Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 006



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عَهْدٌ إِلَيْنَا فِيهِ لَمْ نَدَعْ أَنْ نَرَى أَفْضَلَ مَا بِحَضْرَتِنَا، ثُمَّ نَعْمَلَ بِهِ.
وَهَذَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ بِحِيَالِنَا، وَأَنَا قَاصِدٌ إِلَيْهِ وَمَنْ مَعِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَلَسْتُ أُكْرِهُكُمْ وَمَضَى خَالِدٌ، وَنَدِمَتِ الأَنْصَارُ، وَتَذَامَرُوا، وَقَالُوا: إِنْ أَصَابَ الْقَوْمُ خَيْرًا إِنَّهُ لَخَيْرٌ حُرِمْتُمُوهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ لَيَجْتَنِبَنَّكُمُ النَّاسُ فَأَجْمَعُوا اللِّحَاقَ بِخَالِدٍ وَجَرَّدُوا إِلَيْهِ رَسُولا، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَحِقُوا بِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى قَدِمَ الْبِطَاحَ فَلَمْ يَجِدْ بِهِ أَحَدًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، يذكر عن شعيب ابن إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ شَجَرَةَ الْعُقْفَانِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ الْمُثْعِبَةِ الرِّيَاحِيِّ، قال: قدم خالد ابن الْوَلِيدِ الْبِطَاحَ فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ أَحْدًا، وَوَجَدَ مَالِكًا قَدْ فَرَّقَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الاجْتِمَاعِ حِينَ تَرَدَّدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَقَالَ: يَا بَنِي يَرْبُوعٍ، إِنَّا قَدْ كُنَّا عَصَيْنَا أُمَرَاءَنَا إِذْ دَعَوْنَا إِلَى هَذَا الدِّينِ، وَبَطَّأْنَا النَّاسَ عنه فَلَمْ نُفْلِحْ وَلَمْ نَنْجَحْ، وَإِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ، فَوَجَدْتُ الأَمْرَ يَتَأَتَّى لَهُمْ بِغَيْرِ سِيَاسَةٍ، وَإِذَا الأَمْرُ لا يَسُوسُهُ النَّاسُ، فَإِيَّاكُمْ وَمُنَاوَأَةَ قَوْمٍ صُنِعَ لَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا إِلَى دِيَارِكُمْ وَادْخُلُوا فِي هَذَا الأَمْرِ فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَمْوَالِهِمْ، وَخَرَجَ مَالِكٌ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ الْبِطَاحَ بَثَّ السَّرَايَا وَأَمَرَهُمْ بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ أَنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَانَ مِمَّا أَوْصَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا نَزَلْتُمْ مَنْزِلا فَأَذِّنُوا وَأَقِيمُوا، فَإِنْ أَذَّنَ الْقَوْمُ وَأَقَامُوا فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلا شيء الا الغارة، ثم اقتلوهم كُلَّ قِتْلَةٍ، الْحَرْقَ فَمَا سِوَاهُ، وَإِنْ
(3/277)

أَجَابُوكُمْ إِلَى دَاعِيَةِ الإِسْلامِ فَسَائِلُوهُمْ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِالزَّكَاةِ فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْهَا فَلا شَيْءٌ إِلا الْغَارَةُ وَلا كَلِمَةٌ فَجَاءَتْهُ الْخَيْلُ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، مِنْ عَاصِمٍ وَعُبَيْدٍ وَعُرَيْنٍ وَجَعْفَرٍ، فَاخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِيهِمْ، وَفِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا وَصَلَّوْا فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِمْ أَمَرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، وَجَعَلَتْ تَزْدَادُ بَرْدًا، فَأَمَرَ خَالِدٌ مُنَادِيًا فَنَادَى: ادفئوا اسراكم، وكانت في لغة كنانه إذا قَالُوا: دَثِّرُوا الرَّجُلَ فَأَدْفِئُوهُ، دِفْئُهُ قَتْلُهُ وَفِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ: أَدْفِهِ فَاقْتُلْهُ، فَظَنَّ الْقَوْمُ- وَهِيَ فِي لُغَتِهِمِ الْقَتْلُ- أَنَّهُ أَرَادَ الْقَتْلَ، فَقَتَلُوهُمْ، فَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ مَالِكًا، وَسِمَع خَالِدٌ الْوَاعِيَةَ، فَخَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هَذَا عَمَلُكَ، فَزَبَرَهُ خَالِدٌ فَغَضِبَ وَمَضَى، حَتَّى أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَغَضِبَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى كَلَّمَهُ عُمَرُ فِيهِ، فَلَمْ يَرْضَ إِلا أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ حَتَّى قَدِمَ مَعَهُ الْمَدِينَةَ، وَتَزَوَّجَ خَالِدٌ أُمَّ تَمِيمِ ابْنَةَ الْمِنْهَالِ، وَتَرَكَهَا لِيَنْقَضِيَ طُهْرُهَا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَكْرَهُ النِّسَاءَ فِي الْحَرْبِ وَتُعَايِرُهُ، وَقَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ إِنَّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حَقًّا، حَقَّ عَلَيْهِ أَنْ تُقِيدَهُ، وَأَكَثَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يُقِيدُ مِنْ عُمَّالِهِ وَلا وَزَعَتِهِ- فَقَالَ: هَيْهٍ يَا عُمَرُ! تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ وَوَدي مَالِكًا وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ،
(3/278)

فَعَذَرَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ، وَعَنَّفَهُ فِي التَّزْوِيجِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيبُ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدَ قَوْمٌ مِنَ السَّرِيَّةِ أَنَّهُمْ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا وَصَلَّوْا، فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
وَشَهِدَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقُتِلُوا وَقَدِمَ أَخُوهُ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ يُنْشِدُ أَبَا بَكْرٍ دَمَهُ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ فِي سَبْيِهِمْ، فَكَتَبَ لَهُ بِرَدِّ السَّبْيِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي خَالِدٍ أَنْ يَعْزِلَهُ، وَقَالَ: إِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا فَقَالَ: لا يَا عُمَرُ، لَمْ أَكُنْ لأُشِيمَ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ سُوَيْدٍ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ شَعْرًا، وَإِنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ أَثَفُّوا بِرُءُوسِهِمْ الْقُدُورَ، فَمَا مِنْهُمْ رَأْسٌ إِلا وَصَلَتِ النَّارُ إِلَى بَشْرَتِهِ مَا خَلا مَالِكًا، فَإِنَّ الْقِدْرَ نَضَجَتْ وَمَا نَضَجَ رَأْسُهُ مِنْ كَثْرَةِ شَعْرِهِ، وَقَى الشَّعْرُ الْبَشْرَةَ حَرَّهَا أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ ذَلِكَ.
وَأَنْشَدَهُ مُتَمِّمٌ، وَذَكَرَ خَمْصَهُ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَآهُ مَقْدَمَهُ عَلَى النبي ص، فَقَالَ: أَكَذَاكَ يَا مُتَمِّمُ كَانَ! قَالَ: أَمَّا ما أَعْنِي فَنَعَمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مِنْ عَهْدِهِ إِلَى جُيُوشِهِ: أَنْ إِذَا غَشِيتُمْ دَارًا مِنْ دُورِ النَّاسِ فَسَمِعْتُمْ فِيهَا أَذَانًا لِلصَّلاةِ، فَأَمْسِكُوا عَنْ أَهْلِهَا حَتَّى تَسْأَلُوهُمْ مَا الَّذِي نَقَمُوا! وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا أَذَانًا، فَشِنُّوا الْغَارَةَ، فَاقْتُلُوا، وَحَرِّقُوا
(3/279)

وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ لِمَالِكٍ بِالإِسْلامِ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، وَقَدْ كَانَ عَاهَدَ اللَّهَ أَلا يَشْهَدَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَرْبًا أَبَدًا بَعْدَهَا، وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ لَمَّا غَشُوا الْقَوْمَ رَاعُوهُمْ تَحْتَ اللَّيْلِ، فَأَخَذَ الْقَوْمُ السِّلاحَ قَالَ: فَقُلْنَا: إِنَّا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، قُلْنَا: فَمَا بَالُ السِّلاحُ مَعَكُمْ! قَالُوا لَنَا: فَمَا بَالُ السِّلاحُ مَعَكُمْ! قُلْنَا: فَإِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ فَضَعُوا السِّلاحَ، قَالَ: فَوَضَعُوهَا، ثُمَّ صَلَّيْنَا وَصَلُوا وَكَانَ خَالِدٌ يَعْتَذِرُ فِي قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ وَهُوَ يُرَاجِعُهُ: مَا أَخَالُ صَاحِبَكُمْ إِلا وَقَدْ كَانَ يقول كذا وكذا قال: او ما تَعُدُّهُ لَكَ صَاحِبًا! ثُمَّ قَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَعْنَاقَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَتْلَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، تَكَلَّمَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَأَكْثَرَ، وقال: عدو الله عدا عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ نَزَا عَلَى امْرَأَتِهِ! وَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَافِلا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِ قِبَاءٌ لَهُ عَلَيْهِ صَدَأُ الْحَدِيدِ، مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ لَهُ، قَدْ غَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ أَسْهُمًا، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَانْتَزَعَ الأَسْهُمَ مِنْ رَأْسِهِ فَحَطَّمَهَا، ثم قال:
ارثاء! قتلت امْرَأً مُسْلِمًا، ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ! وَاللَّهِ لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ- وَلا يُكَلِّمُهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلا يَظُنُّ إِلا أَنَّ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِثْلِ رَأْيِ عُمَرَ فِيهِ- حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَعَذَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَتَجَاوَزَ عَنْهُ مَا كَانَ فِي حَرْبِهِ تِلْكَ قَالَ: فَخَرَجَ خَالِدٌ حِينَ رَضِيَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: هَلُمَّ الى يا بن أُمِّ شَمْلَةَ! قَالَ: فَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ.
وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ مَالِكَ بْنِ نُوَيْرَةَ عَبْدُ بْنُ الأَزْوَرِ الأَسَدِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: الَّذِي قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ ضِرَارُ بْنُ الأزور
(3/280)

ذِكْرُ بَقِيَّةِ خَبَرِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَقَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ بَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَتْبَعَهُ شُرَحْبِيلَ عَجِلَ عِكْرِمَةُ، فَبَادَرَ شُرَحْبِيلَ لِيَذْهَبَ بِصَوْتِهَا فَوَاقَعَهُمْ، فَنَكَبُوهُ، وَأَقَامَ شُرَحْبِيلُ بِالطَّرِيقِ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْخَبَرُ، وَكَتَبَ عِكْرِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابو بكر: يا بن أُمِّ عِكْرِمَةَ، لا أَرَيْنَكَ وَلا تَرَانِي عَلَى حَالِهَا! لا تَرْجِعْ فَتُوهِنَ النَّاسَ، امْضِ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى تُسَانِدَ حُذَيْفَةَ وَعُرْفُجَةَ فَقَاتِلْ مَعَهُمَا أَهْلَ عُمَانَ وَمهْرَةَ، وَإِنْ شُغِلا فَامْضِ أَنْتَ، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون مَنْ مَرَرْتُمْ بِهِ، حَتَّى تَلْتَقُوا أَنْتُمْ وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ.
وَكَتَبَ إِلَى شُرَحْبِيلَ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوَجِّهَ خَالِدًا بِأَيَّامٍ إِلَى الْيَمَامَةِ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ خَالِدٌ، ثُمَّ فَرَغْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَالْحَقْ بِقُضَاعَةَ، حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مَنْ أَبَى مِنْهُمْ وَخَالَفَ فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْبِطَاحِ رَضِيَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ خَالِدٍ، وَسَمِعَ عُذْرَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ وَصَدَّقَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَوَجَّهَهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَوْعَبَ مَعَهُ النَّاسَ وَعَلَى الأَنْصَارِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ فُلانٍ، وَعَلَى الْمُهَاجِرِينَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَزَيْدٌ، وَعَلَى الْقَبَائِلِ، عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ.
وَتَعَجَّلَ خَالِدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْبِطَاحِ، وَانْتَظَرَ الْبَعْثَ الَّذِي ضَرَبَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ نَهَضَ حَتَّى أَتَى الْيَمَامَةَ وَبَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ، عَنْ رِجَالٍ، قَالُوا: كَانَ عَدَدُ بَنِي حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فِي قُرَاهَا
(3/281)

وَحِجْرِهَا، فَسَارَ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا أَظَلَّ عَلَيْهِمْ أَسْنَدَ خُيُولا لِعُقةَ وَالْهُذَيْلِ وَزِيَادٍ، وَقَدْ كَانُوا أَقَامُوا عَلَى خَرْجٍ أَخْرَجَهُ لَهُمْ مُسَيْلِمَةُ لِيُلْحِقُوا بِهِ سَجَاحَ.
وَكَتَبَ إِلَى الْقَبَائِلِ مِنْ تَمِيمٍ فِيهِمْ، فَنَفَرُوهُمْ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَعَجَلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَفَعَلَ فِعْلَ عِكْرِمَةَ، وَبَادَرَ خَالِدًا بِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ قَبْلَ قُدُومِ خَالِدٍ عَلَيْهِ، فَنُكِبَ، فَحَاجَزَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدٌ لامَهُ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ خَالِدٌ تِلْكَ الْخُيُولَ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتُوهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَكَانُوا بِأَفْنِيَةِ الْيَمَامَةِ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ فُلانٍ، قَالَ: وَأَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا بِسُلَيْطٍ، لَيَكُونَ رِدْءًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْفِهِ، فَخَرَجَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ خَالِدٍ وَجَدَ تِلْكَ الْخُيُولَ الَّتِي انْتَابَتْ تِلْكَ الْبِلادَ قَدْ فُرِّقُوا، فَهَرَبُوا، وَكَانَ مِنْهُمْ قَرِيبًا رِدْءًا لَهُمْ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: لا أَسْتَعْمِلُ أَهْلَ بَدْرٍ، أَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِهِمْ وَبِالصُّلَحَاءِ مِنَ الأُمَمِ أَكْثَرَ وَأَفْضَلَ مِمَّا يَنْتَصِرُ بِهِمْ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ:
وَاللَّهِ لأُشْرِكَنَّهُمْ وليُواسُنَّني كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بْن الأعلم، عن عبيد بْن عمير، عن اثال الحنفي- وكان مع ثمامة بْن أثال- قال: وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح، وكان معه نهار الرجال بْن عنفوة، وكان قد هاجر الى النبي ص، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، فبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدا ص يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وامروه بمكاتبه النبي ص
(3/282)

، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال بْن عنفوة لا يقول شيئا إلا تابعه عليه، وكان ينتهي الى امره، وكان يؤذن للنبي ص، ويشهد في الأذان أن محمدا رسول اللَّه، وكان الذي يؤذن له عبد اللَّه بْن النواحة، وكان الذي يقيم له حجير بْن عمير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم، فعظم وقاره في أنفسهم قال: وضرب حرما باليمامة، فنهى عنه، وأخذ الناس به، فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الأحاليف، أفخاذ من بنى اسيد، كانت دراهم باليمامة، فصار مكان دارهم في الحرم- والأحاليف: سيحان ونمارة ونمر والحارث بنو جروة- فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة، واتخذوا الحرم دغلا، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم، وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم، فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم ثم قال لهم: والليل الأطحم، والذئب الأدلم والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم، فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى.
فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس، فقالوا: أما النخيل مرطبة فقد جدوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها، فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم.
وكان فيما يقرأ لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه
(3/283)

عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن.
وكان يقول: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها والشاء السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون!.
وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين.
وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه.
قال: وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت: إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع اللَّه لمائنا ولنخلنا كما دعا مُحَمَّد لأهل هزمان.
فقال: يا نهار ما تقول هذه؟ فقال: ان اهل هزمان أتوا محمدا ص فشكوا بعد مائهم، - وكانت آبارهم جرزا- ونخلهم أنها سحق، فدعا لهم فجاشت آبارهم، وانحنت كل نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها، فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقا ثم قطعت من دون ذلك، فعادت فسيلا مكمما ينمى صاعدا.
قال: وكيف صنع بالآبار؟ قال: دعا بسجل، فدعا لهم فيه،
(3/284)

ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار، ثم سقوه نخلهم، ففعل النبي ما حدثتك، وبقي الآخر إلى انتهائه فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه، ثم تمضمض منه، ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم، وإنما استبان ذلك بعد مهلكه.
وقال له نهار: برك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟
قال: كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدا ص فحنكه ومسح رأسه، فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه.
وقالوا: تتبع حيطانهم كما كان محمد ص يصنع فصل فيها: فدخل حائطا من حوائط اليمامة، فتوضأ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقي به حائطك حتى يروى ويبتل، كما صنع بنو المهرية، أهل بيت من بني حنيفة- وكان رجل من المهرية قدم على النبي ص فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره، ثم نزع وسقى، وكانت أرضه تهوم فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة- ففعل فعادت يبابا لا ينبت مرعاها.
وأتاه رجل فقال: ادع اللَّه لأرضي فإنها مسبخه، كما دعا محمد ص لسلمي على أرضه فقال: ما يقول يا نهار؟ فقال:
(3/285)

قدم عليه سلمي، وكانت أرضه سبخة فدعا له، وأعطاه سجلا من ماء، ومج له فيه، فأفرغه في بئره، ثم نزع، فطابت وعذبت، ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل، ففعل بالسجل كما فعل سلمي، فغرقت أرضه، فما جف ثراها، ولا أدرك ثمرها.
وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها، فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها، وكانوا قد علموا واستبان لهم، ولكن الشقاء غلب عليهم.
كتب إلي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفرة النمري، عن عمير بْن طلحة النمري، عن أبيه، أنه جاء اليمامة، فقال: أين مسيلمة؟ قالوا: مه رسول اللَّه! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه، قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من يأتيك؟
قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، فقتل معه يوم عقرباء.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الكلبي مثله، إلا أنه قال: كذاب ربيعة أحب إلي من كذاب مضر.
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بْن الأعلم، عن عبيد بْن عمير، عن رجل منهم، قال: لما بلغ مسيلمة دنو خالد، ضرب عسكره بعقرباء، واستنفر الناس، فجعل الناس يخرجون إليه، وخرج مجاعة بْن مرارة في سريه يطلب ثارا له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته، وبادر به الشغل، فأما ثأره في بني عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم، فمنعوه منها، فاختلجها، وأما ثأره في بني تميم فنعم أخذوا له واستقبل خالد شرحبيل بْن حسنة، فقدمه وأمر على المقدمة خالد بْن فلان المخزومي، وجعل على المجنبتين زيدا وأبا حذيفة، وجعل مسيلمة على
(3/286)

مجنبتيه المحكم والرجال، فسار خالد ومعه شرحبيل، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليله، هجم على جبيله هجوم- المقلل يقول:
أربعين، والمكثر يقول: ستين- فإذا هو مجاعة وأصحابه، وقد غلبهم الكرى، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر، قد طووا إليهم، واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهي معهم، فعرسوا دون أصل الثنية، ثنية اليمامة، فوجدوهم نياما وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم، فأنبهوهم، وقالوا: من أنتم؟ قالوا: هذا مجاعة وهذه حنيفة، قالوا:
وأنتم فلا حياكم اللَّه! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بْن الوليد، فأتوه بهم، فظن خالد أنهم جاءوه ليستقبلوه وليتقوه بحاجته، فقال: متى سمعتم بنا؟
قالوا: ما شعرنا بك، إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم، ولو فطنوا لقالوا: تلقيناك حين سمعنا بك فأمر بهم أن يقتلوا، فجادوا كلهم بأنفسهم دون مجاعة بْن مرارة، وقالوا: إن كنت تريد بأهل اليمامة غدا خيرا أو شرا فاستبق هذا ولا تقتله، فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كالرهينة.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعَثَ إِلَى الرَّجَّالِ فَأَتَاهُ فَأَوْصَاهُ بِوَصِيَّتِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَلَى الصِّدْقِ حِينَ أَجَابَهُ قَالا:
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: جَلَسْتُ مَعَ النَّبِيِّ ص في رهط معنا الرجال ابن عُنْفُوَةَ، فَقَالَ: [إِنَّ فِيكُمْ لَرَجُلا ضَرْسُهُ فِي النَّارِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ،] فَهَلَكَ الْقَوْمُ وَبَقِيتُ أَنَا وَالرَّجَّالُ، فَكُنْتُ مُتَخَوِّفًا لَهَا، حَتَّى خَرَجَ الرَّجَّالُ مَعَ مُسَيْلِمَةَ، فَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَكَانَتْ فِتْنَةُ الرَّجَّالِ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ،.
فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا، فَسَارَ حَتَّى إِذَا بلغ ثنية اليمامه، استقبل مجاعه ابن مِرَارَةَ- وَكَانَ سَيَّدَ بَنِي حَنِيفَةَ- فِي جَبَلٍ مِنْ قَوْمِهِ، يُرِيدُ الْغَارَةَ عَلَى
(3/287)

بَنِي عَامِرٍ، وَيَطْلُبُ دَمًا، وَهُمْ ثَلاثَةٌ وَعِشْرُونَ فَارِسًا رُكْبَانًا قَدْ عَرَسُوا.
فَبَيَّتَهُمْ خَالِدٌ فِي مَعْرَسِهِمْ، فَقَالَ: مَتَى سَمِعْتُمْ بِنَا؟ فَقَالُوا: مَا سمعنا بكم، انما خرجنا لنثئر بِدَمٍ لَنَا فِي بَنِي عَامِرٍ فَأَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَاسْتَحْيَا مُجَّاعَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ وَبَنُو حَنِيفَةَ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدٍ، فَنَزَلُوا بِعَقْرَبَاءَ، فَحَلَّ بِهَا عَلَيْهِمْ- وَهِيَ طَرَفُ الْيَمَامَةِ دُونَ الأَمْوَالِ- وَرِيفُ الْيَمَامَةِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسَيْلِمَةَ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، الْيَوْمَ يَوْمَ الْغَيْرَةِ، الْيَوْمَ إِنْ هزمتم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير خطيبات، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ فَاقْتَتَلُوا بِعَقْرَبَاءَ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالُوا: تَخْشَى عَلَيْنَا مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا! فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا! وَكَانَتْ رَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ عَلَى رَايَاتِهَا وَمُجَّاعَةُ أَسِيرٌ مَعَ أُمِّ تَمِيمٍ فِي فُسْطَاطِهَا فَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً، وَدَخَلَ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى أُمِّ تَمِيمٍ، فَأَرَادُوا قَتْلَهَا، فَمَنَعَهَا مُجَّاعَةُ قَالَ: أَنَا لَهَا جَارٌ، فَنِعْمَتِ الْحُرَّةُ هِيَ! فَدَفَعَهُمْ عَنْهَا، وَتَرَادَّ الْمُسْلِمُونَ، فَكَرُّوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَتْ بَنُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ الْمُحكمُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، ادْخُلُوا الْحَدِيقَةَ، فَإِنِّي سَأَمْنَعُ أَدْبَارَكُمْ، فَقَاتَلَ دُونَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ قَتَلَهُ اللَّهُ، قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَدَخَلَ الْكُفَّارُ الْحَدِيقَةَ، وَقَتَلَ وَحْشِيُّ مُسَيْلِمَةَ، وَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَشَارَكَهُ فِيهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ سَيْفٍ هَذَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا خَالِدٌ بِمُجَّاعَةَ وَمَنْ أُخِذَ مَعَهُ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَالَ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، مَا تَقُولُونَ؟ قَالُوا: نَقُولُ: مِنَّا نَبِيٌّ وَمِنْكُمْ نَبِيٌّ، فَعَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ وَمُجَّاعَةُ بْنُ مِرَارَةَ، قَالَ لَهُ سَارِيَةٌ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ غَدًا خَيْرًا أَوْ شَرًّا، فَاسْتَبْقِ هَذَا الرَّجُلَ- يَعْنِي مُجَّاعَةَ- فَأَمَرَ بِهِ خَالِدٌ فَأَوْثَقَهُ فِي الْحَدِيدِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ تَمِيمٍ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: اسْتَوْصِي بِهِ
(3/288)

خَيْرًا، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ الْيَمَامَةَ عَلَى كَثِيبٍ مُشْرِفٍ عَلَى الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَقَدْ قَدِمَ فِي مُقَدِّمَتِهِ الرَّحَّالُ- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ بِالْحَاءِ- بْنُ عُنْفُوَةَ بْنِ نَهْشَلٍ، وَكَانَ الرَّحَّالُ رَجُلا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْيَمَامَةَ شَهِدَ لِمُسَيْلِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَدْ كَانَ أَشْرَكَهُ فِي الأَمْرِ فَكَانَ أَعْظَمَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ فِتْنَةً مِنْ مُسَيْلِمَةَ، وَكَانَ المسلمون يسألون عن الرجال يَرْجُونَ أَنَّهُ يَثْلِمُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ أَمْرَهُمْ بِإِسْلامِهِ، فَلَقِيَهُمْ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ مُتَكَتِّبًا، وَقَدْ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ، وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ النَّاسِ وَالنَّاسُ عَلَى مُصَافِّهِمْ، وَقَدْ رَأَى بَارِقَةً فِي بَنِي حَنِيفَةَ:
أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَفَاكُمُ اللَّهُ أَمْرَ عَدُوِّكُمْ وَاخْتَلَفَ الْقَوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَنَظَرَ مُجَّاعَةُ وَهُوَ خَلْفَهُ مُوَثَّقًا فِي الْحَدِيدِ، فَقَالَ: كَلا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّهَا الْهُنْدُوَانِيَّةِ خَشَوْا عَلَيْهَا مِنْ تَحَطُّمِهَا، فَأَبْرَزُوهَا لِلشَّمْسِ لِتَلِينَ لَهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ لقيهم الرجال بْنُ عُنْفُوَةَ، فَقَتَلَهُ اللَّهَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن محمد بن إسحاق، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، عَنْ أَبِي هريرة، [ان رسول الله ص قَالَ يَوْمًا- وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَرَجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ فِي مَجْلِسٍ عِنْدَهُ:
لَضِرْسُ أَحَدِكُمْ أَيُّهَا الْمَجْلِسُ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ] .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَضَى الْقَوْمُ لِسَبِيلِهِمْ، وَبَقِيتُ انا ورجال بْنُ عُنْفُوَةَ، فَمَا زِلْتُ لَهَا مَتَخَوِّفًا، حَتَّى سمعت بمخرج رجال، فَأَمَنْتُ وَعَرَفْتُ أَنَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حَقٌّ.
ثُمَّ الْتَقَى النَّاسُ وَلَمْ يَلْقَهُمْ حَرْبٌ قَطُّ مِثْلَهَا مِنْ حَرْبِ الْعَرَبِ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالا شَدِيدًا، حَتَّى انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَخَلَصَ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى مُجَّاعَةَ وَإِلَى خَالِدٍ، فَزَالَ خَالِدٌ عَنْ فُسْطَاطِهِ وَدَخَلَ أُنَاسٌ الْفُسْطَاطَ وَفِيهِ مُجَّاعَةَ عِنْدَ أُمِّ تَمِيمٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: مَهْ،
(3/289)

