Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 003



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جرجيس إلى الإيمان فآمنت، وأمرها فكتمت إيمانها فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها، وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك، وأصغى إلى الدنيا، وأطمعه الملك في ملكه، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها! فخرجت العجوز في أعراضهم، تحمل ابنها على عاتقها، وتوبخ جرجيس، والناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الأصنام، ودخل الناس معه، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاما، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، وما تكلم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه سويتين، وما وطيء الأرض قبل ذلك قط بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس قَالَ: اذهب، فادع لي هذه الأصنام، وهي حينئذ على منابر من ذهب، واحد وسبعون صنما، وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فقال له الغلام: كيف أقول للأصنام؟ قَالَ: تقول لها: إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك إلا ما جئته فلما قَالَ لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف، فلما مر بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه وعنقه، وكلمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك، وتهلك الناس معك، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم! فقال له إبليس: لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس، وأظلم عليه الليل، وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفة عين، لاخترت طرفة العين على ذلك كله، وإنه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ألم تعلم يا جرجيس أن الله أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة، فسجد له: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وجميع الملائكة
(2/34)

المقربين، وأهل السموات كلهم، وامتنعت من السجود، فقلت: لا أسجد لهذا الخلق وأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ! * فلما قَالَ هذا خلاه جرجيس، فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخله بعدها- فيما يذكرون- أبدا.
وقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغررتني، وأهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: إنما فعلت ذلك عمدا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذا لامتنعت مني، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي قَالَ: فلما قَالَ هذا جرجيس، كلمتهم امرأة الملك، وذلك حين كشفت لهم إيمانها، وباينتهم بدينها، وعددت عليهم أفعال جرجيس، والعبر التي أراهم وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل الا دعوه فتخسف بكم الأرض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم الله الله أيها القوم في أنفسكم! فقال لها الملك: ويحا لك إسكندرة! ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين، فلم يطق مني شيئا.
قالت له: أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلطه عليك، فيكون له الفلج والحجة عليك في كل موطن! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها، فعلقت بها، وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس فلما ألمت من وجع العذاب قالت: ادع ربك يا جرجيس يخفف عني، فإني قد ألمت من العذاب فقال: انظري فوقك فلما نظرت ضحكت، فقال لها: ما الذي يضحكك؟ قالت: أرى ملكين فوقي، معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج، فإذا خرجت زيناها بذلك التاج، ثم صعدا بها إلى الجنة، فلما قبض الله روحها أقبل جرجيس على الدعاء، فقال: اللهم أنت الذي أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيني به فضائل الشهداء! اللهم فهذا آخر أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهم فانى أسألك ألا تقبض روحي، ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبل لهم به، وما تشفي به صدري، وتقر به عيني، فإنهم ظلموني وعذبوني اللهم وأسألك ألا يدعو
(2/35)

بعدي داع في بلاء ولا كرب فيذكرني، ويسألك باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته، وشفعتني فيه.
فلما فرغ من هذا الدعاء، أمطر الله عليهم النار، فلما احترقوا عمدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظا من شدة الحريق، ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها، وصارت رمادا، حملها الله من وجه الأرض حتى أقلها، ثم جعل عاليها سافلها، فلبثت زمانا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمه أحد إلا سقم سقما شديدا، إلا أنها أسقام مختلفة، لا يشبه بعضها بعضا، فكان جميع من آمن بجرجيس، وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا، وامرأة الملك رحمها الله! ونرجع الآن إلى:
(2/36)

ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم
لسياق تمام التأريخ، إذ كنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس، وبني إسرائيل، والروم، والعرب، الى عهد أردشير.

ذكر ملك أردشير بن بابك
ولما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس مائتان وست وستون سنه، وثب أردشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الاصغر بن بابك، بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجي بن كيمنش- وقيل في نسبه: أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر، بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب- بفارس طالبا- بزعمه- بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار، الذي حارب الإسكندر، فقتله حاجباه، مريدا- فيما يقول- رد الملك إلى أهله، وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف، وجمعه لرئيس واحد وملك واحد.
وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيروده، من رستاق خير من كورة أصطخر وكان جده ساسان شجاعا شديد البطش، وإنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه، أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل اصطخر، ذوي بأس ونجدة، فهزمهم وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك، كانوا بفارس، يعرفون بالبازرنجين، يقال لها: رامبهشت، ذات جمال وكمال، وكان ساسان قيما على بيت نار أصطخر، يقال له بيت
(2/37)

نار أنا هيذ، وكان مغرما بالصيد والفروسية، فولدت رامبهشت لساسان بابك، وطول شعره حين ولدته أطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير.
وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البازرنجين، يقال لَهُ- فِيمَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّد- جوزهر وقال غيره: كان يسمى جزهر، وكان له خصي يقال له تيرى، قد صيره ارجبذا بدارابجرد فلما أتى لأردشير سبع سنين، سار به أبوه إلى جزهر، وهو بالبيضاء، فوقفه بين يديه، وسأله أن يضمه إلى تيرى، ليكون ربيبا له، وأرجبذا من بعده في موضعه فأجابه إلى ذلك، وكتب بما سأله من ذلك سجلا، وصار به إلى تيرى، فقبله أحسن قبول، وتبناه فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر، وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده، وأنه يملك البلاد فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك، ولم يزل يزداد في الخير كل يوم، وأنه رأى في نومه ملكا جلس إلى رأسه، فقال له: إن الله يملكه البلاد، فليأخذ لذلك أهبته، فلما استيقظ سر بذلك، وأحس من نفسه قوة وشدة بطش، لم يكن يعهد مثله.
وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد، يقال له جوبانان، فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار إلى موضع يقال له كونس، فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر، ثم إلى موضع يقال له لروير، فقتل ملكا كان بها يقال له دارا، وملك هذه المواضيع قوما من قبله، ثم كتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء، ففعل ذلك، وقتل جزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أردوان البهلوي ملك الجبال وما يتصل بها، يتضرع له ويسأله الإذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب إليه أردوان كتابا عنيفا، وأعلمه أنه وابنه أردشير على الخلاف بما كان من
(2/38)

قتلهما من قتلا- فلم يحفل بابك بذلك، وهلك في تلك الأيام، فتتوج سابور ابن بابك بالتاج، وملك مكان أبيه، وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه.
فامتنع أردشير من ذلك، فغضب سابور من امتناعه، وجمع جموعا، وسار بهم نحوه ليحاربه، وخرج من إصطخر، فألفى بها عدة من إخوته، كان بعضهم أكبر سنا منه، فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك، فسلم الجميع لأردشير، فتتوج بالتاج، وجلس على السرير، وافتتح أمره بقوة وجد، ورتب قوما مراتب، وصير رجلا يقال له أبرسام بن رحفر وزيرا، وأطلق يده وفوض إليه، وصير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعة منهم كثيرة ثم أتاه ان اهل دارابجرد قد فسدوا عليه، فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من أهلها ثم سار إلى كرمان، وبها ملك يقال له: بلاش، فاقتتل وهو قتالا شديدا، وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش، واستولى على المدينة، فملك أردشير على كرمان ابنا له يقال له أردشير أيضا.
وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود، كان يعظم ويعبد، فسار إليه أردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين، وقتل من كان حوله، واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعة فيها، وكتب الى مهرك، وكان ملك ايراهسان من أردشير خرة، وإلى جماعة من أمثاله في طاعته، فلم يفعلوا، فسار إليهم، فقتل مهرك، ثم سار إلى جور، فأسسها، وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال، وبيت نار هناك.
فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الأردوان بكتاب منه، فجمع أردشير الناس لذلك، وقرأ الكتاب بحضرتهم، فإذا فيه: إنك قد عدوت طورك، واجتلبت حتفك، أيها الكردي المربى في خيام الأكراد! من أذن لك في التاج الذي لبسته، والبلاد التي احتويت عليها وغلبت ملوكها وأهلها! ومن أمرك ببناء المدينة التي أسستها في صحراء- يريد جور- مع أنا إن خليناك
(2/39)

وبناءها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينة، وسمها رام أردشير وأعلمه أنه قد وجه اليه ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق.
فكتب إليه أردشير: إن الله حباني بالتاج الذي لبسته، وملكني البلاد التي افتتحتها، وأعانني على من قتلت من الجبابرة والملوك، وأما المدينة التي ابنيها واسميها رام اردشير، فأنا أرجو أن أمكن منك، فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذي أسسته في أردشير خرة.
ثم شخص أردشير نحو إصطخر، وخلف أبرسام بأردشير خرة، فلم يلبث أردشير إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز، وانصرافه منكوبا ثم سار إلى أصبهان فأسر شاذ سابور ملكها، وقتله، ثم عاد إلى فارس، وتوجه لمحاربة نيروفر صاحب الاهواز، وسار الى الرجان والى بنيان وطاشان من رامهرمز، ثم إلى سرق فلما سار إلى ما هنالك، ركب في رهط من أصحابه، حتى وقف على شاطئ دجيل، فظفر بالمدينة، وابتنى مدينة سوق الأهواز، وانصرف إلى فارس بالغنائم، ثم ارتحل من فارس راجعا إلى الأهواز على طريق جره وكازرون، ثم صار من الأهواز إلى ميسان، فقتل ملكا كان بها يقال له بندو، وبنى هنالك كرخ ميسان، ثم انصرف إلى فارس، وأرسل إلى أردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه، فأرسل إليه أردوان: إني أوافيك في صحراء تدعى هرمزجان، لانسلاخ مهر ماه فوافاه أردشير قبل الوقت، وتبوأ من الصحراء موضعا، وخندق على نفسه وجنده، واحتوى على عين كانت هناك، ووافاه أردوان فاصطف القوم للقتال، وقد تقدم سابور بن أردشير دافعا عنه، ونشب القتال بينهم، فقتل سابور دارا بنداذ، كاتب أردوان بيده، فانقض أردشير من موضعه إلى أردوان حتى قتله، وكثر القتل في أصحابه، وهرب من بقي على وجهه ويقال: إن أردشير نزل حتى توطأ رأس أردوان بقدمه وفي ذلك اليوم سمي أردشير شاهنشاه
(2/40)

ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وإرمينية والموصل عنوة، ثم سار من الموصل إلى سورستان، وهي السواد فاحتازها، وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون- وهي المدينة التي في شرقي المدائن- مدينة غربية وسماها به أردشير، وكورها وضم إليها بهرسير، والرومقان، ونهر درقيط، وكوثى ونهر جوبر، واستعمل عليها عمالا، ثم توجه من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم جرجان، ثم إلى أبرشهر، ومرو، وبلخ، وخوارزم، إلى تخوم بلاد خراسان ثم رجع إلى مرو، وقتل جماعة وبعث رءوسهم إلى بيت نار أناهيذ، ثم انصرف من مرو إلى فارس ونزل جور، فأتته رسل ملك كوشان، وملك طوران، وملك مكران بالطاعة ثم توجه أردشير من جور إلى البحرين، فحاصر سنطرق ملكها، واضطره الجهد إلى أن رمى بنفسه من سور الحصن، فهلك ثم انصرف إلى المدائن، فأقام بها وتوج سابور ابنه بتاجه في حياته.
ويقال: انه كانت بقرية يقال لها ألار، من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خرة ملكة تعظم وتعبد، فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتلة فحارب أردشير سدنتها وقتلها، وغنم أموالا وكنوزا عظاما كانت لها: وإنه كان بنى ثماني مدن، منها بفارس مدينة أردشير خرة، وهي جور، ومدينة رام أردشير، ومدينة ريو أردشير، وبالأهواز هرمز أردشير، وهي سوق الأهواز، وبالسواد به أردشير، وهي غربي المدائن، وإستاباذ أردشير، وهي كرخ ميسان، وبالبحرين فنياذ أردشير، وهي مدينة الخط، وبالموصل بوذ أردشير، وهي حزه
(2/41)

وذكر أن أردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتبا بليغة، احتج عليهم فيها، ودعاهم إلى طاعته، فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده، ولم يزل محمودا مظفرا منصورا، لا يفل له جمع، ولا ترد له راية، وقهر الملوك حول مملكته واذلهم، وأثخن في الأرض، وكور الكور، ومدن المدن، ورتب المراتب، واستكثر من العمارة وكان ملكه من وقت قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة وقال بعضهم: كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر.
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: قدم أردشير في أهل فارس يريد الغلبة على الملك بالعراق، فوافق بابا ملكا كان على الأرمانيين، ووافق أردوان ملكا على الأردوانيين.
قَالَ هشام: الأرمانيون أنباط السواد، والأردوانيون أنباط الشام.
قَالَ: وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك، فاجتمعا على قتال أردشير فقاتلاه متساندين، يقاتله هذا يوما، وهذا يوما، فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير، فلما رأى ذلك أردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه وأردوان، ويخلي أردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها، وتفرغ أردشير لحرب أردوان، فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له، وسمع له، وأطاع بابا، فضبط أردشير ملك العراق ودانت له ملوكها، وقهر من كان يناوئه من أهلها، حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه.
ولما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته، وأن يدينوا له، فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم، ومالك بن زهير وغيرهم، فلحقوا بالشام إلى من هنالك من قضاعة.
وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث، أو تضيق بهم
(2/42)

المعيشة، فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث:
ثلث تنوخ، وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات، فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها والثلث الثاني العباد، وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها والثلث الثالث الأحلاف، وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة، ونزلوا فيهم، ممن لم يكن من تنوخ الوبر، ولا من العباد الذين دانوا لأردشير.
وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة، إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي، باتخاذه إياها منزلا، فعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة، ونزلها الإسلام، فكان جميع ملك عمرو بن عدي مائة سنة وثماني عشرة سنة، من ذلك في زمن أردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة، من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران
(2/43)

ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك
ولما هلك أردشير بن بابك، قام بملك فارس من بعده ابنه سابور.
وكان أردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الأشكانية، الذين منهم كان ملوك الطوائف، حتى أفناهم بسبب ألية كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن إسفنديار الأكبر، جد أردشير بن بابك، كان آلاها، أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خرة أحدا، وأوجب ذلك على عقبه، وأوصاهم بألا يبقوا منهم أحدا إن هم ملكوا، أو ملك منهم أحد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك، فقتلهم جميعا، نساءهم ورجالهم، فلم يستبق منهم أحدا لعزمة جده ساسان.
فذكر أنه لم يبق منهم أحد، غير أن جارية كان وجدها أردشير في دار المملكة، فأعجبه جمالها وحسنها، فسألها- وكانت ابنة الملك المقتول- عن نسبها فذكرت أنها كانت خادما لبعض نساء الملك، فسألها: أبكر أنت أم ثيب؟ فأخبرته أنها بكر، فواقعها واتخذها لنفسه، فعلقت منه، فلما أمنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل، أخبرته أنها من نسل أشك، فنفر منها ودعا هرجبذا أبرسام- وكان شيخا مسنا- فأخبره أنها أقرت أنها من نسل أشك، وقال: نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان، وإن كان موقعها من قلبي على ما قد علمت، فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى، فأتى بها القوابل، فشهدن بحبلها، فأودعها سربا في الأرض، ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق، ثم ختم عليه، ورجع إلى الملك، فقال له الملك: ما فعلت؟ قَالَ: قد استودعتها بطن الأرض، ودفع الحق إليه، وسأله أن يختم عليه بخاتمه، ويودعه بعض خزائنه ففعل، فأقامت الجارية عند الشيخ، حتى وضعت غلاما، فكره الشيخ أن يسمي ابن الملك دونه،
(2/44)

وكره أن يعلمه به صبيا حتى يدرك، ويستكمل الأدب وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبي ساعة ولد، وأقام له الطالع، فعلم عند ذلك أن سيملك، فسماه اسما جامعا يكون صفة واسما ويكون فيه بالخيار إذا علم به، فسماه شاه بور، وترجمتها بالعربية: ابن الملك، وهو أول من سمي هذا الاسم، وهو سابور الجنود بالعربية، بن أردشير وقال بعضهم: بل سماه اشه بور، ترجمتها بالعربية: ولد أشك، الذي كانت أم الغلام من نسله.
فغبر أردشير دهرا لا يولد له، فدخل عليه الشيخ الأمين، الذي عنده الصبي، فوجده محزونا، فقال: ما يحزنك أيها الملك؟ فقال له أردشير:
وكيف لا أحزن، وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت بحاجتي، وصفا لي الملك ملك آبائي، ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب، ولا يكون لي فيه بقية! فقال له الشيخ: سرك الله أيها الملك وعمرك! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع بالحق الذي استودعتك، وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك.
فدعا أردشير بالحق، فنظر إلى نقش خاتمه، ثم فضه، وفتح الحق، فوجد فيه مذاكير الشيخ، وكتابا فيه: إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها، لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا، وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا، وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله، وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك أن يهيئه في مائة غلام وقال بعضهم: في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي ولا قامة ولا أدب، ففعل ذلك الشيخ، فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا
(2/45)

فأخرجوا إلى حجرة الإيوان، فأعطوا صوالجة، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره، فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه، فكاع الغلمان جميعا أن يدخلوا الإيوان، وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه، وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه، ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية:
ما اسمك؟ فقال الغلام: شاه بور، فقال: أردشير: شاه بور! فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره، وعقد له التاج من بعده.
وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس- قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه- عقلا وفضلا وعلما، مع شدة بطش، وبلاغة منطق، ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه العظماء، فدعوا له بطول البقاء، وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله، فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده، ووعدهم خيرا.
ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال، فوسع بها على الناس، وقسمها فيمن رآه لها موضعا، من الوجوه والجنود وأهل الحاجة، وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم، فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد، والشريف والوضيع، والخاص والعام ما عمهم ورفغت معايشهم ثم تخير لهم العمال، وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا، فبان فضل سيرته، وبعد صوته، وفاق جميع الملوك.
وقيل: إنه سار إلى مدينة نصيبين، لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وفيها جنود من جنود الروم، فحاصرهم حينا، ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته، فشخص إليها حتى أحكم أمرها، ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها،
(2/46)

فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك، ثم تجاوزها إلى الشام وبلاد الروم، فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة.
وقيل: إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية، وإنه حاصر ملكا كان بالروم، يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه، وأسكنهم جندي سابور.
وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذروان تستر، على أن يجعل عرضه ألف ذراع، فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم، وحكم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان، فقيل إنه أخذ منه أموالا عظيمة، وأطلقه بعد أن جدع أنفه وقيل إنه قتله.
وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون، وهو الذى يقول فيه ابو دواد الإيادي:
وأرى الموت قد تدلى من الحضر ... على رب أهله الساطرون
والعرب تسميه الضيزن وقيل: إن الضيزن من أهل باجرمى.
وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قضاعه وانه الضيزن بن معاويه ابن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة، وأنه إنما كان يعرف بأمه وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة، وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، وأن ملكه كان قد بلغ الشام، وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير، فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه، فقال في ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن إلة بن الجدي بن الدهاء بن جشم بن حلوان
(2/47)

ابن عمران بن الحاف بن قضاعة:
لقيناهم بجمع من علاف ... وبالخيل الصلادمة الذكور
فلاقت فارس منا نكالا ... وقتلنا هرابذ شهر زور
دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع كالجزيرة في السعير
فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين، لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن.
وأما الأعشى ميمون بن قيس فإنه ذكر في شعره انه أقام عليه حولين، فقال:
ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم!
أقام به شاهبور الجنود ... حولين تضرب فيه القدم
فما زاده ربه قوة ... ومثل مجاوره لم يقم
فلما رأى ربه فعله ... أتاه طروقا فلم ينتقم
وكان دعا قومه دعوة ... هلموا إلى أمركم قد صرم
فموتوا كراما بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم
ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فأخرجت إلى ربض
(2/48)

المدينة، وكانت من أجمل نساء زمانها- وكذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن- وكان سابور من أجمل أهل زمانه- فيما قيل- فرأى كل واحد منهما صاحبه، فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبي؟ قَالَ: حكمك وأرفعك على نسائي، وأخصك بنفسي دونهن قالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة، فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم أرسلها، فإنها تقع على حائط المدينة، فتتداعى المدينة وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا، ففعل وتأهب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم، وادخل المدينة ففعل وتداعت المدينة، ففتحها عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأبيدت أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، وأصيبت قبائل من بني حلوان، فانقرضوا ودرجوا، فقال عمرو بن إلة- وكان مع الضيزن:
ألم يحزنك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني عبيد!
ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد!
أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود
فهدم من أواسي الحصن صخرا ... كأن ثفاله زبر الحديد
وأخرب سابور المدينة، واحتمل النضيرة ابنة الضيزن، فأعرس بها بعين التمر، فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها، وهي من
(2/49)

حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها قَالَ: وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها- فقال لها سابور: ويحك بأي شيء كان يغذوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر قَالَ: وأبيك لأنا أحدث عهدا بك، وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين فأمر رجلا فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعا، فذلك قول الشاعر:
اقفر الحصن من نضيره فالمر ... باع منها فجانب الثرثار
وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في أشعارهم، وإياه عنى عدي بن زيد بقوله:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تحبى اليه والخابور.
شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور
ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سابور، التي تسمى بالنبطية ريما.
وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق، ويقال: إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل، فسأله: هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة؟ فقال له بيل: إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبنى في هذا الموضع مدينة فقال له سابور:
بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم، وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة، فخلا به المعلم وبدأ بحلق راسه
(2/50)

ولحيته لئلا يتشاغل بهما، وجاده التعليم ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر، فقلده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها، وكور الناحية وسماها بهأزنديو سابور، وتأويل ذلك: خير من أنطاكية، ومدينة سابور- وهي التي تسمى جندي سابور، وأهل الأهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهدا أمره بالعمل به.
واختلف في سني ملكه، فقال: بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقال آخرون: كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوما

ذكر ملك هرمز بن سابور
ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنه هرمز وكان يلقب بالجريء، وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته بأردشير، غير لاحق به في رأيه وتدبيره، إلا أنه كان من البطش والجرأة وعظم الخلق على أمر عظيم.
وكانت أمه- فيما قيل- من بنات مهرك، الملك الذي قتله أردشير بأردشير خرة وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا أردشير أنه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم، وأفلتت أم هرمز وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة خلق، فوقعت إلى البادية، وأوت إلى بعض الرعاء.
وإن سابور خرج يوما متصيدا، فامعن في طلب الصيد، واشتد به العطش، فارتفعت له الاخبيه التي كانت أم هرمز أوت إليها، فقصدها فوجد الرعاء غيبا، فطلب الماء، فناولته المرأة، فعاين منها جمالا فائقا، وقواما عجيبا، ووجها عتيقا ثم لم يلبث أن حضر الرعاء، فسألهم سابور عنها، فنسبها بعضهم إليه، فسأله أن يزوجها منه، فساعفه، فصار بها إلى منازله، وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت، وأرادها على نفسها، فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهرا ينكره.
وتعجب من قوتها، فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره، ففحص عن امرها
(2/51)

فأخبرته أنها ابنة مهرك، وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت هرمز، فستر أمره حتى أتت له سنون.
وإن أردشير ركب يوما، ثم انكفأ إلى منزل سابور لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر به القرار خرج هرمز، وقد ترعرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في اثر الكرة، فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره، ووقف على المشابه التي فيه منهم، لأن الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى، ولا يذهب أمرهم على أحد، لعلامات كانت فيهم، من حسن الوجوه، وعبالة الخلق، وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم فاستدناه أردشير، وسأل سابور عنه، فخر مكفرا على سبيل الإقرار بالخطأ مما كان منه، وأخبر أباه حقيقة الخبر، فسر به، وأعلمه أنه قد تحقق الذي ذكر المنجمون في ولد مهرك، ومن يملك منهم، وأنهم إنما ذهبوا فيه إلى هرمز، إذ كان من نسل مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه.
فلما هلك أردشير وأفضى الأمر إلى سابور ولى هرمز خراسان، وسيره إليها، فاستقل بالعمل، وقمع من كان يليه من ملوك الأمم، وأظهر تجبرا شديدا، فوشى به الوشاة إلى سابور، ووهموه أنه إن دعاه لم يجب، وأنه على أن يبتزه الملك، ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز، فقيل: إنه خلا بنفسه، فقطع يده وحسمها، وألقى عليها ما يحفظها، وأدرجها في نفيس من الثياب، وصيرها في سفط، وبعث بها إلى سابور، وكتب إليه بما بلغه، وأنه إنما فعل ما فعل، إزالة للتهمة عنه، ولأن في رسمهم ألا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور، تقطع أسفا، وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل، واعتذر، وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضوا عضوا، لم يؤثر عليه أحدا بالملك.
فملكه
(2/52)

وقيل: إنه لما وضع التاج على رأسه، دخل عليه العظماء، فدعوا له فأحسن لهم الجواب، وعرفوا منه صدق الحديث، وأحسن فيهم السيرة، وعدل في رعيته، وسلك سبيل آبائه، وكور كورة رام هرمز وكان ملكه سنة وعشره ايام
. ذكر ملك بهرام بن هرمز
ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك.
وكان من عمال سابور بن أردشير، وهرمز بن سابور، وبهرام بن هرمز بن سابور- بعد مهلك عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ- ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ القيس البدء، وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس، وعاش- فيما ذكر هشام بن مُحَمَّد- مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة، من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة ايام، وفي زمن بهرام بن هرمز ابن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة.
وكان بهرام بن هرمز- فيما ذكر- رجلا ذا حلم وتؤدة، فاستبشر الناس بولايته، وأحسن السيرة فيهم، واتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه، وكان ماني الزنديق- فيما ذكر- يدعوه إلى دينه، فاستبرى ما عنده، فوجده داعية للشيطان، فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندي سابور، يدعى باب الماني، وقتل أصحابه ومن دخل في ملته.
وكان ملكه- فيما قبل- ثلاث سنين وثلاثة اشهر وثلاثة ايام
(2/53)

ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمز
ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.
وكان ذا علم- فيما قيل- بالأمور، فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه، فرد عليهم مردا حسنا، وأحسن فيهم السيرة، وقال: إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر، وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم.
واختلف في سني ملكه، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة.
وقال بعضهم: كان سبع عشرة سنة
. ذكر ملك شاهنشاه بن بهرام
ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء، فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر، فرد عليهم أحسن الرد، وكان قبل أن يفضي إليه الملك مملكا على سجستان.
وكان ملكه اربع سنين
. ذكر ملك نرسى بن بهرام
ثم قام بالملك بعده نرسى بن بهرام، وهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء، فدعوا له فوعدهم خيرا، وأمرهم بمكانفته على أمره، وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال يوم ملك:
إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا.
وكان ملكه تسع سنين
. ذكر ملك هرمز بن نرسى
ثم ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.
وكان الناس قد وحلوا منه، وأحسوا بالفظاظة والشدة، فأعلمهم أنه قد
(2/54)

علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته، وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقة ورأفة، وساسهم بأرفق السياسة، وسار فيهم بأعدل السيرة، وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعية.
ثم هلك ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا بميلهم إليه عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى وقد قَالَ بعضهم: إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه، وأن تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف.
وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر، وفي قول آخرين سبع سنين وخمسة اشهر
. ذكر ملك سابور ذي الاكتاف
ثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته، وبثوا خبره في الآفاق، وكتبوا الكتب، ووجهوا به البرد إلى الآفاق والأطراف، وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه، ولم يزالوا على ذلك، حتى فشا خبرهم، وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم، وأن أهلها إنما يتلومون صبيا في المهد، لا يدرون ما هو كائن من أمره، فطمعت في مملكتهم الترك والروم.
وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم، لسوء حالهم وشظف عيشهم، فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمه، حتى أناخوا على ابرشهر وسواحل أردشير خرة وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا، لا يغزوهم أحد من الفرس، لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال، وقلة هيبة الناس له، حتى تحرك سابور وترعرع، فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه، أنه استيقظ ذات
(2/55)

ليلة وهو في قصر المملكة بطيسبون، من ضوضاء الناس بسحر، فسأل عن ذلك، فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين، فأمر باتخاذ جسر آخر، حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين، والآخر معبرا للمدبرين، فلا يزدحم الناس في المرور عليهما.
فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه وتقدم فيما أمر به من ذلك، فذكر أن الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذي كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفسهم في الجواز على الجسر، وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل.
وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر، فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء وإن الأخبار وردت بان اكثرهم قد اخل، وعظموا عليه الأمر في ذلك، فقال لهم سابور:
لا يكبرن هذا عندكم، فإن الحيلة فيه يسيرة، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعا، بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها، وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم، فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذونا له في ذلك، ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه.
فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه، وقالوا: لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور، وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا به ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور، بما قوم أصحابه، وقمع أعداءه.
حتى إذا تمت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتد عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده، ثم قام فيهم خطيبا، ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم، وما اختل من أمورهم، في الأيام التي مضت من أيام صباه، وأعلمهم أنه
(2/56)

يبتدئ العمل في الذب عن البيضة، وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه، ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه، فأبى أن يجيبهم إلى المقام، فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها فأبى ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم، وتقدم إليهم في المضي لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب، والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون، وقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابة، فورد الخط، واستقرى بلاد البحرين، يقتل أهلها ولا يقبل فداء، ولا يعرج على غنيمة ثم مضى على وجهه، فورد هجر، وبها ناس من اعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فأفشي فيهم القتل، وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل، ولا جزيرة في بحر، ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلا من هرب منهم، فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة، فقتل بها مثل تلك المقتلة، ولم يمر بماء من مياه العرب الا عوره، ولا جب من جبابهم إلا طمه ثم أتي قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر، ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام، فقتل من وجد بها من العرب، وسبى وطم مياههم وإنه أسكن من من بني تغلب من البحرين دارين- واسمهما هيج- والخط، ومن كان من عبد القيس وطوائف من بني تميم هجر، ومن كان من بكر بن وائل كرمان، وهم الذين يدعون بكر أبان، ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز وإنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها، بزرج سابور- وهي الأنبار- وبأرض الأهواز مدينتان: إحداهما ايران خره سابور، وتأويلها سابور وبلاده، وتسمى بالسريانية الكرخ، والأخرى السوس، وهي مدينة بناها إلى جانب الحصن الذي في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي ع وإنه غزا أرض الروم فسبي منها سبيا كثيرا،
(2/57)

فاسكن مدينه ايران خره سابور، وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية وامر فبنيت بباجرمى مدينه سماها خنى سابور وكور كوره، وبأرض خراسان مدينه، وسماها نيسابور وكور كوره.
وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم، وهو الذي بني مدينة قسطنطينية، وكان أول من تنصر من ملوك الروم، وهلك قسطنطين، وفرق ملكه بين ثلاثة بنين، كانوا له، فهلك بنوه الثلاثة، فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس، وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل النصرانية، ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك، حتى إذا ملك أظهر ملة الروم، وأعادها كهيئتها، وأمرهم بإحيائها، وأمر بهدم البيع وقتل الأساقفة وأحبار النصارى وإنه جمع جموعا من الروم والخزر، ومن كان في مملكته من العرب، ليقاتل بهم سابور وجنود فارس.
وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور، وما كان من قتله العرب، واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون الف مقاتل، فوجههم مع رجل من بطارقة الروم، بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس، وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر، فهاله ذلك، ووجه عيونا تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيشهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده، فتنكر سابور، وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم، فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس، وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار، ويأتوه بها على حقائقها، فنذرت الروم بهم، فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس، فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له إلى عسكره، ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على وجهها، وبمكان سابور حيث كان، وسأله أن يوجه معه جندا، فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته، يعلمه ما لقي من أمره، وينذره، فارتحل
(2/58)

سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور، فأجابهم إلى ما سألوه، فزحفوا إلى سابور، فقاتلوه ففضوا جمعه، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب سابور فيمن بقي من جنده، واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور، وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها، فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقي من لليانوس ومن معه من العرب، ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده، فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق، فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسبون، ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره، وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وإن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته، فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله، فأسقط في روع جنده، وهالهم الذي نزل به، ويئسوا من التفصي من بلاد فارس، وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم، فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم، فأبى ذلك، وألحوا عليه فيه، فأعلمهم أنه على ملة النصرانية، وأنه لا يلي ناسا له مخالفين في الملة فأخبرته الروم إنهم على ملته، وإنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس، فأجابهم إلى ما طلبوا، وملكوه عليهم، وأظهروا النصرانية.
وأن سابور علم بهلاك لليانوس، فأرسل إلى قواد جنود الروم، يقول: إن الله قد أمكننا منكم، وأدالنا عليكم، بظلمكم إيانا، وتخطيكم إلى بلادنا، وإنا نرجو أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا، ونشرع له رمحا، فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور، فلم يتابعه على رأيه أحد من قواد جنده، فاستبد برأيه، وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده، وعليه تاجه، فبلغ سابور مجيئه إليه، فتلقاه وتساجدا، فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره، وطعم عنده يومئذ ونعم.
وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوى الرياسة منهم يعلمهم أنهم
(2/59)

لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس، وإن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوي أمر يوسانوس بجهده، ثم قَالَ: إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا، وقتلوا بشرا كثيرا، وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر، وخربوا عمارتها، فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا، وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها، عوضا منه، وكانت من بلاد فارس، فغلبت عليها الروم.
فأجاب يوسانوس واشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض، ودفعوا اليه نصيبين، فبلغ ذلك أهلها، فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم، مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم، فبلغ ذلك سابور، فنقل اثني عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين، وأسكنهم إياها، وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم، وملكها زمنا يسيرا ثم هلك.
وإن سابور ضري بقتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك.
وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامه، ثم هبط الى الشام، وسار إلى حد الروم، أعلم أصحابه إنه على دخول الروم حتى يبحث عن أسرارهم، ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم، فدخل الى الروم، فجال فيها حينا، وبلغه أن قيصر أولم، وامر بجمع الناس ليحضروا طعامه، فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع، لينظر إلى قيصر، ويعرف هيئته وحاله في طعامه، ففطن له فأخذ، وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور، ثم سار بجنوده الى أرض فارس، ومعه سابور على تلك
(2/60)

الحالة، فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والأشجار، حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور، وقد تحصن أهلها، فنصب المجانيق، وهدم بعضها فبينا هم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد الذي كان عليه زيتا من زقاق كانت بقربهم، ففعلوا ذلك، ولان الجلد وانسل منه، فلم يزل يدب حتى دنا من باب المدينة، وأخبر حراسهم باسمه فلما دخل على أهلها، اشتد سرورهم به، وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح، فانتبه أصحاب قيصر بأصواتهم، وجمع سابور من كان في المدينة وعباهم، وخرج إلى الروم في تلك الليلة سحرا، فقتل الروم وأخذ قيصر أسيرا، وغنم أمواله ونساءه، ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب، ويقال: إنه أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندي سابور، حتى يرم به ما هدم منها، وبأن يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذي عقره، ثم قطع عقبه ورتقه، وبعث به إلى الروم على حمار، وقال: هذا جزاؤك ببغيك علينا، فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب، ورتق الذؤاب.
ثم أقام سابور في مملكته حينا ثم غزا الروم فقتل من أهلها، وسبى سبيا كثيرا، وأسكن من سبي مدينة بناها بناحية السوس، وسماها ايرانشهر سابور، ثم استصلح العرب، وأسكن بعض قبائل تغلب وعبد القيس وبكر بن وائل كرمان وتوج والأهواز، وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان، ونقل طبيبا من الهند فأسكنه الكرخ من السوس، فلما مات ورث طبه أهل السوس، ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم وأوصى بالملك لأخيه أردشير وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة.
وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة، امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، فاستعمل سابور على عمله
(2/61)

ابنه عمرو بن امرئ القيس- فيما ذكر- فبقي في عمله بقية ملك سابور، وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسى، وبعض أيام سابور بن سابور.
وكان جميع عمله- على ما ذكرت- من العرب، وولايته عليهم- فيما ذكر ابن الكلبي- ثلاثين سنة
. ذكر ملك أردشير بن هرمز
ثم قام بالملك بعد سابور ذي الأكتاف اخوه أردشير بن هرمز بن نرسى ابن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء، فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر، وشكروا عنده أخاه سابور، فأحسن جوابهم، وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه عنده، فلما استقر به الملك قراره عطف على العظماء وذوى الرياسة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد اربع سنين من ملكه

ذكر ملك سابور بن سابور
ثم ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسى فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه، فلقيهم أحسن اللقاء، وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية، وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته، وخطبهم خطبة بليغة، ولم يزل عادلا على رعيته، متحننا عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم، وخضع له عمه أردشير المخلوع، ومنحه الطاعة.
وإن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره، فسقط عليه الفسطاط.
وكان ملكه خمس سنين
. ذكر ملك بهرام بن سابور
ثم ملك بعده اخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف وكان يلقب كرمان شاه، وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان، فكتب إلى قواده كتابا يحثهم فيه على الطاعة، ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك، وبنى بكرمان مدينة، وكان حسن السياسة لرعيته، محمودا في أمره
(2/62)

وكان ملكه إحدى عشرة سنة وإن ناسا من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برميه رماها اياه بنشابه
. ذكر ملك يزدجرد الأثيم
ثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالاثيم، بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف.
ومن أهل العلم بأنساب الفرس من يقول: ان يزدجرد الاثيم هذا، هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه، ويقول: هو يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول، هشام بن مُحَمَّد.
وكان- فيما ذكر- فظا غليظا ذا عيوب كثيرة، وكان من أشد عيوبه وأعظمها- فيما قيل- وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفا من العلم قد مهرها وعلمها، غير موضعه، وكثرة رؤيته في الضار من الأمور، واستعمال كل ما عنده من ذلك، في المواربة والدهاء والمكايده والمخاتله، مع فطنة كانت بجهات الشر، وشدة عجبه بما عنده من ذلك، واستخفافه بكل ما كان في أيدي الناس من علم وأدب، واحتقاره له، وقلة اعتداده به، واستطالته على الناس بما عنده منه وكان مع ذلك غلقا سيئ الخلق، رديء الطعمة حتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيرا، واليسير من السقطات عظيما ثم لم يقدر أحد- وإن كان لطيف المنزلة منه- أن يكون لمن ابتلى عنده بشيء من ذلك شفيعا، وكان دهره كله للناس متهما، ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء، ولم يكن يكافي على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك، وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قَالَ له: ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه؟ وما أخذت عليه؟ فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الأمم وإن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته، وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم
(2/63)

بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه، ومخافة سطوته، متواصلين متعاونين، وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لا يستطاع أن يبلغ منه مثلها في مده ثلاثمائة.
وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه.
وكان إذا بلغه أن أحدا من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته.
وكان استوزر عند ولايته نرسي حكيم دهره وكان نرسي كاملا في أدبه، فاضلا في جميع مذاهبه، متقدما لأهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسى ومهر نرسه، ويلقب بالهزار بنده، فأملت الرعية بما كان منه أن ينزع عن أخلاقه، وأن يصلح نرسي منه، فلما استوى له الملك، اشتدت إهانته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء، وأكثر من سفك الدماء، وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والاشراف انه لا يزداد الا تتايعا في الجور، اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه، وتضرعوا إلى ربهم، وابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان، فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا- لم ير مثله في الخيل، في حسن صورة، وتمام خلق- أقبل حتى وقف على بابه، فتعجب الناس منه، لأنه كان متجاوز الحال، فأخبر يزدجرد خبره، فأمر به أن يسرج ويلجم، ويدخل عليه، فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه، فلم يمكن أحدا منهم من ذلك، فأنهي إليه امتناع الفرس عليهم، فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده، وألقى لبدا على ظهره، ووضع فوقه سرجا، وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك، حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال: إن الفرس ملأ فروجه جريا فلم يدرك ولم
(2/64)

يوقف على السبب فيه، وخاضت الرعية بينها، وقالت: هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا.
وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما وفي قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما.
ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدى في عهد سابور ابن سابور، استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام.
قَالَ: وهو من العماليق من بني عمرو بن عمليق، فثار به جحجبى بن عتيك بن لخم فقتله، فكان جميع ولاية أوس خمس سنين، وهلك في عهد بهرام بن سابور ذي الأكتاف واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسا وعشرين سنة، وكان هلاكه في عهد يزدجرد الاثيم ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو فارس حليمة، وصاحب الخورنق.
وكان سبب بنائه الخورنق- فيما ذكر- ان يزدجرد الأثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام، فسال عن منزل برى مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكنا له، وأنزله إياه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار، فلما فرغ من بنائه، تعجبوا من حسنه وإتقان عمله، فقال:
لو علمت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فقال: وإنك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه
(2/65)

ثم لم تبنه! فأمر به فطرح من رأس الخورنق، ففي ذلك يقول أبو الطمحان القيني.
جزاء سنمار جزاها، وربها ... وباللات والعزى جزاء المكفر
وقال سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار
وقال يزيد بن إياس النهشلي:
جزى الله كمالا بأسوإ فعله ... جزاء سنمار جزاء موفرا
وقال عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي- وكان أهدى أفراسا إلى الحارث بن مارية الغساني، ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه، وكان للملك ابن مسترضع في بني الحميم بن عوف من بنى عبد ود، من كلب، فنهشته حية، فظن الملك إنهم اغتالوه، فقال لعبد العزى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار، وليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعال، فقال: لتأتيني بهم أو لأفعلن ولأفعلن! فقال: رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه: شراحيل وعبد الحارث، فكتب معهما إلى قومه:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجه ... يعلى عليه بالقراميد والسكب
فلما راى البنيان تم سموقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
(2/66)

فأتهمه من بعد حرس وحقبة ... وقد هره أهل المشارق والغرب
وظن سنمار به كل حبرة ... وفاز لديه بالمودة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب
وما كان لي عند ابن جفنة فاعلموا ... من الذنب ما آلى يمينا على كلب
ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم ... تحلل أبيت اللعن من قولك المزبي
ودون الذي منى ابن جفنة نفسه ... رجال يردون الظلوم عن الشعب
وقد رامنا من قبلك المرء حارث ... فغودر مسلولا لدى الأكم الصهب
قَالَ هشام: وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا، وأكثر المصائب في أهلها، وسبى وغنم، وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه، وأبعدهم مغارا فيهم، وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين: يقال لأحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء، وهي لفارس، وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان، فكان يغزو بهما بلاد الشام ومن لم يدن له من العرب.
قَالَ: فذكر لنا- والله أعلم- أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط! فقال: لا، لو كان يدوم! قَالَ:
فما الذي يدوم؟ قَالَ: ما عند الله في الآخرة، قَالَ: فبم ينال ذاك؟ قال:
بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم، سألوا عنه فلم يجدوه، وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي:
(2/67)

