان الواسطة بيني وبينك ؛ وجرت منه أشياء أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه ؛ فكن أنت على رسمك في كتابك آمناً على نفسك ومالك .
فكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد . وبرجوان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون .
(2/26)

"""""" صفحة رقم 27 """"""
وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب ، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس ، فدخلوا إلى الحضرة ، وخرج الحاكم على فرس أشقر ، فوقف في صحن القصر قائماً ، وزيدان عن يمينه وأبو القاسم الفارقي عن يساره ، والناس قيام بين يديه ؛ فقال لهم بنفسه من غير واسطة : إن برجوان عبدي ، استخدمته فنصح فأحسنت إليه ؛ ثم أساء في أشياء عملها فقتلته ؛ والآن فأنتم شيوخ دولتي وأشار إلى كتامة وأنتم عندي الآن أفضل مما كنتم فيه مما تقدم . والتفت إلى الأتراك وقال لهم : أنتم تربية العزيز بالله وفي مقام الأولاد ، وما لكل أحد عنيد إلا ما يؤثره ويحبه ، فكونوا على رسومكم ، وامضوا إلى منازلكم ، وخذوا على أيدي سفهائكم . فدعوا جميعا وقبلوا الأرض ، وانصرفوا .
وأمر بكتابة سجل أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء ، قرىء بسائر الجوامع في مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة ، نصه بعد البسملة : من عبد الله ووليه ، المنصور أبي علي ، الإمام الحاكم بأمر الله ، أمير المؤمنين ، إلى سائر من شهد الصلاة الجامعة في مساجد القاهرة المعزية ومصر والجزيرة : سلام عليكم معاشر المسلمين المصلين في يومنا هذا في الجوامع ، وسائر الناس كافة أجمعين ، فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطاهرين . أما بعد ؛ فالحمد لله الذي قال ، وقوله الحق المبين : ' لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلَهِةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسّدَتَا ، فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْش عَمَّا يَصِفُونَ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا
(2/27)

"""""" صفحة رقم 28 """"""
يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْأَلُون ' يحمده أمير المؤمنين على ما أعطاه من خلافته ، وجعل إليه فيها دون بريته من الضبط والقبض ، والإبرام والنقض . معاشر الناس ، إن برجوان كان فيما مضى عبداً ناصحا ، أرضى أمير المؤمنين حينا ، فاستخدمهم كما يشاء فيما يشاء ، وفعل به ما شاء كما سبق في العلوم وجاز عليه في المختوم . قال الله عز وجل : ' وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لعِبَادِهِ لَبَغَوْا في الأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدرٍ مِا يَشَاءُ ، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ' ولقد كان أمير المؤمنين ملكه ، فلما أساء ألبسه النقم ، لقول الله تعالى : ' فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمُ ' وقوله عز وجل : ' إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ' ، أن رآه استغنى فحظره أمير المؤمنين عما صبا إليه ، ونزعه ما كان فيه ؛ وتمت مشيئة الله عز وجل ، ونفذ قضاؤه وتقديره فيه . ' وَكَانَ ذَلِكَ في الْكِتَابِ مَسْطُوراً ' فأقبلوا معاشر التجار والرعية على معايشكم واشتغلوا بأشغالكم ، فهو أعود لشأنكم ؛ ولا تطغوا في أمر أنفسكم فلأمير المؤمنين الرأي فيه وفيكم . فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة فليمض إلى أمير المؤمنين بها ، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه ، وبابه مفتوح بينكم وبينه . والله ' يَخْتَصُّ برَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم وأنتم رعايا أمير المؤمنين المفتحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله . والله يريده فيما يريده ويعتمده من الخير لمن أطاعه من الأنام ، والحماية لحمى الإسلام ؛ ' عَلَيْهٍ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ' والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب يوم الجمعة لثلاث بقين من
(2/28)

"""""" صفحة رقم 29 """"""
شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلثمائة . وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الأخيار وسلم تسليما .
وكتبت سجلات على نسخة واحدة ، وأنفذت إلى سائر النواحي والأعمال .
ولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج أحمر ، ومنديل أزرق مذهب ، وتقلد سيفا عليه ذهب ، وحمل على فرس بسرج ولجام ذهب ، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها ، وخمسون ثوبا من كل فن . ورد إليه الحاكم التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف المظلوم . وخلع على فهد بن إبراهيم ، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا . فانصرف القائد ، وخلفه فهد وسائر الناس بين يديه ، إلى داره . وتقدم إلى فهد بالتوقيعات في رقاع الرافعين على رسمه ، وأن يعاضد القائد حسينا في النظر ويعاونه ويخلفه إذا غاب . فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس فهد ، فينظران في أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم ، والقائد متقدم وفهد يتبعه ، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان الكتب والرقاع عليه . وأمر القائد ألا يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إليه إلى داره أحد لقضاء حق ولا سؤال في مصلحة ، ومن كان له حاجة يلقاه في القصر . ونهى الناس أن يخاطبوه في الرقاع التي تكتب إليه بسيدنا ومولانا ، ولا يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط ، ولا يخاطب فهد ويكاتب إلا بالرئيس فقط .
وحمل فهد إلى الحاكم هدية ، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلة ، وعشرون فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة ، وعشرون ألف دينار ، وسفط فيه حلة دبيقية مذهبة لم ير مثلها ، ودرج فيه جوهر ، وأسفاط كثيرة فيها البز الرفيع ، وخزانة مدهونة .
(2/29)

"""""" صفحة رقم 30 """"""
وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن مهذب ، صاحب بيت المال ، بإحضار تركة برجوان فوجد فيها مائة منديل شرب ملونة معممة كلها على مائة شاشية ، وألف سروال دبيقي بألف تكة حرير أرمني ، ومن الثياب المخيطة والصحاح والحلى والمصاغ والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة ، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار ، ومائة وخمسون فرسا لركابه ، وخمسون بغلة ، وثلثمائة رأس من بغال النقل ودواب الغلمان ، ومائة وخمسون سرجا منها عشرون من ذهب ، ومن الكتب شيء كثير .
لما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه فوقف وقال : كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه ، وليس والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عني ، ولا يلقاني أحد إلا في القصر . فانصرفوا . وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير إلى داره ومن لقائه إلا في القصر ؛ وجلس في موضع رسم له بالجلوس فيه .
وتقدم حسين بن جوهر إلى أبي الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر بأن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا ، وأن يعرف رسم كل من يحضر من يجلس للتوقيع إذا وقع له . فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم ، ووقع فيها ، والحاكم في مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور في الأمور المهمة .
ووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل في الليل إلى العزيز ، وأمروا بملازمة القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا ؛ فدخل أول ليلة ، وهي ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى ، القائد الحسين والقائد فضل بن صالح والحسين بن الحسن البازيار . فجلس حسين بن جوهر من اليمين ، وإلى جانبه فضل بن صالح ودونه ابن البازيار ، وبعده أبو الحسن علي بن
(2/30)

"""""" صفحة رقم 31 """"""
إبراهيم المرسي ، ويليه القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان ؛ وجلس من اليسار رجاء ومسعود ابنا أبي الحسين ، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر الطبيب ، وأبو الحسين بن المغربي الكاتب وأخوه . ووقف عنده عدة من الأقارب وجماعة من القواد ، منهم منجوتكين وغيره ، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن طاهر الوزان . فجرى الرسم على ذلك إلى اثني عشر جمادى الآخرة . ثم صار السلام يخرج فينصرفون إلا ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من القرابة ، فإنهم يجلسون فربما أطالوا الجلوس وربما خدموا .
وركب الحاكم عدة مرار إلى ناحية سردوس وإلى بركة الجب وإلى عين شمس وحلوان للصيد وغيره . وفي سابع عشري جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد . وخلع على جابر بن منصور الجودري جبة مثقلة ومنديل بذهب ، وحمل بين يديه ثياب كثيرة وقلد بسيف ، وندب ناظرا في السواحل والحسبة بمصر .
وأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق ، وقد خرب البلد وضعف وقل ناسه وطمعت رعيته ، فكان فيهم جهال يأخذون الخفارة ويطمعون في أموال أهل السلامة ، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال ، وقويت نفوسهم ، وصاروا يوالون خروجهم مع جيش في وقائع الروم ؛ فوعدهم جيش بالأرزاق فاطمأنوا إليه . ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم ، وأمر بهم فحبسوا ، وأفاض عليهم العذاب حتى سلبهم
(2/31)

"""""" صفحة رقم 32 """"""
جميع أموالهم ، وتتبع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد فلم يبق منهم أحد .
فلما خلا له البلد من حمال السلاح طمع في أهل القرى ، فعم كثيرا من الناس البلاء منه ، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره ، حتى غلق أكثر الأسواق ، وضج الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم ، فهرب كثير من الناس عن البلد .
ووصل الخبر بقدوم عسكر الروم ، فأخذ جيش في جمع العرب ؛ ونزل ملك الروم على شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم ، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان . ونزلت العرب الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا والقابول ؛ وانتقل الروم من شيزر إلى حمص فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا ؛ وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ، وهي دخلة الروم الثالثة إلى حمص ، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم الأسعار حتى بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا ، وقد مات أكثر دوابهم ، إلى طرابلس ، فنزلوا عليها وهم في ضيق ؛ ثم رحلوا عنها إلى ميافارقين وآمد ، وهادنوهم . ثم ساروا إلى أرمينية . وزاد جور جيش وأسرف في الظلم ، وكان به طرف جذام فاشتد به ، وسقط شعر بدنه ، ورشح جسمه واسود حتى انمحت سحنة وجهه وزاد وأروح سائر بدنه ؛ فكان يصيح :
(2/32)

"""""" صفحة رقم 33 """"""
ويحكم اقتلوني ، أريحوني إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر . فكان مقامه بدمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوما . ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته إلى القاهرة فخلع عليه الحاكم وحمله . ورفع زيدان إلى الحاكم درجاً بخط جيش وفيه وصية وثبت بما خلف مفصلاً مشروحا ، وأن ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله لا يستحق أحد من أولاده منه درهما ؛ وكان ذلك يبلغ نحو مائتي ألف دينار ، ما بين عين ورحل ومتاع . وقد قال فيه جيش : لو زيدان يتسلم ذلك فإنه على بغال تحت القصر بظاهر والقاهرة . فأخذ الحاكم الدرج وأوصله لابني جيش ، وخلع عليهما ، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ووجوهها : قد وقفت على وصية أبيكما ، رحمه الله ، من عين ومتاع فيما وصى به ، فخذوه هنيئاً مباركاً لكما فيه . فانصرفا بجميع التركة .
وأقطعت سيدة الملك على عبرة سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ألف دينار ، منها ضياع في الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة وخمسون دينارا ؛ منها بوتيج ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا ، وصهرشت سبعة عشر ألف دينار ، ودمنهور خمسة آلاف دينار ؛ وباقي ذلك ، وهو أحد وثلاثون ألف دينار وخمسمائة وخمسون ديناراً ، من دور وبساتين ورسوم .
(2/33)

"""""" صفحة رقم 34 """"""
وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدولة ثقل عليه أبو الحسن يانس الصقلبي العزيزي ، فإنه كان ينافسه في الرئاسة ، فتحيل حتى أخرجه إلى برقة كما تقدم ، فتوالت كتب تموصلت بن بكار يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه مدينة أطرابلس ، وتقدم إلى الحضرة . فقصد برجوان إبعاد يانس ، فكتب إليه حتى سار إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين ، فسلمه تموصلت البلد ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس ، فاختلفوا مع أصحابه حتى اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية ، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير الدولة أبي مناد باديس . فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر ، فقاتل يانس ، فقتل في رابع ذي القعدة . وبادر فتوح بن علي بن عقيان من أصحاب يانس إلى أطرابلس ، فدخلها ، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة إحدى وتسعين ، واستمد الحاكم ، فأمده بيحيى بن علي بن الأندلسي على عسكر ، فاختلف عليه أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة . فأراد الحاكم قتله ، فأظهر كتاب زيدان صاحب المظلة بخطه أن يدفع إليه المال من برقة ، وأنه قبض ذلك من مال الحضرة ، فلم يجد ببرقة مالاً ينفقه على العساكر ؛ فقبل هذا العذر وقتل زيدان على ما فعل .
وكان مع يحيى بن علي عند خروجه من المغرب جماعة من بني قرة ، فكسروا عسكره ورجعوا إلى موضعهم ؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة ، فخافوا وامتنعوا ؛ فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم أمانا ، فبعثوا رهائن منهم ؛ فأمرهم بالوصول إلى الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به ، فحذر أكثرهم ، وقدمت طائفة إلى الإسكندرية فقتلوا وحملت
(2/34)

"""""" صفحة رقم 35 """"""
رؤوسهم إلى القاهرة ، وقتل من كان بها من رهائنهم ؛ فنفرت عنه بنو قرة ، وكان منهم ما يأتي ذكره من قيامهم مع أبي ركوة .
وفي ثالث رجب خلع على أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان ، ونزل إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح ، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين ؛ وقرئ له سجل بالنظر في المظالم وسماع البينة فيها .
وحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا . وقرئ سجل بالقصر نصه بعد البسملة : معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين : إن الله وله الكبرياء والعظمة أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة . فمن أقدم بعد قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة بسيدنا أو مولانا فقد أحل أمير المؤمنين دمه .
فليبلغ الشاهد الغائب إن شاء الله .
وأفطر في رمضان مع الحاكم جماعة رتبوا عن يمينه ويساره ؛ وصلى فيه جمعتين بالناس ، وركب لفتح الخليج . ووصل تموصلت بن بكار الأسود ، عبد ابن زيرى ، وكان قد ولاه طرابلس المغرب ، فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفر خوفا من مولاه ؛ فسار من طرابلس المغرب ، ومعه نيف وستون ولداً ما بين ذكر وأنثى ، في عسكر كبير ، بعد أن مر ببرقة ، ودفع ليانس العزيزي متوليها ثلاثين ألف دينار لخاصة نفقته ، وأنفق في عسكره ورجاله مالا كثيرا ، وسلم إليه مخازن فيها العسل والسمن والقمح والشعير والزيت وغيره . فجلس له الحاكم وأجلسه ، فكان من كلامه للحاكم : قد وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل والمال
(2/35)

"""""" صفحة رقم 36 """"""
والولد ومعي ما يكفيني ويكفي عقب عقبي ؛ ولكن الرجال الذين معي رجال مولانا ، وهو يحسن إليهم على ما يراه .
وأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم ، ونيفا وخمسين حملا من البز والطرف ، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها ؛ وأربعين بغلا ؛ وخمسين بختيا بأكوارها ؛ ومائتي جمل . فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده ، وسار إلى دار قد أعدت له فيها خمس وثلاثون حجرة ، في كل حجرة آلاتها وفرشها ؛ فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار .
وفي يوم عيد الفطر صلى الحاكم بالناس بالمصلى ، وخطب على رسمه ، وأصعد ابن النعمان وعدة من القواد معه المنبر ، فجلس على الدرج .
ولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار في الركوب إلى القصر ، فركب ونزل حيث ينزل سائر الناس ، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه ، فأحضر عشية إلى القصر ، فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له في الانصراف ؛ فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله ، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك ، ثم نقل إلى تربته بالقرافة ؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهراً واحداً وثمانية عشر يوما .
وسارت قافلة الحاج لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة . وعزل خود عن الشرطة السفلى ، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبي ، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى الجامع العتيق حتى قرئ سجله على المنبر .
(2/36)

"""""" صفحة رقم 37 """"""
وفي ثالث ذي الحجة أمر الناس بتعليق القنادل على سائر الحوانيت وأبواب الدور كلها ، وفي جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة ، ففعلوا .
وصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى ، وخطب ، ونحر في القصر على رسمه ، وجلس على السماط . وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضي القضاة الحسين بن النعمان في شرور وبلاء ؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة اختارهم ؛ فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد العزيز وبالعكس . وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر في المظالم حضر شهوده عنده وسمع شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى ؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا يقرب داره ، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده ، غير أنهم لا يحضرون مجلس عبد العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه .
وفيها عقد ليانس الصقلبي على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور من بلكين ، فوصل إليها في ألف وخمسمائة فارس وملكها . فبعث باديس بن جعفر بن حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير ، واقتتلا يومين ، فانهزم عسكر يانس وقتل .
(2/37)