أَنَا لَهَا جَارٌ، فَنِعْمَتِ الْحُرَّةُ! عَلَيْكُمْ بِالرِّجَالِ، فَرَعْبَلُوا الْفُسْطَاطَ بِالسُّيُوفِ ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ تَدَاعَوْا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ:
بِئْسَمَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ- يَعْني أَهْلَ الْيَمَامَةِ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ- ثُمَّ جَالَدَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ انْكَشَفَ النَّاسُ عَنْ رِحَالِهِمْ: لا تَحُوزُ بَعْدُ الرِّحَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ قَامَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- وَكَانَ إِذَا حَضَرَ الْحَرْبُ أَخَذَتْهُ الْعُرَوَاءُ حَتَّى يَقْعُدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ تَحْتَهُمْ حَتَّى يَبُولَ فِي سَرَاوِيلِهِ، فَإِذَا بَالَ يَثُورُ كَمَا يَثُورُ الأَسَدُ- فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَ النَّاسُ أَخَذَهُ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُهُ حَتَّى قَعَدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمَّا بَالَ وَثَبَ، فَقَالَ: أَيْنَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ! أَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، هَلُمَّ إِلَيَّ! وَفَاءَتْ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَاتَلُوا الْقَوْمَ حَتَّى قَتَلَهَمُ اللَّهُ، وَخَلَصُوا إِلَى مُحَكِّمِ الْيَمَامَةِ- وَهُوَ مُحَكِّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ- فَقَالَ حِينَ بَلَغَهُ الْقِتَالُ: يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيفَةَ، الآنَ وَاللَّهِ تُسْتَحْقَبُ الْكَرَائِمُ غَيْرَ رَضِيَّاتٍ، وَيُنْكَحْنَ غير خطيبات، فَمَا عِنْدَكُمْ مِنْ حَسَبٍ فَأَخْرِجُوهُ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا، وَرَمَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي نَحْرِهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَحَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى الْحَدِيقَةِ، حَدِيقَةِ الْمَوْتِ، وَفِيهَا عَدُوُّ اللَّهِ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَقَالَ الْبَرَاءُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيقَةِ فَقَالَ النَّاسُ: لا تَفْعَلْ يَا بَرَاءُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَطْرِحُنِّي عَلَيْهِمْ فِيهَا، فَاحْتَمَلَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْحَدِيقَةِ مِنَ الْجِدَارِ، اقْتَحَمَ فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها المسلمون، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ عَدُوَّ اللَّهِ، وَاشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ وَحْشِيٌّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كِلاهُمَا قَدْ أَصَابَهُ، أَمَّا وَحْشِيٌّ فَدَفَعَ عَلَيْهِ حَرْبَتَهُ، وَأَمَّا الأَنْصَارِيُّ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ، فَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقُولُ: رَبُّكَ أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ!
(3/290)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلا يَوْمَئِذٍ يَصْرُخُ يَقُولُ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ الرَّجَّالُ بِحِيَالِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا دَنَا صَفَّاهُمَا، قَالَ زَيْدٌ: يَا رَجَّالُ، اللَّهَ الله! فو الله لَقَدْ تَرَكْتَ الدِّينَ، وَإِنَّ الَّذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ لأَشْرَفُ لَكَ، وَأَكْثَرُ لِدُنْيَاكَ فَأَبَى، فَاجْتَلَدَا فَقُتِلَ الرِّجَّالُ وَأَهْلُ الْبَصَائِرِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فِي أَمْرِ مُسَيْلِمَةَ، فَتَذَامَرُوا وَحَمَلَ كُلُّ قَوْمٍ فِي نَاحِيَتِهِمْ، فَجَالَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى بَلَغُوا عَسْكَرَهُمْ، ثُمَّ أَعْرُوهُ لَهُمْ، فَقَطَعُوا أَطْنَابَ الْبُيُوتِ، وَهَتَكُوهَا، وَتَشَاغَلُوا بِالْعَسْكَرِ، وَعَالَجُوا مُجَّاعَةَ، وَهَمُّوا بِأُمِّ تَمِيمٍ، فَأَجَارَهَا، وَقَالَ: نِعْمَ أُمُّ الْمَثْوَى! وَتَذَامَرَ زَيْدٌ وَخَالِدٌ وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَتَكَلَّمَ النَّاسُ- وَكَانَ يَوْمَ جَنُوبٍ لَهُ غُبَارٌ- فَقَالَ زَيْدٌ: لا وَاللَّهِ لا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ حَتَّى نَهْزِمَهُمْ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي! عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا فَفَعَلُوا، فَرَدُّوهُمْ إِلَى مُصَافِّهِمْ حَتَّى أَعَادُوهُمْ إِلَى أَبْعَدِ مِنَ الْغَايَةِ الَّتِي حُيِّزُوا إِلَيْهَا مِنْ عَسْكَرِهِمْ، وَقُتِلَ زَيْدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَكَلَّمَ ثَابِتٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنْتُمْ حِزْبُ اللَّهِ وَهُمْ أَحْزَابُ الشَّيْطَانِ، وَالْعِزَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَحْزَابِهِ، أَرُونِي كَمَا أُرِيكُمْ، ثُمَّ جَلَدَ فِيهِمْ حَتَّى حَازَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآِن، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ وَحَمَلَ فَحَازَهُمْ حَتَّى أَنْفَذَهُمْ، وَأُصِيبَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَقَالَ لِحُمَاتِهِ: لا أُوتِيَنَّ مِنْ خَلْفِي حَتَّى كَانَ بِحِيَالِ مُسَيْلِمَةَ يَطْلُبُ الْفُرْصَةَ وَيَرْقُبُ مُسَيْلِمَةَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا أُعْطِيَ سَالِمٌ الرَّايَةَ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: مَا أَعْلَمُنِي لأَيِّ شَيْءٍ أَعْطَيْتُمُونِيهَا! قُلْتُمْ: صَاحِبُ قُرْآنٍ وَسَيَثْبُتُ كَمَا ثَبَتَ صَاحِبُهَا
(3/291)

قَبْلَهُ حَتَّى مَاتَ! قَالُوا: أَجَلْ وَقَالُوا: فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ؟ فَقَالَ: بِئْسَ وَاللَّهِ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِنْ لَمْ أَثْبُتْ! وَكَانَ صَاحِبَ الرَّايَةِ قَبْلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَانِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَالَ مُجَّاعَةُ لِبَنِي حَنِيفَةَ: وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالرَّجَّالِ، إِذَا فِئَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَذَامَرُوا بَيْنَهُمْ فَتَفَانُوا وَتَفَانَى الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، وتكلم رجال من اصحاب رسول الله ص، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ لا أَتَكَلَّمُ أَوْ أَظْفَرُ أَوْ أُقْتَلُ، وَاصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ أَنَا، فَحَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: بِئْسَمَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! هَكَذَا عَنِّي حَتَّى أُرِيَكُمُ الْجلادَ وَقُتِلَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُبَشِّرٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ رَجَعَ: أَلا هَلَكْتَ قَبْلَ زيد! هلك زيد وأنت حي! فقال: قد حَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ، وَلَكِنَّ نَفْسِي تَأَخَّرَتْ، فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ وَقَدْ هَلَكَ زَيْدٌ؟ أَلا وَارَيْتَ وَجْهَكَ عَنِّي! فَقَالَ: سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فَأُعْطِيهَا، وَجَهَدْتُ أَنْ تُسَاقَ إِلَيَّ فَلَمْ أُعْطَهَا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بْن الأعلم، عن عبيد بْن عمير: إن المهاجرين والأنصار جبنوا أهل البوادي وجبنهم أهل البوادي، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كي نستحيا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا وقال أهل القرى: نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فسترون إذا امتزنا من اين يجيء الخلل! فامتازوا، فما رئى يوم كان أحد ولا أعظم نكاية مما رئى يومئذ، ولم يدر أي الفريقين كان أشد فيهم نكاية! إلا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثر منها في أهل البادية، وأن البقية أبدا في الشدة.
ورمى عبد الرحمن بْن أبي بكر المحكم بسهم فقتله وهو يخطب، فنحره
(3/292)

وقتل زيد بْن الخطاب الرجال بْن عنفوة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُحَيْمٍ قَدْ شَهِدَهَا مَعَ خَالِدٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ- وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ سِجَالا إِنَّمَا تَكُونُ مَرَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَرَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ- فَقَالَ خَالِدٌ: أَيُّهَا النَّاسُ امْتَازُوا لِنَعْلَمَ بَلاءَ كُلِّ حَيٍّ، وَلِنَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ نُؤْتَى! فَامْتَازَ أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي، وَامْتَازَتِ الْقَبَائِلُ من اهل البادية واهل الحاضر، فَوَقَفَ بَنُو كُلِّ أَبٍ عَلَى رَايَتِهِمْ، فَقَاتَلُوا جَمِيعًا، فَقَالَ أَهْلُ الْبَوَادِي يَوْمَئِذٍ: الآنَ يَسْتَحِرُّ الْقَتْلُ فِي الأَجْزَعِ الأَضْعَفِ، فَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الْقُرَى، وَثَبَتَ مُسَيْلِمَةُ، وَدَارَتْ رَحَاهُمْ عَلَيْهِ، فَعَرَفَ خَالِدٌ أنَّهَا لا تَرْكُدُ إِلا بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، وَلَمْ تَحْفَلْ بَنُو حَنِيفَةَ بِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ثُمَّ بَرَزَ خَالِدٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَمَامَ الصَّفِّ دَعَا إِلَى الْبِرَازِ وَانْتَمَى، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ الْعود، أَنَا ابْنُ عَامِرٍ وَزَيْدٍ! وَنَادَى بِشِعَارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: يَا مُحَمَّدَاهُ! فَجَعَلَ لا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ إِلا قَتَلَهُ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
أَنَا ابْنُ أَشْيَاخٍ وَسَيْفِي السَّخْتُ أَعْظَمُ شَيْءٍ حِينَ يَأْتِيكَ النَّفْتُ وَلا يَبْرُزُ لَهُ شَيْءٌ إِلا أَكَلَهُ، ودارت رحا المسلمى وَطَحَنَتْ ثُمَّ نَادَى خَالِدٌ حِينَ دَنَا مِنْ مسيلمه-[وكان رسول الله ص قَالَ: إِنْ مَعَ مُسَيْلِمَةَ شَيْطَانًا لا يَعْصِيهِ، فَإِذَا اعْتَرَاهُ أَزْبَدَ كَأَنَّ شِدْقَيْهِ زَبِيبَتَانِ لا يَهِمُّ بِخَيْرٍ أَبَدًا إِلا صَرَفَهُ عَنْهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُ عَوْرَةً، فَلا تُقِيلُوهُ الْعَثْرَةَ]- فَلَمَّا دَنَا خَالِدٌ مِنْهُ طَلَبَ تِلْكَ، وَرَآهُ ثَابِتًا وَرَحَاهُمْ تَدُورُ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ أَنَّهَا لا تَزُولُ إِلا بِزَوَالِهِ، فَدَعَا مُسَيْلِمَةَ طَلَبًا لِعَوْرَتِهِ، فَأَجَابَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِي مُسَيْلِمَةُ، وَقَالَ: إِنْ قَبِلْنَا النِّصْفَ، فَأَيُّ الأَنْصَافِ تُعْطِينَا؟ فَكَانَ إِذَا هَمَّ بِجَوَابِهِ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ مُسْتَشِيرًا، فَيَنْهَاهُ شيطانه ان
(3/293)

يَقْبَلَ، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ مَرَّةً مِنْ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ خَالِدٌ فَأَرْهَقَهُ فَأَدْبَرَ، وَزَالُوا فَذَمَرَ خَالِدٌ النَّاسَ، وَقَالَ: دُونَكُمْ لا تُقِيلُوهُمْ! وَرَكِبُوهُمْ فَكَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ، فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ حِينَ قَامَ، وَقَدْ تَطَايَرَ النَّاسُ عَنْهُ، وَقَالَ قَائِلُونَ:
فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَعِدُنَا؟ فَقَالَ: قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، قَالَ: وَنَادَى الْمُحَكِّمُ:
يَا بَنِي حَنِيفَةَ، الْحَدِيقَةَ الْحَدِيقَةَ! وَيَأْتِي وَحْشِيٌّ عَلَى مُسَيْلِمَةَ وَهُوَ مُزْبِدٌ مُتَسَانِدٌ لا يَعْقِلُ مِنَ الْغَيْظِ، فَخَرَطَ عَلَيْهِ حَرْبَتَهُ فَقَتَلَهُ، وَاقْتَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ حَدِيقَةَ الْمَوْتِ مِنْ حِيطَانِهَا وَأَبْوَابِهَا، فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَحَدِيقَةُ الْمَوْتُ عَشَرَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن هارون، وطلحة، عن عمرو بْن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا في قتل مسيلمة عندها، فقال قائلون: فيها قتل، فدخلوها وأغلقوها عليهم، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بْن مالك، فقال: يا معشر المسلمين، احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه، ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى: أنزلوني، ثم قال: احملوني، ففعل ذلك مرارا ثم قال:
أف لهذا خشعا! ثم قال: احملوني، فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا، فأغلق الباب عليهم، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يروا مثله، وأبير من في الحديقة منهم، وقد قتل اللَّه مسيلمة، وقالت له بنو حنيفة: أين ما كنت تعدنا! قال: قاتلوا عن أحسابكم! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن هارون وطلحة وابن إسحاق، قالوا: لما صرخ الصارخ أن العبد الأسود قتل مسيلمة، خرج
(3/294)

خالد بمجاعة يرسف في الحديد ليريه مسيلمة، وأعلام جنده، فأتى على الرجال فقال: هذا الرِّجَالِ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
لَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ أَتَى خَالِدٌ فَأُخْبِرَ، فَخَرَجَ بِمُجَّاعَةَ يَرْسُفُ مَعَهُ فِي الْحَدِيدِ لِيَدُلَّهُ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، فَجَعَلَ يَكْشِفُ لَهُ الْقَتْلَى حَتَّى مَرَّ بِمُحَكِّمِ بْنِ الطُّفَيْلِ- وَكَانَ رَجُلا جَسِيمًا وَسِيمًا- فَلَمَّا رَآهُ خَالِدٌ، قَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ قَالَ: لا، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَكْرَمُ، هَذَا مُحَكِّمُ الْيَمَامَةِ قَالَ: ثُمَّ مَضَى خَالِدٌ يَكْشِفَ لَهُ الْقَتْلَى حَتَّى دَخَلَ الْحَدِيقَةَ، فَقَلَبَ لَهُ الْقَتْلَى، فَإِذَا رُوَيْجِلٌ أُصَيْفِرُ أُخَيْنِس فَقَالَ مُجَّاعَةُ: هَذَا صَاحِبُكُمْ، قَدْ فَرَغْتُمْ مِنْهُ، فَقَالَ خَالِدٌ لِمُجَّاعَةَ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي فَعَلَ بِكُمْ مَا فَعَلَ، قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا خَالِدُ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا جَاءَكَ إِلا سَرْعَانُ النَّاسِ، وَإِنَّ جَمَاهِيرَ النَّاسِ لَفِي الْحُصُونِ فَقَالَ: وَيْلَكَ مَا تَقُولُ! قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ الْحَقُّ، فَهَلُمَّ لأُصَالِحُكَ عَلَى قَوْمِي.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن الضحاك، عن أبيه، قال: كان رجل من بني عامر بْن حنيفة يدعى الأغلب بْن عامر بْن حنيفة، وكان أغلظ أهل زمانه عنقا، فلما انهزم المشركون يومئذ، وأحاط المسلمون بهم، تماوت، فلما أثبت المسلمون في القتلى أتى رجل من الأنصار يكنى أبا بصيرة ومعه نفر عليه، فلما رأوه مجدلا في القتلى وهم يحسبونه قتيلا، قالوا: يا أبا بصيرة، إنك تزعم- ولم تزل تزعم- أن سيفك قاطع، فاضرب عنق هذا الأغلب الميت، فإن قطعته فكل شيء كان يبلغنا حق، فاخترطه ثم مشى إليه ولا يرونه إلا ميتا، فلما دنا منه ثار،
(3/295)

فحاضره، واتبعه أبو بصيرة، وجعل يقول: أنا أبو بصيرة الأنصاري! وجعل الأغلب يتمطر ولا يزداد منه إلا بعدا، فكلما قال ذلك أبو بصيرة، قال الأغلب: كيف ترى عدو أخيك الكافر! حتى أفلت كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ مُسَيْلِمَةَ وَالْجُنْدِ، قَالَ لَهُ عبد الله ابن عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ارْتَحِلْ بِنَا وَبِالنَّاسِ فَانْزِلْ عَلَى الْحُصُونِ، فَقَالَ: دَعَانِي أَبُثُّ الْخُيُولَ فَأَلْقُطُ مَنْ لَيْسَ فِي الْحُصُونِ، ثُمَّ أَرَى رَأْيِي.
فَبَثَّ الْخُيُولَ فَحَوَوْا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ، فَضَمُّوا هَذَا إِلَى الْعَسْكَرِ، وَنَادَى بِالرَّحِيلِ لِيَنْزِلَ عَلَى الْحُصُونِ، فَقَالَ لَهُ مُجَّاعَةُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا جَاءَكَ إِلا سَرْعَانُ النَّاسِ، وَإِنَّ الْحُصُونَ لَمَمْلُوءَةٌ رِجَالا، فَهَلُمَّ لَكَ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى مَا وَرَائِي، فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ النُّفُوسِ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَيْهِمْ فَأُشَاوِرُهُمْ وَنَنْظُرُ فِي هَذَا الأَمْرِ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَيْكَ فَدَخَلَ مُجَّاعَةُ الْحُصُونَ، وَلَيْسَ فِيهَا إِلا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَمَشْيَخَةٌ فَانِيَةٌ، وَرِجَالٌ ضَعْفَى فَظَاهَرَ الْحَدِيدَ عَلَى النِّسَاءِ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَنْشُرْنَ شُعُورَهُنَّ، وَأَنْ يُشْرِفْنَ عَلَى رُءُوسِ الْحُصُونِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى خَالِدًا فَقَالَ: قَدْ أَبَوْا أَنْ يُجِيزُوا مَا صَنَعْتَ، وَقَدْ أَشْرَفَ لَكَ بَعْضُهُمْ نَقْضًا عَلَيَّ وَهُمْ مِنِّي بَرَاءٌ فَنَظَرَ خَالِدٌ إِلَى رُءُوسِ الْحُصُونِ وَقَدِ اسْوَدَّتْ، وَقَدْ نَهَكَتِ الْمُسْلِمِينَ الْحَرْبُ، وَطَالَ اللِّقَاءُ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الظَّفْرِ، وَلَمْ يَدْرُوا مَا كَانَ كَائِنًا لَوْ كَانَ فِيهَا رِجَالٌ وَقِتَالٌ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والانصار من اهل قصبه المدينة يومئذ ثلاثمائة وَسِتُّونَ قَالَ سَهْلٌ: وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ غَيْرِ اهل المدينة والتابعين باحسان ثلاثمائة
(3/296)

من هؤلاء وثلاثمائة من هؤلاء، ستمائه أَوْ يَزِيدُونَ وَقُتِلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمَئِذٍ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَرَمَى بِهَا قَاتلَهُ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فِي الْفَضَاءِ بِعَقْرَبَاءِ سَبْعَةُ آلافٍ، وَفِي حَدِيقَةِ الْمَوْتِ سَبْعَةُ آلافٍ، وَفِي الطَّلَبِ نَحْوٌ مِنْهَا.
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ فِي يَوْمِ الْيَمَامَةِ:
وَلَوْ سُئِلَتْ عَنَّا جَنُوبُ لأَخْبَرَتْ ... عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقْرَبَاءُ وَمَلْهَمُ
وَسَالَ بِفَرْعِ الْوَادِ حَتَّى تَرَقْرَقَتْ ... حِجَارَتُهُ فِيهَا مِنَ الْقَوْمِ بِالدَّمِ
عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا ... وَلا النَّبْلُ إِلا الْمَشْرَفِيُّ الْمُصَمِّمُ
فَإِنْ تَبْتَغِي الْكُفَّارَ غَيْرُ مَلِيمَةٍ ... جَنُوبُ، فَإِنِّي تَابِعُ الدِّينِ مُسْلِمُ
أُجَاهِدُ إِذْ كَانَ الْجِهَادُ غَنِيمَةً ... وَلَلَّهُ بِالْمَرْءِ الْمُجَاهِدِ أَعْلَمَ
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، قَالَ:
قَالَ مُجَّاعَةُ لِخَالِدٍ مَا قَالَ إِذْ قَالَ لَهُ: فَهَلُمَّ لأُصَالِحَكَ عَنْ قَوْمِي لِرَجُلٍ قَدْ نَهَكَتْهُ الْحَرْبُ، وَأُصِيبَ مَعَهُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ مَنْ أُصِيبَ، فَقَدْ رَقَّ وَأَحَبَّ الدَّعَةَ وَالصُّلْحَ فَقَالَ: هَلُمَّ لأُصَالِحَكَ، فَصَالَحَهُ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلَقَةِ وَنِصْفِ السَّبْيِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي آتِي الْقَوْمَ فَأَعْرِضُ عَلَيْهِمْ مَا قَدْ صَنَعْتَ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لِلنِّسَاءِ: الْبِسْنَ الْحَدِيدَ ثُمَّ أَشْرِفْنَ عَلَى الْحُصُونِ، فَفَعَلْنَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خَالِدٍ، وَقَدَ رَأَى خَالِدٌ الرِّجَالَ فِيمَا يَرَى عَلَى الْحُصُونِ عَلَيْهِمُ الْحَدِيدُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى خَالِدٍ، قَالَ: أَبَوْا مَا صَالَحْتُكَ
(3/297)

عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا، فَعَزَمْتُ عَلَى الْقَوْمِ قَالَ:
مَا هُوَ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مِنِّي رُبْعَ السَّبْيِ وَتَدَعُ رُبْعًا قَالَ خَالِدٌ:
قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: قَدْ صَالَحْتُكَ، فَلَمَّا فَرَغَا فُتِحَتِ الْحُصُونُ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا إِلا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَقَالَ خَالِدٌ لِمُجَّاعَةَ: وَيْحَكَ خَدَعْتَنِي! قَالَ:
قَوْمِي، وَلَمْ أَسْتَطِعْ إِلا مَا صَنَعْتُ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، قال: قال مجاعة يومئذ ثانية: إن شئت أن تقبل مني نصف السبي والصفراء والبيضاء والحلقة والكراع عزمت وكتبت الصلح بيني وبينك.
ففعل خالد ذلك، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع وعلى نصف السبي وحائط من كل قرية يختاره خالد، ومزرعة يختارها خالد.
فتقاضوا على ذلك، ثم سرحه، وقال: أنتم بالخيار ثلاثا، والله لئن تتموا وتقبلوا لأنهدن إليكم، ثم لا أقبل منكم خصلة أبدا إلا القتل فأتاهم مجاعة فقال: أما الآن فاقبلوا، فقال سلمة بْن عمير الحنفي: لا والله لا نقبل، نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضي خالدا، فإن الحصون حصينة والطعام كثير، والشتاء قد حضر فقال مجاعة: إنك امرؤ مشئوم، وغرك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، وهل بقي منكم أحد فيه خير، أو به دفع! وإنما أنا بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا، فقال: بعد شد ما رضوا، اكتب كتابك، فكتب:
هذا ما قاضى عليه خالد بْن الوليد مجاعة بْن مرارة وسلمة بْن عمير وفلانا وفلانا، قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية، ومزرعة، على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان اللَّه، ولكم ذمة خالد بْن الوليد وذمة أبي بكر خليفة رسول اللَّه
(3/298)

ص، وذمه المسلمين على الوفاء.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا صَالَحَ خَالِدٌ مُجَّاعَةَ، صَالَحَهُ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلَقَةِ وَكُلِّ حَائِطٍ رضَانَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَنِصْفِ الْمَمْلُوكِينَ.
فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، وَلا تُصَالِحُوا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنَّ الْحِصْنَ حَصِينٌ، وَالطَّعَامَ كَثِيرٌ وَقَدْ حَضَرَ الشِّتَاءُ فَقَالَ مُجَّاعَةُ:
يَا بَنِي حَنِيفَةَ، أَطِيعُونِي وَاعْصُوا سَلَمَةَ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَشْئُومٌ، قَبْلَ أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة قَبْلَ أَنْ تُسْتَرْدَفَ النِّسَاءُ غَيْرَ رَضِيَّاتٍ، وَيُنْكَحْنَ غير خطيبات فَأَطَاعُوهُ وَعَصَوْا سَلَمَةَ، وَقَبِلُوا قَضْيَتَهُ وَقَدْ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكِتَابٍ إِلَى خَالِدٍ مَعَ سَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وَقشٍ، يَأْمُرُهُ إِنْ ظَفَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يقتل من جرت عليه المواسى مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَقَدِمَ فَوَجَدَهُ قَدْ صَالَحَهُمْ، فَوَفَّى لَهُمْ، وَتَمَّ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَحُشِرَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إِلَى خَالِدٍ، وَخَالِدٌ فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ سَلَمَةُ بْنُ عُمَيْرٍ لِمُجَّاعَةَ:
اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى خَالِدٍ أُكَلِّمُهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ عِنْدِي وَنَصِيحَةٍ- وَقَدْ أَجْمَعَ أَنْ يَفْتِكَ بِهِ- فَكَلَّمَهُ فَأَذِنَ لَهُ، فَأَقْبَلَ سَلَمَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، مُشْتَمِلا عَلَى السَّيْفِ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْمُقْبِلُ؟ قَالَ مُجَّاعَةُ: هَذَا الَّذِي كَلَّمْتُكَ فِيهِ، وَقَدْ أَذِنْتَ لَهُ، قَالَ: أَخْرِجُوهُ عَنِّي، فَأَخْرَجُوهُ عَنْهُ، فَفَتَّشُوهُ فَوَجَدُوا مَعَهُ السَّيْفَ، فَلَعَنُوهُ وَشَتَمُوهُ وَأَوْثَقُوهُ، وَقَالُوا: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُهْلِكَ قَوْمَكَ، وَايْمِ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلا أَنْ تُسْتَأْصَلُ بَنُو حَنِيفَةَ، وَتُسْبَى الذَّرِيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَايْمِ اللَّهِ لَوْ أَنَّ خَالِدًا عَلِمَ أَنَّكَ حَمَلْتَ السِّلاحَ لَقَتَلَكَ، وَمَا نَأْمَنُهُ إِنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ أَنْ يَقْتُلَكَ وَأَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ وَيُسْبِيَ النِّسَاءَ بِمَا فَعَلْتَ، وَيَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ مَلإٍ مِنَّا فَأَوْثَقُوهُ وَجَعَلُوهُ فِي الْحِصْنِ، وَتَتَابَعَ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى الْبَرَاءِ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى الإِسْلامِ، وَعَاهَدَهُمْ سَلَمَةُ عَلَى أَلا يُحْدِثُ حَدَثًا وَيُعْفُوهُ، فَأَبَوْا وَلَمْ يَثِقُوا بِحُمْقِهِ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ عَهْدًا، فَأَفْلَتَ
(3/299)

لَيْلا، فَعَمَدَ إِلَى عَسْكَرِ خَالِدٍ، فَصَاحَ بِهِ الْحَرَسُ، وَفَزِعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ، فَاتَّبَعُوهُ فَأَدْرَكُوهُ فِي بَعْضِ الْحَوَائِطِ، فَشَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، فَاكْتَنَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَجَالَ السَّيْفَ عَلَى حَلْقِهِ فَقَطَعَ أَوْدَاجَهُ، فَسَقَطَ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَالَحَ خَالِدٌ بَنِي حَنِيفَةَ جَمِيعًا إِلا مَا كَانَ بِالْعَرْضِ وَالْقَرْيَةِ فَإِنَّهُمْ سُبُوا عِنْدَ انْبِثَاثِ الْغَارَةِ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مِمَّنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَسْمُ بِالْعَرْضِ وَالْقَرْيَةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ أَوْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ او يشكر، خمسمائة رَأْسٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا قَالَ لِمُجَّاعَةَ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَقَالَ لَهُ مُجَّاعَةُ: مَهْلا، إِنَّكَ قَاطِعٌ ظَهْرِي وَظَهْرَكَ مَعِي عِنْدَ صَاحِبِكَ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، زَوِّجْنِي، فَزَوَّجَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يقطر الدم: لعمري يا بن أُمِّ خَالِدٍ، إِنَّكَ لَفَارِغٌ تَنْكِحُ النِّسَاءَ وَبِفِنَاءِ بَيْتِكَ دَمُ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجْفُفْ بَعْدُ! قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ خَالِدٌ فِي الْكِتَابِ جَعَلَ يَقُولُ:
هَذَا عَمَلُ الأُعَيْسِرِ- يَعْنِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- وَقَدْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفْدًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ:
وَيْحَكُمْ! مَا هَذَا الَّذِي اسْتَزَلَّ مِنْكُمْ مَا اسْتَزَلَّ! قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَدْ كَانَ الَّذِي بَلَغَكَ مِمَّا أَصَابَنَا كَانَ امرا لَمْ يُبَارِكِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَلا لِعَشِيرَتِهِ فِيهِ، قَالَ: عَلَى ذَلِكَ، مَا الَّذِي دَعَاكُمْ بِهِ! قَالُوا: كَانَ يَقُولُ:
يَا ضُفْدَعُ نَقِّي نَقِّي، لا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ، وَلا الْمَاءَ تَكْدُرِينَ، لَنَا نِصْفُ الأَرْضِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفُ الأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُّونَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَيْحَكُمْ! إِنَّ هَذَا لَكَلامٌ مَا خَرَجَ مِنْ إِلٍّ وَلا برٍّ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ بِكُمْ! فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ- وَكَانَ مَنْزِلُهُ الَّذِي بِهِ الْتَقَى النَّاسَ أَبَاضَ، وَادٍ مِنْ
(3/300)

