Advertisement

اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء موافق للمطبوع 002



الكتاب : اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء
المؤلف : تقي الدين أحمد بن علي المقريزي
دار النشر : وزارة الأوقاف - مصر - 1416هـ - 1996م
الطبعة : الثانية
تحقيق : د. جمال الدين الشيال
عدد الأجزاء / 3
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] """""" صفحة رقم 123 """"""
وخطب له معتمد الدولة ، أبو المنيع قرواش بن المقلد بالموصل والأنبار وقصر ابن هبيرة والمدائن .
ومن خط ابن الصيرفي يروي أن الإمام الحاكم بأمر الله قال لبعض الأعيان الذين شرفهم بمجالسته وميزهم بمحاورته ، فقال : أكلت حتى شبعت ، وشربت حتى رويت ، والشبع والري غايتا الأكل والشرب ؛ فإذا قلت ونمت ، فنقول : حتى إذا أي شيء جعلته غاية النوم ؟ فلم يحر جوابا ورغب إلى كرمه في الإفادة ، فقال نمت حتى ريثت ، والروث غاية النوم ، وأنشد :
فأما تميم بن مرّ فألفاهم القوم روثاً نياما
(2/123)

"""""" صفحة رقم 124 """"""
الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور
أمه أم ولد تدعى رقية ، ويقال اسمها آمنة بنت الأمير عبد الله بن المعز ، وإن ست الملك سلطانة ، أخت الحاكم ، كانت تعادي آمنة هذه . ومولده بالقصر من القاهرة على مضي ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان ، سنة خمس وتسعين وثلمثائة ؛ وبويع بالخلافة في يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر واتفق في هذا اليوم أن صلى للحاكم في خطبة العيد ، ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضي من المصلى ، فكان بين الدعاء في الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات ، ولم يتفق مثل ذلك .
وتوفي ببستان الدكة خارج القاهرة ، في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع
(2/124)

"""""" صفحة رقم 125 """"""
وعشرين وأربعمائة ، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام . ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ، كانت فيها قصص وأنباء . ذلك أنه لما فقد الحاكم استدعت السيدة ست الملك سيف الدولة حسين بن علي بن دواس الكتامي إلى حيث كانت جالسة وقالت له : المعول في قيام هذه الدعوة عليك ، وهذا الصبي ولدك ، وينبغي أن تتولى الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها كل ما عندك . فقبل الأرض وشكر ودعا ، ووعد بالإخلاص في الطاعة ، وبلوغ ما في القدرة والاستطاعة . فأخرجت علي بن الحاكم بأمر الله ولقبته الظاهر لإعزاز دين الله ؛ وألبسته تاج المعز جد أبيه ، وهو تاج مرصع بالجواهر الفاخرة ، وجعلت على رأسه مظلة مرصعة . وأركبته فرسا رائعا بمركب ذهب مرصع ، وأخرجت بين يديه الأمير الوزير رئيس الرؤساء خطير الملك أبا الحسن عمار بن محمد ونسيماً صاحب السيف ، في عدة من الأستاذين تخدم . فلما برز وشوهد تقدم الوزير وصاح : يا عبيد الدولة ، مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه ، فقبل ابن دواس الأرض ومرغ خديه بين يديه ، وفعل ما يتلوه من سائر طبقات العسكر مثل ذلك ؛ وضربت البوقات والطبول ، وعلا الصياح بالتكبير والتهليل ، والظاهر يسلم على الناس يمينا وشمالا . وفتحت أبواب القصر ، وأدخل الناس على العموم حتى سلموا ومدحوا ؛ ولم يزل واقفاً لهم إلى الظهر . ثم صرفوا وجمعوا من غد وأخذت البيعة عليهم ، ووضع العطاء ، وأطلق مال الفضل للجند كافة ؛ ولم يجر خلاف من أحد ، إلا أن غلاما تركيا كان يحمل الرمح بين يدي الحاكم قال لا أبايع حتى أعرف خبر مولاي ؛ فأخذ وسحب على وجهه وغرق في النيل ؛ وقامت الهيبة .
(2/125)

"""""" صفحة رقم 126 """"""
وكتب إلى بلاد الشام والمغرب بوفاة الحاكم وقيام الظاهر ، ورسم لهم أخذ البيعة على نفوسهم ومن عندهم من سائر طبقات الناس . وأقيمت المآتم على الحاكم في القصور والقاهرة ثلاثة أيام . وجمعت السيدة عامة أهل مصر وخاطبتهم بالجميل والملاطفة ، ووعدتهم حسن السيرة والمعاملة ، وأمرتهم بذكر حوائجهم ومصالحهم في كل وقت ، والمطالعة بحيف إن لحقهم من عامل أو ناظر ليفعل في ذلك ما توجبه السياسة العادلة . وأطلقت للنساء الخروج من منازلهن والتصرف في أمورهن . وارتجعت جواهر كان الحاكم وهبها ، وحلت إقطاعا ، أقطعها ورتبت الأمور ترتيبا أصلحها وهذبها .
وزارت ابن دواس في منزله ، وجعلت مصادر التدبير على يده . فلما أحكمت ما أحكمته وأكدت ما أكدته ، أحضرت ابن دواس وقالت له : قد علمت ما بيني وبينك من المواثيق والعهود ، وأنا امرأة ، وإنما أريد هذا الملك لهذا الصبي ؛ وقد أحسن الله المعونة ، وأجرى الأمور على المحبة ، وأنت زعيم الدولة فيها والمنظور إليه منها ؛ وقد رأيت أن أنجز وعدك وأظهره ، وأرد إليك أمر السيادتين ، مضافا إلى الشرطتين ، وأجعل أمرك في الأمور والخزائن نافذا ، ورأيك في التقريرات والتدبيرات معتمدا ، إذ كنت المولى المخلص والشريك المخالط ؛ وأشرفك بخلع وحملان يظهر للخاص والعام بها موضعك ومحلك ، وتخصصك وتحققك . فادخل الخزائن واختر كل ما تريد لفخامته ولجلالته ، واطلب يوماً تختار لتفاض فيه عليك الخلع ويقرأ العهد بتقليدك . فلما سمع من ذلك ما سمع سر به وقبل الأرض شكرا عليه . وشاع هذا الحديث فركب الناس إليه وهنئوه بالنعم المتجردة له . وأحضرت السيدة بعد ذلك كاتب ابن دواس وقالت له : قد تقدمنا إلى سيف الدولة بما عرفته ، وبما اعتمد التخفيف فيما أطعمه أو وقف فيه دون الغاية التي نريدها ، وينبغي لك أن تعمل أنت تذكرة بجميع ما يستوفي فيه شروط المنزلة التي قدمناه إليها ، والحال
(2/126)

"""""" صفحة رقم 127 """"""
التي أهلناه لها ، وتستظهر له لا عليه في ذلك ، وتحضرها لنقف عليها وننجز ما فيها . فقبل الأرض وقال : السمع والطاعة . فقالت له واكتب أيضا رقعةً واذكر فيها مبلغ جاريك لنوقع بإضعافه ، وقد أمرنا عاجلاً باعطائك ألف دينار وعشرين قطعةً ثياباً وبغلين بمركبين . فأعاد الشكر والدعاء ، وصار إلى ابن دواس فأعلمه ما خوطب به وعومل به من حسن الإعتقاد فيه ؛ فتضاعف سروره بذلك ، ووافقه على ما كتب به التذكرة من الثياب ، والسيوف المحلاة ، والمناطق المرصعة ، والدواب والمراكب الذهب الثقيلة ، وغير ذلك من أسباب التشريفات الزائدة ؛ وعاد الكاتب بها فعرضها ، وتقدم باعداد جميع ما فيها ، وكتب له العهد . وأحضر ابن دواس وبنو عمه وكاتبه ، وامتلأ القصر بالخاصة والعامة ، وخرج معضاد الخادم ، وكان قريبا من السيدة ، وهو أستاذ الظاهر ، فحمل ابن دواس إلى الخزانة حتى يشاهد ما أعد له ، وكان عظيما جليلا ، وقال له : السيدة تقول لك إن أردت مزيدا فاطلبه ، فقبل الأرض ودعا ، وعاد فجلس في صفة على باب الستر ووجوه الدولة بين يديه ، وكل منهم يتطأطأ له ويعطيه من نفسه كل ما يتقرب إليه به .
فلما تعالى النهار خرج نسيم الصقلبي صاحب الستر والسيف ، وبين يديه مائة رجل تعرف بالسعدية ، يختصون بركاب السلطان ويحملون سيوفا محلاة بين يديه ، ويعرفون لأجلها بأصحاب سيوف الحلي ؛ وقد جرت عادتهم في أيام الحاكم بأن يتولوا قتل من يؤمر بقتله . وقال لابن دواس : أمير المؤمنين يسلم عليك . فقام وقبل الأرض ، وفعل الناس مثل ما فعله ؛ وقال : قد جعل هؤلاء القوم يعني أصحاب السيوف برسمك إكراما لك وتنويها بك . فقبل الأرض ثلاثا ومرغ خديه ، ودعا هو والحاضرون للظاهر بما يدعى لمثله به ؛ ووقف القوم قياما بين يديه . فعاد نسيم فألقى ما جرى ، فرسمت له السيدة أن يخرج ويضبط أبواب القصر بالخدم والصقالبة ، ففعل . وقالت له بعد ذلك ، اخرج وقف بين يدي ابن دواس وقل : يا عبيد مولانا ، أمير المؤمنين يقول لكم هذا قاتل مولانا
(2/127)

"""""" صفحة رقم 128 """"""
الحاكم . واعله بالسيف وأمر العبيد السعدية بأن يقتلوه . فخرج نسيم ومعه جماعة من الصقالبة وفعل ما أمر به ، وأخذ رأس ابن دواس ودخل به إلى حضرة السيدة فوضعه بين يديها .
فأمرته بإيفاد الصقالبة إلى دوره والتوكيل به والقبض على جميع أسبابه ، وقتل كاتبه ، وإخراج جثته ورميها على باب القصر ، ففعل جميع ذلك . ولم يعترض فيه معترض ؛ وتفرق الناس .
وأحضر موجود ابن دواس فوجدت في بعض صناديقه السكين التي كان يحملها الحاكم في كمه أخذت عند قتله . وأقامت جثة ابن دواس ثلاثة أيام ، ومناد ينادي عليها : هذا جزاء من غدر بمواليه ؛ ثم دفع إلى عبيده فدفنوه .
وقبضت السيدة بعد هذا على خطير الملك عمار بن محمد . وكان يتولى ديوان الإنشاء وإليه زم المشارقة والأتراك ، وهو الواسطة بين الحضرة وبين هذه الطوائف ؛ ثم خلع عليه في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وأربعمائة ؛ ووقع عن حضرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ما يوقع عليه الحاكم ، فجعل توقيعه : الحمد لله رب العالمين ، ثم قام بعد الحاكم بالبيعة لأمير المؤمنين الظاهر كما تقدم .
سنة اثني عشرة وأربعمائة
فيها خلع عليه للوساطة وكتب سجله بذلك ؛ وزال أمره في ذي القعدة من السنة المذكورة ، فكانت مدة سبعة أشهر وأياما ؛ وقتل في الحج .
وولى بعده بدر الدولة أبو الفتوح موسى بن الحسن ، وكان يتولى الشرطة السفلى ثم خلع عليه أولا بالصعيد في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة ؛ ثم ولى ديوان الإنشاء
(2/128)

"""""" صفحة رقم 129 """"""
عوضا عن ابن خيران ؛ وخلع عليه للوساطة في محرم سنة ثلاث عشرة عوضا عن خطير الملك ؛
سنة ثلاث عشرة وأربعمائة
ثم قبض عليه في العشرين من شوال منها في القصر ، فاعتقل وزال أمره ؛ وكانت مدة وساطته تسعة أشهر . ثم أخرج في يومه مسحوبا ، وسجن ، ثم أخرج من الغد وقتل في الفج ؛ فوجد له من العين ستمائة وعشرون ألف دينار .
وقتلت السيدة جماعة ممن كان اطلع على سرها في قتل الحاكم ، وعظمت هيبتها في نفوس الأباعد والأقارب . وفي سنة ثمان عشرة شرب الظاهر الخمر وترخص فيه للناس وفي سماع الغناء وشرب الفقاع ، وأكل الملوخية وسائر أصناف السمك ، فأقبل الناس على اللهو .
وكان قد ولى حلب غلام يعرف بأمير الأمراء عزيز الدولة أبي شجاع فاتك الوحيدي ، غلام منجوتكين ، في شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة ، وكان أرمنيا دينا عاقلاً ؛ فولاه الحاكم بأمر الله حلب وأعمالها ، ولقبه أمير الأمراء وعزيز الدولة تاج الملة . ودخل حلب يوم الأحد ثاني شهر رمضان منها ؛ وتمكن من البلد واستفحل أمره وعظم شأنه ، فعصى الحاكم ، ودعا لنفسه على المنبر ، وضرب السكة باسمه . فمات الحاكم عقب ذلك . فلاطفته السيدة وآنسته ، وواصلته بما مال إليه من حمل الخلع والخيول بالمراكب في سنة اثنتي عشرة حتى استمالت قلبه . ولم تزل تعمل الحيلة حتى أفسدت عليه غلاماً له يعرف ببدر ، كان يملك أمره وغلمانه تحت يده ، وبذلت له العطاء الجزيل على الفتك به ، ووعدته أن تقيمه مقامه في موضعه . وكان لعزيز الدولة غلام هندي يهواه ويحبه حبا شديدا ؛ فاستغواه بدر وقال له : قد عرفت من مولاك ملالاً لك وتغيراً منه فيك ، واطلعت منه على عزمة في قتلك ، ودفعته دفعات عنك لأنني لا أشتهي أن يتم مكروه عليك .
(2/129)

"""""" صفحة رقم 130 """"""
وتركه مدة ووهب له دنانير وثيابا ، وأظهر له المحبة ، وتوصل إلى أن خلابه ثم قال له : إن علم نبأ التعير عزيز الدولة قتلنا ، وما إشفاقي على نفسي وإنما إشفاقي عليك . فقال له الصبي : فأي شيء أعمل يا مولاي ؟ قال : قد عرفت محبتي لك ، وإن ساعدتني اصطنعتك وأعطيتك ، وعشنا جميعا في خفض وأمن . قال له : فارسم ما شئت حتى أفعله ؛ قال : تحلف لي حتى أقول لك ؛ فاستحلفه وخدعه ، ووافقه على قتل عزيز الدولة . فقال له الصبي كيف أقتله ؟ قال : الليلة يشرب ، وسأزيد في سقيه حتى أسكره ؛ فإذا استدعاك على الرسم لغمزه ونام فقم كأنك تهريق ماء ، فخذ سيفه واضربه حتى تفرغ منه . فقبل الصبي وصيته . وكان عزيز الدولة في الصيد ؛ فلما عاد دخل الحمام وخرج منه فأكل ثم انتقل إلى مجلس الشراب ؛ وحضر من جرت العادة بحضوره من ندمائه ، ثم قام في آخر وقت وقد تبين فيه السكر ، والصبي بين يديه يحمل سيفه حتى وافى إلى مرقده واستلقى على فراشه ؛ وأمر الغلام أن يغمزه . فلما مضى هزيل من الليل وثقل عزيز الدولة في النوم وتحقق الصبي ذلك سل السيف وضربه به ، وكان سيفا ماضيا ، ففلق رأسه ، وأتبع الضربة بأخرى فقتله . ودخل بدر وشاهده ميتا ، فصاح ، واستدعى غلمان الدولة وأمرهم بقتل الصبي ، فقتلوه ؛ وحوط الخزائن والقلعة .
وشاع قتل عزيز الدولة ؛ وكان ذلك في ليلة السبت الرابع من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة . وكتب بدر إلى السيدة بقتله ، فأجابته ، وأظهرت الوجد على عزيز الدولة ، وشكرت بدراً على ما كان منه في ضبط الأمر وحراسة الخزائن ؛ ولقبته وفي الدولة ، وقلدته موضع مولاه ، ووهبت له جميع ما حازه .
(2/130)

"""""" صفحة رقم 131 """"""
وكان سديد الدولة علي بن أحمد الضيف ناظرا بالشام ، فتلطف ببدر غلام عزيز الدولة حتى تسلم البلد منه والقلعة ، وولاها أصحاب الظاهر . وسبب ذلك أن كتابا وصل إليه من الظاهر بخطه يطيب نفسه ، وأظهر هذا الكتاب في حلب في أيام الملك رضوان أخذه من بعض أهلها ؛ وكان في ورق إبريسم أسم عريض ، فيه ثلاثون سطرا بخط وسط . وكان صدر الكتاب : عرض بحضرتنا يا بدر سلمك الله ما كتبت على يد كاتبك ابن مدبر ، وعرفنا ما قصدته ، ولم نسىء ظناً بك لقول فيك ولا شناعة ذكر . وقد بعثنا بأحد ثقاتنا إليك وهو علي بن أحمد الضيف ليجدد الأخذ عليك . فلما دخل ابن الضيف على بدر بالكتاب استرسل إليه وطرح القيد في رجليه ، فقبض عليه وأنزله من القلعة . وأقام بحلب سنة . وسلمها موصوف الخادم إلى أصحاب الظاهر وثقاته .
وفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة في ذي الحجة والناس يطوفون بالكعبة قصد رجل ديلمي من الباطنية الحجر الأسود فضربه بدبوس فكسره ، وقتل في الحال ، وقتل معه جماعة ذكر أنهم كانوا معه وعلى اعتقاده الخبيث .
سنة أربع عشرة وأربعمائة ولما تسلم بدر مدينة حلب من عزيز الدولة فاتك بقي بها سنتين ، ثم ملكها موصوف
(2/131)

"""""" صفحة رقم 132 """"""
الخادم . واستدعى منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري من قيسارية ؛ فلما كان في الرملة خرج إليه توقيع بولاية فلسطين ، فدخلها في المحرم سنة أربع عشرة ؛ فخافه حسان بن مفرج بن دغفل بن الجراح ؛ وجرت له معه وقائع وحروب انتصر فيها الدزبري على حسان وعظم أمره . فسعى إلى به الوزير فقبض عليه بعسقلان .
وكان قد ولى الوزارة الأمير شمس الملك المكين الأمين أبو الفتح مسعود بن طاهر الوزان بعد قتل بدر الدولة أبي الفتوح موسى بن الحسن في المحرم سنة أربع عشرة ، ورد إليه النظر في الرجال والأموال . فجرى له معه نجيب الدولة على رسمه فيما يتولاه من ديوان تنيس ودمياط ، والجيش الحاكمي ، ودواوين السيدة ست الملك ، ولا يكون لشمس الملك في ذلك نظر .
وبعث الظاهر رسولا إلى بلاد إفريقية ، فقدم مدينة المنصورية لأربع بقين من جمادى الأولى ، ومعه تشريف جليل لشريف الدولة أبي تميم المعز بن باديس ، وثلاثة أفراس بسروج ثقيلة ، وخلعة ومنجوقان قد نسجا بالذهب على قصب من الفضة ، وعشرون بندا مذهبة ، وسجل لقب فيه بشرف الدولة وعضدها . فتلقاه شرف الدولة ، وقرئ السجل بجامع القيروان .
(2/132)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
وأهل جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة بيوم الثلاثاء ، ففيه خلع على أبي الفرج بن مالك بن سعيد ثوب وعمامة مذهبان ، ورداء محشى مذهب ، وحمل على بغلة بسرج ولجام محلى ؛ وقلد قضاء تنيس وسار إليها . وخلع على أحد أولاد ابن جراح ثوب مثقف مذهب وعمامة طائرة ، وحمل على فرسين بسرجين ولجامين مذهبين . وفي غده ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعاد .
وفي ثالثه وصلت نحو المائة رأس من جهة ابن البازيار وشهرت .
وهلك محمد بن عبد الله بن المدبر بأخذ الخطير عمار في القصر . وفي رابعه وكل بدكاكين الرواسين في جميع الأسواق ، وأخذ ما فيها من الرؤوس ؛ وكان قد طلب خمسمائة رأس وألف رطل رقاقا .
وفي سادسه جلس الظاهر للسلام ، ودخل الناس على رسومهم ، وانصرفوا . وفي ثامنه جمع الناس كافةً إلى صحن الإيوان بالقصر ، وخرج رفق الخادم ومعه منشور وسجل ، فسلم المنشور إلى أبي طالب علي بن عبد السميع العباسي الخطيب ، فرقى المنبر وقرأه على الكافة . فتضمن أن جماعة من أوغاد الأرياف يرتكبون الجرائم ويحتمون بأهل الدولة من الولاة . فنهوا عن حمايتهم . فلما فرغ من قراءته استدعى أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم النرسي ، نقيب الطالبيين إلى الخزانة الخاصة ، فخلع عليه ثوب دبيقي مذهب مصفف بأطواق ، ومن تحته ثوب مصمت مذهب وغلالة مذهبة ، وعلى رأسه عمامة شرب مذهبة . وخرج وفي يده سجل يتضمن استمراره في النقابة على عادته ، وكان قد أرجف بصرفه عنها .
(2/133)

"""""" صفحة رقم 134 """"""
وفي تاسعه ركب الظاهر في عساكره إلى عين شمس ، وعاد . وفي يوم الجمعة حادي عشره كان نوروز القبط ؛ وانتهت زيادة النيل فيه إلى أربعة عشر ذراعا وأصبع واحد .
وفيه خطب بجامع راشدة على منبره خطبتان في وقت واحد . وذلك أن أبا طالب علي ابن عبد السميع خطب بهذا الجامع بعد سفر العفيف البخاري إلى الشام بأمر قاضي القضاة ، فسعى ابن عصفورة ببعض الخدام حتى خرج له الأمر بأن يخطب ، فخطبا معاً أحدهما دون الآخر . ثم استقر أبو طالب في الخطاب وأن يخلفه ابن عصفورة .
وفي ثالث عشره ركب الظاهر لفتح الخليج وسد البلد إلى الصناعة ، فطرح بين يديه عشارى . ثم سار على شارع الحمر إلى سد الخليج ، ففتح بين يديه ولعبت العشاريات فيه ؛ وكان يوما حسنا . وكان عليه وقت نزوله إلى مصر قميص طميم مذهب ، وعلى رأسه شاشية مرصعة ؛ وعاد وعليه ثياب بيض دبيقية مذهبة وعمامة شرب مسكى مذهبة .
وفي ثاني عشريه وصلت هدية من المحدث بأسوان ، وهي عشرون فرسا ، وثمانون بختيا وعدة عبيد وإماء سودان ، وفهد ، وغنم نوبية ، وطيور ، ونسانس ، وأنياب فيلة .
وفي ثلاثة أيام ، آخرها سلخه ، انصرف ماء النيل انصرافاً فاحشا ولم ترو منه الضياع ، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم ، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورةً إلى الجبل يدعون الله
(2/134)

"""""" صفحة رقم 135 """"""
فلم يغاثوا . وتعذر وجود الخبز ، وازدحم الناس على شراء الغلال ، ووقف سعر التليس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا طلب ؛ وأبيع سراً التليس القمح بدينارين ، والحملة الدقيق بدينارين وربع ، والخبز أربعة أرطال بدرهم ، وثمن الحمل الدقيق بعشرين درهماً وأهل شهر رجب بيوم الأربعاء . وفي ثالثه توجه أبو القاسم بن رزق البغدادي في الرسالة إلى الحجاز . وفي خامسه خلع على داوود بن يعقوب الكتامي ثوب مثقل وعمامة ، وقلد الحسبة والأسواق والسواحل ؛ فنزل في موكب عظيم وبين يديه اثنتا عشرة نجيبة تحيط به إلى مجلس الحسبة بمصر ، فنظر في الأسعار عوضا عن ابن غرة فاستقامت الأحوال . وقلد ذو القرنين أبو المطاع بن الحسن بن حمدان الإسكندرية وأعمالها غربا وأمر ولده فاضل ولقب عظيم الدولة ، واستقر عوضه والي البلد .
وفيه قرىء بالإشراق سجل برفع المناكر وترك التظاهر بشيء منها ، وألا يخرج النساء من بعد العصر إلى الطرقات بالقرافة ؛ وأن تنزه هذه الأشهر الشريفة عن المناكير ؛ وألا يجتمع الناس كما كانوا يجتمعون بالجزيرة والجيزة وبالقرافة على شيء منها ومن المحظورات ؛ وأن يمنع الغناء ظاهرا إلا بالقضيب فإنه مباح .
وفي ثامن قلد محمد بن عبد الله بن مدبر ديوان الخراج شركةً . وركب الظاهر إلى مسجد تبر ؛ وعاد . وفي غده تعذر وجود الخبز ، وأمر ببله في الماء في القصارى ؛ قيل وبيع ثلاثة أرطال بدرهم ، ثم وجد . وفتحت مخازن جماعة من أهل الدولة .
(2/135)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
سنة خمس عشرة وأربعمائة
أهل المحرم بيوم السبت . وفي تاسعه أخذ رجل يقال له أبو زكريا ، كان نصرانيا فأسلم ، وكتب الحديث وقرأ القرآن ، وحج ، ثم ارتد إلى النصرانية وقال : ما عمل فيّ سحر نبيكم ؛ فضرب عنقه بعد ما ثبت عليه هذا . وفي ثالث عشره أخذ كتابي يعرف بأحمد بن طاطوا وعليه أثر السفر ، فزعم أنه ورد من الكوفة ، وأنه كان مع الحاكم بأمر الله ، أرسله إلى الناس لينتهوا عما هم عليه ؛ فضرب عنقه .
ولسبع عشرة بقيت منه سار أبو القاسم بن رزق البغدادي إلى صقلية بسجل وهدية فيها مغنيات من القصر . وفيه ركب الظاهر إلى نواحي عين شمس وعليه ثوب بنكي أحمر معلم مذهب ، على رأسه عمامة شرب بنكي مذهب ؛ وعاد .
ولعشر بقين منه امتنع شمس الملك الأمين المكين أبو الفتح مسعود بن طاهر الوزان من النظر في الوساطة حنقا من الشريفين العجميين . لأنهما يتوليان الأمر دونه ، ومكاتبة أعمال الشام وغيره ، وقراءة التخريج ، وعرض كتب البريد وكتب المطلقات ؛ وأقام في داره ثلاثة أيام . فاستدعاه الظاهر وأمره بالعود إلى خدمته ، فعاد إلى النظر ، وجلس على رسمه على باب الذهب يأمر وينهي .
(2/136)

"""""" صفحة رقم 137 """"""
ولخمس بقين منه كان ثالث فصح النصارى ، فاجتمع بقنطرة المقس من النصارى والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير طول نهارهم في لهو وتهتك قبيح ، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر ، حتى حملت النساء في قفاف الحمالين من شدة السكر ؛ فكان المنكر شديدا في هذا اليوم .
وركب الظاهر في موكب إلى المقس بعمامة شرب مفوطة بسواد ، وثوب دبيقي مدير بسواد ، فدار هناك طويلا وعاد .
ولثلاث بقين منه ورد من أهل الريف زيادة على خمسة آلاف رجل فارين من عدة الدولة وعمادها ، رفق الخادم ، متولى السيارة بأسفل الأرض لعسفه . وقدم الخبر باجتماع العرب الهلاليين والكلابيين وبني قرة وجهينة على الخارجي بالصعيد ؛ وبعث حيدرة بن نقيايان ، متولى الصعيد ، يطلب عسكرا ، فسير إليه خلق من العبيد ، والباطلية ، والبرقية ، وغيرهم . وأهل صفر وأوله الاثنين . في ثلاث قدم الحاج وفيه خلائق من أهل خراسان ، معهم أمتعة ، ورسول صاحب خراسان بهدية إلى الظاهر ؛ فأكرم وأنزل . وكان من خبرهم أن حاج خراسان تأخر عن الحج في سنتي عشرة وإحدى عشرة ، فاستغاث الناس بالسلطان يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين ، فتقدم إلى قاضي مملكته أبي محمد الناصحي في الحج ، ونادى بذلك في أعمال خراسان ، وأطلق للعريان ثلاثين ألف دينار سوى ما سيره للصدقات ؛ فساروا وحجوا ، وعادوا سالمين . ثم حجوا بعد ذلك في سنة
(2/137)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
أربع عشرة ، ومنهم أبو علي الحسن بن محمد المعروف بحسنك ، صاحب عين الدولة والخصيص به ، وفي مهمته ما يدفع إلى العرب في طريق مكة وغيرها من رسومهم ؛ فدفع كل من استضعفه ، ووعد من قوي جانبه وخيفت أذيته بإزاحة علتهم عند مرجعه ، واحتج عليهم بالوقت وضيقه وخيفة الفوت ؛ فأخروا مطالبته . فلما قضي الحج وعاد ممن معه إلى المدينة النبوية اجتمع هو وأبو الحسن محمد بن الحسن الأقساسي العلوي ، أمير الحاج البغدادي ، وعدة من وجوه الناس ، للنظر في أمر العرب ، فاستقر رأيهم على السير إلى الرملة من وادي القرى والمضي على الشام إلى بغداد . فساروا إلى الرملة ، وقدم الخبر بقدومهم إليها على الظاهر في ثاني عشر صفر ، وقالوا إنهم في ستين ألف جمل ومائتي ألف إنسان بكتاب بعث به إليه الأقساسي يستأذنه فيه على عبور بلاد الشام . فسر بذلك وكتب إلى جميع ولاة الشام بتلقيهم وإنزالهم ، وإكرام مقدمهم ، وعمارة البلاد لهم بالطعام والعلف ، وإطلاق الصلات للفقهاء والقراء وإقامة الأنزال الكثيرة لحسنك ، صاحب عين الدولة ، والتناهي في إكرامه . وتقدم إلى مقدمي عساكر الشام بحفظهم والمسير في صحبتهم ، وأن يتسلمهم صالح بن مرداس من دمشق ويوصلهم الرحبة ، ويدفع إلى الأقساسي ألف دينار وعدةً كثيرة من الثياب ، وإلى حسنك مثل ذلك ؛ وقيد إليه فرس بمركب ذهب . فساروا من الرملة موقورين مجبورين شاكرين حتى وصلوا إلى بغداد ، وعرج حسنك عنها خوفا من الإنكار عليه . فاشتد ما فعله الظاهر على الخليفة القادر بالله ، وأنكر عودتهم على الشام ، وصرف الأقساسي عما كان إليه وقبضه ؛ وأنكر على حسنك ، وكتب فيه إلى عين الدولة ، واستدعى منه الفرس والقماش والخلع الواصلة إلى حسنك
(2/138)

"""""" صفحة رقم 139 """"""
لتحرق ببغداد ؛ فبعث بها في جمادى الآخرة سنة ست عشرة ؛ فأحرقت بمحضر من الناس وسبك الذهب وفرق على الفقراء ، وغنم الظاهر حسن الثناء عليه من حاج خراسان وما وراء النهر ، لما كان من إحسانه إليهم وزيارتهم بيت المقدس .
وفي ثاني عشره وافى عماد الدولة رفق من السيارة بعدة عظيمة وثلاثمائة رأس من الخيل والبغال فإنه أخذ كل فرس وجده ، وبين يديه سبعون بنداً مذهبة ، وعشرون منجوقاً ، فتلقاه جميع أهل الدولة . وكانت عدة من قتله في هذه السفرة ، وهي خمسة وثلاثون يوما ، مائتين وثلاثة أنفس . وقدم زين الملك إبراهيم بن علي بن مسعود مصروفا عن مدينة منور ، فتلقى وأكرم .
وفي سادس عشره ركب الظاهر إلى ناحية عين شمس وعاد . وقدم الخبر من حسن بن جعفر الحسني أنه أقام الدعوة للظاهر بعرفات وغيرها ، ومنع أهل خراسان من الدعوة لصاحبهم . ولثلاث عشرة بقيت منه ركب الظاهر إلى المشتهى ، ودخل حمام نجاح الطولوني ، ثم ركب العشاريات في النيل إلى المعتوق بالكوم الأحمر ، وقطع له الجسر حتى عبره ، ثم عاد إلى القصر .
وفي يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت منه جمع الناس كافة إلى الإيوان بالقصر ، فلما اجتمع الناس في صحن الإيوان خرج القائد أبو الفوارس معضاد ، الخادم الأسود ، وعليه ثوب طميم حسن وعلى رأسه عمامة شرب ، طائرة كثيرا ، بالذهب محرق اللون ، ومعه سجل قرىء على العامة والخاصة بتلقيبه بالقائد عز الدولة وسنانها أبي الفوارس معضاد الظاهري ،
(2/139)

"""""" صفحة رقم 140 """"""
وأن أمير المؤمنين لقبه وكناه ؛ وهو سجل بليغ . ثم حمل بعد قراءته على أربعة من الخيل بسروج مصفحة ثقال ، وعليه سيف ذهب تقلد به ؛ وخرج جميع المصطنعة وسائر القواد والناس معه إلى داره ؛ فكان يوما حسنا . وفيه ورد الخبر بأن الثائر الذي قام بالصعيد الأعلى أنزل حيدرة بن نقيايان حتى حصل في يده ، وكان شريفاً حسنيا ، فأقر أنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد ، فمنهم من مضى إلى برقة ومنهم من مضى إلى العراق ، وأنه أظهر له قطعة من جلد رأسه وقطعة من الفوطة التي كانت عليه . فقال له حيدرة ولم قتلته ؟ فقال : غرت لله وللإسلام ؛ فقال : وكيف قتلته ؟ فأخرج سكينا فضرب بها فؤاد نفسه ، فمات بعدما قال هكذا قتلته . فقطع حيدرة رأسه وأنفذه إلى الحضرة مع ما وجده معه .
وقدم الخبر بوقوع الحرب بين بني قرة ببرقة .
ولعشر بقين منه جلس الظاهر في قصر الذهب بعد أن زين وبسط وعلقت فيه الستائر الديباج والستور المذهبة ، وعلق جميع السقائف كلها بالستور وفرشت بالفروش . وحضر أمراء الأتراك وقد لبسوا أفخر ثياب من المثقل والطميم ، وحضر جميع الكتاميين وسائر الجند ؛ ودخل الناس أجمعون ؛ ووقف شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان على يمين السرير ، وبقية الناس وكافة عبيد الدولة قيام ، فلم يجلس أحد . وجي بالرسول الوارد من خراسان ومعه ابن له صغير فقبل التراب للظاهر ، ثم أمر أن يطوف به القصر كله ، فطاف جميع القصور المعمورة ؛ وقام الظاهر وانصرف الناس . ولثمان بقين منه أهدى
(2/140)

"""""" صفحة رقم 141 """"""
هذا الرسول إلى الحضرة المطهرة نحو خمس عشرة ناقة محملة ورقاً طلحا وإهليلجا وغير ذلك ، فقبل منه .
ولسبع بقين منه تسلم ديوان الكتاميين من الأمير شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان ، ورد النظر فيه إلى القائد عز الدولة معضاد ، فاستخدم في تدبير أمواله أبا اليسر اصطخر بن مينا الأسيوطي شركةً بينه وبين صدقة بن يوسف الفلاحي اليهودي الوافد ، ونظر هو في أمر رجاله وفي التوقيع في أيامهم . ثم بعد أيام أخذ من شمس الملك بعض إقطاعه ، وقبض منه ، ورد إلى يمين الدولة سعادة وبقيت في يده بقية الأعمال . وفي هذا الشهر سار ذو القرنين ابن حمدان إلى دمشق .
شهر ربيع الأول ؛ أوله الثلاثاء . في خامسه وصلت هدية والي الفيوم ، وهي مائة وخمسون فرسا بأجلة . وفي سادسه خرج الأمر لابن خالد الغرابيلي ، متولى ديوان البريد ، بأن يسلم إلى صاحب ديوان الشام جميع ما يرد من حساب الشام ، ورفعت يد شمس الملك عنه . ورسم أن يكون الشيخ العميد محسن بن بدواس زماماً على أبي عبد الله محمد بن أحمد الجرجرائي في ديوان الشام ، مفرداً عن نظر شمس الملك ؛ كما أفرد ديوان الكتاميين عن نظره . فصارت هذه العصبة منفردة بمعضاد في التدبير والتقرير ، وهم الشريفان العجميان
(2/141)

"""""" صفحة رقم 142 """"""
والجرجرائيان عصب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد وأخوه أبو عبد الله محمد بن أحمد ، ومحسن بن بدواس وابن خيران . وفي رابع عشره خلع على جناح بن يزيد الكتامي ، وحمل على فرسين ، وقلد طبرية .
وفي سابع عشره ركب الظاهر وعاد . وفي هذا الشهر اشتد غلاء القمح ، وبيع التليس بثلاثة دنانير ، والشعير بأربع ويبات بدينار ، والخبز رطلين ونصفا بدرهم . وعز وجود التبن فأبيع الحمل بدينار ؛ وغلت أصناف الحبوب وعامة ما يؤكل . ولم ير النيل فيما تقدم من السنين أقل نقصانا منه في هذه السنة .
وفي ثالث عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر ، وعاد . وفيه نزل القائد الأجل معضاد والشيخ العميد أبو القاسم الجرجرائي ومحسن بن بدواس صاحب بيت المال إلى مصر ، فأثبتوا تركة بنت أبي عبد الله بن نصر امرأة أبي جعفر بن قائد القواد الحسين بن جوهر ، فوجد فيها وبرادات مكللة بالجوهر ، وأمر جليل من المال والجوهر لأن للسلطان منها الثلث .
وفي هذا الشهر أمر ببناء حظير دائر على مقياس النيل بالجزيرة ، ووكل به الشريف أبو طالب محمد بن العجمي متولى الصناعة ، فبناه بالحجر الأبيض ، وأنفق عليه مالا كثيرا . ونقل إليه الحجر من حظير كبير كان مبنيا على الشاطىء بناحية طرا .
(2/142)

"""""" صفحة رقم 143 """"""
وفيه دخل كلب إلى الجامع العتيق بمصر فطاف بالجامع بأسره ، فقام إليه الناس وقتلوه في الصحن ، فجرى دمه على الحصر فغسلت بعد إخراجه من الجامع .
وقد وصلت هدية من بلد النوبة فيها عبيد وإماء ، وخشب أبنوس ، وفيلة ، وزرافات شهر ربيع الآخر ، أوله الخميس . في رابعه ورد الخبر بأن عبد الله ابن إدريس الجعفري ومعه أحد بني جراح طرق أيلة ونهبها ، وأخذ منها نحو الثلاثة آلاف دينار وغلالا ، وسبى النساء والأطفال . وسبب ذلك أنه سأل حسان بن جراح أن يرد إلى ولايته على وادي القرى ، ورغب أن يتوسط له مع الظاهر ، فلم يجبه ، ففعل ما فعل . فخرجت سرية من القاهرة لحربه .
وفيه نزل الظاهر إلى البيمارستان متنكرا في عبيده ، فطافه ، وأطلق لكل من المجانين خمسين درهما ، وللقيم عليهم خمسمائة درهم ؛ ورسم بعمارته وإجراء الماء إليه على رسمه ، وأن يطبخ للمجانين كل يوم ما يأكلونه بعد أدويتهم . وفي ثامنه قدم الخبر بنهب عبد الله بن إدريس بلد العريش وإحراقه وأخذ جميع ما كان فيه بمعاونة بعض أولاد ابن جراح . وفيه اجتمع في قافلة المغرب خلق من التجار ومعهم من الأموال قريب من مائتي ألف دينار بالجيزة ، فأنذروا بطائفة من العبيد والجوالة والقيصرية قد تجمعوا لنهبهم فبعث معهم نحو ثلثمائة فارس وأربعمائة راجل ، وساروا إلى المغرب .
(2/143)

"""""" صفحة رقم 144 """"""
وفي ثامن عشره جلس الظاهر للناس في المجلس الذي كان يجلس فيه أبوه بقصر الذهب ، ودخل الناس إليه من باب العيد على طبقاتهم . ودخل ناصر الدولة حسين بن الحسن ابن حمدان ، متولى طرابلس ، وقد صرف عنها ، فتلقى بالبنود وعدتها أربعون بنداً ملونة ، وخمس بنود مذهبة ، وعدة من الطبول ؛ فقبل التراب ، ثم قبل يد الظاهر ، هو والشريف الحسني ابن موسى المقيم بدمشق ؛ ووقفا ؛ فأمرا بالجلوس على يسار القائد معضاد فجلسا . ثم انقضى السلام وانصرف الناس . فلما كان وسط النهار نزلت طائفة من جواري القصر في طائفة من الخدم إلى دار الجوهر ودار الصرف ودار الأنماط ، فابتاعوا ما أحبوا . وعادوا .
ولسبع بقين منه ركب الظاهر بغير مظلة في عساكره ومراكبه إلى مسجد تبر ، وعاد ؛ ثم نزل عقب ذلك مختفيا إلى الجزيرة والبساتين . وركب من الغد في العشاريات إلى الجيزة وما والاها ، وعاد . وفي عشية السبت ، لست بقين منه ، غرق حدث في النيل ، فطرده الماء إلى الشط ، وأراد أهله حمله ، فمنعهم أصحاب الشريف أبي طالب العجمي ، متولى الصناعة ، من ذلك ، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين ، واجب الصناعة من حق من غرق في النيل ، فدفع إليهم ذلك ، وحمل الرجل حتى غسل ودفن في يوم الأربعاء .
ولليلتين بقيتا منه جلس الظاهر في قصر أبيه بباب الذهب على سريره المصقول المذهب ، وعليه ثوب دبيقي معلم ، وعمامة شرب مثقل مذهبة ، وتحته فرش دبيقي مذهب ، ودخل الناس من باب العيد فسلموا ، وجلس من عادته الجلوس ساعة ؛ ثم انصرفوا .
وفي هذا الشهر ارتفع السعر من أجل أن المراكب الواصلة بالقمح أخذت كلها ورفعت إلى القصر من المقس . وفيه طاف العامة والسوقة أسواق مصر بالطبول والأبواق يجمعون من التجار والباعة ما ينفقونه في مضيهم إلى سجن يوسف ، فقيل لهم شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا عن هذا . فأنهوا حالهم إلى الظاهر ، فرسم لشافي الدولة أبي طاهر بن
(2/144)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
كافي ، متولي الشرطة السفلى ، بتقرير الرسم على التجار حتى يدفعوا إلى العامة ما جرت به رسومهم ؛ وأذن لهم في الخروج إلى سجن يوسف ، ووعدوا أن يطلق لهم الظاهر ضعف ما أطلق لهم في السنة الماضية من الهبة ، فخرجوا .
شهر جمادى الأولى ؛ أوله الجمعة . فيه ركب الظاهر مبكرا مع حرمه وخدمه إلى المشتهى فأقام يومه . وفي ثالثه ركب بعساكره إلى عين شمس وعاد .
وكان الشريف أبو طالب بن العجمي صاحب الصناعة قد تنكر على ابن أبي الرداد ، وأهانه ، وتقابحا في الخطاب ، فضربه الشريف واعتقله . فأقام قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن أبي العوام مشارفين على ابن أبي الرداد ، لسؤاله القاضي في ذلك ، وهما أبو الحسن سليمان بن رستم ، والخليل بن أحمد بن خليل لينهيا إليه ما يصح من أمر المقياس ، فوجدا مجاري الماء مسددة ، ووجدا ابن الرداد يتناول في كل سنة خمسين ديناراً لكنس المجاري ، ووجدا الماء قد انتهى إلى حد ، فلما فتحت المجاري طلع الماء إلى حد أكثر من الحد الذي كان عليه وفي رابعه نزل صقلبي من صقالبة القصر بمنشور معظم إلى قاضي القضاة ، وهو بالجامع العتيق ، فأمره بقراءته على المنبر ، فأراد أبو طالب علي بن عبد السميع العباسي أن يتولى قراءته دون أخيه أبي جعفر ، وهو الأكبر ، وقد صرف عن قراءة السجلات وليس له إلا خطابة الجامع العتيق . فقال له أبو جعفر : ويحك : ما تحتشم مني لسني ولأنني أخوك الأكبر ، ولأنني هرعت لمولانا الحاكم بأمر الله ، قدس الله روحه ، وقدهم بضرب عنقك حتى خلصتك من القتل وضمنت له عنك التوبة والإنابة فدفع القاضي السجل إلى أبي جعفر ، فقرأه فوق المنبر على كافة الناس . ومضمونه أنه انتهى إلى أمير المؤمنين أن المستخدمين في الصناعة يعتمدون تعويق من ينزل البحر من الناس ، ويمنعون القوارب
(2/145)

"""""" صفحة رقم 146 """"""
من إنقاذ من يلتمس الخلاص منهم ليأخذوا على ذلك واجباً قد أقامه متولى الصناعة ، محمد الحسيني العجمي ، على كل غريق دينارين ونصفا ؛ وأن ذلك لما أنهى إلى حضرة أمير المؤمنين أنكره وأكبره ، ومنع من أخذ درهم واحد فما فوقه عما هذا سببه ، والمنع منه . فكثر الدعاء للظاهر .
وفي ثامنه ركب الظاهر في خاصته وخدمه إلى الرميلة بظاهر المقس ، فطاف طويلا ثم عاد .
وفي تاسعه ركب القائد الأجل عز الدولة ومصطفاها معضاد الخادم الأسود في جميع الأتراك ووجوه القواد ، وشق مدينة مصر إلى الصناعة ، ثم خرج منها وعدى بمن معه إلى الجيزة ، حتى رتب للظاهر عسكرا يقيم معه هناك ، وأخذ في يوم الاثنين حادي عشره أربع عشاريات وأربعة عشر بغلا من بغال النقل ، ومعه خاصته وحرمه إلى سجن يوسف . وعاد منه يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه . وركب فيه إلى مسجد تبر وعاد .
وأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطوفون الشوارع بالخيال والسماجات والتماثيل ، ويطلعون إلى القاهرة بذلك يرسم أمير المؤمنين ، ويعودون ومعهم سجل قد كتب لهم بألا يعارض أحد منهم في ذهابه وعودته . ولم يزالوا على ذلك إلى أن تكامل جميعهم . وكان دخولهم من سجن يوسف في سادس عشره ، فشقوا الشارع بالخيال والسماجات والتماثيل ، وتعطل الناس في ذلك اليوم عن أشغالهم ومعايشهم ، واجتمع خلق لنظرهم . وظل الناس أكثر هذا اليوم على ذلك ، وأطلق لهم ثمانية آلاف درهم وكانوا في اثني عشر سوقا .
وفي عشريه قتل طائفة من القيصرية غلاما من الأتراك ، فركب الأتراك بالسلاح وقاتلوا القيصرية ، فتكافوا ، ولم يجسر أحد منهم على الإيقاع بصاحبه . وفي ثاني عشريه ركب الظاهر النيل ومضى إلى بستان السيدة العمة ، ثم إلى خيمة وردان لأنهم مقيمون
(2/146)

"""""" صفحة رقم 147 """"""
في الجزيرة للتنزه هناك . ولم تزل العشاريات تلعب في البحر الليل كله والمسرة متصلة بينهم ؛ فقدم في آخر النهار مركب يحمل حطبا من الصعيد ، فقلب نوتيته وقطع الجسر ، وغرق مركبان منه ، وقطع ثلاث قطع ، وغرق عشاريان بمن فيهما .
وفي هذا الشهر كوتب أبو الحارث نقيان بن محمد بن نقيان الخيملي ، متولى حرب تنيس ودمياط ، بالمسير إلى حلب ليتسلمها عوضا عن محمد سند الدولة أبي محمد الحسن ابن محمد بن نقيان الكتامي عند وصول هديته إلى الحضرة ؛ فسار . وكان من خبر مدينة حلب أن عزيز الدولة فاتكا لما قتل وأقيم من بعده غلامه بدر مكانه ، ثم قبض عليه علي بن الضيف ، وأقام بحلب سنة ، وولى سند الدولة أبو محمد الحسن بن نقيان فنزل صالح بن مرداس الكلابي على حلب ونازلها ؛ وقد كره الناس ابن نقيان وموصوفاً الخادم لسوء سيرتهما ، فسلموا البلد إلى صالح . والتجأ ابن نقيان وموصوف إلى القلعة وتحصنا بها ؛ فاستخلف صالح على مدينة حلب أبا منصور سليمان بن طوق ، ومضى إلى بعلبك فملك قلعتها بعد حرب ، وقتل جماعة من أصحاب الظاهر . واجتمع هو وحسان بن جراح وإخوته ، وسنان ابن عليان على فلسطين وتحالفوا على اجتماع كلمتهم ومحاربة الظاهر ، وتقاسموا البلاد كما سيأتي ذكره إن شاء الله .
وأما ابن طوق فإنه حصر قلعة حلب حتى أخذها بمباطنة من أهلها وأمسك ابن نقيان وموصوفا ، فقتل ابن نقيان في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة ، واعتقل موصوفا . فركب أبو الحارث بن نقيان البحر من تنيس إلى طرابلس ، ودخل حلب يوم الأحد سابع عشري جمادى الأولى هذا ، وملكها ، وسمى سابق الدولة أبو طاهر بن كافي متولي الشرطة السفلى بمصر من قبل بدر الدولة بأخذ تنيس ودمياط ، واستخلف أخاه جلال الدين على الشرطتين العليا والسفلى من قبل بدر الدولة .
(2/147)

"""""" صفحة رقم 148 """"""
وفي رابع عشريه ركب الظاهر إلى طرف الخندق وعاد ؛ ثم ركب من الغد إلى مسجد تبر وعاد .
شهر جمادى الآخرة ؛ أوله الأحد . فيه جلس الظاهر للناس للسلام عليه ، فدخلوا على رسومهم ، فسلموا وانصرفوا . وفي رابعه ركب إلى مسجد تبر في عساكره ، وعاد ، فطلب الببغاء من الطيور فحمل إليهم منها شيء كثير ، فابتاع ما أحب بأوفر الأثمان . وفي ثامنه جلس للسلام ، فدخل الناس فسلموا وانصرفوا ؛ ثم ركب إلى المشتهى . وركب في ثاني عشره إلى مسجد تبر في مواكبه ، فلقيه عند سقاية ريدان خادم أسود يقال له عنبر ، كان مقربا للحاكم بأمر الله ، كثر كلامه فطردته السيدة ، فقال : يا أمير المؤمنين خذ لنفسك ، فوحق ما في هذا المصحف وأخرج مصحفا إن أباك باق ، وبعد قليل يجيء إلى قصره ، وقد نصحتك . فقبض عليه واعتقل ، وقيل إنه اختل عقله .
وفيه قرر الشريف الكبير أبو طالب الحسني العجمي القزويني والشيخ نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي والشيخ العميد محسن بن بدواس مع القائد الأجل معضاد أن يكون دخولهم على الظاهر الأخير في كل خلوة ، وأنهم يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفر على لذاته ، وينفردوا بالتدبير . واستقر أمر الثلاثة على الدخول في كل يوم على الانفراد وألا يستدعي معهم أحد . وصار شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان ، ومظفر صاحب المظلة ، وولى الدولة ابن خيران ، وداعي الدعاة ، ونقيب نقباء الطالبيين ، وقاضي القضاة ربما دخلوا في كل عشرين يوما مرة ، وهؤلاء الثلاثة الذين يقضون ويمضون ويشيرون ويفعلون في أمر الدولة ما يرونه ، مع اجتماعهم بمعضاد دون كل أحد .
وفي سابع عشره ركب الظاهر في العساكر ورجال الدولة بأحسن زي وأكمل عدة ، وركب عبيد الدولة بالآلات والسلاح والطريقة الحسنة والعدة الكاملة . وشق شارع مصر
(2/148)

"""""" صفحة رقم 149 """"""
إلى صناعة الجسر ، وعليه ثوب طميم مثقل وعمامة مذهبة طميم ، وعلى رأسه مظلة حمراء مثقلة مذهبة ؛ فغير ولبس ثوبا دبيقيا أبيض مذهبا وعمامة شرب بيضاء مذهبة ، وركب فرساً كميتاً وقف عند الصناعة ووجد الجد في طرح مركب حربي جديد ، فتعذر طرحه ، فتركه وسار لفتح الخليج . فورد الخبر بأن سيار الضيف متولى سد الخليج أمر بتخفيضه ليقرب أمره عند حضور أمير المؤمنين لفتحه ، فغلبه الماء وانكسر السد . فلما وصل الظاهر إلى السد وقف بجانبه الشرقي ، وعبرت العشاريات مزينةً على العادة ، ولعبت ، ثم عاد إلى قصره ، فكان من الأيام المشهودة .
وفي تاسع عشره نودي في مدينة مصر بألا يتعرض أحد لذبح شيء من الأبقار بوجه ولا سبب ، فإن من تعرض لذلك حل دمه وماله ، لأن الناس عدموا العوامل في هذه السنة ، وكانوا على عادتهم في ابتياع الفواكه والخمور والحيوانات ، إلا أن أمرهم في ذلك كان أقل للغلاء وتعذر الأصناف . وضرب فيه بالأجراس في آخر النهار ألا يلعب أحد بالماء ببلد مصر في يوم النوروز ، ولا في القاهرة . فطلع الجزارون يستغيثون في منعهم من ذبح الأبقار ، وأن عندهم منها ما ابتاعوه وأنفقوا عليه في علفه حمل الدنانير ، وليس هو ما يعمل ولا يصلح للزراعة ، فإن الرأس من البقر يقوم عليهم بمائة دينار وأكثر . وسألوا الإذن في ذبح ما عندهم ، فأجيبوا إلى ذلك . وذبحوا في هذه الثلاثة الأيام ما لا يحصى كثرة ، وبيع بطن البقر ولحمه رطلا بدرهم ، وازدحم الناس في طلبه . فلما كان آخر
(2/149)

"""""" صفحة رقم 150 """"""
نهار الثلاثاء رابع عشريه ، وهو رابع النوروز ، أحضر المحتسب الجزارين والهراسين ومنعهم من ذبح الأبقار ، فانقطع بيع لحمها من الأسواق .
وفي خامس عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر في عساكره ، وعاد .
شهر رجب ؛ أوله الاثنين . في ثانيه ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعليه عمامة ياقوتية مذهبة وثوب دبيقي بياض مذهب بغير مظلة ؛ وعاد .
وفيه قدم الخبر بأن منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري متولى حرب فلسطين ، أنفذ إلى بيت جبرين ، إقطاع حسان بن جراح ، من قبض على أمواله ؛ فبعث إلى أعوان الدزبري وأخذهم وضرب أعناقهم . فلما بلغ ذلك الدزبري قبض بالرملة على أبي الغول الحسن بن فيروز ، صاحب حسان ، وعلى كاتبه وسجنهما في حصن يافا مقيدين . وفي رابعه زين العامة أسواق البلد ، وخلقوا وجوه الصبيان ، ونادوا بوفاء النيل ستة عشرة ذراعا ، فخلع على ابن أبي الرداد خلعا دبيقية مذهبة ورداءً محشواً مذهبا وعمامة شرب مذهبة ، وحمل على بغلين بسرجين ولجامين مذهبين ، أحد السرجين مصفح ؛ وأعطى ست عشرة قطعة ثياب وثلاثة آلاف درهم . وبلغ الماء اصبعين من سبعة عشر ذراعا ، فكان يوما حسنا كثر فيه سرور الناس .
وفيه خلع على بقي الخادم الأسود ، غلام بدر الدولة نافذ ، ثوب مثقل طميم وعمامة قاضي مذهبة ، وسيف ذهب ؛ وقلد الشرطتين بمصر ؛ وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب ،
(2/150)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
عوضا عن جلال الدولة ابن كافي . ونزل إلى الشرطة السفلى في جمع كثير ، فنظر في الحسبة مضافا إلى الشرطتين ، وأمر أن يباع الخبز الجشكار كل خمسة أرطال بدرهم ، والحواري أربعة أرطال بدرهم . فغلقت الطواحين والحوانيت جميعها ، وأصبح البلد يوم الجمعة ، خامسه ، على حال صعبة من تعذر الأخبار وعدم الدقيق . فلما كان غداةً يوم السبت ، سادسه ، أعيد دواس بن يعقوب الكتامي للحسبة وصرف بقي عن الحسبة والشرطة ؛ فأقام يوما واحدا وانصرف . ونودي أن يكون الخبز الذي يباع في الأفران خمسة أرطال بدرهم ، وتباع بقية الأخباز بغير تسعير ، فظهرت الأخباز بالأسواق ، وبيع الخبز السميد رطلين ونصفاً بدرهم ، وما دونه ثلاثة أرطال بدرهم .
وفي عاشره ركب الظاهر إلى نواحي القصور بغير مظلة ، وعاد .
وكانت ليلة النصف من رجب ليلةً مشهودة ، حضرها الظاهر والسيدات وخدم الخاصة والمصطنعة وغيرهم ، وسائر العوام والرعايا ، وكان مجمعا لم يشهد مثله من أيام العزيز بالله . وأوقدت المساجد كلها أحسن وقيد .
وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح خرج عن الطاعة . وكان سبب ذلك أنه فسد ما بينه وبين الدزبري ، واستوحش كل واحد من الآخر ؛ فكتب الدزبري إلى الظاهر يذكر له تغير حسان في خدمته ، وفساد نيته في طاعته ؛ ويستأذنه في حربه ؛ فكان ما تقدم
(2/151)

"""""" صفحة رقم 152 """"""
ذكره . ثم اتفق أن اعتل حسان علة أشفى منها ، وكثر الإرجاف به فيها ، وكتب أصحاب الأخبار بذكرها إلى الظاهر ؛ فكاتب الدزبري بقصده وانتهاز الفرصة في أمره ؛ فسار إليه وهو بناحية نابلس . فبلغ حسان عن سيره ، وقد أبل من مرضه فاستنهض أهله وأصحابه ، وجمع نحواً من ثلاثة آلاف فارس ، وتلقى الدزبري ، فعاد إلى الرملة وحسان في إثره ، فحصره واستدعى رجاله من الجبال والشراة إليه ، فصار إليه منهم عدد كثير . وقاتله الدزبري على باب الرملة ثلاثة أيام بلياليها بعد ما كبس حسان طبرية ، ونهبها ، وقتل من بها ، وفر منها متوليها مجد الدولة فتاح بن بويه الكتامي إلى عكا . فبلغ حسان ، عن أخيه ثابت ، أنه انتهى إلى الدزبري ، فبعث جريدة كبست حلة ثابت ونهبتها .
وفيه أفرد صدقة بن يوسف الفلاحي بالنظر في ديوان الكتاميين . وأقام الظاهر أياما لم يركب ولم يدخل إليه أحد .
وفي حادي عشريه ورد الخبر بأن حسان بن جراح اجتمع مع سنان بن عليان بن البنا ، وانضم إليه سائر إخوته ، وساروا جميعا بظاهر فلسطين ؛ فقابلهم الدزبري كما تقدم ، إلى أن فارقه ثابت بن جراح ولحق بأخيه حسان . وقدمت نجدة من صالح بن مرداس لحسان ، فبعث الدزبري يطلب من الظاهر نجدةً بألف فارس وألف راجل ، فجردت جماعة يسيرة ، ودفع إلى كل فارس أربعون دينارا ؛ فاشتملت الجريدة على ألفي فارس وراجل ، تولى النفقة فيهم معضاد الخادم والشريف العجمي ونجيب الدولة الجرجرائي . فلم يخرج من الجريدة إلا طائفة يسيرة مضوا إلى العريش ؛ وبطل أمر من تجرد بعد ذلك .
وسعي بمحسن بن بدواس بأنه كاتب حسان بن جراح يحرضه على الفتنة ، وكاتب ملك الروم يطمعه في الدولة . وانتصب له الطائفة التي تحضر عند الظاهر في المعاملة .
(2/152)

"""""" صفحة رقم 153 """"""
وفي ثاني عشريه ورد الخبر بأن الدزبري غلب عن مقاومة حسان ، ففر من الرملة آخر الليل في عشرة من الغلمان الأتراك ، وسار في ليلته إلى قيسارية . وذلك أن حسانا هجم برجاله على بعض حوانيت الرملة ، وطرح النار ووضع السيف ، ثم دخل بجموعه ، بعد فرار الدزبري ، إلى المدينة ، فنهبوا الأموال ، واستباحوا الحرم ، وقتلوا القتل الذريع . وعندما دخل حسان إلى المدينة ترجل من باب البلد وقبل التراب من باب المدينة إلى دار الإمارة ؛ ثم أحضر القاضي وشيوخ فلسطين وأشهدهم أنه عبد الدولة وخادمها وصنيعتها ، وداخل تحت طاعتها ، وأنه لا يبدأ أحداً من أهل البلد بسوء ، وإنما كره مقام الدزبري في الرملة ، وذكر سوء ما عامله به وأن ذلك أوجب قتاله ؛ وأن البلد لأمير المؤمنين يولي فيه من رغب فيه من عبيده ، فيسمع له ويطيع ، ويخدمه طاعة لله ولمولانا صلوات الله عليه . وأقام نصر الدين نزال واليا على الرملة ، وقال هذا عبد أمير المؤمنين وابن عبده ، يضبط البلد إلى أن يصل أمر أمير المؤمنين . فخلع على القادم بهذا الخبر وكثر السرور به .
وفي ثالث عشريه خلع على سني الدولة حمد ، ابن أخي الباهر ، وقلد سيارات أسفل الأرض عوضا عن عدة الدولة بقي الخادم الأسود ، وحمل على فرس بسرج مصفح مغموس ، وألبس عمامة مذهبة وثوبا طميما .
وفي آخره ورد الخبر بأن حسان بن جراح إنما أظهر ما تقدم ذكره حيلةً وخديعة . وذلك أنه أحضر العسكرية بالرملة ، وقرأ عليهم ملطفا وصل إليه من الحضرة يعتذر إليه فيه ، ويعلم أن اعتقال أبي الغول وكاتبه لم يكن عن رأي أمير المؤمنين ، وإنما جرى من الدزبري برأيه . فلما أوقف العسكرية على الملطف قبلوا خط أمير المؤمنين وعرفوه ، أمرهم أن يسيروا به إلى عسقلان ويوقفوا أهلها عليه ، فإن كانوا تحت السمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين فليسلم الحسن بن سرور الأنصاري الكاتب إلي ، وإلا سرت إلى عسقلان ونقضتها حجرا حجرا ونهبتها وقتلت أهلها . فمضى العسكرية بالملطف إلى عسقلان ،
(2/153)

"""""" صفحة رقم 154 """"""
وأوقفوا عليه الوالي والعسكر ، فسلم إليهم أبو الغول ورفيقه . فلما وصلا إلى حسان ركب لوقته وخشب سبعين رجلا من العسكرية ، وقتل طائفة من الحمدانية وغيرهم ، ووضع السيف والنهب في الرملة ، وأضرم النار في الدور والحوانيت حتى جعلها دكاً ، وسبى النساء والأولاد ، وقبض على نحرير الوحيدي وأخذ منه أربعين ألف دينار . وأخذ من مبارك الدولة فتح ، المقيم بالقدس ، ثلاثين ألف دينار ، وأخذ جميع ما جمع الدزبري .
وأرجف بمصر أن خمسمائة فارس بعثها حسان إلى العريش ، ثم لم يعلم أين قصدت ، فخاف الناس أن يطرقهم في القرافة ، فانتقل أهل القرافة إلى مصر ، وانتقل جماعة من بلبيس إلى مصر . فسار بديع الصقلبي في الرسالة إلى حسان . وتحرك السعر بمصر ، واضطربت العامة . وندب مائة فارس من القيصرية للإقامة بالقرافة لحفظ الناس ، فإن الخوف اشتد حتى لم يطلع أحد إلى القرافة ، وتحملوا منها ، فمنعوا من النقلة وأعيدوا إليها .
وجرت الأمور في هذه الشهور المباركة على ما كان الرسم جرى به من عمارة المساجد والجوامع وتكثير القناديل والزيت وكثرة الوقيد . وقد دخل الشريف العجمي إلى الظاهر ، فأظهر أنه يراعي أمر الدولة ويتخوف ما يجري من الفساد ، فأمر الظاهر بأن يجتمع مع الشيخ نجيب الدولة أبي القاسم الجرجرائي والشيخ العميد محسن بن بدواس ، صاحب بيت المال ، وأن يدبر الأمراء بما يراه . فاستدعى المذكورين وقال لابن بدواس : احمل المال الذي عندك لينفق في الرجال . قال : ما عندي إلا يسير ، ووالله لو طلبتم مني ينارا واحدا ما مكنتكم منه لأنه موفور لخواص مهمات مولانا صلوات الله عليه . فقال الشريف : فتقترض من التجار وتصادر من تجب مصادرته ، فقال الجرجرائي : وأي مال مع التجار وتجار مصر هلكي من الغلاء ؛ لكن إن أردتم المال فمن أم الحاكم بأمر الله ، قدس الله روحه ، وعمته ؛ وبالجملة فقد أغنى الله مولانا ، صلوات الله عليه ، بتوافر أمواله وتراث آبائه الأئمة الطاهرين عما نراه نحن أو نقوله بآرائنا . فأمسك الشريف عن غير رضا .
(2/154)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
وفيه سير جماعة من المجردين في المراكب الحربية لحفظ حصون الشام إلى تنيس ودمياط ، ومضوا إلى صور وطرابلس وغيرها . وجردت طائفة إلى بلبيس لحفظها . شهر شعبان ؛ أوله الأربعاء . فيه قدم أحد إخوة حسان بن جراح ، فتلقى وأكرم وأنزل في دار حسين بن جوهر ، وحمل إليه الفرش والآلات الفضة ، ونحو ذلك مما يصلح لمثله ، وأقيمت له الجراية . وضمن أنه يخرج من العسكر إلى الرملة ، فخلع عليه ، وحمل على فرسين ، وقلد بسيف ومنطقه ذهب .
وفي خامسه جلس الظاهر في قصره للسلام ، ودخل الناس . فقال الكتاميون : يا مولانا ، صلوات الله عليك ، بلغنا شغل قلب مولانا بأمر ابن جراح ، ومن هذا الكلب حتى يشغل قلب مولانا ، صلوات الله عليه ، به وما مقداره ؟ والله يا مولانا إن لك من العبيد ما لو أطلق مولانا سبيلهم عليه لقلعوه شعرة شعرة ، من عبيدك الكتاميين ، وعبيدك القيصرية ، والعبيد والباطلية والأتراك ، وسائر العرائف والقبائل . غير أننا قد هلكنا والله يا مولانا فقرا وجوعا ، وليس لواحد منا مال يرجع إليه ؛ ولو كانت لنا أموال لكفينا هذا الأمر وغيره . فقال لهم : نسيم صاحب الستر : حسبكم يا شيوخ ، حسبكم فأمسكوا ، ولم يكن من الظاهر جواب .
وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح كتب إلى صالح بن مرداس يستدنيه ليقع الاجتماع على ما يدبران أمرهما ، فسار صالح ونزل على حلب ونازلها وأخذها ، كما تقدم ، وأخذ بعلبك ، وعظم أمره . واجتمع هو وصمصام الدولة سنان بن عليان بن البنا على حسان بفلسطين ، وتحالفوا على اجتماع الكلمة وأن يكونوا يداً واحدة على صاحب مصر ؛ وقسموا البلاد بينهم ؛ فصار لحسان الرملة إلى باب مصر ، ولمحمود أخيه طبرية وما يتصل بها
(2/155)

"""""" صفحة رقم 156 """"""
من الساحل ؛ ولسنان بن عليان دمشق وسوادها ؛ ولصالح ما بقى من الشام إلى عانة . فاجتمع سنان مع صالح ومعهما حشود العرب ، وحصروا دمشق ونهبوا الغوطة وسائر السواد ، وقتلوا فلاحي الضياع وانتهبوا أموالها ؛ وألحوا في قتال أهل دمشق . فاجتمع الناس بدمشق إلى ذي القرنين ابن حمدان ، متوليها ، وقرروا أن يكون القتال يوما يكون أمره إليهم ويوما يقاتل فيه عسكر السلطان . فاتصلت الحرب كل يوم ، وقتل من العسكر ومن أهل دمشق ومن العرب خلائق . ونهبت مواشي الناس من الضياع وغلاتهم وأموالهم ؛ فأخذ لمعتمد الدولة . من ضياعه عشرة آلاف غرارة من القمح . وبعث حسان نجدة من رجاله إلى سنان ، وكان الشام بأسره قد اضطربت أحواله . وتغلبت العربان على البلاد ، ونهبوا عامة أموال أهلها .
وفيه قدم صاعد بن مسعود ، عامل الصعيد الأعلى ، باستدعاء ، فغدا في سادسه شريكا لصدقة الفلاحي في ديوان الكتاميين .
وفي ثامنه قدم الخبر من دمشق بأن سنان بن عليان بن البنا لما وصلت إليه سرية حسان ابن جارح ، وهي نحو الثلاثة آلاف فارس ، طلب من أهل دمشق ثلاثين ألف دينار يقومون له بها معجلة ومؤجلة ، فمنعهم القاضي الشريف فخر الدولة أبو يعلى حمزة ابن الحسن بن العباس بن الحسن بن أبي الجن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ورأى أن يجمع ذلك
(2/156)

"""""" صفحة رقم 157 """"""
وينفقه في قتال العرب ؛ فوافقوه على ذلك وحلف الناس . وهدم دروب البلد وحملها إلى الجامع حتى لا يمتنع أهل البلد بالدروب ويخلوا بين العسكر والعرب . ورجف بالناس ، فاشتد القتال بينهم وبين العرب ، وقتل من العرب نحو المائتي فارس ، وأصيب سنان بسهم ، فطلب من الناس الصلح على ترك الحرب أربعين يوما . فلما تقرر ذلك خرج إليه الشريف ابن أبي الجن وشيوخ دمشق ووجوه الجند ، وحلفوا سنانا ووجوه العرب ، فاستقر الأمر بينهم على هذا .
وورد الخبر بأني بني قرة أقاموا إنسانا دعوه بأمير المؤمنين ببرقة ، وحملوا على رأسه المظلة . وفيه ظهر في النيل بأعمال أسفل الأرض فرس البحر .
وفيه ورد الخبر بأن التجريدة التي توجهت إلى تنيس طلبوا أرزاقهم وضيقوا على العامل ففر منهم إلى دمياط ، فعاثوا في البلد وأفسدوا ، وقطعوا من يد عامل السلطان خمسة وعشرين قطعة ، وأخذوا من المودع ألفا وخمسمائة دينار . فخرج إليهم عنبر ، الزمام ، في خمسين فارسا من عرفائهم للقبض على الجناة وتأديبهم واسترجاع ما أخذوه . وقدم الخبر بأن حسان بن الجراح كتب إلى سنان يوبخه على ما فعل ويحثه على معاودة الحرب ، ويعده بالمدد ؛ فعاد إلى قتال أهل دمشق بعد ما كان قد انصرف عنها . فإن حسانا بعد ما نهب الرملة وحمل منها أربعمائة جمل موقرة مالاً وثياباً ومصاغا وغير ذلك ، بعثها إلى حلله وأضرم النار في شوارعها ، وكسر الأمتعة ، حتى كان الناس يمشون في بحار من الصابون والزيت في أسواق مدينة الرملة ، ثم وصل كتابه يسأل فيه إضافة القدس ونابلس إلى إقطاعه مصانعةً له على الكف عن القتال ؛ وأن ينفذ إلى أبي الغول ثياب من ثياب الظاهر التي يلبسها وشاشية من شواشيه . فأنفذ إليه ذلك وأجيب إلى إقطاع نابلس مضافا إلى إقطاعه ، ولم يجب إلى القدس .
وفي يوم السبت ثامن عشره دخل نسيم صاحب الستر بطائفة من الصقالبة إلى بيت المال
(2/157)