"""""" صفحة رقم 38 """"""
سنة إحدى وتسعين وثلثمائة
في المحرم واصل الحاكم الركوب في الليل في كل ليلة ؛ وكان يركب إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق . وأمر الناس بالوقيد ، فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة ، وزينت الأسواق والقياسر بأنواع الزينة ، وباعوا واشتروا ، وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل ؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو . ومنع الرجال المشاة بين يدي الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم ، فزجرهم ، وقال لا تمنعوا أحداً ، فأحدق الناس به وأكثروا من الدعاء له . وزينت الصناعة ، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج في الليل ، وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات ؛ وتجاهروا بكثير من المسكرات ، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء ، فإن ظهرت نكل بها . ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت .
وهبت في أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله .
وورد سابق الحاج ، ثم قدمت قافلة الحاج في سادس عشر صفر .
(2/38)

"""""" صفحة رقم 39 """"""
وفي خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان ، صاحب المظلة ، وأمر أن يكتب على مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين . وخلع على القاضي حسين بن النعمان وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما ، وحمل إليه عدة ثياب لحضوره العتاقة .
وكثر وقود المصابيح في الشوارع والطرقات ، وأمر الناس بالاستكثار منها وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها .
وخلع على فتح ، غلام ابن فلاح ، وندب إلى الخروج على الأسطول .
وقبض على رجل شامي قال : لا أعرف علي بن أبي طالب ، وأقول إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مرسل ، غير أني لا أعرف علي بن أبي طالب . فحبس وروجع ؛ فأصر على أنه لا يعرف عليا ؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علي رضي الله عنه ، فخرج الأمر بقتله ، فضرب عنقه وصلب .
وفي سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الروم ، فحشدت له العساكر من سائر الأعمال ، ووقفوا صفين والحاكم واقف ليراهم . وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح ، ونزل ، ومشى إلى القصر يقبل الأرض في طول المسافة حتى وصل إلى حضرة
(2/39)

"""""" صفحة رقم 40 """"""
الحاكم بالقصر ، وقد فرش إيوان القصر وعلق فيه تعاليق غريبة ، يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحداً وعشرين عدلا ذكرت السيدة رشيدة بنت المعز أنها كانت في قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعز في جملة أعدال ، وأن كتاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا الحادي والثلاثون والثلثمائة من عمل العبيد ، ديباج خز ومذهب ؛ ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق ، فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعاً دليلا على عظمته وسعته . وعلقت بصدر الإيوان العسجدة ، وهي درقة مطعمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه ، فأضاء لها ما حوله ، ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالاً . فدخل الرسول وقبل الأرض ، ودفع الكتب وعرض الهدية .
وأنفذ الحاكم لأبي الحسن علي بن إبراهيم النرسي ألف دينار وأربعة وعشرين قطعة ثياب مختارة ، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه .
وجرى الرسم في الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدم .
ولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضي حسين بن النعمان كتب الحاكم بخطه ورقة إلى الحسين ، نصها بعد البسملة : يا حسين أحسن الله عليك . اتصل بنا ما جرى من شناعات العوام ومن لا خير فيه ، وإرجافهم ، وأنكرنا أن يجري مثله فيمن يحل محلك من خدمتنا ، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا . ونحن نتقدم بما يزيل ذلك ، ولم نجعل لأحد غيرك نظراً في شيء من القضايا والحكم ، ولا في شيء مما استخدمناك فيه ، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحي ، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك ؛ ومن تسمى غيرك بالقضاء فذلك على المجاز في اللفظ لا على الحقيقة . وقد منعنا غيرك أن يسجل في شيء فيتقدم إلى جميع الشهود والعدول بألا يشهدوا في سجل لأحد سواك . وإن تشاجر خصمان فدعى أحدهما إليك ودعى الآخر إلى غيرك كان الداعي
(2/40)

"""""" صفحة رقم 41 """"""
إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام مستعينا بالله عز وجل ، ثم بنا ؛ ولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك في الدنيا والآخرة . وقد أذنا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضي بقاضي القضاة كما جعلناك ، وتكاتب من تكاتبه بذلك وتكتب به في سجلاتك . فاعلم ذلك ، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز . وفقك الله لرضاه ورضانا ، وأيدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما .
فقرأه القاضي على سائر الشهود ، وأمر أن يكتب في سجلاته قاضي القضاة ، وكوتب بذلك وكتب عليه .
وجرى الرسم في ركوب الحاكم لفتح الخليج وفي يوم العيد إلى المصلى على العادات .
وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة والشمع والصلات ، وزينت البلد مرة في شوال ثلاثة أيام ومرة في ذي القعدة يوما . وجرى الرسم في صلاة عيد النحر على ما تقدم ، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط . وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن الفرات ، في ثالث ربيع الأول ، عن اثنتين وثمانين سنة
(2/41)

"""""" صفحة رقم 42 """"""
وثلاثة أشهر وخمسة أيام ؛ فصلى عليه القاضي حسين بن النعمان ، ودفن في داره . وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة ؛ وحدث وأسمع وأملى مجالس ، وكتب على الصحيحين مستخرجا وكان كثير البرد والصلات والصدقة ، شديد الغيرة حتى إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن أمهاتم . فإنه بلغه عن بعض أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها . وكان يتنسك منذ تجاوز أربعين سنة . ثم حمل من مصر ودفن بالمدينة النبوية .
وفيها قتل الحاكم مؤدبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقي يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى وهو يسايره ، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيت معهم قتله ، فأخذته السيوف ؛ وكان قد داخل الحاكم في أمور الدولة وقرأ عليه الرقاع واستأذنه في الأمور كهيئة الوزراء .
(2/42)

"""""" صفحة رقم 43 """"""
سنة إحدى وتسعين وثلثمائة
في المحرم قتل الحاكم ابن أبي نجدة ؛ وكان بقالا فترقت أحواله حتى ولى الحسبة ودخل فيما لا يليق به ، وأساء في معاملة الناس ، فاعتقل ، ثم قطعت يده ولسانه وشهر على جمل وضربت عنقه .
وفي شعبان سارت هدية إلى المغرب فيها ثلثمائة فرس بجلال وعشرة بمراكب ، وخمسة وأربعون بغلا تحمل السلاح والكسوة ، وعشرون بغلا تحمل صناديق فيها ذهب وفضة .
وفي شهر رمضان خلع على تموصلت بن بكار وقلد بسيف ، وحمل على عشرة أفراس بمراكبها ، وقلد إمارة الشام .
وجرى الرسم في سماط رمضان وصلاتي العيدين وخروج قافلة الحاج على ما تقدم .
وفيها توفي أبو تميم سلمان بن جعفر بن فلاح في ثامن جمادى الآخرة . وقتل عدة أناس
(2/43)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة
في نصف صفر قدم الحاج .
وفي ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك ، فختم على عدة مواضع فيها المسكرات لتراق .
وابتدئ في عمارة جامع راشدة ، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعاً ، وأقيمت فيه الجمعة ، وفي ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم ، وله منذ نظر في الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما . فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار . فلما خرج الحاكم سأل عنها فعرف خبرها ، فأعرض عنا ؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردت إلى أولاد فهد ، وقال إنا لم نقتله على مال ؛ فحملت إليهم ، ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبي غالب كلمة تكلم بها ، فقتل وأحرق بالنار .
وخلع على أبي الحسن علي بن عمر بن العداس مكانه ، وخلع على ابنه محمد بن علي ، وعلى الحسين بن طاهر الوزان ، وحملوا في رابع عشره .
وسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها .
وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب .
(2/44)

"""""" صفحة رقم 45 """"""
وأمر بإتمام بناء الجامع الذي ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب بن كلس خارج باب الفتوح من القاهرة ، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار ، فابتدى بعمله .
وفي خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبي طاهر محمود بن النحوي الناظر في أعمال الشام لكثرة تجبره وعسفه بالناس .
وفي غرة شعبان جمع في الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح .
وقطع الحاكم الركوب في الليل .
ورد إلى أولاد فهد بن إبراهيم سروجهم المحلاة وأمروا بالركوب بها . وأطلق من اعتقل من الكتاب النصارى .
وصلى الحاكم في رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب ؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على الرسم . وأكثر من الحركة في شهري رمضان وشوال إلى دمنهور والأهرام وغيرهما .
وسافر الحاج للنصف من ذي القعدة . وأما الشام فإنه لما مات جيش بن الصمصامة في شهر ربيع الآخر سنة تسعين ولي دمشق شيخ من المغاربة يقال له فحل بن تميم ، فلبث شهورا ومات ؛ فقدم عند الحاكم على ابن جعفر بن فلاح فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوال ، وأقام بها غير منبسط اليد
(2/45)

"""""" صفحة رقم 46 """"""
في ماله . فلما كان في شهر رمضان ، سنة اثنتين وتسعين ، قدم من جهة الحاكم داع يقال له ختكين الملقب بالضيف إلى دمشق ، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر دمشق . فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم ، فشغبوا وساروا يريدون ابن عبدون النصراني ، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق ، فمنعهم الضيف وأغلظ في القول لهم ، وكان قليل المداراة ، فرجعوا إليه وقتلوه ، وانتهبوا دور الكتاب والكنائس . وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يداً واحدة في طلب الأرزاق ، وأنهم يمتنعون ممن يطالبهم بما فعلوه ؛ وحلف لهم علي بن جعفر بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه . فبلغ ذلك الحاكم فقال : هذا قد عمى . فبعث يعزله عن دمشق ، فسار عنها في يسير من أصحابه ؛ وذلك في شوال منها . وتأخر العسكر بدمشق ، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل الحاكم ، فلم يزل عليها إلى أن ولي مفلح اللحياني دمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين . وكان خادما وفي وجهه شعر ، فسار إليها .
سنة ثلاث وتسعين
وفيها قتل أبو علي الحسن بن عسلوج في المحرم وأحرق .
وقتل علي بن عمر بن العداس في شعبان وأحرق .
(2/46)

"""""" صفحة رقم 47 """"""
وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان ، صاحب المظلة لعشر بقين من ذي الحجة ؛ ضرب عنقه .
وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ضياعه ، فأذن له الحاكم ؛ فخرج بجماعة من ندمائه ؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه بخبرهم ، فصاروا إلى متنزههم فأكلوا وشربوا ، وجرى من حديثهم أن قال أحد أولاد المغازلي المنجم لابن هاشم : لا بد لك من الخلافة ، فأنت إمام العصر . فلما عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا مجردا وضربه به ، فحمل من داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه ، ويحلف ويذكر أن ضربته سالمة ، ويسأل الإذن في طبيب يعالجه ؛ فأجيب إلى ذلك .
فلما أفاق استأذن في الدخول إلى الحمام ، فأذن له ؛ فبعث الحاكم إلى الحمام من ذبحه فيه وأتاه برأسه . وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار ، وفيهم أولاد المغازلي وابن خريطة وأولاد أبي الفضل بن الفرات وفتيان من كتامة . وتتابع القتل في الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة .
(2/47)

"""""" صفحة رقم 48 """"""
سنة أربع وتسعين وثلثمائة
في محرم خلع على مظفر الخادم الصقلبي ، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها ، ومعه ثياب كثيرة ؛ وندب لحمل المظلة . وخلع على متولي الأسود وحمل لواؤه ببرقة . وقبض على أبي داود بن المطيع . وخلع على صاحب ديوان النفقات وضرب عنقه بسبب أنه سرق مائتي ألف دينار ذهب .
وقدم مفلح اللحياني إلى دمشق في المحرم ، فسار عنها تموصلت يريد مصر ، ونزل بداريا فمات بها في ثاني صفر . فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ولديه وحملهما .
وقدم الحاج في رابع عشريه .
وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع والأزقة بمصر .
وخلع على أبي يعقوب بن نسطاس المتطبب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة ؛ ومنحت لها دار بالقاهرة وفرشت ، وألزم بالخدمة ، وكان قد هلك منصور بن معشر الطبيب .
وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة .
وفي جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبي الحسن علي النرسي رسمه يجاري به العادة في كل سنة ، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار .
وفي رجب قرئ سجلان ؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه في المكاتبة بمولى الخلق أجمعين ؛ والآخر بمسير الحاج أول ذي القعدة .
(2/48)

"""""" صفحة رقم 49 """"""
وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب أنهم صلوا صلاة الضحى وفي شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح ، فترجلوا وكشفوا رؤوسهم ، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم ، فوعدهم ، وكتب لهم سجل قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم في التكرمة .
وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية .
وصلى الحاكم بالناس في رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب . وفي سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء . وكان قد ضرب في الجامع فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة وأمر أصحاب سيوف الحلي بالمشي بين يديه في كل يوم . فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام يصلي وقف جماعة الأضياف صفا خلفه يسترونه ، ولا يصلي أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه ؛ فإذا جلس في مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله . وهو أول قاض فعل ذلك معه ، وأول قاض كتب في سجلاته قاضي القضاة ؛ وعلت منزلته عند الحاكم وتخصص به . وكان له عند الحاكم جماعة يمدحونه ويبالغون في الثناء عليه ، منهم ريحان اللحياني وزيدان ومصلح اللحياني ، فانبسطت يده وعظم شأنه ؛ ولا عن بين رجل وامرأته ؛ وتشدد على الناس ؛ فكان إذا أبطأ شاهد يوم جلوسه في الجامع عن الحضور إلى داره والركوب معه رسم عليه وأغرمه مالاً ليأخذه . وألزم كتابه بملازمة داره دائما . وكانت
(2/49)

"""""" صفحة رقم 50 """"""
إليه الدعوة أيضا . وكان قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وقد أفضل على جماعة من أهل العلم والأدب والبيوتات .
فكانت مدة نظره في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما . ومولده لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين . وهو أول قاض أحرق بعد قتله ، فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله في سادس محرم الآتي ذكره .
وفي سادس عشر رمضان قلد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء إلى ما بيده من النظر في المظالم ، وخلع عليه ، وقلد سيفا محلى بذهب ، وحمل على بغلة وبين يديه سفط ثياب . فنزل في موكب عظيم إلى الجامع العتيق ، فجلس تحت المنبر ورقى أبو علي أحمد بن عبد السميع وقرأ سجله . وانصرف إلى داره فنزلها وحكم ، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقي مضافا إلى ما كان مستخلفاً عليه من الحكم في القاهرة . واستكتب أبا يوسف منال لحضرته والتوقيعات عنه ؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى وحضور المجلس بالقصر وأخذ الدعوة على الناس ، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة .
فحضر يوم الخميس الثاني عشر منه ، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته في القصر ، وأخذ النجوى والفطرة ، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين في أيامه ؛ وصرف عدة من المستخلفين بالأعمال ؛ واستكتب أبا طالب ابن السندي فوقع بين يديه ؛ واستكتب أبا القاسم علي ابن عمر الوراق ؛ وكتب السجلات وكتب القضايا والأحكام . ولزم حسين داره وقد استبد خوفه ؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره إلى دار عبد العزيز .
(2/50)

"""""" صفحة رقم 51 """"""
وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتاب ومن يجري مجراهم في أخذ شيء من البراطيل ونحوها .
وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلى ، فصلى وخطب وحضر السماط بالقصر على رسمه في ذلك .
وبرزت قافلة الحاج في ثامن ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة .
وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر ، ونحر في الملعب .
وفيها قتل سهل بن يوسف ، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير ، بسبب قوة طمعه وكثرة شرهه ، وعندما قدم للقتل سأل أن يدفع الساعة ثلثمائة ألف دينار عيناً يفدى بها نفسه ، فلم يجب .
وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار ، من أجل أنه كان إذا دخل من باب البحر تكون رجله على عنق دابته ويكون الحاكم في المنظرة التي على بابه ، فتصير رجله إلى وجه الحاكم ؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه وجع النقرس ، فعد ذلك الحاكم عليه دينا قتله به في شوال لسوء التوفيق .
وفيها قدم من برقة عدة من بني قرة إلى الإسكندرية ، فقتلوا عن آخرهم . وذلك أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس ، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب فزحف إليه فلفول
(2/51)