وتفكر رب الخورنق إذ أشرف ... يوما وللهدى تبصير
سره حاله وكثرة ما يملك ... والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه فقال وما غبطة ... حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمة ... وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف، ... فألوت به الصبا والدبور
فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر.
قَالَ ابن الكلبي: من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة.
وأما العلماء من الفرس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما انا ذاكره

ذكر ملك بهرام جور
ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن ابن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف وذكر أن مولده كان هرمز دروز فروردين ماه، لسبع ساعات مضين من النهار فان أباه يزدجرد دعا ساعه ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين، فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذي يئول إليه كل أمره، فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم، ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه، وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس، وأن من الرأي أن يربى بغير بلاده، فأجال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس، فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته، فدعا بالمنذر
(2/68)

ابن النعمان، واستحضنه بهرام، وشرفه وأكرمه، وملكه على العرب، وحباه بمرتبتين سنيتين، تدعى إحداهما: رام ابزوذ يزدجرد، وتأويله زاد سرور يزدجرد، والأخرى تدعى بمهشت، وتأويلها أعظم الخول، وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته، وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب.
فسار به المنذر إلى محلته منها، واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة، وأذهان ذكية، وآداب رضية، من بنات الأشراف، منهن امرأتان من بنات العرب، وامرأة من بنات العجم، وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه، فتداولن رضاعه ثلاث سنين، وفطم في السنة الرابعة، حتى إذا أتت له خمس سنين، قَالَ للمنذر:
أحضرني مؤدبين ذوي علم، مدربين بالتعليم، ليعلموني الكتابة والرمي والفقه.
فقال له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم، فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث، حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب، واحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر: أنا لعمري صغير، ولكن عقلي عقل محتنك، وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع.
أما تعلم أيها الرجل، أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته، وما يطلب في وقته ينال في غير وقته، وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال! وانى من ولد ملوك، والملك صائر إلي بإذن الله، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم، لأنه لهم زين، ولملكهم ركن به يقوون فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين.
فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس، ومعلمي الرمى والفروسية ومعلمي الكتابه وخاصه ذوى الأدب، وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم، ومحدثين من العرب، فألزمهم بهرام، ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه، وقدر
(2/69)

لهم قدرا يفيدونه ما عندهم، فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم، وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث، ووعى كل ما استمع، وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفى بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة، وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه، وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب، حتى اعترفوا له بفضله عليهم.
وأثاب بهرام المنذر ومعلميه، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده، ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به، والإحكام له، ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر، وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها، فآذن النعمان للعرب بذلك، وبلغ المنذر الذي كان من رأي بهرام في اختيار الخيل لمركبه، فقال لبهرام: لا تجشمن العرب إجراء خيلهم، ولكن مر من يعرض الخيل عليك، واختر منها رضاك، وارتبطه لنفسك فقال له بهرام: قد أحسنت القول، ولكنى افضل الرجال سؤددا وشرفا، وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل، وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجربة، ولا تجربة بلا إجراء.
فرضي المنذر مقالته، وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم، وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة، وسرحت الخيل من فرسخين، فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا، ثم أقبل بعده بقيتها بداد بداد من بين فرسين تاليين، أو ثلاثة موزعة، أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام، وقال: يبارك الله لك فيه، فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به، وتشكر للمنذر.
وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد، فبصر بعانة، فرمى عليها وقصد نحوها، فإذا هو بأسد قد شد على
(2/70)

عير كان فيها، فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه، فرماه بهرام رمية في ظهره، فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض.
فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها، فتحرك طويلا، وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه.
ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه، فشخص إلى أبيه، وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له، فاتخذ بهرام للخدمة، فلقي بهرام من ذلك عناء.
ثم أن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر، يقال له: ثياذوس، في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم، فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر، فانصرف إلى بلاد العرب، فاقبل على التنعم والتلذذ.
وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء واهل البيوتات الا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، وقالوا: إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام، ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره، ويعرف بها حاله، ولم يتأدب بأدب العجم، وإنما أدبه أدب العرب، وخلقه كخلقهم، لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك، يقال له كسرى، ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب، فدعا بالمنذر والنعمان ابنه، وناس من علية العرب، وقال لهم: إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي، كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم، مع فظاظته وشدته كانت على الفرس، وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه، وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك.
فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى الطف الحيله فيه وإن المنذر
(2/71)

جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، ويدمن إرسال طلائعه إليهما، فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما، وأسر وسبى، ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين، ووجه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جواني صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان، فلما ورد جواني على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه، قَالَ له: الق الملك بهرام، ووجه معه من يوصله إليه فدخل جواني على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه، فكلمه بهرام، ووعده من نفسه أحسن الوعد، ورده إلى المنذر، وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب، فقال المنذر لجواني:
قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به، وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه، وخوله إياكم.
فلما سمع جواني مقالة المنذر، وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه، وإن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج، قَالَ للمنذر: إني لست محيرا جوابا، ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وتشاوروا في ذلك.
وأت فيه ما يجمل، فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.
فرد المنذر جواني إلى من أرسله إليه، واستعد وسار بعد فصول جواني من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك، حتى إذا وردهما، أمر فجمع الناس، وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر، وجلس المنذر عن يمينه،
(2/72)

وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت، وسوء سيرته، وإنه أخرب بسوء رأيه الأرض، وأكثر القتل ظلما، حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها، وأمورا غير ذلك فظيعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك، وسألوا المنذر الا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.
فوعى المنذر ما بثوا من ذلك، وقال لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني فقال بهرام: إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك، ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه، ومتنكبا لطريقه ودينه، ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك، فأصلح كل ما أفسد، وأرأب ما صدع، فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا، وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بيني وبينكم وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة، من بين أسدين ضاريين مشبلين، فهو الملك.
فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه، وما وعد من نفسه، استبشروا بذلك، وانبسطت آمالهم، وقالوا فيما بينهم: إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام، مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب، ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته، فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه، والسمع والطاعة له، وإن يهلك ضعفا ومعجزة، فنحن من هلكته برآء، ولشره وغائلته آمنون.
وتفرقوا على هذا الرأي، فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام، وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس، وحضره من كان يحاده فقال لهم: إما
(2/73)

أن تجيبوني فيما تكلمت أمس، وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة.
فقال القوم: أما نحن، فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى، ولم نر منه إلا ما نحب، ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج والزينة كما ذكرت بين أسدين، وتتنازعانهما أنت وكسرى، فأيكما تناولها من بينهما، سلمنا له الملك.
فرضي بهرام بمقالتهم، فأتى بالتاج والزينة موبذان موبذ، الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك، فوضعهما في ناحية، وجاء بسطام إصبهبذ، بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين، فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، وأرخى وثاقهما، ثم قَالَ بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة فقال كسرى: أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني، لأنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله، لثقته كانت ببطشه وقوته، وحمل جرزا، وتوجه نحو التاج والزينة، فقال له موبذان موبذ: استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه، إنما هو تطوع منك، لا عن رأي أحد من الفرس، ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك.
فقال بهرام: أنتم من ذلك برآء، ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين، فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما، هتف به وقال: بح بذنوبك، وتب منها، ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما، فباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثم مشى نحو الأسدين، فبدر إليه أحدهما، فلما دنا من بهرام وثب وثبة، فعلا ظهره، وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا اثخنه، وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل، ثم شد الأسد الآخر عليه، فقبض على أذنيه، وعركهما بكلتا يديه، فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله: وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل
(2/74)

فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة، فكان كسرى أول من هتف به، وقال: عمرك الله بهرام! الذى من حوله سامعون، وله مطيعون، ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر، وقالوا: قد أذعنا للملك بهرام، وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم، وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره، والصفح والتجاوز عنهم، فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك، واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه، فأسعفه بهرام فيما سأل، وبسط آمالهم.
وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة، وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية، يعدهم الخير من نفسه، ويأمرهم بتقوى الله وطاعته.
ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا للهو على ما سواه، حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده، والغلبة على ملكه، وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك، فبلغ الفرس اقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم، فتعاظمهم ذلك وهالهم، ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأي أصيل، وعندهم نظر للعامة، فقالوا له: إنه قد ازمك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ، فتأهب له كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام: إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد.
وانه تجهز فسار الى اذربيجان لينسك في بيت نارها، ويتوجه منها إلى
(2/75)

أرمينية، ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره في سبعة رهط من العظماء وأهل البيوتات، وثلاثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة، واستخلف أخا له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه، وإسلام لملكه، وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان، والإقرار له بالخراج، مخافة منه لاستباحة بلادهم، واصطلامة مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك.
فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له، فآمن ناحيتهم، وأمر جنده بالتورع، فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان، فأخبره بأمر خاقان وعزمه، فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته، وقتل خاقان بيده، وأفشى القتل في جنده، وانهزم من سلم من القتل منهم، ومنحوه أكتافهم، وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم، وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم، ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين، وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاده من بلاد الترك، واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حباه سريرا من فضة، وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة، وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه، فحد لهم حدا، وأمر فبنيت منارة، وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد، فقدمت إلى بلاد الترك، ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم، وامره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم، حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية.
وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان، راجعا إلى محلته من السواد، وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر، فعلق على بيت نار أذربيجان، ثم سار وورد مدينة طيسبون، فنزل دار المملكة بها، ثم
(2/76)

كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان، وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسي خراسان، وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ، وتقدم إليه بما أراد.
ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها، فركب ذات يوم للصيد، فشد على عير، وأمعن في طلبه، فارتطم في جب، فغرق، فبلغ والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة، وأقامت قريبة منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه منه، فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحماه، حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما، ولم يقدروا على جثة بهرام.
وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوه الترك، خطب أهل مملكته أياما متوالية، حثهم في خطبته على لزوم الطاعة، وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم، وإيصال الخير إليهم، وإنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه، وإن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة، فجحدوا ذلك أو من جحده منهم، ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان، وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت والجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة، وأخدمه خاتون امرأة خاقان، ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا على ما لقي من النصر في وجهه، وقسم في الفقراء والمساكين مالا عظيما، وفي البيوتات وذوي الأحساب عشرين ألف ألف درهم، وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا، يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وإنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه، وسار نحوه في سبعه رهط من اهل البيوتات، وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق، حتى نفذ على براري خوارزم ومفاوزها، فابلاه
(2/77)

الله أحسن بلاء، وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج، وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا.
وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج، فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم، فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها.
وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي، ولى نرسي أخاه خراسان، وأنزله بلخ، واستوزر مهر نرسى بن برازه، وخصه وجعله بزرجفرمذار، وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند، ليعرف أخبارها، والتلطف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته، ليخفف بذلك بعض مئونة عن أهل مملكته، وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه، وإنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا، فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع، وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل، وقتل ناسا كثيرا، فسال بعضهم أن يدله عليه ليقتله، وانتهى أمره إلى الملك فدعا به، وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهى بهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل، رقى الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل، فصاح به، فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد، ومنظر هائل، فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب، ووقذه بالنشاب، حتى بلغ منه، ووثب عليه فأخذه بمشفره، فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه، فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه، فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق، ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك، فعجب من شدته وجرأته، وحباه حباء عظيما، واستفهمه أمره فقال له بهرام: أنا رجل من عظماء الفرس، وكان
(2/78)

ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك، وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه، وسار إليه بجنود عظيمة، فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته، وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه، وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك، فنهاه بهرام عن ذلك، وضمن له كفاية أمره، فسكن إلى قوله، وخرج بهرام مستعدا له، فلما التقوا قَالَ لاساوره الهند: احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه، ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين، وياتى الفيل فيقد مشفره بالسيف، ويحتمل الفارس عن سرجه- والهند قوم لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة لا دواب لهم- وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه، فلما عاينوا منه ما عاينوا، ولوا منهزمين لا يلوون على شيء، وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه، وانصرف محبورا مسرورا، ومعه بهرام، فكان في مكافاته إياه إن أنكحه ابنته، ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند، وكتب له بذلك كتابا، وأشهد له على نفسه شهودا، وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم، وحمل خراجها إلى بهرام، وانصرف بهرام مسرورا.
ثم انه اغزى مهر نرسى بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها، ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها، مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي، فتوجه في تلك العدة، ودخل القسطنطينية، وقام مقاما مشهورا، وهادنه عظيم الروم، وانصرف بكل الذي أراد بهرام، ولم يزل لمهر نرسي مكرما، وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهر نرسه، وهو مهر نرسى بن برازه بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ ابن سيسنابروه بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب.
وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه، وجودة آرائه، وسكون العامة إليه، وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر، وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته، وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا:
(2/79)

احدهم زروانداذ، كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه، فأدرك من ذلك أمرا عظيما، حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ، مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر: ما جشنس، ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم، واسم مرتبته بالفارسية اسطران سلار، وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ، وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزرجفرماندار، وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها ابروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة، فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة، واتخذ فيها بيت نار- هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية- يقال لها مهر نرسيان، واتخذ بالقرب من ابروان أربع قرى، وجعل في كل واحدة منها بيت نار، فجعل واحدا منها لنفسه، وسماه فراز مرا آور خذايان، وتفسير ذلك: اقبلي إلي سيدتي، على وجه التعظيم للنار، وجعل الآخر لزراونداذ، وسماه زراوندادان، والآخر لكارد وسماه كارداذان، والآخر لماجشنس، وسماه ماجشنسفان، واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات، جعل في كل باغ منها اثنتى عشره ألف نخلة، وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون، وفي باغ اثنتى عشره ألف سروة، ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم، وإن ذلك- فيما ذكر- إلى اليوم باق على أحسن حالاته.
وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم، مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقا، ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت.
واختلفوا في مدة ملكة، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشره
(2/80)

أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما

ذكر ملك يزدجرد بن بهرام جور
ثم قام بالملك من بعده يزدجرد بن بهرام جور فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والأشراف، فدعوا له وهنئوه بالملك، فرد عليهم ردا حسنا، وذكر أباه ومناقبه، وما كان منه إلى الرعية، وطول جلوسه كان لها، وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذي كانوا يعهدونه من أبيه، فلا ينبغي لهم أن يستنكروه، فإن خلواته انما تكون في مصلحه للمملكه وكيد للأعداء، وأنه قد استوزر مهر نرسي بن برازة صاحب أبيه، وإنه سائر فيهم بأحسن السيرة، ومستن لهم أفضل السنن، ولم يزل قامعا لعدوه، رءوفا برعيته وجنوده، محسنا إليهم.
وكان له ابنان: يقال لأحدهما هرمز، وكان ملكا على سجستان، والآخر يقال له فيروز، فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته وقصة هرمز أخيه، وإنه أولى بالملك منه، وسأله أن يمده بجيش يقاتل بهم هرمز، ويحتوي على ملك أبيه، فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك، حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة: إن الجور لا يرضاه الله، ولا يصلح عمل أهله، ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بجيش، فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله، وشتت جمعه، وغلب على الملك.
وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذي كانوا يحملونه إلى أبيه، فوجه إليهم مهر نرسي بن برازة، في مثل العدة التي كان بهرام وجهه إليهم عليها، فبلغ له إرادته
(2/81)

وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم.
وفي قول آخرين سبع عشره سنه
. ذكر ملك فيروز بن يزدجرد
ثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من اهل بيته.
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: استعد فيروز من خراسان، واستنجد بأهل طخارستان وما يليها، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد، وهو بالري- وكانت أمهما واحدة، واسمها دينك، وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك- فظفر فيروز بأخيه فحبسه، وأظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتدين، وقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن تدبير ذلك الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال، وكف عن الجباية، وساسهم أحسن السياسة، فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد.
وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة، وقد كان قوادهم في أول ملكة لمعونتهم إياه على أخيه، وكانوا- فيما زعموا- يعملون عمل قوم لوط، فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم، فقاتلهم فقتلوه في المعركة، وأربعة بنين له، وأربعة أخوة، كلهم كان يتسمى بالملك، وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من اهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز، وكان فيهم عظيما، فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة، فأخرجه من بلاد خراسان، فافترقا على الصلح، ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الإسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنه.
وقال غير هشام من أهل الأخبار: كان فيروز ملكا محدودا محارفا مشئوما على رعيته، وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وأن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية، فغارت الأنهار والقنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهاجت عامة الزروع
(2/82)

والأجام في السهل والجبل من بلاده، وموتت فيها الطير والوحوش، وجاعت الأنعام والدواب، حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة، وقل ماء دجلة، وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد.
فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم انه لا خراج عليهم ولا جزية، ولا نائبة ولا سخرة، وأن قد ملكهم أنفسهم، ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم، ثم أعاد الكتاب إليهم في اخراج كل من كان له منهم مطموره أو هرى أو طعام أو غيره، مما يقوت الناس، والتأسي فيه، وترك الاستئثار فيه، وأن يكون حال أهل الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التأسي واحدا.
وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة، أو أهل القرية، أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسي جوعا، ونكل بهم أشد النكال.
فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا، ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة اردشير خرة، يدعى بديه فتعظم ذلك عظماء الفرس، وجميع أهل اردشير خرة وفيروز، وإنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته، وإنزال غيثه عليهم، فأغاثه الله، وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه، وصلحت الأشجار.
وإن فيروز أمر فبنيت بالري مدينة، وسماها رام فيروز، وفيما بين جرجان وباب صول مدينة، وسماها روشن فيروز، وبناحيه اذربيجان مدينة وسماها شهرام فيروز
(2/83)

ولما حييت بلاد فيروز، واستوثق له الملك، وأثخن في أعدائه وقهرهم، وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث، سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب اخشنوار ملك الهياطلة، فلما بلغ اخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب اخشنوار بذل له نفسه، وقال له: اقطع يدي ورجلي، وألقني على طريق فيروز، وأحسن إلى ولدي وعيالي- يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز- ففعل ذلك اخشنوار بذلك الرجل، وألقاه على طريق فيروز، فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره، فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به لأنه قَالَ له: لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه، وأمر بحمله معه، فأعلمه على وجه النصح منه له- فيما زعم- أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد، فاغتر فيروز بذلك منه، وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع، فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة، فكلما شكوا عطشا أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة، حتى إذا بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر، بين لهم أمره، فقال أصحاب فيروز لفيروز: قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر، فأما الآن فلا بد من المضي قدما حتى نوافي القوم على الحالات كلها فمضوا لوجوههم، وقتل العطش أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم، فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا اخشنوار إلى الصلح، على أن يخلي سبيلهم، حتى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه الا يغزوهم ولا يروم أرضهم، ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم، ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضي اخشنوار بذلك، وكتب له به فيروز كتابا مختوما، وأشهد له على نفسه شهودا، ثم خلى سبيله وانصرف.
فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة اخشنوار، فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك، لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم
(2/84)

وأبى إلا ركوب رأيه، وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه، يقال له مزدبوذ، فلما رأى مزدبوذ لجاجته، كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها، ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد اخشنوار، وقد كان اخشنوار حفر خندقا بينه وبين بلاد فيروز عظيما، فلما انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر، ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم، وجاز الى القوم، فلما التقى بعسكرهم احتج عليه اخشنوار بالكتاب الذي كتبه له، ووعظه بعهده وميثاقه، فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا، فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا، ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب، وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم، للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة، وأخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز، فرفعها على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات، وسقط في الخندق، فهلك، وأخذ اخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه، وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كورة اردشير خرة من الأعاجم، ذو علم وبأس وبطش، يقال له: سوخرا، ومعه جماعة من الاساورة، فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته، فأغذ السير حتى انتهى إلى اخشنوار، فأرسل إليه وآذنه بالحرب، وتوعده بالجائحة والبوار، فبعث إليه اخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين، فيقال: إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه، فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه، فاستبقاه وقال له:
انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رايت، فانصرفوا الى اخشنوار، وحملوا الفرس معهم، فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا: أن سل حاجتك، فقال له: حاجتي أن ترد علي الديوان، وتطلق الأسرى ففعل ذلك، فلما صار الديوان في يده، واستنفذ الأسرى، استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت
(2/85)

مع فيروز، فكتب إلى اخشنوار إنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد، افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال، وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس، فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره، وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك.
وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن ابن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس ابن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر.
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر اخشنوار نحوا مما ذكرت، غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى اخشنوار، استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير- وكانتا محلة الملوك- سوخرا هذا، قَالَ: وكان يقال لمرتبته قارن، وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك، لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدى لها، وكان فيروز عاهد اخشنوار الا يجاوزها الى بلاد الهياطلة، امر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلاثمائة رجل، فجرت أمامه جرا، واتبعها، أراد بذلك زعم الوفاء لاخشنوار بما عاهده عليه، فبلغ اخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة، فأرسل إليه يقول: انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك، ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله، ولم تكرثه رسالته، وجعل يستطعم محاربة اخشنوار، ويدعوه إليها، وجعل اخشنوار يمتنع من محاربته
(2/86)

ويستكرهها، لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة، وإن اخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعا، وغمى بخشب ضعاف، وألقى عليه ترابا، ثم ارتحل في جنده، فمضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحلة اخشنوار بجنده من عسكره، فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب، فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في طلب اخشنوار وأصحابه، فأغذوا السير، وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه اقحموا على عماية، فتردى فيه فيروز وعامة جنده، وهلكوا من عند آخرهم.
وإن اخشنوار عطف على عسكر فيروز، فاحتوى على كل شيء فيه، وأسر موبذان موبذ، وصارت فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز، وامر اخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق، فوضعت في النواويس، ودعا اخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها، فأبت عليه.
وأن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس، فارتجوا له وفزعوا، حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ اخشنوار خبر مسيره لمحاربته، فاستعد وأقبل متلقيا له، وأرسل إليه يستخبره عن خبره، ويسأله عن اسمه ومرتبته، فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا، ولمرتبته قارن، وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز، فأرسل إليه اخشنوار يقول: إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياي إلا الهلكة والبوار.
فلم ينهنه سوخرا قول اخشنوار، ولم يعبأ به، وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا، وزحف إلى اخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه، فطلب موادعته وصلحه،
(2/87)

فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز فسلم اخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه، وفيهن فيروز دخت، ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس، فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس.
واختلف في مدة ملك فيروز، فقال بعضهم: كانت ستا وعشرين سنة.
وقال آخرون: كانت إحدى وعشرين سنة
(2/88)

ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز بين عمالهما على العرب واهل اليمن
حدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الأشراف من حمير وغيرهم من القبائل، فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي، وكان سيد كندة في زمانه فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره، فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع، وملك مكانه، اصطنع عمرو بن حجر الكندي.
وكان ذا رأي ونبل، وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بني أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع، فتكلمت في ذلك حمير وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها، لأنه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث بن عمرو، وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب، وذلك أن ولد حسان كانوا صغارا، إلا ما كان من تبع بن حسان، فإن الجن استهامته، فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير اهل بيت المملكة، فوليه بسن وتجربة وسياسة حسنة وكان- فيما ذكروا- على دين النصرانية الأولى، وكان يسر ذلك من قومه، وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان، قدم عليه من الشام، فوثبت حمير بالغساني فقتلته، فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحا، وهو أعلم الناس بنجم، وأعقل من تعلم في زمانه، وأكثره حديثا عما كان قبله وما يكون في الزمان بعده فملك تبع ابن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن، فهابته حمير والعرب هيبة شديدة، فبعث بابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء، امرأة من النمر، فذهب ملك
(2/89)

آل النعمان، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون.
وقال هشام: ملك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني أربعا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر، وأمه هر ابنة النعمان من بني الهيجمانة، ابنة عمرو بْن أبي ربيعة بْن ذهل بْن شيبان، وهو الذي أسرته فارس عشرين سنة، من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز، ست سنين
. ذكر ملك بلاش بن فيروز
ثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش بن فيروز بن يزدجرد ابن بهرام جور، وكان قباذ أخوه قد نازعه الملك، فغلب بلاش، وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد، فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والأشراف فهنئوه ودعوا له، وسألوه أن يكافئ سوخرا بما كان منه، فخصه وأكرمه وحباه، ولم يزل بلاش حسن السيرة، حريصا على العمارة وكان بلغ من حسن نظره إنه كان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم، وبنى بالسواد مدينه سماها بلا شاواذ، وهي مدينة ساباط التي بقرب المدائن.
وكان ملكه اربع سنين
. ذكر ملك قباذ بن فيروز
ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود
(2/90)

نيسابور، ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين، وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفس قباذ إلى الجماع، فشكا ذلك إلى زرمهر، وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب، ففعل ذلك، وصار إلى امرأة صاحب منزله، وكان رجلا من الأساورة، وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال، فتنصح لها في ابنتها، وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ، فأعلمت ذلك زوجها، ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها، ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا، وصارت الابنة إلى قباذ، واسمها نيوندخت، فغشيها قباذ في تلك الليلة، فحملت بانوشروان، فأمر لها بجائزة حسنة، وحباها حباء جزيلا.
وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب، فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان، فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس، وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه، وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة، ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا، وأن تكلم فيه زوجها، وتسأله إنجاز عدته ففعلت، ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا، فلما انصرف قباذ بذلك الجيش، وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها، فأخبرته أنها قد ولدت غلاما، فأمر قباذ أن يؤتى بها، فأتته ومعها انو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام، فأخبرته أنه ابنه، وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله.
ويقال: إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود، وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك، فلما صار إلى المدائن،
(2/91)

واستوثق له أمر الملك خص سوخرا، وفوض إليه أمره، وشكر له ما كان من خدمة ابنه إياه، ووجه الجنود إلى الأطراف، ففتكوا في الأعداء، وسبوا سبايا كثيرة، وبني بين الأهواز وفارس مدينة الرجان، وبنى أيضا مدينة حلوان، وبنى بكورة اردشير خرة في ناحيه كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة، وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها، وسوى أنهار احتفرها، وجسور عقدها.
فلما مضت أكثر أيامه، وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أموره مال الناس عليه، وعاملوه واستخفوا بقباذ، وتهاونوا بأمره، فلما احتنك لم يحتمل ذلك، ولم يرض به، وكتب إلى سابور الرازي- الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران، وكان إصبهبذ البلاد- في القدوم عليه فيمن قبله من الجند، فقدم سابور بهم عليه، فواصفه قباذ حالة سوخرا، وأمره بأمره فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا، فمشى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا لسوخرا، فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور، حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه، ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن، فحينئذ قيل: نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح، وذهب ذلك مثلا وأن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل، وأنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه، فأزالوه عنه وحبسوه، لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قَالُوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وانه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله
(2/92)

ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم، وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه، وقالوا لقباذ: إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى، وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك، وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار، فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه، فقتل من المزدكية ناسا كثيرا، وأعاد قباذ إلى ملكه، وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله، ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور.
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره، وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فيه قباذ محبوسا، فحاولت الدخول عليه، فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه، وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب، وألقى إليها طمعه فيها، واخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها، فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس، وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط، وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالي الحبس سأله عما كان حامله فأفحم، واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها، وأنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف، فصدقها الرجل ولم يمس البساط، ولم يدن منه استقذارا له، وخلى عن الغلام الحامل لقباذ، فمضى بقباذ ومضت على أثره.
وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب
(2/93)

من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بابرشهر رجل من عظماء أهلها، له ابنة معصر، وأن نكاحه أم كسرى أنوشروان كان في سفره هذا، وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنوشروان وأمه، فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين، وأن- قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم، وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد، وسبى أهلها، وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينه، وسماها رامقباذ، وهي التي تسمى بومقباذ، وتدعى أيضا أرجان وكور كورة، وجعل لها رساتيق من كوره سرق، كوره رام هرمز، وملك قباذ ابنه كسرى، وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه.
فلما هلك قباذ- وكان ملكه بسني ملك أخيه جاماسب:
ثلاثا وأربعين سنة- فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك
(2/94)

ذكر ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب في ايام قباذ في مملكته وبين عماله
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر ابن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقه قتله، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك، بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي: أنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد، وإني أحب أن ألقاك.
وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء، ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه، واستضعفه الناس، فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه، وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواه، ثم وضعا بين أيديهما، فجعل الذي فيه النوى يلي الحارث بن عمرو، والذي لا نوى فيه يلي قباذ فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى، وجعل قباذ يأكل ما يليه، وقال للحارث: ما لك لا تاكل مثل ما آكل! فقال:
له الحارث إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا وعلم أن قباذ يهزأ به، ثم اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها، ولا يجاوزوا أكثر من ذلك فلما رأى الحارث ما عليه قباذ من الضعف طمع في السواد، فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد، فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن فقال: هذا من تحت كنف ملكهم ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من لصوص
(2/95)

العرب قد أغاروا، وأنه يحب لقاءه فلقيه، فقال له قباذ: لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك، فقال له الحارث: ما فعلت ولا شعرت، ولكنها لصوص من لصوص العرب، ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود، قَالَ له قباذ:
فما الذي تريد؟ قَالَ: أريد أن تطعمني من السواد ما اتخذ به سلاحا، فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات، وهي ستة طساسيج، فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن: انى قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستة طساسيج، فاجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء لان الملك عليهم لا يأكل اللحم، ولا يستحل هراقة الدماء لأنه زنديق فجمع تبع الجنود، وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات، فآذاه البق، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهرا إلى النجف ففعل، وهو نهر الحيرة فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ، فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، وأمضى تبع شمرا ذا الجناح إلى خراسان، ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد، وقال:
أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائه الف واربعين ألفا وبعث ابن أخيه يعفر الى الروم، وهو الذى يقول:
أيا صاح عجبك للداهية ... لحمير إذ نزلوا الجابية!
ثمانون ألفا رواياهمو ... لكل ثمانية راويه
فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر، فحاصرها وأصاب من معه جوع، ووقع فيهم طاعون فرقوا، فأبصرهم الروم وما لقوا، فوثبوا عليهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد وسار شمر ذو الجناح حتى أتى سمرقند، فحاصرها
(2/96)

فلم يظفر بشيء منها فلما رأى ذلك أطاف بالحرس، حتى أخذ رجلا من أهلها، فسأله عن المدينة وملكها، فقال له: أما ملكها فأحمق الناس، ليس له هم إلا الشراب والاكل، وله ابنه وهي التي تقضي أمر الناس.
فبعث معه بهدية إليها، فقال له: أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العجم والعرب، وإني لم أجيء ألتمس المال، وإن معي أربعة آلاف تابوت من ذهب وفضة هاهنا، فأنا أدفعها إليها، وأمضى إلى الصين، فإن كانت الارض لي كانت امرأتي، وإن هلكت كان ذلك المال لها فلما أنهيت إليها رسالته قالت: قد أجبته فليبعث بما ذكر، فأرسل إليها أربعة آلاف تابوت، في كل تابوت رجلان، فكان لسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها أربعة آلاف رجل، وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل.
وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم، فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا، فأخذوا بالأبواب، ونهد شمر في الناس، فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ثم سار إلى الصين، فلقي زحوف الترك فهزمهم، ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها- فيما ذكر بعض الناس- حتى ماتا وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة.
قَالَ: وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا: أن تبعا جعل النار فيما بينه وبينهم، فكان إذا حَدَثَ حَدَثٌ أوقدوا النار بالليل، فأتى الخبر في ليلة، وجعل آية ما بينه وبينهم أن إذا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر، وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبع، وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسان، وإن كانت نارين فهو هلاكهما فمكثوا بذلك ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يعفر، ثم اوقد ثلاثا فكان هلاك تبع قَالَ: وأما الحديث المجتمع عليه فإن شمرا وحسان انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حيث بدءا، حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين، وصنوف
(2/97)

الجوهر والطيب والسبي، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم، وسار تبع حتى قدم مكة، فنزل بالشعب من المطابخ، وكانت وفاة تبع باليمن، فلم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده عنها غازيا إلى شيء من البلاد، وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة.
قَالَ: ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للأحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدة كثيرة.
قَالَ: ويقولون: إن علم كعب الأحبار كان من بقية ما أورثت تلك الأحبار، وكان كعب الأحبار رجلا من حمير.
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر ان الذى سار الى المشرق من التبابعة تبع الآخر، وأنه تبع تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، وهو أبو حسان، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه
. ذكر ملك كسرى انوشروان
ثم ملك كسرى انوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين- كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم- كتبا نسخة كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان: بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى بن قباذ إلى واري ابن النخيرجان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها، ودنباوند وطبرستان وحيزها، ومن قبله: سلام، فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن، وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم، في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه، وإنا لا نعلم
(2/98)

وحشة ولا فقد شيء أجل رزيئة عند العامة، ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح.
وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له: زراذشت بن خركان ابتدعها في المجوسية، فتابعه الناس على بدعته تلك، وفاق أمره فيها، وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له: مزدق بن بامداذ، وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه، التآسي في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذى يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وإنه لو لم يكن الذي أمرهم به، وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زراذشت خركان، ومزدق بن بامداذ، وأبطل بدعتهما، وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها، وقوما من المنانية، وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها.
وكان يلى الاصبهبذه- وهي الرياسة على الجنود- قبل ملكه رجل، وكان إليه إصبهبذة البلاد، ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين اربعه اصبهذين، منهم اصبهذ المشرق وهو خراسان وما والاها، واصبهذ المغرب، واصبهذ نيمروز، وهي بلاد اليمن، واصبهذ اذربيجان وما والاها، وهي
(2/99)

بلاد الخزر، وما والاها، لما رأى في ذلك من النظام لملكه، وقوى المقاتلة بالأسلحة والكراع، وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس، خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى واسباب، منها السند، وبست، والرخج، وزابلستان، وطخارستان، ودردستان، وكابلستان، وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز، وأجلى بقيتهم عن بلادهم، وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته، وأذعنوا له بالعبودية، واستعان بهم في حروبه، وأمر فأسرت أمة أخرى، يقال لها صول، وقدم بهم عليه، وأمر بهم فقتلوا، ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم، وأمر بإنزالهم شهرام فيروز، يستعين بهم في حروبه.
وأن أمة يقال لها أبخز، وأمة يقال لها بنجر، وأمة يقال لها بلنجر، وأمة يقال لها ألان، تمالئوا على غزو بلاده، وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها، وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا، فأغضى كسرى على ما كان منهم، حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا، فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرة آلاف رجل منهم أسروا، فأسكنوا أذربيجان وما والاها، وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألان بناء بصخر إرادة أن يحصن بلاده عن تناول تلك الأمم إياها، وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا، حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير، ليكون حرزا لأهل بلاده يلجئون إليها من عدو إن دهمهم.
وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم، وأعزهم وأكثرهم جنودا، وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم، فقتل وزر ملكها وعامة جنوده، وغنم أموالهم، واحتوى على
(2/100)

بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها، وإنه استمال أبخز، وبنجر، وبلنجر، فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم، وأنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول، وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه، أن يبعث إليه بأموال، وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي كانوا يعطونه اياه قبل ملك كسرى، وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطيء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده، ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول، ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسة آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة.
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول، فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا، ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو- للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها- أن يشنوها بغارة، ويغلبوا عليها، وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله، وبأسه وحزمه، مع رأفته ورحمته بهم، فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له، فلما قضوا مقالتهم، قام خطيبا، فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم، وتوكله بتدبير أمورهم، وتقدير الأقوات والمعايش لهم، ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته، ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم، وإمحاء دينهم، وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم، وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه، وحث الناس على معاونته.
ثم أمر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم، وقسمت أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم، ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم، إذا لم
(2/101)

يعرف أبوه، وأن يعطي نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها، وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده، وبين تزويج من غيره، إلا أن يكون كان لها زوج أول، فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الاشراف وساق عنهم واغناهم، وامرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن، أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكري الأنهار، وحفر القني وأسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم، وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح، وتفقد الأساورة، فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة، وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران، وسهل سبل الناس، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الحكام والعمال والولاة، وتقدم إلى من ولى منهم ابلغ التقدم، وعمد الى سير أردشير وكتبه وقضاياه، فاقتدى بها وحمل الناس عليها، فلما استوثق له الملك، ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه، وكان فيها عظماء جنود قيصر، فافتتحها.
ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها، وجميع ما فيها، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها.
فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية، كأنهم لم يخرجوا عنها.
ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية وما دونها، وخلف طائفة من
(2/102)

جنوده بأرض الروم، بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية، ثم انصرف من الروم، فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله، وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن، فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد.
ثم انصرف إلى المدائن، وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن.
وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه، ثم أقام في ملكه بالمدائن، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده- وقد كان أنوشروان صاهر خاقان قبل ذلك- فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه، ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة.
ثم انصرف من خراسان، فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة، فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها، فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن، وأقاموا بها.
ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم، وكان مكرما للعلماء.
وملك ثمانيا وأربعين سنة، وكان مولد النبي ص في آخر ملك أنوشروان.
قَالَ هشام: وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة قَالَ: وفي زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب ابو رسول الله ص، في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه
(2/103)

قَالَ هشام: لما قوي شأن أنوشروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر- وأمه ماء السماء امرأة من النمر- فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو، آكل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك.
قال: وانوشروان غزا بزجان، ثم رجع فبنى الباب والأبواب وقال هشام: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان- وأمه هر ابنة النعمان- سبع سنين.
ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر- وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر اخت الحارث بن عمرو الكندى- أربع سنين.
ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور ابن أسس بن ربي بن نمارة بن لخم، ثلاث سنين.
ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء- وهو ذو القرنين، قَالَ: وإنما سمى بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره، وأمه ماء السماء، وهي مارية ابنه عوف ابن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناه بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة.
ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر- وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار- ست عشرة سنة.
قَالَ: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله ص، وذلك في زمن أنوشروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت
(2/104)

ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قَالَ: كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر بها في بدءته لم يهج أهلها، وخلف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة، أحد بني النجار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول، فخرجوا لقتاله وكان تبع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم- من بني عدي بن النجار يقال له أحمر- رجلا من أصحاب تبع، وجده في عذق له يجده، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبره، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان فزاد ذلك تبعا عليهم حنقا.
فبينا تبع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه- قَالَ: فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره.
فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة، ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما وكان اسم الحبرين كعبا وأسدا، وكانا من بني قريظة، وكانا
(2/105)

ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد، عن سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عمرو، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية، فقال شاعر من الانصار وهو خال ابن عبد العزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، في حربهم وحرب تبع، يفتخر بعمرو بن طلة ويذكر فضله وامتناعه:
أصحا أم انتهى ذكره ... أم قضى من لذة وطره
أم تذكرت الشباب وما ... ذكرك الشباب أو عصره!
إنها حرب رباعية ... مثلها أتى الفتى عبرة
فسلا عمران أو فسلا ... أسدا إذ يغدو مع الزهره
فيلق فيها أبو كرب ... سابغا أبدانها ذفره
ثم قَالُوا من يؤم بها ... أبني عوف أم النجره
يا بني النجار إن لنا ... فيهم قبل الأوان تره
فتلقتهم عشنقة ... مدها كالغبية النثره
(2/106)

سيد سامى الملوك ومن ... يغز عمرا لا يجد قدره
وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تبع:
تكلفني من تكاليفها ... نخيل الأساويف والمنصعة
نخيلا حمتها بنو مالك ... خيول أبي كرب المفظعة
قَالَ: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة- وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدف من جمدان بين عسفان وأمج، في طريقه بين مكة والمدينة، أتاه نفر من هذيل، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قَالَ: بلى قالوا: بيت بمكة يعبده أهله، ويصلون عنده وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده.
فلما اجمع لما قَالُوا، أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له:
ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا، قَالَ: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه؟
قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده قَالَ: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟
قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله، وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له.
فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة، وأري في المنام أن يكسو البيت،
(2/107)

فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه احسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع- فيما يزعمون- أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، والا يقربوه دما ولا ميته ولا مئلاثا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحا، ثم خرج متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قَالَ: سمعت إبراهيم بن مُحَمَّد بن طلحه ابن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم، قَالُوا: فحاكمنا إلى النار، قَالَ: نعم- قَالَ:
وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم- فلما قَالُوا ذلك لتبع قَالَ: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر فصبروا، حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في
(2/108)

أعناقهما تعرق جباههما، لم تضرهما، فأصفقت حمير عند ذلك على دينه، فمن هناك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير، إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم، فخل بيننا وبينه، قَالَ: فشأنكما به، فاستخرجا منه- فيما يزعم أهل اليمن- كلبا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن- كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه.
فقال تبع في مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قَالُوا له ما قَالُوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته تطهيره وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله ص:
ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد
حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد!
ولقد نزلت من المدينة منزلا ... طاب المبيت به وطاب المرقد
وجعلت عرصة منزل برباوة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
ولقد تركنا لأبها وقرارها ... وسباخها فرشت بقاع أجرد
ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد
(2/109)

ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالمتردد
إن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد
حتى أتاني من قريظة عالم ... حبر لعمرك في اليهود مسود
قَالَ ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكة من قريش مهتد
فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد
وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد
ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد
نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب مُحَمَّد
ما كنت أحسب أن بيتا طاهرا ... لله في بطحاء مكة يعبد
حتى أتاني من هذيل أعبد ... بالدف من جمدان فوق المسند
قَالُوا بمكة بيت مال داثر ... وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد
فأردت أمرا حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد
فرددت ما أملت فيه وفيهم ... وتركتهم مثلا لأهل المشهد
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتحشد
ملك المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب علم من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد
من قبله بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها الهدهد
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قَالَ: هذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة،
(2/110)

فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قَالَ في شعره:
حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ: وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهنا، فأقام عنده، فلما أراد توديعه قَالَ تبع: ما بقي من علمك؟ قَالَ: بقي خبر ناطق، وعلم صادق، قَالَ: فهل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي؟ قَالَ:
لا إلا لملك غسان نجل، قَالَ: فهل تجد ملكا يزيد عليه؟ قَالَ: نعم، قَالَ: ولمن؟ قَالَ أجده لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجيء، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفه النبي ص.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِمَّنْ يَرْوِي الأَحَادِيثَ، فَحَدَّثَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ مَلِكًا مِنْ لَخْمٍ، كَانَ بِالْيَمَنِ فِيمَا بَيْنَ التَّبَابِعَةِ مِنْ حِمْيَر، يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ مُلْكِهِ بِالْيَمَنِ مُلْكُ تُبَّعٍ الأَوَّلِ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو ذِي الأَذْعَارِ بْنِ أَبْرَهَةَ ذِي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي ابن سَبَإٍ الأَصْغَرِ بْنِ كَهْفِ الظُّلْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ معاويه ابن جُشْمِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ قَطَنِ بْنِ عُرَيْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ هُمَيْسِعِ ابْنِ الْعَرَنْجَجِ حِمْيَرِ بْنِ سَبَإٍ الأَكْبَرِ بن يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ:
وَكَانَ اسْمُ سَبَإٍ عَبْدَ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَبَأً- فِيمَا يزعمون- لأنه كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَى فِي الْعَرَبِ.
فَهَذَا بَيْتُ مَمْلَكَةِ حِمْيَرَ الَّذِي فِيهِ كَانَتِ التَّبَابِعَةُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ تُبَّعٍ الأَوَّلِ زَيْدُ بْنُ عمرو، وَشِمْر يَرْعِشُ بْنُ يَاسِرٍ يَنْعُمَ بْنِ عَمْرٍو ذِي الأَذْعَارِ، ابْنِ عَمِّهِ.
وَشِمْرُ يَرْعِشُ الَّذِي غَزَا الصِّينَ وَبَنَى سَمَرْقَنْدَ وَحَيَرَ الْحِيرَةَ، وَهُوَ الذى يقول:
(2/111)

أَنَا شِمْرٌ أَبُو كَرْبِ الْيَمَانِي ... جَلَبْتُ الْخَيْلَ مِنْ يَمَنٍ وَشَامٍ
لِآتِيَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَيْنَا ... وَرَاءَ الصِّينِ فِي عَثْمٍ وَيَامٍ
فَنَحْكُمَ فِي بِلَادِهِمُ بِحُكْمٍ ... سَوَاءٍ لا يُجَاوِزُهُ غُلَامٌ
الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا.
قَالَ: ثُمَّ كَانَ بَعْدَ شِمْرِ يَرْعِشَ بن يَاسِرٍ يَنْعُمُ تُبَّعٌ الأَصْغَرُ، وَهُوَ تُبَّانٌ أَسْعَدُ أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الاول بن عَمْرو ذِي الأَذْعَارِ، وَهُوَ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الْحَبْرَيْنِ مِنْ يَهُودَ إِلَى الْيَمَنِ، وَعَمَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَكَسَاهُ، وَقَالَ مَا قَالَ مِنَ الشِّعْرِ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَلَكَهُ قَبْلَ مُلْكِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ اللَّخْمِيِّ، فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ، رَجَعَ مُلْكُ الْيَمَنِ كُلُّهُ إِلَى حَسَّانَ بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ذِي الأَذْعَارِ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، وفظع بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما إلا جمعه إليه، ثم قَالَ لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قَالُوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قَالَ: إني إن أخبرتكم بها لم اطمان إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها فلما قَالَ لهم ذلك قَالَ رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت- واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان، وكان يقال لسطيح: الذئبي، لنسبته إلى ذئب بن عدي وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار فلما قَالُوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه قبل شق سطيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان، فلما قدم عليه سطيح دعاه
(2/112)

فقال له: يا سطيح، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك ان أصبتها اصبت تأويلها، قَالَ- أفعل، رأيت جمجمة- قَالَ أبو جعفر:
وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حممه- خرجت من ظلمه، فوقعت بأرض ثهمه، فأكلت منها كل ذات جمجمه فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: احلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش.
قَالَ له الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لغائظ موجع، فمتى هو كائن يا سطيح؟
أفي زماني أم بعده؟ قَالَ: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين قَالَ: فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قَالَ: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها هاربين قَالَ الملك: ومن ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قَالَ: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن قَالَ أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قَالَ: بل ينقطع قَالَ: ومن يقطعه؟
قَالَ: نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي قَالَ: وممن هذا النبي؟ قَالَ: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قَالَ: وهل للدهر يا سطيح من آخر؟ قَالَ: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون قَالَ: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ قَالَ: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.
فلما فرغ قدم عليه شق، فدعاه، فقال له: يا شق، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها- كما قَالَ لسطيح، وقد كتمه ما قَالَ سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان- قَالَ:
نعم، رأيت جمجمه، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمه، فأكلت منها كل ذات نسمه فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئا واحدا، قَالَ له: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك في تأويلها؟ قَالَ: احلف بما بين الحرتين من انسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفله
(2/113)

البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قَالَ: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان قَالَ: ومن هذا العظيم الشأن؟ قَالَ: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج من بيت ذي يزن، قَالَ: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قَالَ: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قَالَ: وما يوم الفصل؟ قَالَ: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قَالَ: أحق ما تقول يا شق؟ قَالَ: إي ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان ابن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ولما قَالَ سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين، قَالَ الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح وشق:
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذئبي إذ سجعا
(2/114)

وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي، لأنه من ولد ذئب بن عدي فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان اسعد ابى كرب ابن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم- ولكل أمر سبب- ان حسان ابن تبان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبله تفعل، حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلموا أخا له كان معه في جيشه، يقال له عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان، إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك- او كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله- وكان ذو رعين شريفا من حمير- عمد إلى صحيفة فكتب فيها:
ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم ختم عليها ثم أتى بها عمرا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب، فإن لي فيه بغية وحاجة، ففعل فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله، قَالَ لعمرو:
يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود
فأبى إلا قتله، فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن فقال قائل من حمير:
إن لله من رأى مثل حسان ... قتيلا في سالف الأحقاب
(2/115)

قتلته الأقيال من خشية الجيش ... وقالوا له لباب لباب
ميتكم خيرنا وحيكم ... رب علينا وكلكم اربابى
فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبي كرب اليمن منع منه النوم، وسلط عليه السهر- فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به، ويقول: منع مني النوم فلا اقدر عليه، وقد جهدنى السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلا ذهب نومه، وسلط عليه السهر، فلما قيل له ذلك، جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن، حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله قَالَ: إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي، قَالَ له: وما براءتك عندي؟
قال: اخرج الكتاب الذى كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر:
ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
فلما قرأهما عمرو قَالَ له ذو رعين: قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني، فلما أبيت علي وضعت هذا الكتاب عندك حجة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاة لي عندك، فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:
شرينا النوم إذ عصبت علاب ... بتسهيد وعقد غير مين
تنادوا عند غدرهم: لباب ... وقد برزت معاذر ذي رعين
قتلنا من تولى المكر منهم ... بواء بابن رهم غير دين
(2/116)

قتلناهم بحسان بن رهم ... وحسان قتيل الثائرين
قتلناهم فلا بقيا عليهم ... وقرت عند ذاكم كل عين
عيون نوادب يبكين شجوا ... حرائر من نساء الفيلقين
أوانس بالعشاء وهن حور ... إذا طلعت فروع الشعريين
فنعرف بالوفاء إذا انتمينا ... ومن يغدر نباينه ببين
فضلنا الناس كلهم جميعا ... كفضل الإبرزي على اللجين
ملكنا الناس كلهم جميعا ... لنا الأسباب بعد التبعين
ملكنا بعد داود زمانا ... وعبدنا ملوك المشرقين
زبرنا في ظفار زبور مجد ... ليقرأه قروم القريتين
فنحن الطالبون لكل وتر ... إذا قَالَ المقاول أين أين!
سأشفي من ولاة المكر نفسي ... وكان المكر حينهم وحيني
أطعتهم فلم أرشد وكانوا ... غواة أهلكوا حسبي وزيني
قَالَ: ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك.
قَالَ هشام بن مُحَمَّد: عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان، لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله- قَالَ: وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك، وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد.
رجع الحديث الى حديث ابن اسحق قَالَ: فمرج أمر حمير عند ذلك، وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر، فملكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير، يذكر ما ضيعت حمير من أمرها، وفرقت جماعتها، ونفت من خيارها:
(2/117)

تقتل أبناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير
تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر
كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر
وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم- وكان امرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان- مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك أبدا، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكا، فجعله في فيه- أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله، فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه، حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الاذعار أخو حسان- وزرعة كان صبيا صغيرا حين أصيب أخوه، فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل- فبعث اليه لخنيعه ينوف ذو شناتر، ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله، ثم احتز رأسه، فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطب أم يباس؟ فقال: سل نخماس استرطبان ذو نواس، استرطبان ذو نواس، لا باس فذهبوا ينظرون حين قَالَ لهم ما قَالَ، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه،
(2/118)

فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت، إذ أرحتنا من هذا الخبيث.
فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل، أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون، فحملهم عليه فدانوا به قَالَ هشام: زرعة ذو نواس، فلما تهود سمي يوسف، وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبه اليماني، أنه حدثهم إن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا، مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسي، وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، إذ فطن لشأنه رجل من أهلها، يقال له صالح، فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله، فكان يتبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلي، فبينا هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين- الحية ذات الرءوس السبعة- فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح،
(2/119)

ولم يدر ما أصابها، فخافها عليه فعيل عوله، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قَالَ: ما شئت، أمري كما ترى، فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفي، وإذا دعى إلى أحد به الضر لم يأته.
وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له:
إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبا، ثم جاءه فقال له:
يا فيميون، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قَالَ: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قَالَ: كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي، ثم قَالَ: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبي: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبي ليس به بأس.
وعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشام مر بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال:
أفيميون! قَالَ: نعم، قَالَ: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك، فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى نقوم علي، فإني ميت الآن قَالَ: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدى عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران- وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها
(2/120)

كل ثوب حسن وجدوه، وحلي النساء ثم خرجوا، فعكفوا عليها يوما- فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحا، فكان فيميون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه- يصلي، استسرج له البيت نورا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنما أنتم في باطل، وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له قَالَ: فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنا عليه، قَالَ: فقام فيميون، فتطهر ثم صلى ركعتين، ثم دعا الله عليهما، فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعه من دين عيسى بن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض.
فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب.
فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نَجْرَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، مولى لبني هاشم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كعب القرظي قَالَ: وحدثني مُحَمَّد بن إسحاق أيضا عن بعض أهل نجران إن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران- ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد- ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما أن نزلها فيميون- قَالَ: ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه، قَالُوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر، مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى
(2/121)

أسلم، فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم- وكان يعلمه- فكتمه إياه وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله، أخشى ضعفك عنه فلما ابى عليه- والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها، لم يضره شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قَالَ، كذا وكذا، قَالَ: وكيف علمته؟ فاخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي، قد أصبته فامسك على نفسك، وما أظن أن تفعل فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قَالَ له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك! قَالَ: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قَالَ عبد الله بن الثامر:
إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني، فوحد الله ذلك الملك، وشهد بشهاده عبد الله ابن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران
(2/122)

فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك والله اعلم.
قال: فسار اليهم ذو نواس بجنوده من حمير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم.
قَالَ: وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول: إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض.
قَالَ: وأثبت الحديثين عندي الذي حَدَّثَنِي أنه دوس ذو ثعلبان.
ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن ففي ذي نواس وجنوده تلك حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» الى قوله: «بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» .
يقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم.
ويقال: عبد الله بن الثامر قتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين، وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه.
وأما هشام بن مُحَمَّد فإنه قَالَ: لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان قَالَ: وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهوديا، فقدم عليه يهودي، يقال له دوس من أهل نجران، فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما، واستنصره عليهم- وأهل نجران نصارى- فحمى ذو نواس لليهودية، فغزا أهل نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل
(2/123)

من أهل نجران، حتى قدم على ملك الحبشه، فاعلمه ما ركبوا به، وأتاه الانجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي بسفن أحمل فيها الرجال.
فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث اليه بالإنجيل المحرق، فبعث اليه قيصر بسفن كثيرة.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ محمد بن عمرو بن حزم، إنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فامسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربي الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا.
وخرج دوس ذو ثعلبان، حين أعجز القوم على وجهه ذلك، حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود، ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك، واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب
(2/124)

ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة، يقال له ارياط، وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، واخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم.
فخرج ارياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان، حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق، لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال، ثم انهزموا، ودخلها ارياط بجموعه، فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر، حتى أفضى به إلى غمره، فأقحمه فيه، فكان آخر العهد به.
ووطيء ارياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة، فقال:
لا كدوس ولا كإعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مثل باليمن إلى اليوم.
وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير، وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه، وما هدم من حصون اليمن، وكان ارياط قد اخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان، حصونا لم يكن في الناس مثلها، فقال:
هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا
أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا!
وقال ذو جدن الحميرى في ذلك:
دعينى لا ابالك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي
(2/125)

لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ نسقى من الخمر الرحيق
وشرب الخمر ليس على عارا ... إذا لم يشكني فيها رفيقي
فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع النشوق
ولا مترهب في أسطوان ... يناطح جدره بيض الأنوق
وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق
بمنهمة وأسفله جروب ... وحر الموحل اللثق الزليق
مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق
ونخلته التي غرست اليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق
فأصبح بعد جدته رمادا ... وغير حسنه لهب الحريق
وأسلم ذو نواس مستميتا ... وحذر قومه ضنك المضيق
وقال ابن الذئبة الثقفي، وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم:
لعمرك ما للفتى من مفر ... مع الموت يلحقه والكبر
لعمرك ما للفتى صحرة ... لعمرك ما إن له من وزر
(2/126)

أبعد قبائل من حمير ... أتوا ذا صباح بذات العبر
بالب الوب وحرابة ... كمثل السماء قبيل المطر
يصم صياحهم المقربات ... وينفون من قاتلوا بالزمر
سعالى كمثل عديد التراب ... ييبس منهم رطاب الشجر
وأما هشام بن مُحَمَّد، فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب قَالَ: فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا، فأبوا وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم:
اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح، وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية: أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم، فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، فجهز إليه سبعين ألفا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم، فلما صاروا إلى صنعاء وراى ذو نواس الا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به.
وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها، ولم يبعث إلى النجاشى بشيء،
(2/127)

فقيل للنجاشي: إنه قد خلع طاعتك، ورأى أنه قد استغنى بنفسه، فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه، يقال له ارياط، فلما حل بساحته، بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين، والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضي بذلك ارياط، وأجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعا يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لارياط عبدا له يقال له أرنجده، في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق ارياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم، ونهض ارنجده من الحفرة، فزرق ارياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتكم فقال: لا تدخل امراه اليمن على زوجها حتى يبدأ بي، قَالَ: لك ذاك، فغبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد انى لكم أن تكونوا أحرارا، وبلغ النجاشي قتل ارياط، فالى الا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة، ويطأ بلاده، وبلغ أبرهة أليته، فكتب إليه: أيها الملك، إنما كان ارياط عبدك، وأنا عبدك، قدم علي يريد توهين ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا، فإن أمرته بالكف عني، وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنما سلطاني لك، وقد بلغني أنك حلفت الا تنتهي حتى تهريق دمي، وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي، وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتم ايها الملك يدك عندي، فإنما أنا عبدك وعزي عزك.
فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قَالَ: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي،
(2/128)

وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لي وأبرز لك، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.
فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة- يريد يافوخه- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته، فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على ارياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عتودة في قتله ارياط: أنا عتودة، من فرقة أردة، لا أب ولا أم نجده، أي يقول: قتلك عبده، قَالَ: فقال الأشرم عند ذلك لعتودة: حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عتودة: حكمي ألا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا، وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري ثم حلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جرابا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي، وكتب إليه: أيها الملك، إنما كان ارياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبط لها
(2/129)

وأسوس لها، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن، ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه، وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان- وأبو ريحانة ذو جدن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينا، ثم عدا على عتودة رجل من حمير- أو من خثعم- فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله- وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية- قَالَ: قد انى لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال، إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته، ولا أنعمته عينا، وايم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه.
قَالَ: ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب.
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النساة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟
فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، لما سمع
(2/130)

من قولك: أصرف إليه حاج العرب، فغضب فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم مُحَمَّد بن خزاعي بن حزابة الذكواني، ثم السلمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له قيس بن خزاعي، فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخصى، فلما أتى القوم بغدائه قَالُوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا، فقام مُحَمَّد بن خزاعي، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني.
ثم إن أبرهة توج مُحَمَّد بن خزاعي، وأمره على مضر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس، كنيسته التي بناها فسار مُحَمَّد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة- وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له- بعثوا إليه رجلا من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي، فرماه بسهم فقتله وكان مع مُحَمَّد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا، وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت.
وأما هشام بن مُحَمَّد، فإنه قَالَ: بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجبا لم ير مثله، بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرها وذكرها، وسأله المعونة له على ذلك فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام، وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها: إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدم البيت، فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل، فلقيه ذو نفر الحميري، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك، إنما أنا عبدك فاستبقني، فإن حياتي خير لك من قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيه نفيل
(2/131)

ابن حبيب الخثعمي، فقاتله فهزم أصحابه، وأسره، فسأله أن يستبقيه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قَالَ: ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت، وخرج معه بالفيل- قَالَ:
وسمعت العرب بذلك فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام- فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرا، فأتي به، فلما أراد قتله قَالَ له ذو نفر: أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق- وكان أبرهة رجلا حليما- ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا، فأتي به، فلما هم بقتله قَالَ له نفيل: أيها الملك، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم، شهران وناهس بالسمع والطاعة، فأعفاه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على الطريق، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد- يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكة- يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك من يدلك.
فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس.
ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود
(2/132)

على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميري الى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له:
إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يرد حربي فأتني به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم- أو كما قَالَ- فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا من دفع عنه- أو كما قَالَ له- فقال له حناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك- فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر- وكان له صديقا- حتى دل عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك قَالَ: حسبي.
فبعث ذو نفر إلى أنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت.
قَالَ: أفعل، فكلم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قَالَ: فأذن له
(2/133)

أبرهة- وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما- فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قَالَ لترجمانه: قل له حاجتك إلى الملك، فقال له ذلك الترجمان، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قَالَ له ذلك، قَالَ أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب:
انى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قَالَ: ما كان ليمنع مني، قَالَ:
أنت وذاك، اردد إلي إبلي.
وكان- فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بْن بكر بْن عبد مناة بْن كنانة- وهو يومئذ سيد بنى كنانه- وخويلد بن واثله الهذلي- وهو يومئذ سيد هذيل- فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم والله أعلم وكان أبرهة قد رد على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
(2/134)

ثم قال أيضا:
لا هم إن العبد يمنع ... رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
فلئن فعلت فربما ... أولى فأمر ما بدا لك
ولئن فعلت فانه ... امر تتم به فعالك
جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك
وقال أيضا:
وكنت إذا أتى باغ بسلم ... نرجي أن تكون لنا كذلك
فولوا لم ينالوا غير خزي ... وكان الحين يهلكهم هنالك
ولم أسمع بأرجس من رجال ... أرادوا العز فانتهكوا حرامك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبى جيشه- وكان اسم الفيل محمودا- وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد
(2/135)

في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب!
وقال نفيل أيضا:
ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتنى وحمدت رأيي ... ولم تأسى على ما فات بينا
حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا
فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا!
فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت منه
(2/136)

أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه- فيما يزعمون.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ ابيه قال: وحدثنا عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ الْكَعْبِيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عَدَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بن مسلم، عن عبد الله ابن كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: كَانَ النَّجَاشِيُّ قَدْ وَجَّهَ أَرْيَاطَ أبا صحم فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَدَاخَهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَى الْمُلُوكَ، وَاسْتَذَلَّ الْفُقَرَاءَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ أَبْرَهَةُ الأَشْرَمُ أَبُو يَكْسُومَ، فَدَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَقَتَلَ أَرْيَاطَ، وَغَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ، وَرَأَى النَّاسَ يَتَجَهَّزُونَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ لِلحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَسَأَلَ: أَيْنَ يَذْهَبُ النَّاسُ؟ فَقَالُوا: يَحُجُّونَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، قَالَ: مِمَّ هُوَ؟ قَالُوا: مِنْ حِجَارَةٍ، قَالَ: فما كسوته؟ قالوا: ما ياتى هاهنا مِنَ الْوَصَائِلِ، قَالَ: وَالْمَسِيحِ لَأَبْنِيَنَّ لَكُمْ خَيْرًا منه! فبنى لهم بيتا، عمله برخام الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ وَالأَصْفَرِ وَالأَسْوَدِ، وَحَلَّاهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَحَفَّهُ بِالْجَوْهَرِ، وَجَعَلَ لَهُ أَبْوَابًا عَلَيْهَا صَفَائِحُ الذَّهَبِ وَمَسَامِيرُ الذَّهَبِ، وَفَصَلَ بَيْنَهَا بِالْجَوْهَرِ، وَجَعَلَ فِيهَا يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ عَظِيمَةً، وَجَعَلَ لَهَا حِجَابًا، وكان يوقد بالمندل، ويلطخ جدره بِالْمِسْكِ، فَيَسُودُهُ حَتَّى يَغِيبَ الْجَوْهَرُ وَأَمَرَ النَّاسَ فَحَجُّوهُ، فَحَجَّهُ كَثِيرٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سِنِينَ، وَمَكَثَ فِيهِ رِجَالٌ يَتَعَبَّدُونَ وَيَتَأَلَّهُونَ، وَنَسَكُوا لَهُ، وَكَانَ نُفَيْلٌ الْخَثْعَمِيُّ يُؤَرِّضُ لَهُ مَا يَكْرَهُ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنَ
(2/137)

اللَّيَالِي لَمْ يَرَ أَحَدًا يَتَحَرَّكُ، فَقَامَ فَجَاءَ بِعَذِرَةٍ فَلَطَّخَ بِهَا قِبْلَتَهُ، وَجَمَعَ جِيَفًا فَأَلْقَاهَا فِيهِ فَأُخْبِرَ أَبْرَهَةُ بِذَلِكَ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلَتْ هَذَا الْعَرَبُ غَضَبًا لِبَيْتِهِمْ، لَأَنْقُضَنَّهُ حَجَرًا حَجَرًا وَكَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِفِيلِهِ مَحْمُودٍ- وَكَانَ فِيلًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ فِي الأَرْضِ عِظَمًا وَجِسْمًا وَقُوَّةً- فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ الْفِيلُ سَارَ أَبْرَهَةُ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ مَلِكُ حِمْيَرٍ، وَنُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحَرَمِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْغَارَةِ عَلَى نِعَمِ النَّاسِ فَأَصَابُوا إِبِلًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ نُفَيْلٌ صَدِيقًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَكَلَّمَهُ فِي إِبِلِهِ، فَكَلَّمَ نُفَيْلٌ أَبْرَهَةَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَتَاكَ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَأَفْضَلُهُمْ قَدْرًا، وَأَقْدَمُهُمْ شَرَفًا، يَحْمِلُ عَلَى الْجِيَادِ، وَيُعْطِي الأَمْوَالَ، وَيُطْعِمُ مَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَأَدْخَلَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ، فَقَالَ: حَاجَتَكَ! قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ إِبِلِي، فَقَالَ: مَا أَرَى مَا بَلَغَنِي عَنْكَ إِلَّا الْغُرُورُ، وَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُكَلِّمُنِي فِي بَيْتِكُمُ الَّذِي هُوَ شَرَفُكُمْ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: ارْدُدْ عَلَيَّ إِبِلِي، وَدُونَكَ الْبَيْتَ، فَإِنَّ لَهُ رَبًّا سَيُمْنَعُهُ فَأَمَر بِرَدِّ إِبِلِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَبَضَهَا قَلَّدَهَا النِّعَالَ، وَأَشْعَرَهَا، وَجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الْحَرَمِ لِكَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبُ رَبُّ الْحَرَمِ، وَأَوْفَى عَبْدُ المطلب على حراء وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ وَمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:
لا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يمنع ... رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
ان كنت تاركهم و ... قبلتنا فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكَ
قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الطَّيْرُ مِنَ الْبَحْرِ أَبَابِيلَ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ:
حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، فَقَذَفَتِ الْحِجَارَةَ عَلَيْهِمْ، لا تُصِيبُ شَيْئًا إِلَّا هَشَّمَتْهُ، وَإِلَّا نَفِطَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا كَانَ الْجُدَرِيُّ وَالْحَصْبَةُ والأَشْجَارُ الْمُرَّةُ، فَأَهْمَدَتْهُمُ الْحِجَارَةُ، وَبَعَثَ اللَّهُ سَيْلًا أَتِيًّا، فَذَهَبَ بِهِمْ فَأَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ
(2/138)

قَالَ: وَوَلَّى أَبْرَهَةُ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ هُرَّابًا، فَجَعَلَ أَبْرَهَةُ يَسْقُطُ عُضْوًا عُضْوًا وَأَمَّا مَحْمَوُدٌ فِيلُ النَّجَاشِيِّ فَرَبَضَ وَلَمْ يَشْجُعْ عَلَى الْحَرَمِ فَنَجَا، وَأَمَّا الْفِيلُ الآخَرُ فَشَجُعَ فَحَصِبَ وَيُقَالُ: كَانَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا، وَنَزَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ من حراء، فَأَقْبَلَ رَجُلانِ مِنَ الْحَبَشَةِ فَقَبَّلَا رَأْسَهُ وَقَالَا: أَنْتَ كُنْتَ أَعْلَمَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عن يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي بها مرار الشجر: الحرمل والحنظل والعشر، ذلك العام.
قَالَ ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة- وبه كان يكنى- فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة، فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب.
قَالَ: ولما رد الله الحبشة عن مكة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عظمت العرب قريشا، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفاهم مئونة عدوهم.
قَالَ: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق ابن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن- وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا، واخرجوا الحبشه من اليمن اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة- خرج سيف بن ذي يزن الحميري، وكان يكنى بأبي مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما هم فيه، وطلب اليه أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر- وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق- فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل، فقال له النعمان:
إن لي على كسرى وفماده في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي قَالَ: فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى، فخرج معه الى
(2/139)

كسرى، فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته، ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له، وسأل أن يأذن له عليه، ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل العظيم، مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك، ثم قَالَ: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى:
أي الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قَالَ: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني عليهم، وتخرجهم عني، ويكون ملك بلادي لك، فأنت أحب إلينا منهم قَالَ:
بعدت أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير، إنما بها الشاء والبعير، وذلك مما لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة.
فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن، خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى، فقيل له:
العربي الذى اعطيته ما أعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء.
فقال كسرى: إن لهذا الرجل لشأنا، ائتوني به، فلما دخل عليه قَالَ: عمدت إلي حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس! قَالَ: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة- يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها- إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم، ويدفع عني الذل، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك فأقام عنده.
وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره، فقال:
ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل منهم: أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردت بهم، وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك.
فقال: إن هذا الرأي! أحصوا لي كم في سجوني من الرجال، فحسبوا له،
(2/140)

فوجدوا في سجونه ثمانمائه رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا، اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز- وكان ذا سن- فبعثه مع سيف، وأمره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كل سفينة مائة رجل، وما يصلحهم في البحر فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلص إلى ساحل اليمن من ارض عدن ست سفائن، فيهن ستمائه رجل، فيهم وهرز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنا بأرض اليمن، قَالَ وهرز لسيف: ما عندك؟ قَالَ: ما شئت من رجل عربي، وفرس عربي، ثم اجعل رجلي مع رجلك، حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قَالَ وهرز: أنصفت وأحسنت! فجمع إليه سيف من استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له كان معه- يقال له نوزاذ- على جريدة خيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال، ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه، فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم، وجدا على قتالهم.
فلما تواقف الناس على مصافهم قَالَ وهرز: أروني ملكهم، فقالوا:
ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال:
نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه فوقفوا طويلا، ثم قال: علا م هو؟
قَالُوا: قد تحول على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلا، ثم قال: علا م هو؟ قَالُوا: قد تحول على البغلة، قَالَ: ابنة الحمار! ذل وذل ملكه، هل تسمعون إني سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه- وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها- ثم أمر بحاجبيه
(2/141)

فعصبا له، ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكس عن دابته، واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفرس، وانهزمت الحبشة، فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه، فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها، حتى إذا أتى بابها قَالَ: لا تدخل رايتي منكسة أبدا، اهدموا الباب.
فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه.
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إني قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت من كان بها من الحبشة، وبعث إليه بالأموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم، يبعث إليه في كل عام وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه فانصرف إليه وهرز، وملك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن.
فهذا ما حَدَّثَنَا به ابن حميد، عن سلمة عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، من أمر حمير والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن.
وأما هشام بن مُحَمَّد، فإنه قَالَ: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق.
قَالَ: وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ، ونفى الحبشة عن اليمن.
قَالَ: وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن، فولدت له غلاما سماه معد يكرب.
وكانت ذات جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مرة، فاستنكحها، فخرج أبو مرة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر- أظنه عمرو بن هند- فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا، يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال: لا تعجل، فإن لي عليه في كل سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قبله حتى وفد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كسرى،
(2/142)

فذكر له شرف ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه، فألطفه وأحسن مسألته، وقال له: ما الأمر الذي نزع بك؟ قَالَ: أيها الملك، إن السودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منا أمورا شنيعة، أجل الملك عن ذكرها، فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه، مؤملين له، راجين ان يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم! فإن رأى الملك أن يصدق ظننا، ويحقق رجاءنا، ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه- فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا، وليست كما يلي الملك من بلاد العرب- فعل.
قَالَ: قد علمت أن بلادكم كما وصفت، فأي السودان غلبوا عليها؟
الحبشة أم السند؟ قَالَ: بل الحبشة، قَالَ أنوشروان: إني لأحب أن أصدق ظنك، وأن تنصرف بحاجتك، ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب، وأكره أن أغرره بجندي، ولي فيما سألت نظر، وأنت على ما تحب.
وامر بإنزاله وإكرامه، فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قَالَ قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى، فلما ترجمت له، أعجب بها.
وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الاشرم غلاما، فسماه مسروقا، ونشا معديكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن اباك! وكان معديكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: من أبي؟ قالت: الأشرم، قَالَ: لا والله، ما هو أبي، ولو كان أبي ما سبني فلان، فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض، واقتصت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبث بعد ذلك لبثا
(2/143)

ثم إن الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم، وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين، فانكفأ راجعا إلى كسرى، فاعترضه يوما وقد ركب، فصاح به: أيها الملك، إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل، وقال: من أنت؟ وما ميراثك؟
قَالَ: أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، الذي وعدته أن تنصره، فمات ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى، وأمر له بمال فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قَالَ: إني لم آتك للمال، إنما جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموبذان: إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدم من عدته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجههم معه، فإن أصابوا ظفرا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب.
قَالَ كسرى: هذا الرأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائه نفر، فقود عليهم قائدا من أساورته، يقال له وهرز، كان كسرى يعدله بألف أسوار، وقواهم وجهزهم وامر بحملهم في ثمانية سفائن، في كل سفينة مائة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلمت ست، فخرجوا بساحل حضرموت، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير، ونزل وهرز على سيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلا من
(2/144)

أرى، ومعي من ترى! لقد غررت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذنت لك، فرجعت إلى بلادك ولم أهجك، ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببت ناجزتك الساعة، وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك، وتشاور أصحابك.
فأعظم وهرز أمرهم، ورأى أنه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق: بل تضرب بيني وبينك أجلا، وتعطيني موثقا وعهدا، وتأخذ مثله مني، ألا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل، ونرى رأينا.
ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كل واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه- ووهرز لا يشعر به- فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فلم قتلتم ابني؟ فأرسل إليه مسروق: إن ابنك حمل علينا، وتوسط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارها قَالَ وهرز للرسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابن زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا ثم أمر فرمي به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه، وحلف ألا يشرب خمرا، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم.
فلما انقضى الأجل إلا يوما واحدا، أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق، ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوا أمر بفضله فألقي في البحر، ثم قام فيهم خطيبا، فقال:
أما ما حرقت من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا، وأما ما حرقت من ثيابكم، فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير
(2/145)

ذلك إليهم، وأما ما ألقيت من زادكم في البحر، فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا، فإن كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري، فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي أبدا فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفر.
فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه، وجعل البحر خلفه، وأقبل عليهم يحضهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خلتين، إما ظفروا بعدوهم، وإما ماتوا كراما، وأمرهم أن تكون قسيهم موترة، وقال:
إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان- ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك- وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة، لا يرى أن دون الظفر شيئا.
وكان وهرز قد كل بصره فقال: أروني عظيمهم، فقالوا: هو صاحب الفيل، ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا، فقالوا: قد ركب فرسا، فقال: ارفعوا لي حاجبي، وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نشابة، فوضعها في كبد قوسه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له إليه حتى أثبته، ثم قَالَ لهم: ارموا، فرموا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنها رشاء، حتى صكت جبهة مسروق، فسقط عن دابته، وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة، وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانها، وغنم من عسكرهم ما لا يحصى ولا يعد كثرة، وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين، لا يمتنعون منه
(2/146)

فقال وهرز: أما حمير والأعراب فكفوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدا فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جمل له، فركضه يوما وليلة، ثم التفت، فإذا في الحقيبة نشابة، فقال: لأمك الويل! أبعد أم طول مسير- حسب أن النشابة لحقته وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرق عماله في المخاليف.
وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس، يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبي الصلت الثقفي:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا
اتى هرقل وقد شالت نعامتهم ... فلم يجد عنده بعض الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك لعمري لقد أطولت قلقالا
من مثل كسرى شهنشاه الملوك له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا!
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
غر جحاجحة، بيض مرازبة، ... أسد تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط ... في زمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج متكئا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
(2/147)

وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: فلما انصرف وهرز إلى كسرى، وملك سيفا على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها، حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خولا، واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينا غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم، حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله، صغيرا أو كبيرا، ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا قتله.
فأقبل وهرز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك، ولم يترك بها حبشيا إلا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمره كسرى عليها فكان عليها، وكان يجبيها إلى كسرى حتى هلك، وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز، فكان عليها حتى هلك، فأمر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز، فكان عليها.
ثم إن كسرى غضب عليه، فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفا لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدا ص.
وكان- فيما ذكر- بين كسرى أنوشروان وبين يخطيانوس ملك
(2/148)

الروم، موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشام، يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم، كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب، يقال له المنذر بن النعمان- نائرة، فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أموالا من أمواله.
فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدا أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده، ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر من خالد، وألا يستخف بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه.
وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل بها، فاستعد كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرهاء، ومدينة منبج، ومدينة قنسرين، ومدينة حلب، ومدينة أنطاكية- وكانت أفضل مدينة بالشام- ومدينة فامية، ومدينة حمص، ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن، عنوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسبى أهل مدينة أنطاكية، ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة أنطاكية- على ما قد ذكرت قبل- وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسوج نهروان الأعلى، وطسوج نهروان الأوسط، وطسوج نهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم من أنطاكية إلى الرومية الأرزاق وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الأهواز، كان ولاه الرياسة على أصحاب
(2/149)

صناعاته، يقال له: براز، رقة منه لذلك السبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته، ويسكنوا إليه وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنه على الا يغزو بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كل عام.
وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث، ومن كور الربع، ومن كور الخمس، ومن كور السدس، على قدر شربها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئا معلوما، فأمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الارض، سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك، وأذن للناس إذنا عاما، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قَالَ لهم كسرى:
إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بانجامها في السنه في ثلاثة انجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا، أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا، كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال.
فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟
فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك- عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: يا ذا الكلفه
(2/150)

المشئوم، من أي طبقات الناس أنت؟ قَالَ: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدوي حتى يموت، فضربه بها الكتاب خاصة تبرءوا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج.
وإن كسرى اختار رجالا من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورءوس أهل الجزية ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون ان فيه صلاح رعيته، ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الحراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون، وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما، وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم، وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهما، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك، وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك، ولم يضعوا إلا على كل نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوي الناس في معاشهم، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب، ومن كان في خدمة الملك، وصيروها على طبقات: اثني عشر درهما وثمانية وستة وأربعة، كقدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم، كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله الأمر المتراضى، وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمة عليها، إلا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله، مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كل
(2/151)

جريب ارض مزارع حنطه او شعير قفيزا من حنطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض وعلى النخل والزيتون والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس.
وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخا، فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله، ودفعت نسخة إلى عمال الخراج، ليجتبوا خراجهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك، ليأمر بحسبه للعمال، والا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتي له دون عشرين سنة.
وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب- نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية، يقال له بابك بن البيروان- ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده.
فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتكأته، ثم جلس على ما فرش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة على ما يلزمهم من السلاح، فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم، فأمرهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك، فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أكرم بتاج وسرير، فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة، ثم اتى بابك
(2/152)

ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا، وجوشنا، وساقين، وسيفا، ورمحا، وترسا، وجرزا تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عمودا، وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا.
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة، فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما، ثم غرد داعي بابك بصوته، وقال: للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم.
فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك، إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني.
فقال كسرى: ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أود ذي الأود منهم.
ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معديكرب- ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن- جيشا إلى اليمن، فقتلوا من بها من السودان، واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند- وهي أرض الجوهر- قائدا من قواده في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة، وجوهرا كثيرا.
ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى، فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان، فبلغ ذلك كسرى، فبلغ ذلك منه مشقة، فدعا
(2/153)

بموبذان موبذ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا، وقد تعاظم الناس ذلك، فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخبرنا برأيك في ذلك.
فقال له موبذان موبذ: فإني سمعت أيها الملك- عمرك الله- فقهاءنا يقولون: متى لا يغمر في بلدة العدل الجور، ويمحق، بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم، وتساقط إليهم ما يكرهون، وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منه إلا به، فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم، أو كلف مئونة في أمرهم.
وكان لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم.
وكان مولد رسول الله ص في عهد كسرى أنوشروان، عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة، وساق فيه إليها الفيل، يريد هدم بيت الله الحرام، وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى انوشروان وفي هذا العام كان يوم جبلة، وهو يوم من أيام العرب مذكور
(2/154)

ذكر مولد رسول الله ص
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ص عَامَ الْفِيلِ.
قَالَ: وَسَأَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ ليث: أنت اكبر أم رسول الله ص؟ قال: رسول الله ص أَكْبَرُ مِنِّي، وَأَنَا أَقْدَمُ مِنْهُ فِي الْمِيلَادِ، وَرَأَيْتُ خَذْقَ الْفِيلِ أَخْضَرَ مُحِيلًا بَعْدَهُ بِعَامٍ، وَرَأَيْتُ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ شَمْسٍ شَيْخًا كَبِيرًا يَقُودُهُ عَبْدُهُ فَقَالَ ابْنُهُ: يَا قَبَاثُ، أَنْتَ أَعْلَمُ وَمَا تَقُولُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ ابن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ:
ولدت انا ورسول الله ص عَامَ الْفِيلِ، فَنَحْنُ لِدَانِ.
وَحُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عبد المطلب ابو رسول الله ص لاربع وعشرين مضت من سلطان كسرى انوشروان، وولد رسول الله ص فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ سُلْطَانِهِ.
وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ الله ص عَامَ الْفِيلِ.
حُدِّثْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ،
(2/155)

قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي الحويرث، قال: سمعت عبد الملك ابن مَرْوَانَ يَقُولُ لِقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ الْكِنَانِيِّ اللَّيْثِيِّ: يَا قَبَاثُ، أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُول اللَّهِ ص؟ قال: رسول الله ص أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ، وُلِدَ رَسُولُ الله ص عَامَ الْفِيلِ، وَوَقَفَتْ بِي أُمِّي عَلَى رَوْثِ الْفِيلِ مُحِيلًا أَعْقِلُهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: ولد رسول الله ص يَوْمَ الاثْنَيْنِ عَامَ الْفِيلِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ ص فِي الدَّارِ الَّتِي تُعْرَفُ بِدَارِ ابْنِ يُوسُفَ، وقيل: ان رسول الله ص كَانَ وَهَبَهَا لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِ عَقِيلٍ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَبَاعَهَا وَلَدُهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَبَنَى دَارَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا دَارُ ابْنِ يُوسُفَ، وَأَدْخَلَ ذَلِكَ الْبَيْتَ فِي الدَّارِ، حَتَّى أَخْرَجَتْهُ الْخَيْزُرَانُ فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
يزعمون فيما يتحدث الناس- والله أعلم- أن آمنة بنت وهب أم رسول الله ص، كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله ص، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه مُحَمَّدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب، أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه.
وما أمرت أن تسميه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن سنان القزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بن مُحَمَّد الزهري، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد العزيز بْن عمران، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عَنْ أَبِيهِ، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن
(2/156)

عثمان بن أبي العاص، قَالَ: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله ص- وكان ذلك ليل ولدته- قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو، حتى إني لأقول:
لتقعن علي.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة، فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، والتمس له الرضعاء، فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب، وأبو ذئيب عبد الله، بن الحارث، بن شجنة، بن جابر، بن رزام، بن ناصرة، بن فصيه، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن مَنْصُور، بن عِكْرِمَة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر.
واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزى، بن رفاعة، بن ملان، بن ناصره، بن فصيه، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن مَنْصُور، بن عِكْرِمَة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر واسم إخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة ابنة الحارث، وخذامه ابنة الحارث وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به.
وهي حليمة ابنة عبد الله بن الحارث، أم رسول الله ص، ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم ص.
وأما غير ابن إسحاق، فإنه قَالَ في ذلك مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِثُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شيبة، عن عميرة ابنة عبيد الله بن كعب بن مالك، عن بره ابنه
(2/157)

ابى تجزاه، قالت: أول من ارضع رسول الله ص ثويبة، بلبن ابن لها- يقال له مسروح- أياما قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وارضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ- وحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ وحدثني هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي محمد ابن سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ- عَنِ الْجَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كَانَتْ حَلِيمَةُ ابْنَةُ ابى ذؤيب السعديه أم رسول الله ص الَّتِي أَرْضَعَتْهُ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَهَا زَوْجُهَا وَابْنٌ لَهَا تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ شَيْئًا، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعِي مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَمَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يَغْذُوهُ، وَلَكِنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أَذَمْتُ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عليها رسول الله ص فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ
(2/158)

مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا، غَيْرِي فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي:
إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبَاتِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ، قَالَ: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً! قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ قَالَتْ: فَلَمَّا أَخَذْتُهُ رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رُوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ، ثُمَّ نَامَا- وَمَا كَانَ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ- وَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا إِنَّهَا لِحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا حَتَّى شَرِبَ وَشَرِبْتُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ قَالَتْ: يَقُولُ لِي صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْتُ: أَتَعْلَمِينَ وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا وَرَكِبْتُ أَتَانِي تِلْكَ، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فو الله لَقَطَعَتْ بِنَا الرَّكْبَ مَا يَقْدُمُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، ارْبِعِي عَلَيْنَا.
أَلَيْسَ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَى حِينِ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنًا، فَنَحْلِبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةً وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمُ، اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي ابْنَةِ أَبِي ذُؤَيْبٍ! فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبُضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ زِيَادَةَ الْخَيْرِ بِهِ، حَتَّى مَضَتْ سَنَتَانِ وَفَصَلْتُهُ وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ، فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ وَقُلْنَا لَهَا: يَا ظِئْرُ، لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يَغْلِظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ! قَالَتْ:
(2/159)

فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتَّى رَدَدْنَاهُ مَعَنَا قَالَتْ: فرجعنا به، فو الله إِنَّهُ بَعْدَ مَقْدَمِنَا بِهِ بِأَشْهُرٍ مَعَ أَخِيهِ فِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ لِي وَلأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ جَاءَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَأَضْجَعَاهُ وَشَقَّا بَطْنَهُ وَهُمَا يَسُوطَانِهِ قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَشْتَدُّ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا وَجْهُهُ، قالت: فالتزمه وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، وَقُلْنَا لَهُ: مَا لَكَ يَا بُنَيَّ؟
قَالَ: جَاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِي فَالْتَمَسَا فِيهِ شَيْئًا لا أَدْرِي مَا هُوَ! قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إِلَى خِبَائِنَا قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ:
وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِهِ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ:
مَا أَقْدَمَكِ بِهِ يَا ظِئْرُ، وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلى مُكْثِهِ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ:
قُلْتُ: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ وَتَخَوَّفْتُ الأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إِلَيْكِ كَمَا تُحَبِّينَ قَالَتْ: مَا هَذَا بِشَأْنِكِ، فَاصْدُقِينِي خَبَرَكِ، قَالَتْ:
فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ: فَتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قَالَتْ:
فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: كَلا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّ لِبُنَيَّ لَشَأْنًا، أَفَلا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى من ارض الشام، ثم حملت به، فو الله مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ وَلا أَيْسَرَ مِنْهُ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالأَرْضِ، رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الشَّامِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: بَيْنَا نحن جلوس عند رسول الله ص، إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَهُوَ مَدَرَّةُ قَوْمِهِ وَسَيِّدُهُمْ، مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ يَتَوَكَّأُ على عصا، فمثل بين يدي النبي ص قائما، ونسبه
(2/160)

الى جده، فقال: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ، أَرْسَلَكَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَغَيْرَهُمْ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَلا وَإِنَّكَ فَوَّهْتَ بِعَظِيمٍ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ وَالْخُلَفَاءُ فِي بَيْتَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الْحِجَارَةَ وَالأَوْثَانَ، فَمَا لَكَ وَلِلنُّبُوَّةِ! وَلَكِنْ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةٌ، فَأَنْبِئْنِي بِحَقِيقَةِ قولك، وبدء شانك، قال:
فاعجب النبي ص بِمَسْأَلَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ، إِنَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي تَسْأَلُنِي عَنْهُ نَبَأً وَمَجْلِسًا، فَاجْلِسْ، فَثَنَّى رِجْلَيْهِ ثُمَّ بَرَكَ كَمَا يبرك البعير، فاستقبله النبي ص بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ، إِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِي وَبَدْءَ شَأْنِي، أَنِّي دَعْوَةُ أَبِي ابراهيم، وبشرى أخي عيسى بن مَرْيَمَ وَإِنِّي كُنْتُ بِكْرَ أُمِّي، وَإِنَّهَا حَمَلَتْ بِي كَأَثْقَلِ مَا تَحْمِلُ، وَجَعَلَتْ تَشْتَكِي إِلَى صَوَاحِبِهَا ثِقَلَ مَا تَجِدُ.
ثُمَّ إِنَّ أُمِّي رَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا نُورٌ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أُتْبِعُ بَصَرِيَ النُّورَ، وَالنُّورُ يَسْبِقُ بَصَرِي، حَتَّى أَضَاءَتْ لِي مَشَارِقُ الأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا.
ثُمَّ إِنَّهَا وَلَدَتْنِي فَنَشَأْتُ، فَلَمَّا أَنْ نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ أَوْثَانُ قُرَيْشٍ، وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ، وَكُنْتُ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذٌ مِنْ اهلى في بطن واد مع أَتْرَابٍ لِي مِنَ الصِّبْيَانِ نَتَقَاذَفُ بَيْنَنَا بِالْجُلَّةِ، إِذْ أَتَانَا رَهْطٌ ثَلاثَةٌ مَعَهُمْ طَسْتٌ مِنْ ذهب مليء ثَلْجًا، فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، فَخَرَجَ أَصْحَابِي هِرَابًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطِ فَقَالُوا: مَا أَرَبُكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا، هَذَا ابْنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْتَرْضَعٌ فِينَا، مِنْ غُلامٍ يَتِيمٍ لَيْسَ لَهُ أَبٌ، فَمَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ، وَمَاذَا تُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ! وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ قَاتِلِيهِ، فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيَّنَا شِئْتُمْ، فَلْيَأْتِكُمْ مَكَانَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَدَعُوا هَذَا الْغُلامَ فَإِنَّهُ يَتِيمٌ فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ الْقَوْمَ لا يُحِيرُونَ إِلَيْهِمْ جَوَابًا، انْطَلَقُوا هِرَابًا مُسْرِعِينَ إِلَى الحى، يؤذنونهم ويستصرخونهم عَلَى الْقَوْمِ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الأَرْضِ
(2/161)

إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فلم أَجِدْ لِذَلِكَ مَسًّا ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي ثُمَّ غَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا مَكَانَهَا، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي مِنْهُمْ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ، فَنَحَّاهُ عَنِّي، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي فَأَخْرَجَ قَلْبِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَصَدَعَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ، فَرَمَى بِهَا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ يُمْنَةً مِنْهُ، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرُونَ دُونَهُ، فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي فَامْتَلأَ نُورًا، وَذَلِكَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ فَوَجَدْتُ بَرَدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْرًا، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ عَنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي مِنْ مَكَانِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا، ثُمَّ قَالَ لِلأَوَّلِ الَّذِي شَقَّ بَطْنِي: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ.
فَقَالَ: دَعُوهُ، فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَهُمْ قَالَ: ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالُوا: يَا حَبِيبُ، لَمْ تُرَعْ، إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ قَالَ: فَبْيَنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ أَنَا بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ، وَإِذَا أُمِّي- وَهِيَ ظِئْرِي- أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَتَقُولُ: يَا ضَعِيفَاهُ! قَالَ: فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، فَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ! ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا وَحِيدَاهُ! فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ وَمَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ! إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا يَتِيمَاهُ، اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ، فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنِي، وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ، مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ! لَوْ تَعْلَمُ مَاذَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ! قَالَ: فَوَصَلُوا بِي إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي، فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي
(2/162)

أُمِّي- وَهِيَ ظِئْرِي- قَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَلا أَرَاكَ حَيًّا بَعْدُ! فَجَاءَتْ حَتَّى انْكَبَّتْ عَلَيَّ وضمتني الى صدرها، فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَفِي حِجْرِهَا وَقَدْ ضَمَّتْنِي إِلَيْهَا، وَإِنَّ يَدِي فِي يَدِ بَعْضِهِمْ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ، فَإِذَا هُمْ لا يُبْصِرُونَهُمْ، يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ قَدْ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ، فَانْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيُدَاوِيَهُ فَقُلْتُ: يَا هَذَا، مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُ، إِنَّ آرَائِي سَلِيمَةٌ وَفُؤَادِي صَحِيحٌ، لَيْسَ بِي قَلَبَةٌ فَقَالَ أَبِي- وَهُوَ زَوْجُ ظِئْرِي- أَلا تَرَوْنَ كَلامَهُ كَلامَ صَحِيحٍ! إِنِّي لأَرْجُو أَلا يَكُونَ بِابْنِي بَأْسٌ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا بِي إِلَى الْكَاهِنِ، فَاحْتَمَلُونِي حَتَّى ذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي قَالَ:
اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلامِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ، فَسَأَلَنِي، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي مَا بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلِي وَثَبَ إِلَيَّ فَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا لَلْعَرَبِ، يَا للعرب! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فو اللات وَالْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَأَدْرَكَ، لَيُبَدِّلَنَّ دِينَكُمْ وَلُيُسَفِّهَنَّ عُقُولَكُمْ وَعُقُولَ آبَائِكُمْ، وَلَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّكُمْ بِدِينٍ لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ! فَعَمَدَتْ ظِئْرِي فَانْتَزَعَتْنِي مِنْ حِجْرِهِ وَقَالَتْ: لأَنْتَ أَعْتَهُ وَأَجَنُّ مِنَ ابْنِي هَذَا! فَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ قَوْلِكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ، فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ، فَإِنَّا غَيْرُ قَاتِلِي هَذَا الْغُلامَ ثُمَّ احْتَمَلُونِي فَأَدَّوْنِي إِلَى أَهْلِي فَأَصْبَحْتُ مُفَزَّعًا مِمَّا فُعِلَ بِي، وَأَصْبَحَ أَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ، فَذَلِكَ حَقِيقَةُ قَوْلِي وَبَدْءُ شَأْنِي يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ.
فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ أَنَّ أَمْرَكَ حَقٌّ، فَأَنْبِئْنِي
(2/163)

بِأَشْيَاءَ أَسْأَلُكَ عَنْهَا! قَالَ: سَلْ عَنْكَ- وَكَانَ النبي ص قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، وَعَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ لِلْعَامِرِيِّ يَوْمَئِذٍ: سَلْ عَنْكَ، لأَنَّهَا لُغَةُ بَنِي عَامِرٍ، فَكَلَّمَهُ بِمَا علم- فقال له العامري: [أخبرني يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا يَزِيدُ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: التَّعَلُّمُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ؟ قال النبي ص: السُّؤَالُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَاذَا يَزِيدُ فِي الشَّرِّ؟ قَالَ: التَّمَادِي، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَنْفَعُ الْبِرُّ بَعْدَ الْفُجُورِ؟
قَالَ: نَعَمْ،] [التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الْحَوْبَةَ، والحسنات يذهبن السيئات،] و [إذا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ عِنْدَ الرَّخَاءِ، أَغَاثَهُ عِنْدَ البلاء] [، قال العامري: وكيف ذلك يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: لا وَعِزَّتِي وَجَلالِي، لا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنِ، وَلا أَجْمَعُ لَهُ أَبَدًا خَوْفَيْنِ، إِنْ هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمِنَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي عِنْدِي فِي حَظِيرَةِ الْفِرْدَوْسِ، فَيَدُومُ لَهُ أَمْنُهُ، وَلا أَمْحَقُهُ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا خَافَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، فَيَدُومُ لَهُ خَوْفُهُ، قال: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبِرْنِي إِلامَ تَدْعُو؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَخْلَعَ الأَنْدَادَ، وَتَكْفُرَ بِاللاتِ وَالْعُزَّى، وَتُقِرَّ بِمَا جَاءَ مِنَ اللَّهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحَقَائِقِهِنَّ، وَتَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ، وَتُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِكَ، يُطَهِّرُكَ اللَّهُ بِهَا وَيَطِيبُ لَكَ مَالُكَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِذَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ قَالَ: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي؟ قال النبي ص: «جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» قال: يا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَلْ مَعَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ؟ فَإِنَّهُ يُعْجِبُنِي الْوَطَاءَةُ مِنَ الْعَيْشِ! قَالَ النبي
(2/164)

ص: نَعَمْ، النَّصْرُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الْبِلادِ قَالَ: فَأَجَابَ وَأَنَابَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكَلاعِيِّ، أَنَّ نفرا من اصحاب رسول الله ص وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ، [قَالَ: نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا، أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، فَأَخَذَانِي، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا مِنْهُ قَلْبِي، فَشَقَّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ، فَطَرَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلا بَطْنِي وَقَلْبِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: دَعْهُ عَنْكَ، فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهَا] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَلَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رسول الله ص، وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهْرَةَ حَامِلٌ بِهِ.
وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ، بَعْدَ ما اتى على رسول الله ص ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا.
حَدَّثَنِي الحارث، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، قَالَ: قَالَ محمد بن عمر الواقدي: الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة- وهو مريض- فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة، في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ان أم رسول الله ص آمنه، توفيت- ورسول الله ص ابن ست سنين- بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله من
(2/165)

بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.
وقد حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن جريج، عن عثمان بن صفوان، أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبي ذر بمكة.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العباس ابن عبد الله بن معبد بن العباس، عن بعض أهله، أن عبد المطلب توفي ورسول الله ص ابن ثماني سنين، وكان بعضهم يقول: توفي عبد المطلب ورسول الله ابن عشر سنين.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابن عباس قال: كان النبي ص فِي حِجْرِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَيُصْبِحُ وَلَدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح ص صَقِيلا دَهِينًا

رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى بن قباذ انوشروان
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ يَعْلَى بْنُ عِمْرَانَ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَخْزُومُ بْنُ هَانِئٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ- وَأَتَتْ لَهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ- قَالَ: لَمَّا كانت ليله ولد فيها رسول الله ص، ارْتَجَسَ إِيَوانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً، وَخَمِدَتْ نَارُ فَارِسَ، وَلَمْ تَخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَرَأَى الْمُوبَذَانُ إِبِلًا صِعَابًا، تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا، وَقَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا.
فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ مَا رَأَى، فَصَبَرَ تَشَجُّعًا، ثُمَّ رَأَى أَلَّا يَكْتُمَ ذَلِكَ عَنْ وُزَرَائِهِ وَمَرَازِبَتِهِ، فَلَبِسَ تَاجَهُ وَقَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ وَجَمَعَهُمْ إِلَيْهِ
(2/166)

فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ أَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِمْ فيه ودعاهم فبيناهم كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ بِخُمُودِ النَّارِ فَازْدَادَ غَمًّا إِلَى غَمِّهِ، فَقَالَ الْمُوبَذَانُ:
وَأَنَا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ! قَدْ رَأَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فِي الإِبِلِ.
فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذَا يَا مُوبِذَانُ؟ - وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ عِنْدَ نَفْسِهِ بِذَلِكَ- فَقَالَ: حَادِثٌ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ الْعَرَبِ، فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ:
مِنْ كِسْرَى مَلِكِ الْمُلُوكِ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَمَّا بَعْدُ، فَوَجِّهْ إِلَيَّ رَجُلًا عَالِمًا بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ.
فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَبْدَ المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيله الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: أَعِنْدَكَ عِلْمٌ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ؟ قَالَ: لِيُخْبِرْنِي الْمَلِكُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ، وَإِلَّا أَخْبَرْتُهُ بِمَنْ يُعْلِمُهُ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى، فَقَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ خَالٍ لِي يَسْكُنُ مَشَارِفَ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ سَطِيحٌ، قَالَ: فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ عَمَّا سَأَلْتُكَ، وَأْتِنِي بِجَوَابِهِ فَرَكِبَ عَبْدُ الْمَسِيحِ رَاحِلَتَهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَطِيحٍ- وَقَدْ أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَحَيَّاهُ، فَلَمْ يُحِرْ سَطِيحٌ جَوَابًا، فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمَسِيحِ يَقُولُ:
أَصَمُّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنِ! ... يَا فَاصِلَ الْخُطَّةِ أَعَيْتَ مَنْ وَمَنْ
أَمْ فَازَ فَازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ الْعَنَنِ ... أَتَاكَ شَيْخُ الْحَيِّ مِنْ آلِ سَنَنْ
وَأُمُّهُ مِنْ آلِ ذِئْبِ بْنِ حَجَنْ ... أَزْرَقُ مُمْهَى النَّابِ صَرَّارُ الأُذُنْ
أَبْيَضُ فَضْفَاضُ الرِّدَاءِ وَالْبَدَنْ ... رَسُولُ قَيْلِ الْعُجْمِ يسرى للوسن
يجوب بي الارض علنداه شزن ... ترفعني وجن وتهوى بِي وَجَنْ
لا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلا رَيْبَ الزَّمَنِ ... حَتَّى أَتَى عَارِي الْجَآجِي وَالْقَطَنْ
(2/167)

تَلِفُّهُ فِي الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ ... كَأَنَّمَا حُثْحِثَ مِنْ حِضْنَيْ ثَكَنْ
فَلَمَّا سَمِعَ سَطِيحٌ شِعْرَهُ، رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: عَبْدُ الْمَسِيحِ، عَلَى جَمَلٍ يَسِيحُ، إِلَى سَطِيحٍ، وَقَدْ أَوْفَى عَلَى الضَّرِيحِ، بَعَثَكَ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ، لارْتِجَاسِ الإِيوَانِ، وَخُمُودِ النِّيرَانِ، وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ رَأَى إِبِلًا صِعَابًا، تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا، قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا، يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ:
إِذَا كَثُرَتِ التِّلَاوَةُ، وَبُعِثَ صَاحِبُ الْهَرَاوَةِ، وَفَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَخَمِدَتْ نَارُ فَارِسَ، فَلَيْسَتِ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَأْمًا، يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَمَلِكَاتٌ، عَلَى عَدَدِ الشُّرُفَاتِ، وَكُلُّ مَا هُو آتٍ آتِ.
ثُمَّ قَضَى سَطِيحٌ مَكَانَهُ، فَقَامَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمَّ شِمِّيرُ ... لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ
إِنْ يَكُ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ ... فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ
فَرُبَّمَا رُبَّمَا أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ ... تَهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ
مِنْهُمْ أَخُو الصَّرْحِ مِهْرَانُ وَإِخْوَتُهُ ... وَالْهُرْمُزَانُ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ
وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا ... أَنْ قَدْ أَقَلَّ، فَمَهْجُورٌ وَمَحْقُورُ
وَهُمْ بَنُو الأُمِّ لَمَّا أَنْ رَأَوْا نَشَبًا ... فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ
وَالْخَيْرُ والشَّرُ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ ... فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الْمَسِيحِ عَلَى كِسْرَى، أَخْبَرَهُ بِقَوْلِ سَطِيحٍ، فَقَالَ: إِلَى أَنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ.
فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَمَلَكَ الْبَاقُونَ إِلَى مُلْكِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
(2/168)

وَحُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بَعَثَ وَهْرَزٌ بِأَمْوَالٍ وَطرفٍ مِنْ طرفِ الْيَمَنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا صَارَتْ بِبِلادِ بَنِي تَمِيمٍ، دَعَا صعصعة ابن نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالٍ الْمُجَاشِعِيُّ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْوُثُوبِ عَلَيْهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَلَمَّا صَارَتْ فِي بِلادِ بَنِي يَرْبُوعٍ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَهَابُوهُ، فَقَالَ: يَا بَنِي يَرْبُوعٍ، كَأَنِّي بِهَذِهِ الْعِيرِ قَدْ مَرَّتْ بِبِلادِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَوَثَبُوا عَلَيْهَا فَاسْتَعَانُوا بِهَا عَلَى حَرْبِكُمْ! فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ انْتَهَبُوهَا، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ يُقَالُ لَهُ النَّطِفُ خَرَجَا فِيهِ جَوْهَرُ، فَكَانَ يُقَالُ: أَصَابَ كَنْزَ النَّطِفِ، فَصَارَ مَثَلًا، وَأَخَذَ صَعْصَعَةُ خَصَفَةً فِيهَا سَبَائِكُ فِضَّةٍ، وَصَارَ أَصْحَابُ الْعِيرِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ بِالْيَمَامَةِ، فَكَسَاهُمْ، وَزَوَّدَهُمْ وَحَمَلَهُمْ، وَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى دَخَل عَلَى كِسْرَى وَكَانَ لِهَوْذَةَ جَمَالٌ وَبَيَانٌ، فَأُعْجِبَ بِهِ كِسْرَى وَحَفِظَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ، وَدَعَا بِعِقْدٍ مِنْ دُرٍّ فَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَسَاهُ قَبَاءَ دِيبَاجٍ، مَعَ كِسْوَةٍ كَثِيرَةٍ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ هَوْذَةُ ذَا التَّاجِ، وَقَالَ كِسْرَى لِهَوْذَةَ: أَرَأَيْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِنْ قَوْمِكَ هُمْ؟
قَالَ: لا، قَالَ: أَصُلْحٌ هُمْ لَكَ؟ قَالَ: بَيْنَنَا الْمَوْتُ، قَالَ: قَدْ أَدْرَكْتَ بَعْضَ حَاجَتِكَ وَنِلْتَ ثَأْرَكَ وَعَزَمَ عَلَى تَوْجِيهِ الْخَيْلِ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، فَقِيلَ لَهُ:
إِنَّ بِلَادَهُمْ بِلَادُ سَوْءٍ، إِنَّمَا هِيَ مَفَاوِزُ وَصَحَارَى لا يُهْتَدَى لِمَسَالِكِهَا، وَمَاؤُهُمْ مِنَ الآبَارِ، وَلا يُؤْمِنُ أَنْ يُعَوِّرُوَهَا فَيَهْلَكُ جُنْدُكَ وَأُشِيرَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ وهو آزاذفروز بْنُ جَشْنَسَ الَّذِي سَمَّتْهُ الْعَرَبُ الْمُكَعْبَرُ- وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُكَعْبَرُ، لأَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ وَآلَى أَلَّا يَدَعَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَيْنًا تُطْرَفُ- فَفَعَلَ، وَوَجَّهَ لَهُ رَسُولًا وَدَعَا بِهَوْذَةَ فَجَدَّدَ لَهُ كَرَامَةً وَصِلَةً وَقَالَ: سِرْ مَعَ رَسُولِي هَذَا فَاشْفِنِي وَاشْتَفَّ، فَأَقْبَلَ هَوْذَةُ وَالرَّسُولُ مَعَهُ حَتَّى صَارَ إِلَى الْمُكَعْبَرِ، وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ أَيَّامِ اللِّقَاطِ، وَكَانَ بَنُو تَمِيمٍ يَصِيرُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى هَجَرِ، لِلْمِيرَةِ وَاللِّقَاطِ، فنادى منادى المكعبر: من كان هاهنا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَلْيَحْضُرْ
(2/169)

فَإِنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَمَرَ لَهُمْ بِمِيرَةٍ وَطَعَامٍ يُقَسِّمُ فِيهِمْ، فَحَضَرُوَا، فَأَدْخَلَهُمِ الْمُشَقَّرَ- وَهُوَ حِصْنٌ حِيَالَهُ حِصْنٌ يُقَالُ لَهُ الصَّفَا، وَبَيْنَهُمَا نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ مُحَلِّمٌ- وَكَانَ الَّذِي بَنَى الْمُشَقَّرَ رَجُلًا مِنْ أَسَاوِرَةِ كِسْرَى يُقَالُ لَهُ: بسكُ بْنُ مَاهبُوذَ، كَانَ كِسْرَى وَجَّهَهُ لِبِنَائِهِ، فَلَمَّا ابْتَدَأَهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْفَعَلَةَ لا يُقِيمُونَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِمْ تَمَّ بِنَاؤُكَ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْهُ، فَنَقَلَ إِلَيْهِمُ الْفَوَاجِرَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّوَادِ وَالأَهْوَازِ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِمْ رَوَايَا الْخَمْرِ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ فِي الْبَحْرِ، فَتَنَاكَحُوا وَتَوَالَدُوا، فَكَانُوا جل أَهْل مَدِينَةِ هَجَرٍ، وَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ قَالُوا لِعَبْدِ الْقَيْسِ:
قَدْ عَلِمْتُمْ عَدَدَنَا وَعُدَّتَنَا وَعَظِيمَ غِنَائِنَا، فَأَدْخِلُونَا فِيكُمْ وَزَوِّجُونَا، قَالُوا: لا، وَلَكِنْ أَقِيمُوا عَلَى حَالِكُمْ، فَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَمَوَالِينَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عبد القيس: يا معاشر عَبْدِ الْقَيْسِ، أَطِيعُونِي وَأَلْحِقُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مَرْغَبٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اما تستحي! أَتَأْمُرُنَا أَنْ نَدْخُلَ فِينَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَ أَوَّلَهُ وَأَصْلَهُ! قَالَ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أَلْحَقَهُمْ غَيْرُكُمْ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: إِذًا لا نَسْتَوْحِشُ لَهُمْ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ فِي الْعَرَبِ، وَبَقِيَتْ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ فَانْتَمَوْا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرُدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَلَمَّا أَدْخَلَ الْمُكَعْبَرُ بَنِي تَمِيمٍ الْمُشَقَّرَ قَتَلَ رِجَالَهُمْ وَاسْتَبْقَى الْغِلْمَانَ، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ قَعْنَبَ الرِّيَاحِيَّ- وَكَانَ فَارِسَ بَنِي يَرْبُوعٍ- قَتَلَهُ رَجُلانِ مِنْ شَنٍّ كَانَا يَنُوبَانِ الْمُلُوكَ، وَجَعَلَ الْغِلْمَانَ فِي السُّفُنِ، فَعَبَرَ بِهِمْ إِلَى فَارِسَ، فَخَصُّوا مِنْهُمْ بَشَرًا قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ حُدَيْرٍ الْعَدَوِيُّ: رَجَعَ إِلَيْنَا بَعْد مَا فُتِحَتْ إصْطَخَرُ عِدَّةٌ مِنْهُمْ، أَحَدُهُمْ خِصْيٌ وَالآخَرُ خِيَاطٌ وَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَلَى سِلْسِلَةِ الْبَابِ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ، فَقَالَ:
تَذَكَّرْتُ هِنْدًا لاتَ حِينَ تَذَكُّرُ ... تَذَكَّرْتُهَا وَدُونَهَا سَيْرُ أَشْهُرِ
حِجَازِيَّةً عَلَوِيَّةً حَلَّ أَهْلُهَا ... مُصَابَ الْخَرِيف بَيْنَ زَوْرٍ وَمَنْوَرِ
(2/170)

أَلا هَلْ أَتَى قَوْمِي عَلَى النَّأْيِ أَنَّنِي ... حميت ذِمَارِي يَوْمَ بَابِ المُشَقَّرِ
ضَرَبْتُ رِتَاجَ الْبَابِ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً ... تَفَرَّجَ مِنْهَا كُلُّ بَابٍ مُضَبَّرِ
وَكَلَّمَ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُكَعْبَرَ يَوْمَئِذٍ فِي مِائَةٍ مِنْ أَسْرَى بَنِي تَمِيمٍ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ يَوْمَ الْفِصْحِ، فَأَعْتَقَهُمْ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الأَعْشَى:
سَائِلْ تَمِيمًا بِهِ أَيَّامَ صَفْقَتِهِمْ ... لَمَّا أَتَوْهُ أُسَارَى كُلُّهُمْ ضَرَعًا
وَسَطَ المُشَقَّرِ فِي غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... لا يَسْتَطِيعُونَ بَعْدَ الضُّرِّ مُنْتَفِعًا
فَقَالَ لِلْمَلِكِ اطْلِقْ مِنْهُمْ مِائَةً ... رُسُلًا مِنَ الْقَوْلِ مَخْفُوضًا وَمَا رَفَعَا
فَفَكَّ عَنْ مِائَةٍ مِنْهُمْ إِسَارَهُمْ ... وَأَصْبَحُوا كُلُّهُمْ مِنْ غُلِّهِ خَلِعًا
بِهِمْ تقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما اسدى وما صنعا
فلا يرون بذاكم نعمة سبقت ... إن قَالَ قائلها حقا بها وسعا
يصف بني تميم بالكفر لنعمته.
قَالَ: فلما حضرت وهرز الوفاة- وذلك في آخر ملك انوشروان- دعا بقوسه ونشابته، ثم قَالَ: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى وقال: انظروا حيث وقعت نشابتى فاجعلوا ناؤوسى هناك، فوقعت نشابته من وراء الدير، وهي الكنيسة التي عند نعم، وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز، فلما بلغ كسرى موت وهرز، بعث الى اليمن اسوارا يقال له وين، وكان جبارا مسرفا، فعزله هرمز بن كسرى، واستعمل مكانه المروزان، فأقام
(2/171)

باليمن حتى ولد له بها، وبلغ ولده ثم هلك كسرى انوشروان، وكان ملكه ثمانيا واربعين سنه
. ذكر ملك هرمز بن كسرى انوشروان
ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان، وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، فحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب، ذا نية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه عليهم مثل ذلك، ولما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه أشراف أهل مملكته، واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده، فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته بالعدل، شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء، وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف، فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها، ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها، ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره.
وكان ابنه كسرى في عسكره، فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها، فأخذ ذلك المركب، ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على انفاذ أمر هرمز في كسرى، ولا في أحد ممن كان معه في حشمه، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز، فامر ان يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرم كسرى، فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك، فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره، فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه، فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه، ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز
(2/172)

وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة، وأنه عار فوقع في محرثة، فأخذ من ساعة وقع فيها، وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك، وامر بالمركب فجدع أذناه، وبتر ذنبه، وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد، ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن، وكان ممره على بساتين وكروم، وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فراى فيه حصرما، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه، وقال له: اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ، فبلغ من إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه، عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه، وافتدى نفسه بها، ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه، منة من بها عليه، ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله، وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية، قد نزعه أخواله الأتراك، وكان مقصيا للأشراف، وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر الف رجل وستمائه رجل، وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم، وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم، وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم، ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى، فوقع فيها: إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه
(2/173)

المؤخرتين، فكذلك لأقوام لملكنا ولا ثبات له، مع استفسادنا من في بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا، فأقصروا عن البغي على النصارى، وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل والأديان، فيحمدوكم عليه، وتتوق أنفسهم إلى ملتكم وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: خرج على هرمز الترك- وقال غيره:
أقبل عليه شابة ملك الترك الأعظم- في ثلاثمائة ألف مقاتل، في سنة إحدى عشرة من ملكه، حتى صار إلى باذغيس وهراة وإن ملك الروم صار إلى الضواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدا له، وإن ملك الخزر صار في جمع عظيم إلى الباب والأبواب، فعاث وأخرب، وإن رجلين من العرب يقال لأحدهما: عباس الأحول، والآخر: عمرو الأزرق، نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطئ الفرات، وشنوا الغارة على أهل السواد، واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكتنافهم إياها أنها سميت منخلا كثير السمام وقيل: قد اكتنف بلاد الفرس الأعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتي القوس وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده، ويقول: رموا قناطر أنهار وأودية اجتاز عليها إلى بلادكم، واعقدوا القناطر على كل نهر من تلك الأنهار لا قنطرة له، وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم، لإجماعي بالمسير إليها من بلادكم فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وشاور فيه، فأجمع له على القصد لملك الترك، فوجه إليه رجلا من أهل الري يقال له بهرام بن بهرام جشنس- ويعرف بجوبين- في اثني عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب ويقال: إن هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية، فكانت عدتهم سبعين ألف مقاتل، فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذا حتى جاز هراة وباذغيس، ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكرا، فجرت
(2/174)

بينهما رسائل وحروب، وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها وقيل: إن الرمي في ملك العجم كان لثلاثة نفر، منها رمية أرششياطين بين منوشهر، وأفراسياب، ومنها رمية سوخرا في الترك، ومنها رمية بهرام هذه واستباح عسكره وأقام بموضعه، فوافاه برموذة بن شابة، وكان يعدل بأبيه، فحاربه فهزمه، وحصره في بعض الحصون، ثم ألح عليه حتى استسلم له، فوجهه إلى هرمز أسيرا، وغنم مما كان في الحصن وكانت كنوزا عظيمة.
ويقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز لبهرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام سطوة هرمز، وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن، وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز، وإن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، فهرب أبرويز بهذا السبب إلى أذربيجان خوفا من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة والإصبهبذين، فأعطوه بيعتهم، ووثب العظماء والأشراف بالمدائن، وفيهم بندي وبسطام خالا أبرويز، فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله.
وبلغ الخبر أبرويز، فأقبل بمن شايعه من أذربيجان إلى دار الملك مسابقا لبهرام، فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام، والتقى هو وهو على شاطئ النهروان، فجرت بينهما مناظره ومواقفه، ودعا أبرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسني ولايته، فلم يقبل ذلك، وجرت بينهما حروب اضطرت أبرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثا بملكها بعد حرب
(2/175)

شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض وقيل إنه كان مع بهرام جماعة من الأشداء، وكان فيهم ثلاثة نفر من وجوه الأتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الأتراك أحد، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز فلما كان الغد من ليلة البيات وقف أبرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه، قصده النفر الثلاثة من الأتراك، فخرج إليهم أبرويز فقتلهم بيده واحدا واحدا، ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغير، فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه، وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره، فأشار عليه بالمصير إلى موريق ملك الروم ليستنجده، فأحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام، ومضى في عدة يسيرة، منهم بندي وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنطاكية، وكاتب موريق فقبله، وزوجه ابنة له كانت عزيزة عليه، يقال لها: مريم وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في قول بعضهم، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام وأما هشام بن مُحَمَّد فإنه قَالَ: كان ملكه اثنتي عشره سنه
. ذكر ملك كسرى ابرويز بن هرمز
ثم ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، وكان من أشد ملوكهم بطشا، وأنفذهم رأيا، وأبعدهم غورا، وبلغ- فيما ذكر- من البأس والنجدة والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعفة الدهر إياه ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمي أبرويز، وتفسيره بالعربية: المظفر وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز- لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك، حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم بالملك لنفسه دونه- سار إلى أذربيجان مكتتما، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك من الإصبهبذين وغيرهم، فأعطوه بيعتهم على نصرته، فلم يحدث في الأمر شيئا وقيل انه لما قتل آذين جشنس الموجه لمحاربة بهرام جوبين، انفض
(2/176)

الجمع الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتبعهم جوبين، فاضطرب امر هرمز، وكتبت اخت آذين جشنس الى ابرويز- وكانت تربه- نخبره بضعف هرمز للحادث في آذين جشنس، وأن العظماء قد أجمعوا على خلعه، وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها.
فلما ورد الكتاب على أبرويز، جمع من أمكنه من أرمينية وأذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوه والأشراف مسرورين بموافاته، فتتوج بتاج الملك، وجلس على سريره، وقال: إن من ملتنا إيثار البر، ومن رأينا العمل بالخير، وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإن هرمز أبانا كان لكم قاضيا عادلا، فعليكم بلزوم السمع والطاعة.
فلما كان في اليوم الثالث، أتى أباه فسجد له، وقال: عمرك الله أيها الملك! إنك تعلم أني بريء مما أتى إليك المنافقون، وإني إنما تواريت ولحقت بأذربيجان خوفا من إقدامك على القتل فصدقه هرمز وقال له: إن لي إليك يا بني حاجتين، فأسعفني بهما، إحداهما: أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي والسمل لعيني، ولا تأخذك فيهم رأفة، والأخرى: أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول علي فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمد يدا إلى من آتى إليك ما آتى، فإن أدالني الله على المنافق، فأنا خليفتك وطوع يدك.
وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثا نحو المدائن، وأذكى أبرويز العيون عليه، فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح، فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده، فتزينوا وتسلحوا، وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام، والناس يدعون له، وقد احتوشه بندويه وبسطام
(2/177)

وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان، فلما عرف بهرام مكانه، ركب برذونا له أبلق كان معجبا به، وأقبل حاسرا ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيرا، وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج، يسايره معه درفش كابيان علمهم الأعظم منشورا، وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم، اكتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم، وتحول من الحداثة إلى الحنكة، واستوت لحيته وكمل شبابه، وعظم بدنه! فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف غلى شاطئ النهروان.
إذ قَالَ كسرى لبعض من كان واقفا: أي هؤلاء بهرام؟ فقال أخ لبهرام يسمى كردي لم يزل مطيعا لأبرويز مؤثرا له: عمرك الله! صاحب البرذون الأبلق فبدأ كسرى فقال: إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا، وقد حسن بلاؤك عندنا، وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا، فقال له بهرام- وازداد من كسرى قربا-: لكني أختار لك يوما أصلبك فيه فامتلأ كسرى حزنا من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء، وامتد بينهما الكلام، فقال بهرام لأبرويز: يا بن الزانية المربى في خيام الأكراد! هذا ومثله، ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه، وجرى ذكر إيرش جد بهرام، فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كانت لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه.
وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية، من أتم النساء وأكملهن، وكان تزوجها، فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى، وأرادته على الدخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة، فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كان البيات فيها، أبرز كسرى نفسه، فلما رآه الأتراك الثلاثة قصدوه، فقتلهم بيده أبرويز، وحرض الناس
(2/178)

على القتال فتبين فشلا، فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة، فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا، فأعلموا أبرويز ذلك، واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقا، ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا: سر على خير طائر، فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان، وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام، يرأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك، فإن القوم قد أطلوك، قَالَ كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بندويه أنه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير، ففعلوا ذلك، وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل، فلما وافى بهرام بن سياوش، اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز، فوهمه بذلك أنه أبرويز، وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سياوش.
ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبرويز، وذمه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات وكلام كان كلهم منصرفا عنه، إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفا- ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين، وإن جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية، وكاتب موريق ملك الروم
(2/179)

منها، وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرته، فأجابه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه، وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير أمرهم، ورجل آخر كانت قوته تعدل بقوة ألف رجل، واشترط عليه حياطته، وألا يسأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم فلما ورد القوم على أبرويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء، وفي القوم ثياذوس وسرجس والكمي الذي يعدل بألف رجل، وسار بهم حتى صار إلى أذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق، فوافاه هناك بندويه ورجل من أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل، وانقض الناس من فارس وأصبهان وخراسان إلى أبرويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمي الرومي ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا من العسكر بأربعة عشر رجلا- منهم كردي أخو بهرام، وبندويه وبسطام، وسابور بن افريان بن فرخزاد، وفرخهرمز- حربا شديدا وصل فيها بعضهم إلى بعض والمجوس تزعم أن أبرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلما ظن أنه قد تمكن منه، رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه وذكر أن المنجمين أجمعت أن أبرويز يملك ثمانيا وأربعين سنة وقد كان أبرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصف، فاضطرب على بهرام أمره ووجل، وعلم أنه لا حيلة له في أبرويز فانحاز نحو خراسان، ثم صار إلى الترك، وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين الف ألف وصرفهم إلى موريق ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتابا أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس، واحتج في ذلك أن أنوشروان كان
(2/180)

هادن قيصر في الإتاوة التي أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده، واتخاذ بيوت النيران هنالك وإن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى، ولبث بهرام في الترك مكرما عند الملك، حتى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز، وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امراه الملك ولاطفها بذلك الجوهر وغيره، حتى دست لبهرام من قتله.
فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألها أن تزوج نفسها نطرا أخاه، وطلق خاتون بهذا السبب، فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابا لينا وصرفت نطرا، وإنها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، وإن نطرا التركي اتبعها في اثني عشر ألف مقاتل، وإن كردية قتلت نطرا بيدها ومضت لوجهها، وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانا من أبرويز فلما قدمت عليه تزوجها أبرويز واغتبط بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام، وأقبل أبرويز على بر موريق وإلطافه.
وإن الروم خلعوا- بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة- موريق وقتلوه وأبادوا ورثته- خلا ابن له هرب إلى كسرى- وملكوا عليهم رجلا يقال له قوفا.
فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه، امتعض من ذلك وأنف منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابن موريق اللاجئ إليه، وتوجه وملكه على الروم، ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنود كثيفة.
أما أحدهم فكان يقال له رميوزان، وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت وضعت في تابوت من ذهب، وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة، وألح عليهم حتى دلوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستخرجها، وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه
(2/181)

وأما القائد الآخر- وكان يقال له شاهين، وكان فاذوسبان المغرب- فإنه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد نوبة، وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان، وتدعى مرتبته شهربراز وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها، وخيم هنالك، فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق، وانتقاما له منهم، ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل.
فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم، بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس، عليه بزة، قائما في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع، وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة، فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه، وقال له: هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته، فاغزه فإن الظفر لك، وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام، قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم.
فأخبروه أنه مدال عليه، وأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذى فيه شهربراز، وسار حتى اوغل في بلاد أرمينية، ونزل نصيبين بعد سنة، وكان
(2/182)

شاهين- فاذوسبان المغرب- بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إياه عن ذلك الثغر، وكان شهربراز مرابطا للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين، فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها- وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيما بدسكرة الملك- فنفذ راهزار لأمر كسرى، وعسكر حيث أمره، فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس، فأذكى راهزار العيون عليه، فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدتهم، كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه، أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك، عبى جنده وناهض الروم، فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر، فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل.
وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن، فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله، انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم، ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب، فاحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهربراز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصف ما كان من أمر الروم في عمله
(2/183)

وقد قيل: إن قول الله: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ، إنما نزل في أمر أبرويز ملك فارس وملك الروم هرقل، وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الأخبار.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي القاسم بن الحسن، قَالَ: حَدَّثَنِي الحسين، قَالَ: حَدَّثَنِي حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قَالَ: وأدنى الأرض يومئذ أذرعات، بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي ص وأصحابه وهم بمكة، فشق ذلك عليهم- وكان النبي ص يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم- وفرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا اصحاب النبي ص، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ» - إلى- «وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» ، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال:
أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا! فلا تفرحوا ولا يقرن الله اعينكم، فو الله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبي بن خلف الجمحي، فقال: كذبت يا أبا فصيل! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله! فقال: أناحبك! عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك،
(2/184)

فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء ابو بكر الى النبي ص، فأخبره، [فقال:
ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل] فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت، قَالَ:
لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قَالَ: قد فعلت.
حَدَّثَنَا القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين، قَالَ: حَدَّثَنَا حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، قَالَ: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى، فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل، قالت:
هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو انفذ من سنان، وهذا شهربراز وهو أحلم من كذا، فاستعمل أيهم شئت، قال: فانى قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم.
قَالَ أبو بكر: فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قَالَ: أما إنك لو أتيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته.
قَالَ عطاء الخراساني: حَدَّثَنِي يحيى بن يعمر، أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمه بجيش من الروم، وبعث كسرى بشهربراز، فالتقيا بأذرعات وبصرى- وهي أدنى الشام إليكم- فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون، فأنزل الله: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ» الآيات ثم ذكر مثل حديث عكرمة، وزاد: فلم يبرح شهربراز يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، ثم مات كسرى فبلغهم موته، فانهزم
(2/185)