أَوْدِيَةِ الْيَمَامَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى وَادٍ مِنْ أوديتها يقال له الوبر- كان مَنْزِلُهُ بِهَا
. ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين
قال أبو جعفر: وكان فيما بلغنا من خبر أهل البحرين وارتداد من ارتد منهم ما حَدَّثَنَا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا سيف، قال: خرج العلاء بْن الحضرمي نحو البحرين، وكان من حديث البحرين ان النبي ص والمنذر بْن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبي ص بقليل، وارتد بعده أهل البحرين، فأما عبد القيس ففاءت، وأما بكر فتمت على ردتها، وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود حتى فاءوا.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قال: أخبرنا سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: [قَدِمَ الجارود بن المعلى على النبي ص مرتادا، فَقَالَ: أَسْلِمْ يَا جَارُودُ، فَقَالَ: إِنَّ لِي دينا، قال له النبي ص: إِنَّ دِينَكَ يَا جَارُودُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ بِدِينٍ، فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: فَإِنْ أَنَا أَسْلَمْتُ فَمَا كَانَ مِنْ تَبَعَةٍ فِي الإِسْلامِ فَعَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَسْلَمَ وَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى فَقِهَ.
فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَجِدُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ ظَهْرًا نَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا ظَهْرٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا
(3/301)

نَجِدُ بِالطَّرِيقِ ضَوَالَّ مِنْ هَذِهِ الضَّوَالِّ، قَالَ: تِلْكَ حرق النَّارِ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهَا] فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَأَجَابُوهُ كُلُّهُمْ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ ص فَقَالَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمَا مَاتَ، وَارْتَدُّوا، وَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَبَعَثَ فِيهِمْ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ فَأَخْبِرُونِي بِهِ إِنْ عَلِمْتُمُوهُ وَلا تُجِيبُونِي إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا قَالُوا: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلَّهِ أَنْبِيَاءٌ فِيمَا مَضَى؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُونَهُ أَوْ تَرَوْنَهُ؟
قَالُوا: لا بَلْ نَعْلَمُهُ، قَالَ: فَمَا فَعَلُوا؟ قَالُوا: ماتوا، قال: فان محمدا ص مَاتَ كَمَا مَاتُوا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدا عبده ورسوله، قَالُوا: وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا وَثَبَتُوا عَلَى إِسْلامِهِمْ، وَلَمْ يُبْسِطُوا وَلَمْ يُبْسَطْ إِلَيْهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَ سَائِرِ رَبِيعَةَ وَبَيْنَ الْمُنْذِرِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ الْمُنْذِرُ مِشْتَغِلا بِهِمْ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ حُصِرَ أَصْحَابُ الْمُنْذِرِ فِي مَكَانَيْنِ حَتَّى تَنَقَّذَهُمُ الْعَلاءُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَكَانَ الْعَلاءُ هو الذى كان رسول الله ص بَعَثَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، فَأَقَامَ بِهَا الْعَلاءُ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ص، فَمَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى بِالْبَحْرَيْنِ بَعْدَ مُتَوَفَّى رسول الله ص، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِعُمَانَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ص وَعَمْرٌو بِهَا فَأَقْبَلَ عَمْرٌو، فَمَرَّ بِالْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى وَهُوَ بِالْمَوْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمُنْذِرُ له:
(3/302)

كم كان رسول الله ص يَجْعَلُ لِلْمَيِّتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ؟ قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ لَهُ: كَانَ يَجْعَلُ لَهُ الثُّلُثَ، قَالَ: فَمَا تَرَى لِي أَنْ أَصْنَعَ فِي ثُلُثِ مَالِي؟ قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ قَسَّمْتَهُ فِي أَهْلِ قَرَابَتِكَ، وَجَعَلْتَهُ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَإِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهِ فَجَعَلْتَهُ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً تَجْرِي مِنْ بَعْدِكَ عَلَى مَنْ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيْهِ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ مِنْ مَالِي شَيْئًا مُحَرَّمًا كَالْبُحَيْرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي وَلَكِنْ أُقَسِّمُهُ، فَأُنْفِذُهُ عَلَى مَنْ أَوْصَيْتُ بِهِ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ قَالَ:: فَكَانَ عَمْرٌو يَعْجَبُ لَهَا مِنْ قَوْلِهِ وَارْتَدَّتْ رَبِيعَةُ بِالْبَحْرَيْنِ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ، إِلا الْجَارُودَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَنَشِ بْنِ مُعَلَّى، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَلَى الإِسْلامِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَامَ حِينَ بَلَغَتْهُ وفاه رسول الله ص وَارْتِدَادُ الْعَرَبِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُكَفِّرُ مَنْ لا يَشْهَدُ وَاجْتَمَعَتْ رَبِيعَةُ بِالْبَحْرَيْنِ وَارْتَدَّتْ، فَقَالُوا: نَرُدُّ الْمُلْكَ فِي آلِ الْمُنْذِرِ، فَمَلَّكُوا الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْغَرُورَ، وَكَانَ يَقُولُ حِينَ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ النَّاسُ وَغَلَبَهُمُ السَّيْفُ: لَسْتُ بِالْغَرُورِ، وَلَكِنِّي الْمَغْرُورُ حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف،
(3/303)

عن إسماعيل بْن مسلم، عن عمير بْن فلان العبدى، قال: لما مات النبي ص خرج الحطم بْن ضبيعة أخو بني قيس بْن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بْن وائل على الردة، ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم يزل كافرا، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة، وبعث بعثا إلى دارين، فأقاموا له ليجعل عبد القيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدون المنذر والمسلمين، وأرسل إلى الغرور بْن سويد، أخي النعمان بْن المنذر، فبعثه الى جؤاثى، وقال: اثبت، فإني إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة وبعث الى جؤاثى، فحصرهم وألحوا عليهم فاشتد على المحصورين الحصر، وفي المسلمين المحصورين رجل من صالح المسلمين يقال له عبد اللَّه بْن حذف، أحد بني أبي بكر بْن كلاب، وقد اشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا وقال في ذلك عبد اللَّه بْن حذف:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام ... قعود في جؤاثى محصرينا!
كأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا الصبر للمتوكلينا
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن الصعب بن عطية ابن بِلالٍ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ مِنْجَابِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ إِلَيْهَا، فَكَانَ بِحِيَالِ الْيَمَامَةِ، لَحِقَ بِهِ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ فِي مُسْلِمَةِ بَنِي حنيفه
(3/304)

مِنْ بَنِي سُحَيْمٍ وَمِنْ أَهْلِ الْقُرَى مِنْ سَائِرِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ مُتَلَدِّدًا، وَقَدْ أَلْحَقَ عِكْرِمَةَ بِعُمَانَ ثُمَّ مَهْرَةَ، وَأَمَرَ شُرَحْبِيلَ بِالْمقَامِ حَيْثُ انْتَهَى إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَمْرُ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يُغَاوِرُ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَ الرِّدَّةِ مِنْ قُضَاعَةَ فَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَكَانَ يُغَاوِرُ سَعْدًا وَبليا وأمر هذا بكلب ولفها، فَلَمَّا دَنَا مِنَّا وَنَحْنُ فِي عُلْيَا الْبِلادِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لَهُ فَرَسٌ مِنَ الرَّبَابِ وَعَمْرو بن تَمِيمٍ إِلا جنبه، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ، فَأَمَّا بَنُو حَنْظَلَةَ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا رِجْلا وَأَخَّرُوا أُخْرَى وَكَانَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي الْبِطَاحِ وَمَعَهُ جُمُوعٌ يُسَاجِلُنَا وَنُسَاجِلُهُ.
وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْقَرْعَاءِ مَعَهُ جُمُوعٌ يُسَاجِلُ عَمْرًا وَعَمْرٌو يُسَاجِلُهُ، وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَنَاةَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِرْقَتَيْنِ، فَأَمَّا عَوْفٌ وَالأَبْنَاءُ فَإِنَّهُمْ أَطَاعُوا الزِّبْرَقَانَ بْنَ بَدْرٍ، فَثَبَتُوا عَلَى إِسْلامِهِمْ وَتَمُّوا وَذَبُّوا عَنْهُ، وَأَمَّا الْمَقَاعِسُ والبطون فإنهما اصاخا وَلَمْ يُتَابِعَا، إِلا مَا كَانَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، فَإِنَّهُ قَسَّمَ الصَّدَقَاتَ الَّتِي كَانَتِ اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ فِي الْمَقَاعِسِ وَالْبُطُونِ حِينَ شَخَصَ الزِّبْرِقَانُ بِصَدَقَاتِ عَوْفٍ وَالأَبْنَاءِ، فَكَانَتْ عَوْفٌ وَالأَبْنَاءُ مَشَاغِيلٌ بِالْمَقَاعِسِ وَالْبُطُونِ فَلَمَّا رَأَى قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ مَا صَنَعَتِ الربابُ وَعَمْرٌو مِنْ تَلَقِّي الْعَلاءِ نَدَمَ عَلَى مَا كَانَ فرط مِنْهُ، فَتَلَقَّى الْعَلاءُ بِإِعْدَادِ مَا كَانَ قسم مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَنَزَعَ عَنْ أَمْرِهِ الَّذِي كَانَ هَمَّ بِهِ، وَاسْتَاقَ حَتَّى أَبْلَغَهَا إِيَّاهُ، وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا كَمَا قَالَ الزِّبْرِقَانُ فِي صَدَقَتِهِ حِينَ أَبْلَغَهَا أَبَا بَكْرٍ، وَكَانَ الَّذِي قَالَ الزِّبْرِقَانُ فِي ذَلِكَ:
وَفَيْتُ بِأَذْوَادِ الرَّسُولِ وَقَدْ أَبَتْ ... سُعَاةٌ فَلَمْ يَرْدُدْ بَعِيرًا مُجِيرُهَا
مَعًا وَمَنَعْنَاهَا مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... تُرَامِي الأَعَادِي عِنْدَنَا مَا يُضِيرُهَا
فَأَدَّيْتُهَا كَيْ لا أَخُونَ بِذِمَّتِي ... مَحَانِيقَ لَمْ تُدْرَسْ لِرَكْبٍ ظُهُورُهَا
أَرَدْتُ بِهَا التَّقْوَى وَمَجْدَ حَدِيثِهَا ... إِذَا عُصْبَة سامى قبيلي فَخُورُهَا
وَإِنِّي لَمِنْ حَيٍّ إِذَا عُدَّ سَعْيُهُمْ ... يَرَى الْفَخْرَ مِنْهَا حَيُّهَا وَقُبُورُهَا
(3/305)

أَصَاغِرُهُمْ لَمْ يَضْرَعُوا وَكِبَارُهُمْ ... رَزَانٌ مَرَاسِيهَا، عِفَافٌ صُدُورُهَا
وَمِنْ رَهْطِ كَنادِ تَوَفَّيْتُ ذِمَّتِي ... وَلَمْ يَثْنِ سَيْفِي نَبْحُهَا وَهَرِيرُهَا
وَلِلَّهِ ملك قَدْ دَخَلْتُ وَفَارِسٍ ... طَعَنْتُ إِذَا مَا الْخَيْلِ شَدَّ مُغِيرُهَا
فَفَرَّجْتُ أُولاهَا بِنَجْلاءِ ثَرَّةٍ ... بِحَيْثُ الَّذِي يَرْجُو الْحَيَاةَ يُضِيرُهَا
وَمَشْهَدِ صِدْقٍ قَدْ شَهِدْتُ فَلَمْ أَكُنْ ... بِهِ خَامِلا وَالْيَوْمُ يُثْنَى مَصِيرُهَا
أَرَى رَهْبَةَ الأَعْدَاءِ مِنِّي جَرَاءَةً ... وَيَبْكِي إِذَا مَا النَّفْسُ يُوحَى ضَمِيرُهَا
وَقَالَ قَيْسٌ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْعَلاءِ بِالصَّدَقَةِ:
أَلا أَبْلِغَا عَنِّي قُرَيْشًا رِسَالَةً ... إِذَا مَا أَتَتْهَا بَيِّنَاتُ الْوَدَائِعِ
حَبَوْتُ بها في الدهر اعراض منقر ... وأيأست مِنْهَا كل أطلس طامع
وجدت أبي والخال كانا بنجوة ... بقاع فلم يحلل بها من ادافع
فاكرمه العلاء، وخرج مع العلاء من عَمْرٍو وَسَعْدٍ الرَّبَّابِ مِثْلَ عَسْكَرِهِ، وَسَلَكَ بِنَا الدَّهْنَاءَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بُحْبُوحَتِهَا وَالْحَنانَاتِ وَالْعَزَّافَاتِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيَنَا آيَاتِهِ نَزَلَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ، فَنَفَرَتِ الإِبِلُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَمَا بَقِيَ عِنْدَنَا بَعِيرٌ وَلا زَادٌ وَلا مَزَادٌ
(3/306)

وَلا بِنَاءٌ إِلا ذَهَبَ عَلَيْهَا فِي عَرَضِ الرَّمْلِ، وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ النَّاسُ، وَقَبْلَ أَنْ يَحُطُّوا، فَمَا عَلِمْتُ جَمْعًا هَجَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغَمِّ مَا هَجَمَ عَلَيْنَا وَأَوْصَى بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، وَنَادَى مُنَادِي الْعَلاءِ: اجْتَمِعُوا، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ:
مَا هَذَا الَّذِي ظَهَرَ فِيكُمْ وَغَلَبَ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالَ النَّاسُ: وَكَيْفَ نُلامُ وَنَحْنُ إِنْ بَلَغْنَا غَدًا لَمْ تَحْمِ شَمْسُهُ حَتَّى نَصِيرَ حَدِيثًا! فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لا تُرَاعُوا، أَلَسْتُمْ مُسْلِمِينَ! أَلَسْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! أَلَسْتُمْ أَنْصَارَ الله! قالوا: بلى، قال:
فابشروا، فو الله لا يَخْذُلُ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِكُمْ وَنَادَى الْمُنَادِي بِصَلاةِ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى بِنَا، وَمِنَّا الْمُتَيَمِّمُ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ عَلَى طُهُورِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ وَجَثَا النَّاسُ، فَنَصَبَ فِي الدُّعَاءِ وَنَصَبُوا مَعَهُ، فَلَمَعَ لَهُمْ سَرَابُ الشَّمْسِ، فَالْتَفَتَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ: رَائِدٌ يَنْظُرُ مَا هَذَا؟ فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: سَرَابٌ، فَأَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ لَمَعَ لَهُمْ آخَرُ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمَعَ لَهُمْ آخَرُ، فَقَالَ: مَاءٌ، فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ، فَمَشَيْنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلْنَا عَلَيْهِ، فَشَرِبْنَا وَاغْتَسَلْنَا، فَمَا تَعَالَى النَّهَارُ حَتَّى أَقْبَلَتِ الإِبِلُ تكرد مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَنَاخَتْ إِلَيْنَا، فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ إِلَى ظَهْرِهِ، فَأَخَذَهُ، فَمَا فَقَدْنَا سَلكًا فَأَرْوَيْنَاهَا وَأَسْقَيْنَاهَا العللَ بَعْدَ النَّهْلِ، وَتَرَوَّيْنَا ثُمَّ تَرَوَّحْنَا- وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَفِيقِي- فَلَمَّا غِبْنَا عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، قَالَ لِي: كَيْفَ علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أَنَا مَنْ أَهْدِي الْعَرَبَ بِهَذِهِ الْبِلادِ قَالَ: فَكُنْ مَعِي حَتَّى تُقِيمَنِي عَلَيْهِ، فَكَرَرْتُ بِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا هُوَ لا غَدِيرَ بِهِ، وَلا أَثَرَ لِلْمَاءِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهُ لَوْلا أَنِّي لا أَرَى الْغَدِيرَ لأَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ، وَمَا رَأَيْتُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَاءً نَاقِعًا قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِذَا إِدَاوَةٌ مَمْلُوءَةٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَهْمٍ، هَذَا وَاللَّهِ الْمَكَانُ،
(3/307)

وَلِهَذَا رَجَعْتُ وَرَجَعْتُ بِكَ وَمَلأتُ إِدَاوَتِي ثُمَّ وَضَعْتُهَا عَلَى شَفِيرِهِ، فَقُلْتُ:
إِنْ كَانَ مَنًّا مِنَ الْمَنِّ وَكَانَتْ آيَةً عَرَفْتُهَا، وَإِنْ كَانَ غِيَاثًا عَرَفْتُهُ، فَإِذًا مَنٌّ مِنَ المَنِّ، فَحَمَدَ اللَّهَ، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى نَنْزِلَ هَجَرَ قَالَ: فَأَرْسَلَ الْعَلاءُ إِلَى الْجَارُودِ وَرَجُلٍ آخَرَ أَنِ انْضَمَّا فِي عَبْدِ الْقَيْسِ حَتَّى تَنْزِلا عَلَى الْحَطمِ مِمَّا يَلِيكُمَا، وَخَرَجَ هُوَ فِيمَنْ جَاءَ مَعَهُ وَفِيمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِي هَجَرَ، وَتَجَمَّعَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ إِلَى الْحطمِ إِلا أَهْلَ دَارِينَ، وَتَجَمَّعَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَخَنْدَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانُوا يَتَرَاوَحُونَ الْقِتَالَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ شَهْرًا، فَبَيْنَا النَّاسُ لَيْلَةً إِذْ سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ ضَوْضَاءً شَدِيدَةً، كَأَنَّهَا ضَوْضَاءُ هَزِيمَةٍ أَوْ قِتَالٍ، فَقَالَ الْعَلاءُ: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله ابن حذفٍ: أَنَا آتِيكُمْ بِخَبَرِ الْقَوْمِ- وَكَانَتْ أُمُّهُ عِجْلِيَّةً- فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ خَنْدَقِهِمْ أَخَذُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُمْ، وَجَعَلَ يُنَادِي: يَا أَبْجَرَاهُ! فَجَاءَ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ، فَعَرَفَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟
فَقَالَ: لا أَضِيعَنَّ اللَّيْلَةَ بَيْنَ اللَّهَازِمِ! عَلامَ أُقْتَلُ وَحَوْلِي عَسَاكِرُ مِنْ عِجْلٍ وَتَيْمِ اللاتِ وَقَيْسٍ وَعَنْزَةَ! أَيَتَلاعَبُ بِي الحطمُ وَنِزَاعُ الْقَبَائِلِ وَأَنْتُمْ شُهُودٌ! فَتَخَلَّصَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ بِئْسَ ابْنُ الأُخْتِ لأَخْوَالِكَ اللَّيْلَةَ! فَقَالَ: دَعْنِي مِنْ هَذَا وَأَطْعِمْنِي، فَإِنِّي قَدْ مِتُّ جُوعًا فَقَرَّبَ لَهُ طَعَامًا، فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: زَوِّدْنِي وَاحْمِلْنِي وَجَوِّزْنِي انْطَلِقْ إِلَى طَيَّتِي.
وَيَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلٍ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّرَابُ، فَفَعَلَ وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ، وَزَوَّدَهُ وَجَوَّزَهُ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حذفٍ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ سُكَارَى، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى اقْتَحَمُوا عَلَيْهِمْ عَسْكَرَهُمْ، فَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِيهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، وَاقْتَحَمُوا الْخَنْدَقَ هُرَّابا، فَمُتَرَدٌّ، وَنَاجٍ وَدَهِشٌ، وَمَقْتُولٌ أَوْ مَأْسُورٌ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا فِي الْعَسْكَرِ، لم يفلت
(3/308)

رَجُلٌ إِلا بِمَا عَلَيْهِ، فَأَمَّا أَبْجَرُ فَأَفْلَتَ، وَأَمَّا الْحطمُ فَإِنَّهُ بَعِلَ وَدَهِشَ، وَطَارَ فُؤَادُهُ، فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ- وَالْمُسْلِمُونَ خِلالُهُمْ يَجُوسُونَهُمْ- لِيَرْكَبَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ انْقَطَعَ بِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَالحطمُ يَسْتَغِيثُ وَيَقُولُ: أَلا رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ يَعْقِلُنِي! فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: أَبُو ضُبَيْعَةَ! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطِنِي رِجْلَكَ أُعْقِلَكَ، فَأَعْطَاهُ رِجْلَهُ يَعْقِلَهُ، فَنَفَحَهَا فَأَطَنَّهَا مِنَ الْفَخِذِ، وتَرَكَهُ، فَقَالَ: أَجْهِزْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَلا تَمُوتَ حَتَّى أمضكَ.
- وَكَانَ مَعَ عَفِيفٍ عِدَّةٌ مِنْ وَلَدِ أَبِيهِ، فَأُصِيبُوا ليلتئذ- وَجَعَلَ الحطمُ لا يَمُرُّ بِهِ فِي اللَّيْلِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا قَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْحطمِ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ وَيَقُولُ:
ذَاكَ لِمَنْ لا يَعْرِفُهُ، حَتَّى مَرَّ بِهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَمَالَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا رَأَى فخذه نادره، قال: وا سوأتاه! لَوْ عَلِمْتُ الَّذِي بِهِ لَمْ أُحَرِّكْهُ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ مَا أَحْرَزُوا الْخَنْدَقَ عَلَى الْقَوْمِ يَطْلُبُونَهُمْ، فاتَّبَعُوهُمْ، فَلَحِقَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَبْجَرَ- وَكَانَ فَرَسُ أَبْجَرَ أَقْوَى مِنْ فَرَسِ قَيْسٍ- فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ طَعَنَهُ فِي الْعُرْقُوبِ فَقَطَعَ الْعَصَبَ، وَسَلمَ النَّسَا، فَكَانَتْ رَادَّةً، وَقَالَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
فَإِنْ يَرْقَإِ الْعُرْقُوبُ لا يَرْقَإِ النَّسَا ... وَمَا كُلُّ مَنْ يَهْوَى بِذَلِكَ عَالِمُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّا قَدْ فَلَلْنَا حُمَاتَهُمْ ... بِأَسْرَةِ عَمْرٍو وَالرَّبَابُ الأَكَارِمُ
وَأَسَرَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْغَرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ، فَكَلَّمَتْهُ الرَّبَابُ فِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ ابْنُ أُخْتِ التَّيْمِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُجِيرَهُ، فَقَالَ لِلْعَلاءِ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ هَذَا، قَالَ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالَ: الْغَرُورُ، قَالَ: أَنْتَ غَرَرْتَ هَؤُلاءِ، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي لَسْتُ بِالْغَرُورِ، وَلَكِنِّي الْمَغْرُورُ، قَالَ:
(3/309)

أَسْلِمْ، فَأَسْلَمَ وَبَقِيَ بِهَجَرَ، وَكَانَ اسْمُهُ الْغَرُورُ، وَلَيْسَ بِلَقَبٍ، وَقَتَلَ عَفِيفٌ الْمُنْذِرَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخَا الْغَرُورِ لأُمِّهِ، وَأَصْبَحَ الْعَلاءُ فَقَسَّمَ الأَنْفَالَ، وَنَفَّل رِجَالا مِنْ أَهْلِ الْبَلاءِ ثِيَابًا، فَكَانَ فِيمَنْ نُفِلَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَأَمَّا ثُمَامَةُ فَنُفِلَ ثِيَابًا فِيهَا خَمِيصَةٌ ذَاتُ أَعْلامٍ، كَانَ الْحطمُ يُبَاهِي فِيهَا، وَبَاع الثِّيَابَ وَقَصَدَ عَظم الفلال لدارين، فَرَكِبُوا فِيهَا السفن، وَرَجَعَ الآخَرُونَ إِلَى بِلادِ قَوْمِهِمْ، فَكَتَبَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى مَنْ أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِيهِمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ وَإِلَى عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الأَسْوَدِ بِلُزُومِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَالْقُعُودِ لأَهْلِ الرِّدَّةِ بِكُلِّ سَبِيلٍ، وَأَمَرَ مِسْمَعًا بِمُبَادَرَتِهِمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى خصفةَ التَّمِيمِيِّ وَالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ، فَأَقَامُوا لأُولَئِكَ بِالطَّرِيقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَنَابَ، فَقَبِلُوا مِنْهُ وَاشْتَمَلُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى وَلَج فمنع مِنَ الرُّجُوعِ، فَرَجَعُوا عَوْدهمْ عَلَى بَدْئِهِمْ، حَتَّى عَبَرُوا إِلَى دَارِينَ، فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَقَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ عِجْلٍ، يُدْعَى وَهْبًا، يُعَيِّرُ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْبُكُ خَلْقَهُ ... فَيَخْبُثُ أَقْوَامٌ وَيَصْفُو مَعْشَرُ
لَحَى اللَّهُ أَقْوَامًا أُصِيبُوا بِخَنْعَةٍ ... أَصَابَهُمْ زَيْدُ الضَّلال وَمَعْمَرُ!
وَلَمْ يَزَلِ الْعَلاءُ مُقِيمًا فِي عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى رَجَعَتْ إِلَيْهِ الْكُتُبُ مِنْ عِنْدِ مَنْ كَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَبَلَغَهُ عَنْهُمُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالْغَضَبُ لِدِينِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَشْتَهِي، أَيْقَنَ أَنَّهُ لَنْ يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى دَارِينَ، ثُمَّ جَمَعَهُمْ فَخَطَبَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ لَكُمْ أَحْزَابَ الشَّيَاطِينِ وَشَرَدَ الْحَرْبَ فِي هَذَا الْبَحْرِ، وَقَدْ أَرَاكُمْ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْبَرِّ لِتَعْتَبِرُوا بها
(3/310)

فِي الْبَحْرِ، فَانْهَضُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ، ثُمَّ اسْتَعْرِضُوا الْبَحْرَ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَهُمْ، فَقَالُوا: نَفْعَلُ وَلا نَهَابُ وَاللَّهِ بَعْدَ الدَّهْنَاءِ هَوْلا مَا بَقِينَا فَارْتَحَلَ وَارْتَحَلُوا، حَتَّى إِذَا أَتَى سَاحِلَ الْبَحْرِ اقْتَحَمُوا عَلَى الصَّاهِلِ، وَالْجَامِلِ، وَالشَّاحِجِ وَالنَّاهِقِ، وَالرَّاكِبِ وَالرَّاجِلِ، وَدَعَا وَدَعَوْا، وَكَانَ دُعَاؤُهُ وَدُعَاؤُهُمْ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا كَرِيمُ، يَا حَلِيمُ، يَا أَحَدُ، يَا صَمَدُ يَا حَيُّ يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ يَا رَبَّنَا فَأَجَازُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ جَمِيعًا يَمْشُونَ عَلَى مِثْلِ رَمْلَةٍ مَيْثَاءَ، فَوْقَهَا مَاءٌ يَغْمُرُ أَخْفَافَ الإِبِلِ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ السَّاحِلِ وَدَارِينَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُفُنِ الْبَحْرِ فِي بَعْضِ الْحَالاتِ، فَالْتَقُوا بِهَا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، فَمَا تَرَكُوا بِهَا مَخْبَرًا وَسَبُوا الذَّرَارِيَ، وَاسْتَاقُوا الأَمْوَالَ، فَبَلَغَ نَفَلُ الْفَارِسِ سِتَّةَ آلافٍ، وَالرَّاجِلِ أَلْفَيْنِ، قَطَعُوا لَيْلَهُمْ وَسَارُوا يَوْمَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا رَجَعُوا عَوْدَهُمْ عَلَى بَدْئِهِمْ حَتَّى عَبَرُوا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ذَلَّلَ بَحْرَهُ ... وَأَنْزَلَ بِالْكُفَّارِ إِحْدَى الْجَلائِلِ!
دَعَوْنَا الَّذِي شَقَّ الْبِحَارَ فَجَاءَنَا ... بِأَعْجَبَ مِنْ فَلْقِ الْبِحَارِ الأَوَائِلِ
وَلَمَّا رَجَعَ الْعَلاءُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَضَرَبَ الإِسْلامُ فِيهَا بِجِرَانِهِ، وَعَزَّ الإِسْلامُ وَأَهْلُهُ، وَذُلَّ الشِّرْكُ وَأَهْلُهُ، أَقْبَلَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَا فِيهَا عَلَى الإِرْجَافِ، فَأَرْجَفَ مُرْجِفُونَ، وَقَالُوا: ها ذاك مَفْرُوقٌ، قَدْ جَمَعَ رَهْطَهُ.
شَيْبَانَ وَتَغْلِبَ وَالنَّمِرَ، فَقَالَ لَهُمْ أَقْوَامٌ منِ الْمُسْلِمِينَ: إِذَا تَشْغَلُهُمْ عَنَّا اللَّهَازِمُ- وَاللَّهَازِمُ يَوْمَئِذٍ قَدِ اسْتُجْمِعَ أَمْرُهُمْ عَلَى نَصْرِ الْعَلاءِ وَطَابَقُوا وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
(3/311)