"""""" صفحة رقم 52 """"""
ابن خزرون ففر منه ؛ وخرج فتوح بن علي ومن معه من أصحاب يانس إلى فلفول وملكوه عليهم ؛ فقام بدعوة الحاكم ، وعقد الحاكم ليحيى بن علي بن حمدون الأندلسي على أطرابلس وكتب لبني قرة أن يسيروا معه ، فمضوا من برقة معه وخذلوه ؛ فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرة إلى برقة وأظهروا الخلاف ، فأمنهم الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا . واستقرت أطرابلس بيد فلفول وتداولها بنوه .
(2/52)

"""""" صفحة رقم 53 """"""
سنة خمس وتسعين وثلثمائة
في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنار ولبس الغيار ، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين .
وفيه فحش كثير وقدح في حق الشيخين رضي الله عنهما . وقرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحببة كانت لمعاوية بن أبي سفيان ، والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها ، والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل . وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل ، والمنع من أكل الدلنيس ، والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي ، وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلا ما لا يصلح للحرث .
وفيه التنكير على النخاسين والتشديد عليهم في المنع من بيع العبيد والإماء لأهل الذمة .
وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ، ويؤذن لصلاة العصر في أول الساعة التاسعة . وإصلاح المكاييل والموازين والنهي عن البخس فيهما ، والمنع من بيع الفقاع وعمله ألبتة لما يؤثر عن علي رضي الله عنه من كراهة شرب الفقاع .
وضرب في الطرقات بالأجراس ونودي ألا يدخل الحمام أحد إلا بمئزر ؛ وألا تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ، ولا تتبرج . ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ،
(2/53)

"""""" صفحة رقم 54 """"""
ولا يصطاده أحد من الصيادين . وتتبعت الحمامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهروا .
وفيه برزت العساكر لقتال بني قرة وسارت .
وكتب في صفر على سائر المساجد ، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه في جميع جوانبه ، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ولعنهم ، ونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب ؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور ، وأكره على عمل ذلك . وأقبل الناس من النواحي والضياع فدخلوا في الدعوة ، وجعل لهم يوم وللنساء يوم ؛ فكثر الازدحام ومات في الزحمة عدة .
ولما دخل الحاج نالهم من العامة سب وبطش ؛ فإنهم طلبوا منهم سب السلف ولعنهم ، فامتنعوا .
ونودي في القاهرة : لا يخرج أحد بعد المغرب إلى الطريق ولا يظهر بها لبيع ولا شراء فامتثل الناس لذلك .
وفي ربيع الأول تتبعت الدور ومن يعرف بعمل المسكرات ، وكسر من أوعيتها شيء كثير .
وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء ؛ فتخوف الناس كافة ، من يتعلق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب ، وسائر الرعية من العوام . وقويت الشفاعات وكثر الاضطراب ، فاجتمع سائر الكتاب والمتصرفين من المسلمين والنصارى ، وخرجوا بأجمعهم في خامسة إلى الرياحين بالقاهرة ؛ وما زالوا يقبلون الأرض
(2/54)

"""""" صفحة رقم 55 """"""
حتى وصلوا إلى القصر ، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون ، ويضجون ويسألون العفو عنهم ، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع . ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم . وسلموا رقعتهم لقائد القواد ، فأوصلها إلى الحاكم ، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجل بالعفو عنهم ؛ فانصرفوا بعد العصر . وقرئ من الغد سجل كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو عنهم .
وفي ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد ، فجلس في صبيحتها للهناء ، وأمر بإحراق الشونة فأحرقت . وكان سابع المولود ، فأخرج على يد خادم إلى قائد القواد ، فتسلمه حتى أعد المزين شعره ؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسي العقيقة بيده ، وحمل عثمان الحاجب الدم والعقيقة ، فأمر له بألف دينار وفرس ملجم وعدة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة ؛ ودفع إلى المزين مائتا دينار وفرس . وسمى المولود بالحارث وكنى بأبي الأشبال .
وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال : مولانا يقرأ عليكم السلام ويقول قد سميت مولاكم الأمير الحارث وكنيته أبا الأشبال . فقبل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء ، وانصرفوا . وزينت البلد أربعة أيام .
وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال في القصر ، ورسم لكل منهم بصلة ؛ فحضر جماعة وتقافزوا ، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من أجل سقوطهم خارجاً عن الماء على صخر هناك ؛ ووضع لمن قفز ماله . وفي ربيع الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم ، فكتب ما شاء الله من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية ، والبكجورية ، والغلمان العرفاء ،
(2/55)

"""""" صفحة رقم 56 """"""
والمماليك ، وصبيان الدار ، وأصحاب الإقطاعات ، والمرتزقة ، والغلمان الحاكمية القدم . وكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمعوا وساروا إلى تربة العزيز وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم . وكتبت عدة سجلات بأمانات للديلم والخيل والغلمان الشرابية ، والغلمان المرتاحية ، والغلمان البشارية ، والغلمان المفرقة العجم وغيرهم ، والنقباء ، والروم المرتزقة . وكتبت عدة أخرى بأمان الزويلين ، والمنادين ، والبطالين ، والبرقيين ، والعطوفية ، والجوانية ، والجودرية ، والمظفرية ، والصنهاجيين ، وعبيد الشراء بالحسينية ، والميمونية ، والفرجية . وكتب أمان لمؤذني أبواب القصر ، وأمانات لسائر البيازرة والفهادين والحجالين ، وأمانات أخر لعدة أقوام ، كل ذلك بعد سؤالهم وتقربهم .
وفيه أمر بقتل الكلاب ، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة والشوارع شيء ، وطرحت بالصحراء وبشاطىء النيل ؛ وأمر بكنس الأزقة والشوارع وأبواب الدور في كل مكان ، ففعل ذلك .
وفي جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة بالقاهرة ، وجلس الفقهاء فيها ، وحملت الكتب إليها ، ودخلها الناس للنسخ من كتبها وللقراءة . وانتصب فيها الفقراء والقراء والنحاة وغيرهم من أرباب العلوم ، وفرشت ، وأقيم فيها خدام لخدمتها ، وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره ؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأوراق والأقلام .
(2/56)

"""""" صفحة رقم 57 """"""
وفيه اشتد الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب بعد أن قتل منهم في يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيبوا ؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشي بين يديه غلام أو شاكري ، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون وحدهم ، وإذا نزل أحدهم للسلام أمسك خادمه الدابة ؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم أمان . وكتب لعدة من الناس عدة أمانات .
وفيه منع كل أحد ممن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا ؛ ومنع المكاريون أن يدخلوا بحميرهم ؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة من التجار وغيرهم ؛ ومنع كل أحد أن يمشي ملاصق القصر من باب الزهومة إلى باب الزمرد . ثم أذن للمكاريين في الدخول وكتب لهم أمان . وتخوف الناس ، فخرج أهل الأسواق على طبقاتهم ، كل طائفة تسأل كتابة أمان ، فكتب ما ينيف عن المائة أمان لأهل الأسواق خاصة ، قرئت كلها في القصر ودفعت لأربابها ، وكلها على نسخة واحدة . وهي بعد البسملة : هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ، لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين ، وأمان سيدنا محمد خاتم النبيين ، وأبينا علي خير الوصيين ، وذرية النبوة المهديين آبائنا ، صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين . وأمان أمير المؤمنين على النفس والأهل والدم والمال . لا خوف عليكم ، ولا تهديد بسوء إليكم ، إلا في حد يقام بواجبه ، وحق يوجد لمستوجبه . فليوثق
(2/57)

"""""" صفحة رقم 58 """"""
بذلك وليعول بأمان الله . وكتب في جمادى الآخرة سنة خمسين وتسعين وثلثمائة . والحمد لله وصلى الله على محمد سيد المرسلين ، وعلى خير الوصيين ، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوة ، وسلم تسليما .
وفي يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر ، فجلس الحاكم يوم الخميس للهناء . وكان السابع يوم الثلاثاء ، فحمله شكر الخادم ، وحضر أبو الحسن علي ابن إبراهيم النرسي وعق عنه ، وحضر المزين فحلق شعره وتناول ماله من الرسم . وسماه الحاكم عليا وكناه أبا الحسن ؛ وهو الذي ولي الخلافة وتلقب بالظاهر .
وفيه فرش جامع راشدة . وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت أصفر ، وعلى رأسه منديل منكر ، وهو محنك بذؤابة والجوهر بين عينيه . وقيد بين يديه ستة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر ، وست فيلة ، وخمس زرافات ؛ فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم ، فلعن في خطبته ظالمه حقه والمرجفين به ؛ وأصعد معه قائد القواد وقاضي القضاة عز الدين .
وفيه اضطرب السعر واختلف الناس في الدراهم والصرف ، فكانت المعاملة بالدراهم الزائدة والقطع ، واستقر سعرها على ستة وعشرين درهما بدينار .
(2/58)

"""""" صفحة رقم 59 """"""
وفي أول ذي القعدة برزت قافلة الحاج إلى مصلى القاهرة ، ثم رفعت إلى جب عميرة في سابعه ، وسارت ليلة العاشر منه بالكسوة للكعبة والرسوم على العادة .
وفيه كسر الخليج والماء على خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع ، وهو آخر يوم من مسرى . وحضر الحاكم وعلى رأسه تاج مكلل بالجواهر . ونودي في الناس بأن يلعبوا بالماء في النوروز على عادتهم ، ففعلوا .
ونزل الحاكم يوم النحر إلى المصلى ، فصلى بالناس وخطب ، ونحر بها ثلاث بدن ، وعاد إلى القصر فحضر السماط ، ثم نحر في الملعب إحدى وعشرين بدنة ؛ وواصل النحر أياماً .
وفيها قتل القاضي حسين بن النعمان ؛ ضربت رقبته ثم أحرق بالنار . وذلك أن متظلما رفع رقعةً إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفي وترك له عشرين ألف دينار . وأنها في ديوان القاضي ، وقد أخذ منها رزق أوقاف معلومة ، وأن القاضي حسين بن النعمان عرفه أن ماله قد نجز . فدعا به وأوقفه على الرقعة ، فقال كقوله للرجل من أنه قد استوفى ماله من أجرة . وأمر بإحضار ديوان القاضي ، فأحضر من ساعته ، فوجد أن الذي وصل إلى الرجل أيسر ماله . فعدد على القاضي حسين ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلا يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله . فقال : العفو والتوبة ؛ فأمر به فضربت عنقه وأحرق .
وقتل عدة أناس يزيد عددهم على مائة نفس ؛ ضربت أعناقهم وصلبوا ، وقتل عبد الأعلى بن هاشم من القرابة ، لأنه كان يتحدث بأنه يلي الخلافة ، وأنه كان يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال . وقد تقدم خبره .
(2/59)

"""""" صفحة رقم 60 """"""
سنة ست وتسعين وثلثمائة
فيها ذكر المسبحي خبر أبي ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموي ولد بالأندلس وقدم القيروان ، فانتصب يعلم الصبيان بها القرآن ، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان مدة ، ثم خرج إلى الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببني قرة وأكثر من قتلهم وتحريقهم بالنار ، فخلعوا طاعته . وسبب ذلك أن بني قرة كان شيخهم مختار بن القاسم ، فلما بعث الحاكم يحيى بن علي الأندلسي يخرج فلفول بن سعيد بن خزرون بطرابلس على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس ، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا إلى برقة . فتنكر لهم الحاكم ، فامتنعوا عليه ، فبعث لهم بالأمان ؛ فقدم وفدهم إلى الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين . وكان عندهم معلم القرآن واسمه الوليد بن هشام ، ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بني أمية ؛ وكان يزعم أن له أثارة من علم ، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه ، وكان يقال له أبو ركوة . فدعاهم إلى نفسه فبايعوه ، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله .
ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له ؛ ورحل إلى برقة ، والناس يباركونه في كل يوم فيسلمون عليه بالخلافة ويقبلون له الأرض ، فيجلس في وسطهم ويقول : أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدنيا : ولا أطلبها إلا لكم ، وليس معي مال أعطيكم
(2/60)

"""""" صفحة رقم 61 """"""
وإنما لي عليكم طاعة ، وإن نصرتموني نصرتم أنفسكم ، وإن قاتلتم معي أخذتم حقكم بأيديكم فيقولون له : يا أمير المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك ، فمرنا بأمرك .
فلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة ، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين الإسكندرية وبرقة . فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركي في نصف شعبان سنة خمس وتسعين ، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره ، وظفر من الأموال والخيل والسلاح والنعم الجليلة بما قوى به ، واشتد بأسه .
وكان في ظهور أبي ركوة طلع كوكب الذؤابة ، فكان يضئ كالقمر وله بريق ولمعان ، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبي ركوة يشتد ويعظم . فأقام هذا الكوكب شهورا ، ثم اضمحل نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبي ركوة ينقص ويضعف إلى أن أخذ أسيراً ، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك ؛ فكان شأن هذا الكوكب في دلالته على أبي ركوة من أعجب العجب . وابتدأ الحاكم في تجريد العساكر شيئا بعد شيء ، ونزل أبو ركوة بعد ظفره على برقة فحاصرها ، وصندل الحاكم أميرها يقاتله ، حتى اشتد الحصار ومنع أهل برقة من الميرة ، ففر صندل ، ومعه شيوخ البلد ، إلى الحاكم ، وحثه على بعث الجيوش ، وأعلمه بقوة أبي ركوة واستفحال أمره . ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة واستخرج الأموال ، وأقطع بني قرة أعمال مصر ، مثل دمياط وتنيس والمحلة وغيرها ، وكتب خطه بذلك ؛ وأقطع دور القواد والأكابر التي بالقاهرة ومصر ؛ وجدد البيعة لنفسه . فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح في ربيع الأول سنة ست وتسعين ، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت
(2/61)

"""""" صفحة رقم 62 """"""
بالإسكندرية ، وسار بها ، فلقيه أبو ركوة بذات الحمام . وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما فيه من مال وسلاح ؛ فعظم شأن أبي ركوة .
ووردت الجند على الحاكم بذلك للنصف من رمضان ، فكان من تدبير الحاكم أن دعا بوجوه رجاله وقواده ، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرفوه أنهم على مذهبه ورأيه ، وانه إن توجه إليهم وقرب منهم صاروا في جملته وقاتلوا معه ؛ وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم ، وأنهم لا يأمنون في ليلهم ولا نهارهم ، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا . فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه عدة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله .
فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشك فيه ، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ونعمها ، وسار . فخلع الحاكم على أبي الحسن علي بن فلاح ، وسيره إلى ضبط بركة الحبش في عسكر ، فأقام بها أياما ؛ ثم عدى إلى الجيزة ، وتلاحقت به العساكر براً وبحراً . واضطربت الأسعار بمصر ، وعدم الخبز وبيع مبلولاً ستة أرطال بدرهم ، وكان يباع عشرة أرطال بدرهم ، وأنفق في العساكر المتوجهة لكل واحد أربعةً وعشرين دينارا .
وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائي ، فحضر في سابع عشر شوال ، وخلع عليه ، وطرق بطوق من ذهب ، وحمل .
وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء ، وازدحم الناس عليها .
وخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب ، وقلد بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب ، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة
(2/62)

"""""" صفحة رقم 63 """"""
وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب . وسار إلى الجيزة ، وأكمل لكل واحد من العساكر السائرة خمسون دينارا . ونزلت إليه خزانة السلاح .
وورد الخبر بنهب الفيوم ؛ فجهزت إليها سرية ، فأوقعوا بأصحاب أبي ركوة وبعثوا إلى القاهرة بعدة رؤوس طيف بها .
وسار القائد فضل من الجيزة في رابع ذي القعدة والغلاء بالعسكر ، فبيعت الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم .
وأقام على بن فلاح في مضاربه بالجيزة ، وحمل إليه خيمة وخمسة أفراس بمراكبها ، وسيف ، وألفا دينار وثلاثون ثوبا ، فأنفق في أصحابه . فلما كان في ثامن عشر ذي القعدة وقع في الناس خوف في الليل وضجيج ، فنزلت العساكر طائفة بعد طائفة ، والناس جلوس في الشوارع وعلى أبواب الدور ليلهم كله ، يبتهلون بالدعاء بالنصر ، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة ؛ فسير عسكراً إلى الفيوم ، وأقام على خوف ووجل . فبلغ أبا ركوة إقامة علي بن فلاح بالجيزة ، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده ؛ وأخذت خزائن السلاح ؛ ووقع القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى . ولما نزلت خزائن السلاح من عند الحاكم مع قائد القواد ، وعظم البكاء والضجيج على شاطىء النيل لكثرة القتلى في العسكر ، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر ، وأمر بدفنهم في الجيزة . وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر ، ولم يسلم من العسكر إلا القليل ؛ فغلقت الأسواق ، وجلس الناس بالشوارع
(2/63)