"""""" صفحة رقم 158 """"""
والشيخ العميد محسن بن بدواس جالس وبين يديه حسباناته ، فقال له : اجمع يا شيخ هذه القراطيس واختمها . فجمعها وختمها بخاتمه ، ثم أقامه وختم الخزائن ، وأخرجه راجلاً ، فاعتقله بحجرة من القصر . وركب رفق فختم بيت المال والخزانة الخاصة ودار ابن بدواس وسائر ما يتعلق به . فلما كان العشاء أخرج ابن بدواس فضربت عنقه وهو يصيح : والله ما خنت ولا سرقت ولا غششت ، وهذه منصوبة نصبت علي . وقيل إنه وجد عنده خط حسان بن جراح ، وخطه عند حسان يحثه على الإيقاع بالدولة . وقيل إن هذا صنع عليه من أعمال الشريف العجمي . وقيل في سبب قتله معاندته لمعضاد وعدوله عنه إلى رفق الخادم وأنه كان استشار خليل الدولة محمد بن علي بن العداس صديقه لما عاداه هذه الطائفة ، فأشار عليه أن يباينهم بالعداوة ويكاشفهم بها . واستشار أيضا شمس الملك مسعود بن الوزان ، مع ما بينه وبينه من العداوة ، فأشار عليه مثل ذلك . وقيل إن الظاهر أخرج كتاما مختوما إلى الشريف العجمي فنظره ، ثم رفعه إلى أبي القاسم الجرجرائي فنظره ثم قال : هذا خط ابن بدواس ، فقرئ ، فإذا فيه طعن على الدولة ، وبآخره : إذا وافيت بالعساكر لم تجد أحدا تلقاك ولا يمانعك ، وإذا كاتبتني فلا تنفذ كتبك إلا على أيدي الرهبان فإنهم الثقات المأمونون . فقال الظاهر : أي شيء يستحق هذا ؟ فقال الجرجرائي : مولانا مالك العفو والسيف . فقال : انصرفوا . فلما خرجوا أمر بضرب عنقه . وقيل إنه وجد أغلف لأنه كان نصرانيا . ومن العجب أنه كان في غاية التحفظ والتحرز ، وكان يخاف أن يقتله الحاكم بأمر الله فنجا منه ، ثم لما أمن واطمأن كان حتفه .
في يوم الثلاثاء لليلة بقيت منه أحضر عز الدولة معضاد الكتاميين وأمرهم بالبكور من الغد ، وأمر الأتراك وجميع العسكر بلبس السلاح ، وأن يتسلموا من الخزانة ما يخرج لهم من ذلك ، ويقف الجميع حول القصر حتى يؤمروا بما يفعلونه . فوقفوا من الغد بأجمعهم حول القصر إلى ضحوة النهار ، فجاءهم الأمر بأن مولانا صلوات الله عليه يركب
(2/158)

"""""" صفحة رقم 159 """"""
في غد ، فليحضر من ليس له منكم سلاح ليدفع إليه من الخزانة ؛ فقال الكتاميون قد شغلنا الجوع وطلب الخبز عن هذا . فلما كان آخر النهار حمل قوم من متر جلة الكتاميين على سبعين فرسا ، وفرق فيهم وفي غيرهم السلاح .
شهر رمضان ؛ أوله الخميس . فيه ركب الظاهر في عساكره وعليه قميص مدير مذهب دبيقي وعمامة مثله ، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها بهاء الدولة مظفر الصقلبي ، وخلفه ابن فتوح الكتامي يحمل الرمح ، وبين يديه الأتراك والكتاميون والقيصرية والعبيد والباطلية والديلم وسائر الطوائف ؛ وركب رجال الدولة خلفه مع نسيم الصقلبي ، وسار إلى مسجد تبر ، وعاد . وكان يوما حسنا من توافر الناس وكثرة الجمع والزي الحسن .
وفي يوم الجمعة ثانيه ركب أيضا إلى صلاة الجمعة في الجامع الأزهر ، وعليه طيلسان شرب مفوط بعمامة بياض مذهبة ، وثياب دبيقية ، والمظلة دبيقية مذهبة ، وطلع معه المنبر قاضي القضاة أحمد بن أبي العوام وإبراهيم الصانع المؤدب المعروف بالجليس ، فأرخيا عليه سجف القبة التي في أعلا المنبر ، وهي مغشاة بمصمت بياض ، والعنبر يبخر بين يديه في المباخر الذهب والفضة والجوهر . فخطب ، ثم كشف عنه القاضي ونزل ، فصلى وعاد إلى قصره .
في رابعه ورد الخبر بانصراف صالح بن مرداس عن دمشق إلى حلب ، وأن كاتبه باع جميع ما كان له بحلب من غلة ودار وآلة ، وخرج فجمع العرب وقصد حصار المدينة . في خامسه ولي طيب الخازن بيت المال ، وخلع عليه ، وحمل على بغلة بسرج ولجام ، وخلع على ميسرة الخازن وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب ؛ وولى خزانة الخاصة وجعل عدة الدولة رفق الخادم الأسود ، يخرج إليهما بالأوامر ويدخل . وخلع على ثلاثة من أولاد ابن الجراح وحملوا على ستة أفراس .
(2/159)

"""""" صفحة رقم 160 """"""
وفي ثاني عشره أخذ ديوان الشام من محمد بن أحمد الجرجرائي ورد إلى أبي طالب الغرابيلي .
وفي يوم الجمعة سادس عشره ركب الظاهر إلى الجامع الأنور خارج باب الفتوح وعليه رداء بياض محشى قصبا ، وثياب بياض دبيقية ، وعمامة بيضا مذهبة ، وفي يده القضيب الجوهر ، وعلى رأسه مظلة مديرة فخطب ، ثم صلى ، وعاد .
وقدم الخبر بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان إلى آخر الكوانين . وقدم كتاب حسان بن جراح بأنه تحت الطاعة ، فلا يجب أن يشغل السلطان قلبه بأمر الشام ، وأنه يقوم بأمر فلسطين ويجبي خراجه وينفقه في رجاله ، ودمشق فيها ابن عمه سنان ، صمصام الدولة ، وحلب مردود تدبيرها إلى صالح بن مرداس أسد الدولة ؛ وأنه قد كفى السلطان أمر الشام كله . فطرد رسوله ولم يكتب له جواب .
وفي خامس عشريه زيد في لقب منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري أمير الأمراء . وفي سابع عشريه هرب ابنا جراح ولحقا بحسان بن جراح ، وأخذا جميع ما كان في الدار التي أنزلا فيها ، وتركا أخاً لهما مريضا ، فوكل به .
في سلخه حمل نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي سماط العيد على العادة ، وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر ، وسبعة قصور كبار من السكر ، وشق البلد بالخيال والطبالين والفرحية .
(2/160)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
شهر شوال ؛ أوله السبت . فيه ركب الظاهر في عساكره ، وبين يديه فيل وزرافات وبنود مذهبة بقصب وفضة ، والطبول تضرب والجنائب تقاد أمامه ؛ وجميع قواد الأتراك والمصطنعة في السلاح ، وعليه ثوب خز بعمامة نظيره ، وفي يده القضيب ، وعليه السيف ومعه الرمح ، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها مظفر ، وبين يديه الخدم السودان وعليهم أصناف المذهبات إلى المصلى . فصلى ورقى المنبر ، واستدعى قاضي القضاة ، فطلع ؛ ثم استدعى إبراهيم الجليس المؤدب ، فطلع ؛ ثم استدعى شمس الملك أبا الفتح مسعود بن طاهر الوزان ، فطلع ، ثم استدعى تاج الدولة ابن أبي الحسين ، صاحب صقلية كان ، ثم استدعى زين الملك على بن مسعود بن أبي الحسين ، ثم استدعى علي بن فضل ، ثم عبد الله بن الحاجب ؛ ثم جدل بالبندين المنصوبين على المنبر ؛ وخطب ؛ ثم نزل وعاد إلى قصره . وأحضر السماط فحضر أهل الدولة ، ولم يحضر الظاهر ، وكان في منظرة يشاهدونه . وفي ثامنه صرف نجيب الدولة مجلى بن نسطورس عن ديوان الأحباس بأبي غالب الصيفي النصراني كاتب ديوان الخراج . فيه ضربت خيمة بظاهر باب الفتوح ؛ ووقع الاهتمام بتجريد العساكر إلى الشام .
وفي هذا الشهر تحرك السعر ، وبلغ التليس القمح دينارين وثلثين ، والتليس الشعير دينارا واحدا ، والخبز رطلين بدرهم . وقدم الخبر بأن الحرب بمكة قامت بين الحسنيين والصليحيين ، فخرج منها أبو الفتوح حسن بن جعفر ؛ وأن الغلاء بها شديد .
(2/161)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
وقدم الخبر بمحاربة الدزبري لأصحاب حسان بن جراح على عسقلان ، وأن عدة جند الدزبري خمسة آلاف قد نهكتهم الحرب والغارات . وقبض على رجل قدمه حسان بن جراح إلى بني قرة بالبحيرة يدعوهم إلى نصرته ويعدهم مواعيد كثيرة ، فأجابوه بالموافقة ؛ وأخذت منه الكتب وحبس .
وكانت ليلة الميلاد في يوم الخميس عشريه ، فاشتغل الناس عما كانوا يبتاعونه فيها من الفواكه والحلوى بما هم فيها من الأمراض ؛ وتواتر الموت ، بحيث لم تخل دار أحد من عدة مرضى من الدم وأوجاع الحلق ؛ وبلغت الرمانة ثلاثة دراهم ، والبطيخة البرلسي ثلاثين درهما ، والأوقية الشراب بدرهم ، والقمح ثلاثة دنانير التليس ، والأردب الشعير بدينار ، والرطل اللحم ثمانية دراهم . وعز وجود شيء من الحيوان مثل الدجاج والفراريج ؛ وبلغت راوية الماء ثلاثة دراهم . فتهالك الناس من كل جهة ، وكسرت الأسواق ، فكانت الثياب والأمتعة ينادي عليها فلا يوجد من يدفع درهماً فما فوقه .
وفيه قطع على حاج المغاربة الخارجين في البر عند تعذر أمر الحج ، فتقدمت جماعة من المغاربة القادمين من بلاد المغرب بغير أمير ، فلما جاوزوا بركة الجب قطع عليهم الطريق وأخذت أموالهم ، فهلك منهم عدة وعاد من بقى . ذو القعدة ؛ أوله الأحد . فيه اشتدت عقوبة جواري محسن بن بدواس في طلب المال . وكانت ليلة الغطاس في ليلة الأربعاء رابعه ، فجرى من هو صحيح على العادة في شراء
(2/162)

"""""" صفحة رقم 163 """"""
الفواكه والحملان وغير ذلك . ونزل الظاهر إلى قصر جده العزيز بالله بمصر لنظر الغطاس ، شكراً ، مع حرمه ، بعد ما نزل القائد عدة الدولة رفق بأصناف الفرش لبسطه ، ونقل جميع المجاورين له ممن يسكن على النيل بالقرب منه ، وأزال المراكب المرساة هناك . وضرب بدر الدولة نافذ الخادم الأسود متولي الشرطتين ، خيمة عند رأس الجسر ، وجلس على مرتبة مثقلة ومرتبة ديباج ؛ ووقف ابن كافي متولي الشرطة السفلى بين يديه . ونودي في الناس ألا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم في البحر بالليل . وأمر الظاهر القائد نافذاً أن يزيد في وقيد النار والمشاعل في الليل ، ففعل ، وكان وقيداً طويى . وحضر القسيسون والشماسة بالصلبان والنيران فقسسوا طويلاً وانصرفوا إلى حيث يغطسون . فمات في هذه الليلة للظاهر طفلة سنها ثلاث سنين وشهور ، وهي آخر ولد بقي له ، فعاد من آخر الليل إلى قصره بالقاهرة ، فشاهد في طريقه عدة أموات على الطرقات ، فأمر لهم بخمسمائة شقة لأكفانهم ، والنفقة عليهم حتى يدفنوا .
وفي ثامنه حنك ثلاثة من الخدم وألبسوا العمائم الشرب البيض ، فتشبهوا ممن تقدم من مقدمي قواد الخدم كميمون وبدر ونصر العزيزي ونظرائهم . وهؤلاء المقودن هم معضاد ومناد ورفق ، وأضيف إليهم فاتك ورجاء وسرور النصارى ، ونامق ؛ فجلسوا بحضرة الظاهر وهنأهم الناس بذلك .
وفيه اجتمع وفد الحجاز بباب القصر واستغاثوا ، وقالوا : يا قوم قد جئناكم
(2/163)

"""""" صفحة رقم 164 """"""
وفارقنا أهلينا وقد هلكنا من الجوع ، فإن لم يكن لكم حاجة بإقامة الدعوة بمكة والمدينة فاصرفونا فإنا قد بذل لنا الرغائب في إقامة الدعوة لغير إمامكم فلم نأخذها ، ونريد إنسانا يكلمنا . فلم يجابوا بشيء . وكانوا قد مضوا قبل ذلك إلى رجال الدولة ، كمعضاد وغيره ، فصار يدفعهم هذا إلى هذا . فلما انصرفوا عن باب القصر خائبين بعث إليهم جمال الدولة مظفر الصقلبي ، صاحب المظلة ، ألف دينار من ماله ، فقالوا : لا نأخذ إلا ما يصلنا به أمير المؤمنين ، وهذه الصلة قد قبلناها ، والله مجازيك عليها ، ونحن نفرقها على ضعفائنا وعبيدنا ؛ ففرقوها على خمسمائة نفس ، لكل واحد ديناران .
واشتد الغلاء والقحط بمصر ، فبيع الخبز السميد رطلين بدرهم ، والحملة الدقيق بأربعة دنانير وثلثين ، والتليس القمح بثلاثة دنانير ، واللحم أربع أواق بدرهم . وعظم الموت سيما في الفقراء ؛ وبلغ الناس الجهد حتى إن جزاراً طرح عظما لكلب فطرد رجل الكلب وأخذ العظم منه وابتلعه نيئا ؛ وأكل المساكين الصماليخ من القنبيط واقتاتوا باليسير من كسب الوز وكسب السمسم ، وغلت عامة الحبوب . وغلا الماء لتعذر علف الدواب وعدم من يستقي عليها ؛ وبيعت راوية الجمل بثلاثة دراهم ، وراوية البغل بدرهمين ؛ واشتدت المسغبة . وقدم الخبر بشدة الموت بدمشق ، فمات من أهلها ألوف .
وفي نصفه ركب الظاهر وشق مدينة مصر ، وخلفه المقودون والمصطنعة ، وبين يديه الرقاصون ، فاستغاث الناس بضجة واحدة : الجوع يا أمير المؤمنين ، الجوع ؛ لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدك ؛ فالله الله في أمرنا . فارتجت البلد بالضجيج حتى نزل إلى قصر العزيز على البحر ، فحضر أبو عبد الله محمد بن جيش بن الصمصامة الكتامي وقد اختل
(2/164)

"""""" صفحة رقم 165 """"""
عقله وحاله ، فوقف تحت القصر وشتمه أقبح شتم ، وبالغ فيما شتم به ، فضربه الرقاصون حتى سقط ، وجروه برجله وسحبوه إلى السجن بالشرطة ، فضربه متوليها ثلاثين درة واعتقله .
وتزايد أمر الغلاء ؛ ونزل دواس المحتسب برجاله ومعه السعدية ، وكتب مائة وخمسين مخزنا قمحا وختم عليها ؛ فأصبح الناس يوم الاثنين سادس عشره على أقبح صورة ، وكثر الصياح : الجوع الجوع ؛ ولم يظهر خبز ولا دقيق . وبيع الدقيق رطلا ونصفا بدرهم ، والخبز الأسود رطلين بدرهم وربع .
وفيه خرج حاج المغاربة إلى مكة ، فلم يصحبهم أحد من أهل مصر ؛ وعندما عدوا بركة الجب خرج عليهم طائفة من القيصرية والعبيد ، وكانت بينهم وقعة هزمهم فيها المغاربة وجرحوا كثيرا منهم . وفيه طلب المحتسب إلى القصر ، وهدد ، وقيل له : قد قتلت الناس جوعا وخربت البلاد على مولانا ، وهذا خطك بضمانك عمارة البلد بالأخباز والقمح إلى حين إدراك الغلة . فوعد بتلافي الأمر ، ونزل ؛ وأطلق القمح من المخازن للطحانين ، وسعر عليهم دينارين ونصفا للتليس ، وأمرهم ببيع الحملة الدقيق بأربعة دنانير ، والخبز رطلين ونصفا بدرهم ، فسكن الحال قليلا .
وفيه أفرج عن محمد بن جيش بن الصمصامة .
وفي عشريه ركب الظاهر إلى الصيد بسردوس ، وعاد . وفي ثالث عشريه عاد
(2/165)

"""""" صفحة رقم 166 """"""
من خرج من حاج المغاربة بعدما نهبوا وجرحوا وسلبوا ، فلم يحج أحد في هذه السنة من مصر .
وفيه قرئ سجل بحطيطة جميع مكوس الغلة المباعة بساحل مصر ، وأن يبيع الناس بغير تسعير . وكثرت الأخباز ، وبيع القمح بدينارين ونصف وربع للتليس ، والخبز السميد رطلان بدرهم وربع ، والخبز الحواري رطلان بدرهم . وضرب عدة من الخبازين على خلطهم الطفل المسحوق في الأخباز .
وقدم الخبر أن حسان بن جراح أنفذ ألفي فارس فلم يعلم جهة قصدهم ، فاضطرب الناس لذلك ؛ ثم تبين أنها وردت إلى الفرما مع أبي الغول ، ففر الناس في المراكب إلى تنيس ؛ وأخذ الناس بمصر في إحراز أموالهم ، وفقد الخبز القمح والدقيق . ونفذت الكتب إلى الحوف بدخول الرجال الجوالة إلى الحضرة لتجدد عسكراً لحفظ البلاد ؛ ثم أبطل ذلك خوفاً من نهبهم المدينة وكثرة كلفتهم .
ذو الحجة ؛ وأوله الثلاثاء . في رابعه ركب الظاهر في خاصته إلى عين شمس وعاد . وفي خامسه أطلق لوفد مكة ألف دينار يرتفقون بها وأمرت لهم أم الظاهر أيضا بشيء من عندها . وكثرت نقل الناس خوفاً من النهب في يوم الأضحى . وعمل سماط العيد السكر من عند نجيب الدولة على بن أحمد الجرجرائي ، وعدد قطعه وتماثيله مائة وسبع وخمسون قطعة وسبعة قصور كبار ، كلها من السكر ، وحمل في تاسعه إلى القصر ومعه الفرحية الطبالون ، وأفراس الخيل ، والسودان والصقالبة على العادة .
(2/166)

"""""" صفحة رقم 167 """"""
وفي عشية النهار تهارب الناس من دب عظيم سقط من الجبل إلى المقابر ، فانجفل الناس في درب الصحراء ظنا أن العبيد كبستهم ؛ فكان خوف شديد .
وفي يوم الخميس عاشره كان عيد النحر ، فركب الظاهر إلى المصلى من باب الفتوح على عادته بعد أن رسم لسائر العرائف أن تلزم كل عرافة مكانها وحارتها ، وتكون صلاة العسكر بأجمعهم في حاراتهم مع أزمتهم ؛ فامتثلوا ذلك . وصلى وخطب بعد أن استدعى داعي الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان وسلمه الثبت بأسماء من جرت عادته بطلوع المنبر ، فاستدعى شمس الملك ، وبهاء الدولة مظفر صاحب المظلة ، وعلي بن مسعود ، وحسن ابن رجاء بن أبي الحسين ، وعلي بن فضل ، وابراهيم الجليس ، وعبد الله بن الحاجب ؛ وتأخر القاضي وغيره لمرضهم فلم يشهدوا صلاة العيد . فلما انقضت الخطبة نزل الظاهر إلى المنحر بالمصلى ، فنحر ناقةً وعاد إلى قصره ؛ ومشى إلى المنحر بصحن القصر تجاه ديوان الخراج فنحر تسعاً من النوق ثم انصرف . فحضر أبو الحسن على بن محمد الطريقي ، كاتب قاضي القضاة ، لتفرقة لحم الأضاحي على أرباب الرسم ، فنهبته العسكر وجرى عليه كل قبيح . ومد السماط بحضرة الظاهر ، فلما جلس أهل الدولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون : الجوع ، نحن أحق بسماط مولانا عليه السلام ؛ ونهبوا جميع ما على السماط وضرب بعضهم بعضاً والصقالبة تضربهم فلا يبالون . فكان أمراً صعباً وحسب الحاضرين أن نجوا سالمين .
فلما كان الغد ركب الظاهر إلى الرحبة في القصر تجاه ديوان الخراج ، فنحر ثلاث عشرة ناقة ، وعاد ، ففرقها الطريقي . وشد من الغد ، ثالث عيد النحر ، في مكان النحر خمس عشرة ناقة لتنحر ، فلم يخرج الظاهر ، فخلى عنها ، ثم شد خمس نوق غيرها نحرها الطريقي وفرقها .
(2/167)

"""""" صفحة رقم 168 """"""
وقدم الخبر بنهب العبيد الجوالة بلداً بالأشمونين ؛ حصل لرجل واحد تسعمائة رأس من البقر وثلاثة آلاف رأس من الضأن . وفي ثالث عشره ورد الخبر بأن الدزبري أسرى من عسقلان وكبس حلةً لحسان بن جراح ، فقتل ثلاثين أسيراً وعدةً من الناس يبلغون آلافاً ، ونهب نساء العرب ؛ وطلب نجدة ولو بألف فرس ؛ وأخبر أنه نزل فلسطين وصلى بها العيد وهو خائف من اجتماع العرب لحربه . فأخرج مضرب ظاهر باب الفتوح لتجرد العساكر ؛ فدافع أهل الدولة عن إمضاء ذلك . فورد الخبر بأن الدزبري بعد ما صلى العيد بمدينة الرملة انتقل إلى لد بعد ما أوقع بحلة فيها ولد لأبي الغول فقتله ، وضرب أعناق أربعين رجلا من الغمازين الذين كانوا يدلون حسان بن جراح على الناس ، وأنه ينتظر النجدة بلد ، فلم يخرج إليه أحد .
وفيه يوم عيد الغدير ورد الخبر بإقامة الدعوة الظاهرية بالبصرة والكوفة والموصل وعدة من بلاد المشرق ، وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الديلم عنها إلى البصرة ؛ فدعا الديلم للظاهر بها وبالكرخ ، ودعا الأتراك ببغداد للقادر . وفيه جرى الناس بمصر في عيد الغدير على رسمهم ، وتزيوا بأفخر زيهم ، وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون . وفيه نصبت خيمة خارج باب الفتوح ليخرج تجريدة الدزبري .
(2/168)

"""""" صفحة رقم 169 """"""
وفي حادي عشريه نهبت الدواب بسفط ونهيا من ثلاثين رجلاً من بني قرة ، وقتلوا قاضي سفط ، واستاقوا مائة وخمسين فرسا لأهل الدولة ، وساقوا ثلاثمائة مكة لمعضاد وأربعة آلاف رأس من الضأن ؛ فلم يخرج أحد لطلبهم ، ولا أنكر شيء من ذلك . وفي ثاني عشريه خرج معضاد والشريفان وابن حماد الغرابيلي ونجيب الدولة الجرجرائي إلى الخيمة خارج باب الفتوح ، وحضر الكتاميون ، فطلب منهم مائة فارس لينفق فيهم ، فلم يحضروهم ، ونزعت الخيمة فعادوا أقبح عود .
وفي خامس عشريه سار وفد مكة وقد دفع إليهم نصف واجبهم ، ولم يرسل إلى أبي الفتوح بشيء ، فمضوا غير راضين . وفيه حمل مظفر صاحب المظلة إلى الحضرة عشرة آلاف دينار قرضاً ؛ واستدعى من الشريف أبي طالب العجمي متولي الصناعة عشرة آلاف قرضا ، فدافع ثم أجاب إلى حمل خمسة آلاف بعد أن يضمن له أمر عادتها إليه ، فضمن له الشيخ نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ذلك ، فحملها .
واشتد الغلاء ؛ فبيع القمح بأربعة دنانير وثلث التليس والحملة الدقيق بستة دنانير ، والخبز رطل وربع بدرهم ؛ ونزل بالناس مسغبة شديدة . وفي ثالث عشريه تجمع العبيد ومعهم عدة من النهابة ، فبلغوا نحو الألفين ، يريدون نهب مدينة مصر ، فركب إليهم بدر الدولة نافذ في عسكر بالسلاح ، وأذن للناس عامة بأن من تعرض لهم من العبيد فليقتلوه ؛ فتحفظ الناس واستعدوا . ثم ركب معضاد ونسيم إلى حيث تجمع العبيد ، وأحضروا
(2/169)

"""""" صفحة رقم 170 """"""
أزمتهم وألزموهم بعود العبيد إلى حارتهم ؛ فقالوا : ما أردنا النهب ، ولا نريد إلا ما نأكله من الجوع فإن الجوع قد اشتد بنا وأكلنا الكلاب . فوعدوا بالنفقة من الغد ؛ فعاد الجميع إلى حاراتهم . واجتمعوا من الغد وقصدوا الساحل ، ونهبوا دوراً وطرحوا فيها النار ، وأخذوا ما وجدوه في الساحل من القمح والشعير وغير ذلك مما في الحوانيت ؛ ودخلوا إلى منازل أهل السلاح فنهبوا ما وجدوا . فركب إليهم نافذ وقاتلهم ، فجرح له فرس وقتل فارس من غلمانه ، فانصرف عنهم . وخرج إليهم عامة المصريين بالسلاح فقاتلوهم ؛ ورماهم النساء من أعلا الدور بالحجارة والطوب والجرار ، حتى هزموهم ؛ وأغلق الناس دورهم ، وحفروا دونها خنادق . وركب معضاد وجميع الصقالبة والقواد ، فطردوا العبيد عن البلد إلى المقس ، ولقوا في طريقهم قوماً معهم كثير من أمتعة الناس التي نهبت ، فقبضوا عليهم ، وضرب معضاد رقاب تسعة أنفس منهم ورمى جثثهم إلى الكلاب عند الحمراء والمشتهى . ثم لقي ستة نفر منهم فضرب رقابهم بالقاهرة .
وتعذر وجود الخبز فلم يقدر عليه ، وبيع رطلاً بدرهم . وبات الناس ليلة الجمعة على حرس ، وأصبحوا يترقبون المكروه ، فطاف النهابة أسواق القاهرة والسويقة التي عند باب زويلة ، فخرج إليهم حظي الصقلبي ومعه سيف من الحضرة ، فقبض على طائفة منهم ، ضرب رقابهم ورمى جثثهم إلى الكلاب على باب زويلة وعلى باب الفتوح وفي سوق السلاح وعند شرطة القاهرة ؛ وعدتهم اثنا عشر رجلا . ووجد كتاميا يقال له سليمان ، قد أخذ حمارا محملاً دقيقا ، فضرب عنقه . وأحضر عرفاء العبيد إلى القصر وشدد عليهم في إحضار الجناة من العبيد ، ووعدهم بالنفقة في العبيد . وأصبح الناس يوم الأحد سابع عشريه يستغيثون إلى متولي الشرطة السفلى من العامة التي نهبتهم ، فقبض على طائفة منهم بكوم دينار ، وعوقبوا حتى أقروا بما عندهم من النهب ، فسيقوا حتى أخرجوه من كوم دينار وأخذه أربابه .
(2/170)

"""""" صفحة رقم 171 """"""
وقدم الخبر من حلب بأن صالح بن مرداس حاصر حلب ، وما زال بأهل البلد حتى فتحوا له أبوابها ، فدخل أصحابه وشرعوا في هدم أبراج السور ، فظن الناس أنه يريد بذلك أن يسلم حلب إلى الروم ، فاجتمعوا بمن في القلعة ، وقد تحصن بها موصوف الصقلبي ، وحاربوا أصحاب صالح حتى أخرجوهم وقتلوا منهم مائتين وخمسين رجلا ، وامتنعوا منهم بالمدينة . ومن خبر ذلك أن صالح بن مرداس نزل على مدينة حلب في جمع كثير من بني كلاب وغيرهم ، فحصرها أشد حصر حتى أخذ المدينة صلحاً من أهلها ، ودخلها في رابع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة هذه ، وتلقب بأسد الدولة . وامتنع موصوف الصقلبي بالقلعة ، فاستخلف صالح على مدينة حلب كاتبه أبو منصور سليمان بن طوق ، ومضى إلى بلعبك فأخذه عنوة ، وقتل بها خلائق . واشتدت محاصرة سليمان بن طوق لقلعة حلب ، وصعد قلعتها حتى قل الماء والزاد بها ، فطلب موصوف منه أشياء اشترطها عليه وسلمه القلعة ؛ فأتى صالح حلب وصعد قلعتها ، وقتل موصوفاً ، ورتب أموره ، وصار بيده من بعلبك إلى عانة .
وقدم الخبر بأن حسان بن جراح جمع من العرب خلائق وقصد الرملة ، فمضى الدزبري إلى عسقلان وتحصن بها ، فقبض حسان على جماعة من أهل الرملة ممن سعى به وبأصحابه إلى الدزبري ، وضرب أعناقهم ، وملك المدينة . فاجتمع الدزبري مع مبارك الدولة فتح ، متولي القدس ، وفتاح بن بويه الكتامي ، وصار إليهم نحو الخمسة آلاف مقاتل ، وأوقعوا بحلة كبيرة لإخوة حسان ، وقتلوا ولداً لعلي بن جراح ، وهزموا من بها .
وقال ابن الرقيق : وكان بمصر من الغلاء والشدة وعدم الأقوات ما لم ير مثله من زمن
(2/171)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
بعيد . بلغ الخبز ، إذا وجد ، رطلا بدرهم ، واللحم أربع أواق بدرهم ، والرمانة الواحدة بدينار . وكان الناس في كل ناحية يصيحون بالجوع حتى يموتوا ؛ ويكون مع الرجل جملة من الدنانير فيطلب من يشبعه خبزا فلا يجده ؛ هذا مع الموت الذريع والوباء الفظيع . وورد كتاب بعض ثقات التجار يصف أنه أحصى من مات ممن عرف وكفن ودفن من آخر شهر رمضان إلى بعض ذي القعدة فكانوا مائة ألف وسبعين ألف نفس ؛ وأما الغريب ومن لا يعرف ومن يلقى في النيل ولا يجد من يقبره فأكثر من هذه العدة أضعافاً لا تحصى .
وبلغ ماء النيل ستة عشر ذراعا وثمان أصابع .
ومات في هذه السنة ممن له ذكر أبو جعفر بن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة ، يوم الخميس سادس المحرم ؛ وكان يعمل بيده أعمالا متقنة . وفي يوم الأربعاء عاشر صفر توفى مفضل بن أبي أحمد المهلبي بعد ما ساءت حاله ؛ وكان أديبا جم الأدب غير منكور السيرة . وفي سابع عشره توفي أبو محمد بن يحيى الدقاق من شيوخ الحديث ومؤرخي أخبار مصر . وفي يوم الأربعاء ثالث عشري ربيع الأول توفى ابن أبي الحسين بن زولاق ، وكان أديبا ، ذيل على تاريخ أبيه المعروف بأبي الحسين . وفي يوم الخميس ثاني عشري ربيع الآخر توفى أبو الحسن بن نحرير الشويزاني ، وهو أكبر من بقي من عرفاء الإخشيذية ، فبعث الظاهر لكفنه مائتي دينار وعدة ثياب وطيبا كثيرا . وفي يوم الأحد عاشر جمادى الأولى توفي النمل الشاعر ، واسمه : ومن شعره : وتوفى سند الدولة أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن نقيان الكتامي ، متولي مدينة حلب ، بها ، في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر . وفي يوم الاثنين سادس
(2/172)

"""""" صفحة رقم 173 """"""
شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبي صالح القلعي ، وقد ساءت حاله وغلبه الدين . وفي ليلة الأحد تاسع عشره قتل الشيخ العميد محسن بن بدواس متولى بيت المال وجابي الضرائب . وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامي ، متولى الشرطة السفلى بمصر ، بعدما ساءت حاله . وفي رابع عشره توفى الشريف العباسي الرابض لدواب الحاكم بأمر الله ، وكان شريرا ، فلم يشهد أحد جنازته بغضاً له . وفي يوم الخميس سادس شوال توفى أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامي ، فصلى عليه الظاهر . وفي تاسعه توفى مخلص الدولة منصور البكجوري ، أحد وجوه القواد الحمدانية القادمين من الشام ، وترك ستين ألف دينار ورثها ابنه ، فدفن في مقابر القاهرة . وفي ثالث عشريه توفى الأمير أبو هاشم العباس بن شعيب بن داود بن عبيد الله المهدي ، ولي عهد المؤمنين كان ، فدفن في تربة القصر ، وترك ولداً اسمه مسلم . وفيه توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن المعز لدين الله ؛ وكانت من وجوه عجائز القصر ؛ وخلفت أربعمائة ألف دينار . وفي يوم السبت رابع عشر ذي القعدة توفى جعفر بن أبي فروخ الكتامي الذي كان يتولى الشرطة بمصر . وفي سابع عشريه توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتيني الشاعر ، ودفن بمقابر القاهرة . ومن شعره :
شديدٌ من الدّنيا على الحرّ حاجة . . . يؤمّ بها من ليس من نظرانه
وقال من أبيات :
وما الناس إلاّ كالنّبات : مصوّح . . . ليذوي ، ومخضرّ لينمى ، ومعشب
يسربله ماء الشّباب نضارةٌ . . . ويفرغ عنه حسنه حين ينضب
ومنها :
تفرّق أنواع المذمّات في الورى . . . ويجمعها خلق الفتى حين يكذب
إذا كان للإنسان عقلٌ ، فحيثما . . . توجّه لاقاه صديقٌ ومكسب
(2/173)

"""""" صفحة رقم 174 """"""
ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه . . . فيسعى إلى شيءٍ سواها ، وينصب
يخرّب من أُخراه ما ليس فانياً . . . ويعمر من دنياه ما يتخرّب
على أنّ في الأيّام للمرء واعظاً . . . بليغاً ، وفي صرف الزّمان مؤدّب
وماتت السيدة العزيزة ست الملك ابنة العزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد ، مستهل جمادى الآخرة ، بعلة الذرب . وقد دبرت أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر ، أعادت فيها للملك غضارته ، واستردت بهجته ، وملأت الخزائن بأصناف الأموال ، وقلدت الأكفاء جلائل الأعمال ، واصطنعت الرجال .
(2/174)

"""""" صفحة رقم 175 """"""
سنة ست عشرة وأربعمائة
فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم . وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت ؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا . وجلس الدعاة بالجامع للمناظرة .
سنة سبع عشرة وأربعمائة
فيها ثار بالناس في مصر رعاف عظيم . وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت القرى .
وفيها سقط الظاهر عن فرس ، وأرجف بموته ، ثم عوفي ، فتصدق بمائة ألف دينار ، حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار ، وإلى بلاد الشام عشرون ألف دينار ، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار ، وفرق بمصر عشرون ألف دينار .
(2/175)

"""""" صفحة رقم 176 """"""
سنة ثمان عشرة وأربعمائة
فيها وقعت الهدنة بين متملك الروم وبين الظاهر عن ديار مصر والشام ، وكتب بينهما كتاب ؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم . وفتح الجامع الذي بقسطنطينية ، وعمل له الحصر والقناديل ، وأقيم به مؤذن ؛ وعند ذلك أذن الظاهر في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس ، فحمل إليها ملوك النصارى الأموال والآلات ، وأعادوها ، وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها في أيام الحاكم بأمر الله .
وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذباري ، وولى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي . وفيها اجتمع عسكر مصر ، ورافع بن أبي الليل مقدم طائفة الكلبيين ، وأنوشتكين الدزبري لحرب حسان بن جراح ؛ فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر على الأقحوانة ؛ فقتل صالح بن مرداس ، وانهزم حسان ، وقتل عدة ممن معه ، واستولى الدزبري على البلاد فقدم شبل الدولة نصر ، ومعز الدولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس ، وملكا أيضا الرحبة إلى بالس ومنبج .
(2/176)

"""""" صفحة رقم 177 """"""
سنة عشرين وأربعمائة
فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك ، قتل فيها جماعة ، وكان الظفر للأتراك ؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامة لهم ، فقتلوا عدة كثيرة من الأتراك ، وأخرجوا من بقي منهم عن مصر . وكان خبط عظيم ، فأخرج الظاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى الناس ، فقبلوا الأرض ؛ ثم بعث إليهم بالصلح ، فمشى الدعاة بينهم حتى اصطلحوا .
وفيه بعث المعز بن المنصور بن بلكين بن زيرى هدية فيها عشرون جارية لم ير كحسنهن ، وعى نهودهن حقاق الفضة ؛ وثلاثة أفراس ، فيها كميت بسرج ذهب زنته قنطار ذهب ، وأشقر بسرج لؤلؤ ، وأدهم بسرج فضة زنتها قنطار ؛ وثلاثة آلاف منا زعفراناً ؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج ، واثنا عشر صقلبيا ؛ وعشرون خادما سوداً ؛ وألف وخمسمائة ثوب خز وأربعمائة غفارة ؛ ورماح كثيرة جدا ؛ وألف قنطار شمعاً ؛ وثياب سوسية وصقلية ؛ وعمائم عدة ألوف . فجلس الظاهر في الإيوان على السرير الذهب ، وقرئ عليه كتابه ، وعرضت هديته في يوم الأحد
(2/177)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
ثامن شوال . وبعث إليه بهدية من دق تنيس ودمياط وطرائف الهند واليمن ، وزرافة ، وبختاً خراسانية تحمل قباباً فيها جواري ، وأشياء عظيمة .
وفيها جهز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري لقتال صالح بن مرداس ؛ فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبرية على نهر الأردن ، واقتتلا أشد قتال ؛ فقتل صالح وولده الأصغر في جمادى الأولى من سنة عشرين هذه ، وحمل رأساهما إلى القاهرة . ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح ، وأخوه أبو علوان عز الدولة ثمال إلى حلب ، فملكاها شركة بينهما . فكانت مدة ملك صالح لحلب أربع سنين وأشهرا .
(2/178)

"""""" صفحة رقم 179 """"""
سنة إحدى وعشرين وأربعمائة
بايع الناس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر ، وعمره ثمانية أشهر ؛ فخلع على كافة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطارئين من البلاد ، ونثر مال عظيم ؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة . واجتمعت العامة تحت المنظرة من القصر ، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير المؤمنين ، فأشرف عليهم الظاهر من المنظرة ، فقبلوا الأرض وانصرفوا .
وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع في حلب بعد تملك صالح بن مرداس لها ، فكاتب متملك الروم يرغبه في حلب ويعده ، إلى أن خرج من القسطنطينية في هذه السنة ومعه ثلثمائة ألف ، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس في عشرة آلاف ؛ فخاف متملك الروم ورحل ، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس في جماعة وولى منهزما لا يلوى على شيء . وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفي فارس في طائفة الأرمن ، ونهبوا الروم ، فاخذوا من خاص الملك أربعمائة بغلة تحمل المال والثياب ، سوى ما ظفروا به لعامتهم ، بحيث أبيع البغل في حلب بدينارين ؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم . ووجد من الروم آلاف كثيرة موتى عطشاً . وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان .
(2/179)

"""""" صفحة رقم 180 """"""
سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
فيه نقص النيل نقصانا فاحشا ، فتحرك السعر ، وحملت غلال كثيرة من الشام إلى مصر ؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر ، فكثر العجب من ذلك .
وكان الدزبري لما استرجع البلاد الشامية من أيدي المتغلبين عليها ، إلا حلب فإنها بقيت بيد بني صالح بن مرداس ، انهزم حسان بن جراح وإخوته من الدزبري ، ولم يجدوا ملجأ ، فحملهم ذلك على أن دخل حسان في طاعة ملك الروم ، وحمل على رأسه صليباً وصار في جملته . ثم سار في هذه السنة بعسكر الروم وعلى رأسه الصليب ، ووصل إلى أفامية ، وهي من عمل الدزبري ، فهزمها وسبى كثيرا منها . فنادى الدزبري بالغزاة ، وخرج ؛ فخافه نصر بن صالح وقرر لملك الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم ، صرف ستين درهما بدينار ، على أن يحميه ، وذلك في جمادى الأولى ؛ فاتفق مرض الدزبري بدمشق ، وأرجف به ، ثم عوفى .
سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة
فيها أمر الظاهر بقتل دعاته ، فاضطربت الرعية وكثير من الجند لذلك ، وأخذ الدعاة في إفساد أمره والتحدث بخلعه ؛ فأنفق أموالاً جمة حتى استقر أمره .
(2/180)

"""""" صفحة رقم 181 """"""
سنة أربع وعشرين وأربعمائة
ركب ولي العهد ، ابن الظاهر ، من القاهرة إلى مصر وقد زينت ، فكان إذا أقبل على الناس قبلوا له الأرض . ونثر يومئذ على العامة خمسة آلاف دينار ، ونثر على الخاصة عشرون ألف دينار ؛ فكان يوماً عظيما .
وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قدمت هدية المعز بن باديس ، وهي جليلة القدر .
سنة خمس وعشرين وأربعمائة
فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد ، وقلت بها الأموال والرجال ؛ فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد في الناس .
وفيها ظهرت الطائفة الدرزية بجبل السماق من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر الله .
فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام ، فخربت ريحا ، ونصف الرملة وأكثر عكا في قرى كثيرة ، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين ، ثم عاد كما كان .
(2/181)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
سنة ست وعشرين وأربعمائة
فيها كثر الفأر بأراضي مصر وأكل زروعاً كثيرة . وفيها كثر الوباء بمصر .
وفيها قتل الدزبري شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس ، في شعبان ، وملك حلب ، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة .
سنة سبع وعشرين وأربعمائة
فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية .
وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة ، في يوم الأحد النصف من شعبان ؛ فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما . وكانت أيامه كلها سكونا ولينا ، وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى ، وأمور الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك ، وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي ، وجيء بأبي هاشم فبايع والسيف على رأسه ، ثم جلس فكان آخر
(2/182)

"""""" صفحة رقم 183 """"""
العهد به . وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي ، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه ، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه ، ثم قضى نحبه . وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن محمد في تدبير الدولة عن رأيها ، حتى قتلت ابن دواس ، فانفرد عمار بالأمور إلى أن رتبت له في دهليز القصر من قتله . فتحدث حسن بن موسى الكاتب ، والأمر لست الملك ، ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي . فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائي بالتدبير .
(2/183)

"""""" صفحة رقم 184 """"""
المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور
أمه السيدة رصد . ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة ؛ والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج ؛ والشمس فيه على خمس عشرة درجة ، والمشتري فيه على ست درج ، وعطارد فيه على اثنتي عشرة درجة ؛ والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة ؛ وزحل في برج الثور على تسع وعشرين درجة ؛ والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة ؛ والزهرة في برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة ؛ والجوزهر ؟ في برج السنبلة على خمس وعشرين درجة . وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ؛ والطالع عند ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة ، وزحل في برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة ؛ والمشتري في برج الدلو على ثماني درج ، والمريخ فيه أيضا على اثنتي عشرة درجة ؛ والشمس في برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة ؛ والزهرة في برج السرطان على ثلاث درج ، وعطارد في برج الجوزاء على ست عشرة درجة ؛ والقمر في برج الجدي على ثماني عشرة درجة والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين درجة . وأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام .
وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي ؛ وأخذ له البيعة على الناس ؛ وأطلق للجند
(2/184)

"""""" صفحة رقم 185 """"""
أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة ؛ وسكنت الأمور واستقامت الأحوال ؛ وكتب له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة . وفيها سير من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة التي منها شرب الكوفة ، وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها . وكانت تلك الجهات جاريةً في إقطاع العربان بالعراق ، فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطاعة ؛ فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة . فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر ، فلم يجد مالاً يبعثه عوضاً من المال المذكور ، ولم يمكنه الرد ، فدعته الضرورة إلى التغاضي . فشرع البدوي في العمل ، ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير .
(2/185)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر ، فكاتب ملك الروم ، وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية ؛ فأشار عليه بالدخول في طاعة المستنصر ، فقبل منه . وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير ؛ فحصل الرضا عنه ، وأضيف إليه أعمال حمص ، ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام ، شمس الدولة ومجدها ، ذي العزمتين . فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق ، وأخذ في مناكدة أصحاب نصر بن صالح .
(2/186)

"""""" صفحة رقم 187 """"""
سنة تسع وعشرين وأربعمائة
فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة ، فأخذها . وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه ، فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب ، فانكسر وقتل في يوم الاثنين نصف شعبان ، وحمل رأسه إلى دمشق . فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد ، وأخذ قلعتها ، واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس ، وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي . وشرق بأهله ليستنجد بأخواله بني خفاجة ، فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة ؛ ثم قدم إليها الدزبري وتسلم القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان ، وأخرج منها إلى درباس ، واستولى على بالس ومنبج ؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين . وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة . وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق .
وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس جبل ، وأقام دعوة المستنصر ؛ وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن .
وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي فر بها الحاكم ، فأطلق الأسرى ، وعمر قمامة ، وأطلق عيها مالاً جل وصفه .
(2/187)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
سنة ثلاثين وأربعمائة
سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة
فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران :
سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة
فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية ، وكسر عسكر الدزبري المقيم هناك ؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز . وكان ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها ، فبعثنا إلى متملك الروم بمال وثياب ، فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها ؛ فضاق الدزبري ذرعاً بذلك وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما ، فأجاباه بالاعتذار .
وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال الروم ، فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم . فبعث الدزبري عسكرا ، فلقي الروم فيها حماة وأفامية ، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة ؛ فأجمع الدزبري على النهوض إليهم ، فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه . ثم إن الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة ، فقضى عليه أهلها ؛ فكاتب مقلد بن منقذ ، فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل واجتمع به ؛ ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة .
(2/188)

"""""" صفحة رقم 189 """"""
سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه المقلد ، وحصرا القلعة سبعة أشهر ، وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، وقتلا من بها . فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلا بتوليته ؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال .
وفيها توفى شهم الدولة ميمون ، صاحب السيارة في أسفل الأرض ، في شهر ربيع الآخر ، وحمل إلى مصر ، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه ، ودفن بتربته بالقرافة . وكان من أهل الخير ؛ وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين وأربعمائة .
سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله ، وأدعى أنه الحاكم ، وبث دعاته سراً في البلاد ، وقصد القصر وقت خلوه من العساكر ، وقال للخدام : قولوا هذا الحاكم . فارتاع من كان في باب القصر وثارت ضجة ؛ فقبض عليه ، وصلب ، وأخذت أصحابه فقتلوا ، ومن جملتهم محمد بن عاني الكتامي أحد دعاته .
(2/189)

"""""" صفحة رقم 190 """"""
سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر ، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسي ، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية .
سنة ست وثلاثين وأربعمائة
فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ، يوم الأربعاء سادس شهر رمضان . والحاصل يومئذ في بيت المال البراني ، تحت يد أمين الدولة مسرة الرومي ، برسم النفقات ، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف وثمن دينار . ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة ، ومائة ألف مثقال من العنبر ، وغير ذلك . وكان عالما فطناً نحريرا ؛ وقع مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب ، فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة . وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما .
ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري ، فانفسد أمره بسبب أبي سعيد سهل بن
(2/190)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم ، اليهوديين . وكان من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه ، فباع عليه في جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر ، فولدت له المستنصر ؛ فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها ؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظراً في جميع أمور الدولة . فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم ، فجبهه غلام له ، فأحفظه ، وأعلم أخاه أبا سعيد ؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب ، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي ، وكان يهودياً قد أسلم ، فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان ، ولقب بالوزير الأجل ، تاج الرئاسة ، فخر الملك ، مصطفى أمير المؤمنين . وكان يهودياً موصوفاً بالبراعة في ضروب الكتابة . ولى أولاً نظر الشم ؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه ؛ وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به . وقدم إلى القاهرة ، فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري ، ورقاه ، وأشار في مرضه بأن يستوزر من بعده . فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه . وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه . وقبض على ابن الأنباري ، وصودر ، حتى هلك تحت العقوبة ، ودفن بخزانة البنود وكان مسجوناً بها . وصار الفلاحي لا يعمل إلا بما يحده له أبو سعيد ويمثله .
وكان المستنصر قد بث دعاته سراً إلى الآفاق يدعون إليه ، ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته . فلما كان في هذه السنة دفع جماعةً منهم إلى ما وراء النهر ، ودعوا هناك بعد أن
(2/191)

"""""" صفحة رقم 192 """"""
دعوا بخراسان ؛ فاستجاب لهم طوائف من الناس . وحصلوا عند بغراخان ، أخي رسلان خان صاحب ما وراء النهر . فلما علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن استمالهم وقربهم ، وأطمعهم أنه يريد الدخول فيما هم فيه ؛ فأنس به طائفة منهم ، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق ، فخدعهم بإطلاق المال ، واستخبر به ما عندهم ، حيث إنه أنفق عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم ، حتى اطلع على عددهم ، وعرف مواضعهم ؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم ، ويطلعوه على باطنهم . فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكر به ، وقد كتب كتاباً على قدر كتابهم وشكله ، يقسم فيه بالأيمان المغلظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقرباً إلى الله تعالى . ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه ، ورد إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه ، واستعاده ليحلف به . فلما حصل في يده أخرج الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا يعدل عنه ؛ فوثقوا بذلك ، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين . ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد قوي ، فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب ؛ فإن كنتم في عدد قويت به . فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له ، وأفضوا إليه بجميع سرهم ، ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم عليه . ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم ، وفيهم عبد الملك بن محمد البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد ، ونصر بن عطاء ، وجعلهما
(2/192)

"""""" صفحة رقم 193 """"""
من وراء ستر ؛ فذكر الدعاة أسرار مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر عليهم ، وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا بعقائدهم . فأخرج حينئذ عبد الملك ونصراً ، وقبض على الدعاة وقيدهم ، ونادى في الناس ليجتمعوا ، وقد نصب جذعا ، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد ، ورماهم بالنشاب ، فقتل منهم ستة عشر رجلا ، وذبح منهم واحدا بين يديه ، ذبحه بعض عبيده فأعتقه ؛ وتصدق بمائة ألف درهم . وتتبع كل من في أعماله من الدعاة ، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا ، وأوثقهم بالحديد ، وألقاهم في جب مظلم ؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة . وكتب إلى بغداد بما فعله ، فقدم رسوله في هذه السنة ، فأجيب بالشكر والثناء .
وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاماً وخلعاً ، فلبسها ؛ فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك ؛ فاعتذر ، ولبس السواد ، ورجع عن دعوة المستنصر .
(2/193)

"""""" صفحة رقم 194 """"""
سنة سبع وثلاثين وأربعمائة
اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك الروم ، وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه ؛ وكان انتقاضها على الحقيقة من مدة أربع سنين مضين . فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية متملك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة ، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب ، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار . وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة ، كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل ؛ وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة ، فيها آنية الذهب والفضة ، منها مائة قطعة بميناء ؛ وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله . فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطراز ، عمل تنيس ودمياط ، ما هو أكثر قيمة مما بعثه .
سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود بالقاهرة .
(2/194)

"""""" صفحة رقم 195 """"""
سنة تسع وثلاثين وأربعمائة
فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري اليهودي وقتله عند خان العبيد . وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد هذا ، فأخذها منه الظاهر وتسراها ، فولدت له ابنه المستنصر ، فرقت أبا سعيد درجةً عليه بعد وفاة الظاهر . وكان يخاف الوزير الجرجرائي ، فلم يظهر ما في نفسه . فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة ، بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي ، سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير ، وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر . فغض الفلاحي بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه . وذلك أن بني قرة ، عرب البحيرة ، أفسدوا في الأعمال ، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان ، وأوقع بهم وقتل منهم ، وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم . فثقل على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم ، ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم ؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة . واتفق مرض ريحان وموته ، فاتهم أبو سعيد أنه سمه ؛ وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على قتله . فركب من داره على العادة يريد القصر ، في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى ، في موكب عظيم ؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات . فأمر المستنصر بإحضار من قتله ، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه . فلم يجد المستنصر بداً من الإغضاء . وقطع الأتراك أبا سعيد قطعاً ، وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت ؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثته بمال . وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته ، وحرقوا ذلك بالنار ، وألقوا عليه من التراب
(2/195)

"""""" صفحة رقم 196 """"""
ما صار به تلا مرتفعا . وضم أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه ستراً ، وتركوه في بيت مؤزر بالستور وأوقدوا الشموع ، وأقاموا عزاءه . فتعلقت من بعض الشموع شرارة في الستور التي هناك ومضت فيها ، فاحترق التابوت بما فيه .
وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار . والذي مات عنه الجرجرائي ، وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات ، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار . فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار .
ورد المستنصر لأبي نصر ، أخي أبي سعيد ، خزانة الخاص ، ولولدي أبي سعيد النظر في بعض الدواوين . وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد ، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود . وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين .
واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها ، حفرت له حفيرة ليوارى فيها ، فظهر للفعلة عند الحفر رأس ، فلما رفع سئل عنه الفلاحي ، فقال هذا رأس ابن الأنباري ، وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع ؛ وأنشد :
ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً . . . ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء ؛ وتولى ديوان دمشق .
(2/196)

"""""" صفحة رقم 197 """"""
ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد ، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف : وحق النعمة على بني إسرائيل ، قول الرضي فيه :
يهود هذا الزّمان قد بلغوا . . . غاية آمالهم ، وقد ملكوا
العزّ فيهم والمال عندهم . . . ومنهم المستشار والملك
يأهل مصر إنّي قد نصحت لكم . . . تهوّدوا قد تهوّد الفلك
وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمد بن أحمد الجرجرائي ، ابن أخي الوزير صفي الدين ، ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد ، علم الكفاة ، سيد الوزراء ، ظهير الأئمة ، عماد الرؤساء ، فخر الأمة ، ذي الرئاستين ، صفى أمير المؤمنين . وفيها ابتدأ أمر أبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري . وكان من خبره أن أباه علي بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور ، من ضياع فلسطين ، وكان مقدماً فيها ؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها ، وصارت له وكلاء في الضياع . فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس ، فرد إليه قضاء بعض أعمال الرملة . ونشأ له ابنان نجيبان ، ولي أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى ، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده ، فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق ؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي ، فصر بذلك ممنوعاً ممن يريده بسوء .
واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر ، فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة الشريفة ، فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة ، فجاء بعض الخدام وأيقظه من نومه وقال : أيها الرجل ، إنك تلي ولايةً عظيمة وقد بشرتك ، فلي منك الحباء والكرامة .
(2/197)

"""""" صفحة رقم 198 """"""
ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر ، فتقرب بخدمتها ، ولازم بابها عندما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها ؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحي ويؤانسه ، فيبدأه بما في نفسه من أبي سعيد التستري ، فيفاوضه في التدبير على المذكور ، ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه . فثقل مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحي ؛ وهم به ، ثم تراخى عنه ، حتى كان من أمره ما كان ؛ وأمر اليازوري في كل يوم يتزايد وحاله يقوى . إلا أن قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من رد الحكم إليه ببلده ، لما يعلم من سوء رأي أبي سعيد فيه ، وأنه يريد القبض عليه ؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه .
واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر ، على عادته في كل يوم اثنين ، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه ، ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك . فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي زكرى والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم ؛ فقال له قاضي القضاة : بأمر من جلست ههنا أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها ؟ هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به ؛ اخرج ، فوالله لا تضرفت على أيامي أبدا . فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه ، فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة ، فسار وخليفتاه والشهود معه ، فسار في أعقابهم ، وسبقهم ووقف بباب دار القاضي ؛ فلما نزل صنع له استعطافا ، فلم يعره طرفه وانصرف . فلقيه القضاعي وقال : يا أبا محمد ، كان يجب ألا تريه وجهك عقب ما جرى لك معه . وفارقه . فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء . فرد إلى داره مغموماً ، فوجد ثلاثين حملاً من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر ، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير ، ولقاضي القضاة خمسة أحمال ، وللقائد الأجل عدة الدولة رفق خمسة أحمال ، ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال ، ولابن أبي زكريا ثلاثة أحمال ، وللقضاعي
(2/198)

"""""" صفحة رقم 199 """"""
خمسة أحمال ، وفرق حملين على حراسهم . فلم يلتفت أحد منهم إليه ، ولا عطف عليه ، ما خلا القائد الأجل عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه . وهو مع ذلك يقف بباب البحر ، فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه ، فيكرمه ويسأل عن حاله ، ثم يدخل إلى القصر ؛ فإذا خرج وجده واقفاً على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره ؛ فإذا دخل انصرف عنه . فأقام على ذلك أياما ، فخف على قلبه ورغب في اصطناعه ؛ فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه ، فينزل ، ويتحدثان وكان حلو الحديث فيطيل عنده ، ثم ينصرف . فصار يشتاقه إذا غاب ، ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة . وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت أمور خدمتها ، فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها ، فامتنع خوفا من الوزير والأتراك ؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع . فحضر أبو محمد اليازوري يوماً ، فجلس عدة الدولة رفق ، وجرى بينهما امتناع أبي نصر ، أخي أبي سعيد ، من خدمة أم المستنصر ، فقال له رفق : أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها . فقال أبو محمد : قد كنت أظن جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي ، وأكذبني ظني . فقال : بماذا ؟ فقال : الهزء بي ، فإني قد أجهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها . فكيف أتعرض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء فقال له : أما ترضاني سفيراً لك في هذا الأمر ، وعلي استفراغ الوسع فيه ، لوجوب حقك علي ، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك فقد أدركنا ما نؤثره ، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل . فأجاب إلى ذلك ، وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها ، ويخطب خدمتها ، ويبذل الاجتهاد فيها ؛ وأخذها منه رفق .
فلما كان من الغد ركب إلى القصر ، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر ، وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع ؛ حتى أضجرها ؛ فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال : يا مولاتنا ، قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع الشيخ أبي نصر
(2/199)

"""""" صفحة رقم 200 """"""
مما نريده منه ؛ وههنا من أنت تعرفينه ، وهو رجل مسلم وقاض ، وكبير المروءة ، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك ، وهو ثقة ناهض كاف فقالت : من هو ؟ فقال القاضي أبو محمد اليازوري ، وهذه رقعته . فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر ، وقالت : ما تقول فيه ؟ فلم يصدق بذلك . فقال يا مولاتنا ، هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك ، وفيه لها جمال ، وما تظفرين بمثله . فوقع ذاك منها بالموافقة . فقال لرفق : قل له يجلس في داره غداً حتى أنفذ إليه ؛ فسر بذلك وخرج ، فإذا أبو محمد في انتظاره على عادته ، فسار ، ولحق به أبو محمد ، فقال له : أقمح أم شعير ؟ فقال : بل بر يوسفي ، وقص عليه الخبر . فلما كان الغد جاء الرسول مستدعياً له ، فركب إلى بابها ، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها ، الذي هو باب الريح ، وجميع أحوالها ؛ ونزل . فبلغ ذلك الوزير ، فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده ، وأنه لا يقبل قوله عند السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد .
وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد ، فهنئوه بما صار إليه ؛ فقام إليهم وتلقاهم ، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم ، وقال : ما أنا إلا خادم ونائب لموالي الأمر ، أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها . ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم . وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه ، فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل .
(2/200)

"""""" صفحة رقم 201 """"""
سنة أربعين وأربعمائة
فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان ، أمير دمشق ، وشجاع الدولة جعفر بن كليد ، والي حمص ، بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس . وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرر على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا ، فأخل الحمل سنتين ؛ وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب . فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب ؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها ، وأخذ المعرة ، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر . وحارب ابن مرداس حروباً آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل ، في سادس عشر جمادى الأولى . ففي عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال والأمتعة ، وعاد إلى دمشق . فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه ، وكان المتوسط بينهما أبو نصر إبراهيم ، أخو سعيد التستري ، فأجيب إلى ذلك ؛ وانفصل رسول من الحضرة . فورد الخبر بأن ثمال بعث والياً إلى معرة النعمان ، وأنه أساء التدبير ، فانحرف عنه الناس ، وفر منهم إلى حلب ؛ وأن جعفراً ، أمير حمص ، بادر إلى المعرة ، فلقيه مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه ، فقتل في الوقعة
(2/201)

"""""" صفحة رقم 202 """"""
لست بقين من شعبان ، وحملت رأسه وشهرت بحلب ، وأسر كثير من عسكره ؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال ورده ، وأفهمه ما ورد من المكاتبة . ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم ، فما زال يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر الدولة من التوسط بين ثمال والحضرة ، وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه عن حلب . فقبض على أبي نصر ، وأخذت عامة أمواله ، وعوقب حتى مات .
وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي ، وخرج إليها على جرائد الخيل ، فدخلها على حين غفلة ، وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور ، ونقله إلى الرملة وصودر ، وأقام مظفر الخدمة بدمشق . وقبض على راشد بن سنان بن عليان ، أمير بني كلاب ، واعتقله بصور .
وخرج أمير الأمراء المظفر ، فخر الملك ، عدة الدولة وعمادها ، رفق الخادم ، في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة ، وقوة قوية ، وعدة وافرة ، وآلات طبله ، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا ؛ وكان المنفق فيه عيناً مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار . فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب ، وخرج المستنصر لتشييعه ، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره ، وأن يترجلوا له إذا لقوه . وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصلح بين المستنصر وبين بني مرداس ، ففشل رفق وانخرقت حرمته ، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام ، فبات يوماً ظاهر دمشق .
(2/202)

"""""" صفحة رقم 203 """"""
وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين ، النصف من المحرم ، بخزانة البنود ودفن فيها . واتفق في وفاته عجب ، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري ، واعتقله بخزانة البنود ، ثم قتله ، في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، ودفنه بخزانة البنود . فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة البنود ، وقتل فيها ، ودفن معه . وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير الجرجرائي ورفيقاً للفلاحي وصاحبه ، ولما ولي الوزارة تخوف منه ، وما زال يعمل عليه حتى قتله ، كما تقدم .
وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد ، ومنزلته ترتفع ، وخلع عليه ثانيا ، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره ؛ فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر ، وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما يستحقونه ؛ خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره ، فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما . فبلغ السيدة ذلك ، فقالت له : لا تتحرك لأحد بالجملة ، فكان إذا جاءه اعتذار إليه . ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين ؛ وترقت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحي . فعظم ذلك على الوزير ، لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد اليازوري تحدث طويلاً والسيدة من وراء المقطع ، ثم يستدعي الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدولة ، ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد ، فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصواب ؟ فيقول المستنصر نعم ؛ ثم يخرج الرسول من وراء المقطع ويقول هذا الصواب . فكان الوزير كأنه يعرض على اليازوري الأمور دون الخليفة ، فيشق عليه ذلك ، ولا يتمكن من مخالفته ، ولا يستطيع الصبر على ما به . وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبي المفضل صاعد بن مسعود ، وإليه ديوان الشام يومئذ ، وهو شيخ خود ؛ وكان الوزراء
(2/203)

"""""" صفحة رقم 204 """"""
يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه . فأحضره الوزير ، وفاوضه في أمر اليازوري ، وأخذ رأيه فيما يعمل مع ؛ فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء ، ظنا منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير ، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة ، فيجد الوزير سبيلاً إلى استخدام ولده مكانه ، ويتقوى له الأمر فيه ، ويملك جهة الخليفة والسيدة . وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد ، وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته ، وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم ، وهم الذين يوقفون أمور الناس ؛ فاستخدم أبو سعيد شاهداً يعرف بابن عبدون ، خليفة القاهرة ، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره . وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا ؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي والشهود بين يديه ، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين ، وما يحتاج إليه من إقامة بينة ، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض ، وما يجري هذا المجرى . وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم ، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون ؛ وحجج الناس يحتاط عليها في قمطر ، وتحمل بين يدي القاضي ؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها . وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات ، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه ، فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة وركب ، فتقدم إليه وقبل ركابه ، وخضع له وتلطف في أمره ، فلم يلتفت إليه ؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله ، فانتهره . فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه ، فخر إلى الأرض ميتا . وأخذ الرجل إلى أبي سعيد ، فنكل به وقطع يديه ورجليه ، وضرب عنقه . ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة ، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام ؛ فلم يقوما مقامه ، وكانا يجاملان القاضي ؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون ، إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما . فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه ، واتهامه أن أمور الناس واقفة ، وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي .
(2/204)

"""""" صفحة رقم 205 """"""
وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس ، ثم في الدار يوم الاثنين مسلما عليه . فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه ، فقربه الوزير وسأل عن حاله ؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر ، والأحكام مردودة إلى خليفته ولهما الحكم دونه ، فإذا حضرا فتح باب الحكم ، وإذا غابا أغلق بابه . فقال له : كفيت يا قاضي القضاة . وخرج من عنده وحضر بعده القضاعي وابن أبي زكرى ، فقال لهما الوزير : ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ويشكو استيلاءكما على الحكم دونه ، وأنه لا تنفذ أوامره معكما ؟ فقالا : وأي أمر لنا دونه ، هل أوقفنا أمر أحكامه ، أولنا غلمان يمسكون حجج الناس حتى يصانعوهم عليها ؟ يعرضان بغلمان القاضي إنما نحن في حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه في إمضاء الأحكام ؛ وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام فيه . فقال : كفيتما أيها القضاة . وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف القاضي وتولية أبي محمد اليازوري . واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه أياما في داره عن مجلس الخليفة ، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة ، ثم قال له : أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع ، ومقيم مناره ، ومنفذ أحكامه ؛ وقاضي القضاة إنما ينطق بلسانك ، وينفذ الأحكام عنك ؛ فإذا اشتهر في الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان سوء السمعة في ذلك على الدولة ، وإثارة الشناعة القبيحة عليها ؛ وفي الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه ، والروم ؛ وفي استفاضة ذلك غضاضة على الدولة . ونحن إنما نطول على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذي عفت آثاره في غيرها من الدول ؛ وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره . فقال المستنصر : نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا . فقال : يا أمير المؤمنين ، حفظك الله وشكرك ؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه ؟ وما زال حتى قال الخليفة : من في الدولة يجري مجراه ؟ فقال : يا أمير المؤمنين : عبيدك كثير ، ومع ذلك فبين يديك من يتحمل
(2/205)

"""""" صفحة رقم 206 """"""
الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك ، القاضي أبو محمد . فقال : ذلك في خدمة مولاتنا الوالدة ، ولا يفسح له في ذلك . فقال : يا أمير المؤمنين ، هي خلد الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظراً لها من أن تحول بينها وبين ما يجملها ؛ ومع ذلك ، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه ، بل إلى ما هو أوفى منه . فأجاب إلى ذلك ، وقام ، فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له . وسمع هذه النوبة القائد عدة الدولة ، فأوفد إلى أبي محمد يخبره ، وقال له تلطف في أمرك كما تريد . فعظم ذلك عليه ، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجل الخدم ، فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج .
فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح ، ودخل ، وأنفذ يعلم السيدة مكانه ؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه ، وما الذي دعاه للعناء في هذا الوقت . فقص عليها القصة وقال : إنما الغرض إبعادي عن خدمتك ليقع التمكن مني . فقالت : وما الذي تكره من ذلك ؟ فقال : يا مولاتنا هوى الحكم واسع ، وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة ، ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك ، فكيف والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه ؛ وفي هذا شغل كبير . فقالت : لا يضيق صدرك بهذا الأمر ، فبابي لك ، وخدمتي موفورة عليك ، ولا أستبدل بك أبداً . فقال : يا مولاتنا قد قدمت القول أن هوى الحكم كبير واسع ، وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك . فقالت : خليفتاك في الحكم ، القضاعي وابن أبي زكرى ، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه ، فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت
(2/206)

"""""" صفحة رقم 207 """"""
ذلك ، وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام ؛ وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي ؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله . فقبل الأرض ، ودعا ، وشكر ، وانصرف .
وكانت إذا قالت قولاً وفت به وثبتت عليه ، فإنها كانت وثيقة العقد ، حافظة العهد ، غير ناقضة له ، ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي التغيير عليه ، فكيف بمن ترتضي طريقته ، وتحمد خلائقه .
وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها ، طارق الصقلبي المستنصري ، دمشق ، فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب ، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان .
(2/207)

"""""" صفحة رقم 208 """"""
سنة إحدى وأربعين وأربعمائة
في ثاني المحرم صرف قاضي القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء . وكانت هذه ولايته الثانية ، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة أيام . واستدعي إلى حضرة المستنصر القاضي أبو محمد اليازوري وخلع عليه مكانه في رابع عشره ، وقرئ سجله في الديوان ؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه . واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمداً ولقب بالقاضي الأجل خطير الملك ؛ وأقام ابنه الآخر في جهات السيدة .
وشرع الوزير في الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه في بابها ؛ فامتنعت من ذلك وقالت ما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب . فسقط في يده وقال : أردنا وضعه والله تعالى يريد رفعه . فقال له أبو الفضل : أما إذ جرى الأمر بخلاف ما ظنناه فليس إلا مجاملة الرجل . وكان أبو محمد اليازوري لا يسلم على الوزير ، ولا يجتمعان إلا يوماً في الشهر ، يحضر إلى دار الوزير ، فإذا حضر إليه احتجب عن كل أحد ، وتلقاه قائما ، وأجلسه على مخدة ، وأعطه من المجاملة فوق ما يؤثره منه ؛ وهو مع ذلك يبطن له السوء ، ويعمل في التدبير عليه .
وكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس ، والمصادرات ، واصطفاء الأموال ، والنفي ، ونحو ذلك ؛ فكثر الذام له . وكان أيضاً يبطش بمن يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه ، فتغير خاطر الخليفة عليه ، وتكثر منه تغيظه . إلا أن العادة جرت بألا يعترض الوزير فيما يفعله ، ويمد له في النفس ، ويصبر على ما يكون منه .
(2/208)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
وفيها قبض على أبي نصر إبراهيم بن سهل ، واتهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى قتل جعفر بن كليد صاحب حمص ؛ وسلم إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي فضيق عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة . وكان هو الذي سعى به إلى المستنصر فقال إنه عين لثمال .
واتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها في سادس صفر يريد حلب ، فوصل إلى جبل جوشن في ثاني عشري ربيع الأول ، وأقام هناك ؛ ثم بدا له فبعث بما معه من الأثقال إلى المعرة ، فظن من معه من العساكر أنه يريد أن ينهزم ، فأجدوا في الرحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف ؛ فأمر بردهم إليه ، فأبوا ذلك عليه . وفطن أهل حلب لهم . فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم ؛ وكانت بينهما حرب جرح فيها رفق في عدة مواضع من رأسه وبدنه ، وأسر ، وانهزم العسكر بأسره . وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس ، ومعه جماعة من وجوه عسكره ، فلم يحتمل ما أصابه ، واختلط عقله ، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام ، في مستهل ربيع الآخر ؛ واعتقل عامة من كان معه من القواد والكتاب بحلب .
فلما ورد الخبر بذلك على المستنصر أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال ، وقلد إمارة دمشق الأمير المؤيد مصطفى الملك معز الدولة ، ذا الرئاستين ، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين بن مفلح ، في رجب ، وخرج معه ناظرا في أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن الماسكي .
(2/209)

"""""" صفحة رقم 210 """"""
ووجد أعداء الوزير أبي البركات الحسين بن محمد الجرجرائي سبيلاً إلى إغراء المستنصر به ، وأنه تسرع فيما عادت مضرته على الدولة من تجهيز العساكر إلى حلب . فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده بأمور من غير أمر ولا استئذان ، فأمر به فقبض عليه ونفى إلى صور في منتصف شوال ، فاعتقل بصور . فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام . ثم أفرج عنه ومضى إلى دمشق .
وبقي الأمر في الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضي القضاة أبي محمد اليازوري بالوزارة وهو يمتنع عليه ؛ فأسند إلى أبي الفضل صاعد بن مسعود ، من الأمراء ، وأقيم واسطةً لا وزيرا ، وخلع عليه ولقب بعميد الملك زين الكفاة ، وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرجال دون الأموال . وكان إذا أراد الاستئذان على ما يفعل جلس اليازوري بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل ، فعرض ما يحتاج إليه ؛ فيتقدم إليه اليازوري بما يفعله . ويخرج في نفسه من اليازوري ما كان يدور بينه وبين الوزراء في معناه . فأخذ يحمل عليه الرجال ويوهمهم أنه إذا سأل لهم في زيادة أو ولاية يعترضه اليازوري ويفسد عليه . فلما كان في بعض الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته : اعلم أن القاضي له الثناء الجميل الكثير ، ونحن شاكرون له ، مقيدون بجميله ، مفتقرون
(2/210)