ابن حَذفٍ فِي ذَلِكَ:
لا تُوعِدُونَا بِمَفْرُوقٍ وَأُسْرَتِهِ ... إِنْ يَأْتِنَا يَلْقَ فِينَا سُنَّةَ الْحَطَمِ
وَإِنَّ ذَا الْحَيِّ مِنْ بَكْرٍ وَإِنْ كَثُرُوا ... لأُمَّةٌ دَاخِلُونَ النَّارَ فِي أُمَمِ
فَالنَّخْلُ ظَاهِرُهُ خَيْلٌ وَبَاطِنُهُ ... خَيْلٌ تَكَدَّسَ بِالْفِتْيَانِ فِي النَّعَمِ
وَأَقْفَلَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ النَّاسَ، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلا مَنْ أَحَبَّ الْمُقَامِ، فَقَفَلْنَا وَقَفَلَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عَلَى مَاءٍ لِبَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَرَأَوْا ثُمَامَةَ، وَرَأَوْا خَمِيصَةَ الْحَطمِ عَلَيْهِ دَسُّوا لَهُ رَجُلا، وَقَالُوا: سَلْهُ كَيْفَ صَارَتْ لَهُ؟ وَعَنِ الْحطمِ: أَهُوَ قَتَلَهُ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نُفِّلْتُهَا قَالَ: أَأَنْتَ قَتَلْتَ الْحطمَ؟ قَالَ: لا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَمَا بَالُ هَذِهِ الْخَمِيصَةِ مَعَكَ؟ قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ! فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَتَجَمَّعُوا لَهُ، ثُمَّ أَتَوْهُ فَاحْتَوَشُوهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا:
أَنْتَ قَاتِلُ الحطمَ؟ قَالَ: كَذَبْتُمْ، لَسْتُ بِقَاتِلِهِ وَلَكِنِّي نُفِّلْتُهَا، قَالُوا:
هَلْ يُنَفَّلُ إِلا الْقَاتِلُ! قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، إِنَّمَا وُجِدَتْ فِي رَحْلِهِ، قَالُوا: كَذَبْتَ فَأَصَابُوهُ.
قَالَ: وَكَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ رَاهِبٌ فِي هَجَرَ، فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ فَقِيلَ: مَا دَعَاكَ إِلَى الإِسْلامِ؟ قَالَ: ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ، خَشِيتُ أَنْ يَمْسَخَنِي اللَّهُ بَعْدَهَا إِنْ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ:
فَيْضٌ فِي الرِّمَالِ، وَتَمْهِيدُ أَثْبَاجِ الْبِحَارِ، وَدُعَاءٌ سَمِعْتُهُ فِي عَسْكَرِهِمْ فِي الْهَوَاءِ مِنَ السَّحَرِ قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، لا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَالْبَدِيعُ لَيْسَ قَبْلِكَ شَيْءٌ، وَالدَّائِمُ غَيْرُ الْغَافِلِ، وَالْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَخَالِقُ مَا يَرَى وَمَا لا يَرَى، وَكُلُّ يَوْمٍ أَنْتَ فِي شَأْنٍ، وَعَلِمْتَ اللَّهُمَّ كُلَّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ، فَعَلِمْتَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلائِكَةِ إِلا وَهُمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ.
فلقد كان اصحاب رسول الله ص يَسْمَعُونَ مِنْ ذَلِكَ الْهجري بعد
(3/312)

وَكَتَبَ الْعَلاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَجَّرَ لَنَا الدَّهْنَاءَ فَيْضًا لا تُرَى غَوَارِبُهُ، وَأَرَانَا آيَةً وَعِبْرَةً بَعْدَ غَمٍّ وَكَرْبِ، لِنَحْمَدِ اللَّهَ وَنُمَجِّدْهُ، فَادْعُ اللَّهُ وَاسْتَنْصِرْهُ لِجُنُودِهِ وَأَعْوَانِ دِينِهِ.
فَحَمَدَ أَبُو بَكْرٍ اللَّهَ وَدَعَاهُ، وَقَالَ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِيمَا تُحَدِّثُ عَنْ بُلْدَانِهَا يَقُولُونَ: إِنَّ لُقْمَانَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الدَّهْنَاءِ: أَيَحْتَفُرُونَهَا أَوْ يَدَعُونَهَا؟
نَهَاهُمْ، وَقَالَ: لا تبلغها الأرشية، وَلَمْ تقر الْعُيُونُ، وَأَنَّ شَأْنَ هَذَا الْفَيْضِ مِنْ عَظِيمِ الآيَاتِ، وَمَا سَمِعْنَا بِهِ فِي أُمَّةٍ قَبْلَهَا اللهم اخلف محمدا ص فِينَا.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ الْعَلاءُ بِهَزِيمَةِ أَهْلِ الخندق وقتل الحطم، قتله زيد ومعمر:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ سَلَبَ عَدُوَّنَا عُقُولَهُمْ، وَأَذْهَبَ رِيحَهُمْ بِشَرَابٍ أَصَابُوهُ مِنَ النَّهَارِ، فَاقْتَحَمْنَا عَلَيْهِمْ خَنْدَقَهُمْ، فَوَجَدْنَاهُمْ سُكَارَى، فَقَتَلْنَاهُمْ إِلا الشَّرِيدَ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ الْحطمَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ بَلَغَكَ عَنْ بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ تَمَامٌ عَلَى مَا بَلَغَكَ، وَخَاضَ فِيهِ الْمُرْجِفُونَ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ جُنْدًا فَأَوْطِئْهُمْ وَشَرِّدْ بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ فَلَمْ يَجْتَمِعُوا، وَلَمْ يَصر ذَلِكَ مِنْ أَرْجَافِهِمْ إِلَى شَيْءٍ.

ذكر الخبر عن ردة أهل عمان ومهرة واليمن
قال أبو جعفر: وقد اختلف في تاريخ حرب المسلمين، فقال محمد ابن إسحاق- فيما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، عن سلمة عنه: كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام في سنة اثنتي عشرة.
وأما أبو زيد فحدثني عن أبي الحسن المدائني في خبر ذكره، عن أبي معشر ويزيد بْن عياض بْن جعدبة وأبي عبيدة بْن مُحَمَّد بْن أبي
(3/313)

عبيدة وغسان بْن عبد الحميد وجويرية بْن أسماء، بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من علماء أهل الشام وأهل العراق، أن الفتوح في أهل الردة كلها كانت لخالد بْن الوليد وغيره في سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بْن بجير، فإنه كان في سنة ثلاث عشرة.
وقصة ربيعة بْن بجير التغلبي أن خالد بْن الوليد- فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه- بالمصيخ والحصيد، قام وهو في جمع من المرتدين فقاتله، وغنم وسبى، وأصاب ابنة لربيعة بْن بجير،، فسباها وبعث بالسبي إلى أبي بكر رحمه اللَّه، فصارت ابنة ربيعة إلى علي بْن أبي طالب ع.
فأما أمر عمان فإنه كان- فيما كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْن يحيى يخبرني عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يوسف، عن القاسم بْن مُحَمَّد والغصن بْن القاسم وموسى الجليوسى عن ابن محيريز، قال: نبغ بعمان ذو التاج لقيط بْن مالك الأزدي، وكان يسامي في الجاهلية الجلندي، وادعى بمثل ما ادعى به من كان نبيا، وغلب على عمان مرتدا، وألجأ جيفرا وعبادا الى الاجبال والبحر، فبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره بذلك، ويستجيشه عليه فبعث أبو بكر الصديق حذيفة بْن محصن الغلفاني من حمير، وعرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وأمرهما إذا اتفقا أن يجتمعا على من بعثا إليه، وأن يبتدئا بعمان، وحذيفة على عرفجة في وجهه، وعرفجة على حذيفة في وجهه.
فخرجا متساندين، وأمرهما أن يجدا السير حتى يقدما عمان، فإذا كانا منها قريبا كاتبا جيفرا وعبادا، وعملا برأيهما فمضيا لما أمرا به، وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة، وأتبعه شرحبيل بْن حسنة،
(3/314)

وسمى لهما اليمامة، وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة فبادر عكرمة شرحبيل، وطلب حظوة الظفر، فنكبه مسيلمة، فأحجم عن مسيلمة، وكتب إلى أبي بكر بالخبر، وأقام شرحبيل عليه حيث بلغه الخبر، وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بْن حسنة، أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيك أمري، وترك أن يمضيه لوجهه الذي وجهه له، وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه، ويقول: لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، والحق بعمان حتى تقاتل أهل عمان، وتعين حذيفة وعرفجة، وكل واحد منكم على خيله، وحذيفة ما دمتم في عمله على الناس، فإذا فرغتم فامض إلى مهرة، ثم ليكن وجهك منها إلى اليمن، حتى تلاقي المهاجر ابن أبي أمية باليمن وبحضرموت، وأوطئ من بين عمان واليمن ممن ارتد، وليبلغني بلاؤك.
فمضى عكرمة في أثر عرفجة وحذيفة فيمن كان معه حتى لحق بهما قبل أن ينتهيا إلى عمان، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ في السير معه أو المقام بعمان، فلما تلاحقوا- وكانوا قريبا من عمان بمكان يدعى رجاما- راسلوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجيء الجيش، فجمع جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه، فعسكرا بصحار، وبعثا إلى حذيفة وعرفجة وعكرمة في القدوم عليهما، فقدموا عليهما بصحار، فاستبرءوا ما يليهم حتى رضوا ممن يليهم، وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدءوا بسيد بني جديد، فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه، ونهدوا إلى لقيط، فالتقوا على دبا، وقد جمع لقيط العيالات، فجعلهم وراء صفوفهم ليجربهم، وليحافظوا على حرمهم-- ودبا هي المصر والسوق العظمى- فاقتتلوا بدبا قتالا شديدا، وكاد لقيط يستعلي الناس، فبيناهم كذلك، وقد رأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر، جاءت المسلمين موادهم العظمى من بنى ناجيه، وعليهم الخريت بْن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بْن صوحان، وشواذب
(3/315)

عمان من بني ناجية وعبد القيس، فقوى اللَّه بهم أهل الإسلام، ووهنَّ اللَّه بهم اهل الشرك، فولى المشركون الأدبار، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسبوا الذراري، وقسموا الأموال على المسلمين، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، ورأى عكرمة وحذيفة أن يقيم حذيفة بعمان حتى يوطئ الأمور، ويسكن الناس، وكان الخمس ثمانمائه رأس، وغنموا السوق بحذافيرها فسار عرفجة إلى أبي بكر بخمس السبي والمغانم، وأقام حذيفة لتسكين الناس، ودعا القبائل حول عمان إلى سكون ما أفاء اللَّه على المسلمين، وشواذب عمان، ومضى عكرمة في الناس، وبدأ بمهرة، وقال في ذلك عباد الناجي:
لعمري لقد لاقى لقيط بْن مالك ... من الشر ما أخزى وجوه الثعالب
وبادى أبا بكر ومن هلَّ فارتمى ... خليجان من تياره المتراكب
ولم تنهه الأولى ولم ينكأ العدا ... فألوت عليه خيله بالجنائب

ذكر خبر مهرة بالنجد
ولما فرغ عكرمة وعرفجة وحذيفة من ردة عمان، خرج عكرمة في جنده نحو مهرة، واستنصر من حول عمان وأهل عمان، وسار حتى يأتي مهرة، ومعه ممن استنصره من ناجية والأزد وعبد القيس وراسب وسعد من بني تميم بشر، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوافق بها جمعين من مهرة: أما أحدهما فبمكان من أرض مهرة يقال له:
جيروت، وقد امتلأ ذلك الحيز إلى نضدون- قاعين من قيعان مهرة- عليهم شخريت، رجل من بني شخراة، وأما الآخر فبالنجد، وقد انقادت
(3/316)

مهرة جميعا لصاحب هذا الجمع، عليهم المصبح،، أحد بني محارب والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه، وكل واحد من الجندين يشتهي أن يكون الفلج لرئيسهم، وكان ذلك مما أعان اللَّه به المسلمين وقواهم على عدوهم، ووهنهم.
ولما رأى عكرمة قلة من مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام، فكان لأول الدعاء، فأجابه ووهن اللَّه بذلك المصبح ثم أرسل إلى المصبح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر، فاغتر بكثرة من معه، وازداد مباعدة لمكان شخريت، فسار إليه عكرمة، وسار معه شخريت، فالتقوا هم والمصبح بالنجد، فاقتتلوا أشد من قتال دبا.
ثم إن اللَّه كشف جنود المرتدين، وقتل رئيسهم، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا ما شاءوا، وأصابوا فيما أصابوا ألفي نجيبة، فخمس عكرمة الفيء، فبعث بالأخماس مع شخريت إلى أبي بكر، وقسم الأربعة الأخماس على المسلمين، وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع والأداة، وأقام عكرمة حتى جمعهم على الذي يحب، وجمع أهل النجد، اهل رياض الروضة، وأهل الساحل، وأهل الجزائر، وأهل المر واللبان وأهل جيروت، وظهور الشحر والصبرات، وينعب، وذات الخيم، فبايعوا على الإسلام، فكتب بذلك مع البشير- وهو السائب أحد بني عابد من مخزوم- فقدم على أبي بكر بالفتح، وقدم شخريت بعده بالأخماس، وقال في ذلك علجوم المحاربي:
جزى اللَّه شخريتا وأفناء هيشم ... وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب
جزاء مسيء لم يراقب لذمة ... ولم يرجها فيما يرجى الأقارب
أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم ... لضاقت عليك بالفضاء المذاهب
(3/317)

وكنا كمن اقتاد كفا بأختها ... وحلت علينا في الدهور النوائب

ذكر خبر المرتدين باليمن
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَسَهْلٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قال: توفى رسول الله ص وَعَلَى مَكَّةَ وَأَرْضِهَا عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَالطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، عَتَّابٌ عَلَى بَنِي كِنَانَةَ، والطاهر على عك، وذلك ان النبي ص قَالَ: اجْعَلُوا عِمَالَةَ عَكٍّ فِي بَنِي أَبِيهَا مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وَعَلَى الطَّائِفِ وَأَرْضِهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، عُثْمَانُ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ وَمَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ أَعْجَازِ هَوَازِنَ، وَعَلَى نَجْرَانَ وَأَرْضِهَا عَمْرُو بن حزم وابو سفيان ابن حَرْبٍ، عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى الصَّلاةِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى الصَّدَقَاتِ، وَعَلَى مَا بَيْنَ رَمْعٍ وَزَبيد إِلَى حَدِّ نَجْرَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى هَمْدَانَ كُلِّهَا عَامِرُ بْنُ شَهْرٍ، وَعَلَى صَنْعَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ يسانده داذويهِ وَقَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ، وَعَلَى الْجُنْدِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى مَأْربِ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَعَلَى الأَشْعَرِيِّينَ مَعَ عَكٍّ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْقَوْمَ، يَتْنَقِلُ فِي عَمَلِ كُلِّ عَامِلٍ، فَنَزَا بِهِمُ الأَسْوَدُ في حياه النبي ص، فحاربه النبي ع بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ، وَعَادَ أَمْرُ النبي ع كما كان قبل وفاه النبي ع بِلَيْلَةٍ، إِلا أَنَّ مَجِيئَهُمْ لَمْ يُحَرِّكِ النَّاسَ، وَالنَّاسُ مُسْتَعِدُّونَ لَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ النَّبِيِّ ص انْتقضت الْيَمَنُ وَالْبُلْدَانُ، وَقَدْ كَانَتْ تَذَبْذَبَتْ خُيُولُ الْعَنْسِيِّ- فِيمَا بَيْنَ نَجْرَانَ إِلَى صَنْعَاءَ فِي
(3/318)

عَرْضِ ذَلِكَ الْبَحْرِ- لا تَأْوِي إِلَى أَحَدٍ، ولا يأوي إليها احد، فعمرو بن معد يكرب بِحِيَالِ فَرْوَةَ بْنِ مسيكٍ، وَمُعَاوُيَةُ بْنُ أَنَسٍ فِي فَالَةَ الْعَنْسِيِّ يَتَرَدَّدُ، وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ عمال النبي ص بعد وفاه النبي ص إِلا عَمْرَو بْنِ حَزْمٍ وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَلَجَأَ سَائِرُ الْعُمَّالِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتَرَضَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، فَسَلَبَهُ الصَّمْصَامَةَ.
وَرَجَعَتِ الرُّسُلُ مَعَ مَنْ رَجَعَ بِالْخَبَرِ، فَرَجَعَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالأَقْرَعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَبْرُ بْنُ يُحَنَّسَ، فَحَارَبَ أَبُو بَكْرٍ الْمُرْتَدَّةَ جَمِيعًا بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ، كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ص حَارَبَهُمْ، إِلَى أَنْ رَجَعَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مِنَ الشَّامِ، وَحَزرَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، إِلا ما كان من اهل ذي حمى وَذِي الْقصَّةَ ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ مصادم عِنْدَ رجوع اسامه هم فَخَرَجَ إِلَى الأَبْرَقِ فَلَمْ يَصْمُدْ لِقَوْمٍ فَيَفُلَّهُمْ إِلا اسْتَنْفَرَ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ مِنْهُمْ إِلَى آخَرِينَ، فَيَفُلَّ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالْمُسْتَنْفِرَةِ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ إِلَى الَّتِي تَلِيهِمْ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ أُمُورِ النَّاسِ، وَلا يَسْتَعِينُ بِالْمُرْتَدِّينَ.
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ إِلَيْهِ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، كَتَبَ إِلَيْهِ بِرُكُوبِ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ بِمَنْ ثَبَتَ عَلَى الإِسْلامِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بِرُكُوبِ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ بِمَنْ ثَبَتَ عَلَى الإِسْلامِ، فاما عتاب فانه بعث خالد ابن أُسَيْدٍ إِلَى أَهْلِ تِهَامَةَ، وَقَدْ تَجَمَّعَتْ بِهَا جِمَاعٌ مِنْ مُدْلِجٍ، وَتَأَشَّبَ إِلَيْهِمْ شُذَّاذٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَفْنَاءِ كِنَانَةَ، عَلَيْهِمْ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى، أَحَدُ بَنِي شَنُوقٍ، مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِ عَتَّابٍ جَمْعٌ غَيْرُهُ، فَالْتَقَوْا بِالأَبَارِقِ، فَفَرَّقَهُمْ وَقَتَلَهُمْ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي بَنِي شَنُوقٍ، فَمَا زَالُوا أَذِلاءَ قَلِيلا، وَبَرِئَتْ عِمَالَةُ عَتَّابٍ، وَأَفْلَتَ جُنْدُبٌ، فَقَالَ جُنْدُبٌ فِي ذَلِكَ:
نَدِمْتُ وَأَيْقَنْتُ الْغَداةَ بِأَنَّنِي ... أَتَيْتُ الَّتِي يَبْقَى عَلَى الْمَرْءِ عَارُهَا
شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ لا شَيْءَ غَيْرُهُ ... بَنِي مُدْلِجٍ فَاللَّهُ رَبِّي وَجَارُهَا
(3/319)

وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى شَنُوءَةَ، وَقَدْ تَجَمَّعَتْ بِهَا جُمَّاعٌ مِنَ الأَزْدِ وَبَجِيلَةَ وَخَثْعَمٍ، عَلَيْهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَعَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِشَنُوءَةَ، فَهَزَمُوا تِلْكَ الْجُمَّاعَ، وَتَفَرَّقُوا عَنْ حُمَيْضَةَ وَهَرَبَ حُمَيْضَةُ فِي الْبِلادِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ:
فَضَضْنَا جَمْعَهُمْ وَالنَّقْعُ كَابٍ ... وَقَدْ تُعْدِي عَلَى الْغَدْرِ الْفُتُوقُ
وَأَبْرَقَ بَارِقٌ لَمَّا الْتَقَيْنَا ... فَعَادَتْ خُلَّبًا تِلْكَ الْبُرُوقُ

خبر الأخابث من عك
قال أبو جعفر: وكان أول منتقض بعد النبي ص بتهامة عك والأشعرون، وذلك أنهم حين بلغهم موت النبي ص تجمع منهم طخارير، فأقبل إليهم طخارير من الأشعرين وخضم فانضموا إليهم، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل، وتأشب اليهم او زاع على غير رئيس، فكتب بذلك الطاهر بْن أبي هالة إلى أبي بكر، وسار إليهم، وكتب أيضا بمسيره إليهم، ومعه مسروق العكي حتى انتهى إلى تلك الأوزاع، على الأعلاب، فالتقوا فاقتتلوا، فهزمهم اللَّه، وقتلوهم كل قتلة، وأنتنت السبل لقتلهم، وكان مقتلهم فتحا عظيما وأجاب أبو بكر الطاهر قبل أن يأتيه كتابه بالفتح:
بلغني كتابك تخبرني فيه مسيرك واستنفارك مسروقا وقومه إلى الأخابث بالأعلاب، فقد أصبت، فعاجلوا هذا الضرب ولا ترفهوا عنهم، وأقيموا بالأعلاب حتى يأمن طريق الأخابث، ويأتيكم أمري: فسميت تلك
(3/320)

الجموع من عك ومن تأشب إليهم إلى اليوم الأخابث، وسمي ذلك الطريق طريق الأخابث، وقال في ذلك الطاهر بْن أبي هالة.
وو الله لولا اللَّه لا شيء غيره ... لما فض بالأجراع جمع العثاعث
فلم تر عيني مثل يوم رأيته ... بجنب صحار في جموع الأخابث
قتلناهم ما بين قنة خامر ... الى القيمه الحمراء ذات النبائث
وفئنا بأموال الأخابث عنوة ... جهارا ولم نحفل بتلك الهثاهث
وعسكر طاهر على طريق الأخابث، ومعه مسروق في عك ينتظر أمر أبي بكر رحمه اللَّه.
قال أبو جعفر: ولما بلغ أهل نجران وفاه رسول الله ص وهم يومئذ اربعون ألف مقاتل، من بني الأفعى، الأمة التي كانوا بها قبل بني الحارث، بعثوا وفدا ليجددوا عهدا، فقدموا إليه فكتب لهم كتابا:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ عبد اللَّه أبي بكر خليفه رسول الله ص لأهل نجران، أجارهم من جنده ونفسه، وأجاز لهم ذمه محمد ص إلا ما رجع عنه مُحَمَّد رسول اللَّه ص بأمر اللَّه عز وجل في أرضهم وأرض العرب، ألا يسكن بها دينان، أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعاديتهم، وغائبهم وشاهدهم، وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت، وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير، عليهم ما عليهم، فإذا أدوه فلا
(3/321)

يحشرون ولا يعشرون ولا يغير أسقف من اسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله ص وعلى ما في هذا الكتاب من ذمة محمد رسول الله ص وجوار المسلمين.
وعليهم النصح والإصلاح فيما عليهم من الحق شهد المسور بْن عمرو، وعمرو مولى أبي بكر.
ورد أبو بكر جرير بْن عبد اللَّه، وأمره أن يدعو من قومه من ثبت على أمر اللَّه، ثم يستنفر مقويهم، فيقاتل بهم من ولى عن أمر اللَّه، وأمره أن يأتي خثعم، فيقاتل من خرج غضبا لذي الخلصة، ومن أراد إعادته حتى يقتلهم اللَّه، ويقتل من شاركهم فيه، ثم يكون وجهه إلى نجران، فيقيم بها حتى يأتيه أمره.
فخرج جرير فنفذ لما أمره به أبو بكر، فلم يقر له أحد إلا رجال في عدة قليلة، فقتلهم وتتبعهم، ثم كان وجهه إلى نجران، فأقام بها انتظارا أمر أبي بكر رحمه اللَّه.
وكتب إلى عثمان بْن أبي العاص أن يضرب بعثا على أهل الطائف على كل مخلاف بقدره، ويولي عليهم رجلا يأمنه ويثق بناحيته، فضرب على كل مخلاف عشرين رجلا، وأمر عليهم أخاه.
وكتب إلى عتاب بْن أسيد، أن اضرب على أهل مكة وعملها خمسمائة مقو، وابعث عليهم رجلا تأمنه، فسمى من يبعث، وأمر عليهم خالد بْن أسيد، وأقام أمير كل قوم، وقاموا على رجل ليأتيهم أمر أبي بكر، وليمر عليهم المهاجر
(3/322)

ردة أهل اليمن ثانية
قال أبو جعفر: فممن ارتد ثانية منهم، قيس بْن عبد يغوث المكشوح، كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، قال: كان من حديث قيس في ردته الثانية، أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسول الله ص انتكث، وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش، وكتب أبو بكر إلى عمير ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سميفع ذي الكلاع، وإلى حوشب ذي ظليم، وإلى شهر ذي يناف، يأمرهم بالتمسك بالذي هم عليه، والقيام بأمر اللَّه والناس، ويعدهم الجنود:
من ابى بكر خليفه رسول الله ص إلى عمير بْن أفلح ذي مران، وسعيد بْن العاقب ذي زود، وسميفع بْن ناكور ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم، وشهر ذي يناف أما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز، وجدوا معه، فإني قد وليته.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ غَزِيَّةَ الدَّثِينِيِّ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ أَمَّرَ فَيْرُوزَ، وَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَسَانِدُونَ، هُوَ وَدَاذُوَيْهِ وَجَشِيشٌ وَقَيْسٌ، وَكَتَبَ إِلَى وُجُوهٍ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ قَيْسٌ أَرْسَلَ إِلَى ذِي الْكَلاعِ وَأَصْحَابِهِ:
إِنَّ الأَبْنَاءَ نُزَّاعٌ فِي بِلادِكُمْ، وَنُقَلاءُ فِيكُمْ، وَإِنْ تَتْرُكُوهُمْ لَنْ يَزَالُوا عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَرَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ أَقْتُلَ رُءُوسَهُمْ، وَأُخْرِجَهُمْ مِنْ بِلادِنَا فَتَبْرَءُوا، فَلَمْ يُمَالِئُوهُ وَلَمْ يَنْصُرُوا الأبناء، واعتزلوا وقالوا: لسنا مما هاهنا فِي شَيْءٍ، أَنْتَ صَاحِبُهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُكَ.
فَتَرَبَّصَ لَهُمْ قَيْسٌ، وَاسْتَعَدَّ لِقَتْلِ رُؤَسَائِهِمْ وَتَسْيِيرِ عَامَّتِهِمْ، فكاتب قيس تلك الفالة السيارة اللحجية، وَهُمْ يَصْعَدُونَ فِي الْبِلادِ وَيُصَوِّبُونَ،
(3/323)

مُحَارِبِينَ لِجَمِيعِ مَنْ خَالَفَهُمْ، فَكَاتَبَهُمْ قَيْسٌ فِي السِّرِّ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَجَّلُوا إِلَيْهِ، وَلِيَكُونَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهُمْ وَاحِدًا، وَلِيَجْتَمِعُوا عَلَى نَفْيِ الأَبْنَاءِ مِنْ بِلادِ الْيَمَنِ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ بِالاسْتِجَابَةِ لَهُ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، فَلَمْ يَفْجَأْ أَهْلَ صَنْعَاءَ إِلا الْخَبَرُ بِدُنُوِّهِمْ مِنْهَا، فَأَتَى قَيْسٌ فَيْرُوزَ فِي ذَلِكَ كَالْفرقِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ وَأَتَى دَاذُوَيْهِ، فَاسْتَشَارَهُمَا لِيلبسَ عَلَيْهِمَا، وَلِئَلا يَتَّهِمَاهُ، فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ وَاطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا دَعَاهُمْ مِنَ الْغَدِ إِلَى طَعَامٍ، فَبَدَأَ بِدَاذُوَيْهِ، وَثَنَّى بِفَيْرُوزَ، وَثَلَّثَ بِجَشِيشٍ، فَخَرَجَ دَاذُوَيْهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَاجَلَهُ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَيْرُوزُ يَسِيرُ حَتَّى إِذَا دَنَا سَمِعَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى سَطْحَيْنِ تَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: هَذَا مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ دَاذُوَيْهِ، فَلَقِيَهُمَا، فَعَاجَ حَتَّى يَرَى أَويَّ الْقَوْمِ الَّذِي أربئوا، فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِ فَيْرُوزَ، فَخَرَجُوا يَرْكُضُونَ، وَرَكَضَ فَيْرُوزُ، وَتَلَقَّاهُ جَشِيشٌ، فَخَرَجَ مَعَهُ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ جَبَلِ خَوْلانَ- وَهُمْ أَخْوَالُ فَيْرُوزَ- فَسَبَقَا الْخُيُولَ إِلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ نَزَلا، فَتَوَقَّلا وَعَلَيْهِمَا خِفَافٌ سَاذِجَةٌ، فَمَا وَصَلا حَتَّى تَقَطَّعَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَانْتَهَيَا إِلَى خَوْلانَ وَامْتَنَعَ فَيْرُوزُ بِأَخْوَالِهِ، وَآلَى أَلا يَنْتَعِلَ سَاذِجًا، وَرَجَعَتِ الْخُيُولُ إِلَى قَيْسٍ، فَثَارَ بِصَنْعَاءَ فَأَخَذَهَا، وَجَبَى مَا حَوْلَهَا، مُقَدِّمًا رِجْلا وَمُؤَخِّرًا أُخْرَى، وَأَتَتْهُ خُيُولُ الأُسُودِ.
وَلَمَّا أَوَى فَيْرُوزُ إِلَى أَخْوَالِهِ خَوْلانَ فَمَنَعُوهُ وَتَأَشَّبَ إِلَيْهِ النَّاسُ، كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ فَقَالَ قَيْسٌ: وَمَا خَوْلانُ! وَمَا فَيْرُوزُ! وَمَا قَرَارٌ أَوَوْا إِلَيْهِ! وَطَابَقَ عَلَى قَيْسٍ عَوَامُّ قَبَائِلِ مَنْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ، وَبَقِيَ الرُّؤَسَاءُ مُعْتَزِلِينَ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى الأَبْنَاءِ فَفَرَقَهُمْ ثَلاثَ فِرَقٍ: أَقَرَّ مَنْ أَقَامَ وَأَقَرَّ عِيَالَهُ، وَفَرَقَ عِيَالَ الَّذِينَ هَرَبُوا إِلَى فَيْرُوزَ فِرْقَتَيْنِ، فَوَجَّهَ إِحْدَاهُمَا إِلَى عَدْنٍ، لِيَحْمِلُوا فِي الْبَحْرِ، وَحَمَلَ الأُخْرَى فِي الْبَرِّ، وَقَالَ لَهُمْ جَمِيعًا: الْحَقُوا بِأَرْضِكُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ مَنْ يُسَيِّرُهُمْ، فَكَانَ عِيَالُ الدَّيْلَمِيِّ مِمَّنْ سُيِّرَ فِي الْبَرِّ
(3/324)

