Advertisement

اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء موافق للمطبوع 003



الكتاب : اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء
المؤلف : تقي الدين أحمد بن علي المقريزي
دار النشر : وزارة الأوقاف - مصر - 1416هـ - 1996م
الطبعة : الثانية
تحقيق : د. جمال الدين الشيال
عدد الأجزاء / 3
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] """""" صفحة رقم 197 """"""
فلما غلب الظافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالاً كثيرا ، وأمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده . وسار ابن السلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة له به ، فخرج إلى جهة الصعيد ، وعدي إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان ، عندما سمع بوصول المظفر . وقدم ابن السلار إلى القاهرة في يوم الأربعاء خامس عشر شعبان ، فوقف على القصر وسير إلى الظافر وإلى من يدبره من النساء يعلم بحاله . فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة ؛ ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش ، شرف الإسلام ، كافل قضاة المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين .
وبقي يحقد على الظافر ميله مع ابن مصال ؛ وفي نفس الخليفة نفور منه أيضا . وسكن دار الوزارة .
وجمع ابن مصال كثيراً من السودان ومن العربان ولواتة وغيرهم ، وانضم إليه بدر بن رافع ، مقدم العربان ، وسار بهم . فندب ابن السلار ربيبه المظفر أبا منصور ركن الدين عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس في عسكر ، فنزل بركة الحبش . وقدم ابن مصال أمامه الماجد في عسكر ، فطرق عباساً على حين غفلة وقتل من عسكره كثيراً ، وانهزم جماعة ؛ وثبت عباس حتى أتته النجدة من الغد فكر على أصحاب ابن مصال وقاتلهم ، فلم يفلت منهم إلا من سبحت به فرسه في النيل ؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه . فسار ابن مصال إلى بلاد الصعيد بجميع الأجناد والعربان .
وشرع ابن السلار يجهز عباساً فجهزه في جيش كثيف وبادر بالخروج خوفاً من الاجتماع على ابن مصال ؛ فسار إلى دلاص ومعه طلائع بن رزيك ، وهو أحد المقدمين ، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدة وجوه ؛ فانجلت الوقائع عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع مقدم العربان في يوم الأحد التاسع عشر من شوال . ويقال إنه بلغت عدة
(3/197)

"""""" صفحة رقم 198 """"""
القتلى سبعة عشر ألفا . فعاد عباس وقد قوي ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة ، فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشري ذي القعدة ، وحمل أهله وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة ؛ وخلع على ابن السلار .
وكان ابن مصال من أهل برقة . وخدم أولاً في البيدرة والصيد هو وأبوه ، فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة . واتفق أنه مر في وزارته مرةً فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره : سليم ووزرت ؟ فقال لها : نعم . قالت : والله ما وزرت وبقي أحد . فضحك وأمر لها بصلة .
وكان العادل ابن السلام منذ استقر في الوزارة أخذ ينظر في أمر الأجناد المعروفين بالنهضة والعزم وزاد في أرزاقهم ، وتفقد خزائن السلاح ، وحفظ النواميس ، وشد من مذهب أهل السنة ، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي ، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية . وقدم عليه مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ ، فأكرمه . إلا أنه كان يستوحش من الظافر وخائفاً على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخوذ نحو الستمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين في كل يوم نوبة ؛ وأوهم أن الخليفة خبأ له قوماً يغتالونه بالقصر . فنقل جلوس الخليفة من القاعة التي يدخل إليها من الدهاليز المظلمة إلى الإيوان في البراح والسعة . فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلهم ، فيجلس الخليفة في الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه ومع هذا يبالغ في الخدمة ويظهر الطاعة ، ولا يخل بها في قول ولا فعل .
وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاص وفيهم
(3/198)

"""""" صفحة رقم 199 """"""
من هو أمير ؛ فبلغ ابن السلار أنهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا عليه وهو في داره ليلاً ويقتلوه . فلما كان في سادس عشري رمضان أغلق القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاص وقتلهم ؛ وفر منهم عدة ، فكتب إلى الولاة بقتل من ظفر به منهم . وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم .
وأصل هذه الطائفة التي كانت تعرف بصبيان الخاص أن من مات من الأمراء والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع في أماكن مخصوصة ويؤخذ في تعليمه أنواع الفروسية من الرمي وغيره ؛ ويقال لهم صبيان الخاص .
وأخذ ابن السلار في الاحتفال بأمر عسقلان وسد خللها ، وحمل إليها من الغلال والأسلحة شيئا كثيرا .
وولي عضد الدولة ناصر الدين نصر بن عباس ربيبه مصر بشفاعة جدته أم عباس ، وكان فيه جرأة ، فاستدناه الخليفة الظافر وقربه واختص به .
وفيها قتل الموفق أبو الكرم محمد بن معصوم التنيسي في يوم الجمعة الرابع من شوال وكان يتولى نظر الديوان . وذلك أن ابن السلار لما كان في بداية أمره من جملة الصبيان الحجرية دخل يوماً على الموفق بن معصوم برسالة وأعادها عليه مراراً وأغلظ له في القول فنفرت منه نفس ابن معصوم . فكتب له مرة منشور بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته . فلما رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانةً له وكراهة فيه ؛ فقال له ابن السلار وقد تكرر سؤاله وهو يعرض عنه : ما تسمع ؟ فقال له الموفق : كلامك ما يدخل في أذني أصلاً . فولى ابن السلار وخرج من غير أن يكتب له . وصرف الدهر ضرباته ، وصار ابن السلار وزيراً وابن معصوم ناظر الدواوين ؛ فلما دخل عليه قال له : يا قاضي ، ما أظن كلامي يدخل أذنك ، فتلجلج وقال : عفو السلطان . فقال : قد استعملت العفو بخروجي
(3/199)

"""""" صفحة رقم 200 """"""
من عندك . وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة ، وقال : والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت . وأمر به فجر وضرب المسمار في أذنه حتى نفذ من الأخرى ، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة وعلق عليها ميتا ، ثم أنزل بعد أيام .
وفيها رمي برأس سعيد السعداء الخادم من القصر في سابع عشر شعبان ، ثم أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق . وهو هذا الذي تنسب إليه دويرة سعيد السعداء التي هي اليوم خانقاه برحبة باب العيد .
وفيها قتل تاج الرئاسة ابن . . . المأمون البطائحي في رابع عشر صفر .
وفيها مات أبو الحسن علي بن الحسن البيساني ، والد القاضي الفاضل عبد الرحيم ابن علي ، وكان قاضي بيسان والناظر فيها ؛ ومولده في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة ، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذي الحجة سنة ستين وأربعمائة
(3/200)

"""""" صفحة رقم 201 """"""
سنة خمس وأربعين وخمسمائة
فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها ، وحرقوها وأخربوها ، في رجب
(3/201)

"""""" صفحة رقم 202 """"""
سنة ست وأربعين وخمسمائة
فيها جهز أبو منصور علي بن إسحاق ، المعروف بالعادل ابن السلار ، المراكب الحربية بالرجال والعدد ، وسيرها في ربيع الأول إلى يافا ، فأسرت عدةً من مراكب الفرنج ، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه ، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها . ثم توجهوا إلى ثغر عكا فأنكوا فيهم ؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس فأبلوا بلاءً حسنا ، وظفروا بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم .
وبلغ ذلك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، ملك الشام ، فعزم على قصد الفرنج ومحاربتهم في البر ، ولو قدر ذلك لقطع الله دابر الفرنج ، لكنه اشتغل بإصلاح أمور دمشق .
وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلثمائة ألف دينار . وسبب مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما . وفيها قطع العادل بن السلار جميع الكسوات المقررة للناس في الدولة فعم ذلك الأمراء والدواوين وغيرهم .
(3/202)

"""""" صفحة رقم 203 """"""
سنة سبع وأربعين وخمسمائة
فيها صرف ابن السلار أبا الفضائل يونس عن القضاء ، وكان من الأعيان النزهين الأنفس ، الكبيرين الهمم ، العظيمين القدر ، لم يشرب قط ماء النيل بل ماء الآبار ، ولم يأكل خبز السلطان . وقرر عبد المحسن بن محمد بن مكرم من بعده ؛ ثم صرفه وولى بعده بدر بن ثمال بن نصير ، وقيل بل الذي تولى بعده أبو المعالي محمد بن جميع ابن نجا الدسوقي الشافعي .
(3/203)

"""""" صفحة رقم 204 """"""
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج ، وكانوا قد نزلوا عليها في السنة الخالية . وكانت العادة أن يخرج في كل ستة أشهر عسكر بدلاً من العسكر الذي بالثغر . فلما قدم البدل كانت النوبة لركن الدين المظفر أبي منصور عباس بن تميم ربيب العادل . فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عباس والأمير ملهم والضرغام وأسامة ابن منقذ وغيره ، وكان لأسامة بعباس اختصاص كبير . فلما نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكر عباس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدو ، فتأوه عباس أسفاً على مفارقته لذاته بمصر ، وأخذ يلوم العادل ويثرب عليه من أجل كونه أخرجه . فقال له أسامة : لو أردت كنت أنت سلطان مصر . فقال : وكيف لي بذلك ؟ فقال : هذا ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودة عظيمة ، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمك ، فإنه يحبك ويكره عمك ؛ فإذا أجابك فاقتل عمك . فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله ، فاستدعى ابنه وأسر إليه بما تقرر بينه وبين أسامة وسيره سراً إلى القاهرة .
وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عباس بالخليفة الظافر ، وقال لعباس وأمه والله ما ينبغي اجتماع نصر بالخليفة ؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربما نتج من شابين ما لا ينبغي . وقال لأم عباس : لا يدخل ابنك داري إلا بإذني . فكأنه يوحي بأنه قاتله .
فلما سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل أمكنته فيها الفرصة ، فاجتمع بالظافر وأعلمه بالحال التي قدم من أجلها ، فأعجبه ذلك وأذن فيه ، لما كان في نفسه من قتل ابن السلار لصبيان الخاص وغير ذلك . ففارق نصر
(3/204)

"""""" صفحة رقم 205 """"""
الخليفة وقد قوى عزمه ، وأتى إلى دار جدته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة العادل ، وأخبر العادل بأن أباه سمح له بالعود إلى القاهرة شفقةً عليه وخوفاً من وعشاء السفر فقبل ذلك ومشى عليه . فلما أصبح العادل يوم الخميس سادس المحرم مضى من أول النهار إلى مصر لتجهيز المراكب الحربية والنفقة في رجالها وعرضها ؛ فظل نهاره في تهيئة ذلك ليلحق عباساً ، وعاد في أثناء النهار إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقة وتعب تعباً كثيرا . فلما استلقى على الفراش لينام ، وكانت امرأته جدة نصر قد توجهت إلى الحمام وخلا له البيت ؛ فجاء إلى باب السر ودخل منه ومعه سيف ، فإذا العادل قد نام وقت القائلة ، فاخترط سيفه وضربه وهو خائف ، فوقعت الضربة على رجله ، فثار من فراشه وأبصره ، فقال : إلى أين يا كليب وخرج نصر يعدو ، وكان قد أعسته جماعة من أصحابه ، فلما صار إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له : قد قتلت نفسك وقتلتنا ودخلوا وهو معهم ، فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو يحدثه فقتلوه وأخذوا رأسه ، فطلع بها نصر إلى الظافر . وماج الناس في القاهرة .
وسرح الطائر للوقت بطلب عباس من بلبيس ، فقام من فوره وصار إلى القاهرة ، فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرم ، ثاني يوم قتلة العادل ؛ فوجد جماعة من الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم مما وقع ؛ فأخذ يسكن أمرهم ، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه . وخرجوا يداً واحدة فساروا إلى دمشق .
وكانت قتلة العادل في يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم ، وله في الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر .
ولما حملت رأسه إلى الظافر أشرف من باب الذهب ، ونصبت الرأس ليراها الناس ، ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس ، وما تحرك لها ساكن ، ولا تكلم أحد . إلا أن نائحة كانت تسمى خسروان كانت قد مهرت في صناعة النياحة على الأموات ، وصارت تنشىء في نواحها الروائع ، فقالت فيه ترثيه سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة :
ما تقبل الغفلة يا شهيد الدّار يا شبيه ذي النّورين صاحب المختار
(3/205)

"""""" صفحة رقم 206 """"""
وبطل مسير العساكر إلى عسقلان . فسر الفرنج ما جرى ، وكانوا محاصرين لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن ؟ فلما صح الخبر لهم وهنوا لانقطاع المدد عنهم حتى أخذها الفرنج وتقووا بأخذها . واستعرضوا كل جارية ومملوك بدمشق من النصارى ، وأطلقوا قهراً من أراد منهم الخروج من دمشق إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى .
ولما وصل عباس خلع عليه الظافر خلع الوزارة في يوم الجمعة المذكور ، ونعت بالأفضل ركن الإسلام ، فباشر وضبط الأمور ، وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد لينسيهم العادل .
واستمر ولده نصر على مخافطة الخليفة ، عن كل أحد ، وأبوه لا يعجبه ذلك . وواصل الخليفة الطافر نصر بن عباس بن تميم بالعطاء الجزيل ، فأرسل إليه في يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار ؛ ثم أغفله أياماً وحمل إليه كسوة من كل نوع ؛ وأغفله أياماً وبعث إليه خمسين صينية فضة فيها خمسون ألف دينار ؛ وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثون بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها وحبالها . وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل في قتل نصر لابنه عباس كما قتل زوج جدته العادل ابن السلار ، فبلغ ذلك أباه على لسان أساة بن منقذ فلاطفه واستماله . وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس ، التي هي اليوم المدرسة المعروفة بالسيوفية . فخاف عباس من جرأة ابنه وخشى أن يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السلار ، فعتبه سرا ونهاه عن ملازمة الخليفة وابنه ، فلم يفد فيه القول .
(3/206)

"""""" صفحة رقم 207 """"""
وفيها وصلت مراكب من صقلية ، فملكوا مدينة تنيس .
وفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية ، وقام من بعده ابنه وليالم بن رجار بن رجار ، فاسترد المسلمون سواحل إفريقية والمهدية .
(3/207)

"""""" صفحة رقم 208 """"""
سنة تسع وأربعين وخمسمائة
فيها استدعى الظافر ناصر الدولة نصر بن عباس وأخرج له صينية من ذهب فيها ألف حبة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرد أخضر ذبابي ، وأمر له من بيت المال بعشرة آلاف دينار مصرية ، فقتله بعد هذه الهدية بستة أيام . وذلك أنه خرج الخليفة الظافر متنكراً من قصره في ليلة الخميس سلخ المحرم ومعه خادمان ، وسار على عودته إلى دار نصر بن عباس ، فقتله نصر ، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه ؛ وقتل سعد الدولة ، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر ، وفر الآخر .
وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عندما علموا أنه هو الذي حسن لعباس قتل ابن السلار وتحدثوا بقتله ، وقيل للظافر عنه إنه غريب ومن دولة أخرى وإن في تركه وقوع ما لا يمكن تداركه . فلما بلغ أسامة ذلك أخذ يغري عباساً بابنه نصر ويبالغ في القصة حتى قال له يوما : كيف تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك واتهامهم الخليفة أنه يفعل به ما يفعل بالنساء . فشق على عباس ولام ابنه ، فلم يصغ إلى لومه . فلما أنعم الظافر على نصر بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة ، وكان
(3/208)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
حاضراً ، ما هي بمهرك غالية . فامتعض لذلك عباس وقال لأسامة : كيف الحيلة في الخلاص مما بلينا به ؟ فقال : هين ؛ هذا الخليفة في كل وقت يأتي إلى عند ولدك في داره خفية ، فمره إذا جاء أن يقتله . فاستدعى عباس ابنه وقال : يا بني قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدث الناس في حقك بما أوجع باطني ، وقد يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول . فاحتد نصر وقال له : أيرضيك قتله ؟ فقال : أزل التهمة عنك كيف شئت . فأخذ نصر يعمل الحيلة في قتل الظافر وسأله أن يخرج إلى داره ليلاً في سر من الخدم ليتفسحا في منزله ليلة واحدة ؛ وكان منزله دار المأمون البطائحي . فخرج إليه في عدة يسيرة من الخدم ؛ فلما تحصل عنده اغتاله ، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الذين قتل بهم العادل ابن السلار ، ورمى بهم في جب عنده ، وغطى رأس الجب بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام المجلس ، فخفى أمره . ثم مضى نصر إلى أبيه وعرفه قتل الظافر .
وكان الظافر من أحسن الناس صورة ، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوماً ، منها مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما . وكان محكوما عليه من الوزراء . وفي أيامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها ، وظهر الوهن والخلل في الدولة ، فإنه كان كثير اللهو واللعب مع جواريه ، مقبلاً على سماع المغنى . وهو الذي أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين في خط الشوايين من القاهرة .
(3/209)

"""""" صفحة رقم 210 """"""
وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين ، فسار أبق إلى بغداد ، وبها مات .
وكان عند الإمام الظافر في قصر الروض ببغاء بيضاء تقرأ المعوذتين وتستدعي كثيراً من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم .
(3/210)

"""""" صفحة رقم 211 """"""
الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله أبي المنصور وإسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد
(3/211)

"""""" صفحة رقم 212 """"""
فارغة
(3/212)

"""""" صفحة رقم 213 """"""
يقال في اسم أمه ست الكمال ، ويقال إحسان . ولد يوم الجمعة حادي عشر المحرم ، وقيل لتسع بقين من المحرم ، سنة أربع وأربعين وخمسمائة ؛ وبويع له عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما وكان من خبره أنه ما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر في ليلة الخميس أصبح الوزير عباس متوجهاً إلى القصر في يوم الخميس على العادة ، فلما صار إلى مقطع الوزارة وطال جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى زمام القصر مفلحاً وقال له : إن كان مولانا ما يشغله عنا في هذا اليوم عدنا إليه في الغد . فمضى الزمام وهو حائر لا يدري ما يعمل وأعلم أخوي الظافر ، يوسف وجبريل ، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل ، فأخبرهما بالقصة ، ولم يكن عندهما من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عباس خبر ولا علما إلا في تلك الساعة ؛ فلم يشكا حينئذ أنه قتل ، وقالا للزمام : هبك اعتذرت اليوم هل يتم لك هذا مع الزمان ؟ فقال : فما تأمراني ؟ فقالا : اصدقه وحاققه . فعاد إليه وقال : ثم سر ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين . فقال : ما ثم إلا الجهر . فقال : إن الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك فلم يعد بغير العادة . فقال : تكذب يا عبد السوء ، وإنما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل اللذين حسداه على الخلافة واغتالاه فاتفقتم على هذا القول . فقال : معاذ الله . قال : فأين هما ؟ فخرجا إليه ومعهما ابن عم لهما يقال له أبو التقى صالح بن حسن بن عبد المجيد ابن محمد بن المستنصر ، فقال : حضرا . فقال لهما : أين الخليفة ؟ فقال الثلاثة : هو بحيث يعلم ابنك ناصر الدين ، قال : لا ، وإنما أنتما قتلتماه حسداً له . قالا : هذا بهتان
(3/213)

"""""" صفحة رقم 214 """"""
منك لأن بيعة أخينا في أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ذلك ، وإننا لفي طاعته بوصية أبينا . فكذبهما ، وأمر غلمانه يقتلونهم ، الثلاثة .
وكان في القصر ألف سيف مجردة ، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى فيه من البغي الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق .
وقال لزمام القصر : أين ابن مولانا ؟ فقال : حاضر . قال : فدلني إلى مكانه . فدخل بنفسه إليه ، وكان عند جدته لأمه ، فحمله على كتفه وأخرجه للناس قبل أن يرفع القتلى ، وبويع بالخلافة ، ولقب بالفائز بنصر الله ؛ وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوماً ؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب ، وما زال مدة خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كل قليل .
(3/214)

"""""" صفحة رقم 215 """"""
ومن طريف ما وقع في هذا اليوم أن الوزير عباساً لما أراد الدخول إلى المجلس وجد بابه قد قفل من داخل ، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ يقال له أمين الملك ؛ فاحتالوا في الباب حتى فتحوه ودخلوا ، فإذا أمين الملك خلف الباب وهو ميت وفي يده المفتاح .
وفي أثناء ذلك حضر الخادم الذي أفلت من نصر إلى القصر وحدثهم بكيفية قتلة الظافر ، فكثرت النياحة عليه بالقصور . وظن عباس أن الأمر قد استقام له ، فجاء خلاف ما أمل . وأخذ أهل القصور في إعمال الحيلة عليه ؛ وكان الأمراء والسودان قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ ، وأضمروا له العداوة والبغضاء . فاختلفت عليه الكلمة ، وهاجت الفتنة ، وصار العسكر أحزاباً ولبسوا السلاح . فخرج إليهم عباس في يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول ، فكانت بينه وبينهم محاربة انكسروا فيها منه ، وقتل منهم جماعة . هذا وأهل القصر في تدبير العمل عليه ، فبعثت عة الفائز إلى فارس المسلمين أبي الغارات طلائع بن رزيك ، وكان والياً على الأشمونين والبهنسا ، بالكتب وفي طيها
(3/215)

"""""" صفحة رقم 216 """"""
شعور النساء تستصرخ به على عباس ؛ وكتب إليه أيضا الجليس بن الحباب . فامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء ، وجمع العربان والأجناد مقطعي البلاد .
وبلغ ذلك عباسا ، فخرج من القاهرة بالعساكر في عاشر صفر ، وجعل ابنه ناصر الدين بالقاهرة ، وأنفذ إلى طلائع بحسين بن أبي الهيجاء ، زوج ابنته ، ليرده عما عزم عليه . فلما خلا به قال له : تقاتل عباساً وله خمسة آلاف مملوك قال : أقتاله بنفسي ونفسك . قال : أما الآن فنعم . ففت ذلك في عضد عباس لشهرة حسين وشجاعته .
وعندما نزل عباس إلى إطفيح في بكرة يوم الثلاثاء ، خامس عشره ، لحق أعراب إطفيح بابن رزيك ، فوافوه على أبويط ، فسار بهم ونزل دهشور ، فاضطرب عباس ورجع إلى القاهرة ، وتفرق عنه الناس إلى طلائع بن رزيك ، وصار من أهل البلد في مناكدة . وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال في الشوارع ، فاستظهر عليهم عباس وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له .
واتفق أنه مر يوماً فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون ، ورمى مرةً بقدر مملوءة طعاماً حاراً ؛ فقال : ما بقي بعد هذا شيء . وعزم على الفرار فلم يقدر ، وغلقت أبواب القاهرة .
واشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبر في الخروج من القاهرة ، فأشار عليه بعض خواسه بتحريق القاهرة فأبى وقال : يكفي ما جرى . فلما عدى طلائع بن رزيك إلى حمول عول
(3/216)

"""""" صفحة رقم 217 """"""
عباس وولده نصر على المسير من مصر بكل ما يملكانه من مال وسلاح وما قدرا عليه من حواصل الدولة وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدي الرجال ، ومائتا بغل رحل ، وأربعمائة جمل تحمل أثقاله في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول بعد ما حلف الأمراء ألا يخونوه . وأحضر مقدمي العرب من رزيق وجذام وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة ، وحلفهم .
فلما كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة ؛ وبلغ ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس في عشية نهاره ، وخرج الناس إلى المقابر . وبات في عشاري ، وأصبح ، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره ، فركب يريد القصر وقد خرج الأمراء إليه ، منهم من قاتله ومنهم من انضم إليه ؛ فلم يكن غير ساعة حتى انجلى الأمر عن فرار عباس وولده وابن منقذ ؛ فنهب الناس دورهم .
ودخل طلائع إلى القاهرة وشقها بعساكره في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول ، وهو لابس ثيابا سوداء ، وأعلامه وبنوده كلها سود ، وشعور النساء التي أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح . فكان هذا من الفأل العجيب ، فإن الأعلام العباسية السود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض بعد خمس عشرة سنة .
ونزل طلائع بدار المأمون التي كان يسكنها نصر بن عباس . وأحضر الخادم الذي كان مع الظافر لما قتل ، فأعلمه بالحال ، فمضى راجلاً من القصر إلى دار نصر بن عباس ، واستخرج الظافر والأستاذ الذي كان معه ، وغسلهما وكفنهما ؛ وحمل الظافر في تابوت مغشى الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شق ثيابه ومعه الناس بأجمعهم حتى
(3/217)

"""""" صفحة رقم 218 """"""
وصل إلى القصر ، فصلى عليه الخليفة الفائز ، ودفن في تربة القصر مع آبائه .
وجلس الفائز بقية النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر ، وخلع على ولديه ، ونعت بالأجل الناصر ، سند الإمام ، زعيم الأنام ، مجير الإسلام ، خدن أمير المؤمنين . وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل الوزارة ؛ وخلع على حواشيه . وأجرى في الخلع مجرى الأفضل بالطيلسان المقور ، وأنشىء له سجل عظيم نعت فيه بالملك الصالح ، ولم يلقب أحد من الوزراء قبله بالملك ، وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر . وكتب في سجله ، على طرفه ، بخط الفائز : لوزيرنا السيد الأجل الملك الصالح ، ناصر الأئمة ، كاشف الغمة ، أمير الجيوش ، سيف الإسلام ، غياث الأنام ، كافل قضاة المسلمين ، هادي دعاة المؤمنين ، أبي الغارات طلائع بن رزيك الفائزي ؛ عضد الله بن الدين ، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين ، وأدام قدرته ، وأعلى أبداً كلمته ، من جلالة القدر ، وعظيم الأمر ، وفخامة الشان ، وعلو المكان ، واستيجاب التفضيل ، واستحقاق غايات المن الجزيل ، ومزية الولاء الذي بعثه على بذل النفس في نصرتنا ، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحق مشايعتنا وطاعتنا ، مما يبعثنا على التبرع له ببذلك كل مصون ، والابتداء من ذاتنا بالاقتراح له بكل شيء يسر النفوس ويقر العيون ؛ والذي يعمله هذا السجل من تقريظه وأوصافه ، فالذي تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه ، ولذلك شرفناه بجميع التدبير والإنالة ، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من الكفالة . والله تعالى يعضد به دولتنا ، ويحوط به حوزتنا ، ويمده بمواد التوفيق والتأييد ، ويجعل أيامه في وزارتنا ممنوحةً غاية الاستمرار والتأبيد إن شاء الله تعالى .
(3/218)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
وكان سجلاً في غاية الطول والكبر ، من إنشاء الآجل الموفق أبي الحجاج يوسف ابن علي بن الخلال .
ونزل الملك الصالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدولة مشاة في ركابه إلى دار الوزارة ، فجلس للهناء ، وتقدم الشعراء فأنشدوا عدة مدائح ذكروا فيها هذه الحالة والواقعة . وكانوا عدة ، منهم عبد الرحيم بن علي البيساني ، والقاضي الأجل الرشيد أحمد بن الزبير ،
(3/219)