"""""" صفحة رقم 64 """"""
غما لما جرى على العسكر ؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ومعارفهم . وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه ، فورد الخبر بدخول أبي ركوة في جموعه إلى الفيوم ؛ وسار فضل بن صالح لقتاله ، فالتقى معه في ثالث ذي الحجة وحاربه ، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة . وانهزم أبو ركوة ، واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب . فسارت العساكر في طلب أبي ركوة ، وحضرت الرؤوس من الفيوم ومعها الأسرى ، وهي تجاوز ستة آلاف ومائة أسير ، فطيف بها بالبلد ، وقتل الأسرى بالسيوف بع ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة ، يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم ، ويضربونهم ، حتى تفتحت أكتاف كثير منهم ، فكان أمراً مهولاً . وتواتر مجيء من أخذ من عسكر أبي ركوة فجيء بخلق كثير وعدة رؤوس .
ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه . واستمر القائد فضل في طلب أبي ركوة هو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرؤوس من يقتلهم شيئاً بعد شيء . وعاد علي بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه .
وفي الثاني من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائد الفضل بن صالح بحصول أبي ركوة ووقوعه في يده ، فابتهج الناس لذلك ؛ وخلع على قائد القواد وعلى أولاده وعلى البدوي الذي خرج في طلب أبي ركوة حتى أدركه ببلد النوبة ؛ وعلى أبي القاسم علي بن القائد فضل ، وعلى ابنه . وذلك أن أبا ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة ، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك النوبة بالقبض على أبي ركوة ، وسير إليه عسكراً مع الكتاب . فلما بلغوا أطراف النوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوماً ؛ فدلهم عليه رجل من العرب ، فقبضوا عليه في ربيع الأول منها
(2/64)

"""""" صفحة رقم 65 """"""
وأتوا به إلى القائد فضل . فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش يوم الجمعة للنصف من جمادى الآخرة ، فخرج إليه قائد القواد بسائر رجال الدولة ، وسلم عليه ، وأبو ركوة في مضرب ومعه القائد فضل ؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد سابع عشره ؛ فصار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على حمل فوق سرير ، وعليه ثوب مشهر ، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه . وذلك أنه لما ألبس الطرطور صاح : يا فضل ، يا أبا الفتوح ، ما كذا ضمنت لي . فصفع صفعة منكرة وأمسك يديه هذا القائد خلفه ، وقد اجتمع الناس من كل جهة ، فكان جمعا لم ير مثله كثرة ، وأوجرت الدور والحوانيت بحمله وبات الناس على الطرقات حتى وصل به إلى القصر ، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بأصبعه ويطلب العفو ، والصفع في قفاه ؛ ويقال له قبل الأرض فيقبل ؛ ثم سير به إلى مسجد تبر . فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والاجر ، ويصفعونه وينتفون لحيته ، حتى عاين الموت مرارا ، إلى أن بلغ مسجد تبر ، فضرب عنقه وصلب جسده ؛ وحل رأسه إلى الحاكم ؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القواد والعرفاء الذين كانوا معه ، وخلع على قائد القواد . فكان يوماً عظيما مهولاً لكثرة اجتماع الناس .
(2/65)

"""""" صفحة رقم 66 """"""
وأقاموا ليلتين في الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرون المسرة والفرح . وأظهر أبو ركوة في مواقف الألم صبرا وتجلدا ؛ وكان لا يخاطب القائد الفضل إلا باسمه أو بكنيته . ولما أقام في بركة الحبش ، وخرج الناس ورأوه ، كان يسأل من يلقاه عن اسمه وكان يتلو القرآن ويترحم على السلف . وكان شاباً أسمر تعلوه حمرة ، مستن الوجه طويل الجبهة ، أشهل بزرقة ، أقنى ، صغير اللحية ، أصهب إلى الشقرة ظاهر القلوب تبين فيه الجد ، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل . ويقال إنه ولد رجل من موالي بني أمية .
ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح . فلما كان في رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها ، وقضاة الشام وشيوخه ، لتهنئة الحاكم بالظفر وأخذ أبي ركوة . وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسني أمير مكة في شعبان لتهنئته ، فخلع عليه وأكرمه ، وأنزل بدار برجوان .
وفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر في أمور الدولة وتدبيرها بدل قائد القواد حسين بن جوهر ؛ وكان بينهما في الباطن تباعد من جهة الرتبة والحسد عليها : وكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفعه على قائد القواد في قوله وفعله : قال المسبحي : قال لي الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبي ركوة : ما أردت قتله ولكن جرى في أمره
(2/66)

"""""" صفحة رقم 67 """"""
ما لم يكن عن اختياري ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، ما قصر عبدك الفضل بن صالح في خدمته ، قال : وإيش تظن أن فضل أخذ ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، هذا قول الناس . فقال : والله العظيم ما أفلح فضل في حركته تلك ، ولا أنجح ميزاننا . أنفقنا ألف ألف دينار ذهبا صناعا ، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به إلي . فقلت صدقت يا أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرر قائد القواد الحسين بن جوهر في نفسه ليبطل فعل فضل وخدمته ، فاستقر .
وأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر في يوم عاشوراء على العادة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين والناحة إلى جامع القاهرة ، فتظاهروا فيه بسب السلف ، فقبض على رجل ونودي عليه : هذا جزاء من سب عائشة وزوجها ؛ وضربت عنقه . وتقدم الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرض أحد لسب السلف ، ومن فعل ذلك قبض عليه ، فانكف الرعاع عن السب والتعرض للحاج .
وللنصف من صفر وردت قافلة الحاج .
وفي نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفي باقة نرجس وأتحف بها الأولياء .
واستهل رجب بيوم الأربعاء ، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن يؤرخوه بيوم الثلاثاء .
وفيه هبت ريح عاصفة ، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا سقط إلى الأرض تكسر ، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين ، وفيه ما هو قدر البيضة ، فغطى الأرض ؛ وأقام الناس أياما يتبعونه في الأسواق . ولم يعهد مثل ذلك بمصر .
(2/67)

"""""" صفحة رقم 68 """"""
وجرى الرسم في شهر رمضان كل ليلة على العادة ، وصلى الحاكم فيه بالناس صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات . وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلى على عادته .
وللنصف من ذي القعدة سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها على ما جرى به الرسم .
وفتح الخليج في السابع والعشرين من مسرى والماء على خمس عشرة ذراعاً وأصابع ، فلم يركب الحاكم لفتحه ؛ ولم يوف ست عشرة ذراعاً إلى ثامن توت ؛ فخلع على ابن أبي الرداد ، وحمل .
واجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس الدعوة ، فضربوا بأجمعهم ، ولم يقرأ عليهم شيء .
وفيها رجل بنو قرة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم مختار بن قاسم .
(2/68)

"""""" صفحة رقم 69 """"""
سنة سبع وتسعين وثلثمائة
في شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة ، فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار ؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس . فرفعت هذه الدراهم ، وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرق على الصيارفة . وقرئ سجل يرفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها ؛ وأنظر من في يده منها شيء ثلاثة أيام ، وأمر الناس بحمل ما كان مها إلى دار الضرب ؛ فقلق الناس ، وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع . وبيع الخبز كل ثلاثة أرطال بدرهم ، فنودي أن يكون الخبز كل اثني عشر رطلا بدرهم جديد ، واللحم رطلين بدرهم ؛ وسعر أكثر الأشياء ؛ واستقر كل دينار بثمانين درهماً من الجدد . وسكن أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسياط وشهروا . وقبض على جماعة من أصحاب الفقاع والسماكين ، وكبست الحمامات ، وضرب جماعة لمخالفتهم ما نهو عنه وشهروا . وفي تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب وغيرها من سب السلف ، فمحي بأسره ، وطاف متولي الشرطة حتى أزال سائر ما كان منه .
وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى ، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض في أعمال أمير المؤمنين وأوامره .
وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان ، وفي صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدم .
(2/69)

"""""" صفحة رقم 70 """"""
وركب الحاكم لفتح الخليج في ذي القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا وأصابع ، وهو تاسع توت ، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر أصبعا من خمسة عشر ذراعا ، ثم نقص ، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال وابتدأت الشدة .
وفيها مات يعقوب بن نسطاس النصراني ، طبيب الحاكم ، سكران في بركة ماء ، فحمل إلى الكنيسة في تابوت ، وشق به البلد ، ثم أعيد إلى داره فدفن بها ، وسائر أهل الدولة في جنازته ومعه شموع كثيرة تتقد ، ومداخن عدة فيها بخور . وكان طبيب وقته ، عارفا بالطب ، آية في الحفظ ، ما يغنى له قط صوت إلا حفظه . ولو غناه مائة مغن في مجلس واحد لحفظ سائر ما غنوه به وتكلم على ألحانها وأشعارها . وكانت له يد في الموسيقا ، وانفرد بخدمة الحاكم في الطب فأثرى ، وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا ، سوى الثياب وغيرها .
وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذي الحجة ، فصلى عليه الحاكم .
(2/70)

"""""" صفحة رقم 71 """"""
سنة ثمان وتسعين وثلثمائة
في المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت ، فاشتد الأمر ، وبيع الخبز مبلولا ؛ وضرب جماعة من الخبازين وشهروا لتعذر وجود الخبز بالعشايا .
ووصل الحاج لثمان بقين من صفر .
وفي ربيع الأول خلع على علي بن جعفر بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا .
واشتد الغلاء . فلما كان ليلة عيد الشعانين منع النصارى من تزيين كنائسهم على ما هي عادتهم ، وقبض على جماعة منهم في رجب ، وأمر باحضار ما هو معلق على الكنائس وإثباته في دواوين السلطان ؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك . وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع وفي الشرطة .
وفي يوم الجمعة سادس عشر رجب ولي مالك بن سعيد الفارقي القضاء وخلع عليه في بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب ، وقلد بسيف . وقرأ سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم ، فخرج وبين يديه سفط ثياب ، وحمل على بغلة وبين يديه بغلتان ، وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجله قائماً على قدميه ، وكلما مر ذكر
(2/71)

"""""" صفحة رقم 72 """"""
أمير المؤمنين قبل الأرض . ثم سار من القصر إلى الجامع العتيق ، وكلما مر بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبل الباب . فلما وصل إلى الجامع وقف خلف المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجل ، وقبل الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين . ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء .
وفي يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا لذلك ، وأمروا ألا يقام لأحد ، فخرج خادم وأسر إلى صاحب الستر كلاما ، فصاح : صالح بن علي ؛ فقام صالح بن علي الروزباري ، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما يراد به . فأدخل إلى بيت المال ، ثم خرج وعليه دراعة مصمتة وعمامة مذهبة ، ومعه مسعود صاحب الستر ، فجلس بحضرة قائد القواد ، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع ، فإذا فيه رد سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القواد حسين بن جوهر إليه . فعندما سمع في السجل صالح ذكر قام وقبل الأرض . ولما انتهى ابن عبد السميع من القراءة قام قائد القواد وقبل خد صالح وهنأه وانصرف . فخرج صالح وبين يديه عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها . قال المسبحي : قال لي الحاكم بأمر الله ، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجل صالح بن علي ولا يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره ، وقلت له إنك تعرف ما أجازي به من يخالف أمري فكن منه على يقين . فوالله ما اطلع عليه أحد غيري وغيره ، حتى كان .
وجلس صالح في مجلس قائد القواد من القصر ، ووقع عن الحاكم : ورفع إليه الأولياء وسائر المتصرفين قصصهم وأحوالهم ؛ ونفذ أوامر الحاكم ، وطالع بما تجب مطالعته به . وقلد ديوان الشام ، الذي كان يتولاه ، لأبي عبد الله الموصلي الكاتب . وخلع علي الشريف
(2/72)

"""""" صفحة رقم 73 """"""
أبي الحسن علي بن إبراهيم النرسي لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين ، وقرئ سجله في القصر والجامع . وخلع على صقر اليهودي وحمل على بغلة ، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب ؛ وأنزل في دار فرشت وزينت ، وعلق على أبوابها وحجرها الستور ، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه ، وقيل له هذه دارك ؛ فحصل له في ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار . واستقر طبيب الحاكم عوضا عن ابن نسطاس .
وورد الخبر بأن ابن الجراح فر بعد قتل جماعة من أصحابه . وخلع على ياروخ وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير .
واستهل رمضان ، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد ، والقاضي مالك بن سعيد ، وجلس فوق القاضي عبد العزيز بن النعمان . وقد صلى الحاكم بالناس صلاة الجمعة في جامع راشدة ؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ما جرت عادته به ، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علي ومالك بن سعيد القاضي والشريف النرسي وجماعة .
وفي ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد السابق حسين بن جوهر والقاضي عبد العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما ، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما ، فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم ، وجلسوا على الحصر .
وفي ذي القعدة ولي غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر في البلد ، وقرئ سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون ؛ وصرف خود ومسعود .
(2/73)

"""""" صفحة رقم 74 """"""
وفي ثالث عشرة سارت قافلة الحاج .
وفي تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضي عبد العزيز ، وأذن لهما في الركوب فركبا إلى القصر بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال .
وتوقفت زيادة النيل ؛ فاستسقى الناس ، وخرجوا معهم النساء والصبيان مرتين .
وقرئ سجل بإبطال المكوس والمؤن التي تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز .
وصلى الحاكم صلاة عيد النحر ، وخطب ونحر في المصلى والملعب على عادته ورسمه وبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم . وتعذر وجوده . وجرى الرسم في عيد الغدير على عادته . واشتد تكالب الناس على الخبز ، فاجتمعوا وضجوا من قلته وسواده ؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة ، وكانت الحملة الدقيق قد بلغت ستة دنانير .
وفتح الخليج في رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا ، فبلغ التليس أربعة دنانير والويبة من الأرز بدينار ، واللحم كل رطلين بدرهم ، ولحم البقر رطلين ونصفا بدرهم ، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم ، وزيت الوقود الرطل بدرهم .
وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة على عادتهم في كل
(2/74)

"""""" صفحة رقم 75 """"""
سنة بتجمل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج ، فسأل الحاكم ختكين الضيف العضدي ، أحد قواده ، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة ، فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحج إليها من جميع البلاد ، وتأتيها الملوك ، وتحمل إليها الأموال العظيمة ، والثياب والستور والفرش والقناديل ، والصلبان المصوغة من الذهب والفضة ، والأواني من ذلك ؛ وبها من ذلك شيء عظيم . فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة ، ونصبت الصلبان ، وعلقت القناديل في المذبح ، تحيلوا في إيصال النار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق ، فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء . فأنكر الحاكم ذلك ، وتقدم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء ، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الداعي أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها . ففعل ذلك . ثم أمر بهدم ما في أعمال مملكته من البيع والكنائس ، فخوف أن تهدم النصارى ما في بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك .
(2/75)

"""""" صفحة رقم 76 """"""
سنة تسع وتسعين وثلثمائة
في ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني في ديوان الخراج بانفراده من غير شريك .
وفي تاسعه ، وهو نصف توت ، أشيع وفاء النيل ، وخلع على ابن أبي الرداد ، فابتدأ في النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت ؛ فأمر الناس كافةً بألا يتظاهر أحد منهم على شاطىء النيل بشيء من الغناء ، ولا يسمع في دار ولا يشرب في المراكب . وكبست عدة دور ، وقبض على جماعة .
وقدم الحاج في حادي عشري صفر .
ونودي ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر ، ولا يمشي اليهود والنصارى إلا بالغيار ، وضربوا على ترك ذلك . وكسبت الحمامات وأخذ منها جماعة وشهروا من أجل أنهم وجدوا بغير مئزر .
(2/76)