وَعِيَالُ دَاذُوَيْهِ مِمَّنْ سُيِّرَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَى فَيْرُوزُ أَنْ قَدِ اجْتَمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى قَيْسٍ، وَأَنَّ الْعِيَالَ قَدْ سُيِّرُوا وَعَرَّضَهُمْ لِلنَّهْبِ، وَلَمْ يَجِدْ إِلَى فراق عَسْكَرِهِ فِي تَنَقُّذِهِمْ سَبِيلا، وَبَلَغَهُ مَا قَالَ قَيْسٌ فِي اسْتِصْغَارِهِ الأَخْوَالِ وَالأَبْنَاءِ، فَقَالَ فَيْرُوزُ مُنْتَمِيًا وَمُفَاخِرًا وَذَكَرَ الظَّعْنَ:
أَلا نَادِيَا ظُعْنًا إِلَى الرَّمْلِ ذِي النَّخْلِ ... وَقُولا لَهَا أَلا يُقَالُ وَلا عَذْلِي
وَمَا ضَرَّهُمْ قَوْلُ الْعُدَاةِ لَوْ انه ... أَتَى قَوْمَهُ عَنْ غَيْرِ فُحْشٍ وَلا بخْلِ
فَدَعْ عَنْكَ ظُعْنًا بِالطَّرِيقِ الَّتِي هَوَتْ ... لِطَيَّتِهَا صَمْد الرِّمَالِ إِلَى الرَّمْلِ
وَإِنَّا وَإِنْ كَانَتْ بِصَنْعَاءَ دَارُنَا ... لَنَا نَسْلُ قَوْمٍ مِنْ عَرانِينِهِمْ نَسْلِي
وَلِلدَّيْلَمِ الرَّزَّامِ مِنْ بَعْدِ بَاسِلٍ ... أَبَى الْخَفْضَ وَاخْتَارَ الْحَرُورَ عَلَى الظِّلِّ
وَكَانَتْ مَنَابِيتُ الْعِرَاقِ جِسَامَهَا ... لِرَهْطِي إِذَا كِسْرَى مَرَاجِلُهُ تَغْلِي
وَبَاسِلٌ أَصْلِي إِنْ نَمَيْتُ وَمَنْصِبِي ... كَمَا كُلُّ عُودٍ مُنْتَهَاهُ إِلَى الأَصْلِ
هُمْ تَرَكُوا مَجْرَايَ سَهْلا وَحَصَّنُوا ... فِجَاجِي بِحُسْنِ الْقَوْلِ وَالْحَسَبِ الْجَزْلِ
فَمَا عَزَّنَا فِي الْجَهْلِ مِنْ ذِي عَدَاوَةٍ ... أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُعِزَّ عَلَى الْجَهْلِ
وَلا عَاقَنَا فِي السَّلْمِ عَنْ آلِ أَحْمَدَ ... وَلا خَسَّ فِي الإِسْلامِ إِذْ أَسْلَمُوا قَبْلِي
وَإِنْ كَانَ سَجْلٌ من قبيلي أرشني ... فَإِنِّي لَرَاجٌ أَنْ يُغْرِقَهُمْ سَجْلِي
وَقَامَ فَيْرُوزُ فِي حَرْبِهِ، وَتَجَرَّدَ لَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عُقَيْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَسُولا بِأَنَّهُ مُتَخَفِّرٌ بِهِمْ، يَسْتَمِدُّهُمْ وَيَسْتَنْصِرُهُمْ فِي ثُقْلِهِ عَلَى الَّذِينَ يُزْعِجُونَ أَثْقَالَ الأَبْنَاءِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَكٍّ رَسُولا يَسْتَمِدُّهُمْ وَيَسْتَنْصِرُهُمْ عَلَى الَّذِينَ يُزْعِجُونَ أَثْقَالَ الأَبْنَاءِ فَرَكِبَتْ عُقَيْلٌ وَعَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْحُلَفَاءِ يُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ، فَاعْتَرَضُوا خَيْلَ قَيْسٍ فَتَنَقَّذُوا أُولَئِكَ الْعِيَالَ، وَقَتَلُوا الَّذِينَ سَيَّرُوهُمْ، وَقَصَرُوا عَلَيْهِمُ الْقُرَى، إِلَى أَنْ رَجَعَ فَيْرُوزُ إِلَى
(3/325)

صَنْعَاءَ، وَوَثَبَتْ عَكٌّ، وَعَلَيْهِمْ مَسْرُوقٌ، فَسَارُوا حَتَّى تَنَقَّذُوا عِيَالاتِ الأَبْنَاءِ، وَقَصَرُوا عَلَيْهِمُ الْقُرَى، إِلَى أَنْ رَجَعَ فَيْرُوزُ إِلَى صَنْعَاءَ، وَأَمَدَّتْ عُقَيْلٌ وَعَكٌّ فَيْرُوزَ بِالرِّجَالِ، فَلَمَّا أَتَتْهُ أَمْدَادُهُمْ- فِيمَنْ كَانَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ- خَرَجَ فِيمَنْ كَانَ تَأَشَّبَ إِلَيْهِ وَمَنْ أَمَدَّهُ مِنْ عَكٍّ وَعُقَيْلٍ، فَنَاهَدَ قَيْسًا فَالْتَقُوا دُونَ صَنْعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَ اللَّهُ قَيْسًا فِي قَوْمِهِ وَمَنْ أُنْهِضُوا، فَخَرَجَ هَارِبًا فِي جُنْدِهِ حَتَّى عَادَ مَعَهُمْ، وَعَادُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا بِهِ مُبَادِرِينَ حِينَ هَرَبُوا بَعْدَ مَقْتَلِ الْعَنْسِيِّ، وَعَلَيْهِمْ قَيْسٌ، وَتَذَبْذَبَتْ رَافِضَةُ الْعَنْسِيِّ وَقَيْسٍ مَعَهُمْ فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ بِإِزَاءِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ فِي طَاعَةِ الْعَنْسِيِّ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَمْرِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ أَنَّهُ كَانَ قَدِمَ عَلَى رسول الله ص مُسْلِمًا، وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ حِمْيَرَ أَعْرَضَتْ ... كَالرَّجُلِ خَانَ الرَّجُلَ عِرْقُ نَسَائِهَا
يَمَّمْتُ رَاحِلَتِي أَمَامَ مُحَمَّدٍ ... أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنُ ثنائها
وقال له رسول الله ص فِيمَا قَالَ لَهُ: هَلْ سَاءَكَ مَا لَقِيَ قومك يوم الرزم يا فروه او سرك؟ قَالَ: وَمَنْ يُصَبْ فِي قَوْمِهِ بِمِثْلِ الَّذِي أَصَبْتَ بِهِ فِي قَوْمِي يَوْمَ الرَّزْمِ إِلا سَاءَهُ ذَلِكَ! وَكَانَ يَوْمَ الرَّزْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَمْدَانَ عَلَى يَغُوثَ، وَثَنٍ كَانَ يَكُونُ فِي هَؤُلاءِ مَرَّةً وَفِي هَؤُلاءِ مَرَّةً، فَأَرَادَتْ مُرادٌ أَنْ تَغْلِبَهُمْ عَلَيْهِ فِي مَرَّتِهِمْ، فَقَتَلَتْهُمْ هَمْدَانُ، وَرَئِيسُهُمُ الأَجْدَعُ أَبُو مَسْرُوقٍ، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْهُمْ فِي الإِسْلامِ إِلا خَيْرًا،] فَقَالَ: قَدْ سَرَّنِي إِذْ كَانَ ذَلِكَ، فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَدَقَاتِ مُرَادٍ وَمَنْ نَازَلَهُمْ أَوْ نَزَلَ دَارَهُمْ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ قَدْ فَارَقَ قَوْمَهُ سَعْدَ الْعَشِيرَةِ فِي بَنِي زُبَيْدٍ واخلافها، وانحاز
(3/326)

إِلَيْهِمْ، وَأَسْلَمَ مَعَهُمْ، فَكَانَ فِيهِمْ، فَلَمَّا ارْتَدَّ الْعَنْسِيُّ وَاتَّبَعَهُ عَوَامُّ مَذْحِجٍ، اعْتَزَلَ فَرْوَةُ فِيمَنْ أَقَامَ مَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ، وَارْتَدَّ عَمْرٌو فِيمَنِ ارْتَدَّ، فَخَلَّفَهُ الْعَنْسِيُّ، فَجَعَلَهُ بِإِزَاءِ فَرْوَةَ، فَكَانَ بِحِيَالِهِ، وَيَمْتَنِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَكَانِ صَاحِبِهِ مِنَ الْبَرَاحِ، فَكَانَا يَتَهَادَيَانِ الشِّعْرَ، فَقَالَ عَمْرٌو يَذْكُرُ إِمَارَةَ فَرْوَةَ وَيَعِيبُهَا:
وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شر ملك ... حمارا ساف منخره بقذر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خُبْثٍ وَغَدْرِ
فَأَجَابَهُ فَرْوَةُ:
أَتَانِي عَنْ أَبِي ثَوْرٍ كَلامٌ ... وَقِدما كَانَ فِي الْأَبْغَالِ يَجْرِي
وَكَانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ قَدِيمًا ... عَلَى مَا كَانَ مِنْ خُبْثٍ وَغَدْرِ
فَبَيْنَاهُمْ كَذَلِكَ قَدِمَ عِكْرِمَةُ أبين.
وكتب إلي السري، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن سهل، عن القاسم وموسى بْن الغصن، عن ابن محيريز، قال: فخرج عكرمة من مهرة سائرا نحو اليمن حتى ورد أبين، ومعه بشر كثير من مهرة، وسعد بْن زيد، والأزد، وناجية، وعبد القيس، وحدبان من بني مالك بْن كنانة، وعمرو بْن جندب من العنبر، فجمع النخع بعد من أصاب من مدبريهم فقال لهم: كيف كنتم في هذا الأمر؟ فقالوا له: كنا في الجاهلية أهل دين، لا نتعاطى ما تتعاطى العرب بعضها من بعض، فكيف بنا إذا صرنا إلى دين عرفنا فضله، ودخلنا حبه! فسأل عنهم فإذا الأمر كما قالوا، ثبت عوامهم وهرب من كان فارق من خاصتهم، واستبرأ النخع وحمير، واقام لاجتماعهم، وأرز قيس بْن عبد يغوث لهبوط عكرمة إلى اليمن إلى عمرو بْن معديكرب، فلما ضامه وقع بينهما تنازع، فتعايرا، فقال
(3/327)

عمرو بْن معديكرب يعير قيسا غدره بالأبناء وقتله داذويه، ويذكر فراره من فيروز:
غدرت ولم تحسن وفاء ولم يكن ... ليحتمل الأسباب إلا المعود
وكيف لقيس أن ينوط نفسه ... إذا ما جرى والمضرحي المسود!
وقال قيس:
وفيت لقومي واحتشدت لمعشر ... أصابوا على الأحياء عمرا ومرثدا
وكنت لدى الأبناء لما لقيتهم ... كأصيد يسمو بالعزازة أصيدا
وقال عمرو بْن معديكرب:
فما إن داذوي لكم بفخر ... ولكن داذوي فضح الذمارا
وفيروز غداة أصاب فيكم ... وأضرب في جموعكم استجارا

ذكر خبر طاهر حين شخص مددا لفيروز
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: قد كان أبو بكر رحمه اللَّه كتب إلى طاهر بْن أبي هالة بالنزول إلى صنعاء وإعانة الأبناء، وإلى مسروق، فخرجا حتى أتيا صنعاء، وكتب إلى عبد اللَّه بْن ثور بْن أصغر، بأن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة، ثم يقيم بمكانه حتى يأتيه أمره.
وكان أول ردة عمرو بْن معديكرب أنه كان مع خالد بْن سعيد فخالفه، واستجاب للأسود، فسار إليه خالد بْن سعيد حتى لقيه، فاختلفا ضربتين، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع، ووصلت الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئا، فلما أراد خالد أن يثني عليه نزل فتوقل في الجبل، وسلبه فرسه وسيفه الصمصامة،
(3/328)

ولحج عمرو فيمن لحج وصارت إلى سعيد بْن العاص الأصغر مواريث آل سعيد بْن العاص الأكبر فلما ولي الكوفة عرض عليه عمرو ابنته، فلم يقبلها، وأتاه في داره بعدة سيوف كان خالد أصابها باليمن، فقال: أيها الصمصامة؟ قال: هذا، قال: خذه فهو لك، فأخذه، ثم آكف بغلا له فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة، وأسرع في البغل، ثم رده على سعيد، وقال: لو زرتني في بيتي وهو لي لوهبته لك، فما كنت لأقبله إذ وقع.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد عن عروة بْن غزية وموسى، عن أبي زرعه السيبانى، قال: ولما فصل المهاجر بْن أبي أمية من عند أبي بكر- وكان في آخر من فصل- اتخذ مكة طريقا، فمر بها فاتبعه خالد بْن أسيد، ومر بالطائف فاتبعه عبد الرحمن بْن أبي العاص، ثم مضى حتى إذا حاذى جرير بْن عبد اللَّه ضمه إليه، وانضم إليه عبد اللَّه بْن ثور حين حازاه، ثم قدم على أهل نجران، فانضم إليه فروة بْن مسيك، وفارق عمرو بْن معديكرب قيسا، وأقبل مستجيبا، حتى دخل على المهاجر على غير أمان، فأوثقه المهاجر، وأوثق قيسا، وكتب بحالهما إلى أبي بكر رحمه اللَّه، وبعث بهما إليه فلما سار المهاجر من نجران إلى اللحجية، والتفت الخيول على تلك الفالة استأمنوا، فأبى أن يؤمنهم، فافترقوا فرقتين، فلقي المهاجر إحداهما بعجيب، فأتى عليهم، ولقيت خيوله الأخرى بطريق الأخابث، فأتوا عليهم- وعلى الخيول عبد اللَّه- وقتل الشرداء بكل سبيل، فقدم بقيس وعمرو على أبي بكر، فقال: يا قيس، أعدوت على عباد اللَّه تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين! وهم بقتله لو وجد أمرا جليا وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا، وكان ذلك عملا عمل في سر لم يكن به بينة، فتجافى له عن دمه، وقال لعمرو ابن معديكرب: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا
(3/329)

الدين لرفعك اللَّه ثم خلى سبيله، وردهما إلى عشائرهما، وقال عمرو:
لا جرم! لأقبلن ولا أعود.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن المستنير وموسى قالا: سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل صنعاء، وأمر أن يتبعوا شُذَّاذ القبائل الذين هربوا، فقتلوا من قدروا عليه منهم كل قتلة، ولم يعف متمردا، وقبل توبة من أناب من غير المتمردة، وعملوا في ذلك على قدر ما رأوا من آثارهم، ورجوا عندهم وكتب إلى أبي بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتبع من ذلك
. ذكر خبر حضرموت في ردتهم
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن سهل ابن يُوسُفَ، عَنِ الصَّلْتِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، قال: مات رسول الله ص وَعُمَّالُهُ عَلَى بِلادِ حَضْرَمَوْتَ: زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيُّ عَلَى حَضْرَمَوْتَ وَعُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ عَلَى السَّكَاسِكِ وَالسّكُونِ، وَالْمُهَاجِرُ عَلَى كِنْدَةَ- وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ص، فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدُ إِلَى قِتَالِ مَنْ بِالْيَمَنِ وَالْمُضِيِّ بَعْدُ إِلَى عَمَلِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي السائب، عطاء ابن فلان الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَنَّهُ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ تبوك، فرجع رسول الله ص وَهُوَ عَلَيْهِ عَاتِبٌ، فَبَيْنَا أُمُّ سَلَمَةَ تَغْسِلُ راس رسول الله ص، قَالَتْ: كَيْفَ يَنْفَعُنِي شَيْءٌ وَأَنْتَ عَاتِبٌ عَلَى أَخِي! فَرَأَتْ مِنْهُ رِقَّةً، فَأَوْمَأَتْ إِلَى خَادِمِهَا، فدعته، فلم يزل برسول الله ص يَنْشُرُ عُذْرَهُ حَتَّى
(3/330)

عَذَرَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَمَّرَهُ عَلَى كِنْدَةَ فَاشْتَكَى وَلَمْ يُطِقِ الذَّهَابَ، فَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ لِيَقُومَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ وَبَرَأَ بَعْدُ، فَأَتَمَّ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِمْرَتَهُ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ بَيْنَ نَجْرَانَ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ، وَلِذَلِكَ أَبْطَأَ زِيَادٌ وَعُكَّاشَةُ عَنْ مُنَاجَزَةِ كِنْدَةَ انْتِظَارًا لَهُ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بن محمد، قَالَ: كَانَ سَبَبُ رِدَّةِ كِنْدَةَ إِجَابَتَهُمُ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ حَتَّى لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُلُوكَ الأَرْبَعَةَ، وَأَنَّهُمْ قَبْلَ رِدَّتِهِمْ حِينَ أَسْلَمُوا وَأَسْلَمَ أَهْلُ بِلادِ حَضْرَمَوْتَ كُلُّهُمْ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَا يُوضَعُ مِنَ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُوضَعَ صَدَقَةُ بعض حضرموت في كنده، وتوضع صَدَقَةِ كِنْدَةَ فِي بَعْضِ حَضْرَمَوْتَ، وَبَعْضُ حَضْرَمَوْتَ فِي السكُونِ وَالسكُونُ فِي بَعْضِ حَضْرَمَوْتَ فَقَالَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي وَلِيعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَسْنَا بِأَصْحَابِ إِبِلٍ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ يَبْعَثُوا إِلَيْنَا بِذَلِكَ عَلَى ظَهْرٍ! فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ! قَالُوا: فَإِنَّا نَنْظُرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ظَهْرٌ فَعَلْنَا فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاءَ ذَلِكَ الإِبَانُ، دَعَا زِيَادٌ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، فَحَضَرُوهُ، فَقَالَتْ بَنُو وَلِيعَةَ: أَبْلِغُونَا كَمَا وَعَدْتُمْ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَقَالُوا:
إِنَّ لَكُمْ ظَهْرًا، فَهَلُمُّوا فَاحْتَمِلُوا، وَلاحُوهُمْ، حَتَّى لاحُوا زِيَادًا، وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ مَعَهُمْ عَلَيْنَا فَأَبَى الْحَضْرَمِيُّونَ، وَلَجَّ الْكِنْدِيُّونَ، فَرَجَعُوا إِلَى دَارِهِمْ، وَقَدَّمُوا رِجْلا وَأَخَّرُوا أُخْرَى، وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ زِيَادٌ انْتِظَارًا لِلْمُهَاجِرِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُ صَنْعَاءَ، كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِكُلِّ الَّذِي صَنَعَ، وَأَقَامَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ جَوَابُ كِتَابِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَإِلَى عِكْرِمَةَ أَنْ يَسِيرَا حَتَّى يَقْدَمَا حَضْرَمَوْتَ، واقر زيادا على عمله، واذن لمن معك مِنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ فِي الْقَفْلِ، إِلا ان يؤثر قوم الجهاد وامده بعبيده ابن سَعْدٍ فَفَعَلَ، فَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ صَنْعَاءَ يُرِيدُ حَضْرَمَوْتَ، وَسَارَ عِكْرِمَةُ مِنْ أَبْيَنَ يُرِيدُ حَضْرَمَوْتَ، فَالْتَقَيَا بِمَأْرِبٍ، ثُمَّ فوزا مِنْ صهيد، حَتَّى اقْتَحَمَا حَضْرَمَوْتَ، فَنَزَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الأَشْعَثِ وَالآخَرُ على وائل
(3/331)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن كثير بْن الصلت، قال: وكان زياد بْن لبيد حين رجع الكنديون ولجوا ولج الحضرميون، ولى صدقات بني عمرو بْن معاوية بنفسه، فقدم عليهم وهم بالرياض، فصدق أول من انتهى إليه منهم، وهو غلام، يقال له شيطان بْن حجر، فأعجبته بكرة من الصدقة، فدعا بنار فوضع عليها الميسم، وإذا الناقة لأخي الشيطان العداء بْن حجر، وليست عليه صدقة، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنها غيرها، فقال العداء: هذه شذرة باسمها، فقال الشيطان: صدق أخي، فإني لم أعطكموها إلا وأنا أراها غيرها، فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإنها غير متروكة فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال، واتهمه بالكفر ومباعدة الإسلام وتحري الشر.
فحمي وحمي الرجلان، فقال زياد: لا ولا تنعم، ولا هي لك، لقد وقع عليها ميسم الصدقة وصارت في حق اللَّه، ولا سبيل إلى ردها، فلا تكونن شذرة عليكم كالبسوس، فنادى العداء: يا آل عمرو، بالرياض أضام واضطهد! إن الذليل من أكل في داره! ونادى: يا أبا السميط، فأقبل ابو السميط حارثة بن سراقه بن معديكرب، فقصد لزياد بْن لبيد وهو واقف، فقال: أطلق لهذا الفتى بكرته، وخذ بعيرا مكانها، فإنما بعير مكان بعير، فقال: ما إلى ذلك سبيل! فقال: ذاك إذا كنت يهوديا! وعاج إليها، فأطلق عقالها، ثم ضرب على جنبها، فبعثها وقام دونها، وهو يقول:
يمنعها شيخ بخديه الشيب ... ملمع كما يلمع الثوب
فأمر به زياد شبابا من حضرموت والسكون، فمغثوه وتوطئوه، وكتفوه وكتفوا أصحابه، وارتهنوهم، وأخذوا البكره فعقلوها كما كانت، وقال زياد ابن لبيد في ذلك:
(3/332)

لم يمنع الشذرة أركوب ... والشيخ قد يثنيه أرجوب
وتصايح أهل الرياض وتنادوا، وغضبت بنو معاوية لحارثة، وأظهروا أمرهم، وغضبت السكون لزياد، وغضبت له حضرموت، وقاموا جميعا دونه وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء، لا تحدث بنو معاوية لمكان أسرائهم شيئا، ولا يجد أصحاب زياد على بني معاوية سبيلا يتعلقون به عليهم، فأرسل إليهم زياد: إما أن تضعوا السلاح، وإما أن تؤذنوا بحرب، فقالوا: لا نضع السلاح أبدا حتى ترسلوا أصحابنا، فقال زياد: لا يرسلون أبدا حتى ترفضوا وأنتم صغرة قمأة يا أخابث الناس، ألستم سكان حضرموت وجيران السكون! فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حضرموت، وفي جنوب مواليكم! وقالت له السكون: ناهد القوم، فإنه لا يفطمهم إلا ذلك، فنهد إليهم ليلا، فقتل منهم، وطاروا عباديد، وتمثل زياد حين أصبح في عسكرهم:
وكنت امرأ لا أبعث الحرب ظالما ... فلما أبوا سامحت في حرب حاطب
ولما هرب القوم خلى عن النفر الثلاثة، ورجع زياد إلى منزله على الظفر ولما رجع الأسراء إلى أصحابهم ذمروهم فتذامروا، وقالوا:
لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلو لأحد الفريقين فأجمعوا وعسكروا جميعا، ونادوا بمنع الصدقة، فتركهم زياد لم يخرج إليهم، وتركوا المسير إليه وأرسل إليهم الحصين بْن نمير، فما زال يسفر فيما بينهم وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن بعضهم عن بعض، وهذه النفرة الثانية، وقال السكوني في ذلك:
لعمري وما عمرى بعرضه جانب ... ليجتلبن منها المرار بنو عمرو
كذبتم وبيت اللَّه لا تمنعونها ... زيادا، وقد جئنا زيادا على قدر
(3/333)

فأقاموا بعد ذلك يسيرا ثم إن بني عمرو بْن معاوية خصوصا خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء حموها، فنزل جمد محجرا، ومخوص محجرا، ومشرح محجرا، وأبضعة محجرا، وأختهم العمردة محجرا- وكانت بنو عمرو ابن معاوية على هؤلاء الرؤساء- ونزلت بنو الحارث بْن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بْن قيس محجرا، والسمط بْن الأسود محجرا، وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الردة إلا ما كان من شرحبيل بْن السمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل، إن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار، فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحق إلى الباطل والقبيح! اللهم انا لا نمالى قومنا على هذا، وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا- يعني يوم البكرة ويوم النفره- وخرج شرحبيل بْن السمط وابنه السمط، حتى أتيا زياد بْن لبيد، فانضما إليه، وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بْن عابس، حتى أتيا زيادا، فقالا له: بيت القوم، فإن أقواما من السكاسك قد انضموا إليهم، وقد تسرع إليهم قوم من السكون وشذاذ من حضرموت، لعلنا نوقع بهم وقعة تورث بيننا عداوة، وتفرق بيننا، وإن أبيت خشينا أن يرفضَّ الناس عنا إليهم، والقوم غارون لمكان من أتاهم، راجون لمن بقي فقال: شأنكم فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسا، فعرفوا من يريدون، فأكبوا على بني عمرو بْن معاوية، وهم عدد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحا ومخوصا وجمدا وأبضعة وأختهم العمردة، أدركتهم اللعنة، وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، ووهنت بنو عمرو بْن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسبي والأموال، وأخذوا طريقا
(3/334)

يفضي بهم إلى عسكر الأشعث وبني الحارث بْن معاوية، فلما مروا بهم فيه استغاث نسوة بني عمرو بْن معاوية ببني الحارث ونادينه: يا أشعث، يا أشعث! خالاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقذهم- وهذه الثالثة- وقال الأشعث:
منعت بني عمرو وقد جاء جمعهم ... بأمعز من يوم البضيض وأصبرا
وعلم الأشعث أن زيادا وجنده إذا بلغهم ذلك لم يقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بْن معاوية وبني عمرو بْن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بْن معاوية وبني عمرو بْن معاوية، ومن أطاعه من السكاسك والخصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضرموت من القبائل، فثبت أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجت كندة، فلما تباينت القبائل كتب زياد إلى المهاجر، وكاتبه الناس فتلقاه بالكتاب، وقد قطع صهيد- مفازة ما بين مأرب وحضرموت- واستخلف على الجيش عكرمة، وتعجل في سرعان الناس، ثم سار حتى قدم على زياد، فنهد إلى كندة وعليهم الأشعث، فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا به فهزمت كندة، وقتلت وخرجوا هرابا، فالتجأت إلى النجير وقد رموه وحصنوه، وقال في يوم محجر الزرقان المهاجر:
كنا بزرقان إذ يشردكم ... بحر يزجي في موجه الحطبا
نحن قتلناكم بمحجركم ... حتى ركبتم من خوفنا السببا
إلى حصار يكون أهونه ... سبي الذراري وسوقها خببا
وسار المهاجر في الناس من محجر الزرقان حتى نزل على النجير،
(3/335)