"""""" صفحة رقم 220 """"""
والقاضي الجليس عبد العزيز بن الحسنين بن الحباب ، والقاضي السعيد جلال الملك الأشرف ضياء الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن كاسيبويه ، وأبو محمد يحيى ابن خير ، الملقب ديك الكرم الشاعر ، وغيرهم وأما عباس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام ، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلاً على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال في الخروج إلى عباس ، وأباحتهم جميع ما معه ، وأن يعبثوا به إلى القاهرة ، فأجابوا إلى ذلك ، وخرجوا إليه . فلما أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه ، فخذله أصحابه وفروا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام ، فقاتل الفرنج حتى قتل ؛ وأسر ابنه نصر فعمل في قفص حديد وحمل إلى القاهرة ، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين سابع عشري ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة ، وأخرج من يوم الاثنين الثامن عشر من ربيع الآخر قتيلاً مقطوع اليد اليمنى ، وصلب سحراً على باب زويلة ، فكان يومً عظيما عند الناس . واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم .
ولما سير الفرنج بنصر بن عباس إلى القاهرة أنشد عندما عاين البلد :
بلى ؛ نحن كنّا أهلها ، فأبادنا . . . صروف الليالي والجدود العواثر
وخرج الناس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا في سبه ولعنه ، وبصقوا عليه ، حتى دخل القصر ؛ وعرض في القفص وقتل ؛ قتله الجواري نخساً بالمسال وصفعاً بالنعال
(3/220)

"""""" صفحة رقم 221 """"""
وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إياه حتى مات ، ثم أخرج وصلب على باب زويلة ، وأحرق بعد ذلك .
وتتبع الصالح من كان مع نصر بن عباس في قتل الظافر ، فقتل قايماز وفتوح الأخرس وابن غالب صبراً بين يديه في جماعة معهم . وثبتت أموره فنعت نفسه بفارس المسلمين نصير الدين ، الصالح ؛ ومدحه الشعراء بذلك .
وشرع الصالح في الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم ؛ وتتبع أرباب البيوتات والنعم والأعيان فسلبهم نعمهم . وقبض على عدة من الأمراء وقتلهم في ثالث عشر ربيع الأول ، وعلى عدة من أرباب العمائم ، منهم أبو الحسن علي بن سليم بن البواب ناظر الدواوين ، وكان عارفاً بالحساب والمنطق والهندسة ، مليح الشعر والترسل ، جيد الكتابة .
وأخذ يعمل على الأمراء المتقدمين في الدولة ، مثل ناصر الدين ياقوت ، صاحب الباب ، وكان قد ناب عن الحافظ مرة في مرضة مرضها مدة ثلاثة أشهر وكاد يوليه الوزارة ؛ ومثل الأوحد بن تميم ، والي دمياط وتنيس ، فإنه كان قد تحرك لما سمع قضية عباس وسار يريد القاهرة ، فسبقه طلائع بن رزيك بيوم ، فصار يحقد عليه كونه هم بأمر ربما نال به الوزارة ، غير أنه لم يسعه إلا إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدقهلية والمرتاحية وهو يسر له المكر . وكان من أمراء الدولة تاج الملوك قايماز ، وهو من أكابر الأمراء ، ويليه ابن غالب ؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما .
ثم إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه ، فنقله من ولاية دمياط وتنيس
(3/221)

"""""" صفحة رقم 222 """"""
إلى ولاية سيوط وأخميم ؛ فخلت له القاهرة . وأظهر مذهب الإمامية وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعراً ومدةً ستة أشهر فقط ؛ فتضرر الناس من كثرة ترداد الولاة عليهم .
وضيق مع ذلك على أهل القصر طمعا في صغر سنة الخليفة . وجعل له مجلساً يحضره أهل الأدب في الليل وطارحهم فيه الشعر فهرع إليه الناس ودونوا ما ينظمه من الشعر ، وكان ابن الزبير يعنه على إصلاحه وتنميقه .
(3/222)

"""""" صفحة رقم 223 """"""
فيها صرف الصالح عن قضاء القضاة أبا المعالي مجلى بن جميع ، الفقيه الشافعي ، وولى القاضي المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم في أخريات شعبان .
فيها بلغ التليس ستة دنانير .
فيها مات القاضي المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسي ، المعروف بالمحنك ، وكان قد ولي نظر الدواوين والخزائن ؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه على الحافظ .
ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام ، أخو الوزير المأمون بن البطائحي ، وصلى عليه الصالح .
وفيها كتب المقتفي لأمر الله العباسي عهداً لنور الدين محمود بن زنكي ، صاحب دمشق بولاية مصر والساحل ، وبعثه إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها لما بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير ، وقيل له قد اختلت أحوال الدولة بمصر .
(3/223)

"""""" صفحة رقم 224 """"""
سنة خمسين وخمسمائة
فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها ، وعاد مظفراً بعدة مراكب فيها حجاج من النصارى وغيرهم ، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة .
وفيها خرج على الصالح الأمير الأوحد بن تميم ، والي إخميم وأسيوط ، وجمع جمعاً موفوراً ، فسير إليه الصالح عدة من العسكر ، فكانت بينهما عدة وقائع أسفرت عن قتله الأوحد في يوم الأربعاء سابع عشر رجب .
وفيها قدم الفقيه نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي ، اليماني الحكمي في شهر
(3/224)

"""""" صفحة رقم 225 """"""
ربيع الأول ، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين ؛ فأحضر في قاعة الذهب من القصر يوم السلام ، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك والأمراء ، على العادة ؛ فأدى الرسالة وأنشد :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم . . . حمداً يقوم بما أولت من النّعم
لا أجحد الحق ، عندي للرّكاب يدٌ . . . تمنّت اللّجم فيها رؤية الخطم
قرّبن بعد مزار العزّ من نظري . . . حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء والحرم . . . وفداً إلى كعبة المعروف والنّعم
فهل درى البيت أني بعد فرقته . . . ما سرت من حرمٍ إلاّ إلى حرم
حيث الخلافة مضروبٌ سرادقها . . . بين النّقيضين من عفوٍ ومن نقم
وللإمامة أنوارٌ مقدّسةٌ . . . تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنّبوة آياتٌ تنصّ لنا . . . على الخفيين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلامٌ تعلّمنا . . . مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلا ألسنٌ تثنى محامدها . . . على الحميدين من فعل ومن شيم
وراية الشّرف البذّاخ ترفعها . . . يد الرّفيعين : من مجدٍ ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً . . . فوز النجاة وأجر البرّ في القسم
لقد حمى الدّين والدّنيا وأهلهما . . . وزيره الصّالح الفرّاج للغم
اللاّبس الفخر لم تنسج غلائله . . . إلاّ يد الصّنعين : السّيف والقلم
(3/225)

"""""" صفحة رقم 226 """"""
وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت . . . وجوده أعدم الشاكين للعدم
قد ملّكته العوالي رقّ مملكةٍ . . . تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم
أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمني . . . في يقظتي أنها من جملة الحلم
يومٌ من العمر لم يخطر على أملى . . . ولا ترقّت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها . . . عقود مدح فما أرضى لكم كلمى ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌ . . . عند الخلافة نصحاً غير متّهم
عواطف علّمتنا أنّ بينهما . . . قرابةً من جميل الرّأي لا الرّحم
خليفةٌ ووزير مدّ عدلهما . . . ظلاًّ على مفرق الإسلام والأُمم
زيادة النّيل نقصٌ عند فيضهما . . . فما عسى يتعاطى منّة الدّيم
فكان الصالح يستعيد أبياتها في حال الإنشاد مراراً ، والأمراء والأستاذون يذهبون في الاستحسان كل مذهب . ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهبة ، ومنح له الصالح خمسمائة دينار ، وأخرجت إليه السيدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين خمسمائة دينار أخرى ؛ وحمل المال معه إلى منزله ، وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة ؛ وتهادته أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم .
واستحضره الصالح للمجالسة ، ونظمه في سلك أهل المؤانسة ، وانثالت عليه صلاته ، وعمره ببره . وصار يحضر في الليل عنده مع الشيخ الجليل أبي المعالي ابن الحباب ، والشيخ الموفق ابن الخلال ، وأبى الفتح محمود بن قادوس ، والمهذب أبي محمد الحسن بن
(3/226)

"""""" صفحة رقم 227 """"""
الزبير ، وولد الصالح مجد الإسلام رزيك ، وصهره ، الأجل المظفر الأمين ، سيف الدين حصن المسلمين ، ذي الفضائل والمناقب ، يمين أمير المؤمنين ، أبي عبد الله الحسين بن الأمير فارس الدولة أبي الهيجاء الفائزي الصالحي ، وأخيه فارس المسلمين بدر بن رزيك ؛ وقريبه عز الدين حسام ، وضرغام ، وعلي بن الزبرد ، ويحيى بن الخياط ، ورضوان بن جلب راغب ، وعلي هوشات ، ومحمد بن شمس الخلافة . وهؤلاء أهل مجلس الليل .
وأنشده يوما وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة منها :
دعوا كلّ شمتم غير بارق . . . يلوح على الفسطاط صادق نشره
وزوروا المقام الصّالحيّ ، فكلّ من . . . على الأرض ينسى ذكره عند ذكره
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى . . . فتجنوا على مجد المقام وفخره
ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها . . . فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره
فرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعياً . ومدحه في شعبان بقصيدة فدفع إليه الخريطة ، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا .
(3/227)

"""""" صفحة رقم 228 """"""
ثم لما عزم على الرجوع ودع الخليفة والصالح بن رزيك بقصيدة ، فأوسعاه إكراماً وإنعاماً ، ورسم أن يكون تسفيره خمسمائة دينار كما كانت وفادته ، وبعثت إليه السيدة مثل ذلك ؛ وخلع عليه للسفر ، ودفع له الصالح مائة دينار . وكتب له إلى ناصر الدولة والي قوص بمائة إردب من القمح وحملها من مال الديوان إلى مكة . وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران ، صاحب عدن ، ببراءته من ثلاثة آلاف دينار وإسقاطها عنه .
وسار في شوال إلى مكة فتسلم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال الديوان . ولما وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار وأسقطها عنه ، فسير إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك ؛ فلما وقف عليها قال : قد فرطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا ، ولقد كان إمساكه للخدمة والصحبة أولى .
ثم عاد بعد ذلك بمدة ، واستقر بعد ذلك من جملة خدام الدولة وخواصها .
فيها مات الفقيه أبو المعالي مجلى بن جميع بن نجا المخزومي القرشي الأرسوفي الشافعي ، صاحب كتاب الذخيرة في الفقه .
(3/228)

"""""" صفحة رقم 229 """"""
سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
فيها نزع السعر ووقع الغلاء بديار مصر ، فلحق الناس منه شدة
(3/229)

"""""" صفحة رقم 230 """"""
سنة اثنين وخمسين وخمسمائة
فيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين ، فشرع الصالح في النفقة على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد الفرنج . فأخرج سريةً في سابع عشر جمادى الأولى وأتبعها بأخرى في رابع عشر جمادى الآخرة ؛ فوصلت الأولى إلى غزة ونهبت أطرافها ، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت مظفرة غانمة . ثم ندب سرية ثالثة ، فمضت إلى الشريعة فأبلت بلاءً حسنا وعادت ومؤيدة . وسير المراكب الحربية فانتهت إلى بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج وأسرت منهم وغنمت . وسير عسكراً في البر إلى بلاد الشوبك فعاثوا فيها وغاروا ورجعوا بالغنائم في رجب ومعهم كثير من الأسرى . ثم سير الأسطول إلى عكا فأسروا نحواً من سبعمائة نفس بعد حروب كثيرة ، وعاد الأسطول في رمضان . وجهز سريةً فغارت على بلاد الفرنج وعادت بالغنائم في رمضان . ثم بدأت سرية في أول ذي القعدة وأردفها بأخرى في خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا غانمين .
وفيها قدم رسول نور الدين محمود صاحب دمشق .
(3/230)

"""""" صفحة رقم 231 """"""
وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية ، فقبض عليهم نائب الثغر وجهزهم .
وفي سلخ ذي الحجة قبض الصالح على الأمير ناصر الدولة ياقوت والي قوص وعلى أولاده واعتقلهم من أجل أنه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصالح وأخذ الوزارة . وكان ناصر الدولة في ولاية قوص من أيام عباس ، ولما استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر الدولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر ، فأعاد جوابه يظهر الزهد في ذلك وأنه تركه من أيام الخليفة عن قدرة ، ظناً منه أن طلائع لا يصلح ولا يتم له ما يريد من مقاومة عباس ؛ فخاب رجاؤه . ولم يزل به الصالح حتى أودعه السجن ، ولم يزل به حتى مات فيه في رجب من الآتية .
وفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة ، طوله من رأسه إلى قدمه أربعة أشبار ، وله عدة أولاد ؛ فدخل على الصالح حتى رآه .
في هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر ، وأكثر حماة وبعض كفر طاب وأفامية ؛ وزلزلت في حلب وغيرها من البلاد ؛ وكانت بدمشق خفيفة لم تخرب شيئا ، ودامت مدة بأرض الشمال .
(3/231)

"""""" صفحة رقم 232 """"""
وفيها سقطت دار بخط سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها ، من جملتهم امرأة ترضع ولداً أخرجت من تحت الردم ميتة ، وأخرج الطفل ابنها في ثاني يوم وهو حي ، فسلم إلى من ترضعه ، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال .
واتفق أيضا في هذه السنة أن السديد أبا النقباء صالحاً كان يخدم في عمالة الرباع السلطانية بمصر ، ومما يجري فيها دار ابن معشر عند فم السد الذي يفتح كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النيل ، فإذا كان قرب الوفاء رسم بمرمة هذا الدار ، فرممت وأسكنت في موسم الخليج ، فيتحصل من أجرتها في يوم وليلة ما يتحصل من أجرة سنة كاملة . فرمها في هذه السنة وأسكنها على العادة ، وسكن في بيت تحتاني منها ، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحداً ، فسقطت وهلك جميع من فيها إلا هو ، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه رمق فبرأ وعاش مدة طويلة ، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الروم من القاهرة اندقت ساقه في درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه .
(3/232)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
في المحرم جهز الصالح أربعة آلاف وأمر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ضرغاماً للغارة على بلاد الفرنج ، فساروا في صفر إلى تل العجول وحاربوا الفرنج في النصف منه ، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم . وسير عسكراً في آخر في شعبان ، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدة غنائم ما بين خيول وأموال .
وفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكي ؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون في الصلح ؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدةً له على صاحب صقلية .
وفيها خرجت من القاهرة سرية إلى بيت جبرين وعادت غانمة . وسار الأسطول في يوم الجمعة ثالث عشري ربيع الآخر فانثنى إلى تنيس في الثامن من شعبان وأقعل منه إلى بلاد الفرنج .
وفي سادس عشري ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدي الغزاة بالغنائم . وفي ربيع الآخر سار عسكر إلى وادي موسى فنزل على حصن الدميرة وحاصره ثمانية أيام ، وتوجه إلى الشوبك وأغار على ما هنالك ؛ وأقام أميران على الحصار وعاد بقية العسكر .
(3/233)

"""""" صفحة رقم 234 """"""
وفي التاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرب وعاد بالغنائم . وورد الخبر بوقعة كانت على طبرية كسر فيها الفرنج وانهزموا ، فأخذ الصالح في النفقة على طوائف العسكر ، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار . فلما تكامل تجهيزهم سير خمس شوال في الخامس من شعبان ، فتوجهت لسواحل الشام ، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى في الثاني والعشرين من رمضان . وخرج العسكر في البر وقد ورد الخبر بحركة متملك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد ، فلما بلغه سير العسكر لم يتحرك ، ورجع العسكر .
وجهز رسول محمود بن زنكي بجواب رسالته ومعه هدية فيها من الأسلحة وغيرها ما قيمته ثلاثون ألف دينار ، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقويةً له على جهاد الفرنج . وكتب إلى الصالح كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال الفرنج ، فوصلت إليه في سادس عشر من شهر رمضان ، ولبس نور الدين خلعة الملك الصالح طلائع ؛ وانقضت السنة في تجهيز العساكر في البر والبحر ومسيرها وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة ، منهم أخو القمص صاحب قبرص ، فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية . وكثرت الغنائم من الفرنج بالقاهرة حتى امتلأت الأيدي بها .
وقال الصالح في هذه الغزوات عدة قصائد مطولة .
(3/234)

"""""" صفحة رقم 235 """"""
وفيها مات القاضي المفضل كافي الكفاة محمود بن القاضي الموفق إسماعيل بن حميد القاضي ، المعروف بابن قادوس ، في سابع المحرم ؛ فحضر الصالح إلى داره بمصر ومشى في جنازته حتى صلى عليه ، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام بالقرافة . وكان من أماثل المصريين وأعيان كتابهم ، مقدماً عند الملوك . وله ديوان شعر .
(3/235)

"""""" صفحة رقم 236 """"""
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
في شهر ربيع الأول ، في خامسه ، قدم رسول الفرنج بهدية لطلب الهدنة .
وقدم رسول نور الدين يخبر بأنه متوجه نحو بلاد الفرنج ، وأشار بإخراج عسكر نحوهم ؛ فخرجت سرية إلى غزة . وعاد رسول نور الدين ، وهو الحاجب محمود المسترشدي ، وصحبته الأمير عز الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب الآمري ؛ وكانا قد توجها إلى نور الدين في السنة الخالية وخرجا من دمشق في نصف صفر . فندب الصالح العساكر للغارة ، وأنفق في ستة آلاف وخمسمائة فارس ، فساروا في سادس جمادى الأولى . وتوجه الأسطول في البحر ، وذلك أن ملك القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون ، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدين بذلك ، فكتب نور الدين يستنجد الملك الصالح على الفرنج ، فأنجده بذلك . وفي سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما .
وفي هذه السنة خرج الأمير عز الدين أبو المهند حسام ابن الأمير الأسد جلال الدين فضة ، وهو ابن أخت الملك الصالح ، على عسكر لقتال طرخان بن سليط بن طريف والي الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصالح .
فيها بنى الصالح على بلبيس حصناً من لبن .
فيها توفى أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس ابن عبد الرحمن بن الليث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمي
(3/236)

"""""" صفحة رقم 237 """"""
في شهر رمضان بالإسكندرية . وقد حدث فسمع منه السلفي ؛ وهو آخر من حدث عن الخيال . ومولده لست بقين من ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة .
وتوفى الفقيه أبو الحسن وحشي بن عبد الغالب العادلي السعدي بمنية زفتى ؛ وأخذ عن الطرطوشي وغيره .
وتوفى بمصر أبو القاسم عبد السلام بن مختار اللغوي ؛ سمع من بركات وغيره ؛ وقرأ على العقبى . وله مدائح في الصالح بن رزيك وكان متصدراً بالجامع العتيق .
(3/237)

"""""" صفحة رقم 238 """"""
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها خرج إسماعيل ، المعروف بروق ، من القاهرة في ليلة الخميس حادي عشر المحرم ، ولحق بأخيه طرخان والي الإسكندرية وقد جمع لحرب الصالح ، فخرج إليه المظفر عز الدين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدين ورد على عسكر ، ولحقهم المظفر سيف الدين حسين .
وقد برز إسماعيل من الإسكندرية في جموعه وخيم على دمنهور ، وتلقب بالملك الهادي ؛ فطرقه العسكر ، فهرب واختفى بالجيزة ، فقبض عليه في سابع عشره . وعاد العسكر في ثالث عشريه ، فهرب طرخان من معتقله في رابع ربيع الآخر ، وظفر به في سادسه ، فصلب على باب زويلة . ثم ضربت رقبة إسماعيل في ثامنه ، وصلب إلى جانب أخيه .
وكان أبو طرخان فرانا ، فترقى طرخان في أيام الفتن حتى ولاه الصالح الإسكندرية في سنة ثلاث وخمسين . وقال الشعراء في صلبه عدة قصائد . وفيها مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب ؛ ومولده يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستة أيام ، منها مدة خلافته ست سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوماً .
(3/238)

"""""" صفحة رقم 239 """"""
ولم يلتذ بالخلافة ولا رأى فيها خيراً ؛ فإن أباه لما قتل وبكر عباس إلى القصر وفحص عن الخليفة الظافر وقتل أخويه وابن عمه لينفي عن نفسه وابنه التهمة ، دعي إلى القصر واستدعى ابن الظافر هذا وحمله على كتفه وله من العمر نحو الخمس سنين ، ووقف به في صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه . فلما مثلوا بالقاعة قال لهم : هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه ، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل . فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا ، وصاحوا صيحة اضطرب منها الطفل وداخله من تلك الصيحة ، مع ما شاهده من رؤية عمه والخدام وهم في دمائهم ، ما خبل عقله ، وبال على كتف عباس ، فسيروه إلى أمه ؛ وأقام مختلاً يصرع وجدته تكفله .
وركب في الأعياد مغرراً به ؛ وخطب عنه قاضي القضاة وهو معه على المنبر . وقطع الخليج في أيامه في الليل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر ، إلى غير ذلك من التحويزات .
ثم وزر الصالح بعد عباس واستبد بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهي ، ولا تعود كلمة . فدبرت عمة الفائز في قتل الصالح ، وفرقت في ذلك نحو خمسين ألف دينار . فبلغ ذلك الصالح ، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصقالبة سراً ، والفائز في واد آخر من الاضطراب والاختلال . ونقل كفالته إلى عمته الصغرى ، وطيب قلبها ، وراسلها .
(3/239)

"""""" صفحة رقم 240 """"""
فارغة
(3/240)

"""""" صفحة رقم 241 """"""
العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد
(3/241)

"""""" صفحة رقم 242 """"""
فارغة
(3/242)

"""""" صفحة رقم 243 """"""
ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة ؛ وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيام .
وذلك أنه لما مات الخليفة الفائز ركب الصالح بن رزيك إلى القصر بثياب الحزن ، واستدعى زمام القصر ، وسأله عمن يصلح في القصر للخلافة ؛ فقال : ههنا جماعة . فقال : عرفني بأكبرهم . فسمى له واحداً ، فأمر بإحضاره . فتقدم إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سراً : لا يكن عباس أحزم منك رأياً حيث اختار الصغير وترك الكبير واستبد بالأمر . فمال إلى قوله ، وقال للزمام : أريد منك صغيراً . فقال : عندي ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله ، وهو دون البلوغ . فقال : علي به . فأحضر إليه بعمامة لطيف وثوب مفرط ، وهو مثل الوحش ، أسمر ، كبير العينين ، عريض الحاجبين
(3/243)

"""""" صفحة رقم 244 """"""
أخنس الأنف ، منتشر المنخرين ، كبير الشفتين . فأجلسه الصالح في البادهنج ، وكان عمره إحدى عشرة سنة . ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء ، وهي لبس ولي العهد إذا حزن على من تقدمه ، وقام وألبسه إياها .
وأخذوا في تجهيز الفائز ؛ فلما أخرج تابوته صلى عليه وحمل إلى التربة . وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه ، وأمر أن تحمل إليه ثياب الخلافة ، فألبسها ؛ وبايعه ، ثم بايعه الناس ؛ ونعته بالعاضد لدين الله . وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين . وأبوه أحد الأخوين اللذين قتلهما الوزير عباس .
ولما بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلة ؛ وركب الصالح بين يديه ، وخرج من التربة قاصداً قصره . وكانت عادة الخلفاء أنه إذا ورد البشير إلى أخص أهل من يبايع يعطى ألف دينار ؛ فلما بويع العاضد حضر المبشر إلى عمته فأعطته نزراً ، فلما راجعها في الزيادة أبت عليه ؛ فسئلت في السبب فقالت : هذا قاطع الخلفاء . وهكذا كان .
واستقر العاضد اسماً والصالح معنىً ، فتمكن وقويت حرمته ، واستولى على الدولة وتمكن منها ، ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة ، وأساء السيرة باحتكار الغلات ، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار ؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة .
(3/244)

"""""" صفحة رقم 245 """"""
وفيها ولي الصالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السعدي الصعيد ، فظهرت كفايته واستمال الرعية .
وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدين محمود صاحب دمشق ، فلبسها .
وفيها توفى بمصر أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم ، المعروف بنفطويه الحضرمي ، المقرئ الأديب ؛ رحل فسمع ببغداد وميافارقين وبمصر . وتوفي بعيذاب الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي ، أخو القاضي الجليس ؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها ، وصنف كتاب مساوئ الخمر ؛ وكتاب الحجة لسلف هذه الأمة في تسمية الصديق وارد على من أنكر ذلك ؛ وكتاب تهذيب المقتبس في أنباء أهل الأندلس . وكان من الصالحين .
وتوفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوار بن المختار بن الغرناطي بمصر ، وكان من أعيان غرناطة ، وله معرفة جيدة بالنحو ؛ وكتب عن السلفي .
(3/245)

"""""" صفحة رقم 246 """"""
سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها عقد العاضد على ابنة الصالح ابن رزيك في مستهله بعدما امتنع من ذلك فحبسه الصالح حتى أجاب . وقصد الصالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولداً فيجتمع لبني رزيك الخلافة مع الملك .
وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب ، ودعا إلى نفسه ، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقب بالمستنصر ؛ وعزم على المسير إلى أذخ القاهرة ، فخدعه الأمير عز الدين حسام بن فضة بن رزيك ووعده بالقيام بدعوته ، وما زال يتلطف به حتى صار عنده في خيمته ، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة ، فقتل في شهر رمضان .
وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين ، أبو الغارات طلائع بن رزيك . وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر ، أخذت السيدة العمة ست القصور ، وهي أخت الظافر الصغرى ، في العمل على قتله ، ورتبت مع قوم من السودان الأقوياء أن يقيموا منهم في باب السرداب من الدهليز المظلم الذي يدخل منه إلى القاعة جماعةً ، ويقيموا آخرين في خزانة هناك وأرسلت إلى ابن الراعي ، وإلى الأمير المعظم بن قوام الدولة صاحب الباب وقررت معه أن يخلى الدهاليز من الناس
(3/246)