"""""" صفحة رقم 77 """"""
ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا ؛ وأفرد الجواري من الغلمان ، وجعل لكل منهم يوم . ومنع من نصب الشراعات التي كانت النساء تنصبها في المقابر أيام الزيارة . وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه ، فازدحموا على شرائه ، وبيع منه شيء كثير ، فعز حتى بيع كل عشر جرار بدينار ، ولم يوجد لكثرة طلابه .
ومنع كل أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء ، واشتد الأمر في هذا ، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به .
وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا عيني ، والاشتغال بالصلوات في أوقاتها ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وألا يخوض أحد في أحوال السلطان وأوامره وأسرار الملك .
وقرئ سجل في ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز ، وحذر من التظاهر بشيء منه أو من الفقاع ، والدلينس ، والسمك الذي لا قشر له ، والترمس المعفن .
وقرئ آخر في سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم ، لكثرة ما اشتهر عندهم وداخلهم من الخوف بما يجري من أوامر الحضرة في البلد .
وفي حادي عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان ؛ وطلب حسين بن جوهر ففر هو وابناه وجماعة . وكثر الصياح في دار عبد العزيز ؛ وغلقت حوانيت القاهرة وأسواقها . فأفرج عن عبد العزيز ونودي في القاهرة بألا يغلق أحد . ثم رد حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه ، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف إلى دورهم ؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما ، وكتب لهما أمانان .
وفي رجب كثرت الأمراض في الناس ، وفشا الموت . وتخوف الناس من الحاكم فكتب عدة أمانات لأناس شتى . وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت .
(2/77)

"""""" صفحة رقم 78 """"""
وفي شعبان تراخت الأسعار .
وفي رمضان قرئ سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ، ويفطرون ؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون ؛ ويخمس في التكبير على الجنائز المخمسون ، ولا يمنع من التربيع عليها المربعون ؛ يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون ؛ لا يسب أحد من السلف ، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف ، والحالف منهم بما حلف ؛ لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد .
وفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت الزحمة ، واصطفت العساكر حول القصر بالسلاح ، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع ؛ فخرج صالح ابن علي بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب ، وبين يديه فرسان وسفط ثياب ، وسجل يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم .
وأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر في المظالم .
وتزايدت الأمراض وكثر موت الناس ، وعزت الأدوية ؛ فبلغ السكر أربعة دراهم للرطل ، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم ، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار ، والعناب والإجاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار ، والبطيخة بثلاثة دنانير .
(2/78)

"""""" صفحة رقم 79 """"""
ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضي مالك بن سعيد بالناس في المصلى وخطب .
وفي ذي القعدة أعيدت المكوس التي كانت رفعت .
وسارت قافلة الحاج في النصف منه .
وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذي الحجة على عادته ، غير أنه أبطل منه الملاهي والخيال واللعب الذي كان يعمل في كل سنة .
وصلى القاضي بالناس صلاة عيد النحر وخطب .
وفي يوم عيد الغدير منع الناس من عمله . ودرست كنائس كانت بطريق المكس وكنيسة بحارة الروم من القاهرة ونهب ما فيها . وقتل في هذه الليلة كثير من الخدم والصقالبة والكتاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط الذراع .
وفيها مات أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث خلون من جمادى الأولى ، وقتل القائد فضل بن صالح ، ضربت رقبته لتسع بقين من ذي القعدة .
(2/79)

"""""" صفحة رقم 80 """"""
وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوي لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة ، ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكي النحوي ؛ واستتر عبد الغني بن سعيد ؛ وكان ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها .
وقتل رجاء بن أبي الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح في شهر رمضان .
وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس .
وفيها قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي متولي الرحبة من قبل الحاكم ، وملكها بعده صالح بن مرداس الكلابي متملك حلب .
(2/80)

"""""" صفحة رقم 81 """"""
سنة أربعمائة
في حادي عشر صفر صرف أبو الفضل صالح بن علي الروزباري ثقة ثقات السيف والقلم ، وقرر مكانه أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني ؛ فوقع من الحاكم فيما كان يوقع فيه صالح ، ونظر فيما كان ينظر فيه ، وأذن لصالح في الركوب إلى القصر .
وسار ابن عبدون في الموكب مع الشيوخ في المنتهى وقال مثلي لا يساير أمير المؤمنين بأعلى من ذلك .
وكتب من إنشاء ابن سورين لخدم قمامة بالقدس .
وأحدث الحاكم ديوانا سماه الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم .
ووصل الحاج في حادي عشر منه .
وفي ربيع الأول كثرت الأمراض والموت ، وعزت الأدوية المطلوبة للمرضى .
وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم .
وهدم دير القصير ونهب .
ولقب ابن عبدون بالقاضي ، وكتب له سجل بذلك ، وحمل على بغلتين .
واشتد الأمر على اليهود والنصارى في إلزامهم لبس الغيار .
ورد إقطاع حسين بن جوهر إليه وإلى أولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان ، وقرئ لهم بذلك سجل .
(2/81)

"""""" صفحة رقم 82 """"""
وصلى القاضي بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم .
وقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدي القضاة من الخمس والفطرة والنجوى .
في تاسع ذي القعدة فر حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان وأولاده بجماعة منهم في أموال وسلاح ، وخرجوا ليلاً ، فلما أصبحوا سير الحاكم خيلا في طلبهم نحو وجرة فلم يدركوهم . وأحيط بدورهم ، فأخذت للديون المفرد . وفر أبو القاسم الحسين بن المغربي في زي حمال إلى حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح .
وفيه قرىء عدة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية ، والأتراك ، والقضاة ، والشهود ، وسائر الأولياء والأمناء ، والرعية ، والكتاب ، والأطباء ، والخدام السود ، والخدام الصقالبة ؛ لكل طائفة أمان .
وحمل سائر ما في دور حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر بعد أن احصاه القاضي ملك بن سعيد وضبطه .
وقرئ سجل بقطع مجالس الحكمة التي كانت تقرأ على الأولياء في يومي الخميس والجمعة .
وقرئ سجل في الجامع العتيق بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوض فيما لا يعنيهم وسجل آخر برد التثويب في الأذان ، والإذن للناس في صلاة الضحى وصلاة القنوت . ثم جمع في سائر الجوامع وقرئ عليهم سجل بأن يتركوا الأذان بحي على خير العمل ، ويزاد في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم ؛ وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله ؛ فامتثل الناس وعمل .
(2/82)

"""""" صفحة رقم 83 """"""
وسار محمد بن نزال بعسكر إلى الشام .
وقرئ سجل مندد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر .
وصلى الحاكم بالناس في المصلى صلاة عيد النحر ، وخطب ونحر ، وحضر السماط على رسمه .
وقرئت عدة أمانات بالقصر .
وفيه سارت العساكر بعدة مواضع تطلب قائد القواد حسين بن جوهر وصهره عبد العزيز ، وشاع الخبر بأنه عند بني قرة .
وقرئ سجل في الجوامع بالرخصة فيما كان يشدد فيه في الجمعة الماضية من أمر النبيذ .
وقتل في هذه السنة عدة كثيرة من الخدام والفراشين والكتاب وغيرهم .
ومات أبو منصور بشر بن عبيد الله بن سورين كاتب السجلات في صفر . وتوفي صقر اليهودي ، طبيب الحاكم في ربيع الآخر . وتوفي أبو عبد الله اليمنى المؤرخ ، وله تاريخ النحاة ، وسيرة جوهر القائد . وقتل أبو الفضل صالح بن علي الروزباري ليلة الثاني عشر من شوال . وقتل غالب بن هلال متولي الشرطتين والحسبة في شوال .
(2/83)

"""""" صفحة رقم 84 """"""
سنة احدى وأربعمائة
في رابع المحرم صرف ابن عبدون النصراني ، وخلع على أحمد بن محمد القشوري الكاتب ، وقرئ سجله في القصر بأنه تقلد الوساطة والسفارة بين أولياء أمير المؤمنين الحاكم وبينه ، وأمر الرعايا ، وفوضت له الأمور وعول عليه فيها . وكان سبب صرف ابن عبدون عن الوساطة والسفارة أن كتب الحاكم تكررت إلى قائد القواد حسين بن جوهر وإلى صهره عبد العزيز بن النعمان بأمانهم وعودهم ، فأبى ابن جوهر أن يدخل وابن عبدون واسطة ، وقال : أنا أحسنت إليه نظري فسعى فيّ إلى أمير المؤمنين ونال مني كل منال ؛ لا أعود أبدا وهو وزير . فصرف لذلك ، وحضر حسين وعبد العزيز ومن خرج معهما ، فنزل سائر أهل الدولة إلى لقائه ، وتلقته الخلع ، وأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره عبد العزيز ؛ وقيد بين أيديهم الدواب . فعندما وصلوا إلى باب القاهرة ترجلوا ومشوا ، ومشى معهم سائر الناس إلى القصر ؛ فمثلوا بحضرة الحاكم ، ثم خرجوا وقد عفى عنهم . وأذن للحسين أن يكاتب بقائد القواد ، ويكون اسمه تالياً للقبه ، وأن يخاطب بذلك ؛ فانصرف إلى داره ؛ فكان يوما عظيما . وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وغيره ، وأنعم عليه . وواصل هو وعبد العزيز الركوب إلى القصر .
وكتب لابن عبدون أمان خطه الحاكم بيده ؛ وكان يقول عنه : ما خدمني أحد ولا بلغ في خدمته ما بلغه ابن عبدون . ولقد جمع لي من الأموال ما هو خارج في أموال الدواوين ثلثمائة ألف دينار .
(2/84)

"""""" صفحة رقم 85 """"""
وأقام ابن القشوري على رسمه ينظر عشرة أيام ، إلى ثالث عشره ؛ فبينا هو يوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ في تعظيم حسين بن جوهر ، وأكثر من السؤال في حوائجه .
وفي يومه أجلس أبو الخير بن زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني في مكان ابن القشوري ؛ وأمر أن يوقع عن الحاكم في أوامره ، فجلس ونظر في الوساطة والسفارة بغير خلع . ومنع من الركوب في المراكب بالخليج ؛ وسدت أبواب القاهرة التي مما يلي الخليج ، وأبواب الدور والطاقات المطلة عليه والخوخ .
وخلع على قاضي القضاة مالك ، وقلد النظر في المظالم مع القضاء ؛ وقرئ سجله بالجامع .
وكتب سجل بإعادة مجالس الحكمة . وأخذ النحوي . وشدد على النصارى في لبس الغيار بالعمائم الشديدة السواد ، دون ما عداها من الألوان .
وفيه قبض على حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان ، واعتقلا ثلاثة أيام ، ثم حلفا أنهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك ، وأفرج عنهما ؛ وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما .
واعتقل ابن عبدون ، وأمر بعمل حسابه ؛ ثم ضربت عنقه وقبض ماله .
(2/85)

"""""" صفحة رقم 86 """"""
وفي سابع عشر صفر وصل الحاج من غير زيارة المدينة النبوية ، فأمر أن يكون مسير الحاج للنصف من شوال وأن يبدءوا بزيارة المدينة ؛ وكتب بذلك إلى سائر الأعمال .
وفي سابع ربيع الآخر خلع على زرعة بن عيسى بن نسطورس ، وحمل ، وقرئ له سجل في القصر لقب فيه بالشافي .
وخلع على أبي القاسم علي بن أحمد الزيدي ، وقرئ له سجل بنقابة الطالبيين .
وقرئ سجل في سائر الجوامع ، فيه النهي عن معارضة الإمام فيما يفعله ، وترك الخوض فيما لا يعنى ؛ وأن يؤذن بحي على خير العمل ، ويترك من أذان الصبح قول : الصلاة خير من النوم ؛ والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح ؛ وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم . فكان بين المنع من ذلك والإذن به خمسة أشهر .
وضرب جماعة وشهروا لبيعهم الملوخية والسمك الذي لا قشر له . وقبض على جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا ، وكبست مواضع ذلك . ومنع النصارى من الغطاس فلم يتظاهروا على شاطىء البحر بما جرت عادتهم به .
وفي ثاني عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان على رسمهما إلى القصر ، فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل ،
(2/86)

"""""" صفحة رقم 87 """"""
أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم . فجلس الثلاثة وانصرف الناس ، فقبض على ثلاثتهم وقتلوا في وقت واحد ، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم ؛ فوجد لحسين بن جوهر في جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر أنواع الديباج والعتابي وغيره ، وتسع متارد صيني مملؤة حب كافور قنصوري وزن الحبة الواحدة ثلاثة مثاقيل . وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم . واستدعي أولاد حسين وأولاد عبد العزيز ووعدوا بالجميل وخلع عليهم ، وحملوا على دواب .
وفيه ذبحت نعجة فوجد في بطنها حمل وجهه كوجه إنسان .
وفي شعبان وقع قاضي القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العالي المعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد . واشتد الأمر في منع المسكرات ، وتتبع مواضعها . وأبطلت عدة جهات من جهات المكوس والرسوم . ومنع الغناء واللهو ، وأمر الاتباع مغنية ؛ وألا يجتمع الناس في الصحراء ومنع النساء من الحمام . وأن يكون الخروج للحج في سابع شوال .
وركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه .
وفي ثاني شوال سار على بن جعفر بن فلاح بالعساكر لقتال حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح عند هزيمته ياروخ وقبضه عليه وعلى أصحابه بالرملة ؛ فقاتلهم في ثالث عشره وقتل منهم وظهر عليهم ؛ وخلع طاعة الحاكم ، وأقام الدعوة لأبي الفتوح حسين بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني ، أمير مكة . وقتل ياروخ .
(2/87)

"""""" صفحة رقم 88 """"""
وفيه تأخر الحاج إلى نصف ذي القعدة ، فخرجوا في سابع عشره ، ورجعوا في ثالث عشريه من القلزم ؛ فلم يحج أحد من مصر في هذه السنة .
وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر ، وخطب ، ونحر في المصلى والملعب مدة أيام النحر . ولم يركب الحاكم ولا نحر .
وفيها مات أبو الحسن علي بن إبراهيم النرسي نقيب الطالبيين في رابع ربيع الآخر وقد أناف على السبعين .
وقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا ؛ قتلهم الحاكم .
وفيها خطب قرواش بن المقلد بن المسيب ، أمير بني عقيل ، للحاكم بالموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها ؛ فكان أول الخطبة : الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب ، وانهدت بعظمته أركان النصب ، وأطلع بقدرته شمس الحق من المغرب . ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبني العباس .
(2/88)

"""""" صفحة رقم 89 """"""
سنة اثنتين وأربعمائة
في المحرم قلدت الشرطتان لمحمد بن نزال ، وأمر بتتبع المنكرات والمنع منها ، وألا يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال ، ولا تباع الجرار . ومنع النصارى من الاجتماع في عيد الصليب ، وأن يظهروا في المضي إلى الكنائس .
وأوفى النيل ستة عشر ذراعا في رابع عشر صفر ، وهو سادس عشر توت .
وفي تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلد بسيف ، وقرئ سجله بأنه لقب بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به ؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها . وهدمت اللؤلؤة .
وفي جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره ، وكوتب بالمنع من حمله ، وألقى في النيل منه شيء كثير .
وفي رجب قطع الرسم الجاري من الخبز والحلوى الذي كان يقام في الثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة في ليالي الجمع والأنصاف . وحضر القاضي مالك إلى جامع القاهرة في ليلة النصف من رجب . واجتمع الناس بالقرافة على عادتهم في كثرة اللعب والمزاح .
(2/89)

"""""" صفحة رقم 90 """"""
وقرئ سجل في القصر بأن أحداً لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع .
واستهل شعبان يوم الاثنين ، فأمر أن يجعل أوله يوم الثلاثاء ؛ وأخذ جميع ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة . ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة .
وفي ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل في المساجد ، وتنافس الناس في ذلك .
وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد .
وتشدد الأمر في الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له . ومنع الناس من الاجتماع في المآتم ومن اتباع الجنائز . وأحرق زبيب كثير كان في محارق التجار . وجمع الشطرنج من أماكن متعددة وأحرق . وجمع الصيادون وحلفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر ، ومن فعل ذلك ضربت رقبته ، وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود ؛ وتولى مؤنة الإنفاق على حمله وإحراقه متولى ديوان النفقات ؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مؤنة الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار في مدة خمسة عشر يوما .
وقرئ سجل بمنع الناس من السفر إلى مكة في البر والبحر ، ومن حمل الأمتعة والأقوات إليها ؛ فرد قوم خرجوا إلى الحج من الطريق .
(2/90)