"""""" صفحة رقم 211 """"""
إلى جاهه في جميع أمورنا ؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمنا إن وقفت حوائجنا ، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت ؛ وهذا الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد في قضاء حوائجهم ، وأنه يعترضه بما يبطلها عليهم ؛ وفي هذا الأمر ما تعلمه . فقل أنت له عني : يا سيدنا ، إما أن تزيد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نياتهم في طاعتك ، فادخل في هذا الأمر ، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك ، وشكروه منك وإن أسأت كان عليك ضرره وشره ؛ وإلا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال ، وإلا أبلغك أبو الفضل . فبلغه الرجل ذلك ؛ فقال : أمهلني الليلة ثم بكر إلي . فلما كان في السحر بكر إليه ؛ فقال : أعد علي قول ناصر الدولة ؛ فأعاده . فقال : أقره عني السلام ، وقل له : والله إلا أدخل فيه ويكون لي خيره وشره . وأبلغ ناصر الدولة رسالته ؛ فقال : هذا هو الصواب .
(2/211)

"""""" صفحة رقم 212 """"""
سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة
في سابع المحرم قرىء سجل القاضي أبي محمد اليازوري بالوزارة ، ولقب بالوزير الأجل المكين ، سيد الوزراء ، تاج الأصفياء ، قاضي القضاة ، وداعي الدعاة ، علم المجد ، خالصة أمير المؤمنين ؛ وخلع عليه . فنظر في الوزارة وليس من أهلها ، ولا من أرباب الكتابة ، فمضى فيها مضي الجواد ، ونهض مسرعاً نهوضا عز به في وجوه من تقدمه ، مع ما بيده من قضاء القضاء ، والدعوة ، والنظر في ديوان السيدة . وكاتب ملوك الأطراف ، فأجابوه ، بوفور حقه ، إلا معز الدولة بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية ، فإنه قصر في المكاتبة عما كان يكاتب به من تقدم من الوزراء ، فإنه كان يكاتب كلا منهم بعبده فجعل مكاتبته صنيعته . فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة ، وكيل ابن باديس بمصر ، وعتب صاحبه عنده ، وقال : أن معزاً ينقصني عمن تقدمني ؛ إذا لم أكن من أهل صناعة الكتابة ، وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم ؛ ومن رفعه السلطان ارتفع وإن كان خاملاً ، ومن وضع اتضع وإن كان جليلا نبيلاً ؛ فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب . فكتب إليه بذلك ؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه بأنفاسه . فلما وقف على كتاب ابن الإخوة قال : ما الذي يريد مني هذا الفلاح ؛ لا كنت عبده ولا كان ؛ هذا
(2/212)

"""""" صفحة رقم 213 """"""
لا يكون أبدا ، وما كتبت إليه فكثير . فطالعه عيونه بقوله ؛ فأحضر ابن الإخوة وقال له : قد جرى صاحبك على عادته في الجهل ، فاكتب إليه بما يردعه فيه ، وإلا عرفته بنفسي إذ لم يعرفني . فكتب إليه بذلك ، فأجاب بما هو أقبح من الأول . فدس إليه الوزير من تلطف في أخذ سكين دواته ؛ فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له : كنت أظن بصاحبك أن الذي حمله على ما كان منه ثروة الشبيبة ، وقلة خبره بما تقضي به الأقدار ، وأنه إذا نبه تنبه ، فإذا الجهل مستول عليه ، وظنه أن بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول إليه بما يكره ؛ وقد تلطفنا في أخذ سكين دواته ، وها هي ذي ، فأنفذها إليه وأعلمه أنا كما تلطفنا في أخذها أنا نتلطف في ذبحه بها . ودفعها إليه . فكتب ابن الإخوة بذلك ، فازداد شراً وبطراً . فدس عليه من أخذ نعله ، وكان يمشي في الأحذية السندية ، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له : اكتب إلى هذا البربري الأحمق ، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك ، وإلا جعلنا تأديبك بهذه . فجرى على عادته في القول القبيح .
وفيها توسل ثمال بن صالح في الصفح عنه وأطلق المأسورين ، وسعى في ذلك علي ين عياض قاضي صور ؛ وسير ثمال زوجته علية بنت وثاب بن جعفر النميري وولده وثابا إلى القاهرة ، ومعهما مال سنتين ، أربعون ألف دينار . فقام اليازوري بأمرهم ، فقبلهم المستنصر ، وبالغ في الإحسان إليهم ، وزاد في ألقاب ثمال وألقاب مقلد ابن عمه ، ولقب قاضي صور عين الدولة .
وفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام .
(2/213)

"""""" صفحة رقم 214 """"""
سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة
فيها أظهر المعز بن باديس صاحب إفريقية ، الخلاف على المستنصر ، وسير رسولاً إلى بغداد ليقيم الدعوة العباسية ، واستدعى منهم الخلع ؛ فأجيب إلى ذلك . وجهزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشيزري ، ومعه العهد واللواء الأسود ؛ فمر ببلاد الروم ليعدى منها إلى إفريقية ، فقبض عليه صاحب الروم . وبلغ ذلك المعز بن باديس ، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم في أمره ، فلم يجبه رعايةً لحق المستنصر . واتفق قدوم رسول طغرلبك يستأذنه في مسيره إلى مصر ؛ فأظهر المودة التي بينه وبين المستنصر ، وأنه لا يرخص في أذيته . واتفق قدوم رسول المستنصر إليه بهدية عظيمة ، فبعث معه برسول القائم بما على يده ، فدخل إلى القاهرة على جمل ، وأحرق العهد واللواء والهدية في حفرة بين القصرين ؛ وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة التي سيرها إلى محمود بن سبكتكين . ثم أقر المستنصر رد الرسول إلى صاحب القسطنطينية .
وكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدم من تقصيره في مكاتبة الوزير اليازوري وما دار في ذلك .
(2/214)

"""""" صفحة رقم 215 """"""
وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح ، وهما قبيلتان من العرب ، وبينهما حروب وعداوة ، فأحضر الوزير مكين الدولة أبا علي الحسن بن علي بن ملهم بن دينار العقيلي ، أحد أمراء الدولة ، وكان رجلا عاقلا ، وسيره إلى زغبة ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة ، وأمره أن يصلح ذات بينهما ، ويتحمل ما بينهما من ديات ، ويفديه بالزيادة في إقطاعاتهما . فلما تم له ذلك أمرهم بالمسير إلى المعز بن باديس ، وأباحهم دياره ، وتشدد في هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ديار ابن باديس وملكوها ، وجمعوا ذيوله عليه ، وقلموا أظفاره ، وضيقوا خناقه حتى لم يتمكن من قتالهم إلا مستنداً إلى حيطان إفريقية . وذلك أنهم ملكوا برقة ، فسار إليهم المعز فهزموه ، وتبعوه إلى إفريقية ، وحصروا المدن ، فنزل بأهل إفريقية بلاء لا يوصف ، فخرج إليهم المعز في أربعين ألفا وقاتلهم ، فهزموه إلى القيروان . ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم ، فهزموه ، وأكثروا من القتل في أصحابه ، وحصروه بالقيروان . وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى سنة تسع وأربعين ، فانتقل المعز إلى المهدية في شهر رمضان منها ، حتى نفدت أمواله ، وقلت عدده ، وتفلت منه رجاله ، وأشرف على التلف ؛ فلم يجد سبيلاً غير إعمال الحيلة في خلاصه . فخرج متخفياً في زي امرأة حتى انتهى إلى المهدية ، فاستولت العربان على حرمه وداره وغلمانه ، وقتلوا الرجال وسبوا النساء ، وانتهبوا ما كان في دوره وقصوره ؛ وعاثوا في البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون ، فخربت القيروان حينئذ إلى اليوم . ووصل كثير مما نهب من قصور بني باديس من الأسلحة والعدد والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة ، فكان ليوم دخولها إلى القاهرة أمر عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلب الأحوال .
وكان من خبر دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا في البادية ، ونجعوا من نجد إلى الحجاز ؛ فنزل بنو سليم مما يلي المدينة النبوية ، ونزل بنو
(2/215)

"""""" صفحة رقم 216 """"""
هلال في جبل غزوان عند الطائف ؛ وكانوا يطرقون العراق في رحلة الشتاء والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق ؛ وكانت بنو سليم تغير على الحاج أيام الموسم وزيارتهم المدينة . ثم تجهز بنو سليم وكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم ، وصاروا جنداً لهم بالبحرين وعمان ، وقدموا معهم إلى الشام . فلما غلبت القرامطة في أيام المعز لدين الله أبي تميم معد ، ثم في أيام ابنه العزيز بالله أبي منصور نزار ، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل العزيز بالله من كان معهم من بني هلال وسليم إلى مصر ، وأنزلهم بالجانب الشرقي من بلاد الصعيد . وأقاموا هنالك وأضروا بالبلاد إلى أن ملك المعز بن باديس القيروان في سنة صمان وأربعمائة ، وهو ابن ثماني سنين ، من قبل الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بأمر الله ، فامتدت أيامه حتى قام في الخلافة المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر ، واستوزر أبا محمد اليازوري ، فأنف من مكاتبته بالمولى ؛ وكان ما تقدم ذكره .
فحلف المعز بن باديس ليحلون الدعوة إلى بني العباس ، ولج في ذلك ، وقطع الدعاء للمستنصر ، وأزال اسمه من الطرز والرايات ، ودعا للقائم أبي جعفر بن القادر في سنة أربعين وأربعمائة ، وكتب إليه بذلك . فكتب إليه بالعهد صحبة أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي ، فقرأ كتابه بجامع القيروان ، ونشر الرايات السود ، وهدم دار الإسماعيلية . ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة ؛ فأشار اليازوري بتجهيز أحياء هلال بن جشم . والأشروزينية ورياح وعدي وربيعة إلى المغرب ، وتولية مشايخهم أعمال إفريقية . فقبلت مشورته . وأرسل إليهم في سنة إحدى وأربعين ، وحمل إلى مشايخهم الأموال ، وأنعم على سائرهم بفرو ودينار لكل أحد ، وأبيح لهم حمى المغرب .
وكتب اليازوري إلى المعز بن باديس : أما بعد ؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا ، وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقتضي الله أمراً كان مفعولاً .
(2/216)

"""""" صفحة رقم 217 """"""
فسارت العرب إلى برقة ، وفتحوا أمصارها ؛ وكتبوا لإخوانهم الذين بشرقي الصعيد يرغبونهم في البلاد ؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل واحد ، ومضوا إلى أصحابهم ؛ فتصارعوا على البلاد ، فحصل لسليم الشرق ، ولهلال المغرب . وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية وسرت . وأقامت بطون من سليم وأحلافها بأرض برقة ، وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر ، لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه ، حتى وصلوا إلى إفريقية سنة ثلاث وأربعين . وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى العنزي ؛ فاستماله المعز بن باديس ، وكثر عيثهم في البلاد ، ونادوا بشعار المستنصر . فبعث إليهم المعز العسار فأوقعوا بها ؛ فخرج إليهم في ثلاثين ألفا فهزموه ؛ وفر بنفسه وخاصته إلى القيروان ، فنهبوا جميع ما كان معه ، وقتلوا خلقا كثيرا ، وحصروه بالقيروان حتى هلكت الضواحي والقرى .
واقتسم العرب بلاد إفريقية في سنة ست وأربعين ؛ وكان لزغبة طرابلس وما يليها ، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها . ثم اقتسموا البلاد ثانيا ، وكان لهلال من قابس إلى المغرب ، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح وشداد والخلط وسفيان .
ونصوح الملك من المعز بن باديس فركب البحر في سنة تسع وأربعين ؛ فدخل العرب القيروان واستباحوه وخربوا مبانيه ، فتفرق أهله في البلاد . ثم أخذوا المهدية وحاربوا
(2/217)

"""""" صفحة رقم 218 """"""
زناتة من بعد صنهاجة ، وغلبوهم على الضواحي واتصلت الفتنة بينهم فخربت إفريقية بأسرها ، وصيروا البربر لهم خولاً . ومات المعز بن باديس سنة أربع وخمسين وأربعمائة .
وكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس بن يحيى المرداسي ولاية القيروان وباجة ، وأعطى زغبة طرابلس وقابس ، وجعل الحسن بن مسرة في ولاية قسنطينة ؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه ، فاشتد عيثهم وإفسادهم .
وفيها كانت وقعة البحيرة . وذلك أنها في إقطاع بني قرة وقد ملكوها وعمروا ضياعها ، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم ، وخشن جانبهم ، وكثر المقدمون فيهم حتى انتشر ذكرهم ، وذل لهم عددهم ؛ وثقل أمرهم على الولاية بالإسكندرية ؛ فجاورهم الطلحيون واستذموا منهم ، وكانت لهم واجبات على الدولة من غير إقطاع ، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر بالإسكندرية عندما تحمل إليها . فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر الدولة حسين كان واليا بالإسكندرية . فاستحق الطلحيون على الدولة ، عن واجباتهم المذكورة ، ثلاثة آلاف دينار ، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقهم فيهم ، فوعدهم ؛ وكتب إلى الحضرة يلتمس ذلك ؛ فوعده الوزير أنه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ذلك في جملته . وكان قد بقى على حمل المال شهران ، فاستبعدوا الصبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته ؛ وحملوا القريين على معونتهم
(2/218)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
عليه ، فاضطروه إلى المسير معهم إلى الحضرة لالتماس ذلك ، فسار إلى الجيزة ، وطلع إلى الوزير وعرفه الحال ؛ فقال ما أخرنا ذلك عنهم إلا أن السنة كثيرة النفقات والطوارئ ، وهذه ألف دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باق مالهم مع مال العسكر . فأخذ الألف وعرفهم ما قال الوزير . فامتنعوا عن الأخذ ، وأبوا إلا قبض الثلاثة آلاف ، وألزموه بالعود . فعاد ، وعرف الوزير ؛ فاغتاظ ، وأمر لهم بألف أخرى . فنزل إليهم ، فأبوا إلا أخذ الجميع ، وجفوا في الخطاب ؛ فعاد إلى الوزير ، وعرفه ؛ فغضب وقال : إجابتهم إلى ما التمسوه دفعةً بعد أخرى طمعهم طمعهم ؛ والله لا أطلق لهم درهماً واحداً . واستعاد الألفي دينار ، وتقدم بتجريد العسكر لهم ؛ فتسرع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابي ، ونزل إليهم ؛ فإذا هم قد تأهبوا للقائهم . فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما الليل .
وبلغ الوزير ذلك ، فشق عليه إقدامهم على المحاربة ، سيما بنو قرة فإنهم صلوا الحرب وكانوا فيها أشد من الطلحيين . فأخذ الوزير يجرد إليهم العساكر ، فانطردوا وجمعوا حشودهم ، والتقوا بكوم شريك ، وكانت الدائرة عليهم وقتل منهم خلق كثير . وأنهزموا والعساكر تتبعهم ، فأحاطت بأموالهم من كل ما يملكونه ؛ وفر بنو قرة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون ، فانقطع أثرهم من البحيرة إلى اليوم ، وصاروا مطردين في قبائل العرب نحواً من أربعين سنة . وكان كل من بالحضرة يفند رأى الوزير في تجهيز العساكر إليهم ويحكمون بأنهم لا يفارقون إلى البحيرة ، فجاء الأمر بخلاف ظنهم .
(2/219)

"""""" صفحة رقم 220 """"""
ثم إن الوزير رأى أن في إقامة العساكر في أعمال البحيرة كلفةً كبيرة ، فأرسل إلى بني سنبس ، وكانوا بالداروم وفلسطين ، وقد ثقلت وطأتهم هنالك وصعب أمرهم ؛ فعدى بهم إلى البحيرة ، وهم أعداء قيس ، وأوطأهم ديارهم ، وأقطعهم أرضهم ، فمحى اسم بني قرة من هناك .
وكان تجهيزه للعسكر في شهر رمضان ، وتسييره لهم إلى بني قرة في مستله شوال ، فخطأه الناس في فعله ، وقالوا لم يجرد عسكر قط في شوال ، فظنوا أنه لا يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر . وكان شمس الدولة زمام الأتراك والقيصرية ، وإليه زم القصور والخدمة في الرسالة ، وليس أحد في الدولة يجري مجراه جلالة وتقدما ، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر ، ويغتال له الغوائل ؛ فكان ينتظر إنهزام العسكر ليقبض عليه . فلما أراد العسكر أن يسير من الجيزة ، ومقدمه ناصر الدولة ، قرر معه لقاءهم في اليوم الخامس من شوال بطالع يخبره به ؛ وسير معه عدة طيور من الحمام ليطالعه بما يكون يوما بيوم .
فلما كان في ذلك اليوم ، وهو يوم خميس جلس في داره وقد اشتد قلقه وكثر اهتمامه بما يكون من العسكر ؛ واحتجب عن الناس لشغل سره ، وجلس ينتظر الطائر . فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من نهاره ، فقام ليجدد طهارة ، فعبر البستان وقد أطلق الماء في مجاريه ، فرأى ورقة تمر على وجه الماء ، فأخذها متفائلاً بها ، فوجدها أول كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله ، قد ذهبت طرته وعنوانه وبقى صدره ، وهو : كتب عبد مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيم المنصور في الساعة
(2/220)

"""""" صفحة رقم 221 """"""
الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال ، وقد أظفره الله عز وجل بعدو الله تعالى وعدو الحضرة المطهرة ، أبي ركوة المخذول ، وهو في قبضة الأسارى والحمد لله رب العالمين . فلما وقف على ذلك سجد شكراً لله تعالى ، وعجب من موافقة اليوم وعدة الأيام من شوال والأعلام بالظفر . ثم تجهز للصلاة ، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بني قرة وانهزامهم ، وما من الله تعالى به من الظفر بهم . فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر ، ودخل إلى المستنصر وأوقفه على الكتاب ؛ فسر بذلك ؛ وأراه الطير وقال : هذا أعجب يا أمير المؤمنين ؛ وحدثه بحديثه ، فعجب من هذا الاتفاق .
ثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم ، فخلع على الوزير ، وزيد في ألقابه للدين ، غياث الدين ؛ فتم له النظر وقوى أمره ، وذلك من كان يعاديه ؛ فجرى على عادته في العفو والمجاملة .
وكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرة ، لما فيهم من الشر والغلظة ، وطردوا الولاة . وصار إليهم المعز ابن باديس ، فملكوه عليهم وقد خرج عن طاعة الدولة ، فأساء السيرة فيهم ، وثقل عليهم ، فوثبوا عليه وأخرجوه منها . وكاتبوا ملك الروم ، فسار إليهم بطريق كبير ، فولوه أمرهم مدة ثم وثبوا به وأخرجوه عنهم . وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم والعفو عنهم ويسألون إيفاد وال . وكان بصقلية بنو أبي الحسين ، لهم رئاسة وفيهم من يؤهل نفسه لولايتها ؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص الدولة ؛ فمكث فيهم زمانا ، ثم نفروا منه ، وبعثوا يسألون تغييره عنهم . فسير الوزير
(2/221)

"""""" صفحة رقم 222 """"""
رجلاً من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدولة ابن لؤلؤ ، وأسر إليه أن يتلطف في إخراج بني أبي الحسين من صقلية ويسيرهم إلى الحضرة . فدخل إليها ، وساس أمره ، حتى بعث بجميع من كان فيها من بني أبي الحسين . واستقام الأمر في صقلية بخروجهم عنها .
وقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلي بن محمد الصليحي يتشيع ، فحسن له الدعاة الدخول في نصرة خلفاء مصر ، فأعلن ذلك بها ، ودعا أهل اليمن إليها ، وحمل تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر . وكان أبوه قاضياً باليمن سني المذهب ، وزوجته أسماء ابنة عمه شهاب ، وكانت أجمل خلق الله ، وهي أم الدعاة باليمن ، وعرفت بالحرة . وكانت ذات عز وكرم ، وتفاخر بنوها بها ، ومدحت . وكان باليمن الداعي عامر بن عبد الله الرواحي ، فاستمال أبا الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي ، وهو صغير ، حتى مال إليه ، فلما مات عامر أوصى له بكتبه وعلومه ، فدرسها حتى تضلع من معارفه وصار من فقهاء الشيعة ، وحج بالناس دليلاً خمس عشرة سنة . ثم ثار في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ، وتزايد أمره ، ودعا للمستنصر ، وكتب إليه بما هو عليه ، واستأذنه في المسير إلى تهامة ، فأذن له . ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن .
وجهز الوزير إلى النوبة ، فأضعف عليهم البقط ، وحملوه ؛ واستقر الأمر على ذلك .
(2/222)

"""""" صفحة رقم 223 """"""
سنة أربع وأربعين وأربعمائة
فيها كتبت بغداد محاضر تتضمن القدح في نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من الالتحاق بعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ببغداد وأشرافها وقضاتها ، وعزوا نسبهم في الديصانية من المجوس . وسيرت المحاضر إلى البلاد ، وشنع عليهم تشنيع كبير . وسبب ذلك الغضب ما عمل مع الرسول المرسل من المعز بن باديس ، فإنه لما شهر بالقاهرة على جمل مقلوب ، وكتاب العقد في عنقه والهدية بين يديه ، ثم أحرقت الخلع والتقليد ، أعيد الرسول إلى ملك الروم ؛ فعز عليه ما فعل واعتذر إليه منه ؛ فإنه كان قد ضمن له من مصر إعادته إليه سالماً بعد ما جرت مخاطبة في طلبه . ثم أعاده ملك الروم إلى بغداد ، فوصل في سنة أربع وأربعين هذه .
وسبب عوده أن المعز بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى بغداد في ذلكن فبعث معه الملك طغرلبك ، أبا علي بن كبير ليخاطب ملك الروم في رد أبي غالب ، وكتب معه كتابا عنوانه : من ركن الدين وغياث المسلمين ، بهاء دين الله وسلطان بلاد الله ، ومغيث عباد الله ، أبي طالب يمين الخليفة أمير المؤمنين ، إلى عظيم الروم . ومضمونه بعد البسملة : الحمد لله القاهر سلطانه ، الباهر برهانه ، العلي شأنه ، السابغ إحسانه ؛ ثم مر فيه إلى أن قال : وقد نجم بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه ، ويغتر بمن أغواه من حزبه ، ويعتقد من الدين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم في الأئمة الأول وهذا العصر ، ولا يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر . ثم ذكر رسول أبا غالب وعاتب في أمره ، وطلب تسييره مخفوراً إلى المعز بن باديس . فقدم إلى قسطنطين . متملك
(2/223)

"""""" صفحة رقم 224 """"""
الروم بالقسطنطينية في صفر من هذه السنة ، فتلقاه الملك وأدخله عليه ، وسأله عن السلطان طغرلبك ؛ فذكر له الرسالة ، وطلب منه مقاطعة صاحب مصر ، وإطلاق أبي غالب ، وإرسال رسول المعز إليه . فقال له : صاحب مصر مجاور لنا ، وبيننا وبينه عهود وهدنة ، وقد بقي منها سنتان ، ولا يمكن فسخها ؛ وأما رسل المعز والرسل إليه فهم قوم يسعون في الفساد . وتردد القول إلى أن أطلق أبا غالب وأجازه إلى المعز ، وعاد أبو علي ورفيقه إلى بغداد في بقية السنة . وفيها قصر مد النيل ، ولم يكن في المخازن السلطانية شيء من الغلال ، فاشتدت المسغبة بمصر . وكان لخلو المخازن السلطانية من الغلال سبب ، وهو أن الوزير اليازوري لما تقلد وظيفة قضاء القضاة في وزارة أبي البركات الجرجرائي كان ينزل إلى الجامع بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كل جمعة ، فيجلس في الزيادة منه للحكم ، على رسم من تقدمه من القضاة ، وإذا أقبل العصر طلع إلى القاهرة . وكان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم ؛ وكانت عادة أخباز مصر في أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغش به . وكان لعريف الخبازين دكان وكان يبيع الخبز ، وبحذانها دكان لصعلوك يبيع الخبز أيضاً ، وكان سعره يومئذ أربعة
(2/224)

"""""" صفحة رقم 225 """"""
أرطال بدرهم وثمن . فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد ، فخاف من كساده ، فنادى عليه أربعة أرطال بدرهم ليرغب الناس فيه ؛ فمال إليه الزبون فاشتروا خبزه لأجل تسمحه بثمن درهم ؛ وبار خبز العريف ، فغضب ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم . ووافق ذلك نزول قاضي القضاة إلى الجامع ، فاستغاث به ، فأمر بإحضار المحتسب وأنكر ما فعله ؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق باطن الحال . فأمر القاضي بصرف ذلك العريف وأن يغرم ما أخذ من الخباز ؛ والتفت إلى صاحب ديوانه ، وقال : ما معك فادفعه إلى هذا الخباز . فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيان ، فكاد عقله يطير فرحا . وعاد فنادى على الخبز خمسة أرطال بدرهم ، فمال إليه الناس ، وهو ينادي بزيادة رطل برطل ، إلى أن بلغ عشرة أرطال بدرهم . وانتشر ذلك في البلد جميعه ، وتسامح الناس به فتسارعوا إليه ، فلم يبق في البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم .
وكانت العادة أن يبتاع في كل سنة غلة للسلطان بمائة ألف دينار ويمحل متجرا . فلما عاد القاضي إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرفه ما مر به في يومه من إرخاص السعر بغير موجب ؛ وقال : يا مولانا ، إن المتجر الذي يقام بالغلة فيه مضرة كبيرة على المسلمين ، وربما انحط السعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها ، فتتغير في المخازن وتتلف ، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس فيه ، ويفيد أضعاف فائدة الغلة ، ولا يخشى عليه من تغير في المخازن ولا انحطاط سعر ؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك . فأمضى الخليفة ما رآه ، وبطل المتجر في الغلة وتوسع الناس بذلك .
(2/225)

"""""" صفحة رقم 226 """"""
سنة خمس وأربعين وأربعمائة
سنة ست وأربعين وأربعمائة
فيها أيضا قصر مد النيل ؛ ونزع السعر ؛ ووقع الوباء . ولم يكن في المخازن السلطانية إلا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير ، فورد على الوزير من ذلك ما أهمه . وصار سعر التليس ثمانية دنانير ، واشتد الأمر على الناس . وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم في القيام للديوان بما يجب عليهم من الخراج ، ومطالبة الفلاحين بالقيام به ، يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه . فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للديوان ، وقاموا عنهم للجند بما يجب عليهم ، وكتب ذلك في روزنامج الجند مع مبلغ الغلة ؛ فإذا أدركت الغلة وصارت الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم . فمنعهم الوزير من ذلك ، وكتب إلى العمال بجميع النواحي أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة ، ويحضروا منها ما قام به التجار من المعاملين ، ومبلغ الغلة الذي رفع الإيقاع إليه ، وأن يقدموا للتجار ما وزنوه للديوان ويربحوهم في كل دينار ثمن دينار ؛ ويضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها . فلما تحصلت بالنواحي جهز المراك بحمل العلات ، وأودعها المخازن السلطانية بمصر ، وقرر ثمن كل تليس ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير . وسلم إلى الخبازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق ووظف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر ، فكان ألف تليس في كل يوم ، لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلثمائة . فقام بالتدبير أحسن قيام مدة عشرين شهرا ، حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها ، وزال عنهم الغلاء .
(2/226)

"""""" صفحة رقم 227 """"""
وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم ، في أيام وزارة أبي نصر الفلاحي ، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم ، وكان داهيةً أديبا شاعرا نحويا فيلسوفا ولد بالروم ونشأ بأنطاكية ، ودخل العراق ، ولقن من العلوم والآداب ما بعد به صيته ، وكان يعرف بابن أصطفانوس ؛ والآخر متحمل الهدية ، وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل . فرأيا من حسن زي الدولة وجميل سيرتها ما أعجبا به ، لا سيما ميخائيل ، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه في نفسه . وساروا وقد امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه . فاتفق ملك الروم وتمليك ميخائيل هذا ، فبلغه ما بمصر من الغلاء ، فحمل إليها مائة ألف قفيز قمحا ، وقدم كتابه أمامها يعين الغلة والكيل الذي تستوفي به إذا وصلت ؛ فانتهت إلى أنطاكية . وأعد هدية الهدنة على ما جرت به العادة ، وهديةً من ماله . فلما رأى الروم ذلك ظنوا به الميل إلى الإسلام ، فقتلوه في ثامن شوال ؛ فكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة سبعة أشهر ، وعمره أربع وخمسون سنة وشهر واحد . وأقاموا رجلا يعرف بابن سقلاروس من أهل أنطاكية ، وكان لجوجاً خبيثاً حديدا ، فاعترض الهديتين وأخذهما ، وقال : أنا أنتفع بهما وأنفق ثمنهما على قتال المسلمين .
وكانت للوزير بالقسطنطينية عيون ، فكتبوا إليه بذلك ، فسير مكين الدولة الحسن ابن علي بن ملهم الكتامي إلى اللاذقية في عسكر لحصارها والتضييق على من فيها ؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر . فكتب ابن سقلاروس ، متملك الروم ، إلى الحضرة يستوضح ما الذي أوجب ذلك ؛ فأجيب أن الذي أوجبه ما كان فعله في نقض ما استقر مع من تقدمه من الهدنة ، وقبض الهدية ، والهدية التي ليست من ماله . فأجاب بأنه يحمل الهدية ؛ فاشترط عليه إطلاق من في بلاد الروم الأسرى . فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم أطلق من في بلاد الروم من أسرى المسلمين . فأجيب بأنه
(2/227)

"""""" صفحة رقم 228 """"""
لا يصح التماسه لذلك ، لأن من أسر من بلاد الروم تفرقوا في الممالك بالعراق والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك ، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك ، ويرتجع منها ما صار في أيدي أهلها ؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك ؛ ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلا بإذن أهلها ؛ وبين الحالين فرق كبير . فأجاب بأنه لا يطلق من في بلاده من أسرى المسلمين . فاشترط عليه النزول عما صار في أيدي الروم من الحصون الإسلامية ؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من حصون المسلمين من حصون الروم سلم ما في أيديهم من حصون المسلمين . فبدل الجيش بجيش آخر ، وخرج مع مقدمه الأمير السعيد ليث الدولة ، فنازل اللاذقية حتى فتحها ، ووقع العنف فيها . وأجيب بأنه لا يصح أن يسلم إليهم ما صار في أيدي المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها البساتين . فقال : يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها ، وما أنفقوه فيها ، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين . فأجابوا إلى أن يسلموا ما في أيديهم من الحصون الإسلامية .
وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هدية من الروم إلى الحضرة تقوم ويحمل إليهم هدية موضعها بثلثي قيمتها ، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث ؛ فاشترط أن يكون فيمة ما يحمل إليهم من الهدية عوضاً عن قيمة هديتهم النصف ؛ فأجابوا إلى ذلك أيضا . فاشترط عليهم أن يردوا كل من تضمه دار البلاد ، التي هي دار الملك ومحله ؛ فامتنع من ذلك . فأمد الجيش بجيش ثالث وعليه أميران ، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلي ، ومقاد جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم . فأوغلوا في بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها ، والرسل والمكاتبات تتردد ، إلى أن استقر القيام بالجزية التي التمسها أمراء البلاط ، وجهزت الهدية . وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار .
(2/228)

"""""" صفحة رقم 229 """"""
وحمل ذلك إلى أنطاكية ؛ فبلغهم قتل الوزير ، فأعيدت إلى القسطنطينية . وزينت بلاد الروم لموته ، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم ، وشدة شكيمته . وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل في بلاد الروم وقارب أفامية وجال في أعمال أنطاكية نهب وسبى ، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة ، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب في آخر ربيع الآخر .
وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان ، أمير الكلبيين ، فاعتقل بالقاهرة ، وردت إمارة بني كليب لنبهان القريطي . وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار ، وهو مقيم بظاهر دمشق ، ففر إلى غالب بن صالح . فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه تسيير هدية إلى ملك الروم ، فتحير في أمره واعتذر .
(2/229)

"""""" صفحة رقم 230 """"""
سنة سبع وأربعين وأربعمائة
فيها سير المستنصر إلى كنيسة قمامة ، فأحتاط بجميع ما فيها . وذلك أن القاضي أبا عبد الله القضاعي كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملك الروم ، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من الملكة تيودورا أن تمكن رسوله من الصلاة في جامع قسطنطينية ، فأذنت له في ذلك ؛ فدخل إليه وصلى به ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي . فبعث القضاعي بذلك إلى المستنصر ، فأحاط بما في قمامة وأخذه ، وأخرج البطرك منها إلى دار مفردة ؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام ، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين ، وزاد على النصارى في الجزية . وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم والمصريين .
وفيها تجمع كثير من التركمان بحلب وغيرها ، وأفسدوا في أعمال الشام .
وفيها تزايد الغلاء ، وكثر الوباء ، وعم الموتان بديار مصر .
وفيها سار مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم من القاهرة بالعساكر ؛ ونودي في بلاد الشام بالغزو والجهاد . واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة ، وقرر معه أن يسير في قومه الكلبيين مع ابن ملهم ، ثم قبض عليه . وعقدت إمارة الكلبيين لنبهان ، وقيل لسنان ، فنزل ابن ملهم أفامية ، ثم سار إلى حسن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه
(2/230)

"""""" صفحة رقم 231 """"""
بالأمان ، في ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين . وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق ، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم ؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا ، فلحقهم وقتلهم ، وأطفأ النار من القلعة ، وأغار على البلاد ؛ فلم يكن بأنطاكية من يذب عنها ، وجمع كل طامع في النهب بحجة ابن ملهم . وتوسط ثمال بن صالح للصلح ، فلم يتم . وسيرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية ، فوصل اللاذقية ثمانون قطعة ، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها في جماعة ، فظفروا بشينيين للمسلمين معهما الغنائم ؛ فسار ابن مهلم نحوهم ، وكشف الروم إلى طرف أنطاكية ، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا . فدار الأسطول إلى طرابلس وقاتلوا أهلها ، فقتل من الفريقين خلائق . وعاد الأسطول الرومي إلى اللاذقية ، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتي عشرة ليلة ؛ وملك بعدها ميخائيل .
(2/231)

"""""" صفحة رقم 232 """"""
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
فيها جهزت الأموال لأبي الحارث البساسيري ، فخرج بها المؤيد في الله عبد الله بن موسى ، وجملتها ألفا ألف وثلثمائة ألف دينار ، العين ألف ألف وتسعمائة ألف دينار ، والعروض أربعمائة ألف دينار .
وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ، رجل من أهل فسا ، إحدى مدائن فارس ، فلذلك قيل له البساسيري ؛ وتنقل في الخدم حتى صار مقدم الأتراك ببغداد في أيام الخليفة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر ، وتلقب بالمظفر . وكان القائم لا يقطع أمراً دونه . فطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم ، ودعى له على منابر العراق والأهواز ، وتجبر . وأراد في سنة ست وأربعين من الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبنا ، صاحبي قريش ابن بدران صاحب الموصل ، فلم يمكنه من ذلك . فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق ، وهدم سورها وأخذها قهرا ، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان ومائة رجل من بني خفاجة ، وكثيراً من أهل الأنبار . ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل في رجليه قيد ؛ فصلب كثيراً من الأسرى .
(2/232)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
واتفق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيري ، فخرج إليه ابن سكرة الهاشمي في جماعة ، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابه ؛ وكان هو إذ ذاك في نواحي واسط . فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة ، فعظمت الوحشة بين وبين الوزير . وسار إلى دبيس بن بدران وهو مستوحش ، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم بإظهار الطاعة ، فتقرر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبي كاليجار المرزبان ابن سلطان الدولة أبي شجاع ، على أن يخطب لطغرلبك ببغداد ؛ فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان منها .
ثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة ، ثم بعث به إلى قلعة السيروان ، وفر منه قريش ، ثم إنه خلع عليه ورده إلى أهله ، وأخذ أموال الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعي في طلب الرزق ؛ فسار أكثرهم إلى البساسيري . وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه البساسيري ، فالتزم له بذلك . وبلغ البساسيري الخبر ، فسار إلى رحبة مالك بن طوق ، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له في الدخول إلى حضرته ؛ فأشير على المستنصر بألا يمكنه من الحضور ، وأن يعده بما يرضيه ، وسير إليه الخلع . فبعث يسأل في النجدة ، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر وإزالة دولة بني العباس ، وأنه يكفي في رد طغرلبك عن قصده البلاد الشامية . فجهزت إليه خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيد في الدين أبي نصر هبة الله بن موسى في سنة ثمان وأربعين ، حيث لم يترك في خزائن أموال القصر شيء ألبتة .
وخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة في تجمل عظيم ، ومعه من كل ما يريد ،
(2/233)

"""""" صفحة رقم 234 """"""
حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطين المزروع فيه سائر البقول برسم مائدته . ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما يجل وصفه . فسار إلى القدس ، ورحل منها إلى اللاذقية يريد فتحها . فلما كان في شوال منها واقع البساسيري ودبيس قريش ابن بدران العقيلي صاحب الموصل وقتلمش ابن عم طغرلبك ، وكان طغرلبك قد سيره إلى سنجار في ألفين وخمسمائة فارس . فكانت الوقعة المشهورة التي لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها . وانهزم قريش وقتلمش ، واستولى البساسيري ودبيس على الموصل وأقاما بها الدعوة للمستنصر ، وكتبا إليه بذلك ؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء العرب .
وعمل الشعر في هذه الواقعة . فمن مليح ما قيل لابن حيوس :
عجبت لمدّعى الآفاق ملكا . . . وغايته ببغداد الرّكود
ومن مستخلفٍ ، بالهون يرضى . . . يذاد عن الحياض ولا يذود
وأعجب منهما شعبٌ بمصر . . . تقام له بسنجار الحدود
وبلغ ذلك طغرلبك ، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين ، فأوقع بالعرب وألقاهم بين يدي الفيلة ، فقتلهم شر قتلة . وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة فقبل منهما . وسار إلى دياربكر ؛ وجهز أخاه داود إلى الموصل ، فتسلمها وعاد إلى بغداد .
(2/234)

"""""" صفحة رقم 235 """"""
سنة تسع وأربعين وأربعمائة
فيها تسلم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب في آخر ذي القعدة ، وانكفت أيدي التركمان عنها ، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت خطبة القائم ؛ وذلك بعد حروب عظيمة . وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة ، فبقي على ملكها أربع سنين . وفيها قدم كتاب من بخارى أنه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان ، وخلت الأسواق ، وأغلقت الأبواب . وتعدى الوباء إلى آذربيجان فالأهواز والبصرة وواسط ، وعامة تلك الأعمال ، فكانت الحفيرة تحفر ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات . وكان سببه قلة القوت والجوع ، فنبشت الأموات وأكلهم الناس . وكان الموت إذا وقع في دار مات جميع من فيها ، وكان المريض ينشق قلبه عن دم المهجة ، فيخرج من فمه قطرة فيموت ، أو يخرج من في دود فيموت . وكل دار كان فيها خمر مات أهلها كلهم في ليلة واحدة ، ومن كانت امرأته حراماً ماتا معاً ، ومات قيم مسجد وله خمسون ألف درهم فلم يقبلها أحد ، ووضعت في المسجد تسعة أيام ، فدخل أربعة من الشلوح إليها ليلا ليأخذوها فمات الأربعة عليها . وكان يموت الوصي قبل الموصى ، وكل مسلمين كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا . وابتدأ هذا الوباء من تركستان ، ودب منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة ، وعم النساء والصبيان ، فمات الصبيان والكهول والفتيان من سائر الناس إلا الملوك والعساكر ، فإنه لم يمت منهم ولا من الشيوخ والعجائز إلا القليل
(2/235)

"""""" صفحة رقم 236 """"""
سنة خمسين وأربعمائة
في أول المحرم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدين ، غياث المسلمين ، أبي محمد اليازوري ، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة وقضاء القضاء وداعي الدعاة . وكان للقبض عليه أسباب ، منها أن طغرلبك لما ملك بغداد كان بها لليازوري عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها ، فوصلت كتبهم بوصوله ، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه . فقل لذلك ورأى أن الحيلة أبلغ من الاستعداد له ، فكتب إليه يهنئه بوصوله إلى العراق ، ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله ، وأن مصر وأعمالها بحكمه ، وأنه وإن كان مستخدماً لدولة ويدعو إليها فإنه يعلم كثرة الاختلاف ، فمن تجاوزها في نسبها ، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضا بالخليفة الصحيح النسب ، الصريح الحسب ، الهاشمي العباسي ، وأنه لا يمتنع عن الإقرار له بذلك . وأعطاه صفقة يده على مبايعته ، وتسليم الدولة له . وأنه قد اتصل به إزماع حضرته على التوجه إلى الشام ، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطأها عساكره مع كثرتها وتجمعها فيخربها ويعفى آثارها ، ولا يقع بملكها انتفاع ، ولا يرجى لها ارتفاع ؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها ، ووصول ركابها إليها ، على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها ، فلها عالي رأيها .
فلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل ، ويجب أن يعتمد ما أشار به بالإذن للعسكر في عودتهم إلى بلادهم ؛ فمضى كل منهم لوجهه . ثم أمر فضرب فساطيطه في الجانب الغربي من بغداد ؛ فكتب بذلك عيون اليازوري إليه ، فقلق ، ثم كتب إليه : لا تغرنك الأماني والخدع بأن أسلم إليك أعمال الدولة ، وأخون أمانتي لمن غذاني فضله وغمرني إحسانه ، وتتعين علي طاعته وموالاته . فإن كنت تسلم إلي ما في يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلمت إليك ما في يدي لصاحبي ، بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة
(2/236)

"""""" صفحة رقم 237 """"""
لابن بنت النبي الذي هو أولى بمكانه من غيره . وإن رغبت في المهادنة والموادعة انتظمت الحال بين الدولتين ، وأمن الناس بينهما . فإن أبيت إلا الخلاف ، ونزع الهوى بك إلى الظنون الفاسدة ، والأطماع الكاذبة فليس لك عندي إلا السيف . فإن شئت فأقم ، وإن شئت فسر . فغاظ ذلك طغرلبك وقال : خدعني هذا الفلاح وسخر مني . وكتب إلى إبراهيم بن ينال ، أخي طغرلبك لأمه ، برد العسكر مسرعا ، فلم يتأت له اجتماعهم . وكان اليازوري قد بث عيونه وجواشيه في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة الأماني والمواعيد ، مثل خاتون زوج طغرلبك ، والكندري وزيره ، وابراهيم ينال أخيه وصاحب جيشه ؛ فمالوا إليه وقعدوا عن صاحبهم . وحمل خاتون على قتله ، فامتنعت من ذلك وواعدته أنها تتحيز بغلمانها ، وهم نحو اثني عشر ألفا ، عنه ؛ فاعتزلت بهم . وكان ذلك ظفر البساسيري بعسكر طغرلبك ، وظفر كثير منهم ، ورجوع طغرلبك من بغداد طالباً لجمع عسكره الذي تفرق عنه . وهو أنه سار في هذه السنة ملك البساسيري وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها . فخرج طغرلبك يريدهما ، فسارا عن الموصل ، وهو يتبعهما ، إلى نصيبين ؛ ففارقه إبراهيم ينال وقصد همذان ، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد . ففت ذلك في عضد طغرلبك وترك ما هو فيه ، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه ، وترك بغداد . فقوى أبو الحارث البساسيري ، وكثف جمعه ، وقصد أعمال العراق ، ففتح بلداً بلداً ، وتملك الأعمال والرساتيق طوعاً وكرهاً ، والدولة المصرية تمده بما يستعين به على ذلك ؛ وهو لا ينفذ في أمر من الأمور إلا بما يقرره اليازوري . فكثرت حساده على ما يتوالى من سعادته في كل يوم ، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها حسن آثاره في الدولة ، وتأثيراته في جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ومحكم
(2/237)

"""""" صفحة رقم 238 """"""
التدبير الذي يبلغ به غاية آماله ، بحيث لا يبلغ غيره بعضها إلا بإنفاق الجمل العظيمة ، وتفريغ بيوت الأموال ؛ ثم لا يكاد يظفر ببلوغ أمل في جهة من الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل . وصار أعداؤه يتعجبون مما يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار . واستطالوا مدته ، فابتغوا له الغوائل ، ونصبوا له الحبائل ، وركبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقل الناس وأحقرهم ، وأدناهم منزلة ، وأضعفهم قدرة ، وهم من أطراف الخدام . فأقاموا رجلين ، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربي كان في حاشيته ، والآخر خازن يتولى خزانة الفرش يعرف بتنا ؟ . وحكوا أنه نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي شمع سبكه وأعده إلى القدس وإلى الخليل ، وأنه قد عول على الهرب إلى بغداد ؛ واستظهروا بكتابه الذي ذكر إلى طغرلبك ؛ مع ما في طبيعة الملك من الحسد والملل ، والأنفة من الاستبداد عليهم ومحبة الانفراد بالمجد . وكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من صفي الملك ، ولد اليازوري ، عمل دعوة يدعوه إليها ، فدافعه عن ذلك استعظاماً لحضوره عنده ؛ فأقام مدة حتى بعثه والده الوزير على تكلف عملها له ؛ فتهمم لذلك ، واصطنع ما يجب إعداده ، وتقرر الحال على يوم يحضر فيه . فلما كان قبل ذلك بيوم حضر صفي الملك عند الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه ، فصار معه إلى الدار واستصحب خواصه ، فرأى ما يقصر عنه الوصف . وفرش مجلسين بديباج بياض كله ، وفيه جامات كبار وحمر منقوش ، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ملء المجلس ؛ وسراديق وحجلين للصدر والباب كله جديد كما حمل من الأعدال ؛ فقدر ذلك بخمسة آلاف دينار . فأقبل كل من حضر يبالغ في صفته ويدعو ، وشخص منهم ساكت . فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من تطواف المجالس وعرض كل ما أعده ، وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعد في دهليزه من الفرش والآلات والطيب ، وداخله من الفواكه والمشمومات كل مستحسن . ودعا الوزير الرجل الذي سكت عند مبالغة من حضر في الوصف ، وقال : يا عمدة الملك ، مالي لم أسمعك تؤمن على ما قال الجماعة ؟ فقال له بد ما سأله الإعفاء عنه وتركه من القول ، فأبى إلا أن يقول : سيدنا فيما أعده من هذا الجمال بين أحد رأيين ، إما أن يأمر بإزالته ونصب غيره مما قد
(2/238)

"""""" صفحة رقم 239 """"""
استعمل ، وإما يحمل إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه . فقال : وما هو هذا ؟ أليس هو مما أنعم به وصار إلي من فضله ؛ وما قدره حتى تمتد عينه إليه أو تتطلع له نفسه واما إزالته ونصب غيره فما كنت أكسر في نفس هذا الصب شهوةً ، فإني متى أمرت بإزالته حزن لذلك . وافترقا . فلما كان الغد جاء المستنصر وأقام يومه ذلك في الدار ، وأحضر إليه الطعام مما حوله من الطرف ؛ ثم عاد آخر النهار . وحضر عند الوزير أصدقاؤه ، فانفرد بذلك الرجل ، وقال : يا عمدة الدولة ، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس ؛ منذ دخل الخليفة إلى الدار إلى أن خرج لم يطرف طرفةً عن تأمل الفرش ، فإذا وجهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل . فقال له : يا سيدنا أما إذ فات الأمر الأول فلا يفوت الثاني . فقال : والله لا فعلت ولا غممت صفي الملك .
واتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع ، فلما عاد قال لصديقه : يا عمدة الدولة ، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان علي فعجبت من ذلك ، فلما مثلت بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدست حتى مد يده إلى الثوب وتلمسه ، فزال عجبي منك إذ كان الخليفة يتأمله ؛ والملوك إذا أنعموا على أحد استحال التظاهر بإحسانهم حسداً ومللاً .
وكان راتب مائدته في كل يوم كوائد الملوك في الأعياد والولائم . وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر ؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار والمصدر أربعة بدينار ، والمسمن ثلاثة بدينار ، والفائق اثنان بدينار ؛ وكان يعمل لداره ومن فيها المسمن ، وأما مائدته فلا يقدم عليها إلا الفائق .
(2/239)

"""""" صفحة رقم 240 """"""
فلما كان في سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليس ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة . وكان المستنصر يحضر دار اليازوري كل يوم ثلاثاء على عادته ، فتقدم إليه المائدة ، فإذا هي على ما يعهد لم يخل منها بشيء حتى الدجاج الفائق ؛ فقال لصاحب مطبخه : ويلك ، يكون راتب مائدة الوزير الدجاج الفائق ومائدتي دون ذلك فقال : يا مولانا ما ذنبي إذا قصر بك أصحاب دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم ، والوزير فلا تتجاسر وكلاؤه أن يقصروا في شيء مما جرت العادة به في راتب مائدته وغيرها ، مع تقدمه إليهم في كل يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره .
فلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلا في ساعة القبض ، فكتب إلى أبي الفرج البابلي وكان قد قدمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين ، واستخلصه دونهم ، كما يأتي إن شاء الله عند ذكر وفاته بعد البسملة : عرفنا يا أبا الفرج أطال الله بقاءك وأدام عزك تغير الرأي فينا ، وسوء النية والطوية ؛ فإن يكن هذا الأمر صائراً إليك فاحفظ الصحبة ، وارع واجب الحرمة ؛ وإن يكن صائراً إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض . على أنا نشير عليك : إن دعيت إليه فأبى عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا . والسلام . ودعى البابلي للأمر ، ووزر ، لأنه لم يكن في الدولة من يتقدمه لما وطأة اليازوري وأمله من تقديمه وتمييزه . وكان اعتزاله يغطي على عيوبه ، فلما ولي الوزارة بان للناس من رقاعته وحدته وكثرة شره ما افتضح به ؛ وتجرد لمقابلة إحسان اليازوري بكل قبيح وذكره بما لا يستحق من الغض . وكانت الرقعة التي كتبها إليه من أعظم ذنوبه عنده فكان يقول ؛ يخاطبني وهو على شفير القبر بنون العظمة ولا يذكره إلا بالسفاهة واللغو ، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل أحد . ثم لم يقنعه كون اليازري في
(2/240)

"""""" صفحة رقم 241 """"""
الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنيس ، في صفر ، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته ، فاعتقلوا بها .
ثم شرع البابلي في التدبير على قتله . قال الشريف فخر الدولة ومجدها ، نقيب نقباء الطالبيين : قال لي مولانا يعني المستنصر يا فخر الدولة ؛ ما رأيت أوقع من البابلي ؛ وذلك أن اليازوري لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم المنزلة إلا بعد أن تقدم له من المآثر والآثار في الدولة وما فتح على يديه ما هو معلوم مشهور ، وكان يرتقي بذلك درجة بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه ؛ والبابلي فمن أول يوم استخدمناه استدعى المنزلة التي لم يصر ذلك إليها إلا بعد عدة سنين ، فأجبته إليها ، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن يكون مثل ما كان ذلك الرجل . ومنها أنه كان إذا حضر بين يدي يكثر التثريب على اليازوري ويذكره بالقبيح ظناً منه تطلعنا إلى عوده إلى الأمر ، وليثبت في نفوسنا سوء الرأي فيه . ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذي سقت عليه الأتراك ووطئوا دراعته ، فإنه لما دخل إلي قال : يا أمير المؤمنين ، إنه لا ينفذ لك أمر ولا يتم لي نظر وهذا الكليب في قيد الحياة . فقلت : ومن هو ذلك الكليب ؟ فقال : علي ابن عبد الرحمن اليازوري . فقلت : أيها الوزير ، اعلم أني لم أصرف الوزير عن خدمتنا ولنا في إعادته رغبة ، فطب نفساً ودع ذكره ، فأنت آمن مما تخافه من جهته . فقال : والله إن هذا لعجب من حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه مع قبيح فعله ، وما هم به من قتلك ، حتى إن السقية أقامت تدور في قصرك أسبوعاً كاملاً . فقلت : أيها الوزير ، أقامت السقية تدور علي في قصري أسبوعا كاملا ؟ فقال : نعم . فأطرقت متعجباً ، وبقيت ،
(2/241)

"""""" صفحة رقم 242 """"""
متفكراً في ذلك ، أصرف الظن بين تصديقه وتكذيبه ، ثم أقول ، لو لم يطلع على ذلك لم يذكره . فأمسكت ، فظن بإمساكي أنني راض بما يفعله معه ؛ وخرج فاستدعى طاهراً كاتب السر وسيره لقتله . ونمى الخبر إلى مولاتنا الوالدة ، فأنكرت ذلك ودخلت إلي ، فقالت : أنت يا مولانا أمرت البابلي بقتل اليازوري فقلت : لا . فقالت : قد سير طاهر ابن غلام لقتله . فاستدعيت سعيد السعداء وأنفذته إليه ، وقلت له : قل له لم يأمرك بقتله ، فأنفذ من يعيد طاهراً ويمنعه من النفوذ . فألفاه صاحب الرسالة في الحمام ، فاعتذر إليه ، فقال : لا بد من الدخول ؛ ودخل وأدى الرسالة إليه ؛ فقال : أخرج وأسير من يعيده . وطول في الحمام ثم خرج ، فإلى أن كتب الكتاب وسير به النجاب سبقه ذلك إلى تنيس ، فلم يصل حتى نفذ الحكم فيه . ولما وصل طاهر إلى تنيس أوصل كتاب البابلي إلى جمال الدين صبح يذكر فيه : إنا قد سيرنا طاهراً فيما أنت تقف عليه من جهته ، فتثبت منه ، وتحضر معه لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى الغد . فقال : وما الذي وصلت فيه ؟ فأخرج تذكرة بخط البابلي فيها : إذا وصلت يا طاهر أعزك الله إلى تنيس وقد سغبت ولهثت من العطش ، فلا تبل ريقك بقطرة دون أن يحضر علي بن حسن بن عبد الرحمن اليازوري إلى دار الخدمة ، وتمضى حكم السيف فيه ؛ فد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة بمعونتك على ما يستدعيه ذلك ؛ فقدمه ولا تؤخره إن شاء أحد . فقال له : أنت خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان ، والأمر الذي وصلت فيه ممتثل ، فأمض الحكم فيه . وأنفذ من يحضر اليازوري من معتقله ، والصقالبة والسعدية خدام الستر وقوف ، والسياف قائم . فقال له طاهر : يا حسن ، يقول لك مولانا أين
(2/242)

"""""" صفحة رقم 243 """"""
أموالي ؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه . فقال له : إياك أخاطب يا حسن بن علي بن عبد الرحمن ، يقول لك أمير المؤمنين أين أموالي ؟ فلم تجبه . فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف ، وقال لطاهر : يا كلب تجيء وهذا معك ، وأشار بيده إلى السياف ، وتسألني بعد ذلك ؛ ولكن قل له يا مولانا قبض علي وأنا آمن على نفسي ، فإن يكن عندي مال ، فقد وجدته في داري ، وكنت داعيك وثقتك المؤيد في الدين . في القمطرة الفلانية ما يشهد بذكر مالك أين هو . فأشار طاهر إلى أولئك ، فأخذوه ، وضربت عنقه في ليلة الثاني والعشرين من صفر ؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة ، وطرحت جثته على مزبلة ثلاثة أيام . ثم ورد الأمر بتكفينه ، فكفن بعد أن غسل ، وحنط بحنوط كثير ، وحمل ليلاً ودفن وقد وضع رأسه مع جثته .
وكان له من المآثر المرضية ، والخلال الحميدة ، والأفعال الجميلة ، والخلائق الرضية ما يتجمل الملوك بذكره . منها أنه كنت له مائدة يحضرها كل قاض فقيه وأديب جليل القدر ، فإذا قدمت فكأنها الرياض من حسنها وسعة نفسه . وكان الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة ، فيكون عليها كأحدهم . وقال عميد الدولة : أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازماً له في المبيت والصباح ، فكنت أراعيه في حالاته كلها ليلاً ونهاراً ، فلا أرى يتغير علي منها شيء ولا يتبين لي منه غضب من رضا ؛ فأقبلت أدقق التأمل له في حالتي غضبه ورضاه شهورا حتى تبين لي ، فكان إذ رضى توردت وجنتاه بحمرة ، وإذا غضب اصفرت محاجر عينيه ، فعرفت أبي بذلك ؛ فقال : يا بني هذا غاية في سكون النفس وصحة الطباع واعتدال المزاج .
وكانت طبائعه الأربعة على السواء ، فإذا أخل عمل طبيعة منها عهده أخذ بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها . وكان لا يعطل شرب الدواء يوماً واحداً فيشرب السكنجيين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام ؛ ثم يشرب النقوع المغلى في
(2/243)

"""""" صفحة رقم 244 """"""
الشتاء والمنجم منه في الصيف أسبوعا لكل منهما ؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا ؛ ويشرب ماء الجين ثمانية أيام ؛ ويشرب ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند المنقوع كذلك ؛ ويريح نفسه بين كل دوائين ثلاثة أيام ، لا يخل بذلك في صيف ولا في شتاء . وكان ندي الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفاً إلا لضرورة ؛ ولم يسمع منه قط في سؤال لفظة لا . بل كان إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم ، بانخفاض من طرفه وخفوت من صوته ، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا يرفع طرفه ؛ وعرف هذا منه فلا يراجع فيه إلا بعد مدة . وكان كل من يحضر مائدته يستدعى منه الحضور بين يديه لئلا يستمروا عنده ؛ وكان فيهم من يشرب السكر ، فإذا حضروا عرفوا مجالسهم وما قرره لهم ، فكان من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينهن ومن يستعمله يجلس عن يساره ؛ وبين يدي كل منهم الفواكه الرطبة واليابسة والحلاوة ، وستارة الغناء مضروبة ؛ فيجلسون وهو مشغول يوقع ، وهم يتحدثون همساً وإشارةً وإيماءً ، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع فيستند وينشطهم بالحديث ويقول : قد تجدد اليوم كذا وكذا ، فما عندكم فيه . فيقول كل أحد ما يراه وهو يسمع لهم ، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على شماله فيقول : من هناك قولوا ، فيقولون وهو يسمع ولا يرد على أحد شيئا فلا يصوب المصوب ولا يخطىء المخطىء ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له الصواب ، ويصبح يرمي فلا يخطىء . فكانت أفعاله هكذا طول مدته ، لا يستبد قط برأيه ولا يأنف من المشورة ، بل يقول : المستبد برأيه واقف على مداحض الزلل ، وفي الاستشارة كل عقول الرجال . وبهذا تم له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه من الطرز الآثار الباقي ذكرها .
وجاء ارتفاع الدولة في أيامه ألفي ألف دينار ، يقف منها ويسكن ، وينصرف للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها ، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة ، يحملها كل سنة
(2/244)

"""""" صفحة رقم 245 """"""
إلى بيت المال . فحظى بذلك عند سلطانه ، وتمكن منه ، وارتفع قدره حتى سأل أن يكتب على سكة نقش عليها : ضربت في دولة آل الهدى من آل طه وياسين ، مستنصر بالله جل اسمه ، وعبده الناصر للدين سنة كذا ، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ثم أمر المستنصر بمنعها ، ونهى أن تسطر في السير .
وكانت أيام نظره حوامل لتوالي الفتوحات وعمارة الأعمال . وكان شريف الأخلاق ، عالي الهمة كريم الطباع ، وطىء الأكناف ، مستحكم الحلم ، واسع الصدر ، ندي الوجه ، يستقل الكثير ، ويستصغر كل كبير . وكان إذا أعطى أهنأ ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ ، وإذا اصطنع أحداً رفعه إلى ما تقصر الآمال والأماني عنه ؛ مع عظيم الصدقة ، وجزيل البر الذي عم به أهل البيوتات مما جعله لهم من المشاهرات على مقاديرهم . وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر بالقرافة ، فكان يجري عليهم البر والكساء على يد بعض اليهود ، ويعرف بابن عصفورة ، وكيل السيدة أم المستنصر ، فكانوا يظنون أنه من إنعامها ؛ فلما زالت أيامه انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من البر ، فخاطبوا ابن عصفورة وقالوا : قد جفينا من مولانا ومولاتنا ، فلو أدركتهما بنا فقال لهم : ما ترون ما كان يجيئكم حتى يتولى الله ناصر الدين أخي . فقالوا : نحن التمسنا من مولانا المستنصر ومولاتنا السيدة الوالدة ولم نلتمس من ناصر الدين . فقال : ما كان يجيئكم ذاك إلا من الوزير . فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحم عليه .
ومما يذكر عنه أنه كتب : العالي بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن الناصر لدين الله علي بن حمود من خالقه إلى مصر مكاتبة يقول فيها : من أمير
(2/245)

"""""" صفحة رقم 246 """"""
المؤمنين العالي بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله . فعيب عليه بمصر قلة تصوره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين في زمان واحد اثنان . ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو مما كتب ، وكان اليازوري إذ ذاك وزيرا ، فقال أنا أخلص هذه القضية وأعلقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب ، وكان صاحب حيل ؛ يكتب إليه : من أمير المؤمنين المستنصر بالله معد إلى العالي بالله أمير المؤمنين خالقه ؛ وهذا من طريف التخلصات التي تميز بها . وحكى عظيم الدولة متولى السر ، قال : كنت في جملة الموكلين على الناصر ثم على البابلي بعده ، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول يعني اليازوري على شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته ، ومن طيش البابلي وخفته ونقصه ما أعجب منه ؛ وهو أني لما كنت موكلا باليازوري كنت أراه ملازماً لعتبة باب المجلس في القاعة لا يتغير مكانه منها . وكان البابلي يراسله بما يمضى ويوصينا إذا مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ونروعه بذلك ؛ فوالله ما كان يكترث ولا ينزعج . وإذا دخل متولى الستر يكون جلوسه منه في الاعتقال كجلوسه منه في حال نظره ، ويخاطب بما يرضى فيجيب بسكون وهدوء وكأنه في الدست جالس . فدخل إليه في أكثر من ثلاثين صقلبيا وبلغهما أوصاه البابلي ، فأجابه ، ثم نهض وقال : يا سيدي صرفتني من الستر بغير ذنب ثم أعدتني إليه بغير مسألة ، فما كان سبب ذلك ؟ فرفع طرفه إليه كأنه يخاطبه من دست الوزارة وقال له : كان صرفك في الأول برأيي واختياري ثم أعدتك لما عرفت من ميل مولانا إلى استخدامك . فخرج متولي الستر وهو يعجب من سكون حاله وقلة احتفاله في الجواب ، مع حاجته إليه في مثل ذلك الوقت الذي يقدر فيه على الإحسان إليه وعلى الإساءة ؛ وكان يظن أنه يعتذر إليه ، فلم يكن منه غير ما تقدم ذكره .
(2/246)

"""""" صفحة رقم 247 """"""
وكان أكثر وقته صائماً وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب . وكان في حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق ، ساكن النفس هادئ الطباع ، فكان يظن أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس ؛ فلما صار في الاعتقال بعد القبض عليه كان حاله على ما كان مما ذكر . ومن عجيب ما وقع أن خطير الملك محمد بن الوزير اليازوري كان ينوب عن أبيه في قضاء القضاة ، فلما سار إلى الشام بالعساكر الكثيرة معه كان في حال من البذخ والتجمل في حال لا يمكن شرحها ؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى في مسجد بمدينة فوة يخيط للناس بالأجرة ، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ في مطالبة شخص بأجرة ما خاطه له ، والرجل يماطله . فلما ألح في المطالبة قال له : يا سيدنا اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك في السفرة الشامية . فقال : دع ذكر ما مضى . فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه ، فسأل عبده ، فقال الذي ذهب منه في تلك السفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار . فسبحان من لا يزول ملكه .
وفيها ولي الوزارة بع اليازوري أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ، وكان أولا من جملة أصحاب الدواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن الجرجرائي ، وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطه بها ؛ فباع موجوده بستة آلاف دينار وبقي عليه أربعة آلاف دينار ، فانطرح على اليازوري وسأله الشفاعة له ، وكان يومئذ ينظر لأم الخليفة ؛ فسأل الخليفة له في ذلك ، فوقع بمسامحته منها بألفي دينار ، فلما صرف الوزير أبو البركات وتولى اليازوري الوزارة وقع بمسامحة البابلي بالألفين الباقية ، واستخدمه في التوقيع ، ورد إليه ديوان تنيس ودمياط ، وديوان الخاص وغيره من الدواوين ، حتى كان في يده ستة
(2/247)

"""""" صفحة رقم 248 """"""
دواوين . وكان رسم لأصحاب الدواوين أن يحضروا كل يوم بين يدي الوزير ، فرفع منزلة البابلي عن ذلك وميزه عن أصحاب الدواوين ، فكان لا يحضر عنده إلا في كل ثلاثة من الجمعة ؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء ، فلا يدخل إلى الوزير أحد ما دام عنده . فمهما قرره مع الوزير لا ينتقض . وإذا عرض له في باقي الجمعة أمر كتب رقعةً إلى الوزير فيجيبه في تضاعيف سطوره ، فعل الأكفاء بالأكفاء . وبلغ جاريه على ما بيده من الدواوين والتوقيع في كل سنة عشرة آلاف دينار . وكتب مرة إلى الوزير اليازوري رقعة يذكر فيها أنه ليس له دار يسكنها ، وأن بجوار داره حماماً سلطانيا من جملة المقبوض عن تركة أمير الأمراء رفق ، بذل فيها خمسمائة دينار ؛ وسأل التوقيع بمبايعته منه على أن يقتطع ثمنه من جاريه ، مائة دينار في الشهر ؛ فوقع له بذلك ، ثم تقدم إلى متولي بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار ، ووهبها له . فكتب رقعة ثانية أنه لما شرع في بناء الدار احتاج إلى ما يكمل به عمارتها ، وأن في المقبوض من أمير الأمراء أيضاً من الأخشاب والرخام ما يسأل الإنعام عليه منه بما يعمرها به ؛ فوقع بتسليم جميع ذلك إليه . فعمر الدار ، وخدمه فيها جميع من في الدولة ؛ فجاءت تضاهي القصور . واتفق أنه مرض في بعض السنين مرضةً أشفى فيها على التلف ، فكتب إلى الوزير اليازوري رقعةً يذكر فيها ما انتهت حاله إليه ، وأنه على آخر رمق ؛ وأن عليه من الدين ثلاثة آلاف دينار ، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ولديه ؛ ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما ، وأن يقرر حالهما في القيام للعرفاء بما تصل قدرتهما إليه وينجم الباقي عليهما . فلما وقف الوزير عليها استرجع وتغمم له ، وقال : ما ظننا إلا أنا قد أغنينا أبا الفرج ، وأن حاله لم تصل إلى هذا الحد ثم رفع رأسه إلى أبي العلاء عبد الغني بن الضيف ، وكان يحمل دواة الوزير ، ولقبه بالصادق المأمون ، وقال :
(2/248)

"""""" صفحة رقم 249 """"""
أسرع إلى أبي العباس الشاشي ، وكان يتولى ديوانه ؛ فلما حضر قال : ما في حاصلك من إقطاعنا ؟ فقال : ثلاثة آلاف دينار وكسر ، فأحضرها ، وقال لأبي العلاء : خذ هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلي وخصه بسلامنا ، وقل له : قد سوأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك ، والله تعالى يهب عافيتك ولا يغمنا بك . فأما ما سألت من مراعاتك في ولديك والمنع منهما ، فلو لم تسأل في ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك . وأما ما ذكرته من دينك فقد أنفذنا إليك ما تقضيه به . فلما أخذ المال وخرج من القبة قال ارجع يا عبد الغني ، فعاد إليه فأخذ درجاً ووقع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار ، وكان له فيه إقطاع ، وقال امض إلى الجهبذ بهذا التوقيع فإن كان في حاصله هذا القدر ، وإلا قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئاً فيحمله إليه به عوضاً عنها ؛ واحمل الجميع إلى البابلي . فلم يحتمل أبو العلاء الصبر عن الكلام وقال : يا سيدنا ، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف إليها مثلها فتصير ستة فقال : يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ما يحتاج أن يستدين بعدها ، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين . فقال له : والله يا سيدنا إنك لأكرم نفساً من البرامكة ، لأن أولئك كانوا يجودون من سعة وأنت تجود من ضيق ، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه . وخرج فأوصلها إليه . فلما قبض على اليازوري كان أعدى العالم له ، وكفر نعمته وإحسانه ، وتجرد له حتى قتله . وحكى فخر الدولة قال : استدعاني مولانا المستنصر وقال لي يا فخر الدولة ، هل
(2/249)

"""""" صفحة رقم 250 """"""
يكون في اختيار الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس أوفى من شخص البابلي ، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته ؟ فقلت : لا يا أمير المؤمنين . فقال : والله لقد ظننت أن الدولة تتضاعف قدرتها بنظره ، وينضاف إليها مثلها بحسن تدبيره وأن من وراء هذا الشخص ما وفى عليه ؛ فإذا ثيابه لا تسع رقاعته وغمته ، والحية قد نشفت قرعته . وذلك أن اليازوري أقام في خدمتنا عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا ، وأقام البابلي اثنين وسبعين يوماً نقمنا عليه تسعة عشر ذنباً ، مع ظاهر كذبه وقلة احتشامه عندي ؛ وذلك أنه ذكر لي من حال السقية ما كثر تعجبي منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها ، واحتشمت أن أرد عليه فيتحقق تكذيبي له . وكان من إقدامه على قتل اليازوري ما كان ، وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله . فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة أمرته بشيء فعارضني وضرب الأمثال بما يصدني عن ذلك الأمر ؛ فقلت له أيها الوزير ، اعلم أن اليازوري لم تطل مدته معنا وتثبت قدمه إلا أنا كنا إذا أمرناه بشيء انتهى إليه ولم يتجاوزه . فقال لي مجيبا : يا مولانا وكأن اليازوري كان ينقط نقطة إلا ما أمثله له وأوقفه عليه يريد أنه كان يدبر اليازوري ويعلمه ويفهمه ؛ فلم يتأمل ما عليه فيه ، ولا ذكر ما كان قاله من حال السقية ؛ وأذكرني قوله هذا حال السقية ، فقلت له وقد اغتظت منه : يخرس الله الوزير ، فإذاً كانت السقية برأيه فلما سمع ذلك مني دهش وقال : أعوذ بالله يا مولانا ولكنني كنت أبصره صواب الرأي ، وأشير عيه بما فيه حميد العاقبة . فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكاً فيه . ووجه كذبه فيما حكاه من ذلك أن الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهم بمثل هذا الأمر في سائسه أو من يجري مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه ، فكيف إذا عزم على فعل ذلك مع مثلى ، هل يسوغ أن يطلع أحداً عليه ؟ ومع هذا فما الذي يدعوه أن يخرج بذلك إلى غيره ، وربما نم عليه وتقرب إلي بإطلاعي عليه ؛ وإلا تولى بنفسه مع إكثاري كان من زيارته وسكوني إليه ، وأني لم أتهمه بذلك فط فآخذ حذري منه ، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه مني بحيث
(2/250)

"""""" صفحة رقم 251 """"""
لا يعلم به أحد . فتحقق لي كذبه فيما حكاه ؛ وهذا أقوى الأسباب في صرفه ، لأن من ليس له عقل يميز به ما يخرج من فمه ، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطر الكبير ، لم يجز أن يوثق به في تدبير مزبلة ، والخوف من جنايته على الدولة برقاعته ونقص عقله أكثر من الطمع في الانتفاع بنظره .
وكان صرف البابلي على الوزارة في شهر ربيع الأول وله في الوزارة اثنان وسبعون يوماً ؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل . وكان النهار لا يكاد يرتفع ويتأخر ما يحمل إليه من الطعام إلا ويتسغيث ويقول : ما يتم حبس وجوع . وكان يبدو منه في محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرقاعة والجهل ، فكان الموكلون به يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازوري ، فإن ذاك كان ساكن الطباع كثير الصمت شريف النفس مع حداثة سنه ، وهذا شيخ يظهر منه من الخفة والطيش والجهل مع الشيخوخة ما يضحك منه .
فيها تولى الوزارة بعد البابلي أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن المغربي . وفيها تولى قضاء القضاة عوضاً عن اليازوري أبو علي أحمد بن عبد الحكم بن سعيد ، إلى ذي القعدة ، وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد الرحمن المليجي . وتولى المؤيد في الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعي الدعاة .
(2/251)