"""""" صفحة رقم 247 """"""
حتى لا يبقى بها أحد . فأعدوا في حجرة في دهليز القصر ، وردوا عليهم طرف الضبة .
فلما كان في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصالح على عادته للسلام على الخليفة ، فلما انفصل من خدمة السلام بقاعة الذهب وخرج إلى الدهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الريفي ، وأوقفه ، وذكر له حديثاً طويلا ؛ فتقدم رزيك ابن الصالح ، فخرج رجلان وثبا على الصلاح ، ووقعت الصيحة ، فعثر الصالح بأذياله ، فتقدم إليه ابن الراعي وطعنه بسيف قطع أحد وريديه ، وضربه العبيد بالسيوف فقطعوا عذيته ونزلت في لحمه وشلت سلسلة ظهره . فوضع يده على جرحه وأنشد :
إن كان عندك يا زمان بقيّةٌ . . . ممّا تهين به الكرام فهاتها
وضرب رزيك بن طلائع في عضده الأيمن . وتكاثروا على الصالح فسقط على وجهه منكبّاً واستفرغ بالدّم فأدركه الأمير ابن الزبد وألبسه منديل ضرغام بن سوار ، وكان
(3/247)

"""""" صفحة رقم 248 """"""
قد نزع منديله عن رأسه ، وحمل حتى أركب على فرسه ، وهو لا يفيق . وبقي حسين ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم خمسين رجلاً .
ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكباً ، فقالت : رحنا والله . فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول : رحمك الله يا عباس ، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته خليفة ؛ فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به . وأنشد عند موته :
وما ظفروا لمّا قتلت بطائل . . . فعشت شهيداً ثم متّ شهيدا
فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء ، العشرين من شهر رمضان ، مات ودفن بالقاهرة ، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة ، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته .
ومولده في سنة خمس وتسعين . وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أياماً . وكان فاضلا . سمحاً في العطاء ، سهلا في اللقاء ، محباً لأهل الفضائل ، جيد الشعر وخطه دون شعره . ويقال إنه من المغرب ، وقد قصد أبوه زيارة قبر علي بن أبي طالب بالنجف فرأى أمام المشهد علياً وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر ، فقدمها ، وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال .
(3/248)

"""""" صفحة رقم 249 """"""
وأنشد له ابن خلكان :
كم ذا يرينا الدّهر من أحداثه . . . غيراً وفينا الصّدّ والإعراض
ننسى الممات وليس يجري ذكره . . . فينا ، فتذكرنا به الأمراض
وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة . بلغه أن أبا محمد ابن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتاً من شعره وهو :
تجنّب سمعي ما يقول العواذل . . . وأصبح لي شغلٌ من الغزو شاغل فجهز له هدية سنية ليرسلها إليه ، فقتل قبل إرسالها . وبلغه أن إنساناً من أعيان الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتاباً يشكره ومعه هدية .
وكان وافر العقل رضي النفس ، بصيراً بالتجارب عالماً بأيام الناس ، بصيرا بالعلوم الأدبية ، محبباً إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم والفساد . إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفاً لما عليه مذهب العاضد وأهل الدولة . فلما بايع للعاضد وركب من القصر سمح ضجةً عظيمةً ، فقال : ما الخبر ؟ فقيل إنهم يفرحون بالخليفة . فقال : كأني بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا ؛ وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم .
وجرى من بعض الأمراء في مجلس السمر عنده انتقاص بعض السلف ، وكان الفقيه عمارة جالساً فقام وخرج معتذراً بحصاة تعتاده ، وانقطع في منزله ثلاثة أيام ، ورسول الصالح يرد إليه كل يوم بالطبيب ، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو في بستان مع جلسائه
(3/249)

"""""" صفحة رقم 250 """"""
في خلوة ، فاستوحش من غيبته ، فأعلمه أن لم يكن به وجع ولكنه كره ما جرى في حق السلف ، فإن أمر السلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان في الأرض سعة وفي الملوك كثرة . فعجب الصالح من ذلك . وقال : سألتك بالله ما تعتقد في أبي بكر وعمر ؟ فقال : أعتقد أنه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية ، وما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه . ثم قرأ : ' ومَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيم إِلاَّ من سَفِهَ نَفْسَهُ ' فضحك الصالح ، وكان هذا من رياضته ، فإنه مخالف لمذهبه مخالفة لا يحتملها مثله إلا أنه مرتاضا حصيفاً قد لقي الفقهاء وسمع كلامهم .
وبعث يوماً إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعةً بخطه فيها هذه الأبيات يدعوه فيها إلى مذهبه :
قل للفقيه عمارةٍ : يا خير من . . . أضحى يؤلّف خطبةً وكتابا
اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى . . . قل حطّةٌ ، وادخل إلينا البابا
تلق الأئمّة شافعين ، ولا تجد . . . إلاّ لدينا سنّة وكتابا
وعلىّ أن يعلو محلّك في الورى . . . وإذا شفعت إليّ كنت مجابا
وتعجّل الآلاف ، وهي ثلاثة . . . صلةً ، وحقّك لا تعدّ ثوابا
فأجابه عمارة :
حاشاك من هذا الخطاب خطابا . . . يا خير أملاك الزّمان نصابا
لكن إذا ما أفسدت علماؤكم . . . معمور معتقدي وصار خرابا
ودعوتم فكري إلى أقوالكم . . . من بعد ذاك ، أطاعكم وأجابا
(3/250)

"""""" صفحة رقم 251 """"""
فاشدد يديك على صفاء محبّتي . . . وامنن عليّ ، وسدّ هذا البابا
وهو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة ؛ ووقف ثلثي المقس على الأشراف ، وتسعة قراريط على أشراف المدينة ، وقيراطاً على بني معصوم إمام مشهد عليّ الذي بشره بالمنام . ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني .
وكان أبوه يسمى أسد رزيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر ؛ وتوفى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة .
ومن العجب أنه ولي الوزارة في التاسع عشر ، وقتل في التاسع عشر ، وزالت دولتهم في التاسع عشر . وهو أول من خوطب بالملك في ديار مصر ونعت به .
ومن عجيب الاتفاق أن عمارة أنشد مجد الإسلام رزيك بن الصالح بدار سعيد السعداء في ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها :
أبوك الّذي تسطو الّليالي بحدّه . . . وأنت يمينٌ إن سطا ، وشمال
لرتبته العظمى ، وإن طال عمره . . . إليك مصيرٌ واجب ومآل
تخالسك الّلحظ المصون ، ودونها . . . حجابٌ شريف لا انقضى وحجال
(3/251)

"""""" صفحة رقم 252 """"""
فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام .
قال عمارة : ودخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام ، فناولني رقعة فيها بيتان من شعره وهما :
نحن في غفلةٍ ونومٍ وللمو . . . ت عيونٌ يقظانةٌ لا تنام
قد رحلنا إلى الحمام سنيناً . . . ليت شعري ، متى يكون الحمام
فكان آخر عهدي به .
ومما رثاه عمارة به قوله :
أفي أهل ذا النّادي عليمٌ أُسائله . . . فإني ، لما بي ، ذاهب العقل ذاهله
سمعت حديثاً أحسد الصّمّ عنده . . . ويذهل واعيه ، ويخرس قائله
فقد رابني من شاهد الحال أنّني . . . أرى الدّست منصوباً وما فيه كافله وأنّى أرى فوق الوجوه كآبةً . . . تدلّ على أنّ الوجوه ثواكله
دعوني ، فما هذا بوقت بكائه . . . سيأتيكم طلّ البكاء ووابله
ولم لا نبكّيه ونندب فقده . . . وأولادنا أيتامه وأرامله
أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم . . . فيسكن ، أم تطوى ببينٍ مراحله
فيا ليت شعري بعد حسن فعاله . . . وقد غاب عنّا ، ما بنا الدّهر فاعله
قال عمارة : وكانت أحوال الصالح تارةً له وتارةً عليه ؛ فما هو عليه فرط العصبية في المذهب ، وجمع المال واحتجانه ، والميل على الجند وإضعافهم والقص من أطرافهم . وأما التي له فلم تكن مجالس أنسه تنقضي إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية ، وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته . وكان مرتاضاً قد سمر أطراف المعالي وتميز عن أخلاق الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجردة .
(3/252)

"""""" صفحة رقم 253 """"""
وكان شاعراً يحب الأدب وأهله ، ويكثر من جليسه ، ويبسط من أنيسه . وكان كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنف كتاباً سماه : الاعتماد في الرد على أهل العناد . وله قصيدة سماها : الجوهرية في الرد على القدرية ولما مات الصالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس في مرتبة أبيه ، وبعث إلى العمة ست القصور من أهل القصور فسلمت إليه ، فخنقها بمنديل ورميت قدامه ، فبعثت السيدة العمة أختها إلى سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء ، صهر الصالح ، وحلفت له أنها لم تدر ما جرى على الصالح وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة . وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزيك بن الصالح فخلع عليه الوزارة ، فإن الصالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبي الهيجاء الكردي مدبر أمره ، ونعت بالسيد الأجل مجد الإسلام الملك العادل الناصر أمير الجيوش ؛ وفسح له في أخذ من ارتاب به في قتل أبي ، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الذي شغل الصالح بالحديث .
واستحسن الناس سيرته ، وسامح الناس بما عليهم من البواقي الثابتة في الدواوين . وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة ، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين ؛ وسير على يد الأمير محمد بن شمس الخلافة نحواً من خمسة عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم ، أمير الحرمين ، برسم إطلاق الحاج . وظفر بقتلة أبيه ظفراً عجيباً بعد تشتتهم في البلاد .
(3/253)

"""""" صفحة رقم 254 """"""
وكان زفاف أخته إلى العاضد في وزارته فحمل معها بيوت الأموال . ونقل تابوت أبيه إلى القرافة .
وسير إلى والي الإسكندرية بحمل عبد الرحيم بن علي البيساني ، الملقب بالقاضي الفاضل ، واستخدمه بين يديه في ديوان الجيش .
وترامت الحال في أيامه بالأمير عز الدين حسام ، قريبه ، وعظم صيته ، واستولى على تدبير كثير من أموره ، وعظم غلمان أبيه . وكان فارساً شجاعا ، له مواقف معروفة .
وكان أبوه الصالح قد ولى شاور بن مجير بن نزار السعدي قوص ، ثم ندم على ولايته وأراد عوده من الطريق ، ففاته ، وحصل بها ؛ وطلب منه في كل شهر أربعمائة دينار ، وقال لا بد لقوص من وال ، وأنا ذلك ؛ والله لا أدخل القاهرة ، ومتى صرفني دخلت النوبة . فتركه .
ولما جرح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات ، إحداها ولاية شاور الصعيد الأعلى ، والثانية بناء الجامع على باب زويلة ، فإنه مضرة على القاهرة ، والثالثة خروجي بالعساكر إلى بلبيس وتأخيري إرسالها إلى بلاد الفرنج ؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتي ألف دينار .
وأوصى ابنه رزيك ألا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا تأمن عصيانه والخروج عليك . فلما استمر رزيك بن الصالح في الوزارة حسنت له بطانته صرف شاور عن قوص ليتم الأمر له ، وأشار عليه سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء بإبقائه ، فقال ما أنا آبي ولا لي طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطي . فقيل له : ما يدخل أبداً . فلم يقبل ، وخلع على الأمير نصير الدين شيخ الدولة ابن الرفعة بولاية قوص .
(3/254)

"""""" صفحة رقم 255 """"""
فيما خرج ملك النوبة إلى أسوان في اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين عالما عظيماً . فيها مات بالقاهرة ، في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من رجب ، القاضي أبو الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الصويبي ؛ وصويب قبيلة بن جذام . ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ، وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم ، وتولى خزانة الكتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وولي قضاء فوة وعملها في محرم سنة سبع وأربعين .
ومات بالصعيد كنز الدولة أبو الطليق يوسف ، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه أبو العز فتوح في حادي عشر محرم .
(3/255)

"""""" صفحة رقم 256 """"""
سنة سبع وخسمين وخمسمائة
في عاشر المحرم أفرج العادل رزيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصالح ابن رزيك في ثالث عشري ربيع الأول سنة تسع وأربعين ، وهم صبح بن شاهنشاه ، وأسد الغاوي ومرتفع الظهير .
وفيها أنشأ الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام .
وفي آخر ذي القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزيك . وذلك أن الأمير نصير الدين لما خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتاباً إلى شاور بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة . فلما وصل إلى إخميم كتب كتاباً إلى شاور وفي طيه كتاب رزيك ، فلما وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر ، قولاً واحداً ، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان .
(3/256)

"""""" صفحة رقم 257 """"""
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
فيها زالت دولة بني رزيك . وذلك أن مماليك الصالح وغلمانه ، مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار ، اشتد ظلمهم ؛ وكان الصالح قد قدمهم حتى صار لكل منهم نحو المائتي مملوك ، وطغوا في أيام رزيك حتى ضج الناس منهم . وقال بعضهم :
أمنتم يا بني رزّيك جهلا . . . فذاك الأمر يتبعه الأماني
أباد الله دولتكم سريعا . . . فقد ثقلت على كتف الزّمان
وكان شاور بن مجير السعدي لما بلغه أن الناصر رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك عزله عن ولاية قوص وولي غيره اضطرب وخرج من قوص في جماعة قليلة ، فسار على طريق الواحات في البراري حتى صار في تروجة ، فاجتمع عليه الناس وقوي أمره وتزايد . فاهتم لذلك رزيك ورأى في منامه وكأنه قد صار رواسا في حانوت ؛ فلما قص هذه الرؤيا على حسين بن أبي الهيجاء نظر عابرا ، كان تاجرا حاذقاً ، يعرف بابن الأرتاحي ، وأخبره بما رأى ، فغالطه في التفسير ، وفهم ذلك حسين . فلما خرج ألزمه أن يصدقه بتأويله ما رآه رزيك ، فقال يا مولاي القمر عندنا هو الوزير كما أن الشمس الخليفة ، والحنش المستدير عليه جيش مصحف ، وكونه رواساً أقلبها تجدها شاورا مصحفاً ؛ وما وقع لي غير هذا . فقال اكتم هذا عن الناس . وأخذ حسين يحتاط لنفسه ، وتجهز إلى الحجاز .
(3/257)

"""""" صفحة رقم 258 """"""
فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة . فوقع الصائح في بني رزيك ، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس ، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء ، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام ، ويحيى بن الخياط وبنو الحاجب ونظراؤهم ، وصاروا إلى شاور . فأسقط في أيدي العسكر الباقي مع بني رزيك .
وكان أول من نجا بنفسه حسين بن أبي الهيجاء ، خرج فارا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام ، فأجاره وحمله من أيلة في البحر إلى المدينة النبوية ؛ فجاور بها مدة ومات ، فدفن بالبقيع .
ولما فر حسين فت ذلك في عضد رزيك ولم يثبت ، وخرج رزيك من القاهرة في نصف المحرم ومعه جماعة من غلمانه وعدة بغال موقرة من المال والجواهر والثياب الخاص . وتحير فلم يدر أين يذهب ، فوقع بظاهر إطفيح عند مقدم العرب سليمان بن الفيض ، فأخذه وكل ما معه .
ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير ، ومعه أولاده طي وشجاع والطاري ، فنزل دار سعيد السعداء ، وأحضر إليه ابن الفيض رزيك مكبلا ، فاعتقله وأخاه جلال الإسلام . فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاوراً أن أخاه طلب مبرداً من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذي في رجليه ليهرب ، فدخلوا إليه وقتلوه . ومولده في ذي القعدة سنة ثلاث ، أو اثنتين ، وخمسمائة . وأنفقوا على أخيه لهذه النصيحة ، وبقي من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات . وقيل إن هذا كان من فعلات طي بن شاور وحشمه حتى قتل العادل . وكان سليمان بن الفيض من لخم ؛ وهو ممن أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وخوله في نعم جمة ، فلم يرع يداً ، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور ، ونهب أصحابه ماله . فلما قدم به عليه قال يا سليمان ، لقد خبأك الصالح ذخيرةً لولده حين استجار بك
(3/258)

"""""" صفحة رقم 259 """"""
فأسلمته لي ، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدي . ثم أمر به فشنق .
وانقطع بنو رزيك ؛ وبزوالهم زالت الدولة . فكانت مدة بني رزيك في الوزارة تسع سنين وشهراً وأياماً .
وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته في يوم الأحد ثاني عشري المحرم . ولما استقر في الوزارة تلقب بأمير الجيوش . وانثالت عليه على ولده طي أموال بني رزيك وودائعهم من عند الناس ، حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده ، فظفر هو من أموالهم سوى السلاح والكراع وغيره ، وسوى ما أخذه أولاده ، بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا . فبعث بذلك كله مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان ، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون : لفلان قدحان ذهباً ولفلان ثلاثة أقداح . وزاد تمكنهم له حتى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر ؛ ونهبوا غلات الحوف ، واستخفوا المقطعين ؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضداً ورداء .
وكان الصالح بن رزيك قد قرر للفرنج في كل سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم ، فوافت رسلهم تطلب ذلك . ولما قتل رزيك بن الصالح في رمضان قدمت رأسه في طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة ، فقال في ذلك الفقيه عمارة :
أعزز عليّ أبا شجاع أن أرى . . . ذاك الجبين مضرّجا بدمائه
ما قلبته سوى رجالٍ قلّبوا . . . أيديهم من قبل في نعمائه
وجلس شاور بعد قتل الناصر رزيك بن الصالح بدار الذهب ، وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك ، وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخياط أسفهسلار العسكر ، وغيرهما ؛ فقال عمارة :
(3/259)

"""""" صفحة رقم 260 """"""
زالت ليالي بني رزّيك وانصرمت . . . والحمد والذّمّ فيها غير منصرم
كأنّ صالحهم يوماً وعادلهم . . . في صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم
هم حرّكوها عليهم وهي ساكنةٌ . . . والسلم قد تنبت الأوراق في السّلم
كنّا نظنّ ، وبعض الظّنّ مأثمةٌ . . . بأنّ ذلك جمعٌ غير منهزم
فمذ وقعت وقوع النّسر خانهم . . . من كان مجتمعاً من ذلك الرّخم
ولم يكونوا عدوّاً ذلّ جانبه . . . وإنمّا غرقوا من سيلك العرم
وما قصدت بتعظيمي عداك سوى . . . تعظيم شأنك ، فاعذرني ولا تلم
ولو شكرت لياليهم محافظةً . . . لعهدها لم يكن بالعهد من قدم
ولو فتحت فمي يوماً بذمّهم . . . لم يرض فضلك إلاّ أن يسدّ فمي
والله يأمر بالاحسان عارفة . . . منه وينهى عن الفحشاء في الكلم
فشكر شاور عمارة على الوفاء لبني رزيك ، ونقم عليه ضرغام قوله : فمذ وقعت . . . البيت ، وكان يقول له : نحن عندك من الرخم .
ثم إن شاور جهز الخلع إلى العادل نور الدين بالشام ، فلبسها يوم الاثنين ثاني عشري رمضان ، وقبض المال المسير إليه .
وكتب للأجناد والعرب وحواشي القصر من الرواتب والزيادات نظير مالهم عشر مرات ، وهو غير ظاهر للناس والأبواب مغلقة عليه خيفة . وذلك أن الصالح بن رزيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقية ، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدمهم ، ثم صار صاحب الباب ؛ فطمع في شاور ، وكان فارساً كاتباً ، فجمع رفقته ؛ وتخوف منه شاور . وصار العسكر فرقتين : ضرغام ومن معه فرقة ، وحرب ومن معه حزب . فأما ضرغام فأظهر المباينة ، وأما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور وعاشروه ولازموه .
(3/260)

"""""" صفحة رقم 261 """"""
فلما كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري رمضان وقد جمع له ، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طي بن شاور ، وهو أكبر أولاده ، وقتل أخوه سليمان الطاري وهو الأصغر ، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاماً ليد كانت له عنده . وكان بين قتل طي بن شاور وقتل العادل رزيك نيف وثلاثون يوماً . وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشي ، وقد كان رفيقاً له إذ ذاك ، وذلك أول شوال ، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه ، وذهب جميع ما نالوه من مال بني رزيك . وقتل الكامل علي بين القصرين وتركت جثته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسان تربية شاور . فكانت وزارته تسعة أشهر .
وكانت أخلاق شاور في وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة ، ولم يكن فيها أقبح من قتل رزيك بن الصالح فإنها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره . وكان كرمه إليه المنتهى ، وشدة بأسه في مواطن الحرب شهيرة ؛ وكان شديد الثبات كثير الوثبات . ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلة كانت تحمل على رأسه ، وتحكم على أبيه ، وترفع على الأمراء وعسفهم .
ولما فر شاور ونزل بفاقوس عند بني منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقب بالملك المنصور ، في سابع عشري رمضان ، فشكر الناس سيرته ، فإنه كان فارس عصره ، كاتباً ، جميل الصورة ، فكه المحاضرة ، عاقلا كريماً ، لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه . إلا أنه كان أذناً متخيلا على أصحابه ، وإذا ظن بإنسان شراً جعل الشك يقيناً . وكان في وزارته مغلوباً مع أخويه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام .
وقيل إن ملهماً وضرغاماً لما علما تغير الناس على شاور وأولاده أخذا في مراسلة رزيك في سجنه وإفساد الناس له ؛ فبلغ الخبر طي بن شاور ، فدخل إليه وقال : بلغني أن ملهماً
(3/261)

"""""" صفحة رقم 262 """"""
وضرغاماً قد تحدثا لرزيك في الأمر وقد حلفا له جماعةً من الأمراء ، وأنت غافل عن هذا الأمر . فقال له شاور : اسكن ولا تعجل ؛ أنا أكشف عن هذا ، فإذا تحققته حكمته . فقال : لا غنى بي عن قتل رزيك فإني إذا قتلته أمنت . فقال له شاور : لا يمكن قتله فإنه أولاني جميلا بسببه صرت في هذا المحل . فمضى طي إلى رزيك وقتله ؛ فقامت قيامة شاور . وبلغ ذلك ضرغاماً فثار وأثار من خلفه وقرر معهم أمر رزيك وزحف بهم ، فانهزم شاور . فكان في هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم : رزيك بن الصالح بن رزيك ، وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي أبو الأشبال .
وفيها اختلت الدولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولي الرأي فيها .
فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير . وورد الخبر في ثاني شوال بوصولهم إلى فاقوس ؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماماً ، وكان شجاعاً ، فالتقى معهم وحاربهم ، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقاً . وكان شاور قد انضم إلى بني منصور لأنه من فخذهم ، وكان قائماً على كوم عال . ثم إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس في شوال وملكوا بعض السور فردهم عنه همام وبنو كنانة . وتفرق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كل من ظفروا به . وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدة ، ورجع الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطوري من أكابر الأمراء .
فلما صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه في الوزارة ، كل منهما يوقع ويقطع ، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنه نهب .
وفيها ولي الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص الإسكندرية برجاء إبعاده عنه ، فلما صار إليها ظفر بقوم رتبهم ضرغام لقتاله ، فتأكدت الوحشة بينهما ، وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك .
وفيها قدم شاور دمشق في ذي القعدة وترامى على نور الدين ، فبعث الوزير ضرغام إليه
(3/262)

"""""" صفحة رقم 263 """"""
بعلم الملك ابن النحاس بأن يقبض على شاور ، فأجاب في الظاهر وأضمر غير ذلك .
وفيها قتل ضرغام عدة من الأمراء في دعوة جمعهم فيها ، وأعد لهم من خرج على الجميع وقتلهم في داره .
وكان قاع النيل خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعاً ، وبلغ أربع عشرة ذراعاً وثماني أصابع .
(3/263)

"""""" صفحة رقم 264 """"""
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
فيها وصل رسل الفرنج في طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل عنهم بقدوم شاور .
وفي ثامن عشر ربيع الأول قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد الغاوي وعلي بن الزبد في عدة تبلغ نحو السبعين من الأمراء سوى أتباعهم ؛ وذلك أنه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاوراً ووعدوه القيام معه . ثم أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم ؛ فاختلت الدولة بقتل رجالها وذهاب فرسانها . وفيها وجه ضرغام بأخيه ناصر الدين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير مرتفع ابن مجلي المعروف بالخلواص ، متولي الإسكندرية ، وقد جمع وسار ؛ فعندما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقية فتروا عن القيام معه وطمعوا فيه ، ووثب به قوم من بني سنبس وقبضوا عليه ، وأتوا به إلى همام ، فقدم به إلى القاهرة ، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب زويلة ؛ فنفرت القلوب من ضرغام .
وكان شاور قد وصل في ثالث عشري ذي القعدة من السنة الماضية إلى دمشق مترامياً على السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، مستجيراً به على ضرغام ، فأكرم مثواه وأحسن إليه ، فتحدث مع السلطان في أن يرسل معه العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر ، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر ، ويتصرف هو بأوامر نور الدين واختياره . فبقي نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى ، فتارةً يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادةً في ملكه وتقويةً له على الفرنج ؛ وتارة يخشى خطر الطريق وكون الفرنج فيه ،
(3/264)