"""""" صفحة رقم 91 """"""
ومرض غين الخادم ، فركب الحاكم لعيادته ، وسير إليه خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة ؛ وقلد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة ، والنظر في جميع الأموال والأحوال . ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه ، وقرئ سجله وفيه تشدده في المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له ، والمنع من الملاهي ومن اجتماع الناس في المآتم واتباع الجنائز ، والمنع من بيع العسل إلا أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها . وفي ذي الحجة وردت هدية تنيس على العادة في كل سنة .
ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر ، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب . ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر .
ومنع من الاجتماع على شاطىء النيل ، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال . وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرقت فيه دراهم كثيرة .
ومنع من بيع العنب وألا يتجاوز في بيعة أربعة أرطال ، ومنع من اعتصاره ، فبيع كل ثمانية أرطال بدرهم ، وطرح كثير منه في الطرقات ، وأمر بدوسه ؛ ومنع من بيعه ألبتة ، وغرق ما حمل منه في النيل . وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه ، وبعث بذلك إلى عدة جهات . وتتبع من يبيع العنب ، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه ؛ فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب ، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيق ، فقال له : من أين أقبلت ؟ قال من أرض الله الضيقة . فقال : يا شيخ ، أرض الله ضيقة ؟ فقال : لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر . فضحك منه وتركه .
(2/91)

"""""" صفحة رقم 92 """"""
وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة ، ففر عاملها في البحر وفتحوها . وفيه نزع السعر .
وفيها مات أبو القاسم ولى الدولة ابن خيران الكاتب في شهر رمضان .
وانتهى ماء النيل في زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف ذراع .
(2/92)

"""""" صفحة رقم 93 """"""
سنة ثلاث وأربعمائة
في محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه ؛ ورفعت مكوس الساحل . ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء . وغرق في أربعة أيام خمسة آلاف وواحد وخمسون زيراً من أزيال العسل . ونزع السعر ، وكثر الازدحام على الخبز ، ففرق الحاكم مالاً على الفقراء . وكثر ابتياع الناس للسيوف والسكاكين والسلاح ، وحمله من لم يحمله قط من العوام والصناع ، وكثر الكلام فيه ، فقرئ سجل على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال المرجفين .
وفي ثاني ربيع الأول خلع على أبي الحسن علي بن جعفر بن فلاح ولقب قطب الدولة ، وقرئ له سجل بالتقدم على سائر الكتاميين والنظر في أحوالهم ، والسفارة بينهم وبين أمير المؤمنين . وحمل على فرس وبين يديه ثياب .
وهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علته في ثاني عشره ؛ فكانت مدة نظره في الوساطة سنتين وشهرا ؛ فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل ، وقال ما أسفت على شيء قط أسفي على خلاص ابن نسطورس من سيفي ، وكنت أود ضرب عنقه ، لأنه أفسد دولتي ، وخانني ونافق علي ، وكتب إلى حسان بن الجراح في المداجاة علي وأنه يبعث من يهرب به إليه .
وخلع على إخوته الثلاثة وأقروا على ما بأيديهم من الدواوين . وأمر النصارى إلا الحبابرة بلبس العمائم السود والطيالسة السود ، وأن يعلق النصارى في أعناقهم صلبان الخشب ، ويكون ركب سروجهم من خشب ، ولا يركب أحد منهم خيلا ، وأنهم يركبون البغال
(2/93)

"""""" صفحة رقم 94 """"""
والحمير ، وألا يركبوا السروج واللجم محلاةً ، وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور سود ، وأنهم يشدون الزنانير على أوساطهم ، ولا يستعملون مسلما ، ولا يشترون عبدا ولا أمة ؛ وأذن للناس في البحث عنهم وتتبع آثارهم في ذلك ؛ فأسلم عدة من النصارى الكتاب وغيرهم . وشدد الأمر عليهم ، ومنع المكاريون من تركيبهم ، وأخذوا بتسوية السروج والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين .
واستدعى الحاكم حسين بن طاهر الوزان وكان منقطعا إلى غين الخادم الأسود وعرض عليه الوساطة فأجاب بشريطة أن يكون لكل قبيل من طوائف العسكر زمام عليهم يرجعون إليه ، ويكون نظره على الأزمة ، فيجعل لكل طائفة يوما ينظر في أمورهم وخاصة زمامهم فقط ؛ ففعل ذلك ، وخلع عليه . وفوض في الوساطة والتوقيع ، وقرئ سجله بالقصر في تاسع عشر ربيع الأول . وأمر الحاكم فنقش على خاتمه : بنصر الله العظيم الولي ينتصر الإمام أبو علي .
وفيه أمر النصارى بعمل ركب السروج من خشب الجميز .
وقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا . وألزم النصارى أن يكون الصليب الذي في أعناقهم طوله ذراع في مثله ، وكثرت إهاناتهم وضيق عليهم ؛ وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق الثياب مكشوفا ، ففعلوا ذلك . ولما اشتدت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم بالإسلام ، فوقع الأمر بهدم الكنائس ، وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع وأراض لجماعة ، وعملت مساجد وأذن في بعضها وبيعت أوانيها . ووجد في المعلقة بمصر وفي كنيسة
(2/94)

"""""" صفحة رقم 95 """"""
بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره . وتتابع هدم الكنائس ؛ وكتب إلى الأعمال بهدمها فهدمت .
وأشيع سير أبي الفتوح أمير مكة من الرملة إلى الحجاز ، وكان قد قدم إليها فبايعه ابن الجراح ولقبه بالراشد بالله أمير المؤمنين ، ودعا له بالرملة .
وفي جمادى الأولى لقب الحسين بن طاهر الوزان بأمين الأمناء وكتب له سجل بذلك . وظهر لحسين بن جوهر مال عظيم ، فأنعم به الحاكم على ورثته ولم يعرض لشيء منه .
وفي ذلك الحين كان وصول أبي الفتوح إلى مكة إقامته الدعوة للحاكم بها ، وضربت السكة باسمه . وابتدأ مالك بن سعيد بعمل رصد فلم يتم .
وفي جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك . وقبض على جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم ، ثم أطلقوا . وتشدد في منع ذبح الأبقار السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد . وأقطعت الكنائس والديارات بنواحي بمصر لكل من التمسها .
(2/95)

"""""" صفحة رقم 96 """"""
وفي رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم ، وبمنعهم من تقبيل ركابه ويده عند السلام عليه في المواكب ، والانتهاء عن التخلق بأخلاق أهل الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنه صنيع الروم ؛ وأمروا أن يكون للسلام عليه : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . ونهوا عن الصلاة عليه في المكاتبة والمخاطبة ، وأن تكون مكاتبتهم في رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال ، ويقتصر في الدعاء على سلام الله وتحياته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين ، ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير . فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب سوى : اللهم صل على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى ، اللهم وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين ، اللهم اجعل أفضل سلامك على سرك وخليفتك .
وأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلى الجامع العتيق ليقرأ فيها الناس . وأحصيت المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة مسجد ونيف ، فأطلق لها في كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما ، لكل مسجد اثنا عشر درهما .
ومنع من ضرب الطبول والأبواق التي كانت تضرب حول القصر في الليل ، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق . وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا . وأبطلت مكوس الحسبة ، وأذن للناس بالتأهب للحج في البر والبحر .
وفي رمضان صلى الحاكم بالناس مرة في جامعه براشدة ، ومرة بجامعه خارج باب الفتوح وفيه ظهر جراد كثير حتى أبيع في الأسواق . وصلى بالجامع العتيق بمصر جمعة ، وهو أول من صلى فيه من الخلفاء الفاطميين . ومنع النساء من الجلوس في الطرقات للنظر إليه . وأخذ القصص بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم ؛ وخالطه العوام وحالوا بينه وبين
(2/96)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
موكبه . واستماحه قوم فوصلهم بصلات كثيرة ؛ وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلها وأجازهم عليها . ووقف عليه اثنان من تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض عليه للديوان من أيام العزيز ، فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار . وكثرت في هذا الشهر إنعاماته ، فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في ذلك ، فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة : الحمد لله كما هو أهله .
أصبحت لا أرجو ولا أتقي . . . سوى إلهي ، وله الفضل
جدّي نبيّي ، وإمامي أبي . . . وديني الإخلاص والعدل
المال مال الله عز وجل ، والخلق عباد الله ، ونحن أمناؤه في الأرض . أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها . والسلام .
وركب في يوم الفطر إلى المصلى بغير شيء مما كان يظهر في هذا اليوم من الزينة والجنائب ونحوها ، فكان في عشرة أفراس جياد بين يديه بسروج ولجم محلاةً بالفضة البيضاء الخفيفة ، ومظلة بيضاء بغير ذهب ، وعليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته ، ولم يفرش المنبر .
وفيه وقعت فتنة بين طوائف العسكر شهروا فيها السلاح ، فركب الحاكم وأصلح بينهم . وولد لعبد الرحيم بن إلياس ابن عم الحاكم مولود فبعث إليه ثلاثة أفراس مسرجة
(2/97)

"""""" صفحة رقم 98 """"""
ملجمة ومائة قطعة من الثياب وخمسة آلاف دينار عينا وسائر ما كان لأبيه أبي الأشبال المتوفي ، وكان شيخا جليلا .
ومنع الناس من سب السلف وضرب في ذلك رجل وشهر ، ونودي عليه : هذا جزاء من سب أبا بكر وعمر ، وتبرأ الناس . فشق هذا على كثير من الناس ، وتجمعوا يستغيثون وهم يستغيثون في الطرقات . فقرئ سجل بالقصر فيه الترحم على السلف من الصحابة والنهي عن الخوض في مثل ذلك . ورأى في طريقه وقد ركب لوحاً فيه سب على السلف فأنكره ووقف حتى قلع . وتتبع الألواح التي فيها شيء من ذلك ، فقلعت كلها ، ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر . وشدد في الإنكار على من خالف ذلك ، ووعد عليه بالعقوبة .
وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة إلى بركة الجب ثم رجعوا من ليلتهم .
وخلع على قطب الدولة أبي الحسن على بن فلاح وسار في عسكر لقتال ابن الجراح . وأملك ابنا عبد الرحيم بن إلياس بزوجتي حسين بن جوهر ، وقرئ كتابهما في القصر ، وقد كتبا في ثوب مصمت وفي رأس كل منهما بخط الحاكم : يعقد هذا النكاح بمشيئة الله وعونه ، والحمد لله رب العالمين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وخلع على ابني عبد الرحيم وحمل عنهما المهر وهو ألفا دينار .
وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر كهيئته في عيد الفطر ؛ ونحر عنه عبد الرحيم والمؤذنون يكبرون خلفه كما يفعلون بين يدي الحاكم ، والقاضي مالك إلى جنبه ومعه الرمح ،
(2/98)

"""""" صفحة رقم 99 """"""
وكلما رمى الرمح لينحر به قبله قبل أن ينحر به ؛ فعل ذلك ثمانية أيام ، فعبث إليه الحاكم ثياباً جليلة وجواهر ثمينة ، وحمله على فرس بسرج مرصع بالجوهر .
وواصل الحاكم الركوب إلى الصحراء بحذاء في رجله ، وعلى رأسه فوطة . وكان يركب كل ليلة بعد المغرب . ووقف إليه خراساني يذكر أنه أخذ منه متاع برسم الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه ، فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف دينار ، فشق به البلد ، وكثر الدعاء للحاكم . وحمل إلى عبد الرحيم عشرة ألاف دينار في أكياس مكتوب عليها : لابن عمنا وأعز الخلق علينا عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله ، سلمه الله وبلغنا فيه ما نؤمله .
وبعث إلى ملك الروم هدية مبلغ سبعة آلاف دينار .
وفيها وصلت هدية الحاكم إلى نصير الدولة أبي مناد مع عبد العزيز بن أبي كدينة لثلاث عشرة خلت من المحرم ، ومعه سجل بإضافة برقة وأعمالها إليه ؛ فخرج إلى لقائه ومعه القضاة والأعيان ، فكان يوماً مشهودا .
وفي أواخر رجب فلج أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن أبي الحسين أمير صقلية ، فتعطل جانبه الأيسر ، فقام بالأمر ابنه أبو محمد جعفر بن يوسف وكان بيده سجل الحاكم بولايته بعد أبيه ؛ ثم وصل إليه سجل لقب فيه تاج الدولة وسيف الملك . ثم أنفذ إليه تشريف ، وعقد له لواء ، وزيد في لقبه الملك .
وفي ذي القعدة مات مفرج بن دغفل بن الجراح برملة لد ، من فلسطين .
(2/99)

"""""" صفحة رقم 100 """"""
سنة أربع وأربعمائة
في محرم أمر ألا يدخل يهودي ولا نصراني الحمام إلا ويكون مع اليهودي جرس ومع النصارى صليب . ونهى عن الكلام في النجوم ، فتغيب عدة من المنجمين وبقي منهم جماعة وطردوا ؛ وحذر الناس أن يخفوا أحداً منهم ، فأظهر جماعة منهم التوبة فعفى عنهم ، وحلفوا ألا ينظروا في النجوم .
وأمر بغلق سائر الدواوين وجميع الأماكن التي تباع فيها الغلال والفواكه وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء ؛ فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلا حوانيت الخبازين . ونزل الذين عادتهم النزول في يوم عاشوراء إلى القاهرة من المنشدين وغيرهم أفراداً غير مجتمعين ولا متكلمين ، فما اجتمع اثنان في موضع . وخرج الحاكم في أمره وبذيله القاضي إلى بلبيس ، فنظر إلى العسكر المجهز مع علي بن فلاح ، وعاد من الغد ، ورحل العسكر .
وأكثر الحاكم في هذا الشهر من الصدقات وإعطاء الأموال الكثيرة جدا . وأعتق سائر مماليكه وجواريه . وفتح فيه الخليج يوم السابع عشر من مسرى والماء على أربعة عشر ذراعا وثمانية أصابع . وفي أول صفر صرف القائد غين عن الشرطتين والحسبة ، وتقلدها مظفر الصقلبي حامل المظلة . وأذن لليهود والنصارى في مسيرهم إلى حيث ساروا من بلاد الروم . وورد الخبر بوصول عساكر مصر ودمشق إلى الرملة وخروج العرب منها . وأمر ببناء جامع الإسكندرية وأطلق مالا كثيرا للصدقة والتفرقة .
وفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم
(2/100)

"""""" صفحة رقم 101 """"""
عبد الرحيم بن إلياس بن أبي علي بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله قد جعله الحاكم بأمر الله ولي عهد المسلمين في حياته والخليفة بعد وفاته ، وأمر الناس بالسلام عليه وأن يقولوا له في سلامهم عليه : السلام على ابن عم أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين ؛ وتعين له محل يجلس فيه من القصر . ثم قرئ السجل على منابر البلد وبالإسكندرية ؛ وبعث بذلك سجلاً إلى إفريقية ، فقرئ بجامع القيروان وغيره ، وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة والطراز . فعظم ذلك على نصير الدولة أبي مناد باديس وقال : لولا أن الإمام لا يعترض عليه في تدبير لكاتبته ألا يصرف هذا الأمر عن ولده إلى بني عمه .
وخلع على عبد الغني بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ثياب ، وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك . وسير مع رسول متملك الروم بهدية عظيمة .
وبلغ الحاكم أن أبا القاسم علي بن أحمد الزيدي النقيب عليه عشرون ألف دينار ، فوقع له بها مما عليه من الخراج ، وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى .
وكثر ركوب الحاكم وهو بدراعة صوف وبيضاء وعمامة فوطة ، وفي رجله حذاء عربي بقبالين ؛ فأقبل الناس إليه بالرقاع ما بين متظلم أو مستمنح ؛ فأجزل في الصلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب ، فلم يرد أحد خائبا . ورد ما كان في الديوان من الضياع والأملاك المأخوذة لأربابها ، وأقطع كثيرا من الناس عدة آدر . وفي ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء .
وفي ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدي أبي القاسم أحمد بن علي الجرجرائي ، فقطعتا جميعاً ؛ وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين . وسبب ذلك أنه كان في خدمة ست
(2/101)

