Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 005



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] لِخرخسرهَ: ذُو الْمُعْجِزَةِ، لِلْمِنْطَقَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا رسول الله ص- وَالْمِنْطَقَةُ بِلِسَانِ حِمْيَرَ الْمُعْجِزَةُ- فَبَنُوهُ الْيَوْمَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا خرخسرهَ ذُو الْمُعْجِزَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَابُوَيْهِ لِبَاذَانَ: مَا كَلَّمْتُ رَجُلا قَطُّ أَهْيَبَ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ بَاذَانُ: هَلْ مَعَهُ شُرَطٌ؟ قَالَ: لا.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَتَبَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ فَلَمْ يُسْلِمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ص مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ بِهَا ذَا الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حميد قال:
حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق.
قَالَ: وَوَلِيَ الْحَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْمُشْرِكُونَ
(2/657)

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذِكْرُ الأَحْدَاثِ الْكَائِنَةِ فِي

سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ

غَزْوَةُ خَيْبَرَ
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ، فخرج رسول الله ص فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ إِلَى خَيْبَرَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، فَمَضَى حَتَّى نَزَلَ بِجَيْشِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ وَبَيْنَ غَطَفَانَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابن حميد قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ- لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُمِدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص.
قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ لَمَّا سَمِعَتْ بِمَنْزَلِ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ، جَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا سَارُوا مَنْقَلَةً سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ حِسًّا، ظَنُّوا أَنَّ القوم قد خالفوا إِلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَقَامُوا فِي أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ خَيْبَرَ، وبدا رسول الله ص بِالأَمْوَالِ يَأْخُذُهَا مَالا مَالا، وَيَفْتَتِحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلَ حُصُونِهِمُ افْتُتِحَ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحًا مِنْهُ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ الْقَمُوصُ، حِصْنُ ابْنِ أَبِي الحقيق وأصاب رسول الله ص مِنْهُمْ سَبَايَا، مِنْهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَابْنَتَيْ عَمٍّ لَهَا فَاصْطَفَى رَسُولُ الله ص صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَدْ سَأَلَ رسول الله صَفِيَّةَ، فَلَمَّا اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ أَعْطَاهُ ابْنَتَيْ عَمِّهَا، وَفَشَتِ السَّبَايَا مِنْ خَيْبَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ
(3/9)

قال: ثم جعل رسول الله ص يَتَدَنَّى الْحُصُونَ وَالأَمْوَالَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ بَعْضُ أَسْلَمَ، أَنَّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، أتوا رسول الله ص، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا شَيْءٌ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، [فَقَالَ النَّبِيُّ:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ، وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا، أَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا] فَغَدَا النَّاسُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرَ حِصْنٌ كَانَ أَكْثَرَ طَعَامًا وَوَدَكًا مِنْهُ.
قَالَ: وَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ حُصُونِهِمْ مَا افْتَتَحَ، وَحَازَ مِنَ الأَمْوَالِ مَا حَازَ، انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِمْ الْوَطِيحِ وَالسَّلالِمِ- وَكَانَ آخِرَ حُصُونِ خَيْبَرَ افْتُتِحَ- حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ مِنْ حِصْنِهِمْ، قَدْ جَمَعَ سِلاحَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُحَرَّبُ كَانَ حِمَايَ، لِلْحِمَى لا يُقْرَبُ.
وَهُوَ يَقُولُ: هَلْ من مبارز! [فقال رسول الله ص:
مَنْ لِهَذَا؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالأَمْسِ! قَالَ: فَقُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ] .
فَلَمَّا أَنْ دَنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شجره عمريه
(3/10)

مِنْ شَجَرِ الْعُشَرِ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَكُلَّمَا لاذَ بِهَا اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مِنْهَا مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتَّى بَرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ، مَا بَيْنَهُمَا فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فعضت به فامسكته، وضربه محمد ابن مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ، يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ انى ياسر شاكى السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلَتِي الْمَغَاوِرُ إِنَّ حِمَايَ فِيهِ موت حاضر.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حدثنى محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ خَرَجَ إِلَى يَاسِرٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَيُقْتَلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي زَبَّارْ قَرْمٌ لِقَوْمٍ غَيْرُ نِكْسٍ فَرَّارْ ابْنُ حُمَاةِ الْمَجْدِ وَابْنُ الأَخْيَارْ يَاسِرُ لا يَغْرُرْكَ جَمْعُ الْكُفَّارْ فَجَمْعُهُمْ مِثْلُ السَّرَابِ الْجَرَّارْ.
ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَ عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ حِينَ نزل رسول الله ص بحصن اهل خيبر، اعطى رسول الله ص اللِّوَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَنَهَضَ مَنْ نَهَضَ
(3/11)

مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَقَوْا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَانْكَشَفَ عمر واصحابه، فرجعوا الى رسول الله ص، يجبنه اصحابه ويجبنهم، [فقال رسول الله ص:
لأُعْطِيَنَّ اللِّوَاءَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] .
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَطَاوَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَدَعَا عَلِيًّا ع وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَنَهَضَ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ مَنْ نَهَضَ قَالَ: فَلَقِيَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَإِذَا مَرْحَبٌ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَاخْتَلَفَ هُوَ وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى هَامَتِهِ، حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ مِنْهَا بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، فما تتام آخر الناس مع على ع حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ لَهُ وَلَهُمْ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ مُسْلِمٍ الأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كان رسول الله ص رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لا يخرج فلما نزل رسول الله ص خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَذَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقِتَالِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، [فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يأخذها عنوه]- قال: وليس ثم على ع- فَتَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ، وَرَجَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ ذَلِكَ،
(3/12)

فاصبح فجاء على ع عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا مِنْ خباء رسول الله ص وَهُوَ أَرْمَدُ، وَقَدْ عَصَبَ عَيْنَيْهِ بِشِقَّةِ بُرْدٍ قطري، فقال رسول الله ص: مَا لَكَ؟ قَالَ: رَمِدَتْ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: ادن منى، فدنا فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، فَمَا وجعهُمَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَنَهَضَ بِهَا مَعَهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ أُرْجُوَانٌ حَمْرَاءُ قَدْ أُخْرِجَ خَمَلُهَا فَأَتَى مَدِينَةَ خَيْبَرَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مُعَصْفَرٌ يَمَانٍ، وَحَجَرٌ قَدْ ثَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بطل مجرب فقال على ع:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ.
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ فَضَرَبَهُ، فَقَدَّ الْحَجَرَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأْسَهُ، حَتَّى وَقَعَ فِي الأَضْرَاسِ وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الْحَسَنِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مولى رسول الله ص، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حين بعثه رسول الله ص بِرَايَتِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَطَرَحَ تِرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ، فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ حِينَ فَرَغَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٌ أَنَا ثَامِنُهُمْ، نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما
(3/13)

فتح رسول الله ص الْقَمُوصَ، حِصْنَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَبِأُخْرَى مَعَهَا، فَمَرَّ بِهِمَا بِلالٌ- وَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِمَا- عَلَى قَتْلَى مِنْ قَتْلَى يَهُودَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الَّتِي مَعَ صَفِيَّةَ صَاحَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، وَحَثَتِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَغْرِبُوا عَنِّي هَذِهِ الشَّيْطَانَةَ، وَأَمَرَ بِصَفِيَّةَ فَحِيزَتْ خَلْفَهُ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهَا رِدَاؤُهُ، فَعَرَفَ المسلمون ان رسول الله ص قد اصطفاها لنفسه، [فقال رسول الله ص لِبِلالٍ- فِيمَا بَلَغَنِي- حِينَ رَأَى مِنْ تِلْكَ الْيَهُودِيَّةِ مَا رَأَى:
أَنُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلالُ، حَيْثُ تَمُرُّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا!] وَكَانَتْ صَفِيَّةُ قَدْ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَنَّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ: مَا هَذَا إِلا أَنَّكِ تَمَنِّينَ مَلِكَ الْحِجَازِ مُحَمَّدًا، فَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً اخْضَرَّتْ عَيْنُهَا مِنْهَا، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ص وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهَا، فَسَأَلَهَا: مَا هُوَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ هَذَا الْخَبَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأُتِيَ رَسُولُ الله ص بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ- وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النَّضِيرِ- فَسَأَلَهُ فَجَحَدَ أَنْ يكون يعلم مكانه، فاتى رسول الله ص برجل من يهود، فقال لرسول الله ص: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ كِنَانَةَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِكِنَانَةَ: أَرَأَيْتَ ان وجدناه عندك، ااقتلك؟ قال: نعم، فامر رسول الله ص بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا بَعْضُ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَهُ مَا بَقِيَ، فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، [فَأَمَرَ به رسول الله ص الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَقَالَ: عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ،] فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدِهِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَحَاصَرَ رَسُولُ الله ص أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمُ، الْوَطِيحَ وَالسَّلالِمَ، حَتَّى إِذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ
(3/14)

أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ حَازَ الأَمْوَالَ كُلَّهَا:
الشِّقَّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ إِلا مَا كَانَ مِنْ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ فَدَكَ قَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بَعَثُوا إِلَى رسول الله ص يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ لَهُمْ، وَيُخَلُّوا له الأَمْوَالَ، فَفَعَلَ، وَكَانَ فِيمَنْ مَشَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِالأَمْوَالِ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا منكم، واعمر لها، فصالحهم رسول الله ص عَلَى النِّصْفِ، عَلَى أَنَّا إِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ فَدَكَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خالصه لرسول الله ص، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ.
فلما اطمان رسول الله ص أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً، وَقَدْ سَأَلَتْ: أَيُّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذِّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا السُّمَّ، فَسَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بين يدي رسول الله ص تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، فَأَخَذَهَا فَلاكَ مِنْهَا مُضْغَةً فَلَمْ يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن مَعْرُورٍ، وَقَدْ أَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ، ثُمَّ دَعَا بِهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: بُلِّغْتُ مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْتُ منه، فتجاوز عنها النبي ص وَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ أَكْلَتِهِ الَّتِي أَكَلَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: وقد كان رسول الله ص
(3/15)

قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ- وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ تَعُودُهُ:
يَا أُمَّ بِشْرٍ، إِنَّ هَذَا الأَوَانَ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مَعَ ابْنِكِ بِخَيْبَرَ.
قَالَ: وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ رَسُولَ الله ص قَدْ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فرغ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ

ذكر غزوه رسول الله ص وَادِي الْقُرَى
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ثور ابن زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مع رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، نَزَلْنَا أَصْلا مع مغارب الشمس، ومع رسول الله ص غُلامٌ لَهُ، أَهْدَاهُ إِلَيْهِ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الجذامى، ثم الضبيبى، فو الله انا لنضع رحل رسول الله ص إِذْ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنَا: هنيئا له الجنه! [فقال رسول الله ص: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ شَمْلَتَهُ الان لتحرق عليه في النار قال: وكان غَلَّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ] قَالَ: فسمعها رجل من اصحاب رسول الله ص فَأَتَاهُ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي، قَالَ: فَقَالَ:
يُقَدُّ لَكَ مِثْلَهُمَا مِنَ النَّارِ] .
وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ نَامَ رَسُولُ الله ص وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسِ، حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق،
(3/16)

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لما انصرف رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ، وَكَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ: مَنْ رَجُلٌ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الْفَجْرَ، لَعَلَّنَا نَنَامُ؟ فَقَالَ بِلالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ الله احفظ لك، فنزل رسول الله ص، وَنَزَلَ النَّاسُ فَنَامُوا، وَقَامَ بِلالٌ يُصَلِّي، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى بَعِيرِهِ، وَاسْتَقَبَلَ الْفَجْرَ يَرْمُقُهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَنَامَ فَلَمْ يُوقِظْهُمْ إِلا مَسُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ رسول الله ص أَوَّلَ أَصْحَابِهِ هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلالُ! فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، قَالَ: صدقت ثم اقتاد رسول الله غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ أَنَاخَ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأَ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلالا فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، [فَقَالَ: إِذَا نَسِيتُمُ الصَّلاةَ فَصَلُّوهَا إِذَا ذَكَرْتُمُوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يقول: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] » .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي صفر.
قال: وشهد مع رسول الله ص نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَضَخَ لَهُنَّ رَسُولُ الله من الفيء ولم يضرب لهن بسهم
. امر الحجاج بن علاط السلمى
قَالَ: وَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ علاط السلمى ثم البهزى لرسول الله ص: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالا بِمَكَّةَ عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ- وكانت عنده، له منها معرض بن الحجاج- ومال متفرق فِي تُجَّارِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رسول الله فاذن له رسول الله ص، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَقُولَ، قَالَ: قُلْ، قَالَ الْحَجَّاجُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَوَجَدْتُ بِثَنِيَّةِ الْبَيْضَاءِ رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمَّعُونَ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سار
(3/17)

إِلَى خَيْبَرَ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهَا قَرْيَةُ الْحِجَازِ، ريفا ومنعه وَرِجَالا، فَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي قَالُوا: الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ- وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلامِي- عِنْدَهُ وَاللَّهِ الْخَبَرَ! أَخْبِرْنَا بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ بَلْدَةُ يَهُودَ وَرِيفُ الْحِجَازِ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي مِنَ الْخَبَرِ مَا يَسُرُّكُمْ قَالَ: فَالْتَاطُوا بِجَنْبَيْ نَاقَتِي يَقُولُونَ: إِيهِ يَا حَجَّاجُ! قَالَ: قُلْتُ: هُزِمُوا هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ أَسْرًا، وَقَالُوا: لَنْ نَقْتُلَهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ قَالَ: فَقَامُوا فَصَاحُوا بِمَكَّةَ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الْخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فَيُقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالَ: قُلْتُ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ عَلَى غُرَمَائِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبَرَ، فَأُصِيبَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إِلَى مَا هُنَالِكَ.
قَالَ: فَقَامُوا فَجَمَعُوا مَالِي كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ فَجِئْتُ صَاحِبَتِي فَقُلْتُ: مَالِي- وَقَدْ كَانَ لِي عِنْدَهَا مَالٌ مَوْضُوعٌ- لَعَلِّي أَلْحَقُ بِخَيْبَرَ، فَأُصِيبُ مِنْ فُرَصِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْهِ التُّجَّارُ فَلَمَّا سَمِعَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْخَبَرَ وَجَاءَهُ عَنِّي، أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ إِلَى جَنْبِي، وَأَنَا فِي خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ التُّجَّارِ، فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ، مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَهَلْ عِنْدَكَ حِفْظٌ لِمَا وَضَعْتُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَاسْتَأْخِرْ عَنِّي حَتَّى أَلْقَاكَ عَلَى خَلاءٍ، فَإِنِّي فِي جَمْعِ مَالِي كَمَا تَرَى، فَانْصَرِفْ عَنِّي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْ جَمْعِ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ لِي بِمَكَّةَ، وَأَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ، لَقِيتُ الْعَبَّاسَ، فَقُلْتُ: احْفَظْ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَإِنِّي أَخْشَى الطَّلَبَ ثَلاثًا، ثُمَّ قُلْ مَا شِئْتَ قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ ابْنَ أَخِيكَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ- يَعْنِي صَفِيَّةَ بنت حيي ابن أَخْطَبَ- وَلَقَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَانْتَثَلَ مَا فِيهَا، وَصَارَتْ لَهُ وَلأَصْحَابِهِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ يَا حَجَّاجُ! قَالَ: قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ، فَاكْتُمْ عَلَيَّ، ولقد اسلمت
(3/18)

وَمَا جِئْتُ إِلا لآخُذَ مَالِي فَرَقًا مِنْ أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلاثٌ فَأَظْهِرْ أَمْرَكَ، فَهُوَ وَاللَّهِ عَلَى مَا تُحِبُّ قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ لَبِسَ الْعَبَّاسُ حُلَّةً لَهُ، وَتَخَلَّقَ وَأَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْكَعْبَةَ، فَطَافَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا:
يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ لِحَرِّ الْمُصِيبَةِ! قَالَ: كَلا وَالَّذِي حَلَفْتُمْ بِهِ! لَقَدِ افْتَتَحَ مُحَمَّدٌ خَيْبَرَ، وَتُرِكَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ، وَأَحْرَزَ أَمْوَالَهَا وَمَا فِيهَا، فَأَصْبَحَتْ لَهُ وَلأَصْحَابِهِ قَالُوا: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ:
الَّذِي جَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، لَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا، وَأَخَذَ مَالَهُ وَانْطَلَقَ لِيَلْحَقَ برسول الله واصحابه فيكون معه، قالوا: يال عباد اللَّهِ! أَفْلَتَ عَدُوُّ اللَّهِ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ، وَلَمْ يَنْشَبُوا ان جاءهم الخبر بذلك

ذكر مقاسم خيبر وأموالها
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَقَاسِمُ عَلَى أَمْوَالِ خَيْبَرَ عَلَى الشِّقِّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةِ، فَكَانَتِ الشِّقُّ وَنَطَاةُ فِي سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْكَتِيبَةُ خمس الله عز وجل وخمس النبي ص، وَسَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَطُعْمَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، وَطُعْمَ رِجَالٍ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَهْلِ فَدَكَ بِالصُّلْحِ، مِنْهُمْ محيصه ابن مسعود، اعطاه رسول الله ص مِنْهَا ثَلاثِينَ وَسْقَ شَعِيرٍ، وَثَلاثِينَ وَسْقَ تَمْرٍ وَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ خَيْبَرَ وَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حرام الأنصاري، فقسم له رسول الله ص كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا
(3/19)

قال: ولما فرغ رسول الله ص مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَكَ حِينَ بَلَغَهُمْ مَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يُصَالِحُونَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرَ أَوْ بِالطَّائِفِ، وَإِمَّا بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ الله ص خَاصَّةً، لأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ص يَبْعَثُ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَهُودَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا قَالُوا: تَعَدَّيْتَ عَلَيْنَا، قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا، فَتَقُولُ يَهُودُ: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ.
وَإِنَّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، ثُمَّ أُصِيبَ بِمُؤْتَةَ، فَكَانَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، هُوَ الَّذِي يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَأَقَامَتْ يَهُودُ عَلَى ذَلِكَ لا يَرَى بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ بَأْسًا فِي مُعَامَلَتِهِمْ، حتى عدوا في عهد رسول الله ص على عبد الله ابن سَهْلٍ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، فَقَتَلُوهُ، فَاتَّهَمَهُمْ رَسُولُ الله ص وَالْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ كَانَ إِعْطَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ص يَهُودَ خَيْبَرَ نَخِيلَهُمْ حِينَ أَعْطَاهُمُ النَّخْلَ عَلَى خَرْجِهَا؟ أَبَتَّ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى قُبِضَ، أَمْ أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا لِضَرُورَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
فَأَخْبَرَنِي ابن شهاب ان رسول الله ص افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خَمَسَهَا رَسُولُ الله وقسمها
(3/20)

بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الإِجْلاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ: [إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ هَذِهِ الأَمْوَالَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا، وَتَكُونَ ثِمَارُهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَأُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ] فَقَبِلُوا، فَكَانُوا عَلَى ذلك يعملونها وكان رسول الله ص يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَقْسِمُ ثَمَرَهَا، وَيَعْدِلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرْصِ، فَلَمَّا تَوَفَّى اللَّهُ عز وجل نبيه ص أَقَرَّهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْمُعَامَلَةِ الَّتِي كَانَ عَامَلَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ أَقَرَّهَا عُمَرُ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثَمَّ بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ص قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ،] فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَهُ الثَّبْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَهُودَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي إِجْلائِكُمْ، فَقَدْ بلغنى ان رسول الله ص قَالَ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ،] فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَأْتِنِي بِهِ أُنْفِذْهُ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ فَلْيَتَجَهَّزْ لِلْجَلاءِ، فَأَجْلَى عُمَرُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عهد من رسول الله ص مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ الواقدي: فِي هَذِهِ السَّنَةِ رد رسول الله ص زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ.
قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ بِمَارِيَةَ وَأُخْتِهَا سِيرِينَ وَبَغْلَتِهِ دُلْدُلَ وَحِمَارِهِ يَعْفُورَ وَكَسَا، وَبَعَثَ مَعَهُمَا بِخَصِيٍّ فَكَانَ مَعَهُمَا، وَكَانَ حَاطِبٌ قَدْ دَعَاهُمَا إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ بِهِمَا، فَأَسْلَمَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، فَأَنْزَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى أُمِّ سُلَيْمِ بِنْتِ مِلْحَانَ- وَكَانَتْ مَارِيَةُ وضيئه- قال: فبعث النبي ص
(3/21)

بِأُخْتِهَا سِيرِينَ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانٍ.
قَالَ: وَفِي هذه السنه اتخذ النبي ص مِنْبَرَهُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَاتَّخَذَ دَرَجَتَيْنِ وَمَقْعَدَةً.
قَالَ: وَيُقَالُ إِنَّهُ عُمِلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ قَالَ: وَهُوَ الثَّبْتُ عِنْدَنَا.
قَالَ: وفيها بعث رسول الله ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا إِلَى عَجُزِ هَوَازِنَ بِتُرْبَةٍ، فَخَرَجَ بِدَلِيلٍ لَهُ مِنْ بَنِي هِلالٍ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ، وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ، فَأَتَى الْخَبَرُ هَوَازِنَ فَهَرَبُوا، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَرَجَعَ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فِي شَعْبَانَ إِلَى نَجْدٍ، قَالَ سلمه ابن الأَكْوَعِ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ مَضَى خَبَرُهَا قَبْلُ.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكَ فِي شَعْبَانَ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا فَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ وَارْتُثَّ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى الْمَيْفَعَةِ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص غالب ابن عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفا لهم مِنَ الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، [فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، مَنْ لَكَ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ!] قَالَ الواقدي: وَفِيهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عتبة، قال:
(3/22)

قال يسار مولى رسول الله ص: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَعْلَمُ غِرَّةً مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي مِائَةٍ وَثَلاثِينَ رَجُلا، حَتَّى أَغَارُوا عَلَى بَنِي عَبْدٍ، فَاسْتَاقُوا النَّعَمَ وَالشَّاءَ، وَحَدَرُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى يُمْنٍ وَجِنَابٍ، فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ، ذَكَرَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: الَّذِي أَهَاجَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ أَنَّ حُسَيْلَ بْنَ نُوَيْرَةَ الاشجعى- وكان دليل رسول الله ص الى خيبر- قدم على النبي ص، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ بِالْجِنَابِ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ لِيَسِيرُوا إِلَيْكُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ الدَّلِيلُ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً، وَلَقِيَهُمْ عَبْدٌ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ، فَانْهَزَمَ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ: قَدْ آنَ لَكَ يَا عُيَيْنَةُ أَنْ تُقْصِرَ عما ترى

عمره القضاء
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَشَهْرَ رَبِيعٍ الآخِرِ وَجُمَادَى الأُولَى وجمادى الآخرة ورجب وَشَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالا، يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوِهِ وَسَرَايَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ مَكَانَ عُمْرَتِهِ الِّتِي صَدُّوهُ عَنْهَا، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدَّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرٍ وَجَهْدٍ وَحَاجَةٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ
(3/23)

الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اصْطَفُّوا لرسول الله ص عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَسْجِدَ، اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، وَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ [قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً! ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ مَشَى حَتَّى يَسْتَلِمَ الأَسْوَدَ، ثُمَّ هَرْوَلَ كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى سَائِرَهَا] .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا صَنَعَهَا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ لِلَّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمْ، حَتَّى حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَمَلَهَا، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بها.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، ان رسول الله ص حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ، دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... إِنِّي شَهِيدٌ أَنَّهُ رَسُولِهِ
خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ ... يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
اعرف حق الله في قبوله ... يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهِ ... نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عن مقيله
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق،
(3/24)

عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ابى نجيح، عن عطاء بن رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ص تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ إِيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ رسول الله ص بِمَكَّةَ ثَلاثًا، فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وكلته باخراج رسول الله ص مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، [فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص: مَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ!] قَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ رَسُولُ الله ص وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفٍ، فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ هُنَالِكَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ وَأَبْدَلَ مَعَهُمْ، فَعَزَّتْ عَلَيْهِمُ الإِبِلُ فَرَخَّصَ لَهُمْ في البقر، ثم انصرف رسول الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ- وَوَلَّى تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ- وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الأُولَى بَعْثَهُ إِلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ.
وَقَالَ الواقدي: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزهري، قال: امرهم رسول الله ص أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي قَابِلٍ قَضَاءً لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْ يُهْدُوا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً، وَلَكِنْ كَانَ شَرْطٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْتَمِرُوا قَابِلا فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ.
قَالَ الواقدي: قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا، لأَنَّهُمْ أُحْصِرُوا وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْبَيْتِ.
وَقَالَ الواقدي: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ موهب، عن محمد ابن ابراهيم، قال: ساق رسول الله ص فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ سِتِّينَ بَدَنَةً
(3/25)

قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَمَلَ السِّلاحَ وَالْبِيضَ وَالرِّمَاحَ، وَقَادَ مِائَةَ فَرَسٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى السِّلاحِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَرَاعَهُمْ، فَأَرْسَلُوا مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الأَخْيَفِ، فَلَقِيَهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، [فَقَالَ لَهُ:
مَا عَرَفْتُ صَغِيرًا وَلا كَبِيرًا إِلا بِالْوَفَاءِ، وَمَا أُرِيدُ إِدْخَالَ السِّلاحِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَرِيبًا إِلَيَّ] فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ.
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَيْهِمْ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ فِي خَمْسِينَ رَجُلا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَقِيَهُ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ- بَنُو سُلَيْمٍ، فَأُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ نَجَا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ
(3/26)

ثُمَّ دَخَلَتْ

سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
فَفِيهَا تُوُفِّيَتْ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ الله ص، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

خبر غزوه غالب بن عبد الله الليثى بنى الملوح
قال: وفيها اغزى رسول الله ص غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ فِي صَفَرٍ إِلَى الْكَدِيدِ إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَغَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مَا حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبِي- وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إسحاق، قال: حدثنى يعقوب ابن عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ الله بن خبيب الجهنى، عن جندب ابن مكيث الجهنى، قال: بعث رسول الله ص غالب بن عبد الله الكلبي، كلب ليث، إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ- وَكُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ- فَمَضَيْنَا، حَتَّى إذا كنا بقديد لقينا بها الحارث ابن مَالِكٍ- وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ- فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا جِئْتُ لأُسْلِمَ، فَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ مُسْلِمًا، فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ قَالَ: فَأَوْثَقَهُ رباطا ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا، فَقَالَ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ قَالَ: ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلْنَا عُشَيْشِيَةً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي رَبِيئَةً، فَعَمِدْتُ إِلَى تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ- وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْمَغْرِبِ- فَخَرَجَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَّلِّ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى عَلَى هَذَا التَّلِّ سَوَادًا مَا كُنْتُ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لا تَكُونُ الْكِلابُ
(3/27)

جَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي، فَنَاوَلَتْهُ فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي قَالَ:
فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ، وَلَمْ أَتَحَرَّكْ ثُمَّ رَمَانِي بِالآخَرِ، فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَاتَّبِعِي سَهْمَيَّ فَخُذِيهِمَا لا تَمْضُغُهُمَا عَلَيَّ الْكَلابُ، قَالَ: فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ، حَتَّى إِذَا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ، فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ، وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إِلَى الْقَوْمِ مُغَوِّثًا قَالَ:
وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بِالْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، ابْنِ الْبَرْصَاءِ، وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صَرِيخُ النَّاسِ، فَجَاءَنَا مَا لا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قَدِيدٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَحَابًا مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلا خَالا، فَجَاءَ بِمَا لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا، مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُقْدِمَ وَلا يَتَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا سِرَاعًا، حَتَّى أَسْنَدْنَاهَا فِي الْمُشَلَّلِ، ثُمَّ حَدَرْنَاهَا عَنْهَا، فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَاجِزٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَحْدُوهَا فِي أَعْقَابِهَا، وَيَقُولُ:
أَبَى أَبُو الْقَاسِمِ أَنْ تَعْزُبِي ... فِي خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلَبِ
صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ الْمُذْهَبِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْهُمْ، أَنَّ شعار اصحاب رسول الله ص تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَانَ: أَمِتْ أَمِتْ.
قَالَ الواقدي: كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِضْعَةَ عشر رجلا
(3/28)

قال: وفيها بعث رسول الله ص الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَكَ جَاءَنِي وَرُسُلَكَ وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ قال: فصالحهم رسول الله ص عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ، لا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرَ وَعَبَّادَ ابْنَيْ جَلَنْدِيٍّ بِعُمَانَ، فَصَدَّقَا النَّبِيَّ، وَأَقَرَّا بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَدَّقَ أَمْوَالَهُمَا، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ.
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً، وَكَانَتْ سِهَامُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، لِكُلِّ رَجُلٍ.
قَالَ: وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْغِفَارِيِّ إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ، خَرَجَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ، فَوَجَدَ جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا، فَقَتَلُوا أَصْحَابَ عَمْرٍو جَمِيعًا، وَتَحَامَلَ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ.
قَالَ الواقدي: وَذَاتُ أَطْلاحٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ قُضَاعَةَ، وَرَأْسُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ سَدُوسٌ قَالَ:
وَفِيهَا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُسْلِمًا عَلَى رسول الله ص
، قَدْ أَسْلَمَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَقَدِمَ مَعَهُ عُثْمَانُ بن طلحه العبدري، وخالد ابن الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي أَوَّلِ صَفَرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ سَبَبُ إِسْلامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَوْسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(3/29)

عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مَعَ الأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ، جَمَعْتُ رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ:
تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنِّي لأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَاذَا رَأَيْتَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قومنا كنا عند النجاشى، فلان نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ يَظْهَرْ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلا يَأْتِينَا مِنْهُمْ الا خير فقالوا: ان هذا لراى قُلْتُ:
فَاجْمِعُوا لَهُ مَا نُهْدِي إِلَيْهِ- وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأُدْمُ- فَجَمَعْنَا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قدمنا عليه، فو الله إِنَّا لَعِنْدَهُ، إِذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضمرى- وكان رسول الله ص قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ- قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ، فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ! فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي! أَهْدَيْتَ لِي شَيْئًا مِنْ بِلادِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدْمًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوٍّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ- يَعْنِي النَّجَاشِيَّ- فَلَوِ انْشَقَّتِ الأَرْضُ لِي لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ، قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، لِتَقْتُلَهُ! فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟ قَالَ:
(3/30)

وَيْحَكَ يَا عَمْرُو! أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: فَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الإِسْلامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ الله لاسلم، فلقيت خالد ابن الْوَلِيدِ- وَذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ- وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟
قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُ إِلا لأُسْلِمَ، فَقَدِمْنَا عَلَى رسول الله ص، [فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلا أَذْكُرَ مَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ رَسُولُ الله ص: يَا عَمْرُو، بَايِعْ فَإِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لا أَتَّهِمُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ مَعَهُمَا، أَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَا
. ذِكْرُ مَا فِي الْخَبَرِ عَنِ الْكَائِنِ كَانَ مِنَ الأَحْدَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ
فَمِمَّا كَانَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ تَوْجِيهُ رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ إِلَى السلاسل من بلاد قضاعه في ثلاثمائة، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ- فِيمَا ذُكِرَ- كَانَتْ قُضَاعِيَّةً، فَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَرَادَ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ، فَوَجَّهَهُ فِي أَهْلِ الشَّرَفِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، ثُمَّ اسْتَمَدَّ رَسُولُ الله ص، فَأَمَدَّهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي مِائَتَيْنِ، فكان جميعهم خمسمائة
(3/31)

غزوه ذات السلاسل
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى أَرْضِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ، يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ إِلَى الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتِ امْرَأَةً مِنْ بَلِيٍّ، فبعثه رسول الله إِلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامٍ، يُقَالُ لَهُ السَّلاسِلُ- وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلاسِلِ- فَلَمَّا كَانَ عليه خاف، فبعث الى رسول الله يستمده، فبعث اليه رسول الله ص أبا عبيده ابن الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، [وَقَالَ لأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ: لا تَخْتَلِفَا، فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّمَا جِئْتُ مَدَدًا لِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ:
يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَالَ لِي: لا تَخْتَلِفَا، وَأَنْتَ إِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ، قَالَ: فَأَنَا أَمِيرٌ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ: فَدُونَكَ! فَصَلَّى عمرو ابن العاص بالناس]

غزوه الخبط
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا كَانَتْ غُزْوَةُ الْخَبَطِ، وَكَانَ الأمير فيها ابو عبيده ابن الجراح، بعثه رسول الله ص في رجب منها، في ثلاثمائة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ قِبَلَ جُهَيْنَةَ، فَأَصَابَهُمْ فِيهَا أَزْلٌ شَدِيدٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى اقْتَسَمُوا التَّمْرَ عَدَدًا.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حدثه انه سمع جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: خَرَجْنَا فِي بَعْثٍ وَنَحْنُ ثلاثمائة، وَعَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ، فَكُنَّا نَأْكُلُ الْخَبَطَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَتْ دَابَّةٌ من البحر
(3/32)

يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ، فَمَكَثْنَا نِصْفَ شَهْرٍ، نَأْكُلُ مِنْهَا، وَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ مِنَ الْغَدِ كَذَلِكَ، فَنَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَانْتَهَى.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ- وَسَمِعْتُ ذَكْوَانَ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: إِنَّهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ.
قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ الْجُذَامِيُّ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: جَهِدُوا، وقد كان عليهم قيس ابن سَعْدٍ، وَنَحَرَ لَهُمْ تِسْعَ رَكَائِبَ، وَقَالَ: بَعَثَهُمْ فِي بَعْثٍ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ، وَإِنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إِلَيْهِمْ دَابَّةً، فَمَكَثُوا عَلَيْهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَيُقَدِّدُونَ وَيَغْرِفُونَ شَحْمَهَا، [فَلَمَّا قَدِمُوا على رسول الله ص ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قَيْسِ بْنِ سعد، فقال رسول الله: إِنَّ الْجُودَ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ،] وَقَالَ فِي الْحُوتِ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّا نَبْلُغُهُ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ لأَحْبَبْنَا أَنْ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَطَ وَلا شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُ، قَالَ: زَوَّدَنَا النَّبِيُّ ص جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ يَقْبِضُ لَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَنَمُصُّهَا وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ إِلَى اللَّيْلِ، حَتَّى نَفِدَ مَا فِي الْجِرَابِ، فَكُنَّا نَجْنِي الْخَبَطَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا قَالَ: فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جِيَاعٌ كُلُوا، فَأَكَلْنَا- وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَنْصُبُ الضِّلْعَ مِنْ أَضْلاعِهِ فَيَمُرُّ الرَّاكِبُ عَلَى بَعِيرِهِ تَحْتَهُ، وَيَجْلِسُ النَّفَرُ الْخَمْسَةُ فِي مَوْضِعِ عَيْنِهِ- فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا، وَحَسُنَتْ شَحْمَاتُنَا، [فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قال جابر: فذكرنا ذلك للنبي ص، فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ، مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ - وَكَانَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْءٌ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَأَكَلَ مِنْهُ] .
قَالَ الواقدي: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَزْوَةُ الْخَبَطِ، لأَنَّهُمْ أَكَلُوا الْخَبَطَ حَتَّى كَأَنَّ أَشْدَاقَهُمْ أَشْدَاق الإِبِلِ العضهه
(3/33)

[حوادث متفرقة]
قَالَ:
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةٌ وَجَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص فِي شَعْبَانَ، أَمِيرُهَا أَبُو قَتَادَةَ
. حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَأَصْدَقْتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي، فَقَالَ: وَكَمْ أَصْدَقْتَ؟ قُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَوْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَأْخُذُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ مَا زِدْتُمْ! وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكَ بِهِ] .
قَالَ: فَلَبِثْتُ أَيَّامًا، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ- أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ- فِي بَطْنِ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمَ، حَتَّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ، يُرِيدُ أَنْ يجمع قيسا على حرب رسول الله ص.
قَالَ: وَكَانَ ذَا اسْمٍ وَشَرَفٍ فِي جُشَمَ قال: فدعاني رسول الله ص وَرَجُلَيْنِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُونَا بِهِ، أَوْ تَأْتُونَا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ قَالَ: وَقَدَّمَ لَنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ، فحمل عليها أحدنا، فو الله مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتَّى دَعَمَهَا الرِّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اسْتَقَلَّتْ وَمَا كَادَتْ ثُمَّ قَالَ: تَبْلُغُوا عَلَى هَذِهِ وَاعْتَقِبُوهَا.
قَالَ: فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلاحُنَا مِنَ النَّبْلِ وَالسُّيُوفِ، حَتَّى جِئْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ عُشَيْشِيَّةً مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَمَرْتُ صَاحِبَيَّ، فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ، وَقُلْتُ لَهُمَا: إِذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبَّرْتُ وَشَدَدْتُ عَلَى العسكر فكبرا وشدا معى.
قال: فو الله إِنَّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غِرَّةً أَوْ نُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا، غَشِيَنَا اللَّيْلُ حَتَّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تخوفوا عليه
(3/34)

قَالَ: فَقَامَ صَاحِبُهُمْ ذَلِكَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأَتْبَعَنَّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَقَالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: وَاللَّهِ لا تَذْهَبُ، نَحْنُ نَكْفِيكَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لا يَذْهَبُ إِلا أَنَا، قَالُوا:
فَنَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: وَاللَّهِ لا يَتْبَعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ.
قَالَ: وَخَرَجَ حَتَّى مَرَّ بِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ في فؤاده، فو الله مَا تَكَلَّمَ، وَوَثَبْتُ إِلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ، وَشَدَّ صَاحِبَايَ وكبرا، فو الله مَا كَانَ إِلا النَّجَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِيهِ عِنْدَكَ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
قَالَ: فَاسْتَقْنَا إِبِلا عَظِيمَةً، وَغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا الى رسول الله ص، وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي، قَالَ: فَأَعَانَنِي رَسُولُ الله ص مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ بِثَلاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَجَمَعْتُ إِلَيَّ أَهْلِي.
وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ، فَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، حدثه عن ابيه، النبي ص بَعَثَ ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَنَّ السَّرِيَّةَ كَانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلا، وَأَنَّهُمْ غَابُوا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ كَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا يُعْدَلُ الْبَعِيرُ بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَأَنَّهُمْ أَصَابُوا فِي وُجُوهِهِمْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فِيهِنَّ فَتَاةٌ وَضِيئَةٌ، فَصَارَتْ لأَبِي قَتَادَةَ، فَكَلَّمَ مَحْمِيَةُ بْنُ الْجَزْءِ فِيهَا رسول الله ص، فسال رسول الله ص أَبَا قَتَادَةَ عَنْهَا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهَا مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ: هَبْهَا لِي، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ الله مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ
. قَالَ:
وَفِيهَا أَغْزَى رسول الله ص فِي سَرِيَّةٍ أَبَا قَتَادَةَ إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي الْقَعْقَاعِ بن عبد الله بن ابى حد رد الأسلمي
(3/35)

وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ:
بعثنا رسول الله ص إِلَى إِضَمٍ، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمٍ- وَكَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ- مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الأَضْبَطِ الأَشْجَعِيُّ عَلَى قُعُودٍ لَهُ، مَعَهُ مَتِيعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمَتِيعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ص فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» الآيَةَ.
وَقَالَ الواقدي: إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص بَعَثَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ حِينَ خَرَجَ لِفَتْحِ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة عنه، قال: لما رجع رسول الله ص إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَيْ رَبِيعٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِي جُمَادَى الأُولَى بَعْثَهُ إِلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بعث رسول الله ص بَعْثَهُ إِلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: إِنْ أُصِيبَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَلَى النَّاسِ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، ثُمَّ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، وَهُمْ ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمَّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ وَوَدَّعُوهُمْ فَلَمَّا
(3/36)

وُدِّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَعَ مَنْ ودع من أمراء رسول الله ص بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا بن رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا، وَلا صَبَابَةٌ بِكُمْ، [وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا] » .
فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ! فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهَزَةً ... بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا!
ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى رَسُولِ الله ص فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يُشَيِّعُهُمْ، حَتَّى إِذَا وَدَّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
خَلَفَ السَّلامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ ... فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيِّعٍ وَخَلِيلِ
ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا مُعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْمُسْتَعْرِبَةُ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَبَلْقَيْنَ وَبَهْرَاءَ وَبَلِيٍّ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيٍّ، ثُمَّ أَحَدُ إِرَاشَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانٍ لَيْلَتَيْنِ، يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَقَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ الله وَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّنَا بِرِجَالٍ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ فَشَجَّعَ النَّاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: يَا قَوْمُ، وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلا قُوَّةٍ وَلا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا هي إِحْدَى
(3/37)

الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَمَضَى النَّاسُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِكَ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامِ قُرْحٍ ... تُغَرُّ مِنَ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
حَذَوْنَاهَا مِنَ الصَّوَّانِ سِبْتًا ... أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مُعَانٍ ... فَأُعْقِبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوَّمَاتٌ ... تَنَفَّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السَّمُومُ
فَلا وَأَبِي، مَآبِ لَنَأْتِيَنْهَا ... وَلَوْ كَانَتْ بِهَا عُرْبٌ وَرُومُ
فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا فَجَاءَتْ ... عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ
بِذِي لَجَبٍ كَأَنَّ الْبِيضَ فِيهِ ... إِذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النُّجُومُ
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلَّقَتْهَا ... أَسِنَّتُنَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ
ثُمَّ مَضَى النَّاسُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخَرَجَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ مُرْدِفِي عَلَى حقيبه رحله، فو الله إِنَّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إِذْ سَمِعْتُهُ وَهُوَ يتَمَثَّلُ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ:
إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنُكِ أَنْعُمٌ وَخَلاكِ ذَمٌّ ... وَلا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي ... بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ
وَرَدُّكِ كُلَّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ ... إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعُ الإِخَاءِ
(3/38)

هُنَالِكَ لا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهُنَّ مِنْهُ بَكَيْتُ، فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ! يَرْزُقُنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ، وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ! ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي بَعْضِ شِعْرِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
يَا زَيْدَ زَيْدَ الْيَعْمَلاتِ الذُّبَّلِ ... تَطَاوَلَ اللَّيْلُ هُدِيتَ فَانْزِلِ
قَالَ: ثُمَّ مَضَى النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ، لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا، فَتَعَبَّأَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ، ثُمَّ الْتَقَى النَّاسُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حارثة برايه رسول الله ص حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الإِسْلامِ فَرَسَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمه وابو تميمله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يحيى بن عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي- وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةَ مُؤْتَةَ- قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدَّدُ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ طَائِعَةً أَوْ فَلَتُكْرَهِنَّهْ
(3/39)

إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ ... مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ!
قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إِلا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ!
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إِلا تَقْتُلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنَ عَمٍّ لَهُ بِعَظْمٍ مِنْ لَحْمٍ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ أَيَّامَكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، فَانْتَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ، فَقَالَ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ، أَخُو بِلْعِجْلانِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَقَالُوا:
أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ، وَحَاشَى بِهِمْ، ثُمَّ انْحَازَ وتحيز عنه حتى انصرف بالناس.
فحدثني الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ- وَكَانَتِ الأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ- فَغَشِيَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قتادة فارس رسول الله ص، قال: بعث رسول الله جَيْشَ الأُمَرَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فان اصيب فجعفر
(3/40)

ابن أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَوَثَبَ جَعْفَرٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَذْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ زَيْدًا عَلَيَّ! قَالَ: امْضِ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ! فَانْطَلَقُوا، فَلَبِثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثم ان رسول الله ص صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ! فَاجْتَمَعَ الناس الى رسول الله، فَقَالَ:
بَابُ خَيْرٍ، بَابُ خَيْرٍ، بَابُ خَيْرٍ! أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا- وَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ، فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا- فَشَهِدَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا- فَاسْتَغْفَرَ لَهُ- ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ- وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ، هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ-[ثم قال رسول الله ص: اللَّهُمَّ إِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَأَنْتَ تَنْصُرُهُ- فَمُنْذُ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدُ سَيْفَ اللَّهِ- ثُمَّ قال رسول الله: أَبْكِرُوا فَأَمِدُّوا إِخْوَانَكُمْ وَلا يَتَخَّلَفَنَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ] فَنَفَرُوا مُشَاةً وَرُكْبَانًا، وَذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ مصاب جعفر، [قال رسول الله ص: قَدْ مَرَّ جَعْفَرٌ الْبَارِحَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ، لَهُ جَنَاحَانِ، مُخْتَضِبَ الْقَوَادِمِ بِالدَّمِ، يُرِيدُونَ بِيشَةَ، أَرْضًا بِالْيَمَنِ] .
قال وقد كان قطبة بْن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بْن رافلة قائد المستعربة فقتله قَالَ: وقد كانت كاهنة من حدس حين سمعت بجيش رسول الله ص مقبلا قد قالت لقومها من حدس- وقومها بطن يقال لهم بنو غنم: أنذركم قوما خزرا، ينظرون شزرا، ويقودون الخيل بترا، ويهريقون دما
(3/41)

عكرا فأخذوا بقولها، فاعتزلوا من بين لخم، فلم يزالوا بعد اثرى حدس وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة، بطن من حدس، فلم يزالوا قليلا بعد، ولما انصرف خالد بْن الوليد بالناس أقبل بهم قافلا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا دَنَوْا من دخول المدينة، تلقاهم رسول الله ص والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَ: خُذُوا الصِّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ، فَأُتِيَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخَذَهُ، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: وَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ:
يَا فُرَّارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [فَيَقُولُ رسول الله: لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ، إِنْ شَاءَ اللَّهَ!] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ آلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ- وَهُمْ أَخْوَالُهُ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زوج النبي ص، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا لِي لا أَرَى سلمه يحضر الصلاة مع رسول الله وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ! قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ، كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ النَّاسُ: أَفَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! حَتَّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَمَا يخرج.
وفيها غزا رسول الله ص أَهْلَ مَكَّةَ

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ مَكَّةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ،
(3/42)

قال: ثم اقام رسول الله ص بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ بَعْثِهِ إِلَى مُؤْتَةَ، جُمَادَى الآخِرَةَ ورجب.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ وَكَانَ الَّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وبنى خزاعة رجل من بلحضرمى، يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ- وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ يَوْمَئِذٍ إِلَى الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ- خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قُبَيْلَ الإِسْلامِ عَلَى بَنِي الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ الدِّيلِيِّ، وَهُمْ مَنْخَرُ بَنِي بَكْرٍ وَأَشْرَافُهُمْ: سُلْمَى، وَكُلْثُومٌ، وَذُؤَيْبٌ، فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، قَالَ: كَانَ بَنُو الأَسْوَدِ يُودَوْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ديتين ديتين، ونودى ديه ديه لفضلهم فينا.
فَبَيْنَا بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةُ عَلَى ذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمُ الإِسْلامُ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ صلح الحديبية بين رسول الله ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ كَانَ فِيمَا شَرَطُوا عَلَى رَسُولِ الله ص، وَشَرَطَ لَهُمْ- كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا- أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عهد رسول الله ص وَعَقْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ في عقد رسول الله ص.
فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَتْهَا بَنُو الدِّيلِ، مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ
(3/43)

وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ بِبَنِي الأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فِي بَنِي الدِّيلِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَائِدُهُمْ، لَيْسَ كُلُّ بَنِي بَكْرٍ تَابِعَهُ- حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى الوتير، ماء لهم، فأصابوا منهم رجلا وتجاوزوا وَاقْتَتَلُوا، وَرَفَدَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا، حَتَّى حَازُوا خُزَاعَةَ إِلَى الْحَرَمِ.
- قَالَ الواقدي: كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ لَيْلَتَئِذٍ بِأَنْفُسِهِمْ مُتَنَكِّرِينَ صَفْوَانُ بْنُ أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عَمْرٍو، مَعَ غَيْرِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ- رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ إِلَهَكَ إِلَهَكَ، فَقَالَ: كَلِمَةً عَظِيمَةً إِنَّهُ لا إِلَهَ لَهُ الْيَوْمَ! يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ! وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلا يُقَالُ لَهُ مُنَبِّهٌ، وَكَانَ مُنَبِّهٌ رَجُلا مَفْئُودًا خَرَجَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لَهُ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ- فَقَالَ لَهُ مُنَبِّهٌ: يَا تَمِيمُ، انْجُ بنفسك، فاما انا فو الله إِنِّي لَمَيِّتٌ قَتَلُونِي أَوْ تَرَكُونِي، لَقَدْ أَنَّبْتُ فُؤَادِيَ فَانْطَلَقَ تَمِيمٌ فَأَفْلَتَ، وَأَدْرَكُوا مُنَبِّهًا فَقَتَلُوهُ- فَلَمَّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ مَكَّةَ لَجَئُوا إِلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ وَدَارَ مَوْلًى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ.
قَالَ: فَلَمَّا تَظَاهَرَتْ بَنُو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم مَا أَصَابُوا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رسول الله ص مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بِمَا اسْتَحَلُّوا مِنْ خُزَاعَةَ- وَكَانُوا فِي عَقْدِهِ وَعَهْدِهِ- خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ، حَتَّى قدم على رسول الله ص
(3/44)

الْمَدِينَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ بَيْنَ ظهراني الناس، فقال:
لا هم انى ناشد محمدا ... حلف أبينا وابيه ألا تلدا
فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدًا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يُنْمِي صُعُدَا
إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا
إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءَ رَصَدَا ... وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا
فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا.
يَقُولُ: قَدْ قَتَلُونَا وقد أسلمنا فقال رسول الله ص حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: قَدْ نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بن سالم! ثم عرض لرسول الله ص عَنَانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ.
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ [وَقَدْ كَانَ رسول الله ص قَالَ لِلنَّاسِ:
كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ لِيَشْدُدَ الْعَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ]
(3/45)

وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَقُوا أَبَا سُفْيَانَ بِعُسْفَانَ، قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيَشْدُدَ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ، وَقَدْ رَهَبُوا الَّذِي صَنَعُوا، فَلَمَّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلا، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا بُدَيْلُ؟ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: سرت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادى.
قال: او ما أَتَيْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لا قَالَ: فَلَمَّا رَاحَ بُدَيْلٌ إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ كَانَ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النَّوَى، فَعَمَدَ إِلَى مَبْرَكِ نَاقَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بُدَيْلٌ مُحَمَّدًا.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سفيان حتى قدم على رسول الله ص الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رسول الله ص طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي! قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ:
وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ص، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ:
أَنَا اشفع لكم الى رسول الله! فو الله لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا الذَّرَّ لَجَاهَدْتُكُمْ ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَعِنْدَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غُلامٌ يَدُبٌّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّكَ أَمَسُّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا، وَأَقَرَبُهُمْ مِنِّي قَرَابَةً، وَقَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ، فَلا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ! قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي بُنَيَّكِ هَذَا فَيُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ الْعَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ! قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بلغ بنيى ذلك
(3/46)

أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَحَدٌ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ.
قَالَ: او ترى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا! قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ، وَلَكِنْ لا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فكلمته، فو الله مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَجَدْتُهُ أَعْدَى الْقَوْمِ، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ القوم، وقد اشار على بشيء صنعته، فو الله مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِينِي شَيْئًا أَمْ لا! قَالُوا: وَبِمَاذَا أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَفَعَلْتُ، قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لا، قَالُوا: وَيْلَكَ! وَاللَّهِ إِنْ زَادَ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، فَمَا يُغْنِي عَنَّا مَا قُلْتَ قَالَ: لا وَاللَّهِ، مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُحَرِّكُ بعض جهاز رسول الله ص، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِأَنْ تُجَهِّزُوهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزْ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي.
ثُمَّ إِنَّ رسول الله ص أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالتَّهَيُّؤِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ يُحَرِّضُ النَّاسَ، وَيَذْكُرُ مُصَابَ رِجَالِ خُزَاعَةَ:
(3/47)

أَتَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءَ مَكَّةٍ ... رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزُّ رِقَابُهَا
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسِلُّوا سُيُوفَهُمْ ... وَقَتْلَى كَثِيرٍ لَمْ تُجَنَّ ثِيَابُهَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَنَّ نُصْرَتِي ... سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو حَرُّهَا وَعِقَابُهَا!
وَصَفْوَانَ عُودًا حَزَّ مِنْ شفر استه ... فهذا او ان الحرب شد عصابها
فلا تامننا يا بن أُمِّ مُجَالِدٍ ... إِذَا احْتَلَبَتْ صَرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا
فَلا تَجْزَعُوا مِنْهَا فَإِنَّ سُيُوفَنَا ... لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا
وَقَوْلُ حَسَّانٍ.
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ.
يَعْنِي قُرَيْشًا وَابْنَ أُمِّ مُجَالِدٍ، يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الأَمْرِ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً- يَزْعُمُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهَا سَارَّةُ، مَوْلاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وَجَعَلَ لَهَا جُعْلا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا، ثُمَّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمَّ خرجت به واتى رسول الله ص الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَقَالَ: أَدْرِكَا امْرَأَةً
(3/48)

قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَابٍ إِلَى قُرَيْشٍ، يُحَذِّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ، فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا بِالْحُلَيْفَةِ، حُلَيْفَةِ ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، فَاسْتَنْزَلاهَا، فَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، [فَقَالَ لَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
انى احلف ما كذب رسول الله وَلا كُذِبْنَا، وَلْتُخْرِجِنَّ إِلَيَّ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ،] فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ، قَالَتْ: أَعْرِضْ عَنِّي، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْهُ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رسول الله ص، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ حَاطِبًا، فَقَالَ:
يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ أَصْلٌ وَلا عَشِيرَةٌ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَهْلٌ وَوَلَدٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نافق، فقال رسول الله ص: وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ! فَأَنْزَلَ الله عز وجل في حاطب: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ» الى قوله: «وَإِلَيْكَ أَنَبْنا» إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ الله ص لسفره، واستخلف
(3/49)

عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ خَلَفٍ الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ شهر رمضان، فصام رسول الله ص، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ مَا بَيْنَ عَسفَانَ وَأَمَجَ، أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ عَمِيَتِ الأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ فَلا يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، فَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَتَحَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَلَقَّى رَسُولَ الله ص بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغيره قد لقيا رسول الله ص بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَ الدخول على رسول الله، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَصِهْرُكَ، قَالَ: لا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِمَكَّةَ مَا قَالَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بُنَيٌّ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأْذَنَنَّ لِي أَوْ لآخُذَنَّ بِيَدِ بُنَيَّ هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الأَرْضِ، حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رسول الله ص رَقَّ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا،
(3/50)

فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَا وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلامِهِ وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا كَانَ مَضَى مِنْهُ:
لَعَمْرِيَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ... مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ ... وَأُدْعَى وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ مُحَمَّدِ
هُمُ مَا هُمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ ... وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمُّ وَيُفْنَدِ
أُرِيدُ لأُرْضِيهِمْ وَلَسْتُ بِلائِطٍ ... مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ
فَقُلْ لِثَقِيفٍ لا أُرِيدُ قتالها ... وقل لثقيف تلك غيرى او عدى
وَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا ... وَمَا كَانَ عَنْ جَرَّى لِسَانِي وَلا يَدِي
قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلادٍ بَعِيدَةٍ ... نَزَائِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ
قَالَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ انشد رسول الله ص قَوْلَهُ: وَنَالَنِي مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مطرد، ضرب النبي ص فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مطرد! وقال الواقدى: خرج رسول الله ص إِلَى مَكَّةَ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ هَوَازِنَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: يُرِيدُ ثَقِيفًا، وَبَعَثَ إِلَى الْقَبَائِلِ فَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ، وَلَمْ يَعْقِدِ الأَلْوِيَةَ وَلَمْ يَنْشُرِ الرَّايَاتِ حَتَّى قَدِمَ قُدَيْدًا، فَلَقِيَتْهُ بَنُو سُلَيْمٍ عَلَى الْخَيْلِ وَالسِّلاحِ التَّامِّ، وقد كان عيينه
(3/51)

لحق رسول الله بِالْعَرَجِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ بِالسُّقْيَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَى آلَةَ الْحَرْبِ وَلا تَهْيِئَةَ الإِحْرَامِ، فَأَيْنَ تَتَوَجَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال رسول الله؟ فقال رسول الله ص:
حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْ تُعَمَّى عَلَيْهِمُ الأَخْبَارُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَلَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بِالسُّقْيَا، وَلَقِيَهُ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ بِنِيقِ الْعُقَابِ.
فَلَمَّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ الله ص مَرَّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وقد خرج رسول الله ص مِنَ الْمَدِينَةِ: يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ بغتها رسول الله فِي بِلادِهَا، فَدَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةً، إِنَّهُ لَهَلاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ! فَجَلَسَ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله ص الْبَيْضَاءَ، وَقَالَ: أَخْرُجُ إِلَى الأَرَاكِ لَعَلِّي أَرَى حَطَّابًا أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ، أَوْ دَاخِلا يَدْخُلُ مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله، فيأتونه فيستامنونه فخرجت، فو الله إِنِّي لأَطُوفُ فِي الأَرَاكِ أَلْتَمِسُ مَا خَرَجْتُ لَهُ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وَقَدْ خَرَجُوا يَتَحَسَّسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَسَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ نِيرَانًا! فَقَالَ بُدَيْلٌ: هَذِهِ وَاللَّهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ، حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَلأَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَذَلُّ! فَعَرَفْتُ صوته، فقلت:
(3/52)

يَا أَبَا حَنْظَلَةَ! فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ! فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَمَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَرَائِي قَدْ دَلَفَ إِلَيْكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ بِعَشْرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقُلْتُ:
تَرْكَبُ عَجُزَ هَذِهِ الْبَغْلَةِ، فَأَسْتَأْمِنُ لَكَ رسول الله، فو الله لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَرَدَفَنِي فَخَرَجْتُ به اركض بغله رسول الله ص نحو رسول الله ص، فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ وَنَظَرُوا الى، قالوا: عم رسول الله عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلا عهد! ثم اشتد نحو النبي ص، وَرَكَّضْتُ الْبَغْلَةَ، وَقَدْ أَرْدَفْتُ أَبَا سُفْيَانَ، حَتَّى اقْتَحَمْتُ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ، وَسَبَقْتُ عُمَرَ بِمَا تَسْبِقُ بِهِ الدَّابَّةُ الْبَطِيئَةُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ، فَدَخَلَ عمر على رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلا عَقْدٍ، فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ! ثُمَّ جلست الى رسول الله ص فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ، فَقُلْتُ:
وَاللَّهِ لا يُنَاجِيهِ الْيَوْمَ أَحَدٌ دُونِي! فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ، قُلْتُ: مهلا يا عمر! فو الله مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلا لأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عدى ابن كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا فَقَالَ: مَهْلا يَا عباس! فو الله لإِسْلامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ! وَذَلِكَ لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ إِسْلامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: اذْهَبْ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَيَّ بِالْغَدَاةِ فَرَجَعَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غدا به على رسول الله ص، فلما رآه قال:
[وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ!] وَاللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي
(3/53)

رَسُولُ اللَّهِ! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ! فَقَالَ الْعَبَّاسُ: فَقُلْتُ لَهُ وَيْلَكَ! تَشَهَّدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ وَاللَّهِ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، قَالَ: فَتَشَهَّدَ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِلْعَبَّاسِ حِينَ تَشَهَّدَ أَبُو سُفْيَانَ:
انْصَرِفْ يَا عَبَّاسُ فَاحْبِسْهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: [يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ فَقَالَ: نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ] .
فَخَرَجْتُ حَتَّى حَبَسْتُهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ، فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا عَبَّاسُ؟ فَأَقُولُ: سُلَيْمٌ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ! فَتَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ، فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَأَقُولُ: أَسْلَمُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلأَسْلَمَ! وَتَمُرُّ جُهَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ! حَتَّى مَرَّ رسول الله ص في الخضراء، كتيبه رسول الله ص مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي الْحَدِيدِ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلا الْحَدَقُ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ فَقُلْتُ:
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا فَقُلْتُ: وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ! فَقَالَ: نَعَمْ إِذًا، فَقُلْت: الْحَقِ الآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ، فَخَرَجَ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ! قَالُوا: فَمَهْ! فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ! فَقَالَ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(3/54)

أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَبَانٌ الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ خَالِدِ بْنِ الوليد: هل اغار يوم الفتح؟ ويأمر مَنْ أَغَارَ؟ وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِ خَالِدٍ يوم الفتح انه كان مع النبي ص، فَلَمَّا رَكِبَ النَّبِيُّ بَطْنَ مَرٍّ عَامِدًا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثُوا أَبَا سُفْيَانَ وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله ص، وَهُمْ حِينَ بَعَثُوهُمَا لا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ النبي ص! إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى الطَّائِفِ! وَذَاكَ أَيَّامَ الْفَتْحِ، وَاسْتَتْبَعَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَأَحَبَّا أَنْ يَصْحَبَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُ أَبِي سُفْيَانَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَبُدَيْلٍ، وَقَالُوا لَهُمْ حِينَ بَعَثُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص: لا نُؤْتَيَنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ، فَإِنَّا لا نَدْرِي مَنْ يُرِيدُ مُحَمَّدٌ! إِيَّانَا يُرِيدُ، أَوُ هَوَازِنَ يريد، او ثقيفا! وكان بين النبي ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ صُلْحٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَهْدٌ وَمُدَّةٌ، فَكَانَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ مَعَ قُرَيْشٍ، فَاقْتَتَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَكَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ: لا أَغْلالَ وَلا أَسْلالَ، فَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ، فَاتَّهَمَتْ بَنُو كَعْبٍ قُرَيْشًا، فمنها غزا رسول الله ص أَهْلَ مَكَّةَ، وَفِي غَزْوَتِهِ تِلْكَ لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمًا وَبُدَيْلا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَلَمْ يَشْعُرُوا ان رسول الله ص نزل مر، حَتَّى طَلَعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ بِمَرٍّ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ وَبُدَيْلٌ وَحَكِيمٌ بِمَنْزِلِهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَبَايَعُوهُ، فَلَمَّا بَايَعُوهُ بَعَثَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى قُرَيْشٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ- وَهِيَ بِأَعْلَى مَكَّةَ- وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ- وَهِيَ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ- فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
وَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمٌ مِنْ عِنْدِ النبي ص عَامِدِينَ إِلَى مَكَّةَ، بَعَثَ فِي إِثْرِهِمَا الزُّبَيْرَ وَأَعْطَاهُ رَايَتَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى خَيْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
(3/55)

وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِالْحَجُونِ، وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: لا تَبْرَحْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَغْرِزَ رَايَتِي حَتَّى آتِيَكَ، وَمِنْ ثَمَّ دَخَلَ رسول الله ص، وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- فِيمَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ قُضَاعَةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَأُنَاسٍ، إِنَّمَا أَسْلَمُوا قُبَيْلَ ذَلِكَ- أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَبِهَا بَنُو بَكْرٍ قَدِ اسْتَنْفَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَمَنْ كَانَ مِنَ الأَحَابِيشِ أَمَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ أَنْ يَكُونُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلَ مكة.
وحدثت ان النبي ص قَالَ لِخَالِدٍ وَالزُّبَيْرِ حِينَ بَعَثَهُمَا:
لا تُقَاتِلا إِلا مَنْ قَاتَلَكُمَا، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى بنى بكر وو الاحابيش بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، قَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ قِتَالٌ غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنْ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ أَحْدَ بَنِي مُحَارِبِ بن فهر وابن الأشعر- رجلا مِنْ بَنِي كَعْبٍ- كَانَا فِي خَيْلِ الزُّبَيْرِ فَسَلَكَا كُدَاءَ، وَلَمْ يَسْلُكَا طَرِيقَ الزُّبَيْرِ الَّذِي سَلَكَ، الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَدِمَا عَلَى كَتِيبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَهْبِطَ كُدَاءَ فَقُتِلا، وَلَمْ يَكُنْ بِأَعْلَى مَكَّةَ مِنْ قِبَلِ الزُّبَيْرِ قِتَالٌ، وَمِنْ ثم قدم النبي ص، وَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ يُبَايِعُونَهُ، فَأَسْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ، واقام النبي ص عِنْدَهُمْ نِصْفَ شَهْرٍ، لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَتْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، ان النبي ص حِينَ فَرَّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوًى، أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كُدًى، وَكَانَ الزُّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، فَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءَ فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ حِينَ وُجِّهَ دَاخِلا: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ! فَقَالَ رسول الله ص لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ، فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا]
(3/56)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، ان رسول الله ص أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنَ اللِّيطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ، فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمَجْنَبَةِ الْيُمْنَى، وَفِيهَا أَسْلَمُ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالصَّفِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْصِبُ لمكه بين يدي رسول الله ص، ودخل رسول الله ص مِنْ أَذَاخِرَ، حَتَّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَضُرِبَتْ هُنَالِكَ قُبَّتُهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر، ان صفوان بن اميه، وعكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانُوا قَدْ جَمَعُوا أُنَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدُّ سِلاحًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَكَّةَ وَيُصْلِحُ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:
لِمَاذَا تعد ما ارى؟ قال: محمد وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أُرَاهُ يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُوَ أَنْ اخدمك بعضهم، فقال:
ان تقبلوا اليوم فمالى عِلَّهْ ... هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَآلَهْ
وَذُو غَرَارِينَ سَرِيعُ السَّلَّهْ.
ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا من قتال، فقتل كرز ابن جَابِرِ بْنِ حِسْلِ بْنِ الأَجَبِّ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فهر، وحبيش بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الأَشْعَرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ اصرم بن ضبيس
(3/57)

ابن حَرَامِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، حَلِيفُ بَنِي مُنْقِذٍ- وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَشَذَّا عَنْهُ، وَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَقُتِلا جَمِيعًا- قُتِلَ خُنَيْسٌ قَبْلَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزٌ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهْرِ ... نَقِيَّةُ الْوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدْرِ
لأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخْرِ.
وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكْنَى بِأَبِي صَخْرٍ، وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمِيلاءِ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أُنَاسٌ قَرِيبٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا، حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتِمَهْ ... وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلا تَسْمَعُ إِلا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفُنَا وَهَمْهَمَهْ ... لم تنطقى في اللؤم أَدْنَى كَلِمَهْ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
وَكَانَ رَسُولُ الله ص قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ امرهم ان يدخلوا مكة، الا يَقْتُلُوا أَحَدًا إِلا مَنْ قَاتَلَهُمْ إِلا أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمَّاهُمْ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وان وجدوا تحت استار الكعبه منهم عبد الله بن سعد
(3/58)

ابن أَبِي سَرْحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ ابن لؤي- وانما امر رسول الله ص بِقَتْلِهِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَارْتَدَّ مُشْرِكًا، فَفَرَّ إِلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فغيبه حتى اتى به رسول الله ص بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ أَهْلُ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رسول الله، فذكر ان رسول الله ص صَمَتَ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ بِهِ عُثْمَانُ، [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَهَلا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لا يَقْتُلُ بِالإِشَارَةِ]- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بن غالب- وانما امر بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ص مُصَّدِّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهْ قَيْنَتَانِ: فَرْتَنَى وَأُخْرَى مَعَهَا، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ص، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ- وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ- وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ لِقَتْلِهِ الأَنْصَارِيَّ الَّذِي كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ خَطَأً، وَرُجُوعِهِ إِلَى قُرَيْشٍ مُرْتَدًّا- وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَارَةُ مَوْلاةٌ كَانَتْ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ فَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هشام، فاستامنت له رسول الله فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَتَتْ بِهِ رسول الله ص، فَكَانَ عِكْرِمَةُ يُحَدِّثُ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- أَنَّ الَّذِي رَدَّهُ إِلَى الإِسْلامِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الْيَمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَرَدْتُ رُكُوبَ الْبَحْرِ لأَلْحَقَ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ السَّفِينَةَ لأَرْكَبَهَا قَالَ صَاحِبُهَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَرْكَبْ سَفِينَتِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ، وَتَخْلَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الأَنْدَادِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَنْ نَهْلِكَ فِيهَا، فَقُلْتُ: وَمَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ
(3/59)

حَتَّى يُوَحِّدَ اللَّهَ وَيَخْلَعَ مَا دُونَهُ! قَالَ: نَعَمْ، لا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ إِلا أَخْلَصَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ أُفَارِقُ مُحَمَّدًا! فَهَذَا الَّذِي جَاءَنَا به، فو الله إِنَّ إِلَهَنَا فِي الْبَحْرِ لإِلَهُنَا فِي الْبَرِّ، فَعَرَفْتُ الإِسْلامَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ فِي قَلْبِي واما عبد الله ابن خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ، اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخَزَى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ ... وَفَجَّعَ أَضْيَافَ الشِّتَاءِ بِمِقْيَسِ
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ ... إِذَا النُّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تُخَرَّسِ!
وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وَهَرَبَتِ الأُخْرَى حَتَّى استؤمن لها رسول الله ص بَعْدُ، فَأَمَّنَهَا وَأَمَّا سَارَةُ، فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمَّنَهَا، ثُمَّ بَقِيَتْ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ فَرَسًا لَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالأَبْطَحِ، فَقَتَلَهَا وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقال الواقدى: امر رسول الله ص بِقَتْلِ سِتَّةِ نَفَرٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَذَكَرَ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمِنَ النِّسَاءِ هند بنت عتبة ابن رَبِيعَةَ، فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَسَارَةَ مَوْلاةَ عَمْرِو بْنِ هاشم بن عبد المطلب ابن عَبْدِ مَنَافٍ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَرِيبَةَ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَفَرْتَنَى عَاشَتْ إِلَى خِلافَةِ عُثْمَانَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى ابن الْوَجِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ السَّدُوسِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَامَ قَائِمًا حِينَ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ،
(3/60)

صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلا كُلُّ مَأْثَرَةٍ، أَوْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ يُدَّعَى، فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ.
أَلا وَقَتِيلُ الْخَطَأ مِثْلُ العمد، السوط والعصا، فيهما الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالآبَاءِ النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تراب ثم تلا رسول الله ص:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» الآيَةَ.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَيَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا:
خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ ثُمَّ قَالَ: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
فاعتقهم رسول الله ص، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَمْكَنَهُ مِنْ رِقَابِهِمْ عَنْوَةً، وَكَانُوا لَهُ فَيْئًا، فَبِذَلِكَ يُسَمَّى أَهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقَاءَ ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ الله ص عَلَى الإِسْلامِ، فَجَلَسَ لَهُمْ- فِيمَا بَلَغَنِي- عَلَى الصَّفَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ فَبَايَعَ رسول الله ص عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ- فِيمَا اسْتَطَاعُوا- وَكَذَلِكَ كَانَتْ بَيْعَتُهُ لِمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ص مِنَ النَّاسِ عَلَى الإِسْلامِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ص مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ بَايَعَ النِّسَاءَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، مُتَنَقِّبَةً مُتَنَكِّرَةً لِحَدَثِهَا وَمَا كَانَ مِنْ صَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ يَأْخُذَهَا رَسُولُ الله ص
(3/61)

بِحَدَثِهَا ذَلِكَ، فَلَمَّا دَنَوْنَ مِنْهُ لِيُبَايِعْنَهُ [قَالَ، رسول الله ص- فِيمَا بَلَغَنِي-: تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَلا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا! فَقَالَتْ هِنْدٌ:
وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا أَمْرًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَسَنُؤْتِيكَهُ قَالَ: وَلا تَسْرِقْنَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَةَ وَالْهَنَةَ وَمَا ادرى اكان ذلك حلالي أَمْ لا! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ- وَكَانَ شَاهِدًا لِمَا تَقُولُ: أَمَّا مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص:
وَإِنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ! فَقَالَتْ: أَنَا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ! قَالَ: وَلا تَزْنِينَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ! قَالَ: وَلا تَقْتُلْنَ أَوْلادَكُنَّ، قَالَتْ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ! فَضَحِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهَا حَتَّى اسْتَغْرَبَ.
قَالَ: وَلا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ، قَالَتْ:
وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ قَالَ: وَلا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ، قَالَتْ: مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِعُمَرَ: بَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ، فَبَايَعَهُنَّ عمر،] وكان رسول الله ص لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ، وَلا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلا تَمَسُّهُ إِلا امْرَأَةٌ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ، أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ ابن صَالِحٍ، أن بيعة النساء قد كانت على نحوين- فيما أخبره بعض أهل العلم- كان يوضع بين يدي رسول الله ص إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده فِي الإناء، ثُمَّ أخرجها فغمس النساء أيديهن فيه ثُمَّ كان بعد ذَلِكَ يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قَالَ: اذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذَلِكَ
. قَالَ الواقدي:

فيها قتل خراش بْن أمية الكعبي جنيدب بْن الأدلع
(3/62)

الهذلي- وقال ابن إسحاق: ابن الأثوع الهذلي- وإنما قتله بذحل، كان فِي الجاهلية، فَقَالَ [النبي ص: إن خراشا قتال، إن خراشا قتال! يعيبه بذلك، فامر النبي ص خزاعة أن يدوه] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلا وَقَدْ حَدَّثَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَ: خَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُرِيدُ جُدَّةَ، لِيَرْكَبَ مِنْهَا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَأَمِّنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: هُوَ آمِنٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي شَيْئًا يَعْرِفُ بِهِ أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكَّةَ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِجُدَّةَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ، فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! أُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا! فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهِ، قَالَ:
وَيْلَكَ! اغْرُبْ عَنِّي فَلا تُكَلِّمْنِي! قَالَ: أَيْ صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَأَحْلَمُ النَّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ، ابْنُ عَمَّتِكَ، عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ! قَالَ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ، فَرَجَعَ بِهِ مَعَهُ، حَتَّى قَدِمَ به على رسول الله ص فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي، قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَاجْعَلْنِي فِي أَمْرِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ، قَالَ: أَنْتَ فِيهِ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَفَاخِتَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ- وَكَانَتْ فَاخِتَةُ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمُّ حَكِيمٍ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ- أَسْلَمَتَا، فَأَمَّا أُمُّ حَكِيمٍ فَاسْتَأْمَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، فَآمَنَهُ، فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ، فَجَاءَتْ بِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ وَصَفْوَانُ، اقرهما رسول الله ص عِنْدَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الأَوَّلِ
(3/63)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، لَمَّا دخل رسول الله ص مَكَّةَ هَرَبَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ إِلَى نَجْرَانَ حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: رَمَى حَسَّانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتٍ وَاحِدٍ، مَا زَادَهُ عَلَيْهِ:
لا تَعْدَمَنْ رَجُلا أَحَلَّكَ بُغْضَهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى، رجع الى رسول الله ص، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ
إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سِنَنِ الرِّيحِ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبِّي ... ثُمَّ نَفْسِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ
إِنَّنِي عَنْكَ زَاجِرٌ ثَمَّ حَيٌّ ... مِنْ لُؤَيٍّ فَكُلُّهُمْ مَغْرُورُ
وَأَمَّا هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، فَأَقَامَ بِهَا كَافِرًا، وَقَدْ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ إِسْلامُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَتْ تَحْتَهُ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ:
أَشَاقَتْكَ هِنْدٌ أَمْ نَآكَ سُؤَالُهَا ... كَذَاكَ النَّوَى أَسْبَابُهَا وَانْفِتَالُهَا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشره آلاف، من بنى غفار أربعمائة، ومن اسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم
(3/64)

سبعمائة، ومن جهينة الف وأربعمائة رجل، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد
. قَالَ الواقدي:

فِي هذه السنة تزوج رَسُول اللَّهِ ص مليكة بنت داود الليثية،
فجاء إليها بعض ازواج النبي ص، فقالت لها: ألا تستحيين حين تزوجين رجلا قتل أباك! فاستعاذت منه، وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رَسُول اللَّهِ، وكان قتل أباها يوم فتح مكة
. قَالَ:

وفيها هدم خالد بْن الوليد العزى ببطن نخلة،
لخمس ليال بقين من رمضان، وهو صنم لبني شيبان، بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بْن عبد العزى، يقولون: هذا صنمنا، فخرج إليه خالد، فَقَالَ: قد هدمته، قَالَ: أرأيت شيئا؟ قَالَ: لا، قَالَ: فارجع فاهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزى اغضبي بعض غضباتك! فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثُمَّ اتى رسول الله ص، فأخبره بذلك، فَقَالَ:
تلك العزى، ولا تعبد العزى أبدا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى- وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ بَيْتًا يُعَظِّمُهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَمُضَرَ كُلِّهَا، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ- فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِمَسِيرِ خَالِدٍ إِلَيْهَا، عَلَّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ، وَأَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ الَّذِي هِيَ إِلَيْهِ فَأُصْعِدَ فِيهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَيَا عُزُّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوًى لَهَا ... عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي
وَيَا عُزُّ إِنْ لَمْ تَقْتُلِي الْيَوْمَ خَالِدًا ... فَبُوئِي بِإِثْمٍ عَاجِلٍ أَوْ تنصرى
(3/65)

فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا خَالِدٌ هَدَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الى رسول الله ص
قَالَ الواقدي:

وَفِيهَا هُدِمَ سُوَاعٌ،
وَكَانَ بِرُهَاطٍ لِهُذَيْلٍ، وَكَانَ حَجَرًا، وَكَانَ الَّذِي هَدَمَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الصَّنَمِ، قَالَ لَهُ السَّادِنُ:
مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: هَدْمَ سُوَاعٍ، قَالَ: لا تَطِيقُ تَهْدِمُهُ، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
أَنْتَ فِي الْبَاطِلِ بَعْدُ! فَهَدَمَهُ عمرو، ولم يَجِدْ فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو لِلسَّادِنِ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَاللَّهِ
. وَفِيهَا هُدِمَ مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ،
هَدَمَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الأشهلي، وكان للأوس والخزرج
. مسير خالد بن الوليد الى بنى جذيمة بن مالك
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جُذَيْمَةَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَدْ كَانَ رَسُولُ الله ص بَعَثَ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ السَّرَايَا تَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالِ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلَ تِهَامَةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلا، فَوَطِئَ بَنِي جُذَيْمَةَ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن محمد بن إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلا، وَمَعَهُ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ: سُلَيْمٌ وَمِدْلَجٌ، وَقَبَائِلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى الْغُمَيْصَاءِ- وَهِيَ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي جذيمة بن عامر بن عبد مناه ابن كِنَانَةَ- عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، وَكَانَتْ بَنُو جُذَيْمَةَ قَدْ أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عَوْفٍ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ- وَكَانَا أَقْبَلا تَاجِرَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ- حَتَّى إِذَا نَزَلا بِهِمْ قَتَلُوهُمَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمَا، فلما كان الاسلام، وبعث
(3/66)

رسول الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، سَارَ حَتَّى نَزَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السِّلاحَ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: ضَعُوا السِّلاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جُذَيْمَةَ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا خَالِدٌ بِوَضْعِ السِّلاحِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ جَحْدَمٌ: وَيْلَكُمْ يَا بَنِي جُذَيْمَةَ! إِنَّهُ خَالِدٌ! وَاللَّهِ مَا بَعْدَ وَضْعِ السِّلاحِ إِلا الإِسَارُ، ثُمَّ مَا بَعْدَ الإِسَارِ إِلا ضَرْبُ الأَعْنَاقِ، وَاللَّهِ لا أَضَعُ سِلاحِي أَبَدًا قَالَ: فَأَخَذَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: يَا جَحْدَمُ، أَتُرِيدُ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَنَا! إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَوُضِعَتِ الْحَرْبُ، وَأَمِنَ النَّاسُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى نَزَعُوا سِلاحَهُ، وَوَضَعَ الْقَوْمُ السِّلاحَ لِقَوْلِ خَالِدٍ، فَلَمَّا وَضَعُوهُ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَكُتِّفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ فلما انتهى الخبر الى رسول الله ص رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ! ثُمَّ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع، [فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اخْرُجْ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بعثه رسول الله ص بِهِ، فَوَدِيَ لَهُمْ الدِّمَاءَ وَمَا أُصِيبَ مِنَ الأَمْوَالِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَدِي مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلا مَالٍ إِلا وَدَاهُ، بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ المال.
فقال لهم على ع حِينَ فَرَغَ مِنْهُمْ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ دَمٌ أَوْ مَالٌ لَمْ يُودَ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنِّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنْ هَذَا المال احتياطا لرسول الله ص مِمَّا لا يَعْلَمُ وَلا تَعْلَمُونَ فَفَعَلَ، ثُمَّ رجع الى رسول الله ص فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ] ثُمَّ قَامَ رسول الله ص، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا شَاهِرًا يَدَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ ليرى بياض
(3/67)

مَا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ! قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَعْذُرُ خَالِدًا: إِنَّهُ قَالَ: مَا قَاتَلْتُ حَتَّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَمَرَكَ بِقَتْلِهِمْ لامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَقَدْ كَانَ جَحْدَمٌ قَالَ لَهُمْ حِينَ وَضَعُوا سِلاحَهُمْ، وَرَأَى مَا يَصْنَعُ خَالِدٌ بِبَنِي جُذَيْمَةَ: يَا بَنِي جُذَيْمَةَ، ضَاعَ الضَّرْبُ، قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكُمْ مَا وَقَعْتُمْ فِيهِ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عَوْفٍ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَلامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلامِ! فَقَالَ: إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِأَبِيكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ عَوْفٍ: كَذَبْتَ! قَدْ قَتَلْتَ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ص، [فَقَالَ: مَهْلا يَا خَالِدُ! دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فو الله لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلا رَوْحَتَهُ] .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدٍ، فَقَالَ لِي فَتًى مِنْهُمْ- وَهُوَ فِي السَّبْيِ، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِرُمَّةٍ وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ: يَا فَتَى! قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ فَقَائِدِي بِهَا إِلَى هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ، حَتَّى اقضى
(3/68)

إِلَيْهِنَّ حَاجَةً، ثُمَّ تَرُدَّنِي بَعْدُ، فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَيَسِيرٌ مَا سَأَلْتَ، فَأَخَذْتُ بِرُمَّتِهِ فَقُدْتُهُ بِهَا حَتَّى أَوْقَفْتُهُ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ:
اسْلَمِي حُبَيْشُ، عَلَى نَفَدِ الْعَيْشِ:
أَرَيْتُكَ إِذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحُلِيَّةٍ أَوْ الفيتكم بالخوانق!
الم يك حقا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ!
فَلا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ أَهْلُنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ!
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
فَإِنِّيَ لا سِرًّا لَدَيَّ أَضَعْتُهُ ... وَلا رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِقِ
عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... وَلا ذُكِرَ إِلا أَنْ يَكُونَ لِوَامِقِ
قَالَتْ: وَأَنْتَ فَحُيِّيتَ عَشْرًا، وَسَبْعًا وِتْرًا، وَثَمَانِيًا تَتْرَى! ثُمَّ انْصَرَفْتُ بِهِ، فَقَدِمَ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي فراس بْن أبي سنبلة الأسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها، قالوا:
قامت إليه حين ضربت عنقه، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حَتَّى ماتت عِنْدَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقَامَ رسول الله ص بِمَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثمان.
(3/69)

545241 ذكر الخبر عن غزوه رسول الله ص هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ
وَكَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرِ هَوَازِنَ مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ- قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَبِي- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
اقام النبي ص بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ، لَمْ يَزِدْ على ذلك، حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بِحُنَيْنٍ- وَحُنَيْنٌ وَادٍ إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي ص، وَكَانُوا قَدْ جَمَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ سَمِعُوا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُهُمْ حَيْثُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ مَكَّةَ، أَقْبَلَتْ هوازن عامدين الى النبي ص، وَأَقْبَلُوا مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالأَمْوَالِ- وَرَئِيسُ هَوَازِنَ يَوْمَئِذٍ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَحَدُ بَنِي نَصْرٍ- واقبلت معهم ثقيف، حتى نزلوا حنينا يريدون النبي ص، فَلَمَّا حُدِّثَ النَّبِيُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنْ قَدْ نَزَلَتْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ بِحُنَيْنٍ، يَسُوقُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَحَدُ بَنِي نَصْرٍ- وَهُوَ رَئِيسُهُمْ يَوْمَئِذٍ- عمد النبي ص حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَوَافَاهُمْ بِحُنَيْنٍ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ فِيهَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ الَّذِي سَاقُوا مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَاشِيَةِ غَنِيمَةً غَنَمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ، فَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ فِيمَنْ كَانَ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
لما سمعت هوازن برسول الله ص وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بْن عوف النصري، واجتمعت إليه مَعَ هوازن ثقيف كلها، فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بْن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي جشم دريد بْن
(3/70)

الصمة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا كبيرا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم فِي الأحلاف: قارب بن الأسود ابن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بْن الحارث وأخوه الأحمر بْن الحارث فِي بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك بْن عوف النصري.
فلما أجمع مالك المسير الى رسول الله ص حط مَعَ الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بْن الصمة فِي شجار له يقاد به، فلما نزل قَالَ: بأي واد أنتم؟ قالوا:
بأوطاس، قَالَ: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قالوا: ساق مالك بْن عوف مَعَ الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فَقَالَ:
أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدعي له، فَقَالَ: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قَالَ:
سقت مَعَ الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قَالَ: ولم؟ قَالَ: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قَالَ: فانقض به ثُمَّ قَالَ: راعي ضأن والله! هل يرد المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فِي أهلك ومالك.
ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قَالَ: غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بْن عامر وعوف بْن عامر، قَالَ: ذانك الجذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا
(3/71)

يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثُمَّ الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذَلِكَ وقد أحرزت أهلك ومالك قَالَ: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حَتَّى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي قَالَ دريد بْن الصمة: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
وكان دريد رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم، ولكن السن أدركته حَتَّى فني- وهو دريد بْن الصمة بْن بكر بْن علقمة بْن جداعة بْن غزية ابن جشم بْن معاوية بْن بكر بْن هوازن- ثُمَّ قَالَ مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحد عَلَيْهِمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن اميه ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ لِيَنْظُرُوا لَهُ، وَيَأْتُوهُ بِخَبَرِ النَّاسِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالا بيضا على خيل بلق، فو الله مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى! فَلَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ، إِنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا سَمِعَ بهم رسول الله ص بعث
(3/72)

إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِخَبَرٍ مِنْهُمْ، وَيَعْلَمَ مِنْ عِلْمِهِمْ فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، فَدَخَلَ فِيهِمْ، فَأَقَامَ مَعَهُمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا له من حرب رسول الله ص، وَعَلِمَ أَمْرَ مَالِكٍ وَأَمْرَ هَوَازِنَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبْرَ، فدعا رسول الله ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ! فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ:
إِنْ تُكَذِّبْنِي فَطَالَمَا كَذَّبْتَ بِالْحَقِّ يَا عُمَرُ! فَقَالَ عُمَرُ: أَلا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ! [فقال رسول الله ص: قَدْ كُنْتَ ضَالا فَهَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ] .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: [حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: لَمَّا اجمع رسول الله ص السَّيْرَ إِلَى هَوَازِنَ لِيَلْقَاهُمْ، ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا وَسِلاحًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ:
أَعِرْنَا سِلاحَكَ هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا غَدًا فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ، قَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنَ السِّلاحِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ الله ص سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ حَمْلَهَا فَفَعَلَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَمَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مَعَ عَشَرَةِ آلافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ مَكَّةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ الله ص عتاب بن اسيد ابن أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى مَكَّةَ أَمِيرًا عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لقاء هوازن
(3/73)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ، انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ حَطُوطٍ، إِنَّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا- قَالَ: وَفِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُوا إِلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ وَمَضَايِقِهِ، قَدْ اجمعوا وتهيئوا وأعدوا- فو الله مَا رَاعِنَا وَنَحْنُ مُنْحَطُّونَ إِلا الْكَتَائِبَ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْنَا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، فَانْشَمَرُوا لا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وانحاز رسول الله ص ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ! هلم الى! انا رسول الله، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ! قَالَ: فَلا شَيْءَ، احْتَمَلَتِ الإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَانْطَلَقَ النَّاسُ، إِلا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمِمَّنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنُ بن عبيد- وهو ايمن بن أُمِّ أَيْمَنَ- وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ، بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ طَوِيلٍ، أَمَامَ النَّاسِ وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ، إِذَا أُدْرِكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ، فَاتَّبَعُوهُ وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ، وَرَأَى من كان مع رسول الله ص مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَالأَزْلامُ مَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَصَرَخَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ أَخَاهُ لأُمِّهِ، وَصَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي جَعَلَ له رسول الله ص- فَقَالَ: أَلا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ لَهُ صفوان: اسكت فض الله فاك! فو الله لأَنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِّنِي
(3/74)

رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ! وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ:
قُلْتُ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي- وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ- الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمَّدًا.
قَالَ: فَأَرَدْتُ رسول الله لأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّى فُؤَادِي فَلَمْ أُطِقْ ذَلِكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب، قال:
انى لمع رسول الله ص آخِذٌ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، قَدْ شَجَرْتُهَا بِهَا، قَالَ: وَكُنْتُ امْرَأً جَسِيمًا شَدِيدَ الصَّوْتِ، قَالَ: ورسول الله ص يَقُولُ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ! فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ لا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ! فَنَادَيْتُ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ! قَالَ: فَأَجَابُوا: أَنْ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! قَالَ: فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُرِيدُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتِرْسَهُ، ثُمَّ يَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ فَيُخَلِّي سَبِيلَهُ فِي النَّاسِ، ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ، حتى ينتهى الى رسول الله ص، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ استقبلوا الناس، فاقتتلوا، فكانت الدعوى أول مَا كَانَتْ: يَا للأَنْصَارِ! ثُمَّ جُعِلَتْ أَخِيرًا: يَا لِلْخَزْرَجِ! وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأَشْرَفَ رسول الله ص فِي رِكَابِهِ، فَنَظَرَ مُجْتَلَدَ الْقَوْمِ وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ، فَقَالَ: الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ! حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يقود بالنبي ص بغلته يوم حنين، فلما
(3/75)

غشى النبي ص الْمُشْرِكُونَ، نَزَلَ فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
[أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
] فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ أَشَدُّ مِنْهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إِذْ هَوَى لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُرِيدَانِهِ، فَيَأْتِيهِ عَلِيٌّ مِنْ خَلْفِهِ، فَيَضْرِبُ عُرْقُوبَيِ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ، وَوَثَبَ الأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ.
قَالَ: وَاجْتَلَدَ الناس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الأُسَارَى مُكَتَّفِينَ، وَقَدِ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ص الى ابى سفيان ابن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يومئذ مع رسول الله ص، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ- فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُ أُمِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهَ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله ص الْتَفَتَ، فَرَأَى أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ- وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ- حَازِمَةً وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا، وَإِنَّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزَّهَا الْجَمَلُ، فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ مَعَ الْخِطَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: أُمَّ سُلَيْمٍ! قَالَتْ: نَعَمْ،
(3/76)

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْتُلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفِرُّونَ عَنْكَ كَمَا تَقْتُلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكَ، فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص:
او يكفى اللَّهُ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! وَمَعَهَا خِنْجَرٌ فِي يَدِهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ: مَا هَذَا مَعَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: خِنْجَرٌ أَخَذْتُهُ مَعِي، إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بعجته به قال: يقول أَبُو طَلْحَةَ: أَلا تَسْمَعُ مَا تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهَ!.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، قال:
حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ ابن مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدِ اسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلا وَحْدَهُ هُوَ قَتَلَهُمْ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الأَسْوَدِ، أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، فَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلائِكَةُ، وَلَمْ يَكُنْ إِلا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ:
فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف ببني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بْن عبد الله بْن ربيعة بْن الحارث بْن حبيب، جد ابن أم حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مَعَ ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بْن عبد الله فقاتل بها حَتَّى قُتِلَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عَامِرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قال: لما بلغ رسول الله ص قَتْلُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ! فَإِنَّهُ كَانَ يبغض قريشا
(3/77)

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ انس، قال: كان النبي ص يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، يُقَالُ لَهَا دلدل، فلما انهزم المسلمون، [قال النبي ص لِبَغْلَتِهِ: الْبَدِي دُلْدُلُ! فَوَضَعَتْ بَطْنَهَا عَلَى الأَرْضِ فاخذ النبي ص حِفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ، وَقَالَ: حم لا يُنْصَرُونَ!] .
فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، مَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ وَلا طَعَنَ بِرُمْحٍ وَلا رَمَى بِسَهْمٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ، عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ، قَالَ: قُتِلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ غُلامٌ لَهُ نَصْرَانِيٌّ أَغْرَلُ قَالَ: فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَسْتَلِبُ قَتْلَى مِنْ ثَقِيفٍ، إِذْ كَشَفَ الْعَبْدَ لِيَسْتَلِبَهُ، فَوَجَدَهُ أَغْرَلَ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ ثَقِيفًا غُرْلٌ مَا تَخْتَتِنُ! قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَذْهَبَ عَنَّا فِي الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: لا تَقُلْ ذَلِكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! إِنَّمَا هُوَ غُلامٌ لَنَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَكْشِفُ لَهُ قَتْلانَا فَأَقُولُ: أَلا تَرَاهُمْ مُخَتَّنِينَ! قَالَ: وَكَانَتْ رَايَةُ الأَحْلافِ مَعَ قَارِبِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا هُزِمَ النَّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إِلَى شَجَرَةٍ، وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ مِنَ الأَحْلافِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ إِلا رَجُلانِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِيَرَةَ يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي كُنَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْجُلاحُ، فقال رسول الله ص حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ الْجَلاحِ: قُتِلَ الْيَوْمَ سَيِّدُ شَبَابِ ثَقِيفٍ، إِلا مَا كَانَ مِنَ ابْنِ هُنَيْدَةَ- وَابْنُ هُنَيْدَةَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بْن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة- ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف- فتبعت خيل رسول الله ص من سلك فِي نخلة
(3/78)

من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بْن رفيع بْن أهبان بْن ثعلبة بْن رَبِيعَةَ بْن يربوع بْن سمال بْن عوف بْن امرئ القيس- وكان يقال له ابن لذعة وهي أمه، فغلبت على نسبه- دريد بْن الصمة، فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فِي شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخ كبير، وإذا هو دريد بْن الصمة، لا يعرفه الغلام، فَقَالَ له دريد: ماذا تريد بي؟ قَالَ: أقتلك، قَالَ: ومن أنت؟ قَالَ: أنا ربيعة بْن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، فَقَالَ: بئسما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل فِي الشجار، ثُمَّ اضرب به وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ثُمَّ إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بْن الصمة، فرب يوم والله قد منعت نساءك! فزعمت بنو سليم أن ربيعة قَالَ: لما ضربته فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
قَالَ أبو جعفر: وبعث رسول الله ص فِي آثار من توجه قبل أوطاس، فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
لَمَّا قدم النبي ص مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصُّمَّةِ، فَقَتَلَ دُرَيْدًا، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ.
قَالَ أَبُو مُوسَى: فَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ:
يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ لأَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي، تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي!
(3/79)

قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ، فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ اقول له: الا تستحي! أَلَسْتَ عَرَبِيًّا! أَلا تَثْبَتُ! فَكَرَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: قَدْ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزَعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا منه الماء، فقال: يا بن أَخِي، انْطَلِقْ إِلَى رَسُول اللَّهِ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ إِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: اسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ:
يزعمون أن سلمة بْن دريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته، فقتله، فَقَالَ سلمة بْن دريد فِي قتله أبا عامر:
إن تسألوا عني فإني سلمه ابن سمادير لمن توسمه أضرب بالسيف رءوس المسلمه.
وسمادير أم سلمة، فانتمى إليها.
قَالَ: وخرج مالك بْن عوف عِنْد الهزيمة، فوقف فِي فوارس من قومه على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حَتَّى تمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم، فوقف هنالك حَتَّى مضى من كان لحق بهم من منهزمة النَّاسُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سعد بن بكر، ان رسول الله ص قَالَ يَوْمَئِذٍ لِخَيْلِهِ الَّتِي بَعَثَ: إِنْ قَدَرْتُمْ على بجاد- رجل من بنى سعد ابن بَكْرٍ- فَلا يَفْلِتَنَّكُمْ، وَكَانَ بِجَادٌ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمَّا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ، وَسَاقُوا أُخْتَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَعَنَّفُوا عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ مَعَهُمْ،
(3/80)

فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنِّي لأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا رسول الله ص.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدٍ السَّعْدِيِّ، قَالَ: لَمَّا انْتُهِيَ بِالشَّيْمَاءِ الى رسول الله ص قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْتُكَ، قَالَ: وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعَلامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا، وَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أُمَتِّعْكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكَ، قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فمتعها رسول الله ص، وَرَدَّهَا إِلَى قَوْمِهَا، فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ أَعْطَاهَا غُلامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا الآخَرَ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ.
قال ابن إسحاق: استشهد يوم حنين من قريش، ثُمَّ من بني هاشم:
أيمن بْن عبيد- وهو ابن أم ايمن، مولاه رسول الله ص- ومن بني أسد بْن عبد العزى يزيد بْن زمعة بْن الأَسْوَدِ بْن المطلب بْن أسد- جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل- ومن الأنصار سراقة بْن الحارث ابن عدي بْن بلعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعري ثم جمعت الى رسول الله ص سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاري، فامر رسول الله ص بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق:
لما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بْن مسعود ولا غيلان بْن
(3/81)

سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والضبور والمجانيق.

غزوه الطائف
فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عروه، قال: سار رسول الله ص يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ- يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ- حَتَّى نَزَلَ الطَّائِفَ، فَأَقَامَ نِصْفَ شهر يقاتلهم رسول الله ص وَأَصْحَابُهُ، وَقَاتَلَتْهُمْ ثَقِيفٌ مِنْ وَرَاءِ الْحِصْنِ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَأَسْلَمَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَجَاءَتْ رَسُولَ الله ص وفودهم، ثم رجع النبي ص وَلَمْ يُحَاصِرْهُمْ إِلا نِصْفَ شَهْرٍ حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، وَبِهَا السَّبْيُ الَّذِي سَبَى رَسُولُ اللَّهِ مِنْ حُنَيْنٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ- وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ السَّبْيَ الَّذِي أَصَابَ يَوْمَئِذٍ مِنْ هَوَازِنَ كَانَتْ عُدَّتُهُ سِتَّةَ آلافٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ- فلما رجع النبي ص إِلَى الْجِعْرَانَةِ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَأَعْتَقَ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ كُلَّهُمْ، وَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
ثُمَّ إِنَّ رسول الله ص رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمْرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الإِسْلامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَمِّنَ مَنْ حَجَّ مِنَ النَّاسِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا
(3/82)

قَدِمَهَا قَدِمَ عَلَيْهِ وُفُودُ ثَقِيفٍ، فَقَاضُوهُ عَلَى الْقَضِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَبَايَعُوهُ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي عِنْدَهُمْ كَاتَبُوهُ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عمرو بن شعيب، ان رسول الله ص سَلَكَ إِلَى الطَّائِفِ مِنْ حُنَيْنٍ عَلَى نَخْلةِ الْيَمَانِيَّةِ، ثُمَّ عَلَى قَرَنٍ، ثُمَّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمَّ عَلَى بَحْرَةَ الرُّغَاءِ مِنْ لِيَّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا، فَصَلَّى فِيهِ، فَأَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبَحْرَةَ الرغاه حِينَ نَزَلَهَا بِدَمٍ- وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الإِسْلامِ- رَجُلا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، قَتَلَ رَجُلا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ وَهُوَ بِلِيَّةَ بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيِّقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا، سَأَلَ عَلَى اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟
فَقِيلَ لَهُ: الضَّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى ثم خرج رسول الله ص عَلَى نَخَبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثقيف، فأرسل اليه رسول الله ص: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ، وَإِمَّا أَنْ نُخَرِّبَ عَلَيْكَ حَائِطَكَ، فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِإِخْرَابِهِ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الطَّائِفِ، فَضَرَبَ عَسْكَرُهُ، فَقُتِلَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطَّائِفِ فَكَانَتِ النَّبْلُ تَنَالُهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ، غَلَّقُوهُ دُونَهُمْ، فَلَمَّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنَّبْلِ، ارْتَفَعَ، فَوَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الَّذِي بِالطَّائِفِ الْيَوْمَ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ، إِحْدَاهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأُخْرَى مَعَهَا- قَالَ الواقدي:
الأُخْرَى زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ- فَضَرَبَ لَهُمَا قُبَّتَيْنِ، فَصَلَّى بَيْنَ القبتين
(3/83)

فَلَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، بَنَى عَلَى مُصَلَّى رَسُول الله ص ذَلِكَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكٍ مَسْجِدًا، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَارِيةٌ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- لا تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، إِلا سُمِعَ لها نقيض، فحاصرهم رسول الله ص، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالا شَدِيدًا، وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نفر من اصحاب رسول الله ص تَحْتَ دَبَّابَةٍ، ثُمَّ زَحَفُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحَمَّاةً بِالنَّارِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، وَقَتَلُوا رِجَالا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ فِيهَا النَّاسُ يَقْطَعُونَ.
وَتَقَدَّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى الطائف فناديا ثَقِيفًا:
أَنْ أَمِّنُونَا حَتَّى نُكَلِّمَكُمْ! فَأَمَّنُوهُمَا، فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ لِيَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمَا- وَهُمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِنَّ السِّبَاءَ- فَأَبَيْنَ، مِنْهُنَّ آمِنَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَهُ مِنْهَا دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ وَغَيْرُهَا.
وَقَالَ الواقدي: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ، اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيَّ، وَقَالَ: يَا نَوْفَلُ، مَا تَرَى فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قد بلغنى ان رسول الله ص قَالَ لأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا بِالطَّائِفِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَأَيْتُ أَنَّهُ أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ
(3/84)

مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَأَهْرَاقَ مَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ الله فقال رسول الله ص:
وَأَنَا لا أَرَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ السُّلَمِيَّةِ- وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ حُلِّيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ، أَوْ حُلِيَّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ- وَكَانَتَا مِنْ أَحْلَى نِسَاءِ ثَقِيفٍ- قَالَ: فَذُكِرَ لي ان رسول الله ص قَالَ لَهَا: وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ! فَخَرَجَتْ خُوَيْلَةُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ أَنَّكَ قُلْتَهُ! قَالَ: قَدْ قُلْتُهُ، قَالَ: او ما أُذِنَ فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: لا، قَالَ:
أَفَلا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ فِي النَّاسِ! قَالَ: بلى، فاذن عمر بِالرَّحِيلِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ النَّاسُ نَادَى سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْن أَبِي عَمْرِو بْنِ عِلاجٍ الثَّقَفِيَّ:
أَلا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ! قَالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَجَلْ وَاللَّهِ مَجَدَّةً كِرَامًا! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا عُيَيْنَةُ! أَتَمْدَحُ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ جِئْتَ تَنْصُرَهُ! قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جِئْتُ لأُقَاتِلَ مَعَكُمْ ثَقِيفًا، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَفْتَحَ مُحَمَّدٌ الطَّائِفَ فَأُصِيبُ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً أَتَبَطَّنُهَا لَعَلَّهَا أَنْ تَلِدَ لِي رَجُلا، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ.
واستشهد بالطائف من اصحاب رسول الله ص اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٌ من بنى ليث، واربعه من الانصار
(3/85)

امر اموال هوازن وعطايا المؤلفه قلوبهم منها
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ عَلَى دَحْنَا، حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ قَدِمَ سَبْيُ هَوَازِنَ حِينَ سَارَ إِلَى الطَّائِفِ الى الجعرانة، فحبس بها، ثم اتته بالجعرانة، وكان مع رسول الله ص مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ الإِبِلِ سِتَّةُ آلافِ بَعِيرٍ، وَمِنَ الشَّاءِ مَا لا يُحْصَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: أَتَى وَفْدُ هَوَازِنَ رَسُولَ الله ص وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ- أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ بَنُو سعد هم الذين ارضعوا رسول الله ص- يُقَالُ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي صُرَدَ- فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ! وَلَوْ أَنَّنَا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَوْ لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَّا بِمِثْلِ مَا نَزَلْتَ بِهِ، رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَعَائِدَتَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ! ثُمَّ قَالَ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نرجوه وندخر
(3/86)

امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُمَزَّق شَمْلُهَا، فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
فِي أَبْيَاتٍ قَالَهَا، فقال رسول الله ص: أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا، بَلْ تَرُدُّ عَلَيْنَا نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ لَكُمْ، فَلَمَّا صلى رسول الله ص بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، قَامُوا فَتَكَلَّمُوا بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ، فقال رسول الله: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ:
وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ قَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فلا، وقال عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلا، قَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ: يَقُولُ الْعَبَّاسُ لِبَنِي سليم: وهنتمونى! [فقال رسول الله ص: أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ مِنْكُمْ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ نُصِيبُهُ، فَرُدُّوا إِلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السَّعْدِيُّ أَبُو وَجْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ص كَانَ أَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ يُقَالُ لَهَا رَيْطَةُ بِنْتُ هِلالِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ هِلالِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ قُصَيَّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ حَيَّانَ بْنِ
(3/87)

عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ، وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَارِيَةً، فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ص عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَوَهَبَهَا لِي، فَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا حَتَّى أَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ آتِيهِمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْتُ، فَإِذَا النَّاسُ يَشْتَدُّونَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَدَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، قَالَ: قُلْتُ: تِلْكُمْ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحٍ، اذْهَبُوا فَخُذُوهَا، فَذَهَبُوا إِلَيْهَا فَأَخَذُوهَا، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَأَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ، وَقَالَ حِينَ أَخَذَهَا: أَرَى عَجُوزًا وَأَرَى لَهَا فِي الْحَيِّ نَسَبًا، وَعَسَى أَنْ يَعْظُمَ فداؤها! فلما رد رسول الله ص السَّبَايَا بِسِتِّ فَرَائِضَ أَبَى أَنْ يَرُدَّهَا، فَقَالَ له زهير ابو صرد: خذها عنك، فو الله مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلا بطنها بوالد، ولا درها بما كد، وَلا زَوْجُهَا بِوَاجِدٍ فَرَدَّهَا بِسِتِّ فَرَائِضَ حِينَ قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ مَا قَالَ، فَزَعَمُوا أَنَّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَشَكَا إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بِكْرًا غَرِيرَةً، وَلا نَصَفًا وَثِيرَةً، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِوَفْدِ هَوَازِنَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ: مَا فَعَلَ؟ فَقَالُوا: هُوَ بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ،] فَأَتَى مَالِكٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ خَافَ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ الله ص قَالَ لَهُ مَا قَالَ، فَيَحْبِسُوهُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَهُيِّئَتْ لَهُ، وَأَمَرَ بِفَرَسٍ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ الطَّائِفَ، فَخَرَجَ لَيْلا، فَجَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ فَرَكَضَهُ، حَتَّى أَتَى رَاحِلَتَهُ حَيْثُ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُحْبَسَ لَهُ، فَرَكِبَهَا، فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَأَدْرَكَهُ بالجعرانة- او
(3/88)

بِمَكَّةَ- فَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ.
وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله ص عَلَى قَوْمِهِ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ حَوْلَ الطَّائِفِ: ثُمَالَةَ وَسَلِمَةَ وَفَهْمَ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا، لا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إِلا أَغَارَ عَلَيْهِ، حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ابو محجن ابن حَبِيبِ بْن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ:
هَابَتِ الأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ... ثُمَّ تَغْزُونَا بَنُو سَلِمَهْ
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمْ ... نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرْمَهْ
وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا ... وَلَقَدْ كُنَّا أُولِي نِقْمَهْ
وَهَذَا آخِرُ حَدِيثِ أَبِي وَجْزَةَ.
ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ رسول الله ص مِنْ رَدِّ سَبَايَا حُنَيْنٍ إِلَى أَهْلِهَا، رَكِبَ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ [يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ علينا فيئنا الإِبِلِ وَالْغَنَمِ، حَتَّى أَلْجَئُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَاخْتَطَفَتِ الشَّجَرَةُ عَنْهُ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي ايها الناس، فو الله لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ شَجَرِ تِهَامَةَ نِعَمًا لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ مَا لَقِيتُمُونِي بَخِيلا وَلا جَبَانًا وَلا كَذَّابًا ثُمَّ قَامَ إِلَى جَنْبِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ وَبْرَةً مِنْ سِنَامِهِ فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلا هَذِهِ الْوَبَرَةُ إِلا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الخياط والمخيط،
(3/89)

فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِكُبَّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعَرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتُ هَذِهِ الْكُبَّةَ أَعْمَلُ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي دُبِرَ، قَالَ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ،] فَقَالَ:
إِنَّهُ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا، ثُمَّ طَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ.
إِلَى هَاهُنَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن ابى بكر، قال: اعطى رسول الله ص الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ- وَكَانُوا أَشْرَافًا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ يَتَأَلَّفُهُمْ وَيَتَأَلَّفُ بِهِ قُلُوبَهُمْ- فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ مائه بعير، واعطى حكيم ابن حِزَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى النَّضِيرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْعَلاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الأَقْرَعَ ابن حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عوف النصرى مِائَةَ بَعِيرٍ، فَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ الْمِئِينَ، وَأَعْطَى دُونَ المائه رجالا من قريش، منهم مخرمه ابن نَوْفَلِ بْنِ أُهَيْبٍ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ- لا يُحْفَظُ عِدَةُ مَا أَعْطَاهُمْ، وَقَدْ عُرِفَ فِيمَا زُعِمَ أَنَّهَا دُونَ الْمِائَةِ- وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ خَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى السَّهْمِيَّ خَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مرداس السلمى اباعر فنسخطها، وعاتب فيها رسول الله ص، فقال:
(3/90)

كَانَتْ نِهَابًا تَلافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
إِلا أَفَائِلَ أُعْطَيْتُهَا ... عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الأَرْبَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لا يُرْفَعِ
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ص: اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ، فَزَادُوهُ حَتَّى رَضِيَ، فَكَانَ ذَلِكَ قَطْعَ لِسَانِهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ [مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحارث، ان قائلا قال لرسول الله ص مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِائَةً، وَتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيَّ! فَقَالَ رَسُولُ الله ص: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلاعِ الأَرْضِ، كُلِّهِمْ مِثْلَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلامِهِ]
(3/91)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مِقْسَمٍ أَبِي الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَتَلِيدُ بْنُ كِلابٍ اللَّيْثِيُّ حَتَّى أتينا عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مُعَلِّقًا نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، فَقُلْنَا لَهُ:
هَلْ حَضَرْتَ رَسُولَ الله ص حِينَ كَلَّمَهُ التَّمِيمِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟
[قَالَ: نَعَمْ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ ذو الخويصره، فوقف على رسول الله ص وَهُوَ يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَجَلْ، فَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ ارك عدلت! فغضب رسول الله ص، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَقْتُلُهُ! فَقَالَ: لا، دَعُوهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي النَّصْلِ فَلا يوجد شيء، ثم في القدح فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ فِي الْفَوْقِ فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، وَسَمَّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ الَّذِي كَلَّمَ رسول الله ص بهذا الكلام، انما كلمه به في مال كان على ع بَعَثَهُ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعُ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ، فَقَالَ حِينَئِذٍ مَا ذُكِرَ عَنْ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ أَنَّهُ قَالَهُ رَجُلٌ حَضَرَهُ
(3/92)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ [أَنَّ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص مِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لاسير الى جنب رسول الله ص عَلَى نَاقَةٍ لِي، وَفِي رِجْلَيَّ نَعْلٌ غَلِيظَةٌ، إِذْ زَحَمَتْ نَاقَتِي نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَقَعُ حَرْفُ نَعْلِي عَلَى سَاقِ رَسُولِ اللَّهِ فَأَوْجَعَهُ، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال:
أوجعتني فتأخر عَنِّي، فَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ إِذَا رسول الله يَلْتَمِسُنِي، قَالَ: قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ لِمَا كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ بِالأَمْسِ قَالَ:
فَجِئْتُهُ وَأَنَا أَتَوَقَّعُ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ قَدْ اصبت رجلي بالأمس فاوجعتنى فقرعت قدمك بالسوط، فَدَعَوْتُكَ لأُعَوِّضَكَ مِنْهَا، فَأَعْطَانِي ثَمَانِينَ نَعْجَةً بِالضَّرْبَةِ الَّتِي ضَرَبَنِي] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُمُ الْقَالَةُ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَوْمَهُ! فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا مِنْ قَوْمِي! قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَاهُمْ رسول الله ص، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ،
(3/93)

وَمَوْجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالَّا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ! قَالُوا: بَلَى، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ! فَقَالَ: أَلا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ! قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ، وَلَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَآسَيْنَاكَ، وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ! أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا برسول الله الى رحالكم! [فو الذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ! اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ!] قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ الله ص وتفرقوا
. عمرة رسول الله من الجعرانة
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ، فَحُبِسَ بِمَجَنَّةَ، وَهِيَ بِنَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ وَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، اسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ عَلَى مَكَّةَ، وَخَلَفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُفَقِّهُ النَّاسَ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، وَاتُّبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ص ببقايا الفيء وكانت عمره رسول الله في ذي القعده، فقدم رسول الله ص
(3/94)

الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَحَجَّ النَّاسُ تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ عَلَيْهِ، وَحَجَّ تِلْكَ السَّنَةِ بِالْمُسْلِمِينَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ، وَأَقَامَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ مَا بَيْنَ ذِي الْقَعْدَةِ، إِذِ انْصَرَفَ رسول الله عَنْهُمْ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ.
قال الواقدى: لما قسم رسول الله ص الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْجِعْرَانَةِ، أَصَابَ كُلَّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا أَخَذَ سَهْمَ فَرَسِهِ أَيْضًا وَقَالَ أيضا: قدم رسول الله ص الْمَدِينَةَ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ مِنْ سَفْرَتِهِ هَذِهِ.
قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَمْرِو ابْنَيْ الْجلندي مِنَ الأَزْدِ مُصَدِّقًا، فَخَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ الَّذِينَ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْبَلَدِ، وَالْعَرَبُ كَانُوا يَكُونُونَ حولها.
قال: وفيها تزوج رسول الله ص الْكِلابِيَّةَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا حِينَ خُيِّرَتْ وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَفَارَقَهَا وَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ وُثَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السعدي ان النبي ص تَزَوَّجَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
قَالَ: وَفِيهَا وَلَدَتْ مَارِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحَجَّةِ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ الله ص إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بن لبيد بن خداش بن عامر ابن غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بن أوس بن خالد بن الجعد ابن عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ.
قَالَ: وكانت قابلتها سلمى مولاه رسول الله ص، فَخَرَجَتْ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا وَلَدَتْ غُلامًا، فَبَشَّرَ بِهِ أَبُو رَافِعٍ رَسُولَ اللَّهِ، فَوَهَبَ لَهُ مَمْلُوكًا.
قَالَ: وَغَارَتْ نِسَاءُ رَسُولِ الله ص، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَتْ مِنْهُ الْوَلَدَ
(3/95)

ثُمَّ دخلت

سنة تسع
وفيها قدم وفد بنى اسد على رسول الله ص- فيما ذكر- فقالوا: قدمنا يَا رَسُولَ اللَّهِ قبل أن ترسل إلينا رسولا، فأنزل الله عز وجل فِي ذَلِكَ من قولهم: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ» الآية.
وفيها قدم وفد بلي فِي شهر ربيع الأول، فنزلوا على رويفع بْن ثابت البلوي.
وفيها قدم وفد الداريين من لخم، وهم عشره.

امر ثقيف وإسلامها
وفيها قدم- فِي قول الْوَاقِدِيّ- عروة بْن مسعود الثقفى على رسول الله ص مسلما، وَكَانَ من خبره- ما حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال:
حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق- ان رسول الله ص حِينَ انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص- كَمَا يَتَحَدَّثُ قَوْمُهُمْ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ فِيهِمْ نَخْوَةً بِالامْتِنَاعِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ- فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ- وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبَّبًا مُطَاعًا-
(3/96)

فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَرَجَا أَلا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيةٍ لَهُ وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ، رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَتَزْعُمُ بَنُو مَالِكٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَزْعُمُ الأَحْلافُ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَتَّابِ بْنِ مَالِكٍ، يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ فَقِيلَ لِعُرْوَةَ:
مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ قَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيَّ، فَلَيْسَ فِيَّ إِلا مَا فِي الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ص قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ، فَدَفَنُوهُ معهم [فزعموا ان رسول الله ص قَالَ فِيهِ: إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ] .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ اهل الطائف على رسول الله ص، قِيلَ:
إِنَّهُمْ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فحدثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
ثُمَّ أقامت ثقيف بعد قتل عُرْوَة أشهرا، ثُمَّ إنهم ائتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخَا بَنِي عِلاجٍ كَانَ مُهَاجِرًا لعبد ياليل بن عمرو، الذى بينهما سيئ- وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ- فَمَشَى إِلَى عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرٍو حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ دَارَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنَّ عَمْرَو بْنِ أُمَيَّةَ يَقُولُ لَكَ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ لِلرَّسُولِ: وَيْحَكَ! أَعَمْرٌو أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ ذَا وَاقِفٌ فِي دَارِكَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ! لِعَمْرٍو كَانَ أَمْنَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا رَآهُ رَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْتَ، وَقَدْ أَسْلَمَتِ
(3/97)

الْعَرَبُ كُلَّهَا، وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِحَرْبِهِمْ طَاقَةٌ، فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ ائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ أَنَّهُ لا يَأْمَنُ لَكُمْ سَرَبٌ، وَلا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا اقْتُطِعَ بِهِ! فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يرسلوا الى رسول الله ص رجلا، كما أرسلوا عروه، فكلموا عبد يا ليل ابن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ- وَكَانَ فِي سِنِّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ- وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إِذَا رَجَعَ كما يصنع بِعُرْوَةَ، فَقَالَ: لَسْتُ فَاعِلا حَتَّى تَبْعَثُوا مَعِيَ رِجَالا، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنَ الأَحْلافِ وَثَلاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ، فَيَكُونُوا سِتَّةً: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ أَخُو بَنِي يَسَارٍ، وَأَوْسُ بْنُ عَوْفٍ أَخُو بَنِي سَالِمٍ، وَنُمَيْرُ بْنُ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَخُو بَلْحَارِثِ، وَبَعَثُوا مِنَ الأَحْلافِ مَعَ عَبْدِ يَالِيلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبٍ وَشَرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالِيلَ- وَهُوَ نَابُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يخرج إِلا خَشْيَةً مِنْ مِثْلِ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، لِيَشْغَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَى الطَّائِفِ رَهْطَهُ- فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَنَزَلُوا قَنَاةً لَقُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَتْ رَعْيَتُهَا نَوْبًا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُغِيرَةُ تَرَكَ الرِّكَابَ وَضَبَرَ يَشْتَدُّ لِيُبَشِّرَ رسول الله ص بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ أَنَّهُمْ قَدِمُوا يُرِيدُونَ الْبَيْعَةَ وَالإِسْلامَ، بِأَنْ يَشْرِطَ لَهُمْ شُرُوطًا، وَيَكْتَتِبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كِتَابًا فِي قَوْمِهِمْ وَبِلادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لا تَسْبِقَنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أُحَدِّثُهُ، فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ بِقُدُومِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَرَوَّحَ الظُّهْرَ مَعَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ كَيْفَ يحيون رسول الله ص، فَلَمْ يَفْعَلُوا إِلا بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ
(3/98)

ولما ان قدموا على رسول الله ص ضُرِبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ- كَمَا يَزْعُمُونَ- وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص، حَتَّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ، وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الَّذِي كَتَبَ كِتَابَهُمْ بِيَدِهِ، وَكَانُوا لا يَطْعَمُونَ طَعَامًا يَأْتِيَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدٌ، حَتَّى أَسْلَمُوا وَبَايَعُوا وَفَرَغُوا مِنْ كِتَابِهِمْ- وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ص أَنْ يَدَعَ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللاتَ، لا يَهْدِمُهَا ثَلاثَ سِنِينَ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فما برحوا يسالونه سنه سَنَةً، فَأَبَى عَلَيْهِمْ حَتَّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مَقْدِمِهِمْ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا يُسَمَّى، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَسْلَمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوِّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتَّى يُدْخِلَهُمُ الإِسْلامَ- فَأَبَى رسول الله ص ذَلِكَ إِلا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حرب والمغيره ابن شُعْبَةَ فَيَهْدِمَاهَا، [وَقَدْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ تَرْكِ الطَّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَأَنْ يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَمَّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنَعْفِيكُمْ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّلاةُ فَلا خَيْرَ فِي دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَمَّا هَذِهِ فَسَنُؤْتِيكَهَا وَإِنْ كَانَتْ دَنَاءَةً] .
فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص كِتَابَهُمْ، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ- وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا- وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن، فقال ابو بكر لرسول الله ص:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلامَ فِيهِمْ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الإِسْلامِ وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ ابن عُتْبَةَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله ص وَتَوَجَّهُوا إِلَى بِلادِهِمْ رَاجِعِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ،
(3/99)

وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي هَدْمِ الطَّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا الطَّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ أَنْ يُقَدِّمَ أَبَا سُفْيَانَ، فَأَبَى ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: ادْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِكَ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَرْمِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ قَوْمُهُ دُونَهُ- بَنُو مُعَتِّبٍ- خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَيَقُلْنَ:
أَلا ابْكِيَنْ دُفَّاعْ ... أَسْلَمَهَا الرَّضَاعْ
لَمْ يُحْسِنُوا الْمِصَاعْ.
قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ يَضْرِبُهَا بالفاس: واها لك! واها لَكَ! فَلَمَّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ أَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيَّهَا وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَحُلِيُّهَا مَجْمُوعٌ، وَمَالُهَا من الذهب والجزع، وكان رسول الله ص أَمَرَ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ مَالِ اللاتِ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالأَسْوَدَ ابْنَيْ مَسْعُودٍ، فَقَضَى مِنْهُ دَيْنَهُمَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا رَسُولُ الله ص غَزْوَةَ تَبُوكَ.

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الطَّائِفِ، مَا بَيْنَ ذِي الْحَجَّةِ إِلَى رَجَبٍ
(3/100)

ثم امر الناس بالتهيؤ الغزو الرُّومِ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيَزِيدَ بْنَ رُومَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَ فِي غَزْوَةَ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعَضُ الْقَوْمِ يُحَدِّثُ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ، وَكُلٌّ قَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي هَذَا الحديث ان رسول الله ص أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلادِ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَأُحِبَّتِ الظِّلالُ، فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَنْهَا عَلَى الْحَالِ مِنَ الزَّمَانِ الذى هم عليه، وكان رسول الله ص قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلا كَنَّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وَشِدَّةِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُرْهِ لِذَلِكَ الْوَجْهِ لِمَا فِيهِ، مَعَ مَا عَظَّمُوا مِنْ ذِكْرِ الرُّومِ وَغَزْوِهِمْ، [فَقَالَ رسول الله ص ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَخِي بَنِي سَلِمَةَ: هَلْ لَكَ يَا جَدُّ الْعَامَ فِي جِلادِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ فقال: يا رسول الله، او تاذن لي ولا تفتني! فو الله لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي مَا رَجُلٌ أَشَدُّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَرِ أَلا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رسول الله ص وَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَفِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي] » الآيَةَ، أَيْ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَخْشَى الْفِتْنَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي الأَصْفَرِ- وَلَيْسَ ذَلِكَ بِهِ- فَمَا سَقَطَ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالرَّغْبَةِ بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَعْظَمُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمِنْ وَرَائِهِ.
وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، زَهَادَةً في الجهاد،
(3/101)

وَشَكًّا فِي الْحَقِّ، وَإِرْجَافًا بِالرَّسُولِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِمْ: «وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» إِلَى قَوْلِهِ:
«جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» .
ثم ان رسول الله ص جَدَّ فِي سَفَرِهِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ وَالانْكِمَاشِ، وَحَضَّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحُمْلانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَحَمَلَ رِجَالٌ من اهل الغنى فاحتسبوا، وانفق عثمان ابن عَفَّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْ نَفَقَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّ رِجَالا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَغَيْرُهُمْ، [فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ، فَقَالَ:
«لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ] » قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ يَامِينَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبِ النَّضَرِيَّ لَقِيَ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ قَالا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا فَارْتَحَلاهُ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص
(3/102)

قَالَ: وَجَاءَ الْمُعَذَّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي غِفَارٍ، مِنْهُمْ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ.
ثُمَّ اسْتَتَبَّ بِرَسُولِ الله ص سَفَرُهُ، وَأُجْمِعَ السَّيْرُ، وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلا ارْتِيَابٍ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ لا يُتَّهَمُونَ فِي إِسْلامِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ الله ص ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ الله بن ابى بن سَلُولَ عَسْكَرَهُ عَلَى حِدَةٍ أَسْفَلَ مِنْهُ بِحِذَاءِ ذُبَابِ، جَبَلٍ بِالْجَبَّانَةِ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- لَيْسَ بِأَقَلَّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سار رسول الله ص تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ- وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَخَا بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ أَخَا بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانُوا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ.
قَالَ: وفيهم- فيما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عن عمرو بْن عبيد، عن الحسن البصري- أنزل الله عز وجل:
«لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ» ، الآية.
قَالَ ابن إسحاق: وخلف رَسُول اللَّهِ ص علي بْن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على الْمَدِينَةِ سباع بْن عرفطة، أخا بني غفار، فأرجف المنافقون بعلي بْن أبي طالب، وقالوا: ما خلفه
(3/103)

إلا استثقالا لَهُ، وتخففا منه [فلما قَالَ ذَلِكَ المنافقون، أخذ علي سلاحه ثُمَّ خرج حتى اتى رسول الله ص وهو بالجرف فَقَالَ: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني، أنك استثقلتني وتخففت مني! فَقَالَ:
كَذَبُوا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خَلَفْتُكَ لِمَا وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي!] فرجع علي إلى الْمَدِينَةِ، ومضى رَسُول الله ص على سفره.
ثُمَّ إن أبا خيثمة أخا بني سالم رجع- بعد أن سَارَ رَسُول الله ص أياما- إلى أهله فِي يوم حار، فوجد امرأتين لَهُ فِي عريشين لهما فِي حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت لَهُ فيه ماء، وهيأت لَهُ فيه طعاما، فلما دخل فقام على باب العريشين، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا لَهُ، قَالَ: رَسُول اللَّهِ فِي الضح والريح، وأبو خيثمة فِي ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيإ وامرأة حسناء، فِي ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثُمَّ قَالَ: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حَتَّى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا، ففعلتا ثُمَّ قدم ناضحه فارتحله، ثُمَّ خرج في طلب رسول الله ص حَتَّى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بْن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله ص، فترافقا حَتَّى إذا دنوا من تبوك قَالَ أبو خيثمة لعمير بْن وهب: إن لي ذنبا، فلا عليك أن تخلف عني حَتَّى آتى رسول الله ص ففعل، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إذا دنا من رسول الله ص وهو نازل بتبوك، قَالَ الناس: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا راكب على الطريق مقبل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
كن أبا خيثمة! فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هو والله أبو خيثمة! فلما اناخ اقبل فسلم على رسول الله ص، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ: أولى لك
(3/104)

يا أبا خيثمة! ثُمَّ أخبر رَسُول اللَّهِ الخبر، فقال له رسول الله ص خيرا، ودعا لَهُ بخير.
وقد كان رَسُول الله ص حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإِبِل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب لَهُ،] ففعل الناس ما أمرهم به رَسُول الله ص إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فِي طلب بعير لَهُ، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب فِي طلب بعيره فاحتملته الريح حَتَّى طرحته فِي جبلي طيئ، فاخبر بذلك رسول الله ص وَسَلَّمَ فَقَالَ: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحب لَهُ! ثُمَّ دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذى وقع بجبلي طيّئ، فان طيئا هدته لرسول الله ص حين قدم الْمَدِينَةَ.
قَالَ أبو جعفر: والحديث عن الرجلين.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ- وَلا مَاءَ مَعَهُمْ- شَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، فَدَعَا اللَّهَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: هَلْ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ النِّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَخِيهِ ومن
(3/105)

أَبِيهِ وَمِنْ عَمِّهِ وَمِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ يَلْبِسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ مَحْمُودٌ:
لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفٌ نِفَاقُهُ، كَانَ يَسِيرُ مَعَ رسول الله ص حَيْثُ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَاءِ بالحجر ما كان، ودعا رسول الله ص حِينَ دَعَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ: وَيْحَكَ! هَلْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ! قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ ثُمَّ ان رسول الله ص سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولِ الله ص رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا، وَهُوَ عَمُّ بَنِي عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ لُصَيْبٍ الْقَيْنُقَاعِيُّ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَقَالَ زَيْدُ بن لصيب وهو في رحل عماره، وعماره عند رسول الله ص: [أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ يُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! فقال رسول الله ص- وعماره عنده: ان رجلا قال: ان محمدا هذا يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي الْوَادِي مِنْ شِعْبِ كَذَا وَكَذَا قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا بِهَا، فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا،] فَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَّثَنَاهُ رسول الله ص آنِفًا عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا- لِلَّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْبِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ: زَيْدٌ وَاللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ على زيد يجأ في عنقه، ويقول: يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةً وَمَا أَدْرِي! اخْرُجْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي فَلا تَصْحَبْنِي! قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضٌ:
لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا بِشَرٍّ حَتَّى هَلَكَ
(3/106)

ثم مضى رسول الله ص سَائِرًا، فَجَعَل يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ [فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ فُلانٌ، فَيَقُولُ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ] .
قَالَ: وَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ مَاشِيًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَنَظَرَهُ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فقال رسول الله ص: كُنْ أَبَا ذَرٍّ! فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَبُو ذَرٍّ! فَقَالَ رسول الله ص: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ، فَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَهُ وَغُلامَهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ غَسِّلانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلا ذَلِكَ بِهِ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَرَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارًا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا بِجِنَازَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ قَدْ كَادَتِ الإِبِلُ تَطَؤُهَا، وَقَامَ إِلَيْهِمُ الْغُلامُ، فقال: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ قَالَ: فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي، وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ! تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ! ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ.
ثُمَّ حَدَّثَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي مَسِيرِهِ إِلَى تَبُوكَ
(3/107)

قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، مِنْهُمْ وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو ابن عَوْفٍ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سلمه، يقال له مخشى ابن حمير، يسيرون مع رسول الله ص وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ قِتَالَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ غَيْرِهِمْ! وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ غَدًا مُقْرَنِينَ فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشى ابن حُمَيِّرٍ: وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِينَا قُرْآنًا لِمَقَالَتِكُمْ هذه [وقال رسول الله ص- فِيمَا بَلَغَنِي- لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى قَدْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا] فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَامَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بِحَقَبِهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» وَقَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمَ أَبِي، فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ، فَسُمِّيَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَكَانُهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ فَلَمَّا انْتَهَى رسول الله ص إِلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُحَنةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صَاحِبُ ايله، فصالح رسول الله ص واعطاه الجزية، واهل جرباء واذرح اعطوه الجزية، وكتب رسول الله ص لِكُلٍّ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ الله ص دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَهُ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ- وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا- فقال رسول الله ص لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ
(3/108)

يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَبَاتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ! قَالَ: لا وَاللَّهِ، قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذَا؟ قَالَ: لا أَحَدٌ فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ حَسَّانٌ، فَرَكِبَ، وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خيل رسول الله ص فأخذته، وقتلوا أخاه حسان، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قِبَاءٌ لَهُ مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى رسول الله ص قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: [رَأَيْتُ قُبَاءَ أُكَيْدِرٍ حين قدم به الى رسول الله ص، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمَسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله: اتعجبون من هذا! فو الذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا!] حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ:
ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رسول الله ص، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ الَّذِي فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ:
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ قَافِلا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ مَا يَرْوِي الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ وَالثَّلاثَةَ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقَّقِ، [فقال رسول الله ص: مَنْ سَبَقَنَا إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ قَالَ:
فَسَبَقَهُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فَلَمَّا أتاه رسول الله ص
(3/109)

وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَنَا إِلَى هَذَا الْمَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ:
يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: او لم نَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ! ثُمَّ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، وَدَعَا عَلَيْهِمْ] ثُمَّ نزل ص، فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ، فَجَعَلَ يُصَبُّ فِي يَدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَصُبَّ، ثُمَّ نَضَحَهُ بِهِ وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ، فَانْخَرَقَ مِنَ الْمَاءِ- كَمَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَهُ: إِنَّ لَهُ حِسًّا كَحِسِّ الصَّوَاعِقِ، فَشَرِبَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ منه، [فقال رسول الله ص:
مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَيَسْمَعُنَّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ] 12414 ثُمَّ اقبل رسول الله ص حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ، بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَدْ كَانُوا أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ، [فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنَا فُتَصَلِّيَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ:
إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ- أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي أَوَانَ أَتَاهُ خبر المسجد، فدعا رسول الله ص مَالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ، أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ- أَوْ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعِجْلانِ- فَقَالَ: انْطَلَقَا الى المسجد الظالم اهله فاهد ماه وَحَرِّقَاهُ،] فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ ابن عَوْفٍ، وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ لِمَعْنٍ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي، فَدَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ، فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ خَرَجَا يشتد ان حَتَّى دَخَلا الْمَسْجِدَ وَفِيهِ أَهْلُهُ، فَحَرَّقَاهُ وَهَدَّمَاهُ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ» ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، مِنْ بَنِي عبيد بن
(3/110)

زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ- وَمِنْ دَارِهِ أَخْرَجَ مَسْجِدَ الشِّقَاقِ- وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ- وَهُوَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأَزْعَرِ من بنى ضبيعه بن زيد، وعباد ابن حُنَيْفٍ، أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ وَزَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ، وَنَبْتَلُ بن الحارث، من بنى ضبيعه، وو بحزج- وَهُوَ إِلَى بَنِي ضُبَيْعَةَ- وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ- وَهُوَ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ- وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ رَهْطُ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ.
قَالَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَدِينَةَ-[وَقَدْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَتَخَلَّفَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلا نِفَاقٍ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ- فَقَالَ رسول الله ص: لا يُكَلِّمَنَّ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ،] وَأَتَاهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ وَلا رَسُولُهُ، وَاعْتَزَلَ الْمُسْلِمُونَ كَلامَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ النَّفَرِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» - إِلَى قَوْلِهِ- «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَقَدْ مضى ذكر خبرهم قبل
. امر طيّئ وعدى بن حاتم
قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ- وجه رسول الله ص عَلِيّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بِلادِ طَيِّئٍ فِي رَبِيعٍ الآخِرٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَسَبَى وَأَخَذَ سَيْفَيْنِ كَانَا فِي بَيْتِ الصَّنَمِ، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا:
(3/111)

رَسُوبٌ، وَلِلآخَرِ الْمِخْذَمُ، وَكَانَ لَهُمَا ذِكْرٌ، كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شَمِرٍ نَذَرَهُمَا لَهُ، وَسَبَى أُخْتَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا الأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عِنْدَنَا بِذَلِكَ فَبِغَيْرِ بَيَانِ وَقْتٍ، وَبِغَيْرِ مَا قَالَ الواقدي فِي سَبْيِ عَلِيٍّ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جاءت خيل رسول الله ص- او قال: رسل رسول الله- فأخذوا عمتي وناسا، فاتوا بهم النبي ص قَالَ: فَصُفُّوا لَهُ قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَأَى الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ:
عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! قَالَتْ: فَمَنَّ عَلَيَّ- وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ تَرَى أَنَّهُ عَلِيُّ ع، قال: سليه حملانا- قال: فسألته، فامر بها فَأَتَتْنِي، فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلْت فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا! قَالَتِ:
ائْتِهِ رَاغِبًا وَرَاهِبًا، فَقَدْ أتاه فُلانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ- أَوْ صَبِيٌّ- فَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النبي ص- فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكِ كِسْرَى وَلا قَيْصَرَ، [فَقَالَ لِي:
يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ! فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ! وَمَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ! فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ! فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ سَعْدٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ طَيِّئٍ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي:
مَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سمع به منى، اما
(3/112)

انا لكنت امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ، فَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي، فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلامٍ كَانَ لِي عَرَبِيٌّ وَكَانَ رَاعِيًا لإِبِلِي: لا ابالك! أَعْدِدِ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالا ذُلُلا سِمَانًا مسان، فَاحْبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قد وطيء هَذِهِ الْبِلادَ فَآذِنِّي، فَفَعَلَ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الآنَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
فَقُلْتُ: قَرِّبْ لِي جِمَالِي، فَقَرَّبَهَا، فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ:
أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ، فَسَلَكْتُ الْحُوشِيَّةَ وَخَلَفْتُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا، وَتَخَالَفَنِي خَيْلٌ لِرَسُولِ الله ص فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أُصِيبَ فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي سَبَايَا طَيِّئٍ، وَقَدْ بلغ رسول الله ص هَرَبِي إِلَى الشَّامِ قَالَ: [فَجُعِلَتْ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتِ السَّبَايَا يُحْبَسْنَ بها، فمر بها رسول الله ص فَقَامَتْ إِلَيْهِ- وَكَانَتْ امْرَأَةً جَزْلَةً- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ص وَتَرَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ مَرَّ بِي وَقَدْ أَيِسْتُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ: أَنْ قُومِي إِلَيْهِ فَكَلِّمِيهِ، قَالَتْ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ! قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ فَلا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حَتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلادِكِ ثُمَّ آذِنِينِي] قَالَتْ: فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ كَلِّمِيهِ فَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: وَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيٍّ- أَوْ مِنْ قُضَاعَةَ- قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي
(3/113)

بالشام، قالت: فجئت رسول الله ص، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلاغٌ قَالَتْ: فكساني رسول الله ص، وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشام قال عدى: فو الله، إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي إِذْ نَظَرْتُ إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَيَّ تَؤُمُّنَا قَالَ: فَقُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ! قَالَ: فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ! احْتَمَلْتَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ، وَتَرَكْتَ بُنَيَّةَ وَالِدِكَ وَعَوْرَتَهُ! قَالَ: قُلْتُ: يا أخيه، لا تقولي الا خيرا، فو الله مَا لِي عُذْرٌ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ لَهَا- وَكَانَتْ امْرَأَةً حَازِمَةً: مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَالسَّابِقُ إِلَيْهِ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ وَأَنْتَ أَنْتَ! قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لِلرَّأْيُ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله ص فانطلق بي الى بيته، فو الله إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَتَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً لِيفًا، فَقَذَفَهَا إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ، قَالَ: قُلْتُ: لا بَلْ أَنْتَ، فَاجْلِسْ عَلَيْهَا قَالَ: لا بَلْ أَنْتَ، [فَجَلَسْتُ وَجَلَسَ رسول الله ص بِالأَرْضِ قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ، ثُمَّ قَالَ: إِيهٍ يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ! أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيًّا! قَالَ: قلت: بلى، قال: او لم تَكُنْ تَسِيرَ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ! قَالَ: قُلْتُ:
بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ- وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ- قَالَ: ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَدِيُّ بْنَ
(3/114)

حَاتِمٍ، إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدين ما ترى من حاجتهم! فو الله لَيُوشِكَنَّ الْمَالُ يَفِيضُ فِيهِمْ حَتَّى لا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عدوهم وقله عددهم، فو الله لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لا تَخَافُ إِلا اللَّهَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ] قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَكَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: مَضَتِ الثِّنْتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ قَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتَحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لا تَخَافُ شَيْئًا حَتَّى تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتِ وَايْمُ اللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حتى لا يوجد من يأخذه.

قدوم وفد بنى تميم ونزول سوره الحجرات
قَالَ الواقدي: وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالا: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ الله ص عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّمِيمِيُّ فِي أَشْرَافٍ مِنْ تَمِيمٍ، مِنْهُمُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الأَهْتَمِ، وَالْحَتَّاتُ بْنُ فُلانٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي سَعْدٍ فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، مَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْفَزَارِيُّ- وَقَدْ كَانَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ الله ص فتح مكة وحصار الطائف، فلما وفد وفد بنى تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ- فَلَمَّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تميم المسجد، نادوا رسول الله ص مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ فَآذَى ذَلِكَ مِنْ صِيَاحِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ
(3/115)

ص، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ لِنُفَاخِرَكَ، فاذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ فَقَامَ إِلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَهُوَ أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النَّاسِ! أَلَسْنَا بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ! فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لأَكْثَرْنَا الْكَلامَ، وَلَكِنَّا نَحْيَا مِنَ الإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ أَقُولُ هَذَا الآنَ لِتَأْتُونَا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ رَسُولُ الله ص لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ.
فَقَامَ ثَابِتٌ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلا مِنْ فَضْلِهِ ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولا أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيَرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِيمَانِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ أَنْسَابًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ الْخَلْقِ إِجَابَةً- وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ حِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص- نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُنِعَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ، والسلام عليكم.
قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ البيع
(3/116)

وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبَعُ
وَنَحْنُ نُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مَطْعَمَنَا ... مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
ثُمَّ تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمُ ... مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هَوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا ... لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلا اسْتَقَادُوا وَكَادَ الرَّأْسُ يُقْتَطَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَنْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَمَنْ يُقَادِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا ... فَيَرْجِعُ الْقَولُ وَالأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا، فبعث اليه رسول الله ص، قَالَ حَسَّانٌ: فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولُهُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنَا أَقُولُ:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... عَلَى كُلِّ بَاغٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا ... بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ عَادٍ وَظَالِمِ
بِبَيْتِ حَرِيدٍ عِزُّهُ وَثَرَاؤُهُ ... بِجَابِيَةِ الْجَوْلانِ وَسْطَ الأَعَاجِمِ
هَلِ الْمَجْدُ إِلا السُّؤْدَدُ الْعُودُ وَالنَّدَى ... وَجاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ!
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى رسول الله ص وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، عَرَضْتُ فِي قَوْلِهِ وَقُلْتُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا قَالَ، فَلَمَّا فَرَغَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ
(3/117)

بدر من قوله [قال رسول الله ص لِحَسَّانٍ: قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ،] قَالَ: فَقَالَ حَسَّانٌ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الإِلَهِ وَكُلُّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرَوْا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِمْ تبع
لا يرقع النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفَّهُمُ ... عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ ... أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا
أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ ... لا يَطْبَعُونَ وَلا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ
لا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفْضِلِهِمُ ... وَلا يَمَسَّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ ... كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ
نَسْمُو إِذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا ... إِذَا الزِّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
لا فَخْرَ إِنْ هُمْ أَصَابُوا مِنْ عُدُوِّهِمُ ... وَإِنْ أُصِيبُوا فَلا خُورٌ وَلا هُلُعُ
كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ ... أُسْدٌ بِحَلْيَةٍ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ
خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْا عَفْوًا إِذَا غَضِبُوا ... وَلا يَكُنْ هَمُّكَ الأَمْرَ الَّذِي منعوا
(3/118)

فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ- فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ ... شَرًّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ وَالسَّلَعُ
أَكْرَمَ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
اهدى لهم مَدْحَتِي قَلْبٌ يُوَازِرُهُ ... فِيمَا أَحَبَّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمِعُوا
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤَتَّى لَهُ! لَخَطِيبَةٌ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَأَصْوَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا فَلَمَّا فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ص فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ- وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ قَدْ خَلَفَهُ الْقَوْمُ فِي ظَهْرِهِمْ- فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ- وَكَانَ يُبْغِضُ عَمْرَو بْنَ الأَهْتَمِ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنَّا رَجُلٌ فِي رِحَالِنَا وَهُوَ غُلامٌ حَدَثٌ، وَأَزْرَى بِهِ، فاعطاه رسول الله ص مِثْلَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، وَهُوَ يَهْجُوهُ:
ظَلَلْتَ مُفْتَرِشًا هلْبَاكَ تَشْتُمُنِي ... عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تُصْدَقْ وَلَمْ تُصِبِ
إِنْ تُبْغِضُونَا فَإِنَّ الرُّومَ أَصْلُكُمُ ... وَالرُّومُ لا تملك البغضاء للعرب
سدنا فسؤددنا عود وسوددكم ... مُؤَخَّرٌ عِنْدَ أَصْلِ الْعُجْبِ وَالذَّنَبِ
(3/119)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قَالَ: فأنزل الله فيهم القرآن: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» - من بني تميم- «أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ، قال: وهي القراءة الاولى.
قال الواقدى: وفيها مات عبد الله بْن أبي بن سلول، مرض فِي ليال بقين من شوال، ومات فِي ذي القعدة، وَكَانَ مرضه عشرين ليلة.

قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم
قال: وفيها قدم على رسول الله ص كتاب ملوك حمير فِي شهر رمضان مقرين بِالإِسْلامِ، مَعَ رسولهم الحارث بْن عبد كلال ونعيم ابن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رُعَيْن.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ وَرَسُولُهُمْ إِلَيْهِ بِإِسْلامِهِمُ:
الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كَلالٍ وَنُعَيْمُ بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، وَهَمْدَانَ وَمَعَافِرَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكُ بْنُ مُرَّةَ الرَّهَاوِيُّ بِإِسْلامِهِ، وَمُفَارَقَتِهِمُ الشِّرْكَ واهله، فكتب اليهم رسول الله ص:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلالٍ ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رُعَيْنٍ وَهَمْدَانَ وَمَعَافِرَ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِنَا رَسُولُكُمْ مَقْفَلَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَلَقِينَا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ مَا أَرْسَلْتُمْ،
(3/120)

وَخَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلامِكُمْ وَقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهِدَايَتِهِ، إِنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَسَهْمَ نَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ، وَمَا كَتَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، وَكُلُّ مَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي الإِبِلِ فِي الأَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي ثَلاثِينَ مِنَ الإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِي كُلِّ خُمُسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٌ وَحْدَهَا، شَاةٌ وَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، له ما لهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلَ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لا يُفْتَنُ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ قِيمَتُهُ مِنَ الْمَعَافِرِ أَوْ عَرْضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ أَرْسَلَ إِلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنَ أَنْ إِذَا أَتَتْكُمْ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ مُرَّةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَنِ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مُخَالِفِيكُمْ وَبَلِّغُوهَا رُسُلِي، وَإِنَّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلا يَنْقَلِبَنَّ الا راضيا
(3/121)

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلا تَخُونُوا وَلا تَخْذِلُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَوْلَى غَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لأَهْلِهِ، إِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُتَزَكَّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ بَلَّغَ الْخَبَرَ وَحَفِظَ الْغَيْبَ، وَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِي، وَأُولِي عِلْمِهِمْ، فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قال الْوَاقِدِيّ: وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله ص ثلاثة عشر رجلا، ونزلوا على المقداد بْن عمرو.
قَالَ: وفيها قدم وفد بني البكاء.
وفيها قدم وفد بني فزارة، وهم بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بْن حصن.
قَالَ: وفيها نعى رسول الله ص للمسلمين النجاشي، وأنه مات فِي رجب سنة تسع.
قَالَ: وفيها حج أبو بكر بالناس ثُمَّ خرج أبو بكر من الْمَدِينَةِ فِي ثلاثمائة، وبعث معه رسول الله ص بعشرين بدنة، وساق أبو بكر خمس بدنات وحج فيها عبد الرحمن بْن عوف وأهدى.
وبعث رسول الله ص على بن ابى طالب ع على أثر أبي بكر رضي الله عنه، فأدركه بالعرج، فقرأ عَلِيُّ عليه براءة يوم النحر عِنْد العقبة فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتِ إِلَى رَأْسِ الأَرْبَعِينَ
(3/122)

- يَعْنِي مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ- فَبَعَثَ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا سَارَ فَبَلَغَ الشَّجَرَةَ مِنْ ذِي الْحَلِيفَةِ أَتْبَعَهُ بِعَلِيٍّ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، [فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ الى النبي ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أَنَزَلَ فِي شَأْنِي شَيْءٌ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أَوْ رَجُلٌ مِنِّي أَمَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ، وَأَنَّكَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ!] قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَارَ أَبُو بكر على الحج، [وَسَارَ عَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِبَرَاءَةَ، فَقَامَ يَوْمَ الأَضْحَى فَآذَنَ فَقَالَ: لا يَقْرَبَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا، وَلا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَلَهُ عَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَإِنَّ هَذِهِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا] فَقَالُوا: نَحْنُ نَبْرَأُ مِنْ عَهْدِكَ وَعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إِلا مِنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ.
فَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ فَلامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ! فَأَسْلَمُوا.
حدثنى الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالُوا: بعث رسول الله ص أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةَ، فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ، يُؤَجِّلُ الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِي الأَرْضِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ بَرَاءَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، أَجَّلَ الْمُشْرِكِينَ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَشَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَعَشْرًا مِنْ رَبِيعٍ الآخِرِ، وَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلا يَحُجَّنَّ بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصدقات، وفرق فيها رسول الله ص عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ
(3/123)

وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ» ، وَكَانَ السَّبَبَ الَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ قِصَّةُ أَمْرِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ.
قَالَ الواقدي: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ماتت أم كلثوم ابنه رسول الله ص فِي شَعْبَانَ، وَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ: وَقِيلَ غَسَّلَتْهَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فِيهِنَّ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ.
قَالَ: وفيها قدم وفد ثعلبه بن منقذ
. قدوم ضمام بن ثعلبه وافدا عن بنى سعد
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ سَعْدِ هُذَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثعلبه الى رسول الله ص، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ص جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ رَجُلا جَلِدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، [فَأَقْبَلَ حَتَّى وقف على رسول الله ص فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: يَا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ لَكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ! قَالَ: لا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ
(3/124)

قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ امرك ان نامرنا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الإِسْلامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً، الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الإِسْلامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عَنْ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَاشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لا أَنْقُصُ ولا ازيد ثم انصرف الى بعيره راجعا.
فقال رسول الله ص حِينَ وَلَّى: إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: باست اللاتُ وَالْعُزَّى! قَالُوا:
مَهْ يَا ضِمَامُ! اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ! قَالَ: وَيْحَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لا يَنْفَعَانِ وَلا يَضُرَّانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عنه] .
قال: فو الله مَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلا مُسْلِمًا قَالَ:
يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ من ضمام بن ثعلبه
(3/125)

سنه عشر

سريه خالد بن الوليد الى بنى الحارث بن كعب واسلامهم
قَالَ أبو جعفر: فبعث فيها رَسُول اللَّهِ ص خالد بن الوليد فِي شهر ربيع الآخر- وقيل فِي شهر ربيع الأول، وقيل فِي جمادى الاولى- سريه في أربعمائة إلى بني الحارث بْن كعب.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص خالد ابن الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ- أَوْ فِي جُمَادَى الأُولَى- مِنْ سَنَةَ عَشْرٍ، إِلَى بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلاثًا، فَإِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَأَقِمْ فِيهِمْ، وَعَلِّمْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَمَعَالِمَ الإِسْلامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ.
فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرُّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ، وَيَقُولُونَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَأَسْلَمَ النَّاسُ، وَدَخَلُوا فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ خَالِدٌ فِيهِمْ، يُعَلِّمُهُمُ الإِسْلامَ وَكِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ.
ثُمَّ كَتَبَ خَالِدٌ إِلَى رسول الله ص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
لِمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ الله ص مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، السَّلامُ عَلْيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، اما بعد يا رسول الله ص، بَعَثْتَنِي إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَرْتَنِي إِذَا أَتَيْتُهُمْ أَلا أُقَاتِلَهُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ أَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا قَبِلْتُ مِنْهُمْ وَعَلَّمْتُهُمْ مَعَالِمَ الإِسْلامِ وَكِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قَاتَلْتُهُمْ وَإِنِّي قَدِمْتُ عَلَيْهِمْ فَدَعَوْتُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَنِي رسول الله ص، وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ، أَسْلِمُوا
(3/126)

تَسْلَمُوا، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَآمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَأَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وَأُعَلِّمُهُمْ مَعَالِمَ الإِسْلامِ وسنه النبي ص حَتَّى يَكْتُبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَكَتَبَ اليه رسول الله ص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رسول الله إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَكَ جَاءَنِي مَعَ رُسُلِكَ بِخَبَرٍ أَنَّ بَنِي الْحَارِثِ قَدْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوا، وَأَجَابُوا إِلَى مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الإِسْلامِ وَشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ قَدْ هَدَاهُمُ اللَّهُ بِهُدَاهُ، فَبَشِّرْهُمْ وَأَنْذِرْهُمْ، وَأَقْبِلْ وَلَيُقْبِلْ مَعَكَ وَفْدُهُمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَأَقْبَلَ خَالِدُ بن الوليد الى رسول الله ص، وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُ بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قِنَانَ ذِي الْغُصَّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجَّلِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرَيْظٍ الزِّيَادِيُّ، وَشَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَنَانِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضِّبَابِيُّ.
[فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ص، فَرَآهُمْ قَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَأَنَّهُمْ رِجَالُ الْهِنْدِ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلاءِ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمَّا وَقَفُوا عِنْدَ رسول الله ص سَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا:
نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ص: أَنْتُمُ الَّذِينَ إِذَا زُجِرُوا اسْتَقْدَمُوا! فَسَكَتُوا، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نحن الذين إذا زجرنا اسْتَقْدَمْنَا، فَقَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: لَوْ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمْ يَكْتُبْ الى فيكم
(3/127)

أَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ وَلَمْ تُقَاتِلُوا لأَلْقَيْتُ رُءُوسَكُمْ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَمِدْنَاكَ وَلا حَمِدْنَا خَالِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَمَنْ حَمِدْتُمْ؟ قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله، قال: صدقتم، ثم قال رسول الله ص: بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: بَلَى قَدْ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَغْلِبُ مَنْ قَاتَلَنَا، أَنَّا كُنَّا بَنِي عُبَيْدٍ، وَكُنَّا نَجْتَمِعُ وَلا نَتْفَرِقُ، وَلا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ، قَالَ: صَدَقْتُمْ] ثُمَّ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَرَجَعَ وَفْدُ بلحارث ابن كَعْبٍ إِلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيَّةِ شَوَّالَ أَوْ فِي صَدْرِ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمْ يَمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ قَدِمُوا إِلَى قَوْمِهِمْ إِلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، حتى توفى رسول الله ص.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر، قال: وكان رسول الله ص بَعَثَ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بَعْدَ أَنْ وَلَّى وَفْدَهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي النَّجَّارِ، لِيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمَهُمُ السُّنَّةَ وَمَعَالِمَ الإِسْلامِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَهِدَ إِلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا بيان من الله ورسوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ، عَقْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ في امره كله، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَيَنْهَى النَّاسَ وَلا «يَمَسَّ أَحَدٌ الْقُرْآنَ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ،» وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ، وَبِالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينَ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ الظُّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ وَقَالَ: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» ، وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ بِالنَّارِ
(3/128)

وَبِعَمَلِهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْحَجِّ الأَكْبَرِ وَالْحَجِّ الأَصْغَرِ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ، وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا وَاحِدًا يُثْنِي طَرفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْهَى أَلا يَعْقِصُ أَحَدٌ شَعْرَ رَأْسِهِ إِذَا عَفَا فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ هَيْجٌ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ وَدَعَا إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَلْيُقْطَعُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الكعبين، ويمسحون برؤسهم كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَرَهُ بِالصَّلاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامَ الرُّكُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَيُغَلِّسَ بِالْفَجْرِ، وَيُهْجِرَ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ، وَصَلاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ فِي الأَرْضِ مُدْبِرَةٌ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ، لا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءِ أَوَّلُ اللَّيْلِ وَيَأْمُرَ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ لَهَا، وَالْغُسْلُ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ عُشْرُ مَا سُقِيَ الْبَعْلُ وَمَا سَقَتِ السماء ومما سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةُ شَاةٍ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِسْلامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ، وَدَانَ دِينَ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مِثْلُ مَا لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ أَوْ يَهُودِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لا يُفْتَنُ عَنْهَا، وَعَلى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عَرَضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا
(3/129)

قال الواقدى: توفى رسول الله ص وعمرو بْن حزم عامله بنجران.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وفي هذه السنة قدم وفد سلامان فِي شوال على رسول الله ص، وهم سبعة نفر، رأسهم حبيب السلاماني.
وفيها قدم وفد غسان فِي رمضان وفيها قدم وفد غامد في رمضان

قدوم وفد الأزد
وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صرد بْن عبد الله فِي بضعة عشر فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص صرد ابن عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، فِي وَفْدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَسِيرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ فِي جَيْشٍ حَتَّى نَزَلَ بِجُرَشَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُغْلَقَةٌ، وَفِيهَا قَبَائِلُ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إِلَيْهِمْ خَثْعَمٌ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَاصَرُوهُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُمْ فِيهَا ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ قَافِلا، حَتَّى إِذَا كَانَ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ كُشَرَ ظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ قَدْ بعثوا رجلين منهم الى رسول الله ص وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ، فَبَيْنَا هُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَشِيَّةً بَعْدَ الْعَصْرِ، إِذْ قَالَ رسول الله ص: بِأَيِّ بِلادِ اللَّهِ شُكَرُ؟ فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِبِلادِنَا جَبَلٌ
(3/130)

يُقَالُ لَهُ جَبَلُ كُشَرَ، وَكَذَلِكَ تُسَمِّيهِ أَهْلُ جُرَشَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكُشَرَ، وَلَكِنَّهُ شُكَرُ [قالا: فماله يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرَ عِنْدَهُ الآنَ] قَالَ فَجَلَسَ الرَّجُلانِ إِلَى ابى بكر والى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ الآنَ لَيَنْعِي لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَاسْأَلاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا، فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ رَاجِعَيْنِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا أُصِيبُوا يَوْمَ أَصَابَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْيَوْمِ الذى قال فيه رسول الله ص مَا قَالَ، وَفِي السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا ذَكَرَ، فَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتَّى قَدِمُوا على رسول الله ص فَأَسْلَمُوا، وَحَمَى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ عَلَى أَعْلامٍ مَعْلُومَةٍ لِلْفَرَسِ، وَلِلرَّاحِلَةِ، وَلِلْمُثِيرَةِ تُثِيرُ الْحَرْثَ، فَمَنْ رَعَاهَا مِنَ النَّاسِ سِوَى ذَلِكَ فَمَالُهُ سُحْتٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَزْدِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ- وَكَانَتْ خَثْعَمٌ تُصِيبُ مِنَ الأَزْدِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانُوا يَغْزُونَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ:
يَا غَزْوَة مَا غَزَوْنَا غَيْرَ خَائِبَةٍ ... فِيهَا الْبِغَالُ وَفِيهَا الْخَيْلُ وَالْحُمُرُ
حَتَّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا ... وَجَمْعُ خَثْعَمَ قَدْ سَاغَتْ لَهَا النُّذُرُ
إِذَا وَضَعْتُ غَلِيلا كُنْتُ أَحْمِلُهُ ... فَمَا أُبَالِي أدانوا بعد أم كفروا!