"""""" صفحة رقم 265 """"""
ويخاف من شاور أنه إذا استقرت قدمه في مصر خاس في قوله ويخلف بما وعد . ثم قوي عزمه على إرسال الجيوش ، فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها .
واتفق أن الواعظ زين الدين بن نجا الأنصاري سمع بسعة أرزاق مصر فقدم إليها في وزارة الصالح ابن رزيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه ومما أخذه له من العاضد في ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار ، وسوغه عدة دور بتوقيع . فسمع بالزاهد أبي عمرو ابن مرزوق يتحدث الناس عنه بأنه مهما قاله لهم وقع ، وأنه يركب كل سنة في نصف شعبان حماراً له ويأتي معه جماعة إلى ذيل الجبل ويودعونه ويمضون ، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل ؛ ويلقاه الناس في الليلة الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد ، ويركب حماره ، والناس تحته ، وينتظر ، وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمع الناس في الأسطحة والدكاكين والطرقات ، والشيخ يعمل الختمات . فوصل إليه وأقام حتى انفض الناس ، فخلا به وتعرف إليه ؛ فكان مما قال له : أتعرف بالشام أحداً يقال له شيركوه . فقال : نعم ، أمير من أمراء نور الدين . فقال : هذا يأتي إلى هذه البلاد ويملكها ، وكل ما تراه من هذه الدولة يزول حتى لا يبقى له أثر عن قرب . وانصرف ابن نجا عن الشيخ أبي عمرو وقد تعجب من قوله .
فلما قضى أربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين وحكى له قول الشيخ أبي عمرو ؛ فقال له : لا تخبر أحداً بذلك . ومضى اليوم وما بعده ، إلى أن قدم شاور على السلطان نور الدين وقوي عزمه على تجهيز العساكر معه ؛ فوقع اختيار السلطان على الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان ، أحد أمرائه ، فاستدعاه من حلب ، فوصل إلى دمشق مستهل رجب منها ، وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور ،
(3/265)

"""""" صفحة رقم 266 """"""
فامتنع وقال : لا ، أمشي بألف فارس ، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شيني فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء ، وهم مستوطنون في أوطانهم قريبة منهم خزائنهم ، ونأتي نحن من تعب السفر بهذه العدة القليلة . فتركه وأرسل إلى ابن نجا ، فلما جاء قال له : حديث الرجل الزاهد الذي بمصر أخبرت به أحداً ؟ فقال : معاذ الله ؛ والله ما سمعه مني أحد سوى السلطان . فقال : امض إلى أسد الدين شيركوه واحك له الخبر . فمضى إلى شيركوه وقص عليه الحديث بنصه ، فطابت نفسه للسفر .
وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى ، وقد أقر نور الدين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن ثار عليه . وخرج نور الدين إلى أطراف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين ؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدين ويحفظوا بلادهم . وأخذ شيركوه في سيره إلى مصر على شرقي الشوبك حتى نزل أيلة ، وسار منها إلى السويس ؛ فلم يدر ضرغام ، وقد وصل إليه رسل الفرنج في طلب مال الهدنة المقرر لهم في كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ويماطلون ، إلا بطيور البطائق قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدين ، متولي بلبيس ، في يوم الأحد
(3/266)

"""""" صفحة رقم 267 """"""
خامس عشري جمادى الأولى ، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدين شيركوة ومعهما من الأتراك خلق كثير ؛ فانزعج وتأهب لتسيير العسكر . وأصبح الناس يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم ، فخافوا على أنفسهم وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء .
وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أول يوم من جمادى الآخرة ، وهم نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدروع الثمينة والسلاح العجيب ، وقد أعجبوا بأنفسهم واطمأنوا بأنهم ظافرون . فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه ، فوافاهم شاور بالعسكر الشامي يوم الاثنين ، فباتوا ليلة الثلاثاء ، وأصبحوا وقد توهم منهم أسد الدين شيركوه وقال لشاور : يا هذا لقد غررتنا وقلت إنه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشرذمة . فقال : لا يهولنك ما تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاحون يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا ؛ فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب . وأما الأمراء فإن كتبهم وعهودهم معي ؛ وسترى إذا التقينا ، لكني أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد .
فلما ترتبوا نهاهم عن القتال ، فتحرك المصريون وتأهبوا وأقاموا حتى حمى النهار ، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحداً يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم وأقاموا الخيم ، وألقى بعضهم السلاح . فلما عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم ، فثار المصريون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر الشامي ؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحداً من عسكره ، فكان أشجعهم من يصير على ظهر فرسه . وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس ، وغنم العسكر الشامي جميع ما كان معهم ، فقووا به ، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم ، ثم منوا عليهم وسيروهم في جمعهم .
ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح ، واختفى الأمير حسام في مدينة بلبيس فدل عليه بعض الكنانية فأسر وقيد .
(3/267)

"""""" صفحة رقم 268 """"""
وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه ، فنزلوا عند التاج بظاهر القاهرة ، وانتشر العسكر في بلاد يريدون الأكل والعلف .
وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك ، فضمهم إليه ومعهم الريحانية والجيوشية وجعلهم في داخل القاهرة ؛ فأقام شاور بمن معه على التاج حتى استراحت خيولهم . ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ولا يسلمونه ، ولا ينهزمون إلا عن غلبة . ومع هذا فإن طوائف من العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطبالة ، وخرج أهل منية السيرج فقتلوا من الترك جماعة ، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالاً شديدا . وأقام شاور بمن معه في ناحية الخرقانية وشبرا دمنهور ، ثم سار من ناحية المقس يريد القاهرة ؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا
(3/268)

"""""" صفحة رقم 269 """"""
عليه ، فخاف من كان معه من الأمراء الذين كانوا مع همام أخي ضرغام ولحقوا بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة . فسر بذلك ضرغام ، وأحضر قاضي القضاة وأمره بحمل ما في مودع الحكم من مال الأيتام ؛ فحملها إليه .
وكان شاور لما انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرصد فملك ما هنالك ، وأخذ مدينة مصر وأقام بها أياماً ، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر الدولة وأولاد حسن ؛ فقيد شيركوه ابن شمس الخلافة دون الناس كلهم .
وكره الناس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء وغيرهم ، وعلموا عجزه عن شاور . وكان شاور يركب كل يوم في مصر ويؤمن أهلها ويمنع الأتراك من التعرض إليهم ، فمال الناس إليه . وبلغهم عن ضرغام أنه يتوعدهم إذا ظفر بشاور أنه يحرق مصر على أهلها من أجل أنهم أمكنوا شاوراً من دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه . فتحول شاور عن مصر ونزل اللوق ، وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالاً خفيفاً . وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة ، وطرحوا النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور . وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير .
فلما كان الليل اجتمع مقدموا الريحانية وفد فني منهم كثير ، وأرسلوا إلى شاور يطلبون الأمان وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم فأمنهم .
ولما رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرماة بالكف عن الرمي ، فخرج الرجال إلى شاور في الصباح ، فسر بهم . وفترت همة أهل القاهرة ، وأعمل كل منهم الحيلة في الخروج ؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة ، وجعلوا يترددون من باب إلى باب ، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبي الخليل وجماعة مذكورون ، فكانوا يطاردون من طاردهم . وأمر ضرغام بضرب البوقات والطبل على الأسوار
(3/269)

"""""" صفحة رقم 270 """"""
ليجتمع الناس ؛ فلم يخرج إليه أحد وانفل الناس عنه . فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرحبة من أبواب النصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس ، فوقف وطلب الخليفة أن يشرف عليهم من الطاق . فبلغ ذلك شاوراً فسرح في الحال ابنه سليمان الطاري إلى باب القنطرة ليملكه ويقف .
فلما طال وقوف ضرغام نادى : أريد أمير المؤمنين يكلمني لأسأله عما أفعل . فلم يجبه أحد . فصاح : يا مولانا كلمني ، يا مولانا أرني وجهك الكريم يا مولانا بحرمة أجدادك على الله ؛ وهو يبكي فلم يجبه أحد . وقويت الشمس فصار إلى الظل حتى قرب الظهر ، فأمر بعض غلمانه أن يركض في قصبة القاهرة ويقول بصوت عال : ما كانت إلا مكيدة على الرجال ، قد قتل الترك أصحاب شاور الريحانية . فما هو إلا أن سمع الناس ذلك وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كل جانب مثل السيل ، فرأوا ضرغاما على تلك الهيئة ، والطاق لم يفتح له والخليفة لم يكلمه ، فسقط في أيديهم وقالوا ارجعوا فهي كناية والغلبة لشاور ؛ ورجعوا من حيث أتوا .
فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارساً ، ووردت إليه رقعة فيها : خذ لنفسك وانج بها . فأيس من الظفر .
وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه في الدخول إلى القاهرة ؛ فأذن له . فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة ، وهو عند القنطرة ، فدخل وضربت أبواقه ، وكانت من أبواق الترك التي لم تعهد بمصر ، فما هو إلا أن علم به ضرغام ، فمر على وجهه إلى باب زويلة ، فتخطف الناس من معه ، وعطعطوا عليه ولعنوه . فأدركه بعض الشاميين في غلمان شاور وطعنه فأرداه ، ونزل إليه واحتز رأسه بالقرب من مشهد السيدة نفيسة ، وذلك قريباً من الجسر الأعظم ، في يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة . وفر ملهم إلى مسجد تبر ، فقتل هناك وترك مطروحاً ، وأتى برأسه إلى عند شاور . وقتل ناصر الدين
(3/270)

"""""" صفحة رقم 271 """"""
أخو ضرغام عند بركة الفيل ؛ وقتل فارس المسلمين . وبقى جسد ضرغام ملقىً يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها .
وكان من الاتفاق العجيب أن ابن شاور قتل في يوم الجمعة حادي عشري رمضان سنة ثمان وخمسين ، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع ؛ وقتل مع ابن شاور حسان ابن عمته فقتل مع ضرغام . . وكانت وزارة شاور الأولى تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر .
وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان ، يجيد اللعب بالكرة والرمي بالسهام ، ويكتب كتابة ابن مقلة ، وينظم الموشحات الجيدة ، كريما عاقلا ، يحب العلماء والأدباء ويقربهم ، إلا أنه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب خبراً عن عدو بل يعاقب سريعاً .
(3/271)

"""""" صفحة رقم 272 """"""
ولما جيء برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها ؛ فقال الفقيه عمارة :
أرى حنك الوزارة صار سيفاً . . . يحد بحدّه صيد الرّقاب
كأنّك رائد البلوى ، وإلاّ . . . بشيرٌ بالمنيّة والمصاب
فكان كما قال عمارة . وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام في مخيمهما بناحية المقس يومي السبت والأحد . فلما كان يوم الاثنين طلع الوزارة في ثالث شهر رجب ، وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم ، أخي ضرغام ، وكان معتقلاً بها ؛ وخرج معه القاضي الفاضل ، وكان معه في الاعتقال ، وقد تأكدت بينهما مودة ، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه ، فسماه حينئذ بالقاضي الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضي الأسعد .
وفرح العاضد بدخول شاور . ولما خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة ، وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة . وركب شيركوه إلى مصر ورآها ، وقصد الفقهاء مثل الكيزاني وابن حطيه ، واجتمع بالشيخ أبي عمرو بن مرزوق وأخبره
(3/272)

"""""" صفحة رقم 273 """"""
كما أخبر ابن نجا أنه يملك الديار المصرية ويزيل هذه الدولة ، لكنه لا يملكها إلا بعد أن يرجع إلى الشام ويأتيها ثانيا ، ثم يرجع ويعود إليها ثالث مرة وحينئذ يملكها . وسأله عن بيت المقدس فقال : لا يكون فتحه على يدك وإنما يكون فتحه على يد بعض من في خدمتك من أقاربك . وهكذا جرى ؛ فإن شيركوه لم يملك مصر إلا في مجيئه إلى القاهرة المرة الثالثة ، ولم يفتح بيت المقدس إلا على يد صلاح الدين يوسف بن أخي شيركوه .
وفي رابع رجب قرئ سجل شاور بالوزارة .
واستمر شيركوه في مخيمه ويخرج إليه في كل يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ومائتا قنطار خبزاً ومائتا إردب شعيراً . وأعد له العاضد ملبوساً وسريراً مرصعاً بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله ، وأمره بالدخول ليخلع عليه ، فامتنع . وأرسل إلى شاور يقول : قد طال مقامنا في الخيم وضجر العسكر من الحر والغبار ؛ ويستنجز منه ما وعد به السلطان نور الدين . فأرسل إليه ثلاثين ألف دينار وقال : ترحل الآن في أمن الله وحفظه . فبعث يقول له : إن الملك العادل نور الدين أوصاني عند انفصالي عنه إذا ملك شاور تكون مقيماً عنده ، ويكون لك ثلث مغل البلاد ، والثلث الآخر لشاور والعسكر ، والثلث الثالث
(3/273)

"""""" صفحة رقم 274 """"""
لصاحب القصر يصرفه في مصالحه . فأنكر شاور ذلك وقال : إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلي عادوا ؛ وقد سيرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضي نور الدين . فقال شيركوه : لا يمكنني مخالفة نور الدين ولا أنصرف إلا بإمضاء أمره .
فأخذ شاور عند ذلك يستعد لمحاربة شيركوه ، واستعد أيضا شيركوه ، وبعث بابن أخيه صلاح الدين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس . فغلق شاور أبواب القاهرة ، وتغلب صلاح الدين على الحوف ، وبث خيله ، وحاز الأموال والغلال . وتقدم إلى جزيرة قويسنا ، فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار الناس من الصعيد ؛ وثار ابن شاس ، والي جزيرة قويسنا ، على الترك وقاتلهم حتى هزمهم وغرق منهم جماعة . فعاد صلاح الدين إلى عمه شيركوه ، فتجهز ونزل بحري التاج .
وأخرج شاور خيمه وضربها في أرض الطبالة . فلما كان يوم الأربعاء الثالث والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه في كوم الريش ، فانكسر شاور إلى باب القنطرة ونهبت خيمه ، وأسر أخوه صبح وجوهر المأموني ؛ ودخل القاهرة فرمى بحجر من باب القنطرة
(3/274)

"""""" صفحة رقم 275 """"""
فدخل الكافوري مغشيا عليه .
وفي ذلك اليوم أحرق صف الخليج ، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة ؛ وبقي الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان . وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة بلبيس يوم السبت حادي عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها . ولما كان في خامس عشر ذي الحجة تقرر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ورهائن على صبح ، أخي شاور ، وعاد إلى دمشق . ورجع الفرنج .
وقدم شاور إلى القاهرة في سادس عشر ذي الحجة . فكان مقامه على بلبيس نيفاً وتسعين يوماً .
وأخرج شاور العساكر والحشود مما يلي البستان الكبير خارج باب الفتوح ، وزحف شاور ، فخرج إليه شيركوه وحاربه ، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم ، ووقعت نشابة في عين الطاري ، ابن شاور ، اليمني ، فبقي معه النصل مدة إلى أن قلعت وخرج منها بكلفة . فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها ، وحاصره شيركوه طول النهار .
(3/275)

"""""" صفحة رقم 276 """"""
فلما كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللؤلؤة ، كما فعل أولا ، واشتد الأمر ، وصار كل من يخرج من عسكر مصر يقتل . فركب شاور وخرج ثم عاد وقد ازدحم الناس على السور لتنظر إلى الحرب ، فسقطت شرفة من شرفات السور على ابن شاور وغشى عليه ، ودخلوا به إلى الكافوري وقد أيس منه ؛ فجاء رئيس الأطباء وعصر في أذنه حصرما فأفاق . وأتاه الشراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه .
واشتد قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه ، واحترقت الدور التي بجانبه من حارة زويلة . وانضم إليه بنو كنانة وكثير من عسكر المصريين . وبعث طائفة إلى حارة الريحانية وفتحوا ثغرة ، فكان هناك قتال شديد . فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج ، فتسارع الصبيان وغيرهم إلى الثغرة وقاتلوا الترك والكنانية حتى أوصلوهم إلى منازلهم ، وسدوا الثغرة .
وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم بزيادة القطيعة التي لهم ، فامتنع ملكهم وقال لا يأتي إلا بأمر الخليفة وأما من الوزراء فلا يقبل فلما تحقق شاور أنه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مري ملك الفرنج بالساحل يستنجده ويخوفه من تمكن عسكر نور الدين من مصر ، ويقول له متى استقروا في البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا ؛ وضمن له مالاً وعلفاً ، ويقال إنه جعل له عن كل مرحلة يسيرها ألف دينار ؛ وسير إليه بذلك مع ظهير الدين بدران . فسر الفرنج بذلك وطمعوا في ملك مصر .
(3/276)

"""""" صفحة رقم 277 """"""
وخرج مري من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار .
فلما بلغ شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعد له ابن أخيه من الغلال وغيرها ، وانضم معه الكنانية ، فخرج شاور في عسكر مصر ، فاجتمع بالفرنج وخيم على بلبيس وأحاط بها ، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر . وانقطعت الأخبار عن نور الدين ، وبلغه سير الفرنج إلى مصر .
وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعيناً بهم . فبينا الفرنج في محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدين لحارم ومسيره إلى بانياس ، فسقط في أيديهم وعولوا على الرجوع إلى بلادهم . فراسلوا شيركوه في طلب الصلح وعوده إلى الشام وتسليم ما بيده إلى المصريين . فأجاب إلى ذلك . وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمد ابن مختار إلى شيركوه ، فقرر معه الصلح على ثلاثين ألفاً فحملها إليه . وكانت الأقوات قد قلت عنده ، وقتل من أصحابه جماعة . وأبطأت نجدة نور الدين فلم يأته منه أحد . وخرج من بلبيس أول ذي الحجة .
(3/277)

"""""" صفحة رقم 278 """"""
وممن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان ، صاحب صرخد ، بسهم أصابه ، فأنشد وهو يجود بنفسه :
يا مصر ، ما كنت في بالي ولا خلدي . . . ولا خطرت بأوهامي وأفكاري
لكن إذا قالت الأقدار كان لها . . . قوىً تؤلف بين الماء والنّار
وقتل من الكنانية عالم عظيم . وحصل للفرنج من شاور أموال جمة ، فإنه كان يعطيهم عن كل يوم ألف دينار .
وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق ، فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة .
فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل ، المعروف بالقاضي المفضل ضياء الدين بن كامل الصوري ، عن قضاء القضاة ، وولي مكانه القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة ، المعروف بالعوريس .
(3/278)

"""""" صفحة رقم 279 """"""
سنة ستين وخمسمائة
فيها ركب البرنس أرناط ، صاحب الكرك والشوبك ، البحر إلى عسقلان وخرج منها إلى الكرك ، وجمع عسكره وأقام ينتظر شيركوه ؛ فعلم بذلك شيركوه ، فمر من خلف الموضع الذي فيه أرناط ، فلم يعلم به ونجا وأمن منه . ووصل إلى دمشق فضعف أمر عسكر مصر عند نور الدين وهون عليه أمرهم ، وحرضه على قصدهم ، وأكثر من التحدث في أمر مصر .
وفيها عاد شاور إلى القاهرة ؛ وخرج يحيى بن الخياط على شاور وحشد ونزل الجيزة يوم الأربعاء بعد أن حاصر الكامل بن شاور في طنبدي ، ورحل عن الجيزة ، فكسروا يوم السبت سابع عشر صفر . وقبض شاور على ابن فحل ابن أبي كامل وقتلا ليلة الاثنين تاسع عشره . وتتبع من كان يكاتب شيركوه أو يواده ؛ وتشدد في طلب أصحاب ضرغام . وكان قد استفسد جماعةً من أصحاب شيركوه ، منهم خشترين الكردي فأقطعه شطنوف .
(3/279)

"""""" صفحة رقم 280 """"""
وفيها فر الشريف المحنك من شاور ولحق بنور الدين . وذلك أنه كان بعثه ضرغام إلى نور الدين في صرف رأيه عن نجدة شاور فوجد نور الدين مائلاً معه لأمور ، منها : أنه تقرب إليه بذم مذهب الفاطميين ، ووعده ملك مصر ، وعرض له الأموال الكثيرة ؛ فبالغ الشريف في الحط على شاور مع نور الدين ، فأنفذه إليه . فلما اجتمعا عتبه شاور على ما كان منه ، وقال له : أنت تعلم أيها الشريف أن سبب قيامي على آل رزيك إنما كان لأجل ضرغام وإخوته من الأمراء واتبعت غرضهم فيما نقموه على ابن الصالح ؛ ولما حصلت بالقاهرة رفعت من أقدارهم وزدت في أرزاقهم ، وبلغتهم أمانيهم ، فلم يكن لهم إلا إزالتي ثم قتلهم أولادي ونهب أموالي وتشتت جماعتي ، وما زال السيف في خاصتي وغلماني ؛ فهل تعلم لي ديناً إليهم ؟ فقال له الشريف : أنت تعلم أيها الأمير أن ابنك طياً كان قد تعدى طوره وتجاوز حده حتى تعاظم عليك ونفذ أمره دون أمرك ؛ وأنه بعد قتل رزيك بن الصالح أطلق لسانه في الأمراء ومد يده إلى أموالهم ونسائهم ، وبهتهم في المجالس ، وصاح عليهم في المواكب حتى حقدوا عليه ، وشكوه إليك فلم تشكهم ؛ وعامل أصحابك وغلمانك الناس بكل قبيح فمالت عنك قلوب الخاصة والعامة . فسكت عنه ، وما زال في نفسه منه حتى تمكن من البلاد فأخذ يتطلبه ، ففر منه .
(3/280)

"""""" صفحة رقم 281 """"""
سنة احدى وستين وخمسمائة
في أول المحرم مات الأمير هوشات . وفي ثالثه مات القاضي الجليس عبد العزيز ابن الحباب .
(3/281)

"""""" صفحة رقم 282 """"""
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
فيها جهز الملك العادل نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه من دمشق لقصد ديار مصر في جيش قوي ، ومعه جماعة من الأمراء ، وكان كارهاً لمسير شيركوه لكثرة ما رأى من حرصه على السفر . فرحل يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول ، وشيعه السلطان إلى أطراف البلاد خوفاً من مضرة الفرنج ، فسار على ميمنة بلاد الفرنج . وبعث مري ملك الفرنج إلى شاور يخبره بمسير شيركوه بالعسكر إلى مصر ، فأجابه يلتمس منه نجدته ، وأن المقرر من المال يحمل إليه على ما كان يحمل في السنة الماضية .
فسار مري بعساكره ، وقد طمع في البلاد ، على الساحل حتى نزل بلبيس ، فخرج إليه شاور ، وأقاموا في انتظار شيركوه . فبلغه ذلك ، فنكب عن الطريق وهبط في يوم السبت خامس ربيع الآخر من وادي الغزلان إلى أسكر ، وخرج إلى إطفيح قبلي مصر فشن الغارة هناك .
واتصل الخبر بشاور ، فرحل هو والفرنج يريدونه . ونزل شاور والفرنج بركة الحبش
(3/282)

"""""" صفحة رقم 283 """"""
في يوم الأحد سادس جمادى الآخرة ، وتوجه في يوم الثلاثاء منه إلى دير الجميزة ، فاندفع سائراً في بلاد الصعيد حتى بلغ شرونه ، وعدى منها إلى البر الغربي . وأدرك شاور ساقته فأوقع بهم ، وعدى بعساكره وجموع الفرنج . ونزل شيركوه بالجيزة في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة تجاه مدينة مصر وأقام بها بضعاً وخمسين يوماً . وبعث الشريف أبا عبد الله الملقب بالرضي ، ابن الشريف المحنك إلى الطلحيين والقرشيين يستفزهم ويدعوهم إليه ، وكان قد بلغه أن شاوراً أساء إليهم ، فأتوه مسرعين .
وبعث إلى شاور بأني أحلف لك أني لا أقيم ببلاد مصر ولا يؤذيك أحد من أصحابي ، وأكون أنا وأنت على الفرنج وننتهز فيهم فرصةً قد أمكنت وما أظن أن يتفق للإسلام مثلها كثيراً . فأبى شاور من قبول ذلك . والتجأ شيركوه إلى دلجة ، ونزل شاور في اللوق والمقس ظاهر القاهرة ، وأنشأ الجسر بين الجيزة والجزيرة ، وشحن المراكب والرجال لتسير من خلف عسكر شيركوه .
وكتب شيركوه إلى الإسكندرية يستنجد بها على الفرنج وشاور ، فقاموا معه وأمروا عليهم رجلاً يعرف بنجم الدين بن مصال ، من ولد الوزير ؛ فكتبوا إليه أنهم يمدونه بالسلاح والحديد ، وجهزوا إليه خزانة من السلاح مع ابن أخت الفقيه ابن عوف . فأتاه الخبر بقرب شاور فلم يثبت ، وترك خيامه وأثقاله ، وسار سيراً حثيثاً ونزل قدر ما أطعم دوابه ، ورحل من الليل فسار غير بعيد ، ثم نادى في عسكره بالرجوع ، فعاد إلى دلجة .
وسار شاور والفرنج في طلب شيركوه ، فنزلوا الأشمونين وتبعوا شيركوه ، فأمر شيركوه أصحابه بالتعبئة . فما طلع ضوء الصباح حتى أشرفت عساكر شاور وجموع الفرنج في عدد كبير ، فقدم شاور طائفة فحملت على أصحاب شيركوه ، وانهزم منها عز الدين
(3/283)

"""""" صفحة رقم 284 """"""
الجاولي من أصحابه فلم ينزل إلا بالإسكندرية ، وتفرق منهم عدد ؛ فولي شيركوه وقد قتل من أصحابه جماعة وقتل من أهل الإسكندرية كثير . وكان سبب الخلل في عسكر شيركوه أنه فرق أصحابه فرقتين ، فرقة معه وفرقة مع ابن أخيه صلاح الدين يوسف .
ثم إنهم تجمعوا وقت الظهر ووطنوا أنفسهم على الموت ، وحملوا على شاور ومن معه فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة ، وأبلى يومئذ صلاح الدين يوسف بلاءً حسنا وحمل حملات فرق بها الجموع وبدد شملها . وحمل شاور على عسكر شيركوه فكسر القلب ، فتلاحقت الميمنة بمن كان في القلب ؛ واستمر القتال حتى حال بين الفريقين الليل ، فانهزم كثير من الفرنج وقتل منهم كثير ، وكاد ملكهم أن يؤخذ ، ووقع في قبضة شيركوه وأصحابه نحو السبعين أسراً .
وبات الفريقات وقد تبين الوهن في الفرنج ، فسار شاور بمن معه إلى منية بني خصيب .
وكانت هذه الواقعة في موضع يعرف بالبابين ، بالقرب من الأشمونين ، في يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة .
ثم إن شيركوه سار بأصحابه على طريق الفيوم إلى الإسكندرية وانتهب البحيرة ، وأخذ عسكره غلالها ومواشيها ؛ فخدمه ابن الزبير ، متولي ديوان الإسكندرية ، وحمل إليه الأموال وقواه بالسلاح ؛ وأقام متخوفاً من مسير شاور إليه ، فترك بالإسكندرية صلاح الدين يوسف وخرج إلى الصعيد وجبى أموال البلاد . فخرج شاور ونزل على الإسكندرية وحاصرها أشد حصار مدة ثلاثة أشهر ، ومنع عنها الميرة ، فقلت بها الأقوات . هذا وشيركوه في جباية أموال الصعيد وأخذ غلاله .
(3/284)