"""""" صفحة رقم 102 """"""
الملك ، أخت الحاكم ، فانفصل عنها وهي غير راضية عنه ، وخدم عند غين ؛ ثم بعث إليها رقعة يستعطفها ، فارتابت منه وسيرتها في طي درجها إلى الحاكم ، فأمر بقطع يديه وقد اشتد غيظه . ويقال بل كان عقيل صاحب الخبر يحمل الرقاع بالخبر إلى القائد غين ليوصلها إلى الحاكم وهي مختومة ؛ فجاءه في يوم بالرقاع على عادته فدفعها غين إلى كاتبه أبي القاسم الجرجرائي حتى يجد فراغا فيحملها إلى الحاكم ، ففك الجرجرائي الختم وقرأها ، فإذا في بعضها طعن على غين وذكره بسوء ، فقطع ذلك الموضع من الرقعة وحكه وأصلحه ، وأعاد الختم . فبلغ ذلك عقيلا فأوصله إلى الحاكم فأمر بقطع يديه .
وفي ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائي بخمسة عشر يوماً ، وكانت يده الأخرى قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر ، فصار مقطوع اليدين . ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة أسفاط من الثياب وأمر بمداواته . وأبطل عدة مكوس من جهات كثيرة . فلما كان في ثالث عشره أمر بقطع لسان غين فقطع .
وفي رجب أمر برفع ما يؤخذ من الشرطتين ؛ وقتل الكلاب ، فقتلت بأجمعها ؛ وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصابون ، ومبلغه ستة عشر ألف دينار ؛ وأطلق أموالا جزيلة للصدقة . وأكثر من الركوب في الليل . ونزل ليلة النصف من شعبان إلى القرافة ومشى فيها وتصدق بشيء كثير ، وأبطل عدة جهات من جهات المكس . ومنع النساء أن يخرجن إلى
(2/102)

"""""" صفحة رقم 103 """"""
الطرقات في ليل أو نهار سواء أكانت المرأة شابةً أم عجوزاً ، فاحتبسن في بيوتهن ولم تر امرأة في طريق ، وأغلقت حماماتهن ، وامتنع الأساكفة من عمل خفاف النساء وتعطلت حوانيتهم .
وفي سادس عشره وقع في الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعته بأن السيف قد وقع في الناس ، فتهارب الناس وغلقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب . وضرب قوم خالفوا النهي عن بيع الملوخية والسمك الذي لا قشر له وشهروا . وضرب كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن . وقرئ سجل بالمنع من تفتيش المسافرين في البحر والبر وانهي عن التعرض . وفي رمضان صلى بالناس في الجوامع الأربعة : جامع القاهرة ، والجامع خارج باب الفتوح ، وجامع عمرو ، وجامع راشدة ؛ وتصدق بأموال كثيرة ؛ ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس ، فقال : اللهم استجب منى في ابن عمي وولي عهدي والخليفة من بعدي ، عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين ، كما استجبت من موسى في أخيه هرون .
وفيه ركب قائد القواد غين إلى القصر في موكب عظيم ، فخلع عليه . وضرب على السكة اسم عبد الرحيم ولي عهد المسلمين . ومنع من عادته الطواف في الأعياد بالأسواق لأخذ الهبات من الرجالة والبواقين . واجتمع الأولياء وغيرهم بالقصر في يوم الخميس ثامن عشريه لسماع ما يقرؤه القاضي من كتب مجالس الحكم ، فمنعوا من ذلك .
(2/103)

"""""" صفحة رقم 104 """"""
وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة ، فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من الجامع إلى القصر ، فوقف لهم وأخذ رقاعهم ، وحادثهم ، وضاحكهم ، فلم يرجع إلى القصر من كثرة وقوفه ومحادثته العوام إلى غروب الشمس ، ووقع صلات كثيرة . وركب لصلاة العيد بغير زي الخلافة ، ومظلته بيضاء ، وعبد الرحيم يسايره وهو حامل الرمح الذي من عادة الخليفة حمله ، وأصعده معه المنبر ودعا له . ولم يعمل في القصر سماط ، ولا رؤيت امرأة ، ولا أبيع شيء مما عادته يباع في الأعياد من اللعب والتماثيل . واشتد الأمر في منع النساء من الخروج ، وحبس عدة عجائز وخدم وجدن في الطرقات .
وواصل الركوب في الليل . وأطلق لخليج الإسكندرية خمسة عشر ألف دينار .
وقرئ سجل بأن كل من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولي العهد ؛ فجلس عبد الرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقع عليها . وللنصف من ذي القعدة سار الحاج . وفي يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلى فصلى بالناس وخطب ، ونحر بالمصلى وبالملعب ، ولم يعمل سماط بالقصر .
وواصل الحاكم الركوب في العشايا . واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبي الرضا سعد ، وأعطاه من الجواهر والأموال ما يجل وصفها ، وأقطعه إقطاعات كثيرة ؛ فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهماتهم ، فتكلم لهم مع الحاكم فلم يرد سؤاله في شيء . وكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف دينار .
وفيه بعث أبو مناد باديس ، أمير إفريقية ، حميد بن تموصلت على عسكر إلى برقة ، فخرج منها خود الصقلبي إلى مصر فتسلمها حميد .
(2/104)

"""""" صفحة رقم 105 """"""
سنة خمس وأربعمائة
في المحرم تزايد وقوع النار وكثر الحرق في الأماكن ، فأمر الناس باتخاذ القناديل على الحوانيت وعلى أريافها ؛ وطرحت السقائف والرواشن وأمر بقتل الكلاب ، فقتل منها كثير . وعظم الحريق ، ووقعت في أمره شناعات من القول ، فقرئ سجل في الجوامع بزجر السفهاء والكف عن أحوال تفعل ، وأن يدخل الناس إلى دورهم من بعد صلاة العشاء . فأغلقت الدور والحوانيت والدروب من بعد صلاة المغرب وكثر الكلام وعظم الترحم في الليل .
وفيه وصل علي بن جعفر بن فلاح من الشام . ووصلت قافلة الحاج في تاسع صفر من غير زيارة المدينة ، وقد أصابهم خوف شديد ، وهلك منهم خلق كثير من الجوع والعطش .
وفيه ركب الحاكم مرتين ، فرفعت إليه الرقاع ، فأمر برافعيها فحبسوا .
وحبس عدة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح وطوخ على القراء والمؤذنين
(2/105)

"""""" صفحة رقم 106 """"""
بالجوامع وعلى ملء المصانع والمارستان وثمن الأكفان .
وفي ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا ، ثم امتنع من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضي مالك ، وإلى أمين الأمناء ، فتناولوا الرقاع . وأكثر من الهبات والصلات والإقطاع والخلع . فلما كان يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر ركب في الليل على رسمه إلى الجب وتلاحق به الناس وفيهم قاضي القضاة مالك بن سعيد ، فلما أقبل على الحاكم أعرض عنه فتأخر ، وإذا بصقلبي يقال له غادى ، يتولى الستر والحجية ، أخذه وسار به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض ، فمر به الحاكم وأمر بمواراته ، فدفن هناك بثيابه وخفيه . وكانت مدة نظره في الأحكام عشرين سنة ، منها ست سنين وتسعة أشهر قاضي القضاة وباقيها خلافة لبني النعمان . وكان ينظر في القضاء والمظالم والأحباس ، والدعوة ، ودار الضرب ، ودار العيار ، وأمر الأضياف ؛ فعلت منزلته وقصده الناس في حوائجهم لكثرة اختصاصه بالحاكم وتزايد إقطاعاته من الدور بفرشها والضياع العديدة ، ومواصلة الركوب مع ليلا ونهارا ، ومشاورته في أمور الدولة ونظره في أمور الدواوين كلها . وكان سخياً جواداً
(2/106)

"""""" صفحة رقم 107 """"""
فصيحا بليغاً ، لم يضبط عليه قط صياح ولا حدة ، ولا سمعت منه في خطاباته أبداً كلمة فيها فحش ولا قذع ولا قبح .
وكان سبب قتله أنه اتهم بموالاة سيدة الملك ومراعاتها ، وكان الحاكم قد انفلق منها فلما قتل استدعى الحاكم أولاده وخاطبهم ، ولم يتعرض لشيء من تركة أبيهم ؛ وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب في الموكب ، وأقره على إقطاعه ، ومبلغه في السنة خمسة عشر ألف دينار .
وفي جمادى الأولى رد الحاكم على بني عمرو بن العاص حبس جدهم عمرو بن العاص ، ومبلغه في الشهر نحو مائتي دينار .
وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في اليوم الواحد عدة مرات ، وعظمت هباته وعطياته . ثم أمر بابتياع الحمير ، وصار يركبها من تحت السرداب إلى باب البستان إلى المقس ، ويغلق الأبواب التي يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه ، ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع .
وفي جمادى الآخرة قدم رسول ملك الروم ، فاصطفت العساكر من باب القصر إلى سقاية ريدان بعددها وأسلحتها ، وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوطة بمظلة مثلها ، وولي العهد يسايره وعليه ثوب مثقل ، ومعهم الجواهر . وأحضر الرسول ومعه
(2/107)

"""""" صفحة رقم 108 """"""
عبد الغني بن سعيد بهدية إلى القصر ، فخلع على عبد الغني ، وأنزل الرسول في دار بالقاهرة وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الركابية أخذوا هبة من الرسول ، فأمر بقتلهم ، فقتلوا من أجل ذلك .
وفي جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء ، الحسين بن طاهر الوزان ، على رسمه ؛ فلما انتهى إلى حارة كتامة خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ابن الوزان ودفن مكانه . فكانت مدة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما ؛ وكان توقيعه عن الحاكم : الحمد لله وعليه توكلي . وتقدم الأمر لسائر أرباب الدواوين بلزوم دواوينهم .
واعتل الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة ، وأكثر من الحركة في العشيات إلى المقس والتعدية إلى الجيزة وهو على الحمار . وأكثر من الركوب في النيل .
وفي حادي عشر شعبان أمر أصحاب الدواوين بأن يمتثلوا ما يرسم به عبد الرحيم بن أبي السيد الكاتب ، متولي ديوان النفقات ، وأخوه أبو عبد الله الحسين ، وجعلا في الوساطة والسفارة ، ثم قرئ لهما سجل بذلك ، وخلع عليهما وحملا ؛ فوقعا ، وكان توقيعهما : الحمد لله حمدا يرضاه .
وفي حادي عشريه خلع على أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام ، وأعطى سجلاً بتقليده قضاء القضاة ، وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفح بالذهب ، وقيد بين يديه بغلة أخرى ، ونزل إلى الجامع فقرئ سجله على المنبر ، وفيه : فقلدك أمير المؤمنين القضاة والصلاة والخطابة بحضرته ، والحكم فيها وراء حجابه من القاهرة المعزية ،
(2/108)

"""""" صفحة رقم 109 """"""
ومصر وأعمالها ، والإسكندرية ، والحرمين ، وبرقة ، والمغرب ، وصقلية ؛ مع الإشراف على دور الضرب بهذه الأعمال ، والنظر في أحباس الجوامع والمساجد ، وأرزاق المرتزقة ووجوه البر ؛ وتستخلف على الحكم . ونقل ديوان الحكم من بيت مالك بن سعيد إلى بيت المال بالجامع العتيق ، وهو أول من فعل ذلك من القضاة . وكانت دواوين الحكام في دورهم فجعلها بالجامع ، وجعل جلوسه بالجامع العتيق يومي الاثنين والخميس ، وبالقاهرة يوم الثلاثاء ، ولحضور القصر يوم السبت . وفي يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد ، فصلى بالجامع الأنور الجديد بباب الفتوح في موكب الخلافة ، ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد . وفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج في ذلك عن الحد . وركب ولي العهد يوم الفطر في موكب الخلافة ، وصلى بالناس في المصلى ، وخطب . وخرج الحاكم عن المعهود في العطاء والإقطاعات حتى أقطع النواتية الذين يجدفون به في العشاري ، وأقطع المشاعلية ، وكثيرا من الوجوه والأقارب ، وبني قرة ؛ فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها .
وفي نصفه قتل ابنا أبي السيد ، حسين وعبد الرحيم ، ضربت أعناقهما بالقصر ؛ فكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما .
وواصل الركوب في كل غداة وهو على الحمار . وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه الناس من حوائجهم في ثلاثة أيام ، يوم السبت للكتاميين والمغاربة ، ويوم الاثنين
(2/109)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
للمشارقة ، ويوم الخميس لسائر الناس كافة ؛ وأن يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ليلاً ونهاراً بالرقاع ، فما يتعلق بالمظالم فإلى ولي العهد ، وما يتعلق بالدعاوى فإلى قاضي القضاة ، وما استصعب من ذلك ينتهي إلى أمير المؤمنين .
وفي سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة ، ولم يخلع عليه ؛ فجلس ووقع ، ثم قتل في اليوم الخامس من جلوسه .
وتشدد الأمر في منع النساء من الخروج في الطرقات ومن التطلع في الطيقان ، بأسرهن ، شبابهن وعجائزهن . ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد الأذان : السلام على أمير المؤمنين ، وأن يقولوا بعد الأذان : السلام من الله .
وفيه غلب بنو قرة على الإسكندرية وأعمالهما . وأقطع القاضي ابن أبي العوام ناحية تلبانة عدي . وأكثر الحاكم فيه من الركوب ، فركب في يوم واحد ست مرات ، تارة على فرس ، وأخرى على حمار ، ومرة في محفة تحمل على الأعناق ، ومرة في عشارى في النيل بشاشية لا عمامة عليها . وأكثر من إقطاع الإقطاعات للجند وعبيد الشراء . واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر قرب العشاء ، وشق البلد والطرادون يفرقون الناس عنه . وصلى ولي العهد صلاة عيد النحر ، ولم يضح بشيء ؛ ونهى الناس عن ذبح البقر .
وفيه قلد ذو الرياستين قطب الدولة أبو الحسن علي بن جعفر بن فلاح الوساطة والسفارة . وفيها بعث نصير الدولة أبو مناد باديس من إفريقية هدية عظيمة إلى الغاية للحاكم بأمر الله ، فوصلت إلى مدينة برقة لأربع عشرة بقيت من رجب ، وسارت منها في
(2/110)

"""""" صفحة رقم 111 """"""
سابع رمضان حتى ولت لك فأخذها بنو قرة عن آخرها . وكانوا قد انتجعوا مع كبيرهم مختار بن قاسم من البحيرة ، ومعهم مواشيهم ، وقصدوا مدينة برقة ، ففر منها حميد بن تموصلت إلى إفريقية ، فملك برقة مختار بن قاسم .
وفيها بعث الحاكم عبد العزيز بن أبي كدينة ، ومعه أبو القاسم بن حسن ، إلى إفريقية بخلع وسيول وتشريف لمنصور بن نصير الدولة أبي مناد باديس لولاية ما يتولاه أبوه في حياته وبعد وفاته ، ولقبه عزيز الدولة .
(2/111)

"""""" صفحة رقم 112 """"""
سنة ست وأربعمائة
فيها عرض الاستيمار على الحاكم بأسماء الفقهاء والقراء والمؤذنين بالقاهرة ومصر ، فكانت جملته في كل سنة واحداً وسبعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثي وربع دينار ؛ فأمضى جميع ذلك .
وفيها زاد ماء النيل وغرق الضياع ، وغلت الأسعار ، وهلكت البساتين ، وامتلأ كل مكان من المدينة ، وغرق المقياس وانتهت الزيادة إلى ثلاث أصابع من إحدى وعشرين ذراعا ؛ وبلغ الماء إلى نصف النخل مما يلي بركة الحبش ، وغرق المعتوق . ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلا من الشارع والصحراء .
(2/112)

"""""" صفحة رقم 113 """"""
سنة ثمان وأربعمائة
قدم مصر داع عجمي اسمه محمد بن اسماعيل الدرزي واتصل بالحاكم فأنعم عليه . ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم ، فأنكر الناس عليه ذلك ، ووثب به أحد الأتراك ومحمد في موكب الحاكم فقتله ، وثارت الفتنة ، فنهبت داره وغلقت أبواب القاهرة . واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدرزية ، وقبض على التركي قاتل الدرزي وحبس ثم قتل . ثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن أحمد ، وتلقب بالهادي ، وأقام بمسجد تبر خارج القاهرة ، ودعا إلى مقالة الدرزي ، وبث دعاته في أعمال مصر والشام ، وترخص في أعمال الشريعة ، وأباح الأمهات والبنات ونحوهن ؛ وأسقط جميع التكاليف في الصلاة والصوم ونحو ذلك . فاستجاب له خلق كثير ، فظهر من حينئذ مذهب الدرزية ببلاد صيدا وبيروت وساحل الشام
(2/113)