"""""" صفحة رقم 252 """"""
فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري الموصل ومعه قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي أمير الغرب فملكها . وخرج إليه السلطان ركن الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق ، ففارقها ؛ واتجه طغرلبك إلى نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى همذان ، فرجع في إثره ؛ وتلاحقت الأتراك ، فاستدعى الخليفة القائم دبيس من مزيد ، فوصل إليه وقد أرجف بمسير البساسيري إلى بغداد فعظم الخوف منه ، فرجع دبيس إلى بلاده . فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة وصل البساسيري إلى بغداد ومعه قريش بن بدران ، وخطب في جامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمي وقطع الخطبة لبني العباس ، وعقد الجسر وعبر عسكره . فلما كانت الجمعة الثانية خطب بجامع الرصافة للمستنصر . وكانت بينه وبين أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة رئيس الرؤساء وزير القائم والعسكر ، وقتل جماعة من الأعيان . ووقع النهب في البلد ، ودخل أصحاب البساسيري إلى البلد ، ووصلوا إلى باب النوبي الشريف ؛ فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة ، وبيده السيف وعلى رأسه اللواء ، وحوله جماعة بني العباس والخدم بالسيوف المسللة ، فرأى الأمر شديداً ، فعاد وأبعد المنظرة ،
(2/252)

"""""" صفحة رقم 253 """"""
ونادى رئيس الرؤساء : يا علم الدين قريش ، أمير المؤمنين يستدنيك . فدنا منه ؛ فقال رئيس الرؤساء له : قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك ؛ وطلب منه الأمان للخليفة القائم ، فأمنه . ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء ، وصاروا معه . فبعث إليه البساسيري : تخالف ما استقر بيننا فقال قريش : لا . وكانا قد تعاهدا على المشاركة في جميع ما يحصل لهما ؛ فاستقر الأمر على أن البساسيري يتسلم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلم الخليفة القائم فيكون عنده . فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيري ؛ فلما مثل بين يديه قال له : العفو عند المقدرة . فقال البساسيري : أنت صاحب الطيلسان ما عفوت عن داري وحرمى وأطفالي ، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف .
ثم إن قريش بن بدران سار في خدمة الخليفة ، وهو راكب بالصفة التي تقدم ذكرها إلى معسكره ، فأنزله في خيمة وهيأ له ما يقوم به ، ووقع النهب في دار الخلافة مدة أيام ، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة ، وبعث منها إلى مصر منديل القائم الذي عممه بيده ، قد جعل في قالب رخام لكيلا ينحل ، مع ردائه ، والشباك الذي كان يتوكأ عليه ؛ فعمل في دار الوزارة بالقاهرة . وأما العمامة والرداء فبعثهما السلطان صلاح الدين يوسف ، لما استولى على القصر ، إلى الخليفة المستضيء ببغداد مع الكتاب الذي كتبه على نفسه القائم وأشهد على نفسه العدول فيه أنه لا حق لبني العباس في الخلافة مع وجود فاطمة الزهراء . وحمل أيضاً إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة . وسلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس بن المجلى ، وكان رجلاً متديناً ، فحمله في هودج إلى مدينة عانة وأنزله بها ؛ وفر أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك فصاروا في جملته
(2/253)

"""""" صفحة رقم 254 """"""
فلما كان يوم عيد النحر ركب البساسيري إلى المصلى وعلى رأسه ألوية المستنصر ، وقد استمال الناس بكثرة الإحسان وإجراء الأرزاق ، وكسر منبر المسجد الجامع ببغداد وقال : هذا منبر نحس أعلن عله بغض آل محمد عليهم السلام ؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر . ثم أخرج الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم علي بن المسلمة وهو مقيد وعليه جبة صوف وطرطور أحمر من لبد وفي عنقه مخنقة ، فشهره ثم أعاده إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة ، فألبس جلد ثور طري ، وجعل في فكيه كلابين من حديد وعلقه بهما ؛ فبقي يضطرب إلى آخر النهار حتى مات ، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة ، وكان حسن التلاوة للقرآن جيد المعرفة بالأدب .
ولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سر سرورا كثيرا ، وزينت القاهرة ومصر وجاءت نسب الطبالة ، فغنت بالطبل في القصر بين يدي المستنصر :
يا بني العباس ردّوا . . . ملك الأمر معدّ
ملككم ملكٌ معار . . . والعوارى تستردّ فقال لها المستنصر : تمنى ، فلك حكمك ؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس ، فأقطعها إياها ، فعرفت بها وقيل لها إلى اليوم أرض الطبالة . وأمر المستنصر في أن يحمل إلى مهارش
(2/254)

"""""" صفحة رقم 255 """"""
عشرة آلاف دينار ليسير إليه الخليفة القائم على حال جميلة ؛ وعزم على أنه إذا وصل تلقاه أحسن لقاء وبالغ في إكرامه . ويقال إنه بنى القصر الغربي لينزله فيه ، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرواتب السنية ، وأن يقرر له في كل يوم مائة دينار ؛ وأنه إذا ركب المستنصر في أوقات ركوبه قدمه بين يديه يحجبه . فإذا أقام على ذلك مدة ، وبات وانتشر في الأقطار خبر ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق ، وكتب عهده بتقليده إياه ، وسيره إليه ، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله . فمنعه حادث القدر قبل إدراك ذلك . وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيري لما بعث الكتب إلى المستنصر يعرفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد بن المغربي ، وهو ممن فر من البساسيري وصار إلى القاهرة ، فحذر المستنصر من البساسيري وخوفه عاقبته ؛ فتركت أجوبته مدة ، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما أمله البساسيري ؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه .
وفيها بنيت القبة التي بصحن جامع دمشق ، شرقي الجامع على باب مشهد علي ، وكتب عليها اسم المستنصر .
وفيها ولى المستنصر ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق في شهر رجب
(2/255)

"""""" صفحة رقم 256 """"""
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
فيها سار الأمير أبو الحارث البساسيري من بغداد فملك البصرة وواسط ، وأقام بهما الدعوة للمستنصر ، وخطب له في عامة تلك الأعمال . وبلغ طغرلبك ما كان من أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها ، فكاتب ألب أرسلان بن داود أخيه ، فقدم عليه في إخوته بعسكر كبير ، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ينال ، فكانت الغلبة لطغرلبك ، فأخذه أسيراً وقتله في تاسع جمادى الآخرة . وتوجه يريد بغداد ، وبعث إلى البساسيري وإلى قريش بن بدران يأمرهما برد الخليفة القائم إلى بغداد ، وإقامة الخطبة له على عادته ، ورده إلى تخت خلافته ، ويعدهما أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد ، وأنه يقنع بأن يخطب له فيها وتضرب السكة باسمه . فامتنع البساسيري أولاده وحرمه من بغداد إلى واسط ونوى العود . وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش يشكر ما كان من صنيعه مع الخليفة القائم ، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار الخليفة ؛ فوافى حلة بدر بن مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش في تلك الساعة ، فركب هو وابن فورك وأركبا الخليفة وخدماه ؛ وأتته هدايا بدر .
وبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبي نصر منصور الكندري والأمراء والحجاب
(2/256)

"""""" صفحة رقم 257 """"""
بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة ، والخيول العدة بالمراكب الذهب ، إلى الخليفة القائم ، فرحل وهم في خدمته ، وقد خرج طغرلبك إلى لقائه ؛ فعندما شاهده وقع إلى الأرض يقبلها ، ثم قام وهنأه بالسلامة ، وأظهر السرور الزائد والابتهاج الكبير ؛ واعتذر عن تأخره بما كان من عصيان إبراهيم ينال . فقال الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه ، وسار معه طغرلبك إلى بغداد وجلس على باب النوبى الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة ، فعندما شاهده مثل قائما وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة ؛ وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي الحجة .
ثم عاد طغرلبك إلى معسكره وسير العساكر لمحاربة البساسيري وخرج في إثره ؛ فوافت العساكر البساسيري ودبيس بن مزيد ، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام دبيس ووقوع ضربة في وجه البساسيري سقط منها عن فرسه ، فأخذ ، وقتل ، وحملت رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم ، فطيف بها على قناة في بغداد للنصف من ذي الحجة ، وعلقت على باب النوبى . وأحيط بأموال البساسيري ونسائه وأمواله ، وجميع حواشيه وأسبابه ؛ وقتل في هذه الوقائع من الخلائق ما لا يحصى لهم عدد ؛ وفر دبيس إلى البطيحة .
وقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة ؛ وعادت للقائم كما كانت . وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدولة الفاطمية ، فإن الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه ، ولم يبق بيدهم غير ملك مصر خاصة
(2/257)

"""""" صفحة رقم 258 """"""
ويقال إن الخليفة القائم بأمر الله كتب لما نكب كتاباً يشكو فيه ما يلقاه من البساسيري ونسخته بعد البسملة : إلى الله العظيم من عبده المسكين . اللهم إنك عالم بالسرائر ، مطلع على مكنونات الضمائر ؛ اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك ؛ وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها ، وألغى العواقب وما ذكرها ، أطغاه حلمك ، وسخر بأناتك ، حتى تعدى علينا بغياً ، وأساء إلينا عتوا وعدواً . اللهم قل الناصر ، واغتر الظالم ، وأنت المطلع العالم ، والمنصف الحاكم ، بك نستعين عليه ، وإليك نهرب من بين يديه ، وقد تعزر بالمخلوقين ، ونحن نستعين بالله رب العالمين . اللهم إنا حاكمناه إليك ، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك ، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك ، ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين ، وأظهر قدرتك فيه قدر ما نرتجيه ، فقد أخذته العزة بالإثم . اللهم فاستلبه عزته ، وملكنا بقدرتك ناصيته ، يا أرحم الراحمين . وصلى الله على محمد خاتم النبين ، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما . وبعث به إلى باب الكعبة ، وعلق بباب الكعبة ودعي بما فيه ؛ فقتل البساسيري في ذلك اليوم .
(2/258)

"""""" صفحة رقم 259 """"""
سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
فيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق ، وكتب لناصر الدولة أبي علي الحسين بن حمدان أن يكون قائد الجيش ؛ فسار من دمشق بعسكر كبير في سادس ربيع الأول يريد محاربة أهل حلب . وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية ، وأسقطت بها دعوة بني العباس إلى أيام الظاهر بن الحاكم ، فتغلب عليها صالح بن مرداس ، أحد أمراء الكلابيين ، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ، أحد الغلمان الأتراك ، فساس الأمور ، وأطاعه كل مارق ؛ وراسل الملوك . فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب ، وفيهم عدة الدولة حسان بن جراح ، وسار لمحاربته ، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسان إلى بلاد الروم ، وتفرق الجمع . ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدول نصر بن صالح في حلب ، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه ، وسار لقتاله ، فقتل ، وملك أمير الجيوش حلب فأقام بها رضي الدولة منجوتكين ، أحد غلمانه ، فأقام بها سنين . ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس وملكها ؛ ولم يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه .
فلما كانت وزارة الجرجرائي غمض طرفه عن ثمال ، ورأى أن موادعته أخف من إنفاق الأموال في محاربته ، فكتب بولايته وقرر عليه الحمل في كل سنة . وتمادى ذلك إلى أيام وزارة اليازوري فلم يرض بهذا ، ورأى أن الحيلة أبلغ فيما يؤثره ، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك ، وإن نابذه ألزم كلفاً كثيرة . فاستعمل السياسة والتدبير الخفي ، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ووجاهة ، يقال له عين الدولة علي بن عياض ، قاضي صور ، فساس الأمر وأحكم التدبير فيما قرره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به ، حتى
(2/259)

"""""" صفحة رقم 260 """"""
نزل من قلعة حلب وسلمها إلى مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم والي الخليفة المستنصر . وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة ؛ فلما بلغ رفح اتصل به خبر القبض على اليازوري ، فقال والله إني أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبني من ذلك الملك ، وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلا بحسن السياسة ، وإن رام ذلك مني فليس يتعذر عليه .
ورجع ثمال إلى حلب ، فاتفق في غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس ، في مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة ، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان ، فكانت بينهما حروب كبيرة على قنسرين آلت إلى أن انكسر ناصر الدولة كسرة عنيفة ، فأصابته ضربة شلت منها يده ؛ ورجع منهزماً في مستهل شعبان . فقال عبد العزيز العكيك الحلبي وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه .
ولئن غلطت بأن مدحتك ، طالبا . . . جدواك ، مع علمي بأنّك باخل
فالدّولة الزهراء قد غلطت ، بأن . . . نعتتك ناصرها ، وأنت الخاذل
إن تمّ أمرك مع يدٍ لك أصبحت . . . شلاّء فالأمثال عندي باطل
وأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبي ذؤابة عطية بن صالح فسلمه حلب ، ودخلها في عاشر شعبان هذا ، وأقام بها يوم ثم خرج عجزاً عنها ؛ فوصل محمود في ثاني عشره وملكها .
(2/260)

"""""" صفحة رقم 261 """"""
وفي تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن المغربي عن الوزارة ، وأعيد إليها أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي . وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب في جمادى الآخرة ، واستقر عوضه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي ذكرى ، في حادي عشري رجب .
وفيها قدمت هدية المعز بن باديس ، فقومت بأربعين ألف دينار . منها درقة مرصعة بالجوهر كانت للمهدي .
وفيها قدم كتاب علي بن محمد الصليحي بما هو عليه من القوة وإقامة الدعوة ؛ واستأذن في المسير إلى تهامة وأخذها ؛ فأجيب بذلك ؛ فسار إليها وأخذها .
وفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب ، ومعه منيع بن سيف الدولة ، سبعة أيام ثم رحل ، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة ، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل ؛ فملكها أصحاب المستنصر . وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدولة على الفنيدق ، فانكسر ابن حمدان ؛ ودخل عطية حلب وخرج منها ؛ وتسلمها محمود يوم السبت ثاني شعبان ؛ ثم وصل عمه معز الدولة فحاصر حلب مدة .
وفي هذه السنة سقط تنور قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل ، فتطير الناس وقالوا ليكونن في الإسلام حادث عظيم .
(2/261)

"""""" صفحة رقم 262 """"""
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
في ثالث محرم صرف البابلي عن الوزارة ؛ واستقر عبد الله بن يحيى بن المدبر . وفي صفر توفى قاضي القضاة ابن أبي ذكرى فاستقر في الحكم بعده أبو علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد في رابع عشره ، وصرف في خامس صفر . واستقر عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجي ، ثم صرف في حادي عشر رمضان . واستقر عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك بن سعيد الفارقي ، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن . وصرف ابن المدبر عن الوزارة واستقر بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم ، أخو قاضي القضاة .
وكان السبب في سرعة العزل وكثرة الولايات أنه لما قتل اليازوري كثر السعاة في الوزارة ، فما هو إلا أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين ، وتركب عليه المناصب ، ويكثر الطعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتسع وقته ؛ فيلي بعده من يتفق له مثل ذلك ، لمخالطة الناس الخليفة ومداخلتهم الرقاع والمكاتبات الكثيرة إليه ؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته . فأحب الناس مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم ؛ فتقدم كل سفساف ، وحظي أوغاد عدة ، وكثروا ، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصدور والرؤساء والجلة ؛ وتنقلوا في المكاتبة إلى كل فن ، حتى إنه كان يصل إلى المستنصر في كل يوم ثمانمائة رقعة ؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال . ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة ، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم ، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقر إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر ، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة ، وسعت عليه الرجال ، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه . فخربت الأعمال وقل ارتفاعها ، وتقلب الرجال
(2/262)

"""""" صفحة رقم 263 """"""
على معظمها واستنضوا راخي ارتفاعها ، فاتضع الارتفاع ، وعظمت النفقات . ووقع اصطراع الأضداد على السلطان ، وواصلوه باقتضاء مالهم من المقررات ، ولازموا بابه ، ومنعوه من لذاته . وتجرءوا على الوزراء واستخفوا بهم ، وجعلوهم غرضا لمساءتهم ، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم ؛ والمستنصر يوسعهم حلماً واحتمالا . فأطغى الرجال ذلك وجرأهم عليه ، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع ، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه ، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض ، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها ، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوي عشرة ولا يمكن مطالبته . ثم عادوا إلى تقويم ما يخرج ، فإذا حضر المقومون أخافوهم ، فيقومون ما يساوي ألفاً بمائة فما دونها ، ولا يتمكن الخليفة من استيفاء ذلك ؛ فتلاشت الأمور واضمحل الملك . ثم لما علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع ؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها . ودام ذلك بينهم سنوات نحواً من ست ؛ ثم قصر النيل وغلت الأسعار غلاءً بدد شمل الناس بأسرهم ، وفرق ألفتهم ، وشتت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم ، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره ، كما ستقف عليه فيما يأتي إن شاء الله . وفيها اصطلح معز الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة ، ودخل حلب في رابع عشري ربيع الأول . فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة توفي ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه ، فملك بعده أخوه عطية ، أبو ذؤابة .
وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن علي بن ثعلب ، فكتب أبو محمد بن سعد ، الشاعر الخفاجي ، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات :
أتاني وعرض الرمل بيني وبينه . . . حديث لأسرار الدموع مذيع
ومات المعز بن باديس ، وملك بعده ابنه تميم ؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية .
(2/263)

"""""" صفحة رقم 264 """"""
سنة أربع وخمسين وأربعمائة
في ثالث المحرم توفي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم في وزارته . وكان أبوه قاضي طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر ، وكان فاضلا ؛ فردت الوزارة بعده إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد . ثم صرف عن القضاء في صفر بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن ؛ ثم صرف أبو علي عن الوزارة ، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذي الكفايتين بن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلي ؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام ، فأقام في الوزارة إلى شوال ؛ وصرف عنها بأبي الفرج البابلي المقدم ذكره وفيها تولى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا ، وإمرة بني سليم وبني فزارة ، فسار إليها وتسلمها في صفر .
(2/264)

"""""" صفحة رقم 265 """"""
ذكر ابتداء الفتنة التي آلت إلى خراب ديار مصر
وفي هذه السنة ابتدأت الفتنة التي كانت سبباً لخراب الإقليم . وذلك أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب ومعه النساء والحشم إلى جب عميرة ، وهو موضع نزهة ، ويغير هيئته ، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة ، ومعه الخمر محمول في الروايا عوضاً عن الماء ، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنه ماء زمزم . وقد أنشد الشريف أبو الحسين علي بن الحسين بن حيدرة العقيلي المستنصر في ذلك صبيحة يوم عرفة :
قم فانحر الرّاح يوم النحر بالماء . . . ولا تضحّ ضحىً إلا بصهباء
وادرك حجيج النّدامى قبل نفرهم . . . إلى منىّ ، فصفّهم مع كل هيفاء
وعج على مكة الروحاء مبتكرا . . . فطف بها حول ركن العود والنّاء
فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته ؛ واتفق أن بعض الأتراك جرد سيفا في سكرة منه على بعض عبيد الشراء ، فاجتمع عليه عدة من العبيد وقتلوه . فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر ، وقالوا ، إن كان هذا الذي قتل منا على رضاك فالسمع والطاعة ، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره ؛ فخرج الأتراك واشتدوا على العبيد يريدون
(2/265)

"""""" صفحة رقم 266 """"""
محاربتهم ، فبرزت العبيد إليهم ؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك قتل فيها عدة ، وانهزم العبيد وقويت الأتراك ؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمد العبيد بالأموال والسلاح .
فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أم المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك ، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه ، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرءوا عليه بالقول وأغلظوا في المخاطبة ؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر ، وصار السيف قائماً . فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محارة الأتراك . ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربي ، الذي كان وزيرا ؛ فخرج ؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين . فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور . فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر . وكانت السبب في كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التستري المقدم ذكره ، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر . فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر ، ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها ، وتحكمت في الدولة ، واستوزرت مولاها أبا سعيد . وتوقفت أحوال الوزير الفلاحي معه ، فاستمال الأتراك وزاد في
(2/266)

"""""" صفحة رقم 267 """"""
واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد ، فحنقت أم المستنصر من قته على الفلاحي ، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره .
وأخذت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها ، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر ، وبسطت لهم في الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم ؛ وسار العبد بمصر بحكم حكم الولاة . وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم .
وتقدمت إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي أن يغري العبيد بالأتراك ويوقع بينهم ، فخاف سوء العاقبة في ذلك ولم يوافقها عليه ؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة . واستقر وزيرها أبو محمد اليازوري في الوزارة ، فأوعزت إليه بذلك ، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه . ووزر البابلي ، فأمرته بذلك ، فشرع فيه . وتغيرت النيات ، وصارت قلوب كل من الطائفتين تضمر السوء للأخرى ، حتى كان من الحرب ما قد ذكر ، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتي .
وفيها توفي الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وكان قد ولي قضاء دمشق مرتين . وفي سابع عشر ذي القعدة توفى القاضي الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي ؛ وكان يخلف القضاة في الحكم بمصر . وكان إماماً محدثاً ، وله كتاب الشهاب ، وكتاب الخطط ، وكتاب أنباء الأنبياء ، وغير ذلك من المصنفات . وفيها توفى الرئيس أبو الحسن علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطبيب . وتوفي المعز بن باديس بالقيروان في رابع شعبان .
(2/267)

"""""" صفحة رقم 268 """"""
سنة خمس وخمسين وأربعمائة
فيها ردت الوزارة والحكم معاً إلى أبي علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الكريم بن عبد الحاكم في ثالث عشر المحرم ، ثم صرف عنهما في سابع صفر ؛ وأعيدت الوزارة لأبي الفضل عبد الله بن يحيى بن المدبر ، والحكم إلى أبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب . وفي تاسع عشر جمادى الأولى توفي الوزير أبو المفضل عبد الله بن المدبر ، وقد تكررت ولايته للوزارة ؛ وسمع الحديث ، وكان فاضلاً أديباً ؛ وهو من ولد ابن المدبر متولي خراج مصر في أيام ابن طولون . واستقر في الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق في الدين المعروف بابن العجمي ، ثم صرف وقبض عليه في السابع والعشرين من شعبان . وأعيد إلى القضاء والوزارة جميعاً أبو محمد الحسن بن مجلي بن أسد بن أبي كدينة ، واستمر فيهما إلى خامس ذي الحجة ، فرتب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم بن سعيد ، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليا على القضاء .
وفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالي لولاية دمشق ؛ وندب معه على الخراج الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسني الزيدي .
وفيها قدم الصليحي مكة بعد ما ملك اليمن كله سهله وجبله ، وبره وبحره ،
(2/268)

"""""" صفحة رقم 269 """"""
وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر ، وكسا الكعبة حريراً أبيض ، ورد حلية البيت إليه ؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن ، فاشتراها منهم ، وأعادها في هذه السنة . واستخلف على مكة محمد بن أبي هاشم ، وعاد إلى اليمن .
(2/269)

"""""" صفحة رقم 270 """"""
سنة ست وخمسين وأربعمائة
في ثالث عشري المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة . وتقلد الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل ، وفوض قضاء القضاء لأبي محمد الحسن بن مجلى بن أبي كدينة ؛ ثم صرف ، وأعيدت الوزارة لأبي غالب عبد الطاهر بن الفضل ، وفوض القضاء لأبي الحسن علي بن عبد الحاكم في سابع عشري ربيع الآخر ، ثم صرف عن القضاء في خامس جمادى الأولى بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب . ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن عماد الدولة الجرجرائي من صور فحضر إلى مصر ووليها في مستهل رجب ، فأقام إلى العشر الأخر من رمضان وصرف عنها ؛ وصرف أيضاً عن القضاء عبد الحاكم . وجمعا معاً ، الوزارة والقضاء ، لابن أبي كدينة ، فباشرهما إلى رابع ذي الحجة ، فصرف عن الوزارة وقرر فيها أبو علي الحسن بن أبي سعيد التستري ؛ وقرر في القضاء أحمد بن عبد الحاكم .
وفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فراراً من أهلها لثورتهم به ؛ فقرر المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن النعمان الكناني . وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، صاحب قونية وأقصرا ، فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية .
(2/270)

"""""" صفحة رقم 271 """"""
سنة سبع وخمسين وأربعمائة
في النصف من المحرم صرف عن الوزارة أبو علي بن أبي سعيد ؛ وصرف عن القضاء أبو أحمد بن عبد الحاكم . وتولى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبي غالب محمد ابن علي بن خلف ، وكان أبوه أحد وزراء بني بويه ببغداد ؛ ثم صرف عنها ثاني يوم ، واستقر في القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبي كدينة في حادي عشريه ، فلم يقم غير أربعة أيام وصرف عنها في سادس عشريه . وأعيد أبو شجاع محمد بن الأشرف إلى الوزارة ، وتقلد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن عبد الكريم . فأقام ابن الأشرف في الوزارة إلى نصف ربيع الأول ، وصرف ، وقرر في الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرعباني الرحبي ، ثم صرف في آخره . واستوزر ابن أبي كدينة ، وأضيف إليه القضاء أيضاً في نصف جمادى الآخرة ، فباشرهما إلى نصف رجب ، وصرف عن الوزارة بأبي المكارم رئيس الرؤساء الشرف بن أسعد ، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب . ثم قبض على الوزير أبي المكارم في العشر الأخير من شوال ، وتولى الوزارة بعده الأثير أبو الحسن علي بن الأنباري فأقام شهراً ، وصرف في ذي الحجة عن الوزارة ، ولم يعد إليها .
(2/271)

"""""" صفحة رقم 272 """"""
سنة ثمان وخمسين وأربعمائة
في سادس عشرين منه صرف ابن أبي كدينة عن القضاء واستقر عوضه جلال الملك أبو أحمد ، ونعت بقاضي القضاة الأعظم . وفي تاسع ربيع الآخر أعيد إلى الوزارة أبو القاسم هبة الله محمد الرعباني ، وصرف عنها في السادس عشر منه .
وفي جمادى الأولى ولى المستنصر أمير الجيوش بدراً الشام بأسره ، فخرج إليها بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار . وفي جمادى الآخرة جمع القضاء والوزارة لأبي أحمد جلال الملك ، ثم صرف بعد أيام عن الوزارة بأبي الحسن طاهر بن وزير ، فباشر أياماً يسيرةً ؛ وصرف بأبي عبد الله محمد بن حامد التنيسي ، وأقام يوماً واحداً ، ثم صرف وقتل . فاستوزر أبو سعد منصور بن زنبور ، فلم يقم في الوزارة غير أيام قليلة وهرب ؛ فأقيم بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف ، فباشر أياما يسيرة وصرف .
وكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق في سادس شعبان ، وبلغ ما بلغت نفقة المستنصر عليه ألف ألف دينار .
(2/272)

"""""" صفحة رقم 273 """"""
سنة تسع وخمسين وأربعمائة
فيها قويت شوكة الأتراك واشتد بأسهم وطلبوا الزيادات في واجباتهم ورواتبهم ؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون ، حتى صار منهم بالقاهرة ومصر وما في ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد ، ما بين فارس وراجل . وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة . فبعثت السيدة أم الخليفة المستنصر إلى قواد العبيد تغريهم بالأتراك ، وتحثهم على الإيقاع بهم ومحاربتهم وإخراجهم من مصر ؛ فجمع قواد العبيد وحشدوا طوائفهم ، وصاروا إلى شبرا دمنهور ، وساروا إلى الجيزة ؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم ؛ وقد بلغت النفقة في تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار . فالتقى الفريقان ، وكانت بينها حروب انجلت عن كسرة السودان وهزيمتهم إلى الصعيد . وكان مقدم طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدولة أبو علي الحسن بن الأمير أبي الهيجاء ابن حمدان ؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة وقد قويت نفسه وعظم قدره ، واشتدت شوكته ، وثقلت وطأته . وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا في بلاد الصعيد وهم في عدد يتجاوز الخمسة عشر ألف ما بين فارس وراجل ؛ فساء ذلك الأتراك وأقلقهم ، فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد . فأمرت أم المستنصر جماعة ممن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك فهاجموهم على حين غفلة وقتلوا منهم جماعة . ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر القاهرة ، وتسارع إليه الأتراك وقد استعدوا لمحاربة العبيد ؛ فخرج إليهم عدة من العبيد الذين كانا بالقاهرة ومصر . فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدة أيام ، فحلف منذ ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إما له أو عليه . وثبت كل منهما ، فكانت الكرة لابن حمدان على العبيد ، فوضع السيف فيهم وتجاوز الحد في كثرة
(2/273)

"""""" صفحة رقم 274 """"""
قتلهم ، وتتبعهم في كل مكان حتى لم يدع في القاهرة ومصر منهم إلا قليلا ، وهم مقيمون بالصعيد والاسكندرية . فرأى ابن حمدان أن يبدأ محاربة من في الاسكندرية منهم ، فسار إليها ونازلها مدة ، وحصر العبيد بها ، وألح في مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان ، فأقام على ولايتها رجلاً من ثقاته . وانقضت هذه السنة كلها في قتال العبيد والأتراك .
وفي يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن علي بن الجراح ، الطائيين ، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة .
وفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصليحي وأعيدت دعوة بني العباس .
وأما الوزراء فإن ابن أبي كدينة صرف في ثامن المحرم ، وولى أبو القاسم عبد الحاكم المليحي ، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة ، وصرف ؛ وأعيد ابن أبي كدينة ، فأقام أياماً وصرف ؛ وأعيد المليحي فلم يقم سوى ليالي يسيرة وصرف ؛ وأعيد ابن أبي كدينة فأقام إلى ثامن عشري ذي القعدة ، وصرف بجلال الملك بن عبد الحاكم .
وفيها قتل فتوح الشامي أحد قواد العبيد ، وكان المنفق حين قتل خمسمائة ألف دينار .
(2/274)

"""""" صفحة رقم 275 """"""
سنة ستين وأربعمائة
في المحرم خرج الأتراك مبرزين إلى الرملة حين قتل شهاب الدولة ، وقد بلغت نفقه المستنصر فيهم ألف ألف دينار .
وفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوة الأتراك عليه وطمعهم فيه ، فانخرق ناموسه ، وتناقصت حرمته ، وقلت مهابته ؛ وتعنتوا به في زيادة واجباتهم . وكانت مقرراتهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار ، فبلغت في هذه السنة إلى أربعمائة ألف دينار في كل شهر ، فطالبوا المستنصر بالأموال .
وركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك ، وحصروا المستنصر وأخذوا جميع الأموال ، ثم اقتسموا الأعمال ؛ وركبوا إلى دار الوزير ابن أبي كدينة يريدون الأموال ، فقال : وأي مال بقى ؟ الريف في يد فلان والصعيد في يد فلان والشام في يد فلان . فقالوا : لا بد أن تنفذ إلى مولانا وتطلب منه وتعلمه بحضورنا . فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر فيها حضورهم بألقابهم وما يطلبون ؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب :
أصبحت لا أرجو ولا أتّقي . . . إلا إلهي ، وله الفضل
جدّي نبيّي ، وإمامي أبي . . . وقولي التوحيد والعدل
المال إلى الله ، والعبد عبد الله ، والإعطاء خير من المنع . ' وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ ينْقَلِبُون ' . واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء . فاضطروه إلى إخراج ذخائره وذخائر
(2/275)

"""""" صفحة رقم 276 """"""
آبائه وبيعها ، فأخذ يخرج ذلك شيئا بعد شيء ، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ويثمنونها بأقل القيم وأبخس الأثمان . وسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد ، وكان قد كثر شرهم وتزايد ضررهم ، وعم الكافة أذاهم وإفسادهم ؛ فاجتمعوا لحربه واستعدوا للغاية . فسار إليهم في شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه وعلى من معه ألف ألف دينار ؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت عن كسرة الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة . فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يداً واحدة على المستنصر ، وألبوا عليه ، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال في السر ليقويهم على محاربة الأتراك ، وجهروا له بالسوء من القول فقال لهم إنه لم يبعث إليهم بشيء ولا أمدهم بمعونة . وأخذ الأتراك في لم شعثهم والتأهب لمحاربة العبيد ، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عما نهب السودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار . وساروا إلى قتالهم مرة ثانية ، فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرات حتى انهزم العبيد منهم ، وقتل كثر من أعدادهم ، بحيث لم ينج منهم إلا القليل ، وزالت حينئذ دولتهم .
وعظم أمر ناصر الدولة واستبد بالأمور ، فصرف ابن أبي كدينة من الوزارة وأعاد المليجي فلم يبق غير خمسة وصرف : وأعيد ابن أبي كدينة ، وجمع له بين الوزارة والقضاء معاً في ربيع الأول ، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى ؛ وصرف عن القضاء بجلال الملك ، فأقيم في منصب القضاء إلى سلخ رمضان ، فصرف عن القضاء بالمليجي . فأقام المليجي قاضيا إلى يوم عيد النحر ، وصرف ، وتولى ابن أبي كدينة .
(2/276)

"""""" صفحة رقم 277 """"""
وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته ، فكانت الحروب طول السنة في بلاد الشام وديار مصر قائمة لا تهدأ .
وسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق ، ومعه أبو الطاهر حيدرة بن مختص الدولة أبي الحسين ، ناظراً في أعمالها .
وفيها زلزلت مصر زلزلةً عظيمة ، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم تحت الردم . وزال البحر بفلسطين من الزلازل وبعد عن الساحل مسيرة يوم ، ثم رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه . وخربت الرملة خراباً لم تعمر بعده .
وفيها أنفق في غير استحقاق لمدة خمسة عشر شهراً ، أولها عاشر صفر سنة ستين ، مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار .
(2/277)

"""""" صفحة رقم 278 """"""
سنة إحدى وستين وأربعمائة
فيها قوى تغلب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا في بيوت أمواله ، واشتدت مطالباتهم بالواجبات المقررة لهم ، وسألوا الزيادات في الرسوم . واقتسم مقدموهم دور المكوس والجبايات ، وتغلب كل من بقي منهم على ناحية ؛ ولم يبق للدولة ارتفاع يعول عليه ، ولا مال في القياصر يرجع إليه . وأخرج من الذخائر مالا شوهد فيما بعده من الدول مثله نفاسةً وغرابة ، وجلالةً وكثرة ، وحسنا وملاحة ، وجودة وسناء قيمة وعلو ثمن ؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار شيئا كثيراً ، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر مصر وأسواقها من الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس ، التي أنفق منها في أعطيات الأتراك وغيرهم لسنة ستين وأربعمائة . فأهلت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد الخوف بمصر ، وكثر التشليح في الطرقات نهاراً والخطف والقتل . وصار الجند فرقتين ، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه .
وذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان ، لقوة بأسه وتفرده بالأمور دونهم ، واستبداده بالدولة عليهم ، فنافسوه وحسدوه ، وصاروا إلى الوزير خطير الملك وقالوا له : كل ما خرج من الخليفة من مال أخذه ناصر الدولة وتفرق أكثره في حاشيته ، ولا ينالنا منه إلا الشيء القليل . فقال لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم ، ولولا أنتم لما كان له من الأمر شيء ، ولو أنكم فارقتموه لا نحل أمره . واتفقوا على أن يكونوا جميعا عليه ، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر . ودخلوا إلى الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدولة بالخروج من البلاد ، وتهديده إن لم يخرج ؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده ؛ فسارع إلى الخروج عن
(2/278)

"""""" صفحة رقم 279 """"""
القاهرة ونزل بالجيزة . فامتدت الأيدي عند خروجه إلى دوره ودور حواشيه وأصحابه ، وانتهبتها وأفسدتها . فلما كان في الليلة التي خرج قبلها دخل في خفاء واجتمع بالقائد تاج الملوك شادي وترامي عليه وقبل رجله ، وقال له : اصطنعني وانصرني على الوزير الخطير وعلى إلدكز ، بأن تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين ، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما ؛ فوافقه على ذلك وأجابه إليه ورجع ناصر الدولة إلى مخيمه بالجيزة . فلما طلع النهار شرع تاج الملوك في عمل ما تقرر بينه وبين ناصر الدولة ، فأحس إلدكز بالمكيدة فسارع إلى اللحوق بالقصر ، واستجار بالمستنصر . وأقبل الوزير في موكبه وليس له شعور بما بيت في الليل ، فصادفه تاج الملوك على غرة منه ، فأوقع به وقتله ؛ وسير في الحال إلى ناصر الدولة ، فحضر . وحسن إلدكز للمستنصر أن يركب لمحاربة ناصر الدولة ، فلبس سلاحه وألبس من معه وركب ، ونزل ، فصار معه من الجند والعامة ما لا يحصى عددهم كثرة . ووقف ناصر الدولة بمن معه ؛ ونشبت الحرب بينهما ، فكانت الكسرة على ناصر الدولة ، فانهزم وقد قتل كثير من أصحابه ؛ فمر على وجهه لا يلوى على شيء في يسير من أصحابه ، حتى انتهى إلى بني سنبس بالبحيرة فنزل عليهم ، وأقام فيهم واستجارهم ، وتزوج منهم .
واشتد الغلاء بمصر ، وقلت الأقوات في الأعمال ، وعظم الفساد والضرر ، وكثر الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات ، ووقفوا في الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ما عليه ، مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم
(2/279)

"""""" صفحة رقم 280 """"""
إلا خالقهم . وخاف الناس من النهب ، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذهب والفضة . فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش ، والمظال والبنود والعماريات ، والمنجوقات والأجلة ومن السروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء والمرصعة بالجوهر ، شيء لا يمكن وصفه ، مما عمل في دول الإسلام وغيرها .
وفي سادس صفر وهب لسعد الدولة ، المعروف بسلام عليك ، ما في خزانة البنود من الآلات والأمتعة وغيرها ، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطية ، سوى ما كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود ، فسقطت شرارة فيما هنالك فاحترق جميعه ؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد . فمما احترق فيها عشرات ألوف من السيوف إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، بحيث إن السلطان بعد ذلك بمدة احتاج إلى سلاح ، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها . وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد زمرد ، ذكر الجوهري أن قيمتها على الأقل ثلثمائة ألف دينار . وكان في المجلس فخر العرب ابن حمدان وابن سنان وأبو محمد الحسن بن علي بن أسد بن أبي كدينة ، وغيرهم من المخالفين ؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين : كم قيمة هذا ؟ فقالوا إنما تعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجوداً ، ومثل هذا لا قيمة له . فاغتاظ ؛ وقال ابن أبي كدينة : فخر العرب كثير المؤونة وعليه خرج ؛ والتفت إلى كتاب الجيش ، فقالوا : يحسب عليه بخمسمائة دينار ؛ فكتب بذلك وقبضه .
(2/280)

"""""" صفحة رقم 281 """"""
وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار فكتب بألفي دينار ؛ وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبه ، فأخذ واحد حبة فجعلها في جيبه ، وأخذ ابن أبي كدينة حبة ، وأخذ فخر العرب شيئاً ، وتفرق الباقون سائره ، فذهب كأن لم يكن . وأخرج ما أنفذه الصليحي من نفيس الدر وكيل ، فجاء سبع ويبات . وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضة بفصوص من بين سائر أنواع الجواهر ، مما كان للخلفاء ، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب أحدها فصه زمرد واثنان ياقوت غشيم صاف ورماني ، كان شراء الفصوص اثني عشر ألف دينار . وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب الخسروانية أكثرها مذهب .
وقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدي أكثر من مائة ألف قطعة ولما اشتد على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ابن أبي سعد في إحضار جوهر كان عنده ، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة ، فأحضر أرباب الخبرة من الجوهريين ليقوموه ، فذكروا أنه لا قيمة له ولا يشتري مثله إلا الملوك ؛ فقومت بعشرين ألف دينار وكان مشتراه على حده سبعمائة ألف دينار ففرق في الأتراك وقبض كل منهم جزءاً بقيمة الوقت . وقسمت خزائن السيوف وآلات السلاح بين عشرة ، وهم ناصر الدولة ابن حمدان ، وأخواه فخر الدولة علي ، ويلدكوش ، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين ، وسلام عليك ، وشاور بن حسين ، وتاج الملوك شادي ، والأعز ابن سنان ، ورضى الدولة بن رضي الدولة ، وأمير العرب ابن كيغلغ . فكان من جملتها ذو الفقار ، وصمصامة عمرو بن معدي كرب ، وسيف عبد الله بن وهب الراسبي ، وسيف
(2/281)

"""""" صفحة رقم 282 """"""
كافور الإخشيذي ، وسيف المعز لدين الله ، ودرع المعز وكانت تساوي ألف دينار بيعت منها كواكب بمائة دينار ، وسيف الحسين بن علي ، عليه السلام ، وكان وزنه ثلثمائة وستين مثقالاً ، وسيف الأشتر النخعي ، ودرقة حمزة بن عبد المطلب ، وسيف جعفر بن محمد الصادق .
ودخل في بعض الأيام من باب الديلم ، أحد أبواب القصر ، تاج الملوك شادي ، وفخر العرب علي بن ناصر الدولة ابن حمدان ، ورضي الدولة بن رضي الدولة ، وأمير الأمراء أبجتكين بن سبكتكين ، وأمي العرب ابن كيغلغ ، والأعز بن سنان ، وعدة من الأمراء البغداديين ، وصاروا في الإيوان ومعهم أحد الفراشين وفعلة ، فانتهوا إلى حائط مجير ، فأمروا الفعلة بكشف الجير ، فظهر باب فهدم ، فإذا خزانة ذكر أنها من أيام العزيزي بالله ؛ فوجدوا فيها من السلاح ما زادت قيمته على عشرين ألف دينار ، فحملوا جميع ذلك وتفرقوه . وصارت حواشيهم وركابياتهم يكسرون الرماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهارك الفضة . وبيع من الرماح الخطية السمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصناع موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة ، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة .
وأخذ ما في خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذهب والمجرود والبغدادي والمذهب والخلنج والصيني ما لا يحصى . وأخذ أيضا ما في خزائن الفرش من البسط والستور
(2/282)

"""""" صفحة رقم 283 """"""
والنفائس من الحرير وغيره ، ما لا يعرف له قيمة لكثرته . وأخرج في يوم من خزائن من القصر عدة صناديق ، فوجد في أحدها أمثال كيزان الفقاع من صافي البللور المنقوش والمجرود شيء كثير ، وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره .
وبيعت في تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق ، بعد قتله ، مما كان قد صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار ، ومرتبة قلمونية بألفين وأربعمائة دينار ، وثلاثون سندسية كل واحدة بثلاثين ديناراً ، وقدح بللور بمائتين وعشرين ديناراً ، وخردادي بللور بثلثمائة وستين دينارا ، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلة بثمانمائة دينار ، وعدة صحون ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها . وخرج من القصر خردادي وباطية من بللور في غاية النقاء وحسن الصنعة ، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع الباطية سبعة أرطال ماء ويسع الخردادي تسعة أرطال ، دفع فيهما ابن عمار بطرابلس ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما .
وقال المعتمد أبو سعد النهاوندي أحد الأمناء ، وحده دون غيره من أمناء القصر ؛ مما أخرج بيع ثماني عشرة ألف فقعة بللور ومحكم ، منها يساوي الألف دينار وإلى عشرة دنانير ؛ ونيف وعشرون ألف قطعة خسروانية ، إلى غير ذلك من الفرش والتعاليق ما بين مذهبة وغير مذهبة . وبيع في مدة خمسة عشر شهراً ، أولها عاشر صفر سنة ستين وأربعمائة ، سوى ما نهب وسرق ، مما خرج من القصر ما تحصل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار ، على أنه بيع بأقل القيم وأنزر الأثمان ؛ وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحق أحد منهم درهماً واحداً منها .
(2/283)

"""""" صفحة رقم 284 """"""
ودخلوا إلى خزانة الرفوف ، وكانت خزانة عظيمة بالقصر من جملة خزائن الفرش ، فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض ، ولكل منها سلم منفرد ، فأخرجوا منها ألفي عدل شققاً طميما بهدبها من سائر أنواع الخسرواني وغيره لم تستعمل ، وكلها مذهب معمول بسائر الأشكال والصور . وجد في عدل منها أجلة للفيلة من خسرواني أحمر مذهب كأحسن ما يكون ، وموضع نزول أفخاذ الفيال ورجليه سارج بغير ذهب . وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة من خسرواني أحمر مطرز بأبيض لم تفصل ، برسم كسوة البيوت ، كل بيت منها كامل بجميع آلاته ومسانده ومخاده ومراتبه وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره ، وجميع ما يحتاج إليه فيه .
وأخرج من الحصر السامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هي مجومة ومطيرة وطفيلة ، ومصورة بسائر الصور ، ما لا يحصى كثرة . وأخرج من صواني الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة ، المنقوشة بسائر أنواع النقوش ، المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا ؛ ونيف وعشرون ألف قطعة طميم من سائر الأمتعة . والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة سندس أخضر مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها ، فأخرج منها عدل كان العدد المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من المتاع .
وأخرج في يوم صناديق سروج محلاة بفضة ، وجد فيها صندوق مكتوب عليه : الثامن والتسعون والثلثمائة ، وعدة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج . ووجد غلف خيزران مبطنة بالحرير محلاة بالذهب خالية من الأواني ، كانت تسعة عشر ألف غلاف ، كان في كل غلاف قطعة من بللور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ذلك .
(2/284)

"""""" صفحة رقم 285 """"""
ووجود مائة كأن بازهر على أكثرها اسم هارون الرشيد ، ووجد ستور حريرية منسوجة بالذهب ، تقارب الألف ، مختلفة الألوان والأطوال ، فيها صور الدول وملوكها والمشاهير فيها ، مكتوب على صورة كل واحد منهم اسمه ومدة أيامه وشرح حاله . ووجد في خزانة عدة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة بنسب مختلفة من سائر الجواهر . ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع الدوى المربعة والمدورة والصغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصندل والعود والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاة بالجوهر والفضة والذهب ، وسائر أنواع الحلى الغريبة ، والصنعة المعجزة الدقيقة ، بجميع آلاتها ؛ فيها ما يساوي الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر ، وصناديق مملوءة مشارب ذهباً وفضة محرقة بالسواد ، صغاراً وكباراً ، بأحسن ما يكون من الصناعة . وصناديق مملوءة أقلاماً مبرية من سائر أنواع القصب ، فيها ما هو من براية أبي علي محمد ابن مقلة ، وابن البواب ومن يجري مجراهما ، وعدة مصاحف بخطيهما وخط نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللازورد . وعدة أزيار صيني كبار مملوءة كافورا قنصوريا ؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر الشجري ؛ وكثير من قوارير المسك ؛ ومن شجر العود مقطعةً شيء كثير .
ووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصيني ، منها أجاجين كبار ، محمولة
(2/285)

"""""" صفحة رقم 286 """"""
كل إجانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسباع والناس والبهائم ، قيمة كل قطعة منها ألف دينار ، معمولة لغسل الثياب . ووجدت له خزائن مملوءة من سائر أنواع الصواني المدهونة ، سعة كل واحدة منها من العشرة أشبار إلى ما دونها ، شيء في جوف شيء ، حتى تكون أصغرها سعة الدرهم . ومن سائر أنواع الأطباق الخلنج الذي بهذه الصفة . ومن الموائد الخلنج الكبار والصغار ألوف ؛ ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض الفضة التي لا يقدر الجمل القوي على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوي المائة دينار وما فوقها . ووجد من الدكك والمحاريب والأسرة العود والصندل والأبنوس والعاج وغيره شيء كثير . وعدة أقفاص مملوءة من بيض صيني معمول على هيئة البيض في خامته وبياضه يعمل فيها ما في البيض اليشم سبت يوم الفصاد ؛ وكيزان من صيني صغار وكبار على خلقة كيزان الفقاع يشرب فيها الفقاع . ووجد كثير من الأعدال مملوءة عقالاً من اليمن مما أهداه الصليحي . وأخرجت حصير من ذهب زنتها ثمانية عشر رطلاً ذكر أنها الحصير التي جلبت عليها بوران بنت الحسن علي المأمون . وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناءً مجرى بالذهب ، لها كعوب تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الروم للعزيز بالله ، قومت كل صينية بثلاثة آلاف دينار ، فأخذها كلها ناصر الدولة ابن حمدان . ووجد عدة صناديق مملوءة مرايا حديد صيني وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة ، وجميعها محلاة بالذهب المشبك والفضة ، ومنها ما هو مكلل بالجوهر في غلف الكهمخت وغيره من أنواع الحرير والخيزران كلها
(2/286)

"""""" صفحة رقم 287 """"""
مضببة بالذهب والفضة ، ومقابض المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس وغيره .
وأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات وغير ذلك من أنواع الخيام المعمولة من الدبيقي والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير المثقل ، مما هو منقوش ومصور بسائر الصور العجيبة الصنعة ، وسائر أعمدتها مكسوة بالفضة المذهبة ، ولها الصفريات الفضة والحبال القطنية والحريرية . فكان منها ما تحمل الخيمة منه على عشرين بعيراً وأكثر .
وأخرجت المدورة الكبيرة ؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستون ذراعاً بالكبير ، ودور مكللته عشرون ذراعاً ، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع ، ودور المدورة خمسمائة ذراع ، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة ، كل قطعة منها تحزم في عدل ، وتحمل على مائة جمل ، وفي صفرتها ثلاثة قناطير فضة يحملها من داخلها قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال ، وفي زخرفتها صور سائر الحيوانات ، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا . كان عملها لليازوري في وزارته ، فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعاً نحو تسع سنين ، وصرف عليها ثلاثون ألف دينار ؛ أراد بها محاكاة القاتول الذي عمله العزيز بالله فجاء أعظم منه وأحسن . وبعث إلى متملك الروم في طلب عودين للفسطاط طول كل منهما سبعون ذراعا ، فأنفذهما إليه ؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار ؛ فعمل أحدهما في الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع ، وأخذ الآخر ناصر الدولة ابن حمدان لما خرج إلى الإسكندرية .
(2/287)

"""""" صفحة رقم 288 """"""
وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقاً وقومت على المذكورين من المارقين بأقل القيم ، فتمزقت وأخرج مسطح من قلمون ، عمل بتنيس للعزيز وسمى دار البطيخ ، يقوم على ستة أعمدة ، وفيه أربع قباب بين كل قبتين رواق يقوم كل منها على أربعة أعمدة ، وطول كل عمود ثمانية عشر ذراعا . ومسطح عمله الظاهر في تنيس ، كله ذهب طميم بستر صفارى بللور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ألف دينار . إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع الحرير ، وعدة من الحمامات المعمولة من البللور والطالقاني ومن الأدم المذهبة المنقوشة بحياضها ودككها ، ومساطبها وقدورها ، وزجاجها وسائر عددها وأخرجت المدورة الكبيرة التي عملت بحلب في سني بضع وأربعين وأربعمائة ، فبلغت النفقة عليها ثلاثين ألف دينار ، وكان طول عمودها أربعين ذراعا ، ودور فلكه أربعة وعشرين شبرا ، وزنة صفرتيه قنطارين من فضة سوى أنابيب الحديد ، ويحملها سبعون جملا ، ولا ينصبها إلا نحو المائتي رجل ، وهو شبه القاتول العزيزي . وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل . وأخرج من الصناديق ، والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا والمداخن من الكيمخت والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقم المحلى جميعها بالذهب والفضة المغشاة بأغشية الأدم والحرير ما لا يحد كثرة .
ومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته . وأخرج من خزائن الفضة ما ينيف على ألف ألف درهم ، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب ، فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة ، فبيع جميعه عشرون
(2/288)

"""""" صفحة رقم 289 """"""
درهما بدينار ، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار . وأخرج غير ذلك عشاريات موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال ، ومنجوقات وأعلام وقناديل وصناديق وبوقات وزواريق وقمطرات ، وسروج ولجم ومناطق العماريات وغير ذلك ما يجاوز ألف ألف فضة ، بيعت كما بيع غيرها . وأخرج من الشطرنج والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحد كثرةً ونفاسةً ؛ ومن دسوت الفصاد مثل ذلك ؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظال والأعلام ما لا يمكن وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب ؛ فقطع جميع ذلك وبيع . وأخرج مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري قد عملها ، فيها ما يساوي السرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ألف دينار ، شبك جميعها وفرق في الأتراك ، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب الخليفة .
وأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها ، صنع بها مثل ذلك . وأخذ منها آلات فضية وزنها ثلثمائة ألف وأربعون ألف درهم ، تساوي ستة دراهم بدينار . وأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب معدومة المثل صنعةً وحسنا ، عدتها أربعمائة قفص كبار ، شبكت كلها في إيوان القصر وفرقت . ومعظم ذلك كان في وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم في هذه السنة . كان من جملة ما في الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العواري خاصة . وأخرج في بعض أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة
(2/289)

"""""" صفحة رقم 290 """"""
برسم الخيم . وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الروم فيما أخرج عدة كثيرة من صواني الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة ، ملئت كلها جوهراً فاخراً ، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس ، وألفا بنفسجية كذلك . وأخرج من خزائن الطريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور وغيره . وكان مبلغ ما قوم من نصب سكاكين ، بأقل القيم ، ستة وثلاثين ألف دينار . وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة ، أقل تمثال منها وزنه اثنا عشر منا وأكبره يتجاوز ذلك بكثير ؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحد كثرة ، منها ثمانمائة بطيخة كافور ، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة .
وأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة ، في كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته . وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنيس ودمياط وبرقة وصقلية وسائر أقطار الأرض ما لا يحد كثرةً ولا يعرف له قيمة .
وفي هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة ، المعروف بالمخنوق ، هو والوزير أبا محمد بن أبي كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقي لغلمانه ، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه ، وقال فابعث من يقوم ذلك ويقبضه ؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة ، قومت وحملت إليه في حادي عشر صفر .
وفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلوتة المرصعة بالجوهر ، وكانت من غريب ما في القصر ونفيسه ، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار ، وقومت عليهما بثمانين ألف دينار ، وقسمت بينهما بالسوية ، فجاء وزن ما فيها من الجوهر سبعة عشر رطلا
(2/290)

"""""" صفحة رقم 291 """"""
بالمصري . فصار إلى فخر العرب من جملة ما وقع في سهمه منها قطعة بلخش زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا ، فأنفذها مع باقي ما حصل له منها إلى الفخرية ، وكانت بثغر الإسكندرية ، فحملت بعد ذلك إلى تنيس مع غيره من رجالاتهم ، فصار جميعه عند أمير الجيوش بالشام . وصار إلى تاج الملوك منها حبات در ، زنة كل حبة ثلاثة مثاقيل وعدتها مائة حبة ؛ فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى الصعيد ، فقتل وأخذ منه . وأخرج من خزائن الطيب مما أخرج خمسة صواري عود هندي ، طول كل واحد منها ما بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع ؛ وكافور قنصوري زنة كل حصاة منه من خمسة مثاقيل إلى ما دونها ؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة آلاف مثقال ، فوهب ذلك لناصر الدولة ، فحاز منه ما لا حد له ولا قيمة . وحمل إليه من القصر متارد صيني ، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على صورة السباع وغيرها ، يسع كل منها مائتي رطل وما فوقها ؛ وعدة قطع يشب وبازهر ، منها جام سعته ثلاثة أشبار ونصف وعمقه شبر ، مليح الصورة . وأخرج من القصر منديل نسيج من زغب ريش بدائر يسمى السمندل ، طوله تسعة أشبار ، لا يحترق بالنار ، فاشتراه بعض المسافرين التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه . وصار إلى ناصر الدولة قطرميز بللور فيه صور ناتئة عن ضبته يسع سبعة عشر رطلا ، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا ؛ وقصرية يصب كبيرة جدا ؛ وعدة كاسات يصب ؛ وطابع ند فيه ألف مثقال عمله فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة ابن بويه الديلمي وكتب عليه فخر الدولة شمس الدولة ، وكتب عليه أبياتا ، منها :
(2/291)

"""""" صفحة رقم 292 """"""
ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبةً . . . فندّه طابع من ألف مثقال
فاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء .
وصار لناصر الدولة أيضا طائر من ذهب مرصع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت أحمر وريشه من الميناء المجري بالذهب كهيئة ريش الطاووس . وديك من ذهب له عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر ، مرصع كله بسائر الدر والجوهر ، وعيناه من ياقوت أحمر ، كان يحيره ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه وملاحتها . وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر ، بطنه أبيض منطور من در رائع يخاله الناظر حيوانا . ومجمع سكارج مخروط من بللور فظ ، وفيه سكارج من بللور يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار في مثلها ، محكم الصنعة في غلاف من خيزران مذهب ، فسمح به لفخر العرب . وأخرج بطيخة من كافور في شباك من ذهب مرصع ، وزن كافورها سبعون منا سوى الذهب ، اقتسمها فخر العرب وتاج الملوك ، فخص فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب ؛ وقطعة عنبر تسمى الخروف زنتها سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منا ؛ وعدة قطارميز بللور فيها صور مجسمة بارزة ، يسع كل منها عشرين رطلا .
وطلب الأتراك من المستنصر نفقة ، فماطلهم بها ، فهجموا على التربة التي للقصر وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلي المحاريب ، فجاء منه خمسون ألف دينار . وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق رقيق بديع الصنعة منسوج بالذهب وسائر أنواع الحرير تنبيتاً ، عمله المعز ، فيه صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها ، وفيه صورة مكة والمدينة ، وفي آخره : مما أمر بعمله المعز لدين الله
(2/292)

"""""" صفحة رقم 293 """"""
شوقاً إلى حرم الله ، وإشهاراً لمعالم رسول الله ، في سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة ، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار .
وصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرةً ؛ من ذلك مائدة يصب كبيرة قوائمها منها ؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالاً أشد صفاء من الياقوت الأحمر ؛ وبيت أرمني منسوج بالذهب عمل للمتوكل على الله العباسي لا مثل له ولا قيمة ؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذاً مليح التقدير ، قوم عليه مما خرج من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى ، وبساط خسرواني دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه ؛ ومائدة جزع يقعد عليها جماعة ، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة . سوى ما قبضة شاور بن حسين لناصر الدولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة ، وآنية الجوهر وعقوده ، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح ، مما قوم بمئين ألوفاً وكانت قيمته ألوف ألوف ديناراً . وصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكللة بجوهر بديع ودر رائع ، في إجانة من ذهب ، تجمع الطلع والبلح وسائر ألوان البسر والرطب ، بشكله ولونه ، وصفته وهيئته من ألوان الجوهر ، لا قيمة لها . وكوز على مثال كوز الزير من بللور يسع عشرة أرطال ماء مرصع بنفيس الجوهر لا قيمة له ، وصورة مكللة بحب لؤلؤ نفيس ، فيها ما وزن الجبة منه مثقال ، ومنه ما يزن مثقالين مرصعة بياقوت . وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدم ، ونجارته وكسوة رحله التي عملها الوزير علي بن أحمد الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، كان فيها مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة ، غير ما أطلق للصناع من أجرة صياغة وثمن ذهب لطلائه ، وهو ألفان وتسعمائة دينار ؛ وكان سعر الفضة في ذلك الوقت كل مائة درهم بستة دنانير وربع ، بسعر ستة عشر درهما بدينار . وأخرج حلي العشارى الفضي الذي عمله أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري لما ولي الوساطة في سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة
(2/293)

"""""" صفحة رقم 294 """"""
المستنصر ، وكان الحلي مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة ، وإلى ذلك أجر الصباغة ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة ، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل . فأخرج عدة العشاريات التي برسم القوة البحرية ، وعدتها ستة وثلاثون عشارياً ، وكان قد انصرف عليها في حلاها من مناطق ورؤوس منجوقات وأهلة وصفريات وكساها أربعمائة ألف دينار .
وأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذهب الإبريز الخالص فكان مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال . وأخرج الستر الذي أنشأه أبو محمد اليازوري فجاء فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال ، وكان مرصعاً بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر من سائر الألوان . وأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهباً وعشرون ألف درهم فضة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر ، وأخرجت الشمسة التي لم تتم فوجد فيها من الذهب سبعة عشر ألف مثقال . وأخرج من خزانة عدة مناكين فضة ، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها . وأخرج بستان أرضه فضة محرقة مذهبة ، وطينه ند معجون ، وأشجاره فضة مصنوعة ، وأثماره عنبروند ، زنته ثلثمائة وستة أرطال بالمصري . وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة آلاف مثقال ؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستة آلاف مثقال ؛ ومنقلتا عنبر وزنهما عشرة آلاف مثقال ؛ ومنقلتا عنبر مدورتان وزنهما ستة آلاف مثقال . وأثواب مصمتة ، منها أربعة يفصل كل ثوب منها اثنين ، وثلاثون قميصاً تاماً ، ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهماً ونصف ، أخذ من موجود اليازوري وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله . وأخرج لؤلؤ زنة كل حبة منه مثقالان ؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كل قطعة منه سبعون درهماً ؛ ومن الزمرد ما وزن كل قطعة منه ثمانون درهما ؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من زمرد لا قيمة له .
وأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة ، وألفان وأربعمائة ختمة في ربعات بخطوط منسوبة محلاة بذهب وفضة . وأخذ جميع ذلك الأتراك ببعض قيمته . وأخرج في المحرم منها في يوم واحد خمسة وعشرون جملاً موقرةً كتباً صارت إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المعز ، واقتسمها هو والخطير ابن الموفق في الدارين
(2/294)

"""""" صفحة رقم 295 """"""
بخدمات وجبت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين ؛ وأن حصة الوزير أبي الفرج قومت عليه بخمسة آلاف دينار ، وكانت تساوي أكثر من مائة ألف دينار ، نهبت بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر في صفر ، مع غيرها مما نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما .
وأخرج ما في خزائن دار العلم بالقاهرة . وصار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب ، ثم انتقل منها كثير ، بعد مقتله ، إلى المغرب وأخذته لواتة ، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب الجليلة المقدار ما لا يعد ولا يوصف ، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالاً في أرجلهم ، وأحرق ورقها تأولاً منهم أنها خرجت من القصر وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم ، فصار رمادها تلالاً عرفت في نواحي أبيار بتلال الكتب ، وغرق منها وتلف ، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف . وأخرج من بعض الخزائن التي بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض النعام محلاة بذهب ، فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة مما له خطر وقدر ؛ فقال بعض الحاضرين هذه بيضة نعامة ، فتغافل بعض من حضر من الأتراك عنها ، وأخذوا النفائس من الذخائر وانصرفوا . فسئلا المستنصر من بعض الخدم عن هذه البيضة ، فقال : هي بيضة حية أهداها بعض الملوك إلى جدي القائم بأمر الله ، وكان يحتفظ بها ، وهذه الرقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها والسنة التي أهديت فيها .
وأخرج من القصر في ثلاثة أيام من المحرم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ألف دينار وستمائة وستة وسبعون ديناراً وثمن دينار ، منها قيمة متاع ثلاثة عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون ديناراً وثلت وثمن ، وقيمة جوهر ثمانية آلاف وثمانمائة وخمسة وأربعون ديناراً وثلثان ؛ هذا على أن ما يساوي ألف دينار يقوم بمائة دينار وما دونها . فإذا كان هذا في ثلاثة أيام فكيف يكون في مدة سنتين ليلا ونهاراً
(2/295)

"""""" صفحة رقم 296 """"""
وتسلم جلال الدولة بن بويه من العين ، له ولمن يجري مجراه وعدتهم عشرة نفر ، من عطية واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف دينار ومائة وثلاثين دينارا . ووصل إلى بغداد على يد التجار مما خرج من القصر ، على ما وقفت في تاريخ بعض البغداديين ، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف سيف محلى ، وثمانون ألف قطعة بللور وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج . وبيع طشت وإبريق من بللور باثني عشر ألف دينار ؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة من الثياب ، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار .
قال ابن ميسر : رأيت مجلدة تجيء نحو العشرين كراسة ، فيها ذكر ما خرج من القصر من التحف والأثاث والثياب والذهب وغير ذلك .
وفيها صرف الوزير محمد بن جعفر ابن المغربي عن الوزارة في رمضان ، وتقرر جلال الملك أبو أحمد ، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي . وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشريف أبا طاهر حيدرة ، ناظر دمشق ، لإحن كانت في نفسه منه ، وكان يعد من الأجواد . وفيها تغلب الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة الكتامي على دمشق واقتحمها قهراً بالسيف في شوال ، فأساء السيرة في الناس .
وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد ، وأكل الناس الجيفة والميتات ، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به ؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط ، وبلغت رواية الماء دينارا ، وبيع دار ثمنها تسعمائة
(2/296)

"""""" صفحة رقم 297 """"""
دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق . وعم مع الغلاء وباء شديد ؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد . فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر . وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء : خراج خراج فبلغ أربعة عشر درهما ؛ وبيع أردب قمح بثمانين ديناراً . ثم عدم ذلك كله ، وأكلت الكلاب والقطط ، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير . وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز ، حساباً عن كل دار رغيف ، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق ، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر . وأكل الناس نحاتة النخل ؛ ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا . وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتاً قصيرة السقوف قريبةً ممن يسعى في الطرقات ، فأعدوا سلباً وخطاطيف ، فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت ، ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه . قال الشريف أبو عبد الله محمد الجواني في كتاب النقط : حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت : كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر ، فتقول : أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدة ، فأخذني إنسان ، وكنت ذات جسم وسمن ، فأدخلني بيتاً فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل ، فأضجعني على وجهي وربط في يدي ورجلي سلباً إلى أوتاد حديد ، عريانةً ، ثم شرح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني ، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمي وأكل أكلاً كثيراً ؛ ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو ؛ فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد ، وأعان الله على الخلاص ، وخلصت ، وحللت الرباط ، وأخذت خروقا من داره
(2/297)

"""""" صفحة رقم 298 """"""
ولففت بها أفخاذي ، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس ، فحملت إلى بيتي ، وعرفتهم بموضعه ، فمضوا إلى الوالي فكبس عليه وضرب عنقه ؛ وأقامت الدماء في أفخاذي سنةً إلى أن ختم الجرح ، وبقي هكذا حفرا .
وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير ؛ وتعطلت دواوينه وذهب وقاره ، وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن : الجوع الجوع ، وهن يردن المسير إلى العراق ، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة ، ومتن جوعاً . جاء الوزير يوماً على بغلة فأكلها العامة ، فأمر بهم فشنقوا ، فاجتمع الناس على المشنقين وأكلوهم . وعدم المستنصر القوت جملةً حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء ، حتى أنفقت مالها كله ، وكان يجل عن الإحصاء ، في سبيل البر ؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه ، وهو مرة واحدة في اليوم ، لا يجد غيره . وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت ، فسير الأمير عبد الله إلى عكا فنزل عند أمير الجيوش ، وأرسل الأمير أبا علي معه ؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان ، وسيره أولا إلى دمياط ؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبي القاسم أحمد .
وبعث المستنصر يوما إلى أبي الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهري الواعظ ، فدخل القاهرة من باب البرقية ، فلم يلق أحداً إلى القصر ؛ فجاء من باب البحر ، فوجد عليه شيخاً ، فقال استأذن علي ؛ فقال : ادخل فهو وحده ؛ فدخل ، فلم ير أحداً في الدهاليز ولا القلعة ، فأنشد :
(2/298)

"""""" صفحة رقم 299 """"""
يا منزلاً ، لم تبل أطلاله . . . حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك ، لكنّني . . . بكيت عيشي فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى . . . لا بدّ للمحزون أن يسلى
فإذا هو خلف باب المجلس ، فبكى وبكيت طويلا ، وحادثته ساعة ؛ ثم ناوله الخليفة قرطاساً فيه سبعون ديناراً .
ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقداً لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقاً وهم يعتذرون إليها ويدفعونها ، إلى أن رق لها رجل وباعها به تليس دقيق ، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النهابة ، وسارت تريد منزلها بالقاهرة ، فسلمه الحملة إليها عند بابي زويلة ، فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر الناس عليها ، وانتهبوه منها فانتهبت هي أيضا منه مع النهابة ، فصار إليها ملء يديها دقيقاً لم ينبها منه غيره ، فعجنته وشوته ، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع ، ورفعت القرصة في يدها حتى يراها الناس ، ونادت بأعلى صوتها : يأهل القاهرة ، ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره ، حتى تقومت علي هذه القرصة بألف دينار . ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرح إلى أن أحضر المستنصر ، فلما وقف بين يديه قال : يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين ديناراً كل حبة قمح بدينار ، في أيامك ، وهو ، أني اشتريت إردباً بسبعين ديناراً فنهب مني ولم يبق في منه سوى ما وقع بيدي وانتهابي منه مع من نهب ، فعددت ما في يدي فجاء سبعين حبةً من قمح ، وإذا كل حبة بدينار . فقال المستنصر : الآن فرج الله على الناس فإن أيامي حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار . ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط ، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض . وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس ، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحري ، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد ، وتغلب
(2/299)

"""""" صفحة رقم 300 """"""
الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة ، وتحاربوا . وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازوري في سنة خمسين كما تقدم ؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختل ، ورسومها تتغير ، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين ، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتي ستين وإحدى وستين ، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب . وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين ، وكان أشدها مدة سبع سنين ، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كل شر ، وهلك فيها معظم أهل الإقليم . ثم أخذ البلاء ينجلي من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر في سنة ست وستين ، كما سيأتي ذكره إن شاء الله . فكانت السبع سنين المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل في أوقاته ، فلا يوجد في الإقليم من يزرع الأراضي ولا من يقيم جسوره ، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب ، وانقطاع الطرقات في البر والبحر إلا بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر ؛ ولم يوجد ما يبذر في الأراضي للزراعة ، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين ديناراً إلى مائتي دينار ، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة .
وفيها صرف ابن أبي كدينة عن القضاء في ثالث عشر صفر ، وتولى المليحي ؛ وصرف جلال الملك عن الوزارة ، وصرف معه أيضا المليحي عن القضاء في يوم واحد ، وجمعا معاً لخطير الملك محمد بن اليازوري فباشرهما إلى شوال ، ثم صرف عنهما . فاستقر فيهما بعده ابن أبي كدينة إلى ذي القعد ؛ وأعيد المليحي بعده .
وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين ، النصف من شعبان ، بعد العصر ، وسببه فتنة
(2/300)

"""""" صفحة رقم 301 """"""
بين العسكرية وأهل البلد ، فأضرموا النار في بعض الأسواق واتصل بالجامع ، فاحترق الجانب الغربي جميعه من الرواق الباقلاني والقبة الكبيرة ، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التي لم يكن في الإسلام مثلها .
(2/301)

"""""" صفحة رقم 302 """"""
سنة اثنتين وستين وأربعمائة
فيها بعث ناصر الدولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخاري رسولاً منه إلى السلطان ألب أرسلان ، ملك العراق ، يسأله أن يسير إليه العساكر ليقيم الدعوة العباسية بديار مصر ، وتكون مصر له . فتجهز ألب أرسلان من خراسان في عساكر عظيمة ، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس ، صاحب حلب ، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية ، فقطعت دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك . وانتهى ألب أرسلان إلى حلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا ، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس ، فأكرمه وأقره على ولايته . وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمر منها إلى مصر ، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان ، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده ؛ فواقع جمائع الروم على خلاط وهزمهم . وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلها ، فخرجت عن أيدي المصريين ولم تعد إليهم . وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة إلى ألب أرسلان ، فجهز إليه ثلاث عساكر من الأتراك وغيرهم ، وتقدم أحد العساكر إليه وهو في أهل البحيرة ، فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدم العسكر ، وقتل كثير من أصحابه ، وانهزام من بقي ، والاستيلاء على ما بقي معهم ؛ فتقوى به . ووافاه العسكر الثاني ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدم ، فكانت الدائرة لابن حمدان عليهم أيضا ؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر ،
(2/302)

"""""" صفحة رقم 303 """"""
وانتهب عامة ما كان معهم ، فكثرت أمواله ، وكبرت نفسه ، واستأسد على المستنصر واستخف به وبمن معه ، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر ، وعاث في البلاد ؛ ونهب أكثر الوجه البحري . وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط وجميع الوجه البحري ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي . وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ليلا ونهارا ، فامتنع الناس من الحركة ؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على الزرع ، فتفاقم البلاء بالناس واشتد جوعهم وعظمت رزاياهم . وفشا مع ذلك الموت في الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو مصر ، فلا يمضي ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من في ذلك البيت . وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفنوهم في الأنخاخ ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز ، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض ، حتى تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار ، ثم يهال عليها التراب . ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هرباً من الجوع والفتن ، فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة ، ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التي تقدم ذكر طرف منها .
وفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن علي ، الملقب بالناصح ، ثقة الثقات ذي الرئاستين ، ابن عبد الله بن علي بن عياض بن أحمد بن أبي عقيل القاضي ، وضايقها ؛ فسير عين الدولة إلى الأمير لواء مقدم الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده ؛ واتصل ذلك بأمير الجيوش ، فخاف من الأتراك ، فرحل عن صور . ثم لما اطمأن عاد إلى صور ونازلها فلم يظفر منها بشيء .
وفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعي بها للقائم العباسي وللسلطان عضد الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق . وكان سبب انقطاع دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق في كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة في الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار ، منها عن الطيب والخلوق والشمع راتباً في كل سنة عشرة آلاف دينار ، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف دينار ، وعن الجرايات والصدقات وأجرة الجمال
(2/303)