"""""" صفحة رقم 285 """"""
ودخل عليه شهر رمضان ، فلما أتمه وأهل شوال بلغه ما نزل بالإسكندرية وأهلها من البلاء وقلة الأقوات ، وأنها قد قاربت أن تؤخذ ، فسار من قوص ونزل على مصر يوم الخميس ثامن شوال . فبلغ شاور أن شيركوه حاصر مصر ، فرحل من الإسكندرية ، وأرسل شيركوه إلى صلاح الدين يأمره بتقرير الصلح ؛ ورحل عن مصر إلى الشام . فبعث إلى ملك الفرنج يلتمس منه ذلك ، فأجابه إليه ، وقرر مع شاور أنه يحمل إلى شيركوه جميع ما غرم في هذه السفرة ، ويعطي الفرنج ثلاثين ألف دينار ، ويعود كل منهم إلى بلاده . ووقع الحلف بالأيمان المؤكدة على ذلك .
فلما تقرر الصلح أرسل صلاح الدين إلى ملك الفرنج يقول إن لي أصحاباً منهم القوي ومنهم الضعيف ، فأما القوي فإنه يتبعنا في البر ، وأما الضعيف فإنه يسير في البحر فنريد لهم مراكب . فأنفذ إليه عدة مراكب خرج فيها أصحابه .
وخرج صلاح الدين من الإسكندرية واجتمع بعمه أسد الدين شيركوه . ودخل شاور البلد ، وجاءه مشايخ البلد للسلام عليه ، ومري ملك الفرنج جالس معه ، فلم ينظر شاور إلى الجماعة ولا أكرمهم ، ولا أذن لهم في الجلوس ، لأنهم كانوا قاتلوه قتالاً شديداً ، فنقم عليهم ذلك . فقال له مري : أكرم قسسك . فأذن لهم في الجلوس وعاتبهم على ما فعلوا من القتال وإظهار المخالفة . فسكتوا . وكان فيهم الفقيه شمس الإسلام أبو القاسم مخلوف بن علي
(3/285)

"""""" صفحة رقم 286 """"""
المالكي ، المعروف بابن جاره ، شيخ الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر ، فقال له : نحن نقاتل كل من جاء تحت الصليب كائناً من كان . فقال له مري : وحق ديني لقد صدقك هذا الشيخ . فسكت شاور وأكرمهم بعد ذلك اليوم .
وفر نجم الدين بن مصال والي الثغر إلى الشام ، وقبض شاور على الأشرف بن الحباب قاضي الثغر وعاقبه ، وأخذ منه مالاً جزيلاً ؛ ولم يقنع بالرشيد ابن الزين الناظر فولي القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرحمن بن منصور بن نجا النظر عوضه ؛ فبعث شاور وقبض على جميع من كان مع صلاح الدين من أهل مصر ، وعلي ابن مصال . فشق ذلك على صلاح الدين ، واجتمع بملك الفرنج في ذلك ، فأرسل إلى شاور وما زال به حتى أفرج عنهم . فخافوا من شاور وعزموا على الرحيل إلى الشام ، فخرج إليهم شاور بنفسه وجمع وجوههم وطمأنهم ، وحلف لهم أنه يضاعف لهم الإحسان ولا يتعرض لهم بسوء . فمنهم من اطمأن وأقام ، ومنهم من رحل إلى الشام .
ووصل الذين ساروا من ضعاف أصحاب صلاح الدين في المراكب إلى عكا ، وأحاط بهم الفرنج واعتقلوهم بمعصرة القصب حتى عاد ملك الفرنج فأطلقهم .
وتسلم شاور الإسكندرية في نصف شوال . وسار شيركوه ومن معه وقد استمال شاور منهم جماعةً ومعه مري ملك الفرنج حتى نزل الجيزة وعدى إلى القاهرة من المقس . فأقام مري أياماً ورحل عائداً إلى بلاده ، فخرج شاور يودعه إلى بلبيس وعاد إلى القاهرة أول ذي القعدة ، فخرج إليه العاضد يتلقاه إلى الطابية ، وخلع عليه .
(3/286)

"""""" صفحة رقم 287 """"""
واستقر الأمر بينه وبين الفرنج أن يكون لهم بالقاهرة شحنة ؛ وأن تكون أسوارها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إرسال عسكر إليها ؛ وأن يكون لهم من دخل ديار مصر في كل سنة مائة ألف دينار . قرر لهم شاور ذلك من غير علم العاضد ولا مشاورته ، فإنه كان ممنوعاً من التصرف وشاور يستبد بأمور الدولة . فرحل الفرنج إلى بلادهم وتركوا بالقاهرة عدةً من مشاهير فرسانهم ، ورتبوا بها ابن بارزاني والياً .
ووصل شيركوه إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة وفي نفسه من مصر ما لا ينفصل ، لأنه خبر متحصلها ، وعرف بلادها واستخف بأهلها .
واستقر شحنة الفرنج أولاً بالقاهرة في الموضع المعروف اليوم بقصر بيسرى من الخرنشف . وبعث الكامل شجاع بن شاور إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي محبته وولاءه ، ويسأل الدخول في طاعته ، وضمن له عن نفسه أنه يفعل هذا ويجمع الكلمة على طاعته ، وبذل له مالاً يحمله إليه كل سنة ، فأجابه ، وحمل إلى نور الدين مالاً جزيلاً .
وأخذ شاور بعد عوده من الإسكندرية في الإكثار من سفك الدماء بغير حق ، فكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تسحب القتلى إلى خارج الدار . واشتد ظلم إخوته وأولاده وغلمانه ومن يلوذ به ، وكثر تضرر الناس بهم . فكان
(3/287)

"""""" صفحة رقم 288 """"""
من تأمل أحوال الوزراء يجد الصالح بن رزيك ربى رجال الدولة ، وجاء الضرغام فأفناهم ، ثم جاء شاور فأتلف أموال مصر وأطمع الغز في البلاد وجرأ الفرنج علنا حتى كان ما كان مما يأتي ذكره إن شاء الله .
وفيها أحضر القاضي رشيد الدين أبو الحسين أحمد بن القاضي رشيد الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الأسواني ، وقد فر إلى قريب برقة ، فدخل على حالة سيئة ، فأمر به شاور فضربت عنقه ، وصلب عند مسجد الزيني على الخليج ، بالقرب من قبو الكرماني ، في يوم الأربعاء العشرين من ذي العقدة .
(3/288)

"""""" صفحة رقم 289 """"""
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
فيها بعث شاور إلى نور الدين رسالةً مع شهاب الدين محمود ، خال صلاح الدين يوسف ، تتضمن أنه يحمل إليه مالاً في كل سنة من مصر مصانعةً ليصرف عنه أسد الدين شيركوه . فأجاب نور الدين إلى ذلك ، وأعطى شيركوه مدينة حمص وأعمالها زيادةً على ما كان بيده ، وذلك في شعبان ، وأمره بترك ذكر مصر . فأرسل شاور إليه كتاباً يشكر صنيعه .
وفيها قتل شاور القاضي الرشيد أبا الحسين أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني ، صاحب كتاب الجنان ورياض الأذهان ؛ وكان من أهل العلم والأدب ؛ وله رسالة أودعها من كل علم مشكلة ومن كل فن أفضله . وسار إلى اليمن رسولاً وكان أسود في أيام الحافظ ، وتلقب بعلم المهتدين ؛ فقال فيه شاعر من أهل اليمن من قصيدة بعث بها إلى الحافظ :
بعثت لنا علم المهتدين . . . ولكنّه علم أسود
وولي نظر الإسكندرية . فقتله شاور في المحرم ، بسبب أنه داخل شيركوه وصلاح الدين وخدمهما ، بعد أن عذبه عذابا شديداً ، ثم ضرب عنقه .
(3/289)

"""""" صفحة رقم 290 """"""
فيها خرج يحيى بن الخياط يريد الوزارة ، فبعث إليه شاور عسكراً هزموه حتى لحق بالفرنج .
وفيها ولي خطابة الجامع العتيق بمصر نتاج الشرف حسن بن أبي الفتوح ناصر ابن إسماعيل الحسني بعد موت أبيه يوم عيد الفطر .
(3/290)

"""""" صفحة رقم 291 """"""
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكماً جائراً ، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم وقد تيقنوا أنه لا حامي للبلاد ، وتبين لهم ضعف الدولة وانكشفت لهم عورات الناس . فجمع مري جموعه واستشارهم في قصد ديار مصر ، فقووا عزمه على المسير إليها فأجمع أمره على الرحيل واستدعى وزيره وأمره بإقطاع بلاد مصر لأصحابه ، ففرق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع كل ناحية ؛ واستنجد عسكراً قوي به جنده .
فورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر في نصف المحرم ، فبعث إلى ملك الفرنج الأمير ظهير الدين بدران وقيس بن طي بن شاور .
وكان نور الدين بحلب ، فأسرع مري إلى المجيء إلى مصر ظناً أن نور الدين بعيد منه وعساكره متفرقة عنه . فبلغ ذلك نور الدين ، فأخذ في جمع عساكره .
(3/291)

"""""" صفحة رقم 292 """"""
ووصل مري إلى الداروم . فبلغ شاوراً فارتاع وبعث أميراً يعرف ببدران لكشف الخبر ، فلما اجتمع بمري خدعه ووعده بعدة من قرى مصر ، نحو الثلاث عشرة قرية ، وأمره أن يخبر شاور أنهم إنما قصدوا البلد لخدمة . فلما عاد إلى شاور جهز إلى مري شمس الخلافة محمد بن مختار ، فعندما دخل عليه قال له : مرحباً بشمس الخلافة . فقال : فمرحباً بالملك الغدار ، وإلا ما أقدمك إلينا ؟ قال : اتصل بنا أن الفقيه عيسى وصل إليكم ليزوج أختاً للكامل بن شاور بصلاح الدين يوسف ويتزوج الكامل بأخت صلاح الدين ، فحسبنا أن هذا عمل علينا . فقال ما لهذا صحة ، ولو فعل لما كان ناقضاً للهدنة . فقال : الصحيح أن قوماً من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين في بلادكم ؛ فخفنا من ذلك ، فخرجت لتوسط الأمر بينهم وبينكم . فقال له : فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة التي نقوم بها ؟ قال : ألفي ألف دينار . فقال : حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب ، فلا تبرحوا من مكانكم . فقال مري : بل ننزل على بلبيس حتى تعود .
وكان قد كتب إلى شاور : إني قد قصدت الخدمة على ما قررته لي من العطاء في كل عام ، فكتب إليه شاور : إن الذي قررته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك أو إذا قدم علي عدو ، فأما مع خلو بالي من الأعداء فلا حاجة لي إليك ولا لك عندي مقرر . فأجابه : لا بد من حضوري وأخذي المقرر . فعلم شاور أنه قد غدر وخان الأيمان ، ونقض العهود ، وطمع في البلاد . فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى القاهرة ؛ وسير إلى بلبيس حفنة من العسكر ، ونقل إليها ما تحتاج إليه من الأقوات والغلات .
فنزل مري على بلبيس أول يوم من صفر ، وكتب عدة من أعيان المصريين كتباً إلى مري يعدونه المساعدة ، لكراهتهم في شاور ، منهم علم الملك ابن النحاس ، ويحيى
(3/292)

"""""" صفحة رقم 293 """"""
ابن الخياط ، وابن قرجلة ، وجماعة ؛ فقوي الفرنج . وعندما قدم مري إلى بلبيس أرسل إلى طي بن شاور ، وكان ببلبيس ، أين ينزل ؟ فقال لرسوله : قل له ينزل على أسنة الرماح . فغضب من هذا وجعله سبباً لنقض ما قرره مع شمس الخلافة ، وحاصر البلد حتى افتتحها قهراً بالسيف يوم الثلاثاء ثاني صفر ، وأخذ الطاري والناصر ، ابني شاور أسيرين ، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم ، ونهب سائر ما تحتوي عليه ؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طي بن شاور .
وأرسل إلى شاور يقول له : إن ابنك قال أيحسب مري أن بلبيس جبنة يأكلها نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة . فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور الدين وطلب معونته فإن الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم ، وأنه متى حصل التقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين ؛ ويحثه على إرسال من يتدارك هذا الأمر . فكتب العاضد إلى نور الدين برأي شمس الخلافة ، فإنه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له : عندي أمر لا يمكنني أن أفضي به إليك إلا بعد أن تحلف لي أنك لا تطلع أباك عليه . فلما حلف له قال : إن أباك قد وطن نفسه على المصابرة ، وآخر أمره يسلم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدين ؛ وهذا عين الفساد ؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدين فليس لهذا الأمر غيره . فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدين . فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك ؛ فقال أعرف أنه لا يوافقني عليه لكراهته في الغز وأنا أعلم من أي باب أدخل عليه .
(3/293)

"""""" صفحة رقم 294 """"""
وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائي الغز من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين . فقال للرسول : قل لمولانا عني أنت مغرور بالغز والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمةً إلا عليك . فلما بلغه ذلك قال : رضيت أن تكون إسلامية وأكون فداء المسلمين .
فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب ، فانزعج لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدين شيركوه . وكان بحمص وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم ، فخرج منها يريد السلطان بحلب ، وخرج رسول السلطان من حلب بطلبه ، فتلاقيا بباب مدينة حلب ، وعادا . فلما رآه السلطان عجب من سرعة مجيئه ، فأعلمه بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر ؛ فسر بذلك وتفاءل به ، وأعطاه مائتي ألف دينار وثياباً وسلاحاً ودواب ، وحكمه في العسكر فاختار ألفي فارس وجمع فسار في ستة آلاف فارس . وخرج معه نور الدين إلى دمشق ، فوصل إليها في سلخ صفر ، وجهز أسد الدين وأعطى نور الدين كل فارس ممن معه عشرين ديناراً مصرية غير محسوبة عليه من جامكيته وأضاف إليه جماعة من الأمراء ، منهم عز الدين جرديك ، وغرس الدين قلج ، وشرف الدين بزغش ، وعين الدولة الياروقي ، وقطب الدين ينال المنبجي ، وصلاح الدين يوسف بن أيوب . وكان صلاح الدين كارهاً مسيره إلى مصر كأنما يساق
(3/294)

"""""" صفحة رقم 295 """"""
إلى الموت فأخرجه نور الدين كرهاً ليحق قول الله سبحانه إذ يقول : ' وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسَى أَنْ تُحبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ' . فإن نور الدين أحب مسير صلاح الدين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده ، وكره صلاح الدين مسيره إلى مصر فكان في مسيره إليها تملكه إياها وغيرها من الأقاليم .
وسار شيركوه من دمشق في ثاني عشر ربيع الأول وتقدم الفقيه عيسى الهكاري إلى العاضد سراً وخفية من شاور ليحلفه على أشياء .
وأما مري فإنه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبي بلبيس ، فغزاها برجاله ، وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد ؛ وركب وقد اعتقل رمحه وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين ، فجعل لنفسه الفرقة التي وقعت عن يمينه ، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره ؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى : قد أطلقتكم شكراً لله على ما أولاني من فتح مصر فإني ملكتها بلا شك . وما زال واقفاً حتى عدى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل ، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم ، فبقوا في أيدي الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك ، وأفلت بعضهم .
وكان شمس الخلافة قد صار إلى مري قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى القطيعة التي طلبها ، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس ، كما تقدم ذكره ثم أذن له في الانصراف إلى القاهرة ، واعتذر بأنه بلغه عن قيس بن طي أشياء أمضته حتى فعل ما فعل ،
(3/295)

"""""" صفحة رقم 296 """"""
وأنه باق على ما تقرر معه بقاء شمس الخلافة وأشار على شاور بالاحتراز وقال إن الرجل مخاتل . وأنفذت الكتب إلى نور الدين .
وكان شاور قد شرع في بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه الناس فلم يبق أحد من المصريين إلا وعمل فيه ؛ وحفر من ورائه خندقاً ، فلم يكمل من ناحية النيل . وعمل في السور ثمانية أبواب أحدها بدار النحاس على ساحل البحر ، هدم في سنة وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البواصين ، وثالث على سكة سوق وردان سقط سنة إحدى وستين وستمائة ، وباب في طريق زين العابدين ، وباب عرف بباب الصفاء ، وباب بحري مصلي الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة ، وباب عند أقمنة الجير مما يلي درب السرية ، وباب لقنطرة بني وائل وتحته قنطرة بني وائل التي تصب في بركة الشعيبية ، التي كانت قديماً بستان الأمير تميم بن المعز ، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر .
وسار مري بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ببلبيس خمسة أيام ، فداخل الناس منه رعب شديد وخوف عظيم ، فاجتمعوا بالقاهرة ووطنوا أنفسهم على الموت . وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدر أن الفرنج أحسنوا السيرة في أهل بلبيس لكان الناس لا يدافعونهم عن القاهرة ألبتة لما في قلوبهم من كراهة شاور . فما هو إلا أن قصد مري القاهرة وإذا بشاور قد قام في حريق مصر ، وأمر شاور الناس بالانتقال منها إلى القاهرة ، وحثهم على الخروج منها . فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم ؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطراباً عظيماً .
(3/296)

"""""" صفحة رقم 297 """"""
ووقعت النار في الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار في مساكنها فانتهبوا سائر ما كان بمصر . وبلغ بالناس الحال أن كانت الدابة تكري من مصر إلى القاهرة ببضعة عشر ديناراً والجمل بثلاثين ديناراً . ونزلوا بمساجد القاهرة وحماماتها ، وملأوا جميع الشوارع والأزقة ، وصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم على الطرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامة أحوالهم ؛ وهم مع ذلك ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبي من بها من الحريم والصبيان .
وكان ابتداء الحريق بمصر في يوم الثلاثاء التاسع من صفر الموافق له ثامن عشر هاتور ؛ واستمرت النار في المساكن أربعة وخمسين يوماً ، والنهابة تهد ما هنالك وتحفر لطلب الخبايا . ونزل مري بعساكره على بركة الحبش في يوم الأربعاء العاشر من صفر ، فخرج إليه شمس الخلافة . فلما دخل إليه سأله أن يخرج معه إلى باب الخيمة ، فخرج ؛ فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى دخاناً في السماء ؟ قال : نعم . قال : هذا دخان مصر ما أتيتك إلا وقد احترقت بعشرين ألف قارورة نفط وفرق فيها عشرة آلاف مشعل ، وما بقي فيها ما يؤمل بقاؤه ونفعه ؛ فخل الآن عنك . فقال مري : لا بد من النزول على القاهرة ومعي فرنج من هذا البحر قد طمعوا في أخذها .
ثم رحل فنزل على القاهرة في عاشر صفر مما يلي باب البرقية نزولاً قارب به البلد حتى صارت سهام الجرخ تقع في خيمه . وقاتل أهل القاهرة قتالاً شديداً وحفظوها
(3/297)

"""""" صفحة رقم 298 """"""
وبذلوا جهدهم . واشتد الفرنج في محاصرة القاهرة وضيقوا على أهلها حتى تزلزل الناس زلزالاً شديداً وضعفت قواهم ، وشاور هو القائم بتدبير الأمور ، فتبين له العجز عن مقاومة الفرنج وأنه يضعف عن ردهم . وخاف من غلبتهم فرجع عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة ؛ فأرسل شمس الخلافة إلى مري يطلب منه الصلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة . فأجاب إلى ذلك . ويقال إنه خوفه من نور الدين واعتذر بأنه لولا الخوف من العاضد ومن معه من المسلمين وإلا سلمه البلد ؛ وإنه تقدم له بألف ألف دينار . فتقرر الصلح .
على أن مري قال لا أسمع من كلام شاور فإنه غدار ، ولا بد من كلام الخليفة العاضد . فمشى أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي ، المعروف بالجليس قاضي القضاة وداعي الدعاة ، ومعه الأستاذ صنيعة الملك جوهر ، بين الفرنج وبين الناس حتى تقرر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار وحمل الباقي بعد ذلك مع القطيعة المقررة كل سنة ، وزيادة عشرة آلاف دينار وعشرة آلاف إردب غلة على ما يقترح من أصنافها . فأرسل العاضد القاضي الفاضل عبد الرحيم إلى الشيخ الموفق ابن الخلال كاتب الدست ، وكان مريضاً والفاضل ينوب عنه بتعيين الكامل بن شاور ، وقال له : استشره في هذا الأمر . فمضى الفاضل إليه ، وعرض ما تقرر عليه ، وبلغه عن العاضد ما أشار به من أخذ رأيه في ذلك . فقال : قبل الأرض عني لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشتري وصبر البائع فليست بعالية ، وبين قيل وقال يتصرم الوقت .
وشرع شاور في حمل المال ، فلم يجد في حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتي ألف دينار مدفونة في أحد كمي المجلس من ذخائر الحافظ ، أطلعهم عليها أستاذ من أستاذي القصر ؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوي مائة ألف دينار ، فأخذوها بعد امتناع . ووقع الطلب من أهل القاهرة ومصر ، فلم يتحصل من الناس إلا نحو الخمسة
(3/298)

"""""" صفحة رقم 299 """"""
آلاف دينار ، لفقر أهل مصر وسوء حالهم وذهاب أموالهم في الحرق والنهب بحيث صاروا لا يجدون القوت عجزاً عنه ، ولأن أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدولة وأتباعهم فقال الفقيه عمارة :
يا ربّ إنّي أرى مصراً قد انتبهت . . . لها عيون اللّيالي بعد رقدتها
فاجعل بها ملّة الإسلام باقيةً . . . واحرس عقود الهدى من حلّ عقدتها
وهب لنا منك عوناً نستجير به . . . من فتنة يتلظّى جمر وقدتها
فبينما الفرنج في استحثاث أهل القاهرة في حمل المال إذ وصل إليهم في مستهل ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن القاهرة يوم السبت ، ثالث ربيع الآخر ، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفاً ما بين رجل وصبي وامرأة . فنزلوا على بلبيس ، وساروا منها إلى فاقوس .
ونزل أسد الدين بالمقس إلى اللوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر ، فخرج إليه العاضد وتلقاه . وكان شاور لما بلغه وصول شيركوه إلى صدر أخرج شمس الخلافة إلى مري وقال له : قد وقف المال علينا ، وقد جئت إليك أستوهب منك بعض ما قطعت علينا . فقال مري : اطلب ما شئت . قال : تهب لي من الألفي ألف ألف ألف . قال : قد فعلت فقال شمس الخلافة : ما بلغني أن ملكاً وهب مثل هذا لقوم هم في مثل حالنا . . فقال مري : أنا أعلم أنك رجل عاقل وأن شاوراً ملك ، وأنكما ما سألتماني أن أهب لكما هذا المال العظيم إلا لأمر قد حدث . فقال : صدقت ؛ هذا أسد الدين قد وصل إلى صدر نصرةً لنا وما بقي لك مقام ؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على الهدنة فإنه أوفق لنا ولك ،
(3/299)

"""""" صفحة رقم 300 """"""
وإذا حصل هذا الرجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشيء وحملنا الباقي إليك متى قدرنا ، وإن نحن أخرجنا في رضاهم أكثر من هذا المال عدنا عليك بما يبقى علينا من المقدار . فقال مري : أنا راض بذلك . فقال : وأن تطلق ابن طي بن شاور وجميع من في عسكرك من الأسارى ، ولا تأخذ من بلبيس بعد انصرافك شيئا . فأجاب إلى ذلك ، وأطلق ابن شاور ورحل .
ولما قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام ، وأشار عليه باتباع الفرنج . فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التعب .
ونزل أسد الدين بظاهر القاهرة ، ودخل على العاضد فخلع عليه في تاسعة بالإيوان ، وعاد إلى مخيمه ، وقد فرح الناس بقدومه . وأجريت عليه وعلى عساكره الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة . وثقل ذلك على شاور ولم يقدر على عمل شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه ؛ وشرع يماطل بما تقرر لشيركوه ولنور الدين وهو يركب كل يوم إليه ويسير معه ، ويعده ويمنيه .
وعزم على أن يعمل دعوةً ويحضر شيركوه وجميع أمرائه ، فإذا صاروا إليه قبض عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج . فنهاه ابنه شجاع عن ذلك وقال : والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه . فقال : يا بني ، والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعاً . قال : صدقت ؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج ؛ فإنه ليس بينك وبين عود الفرند إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه ، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارساً واحداً . فترك شاور ما عزم عليه .
ولما طال مطال شاور على الغز اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك على قتل شاور .
واتفق أن شاوراً رأى في منامه كأنه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه رجلا وبين يديه دواته وهو يوقع ، والحاجب بين يديه يتناول منه التوقيع ؛ فقال : من هذا الذي جلس في مجلسي ووقع من دواتي ، فقيل له : هذا محمد رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال : وما يصنع محمد عندي ؛ أما كان له في مملكة غيري مصنع . ثم إنه قام إليه وضربه
(3/300)

"""""" صفحة رقم 301 """"""
بسيفه حتى قتله وألقاه بظاهر الدار . فلما استيقظ هاله ما رآه ، واستدعى أبا الحسن علي بن نصر الأرتاحي العابد ، وكان نادراً في علمه ، وقص عليه ما رأى . فقال له : هؤلاء الذين في القصر من نسل رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويكون هلاكهم على يدك . فأمره بكتمانه ؛ فلم يظهر حتى قتل شاور .
ويقال إن العاضد خرج متنكراً إلى شيركوه وأمره بقتل شاور ؛ فركب على عادته إلى شيركوه ومعه الطبل والبوق وخرج من باب القنطرة . فلما صار في مخيم الغز تلقاه صلاح الدين وجرديك في جماعتهم وأعلموه أن أسد الدين توجه إلى القرافة ، فقال نمضي إليه . فساروا جميعاً وصلاح الدين وجرديك عن يمينه وشماله ، وكان اليوم كثير الضباب ، فتناول صلاح الدين شاور على غرة هو وجرديك وألقياه عن فرسه إلى الأرض ، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفروا عنه . وأخذ أسيراً إلى المخيم ، وأرسلوا إلى شيركوه ، فحضر . وبلغ ذلك العاضد فأنفذ في الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال : هذا غلامنا ولا خير فيه لك ولا لنا ، فأمض حكم الله فيه . فقتل في يوم السبت السابع عشر من ربيع الآخر ، وحملت رأسه إلى العاضد .
وفر الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر ، فكان آخر العهد بهم ، وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى . وبعث شيركوه يطلبهم ، فأرسل إليه العاضد طبقاً من فضة مغطى ؛ فلما كشف عنه وجد فيه رأس شجاع ورءوس أولاد أخيه ، فتأسف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه على الفتك بهم . وكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنوازل فإنه أطمع الغز والفرنج في البلاد وجرهم إليها ؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب أموالهم ؛ وكان السبب في إزالة الدولة الفاطمية من ديار مصر وتملك الغز لها .
وكان مع ذلك منقاداً لولده الكامل قد أطلقه وسلم الأمر إليه بحيث إنه كان يأتي
(3/301)