"""""" صفحة رقم 114 """"""
سنة تسع وأربعمائة
في آخر شوال ركب الوزير علي بن جعفر بن فلاح إلى البرك التي قبل الخليج خارج القاهرة ، فثار عليه فارسان ، فأخذه أحدهما فألقاه ، وفرا ، فلم يعرف خبرهما ، وحمل إلى داره فمات من الأخذ . وولى الوزارة بعده الظهير صاعد بن عيسى بن نسطورس فأقام إلى رابع ذي الحجة . وقيل تولى بعده شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان .
وفيها عزل الحاكم سديد الدولة عن دمشق ، ووليها عبد الرحيم بن إلياس ، وسار إليها لعشرين من جمادى الآخرة ، فبينما هو قصره إذ هجم عليه قوم ملثمون فقتلوا جماعةً من غلمانه ، ثم أخذوه ووضعوه في صندوق وحملوه إلى مصر . فلم يكن بها أكثر من شهرين ، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد . وورد من مصر رجل يقال له أبو الداود المغربي ومعه جماعة ، وأخرجوا عبد الرحيم وضربوا وجهه ؛ وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلي بهم . وعجب الناس من هذه الأمور .
وفيها سومح ضامن الصعيد الأعلى بما عليه وهو أربعة وستون ألف دينار وسبعمائة وخمسة وستون دينارا .
(2/114)

"""""" صفحة رقم 115 """"""
سنة عشر وأربعمائة
فيها اشتد الغلاء بديار مصر حتى أبيع الدقيق رطلا بدرهم واللحم أربع أواق بدرهم ، ومات كثير من الناس بالجوع . وبلغت عدة من مات في مدة رمضان وشوال وذي القعدة ، مائتي ألف وسبعين ألفا سوى الغرباء وهم أكثر من ذلك وفي سنة عشر وأربعمائة سير الحاكم بأمر الله أبا القاسم بن اليزيد إلى شرف الدولة الحاكمية أبي تميم المعز بن نصير الدولة أبي مناد باديس ، ومعه سيف مكلل بنفيس الجوهر وخلعة من لباسه ،
سنة إحدى عشرة وأربعمائة
فقدم المنصورية لست بقين من صفر سنة إحدى عشرة . وتلقاه شرف الدولة ونزل إليه فقرأ عليه سجلاً عظيما ؛ فكانت أيام فرح . ثم ورد بعده محمد بن عبد العزيز بن أبي كدينة بسجل آخر ومعه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب ، فخلع على أبي القاسم ومحمد ، وحملا ، وطيف بهما في القيروان والأعلام المذكورة بين أيديهما .
ولليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقد الحاكم . وسبب فقده أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة ، وكانت أسن منه ، فدار بينها وبينه يوما كلام ، فرماها بالفجور وقال لها : أنت حامل . فراسلت سيف الدين حسين بن علي بن دواس ؛ من مقدمي كتامة ، وكان قد تخوف من الحاكم ، وتواعدا على قتل الحاكم وتحالفا عليه . فأحضرت ست الكل عبدين وحلفتهما على كتمان الأمر ، ودفعت إليهما ألف دينار ليقتلا الحاكم . فأصعد إلى الجبل في الليل ، وكان الحاكم قد رأى أن عليه قطعا ؛
(2/115)

"""""" صفحة رقم 116 """"""
فلما كان في الليلة التي فيها قال لأمه : علي قطع في هذه الليلة وعلامة ذلك ظهور كوكب الذنابة ؛ ودفع إليهما خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها ، فمنعته من الركوب ، ونام . ثم انتبه آخر الليل وقام ليركب ، فتعلقت به ، فامتنع ومضى ، وركب الحمار إلى باب القاهرة ، ففتح له أبو عروس صاحب الشرطة الباب وأغلقه خلفه ، وخرج متبعا له . قال : فسمعته يقول : ظهر والله الكوكب ؛ ولم يكن معه سوى ركابي وصبي يحمل دواته . فعارضه وسط الجبل سبع فوارس من بني قرة ، فخدموه وسألوه الأمان وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم ، فأمنهم ، وأمر الركابي أن يحملهم إلى الخازن يدفع إليهم عشرة آلاف درهم . ودخل الشعب الذي كان يدخله وقد وقف العبدان له ، فضرباه حتى مات ، وطرحاه ، وشقا جوفه ولفاه في كساء ، وقتلا الصبي وغرقا حماره ؛ وحملا الحاكم في كساء إلى أخته فدفنته . وأقامت مدة ، وأحضرت الوزير خطير الملك وعرفته الحال ، وأمرته أن يكاتب عبد الرحيم بن إلياس يستدعيه من دمشق . فكتب إليه على لسان الحاكم يأمره بالمبادرة ، واستدعت ألف ألف دينار فرقتها في الأولياء وبعثت قائد السواحل . فلما قدم عبد الرحيم عدل به إلى تنيس فقتل بها . واضطرب الناس لغيبة الحاكم ، فأرسلت إليهم : إنه أخبرني أنه يغيب سبعة أيام ، وإنه يواصلني بأوامره . ورتبت رسلا يمضون عنها إلى الحاكم ويجيئون منه
(2/116)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
إليها . ففي أثناء ذلك اشتدت شوكتها ، وكف الناس عن الاستقصاء في المسألة . وأحضرت ابن دواس وواطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم ، وأظهرته وعلى رأسه تاج جده العزيز . وقام ابن دواس فقال لمن حضر من أهل الدولة ، تقول لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلموا عليه . وقبل ابن دواس الأرض ، فبايع الناس إلا غلاما تركيا كان عمل ليلا بين يدي الحاكم فإنه قال : لا أبايع حتى أعرف خبر مولاي . فقتل ، وقام ابن دواس بتدبير الأمر . ثم إن ست الملك دست عليه وقتلته وقتلت جميع من اطلع على سرها ، وقتلت جماعة خافتهم . ثم لم تطل أيامها وماتت بعد أيام .
قال ابن أبي طي لما ذكر هذا الخبر في كيفية قتل الحاكم : وكان الحاكم شديد السطوة ، عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء . خطب له على منابر مصر والشام وإفريقية . وكان يتشبه بالمأمون ويقصد مقاصده واشتغل بعلوم الأوائل ، واعتد بعلوم النجوم ، وعمل له رصدا ، ووقف الكواكب ، واتخذ بيتا بالمقطم فيه عن الناس ويخلو لمخاطبة الكواكب . وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرهبان ، ووراءه غلام اسمه مفلح يحمل الدواة والسيف والورق في كيس معلق في كتفه وهو يمشي وراءه ؛ فإذا مر بسوق انهزم الناس واستتروا عنه ، ويطرق أبواب الحوانيت فلا ينظرون إليه ، إلا أن يكون لأحد منهم حاجة فإنه يقف عليه ويكتب العبد بين يديه ما يأمره به في رقعة إلى الوزير .
وكان لا يحضره الجيش إلا في الأعياد ، فيركب في ذلك اليوم بثيابه على الفرس . وكان مهاباً عند أهل مملكته ، وكان لا يحضر مجالس الجدل ويحتجب أياما كثيرة مشتغلا بما هو فيه ، وكان له سعي في إظهار كلمته ، فبعث دعاته إلى خراسان وأقام فيها مذهب الشيعة ، واستجاب له عالم عظيم ؛ فبعث إلى البلاد بالأموال في استمالة الرجال إلى ما يريد .
(2/117)

"""""" صفحة رقم 118 """"""
وكان أبو عبد الله أنوشتكين النجري الدرزي أول رجل تكلم بدعوته ، وأمر برفع ما جاء به السرع ، وسير مذهبه إلى بلاد الشام والساحل ، ولهم مذهب في كتمان السر لا يطلعون عليه من ليس منهم . وكان الدرزي يبيح البنات والأمهات والأخوات . فقام الناس عليه بمصر وقتلوه ، فقتل الحاكم به سبعين رجلا . وأنفذ الدرزي إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره ؛ وادعى الربوبية . وقدم رجل يقال له يحيى اللباد ، ويعرف بالزوزني الأخرم ، فساعده على ذلك ، ونشط جماعة على الخروج عن الشريعة .
وركب يوما من القاهرة في خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر ، ودخل الجامع بدابته ، وأصحابه كذلك ، فسلم إلى القاضي رقعة فيها : باسم الحاكم الرحمن الرحيم ، فأنكر القاضي ذلك ، وثار الناس بهم وقتلوهم ، وشاع هذا في الناس فلعنوه . ويقال إنه خرج يوما وعليه قباء أطلس وفي وسطه سيف ، فخلع القباء وقال : هذا الظاهر قد خلعته ، ثم جرد السيف وقال : هذا الباطن قد سللته .
قال : وفي السنة التي قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل في أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام ، فمن أبى الأكل قتله . وكان دعاته إذا ركب يقولون : السلام عليك يا واحد يا أحد ، ويغلون فيه الغلو المفرط . وادعى أنه حصل له كتاب الجفر . ولما غلب على الحرمين وعد العلويين أهل المدينة إذا هم مكنوه من فتح دار جعفر بن محمد الصادق بوعود كثيرة ، ففتحها ، وكانت مغلقة ، فإذا فيها قعب خشب ومصحف وسرير سعف وقدره ؛ ولم تكن
(2/118)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
فتحت قبل ذلك ، فرأى بالسرير وأخذ أعداءه وهدم بيعة ثمامة في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة ؛ وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يتب : أمرت حضرة الإمامة بهدم قمامة ، وأن يجعل علوها خفضا ، وسماؤها أرضا . وبلغه أن المغاربة تلعنه ، فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهب مالك بن أنس في الجامع . وكان يحب العلماء ويقدم ما يرد فيه ، وإذا رأى رأيا عزم عليه وأمضاه . وكتب إليه رجل : إن فلانا مات وخلف مالا ، فوقع بخطه على ظهر الرقعة : السعاية قبيحة إن كانت صحيحة . وكتب إليه آخر : إن فلانا مات وخلف بنتا ، وقد أخذت جميع مال أبيها ، فوقع على ظهر الرقعة : المال مال الله ، واليتيم جبره الله ، والساعي لعنه الله ، وعلى مذهبنا يجوز أن ترث البنت جميع مال أبيها . ومنع النساء الخروج من البيوت ، فقيل إن فيهن من لا تجد من يقوم بشأنها فتموت جوعا ، فأمر الباعة بالتطواف في السكك وأن يبيعوهن من خلف الأبواب ويناولوهن بمغارف طوال السواعد . وكان أمر ألا يكشف مغطى ، فسكر رجل ونام في قارعة الطريق وغطى نفسه بمنديل ، فصار الناس يمرون به ولا يقدر أحد أن يكشف عنه . فمر به الحاكم وهو كذلك ، فوقف عليه وقال له : ما أنت ؟ فقال : أنا مغطى ، وقد أمر أمير المؤمنين ألا يكشف مغطى . فضحك وطرح عنده مالا ، وقال : استعن بهذا على ستر أمرك . وقرر الحاكم بعد ابن الفرات ذا الرياستين قطب الدولة أبا الحسن علي بن جعفر بن فلاح ، واستمر إلى أن قتل الحاكم .
انتهى ما ذكره ابن أبي طي ، وفيه تحامل شعر به واحد من مؤرخي مصر ذكره .
وقال الروحي على ما حكاه عنه ابن سعيد : ولم يزل الحاكم خليفة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، فخرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال ، فطاف ليلته كلها على رسمه
(2/119)

"""""" صفحة رقم 120 """"""
وأصبح عند قبر الفقاعي ، ثم توجه إلى شرقي حلوان ، وتبعه ركابيان ، فأعادهما . وبقي الناس على رسومهم يخرجون يلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور ، ثم خرج خواص من بطانته فبلغوا دير القصير ، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل ؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذي كان راكبه على قنة الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه . وتتبع الأثر فقاد إلى أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدامه ؛ فلم يزالوا يقصون هذا القص حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان ، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب ، ووجدت مزررة فيها آثار السكاكين ، فلم يشك في قتله . فكانت مدته ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر ، وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا . وكسفت الشمس يوم موته . وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل دولته وغيرهم صبرا ، وكانت سيرته من أعجب السير .
قال : ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا ، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف المنجة لهن ؛ فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافة الظاهر .
قال أحمد بن الحسين بن أحمد الروذباري في كتاب الأدباء على ما نقله ابن سعيد : وقتل الحاكم ركابيا له بحربة في يده على باب جامع عمرو بن العاص وشق بطنه بيده . وعم بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوي ومغن ومختار وصاحب ستر
(2/120)

"""""" صفحة رقم 121 """"""
وحمامي وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودي ونصراني ، وقطع حتى أيدي الجواري في قصره . وكان في مدته القتل والغيلة حتى على الوزراء وأعيان الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم . وخطفت العمائم جهاراً بالنهار ، وكان لعبيد الشراء في مدته مصائب وخطوب في الناس . وكان المقتول ربما جر في الأسواق ، فأوقع ذلك فتنة عظيمة .
قال : كان الحاكم يركب حمارا يسمى القمر ويعبر به على الناس . وكان له صوفية يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر . ووقف رجل للحاكم فصاح عليه ، فمات لوقته . وكانت غيبته إلى يوم جلوس ولده الظاهر ثلاثة وأربعين يوما . قال ابن سعيد عن مجموع وقف عليه : وواصل الحاكم في ركوبه الوقوف على المعروف بابن الأرزق الشواء ومحادثته بدار فرح ، وخلع عليه وأجازه . وفي يوم استدعى الحاكم أحد الركابية السودان المصطنعة ليحضر إلى حانوت ابن الأزرق الشواء ، فوقفه بين اثنين ورماه برمح ، ثم أضجعه ، واستدعى سكينا فذبحه بيده ، ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده ، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثم ركب . وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء . ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها ، ثم أمر قاضي القضاة بالصلاة عليه ، وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق ، وصلى عليه قاضي القضاة ، ودفن بالقرافة ، وواراه قاضي القضاة وجعل التراب تحت خده ، وأمر ببناء قبره وتبيضه في وقته ؛ ففعل ذلك . وتظلم إليه رجل في ركوبه إلى مصر في ناصح الركابي ، فوقف عليه وسأل ناصحا عن دعواه فظهر أنها صحيحة ، فأمر أن يدفع ماله إليه ، فلم يجد معه في الوقت ذلك القدر ، فألزمه ببيع فرسه الذي كان راكبا عليه ، فباعه ووفى الرجل ما كان له عليه ، كل ذلك بحضرته وهو واقف على ظهر دابته ، ثم سار .
(2/121)

"""""" صفحة رقم 122 """"""
وقال الفوطي : كان الحاكم أجود الخلفاء بماله ، وبه تفشت حاله فيما سفكه من الدماء التي لا يحصيها إلا الله . وكان الأمر في مدة العزيز فيه انحلال وعفو كبير عن الناس ، وظنوا أن ذلك يجوز في مدة الحاكم وجروا على رسمهم ، فتجرد له منهم مطلع على جميع أمورهم غير مطرح لعقوبة ، فهلك الجم الغفير منهم . وكان في مدة أبيه العزيز بالله قد تكشف على أقوام ممن يطعن في الدولة ويسىء المقالة فيها ، فلما صارت له الخلافة انتقم منهم أشد انتقام وعمهم بالعقوبة .
قال : ومن حكايته المشهورة في العدل أن رجلا عربيا ورد على مصر من سجلماسة يريد الحج ، فأودع ماله عند رجل في السوق ، فلما عاد من الحج طل ماله فأبى أن يدفعه إليه . فتوصل إلى أن أطلع الحاكم على أمره ، فقال له اجلس في دكان مقابلا لدكانه ، فإذا جزت في ذلك السوق فاعمل كأنك تعرفني وكأني أعرفك . فلما مر الحاكم وقف على الرجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف ، وانصرف فجاء الرجل الذي عنده الوديعة إلى الرجل وأكب عليه وسأله الصفح عما سلف منه ، وأحضر إليه جميع ماله . فعرف الحاكم بذلك ، فأصبح الذي أنكر الوديعة مقتولا معلقا برجله .
وكان نقش خاتمه : بنصر الولي العلي ينتصر الإمام أبو علي .
(2/122)