"""""" صفحة رقم 304 """"""
ومعونة من يسير من العسكرية وأمير الموسم وخدم القافلة والضعفاء وحفر الآبار ونفقات العربان ستون ألف دينار . ثم زادت النفقة في وزارة اليازوري حتى بلغت إلى مائتي ألف دينار في السنة ؛ ولم تبلغ النفقة على موسم الحج مثل ذلك في دولة من دول الإسلام قط . فلما ضعفت الدولة في هذه السنين وزحف عضد الدولة من خراسان إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبي القاسم الحسني أمير مكة بثلاثين ألف دينار وبخلع سنية وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار ؛ وبعث إلى صاحب المدينة عشرين ألف دينار ؛ فقطع خطبة المستنصر بعدما قامت الدعوة والخطبة للمستنصر ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة ، ودعا للقائم العباسي ولعضد الدولة ؛ وقرر عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط .
(2/304)

"""""" صفحة رقم 305 """"""
سنة ثلاث وستين وأربعمائة
فيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه البحري ، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم ؛ فوقع الاتفاق بينهم وبينه على أن يكون مقيماً بمكانه وتحمل إليه الأموال التي تقرر له ، وأن يكون تاج الملوك شادي نائباً عنه بالقاهرة . فتقرر الحال على ذلك ودخلت الغلال إلى البلد ، فطابت قلوب الناس ، وانجلى الأمر نحو شهر ؛ ثم وقع الخلاف بين الأتراك وبينه ، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد وحاصرها محاصرةً شديدة في ذي القعدة ؛ وامتدت أيدي أصحابه فانتهبوا الناس في الدور وأخذوهم من الطرقات ، وأحرقوا كثيراً من دور الساحل . ثم عاد إلى البحيرة .
(2/305)

"""""" صفحة رقم 306 """"""
سنة أربع وستين وأربعمائة
وفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادي وبين ناصر الدولة ابن حمدان ، وعادت الفتنة بالقاهرة ومصر . وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لما دخل إلى القاهرة نائباً عن ناصر الدولة تغير عما كان قد تقرر بينهما ، واستبد بالأمور فضن بالمال عليه ، ولم يصل ابن حمدان منه إلا دون ما كان يؤمله . فقلق لذلك ابن حمدان ، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة وأخذها . فسار بهم ، ونزل إلى الجيزة ، فاستدعى تاج الملوك وغيره من أكابر المقدمين ، فخرجوا إليه مطمئنين لأنه واحد منهم يهوى هواهم ؛ فما هو إلا أن صاروا إليه حتى قبض عليهم ، وزحف بجموعه ، وألقى النار في دور السادة ، وانبثت أصحابه ينتهبون ما قدروا عليه . فجهز المستنصر إليه عسكراً كانت فيه طائفة لهم قوة وفيهم منعة ؛ فوافقوه . وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن هزيمته ، ففر على وجهه وتلاحق به أصحابه ، وصاروا إلى البحيرة ، فقطع خطبة المستنصر من جميع الوجه البحري ، وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن يجهز إليه الخلع والألوية السود ، فاضمحل قدر المستنصر وتلاشى أمره . وتعاظمت الشدائد بمصر ، وجلت رزايا الناس .
فلما كان في شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقن عجز المستنصر عن مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له . وموافقتهم لما قرره معهم من محبة ؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر ؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه المال ، فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبهة ، وليس عنده غير ثلاثة من الخدم ، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة وعظمة الخلافة . فلما أدى إليه الرسالة . قال له المستنصر : أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذه الحال ؟ فلما سمع بذلك قاصد بن حمدان بكى وخرج ، فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر ،
(2/306)

"""""" صفحة رقم 307 """"""
وعرفه بما صار إليه من سوء الحال ؛ فرق له وكف عنه ، وأطلق له في كل شهر مائة دينار . واستبد بسائر أمور الدولة ، وبالغ في إهانة المستنصر في الإعتقاد ، وزاد في إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه ، حتى قبض على أم المستنصر وعاقبها بعقوبات متعددة ، واستخلص منها أموالاً جمة . فتفرق عن المستنصر جميع أهله ، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه ، فمنهم من سار إلى المغرب ومنهم من خرج إلى العراق ؛ وبقي فقيراً وحيداً خائفاً يترقب . وقيل إن أم المستنصر فرت أيضاً إلى العراق .
وفي شهر ربيع الأول استقر ابن أبي كدينة في الوزارة والدعوة والقضاء . واستمر الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين .
وفيها فقد الطعام ، فسارت التجار من صقلية والمهدية في الطعام والمرتب . فبيع القمح كل كيل قروي زنته تسعة أرطال بدينار نزاري ، ثم بيع بمثقالين ، ثم بثلاثة ، ثم فقد . وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلاً بدرهمين ، وبلغ الزيت أوقيةً بدرهمين ، وأوقية اللحم بدرهم ، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن ، وباع الناس أملاكهم . ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم في النيل بغير أكفان .
وفيها مات القاضي الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي بطرابلس الشام ، ليلة السبت نصف
(2/307)

"""""" صفحة رقم 308 """"""
رجب . وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة قلبريو ، وهي مقابل مدينة جربة ، جزيرة صقلية .
(2/308)

"""""" صفحة رقم 309 """"""
سنة خمس وستين وأربعمائة
فيها قتل ناصر الدين الحسين بن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن عبد الله أبي الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم ، أحد الأراقم ، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن داغمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معد بن عدنان التغلبي . وكان سبب فنائه أنه لما استولى على أمور الدولة وبالغ في إهانة المستنصر وتتبع أقاربه وحواشيه ، وأخذ من قدر عليه منهم ، وفر من وجد سبيلا إلى الفرار ، كان يولي الرجل بعض الأعمال ويسيره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل حتى يكتب إليه بأن يعود ، ويبعث غيره . وشرع في قطع دعوة المستنصر وإعمال الرأي في إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة ، وأن يزيل من البلاد دولة الفاطميين ويمحو آثارها ، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان والأتباع . وكان من جملة رجال الدولة إلدكز ، وهو أحد الأمراء ، ففطن لما يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بني العباس ، فتشاور هو والأمير يلدكوز ، وكانا من أكابر الأتراك ، وأنكرا ، ما يتفق من ناصر الدولة وتخوفا من عاقبة ذلك . وصارا إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تم لناصر الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا ، والرأي مبادرته قبل أن يستفحل أمره ؛ فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله .
وكان ناصر الدولة قد اغتر بقوته ، وظن أنه قد أمن ، وأن أعداءه قد تلاشوا وتلفوا ، فأتاه الله من حيث لم يحتسب ، وأناخ به عواقب بغيه ، فلم يشعر إلا وقد ركب الأتراك بأجمعهم
(2/309)

"""""" صفحة رقم 310 """"""
على حين غفلة من ليلة من رجب ، ووافوا داره بمصر سحراً ، وكان يسكن في منازل العز ، فهجموا عليه من غير دستوره ولا طلب إذن ، فإذا هو في صحن داره وعليه رداء ، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه إلدكز فحز رأسه . وخرج كوكب الدولة مسرعا إلى فخر الدولة أخيه في عدة ، فطرقه وهو آمن وقتله واحتمل رأسه ، وأخذ سيفه وجاريةً من جواريه . وامتدت الأيدي إلى من بقي منهم ، فقتل أخوهما تاج المعالي وجماعة من بني حمدان ؛ وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار مصر ، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وما أصدق قول أبي على الفكيك إذ يقول هجاء لناصر الدولة هذا :
ولئن غلطت بأن مدحتك ، طالبا . . . جدواك ، مع علمي بأنك باخل
فالدولة الغراء قد غلطت بأن . . . سمّتك ناصرها وأنت الخاذل
وقتل في هذه النوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفق بن الدين ، ابن العجمي .
وفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس .
(2/310)

"""""" صفحة رقم 311 """"""
سنة ست وستين وأربعمائة
فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركي ، والأمير إلدكز والوزير يومئذ ابن أبي كدينة ، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله ، وكان المستنصر بالله يظن أن في قتل ابن حمدان راحةً له ، فاستطال إلدكز وابن أبي كدينة عليه وناكداه . فتحير في أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي ، وهو يومئذ بعكا ، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد والاستيلاء عليها . فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه ، وأنه لا يبقى أحداً من عساكر مصر ولا وزرائهم ؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك . فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر ؛ واستخدم معه عدةً من العساكر ، وركب بحر الملح من عكا ، وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء ، ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء . فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك ؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض ، وقضى بأن يصلح على يديه ، ما قد فسد من إقليم مصر . فترحل بعساكره في المراكب ، وأضحت السماء ، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء ؛ فكان يقال إنه لم ير في البحر قط صحوة تمادت أربعين يوماً إلا في هذا الوقت ، فكان هذا ابتداء سعادته وأول عظيم جده . فنزل بدمياط ، وطلب إليه التجار من تنيس وافترض عليهم مالا .
(2/311)

"""""" صفحة رقم 312 """"""
وقدم عليه سليمان اللواتي ، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا ، وأوسعهم حالا ، وقدم إليه وأضافه ، وأمده بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها . وبعث إلى المستنصر سراً بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش ؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه . ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه ، وبالغوا في إكرامه ؛ فأظهر أنه ما جاء إلا شوقاً إليهم ، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق ، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلا بالسوء ؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحداناً ورجالا في الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة . ثم أخذ مع الأمراء في الأكل والشرب واللذات ، إلى أن اشتد تآنسهم به ، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته ، وقدموا إليه ، وهو آخذ في أسباب ما دعى إليه .
فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد لهم ، فمضوا إليه ، وقضوا نهارهم عنده ، وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال ؛ وقد رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميراً من الأمراء ويكون له جميع ما بيده . فلما سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه ، ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال . فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه ، وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له .
وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحداً يشار إليه ، فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره ؛ فحسر عن ساعد الجد ، وشمر ساعد الاجتهاد ، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم ، وتطلبهم في القاهرة ومصر حتى أتى على جميعهم القتل . وفر ناصر الجيوش أبو الملوك ، وكان شاه بن يلدكوش ، إلى الشام .
(2/312)

"""""" صفحة رقم 313 """"""
وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور ، وصار جميع أهل الدولة في حكمه ، والدعاة نواباً عنه ، وكذلك القضاة إنما يتولون منه . فقلد أبا يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد الفارقي قضاء القضاة . وزيد في ألقاب أمير الجيوش على ألقاب من تقدمه من الوزراء : كافل قضاة المسلمين .
واتفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدرون بالجوامع ، فقرأ ابن العجمي : ' ولقد نصركم الله ببدر ' ، وسكت عن تمام الآية ، فقال له أمير الجيوش بدر : والله لقد جاءت في مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن ؛ وأمر له بصلة .
فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة ، منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة علي بن أحمد المعروف بابن أبي كدينة ، وكان عندما قدم بدر إلى مصر هو الوزير ، وهو من ولد عبد الرحمن بن ملجم ، وتردد في القضاء والوزارة سبع مرات ؛ وكان قاسي القلب جبارا ، فلما قبض عليه سير إلى دمياط ، ودخل عليه السياف ليضرب عنقه ، فكان سيفه ثليلاً ، فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة .
وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد ، والوزير أبو شجاع محمد بن الأشرف أبي غالب محمد بن علي ؛ والوزير عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف .
(2/313)

"""""" صفحة رقم 314 """"""
سنة سبع وستين وأربعمائة
فيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحري فأوقع بلواتة وقتل مقدمهم سليم اللواتي وابنه ، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع الأموال ، وأسرف في قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا . وسار إلى دمياط وقتل كثيراً ممن كان فيها من المفسدين ، وخرب وحرق ، وأصلح عامة أحوال الثغر . ولم يدع بالبر الشرقي وجميع أسفل الأرض مفسداً إلا وقتله أو قمعه . ثم عدى إلى البر الغربي فقتل كثيراً من الطائفة الملحية وأتباعهم ؛ وأقام على محاصرة الإسكندرية أياما حتى أخذها قهراً ؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين ، وعفا عن أهل البلد فلم يعرض لهم .
وفيها حاصر شكل التركي ، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام ، ثغر عكا وأخذه بالسيف ، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه ، فأحسن إليهم وأكرمهم وقتل والي عكا . ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها .
وفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد ، يوم الخميس ثالث عشر شعبان ، وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام ؛ وجلس بعده ابن ابنه أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدين ولقب بالمقتدي .
وفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله العباسي أربع سنين .
وفيها قتل أمير الجيوش كثيراً من جند مصر وغيرهم ممن يومي إليه بفساد .
(2/314)

"""""" صفحة رقم 315 """"""
سنة ثمان وستين وأربعمائة
فيها حاصر أطسز بن أرتق ، المعروف بالأقسيس ، دمشق وألح على قتال من بها من عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين . وكان عليها من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامي ، وقد كرهته الرعية لسوء سيرته فيهم وكثرة مصادرته للناس ، ففر منهزما إلى بانياس ، ثم خرج عنها إلى صور فأقام بها مدة ، ثم حمل إلى مصر فقتل بها . وكان قد التحق بأطسز عدة ممن فر من مصر عند قدوم أمير الجيوش ، فتقوى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق فراراً من حيدرة لسوء سيرته . فلما ملك دمشق دعا للمقتدي من خلفاء بني العباس وأبطل الخطبة للمستنصر ، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم تعد بعد ذلك . وقطعت دعوة المستنصر من مكة أيضا ودعي فيها للمقتدي .
فيها مات القاضي الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبي القاسم علي بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب الحسيني النصيبيني ، قاضي دمشق ، وهو يومئذ متولي القضاء بها ، في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة ؛ وهو آخر قضاة الخلفاء الفاطميين بدمشق ، وسمع الحديث وحدث ، وله فيه مقال .
(2/315)

"""""" صفحة رقم 316 """"""
سنة تسع وستين وأربعمائة
فيها اجتمع بمدينة طوخ من صعيد مصر عدد كبير من عرب جهينة والثعالبة والجعافرة لمحاربة أمير الجيوش ، فسار إليهم حتى قرب منهم ، فنزل ، ثم ارتحل بالليل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات ، واشتعلت المشاعل وقد تزايد وقود النيران . وجد في السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة في دفعة واحدة ، حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا ، وفر منهم طوائف فغرقوا ، ولم ينج منهم إلا القليل . وأحاط بأموالهم فحاز منها ما يتجاوز الوصف كثرة ، وسيرها إلى المستنصر .
وثار كنز الدولة محمد بأسوان وتغلب عليها وعلى نواحيها ، وكثرت أتباعه ونجم أمره ؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره ، فالتقى معهم وحاربهم محاربة طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جم غفير ، فكانت هذه الواقعة آخر الوقائع التي قطع فيها دابر المفسدين ، وخمدت جمرتهم .
(2/316)

"""""" صفحة رقم 317 """"""
وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملك الديار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام . وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز ، وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج ، زنة كل حبة منها ينيف على مثقال ، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا ، وتحفاً كثيرة مما كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة ، وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد ، وهونها عنده . فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام .
وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان ، فوصل الخبر بمسير أطسز إلى مصر ، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش ، وكان عند موافاة الخبر إليه في شغل عن ذلك ، فقدم أطسز إلى أطراف مصر في جمادى الأولى ، وقد أشار عليه ابن يلدكوش بألا تشتغل بالقاهرة ولكن تملك الريف . وقال له : إذا ملكت الريف فقد ملكت مصر . فأقام بالريف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب وأمير الجيوش في إصلاح الصعيد وتدبير أموره ، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان وبدر بن حازم بجمائع طي . فلما استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز في جمع تبلغ عدته ما ينيف على ثلاثين ألفاً ما بين فارس وراجل ، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهز عدة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد . فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم ، فاختلفوا عليه في الرأي ، فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف ، والقوم في كثرة ، وعواقب الأمور غير معلومة . وقال له أخوه وابن يلدكوش لا يهولنك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط ، لو سمعوا صيحة لفروا عن آخرهم ؛ فإياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ولم يبق إلا تملكه . وأشار عليه شكل ، أمير طبرية ، بموافقة القوم والدخول إلى مصر . فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية . فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا ، فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين ، فانهزم أطسز ، وقتل أخوه وعدة من أصحابه ، وعاد
(2/317)

"""""" صفحة رقم 318 """"""
في قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره . ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى .
ثم سار إلى دمشق ، فدخلها لعشر بقين من شعبان ؛ وقد احتوى أمير الجيوش على كثير مما كان معهم ، ورجع إلى القاهرة مؤيداً مظفراً . وكان المتولي لكسرة أطسز بدر بن حازم ابن علي بن دغفل بن جراح . فلما جلس أمير الجيوش بدر الجمالي للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة ، أحد القراء ، ' ولقد نصركم الله ببدر ' ، ولم يتم الآية ، يعني بدر بن حازم . فبينا أمير الجيوش بدر في ذلك إذ بلغه اجتماع عرب قيس وسليم وفزارة ، فخرج إليهم وأوقع بهم ، وأكثر من القتل فيهم ، وفر من بقي منهم إلى برقة .
وفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر ، فمات في عشية اليوم الثالث من رجب ؛ وكان له على الدولة الفاطمية في كل شهر ثلاثون ديناراً وغلة لإصلاح ما يكتب في ديوان الإنشاء ، فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه ، وإذا حرره أمر به فدفع لأربابه . ثم إنه تخلى عن الخدم السلطانية وانقطع للعبادة حتى مات ؛ وكان أبوه واعظاً بمصر .
(2/318)

"""""" صفحة رقم 319 """"""
سنة سبعين وأربعمائة
فيها سير أمير الجيوش عسكراً مقدمه ناصر الدولة الجيوشي ، فانتهى إلى دمشق وأقام محاصراً لها مدة ؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل .
وفيها فوض لأمير الجيوش قضاء القضاة ، وزيد في نعوته : كافل قضاة المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين .
وفيها وصل إلى مكة من بغداد منبر كبير في شهر رمضان منقوش عليه بالذهب : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين . مما أمر بعمله محمد بن محمد بن جهير . فاتفق وصوله وقد أعيدت الخطبة للمستنصر ، فكسر المنبر المذكور وأحرق .
ولم يكن بمصر في سنة إحدى وسبعين كبير شيء .
(2/319)

"""""" صفحة رقم 320 """"""
سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة
فيها سير أمير الجيوش عسكراً كبيراً ، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف على أخذها ، فسير أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان وكان قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتد الجوع بأهلها وملكها يستحثه على نصرته وتقويته على المصريين ، ويعده أنه يسلم إليه ملك دمشق . فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره ؛ فبلغ ذلك عسكر أمير الجيوش ، فارتحل وعاد إلى مصر . وقدم تتش فملك دمشق ، ودبر على أطسز وقتله بحيلة في ربيع الأول ؛ وجهز عسكراً في إثر العسكر المصري فلم يدركه .
وفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيادة كنيسة لهم بها ، فبعث والي قوص من قبض عليه وحمله إلى القاهرة ، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض عليه النعم ، وأتحفه بالهدايا الجليلة ؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود إلى بلاده .
وفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بني العباس .
(2/320)

"""""" صفحة رقم 321 """"""
سنة سبع وسبعين وأربعمائة
فيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه ، وانضم إليه جماعة من العسكر والعربان وتحصن بالإسكندرية ؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره ، وألح عليه القتال حتى دخل البلد وأخذ ابنه قهراً . وأمر ببناء الجامع المعروف في الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد ، وفرغ منه في شهر ربيع الأول ؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، فأمر ببناء جامع ، ونقل الخطبة من جامع العطارين إليه .
وفي جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل ، وجعله ولي عهده في السلطنة .
وفيها ابتدأ أمير الجيوش في بناء سور القاهرة .
(2/321)

"""""" صفحة رقم 322 """"""
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
فيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدي العباسي . فيها مات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين المغربي الملقب بالكامل ؛ وكان قد ولي الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها ، ثم عاد واتصل بالوزير أبي محمد اليازوري ، فأحسن إليه واستخدمه وعني به ، فماقته أبو الفرج البابلي . فلما صارت إليه الوزارة بعد اليازوري قبض عليه في جملة من قبض عليه من أصحاب اليازوري ، واعتقله ، فلم يزل معتقلاً إلى أن تقررت له الوزارة وهو في السجن ، فأخرج وخلع عليه خلع الوزراة عوضاً عن أبي الفرج البابلي ، فلم يؤاخذه بما كان منه في حقه ، بل قابله بالجميل وأحسن إليه إحساناً كبيراً . ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولي ديوان الإنشاء ، فقرر في هذه الرتبة التي يقال لها في زمننا اليوم كتاب السر ، فاستقرت من بعده وظيفة ورتبة يتقلدها الأكابر .
وفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، صاحب قونية وأقصرا من بلاد الروم ، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان ؛ فاسترد منه الفرنج مدينة أنطاكية .
(2/322)

"""""" صفحة رقم 323 """"""
سنة تسع وسبعين وأربعمائة
فيها قدم الحسن بن الصباح ، رئيس الطائفة الباطنية من الإسماعيلية ، إلى مصر في زي تاجر ، واتصل بالمستنصر واختص به ، والتزم أن يقيم له الدعوة في بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق . وكان الحسن هذا كاتباً للرئيس عبد الرزاق بن بهرام بالري ، فكاتب المستنصر ، ثم قدم عليه . ثم إن المستنصر بلغه عنه كلام ، فاعتقله ، ثم أطلقه . وسأله ابن الصباح عن عدة مسائل من مسائل الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه . ويقال إنه قال له : يا أمير المؤمنين ، من الإمام من بعدك ، فقال له ولدي نزار .
ثم إنه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدة وأنعم عليه بنعم وافية . فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثها في تلك الأقطار ، وحدث منه من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر في أخبار المشرق . ثم قام من بعد المستنصر بدعوة ابنه نزار ، وكان بسبب ذلك في مصر من الانقلاب ما نهتم به إن شاء الله تعالى . وأخذ ابن الصباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم ، حتى اجتمعوا له في شعبان سنة ثلاث وثمانين ، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت ، وكانت لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام ، وهي من الحصانة في غاية .
واجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن عطاش ، وملكوا قلعتين عظيمتين ؛ إحداهما يقال لها قلعة الدر . وكانت لأبي القاسم دلف العجلي ،
(2/323)

"""""" صفحة رقم 324 """"""
وجددها وسماها ساهور ؛ والقلعة الأخرى تعرف بقلعة جان ، وهما على جبل أصبهان . وبث الحسن بن الصباح دعاته ، وألقى عليهم مسائل الباطنية التي ذكرتها في هذا الكتاب عند ذكر داعي الدعاة في أخبار بناء سور القاهرة ، عند ذكر خطط المعزية القاهرة . فساروا من قلعة ألموت ، وأكثروا من القتل في الناس غيلة .
وكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب أرسلان ، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصباح ؛ فناظرهم ؛ وألف كتابه المسمى بالمستظهري ، وأجاب عن مسائلهم . واجتهد ملك شاه في أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها .
وفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدي .
(2/324)

"""""" صفحة رقم 325 """"""
سنة ثمانين وأربعمائة
فيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى ، المعروف بابن الجوهري ، الواعظ المصري في العشر الأواخر من شوال ؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر ، وتصدى سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص . حدث عن جماعة ؛ وله كلام في الزهد والمواعظ ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ . ولما كانت أيام الشدة والغلاء بمصر اجتمع إليه الناس في بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق ، فقال : من يحضر عندي ومن بقي ؟ فقالوا : لا بد من ذلك ؛ فجلس ، وكان من كلامه : أبشروا هذه سنة ثلاث ، وأشار بيده ، وهي متعلقة كلها ، وسنة حل سنة أربع ويفتح الله ، ورفع بنصره ؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله ؛ ورفع خنصره . فكان كما قال . وأنشد مرة في بعض مجالسه :
ما يصنع اللّيل والنّهار . . . ويستر الثّوب والجدار
على كرامٍ بني كرامٍ . . . تخيّروا في القضا وخاروا
ومن كلامه : قد اختل امر الدين والدنيا ، وتعذر الوصول إليهما ، فمن طلب الآخرة لم يجد معيناً علينا ، ومن طلب الدنيا وجد فاجراً قد سبقه إليها .
وأنشد مرةً الخليفة المستنصر : عساكر الشكر قد جاءت مهنئةً . . . وللملوك ارتيابٌ في تأتّيها
بالباب قومٌ ذوو ضعفٍ ومسكنةٍ . . . يستصغرون لك الدّنيا بما فيها
وفيها بعث بردويل ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكراً عليه أجار إلى صقلية فملكها من المسلمين .
(2/325)

"""""" صفحة رقم 326 """"""
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة
فيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدم عليه ناصر الدولة الجيوشي ؛ فسار وفتح ثغري صور وصيدا ، ثم فتح جبيل وعكا . وكان تتش قد ملكها ، فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشي ، وقتل جماعة من أصحاب تتش ، وأخذ كثيراً من ذخائره . ومضى إلى بعلبك ، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص ، ودخل في الطاعة ، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش ، فسير إليه الخلع والطوق .
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
فيها توفى الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصري الإمام ، صاحب التاريخ ، في سادس ذي القعدة ، ومولده في سنة إحدى وسبعين وثلثمائة ؛ ودفن بالقرافة .
وفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت في شعبان ، وأظهر دعوة المستنصر بالله .
(2/326)

"""""" صفحة رقم 327 """"""
سنة خمس وثمانين وأربعمائة
فيها نقل أمير الجيوش بابي زويلة وزاد من ورائهما قطعة ، وبنى باب زويلة الكبير الموجود الآن ، ورفع أبراجه على ما هي عليه ، ولم يجعل له باشورة كما هي عادة أبواب الحصون أن يكون في أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم على الحصن عند الحصار ، بل عمل في بابه زلاقة من حجارة صوان ، حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته . فلم تزل هذه الزلاقة باقية إلى أيام الملك الكامل محمد بن العادل ، فأمر بنقضها لما زلت به فرسه وسقط عنها .
(2/327)

"""""" صفحة رقم 328 """"""
سنة ست وثمانين وأربعمائة
فيها جرد أمير الجيوش عسكراً إلى ثغر صور ، وكان المتولي به قد خرج عن الطاعة . فسار العسكر ونزل على الثغر ، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش ، فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله ، وقبضوا على أميرها وعلى جماعة من الناس وسيروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم ؛ وبعث بفريضة ستين ألف دينار على أهل صور ؛ وكان ذلك في رابع عشر جمادى الآخرة .
وفيها نمى قتل أبي علي حسن بن عبد الصمد بن أبي الشحناء العسقلاني صاحب الرسائل والشعر ، وكان بديوان الإنشاء ، وشعره ورسائله مشهورة . ويقال إن القاضي الفاضل عبد الرحيم كان جل اعتماده على رسائله . ومن شعره :
أصبحت تخرجني بغير جريمة . . . من دار إكرام لدار هوان
كدم الفصد يراق أرذل موضع . . . أبداً ، ويخرج من أعزّ مكان
ثقلت موازين العباد بفضلهم . . . وفضيلتي قد خفّفت ميزاني
(2/328)

"""""" صفحة رقم 329 """"""
سنة سبع وثمانين وأربعمائة
في شهر ربيع ، وقيل في جمادى الأولى ، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي من مرض نزل به من أول السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ثمانين سنة ؛ وجنسه أرمني ؛ وكان مملوكاً لجمال الدولة ابن عمار ، فلذلك قيل له بدر الجمالي . وما زال يأخذ نفسه بالجد من شبيبته فيما يباشره ، ويوطن نفسه على قوة العزم فيما يرومه ، ويتنقل في الرتب العلية ، حتى ولي بلاد الشام وتقلد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرتين ، وثار عليه أهلها ، وكانت في إمارته الفتنة العظيمة التي احترق فيها قصر الإمارة وجامع بني أمية . ثم إنه رحل عن دمشق إلى مصر ، وقلده المستنصر عكا . فلما فسدت أحوال مصر وتغيرت أمورها وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيداً عن مصر . فلما كاتبه المستنصر ودخل إلى القاهرة تحكم في بلاد مصر تحكم الملوك ، ولم يبق للمستنصر من أمر ، وألقى إليه مقاليد مملكته ، وسلم إليه أمور خلافته ، فضبطها أحسن ضبط . فاشتدت مهابته في قلوب الخاصة والعامة ، وخاف سطوته كل جليل وكبير ، لعظم بأسه وكثرة بطشه ، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه . وبقتله أكابر المصريين من الأمراء والقواد والوزراء والأعيان ، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وثغر دمياط وتنيس والإسكندرية ، الذين كانوا قد تمرنوا على الفساد ، ونشأوا في الفتن واعتادوا مضرة الخلق ، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصرية بعد فسادها ، وعمرت بعد خرابها ، وزال عكس المستنصر وابتدأت سعادته .
(2/329)

"""""" صفحة رقم 330 """"""
وكان من جميل أفعاله أنه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم أطلق الخراج للمزارعين ، ولم يأخذ منهم شيئاً ثلاث سنين ، حتى صلحت أحوال الفلاحين . واستغنى أهل مصر في أيامه ، ودرت عليهم أخلاف النعم بعد توالي الشدائد الكبيرة ، ومقاساة الألم . وكثر ترداد التجار في أيامه إلى مصر بعد نزوحهم عنها ، وخروجهم لشدة البلاء والجور فيها .
وكانت مدة تحكمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة . وكان عزوف النفس شديد البطش ، عالي الهمة عظيم الهيبة ، حسن التأتي جميل السياسة ، مظفراً ، سعيد الجد ، سخيا ، مفضالا . قصده علقمة بن عبد الرزاق العليمي ، فلما وافى بابه شاهد أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ومقامهم ، ولا يصلون إليه . فبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد ، فخرج في أثره وأقام معه حتى رجع من صيده ؛ فعندما قاربه وقف على تل من رمل ، ورمى برقعة كانت في يده ، وأنشد :
نحن التّجار ، وهذه أعلاقنا . . . درّ ، وجود يمينك المبتاع
قلّب ، وفتّشها بسمعك ، إنّما . . . هي جوهرٌ تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشآم ، وكلمّا . . . قلّ النّفاق تعطّل الصّنّاع
فأتاك يحملها إليك تجارها . . . ومطيّها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك ، والرّجا . . . من دونك السّمسار والبيّاع
فوهبت ما لم يعطه في دهره . . . هرمٌ ، ولا كعبٌ ، ولا القعقاع
وسبقت هذا النّاس في طلب العلا . . . والناس بعدك كلّهم أتباع
يا بدر ، أُقسم ، لو بك اعتصم الورى . . . ولجوا إليك ، جميعهم ، ما ضاعوا
وكان بيد بدر باز ، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات ، وهو معه ، إلى أن استقر في مجلسه . فلما اطمأن قال للحاضرين عنده ؛ من أحبني فليخلع عليه . فبادر حينئذ الحاضرون ، ولم يبق منهم إلا من ألقى له ما قدر عليه ، حتى صار إليه منهم ما حمله على سبعين بغلاً عندما خرج من المجلس ؛ ومع ذلك أمر له أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم .
(2/330)

"""""" صفحة رقم 331 """"""
قال قاضي الرشيد أحمد بن الزبير في كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف : ولما مات أمير الجيوش بدر المستنصري خلف سبعمائة غلام ، كل غلام له من المال ما ينيف عن المائة ألف غلام . وخلف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم في دار الوزارة ؛ ومن الجوهر والياقوت أربعة صناديق ومن القضب الفضة والذهب والمراتب ، ومن السروج المحلاة ، ما يعجز عن وصفه . وخلف ألف قصبة زمرد ، لأنه كان له به غرام عظيم ، جمعت له من جميع الأقطار . ولما مات أمير الجيوش كان أجل غلمانه من الأمراء نصر الدولة أفتكين ، ويليه في الرتبة أمين الدولة صافي ، ويقال لاون ، فبعث لاون لكل جماعة من الأمراء الجيوشية مالاً والتمس منهم الرضا به أن يلي الوزارة مكان أستاذه أمير الجيوش ، فوافقوه على ذلك فأقر أمره مع المستنصر ؛ فطلبه بعد موت أمير الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس في الشباك عند الخليفة ليتولى على العادة . وكان نصر الدولة أفتكين قد بلغه ذلك من قبل ، فركب وطاف على الأمراء ، كل واحد بمفرده ، وغلطه فيما عزم عليه ، وقبح أن يكون أحد خشدا شيته يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم ؛ مع ما قد عرف من بخل لاون ، ونحو ذلك من القول ، حتى رجعوا عن لاون . فعندما طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة في جميع الأمراء بالسلاح وصاروا إلى القصر ، ووقفوا في الصحن ؛ فشق ذلك على المستنصر وعلى من بحضرته من خواصه . وشرع الأمراء في مخاطبة المستنصر في إبطال وزارة لاون ، وهو يأبى عليهم ، حتى طال الخطاب . فقال المستنصر إذا أقمنا قصبة قبل أمرنا . فقال الأمراء ، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه السيوف ؛ وجردوا سيوفهم ،
(2/331)

"""""" صفحة رقم 332 """"""
ولم يبق إلا وقوع الشر . فقال المستنصر لهم خيراً ، وأمر بإحضار الأفضل بن أمير الجيوش ، وقرر في الوزارة مكان أبيه ، وبطل أمر لاون ، فاستمر إلى ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة .
وفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد ، فلما كان عند موته حصل رعد عظيم وبرق كثير ومطر غزير ؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر ؛ منها في خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام ، مرت به فيها أهوال عظيمة ، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخ ، لا يجد من القوت إلا ما تتصدق به عليه الشريفة ابنة صاحب السبيل في كل يوم ، فلا يأكل غير مرة واحدة في اليوم من قعب فتيت تبعث بها إليه ، كما قد تقدم ذلك .
وكان قد قوي أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته في الخلافة وزير أبيه علي بن أحمد الجرجرائي ، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات ، فحكمت أمه في الدولة وولت أبا سعيد إبراهيم اليهودي التستري وزارتها ، فصار هو الذي يلي الوساطة ويدبر الأموال إلى أن قتل . فلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت الأمور وتعاظم الأمر ، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره . وولي وزارته أربعة وعشرون وزيراً ، وهم : أبو القاسم الجرجرائي إلى أن مات وزيراً في سنة ست وثلاثين ؛ فولي أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي إلى أن قتل في سنة تسع وثلاثين ؛ فولي عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائي مرتين إلى أن عزل في سنة أربعين ؛ فولي صاعد بن مسعود أبو الفضل وصرف في سنة اثنتين وأربعين ؛ فاستقر أبو محمد اليازوري مضافاً إلى القضاء والتقدمة على الدعاة ، ولم يجمع ذلك لأحد قبله ، إلى أن قبض عليه في محرم سنة خمسين ؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ثم صرف بعد شهرين وأربعة عشر يوماً . واستقر أبو الفرج محمد بن جعفر بن
(2/332)

"""""" صفحة رقم 333 """"""
محمد بن علي بن الحسين المغربي ثم صرف في سنة اثنتين وخمسين ؛ وأعيد البابلي ثم صرف بعد أربعة أشهر . وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر في صفر سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين ؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في رمضان منها إلى أن توفي في محرم سنة أربع وخمسين ؛ فتولى بعده أخوه أبو علي أحمد سبعة عشر يوماً وصرف ؛ فأعيد البابلي كرة ثالثة في ربيع الأول ، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكي ؛ ثم صرف بأبي أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم ، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء ؛ وصرف بابن المدبر ، فأقام إلى أن توفي ؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم في ذي الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوماً ؛ وصرف بأبي غالب عبد الطاهر بن فضل العجمي ، فتولى غير مرة ، وكان جده من دعاة الدولة ؛ فولي مرة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة أشهر ، وولي أخرى في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوماً ، وفي ثالثة في أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذي بالقاهرة في سنة خمس وستين . وولي الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة ، وجمع له بين القضاء والوزارة سبع مرات ، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل بدمياط . وولي أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش ؛ ثم وزر بعده أبو علي الحسن ابن أبي سعيد التستري عشرة أيام ثم استعفى ، وكان يهوديا فأسلم . ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعباني مرتين ، كل منهما عشرة أيام ؛ ثم ولي الأمير أبو الحسن بن الأنباري أياما وصرف . فتولى أبو علي الحسن بن سديد الدولة الماسكي أياما ، وهذه وزارته الثانية ؛ ثم صرف بأبي شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف ، فسار إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله ؛ وأبو غالب جده كان وزيراً لبهاء الدولة بن عضد الدولة ملك العراق . ثم ولي بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسي ثم صرف ، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء ؛ فولي بعده أبو عبد الله محمد بن أبي حامد التنيسي يوماً واحداً وقتل ،
(2/333)

"""""" صفحة رقم 334 """"""
فوجد له مال كثير . ثم ولي أبو سعد منصور بن أبي أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور ، وكان نصرانيا فأسلم ، ويقال إنه لم يسلم ؛ ثم ولي بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف وصرف . فلما قدم أمير الجيوش تسلمها .
ولما قدم أمير الجيوش من عكا صار وزير السيف والقلم ، وولي القضاء أيضا ، وزيد في ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين . ثم لما مات وزر من بعده ابنه الأفضل .
وأما قضاته ، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة . والذين أفردوا بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته ؛ ثم تقلد القضاء القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان ؛ ثم أبو يعلى ، ويقال أبو الحسن ، أحمد بن حمزة بن أحمد العرقي ومات ؛ فولي أبو الفضل القضاعي ؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار . وولي الفضل ابن نباتة ، ثم أبو الفضل بن عتيق ، ثم أبو الحسن علي بن يوسف بن الكحال ، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم ، وكان في أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا .
وكان نقش خاتمه : بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم .
ومما رثى به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي التنوخي الشاعر ، من أبيات :
وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى . . . ولا قدره أمرٌ يقاس به أمر
لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى . . . ففاجأه ليلاً وما طلع الفجر فأجرى عليه ، حين مات ، دموعنا . . . سماءً ، فقال الناس : لا ؛ بل هو القطر
وقد بكت الخنساء صخراً ، وإنّه . . . ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر
وقلّدنا المستعلى الطّهر حسب ما . . . عليه قديما نصّ والده الطّهر
(2/334)

"""""" صفحة رقم 9 """"""
الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور
(3/9)

"""""" صفحة رقم 10 """"""
فارغة
(3/10)

"""""" صفحة رقم 11 """"""
ولد في ثامن عشر المحرم ، وقيل في العشرين من المحرم ، سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وبويع له في يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ، سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، حين مات أبوه المستنصر . وذلك أن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي عندما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقبه بالمستعلى ، وبعث فأحضر إليه نزاراً وعبد الله وإسماعيل ، أولاد المستنصر ؛ فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم ، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا من ذلك ، فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم : تقدموا وقبلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه ، فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر ، قبل وفاته ، للخلافة من بعده . فامتنعوا من ذلك ، وقال كل منهم إن والده وعده بالخلافة ؛ وقال نزار : إن قطعت ما بايعت من هو أصغر سناً مني وخط والدي عندي بأني ولي عهده وأنا أحضره ؛ وخرج مسرعاً ليحضر الخط ، فمضى من حيث لا يشعر به أحد وتوجه في خفية إلى الإسكندرية . فلما أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله بالحضور ، فلم يوجد ، وفتش عليه في القصر فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف توجه فاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجاً شديداً .
وقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزاراً ، لأنه أكبر أولاده ، وجعل إليه ولاية العهد من بعده ، فلما قربت وفاته أراد أن يأخذ له البيعة على رجال الدولة ،
(3/11)

"""""" صفحة رقم 12 """"""
فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات ؛ وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة ، وكان في نفس كل منهما مباينة من الآخر لأمور ، منها أن نزاراً خرج ذات يوم من بعض أماكن القصر فوجد الأفضل قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب ، فصاح به : انزل يا أرمني يا نجس ؛ فحقدها الأفضل عليه ، وظهرت كراهة أحدهما الآخر . ومنها أن الأفضل كان يعارض نزاراً في أموره أيام حياة أبيه ويرد شفاعاته ويضع من قدره ، ولا يرفع رأساً لأحد من غلمانه وحاشيته ، بل يحتقرهم ويقصدهم بالأذى والضرر . فلما عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل بالأمراء الجيوشية وخوفهم من نزار ، وحذرهم من مبايعته ، وأشار عليهم بولاية أخيه أحمد فإنه صغير لا يخاف منه ، ويؤمن جانبه ؛ فرضوا بذلك وتقرر أمرهم عليه بأجمعهم ما خلا محمود بن مصال اللكي ، من قرية يقال لها لك برقة ، فإنه لم يوافق لأنه كان قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل ؛ فلما اطلع على ما قرره الأفضل من ولاية أبي القاسم أحمد مع الأمراء وأنهم قد وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك .
وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقب بالمستعلى بالله . وأصبح في بكرة يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة فأخرجه إلى الإيوان ، وأجلسه على سرير الملك ، وجلس هو على دكة الوزارة ؛ وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الإمام علي بن نافع بن الكحال ، والشهود ، فأخذ البيعة على مقدمي الدولة وأمرائها ورؤسائها وجميع الأعيان ؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدي المستنصر ، وكانا في مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعةً يحفظونهما ، فقال لهما : إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلى بالله ، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما تبايعاني أم لا ؟ فقالا : السمع والطاعة ، إن الله اختاره علينا ؛ ووقفا قائمين على أرجلهما وبايعاه ؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج ، فقرأه الشريف
(3/12)

"""""" صفحة رقم 13 """"""
سناء الملك محمد بن محمد الحسيني الكاتب بديوان الإنشاء ، على عادة الأمراء وجميع أهل الدولة . وكانت الدعاة عندما بلغهم موت المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده ، فدعا بركات ، وهو أمين الدعاة ، لعبد الله المستنصر ونعته بالموفق ؛ فقبض الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحال . ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن مصال اللكي بنصر الدولة ، وأن نصر الدولة أفتكين التركي ، أحد مماليك أمير الجيوش وكان على ولاية الإسكندرية ، قد بايعة والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار واهل الاسكندرية قد بايعه ، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار ، وأهل الإسكندرية ، وأنه تلقب بالمصطفى لدين الله . فأهم الأفضل ذلك وأخذ في التأهب لمحاربتهم .
وفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد الدولة ، ذي الكفايتين ، محمد الماسكي ؛ وكان ممن وزر للمستنصر في سنة أربع وخمسين ، فلما صرف عن الوزارة سار إلى مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين ؛ ثم إنه رجع إلى مصر وخدم مشارفا بالإسكندرية بعد الوزارة ، ثم صرف عن المشارقة . وكان من أماثل الكتاب وأحد الأدباء الفضلاء . ومن شعره :
توصّل إلى ردّ كيد العدوّ . . . توصّل ذي الحيلة الحازم
وصانع ببعض الذي حزته . . . تعش عيشة الآمن الغانم
ودع ما نعمت به في القدي . . . م ، واعمل لذا الزمن القادم
لعلّك تسلم ممّا تخاف . . . ولست ، إخالك ، بالسالم
وله عدة مصنفات ورسائل .
(3/13)

"""""" صفحة رقم 14 """"""
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
في آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية لمحاربة نزار وأفتكين ، فخرجا إليه في عدة كبيرة وحارباه ؛ فكانت بينهما عدة وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد القاهرة ؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري .
ووصل الأفضل إلى القاهرة ، وشرع يتجهز ثانياً لمسيره . ودس إلى أكابر من انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلي عنه ، واستمالهم بما حمله إليهم من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها . وخرج وقد أعد واستعد . فسار إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه ؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار والتجائه إلى المدينة ؛ فنزل الأفضل عليها ، وحاصرها ، ونصب عليها المجانيق وألح عليها بالقتال ، ومنع عنها الميرة .
فلما كان في ذي القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ماله وفر إلى جهة المغرب في ثلاثين قطعة ، يريد بلده لك برقة من أجل رؤيا رآها ، وهي أنه رأى في منامه كأنه قد ركب فرساً وسار والأفضل يمشي في ركابه ؛ فقص هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكن في علم التعبير ، فقال له الماشي على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدل على أن الأفضل يملك البلاد .
وكانت الأنفس قد ملت طول الحصار . فلما فر ابن مصال ضعفت نفس نزار وأفتكين وتخوفا ممن حولهما ؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان ، فأمنهما ، وتمكن من البلد . وقبض على نزار وأفتكين ، وسير بهما إلى مصر ؛ فيقال إنه سلم نزاراً لأهل القصر من أصحاب المستعلى ، وأنه بنى عليه حائط ومات ؛ وقيل إنه قتل بالإسكندرية ؛ والأول أصح .
(3/14)

"""""" صفحة رقم 15 """"""
وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . والاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أن المستنصر كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدينار والطرز ، وأن المستنصر قال للحسن بن صباح إنه الخليفة من بعده .
وكان للمستنصر أولاد فروا إلى المغرب ، منهم محمد وإسماعيل وطاهر ، وعاد منهم في خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له .
وأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر . أما ابن مصال فإنه وصل لك ولقيه أهلها ، وكان قد خرج منها صبياً فقيراً ، فأقام عندهم أياماً . واتفق أن رأى عجوزاً عرفته ، فقالت له : كبرت يا محمود فقال لها : نعم . فقالت له : لعلك جئت مع صاحب هذه المراكب . فقال : أنا صاحبها . فقالت : ماذا يعمل عدم الرجال . ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه ، فلزم داره مدة ، ثم رضي عنه الأفضل وأكرمه . وكان الأفضل لما قبض من نزار وتمكن من الإسكندرية تتبع جميع من كان معه ومن مالأه أو أعانه ، فقبض على كثير من وجوه البلد ، منهم قاضي الثغر أبو عبد الله محمد بن عمار واعتقله مدة ثم قتله ؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من نخب العقد ؛ وحظى عنده بنو حارثة ، وكانوا من عدول البلد ، لأنهم لم يبايعوا نزاراً ولم يدخلوا في شيء من ذلك ، وكانوا يهادون الأفضل سراً . ولى قضاء الإسكندرية عوضا عنه القاضي أبا الحسن زيد بن الحسن بن حديد ، وبالغ في إكرامه وإكرام أهل بيته .
وكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج أمه فتطوف في كل يوم ، وهي متنكرة ، بالأسواق ، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد والربط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبه ومن يبغضه ؛ فدخلت يوما إلى مسجد أبي طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحي وقالت له : يا سيدي ، ولدي في العسكر مع الأفضل ، الله تعالى يأخذ
(3/15)

"""""" صفحة رقم 16 """"""
لي منه الحق ، ما فعل خيراً ، وأنا ما أنام خوفاً على ابني ، ادع الله أن يسلم ولدي . فقال لها : يا أمة الله ، أما تستحين ، تدعين على سلطان الله في أرضه ، المجاهد عن دين الله تعالى ، الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك ، ما هو إن شاء الله تعالى إلا منه وهو مؤيد مظفر ، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه ، وأتى على أحسن قضية وأجمل طوية ، فلا يشغل لك سر ، فما يكون إلا الخير إن شاء الله . ثم اجتازت بالفار الصيرفي بالسراجين من القاهرة ، فوقفت عليه تصرف منه دينارا وكان إسماعيليا متغاليا فقالت له : ولدي مع الأفضل وما أدري ما خبره . فقال لها : لعن الله المذكور الأرمني الكلب العبد السوء بن العبد السوء ، مضى يقاتل مولانا ومولى الخلق ؟ كأنك والله يا عجوز برأسه جائزاً من هنا على رمح قدام مولانا نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء الله تعالى ، والله يلطف بولدك ؛ من قال لك تخلينه يمضي مع هذا الكلب المنافق . ثم وقفت يوما آخر على ابن بابان الحلبي ، وكان بزازاً بسوق القاهرة ، تشتري منه شيئا وكان نزاريا فقالت له كقولها للفار الصيرفي ، فقال لها كما قال أيضا ، وبالغ في لعن الأفضل وسبه .
فلما أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة ، وفتح الإسكندرية ، وقدم إلى القاهرة في يوم حدثته أمه الحديث بنصه . فلما خلع عليه في القصر بين يدي الخليفة المستعلى في يوم وعاد إلى مصر اجتاز بالبزازين وهو بالخلع ، ونظر إلى ابن بابان الحلبي وقال : أنزلوا هذا . فنزلوا به ، فضربت عنقه تحت دكانه ، ثم قال لعبد علي ، أحد مقدمي ركابه ، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن يأتي أهله فيتسلموا قماشه . ثم وصل إلى السراجين ، فلما تجاوز دكان الفار الصيرفي التفت إلى جهته وقال : انزلوا بهذا . فنزلوا به ؛ فقال : رأسه . فضربت عنقه ، وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمي الركاب : احتط على حانوته
(3/16)

"""""" صفحة رقم 17 """"""
إلى أن يأتي أهله وتسلموا موجوده ، وإياك ماله وصندوقه ، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه ؛ كان لنا خصماً أخذناه وفعلنا به ما نردع به غيره عن فعله ، ومالنا في ماله ولا في فقر أهله حاجة . ثم أتى إلى الشيخ أبي طاهر الإطفيحي وقربه وتخصص به ، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردد إليه ، وأجرى الماء إلى مسجده ، وبنى له فيه حماماً وبستانا وغير ذلك من المباني . فعظم قدر الإطفيحي به ، وكثر غشيان الناس مسجده ، وطار ذكره ، وشاع خبره ، وكثرت حاشيته ، وصار المشار إليه بالديار المصرية حتى مات .
وفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهاني فتكلم بأن نسب الخلفاء الفاطميين صحيح ، فقبض عليه واعتقل حتى مات . وخرج الأمر بجمع الناس إلى بيت النوبة ببغداد ، فجمعوا في تاسع ربيع الآخر ، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى الديوان ؛ وقرئ توقيع أوله خطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه ، وتذكر طاعة الأئمة وفضل العباس وما جاء فيه من الأخبار ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين ، وشاع تفرق كلمة المسلمين ليبلوا الله المجاهدين فيهم والصابرين ، ويصلي أكثر العاكفين نار جهنم التي أعدت للكافرين . وهذه الطائفة المارقة من الباطنية الملحدين ، والكفرة المستسلمين ، انتهكوا المحارم ، واستحلوا الكبائر ، وأراقوا الدماء ، وكذبوا بالذكر ، وأنكروا الآخرة ، وجحدوا الحسنات والجزاء ، وفصلوا أعضاء المسلمين ، وسملوا أعين الموحدين ؛ فكادوا الدين وفقهاءه ، وأعلنوا بالشرك ونداءه . ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال ؛ وقال : شاعرهم يقول :
حلّ برقّادة المسيح . . . حلّ بها آدم ونوح
(3/17)

"""""" صفحة رقم 18 """"""
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
فيها خرج خلف بن ملاعب من عند الأفضل لولاية فامية ، فسار إليها وتسلمها . وكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية ، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن يجهز إليهم من يلي أمرهم ، فوقع الإختيار على خلف بن ملاعب ، وكان قد ولي مدينة حمص وساءت سيرته في أهلها ، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من قبض عليه وحمله إليه بأصفهان ، فاعتقله بها إلى أن مات ، فأطلق وسار إلى مصر فأقام بها حتى خرج إلى فامية .
(3/18)

"""""" صفحة رقم 19 """"""
سنة تسعين وأربعمائة
فيها وقع بمصر غلاء ومجاعة .
في سادس عشر صفر قدم على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب وأنطاكية وهم بن الهلال بن كاتب عز الدولة ابن منقذ ، صحبة رسول الأفضل الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبي وقدم معهم شرف الدولة الباهلي الشاعر ، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالي ، ثم في نوبة أفتكين ؛ وهو يبذل الطاعة في إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله في بلاد الشام ، فأجيب بالشكر والثناء وخطب بها للمستعلى بالله في يوم الجمعة سابع عشر رمضان . وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على أخذ دمشق من أخيه دقاق . فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق أنكر على رضوان ذلك ، فقطع خطبة المستعلى ، وأعاد الخطبة لبني العباس ، فكان مدة الخطبة للمستعلى أربعة أشهر .
(3/19)

"""""" صفحة رقم 20 """"""
وفي ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا في عدة وافرة لأخذ صور فسار إليها وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف ، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف خلقا كثيرا ؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن الطاعة وعصى على الأفضل .
وفيها كان ابتداء خروج الإفرنج من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من أيدي المسلمين ، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها . ومنها دبوا إلى بلاد الساحل .
وفيها تجمع الرعاع والعامة في يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة وجهروا بسب
(3/20)

"""""" صفحة رقم 21 """"""
الصحابة ، وهدموا عدة قبور ؛ فسير الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك ؛ وأدب ذخيرة الملك ابن علوان ، والي القاهرة ، جماعة وضربهم .
وفيها حرر الأفضل في المحرم عيار الدينار وزاد فيه .
(3/21)

"""""" صفحة رقم 22 """"""
سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
فيها خرج الأفضل في عساكر جمة ، ورحل من القاهرة في شعبان ، وسار يريد أخذ بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازي ، ابني أرتق ، وكانا به في كثير من أصحابهما ؛ فبعث إليهما يلتمس منهما أن يسلما البلد ولا يحوجاه إلى الحرب ، فأبيا عليه ، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيفا وأربعين منجنيقا ، وأقام عليها يحاصرها نيفا وأربعين يوما حتى هدم جانباً من السور ، ولم يبق إلا أخذها ، فسير إليه من بها ومكناه من البلد . فخلع على ولدي أرتق وأكرمهما ، وأخلى عنهما ، فمضيا بمن معهما . وملك البلد في شهر رمضان لخمس بقين منه ، وولى فيه من قبله ، ثم رحل عنه إلى عسقلان ؛ وكان فيها مكان قد دفن فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأخرجه وعطره وحمله في سفط إلى أجل دار بها ، وعمر مشهدا مليح البناء . فلما تكامل حمل الرأس في صدره وسعى به ماشيا من الموضع الذي كان فيه إلى أن أحله في مقره . ويقال إن أمير الجيوش هو الذي أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان ، وأن ابنه الأفضل شاهنشاه كمله . ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة ، فوصل إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .
وفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشت بأبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه ، ثم هبت ريح سوداء شديدة ، فظن الناس أن الساعة قد قامت . واستمرت الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح . ولم يصل في ذلك اليوم أحد صلاة الظهر ولا العصر ، ولا أذن في القاهرة ولا مصر .
(3/22)

"""""" صفحة رقم 23 """"""
سنة اثنين وتسعين وأربعمائة
فيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدي المسلمين ؛ فملكوا مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرة فملكوها ؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان فقتلوا من به ؛ ووصلوا عرقة فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها . ونزلوا على حمص ، فهادنهم جناح الدولة حسين ؛ وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا . ثم أخذوا الرملة في ربيع الآخر ، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا المدينة ؛ وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم ؛ فجد الفرنج عندما بلغهم مسيره إليها في حصار المدينة ، وكان نزولهم عليها في شهر ربيع الآخر ، حتى ملكوها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان بعد أربعين يوماً . وهدموا المشاهد وقبر الخليل عليه السلام ، وقتلوا عامة من كان في البلد ؛ وكان فيه من العباد والصلحاء والعلماء والقراء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم حصر ، فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلا اليسير . وانحازت عدة من المسلمين إلى محراب داود عليه السلام فحاصرهم الفرنج نيفاً وأربعين يوماً حتى تسلموه بالأمان في يوم الجمعة ثاني عشريه . وأحرقوا ما كان ببيت المقدس من المصاحف والكتب ، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل الذهب والفضة والآلات ، وكان مبلغاً عظيما . ويقال إنه قتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً ، وأنهم لحقوا من فر من المسلمين مسيرة أسبوع يقتلون من أدركوه منهم .
(3/23)

"""""" صفحة رقم 24 """"""
ووصل الأفضل إلى عسقلان في الرابع عشر من شهر رمضان ، فبعث إلى الفرنج فوبخهم على ما كان منهم ؛ فردوا إليه الجواب ، وركبوا في إثر الرسل فصدفوه على غرة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيراً . وانهزم منهم بمن خف معه فتحصن بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك في شجر الجميز ، فأضرموا النار حتى احترقت بمن تعلق فيها ، فهلك خلق كثير وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جل قدره ، ولا يمكن لكثرته حصره .
ونازلوا عسقلان ، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه ، إلا أن الله سبحانه أوقع فيهم الخلف فاضطروا إلى الرحيل عن عسقلان ؛ فاغتنم الأفضل رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله ، وذهبت أمواله ، وقتلت رجاله ، وسار إلى القاهرة . ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه في حرب ألبتة .
وكان ملك الفرنج بالقدس كند فرى .
وفيها توفى أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلي الحنفي المحدث ، في ثامن عشر ذي الحجة .
(3/24)

"""""" صفحة رقم 25 """"""
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
فيها رحل عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فراراً من الفرنج والغلاء .
وفيها عم الغلاء أكثر البلاد ؛ ومات من أهل مصر خلق كثير .
وفيها مات قاضي القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء ، وتولى بعده أبو الفرج محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسي . ومات علي بن محمد بن علي الصليحي ، قتله سعد بن نجاح الأحول ، وقتل أخاه عبد الله وجميع بني الصليحي بمكة في ذي القعدة .
وولى الحسن بن علي بن أحمد الكرخي الحكم شهراً واحداً وثلاثة أيام ، وصرف وصودر من أجل أنه أخذ عصابة من القصر في أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه .
(3/25)

"""""" صفحة رقم 26 """"""
سنة أربع وتسعين وأربعمائة
في شعبان جهز الأفضل عسكراً كثيفاً لغزو الفرنج ؛ فساروا إلى عسقلان ، ووصلوا إليها في أول رمضان ، فأقاموا بها إلى ذي الحجة ؛ فنهض إليهم من الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل ؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم . فكانت بين الفريقين عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدولة الطواشي ، مقدم العسكر ، في القلب ، وقاتل قتالاً شديداً ؛ فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا ، وقتلوا منهم عدة وأسروا كثيراً . وقتل كند فرى ملك الفرنج بالقدس ، فجاء أخوه بغدوين من القدس وملك بعده ، وسار بالفرنج إلى أرسوف .
وفيها مات القمص رجار بن تنقرد ، صاحب جزيرة صقلية ، فقام من بعده ابنه رجار بن رجار .
وفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها ؛ وتسلموا أرسوف بالأمان ؛ وملكوا قيسارية عنوة في آخر شهر رجب وقتلوا من بها ؛ وملكوا مع ذلك يافا ، مع ما بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين .
(3/26)

"""""" صفحة رقم 27 """"""
سنة خمس وتسعين وأربعمائة
فيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر في ليلة السابع عشر من صفر ، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوماً ، ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوماً .
نقش خاتمه الإمام المستعلى بالله .
وفي أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم ، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم ؛ وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج ؛ فإنهم ، خذلهم الله ، دخلوا بلاد الشام ، ونزلوا على أنطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة وتسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين ؛ وأخذ وامعرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين ؛ وأخذوا الرملة ثم بيت المقدس في شعبان ؛ ثم استولوا على كثير من بلاد الساحل ، فملكوا قيسارية في سنة أربع وتسعين بعد ما ملكوا عدة بلاد .
وفي أيامه أيضاً افترقت الإسماعيلية فصاروا فرقتين : نزارية ، تعتقد إمامة نزار وتطعن في إمامة المستعلى ، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده يتوارثونها بالنص ؛ والفرقة المستعلوية ، ويرون صحة إمامة المستعلى ومن قام بعده من الخلفاء بمصر . وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل فيما يقال وقتل الآمر ، كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
ولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر ، فإن الأفضل كان يدبر أمر الدولة تدبير سلطنة وملك لا تدبير وزارة .
(3/27)

"""""" صفحة رقم 28 """"""
وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة ، هم الأمير أبو علي المنصور ، والأمير جعفر ، والأمير عبد الصمد .
وكانت قضاة مصر في خلافته أبو الحسن ابن الكحال ، ثم عزل بابن عبد الحاكم المليجي ، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء ، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا ، ومات المستعلى وهو قاض .
وقيل إن المستعلى مات مسموماً ، وقيل بل قتل سراً .
وكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر ، فمات قبل أن يبني عليها ، وكان أمير الجيوش قد جهزها جهازاً عظيما وأكثر من شراء الجواهر العظيمة القدر لها ، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه .
وفيها أخذ صنجيل ، أحد ملوك الفرنج ، طرابلس ، فصار للفرنج القدس وفلسطين إلا عسقلان ؛ ولهم من بلاد الشام يافا ، وأرسوف ، وقيسارية ، وحيفا ، وطبرية ، والأردن ، ولاذقية ، وأنطاكية ؛ ولهم من الجزيرة الرها ، وسروج . ثم ملكوا جبيل ، ومدينة عكا ، وأفامية ، وسرمين من أعمال حلب ؛ وبيروت ، وصيدا ، وبانياس ، وحصن الأثارب .
(3/28)

"""""" صفحة رقم 29 """"""
الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن المستعلى بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد
(3/29)

"""""" صفحة رقم 30 """"""
فارغة
(3/30)

"""""" صفحة رقم 31 """"""
ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من المحرم سنة تسعين وأربعمائة ، وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر أيام ، في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين . أحضره الأفضل وبايع له ، ونصبه مكان أبيه ، ونعته بالآمر بأحكام الله . وكتب ابن الصيرفي سجلاً عظيما ، أبدع فيه ما شاء ، بانتقال الإمام المستعلى إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر ، وقرئ على رءوس الكافة من الأمراء والأجناد وغيرهم .
وأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنانة يمدح الآمر . وركب الأفضل فرساً وجعل في السرج شيئاً أركب الآمر عليه لينموا شخص الآمر وصار ظهره في حجر الأفضل .
(3/31)

"""""" صفحة رقم 32 """"""
سنة ست وتسعين وأربعمائة
فيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدولة ويعرف بالطواشي على عسكر لقتال الفرنج ، فلقيهم بغدوين على تبنا ، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة فمات ، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه . وبلغ الأفضل ذلك فجرد في أول شهر رمضان عسكراً قدم عليه ابنه شف المعالي سماء الملك حسيناً ، وسير الأسطول في البحر ، فاجتمعت العساكر بيازور ، من بلاد الرملة ؛ وخرج إليهم الفرنج ، فكانت بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة . ونزل شرف المعالي على قصر كان قد بناه الفرنج قريباً من الرملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج ، فقاتلوه خمسة عشر يوماً ، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ثلثمائة .
وكان أصحاب شرف المعالي قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها ، ورأى بعضهم أن يسيروا إلى القدس . فبينا هم في ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة قمامة ، فندبهم بغدوين للغزو معه ؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف المعالي وامتنع بها ، وكانت حصينة ؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا . وعاد شرف المعالي إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق ، صاحب دمشق ، يستنجده لقتال الفرنج ، فتقاعد عن المسير واعتذر .
(3/32)

"""""" صفحة رقم 33 """"""
فجرد الأفضل أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم بمن معه عسقلان ، ونزل ابن قادوس على يافا ؛ وبعث يستدعي تاج العجم ليتفقا على الحرب ، فلم يجبه ، وتنافرا . فلما بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولى تاج الملك رضوان تقدمة العسكر وسيره إلى عسقلان ، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى قدم شرف المعالي بعساكر مصر .
وفيها مات تنكري ملك الفرنج بالساحل ، فقام بعده سرجار ابن أخيه .
(3/33)

"""""" صفحة رقم 34 """"""
سنة سبع وتسعين وأربعمائة
فيها نازل بغدوين ملك الفرنج وصاحب القدس ، ثغر عكا وحاصر أهله وألح عليهم حتى ملكه . وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدولة بنا الجيوشي ، ففر إلى دمشق ؛ وصار إلى ظهير الدين أتابك ، فأكرمه وأحسن إليه ، ثم جهزه إلى الأفضل فأنكر عليه وهدده على تضييع الثغر . ولم تعد بعدها عكا إلى المسلمين .
(3/34)

"""""" صفحة رقم 35 """"""
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
فيها جمع الأفضل جموعاً كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة ، وجهزهم صحبة العساكر مع ابنه شرف المعالي ؛ وكتب لظهير الدين أتابك ، صاحب دمشق ، بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج ؛ فاعتذر عن حضوره بما هو مشغول به من مضايقة بصرى ، فإن أرتاش بن تاج الدولة صاحب بصرى كاتب الفرنج وأغراهم بقتال المسلمين وأطمعهم في البلاد . فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى ؛ وجهز عسكراً إلى شرف المعالي تقويةً له على الفرنج ، وقدم عليه إصبهبذ صبا وجهارتكين ، وعدته ألف وثلثمائة فارس من الأتراك ، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف فارس .
وأتاهم بغدوين في ألف وثلثمائة فارس وثمانية آلاف راجل . فاجتمعت عساكر المسلمين بظاهر عسقلان ، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها في الرابع عشر من ذي الحجة فيما بين عسقلان ويافا ؛ فانكسرت عساكر المسلمين واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والي عسقلان ، وأخذ الفرنج رايته ؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشي . وقتل ألف ومائتان من الفرنج ، ورجعوا وقد كانت الكرة لهم على المسلمين . وعاد عسكر دمشق إلى أتابك وهو على بصرى .
وفيها مات كنز الدولة محمد في ثامن شعبان ، وقام من بعده أخوه فخر العرب هبة الله .
(3/35)

"""""" صفحة رقم 36 """"""
سنة تسع وتسعين وأربعمائة
في سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية ، قتله طائفة من الباطنية وملك الفرنج عكا عنوةً في سلخ شعبان من زهور الدولة بنا الجيوشي فسار إلى دمشق ثم قدم مصر .
(3/36)

"""""" صفحة رقم 37 """"""
سنة خمسمائة
أهلت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله ، ومدبر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي ، وليس للآمر معه حل ولا ربط وليس له من الأمر سوى اسم الخلافة ، والذي في مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا غير . وفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطىء النيل من لدن مصر .
وفيها سار متولى صور فأوقع بالفرنج على تبنين ، فقتل واسر جماعة ، وعاد إلى صور ؛ فسار بغدوين إليه من طبرية ؛ فركب طغتكين من دمشق ، وأخذ الفرنج حصناً بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم .
وفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق ، صاحب قونية ، الموصل في شهر رجب ، فقتل في ذي القعدة منها ، وقام بعده بقونية وأقصرا ابنه مسعود .
(3/37)

"""""" صفحة رقم 38 """"""
سنة إحدى وخمسمائة
فيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصناً مقابل حصن صور على تل المعشوقة . وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين ، أحد المماليك الأفضلية ، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور .
وفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبي علي عمار بن محمد بن عمار من طرابلس وكثير من أمواله وذخائره . وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم ، فخرج من طرابلس في سنة خمسمائة ومعه هدايا جليلة ؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق ، فأكرمه ووافقه على السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه ؛ فسارا . ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق ، فثار في هذه المدة أبو المناقب ابن عمار على ابن عمه فخر الدولة ، ونادى بشعار الأفضل ، وأرسل يطلب منه من يتسلم منه طرابلس . فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدولة ابن أبي الطيب ، فدخل إلى طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله ؛ ففت ذلك في عضد فخر الدولة .
وفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبي شجاع فاتك بن الأمير مجد الدولة أبي الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبي علي حسن بن تمام المستنصري الأحول الإمامي الشيعي المعروف بالمأمون ابن البطائحي ، بخدمة الأفضل أبي القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصري . وسبب ذلك تغير الأفضل على تاج المعالي مختار الذي كان اصطنعه وفخم أمره وسلم إليه خزائن أمواله وكسواته ، فسلم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه ،
(3/38)

"""""" صفحة رقم 39 """"""
فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مد أيديهم إلى أمواله وذخائره ، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم ، فتغير عليهم ، وأخرج مختاراً إلى الولاية الغربية وخلع عليه . فلما انحدروا إليها سير صاحب بابه سيف الملك خطلخ ، ويعرف بالبغل ، وكان من غلمان أبيه ، فقبض عليه وعلى إخوته من العشارى ، وكبل بالحديد ورمى بالاعتقال ؛ وأشيع أن مختاراً كاتب الفرنج ؛ وجعل هذا هو العذر في القبض عليه ، وأنه كان أراد قتل الأفضل .
فلما جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلم ما كان بيد مختار من الخدمة ، فتصرف فيها . وقرر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصةً دون الإقطاع ، وهو مائة دينار في كل شهر وثلاثون ديناراً عن جارى الخزائن ، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهةً ، وحسن عند الأفضل موقع خدمته ، فسلم له جميع أموره ، وصرفه في كل أحواله . ولما كثر الشغل عليه استعان بأخويه ، أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر ؛ فأطلق لهما الأفضل ما وسع به عليهما ؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن فاتك بالقائد .
فيها فتح ديوان سمي بديوان التحقيق ، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبي الليث النصراني . وكان يتولى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف ، وكان قد كبر وضعف فتحدث ابن أبي الليث مع القائد أبي عبد الله في الدواوين والأموال والمصالح ، وفاوض في ذلك الأفضل . واتفق موت ابن الأسقف ، فتسلم ابن أبي الليث الدواوين واستمر فيها حتى قتل في سنة ثمان عشرة وخمسمائة .
(3/39)

"""""" صفحة رقم 40 """"""
وفيها تحدث ابن أبي الليث في نقل السنة الشمسية إلى العربية ، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين ، فأجاب الأفضل إليه ، وخرج أمره إلى الشيخ أبي القاسم ابن الصيرفي بإنشاء سجل به ، ثم رأى اختلال أحوال الرجال العسكرية والمقطعين ، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم ، لقلة المتحصل منها ، ولأن إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها ؛ وصار في كل ناحية للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل بين الديوان بسببها . فحملت الإقطاعات كلها على أملاك البلاد ، وامر ضعفاء الجند بلزيادة في الاقطاعات التي للاقوياء فتزايد والى ان انتهت الزيارة فكتبت السجلات بأنها باقية في أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد . وأمر الأقوياء أن يبذلوا في الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد ما تحتمله كل ناحية ، فتزايدوا فيها حتى بلغت إلى الحد الذي رغب كل منهم فيه فكتبت لهم السجلات على الحكم المتقدم ؛ فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم ، وحصل للديوان بلاد مفردة بما كان مفرقا في الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار .
وفيها فرغ بناء دار الملك ؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحول إلى مصر ، وسكن دار الملك على النيل واستقر بها ، فقال الشعراء فيها عدة قصائد .
وفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات ، فانقطعوا عنه واستقروا بالقاهرة في دار القباب التي كانت سكن أبيهم الأفضل ، وهي الدار التي عرفت بدار الوزارة ؛ ولم يبق من أولاده من يتردد إليه سوى سماء الملك فإنه كان يؤثره ويميل إليه .
وأفرد الأفضل للقائد أبي عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة .
(3/40)

"""""" صفحة رقم 41 """"""
وفيها وردت الأخبار بأن متملك النوبة قد تجهز براً وبحراً وعول على قصد البلاد القبلية ؛ فسير الأفضل عسكراً إلى قوص ، وتقدم إلى والي قوص بأن يسير بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة ؛ فورد الخبر بوثوب أخير الملك عليه وقتله . واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبي في الملك ، فأرسلت أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألا يسير إليهم من يغزوهم . فكتب لوالي الصعيد الأعلى بأن يسير عسكراً إلى أطراف بلاد النوبة ويبعث إليهم رسولاً يجدد عليهم القطيعة الجاري بها العادة ، وهي كل سنة ثلثمائة وستون رأساً رقيقاً بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم في السنين المتقدمة . فلما دخلت العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة ، وكتبوا المواضعات ، وسألوا في الإعفاء عما يخص السنين ، وحملوا ما تيسر لهم ؛ وعادت العساكر كاسبة .
وفيها كثر خوض الناس في القرآن ، هل هو محدث أو قديم ، وتفاقم الأمر ؛ فعرف الأفضل ، فأمر بإنشاء سجل بالتحذير من الخوض في ذلك ؛ وركب بنفسه إلى الجامع بمصر ، وجلس في المحراب بجوار المنبر ، وصعد الخطيب أربع درجات منه وقرأ السجل على الناس .
وفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا ، فقام بعده ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان ، وقسم أعماله بين أولاده .
(3/41)