"""""" صفحة رقم 302 """"""
إلى داره فيحتجب عنه . وكان ضيق العطن ، لا يصبر على شيء مما ينقل إليه من الاخبار . وكان إذا سئل وهو في الخدمة لا يرد سائلا في شيء . وكان شديد النكال إذا عاقب ، فتكشفت في وزارته الثانية التي قتل فيها صفحاته ، وأحرقت كافة أهل مصر لفحاته ، وأغرقتهم نفحاته فغصه الدهر وعضه ، وأوجعه الثكل وأمضه . وكان عاقبة أمره القتل والعار ، وسوء المنقلب والدمار .
ثم إن أسد الدين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة في يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد ، فهاله ما رأى من كثرة اجتماع الناس وتخوف منهم ، فأراد أن يفرقهم ، فقال لهم : إن أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور ؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان فيها . فصعد شيركوه إلى القصر ، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش . ونزل إلى دار الوزارة حيث كان ينزل شاور ومن قبله من الوزراء ، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النهب . فجلس للهناء وغلب على الأمر .
وخرج إليه التوقيع بخط القاضي الفاضل وإنشائه ، فقرأه الجليس ابن عبد القوي قاضي القضاة ، على رءوس الأشهاد ، وفي أعلاه بخط العاضد : هذا عهد لا عهد لوزير بمثله ، وتقلي طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله ؛ والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله . فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة ، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزت بأن اعتزت إلى بنوة النبوة ؛ واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا ، وَلاَ تَنقُضُوا الأَيَمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلا ' . وهو توقيع كبير .
(3/302)

"""""" صفحة رقم 303 """"""
وكتب القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود بن زنكي كتاباً بأن يقر شيركوه عنده بمصر وأنه فوض إليه الوزارة وأمر الجيوش ، تاريخه سابع عشري ربيع الآخر ، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأولين بخطه الله ربي ؛ فعاد الجواب بالامتثال .
وسلك أسد الدين مع العاضد مسالك الأدب حتى أعجب به ، ومال إليه . وركب إلى مصر فرآها مشوهةً بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن ، وتشعث الجامع ؛ فشق عليه ، وعاد . وقد حضر إليه الأمير ابن مماتي والقاضي الفاضل ، فأمر بإحضار أعيان المصريين الذين جلوا عن مصر في الفتنة وصاروا بالقاهرة ، فتغمم لما نزل بهم وسفه رأي شاور فيما فعله ، وأمرهم بالعود إلى مصر . فشكوا ما حل بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل ، وقالوا : إلى أي موضع نرجع وفي أي مكان نأوى . فقال : لا تقولوا هذا ، وعلي بإذن الله حراستكم وإعادتها إليكم بما كانت عليه وأحسن ؛ فاستدعوا مني كل مالكم فيه راحة ، فهي بلدي وربما أسكن فيها بينكم . فشكروا له ودعوا .
وأمر فنودي على الناس بالرجوع إلى مصر ، فتراجعوا إليها شيئاً بعد شيء .
وجعل أسد الدين اجتماعه بالخليفة العاضد في الشباك على العادة . فأول ما اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر ، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم لساناً ، وهو قائم على رأس العاضد : يقول لك مولانا لقد كنا نؤثر مقامك عندنا أول طروقك بلادنا ، ولكن أنت تعلم الموانع عنه ؛ ولقد تيقنا أن الله عز وجل ادخرك لنا نصرة على أعدائنا . فقال أسد الدين شيركوه : يا مولانا بإمالة اللام والله لأنصحنك في الخدمة ولأجعلن
(3/303)

"""""" صفحة رقم 304 """"""
دولتك بعون الله قاهرة . فقال الأستاذ : يقول لك مولانا الأمل فيك هذا وأكثر . ثم جددت له الخلع وأفيضت عليه ، ونزل إلى داره .
وحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى ، قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وأثنى عليه وشكره ، وقال لولا مذهبه فقال : إنه ولد بالمغرب وله دالة على الخليفة ، ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلها لكرم العاضد ؛ لكنه يحترمه ويقبل مشورته . فازدادت مكانته عند أسد الدين وأقره على حاله .
واستبد أسد الدين بأمور المملكة ، وغلب على الدولة ، واستعمل أصحابه وثقاته على الأعمال ، وأقطع البلاد لعساكره . ولما أكب الناس عليه بالتواقيع قلق من كثرة ما يوقع وقال : أظن مولانا استخدمني كاتبا . في رابع جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور ، والمعظم سليمان بن شاور ، وركن الإسلام نجم أخو شاور ، وأحضرت رءوسهم إلى أسد الدين شيركوه .
ولما بلغ نور الدين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضه ، وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، وأخذ يتحدث في ذلك ، وأفضى به إلى الأمير مجد الدين ابن الداية . وأخذ يعمل الحيلة في إفساد أمر أسد الدين وابن أخيه صلاح الدين ، وكاتب العاضد في ذلك غير مرة ، ويلتمس منه أن يبعث إليه أسد الدين ، يريد بذلك إخراجه عن مصر . فلم يسمح العاضد بإرساله لأنه دبر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغير على أصحاب العاضد شيئا من أحوالهم ، ولا أنكر عليهم أمراً من أمورهم ، بل أقرهم على عوائدهم سوى أنه أقطع البلاد لأصحابه .
وتولى عنه التدبير ابن أخيه صلاح الدين وقام بمباشرتها ، فصار إليه الأمر والنهي حتى مات أسد الدين ، بعد أن استقر في الوزارة ثلاثة وستين يوما ، يوم الأحد الثالث
(3/304)

"""""" صفحة رقم 305 """"""
والعشرين من جمادى الآخرة بخناق تولد له من إكثاره أكل اللحوم الغليظة ، ودفن في الدار فلم تخرج له جنازة .
وكان شجاعا قوياً ، جلداً عفيفاً ، متألهاً ، يحب أهل الخير ، وله إيثار ، وفيه ضبط وإمساك . وأصله من دوين ، بليدة من عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج ، وهو من قبيل الروادية إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد . وقدم هو وأخوه نجم الدين أيوب ، وكان أسن منه ، إلى بغداد واتصلا بخدمة مجاهد الدين بهروز شحنة العراق من قبل السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ولازماه . فبعث بأيوب إلى تكريت ، وكانت إقطاعه ، فأقره فيها دزداراً ، ومعناه حافظ القلعة ، فإن دز بالفارسي القلعة ، ودار الحافظ . فأقام بها ومعه أخوه شيركوه ، وله به إقطاع ،
(3/305)

"""""" صفحة رقم 306 """"""
إلى أن انهزم عماد الدين زنكي من العراق من قراجا الساقي ووصل إلى تكريت ، فأمكنه أيوب من قلعتها ورفعه إليها بالحبال ، وخدمه هو وأخوه شيركوه ، فاعتدها يداً لهما . ثم أقام له السفن حتى عبر دجلة ؛ وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيرهم إليه .
فبلغ ذلك الأمير مجاهد الدين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت ، فسار هو وشيركوه إلى عماد الدين زنكي ، وهو يومئذ صاحب الموصل ، فأكرمهما وأقطعهما إقطاعاً ، وتقدما عنده . فلما ملك بعلبك جعل نجم الدين دزدارها ، فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب دمشق ، مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن ظهير الدين طغتكين الأتابك . فبعث إلى سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بالموصل يعرفه ويطلب منه عسكرا فلم يجبه ؛ فسلم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع ، وصار أحد أمراء دمشق .
وأما شيركوه فإنه لما خدم عماد الدين زنكي تمكن منه ، بواسطة الوزير جمال الدين الأصفهاني ، إلى أن قتل ، فتعلق بخدمة ابنه نور الدين محمود بن زنكي وتخصص
(3/306)

"""""" صفحة رقم 307 """"""
به ، حتى عظمت منزلته عنده . وصار معه إلى حلب فأقطعه وأنعم عليه ، ثم أعطاه مدينة الرحبة وتدمر إلى أن جهزه إلى مصر وعاد منها وهو كثير الذكر لها ، فخافه نور الدين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص ، وجعله مقدم عسكره إلى أن قدم مصر وملكها كما تقدم إلى أن مات ؛ فدفن بالقاهرة ، ثم نقل منها إلى المدينة النبوية بعد مدة .
ولما احتضر قال : من ههنا ؟ فقال الطواشي بهاء الدين قراقوش : عبدك قراقوش . فقال : بارك الله فيك ، الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أردنا ، ومتنا وأهلها راضون عنا . أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتى تطير رءوسكم ، واحذروا من التفريط في الأسطول .
ولما توفي أسد الدين افترق أهل القصر وحواشي الخليفة العاضد من الأستاذين وغيرهم فرقتين . فأما إحداهما وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة جوهر فإنهم قالوا قد مات أسد الدين المهدد به في الشرق والغرب ولم يحدث إلا خير ، ومن الرأي أن نمسك مخلفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغز ما تكون جملته ثلاثة آلاف فارس ، ونقدم عليهم بهاء الدين قراقواش ، وننزلهم بالشرقية ، ونجعلها بأجمعها إقطاعاً لهم يسكنون بها ، فيصيرون بيننا وبين الفرنج الذين طمعوا في البلاد ، يقاتلون عن حرمهم
(3/307)

"""""" صفحة رقم 308 """"""
وإقطاعاتهم . ويرتب مولانا من أجناد الديار المصرية من ينتفع به ، ولا يقيم وزيراً تثقل وطأته ويشارك الخليفة في أمره ، بل يجعل صاحب وساطة بين الناس وبين الخليفة . وقالت الطائفة الأخرى لا وحق الله ، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخي وزيره الذي هو منه وإليه ، يعنون صلاح الدين ، وإذا بقي المذكور أقام معه قراقوش وغيره من المعتبرين .
وكذلك وقع في عسكر أسد الدين ، فإن شهاب الدين محمود الحارمي ، خال صلاح الدين ، والأمير عبد الدولة ياروق الياروقي وأخاه الأمير بهاء الدولة والأمير قطب الدين خسرو بن تليل ، والأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها .
واجتمع مماليك أسد الدين ، وهم خمسمائة ، على صلاح الدين وطلبوا وزارته ، وتحدثوا بأن أسد الدين أوصى إليه ، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح للوزارة ؛ فسار إليه شهاب الدين محمود الحارمي وأرشده إلى تولية صلاح الدين . وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا ، كما تقدم ذكره ، والله إني لأستحي من تسريح صلاح الدين وما بلغت غرضاً في حقه لقرب عهد مقام عمه . فأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر ، وحنكه ، ونعته بالملك الناصر ، وذلك في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة .
(3/308)

"""""" صفحة رقم 309 """"""
وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقي بطرازين ذهبا ، وطيلسان مقور بطراز ذهب دقيق ، وعمامة بيضاء مذهبة ، وفي عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار ؛ وقد تقلد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار . وركب فرسا حجرةً صفراء من مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار ، وعليها سرفسار ذهب مجوهر ، وأعلاقها من سبتة ، وفي عنقها مشدة بيضاء برأسها مائتا حبة جوهراً وفي أربع قوائمها أربعة عقود من جوهر ، وعلى رأسه قصبة ذهب في رأسها طلعة مجوهرة ومشدة بيضاء بأعلام ذهب . وحمل بين يديه عدة بقج فيها أنواع من الثياب ، وقيد معه أيضا عدة خيول ؛ ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض بخط القاضي الفاضل ومن إنشائه ؛ وقرأه الجليس ابن عبد القوي . وهو كبير جداً وعلى رأسه بخط العاضد : هذا عهد أمير المؤمنين إليك ، وحجته عند الله سبحانه عليك ؛ فأوف بعهدك ويمينك ، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك ، ولمن مضى بجدنا رسول الله أحسن أسوة ، ولمن بقى بقربنا أعظم سلوة . ' تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيِدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ' . فكان آخر منشور كتب عن العاضد .
ولما نزل صلاح الدين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النورية ولا خدموه ، فسعى الفقيه عيسى الهكاري في الإصلاح بينه وبينهم ، وبدأ بالمشطوب فقال له : هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل . ثم قصد الحارمي
(3/309)

"""""" صفحة رقم 310 """"""
وقال له : هذا صلاح الدين ابن أختك ، وعزه وملكه لك ، وقد استقام له الأمر ، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل إليك . وما زال بهم حتى مالوا إليه وأطاعوا بأجمعهم إلا عين الدولة فإنه قال لا أخدم يوسف أبداً ، وخرج من القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدين بالشام .
فلما بلغ نور الدين استيلاء صلاح الدين أقام ثلاثة أيام لا يقدر أحد أن يراه من شدة ما عظم عليه ذلك وأغضبه .
واستمال صلاح الدين قلوب الناس ، وساس الأمور وكاتب الأطراف ، وأقبل على الجد ، وتاب عن الخمر ، وأعرض عن اللهو ، وتقرب إلى الخليفة العاضد بما يرضيه فأحبه وأدناه حتى كان يدخله إليه القصر راكباً ويقيم عنده بالقصر عدة أيام . وعظم في الدولة حتى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجهوا إلى الشام . وشرع في استمالة قلوب الناس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان في خزائن عمه أسد الدين ؛ واستدعى من العاضد فأمده بشيء كثير من المال ، فكان أمره في زيادة وقوة وأمر العامة في نقص وضعف .
وركب العاضد ومعه الملك الناصر صلاح الدين يوسف في غرة شهر رمضان ، وحمل العادل أبو بكر السيف . ثم ركب أيضا جمعتين في شهر رمضان إلى الجامع الأزهر والجامع الأنور على العادة ، وركب في عيد الفطر .
وأرسل إلى نور الدين يسأله في إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك .
(3/310)

"""""" صفحة رقم 311 """"""
وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور الدين ، وهو في الظاهر ملك الديار المصرية وصلاح الدين لا يتصرف إلا عن أمره كالنائب في الأمر عنه ؛ ونور الدين لا يفرده بكتاب ، بل يكتب : الأمير الأسفهلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا ؛ ويجعل علامته على رأس الكتاب تعظيماً لنفسه وترفعاً عن أن يكتب اسمه .
وعندما بلغه وفاة أسد الدين شق عليه استيلاء صلاح الدين ، وتتبع أصحابه وأصحاب أسد الدين ، وأخذ إقطاع صلاح الدين وإقطاع أسد الدين ، ومنع نوابه من التصرف في حمص ، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه . وكتب إلى الأمراء بمصر بمفارقته وتركه بمصر وحيداً ليوهن أمره . وشرع يذمه ويذكره بالسوء ويعنته في الطلب بحمل الأموال إليه ، وصار كثيراً ما يقول : ملك ابن أيوب ويستعظم ذلك احتقاراً له .
وثقل ذلك على أهل الدولة وحواشي الخليفة العاضد ، فإنه أقطع أصحابه أجل البلاد وآواهم ، وأبعد أهل مصر وأضعفهم ، واستبد بجميع الأمور ومنع العاضد من التصرف ؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدولة . فثار الأستاذ مؤتمن الخلافة ، وهو يومئذ من أكابر خدام القصر ، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد بهم على الغز ، ويحثهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدين بعساكره فيثور عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر ،
(3/311)

"""""" صفحة رقم 312 """"""
ويصير صلاح الدين محصوراً بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه . ووافقه على ذلك جماعة .
وبعث رجلاً بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله في نعل كي لا يعثر عليه . فلما وصل الرجل إلى البئر البيضاء قريباً من بلبيس ، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدين ومعه نعلان جديدان في يده ، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النعلين ، وعلم أنهما لا يليقان به ، ولو كانا من ملابسه لكان تبين فيهما أثر الاستعمال . فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج ، فتقرب بذلك إلى صلاح الدين ، وحضر بالرجل والكتب إليه ؛ فكتم ذلك ، وتتبع من كتب الكتب حتى أحضر إليه برجل يهودي ، فلما خاف منه أسلم وأخبره الخبر .
فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشي على نفسه ، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدة وصلاح الدين لا يلتفت إليه ، فاغتر بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على النيل ، بستان بناحية الخرقانية قريباً من قليوب . فأرسل إليه صلاح الدين بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه ، وصاروا إليه برأسه ، وذلك في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة ؛ وجعل زمام القصور عوضه الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي . فغضب لقتله السودان وحرك منهم ما كانوا يتكتمونه ؛ فاجتمعوا لحرب صلاح الدين في سادس عشريه ، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة ، وقد صاروا في جمع كثير من الأمراء المصريين وعوام البلد يزيد على الخمسين ألفاً ، وزحفوا إلى دار الوزارة .
فبدر إليهم فخر الدين شمس الدولة توران شاه ، وركب صلاح الدين بعساكره وقد تجمعت الريحانية والجيوشية والفرجية ومن انصاف إليها في بين القصرين ، وخرجت إليهم الأرمن ؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على الغز ، والعاضد
(3/312)

"""""" صفحة رقم 313 """"""
في المنظرة يشرف على الوقعة . فلما تبين الغلب للعبيد وكادوا أن يهزموا الغز رمى أهل القصر بالنشاب والحجارة حتى امتنعوا عن مقاتلة العبيد ، فنادى شمس الدولة النفاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التي فيها العاضد فطيب قارورة وصوب على المنظرة بها ، فإذا بباب الطاق قد فتح وخرج منه زعيم الخلافة ، أحد الأستاذين الخواص ، وقال : أمير المؤمنين يسلم على شمس الدولة ويقول دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم . فلما سمع العبيد ذلك ، وكان قد قتل أحد مقدميهم ، وبعث صلاح الدين في أثناء محاربته لهم إلى حارة السودان خارج باب زويلة ، المعروفة بالمنصورة ، فأحرقها وتلفت أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم ؛ ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد ، وانهزموا بعد ما ثبتوا يومين ، وتعين لهم الفل . فركب الغز أقفيتهم يقتلون ويأسرون ، إلى أن وصوا إلى السيوفية وثبتوا هنالك ، فألقى شمس الدولة النيران في المواضع التي امتنعوا بها . وأحرق أيضاً دار الأرمن التي كانت بين القصرين ، وكان بها خلق كثير من الأرمن كلهم رماة لهم جار ، وكانوا في هذه الحروب قد أنكوا الغز بشدة رميهم ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد ، فلما احترقت عليهم الدار لم يكد يفلت منهم أحد . فالتجأ العبيد إلى عدة أماكن ، وكلما امتنعوا بموضع ألقى فيه الغز النار وقاتلوهم ، حتى صاروا إلى باب زويلة وأخذت عليهم أفواه السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ . فصاحوا وطلبوا الأمان ، فأمنوا على ألا يبقى منهم أحد بالقاهرة ؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة . ومال الغز على أموالهم وديارهم واستباحوا جميع ما فيها ؛ وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة . فما هو إلا أن صاروا بالجيزة حتى عدى إليهم شمس الدولة بالعسكر فأبادهم حصداً بالسيف ، ولم ينج منهم إلا الشريد . وأمر صلاح الدين بتخريب المنصورة وصيرها بستانا ؛ فمضى العبيد وذهبت آثارهم من مصر .
(3/313)

"""""" صفحة رقم 314 """"""
وقوي صلاح الدين ، وتلاشى العاضد وانحل أمره ، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة . ووالي صلاح الدين الطلب من العاضد في كل يوم ليضعفه ، فأتى على المال والخيل والرقيق وغير ذلك ، حتى ان العاضد كان في بعض الأيام بالبستان الكافوري وإذا بقاصد صلاح الدين قد وافاه يطلب منه فرساً وهو راكب ، فقال ما عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه ، ونزل عنه ، وشق خفيه ورمى بهما وسلم إلى القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشياً ، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات .
وأخرج صلاح الدين خاله الأمير شهاب الدين الحارمي إلى الصعيد يتبع من فر من العبيد فأفناهم ، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى ، بعد أن كانت البلاد كلها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد ، محمي لا يدخله وال ولا غيره . وكان منهم ضرر على الناس .
وأخذ صلاح الدين في القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء ، وأسكن فيها أصحابه معه بالقاهرة .
وكان قاع النيل في هذه السنة ست أذرع وثماني أصابع ، وبلغ ثمان عشرة ذراعا .
(3/314)

"""""" صفحة رقم 315 """"""
سنة خمس وستين وخمسمائة
فيها قدم من الشام إخوة صلاح الدين يوسف وعياله ؛ وقيل كان قدومهم في سنة أربع .
فيها تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفاً من صلاح الدين ونور الدين عندما بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين . فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم ، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال ، وساروا بالدبابات والمنجنيقات إلى دمياط ، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب ، ما بين شين ومسطح وشلندي وطريدة ، وأحاطوا بها براً وبحراً .
فبعث صلاح الدين بالأمير تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، ابن أخي صلاح الدين ، وأتبعه بالأمير شهاب الدين الحارمي ، في عساكر إلى دمياط ، وأمدهم بالمال والميرة والسلاح .
وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم ، والناس فيها صابرون في محاربتهم . وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده ويعلم أنه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفاً من قيام المصريين عليه ؛ فجهز إليه نور الدين العساكر شيئاً بعد شيء ، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها واستباحها .
(3/315)

"""""" صفحة رقم 316 """"""
واستمر الفرنج على دمياط أحداً وخمسين يوما ، ثم رحلوا عنها في الحادي والعشرين ، وقيل في الثالث والعشرين ، من ربيع الآخر ، خوفاً على بلادهم من نور الدين ولفناء وقع فيهم ؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب . فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها .
وبلغت النفقة من صلاح الدين على هذه النوبة ألف ألف دينار مصرية . وكان يقول ما رأيت أكرم من العاضد ؛ أرسل إلى مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها .
وورد كتاب نور الدين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط ، وكان صلاح الدين سير إليه يبشره برحيلهم ، وسير إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفاً منهم ويطلب الاقتصار على الملك الناصر صلاح الدين ، فتضمن كتابه مدح الأتراك والثناء عليهم . وفيها أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يبعث إليه بأبيه نجم الدين أيوب ابن شاذي ، فأرسله إليه في عسكر ، وسار معه كثير من التجار ممن له هوىً في مصر وغرض في صلاح الدين . فخرج ابنه صلاح الدين إلى لقائه ومعه الخليفة العاضد إلى صحراء الإهليلج خارج باب الفتوح ولقيه هناك ؛ ولم تجر العادة بخروج الخليفة إلى لقاء أحد ؛ وذلك في رابع عشر شهر رجب . ولقبه العاضد بالملك الأوحد ، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من الأيام المذكورة ؛ وبالغ العاضد في احترامه والإقبال عليه . ونزل اللؤلؤة .
وكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدين لنجم الدين أيوب كثرة ورود مكاتبة الخليفة المستنجد بالله العباسي عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة الخطبة العباسية بمصر ، فوالي نور الدين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدين يأمره بذلك ، وهو يعتذر إليه
(3/316)

"""""" صفحة رقم 317 """"""
عن ترك الخطبة بما يخافه من المصريين . فوردت رسل المستنجد إلى دمشق بالاستحثاث والعزم على إقامة الخطبة بمصر ولا بد ؛ فرأى نور الدين أن مثل هذا المهم لا يقوم به إلا نجم الدين أيوب ، وكان يتولى قلعة بعلبك ، فأرسل إليه وقرر معه الأمر وسيره .
وكان وصوله إلى القاهرة لست بقين من رجب ، وقيل في جمادى الآخرة ، فقررت له ولاية الإسكندرية وولاية دمياط والبحيرة . وأقطع الأمير فخر الدين شمس الدولة توران شاه ، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدين أيوب ، قوص وأسوان وعيذاب ، وكانت عبرتها يومئذ في تلك السنة مائتي ألف دينار وستة وستين ألف دينار ؛ فاستناب عنه في قوص الأمير شمس الخلافة محمد بن مختار .
فيها ثار الأمير عباس بن شاذي بمرج بني هميم ، من أعمال قوص ، ومنع رسلان دعمش المتوجه لجباية خراج قوص من التوجه ، واستباح عسكره .
وفيها أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر ، فكانت أول وصمة دخلت على الدولة . ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي ، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين من ذي الحجة .
(3/317)

"""""" صفحة رقم 318 """"""
ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة ، فكان الخطيب يقول : اللهم أصلح العاضد لدينك . لا غير .
وفي يوم الاثنين ، بعد طلوع الشمس ، الثاني عشر من شوال حدثت زلزلة عظيمة مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموي وتشقق رأسا المنارتين الشرقية والغربية ، وكانت المنارة الشمالية تهتز اهتزاز السعفة في الريح العاصفة . ثم جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة ، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر . وأثرت هذه الزلزلة آثاراً شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين والمعرة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنية بأسرها . وامتدت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرها وحران ورأس العين والرقة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب وحارم وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة والمرقب واللاذقية وعكا وصور وغيرها ؛ فمنها ما دمر بأسره ومنها ما ذهب أكثره ومنها ما ذهب بعضه ومنها ما تشعث . وهلك بحلب عدد كثير من الناس وببعلبك ، ولم يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون فمات . وجاءت بدمشق زلازل في عدة ليالي وأيام إلى يوم الجمعة عاشر ذي القعدة .
فيها ولي القاضي المفضل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة في ذي الحجة ؛ فرتب صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري بحكم القاهرة وابن كامل بحكم مصر .
(3/318)