سريه على بن ابى طالب الى اليمن
قال: وفيها وجه رسول الله ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْيَمَنِ فِي رَمَضَانَ فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هَيَّاجٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَزْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: بَعَثَ
(3/131)

رسول الله ص خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَكُنْتُ فِيمَنْ سَارَ مَعَهُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لا يُجِيبُونَهُ إِلَى شَيْءٍ، فبعث النبي ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْفُلَ خَالِدًا وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَعْقُبَ مَعَهُ تَرَكَهُ.
قَالَ الْبَرَاءُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقِبَ مَعَهُ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَوَائِلِ الْيَمَنِ، بَلَغَ الْقَوْمَ الْخَبَرُ، فَجَمَعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِنَا عَلِيٌّ الْفَجْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ص، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ بذلك الى رسول الله ص، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ، السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ! ثم تتابع اهل اليمن على الاسلام
. قدوم وفد زبيد
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ على النبي ص بِإِسْلامِهِمْ فحدثنا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص عمرو بْن معد يكرب فِي أناس من بنى زبيد، فاسلم، وكان عمرو بن معديكرب قد قَالَ لقيس بْن مكشوح المرادي حين انتهى اليهم امر رسول الله ص: يا قيس، إنك سيد قومك اليوم، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول، إني نبي، فانطلق بنا إليه حَتَّى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لا يخفى عليك.
إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذَلِكَ علمنا علمه، فأبى عليه ذَلِكَ قيس بْن مكشوح وسفه رأيه
(3/132)

فركب عمرو بْن معد يكرب حَتَّى قدم على رسول الله ص فصدقه وآمن به، فلما بلغ ذَلِكَ قيسا أوعد عمرا، وتحفظ عليه، وقال:
خالفني وترك رأيي! فَقَالَ عمرو فِي ذَلِكَ:
أمرتك يوم ذي صنعاء ... أمرا باديا رشده
أمرتك باتقاء الله ... والمعروف تاتعده
خرجت من المنى مثل الحمار ... أعاره وتده
تمناني على فرس ... عليه جالسا أسده
علي مفاضة كالنهي ... أخلص ماءه جدده
ترد الرمح مثني السنان ... عوائرا قصده
فلو لاقيتني لاقيت ... ليثا فوقه لبده
تلاقي شنبثا شثن البراثن ... ناشزا كتده
يسامي القرن إن قرن ... تيمَّمه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده
فيدمغه فيحطمه ... فيخضمه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما أحرزت ... أنيابه ويده
(3/133)

متى ما يغد أو يغدى ... به فقبوله برده
فيخطر مثل خطر الفحل ... فوق جرانه زبده
فأمسى يعتريه من البعوض ... ممنعا بلده
فلا تتمننى وتمن ... غيرى لينا كتده
وبوئنى لَهُ وطنا ... كثيرا حوله عدده
قَالَ: فأقام عمرو بن معديكرب فِي قومه من بني زبيد، وعليهم فروة ابن مسيك المرادى، فلما توفى رسول الله ص ارتد عمرو فَقَالَ حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حمارا ساف منخره بقذر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر

قدوم فروه بن مسيك المرادى
وقد كان قدم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي هذه السنة- أعني سنة عشر- قبل قدوم عمرو ابن معديكرب، فروة بْن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بَكْرٍ، قَالَ: قَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ على رسول الله ص مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُعَانِدًا لَهُمْ، وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الإِسْلامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادٍ مَا أَرَادُوا، حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ الرَّزْمِ، وَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ إِلَى مُرَادٍ الأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ، فَفَضَحَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ:
(3/134)

فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدَمًا ... وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
وَإِنْ نُقْتَلْ فَلا جُبْنَ وَلَكِنْ ... مَنَايَانَا وَطُعْمَةَ آخَرِينَا
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... تَكِرُّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا
فَبَيْنَاهُ يُسَرُّ بِهِ وَيَرْضَى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرَّاتُ دَهْرٍ ... فَأَلْفَى لِلأُولَى غَبِطُوا طَحِينَا
وَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ ... يَجِدْ ريب الزمان له خؤونا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا ... وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَاكُمُ سَرَوَاتُ قَوْمِي ... كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الأَوَّلِينَا
وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بن مسيك الى رسول الله ص مفارقا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
يممت رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا
قال: فلما انتهى الى رسول الله ص [قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- فِيمَا بَلَغَنِي: يَا فروه، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يَوْمَ الرَّزْمِ؟ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرَّزْمِ، لا يَسُوءُهُ
(3/135)

ذلك! فقال رسول الله ص: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَكَ فِي الإِسْلامِ إِلا خَيْرًا] فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي بِلادِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ص.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قَالَ: [قال رَسُولُ اللَّهِ: أَكَرِهْتَ يَوْمَكَ وَيَوْمَ هَمْدَانَ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللَّهِ! أَفْنَى الأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ، فَقَالَ: أَمَا انه خير لمن بقي] .

قدوم الجارود في وفد عبد القيس
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ، فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قدم على رسول الله ص الجارود بْن عمرو بْن حنش بْن المعلى، أخو عبد القيس فِي وفد عبد القيس وَكَانَ نصرانيا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى إِلَى رسول الله ص كَلَّمَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِيهِ، [فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، فَتَضْمَنُ لي ديني؟ فقال رسول الله ص: نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ الله الْحِمْلانَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلادِنَا ضَوَالَّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا إِلَى بِلادِنَا؟ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَإِيَّاهَا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ حَرْقُ النَّارِ] قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ- وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلامِ صُلْبًا عَلَى دِينِهِ- حَتَّى هَلَكَ، وَقَدْ أَدْرَكَ الرده،
(3/136)

فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى دِينِهِمْ الأَوَّلِ مَعَ الْغَرُورِ، الْمُنْذِرِ ابن النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَقَامَ الْجَارُودُ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الحق ودعا الى الاسلام، فقال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْهَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلاءُ أَمِيرٌ عِنْدَهُ لِرَسُولِ الله على البحرين

قدوم وفد بنى حنيفه ومعهم مسيلمه
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قدم على رسول الله ص وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بْن حبيب الكذاب، فكان منزلهم فِي دار ابنة الحارث، امرأة من الأنصار، ثُمَّ من بني النجار.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِمُسَيْلِمَةَ الى رسول الله ص تَسْتُرُهُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُ عَسِيبٌ مِنْ سَعْفِ النَّخْلِ، فِي رَأْسِه خوصات، [فلما انتهى الى رسول الله ص وهم يسترونه بالثياب، كلم رسول الله ص، فقال له رسول الله: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعَسِيبَ الَّذِي فِي يَدِي مَا أَعْطَيْتُكَ!] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، قَالَ: كَانَ حَدِيثُ مُسَيْلِمَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا،
(3/137)

زَعَمَ أَنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ الله ص وَخَلَّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا لَهُ مَكَانَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَرِكَابِنَا يحفظهما لَنَا قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ: [أَما إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، يَحْفَظُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ،] وَذَلِكَ الذى يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَجَاءُوا مُسَيْلِمَةَ بِمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْيَمَامَةِ ارْتَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وَتَنَبَّأَ وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ اشركت في الأمر معه، وقال الوفد: أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ ذَكَرْتُمُونِي: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا! مَا ذَلِكَ إِلا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ السَّجَعَاتِ، وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحِشَى، وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصَّلاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَشَهِدَ لِرَسُولِ الله ص أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَصْفَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ، فالله اعلم اى ذلك كان.

قدوم الاشعث بن قيس في وفد كنده
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ، رَأْسُهُمُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رسول الله ص الاشعث ابن قَيْسٍ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا على رسول الله مسجده، وقد
(3/138)

رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ، وَتَكَحَّلُوا، عَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحَبِرَةِ، قَدْ كَفَّفُوهَا بِالْحَرِيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، قَالَ: أَلَمْ تُسْلِمُوا؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ قَالَ: فَشَقُّوهُ مِنْهَا فَأَلْقَوْهُ، ثُمَّ قَالَ الأَشْعَثُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ وَالْعَبَّاسُ تَاجِرَيْنِ، فَكَانَا إِذَا سَاحَا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَسُئِلا مَنْ هُمَا؟ قَالا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، يَتَعَزَّزَانِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ كنده كانت ملوكا، [فقال رسول الله ص: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا] فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ عَرَفْتُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ! وَاللَّهِ لا أَسْمَعُ رَجُلا قَالَهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الا ضربته حده ثمانين
. [حوادث متفرقة]
قال الْوَاقِدِيّ: وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين.
وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران، فكتب لهما رَسُول اللَّهِ ص كتاب الصلح.
قَالَ: وفيها قدم وفد عبس.
وفيها قدم وفد صدف، وافوا رَسُول اللَّهِ ص فِي حجة الوداع
(3/139)

قَالَ: وفيها قدم عدي بْن حاتم الطائي، فِي شعبان.
وفيها مات أبو عامر الراهب عِنْد هرقل، فاختلف كنانة بْن عبد ياليل وعلقمة بْن علاثة فِي ميراثه، فقضي به لكنانة بْن عبد ياليل قَالَ: هما من اهل المدر، وأنت من اهل الوبر.

قدوم رفاعة بن زيد الجذامى
قَالَ: وفيها قدم وفد خولان، وهم عشرة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ خَيْبَرَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَيْبِيُّ، فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ غُلامًا، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قَوْمِهِ كِتَابًا، فِي كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، إِنِّي بَعَثْتُهُ إِلَى قَوْمِهِ عَامَّةً وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَنْ أَقْبَلَ فَمِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَدْبَرَ فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ فَلَمَّا قَدِمَ رِفَاعَةُ عَلَى قَوْمِهِ، أَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْحَرَّةِ، حَرَّةِ الرَّجْلاءِ فَنَزَلُوهَا.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لا يَتَّهِمُ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامٍ كَانُوا بِهَا عُلَمَاءَ، أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، لَمَّا قَدِمَ مِنْ عند رسول الله ص بِكِتَابِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَقْبَلَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ صَاحِبِ الرُّومِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ لَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا، يُقَالُ لَهُ: شَنَارٌ، أَغَارَ عَلَى دِحْيَةَ الْهُنَيْدُ بْنُ عَوْصٍ وَابْنُهُ عَوْصُ بْنُ الْهُنَيْدِ، الضَّلِيعِيَّانِ- وَالضَّلِيعُ بَطْنٌ مِنْ جُذَامٍ- فَأَصَابَا كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ،
(3/140)

فَبَلَغَ ذَلِكَ نَفَرًا مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ قَوْمِ رِفَاعَةَ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ وَأَجَابَ، فَنَفَرُوا إِلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فِيهِمْ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي جِعَالٍ، حَتَّى لَقُوهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْتَمَى يَوْمَئِذٍ قُرَّةُ بْنُ أَشْقَرٍ الضُّفَارِيُّ ثُمَّ الضَّلِيعِيُّ، فَقَالَ: أنا ابْنُ لُبْنَى، وَرَمَى النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي جِعَالٍ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ، فَقَالَ حِينَ أَصَابَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ لُبْنَى- وَكَانَتْ لَهُ أُمٌّ تُدْعَى لُبْنَى- قَالَ: وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ الضُّبَيْبِيُّ قَدْ صَحِبَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَلَّمَهُ أُمَّ الْكِتَابِ، فَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِي يَدِ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ عَوْصٍ، فَرَدُّوهُ عَلَى دِحْيَةَ، فَسَارَ دِحْيَةُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَاسْتَسْقَاهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِم رَسُولُ اللَّهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ- وَذَلِكَ الَّذِي هَاجَ غَزْوَةَ زيد جذاما، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا- وَقَدْ وَجَّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامٍ كُلِّهَا وَوَائِلُ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلامَانَ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ حِينَ جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ، فَنَزَلُوا بِالْحَرَّةِ، حَرَّةِ الرَّجْلاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ ربَّةَ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ وَسَائِرُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِوَادٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ مِمَّا يَسِيلُ مَشْرِقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الأَوْلاجِ، فَأَغَارَ بِالْفَضَافِضِ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ، وَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ وَأُنَاسٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ وَرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الأَحْنَفِ، وَرَجُلا مِنْ بَنِي خَصِيبٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو الضُّبَيْبِ وَالْجَيْشُ بِفَيْفَاءَ مُدَانٍ، رَكِبَ حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ عَلَى فَرَسٍ لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ يُقَالُ لَهَا الْعَجَّاجَةُ، وَأُنَيْفُ بْنُ مَلَّةَ عَلَى فَرَسٍ لِمَلَّةَ، يُقَالُ لَهَا رِغَالُ، وَأَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا شِمْرٌ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْجَيْشِ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ لأُنَيْفِ بْنِ مَلَّةَ: كُفَّ عَنَّا وَانْصَرِفْ، فَإِنَّا نَخْشَى لِسَانَكَ، فَانْصَرِفْ فَوَقَفَ عَنْهُمَا، فَلَمْ يُبْعِدَا مِنْهُ، فَجَعَلَ فَرَسَهُ تَبْحَثُ بِيَدِهَا وَتُوثَبُ، فَقَالَ: لأَنَا أَضِنُّ بِالرَّجُلَيْنِ مِنْكَ بِالْفَرَسَيْنِ، فَأَرْخَى لَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُمَا، فَقَالا لَهُ: أَمَا إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَكُفَّ عَنَّا لِسَانَكَ وَلا تَشْأَمُنَا الْيَوْمَ، وَتَوَاطَئُوا أَلا يَتَكَلَّمَ مِنْهُمْ إِلا حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ، وَكَانَتْ
(3/141)

بَيْنَهُمْ كَلِمَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَدْ عَرَفُوهَا، بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ قَالَ: ثورِي.
فَلَمَّا بَرَزُوا عَلَى الْجَيْشِ أَقْبَلَ الْقَوْمُ يَبْتَدِرُونَهُمْ، فَقَالَ حَسَّانٌ:
إِنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ بَائِعٌ رُمْحَهُ يَقُولُ مُعَرِّضَهُ: كَأَنَّمَا رَكَزَهُ عَلَى مَنْسَجِ فَرَسِهِ جُدْ وَأَعْتِقْ، فَأَقْبَلَ يَسُوقُهُمْ، فَقَالَ أُنَيْفٌ: ثورِي، فَقَالَ حَسَّانٌ: مَهْلا! فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ لَهُ حَسَّانٌ: إِنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: فَاقْرَأْ أُمَّ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهَا حَسَّانٌ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا ثُغْرَةَ الْقَوْمِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا إِلا مَنْ خَتَرَ، وَإِذَا أُخْتٌ لحسان ابن مَلَّةَ- وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي وَبَرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الضُّبَيْبِ- فِي الأُسَارَى.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خُذْهَا، فَأَخَذَتْ بِحِقْوَيْهِ، فَقَالَتْ أُمُّ الْفَزِرِ الضَّلِيعِيَّةِ:
أَتَنْطَلِقُونَ بِبَنَاتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أُمَّهَاتِكُمْ! فَقَالَ أَحَدُ بَنِي خَصِيبٍ: إِنَّهَا بَنُو الضُّبَيْبِ! وَسَحَرَتْ أَلْسِنَتَهُمْ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَسَمِعَهَا بَعْضُ الْجَيْشِ، فَأُخْبِرَ بِهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَمَرَ بِأُخْتِ حَسَّانٍ، فَفُكَّتْ يَدَاهَا مِنْ حِقْوَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي مَعَ بَنَاتِ عَمِّكِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيكُنَّ حُكْمَهُ، فَرَجَعُوا، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا إِلَى وَادِيهِمُ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ، فَأَمْسَوْا فِي أَهْلِيهِمْ، وَاسْتَعْتَمُوا ذَوْدًا لِسُويَدِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَمَّا شَرِبُوا عَتَمَتَهُمْ رَكِبُوا إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ مِمَّنْ رَكِبَ إِلَى رِفَاعَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو شِمَاسِ بْنُ عَمْرٍو، وَسُوَيْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَعْجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَرْذَعُ بْنُ زَيْدٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَخْرَبَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأُنَيْفُ بْنُ مَلَّةَ، وَحَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ، حتى صبحوا رفاعة
(3/142)

ابن زَيْدٍ بِكُرَاعِ ربَّةَ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ عَلَى بِئْرٍ هُنَالِكَ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى، فَقَالَ لَهُ حَسَّانُ بْنُ مَلَّةَ: إِنَّكَ لَجَالِسٌ تَحْلِبُ الْمَعْزَى وَنِسَاءُ جُذَامٍ يُجَرَّرْنَ أُسَارَى قَدْ غَرَّهَا كِتَابُكَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ! فَدَعَا رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِجَمَلٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَشْكِلُ عَلَيْهِ رَحْلَهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
هَلْ أَنْتَ حَيٌّ أَوْ تُنَادِي حَيًّا
ثُمَّ غَدَا وَهُمْ مَعَهُ بِأُمَيَّةَ بْنِ ضُفَارَةِ أَخِي الْخَصِيبِيِّ الْمَقْتُولِ مُبَكِّرِينَ مِنْ ظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَسَارُوا إِلَى جَوْفِ الْمَدِينَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا انتهوا الى المسجد، ونظر اليه رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: لا تُنِيخُوا إِبِلَكُمْ فَتُقْطَعَ أَيْدِيهِنَّ، فَنَزَلُوا عَنْهَا وَهُنَّ قِيَامٌ، فلما دخلوا على رسول الله ص وَرَآهُمْ، أَلاحَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ: أَنْ تَعَالَوْا مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، فَلَمَّا اسْتَفْتَحَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْمَنْطِقَ قَامَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ هؤلاء يا نبى الله قوم سحره، فرددها مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ رِفَاعَةُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَجْزِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا إِلا خَيْرًا! ثُمَّ دَفَعَ رِفَاعَةُ كِتَابَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ كَتَبَهُ لَهُ، فَقَالَ: دُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كِتَابُهُ، حَدِيثًا غَدْرُهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ص: اقْرَأْ يَا غُلامُ وَأَعْلِنْ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُمْ وَاسْتَخْبَرَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنْتَ يا رسول الله اعلم، لانحرم عَلَيْكَ حَلالا، وَلا نُحِلُّ لَكَ حَرَامًا، فَقَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو: أَطْلِقْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ حَيًّا، وَمَنْ كَانَ قَدْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صَدَقَ أَبُو زَيْدٍ، ارْكَبْ مَعَهُمْ يَا عَلِيُّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَيْدًا لَنْ يُطِيعَنِي، قَالَ: خُذْ سَيْفِي، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ:
لَيْسَ لِي رَاحِلَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْكَبُهَا، فَحَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى جَمَلٍ لِثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، يُقَالُ لَهُ الْمِكْحَالُ، فَخَرَجُوا، فَإِذَا رَسُولٌ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ أَبِي وَبْرٍ، يُقَالُ لَهَا الشَّمِرُ، فَأَنْزَلُوهُ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ مَا شَأْنِي؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:
مَا لَهُمْ عَرَفُوهُ فَأَخَذُوهُ ثُمَّ سَارُوا حَتَّى لَقُوا الْجَيْشَ بِفَيْفَاءَ الْفَحْلَتَيْنِ، فَأَخَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى كَانُوا يَنْزِعُونَ لُبُدَ الْمَرْأَةِ مِنْ تحت الرحل
(3/143)

وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: قدم على رسول الله ص وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ، فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَجَبَّارُ بْنُ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ رُءُوسُ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينُهُمْ.
فَقَدِمَ عامر بن الطفيل على رسول الله ص وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: يَا عَامِرُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ آلَيْتُ أَلا أَنْتَهِيَ حَتَّى تَتَّبِعَ الْعَرَبُ عَقِبِي، أَفَأَنَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ! ثُمَّ قَالَ لأَرْبَدَ: إِذَا قَدِمْتُ عَلَى الرَّجُلِ فَإِنِّي شَاغِلٌ عَنْكَ وَجْهَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاعِلُهُ بِالسَّيْفِ، [فلما قدموا على رسول الله ص قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي، قَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ، فَجَعَلَ أَرْبَدُ لا يُحِيرُ شَيْئًا، فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ خَالِنِي، قَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ رسول الله ص قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلا حُمُرًا وَرِجَالا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ،] فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: وَيْلَكَ يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كُنْتُ أَوْصَيْتُكَ بِهِ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ رَجُلٌ هُوَ أَخْوَفُ عَلَى نَفْسِي عِنْدِي مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لا أَخَافُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا قَالَ: لا تعجل على لا ابالك! وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِالَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ مَرَّةٍ إِلا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّجُلِ حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ! قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
بُعِثَ الرَّسُولُ بِمَا تَرَى فَكَأَنَّمَا ... عمدا نشن عَلَى الْمَقَانِبِ غَارَا
وَلَقَدْ وَرَدْنَ بِنَا الْمَدِينَةَ شُزَّبًا ... وَلَقَدْ قَتَلْنَ بِجَوِّهَا الأَنْصَارَا
وَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ
(3/144)

وَجَلَّ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فِي عُنُقِهِ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ، أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ! ثُمَّ خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ وَارَوْهُ، حَتَّى قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا أَتَاهُمْ قَوْمُهُمْ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَرْبَدُ؟ قَالَ:
لا شَيْءٌ، وَاللَّهِ لَقَدْ دَعَانَا إِلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدَدْتُ أَنَّهُ عِنْدِيَ الآنَ فَأَرْمِيهِ بِنَبْلِي هَذِهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ هَذِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، مَعَهُ جَمَلٌ لَهُ يَبِيعُهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لبيد بن ربيعه لامه.

قدوم زيد الخيل في وفد طيّئ
وقدم على رسول الله ص وَفْدُ طَيِّئٍ، فِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ كَلَّمُوهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ الإِسْلامَ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلامُهُمْ، [فَقَالَ رَسُولُ الله ص- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ طَيِّئٍ: مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ زَيْدِ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ فِيهِ كُلُّ مَا فِيهِ] .
ثُمَّ سَمَّاهُ زَيْدُ الْخَيْرِ، وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا وَأَرْضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ! سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمَّى وَغَيْرِ أُمِّ مِلْدَمٍ فَلْم يُثَبِّتْهُ- فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ بِلادِ نَجْدٍ إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَمَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَحَسَّ زَيْدٌ بِالْمَوْتِ قَالَ:
أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غَدْوَةً ... وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدُ
أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادَنِي ... عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يَبَرَّ مِنْهُنَّ يَجْهَدُ
(3/145)

فَلَمَّا مَاتَ عَمِدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَا كَانَ مَعَهَا مِنْ كُتُبِهِ الَّتِي قَطَعَ لَهُ رَسُولُ الله ص فحرقتها بالنار
. كتاب مسيلمه الى رسول الله والجواب عنه
وفي هذه السنة كتب مسيلمة إلى رَسُول الله ص يدعي أنه أشرك معه فِي النُّبُوَّةُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قَالَ: كان مسيلمة بْن حبيب الكذاب كتب الى رسول الله ص: من مسيلمة رَسُول اللَّهِ إلى محمد رَسُول اللَّهِ سلام عليك، فإني قد أُشركت فِي الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون.
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن شَيْخٍ مِنْ أَشْجَعَ قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: أَمَّا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ فَيَقُولُ: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ-[قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ص يقول لهما حين قرءا كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: فَمَا تَقُولانِ أَنْتُمَا؟ قَالا:
نَقُولُ كَمَا قَالَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا] .
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمد رسول الله إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، ف إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ دَعْوَى مُسَيْلِمَةَ وَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مِنَ الكذابين في عهد النبي ص، إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّبِيِّ مِنْ حَجِّهِ الْمُسَمَّى حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمَرضَتِهِ الَّتِي مَرِضَهَا الَّتِي كانت منها وفاته ص
(3/146)

حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري، قال: حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قَالَ: حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ عُمَرَ- وَكَتَبَ بِذَلِكَ الى السرى يقول: حدثنا شعيب ابن إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيِّ الأُسَيْدِيِّ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بن ثابت بن الجذع الأنصاري، عن عبيد مولى رسول الله ص عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لما انصرف النبي ص الى المدينة بعد ما قَضَى حَجَّةُ التَّمَامِ، فَتَحَلَّلَ بِهِ السَّيْرُ، وَطَارَتْ به الاخبار لتحلل السير بالنبي ص، أَنَّهُ قَدِ اشْتَكَى، فَوَثَبَ الأَسْوَدُ بِالْيَمَنِ وَمُسَيْلَمَةُ باليمامة، وجاء الخبر عنهما للنبي ص، ثُمَّ وَثَبَ طُلَيْحَةُ فِي بِلادِ بَنِي أَسَدٍ بعد ما أَفَاقَ النَّبِيُّ، ثُمَّ اشْتَكَى فِي الْمُحَرَّمِ وَجَعَهُ الذى توفاه الله فيه
. خروج الأمراء والعمال على الصدقات
قال ابو جعفر: وفرق رسول الله ص فِي جَمِيعِ الْبِلادِ الَّتِي دَخَلَهَا الإِسْلامُ عُمَّالا عَلَى الصَّدَقَاتِ، عَلَى كُلِّ مَا أَوْطَأَ الإِسْلامُ مِنَ الْبِلْدَانِ، فَبَعَث الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيُّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ أَخَا بَنِي بَيَاضَةَ الأَنْصَارِيَّ إِلَى حَضْرَمَوْتَ عَلَى صَدَقَتِهَا، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، صَدَقَةِ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، وَبَعَثَ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ، وَيُقْدِمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ
(3/147)

حجه الوداع
فَلَمَّا دَخَلَ ذُو الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ عَشْرٍ- تَجَهَّزَ النَّبِيُّ إِلَى الْحَجِّ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ لَهُ فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة زوج النبي ص، قالت: خرج النبي ص إِلَى الْحَجِّ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لا يَذْكُرُ وَلا يَذْكُرُ النَّاسُ إِلا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرِفَ، [وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحِلُّوا بِعُمْرَةٍ إِلا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَحِضْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَدَخَلَ على وانا ابكى، فقال: مالك يَا عَائِشَةُ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ! فَقُلْتُ:
نَعَمْ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ مَعَكُمْ عَامِي هَذَا فِي هذا السَّفَرِ، قَالَ: لا تَفْعَلِي، لا تَقُولِنَّ ذَلِكَ، فَإِنَّكِ تَقْضِينَ كُلَّ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، إِلا أَنَّكِ لا تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ] قَالَتْ: وَدَخَلَ رَسُولُ الله ص مَكَّةَ، فَحَلَّ كُلُّ مَنْ كَانَ لا هَدْيَ مَعَهُ، وَحَلَّ نِسَاؤُهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ كَثِيرٍ، فَطُرِحَ فِي بَيْتِي، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، لأَقْضِيَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي فَاتَتْنِي.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: [بَعَثَ رسول الله ص عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ، فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ، وَقَدْ أَحْرَمَ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ،
(3/148)

فوجدها قد حلت وتهيأت، فقال: مالك يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ:
أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَحْلَلْنَا، قَالَ: ثُمَّ اتى رسول الله ص، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ سَفَرِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلَّ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَلْتَ بِهِ، قَالَ: ارْجِعْ فَاحْلِلْ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قُلْتُ حِينَ أَحْرَمْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، قَالَ: فَهَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قَالَ: قلت: لا، قال: فاشركه رسول الله ص فِي هَدْيِهِ وَثَبَتَ عَلَى إِحْرَامِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى فَرَغَا مِنَ الْحَجِّ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ الْهَدْيَ عَنْهُمَا] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى ابن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن أبي عَمْرَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ لِيَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَكَسَا رِجَالا مِنَ الْقَوْمِ حُلَلا مِنَ الْبَزِّ الَّذِي كَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا دَنَا جَيْشُهُ، خَرَجَ عَلِيٌّ ليلقاهم، فَإِذَا هُمْ عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذَا! قَالَ: كَسَوْتُ الْقَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إِذَا قَدِمُوا فِي النَّاسِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ! انْزَعْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ:
فَانْتَزَعَ الْحُلَلَ مِنَ النَّاسِ، وَرَدَّهَا فِي الْبَزِّ، وَأَظْهَرَ الْجَيْشُ شِكَايَةً لِمَا صُنِعَ بِهِمْ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بن محمد بن كعب ابن عجزه، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ- وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، [قَالَ: شَكَا النَّاسُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا خَطِيبًا، فَسَمِعْتُهُ يقول: يا ايها الناس، لا تشكوا عليا، فو الله انه لأخشى فِي ذَاتِ اللَّهِ- أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- من ان يشكى]
(3/149)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، قال: ثم مضى رسول الله ص عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ لِلنَّاسِ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا، بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لا رِبًا وَإِنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ بَنُو هُذَيْلٍ- فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ» ، وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَ «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
(3/150)

السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ
، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لا يَمْلِكْنَ لأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَاسْمَعُوا قَوْلِي، [فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ وَتَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ] .
أَيُّهَا النَّاسُ، [اسْمَعُوا قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَاعْقِلُوهُ تَعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ،] فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَلا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ! قَالَ: فَذُكِرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: كَانَ الذى يصرخ في الناس بقول رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى عَرَفَةَ، رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، [قَالَ:
يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: قُلْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا! فَيَقُولُونَ: الشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَيَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا ثُمَّ قَالَ: قُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، فَهَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالَ: فَيَصْرُخُ بِهِ، فَيَقُولُونَ: الْبَلَدُ الْحَرَامُ، قَالَ: فَيَقُولُ: قُلْ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ
(3/151)

وَأَمْوَالَكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا ثُمَّ قَالَ: قُلْ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ، فَقَالُوا: يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، فَقَالَ: قُلْ:
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، [أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: هَذَا الْمَوْقِفُ- لِلْجَبَلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ- وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَقَالَ حِينَ وَقَفَ عَلَى قُزَحِ صَبِيحَةِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَذَا الْمَوْقِفُ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ ثُمَّ لَمَّا نَحَرَ بِالْمَنْحَرِ، قَالَ:
هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ منى منحر،] فقضى رسول الله ص الْحَجَّ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي حَجِّهِمْ فِي الْمَوَاقِفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَمَا أُحِلَّ لَهُمْ فِي حَجِّهِمْ وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَحَجَّةَ الْبَلاغِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَحُجَّ بعدها
. ذكر جمله الغزوات
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَتْ غَزَوَاتُهُ بِنَفْسِهِ سِتًّا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُنَّ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً، فَمَنْ قَالَ: هِيَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ، جَعَلَ غزوه النبي ص خَيْبَرَ وَغَزْوَتُهُ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى غَزْوَةً وَاحِدَةً، لأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ خَيْبَرَ حِينَ فَرَغَ مِنْ أَمْرِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلَكِنَّهُ مَضَى مِنْهَا إِلَى وَادِي الْقُرَى، فَجَعَلَ ذَلِكَ غَزْوَةً وَاحِدَةً وَمَنْ قَالَ: هِيَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً، جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ غَزْوَةً، وَغَزْوَةَ وَادِي الْقُرَى غَزْوَةً أُخْرَى، فَيَجْعَلُ الْعَدَدَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ جَمِيعُ مَا غَزَا رسول الله ص بِنَفْسِهِ سِتًّا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَدَّانُ، وَهِيَ غَزْوَةُ الأَبْوَاءِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بُوَاطٍ إِلَى نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمَّ غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ
(3/152)

الأُولَى يَطْلُبُ كُرَزَ بْنِ جَابِرٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى الَّتِي قَتَلَ فِيهَا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافَهُمْ، وَأَسَرَ فِيهَا مَنْ أَسَرَ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ حَتَّى بَلَغَ الْكُدَرَ، مَاءً لِبَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ السَّوِيقِ يَطْلُبُ أَبَا سُفْيَانَ حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدَرِ، ثُمَّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ إِلَى نَجْدٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرٍّ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ، مَعْدِن بِالْحِجَازِ مِنْ فَوْقِ الْفُرعُ، ثُمَّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الأَسَدِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرقاع من نخل، ثم غزوه بدر الآخرة، ثُمَّ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ- لا يُرِيدُ قِتَالا، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ- ثُمَّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْفَتْحِ، فَتَحِ مَكَّةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ الطَّائِفِ، ثُمَّ غَزْوَةُ تَبُوكَ قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ، وَقُرَيْظَةُ، وَالْمُصْطَلِقُ، وَخَيْبَرُ، وَالْفَتْحُ، وَحُنَيْنٌ، وَالطَّائِفُ.
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: غَزَا رَسُولُ الله ص سِتًّا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا، لَيْسَ فِيهَا اخْتِلافٌ بَيْنَ أَحَدٍ فِي عَدَدِهَا، وَهِيَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَقْدِيمِ مَغْزَاةٍ قَبْلَ مَغْزَاةٍ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ص؟ قَالَ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ كَمْ غَزَوْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، أَوَّلُهَا الْخَنْدَقُ، وَفَاتَنِي سِتُّ غَزَوَاتٍ، وَقَدْ كُنْتُ حريصا، قد عرضت
(3/153)

على النبي ص، كُلَّ ذَلِكَ يَرُدُّنِي فَلا يُجِيزُنِي حَتَّى أَجَازَنِي فِي الْخَنْدَقِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي إِحْدَى عَشْرَةَ، ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ التِّسْعَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَعَدَّ مَعَهَا غَزْوَةَ وَادِي الْقُرَى، وَأَنَّهُ قَاتَلَ فِيهَا فَقُتِلَ غُلامُهُ مِدْعَمٌ، رُمِيَ بِسَهْمٍ قَالَ: وَقَاتَلَ يَوْمَ الْغَابَةِ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلَ مُحْرِزُ بْنُ نضله يومئذ
. ذكر جمله السرايا والبعوث
واختلف في عدد سراياه ص، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَت سَرَايَا رسول الله ص وَبُعُوثُهُ- فِيمَا بَيْنَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ- خَمْسًا وَثَلاثِينَ بَعْثًا وَسَرِيَّةً:
سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ إِلَى أَحْيَاءٍ مِنْ تثنيه الْمَرَةِ، وَهُوَ مَاءٌ بِالْحِجَازِ، ثُمَّ غَزْوَةُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ- وَبَعْضُ النَّاسِ يُقَدِّمُ غَزْوَةَ حَمْزَةَ قَبْلَ غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ- وَغَزْوَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إِلَى نَخْلَةَ، وَغَزْوَةُ زيد ابن حَارِثَةَ الْقَرَدَةَ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ، وَغَزْوَةُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ الرَّجِيعَ، وَغَزْوَةُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو بِئْرَ مَعُونَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي عبيده بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَغَزْوَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تُرَبَةَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ، وَغَزْوَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْيَمَنَ، وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيِّ- كَلْبَ لَيْثٍ- الْكَدِيدَ، وَأَصَابَ بِلْمُلَوِّحِ، وَغَزْوَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكٍ، وَغَزْوَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ أَرْضَ
(3/154)

بَنِي سُلَيْمٍ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَمْرَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ قَطَنًا، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أَسَدٍ مِنْ نَاحِيَةِ نَجْدٍ قُتِلَ فِيهَا مَسْعُودُ بْنُ عُرْوَةَ، وَغَزْوَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، أَخِي بَنِي الْحَارِثِ إِلَى الْقُرَطَاءِ مِنْ هَوَازِنَ، وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكٍ، وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا إِلَى يُمْنٍ وَجِنَابٍ، بَلَدٌ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ- وَقِيلَ يَمَنٌ وَجُبَارٌ، أَرْضٌ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْجَمُومَ، مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا جُذَامَ مِنْ أَرْضِ حِسْمَى- وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ خَبَرِهَا قَبْلُ- وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا وَادِي الْقُرَى، لَقِيَ بَنِي فَزَارَةَ.
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ خَيْبَرَ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا الَّتِي أَصَابَ اللَّهُ فِيهَا يَسِيرَ بْنَ رِزَامٍ- وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ يَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرَ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ص، فبعث اليه رسول الله عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ حَلِيفُ بَنِي سَلِمَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ كَلَّمُوهُ وَوَاعَدُوهُ وَقَرَّبُوا لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ قَدِمْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اسْتَعْمَلَكَ وَأَكْرَمَكَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى خَرَجَ مَعَهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ وَرَدَفَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ نَدِمَ يَسِيرُ بْنُ رِزَامٍ عَلَى سَيْرِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَفَطِنَ له عبد الله ابن أُنَيْسٍ وَهُوَ يُرِيدُ السَّيْفَ، فَاقْتَحَمَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَضَرَبَهُ يَسِيرٌ بِمِخْرَشٍ فِي يَدِهِ مِنْ شَوْحَطٍ، فَأَمَّهُ فِي رَأْسِهِ، وَقَتَلَ اللَّهُ يَسِيرًا، وَمَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ اصحاب رسول الله ص عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقَتَلَهُ إِلا رَجُلا وَاحِدًا أَفْلَتَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الله ابن انيس على رسول الله ص تَفِلَ عَلَى شُجَّتِهِ فَلَمْ تُقْحَ وَلَمْ تُؤْذِهِ.
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَصَابَ بِهَا أَبَا رَافِعٍ،
(3/155)

وقد كان رسول الله ص بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابَهُ- فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ- إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَقَتَلُوهُ، وبعث رسول الله ص عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إِلَى خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ- وَهُوَ بِنَخْلَةٍ أَوْ بِعُرَنَةَ- يَجْمَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ لِيَغْزُوَهُ، فَقَتَلَهُ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: دعانى رسول الله ص، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي- وَهُوَ بِنَخْلَةٍ أَوْ بَعُرْنَةَ- فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ أَذْكَرَكَ الشَّيْطَانَ! إِنَّهُ آيَةٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ قَشْعَرِيرَةً قَالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا سَيْفِي حَتَّى دَفَعْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلا حَيْثُ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْقَشْعَرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي إِيمَاءً، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِذَلِكَ، قَالَ: أَجَلْ، أَنَا فِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَرَآنِي، قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ! قَالَ:
قُلْتُ: قَدْ قَتَلْتُهُ قَالَ: صَدَقْتَ! ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ الْعَصَا عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ قَالَ:
فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟ قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسِكَهَا عِنْدِي، قَالُوا: أَفَلا تَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِكَ؟ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: آيَةُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ
(3/156)

يَوْمَئِذٍ، فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أَمَرَ بِهَا فَضُمَّت مَعَهُ فِي كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا ثم رجع الحديث إلى حديث عبد اللَّه بْن أبي بكر قَالَ: وغزوة زيد بْن حارثة وجعفر بْن أبي طالب وعبد الله بْن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام، وغزوة كعب بْن عمير الغفاري بذات أطلاح من أرض الشام، فأصيب بِهَا هو وأصحابه، وغزوة عيينة بْن حصن بني العنبر من بني تميم، وَكَانَ من حديثهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بعثه إِلَيْهِم، فأغار عليهم، فأصاب منهم ناسا، وسبى منهم سبيا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، [أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لرسول الله ص:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: هَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ الآنَ فَنُعْطِيكِ إِنْسَانًا فَتَعْتِقِينَهُ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص رَكِبَ فِيهِمْ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، حَتَّى قدموا على رسول الله ص، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ، وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَوَرْدَانُ بْنُ مُحْرِزٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ دَارِمٍ، وَفِرَاسُ بْنُ حَابِسٍ وَكَانَ مِمَّنْ سُبِيَ مِنْ نِسَائِهِمْ يَوْمَئِذٍ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَكَأْسُ بِنْتُ أَرِيٍّ، وَنَجْوَةُ بِنْتُ نَهْدٍ وَجُمَيْعَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ مَطَرٍ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيِّ- كَلْبُ لَيْثٍ- أَرْض بَنِي مُرَّةَ، فأصاب بها مرداس بن نهيك، حليفا لهم مِنَ الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ الَّذِي [قَالَ فيه النبي ص لأُسَامَةَ:
مَنْ لَكَ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهِ!]
(3/157)

وَغَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتَ السَّلاسِلِ، وَغَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ، وَغَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ إِلَى الغابة، وغزوه عبد الرحمن ابن عَوْفٍ.
وَبَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِمْ ابو عبيده بن الجراح، وهي غزوه الحبط.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سعد، قَالَ: قَالَ محمد ابن عمر: كانت سرايا رسول الله ص ثمانيا وأربعين سرية.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي هذه السنة قدم جرير بْن عبد الله البجلي على رسول الله ص مسلما فِي رمضان، فبعثه رَسُول اللَّهِ إلى ذي الخلصة فهدمها.
قَالَ: وفيها قدم وبر بْن يحنس على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام فنزل على بنات النعمان بْن بُزُرْج فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، وإلى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بْن منبه، وَكَانَ أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بْن مركبود ووهب بْن منبه.
قَالَ: وفيها اسلم باذان، وبعث الله النبي ص بإسلامه.
قَالَ أبو جعفر: وقد خالف فِي ذلك عبد الله بن ابى بكر من قال: كانت مغازي رسول الله ص ستا وعشرين غزوة، من أنا ذاكره:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَزَا تِسْعَ عشره غزوه، وحج بعد ما هَاجَرَ حَجَّةً، لَمْ يَحُجَّ غَيْرَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَجَّةً بِمَكَّةَ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟
قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، قال:
(3/158)

فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اسْتَسْقَى قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ- أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ- قَالَ: فقلت: كم غزا رسول الله ص؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَهُ؟
قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعَسِيرِ- أَوِ الْعَشِيرِ.
وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ خَطَأٌ، حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: لِزَيْدِ بن أرقم: كم غزوت مع رسول الله ص؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قُلْتُ: كَمْ غَزَا رسول الله ص؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ الْحَارِثُ:
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: هَذَا إِسْنَادُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، يَقُولُونَ هَكَذَا، وَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا زَيْدُ بْنُ الأَرْقَمِ الْمُرَيْسِيعُ، وَهُوَ غُلامٌ صَغِيرٌ، وَشَهِدَ مُؤْتَةَ رَدِيفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وما غزا مع النبي ص إِلا ثَلاثَ غَزَوَاتٍ أَوْ أَرْبَعًا.
وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: غَزَا رسول الله ص ثَمَانِيَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي ثَمَانِ غَزَوَاتٍ أَوَّلُهُنَّ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالأَحْزَابُ وَقُرَيْظَةُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ الأَرْقَمِ، وَحَدِيثُ مَكْحُولٍ جَمِيعًا غَلَطٌ
. ذكر الخبر عن حج رسول الله ص
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابيه، عن جابر، ان النبي ص
(3/159)

حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، مَعَهَا عُمْرَةٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اعْتَمَرَ رسول الله ص عُمْرَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتِ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْبَعَ عُمَرٍ، قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، مِنْهُنَّ عُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عمر يقول: اعتمر رسول الله ص ثَلاثَ عُمَرٍ فَبَلَغَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، مِنْهَا عُمْرَتُهُ الَّتِي قَرَنَ مَعَهَا الْحَجَّةَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ جَالِسٌ عِنْدَ حُجْرَةِ عائشة، فقلنا: كم اعتمر النبي ص؟ فَقَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ وَنَرُدَّ عَلَيْهِ، فَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا أُمَّهْ، يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَقَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يقول: ان النبي ص اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ: إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! مَا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ عُمْرَةً إِلا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَما اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ
. ذكر الخبر عن أزواج رَسُول الله ص
ومن منهن عاش بعده ومن منهن فارقه فِي حياته، والسبب الذي فارقه من أجله، ومن منهن مات قبله.
فَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص تزوج خمس
(3/160)

عَشْرَةَ امْرَأَةً، دَخَلَ بِثَلاثَ عَشْرَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ.
تَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ تَزَوَّجَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عتيق بن عابد ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ زَائِدَةَ بْنِ الأَصَمِّ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حُجْرِ بْن مَعِيصِ بْنِ لُؤَيٍّ فَوَلَدَتَ لِعَتِيقٍ جَارِيَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا وَخَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو هَالَةَ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ نُبَاشِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سَلامَةَ بْنِ غَذِيِّ بْنِ جِرْوَةَ بْن أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ فِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ.
فَوَلَدَتْ لأَبِي هَالَةَ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ، وَعِنْدَهَا ابْنُ أَبِي هَالَةَ هِنْدٌ، فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ثَمَانِيَةً: الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَزَيْنَبُ، وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةُ.
قَالَ ابو جعفر: ولم يتزوج رسول الله ص فِي حَيَاتِهَا عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَضَتْ لِسَبِيلِهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَهَا، فَاخْتُلِفَ فِيمَنْ بَدَأَ بِنِكَاحِهَا مِنْهُنَّ بَعْدَ خَدِيجَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتِ الَّتِي بَدَأَ بِنِكَاحِهَا بَعْدَ خَدِيجَةَ قَبْلَ غَيْرِهَا عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
بَلْ كَانَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرٍ فَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ يَوْمَ تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً لا تَصْلُحُ لِلْجِمَاعِ، وَأَمَّا سَوْدَةُ فَإِنَّهَا كَانَتْ امْرَأَةً ثَيِّبًا، قَدْ كَانَ لها قبل النبي ص زَوْجٌ، وَكَانَ زَوْجَهَا قَبْلَ النَّبِيِّ السَّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ السَّكْرَانُ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ فَتَنَصَّرَ وَمَاتَ بِهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رسول الله ص وَهُوَ بِمَكَّةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلا خِلافَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص ان رسول الله ص بَنَى بِسَوْدَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ.