"""""" صفحة رقم 42 """"""
سنة اثنتين وخمسمائة
في رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدولة عند خروج فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار الفرنج لها ، وغلا السعر بها . وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان بالشام في السنة التي كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمار تسليمها إليه ، فامتنع وغلق الباب في وجهه ؛ وأقام سماء الملك عليها مدةً بالعساكر إلى أن نازلها الفرنج ورحلوه عنها إلى عسقلان . فلما سمع الأفضل أن أهل الثغر نادوا بشعاره سير إليهم شرف الدولة ابن أبي الطيب ومقدم الأسطول ، وأمره يأخذ المراكب التي على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرةً للمسلمين .
فلما وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق وأمهلوا المسلمين ، فأنفذ من كان بها وحمل في المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم ، وفيهم صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل ، وحمل من دار ابن عمار ذخائره ومصاغه ، وكان بقيمة كبيرة .
(3/42)

"""""" صفحة رقم 43 """"""
وحمل أخا ابن عمار المعروف بفخر الدولة وأهله إلى مصر ، فأكرمهم الأفضل ، واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود .
وفي العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب . وفيها جدد حفر خليج القاهرة ، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة ، وجعل حفره بأبقار البساتين التي عليه ، فيحفر بأبقار كل بستان ما يحاذيه ، فإذا أنتهى أمر البساتين عمل في البلاد كذلك ؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية ؛ ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئاً .
ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبي الليث صاحب الديوان ، وحدث أن تبجح على الأفضل بخدمته ، وكان سبعمائة ألف دينار ، خارجاً عما أنفق في الرجال ، فجعل في صناديق بمجلس الجلوس . فلما شاهد الأفضل المال قال : يا شيخ تفرحني بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطلة أو أرضاً بائرةً أو بلداً خراباً ، لأضربن رقبتك . فقال : وحق نعمتك لقد حاشا الله أيامك فيها بلد خراب أو بئر معطلة . فتوسط القائد له بخلع ؛ فقال : لا والله حتى أكشف عما ذكر .
وفيها وصل بغدوين إلى صيدا ونصب عليها البرج الخشب ؛ فوصل الأسطول من مصر للدفع عنهم ، وقاتلوا الفرنج ، فظهروا في مراكب الجنوية ، فبلغهم أن عسكر دمشق خارج في نجدة صيدا ، فرحل الأسطول عائداً إلى مصر .
وفي شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى حادي عشر ذي الحجة ، ومقدمهم ريمند بن صنجيل ؛ وأسندوا أبراجهم إلى السور ؛ فضعفت نفوس
(3/43)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
المسلمين لتأخر أسطول مصر عنهم ، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة والنجدة فردته الريح لأمر قدره الله . فشد الفرنج في قتالهم وهجموا من الأبراج ، فملكوها بالسيف في يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي الحجة ، ونهبوا ما فيها ، وأسروا رجالها ، وسبوا نساءها وأطفالها ؛ فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر . وسلم الوالي لها في جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ذلك ؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم ، ونزل بهم أشد العذاب . وتقرر بين الفرنج والجنويين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويين والثلثان لريمند ابن صنجيل ؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به .
ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رحال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس فأرسى على صور في اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر فيها ، فأقام مدة ، وفرقت الغلة في جهاتها . وتمسك أهل صور وصيدا وبيروت به لضعفهم عن مقاومة الفرنج ، فلم تمكنه الإقامة ، وعاد إلى مصر .
(3/44)

"""""" صفحة رقم 45 """"""
سنة ثلاث وخمسمائة
فيها سار الفرنج نحو بيروت ، وعملوا عليها برجاً من الخشب ، وزحفوا ، فكسره أهل بيروت . وقدم الخبر بذلك على الأفضل ، فجهز تسعة عشر مركباً حربية ، فوصلت سالمةً إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج ، وغنيمت ، ودخلت إلى بيروت بالميرة والنجدة ، فقوي أهلها بذلك . وبلغ بغدوين الخبر ، فاستنجد بالجنوبية ، فأتاهم منهم أربعون مركباً مشحونة بالمقاتلة ؛ فزحف على بيروت في البر والبحر ، ونصب عليها برجين ، وقاتل أهلها في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال ؛ فعظمت الحرب ، وقتل مقدم الأسطول وكثير من المسلمين ، ولم ير للفرنج فيما تقدم أشد من حرب هذا اليوم . فانخذل المسلمون في البلد ، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهراً ؛ وخرج متولى بيروت في أصحابه وحمل في الفرنج ، فقتل من كان معه ، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد ، وسبوا من فيه وأسروا ، واستصفوا الأموال والذخائر . فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلثمائة فارس إلى الأردن تريد بيروت ، فخرج عليها طائفة من الفرنج ، فانهزموا إلى الجبال ، فهلك منهم جماعة .
وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها ، فاتفق وصول ابن كند ملك الفرنج في عدة مراكب لزيارة القدس والجهاد في المسلمين ؛ فزار القدس ، وسار هو وبغدوين إلى صيدا ، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجاً من خشب ، وزحفا عليها ؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها .
(3/45)

"""""" صفحة رقم 46 """"""
سنة أربع وخمسمائة
في ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة ، فبعثوا قاضي البلد في عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان ، فأجابهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم ، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق ، وحلف على ذلك . فخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس ، وتوجهوا إلى دمشق ، لعشر بقين من جمادى الآخرة . وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوماً . وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنيس ودمياط ومصر وأقلعوا في البحر ، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار ، وعاقبوهم حتى افتدوا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها .
وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان ، فراسله أميرها شمس الخلافة أسد حتى استقر الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه . وقرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة أشهر . فقدم الخبر بذلك في شوال على الأفضل ، فأنكر ذلك وكتمه عن كل أحد ، وجهز عسكراً كثيفاً إلى عسقلان ، وقدم إليه عز الملك الأعز ليكون مكان شمس الخلافة ، وندب معه مؤيد الملك رزيق ، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلاً . فسار إلى قريب عسقلان ، وبلغ ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمده بالرجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوضه عنها . فبلغ ذلك الأفضل . فكتب إليه يطيب قلبه ويغالطه ، وأقطعه عسقلان ، وأقر عليه إقطاعه
(3/46)

"""""" صفحة رقم 47 """"""
بمصر ، وأزال الإعتراض عما له بمصر من خيل وتجارة وأثاث . فخاف شمس الخلافة على نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد ، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرهم عنده .
وفي يوم الأحد العشرين من شوال حدثت ريح حمراء بالقاهرة .
وفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد الجبار ابن إسماعيل ، المعروف بابن عبد القوي لعماد الدولة زيادة على إخوته .
وفيها هبت بمصر وأعمالها في هذه الأيام ريح سوداء مظلمة ، وطلع سحاب أسود أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده ، وسفت رماداً حتى ظن الناس أنها القيامة ، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه ؛ ولم يزل ذلك من وقت العصر إلى غروب الشمس . ثم انجلى ذلك السواد وعاد إلى الصفرة والريح بحالها ؛ ثم انجلت الصفرة ، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدور إلى الصحراء . ثم ركدت الريح وأقلع السحاب ، فعاد الناس إلى منازلهم .
(3/47)

"""""" صفحة رقم 48 """"""
سنة خمس وخمسمائة
في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عز الملك أنوشتكين الأفضلي وبنى عليها أبرجة خشب ، طول البرج سبعون ذراعاً ، يسع كل برج ألف رجل ، وهو موضوع على شيء يسمى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض ، وفي كل برج من أسفله عشرون فرنجياً يصيح أحدهم بالفرنجية : صند ماريا ، فيصيح الباقون كذلك ، ويدفعونه بأجمعهم ، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه ؛ وكانت ستائر كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف .
فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار ، فعلقت بالخشب ، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه ، واحترق ؛ فتناول المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم ، فوصل إليهم ثلاثمائة درع . وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلاً ؛ فظفر به المسلمون . وكانت الريح على المسلمين ثم صارت معهم ، وملأوا جراراً بالعذرة ورموها على الفرنج ، فصاحوا وذلوا ورحلوا ، فعاثوا ؛ ثم عادوا وقد قطعوا النخل أنابيب ورموا بها في الخندق .
(3/48)

"""""" صفحة رقم 49 """"""
وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور ، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس ، وأنفذ إليهم مائتي غلام تركي عليهم جليل من الأتراك ؛ فقاتل الفرنج وقتل منهم ألفاً وخمسمائة ، وأكثر النكاية فيهم . وأغار طغتكين على بلاد الفرنج ، فأخذ لهم موضعاً ، فرجعوا عن صور بغير شيء . وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين ، فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه في أحسن زي ، وأخذ أهل صور في رم ما شعثه الفرنج في البلد .
وفيها حدث بمصر وباء مفرط ، هلك به تقدير ستين ألف نفس .
(3/49)

"""""" صفحة رقم 50 """"""
سنة ست وخمسمائة
فيها حفر البحر المعروف ببحر أبي المنجا ، فابتدئ في حفره في يوم الثلاثاء السادس من شعبان ، وأقام الحفر فيه سنتين . وكان أبو المنجا يهوديا وكان يشارف على الأعمال الشرقية ؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه استعظمه وقال : غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبي المنجا . فغير اسمه ودعي بالبحر الأفضلي ، فلم يتم ذلك ولا عرف إلا بأبي المنجا . وفيها أعلن شمس الخلافة أسد ، والي عسقلان ، بالخلاف ، فعهد إلى صاحب الترتيب والقاضي فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له ؛ وإلى العسكر الذي كان يخاف شوكته ؛ فأوهمهم أنه يسيرهم إلى بلاد العدو . فلما حصلوا خارج الثغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم ؛ وكان قد سير قبل ذلك العسكر من الباب على جهة البدل . فلما علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة الفرما أنفذ إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدو قد تعداهم ، فامتنعوا من التوجه إلى عسقلان .
فلما بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه . ثم رأى أن إعمال الحيلة أنجع ؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوب رأيه فيما فعله في صاحب الترتيب والبدل ، ولم يغير مكاتبته عن حالها ، ولا تعرض لإقطاعاته ورسومه وأصحابه ؛ وسير في الباطن من يستفسد الكنانية والرجال المذكورة ويبذل لهم الأموال في أخذه . ولم يزل يدبر عليه حتى اقتنصت المنية مهجته ؛ وذلك أن أهل بيروت أنكروا أمره ، فوثب عليه طائفة وهو راكب ، فجرحوه ، وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا عليه ، ونهبوا داره وماله ، وتخطفوا
(3/50)

"""""" صفحة رقم 51 """"""
بعض دور الشهود والعامة . فبادر صاحب السيارة إلى البلد وملكه ، وبعث برأس شمس الخلافة إلى الأفضل ، فسر بذلك وأحسن إلى القادمين به .
وكان قدوم الرأس في يوم الأربعاء رابع المحرم ، صحبة ثلاثة من الكنانية ، فخلع عليهم ؛ وطيف بالرأس ، وزينت البلد سبعة أيام .
وفيه خلع على ولده مختار ولقب شمس الخلافة ، وأنعم عليه بجميع مال أبيه . وسير بدله مؤيد الملك خطلخ ، المعروف برزيق ، والياً على الثغر .
وفيها وصل يانس الناسخ من الشام ، فاستخدم في خزانة الكتب الأفضلية بعشرة دنانير في الشهر وثلاث رزم كسوة في السنة ، والهبات والرسوم .
وفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه ، فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها .
وفيها تسلم نواب طغتكين صور من عز الملك أنوشتكين الأفضلي خوفاً من بغدوين أن يأخذها ، وقام بأمرها مسعود ؛ فاستقرت بيد الأتراك وأقروا بها الدعوة المصرية والسكة على حالها . وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع لينزل على صور ، وأن أهلها استنجدوني ، فبادرت لحمايتها ، ومتى وصل من مصر أحد سلمتها إليه . فكتب يشكره على ما فعل . وتقدم بتجهيز الأسطول إلى صور بالغلة معونة لها .
(3/51)

"""""" صفحة رقم 52 """"""
سنة سبع وخمسمائة
في أولها خرج الأسطول من مصر بالغلات والرجال إلى صور ، وعليه شرف الدولة بدر بن أبي طالب الدمشقي وكان متولى طرابلس عند أخذ الفرنج لها ، فوصل إلى صور سالماً ؛ ورخصت بها الأسعار ، واستقام أمرها . وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصه ، ولمسعود متولى صور . ثم أقلع في آخر شهر ربيع الأول . فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود ، فأجابه ، وانعقد الأمر بينهما .
(3/52)

"""""" صفحة رقم 53 """"""
سنة تسع وخمسمائة
في ذي القعدة قفز على الأفضل عند باب الزهومة من دكان صيرفي يعرف بالغار وسلم ، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصيرفي وصلب على دكانه .
وورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما ، فسير الراجل من العطوفية ، وسير إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين إليها ، ويتقدم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر ، وأن يسير بنفسه ؛ فاعتد ذلك ؛ ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي . فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج ؛ فخاف بغدوين من يلاحق العساكر ، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النيران ، وهدم المساجد ، وعزم على الرجوع ، فأدركته المنية ومات . فأخفى أصحابه موته ، وساروا وقد شقوا بطنه وحشوه ملحاً ، وشنت العساكر الإسلامية الغارات على بلاد العدو ، وخيموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا . وكانت الكتب قد نفذت من الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين ، صاحب دمشق ، بعتبه ويقول له : لا في حق الإسلام ولا في حق الدولة التي ترغب في خدمتها والانحياز
(3/53)

"""""" صفحة رقم 54 """"""
إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الديار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ولا تتبعهم ، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد . فلما وصل إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان ، فتلقاه المقدمون ، ونزل أعظم منزل ، وحملت إليه الضيافات . وحمل إليه من مصر الخيام وعدة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام ، وسيف ذهب ، ومنطقة ذهب ، وطوق ذهب ، وبدنة طميم ، وخيمة كبيرة معلمة ، ومرتبة ملوكية ، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما تحتاج إليه من آلات الفضة . وجهز لشمس الخواص ، وهو مقدم كبير كان معه على عدة كثيرة من العسكر ، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب ؛ وجهز برسم المتميزين من الواصلين خلع مذهبة وحريرية ، وسيوف مغموسة بالذهب . فتواصلت الغارات على بلاد العدو ، وقتل منهم وأسر عدد كبير .
فلما دخل الشتاء وتفرق العسكر والعربان ، استأذن ظهير الدين على الإنصراف ، فأذن له ، وسيرت إليه وإلى من معه الخلع ثانياً ؛ فحصل لشمس الخواص خاصة في هذه السفرة ما مقداره عشرة آلاف دينار ؛ وتسلم الأمير ظهير الدين الخيمة الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها ؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار . وذكر أن المنفق في هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار .
ورعشت يد الأفضل ، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة على الكتب ، فأقر أخاه أبا محمد جعفر المظفر في العلامة ، وجعل له خمسمائة دينار في الشهر مضافاً إلى رسمه ، فعلم عنه .
واستهل شهر رمضان ، فجرى الأمر في نيابة الأجل سماء الملك ، ولد الأفضل ، عنه في جلوسه بمحل الشباك ، وقرر له على هذه النيابة في هذا الشهر خمسمائة دينار ، وبذلة مذهبة ، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها . ولم يزل هذا الرسم مستقراً إلى أن أخذه
(3/54)

"""""" صفحة رقم 55 """"""
عباس بن تميم في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة عند توليته حجبة بابه . والبذلة وحدها تساوي خمسمائة دينار .
وفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة ، فظلم وعسف ، وبنى مسجداً عرف بمسجد لا بالله .
(3/55)

"""""" صفحة رقم 56 """"""
سنة عشر وخمسمائة
سنة إحدى عشرة وخمسمائة
في ذي الحجة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفي بني عبد القوى ، فنفوا إلى الأندلس بأهاليهم .
وفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها ، وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره ، ورحل وهو مثخن مرضا ، فمات قبل العريش ، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك ، فهو يرجم إلى اليوم ، ويعرف مكانه بسبخة بردويل ؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس .
وقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرها بعهده إليه .
ونزل الفرنج حوران ، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت ؛ وملكوا مدينة صور .
وفيها خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء ومضى إلى بجاية
(3/56)

"""""" صفحة رقم 57 """"""
سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
فيها مات الأمير نور الدولة أبو شجاع فاتك ، والد القائد أبي عبد الله بن فاتك ، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدي دبيقي ونصافي ، وطيباً وبخورا وشمعاً ، وحمل له من القصر أضعاف ذلك . وخرج الأفضل والأمراء ، وجميع حاشية القصر ، إلى الإيوان ، فخرج الخليفة وصلى عليه ؛ ثم أخرج فدفن . وتردد الناس إلى التربة . وفرقت الصدقات إلى تمام الشهر .
وكان بيد نور الدين زمر الضاحكية والفراشين وصبيان الركاب والسلاح الخاص بجار ثقيل ورسوم كثيرة . وهؤلاء الضاحكية كانوا يعرفون بهذه الرسوم قديماً عند وصولهم مع المعز إلى مصر ، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون الثياب بالأكمام الواسعة ، وفي أرجلهم الصاجات ؛ وفي الأعياد يشدون أوساطهم بالعراضى الدبيقي ، ولا يتقدمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم في المغرب .
وفيها قفز على الأفضل ثانيا ، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسكاكين ، فقتلوا ، وعاد سالما ؛ فاتهم أولاده ، وصرح بالقول فيهم ، وأخذ دوابهم ، وأبعد حواشيهم ، ومنعهم من التصرف ؛ وبالغ في الاحتراز والتحفظ .
(3/57)

"""""" صفحة رقم 58 """"""
وفيها وردت التجار من عيذاب ذاكرين أنه خرج عليهم في مراكب شنها قاسم بن أبي هاشم ، صاحب مكة ، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم . فغضب الأفضل وقال : صاحب مكة يأخذ تجاراً من بلادي ، أنا أسير إليه بنفسي بأسطول أوله عيذاب وآخره جدة . ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما فعله أمير مكة ، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدولة تاجر ولا حاج إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجار . وكتب إلى والي قوص بأن يسير بنفسه أو من يقوم مقامه ، إلى عيذاب ، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا يمكن أحداً من الركوب فيها ، وأن يتشوف ما يدخل عيذاب من الشواني والحراريق ، فمهما كان يحتاج إلى إصلاح ومرمة ينجز الأمر فيه ؛ ويشعر أهل البلاد بوصول الرجال والأموال لغزو البلاد الحجازية . وتقدم إلى المستخدمين بصناعة مصر بتقديم خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز .
فلما وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتد الأمر عندهم وتحرك السعر ، فبعثوا رسولا من أميرهم ، فلما وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا أجرى عليه ضيافة ، وقيل له : ما يقرأ لك الكتاب ، ولا يسمع منك خطاب دون إعادة المأخوذ من التجار إليهم . وشاهد مع ذلك الجد والاهتمام بأمر الأساطيل وتجهيز العساكر إلى صاحبه ، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار ، وسأل التوقف قبل الإسراع بما عول عليه من قصد صاحبه ؛ وأجل لعوده أجلا قريباً . فأجيب إلى ذلك ، وسار . فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع
(3/58)

"""""" صفحة رقم 59 """"""
ما أخذ من التجار من البضائع والأموال ؛ فحملت إلى الجامع العتيق بمصر بمحضر من الرعايا ، وهم يعلنون بالشكر والدعاء . واحتاط متولى الحكم عليه إلى أن تحضر جماعة التجار ويجري الأمر على ما توجبه الشريعة . وخلع على الرسول وأحسن إليه ووصل .
ومرض الأفضل بحمى حادة ثم عوفي ، فدفع للطبيب ثلثمائة دينار
(3/59)

"""""" صفحة رقم 60 """"""
سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع وخمسون سنة ، لأن مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة . وكان سبب ذلك أنه لما كان ليلة عيد الفطر جهز ما جرت العادة بتجهيزه من الدواب والآلات لركوب الخليفة ، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب والسلاح ؛ ثم عاد وأدى ما يجب من سلام الخليفة فتقدم إلى القائد أبي عبد الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السير أن يصف العساكر إلى صوب باب الخوخة . وركب الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم ، وخرج من باب الخوخة قاصداً دار الذهب ، فلما حصل بها وقع التعجب من الناس في نزوله ليلة الموسم ، ولم يعلم أحد ما قصد ؛ وكان قصده أن يكمل تعليق المجلس الذي يجلس فيه . فصلى بدار الذهب الظهر ، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنا منهم أنه يبيت فيها . فسار إلى الزهري فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون والرهجية قد اتجهوا لخدمته ، وكان قد ضجر وتغير خلقه ولا سيما في الصيام . فلما رأى اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم ، فتقدموا ووقفوا عند باب الساحل ، فأنفذ أيضا يخرج من أبعدهم ، وبقى في عدة يسيرة ، وأبعد صبيان السلاح من ورائه ؛ فوثب عليه من دكان دقاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلما اشتغل من حوله واحد خرج
(3/60)

"""""" صفحة رقم 61 """"""
غيره ؛ فرمى من الفرس إلى الأرض ، وضربوه ثمان ضربات . وكان القائد بعيدا منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق الصدقات على الفقراء بالطريق ؛ فلما سمع الضوضاء أسرع إليه ورمى نفسه إلى الأرض عليه ، فوجده قد قضى نحبه . وحمل على أيدي مقدمي ركابه والقائد راجل ، وهم يبشرون الناس بالسلامة . وقتل من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا وأحرقوا ، وسلم الرابع ، وكان اسمه سالماً ، ولم يعلم به إلا لما ظفر به مع غيره بعد مدة . ولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكن أحد من الوصول إليه إلى أن دخل به على مرتبته التي كان يجلس عليها أو يمطى . وقال القائد للخليفة أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه . وصار أي من لقيه يهنئه بسلامة السلطان ويوهم أهله أن الطبيب عنده ، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه . وعاد إلى قاعة الجلوس فوجدها قد غصت بالناس ، فرد عليهم السلام وهنأهم ، وأظهر قوة عزم ؛ ثم عاد إلى القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولى المائدة الأفضلية واستأذنه على السماط المختص بالعيد فقال له اذبح ووسع ، فالسلطان بكل نعمة وهو الذي يجلس على السماط في غد ؛ ومع ذلك فكان في قلق وخوف شديد من أن يبلغ أولاد الأفضل فيجري عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدار .
فلما أصبح الصباح وركب الخليفة ودخل إلى الدهليز الذي كان يركب منه الأفضل ومعه الأستاذون المحنكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة : عن إذن مولانا أفتح الباب ؛ وكان قد منع من الدخول إلى الدار ؛ فقال الخليفة : نعم ففتح على الأفضل وقال له القائد : الله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح في مدته ويورثه أعمار مماليكه ؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى ، وهذا ملكه يتسلمه . ثم ضربت للوقت المقرمة على الأفضل ؛ وأمر الخليفة بإحضار من بالقاعة من الأمراء والأجناد ، فدخل الناس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا بين
(3/61)

"""""" صفحة رقم 62 """"""
يدي الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة ، فقال الخليفة للأمراء : هذا وزيري قد صار إلى الله تعالى ، ومنكم إلي ومني إليكم ، وقد كان القائد واسطته إليكم وهو اليوم واسطتي إليكم . فشكر الحاضرون ذلك ؛ هذا والقائد وولده مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا عليه . وتقدم إلى الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة أن يكتب إلى الأعمال بذلكن وأمر الأمراء بالانصراف .
ثم قال القائد : يا مولانا ؛ الأموال والجواهر على اختلافها في الخزائن الكبار عنده ، وهي مقفلة ومفاتيحها عندي ، وختم عليها وهي في بيت المال المصون ؛ وكذلك المفضض التي عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب المرصعة والتي بغير ترصيع ، والبلور التي برسم استعماله ؛ جميع ذلك مثبت عند متولي دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التي برسم ملبوسه ما عندي منها خبر ، فأمر من يدخل ويختم عليها . فأمر متولي الخزائن الخاص ، وكان سيف الأستاذين ، ومتولي بيت المال ومتولي الدفتر ، وهم كبار الأستاذين المحنكين بأن يدخلوا ويجتمعوا ، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا لأحد من عياله .
فتوجهوا وقرعوا الباب . فلما شاهدهم النساء تحققوا الوفاة ، وقام الصراخ من جميع جوانب المواضع ؛ وكانت ساعة أزعجت كل من بمصر والجيزة والجزيرة ؛ ثم أسكتوا . وأنفذت الرسل لختم الخزائن التي بمصر . فبينما هم على ذلك في الليل إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة ، من رجلين من جملة الحاشية ، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدة وشنعت حاشيتهم أن في بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون في طلب الوزارة لأخيهم الأكبر فامتعض الخليفة لذلك ، وهم بالإرسال إليهم وقتلهم ؛ ثم تقرر الأمر على أن يودعوا الخزانة من غير إهانة ولا قيود ؛ فتوجه إليهم ، فإذا جميع حاشيتهم وغيرها عندهم ، والخيل قد شدت ، فأودعوا الخزانة .
(3/62)

"""""" صفحة رقم 63 """"""
فلما أصبح الصباح كان قد حمل من القصر في الليل طوافير فيها عدة موائد للفطر في يوم العيد ، وحمل برسم فطر الخليفة الصواني الذهب وعليها اللفائف الشرب المذهبة . وكان قد هيئ للخليفة من الليل موضع للمبيت بحيث يبعد عن الأفضل ، وعين من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل .
فلما كان السحر من عيد الفطر جئ بين يدي الخليفة بما أحضر من قصوره في مواعينه الذهب المرصعة ، وعليها المناديل المذهبة من التمر المحشو والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك ؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضي إلى باب الحرم لإحضار الأجل المرتضى ابن الأفضل ؛ فمضى لذلك ، فأبت أمه من تمكنهم منه ؛ فما زال بها حتى أسلمته إليه بعد جهد . فأتى به الخليفة فسلم به ، وضمه الخليفة إليه وقبله بين عينيه ، وأجلسه عن يمينه والقائد عن شماله ، وبقية الخواص على مراتبهم . ثم كبر مؤذنو القصر ، فسمى الخليفة وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد ، ثم ناول الثانية لولد الأفضل ؛ فقام كل منهما وقبل الأرض ولم يجلس . وتقدم كل من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة من التمر ووقف . فاستدعى القائد الفراش الذي معه الصينيتان النحاس ، وأمر فراشي الأسمطة بنقل ما في الأواني التي بين يدي الخليفة في الصواني لتفرق في الأمراء الذين بالقاعة والدهاليز ، فنقلت إليها وحملت إلى المقرمة التي الأفضل وراءها وختم المقرئون .
ثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره ، فتلثم وتلثم جميع المحنكين والحاشية ، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة ، وأمر حسام الملك ، حاجب الباب ، بإحضار القاضي والداعي والأمراء ، فدخل الناس على طبقاتهم . فلما رأوا زي الخليفة اشتد البكاء والعويل ، وخرق كل أحد ما عليه ، ورميت المناديل ، يعني العمائم ، إلى الأرض ، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة . ثم سأل القائد الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر ، ففعل ذلك .
ثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلم الناس عنه : فقال : أمير المؤمنين يرد السلام
(3/63)

"""""" صفحة رقم 64 """"""
عليكم ، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه بوزيره ومدبر دولته ودولة آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم ، وقد أفطر بمشاهدتكم ، وأمركم بالإفطار . فمسح الخليفة بيده على الصواني ، وتقدم القائد إلى الخليفة وصار يناوله من الصواني بيده ؛ فأول ما مد إلى القاضي ثم الداعي ، ونزل الناس للأكل . ورفعت الصواني ، فأخذ القائد يد الداعي وقربه من الخليفة ، فناوله الخليفة الخطبة ، وكانت على يساره ملفوفة في منديل شرب بياض مذهب ، فقبلها الداعي وجعلها على رأسه ، وضمها إلى صدره . وتقدم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ويطلعون إلى المصلى بالقاهرة لقضاء الصلاة ، فتوجهوا في زي الحزن والمؤذنون بين أيديهم . فصلى الداعي بالناس ، ثم صعد المنبر فوقف على الدرجة الثالثة منه ، وخطب . وكانت الخطبة مبيتة فيها الدعاء للأفضل والترحم عليه وعندما توجه الناس إلى المصلى أمر ولد الأفضل بالمضي إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ليرد عليهم السلام من أمير المؤمنين ويفطرهم .
وخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر ؛ فقام إلى خزانة كانت قد بنيت برسم الأفضل ، فوجد بها خيمة ، ففتحها وأخرج قمطرين عليهما حلية ذهب مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح ؛ وقمطرا فيه إحدى عشرة شرابة طول كل شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر ؛ وصناديق فضة مملوءة مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصعة بجواهر نفيسة . ففتحت كلها ، فشاهد الخليفة منها ما لا يوصف ؛ فسر بذلك سرورا كبيرا ، وشكر القائد وقال : والله إنك المأمون حقاً مالك في هذا النعت شريك . فقبل الأرض ويديه .
ولهذا النعت قضية . وذلك أنه لما كان في الأيام المستنصرية ، وعمر القائد يومئذ اثنتا عشرة سنة ، وكان من جملة خاصة المستنصر يرسله إلى بيت المال وخزانة الصاغة في مهماته ، فيجد منه النهضة والأمانة ، فيقول هذا المأمون دون الجماعة . ودرجت
(3/64)

"""""" صفحة رقم 65 """"""
السنون ، فذكرها الخليفة الآمر في ذلك الوقت فقال له : أنت المأمون على الحقيقة لأجل ذلك .
ثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب ، والداعي وجميع الأمراء من المصلى ، ومثلوا بين يدي الخليفة . ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل ؛ وتقدم إلى زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة ، وتقدم إلى ريحان متولى بيت المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم ؛ فمضيا . وتقدم إلى حسام الملك بإعلام الأمراء والاجناد والشهود والقضاة والمتصدرين والمقربين وبنى الجوهري الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن . فعاد زمام القصور ومتولى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة في عراض دبيقي بياض مملوءة صندلا مطحونا ، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا ، وفي صدر الآخر منديل ديباج فيه ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم . ووصلت أيضا الموائد على رءوس الفراشين ، وهي مائة شدة ، صحبة متولى المائدة الآمرية ؛ فمد السماط بين يدي الخليفة ، ومد سماطان ، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء ، والآخر برسم القاضي والداعي والشهود والمقربين والوعاظ والمؤمنين ، وحمل إلى الجهات الأفضليات شيء كثير . فلما انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة ، وذكر أنه ختم على الأفضل في هاتين الليلتين واليوم نيف وخمسون ختمة . فلما انقضى معظم الليلة ، الثاني من شوال ، تقدم الخليفة بإحضار داعي الدعاة ، ولي الدولة ابن عبد الحقيق ، وأمره بغسل الأفضل على ما يقتضيه مذهبه ، وكفن بما حضر من القصر ، وأخرج للداعي بذلتان مكملتان ، مذهبة وحرير ، عوضا عما كان على الأفضل من ثياب الدم ، فإنها لم تنزع عنه ، وعند كمال غسله دفع للداعي ألف دينار .
فلما كان في الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثاني شوال خرج التابوت بالجمع الذي لا يحصى ،
(3/65)

"""""" صفحة رقم 66 """"""
والناس بأجمعهم رجالة ، وليس وراءهم راكب إلا الخليفة بمفرده وهو ملثم . فلما خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب القائد والمرتضى ولد الأفضل ، وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة ركب حماراً ، فلما وصلت الجنازة إلى باب زويلة ترجل القائد والمرتضى ومشيا ؛ وبعث الخليفة خواصه إلى أخويه أبي الفضل جعفر وأبي القاسم عبد الصمد ، وأمرهما إذا وصل التابوت إلى باب الزهومة أن يخرجا بغير مناديل ، بعمائم صغار وطيالس ؛ فإذا قضيا ما يجب من حق سلام الخليفة سلما على القائد أبي عبد الله بمثل ما كانا يسلمان على الأفضل ، ويمشيان معه وراء التابوت . فاعتمدا ذلك . فاستعظم الناس هذه الحالة والمكارمة ؛ ولم يزالا مع الناس وراء التابوت إلى أن دخل من باب العيد .
(3/66)

"""""" صفحة رقم 67 """"""
فلما صار التابوت في وسط الإيوان هم الخليفة بأن يترجل ، فسارع إليه القائد والمرتضى ، وصاح الناس بأجمعهم : العفو يا أمير المؤمنين . عدة مرار . فترجل الخليفة على الكرسي ، وصلى عليه ، ورفع التابوت فمشى وراءه ، وركب الخليفة الفرس على ما كان عليه ؛ ونزل التربة ظاهر باب النصر ووقف على شفير القبر إلى أن حضر التابوت . واستفتح ابن القارح المغربي وقرأ : ' وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ ' الآية . فوقعت من الناس موقعا عظيما ، وبكوا ، وبكى الخليفة ، وهم بنزول القبر ليلحده بيده ؛ ثم أمر الداعي فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته ، ثم ركب من التربة والناس بأجمعهم بين يديه إلى قصره .
وأخرج من قاعة الفضة بالقصر ثلاثون حسكة ، وثلاثون بخورا مكملة ، وخمسون مثقال ند وعود ، وشمع كثير ، فأشعلت الشموع إلى أن صلى الصبح وأطلق البخور ، واستقر جلوس الناس ؛ فصلى القاضي بالناس ، وفتح باب مجلس الأفضل المعلق بالستور الفرقوبي الذي لم يكن حظه منه إلا جوازه عليه قتيلا . ورفعت الستور ، وجلس الخليفة على المخاد الطرية التي عملت في وسطه ؛ وسلم الناس على منازلهم ، وتلي القرآن العظيم . وتقدمت الشعراء في رثائه إلى أن استحق الختم فختم . ثم خرج القائد والأمراء إلى التربة فكان بها مثل ما كان بالدار من الآلات والبخور . وعمل في اليوم الثاني كذلك .
وكان عمر الأفضل يوم مات سبعاً وخمسين سنة ، ومدة ولايته ثمانية وعشرون عاماً
(3/67)

"""""" صفحة رقم 68 """"""
ويقال إن الآمر وافق المأمون على قتله ، فرتب له من قتله .
ثم أمر أن يكتب سجل بتعزية الكافة في الأفضل والثناء على خصائصه ومساعيه ، وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومد رواق العدل عليهم ؛ وتفريقه على نسخ تتلى على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد . فكتب ما مثاله : هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي ، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بما رآه وأمر به من تلاوة على كافة من بمدينة مصر حرسها الله تعالى من الأشراف والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم ، فارسهم ومترجلهم وراجلهم ، والقضاة والشهود والأماثل ، وجميع الرعايا ، بأنكم قد علمتم ما أحدثته الأيام بتصاريفها ، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها من فقد السيد الأجل الأفضل ونعوته قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، وحشره مع مواليه الطاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه الذي كان عماد دولة أمير المؤمنين وحمال أثقالها ، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعولها ، وتخطى الحمام إليه ، واخترام المنية إياه وتسلطها عليه ؛ وما تدارك الله الدولة به من حفظ نظامها ، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها ؛ وما رآه أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السعيد ، ومباشرته إياها بعزمه الشديد ورأيه السديد ، واهتمامه بمصالح الكافة ، وإسباغ ظل الإحسان عليهم والرأفة ، حتى أصبحت الدولة الفاطمية بذلك ظليلة المناكب ، منيرة الكواكب ، محروسة الأرجاء والجوانب .
ولما كانت همة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم ، والنظر في مصالحكم ، والإحسان إليكم ، وتأمين سربكم ، وإعذاب شربكم ، ومد رواق العدل عليكم ، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم ، وضعيفكم من قويكم ، ومشروفكم من شريفكم ، وكف عوادي المضار بأسرها عنكم ، وتمكينكم من التصرف في أديانكم على ما يعتقده كل منكم ، جارين على رسمكم وعادتكم ، من غير اعتراض عليكم رأى ما خرج به عالي أمره من كتب هذا السجل وتلاوته على جميعكم ، لتثقوا به ، وتسكنوا إليه ، وتتحققوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم ؛ وأنه لا يشغله عن مصالح الكافة شاغل ، وأن باب رحمته مفتوح لمن قصده ، وإحسانه عميم شامل ، وله إلى تأمل أحوال الصغير والكبير منكم عين ناظرة ،
(3/68)

"""""" صفحة رقم 69 """"""
وفي إحسان سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة . والله تعالى يمده بحسن الإرشاد ، ويبلغه المراد في مصالح العباد والبلاد ، بمنه وعونه . فاعلموا هذا من أمير المؤمنين ورسمه ، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى المعونة بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كل من سمعه ، ويصل علم مضمونه إلى من لم يحضر قراءته ، ليتحققوا ما ذكر فيه وأودعه ؛ وليحمل الناس على ما أمرتهم فيه ، وليحذر من مجاوزته وتعديه . وليقرأ بالجامع المذكور ليقع التصفح والتأمل في اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى .
ثم أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى ، مضمونه : خرج أمر أمير المؤمنين ، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ، بإنشاء هذا المنشور بأن يعتمد في ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدولة ، قاصيها ودانيها ، قريبها ونائيها ، إمضاء ما كان السيد الأجل الأفضل قرره ، وخرجت به توقيعاته الثابتة عليها علامته في الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال ، إذ أمر أمير المؤمنين راض بأفعاله ، محقق لأقواله ، حامد لمقاصده ، ممض لأحكامه ، عارف بسداد رأيه في نقضه وإبرامه ، على أوضاعها وأحكامها ، وتقريراته في كل منها . فليحذر كافة الأمراء وسائر الولاة نصرهم الله وأظفرهم وجميع النواب والمستخدمين ، والكتاب والمتصرفين بجميع الأعمال من تأول فيه ، أو تعقيد بغير شيئا من أحكامها على ما قرره وأمر به . وليجلد هذا المنشور في ديوان التحقيق والمجلس بعد ثبوته في جميع الدواوين ، وليصدر الإعلان به إلى كافة الجهات بهذا المرسوم ، تثبيتا لهذا الأمر المذكور المحتوم ، إن شاء الله تعالى وفي السادس والعشرين من شوال عمل تمام الشهر على تربة الأفضل ، كما عملت الصبحة والثالث . فلما انقضى الختم وانصرف الناس ركب الخليفة بموكبه . ونزل إلى التربة ، وترحم عليه وعاد . ذكر هذا جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في تاريخه .
وقال ابن ميسر : وأقام الخليفة في دور الأفضل ، وفي دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما ، والكتاب بين يديه يكتبون ما ينقل إلى القصور ؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى .
(3/69)

"""""" صفحة رقم 70 """"""
فيما وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا ، وفي بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف دينار وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار ؛ ومائتين وخمسين إردبا دراهم ورقاً ؛ وثلاثين راحلة من الذهب العراقي المغزول برسم الرقم ؛ وعشرة بيوت في كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان ؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملونة ؛ وخمسمائة صندوق من دق دمياط وتنيس برسم كسوة بدنه ؛ ولعبة من عنبر على قدر جسده برسم ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة ؛ ومن الطيب والآلات ما لا يحصى عدده ؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبان ونتاجه في سنة نحو أربعين ألف دينار ؛ ودواية يكتب منها مرصعة بالجواهر ، قوم جوهرها باثني عشر ألف دينار ؛ وخمسمائة ألف مجلدة من الكتب العلمية .
قال : وأخذ الآسر في نقل ما بدار الأفضل إلى القصر ، وهو يرتب ما يحمل بنفسه ، هو وأصحابه ؛ واستمر ذلك مدة شهرين وأيام ، والأموال تحمل على بغال وجمال إلى القصر ، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كل غداة ويقيم حتى يرتفع النهار ويرتب ما يفعل .
وذكر متولي الخزابة بالقصر أن مما وجد في دار الأفضل ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار ؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار ؛ وسبعمائة طوق ما بين ذهب وفضة ؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات والأباريق والقدور والزبادي الذهب والفضة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة ؛ ومن براني الصيني الكبار المملوء بالجواهر التي بعضها منظوم كالسبح وبعضها منثور شيء كثير .
وكان الأفضل في أوقات الشرب يصف في مجلسه صواني الذهب وبينها البراني المملوءة بالجواهر ، فإذا أحب فرغب البرنية في الصينية فتكون ملئها .
ووجد له من أصناف الديباج وما يجري مجراه من عتابي ونحوه تسعون ألف ثوب وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلها دبيقي وشرب عمل تنيس ودمياط ،
(3/70)

"""""" صفحة رقم 71 """"""
على كل صندوق شرح ما فيه وجنسه . وخزانة الطيب مملوءة أسفاطا ، فيها العود وغيره ، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه ؛ وبراني بها المسك والكافور وشيء كثير من العنبر . ووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار متقابلات ، أربع منهن بيض من كافور وأربع سود من عنبر ، قيام في المجلس ، عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلى ، بأيديهن مذاب من أعظم الجوهر ؛ فإذا دخل من باب المجلس ووطىء العتبة نكسن رءوسهن خدمة له بحركات قد أحكمت ؛ فإذا جلس في صدر المجلس استوين قائمات .
ووجد له من المقاطع والستور والفرش والمطارح والمخاد والمساند الديباج والدبيقي الحريري والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر ، كل حجرة مملوءة من هذا الجنس . ووجد له عدة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقي برسم الاستعمال . ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة ، ملبسة بالذهب والفضة ، مرصعة بالجوهر ؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظية لكل واحدة حجرة وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف .
وكان في مخازنه تحت يد عماله والجباة وضمان النواحي من المال والغلال والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه .
وحمل من داره أربعة آلاف بساط ، وستون حملا طنافس ، وخمسمائة قطعة بلور ، وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل ، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب ، وتسعة آلاف سرج .
قال ابن ميسر : وكان الأفضل من العدل وحسن السيرة في الرعية والتجار على صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديماً وشوهد أخيرا ، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط عليه . ولما حصر الاسكندرية كان به يهودي يبالغ في سبه وشتمه ولعنه ، فلما دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدمه للقتل وقد عدد عليه ذنوبه ، فقال اليهودي : إن معي خمسة آلاف دينار ، خذها مني وأعتقني واعف عني . فقال : والله لولا خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك ؛ وعفا عنه ولم يأخذ منه شيئا . وكان إذا غضب على أحد اعتقله ولم يقتله ، فلما مات أطلق من سجنه عشرة آلاف إنسان ، فإنه كان إذا اعتقل أحداً نسيه ولا يرى بإخرابه .
(3/71)

"""""" صفحة رقم 72 """"""
وكانت محاسنه كثيرة . وهو أول من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من التركات على العادة القديمة ، وأمر بحفظها لأربابها ، فإذا حضر من يطلبها وطالعه القاضي بثبوت استحقاقه أمره في الحال بإطلاق ما ثبت له . واجتمع بمودع الحكم من مال المواريث التي تنتظر وصول مستحقها من شرق الدنيا وغربها مائة ألف وثلاثون ألف دينار ، فرفع إليه قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن علي الرأس عيني لما ولى أن قد اعتبرت ما في مودع الحكم من مال المواريث فكان مائة ألف دينار ، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها في المودع ، فإن لها السيرة الطويلة لم يطلب شيء منها . فوقع رقعته : إنما قلدناك الحكم ولا رأي لنا فيما لا نستحقه ، فاتركه على حاله لمستحقيه ولا تراجع فيه . فأخذها هذا القاضي غرفاً .
وبلغ ارتفاع خراج مصر في أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار ، ومتحصل الأهراء ألف ألف إردب . وبنى في أيامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة بالجرف المعروف بالرصد والمسجد المعروف بالجيوشي على سطح الجبل . وبنى مئذنة جامع عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة وجامع الجيزة . وعمل خيمة الفرح التي سميت بالقاتول ، اشتملت على ألف ألف وأربعمائة ألف ذراع من الثياب ، وقائم ارتفاع
(3/72)

"""""" صفحة رقم 73 """"""
العمود الذي لها خمسون ذراعا بذراع العمل ، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ألف دينار . وللشعراء فيها عدة مدائح .
وكان الأفضل يقول الشعر . فمن شعره في غلامه تاج المعالي :
أقضيب يميس ، أم هو قدّ . . . أو شقيق يلوح ، أو هو خدّ
أنا مثل الهلال خوفاً عليه . . . وهو كالبدر حين وافاه سعد
وكان شديد الغيرة على نسائه . اطلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه متطلعة إلى الطريق ، فأمر بضرب عنقها . فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد :
نظرت إليها وهي تنظر ظلّها . . . فنزّهت نفسي عن شريك مقارب
أغار على أعطافها من ثيابها . . . . . . ومن مسك لها في الذّوائب
ولي غيرةٌ لو كان للبدر مثلها . . . لما كان يرضى باجتماع الكواكب
قال : وكان عدة الوعاظ والقراء والمنشدين في عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين شخصاً ، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كل واحد منهم ثمانين دينارا ، الصغير مثل الكبير ؛ فقال ابن أبي قيراط : يا مولانا ، هذا مال كثير . فقال : إنفاذ أمرنا هذا من بعض حقه علينا . فجاء مبلغ ما دفع نحواً من أربعة وثلاثين ألف دينار .
(3/73)

"""""" صفحة رقم 74 """"""
قال : والأفضل هو الذي أنشأ بستان البعل ، والمنتزه المعروف بالتاج ، والخمس وجوه ، والبستان الكبير ، والبستان الخاص بقيلوب ؛ وجدد بستان الأمير تميم ببركة الحبش ، وأنشأ الروضة بحرى الجزيرة ، وكان يمضي إليها في العشاريات الموكبية ؛ رحمه الله .
في مستهل ذي القعدة خلع على القائد أبي عبد الله بن فاتك بذلة مذهبة بشدة الخليفة الداعية ، وحلت المنطقة من وسطه ؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلت منطقته أيضا ؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك .
واستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهل ذي الحجة ؛ ففي يوم الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاص الشريف في فرد كم مجلس العيد ، وطوق بطوق ذهب مرصع ، وسيف ذهب مرصع ؛ وسلم على الخليفة ، فأمر الخليفة الأمراء وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه ، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه .
(3/74)

"""""" صفحة رقم 75 """"""
ومشى في ركابه القواد على عادة من تقدمه ، وخرج بتشريف الوزارة ، ودخل على باب العيد راكباً ، ووصل إلى داره ، فضاعف الرسوم وأطلق الهبات . وفي خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن أبي أسامة ، فحضر بالسجل في لفافة خاص مذهبة فسلمه الخليفة إلى الأجل المأمون من يده ، فقبله وسلمه لزمام القصر ، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن يمينه ، وقرئ السجل على باب المجلس ؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان ، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان . ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل نسبة الأمراء والمحنكين والناس جميعهم من الآمري إلى المأموني ، ولم يكن أحد قبل ذلك ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش . وقدمت للمأمون الدواة فعلم في مجلس الخليفة ؛ وتقدم للأمراء والأجناد فقبلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان . وأحضرت الخلع ؛ فخلع على حاجب الحجاب حسام الملك وطوق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب ؛ وخلع على الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست ، وعلى الشيخ أبي البركات بن أبي الليث ، وعلى أبي الرضا سالم بن الشيخ أبي الحسن ، وعلى أبي المكارم أخيه ، وعلى أبي محمد أخيهما ، وعلى أبي الفضل يحيى بن سعيد الميمذي ووصل بدنانير كثيرة بحكم أنه قرأ السجل . وخلع على أبي الفضائل بن أبي الليث صاحب مغفر المجلس . ثم استدعى غذى الملك سعيد ابن عمار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين الحضرة من جميع الجهات وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه . وفي الأيام الأفضلية لم يكن أحد يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجاب ولا غيرهم سوى غذى الملك هذا فإنه كان يقف من داخل العتبة ؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من أجل الخدم وأكبرها .
وقال أبو الفتح ابن قادوس في مدح المأمون ، وقد زيد في نعوته :
قالوا أتاه النّعت ، وهو السيد ال . . . أمون حقّا ، والأجلّ الأشرف
(3/75)

"""""" صفحة رقم 76 """"""
ومغيث أمة أحمد ، ومجيرها . . . ما زادنا شيئا على ما نعرف
وذلك أنه نعت في سجله المقروء على الكافة بالأجل المأمون ، تاج الخلافة ، وجيه الملك ، فخر الصنائع ، ذخر أمير المؤمنين . ثم تجدد له في نعوته بعد ذلك الأجل المأمون ، تاج الخلافة ، عز الإسلام ، فخر الأنام ، نظام الدين والدنيا . ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل ، وهو السيد الأجل المأمون ، أمير الجيوش ، سيف الإسلام ، ناصر الإمام ، كافل قضاة المسلمين ، وهادي رعاة المؤمنين .
ولما استمر نظر المأمون للدولة بالغ الخليفة في شكره ، فقال له المأمون : ثم كلام يحتاج إلى خلوة . فأمر بخلو المجلس . فقال : يا مولانا امتثال الأمر متعب ، ومخالفته أصعب ؛ وما تتسع خلافة قدام آمر الدولة وهو في دست خلافته ومنصب آبائه وأجداده ، وما في قواي ما يرومه ، ويكفيني هذا المقدار ، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير . فتغير الخليفة وأقسم : إن كان لي وزير غيرك فقال المأمون : لي شروط ؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد في النعوت وحل المنطقة فلم أفعل ؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكوني قد خنته في المال والأهل ، وما كان والله العظيم ذلك مني يوما قط ، ومع ذلك معاداة الأهل جميعهم ، والأجناد ، وأرباب الطيالس والأقلام ، وهو يعطيني كل ورقة تصل إليه منهم وما يسمع كلامهم . فقال الخليفة : فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته ، إيش يكون فعلي أنا ؟ فقال : يعرفني المولى ما يأمر به فأمتثله بشرط ألا يكون عليه زائداً . فأول ما ابتدأ به أن قال : أريد الأموال لا تبقى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز
(3/76)

"""""" صفحة رقم 77 """"""
والثغور إلا إليه ولا تفرق إلا منه ، وتكون أسمطة الأعياد فيه ؛ وتوسع في رواتب القصور من كل صنف ؛ وزيادة رسم منديل الكم . فقال المأمون : سمعا وطاعة ؛ أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلا بالقصور ، وأما توسعة الرواتب فما ثم من يخالف الأمر ، وأما منديل الكم فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا يكون في كل يوم مائة دينار ؛ ومولانا ، سلام الله عليه ، يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات وأسمطة الأعياد وغيرها . ففرح الخليفة . وقال المأمون : أريد بهذا مسطوراً بخط أمير المؤمنين ، ويقسم لي فيه ألا يلتفت لحاسد ولا ينقبض ؛ ومهما ذكر عني يطلعني عليه ، ولا يأمر فيّ بأمر سراً ولا جهراً يكون فيه ذهاب نفسي وانحطاط قدري ، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي ، فإذا توفيت تكون لأولادي ولمن أخلفه بعدي . فحضرت الدواة ، وكتب ذلك جميعه ، وأشهد الله في آخرها على نفسه . فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف وقبل الأرض وجعله على رأسه ، وكان الخط نسختين ، فلما قبض على المأمون في رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة ، كما سيأتي إن شاء الله ، أنفذ الخليفة طلب الأمان ، فأنفد إليه نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت .
وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة ، وكان مكانه دكاكين علافين .
في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام ، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان .
(3/77)

"""""" صفحة رقم 78 """"""
سنة ست عشرة وخمسمائة
في المحرم كان المولد الآمري . وتقرر السلام على الخليفة في يومي الاثنين والخميس فأما في يومي السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجية إلى القصر ويركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة ؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس الوزير المأمون في داره على سبيل الراحة .
في صفر سب أحد صبيان الخاص الآمري صاحب الشرع وشهد عليه ، فضربت عنقه وصلب .
فيه وصل فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن عمار ، صاحب طرابلس . وكانت الدولة ، قد حولت الثغر في أيديهم على سبيل الولاية ، فلما جاءت الشدائد تغلبوا عليه ؛ ثم جاءت الدولة الجيوشية فخافوا مما قدموه فلم يرموا أيديهم في يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصفح عن ولاتهم . ومضى ذلك السلف ، وخلفهم القاضي فخر الملك هذا في الأيام الأفضلية فجرى على تلك الوتيرة ، ودفع إلى محاصرة الفرنج له مدة سبع سنين ،
(3/78)

"""""" صفحة رقم 79 """"""
فضاق خناقه ، وأيس ؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجداً فلم يجد ناصراً . واختلت أحواله ، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر . وقال في : كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلا وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحق به القتل ، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف ، وفخر يكفر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها ؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنة كريمة ، وإن خفف عنه فتخليده في السجن أحب إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدوله .
فلما عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كل من الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود . فقال المأمون للخليفة : قد أجل الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه ؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه ، فإن العفو زكاة القدرة عليه ؛ ويشمله ما شمل أمثاله . فأعجب الخليفة الآمر ذلك ، وخرج الأمر بأن تعدد على ابن عمار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له : قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك . فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له : قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين ؛ إما أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك ، وإما أن تؤثر الإقامة بفناء الدولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك وتترك التعرض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات .
فلما خوطب بذلك قبل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه ، وكلما خوطب في رفعه قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زماني وتمتلئ مسامعي بألفاظ مغفرته . فبلغته الحضرة النبوية ما تمناه ، وحصل له الأمن ؛ وأمر به إلى دار أعدت له وجعل فيها شهوات السمع والبصر ، وحملت إليه الضيافات الكثيرة ، وجرد برسم خدمته حاجب معه عدة مستخدمين . فأقام أياما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التي لا نظير لها ، ووصله من المواهب ما أربى على أمله . وقرر له ، راتبا في كل شهر ، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان . وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التحف المستظرفة ورسوم المواسم ، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون ، وجعل له
(3/79)

"""""" صفحة رقم 80 """"""
في المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله . ولزم طريقة حمدت منه ، فاستمر إليه الإحسان ؛ وصار يركب في يومي الركوب ويومي السلام وغيرهما .
وفيه أفرج عن الأمير عضب الدولة عز الملك أبي منصور بنا ، وكان له في الاعتقال ثلاث عشرة سنة ، لأنه كان والي عكا وسلمها إلى الفرنج ، فلما وصل رماه الأفضل في الاعتقال ، فلما أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه للاصطبلات والخزائن ، وولي البحيرة . وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين ؛ منهم أبو المصطفى جوهر ، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ ، وكانت مدة اعتقاله خمس عشرة سنة .
فيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة ، الذي حضر في الأيام الأفضلية بسبب أموال التجار ، ومعه كتاب بتهنئة المأمون ، فجهز إلى الأعمال القوصية بالاهتمام بالجناب الديوانية وترميم ما يحتاج إلى المرمة ، وتجديد عوض ما تلف ؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردباً برسم مكة وتخوت ثياب وخلع ومال وبخور .
وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج ؛ فكتب المستخدمون في الخزائن ومشارفة الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفي المشاهد عوضاً عن الزيت الطيب الزيت الحار ، فخرج الجواب بالتحذير من ذلك وبألا يطل إلا الزيت الطيب ، ولا يلتفت إلى غلو السعر في الخدم التي هي من حق الله تعالى فلا يجب الرخصة فيه ولا بنقص من المطلق شيء . وبلغ المأمون أن مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ماله صبراً وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرض لشيء منه ، فأنكر ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوم من ماله بثمن الزيت الذي فيه الصبر ، ويطلق الزيت المستقر إطلاقه على تمامه . وقيل له : قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا يقتاتون إلا من فضلات وقود كنائسهم ، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرم عليهم البيع .
وتقدم الأمر بعمل حساب الدولة من الهلالي والخراجي على جملتين ، إحداهما إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة ؛ فانعقدت على جملة كثيرة من عين وأصناف ، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها . فلما حضرت أمر بكتابة سجل
(3/80)

"""""" صفحة رقم 81 """"""
بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة ؛ ومبلغ ما سومح به من البواقي ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا ، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم ، ومن الغلة ثلاثة آلاف الف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبا ، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفود والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلي شيء كثير ؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وخمسة رءوس ؛ ومن البسر والنخيل والجريد والسلب والأطراف والملح والأشنان والرمان وعسل النحل والشمع وعسل القصب شيء كثير ؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا ؛ ومن الدواب والسمن والجبن والصوف والشعر شيء كثير .
وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجل عند ذكر الخراج من هذا الكتاب .
وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع مما يعتمد في الدواوين من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافة من المعاملين والضمناء من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم .
فيه تحول الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة وأقام فيها مدة النيل على الحكم الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها ، وتحول معه الوزير المأمون بن البطائحي والشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة كاتب الدست وحاجب الحجاب وحسام الملك ، ورتبت الرهجية والحرس ، وأطلق لهم ما يقوم بهم . وصار الخليفة يمضي في السراديب من اللؤلؤة إلى القصر في يومي السلام ، فلا يراه أحد سوى الأستاذين والخواص ، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة ، ويركب في يومي الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات .
فيه تقدم الوزير بتجديد المشاهد التسعة التي بين القرافة والجبل .
(3/81)

"""""" صفحة رقم 82 """"""
وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية في آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن تغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر وتختم ، ويحذر من بيع الخمر ؛ فرأى الوزير أن يكون ذلك في سائر الأعمال ، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادي بأن من تعرض لبيع شيء من هذين الصنفين أو لشرائهما سرا وجهراً فقد عرض نفسه لتلافها وبرئت الذمة من هلاكها .
لما كان مستهل رجب عملت الأسمطة على العادة ، فقال الخليفة الآمر لوزيره المأمون : قد أعدت لدولتي بهجتها ، وقد أخذت الأيام نصيبها من ذلك ، وبقيت الليالي وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها ؛ وهي ليالي الوقود الأربع . فامتثل الأمر ، وعملت .
واستجد في كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصين الآمري والمأموني قنطار سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان ، وتشد في قعاب وسلال صفصاف ، وكان يسمى بالقعبة ، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار المأمون . ووصلت كسوة الشتاء ، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلثمائة وخمس قطع . ووصلت
(3/82)

"""""" صفحة رقم 83 """"""
كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار ، وكان عندهم الموسم الكبير ، ويسمى بعيد الحلل لأن الحلل فيه تعم الجميع وفي غيره للأعيان خاصة .
وعمل الختم في آخر شهر رمضان بالقصر ، وعبئ سماط الفطرة في مجلس الملك بقاعة الذهب من القصر ، فكان سماطاً جميعه من حلاوة الموسم . وصلى الخليفة الآمر بالناس صلاة العيد في المصلى ظاهر باب النصر وخطب ، وكان ذلك قد بطل في الأيام الجيوشية والأفضلية .
وكان الذي أنفق في أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة ، خارجاً عن التوسعة المطلقة أصنافاً برسم الخليفة وجهاته ، وخارجا عن العطية ، وخارجاً عن رسم القراء والمسحرين وخارجاً عن الأشربة والحلاوات من ألعاب ، ستة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا . وجملة ما قدر على المنفق في شهر رمضان ، بما تقدم شرحه ، والتوسعة والصدقات والفطرة وكسوة الغرة والعيد ، مائة ألف دينار عينا . وضرب في خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خروبة ، وكانت العادة أن يضرب في كل سنة خمسمائة دينار .
وفي شوال هذا وصل شاور من أسر الفرنج ، وكان مأسوراً من الأيام الأفضلية وطالت مدة أسره ، وبذلت عشيرته في افتكاكه جملةً كبيرة ، فلم يقبل منهم ، وطلب فيه أسير من الفرنج ، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنه كان لا يطلق أسيرا أبداً . فلما ولي المأمون الوزارة وميز رديني ، مقدم العربان الجذاميين ، وقبيلته وشاور من بني سعد ، فخذ من جذام وقف مجير ، أخو شاور ، وإخوته للمأمون ، وما زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاوراً في شوال ، وأثبت في الطائفة المأمونية ؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور .
(3/83)

"""""" صفحة رقم 84 """"""
وفيه تنبه ذكر الطائف النزارية ، وقرر بين يدي الخليفة بأن يسير رسولاً إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيلية والإمامية ، وهم لي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة ، وجميع دعاة الإسماعيلية ، وأبو محمد بن آدم متولى دار العلم ، وأبو الثريا ابن مختار فقيه الإسماعيلية ، ورفيقه أبو الفخر ، والشريف ابن عقيل ، وشيوخ الشرفاء ، وقاضي القضاة ، وأولاد المستنصر ، وجماعة من بني عم الخليفة ، وأبو الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست ، وجماعة من الأمراء ؛ وقال لهم المأمون : ما لكم من الحجة في الرد على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية ، فقال كل منهم : لم يكن لنزار إمامة ، ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحل ووجب قتله ؛ وإن كان والده المستنصر نعته ولي عهد المسلمين ونعت إخوته ، منهم أبو القاسم أحمد بولي عهد المؤمنين ، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم مؤمن ، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز .
وذكر حسين بن محمد الموصلي أن اليازوري لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب اسمه على الدينار وهو ما مثاله :
ضربت في دولة آل الهدى . . . ومن آل طه وآل ياسين
مستنصرا باللّه جل اسمه . . . وعبده الناصر للدّين
في سنة كذا ؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشهر ، فاستعيدت وأمر ألا تسطر .
ودليل يعضد ذلك أنه لما جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسير أولاده ، وهم : الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش ، ثم أتبعه أبي علي والأمير أبي القاسم ، والد الحافظ ،
(3/84)

"""""" صفحة رقم 85 """"""
إلى عسقلان ، وسير نزاراً إلى ثغر دمياط سير الأعلى إلى ، ولم يسمح بسفر الإمام المستعلى ولا خروجه من القصر لما أهله له من الخلافة ، ولا أبعده خوفاً من حضور المنية ، فلما وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها وتأمينها ورغب الإمام المستنصر في عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ابنته ، أخت الأفضل ، وعقد النكاح بنفسه ، سماه في كتاب الصداق مولى عهد أمير المؤمنين ؛ وعلم عليه بخطه . ثم عند وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى بما شاهده كل حاضر ، وبما ذكرته السيدة ابنة الإمام الظاهر شقيقه الإمام المستنصر في صحة إمامته . فكتب الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضناً بشهادة الجماعة بذلك . ثم وصل في أثناء ذلك كتب من خواص الدولة تتضمن أن القوم قد قويت شوكتهم واشتدت في البلاد طمعتهم ، وأنهم يسيرون المال مع التجار إلى قوم يخبرون أسماءهم ، وأنهم سيروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النجوى وبرسم المؤمنين الذين ينزل الرسل عندهم ويختفون في محلهم ، فتقدم المأمون بالفحص عنهم والاحتراز التام على الآمر في ركوبه ومتنزهاته ، وحفظ الدور غيرها .
ولم يزل البحث التام في طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم من أهل البلد ، فاعترفوا بأن خمسة منهم هم الرسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقية ، فراموا قتلهم ، فأشار المأمون بتركهم . وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصيرفي ، وأمر بكتب سجل يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ما ذكر من نفي نزار عن الإمامة وشهر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا ، وامتنع الآمر من قبض الألفي دينار الواصلة للنجوى وأمر بحملها إلى بيت المال ، وأن تنفق في السودان عبيد الشراء خاصة . وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير المبلغ ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهباً وقنديلين فضة ؛ وأن يحمل قنديلان ، ذهبا وفضة ، إلى مشهد الحسين بعسقلان ، وقنديلان كذلك إلى التربة . وأطلق
(3/85)

"""""" صفحة رقم 86 """"""
المأمون من ماله ألفي دينار ، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضة برسمه على قياس أحضر من عسقلان ، وأن يصاغ على المصحف الذي بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمصر من فوق الفضة ذهب .
وأطلق من حاصل الصناديق التي تشتمل على مال النجاري برسم الصدقات عشرة آلاف درهم تفرق في الجوامع الثلاثة : الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع القرافة ، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور . وأطلق من الأهراء ألفا إردب قمحاً وتصدق عدة من الجهات بجملة كثيرة . واشتريت عدة جوار من الحجر وكتب عتقهن وأطلق سراحهن .
قال ابن ميسر ، وقد ذكر هذا المجلس : وقد كانت أخت نزار في قاعة بجانب الإيوان من القصر ، وعلى الباب ستر ، وعلى الستر إخوتها وبنو عمها وكبار الأستاذين . فلما جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء الستر وقال : من وراء هذا الستر ؟ فعرف بها إخوتها وبنو عمها ، وأنه ليس غيرها وراء الستر . فلما تحقق الحاضرون ذلك قالت : اشهدوا علي يا جماعة الحاضرين ، وبلغوا عني جماعة المسلمين بأن أخي شقيقي نزاراً لم يكن له إمامة ، وأنني بريئة من إمامته جاحدة لها لا عنة لمن يعتقدها ، لما علمته من والدي وسمعته من والدتي ، لما أمر المستنصر بمضيها هي والجهة المعظمة والدة عبد الله أخي إلى المنظرتين اللتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة ؟ للنزهة أيام النيل جرى بينهما مشاجرة في ولديهما ، فأحضرهما المستنصرين يديه وأنكر عليهما ، وقال : ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر ، صاحبه معروف في وقته . وشاهدت والدي المستنصر في مرضته التي توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه معه في فراشه ، وقبل بين عينيه ، وأسر إليه طويلاً وقد دمعت عيناه ؛ وفي اليوم الذي انتقل والدي في ليلته استدعى عمتي بنت الظاهر فأسر إليها من بيننا ، ومد يده إليها فقبلها وعاهدها ، وأشهد الله تعالى معلناً ومظهراً . فلما انتقل في تلك
(3/86)

"""""" صفحة رقم 87 """"""
الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الداعي والأمراء والأجناد ، ووقف بظاهر المقرمة ، ثم جلس وكلهم قيام ، وأخذ في التعزية ، ثم قال : يا مولاتنا من ارتضاه للخلافة ؟ فقالت : هي أمانة قد عاهدني عليها ، وأوصاني بأن الخليفة من بعده ولده أبو القاسم أحمد . فحضر وبايعته عمتي ، وبايعه أخوه الأكبر عبد الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه ، وأمر بالتوكيل على نزار وتأخيره ، فأخر إلى مكان لا يصلح له . واستدعى الأفضل الداعي وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن الموالي والأستاذين . وسألت عمتي الأفضل في نزار فرفع عنه التوكيل عليه بعد أن كلمه بكلام فيه غلظة ؛ ووالله ما مضى أخي نزار إلى ناصر الدولة أفتكين بالإسكندرية لطلب إمامة ولا لادعاء حق ، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال أمره لما فعله معه . والله يلعن من يخالف ظاهره باطنه . فشكرها الناس على ذلك . وكان سبب حضور أخت نزار في هذا المجلس أن المأمون قال للآمر : قد كشفت الغطاء وفعلت ما لا يقدر أحد على فعله ، وأما القصر فما لي فيه حيلة . ولوح أن أخت نزار وأولادها لا يمكنني كشف أمرهم . فلما بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى الخليفة الآمر لتبرئ نفسها ، ورغبت أن تخرج للناس لتقول ما سمعته من والدها وشاهدته ليكون قولها حجة على من يدعي لأخيها ما ليس له . فاستحسن الآمر ذلك منها ؛ وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى ، واتفقوا على يوم يجتمعون فيه . فلما كان في شوال عمل المجلس المذكور .
وأما النزارية فإنها تقول إن المستنصرمات والأفضل صاحب الأمر والمستحوذ على المملكة والجند جنده ، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه ؛ وكان نزار ، لما يرى من غلبة الأفضل على الدولة ، يتكلم بما بلغه ، فينكره ، فلما مات المستنصر والأفضل متخوف من شر نزار أقام أحمد ابنه ، المستعلى ، لأنه زوج أخته ولأنه صغير .
وفيها أراد الآمر أن يحضر إلى دار الملك في يوم النوروز الكائن في جمادى الآخرة ويركب إليها في المراكب على ما كان عليه الأفضل ، فمنعه المأمون من ذلك ، وقال :
(3/87)

"""""" صفحة رقم 88 """"""
يا مولانا ، الأفضل لا يجري مجرى أمير المؤمنين . وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم جهاته ماله قيمة جليلة .
وفي شوال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع ، فتقدم إلى بعض خواصه وخلع عليه ، فسار وبنى جامعا على شاطىء النيل بمنية زفتى ، وقرر فيه خطيباً وإماماً ومؤذنين ، وفرش ، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع .
وفيه وصل الفقيه أبو بكر محمد بن محمد الفهري الطرطوشي من الإسكندرية بالكتاب الذي حمله : سراج الملوك ، فأكرمه وأمر بإنزاله في المجلس المهيأ للإخوة ، وتقدم برفع أدوية الكتاب وأوطئة الحساب وسلام الأمراء ، وعمل السماط ، وسارع إلى البادهنج ، واستدعى بالفقيه . فلما شاهده وقف ، ونزل عن المرتبة ، وجلس بين يديه ؛ ثم انصرف ، ومعه أخو المأمون ، إلى مكان أعد له ، وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالي أن يحمل له في كل يوم خمسة دنانير بمقتضى توقيع مقتضب ، فامتنع الفقيه وأبي أن يقبل غير الدينارين اللذين كانا له في الأيام الأفضلية . وصار المأمون يستدعيه في يومي راحته ، ويبالغ في كرامته ، ويقضي شفاعاته .
وكان السبب في حضوره أنه تكلم في الأيام الأفضلية في أمور المواريث وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام ، وهو ربع العشر ، وأمر توريث الابنة النصف ،
(3/88)

"""""" صفحة رقم 89 """"""
فلم يقبل ذلك ، ففاوض المأمون فيه وقال : هذه قضية وجدتها وما أحدثتها وهي تسمى بالمذهب الدارج ، ويقال إن أمير الجيوش بدر هو الذي استجدها ، وهي أن كل من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه ، وقد مر على ذلك سنون وصار أمراً مشروعا ، فكيف يجوز تغييره . فقال له الفقيه : إذا علمت ما يخلصك من الله غيرها فلك أجرها . فقال أنا نائب الخليفة ، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزيدي ، والإمامي والإسماعيلي أن الإرث جميعه للابنة خاصة بلا عصبة ولا بيت مال ، ويتمسكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم ، وأبو حنيفة ، رحمه الله ، يوافقهم في القضية . فقال الفقيه : أنا مع وجود العصبة فلا بد من عدتها . فقال المأمون أنا لا أقدر أن أرد على الجماعة مذهبهم ، والخليفة لا يرى به وينقضه على من أمر به ؛ بل أرى بشفاعة الفقيه أن أرد الجميع على رأى الدولة فيرجع كل أحد على حكم رأيه في مذهبه فيما يخلصه من الله ، ويبطل حكم بيت المال الذي لم يذكره الله في كتابه ولا أمر به الرسول عليه السلام . فأجاب إلى ذلك . وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عما يقتضونه من ربع العشر بتقرير جار لهم في كل شهر من مال الديوان على المواريث الحشرية وأخذ الفقيه في ذكر بقية حوائج أصحابه ؛ وكتب منه توقيع فرغت منه نسخ منها ما سير إلى الثغور وكبار الأعمال ، وشملته العلامة الآمرية وبعدها العلامة المأمونية . ونسخته بعد البسملة : خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور عندما طالعه السيد الأجل المأمون أمير الجيوش ونعوته والدعاء وهو الخالصة أفعاله في حياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا والدين ، والهمة الموقوفة على الترقي إلى درجات المتقين ، والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافة أجمعين ؛ شيمة خصه الله بفضيلتها جبلة أسعد بجلالها وشريف مزيتها . والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة ، وأنحاء
(3/89)