"""""" صفحة رقم 319 """"""
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها رفع صلاح الدين جميع المكوس بديار مصر وأبطلها .
وفيها أمر بهدم المعونة بمصر فهدمت ، وعمرها مدرسة للشافعية ؛ ولم يكن قبل ذلك بديار مصر مدرسة لأحد من الفقهاء فإن الدولة كانت إسماعيلية . وهذه المدرسة بجوار جامع عمرو بن العاص وعرفت أخيراً بالمدرسة الشريفية ؛ وهي أول مدرسة عمرت بمصر لإلقاء العلم . وأنشأ دار الغزل به مدرسةً للمالكية بجوار الجامع أيضا ، وتعرف اليوم هذه المدرسة بالقمحية . وفيها عزل صلاح الدين قضاء مصر من الشيعة ، وولي قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الشافعي ، وجعل إليه الحكم في جميع بلاد مصر بعدما أحضره من المحلة ، وخلع عليه في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة ؛ فعزل من كان بها من القضاة واستناب عنه قضاةً شافعية . ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعي ومذهب مالك بديار
(3/319)

"""""" صفحة رقم 320 """"""
مصر وتظاهر الناس بهما ، واختفى مذهب الشيعة من الإمامية الإسماعيلية . وبطل من حينئذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره .
وفيها ابتدأ صلاح الدين في غزو الفرنج ، فجمع الجنود والعساكر ، وخرج في أحسن زي إلى بلاد عسقلان والرملة فشن الغارات عليها ، وهجم ربض مدينة غزة ، وواقع ملك الفرنج على الداروم ففل جمعه وقتل منه كثيراً من الفرنج ، ونجا ملكهم بحشاشته . وعاد صلاح الدين مظفراً غانماً .
ثم خرج في النصف من ربيع الأول ومعه مراكب مفصلة على الجمال ، فسار إلى أيلة ، وكان بها قلعة منيعة قد ملكها الفرنج ، فألقى المراكب المحمولة معه بعد إقامتها وإصلاحها في البحر ، وشحنها بالرجال والسلاح ، وضايق قلعة أيلة في البر والبحر حتى افتتحها في العشرين من ربيع الآخر ، وقتل من بها من الفرنج ، وسلمها لثقات من أصحابه أقامهم فيها وقواهم بالسلاح والميرة ونحو ذلك .
ووردت عليه قافلة أهله فسار بهم إلى القاهرة ودخل في سادس عشري جمادى الأولى . ثم سار إلى الإسكندرية لمشاهدة سورها وترتيب أمورها ، فدخلها وأمر بإصلاح السور والأبراج ؛ فعمر ما تهدم منه .
وفيها اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز بمصر ، في النصف من شعبان ، وجعلها مدرسة للشافعية ، وأوقف عليها عدة أماكن ، منها الروضة تجاه مصر .
(3/320)

"""""" صفحة رقم 321 """"""
وفيها خرج الأمير شمس الدولة توران شاه إلى بلاد الصعيد ، وأوقع بالعربان ، وغنم منها غنائم تجل عن الوصف ، وعاد إلى القاهرة .
وفيها ابتدأ صلاح الدين بعمارة السور الجديد على القاهرة .
وفيها كثر بمصر عسكر صلاح الدين وأقاربه وأصحابه ، وانكفت أمراء المصريين عن التصرف ومنعوا من كل شيء ، فبسطوا ألسنتهم بالقول ضد ما عليه صلاح الدين وأصحابه من الفعل في محو آثار الدولة الفاطمية وإزالة رسومها ، وخلع العاضد وقتله . والدعاء للخليفة العباسي . فلما رأى أمره قد قوي وأوتاد دولته قد تمكنت من البلاد عزم على إظهار ما يخفيه ؛ فواعد أمراء النشابين على أن يمضوا إلى بيوت الأمراء المصريين في الليل ، ويقف كل أمير منهم بجنده على باب أمير من أمراء مصر ، فإذا خرج للخدمة قبض عليه واحتاط على داره وما فيها وأخذها لنفسه .
فأصبحوا واقفين على منازل الأمراء المصريين بأجنادهم ، فما هو إلا أن يخرج الأمير من منزله ليصير إلى الخدمة على عادته فإذا بالأمير الشامي الذي قد عين له وقد قبض عليه وأوثقه ، وهجم بمن معه على داره فملكها بجميع ما تحتوي عليه ، وما يتعلق بصاحبها وينسب إليه من أهل ومال وخيول وعبيد وجوار ، وماله من إقطاع . فلم ينتشر الضوء حتى علت الأصوات وارتفعت الضجات وثار الصياح من كل جانب ، وصار الأمراء الشاميون في سائر نعم أمراء مصر ، وأصبح الأمراء المصريون أسرى معتقلين في أيدي أعاديهم . فال أمرهم إلى أن صار الأمير منهم بواباً على الدار التي كان يسكنها ، وصار آخر منهم سائس فرس كان يركبها ، وصار آخر وكيل القبض في بلد كانت إقطاعاً له ؛ ونحو ذلك من أنواع الهوان .
وبلغ ذلك العاضد فشق عليه وأرسل إلى صلاح الدين يسأله عن سبب القبض على الأمراء ، فبعث إليه بأن هؤلاء الأمراء كانوا عصاةً لأمرك والمصلحة قتلهم وإقامة غيرهم ممن يمتثل أمرك . فسكت .
(3/321)

"""""" صفحة رقم 322 """"""
وتقوى صلاح الدين وعظم أمره ، وذهب من كان يخشاه ويخافه ، وأخرج أكثر إقطاعات الأجناد بمصر ، وزاد الأمير شمس الدولة على إقطاعه ناحية بوش ودهشور والمنوفية وغير ذلك . وانحل أمر العاضد .
فيها قبض صلاح الدين على جميع بلاد العاضد ومنع عنه سائر مواده ، بحيث لم يبق له شيئاً ؛ وقبض على القصور وسلمها إلى الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي ، وهو يومئذ زمام القصور من بعد قتل مؤتمن الخلافة ، وصار له في القصر موضع ، فلا يدخل شيء من الأشياء إلى القصر ولا يخرج منه إلا بمرأى منه ومسمع . وضيق على أهل القصر حتى قبض في هذه الأيام على جميع ما فيها ، وصار العاضد معتقلاً تحت أيديهم . وفيها أمر صلاح الدين بتغيير شعار الفاطميين ، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة . وكان الخطيب يدعو للإمام أبي محمد ، فتخاله العامة والروافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين الخليفة . ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العباسية .
وفيها مات الشيخ الموفق يوسف بن محمد أبو الحجاج ، ابن الخلال ، كاتب الدست
(3/322)

"""""" صفحة رقم 323 """"""
وفي يوم الجمعة سلخ ذي الحجة عزم صلاح الدين على الإعلان بالأمر وكشف الغطاء فأحجم الخطباء عن ذلك تقيةً وحذراً ، فانتدب لذلك رجل من أهل المغرب يقال له اليسع ابن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع أبو يحيى الغافقي الأندلسي ، فقصد المنبر مستعداً من الحديد بما يدفع عن نفسه إن أراده أحد بسوء ؛ فخطب ودعا للخليفة أبي محمد الحسن المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين ، وذكر نسبه إلى العباس . وقيل بل كان ذلك في السنة الآتية .
(3/323)

"""""" صفحة رقم 324 """"""
سنة سبع وستين وخمسمائة
في أول المحرم نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية لخلو هذه السنة من نوروز . ومنذ نقلت السنة في أيام الأفضل أمير الجيوش ، كما تقدم ذكره ، لم تنقل ، وانسحب الأمر حتى تداخلت السنون ، وصار التفاوت بين العربية والقبطية سنتين .
وفي رابعه جلس العاضد بعد الإرجاف بأنه أثخن في رمضه ، فشوهد على ما حقق الإرجاف من ضعف القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمى ؛ وقيل إنها تفشت بأعضائه .
(3/324)

"""""" صفحة رقم 325 """"""
وأمسك طبيبه المعروف بابن السديد عن الحضور إليه ، وامتنع من مداواته ، وخذله مساعدةً عليه للزمان ، وميلا مع الأيام .
وفيها نزل نجم الدين أيوب بجماعة معه إلى الجامع وأمر الخطيب ألا يذكر العاضد ، وقال إن ذكرته ضربت عنقك . فقال لمن أخطب ؟ فقال للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي . فلما خطب لم يذكر العاضد ولا غيره ، بل دعا للأئمة المهديين والملك الناصر . فقيل له في ذلك ، فقال : ما علمت اسم المستضيء ولا نعوته ، وفي الجمعة الثانية أفعل ما يجب فعله وأذكره . فلما بلغ العاضد ذلك قال في الجمعة الأخرى يعينون اسم الرجل المخطوب له . فلما كانت الجمعة الثانية ، وهي سابعه ، خطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن المستظهر بالله . وقطعت الخطبة للعاضد لدين الله فانقطعت ولم تعد بعدها إلى اليوم الخطبة للفاطميين .
وذلك أنه لما ثبتت قدم صلاح الدين بالديار المصرية وأزال المخالفين له ، وضعف أمر الخليفة العاضد بقتل رجاله وذهاب أمواله ، وصار الحكم على قصره قراقوش ، طواشي أسد الدين ، نيابة عن صلاح الدين ، وتمكنت عساكر نور الدين من مصر طمع في أخذها . وكتب إلى صلاح الدين وفي ظنه وظن جميع عساكره أن صلاح الدين إنما هو نائب عنه في مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه يأمره بقطع خطبة العاضد وإقامتها للمستضيء العباسي . فاعتذر بالخوف من قيام المصريين عليه وعلى من معه لميلهم كان إلى الفاطميين ، ولأنه خاف من قطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء أن يسير
(3/325)

"""""" صفحة رقم 326 """"""
نور الدين إلى مصر وينزعه منها . فلم يقبل منه نور الدين وألح عليه وألزمه إلزاماً لم يجد مندوحة عن مخالفته ، وساعدته الأقدار بمرض العاضد المرض الذي غلب على الظن أنه لا يعيش منه . فجمع صلاح الدين أصحابه إليه واستشارهم في ذلك ، فاختلفوا ، فمنهم من أشار بقطع خطبة العاضد ، ومنهم لم يشر بها .
وكان قد دخل إلى مصر رجل عجمي يعرف بالأمير العالم ، يزعم أنه عباسي فاطمي من أيام الصالح بن رزيك ، وما زال ينتقل في قوالب الانتساب وأساليب الاكتساب . فلما رأى ما هم فيه من الإحجام وأن أحداً لا يتجاسر ويخطب للمستضيء قبل الخطيب ، فلم ينكر أحد عليه ولا تحرك له . فتيقن حينئذ صلاح الدين ذهاب قوة القوم من وال يغريهم . فتقدم إلى جميع الخطباء بأن يخطبوا في الجمعة الآتية للمستضيء ، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر . فكان الذي ابتدأ بالخطبة للمستضيء في الجامع العتيق بمصر أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن الحسين بن أبي المضاء الدمشقي . وكان قدم به أبوه إلى مصر فنشأ بها وقرأ الأدب ، ورحل إلى دمشق وبغداد وتفقه ، وعاد إلى مصر ، واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين فولاه الخطابة بمصر ثم بعثه رسولا إلى بغداد ، فمات بدمشق . وولي الخطابة بعده الشيخ أبو إسحاق العراقي . فكتم أهل العاضد ذلك عنه لشدة ما به من المرض . وكان ذلك من أعجب ما يؤرخ ، فإن الخطبة بديار مصر أول ما خطب بها للمعز لدين الله ، أول خلائف الفاطميين بمصر ،
(3/326)

"""""" صفحة رقم 327 """"""
عمر بن عبد السميع العباسي الخطيب بجامع عمرو ، كما تقدم ذكره ، وكان الذي قطع خطبة العاضد ، آخر خلائفهم ، رجل عباسي . ومثله في الغرابة أن الفاطميين لم يتمكنوا من الديار المصرية حتى قصدوها بعساكرهم مرتين مع القائم بن المهدي ولم يفتح ، وفتحوها في الثالثة على يد جوهر ؛ وكذا حصل في زوالهم من مصر فإن شيركوه قصد مصر مرتين ورجع ، ثم قصدها في المرة الثالثة واستقر بها حتى أزالت عساكره الدولة .
في ثامنه أمر صلاح الدين بركوب عساكره كلها قديمها وجديدها ، بعد أن تكامل سلاحهم وخيولهم ، وخرج لعرضهم ، وهي تمر عليه موكباً بعد موكب وطلباً بعد طلب . والطلب بلغة الغز هو الأمير المقدم الذي له علم معقود وبوق مضروب وعدة من الجند ما بين مائتي فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا . واستمر طول النهار في عرضهم . وكانت العدة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلباً والغائب منها عشرون طباً ، وتقدير العدة أربعة عشر ألف فارس .
في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرم ، عشية يوم عاشوراء ، نفذ حكم الله المقدور ، وقضاؤه الذي يستوي فيه الآمر والمأمور ، في العاضد لدين الله ، في الثلث الأول من ليلة الاثنين يوم عاشوراء ، وقامت عليه الواعبة ، وعظمت ضوضاء الأصوات النادبة ، حتى كأن القيامة قد قامت . وكان بين وضع اسمه من أعواد المنابر ورفع جسمه على أعواد النعش ثلاثة أيام . فاعتني به صلاح الدين عن أن يبتذل أو يهان بعد الموت ، وكان من معه من الأمراء يريدون ذلك ؛ وأمر بكف الأيدي واعتقال الألسنة عن التعرض إليه بسوء ؛ وركب معزياً لأهل القصر . وأمر بتجهيزه وقد أظهر الكآبة والحزن وأجرى دمعه ، ووعد أهله بحسن الخلافة على أيتام العاضد وهم ثلاثة عشر ولداً : أبو الحسن ، وأبو سليمان داود ، وأبو الحجاج يوسف ، وأبو الفتوح ، وأبو إسحاق إبراهيم ، وأبو الفضل
(3/327)

"""""" صفحة رقم 328 """"""
جعفر ، وأبو داود موسى ، وأبو زكريا يحيى ، وعبد القوي ، وعبد الكريم ، وعبد الصمد ، وأبو اليسر ، وأبو القاسم عيسى .
وأمر بإنشاء الكتب إلى البلاد بذكر وفاة العاضد وأن الخطبة استقرت للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين العباسي ، وألا يخوض أحد في شأن العاضد ولا يطعن في سلطان . وكتب إلى نور الدين بموت العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء كما أشار به مع ابن أبي عصرون .
وفي حادي عشره عمل الباقي بالإيوان ، وحضر السلطان صلاح الدين ؛ وكان محفلا حافلا وجمعاً حاشداً ، فيه خلق من الزوايا وأهل التصوف وغيرهم . واهتم بما يحمل من أطعمة العزاء .
وكانت النفوس متطلعةً إلى إقامة خليفة بعد العاضد من أهله يشار إليه بالأمر ، فلم يرض ذلك صلاح الدين .
ومات العاضد وعمره إحدى وعشرون سنة غير عشرة أيام ، منها في الخلافة إلى أن أعيدت دولة بني العباس في مستهل المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوماً . وكان كريماً سمحاً لطيفاً ، لين الجانب ، يغلب عليه الخير وينقاد إليه . وكان أسمر حلو السمرة كبير العينين أزج الحاجبين ، في أنفه حلس وفي منخريه انتشار ، وفي شفتيه غلظ .
(3/328)

"""""" صفحة رقم 329 """"""
وترك العاضد من الولد الأمير داود ، والأمير عليا ويقال أبو علي ، والأمير عبد الكريم ، وتميماً ، وموسى ، وعبد القوي ، وجعفر ، وعبد اصمد ، وأبا الفتوح ، وحيدرة ، وإبراهيم ، ويحيى ، وجبريل ، وعيسى ، وسليمان ، ويوسف غير أن أيامه كانت ذات مخاوف وتهديدات ، وقاسى شاوراً وتلوناته ومخايلاته ، ثم محاصرة الفرنج ومضايقته . وفي أيامه احترقت مصر وذهبت أموال أهلها وزالت نعمتهم بالحريق والنهب . وكان متغالياً في مذهبه شديدا على من خالفه . ولم يكن فيمن ولي من أبائه من أبوه غير خليفة سواه ومن قبله الحافظ ، وما عداهما فلم يل منهم أحد الخلافة إلا من كان أبوه خليفة .
وقال ابن خلكان : سمعت جماعة من المصريين يقولون إن هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقاباً تصلح للخلفاء حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب ، فكتب لهم ألقاباً كثيرةً ، وآخر ما كتب في الورقة العاضد ، فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقب بالعاضد ؛ وهذا من عجيب الاتفاق . قال : وأخبرني أحد علماء المصريين أيضا أن العاضد رأى في آخر دولته في منامه كأنه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغته ، فلما استيقظ ارتاع لذلك وطلب بعض معبري الرؤيا وقص عليه المنام ، فقال ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد ، فطلب والي مصر وأمره يكشف عمن هو مقيم في المسجد المذكور ، وكان العاضد يعرفه . فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلا صوفياً ، فأخذه ودخل به على العاضد ، فلما رآه سأله من أين هو ، ومتى قدم البلاد ، وفي أي شيء قدم ، وهو يجاوبه عن كل سؤال . فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئاً وقال له : يا شيخ ادع لنا ، وأطلق سبيله ؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد . فلما استولى صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ذلك
(3/329)

"""""" صفحة رقم 330 """"""
لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الإعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة ، وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد وهو نجم الدين الخبوشاني فإنه عدد مساوئ القوم وسلب عنهم الإيمان ، وأطال الكلام في ذلك ؛ فصحت بذلك رؤيا العاضد .
وحكى الشريف الجليس أن العاضد طلبه يوماً ، فلما دخل عليه رأى عنده مملوكين من الترك عليهما أقبية ، فسأله عنهما ، فقال له : هذه هيئة الذين يملكون ديارنا ويأخذون أموالنا ؛ فلما دخل الغز كانت هيئتهم كهيئة هذين المملوكين .
ومن العجيب أنه لم يمت بالقصر منهم إلا المعز أولهم بمصر والعاضد آخرهم ، وعدتهم أربعة عشر دفنوا كلهم بالتربة في المجلس ؛ فلو اتفق أنه مات آخر لم يوجد له عندهم مكان يدفن فيه لامتلائه بقور الأربعة عشر ، وهذا أيضاً من عجيب أمرهم .
ولما مات العاضد استولى صلاح الدين على جميع ما كان في القصر ، فإن قراقوش قام بحفظه ، فلم يجد فيه كثير مال ، لكنه وجد فيه من الفرش والسلاح والذخائر والتحف ما يخرج عن الإحصاء ، ووجد فيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا من مثله ، ومن الجواهر ما لا يوجد عند غيرهم مثله . منها حبل ياقوت زنته سبعة عشر درهماً أو سبعة عشر مثقالا ، ونصاب زمرد طوله أربعة أصابع في عرض كبير ، ولؤلؤ كثير ،
(3/330)

"""""" صفحة رقم 331 """"""
وإبريق من حجر مانع يسع مائه رطل ماء ، وسبعمائة يتيمة بزهر ، والطبل الذي صنع لإزالة القولنج ، وكان بالقرب من موضع العاضد ، فلما احتاطوا بالقصر ظنوه عمل للعب فسخروا من العاضد ، وضرب عليه إنسان فضرط فتضاحك من حضر منهم ، ثم ضرب عليه آخر فضرط ، ثم آخر من بعد فضرط ، حتى كثر ذلك فألقاه من يده فتكسر ؛ وقيل للسلطان عليه وأنه عمل للقولنج فندم على كسره .
ووجد من الكتب النفيسة ما لا يعد ؛ ويقال إنها كانت ألف ألف وستمائة ألف كتاب ، منها مائة ألف مجلد بخط منسوب ، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري ؛ فباع السلطان جميع ذلك ، وقام البيع فيها عشر سنين .
ونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم . وأخرج سائر ما في القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم . وخلا القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس .
وكانت مدة الدولة الفاطمية بالمغرب ومصر منذ دعي للمهدي عبيد الله برقادة من القيروان إلى حين قطعت من ديار مصر مائتي سنة وتسعاً وستين سنة وسبعة أشهر وأياماً ، أولها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين وآخرها سلخ ذي الحجة سنة ست وستين وخمسمائة . منها بالمغرب إلى حين قدوم القائد جوهر إلى مصر أحد وستون سنة وشهران وأيام ؛ ومنها بالقاهرة ومصر مائتا سنة وثماني سنين . وما أعجب قول المهدي ابن الزبير في مدح العاضد :
(3/331)

"""""" صفحة رقم 332 """"""
بل عاد للدّنيا الجمال . . . وبدا على الدّين الجلال
أصبحت في الخلفاء را . . . بع عشرهم ، وهو الكمال
فإن الشيء إذا كمل بدأ نقصه ، وبالعاضد تم ملك الفاطميين وزال بموته .
قال ابن سعيد : ولم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها أحسن من قصيدة عمارة ابن علي اليمني الذي قتله صلاح الدين ، وهي :
رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل . . . وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سعيت في منهج الرأي العثور ، فإن . . . قدرت من عثرات الدّهر فاستقل
جدعت مارنك الأقني ، فأنفك لا . . . ينفكّ ما بين قرع السّنّ والحجل هدمت قاعدة المعروف عن عجل . . . سقيت مهلا ، أما تمشي على مهل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبةً . . . على فجيعتنا في أكرم الدّول
قدمت مصر ، فأولتني خلائفها . . . من المكارم ما أربى على الأمل
قومٌ عرفت بهم كسب الألوف ، ومن . . . كمالها أنّها جاءت ولم أسل
وكنت من وزراء الدّست حين سما . . . رأس الحصان بهاديه على الكفل
ونلت من عظماء الجيش مكرمةً . . . وخلّةً حرست من عارض الخلل
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة . . . لك الملامة إن قصّرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين ، وابك معي . . . عليهما ، لا على صفّين والجمل
وقل لأهلهما : والله ما التحمت . . . فيكم جراحي ، ولا قرحي بمندمل
(3/332)

"""""" صفحة رقم 333 """"""
ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلةً . . . في نسل آل أمير المؤمنين علي
هل كان في الأمر شيءٌ غير قسمة ما . . . ملكتم بين حكم السّبي والنّفل
وقد حصلتم عليها ، واسم جدّكم . . . محمّد ، وأبوكم غير منتقل
مررت بالقصر والأركان خالية . . . من الوفود ، وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد . . . من الأعادي ، ووجه الودّ لم يمل
أسبلت من أسفٍ دمعي غداة خلت . . . رحابكم وغدت مهجورة السّبل
أبكى على مأثراتٍ من مكارمكم . . . حال الزّمان عليها وهي لم تحل
دار الضّيافة كانت أُنس وافدكم . . . واليوم أوحش من رسمٍ ومن طلل
وفطرة الصّوم إن أضحت مكارمكم . . . تشكو من الدّهر ضيماً غير محتمل
وكسوة الناس في الفصلين قد درست . . . ورثّ منها جديدٌ عندهم وبلي
وموسم كان في يوم الخليج لكم . . . يأتي تجملكم فيه على الجمل
وأوّل العام والعيدين كم لكم . . . فيهنّ من وبل جودٍ ليس بالوشل
والأرض تهتزّ في يوم الغدير كما . . . يهتزّ ما بين قصريكم من الأسل
والخيل تعرض في وشيٍ وفي شيةٍ . . . مثل الطّواويس في حليٍ وفي حلل
ولا حملتم قرى الأضياف من سعة ال . . . أطباق إلا على الأكتاف والعجل
وما خصصتم ببرٍّ أهل ملّتكم . . . حتّى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للذّمّتين وللضّم . . . يف المقيم ، وللطّاري من الرّسل
(3/333)

"""""" صفحة رقم 334 """"""
ثم الطّراز بتنّيس الذي عظمت . . . منه الصّلات لأهل الأرض والدّول
وللجوامع من أحباسكم نعمٌ . . . لمن تصدّر في علمٍ وفي عمل
وربمّا عادت الدّنيا لمعقلها . . . منكم فأضحت بكم محلولة العقل
والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم . . . ولا نجا من عذاب الله غير ولي
ولا سقى الماء من حرٍّ ومن ظمإ . . . من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل
ولا رأى جنة الله التي خلقت . . . من خان عهد الإمام العاضد بن علي
أئمتي ، وهداتي ، والذّخيرة لي . . . إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي
تالله لم أُوفهم في المدح حقّهم . . . لأنّ فضلهم كالوابل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واستبقت . . . ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل
باب النّجاة هم ، دنيا وآخرةً . . . وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل
نور الهدى ، ومصابيح الدّجا ، ومحلّم . . . الغيث إن ونت الأنواء في المحل
أئمةٌ خلقوا نوراً ، فنورهم . . . من نور خالص نور الله لم يفل
والله لا زلت عن حبّي لهم أبداً . . . ما أخّر الله لي في مدّه الأجل
عمارة قالها المسكين ، وهو علي . . . خوفٍ من القتل ، لا خوف من الزّلل
ووجد على بعض جدران القصر مكتوباً : يا هذه الدنيا عجبت لمولع . . . بك كيف أضحى في هواك يقاد
ما صحّ منك لآل أحمد موعد . . . فكيف منك لغيرهم ميعاد
أمّا نعيمك فهو ظلٌّ زائل . . . وصلاح ما تأتيه فهو فساد
(3/334)

"""""" صفحة رقم 335 """"""
ذكر طرف من ترتيب الدولة الفاطمية
اعلم أن الدولة كانت إذا خلت من وزير صاحب سيف يتغلب عليها فإنه يجلس صاحب الباب في باب القصر المعروف بباب الذهب ، وهو أحد أبواب القصر ، ويقف بين يديه الحجاب والنقباء ، وينادي مناد : يا أرباب الظلامات ؛ فيحضر إليه أرباب الحوائج . فمن كان أمره مما يشاقة به نظر في أمره بمن يتعلق من القضاة أو الولاة ، فيسير إلى ذلك كتاباً بكشف ظلامته . فإن كان مع المتظلم قصة أخذها منه الحاجب ، فإذا اجتمع معه عدة دفعها إلى الموقع بالقلم بالقلم الدقيق فيوقع عليها ، ثم تحمل منه إلى الموقع بالقلم الجليل ليبسط ما أشار إليه الموقع بالقلم الدقيق . فإذا تكاملت حملت في خريطة إلى الخليفة فوقع عليها ، ثم أخرجت في الخريطة إلى الحاجب فيقف بها على باب القصر ويسلم لكل أحد توقيعه .
فإن كان في الدولة وزير صاحب سيف فإنه يجلس يومين في كل أسبوع في مكان معد له في القصر ، ويجلس قبالته قاضي القضاة وعن جانبيه شاهدان معتبران ، ويجلس في جانب الوزير الموقع بالقلم ويليه صاحب ديوان المال ، وبين يديه صاحب المال وأسفهسلار العساكر ، وبين أيديهما النواب والحجاب على طبقاتهم
(3/335)