ذكر السبب الذي كان في خطبه رسول الله ص عائشة وسودة
والرواية الواردة بأولاهما كان عقد عليها رَسُول اللَّهِ عقدة النكاح:
(3/161)

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ، قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الأَوْقَصِ، امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَزَوَّجُ؟ فَقَالَ:
وَمَنْ؟ فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قَالَ: فَمَنِ الْبِكْرُ؟ قَالَتِ:
ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْكَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ قَالَتْ:
سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَدْ آمَنَتْ بِكَ وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ قَالَ:
فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ فَجَاءَتْ فَدَخَلَتْ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَدَتْ أُمَّ رُومَانَ، أُمَّ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَيْ أُمَّ رُومَانَ؟ مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
وَدِدْتُ! انْتَظِرِي أَبَا بكر، فانه آت، فجاء ابو بكر، قالت: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ، إِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ! فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ، فَقُولِي لَهُ: أَنْتَ أَخِي فِي الإِسْلامِ، وَأَنَا أَخُوكَ، وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي؟ فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: انْتَظِرِينِي حَتَّى أَرْجِعَ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: إِنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ ذَكَرَهَا عَلَى ابْنِهِ، وَلا وَاللَّهِ مَا وَعَدَ شَيْئًا قَطُّ فَأَخْلَفَ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مُطْعِمٍ، وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ ابْنِهِ الَّذِي كَانَ ذكرها عليه، فقالت العجوز:
يا بن أَبِي قُحَافَةَ، لَعَلَّنَا إِنْ زَوَّجْنَا ابْنَنَا ابْنَتَكَ أَنْ تَصْبِئَهُ وَتُدْخِلَهُ فِي دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ! فَأْقَبَلَ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطْعِمِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ ذَاكَ قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ الْعِدَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهَا إِيَّاهُ، وَقَالَ لِخَوْلَةَ: ادْعِي لِي رَسُولَ اللَّهِ، فَدَعَتْهُ فَجَاءَ فَأَنْكَحَهُ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى سَوْدَةَ فَقُلْتُ: أَيْ سَوْدَةُ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قالت: أرسلني رسول الله يخطبك عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَقَالَتْ:
(3/162)

وَدِدْتُ! ادْخُلِي عَلَى أَبِي فَاذْكُرِي لَهُ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْحَجِّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَحَيَّيْتُهُ بِتَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قُلْتُ:
إِنَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَنِي أَخْطُبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، قَالَ: كُفْءٌ كَرِيمٌ، فَمَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُهُ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: ادْعِيهَا إِلَيَّ، فَدَعَيْتُ لَهُ، فَقَالَ: أَيْ سَوْدَةُ، زَعَمَتْ هَذِهِ أَنَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ وَهُوَ كُفْءٌ كَرِيمٌ، أَفَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:
فَادْعِيهِ لِي، فَدَعَتْهُ، فَجَاءَ فَزَوَّجَهُ، فَجَاءَ أَخُوهَا مِنَ الْحَجِّ، عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي فِي رَأْسِي التُّرَابَ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ! قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّنْحَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ:
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَل بَيْتَنَا، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَنِسَاءٌ، فَجَاءَتْنِي أُمِّي وَأَنَا فِي أُرْجُوحَةٍ بَيْنَ عدقين يُرْجَحُ بِي، فَأَنْزَلَتْنِي ثُمَّ وَفَتْ جُمَيْمَة كَانَتْ لِي، وَمَسَحَتْ وَجْهِي بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَقُودُنِي، حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ الْبَابِ وَقَفَتْ بِي حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ ادخلت ورسول الله جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي بَيْتِنَا قَالَتْ: فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْرِهِ، فَقَالَتْ: هَؤُلاءِ أَهْلُكَ فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِنَّ وَبَارَكَ لَهُنَّ فِيكَ! وَوَثَبَ الْقَوْمُ وَالنِّسَاءُ، فَخَرَجُوا، فَبَنَى بِي رَسُولُ اللَّهِ فِي بَيْتِي، مَا نُحِرَتْ جَزُورٌ وَلا ذُبِحَتْ عَلَيَّ شَاةٌ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بِجَفْنَةٍ كَانَ يرسل بها الى رسول الله ص.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ- وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الملك ابن مَرْوَانَ: إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ فِي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ تَسْأَلُنِي: مَتَى تُوُفِّيَتْ؟
وَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ قَبْلَ مخرج رسول الله ص مِنْ مَكَّةَ بِثَلاثِ سِنِينَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَأَى عَائِشَةَ مَرَّتَيْنِ، يُقَالُ لَهُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ
(3/163)

ثم ان رسول الله ص بنى بعائشة بعد ما قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ يَوْمَ بَنَى بِهَا ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد ثم تزوج رسول الله ص عائشة بنت أبي بكر- واسمه عتيق بْن أبي قحافة، وهو عثمان- ويقال عبد الرحمن بن عثمان- بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْدِ بْنِ تيم بن مرة تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي ابنة سبع سنين، وجمع إليها بعد أن هاجر إلى الْمَدِينَةِ وهي ابنة تسع سنين فِي شوال، فتوفى عنها وهي ابنه ثمان عشره، ولم يتزوج رسول الله ص بكرا غيرها، ثم تزوج رسول الله ص حفصة بنت عمر بن الخطاب ابن نفيل بْن عبد العزى بْن رياح بْن عبد الله بْن قرط بْن كعب- وكانت قبله عِنْد خنيس بْن حذافة بْن قيس بن عدى ابن سعد بْن سهم.
وَكَانَ بدريا، شهد بدرا مع رسول الله ص- فلم تلد لَهُ شيئا، ولم يشهد من بني سهم بدرا غيره
. ثُمَّ تزوج رَسُول الله ص أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بْن المغيرة بْن عبد الله بْن عمر بْن مخزوم، وكانت قبله عِنْد أبي سلمة ابن عبد الأسد بْن هلال بْن عبد الله بْن عمر بْن مخزوم، وشهد بدرا مَعَ رسول الله ص، وَكَانَ فارس القوم، فأصابته جراحة يوم أحد فمات منها، وَكَانَ ابن عمة رَسُول اللَّهِ ورضيعه، وأمه برة بنت عبد المطلب ولدت لَهُ عمر، وسلمة، وزينب، ودرة، [فلما مات كبر رسول الله ص على أبي سلمة تسع تكبيرات، فلما قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أسهوت أم نسيت؟ قَالَ: لم أسه ولم أنس، ولو كبرت على أبي سلمة ألفا كان أهلا لذلك،] ودعا النبي ص لأبي سلمة بخلفه فِي أهله فتزوجها رَسُول الله ص قبل الأحزاب سنة ثلاث، وزوج سلمة بْن أبي سلمة ابنة حمزة بْن عبد المطلب
(3/164)

ثم تزوج رسول الله ص عام المريسيع جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بْن حبيب بْن مالك بْن جذيمة- وهو المصطلق بْن سعد بْن عمرو- سنة خمس، وكانت قبله عِنْد مالك بْن صفوان ذي الشفر بْن أبي سرح بْن مالك بْن المصطلق، لم تلد لَهُ شيئا، فكانت صفيه رسول الله ص يوم المريسيع، فأعتقها وتزوجها، وسألت رَسُول اللَّهِ ص عتق ما فِي يده من قومها، فأعتقهم لها.
ثم تزوج رسول الله ص أم حبيبة بنت أبي سفيان بْن حرب، وكانت عِنْد عبيد الله بْن جحش بْن رئاب بن يعمر بن صبره بْن مرة بْن كبير بْن غنم بْن دودان بْن أسد- وكانت من مهاجرات الحبشة هي وزوجها، فتنصر زوجها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث رسول الله ص إلى النجاشي فيها، فَقَالَ النجاشي لأصحابه: من أولاكم بِهَا؟ قالوا: خالد بْن سعيد بْن العاص، قَالَ: فزوجها من نبيكم، ففعل وأمهرها أربعمائة دينار ويقال: بل خطبها رسول الله ص إلى عثمان بْن عفان، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها، فساق عنه النجاشي، وبعث بها الى رسول الله ص.
ثم تزوج رسول الله ص زينب بنت جحش بن رئاب ابن يعمر بْن صبرة، وكانت قبله عِنْد زيد بْن حارثة بْن شراحيل مولى رَسُول اللَّهِ ص، فلم تلد لَهُ شيئا، وفيها أنزل الله عز وجل: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» إلى آخر الآية، فزوجها الله عز وجل إياه، وبعث فِي ذَلِكَ جبريل، وكانت تفخر على نساء النبي ص، وتقول: أنا أكرمكن وليا، وأكرمكن سفيرا.
ثُمَّ تزوج رسول الله ص صفية بنت حيي بْن أخطب بْن سعية بْن ثعلبة بْن عبيد بْن كعب بْن الخزرج بْن أبي حبيب بْن النضير،
(3/165)

وكانت قبله تحت سلام بْن مشكم بْن الحكم بْن حارثة بْن الخزرج بْن كعب بْن الخزرج، وتوفي عنها وخلف عليها كنانة بْن الربيع بْن أبي الحقيق، فقتله محمد بن مسلمه بأمر النبي ص، ضرب عنقه صبرا، فلما تصفح النبي ص السبي يوم خيبر، ألقى رداءه على صفية، فكانت صفية يوم خيبر، ثُمَّ عرض عليها الإسلام فأسلمت، فأعتقها، وذلك سنة ست.
ثُمَّ تزوج رسول الله ص ميمونه بنت الحارث بن حزن ابن بجير بْن الهزم بْن رويبة بْن عبد الله بْن هلال، وكانت قبله عِنْد عمير ابن عمرو، من بني عقدة بْن غيرة بْن عوف بن قسي- وهو ثقيف- لم تلد لَهُ شيئا، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس بْن عبد المطلب، فتزوجها رسول الله ص بسرف فِي عمرة القضاء، زوجها إياه العباس ابن عبد المطلب، فتزوجها رَسُول اللَّهِ.
وكل هؤلاء اللواتي ذكرنا ان رسول الله ص تزوجهن إلى هذا الموضع، توفي رَسُول اللَّهِ وهن أحياء، غير خديجة بنت خويلد.
ثُمَّ تزوج رسول الله ص امرأة من بني كلاب بْن ربيعة، يقال لَهَا النشاة بنت رفاعة، وكانوا حلفاء لبني رفاعة من قريظة وقد اختلف فيها، وَكَانَ بعضهم يسمي هذه سنا وينسبها، فيقول: سنا بنت أسماء بْن الصلت السلمية وقال بعضهم: هي سبا بنت أسماء بْن الصلت من بني حرام من بني سليم وقالوا: توفيت قبل ان يدخل بها رسول الله ص، ونسبها بعضهم فَقَالَ: هي سنا بنت الصلت بْن حبيب بْن حارثة بْن هلال بْن حرام بْن سمال بْن عوف السلمي.
ثُمَّ تزوج رسول الله ص الشنباء بنت عمرو الغفارية.
وكانوا أيضا حلفاء لبني قريظة، وبعضهم يزعم أنها قرظية، وقد جهل نسبها لهلاك بني قريظة، وقيل أيضا إنها كنانية، فعركت حين دخلت
(3/166)

عليه، ومات إبراهيم قبل أن تطهر، فقالت: لو كان نبيا ما مات أحب الناس اليه، فسرحها رسول الله ص.
ثم تزوج رسول الله ص غزية بنت جابر من بني أبي بكر بْن كلاب، بلغ رَسُول اللَّهِ عنها جمال وبسطة، فبعث أبا أُسَيْدٍ الأنصاري، ثُمَّ الساعدي، فخطبها عليه فلما قدمت على النبي ص- وكانت حديثة عهد بالكفر فقالت: إني لم أستأمر فِي نفسي، إني أعوذ بالله منك! فقال النبي ص: امتنع عائذ الله وردها الى أهلها، يقال: إنها من كندة.
ثُمَّ تزوج رَسُول اللَّهِ ص أسماء بنت النعمان بن الأسود ابن شراحيل بْن الجون بْن حجر بْن معاوية الكندي، فلما دخل بِهَا وجد بِهَا بياضا فمتعها وجهزها وردها إلى أهلها، ويقال: بل كان النعمان بعث بِهَا إلى رَسُول اللَّهِ فسرحته، فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضا، فبعث إلى أبيها، فَقَالَ لَهُ: أليست ابنتك؟ قَالَ: بلى، قَالَ لَهَا: ألست ابنته؟ قالت:
بلى، قَالَ النعمان: عليكها يَا رَسُولَ اللَّهِ، فإنها وإنها وأطنب فِي الثناء فَقَالَ: إنها لم تيجع قط، ففعل بِهَا ما فعل بالعامرية، فلا يدرى: ألقولها أم لقول أبيها: إنها لم تيجع قط.
وأفاء الله عز وجل على رسوله ريحانة بنت زيد، من بني قريظة.
وأهدي لرسول الله ص مارية القبطية، أهداها لَهُ المقوقس صاحب الإسكندرية، فولدت له ابراهيم بن رسول الله.
فهؤلاء ازواج رسول الله ص، منهن ست قرشيات.
قَالَ أبو جعفر: وممن لم يذكر هشام فِي خبره هذا ممن روى عن رسول الله ص أنه تزوجه من النساء: زينب بنت خزيمة- وهي التي يقال لَهَا أم المساكين- من بني عامر بْن صعصعة، وهي زينب بنت خزيمة بن الحارث ابن عبد الله بْن عمرو بْن عبد مناف بْن هلال بْن عامر بْن صعصعة، وكانت قبل رَسُول اللَّهِ عِنْد الطفيل بْن الحارث بْن المطلب، أخي عبيدة بْن الحارث، توفيت عند رسول الله ص بالمدينة
(3/167)

وقيل انه لم يمت عِنْد رَسُول اللَّهِ فِي حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشراف بنت خليفة، أخت دحية بْن خليفة الكلبي، والعالية بنت ظبيان.
حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعَالِيَةَ، امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلابٍ فَمَتَّعَهَا، ثُمَّ فَارَقَهَا، وَقُتَيْلَةَ بِنْتَ قَيْسِ ابن معديكرب أُخْتَ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلامِ مَعَ أَخِيهَا، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ شُرَيْحٍ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: غَزِيَّةَ بِنْتِ جَابِرٍ، هِيَ أم شريك، تزوجها رسول الله ص بَعْدَ زَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَهُ، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ شَرِيكٌ، فَكُنِّيَتْ بِهِ، فلما دخل بها النبي ص وَجَدَهَا مُسِنَّةً، فَطَلَّقَهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَتَدْعُوهُنَّ إِلَى الإِسْلامِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ خَوْلَةَ بِنْتَ الْهُذَيْلِ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْحَارِثِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ لَيْلَى بِنْتَ الْخُطَيْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ ظفر ابن الحارث بن الخزرج، اقبلت الى النبي ص وَهُوَ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ الشَّمْسَ، فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَنَا ابْنَةُ مُبَارِي الرِّيحَ، أَنَا لَيْلَى بِنْتُ الْخُطَيْمِ، جِئْتُكَ أَعْرِضُ عَلَيْكَ نَفْسِي فَتَزَوَّجْنِي، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا، فَقَالَتْ: قَدْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: بِئْسَمَا صَنَعْتِ! أَنْتِ امْرَأَةٌ غَيْرَى، وَالنَّبِيُّ صَاحِبُ نِسَاءٍ، اسْتَقِيلِيهِ نَفْسَكِ، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ص، فَقَالَتْ: أَقِلْنِي، قَالَ: قَدْ أَقَلْتُكِ.
وَبِغَيْرِ هَذَا الاسناد ان النبي ص تَزَوَّجَ عَمْرَةَ بِنْتَ يَزِيدَ، امْرَأَةً مِنْ بَنِي رُؤَاسِ بْنِ كِلابٍ
(3/168)

ذكر من خطب النبي ص من النساء ثُمَّ لم ينكحهن
منهن أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها هند، خطبها رسول الله ص ولم يتزوجها، لأنها ذكرت أنها ذات ولد.
وخطب ضباعة بنت عامر بْن قرط بْن سلمة بْن قشير بْن كعب بْن ربيعة بْن عامر بْن صعصعة إلى ابنها سلمة بْن هشام بْن المغيرة، فَقَالَ:
حَتَّى أستأمرها، فأتاها فقال: ان النبي ص خطبك، فقالت:
ما قلت لَهُ؟ قَالَ: قلت لَهُ حَتَّى أستأمرها! قالت: وفي النبي يستأمر! ارجع فزوجه، فرجع فسكت عنه النبي ص، وذلك أنه أخبر أنها قد كبرت.
وخطب- فيما ذكر- صفية بنت بشامة أخت الأعور العنبري، وَكَانَ أصابها سباء، فخيرها، فَقَالَ: إن شئت أنا وإن شئت زوجك، قالت:
بل زوجي، فأرسلها.
وخطب أم حبيب بنت العباس بْن عبد المطلب، فوجد العباس أخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة.
وخطب جمرة بنت الحارث بْن أبي حارثة، فَقَالَ أبوها- فيما ذكر:
بِهَا شيء، ولم يكن بِهَا شيء، فرجع فوجدها قد برصت
. ذكر سراري رَسُول اللَّهِ ص
وهي مارية بنت شمعون القبطية، وريحانة بنت زيد القرظية وقيل:
هي من بني النضير وقد مضى ذكر أخبارهما قبل
. ذكر موالي رسول الله ص
فمنهم زيد بْن حارثة وابنه أسامة بْن زيد، وقد ذكرنا خبره فيما مضى.
وثوبان- مولى رَسُول اللَّهِ، فأعتقه، ولم يزل معه حَتَّى قبض، ثُمَّ نزل حمص
(3/169)

وله بِهَا دار وقف، ذكر أنه توفي سنة أربع وخمسين فِي خلافة معاوية.
وقال بعضهم: بل كان سكن الرملة، ولا عقب لَهُ.
وشقران- وَكَانَ من الحبشة، اسمه صالح بن عدى، اختلف في امره قد ذكر عن عبد الله بْن داود الخريبي انه قال: شقران ورثه رسول الله ص عن أبيه وقال بعضهم: شقران من الفرس، ونسبه فقال: هو صالح بن حول ابن مهر بود.
نسب شقران مولى رسول الله ص فِي قول من نسبه إلى عجم الفرس زعم أنه صالح بْن حول بْن مهربوذ بْن آذر جشنس بْن مهربان بْن فيران بْن رستم بْن فيروز بْن ماي بْن بهرام بْن رشتهري، وزعم أنهم كانوا من دهاقين الري.
وذكر عن مصعب الزبيري أنه قَالَ: كان شقران لعبد الرحمن بْن عوف.
فوهبه للنبي ص وانه اعقب، وان آخرهم مئوبا، رجل كان بالمدينة من ولده، كان لَهُ بالبصرة بقية.
ورويفع- وهو أبو رافع مولى رسول الله ص، اسمه أسلم وقال بعضهم: اسمه إبراهيم واختلفوا فِي أمره، فَقَالَ بعضهم: كان للعباس بْن عبد المطلب، فوهبه لرسول الله ص، فأعتقه رَسُول اللَّهِ.
وقال بعضهم: كان أبو رافع لأبي أحيحة سعيد بْن العاص الأكبر فورثه بنوه، فأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم منه، وقتلوا يوم بدر جميعا، وشهد أبو رافع معهم بدرا، ووهب خالد بْن سعيد نصيبه منه لرسول الله ص فأعتقه رَسُول اللَّهِ.
وابنه البهي- اسمه رافع.
وأخو البهي عبيد الله بْن أبي رافع- وَكَانَ يكتب لعلي بْن أبي طالب، فلما ولي عمرو بْن سعيد الْمَدِينَةَ دعا البهي، فَقَالَ: من مولاك؟ فَقَالَ: رَسُول اللَّهِ، فضربه مائة سوط، وقال: مولى من أنت! قَالَ: مولى رَسُول اللَّهِ، فضربه مائة سوط، فلم يزل يفعل به ذَلِكَ كلما سأله: مولى من أنت؟ قَالَ:
مولى رسول الله، حتى ضربه خمسمائة سوط، ثُمَّ قَالَ: مولى من أنت؟
قَالَ: مولاكم، فلما قتل عبد الملك عمرو بْن سعيد قَالَ البهي بْن أبي رافع:
(3/170)

صحَّت ولا شلَّت وضرّت عدوها ... يمين هراقت مهجه ابن سعيد
هو ابن ابى العاصي مرارا وينتمي ... إلى أسرة طابت لَهُ وجدود
وسلمان الفارسي- وكنيته أبو عبد الله من أهل قرية إصبهان، ويقال:
إنه من قرية رامهرمز، فأصابه أسر من بعض كلب، فبيع من بعض اليهود بناحية وادي القرى، فكاتب اليهودي، فأعانه رسول الله ص والمسلمون حَتَّى عتق وقال بعض نسابه الفرس: سلمان من كور سابور، واسمه ما به بْن بوذخشان بْن ده ديره وسفينة- مولى رسول الله ص، وَكَانَ لأم سلمة فأعتقته، واشترطت عليه خدمة رسول الله ص حياته، قيل: إنه أسود، واختلف فِي اسمه، فَقَالَ بعضهم: اسمه مهران، وقال بعضهم: اسمه رباح، وقال بعضهم: هو من عجم الفرس، واسمه سبيه بْن مارقيه، وأنسة يكنى أبا مسرح، وقيل: أبا مسروح كان من مولدي السراة، وكان يأذن على رسول الله ص إذا جلس، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ص وقال بعضهم: أصله من عجم الفرس، كانت أمه حبشية وأبوه فارسيا قَالَ: واسم أبيه بالفارسيه كردوى ابن أشرنيده بْن أدوهر بْن مهرادر بْن كحنكان من بني مهجوار بْن يوماست.
وأبو كبشة- واسمه سليم، قيل إنه كان من مولدي مكة، وقيل:
من مولدي أرض دوس، ابتاعه رسول الله ص فأعتقه، فشهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بدرا وأحدا والمشاهد توفى في أول يوم استخلف فيه عمر بْن الْخَطَّاب، سنة ثلاث عشرة من الهجرة.
وأبو مويهبة- قيل: إنه كان من مولدي مزينة، فاشتراه رسول الله ص فأعتقه.
ورباح الأسود- كان يأذن لرسول الله ص.
وفضالة- مولى رسول الله ص نزل- فيما ذكر- الشام.
ومدعم- مولى رَسُول الله ص، كان عبدا لرفاعة
(3/171)

ابن زيد الجذامي، فوهبه لرسول الله، فقتل بوادي القرى، يوم نزل بهم رَسُول اللَّهِ، أتاه سهم غرب فقتله.
وأبو ضميرة- كان بعض نسابة الفرس زعم أنه من عجم الفرس، من ولد كشتاسب الملك، وأن اسمه واح بن شيرز بن بيرويس بن تاريشمه ابن ماهوش بن باكمهيز وذكر بعضهم أنه كان ممن صار فِي قسم رَسُول اللَّهِ فِي بعض وقائعه، فأعتقه، وكتب له كتابا بالوصية، وهو جد حسين بن عبد الله بْن أبي ضميرة، وأن ذَلِكَ الكتاب فِي أيدي ولد ولده وأهل بيته، وأن حسين بْن عبد الله هذا قدم على المهدي ومعه ذَلِكَ الكتاب، فأخذه المهدي فوضعه على عينيه، ووصله بثلاثمائة دينار.
ويسار- وَكَانَ فيما ذكر نوبيا، كان فيما وقع في سهم رسول الله ص فِي بعض غزواته فأعتقه، وهو الذي قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رَسُول اللَّهِ.
ومهران- حدث عن رسول الله ص.
وكان له خصى يقال له مابور- كان المقوقس أهداه إليه مَعَ الجاريتين اللتين يقال لإحداهما مارية، وهي التي تسري بِهَا والأخرى سيرين وهي التي وهبها رسول الله ص لحسان بْن ثابت، لما كان من جناية صفوان بْن المعطل عليه، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بْن حسان وَكَانَ المقوقس بعث بهذا الخصي مَعَ الجاريتين اللتين أهداهما لرسول الله ص ليوصلهما اليه، ويحفظهما من الطريق حتى متصلا إليه وقيل:
إنه الذي قذفت مارية به، فبعث رسول الله ص عليا وأمره بقتله، فلما رأى عليا وما يريد به تكشف حَتَّى تبين لعلي أنه أجب لا شيء معه مما يكون مَعَ الرجال، فكف عنه علي وخرج إليه من الطَّائِف- وهو محاصر أهلها- أعبد لهم أربعة، فاعتقهم ص، منهم ابو بكر
(3/172)

ذكر من كان يكتب لرسول الله ص
ذكر أن عثمان بْن عفان كان يكتب لَهُ أحيانا، وأحيانا علي بْن أبي طالب، وخالد بْن سعيد، وأبان بْن سعيد، والعلاء بن الحضرمى.
قيل: أول من كتب لَهُ أبي بْن كعب، وَكَانَ إذا غاب أبي كتب لَهُ زيد بْن ثابت.
وكتب لَهُ عبد الله بْن سعد بْن أبي سرح، ثُمَّ ارتد عن الإسلام، ثُمَّ راجع الإسلام يوم فتح مكة.
وكتب لَهُ معاوية بْن أبي سفيان، وحنظلة الأسيدي
. أسماء خيل رسول الله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَوَّلُ فَرَسٍ مَلَكَهُ رَسُولُ الله ص فَرَسٌ ابْتَاعَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ بِعَشْرِ أَوَاقٍ، وَكَانَ اسْمُهُ عِنْدَ الأَعْرَابِيَّ الضَّرِسَ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ السَّكْبَ، وَكَانَ أَوَّلَ ما غزا عليه أحدا، لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ فَرَسٌ غَيْرُهُ، وَفَرَسٌ لأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، يُقَالُ لَهُ مُلاوِحٌ.
حدثني الحارث، قَالَ: أخبرنا ابن سعد، قَالَ: أخبرنا محمد بْن عمر، قَالَ: سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن المرتجز، فَقَالَ: هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد لَهُ فيه خزيمة بْن ثابت، وَكَانَ الأعرابي من بني مرة.
حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده، قال:
كان لرسول الله ص ثلاثة افراس: لزاز، والظرب، واللخيف،
(3/173)

فاما لزاز فاهداه له المقوقس، واما اللخيف فَأَهْدَاهُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْبَرَاءِ، فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ فَرَائِضَ مِنْ نِعَمِ بَنِي كِلابٍ، وَأَمَّا الظرب فاهداه له فروه ابن عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ وَأَهْدَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ فَرَسًا يُقَالُ لَهُ: الْوَرْدُ، فَأَعْطَاهُ عُمَرَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يَنْبَاع.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْخَيْلِ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اليعسوب
. ذكر أسماء بغال رسول الله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كانت دلدل بغله النبي ص أَوَّلُ بَغْلَةٍ رُئِيَتْ فِي الإِسْلامِ، أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ وَأَهْدَى لَهُ مَعَهَا حِمَارًا يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَكَانَتِ الْبَغْلَةُ قَدْ بَقِيَتْ حَتَّى كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ.
حدثني الحارث، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال:
أخبرنا معمر، عن الزهري، قَالَ: دلدل أهداها لَهُ فروة بْن عمرو الجذامي.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ زَامِلِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ:
أَهْدَى فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الى النبي ص بَغْلَةً يُقَالُ لَهَا فِضَّةٌ، فَوَهَبَهَا لأَبِي بَكْرٍ، وَحِمَارَهُ يَعْفُورَ، فَنَفَقَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
. ذكر أسماء ابله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قال: كانت
(3/174)

الْقَصْوَاءُ مِنْ نَعَمِ بَنِي الْحُرَيْشِ، ابْتَاعَهَا أَبُو بكر واخرى معها بثمانمائه درهم، وأخذها منه رسول الله ص بأربعمائة، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى نَفَقَتْ، وَهِيَ الَّتِي هَاجَرَ عليها، وكانت حين قدم رسول الله الْمَدِينَةَ ربَاعِيَّةً، وَكَانَ اسْمُهَا الْقَصْوَاءَ وَالْجَدْعَاءَ وَالْعَضْبَاءَ.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذئب، عن يحيى بْن يعلى، عن ابن المسيب، قَالَ:
كان اسمها العضباء، وَكَانَ فِي طرف أذنها جدع
. ذكر أسماء لقاح رسول الله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ابى رافع، قال: كانت لرسول الله ص لِقَاحٌ، وَهِيَ الَّتِي أَغَارَ عَلَيْهَا الْقَوْمَ بِالْغَابَةِ، وَهِيَ عِشْرُونَ لُقْحَةً، وَكَانَتِ الَّتِي يَعِيشُ بِهَا اهل رسول الله ص يُرَاحُ إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَقِرْبَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ لَبَنٍ فِيهَا لِقَاحٌ غِزَارٌ: الْحَنَّاءُ، وَالسَّمُرَاءُ، وَالْعِرِّيسُ، وَالسَّعْدِيَّةُ، وَالْبَغُومُ، وَالْيَسِيرَةُ، وَالرَّيَّا.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُوَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَبْهَانَ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: كَانَ عَيْشُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ اللَّبَنَ- أَوْ قَالَتْ أَكْثَرَ عَيْشِنَا- كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ لِقَاحٌ بِالْغَابَةِ كَانَ قَدْ فَرَّقَهَا عَلَى نِسَائِهِ، فَكَانَتْ فِيهَا لِقْحَةٌ تُدْعَى الْعِرِّيسَ، وَكُنَّا مِنْهَا فِيمَا شِئْنَا مِنَ اللَّبَنِ، وَكَانَتْ لِعَائِشَةَ لِقْحَةٌ تُدْعَى السَّمُرَاءَ غَزِيرَةٌ، لَمْ تَكُنْ كَلِقْحَتِي، فَقَرَّبَ رَاعِيهِنَّ اللِّقَاحَ إِلَى مَرْعًى بِنَاحِيَةِ الْجَوَّانِيَّةِ، فَكَانَتْ تَرُوحُ عَلَى أَبْيَاتِنَا فَنُؤْتَى بِهِمَا فَتُحْلَبَانِ، فَتُوجَدُ لِقْحَتُهُ أَغْزَرَ مِنْهُمَا بِمِثْلِ لَبَنِهِمَا أَوْ أَكْثَرَ
(3/175)

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ لرسول الله ص لَقَائِحُ تَكُونُ بِذِي الْجَدْرِ، وَتَكُونُ بِالْجَمَّاءِ، فَكَانَ لبنها يؤوب إِلَيْنَا، لِقْحَةٌ تُدْعَى مُهْرَةً، أَرْسَلَ بِهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مِنْ نَعَمِ بَنِي عُقَيْلٍ وَكَانَتْ غَزِيرَةً، وَكَانَتِ الرَّيَّا وَالشَّقْرَاءُ ابْتَاعَهُمَا بِسُوقِ النَّبَطِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَتْ بُرْدَةُ، وَالسَّمُرَاءُ، وَالعِرِّيسُ، وَالْيَسِيرَةُ، وَالْحَنَّاءُ، يُحْلَبْنَ وَيُرَاحُ إِلَيْهِ بِلَبَنِهِنَّ كُلَّ ليله، وكان فيها غلام للنبي ص اسْمُهُ يَسَارٌ، فَقَتَلُوهُ
. ذكر أسماء منائح رَسُول الله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى زكرياء بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، قَالَ: كَانَتْ منائح رسول الله ص سَبْعًا: عَجْوَةُ، وَزَمْزَمُ، وَسُقْيَا، وَبَرَكَةُ، وَوَرَسَةُ، وَأَطْلالُ، وَأَطْرَافُ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أخبرنا محمد، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ منائح رسول الله ص سَبْعَ أَعْنُزِ مَنَائِح، يَرْعَاهُنَّ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ
. ذكر أسماء سيوف رسول الله ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ
(3/176)

أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: أَصَابَ رَسُولُ الله ص مِنْ سِلاحِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثَلاثَةَ أَسْيَافٍ: سَيْفًا قَلَعِيًّا، وَسَيْفًا يُدْعَى بَتَّارًا، وَسَيْفًا يُدْعَى الْحَتْفَ، وَكَانَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُخَذِّمُ وَرَسُوبٌ، أَصَابَهُمَا من الفلس وقيل انه قدم رسول الله ص المدينة ومعه سيفان، يقال لأحدهما: القضيب، شَهِدَ بِهِ بَدْرًا، وَسَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، كَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ
. ذكر أسماء قسيه ورماحه ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قال: أصاب رسول الله ص مِنْ سِلاحِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ ثَلاثَةَ أَرْمَاحٍ وَثَلاثَ قِسِيٍّ: قَوْسُ الرَّوْحَاءِ، وَقَوْسُ شَوْحَطٍ، تُدْعَى الْبَيْضَاءَ، وقوس صفراء تدعى الصفراء من نبع
. ذكر أسماء دروعه ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قال: أصاب رسول الله ص مِنْ سِلاحِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ دِرْعَينِ، دِرْعٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدِيَّةُ، وَدِرْعٌ يُقَالُ لَهَا فِضَّةٌ.
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثني ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُمَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ: رايت على رسول الله ص يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَيْنِ:
(3/177)

دِرْعَهُ ذَاتُ الْفُضُولِ وَدِرْعَهُ فِضَّةُ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ خَيْبَرَ دِرْعَيْنِ: ذَاتَ الْفُضُولِ وَالسَّعْدِيَّةَ
. ذكر ترسه ص
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن يزيد ابن جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَكْحُولا يَقُولُ: كَانَ لِرَسُولِ الله ص تُرْسٌ فِيهِ تِمْثَالُ رَأْسِ كَبْشٍ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَانَهُ، فَأَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ أَذْهَبَهُ اللَّهُ عز وجل
. ذكر أسماء رسول الله ص
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي الْمَسْعُودِيَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمَّى لَنَا رَسُولُ الله ص نَفْسَهُ أَسْمَاءً، مِنْهَا مَا حَفِظْنَا.
قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَالْمَلْحَمَةِ.
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، [قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ص: إِنَّ لِي أَسْمَاءً، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْعَاقِبُ، والماحى] قال الزهري: العاقب: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ، وَالْمَاحِي:
الَّذِي يَمْحُو الله به الكفر.
حدثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ، أَخْبَرَنَا سفيان ابن حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، [عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله ص: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمَاحِي،
(3/178)

وَالْعَاقِبُ، وَالْحَاشِرُ، الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي قَالَ يَزِيدُ: فَسَأَلْتُ سُفْيَانَ: مَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: آخر الأنبياء]

ذكر صفه النبي ص
حدثنى ابن المثنى، قال: حدثنى ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نافع بن جبير، [عن على ابن ابى طالب، قال: كان رسول الله ص لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، مُشْرَبًا وَجْهُهُ الْحُمْرَةَ، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ ولا بعده مثله، ص] /.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، [عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ- لَمْ يُسَمِّهِ- أَنَّهُ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مُحْتَبٍ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ، فَقَالَ: انْعَتْ لِي نَعْتَ رسول الله ص، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَبْيَضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا حُمْرَةً، أَدْعَجَ سَبْطَ الشَّعَرِ، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، ذَا وَفْرَةٍ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، كَانَ لَهُ شَعَرٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ يَجْرِي كَالْقَضِيبِ، لَمْ يَكُنْ فِي إِبْطِهِ وَلا صَدْرِهِ شَعَرٌ غَيْرُهُ، شَثْنَ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْقَلِعُ مِنْ صَخْرٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ، وَلا الْعَاجِزِ وَلا اللَّئِيمِ، كَأَنَّ الْعَرَقَ فِي وَجْهِهِ
(3/179)

اللُّؤْلُؤُ، وَلَرِيحُ عَرَقِهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، لَمْ أر قبله ولا بعده مثله ص] .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُقَدَّمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ أَبُو زُكَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رسول الله ص بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَتُوُفِّيَ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ، لَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَلَمْ يكن رسول الله ص بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلا الْقَصِيرِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلا الآدَمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلا السَّبْطِ.
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، قَالَ:
كُنْتُ مَعَ أَبِي الطُّفَيْلِ نَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: مَا بقي احد راى رسول الله ص غَيْرِي، قَالَ: وَقُلْتُ: أَرَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ صِفَتُهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا

ذكر خاتم النبوة التي كانت به ص
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِلْبَاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، قَالَ: قال لي رسول الله ص: يَا أَبَا زَيْدٍ، ادْنُ مِنِّي امْسَحْ ظَهْرِي- وَكَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ- قَالَ: فَمَسَسْتُ ظَهْرَهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ إِصْبَعِي عَلَى الْخَاتَمِ فَغَمَزْتُهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: شَعْرٌ مُجَمَّعٌ كَانَ عَلَى كَتِفَيْهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَضَّاحِ أَبُو الْهَيْثَمِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ الْخَاتَمِ الَّتِي كَانَتْ للنبي ص، قَالَ كَانَتْ بَضْعَةٌ نَاشِزَةً
(3/180)

ذكر شجاعته وجوده ص
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ نبى الله ص مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، وَأَسْمَحِ النَّاسِ، وَأَشْجَعِ النَّاسِ، لَقَدْ كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَإِذَا هُمْ قَدْ تَلَقُّوا رَسُولَ الله ص عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ لأَبِي طَلْحَةَ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وَعَلَيْهِ السَّيْفُ: قَالَ: وَقَدْ كَانَ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، قَالَ:
فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الناس، لم تراعوا، لم تُرَاعُوا! مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:
يَا أَبَا طَلْحَةَ، وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، وَقَدْ كَانَ الْفَرَسُ يبطَّأ، فَمَا سَبَقَهُ فَرَسٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ انس، قال: كان رسول الله ص أَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَخَرَجَ النَّاس قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَبْرَأَ الْفَزَعَ عَلَى فرس لأبي طلحه عرى، ما عليه سرج، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ قَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا- أَوْ قال: وانه لبحر
. ذكر صفه شعره ص وهل كان يخضب أم لا
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُرَيْزُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ مُعَاذٌ: وَمَا رَأَيْتُ مِنْ رَجُلٍ قَطُّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أُفَضِّلُهُ عَلَيْه، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ من بين اصحابى: ارايت رسول الله ص؟ أَشَيْخًا كَانَ؟ قَالَ:
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَنْفَقَتِهِ، وَقَالَ: كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعْرٌ أَبْيَضُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جحيفه، قال: رايت رسول الله ص عَنْفَقَتُهُ بَيْضَاءُ، قِيلَ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ يَا أَبَا جُحَيْفَةَ؟ قَالَ: أَبْرِي النَّبْلَ وَأَرِيشُهَا
(3/181)

حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: أَخَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يشتد برسول الله الشَّيْبُ، وَلَكِنْ خَضَّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وخضب عمر بالحناء.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ:
سئل انس: هل خضب رسول الله ص؟ قَالَ: لَمْ يُرَ مِنَ الشَّيْبِ إِلا نَحْوٌ مِنْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ عِشْرِينَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ فِي مُقَدِّمِ لِحْيَتِهِ قَالَ:
إِنَّهُ لَمْ يُشَنْ بِالشَّيْبِ، فَقِيلَ لأَنَسٍ: وَشَيْنٌ هُوَ! قَالَ: كُلُّكُمْ يَكْرَهُهُ، وَلَكِنْ خَضَّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وخضب عمر بالحناء.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ الشيب الذى بالنبي ص عِشْرِينَ شَعْرَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد ابن سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: مَا كَانَ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الشَّيْبِ إِلا شَعَرَاتٌ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَهَنَهُ غَطَّاهُنَّ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: دَخَلَتْ زوج النبي ص فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ رَسُولِ اللَّهِ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرِ بْنِ الْكُرْدِيِّ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ حُمْرَةَ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَامِعٍ، عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِي رمثه، قال: كان رسول الله ص يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ يَبْلُغُ شَعْرُهُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ- الشَّكُّ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ
(3/182)

حدثنا ابن الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ- يَعْنِي ابْنَ نَافِعٍ- عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أم هاني، قالت:
رايت رسول الله ص وَلَهُ ضَفَائِرُ أَرْبَعٌ
. ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله الذي توفي فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت اليه نفسه ص
قَالَ أبو جعفر: يقول الله عز وجل: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» قد مضى ذكرنا قبل ما كان من تعليم رسول الله ص أصحابه- فِي حجته التي حجها المسماة حجة الوداع، وحجة التمام، وحجة البلاغ- مناسكهم ووصيته إياهم، بما قد ذكرت قبل فِي خطبته التي خطبها بهم فيها.
ثُمَّ إن رَسُول الله ص انصرف من سفره ذَلِكَ بعد فراغه من حجه إلى منزله بالمدينة فِي بقية ذي الحجة، فأقام بِهَا ما بقي من ذي الحجة والمحرم والصفر
(3/183)

ثُمَّ دخلت

سنة إحدى عشرة

ذكر الأحداث التي كانت فيها
قَالَ أبو جعفر: ثُمَّ ضرب فِي المحرم من سنة إحدى عشرة على الناس بعثا إلى الشام، وأمَّر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بْن زيد بْن حارثة، وأمره- فيما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارث بْن عياش بْن أبي ربيعة- أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مَعَ أسامة المهاجرون الأولون.
فبينا الناس على ذلك ابتدى ص شكواه التي قبضه الله عز وجل فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته فِي ليال بقين من صفر، أو فِي أول شهر ربيع الأول.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ثابت ابن الْجَزعِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى النبي ص، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: رجع رسول الله ص الى المدينة بعد ما قَضَى حَجَّةَ التَّمَامِ، فَتَحَلَّلَ بِهِ السَّيْرُ، وَضَرَبَ عَلَى النَّاسِ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ مِنْ آبِلِ الزَّيْتِ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ الأَرْضِ بِالأُرْدُنِّ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ في ذلك، [ورد عليهم النبي ص: إِنَّهُ لَخَلِيقٌ لَهَا- أَيْ حَقِيقٌ بِالإِمَارَةِ- وَإِنْ قُلْتُمْ فِيهِ لَقَدْ قُلْتُمْ فِي أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا] فطارت الأخبار بتحلل السير بالنبي ص أن النبي قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن ومسيلمه باليمامة،
(3/184)

وجاء الخبر عنهما للنبي ص ثُمَّ وثب طليحة فِي بلاد أسد بعد ما افاق النبي ص، ثُمَّ اشتكى فِي المحرم وجعه الذي قبضه الله تعالى فيه.
حدثنا ابن سعد، قال: حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا سيف، قَالَ: حَدَّثَنَا هشام بْن عُرْوَة، عن ابيه، قال: اشتكى رسول الله ص وجعه الذي توفاه الله به فِي عقب المحرم وقال الواقدى: بدئ رسول الله ص وجعه لليلتين بقيتا من صفر حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حدثنا سيف ابن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسْتَنِيرُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، عن عروة بن غزية الدثيني، عن الضحاك بْنِ فَيْرُوزِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ رِدَّةٍ كَانَتْ فِي الإِسْلامِ بِالْيَمَنِ كانت على عهد رسول الله ص عَلَى يَدَيْ ذِي الْخِمَارِ عَبْهَلَةَ بْنِ كَعْبٍ- وَهُوَ الأَسْوَدُ- فِي عَامَّةِ مَذْحِجٍ.
خَرَجَ بَعْدَ الْوَدَاعِ، كَانَ الأَسْوَدُ كَاهِنًا شَعْبَاذًا، وَكَانَ يُرِيهِمِ الأَعَاجِيبَ، وَيُسْبِي قُلُوبَ مَنْ سَمِعَ مَنْطِقَهُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا خَرَجَ أَنْ خَرَجَ مِنْ كَهْفِ خُبَّانَ، وَهِيَ كَانَتْ دَارَهُ، وَبِهَا وُلِدَ وَنَشَأَ، فَكَاتَبَتْهُ مَذْحِجُ، وَوَاعَدَتْهُ نَجْرَانَ، فَوَثَبُوا بِهَا وَأَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَهُمَا، وَوَثَبَ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ عَلَى فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ وَهُوَ عَلَى مُرَادَ، فَأَجْلاهُ وَنَزَلَ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَنْشِبْ عَبْهَلَةُ بِنَجْرَانَ أَنْ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ فَأَخَذَهَا، وَكُتِبَ بذلك الى النبي ص مِنْ فِعْلِهِ وَنُزُولِهِ صَنْعَاءَ، وَكَانَ أَوَّلَ خَبَرٍ وَقَعَ بِهِ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، وَلَحِقَ بِفَرْوَةَ مَنْ تَمَّ عَلَى الإِسْلامِ مِنْ مَذْحِجَ، فَكَانُوا بِالأَحْسِيَةِ، وَلَمْ يُكَاتِبْهُ الأَسْوَدُ وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يُشَاغِبُهُ، وَصَفَا لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ
(3/185)

حَدَّثَنَا عُبْيَدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ الأَعْلَمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النبي ص قَدْ ضَرَبَ بَعْثَ أُسَامَةَ فَلَمْ يَسْتَتَبَّ لِوَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِخَلْعِ مُسَيْلِمَةَ وَالأَسْوَدِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُنَافِقُونَ فِي تَأْمِيرِ أُسَامَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ، فَخَرَجَ النبي ص عَلَى النَّاسِ عَاصِبًا رَأْسَهُ مِنَ الصُّدَاعِ لِذَلِكَ الشَّأْنِ وَانْتِشَارِهِ، لِرُؤْيَا رَآهَا فِي بَيْتِ عَائِشَةَ: [فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ- فِيمَا يَرَى النَّائِمُ- أَنَّ فِي عَضُدِي سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَرِهْتُهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا هَذَيْنِ الْكَذَّابَيْنِ- صَاحِبَ الْيَمَامَةِ وَصَاحِبَ الْيَمَنِ- وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ فِي إِمَارَةِ أُسَامَةَ! وَلَعَمْرِي لَئِنْ قَالُوا فِي إِمَارَتِهِ، لَقَدْ قَالُوا فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ! وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ لَهَا، فَأَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ!] فَخَرَجَ أُسَامَةُ فَضَرَبَ بِالْجُرْفِ، وَأَنْشَأَ النَّاسُ فِي الْعَسْكَرِ، وَنَجَمَ طُلَيْحَةُ وَتَمَهَّلَ النَّاسُ، وَثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَلَمْ يُسْتَتَمَّ الأَمْرُ، يَنْظُرُونَ أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، حَتَّى توفى الله عز وجل نبيه ص.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، يَقُولُ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي مَاجِدٍ الأَسَدِيِّ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ عَامِرٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ طليحة ابن خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ: وَقَعَ بِنَا الْخَبَرُ بِوَجَعِ النَّبِيِّ ص، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْيَمَامَةِ، وَأَنَّ الأَسْوَدَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا قَلِيلا حَتَّى ادَّعَى طُلَيْحَةُ النُّبُوَّةَ، وَعَسْكَرَ بِسَمِيرَاءَ، وَاتَّبَعَهُ الْعَوَّامُ، وَاسْتَكْثَفَ أَمْرَهُ، وبعث حبال ابن أخيه الى النبي ص يَدْعُوهُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، وَيُخْبِرُهُ خَبَرَهُ وَقَالَ حِبَالٌ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ ذُو النُّونِ، فَقَالَ:
لَقَدْ سمى مَلِكًا، فَقَالَ حِبَالٌ: أَنَا ابْنُ خُوَيْلِدٍ، [فقال النبي ص: قَتَلَكَ اللَّهُ وَحَرَمَكَ الشَّهَادَةَ!]
(3/186)

وحدثنى عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي يعقوب، قَالَ: أخبرنا سيف، قَالَ: وحدثنا سعيد بْن عبيد، عن حريث بْن المعلى: أن أول من كتب الى النبي ص بخبر طليحة سنان بْن أبي سنان، وَكَانَ على بني مالك، وَكَانَ قضاعي بْن عمرو على بني الحارث.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قال: حاربهم رسول الله ص بِالرُّسُلِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى نَفَرٍ مِنَ الأَبْنَاءِ رَسُولا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُحَاوِلُوهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَنْجِدُوا رِجَالا- قَدْ سَمَّاهُمْ- مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَقَيْسٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ أَنْ يُنْجِدُوهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَانْقَطَعَتْ سُبُلُ الْمُرْتَدَّةِ، وَطُعِنُوا فِي نُقْصَانٍ وَأَغْلَقَهُمْ، وَاشْتَغَلُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأُصِيبَ الأَسْوَدُ في حياه رسول الله ص وَقَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ بِلَيْلَةٍ، وَلَظَّ طُلَيْحَةُ وَمُسَيْلَمَةُ وَأَشْبَاهُهُمْ بِالرُّسُلِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْوَجَعِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالذَّبِّ عَنْ دِينِهِ، فَبَعَثَ وَبَرَ بْنَ يُحَنِّسَ إِلَى فَيْرُوزَ وَجُشَيْشٍ الدَّيْلَمِيِّ وَدَاذُوَيْهِ الإِصْطَخَرِيِّ، وَبَعَثَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى ذِي الْكِلاعِ وَذِي ظُلَيْمٍ، وَبَعَثَ الأَقْرَعَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى ذِي زَوْدٍ وَذِي مُرَّانَ، وَبَعَثَ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيَّ إِلَى ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيَّ ثُمَّ الْعُمَرِيَّ إِلَى قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ وَالزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ، وَبَعَثَ صُلْصُلَ بْنَ شَرَحْبِيلَ إِلَى سَبْرَةَ الْعَنْبَرِيِّ وَوَكِيعِ الدَّارِمِيِّ وَإِلَى عَمْرِو بْنِ الْمَحْجُوبِ الْعَامِرِيِّ، وَإِلَى عَمْرِو بْنِ الْخَفَاجِيِّ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَبَعَثَ ضِرَارَ بْنَ الأَزْوَرِ الأَسَدِيَّ إِلَى عَوْفٍ الزُّرْقَانِيِّ مِنْ بَنِي الصَّيْدَاءِ وَسِنَانِ الأسدي ثم الغنمي، وقضاعى الدؤلي، وَبَعَثَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ إِلَى ابْنِ ذِي اللِّحْيَةِ وَابْنِ مُشَيْمِصَةَ الْجُبَيْرِيِّ.
وحدثت عن هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، قال: حدثنا الصقعب ابن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، أن رسول الله ص وجع وجعه الذي قبض فيه فِي آخر صفر فِي أيام بقين منه، وهو فِي بيت زينب بنت جحش
(3/187)

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ وَعَلِيُّ بن مجاهد، عن محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَوْلَى الْحَكَمِ ابن أَبِي الْعَاصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، [عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ الله ص، قال: بعثني رسول الله ص مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيُهِنْ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ! أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأُولَى.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةُ، خُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ قال: قلت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! فَخُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ، ثُمَّ انْصَرَفَ] فبدئ رسول الله ص بِوَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثنا محمد ابن إِسْحَاقَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي ص، قالت: رجع رسول الله ص مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي راسى، وانا اقول: وا راساه! قال: بل انا والله يا عائشة وا راساه! ثُمَّ قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَقُمْتُ عَلَيْكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتَ
(3/188)

ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله ص، وَتَتَامَّ بِهِ وَجَعُهُ، وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى اسْتَعَزَّ بِهِ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَدَعَا نِسَاءَهُ فَاسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فاذن له.
فخرج رسول الله ص بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ: أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٌ آخَرُ تَخُطُّ قَدَمَاهُ الأَرْضَ، عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتِي.
- قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ:
هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ لا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَذْكُرَهُ بِخَيْرٍ وهي تستطيع-[ثم غمر رسول الله ص وَاشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ، فَقَالَ: أَهْرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتَّى، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ، قَالَتْ: فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، ثُمَّ صَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى طَفِقَ يَقُولُ: حَسْبُكُمْ، حَسْبُكُمْ!] .
فَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْخَرَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ، ثم الاشجعى، عن القاسم بن يزيد، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بن عباس قال: جاءني رسول الله ص، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مَوْعُوكًا قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: خُذْ بِيَدِي يَا فَضْلُ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: نَادِ فِي النَّاسِ.
فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَإِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، أَلا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ طَبْعِي وَلا مِنْ شَأْنِي، أَلا وَإِنَّ
(3/189)

أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ اللَّهَ وَأَنَا أَطْيَبُ النَّفْسِ، وَقَدْ أَرَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ مِرَارًا.
قَالَ الْفَضْلُ: ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الأُولَى فِي الشَّحْنَاءِ وَغَيْرِهَا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، قَالَ: أَعْطِهِ يَا فَضْلُ، فَأَمَرْتُهُ فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ: [أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُؤَدِّهِ وَلا يَقُلْ فُضُوحَ الدُّنْيَا، أَلا وَإِنَّ فُضُوحَ الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ فُضُوحِ الآخِرَةِ] فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ غَلَلْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: وَلِمَ غَلَلْتَهَا؟ قَالَ: كُنْتُ إِلَيْهَا مُحْتَاجًا، قَالَ: خُذْهَا مِنْهُ يَا فَضْلُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ خَشِيَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا فَلْيَقُمْ أَدْعُ لَهُ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انى لكذاب، انى لفاحش، وانى لنؤوم، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ صِدْقًا وَإِيمَانًا، وَأَذْهِبْ عَنْهُ النَّوْمَ إِذَا أَرَادَ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَكَذَّابٌ وَإِنِّي لَمُنَافِقٌ، وَمَا شَيْءٌ- أَوْ إِنْ شَيْءٌ- إِلا قَدْ جَنَيْتُهُ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:
فضحت نفسك ايها الرجل! فقال النبي ص: يا بن الْخَطَّابِ، فُضُوحُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الآخِرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ صِدْقًا وَإِيمَانًا وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إِلَى خَيْرٍ.
فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَةً، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: [عُمَرُ مَعِي وَأَنَا مَعَ عُمَرَ، وَالْحَقُّ بَعْدِي مَعَ عُمَرَ حَيْثُ كَانَ] .
حَدَّثَنَا ابن حميد قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ، ان رسول الله ص خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَكْثَرَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ: فَفَهِمَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ يُرِيدُ، فَبَكَى، وَقَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بِأَنْفُسِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَقَالَ: على
(3/190)

رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ! انْظُرُوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ اللافِظَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا، إِلا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ يَدًا مِنْهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَعْضِ آلِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [قَالَ يَوْمَئِذٍ فِي كَلامِهِ هَذَا: فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ الْعِبَادِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا، وَلَكِنَّ صُحْبَةٌ وَإِخَاءُ إِيمَانٍ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا عِنْدَهُ] .
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عبد الله ابن وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدرى ان رسول الله ص جَلَسَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ، [فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ،] فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ يُخَيَّرُ، وَيَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بكر اعلمنا به، [فقال رسول الله ص: إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا، وَلَكِنْ أُخوَّةُ الإِسْلامِ، لا تَبْقَ خَوْخَةٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ] .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الصَّبَّاحِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: سمعت عبد الملك ابن الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ خَلادٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: نَعَى إِلَيْنَا نَبِيُّنَا وَحَبِيبُنَا نَفْسَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، فَلَمَّا دَنَا الْفِرَاقُ جَمَعَنَا فِي بَيْتِ أُمِّنَا عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَشَدَّدَ، فَدَمَعَتْ عَيْنُهُ، [وَقَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ! رَحِمَكُمُ الله!
(3/191)

آوَاكُمُ اللَّهُ! حَفِظَكُمُ اللَّهُ! رَفَعَكُمُ اللَّهُ! نَفَعَكُمُ اللَّهُ! وَفَّقَكُمُ اللَّهُ! نَصَرَكُمُ اللَّهُ! سَلَّمَكُمُ اللَّهُ! رَحِمَكُمُ اللَّهُ! قَبِلَكُمُ اللَّهُ! أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهُ بِكُمْ، وَأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ، وَأُؤَدِّيكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَلَكُمْ: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» وقال: «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ» فَقُلْنَا: مَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ:
قَدْ دَنَا الْفِرَاقُ، وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قُلْنَا: فَمَنْ يُغَسِّلُكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَهْلِي الأَدْنَى فَالأَدْنَى، قُلْنَا: فَفِيمَ نُكَفِّنُكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟
قَالَ: فِي ثِيَابِي هَذِهِ إِنْ شِئْتُمْ، أَوْ فِي بَيَاضِ مِصْرَ، أَوْ حُلَّةٍ يَمَانِيَّةٍ، قُلْنَا:
فَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: مَهْلا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَجَزَاكُمْ عَنْ نبيكم خيرا! فبكينا وبكى النبي ص، وَقَالَ: إِذَا غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي فِي بَيْتِي هَذَا، عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمَّ اخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ جَلِيسِي وَخَلِيلِي جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ جُنُودٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ بِأَجْمَعِهَا، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجًا فَوْجًا، فَصَلُّوا عَلَيَّ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَلا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَة وَلا بِرَنَّةٍ وَلا صَيْحَةٍ، وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلاةِ عَلَيَّ رِجَالُ أَهْلِ بَيْتِي، ثُمَّ نِسَاؤُهُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ بَعْدُ أقْرِئُوا أَنْفُسَكُمْ مِنِّي السَّلامَ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ سَلَّمْتُ عَلَى مَنْ بَايَعَنِي عَلَى دِينِي مِنَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قُلْنَا: فَمَنْ يُدْخِلُكَ فِي قَبْرِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟
قَالَ: أَهْلِي مَعَ مَلائِكَةٍ كَثِيرِينَ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابن أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخميس! قال: اشتد برسول الله ص وَجَعُهُ، [فَقَالَ:
ائْتُونِي أَكْتُبُ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا فَتَنَازَعُوا- وَلا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ ان يتنازع]-
(3/192)

فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ! اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يُعِيدُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: دَعُونِي فَمَا أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، [وَأُوصِي بِثَلاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مِمَّا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ عَمْدًا- أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا] .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَلا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ أَنْ يُنَازَعَ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَصَالِحُ بْنُ سمال، قال: حدثنا وكيع، عن مالك ابن مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى دُمُوعِهِ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللؤلؤ قال: [قال رسول الله ص:
ائْتُونِي بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَوْ بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ] قَالَ: فَقَالُوا: ان رسول الله يَهْجُرُ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قال: حدثنى عمى عبد الله ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخبرني عبد الله ابن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عند رسول الله ص فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، [فَقَالَ النَّاسُ:
يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: أَلا تَرَى أَنَّكَ بَعْدَ ثَلاثٍ عَبْدَ الْعَصَا! وَإِنِّي أَرَى رسول الله سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ هَذَا، وَإِنِّي لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَلْهُ فِيمَنْ يَكُونُ هَذَا الأَمْرُ؟ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرَ بِهِ فَأَوْصَى بِنَا قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ
(3/193)

سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنَعَنَاهَا لا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَاللَّهِ لا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَدًا] .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ يَوْمَئِذٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ مِنْ عند رسول الله ص، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ الْمَوْتَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ فِينَا عَلِمْنَا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرَنَا فَأَوْصَى بِنَا النَّاسَ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: [قَالَ لنا رسول الله ص: أَفْرِغُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى، لَعَلِّي أَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ] .
قَالَ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، فَوَجَدَ رَاحَةً، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَخَطَبَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أُحُدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ، وَأَصْبَحَتِ الأَنْصَارُ لا تَزِيدُ عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ، وَالأَنْصَارُ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَبَيْنَ الدُّنْيَا فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَفْقَهْهَا إِلا أَبُو بَكْرٍ، ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَبَكَى، [فقال له النبي ص:
عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ! سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ يَدًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ]
(3/194)

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عبد الله ابن عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ص فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: لا تَلُدُّونِي! فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ الدَّوَاءَ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ:
لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا لُدَّ، غَيْرَ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ نزل رسول الله ص، فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَتَتَامَّ بِهِ وَجَعُهُ حَتَّى غُمِرَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ نِسَائِهِ: أُمُّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةُ، وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْهُنَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَعِنْدَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَلُدُّوهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لأَلُدَنَّهُ، قَالَ: فَلُدَّ، فَلَمَّا أَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ص، قَالَ: مَنْ صَنَعَ بِي هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَمُّكَ الْعَبَّاسُ، قَالَ: هَذَا دَوَاءٌ أَتَى بِهِ نِسَاءٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الأَرْضِ- وَأَشَارَ نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ- قَالَ: وَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؟ [فَقَالَ الْعَبَّاسُ: خَشِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ بِكَ وَجَعُ ذَاتِ الْجَنْبِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلا لُدَّ إِلا عَمِّي] قَالَ: فَلَقَدْ لُدَّتْ مَيْمُونَةُ وانها لصائمه لقسم رسول الله ص، عُقُوبَةً لَهُمْ بِمَا صَنَعُوا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بن الزبير، عن عُرْوَةَ، [أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ قَالُوا: خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ، قَالَ:
إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ] .
حُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ ابن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، أن رسول الله ص ثَقُلَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ وَابْنَتُهُ وَأَهْلُ
(3/195)

بَيْتِهِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَمِيعُهُمْ، وَإِنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ: مَا وَجَعُهُ هَذَا إِلا ذَاتُ الْجَنْبِ، فَلُدُّوهُ، فَلَدَدْنَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: مَنْ فَعَلَ بِي هَذَا؟ قَالُوا: لَدَّتكَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، ظَنَّتْ أَنَّ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ [قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَبْلِيَنِي بِذَاتِ الْجَنْبِ، أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ اسامه ابن زيد، قال: لما ثقل رسول الله ص هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ مَعِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلْنَا على رسول الله ص، وَقَدْ أُصْمِتَ فَلا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَيَّ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، [عَنْ عَائِشَةَ، قالت: كان رسول الله ص كَثِيرًا مَا أَسْمَعُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ] .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَرْقَمِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابن عباس: اوصى رسول الله ص؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: [قال رسول الله: ابْعَثُوا إِلَى عَلِيٍّ فَادْعُوهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
لَوْ بَعَثْتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ! وَقَالَتْ حَفْصَةُ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَى عُمَرَ! فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ جَمِيعًا، فَقَالَ رسول الله ص: انْصَرِفُوا، فَإِنْ تَكُ لِي حَاجَةً أَبْعَثْ إِلَيْكُمْ، فانصرفوا، وقال رسول الله ص: آنَ الصَّلاةُ؟
قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأْمُرُوا أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، فَمُرْ عُمَرَ، فَقَالَ: مُرُوا عُمَرَ، فَقَالَ عمر: ما كنت لا تقدم وابو بكر
(3/196)

شَاهِدٌ،] فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حَرَكَتَهُ تأخر، فجذب رسول الله ص ثَوْبَهُ، فَأَقَامَهُ مَكَانَهُ، وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَأَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، قَالا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: [لَمَّا مرض رسول الله ص الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، أُذِّنَ بِالصَّلاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقُلْتُ:
إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لا يُطِيقُ! قَالَ: فَقَالَ:
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ]- وَقَالَ ابْنُ وَكِيعٍ: صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ- مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَقَدَمَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ص أَنْ قُمْ فِي مَقَامِكَ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ص، فَصَلَّى إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاةِ النَّبِيِّ، وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ اللَّفْظُ لِحَدِيثِ عِيسَى بْنِ عُثْمَانَ.
حدثت عن الْوَاقِدِيّ، قَالَ: سألت ابن أبي سبرة: كم صلى أبو بكر بالناس؟ قَالَ: سبع عشرة صلاة، قلت: من أخبرك؟ قَالَ: أيوب بْن عبد الرحمن بْن أبي صعصعة، عن رجل من أصحاب النبي ص قَالَ: وحدثنا ابن أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ، عن عكرمة، قَالَ: صلى بهم أبو بكر ثلاثة أيام.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَرْجَسٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ص يَمُوتُ، وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ:
[اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكْرَةِ الْمَوْتِ!]
(3/197)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَرْجَسٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رسول الله ص وَهُوَ يَمُوتُ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلا أَنَّهُ [قَالَ: أَعْنِي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ، الْيَوْمُ الَّذِي قبض فيه رسول الله ص، خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ، فَرَفَعَ السِّتْرَ، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى قَامَ بِبَابِ عَائِشَةَ، فَكَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا في صلاتهم برسول الله ص حِينَ رَأَوْهُ، فَرَحًا بِهِ، وَتَفَرَّجُوا فَأَشَارَ بِيَدِهِ: أَنِ اثْبُتُوا عَلَى صَلاتِكُمْ، وَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ فَرَحًا لَمَّا رَأَى مِنْ هَيْئَتِهِمْ فِي صَلاتِهِمْ، وما رايت رسول الله ص أَحْسَنَ هَيْئَةً مِنْهُ تِلْكَ السَّاعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَدْ أَفَاقَ مِنْ وَجَعِهِ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَاصِبًا رَأْسَهُ إِلَى الصُّبْحِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بالناس، فلما خرج رسول الله ص تَفَرَّجَ النَّاسُ، فَعَرَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ النَّاسَ لم يفعلوا ذلك الا لرسول الله ص، فَنَكَصَ عَنْ مُصَلاهُ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ فِي ظَهْرِهِ، وَقَالَ: صَلِّ بِالنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَنْبِهِ، فَصَلَّى قَاعِدًا عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَكَلَّمَهُمْ رَافِعًا صَوْتَهُ حَتَّى خَرَجَ صَوْتَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، سُعِّرَتِ النَّارُ، وَأَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ! وَإِنِّي وَاللَّهِ لا تُمْسِكُونَ عَلَيَّ شَيْئًا، إِنِّي لَمْ أُحِلَّ لَكُمْ إِلا مَا أَحَلَّ لَكُمُ الْقُرْآنُ، وَلَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكُمْ إِلا مَا حَرَّمَ عليكم القرآن فلما فرغ رسول الله ص مِنْ كَلامِهِ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:
(3/198)

يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاكَ قَدْ أَصْبَحْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ كَمَا نُحِبُّ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ ابْنَةِ خَارِجَةَ، فَآتِيهَا ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَجَعَ رَسُولُ الله ص فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَ دَخَلَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاضْطَجَعَ فِي حِجْرِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ آلِ بَكْرٍ فِي يَدِهِ سِوَاكٌ أَخْضَرُ قَالَتْ:
فنظر رسول الله ص إِلَى يَدِهِ نَظَرًا عَرَفْتُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، فَأَخَذْتُهُ فَمَضَغْتُهُ حَتَّى أَلَنْتُهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ، قَالَتْ: فَاسْتَنَّ بِهِ كَأَشَدِّ مَا رَأَيْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ، وَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَثْقُلُ فِي حِجْرِي قَالَتْ:
فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، [فَإِذَا نَظَرُهُ قَدْ شَخَصَ، وَهُوَ يَقُولُ: بَلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ! قَالَتْ: قُلْتُ: خُيِّرْتَ فَاخْتَرْتَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! قَالَتْ:
وَقُبِضَ رَسُولُ الله ص] .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عائشة تقول: مات رسول الله ص بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَفِي دَوْرِي، وَلَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قُبِضَ وَهُوَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْتُ أَلْتَدِمُ مَعَ النِّسَاءِ، وَأَضْرِبُ وَجْهِي

ذكر الأخبار الواردة باليوم الذى توفى فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته
قَالَ أبو جعفر: أما اليوم الذي مات فيه رسول الله ص، فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، غير أنه
(3/199)

اختلف في اى الاثانين كان موته ص؟ فَقَالَ بعضهم فِي ذَلِكَ مَا حُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي مخنف، قال: حدثنا الصقعب بن زهير، عن فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ، قالوا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، لِلَيْلَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ شَهْرِ- رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَبُويِعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ النَّبِيُّ ص.
وقال الواقدى: توفى يوم الاثنين لثنى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ نِصْفَ النَّهَارِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ يَوْمُ الثُّلاثَاءِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: توفى رسول الله ص وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ وَعُمَرُ حَاضِرٌ فَحَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّ رِجَالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله تُوُفِّيَ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، فَغَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعِنَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلْيُقَطِّعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ.
قَالَ: وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رسول الله ص فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ مُسَجًّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، عَلَيْهِ بُرْدُ حَبِرَةٍ، فَأَقْبَلَ حَتَّى كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتَهَا، ثُمَّ لَنْ يُصِيبَكَ بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا ثُمَّ رَدَّ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ! فَانْصِتْ، فَأَبَى إِلا أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لا يُنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ،
(3/200)

وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» الى آخر الآية قال: فو الله لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نزلت على رسول الله ص حَتَّى تَلاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ قَالَ: وَأَخَذَهَا النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَتْلُوهَا فَعُقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ إِلَى الأَرْضِ، مَا تَحْمِلُنِي رِجْلايَ، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ مَاتَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لما قبض النبي ص كَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَجَاءَ بَعْدَ ثَلاثٍ، وَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ وَجْهِهِ، حَتَّى أُرْبِدَ بَطْنُهُ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! طِبْتَ حَيًّا وَطِبْتَ مَيِّتًا! ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ثُمَّ قَرَأَ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: لَمْ يَمُتْ، وَكَانَ يَتَوَعَّدُ النَّاسَ بِالْقَتْلِ فِي ذَلِكَ.
فَاجْتَمَعَ الأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِيُبَايِعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَتَاهُمْ وَمَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟
(3/201)

فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنَّا الأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ، إِنَّ النبي ص جَاءَهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا أَمِينًا فَقَالَ:
لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأَنَا أَرْضَى لَكُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ تَطِيبُ نفسه ان يخلف قدمين قدمهما النبي ص! فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ- أَوْ بَعْضُ الأَنْصَارِ، لا نُبَايِعُ إِلا عَلِيًّا.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه.
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَوْدِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُمَيْرِيِّ، قَالَ: توفى رسول الله ص وَأَبُو بَكْرٍ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا! مَاتَ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى المنبر، فوجد عمر ابن الْخَطَّابِ قَائِمًا يُوعِدُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ الله ص حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّهُ خَارِجٌ إِلَى مَنْ أَرْجَفَ بِهِ، وَقَاطِعٌ أَيْدِيَهُمْ، وَضَارِبٌ أَعْنَاقَهُمْ، وَصَالِبُهُمْ قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَنْصِتْ قَالَ: فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يُنْصِتَ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وقال: ان الله قال لنبيه ص:
«إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» ، حَتَّى خَتَمَ الآيَةَ، فَمَنْ
(3/202)

كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَقَدْ مَاتَ إِلَهُهُ الَّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ.
قَالَ: فَحَلَفَ رِجَالٌ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص:
ما علمنا ان هاتين الآيَتَيْنِ نَزَلَتَا حَتَّى قَرَأَهُمَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى فَقَالَ: هَاتِيكَ الأَنْصَارُ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ، يُبَايِعُونَ رَجُلا مِنْهُمْ، يَقُولُونَ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْ قُرَيْشٍ أَمِيرٌ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَتَقَاوَدَانِ حتى أتياهم، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَنَهَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فقال:
لا اعصى خليفه النبي ص فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا نَزَلَ فِي الأَنْصَارِ، وَلا ذكره رسول الله ص من شانهم الا وذكره [وقال: لقد عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا سَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ،] [وَلَقَدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ: قُرَيْشٌ وُلاةُ هَذَا الأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: صَدَقْتَ، فَنَحْنُ الْوُزَرَاءُ وَأَنْتُمُ الأُمَرَاءُ] قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ابْسُطْ يَدَكَ يا أبا بكر فلا بايعك، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ أَنْتَ يَا عُمَرُ، فَأَنْتَ أَقْوَى لَهَا مِنِّي قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، قَالَ: وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرِيدُ صَاحِبَهُ يَفْتَحُ يَدَهُ يَضْرِبُ عَلَيْهَا، فَفَتَحَ عُمَرُ يَدَ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّ لَكَ قُوَّتِي مَعَ قُوَّتِكَ قَالَ: فَبَايَعَ النَّاسُ وَاسْتَثْبَتُوا لِلْبَيْعَةِ، وَتَخَلَّفَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ، وَاخْتَرَطَ الزُّبَيْرُ سَيْفَهُ، وَقَالَ: لا أَغْمِدُهُ حَتَّى يُبَايَعَ عَلِيٌّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذُوا سَيْفَ الزُّبَيْرِ، فَاضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، فَجَاءَ بِهِمَا تَعِبًا، وَقَالَ:
لَتُبَايِعَانِ وَأَنْتُمَا طَائِعَانِ، أَوْ لَتُبَايِعَانِ وَأَنْتُمَا كَارِهَانِ! فَبَايَعَا
. [حوادث السنة الحادية العشرة بعد وفاة رسول الله]

حَدِيثُ السَّقِيفَةِ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْقُرْآنَ، قَالَ:
(3/203)

فَحَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَإِنِّي لَفِي منزل بمنى إذ جاءني عبد الرحمن ابن عَوْفٍ، فَقَالَ: شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، وَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ فُلانًا يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا قَالَ: فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ إِنْ قُلْتَ الْيَوْمَ مَقَالَةً أَلا يَعُوهَا وَلا يَحْفَظُوهَا، وَلا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، وَأَنْ يَطَّيَّرُوا بِهَا كُلَّ مُطَيْرٍ، وَلَكِنْ أَمْهِلْ حتى تقدم المدينة، نقدم دَارَ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، وَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَتَقُولُ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعُوا مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَقُومَنَّ بِهَا فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَجَّرْتُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَوَجَدْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، رُكْبَتِي إِلَى رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَلْبَثْ عُمَرُ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ وَهُوَ مُقْبِلٌ: لَيَقُولَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ تُقَلْ قَبْلَهُ فَغَضِبَ وَقَالَ: فَأَيُّ مَقَالَةٍ يَقُولُ لَمْ تُقَلْ قَبْلَهُ! فَلَمَّا جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ، فَلَمَّا قَضَى الْمُؤَذِّنُ أَذَانَهُ قَامَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا، مَنْ وَعَاهَا وَعَقَلَهَا وَحَفِظَهَا، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ لَمْ يَعِهَا فَإِنِّي لا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، فَيَقُولُ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ: لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ
(3/204)

بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلا مِنْكُمْ يَقُولُ:
لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَايَعْتُ فُلانًا! فَلا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولَ:
إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً، فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ! وَإِنَّهُ كَانَ من خبرنا حين توفى الله نبيه ص أَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَتَخَلَّفَتْ عَنَّا الأَنْصَارُ بِأَسْرِهَا، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلانِ صَالِحَانِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فَقَالا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأَنْصَارِ قَالا: فَارْجِعُوا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ فَقُلْنَا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ قَالَ: وَإِذَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ مُزَّمِّلٌ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: وَجِعٌ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ الأَنْصَارُ وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطُ نَبِيِّنَا، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا مِنْ قَوْمِكُمْ دَافَّةٌ قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَيَغْصِبُونَا الأَمْرَ وَقَدْ كُنْتُ زَوِرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ كُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بعض الحد، وَكَانَ هُوَ أَوْقَرَ مِنِّي وَأَحْلَمَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ:
عَلَى رِسْلِكَ! فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْصِيَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا كُنْتُ زَوِرْتُ فِي نَفْسِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ لَوْ تَكَلَّمْتُ، إِلا قَدْ جَاءَ بِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ.
وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، فَإِنَّكُمْ لا تَذْكُرُونَ مِنْكُمْ فَضْلا إِلا وَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لا تَعْرِفُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ
(3/205)

أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا، وَلَكِنْ قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ.
وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِنْ كَلامِهِ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، إِنْ كُنْتُ لأُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي فِيمَا لا يُقَرِّبُنِي إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ كَلامَهُ، قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ:
أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ.
قَالَ: فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، فَلَمَّا أَشْفَقْتُ الاخْتِلافَ، قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ ثُمَّ نَزَوْنَا عَلَى سَعْدٍ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا! وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا أَمْرًا هُوَ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقَنَا الْقَوْمُ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا نَرْضَى، أَوْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونَ فَسَادٌ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: إِنَّ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَقَوْا مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ ذَهَبُوا إِلَى السَّقِيفَةِ، عُوَيْمُ بْن سَاعِدَةَ وَالآخَرَ مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ، أَخُو بَنِي الْعَجَلانِ، فَأَمَّا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فَهُوَ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص
(3/206)

: [مَنِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: «فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» ؟ فقال رسول الله ص: نِعْمَ الْمَرْءُ مِنْهُمْ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ!] وَأَمَّا مَعْنٌ فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّاسَ بَكَوْا عَلَى رَسُولِ الله ص حِينَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوَدَدْنَا أَنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ، إِنَّا نَخْشَى أَنْ نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ فَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي مِتُّ قَبْلَهُ حَتَّى أُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا فَقُتِلَ مَعْنٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
حدثنا عبيد الله بن سعيد الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ظَبْيَةَ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: قال عمرو بن حريث لسعيد ابن زيد: اشهدت وفاه رسول الله ص؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
فَمَتَى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ؟ قال: يوم مات رسول الله ص كَرِهُوا أَنْ يَبْقَوْا بَعْضَ يَوْمٍ وَلَيْسُوا فِي جَمَاعَةٍ قَالَ: فَخَالَفَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟ قَالَ:
لا إِلا مُرْتَدٌّ أَوْ مَنْ قَدْ كَادَ أَنْ يَرْتَدَّ، لَوْلا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْقِذُهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: فَهَلْ قَعَدَ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ: لا، تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى بَيْعَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ فِي بَيْتِهِ إِذْ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ، فَخَرَجَ فِي قَمِيصٍ مَا عَلَيْهِ إِزَارٌ وَلا رِدَاءٌ، عَجِلا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُبْطِئَ عَنْهَا، حَتَّى بَايَعَهُ ثُمَّ جَلَسَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ إِلَى ثَوْبِهِ فَأَتَاهُ فَتَجَلَّلَهُ، وَلَزِمَ مَجْلِسَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الضِّرَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ والعباس أتيا
(3/207)

أَبَا بَكْرٍ يَطْلُبَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: أَمَا انى سمعت رسول الله يَقُولُ: [لا نُوَرَّثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ] وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ الله يَصْنَعُهُ إِلا صَنَعْتُهُ قَالَ:
فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ لَيْلا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَكَانَ لِعَلِيٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ، فَمَكَثَتْ فَاطِمَةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: أَفَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ! قَالَ:
لا، وَلا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ انْصِرَافَ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ ضَرَعَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لا تأتهم وحدك، قال ابو بكر: ولله لآتِيَنَّهُمْ وَحْدِي، وَمَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي! قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَقَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا مِنْ أَنْ نُبَايِعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْكَارٌ لِفَضِيلَتِكَ، وَلا نَفَاسَةٌ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ حَقًّا، فَاسْتَبَدَدْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا.
ثُمَّ ذكر قرابته من رسول الله ص وَحَقَّهُمْ فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ.
فَلَمَّا صَمَتَ عَلِيٌّ تَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثم قال: اما بعد، فو الله لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ فِي هَذِهِ الأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ غَيْرَ الخير، ولكنى سمعت رسول الله يَقُولُ: [لا نُوَرَّثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ،] وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ لا أَذْكُرُ أَمْرًا صَنَعَهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إِلا صَنَعْتُهُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ أَقْبَلَ
(3/208)

عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ عَذَرَ عَلِيًّا بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ قَالَتْ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، قَالَتْ: فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْحَقَّ وَالْمَعْرُوفَ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مالك- يعنى ابن مغول- عن ابن الحر، قَالَ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِعَلِيٍّ: مَا بَالُ هَذَا الأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتَ لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْهِ خَيْلا وَرِجَالا! قَالَ: [فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، طَالَمَا عَادَيْتَ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ فَلَمْ تَضُرَّهُ بِذَاكَ شَيْئًا! إِنَّا وَجَدْنَا أَبَا بَكْرٍ لَهَا أَهْلا] .
حدثني محمد بْن عثمان الثقفي، قَالَ: حَدَّثَنَا أمية بْن خالد، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: لما استخلف أبو بكر قال ابو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل، إنما هي بنو عبد مناف! قَالَ: فقيل لَهُ:
إنه قد ولى ابنك، قَالَ: وصلته رحم! حُدِّثْتُ عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَوَانَةُ، قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى عَجَاجَةً لا يُطْفِئُهَا إِلا دَمٌ! يَا آلَ عَبْدِ مَنَافٍ فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمُورِكُمْ! أَيْنَ الْمُسْتَضْعَفَانِ! أَيْنَ الأَذَلانِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ! [وَقَالَ: أَبَا حَسَنٍ! ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ.
فَأَبَى عَلِيٌّ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ الْمُتَلَمِّسِ:
وَلَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلا الأَذَلانِ عِيرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلا يَبْكِي لَهُ أَحَدُ
قَالَ: فَزَجَرَهُ عَلِيٌّ، وَقَالَ: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا إِلا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ طَالَمَا بَغَيْتَ الإِسْلامَ شَرًّا! لا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ]
(3/209)

قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ: أَنْتُمَا الأَذَلانِ! ثُمَّ أَنْشَدَ يَتَمَثَّلُ:
إِنَّ الْهَوَانَ حِمَارُ الأَهْلِ يَعْرِفُهُ ... وَالْحُرُّ يُنْكِرُهُ وَالرُّسْلَةُ الأَجَدُ
وَلا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلا الأَذَلانِ عِيرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلا يَبْكِي لَهُ أَحَدُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّقِيفَةِ، وَكَانَ الْغَدُ، جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمْ بِالأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ إِلا عَنْ رَأْيِي، وَمَا وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَلَكِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَيُدبِرُ أَمْرَنَا، حَتَّى يَكُونَ آخِرَنَا، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، وثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، فَقُومُوا فَبَايِعُوا فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ مِنْكُمُ الضَّعِيفُ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا يَدَعُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا يَدَعُهُ قَوْمٌ إِلا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلاءِ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ قُومُوا إِلَى صَلاتِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ!
(3/210)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَمْشِي مَعَ عُمَرَ فِي خِلافَتِهِ، وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى حَاجَةٍ لَهُ، وَفِي يَدِهِ الدِّرَّةُ، وَمَا مَعَهُ غَيْرِي.
قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، وَيَضْرِبُ وَحْشِيَّ قَدَمَهُ بِدِرَّتِهِ، قَالَ إِذِ التفت الى فقال: يا بن عَبَّاسٍ، هَلْ تَدْرِي مَا حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِي هَذِهِ الَّتِي قُلْتُ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ رَسُولَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلا أَنِّي كُنْتُ أَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ:
«وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» ، فو الله إِنِّي كُنْتُ لأَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَيَبْقَى فِي أُمَّتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ أَعْمَالِهَا، فَإِنَّهُ لَلَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قُلْتُ مَا قلت

ذكر جهاز رسول الله ص ودفنه
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ اقبل الناس على جهاز رسول الله ص، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ يَوْمَ الثلاثاء، وذلك الغد من وفاته ص.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا دُفِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ بَعْضِ قَائِلِي ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِهِ، عَمَّنْ يُحَدِّثُهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ والعباس بن عبد المطلب والفضل ابن الْعَبَّاسِ وَقُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وشقران مولى رسول الله ص هم الذين ولو غُسْلَهُ، وَإِنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ أَحَدَ بَنِي عوف ابن الْخَزْرَجِ، قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنْشُدُكَ الله يا علي، وحظنا من رسول
(3/211)

اللَّهِ! وَكَانَ أَوْسٌ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ، وَقَالَ: ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله ص، فَأَسْنَدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى صَدْرِهِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ هُمُ الَّذِينَ يَقْلِبُونَهُ مَعَهُ، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ مَوْلِيَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَعَلِيٌّ يَغْسِلُهُ قَدْ أَسْنَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يُدْلِكُهُ مِنْ وَرَائِهِ، لا يُفْضِي بِيَدِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَعَلِيٌّ يَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا! وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ مِمَّا يُرَى مِنَ الْمَيِّتِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى ابن عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لما أرادوا ان يغسلوا النبي ص اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَوْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ! فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ السِّنَةُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُتَكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لا يُدْرَى مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، قَالَتْ: فَقَامُوا إِلَى رسول الله ص فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيُدَلِّكُونَهُ وَالْقَمِيصُ دُونَ أَيْدِيهِمْ.
قَالَ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَهُ إِلا نِسَاؤُهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن جعفر ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، [عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ: ثَوْبَيْنِ صَحَارِيَّيْنِ وَبُرْدٍ حبَرَةٍ، أُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجًا]
(3/212)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَادُوا ان يحفروا لرسول الله ص- وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَضْرَحُ كَحَفْرِ اهل مكة، وكان ابو طلحه زيد ابن سَهْلٍ هُوَ الَّذِي يَحْفِرُ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَلْحَدُ- فَدَعَا الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لأَحَدِهِمَا: اذْهَبْ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلِلآخَرِ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، اللَّهُمَّ خِرْ لِرَسُولِكَ، قَالَ: فَوَجَدَ صَاحِبُ أَبِي طَلْحَةَ أَبَا طَلْحَةَ فَجَاءَ بِهِ فَلَحَدَ لرسول الله ص فلما فرغ من جهاز رسول الله يَوْمَ الثُّلاثَاءِ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ قَائِلٌ:
نَدْفِنُهُ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: يُدْفَنُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ص يَقُولُ: [مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلا يُدْفَنُ حَيْثُ قُبِضَ،] فَرُفِعَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ، فَحُفِرَ لَهُ تَحْتَهُ، وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الرِّجَالُ أُدْخِلَ النِّسَاءُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ النِّسَاءُ أُدْخِلَ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْعَبِيدُ، وَلَمْ يؤم الناس على رسول الله ص احد، ثم دفن رسول الله ص مِنْ وَسَطِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرٍ- عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: ما علمنا بدفن رسول الله ص حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِي نزل قبر رسول الله ص عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَشَقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ وَحَظُّنَا
(3/213)

مِنْ رَسُولِ اللَّهِ! فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ، فَنَزَلَ مَعَ الْقَوْمِ، وَقَدْ كَانَ شَقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ الله حين وضع رسول الله ص فِي حُفْرَتِهِ، وَبُنِيَ عَلَيْهِ، قَدْ أَخَذَ قَطِيفَةً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا، فَقَذَفَهَا فِي الْقَبْرِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ ابدا قال: فدفنت مع رسول الله ص.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدَّعِي أَنَّهُ أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ص، وَيَقُولُ: أَخَذْتُ خَاتَمِي فَأَلْقَيْتُهُ فِي الْقَبْرِ، وَقُلْتُ: إِنَّ خَاتَمِي قَدْ سَقَطَ، وَإِنَّمَا طَرَحْتُهُ عَمْدًا لامس رسول الله، فَأَكُونَ آخِرَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ محمد بن إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مِقْسَمٍ أَبِي الْقَاسِمِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارث ابن نَوْفَلٍ، عَنْ مَوْلاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: اعْتَمَرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي زَمَانِ عُمَرَ- أَوْ زَمَانِ عُثْمَانَ- فَنَزَلَ عَلَى أُخْتِهِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ رَجَعَ وَسَكَبَتْ لَهُ غُسْلا فَاغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ [دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا، يَا أَبَا الْحَسَنِ، جِئْنَا نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرٍ نُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ! فَقَالَ: أَظُنُّ الْمُغِيرَةَ يُحَدِّثُكُمْ أَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ص! قَالُوا: أَجَلْ، عَنْ ذَا جِئْنَا نَسْأَلُكَ! قَالَ: كَذَبَ، كَانَ أَحْدَثَ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ ابن كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
كَانَ عَلَى رسول الله ص خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ حِينَ اشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، قَالَتْ: فَهُوَ يَضَعُهَا مَرَّةً عَلَى وَجْهِهِ، وَمَرَّةً يَكْشِفُهَا عَنْهُ، [وَيَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ! يُحَذِّرُ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ] .
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن صالح
(3/214)

ابن كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: [كان آخر ما عهد رسول الله ص أَنَّهُ قَالَ: لا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ] .
قالت: وتوفى رسول الله ص لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَاسْتَكْمَلَ فِي هِجْرَتِهِ عَشْرَ سِنِينَ كَوَامِلَ.
واختلف في مبلغ سنه يوم توفى ص، فَقَالَ بعضهم: كان لَهُ يومئذ ثلاث وستون سنة.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ الله ص بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عن ابيه، قال: عاش رسول الله ص ثَلاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَى رسول الله ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
(3/215)

بعث رسول الله ص لأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عن عائشة، قالت: توفى رسول الله ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ.
وقال آخرون: كان لَهُ يومئذ خمس وستون.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قبض النبي ص وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ دَغْفَلٍ- يعنى ابن حنظله- ان النبي ص تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وقال آخرون: بل كان لَهُ يومئذ ستون سنة.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بُعِثَ رسول الله ص وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ.
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عائشة وابن عباس، ان رسول الله ص لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وبالمدينة عشرا
(3/216)

ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللذين توفي فيهما رسول الله ص
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ الْجُرْجَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عمر، ان النبي ص اسْتَعَمَلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَجَّ رسول الله ص حَجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَصَدَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقُبِضَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وُلِدَ النبي ص يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَرَفَعَ الْحَجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَقُبِضَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ محمد ابن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تُوُفِّيَ رسول الله ص فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَدُفِنَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ: حَدِّثِي مُحَمَّدًا مَا سَمِعْتِ مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
فَقَالَتْ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دُفِنَ نبى الله ص لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ، وَمَا عَلِمْنَا بِهِ حَتَّى سَمِعْنَا صوت المساحى
(3/217)

ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار فِي أمر الإمارة فِي سقيفة بني ساعدة
حَدَّثَنَا هشام بْن مُحَمَّد، عن أبي مخنف، قال: حدثنى عبد الله ابن عبد الرحمن بْن أبي عمرة الأنصاري، أن النبي ص لما قبض اجتمعت الأنصار فِي سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد ع سعد بْن عبادة، وأخرجوا سعدا إِلَيْهِم وهو مريض، فلما اجتمعوا قَالَ لابنه أو بعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع صوته فيسمع أصحابه، فَقَالَ بعد أن حمد الله وأثنى عَلَيْهِ: يا معشر الأنصار، لكم سابقة فِي الدين وفضيلة فِي الإسلام ليست لقبيله من العرب، ان محمدا ع لبث بضع عشرة سنة فِي قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، وَكَانَ ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رَسُول اللَّهِ، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به، حَتَّى إذا أراد بكم الفضيلة، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة، فرزقكم اللَّه الإيمان به وبرسوله، والمنع لَهُ ولأصحابه، والإعزاز لَهُ ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حَتَّى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، حَتَّى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم لَهُ العرب، وتوفاه اللَّه وهو عنكم راض، وبكم قرير عين استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت فِي الرأي وأصبت فِي القول، ولن نعدو ما رأيت، ونوليك هذا الأمر، فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا ثُمَّ إنهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش، فقالوا:
نحن المهاجرون وصحابة رَسُول اللَّهِ الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده! فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير
(3/218)

ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدا فَقَالَ سعد بْن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن! وأتى عمر الخبر، فأقبل الى منزل النبي ص، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر فِي الدار وعلى بن ابى طالب ع دائب في جهاز رسول الله ص، فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلي، فأرسل إليه: إني مشتغل، فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره، فخرج إليه، فَقَالَ: أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت فِي سقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بْن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومن قريش أمير! فمضيا مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة بْن الجراح، فتماشوا إِلَيْهِم ثلاثتهم، فلقيهم عاصم بْن عدي وعويم بْن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون، فقالوا:
لا نفعل، فجاءوا وهم مجتمعون فَقَالَ عمر بْن الْخَطَّاب: أتيناهم- وقد كنت زورت كلاما أردت أن أقوم به فيهم- فلما أن دفعت إِلَيْهِم ذهبت لأبتدئ المنطق، فَقَالَ لي أبو بكر: رويدا حَتَّى أتكلم ثُمَّ انطق بعد بما أحببت فنطق، فَقَالَ عمر: فما شيء كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه.
فَقَالَ عبد الله بْن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إن اللَّه بعث محمدا رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمته، ليعبدوا اللَّه ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت، وخشب منجور، ثُمَّ قرأ: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» ، وقالوا: «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» ، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص اللَّه المهاجرين الأولين من
(3/219)

قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة لَهُ، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف، زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أول من عبد الله فِي الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذَلِكَ إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمه في الاسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا احد بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.
قَالَ: فقام الحباب بْن المنذر بْن الجموح، فَقَالَ: يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإن الناس فِي فيئكم وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.
فَقَالَ عمر: هيهات لا يجتمع اثنان فِي قرن! والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لاثم، ومتورط فِي هلكة! فقام الحباب بْن المنذر فَقَالَ: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فانه بأسيافكم دان لهذا الذين من دان ممن لم يكن يدين أنا جذيلها
(3/220)

المحكك، وعذيقها المرجب! أما واللَّه لئن شئتم لنعيدنها جذعة، فَقَالَ عمر: إذا يقتلك الله! قَالَ: بل إياك يقتل! فَقَالَ أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.
فقام بشير بْن سعد أبو النعمان بْن بشير فَقَالَ: يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة فِي جهاد المشركين، وسابقة فِي هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي المنة علينا بذلك، ألا ان محمدا ص من قريش، وقومه أحق به وأولى وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم! فَقَالَ أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا فقالا:
لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل المهاجرين وثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، وخليفة رَسُول اللَّهِ على الصلاة، والصلاة أفضل دين الْمُسْلِمين، فمن ذا ينبغي لَهُ أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك! ابسط يدك نبايعك.
فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد، فبايعه، فناداه الحباب ابن المنذر: يا بشير بن سعد: عقتك عقاق، ما أحوجك إلى ما صنعت، أنفست على ابن عمك الإمارة! فَقَالَ: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله اللَّه لهم.
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بْن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بْن عباده، قال بعضهم لبعض، وفيهم اسيد ابن حضير- وَكَانَ أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا
(3/221)

أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بْن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا لَهُ من أمرهم.
قَالَ هشام: قَالَ أبو مخنف: فحدثني أبو بكر بْن محمد الخزاعي، أن أسلم أقبلت بجماعتها حَتَّى تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر.
قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف: قَالَ عَبْد اللَّه بْن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطئون سعد بْن عبادة، فَقَالَ ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطئوه، فَقَالَ عمر: اقتلوه قتله اللَّه! ثُمَّ قام على رأسه، فَقَالَ: لقد هممت أن أطأك حَتَّى تندر عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فَقَالَ: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فَقَالَ أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق هاهنا أبلغ فأعرض عنه عمر وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض، لسمعت مني فِي أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله إذا لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع! احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه فِي داره، وترك أياما ثُمَّ بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فَقَالَ: أما والله حَتَّى أرميكم بما فِي كنانتي من نبلي، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل، وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مَعَ الإنس ما بايعتكم، حَتَّى أعرض على ربي، وأعلم ما حسابي.
فلما أتى أبو بكر بذلك قَالَ لَهُ عمر: لا تدعه حَتَّى يبايع فَقَالَ لَهُ بشير بْن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعكم حَتَّى يقتل، وليس بمقتول حَتَّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد فتركوه وقبلوا مشورة بشير بْن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه،
(3/222)

فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حَتَّى هلك أبو بكر رحمه الله.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حدثنا عمى، قال: أخبرنا سيف ابن عُمَرَ، عَنْ سَهْلٍ وَأَبِي عُثْمَان، عَنِ الضَّحَّاكِ بن خليفه، قال: لما قام الحباب ابن الْمُنْذِرِ انْتَضَى سَيْفَهُ، وَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وعذيقها المرجب، انا ابو شبل في عريسة الأَسَدِ، يُعْزَى إِلَى الأَسَدِ فَحَامَلَهُ عُمَرُ فَضَرَبَ يَدَهُ، فَنَدَرَ السَّيْفَ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ وَثَبَ عَلَى سَعْدٍ وَوَثَبُوا عَلَى سَعْدٍ، وَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْبَيْعَةِ، وَبَايَعَ سَعْدٌ، وَكَانَتْ فَلْتَةٌ كَفَلَتَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ دُونَهَا وَقَالَ قَائِلٌ حِينَ أُوطِئَ سَعْدٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللَّهُ! إِنَّهُ مُنَافِقٌ، وَاعْتَرَضَ عُمَرُ بِالسَّيْفِ صَخْرَةً فقطعه.
حدثنا عبيد الله بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُبَشِّرٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَوْمَئِذٍ لأَبِي بَكْرٍ:
إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ حَسَدْتُمُونِي عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّكَ وَقَوْمِي أَجْبَرْتُمُونِي عَلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالُوا: إِنَّا لَوْ أَجْبَرْنَاكَ عَلَى الْفُرْقَةِ فَصِرْتَ إِلَى الْجَمَاعَةِ كُنْتَ فِي سعه، ولكنا اجبرنا عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَلا إِقَالَةَ فِيهَا، لَئِنْ نَزَعْتَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ فَرَّقْتَ جَمَاعَةً، لَنَضْرِبَنَّ الذى فيه عيناك
. ذكر امر ابى بكر في أول خلافته
حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ- عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: نَادَى مُنَادِي أَبِي بَكْرٍ، مِنْ بَعْدِ الْغَدِ مِنْ متوفى رسول الله ص:
لِيُتَمَّ بَعْثُ أُسَامَةَ، أَلا لا يَبْقَيَنَّ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِن جُنْدِ أُسَامَةَ إِلا خَرَجَ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ وَقَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ:
(3/223)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا مِثْلُكُمْ، وَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلَّكُمْ سَتُكَلِّفُونَنِي مَا كَانَ رَسُولُ الله ص يُطِيقُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ وَعَصَمَهُ مِنَ الآفَاتِ، وَإِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٌ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَتَابِعُونِي، وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي، وان رسول الله ص قُبِضَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَطْلُبُهُ بمظلمة ضربه سَوْطٍ فَمَا دُونَهَا، أَلا وَإِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِذَا أَتَانِي فَاجْتَنِبُونِي، لا أُؤْثِرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمُهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلا يَمْضِيَ هَذَا الأَجَلُ إِلا وَأَنْتُمْ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ فَافْعَلُوا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلا بِاللَّهِ، فَسَابِقُوا فِي مَهَلٍ آجَالَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُسْلِمَكُمْ آجَالُكُمْ إِلَى انْقِطَاعِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ قَوْمًا نَسَوْا آجَالَهُمْ، وَجَعَلُوا أَعْمَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ الْجَدَّ الْجَدَّ! وَالْوَحَا الْوَحَا! وَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا، أَجَلا مَرُّهُ سَرِيعٌ احْذَرُوا الْمَوْتَ، وَاعْتَبِرُوا بِالآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالإِخْوَانِ، وَلا تَغْبِطُوا الأَحْيَاءَ إِلا بِمَا تَغْبِطُونَ بِهِ الأَمْوَاتِ.
وَقَامَ أَيْضًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَقْبَلُ مِنَ الأَعْمَالِ إِلا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَهُ، فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِأَعْمَالِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا أَخْلَصْتُمْ لِلَّهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَطَاعَةٌ أَتَيْتُمُوهَا، وَخَطَأٌ ظَفَرْتُمْ بِهِ، وَضَرَائِبُ أَدَّيْتُمُوهَا، وَسَلَفٌ قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ أَيَّامٍ فَانِيَةٍ لأُخْرَى بَاقِيَةٍ، لِحِينِ فَقْرِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ اعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، وَتَفَكَّرُوا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَيْنَ كَانُوا أَمْسَ، وَأَيْنَ هُمُ الْيَوْمَ! أَيْنَ الْجَبَّارُونَ! وَأَيْنَ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ ذِكْرُ الْقِتَالِ وَالْغَلَبَةُ فِي مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ! قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ، وَصَارُوا رَمِيمًا، قَدْ تُرِكَتْ عَلَيْهِمِ الْقَالاتُ، الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَأَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ أَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَّرُوهَا، قَدْ بُعِدُوا وَنُسِيَ ذِكْرُهُمْ، وَصَارُوا كَلا شَيْءَ أَلا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْقَى عَلَيْهِمُ التَّبِعَاتِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الشَّهَوَاتِ، وَمَضَوْا وَالأَعْمَالُ أَعْمَالُهُمْ، وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ، وَبَقِينَا خَلَفًا بَعْدَهُمْ، فَإِنْ نَحْنُ اعْتَبَرْنَا بِهِمْ نَجَوْنَا، وَإِنِ اغْتَرَرْنَا كُنَّا مِثْلَهُمْ! أَيْنَ الْوُضَّاءُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ! صَارُوا تُرَابًا، وَصَارَ مَا فَرَّطُوا فِيهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ! أَيْنَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ، وَجَعَلُوا فِيهَا الأَعَاجِيبَ! قَدْ تَرَكُوهَا
(3/224)

لِمَنْ خَلْفَهُمْ، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةً، وَهُمْ فِي ظلمات القبور، هل نحس مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا! أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ أَبْنَائِكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ، قَدِ انْتَهَتْ بِهِمْ آجَالُهُمْ، فَوَرَدُوا عَلَى مَا قَدَّمُوا فَحَلُّوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا لِلشَّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَلا إِنَّ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ سَبَبٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا، وَلا يَصْرِفُ عَنْهُ بِهِ سُوءًا، إِلا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَبِيدٌ مَدِينُونَ، وَأَنَّ مَا عِنْدَهُ لا يُدْرَكُ إِلا بِطَاعَتِهِ، أَمَا أَنَّهُ لا خَيْرَ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَلا شَرَّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ.
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفٌ- عَنْ هِشَامِ ابن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي الأَمْرِ الَّذِي افْتَرَقُوا فِيهِ، قَالَ: لَيُتَمَّ بَعْثُ أُسَامَةَ، وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، إِمَّا عَامَّةً وَإِمَّا خَاصَّةً فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ، وَاشْرَأَبَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ الشاتيه، لفقد نبيهم ص وَقِلَّتِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدُوُّهِمْ فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: إِنَّ هَؤُلاءِ جُلُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَرَبُ- عَلَى مَا تَرَى- قَدِ انْتُقِضَتْ بِكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْرِقَ عَنْكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ، لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخَطَّفَنِي لأَنْفَذْتُ بَعْثَ أُسَامَةَ كَمَا امر به رسول الله ص، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لأَنْفَذْتُهُ! حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالا: ثُمَّ اجْتَمْعَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي غَابَتْ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَخَرَجُوا وَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي جُنْدِ أُسَامَةَ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمُ الْهِجْرَةُ فِي دِيَارِهِمْ، فَصَارُوا مَسَالِحَ حَوْلَ قَبَائِلِهِمْ وَهُمْ قَلِيلٌ.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ
(3/225)

وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الحسن البصرى، قال: ضرب رسول الله ص قَبْلَ وَفَاتِهِ بَعْثًا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حولهم، وفيهم عمر ابن الْخَطَّابِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَلَمْ يُجَاوِزْ آخِرُهُمُ الْخَنْدَقَ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص، فَوَقَفَ أُسَامَةُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: ارْجِعْ إِلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَاسْتَأْذِنْهُ، يَأْذَنْ لِي أَنْ أَرْجِعَ بِالنَّاسِ، فَإِنَّ مَعِي وُجُوهَ النَّاسِ وَحْدَهُمْ، وَلا آمَنُ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَثِقَلِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَثْقَالِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: فَإِنْ أَبَى إِلا أَنْ نَمْضِيَ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا، وَاطْلُبْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ أَمْرَنَا رَجُلا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ.
فَخَرَجَ عُمَرُ بِأَمْرِ أُسَامَةَ، وَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُسَامَةُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، لَوْ خَطَّفَتْنِي الْكِلابُ وَالذِّئَابُ لَمْ أَرُدَّ قَضَاءً قَضَى به رسول الله ص! قَالَ: فَإِنَّ الأَنْصَارَ أَمَرُونِي أَنْ أُبَلِّغَكَ، وَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ إِلَيْكَ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَهُمْ رَجُلا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ، فَوَثَبَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ جَالِسًا- فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: ثَكِلَتْكَ أمك وعدمتك يا بن الخطاب! استعمله رسول الله ص وَتَأْمُرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ! فَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى النَّاسِ فَقَالُوا لَهُ:
مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: امْضُوا، ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! مَا لَقِيتُ فِي سَبَبِكُمْ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ! ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَتَاهُمْ، فَأَشْخَصَهُمْ وَشَيَّعَهُمْ وَهُوَ مَاشٍ وَأُسَامَةُ رَاكِبٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُودُ دَابَّةَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ:
يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَتَرْكَبَنَّ أَوْ لأَنْزِلَنَّ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لا تنزل وو الله لا أَرْكَبُ! وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَاعَةً، فَإِنَّ لِلْغَازِي بِكُلِّ خطوه يخطوها سبعمائة حسنه تكتب له، وسبعمائة درجه ترتفع له، وترفع عنه سبعمائة خَطِيئَةٍ! حَتَّى إِذَا انْتَهَى قَالَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعِينَنِي بِعُمَرَ فَافْعَلْ! فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قِفُوا أُوصِكُمْ بِعَشْرٍ فَاحْفَظُوهَا عَنِّي:
لا تَخُونُوا وَلا تَغِلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا طِفْلا صَغِيرًا، وَلا شَيْخًا كَبِيرًا وَلا امْرَأَةً، وَلا تَعْقِرُوا نَخْلا وَلا تُحَرِّقُوهُ، وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً
(3/226)

مُثْمِرَةً، وَلا تَذْبَحُوا شَاةً وَلا بَقَرَةً وَلا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَوْفَ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ يَأْتُونَكُمْ بِآنِيَةٍ فِيهَا أَلْوَانُ الطَّعَامِ، فَإِذَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَتَلْقَوْنَ أَقْوَامًا قَدْ فَحَصُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ وَتَرَكُوا حَوْلَهَا مِثْلَ الْعَصَائِبِ، فَاخْفِقُوهُمْ بِالسَّيْفِ خَفْقًا انْدَفِعُوا باسم الله، أفناكم اللَّهُ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ.
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْجُرْفِ، فَاسْتَقْرَى أُسَامَةَ وَبَعْثَهُ، وَسَأَلَهُ عُمَرَ فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: اصْنَعْ ما امرك به نبى الله ص، ابدا ببلاد قضاعه ثم ايت آبِلَ، وَلا تُقَصِّرَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ رسول الله ص، وَلا تَعْجَلَنَّ لِمَا خَلَفْتَ عَنْ عَهْدِهِ فَمَضَى أُسَامَةُ مُغِذًّا عَلَى ذِي الْمَرْوَةِ وَالْوَادِي، وَانْتَهَى الى ما امره به النبي ص مِنْ بَثِّ الْخُيُولِ فِي قَبَائِلِ قُضَاعَةَ وَالْغَارَةِ عَلَى آبِلَ، فَسَلِمَ وَغَنِمَ، وَكَانَ فَرَاغُهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا سِوَى مُقَامِهِ وَمُنْقَلَبِهِ رَاجِعًا.
فَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سيف- وحدثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفٌ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ.
وَعَنْهُمَا، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مِثْلَهُ.

بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي
كان رسول الله ص جمع- فيما بلغنا- لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلها، وأمره على جميع مخاليفها، فلم يزل عامل رسول الله
(3/227)

ص أيام حياته، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكا حَتَّى مات باذام، فلما مات فرق عملها بين جماعة من أصحابه.
فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عبيد بن صخر ابن لَوْذَانَ الأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ- وَكَانَ فِيمَنْ بَعَثَ النَّبِيُّ ص مع عمال اليمن في سنه عشر بعد ما حَجَّ حَجَّةَ التَّمَامِ: وَقَدْ مَاتَ بَاذَامُ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ عَمَلَهَا بَيْنَ شَهْرِ بْنِ بَاذَامَ، وَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ الْهَمْدَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَالطَّاهِرِ بْنِ أَبِي هَالَةَ، وَيَعْلَى بْنِ اميه، وعمر بْنِ حَزْمٍ، وَعَلَى بِلادِ حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْبِيَاضِيُّ وَعُكَاشَةُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ أَصْغَرَ الغوثي، على السكاسك والسكون ومعاويه ابن كِنْدَةَ، وَبَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُعَلِّمًا لأَهْلِ البلدين: اليمن وحضر موت.
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بن قرص بن عباده، عن قرص الليثى، ان النبي ص رجع الى المدينة بعد ما قَضَى حَجَّةُ الإِسْلامِ، وَقَدْ وَجَّهَ إِمَارَةَ الْيَمَنِ وَفَرَّقَهَا بَيْنَ رِجَالٍ، وَأَفْرَدَ كُلَّ رَجُلٍ بِحِيَزِهِ، ووجه اماره حضر موت وَفَرَّقَهَا بَيْنَ ثَلاثَةٍ، وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِيَزِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى مَا بَيْنَ نَجْرَانَ وَرِمْعٍ وَزُبَيْدَ، وَعَامِرَ بْنَ شَهْرٍ عَلَى هَمْدَانَ، وَعَلَى صَنْعَاءَ ابْنَ بَاذَامَ، وَعَلَى عَكٍّ وَالأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ، وَعَلَى الْجُنْدِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ وَكَانَ مُعَاذٌ مُعَلِّمًا يَتْنَقِلُ فِي عِمَالَةِ كُلِّ عَامِلٍ بِالْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَعْمَالِ حَضْرَمَوْتَ، عَلَى السَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ عُكَاشَةَ بْنَ ثَوْرٍ، وَعَلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدَةَ عَبْدَ اللَّهِ- أَوِ الْمُهَاجِرَ- فَاشْتَكَى فَلَمْ يَذْهَبْ حَتَّى وَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادَ بْنَ لبيد
(3/228)

الْبِيَاضِيَّ، وَكَانَ زِيَادٌ يَقُومُ عَلَى عَمَلِ الْمُهَاجِرِ، فمات رسول الله ص وَهَؤُلاءِ عُمَّالُهُ عَلَى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ، إِلا مَنْ قُتِلَ فِي قِتَالِ الأَسْوَدِ أَوْ مَاتَ، وَهُوَ باذام، مات ففرق النبي ص الْعَمَلَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَشَهْرٌ ابْنُهُ- يَعْنِي ابْنَ بَاذَامَ- فَسَارَ إِلَيْهِ الأَسْوَدُ فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ.
وَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفٍ.
فَقَالَ فِيهِ: عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَلْحَةَ ثُمَّ سائر الحديث باسناده مثل حديث ابن سعد الزُّهْرِيِّ.
قَالَ: حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى الْعَنْسِيِّ وَكَاثَرَهُ عَامِرُ بْنُ شَهْرٍ الْهَمْدَانِيُّ فِي نَاحِيَتِهِ وَفَيْرُوزُ وَدَاذُوَيْهِ فِي نَاحِيَتِهِمَا، ثُمَّ تَتَابَعَ الَّذِينَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ، قَالَ وَحَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْجُنْدِ قَدْ أَقَمْنَاهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَكَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْكُتُبَ، إِذْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنَ الأَسْوَدِ: أَيُّهَا الْمُتَوَرِّدُونَ عَلَيْنَا، أَمْسِكُوا عَلَيْنَا مَا أَخَذْتُمْ مِنْ أَرْضِنَا، وَوَفِّرُوا مَا جَمَعْتُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَقُلْنَا لِلرَّسُولِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ كَهْفِ خُبَّانَ ثُمَّ كَانَ وَجْهُهُ إِلَى نَجْرَانَ، حَتَّى أَخَذَهَا فِي عَشْرٍ لِمَخْرَجِهِ، وَطَابَقَهُ عُوَّامُ مَذْحِجَ فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، وَنَجْمَعُ جَمْعَنَا، إِذْ أَتِيَنَا فَقِيلَ: هَذَا الأَسْوَدُ بِشَعُوبٍ، وَقَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بِاذَامَ، وَذَلِكَ لِعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ مَنْجَمِهِ فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ الْخَبَرَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدِّبْرَةُ، إِذْ أَتَانَا أَنَّهُ قَتَلَ شَهْرًا، وَهَزَمَ الأَبْنَاءَ، وَغَلَبَ عَلَى صَنْعَاءَ لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ مَنْجَمِهِ وَخَرَجَ مُعَاذٌ هَارِبًا، حَتَّى مَرَّ بِأَبِي موسى
(3/229)

وَهُوَ بِمَأْرِبَ، فَاقْتَحَمَا حَضْرَمَوْتَ، فَأَمَّا مُعَاذٌ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِي السُّكُونِ، وَأَمَّا أَبُو مُوسَى فَإِنَّهُ نَزَلَ فِي السَّكَاسِكِ مِمَّا يَلِي الْمُفُورَ وَالْمَفَازَةَ بَيْنَهُمَ وَبَيْنَ مَأْرِبَ، وَانْحَازَ سَائِرُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ إِلَى الطَّاهِرِ إِلا عَمْرًا وَخَالِدًا، فَإِنَّهُمَا رَجَعَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالطَّاهِرُ يَوْمَئِذٍ فِي وَسَطِ بِلادِ عَكٍّ بِحِيَالِ صَنْعَاءَ وَغَلَبَ الأَسْوَدُ عَلَى مَا بَيْنَ صُهَيْدَ- مَفَازَةَ حَضْرَمَوْتَ- إِلَى عَمَلِ الطَّائِفِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ قِبَلَ عَدَنٍ، وَطَابَقَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنُ، وَعَكٍّ بِتِهَامَةَ مُعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطَارَةَ الحريق، وكان معه سبعمائة فَارِسٍ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا سِوَى الرُّكْبَانِ، وَكَانَ قُوَّادَهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الْمُرَادِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قَيْسٍ الْجَنْبِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ مُحْرِمٍ وَيَزِيدُ بْنُ حُصَيْنٍ الْحَارِثِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ الأَفْكَلِ الأَزْدِيُّ وَثَبَتَ مُلْكُهُ وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ، وَدَانَتْ لَهُ سَوَاحِلُ مِنَ السَّوَاحِلِ، حَازَ عَثْرَ وَالشَّرْجَةَ وَالْحَرْدَةَ وَغَلافِقَةَ وَعَدَنَ، وَالْجُنْدَ، ثُمَّ صَنْعَاءَ إِلَى عَمَلِ الطَّائِفِ، إِلَى الأَحْسِيَةِ وَعُلَيْبٍ، وَعَامَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْبَقِيَّةِ، وَعَامَلَهُ أَهْلُ الرِّدَّةِ بِالْكُفْرِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الإِسْلامِ.
وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي مَذْحِجَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ، وَأَسْنَدَ أَمْرَهُ إِلَى نَفَرٍ، فَأَمَّا أَمْرُ جُنْدِهِ فَإِلَى قَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأَسْنَدَ أَمْرَ الأَبْنَاءِ إِلَى فَيْروزٍ وَدَاذُوَيْهِ.
فَلَمَّا أَثْخَنَ فِي الأَرْضِ اسْتَخَفَّ بِقَيْسٍ وَبِفَيْرُوزَ وَدَاذُوَيْهِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ شَهْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ فَيْرُوزَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ بِحَضْرَمَوْتَ- وَلا نَأْمَنُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا الأَسْوَدُ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا جَيْشًا، أَوْ يَخْرُجَ بِحَضْرَمَوْتَ خَارِجٌ يَدَّعِيَ بِمِثْلِ مَا ادَّعَى بِهِ الأَسْوَدُ، فَنَحْنُ عَلَى ظَهْرٍ، تَزَوَّجَ مُعَاذٌ إِلَى بَنِي بَكْرَةَ، حَيٍّ مِنَ السُّكُونِ، امْرَأَةً أَخْوَالُهَا بَنُو زَنْكَبِيلَ يُقَالُ لَهَا رَمْلَةُ، فَحَدَبُوا لِصِهْرِهِ
(3/230)

عَلَيْنَا، وَكَانَ مُعَاذٌ بِهَا مُعْجَبًا، فَإِنْ كَانَ لَيَقُولُ فِيمَا يَدْعُو اللَّهَ بِهِ:
اللَّهُمَّ ابْعَثْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السُّكُونِ، وَيَقُولُ أَحْيَانًا: اللَّهُمَّ اغفر للسكون- إذ جاءتنا كتب النبي ص يأمرنا فيها ان نبعث الرجال لمجاولته أَوْ لِمُصَاوَلَتِهِ، وَنُبَلِّغَ كُلَّ مَنْ رَجَا عِنْدَهُ شيئا من ذلك عن النبي ص فَقَامَ مُعَاذٌ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي أَمَرَ بِهِ، فَعَرَفْنَا الْقُوَّةَ وَوَثَقْنَا بِالنَّصْرِ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف- قال: أخبرنا المستنير ابن يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ غَزِيَّةَ الدُّثَيْنِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ- قَالَ السَّرِيُّ: عَنْ جُشَيْشِ بن الديلمى، وقال عبيد الله: عن جشنس بْنِ الدَّيْلَمِيِّ- قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا وَبْرُ بْنُ يحنس بكتاب النبي ص، يَأْمُرُنَا فِيهِ بِالْقِيَامِ عَلَى دِينِنَا، وَالنُّهُوضِ فِي الْحَرْبِ، وَالْعَمَلِ فِي الأَسْوَدِ: إِمَّا غَيْلَةً وَإِمَّا مُصَادَمَةً، وَأَنْ نُبَلِّغَ عَنْهُ مَنْ رَأَيْنَا أَنَّ عِنْدَهُ نَجْدَةً وَدِينًا فَعَمِلْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا أَمْرًا كَثِيفًا، وَرَأَيْنَاهُ قَدْ تَغَيَّرَ لِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ- وَكَانَ عَلَى جُنْدِهِ- فَقُلْنَا: يَخَافُ عَلَى دَمِهِ، فَهُوَ لأَوَّلُ دَعْوَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ وَأَنْبَأْنَاهُ الشان، وابلغناه عن النبي ص، فَكَأَنَّمَا وَقَعْنَا عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ فِي غَمٍّ وَضِيقٍ بِأَمْرِهِ، فَأَجَابَنَا إِلَى مَا أَحْبَبْنَا مِنْ ذَلِكَ، وَجَاءَنَا وَبْرُ بْنُ يُحَنِّسَ، وَكَاتَبْنَا النَّاسَ وَدَعَوْنَاهُمْ، وَأَخْبَرَهُ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَيْسٍ وَقَالَ: يَا قَيْسُ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: عَمَدْتَ إِلَى قَيْسٍ فَأَكْرَمْتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْكَ كُلَّ مُدْخَلٍ، وَصَارَ فِي الْعِزِّ مِثْلَكَ، مَالَ مَيْلَ عَدُوِّكَ، وَحَاوَلَ مُلْكَكَ وَأَضْمَرَ عَلَى الْغَدْرِ! إِنَّهُ يَقُولُ: يَا أَسْوَدُ يَا أَسْوَدُ! يَا سَوْءَةُ يَا سَوْءَةُ! اقْطِفْ قُنَّتَهُ، وَخُذْ مِنْ قَيْسٍ أَعْلاهُ، وَإِلا سَلَبَكَ أَوْ قَطَفَ قُنَّتَكَ فَقَالَ قَيْسٌ- وَحَلَفَ بِهِ: كَذَبَ وَذِي الْخِمَارِ، لأَنْتَ اعظم في
(3/231)

نَفْسِي وَأَجَلُّ عِنْدِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ بِكَ نَفْسِي، فَقَالَ: مَا أَجْفَاكَ: أَتُكَذِّبُ الْمَلِكَ! قَدْ صَدَقَ الْمَلِكُ، وَعَرَفْتُ الآنَ أَنَّكَ تَائِبٌ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْكَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَتَانَا، فَقَالَ: يَا جُشَيْشُ، وَيَا فَيْرُوزُ، وَيَا دَاذُوَيْهِ، إِنَّهُ قَدْ قَالَ وَقُلْتُ، فَمَا الرَّأْيُ؟ فَقُلْنَا: نَحْنُ عَلَى حَذَرٍ، فَإِنَّا فِي ذَلِكَ، إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: أَلَمْ أُشْرِفْكُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمْ! فَقُلْنَا: أَقلْنَا مَرَّتَنَا هَذِهِ، فَقَالَ: لا يبلغني عنكم فاقتلكم، فنجونا ولم تكد، وَهُوَ فِي ارْتِيَابٍ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ قَيْسٍ، وَنَحْنُ فِي ارْتِيَابٍ وَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، إِذْ جاءنا اعتراض عامر ابن شَهْرٍ وَذِي زَوْدٍ وَذِي مُرَّان وَذِي الْكَلاعِ وَذِي ظُلَيْمٍ عَلَيْهِ، وَكَاتَبُونَا وَبَذَلُوا لَنَا النَّصْرَ، وَكَاتَبْنَاهُمْ وَأَمَرْنَاهُمْ أَلا يُحَرِّكُوا شَيْئًا حَتَّى نُبْرِمَ الأَمْرَ- وَإِنَّمَا اهْتَاجُوا لِذَلِكَ حِينَ جَاءَ كِتَابُ النبي ص، وكتب النبي ص إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، إِلَى عَرَبِهِمْ وَسَاكِنِي الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ، فَثَبتُوا فَتَنَحَّوْا وَانْضَمُّوا إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ- وَبَلَغَهُ ذَلِكَ، وَأَحَسَّ بِالْهَلاكِ، وَفَرَقَ لنا الرأي، فدخلت على آذاد، وَهِيَ امْرَأَتُهُ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَةَ عَمِّ، قَدْ عَرَفْت بَلاءَ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدَ قَوْمِكِ، قَتَلَ زَوْجَكِ، وَطَأْطَأَ فِي قَوْمِكِ الْقَتْلَ، وَسَفَلَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَفَضَحَ النِّسَاءَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ مُمَالأَةٍ عَلَيْهِ! فَقَالَتْ:
عَلَى أَيِّ أَمْرِهِ؟ قُلْتُ: إِخْرَاجِهِ، قَالَتْ: أَوْ قَتْلِهِ، قُلْتُ: أَوْ قَتْلِهِ، قَالَتْ: نَعَمْ وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَخْصًا أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، مَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ، وَلا يَنْتَهِي لَهُ عَنْ حُرْمَةٍ، فَإِذَا عَزَمْتُمْ فَأَعْلِمُونِي أُخْبِرْكُمْ بِمَأْتَى هَذَا الأَمْرِ فَأَخْرُجَ فَإِذَا فَيْرُوزُ وَدَاذُوَيْهِ يَنْتَظِرَانِي، وَجَاءَ قَيْسٌ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُنَاهِضَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ إِلَيْنَا: الْمَلِكُ يَدْعُوكَ، فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَذْحِجَ وَهَمْدَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَهُمْ- قَالَ السَّرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ:
(3/232)

يَا عَيْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، وَقَالَ عبيد الله في حديثه: يا عبهله بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ- أَمِنِّي تُحْصَنُ بِالرِّجَالِ! الم اخبرك الحق وتخبرني الكذابة! انه يَقُولُ: يَا سَوْءَةُ يَا سَوْءَةُ! إِلا تَقْطَعَ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ قُنَّتَكَ الْعُلْيَا، حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أَقْتُلَكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمُرْ بِي بِمَا أَحْبَبْتَ، فَأَمَّا الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ فَأَنَا فيهما مخافه ان تقتلني- قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَإِمَّا قَتَلْتَنِي فَمَوْتُهُ، وَقَالَ السَّرِيُّ: اقْتُلْنِي فَمَوْتَةٌ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتٍ أَمُوتُهَا كُلَّ يَوْمٍ- فَرَقَّ لَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فأخبرنا وواطأنا، وَقَالَ: اعْمَلُوا عَمْلَكُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا فِي جَمْعٍ، فَقُمْنَا مُثُولا لَهُ، وَبِالْبَابِ مِائَةٌ مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَقَامَ وَخَطَّ خَطًّا فَأُقِيمَتْ مِنْ ورائه، وَقَامَ مَنْ دُونِهَا، فَنَحَرَهَا غَيْرَ مُحْبَسَةٍ وَلا مُعْقَلَةٍ، مَا يَقْتَحِمُ الْخَطَّ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ خَلاهَا فَجَالَتْ إِلَى أَنْ زُهِقَتْ، فَمَا رَأَيْتُ أَمْرًا كَانَ أَفْظَعَ مِنْهُ، وَلا يَوْمًا أَوْحَشَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟
وَبَوَّأَ لَهُ الْحَرْبَةَ- لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْحَرَكَ فَأُتْبِعَكَ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ، فَقَالَ:
اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ وَفَضَّلْتَنَا عَلَى الأَبْنَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا مَا بِعْنَا نَصِيبَنَا مِنْكَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ آخِرَةٍ وَدُنْيَا، لا تقبلن علينا امثال مَا يَبْلُغُكَ، فَإِنَّا بِحَيْثُ تُحِبُّ فَقَالَ: اقْسِمْ هذه، فأنت اعلم بمن هاهنا، فَاجْتَمَعَ إِلَيَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ، وَجَعَلْتُ آمُرَ لِلرَّهْطِ بِالْجَزُورِ وَلأَهْلِ الْبَيْتِ بِالْبَقَرَةِ، وَلأَهْلِ الْحِلَّةِ بِعِدَّةٍ، حَتَّى أَخَذَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِقِسْطِهِمْ فَلَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى دَارِهِ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيَّ- رَجُلٌ يَسْعَى إِلَيْهِ بِفَيْرُوزَ، فَاسْتَمَعَ لَهُ، وَاسْتَمَعَ لَهُ فَيْرُوزٌ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابُهُ، فَاغْدُ عَلَيَّ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا بِهِ، فَقَالَ: مَهْ! فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، ثُمَّ ضَرَبَ دَابَّتَهُ دَاخِلا، فَرَجَعَ إلينا فأخبرنا
(3/233)

الْخَبَرَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى قَيْسٍ، فَجَاءَنَا، فَأَجْمَعَ مَلَؤُهُمْ أَنْ أَعُودَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأُخْبِرَهَا بِعَزِيمَتَنَا لِتُخْبِرَنَا بِمَا تَأْمُرُ، فَأَتَيْتُ الْمَرْأَةَ وَقُلْتُ: مَا عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: هُوَ مُتَحَرِّزٌ مُتَحَرِّسٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْقَصْرِ شَيْءٌ إِلا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّ ظَهْرَهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ مِنْ دُونِ الْحَرَسِ، وَلَيْسَ دُونَ قَتْلِهِ شَيْءٌ وَقَالَتْ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِيهِ سِرَاجًا وَسِلاحًا فَخَرَجْتُ فَتَلَقَّانِي الأَسْوُد خَارِجًا مِنْ بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَقَالَ لِي مَا أَدْخَلَكَ عَلَيَّ؟ وَوَجَأَ رَأْسِي حَتَّى سَقَطْتُ- وَكَانَ شَدِيدًا- وَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ عَنِّي، وَلَوْلا ذَلِكَ لَقَتَلَنِي وَقَالَتِ: ابْنُ عَمِّي جَاءَنِي زائرا، فقصرت بي! فقال: اسكتي لا ابالك، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ! فَتَزَايَلَتْ عَنِّي، فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءَ! الْهَرَبَ! وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ حَيَارَى إِذْ جَاءَنِي رَسُولُهَا: لا تَدَعْنَ مَا فَارَقْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ، فَقُلْنَا لِفَيْرُوزٍ: ائْتِهَا فَتَثَبَّتْ مِنْهَا، فَأَمَّا أَنَا فَلا سَبِيلَ لِي إِلَى الدُّخُولِ بَعْدَ النَّهْيِ فَفَعَلَ، وَإِذَا هُوَ كَانَ أَفْطَنَ منى، فلما اخبرته قالت: وَكَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَنْقُبَ عَلَى بُيُوتٍ مُبَطَّنَةٍ! يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقْلِعَ بِطَانَةَ الْبَيْتِ، فَدَخَلا فَاقْتَلَعَا الْبِطَانَةَ، ثُمَّ أَغْلَقَاهُ، وَجَلَسَ عِنْدَهَا كَالزَّائِرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا الأَسْوَدُ فَاسْتَخَفَّتْهُ غَيْرَةٌ، وَأَخْبَرَتْهُ بِرَضَاعٍ وَقَرَابَةٍ مِنْهَا عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ، فَصَاحَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ وَجَاءَنَا بِالْخَبَرِ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا عَمِلْنَا فِي أَمْرِنَا، وَقَدْ وَاطَأْنَا أَشْيَاعَنَا، وَعَجِلْنَا عَنْ مُرَاسَلَةِ الْهَمْدَانِيِّينَ وَالْحِمْيَرِيِّينَ، فَنَقَبْنَا الْبَيْتَ مِنْ خَارِجٍ، ثُمَّ دَخَلْنَا وَفِيهِ سِرَاجٌ تَحْتَ جُفْنَةٍ، وَاتَّقَيْنَا بِفَيْرُوزَ، وَكَانَ أَنْجَدَنَا وَأَشَدَّنَا- فَقُلْنَا: انْظُرْ مَاذَا تَرَى! فَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَسِ مَعَهُ فِي مَقْصُورَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ بَابِ الْبَيْتِ سَمِعَ غَطِيطًا شَدِيدًا، وَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْبَابِ أَجْلَسَهُ الشَّيْطَانُ فَكَلَّمَهُ عَلَى لِسَانِهِ- وَإِنَّهُ لَيَغُطَّ جَالِسًا وَقَالَ أَيْضًا: مَا لِي وَلَكَ يَا فَيْرُوزُ! فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ فَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَدَقَّ
(3/234)

عُنُقَهُ، وَوَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي ظَهْرِهِ فَدَقَّهُ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهِ وَهِيَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَالَتْ: أَيْنَ تَدَعُنِي! قَالَ: أُخْبِرُ أَصْحَابِي بِمَقْتَلِهِ، فَأَتَانَا فَقُمْنَا مَعَهُ، فَأَرَدْنَا حَزَّ رَأْسِهِ، فَحَرَّكَهُ الشَّيْطَانُ فَاضْطَرَبَ فَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقُلْتُ: اجْلِسُوا عَلَى صَدْرِهِ، فَجَلَسَ اثْنَانِ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِشَعْرِهِ، وَسَمِعْنَا بَرْبَرَةً فَأَلْجَمَتْهُ بِمِئْلاةٍ، وَأَمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلَى حَلْقِهِ فَخَارَ كَأَشَدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ الْبَابَ وَهُمْ حَوْلَ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالُوا:
مَا هَذَا، مَا هَذَا! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ! فَخَمَدَ ثُمَّ سَمُرْنَا لَيْلَتَنَا وَنَحْنُ نَأْتَمِرُ كَيْفَ نُخْبِرُ أَشْيَاعَنَا، لَيْسَ غَيْرُنَا ثَلاثَتُنَا: فَيْرُوزُ وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسٌ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى النِّدَاءِ بِشِعَارِنَا الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَشْيَاعِنَا، ثُمَّ يُنَادَى بِالأَذَانِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى دَاذُوَيْهِ بِالشِّعَارِ، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ، وَتَجَمَّعَ الْحَرَسُ فَأَحَاطُوا بِنَا، ثُمَّ نَادَيْتُ بِالأَذَانِ، وَتَوَافَتْ خُيُولُهُمْ إِلَى الْحَرَسِ، فَنَادَيْتُهُمْ:
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ عَبْهَلَةَ كَذَّابٌ! وَأَلْقَيْنَا إِلَيْهِمْ رَأْسَهُ، فَأَقَامَ وَبَرٌ الصَّلاةَ، وَشَنَّهَا الْقَوْمُ غَارَةً، ونَادَيْنَا: يَا أَهْلَ صَنْعَاءَ، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ.
وَنَادَيْنَا بِمَنْ فِي الطَّرِيقِ: تَعَلَّقُوا بِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ! فَاخْتَطَفُوا صِبْيَانًا كَثِيرِينَ، وَانْتَهَبُوا مَا انْتَهَبُوا، ثُمَّ مَضَوْا خَارِجِينَ، فَلَمَّا بَرَزُوا فَقَدُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ فَارِسًا رُكْبَانًا، وَإِذَا أَهْلُ الدور والطرق وقد وافونا بهم، وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أَنْ يَتْرُكُوا لَنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَتْرُكُ لَهُمْ مَا فِي أَيْدِينَا، فَفَعَلُوا فَخَرَجُوا لَمْ يَظْفَرُوا مِنَّا بِشَيْءٍ، فَتَرَدَّدُوا فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، وَخَلَصَتْ صَنْعَاءُ وَالْجُنْدُ، وَأَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ واهله، وتنافسنا الإمارة، وتراجع اصحاب النبي ص إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَاصْطَلَحْنَا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا، وَكَتَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص بالخبر، وذلك في حياه
(3/235)

النبي ص فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَقَدِمَتْ رُسُلُنَا، وَقَدْ مات النبي ص صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَأَجَابَنَا أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ- عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّنَوِيِّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، [قال: اتى الخبر النبي ص مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْعَنْسِيُّ لِيُبَشِّرَنَا، فَقَالَ: قُتِلَ الْعَنْسِيُّ الْبَارِحَةَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكينَ، قِيلَ: وَمَنْ هو؟ قَالَ:
فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ!] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف- عن الْمُسْتَنِيرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ فَيْرُوزَ، قَالَ: قَتَلْنَا الأَسْوَدَ، وَعَادَ أَمْرُنَا كَمَا كَانَ، إِلا أَنَّا أَرْسَلْنَا إِلَى مُعَاذٍ، فَتَرَاضَيْنَا عَلَيْهِ، فكان يصلى بنا في صنعاء، فو الله ما صلى بنا الا ثلاثا ونحن راجون مَؤْمُلُونَ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ إِلا مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الْخُيُولِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَنَا وَبَيَنْ نَجْرَانَ، حَتَّى أَتَانَا الْخَبَرُ بِوَفَاةِ رَسُولِ الله ص، فَانْتُقِضَتِ الأُمُورُ، وَأَنْكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّا كُنَّا نَعْرِفُ، وَاضْطَرَبَتِ الأَرْضُ حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ يَحْيَى بْنِ أَبِي عمرو السيبانى، مِنْ جُنْدِ فِلَسْطِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ص بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولا، يُقَالُ لَهُ: وَبْرُ بْنُ يَحْنُسَ الأَزْدِيُّ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى دَاذُوَيْهِ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ الأَسْوَدُ كَاهِنًا مَعَهُ شَيْطَانٌ وَتَابِعٌ لَهُ، فَخَرَجَ فَنَزَلَ عَلَى مَلَكِ الْيَمَنِ، فَقَتَلَ مَلِكَهَا وَنَكَحَ امْرَأَتَهُ وَمَلَكَ الْيَمَنَ، وَكَانَ بَاذَامُ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَلَفَ ابْنَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَتَلَهُ وَتَزَوَّجَهَا، فَاجْتَمَعْتُ أَنَا وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوحِ الْمُرَادِيِّ عِنْدَ وَبَرِ بْنِ يُحَنِّسَ رَسُولِ نَبِيِّ الله ص
(3/236)

نَأْتَمِرُ بِقَتْلِ الأَسْوَدِ ثُمَّ إِنَّ الأَسْوَدَ أَمَرَ النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا فِي رُحْبَةٍ مِنْ صَنْعَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَامَ فِي وَسْطِهِمْ، وَمَعَهُ حَرْبَةُ الْمَلِكِ، ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِ الْمَلِكِ فَأَوْجَرَهُ الْحَرْبَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَ فَجَعَلَ يَجْرِي فِي الْمَدِينَةِ وَدِمَاؤُهُ تَسِيلُ حَتَّى مَاتَ وَقَامَ وَسَطَ الرُّحْبَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجُزُرٍ مِنْ وَرَاءِ الْخَطِّ فَأَقَامَهَا، وَأَعْنَاقُهَا وَرُءُوسُهَا فِي الْخَطِّ مَا يَجُزْنَهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُنَّ بِحَرْبَتِهِ فَنَحَرَهُنَّ فَتَصَدَّعْنَ عَنْهُ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَرْبَتَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ- يَعْنِي شَيْطَانَهُ الَّذِي مَعَهُ: إِنَّ ابْنَ الْمَكْشُوحِ مِنَ الطُّغَاةِ، يَا أَسْوَدُ اقْطَعْ قُنَّةَ راسه العليا ثم أكب رَأْسَهُ أَيْضًا يَنْظُرُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ مِنَ الطُّغَاةِ، يَا أَسْوَدُ اقْطَعْ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى، فلما سمعت قوله قلت: والله ما آمن أَنْ يَدْعُوَ بِي، فَيْنَحَرَنِي بِحَرْبَتِهِ كَمَا نَحَرَ هَذِهِ الْجُزُرَ، فَجَعَلْتُ أَسْتَتِرُ بِالنَّاسِ لِئَلا يَرَانِي، حَتَّى خَرَجْتُ وَلا أَدْرِي مِنْ حِذْرِي كَيْفَ آخُذُ! فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ مَنْزِلِي لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَدَقَّ فِي رَقَبَتِي، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ يَدْعُوكَ وَأَنْتَ تَرُوغُ! ارْجِعْ، فَردَّنِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَنِي قَالَ: وَكُنَّا لا يَكَادُ يُفَارِقُ رَجُلا مِنَّا أَبَدًا خِنْجَرَهُ، فَأَدُسُّ يَدِي فِي خُفِّي، فَأَخَذْتُ خِنْجَرِي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَأَطْعَنَهُ بِهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، ثُمَّ أَقْتُلَ مَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ رَأَى فِي وَجْهِي الشَّرَّ، فَقَالَ: مَكَانَكَ! فَوَقَفْتُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَكْبَرُ مَنْ هَاهُنَا وَأَعْلَمُهُمْ بِأَشْرَافِ أَهْلِهَا، فَاقْسِمْ هَذِهِ الْجُزُرَ بَيْنَهُمْ وَرَكِبَ فَانْطَلَقَ وَعَلَّقْتُ أُقْسِمُ اللَّحْمَ بَيْنَ أَهْلِ صَنْعَاءَ، فَأَتَانِي ذَلِكَ الَّذِي دَقَّ فِي رَقَبَتِي، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْهَا، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ وَلا بَضْعَةً وَاحِدَةً، أَلَسْتَ الَّذِي دَقَقْتَ فِي رَقَبَتِي! فَانْطَلَقَ غَضْبَانَ حَتَّى أَتَى الأَسْوَدَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ مِنِّي وَقُلْتُ لَهُ فَلَمَّا فَرَغْتُ أَتَيْتُ الأَسْوَدَ أَمْشِي إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَشْكُونِي إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الأَسْوَدُ: أَمَا وَاللَّهِ لأَذْبَحَنَّهُ ذَبْحًا! فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ فَرَغْتُ
(3/237)

مِمَّا أَمَرْتَنِي بِهِ، وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَانْصَرِفْ فَانْصَرَفْتُ، فَبَعَثْنَا إِلَى امْرَأَةِ الْمَلِكِ: أَنَّا نُرِيدُ قَتْلَ الأَسْوَدِ، فَكَيْفَ لَنَا! فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ: أَنْ هَلُمَّ فَأَتَيْتُهَا، وَجَعَلَتِ الْجَارِيَةَ عَلَى الْبَابِ لَتُؤْذِنَنَا إِذَا جَاءَ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَهِيَ الْبَيْتَ الآخِرَ، فَحَفَرْنَا حَتَّى نَقَبْنَا نَقْبًا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْبَيْتِ، فَأَرْسَلْنَا السِّتْرَ، فَقُلْتُ: إِنَّا نَقْتُلُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَتْ: فَتَعَالَوْا، فَمَا شَعَرْتُ بِشَيْءٍ حَتَّى إِذَا الأَسْوَدُ قَدْ دَخَلَ الْبَيْتَ، وَإِذَا هُوَ مَعَنَا، فَأَخَذَتْهُ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَدُقُّ فِي رَقَبَتِي، وَكَفْكَفْتُهُ عَنِّي، وَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي بِالَّذِي صَنَعْتُ، وَأَيْقَنْتُ بِانْقِطَاعِ الْحِيلَةِ عَنَّا فِيهِ، إِذْ جَاءَنَا رَسُولُ الْمَرْأَةِ، أَلا يَكْسِرِنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، فَإِنِّي قَدْ قُلْتُ له بعد ما خَرَجْتَ: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَقْوَامُ أَحْرَارٍ لَكُمْ أَحْسَابٌ! قَالَ: بَلَى، فَقُلْتُ: جَاءَنِي أَخِي يُسَلِّمُ عَلَيَّ وَيُكْرِمُنِي، فَوَقَعْتَ عَلَيْهِ تَدُقُّ فِي رَقَبَتِهِ، حتى اخرجته، فكانت هذه كرامتك اياه! فم أَزَلْ أَلُومُهُ حَتَّى لامَ نَفْسَهُ، وَقَالَ: أَهُوَ أَخُوكِ؟ فَقُلْتُ:
نَعَمْ، فَقَالَ: مَا شَعُرْتُ، فَأَقْبِلُوا اللَّيْلَةَ لِمَا أَرَدْتُمْ.
قَالَ الدَّيْلَمِيُّ: فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُنَا، وَاجْتَمَعَ لَنَا أَمْرَنَا، فَأَقْبَلْنَا مِنَ اللَّيْلِ أَنَا وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسٌ حَتَّى نَدْخُلَ الْبَيْتَ الأَقْصَى مِنَ النَّقَبِ الَّذِي نَقَبْنَا، فَقُلْتُ:
يَا قَيْسُ، أَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ، ادْخُلْ فَاقْتُلِ الرَّجُلَ، قَالَ: إِنِّي تَأْخُذُنِي رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ عِنْدَ الْبَأْسِ، فَأَخَافُ أَنْ أَضْرِبَ الرَّجُلَ ضَرْبَةً لا تُغْنِي شَيْئًا، وَلَكِنِ ادْخُلْ أَنْتَ يَا فَيْرُوزُ، فَإِنَّكَ أَشَبُّنَا وَأَقْوَانَا، قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي عِنْدَ الْقَوْمِ، وَدَخَلْتُ لأَنْظُرَ أَيْنَ رَأْسُ الرَّجُلِ! فَإِذَا السِّرَاجُ يُزْهِرُ، وَإِذَا هُوَ رَاقِدٌ عَلَى فُرُشٍ قَدْ غَابَ فِيهَا لا أَدْرِي أَيْنَ رَأْسُهُ مِنْ رِجْلَيْهِ! وَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ عِنْدَهُ كَانَتْ تُطْعِمُهُ رُمَّانًا حَتَّى رَقَدَ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهَا: أَيْنَ رَأْسُهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ لأَنْظُرَ، فَمَا أَدْرِي أَنَظَرْتُ فِي وَجْهِهِ أَمْ لا! فَإِذَا هُوَ قَدْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: إِنْ رَجَعْتُ إِلَى سَيْفِي خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي وَيَأْخُذَ عُدَّةً يَمْتَنِعُ بِهَا مِنِّي، وَإِذَا شَيْطَانُهُ قَدْ أَنْذَرَهُ بِمَكَانِي وَقَدْ
(3/238)

أَيْقَظَهُ، فَلَمَّا أَبْطَأَ كَلَّمَنِي عَلَى لِسَانِهِ، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ وَيَغُطُّ، فَأَضْرِبُ بِيَدِي إِلَى رَأْسِهِ، فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ بِيَدٍ وَلِحْيَتَهُ بِيَدٍ، ثُمَّ أَلْوِي عُنُقَهُ فَدَقَقْتُهَا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِي، فَقَالَتْ: أُخْتُكُمْ نَصِيحَتُكُمْ! قُلْتُ:
قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتُهُ وَأَرَحْتُكِ مِنْهُ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى صَاحِبَيَّ فأخبرتهما، قالا:
فارجع فاحتز راسه وائتنا بِهِ، فَدَخَلْتُ فَبَرْبَرَ فَأَلْجَمْتُهُ فَحَزَزْتُ رَأْسَهُ، فَأَتَيْتُهُمَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا مَنْزِلَنَا، وَعِنْدَنَا وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ الأَزْدِيُّ، فَقَامَ مَعَنَا حَتَّى ارْتَقَيْنَا عَلَى حِصْنٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ تِلْكَ الْحُصُونِ، فَأَذَّنَ وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ قُلْنَا: أَلا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَتَلَ الأَسْوَدَ الْكَذَّابَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْنَا فَرَمَيْنَا بِرَأْسِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَسْرَجُوا خُيُولَهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَأْخُذُ غُلامًا مِنْ أَبْنَائِنَا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ نَازِلا فِيهِمْ، فَأَبْصَرْتُهُمْ فِي الْغَلَسِ مُرْدِفِي الْغِلْمَانِ، فَنَادَيْتُ أَخِي وَهُوَ أَسْفَلَ مِنِّي مَعَ النَّاسِ: أَنْ تَعَلَّقُوا بِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْهُمْ، أَلا تَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِالأَبْنَاءِ! فَتَعَلَّقُوا بِهِمْ، فَحَبَسْنَا مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلا، وَذَهَبُوا مِنَّا بِثَلاثِينَ غُلامًا، فَلَمَّا بَرَزُوا إِذَا هُمْ يَفْقِدُونَ سَبْعِينَ رَجُلا حِينَ تَفَقَّدُوا أَصْحَابَهُمْ، فَأَتَوْنَا فَقَالُوا:
أَرْسِلُوا إِلَيْنَا أَصْحَابَنَا، فَقُلْنَا لَهُمْ: أَرْسِلُوا إِلَيْنَا أَبْنَاءَنَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْنَا الأَبْنَاءَ، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ أَصْحَابَهُمْ.
قَالَ: [وقال رسول الله ص لأَصْحَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ الأَسْوَدَ الْكَذَّابَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وَقَوْمٌ أَسْلَمُوا وَصَدَّقُوا،] فَكُنَّا كَأَنَّا عَلَى الأَمْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ قُدُومِ الأَسْوَدِ عَلَيْنَا وَأَمِنَ الأُمَرَاءُ وَتَرَاجَعُوا، وَاعْتَذَرَ النَّاسُ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ
(3/239)

وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف- وحدثنا عبيد الله قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف- عن جابر بْن يزيد، عن عروه ابن غزية، عن الضحاك بْن فيروز، قَالَ: كان ما بين خروجه بكهف خبان ومقتله نحوا من أربعة أشهر، وقد كان قبل ذَلِكَ مستسرا بأمره.
حَتَّى بادى بعد.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن أبي معشر ويزيد بْن عياض بْن جعد به وغسان بْن عبد الحميد وجويرية بْن أسماء، عن مشيختهم، قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بْن زيد فِي آخر ربيع الأول، وأتى مقتل العنسي فِي آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، وَكَانَ ذَلِكَ أول فتح اتى أبا بكر وهو بالمدينة
. [حوادث متفرقة]
وقال الْوَاقِدِيّ: فِي هذه السنة- أعني سنة إحدى عشرة- قدم وفد النخع فِي النصف من المحرم على رسول الله ص، رأسهم زرارة بْن عمرو، وهم آخر من قدم من الوفود.
وفيها: ماتت فاطمة ابنة رسول الله ص فِي ليلة الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر رمضان، وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها.
وذكر أن أبا بكر بْن عبد الله، حَدَّثَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبان بْن صالح بذلك وزعم أن ابن جريج حدثه عن عمرو بْن دينار، عن أبي جعفر، قَالَ: توفيت فاطمة ع بعد النبي ص بثلاثة أشهر.
قَالَ: وحدثنا ابن جريج، عن الزهري، عن عُرْوَة، قَالَ: توفيت فاطمة بعد النبي ص بستة أشهر.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وهو أثبت عندنا.
قال: وغسلها على ع وأسماء بنت عميس
(3/240)

قَالَ: وحدثني عبد الرحمن بْن عبد العزيز بْن عبد الله بْن عثمان بْن حنيف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عمرو بْن حزم، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت: صلى عليها العباس بْن عبد المطلب.
وحدثنا أبو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا علي، عن أبي معشر، قَالَ: دخل قبرها العباس وعلي والفضل بْن العباس.
قَالَ: وفيها توفي عبد الله بْن أبي بكر بْن أبي قحافة، وَكَانَ أصابه بالطائف سهم مَعَ النَّبِيّ ص، رماه ابو محجن، ودمل الجرح حَتَّى انتقض به فِي شوال، فمات.
وحدثني أبو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا علي، قال: حدثنا ابو معشر ومحمد ابن إِسْحَاقَ وجويرية بْن أسماء بإسناده الَّذِي ذكرت قبل، قالوا: فِي العام الَّذِي بويع فيه أبو بكر ملك أهل فارس عليهم يزدجرد.
قَالَ أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر رحمه الله خارجة بْن حصن الفزاري حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد بإسناده الَّذِي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رَسُول اللَّهِ ص وتوجيهه أسامة فِي جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بْن حارثة من أرض الشام، وهو الموضع الذى كان رسول الله ص امره بالمسير إليه، لم يحدث شَيْئًا، وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة، ويمنعون الزكاة.
فلم يقبل ذَلِكَ منهم وردهم، وأقام حَتَّى قدم أسامة بْن زيد بْن حارثة بعد أربعين يوما من شخوصه- ويقال: بعد سبعين يوما- فلما قدم أسامة بْن زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص- ويقال استخلف سنانا الضمري على الْمَدِينَةِ- فسار ونزل بذي القصة فِي جمادى الأولى، ويقال فِي جمادى الآخرة، وَكَانَ نوفل بْن معاويه الديلى بعثه رسول الله ص،
(3/241)

فلقيه خارجة بْن حصن بالشربة، فأخذ ما فِي يديه، فرده على بني فزارة، فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر فأول حرب كانت في الرده بعد وفاه النبي ص حرب العنسي، وقد كانت حرب العنسي باليمن، ثُمَّ حرب خارجة بْن حصن ومنظور بْن زبان بْن سيار فِي غطفان، والمسلمون غارون، فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بِهَا، ثُمَّ هزم الله المشركين.
وحدثني عبيد الله، قَالَ: حدثنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف- عن المجالد ابن سعيد، قَالَ: لما فصل أسامة كفرت الأرض وتضرمت، وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصه الا قريشا وثقيفا.
وحدثني عبيد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا عمي، قَالَ: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سَيْفٍ- عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا مات رَسُول اللَّهِ ص، وفصل أسامة ارتدت العرب عوام أو خواص، وتوحى مسيلمة وطليحة، فاستغلظ أمرهما، واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفناء فبايعوه، وقدمت هَوَازِن رجلا وأخرت رجلا أمسكوا الصدقه الا ما كان من ثقيف ولفها، فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز، وارتدت خواص من بني سليم، وكذلك سائر الناس بكل مكان.
قَالَ: وقدمت رسل النَّبِيّ ص من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود من كان كاتبه النبي ص، وامر امره في الأسود ومسيلمه وطليحة بالأخبار والكتب، فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر، واخبروه
(3/242)

الخبر، فَقَالَ لهم أبو بكر: لا تبرحوا حَتَّى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر، وانتقاض الأمور فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي ص من كل مكان بانتقاض عامة أو خاصة، وتبسُّطهم بأنواع الميل على الْمُسْلِمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله ص حاربهم بالرسل فرد رسلهم بأمره، وأتبع الرسل رسلا، وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة، وَكَانَ أول من صادم عبس وذبيان، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة.
حدثني عبيد الله، قَالَ: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف- عن أبي عمرو، عن زيد بْن أسلم، قَالَ: مات رسول الله ص وعماله على قضاعة، وعلى كلب امرؤ القيس بْن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله، وعلى القين عمرو بْن الحكم، وعلى سعد هذيم معاوية بْن فلان الوائلي.
وقال السري الوالبي: فارتد وديعة الكلبي فيمن آزره من كلب، وبقي امرؤ القيس على دينه، وارتد زميل بْن قطبة القيني فيمن آزره من بني القين وبقي عمرو، وارتد معاوية فيمن آزره من سعد هذيم.
فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بْن فلان- وهو جد سكينة ابنة حسين- فسار لوديعة، وإلى عمرو فأقام لزميل، وإلى معاوية العذري فلما توسط أسامة بلاد قضاعة، بث الخيول فيهم وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الإسلام إلى من رجع عنه، فخرجوا هُرَّابا، حَتَّى أرزوا إلى دومة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيول اسامه اليه، فمضى فيها أسامة.
حَتَّى أغار على الحمقتين، فأصاب فِي بني الضبيب من جذام، وفي بني خيليل من لخم ولفها من القبيلين، وحازهم من آبل وانكفأ سالما غانما فحدثني السري، قال: حدثنا شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عن القاسم بن محمد، قال: مات رسول الله ص، واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة، إلا ما كان من خواص أقوام فِي القبائل الثلاث، فاجتمعت أسد بسميراء، وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة، وطيئ على حدود أرضهم واجتمعت ثعلبة بْن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالأبرق من الربذة، وتأشب، إِلَيْهِم ناس من بني كنانة، فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين، فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القصة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القصة من بني أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج وَكَانَ على مرة بالأبرق عوف بْن فلان بْن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث ابن فلان، أحد بني سبيع، وقد بعثوا وفودا فقدموا الْمَدِينَة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عباسا فتحملوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق، وقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه- وكانت عقل الصدقة على أهل الصدقة مَعَ الصدقة- فردهم فرجع وفد من يلي الْمَدِينَة من المرتدة إِلَيْهِم، فأخبروا
(3/243)

عشائرهم بقله من اهل المدينة، وأطعموهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على انقاب المدينة نفرا: عليا والزبير وطلحة وعبد الله بْن مسعود، وأخذ أهل الْمَدِينَة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا! وأدناهم منكم على بريد.
وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إِلَيْهِم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حَتَّى طرقوا الْمَدِينَة غارة مَعَ الليل، وخلفوا بعضهم بذي حسى، ليكونوا لهم ردءا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب، وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إِلَيْهِم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا وخرج فِي أهل المسجد على النواضح إِلَيْهِم، فانفش العدو، فاتبعهم المسلمون على إبلهم، حَتَّى بلغوا ذا حسى، فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها، جعلوا فيها الحبال، ثُمَّ دهدهوها بأرجلهم فِي وجوه الإِبِل، فتدهده كل نحي فِي طوله، فنفرت إبل الْمُسْلِمين وهم عليها- ولا تنفر الإِبِل من شيء نفارها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها، حَتَّى دخلت بهم الْمَدِينَة، فلم يصرع مسلم ولم يصب، فَقَالَ: فِي ذَلِكَ الخطيل بن أوس أخو الحطيئه ابن أوس:
فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي ... عشية يحذى بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدي بالرجال فهبنه ... الى قدر ما ان يزيد ولا يحرى
وللَّه أجناد تذاق مذاقه ... لتحسب فيما عد من عجب الدهر!
(3/245)

وأنشده الزهري: من حسب الدهر.
وقال عبد الله الليثي، وكانت بنو عبد مناة من المرتدة- وهم بنو ذبيان- فِي ذَلِكَ الأمر بذى القصة وبذى حمى:
أطعنا رَسُول اللَّهِ ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر!
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه ... وهلا خشيتم حس راغية البكر!
وإن التي سألوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى إلي من التمر
فظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادا فِي الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله عز وجل الَّذِي أراده، وأحب أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تعبئة من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النعمان بْن مقرن، وعلى ميسرته عبد الله بْن مقرن، وعلى الساقة سويد بْن مقرن معه الركاب، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو فِي صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين همسا ولا حسا حَتَّى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس حَتَّى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال واتبعهم أبو بكر، حَتَّى نزل بذي القصة- وَكَانَ أول الفتح- ووضع بِهَا النعمان ابن مقرن فِي عدد، ورجع إلى الْمَدِينَة فذل بِهَا المشركون، فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم مِنَ الْمُسْلِمين، فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلف أبو بكر ليقتلن فِي المشركين كل قتلة، وليقتلن فِي كل قبيلة بمن قتلوا مِنَ الْمُسْلِمين وزيادة، وفي ذَلِكَ يقول زياد بْن حنظلة التميمي:
(3/246)

غداة سعى أبو بكر إِلَيْهِم ... كما يسعى لموتته جلال
أراح على نواهقها عليا ... ومج لهن مهجته حبال
وقال أيضا:
أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا ... ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عِنْد قيامها ... صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
طرقنا بني عبس بأدنى نباجها ... وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر
ثُمَّ لم يصنع إلا ذَلِكَ، حَتَّى ازداد المسلمون لَهَا ثباتا على دينهم فِي كل قبيلة، وازداد لَهَا المشركون انعكاسا من أمرهم فِي كل قبيلة، وطرقت الْمَدِينَة صدقات نفر: صفوان، الزبرقان، عدي، صفوان، ثُمَّ الزبرقان، ثُمَّ عدي، صفوان فِي أول الليل، والثاني فِي وسطه، والثالث فِي آخره وَكَانَ الَّذِي بشر بصفوان سعد بْن أبي وقاص، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بْن عوف، والذي بشر بعدي عبد الله بْن مسعود وقال غيره: أبو قتادة.
قَالَ: وقال الناس لكلهم حين طلع: نذير، وقال أبو بكر: هذا بشير، هذا حام وليس بوان، فإذا نادى بالخير، قالوا: طالما بشرت بالخير! وذلك لتمام ستين يوما من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذَلِكَ بأيام لشهرين وأيام، فاستخلفه أبو بكر على الْمَدِينَة، وقال لَهُ ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم.
ثُمَّ خرج فِي الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذَلِكَ الظهر، فَقَالَ لَهُ المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رَسُول اللَّهِ أن تعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا، فإن أصيب أمرت آخر، فَقَالَ: لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي، فخرج فِي تعبيته إلى ذي حسى وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه، حَتَّى نزل على أهل الربذة بالأبرق، فاقتتلوا، فهزم
(3/247)

الله الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما، وقد غلب بني ذبيان على البلاد وقال:
حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله! وأجلاها.
فلما غلب أهل الردة، ودخلوا فِي الباب الَّذِي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة، وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فاتوه في المدينة، فقالوا: علا م نمنع من نزول بلادنا! فَقَالَ: كذبتم، ليست لكم ببلاد، ولكنها موهبي ونقذى، ولم يعتبهم، وحمى الأبرق لخيول الْمُسْلِمين، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بني ثعلبة، ثُمَّ حماها كلها لصدقات الْمُسْلِمين، لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات، فمنع بذلك بعضهم من بعض.
ولما فضت عبس وذبيان أرزوا إلى طليحة وقد نزل طليحة على بزاخة، وارتحل عن سميراء إليها، فأقام عليها، وقال فِي يوم الأبرق زياد بْن حنظلة:
ويوم بالأبارق قد شهدنا ... على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف ... مَعَ الصديق إذ ترك العتابا
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْجَذِعِ وَحَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ يَلْقَى بَنِي عَبْسٍ وَذُبْيَانَ وجماعه من بنى عبد مناه ابن كِنَانَةَ، فَلَقِيَهُمْ بِالأَبْرَقِ، فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَفَلَّهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا جَمَّ جُنْدُ أُسَامَةَ، وَثَابَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ إِلَى ذِي الْقُصَّةِ فَنَزَلَ بِهِمْ- وَهُوَ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ تِلْقَاءَ نَجْدٍ- فَقَطَعَ فِيهَا الْجُنْدَ، وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ، عَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً عَلَى أَحَدَ عَشَرَ جُنْدًا، وَأَمَرَ أَمِيرَ كُلَّ
(3/248)

جُنْدٍ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْقُوَّةِ لِمَنْعِ بِلادِهِمْ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ ظَهْرَهُمْ وَجَمُّوا، وَقَدْ جَاءَتْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تَفْضُلُ عَنْهُمْ، قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً: عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ بِالْبِطَاحِ ان اقام له، ولعكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، وَلِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ وَمَعُونَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوحِ وَمَنْ أَعَانَهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى كِنْدَةَ بِحَضْرَمَوْتَ، وَلِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ- وَكَانَ قَدِمَ عَلَى تَفْيِئَةِ ذَلِكَ مِنَ الْيَمَنِ وَتَرَكَ عَمَلَهُ- وَبَعَثَهُ إِلَى الْحَمِقَتَيْنِ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى جِمَاعِ قُضَاعَةَ وَوَدِيعَةَ وَالْحَارِثِ، وَلِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا وَلِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمُهْرَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عَمَلِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَبَعَثَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِ عكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ: إِذَا فَرَغَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَالْحَقْ بِقُضَاعَةَ، وَأَنْتَ عَلَى خَيْلِكَ تُقَاتِلُ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَلِطَرِيفَةَ بْنِ حَاجِزٍ وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ، وَلِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةَ الْيَمَنِ، وَلِلْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَمَرَهُ بالبحرين

كتاب ابى بكر الى القبائل المرتدة ووصيته للامراء
فَفَصَلَتِ الأُمَرَاءُ مِنْ ذِي الْقُصَّةِ، وَنَزَلُوا عَلَى قَصْدِهِمْ، فَلَحِقَ بِكُلِّ أَمِيرٍ جُنْدُهُ، وَقَدْ عَهِدَ اليهم عهده، وكتب الى من بعث اليه مِنْ جَمِيعِ الْمُرْتَدَّةِ
(3/249)

حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَشَارَكَهُ فِي الْعَهْدِ وَالْكِتَابِ قَحْذَمٌ، فَكَانَتْ الْكُتُبُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُرْتَدَّةِ كِتَابًا وَاحِدًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنْ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلالَةِ وَالْعَمَى، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَنُكَفِّرُ مَنْ أَبَى وَنُجَاهِدُهُ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى خَلْقِهِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ فَهَدَى اللَّهُ بِالْحَقِّ مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ.
وضرب رسول الله ص بِإِذْنِهِ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى الإِسْلامِ طَوْعًا وَكَرْهًا ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ رَسُولَهُ الله ص وَقَدْ نَفَّذَ لأَمْرِ اللَّهِ، وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ، وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ وَلأَهْلِ الإِسْلامِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ، فقال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» وَقَالَ: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ، فَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ، حَيٌّ قَيُّومٌ لا يَمُوتُ، وَلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، حَافِظٌ لأَمْرِهِ، مُنْتَقِمٌ مِنْ عَدُوِّهِ، يَجْزِيهِ وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَظِّكُمْ وَنَصِيبِكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ ص، وَأَنْ تَهْتَدُوا بِهُدَاهُ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِدِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ ضَالٌّ، وكل
(3/250)

مَنْ لَمْ يُعَافِهِ مُبْتَلًى، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ مَخْذُولٌ، فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ كَانَ مُهْتَدِيًا، وَمَنْ أَضَلَّهُ كَانَ ضَالا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً» ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا عَمَلٌ حَتَّى يقربه، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ فِي الآخِرَةِ صَرَفٌ وَلا عَدْلٌ.
وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِالإِسْلامِ وَعَمِلَ بِهِ، اغْتِرَارًا بِاللَّهِ، وَجَهَالَةً بِأَمْرِهِ، وَإِجَابَةً لِلشَّيْطَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» وَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» ، وَإِنِّي بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلانًا فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَرْتُه أَلا يُقَاتِلَ أَحَدًا وَلا يَقْتُلَهَ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى دَاعِيَةِ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَأَقَرَّ وَكَفَّ وَعَمِلَ صَالِحًا قَبِلَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى أَمَرْتُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَدِرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، وَيَقْتُلَهُمْ كُلَّ قتلة، وَأَنْ يَسْبِيَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَلا يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ إِلا الإِسْلامَ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَقْرَأَ كِتَابِي فِي كُلِّ مَجْمَعٍ لَكُمْ، وَالدَّاعِيَةُ الأَذَانُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُسْلِمُونَ فَأَذَّنُوا كُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا عَاجَلُوهُمْ، وَإِنْ أَذَّنُوا اسْأَلُوهُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أَقَرُّوا قُبِلَ مِنْهُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ.
فَنَفَذَتِ الرُّسُلُ بِالْكُتُبِ أَمَامَ الْجُنُودِ، وَخَرَجَتِ الأُمَرَاءُ وَمَعَهُمُ الْعُهُودُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا عَهْدٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ الله ص لِفُلانٍ حِينَ بَعَثَهُ فِيمَنْ بَعَثَهُ لِقِتَالِ مَنْ رَجَعَ عَنِ الإِسْلامِ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ،
(3/251)

وَمُجَاهَدَةِ مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ، وَرَجَعَ عَنِ الإِسْلامِ إِلَى أَمَانِيِّ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ يَعْذِرَ إِلَيْهِمْ فَيَدْعُوهُمْ بِدَاعَيَةِ الإِسْلامِ، فَإِنْ أَجَابُوهُ أَمْسَكَ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوهُ شَنَّ غَارَتَهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يُقِرُّوا لَهُ، ثُمَّ يُنْبِئهُمْ بِالَّذِي عَلَيْهِمْ وَالَّذِي لَهُمْ، فَيَأْخُذ مَا عَلَيْهِمْ، وَيُعْطيهمُ الَّذِي لَهُمْ، لا يُنْظِرْهُمْ، وَلا يَرُدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، فَمَنْ أَجَابَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَقَرَّ لَهُ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا يُقَاتِلُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ عَلَى الإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِذَا أَجَابَ الدَّعْوَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَكَانَ اللَّهُ حَسِيبَهُ بَعْدُ فِيمَا اسْتَسَرَّ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ دَاعِيَةَ اللَّهِ قُتِلَ وَقُوتِلَ حَيْثُ كَانَ، وَحَيْثُ بَلَغَ مُرَاغَمَةً، لا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا أَعْطَاهُ إِلا الإِسْلامَ، فَمَنْ أَجَابَهُ وَأَقَرَّ قُبِلَ مِنْهُ وَعَلِمَهُ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلَهُ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَتَلَ مِنْهُمْ كُلَّ قِتْلَةٍ بِالسِّلاحِ وَالنِّيرَانِ، ثُمَّ قَسَّمَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِلا الْخُمُسَ فَإِنَّهُ يُبَلِّغَنَاهُ، وَأَنْ يَمْنَعَ أَصْحَابَهُ الْعَجَلَةَ وَالْفَسَادَ، وَأَلا يَدْخُلَ فِيهِمْ حَشْوًا حَتَّى يَعْرِفَهُمْ وَيَعْلَمَ مَا هُمْ، لا يكونوا عيونا، ولئلا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَأَنْ يَقْتَصِدَ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَرْفِقَ بِهِمْ فِي السَّيْرِ وَالْمَنْزِلِ وَيَتَفَقَّدَهُمْ، وَلا يَعْجَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَسْتَوْصِيَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَلِينِ الْقَوْلِ
(3/252)

ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة
حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدثنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَبَدْرِ بْنِ الْخَلِيلِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالُوا: لَمَّا أَرَزَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ وَلَفَّهَا إِلَى الْبُزَاخَةِ، أَرْسَلَ طُلَيْحَةُ إِلَى جَدِيلَةَ وَالْغَوْثِ أَنْ يَنْضَمُّوا إِلَيْهِ، فتعجل إِلَيْهِ، فَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْحَيَّيْنِ، وَأَمَرُوا قَوْمَهُمْ بِاللِّحَاقِ بِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى طُلَيْحَةَ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عَدِيًّا قَبْلَ تَوْجِيهِ خَالِدٍ مِنْ ذِي الْقُصَّةِ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: أَدْرِكْهُمْ لا يؤكلوا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي أَثَرِهِ، وَأَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يبدأ بطيىء عَلَى الأَكْنَافِ، ثُمَّ يَكُونَ وَجْهَهُ إِلَى الْبُزَاخَةِ، ثُمَّ يُثَلِّثُ بِالْبِطَاحِ، وَلا يُرِيمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَوْمٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرَهُ بِذَلِكَ وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ وَمُنْصَبٌّ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى يُلاقِيَهُ بِالأَكْنَافِ، أَكْنَافِ سَلْمَى، فَخَرَجَ خَالِدٌ فَازَّوَارَ عَنِ الْبُزَاخَةِ، وَجَنَحَ إِلَى أَجَأَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِمْ، فَقَعَّدَ ذَلِكَ طَيِّئًا وَبَطَّأَهُمْ عَنْ طُلَيْحَةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عَدِيٌّ، فَدَعَاهُمْ فَقَالُوا: لا نُبَايِعُ أَبَا الْفَصِيلِ أَبَدًا، فَقَالَ: لَقَدْ أَتَاكُمْ قَوْمٌ لَيُبِيحُنَّ حَرِيمَكُمْ، وَلَتَكُنّنَّهُ بِالْفَحْلِ الأَكْبَرِ، فَشَأْنُكُمْ بِهِ فَقَالُوا لَهُ: فَاسْتَقْبِلِ الْجَيْشَ فَنَهْنِهْهُ عَنَّا حَتَّى نَسْتَخْرِجَ مَنْ لَحِقَ بِالْبُزَاخَةِ مِنَّا، فَإِنَّا إِنْ خَالَفْنَا طُلَيْحَةَ وَهُمْ فِي يَدَيْهِ قَتَلَهُمْ أَوِ ارْتَهَنَهُمْ فَاسْتَقْبَلَ عَدِيٌّ خَالِدًا وَهُوَ بِالسُّنْحِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ، أَمْسِكْ عَنِّي ثَلاثًا يجتمع لك خمسمائة مُقَاتِلٍ تَضْرِبُ بِهِمْ عَدُوَّكَ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُعْجِلَهُمْ إِلَى النَّارِ، وَتُشَاغِلَ بِهِمْ، فَفَعَلَ فعاد عدى اليهم وقد أرسلوا إخوانهم، فَأَتَوْهُمْ مِنْ بُزَاخَةَ كَالْمَدَدِ لَهُمْ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُتْرَكُوا، فَعَادَ عَدِيٌّ بِإِسْلامِهِمْ إِلَى خَالِدٍ، وَارْتَحَلَ خَالِدٌ نَحْوَ الأَنْسَرِ يُرِيدُ جَدِيلَةَ، فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: إِنَّ طَيِّئًا كَالطَّائِرِ، وَإِنَّ جَدِيلَةَ
(3/253)

أَحَدُ جَنَاحَيْ طَيِّئٍ، فَأَجِّلْنِي أَيَّامًا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْتَقِذَ جَدِيلَةَ كَمَا انْتَقَذَ الْغَوْثَ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُمْ عَدِيٌّ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى بَايَعُوهُ، فَجَاءَهُ بِإِسْلامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَلْفُ رَاكِبٍ، فَكَانَ خَيْرَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي أَرْضِ طَيِّئٍ وَأَعْظَمَهُ عَلَيْهِمْ بَرَكَةً.
وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ أُسَامَةُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ، جَدَّ فِي حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَخَرَجَ بِالنَّاسِ وَهُوَ فِيهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِذِي الْقُصَّةِ، مَنْزِلا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ نَحْوِ نَجْدٍ، فَعَبَّى هُنَالِكَ جُنُودَهُ، ثُمَّ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى النَّاسِ، وَجَعَلَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ إِلَى خَالِدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْمُدَ لِطُلَيْحَةَ وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَهُمَا عَلَى بُزَاخَةَ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أَسَدٍ، وَأَظْهِرْ أَنِّي أُلاقِيَكَ بِمَنْ مَعِي مِنْ نَحْوِ خَيْبَرَ، مَكِيدَةً، وَقَدْ أَوْعَبَ مَعَ خَالِدٍ النَّاس، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ عَدُوَّهُ فَيُرْعِبَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ بَعَثَ عُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ- أَحَدَ بَنِي الْعَجْلانِ حَلِيفًا لِلأَنْصَارِ- طَلِيعَةً، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ خَرَجَ طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ يَنْظُرَانِ وَيَسْأَلانِ: فَأَمَّا سَلَمَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ ثَابِتًا أَنْ قَتَلَهُ، وَنَادَى طُلَيْحَةُ أَخَاهُ حِينَ رَأَى أَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَاحِبِهِ أَنْ أَعِنِّي عَلَى الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ آكِلٌ، فَاعْتَوَنَا عَلَيْهِ، فَقَتَلاهُ ثُمَّ رَجَعَا، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِالنَّاسِ حَتَّى مَرُّوا بِثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ قَتِيلا، فَلَمْ يَفْطِنُوا لَهُ حَتَّى وَطِئَتْهُ الْمَطِيُّ بِأَخْفَافِهَا، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هُمْ بِعُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ صَرِيعًا، فَجَزِعَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: قُتِلَ سَيِّدَانِ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَفَارِسَانِ مِنْ فِرْسَانِهِمْ، فَانْصَرَفَ خَالِدٌ نَحْوَ طَيِّئٍ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْمُحِلِّ ابن خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَعَثْتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ سِرْ إِلَيَّ فَأَقِمْ عِنْدِي أَيَّامًا حَتَّى أَبْعَثَ إِلَى قَبَائِلِ طَيِّئٍ، فَأَجْمَعَ لَكَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ مَعَكَ، ثُمَّ أَصْحَبُكَ إِلَى عَدُوِّكَ قَالَ: فَسَارَ إِلَيَّ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ سُوَيْدٍ أَنَّ بَعْضَ
(3/254)

الأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّ خَالِدًا لَمَّا رَأَى مَا بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْجَزَعِ عِنْدَ مَقْتَلِ ثَابِتٍ وَعُكَاشَةَ، قَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى أَنْ أَمِيلَ بِكُمْ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، كَثِيرٍ عَدَدُهُمْ، شَدِيدَةٍ شَوْكَتُهُمْ، لَمْ يَرْتَدَّ مِنْهُمْ عَنِ الإِسْلامِ أَحَدٌ! فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: وَمَنْ هَذَا الْحَيُّ الَّذِي تَعْنِي؟ فَنِعْمَ وَاللَّهِ الْحَيُّ هُوَ! قَالَ لَهْمُ: طَيِّئٌ، فَقَالُوا:
وَفَّقَكَ اللَّهُ، نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ! فَانْصَرَفَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِالْجَيْشِ فِي طَيِّئٍ.
قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي جَدِيلُ بْنُ خَبَّابٍ النَّبْهَانِيُّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ أُبَيٍّ، أَنَّ خَالِدًا جَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَرَكِ، مَدِينَةِ سَلْمَى.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَنَّهُ نَزَلَ بِأَجَأَ، ثُمَّ تَعَبَّى لِحَرْبِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى بُزَاخَةَ، وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى سَادَتِهِمْ وَقَادَتِهِمْ قَرِيبًا يَسْتَمِعُونَ وَيَتَرَبَّصُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدِّبْرَةُ.
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَشْيَاخًا مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ: سَأَلْنَا خَالِدًا أَنْ نَكْفِيَهُ قَيْسًا فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ حُلَفَاؤُنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَيْسٌ بِأَوْهَنَ الشَّوْكَتَيْنِ، اصْمُدُوا إِلَى أَيِّ الْقِبْلَتَيْنِ أَحْبَبْتُمْ، فَقَالَ عَدِيٌّ: لَوْ تَرَكَ هَذَا الدِّينَ أُسْرَتِي الأَدْنَى فَالأَدْنَى مِنْ قَوْمِي لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، فَأَنَا أَمْتَنِعُ مِنْ جِهَادِ بَنِي أَسَدٍ لِحِلْفِهِمْ! لا لَعَمْرِ اللَّهِ لا أَفْعَلُ! فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: إِنَّ جِهَادَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا جِهَادٌ، لا تُخَالِفْ رَأْيَ أَصْحَابِكَ، امض الى احد الفريقين، وامض بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ لِقِتَالِهِمْ أَنْشَطُ.
قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلامِ بْنُ سُوَيْدٍ، أَنَّ خَيْلَ طَيِّئٍ كَانَتْ تَلْقَى خَيْلَ بَنِي أَسَدٍ وَفَزَارَةَ قَبْلَ قُدُومِ خالد عليهم فيتشامون وَلا يَقْتَتِلُونَ، فَتَقُولُ أَسَدٌ وَفَزَارَةُ: لا وَاللَّهِ لا نُبَايِعُ أَبَا الْفَصِيلِ أَبَدًا فَتَقُولُ لَهُمْ خَيْلُ طَيِّئٍ: أَشْهَدُ لَيُقَاتِلَنَّكُمْ حَتَّى تُكَنُّوهُ أَبَا الْفَحْلِ الأَكْبَرِ! فحدثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إسحاق،
(3/255)

عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، قَالَ: حدثت أن الناس لما اقتتلوا، قاتل عيينه مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة قتالا شديدا، وطليحة متلفف فِي كساء لَهُ بفناء بيت لَهُ من شعر، يتنبأ لهم، والناس يقتتلون، فلما هزت عيينة الحرب، وضرس القتال، كر على طليحة، فَقَالَ: هل جاءك جبريل بعد؟ قَالَ: لا، قَالَ:
فرجع فقاتل حَتَّى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كر عليه فقال: لا أيا لك! أجاءك جبريل بعد؟ قَالَ: لا والله، قَالَ: يقول عيينة حلفا:
حَتَّى متى! قد والله بلغ منا! قَالَ: ثُمَّ رجع فقاتل، حَتَّى إذا بلغ كر عَلَيْهِ، فَقَالَ: هل جاءك جبريل بعد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فماذا قَالَ لك؟
قَالَ: قَالَ لي: إن لك رحا كرحاه، وحديثا لا تنساه، قَالَ: يقول عيينة: أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه، يا بني فزارة هكذا، فانصرفوا، فهذا والله كذاب فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا؟ وقد كان أعد فرسه عنده، وهيأ بعيرا لامرأته النوار، فلما أن غشوه يقولون: ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه، وحمل امرأته ثُمَّ نجا بِهَا، وقال: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل، ثُمَّ سلك الحوشية حَتَّى لحق بالشام وارفضَّ جمعه، وقتل الله من قتل منهم، وبنو عامر قريبا منهم على قادتهم وسادتهم، وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع، أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا مِنْهُ، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلم لحكمه فِي أموالنا وأنفسنا قَالَ أبو جعفر: وَكَانَ سبب ارتداد عيينة وغطفان ومن ارتد من طيئ مَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ سَيْفٍ- عَنْ طَلْحَةَ بْنِ الأعلم عن حبيب ابن رَبِيعَةَ الأَسَدِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ فُلانٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: ارْتَدَّ طُلَيْحَةُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ص، فادعى النبوه، فوجه النبي
(3/256)

ص ضِرَارَ بْنَ الأَزْوَرِ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى بَنِي أَسَدٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ، فَأَشَجُّوا طُلَيْحَةَ وَأَخَافُوهُ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِوَارِدَاتٍ، وَنَزَلَ الْمُشْرِكُونَ بِسَمِيرَاءَ، فَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ فِي نَمَاءٍ وَالْمُشْرِكُونَ فِي نُقْصَانٍ، حَتَّى هَمَّ ضِرَارٌ بِالْمَسِيرِ إِلَى طُلَيْحَةَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلا أَخَذَهُ سِلْمًا، إِلا ضَرْبَةً كَانَ ضَرَبَهَا بِالْجُرَازِ، فَنَبَا عَنْهُ، فَشَاعَتْ فِي النَّاسِ فَأُتِيَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِخَبَرِ موت نبيهم ص، وَقَالَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لِتِلْكَ الضَّرْبَةِ: إِنَّ السِّلاحَ لا يَحِيكُ فِي طُلَيْحَةَ، فَمَا أَمْسَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى عَرَفُوا النُّقْصَانَ، وَارْفَضَّ النَّاسُ إِلَى طُلَيْحَةَ، وَاسْتَطَارَ أَمْرُهُ، وَأَقْبَلَ ذُو الْخِمَارَيْنِ عَوْفٌ الْجُذَمِيُّ حَتَّى نَزَلَ بِإِزَائِنَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثُمَامَةُ بْنُ أَوْسِ بْنِ لأَمٍ الطائي: ان معى من جديله خمسمائة، فَإِنْ دَهِمَكُمْ أَمْرٌ فَنَحْنُ بِالْقُرْدُودَةِ وَالأَنْسَرِ دُوَيْنِ الرمل وارسل اليه مهلهل بن زيد: إِنَّ مَعِي حَدَّ الْغَوْثِ، فَإِنْ دَهِمَكُمْ أَمْرٌ فَنَحْنُ بِالأَكْنَافِ بِحِيَالِ فَيْدٍ وَإِنَّمَا تَحَدَّبَتْ طَيِّئٌ عَلَى ذِي الْخِمَارَيْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَطَيِّئٍ حِلْفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كان قبل مبعث النبي ص اجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ وَأَسَدٌ عَلَى طَيِّئٍ، فَأَزَاحُوهَا عَنْ دَارِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ: غَوْثُهَا وَجَدِيلَتُهَا، فَكَرِهَ ذَلِكَ عَوْفٌ، فَقَطَعَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ، وَتَتَابَعَ الْحَيَّانُ عَلَى الْجَلاءِ، وَأَرْسَلَ عَوْفٌ إِلَى الْحَيَّيْنِ مِنْ طَيِّئٍ، فَأَعَادَ حِلْفَهُمْ، وَقَامَ بِنُصْرَتِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَى دُورِهِمْ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى غَطَفَانَ، فَلَمَّا مات رسول الله ص قَامَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي غَطَفَانَ، فَقَالَ:
مَا أَعْرِفُ حُدُودَ غَطَفَانَ مُنْذُ انْقَطَعَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي أَسَدٍ، وَإِنِّي لَمُجَدِّدٌ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الْقَدِيمِ وَمُتَابِعٌ طُلَيْحَةَ، وَاللَّهِ لأَنْ نَتَّبِعَ نَبِيًّا مِنَ الْحِلِيفَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ نَبِيًّا مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ، وَبَقِيَ طُلَيْحَةُ فَطَابَقُوهُ عَلَى رَأْيِهِ، فَفَعَلَ وَفَعَلُوا
(3/257)

فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ عَلَى الْمُطَابَقَةِ لِطُلَيْحَةَ هَرَبَ ضِرَارٌ وَقُضَاعِي وَسِنَانٌ وَمَنْ كَانَ قَامَ بِشَيْءٍ من امر النبي ص فِي بَنِي أَسَدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَارْفَضَّ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَأَخَبُروا أَبَا بَكْرٍ الْخَبَرَ، وَأَمَرُوهُ بِالْحَذَرِ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ: فَمَا رايت أحدا- ليس رسول الله ص- أَمْلأَ بِحَرْبٍ شَعْوَاءَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْنَا نُخْبِرُهُ، وَلَكَأَنَّمَا نُخْبِرُهُ بِمَا لَهُ وَلا عَلَيْهِ وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَهَوَازِنَ وَطَيِّئٍ، وَتَلَقَّتْ وُفُودُ قُضَاعَةُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَحَوَّزَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاجْتَمَعُوا بِالْمَدِينَةِ فَنَزَلُوا عَلَى وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ، لِعَاشِرٍ مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ الله ص، فَعَرَضُوا الصَّلاةَ عَلَى أَنْ يُعْفَوْا مِنَ الزَّكَاةِ، وَاجْتَمَعَ مَلأُ مَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغُوا مَا يُرِيدُونَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلا أَنْزَلَ مِنْهُمْ نَازِلا إِلا الْعَبَّاسَ ثُمَّ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَلَؤُهُمْ، إِلا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ أَبَى إِلا ما كان رسول الله ص يَأْخُذُ، وَأَبَوْا، فَرَدَّهُمْ وَأَجَّلَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَتَطَايَرُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ.
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شعيب، قال: كان رسول الله ص قد بعث عمرو ابن الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ، مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فمات رسول الله ص وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَجَدَ الْمُنْذِرَ بْنَ سَاوَى فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ: أَشِرْ عَلَيَّ فِي مَالِي بِأَمْرٍ لِي وَلا عَلَيَّ، قَالَ: صَدِّقْ بِعَقَارٍ صَدَقَةً تَجْرِي مِنْ بَعْدِكَ، فَفَعَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَارَ فِي بَنِي تَمِيمٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى بِلادِ بَنِي عَامِرٍ، فَنَزَلَ عَلَى قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقُرَّةُ يُقَدِّمُ رِجْلا وَيُؤَخِّرُ رِجْلا، وَعَلَى ذَلِكَ بَنُو عَامِرٍ كُلُّهُمْ إِلا خَوَّاصٌ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَطَافَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ مُعَسْكَرَةٌ مِنْ دَبَا إِلَى حَيْثُ انْتَهَيَتْ إِلَيْكُمْ، فَتَفَرَّقُوا وَتَحَلَّقُوا حِلَقًا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى عَمْرٍو،
(3/258)

فَمَرَّ بِحَلَقَةٍ، وَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الَّذِي سمعوا من عمرو في تِلْكَ الْحَلَقَةِ: عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٌ، فَلَمَّا دَنَا عُمَرُ مِنْهُمْ سَكَتُوا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمَنِي بِالَّذِي خَلَوْتُمْ عَلَيْهِ! فَغَضِبَ طَلْحَةُ، وَقَالَ: تالله يا بن الْخَطَّابِ لَتُخْبِرَنَّا بِالْغَيْبِ! قَالَ: لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ، وَلَكِنْ أَظُنُّ قُلْتُمْ: مَا أَخْوَفُنَا على قريش من العرب واخلقهم أَلا يُقِرُّوا بِهَذَا الأَمْرِ! قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: فَلا تَخَافُوا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، أَنَا وَاللَّهِ مِنْكُمْ عَلَى الْعَرَبِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْعَرَبِ عَلَيْكُمْ، والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته الْعَرَبُ فِي آثَارِكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ وَمَضَى إِلَى عَمْرٍو فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُنْصَرَفَهُ من عمان- بعد وفاه رسول الله ص- بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، وَحَوْلَهُ عَسْكَرٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ مِنْ أَفْنَائِهِمْ، فَذَبَحَ لَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ خَلا بِهِ قُرَّةُ، فَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الْعَرَبَ لا تَطِيبُ لَكُمْ نَفْسًا بِالإِتَاوَةِ، فَإِنْ أَنْتُمْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهَا فَسَتَسْمَعْ لَكُمْ وَتُطِيعْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلا أَرَى أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ عَمْرٌو: أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ! وَحَوْلَهُ بَنُو عَامِرٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَبُوحَ بِمُتَابَعَتِهِمْ فَيَكْفُرُوا بِمُتَابَعَتِهِ، فَيَنْفِرَ فِي شَرٍّ، فَقَالَ: لَنَرُدَّنَّكُمْ إِلَى فَيْئَتِكُمْ- وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ الإِسْلامُ- اجْعَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدًا فَقَالَ عَمْرٌو:
أَتُوَعِّدُنَا بِالْعَرَبِ وَتُخَوِّفُنَا بها! موعدك حفش أمك، فو الله لأُوطِئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَهُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
لَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ أَمْرِ بَنِي عَامِرٍ وَبَيْعَتِهِمْ عَلَى مَا بَايَعَهُمْ عَلَيْهِ، أَوْثَقَ عُيَيْنَةَ بْنَ
(3/259)

حِصْنٍ وَقُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ قُرَّةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا، وَلِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِسْلامِي عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ شَهَادَةٌ، قَدْ مَرَّ بِي فَأَكْرَمْتُهُ وَقَرَّبْتُهُ وَمَنَعْتُهُ قَالَ: فَدَعَا أَبُو بَكْرٍ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ: مَا تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ هَذَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَا قَالَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الصَّدَقَةِ، قَالَ لَهُ قُرَّةُ: حَسْبُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ! قَالَ: لا وَاللَّهِ، حَتَّى أُبَلِّغَ لَهُ كُلَّ مَا قُلْتَ، فَبَلَّغَ لَهُ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَحَقَنَ دَمَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عُتْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ نَظَرَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، يَنْخُسُهُ غِلْمَانُ الْمَدِينَةِ بِالْجَرِيدِ، يَقُولُونَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَكَفَرْتَ بَعْدَ إِيمَانِكَ! فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ آمَنْتُ بِاللَّهِ قَطُّ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ.
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حدثنا شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: أخذ المسلمون رجلا من بني أسد، فأتي بِهِ خالد بالغمر- وَكَانَ عالما بأمر طليحة- فَقَالَ لَهُ خالد: حَدِّثْنَا عَنْهُ وعما يقول لكم، فزعم أن مما أتى به: والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام حَدَّثَنِي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن ابى يعقوب سعيد بن عبيد، قال: لما أرزى أهل الغمر إلى البزاخة، قام فيهم طليحة، ثُمَّ قَالَ: أمرت أن تصنعوا رحا ذات عرا، يرمي الله بِهَا من رمى، يهوي عليها من هوى، ثُمَّ عبَّى جنوده، ثُمَّ قَالَ: ابعثوا فارسين، على فرسين
(3/260)

أدهمين، من بني نصر بْن قعين، يأتيانكم بعين فبعثوا فارسين من بني قعين، فخرج هو وسلمة طليعتين.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سَعِيدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْجَذِعِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَمَّنْ شَهِدَ بُزَاخَةَ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: لَمْ يُصِبْ خَالِدٌ عَلَى الْبُزَاخَةِ عَيْلا وَاحِدًا، كَانَتْ عِيَالاتُ بَنِي أَسَدٍ مُحْرَزَةً- وقال ابو يعقوب: بين مثقب وفلج، وَكَانَتْ عِيَالاتُ قَيْسٍ بَيْنَ فَلَجٍ وَوَاسِطَ- فَلَمْ يَعُدْ أَنِ انْهَزَمُوا، فَأَقَرُّوا جَمِيعًا بِالإِسْلامِ خَشْيَةً عَلَى الذَّرَارِي، وَاتَّقُوا خَالِدًا بِطَلِبَتِهِ، وَاسْتَحَقُّوا الأَمَانَ، ومضى طليحة، حتى نزل كلب عَلَى النَّقْعِ، فَأَسْلَمَ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا فِي كَلْبٍ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ إِسْلامُهُ هُنَالِكَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ أَسَدًا وَغَطَفَانَ وَعَامِرًا قَدْ أَسْلَمُوا، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَرَّ بِجَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لأَبِي بَكْرٍ:
هَذَا طُلَيْحَةُ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ! خَلُّوا عَنْهُ، فَقَدْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلإِسْلامِ.
وَمَضَى طُلَيْحَةُ نَحْوَ مَكَّةَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ إِلَى الْبَيْعَةِ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ قَاتِلُ عُكَاشَةَ وَثَابِتٍ! وَاللَّهِ لا أُحِبُّكَ أَبَدًا فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَهِمُّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِيَدِي، وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا! فَبَايَعَهُ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا خُدَعُ، مَا بَقِيَ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ قَالَ: نَفْخَةٌ أَوْ نَفْخَتَانِ بِالْكِيرِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دَارِ قَوْمِهِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ
. ذكر ردة هَوَازِن وسليم وعامر
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ، قَالا:
أَمَّا بَنُو عَامِرٍ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا رِجْلا وَأَخَّرُوا أُخْرَى، وَنَظَرُوا مَا تَصْنَعُ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِهِمْ وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ، كَانَ قُرَّةُ بن
(3/261)

هُبَيْرَةَ فِي كَعْبٍ وَمَنْ لافَّهَا، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ فِي كِلابٍ وَمَنْ لافَّهَا، وَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِي أَزْمَانِ النَّبِيِّ ص، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ حَتَّى لَحِقَ بالشام، فلما توفى النبي ص أَقْبَلَ مُسْرِعًا حَتَّى عَسْكَرَ فِي بَنِي كَعْبٍ، مُقَدِّمًا رِجْلا وَمُؤَخِّرًا أُخْرَى، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا الْقَعْقَاعَ بن عمرو، وقال: يا قعقاع، سر حتى تُغِيرُ عَلَى عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ، لَعَلَّكَ أَنْ تَأْخُذَهُ لِي أَوْ تَقْتُلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شِفَاءَ الشق الحوص، فَاصْنَعْ مَا عِنْدَكَ فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ، حَتَّى أَغَارَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَلْقَمَةُ، وَكَانَ لا يَبْرَحُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِجْلٍ، فَسَابَقَهُمْ عَلَى فَرَسِهِ، فَسَبَقَهُمْ مُرَاكَضَةً، وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَانْتَسَفَ امْرَأَتَهُ وَبَنَاتَهُ وَنِسَاءَهُ، وَمَنْ أَقَامَ مِنَ الرِّجَالِ، فَاتَّقَوْهُ بِالإِسْلامِ فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَحَدَ وَلَدُهُ وَزَوْجَتُهُ أَنْ يَكُونُوا مَالَئُوا عَلْقَمَةَ، وَكَانُوا مُقِيمِينَ فِي الدَّارِ، فَلَمْ يَبْلُغْهُ إِلا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا ذَنْبُنَا فِيمَا صَنَعَ عَلْقَمَةُ مِنْ ذَلِكَ! فَأَرْسَلَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
حَدَّثَنَا السري، عن شعيب، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي عمرو وأبي ضمرة، عن ابن سيرين مثل معانيه.
وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا مِنْهُ، فبايعهم على ما بايع عَلَيْهِ أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيئ قبلهم، وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطفان ولا هَوَازِن ولا سليم ولا طيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام فِي حال ردتهم فأتوه بهم، فقبل منهم إلا قرة بْن هبيرة ونفرا معه أوثقهم، ومثل بالذين عدوا على الإسلام، فأحرقهم بالنيران وو رضخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكسهم فِي الآبار، وخزق بالنبال وبعث بقرة وبالأسارى، وكتب
(3/262)

إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت فِي الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شَيْئًا حَتَّى يجيئوني بمن عدا على الْمُسْلِمين، فقتلتهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرة وأصحابه حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ: لِيُزِدْكَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ خَيْرًا، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ جِدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ ولا تبنين، وَلا تَظْفَرَنَّ بِأَحَدٍ قَتَلَ الْمُسْلِمِينَ إِلا قَتَلْتَهُ وَنَكَّلْتَ بِهِ غَيْرَهُ، وَمَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ حَادَّ اللَّهَ أَوْ ضَادَّهُ، مِمَّنْ تَرَى أَنَّ فِي ذَلِكَ صَلاحًا فَاقْتُلْهُ فَأَقَامَ عَلَى الْبُزَاخَةِ شَهْرًا يَصْعَدُ عَنْهَا وَيَصُوبُ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا فِي طَلَبِ أُولَئِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَمَطَهُ وَرَضَخَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى بِهِ مِنْ رؤوس الْجِبَالِ وَقَدِمَ بِقُرَّةَ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَنْزِلُوا وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ كَمَا قِيلَ لِعُيَيْنَةَ وَأَصْحَابِهِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي مِثْلِ حَالِهِمْ، وَلَمْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ قَالَ السري: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عن سهل وابى يعقوب، قال: واجتمعت فلال غطفان إلى ظفر، وبها أم زمل سلمى ابنة مالك بْن حذيفة بْن بدر، وهي تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بْن فلان بْن بدر، وكانت أم قرفة عِنْد مالك بْن حذيفة، فولدت لَهُ قرفة، وحكمة، وجراشة، وزملا، وحصينا، وشريكا، وعبدا، وزفر، ومعاوية، وحملة، وقيسا، ولأيا، فأما حكمة فقتله رسول الله ص يوم أغار عيينة بْن حصن على سرح الْمَدِينَة، قتله أبو قتادة، فاجتمعت تلك الفلال إلى سلمى، وكانت فِي مثل عز أمها، وعندها جمل أم قرفة، فنزلوا إليها فذمرتهم، وأمرتهم بالحرب، وصعدت سائرة فيهم وصوبت، تدعوهم إلى حرب خالد، حَتَّى اجتمعوا لَهَا، وتشجعوا على ذَلِكَ، وتأشب إِلَيْهِم الشرداء من كل جانب- وكانت قد سبيت أيام
(3/263)

أم قرفة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثُمَّ رجعت إلى قومها، [وقد كَانَ النبي ص دخل عليهن يوما، فَقَالَ إن إحداكن تستنبح كلاب الحوأب،] ففعلت سلمى ذَلِكَ حين ارتدت، وطلبت بذلك الثأر، فسيرت فيما بين ظفر والحوأب، لتجمع إليها، فتجمع إليها كل فل ومضيق عَلَيْهِ من تلك الأحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيئ، فلما بلغ ذَلِكَ خالدا- وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم- سَارَ الى المرأة وقد استكثف أمرها، وغلظ شأنها، فنزل عليها وعلى جُمَّاعها، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي واقفة على جمل أمها، وفي مثل عزها، وَكَانَ يقال: من نخس جملها فله مائة من الإِبِل لعزها، وابيرت يومئذ بيوتات من جاس- قال ابو جعفر:
جاس حي من غنم- وهاربه، وغنم، وأصيب فِي أناس من كاهل، وَكَانَ قتالهم شديدا، حَتَّى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها.
وقتل حول جملها مائة رجل، وبعث بالفتح، فقدم على أثر قرة بنحو من عشرين ليلة.
قَالَ السري: قَالَ شعيب، عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا:
كَانَ من حديث الجواء وناعر، أن الفجاءة إياس بْن عبد ياليل قدم على أبي بكر، فَقَالَ: أعني بسلاح، ومرني بمن شئت من أهل الردة، فأعطاه سلاحا، وأمره أمره، فخالف أمره إلى الْمُسْلِمين، فخرج حَتَّى ينزل بالجواء، وبعث نجبة بْن أبي الميثاء من بني الشريد، وأمره بالمسلمين، فشنها غارة على كل مسلم فِي سليم وعامر وهوازن، وبلغ ذَلِكَ أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بْن حاجز يأمره أن يجمع لَهُ وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بْن قيس الجاسي عونا، ففعل، ثُمَّ نهضا إليه وطلباه، فجعل يلوذ منهما حَتَّى لقياه على الجواء، فاقتتلوا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره ثُمَّ بعث بِهِ إلى أبي بكر، فقدم بِهِ على أبي بكر، فأمر فأوقد لَهُ نارا فِي مصلى الْمَدِينَة على حطب كثير، ثُمَّ رمي بِهِ فيها مقموطا
(3/264)

قال أبو جعفر: وأما ابن حميد، فإنه حَدَّثَنَا فِي شأن الفجاءة عن سلمة، عَنْ محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قَالَ: قدم على أبي بكر رجل من بني سليم، يقال لَهُ الفجاءة، وهو إياس بْن عبد الله بْن عبد ياليل بْن عميرة بْن خفاف، فَقَالَ لأبي بكر: إني مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملني وأعني، فحمله أبو بكر على ظهر، وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض الناس: المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع منهم، ومعه رجل من بني الشريد، يقال لَهُ: نجبة بْن أبي الميثاء، فلما بلغ أبا بكر خبره، كتب إلى طريفة بْن حاجز: إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم، ويسألني أن أقويه على من ارتد عَنِ الإِسْلامِ، فحملته وسلحته، ثُمَّ انتهى إليَّ من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس: المسلم والمرتد يأخذ أموالهم، ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك مِنَ الْمُسْلِمين حَتَّى تقتله، أو تأخذه فتأتيني بِهِ فسار طريفة بْن حاجز، فلما التقى الناس كانت بينهم الرِّمّيّا بالنبل، فقتل نجبة بْن أبي الميثاء بسهم رمي بِهِ، فلما رأى الفجاءة مِنَ الْمُسْلِمين الجد قَالَ لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره فَقَالَ لَهُ طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح، وانطلق معي إلى أبي بكر فخرج معه، فلما قد ما عَلَيْهِ أمر أبو بكر طريفة بْن حاجز، فَقَالَ: اخرج بِهِ إلى هذا البقيع فحرّقه فيه بالنار، فخرج بِهِ طريفة إلى المصلى فأوقد لَهُ نارا، فقذفه فيها، فَقَالَ خفاف بْن ندبة- وهو خفاف بْن عمير- يذكر الفجاءة، فيما صنع:
لم يأخذون سلاحه لقتاله ... ولذاكم عند الإله اثام
لادينهم ديني ولا انا منهم ... حتى يسير الى الصراة شمام
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَتْ سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورٍ قَدِ انْتُقِضَ بَعْضُهُمْ، فَرَجَعُوا كُفَّارًا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ مَعَ أَمِيرٍ كَانَ لأَبِي بَكْرٍ عليهم،
(3/265)

يُقَالُ لَهُ مَعْنُ بْنُ حَاجِزٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَلَمَّا سَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى طُلَيْحَةَ وَأَصْحَابِهِ، كَتَبَ إِلَى مَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مَعَ خَالِدٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ على عمله أخاه طريفه ابن حَاجِزٍ، وَقَدْ كَانَ لَحِقَ فِيمَنْ لَحِقَ مِنْ بنى سليم باهل الرده ابو شجره ابن عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ الْخَنْسَاءِ، فَقَالَ:
فَلَوْ سالت عنا غداه مرامر ... كَمَا كُنْتَ عَنْهَا سَائِلا لَوْ نَأَيْتُهَا
لِقَاءَ بَنِي فِهْرٍ وَكَانَ لِقَاؤُهُمْ ... غَدَاةَ الْجَوَاءِ حَاجَةً فَقَضَيْتُهَا
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي وَعَرَّجْتُ مُهْرَتِي ... عَلَى الطَّعْنِ حَتَّى صَارَ وَرْدًا كُمَيْتُهَا
إِذَا هِيَ صَدَّتْ عَنْ كَمِيٍّ أُرِيدُهُ ... عَدَلْتُ إِلَيْهِ صَدْرَهَا فَهدِيتُهَا
فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ حِينَ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ:
صَحَا الْقَلْبُ عَنْ مَيَّ هَوَاهُ وَأَقْصَرَا ... وطلوع فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا
وَأَصْبَحَ أَدْنَى رَائِدَ الْجَهْلِ والصبا ... كَمَا وُدُّهَا عَنَّا كَذَاكَ تَغَيَّرَا
وَأَصْبَحَ أَدْنَى رَائِدَ الْوَصْلِ مِنْهُمُ ... كَمَا حَبْلُهَا مِنْ حَبْلِنَا قَدْ تَبَتَّرَا
أَلا أَيُّهَا الْمُدْلِي بِكَثْرَةِ قَوْمِهِ ... وَحَظُّكَ مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْهَرَا
سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... إِذَا مَا الْتَقَيْنَا: دَارِعِينَ وَحُسَّرَا
أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ ... وَنَطْعَنُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَقْفَرَا!
وَعَاضِرَةٌ شَهْبَاءُ تَخْطُرُ بِالْقَنَا ... تَرَى الْبُلْقَ فِي حَافَّاتِهَا وَالسَّنَّوْرَا
فَرَوَيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وَإِنِّي لأرجو بعدها ان اعمرا
ثم ان أَبَا شَجَرَةَ أَسْلَمَ، وَدَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَنَسٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَحَدَّثَنَا السَّرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلٍ وَأَبِي يَعْقُوبَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مرزوق،
(3/266)

وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ، قَالُوا:
فَأَنَاخَ نَاقَتَهُ بِصَعِيدِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: ثُمَّ أَتَى عُمَرَ وَهُوَ يُعْطِي الْمَسَاكِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ فُقَرَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَبُو شَجَرَةَ! أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَلَسْتَ الَّذِي تَقُولُ:
فَرَوَيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وَإِنِّي لأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أُعَمَّرَا
قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى سَبَقَهُ عَدْوًا، فَرَجَعَ إِلَى نَاقَتِهِ فَارْتَحَلَهَا، ثُمَّ أَسْنَدَهَا فِي حَرَّةِ شَوْرَانَ رَاجِعًا إِلَى أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ:
ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ ... وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ
مَا زَالَ يُرْهِقُنِي حَتَّى خَذِيتُ لَهُ ... وَحَالَ مِنْ دُونِ بَعْضِ الرَّغْبَةِ الشَّفَقُ
لَمَّا رَهِبْتُ أَبَا حَفْصٍ وَشُرْطَتَهُ ... وَالشَّيْخُ يُفْزَعُ أَحْيَانًا فَيَنْحَمِقُ
ثُمَّ ارْعَوَيْتُ إِلَيْهَا وَهْيَ جَانِحَةً ... مِثْلَ الطَّرِيدَةِ لَمْ يَنْبُتْ لَهَا ورق
أوردتها الحل مِنْ شَوْرَانِ صَادِرَةً ... إِنِّي لأُزْرِي عَلَيْهَا وَهِيَ تَنْطَلِقُ
تَطِيرُ مَرْوَ أَبَّانٍ عَنْ مَنَاسِمِهَا ... كَمَا تَنْوَقِدُ عِنْدَ الْجَهَبِذِ الْوَرَقُ
إِذَا يُعَارِضُهَا خِرْقٌ تُعَارِضُهُ ... وَرْهَاءُ فِيهَا إِذَا اسْتَعْجَلْتُهَا خَرِقُ
يَنُوءُ آخِرُهَا مِنْهَا بِأَوَّلِهَا ... سَرْحُ الْيَدَيْنِ بِهَا نِهَاضَةَ الْعُنُقُ

ذكر خبر بني تميم وأمر سجاح بنت الحارث بْن سويد
وَكَانَ من أمر بنى تميم، ان رسول الله ص توفي وقد فرق فيهم عماله، فكان الزبرقان بْن بدر على الرباب وعوف والأبناء- فيما
(3/267)

ذكر السري، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بْن عطية بْن بلال، عن أبيه وسهم بْن منجاب- وقيس بْن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان ابن صفوان وسبرة بْن عمرو على بني عمرو، هذا على بهدي وهذا على خضم- قبيلتين من بني تميم- ووكيع بْن مالك ومالك بْن نويرة على بني حنظلة، هذا على بني مالك، وهذا على بني يربوع فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي ص بصدقات بني عمرو، وما ولى منها وبما ولى سبرة، وأقام سبرة فِي قومه لحدث ان ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع وَكَانَ الزبرقان متعتّبا عَلَيْهِ، وقلما جامله إلا مزقه الزبرقان بحظوته وجده وقد قَالَ قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: وا ويلنا من ابن العكلية! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها فِي بني سعد فليسودني فيهم، ولئن نحرتها فِي بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده فعزم قيس على قسمها فِي المقاعس والبطون، ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والأبناء حَتَّى قدم بِهَا الْمَدِينَة، وهو يقول ويعرض بقيس:
وفيت بأذواد الرسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها
وتحلل الأحياء ونشب الشر، وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضا ثُمَّ ندم قيس بعد ذَلِكَ، فلما أظله العلاء بْن الحضرمي أخرج صدقتها، فتلقاه بِهَا، ثُمَّ خرج معه، وقال فِي ذَلِكَ:
ألا أبلغا عني قريشا رسالة ... إذا ما أتتها بينات الودائع
فتشاغلت فِي تلك الحال عوف والأبناء بالبطون والرباب بمقاعس، وتشاغلت خضم بمالك وبهدي بيربوع، وعلى خضم سبرة بْن عمرو، وذلك الذى حلفه عن صفوان والحصين بْن نيار على بهدي، والرباب، عبد الله بْن صفوان
(3/268)

على ضبة، وعصمة بْن أبير على عبد مناة، وعلى عوف والأبناء عوف بْن البلاد ابن خالد من بني غنم الجشمي، وعلى البطون سعر بن خفاف، وقد كان ثمامة ابن أثال تأتيه أمداد من بني تميم، فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم، فأضر ذَلِكَ بثمامة بْن أثال حَتَّى قدم عَلَيْهِ عكرمة وأنهضه، فلم يصنع شَيْئًا، فبينا الناس فِي بلاد تميم على ذَلِكَ، قد شغل بعضهم بعضا، فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى وتربص، وبإزاء من ارتاب، فجئتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة، وكانت ورهطها فِي بني تغلب تقود أفناء ربيعة، معها الهذيل بْن عمران في بنى تغلب، وعقه ابن هلال في النمر، وتاد بْن فلان فِي إياد، والسليل بْن قيس فِي شيبان، فأتاهم أمر دهي، هو أعظم مما فيه الناس، لهجوم سجاح عليهم، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة، والتشاغل بما بينهم وقال عفيف بْن المنذر فِي ذَلِكَ:
ألم يأتيك والأنباء تسري ... بما لاقت سراة بني تميم
تداعى من سراتهم رجال ... وكانوا فِي الذوائب والصميم
وألجوهم وَكَانَ لهم جناب ... الى احياء خاليه وخيم
وكانت سجاح بنت الحارث بْن سويد بْن عقفان- هي وبنو أبيها عقفان- فِي بني تغلب، فتنبت بعد موت رسول الله ص بالجزيرة فِي بني تغلب، فاستجاب لَهَا الهذيل، وترك التنصر، وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بْن نويرة ودعته إلى الموادعة، فأجابها، وفثأها عن غزوها، وحملها على أحياء من بني تميم، قالت: نعم، فشأنك بمن رأيت، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كَانَ ملك فالملك ملككم فأرسلت إلى بني مالك بْن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بْن حاجب وسروات بني مالك حَتَّى نزلوا فِي بني العنبر على سبرة بْن عمرو هُرَّابا قد كرهوا ما صنع وكيع،
(3/269)

وخرج أشباههم من بني يربوع، حَتَّى نزلوا على الحصين بْن نيار فِي بني مازن، وقد كرهوا ما صنع مالك، فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة، أجابها إلى ذَلِكَ وكيع، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضا، واجتمعوا على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ بخضم، أم ببهدي، أم بعوف والأبناء، أم بالرباب؟ وكفوا عن قيس لما رأوا من تردده وطمعوا فيه، فقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثُمَّ أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب.
قَالَ: وصمدت سجاح للأحفار حَتَّى تنزل بِهَا، وقالت لهم: إن الدهناء حجاز بني تميم، ولن تعدو الرباب، إذا شدها المصاب، أن تلوذ بالدجاني والدهاني، فلينزلها بعضكم فتوجه الجفول- يعني مالك بْن نويرة- إلى الدجاني فنزلها، وسمعت بهذا الرباب فاجتمعوا لَهَا، ضبتها وعبد مناتها، فولي وكيع وبشر بني بكر من بني ضبة، وولي ثعلبة بْن سعد بْن ضبة عقة، وولي عبد مناة الهذيل فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضبة، فهُزما، وأسر سماعة ووكيع وقعقاع، وقتلت قتلى كثيرة، فَقَالَ فِي ذَلِكَ قيس بْن عاصم، وذلك أول ما استبان فيه الندم:
كأنك لم تشهد سماعة إذ غزا ... وما سر قعقاع وخاب وكيع
رأيتك قد صاحبت ضبة كارها ... على ندب فِي الصفحتين وجيع
ومطلق أسرى كَانَ حمقا مسيرها ... إلى صخرات أمرهن جميع
فصرفت سجاح والهذيل وعقة بني بكر، للموادعة التي بينها وبين وكيع- وَكَانَ عقة خال بشر- وقالت: اقتلوا الرباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم، وتحملون لهم دماءهم، وتحمد غب رأيهم أخراهم فاطلقت
(3/270)

لهم ضبة الأسرى، وودوا القتلى، وخرجوا عنهم فَقَالَ فِي ذَلِكَ قيس يعيرهم صلح ضبة، إسعادا لضبة وتأنيبا لهم ولم يدخل فِي أمر سجاح عمري ولا سعدي ولا ربي، ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا فِي قيس، حَتَّى بدا مِنْهُ إسعاد ضبة، وظهر مِنْهُ الندم ولم يمالئهم من حنظلة إلا وكيع ومالك، فكانت ممالأتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضا، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم، وقال أصم التيمي فِي ذَلِكَ:
أتتنا أخت تغلب فاستهدت ... جلائب من سراة بني أبينا
وأرست دعوة فينا سفاها ... وكانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالا ... وما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم وضلت ... عشية تحشدون لَهَا ثبينا
قَالَ: ثُمَّ إن سجاح خرجت فِي جنود الجزيرة، حَتَّى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس بْن خزيمة الهجيمي فيمن تأشب إليه من بني عمرو، فأسر الهذيل، أسره رجل من بني مازن ثُمَّ أحد بني وبر، يدعى ناشرة.
وأسر عقة، أسره عبدة الهجيمي، وتحاجزوا على أن يترادوا الأسرى، وينصرفوا عنهم، ولا يجتازوا عليهم، ففعلوا، فردوها وتوثقوا عليها وعليهما، أن يرجعوا عنهم، ولا يتخذوهم طريقا إلا من ورائهم فوفوا لهم، ولم يزل فِي نفس الهذيل على المازني، حَتَّى إذا قتل عثمان بْن عفان، جمع جمعا فأغار على سفار، وعليه بنو مازن، فقتلته بنو مازن ورموا بِهِ فِي سفار.
ولما رجع الهذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لَهَا: ما تأمريننا؟
فقد صالح مالك ووكيع قومهما، فلا ينصروننا ولا يزيدوننا على أن نجوز فِي أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم فقالت: اليمامة، فقالوا: إن شوكة أهل اليمامة شديدة، وقد غلظ أمر مسيلمة، فقالت: عليكم باليمامة،
(3/271)

ودفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة.
فنهدت لبني حنيفة، وبلغ ذَلِكَ مسيلمة فهابها، وخاف إن هو شغل بِهَا أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بْن حسنة، أو القبائل التي حولهم، فأهدى لَهَا، ثُمَّ أرسل إليها يستأمنها على نفسه حَتَّى يأتيها.
فنزلت الجنود على الأمواه، وأذنت لَهُ وآمنته، فجاءها وافدا فِي أربعين من بني حنيفة- وكانت راسخة فِي النصرانية، قد علمت من علم نصارى تغلب- فَقَالَ مسيلمة: لنا نصف الأرض، وَكَانَ لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الَّذِي ردت قريش، فحباك بِهِ، وَكَانَ لَهَا لو قبلت فقالت: لا يرد النصف إلا من حنف، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف فَقَالَ مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذ طمع، ولا زال أمره فِي كل ما سر نفسه يجتمع رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشة خلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار.
وقال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار، تصومون يوما، وتكلفون يوما، فسبحان الله! إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء ترقون! فلو أنها حبة خردلة، لقام عليها شهيد يعلم ما فِي الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور.
وَكَانَ مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولدا واحدا عقبا لا يأتي
(3/272)

امرأة إلى أن يموت ذَلِكَ الابن فيطلب الولد، حَتَّى يصيب ابنا ثُمَّ يمسك، فكان قد حرم النساء على من لَهُ ولد ذكر.
قَالَ أبو جعفر: وأما غير سيف ومن ذكرنا عَنْهُ هذا الخبر، فإنه ذكر أن مسيلمة لما نزلت بِهِ سجاح، أغلق الحصن دونها، فقالت لَهُ سجاح: انزل، قَالَ: فنحي عنك أصحابك، ففعلت فَقَالَ مسيلمة:
اضربوا لَهَا قبة وجمروها لعلها تذكر الباه، ففعلوا، فلما دخلت القبة نزل مسيلمة فَقَالَ: ليقف هاهنا عشرة، وهاهنا عشرة، ثُمَّ دارسها، فَقَالَ:
ما أوحي إليك؟ فقالت: هل تكون النساء يبتدئن! ولكن أنت قل ما أوحي إليك؟ قَالَ: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي قالت: وماذا أيضا؟ قَالَ: أوحي إلي: أن الله خلق النساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثُمَّ نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا قالت: أشهد أنك نبي، قَالَ: هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب! قالت: نعم، قَالَ:
ألا قومي إلى النيك ... فقد هيى لك المضجع
وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت بِهِ أجمع
(3/273)

قالت: بل بِهِ أجمع، قَالَ بذلك أوحي إلي فأقامت عنده ثلاثا ثُمَّ انصرفت إلى قومها، فقالوا: ما عندك؟ قالت: كَانَ على الحق فاتبعته فتزوجته، قالوا: فهل أصدقك شَيْئًا؟ قالت: لا، قالوا: ارجعي إليه، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق! فرجعت، فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن، وقال: ما لك؟ قالت: أصدقني صداقا، قَالَ: من مؤذنك؟
قالت: شبث بْن ربعي الرياحي، قَالَ: علي بِهِ، فجاء فَقَالَ: ناد فِي أصحابك أن مسيلمة بْن حبيب رَسُول اللَّهِ قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم بِهِ محمد: صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر.
قَالَ: وَكَانَ من أصحابها الزبرقان بْن بدر وعطارد بْن حاجب ونظراؤهم.
- وذكر الكلبي أن مشيخة بني تميم حدثوه أن عامة بني تميم بالرمل لا يصلونهما- فانصرفت ومعها أصحابها، فيهم الزبرقان، وعطارد بْن حاجب، وعمرو بْن الأهتم، وغيلان بْن خرشة، وشبث ابن ربعي، فَقَالَ عطارد بْن حاجب:
أمست نبيتنا أنثى نطيف بِهَا ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وقال حكيم بْن عياش الأعور الكلبي، وهو يعير مضر بسجاح، ويذكر ربيعة:
أتوكم بدين قائم وأتيتم ... بمنتسخ الآيات فِي مصحف طب
(3/274)

رجع الحديث إلى حديث سيف فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة، وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها، فباح لَهَا بذلك، وقال: خلِّفي على السلف من يجمعه لك، وانصرفي أنت بنصف العام، فرجع فحمل إليها النصف، فاحتملته وانصرفت بِهِ إلى الجزيرة، وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لينجز النصف الباقي، فلم يفجأهم إلا دنو خالد بْن الوليد منهم، فارفضُّوا فلم تزل سجاح فِي بني تغلب، حَتَّى نقلهم معاوية عام الجماعة فِي زمانه، وَكَانَ معاوية حين أجمع عَلَيْهِ أهل العراق بعد على ع يخرج من الكوفة المستغرب فِي أمر علي، وينزل داره المستغرب فِي أمر نفسه من أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة، وهم الذين يقال لهم النواقل فِي الأمصار، فأخرج من الكوفة قعقاع بْن عمرو بْن مالك الى إيليا بفلسطين، فطلب إليه أن ينزل منازل بني أبيه بني عقفان، وينقلهم إلى بني تميم، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة، وأنزلهم منازل القعقاع وبني أبيه، وجاءت معهم وحسن إسلامها، وخرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر، وقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد، ففعل وكتب الكتاب وَكَانَ الَّذِي يختلف بينهم طلحة بْن عبيد الله وأشهدوا شهودا منهم عمر فلما أتي عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد، ثُمَّ قال: لا والله ولا كرامة! ثم مرق الكتاب ومحاه، فغضب طلحة، فأتى أبا بكر، فَقَالَ: أأنت الأمير أم عمر؟ فَقَالَ: عمر، غير أن الطاعة لي.
فسكت.
وشهدا مَعَ خالد المشاهد كلها حَتَّى اليمامة، ثُمَّ مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة
(3/275)

ذكر البطاح وخبره
كتب إلي السري بْن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بْن عطية بْن بلال، قَالَ: لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة، ارعوى مالك بْن نويرة، وندم وتحير فِي أمره، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا، فرجعا رجوعا حسنا، ولم يتجبرا، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بِهَا خالدا، فَقَالَ خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأر كنا نطلبه فِي بني ضبة، وكانت أيام تشاغل وفرص، وقال وكيع فِي ذَلِكَ:
فلا تحسبا أني رجعت وأنني ... منعت وقد تحنى إلي الأصابع
ولكنني حاميت عن جل مالك ... ولاحظت حَتَّى أكحلتني الأخادع
فلما أتانا خالد بلوائه ... تخطت إليه بالبطاح الودائع
ولم يبق فِي بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كَانَ من مالك بْن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح، فهو على حاله متحير شج.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالا: لَمَّا أَرَادَ خَالِدٌ السَّيْرَ خَرَجَ مِنْ ظُفَرَ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَ أَسَدًا وَغَطَفَانَ وَطَيِّئًا وَهَوَازِنَ، فَسَارَ يُرِيدُ الْبِطَاحَ دُونَ الْحَزَنِ، وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَقَدْ تَرَدَّدَ عليه امره، وقد تردبت الأَنْصَارُ عَلَى خَالِدٍ وَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ، وَقَالُوا: مَا هَذَا بِعَهْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْنَا! إِنَّ الْخَلِيفَةَ عَهِدَ إِلَيْنَا إِنْ نَحْنُ فَرَغْنَا مِنَ الْبُزَاخَةِ، وَاسْتَبْرَأْنَا بِلادَ الْقَوْمِ أَنْ نُقِيمَ حَتَّى يَكْتُبَ إِلَيْنَا.
فَقَالَ خَالِدٌ: إِنْ يَكُ عَهِدَ إِلَيْكُمْ هَذَا فَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أَمْضِيَ، وَأَنَا الأَمِيرُ وَإِلَيَّ تَنْتَهِي الأَخْبَارُ وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي لَهُ كِتَابٌ وَلا أَمْرٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ فُرْصَةً، فَكُنْتُ إِنْ أَعْلَمْتُهُ فَاتَتْنِي لَمْ أُعْلِمْهُ حَتَّى أَنْتَهِزَهَا، كَذَلِكَ لَوِ ابْتُلِينَا بِأَمْرٍ لَيْسَ مِنْهُ
(3/276)