شهربراز وأصحابه، وأديلت عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم.
قَالَ: وقال عكرمة في حديثه: لما ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب الى شهربراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان فكتب إليه: أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتا في العدو فلا تفعل فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل علي برأسه فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان.
ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة، وقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه، فأعطه هذه الصحيفة فلما قرأ شهربراز الكتاب، قَالَ: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قَالَ: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد! فرد الملك الى أخيه، وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه، إنه ليس معه إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين، فدعوا ترجمانا بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك قَالَ: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: اجل، فقتلا الترجمان جميعا بسكينهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر
(2/186)

الى رسول الله ص يوم الحديبية، ففرح ومن معه.
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، أنه قَالَ: في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز، بعث الله محمدا ص، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنه ثلاث وثلاثين من ملكه الى المدينة
(2/187)

ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس
ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد ص من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى أبرويز.
فمن ذلك ما روي عن وهب بن منبه، وهو مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق، قَالَ: كان من حديث كسرى كما حَدَّثَنِي بعض أصحابي، عن وهب بن منبه، أنه كان سكر دجلة العوراء، وأنفق عليها من الأموال ما لا يدرى ما هو، وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله، وكان يعلق تاجه، فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلاثمائة رجل من الحزاة- والحزاة العلماء- من بين كاهن وساحر ومنجم، قَالَ: وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب، يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ- بعث به إليه باذان من اليمن- فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو! فلما أن بعث الله نبيه محمدا ص، أصبح كسرى ذات غداة وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل، وانخرقت عليه دجلة العوراء، فلما راى ذلك حزنه، وقال: انقصمت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست:
يقول: الملك انكسر ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، ودعا السائب معهم، فقال لهم: انقصمت طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست انظروا في هذا الأمر ما هو؟ فخرجوا من عنده فنظروا في أمره، فأخذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت عليهم الأرض، وتسكعوا في علمهم، فلا
(2/188)

يمضي لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقيم لمنجم علم نجومه.
وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه، فإذا روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى، ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق، تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله.
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض، ورأوا ما قد أصابهم، ورأى السائب ما رأى، قَالَ بعضهم لبعض: تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء، وإنه لنبي قد بعث- أو هو مبعوث- يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمر ما ساعة.
فجاءوا كسرى، فقالوا له: إنا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كل ما وضع عليهما، وإنا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قَالَ: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قَالُوا له: ابنه، فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدري ما هو، حتى إذا فرغ منها قَالَ لهم: أجلس على سورها؟ قَالُوا: نعم، فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا له، واجتمع إليه اللعابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج إلا بآخر رمق
(2/189)

فلما أخرجوه، جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقتل منهم قريبا من مائة، وقال سمنتكم وأدنيتكم دون الناس، وأجريت عليكم أرزاقي، ثم تلعبون بي! فقالوا: أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا، ولكنا سنحسب لك حسابا فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود قَالَ: انظروا ما تقولون! قَالُوا: فإنا نفعل، قَالَ: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قَالُوا له:
ابنه، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو، ثمانية أشهر من ذي قبل ثم قَالُوا: قد فرغنا، قَالَ: أفأخرج فأقعد عليها؟ قَالُوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب برذونا له، وخرج يسير عليها، فبينا هو يسير فوقها إذ انتسفته دجلة بالبنيان، فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال: والله لأمرن على آخركم ولأنزعن أكتافكم، ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هذا الأمر الذي تلفقون علي! قَالُوا: لا نكذبك أيها الملك، أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة، وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك! فنظرنا، فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء، فتردد علينا علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه، فعرفنا أن هذا الأمر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث، فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نعينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس، فعللناك عن أنفسنا بما رأيت قَالَ: ويحكم! فهلا تكونون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي! قَالُوا: منعنا من ذلك ما تخوفنا منك فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الفضل ابن عِيسَى الرَّقَاشِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، [أَنَّ أَصْحَابَ رسول الله ص قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ! قَالَ: بَعَثَ
(2/190)

إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ سُورِ جِدَارِ بَيْتِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَتَلأْلأُ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ، فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ يَا كِسْرَى، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ] .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، قَالَ:
بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه، فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا، بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا! فقال: بهل بهل، فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم، وقال: من أدخل هذا الرجل علي؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه، حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قَالَ له، ثم قَالَ له:
أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل بهل، ثلاثا، فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قَالَ أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها، فقال له كما قَالَ: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟
فقال: بهل بهل، قَالَ: فكسر العصا، ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه، وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه.
قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فقال الزهري: حدثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه، ثم قَالَ له: أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما، ثم خرج فكان من أمر هلاكه ما كان
(2/191)

حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، يقول: بينما كسرى ابن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان، إيوان المدائن، والأساورة محدقون بقصره، إذ أقبل رجل يمشي معه عصا، حتى قام على رأسه، فقال: يا كسرى ابن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، قالها ثلاث مرات- وكسرى مستلق ينظر إليه لا يجيبه، ثم انصرف عنه- قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه، فقال: أنت أدخلت علي هذا الرجل؟ قال: لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد قال: فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة، فأرسل إليه أن أحدق بقصري، ولا يدخل علي أحد، قال: ففعل، فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه، ومعه عصا، وهو يقول له: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك- قال: وكسرى ينظر إليه لا يجيبه- فانصرف عنه، قال: فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك ألا يدخل علي أحد! قال: أيها الملك، إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد، فانظر من أين دخل عليك؟ قال: فلما كان العام المقبل، فكأنه خاف تلك الليلة، فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس: أن أحدقوا بي الليلة، ولا تدخل امرأة ولا رجل، ففعلوا فلما كان تلك الساعة، إذا هو قائم على رأسه، وهو يقول: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه قال: يا كسرى إنك قد أبيت علي، والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه، ثم كسرها وخرج، فأرسل كسرى الى الحرس، فقال: الم آمركم ألا يدخل علي الليلة أحد، أهل ولا ولد! قالوا: ما دخل عليك من قبلنا احد!
(2/192)

قال: فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله
. ذكر خبر يوم ذي قار
ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذي كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم، فالتقوا بذي قار.
[وذكر عن النبي ص أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى، قال: هذا أول يوم انتصف العرب من العجم، وبي نصروا] وهو يوم قراقر ويوم الحنو حنو ذي قار، ويوم حنو قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذي العجرم، ويوم الغذوان، ويوم البطحاء، بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار.
فحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثني ابو المختار فراس بن خندق- او خندقه- وعدة من علماء العرب قد سماهم، أن الذي جر يوم ذي قار، قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدي بن زيد العبادي، وكان عدي من تراجمة أبرويز كسرى بن هرمز.
وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدي بن زيد، ما ذكر لي عن هشام ابن محمد، قال: سمعت إسحاق بن الجصاص- وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبي بعضه- قال: ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة: عديا الشاعر، وكان جميلا شاعرا خطيبا، وقد قرأ كتب العرب والفرس، وعمارا- وهو أبي- وعمرا- وهو سمي- ولهم أخ من أمهم، يقال له عدي بن حنظله من طيّئ وكان عمار يكون عند كسرى، فكان أحدهما يشتهي هلاك عدي بن زيد، وكان الآخر يتدين في نصرانيته، وكانوا أهل بيت يكونون مع الأكاسرة لهم معهم أكل وناحية، يقطعونهم القطائع، ويجزلون صلاتهم
(2/193)

وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي، فهم الذين ارضعوه وربوه، وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود، أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فارضعه، ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم: بنو مرينا، ينسبون إلى لخم، وكانوا أشرافا وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة، وكان يقال لولده كلهم الأشاهب، من جمالهم، فذلك قول الأعشى:
وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ... يمشون غدوة بالسيوف
وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا، وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من اهل فدك، وكانت أمه للحارث ابن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وكان قابوس بن المنذر الأكبر عم النعمان وإخوته، بعث إلى كسرى بن هرمز بعدي بن زيد وإخوته، فكانوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر، جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه فكان عليه أشهرا، وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدي بن زيد، فقال له: من بقي من بني المنذر؟ وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيتهم في ولد هذا الميت
(2/194)

المنذر بن المنذر، وهم رجال، فقال: ابعث إليهم، فكتب فيهم فقدموا عليه، فأنزلهم على عدي بن زيد فكان عدي يفضل إخوة النعمان عليه في النزل، وهو يريهم أنه لا يرجوه ويخلو بهم رجلا رجلا، ويقول لهم: ان سألكم الملك: اتكفوني العرب؟ فقولوا: نكفيكهم إلا النعمان، وقال للنعمان:
إن سألك الملك: عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز.
وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان ماردا شاعرا، وكان يقول للأسود بن المنذر: إنك قد عرفت أني لك راج، وأن طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله.
فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم عليه رجلا رجلا، فيكلمه، فكان يرى رجالا قلما رأى مثلهم، فإذا سألهم:
هل تكفونني ما كنتم تلون؟ قالوا: نكفيك العرب إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه، وقال له: أتستطيع أن تكفيني العرب؟
قال: نعم: قال، فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه، وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم، فيه اللؤلؤ والذهب مفلما خرج- وقد ملك- قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود:
دونك فإنك قد خالفت الرأي ثم إن عدي بن زيد صنع طعاما في بيعة، ثم أرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت، فإن لي حاجة، فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة، وشربوا، فقال: عدي بن زيد لعدي بن مرينا: يا عدي، إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه، من كان مثلك، إني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت
(2/195)

عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يزوي عنه خبرا أبدا فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا، فحلف على مثل يمينه الا يزال يهجوه أبدا، ويبغيه الغوائل ما بقي وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد:
ألا أبلغ عديا عن عدي ... فلا تجزع وإن رثت قواكا
هياكلنا تبز لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا
فإن تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا
وقال عدي بن مرينا للأسود: اما إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي، الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها امرتك أن تعصيه فخالفتني قال: فما تريد؟ قال: أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل.
وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه، وكان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر عدي بن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء، وذكر فضله، وقال: إنه لا يصلح المعدي الا ان
(2/196)

يكون فيه مكر وخديعه فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عدى ابن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما تقول، ولكنه لا يسلم عليه أحد، وإنه ليقول: إن الملك- يعني النعمان- عامله، وإنه ولاه ما ولاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسان عدي إلى قهرمان لعدي ثم دسوا له، حتى أخذوا الكتاب، ثم أتي به النعمان فقرأه، فأغضبه، فأرسل إلى عدي بن زيد: عزمت عليك إلا زرتني، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك! وهو عند كسرى فاستأذن كسرى، فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن، فكان أول ما قال في السجن من الشعر:
ليت شعري عن الهمام ويأتيك ... بخبر الأنباء عطف السؤال
فقال أشعارا، وكان كلما قال عدي من الشعر، بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه، فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل، فقال عدي:
أرقت لمكفهر بات فيه ... بوارق يرتقين رءوس شيب
(2/197)

وقال أيضا:
طال ذا الليل علينا واعتكر.
وقال أيضا:
ألا طال الليالي والنهار.
وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا، يذكره فيها الموت، ويخبره من هلك من الملوك قبله، فقال:
أرواح مودع أم بكور.
وأشعارا كثيرة.
قال: وخرج النعمان يريد البحرين، فأقبل رجل من غسان، فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال: الذي أغار على الحيرة فحرق فيها، جفنة بن النعمان الجفني، فقال عدي:
سما صقر فأشعل جانبيها ... وألهاك المروح والعزيب
فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي، وهو مع كسرى بشعر فقال:
ابلغ أبيا على نايه ... وهل ينفع المرء ما قد علم!
بأن أخاك شقيق الفؤاد، ... كنت به والها ما سلم
(2/198)

لدى ملك موثق بالحديد ... إما بحق وإما ظلم
فلا أعرفنك كدأب الغلام ... ما لم يجد عارما يعترم
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
فكتب إليه اخوه:
ان يكن خانك الزمان فلا عاجز ... باع ولا ألف ضعيف
ويمين الإله لو أن جأواء ... طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رز مجتابه غمرة الموت ... صحيح سربالها مكفوف
كنت في حميها، لجئنك أسعى ... فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
أو بمال سئلت دونك لم يمنع ... تلاد لحاجة أو طريف
أو بأرض أسطيع آتيك فيها ... لم يهلني بعيدها أو مخوف
في الأعادي وأنت مني بعيد ... عز هذا الزمان والتعريف
إن تفتني والله إلفا فجوعا ... لا يعقبك ما يصوب الخريف
فلعمري لئن جزعت عليه ... لجزوع على الصديق أسوف
ولعمري لئن ملكت عزائي ... لقليل شرواك فيما أطوف
فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه، فكتب وبعث
(2/199)

معه رجلا، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه قد كتب إليك في أمره فأتاه أعداء عدى من بنى بقيلة من غسان، فقالوا: اقتله الساعة، فأبى عليهم وجاء الرجل، وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه، وأمره أن يبدأ بعدي، فدخل عليه وهو محبوس بالصنين، فقال: ادخل عليه فانظر ما يأمرك به، فدخل الرسول على عدي، فقال: إني قد جئت بإرسالك، فما عندك؟ قال: عندي الذي تحب، ووعده عدة، وقال: لا تخرجن من عندي، وأعطني الكتاب حتى أرسل به، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن، فقال: لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب، فأدخله عليه، فانطلق مخبر حتى أتى النعمان، فقال: إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو ذاهب به، وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا، أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات، ثم دفنوه.
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب، فقال: نعم وكرامة! وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية، وقال له: إذا أصبحت فادخل عليه، فأخرجه أنت بنفسك فلما أصبح ركب، فدخل السجن، فقال له الحرس: إنه قد مات منذ أيام، فلم نجترئ على أن نخبر الملك للفرق منه، وقد علمنا كراهته لموته فرجع إلى النعمان فقال: إني قد دخلت عليه وهو حي، وجئت اليوم فجحدنى السجان وبهتني وذكر له انه قد مات منذ ايام فقال له النعمان:
يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي! كذبت، ولكنك أردت الرشوة والخبث.
فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه، واستوثق منه ألا يخبر كسرى، إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه.
فرجع الرسول إلى كسرى، فقال: إنه قد مات قبل أن ادخل عليه،
(2/200)

وندم النعمان على موت عدي، واجترأ أعداء عدي على النعمان، وهابهم النعمان هيبة شديدة، فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم، فلقي ابنا لعدي، يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال: من أنت؟ قال: أنا زيد بن عدي بن زيد، فكلمه فإذا غلام ظريف، ففرح به فرحا شديدا، وقربه وأعطاه، واعتذر إليه من أمر أبيه، وجهزه، ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه، فأصابه ما لا بد منه، وانقضت مدته، وانقطع أكله، ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا، لما عظم الله له من ملكه وشأنه، وقد أدرك له ابن ليس دونه، وقد سرحته إلى الملك، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه، فليفعل.
فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه، وصرف عمه إلى عمل آخر، فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب، وخاصة الملك وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة، والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك، وكان هذا عمل عدي.
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع، سأله كسرى عن النعمان، فأحسن عليه الثناء، فمكث سنوات بمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى، وكان يكثر الدخول عليه، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك، ولا يريدونه فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه،
(2/201)

ثم قال: إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وقد كنت بآل المنذر عالما، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال: فتكتب فيهن قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصه أنهم يتكرمون- زعموا في أنفسهم- عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن، عمن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن، فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربية، حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جليدا، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة.
فلما دخل عليه اعظم الملك، وقال: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك فقال: وما هؤلاء النسوة؟ فقال: هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى الى انوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغساني بن أبي شمر، فكتب إلى انوشروان يصفها له، وقال: إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء، قمراء، ووطفاء، كحلاء دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، زجاء، برجاء، أسيلة الخد، شهية القد،
(2/202)

جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشى، مكسال الضحى، بضه المتجرد، سموعا للسيد، ليست بخنساء، ولا سعفاء، ذليلة الأنف، عزيزة النفر، لم تغذ في بؤس، حيية رزينه، حليمه ركينه، كريمه الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة،
(2/203)

صناع الكفين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحمر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست/.
فقبلها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز، فقرأ عليه زيد هذه الصفة، فشق عليه، فقال لزيد- والرسول يسمع: أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم! فقال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر، فقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به.
فأنزلهما يومين، ثم كتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلما رجع إلى كسرى، قال زيد للرسول الذى جاء معه: اصدق الملك الذي سمعت منه، فإني سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: فأين الذي كنت خبرتني به؟ قال: قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم، وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن الذي قال ورد عليه أن أقوله، فقال للرسول: وما قال؟ قال:
أيها الملك، أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا!
(2/204)

فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، ولكنه قد قال: رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا، فيصير أمره إلى التباب وشاع هذا الكلام، فبلغ النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهرا، وجعل النعمان يستعد ويتوقع، حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك إليك حاجة، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه، وما قوى عليه، ثم لحق بجبلي طيّئ وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلا وامرأة، وكانت أيضا عنده زينب ابنة أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه بين الجبلين ويمنعوه، فأبوا ذلك عليه، وقالوا: لولا صهرك لقاتلناك، فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى، ولا طاقه لنا به فاقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد من الناس يقبله، غير أن بني رواحة بن سعد من بني عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك- لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ- فقال: لا أحب أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى.
فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا، فلقي هانئ بن مسعود ابن عامر بْن عمرو بْن أبي ربيعة بْن ذهل بن شيبان، وكان سيدا منيعا، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين، لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا مانعه مما يمنع منه نفسه.
وتوجه النعمان إلى كسرى، فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال:
انج نعيم، إن استطعت النجاء، فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! اما
(2/205)

والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت لك عنده آخية لا يقطعها المهر الأرن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه، فقيده وبعث به إلى خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه، والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى:
فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات، وهو محرزق
وإنما هلك بخانقين، وهذا قبيل الإسلام، فلم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله نبيه ص، وكان سبب وقعة ذي قار بسبب النعمان.
وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثنا أبو المختار فراس بن خندق، وعدة من علماء العرب قد سماهم، أن النعمان لما قتل عديا كاد أخو عدي وابنه النعمان عند كسرى، وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشيء غضب منه كسرى، فأمر بقتله، وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانئ بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو المزدلف بْن أبي ربيعة بْن ذهل بْن شيبان بن ثعلبة، حلقته ونعمه وسلاحا غير ذلك، وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له.
- قال أبو عبيدة: وقال بعضهم: لم يدرك هانئ بن مسعود هذا الأمر، إنما هو هانئ بْن قبيصة بْن هانئ بْن مسعود وهو الثبت عندي- فلما قتل كسرى النعمان، استعمل اياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان قال أبو عبيدة: كان كسرى لما هرب من بهرام مر بإياس بن قبيصة فأهدى له فرسا وجزورا، فشكر ذلك له كسرى،
(2/206)

فبعث كسرى إلى إياس: أين تركة النعمان؟ قال: قد أحرزها في بكر بن وائل، فأمر كسرى إياسا أن يضم ما كان للنعمان ويبعث به إليه، فبعث إياس إلى هانئ: أن أرسل إلي ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها- والمقلل يقول: كانت أربعمائة درع، والمكثر يقول: كانت ثمانمائه درع- فأبى هانئ أن يسلم خفارته قال: فلما منعها هانئ، غضب كسرى وأظهر أنه يستأصل بكر بن وائل- وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي، وهو يحب هلاك بكر بن وائل- فقال لكسرى: يا خير الملوك، أدلك على غرة بكر؟ قال نعم، قال أمهلها حتى تقيظ، فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار، تساقط الفراش في النار، فأخذتهم كيف شئت، وأنا أكفيكهم فترجموا له قوله: تساقطوا تساقط الفراش في النار، فأقرهم حتى إذا قاظوا، جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو، حنو ذي قار، وهي من ذي قار على مسيرة ليلة، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة: أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال، فنزل النعمان على هانئ ثم قال له: أنا رسول الملك إليكم أخيركم ثلاث خصال: إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإما أن تعروا الديار، واما ان تأذنوا بحرب.
فتوامروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وكانوا يتيمنون به فقال لهم: لا ارى إلا القتال، لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش، وتلقاكم تميم فتهلككم فآذنوا الملك بحرب فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التستري- وكان مسلحه بالقطقطانة- وإلى جلابزين- وكان مسلحة ببارق- وكتب كسرى الى قيس بن مسعود ابن قيس بن خالد بن ذي الجدين- وكان كسرى استعمله على طف سفوان- أن يوافوا اياسا، فإذا اجتمعوا فإياس على الناس وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة، وقد بعث النبي ص ورق امر فارس، [وقال النبي ص: الْيَوْمَ انْتَصَفَتِ الْعَرَبُ مِنَ الْعَجَمِ،]
(2/207)

فحفظ ذلك اليوم، فإذا هو يوم الوقعة فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس بن مسعود ليلا فأتى هانئا، فقال له: أعط قومك سلاح النعمان فيقووا، فإن هلكوا كان تبعا لأنفسهم، وكنت قد أخذت بالحزم، وان ظفروا ردوه عليك ففعل وقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر، قال لهم هانئ: يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فاركبوا الفلاة فتسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له: إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة، فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا- فسمي مقطع الوضن، وهي حزم الرحال ويقال: مقطع البطن، والبطن حزم الأقتاب- وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار، وآلى ألا يفر حتى تفر القبة فمضى من مضى من الناس، ورجع أكثرهم، واستقوا ماء لنصف شهر، فأتتهم العجم، فقاتلتهم بالحنو، فجزعت العجم من العطش، فهربت ولم تقم لمحاصرتهم، فهربت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر، وعجل أوائل بكر، فتقدمت عجل، وأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدوا عجلا ثابتة تقاتل، وامرأة منهم تقول:
إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيها فداء لكم بني عجل!
وتقول أيضا تحضض الناس:
إن تهزموا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق
فقاتلوهم بالجبابات يوما ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار، فأرسلت إياد إلى بكر سرا- وكانوا أعوانا على بكر مع إياس بن قبيصة: أي الأمرين أعجب إليكم؟ أن نطير تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفر حين تلاقوا
(2/208)

القوم؟ قالوا: بل تقيمون، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم قال: فصبحتهم بكر بن وائل، والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال وقال يزيد بن حمار السكوني- وكان حليفا لبني شيبان-: يا بني شيبان، أطيعوني وأكمنوني لهم كمينا ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم فكمنوا في مكان من ذي قار، يسمى إلى اليوم الجب، فاجتلدوا، وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامرز، وعلى ميسرته الجلابزين، وعلى ميمنة هانئ بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيباني، وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وجعل الناس يتحاضون ويرجزون، فقال حنظلة بن ثعلبة:
قد شاع أشياعكم فجدوا ... ما علتي وأنا مؤد جلد!
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
قد جعلت أخبار قومي تبدو ... إن المنايا ليس منها بد
هذا عمير تحته ألد ... يقدمه ليس له مرد
حتى يعود كالكميت الورد ... خلوا بني شيبان واستبدوا
نفسي فداكم وأبي والجد.
وقال حنظلة أيضا:
يا قوم طيبوا بالقتال نفسا ... أجدر يوم أن تفلوا الفرسا
وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار:
من فر منكم فر عن حريمه ... وجاره، وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه ... من قارح الهجنة أو صميمه
(2/209)

قال فراس: ثم صيروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة، فمال إلى مارية ابنته- وهي أم عشرة نفر، أحدهم جابر بن أبجر- فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض وقطع وضن النساء، فوقعن إلى الأرض، ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الأرض:
ويها بني شيبان صفا بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم، لأن تخف أيديهم بضرب السيوف، فجالدوهم.
قال: ونادى الهامرز: مرد ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري:
ما يقول؟ قالوا: يدعو إلى البراز رجل ورجل، قال: وأبيكم لقد انصف.
فبرز له فقتله برد، فقال سويد بن أبي كاهل:
ومنا بريد إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه المرزبان المسورا
أي لم تجعلوه ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار: يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب، فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش، وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز، وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش، وعليهم جلابزين، وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم، وعليهم يزيد بن حمار، فشدوا على قلب الجيش، وفيهم إياس ابن قبيصة، وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، وانهزمت الفرس.
قال سليط: فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ، قالوا: فلما التقى الناس، ولت بكر منهزمة، فقلنا: يريدون الماء، فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه، وجاوزوا الماء، قلنا: هي الهزيمة، وذاك في حر الظهيرة وفي يوم قائظ، فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب، لا يفوت بعضهم بعضا، لا يمعنون هربا، ولا يخالطون القوم ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بجباههم، فلم تكن إلا إياها، فأمالوا بأيديهم، فولوا، فقتلوا الفرس ومن معهم، ما بين بطحاء ذي قار، حتى بلغوا الراحضة.
قال فراس: فخبرت أنه تبعه تسعون فارسا، لم ينظروا إلى سلب ولا
(2/210)

إلى شيء حتى تعارفوا بأدم موضع قريب من ذي قار، فوجد ثلاثون فارسا من بني عجل، ومن سائر بكر ستون فارسا، وقتلوا جلابزين، قتله حنظلة بن ثعلبة وقال ميمون بن قيس يمدح بني شيبان خاصة في قوله:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء، وقلت
هم ضربوا بالحنو، حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت
وأفلتنا قيس وقلت لعله ... هنالك لو كانت به النعل زلت
فهذا يدل على أن قيسا قد شهد ذا قار.
وقال بكير، أصم بني الحارث بن عباد، يمدح بني شيبان:
إن كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقي على كرم بني همام
وأبا ربيعة كلها ومحلما ... سبقا بغاية أمجد الأيام
ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم ... بالمشرفي على مقبل الهام
عربا ثلاثة آلف وكتيبة ... ألفين أعجم من بني الفدام
شد ابن قيس شدة ذهبت لها ... ذكرى له في معرق وشآم
عمرو وما عمرو بقحم داله ... فيها، ولا غمر ولا بغلام
فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة غضبت اللهازم، فقال أبو كلبة، أحد بني قيس يؤنبها بذلك:
جدعتما شاعري قوم أولي حسب ... حزت أنوفهما حزا بمنشار
أعني الأصم وأعشانا إذا اجتمعا ... فلا استعانا على سمع بإبصار
(2/211)

لولا فوارس لا ميل ولا عزل ... من اللهازم ما قاظوا بذي قار
نحن أتيناهم من عند أشملهم ... كما تلبس وراد بصدار؟
قال أبو عمرو بن العلاء: فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة، قال: صدق.
وقال معتذرا مما قال:
متى يقرن أصم بحبل أعشى ... يتيها في الضلال وفي الخسار
فلست بمبصر ما قد يراه ... وليس بسامع أبدا حواري
وقال الأعشى في ذلك اليوم:
أتانا عن بني الأحرار ... قول لم يكن أمما
أرادوا نحت انلتنا ... وكنا نمنع الخطما
وقال أيضا لقيس بن مسعود:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
أتجمع في عام غزاة ورحلة ... ألا ليت قيسا غرقته القوابل!
وقال أعشى بني ربيعة:
ونحن غداة ذي قار أقمنا ... وقد شهد القبائل محلبينا
وقد جاءوا بها جأواء فلقا ... ململمة كتائبها طحونا
ليوم كريهة حتى تجلت ... ظلال دجاه عنا مصلتينا
فولونا الدوابر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا
وذدنا عارض الأحرار وردا ... كما ورد القطا الثمد المعينا
(2/212)

ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند
قد مضى ذكرنا من كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر ابن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند، وقدر مدة ولاية كل من ولي منهم ذلك، ونذكر الآن من ولي ذلك لهم بعد عمرو بن هند، إلى أن ولي ذلك لهم النعمان بن المنذر، والذي ولي لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن المنذر، وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو، فولي ذلك أربع سنين، من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر، وفي زمن هرمز بن أنوشروان ثلاث سنين وأربعة أشهر.
ثم ولي بعد قابوس بن المنذر السهرب.
ثم ولي بعده المنذر أبو النعمان أربع سنين.
ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك زمن هرمز بن انوشروان سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمن كسرى ابرويز 2/ 764 ابن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرجان، تسع سنين في زمن كسرى ابن هرمز ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي ص فيما زعم هشام بن محمد.
ثم استخلف آزاذبه بن ماهان بن مهربنداذ الهمذاني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر، وفي زمن بوران دخت بنت كسرى شهرا.
ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر- وهو الذي تسميه العرب الغرور، الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثى، إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة- ثمانية اشهر
(2/213)

فكان آخر من بقي من آل نصر بن ربيعة، فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس.
فجميع ملوك آل نصر- فيما زعم هشام- ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكا قال: وعده ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر رجع الحديث الى ذكر المرزان وولايته اليمن، من قبل هرمز وابنه أبرويز، ومن وليها بعده:
حدثت عن هشام بن محمد، قال: عزل هرمز بن كسرى وين عن اليمن، واستعمل مكانه المروزان، فأقام باليمن، حتى ولد له بها، وبلغ ولده ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه، وامتنعوا من حمل الخراج إليه- والمصانع جبل طويل ممتنع، إلى جانبه جبل آخر قريب منه، بينهما فضاء ليس بالبعيد، إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه- فسار المروزان إلى المصانع، فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد، يمنع ذلك الباب رجل واحد، فلما رأى أن لا سبيل له إليه، صعد الجبل الذي يحاذي حصنهم، فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب، فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع، فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين، ثم يصيحوا به صيحه واحده، وضرب فرسه فاستجمع حضرا، ثم رمى به فوثب المضيق، فإذا هو على رأس الحصن فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا: هذا أيم- والأيم بالحميرية شيطان- فانتهرهم وزبرهم بالفارسية، وأمرهم أن يكتف بعضهم بعضا، فاستنزلهم من حصنهم، وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم، وكتب بالذي كان من امره الى كسرى
(2/214)

ابن هرمز فتعجب من صنيعه، وكتب إليه: أن استخلف من شئت، وأقبل إلي.
قال: وكان للمروزان ابنان: أحدهما تعجبه العربية، ويروي الشعر، يقال له خرخسره، والآخر أسوار يتكلم بالفارسية، ويتدهقن، فاستخلف المروزان ابنه خرخسره- وكان أحب ولده إليه- على اليمن، وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك، فوضع في تابوت، وحمل حتى قدم به على كسرى، فأمر بذلك التابوت فوضع في خزانته، وكتب عليه في هذا التابوت:
فلان الذي صنع كذا وكذا، قصته في الجبلين ثم بلغ كسرى تعرب خرخسره وروايته الشعر، وتأدبه بأدب العرب، فعزله، وولى باذان، وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم.
وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة والكراع وافتتح من بلاد العدو، وساعده من الأمور، ورزق من مؤاتاته، وبطر، وشره شرها فاسدا، وحسد الناس على ما في أيديهم من الأموال، فولى جباية البقايا علجا من أهل قرية تدعى خندق من طسوج بهرسير، يقال له: فرخزاذ بن سمي، فسام الناس سوء العذاب، وظلمهم واعتدى عليهم، وغصبهم أموالهم في غير حله، بسبب بقايا الخراج، واستفسدهم بذلك، وضيق عليهم المعاش، وبغض إليهم كسرى وملكه.
وحدثت عن هشام بن محمد، أنه قال: كان أبرويز كسرى هذا قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحد من الملوك، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية، وكان يشتو بالمدائن، ويتصيف ما بينها وبين همذان، وكان يقال: إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلا واحدا، وخمسون ألف دابة بين فرس وبرذون وبغل، وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك.
وأما غير هشام فإنه قال: كان له في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن،
(2/215)

وألوف جوار اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته، وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابه لمركبه، وسبعمائة وستون فيلا، واثنا عشر ألف بغل لثقله، وأمر فبنيت بيوت النيران، وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة وأنه أمر أن يحصى ما اجتبي من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال، سنة ثماني عشرة من ملكه، فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال، يكون ذلك وزن سبعه، ستمائه ألف ألف درهم، وأمر فحول إلى بيت مال بنى بمدينه طيسبون، وسماه بهار حفرد خسرو، وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز، اثنا عشر ألف بدرة، في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال، يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال، وهو وزن سبعه، ثمانية وستون الف الف وخمسمائة الف واحد وسبعون ألفا وأربعمائة وعشرون درهما ونصف وثلث ثمن درهم، في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله، من الجواهر والكسي وغير ذلك.
وإن كسرى احتقر الناس، واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم، وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص- يقال له: زاذان فروخ- أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه، فأحصوا، فبلغوا ستة وثلاثين ألفا، فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم، وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم، لعلل أعدها له، فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه، أحد ذلك احتقاره إياهم، وتصغيره عظماءهم.
والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم، والثالث أمره بقتل من كان في السجن، والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل والروم، فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل، وفيه شيري بن أبرويز مع إخوته بها، قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم، وأساورة يحولون
(2/216)

بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخل مدينة بهرسير ليلا، فخلى عمن كان في سجونها، وخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب من كان في قصره من حرسه، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره، ويدعى باغ الهندوان فارا مرعوبا، وطلب فاخذ ماه آذر وروز آذر، وحبس في دار المملكة، ودخل شيرويه دار الملك، واجتمع إليه الوجوه، فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا، أكبرهم شهريار، وكانت شيرين تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام، ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فحصر ولده لذلك عن النساء، فمكثوا حينا لا يصلون إلى امرأة، حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين، وبعث إليها يشكو الشبق، ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه: إني لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها، ولا يجمل بك أن تمسها، فقال لها: لست أبالي ما كانت، بعد أن تكون امرأة فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها، وكانت- فيما يزعمون- من بنات أشرافهم، إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور، فأسلمتها في الحجامين، فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها، فحملت بيزدجرد، فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت، وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر، فقالت له: هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه؟ فقال: لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي، وأدخلته عليه، وقالت: هذا يزدجرد بن شهريار، فدعا به فأجلسه في
(2/217)

حجره، وقبله وعطف عليه، وأحبه حبا شديدا، وجعل يبيته معه، فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه، إذ ذكر ما قيل فيه، فدعا به فعراه من ثيابه، واستقبله واستدبره، فاستبان النقص في أحد وركيه، فاستشاط غضبا وأسفا، واحتمله ليجلد به الأرض، فتعلقت به شيرين، وناشدته الله ألا يقتله، وقالت له: انه ان يكن امر قد حضر في هذا الملك فليس له مرد.
قال: إن هذا المشئوم، الذي أخبرت عنه، فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان وقال آخرون: بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية.
ووثبت فارس على كسرى فقتلته، وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية.
وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه هاجر النبي ص من مكة الى المدينة

ذكر ملك شيرويه بن ابرويز
ثم ملك من بعده ابنه شيرويه، واسمه قباذ بن أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه أباه، فقالوا له: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان، فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته، وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على
(2/218)

برذون، وقنع رأسه، وسير به إلى تلك الدار، ومعه ناس من الجند، فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق، فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع، عرف أن المقنع كسرى، فحذفه بقالب، فعطف إليه رجل ممن كان مع كسرى من الجند، فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف، ثم لحق بأصحابه.
فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات، فقال: إنا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته في تدبيره ونوقفه على أشياء منها، ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له اسفاذ جشنس، ولمرتبته رئيس الكتيبة، كان يلي تدبير المملكة، فقال له: انطلق إلى الملك أبينا، فقل له عن رسالتنا: إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا، ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيئ أعمالك، منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به، وإزالتك الملك عنه، وسملك عينيه، وقتلك إياه شر قتلة، وما قارفت في أمره من الإثم العظيم ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم، وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة.
ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر، حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل، وحبسك إياهن قبلك مكرهات ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج، وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد، واستفساد منك إياهم، وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم
(2/219)

من الجنود، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق، ملك الروم، وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك، وحسن بلائه عندك، ودفعه عنك شر عدوك، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك اكرم النساء من بناته عليه، وآثرهن عنده، واستخفافك بحقه، وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب، التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، علمته.
فإن كانت لك حجج تدلي بها عندنا وعند الرعية فأدل بها، وإن لم تكن لك حجة، فتب إلى الله من قريب، وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا.
فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه، وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها، فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا، فتحاورا ساعة، ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه، فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى، فدخل عليه، وقال له: عمرك الله! ان اسفاذ جشنس بالباب، وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة، وهو يستأذن عليك، فرأيك في الأمر فيه برأيك! فتبسم كسرى وقال مازحا: يا جلينوس اسفاذ ان، كلامك مخالف كلام أهل العقل، وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه الملك فليس لنا مع ملكه إذن، وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك، ولكن المثل في ذلك كما قيل: يشاء الله الشيء فيكون، ويأمر الملك بأمر فينفذ فاذن لاسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى، وأخذ بيد اسفاذ جشنس، وقال له: قم فادخل إلى كسرى راشدا.
فنهض اسفاذ جشنس، ودعا بعض من كان معه من خدمه، ودفع اليه
(2/220)

كساء كان لابسه، وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية، فمسح بها وجهه، ثم دخل على كسرى، فلما عاين كسرى، خر له ساجدا، فأمره كسرى بالانبعاث، فانبعث وكفر بين يديه- وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط من ديباج خسرواني منسوج بذهب، قد فرشت على بساط من إبريسم، متكئا على ثلاث وسائد منسوجه بذهب، وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين اسفاذ جشنس، تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة، ومن النمط إلى البساط، ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخه بتراب، فتناولها اسفاذ جشنس فمسحها بكمه، وذهب ليضعها بين يدي كسرى، فأشار إليه أن ينحيها عنه، وقال له: اعزبها عنى، فوضعها اسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض، ثم عاد فقام مقامه، وكفر بيده، فنكس كسرى، ثم قال متمثلا: الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به، وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به، وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما، ثم قال لاسفاذ جشنس: إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت، وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة، وما أنتم عاملون به وعاقبته، فإن السفرجلة التي تأويلها الخير، سقطت من علو إلى سفل، ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخة بتراب، وذلك منها دليل في حال الطيرة:
أن مجد الملوك قد صار عند السوق، وأنا قد سلبنا الملك، وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة، فدونك فتكلم بما حملت من رسالة، وزودت من الكلام.
فاندفع اسفاذ جشنس في تبليغ الرسالة التي حمله إياها شيرويه، ولم يغادر منها كلمة، ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة: بلغ
(2/221)

عني شيرويه القصير العمر، أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب، ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده، وتيقنه إياه منه، فضلا عن عظيم ما بثثت ونشرت وادعيت منا، ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم، مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب، وتوبيخ ذي جرمة، من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم، ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم، فإن كنت جاهلا بما يلزمك من العيوب ببثك منا ما بثثت، ونسبتك إيانا إلى ما نسبت، فاستثبت عيوبك واقتصر في الزري علينا، والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهارا بالجهل، ونقص الرأي أيها العازب العقل، العديم العلم، فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة، وكان لك على ذلك برهان، فقضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه، وينحونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم، ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلا عن أن يملك، مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا، وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير، ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ، ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب، وألحقت بنا من الجرائم، عن غير التماس منا لذلك نقصا فيما أدلينا به من حجة، أو أتينا عليه من برهان، لتزداد علما بجهالتك وعزوب عقلك، وسوء صنيعك أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز، فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا أغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمرا ووغرا ورأينا من ازوراره عنا، وسوء رأيه فينا، ما تخوفنا ناحيته، فاعتزلنا بابه لإشفاقنا منه، ولحقنا بأذربيجان، وقد استفاض، فانتهك من الملك ما انتهك فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصنا من أذربيجان إلى بابه، فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة
(2/222)

المستوجبة القتل، مارقا من الطاعة، فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم، فأقبلنا منها بالجنود والعدة، وحاربناه فهرب منا، وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس، حتى إذا صفا لنا الملك، واستحكم لنا أمره، ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها، قلنا: إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا، ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا، والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه، فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك، وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك، فقتلنا كل من شرك في دمه، وسعى فيه ومالأ عليه.
وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا، فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه- ما خلا من استأثر الله به منهم- إلا صحيحة أعضاء جسده، غير أنا وكلنا بالحراسة لكم، وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادة كف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت، وأما أنت خاصة، فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا، أو يكون ذلك بسببك، فلم نأمر بقتلك، ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك، ودفعناه إلى شيرين صاحبتنا ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا، وقد أوفدهم إلينا، فكتب في أمور شتى، وأهدى لنا ولكم- معشر أبنائنا- هدايا، وكتب إلى كل واحد منكم كتابا، وكانت هديته لك- فاذكرها- فيلا، وسيفا، وبازيا أبيض، وديباجة منسوجة بذهب، فلما نظرنا فيما أهدي لكم، وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية: اكتم ما فيه، فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هديه او كتاب، واحتبسنا كتابه إليك لحال التوقيع الذي كان عليه، ودعونا بكاتب هندي، وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته، فكان فيه: أبشر وقر عينا، وانعم بالا، فإنك متوج ماه آذر روز ديباذر سنه
(2/223)

ثمان وثلاثين من ملك كسرى، ومملك على ملكه وبلاده، فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا، فلم ننتقصك- بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك- شيئا، فضلا عن أمرنا بقتلك.
وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا، واستودعناه شيرين صاحبتنا، وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن، فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك، وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبورا فافعل وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من لدن جيومرت إلى أن ملك بشتاسب، كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة، ولم يزالوا من لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة، معها ورع الدين، فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين- وهم أوتاد هذه الملة- عن حال من عصى الملوك وخالفهم، ونكث عهدهم، والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم واعلم مع ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا، ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه، وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه وكثيرا ما كان الموكلون بهم وغيرهم من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل، ويقولون: عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونك بها، فكنا لحبنا استبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدماء نتأنى بهم، ونكلهم إلى الله، ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه، إلا على منعهم أكل اللحم وشرب الشراب، وشم الرياحين، ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين المستوجبين للقتل، وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه، وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد، ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية
(2/224)

عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل، والأمر بهدم محبسهم، ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك، وتسيء إلى نفسك، وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل، مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبدا، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا: لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة، فإن في تأخيرها مدفعة للعدل، ومضرة على المملكة في حال التدبير، ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك، ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة.
وأما قولك: إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء، وأشد إلحاح على رعيتنا، وأشد ظلم، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر، عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم، فمن جوابنا فيه إن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه، ولكن لم ندع- إذ صار ترك الجواب كالاقرار، وطافت حجتنا فيما غشينا أن نحتج به، قوية، وعذرنا واضحا- شرح ما سألتنا عنه من ذلك.
اعلم أيها الجاهل، أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس، الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه، وليس يقدر على كفهم عنها، وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه، إلا بالجنود الكثيفة، والأسلحة والعدد الكثيرة، ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها، ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال، بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا، فإنهم جمعوها كجمعنا إياها،
(2/225)

وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم، وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا، المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل، فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها، ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها، ولم يرغبوا فيها فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا، واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة، ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم، ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين، وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين، واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد، وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود، أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم، وقتلهم من قتلوا، وأسرهم من أسروا منهم، من سنة ثلاث عشرة من ملكنا، ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير، أو خائفا، أو بأمان منا، فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا، والتعاطي لشيء مما كرهنا، ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر، ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة، فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عشرة من ملكنا بنقش سكك حديثة، لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها، وجد في بيوت أموالنا- على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق- مائتا الف بدره، فيها ثمانمائه ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا، وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا، وجمعنا مشتت أمرنا، وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم، وبسطنا فيهم الأمن، وأمنا على نواحي
(2/226)

بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار، أمرنا باجتباء بقايا السنين، وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة، ومن خزائننا من جوهر أو نحاس، ورد ذلك كله إلى موضعه، حتى إذا كان في آخر سنه ثلاثين من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة، يضرب عليها الورق، فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا، والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة، يكون ما فيها ألف ألف الف مثقال وستمائه ألف ألف مثقال، وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال، مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم، في سفن أقبلت بها إلينا الريح، فسميناها فيء الرياح، ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا، التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا، وبلادنا عمارة، ورعيتنا أمنا وطمأنينة، وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة، وقد بلغنا أنك هممت- لرذولة مروءتك- أن تبذر هذه الأموال وتتويها، عن رأي الأشرار العتاة المستوجبين للقتل.
ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس، وبعد كد وعناء شديد، لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة، المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها، بعد عون الله بالأموال والجنود، ولن تقوى الجنود إلا بالأموال، ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها، فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال، ولا تجسرن عليها، فإنها كهف لملكك وبلادك، وقوة لك على عدوك.
ثم انصرف اسفاذ جشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى، ولم يسقط منه حرفا، وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خولك، المانحوك الطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته، وأمر بقتل كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فكلما أتاه
(2/227)

الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد، حتى أتاه شاب يقال له مهر هرمز بن مردان شاه ليقتله، وكان مردان شاه فاذوسبانا لكسرى على ناحية نيمروذ، وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له، وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته عن عاقبة أمره، وأخبروه أن منيته آتيه من قبل نيمروذ فاتهم مردان شاه، وتخوف ناحيته لعظم قدره، وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوة والقدرة.
فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه، حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها، فلم يجد عليه عثرة، وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه، ونصيحته له، وتحريه مرضاته فرأى أن يستبقيه، ويأمر بقطع يمينه، ويعوضه منها أموالا عظيمة يجود له بها، فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه، وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك.
وإن كسرى أرسل يوم أمر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردان شاه وممن بحضرته من النظارة، وان مردان شاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله، فقبلها ووضعها في حجره، وجعل يندبها بدمع له دار ويقول:
وا سمحتاه! وا راميتاه! وا كاتبتاه! وا ضاربتاه! وا لاعبتاه! وا كريمتاه! فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه، فأخبره بما رأى وسمع منه، فرق له كسرى، وندم على إتيانه في أمره ما أتى، فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه، وأنه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه، وأسعفه به.
فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له، ويقول: إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك، وأشكره لك، وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه، إنما كان سببه القضاء، ولكني سائلك أمرا فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما اطمان إليه، وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك، فأفرشك إياه وأبثه لك
(2/228)

فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة، فسارع الى ما ساله مردان شاه، وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله، ما لم تكن مسألته أمرا يوهن ملكه وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين، فأرسل اليه مردان شاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه، فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث، زعم.
وان كسرى سال مهر هرمز بن مردان شاه، حين دخل عليه عن اسمه، وعن اسم ابيه ومرتبته فاخبره انه مهر هرمز بن مردان شاه، فاذوسبان نيمروذ، فقال كسرى: أنت ابن رجل شريف كثير الغناء، قد كافأناه على طاعته إيانا، ونصيحته لنا، وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه، فشأنك وما أمرت به فضرب مهر هرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه، ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده، ثم ضربه بعد ذلك مهر هرمز ضربة فهلك منها.
وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا، وامر بحمل جثته الى الناووس فحملت، وشيعها العظماء وأفناء الناس.
وأمر فقتل قاتل كسرى، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، وكان قتله ماه آذر روز ماه وقتل شيرويه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة ومروءة، بمشورة وزيره فيروز، وتحريض ابن ليزدين- والى عشور الآفاق كان لكسرى، يقال له شمطا- اياه على قتلهم، فابتلي بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة الملك، وكان مشئوما على آل ساسان، فلما قتل إخوته جزع جزعا شديدا ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه، دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له، وقالتا: حملك الحرص على ملك لا يتم، على قتل أبيك وجميع إخوتك، وارتكبت المحارم! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا، ورمى بالتاج عن رأسه، ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال: إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته، وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية اشهر
(2/229)

ذكر ملك أردشير بن شيرويه
ثم ملك أردشير بن شيرويه بن ابرويز بن هرمز بن انوشروان، وكان طفلا صغيرا- قيل: إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنك- فملكته عظماء فارس، وحضنه رجل يقال له مهاذرجشنس، وكانت مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهربراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى وسماهم السعداء، وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما، فيستشيرانه فيه، فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير.
اتخذ ذلك ذريعة إلى التعتب والتبغي عليهم، وبسط يده في القتل، وجعله سببا للطمع في الملك، والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك، واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم، وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك ثم أقبل بجنده وقد عمد مهاذرجشنس، فحصن سور مدينة طيسبون وأبوابها، وحول أردشير، ومن بقي من نسل الملك ونسائهم، وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون وكان الذين اقبل فيهم من الجند شهربراز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم، فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها وقاتلهم عنها، ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلا يقال له نيوخسروا، وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذر جشنس، أصبهبذ نيمروذ، حتى فتحا له باب المدينة فدخلها، فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم، واستصفى أموالهم، وفضح نساءهم وقتل ناس بأمر شهربراز أردشير بن شيرويه، سنة اثنتين ماه بهمن، ليله روز آبان في ايوان خسرو شاه قباذ.
وكان ملكه سنه وسته اشهر
(2/230)

ذكر ملك شهربراز
ثم ملك شهربراز، وهو فرخان ماه اسفنديار، ولم يكن من أهل بيت المملكة، ودعا نفسه ملكا وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير فتبرز فيه وإن رجلا من أهل إصطخر، يقال له فسفروخ بن ما خرشيذان وأخوين له، امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك، وأنفوا من ذلك، وتحالفوا وتعاقدوا على قتله، وكانوا جميعا في حرس الملوك، وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين، عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف، وبأيديهم الرماح، فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم نرسه على قربوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود وان شهربراز ركب بعد أن ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه، قريبا بعضهم من بعض، فلما حاذى بهم شهربراز طعنه فسفروخ، ثم طعنه أخواه، وكان ذلك اسفندارمذ ماه، وروز دي بدين، فسقط عن دابته ميتا، فشدوا في رجله حبلا وجروه إقبالا وإدبارا، وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زاذان فروخ بن شهرداران، ورجل يقال له ماهياي، كان مؤدب الأساورة، وكثير من العظماء وأهل البيوتات، وعاونوهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه، وقتلوا رجالا من العظماء وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى.
وكان جميع ما ملك شهربراز اربعين يوما
. ذكر ملك بوران بنت كسرى ابرويز
ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، فذكر أنها قالت يوم ملكت: البر أنوي وبالعدل آمر، وصيرت مرتبه شهربراز لفسفروخ، وقلدته وزارتها، وأحسنت السيرة في رعيتها، وبسطت العدل فيهم، وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور، ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم، وكتبت إلى الناس عامة كتبا أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان
(2/231)

إليهم، وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر، ولكن كل ذلك يكون بالله عز وجل، وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة، وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه، وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب.
وكان ملكها سنه واربعه اشهر

ذكر ملك جشنسده
ثم ملك بعدها رجل يقال له: جشنسده، من بني عم أبرويز الأبعدين.
وكان ملكه اقل من شهر
. ذكر ملك آزرميدخت بنت كسرى ابرويز
ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، ويقال إنها كانت من أجمل نسائهم، وإنها قالت حين ملكت:
منهاجنا منهاج أبينا كسرى المنصور، فإن خالفنا أحد هرقنا دمه ويقال: إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان، فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها، فأرسلت إليه: إن التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني، فصر إلي ليلة كذا وكذا ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة، وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله فنفذ صاحب حرسها لأمرها، وأمرت به فجر برجله، وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلا، فأمرت بجثته فغيبت، وعلم أنه لم يقتل إلا لعظيمة وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد لقتال العرب خليفة أبيه بخراسان، فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن، وسمل
(2/232)

عيني آزرميدخت، وقتلها وقال بعضهم: بل سمت.
وكان ملكها سته اشهر
. كسرى بن مهراجشنس
ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له:
كسرى بن مهرجشنس، فملكه العظماء، ولبس التاج، وجلس على سرير الملك، وقتل بعد ان ملك بايام
. ذكر ملك خرزا خسروا
وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا من ولد أبرويز.
وقيل: إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين، فلما صار إلى المدائن مكث أياما يسيرة، ثم استعصوا عليه وخالفوه
. ذكر ملك فيروز بن مهراجشنس
وقال الذين قالوا: ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس: لما قتل كسرى بن مهراجشنس، طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة، فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبل النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان، يقال له فيروز بن مهرانجشنس، ويسمى أيضا جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى انوشروان، فملكوه كرها.
وكان رجلا ضخم الرأس، فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطير العظماء من افتتاحه كلامه بالضيق، وقتلوه بعد أن ملك أياما.
ومن الناس من يقول: قتل ساعه تكلم بما تكلم به
(2/233)

ذكر ملك فرخزاذ خسروا
وقال قائل هذا القول: ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذي ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع في ناحية المغرب قريب من نصيبين، يقال له: حصن الحجارة، فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بني كسرى يقال له: فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون، فانقاد له الناس زمنا يسيرا، ثم استعصوا عليه وخالفوه، فقال بعضهم: قتلوه وكان ملكه ستة أشهر
. ذكر ملك يزدجرد بن شهريار
وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر، قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته، فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بيت نار أردشير، فتوجوه هنالك، وملكوه- وكان حدثا- ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أن ملك سنة.
وساغ الملك ليزدجرد، غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه، وكان أشدهم نباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخول وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه، وتطرفوا بلاده وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه.
وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة.
وقد بقي من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم، وما آل إليه أمره وأمر ولده.
فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض، إلى وقت هجره النبي ص وَسَلَّمَ- على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود، وتزعم أنه في التوراة الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك- أربعة آلاف سنة وستمائه
(2/234)

سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية، فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر.
وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس، فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما، على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد، وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسه عشر يوما، وعلى ان حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت، وجيومرت هو آدم أبو البشر، الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس، على ما قد بينت في كتابي هذا.
وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن، فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ.
حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: كَانَ بَيْنَ آدَمَ ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، وَالْقَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: الفتره بين محمد وعيسى ع ستمائه سَنَةٍ.
وَرُوِيَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ،
(2/235)

قال: كان بين عيسى وموسى ستمائه سَنَةٍ.
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَدَقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ كَعْبًا قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ:
«يَا أُخْتَ هارُونَ» لَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى، قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ:
كَذَبْتَ، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كان النبي ص قَالَ فَهُوَ أَعْلَمُ وَأَخْبَرُ، وَإِلا فَإِنِّي أَجِدُ بينهما ستمائه سَنَةٍ قَالَ: فَسَكَتَتْ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَعِيسَى بن مريم الف سنه وتسعمائة سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ، وَإِنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سِوَى مَنْ أُرْسِلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ بَيْنَ مِيلادِ عيسى والنبي خمسمائة وَتِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةٍ، بُعِثَ فِي أَوَّلِهَا ثَلاثَةُ أَنْبِيَاءَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» ، وَالَّذِي عُزِّزَ بِهِ شَمْعُونُ، وَكَانَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيهَا رسولا أربعمائة وَأَرْبَعًا وَثَلاثِينَ سَنَةٍ، وَإِنَّ عِيسَى حِينَ رُفِعَ كَانَ ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثِينَ شَهْرًا، وَإِنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ بِجَسَدِهِ، وَإِنَّهُ حَيٌّ الآنَ.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول: قد خلا من الدنيا خمسه آلاف سنه وستمائه سنة.
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بسر، قال: [قال لي رسول الله ص: لَتُدْرِكَنَّ قَرْنًا، فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ]
(2/236)

فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك أن الواقدي، حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم وعلى ذلك من قوله، ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا ص اربعه آلاف سنه وستمائه سنة، وعلى قول ابْنِ عَبَّاسٍ الذي رواه هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عنه، ينبغي أن يكون إلى مولد النبي ص خمسه آلاف سنه وخمسمائة سنة.
وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأن ذلك الى زمنه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة، وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة، وقد كان مضى عنده من ذلك الى زمانه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة، فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه، مائتا سنة وخمس عشرة سنة.
وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابْنِ عَبَّاسٍ.
وقال بعضهم: من وقت هبوط آدم ع الى ان بعث نبينا ص ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة، وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستا وخمسين سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة، ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس- وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود- ستمائه سنة وستا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس الى ملك الاسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر الى مولد عيسى بن مريم ع ثلاثمائة سنة وتسعا وستين سنة، ومن مولد عيسى الى مبعث محمد ص خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة
(2/237)

إلى المدينة ثلاث عشرة سنة.
وَقَدْ حَدَّثَ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ أَلْفَا سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ، وَمِنْ نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَمِائَةُ سَنَةٍ وَثَلاثٌ وَأَرْبَعُونَ سنه، ومن ابراهيم الى موسى خمسمائة سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ مُوسَى إِلَى دَاوُدَ مِائَةُ سَنَةٍ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى عِيسَى أَلْفُ سَنَةٍ وَثَلاثٌ وَخَمْسُونَ سنه، ومن عيسى الى محمد ستمائه سَنَةٍ.
وَحَدَّثَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيِّ عَنْ بَعْضِ اهل الكتب أَنَّهُ قَالَ: مِنْ آدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ أَلْفَا سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمِنَ الطُّوفَانِ إِلَى وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمِنْ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دُخُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِصْرَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ دُخُولِ يعقوب مصر الى خروج موسى منها أربعمائة سَنَةٍ وَثَلاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ خُرُوجِ مُوسَى مِنْ مصر الى بناء بيت المقدس خمسمائة سَنَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سَنَةٍ وَسِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَمِنْ مُلْكِ بُخْتَنَصَّرَ الى ملك الاسكندر أربعمائة سَنَةٍ وَسِتٌّ وَثَلاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ مُلْكِ الإِسْكَنْدَرِ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ أَلْفُ سنه ومائتان وخمس واربعون سنه
(2/238)

[القول في السيرة النبوية]

ذكر نسب رسول الله ص
وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده اسم رسول الله ص، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف- وهو أبو طالب- بنو عبد المطلب لأم واحدة، وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، وأبو طالب- واسمه عبد مناف- والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، أم جميعهم فاطمه بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم بن يقظة.
وكان عبد المطلب- فيما حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم- وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت
(2/239)

القرعة- على المائة من الإبل- فقال ابْنُ عَبَّاسٍ للمرأة: فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى ابن عمر ولا ابْنَ عَبَّاسٍ أصابا الفتيا، إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبي إلى الله، وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير، فأما أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك، وأعجبهم قول مروان، ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله.
وأما ابن إسحاق، فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة، هي اشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب، وذلك مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبد المطلب بن هاشم- فيما يذكرون والله أعلم- قد نذر حين لقي من قريش في حفر زمزم ما لقي: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل سبعة أقدح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، وإذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه: نعم للأمر إذا ارادوه
(2/240)

يضرب به، فإن خرج قدح: نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح- فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطى كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه- وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، وهو أبو رسول الله ص- فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده، وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إساف ونائلة- وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها- ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه
(2/241)

فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا، لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا! فقال له المغيرة بْن عبد الله بْن عمر بْن مخزوم- وكان عبد الله ابن أخت القوم-:
والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته.
فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها- فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا إليها حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به، ونذره فيه فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله.
فرجعوا عنها، فلما خرجوا من عندها، قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل- وكانت كذلك- قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم،.
وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل- وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله- فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله، فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشرا، حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مائة، وعبد المطلب
(2/242)

قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر:
قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.
ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر- فيما يزعمون- على امراه من بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالب بن فهر، يقال لها: أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت:
لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- ووهب يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا- فزوجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا، وهي لبرة بنت عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بن قصي، وبرة لأم حبيب بنت اسد ابن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بمحمد ص ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة
(2/243)

ابن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، حتى أدرك، فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يسار، أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد ص، ثم مر بامرأته تلك، فقال: هل لك؟ فقالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة، فدعوتني فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى علي، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها، فحملت برسول الله ص.
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزِّنْجِيُّ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِعَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ، مَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ خَثْعَمٍ، يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ، مُتَهَوِّدَةٌ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ، قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ، فَرَأَتْ فِي وَجْهِهِ نُورًا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا فَتَى، هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الآنَ وَأُعْطِيَكَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ؟ فَقَالَ:
أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ ... وَالْحِلُّ لا حَلَّ فَأَسْتَبِينُهُ
فَكَيْفَ بِالأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ
(2/244)

ثُمَّ قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي وَلا أَقْدِرُ أَنْ أُفَارِقَهُ، فَمَضَى بِهِ، فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِالْخَثْعَمِيَّةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِيمَا كُنْتِ أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ:
يَا فَتَى، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِي، وَأَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ، فَمَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ قَالَ:
زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلاثًا، فَأَنْشَأَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ تَقُولُ:
إِنِّي رَأَيْتُ مخيله لَمَعَتْ ... فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ
فلمأتها نُورًا يُضِيءُ لَهُ ... مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ
فَرَجَوْتُهَا فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ ... مَا كُلُّ قَادِحٍ زِنْدُهُ يُورِي
لِلَّهِ مَا زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري!
وقالت أيضا:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... امينه إذ للباه تعتركان
كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان
(2/245)

سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان
ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثان
حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حدثنا معمر وغيره، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته، وقيل لها:
هل لك أن تزوجيه! فتزوجته آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلقت برسول الله ص، وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.
قال الواقدي: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري، عن أم بكر بنت المسور، أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوجا في مجلس واحد، فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج عبد الله ابن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
قَالَ الْحَارِثُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ: والثبت عندنا، ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة- وقيل التابعة- في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.
ابن عبد المطلب
وعبد المطلب اسمه شيبة، سمي بذلك، لأنه فِيمَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.
وقيل له عبد المطلب، وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له
(2/246)

الى الشام، فسلك طريق المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق وفيما حدثت عن هشام ابن محمد عن أبيه وفيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض- على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو- وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو- ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشرط عليه ألا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها، ثم انصرف راجعا من الشام، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها، ومضى إلى الشام فمات بها بغزة، فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثي مكة، قال للمطلب وهو جالس في الحجر:
يا أبا الحارث، تعلم أني وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به، فقال له الحارثي: هذه ناقتي بالفناء فاركبها، فجلس المطلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بني عدي بن النجار، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس، فعرف ابن أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه، فإنها إن علمت لم تدعه، وحلنا بينك وبينه فدعاه، فقال: يا بن أخي، أنا عمك، وقد أردت الذهاب بك الى قومك- واناخ
(2/247)

راحلته- فما كذب أن جلس على عجز الناقة، فانطلق به، ولم تعلم به أمه حتى كان الليل، فقامت تدعو بحربها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، وقدم به المطلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟
فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة، فاشترى حلة فألبسها شيبة، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة، فيقال:
هذا عبد المطلب، لقوله: هذا عبدي حين سأله قومه، فقال المطلب:
عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... ابناؤها حوله بالنبل تنتضل
وقد حدثني هذا الحديث علي بن حرب الموصلي، قال: حدثني أبو معن عيسى- من ولد كعب بن مالك- عن محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بني عدي بن النجار، ذات شرف، تشرط على من خطبها المقام بدار قومها، فتزوجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فربى في أخواله مكرما، فبينا هو يناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خصلة، فقال: أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة، قال لعمه المطلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة فرحل المطلب حتى ورد المدينة، فأراده على الرحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذنت له، وأقبل به قد أردفه، فإذا لقيه اللاقي وقال: من هذا يا مطلب؟ قال: عبد لي، فسمي عبد المطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه، فسألهم النصرة على عمه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:
أبلغ بني النجار إن جئتهم ... إني منهم وابنهم والخميس
(2/248)

رأيتهم قوما إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس
فإن عمي نوفلا قد أبى ... إلا التي يغضي عليها الخسيس
قال: فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا، حتى أتى الأبطح، وبلغ عبد المطلب، فخرج يتلقاه، فقال: المنزل يا خال! فقال: أما حتى ألقى نوفلا فلا قال: تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استل سيفه، ثم قال: ورب هذه البنية، لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإني ورب هذه البنية أرد ركحه فأشهد عليه من حضر، ثم قال: المنزل يا بن أختي، فأقام عنده ثلاثا واعتمر، وأنشأ عبد المطلب يقول:
تأبى مازن وبنو عدي ... ودينار بن تيم اللات ضيمي
وساده مالك حتى تناهى ... ونكب بعد نوفل عن حريمي
بهم رد الإله علي ركحي ... وكانوا في التنسب دون قومي
وقال في ذلك سمرة بن عمير، أبو عمرو الكناني:
لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه دنيا أبر وأوصل
أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل
جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر، وذو البر أفضل
قال: فلما رأى ذلك نوفل، حالف بني عبد شمس كلها على بني هاشم.
قال محمد بن أبي بكر: فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال:
يا بن أبي بكر، هذا شيء ترويه الأنصار تقربا إلينا، إذ صير الله الدولة فينا! عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من
(2/249)

المدينة إليه قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال: وكان متكئا فجلس مغضبا، وقال: من خير من عبد المطلب! قلت: محمد رسول الله ص، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.
وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدثنا زياد بن علاقة التغلبي- وكان قد أدرك الجاهلية- قال: كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله ص بسببه مكة، وقال: لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب، أن نوفل بن عبد مناف- وكان آخر من بقي من بني عبد مناف- ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له- وهي الساحات- وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصف عبد المطلب عمه، فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله:
يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي ... هل من رسول الى النجار اخوالى!
بنى عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي
قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزا منيعا ناعم البال
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحال
وكنت ما كان حيا ناعما جذلا ... امشى لعرضنه سحابا لأذيالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي
أإن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال!
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذال
ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وإنعام وإفضال
(2/250)

أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي
قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكبا، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحا! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل! أنصف ابن أختنا من ظلامته قال: أفعل بالحب لكم والكرامة، فرد عليه الأركاح وأنصفه.
قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال: فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا.
وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة، وشرف في قومه، وعظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد، وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونا، وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما- فيما ذكر- حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية، وأدراع، فجعل الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته- فيما قيل- الكعبه.
وكانت كنيه عبد المطلب أبا الحارث، كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة

ابن هاشم
واسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي- وقال ابن الكلبي: إنما قاله ابن الزبعرى:
(2/251)

عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزورا، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز.
وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس- وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطلب- وكان أصغرهم- أمهم عاتكة بنت مرة السلمية، ونوفل- وأمه واقدة- بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعا، وكان يقال لهم المجبرون، قال: ولهم يقال:
يا ايها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف!
فكانوا أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبر الله بهم قريشا، فسموا المجبرين.
وقيل: ان عبد شمس وهاشما توأمان، وإن أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت عنها فسال من ذلك دم، فتطير من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء ولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن
(2/252)

محمد، قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك- يعني في إطعام هاشم قومه الثريد:
تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر متأقات ... من أرض الشام بالبر النفيض
فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مكللات ... من الشيزى وحائرها يفيض
قال: فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف- وكان ذا مال- فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
حدثني الحارث قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد، وكان عالما، قالا: تنافر عبد المطلب ابن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى ان ينفر بينها، فجعل بينهما نفيل بْن عبد العزى بْن رياح بْن عبد اللَّه بْن قرط بْن رزاح بْن عدى ابن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا! فنفره عليه فقال حرب: إن
(2/253)

من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما! فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزة من أرض الشام، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب
. ابن عبد مناف
واسمه المغيرة، وكان يقال له القمر من جماله وحصنه وكان قصي يقول- فيما زعموا-: ولد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي، وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصي- وعبد العزى والد أسد- وعبد الدار بن قصي، وعبد قصي بن قصي- درج ولده- وبرة بنت قصي، أمهم جميعا حبى بنت حليل بْن حبشية بْن سلول بْن كعب بْن عمرو بن خزاعة.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه حبى دفعته إلى مناف- وكان أعظم أصنام مكة- تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له:
كانت قريش بيضه فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف

ابن قصي
وقصي اسمه زيد، وإنما قيل له قصي، لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل- واسم سيل، خير- بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جعثمة بن يشكر، من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل، فولدت لكلاب زهرة وزيدا، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شب زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنه بن عبد بن كبير ابن عذرة بن سعد بن زيد، أحد قضاعة، فتزوج- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد،
(2/254)

قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه- فاطمة أم زهرة وقصي- وزهرة رجل قد بلغ، وقصي فطيم أو قريب من ذلك- فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة، من أشراف الشام، فاحتملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى، وهم حن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة، فسمي زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكة، فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي- فيما يزعمون- إلا إلى ربيعة بن حرام، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء- وقد بلغ قصي، وكان رجلا شابا- فأنبه القضاعي بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا! فرجع قصي إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بني أكرم منه نفسا ووالدا، أنت ابن كلاب بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان رجلا جليدا نسيبا، فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى بنت حليل، فعرف حليل النسب ورغب فيه، فزوجه- وحليل يومئذ فيما يزعمون- يلي الكعبة وأمر مكة.
فأما ابن إسحاق، فإنه قال في خبره: فأقام قصي معه- يعني مع حليل- وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا
(2/255)

فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام- وهو ببلاد قومه- يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.
وقال هشام في خبره: قدم قصي على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصي أخاه رزاحا، وله ثلاثة أخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع قصي قومه بنو النضر، فنفوا خزاعة، فتزوج قصي حبى بنت حليل بن حبشية من خزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حليل آخر من ولي البيت، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى، فقالت:
قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غبشان- وهو سليم بن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى- فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود.
فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة.
فبلغنا- والله أعلم- أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تفنيهم، فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم، فسمي مجمعا، وله يقول مطرود- وقيل: إن قائله حذافة ابن غانم:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
(2/256)

وملكه قومه عليهم.
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصي ما طلب.
فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا منى، وقصي مجمع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة، ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيزهم إذا نفروا من منى، إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار- ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي- فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمي معك، فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك، ويقولون: ويلك قم فارم! فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، هذا الحديث، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن الزبير، عن أبيه عباد.
فإذا فرغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منى، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلما كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصي بن
(2/257)

كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.
قال: وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة، وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم، والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعا، وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، إلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه، ليقضي بينهم، فحكموا يعمر بن عوف ابن كعب بْن ليث بْن بكر بْن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانه وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى ابن كلاب وبين الكعبة ومكة، فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء ووضع منها فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصي أول ولد كعب ابن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة أرباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عَلَيْهَا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، قال:
ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب، وما يتشاورون
(2/258)

في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدها لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمنا بأمره ومعرفة بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب- وهو خليفة- حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة، فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره.
قال: فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة، إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه، وذلك لأنه كان يراه دينا في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث ابن شجنة وراثة، وكانت عدوان على ما كانت عليه، وكانت النسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصي دارا بمكة، وهي دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، فلما كبر قصى ورق عظمه- وكان عبد الدار بكره هو، كان أكبر ولده، وكان- فيما يزعمون- ضعيفا، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصي لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من
(2/259)

أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك.
فأعطاه داره، دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة- وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج، حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى من امر قصى ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار، يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
ثم إن قصيا هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه
. ابن كلاب
وأم كلاب- فيما ذكر- هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وله أخوان من ابيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما- فيما قال هشام بن الكلبي- أسماء بنت عدي بن حارثة ابن عمرو بن عامر بن بارق.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمهما هند بنت حارثة البارقية قال: ويقال:
بل يقظة لهند بنت سرير، أم كلاب
(2/260)

ابن مرة
وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل: إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان
. ابن كعب
وأم كعب ماوية- فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي- وماوية بنت كعب ابن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عِمْرَان بن الحاف بن قضاعة، وله أخوان من أبيه وأمه: أحدهما يقال له عامر، والآخر سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم، كان يقال له: عوف، أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان.
ذكر أن الباردة لما مات لؤي بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها، فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض، فتبنى عوفا، وفيه يقول- فيما ذكر- فزارة بن ذبيان:
عرج علي ابن لؤي جملك ... يتركك القوم ولا منزل لك
ولكعب أخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمه، وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة، من خثعم، والآخر سعد ويقال لهم بنانة، وبنانة أمهم، فأهل البادية منهم اليوم- فيما ذكر- في بني أسعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة، وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش
(2/261)

ابن لؤي
وأم لؤي- فيما قال هشام- عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله ص من قريش، وله أخوان من أبيه وأمه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم- والدرم نقصان في الذقن، قيل إنه كان ناقص اللحي- وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤي أحد، وإن آخر من كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسري، فبقي ميراثه، لا يدري من يستحقه.
وقد قيل: إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة ابن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، من خزاعة
. ابن غالب
وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وإخوته من أبيه وأمه: الحارث، ومحارب، وأسد، وعوف، وجون، وذئب، وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح

ابن فهر
وفهر- فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال: هو جماع قريش، قال: وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ- قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق: أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي.
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول- فيما ذكر عنه- أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وقيل: إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق، من الأزد.
وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال:
حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق- في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب
(2/262)

ذي حرث الحميري وكان حسان- فيما قيل- أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نزل بنخلة، فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة، فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة- فيمن قتل من الناس- ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به، فمات بين مكة واليمن.

ابن مالك
وأمه عكرشة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان.
وقيل: إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان، واسمها عاتكة.
وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك أخوان، يقال لأحدهما: يخلد، فدخلت يخلد في بني عمرو بن الحارث ابن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش والآخر منهما يقال له:
الصلت، لم يبق من ذريته أحد.
وقيل: سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة، وبه سميت قريش قريشا، لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش
(2/263)

هذا دليل بني النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدرا، احتفر بدرا، قالوا: فيه سميت البئر التي تدعى بدرا، بدرا.
وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة.
وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشا، لأن النضر بن كنانة خرج يوما على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.
وقيل: إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها، لأنها أعظم دواب البحر قوة.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش- فيما زعموا- التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم- واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، بقول الشاعر:
أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل لهن انتهاء!
وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل: بل لم تزل بنو النضر ابن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب، فقيل لهم: قريش، من أجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب تقرش بنو النضر، أي قد تجمعوا.
وقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرشت عن الغارات.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم، أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى
(2/264)

سميت قريش قريشا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بْن عبد اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ:
لَمَّا نَزَلَ قُصَيٌّ الْحَرَمَ وَغَلَبَ عليه، فَعَلَ أَفْعَالا جَمِيلَةً، فَقِيلَ لَهُ: الْقُرَشِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم، قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر:
وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة، حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
كَانَتْ تِلْكَ النَّارُ تُوقَدُ عَلَى عَهْدِ رسول الله ص وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَهِيَ تُوقَدُ إِلَى الْيَوْمِ
. ابن النضر
النضر قيس، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخه واخوته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمر وسعد وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة- وقيل
(2/265)

فكهة- وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني، وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هندا بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود، فولدت له، فحضن علي بني أخيه، فنسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة: بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله:
لله در بني علي ... أيم منهم وناكح
وكعب بن زهير بقوله:
صدموا عليا يوم بدر صدمة ... دانت علي بعدها لنزار
ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود، فقتله، فوداه أسد بن خزيمة
. ابن كنانة
وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل: إن أمه هند بنت عمرو بن قيس، وإخوته من أبيه أسد وأسدة، يقال إنه أبو جذام والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة، وهي أم النضر بن كنانة، خلف عليها بعد أبيه.

ابن خزيمة
وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأمه هذيل، وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عِمْرَان بن الحاف بن قضاعة.
وقد قيل: إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة

ابن مدركة
واسمه عمرو، وأمه خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل: بها سمي حمى ضرية،
(2/266)

وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر- وهو طابخة- وعمير- وهو قمعة- ويقال:
إنه أبو خزاعة.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق أنه قال: أم بني إلياس خندف، وهي امرأة من أهل اليمن، فغلبت على نسب بنيها، فقيل: بنو خندف.
قال: وكان اسم مدركة عامرا، واسم طابخة عمرا قال: وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيدا، فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟
فقال عمرو: بل أطبخ الصيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو:
أنت طابخة.
وحدثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمي مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة، وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة، وخرجت أمهم تمشي فقال لها: إلياس أين تخندفين؟ فسميت خندف- والخندفة ضرب من المشي- قال: وقال قصي بن كلاب:
أمهتي خندف وإلياس أبي.
قال: وقال إلياس لعمرو ابنه:
إنك قد أدركت ما طلبتا.
ولعامر:
وأنت قد أنضجت ما طبختا.
ولعمير:
وأنت قد اسات وانقمعتا
(2/267)

ابن إلياس
وأمه الرباب بنت حيدة بن معد، واخوه لأبيه وأمه الناس، وهو عيلان، وسمي عيلان- فيما ذكر- لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له: لتغلبن عليك العيلة يا عيلان، فلزمه هذا الاسم.
وقيل: بل سمي عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان.
وقيل: سمي بذلك، لأنه ولد في جبل يسمى عيلان.
وقيل: سمي بذلك لأنه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان.

ابن مضر
وأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأمه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما، وهما ربيعة وأنمار، أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم ابن جلهمة بن عمرو، من جرهم.
وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة اوصى بنيه، وقسم ماله بينهم، فقال: يا بني، هذه القبة- وهي قبة من أدم حمراء- وما أشبهها من مالي لمضر، فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة، فخلف خيلا دهما، فسمي الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد- وكانت شمطاء- فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي فاختلفوا في القسمة، فتوجهوا إلى الأفعى، فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر؟
قال: نعم، قال أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بعيري،
(2/268)

دلوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته! فساروا جميعا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فنادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وصفوا لي صفته ثم قالوا:
لم نره فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره.
وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به وقال:
أنمار: عرفت أنه شرود، لأنه يرعى المكان الملتف نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم: من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم فقال: أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مضر:
لم أر كاليوم خمرا أجود، لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له وقال أنمار: لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا.
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم، وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة، ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد وقيل لربيعة: بم عرفت؟ فذكر كلاما.
فأتاهم الجرهمي، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما اوصاهم
(2/269)

به أبوهم، فقضي بالقبة الحمراء والدنانير والإبل- وهي حمر- لمضر، وقضي بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة، وقضي بالخادم- وكانت شمطاء- وبالخيل البلق لإياد، وقضي بالأرض والدراهم لأنمار
. ابن نزار
وقيل إن نزارا كان يكنى أبا إياد وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمه قنص، وقناصة، وسنام، وحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعبيد الرماح، والعرف، وعوف، وشك، وقضاعة، وبه كان معد يكنى، وعدة درجوا.

ابن معد
وأم معد- فيما زعم هشام- مهدد بنت اللهم- ويقال: اللهم- ابن جلحب بن جديس وقيل: ابن طسم وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.
حدثنا الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني: وإخوته من أبيه وأمه الديث- وقيل: إن الديث هو عك وقيل: ان عكا هو ابن الديث ابن عدنان- وعدن بن عدنان، فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن، وإليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا، وأبين- وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا- وأد بن عدنان درج، والضحاك، والعي، وأم جميعهم أم معد
(2/270)

وقال بعض النسابة: كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن، وترك أخاه معدا، وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضوري، بعث الله عليهم بختنصر عذابا، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معدا، فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة، فوجد معد إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوجوا فيهم، وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم، واستشهدوا في ذلك قول الشاعر:
تركنا الديث أخوتنا وعكا ... إلى سمران فانطلقوا سراعا
وكانوا من بني عدنان حتى ... أضاعوا الأمر بينهم، فضاعا

ابن عدنان
ولعدنان أخوان لأبيه، يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد ص لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان، وأنه على ما بينت من نسبه.
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ، عَنْ نِسْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص: محمد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالب بن فهر بن مالك بن النضر بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ.
ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمِقْدَادِ الزَّمْعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى ابن يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ص، قالت: [سمعت رسول الله ص يقول: معد ابن عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَنْدِ بْنِ يَرَى بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى،] قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
فَزَنْدٌ هُوَ الْهَمَيْسَعُ، وَيَرَى وَهُوَ نَبْتٌ، وَأَعْرَاقُ الثَّرَى هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(2/271)

حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَجْلانِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ، عَنْ جَدَّتِهَا ابْنَةِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ الْبَهْرَانِيِّ، قَالَتْ: [قَالَ رسول الله ص: مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ يَرَى بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ عن سلمة بن الفضل عنه عدنان- فيما يزعم بعض النساب- بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح ابن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.
وبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
قال: وقد انتمى قصي بن كلاب إلى قيذر في شعر.
قال: ويقول بعض النساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول.
وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه- فيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن هشام- قال: أخبرني مخبر عن أبي ولم أسمعه منه، أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال ابن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم ابن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعاء بن حمدان بن سنبر ابن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيفى بن ديشان بن عيصر بن اقناد ابن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
(2/272)

محمد، قال: وكان رجل من أهل تدمر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بني إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علما، فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا، أثبت نسب معد بن عدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية.
قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعر قصي:
فلست لحاضن إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت
قال: أراد نبت بن إسماعيل.
وقال الزبير بن بكار: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكرياء ابن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.
وقال بعضهم: هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن تريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن اسماعيل ابن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير ابن المجشر بن معد مر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن
(2/273)

وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سلمان- وهو سلامان- ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح ابن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن اسحب ابن سعد بن تريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانه ابن العوام بن نبت بن قيدر بن إسماعيل.
وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب، فوجد العدد متفقا، واللفظ مختلفا، وأملى ذلك علي فكتبته عنه، فقال: هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع- وهميسع هو سلمان وهو أمين- ابن هميتع- وهو هميدع وهو الشاجب ابن سلامان- وهو منجر، وهو نبيت سمي بذلك- فيما زعم- لأنه كان منجر العرب، لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي:
تناشدني طي وطي بعيده ... وتذكرني بالود ازمان ينبت
قال: نبيت بن عوص- وهو ثعلبة قال: وإليه تنسب الثعلبية- ابن بورا- وهو بوز وهو عتر العتائر، وأول من سن العتيرة للعرب- ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب- ابن يعمانا- وهو قموال.
وهو بريح الناصب، وكان في عصر سليمان بن داود النبي ص- ابن كسدانا- وهو محلم ذو العين- ابن حرانا- وهو العوام- ابن
(2/274)

بلداسا- وهو المحتمل- ابن بدلانا- وهو يدلاف، وهو رائمه- ابن طهبا- وهو طالب، وهو العيقان- ابن جهمي- وهو جاحم، وهو علة- ابن محشي- وهو تاحش، وهو الشحدود- ابن معجالي- وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار- ابن عقارا- وهو عافي، وهو عبقر أبو الجن، قال: وإليه تنسب جنة عبقر- ابن عاقاري- وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل قال: وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف، ورد كل طريد، واستصلح الناس-- ابن بيداعى- وهو الدعاء، وهو إسماعيل ذو المطابخ، سمي بذلك لأنه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة- ابن ابداعي- وهو عبيد وهو يزن الطعان، وهو أول من قاتل بالرماح، فنسبت إليه- ابن همادي وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسا له، وإليه تنسب الأعوجية من الخيل- ابن بشماني- وهو بشين وهو المطعم في المحل- ابن بثراني- وهو بثرم، وهو الطمح- ابن بحرانى- وهو يحزن، وهو القسور- ابن نلحانى، وهو يلحن، وهو العنود- ابن رعواني- وهو رعوي، وهو الدعدع- ابن عاقاري- وهو عاقر- ابن داسان، وهو الزائد- ابن عاصار- وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان- ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية- ابن قنادي- وهو قنار، وهو إيامة بن ثامار، وهو بهامي، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دوس لأمرين: أما أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا، وذلك أنهم بغوا في الحرم، فقتلهم دوس، وأتبع الذر آثار من بقي منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم- ابن مقصر- وهو مقاصري، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير- ابن سمي- وهو سما، وهو المجشر، وكان- فيما زعم- أعدل ملك ولي وأحسنه سياسة، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:
(2/275)

كن كالمجشر إذ قالت رعيته ... كان المجشر أوفانا بما حملا
ابن مزرا- ويقال مرهر- ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفي، هو اجود ملك رئى على وجه الأرض، وله يقول أمية بن أبي الصلت:
إن الصفي بن النبيت مملكا ... أعلى وأجود من هرقل وقيصرا
ابن جعثم- وهو عرام، وهو النبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل قيذر صاحب ملك، كان أول من ملك من ولد إسماعيل- ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن ابراهيم خليل الرحمن بن تارخ- وهو آزر- ابن ناحور بن ساروع بن ارغوا ابن بالغ- وتفسير بالغ القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام بن نوح ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي ص- ابن يرد- وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه- ابن مهلائيل بن قينان بن انوش ابن شيث- وهو هبه الله ابن آدم ع وكان وصي أبيه بعد مقتل هابيل، فقال: هبة الله من هابيل، فاشتق اسمه من اسمه.
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا، بوجيز من القول مختصر، في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وحدثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش، وإنما حرم الحنث، منذ ولد أبونا شث، وهو بالسريانية شيث.
ونعود الآن إلى:
(2/276)

ذكر رسول الله ص وأسبابه
فتوفي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين، كَذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الله بن أبي بكر: وكان عبد المطلب يوصى برسول الله ص عمه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله ص كانا لأم، فكان أبو طالب هو الذي يلى امر رسول الله ص بعد جده، وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله ص- فيما يزعمون- فرق له أبو طالب، فقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا، أو كما قال فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب- فيما يزعمون- يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك أنه رأى رسول الله ص وهو في صومعته، عليه غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين اظلت الشجرة، وتهصرت اغصان الشجرة على رسول الله ص، حتى استظل تحتها، فلما راى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا، فلما راى بحيرى رسول الله ص جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته.
فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، سال رسول الله ص عن أشياء في حاله، في يقظته وفي نومه، فجعل رسول الله ص يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، فقال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام
(2/277)