"""""" صفحة رقم 336 """"""
وكان أجل الخدم صاحب الباب ، وهو من الأمراء المطوقين ؛ ثم الأسفهسلار ، وهو زمام كل زمام وإليه أمور الأجناد ، ثم حامل سيف الخليفة أيام الركوب ؛ ثم زمام الحافظية والآمرية ، وهما أجل الأجناد .
وكانت ولاية الأعمال أجلها ولاية عسقلان ، ثم ولاية قوص ، ثم ولاية الشرقية ، ثم ولاية الغربية ، ثم ولاية الإسكندرية .
وكان قاضي القضاة ينظر في الأحكام الشرعية ، فلما صارت الوزارة إلى أرباب السيوف كان يقلد القضاة نيابة عنه . والقاضي أجل أرباب العمائم رتبة ؛ وتارة يكون داعي الدعاة ، وتارة تفرد الدعوة عنه . ويجلس في يومي الثلاثاء والسبت بزيادة جامع عمرو بن العاص ، وله طراحة ومسند حرير والشهود حوله ؛ وله خمسة من الحجاب اثنان منهما بين يديه واثنان على باب المقصورة واحد ينفذ الخصوم إليه . وله أربعة من الموقعين ، ودواته بين يديه على كرسي محلى بفضة يحمل إليه من الخزائن ولها حامل بجار سلطاني في كل شهر . ويخرج إليه من إصطبل الخليفة بغلة شهباء ، وهي مختصة به دون غيرها ، ويكون عليها سرج محلى ثقيل وراويتان من فضة ، ومكان الجلد حرير .
(3/336)

"""""" صفحة رقم 337 """"""
وتخلع عليه الخلع المذهبة ، فيسير من غير طبل ولا بوق إلا أن يضاف إليه الدعوة فإنه يسير حينئذ بالطبل والبوق ، فإن ذلك من رسوم الداعي مع البنود . فإن كان إنما خلع عليه لوظيفة القضاة فقط فإنه يسير بالعز أرجالاً حوله وبين يديه المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة ، أو الخليفة والوزير إن كان ثم وزير صاحب سيف ؛ ويركب معه يومئذ نواب الباب والحجاب ولا يجلس أحد فوقه ألبتة ، ولا يمكنه حضور جنازة ولا عقد نكاح إلا بإذن ، ولا يقوم لأحد من الناس إذا كان في مجلس الحكم ، ولا ينشئ عدالةً ألبتة إلا بإذن ، فلا تثبت إذا أذن له في إنشائها لأحد حتى يركيه عشرون عدلاً من عدول البلد بين مصر والقاهرة ويرضاه الشهود كلهم .
فإن كان في الدولة وزير سيف لا يخاطب حينئذ من يتولى الحكم بقاضي القضاة فإنه من نعوت الوزير .
ويصعد القاضي إلى القصر في يومي الخميس والاثنين بكرةً للسلام على الخليفة ؛ وله النواب ، وإليه النظر في دار الضرب لتحرير العيار . ولا يصرف القاضي إلا بجنحة . وكان في الدولة داعي الدعاة ، ورتبته تلي رتبة قاضي القضاة ، ويتزيا بزيه ، ولا بد أن يكون عالماً بمذاهب أهل البيت ، عليهم السلام ، وله أخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبه ؛ وبين يديه اثنا عشر نقيباً ؛ وله نواب في سائر البلاد . ويحضر إليه فقهاء الشيعة بدار العلم ويتفقون على دفتر يقال له مجلس الحكمة يقرأ في كل يوم اثنين وخميس بعد أن تحضر مبيضته إلى داعي الدعاة ويتصفحه ويدخل به إلى الخليفة فيتلوه عليه إن امكن ، ويأخذ خطه عليه في طاهره . ثم يخرج فيجلس على كرسي الدعوة بالإيوان من القصر ، فيقرؤه على الرجال ؛ ثم يخرج ليقرأه على النساء . وله أخذ النجوى من المؤمنين بالأعمال كلها ، ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث ، فيحملها إلى الخليفة .
كان متولي ديوان الإنشاء يخاطب بالأجل ، ويقال له كاتب الدست ، وهو الذي يتسلم
(3/337)

"""""" صفحة رقم 338 """"""
الكتب الواردة ويعرضها على الخليفة من يده ثم يأمر بتنزيلها والجواب عنها . والخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه شيء متى جاء ، وهذا أمر لا يصل إليه غيره ، وربما بات عنده . وجارية في كل شهر مائة وعشرون ديناراً ، مع الكسوة والرسوم ؛ ولا يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع بكتابه إلا الخواص ، وله حاجب من الأمراء وفراشون ومرتبة هائلة ، ومخاد ومسند ، ودواة بغير كرسي وهي من أنفس الدوي ، ولها أستاذ من خدام الخليفة برسم حملها .
ولا بد للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إلى علمه من كتابات وتجويد الخط ومعرفة الأحاديث وسير الخلفاء ونحو ذلك ، يجتمع به أكثر أيام الأسبوع ، وبرسمه أستاذ محنك يحضر فيكون ثالثهما ، فيقرأ ملخص السير ويكرر عليه ذكر مكارم الأخلاق . ورتبته عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست ، ويكون صحبته دواة محلاة . فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغدة فيها عشرة دنانير وقرطاساً فيه ثلاثة مثاقيل ند مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ثاني مرة . وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق ، كما تقدم ، ويجلس حال التوقيع على طراحة ومسند ، وله فراشون من فراشي الخاص تقدم له ما يوقع عليه . ويختص به موضع من ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن .
ورأس أصحاب دواوين المال من يلي النظر على الدواوين وله العزل والولاية ، وهو الذي يعرض الأوراق على الخليفة أو الوزير ، ويعتقل من شاء بكل مكان ؛ ويجلس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة ، وتخرج له الدواة بغير كرسي ويندب من يطلب الحساب ، ويحث في طلب المال ومطالبة أرباب الضمانات .
وكان لهم ديوان التحقيق ، ومقتضاه المقابلة على الدواوين ولمتوليه الخلع والرتبة والحاجب ، ويلحق بناظر الدواوين .
وديوان المجلس ، وفيه علوم الدولة ، وهو أصل الدواوين ، وفيه عدة كتاب لكل منهم
(3/338)

"""""" صفحة رقم 339 """"""
مجلس معد ومعتاد . وصاحب هذا الديوان هو الذي يتحدث في الإقطاعات ، ويخلع عليه ، وهو لاحق بديوان النظر ، ويجلس بالمرتبة والمسند والدواة والحاجب .
والتوقيع بالقلم الجليل يسمى الخدمة الصغرى ، ولمتوليها الطراحة والمسند بغير حاجب ، بل ويندب له فراش لترتيب ما يوقع عليه ، ولا يوقع الخليفة عليه بيده إذا كان وزيره صاحب سيف إلا في أربعة مواضع : إذا رفعت إليه قصة وقع عليها يعتمد ذلك إن شاء ، أو كتب بجانبها الأيمن يوقع بذلك ، فيخرج إلى صاحب ديوان المجلس دون غيره فيوقع جليلا ، ويدخل بها إلى الخليفة ثانيا فيضع علامته عليها . وكانت علامتهم كلهم الحمد لله رب العالمين ؛ ثم يخرج بها فتثبت في الدواوين . أو يوقع في مسامحة ، أو تسويغ ، أو تحبيس ما مثاله : قد أنعمنا بذلك ، أو قد أمضينا ذلك . فإذا أراد الخليفة الاطلاع على شيء وقع ليخرج الحال في ذلك ، فإذا خرج الحال عاد إليه ليعلم عليه ، فإن كان الوزير صاحب سيف وقع الخليفة بخطه : وزيرنا السيد الأجل ، واللقب المعروف به ، أمتعنا الله ببقائه ، يتقدم بإنجاز ذلك إن شاء الله . فيكتب الوزير تحت خطه . يمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، ثم يثبت في الدواوين .
ولديوان الجيش مستوف مسلم له غيرة ، ويجلس بطراحة لحركة العرض والحلي والشيات . وفي هذا الديوان خازنان برسم رفع الشواهد ، فإذا عرض الجندي حلي وذكرت صفات فرسه ، ولا يثبت له إلا الفرس الجيد ، ولا يثبت له برذون ولا بغل ، ويقف بين يدي هذا المستوفي نقباء الأجناد لإنهاء أمور الأجناد ، وفسح للأجناد في آخر الدولة أن يقابض بعضهم بعضاً . وديوان الرواتب فيه أسماء كل مرتزق في الدولة ضمن له جار وجراية ، وكاتبه يجلس بطراحة وتحت يده عشرة كتاب ، وترد إليه التعريفات من سائر الأعمال باستمرار ما هو مستمر ومباشرة من يستجد وموت من مات ليوجب استحقاقه .
(3/339)

"""""" صفحة رقم 340 """"""
وفي هذا الديوان عدة عروض . أولها : راتب الوزير وهو في الشهر خمسة آلاف دينار ، ولكل من أولاده وإخوته من ثلثمائة دينار إلى مائتي دينار . وقرر لشجاع بن شاور خمسمائة دينار ، ولكل من حواشي من خمسمائة دينار إلى ثلثمائة ، وذلك سوى الإقطاعات .
وثانيها : حواشي الخليفة ، وأولهم الأستاذون المحنكون ؛ وهم : زمام القصر ، وصاحب بيت المال ، وحامل الرسالة ، وصاحب الدفتر ، وشاد التاج الشريف ، وزمام الأشراف الأقارب ، وصاحب المجلس ؛ ولكل منهم مائة دينار في الشهر . ولمن يلي هؤلاء يتناقص عشرة ، وهكذا إلى من يكون جاريه عشرة دنانير . وعدة هؤلاء ألف فما فوقها ، وهم خصيصون ؛ وللطبيب الخاص مائة دينار في الشهر ، ولعدة من الأطباء برسم أهل القصر كل منهم عشرة دنانير .
ثالثها : أرباب الرتب بحضرة الخليفة ، وأولهم كاتب الدست الشريف ، وجاريه في الشهر مائة وخمسون دينارا ، ولكل من كتابه ثلاثون ديناراً ؛ ولمتولي مجالسة الخليفة والتوقيع بالقلم الدقيق في المظالم مائة دينار ؛ ولصاحب الباب مائة وعشرون ديناراً ، ولكل من حامل السيف وحامل الرمح سبعون دينارا ؛ ولكل من أزمة العساكر والسودان مائتان وخمسون دينارا إلى أربعين ديناراً إلى ثلاثين ديناراً .
رابعها : قاضي القضاة ، وله في الشهر مائة دينار ؛ ولداعي الدعاة مائة دينار ؛ وكل من قرأ الحضرة من عشرين ديناراً إلى خمسة عشر إلى عشرة دنانير ؛ ولكل من خطباء الجوامع من عشرين ديناراً إلى عشرة دنانير ؛ ولكل من الشعراء من عشرين ديناراً إلى عشرة دنانير .
خامسها : أرباب الدواوين ، وأولهم متولي ديوان النظر ، وله في الشهر سبعون ديناراً ؛ ولمتولي ديوان التحقيق خمسون ديناراً ؛ ولمتولي ديوان المجلس أربعون ديناراً ؛ ولصاحب دفتر المجلس خمسة وثلاثون دينارا ، ولكاتبه خمسة دنانير ؛ ولمتولي ديوان الجيش أربعون
(3/340)

"""""" صفحة رقم 341 """"""
دينارا ، وللموقع بالقلم الجليل ثلاثون دينارا ؛ ولكل من أصحاب دواوين المعاملات عشرون دينارا ؛ ولكل معين عشرة دنانير وفيهم من له سبعة وخمسة .
سادسها : المستخدمون بالقاهرة ومصر في خدمة الواليين ، لكل منهم خمسون دينارا ؛ ولحماة الأهراء والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك لكل منهم من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة .
سابعها : الفراشون برسم خدمة القصور ؛ ومنهم برسم خدمة الخليفة خمسة عشر ، منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ ؛ وجاريهم من ثلاثين دينارا إلى ما حولها سوى الرسوم ؛ ويليهم الرشاشون ونحوهم ، وعدتهم ثلثمائة فراش مولاهم أستاذ ، وجاري كل منهم من عشرة دنانير إلى خمسة .
ثامنها : صبيان الركاب وهم ينيفون على ألفي رجل ، ولهم اثنا عشر مقدما أكبرهم مقدمو الركاب ، ومقدم المقدمين منهم هو صاحب ركاب الخليفة الأيمن ؛ ولكل من المقدمين في الشهر خمسون ديناراً . وصبيان الركاب أربع جوق ، جوقة لكل منهم في الشهر عشرون
(3/341)

"""""" صفحة رقم 342 """"""
ديناراً ، ويليهم من له خمسة عشر ثم عشرة ثم خمسة دنانير ، وهم يندبون إلى الأعمال ويحملون المخلفات لركوب الخليفة في الأعياد والمواسم .
وكان لنقيب الأشراف اثنا عشر نقيبا ، ويخلع عليه فيسير بالطبل والبوق والبنود مثل الأمراء ، وله ديوان ومشارف وعامل ونائبه ؛ وجاريه في الشهر عشرون دينارا ، ولمشارف ديوانه عشرة دنانير ، ولنائبه في النقابة ثمانية دنانير ، وللعامل خمسة دنانير .
وللمحتسب عدة نواب بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال ، ويجلس بجامع القاهرة ومصر يوما بعد يوم ، وتطوف نوابه على أرباب المعايش . ويخلع على المحتسب ويقرأ سجله على منبر جامع عمرو بن العاص .
وكانت لهم خدمة يقال لها النيابة ، ومتوليها يتلقى الرسل الواردين من الملوك ؛ وكانت خدمة جليلة لمتوليها نائب ، ومن خواصه أنه ينعت أبداً كل من يليها بغذي الملك ، وله النظر في دار الضيافة ، ويعرف هذا اليوم بالمهمندار . وكان له في الشهر خمسون ديناراً وفي كل يوم نصف قنطار خبز مع بقية الرسوم . وللخدمة في ديوان الصعيد عدة كتاب ؛ ولأسفل الأرض ديوان ؛ وللثغور ديوان ؛ وللجوالي ديوان ، وللمواريث ديوان ، ولديوان الخراجي والهلالي عدة دواوين ، منها ديوان الرباع ، وديوان المكوس ، وديوان الصناعة ، وديوان الكراع وفيه معاملات الإصطبلات وما فيها ، وديوان الأهراء ، وديوان المناخات ، وديوان العمائر ومحله بصناعة مصر لإنشاء الأسطول ومراكب الغلات السلطانية والأحطاب ، وكانت تزيد على خمسين عشارياً وعشرين
(3/342)

"""""" صفحة رقم 343 """"""
ديماساً ، منها عشرة خاصة برسم ركوب الخليفة أيام الخليج والبقية برسم ولاة الأعمال تجرد إليهم وينفق عليها من الديوان ؛ وديوان الأحباس .
وكانت عادتهم إذا انقضى عيد النحر عمل الاستيمار ويثبت فيه جميع ما يشتمل عليه مصروف تلك السنة من عين وورق وغلة وغيرها مفصلا بالأسماء ، وأولهم الوزير حتى ينتهي إلى أرباب الضوء ، ثم يعمل في ملف حريري يشد له جوهر يشده ؛ وكان يبلغ في السنة ما يزيد على مائة ألف دينار عيناً ومائتي ألف درهم فضة وعشرة آلاف إردب غلة ؛ ويعرض على الخليفة ، فيستوعبه ، ويشطب على بعضه وينقص قوماً ويزيد قوماً ويستجد آخرين بحسب ما يعن له . فيحمل الأمر على الشطب . وعمل مرة في أيام المستنصر بالله ، فوقع بظاهره : الفقر مر المذاق ، والحاجة تذل الأعناق ، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق ؛ فليجروا على رسومهم في الإطلاق . ' مَا عِنْدكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ باقٍ ' .
وكان من عادتهم إخراج الكسوة في كل سنة لجميع أهل الدولة من صغير وكبير في أوقات معروفة ؛ فبلغت كسوة الصيف والشتاء في السنة ستمائة ألف دينار ونيف .
وكانوا يتأنقون في المآكل ، حتى إن الخادم والسائس من غلمانهم ينفق في كل يوم على طعامه العشرة دنانير والعشرين ديناراً لسعة أحوالهم .
وكانوا يفرقون في أول كل سنة دنانير يسمونها دنانير الغرة تبلغ خمسمائة دينار في السنة ، فيتبرك بها من يأتيه منها برسوم مقررة لكل أحد .
وإذا أهل رمضان لا يبقى أمير ولا مقدم إلا ويأتيه طبق لنفسه ، ولكل واحد من أولاده ونسائه طبق فيه أنواع الحلوى العجيبة الفاخرة .
وكانت خلعهم ثمينةً جداً بحيث يبلغ طراز الخلعة خمسمائة دينار ذهبا ، ويختص الأمراء في الخلع بالأطواق والأساورة الذهب مع السيوف المحلاة ؛ ويتشرف الوزير عوضاً عن الطوق بعقد جوهر فكاكه خمسة آلاف دينار يحمل إليه ، ويختص بلبس الطيلسان المقور .
(3/343)

"""""" صفحة رقم 344 """"""
ولا يركب الخليفة إلا بمظلة منسوجة بالذهب مرصعة بالجوهر .
وسيأتي من إيراد خربات ترتيبهم وحكاية أمور دولتهم عند ذكر خطط القاهرة إن شاء الله ما يعرفك مقدار ما كانوا فيه من أمور الدنيا وحقارة من جاء بعدهم . فلله عاقبة الأمور .
(3/344)

"""""" صفحة رقم 345 """"""
ذكر ما عيب عليهم
لا شك في أن القوم كانوا شيعةً يرون تفضيل علي بن أبي طالب على من عداه من الصحابة ، وكانوا ينتحلون من مذاهب الشيعة مذهب الإسماعيلية وهم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وتنقلها في أولاده الأئمة المستورين إلى عبيد الله المهدي ، أول من قام منهم بالمغرب . وبقية الشيعة لا يقولون بإمامة إسماعيل ، وينكرون عليهم ذلك أشد الإنكار .
وكانوا مع انتحالهم مذهب التشيع غلاةً في الرفض ؛ إلا أن أولهم كانوا أكابر صانوا أنفسهم عما تحرف به آخرهم . ثم إن الحاكم بأمر الله أكثر من النظر في العقائد ، وكان قليل الثبات سريع الاستمالة ، إذا مال إلى اعتقاد شيء أظهره وحمل الناس عليه ، ثم لا يلبث أن يرجع عنه إلى غيره فيريد من الناس ترك ما كان قد أهم به والمصير إلى ما استحدثه ومال إليه . واقترن به رجل يعرف باللباد والزوزني فأظهر مذاهب الباطنية ، وقد كان عند أولهم منها طرف ، فأنكر الناس هذا المذهب لما يشتمل عليه مما لم يعرف عند سلف الأمة وتابعيهم ولما فيه من مخالفة الشرائع .
فلما كانت أيام المستنصر وفد إليه الحسن بن الصباح ، فأشاع هذا المذهب في الأقطار ودعا الكافة إليه ، واستباح الدماء بمخالفته ؛ فاشتد النكير ، وكثر الصائح عليهم من كل ناحية حتى أخرجوهم عن الإسلام ونفوهم عن الملة .
ووجد بنو العباس السبيل إلى الغض منهم لما مكنوا من البغض فيهم وقاسوه من الألم بأخذه ما كان بأيديهم من ممالك القيروان وديار مصر والشام والحجاز واليمن وبغداد أيضا ، فنفوهم عن الانتساب إلى علي بن أبي طالب ، بل وقالوا إنما هم من أولاد اليهود ؛ وتناولت الألسنة ذلك ، فملئوا به كتب الأخبار . ثم لما اتصل بهم الغز ووزر لهم أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين ، وهم من صنائع دولة بني العباس الذين ربوا في أبوابها وغذوا بنعمها ونشئوا على اعتقاد موالاتها
(3/345)

"""""" صفحة رقم 346 """"""
ومعاداة أعدائها ، لم يزدهم قربهم من الدولة الفاطمية إلا نفوراً ، ولا ملأهم إحسانها إليهم إلا حقداً وعداوة لها ، حتى قووا بنعمتها على زوالها ، واقتدروا بها على محوها .
وكانت أساسات دولتهم راسخة في التخوم ، وسيادة شرفهم قد أنافت على النجوم ، وأتباعهم وأولياؤهم لا يحصى لهم عدد ، وأنصارهم وأعوانهم قد ملئوا كل قطر وبلد ؛ فأحبوا طمس أنوارهم ، وتغيير منارهم ، وإلصاق الفساد والقبيح بهم ، شأن العدو وعادته في عدوه .
فتفطن ، رحمك الله ، إلى أسرار الوجود ، وميز الأخبار كتمييزك الجيد من النقود ، تعثر إن سلمت من الهوى بالصواب . ومما يدلك على كثرة الحمل عليهم أن الأخبار الشنيعة ، لا سيما التي فيها إخراجهم من ملة الإسلام ، لا تكاد تجدها إلا في كتب المشارقة من البغداديين والشاميين ، كالمنتظم لابن الجوزي ، والكامل لابن الأثير ، وتاريخ حلب لابن أبي طي ، وتاريخ العماد لابن كثير ، وكتاب ابن واصل الحموي ، وكتاب ابن شداد ، وكتاب العماد الأصفهاني ، ونحو هؤلاء . أما كتب المصريين الذين اعتنوا بتدوين أخبارها فلا تكاد تجد في شيء منها ذلك ألبتة . فحكم العقل ، واهزم جيوش الهوى ، وأعط كل ذي حق حقه ، ترشد إن شاء الله تعالى .
(3/346)

"""""" صفحة رقم 347 """"""
ذكر ما صار إليه أولادهم
ولما مات العاضد غسله ابنه داود وصلى عليه ، وجلس على الشدة ، واستدعى صلاح الدين ليبايعه ، فامتنع ، وبعث إليه : أنا نائب عن أبيك في الخلافة ولم يوص بأنك ولي عهده . وقبض عليه وعلى بقية أولاد العاضد وأقاربه في سادس شعبان سنة تسع وستين وخمسمائة ، ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفر من حارة برجوان في العشر الأخير من شهر رمضان ، ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر القصر ، وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل . وأغلقت القصور وتملكت الأملاك التي كانت لهم ، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على خواص صلاح الدين كثير منها وبيع بعضها . وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه . وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج ، وصار كل من استحسن من الغز داراً أخرج صاحبها منها وسكنها .
ونقلوا إلى قلعة الجبل ، وهم ثلاثة وستون نفراً ، في يوم الخميس ثاني عشري رمضان سنة ثمان وستمائة ، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ثلاثة وعشرون . وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطبنا أبو شعرة بن الدويك والي القاهرة . قال المهدي أبو طالب محمد بن علي ، ابن الخيمي : وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة عوقبت بالقلعة ، فوجدت بها من الأشراف أربعين شريفاً وهم : الأمير سليمان بن داود ابن العاضد ، وأبو الفتوح بن العاضد ، وحيدرة بن العاضد ، وجبريل بن العاضد ، وعلي بن
(3/347)

"""""" صفحة رقم 348 """"""
العاضد ، وعبد القاهر بن حيدرة بن العاضد ، وإسماعيل بن عيسى بن العاضد ، وعبد الوهاب ابن إبراهيم بن العاضد ، وأبو القاسم بن أبي الفتوح ابن العاضد ، وقمر بن علي بن العاضد ، ويحيى بن جبريل بن الحافظ ، وسليمان بن يحيى المذكور ، وتميم بن يحيى المذكور ، وعبد الله ابن أبي الطاهر بن جبريل ، وسليمان بن أبي الطاهر بن جبريل ، وأبو جعفر بن أبي الطاهر ، وعبد الظاهر بن أبي الفتوح بن جبريل ، وأبو الحسن بن أبي اليسر بن جبريل ، وأحمد ابن أبي اليسر بن جبريل ، وأبو الحسن بن أبي العباس حسن بن الحافظ ، وإبراهيم ابن عبد المحسن بن عبد الوهاب بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن المستنصر ، ويونس ابن سليمان بن عبد الخالق بن أبي الحسن بن أبي القاسم ، وأبو اليسر بشارة بن عبد المحسن ابن أبي محمد بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن المستنصر ، وجعفر بن موسى بن محسن ابن داود بن المستنصر ، وعلي بن سليمان بن أبي عبد الله بن داود بن المستنصر ، وأبو الفضل ابن عبد المجيد بن أبي الحسن بن جعفر بن المستنصر ، ويحيى بن صدقة بن شبل بن عبد المجيد بن أبي الحسن بن جعفر بن المستنصر ، وعبد الله كمال بن داود بن داود ابن يحيى بن أبي علي بن جعفر بن المستنصر ، وأبو علي بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبي علي بن جعفر بن المستنصر ، وسليمان بن عبد الصمد بن أبي عبد الله بن عبد الكريم بن أبي ايسر بن جعفر بن المستنصر ، وأبو علي بن عبد الصمد ، أخوه ، وعبد الكريم ابن إبراهيم بن أبي الحسن بن عبد الله بن المستنصر ، وعبد الغني بن أبي الرضا بن أبي الحسن بن عبد الله بن المستنصر ، وعبد الصمد بن سليمان بن محمد بن حيدرة بن عقيل ابن المستنصر ، وإسماعيل بن صدقة بن أبي اليسر بن إسحاق بن المستنصر ، وأبو محمد ابن موسى بن عبد القادر بن أبي الحسن بن إسحاق بن المستنصر ، وعبد الصمد بن حسن ابن أبي الحسن من أولاد المستنصر .
ولم يزالوا معتقلين بقلعة الجبل إلى أن حولوا منها سنة إحدى وسبعين وستمائة .
(3/348)

"""""" صفحة رقم 349 """"""
هذا آخر ما وجد بخط مؤلفه عفا الله عنه آخر كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي .
من كتابة فقير رحمة الله محمد بن أحمد الجيزي الأزهري الشافعي ، لطف الله تعالى به وغفر ذنوبه وستر عيوبه والمسلمين أجمعين .
في سنة أربع وثمانين وثمانمائة .
(3/349)