"""""" صفحة رقم 90 """"""
الميامن كافلةً ضامنة ، من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدارجون بتغاير نظرهم ، وقرروه من تغيير عما كان يعهد بتغلب آرائهم ، وما دخل عليها منهم من الفساد ، والخروج بها عن المعهود المعتاد ؛ وهو أن لكل دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته ؛ فيخلص لحرم ذوي التشيع الوارثات جميع موروثهم ؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه : ' وأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ' . ويحمل من سواهن على مذهب مخلفيهن ، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم ، ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلها الله لهن بعدهم ، عدولاً عن محجة الدولة ، وخروجاً عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة ، فهم قراء القرآن ، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان ، وإليهم سلم المؤمنون ، وعلى هديهم وإرشادهم يعول الموقنون ؛ فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ذلك على قاعدة واهية الأصول ، بعيدة من التحقيق خالية من المحصول ، ولم ير إلا العود فيه إلى عادة آبائه المطهرين ، وأسلافه العلماء المهديين ، صلوات الله عليهم أجمعين . وخرج أمره إلى السيد الأجل المأمون بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملك النائب في الحكم عنه ، بتحذيره ، والأمر له بتحذير جميع النواب في الأحكام بالمعزية القاهرة ومصر وسائر الأعمال ، دانيها وقاصيها ، قريبها ونائيها ، من الاستمرار على تلك السنة المتجددة ، ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة واستئناف العمل في ذلك بما يراه الأئمة المطهرة ، وأسلافه الكرام البررة ، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم إلى المعهود من رأي الدولة فيها ، والإفراج عنها برمتها لمستحقيها ، من غير اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها ؛ وأن يضربوا عما تقدم صفحا ، ويطووا دونه كشحا ، منذ تاريخ هذا التوقيع ، وفيما يأتي بعده مستمرا غير مستدرك لما فات ومضى ، ولا متعقب لما ذهب وانقضى .
وليوف الأجل المأمون ، عضد الله به الدين ، بامتثال هذا المأمور ، والاعتماد على مضمون هذا المسطور ؛ وليحذر كلا من القضاة والنواب ، والمستخدمين في الباب ، وسائر
(3/90)

"""""" صفحة رقم 91 """"""
الأعمال ، من اعتراض موجود أحد ممن يسقط الوفاة وله وارث بالغ رشيد ، حاضر أو غائب ، ذكرا كان أو أنثى ، من سائر الناس على اختلاف الأديان بشيء من التأولات أو تعقب ورثته بنوع من أنواع التعقبات ، إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشرعيات الواجبات ، نظراً إلى مصالح الكافة ، ومدا لجناح العاطفة عليهم والرأفة ، ومضاعفة للأنام وإبانةً عن شريف القصد إليهم والاهتمام .
فأما من يموت حشريا ولا وارث له حاضر ولا غائب ، فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السليمة ، والقوانين المعلومة القويمة ، إلا ما يستحقه خرج إن كان له أو دين عليه يثبت في جهته . وإن سقط متوفى وله وارث غائب فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطاً حكميا ، وقانونا شرعيا مصوناً من الاصطلام ، محروساً من التفريط والاخترام ؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك في مجلس الحكم بالباب ، على الأوضاع الشرعية الخالصة من الشبه والارتياب ، طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد يقبضه عليه . وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أن شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء مما يجري في المواريث من الترك التي يتولاها الحكام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع ، فيعود ذلك بالنقيصة في أموال الأيتام ، والتعرض إلى الممنوع الحرام ، اصطلاحاً استمروا على فعله ، واعتماداً لم يجر الأمر فيه على حكمه ؛ فكره ذلك وأنكره . واستفظعه وأكبره ، واقتضى حسن نظره في الفريقين ، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام ، وتعويض من يباشر ذلك من الشهود جارياً يقام لكل منهم من الإنعام ؛ وأمر بوضع هذا الرسم وتعفيته ، وإبطاله وحسم مادته . فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك بالباب ، وليصدر الإعلام إلى سائر النواب ، سلوكاً لمحجة الدين ، وعملاً بأعمال الفائزين السعداء المتقين ، بعد تلاوة هذا التوقيع في المسجدين الجامعين بالمعزية القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد ، ليتساوى في معرفة مضمونه كل
(3/91)

"""""" صفحة رقم 92 """"""
قريب وبعيد وحاضر وباد ؛ ولتفرغ منه النسخ إلى جميع النواب عنه في الأعمال ، وليجلد في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلس والخاص الآمري ، وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة في اليوم وما بعده . وكتب لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة .
ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير ، وعرفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد بظاهر الثغر على البحر ، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيره ، وأن يبالغ في إتقانه وسرعة إنجازه ، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون مال الدولة . وتوجه فبنى المسجد المذكور على باب البحر . وأما المسجد الذي بالمحجة فإن المؤتمن عند مقامه بالثغر بناه .
وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا ليس بها جمعة تقام ، فأمر ببناء جامع بها ، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذنون ، وأطلق لهم ما هي عادة أمثالهم .
وقيل إن الذي أنشأه المأمون في وزارته وفي أيام الأفضل أحد وأربعون مسجداً ، مع ما أمر بتجديده ، بعد وزارته ، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز مائتي مسجد .
فيه بنيت دار ضرب بالقاهرة ودار وكالة .
(3/92)

"""""" صفحة رقم 93 """"""
وفي ذي القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر ، والي قوص . وركب المأمون إلى الجامع الأزهر ، فلما كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن علي الراسعيني وصلى ؛ فلما قرأ الفاتحة لحقه زمع شديد وارتعد ، فلحن في الفاتحة ؛ وقرأ : ' والشَّمْسِ وَضُحَاهَا ' ، فلما قال : ' نَاقَةَ اللّهِ وَسُقْيَاهَا ' أرتج عليه ، فرد المؤتمن حيدرة ، أخو المأمون ، عليه ، فاشتد زمعه ، فكرر عليه الرد ، فلم يهتد وقال : ' وسقناها ' بالنون : فقرأ المأمون بقية السورة وسجد الناس . وقام في الركعة الثانية وقد دهش فلم يفتح عليه بشيء ؛ فقرأ المأمون الفاتحة ' وقُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ ' ، وقنت وهو معه يلقنه . فلما انقضت الصلاة اشتد غضب المأمون وأمر متولى الباب بأن يختم المقرئون . وتخيل المقام وخرج من الجامع ، فوكل بالقاضي من يمضي به إلى داره ويأمره بالمقام بها من غير تصرف حتى يحفظ القرآن ؛ وقرر له راتباً فيما بعد ؛ ولزم داره .
وأنفذ للوقت إلى القاضي أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي ، من قضاة الغربية ، فأحضره وخلع عليه في القصر بذلة مذهبة ، وسلم به على الخليفة ، وسلم إليه السجل في لفافة مذهبة بنيابته في الكم العزيز والخطابة والصلاة وديوان الأحباس ودور الضرب بسائر أعمال المملكة ؛ ونعت فيه بالقاضي جلال الملك تاج الأحكام ؛ فقبله ووضعه على رأسه . وتلى على منابر القاهرة ومصر .
وكان يحضر في يومي الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدي المأمون ، ويستعرض القصص ويناقش فيها ، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء ، فزاد المأمون في إكرامه ، ورد إليه وكالة الخليفة ؛ وكتبت له الوكالة ، وشرف بالخلع .
وتولى قوص الأمير مؤيد الملك وخلع عليه ؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب ، وجهز معه مهندسين وضرابين وسكك العين والورق ، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف درهم
(3/93)

"""""" صفحة رقم 94 """"""
فضة ؛ فضربت هناك دنانير ودراهم ؛ وصار كل ما يصل من اليمن والحجاز من الدنانير العدنية وغيرها يضرب بها .
وصار ما يضرب باسم الآمر في ستة مواضع : القاهرة ، ومصر ، وقوص ، وعسقلان ، وصور ، والإسكندرية . وقرر للشيخ أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه بن يوسف ، الإسرائيلي الأصل ، لما قدم من الأندلس وصار ضيف الدولة ، جار وكسوة شتوية وعيدية ورسوم ، وأقطع داراً بالقاهرة ، وكتب له منشور نسخته بعد البسملة .
ولما كان من أشرف ما طرزت السيرة بقدره ، وأنفس ما وشحت الدول بجميل أثره ، تخليد الفضائل وإبداء ذكرها ، وإظهار المعارف وإيضاح سرها ، لا سيما صناعة الطب التي هي غاية الجدوى والنفع ، وورود الخبر بأنها قرينة إلى الشرع . لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان خرج أمر سيدنا ومولانا لما يؤثره بعلو همته من إنماء العلوم وإشهارها ، واختصاص الدولة الفاطمية بإحياء الفضائل وتجديد آثارها ، ليبقى جمال ذلك شاهداً لها على مر الأيام ، متسقاً بما أفشاه لها من المآثر الجمة والمفاخر الجسام ، لشيخنا أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه ، أيده الله ، لصرف رعايته إلى شرح كتب أبقراط التي هي أشرف كتب الطب وأوفاها ، وأكثرها إغماضا وأبقاها ، وإلى التصنيف في غير ذلك من أنحاء العلوم ، مما يكون منسوباً إلى الأوامر العالية ، ورسم التوفر على ذلك والانتصاب له ، وحمل ما يكمل أولاً أولاً إلى خزائن الكتب ، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصناعة ، وعرض من يدعيها واستشفافه فيما يعانيه ؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على رسمه ، ومن كان مقصراً فليستنهضه . واعتمدنا عليه في ذلك لكونه مميزاً في البراعة في العلوم متصرفاً في فنونها ، مقدماً في بسطها وإظهار مكنونها ، ولأنه يبلغ الغرض المقصود في شرح هذه الكتب ويوفى عليه ، ويسلك أوضح السبل وأسدها إليه ، وفي جميع ما شرع له . فليشرع في ذلك مستعيناً بالله ، منفسح الأمل
(3/94)

"""""" صفحة رقم 95 """"""
بإنهاضنا له ، وجميل رأينا فيه ، بعد ثبوته في الدواوين إن شاء الله تعالى . وكتب في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة .
فانتصب لطالبي علم الطب وأقبل أطباء البلدين إليه ، واجتمع في أيدي الناس من أماليه كثير ، وجعل له يومين في الجمعة يشتغل فيهما ، ويتوفر في بقية الأسبوع على التصنيف ، وحمل ذلك إلى الخزائن ؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما يؤلفه .
ولما أهل ذو الحجة جرى الحال في الهناء ومدائح الشعراء في القصر بين يدي الخليفة وبالدار المأمونية على الحال المستقرة ، واستقبله المأمون بالصيام ، وأخرج من ماله ما زاد عن المستقر في كل عام ، برسم الأطفال من الفقراء والأيتام ، من أهل البلدين وغيرهم ؛ ولم يتعرض لطلب ذلك من المميزين بحكم ما يعملونه من السنين المتقادمة . ومما ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن استعمل ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل ، وفتح باب طاقة في الروشن من سور داره ؛ فصار إذا مضى شطر الليل وانقطع المشي طرت السلسلة ودلى الميقاط من الطاق ، وعلى هذا المكان جماعة مبيتون بحقه من المغاربة ؛ فمن حضر من الرجال والنساء بتظلمه سدد قصة في الميقاط بيده ويحركه بعد أن يقف من حضره على مضمون الرقعة ؛ فإن كانت مرافعةً لم يمكنوه من رفعها ، وإن كانت ظلامةً مكنوه من ذلك ويعوق صاحبها إلى أن يخرج الجواب .
وكان القصد بعمل ذلك أنه من حدث به ضرر من أهل الستر ، أو كانت امرأة من غير ذات البروز ولا تحب أن تظهر ، أو كانت مظلمة في الليل تتعجل مضرتها قبل النهار فلتأت لهذا الميقاط .
وحضرت كسوة عيد النحر ، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها ، خارجاً عما أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته ، فكان منها سبعة عشر ألفا وستمائة دينار برسم القصور جميعها ، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة ، دون الوزير ، في ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأساً ؛ منها نوق مائة وثلاثة عشر ، وبقر ثمانية عشر رأسا ، وجاموس خمسة عشر ، والبقية كباش ، ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة
(3/95)

"""""" صفحة رقم 96 """"""
أيام ، خارجاً عن أسمطة الوزير ، ألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا ، ومن السكر ثمانية وأربعون دينارا .
وعمل عيد الغدير على رسمه . وركب الخليفة إلى قليوب ، ونزل بالبستان العزيزي لمشاهدة قصر الورد ، على العادة المستقرة والسنة المتقدمة ، وفرقت الصدقات في مسافة الطريق ، وضربت الخيم ، وقدمت الأسمطة . ثم عاد في آخر النهار إلى قصره .
وفي هذه السنة سير المأمون وحشي بن طلائع إلى صور ، فقبض على مسعود بن سلار ، واليها لمخالفته ، وأحضره . وفيها تجهز الأسطول وسارت المراكب ، فيها خمسة عشر ألف أردب قمحا وأقوات كثيرة ، إلى صور . فلما وصل خرج إليه سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين ، فلما سلم عليهم سألوه النزول إليهم ؛ فلما حصل في المركب اعتقل ، وأقلع الأسطول به إلى مصر ، فأكرم وأنزل في دار ، وأطلق له ما يحتاج إليه وسبب القبض عليه كثرة شكوى أهل صور منه .
وفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة .
(3/96)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
سنة سبع عشرة وخمسمائة
في غرتها عمل برسم أول العام ؛ ثم حزن عاشوراء ، فالمولد الآمري على ما جرى به الرسم . وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبي تراب حيدرة ، أخي الوزير المأمون ، بدلة مذهبة خاص من لباس الخليفة ، وطوق ذهب ، وسيف ذهب بغير منطقة ، وشرف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه ؛ وسلم إليه تقليد في لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحرية ؛ وشدت له الأعلام القصب والفضة والعماريات ، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة . وحجبه الأمراء والأستاذون ، وقبل أبواب القصر ، ومضى إلى داره ؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر الإسكندرية على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار .
وثار اللواتيون وغيرهم بالصعيد الأدنى ، وقتلوا زين الدولة علي بن تراب الوالي ، وعاثوا في البلاد وأفسدوا . فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج الدولة بهرام زنان الأرمن في عدة وافرة ، فانهزموا بين يديه ، وأحاط بما خلفوه من المواشي .
(3/97)

"""""" صفحة رقم 98 """"""
وبلغه نزول مراكب الروم والبنادقة ، وهي بضع وعشرون مركبا ، على الإسكندرية ، فبادر إليها المؤتمن ؛ فلما شاهده العدو أقلع ، فأخذ منهم عدة قطع . وقدم على المؤتمن مشايخ اللواتيين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار في نظير جنايتهم ، وأن يعفى عنهم ؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك ؛ وحمل المال مع الرهائن .
وكان المؤتمن لما قدم إلى الثغر خيم بظاهره ، وقبل من القاضي مكين الدولة أبي طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمد بن حمدون ، المعروف بابن حديد ، متولى الأحكام والإشراف بها ، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيام ، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصة . وأظهر كتاب أخيه الوزير بأن الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة ، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان ؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق ، وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة . وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا هدية .
وأظهر كتاباً آخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كل يوم من ارتفاع الثغر من العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر . وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود .
وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها ، وأمر بإعادتها إلى أربابها ؛ فأخذ مكين الدولة يتلطف في أن يكون عوض ذلك طرفاً وطيبا ؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا . واستمرت الأسمطة في كل يوم ؛ ولم يقبل لأحد هدية .
واتفق أن المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضي مكين الدولة حاضر ، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره ليحضر الدهن المذكور ، فلم يكن أكثر من مسافة الطريق حتى أحضر صراً مختوماً فك عنه ، فوجد فيه منديل لطيف مجاوم مذهب على مداف بللور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر ؛
(3/98)

"""""" صفحة رقم 99 """"""
بيت دهن بمسك ، وبيت دهن بكافور ، وبيت دهن بغير طيب ، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته . فلما رآه المؤتمن والحاضرون عجبوا من علو قيمة القاضي وجليل رئاسته وسعة نفسه ؛ وحلف القاضي الحرام إن عاد إلى ملكه . فقال المؤتمن ؛ قد قبلته منك ليس لحاجة إليه ، ولا نظر في قيمته ، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها . وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار .
وخلع المؤتمن على القاضي بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير ، وقدم له دابة بمركب حلى ثقيل ؛ ثم خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك . وخلع على أخيه حلتين مكللتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريرية مما يختص بالنساء . وأنعم على كل من حواشيه وأصحابه .
وعاد إلى القاهرة ، فمدحه عدة من الشعراء . وورد رسل ظهير الدين طغتكين ، صاحب دمشق ، وآق سنقر ، صاحب حلب ، بالحث على غزو الفرنج ، وكبيرهم علي بن حامد ، الحاجب . فلما وصلا باب الفتوح ترجلا وقبلاه ، ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك ؛ وأوقفا عند باب البحر
(3/99)

"""""" صفحة رقم 100 """"""
قدر ما جلس الخليفة . فجهز عسكر في البر مقدمه حسام الملك النرسي ، وسار الأسطول في أربعين شينياً فوصلوا إلى عسقلان ؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة .
فاجتمعت طوائف الفرنج ، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر ، ويلقى الفرنج عليه ولا يتعداه ، فخالف ذلك ، وتوجه مخفاً بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر . فعندما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى فلقيهم هناك ، فانهزم العسكر من غير قتال ، وقتل الراجل بأسره ، وعاد من بقي مهزوما إلى عسقلان .
ووصل الخبر بذلك فأهم الآمر والمأمون ، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء تدبيره ؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل .
فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وإلزام المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلاً ونهاراً . ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدة من الفعلة بالطواري والمساحي ، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما .
وعمل بعض التجار لابنته فرحا في إحدى الآدر المعروفة بالأفراح ، فتسور ملاك الدار على النساء وأشرفوا عليهن والعروس في المجلى ، فأنكر عليهم ذلك ، فأساءوا وأفسدوا على الرجل ما صنعه ؛ فخرج مستغيثا ، فخشوا عاقبة فعلهم ؛ فما زالوا به حتى كف عن شكواهم . فلما حضر والي مصر بالمطالعة في الصباح إلى الوزير على عادته ، قيل له : لم لا ذكرت في مطالعتك ما جرى للتاجر الذي عمل فرح ابنته ؟ فاعتذر بأن المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السلامة والعافية ولم يتصل به ما جرى في الفرح . فأسمعه ما أمضه ، وبين عجزه وتقصيره ، وقال له ، والسلامة والعافية أن يخرج بالرجل ويهان وتنتهك حرمته ولا يجد ناصراً .
(3/100)

"""""" صفحة رقم 101 """"""
فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين ، وتوجهوا إلى سائر الدور المختصة بالأفراح وإحضار ملاكها ، فمن رغب في استمرار ملكه على حاله فليزل التطرق إليه ويكتب عليه حجة بالقسامة بذلك . ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد . فامتثل ذلك .
وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة .
وكتب لجميع الأعمال ، خلا قوص وصور وعسقلان ، بمطالعة كل وال منهم في مستهل كل شهر بمن حواه السجن والموجب لاعتقاله ، ويبين كل منهم ذلك ويعتمد فيه الحق . وسبب ذلك أنه رفع إلى المأمون أن بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه اعتقال ، لطلب رشوة ، فتطول مدته .
وفيه قرر برسم رش ما بين البلدين ، مصر والقاهرة ، في كل يوم من اليومين اللذين يركب فيهما الخليفة مما يصرف للسقائين دينار واحد ؛ فاستمر ذلك يطلق لهم إلى الأيام الحافظية . وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون أن واليي القاهرة ومصر يأخذان جميع السقائين أرباب الجمال والدواب لرش ما بين البلدين سخرةً بغير أجرة .
وفي جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدين طغتكين ، صاحب دمشق ، وكتب له بذلك ، وفخم فيه وعظم ، ونعت بسيف امير المؤمنين ؛ وجهزت إليه الخلعة ، وهي بدلة طميم منديلها طوله مائة ذراع شرب ، فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة بذهب عراقي ، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقي ، سلف المنديل والثوب ألف دينار ، وثوب دبيقي وسطاني ،
(3/101)

"""""" صفحة رقم 102 """"""
وثوب سقلاطون داري ، وثوب عتابي ، وشاشية دبيقي ، ولفافة ؛ وجميع ذلك في تخت مبطن عليه لفافة دبيقي ؛ وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه . وجهز الأمين الدولة جمشتكين ، صاحب صلخد ، بذلة مذهبة ومنديلها ، وعدة ثياب ، وغيرها .
في شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين ، وقد غنموا شينيين من شواني الفرنج وبطشة كبرى ، وعدة من النساء والرجال . وذكر للمأمون أن الأسرى المذكورين يؤخذ منهم في الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا ؛ فقال : والله لا أبقي منهم أحدا ؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف ، وقد أظفر الله بما يكون ديةً عنهم ؛ لا يشاع عنا أنا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم عوضا عن رجالنا .
وركب الخليفة بما جرت به العادة ، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة ؛ وعاد ، وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرؤساء . وحضرت الحجاب ، المندوبين لقتل الفرنج ، بأنهم لما شاهدوا الحال بذلوا في خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار ، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك ؛ فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السيف فيهم ؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجوا بالتهليل والتكبير عند قتلهم ، فكان أمراً مهولاً . وقد ذكر هذا اليوم عدة من الشعراء .
وجرى الرسم في أسمطة شهر رمضان ، والركوب إلى الجمع ، وفي كسوة غرة شهر رمضان على العادة .
(3/102)

"""""" صفحة رقم 103 """"""
وفيه سير هلال الدولة سواراً رسولاً إلى حرة اليمن وصحبته برسمها من التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب المذهبة والشقق النفوسى والمغربي المقصور والإسكندراني المطرز جملة كثيرة في تخوت مدهونة مبطنة ، وسلال مملوءة من لحم الناقة التي نحرت بالمصلى ، واثنى عشر مجلساً من المساطير التي تقرأ كل خميس وعليها علامة الخليفة ، وكثير من النحاس القضيب والمرجان . وكتب إليها كتابا في قطع الثلثين أوله : من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين ، ابن الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين ، صلى الله عليهما ، إلى الحرة الملكة السيدة الرضية ، الطاهرة الزكية ، وحيدة الزمن ، سيدة ملوك اليمن ، عدة الإسلام ، خالصة الإمام ، نصيرة الدين ، عصمة المسترشدين ، كهف المستجيرين ، ولية أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين ، أدام الله تمكينها ونعمتها ، وأحسن توفيقها ومعونتها .
وفي آخره : وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك ، ومعرفة أنبائك ، فتواصلى بإنهاء المتجدد منها إن شاء الله . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . ويطوى مدوراً ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل في خريطة .
فيه قرئ بالجامع العتيق منشور ، نسخته بعد التصدير :
(3/103)

"""""" صفحة رقم 104 """"""
بأننا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة ، صلوات الله عليها ، الأمور ، وعولت على كفايتنا في سياسة الجمهور ، وردت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها ، وفوضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها ، وعبيدها ورعيتها ، في محاسن الأقعال ناظرين ، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافة متوفرين ، وبحسن توفيق الله تعالى لنا واثقين ، وبمراشده الهادية مسترشدين ، فلا ندع وجهاً من دعوة البر إلا قصدناه ، ولا باباً من أبواب الخير إلا ولجناه ، ولا نعلم أمراً فيه قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلا أتيناه ولا شيئاً يعود بثواب الله وحسن الأحدوثة إلا اعتمدناه ؛ شيمة خصنا الله تعالى بميزتها ، وسجية أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها ؛ وعملاً في ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة ، صلوات الله عليها ، وجميل سيرتها ، واستمراراً على منهج الدولة الزاهرة ، خلد الله ملكها ، وكريم عادتها ، وذهاباً في ذلك مع سجيتها الحسنى ، ونشراً لأرج ذكرها في الأبعد والأدنى . والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح الدنيا والدين ، ويقضى لنا بالفوز المبين ، ويصلح لنا وبنا كل فاسد ، وينظم لنا عقود السعود والمحامد بمنه . ولما كان أحسن ما تطرز به محاسن السير ، وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر ، وتجنى ثمرته في الدنيا والآخرة ، وتحمد مغبته في العاجلة والآجلة ، التقرب إلى الله تعالى في كل أوان ، وابتغاء ثوابه في كل زمان ، لا سيما شهر رمضان ، الذي تزكوا فيه أفعال البر والصلاح ، وتتضاعف فيه الحسنات في الغدو والرواح ؛ رأينا ما خرج به أمرنا من كتب هذا المنشور بمسامحة كافة سكان الرباع السلطانية بالقاهرة ومصر من الأدر والحمامات والموانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس ، وجميع ما يجري في الرباع خارجاً من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها فيما يجري هذا المجرى من وجوه البر ، بأجرة شهر رمضان من كل سنة ، لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها ، إحسانا يسير ذكره كل مسير ، وتعظيماً . لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير ، الذي فضله الله على جميع الشهور ، وأنزل فيه قرآنه المجيد ، وفرض صيامه على أهل التوحيد ؛ وحضهم فيه على الأفعال المزلفة لديه ،
(3/104)

"""""" صفحة رقم 105 """"""
ووعد من عمل فيه خيراً بمضاعفة الجزاء عليه . فليعتمد العمل بما تضمته هذا المنشور ، وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدم منسوباً ذلك إلى القرب الصالحة والتجارة الرابحة ، ويفسح في جميع الدواوين حجة بمودعه ، وليجلد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر ، منعاً لمن يروم المطول فيه ، أو يفض شيئا من وصفه ، إن شاء الله .
فلما قرئ هذا المنشور ضج العامة بالدعاء ونظم فيه عدة من الشعراء وجرى الرسم في وصول كسوة العيد ، وهي العدة الكثيرة ، وتفريقها على العادة . وعمل الختم في آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد ؛ وحصل الاهتمام بالعيد ؛ وركب الخليفة إلى المصلى على العادة ، وصلى بالناس صلاة العيد ، وخطب ، وحضر السماط .
وجرى الحال في يوم عاشوراء ، وفي المولد الآمري ، على المألوف .
فيه كان المولد العيسوي ، ففرق ما جرت به العادة من الجامعات القاهرية والجامات السميذ ، وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية ، والبورى ، على أصحاب الرسوم . وعمل في شهر ربيع الأول المولد الكريم ، وفرق المال على الرسم .
وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبي منصور حسن بن علي بن يحيى بن تميم بن معز ابن باديس ، صاحب المهدية ، يخبر بانحيازه للدولة ، وأن رجار بن رجار ، صاحب صقلية تواصلت أذيته وقد استعد لمحاربته ؛ وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ذلك . فسير إليه مصطنع الدولة علي بن أحمد بن زين الخد ، فأصلح بينهما .
وفيها نقل المأمون الرصد من الجبل المطل على راشدة إلى علو باب النصر بالقاهرة .
وفيها توفى ولي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة ، فاستقر عوضه أبو محمد
(3/105)

"""""" صفحة رقم 106 """"""
حسن بن آدم ، وكان يدعى بالقاضي لأبوته وسنه واشتهاره بالعلم . فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحاً ، فذكر المأمون أن أكثر المجالس التي كانت تعمل في أيام النعمان بخط أبيه ، وأن أبا الفخر حدث السن ولا يماثل المذكور في العلم ؛ وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب . وورد الخبر بأن الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيراً من المسلمين . وكان صاحب حلب قد أسره في وقعة له مع الفرنج .
وعمل ما جرى به الرسم في مواسم السنة .
وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية .
وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من الغلال .
(3/106)

"""""" صفحة رقم 107 """"""
سنة ثمان عشرة وخمسمائة
فيها ملك الفرنج مدينة صور ، واستمرت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطمية . وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة ، وتقاصر المأمون عن نجدتهم ، وأعانهم طغتكين صاحب دمشق ، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج ؛ فاستقر الأمر على أن الفرنج تستولي عليها بالأمان ، فخرج أهلها بما خف حمله ، وتفرقوا في البلاد . وكان تملكهم لها في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة .
وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرج الناس فيها عند كسر خليج القاهرة بالكراء . وذلك أن الناس عند كسر الخليج كانوا يصنعون أخشاباً متراكبةً بعضها على بعض ، يجلسون فوقها للتفرج يوم كسر الخليج ، ولم يكن هناك غير دار الأمير أبي عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر . ولم تزل هذه الأدر الثلاثة إلى أن احترقت في نوبة شاور .
(3/107)

"""""" صفحة رقم 108 """"""
فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية ، وقد تقدم أنه ورد مصر في أيام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته ، واستولى على قلعة ألموت واعتقد إمامه نزار بن المستنصر ، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر . وانتدب عدة لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلما تقلد المأمون البطائحي وزارة الآمر بعد قتل الأفضل بلغه أن ابن صباح والباطنية فرحوا بموت الأفضل ، وأنهم تطاولوا لقتل الآمر والمأمون ، وأنهم بعثوا طائفةً لأصحابهم بمصر بأموال . فتقدم المأمون إلى والي عسقلان بصرفه وإقامة غيره ، وأمره بعرض أرباب الخدم بها ، وألا يترك فيها إلا من هو معروف من أهل البلاد ؛ وأكد عليه في الاجتهاد والكشف عن أحوال الواصلين من التجار وغيرهم ، وأنه لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم وكناهم وبلادهم ، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرق بينهم ويبالغ في الاستقصاء . ومن يصل ممن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ويطالع بحاله وما معه من البضائع ، ولا يمكن جمالاً من دخول مصر إلا أن يكون معروفا متردداً إلى البلاد ؛ ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدم كتابه إلى الديوان بعدة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمالين وذكر أصناف البضائع ، ليقابل بها في مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب ، وأنه يكرم التجار ويكف الأذى والضرر عنهم .
ثم تقدم المأمون إلى والي مصر ووالي القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعاً شارعاً وحارةً حارةً وزقاقاً زقاقاً وخطاً خطاً ، ويكتبا أسماء سكانها ، ولا مكنا أحداً من النقلة من منزل إلى منزل حتى يستأذناه ويخرج أمره ، بما يعتمد في ذلك . فمضيا لذلك ، وحررا الأوراق بأسماء جميع سكان القاهرة ومصر وذكر خططهما ، والتعريف بكنية كل واحد وشهرته وصناعته وبلده ، ومن يصل إلى كل خط وحارة من الغرباء .
فلما عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنية ومطالعته بجميع ما يشاهدنه فيها ؛ فكانت أحوال كافة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكني مصر والقاهرة تعرض عليه ، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء ألبتة . فامتنع لذلك الباطنية مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفهم عن دخول البلد .
(3/108)

"""""" صفحة رقم 109 """"""
ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم في جهات البلدين ، وأمرهم بالقبض على جماعة عينهم ، فقبض على جماعة كثيرة ، منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة الآمر ، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيرهم بمال لينفق على من بمصر ممن يرى رأيهم . فكان هذا معدوداً من عظيم الحزم ، وقوة التدبير . ومع ذلك كان له القصاد والجواسيس وأصحاب الخبر في كل قطر ، فإذا خرج الباطني من قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئاً بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتى يرد بلبيس ، فيسير إليه من ينقض عليه في مكانه الذي نزل فيه ويأتيه به فيقتله . وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كل جليل وحقير من سائر مملكته ، حتى كان يرى ويسمع كل ما يتفق في ليل أو نهار . وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة ، وحصن العليق ، والكهف ، ومصياث ، والخوابي ، وحصن الأكمة ، وقلعة العيدين ؛ ثم امتدت مملكته بعد موته إلى حد شرقي آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان .
(3/109)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
سنة تسع عشرة وخمسمائة
فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان ، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلاً من أهله وخواصه ، واعتقله . فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرضع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه . ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلثمائة صندوق فيها كسوة بدنه ، ومائتا سلة ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها ، ومائة برنية مملوءة كافور قنصوري ؛ ومائة سفط مملوءة عوداً ؛ ومن ملابس النساء ما لا يحد . حمل جميع ذلك إلى القصر ، وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين .
ويقال إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى ، أخي الآمر ، يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة ؛ فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل ، أبا الحسن علي بن أبي أسامة ، كاتب الدست ، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه ، وكان المأمون يؤذيه كثيرا . فبلغ الخليفة الحال ، وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره أن يضرب السكة ويكتب عليها : الإمام المختار محمد بن نزار .
ويقال إنه سم مبضعاً ودفعه لفصاد الخليفة ، فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع .
ومولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، وقيل في سنة تسع . وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول ، كريما ، واسع الصدر ، سفاكا للدماء ، شديد التحرز ، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة ؛ فكثر الواشون والسعاة بالناس في أيامه
(3/110)

"""""" صفحة رقم 111 """"""
ويقال إن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق ، وأنه مات ولم يخلف شيئا ، فتزوجت أمه وتركته فقيرا ، فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر ، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق بمصر ، وأنه دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفاً رشيقاً حسن الحركة حلو الكلام ، فأعجب به ، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان ، فلم يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته ، وعلت درجته .
وهذا ليس بصحيح فإنه من أجناد المشارقة ، وقد تقدم أن أباه مات في زمن الأفضل بعد ما ترقت أحول ولده ، وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة . ورثى بعدة قصائد . وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه بالمأمون . على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا أنه كان يرش الماء بين القصرين ، وكل ذلك غير صحيح .
وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن أخبار الناس وأحوالهم ، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث في ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون ، ولا سيما أخبار الولاة وعمالهم . ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت ، وساس الرعايا والأجناد وأحسن سياسته ، إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يداً عند الخليفة الآمر ، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلةً عند الأفضل ومتحكما في جميع أموره . وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرب به من الإحسان إليهم ، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة الحسنة ، بحيث لو قدر موته لزار الناس قبره تبركاً به . واتهم أيضا بأنه هو الذي قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر ، وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير ، فقتلوا بأجمعهم ، ولم يبق منهم سوى صغير
(3/111)

"""""" صفحة رقم 112 """"""
نحيف يسمى أحمد أبا علي ويلقب بكتفيات ، فيقال إنه احتقره لما كان يرى فيه من العي والانقطاع ؛ فكان منه ما يأتي خبره إن شاء الله تعالى .
واتهم أيضاً بقتل الأمير حسام الملك أفتكين ، صاحب الباب ، في أيام الأفضل لتخوفه منه ؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرة على الآمر للسلام ، فلما خرج قال الآمر : والله إنك لأمير حسن ؛ فإنه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه . فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ في العمل عليه حتى أخرجه في العساكر التي يقال إن عدتها عشرون ألفاً ، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان ، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف ، وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودس عليه من قتله .
قال ابن الطوير : ولما دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل ، وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل في الوساطة دون الوزارة ، ونعته بجلال الإسلام . واستمر على ذلك ، ثم كمل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقور ، فباشرها ، وكان متيقظاً قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إياه . وكان بالدار التي بالسيوفيين بالقاهرة ، وهي اليوم مدرسة للحنفية ، وأخذ يصب على تغلب الأفضل مع الآمر ، فصار يتغلب على الآمر في واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام ، والآمر يملى له ويحتمله ، حتى استوحش كل منهما من الآخر .
وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبي تراب حيدرة ، فرأى من الرأي أن يولي أخاه جانباً عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النجدة ردءاً إذا قصده الخليفة بضرر ، فإنهما دام أخوه يكون حاميا له ، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج . وجرد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم ، وأضاف إليهم أمثالهم ، مثل علي بن السلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل ، وكل واحد من هؤلاء جيش بمفرده ؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه . وزاد في معناه حتى قيل إن الخليفة اطلع على أنه ادعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهي حامل عندما خرج نزار
(3/112)

"""""" صفحة رقم 113 """"""
إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك . ثم إنه سير إلى اليمن الموفق علي بن نجيب الدولة ، وكان من أهل الأدب فصيحاً داهية ، ليحقق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته ، فلما قيل للآمر هذا ، ما شك فيه ، وأخذ يتحيل في الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربية والبحيرة والجزيرتين والدقهلية والمرتاحية ؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها ، فسير أستاذاً من ثقاته ، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه في العلم على المأمون وأخيه ، وقال له : أحرص على اجتماعك بعلي ابن السلار في المسايرة وسلم عليه عنا ، وقل له وقل له إننا ما زلنا نلتفت إليه وندخره لمهماتنا ونتحقق فيه الموافاة لنا ، وإنا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا ، وقد تلونت أحوال المأمون وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا . ومقصودنا أن تكتم عنا ما نقول لك .
فلما بلغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال : السمع والطاعة لمولانا ، وأنا مملوكه وأذل نفسي في خدمته . فقال الأستاذ : هكذا والله قال عنك . قال ابن السلار : فما يأمر به ؟ قال : تحد رجالك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن ، أنت ومن تثق به .
فلما تقرر ذلك اتفق علي بن السلار وهو وقايماز ودرى الحرون ، وكانوا أمراء الجماعة فتفرقوا عنه وتبعهم الباقون ، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك ؛
(3/113)

"""""" صفحة رقم 114 """"""
فما اتسع له أن يتتبع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه ، لعلمه بتغير الخليفة عليه ، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا . فحضر إلى الخليفة يوم سلام ، على عادة الوزراء ، وتقدم وقال : يا مولانا ، صلوات الله عليك ، وصل كتاب أخي يتذمم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة ، ويسأل الفسحة له في العودة إلى بابه الكريم فقال : مرحبا وأهلا ، وهذا كان رأينا ، ونحن مشتاقون إليه ، وإنما قصدنا رضاك فيما رتبته له . يقدم على بركة الله . فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتب في ولاياته من يرضاه . فامتثل ذلك . ودخل القاهرة ؛ فجلس الخليفة له في غير وقت الجلوس ، فمثل بين يديه ، وأكرمه وأدناه ، وخلع عليه بالتشريف المفخم .
فلما دخل شهر رمضان ، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب ، ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه ؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السماط أول ليلة ، فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما مما كانت يده فيه ، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السماط مع أخيه ؛ فلم يتسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع .
وحضرا ثاني ليلة فزاد في إكرامهما ، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصة دون أخيه ، فدخل إليه ؛ ولم يتقدمه أحد من الوزراء بمثل ذلك ، يعنى بهذه المنزلة . وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا ، وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدارية . ثم حضرا ثالث ليلة ، فاستدعى المأمون إلى الخليفة ، فلما جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن ، واستدعاه ، فدخل ، وصارا في قبضته . وكان قد رتب لهما من يأخذهما ؛ فعند خروجهما للمضي قبض عليهما واعتقلهما عنده في خزانة ، وسير بالحوطة على دورهما . ثم أمر بإحضار الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة ، كاتب الدست ، لينشيء شيئاً في شأنهما يقرؤه على المنبر غداً ، فوجد الشيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض ؛ فتقدم إلى والي القاهرة في الليل بأن يمضي إلى مصر لإحضاره . فظن والي القاهرة أنه طلب لغير ذلك ، وكان يقال له سعد الدولة الأحدب ، فمضى إليه وأزعجه من مكانه ، وسبه أقبح سب ، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشياً . فأحضره إلى الخليفة وهو ميت لا حراك به ،
(3/114)

"""""" صفحة رقم 115 """"""
فقال له ما هذا ؟ فأخبره بقضيته مع الوالي ، فغضب على الوالي وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما ، حتى تقطعا على قفاه ، وصرفه من الولاية . وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه ؛ فقال يا مولانا : هما نشو أيامك ومماليك دولتك . فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشيخ وصوبه إلى المذكورين لينظرهما في اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما . فأدخله إليهما ، فرآهما مكبلين في الحديد ، وعليهما احتياط عظيم ، فأنشأ للوقت سجلاً كان من استفتاحه : أما بعد ؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح ، واستصلح فما صلح ؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط ، وقابل الإحسان إليه بدواعي القنوط . وكل ذلك في تلك الليلة .
فلما أصبح الصباح جلس الخليفة في الشباك بالإيوان ، ونصب كرسي الدعوة أمامه ، وطلع قاضي القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرتب والعوام ؛ فلم ينتطح فيها عنزان .
ويقال إن الخليفة كان يقول : أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر .
وبقيا في الاعتقال ، هما وأميران اتهما ، في خزانة البنود . وسير لإحضار الذي كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا . وتفرغ الآمر لنفسه ، ولم يبق له فعل ولا مزاج ، وبقي بغير وزير .
وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج بما يجب من زكاة ومقس أحدهما مسلم يقال له
(3/115)

"""""" صفحة رقم 116 """"""
جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط والآخر سامري يقال له أبو يعقوب إبراهيم ، وأقيم معهما مستوف لهاتين المعاملتين وكان راهبا ؛ فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه ، ويدخل صاحبا الديوان إلى الآمر في كل وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حق . فيحملها في ذلك على الصدق ، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته ، فتأذى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه . واستمرا على ذلك مديدة .
(3/116)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
سنة عشرين وخمسمائة
فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوي بخلع سنية وتحف مصرية وثلاثين ألف دينار للأمير البرسقي ، صاحب الموصل ؛ فلما كان في أثناء الطريق سمع بموته ، فرجع بما معه إلى الآمر .
وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم ، مصنف سيرة الفرنج الخارجين على بلاد الإسلام في هذه السنين ، برسالة من صاحب حلب .
وفي شوال كان بدء أمر الراهب . وذلك أن راهباً من النصارى ، يعرف بأبي نجاح ابن فنا ، كتب إلى الآمر رقعة في الكتاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد أخذوا أموال الدولة واستولوا عليها ، وضمن أنه يحقق في جهاتهم ما يملأ بيوت الأموال . فتقدم الخليفة بأن يمكن من الدواوين ويساعد على ما يخرجه من الحسبانات ، ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء سيد الرؤساء مقدم دين النصرانية ، وسيد البطريركية ، ثالث عشر الحواريين . وكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقي بغير وزير دانت له الدنيا . وكان معظماً كثير الجود إلى الحد الذي لا مزيد عليه ؛ فكثر الخير في تلك الأيام ، وفرح الناس بالفوائد ، وتردد المسافرون والتجار ، وجلبت البضائع ، وزاد الحاصل في الخزائن من كل صنف مضافاً إلى ما كان فيها ، وحسنت السيرة في الرعية ؛ وأباح للناس
(3/117)

"""""" صفحة رقم 118 """"""
والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتجمل ؛ فما برح الناس في خيرات دارة ونعم متزايدة إلى أن تمكن الراهب من الدواوين واشتد في مطالبة النصارى وضمن في جهاتهم الأموال ، وحملها أولاً فأولاً ؛ وكان قد حصل لهم في أيام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف . فلما تمكن الراهب من النصارى واستطاب ما تحصل منهم ابتدأ يعمل في المسلمين معاملي الديوان من المشارفين والضمناء والعمال .
فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادي أبي الحسن علي بن محمد بن سعدون بالقرافة ، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة وأفخرها بناء ؛ فلما قرب منه سقط عن فرسه إلى الأرض فهنئ بالسلامة ، وقيل في ذلك عدة أشعار .
(3/118)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
فيها أحضر الموفق في الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة ، داعي اليمن ، الذي سيره الوزير المأمون بن البطائحي ، فدخل في يوم عاشوراء على جمل بطرطور ، ومعه مشاعلية بهيئة ملائكة ، وخلفه قرد يصفعه ، وهو يقول بقوة نفس : والله لا ألتفت . فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون .
فيها كثرت مصادر الراهب للكتاب والعمال ، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب الأموال ، وندب معه مقداد والي مصر وسعد الدولة والي القاهرة للشد منه ؛ فتنكد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق . وأخذ الراهب يحسن للآمر أن يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم .
وفيها مات قاضي القضاة جلال الملك تاج الأحكام ، أبو الحجاج يوسف بن أيوب ابن إسماعيل المغربي الأندلسي ؛ وكان أولا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون القرآن والنحو ، فولاه قضاء الغربية ، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ابن الرسعني بوساطة المؤتمن . واستقر بعد وفاته في قضاء القضاة أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسراني .
وكان أبو الحجاج عاقلا . عرض عليه الآمر أن يلي الدواوين مضافاً إلى ما يتولاه
(3/119)

"""""" صفحة رقم 120 """"""
من قضاء القضاة والمظالم ، فاستشار في ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول ، فقال : إني لا أحسن صنعة الكتابة ؛ فقال له : تجعل بين يديك من يوضح لك الأمر والتدبير ويدلك على سر الصناعة . فقال : ألا ترى إلا أني قد رضيت أن أكون من الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلة وعائد ، واستحضرت من يدلني على ما أجهل ، فكيف أصنع بين يدي السلطان ؟ لقد حكمت إذاً على نفسي بحكم حيف وأوردتها خطة خسف . وحمد الله .
(3/120)

"""""" صفحة رقم 121 """"""
سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فيها وصلت رأس بهرام الباطني . وكان طغتكين أتابك ، الملقب ظهير الدين ، قد وهب له بانياس خوفاً من شره ، فأفسد جماعةً بالشام ، وجرت له خطوب آلت إلى قتله ، وحملت رأسه إلى الآمر .
وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفاً على ثقة الدولة ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس ، وعمل مصالحة ؛ فاستمر إلى أن قتل ابن ميسر ثم بطل ، فلم ينظر أحد في هذه المشارفة .
وفي رجب عمل للآمر في الخاقانية ، وكانت من خاص الخليفة ، قصر من ورد فسار إليها وحده بضيافة عظيمة . فلما استقر هناك خرج إليه أمير يقال له حسام الملك أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن ، أخي المأمون ، في سفره في البلاد التي كان يتولاها وتخاذل مع ابن السلار عنه وهو لابس لأمة حربه ، والتمس المثول بين يدي الخليفة . فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه الخليفة من الراحة والنزهة ، فمنع من ذلك وصد عنه ؛ فقال لجماعة من حواشي الخليفة : أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل
(3/121)

"""""" صفحة رقم 122 """"""
إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه . فأطلعوا الخليفة على أمره ، فأمر بإحضاره . فقال : يا مولانا ، لمن تركت أعداءك يعني المأمون وأخاه هذا والعهد قريب ؛ أأمنت الغدر ؟ فما أجابه إلا وهو على ظهور الرهاويج من الخيل ، فلم تمض ساعة إلا وهو بالقصر يمضي إلى مكان إعتقال المأمون أخيه ، فوجدهما على حالهما ، فزادهما وثاقاً وحراسة . فلما كان في ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف ، وكان من نشو المأمون وقد سجن معه ، وعلي بن إبراهيم بن نجيب الدولة ، المحضر من اليمن ، وأخرجوا إلى سقاية ريدان في الرمل قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح ، فصلب أبدانهم بغير رءوس وفي صدر كل واحد رقعة فيها اسمه . فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم ، وقالوا : هم غير المذكورين . فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم .
فيها كانت ولاية ابن ميسر القضاء في ذي الحجة على ما ذكر بعضهم ؛ وقيل بل كانت كما تقدم ؛ ولقب بثقة الدولة القاضي الأمين سناء الملك ، شرف الأحكام ، قاضي القضاة ، عمدة أمير المؤمنين ، أبي عبد الله محمد بن القاضي أبي الفرج هبة الله بن ميسر . فلازم الانتصاب والجلوس ، واعتمد التثبت في الأحكام ، وعدل جماعة ، فبلغت عدة الشهود في أيامه مائة وعشرين شاهدا ، وكانوا دون الثلاثين .
ثم وردت إليه المظالم ؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر ، وكان فيهم عدة قد يئسوا من الفرج ، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم . وتكلم مع الآمر في أمر التجار وما نزل بهم من المصادرات ، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم في معناهم قرئ على المنابر .
فيها كثرت وقائع أهل القسر على الناس ، وتقرب كثير من الكتاب
(3/122)

"""""" صفحة رقم 123 """"""
الظلمة بعورات الناس إلى الخليفة ، فاشتدت مطالبات الناس بالأموال ، وقبل قول كل رافع شيئاً على أحد ، وأخذ الناس بما رموا به ، وضمن عدة من الناس أشياء لم تجر عادة بضمانها ، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدم . وذلك أنهم لم يقدروا على تصريح القول بالمصادرة ، فعملوا ما ذكر ؛ فحصلت الشناعة ، وخرج من بالبلد من التجار .
وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة ، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه الجهات . فاتسع عطاء الخليفة حتى وهب يوماً لغلامه برغش ، المنعوت بالعادل ، ثمانين ألف دينار ، ثم سأله بعد مدة يسيرة عما فعله فيما وهبه ، فقال : يا مولانا تصدقت ووهبت أكثر . فأعجب ذلك الآمر ، وفرح ، وشكره على فعله . ووهب مرة لغلامة هزار الملك جوامرد ، المنعوت بالأفضل ، مثل ذلك . وكانا أخص غلمانه وأقربهم منه ، وأشرفهم عنده منزلة ؛ وكانا أسمح خلق الله ؛ وكان الناس في أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر ، لا بمصر ولا بالقاهرة ، فإن هزار الملوك كانت صدقته في كل يوم جمعة راتباً قد قرره بالقرافة أربعة آلاف درهم في ألف كاغدة ، على يد الثقة ابن الصعيدي وغزال الوكيل ، وكانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبداً ؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد يقف له ويطلب منه . وكان برغش يعطي الجمل الكبار التي يغني بها الطالب ، من المائة دينار إلى المائتين وأكثر .
وبلغ علم التي يقال لها جمعة ، مكنون الآمرية ، أن الآمر سيدها قد وهب لكل من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار ، وكان الآمر يحبها ، وأصدقها أربعة عشر ألف دينار ، وولدت منه ابنة سماها ست القصور ؛ فلما دخل عليها عشية اليوم الذي وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها ، وقالت : ما تدخل إلي أو تهب لي ما وهبت لكل منهما . فقال : الساعة . وأحضر الفراشين ، وحمل كل عشرة كيساً فيه عشرة آلاف دينار
(3/123)

"""""" صفحة رقم 124 """"""
عينا . فلما صار إليها هذا المال ، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهباً ، فتحت الباب له ودخل .
(3/124)

"""""" صفحة رقم 125 """"""
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
فيها عم البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتاب والسوقة من الراهب ، بحيث لم يبق أحد إلا وناله مه مكروه ، إما من ضرب أو نهب أو أخذ مال . وكان يجلس في قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص ، ويستدعي الناس للمصادرة . فطلب في بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميزين المبجلين في الناس فأهانه وأخرق به ، فخرج إلى الجامع في يوم جمعة وقام على رجليه وقال : يأهل مصر ، انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من المسلمين . فارتج الناس لكلامه وكادت تكون فتنة ؛ فاتصل ذلك بخواص الخليفة ، فأبلغوه إياه وخوفوه عاقبة ذلك ، وطالعوه بما حل بالخلق . وكان الراهب قد أخذ من شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من مائة ألف دينار ، فصار يشكو ، وكان كثير البضائع والتجارات والمقارضين ، فتظلم واشتهر أمره إلى أن بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو مائة وعشرين سنة ، يقال له لامع وكان قد انقطع في منزله بالقصر بعد ما حج غير مرة ، وأنشأ جلبة بعيذاب يقال لها اللامعية تحمل الحاج فاتفق جواز الآمر على مكانه فسأل عنه ، فقيل له : إنه لا يستطيع النهوض إلى خدمتك . فدخل إليه وسأله عن حاله ، فقال : شغلي بسمعة مولانا أشد علي من نفسي . فقال له الآمر : لأي شيء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس قد تم عليهم من الشدة ما لا أحسن أصفه وربما نسب ذلك إليك . وشرح له أمر الراهب ابن أبي نجاح وصاحبي الديوان جعفر بن عبد المنعم المعروف بابن أبي قيراط وأبي يعقوب إبراهيم السامري الكاتب ، وما أخذوه من هذا الخادم . فحلف الآمر إنه ما علم أنهم بلغوا بالناس إلى هذا المبلغ ، وأنه يستدعي صاحبي الديوان في كل وقت ويحلفهما على المصحف وعلى التوراة ، وأن الراهب لم يجعل إلا مستوفياً لما يستخرج من الأموال وليس له
(3/125)

"""""" صفحة رقم 126 """"""
معهما حديث ألبتة . فقال له الخادم : يا أمير المؤمنين ، إنهم قد اتفقوا على أذى الناس ، وقد جعلك الله خليفةً في الأرض واسترعاك على عباده ، وكل راع مسئول عن رعيته . فشق على الخليفة ، وعمل فيه كلام الأستاذ ، وخرج ؛ فمات بات حتى صرف صاحبي الديوان واعتقلهما ، ليستعيد منهما ما أخذاه للناس ظلماً ؛ واستدعى الراهب ، وكان بحضرته رجل من الأشراف ، فلما حضر الراهب أنشد :
إنّ الذي شرّفت من أجله . . . يزعم هذا أنّه كاذب
فقال الآمر للراهب : يا راهب ، ماذا تقول ؟ فسكت . فأمر حينئذ والي مصر بأخذه إلى الشرطة وضربه بالنعال حتى يموت . فمضى به إلى شرطة مصر ، وما زال يضرب بالنعال حتى مات ، فجر بكعبه إلى عند كرسي الجسر مسحوباً ، وسمر على لوح ، وطرح في بحر النيل ؛ فكان كلما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر دفعوه إلى البحر ؛ فلم يزل حتى خرج إلى البحر الملح ، واشتهر ذكره ، وسارت الركبان بهلاكه .
وكان هذا الراهب أولا من أشمون طناح ، وترهب على يد أبي إسحاق بن أبي اليمن ، وزير ابن عبد المسيح متولى ديوان أسفل الأرض ، ثم قدم إلى القاهرة واتصل بخدمة ولي الدولة أبي البركات يحنا بن أبي الليث ، كاتب المجلس . فلما قتل الوزير المأمون
(3/126)

"""""" صفحة رقم 127 """"""
اتصل بالخليفة الآمر ، وبذل له في مصادرة الكتاب النصارى مائة ألف دينار ، فأطلق يده فيهم ؛ واسترسل أذاه حتى شملت مضرته كل أحد .
وكان يعمل له في تنيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصوف الأبيض المنسوج بالذهب ، فيلبسها ومن فوقها غفارة ديباج ، ويتطيب بعدة مثاقيل مسك في كل يوم فكانت رائحته تشتم من مسافة بعيدة . وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج المحلاة بالذهب والفضة ، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر .
ولما قتل وجد له في مقطع ثلثمائة طراحة سامان محشوة جدداً لم تستعمل ، قد رصت إلى قرب السقف ، وهذا من نوع واحد ، فكيف ما عداه ولما قتل وعرف الآمر ما كان يعمل في الناس من أنواع الأذى خشي من الله واستحيا من الناس ؛ وكره مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفارة هذا الذنب لأنه إمام ، وشرط الإمام أن يكون معصوماً . فسير إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه مجلى ، وكان خليفة الحكم ، مع من يثق به يستفتيه في أمر الراهب وما يكفر عنه ، فقال : يرد ما صار إليه من الأموال إلى أربابها . فرد عليه : إني والله ما أعرفهم ولا أقدر على ذلك ؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدق . فقال الفقيه : الخليفة قادر على أن يعتق ويتصدق ولا يتأثر لذلك ، ولكن يصوم فإنه عبادة شاقة على مثله . فقال : أصوم الدهر . فقال : لا ؛ ولكن الصوم الذي وصفه رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، صوم يوم وفطر يوم . فقال : لا أقدر على ذلك . فقال : يصوم رجب وشعبان ورمضان . ففعل ذلك ، وتحرم في صومه وبره هذه الأشهر من كل ما ينكر في الديانة .
(3/127)

"""""" صفحة رقم 128 """"""
سنة أربع وعشرين وخمسمائة
في ربيع الأول ولد للآمر ولد سماه أبا القاسم الطيب ، فجعل ولي عهده ؛ وأمر فزينت القاهرة ومصر ، وعملت الملاهي في الإيوانات وأبواب القصور ، وكسيت العساكر ، وزينت القصور . وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشاً ومصاغاً ما بين آلات وأواني من ذهب وفضة وجوهر ، فزين بها ؛ وعلق الإيوان جميعه بالستور والسلاح . واستمر الحال على هذا أربعة عشر يوماً .
وأحضر الكبش الذي يعق به عن المولود ، وعليه جل من ديباج ، وفي عنقه قلائد الفضة ، فذبح بحضرة الخليفة الآمر . وجيء بالمولود فشرف قاضي القضاة ابن ميسر بحمله ؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس . ومدت الأسمطة العظيمة بعد ما كتب إلى الفيوم والقيلوبية والشرقية فأحضرت منها الفواكه ، وملئ القصر منها ومن غيرها من ملاذ النفوس ، وبخر بالعنبر والعود والند حتى امتلأ الجو من دخانه .
فيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزارية وتحذيره منهم ؛ وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله ؛ فتحرز احترازاً كبيرا بحيث إنه كان لا يصل أحد من قطر من الأقطار إلا ويفتش ويستقصى عنه . وأقام عدةً من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفاً جليا . وكلما اشتد الأمر كثر الخوف . واتصل به أن جماعةً من النزارية حصلوا بالقاهرة ومصر ، فاحترز وتحيل في قبضهم فلم يقدر لما أراده الله ؛ وفشا في الناس أمرهم ، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم ، فاجتمعوا في بيت وقالوا إنه قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا ؛ واشتوروا . فقال أحدهم : الرأي أن تقتلوا رجلاً منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر
(3/128)

"""""" صفحة رقم 129 """"""
وكان عمره يوم قتل أربعاً وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما ، ومدة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما ؛ وما زال محكوما عليه حتى قتل الأفضل ، فتزايد أمره عما كان عليه أيام الأفضل . فلما قبض على وزيره المأمون استبد بالأمور ، وتصرف في سائر أحوال المملكة ، وأكثر من الركوب ، ورتب لركوبه ثلاثة أيام من كل أسبوع وهي يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء ، فإذا لم يتهيأ له الركوب في أحد هذه الأيام ركب في يوم غيره . فكان يمضي أبداً في يومي الثلاثاء والسبت إلى النزهة في بستان البعل والتاج والخمس وجوه وقبة الهواء ، من ظاهر القاهرة ، أو إلى دار الملك بمصر ، أو بالهودج الذي أنشأه بجزيرة مصر التي يقال لها اليوم الروضة .
وكان يتجول في أيام النيل في القصر بخدمه ويسكن في اللؤلؤة المطلة على خليج القاهرة . وكان الناس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ويجلسون للنظر إليه ، فيكون كيوم العيد . وصار الناس مدة أيامه التي استبد فيها في لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه ، لا سيما غلامه بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد ، حتى إنه لا يكاد يوجد في مصر والقاهرة من يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسعهم في العطاء . ثم تنكد عيش الناس بقيام الراهب وكثرة مصادراته ، وشره حينئذ الآمر في أخذ أموال الناس ، فقبحت سيرته ، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس ، مع ما فيه من التجرؤ على سفك الدماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح .
وفي أيامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشامية ؛ فملكت عكا في شعبان سنة سبع وتسعين ، وعرقة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة ؛ واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين
(3/129)

"""""" صفحة رقم 130 """"""
فتتيقنوا أن حلاكم قد ذكرت له ، فتعملوا الحيلة في فراركم من مصر ؛ وإن لم يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أن القوم في غفلة . فقالوا : ما يتسع لنا قتل واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا . فقال : أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته ؛ وما دللتكم إلا على نفسي . وأسرع بسكين فذبح بها نفسه فمات ، وأخذوا رأسه ورموها في الليل بين القصرين ، وأصبحوا ينظرون ما سبق ، فلما رئيت الرأس واجتمع الناس عليها لم يقل أحد إنه عرفها ، فحملت إلى الوالي ، فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد . فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات فلم يعرفوها . ففرح النزارية واطمأنوا بالإقاقة في مصر لقضاء مرادهم . وكان الآمر كثير الفرج محبا للهو ؛ فركب في يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة يريد أن يجيء إلى الهودج الذي بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدرية ؛ ومن العادة في الركوب أن يشاع في أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى لا يتفرقوا عنه ، فعلم النزارية أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ودخلوا فرناً قبالة الطالع من الجسر إلى البر ، ودفعوا إلى الفران دراهم ليعمل لهم فطيراً بسمن وعسل ، فبينما هم في أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر من كرسي الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق الجسر . فلما طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسكاكين ، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدابة وضربه عدة ضربات . فأدركهم الناس وقتلوهم ، وكانوا تسعة ، وحمل الآمر في عشاري إلى اللؤلؤة ، وكانت أيام النيل ، فمات من يومه ؛ وحمل من اللؤلؤة وهو ميت إلى القصر .
(3/130)

"""""" صفحة رقم 131 """"""
وخمسمائة ؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ذي الحجة منها . وملكوا قلعة تبنين في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ؛ وتسلموا مدينة صور في سنة ثمان عشرة وخمسمائة .
وكثرت المرافعات في أيامه . واستخدم عدة من الكتاب الظلمة الأشرار ؛ وضمن أشياء لم تجر العادة بتضمينها ، وأخذ رسوماً لم تكن فيما تقدم .
وعمل دكة عليها خركاة في بركة الحبش ؛ وعمر في بركة الحبش مكاناً سماه تنيس وموضعاً آخر سماه دمياط . وجدد قصر القرافة ، وعمل تحته مصطبة للصوفية ، فكان يجلس في أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدامه ، والشمع موقود والمجامر تعبق بالبخور ، والأسمطة تمد بكل صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى . وفرق في ليلة عند تواجد ابن الجوهري الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ألف نصفية ، ونثر عليهم من الطاق ألف دينار تخاطفوها .
وبنى الهودج لمحبوبته العالية البدرية في جزيرة الروضة . ولهذه البدرية وابن مياح ، من بني عمها ، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطال وشبهها قد ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب .
وكان المنفق في مطابخه وأسمطته شيء كثير ، فكان عدة ما يذبح له في كل شهر خمسة آلاف رأس من الضأن خاصة ، سوى ما يذبح مما سوى ذلك ، وثمن الرأس منها ثلاثة دنانير .
وكان أسمر شديد السمرة ؛ يحفظ القرآن ، وخطه ضعيفاً . وكانت نفسه تحدثه
(3/131)

"""""" صفحة رقم 132 """"""
بالسفر إلى الشرق والغارة على بغداد ، وأعد لذلك سروجاً مجوفة القرابيص وبطنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء ، وعمل لها فماً فيه صفارة فإذا دعت الحاجة إلى الماء شرب منه الفارس ، فكان كل سرج منها سبعة أرطال من ماء ، وعمل عدة من حجال الخيل من الديباج ؛ وقال في ذلك :
دع الّلوم عني ، لست مني بموثق . . . فلا بدّ لي من صدمة المتحقّق
وأسقى جيادي من فراتٍ ودجلةٍ . . . وأجمع شمل الدين بعد التفرّق
ومن شعره أيضا :
أما والذي حجّت إلى ركن بيته . . . جراهيم ركبانٌ مقلدةٌ شهبا
لأقتحمنّ الحرب حتّى يقال لي . . . ملكت زمام الحرب ، فاعتزل الحربا
وينزل روح اللّه عيسى بن مريم . . . فيرضى بنا صحباً ونرضى به صحباً
وكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش ، وكان حاجراً عليه ليس له معه أمر ولا نهي ، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل ، ثم وزر له المأمون محمد بن فاتك البطائحي ، فصار له في وزارته أمر ونهي ، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه قديما ؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيام الأعياد والمواسم في دار الملك بمصر حيث كان يسكن . فلما قتل المأمون استبد ولم يستوزر أحداً ، ودامت له الدنيا .
وقضاته : ابن ذكا النابلسي ؛ تم ولى أبو الفضل الجليس نعمة بن بشير ، فطلب الإقامة ؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصقلي ، ومات ؛ فاستقر بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسي مرة ثانية ؛ ثم صرف بأبي الفتح مسلم بن
(3/132)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
الرسعني ؛ وعزل بأبي الحجاج يوسف بن أبي أيوب المغربي ؛ فلما مات استقر من بعده أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر القيسراني ، وقتل الآمر وهو قاض .
وكتاب الإنشاء في أيامه : سناء الملك أبو محمد بن محمد الزيدي الحسيني ؛ والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبي أسامة الحلبي ؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم ابن الصيرفي ؛ وابن أبي الدم اليهودي .
وكان نقش خاتمه : الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين . وفي أيامه نزع السعر ، فبلغ القمح كل أردب بدينار . وكان الناس قد ألفوا الرخاء في أيام الأفضل والمأمون ، وبعد عهدهم بالغلاء ، فقلقوا لذلك .
ومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر في النسب أيضا ، ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عم ولا ابن عم غير الآمر .
وعرض عليه فصل في التوحيد من جملته : وهو المحذر بقوارع التهديد ، من يوم الوعد والوعيد ؛ فقال : إذا حذر من الوعد كما يحذر من الوعيد ، فما الفرق بينهما ؟ وأمر أن يقال : المحذر بقوارع التهديد من هول يوم الوعيد . واستدرك في فصل آخر في ذكر علي ، رضي الله عنه ، قوله : وهو السابق إلى دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإجابته ؛ فقال : إن قوله السابق غير مستقيم ، لأنه إن أراد التخصيص فذلك غير صحيح ، إذ كانت خديجة سبقت إلى الإسلام ، والسابق منهم جائز أن يكون واحداً وأن يكون جماعة ؛ والله تعالى يقول : ' والسَّابِقُونَ السَّابقُونَ ' ؛ وليس في ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم على الباقين ؛ وذكر مثالا فقال : خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج فيها واحد عن واحد قيل لها السبق ، وقيل لكل واحد منها سابق . وأمر أن يقال : أول سابق إلى دعوة رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإجابته .
(3/133)

"""""" صفحة رقم 134 """"""
فارغة
(3/134)

"""""" صفحة رقم 135 """"""
الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد
(3/135)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
فارغة
(3/136)

"""""" صفحة رقم 137 """"""
ولد بعسقلان في المحرم سنة سبع ، وقيل سنة ثمان ، وستين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدة ؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلاني ، ابن عم مولانا .
ولما قتل النزارية الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك جوامرد ، وينعت بالأفضل ، فعمدا إلى الأمير أبي الميمون عبد المجيد ، وكان أكبر الجماعة الأقارب سنا ، وقالا : إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع عن نفسه : المسكين المقتول بالسكين ؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه ، وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولداً ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون . فجلس المذكور كفيلاً ، ونعت بالحافظ لدين الله ، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، يوم قتل الآمر بأحكام الله ؛ وتقرر أن يكون هزار الملوك وزيراً ، وأن يكون الأمير السعيد أبو الفتح يانس الحافظي ، متولى الباب أسفهسلاراً ، وقرئ سجل في الإيوان بهذا التقرير والحافظ في الشباك جالس ؛ تولى قراءته قاضي القضاة ابن ميسر على كرسي نصب له أمام الحافظ ، بحضور أرباب الدولة .
وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة ، وقد اجتمع في بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل ، وفيهم رضوان بن ولخشي ، أحد الأمراء المميزين أرباب الشجاعة ، وهو رأس
(3/137)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
الجمع ؛ وفي داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شق عليه تقدم هزار الملوك وتقلده الوزارة ؛ فنظر إلى أبي علي أحمد بن الأفضل ، الملقب كتيفات ، وهو جالس ، فقال : يا مولاي الأجل ، أنا أشح عليك أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الضانع وزيراً فتخدمه ويسومك المشي في ركابه ؛ اخرج إلى دارك ، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه .
وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبي علي وباطنه أنه علم أن أكثر العسكر الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك ؛ فدبر أنهم إذا وقعت أعينهم على أبي علي تعلقوا به وأقاموه وزيراً ، فيفسد أمر هزار الملوك . فقام أبو علي ليخرج ، فمنعه طغج ، أحد نواب الباب ، وكان فطناً ذكيا ؛ فقال له بزغش : لم تمنع هذا المولى من الخروج ؟ فقال : كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلق العسكرية فيقع له ما وقع للآخر . فهزه بزغش وقال له : دع عنك الفضول . وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر ؛ فما هو إلا أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشي والجماعة ، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنه سيخرج إليهم ، فتواثبوا إلى أبي علي وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير . وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء ، فلم يقبل منه ؛ وطلب له في الحال خيمة وبيت صدار ، فضربت في جانب من بين القصرين ، وأدخلوه فيها . وقام الصالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرضا به ، وصاحوا أن لا سبيل أن يلي علينا هذا الصانع الفاعل ، وأعلنوا بشتمه . فغلقت أبواب القصر كلها واشتد الأمر ؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة ، وأطلقوا عليها أميراً يقال له ابن شاهنشاه ، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله ؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسر ، فما الذي خلعتم عليه ويحصل من ذلك على الخليفة من العوام وسوء أدب جهال العسكر ما لا يتلافى ؛ وما هذا شيء والله إلا نصيحة لمولانا ، فإنني قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم . أخبروا مولانا عني بهذا .
فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة يسمع القول ؛ فقال له الحافظ : ها أنت ذا تسمع ما يقال . فقال : يا مولانا ، أنا في
(3/138)

"""""" صفحة رقم 139 """"""
مجلسك ووزارتي بوصية خليفة قبلك ، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة . فقال : لا سبيل لفتح باب القصر في مثل هذا الوقت ، وقد فعلنا في أمرك ما رتب لك ، وهذه الخلع عليك ؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : لا رأى لمن لا يطاع .
واشتد الأمر وكثر تموير العسكر . فقيل لابن شاهنشاه : قد أجبتم إلى وزارة أبي علي وما نحن له كارهون . فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه ، فقالوا : قل له يسلم لنا هزار الملوك . فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا على طلب المذكور ولا بد . فقال الحافظ له . قم واحتجب في مكان عسى ندبر في قضيتك أمراً نصرف به هذا الجمع عنا وعنك .
فنزعت الخلع عنه وأحيط به ، فصار إلى مكان قتل فيه قتلةً مستورة وألقيت رأسه إلى القوم فسكنوا .
واستدعي بالخلع لأبي علي ، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء خامسه ، وركب إلى دار الوزارة والجماعة مشاة في ركابه . فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير تصرف . وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدة ورد له المظالم والنظر في أحوال الجند ، وهو نوع من الوزارة ؛ وكان ينعت بالأفضل .
ووقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة ، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثب ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم ، ومذ بنيت لم يكن فيها أمر يكره ، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب والطمع .
وطيف برأس هزار الملوك على رمح . واستقرت الوزارة لأبي علي أحمد بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي ، وكان يلقب بكتيفات ، في يوم الخميس سادس
(3/139)

"""""" صفحة رقم 140 """"""
عشر ذي القعدة . فأول ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه في خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد . ويقال إن رضوان بن ولخشي دخل إليه وقيده ؛ فقال له الحافظ : أنت فحل الأمراء . فنعت بذلك .
وتمكن أبو علي واستولى على جميع ما في القصر من الأموال والذخائر ، وحمل الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال في الناس على سبيل الإنعام . وكان السعر غاليا ، يباع القمح بنحو الدينار كل إردب ، فأراد أبو علي أن يحسن سمعته ، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما كان فيها ، وكانت مئي ألوف أرادب . ورد على الناس الأموال التي فضلت في بيت المال من مال المصادرة التي كان قد أخذها الآمر في أيام مباشرة الراهب وما كتبت به الخطوط قبل ذلك ؛ وكان الذي وجد خمسين ألف دينار . فاستبشر الناس به وفرحوا فرحاً ما ثبتت منه عقولهم ، وضجوا بالدعاء له في سائر أعمال الديار المصرية ؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه ، وأقطع الحجرية البلاد ، وظهر فرح الناس وابتهاجهم .
وأكرم بزغش العادل الذي أشار عليه بالخروج من القصر إكراماً كثيرا . وكانت قد ضربت ألواح على عدة أملاك في أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها .
وكان إماميا متشدداً ، فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتى أظهر المذهب الإمامي ، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم ، وحسنوا له الدعوة للقائم المنتظر ، فضرب الدراهم
(3/140)

"""""" صفحة رقم 141 """"""
باسمه ونقش عليها : الله الصمد الإمام محمد . وخطب بنفسه في يوم الجمعة ، وكان أكثر خلق الله تخلفا وأقلهم علماً ، فغلط في الخطبة غلطة فاحشة صحفها فلم ينكر عليه أحد . واشتد ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق ، وأكثر من إزعاجهم والتفتيش على ولد الآمر وعلى يانس ، صاحب الباب ، وعلى صبيان الخاص الآمرية . وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته . وكان الآمر لما احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام في حقه يستقبح ذكره ، فأقام عليهم الحجة عندما مثلوا بحضرته ، وقال : أبوكم الأفضل غلامي ولا مال له . فسفه عليه أحدهم ؛ فغضب وقتلهم . فأراد أبو علي بتفتيشه على الحمل الذي ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته ؛ فلم يظهر الحمل ، ولا قدر أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه ، فاعتقله كما تقدم ، وخطب للقائم المنتظر تمويها . فنفرت قلوب أهل الدولة منه ، وقامت نفسوهم منه . وتعصب قوم من الأجناد من خاص الخليفة ، بترتيب يانس لهم ، وتحالفوا سراً على قتله ، وكانوا أربعين رجلا ، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها .
وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط وعلى أبي يعقوب إبراهيم السامري ، ونهب الجند دورهما ؛ وحبسا في حبس المعونة ، ثم أخرجا ميتين .
(3/141)