أن يكون أبوه حيا قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال:
مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع به الى بلدك، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنه شرا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة.
وقال هشام بن محمد: خرج ابو طالب برسول الله ص إلى بصرى من أرض الشام، وهو ابن تسع سنين.
حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدثنا ابو نوح، قال: حدثنا يونس ابن أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ- وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلا يَلْتَفِتُ.
قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ الله ص، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ قَالَ:
إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ تَبْقَ شَجَرَةٌ وَلا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلا يَسْجُدُونَ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ كَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ.
قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَيْهِ، عَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ! فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ:
فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَلَّا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَقَتَلُوهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِسَبْعَةِ نَفَرٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ،
(2/278)

فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهَا نَاسٌ، وَإِنَّا اخْتِرْنَا خِيرَةَ، بَعْثِنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ لَهُمْ: هَلْ خَلَّفْتُمْ خَلْفَكُمْ أَحَدًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟
قَالُوا: لا، إِنَّمَا اخْتِرْنَا خِيرَةً لِطَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ! قَالُوا: لا، فَتَابَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِلالًا، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، [عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رسول الله ص، يَقُولُ: مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَا أُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِسَالَتِهِ، فَإِنِّي قَدْ قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلامٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ يَرْعَى مَعِي بِأَعْلَى مَكَّةَ: لَوْ أَبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَسْمُرَ بِهَا كَمَا يَسْمُرُ الشَّبَابُ! فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ، سَمِعْتُ عَزْفًا بِالدُّفُوفِ وَالْمَزَامِيرِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فلان ابن فُلانٍ تَزَوَّجَ بِفُلانَةٍ بِنْتِ فُلانٍ.
فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَنِمْتُ فَمَا أَيْقَظَنِي إِلا مَسُّ الشَّمْسِ، قَالَ: فَجِئْتُ صَاحِبِي، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: مَا صَنَعْتُ شَيْئًا، ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ:
أَفْعَلُ، فَخَرَجْتُ فَسَمِعْتُ حِينَ جِئْتُ مَكَّةَ مِثْلَ مَا سَمِعْتُ حِينَ دَخَلْتُ مَكَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ، فضرب الله على اذنى، فو الله مَا أَيْقَظَنِي إِلا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بَعْدَهَا بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِسَالَتِهِ]
(2/279)

ذكر تزويج النبي ص خديجة رضي الله عنها
قال هشام بن محمد: نكح رسول الله ص خديجة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ امْرَأَةً تَاجِرَةً، ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَتْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ مِنْهُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إِلَيْهِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالِهَا إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنَ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ فَقَبِلَهُ منها رسول الله ص، فَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ، حَتَّى قَدِمَا الشَّامَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنَ الرُّهْبَانِ، فَأطْلَعَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ فَقَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ الا نبى، ثم باع رسول الله ص سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ.
فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظَلِّلَانِهِ مِنَ الشَّمْسِ، وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا قدم مكة على خديجه بمالها، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَتْ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ
(2/280)

قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إِظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إِيَّاهُ- وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً لَبِيبَةً شَرِيفَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ- فَلَمَّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا، بَعَثَتْ الى رسول الله ص، فقالت له- فيما يزعمون-: يا بن عم، انى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك فِي قَوْمِكَ، وَأَمَانَتِكَ وَحُسْنِ خُلُقِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ ثُمَّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُنَّ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُنَّ مَالًا، كُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لرسول الله ص ذَكَرَ ذَلِكَ لأَعْمَامِهِ، فَخَرَجَ مَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ ولده كلهم الا ابراهيم: زينب، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، وَالْقَاسِمَ- وَبِهِ كَانَ يكنى ص- وَالطَّاهِرَ وَالطَّيِّبَ فَأَمَّا الْقَاسِمُ وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ، فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَكُلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الإِسْلَامَ فاسلمن، وهاجرن معه ص.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: حدثنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا معمر وغيره، عن ابن شهاب الزهري- وقد قال ذلك غيره من أهل البلد: إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله ص
(2/281)

ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة، وكان الذي زوجها إياه خويلد، وكان التي مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة.
قال الحارث: قال محمد بن سعد: قال الواقدي: فكل هذا غلط.
قال الواقدي: ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي ص تدعوه إلى نفسها- تعني التزويج- وكانت امرأة ذات شرف، وكان كل قريش حريصا على نكاحها- قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل، ونحرت بقرة وخلقته بخلوق، وألبسته حلة حبرة، ثم أرسلت الى رسول الله ص في عمومته، فدخلوا عليه، فزوجه، فلما صحا قال: ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش، فلم أفعل! قال الواقدي: وهذا غلط، والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنْ عَمَّهَا عَمْرَو بن اسد زوجها رسول الله ص، وَأَنَّ أَبَاهَا مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ.
قال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية- فيما ذكر- فجعله مسجدا يصلي فيه الناس، وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله ص كان يجلس تحته يستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب، ودار عدى ابن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة، والحجر ذراع وشبر في ذراع
(2/282)

ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله ص قبل أن ينبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي ص خديجة واختلاف المختلفين في ذلك، ووقت نكاحه ص إياها.
وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله ص هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها- وذلك في قول ابن إسحاق- في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ص.
وكان سبب هدمهم إياها فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة.
وكان أمر غزالي الكعبة- فِيمَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبيه- أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح، فأمر الله إبراهيم خليله ع وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزل في القرآن: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح ع، وهو مرفوع ثم أمر الله عز وجل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت، لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد ص، فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح، ومكة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح اسماعيل ع امراه من
(2/283)

جرهم، فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض:
وصاهرنا من أكرم الناس والدا ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت، وأمه الجرهمية، ثم مات نبت، ولم يكثر ولد إسماعيل، فغلبت جرهم على ولاية البيت، فقال عمرو بن الحارث بن مضاض:
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت، والخير ظاهر
فكان أول من ولي من جرهم البيت مضاض، ثم وليته بعده بنوه كابرا بعد كابر، حتى بغت جرهم بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا من دخل مكة، ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبه فزنى فزعموا أن إسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة، فمسخا حجرين، وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة، وتسمى بكة، تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها، والجبابرة.
قال: ولما لم تتناه جرهم عن بغيها، وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو، فأوطنوا تهامة- فسميت خزاعة، وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة- وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي، ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض، فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة، وهو يقول:
(2/284)

لا هم ان جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك
بهم قديما عمرت بلادك.
فلم تقبل توبته، فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم، ثم دفنها وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتي فذهب بهم، فذلك قول أمية بن أبي الصلت:
وجرهم دمنوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم
وولي البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني، وهو يقول:
ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وملحد
وقال:
واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه
وقال عامر بن الحارث:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالى والجدود العواثر
وقال:
يا ايها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر، فأنتم كما كنا تكونونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
يقول: اعملوا لآخرتكم، وافرغوا من حوائجكم في الدنيا، فوليت خزاعة البيت، غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالحج للناس من
(2/285)

عرفة، وكان ذلك إلى الغوث بن مر- وهو صوفة- فكانت إذا كانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى، فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان، فكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش ابن زيد، والثالثة النسيء للشهور الحرم، فكان ذلك إلى القلمس، وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بني مالك بن كنانة، ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة، وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة.
وقام عليه الإسلام، وقد عادت الحرم إلى أصلها، فأحكمها الله وأبطل النسيء، فلما كثرت معد تفرقت، فذلك قول مهلهل:
غنيت دارنا تهامة في الدهر ... وفيها بنو معد حلولا.
وأما قريش، فلم يفارقوا مكة، فلما حفر عبد المطلب زمزم، وجد الغزالين، غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه، فاستخرجهما، وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو، من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم، وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وابو إهاب ابن عزيز بن قيس بن سويد التميمي- وكان أخا الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مناف لأمه- وأبو لهب بن عبد المطلب، وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بني مليح، فلما اتهمتهم قريش، دلوا على دويك، فقطع، ويقال: هم وضعوه عنده
(2/286)

وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف، خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب، فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين، بما استحل من حرمة الكعبة، فزعموا أنهم أخرجوه من مكة، فكان فيما حولها عشر سنين، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزالت وكشت وفتحت فاها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرا، فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله أمر الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول الله ص عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة، حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن أبي نجيح المكي، أنه حدث عن عَبْد اللَّهِ بن صفوان بن أُمَيَّة بن
(2/287)

خلف، أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل له: هذا ابن لجعدة ابن هبيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جد هذا- يعني أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد.
وأبو وهب خال أبي رسول الله ص، وكان شريفا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش، ضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم، وكان شق الحجر- وهو الحطيم- لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، وبني عدي بن كعب.
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا
(2/288)

أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس به تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا هدمنا.
فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم والناس معه، حتى انتهى الهدم إلى الأساس، فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عَنْ بَعْضِ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا، لِيَقْلَعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ انْتَقَضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الأَسَاسِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، جَعَلَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَّتِهَا، ثُمَّ بَنَوْا حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الأُخْرَى، حَتَّى تَحَاوَزُوا وَتَحَالَفُوا وَتَوَاعَدُوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هم
(2/289)

وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا ايديهم في ذلك الدم في الْجَفْنَةِ، فَسَمُّوا لَعَقَةَ الدَّمِ بِذَلِكَ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ أَرْبَعَ لَيَالٍ- أَوْ خَمْسَ لَيَالٍ- عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا، فزعم بعض الرواه ان أبا اميه ابن الْمُغِيرَةِ كَانَ عَامَئِذٍ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ، يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دخل عليهم رسول الله ص، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الأَمِينُ، قَدْ رَضِينَا بِهِ، هَذَا مُحَمَّدٌ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ: هَلُمَّ لِي ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرُّكْنَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قريش تسمى رسول الله ص قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ الأَمِينَ.
قال أبو جعفر: وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة.
واختلف السلف في سن رسول الله ص حين نبى كم كانت؟ فقال بعضهم: نبئ رسول الله ص بعد ما بنت قريش الكعبة بخمس سنين، وبعد ما تمت له من مولده أربعون سنة.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ص لأربعين سنه
(2/290)

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ.
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ص بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ.
حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالك، ان رسول الله ص بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ.
حَدَّثَنِي أَبُو شُرَحْبِيلَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ص وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بُعِثَ رسول الله ص وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، [أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لِفَاطِمَةَ: إِنَّهُ كَانَ يُعْرَضُ عَلَيَّ الْقُرْآنُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ قَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ، وَأَنَّ أَوَّلَ أَهْلِي لِحَاقًا بِي أَنْتِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إِلا بُعِثَ الَّذِي بَعْدَهُ بِنِصْفٍ مِنْ عُمُرِهِ، وَبُعِثَ عِيسَى لأَرْبَعِينَ، وَبُعِثْتُ لِعِشْرِينَ]
(2/291)

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ص لأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نُبِّئَ حِينَ نُبِّئَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى النبي ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: أُنْزِلَ على رسول الله ص الْوَحْيُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حدثنا يحيى ابن سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا- يَعْنِي ابْنَ الْمُسَيِّبِ- يقول: انزل على رسول الله ص الْوَحْيُ، وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً
(2/292)

ذكر اليوم الذى نبى فيه رسول الله ص من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: صَحَّ الْخَبَرُ عن رسول الله ص بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: حدثنا شعبة، عن غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيَّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، [ان رسول الله ص سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ:
ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ- أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ] .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بن مُوسَى الأشيب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ جَرِيرٍ الْمِعْوَلِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ عُمَرَ رَحِمَهُ الله انه [قال للنبي ص: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، صَوْمُ يَوْمِ الاثْنَيْنِ؟ قَالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ] .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
وُلِدَ النَّبِيُّ ص يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِمَّا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الأَثَانِينِ كَانَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ الله ص لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ.
ذِكْرُ مَنْ قال ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن أيوب، عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
(2/293)

الجرمي، أنه كان يقول- فيما بلغه وانتهى إليه من العلم: أنزل الفرقان على رسول الله ص لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت مِنْهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق،: حدثني من لا يتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بن دعامة السدوسي، عن أبي الجلد، قال: نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله عز وجل: «وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ، وذلك ملتقى رسول الله ص والمشركين ببدر، وان التقاء رسول الله ص والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان.
قال أبو جعفر: وكان رسول الله ص من قبل ان يظهر له جبريل ع برسالة الله عز وجل إليه- فيما ذكر عنه- يرى ويعاين آثارا وأسبابا من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله، فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغل والدنس، وهو عند أمه من
(2/294)

الرضاعة حليمة، ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر- فيما ذكر- عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد بن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ بَرَّةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ، قَالَتْ:
إِنَّ رَسُولَ الله ص حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَابْتِدَاءَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى لا يَرَى بَيْتًا، وَيُفْضِي إِلَى الشِّعَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، فَلا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلا شَجَرَةٍ إِلا قَالَتِ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَانَ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ فَلا يَرَى أَحَدًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَتِ الأُمَمُ تَتَحَدَّثُ بِمَبْعَثِهِ وَتُخْبِرُ عُلَمَاءُ كُلِّ أُمَّةِ مِنْهَا قَوْمَهَا بِذَلِكَ، وَقَدْ حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحَكَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: أَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ المطلب ولا أراني ادركه، وانا أومن بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ فَرَأَيْتَهُ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لا يَخْفَى عَلَيْكَ! قُلْتُ: هَلُمَّ، قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ، وَلا بِكَثِيرِ الشَّعْرِ وَلا بِقَلِيلِهِ، وَلَيْسَتْ تُفَارِقُ عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ، حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ، فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، فَكُلُّ مَنْ أَسْأَلُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُونَ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ، وَيَنْعِتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرَهُ
(2/295)

قَالَ عَامِرٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص قول زيد ابن عَمْرٍو وَأَقْرَأْتُهُ مِنْهُ السَّلامَ، [فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ص، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولا] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي النَّاسِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله ص، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، يُرِيدُ عُمَرَ- يَعْنِي ابْنَ الْخَطَّابِ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَعَلَى شِرْكِهِ بَعْدَ، مَا فَارَقَهُ- أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ أَسْلَمْتَ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدِ اسْتَقْبَلْتَنِي بِأَمْرٍ مَا أَرَاكَ قُلْتَهُ لأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُنْذُ وُلِّيتَ! فَقَالَ عُمَرُ:
اللَّهُمَّ غُفْرًا، قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى شَرٍّ مِنْ ذَلِكَ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الأَوْثَانَ حَتَّى أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ فَقَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: فَأَخْبِرْنَا مَا أَعْجَبُ مَا جَاءَكَ بِهِ صَاحِبُكَ قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الإِسْلامِ بِشَهْرٍ- أَوْ سَنَةٍ- فَقَالَ لِي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْجِنِّ وَإِبْلاسِهَا، وَإِيَاسِهَا مِنْ دِينِهَا، وَلُحُوقِهَا بِالْقِلاصِ وَأَحْلاسِهَا!.
قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُ النَّاسُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ عِجْلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه، إِذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الإِسْلامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ، يَقُولُ: يَا آلَ ذريح،
(2/296)

أَمْرٌ نَجِيحٌ، وَرَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ صَنَمٍ بِبُوَانَةَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ الله ص بِشَهْرٍ، نَحَرْنَا جَزُورًا، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفٍ وَاحِدَةٍ:
اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبِ! ذَهَبَ اسْتِرَاقُ الْوَحْيِ، وَنُرْمَى بِالشُّهُبِ لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، مُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبَ قَالَ: فَأَمْسَكْنَا، وَعَجِبْنَا، وَخَرَجَ رسول الله ص.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلا من بنى عامر اتى النبي ص، فَقَالَ: أَرِنِي الْخَاتِمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَإِنْ يَكُ بِكَ طِبٌّ دَاوَيْتُكَ، فَإِنِّي أَطَبُّ الْعَرَبِ، [قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟
قَالَ: نَعَمْ، ادْعُ ذَاكَ الْعِذْقَ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى عِذْقٍ فِي نَخْلَةٍ، فَدَعَاهُ فَجَعَلَ يُنْقِزُ، حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: قُلْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ، فَرَجَعَ، فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: يَا بَنِي عَامِرٍ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَسْحَرَ!] قال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته ص أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله.
ونرجع الآن إلى:
(2/297)

ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله ص عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل ع إليه بوحيه
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدا ص بالوحي من الله، وكم كان سن النبي ص يومئذ، ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربه.
فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْجَوْزَاءِ، قَالَ: حدثنا وهب ابن جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا ابتدئ به رسول الله ص مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، فَكَانَ بغار بحراء يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ، [فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ الله ص: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وَأَنَا قَائِمٌ، ثُمَّ زَحَفْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي! حَتَّى ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ مِنْ جَبَلٍ، فَتَبَدَّى لِي حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَتَّنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» ، فَقَرَأْتُ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نفسي، فأخبرتها خبري، فقالت: ابشر، فو الله لا يخزيك الله ابدا، وو الله انك لتصل
(2/298)

الرحيم، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِي إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَتِ: اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعٌ! لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ! قُلْتُ: أَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال: نعم، انه لم يجيء رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرُكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَيَّ مِنَ الْقُرْآنِ بعد اقْرَأْ: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ.
مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ» ، و «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ» و «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» .
] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الْقُرْآنِ.
إِلَى آخِرِهِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: [اتى جبريل محمدا ص، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ؟ فَقَالَ: مَا أَقْرَأُ؟
قَالَ: فَضَمَّهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَضَمَّهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ، قَالَ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» حَتَّى بَلَغَ «عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» ، قَالَ:
فَجَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ، مَا أَرَانِي إِلا قَدْ عُرِضَ لِي، قَالَتْ:
كلا وَاللَّهِ مَا كَانَ رَبُّكَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ،] مَا أَتَيْتَ فَاحِشَةً قَطُّ قَالَ: فَأَتَتْ
(2/299)

خَدِيجَةُ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ صَادِقَةً، إِنَّ زَوْجَكِ لَنَبِيٌّ، وَلَيَلْقَيَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ شِدَّةً، وَلَئِنْ أَدْرَكْتُهُ لأُومِنَنَّ بِهِ.
قَالَ: ثُمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلا قَدْ قَلاكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثِيِّ: حَدِّثْنَا يَا عُبَيْدُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ص من النبوه حين جاء جبريل ع؟ فَقَالَ عُبَيْدٌ- وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنَ النَّاسِ: كَانَ رسول الله ص يجاور في حراء من كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- وَالتَّحَنُّثُ: التَّبَرُّرُ- وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَرَاقٍ لَيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلٌ.
فكان رسول الله ص يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشَّهْرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ص جِوَارَهُ مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ- الْكَعْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، مِنَ السَّنَةِ الَّتِي بَعَثَهُ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ الله ص إِلَى حِرَاءٍ- كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ- مَعَهُ أَهْلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرُحِمَ الْعِبَادُ بِهَا، جَاءَهُ جبريل بأمر الله [فقال رسول الله ص
(2/300)

، فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ، فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ:
اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ فَغَتَّنِي، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ:
اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَاذَا أَقْرَأُ؟ وَمَا أَقُولُ ذَلِكَ إِلا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ إِلَيَّ بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي، قَالَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» إِلَى قَوْلِهِ: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» ، قَالَ: فَقَرَأْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَى، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، وَكَأَنَّمَا كُتِبَ فِي قَلْبِي كِتَابًا] .
[قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، كُنْتُ لا أُطِيقُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِمَا، قَالَ: قُلْتُ إِنَّ الأَبْعَدَ- يَعْنِي نَفْسَهُ- لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، لا تُحَدِّثُ بِهَا عَنِّي قُرَيْشٌ أَبَدًا! لأَعْمَدَنَّ إِلَى حَالِقٍ مِنَ الْجَبَلِ فَلأَطْرَحَنَّ نَفْسِي مِنْهُ فَلأَقْتُلَنَّهَا فَلأَسْتَرِيحَنَّ قَالَ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنَ الْجَبَلِ، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، قَالَ:
فرفعت راسى الى السماء، فإذا جبرئيل فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وانا جبرئيل قَالَ: فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَشَغَلَنِي ذَلِكَ عَمَّا أَرَدْتُ، فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ، وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَلا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إِلا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي، وَلا أَرْجِعُ وَرَائِي، حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، حَتَّى بَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيْهَا وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِي، حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا فَقَالَتْ:
يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَيْنَ كنت؟ فو الله لَقَدْ بَعَثْتُ رُسُلِي فِي طَلَبِكَ، حَتَّى بَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيَّ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنَّ الأَبْعَدَ لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، فَقَالَتْ:
(2/301)

أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا كَانَ اللَّهُ لِيَصْنَعَ ذَلِكَ بِكَ مَعَ مَا أَعْلَمُ مِنْكَ مِنْ صِدْقِ حَدِيثِكَ، وَعِظَمِ أَمَانَتِكَ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ، وَصِلَةِ رَحِمِكَ! وَمَا ذَاكَ يا بن عَمٍّ! لَعَلَّكَ رَأَيْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: نَعَمْ ثُمَّ حَدَّثْتُهَا بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يا بن عم واثبت،] فو الذى نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ، ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصَّرَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ- فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ رَسُولُ الله ص أَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ! وَالَّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ، لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتِنِي يَا خَدِيجَةُ، لَقَدْ جَاءَهُ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ- يَعْنِي بالناموس جبرئيل ع الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى- وَإِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقُولِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إِلَى رسول الله ص، فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ وَرَقَةَ، فَسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْهَمِّ، فَلَمَّا قَضَى رسول الله ص جِوَارَهُ، وَانْصَرَفَ صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، وَبَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بِهَا فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أَخِي، أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ، فَأَخْبَرَهُ رسول الله ص، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى مُوسَى، وَلَتُكَذِّبُنَّهُ وَلَتُؤْذِيَنَّهُ، وَلَتُخْرِجُنَّهُ، وَلَتُقَاتِلُنَّهُ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ فَقَبَّلَ يَافُوخَهُ، ثم انصرف رسول الله ص، إِلَى مَنْزِلِهِ.
وَقَدْ زَادَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ ثَبَاتًا، وَخَفَّفَ عَنْهُ بَعْضَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْهَمِّ.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ
(2/302)

خديجه انها قالت لرسول الله ص فِيمَا يُثَبِّتُهُ فِيمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نبوته: يا بن عَمِّ، أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِذَا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل ع كما كان يأتيه، [فقال رسول الله ص لخديجة: يا خديجه هذا جبرئيل قد جاءني، فقالت: نعم، فقم يا بن عَمٍّ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، فَقَامَ رَسُولُ الله ص فَجَلَسَ عَلَيْهَا، قَالَتْ:
هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، فَتَحَوَّلَ رسول الله ص فَجَلَسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، فَتَحَوَّلَ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا، قَالَتْ:
هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فتحسرت، فالقت خمارها ورسول الله ص جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قال: لا، فقالت:
يا بن عم، اثبت وابشر، فو الله إِنَّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ] .
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ أُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ تُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ، إِلا أَنِّي قَدْ سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَدْخَلَتْ رسول الله ص بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول الله ص: إِنَّ هَذَا لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ- قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ:
أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلَ؟ فقال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» ، فقلت: يقولون:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ! فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله: اى القرآن انزل أول؟ فقال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» ، فَقُلْتُ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» ، فَقَالَ: لا أُخْبِرُكَ إِلا مَا حَدَّثَنَا النَّبِيُّ ص، [قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ،
(2/303)

فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَخَلْفِي وَقُدَّامِي، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَخَشِيتُ مِنْهُ- قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: هَكَذَا قال عثمان بن عمر، وانما هو فجئثت مِنْهُ فَلَقِيتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا على ماء، وانزل على:
«يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ] » .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَوَّلِ ما نزل من القرآن، قال: نزلت: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أَوَّلَ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» ، فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لا أُحَدِّثُكَ إِلا مَا [حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص، قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً، قَالَ: فدثرونى وصبوا على ماء باردا، فنزلت:
«يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ] » .
وَحَدَّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: اتى جبريل رسول الله ص أَوَّلَ مَا أَتَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَلَيْلَةَ الأَحَدِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ، وَعَلَّمَهُ الصَّلاةَ، وَعَلَّمَهُ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» ، وكان لرسول الله ص يَوْمَ الاثْنَيْنِ، يَوْمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ، أَرْبَعُونَ سَنَةً.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ
(2/304)

عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ [قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ أَوَّلَ مَا عَلِمْتَ، حَتَّى عَلِمْتَ ذَلِكَ وَاسْتَيْقَنْتَ؟ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الأَرْضِ وَالآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُوَ، قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ، فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ فَرَجَحْتُهُمْ، فَجَعَلُوا يَنْتَثِرُونَ عَلَيَّ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ:
لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ رَجَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: شُقَّ بَطْنَهُ، فَشَقَّ بَطْنِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَخْرِجْ قَلْبَهُ- أَوْ قَالَ: شُقَّ قَلْبَهُ- فَشَقَّ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّمِ، فَطَرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الإِنَاءِ، وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الإِنَاءِ- أَوِ اغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلاءَةِ- ثُمَّ دَعَا بِالسِّكِّينَةِ، كَأَنَّهَا وَجْهُ هِرَّةٍ بَيْضَاءَ فَأُدْخِلَتْ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْ بَطْنَهُ، فَخَاطَا بَطْنِي، وَجَعَلا الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ وَلَّيَا عَنِّي فَكَأَنَّمَا أُعَايِنُ الأَمْرَ مُعَايَنَةً] .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَتْرَةً، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، جَعَلَ يَغْدُو إِلَى رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا، فَكُلَّمَا أَوْفَى بذروه جبل تبدى له جبرئيل، فَيَقُولُ: إِنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَيَسْكُنَ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وترجع اليه نفسه، فكان النبي ص يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكَ، [قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي يَوْمًا، إِذْ رَأَيْتُ الْمَلَكَ الَّذِي كَانَ يَأْتِينِي بِحِرَاءٍ، عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَزَمَّلْنَاهُ- أَيْ دَثَّرْنَاهُ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(2/305)

«يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» حَتَّى بَلَغَ «ما لَمْ يَعْلَمْ] » .
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قال: [قال رسول الله ص وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، وَجِئْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي! فدثرونى، فانزل الله عز وجل: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» إِلَى قَوْلِهِ: «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ص أَنْ يَقُومَ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَعِبَادَتِهِمُ الآلِهَةَ وَالأَصْنَامَ دُونَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» ، وَذَلِكَ- فِيمَا زَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ- النُّبُوَّةُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق:
«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» ، أَيْ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثِ، اذْكُرْهَا وَادْعُ إِلَيْهَا قال: فجعل رسول الله ص يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِبَادِ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ اليه من
(2/306)

أَهْلِهِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ واتبعه من خلق الله- فيما ذكر- زوجته خَدِيجَةُ رَحِمَهَا اللَّهُ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ الواقدي: أَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ الله ص خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَحِمَهَا اللَّهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الأَوْثَانِ وَالأَصْنَامِ وَخَلْعِ الأَنْدَادِ الصَّلاةَ- فِيمَا ذُكِرَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ: وحدثني بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصلاة حين افترضت على رسول الله ص، أتاه جبرئيل وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي ناحيه الوادى، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبرئيل ع، ورسول الله ص يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ توضأ رسول الله ص كما راى جبرئيل ع توضأ، ثم قام جبرئيل ع، فصلى به وصلى النبي ص بصلاته ثم انصرف جبرئيل ع، فجاء رسول الله ص خَدِيجَةَ، فَتَوَضَّأَ لَهَا يُرِيهَا كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلَاةِ، كما أراه جبرئيل ع، فتوضأت كما توضأ رسول الله ص، ثم صلى بها رسول الله ص كما صلى به جبرئيل ع، فَصَلَّتْ بِصَلَاتِهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَحَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ،
(2/307)

عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ حين نبى النبي ص، وَكَانَ يَنَامُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَنَامُ حولها، فأتاه ملكان: جبرئيل وَمِيكَائِيلُ، فَقَالا:
بِأَيِّهِمْ أُمِرْنَا؟ فَقَالا: أُمِرْنَا بِسَيِّدِهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَا ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْقِبْلَةِ، وَهُمْ ثَلاثَةٌ، فَأَلْفَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَلَّبُوهُ لِظَهْرِهِ، وَشَقُّوا بَطْنَهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِمَاءٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَغَسَلُوا مَا كَانَ فِي بَطْنِهِ مِنْ شَكٍّ أَوْ شِرْكٍ أَوْ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ ضَلالَةٍ، ثُمَّ جاءوا بطست من ذهب، مليء إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَمُلِئَ بَطْنُهُ وَجَوْفُهُ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جبرئيل، فقالوا:
من هذا؟ فقال: جبرئيل، فَقَالُوا: مَنْ مَعَكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالُوا:
وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا، فَدَعَوْا لَهُ فِي دُعَائِهِمْ، فَلَمَّا دَخَلَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ جسيم وسيم، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، ثُمَّ أَتَوْا بِهِ الى السماء الثانيه، فاستفتح جبرئيل، فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالُوا فِي السَّمَوَاتِ كُلِّهَا كَمَا قَالَ وَقِيلَ لَهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا دَخَلَ، إِذَا بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ هؤلاء يا جبرئيل؟ فَقَالَ: يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَا الْخَالَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ إِذَا هُوَ برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ، فُضِّلَ بِالْحُسْنِ عَلَى النَّاسِ، كَمَا فُضِّلَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى الْكَوَاكِبِ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَإِذَا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ قَرَأَ: «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَإِذَا هُوَ برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قَالَ: هَذَا هَارُونُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يا جبرئيل؟ فَقَالَ: هَذَا موسى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا يا جبرئيل؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، بِجَنْبَتَيْهِ قِبَابُ الدُّرِّ، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فَقَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي
(2/308)

أعطاك ربك، وهذه مساكنك، قال: وأخذ جبرئيل بِيَدِهِ مِنْ تُرْبَتِهِ، فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ سِدْرَةُ نَبْقٍ أَعْظَمُهَا أَمْثَالُ الْجِرَارِ، وَأَصْغَرُهَا أَمْثَالُ الْبَيْضِ، فَدَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ: «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» ، فَجَعَلَ يَتَغَشَّى السِّدْرَةَ مِنْ دُنُوِّ رَبِّهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَمْثَالُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ أَلْوَانٌ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ، وَفَهَّمَهُ وَعَلَّمَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً، فَمَرَّ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ فَقَالَ: خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الأُمَمِ قُوَّةً، وَأَقَلُّهَا عُمْرًا، وَذَكَرَ مَا لَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ مَرَّ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، كَذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ: لَسْتُ بِرَاجِعٍ، غَيْرَ عَاصِيكَ، وَقَذَفَ فِي قَلْبِهِ أَلا يَرْجِعَ، [فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لا يُبَدَّلُ كَلامِي، وَلا يُرَدُّ قَضَائِي وَفَرْضِي،] وَخَفَّفَ عَنْ أُمَّتِي الصَّلاةَ لِعُشْرٍ قَالَ أَنَسٌ: وَمَا وَجَدْتُ رِيحًا قَطُّ وَلا رِيحَ عَرُوسٍ قَطُّ، أَطْيَبَ رِيحًا مِنْ جِلْدِ رَسُولِ الله ص، أَلْزَقْتُ جِلْدِي بِجِلْدِهِ وَشَمَمْتُهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ص وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَصَلَّى مَعَهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كان أول ذكر آمن برسول الله ص وَصَلَّى مَعَهُ وَصَدَّقَهُ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ الله على بن ابى طالب ع
(2/309)

ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بَلْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلِيٌّ.
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَحْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ جَابِرٍ، قال:
بعث النبي ص يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلنَّخَعِيِّ، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حَمْزَةَ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص على بن ابى طالب ع.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا حمزه جلا مِنَ الأَنْصَارِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، يَقُولُ: أَوَّلُ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص على ع.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلاءُ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
[سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَنَا عبد الله وأخو رسوله، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الأَكْبَرُ، لا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ]
(2/310)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ أَسَدِ بْنِ عَبْدَةَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَفِيفٍ، عَنْ عَفِيفٍ، قَالَ: جِئْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلْتُ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّقَتْ فِي السَّمَاءِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَقْبَلَ شَابٌّ، فَرَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، فَقَامَ مُسْتَقْبِلَهَا، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى جَاءَ غُلامٌ، فَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَامَتْ خَلْفَهُمَا، فَرَكَعَ الشَّابُّ، فَرَكَعَ الْغُلامُ وَالْمَرْأَةُ، فَرَفَعَ الشَّابُّ فَرَفَعَ الْغُلامُ وَالْمَرْأَةُ، فَخَرَّ الشَّابُّ سَاجِدًا فَسَجَدَا مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ، أَمْرٌ عَظِيمٌ! فَقَالَ: أَمْرٌ عَظِيمٌ! أَتَدْرِي مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا، قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ أَخِي أَتَدْرِي مَنْ هَذَا مَعَهُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: هَذَا عَلِيُّ بن ابى طالب ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ أَخِي أَتَدْرِي مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي خَلْفَهُمَا؟ قُلْتُ:
لا، قَالَ: هَذِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، زَوْجَةُ ابْنِ أَخِي، وَهَذَا حَدَّثَنِي أَنَّ رَبَّكَ رَبُّ السَّمَاءِ، أَمَرَهُمْ بِهَذَا الَّذِي تَرَاهُمْ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ كُلِّهَا أَحَدًا عَلَى هَذَا الدِّينِ غَيْرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الأَشْعَثِ الْكِنْدِيُّ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَفِيفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده، قال:
كنت امرا تَاجِرًا، فَقَدِمْتُ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَامَ تِجَاهَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ مَعَهُ تُصَلِّي، وَخَرَجَ غُلامٌ فَقَامَ يُصَلِّي مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ، مَا هَذَا الدِّينُ؟ إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِهِ، وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلامُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، آمَنَ بِهِ.
قَالَ عَفِيفٌ: فَلَيْتَنِي كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا!
(2/311)

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ وَعَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الأَشْعَثِ- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَنْ كِتَابِي عَنْ يَحْيَى بْنِ الأَشْعَثِ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَفِيفٍ الْكِنْدِيِّ- وَكَانَ عَفِيفٌ، أَخَا الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ لأُمِّهِ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده عفيف، قال: كان العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِي صَدِيقًا، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْيَمَنِ، يَشْتَرِي الْعِطْرَ فَيَبِيعُهُ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِمِنًى، فأتاه رَجُلٌ مُجْتَمِعٌ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَتَوَضَّأَتْ وَقَامَتْ تُصَلِّي ثُمَّ خَرَجَ غُلامٌ قَدْ رَاهَقَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا عَبَّاسُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولا، وَهَذَا ابْنُ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ تَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ ابْنَةُ خُوَيْلِدٍ، قَدْ تَابَعَتْهُ عَلَى دِينِهِ قَالَ عَفِيفٌ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ وَرَسَخَ الإِسْلامُ فِي قَلْبِهِ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ رَابِعًا! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ سَوَادَةَ بْنِ الْجَعْدِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ، وَالْكَلْبِيُّ، قَالُوا: عَلِيٌّ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
كان أول ذكر آمن برسول الله ص، وَصَلَّى مَعَهُ وَصَدَّقَهُ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ به على على بن ابى طالب ع، انه كان في حجر رسول الله ص قبل الاسلام
(2/312)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ وَأَرَادَهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ- وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا عَبَّاسُ، إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هذه الازمه، فانطلق بنا فلنخفف عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلا، وَتَأْخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلا، فَنَكْفِهِمَا عَنْهُ قَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنِ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فَأَخَذَ رَسُولُ الله ص عَلِيًّا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مع رسول الله ص حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رسول الله ص كَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، خَرَجَ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَجَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَواتِ فِيهَا، فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا، فَمَكَثَا كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ص: يا بن أَخِي، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَرَاكَ تَدِينُ بِهِ؟ [قال: أَيْ عَمِّ، هَذَا دِينُ اللَّهِ وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ وَدِينُ رُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ- أَوْ كَمَا قَالَ- بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولًا إِلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ يَا عَمُّ أَحَقُّ مَنْ بَذَلْتُ لَهُ النَّصِيحَةَ، وَدَعَوْتُهُ إِلَى الْهُدَى، وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي إِلَيْهِ، وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ- أَوْ كَمَا قال] فقال ابو طالب:
يا بن أَخِي، إِنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينِي وَدِينَ آبَائِي وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لا يَخْلُصُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا حَيِيتُ
(2/313)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَيْ بُنَيَّ، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ [قَالَ: يَا أَبَهْ، آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصَدَّقْتُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ لِلَّهِ] فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لا يَدْعُوكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، فَالْزَمْهُ.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قال:
أسلم علي وهو ابن عشر سنين.
قَالَ الْحَارِثُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ: واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله ص بسنة، فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة.
وقال آخرون: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَوَّلُ النَّاسِ
إِسْلامًا؟
فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ:
إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلا
الثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلا
(2/314)

وحدثني سَعِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ واضح، قال: حدثنا الهيثم ابن عَدِيٍّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عبسه قال:
اتيت رسول الله ص وَهُوَ نَازِلٌ بِعُكَاظٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ [قَالَ: اتَّبَعَنِي عَلَيْهِ رَجُلانِ، حُرٌّ وَعَبْدٌ:
أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ،] قَالَ: فَأَسْلَمْتُ عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي إذ ذاك رُبْعَ الإِسْلامِ.
حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُ عَبْسَةَ كِلاهُمَا يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبْعَ الإِسْلامِ، وَلَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي إِلا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ، كِلاهُمَا لا يَدْرِي مَتَّى أَسْلَمَ الآخَرُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قال: قال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من اسلم
(2/315)

وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا كِنَانَةُ بْنُ جَبَلَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَكُمْ إِسْلَامًا؟
فَقَالَ: لا، وَلَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ، وَلَكِنْ كَانَ أَفْضَلَنَا إِسْلَامًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ آمن واتبع النبي ص مِنَ الرِّجَالِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ ذِكْرُ من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال الواقدي:
حدثني ابن أبي ذئب، قال: سألت الزهري: من أول من أسلم؟
قال: من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن ابى الأسود، عن سليمان ابن يسار، قال: أول من أسلم زيد بن حارثة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد- يعني ابن عمر- قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس مثله.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدثنا عبد الملك ابن مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ ما حدثنا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْهُ: ثُمَّ أَسْلَمَ زَيْدُ بن حارثة مولى رسول الله ص فكان
(2/316)

أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلَّى بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَظْهَرَ إِسْلامَهُ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رَسُولِهِ قال: وكان ابو بكر رجلا مألفا لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِهَا، وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَكَانَ رَجُلا تَاجِرًا ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرِ، لِعِلْمِهِ وَتَجَارِبِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ- فِيمَا بَلَغَنِي- عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ، فَأَسْلَمُوا وَصَلُّوا، فَكَانَ هَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةُ، النَّفَرَ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الإِسْلامِ، فَصَلُّوا وصدقوا برسول الله ص وَآمَنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ، حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الإِسْلامِ بِمَكَّةَ وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ.
وَقَالَ الواقدي فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ: اجْتَمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ اهل القبله استجاب لرسول الله ص خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، ثُمَّ اخْتُلِفَ عِنْدَنَا فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ: فِي أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، أَيُّهُمْ أَسْلَمَ أَوَّلَ.
قَالَ: وَقَالَ الواقدي: أَسْلَمَ مَعَهُمْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ أَبُو ذَرٍّ، قَالُوا: رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ السُّلَمِيُّ، فَيُقَالُ: رَابِعًا أَوْ خَامِسًا قَالَ: فَإِنَّمَا اخْتُلِفَ عِنْدَنَا فِي هَؤُلاءِ النَّفَرِ أَيُّهُمْ أَسْلَمَ أَوَّلَ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ قَالَ: فَيُخْتَلَفُ فِي الثَّلاثَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَفِي هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَتَبْنَا بَعْدَهُمْ
(2/317)

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: كَانَ إِسْلامُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، كَانَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا.
وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ العاص وامراته امينه بِنْتَ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، مِنْ خُزَاعَةَ، أَسْلَمَا بَعْدَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ غَيْرَ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الإِسْلامِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجل امر نبيه محمدا ص بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِثَلاثِ سِنِينَ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُبَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ:
«فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ- فِي السِّنِينَ الثَّلاثِ مِنْ مَبْعَثِهِ، إِلَى أَنْ أُمِرَ بِإِظْهَارِ الدُّعَاءِ إِلَى الله- مستسرا مخفيا امره ص، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ» ، قال: وكان اصحاب رسول الله ص إِذَا صَلَّوْا ذَهَبُوا إِلَى الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوْا مِنْ قَوْمِهِمْ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نفر من اصحاب النبي ص فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ إِذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَنَاكَرُوهُمْ وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ، حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُهْرِيقَ فِي الإِسْلامِ.
فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
(2/318)

[صعد رسول الله ص ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ! فَاجْتَمَعَتْ اليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: ارايت إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمْسِيكُمْ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي! قَالُوا: بَلَى، قَالَ:
فَإِنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد] فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ! أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا- أَوْ جَمَعْتَنَا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، [قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ، خرج رسول الله ص حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ! فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟
قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: يَا بَنِي فُلانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يدي عذاب شديد] فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ! مَا جَمَعْتَنَا إِلا لِهَذَا! ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بن عمرو، عن عبد الله ابن الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، [عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية على رسول الله ص: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ، دعانى رسول الله ص فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ،
(2/319)

فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، وَعَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِيهِمْ بِهَذَا الأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ، فَصَمَتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ، فَاصْنَعْ لَنَا صَاعًا من طعام، واجعل عليه رحل شَاةٍ، وَامْلأْ لَنَا عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ، وَأُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ، فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلا، يَزِيدُونَ رَجُلا أَوْ يَنْقُصُونَهُ، فِيهِمْ أَعْمَامُهُ: أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ، فَجِئْتُ بِهِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِذْيَةً مِنَ اللَّحْمِ، فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ حَاجَةٌ وَمَا أَرَى إِلا مَوْضِعَ أَيْدِيهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ الْقَوْمَ، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ، فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رُوُوا مِنْهُ جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مثله، فلما اراد رسول الله ص أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ إِلَى الْكَلامِ، فقال: لهدما سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ! فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ الله ص، فَقَالَ: الْغَدَ يَا عَلِيُّ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَبَقَنِي إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، فَعُدَّ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ بِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ، ثُمَّ اجْمَعْهُمْ إِلَيَّ.
قَالَ: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ ثُمَّ دَعَانِي بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ لَهُمْ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالأَمْسِ، فَأَكَلُوا حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ حَاجَةٌ ثُمَّ قَالَ: اسْقِهِمْ، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ، فَشَرِبُوا حَتَّى رُوُوا مِنْهُ جَمِيعًا، ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ص، فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ
(2/320)

بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ؟ قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعًا، وَقُلْتُ: وَإِنِّي لأَحْدَثُهُمْ سِنًّا، وَأَرْمَصُهُمْ عَيْنًا، وَأَعْظَمُهُمْ بَطْنًا، وَأَحْمَشُهُمْ سَاقًا، أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي، ثُمَّ قَالَ: ان هذا أخي ووصى وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا] قَالَ: فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ، وَيَقُولُونَ لأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لابْنِكَ وَتُطِيعَ.
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ ناجد، [ان رجلا قال لعلى ع: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَ وَرِثْتَ ابْنَ عَمِّكَ دُونَ عَمِّكَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: هَاؤُمُ! ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى اشْرَأَبَّ النَّاسُ، وَنَشَرُوا آذَانَهُمْ ثُمَّ قَالَ: جمع رسول الله ص- أَوْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ- بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ رَهْطَهُ، كُلَّهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ وَيَشْرَبُ الْفَرْقَ، قَالَ: فَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ، كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِغَمْرٍ فَشَرِبُوا حَتَّى رُوُوا وَبَقِيَ الشَّرَابُ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ وَلَمْ يَشْرَبُوا قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ بِخَاصَّةٍ وَإِلَى النَّاسِ بِعَامَّةٍ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَأَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَصَاحِبِي وَوَارِثِي؟ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ- وَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ- قَالَ: فقال: اجلس، قال:
ثُمَّ قَالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ أَقُومُ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ لِي: اجْلِسْ، حَتَّى كَانَ
(2/321)

فِي الثَّالِثَةِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِي، قَالَ: فَبِذَلِكَ وَرِثْتُ ابْنَ عَمِّي دُونَ عَمِّي] .
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية على رسول الله ص: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ، قام رسول الله ص بِالأَبْطَحِ، [ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي قُصَيٍّ- قَالَ: ثُمَّ فَخَّذَ قُرَيْشًا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، حَتَّى مَرَّ عَلَى آخِرِهِمْ- إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وانذركم عذابه] .
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَارِيَةُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنْ يُبَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَ يَدْعُو مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ ثَلاثَ سِنِينَ، مُسْتَخْفِيًا، إِلَى أَنْ أُمِرَ بِالظُّهُورِ لِلدُّعَاءِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة، عنه:
فصدع رسول الله ص بِأَمْرِ اللَّهِ، وَبَادَى قَوْمَهُ بِالإِسْلَامِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ بَعْضَ الرَّدِّ- فِيمَا بَلَغَنِي- حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ نَاكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى خِلافِهِ وَعَدَاوَتِهِ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدَبَ عَلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ عَمُّهُ وَمَنَعَهُ، وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رسول الله ص
(2/322)

عَلَى أَمْرِ اللَّهِ مُظْهِرًا لأَمْرِهِ، لا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ الله ص لا يعتبهم من شيء يكرهونه مما أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدَبَ عَلَيْهِ، وَقَامَ دُونَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ اشراف قريش الى ابى طالب: عتبة ابن رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ- أَوْ مَنْ مَشَى إِلَيْهِ مِنْهُمْ- فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَنُكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى رَسُولُ الله ص عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ قَالَ: ثُمَّ شَرِيَ الأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ، وَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذكر رسول الله ص بَيْنَهَا، وَتَذَامَرُوا فِيهِ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهُمْ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهْ عَنَّا، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ عنا او تنازله وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ- أَوْ كَمَا قَالُوا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ على ابى طالب فراق قومه وعدواتهم لَهُ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ص لهم ولا خذلانه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا، فِيهِمْ أَبُو جهل
(2/323)

ابن هشام والعاص بن وائل، والأسود بن الْمُطَّلِبِ، وَالأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيَنْصِفْنَا مِنْهُ، فَيَأْمُرُهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُ، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونُ مِنَّا شَيْءٌ فَتُعَيِّرُنَا الْعَرَبُ، يَقُولُونَ: تَرَكُوهُ، حَتَّى إِذَا مَاتَ عَمُّهُ تَنَاوَلُوهُ.
قَالَ: فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُدْعَى الْمُطَّلِبُ، فَاسْتَأْذَنَ لهم عَلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَوَاتُهُمْ، يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ، قَالَ: أَدْخِلْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَأَنْصِفْنَا مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ.
قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ص قال: يا بن أَخِي، هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَوَاتُهُمْ، وَقَدْ سَأَلُوكَ النَّصَفَ، أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ [قَالَ: أَيْ عَمِّ، أَوَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهَا؟ قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنَ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرًا أَمْثَالَهَا قَالَ: تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَنَفَرُوا وتفرقوا وَقَالُوا: سَلْنَا غَيْرَ هَذِهِ،] [فَقَالَ: لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا!] قَالَ: فَغَضِبُوا وَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غَضَابَى، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا، «وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ» ، إلى قوله: «إِلَّا اخْتِلاقٌ»
(2/324)

[واقبل على عمه فقال له عمه: يا بن أَخِي، مَا شَطَطْتَ عَلَيْهِمْ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ فدعاه، فَقَالَ: قُلْ كَلِّمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،] فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّبَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ، يَقُولُونَ: جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ لَأَعْطَيْتُكَهَا، وَلَكِنْ عَلَى مِلَّةِ الأَشْيَاخِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
«إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا، وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ، وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ! فبعث اليه، فجاء النبي ص، فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، قَالَ:
فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ المجلس ولم يجد رسول الله ص مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي! مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ! قَالَ:
وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ، [وتكلم رسول الله ص، فَقَالَ: يَا عَمّ، إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَمَا هِيَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَأَيُّ كَلِمَةٍ هي يا بن أَخِي؟ قَالَ:
لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ،] قَالَ: فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ» قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ
(2/325)

الى قوله: «لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ» لَفْظُ الْحَدِيثِ لأَبِي كُرَيْبٍ.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فحدثنا ابن حميد، قال:
حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالَتْ لأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ المقاله، بعث الى رسول الله ص، فقال له: يا بن أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُونِي فَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ! فَظَنَّ رسول الله ص أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ بَدَاءٌ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسَلِّمُهُ، وَأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ والقيام معه، [فقال رسول الله ص: يا عماه، لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ ما تركته] ثم استعبر رسول الله ص، فَبَكَى ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طالب، فقال: اقبل يا بن أخي، فاقبل عليه رسول الله ص فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما احببت فو الله لَا أُسَلِّمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَبَى خذلان رسول الله ص وَإِسْلَامَهُ وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَعَدَاوَتَهُمْ، مَشَوْا إِلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ- فِيمَا بَلَغَنِي: يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عماره
(2/326)

ابن الْوَلِيدِ أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَشْعَرُهُ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، فَهُوَ لَكَ، وَأَسْلِمْ لَنَا ابْنَ أَخِيكَ- هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ، وَسفه أَحْلَامَهُمْ- فَنَقْتُلُهُ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ كَرَجُلٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي! أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ! هَذَا وَاللَّهِ ما لا يكون ابدا فقال المطعم ابن عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَاللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدِ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةِ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ! أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ.
قَالَ: فَحَقِبَ الأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَحَمِيَتِ الْحَرْبُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وَبَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين أَسْلَمُوا مَعَهُ فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْهُمْ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ حِينَ رَأَى قُرَيْشًا تَصْنَعُ مَا تَصْنَعُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ منع رسول الله ص، وَالْقِيَامِ دُونَهُ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَقَامُوا مَعَهُ، وَأَجَابُوا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الدَّفْعِ عَنْ رسول الله ص، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ
(2/327)

أَبِي لَهَبٍ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرَّهُ مِنْ جِدِّهِمْ مَعَهُ، وَحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ، جَعَلَ يَمْدَحُهُمْ، وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ ص فِيهِمْ، وَمَكَانَهُ مِنْهُمْ لِيَشُدَّ لَهُمْ رَأْيَهُمْ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَعَبْدُ الوارث بن عبد الصمد ابن عَبْدِ الْوَارِثِ- قَالَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَقَالَ عَبْدُ الوارث: حَدَّثَنِي أَبِي- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا بعد، فانه- يعنى رسول الله ص- لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ لِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لَمْ يَبْعُدُوا مِنْهُ أَوَّلَ مَا دَعَاهُمْ، وَكَادُوا يَسْمَعُونَ لَهُ، حَتَّى ذَكَرَ طَوَاغِيتَهُمْ وَقَدِمَ نَاسٌ مِنَ الطَّائِفِ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُمْ أَمْوَالٌ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال لهم، وَأَغْرُوا بِهِ مَنْ أَطَاعَهُمْ، فَانْصَفَقَ عَنْهُ عَامَّةُ النَّاسِ، فَتَرَكُوهُ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ، فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ ائْتَمَرَتْ رُءُوسُهُمْ بِأَنْ يَفْتِنُوا مَنْ تَبِعَهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، فَكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةَ الزِّلْزَالِ عَلَى من اتبع رسول الله ص مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَافْتُتِنَ مَنِ افْتُتِنَ، وَعَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بالمسلمين، امرهم رسول الله ص أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ- وَكَانَ بِالْحَبَشَةِ مَلِكٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ النَّجَاشِيُّ، لا يُظْلَمُ احد بارضه، وكان ينثى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ صَلَاحٌ، وَكَانَتْ أَرْضُ الْحَبَشَةِ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ يَتْجَرُونَ فِيهَا، يَجِدُونَ فِيهَا رِفَاغًا مِنَ الرِّزْقِ، وَأَمْنًا وَمَتْجَرًا حَسَنًا-
(2/328)

فأمرهم بها رسول الله ص، فَذَهَبَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ لَمَّا قُهِرُوا بِمَكَّةَ، وَخَافَ عَلَيْهِمُ الْفِتَنَ، وَمَكَثَ هُوَ فَلَمْ يَبْرَحْ، فَمَكَثَ بِذَلِكَ سَنَوَاتٍ، يَشْتَدُّونَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ إِنَّهُ فَشَا الإِسْلَامُ فِيهَا، وَدَخَلَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ مَنْ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَاجَرَ إِلَيْهَا هَذِهِ الْهِجْرَةَ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ الأُولَى.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفري، عن أبيه، عن رجل من قومه.
قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلي، عن الحارث بن الفضيل، قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبه، منهم الراكب والماشي، ووفق الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة، من حين نبئ رسول الله ص، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر، حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.
قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني يونس بن محمد، عن أبيه قال: وحدثني
(2/329)

عبد الحميد، عن محمد بن يحيى بن حبان، قالا: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله ص، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امراته سهله بنت سهيل ابن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بْن عبد الأسد بْن هلال بْن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بْن المغيرة بْن عبد الله بْن عمر ابن مخزوم، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعامر بن ربيعة العنزي، من عنز بن وائل- ليس من عنزة- حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بْن أبي رهم بْن عبد العزى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسهيل بن بيضاء، من بني الحارث بن فهر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة قال أبو جعفر: وقال آخرون: كان الذين لحقوا بأرض الحبشة، وهاجروا إليها من المسلمين- سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها- اثنين وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه! ذكر من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال:
لما راى رسول الله ص مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ وَعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، [قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ! فَإِنَّ بها ملكا
(2/330)

لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ!] فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَفِرَارًا إِلَّى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الإِسْلَامِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ ابى العاص ابن أُمَيَّةَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، أَحَدِ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ.
فَعَدَّ النَّفَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الْوَاقِدِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ بَنِي عامر بن لؤي ابن غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رَهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَيُقَالُ: بَلْ أَبُو حَاطِبِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ ابن عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ قَالَ: وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَهَا، فَجَعَلَهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَشَرَةً، وَقَالَ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ- فِيمَا بَلَغَنِي.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَكَانُوا بِهَا، مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لا أَهْلَ مَعَهُ، ثُمَّ عَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَامَ اثْنَيْنَ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، بِالْعَشَرَةِ الذين ذكرت باسمائهم، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، وَمَنْ وُلِدَ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لا أَهْلَ مَعَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَمَّا خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مهاجرا إليها، ورسول الله ص
(2/331)

مُقِيمٌ بِمَكَّةَ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ سِرًّا وَجَهْرًا، قَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَبِمَنِ اسْتَجَابَ لِنُصْرَتِهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَرَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ، رَمَوْهُ بِالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَالْجُنُونِ، وَأَنَّهُ شَاعِرٌ، وَجَعَلُوا يَصُدُّونَ عَنْهُ مَنْ خَافُوا مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ قَوْلَهُ فَيَتْبَعُهُ، فَكَانَ أَشَدَّ مَا بَلَغُوا مِنْهُ حِينَئِذٍ- فِيمَا ذُكِرَ- مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتُ قريشا اصابت من رسول الله ص فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ! قَالَ: قَدْ حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فذكروا رسول الله ص فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ! سَفَّهَ أَحْلامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتِنَا! لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ- أَوْ كَمَا قَالُوا.
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ رسول الله ص فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ.
قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رسول الله ص، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ مِثْلَهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ مَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ، فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ [فَقَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ!] قَالَ: فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، وَحَتَّى ان اشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ، حَتَّى إِنَّهُ ليقول:
انصرف يا أبا القاسم راشدا، فو الله مَا كُنْتَ جَهُولا!
(2/332)

قال: فانصرف رسول الله ص، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ، وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إِذَا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبيناهم كذلك إذ طلع رسول الله ص، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا! لِمَا يَبْلُغُهُمْ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رسول الله ص: نَعَمْ أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلا مِنْهُمْ آخِذًا بِجَمْعِ رِدَائِهِ قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ دُونَهُ، يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: وَيْلَكُمْ! أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله! ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ.
فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ.
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ رَأَيْتَ الْمُشْرِكِينَ صَنَعُوا برسول الله ص قَالَ: أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَرَسُولُ الله ص عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، وَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَدَفَعَهُ عَنْ رَسُولِ الله ص، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
يَا قَوْمُ: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ» إِلَى قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم كان واعيه، ان أبا جهل ابن هشام مر برسول الله ص، وهو جالس عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه رسول الله ص، ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي
(2/333)

قريش عند الكعبة، فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له- وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة- فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله ص ورجع الى بيته، قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من ابى الحكم بن هشام! وجده هاهنا جالسا فسبه وآذاه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
قال: فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعا- لا يقف على أحد كما كان يصنع- يريد الطواف بالكعبة، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه بها شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول! فرد ذلك علي إن استطعت! وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ص قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن رسول الله ص بعض ما كانوا ينالون مِنْهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ جهر بالقرآن بعد رسول الله ص بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ:
اجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِهَذَا الْقُرْآنِ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يسمعهموه؟ فقال عبد الله
(2/334)

ابن مَسْعُودٍ: أَنَا، قَالُوا: إِنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الْقَوْمِ إِنْ أَرَادُوهُ، فَقَالَ: دَعُونِي، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي، قَالَ: فَغَدَا ابْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى الْمَقَامَ فِي الضُّحَى، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا، حَتَّى قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» - رافعا بها صوته- «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ» ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَأُ فِيهَا، قَالَ:
وَتَأَمَّلُوا وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا يَقُولُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ! ثم قالوا: انه ليتلو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ أَثَّرُوا بِوَجْهِهِ، فَقَالُوا:
هَذَا الَّذِي خَشِينَا عَلَيْكَ! قَالَ: مَا كان أعداء الله اهون على منهم الان! لَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ غَدًا بِمِثْلِهَا، قَالُوا: لا، حَسْبُكَ، فَقَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ قال أبو جعفر: ولما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا، تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين، فوجهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي، مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما، فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي، فرجعا مقبوحين، وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله، فلما أسلم- وكان رجلا جلدا جليدا منيعا، وكان قد اسلم قبل ذلك حمزه ابن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أنفسهم قوة، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم- اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابا
(2/335)

يتعاقدون فيه، على الا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب، ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا، حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ص ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم! والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة! فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث ابن اسد، فقال: مالك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام لعمته عنده بعثت اليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها! خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير، فضربه فشجه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزه ابن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون ان يبلغ ذلك رسول الله ص واصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله ص في كل ذلك، يدعو قومه سرا وجهرا، آناء الليل وآناء النهار، والوحي عليه من الله متتابع بأمره ونهيه، ووعيد من ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله ص على من خالفه
(2/336)

فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما- فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس، ان قريشا وعدوا رسول الله ص أَنْ يُعْطُوهُ مَالا فَيَكُونَ أَغْنَى رَجُلٍ بِمَكَّةَ، وَيُزَوِّجُوهُ مَا أَرَادَ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَطَئُوا عَقِبَهُ، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ عِنْدَنَا يَا مُحَمَّدُ، وَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا فَلا تَذْكُرْهَا بِسُوءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً فَهِيَ لَكَ وَلَنَا فِيهَا صَلاحٌ قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالُوا: تَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً، اللاتَ وَالْعُزَّى، وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِي مِنْ عِنْدِ رَبِّي! فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنَ اللوح المحفوظ: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» السُّورَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» إِلَى قَوْلِهِ: «بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ علية، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن ميناء، مولى أبي البختري، قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب واميه بن خلف رسول الله ص، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز وجل: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ، حتى انقضت السورة.
فكان رسول الله ص حريصا على صلاح قومه، محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل الى مقاربتهم، لكان من أمره في ذلك مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال:
(2/337)

حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زِيَادٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا راى رسول الله ص تَوَلِّي قَوْمِهِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَرَى مِنْ مَبَاعَدَتِهِمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ، تَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يَسُرُّهُ مَعَ حُبِّهِ قَوْمَهُ، وَحِرْصِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلِينَ لَهُ بَعْضُ مَا قَدْ غَلُظَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، حَتَّى حَدَّثَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، وَتَمَنَّاهُ وَأَحَبَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» ، فلما انتهى إلى قوله: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، لَمَّا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَتَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَوْمَهُ: تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى، فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ فَرِحُوا، وَسَرَّهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ ما ذكر به آلهتهم، فاصاخوا لَهُ- وَالْمُؤْمِنُونَ مُصَدِّقُونَ نَبِيَّهُمْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ عَنْ رَبِّهِمْ، وَلا يَتَّهِمُونَهُ عَلَى خَطَإٍ وَلا وَهْمٍ وَلا زَلَلٍ- فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا وَخَتَمَ السُّورَةَ سَجَدَ فِيهَا، فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِ نَبِيِّهِمْ، تَصْدِيقًا لِمَا جَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعًا لأَمْرِهِ، وَسَجَدَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، لِمَا سَمِعُوا مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ مُؤْمِنٌ وَلا كَافِرٌ إِلَّا سَجَدَ، إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَلَمْ يَسْتَطِعِ السُّجُودَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ حِفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَسَجَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَدْ سَرَّهُمْ مَا سَمِعُوا مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، يَقُولُونَ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، قَدْ زَعَمَ فِيمَا يَتْلُو: أَنَّهَا الْغَرَانِيقُ الْعُلَا، وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَضَى وَبَلَغَتِ السَّجْدَةُ مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ، فَنَهَضَ مِنْهُمْ رِجَالٌ، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ، وَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ص، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا
(2/338)

صَنَعْتَ! لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقُلْتَ مَا لَمْ يَقُلْ لَكَ! فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ص عِنْدَ ذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَخَافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا كَثِيرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ- وَكَانَ بِهِ رَحِيمًا- يُعَزِّيهِ وَيُخَفِّضُ عَلَيْهِ الأَمْرَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُ قَبْلَهُ نَبِيٌّ وَلا رَسُولٌ تَمَنَّى كَمَا تَمَنَّى، وَلا أَحَبَّ كَمَا أَحَبَّ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ قَدْ أَلْقَى فِي أُمْنِيَّتِهِ، كَمَا القى على لسانه ص، فَنَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ، أَيْ فَإِنَّمَا أَنْتَ كَبَعْضِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَبِيِّهِ الْحَزَنَ، وَآمَنَهُ مِنَ الَّذِي كَانَ يَخَافُ، وَنَسَخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ: أَنَّها الْغَرَانِيقُ الْعُلَا وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَضَى، بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ ذَكَرَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى:
«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى» أي عوجاء، «إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ» - الى قوله- «لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى» ، أَيْ فَكَيْفَ تَنْفَعُ شَفَاعَةُ آلِهَتِكُمْ عِنْدَهُ! فَلَمَّا جَاءَ مِنَ اللَّهِ مَا نَسَخَ مَا كَانَ الشَّيْطَانُ أَلْقَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَنْزِلَةِ آلِهَتِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَغَيَّرَ ذَلِكَ وَجَاءَ بِغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَانِكَ الْحَرْفَانِ اللَّذَانِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لسان رسول الله ص قَدْ وَقَعَا فِي فَمِ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَازْدَادُوا شَرًّا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَشِدَّةً عَلَى من اسلم واتبع رسول الله ص منهم،
(2/339)

وَأَقْبَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ إِسْلَامِ أَهْلِ مكة حين سجدوا مع رسول الله ص، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، بَلَغَهُمْ أَنَّ الَّذِي كَانُوا تَحَدَّثُوا بِهِ مِنْ إِسْلَامِ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِجِوَارٍ، أَوْ مُسْتَخْفِيًّا، فَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْهُمْ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، عُثْمَانُ بن عفان ابن أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بنت رسول الله ص، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ مَعَهُمْ، عَدَدُهُمْ ثَلاثَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلًا.
حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن أبي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَمُحَمَّدِ بن قيس، قالا: جلس رسول الله ص فِي نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ، كَثِيرٍ أَهْلُهُ، فتمنى يومئذ الا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ فَيَنْفِرُوا عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
«وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» ، فقرأها رسول الله ص حَتَّى إِذَا بَلَغَ: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ كَلِمَتَيْنِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى، فَتَكَلَّمَ بِهِمَا، ثُمَّ مَضَى فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، وَسَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ جَمِيعًا، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إِلَى جَبْهَتِهِ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ- وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ- فَرَضَوْا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَكِنَّ آلِهِتَنَا هَذِهِ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ، فَإِذَا جَعَلْتَ لَهَا نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَكَ قَالَا: فَلَمَّا امسى
(2/340)

أتاه جبرئيل ع، فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ! [فقال رسول الله ص:
افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ، وَقُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ» إِلَى قَوْلِهِ:
«ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً» ، فَمَا زَالَ مَغْمُومًا مَهْمُومًا، حَتَّى نَزَلَتْ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ» - الى قوله:
«وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] » قَالَ: فَسَمِعَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلَّهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَوَجَدُوا الْقَوْمَ قَدِ ارْتَكَسُوا حِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ، ثم قام- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، في نقض الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني المطلب- نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري، من عامر بن لؤي- وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه- وأنه مشى الى زهير ابن أبي أمية بْن المغيرة بْن عبد الله بْن عمر بن مخزوم- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب- فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم! أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال:
ويحك يا هشام! فماذا أصنع! إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال: قد وجدت رجلا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب الى المطعم بن عدى ابن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان
(2/341)

من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن امكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك! فماذا أصنع! إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال:
نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بْن الأَسْوَدِ بْن المطلب بْن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية، عليه حلة له، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت، قال أبو البختري:
صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به! قال المطعم بن عدي:
صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها،
(2/342)

إلا ما كان من باسمك اللهم، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش، تفتتح بها كتابها إذا كتبت.
قال: وكان كاتب صحيفة قريش- فيما بلغني- التي كتبوا على رسول الله ص ورهطه من بني هاشم وبني المطلب، منصور بن عكرمه ابن هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بن قصي، فشلت يده.
وأقام بقيتهم بأرض الحبشه، حتى بعث فيهم رسول الله ص إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم على رسول الله ص، وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا.
ولم يزل رسول الله ص مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا، صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به، حتى إن كان بعضهم- فيما ذكر- يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، ويطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ص منهم- فيما بلغني- حجرا يستتر به منهم إذا صلى.
حدثنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ رسول الله ص يَخْرُجُ بِذَلِكَ إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي دَارِهِ عَلَى الْعُودِ فَيَقِفُ عَلَى بَابِهِ، [ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمَّ يُلْقِيهِ بِالطَّرِيقِ] .
ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ- وذلك فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق- قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله ص بهلاكهما، وذلك أن قريشا
(2/343)

وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه، حتى نثر بعضهم على رأسه التراب.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السفيه التراب على راس رسول الله ص، دخل رسول الله ص بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ، وَهِيَ تَبْكِي، [وَرَسُولُ الله ص يَقُولُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ لا تَبْكِي، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ! قَالَ: وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ص: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ] وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ خرج رسول الله ص إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ مِنْ ثَقِيفٍ النَّصْرَ وَالْمَنَعَةَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَحْدَهُ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قال: لما انتهى رسول الله ص إِلَى الطَّائِفِ عَمَدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ- هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، ومسعود ابن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَعِنْدَهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ- فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَ لَهُمْ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ! وَقَالَ الآخَرُ: مَا وَجَدَ الله
(2/344)

أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ! وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ! فقام رسول الله ص مِنْ عِنْدِهِمْ، وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وقد [قال لهم- فيما ذكر لي-: إذ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَلَيَّ] وَكَرِهَ رَسُولُ الله ص أَنْ يُبَلِّغَ قَوْمَهُ عَنْهُ، فَيُذْئِرَهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَأغروا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ، يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَأَلْجَئُوهُ إِلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إِلَى ظِلِّ حَبَلَةٍ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ، وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ، وَيُرِيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ ثقيف وقد لقى رسول الله ص- فِيمَا ذُكِرَ لِي- تِلْكَ الْمَرْأَةَ مِنْ بَنِي جمح، فقال لها: ماذا لقينا من احمائك! فلما اطمان رسول الله ص، قَالَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلْنِي! إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي! وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتِ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطِكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.
فَلَمَّا رَأَى ابْنَا رَبِيعَةَ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ مَا لَقِيَ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمَهُمَا،
(2/345)

فَدَعَوْا لَهُ غُلامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا، يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ، فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ وَضَعْهُ فِي ذَلِكَ الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وضعه بين يدي رسول الله ص، فلما وضع رسول الله ص يَدَهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هذا الكلام مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، [قَالَ لَهُ رسول الله ص: وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص: أَمِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ قَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ متى؟ قال رسول الله ص: ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ،] فَأَكَبَّ عداس على رسول الله ص يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، قَالَ: يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ قَالَا لَهُ:
وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ! مَا لَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ! قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي هَذِهِ الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ! لَقَدْ خَبَّرَنِي بِأَمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، فَقَالَا: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ! لَا يُصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ.
ثُمَّ ان رسول الله ص انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ حِينَ يَئِسَ مِنْ خَبَرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِنَخْلَةٍ، قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- سَبْعَةٌ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ اهل
(2/346)

نَصِيبِينَ الْيَمَنِ، فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سَمِعُوا، فَقَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ:
«وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ» - إِلَى قَوْلِهِ:
«وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» وَقَالَ: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ» إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَتَسْمِيَةُ النَّفَرِ مِنَ الجن الذين اسْتَمَعُوا الْوَحْيَ- فِيمَا بَلَغَنِي- حَسَا، وَمَسَا، وَشَاصِرٌ، وناصر، وايناالارد، واينين، والاحقم.
قال: ثم قدم رسول الله ص مَكَّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إِلَّا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ مُرِيدًا مَكَّةَ مَرَّ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، [فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ص:
هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي رِسَالَةً أُرْسِلُكَ بِهَا؟ قال: نعم، قال: ائت الاخنس ابن شَرِيقٍ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ مُحَمَّدٌ: هَلْ أَنْتَ مُجِيرِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؟ قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ الأَخْنَسُ: إِنَّ الْحَلِيفَ لا يُجِيرُ عَلَى الصَّرِيحِ قَالَ: فَأَتَى النبي ص، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: تَعُودُ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: ائْتِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَكَ: هَلْ أَنْتَ مُجِيرِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي؟ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ:
إِنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النبي ص فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: تَعُودُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ائْتِ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَكَ: هَلْ أَنْتَ مُجِيرِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي؟
قَالَ: نَعَمْ، فَلْيَدْخُلْ، قَالَ: فَرَجَعَ الرجل اليه، فاخبره، واصبح المطعم
(2/347)

ابن عَدِيٍّ قَدْ لَبِسَ سِلَاحَهُ هُوَ وَبَنُوهُ وَبَنُو أَخِيهِ، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو جَهْلٍ، قَالَ: أَمُجِيرٌ أَمْ مُتَابِعٌ؟ قَالَ: بَلْ مُجِيرٌ، قَالَ: فَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتَ، فَدَخَلَ النبي ص مَكَّةَ، وَأَقَامَ بِهَا، فَدَخَلَ يَوْمًا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَالْمُشْرِكُونَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو جَهْلٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاف، قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ أَوْ مَلَكٌ! فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النبي ص- أَوْ سَمِعَهُ- فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ:
أَمَّا أَنْتَ يَا عتبة بن ربيعه فو الله مَا حَمَيْتَ لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ، وَلَكِنْ حَمَيْتَ لأَنْفِكَ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هشام، فو الله لا يَأْتِي عَلَيْكَ غَيْرُ كَبِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَضْحَكَ قَلِيلًا وَتَبْكِي كَثِيرًا وَأَمَّا أَنْتُمْ يا معشر الملا من قريش، فو الله لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ غَيْرُ كَبِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَدْخُلُوا فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ] وَكَانَ رسول الله ص يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ- إِذَا كَانَتْ- عَلَى قبائل العرب، يدعوهم الى الله والى نصرته وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَهُ بِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ يُحَدِّثُ أَبِي، قَالَ: إِنِّي لَغُلامٌ شَابٌّ مع ابى بمنى، ورسول الله ص يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ، [فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلانٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي
(2/348)

وَتُصَدِّقُونِي وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ] .
قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ، فَإِذَا فَرَغَ رسول الله ص مِنْ قَوْلِهِ، وَمَا دَعَا إِلَيْهِ، قَالَ الرَّجُلُ:
يَا بَنِي فُلانٍ، إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَدْعُوكُمْ إِلَى أَنْ تَسْلَخُوا اللاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وخلفاءكم مِنَ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ، إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ وَالضَّلالَةِ، فَلا تُطِيعُوهُ وَلا تَسْمَعُوا لَهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَتْبَعُهُ، يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَنَّ رسول الله ص أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ، يُقَالُ لَهُ مَلِيحٌ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ إِلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ:
حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ص أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الله، وعرض
(2/349)

عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَقْبَحَ رَدًّا عَلَيْهِ مِنْهُمْ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: قال محمد بن إِسْحَاقَ: وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ لأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ [قَالَ: الأَمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ] قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتَهْدِفُ نُحُورَنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا ظَهَرْتَ كَانَ الأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إِلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لا يَقْدِرَ عَلَى أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمُ الْمَوْسِمَ، فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ، حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ، سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيَدْعُو إِلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ مَعَنَا إِلَى بِلادِنَا قَالَ:
فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلافٍ! هَلْ لِذَنَابَاهَا مِنْ مُطَّلِبٍ! وَالَّذِي نَفْسُ فُلانٍ بِيَدِهِ مَا تَقَوَّلَهَا إِسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ! وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ كَانَ رَأْيُكُمْ عَنْهُ!
(2/350)

فكان رسول الله ص عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، لا يَسْمَعُ بِقَادِمٍ يَقْدَمُ مِنَ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ إِلا تَصَدَّى لَهُ فَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت- أخو بني عمرو بن عوف- مكة حاجا أو معتمرا، قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل، لجلده وشعره، ونسبه وشرفه، وهو الذي يقول:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري
مع أشعار له كثيره يقولها
(2/351)

قال: فتصدى له رسول الله ص حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام قال: فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي! [فقال له رسول الله ص: وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان- يعني حكمه لقمان- فقال له رسول الله ص:
عرضها علي، فعرضها عليه، فقال: إن هذا لكلام حسن، معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي، هدى ونور قال: فتلا عليه رسول الله ص القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن] .
ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل بعاث حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدُ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لبيد، أخي بنى الأَشْهَلِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ، وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، سمع بهم رسول الله ص، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، [فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ] فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ- وَكَانَ
(2/352)

غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بها وجه اياس ابن مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا قَالَ: فَصَمَتَ إِيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ الله ص عَنُهْم وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ:
فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ، وَيُحَمِّدُهُ وَيُسَبِّحُهُ، حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حِينَ سمع من رسول الله ص مَا سَمِعَ.
قَالَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِظْهَارَ دِينَهُ وَإِعْزَازَ نَبِيَّهُ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدَهُ له، خرج رسول الله ص فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ إِذْ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله ص، [قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود: قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى، قال:
فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن] .
قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم
(2/353)

ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله ص أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمن والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.
فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله ص راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
وهم- فيما ذكر لي- ستة نفر من الخزرج: منهم من بني النجار- وهم تيم الله- ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبه بن عمرو بن الخزرج ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابو امامه، وعوف بن الحارث ابن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم ابن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق.
ومن بني سلمه بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني سواد،
(2/354)

قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمه.
ومن بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمه، عقبه ابن عامر بن نابي بن زيد بن حرام.
ومن بنى عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد.
قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول الله ص، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ص، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبه الاولى، فبايعوا رسول الله ص على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب، منهم من بني النجار أسعد بن زراره ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو أبو أمامة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك ابن النجار، وهما ابنا عفراء.
ومن بني زريق بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر ابن زريق، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق.
ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني غنم بن عوف- وهم القواقل- عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وأبو عبد الرحمن، وهو يزيد بن ثعلبه بن خزمه بن اصرم ابن عمرو بن عمارة، من بني غضينة من بلي، حليف لهم
(2/355)

ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة ابن نضله بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف.
ومن بني سلمة، ثم من بني حرام، عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة.
ومن بني سواد، قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة.
وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني الأشهل: أبو الهيثم بن التيهان، اسمه مالك، حليف لهم.
ومن بني عمرو بن عوف، عويم بن ساعدة بن صلعجة، حليف لهم.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عُسَيْلَةَ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ:
كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا، فَبَايَعْنَا رسول الله ص عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الحرب، على الا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشَّيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، أن ابْنَ شِهَابٍ ذَكَرَ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بن
(2/356)

الصامت، عن النبي ص مثله.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله ص مصعب بن عمير بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى مصعب بالمدينة: المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال:
وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ ابن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال لها بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد ابن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا، ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما،
(2/357)

فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله.
ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا، إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة، قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، قال: فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة فأخذ الحربة من يده، ثم قال:
والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا
(2/358)

مني تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمصعب: أي مصعب! جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة، فجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟
قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.
قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال: فو الله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من أوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرا لهم، وقائدا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله ص إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق
(2/359)

قال: ثم إن مصعب بن عمير، رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ص العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه ص وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ- وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الأَنْصَارِ- حَدَّثَهُ ان أباه كعب ابن مَالِكٍ حَدَّثَهُ- وَكَانَ كَعْبُ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وبايع رسول الله ص بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا، وَقَدْ صلينا وفقهنا، ومعنا البراء ابن مَعْرُورٍ، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا فَلَمَّا وَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: وَاللَّهِ يَا هَؤُلاءِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ أَمْ لا! قَالَ: فَقُلْنَا: وما ذاك؟ قال: قد رايت الا أَدَعَ هَذِهِ الْبِنْيَةَ مِنِّي بِظَهْرٍ- يَعْنِي الْكَعْبَةَ- وَأَنْ أُصَلِّيَ إِلَيْهَا قَالَ: فَقُلْنَا: وَاللَّهِ مَا بَلَغَنَا عَنْ نَبِيِّنَا أَنَّهُ يُصَلِّي إِلا إِلَى الشَّامِ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ قَالَ: فَقَالَ: إِنِّي لَمُصَلٍّ إِلَيْهَا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لا نَفْعَلُ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ صَلَّيْنَا إِلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ.
قَالَ: وَقَدْ عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إِلا الإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا قد منا مكة قال لي: يا بن أخي، انطلق بنا الى رسول الله ص، حَتَّى أَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلافِكُمْ إِيَّايَ فِيهِ.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ص- وَكُنَّا لا نَعْرِفُهُ،
(2/360)

وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ- فَلَقِينَا رَجُلا مِنْ اهل مكة، فسألناه عن رسول الله ص، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: فَهَلْ تعرفان العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ- قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا- قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرجل الجالس مع العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا الْعَبَّاسُ جالس ورسول الله ص جَالِسٌ مَعَ الْعَبَّاسِ، فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِ، فقال رسول الله ص لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟
قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ- قَالَ:
فو الله ما انسى قول رسول الله ص: الشَّاعِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ- قَالَ:
فَقَالَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسْلامِ، فرايت الا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبِنْيَةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا! فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إِلَى قبله رسول الله ص، وَصَلَّى مَعَنَا إِلَى الشَّامِ قَالَ: وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدَنَا رَسُولُ الله ص الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدَنَا رسول الله ص لَهَا، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، أَبُو جَابِرٍ، أَخْبَرْنَاهُ، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِنَا أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إِنَّكَ سَيِّدٌ من سادتنا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا ثُمَّ دَعَوْنَاهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ الله ص إِيَّانَا الْعَقَبَةَ.
قَالَ: فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ- وَكَانَ نَقِيبًا- فَبِتْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول
(2/361)

الله ص، نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ الْقَطَا، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلا، وَمَعَهُمُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِمْ: نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ، فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ ننتظر رسول الله ص، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ- وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ: الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا- إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا، وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلا الانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، فَمِنَ الآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ.
قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَخُذْ لِنَفْسِكَ وَرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ.
قَالَ: [فَتَكَلَّمَ رسول الله ص، فَتَلا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ قَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ] .
قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الْحَلَقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ
(2/362)

قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ- وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ص- أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالا وَإِنَّا قَاطِعُوهَا- يَعْنِي الْيَهُودَ- فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ، وَتَدَعَنَا! قال: فتبسم رسول الله ص، [ثم قال: بل الدم الدم، الهدم الْهَدْمَ! أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ] [وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ص: أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا،] يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ فَأَخْرَجُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلاثَةً مِنَ الأَوْسِ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ:
فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، [ان رسول الله ص قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي،] قَالُوا: نَعَمْ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وحدثني عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجتمعوا لبيعه رسول الله ص، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنْ فَعَلْتُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ
(2/363)

تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، عَلَى نُهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ قَالَ: الْجَنَّةُ، قَالُوا:
ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ.
وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ الْعَبَّاسُ ذَلِكَ إِلا ليشد العقد لرسول الله ص فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ الْعَبَّاسُ ذَلِكَ إِلا لِيُؤَخِّرَ الْقَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَجَاءَ أَنْ يحضرها عبد الله بن ابى بن سَلُولٍ، فَيَكُونَ أَقْوَى لأَمْرِ الْقَوْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، فَبَنُو النَّجَارِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ، وَبَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ يقولون: بل ابو الهيثم ابن التَّيِّهَانِ.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَلَمَةُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَمَّا مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَنِي- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وحدثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ- قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:
فَحَدَّثَنِي فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ على يد رسول الله ص الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ، فَلَمَّا بايعنا رسول الله ص صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ، قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حربكم! فقال رسول الله ص: مَا يَقُولُ عَدُوُّ اللَّهِ؟ هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزِيبٍ، اسْمَعْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا والله لافرغن
(2/364)

لك ثم قال رسول الله ص: ارفضوا الى رحالكم فقال له العباس ابن عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا، فقال رسول الله ص: لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنِ ارْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ، قَالَ: فَرَجَعْنَا إِلَى مَضَاجِعِنَا، فَنِمْنَا عَلَيْهَا، حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلَّةُ قُرَيْشٍ حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا:
يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّا قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْغَضَ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ، قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ: مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَمَا عَلِمْنَاهُ.
قَالَ: وَصَدَقُوا لَمْ يَعْلَمُوا قَالَ: وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْقَوْمُ وَفِيهِمُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَيْهِ نَعْلانِ جَدِيدَانِ.
قَالَ: فَقُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْرِكَ القوم بها فِيمَا قَالُوا: يَا أَبَا جَابِرٍ، أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟
قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِهِمَا الى، وقال: والله لتنتعلنهما قَالَ: يَقُولُ أَبُو جَابِرٍ: مَهْ أَحْفَظْتَ وَاللَّهِ الْفَتَى! فَارْدُدْ عَلَيْهِ نَعْلَيْهِ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَرُدُّهُمَا، فَأْلٌ وَاللَّهِ صَالِحٌ، وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لأَسْلُبَنَّهُ.
فَهَذَا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ الْعَقَبَةِ وَمَا حَضَرَ مِنْهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ: كَانَ مقدم من قدم على النبي ص لِلْبَيْعَةِ مِنَ الأَنْصَارِ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَأَقَامَ رسول الله ص بَعْدَهُمْ بِمَكَّةَ بَقِيَّةَ ذِي الْحَجَّةِ مِنْ تِلْكَ السنه، والمحرم
(2/365)

وَصَفَرَ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَقَدِمَهَا يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليله خلت منه.
وحدثنى عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ- قَالَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ:
حَدَّثَنِي أَبِي- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ رَجَعَ مِنْهَا مِمَّنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَيْهَا قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ص إِلَى الْمَدِينَةِ، جَعَلَ أَهْلُ الإِسْلَامِ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ، وَإِنَّهُ أَسْلَمَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَفَشَا بِالْمَدِينَةِ الإِسْلَامُ، فَطَفِقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَأْتُونَ رسول الله ص بِمَكَّةَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ تَذَامَرَتْ عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ، وَيَشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُمْ وَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ، فَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ، وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ الآخِرَةُ، وَكَانَتْ فِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةٌ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، حِينَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهَا، وَفِتْنَةٌ لَمَّا رَجَعُوا وَرَأَوْا مَنْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
ثم انه جاء رسول الله ص مِنَ الْمَدِينَةِ سَبْعُونَ نَقِيبًا، رُءُوسُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، فَوَافُوهُ بِالْحَجِّ فَبَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، وَأَعْطُوهُ عُهُودَهُمْ، عَلَى أَنَّا مِنْكَ وَأَنْتَ مِنَّا، وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَوْ جِئْتَنَا فَإِنَّا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ قُرَيْشٌ عند ذلك، فامر رسول الله ص أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ الآخِرَةُ التي اخرج فيها رسول الله ص أَصْحَابَهُ وَخَرَجَ، وَهِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا:
«وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ»
(2/366)