وقد اجتمعت إليه كندة، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، على ثلاثة سبل، فنزل زياد على أحدها، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه ويذهبون فيه، إلى أن قدم عكرمة في الجيش، فأنزله على ذلك الطريق، فقطع عليهم المواد وردهم، وفرق في كندة الخيول، وأمرهم أن يوطئوهم وفيمن بعث يزيد بْن قنان من بني مالك بْن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى برهوت، وبعث فيمن بعث إلى الساحل خالد بْن فلان المخزومي وربيعة الحضرمي، فقتلوا أهل محا وأحياء أخر، وبلغ كندة وهم في الحصار ما لقي سائر قومهم، فقالوا: الموت خير مما أنتم فيه، جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه، لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة فجزوا نواصيهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم:
صباح سوء لبني قتيرة ... وللأمير من بني المغيرة
وجعل راجز المسلمين زياد بْن دينار يرد عليهم:
لا توعدونا واصبروا حصيره ... نحن خيول ولد المغيره
وفي الصباح تظفر العشيره.
فلما أصبحوا خرجوا على الناس، فاقتتلوا بأفنية النجير، حتى كثرت القتلى بحيال كل طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عكرمة يرتجز يومئذ، ويقول:
أطعنهم وأنا على أوفاز ... طعنا أبوء به على مجاز
(3/336)

ويقول:
أنفذ قولي وله نفاذ ... وكل من جاورني معاذ
فهزمت كندة، وقد أكثروا فيهم القتل.
وقال هشام بْن مُحَمَّد: قدم عكرمة بْن أبي جهل بعد ما فرغ المهاجر من أمر القوم مددا له، فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إن إخوانكم قدموا مددا لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشركوهم في الغنيمة ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصوا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسرى، وسار البشير فسبقهم، وكانوا يبشرون القبائل ويقرءون عليهم الفتح.
وكتب إلي السري، قال: كتب أبو بكر رحمه اللَّه إلى المهاجر مع المغيرة بْن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفروا، فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية إن أخذتموهم عنوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جرى بينكم صلح قبل ذلك فعلى أن تخرجوهم من ديارهم، فإني أكره أن أقر أقواما فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساءوا، وليذوقوا وبال بعض الذي أتوا قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النجير المواد لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا أنهم غير منصرفين عنهم، خشعت أنفسهم، ثم خافوا القتل، وخاف الرؤساء على أنفسهم، ولو صبروا حتى يجيء المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصلح على الجلاء نجاة فعجل الأشعث، فخرج إلى عكرمة بأمان، وكان لا يأمن غيره، وذلك أنه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بْن الجون، خطبها وهو يومئذ بالجند ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادوا، فأبلغه عكرمة المهاجر، واستأمنه له على نفسه، ونفر معه تسعة، على ان يؤمنهم وأهليهم وان يفتحوا لهم الباب، فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثق لنفسك، ثم هلم كتابك أختمه.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق
(3/337)

الشيباني، عن سعيد بْن أبي بردة، عن عامر، أنه دخل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممن أحب، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه.
فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعجل، فكتب أمانه وأمانهم، وفيهم أخوه وبنو عمه وأهلوهم، ونسي نفسه، عجل ودهش ثم جاء بالكتاب فختمه، ورجع فسرب الذين في الكتاب.
وقال الأجلح والمجالد: لما لم يبق إلا أن يكتب نفسه وثب عليه جحدم بشفرة، وقال: نفسك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه.
قال أبو إسحاق: فلما فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلا إلا قتلوه، ضربوا أعناقهم صبرا، وأحصي ألف امرأة ممن في النجير والخندق، ووضع على السبي والفيء الأحراس، وشاركهم كثير.
وقال كثير بْن الصلت: لما فتح الباب وفُرغ ممن في النجير، وأحصي ما أفاء اللَّه عليهم، دعا الأشعث بأولئك النفر، ودعا بكتابه فعرضهم، فأجاز من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه، فقال المهاجر: الحمد لله الذي أخطاك نوءك يا أشعث، يا عدو اللَّه! قد كنت أشتهي أن يخزيك اللَّه.
فشده وثاقا، وهم بقتله، فقال له عكرمة: أخره، وأبلغه أبا بكر، فهو أعلم بالحكم في هذا وإنه كان رجلا نسي اسمه أن يكتبه، وهو ولي المخاطبة أفذاك يبطل ذاك! فقال المهاجر: إن أمره لبين، ولكني أتبع المشورة وأوثرها وأخره وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، فكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه سبايا قومه، وسماه نساء قومه عُرْف النار- كلام يمان يسمون به الغادر- وقد كان المغيرة تحير ليله للذي أراد اللَّه، فجاء والقوم في دمائهم والسبي على ظهر، وسارت السبايا والأسرى، فقدم القوم على أبي بكر رحمه اللَّه بالفتح والسبايا والأسرى فدعا بالاشعث، فقال:
(3/338)

استزلك بنو وليعه، ولم تكن لتستزل لهم- ولا يرونك لذلك أهلا- وهلكوا وأهلكوك! أما تخشى ان تكون دعوه رسول الله ص قد وصل إليك منها طرف! ما تراني صانعا بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإني أرى قتلك قال: فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة، فما يحل دمي، قال: أفوضوا إليك؟ قال: نعم، قال:
ثم أتيتهم بما فوضوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة، وإنما كنت قبل ذلك مراوضا فلما خشي أن يقع به قال: أو تحتسب في خيرا فتطلق إساري وتقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد علي زوجتي- وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله ص، فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله ص، وفعل الأشعث ما فعل، فخشي ألا ترد عليه- تجدني خير أهل بلادي لدين اللَّه! فتجافى له عن دمه، وقبل منه، ورد عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك خير، وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبو بكر في الناس الخمس، واقتسم الجيش الأربعة الأخماس.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا ابْنُ حُمَيْدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بَكْرٍ، أَنَّ الأَشْعَثَ لَمَّا قُدِمَ بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: مَاذَا تَرَانِي أَصْنَعُ بِكَ، فَإِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَا عَلِمْتَ! قَالَ: تَمُنَّ على فتفكتنى مِنَ الْحَدِيدِ وَتُزَوِّجْنِي أُخْتَكَ، فَإِنِّي قَدْ رَاجَعْتُ وَأَسْلَمْتُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ فَعَلْتُ فَزَوَّجَهُ أُمَّ فَرْوَةَ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقِ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَيْفٍ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: انه
(3/339)

لَيَقْبُحُ بِالْعَرَبِ أَنْ يَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ، وَفَتَحَ الأَعَاجِمَ.
وَاسْتَشَارَ فِي فِدَاءِ سَبَايَا الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ إِلا امْرَأَةً وُلِدَتْ لِسَيِّدِهَا، وَجَعَلَ فِدَاءَ كُلِّ إِنْسَانٍ سَبْعَةَ أبعرة وسته أبعرة الا حنيفه وكنده، فَإِنَّهُ خَفَّفَ عَنْهُمْ لِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، وَمَنْ لا يَقْدِرُ عَلَى فِدَاء لقيامهم وأهل دبا، فَتَتَبَّعَتْ رِجَالُهُمْ نِسَاءَهُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ فَوَجَدَ الأَشْعَثُ فِي بَنِي نَهْدٍ وَبَنِي غُطَيْفٍ امْرَأَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَفَ فِيهَا يَسْأَلُ عَنْ غُرَابٍ وَعُقَابٍ، فَقِيلَ:
مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَنَا يَوْمَ النُّجَيْرِ خَطَفَهُنَّ الْعُقْبَانُ وَالْغِرْبَانُ وَالذِّئَابُ وَالْكِلابُ فَقَالَ بَنُو غُطَيْفٍ: هَذَا غُرَابٌ، قَالَ: فَمَا مَوْضِعُهُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: فِي الصِّيَانَةِ، قَالَ: فَنَعَمْ، وَانْصَرَفَ وَقَالَ عُمَرُ: لا مُلْكَ عَلَى عَرَبِيٍّ، لِلَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ.
قَالُوا: وَنَظَرَ الْمُهَاجِرُ فِي أَمْرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَ أَبُوهَا النعمان بن الجون أهداها لرسول الله ص، فَوَصَفَهَا أَنَّهَا لَمْ تَشْتَكِ قَطُّ، فَرَدَّهَا، [وَقَالَ: لا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، بَعْدَ أَنْ أَجْلَسَهَا بين يديه وقال له:
لَوْ كَانَ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لاشْتَكَتْ] فَقَالَ الْمُهَاجِرُ لِعِكْرِمَةَ: مَتَى تَزَوَّجْتَهَا؟
قَالَ: وَأَنَا بِعَدْنٍ، فَأُهْدِيَتْ إِلَيَّ بِالْجُنْدِ، فَسَافَرْتُ بِهَا إِلَى مَأْرِبٍ، ثُمَّ أَوْرَدْتُهَا الْعَسْكَرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَهْلٍ أَنْ يُرْغَبَ فِيهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَدَعْهَا فَكَتَبَ الْمُهَاجِرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَبَاهَا النُّعْمَانَ بْنَ الجون اتى رسول الله ص، فَزَيَّنَهَا لَهُ حَتَّى أَمَرَهُ أَنْ يَجِيئَهُ بِهَا، فَلَمَّا جَاءَهُ بِهَا قَالَ: أُزِيدُكَ أَنَّهَا لَمْ تيجع شَيْئًا قَطُّ، [فَقَالَ: لَوْ كَانَ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لاشْتَكَتْ،] وَرَغِبَ عَنْهَا، فَارْغَبُوا عَنْهَا فأرسلها وبقي في قريش بعد ما أَمَرَ عُمَرُ فِي السَّبْيِ بِالْفِدَاءِ عِدَّةً، مِنْهُمْ بُشْرَى بِنْتُ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْكَيْسَمِ،
(3/340)

عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ، وَزُرْعَةُ بِنْتُ مِشْرَحٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَلَدَتْ لَهُ عَلِيًّا.
وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُهَاجِرِ يُخَيِّرُهُ الْيَمَنَ أَوْ حَضْرَمَوْتَ، فَاخْتَارَ الْيَمَنَ، فَكَانَتِ الْيَمَنُ عَلَى أَمِيرَيْنِ: فَيْرُوزَ وَالْمُهَاجِرِ، وَكَانَتْ حَضْرَمَوْتَ عَلَى أَمِيرَيْنِ: عُبَيْدَةَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى كِنْدَةَ وَالسَّكَاسِكَ، وَزِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ عَلَى حَضْرَمَوْتَ.
وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَّالِ الرِّدَّةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ أَحَبَّ مَنْ أَدْخَلْتُمْ فِي أُمُورِكُمْ إِلَيَّ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ وَمَنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَاتَّخِذُوا مِنْهَا صَنَائِعَ، وَائْذَنُوا لِمَنْ شَاءَ فِي الانْصِرَافِ، وَلا تَسْتَعِينُوا بِمُرْتَدٍّ فِي جِهَادِ عَدُوٍّ.
وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ مئناس السَّكُونِيُّ يَبْكِي أَهْلَ النُّجَيْرِ:
لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ كُنْتُ بِالْقَتْلَى لَحَقَّ ضَنِينِ
فَلا غَرْوَ إِلا يَوْمَ اقرع بَيْنَهُمْ ... وَمَا الدَّهْرُ عِنْدِي بَعْدَهُمْ بِأَمِينِ
فَلَيْتَ جُنُوبُ النَّاسِ تَحْتَ جُنُوبِهِمْ ... وَلَمْ تَمْشِ أُنْثَى بَعْدَهُمْ لِجَنِينِ
وَكُنْتُ كَذَاتِ الْبَوِّ رِيَعَتْ فَأَقْبَلَتْ ... عَلَى بَوِّهَا إِذْ طَرَّبَتْ بِحَنِينِ
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ: وَقَعَ إِلَى الْمُهَاجِرِ امْرَأَتَانِ مُغَنِّيَتَانِ، غَنَّتْ إِحْدَاهُمَا بشتم رسول الله ص، فَقَطَعَ يَدَهَا، وَنَزَعَ ثنيتَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلَغَنِي الَّذِي سِرْتَ بِهِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تَغَنَّتْ وَزَمَرَتْ بِشَتِيمَةِ رَسُولِ الله ص، فَلَوْلا مَا قَدْ سَبَقْتَنِي فِيهَا لأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا، لأَنَّ حَدَّ الأَنْبِيَاءِ لَيْسَ يُشْبِهُ الْحُدُودَ، فَمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ مِنْ مُسْلِمٍ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، أَوْ مُعَاهِدٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ غَادِرٌ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فِي الَّتِي تَغَنَّتْ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ: أَمَّا بعد، فانه
(3/341)

بلغنى انك قطعت يدا امْرَأَةٍ فِي أَنْ تَغَنَّتْ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَعْتَ ثنيتَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَدَّعِي الإِسْلامَ فَأَدَبٌ وَتَقْدِمَةٌ دُونَ الْمُثْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَلَعَمْرِي لَمَا صَفَحْتَ عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ، وَلَوْ كنت تَقَدَّمَتْ إِلَيْكَ فِي مِثْلِ هَذَا لَبَلَغَتْ مَكْرُوهًا، فَاقْبَلِ الدِّعَةَ وَإِيَّاكَ وَالْمُثْلَةَ فِي النَّاسِ، فَإِنَّهَا مأثم ومنفره الا في قصاص
. [حوادث متفرقة]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ- انصرف معاذ بن جبل من اليمن.
وستقضى أَبُو بَكْرٍ فِيهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ أَيَّامَ خِلافَتِهِ كُلِّهَا.
وَفِيهَا أَمَّرَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْمَوْسِمِ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ- فِيمَا ذَكَرَهُ الَّذِينَ أَسْنَدَ إِلَيْهِمْ خَبَرَهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ ذَكَرْتُ قَبْلُ فِي كِتَابِي هَذَا أَسْمَاءَهُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشَرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ تَأْمِيرِ أَبِي بَكْرٍ إِيَّاهُ بِذَلِكَ
(3/342)

ثم كانت

سنة اثنتي عشرة من الهجرة

مسير خالد الى العراق وصلح الحيرة
قال أبو جعفر، ولما فرغ خالد من أمر اليمامة، كتب إليه أبو بكر الصديق رحمه اللَّه، وخالد مقيم باليمامة- فيما حَدَّثَنَا عبيد الله بن سعد الزهري، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن عمرو بْن مُحَمَّد، عن الشعبي: أن سر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأبلة، وتألف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بِالإِسْنَادِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمْ فِيهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَّهَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِ الْكُوفَةِ، وَفِيهَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَسَارَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ، فَجَعَلَ طَرِيقَهَ الْبَصْرَةَ، وَفِيهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: اخْتُلِفَ فِي أَمْرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: مَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَائِلٌ يَقُولُ: رَجَعَ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحِيرَةِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَضَى خَالِدٌ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، حَتَّى نَزَلَ بِقَرْيَاتٍ مِنَ السَّوَادِ، يُقَالُ لَهَا: بَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا وأُلَيْسَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ خالد الجزية
(3/343)

وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لابْنِ صَلُوبَا السَّوَادِيِّ- وَمَنْزِلُهُ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ- إِنَّكَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ- إِذْ حَقَنَ دَمَهُ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ- وَقَدْ أَعْطَيْتَ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ أَهْلِ خَرْجِكَ وَجَزِيرَتِكَ وَمَنْ كَانَ فِي قَرْيَتَيْكَ- بَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا- أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، وَرَضِيَ مَنْ مَعِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا مِنْكَ، وَلَكَ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ وَشَهِدَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهُمْ مَعَ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ حَيَّةَ الطَّائِيِّ- وَكَانَ أَمَّرَهُ عليها كسرى بعد النعمان ابن الْمُنْذِرِ- فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ وَلأَصْحَابِهِ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَيْهِ فَأَنْتُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَكُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكُمْ مَا عليهم، فان ابيتم فالجزية، فَإِنْ أَبَيْتُمُ الْجِزْيَةَ فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِأَقْوَامٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ، جَاهَدْنَاكُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ بْنُ إِيَاسٍ: مَا لَنَا بِحَرْبِكَ مِنْ حَاجَةٍ، بَلْ نُقِيمُ عَلَى دِينِنَا، وَنُعْطِيكَ الْجِزْيَةَ فَصَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَكَانَتْ أَوَّلُ جزية وقعت بالعراق، هي القريات الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا ابْنَ صَلُوبَا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الشَّامِ، أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعِرَاقِ فَيَمُرَّ بِهَا، فَأَقْبَلَ خَالِدٌ مِنْهَا يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ النِّبَاجَ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ حَمْزَةُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ، سَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: أَمِّرْنِي عَلَى مَنْ قَبْلِي مِنْ قَوْمِي، أُقَاتِلُ مَنْ يَلِينِي مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ، وَأَكْفِيكَ نَاحِيَتِي، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَخَذَ يُغِيرُ بِنَاحِيَةِ كَسْكَرٍ مَرَّةً، وَفِي أَسْفَلِ الْفُرَاتِ مَرَّةً، وَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ النِّبَاجَ والمثنى بن حارثة بخفان معسكر، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ
(3/344)

لِيَأْتِيَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِطَاعَتِهِ، فَانْقَضَّ إِلَيْهِ جَوَادًا حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَقَدْ زَعَمَتْ بَنُو عِجْلٍ أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ رَجُلٌ منهم يقال له مذعور بن عدى، نازع الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، فَتَكَاتَبَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْعِجْلِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَ خَالِدٍ إِلَى الشَّامِ، وَأَقَرَّ الْمُثَنَّى عَلَى حَالِهِ، فَبَلَغَ الْعِجْلِيُّ مِصْرَ، فَشَرُفَ بِهَا وَعَظُمَ شَأْنُهُ، فَدَارُهُ الْيَوْمَ بِهَا مَعْرُوفَةٌ، وَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَسِيرُ، فَعَرَضَ لَهُ جَابَانُ صَاحِبُ أُلَيْسَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ، وَقَتَلَ جُلَّ أَصْحَابِهِ، إِلَى جَانِبِ نَهْرٍ ثَمَّ يُدْعَى نَهْرَ دَمٍ لِتِلْكَ الْوَقْعَةِ، وَصَالَحَ أَهْلَ أُلَيْسَ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْحِيرَةِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ خُيُولُ آزَاذْبَهْ صَاحِبِ خَيْلِ كِسْرَى الَّتِي كَانَتْ فِي مَسَالِحِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرَبِ، فَلَقُوهُمْ بِمُجْتَمَعِ الأَنْهَارِ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحِيرَةِ خَرَجُوا يَسْتَقْبِلُونَهُ، فِيهِمْ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُقَيْلَةَ وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، فَقَالَ خَالِدٌ لِعَبْدِ الْمَسِيحِ: مِنْ أَيْنَ أَثَرُكَ؟ قَالَ: مِنْ ظَهْرِ أَبِي، قَالَ: مِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي، قَالَ: وَيْحَكَ! عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ؟ قَالَ: عَلَى الأَرْضِ، قَالَ:
وَيْلَكَ! فِي أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي، قَالَ: وَيْحَكَ! تَعَقِلُ؟ قَالَ:
نَعَمْ وأقيد، قَالَ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: وَأَنَا أُجِيبُكَ، قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ؟ قَالَ: بَلْ سِلْمٌ، قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ الَّتِي أَرَى؟ قَالَ:
بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ نَحْبِسُهُ حَتَّى يَجِيءَ الْحَلِيمُ فَيَنْهَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ خَالِدٌ:
إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ وَإِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ قَبِلْتُمْ فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةِ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ شُرْبَ الْخَمْرِ فَقَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا فِي حَرْبِكَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَتْ أَوَّلُ جِزْيَةٍ حُمِلَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْعِرَاقِ ثم نزل
(3/345)

عَلَى بَانِقْيَا، فَصَالَحَهُ بصُبْهُرَى بْنُ صلُوبَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَطَيْلَسَانٍ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَكَانَ صَالَحَ خَالِدٌ أَهْلَ الْحِيرَةِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا لَهُ عُيُونًا، فَفَعَلُوا.
قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَقْرَأَنِي بَنُو بُقَيْلَةَ كِتَابَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ:
مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ أَهْلِ فَارِسٍ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّ خِدْمَتَكُمْ، وَسَلَبَ مُلْكَكُمْ، وَوَهَّنَ كَيْدَكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ مَا لنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَابْعَثُوا إِلَيَّ بِالرُّهُنِ، وَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذمة، والا فو الذى لا إِلَهَ غَيْرُهُ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ قَوْمًا يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ الْحَيَاةَ فَلَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ، أَخَذُوا يَتَعَجَّبُونَ، وَذَلِكَ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ.
قال أبو جعفر: وأما غير ابن إسحاق وغير هشام ومن ذكرت قوله من قبل، فإنه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: لَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ، كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: إن اللَّه فَتَحَ عَلَيْكَ فعارق حَتَّى تَلْقَى عِيَاضًا وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ وَهُوَ بَيْنَ النِّبَاجِ وَالْحِجَازِ: أَنْ سِرْ حَتَّى تَأْتِيَ المُصَيَّخَ فَابْدَأْ بِهَا، ثُمَّ ادْخُلِ الْعِرَاقَ مِنْ أَعْلاهَا، وَعَارق حَتَّى تَلْقَى خَالِدًا وَأْذَنَا لِمَنْ شَاءَ بِالرُّجُوعِ، وَلا تَسْتَفْتِحَا بِمُتَكَارِهٍ.
وَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى خَالِدٍ وَعِيَاضٍ، وَأَذِنَا فِي الْقَفْلِ عَنْ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ قَفَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا وَأَعْرَوْهُمَا، فَاسْتَمَدَّا أَبَا بَكْرٍ، فَأَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَمُدُّ رَجُلا قَدِ ارْفَضَّ عَنْهُ
(3/346)

جُنُودُهُ بِرَجُلٍ! فَقَالَ: لا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا وَأَمَدَّ عِيَاضًا بِعَبْدِ بْنِ عَوْفٍ الْحِمْيَرِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمَا أَنِ اسْتَنْفِرَا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَمَنْ ثَبَتَ عَلَى الإِسْلامِ بَعْدَ رسول الله ص، وَلا يَغْزُوَنَّ مَعَكُمْ أَحَدٌ ارْتَدَّ حَتَّى أَرَى رَأْيِي فَلَمْ يَشْهَدِ الأَيَّامَ مُرْتَدٌّ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى خَالِدٍ بِتَأْمِيرِ الْعِرَاقِ، كَتَبَ إِلَى حَرْمَلَةَ وَسَلْمَى وَالْمُثَنَّى وَمَذْعُورٍ بِاللِّحَاقِ بِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوَاعِدُوا جُنُودَهُمُ الأُبُلَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَ خَالِدًا فِي كِتَابِهِ: إِذَا دَخَلَ الْعِرَاقَ أَنْ يَبْدَأَ بِفَرْجِ أَهْلِ السِّنْدِ وَالْهِنْدِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ الأُبُلَّةُ- لِيَوْمٍ قَدْ سَمَّاهُ، ثُمَّ حَشَرَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِرَاقِ، فَحَشَرَ ثَمَانِيَةَ آلاف من ربيعه ومضر إِلَى أَلْفَيْنِ كَانَا مَعَهُ، فَقَدِمَ فِي عَشَرَةِ آلافٍ عَلَى ثَمَانِيَةِ آلافٍ مِمَّنْ كَانَ مَعَ الأُمَرَاءِ الأَرْبَعَةِ- يَعْنِي بِالأُمَرَاءِ الأَرْبَعَةِ: الْمُثَنَّى، وَمَذْعُورًا، وَسَلْمَى، وَحَرْمَلَةَ- فَلَقِيَ هُرْمُزَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشْرَ أَلْفًا.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ الأَسَدِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَاهٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالُوا: كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، إِذْ أَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ، أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَإِلَى عِيَاضٍ إِذْ أَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ، أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ أَعْلاهَا، ثُمَّ يَسْتَبِقَا إِلَى الْحِيرَةِ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَى الْحِيرَةِ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَالَ: إِذَا اجْتَمَعْتُمَا بِالْحِيرَةِ، وَقَدْ فَضَضْتُمَا مَسَالِحَ فَارِسَ وَأَمِنْتُمَا أَنْ يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلْيَكُنْ أَحَدُكُمَا رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِصَاحِبِهِ بِالْحِيرَةِ، وَلْيَقْتَحِمِ الآخَرُ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّكُمْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ دَارَهُمْ وَمُسْتَقَرَّ عِزِّهِمُ، الْمَدَائِنَ.
حَدَّثَنَا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَتَبَ خَالِدٌ إِلَى هُرْمُزَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مَعَ آزَاذْبَهْ- أَبِي الزياذبه الَّذِينَ بِالْيَمَامَةِ وَهُرْمُزُ صَاحِبُ الثَّغْرِ يَوْمَئِذٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَوِ اعْتَقِدْ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ
(3/347)

الذِّمَّةَ، وَأَقْرِرْ بِالْجِزْيَةِ، وَإِلا فَلا تَلُومَنَّ إِلا نَفْسَكَ، فَقَدْ جِئْتُكَ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ الْحَيَاةَ.
قَالَ سَيْفٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ- وَكَانَ قَاضِي أَهْلِ الْكُوفَةِ- قَالَ: فَرَّقَ خَالِدٌ مَخْرَجَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ جُنْدَهُ ثَلاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ فَسَرَّحَ الْمُثَنَّى قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ وَدَلِيلُهُ ظفرُ، وَسَرَّحَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَعَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَدَلِيلاهُمَا مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَالمُ بْنُ نَصْرٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِيَوْمٍ، وَخَرَجَ خَالِدٌ وَدَلِيلُهُ رَافِعٌ، فَوَاعَدَهُمْ جَمِيعًا الْحَفِيرَ لِيَجْتَمِعُوا بِهِ وَلِيُصَادِمُوا بِهِ عَدُوَّهُمْ، وَكَانَ فَرْجُ الْهِنْدِ أَعْظَمَ فُرُوجِ فَارِسَ شَأْنًا، وَأَشَدَّهَا شَوْكَةً، وَكَانَ صَاحِبُهُ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي الْبَرِّ وَالْهِنْد فِي الْبَحْرِ.
قَالَ- وَشَارَكَهُ الْمُهَلَّبُ بْنُ عُقْبَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيَاهٍ الأَحْمَرِيُّ، الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْحَمْرَاءُ، فَيُقَالُ: حَمْرَاءُ سِيَاهٍ- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ كِتَابُ خَالِدٍ عَلَى هُرْمُزَ كَتَبَ بِالْخَبَرِ إِلَى شِيرَى بْنِ كِسْرَى وَإِلَى أَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَى وَجَمَعَ جُمُوعَهُ، ثُمَّ تَعَجَّلَ إِلَى الْكَوَاظِمِ فِي سَرَعَانِ أَصْحَابِهِ لِيَتَلَقَّى خَالِدًا، وَسَبَقَ حَلَبَتَهُ فَلَمْ يَجِدْهَا طَرِيقَ خَالِدٍ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ تَوَاعَدُوا الْحَفِيرَ، فَعَاجَ يُبَادِرُهُ إِلَى الْحَفِيرِ فَنَزَلَهُ، فَتَعَبَّى بِهِ، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتِهِ أَخَوَيْنِ يُلاقِيَانِ أَرْدَشِيرَ وَشِيرَى إِلَى أَرْدَشِيرَ الأَكْبَرِ، يُقَالُ لَهُمَا: قُبَاذُ وانو شجان، وَاقْتَرَنُوا فِي السَّلاسِلِ، فَقَالَ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لِمَنْ رَآهُ: قَيَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ لِعَدُوِّكُمْ، فَلا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ هَذَا طَائِرُ سُوءٍ، فَأَجَابُوهُمْ وَقَالُوا:
اما أنتم فحدثوننا أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ الْهَرَبَ فَلَمَّا أَتَى الْخَبَرُ خَالِدًا بِأَنَّ هُرْمُزَ فِي الْحَفِيرِ أَمَالَ النَّاسَ إِلَى كَاظِمَةَ، وَبَلَغَ هُرْمُزَ ذَلِكَ فَبَادَرَهُ إِلَى كَاظِمَةَ فَنَزَلَهَا وَهُوَ حَسِيرٌ، وَكَانَ مِنْ أَسْوَإِ أُمَرَاءِ ذَلِكَ الْفَرْجِ جِوَارًا لِلْعَرَبِ، فَكُلُّ الْعَرَبِ عَلَيْهِ مُغَيَّظٌ، وَقَدْ كَانُوا ضَرَبُوهُ مَثَلا فِي الْخُبْثِ حَتَّى قَالُوا: أَخْبَثُ مِنْ هُرْمُزَ، وَأَكْفَرُ مِنْ هرمز وتعبى هُرْمُزُ وَأَصْحَابُهُ وَاقْتَرَنُوا فِي السَّلاسِلِ، وَالْمَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَدِمَ خَالِدٌ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ،
(3/348)