"""""" صفحة رقم 142 """"""
سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فيها رتب أبو علي بن الأفضل في الحكم أربعة قضاة ، فصار كل قاض يحكم بمذهبه ويورث بمذهبه ؛ فكان قاضي الشافعية سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن رشا ، وقاضي المالكية أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المولى بن أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللبني المغربي ، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضائل هبة الله بن عبد الله بن حسن بن محمد القاضي فخر الأمناء الأنصاري المعروف بابن الأزرق ، وقاضي الإمامية القاضي المفضل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل . ولم يسمع بمثله هنا في الملة الإسلامية قبل ذلك .
(3/142)

"""""" صفحة رقم 143 """"""
سنة ست وعشرين وخمسمائة
في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم ركب أبو علي أحمد بن الأفضل إلى رأس الطابية ليعرق فرساً في الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة ، وللعب بالكرة على عادته ؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعاً أو فرادى ، فصاح أبو علي ، عادة من يسابق بخيل : راحت ، فقال العشرة : عليك ، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل . فأدركه أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه .
واجتمع الأربعون عناناً واحداً وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس ، وكان مستوحشاً من أبي علي ، فخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلاً بها ، وفكوا عنه القيد وأجلسوه في الشباك على منصة الخلافة ، وقالوا : ما حركنا على هذا إلا الأمير يانس . فاجتمع الناس ، وأخذ له العهد على أنه ولي عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه .
ونهب في هذا اليوم كثير من الأسواق والدور والحوانيت ؛ وصار ذلك عادة مستقرة وشيئاً معهوداً في كل فتنة .
وحمل رأس أبي علي إلى القصر . وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية . وأزال من الأذان قولهم فيه : حي على خير العمل ، محمد وعلي خير البشر ؛ وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة ؛ واخترع لنفسه دعاءً يدعى به على المنابر وهو : السيد الأجل الأفضل ، سيد ممالك أرباب
(3/143)

"""""" صفحة رقم 144 """"""
الدول ، المحامي عن حوزة الدين ، وناشر جناح العدل على المسلمين ، الأقربين والأبعدين ، ناصر إمام الحق في حالي غيبته وحضوره ، والقائم في نصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره ، أمين الله على عباده ، وهادي القضاة إلى اتباع شرع الحق واعتماده ، ومرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه وإرشاده ، مولى النعم ، رافع الجور عن الأمم ، مالك فضيلتي السيف والقلم ؛ أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل أبي القاسم شاهنشاه أمير الجيوش .
وكانت مدة تحكه سنة وشهراً وعشرة أيام ؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير الجيوش ، ظاهر باب النصر .
وخلع على السعيد أبي الفتح يانس الأرمني ، صاحب الباب ، خلع الوزارة ؛ وكان من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء ، وله هيبة ، وعنده تماسك في الأمور وحفظ للقوانين . فهدأت الدهماء وصلحت الأحوال ؛ واستقرت الخلافة للحافظ ؛ وحمل جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات وأعيد إلى القصر .
ولم يحدث يانس شيئا ؛ إلا أنه تخوف من صبيان الخاص ، وحدثته نفسه أنهم قد جسروا على الملوك ، وأنه ربما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره ؛ وأحسوا منه بذلك فتفرقوا عنه . فلما تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب في خاصته وغلمانه وأركب العسكر ، والتقوا قبالة باب التبانين بين القصرين ، فقتل ما يزيد عن ثلثمائة فارس من أعيانهم ، فيهم قتلة أبي علي أحمد بن الأفضل . وكانوا نحو خمسمائة فارس ، فكسر شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ولا يعتد به ، فقوي أمر يانس وعظم شأنه .
وكانت له في النفوس مكانة ، فثقل على الحافظ وتخيل منه ، فأحس بذلك ، وصار
(3/144)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
كل منهما يدبر على الآخر . فبدأ الوزير يانس بحاشية الخليفة ، فقبض على قاضي القضاة وداعي الدعاة أبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء وأبي الفتوح بن قادوس فقتلهما . وبلغه شيء يكرهه عن أستاذ من خاص الخليفة ، فقبض عليه من غير مشاورة الحافظ ، واعتقله بخزانة البنود ، وضرب عنقه من ليلته . فاستبدت الوحشة بينه وبين الحافظ ، وخشى من زيادة معناه ، فقال الحافظ لطبيبه : اكفني أمره بمأكل أو مشرب . فأبى الطبيب ذلك خوفا من سوء العاقبة . ويقال إن الحافظ توصل إلى أن سم يانس في ماء المستراح ، فانفتح دبره واتسع حتى ما بقي بقدر على الجلوس . فقال الطبيب : يا أمير المؤمنين ، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك ، فلو أن مولانا عاده في هذه المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة ؛ وهذا المرض ليس دواؤه إلا السكون ولا شيء أضر عليه من الحركة والانزعاج ، وهو كما يسمع بقصد مولانا تحرك واهتم بلقائه وانزعج ، وفي ذلك تلاف نفسه . فقبل ذلك وجاء لعيادته . فلما رآه يانس قام للقائه وخرج عن فراشه ؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ومحادثته ، فلم يقم حتى سقطت أمعاؤه ، ومات من ليلته ، في سادس عشري ذي الحجة .
وكانت وزارته تسعة أشهر وأياما . وترك ولدين كفلهما الحافظ .
وكان يانس هذا قد أهداه باديس جد عباس الوزير الآتي ذكره إن شاء الله تعالى إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى في الخدم إلى أن تأمر وتقدم وولى الباب ، وهي أعظم رتب الأمراء ، وكنى بأبي الفتح ولقب بالسعيد ؛ ثم نعت في وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام . وكان عظيم الهمة بعيد الغور ، كثير الشر ، شديد الهيبة .
(3/145)

"""""" صفحة رقم 146 """"""
وفيها استقرت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لما عمل الحمل . قال الشريف محمد بن أسعد الجواني : رأيت صغيراً في القرافة الكبرى ، ويسمى قفيفة ، سألت عنه ، قيل هذا ولد الآمر : لما ولى الحافظ ولي عهده من يولد ، استولى على الأمر ، وولد هذا الولد فكتم حاله ، وأخرج في قفة على وجهها سلق وكرات ، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل .
ولما تمكن الحافظ قرئ سجل بإمامته ، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزي الخلفاء ، في ثالث ربيع الأول ؛ ورفع عن الناس بواقي مكس الغلة .
وأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدعاء ، وهو : اللهم صل على الذي شيدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره ، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمة وظهوره ، وجعلته آية لمن تدبر الحقائق بباطن البصيرة ، مولانا وسيدنا ، وإمام عصرنا وزماننا ، عبد المجيد أبي الميمون ، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ، صلاة دائمة إلى يوم الدين .
وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر عن قضاء القضاة ، في أول ربيع الأول ، وقرر مكانه سراج الدين أبو الثريا نجم بن جعفر ، وأضيفت إليه الدعوة ، فقيل له قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وذلك وقت العشاء الآخرة من ليلة الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة .
ولما مات يانس تولى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحداً وأحسن السيرة .
ويقال إن يانس لما قتل القاضي أبا الفخر سلم الحكم إلى سراج الدين أبي الثريا نجم بن جعفر .
وفيها جهز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولاً في الرابع من ذي القعدة بجواب شمس الملوك ، صاحب دمشق ، وأصحبه الخلع السنية وأسفاط
(3/146)

"""""" صفحة رقم 147 """"""
الثياب والخيل المسومة ومالاً متوفراً . فوصل إلى دمشق وتلقى أحسن تلق ، وقبلت الألطاف منه ، وقرئ كتابه . وأقام إلى أن أعيد من القابلة .
وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر ، وكان قد توجه إلى المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعاً كثيرة وعاد . فبعث الحافظ إلى مقدمي عسكره يستميلهم . فلما وصل دير الزجاج والحمام اغتالوه وقتلوه فانفض جمعه .
(3/147)

"""""" صفحة رقم 148 """"""
سنة سبع وعشرين وخمسمائة
فيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية ، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم وبينه حروب . وفيها سلم الحافظ أمر الديوان إلى الشريف معتمد الدولة علي بن جعفر بن غسان ، المعروف بابن العساف ، وصرف يوحنا بن أبي الليث لأشياء نقمها عليه ، وسعوا فيه عنده بأنه كان سبباً فيما عمله أبو علي أحمد بن الأفضل من تفريق ما فرقه من الأموال لأهله وأقاربه . واستخدم الحافظ أيضا أخا معتمد الدولة في نقابة الأشراف وجعله جليسا ؛ وكان عنده أدب ومعرفة بعلم الفلك ، وكان الحافظ يحب هذا العلم .
وفيها قبض على ابن عبد الكريم ، تربية الآمر ، فوجد له ثلثمائة وستون منديلا مذهبة ، وعلى مثالها ثلثمائة وستون بذلة مذهبة ؛ فكان يلبس كل يوم بذلة . وكل منديل ، وهي العمامة ، على مسمار فضة . ووجد له خمسمائة نرجسية ذهبا وفضة ؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات ؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة ؛ ومن الجوهر ما يعجز عن وصفه .
(3/148)

"""""" صفحة رقم 149 """"""
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان ، وكان أسن أولاده وأحبهم إليه ، وأقامه ليسد مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه في أوامره ونواهيه ، فمات بعد ولاية العهد بشهرين ، فحزن عليه مدة . ثم جعل ابنه حيدرة ولي عهده ونصبه للنظر في المظالم ، فشق ذلك على أخيه حسن لأنه كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه ، بحيث كان له ديوان مفرد . وما زالت عقارب العداوة تدب بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفية الجيوشية والطائفة الريحانية ، وكانت شوكة الريحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين ؛ وصاح الجند : يا حسن يا منصور ، يا للحسنية .
والتقى العسكران ؛ فقتل بينهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل . فكانت أول مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها ؛ ولم يسلم من الريحانية إلا من ألقى نفسه في بحر النيل من ناحية المقس . واستظهر حسن وصار الأمر إليه ، فانضم له أوباش العسكر وزعارهم ، وفرق فيهم الزرد وسماهم صبيان الزرد ، وصاروا لا يفارقونه ويحفون به إذا ركب ، ويلازمون داره إذا نزل .
فقامت قيامة الناس ، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة ؛
(3/149)

"""""" صفحة رقم 150 """"""
وجد في طلب حيدرة . وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه من كونه نغص على أبيه وأخيه ، وصاروا يحسنون له كل رذيلة ، ويحرونه على أذى الناس .
فأخذ الحافظ في تلافي الأمر مع حسن لينصلح ؛ وعهد إليه بالخلافة في يوم الخميس لأربع بقين من شهر رمضان ، وأركبه بالشعار ، ونعت بولي عهد المؤمنين . وكتب له بذلك سجلاً قرئ على المنابر ، فكان يقال على المنابر : اللهم شيد ببقاء ولي عهد المؤمنين أركان خلافته ، وذلل سيوف الاقتدار في نصره وكفايته ، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته ، واجمع شمله به وبكافة السادة إخوته ، الذين أطلعتهم في سماء مملكته بدوراً لا يغيرها المحاق ، وقمعت ببأسهم كل مرتد من أهل الشقاق والنفاق ، وشددت بهم أزر الإمامة ، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم القيامة .
فلم يزده ذلك إلا شراً وتعديا ؛ فضيق على أبيه وبالغ في مضرته . فسير الحافظ وفي الدولة إسحاق ، أحد الأستاذين المحنكين ، إلى الصعيد ليجمع ما قدر عليه من الريحانية فمضى واستصرخ على حسن ، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله ؛ وسار بهم . فبلغ ذلك حسناً ، فجهز إليه عسكراً عرمرماً وخرج ؛ فالتقى الجمعان . وهبت ريح سوداء في وجوه الواصلين ، وركبهم عسكر حسن ، فلم يفلت منهم إلا القليل ، وغرق أكثرهم في البحر وقتلوا ؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر . فلما وصل بين القصرين رمى بالنشاب حتى مات ، ورمي إليهم من القصر الغربي أستاذ آخر فقتلوه ، وقتل الأمير شرف الأمراء .
فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن ، فيها : يا ولدي ، أنت على كل حال ولدي ، ولو عمل كل منا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه . ولا يحملني قلبين وقد انتهى الأمر إلي أن أمراء الدولة فلاناً وفلاناً وسماهم له وأنك قد شددت وطأتك عليهم وخافوك ، وأنهم معولون على الفتك بك ؛ فخذ حذرك يا ولدي .
(3/150)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
فلما وقف حسن على الورقة قامت قيامته . فلما اجتمع أولئك الأمراء في داره للسلام عليه أمر صبيان الزرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم ، وأخذ ما في دورهم . فاشتدت مصيبة الدولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان الدولة ، وهم أصحاب الرأي والمعرفة ، فوهت واختلت لقلة الرجال وعدم الكفاة .
ومن حين قتل حسن الأمراء تخوفه باقي الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان جريئا عنيفاً بحاثاً عن الناس يريد إقلاب الدولة وتغييرها لتقدم أصحابه ، فأكثر من مصادرة الناس ، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجماً في يوم الخميس ثامن شوال . وكان أبو الثريا في أول أمره خاملاً في الناس ، ثم سمع قوله في العدالة أيام الآمر . فلما قبض أحمد بن الأفضل علي أبي الفخر وسجنه عنده بدار الوزارة ، وقد كان الداعي أيام الآمر ، طلب من يكون داعيا ، فاستخدم نجماً هذا داعياً ولم يقف على ما كان عنده من الدهاء . فلما كان في وزارة يانس جمع إليه الحكم مع الدعوة ؛ فلما مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظي نجم عنده ورقاه إلى أعلى المراتب ، وصار يدبر الدولة . وحسن عنده نصرة طائفة الإسماعيلية والانتقام ممن كان يؤذيهم في أيام أحمد بن الأفضل ، فتأذى بهذا خلق كثير ، وأثبت طائفة سماهم المؤمنين وجعل لهم زماماً قتله حسن بن الحافظ . ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادي أمراء الدولة ورؤساءها ولا ينظر في عاقبة وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه فلما تمكن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه جماعة . ورد القضاء لابن ميسر وخلع عليه في يوم الخميس ثاني ذي القعدة .
وفيها مات القاضي المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين بن حديد بن حمدون الكناني قاضي الإسكندرية بثغر رشيد ، وقد عاد من القاهرة في جمادى الآخرة ؛ ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة . وكانت له مدة في القضاء ؛ وهو الذي كان سببا في اغتيال أبي الصلت أمية الأندلس . وقد ذكره السلفي وأثنى عليه ، ورثى بعدة قصائد .
وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبي الفضل بن الحسين الزاهد الناطق بالحكم ، المعروف بابن بشرى الجوهري ، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ، في جمادى
(3/151)

"""""" صفحة رقم 152 """"""
الأولى . وكان حلو الوعظ ، إلا أنه تعرض في آخر عمره لما لا يعنيه ، فنفاه الحافظ إلى دمياط ؛ وذلك أن الآمر لما مات ترك جارية حاملاً ، فقام الحافظ بعده في الخلافة على أن يكون كفيلاً للحمل حتى يكبر ، فاتفق أنه ولد وخافت أمه عليه من الحافظ ، فجعلته في قفة من خوص وجعلت فوقه بصلاً وكراثاً وجزراً حتى لا يفطن به ، وبعثته في قماطه تحت الحوائج في القفة إلى القرافة ، وأدخل به إلى مسجد أبي تراب الصواف ، وأرضعته المرضعة ، وخفي أمره عن الحافظ حتى كبر ، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة . فلما حان نفعه نم عليه ابن الجوهري هذا إلى الحافظ ، فأخذ الصبي وفصده ، فمات ، وخلع على ابن الجوهري ثم نفاه إلى دمياط فمات بها .
(3/152)

"""""" صفحة رقم 153 """"""
سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته ، وتأكدت العداوة بينه وبين من بقي من الأمراء والأجناد واشتد خوفهم منه ، وعزموا على خلع الحافظ من الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر . فاجتمعوا بين القصرين ، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل ، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم . فعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه سوى الراجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء . فتحير ولم يجد بدا من الفرار منهم إلى أبيه ، فصار إليه ، وكان قد نزل بالقصر الغربي ، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقي من تحت الأرض ، وتحصن بالقصر . فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيده ، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن ؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه . فبعث إليهم يقبح مرادهم منه أن يقتل ولده ، وأنه قد أزال عنهم أمره ، وضمن لهم أنه لا يتصرف أبدا ؛ ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات . فلم يقبلوا ذلك ، وقالوا : إما نحن وإما هو . وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر ؛ وبالغوا في الجرأة على الحافظ . فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم ، فألجأته الضرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل . فرأى أنه لا ينفك من هذه النازلة العظيمة إلا بقتل ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التي لا يأمن إن استمرت أن تأتي على نفسه هو ، فإنهم لم يبرحوا من بين القصرين . فاستدعى طبيبيه ، أبا منصور وابن قرقة ، فبدأ بأبي منصور اليهودي وفاوضه في عمل سقية لابنه ، فتحرج من ذلك وأنكر معرفته كل الإنكار ، وحلف برأس الخليفة وعلى
(3/153)

"""""" صفحة رقم 154 """"""
التوراة أنه لم يقف على شيء من هذا . فتركه وأحضر ابن قرقة ، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج ، وفاوضه في ذلك ؛ فقال : الساعة ، ولا يتقطع منها الجسد بل تفيض النفس لا غير . فأحضرها من يومه ، وألزم الحافظ ابنه حسنا بمن ندبه من الصقالبة ، فأكرهوه على شربها ، فمات في يوم الثلاثاء ثالث عشري جمادى الآخرة .
ونقل للقوم سراً : قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم . فلم يثقوا بذلك ، وقالوا لا بد أن يشاهده منا من نثق به ؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة والصر يقال له المعظم جلال الدولة محمد ، ويعرف بجلب راغب الآمري ، فدخل إلى حيث حسن بن
(3/154)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
الحافظ ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة ، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه سكينا وغرزه في عدة مواضع من بدنه حتى تيقن أنه ميت ، وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم فتفرقوا .
وكان تاج الدولة بهرا الأرمني قد انفلت من حسن بن الحافظ وولي الغربية ؛ فلما علم أن النفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعي الغربية والأرمن والعربان وطلب القاهرة ، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ ، فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده في القرى والضياع ونهبوها .
وعندما وصل إلى القاهرة ، يوم الخميس وقت العصر ، الحادي عشر من جمادى الآخرة التف عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيوشية والإسكندرية والفرحية ومن يقول بقولهم من الغز الغرباء . ونهب أوباش الناس ما قدروا عليه .
ولما قتل حسن وسكنت الدهماء قبض الحافظ على الطبيب ابن قرقة وقتله بخزانة البنود ، وارتجع جمع أملاكه وموجوده ، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج . وأنعم على أبي منصور الطبيب وجعله رئيساً على اليهود وصارت له نعم جليلة .
وفيها كانت وزارة بهرام الأرمني النصراني الملقب تاج الدولة . وكان السبب في ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسودان عندما قتل حسن بن الحافظ قوي فيها السودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة ، فإن السودان كانوا مع حسن دون الأجناد ، فإنهم
(3/155)

"""""" صفحة رقم 156 """"""
الذين حملوا أباه الحافظ على قتله . وقدم بهرام بالحشد كما تقدم ، فوجد حسناً قد مات ، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله في يوم الخميس ، بعد العصر ، الحادي عشر من جمادى الآخرة ، لتولية الوزارة ؛ فخلع عليه في يوم الأحد ، رابع عشره ، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره ، خلع الوزارة ، ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة ، وهو نصراني ، مع كراهة الحافظ لذلك ، لتسكن الفتنة ، ولم يرد إليه شيئاً من الأمور الشرعية . فلم يدخل في مشكل لأنه كان عاقلا سيوساً حسن التدبير .
وتقدم كثير من حواشي الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه نصرانيا ، وقالوا : لا يرضى المسلمون بهذا ، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر في الأعياد ليزرر عليه المزررة الحاجزة بينه وبين الناس ، والقضاة نواب الوزير من زمن أمير الجيوش ، ويذكرون دائماً النيابة عنه في الكتب الحكمية النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة . فقال : إذا رضينا نحن فمن يخالفنا ؛ وهو وزير السيف ؛ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه قاضي القضاة ؛ وأما ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل أمير الجيوش .
فشق على الناس وزارته ، وتطاول النصارى في أيامه على المسلمين . وكان هو قد أحسن السيرة وساس الرعية ، وأدى الطاعة للخليفة ، وأنفق في الجند جملةً من الأموال ، ودبر الأمور فاستقامت له الأحوال ، وراسله الملوك ، وزال ما كان في البلد من الفتن ؛ فلم ينكر عليه سوى أنه نصراني . وكان يقعد يوم الجمعة عن الصلاة فلا يحضر ، بل يعدل إلى دكان بمفرده حتى يصلي الخليفة بالناس . وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كل جهة حتى صار بها منهم عالم عظيم . ووصل إليه ابن أخيه ، وكان يعرف بالسبع الأحمر ، فكثر القيل والقال ؛ وأطلق أسيراً من الفرنج كان من أكابرهم ، فأنكر الناس ذلك ورفعوا فيه النصائح للحافظ ، وأكثروا من الإنكار .
(3/156)

"""""" صفحة رقم 157 """"""
وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب ، وهو شجاع كاتب ، فبلغ بهرام أنه يهزأ به في قوله وفعله ، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة ، وولى أخاه الباساك قوص وفيها توفى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله الجروي الجذامي الإسكندراني ، المعروف بالحداد . بمصر .
(3/157)

"""""" صفحة رقم 158 """"""
سنة ثلاثين وخمسمائة
فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان ؛ وقيل بل كان خروجه في سلخ رجب من السنة الماضية . فلما وصل إليها وجد فيها جماعة من الأرمن قد وصلوا في البحر يريدون القاهرة ، فناكدهم ومنع كثيراً منهم ؛ فبلغ ذلك الوزير بهرام ، فشق عليه ، وصرفه عن عسقلان واستدعاه ؛ فقدم إلى القاهرة . وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة ، فلم يطق بهرام إقامته معه ، فولاه الغربية في صفر إبعاداً له عنه .
وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية جربة ؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها
(3/158)

"""""" صفحة رقم 159 """"""
سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته ، وأهله وقومه ؛ ومجيئهم من ناحية تل باشر وكانوا مقيمين بها ، ولهم فيها كبير منهم يتولى أمرهم ؛ وقدموا أيضا بلاد الأرمن ، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان . فعظم ضررهم بالمسلمين وكثرت استطالتهم ، واشتد جورهم ، وتظاهروا بدين النصرانية ، وأكثروا من بناء الكنائس والديارات ، وصار كل رئيس منهم يبني له كنيسةً بجوار داره .
وتفاقم الأمر . فخاف الناس منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ويغلبوا على البلاد فيردوها دار كفر ؛ فتتابعوا في الشكاية من أهل بهرام وأقاربه .
ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك ، أخا بهرام ، قد جار على الناس واستباح أموالهم ، وبالغ في أذيتهم وظلمهم ، فاشتد ذلك على الناس ، وعظم على الأمراء ما نزل بالمسلمين ؛ فبعثوا إلى أبي الفتح رضوان بن ولخشى وكان مقدماً فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى بالغربية يشكون إليه ما حل بالمسلمين ويستحثونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم .
فلما وصلت إليه كتب الأمراء تشمر لطلب الوزارة ، ورقى المنبر خطيبا بنفسه فخطب خطبة بليغةً حرض فيها الناس على الجهاد في سبيل الله والاجتماع لقتال بهرام وشيعته النصارى من الأرمن . وكان حينئذ بمدينة سخا ، ثم نزل وحشد الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا ، فأخرج لهم كتب الخليفة الحافظ إليه
(3/159)

"""""" صفحة رقم 160 """"""
بالتقدم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبين أن ليس من أهل الملة . وسار بهم إلى دجوة ، وبهرام لا ينزعج .
فلما قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم : اعلموا أننا قوم غرباء لم نزل نخدم هذه الدولة ؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيامنا ، وما كنت بالذي أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصبا فلما بلغني الكبر أقاتلهم ؛ لا ضربت في وجوههم بسيف أبدا . سيروا . وأخذ أمراء الدولة وعساكرها يخرجون شيئاً بعد شيء إلى رضوان .
واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه في أمره ؛ فقال تحلبني الإسلام عليك . فأيس حينئذ ، وجمع الأرمن ، وكانوا كلهم منقادين إليه لا يخالفونه في شيء من الأشياء ، وسار بهم نحو بلاد الصعيد يريد أخاه الباساك بقوص ، قاصداً أنه يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوون بالنوبة أهل دينهم . وقد ذكر أن بهرام خرج يريد محاربة رضوان في عساكر مصر . فلما وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرماح ، فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك ؛ فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خف حمله ، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء ، وقت العصر ، حادي عشر جمادى الأولى ، وسار يريد الصعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه . فعندما رحل اقتحم رعاع الناس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها ، وعملوا كل مكروه ؛ فكان هذا أول نهب وقع في دار الوزارة . وامتدت الأيدي إلى دور الأرمن التي
(3/160)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح ، فنهبوها ، ونهبوا كنيسة الزهري ، ونبشوا قبر البطرك ، أخي بهرام .
وطار خبر انهزام بهرام في سائر إقليم مصر ، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل وصول بهرام ، فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثلوا به ، وجعلوا في رجله كلباً ميتا ، وألقوه على مزبلة . فلما كان بعد قتله بيومين قدم بهرام في طائفة الأرمن ، وهم نحو الألفي فارس ، رماة ، فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر ، فقتل جماعةً من أهل قوص ونهبها . وسار عنها إلى أسوان ، فنزل بالأديرة البيض ، وهي أماكن حصينة في غربي أخميم ، فتفرق عنه عدة من الأرمن وساروا يريدون بلادهم .
وأما رضوان فإنه لما وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين ، واستأذن الحافظ فيما يفعله ، فأشار بنزوله في دار الوزارة ، فنزلها ، وخلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى ، ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل . فاستدعى بالأموال من الخليفة ، وأنفق في الجند ، ومهد الأمر . ورضوان أول وزير لقب بالملك .
فلما كن في اليوم الثالث من استقراره في الوزارة سير أخاه الأوحد إبراهيم ومعه العسكر شرقاً وغرباً ، والأسطول بحراً ، في طلب بهرام ، وبيده أمان له ليعود مكرماً وطائفته على إقطاعاتهم . فسار إلى الأديرة ، وتقرر الحال من غير قتال على إقامة بهرام بها ؛ وذلك أن أسوان امتنعت عليه بكنز الدولة وأهلها ، فاضطر إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه
(3/161)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
أكثر الأرمن ، فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين ، فسأل لهم مواضع يسكنونها ، فأفردت لهم جهات ، منها سمالوط وإبوان وأقلوسنا والبرجين في صعيد مصر ، وضيعة أخرى بأعمال المحلة . وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه أهله وولده .
وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن ميسر عن قضاء القضاة في يوم الأحد لسبع خلون من المحرم ، والوزير إذ ذاك بهرام ، ونفي إلى تنيس ، فأقام بها إلى يوم الاثنين ثاني ربيع الأول ، وقتل . وهو من قيسارية ، وقدم منها مع أبيه وهو صغير في وزارة أمير الجيوش بدر الجمالي عند حضوره إلى المستنصر في سني الشدة ، وبعثه إلى البلاد الشامية لإحضار أرباب الأموال واليسار ؛ وكان من جملة من أحضر والد القاضي ، وكان له مال جزيل ، ففوض إليه خطابة الجامع بمصر ؛ وفتح دار وكالة ، وأقام بها مدة حتى مات . فترقى ولده إلى أن ولي القضاء عدة مرار ؛ وكان له أفضال ومكارم ، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة ، وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر . وهو الذي أخرج الفستق الملبس بالحلوى ، فإنه بلغه أن أبا بكر محمد بن علي المادرائي عمل الكعك الذي يقال له افطن له ، وعمل عوضاً من حشو السكر دنانير ، فلما مد السماط في يوم العيد قال أحد الخدام لصديق له كان على السماط : افطن له ؛ ففهم عنه وتناول من ذلك ، وصار يخرج الذهب من فمه ويخفيه حتى تنبه الناس لذلك ، فتناولوا بأجمعهم منه . فأرادوا القاضي ابن ميسر
(3/162)

"""""" صفحة رقم 163 """"""
أن تشبه بأبي بكر المادرائي في ذلك ، فعمل صحناً منه لكن جعل فستقا قد لبس حلوى وذلك الفستق من ذهب ، وأباحه أهل مجلسه ؛ ولم يقدر على علم ذلك سوى مرة واحدة .
ثم إنه لما تناهت مدته عاداه رجل يعرف بابن الزعفراني ، فنم عليه عند الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لما كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه الشعراء كان فيهم علي بن عباد الإسكندري ، وأنه أنشد قصيدة يذم فيه خلفاء مصر ويذكر سوء اعتقادهم ، منها في ذم الحافظ :
هذا سليمانكم قد ردّ خاتمه . . . واسترجع الملك من صخر بن إبليس
فعندما قال هذا البيت قام ابن ميسر وألقى عرضيته طرباً بهذا البيت . فأمر الحافظ بإحضار هذا الشاعر ، وقال : أنشدني قصيدتك : فأنشدها إلى أن بلغ فيها إلى قوله : ولا ترضوا عن الخمس المناحيس . يعني الحافظ وابنيه وأباه وجده ؛ فأمر الغلمان بلكمه ، فلكموه حتى مات بين يديه . وقبض على ابن ميسر ونفي ثم قتل . وكان ينعت بجلال الملك ، وكانت علامته الحمد لله على نعمه .
وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهري في جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة .
وفيها ولي قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل ، ونعت بقاضي القضاة الأعز أبي المكارم .
وفيها ثار بناحية برقة رجل من بني سليم وادعى النبوة ، فاستجاب له خلق كثير ، وأملى عليهم قرآنا منه : إنما الناس بالناس ولولا الناس لم يكن الناس ، والجميع رب الناس . ثم تلاشى أمره وانحل عنه الناس .
وفيها جلس الوزير رضوان في ذي القعدة لاستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى . واستجد ديوان الجهاد ، واهتم بتقوية الثغور واستعد لتعمير عسقلان
(3/163)

"""""" صفحة رقم 164 """"""
بالعدد والآلات ، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج ، وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف . وكان قد مهد الأمور ، وأعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته ، وكثرة عدله وعمارته البلاد ، وقوة نفسه وشجاعته . وأحضر جميع الدواوين وكتبها ورثبها ، ورتب الأمور أحسن تدبير .
وكان من جملة الضمان في أموال الدولة هبة الله بن عبد المحسن الشاعر ؛ فلما عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال في ضمانه ، فكتب له في المجلس :
أنا شاعرٌ وصناعتي الأدب . . . وضمان مثلي المال لا يجب
أنا مستميحكم ، وليس علي . . . من جاء يطلب رفدكم طلب
وإذا الباقي عليّ فما . . . من حاصلٍ ، ورقٌ ولا ذهب
فسامحه فيما عليه من الباقي .
وفيها أحضر من الصعيد الأعلى في رمضان جماعة تقدمهم رجل . بجاوي يدعى فيه أصحابه أنه إله ، فصلبوا .
(3/164)

"""""" صفحة رقم 165 """"""
سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلي ، صاحب باب بهرام ، من الاعتقال وولاه الإسكندرية .
فيها تشدد رضوا على الأنصاري من أصحاب بهرام وصادره ، وقتلهم بالسيف ، وأباد أكثرهم . وتطلع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام ، وأحسن إليهم ، وزاد في أرزاقهم .
ووجد نصرانياً قد توصل في أيام بهرام إلى ديوان النظر ، يعرف بالأخرم ، وبذل في كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات ؛ فآذى المسلمين وشق عليهم ، فصرفه رضوا واستخدم بدله رجلاً يقال له المرتضى المحنك بغير ضمان .
وتقدم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجل في الوضع من النصارى واليهود ؛ فأنشأه أبو القاسم ابن الصيرفي ، منعوا فيه من إرخاء الذوائب وركوب البغلات ولبس الطيالسة ، وأمر النصارى بشد الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم ، وألا يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا ؛ فما رئي في أيامه يهودي ولا نصراني يجوز على الجامع راكباً ، لكنه ينزل ويقود دابته . وأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب وهم وقوف أسفلها . ومنعهم من التكني بأبي الحسن وأبي الحسين وأبي الطاهر ، وأن يبيضوا قبورهم . وضمن ذلك كله السجل ؛ فعمل به .
وفيها نزع السعر لتوقف النيل ، فنال الناس مجاعة ؛ فأمر الحافظ بفتح
(3/165)

"""""" صفحة رقم 166 """"""
الأهراء والبيع منها على الناس بأوساط الأثمان ، فلم يمض الوزير بذلك ، وأخذ يهين حواشي الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح في مذاهبه ، لأنه كان سنيا ، وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميا .
فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيراً ، وأخذ يعمل في الخلاص منه ؛ فتنافر كل منهما من الآخر . وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت ، فهم بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام ، وإنما هو كفيل لغيره ، وذلك الغير لم يصح . وأحضر الفقيه أبا الطاهر ابن عوف وابن أبي كامل فقيه الإمامية وابن سلامة داعي الدعاة ، وفاوضهم في الخلع واستخلاف شخص عينه لهم ؛ وألزم كلاً منهم أن يقول ما عنده . فقال ابن عوف : الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا . وقال ابن أبي كامل : السلطان ، أبقاه الله ، يحملني على أن أتكلم على غير مذهبي في الإمامة . قال : لأجل عمل مذهبك ؟ فقال : مذهبي معلوم ، يعني أن الإمامية للحاضر من إخوته ، ولأنه لا ينبغي لمن لم تكن له إمامة أن يخلع . فخلص من هذا وقال الداعي : أنا داعي ومولىً لهم ، وما يصح لي خلعه ، فإني أصير فيما مضى كأني أدعو لغير مستحق ، فأكون قد كذبت نفسي فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك ، ولا يؤثر قولي فيما تريدون ؛ ولم تجر العادة على الفاطميين بخلع حتى نأتي به .
فقابله على هذا القول بالسب وإقامته أقبح قيام . فقال الفقيه النحاس ، وكان حاضراً ،
(3/166)

"""""" صفحة رقم 167 """"""
كل عظيمة ، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ .
وفيها أحضرت من تنيس امرأة بغير ثديين في موضع ثدييها مثل الحلمتين ، فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل باليدين من رقم وخط وغير ذلك . فجاء لها في المجلس بدواة فتناولت برجلها اليسرى الأقلام قلماً قلماً ، ثم تناولت السكين برجليها وبرت قلماً ، واستدعت ورقةً وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرجل اليسرى رقعة بأحسن خط تكتبه النساء ، وحمدت الله في آخرها ، وناولتها الوزير ، فإذا فيها سؤال بأن يزاد في راتبها . فوقع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها .
وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة به في ثغر الإسكندرية ، وجعل في تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف .
(3/167)

"""""" صفحة رقم 168 """"""
سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها زاد السعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للإردب ، فبيعت الغلال التي كان الأفضل خزنها ، وقد تغيرت وأرادوا رميها في النيل ، فكانت تقطع بالفئوس وتباع بأربعين ديناراً كل مائة إردب ، وكذلك الأرز الذي كان مخزوناً بمصر فإنه أبيع بعشرة دنانير المائة ؛ فوجد الناس بذلك رفقا .
فيها كثر سعي الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوف كل منهما من الآخر ، وقبض الوزير على عدة من خواص الحافظ ، منهم أبو المعالي بن قادوس ، وابن شيبان المنجم ، ورئيس اليهود ، وجماعة ؛ فقتلهم . فسير الحافظ من أحضر إليه بهرام في رمضان ؛ فلما حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه ، وشق ذلك على رضوان . وكان الحافظ قد تلطف برضوان في أمر بهرام وقرر معه أ ، يستدعيه وينزله في القصر ، وحلف له أنه لا يوليه أمراً ولا يمكنه من تصرف ؛ فتسامح رضوان في أمره . واستدعى فحضر بأهله وأنزل في دار بالقصر قريبة من المحول ، وهو قريب من سكن الحافظ ، فكان يستحضره في غالب الليالي ويستشيره ويعمل برأيه .
ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم يلبسه أحد من الوزراء في مثل ذلك اليوم ، وعاد إلى القصر وفي نفس الحافظ منه أشياء تبينها رضوان
(3/168)

"""""" صفحة رقم 169 """"""
في وجه الحافظ وعلمها منه ، فاشمأزت نفسه مع ما كان فيه من الطيش ، فركب في تاسع شوال وزحف إلى القصر ؛ فكلمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة التي تطل على باب الذهب ، وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة . وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب ، فانتفض الناس لذلك بالقاهرة ومصر ، وكثرت الأراجيف .
وفي تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هارباً إلى رضوان ، وكان شيخا ومعه ولد له ، ليقيمه خليفة ، فلم يكترث به ، وأحضر إسماعيل بن سلامة الداعي ، وقال له : ما تقول في هذا الرجل ، هل يصلح لما التمسه ؟ فقال : الخلافة لها شروط ونواميس ما في هذا منها شيء ، وتحتاج إلى نصوص ، ولولا أنم مولانا الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس . فلم يحصل سوى أنه كان مشئوماً على نفسه وأهله ، فإن الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة . ثم إن الحافظ لما رأى فعل رضوان وتعديه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل في التدبير عليه وأرسل إلى صبي من الجند يعرف بشومان ، وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاص ، فأحضره إليه من أحد السراديب سراً وأرسله إلى علي بن السلار ، أحد أمراء الدولة ، يأمره بالتدبير على رضوان ، وأنفذ معه مالاً إليه ليستعين به على ذلك . وكان علي بن السلار عاقلاً صاحب حزم ويقظة وحسن تأت مع قوة وصرامة .
فلما جاءه القاصد بالمال وبلغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى جماعة من صبيان الخاص وقرر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا واحداً وهم يصيحون : الحافظ يا منصور ؛ وفرق فيهم ما أرسله إليه الخليفة .
(3/169)

"""""" صفحة رقم 170 """"""
فلما كان يوم الاثنين ، الثالث عشر من شوال ، اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون : يا للحافظ ، الحافظ يا منصور ؛ فما وصلوا إلى الشرايحيين الذي يعرف اليوم بالشوايين ، حتى صاروا نحو الخمسمائة ، وما وصلوا بين القصرين إلا والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم ، ولم يبق من الصبيان والعوام أحد حتى خرج النساء ، وأشرف النساء من الطاقات ، وصاروا بأجمعهم يصيحون : يا للحافظية .
فلما سمع رضوان الضجيج أراد أن يركب ، فمنعه بعض غلمانه فأبى عليه لأنه كان واثقا بنفسه وبمن معه ؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف ، فلقي الناس بنفسه وطردهم يميناً وشمالا ، وظهر منه شجاعة تعجب منه من شاهدها ، فإنه لقي ألوفاً من الناس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملةً بعد حملة إلى أن قتل منهم عدة . وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر ، فركب من داره وأمسك عنه من يجيئه من ناحية قصر الشوك ، وشدت الريحانية ورجعوا إليه من ناحية زيادة الجامع الحاكمي ودرب الفرنجية .
فلما طال عليه وتيقن أن القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه ، وكان قد انقضى من النهار أربع ساعات ، وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الريح من أعالي القصر يرشقونه بالنشاب ويرمونه بالطوب ، تحير . وكان ابن أخته والي مصر ، فبلغه الخبر ، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله ، فوجد عند باب زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه ؛ فسار من ناحية باب البرقية ومعه بوقات وطبول ، فسمع إبراهيم ، أخو رضوان ، أصوات البوقات والطبول من جهة باب البرقية ، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له : قد تفرق علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشوك ، وقد قاطع الراجل علينا من ناحية باب النصر .
(3/170)

"""""" صفحة رقم 171 """"""
فلما بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف ، فما زال يتأخر قليلاً قليلاً حتى صار في رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء ، وبعث إلى داره ، التي هي دار الوزارة من أخذ له شيئاً منها على سبيل الخطف ، وأوصى إلى أخيه ، فانضم إليه هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبي الفوارس وقدارة بن أبي عزة وشاور بن مجير السعدي ، وجماعة من خواصه ، وخرجوا من باب النصر . فما هو إلا أن صار بظاهر القاهرة اقتحم الناس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئاً .
وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش إلا وقد تلاحق كثير من المغافرة ، وكان قد أسلف عند العرب أيادي وأفاض عليهم نعماً وأحسن إليهم إحساناً كثيرا في مدة وزارته ، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل ، أحد شياطين الإنس ، وحسن له المسير إلى الشام .
واشتغل الناس بنهب دار الوزارة ، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السلاح والعدد والآلات والغلال ، فانتهب جميع ذلك ، وأحرقت أخشاب تعب الملوك في تحصيلها . وكان نهب دار الوزارة أول ضرر دخل على الدولة .
وطلب رضوان الشام ، فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله ، وتوجه أخوه إلى الحجاز وأقام بها حتى مات ؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات .
وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد ، فنزل على أمين الدولة كمشتكين صاحبها
(3/171)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
فأكرمه وأبره ، وأقام عنده ثلاثة أشهر . ثم أنفذ إلى دمشق ، واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه .
وفيها خربت الأثارب من زلزلة ؛ وزلزلت دمشق أيضا . وفيها مات الأعز قاضي القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عقيل ، في شعبان ، فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر ؛ ثم اختير الفقيه أبو العباس أحمد ابن الحطيئة في ذي القعدة ، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة ، فلم يمكن من ذلك . وكان الوزير رشوان قد تقدم إلى الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد المولى بن عبد الله محمد بن عقبة اللخمي ، المعروف بابن اللبني ، المغربي المالكي ، أن يعقد الأنكحة . فلما كان في الحادي عشر من ذي القعدة قرر الحافظ في قضاء القضاة القاضي فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن محمد الأنصاري الأوسي ، المعروف بابن الأزرق .
(3/172)

"""""" صفحة رقم 173 """"""
سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشي من صلخد في جمع فيه نحو الألف فارس ، وكان الناس في مدة غيبته يهتفون بعوده ، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب الفتوح ، فلم يطق مقابلتهم ؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد ، وذلك يوم الثلاثاء مستهل صفر . فاهتم الحافظ بأمره ، وبعث إليه بعسكر من الحافظية والآمرية وصبيان الخاص ، عدتهم خمسة عشر ألف فارس ؛ مقدم القلب تاج الملوك قايماز ، ومقدم الآمرية فرج غلام الحافظ . فلقيهم رضوان في قريب ثلثمائة فارس ، فانكسروا ، وقتل كثير منهم ، وغنم معظمهم ؛ وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة . وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت ، وأراد العود إلى صلخد فلم يقدر ، لقلة الزاد وتعذر الطريق ، فتوجه بمن معه من العربان إلى الصعيد . فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال في عسكر ومعه أمان ، فسار خلفه ، وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر ، فعفا عنه الحافظ ، ولم يؤاخذ أحداً من الأتراك الذين حضروا معه من الشام . واعتقله عنده بالقصر قريباً من الدار التي فيها بهرام .
وفيها أضيف لقاضي القضاة هبة الله بن حسن الأنصاري ، في سابع عشر جمادى الآخرة ، تدريس دار العلم بالقاهرة ، فمضى إليها ؛ وكان مدرسها أبو الحسن علي بن إسماعيل ، فجرت بينهما مفاوضات أدت إلى الخصام الشنيع ؛ فخرج القاضي إلى القصر ماشياً وقد تخرقت ثيابه وسقطت عمامته . فعظم على الحافظ خروجه في الأسواق على هذه الهيئة ، وغضب لذلك ؛ فصرفه ورسم عليه ، وغرمه مائتي دينار ، وألزمه داره . وأمر بطلب أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري ، فخلع عليه وقرره مكانه ، ونعته الموفق في الدين ، ولم يكتب له سجل ؛ فأقام إلى آخر ذي الحجة ، ولم يتناول على القضاء معلوماً ؛ وكان
(3/173)

"""""" صفحة رقم 174 """"""
جاري الحكم في كل شهر أربعين ديناراً ؛ وقنع بجاري التقدمة على الدعاة وهو ثلاثون ديناراً في الشهر .
وفيها ولي الحافظ لدين الله الأمير المفضل نجم الدين أبو الفتح سليم بن مصال المالكي تدبير الأمور .
(3/174)

"""""" صفحة رقم 175 """"""
سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
فيها هلك بهرام الأرمني بالقصر ، وكان الحافظ لما أقدمه من الصعيد إلى عنده أنزله في القصر ولم يمكنه من التصرف ، وكان يشاوره في تدبير أمور الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله . فلما مات في العشرين من ربيع الآخر حزن عليه حزناً كثيراً ظهر بسببه على القص غمة ، وهم أن يغلق الدواوين ولا يفتحها ثلاثة أيام . وأحضر بطرك الملكية وأمره أن يجهز بهرام ، فقام بتجهيزه . وأخرج نصف النهار في تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر ، ومن حوله النصارى يبخرون باللبان والصبار وسن العود ، وجميع الناس مشاة ، فلم يتأخر أحد من أعيان الوقت عن جنازته .
وخرج الخليفة علة بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان ؛ فسار خلف التابوت ، وسار والناس تبكي والأقساء يعلنون بقراءتهم ، والخليفة سائر ؛ إلى دير الخندق من ظاهر القاهرة . فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على شفير القبر وبكى بكاء شديداً .
وكان عاقلاً مقداماً في الحرب ، حسن السياسة ، جيد التدبير ؛ وكان أولاً يقوم بأمر الأرمن ، وسكناهم يومئذ في ناحية تل باشر ، فتعصب عليه جماعة منهم وولوا غيره ؛ فخرج مغضباً وقدم إلى القاهرة ، فترقى في الخدم إلى أن ولي المحلة فقام بولايتها . ومنها سار في زي حسن إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله ، فاستوزره الحافظ .
وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسي في آخر جمادى الآخرة .
(3/175)

"""""" صفحة رقم 176 """"""
سنة ست وثلاثين وخمسمائة
في ليلة الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة الجامع العتيق .
في شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير ، فبلغ القمح كل إردب إلى تسعين درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة ، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم ، والويبة من الشعير إلى سبعة دراهم ، والزيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل ، والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهماً للمائة ، والزيت الحار إلى درهم ونصف للرطل ، والقلقاس كل رطلين بدرهم ؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر على شيء منه . وعم الوباء ، وكثر الموتان .
وفيها مات أحمد بن مفرج بن أحمد بن أبي الخليل الصقلي الشاعر ، المعروف بتلميذ ابن سابق ؛ وكان فاضلاً ذكيا يتصرف في عدة فنون ، وله رسائل حسنة وشعر جيد .
وكان الشعراء في أيام الحافظ قد أطنبوا في المديح وتناهوا في إطالة القصائد حتى صار الإنشاد يؤدى إلى قصر الوقت الذي جرت العادة باستماع أشعارهم فيه ، لطول مثولهم بالخدمة ؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ينشدونه من الأشعار . فقال أحمد بن مفرج يخاطب الخليفة :
أمرتنا أن نصوغ المدح مختصراً . . . لم لا أمرت ندى كفّيك يختصر
واللّه لا بدّ أن تجرى سوابقنا . . . حتى يبين لنا في مدحك الأثر
فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة في الإنشاد .
(3/176)

"""""" صفحة رقم 177 """"""
سنة سبع وثلاثين وخمسمائة
فيها عظم الوباء بديار مصر ، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة .
وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولاً إلى رجار ملك صقلية لمحاربته أهل صقلية ؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر ، فصنفت له تصانيف ، وكان عنده محبة للأدب ؛ ومدحه ابن قلاقس الشاعر وغيره .
(3/177)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
فيها خرج محمد بن رافع اللواتي بنواحي البحيرة ، فاجتمع له عدد كثير من الناس ، فخرج إليه طلائع بن رزيك ، وهو يومئذ والي البحيرة ، فكانت بينهما حروب قتل فيها .
وفيها غلت الأسعار بمصر .
(3/178)

"""""" صفحة رقم 179 """"""
سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
فيها سير الحافظ الرشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير رسولاً إلى اليمن بسجل يقرؤه عليهم ، فخرج في ربيع الأول .
وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظي صاحب الباب وقال له : اجعلني خليفة وأنا أوليك الوزارة ، فطالع الحافظ بذلك ، فأمر القبض عليه ، فقبض واعتقل .
وفيها قدم ، في جمادى الآخرة ، من دمشق الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وإخوته وأهله ، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق ، معاضدين له ، فأكرم مثواهم وأنزلوا ، وأفيضت عليهم العطايا ، وتواترت الإنعامات .
(3/179)

"""""" صفحة رقم 180 """"""
سنة أربعين وخمسمائة
فيها أعيد نظر الدواوين والأتراك والخزائن إلى القاضي الموفق أبي الكرم محمد بن معصوم التنيسي في جمادى الأولى .
(3/180)

"""""" صفحة رقم 181 """"""
سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختار ، يطلب الوزارة ، بأرض الصعيد ، فندب إليه عسكراً عليه سلمان مؤنس اللواتي ، فمضى إليه وحاربه ، فانهزم وهو من ورائه ، حتى أدركه وأخذه أسيراً وقتله .
وفيها قدم صافي الخادم ، أحد خدام المتقي ، من بغداد فاراً ، في ثالث عشري جمادى الأولى ، خوفاً ؛ فأكرمه الحافظ .
وفيها منع من التعرض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال في جرائد المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقي والفاضل في هذه السنة .
وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حلب بعد أبيه .
وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها رجلا من بني مطروح .
(3/181)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
فيها صرف أبو الكرم التنيسي في ربيع الآخر ، وأعيد نظر الدواوين للقاضي المرتضى المحنك .
وفيها سير الحفاظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعاً وتحفاً . وفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر . وذلك أن الحافظ لما اعتقله بالقصر أرسل يسأله في أشياء ، من جملتها زيارة نجم الدين بن مصال له في الوقت بعد الوقت ، فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال . فحضر في يوم من الأيام ابن مصال لخدمة الخليفة ، وبدأ بزيارة رضوان ، فدخل إليه ومعه مشدة فيها رقاع بجوائج الناس ليعرضها على الحافظ ، وكانت عادته ذلك ؛ فاحتاج إلى الخلاء ، فترك مشدته عند رشوان ودخل الخلاء . فأخذ رضوان الرقاع ووقع بخطه عليها كلها بما يسوغ التوقيع به ، وأتر بها وطواها في المشدة . وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على الحافظ ، وقد علم أنه كان عند رضوان ، فقال له : كيف ضيفنا ؟ فقال : على غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره . وأخرج رقةً من تلك الرقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التوقيع بخط رضوان ، فأمسكها وأخرج غيرها ، فإذا هي موقع عليها أيضاً . وكان الحافظ يراه ، فقال : ما هذا ؟ فاستحيا ابن مصال عندما تداول الخليفة الرقاع وعليها توقيع رضوان . فقال له الحافظ : يا نجم الدين ، ما زلت مباركاً علينا والله يشكر لك ذلك ؛ لقد فرجت عنا غمة . فقال : كيف يا مولانا قال :
(3/182)

"""""" صفحة رقم 183 """"""
رأيت البارحة رؤياً مقتضاها أنه ربما يشركنا في كثير من أمرنا ؛ فالحمد لله إذ كان هذا . وكتب على الرقاع أمضاها بخطه ، وخلع على ابن مصال .
فلما طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من موضعه الذي هو فيه إلى تجاه فندق أبي الهيجاء ، وخرج النقب عن سور القصر . وكان قياس ما نقبه خمسةً وثلاثين ذراعاً ، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء ، ثالث عشري ذي القعدة ، في الجيزة ، فالتف عليه جماعة من لواتة وعدة من الأجناد ؛ وسمع به الطماعون ، وكان للناس فيه أهوية . فندم الحافظ على تركه بغير حارس ؛ وأخذ في العمل .
فلما كان ثالث يوم عدي رضوان من اللوق وسار إلى القاهرة ؛ فخرج إليه عسكر الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون ، فهزمهم ، وسار في إثرهم إلى القاهرة ، فدخلها في الرابعة من نهار الجمعة سادس عشريه ، ونزل بالجامع الأقمر . فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به . فأحضر رضوان أرباب الدولة والدواوين ، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد ، وأخذ أموالا كانت خارجة من القصر ، وأنفق في طوائف العسكر . وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ؛ فسير إليه صندوقاً فيه مال وقال له : هذا الحد الذي أراده الله ، فاسترض على نفسك .
(3/183)

"""""" صفحة رقم 184 """"""
وأتت هتافات الناس إلى رضوان ؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدمي السودان سراً وقال له : إني بكم واثق . فقال : ما ادخرنا هذا إلا لمولانا . فقال : كم أصحابك ؟ قال : عشرة . قال : لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجي علينا وعليكم ، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا . فقالوا : يا مولانا السمع والطاعة . ورتبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر : الحافظ يا منصور . فلما فعلوا ذلك قلق وقال لمن حلوه : ما كل مرة يصح لهؤلاء الكلاب مرادهم . فحسنوا له الركوب ظناً منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه . فعندما ركب ضربه واحد من السودان في فخذه ضربة شديدة ، وتداركه آخر بضربة ، وتوالت عليه الضربات ؛ فقتل في الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور ؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ . فسكنت الفتنة ، وهدأت الغوغاء .
ثم إن الحافظ بعث بالرأس إلى امرأة رضوان ، فلما وضعت في حجرها قالت : هكذا يكون الرجال .
وكان رضوان سنياً حسن الإعتقاد ، شجاعاً ، مقداماً ، قوي الغلب ، شديد البأس . ولد ليلة عيد الغدير من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وترقى في الخدم إلى أن ولي قوص وإخميم في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة . إلا أنه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات ، لا يحسن التدبير ، ولا يتأتى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته ؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه .
ومن جملة ما كتب له في تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبي القاسم ابن الصيرفي : . . . لأنك أذهبت عن الدولة عارها ، وأمطت من طرق الهداية أوعارها ، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنسها من استعارها . ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحداً ؛ وأعاد النصراني المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة ، على ما تقدم ، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله ، وطلب منه المال فلم يسمح بشيء . فركب الحافظ يوماً ووقف على باب السجن الذي هو فيه من القصر ، وأمر به ، فأحضر إليه . وقال له : كم تتجالد ؟ أريد منك مالي على لسان صاحب الستر . فبينا الخليفة
(3/184)

"""""" صفحة رقم 185 """"""
يخاطبه إذ أخذ كفاً من تراب وجعله في فيه ؛ فقال له الحافظ : ما هذا ؟ مالا ينبغي نقله إلى مولانا ، صلوات الله عليه . فغضب عليه ، وأمر بإحضار أبيه وأخيه ، وكانا معتقلين ، فأخرجا ؛ وقتل الأخرم وأخاه ، وأبوهما ينظر قتلهما ، ثم قتل الأب . وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا .
فيها مات الشيخ تاج الرياسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان ، المعروف بابن الصيرفي الكاتب ، في يوم الأحد لعشر بقين من صفر ؛ ومولده في يوم السبت الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة . وكان أبوه صيرفياً وجده كاتباً ؛ وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج ؛ وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش . ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء . ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدي الحسيني ؛ ثم تفرد بالديوان فصار فيه بمفرده . وله الإنشاء البديع والشعر الرائع ، والتصانيف المفيدة في التاريخ والأدب .
(3/185)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
فيها توجه العسكر ، في ثالث صفر ، لقتال لواتة وقد تجمعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادعى أنه ولد نزار بن المستنصر . فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات وانهزم منهم العسكر ؛ فجهز الحافظ عسكراً آخر ، ودس إلى مقدمي لواتة مالا جزيلا ، ووعدهم بالإقطاعات ؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه ، وبعثوا برأسه إلى الحافظ . ورجعت العساكر في ربيع الأول .
وفيها صرف القاضي المكين الموفق في الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري عن القضاء ، لسبع خلون من المحرم ؛ واستقر على الدعوة الموفق الأمير كمال الدين ، واستخدم في وظيفة القضاء ؛ وكان كريم الأخلاق ، حليما ، عليه سكينة ووقار ، مليح الشيبة ، ظريف الهيئة .
وفيها توفى أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي القرشي ، المعروف بجوامرد ، خطيب القدس .
وفيها بلغ النيل تسعة عشر ذراعاً وأربعة أصابع ، ففاض الماء حتى
(3/186)

"""""" صفحة رقم 187 """"""
بلغ إلى الباب الجديد أول الشارع ، خارج باب زويلة ، فكان الناس يتوجهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه . فلما بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع ، فسأله بعض خواصه عن ذلك ، فأخرج له كتاباً وقال : انظر هذا السطر ، فإذا فيه : إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد . ثم قال : هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا ، وما يأتي بعدها . فاتفق أنه لم تنسلخ هذه السنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت .
وفيها انقرضت دولة بني باديس . وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضاً ، وخلت القرى ، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية . فاغتنم رجار متملكها الفرصة وبعث جرج ، مقدم أسطوله ، على نحو مائتين وخمسين شينيا ، فنزل على المهدية ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين ، وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ؛ ففر بأخف حمله وتبعه الناس . فدخل جرج المهدية بغير مانع ، واستولى على قصر الأمير حسن ، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات .
(3/187)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
وعزم حسن على المجيء إلى مصر ، فقبض عليه يحيى بن العزيز ، صاحب بجاية ، ووكل به وبأولاده ، وأنزله في بعض الجزائر ، فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين ، فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته . فلما ملك المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله .
فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة ، ومدتهم ، من سنة إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، مائة واثنتان وثمانون سنة .
وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله ، مائتين وخمسين من الشواني ، مع جرجي بن ميخائيل ، فجد في حصارها حتى أخذها في صفر منها ، وملك سوسة وصفاقس ؛ وملك رجار بونة .
(3/188)

"""""" صفحة رقم 189 """"""
سنة أربع وأربعين وخمسمائة
فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية ، فكانت بينهما حروب شديدة قتل فيها عدة من الفريقين ؛ وامتنع الناس من المضي إلى القاهرة ومن الذهاب إلى مصر . وابتدأت الحرب بينهم في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى ؛ وتوالت في يوم السبت رابع جمادى الآخرة ؛ فانهزمت الريحانية إلى الجيزة .
وهم العسكر بخلع الحافظ من الخلافة ، فمات بقصر اللؤلؤة ، وقد نقل إليه وهو مريض ، بكرة يوم الأحد ، وقيل ليلة الاثنين ، لخمس خلون من جمادى الآخرة ؛ واشتغل الناس بموته .
وكان له من العمر يوم مات ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام ، منها مدة خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما .
وأصابته في ولايته شدائد ، واعتقل ، ثم لما أعيد تحكم عليه الوزراء حتى قبض على رضوان . فلم يستوزر بعده أحداً ، وإنما أقام كتاباً على سنة الوزراء أرباب العمائم ولم يسم أحداً منه وزيراً ؛ وهم : أبو عبد الله محمد بن الأنصاري ، وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرف تصرف وزراء الأقلام ، وصعد المنبر مع الخليفة في الأعياد والجمع ؛ والقاضي الموفق محمد بن معصوم التنيسي ؛ وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النصراني .
وكان الحافظ حازم الرأي ، جماعاً للأموال ، كثير المداراة ، سيوساً عارفاً . ولم يكن أحد ممن ولي قبله أبوه غيره خليفة سواه . وكان يميل إلى علم النجوم ؛ وكان له من المنجمين سبعة ، منهم ؛ المحقوف ، وابن الملاح ، وأبو محمد بن القلعي ، وابن موسى النصراني .
(3/189)

"""""" صفحة رقم 190 """"""
وفي أيامه عملت الطبلة التي كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الريح ؛ وما زالت بالقصر إلى أن كسرت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب .
وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل ، ويوسف ، وأبا المنصور إسماعيل . وكان مطعوناً عليه ، فإنه ولي بغير عهد وإنما أقيم كفيلا عن منتظر في بطن أمه ، فلم يظهر للحمل خبر .
ومن محاسن ما يحكى عنه أنه كان يخرج في كل ستة أشهر عسكر من القاهرة إلى عسقلان لأجل الفرنج تقويةً لمن بها من المركزية الكنانية وغيرهم . ويقدم على العسكر عدة ، فيجعل على كل مائة فارس أمير ، ويقدم على الجميع أمير تسلم إليه الخريطة فيكون أمير المقدمين ؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الديون بالحضرة ليتفق مع والي عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها . ويصدر التعريف من كاتب الجيش هناك إلى الديوان بالحضرة بذلك ، ويسلم إليه مبلغ من المال لنفقته معونةً لمن فاتته النفقة من العسكر ، فإن النقباء الذين للطوائف يجردون من كان من الطوائف حاضراً ومن كان مسافراً في إقطاعه ، فيأخذ صاحب الخريطة أوراقاً بمن سافر وهو في إقطاعه ليوصل إليه نفقته .
وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير ، وللأجناد ثلاثون ديناراً لكل جندي .
واتفق مرة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب ،
(3/190)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
الذي اتفق منه في حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدم ذكره ؛ فلما سير إليه مائة دينار ، نفقته ، تجهز للسفر في جملة الناس ، وسلمت الخريطة لأميرهم . فلما دخلوا على الحافظ ليودعوه ويدعو لهم بالنصر والسلامة على العادة ، قضوا حق الخلافة وانصرفوا إلا جلب راغب فإنه وقف ؛ فقال الحافظ : قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك ، ألك حاجة ؟ فقال : يأمرني مولانا بالكلام . قال : قل . فقال ؛ يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، غيرك ؛ وقد كان السلطان استزلني فسفهت نفسي وأذنبت ذنباً عظيماً عفوا مولانا أوسع منه وأعظم . فقال له الحافظ : قل ما تريد غير هذا فإنا غير مؤاخذيك به . فقال : يا مولانا قد توهمت أنك تحققت أني ماض في حالة السخط ، وقد آليت على نفسي أن أبذلها في الجهاد فلعلي أموت شهيداً ، قد صنع ذلك سخط مولانا علي . فقال له الحافظ : انته عن هذا الكلام ، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك ، فأي شيء تقصد ؟ فقال : لا يسيرني مولانا تبعاً لغيري ، فقد صرت مراراً كثيرةً مقدماً ، وأخشى أن يظن أن هذا التأخير للذنب الذي أنا متعرف . قال : لا ، بل مقدماً وصاحب الخريطة . وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي تقرر للتقدم والخريطة إلى جلب راغب ، وأعطى مائتي دينار وقال : له استعن بهذه . فعد هذا من الحلم الذي ما سمع بمثله . وكان الغالب على أخلاقه الحلم . وكان مقدم المطالبين يجيء إلى الخليفة الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر ؛ فجاء يوماً وأخبر أنه وجد حوضاً لطيفاً قريباً من معلف الجمال ، فلم يتعرض له . فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به ، فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو واضع أصبعاً في فيه وأصبعاً أخرى في دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ذلك ؛ فلما أخذ الصنم ضرط ضرطة عظيمة ، فألقاه من يده وقد اشتد خجله . فقام موفق ، أحد الأستاذين المحنكين ، ليناوله إياه فضرط أيضاً . فأمر الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج .
ووجد في مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ مفضل ،
(3/191)

"""""" صفحة رقم 192 """"""
المعروف بصدر الباز ، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال ، وعيناه من ياقوت أحمر ، وفي فمه جرس من ذهب . فأعلم به الحافظ ، فلم يزل يبحث عن خبره حتى أحضرت له عدة أحناش كبار ، وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرةً أو مرتين وتسقط ميتة .
وكان الحافظ حريصا على علم السيميا . فظهر في أيامه الشيخ أبو عبد الله الأندلسي ، شيخ بني الأنصاري أوحد زمانه في علم السيمياء ، فسأله الحافظ أن يريه شيئاً من ذلك ؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجة ماء ، فيها سفينة متعلقة وشواني حرببات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها ؛ والحافظ يرى لمعان السيوف ومرور السهام وخفقان البنود ، ورءوس الرجال وهي تسقط عن كواهلها ، والدماء تسيل ؛ حتى سلم أصحاب السفينة لأصحاب الشواني فساروا بها والأبواق تزعق والطبول تضرب ، إلى أن غابت عن الأبصار في لجج البحار . ثم كشف عن الحافظ فإذا هو قصره . ثم أمره أن يريه شيئاً آخر : فقال : لنخرج من في مجلس أمير المؤمنين إلى منزله ؛ فأمرهم ؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة بباب القصر ، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلا ن رأى فرسه كأنه ثور وقرناه كأعظم ما يكون من القرون ؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا ، فضحك وقال : افدوا دوابكم منه . فقطع كل واحد منهم على نفسه شيئاً فأمر له به . وما زال مقيماً بمصر حتى مات .
وكان في أيام الحافظ أيضاً ابن محفوظ ، سأله أن يريه شيئاً من أعماله ؛ فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر ، فلما وضعت بين يديه امتلأت ياسميناً في غير أوانه ، وصار يعلو على كل طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض ، إلى أن صار كأربعة أعمدة من رخام متقابلة
(3/192)

"""""" صفحة رقم 193 """"""
الظافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد ابن المستنصر بالله
ولد يوم الأحد ، النصف من ربيع الآخر ، سنة سبع وعشرين وخمسمائة ؛ وبويع في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله ، وهو كما تقدم يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام ؛ بوصية من أبيه له بالخلافة . وكان أصغر أولاده وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل ، وهما أسن منه ؛ وركب بزي الخلافة . واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال ، بوصية الحافظ بذلك أيضاً ، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة ؛ وهو يومئذ من أكابر الأمراء ، وهو شيخ لين متواضع . فسكن دار المأمون البطائحي . وصار أبو الكرم التنيسي من ذوي رأيه .
وأول ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع في القصر ، ووقف بباب الملك بالإيوان المجاور للشباك ؛ وأحضر ابني الأنصاري ، وهما أبو عبد الله وأبو واستدعى متولى الستر ، وهو صاحب العذاب ، وأحضرت آلات العقوبة ؛ وضرب الأكبر
(3/193)

"""""" صفحة رقم 194 """"""
بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك ، وثنى بأخيه كذلك ، ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلت ألسنتهما من أقفيتهما ، وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني فأقاما زماناً ثم وضعا . وكان سبب قلتها أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصلا بالحافظ ، فاستخدمهما في ديوان الجيش ، فوثبا على رؤساء الدولة وأعيان كتابها وخواص الخليفة من الأستاذين المحنكين ، مثل الأجل الموفق كاتب الدست وكان موضع سر الخليفة ومحل مشورته في الأمور العظام من أحوال الممالك ومن يليه ، كالقاضي المرتضى المحنك ، والخطير ابن البواب ، وتجرآ على المذكورين وغيرهم مع قلة دربة . فكثر حسادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات في كل سنة ، ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير ، فيصير ذلك الخرج إلى عالم الإقطاعات ، وهو تحته . فذكرا في أحد الخروجات كلاماً طريفاً ليؤخذ عليه خطهما ليوقف عليه الخليفة حتى يتبين له جهلهما ، وهو : حبطست حبطست ، وفي النهر قد غطست ، بغلالة أرجوان ، صفراء بزعفران . فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطهما ؛ وخرج من أيديهما ، فأحضر إلى الأجل الموفق ابن الحجاج ، كاتب الدست ؛ فأخذه ودخل به إلى الخليفة الحافظ ، وقال : يا مولانا ، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه الدولة ومن يتولاها ، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها ، يقصد التشنيع عليها . فقال له الحافظ : يا مولاي الموفق ، هبهما لي . فقال : يا مولانا ، كلنا مماليكك . وخرج ؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا ؛ فزاد أمرهما في الدولة على الخليفة والاستعلاء على الناس .
وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهراً ليراه الناس ، فجدد له ديواناً سماه
(3/194)

"""""" صفحة رقم 195 """"""
ديوان الترتيب ، وجمع فيه من يخدم في ترتيب الأعمال صفقة صفقة ، وأن يكون أميرهم بجار يقرر له وهذا الترتيب يقال له في غير هذه الدولة صاحب البريد فكان يكاتب متولى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمةً بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه . فورد كتاب بعض أصحاب الترتيب بقضية ، فأجابه بكلام ، وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى ، فحرفها وقالها على غير ما أنزلت ؛ ووقع الجواب للموفق ، فأخذ في كمه مصحفاً ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصاري ، وقال : يا مولانا ، هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك ، وهو المنزل على جدك رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، يشكو إليك جناية ابن الأنصاري عليه ، فخذ بحقه لهذه الجنايات ، والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره ، فإن المملوك لم يزل يتتبع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدولة فيشيعوا ذلك في الدول المخالفة لها . فقال له الحافظ : أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت ؛ وقد كنت سألتك فيهما مرة ، وهذه الثانية ، فإن لهما علينا خدمة . فقال : العفو يا مولانا . وانصرف ولم ينل منهما غرضاً . فأمر الحافظ ابن الأنصاري الأكبر أن يمضى إلى الأجل الموفق ويخدمه في داره .
وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوماً بين أبي المكارم ابن أسامة وبين الموفق ، إلا أن ابن أسامة لا يلتفت لأمر الديوان لكثرة شغله بدنياه ، فاستناب ابنه أبا المنصور عنه ، وكان يحلق بأبيه في الاشتغال بأمر دنياه عن النيابة ، فصار اعتماد الخليفة في الديوان بأجمعه على الأجل الموفق ؛ وكان ينفذه ولا يشق ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة . ثم لما مات أبو المكارم أسامة ، وكان في الظن أن ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه ، سبق ابن الأنصاري وسأل الحافظ فاستخدمه في النصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا للموفق فيه ؛ وانفرد الموفق بالإنشاء . ونعت ابن الأنصاري بالقاضي الأجل سناء الملك ، وأمره الحافظ بخدمة الموفق وأن يقنع معه بمجرد الرتبة . فشق ذلك على الموفق وصبر على ضر . وقرر أبو المنصور بن أسامة في ديوان الترتيب مكان ابن الأنصاري .
وتجند ابن الأنصاري الأصغر وتأمر في يوم واحد ، وخلع عليه بالطوق ، ورتب في زم
(3/195)

"""""" صفحة رقم 196 """"""
الإمرية ، وهي إمرة طوائف الأجناد . فكثر الأعداء وتعددت الحساد ؛ واشتغل الناس بهما وأطلقوا الألسنة بذمهما ، فكان يقال : هذا الأمير الطاوي ، ابن الأنصاري . ولج الناس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم ، حتى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظافر ما تقدم ذكره .
وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدة من المفسدين ببعض القرى ، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتى كسرهم . وكان الأمير المظفر سيف الدين معد الملك ليث الدولة علي بن إسحاق بن السلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والي الغربية . فلم يرض ابن السلار بوزارة ابن مصال ، وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه ، بالغربية واتفقا على القيام وإزالة ابن مصال . فبلغه ذلك ، فأعلم به الخليفة الظافر ؛ فجمع الأمراء في مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول : هذا نجم الدين وزيري ونائبي فمن كان يطيعني فليطعه ويمتثل أمره . فقال الأمراء : نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون فرجع الزمام بهذا الجواب . فقال أمير من الأمراء ، شيخ يقال له درى الحرون ، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن السلار : إن سمع مني ما أقول قلت . فقال له الوزير : : قل . قال : مولانا ، صلوات الله عليه ، يعلم وأنت تعلم أن ما في الجماعة من يضرب في وجه ابن السلار بسيف ، وأولهم أنا ؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر لله وله . فلما سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر ، وشدوا على خيولهم ، وساروا يريدون ابن السلار .
(3/196)