فَأَمَرَ مُنَادِيهِ، فَنَادَى: أَلا انْزِلُوا وَحُطُّوا أَثْقَالَكُمْ، ثُمَّ جَالَدُوهُمْ عَلَى الْمَاءِ، فَلَعَمْرِي لَيَصِيرَنَّ الْمَاءُ لأَصْبَرِ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَكْرَمِ الْجُنْدَيْنِ، فَحُطَّتِ الأَثْقَالُ وَالْخَيْلُ وُقُوفٌ، وَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لاقاهم، فاقتتلوا، وارسل الله سحابه فاغزرت مَا وَرَاءِ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، فَقَوَّاهُمْ بِهَا، وَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَفِي الْغَائِطِ مُقْتَرِنٌ.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَطَاءٍ الْبَكَّائِيِّ، عَنِ الْمُقَطِّعِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبَكَّائِيِّ بِمِثْلِهِ، وَقَالُوا: وَأَرْسَلَ هُرْمُزُ أَصْحَابَهُ بِالْغَدِ لِيَغْدُرُوا بِخَالِدٍ، فَوَاطَئُوهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ هُرْمُزَ، فَنَادَى رَجُلٌ وَرَجُلٌ: أَيْنَ خَالِدٌ؟ وَقَدْ عَهِدَ إِلَى فِرَسَانِهِ عَهْدَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ نَزَلَ هُرْمُزُ، وَدَعَاهُ إِلَى النِّزَالِ فَنَزَلَ خَالِدٌ فَمَشِيَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، واحتضنه خالد، وَحَمَلَتْ حَامِيَةُ هُرْمُزَ وَغَدَرَتْ، فَاسْتَلْحَمُوا خَالِدًا، فَمَا شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِهِ وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَاسْتَلْحَمَ حُمَاةُ هُرْمُزَ فَأَنَامُوهُمْ، وَإِذَا خَالِدٌ يُمَاصِعُهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَجَمَعَ خَالِدٌ الرِّثَاثَ وَفِيهَا السَّلاسِلُ، فكانت وقر بعير، الف رطل، فسميت ذات السلاسل، وافلت قباذ وانو شجان.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قَالَ: كَانَ أَهْلُ فَارِسَ يَجْعَلُونَ قَلانِسَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَحْسَابِهِمْ فِي عَشَائِرِهِمْ، فَمَنْ تَمَّ شَرَفُهُ فَقِيمَةُ قَلَنْسُوَتِهِ مِائَةُ أَلْفٍ فَكَانَ هُرْمُزُ مِمَّنْ تَمَّ شَرَفُهُ، فَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةَ أَلْفٍ، فَنَفَّلَهَا أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا، وَكَانَتْ مُفَصَّصَةً بِالْجَوْهَرِ، وَتَمَامُ شرف احدهم ان يكون من بيوتات
(3/349)

حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نُوَيْرَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زِيَادِ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: لَمَّا تَرَاجَعَ الطَّلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، نَادَى مُنَادِي خَالِدٍ بِالرَّحِيلِ، وَسَارَ بِالنَّاسِ، وَاتَّبَعَتْهُ الأَثْقَالُ، حَتَّى يَنْزِلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الأَعْظَمِ مِنَ الْبَصْرَةِ الْيَوْمَ، وَقَدْ أَفْلَتَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ، وَبَعَثَ خَالِدٌ بِالْفَتْحِ وَمَا بَقِيَ مِنَ الأَخْمَاسِ وَبِالْفِيلِ، وَقَرَأَ الْفَتْحَ عَلَى النَّاسِ وَلَمَّا قَدِمَ زِرُّ بْنُ كُلَيْبٍ بِالْفِيلِ مَعَ الأَخْمَاسِ، فَطِيفَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، جَعَلَ ضَعِيفَاتُ النِّسَاءِ يَقُلْنَ: أَمِنْ خَلْقِ اللَّهِ مَا نَرَى! وَرَأَيْنَهُ مَصْنُوعًا، فَرَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ مَعَ زِرٍّ قَالَ: وَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ مَوْضِعَ الْجِسْرِ الأَعْظَمِ الْيَوْمَ بِالْبَصْرَةِ، بَعَثَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، وَأَرْسَلَ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ إِلَى الأُبُلَّةِ لِيَجْمَعَ لَهُ مَالَهَا وَالسَّبْيَ، فَخَرَجَ مَعْقِلُ حَتَّى نَزَلَ الأُبُلَّةَ فَجَمَعَ الأَمْوَالَ وَالسَّبَايَا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي أَمْرِ الأُبُلَّةِ وَفَتْحِهَا خِلافُ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ السِّيَرِ، وَخِلافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ الصِّحَاحُ، وَإِنَّمَا كَانَ فَتْحُ الأُبُلَّةِ أَيَّامَ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَعَلَى يَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَسَنَذْكُرُ أَمْرَهَا وَقِصَّةَ فَتْحِهَا إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نُوَيْرَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: وَخَرَجَ الْمُثَنَّى حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَهْرِ الْمَرْأَةِ، فَانْتَهَى إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ الْمَرْأَةُ، فَخَلَّفَ الْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَيْهِ، فَحَاصَرَهَا فِي قَصْرِهَا، وَمَضَى الْمُثَنَّى إِلَى الرَّجُلِ فَحَاصَرَهُ ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ عَنْوَةً، فَقَتَلَهُمْ وَاسْتَفَاءَ أَمْوَالَهُمْ، وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَرْأَةَ صَالَحَتِ الْمُثَنَّى وَأَسْلَمَتْ، فَتَزَوَّجَهَا الْمُعَنَّى، وَلَمْ يُحَرِّكْ خَالِدٌ وَأُمَرَاؤُهُ الفلاحين في شيء من فتوحهم لِتَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ فِيهِمْ، وَسَبَى أَوْلادَ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُومُونَ بِأُمُورِ الأَعَاجِمِ، وَأَقَرَّ مَنْ لَمْ يَنْهَضْ مِنَ الْفَلاحِينَ، وَجَعَلَ لَهُمُ الذِّمَّةَ، وَبَلَغَ سَهْمُ الْفَارِسِ فِي يَوْمِ ذَاتِ السَّلاسِلِ وَالثَّني أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالرَّاجِلِ عَلَى الثُّلُثِ من ذلك
(3/350)

8

ذكر وقعه المذار
8 قَالَ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْمذَارِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ، وَيَوْمَئِذٍ قَالَ النَّاسُ:
صَفَرُ الأَصْفَارِ، فِيهِ يُقْتَلُ كُلُّ جَبَّارٍ، عَلَى مَجْمَعِ الأَنْهَارِ حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سَيْفٍ، عَنْ زِيَادٍ وَالْمُهَلَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن سِيَاهٍ الأَحْمَرِيِّ.
وَأَمَّا فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، فَإِنَّهُ عَنْ سيف، عن المهلب بن عقبة وزياد بن سَرْجِسَ الأَحْمَرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَاهٍ الأَحْمَرِيِّ وَسُفْيَانَ الأَحْمَرِيِّ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ هُرْمُزُ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ وَشِيرَى بِالْخَبَرِ بِكِتَابِ خَالِدٍ إِلَيْهِ بِمَسِيرِهِ مِنَ الْيَمَامَةِ نَحْوَهُ، فَأَمَدَّهُ بِقَارِنِ بْنِ قريانسَ، فَخَرَجَ قَارِنٌ مِنَ الْمَدَائِنِ مُمِدًّا لِهُرْمُزَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الْمذارِ بَلَغَتْهُ الْهَزِيمَةُ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الْفُلالُ فَتَذَامَرُوا، وَقَالَ فُلَّالُ الأَهْوَازِ وَفَارِسَ لِفُلالِ السَّوَادِ وَالْجَبَلِ: إِنِ افْتَرَقْتُمْ لَمْ تَجْتَمِعُوا بَعْدَهَا أَبَدًا، فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْعَوْدِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَهَذَا مَدَدُ الْمَلِكِ وَهَذَا قَارِنٌ، لَعَلَّ اللَّهَ يُديلنَا وَيُشْفِينَا مِنْ عَدُوِّنَا وَنُدْرِكُ بَعْضَ مَا أَصَابُوا مِنَّا فَفَعَلُوا وَعَسْكَرُوا بِالمذارِ، وَاسْتَعْمَلَ قَارِنٌ عَلَى مُجَنِّبَتِهِ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ، وَأَرَزَ الْمُثَنَّى وَالْمُعَنَّى إِلَى خَالِدٍ بِالْخَبَرِ، وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ عَنْ قَارِنٍ قَسَّمَ الْفَيْءَ عَلَى مَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَنَفَّلَ مِنَ الْخُمسِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَبَعَثَ بِبَقِيَّتِهِ وَبِالْفَتْحِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِالْخَبَرِ عَنِ الْقَوْمِ وَبِاجْتِمَاعِهِمْ إِلَى الثني المغيث والمغاث، مع الوليد ابن عُقْبَةَ- وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ نَهْرٍ الثّنِيَّ- وَخَرَجَ خَالِدٌ سَائِرًا حَتَّى يَنْزِلَ الْمذارَ عَلَى قَارِنٍ فِي جُمُوعِهِ، فَالْتَقَوْا وَخَالِدٌ عَلَى تَعْبِيَتِهِ، فَاقْتَتَلُوا عَلَى حَنَقٍ وَحَفِيظَةٍ، وَخَرَجَ قَارِنٌ يَدْعُو لِلْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ خَالِدٌ وَأَبْيَضُ الرُّكْبَانِ مَعْقِلُ بْنُ الأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ، فَابْتَدَرَاهُ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهِ مَعْقِلٌ، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ عَاصِمٌ الأَنُوشَجَانَ، وَقَتَلَ عَدِيُّ قُبَاذَ وَكَانَ شَرَفُ قَارِنٍ قَدِ انْتَهَى، ثَمَّ لَمْ يقاتل
(3/351)

الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ أَحَدًا انْتَهَى شَرَفُهُ فِي الأَعَاجِمِ، وَقُتِلَتْ فَارِسُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَضَمُّوا السُّفُنَ، وَمَنَعَتِ الْمِيَاهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ طَلَبِهِمْ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالمذارِ، وَسلَّمَ الأَسْلابَ لِمَنْ سَلَبَهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَقَسَّمَ الْفَيْءَ وَنَفَّلَ مِنَ الأَخْمَاسِ أَهْلَ الْبَلاءِ، وَبَعَثَ بِبَقِيَّةِ الأَخْمَاسِ، وَوَفَّدَ وَفْدًا مَعَ سَعِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: قُتِلَ لَيْلَةَ المذارِ ثَلاثُونَ أَلْفًا سِوَى مَنْ غَرِقَ، وَلَوْلا الْمِيَاهُ لأُتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ مَنْ أَفْلَتَ إِلا عُرَاةً وَأَشْبَاهَ الْعُرَاةِ.
قَالَ سَيْفٌ، عَنْ عَمْرٍو وَالْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيَ خَالِدٌ مَهْبَطَهُ الْعِرَاقِ هُرْمُزَ بِالْكَوَاظِمِ، ثُمَّ نَزَلَ الْفُرَاتَ بِشَاطِئِ دِجْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَتَبَحْبَحَ بِشَاطِئِ دِجْلَةَ، ثُمَّ الثَّنِيِّ، وَلَمْ يَلْقَ بَعْدَ هُرْمُزَ أَحَدًا إِلا كَانَتِ الْوَقْعَةُ الآخِرَةُ أَعْظَمَ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى أَتَى دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ، وَزَادَ سَهْمُ الْفَارِسِ فِي يَوْمِ الثَّنِيِّ عَلَى سَهْمِهِ فِي ذَاتِ السَّلاسِلِ.
فَأَقَامَ خَالِدٌ بِالثَّنِيِّ يُسْبِي عِيَالاتِ الْمُقَاتِلَةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ، وَأَقَرَّ الْفَلاحِينَ وَمَنْ أَجَابَ إِلَى الْخَرَاجِ مِنْ جميع الناس بعد ما دُعُوا، وَكُلُّ ذَلِكَ أُخِذَ عَنْوَةً وَلَكِنْ دُعُوا إِلَى الْجَزَاءِ، فَأَجَابُوا وَتَرَاجَعُوا، وَصَارُوا ذِمَّةً، وَصَارَتْ أَرْضُهُمْ لَهُمْ، كَذَلِكَ جَرَى مَا لَمْ يُقَسَّمْ، فَإِذَا اقْتَسَمَ فَلا.
وَكَانَ فِي السَّبْيِ حَبِيبٌ أَبُو الْحَسَنِ- يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ- وَكَانَ نَصْرَانِيَّا، وَمَافِنَةُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَأَبُو زِيَادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
وَأَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَعَلَى الْجَزَاءِ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ، وَأَمَرَهُ بِنُزُولِ الْحَفِيرِ، وَأَمَرَهُ بِبَثِّ عُمَّالِهِ ووضع يده في الجبايه، واقام لعدوه يتجسس الاخبار
(3/352)

ذكر وقعه الولجة
ثُمَّ كَانَ أَمْرُ الْولجَةِ فِي صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ، وَالولجة مِمَّا يَلِي كَسْكَرٍ مِنَ الْبَرِّ.
حَدَّثَنَا عبيد اللَّه، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حدثني سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي قال لما فرغ خالد من الثني واتى الخبر أردشير، بعث الاندرزغر، وكان فارسيا من مولدي السواد.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، قال: حدثني عمي، قال: حدثني سيف، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَرْجِسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَاهٍ، قَالَ- وَفِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السري، قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا سيف، عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ عُقْبَةَ وَزِيَادِ بْنِ سَرْجِسَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَاهٍ- قَالُوا: لَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِأَرْدَشِيرَ بِمُصَابِ قَارِنٍ وَأَهْلِ الْمذارِ، أَرْسَلَ الأندرزغر، - وَكَانَ فَارِسِيًّا مِنْ مَوْلِدِي السَّوَادِ وَتَنَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الْمَدَائِنِ وَلا نَشَأَ بِهَا- وَأَرْسَلَ بهمن جَاذُوَيْهِ فِي أَثَرِهِ فِي جَيْشٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْبُرَ طَرِيقَ الأندرزغرِ، وَكَانَ الأندرزغرُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى فَرْجِ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ الأندرزغرُ سَائِرًا مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى أَتَى كَسْكَرٍ، ثُمَّ جَازَهَا إِلَى الْولجةِ، وَخَرَجَ بهمنُ جَاذُوَيْهِ فِي أَثَرِهِ، وَأَخَذَ غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَسَلَكَ وَسْطَ السَّوَادِ، وَقَدْ حُشِرَ إِلَى الأندرزغرِ مِنْ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَكَسْكَرٍ مِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ وَالدَّهَّاقِينِ فَعَسْكَرُوا إِلَى جَنْبِ عَسْكَرِهِ بِالولجةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ لَهُ مَا أَرَادَ وَاسْتَتَمَّ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَأَجْمَعَ السَّيْرَ إِلَى خَالِدٍ، وَلَمَّا بَلَغَ خَالِدًا وَهُوَ بِالثَّنِيِّ خَبَرُ الأندرزغرِ وَنُزُولِهِ الْولجةَ، نَادَى بِالرَّحِيلِ، وَخَلَّفَ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ الْحَفِيرِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى مَنْ خُلِّفَ فِي أَسْفَلِ دِجْلَةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْحَذَرِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ، وَتَرْكِ الاغْتِرَارِ، وَخَرَجَ سَائِرًا فِي الْجُنُودِ نَحْوَ الْولجةِ، حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى الأندرزغرِ وَجُنُودِهِ وَمَنْ تَأَشَّبَ إِلَيْهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، هُوَ أَعْظَمُ مِنْ قتال الثني
(3/353)

حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: نَزَلَ خَالِدٌ عَلَى الأندرزغرِ بِالولجةِ فِي صَفَرٍ، فَاقْتَتَلُوا بِهَا قِتَالا شَدِيدًا، حَتَّى ظَنَّ الْفَرِيقَانِ ان الصبر قد فرغ، وَاسْتَبْطَأَ خَالِدٌ كَمِينَهُ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ لَهُمْ كَمِينًا فِي نَاحِيَتَيْنِ، عَلَيْهِمْ بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ وَسَعِيدُ بْنُ مُرَّةَ الْعِجْلِيُّ، فَخَرَجَ الْكَمِينُ فِي وَجْهَيْنِ، فَانْهَزَمَتْ صُفُوفُ الأَعَاجِمِ وَوَلَّوْا، فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَالْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمْ يَرَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَقْتَلَ صَاحِبِهِ، وَمَضَى الأندرزغرُ فِي هَزِيمَتِهِ، فَمَاتَ عَطَشًا وَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا يُرَغِّبُهُمْ فِي بِلادِ الْعَجَمِ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي بِلادِ الْعَرَبِ، وَقَالَ: أَلا تَرَوْنَ إِلَى الطَّعَامِ كَرَفْغِ التُّرَابِ وَبِاللَّهِ لَوْ لَمْ يُلْزِمْنَا الْجِهَادُ فِي اللَّهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يَكُنْ إِلا الْمَعَاشُ لَكَانَ الرَّأْيُ أَنْ نُقَارِعَ عَلَى هَذَا الرِّيفِ حَتَّى نَكُونَ أَوْلَى بِهِ، وَنُوَلِّي الْجُوعَ وَالإِقْلالِ مَنْ تَوَلاهُ مِمَّنِ اثَّاقَلَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَسَارَ خَالِدٌ فِي الْفَلاحِينَ بِسِيرَتِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّ الْمُقَاتِلَةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ، وَدَعَا أَهْلَ الأَرْضِ إِلَى الْجَزَاءِ وَالذِّمَّةِ، فَتَرَاجَعُوا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ- وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حدثني عمي، عن سيف- عن عمرو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: بَارَزَ خَالِدٌ يَوْمَ الولجةِ رَجُلا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ يَعْدِلُ بِأَلْفِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ اتَّكَأَ عَلَيْهِ، وَدَعَا بِغَدَائِهِ وَأَصَابَ فِي أُنَاسٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ابْنًا لِجَابِرِ بْنِ بُجَيْرٍ وَابْنًا لِعَبْدِ الأَسْوَدِ
(3/354)

خبر أليس، وهي على صلب الفرات
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَأَمَّا السَّرِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله عن أَبِي عُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالا: وَلَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ يَوْمَ الولجةِ مَنْ أَصَابَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ نَصَارَاهُمُ الَّذِينَ أَعَانُوا أَهْلَ فَارِسٍ غَضَبَ لَهُم نَصَارَى قَوْمِهِمْ، فَكَاتَبُوا الأَعَاجِمَ وَكَاتَبَتْهُمُ الأَعَاجِمُ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى أُلَيْسَ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أُولَئِكَ النَّصَارَى مُسْلِمُو بَنِي عِجْلٍ:
عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ وَسَعِيدُ بْنُ مُرَّةَ وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ وَالْمُثَنَّى بْنُ لاحِقٍ ومذعور ابن عَدِيٍّ وَكَتَبَ أَرْدشِيرُ إِلَى بهمنَ جَاذُوَيْهِ، وَهُوَ بقسيانا- وَكَانَ رَافِدَ فَارِسَ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ شَهْرِهِمْ وَبَنَوْا شُهُورَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ عَلَى ثَلاثِينَ يَوْمًا، وَكَانَ لأَهْلِ فَارِسَ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَافِدٌ قَدْ نُصِّبَ لِذَلِكَ يَرْفُدُهُمْ عِنْدَ الْمَلِكِ، فكان رافدهم بهمن روز- أَنْ سِرْ حَتَّى تَقْدِمَ أُلَيْسَ بِجَيْشِكَ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَ بِهَا مِنْ فَارِسَ وَنَصَارَى الْعَرَبِ فقدم بهمن جَاذُوَيْهِ جَابَانَ وَأَمَرَهُ بِالْحَثِّ، وَقَالَ: كَفْكِفْ نَفْسَكَ وَجُنْدَكَ مِنْ قِتَالِ الْقَوْمِ حَتَّى أَلْحَقَ بِكَ إِلا أَنْ يَعْجَلُوكَ فَسَارَ جَابَانُ نَحْوَ أُلَيْسَ، وَانْطَلَقَ بهمنُ جَاذُوَيْهِ إِلَى أردشيرَ لِيحدثَ بِهِ عَهْدًا، وَلِيَسْتَأْمِرَهُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ، فَوَجَدَهُ مَرِيضًا، فَعَرَجَ عَلَيْهِ، وَأَخْلَى جَابَانُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ، وَمَضَى حَتَّى أَتَى أُلَيْسَ، فَنَزَلَ بِهَا فِي صَفَرٍ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْه الْمَسَالِحُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَرَبِ، وَعَبْدُ الأَسْوَدِ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ بَنِي عِجْلٍ وَتَيْمِ اللاتِ وَضُبَيْعَةَ وَعَرَبِ الضَّاحِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ بُجَيْرٍ نَصْرَانِيًّا، فَسَانَدَ عَبْدَ الأَسْوَدِ، وَقَدْ كَانَ خَالِدٌ بَلَغَهُ تَجَمُّعُ عَبْدِ الأَسْوَدِ وَجَابِرٍ وَزُهَيْرٍ فيمن تأشب اليهم، فنهدلهم وَلا يَشْعُرُ بِدُنُوِّ جَابَانَ، وَلَيْسَتْ لِخَالِدٍ هِمَّةٌ إِلا مَنْ تَجَمَّعَ لَهُ مِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ
(3/355)

وَنَصَارَاهُمْ، فَأَقْبَلَ فَلَمَّا طَلَعَ عَلَى جَابَانَ بِأُلَيْسَ، قالت الأعاجم لجابان:
انعاجلهم أم نغدى الناس ولا نُرِيهِمْ إِنَّا نَحْفَلُ بِهِمْ، ثُمَّ نُقَاتِلُهُمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ؟
فَقَالَ جَابَانُ: إِنْ تَرَكُوكُمْ وَالتَّهَاوُنَ بِكُمْ فتهاونوا، ولكن ظني بهم ان سيعجلونكم ويعجلونكم عَنِ الطَّعَامِ فَعَصَوْهُ وَبَسَطُوا الْبُسُطَ وَوَضَعُوا الأَطْعِمَةَ، وتداعوا إليها، وتوافوا عليها فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَيْهِمْ، وَقَفَ وَأَمَرَ بِحَطِّ الأَثْقَالِ، فَلَمَّا وُضِعَتْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، وَوَكَّلَ خَالِدٌ بنفسه حوامى يحمون ظهره، ثم بدر أَمَامَ الصَّفِّ، فَنَادَى: أَيْنَ أَبْجَرُ؟ أَيْنَ عَبْدُ الأَسْوَدِ؟ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ؟
رجل من جذرة، فَنَكَلُوا عَنْهُ جَمِيعًا إِلا مَالِكًا، فَبَرَزَ له، فقال له خالد:
يا بن الْخَبِيثَةِ، مَا جَرَّأَكَ عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَلَيْسَ فِيكَ وَفَاءٌ! فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَجْهَضَ الأَعَاجِمَ عَنْ طَعَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلُوا، فَقَالَ جَابَانُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يَا قَوْمُ! أَمَا وَاللَّهِ مَا دَخَلَتْنِي مِنْ رَئِيسٍ وَحْشَةٌ قَطُّ حَتَّى كَانَ الْيَوْمُ، فَقَالُوا حَيْثُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الأَكْلِ تَجَلُّدَا: نَدَعَهَا حَتَّى نَفْرُغَ مِنْهُمْ، وَنَعُودَ إِلَيْهَا.
فَقَالَ جَابَانُ: وَأَيْضًا أَظُنُّكُمْ وَاللَّهِ لَهُمْ وَضَعْتُمُوهَا وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، فَالآنَ فَأَطِيعُونِي، سِمُّوهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ فَأَهْوَنُ هَالِكٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكُمْ كُنْتُمْ قَدْ صَنَعْتُمْ شَيْئًا، وَأَبْلَيْتُمْ عُذْرًا فَقَالُوا: لا، اقتدارا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ جَابَانُ عَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَبْدَ الأَسْوَدِ وابجر، وخالد على تعبئته فِي الأَيَّامِ الَّتِي قَبْلِهَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَالْمُشْرِكُونَ يَزِيدُهُمْ كَلَبًا وَشِدَّةً مَا يَتَوَقَّعُونَ مِنْ قُدُومِ بهمنَ جَاذُوَيْهِ، فَصَابَرُوا الْمُسْلِمِينَ لِلَّذِي كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يُصَيِّرَهُمْ إِلَيْهِ، وَحَرِبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ خَالِدٌ: اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ أَلا أَسْتَبْقِي مِنْهُمْ أَحَدًا قَدَرْنَا عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ نَهْرَهُمْ بِدِمَائِهِمْ! ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَشَفَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَنَحَهُمْ أَكْتَافَهُمْ، فَأَمَرَ خَالِدٌ مُنَادِيَهُ، فَنَادَى فِي النَّاسِ: الأَسْرَ الأَسْرَ! لا تَقْتُلُوا إِلا مَنِ امْتَنَعَ، فَأَقْبَلَتِ الْخُيُولُ بِهِمْ أَفْوَاجًا مُسْتَأْسَرِينَ يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَقَدْ وَكَّلَ بِهِم رِجَالا يَضْرِبُونَ أَعْنَاقَهُمْ فِي النَّهْرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَطَلَبُوهُمُ الْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ،
(3/356)

حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى النَّهْرَيْنِ، وَمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِ أُلَيْسَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ وَأَشْبَاهٌ لَهُ: لَوْ أَنَّكَ قَتَلْتَ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ تَجْرِ دِمَاؤُهُمْ، إِنَّ الدِّمَاءَ لا تَزِيدُ عَلَى أَنْ تَرَقْرَقَ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنِ السَّيَلانِ، وَنُهِيَتِ الأَرْضُ عَنْ نَشْفِ الدِّمَاءِ، فَأَرْسِلْ عَلَيْهَا، الْمَاءَ تَبَرَّ يَمِينُكَ وَقَدْ كَانَ صَدَّ الْمَاءَ عَنِ النَّهْرِ فَأَعَادَهُ، فَجَرَى دَمًا عَبِيطًا فَسُمِّيَ نَهْرَ الدَّمِ لِذَلِكَ الشَّأْنِ إِلَى الْيَوْمِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بَشِيرُ بْنُ الْخَصَّاصِيَّةِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ الأَرْضَ لَمَّا نَشَّفَتْ دَمَ ابْنِ آدَمَ نُهِيَتْ عَنْ نَشْفِ الدِّمَاءِ، وَنُهِيَ الدَّمُ عَنِ السَّيَلانِ إِلا مِقْدَارَ برْدِهِ.
وَلَمَّا هُزِمَ الْقَوْمُ وَأُجْلَوْا عَنْ عَسْكَرِهِمْ، وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ طَلَبِهِمْ وَدَخَلُوهُ، وَقَفَ خَالِدٌ عَلَى الطَّعَامِ، فَقَالَ: قَدْ نَفَّلْتُكُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ص إِذَا أَتَى عَلَى طَعَامٍ مَصْنُوعٍ نَفَّلَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لِعَشَائِهِمْ بِاللَّيْلِ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَرَ الأَرْيَافَ وَلا يَعْرِفَ الرِّقَاقَ يَقُولُ: مَا هذه الرقاق الْبِيضِ! وَجَعَلَ مَنْ قَدْ عَرَفَهَا يُجِيبُهُمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ مَازِحًا: هَلْ سَمِعْتُمْ بِرَقِيقِ الْعَيْشِ؟ فَيَقُولُونَ: نعم، فيقول: هُوَ هَذَا، فَسُمِّيَ الرِّقَاقُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ، الْقَرَى.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَ، عَنْ خَالِدٍ، أَنَّ رسول الله ص نَفَلَ النَّاسَ يَوْمَ خَيْبَرَ الْخُبْزَ وَالطَّبِيخَ وَالشِّوَاءَ، وَمَا أَكَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ فِي بُطُونِهِمْ غَيْرَ مُتَأَثِّلِيهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى النَّهْرِ أَرْحَاءُ، فَطَحَنتْ بِالْمَاءِ وَهُوَ أَحْمَرُ قُوتَ الْعَسْكَرِ، ثَمَانِيَةَ عَشْرَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُونَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَبَعَثَ خَالِدٌ بِالْخَبَرِ مَعَ رَجُلٍ يدعى
(3/357)

جَنْدَلا مِنْ بَنِي عِجْلٍ، وَكَانَ دَلِيلا صَارِمًا، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ، وَبِفَتْحِ أُلَيْسَ، وَبِقَدْرِ الْفَيْءِ وَبِعِدَّةِ السَّبْيِ، وَبِمَا حَصَلَ مِنَ الأَخْمَاسِ، وَبِأَهْلِ الْبَلاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَرَأَى صَرَامَتَهُ وَثَبَاتَ خَبَرِهِ، قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: جَنْدَلٌ، قَالَ: وَيْهًا جَنْدلُ!
نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامًا ... وَعَوَّدَتْهُ الْكَرَّ وَالإِقْدَامَا
وَأَمَرَ لَهُ بِجَارِيَةٍ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ، فَوَلَدَتْ لَهُ.
قَالَ: وَبَلَغَتْ قَتْلاهُمْ مِنْ أُلَيْسَ سَبْعِينَ أَلْفًا جُلَّهُمْ مِنْ أَمْغِيشِيَا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: قَالَ عَمِّي: سَأَلْتُ عَنْ أَمْغِيشْيَا بِالْحِيرَةِ فَقِيلَ لِي: مَنِشيَا، فَقُلْتُ لِسَيْفٍ، فَقَالَ: هَذَانِ اسْمَانِ
. حديث أمغيشيا
في صفر، وأفاءها اللَّه عز وجل بغير خيل.
حَدَّثَنَا عبيد اللَّه، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عن أبي عُثْمَان وطلحه، عن المغيره، قال: لما فرغ خالد من وقعة أليس، نهض فأتى أمغيشيا، وقد أعجلهم عما فيها، وقد جلا أهلها، وتفرقوا في السواد، ومن يومئذ صارت السكرات في السواد، فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شيء كان في حيزها، وكانت مصرا كالحيرة، وكان فرات بادقلى ينتهي إليها، وكانت أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ بَحْرِ بْنِ الفُرَاتِ العِجْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ يُصِبِ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا بَيْنَ ذَاتِ السَّلاسِلِ وَأَمْغِيشِيَا مِثْلَ شَيْءٍ أَصَابُوهُ فِي أَمْغِيشِيَا، بَلَغَ سَهْمُ الْفَارِسِ ألفا وخمسمائة، سِوَى النَّفَلِ الَّذِي نَفَلَهُ أَهْلُ الْبَلاءِ وَقَالُوا جَمِيعًا: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ
(3/358)

بَلَغَهُ ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- يُخْبِرُهُمْ بِالْذِي أَتَاهُ: عَدَا أَسَدُكُمْ عَلَى الأَسَدِ فَغَلَبَهُ عَلَى خراذيله، اعجزت النساء ان ينسلن مِثْلَ خَالِدٍ!

حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أَبِي عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّ الآزَاذبَةَ كَانَ مَرْزُبَانَ الْحِيرَةِ أَزْمَانَ كِسْرَى إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَانُوا لا يَمُدُّ بَعْضَهُمْ بَعْضًا إِلا بِإِذْنِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ نِصْفَ الشَّرَفِ، وَكَانَ قِيمَةُ قَلَنْسُوَتِهِ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَخْرَبَ خَالِدٌ أَمْغِيشِيَا، وَعَادَ أَهْلُهَا سكراتٍ لِدَهَاقِينِ الْقُرَى عَلِمَ الآزَاذبَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مَتْرُوكٍ، فَأَخَذَ فِي أَمْرِهِ وَتَهَيَّأَ لِحَرْبِ خَالِدٍ، وَقَدَّمَ ابْنَهُ ثُمَّ خَرَجَ فِي أَثَرِهِ حَتَّى عَسْكَرَ خَارِجًا مِنَ الْحِيرَةِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ بِسَدِّ الْفُرَاتِ، وَلَمَّا اسْتَقَلَّ خَالِدٌ مِنْ أَمْغِيشِيَا وَحَمَلَ الرَّجُلَ فِي السُّفُنِ مع الانفال والانقال، لَمْ يَفْجَأْ خَالِدٌ إِلا وَالسُّفُنُ جَوَانِحٌ، فَارْتَاعُوا لِذَلِكَ، فَقَالَ الْمَلاحُونَ: إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ فَجَّرُوا الأَنْهَارَ، فَسَلَكَ الْمَاءُ غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَلا يَأْتِينَا الْمَاءُ إِلا بِسَدِّ الأَنْهَارِ، فَتَعَجَّلَ خَالِدٌ فِي خَيْلٍ نَحْوَ ابْنِ الآزَاذبَةَ، فَتَلَقَّاهُ عَلَى فَمِ العتيق خيل من خيله، فجاهم وَهُمْ آمِنُونَ لِغَارَةِ خَالِدٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَأَنَامَهُمْ بِالْمِقَرِّ، ثُمَّ سَارَ مِنْ فَوْرِهِ وَسَبَقَ الأَخْبَارَ إِلَى ابْنِ الآزَاذبَةَ حَتَّى يَلْقَاهُ وَجُنْدَهُ عَلَى فَمِ فُرَاتِ بَادِقْلَى، فَاقْتَتَلُوا فَأَنَامَهُمْ، وَفَجَّرَ الْفُرَاتَ وَسَدَّ الأَنْهَارِ وَسَلَكَ الْمَاءُ سَبِيلَهُ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة عن المغيرة، وَبَحْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالُوا وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قال:
حدثني عمي، قال: حدثنا سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قَالا: لَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ ابْنَ الآزَاذبَةَ عَلَى فَمِ فُرَاتِ بَادِقْلَى، قَصَدَ
(3/359)

لِلْحِيرَةِ، وَاسْتَلْحَقَ أَصْحَابَهُ، وَسَارَ حَتَّى يَنْزِلَ بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالنَّجَفِ، فَقَدِمَ خَالِدٌ الْخَوَرْنَقَ، وَقَدْ قَطَعَ الآزَاذبَةَ الْفُرَاتَ هَارِبًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَإِنَّمَا حَدَاهُ عَلَى الْهَرَبِ أَنَّ الْخَبَرَ وَقَعَ إِلَيْهِ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ وَمُصَابِ ابْنِهِ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ بَيْنَ الْغَرِيَّيْنِ وَالْقَصْرِ الأَبْيَضِ وَلَمَّا تَتَامَّ أَصْحَابُ خَالِدٍ إِلَيْهِ بِالْخَوَرْنَقِ خَرَجَ مِنَ الْعَسْكَرِ حَتَّى يُعَسْكِرَ بِمَوْضِعِ عَسْكَرِ الآزَاذبَةَ بَيْنَ الْغَرِيَّيْنِ وَالْقَصْرِ الأَبْيَضِ، وَأَهْلِ الْحِيرَةِ مُتَحَصِّنُونَ، فَأَدْخَلَ خَالِدٌ الْحِيرَةَ الْخَيْلَ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَأَمَّرَ بِكُلِّ قَصْرٍ رَجُلا مِنْ قُوَّادِهِ يُحَاصِرُ أَهْلَهُ وَيُقَاتِلُهُمْ، فَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ مُحَاصِرًا الْقَصْرَ الأَبْيَضَ، وَفِيهِ إِيَاسُ بْنُ قُبَيْصَةَ الطَّائِيُّ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَاصِرًا قَصْرَ الْعَدْسِيِّينَ وَفِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْمَقْتُولُ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ عَاشِرَ عَشَرَةِ إِخْوَة لَهُ مُحَاصِرًا قَصْرَ بَنِي مَازِنٍ، وَفِيهِ ابْنُ أَكَّالٍ، وَكَانَ الْمُثَنَّى مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ بقيله وفيه عمرو ابن عَبْدِ الْمَسِيحِ، فَدَعَوْهُمْ جَمِيعًا، وَأَجلُوهُمْ يَوْمًا، فَأَبَى أَهْلُ الْحِيرَةِ وَلَجُّوا، فَنَاوَشَهُمُ الْمُسْلِمُونَ.
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَكَذَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَالَ السَّرِيُّ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ- قَالَ: عَهَدَ خَالِدٌ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ يَبْدَءُوا بِالدُّعَاءِ، فَإِنْ قَبِلُوا قَبِلُوا مِنْهُمْ وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُؤَجِّلُوهُمْ يَوْمًا، وَقَالَ: لا تُمَكِّنُوا عَدُوَّكُمْ مِنْ آذَانِكُمْ، فَيَتَرَبَّصُوا بِكُمُ الدَّوَائِرَ، وَلَكِنْ نَاجِزُوهُمْ ولا ترددوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ قِتَالِ عَدُوِّهِمْ فَكَانَ أَوَّلُ الْقُوَّاد أَنْشَبَ الْقِتَالَ بَعْدَ يَوْمٍ أَجَّلُوهُمْ فِيهِ ضِرَارَ بْنَ الأَزْوَرِ، وَكَانَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْقَصْرِ الأَبْيَضِ، فَأَصْبَحُوا وَهُمْ مُشْرِفُونَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلاثٍ: الإِسْلامِ، أَوِ الْجَزَاءِ، أَوِ الْمُنَابَذَةِ، فَاخْتَارُوا الْمُنَابَذَةَ وَتَنَادَوْا: عَلَيْكُمُ الْخَزَازِيفُ، فَقَالَ ضِرَارٌ: تَنَحَّوْا لا يَنَالُكُمُ الرَّمْيُ، حَتَّى نَنْظُرَ فِي الَّذِي هَتَفُوا بِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ امْتَلأَ رَأْسُ
(3/360)

الْقَصْرِ مِنْ رِجَالٍ مُتَعَلِّقِي الْمَخَالِي، يَرْمُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَزَازِيفِ- وَهِيَ الْمَدَاحِي مِنَ الْخَزَفُ- فَقَالَ ضِرَارٌ: ارْشقُوهُمْ، فَدَنَوْا مِنْهُمْ فَرَشَقَوُهُمْ بِالنَّبْلِ، فَأَعْرَوْا رُءُوسَ الْحِيطَانِ، ثُمَّ بَثُّوا غَارَتَهُمْ فِيمَنْ يَلِيهِمْ، وَصَبَحَ أَمِيرُ كُلِّ قَوْمٍ أَصْحَابَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَافْتَتَحُوا الدُّورَ وَالدِّيرَاتِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، فَنَادَى الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ: يَا أَهْلَ الْقُصُورِ، مَا يَقْتُلُنَا غَيْرُكُمْ فَنَادَى أَهْلُ الْقُصُورِ:
يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، قَدْ قَبِلْنَا وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ، فَادْعُوا بِنَا وَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى تُبَلِّغُونَا خَالِدًا فَخَرَجَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ وَأَخُوهُ إِلَى ضِرَارِ بْنِ الأَزْوَرِ، وَخَرَجَ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى ضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ- وَعَدِيٌّ الأَوْسَطُ الَّذِي رَثَتْهُ أُمُّهُ وَقُتِلَ يَوْمَ ذِي قَارٍ- وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ وَابْنُ أَكَّالٍ، هَذَا إِلَى ضِرَارِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَهَذَا إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، فَأَرْسَلُوهُمْ إِلَى خَالِدٍ وَهُمْ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قالا: كَانَ أَوَّلُ مَنْ طَلَبَ الصُّلْحَ عَمْرَو بْنَ عبد المسيح ابن قَيْسِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ بُقَيْلَةُ- وَإِنَّمَا سُمِّيَ بُقَيْلَةَ لأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا حَارِ مَا أَنْتَ إِلا بُقَيْلَةٌ خَضْرَاءُ- وَتَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَهُمُ الرُّؤَسَاءُ إِلَى خَالِدٍ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ثِقَةٌ، لِيُصَالِحَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْحِصْنِ، فَخَلا خَالِدٌ بِأَهْلِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْهُمْ دُونَ الآخَرِينَ، وَبَدَأَ بِأَصْحَابِ عَدِيٍّ، وَقَالَ: وَيْحَكُمْ! مَا أَنْتُمْ! أَعَرَبٌ؟ فَمَا تَنْقِمُونَ مِنَ الْعَرَبِ! أَوْ عَجَمٌ؟ فَمَا تَنْقِمُونَ مِنَ الإِنْصَافِ وَالْعَدْلِ! فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: بَلْ عَرَبٌ عَارِبَةٌ وَأُخْرَى مُتَعَرِّبَةٌ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ لَمْ تُحَادُّونَا وَتَكْرَهُوا أَمْرَنَا، فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: لِيَدُلُّكَ عَلَى مَا نَقُولُ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا لِسَانٌ إِلا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ: صَدَقْتَ وَقَالَ: اخْتَارُوا وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ:
أَنْ تَدْخُلُوا فِي دِينِنَا فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا إِنْ نَهَضْتُمْ وَهَاجَرْتُمْ
(3/361)

وَإِنْ أَقَمْتُمْ فِي دِيَارِكُمْ، أَوِ الْجِزْيَةَ، أَوِ الْمُنَابَذَةَ وَالْمُنَاجَزَةَ، فَقَدْ وَاللَّهِ أَتَيْتُكُمْ بِقَوْمٍ هُمْ عَلَى الْمَوْتِ أَحْرَصُ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ فَقَالَ: بَلْ نُعْطِيكَ الْجِزْيَةَ، فَقَالَ خَالِدٌ: تَبًّا لَكُمْ، وَيْحَكُمْ! إِنَّ الْكُفْرَ فَلاةٌ مُضِلَّةٌ، فَأَحْمَقُ الْعَرَبِ مَنْ سَلَكَهَا فَلَقِيَهُ دَلِيلانِ: أَحَدُهُمَا عَرَبِيٌّ فَتَرَكَهُ وَاسْتَدَلَّ الأَعْجَمِيَّ.
فَصَالَحُوهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَتَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَهْدُوا لَهُ هَدَايَا، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْهَدَايَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ الْهُذَيْلِ الْكَاهِلِيِّ، فَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْجَزَاءِ، وَكَتبَ إِلَى خَالِدٍ أَنِ احْسِبْ لَهُمْ هَدِيَّتَهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ، إِلا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَزَاءِ، وَخُذْ بَقِيَّةَ مَا عَلَيْهِمْ فَقُوِّ بِهَا أَصْحَابَكَ: وَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ:
أبعد المنذرين ارى سواما ... تروح بالخورنق والسدير!
وبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصا بين مرة والحفير
فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كجرب المعز في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفخور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساءه او سرور
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِنَحْوٍ مِنْهُ، وَقَالا: فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَيُقَدِّمُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكَ مِنَ السِّنِينَ قَالَ: مئو سنين، قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟
قَالَ: رَأَيْتُ الْقُرَى مَنْظُومَةً مَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْحِيرَةِ، تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحِيرَةِ فَلا تَزَوَّدُ إِلا رَغِيفًا فَتَبَسَّمَ خَالِدٌ، وَقَالَ:
هَلْ لَكَ من شيخك الا عمله
(3/362)

خَرِفْتَ وَاللَّهِ يَا عَمْرُو! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْحِيرَةِ فَقَالَ: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكُمْ خَبَثَةٌ خَدَعَةٌ مَكَرَةٌ! فَمَا لَكُمْ تَتَنَاوَلُونَ حَوَائِجَكُمْ بِخَرِفٍ لا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ! فَتَجَاهَلَ لَهُ عَمْرٌو، وَأَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَعْرِفُ بِهِ عَقْلُهُ، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا حَدَّثَهُ بِهِ، فَقَالَ: وَحَقِّكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي لأَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: أَقْرَبُ أَمْ أَبْعَدُ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي، قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَمَامِي، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ:
الآخِرَةَ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أَقْصَى أَثَرِكَ؟ قَالَ: مِنْ صُلْبِ أَبِي، قَالَ: فَفِيمَ أَنْتَ؟
قَالَ: فِي ثِيَابِي، قَالَ: أَتَعْقِلُ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ وأقيدُ قَالَ: فَوَجَدَهُ حِينَ فره عضا، وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِهِ أَعْلَمَ بِهِ- فَقَالَ خَالِدٌ: قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا، وَالْقَوْمُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِمْ فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا الأَمِيرُ النَّمْلَةُ أَعْلَمُ بِمَا فِي بَيْتِهَا مِنَ الْجَمَلِ بِمَا فِي بَيْتِ النَّمْلَةِ وَشَارَكَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيِّ، وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ، فَقَالَ: شَارَكَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مِنَ الضَّبَابِ.
قَالُوا: وَكَانَ مَعَ ابْنِ بُقَيْلَةَ مُنْصِفٌ لَهُ فَعَلَّقَ كِيسًا فِي حَقْوِهِ، فَتَنَاوَلَ خَالِدٌ الْكِيسَ، وَنَثَرَ مَا فِيهِ فِي رَاحَتِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَمْرُو؟ قَالَ:
هَذَا وَأَمَانَةِ اللَّهِ سُمُّ سَاعَةٍ، قَالَ: لم تَحْتَقِبِ السُّمَّ؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ تَكُونُوا عَلَى غَيْرِ مَا رَأَيْتُ، وَقَدْ أَتَيْتُ عَلَى أَجَلِي، وَالْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَكْرُوهٍ أُدْخِلُهُ عَلَى قَوْمِي وَأَهْلِ قَرْيَتِي فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الأَسْمَاءِ، رَبِّ الأَرْضِ وَرَبِّ السَّمَاءِ، الَّذِي لَيْسَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَهْوَوْا إِلَيْهِ لِيَمْنَعُوهُ مِنْهُ، وَبَادَرَهُمْ فَابْتَلَعَهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَتَمْلُكُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ مِنْكِم أَحَدٌ أَيُّهَا الْقرن وَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْحِيرَةِ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ أَمْرًا أَوْضَحَ إِقْبَالا!
(3/363)

وَأَبَى خَالِدٌ أَنْ يُكَاتِبَهَمُ إِلا عَلَى إِسْلامِ كَرَامَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى شُوَيْلٍ، فَثَقَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَتْ: هَوِّنُوا عَلَيْكُمْ وَأَسْلِمُوني، فَإِنِّي سَأَفْتَدِي.
فَفَعَلُوا، وَكَتَبَ خَالِدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَدِيًّا وَعَمْرًا ابْنَيْ عَدِيٍّ، وَعَمْرَو بْنَ عَبْدِ الْمَسِيحِ وَإِيَاسَ بْنِ قَبِيصَةَ وَحيريَّ بْنِ أَكَّالٍ- وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: جبرى- وَهُمْ نُقَبَاءُ أَهْلِ الْحِيرَةِ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحِيرَةِ، وَأَمَرُوهُمْ بِهِ- عَاهَدَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، تُقْبَلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَزَاءً عَنْ أَيْدِيهِمْ فِي الدُّنْيَا، رُهْبَانِهِمْ وَقِسِّيسِهِمْ، إِلا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ ذِي يَدٍ، حَبِيسًا عَنِ الدُّنْيَا، تَارِكًا لَهَا- وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِلا مَنْ كَانَ غَيْرَ ذِي يَدٍ حَبِيسًا عَنِ الدُّنْيَا، تَارِكًا لَهَا- أَوْ سَائِحًا تَارِكًا لِلدُّنْيَا، وَعَلَى الْمَنْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَمْنَعَهُمْ، وَإِنْ غَدَرُوا بِفِعْلٍ أَوْ بِقَوْلٍ فَالذِّمَّةُ مِنْهُمْ بَرِيئَةٌ وَكَتَبَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَيْهِمْ.
فَلَمَّا كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ اسْتَخَفُّوا بِالْكِتَابِ، وَضَيَّعُوهُ، وَكَفَرُوا فِيمَنْ كَفَرَ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ فَارِسَ، فَلَمَّا افْتَتَحَ الْمُثَنَّى ثَانِيَةً، أَدْلَوا بِذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَيْهِ، وَعَادَ بِشَرْطٍ آخَرَ، فَلَمَّا غَلَبَ الْمُثَنَّى عَلَى الْبِلادِ كَفَرُوا وَأَعَانُوا وَاسْتَخَفُّوا وَأَضَاعُوا الْكِتَابَ فَلَمَّا افْتَتَحَهَا سَعْدٌ، وَأَدْلَوا بِذَلِكَ سَأَلَهُمْ وَاحِدًا مِنَ الشَّرْطَيْنِ، فَلَمْ يَجِيئُوا بِهِمَا، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ وَتَحَرَّى مَا يَرَى أَنَّهُمْ مطيقون، فوضع عليهم أربعمائة أَلْفٍ سِوَى الْحَرَزةِ- قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: سِوَى الْخرزةِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عن سيف- والسري، عن
(3/364)

شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ- عن الغصن بن الْقَاسِم الْكِنَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالا: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ خَالِدِ بْنِ سعيد بن العاصي إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَأْذَنَ خَالِدًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُكَلِّمَهُ فِي قَوْمِهِ وَلِيَجْمَعَهُمْ لَهُ، وَكَانُوا أَوْزَاعًا فِي الْعَرَبِ، وَلِيَتَخَلَّصَهُمْ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ لَهُ عِدَةً مِنَ النَّبِيِّ ص وَأَتَاهُ عَلَى الْعِدَةِ بِشُهُودٍ، وَسَأَلَهُ إِنْجَازَ ذَلِكَ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ لَهُ: تَرَى شُغْلَنَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِغَوْثِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الأَسَدَيْنِ فَارِسَ وَالرُّومِ، ثُمَّ أَنْتَ تُكَلِّفُنِي التَّشَاغُلَ بِمَا لا يُغْنِي عَمَّا هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ! دَعْنِي وَسِرْ نَحْوَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَحْكُمُ اللَّهُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى خَالِدٍ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ بِالْعِرَاقِ إِلا مَا كَانَ بَعْدَ الْحِيرَةِ، وَلا شَيْئًا مِمَّا كَانَ خَالِدٌ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَقَالَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي أَيَّامِ الْحِيرَةِ:
سَقَى اللَّهُ قَتْلَى بِالْفُرَاتِ مُقِيمَةً ... وَأُخْرَى باثباج النِّجَافِ الْكَوَانِفِ
فَنَحْنُ وَطِئْنَا بِالْكَوَاظِمِ هُرْمُزًا ... وَبِالثَّنِيِّ قَرْنَيْ قَارِنٍ بِالْجَوَارِفِ
وَيَوْمَ أَحَطْنَا بِالْقُصُورِ تَتَابَعَتْ ... على الحيرة الروحاء إِحْدَى الْمَصَارِفِ
حَطَطْنَاهُمْ مِنْهَا وَقَدْ كَادَ عَرْشُهُمْ ... يَمِيلُ بِهِمْ، فِعْلَ الْجَبَانِ الْمُخَالِفِ
رَمَيْنَا عَلَيْهِمْ بِالْقَبُولِ وَقَدْ رَأَوْا ... غَبُوقَ الْمَنَايَا حَوْلَ تِلْكَ الْمَحَارِفِ
صَبِيحَةَ قَالُوا نَحْنُ قَوْمٌ تَنَزَّلُوا ... إِلَى الرِّيفِ مِنْ أَرْضِ الْعُرَيْبِ الْمَقَانِفِ

خبر ما بعد الحيرة
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ جَمِيلٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أُعْطِيَ شُوَيْلٌ كَرَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَسِيحِ
(3/365)

قُلْتُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَلا تَعْجَبَ مِنْ مَسْأَلَةِ شُوَيْلٍ كَرَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَسِيحِ عَلَى ضَعْفِهِ! قَالَ: كَانَ يَهْرِفُ بِهَا دَهْرَهُ، قَالَ: [وذلك انى لما سمعت رسول الله ص يَذْكُرُ مَا رُفِعَ لَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ، فَذَكَرَ الْحِيرَةَ فِيمَا رُفِعَ لَهُ، وَكَأَنَّ شُرَفَ قُصُورِهَا أَضْرَاسُ الْكِلابِ،] عَرَفَتْ أَنْ قَدْ أُرِيهَا، وَأَنَّهَا ستفتح، فلقيته مَسْأَلَتَهَا.
وَحدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، قال: قَالَ لِي عَمْرٌو وَالْمُجَالِدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- وَالسَّرِيِّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- قَالَ: [لَمَّا قَدِمَ شُوَيْلٌ إِلَى خَالِدٍ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ص يَذْكُرُ فَتْحَ الْحِيرَةَ، فَسَأَلْتُهُ كَرَامَةً، فَقَالَ: هِيَ لَكَ إِذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً] وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ صَالَحَهُمْ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهَا وَأَهْلِ قَرْيَتِهَا مَا وَقَعَتْ فِيهِ، وَأَعْظَمُوا الْخَطَرَ، فَقَالَتْ: لا تَخْطُرُوهُ، وَلَكِنِ اصْبِرُوا، مَا تَخَافُونَ عَلَى امْرَأَةٍ بَلَغَتْ ثَمَانِينَ سَنَةً! فَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أَحْمَقُ رَآنِي فِي شَبِيبَتِي فَظَنَّ أَنَّ الشَّبَابَ يَدُومُ.
فَدَفَعُوهَا إِلَى خَالِدٍ، فَدَفَعَهَا خَالِدٌ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: مَا أَرَبُكَ إِلَى عَجُوزٍ كَمَا تَرَى! فَادَنِي، قَالَ: لا، إِلا عَلَى حُكْمِي، قَالَتْ: فَلَكَ حُكْمُكَ مُرْسَلا فَقَالَ: لَسْتِ لأُمِّ شُوَيْلٍ إِنْ نَقَصْتُكِ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ! فَاسْتَكْثَرَتْ ذَلِكَ لِتَخْدَعَهُ، ثُمَّ أَتَتْهُ بِهَا فَرَجَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَتَسَامَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَعَنَّفُوهُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ عَدَدًا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ! فَأَبَوْا عَلَيْهِ إِلا أَنْ يُخَاصِمَهُمْ فَخَاصَمَهُمْ، فَقَالَ: كَانَتْ نِيَّتِي غَايَةَ الْعَدَدِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعَدَدَ يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَرَدْتَ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، نَأْخُذُ بِمَا يَظْهَرُ وَنَدَعْكَ وَنِيَّتَكَ، كَاذِبًا كُنْتَ أَوْ صَادِقًا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: لَمَّا فَتَحَ خَالِدٌ الْحِيرَةَ صَلَّى صَلاةَ الْفَتْحِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ لا يُسَلِّمُ فِيهِنَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَالَ: لَقَدْ قَاتَلْتُ يَوْمَ مُؤْتَةَ فَانْقَطَعَ فِي يدي تسعه
(3/366)

أَسْيَافٍ، وَمَا لَقِيتُ قَوْمًا كَقَوْمٍ لَقِيتُهُمْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَمَا لَقِيتُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ قَوْمًا كَأَهْلِ أُلَيْسَ! حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرٍو وَالْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: صَلَّى خَالِدٌ صَلاةَ الْفَتْحِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ السَّرِيِّ.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف- والسري، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ- وَكَانَ قَدِمَ مَعَ جَرِيرٍ عَلَى خَالِدٍ- قَالَ: أَتَيْنَا خَالِدًا بِالْحِيرَةِ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ قَدْ شَدَّ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ يُصَلِّي فِيهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: انْدَقَّ فِي يَدِي تِسْعَةُ أَسْيَافٍ يَوْمَ مُؤْتَةَ، ثُمَّ صَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ، فَمَا زَالَتْ مَعِي.
حَدَّثَنَا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن أبي عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عتيبة والغصن ابن الْقَاسِمِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَسُفْيَانَ الأحمري عن ماهان، قال:
وَلَمَّا صَالَحَ أَهْلُ الْحِيرَةِ خَالِدًا خَرَجَ صَلُوبَا بْنُ نسطُونَا صَاحِبُ قِسِّ النَّاطِفِ، حَتَّى دَخَل عَلَى خَالِدٍ عَسْكَرَهَ، فَصَالَحَهُ عَلَى بَانِقْيَا وَبسمَا، وَضَمَنَ لَهُ مَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى أَرْضَيْهِمَا مِنْ شَاطِئِ الْفُرَاتِ جَمِيعًا، وَاعْتَقَدَ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَقَوْمِهِ عَلَى عَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ سِوَى الْخرزةِ، خرزةِ كِسْرَى، وَكَانَتْ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فَتَمُّوا وَتَمَّ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِ فِي حَالِ غَلَبَةِ فَارِسَ بِغَدْرٍ، وَشَارَكَهُمُ الْمُجَالِدُ فِي الْكِتَابِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِصَلُوبَا بْنِ نسطونَا وَقَوْمِهِ، إِنِّي عَاهَدْتُكُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْمَنْعَةِ، عَلَى كُلِّ ذِي يَدٍ، بَانِقْيَا وبسما جَمِيعًا، عَلَى عَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ سِوَى الْخرزةِ، القوى على
(3/367)

قَدْرِ قُوَّتِهِ، وَالْمُقِلُّ عَلَى قَدْرِ إِقْلالِهِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ وَإِنَّكَ قَدْ نَقَبْتَ عَلَى قَوْمِكَ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ رَضُوا بِكَ، وَقَدْ قَبِلْتُ وَمَنْ مَعِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَضِيتُ وَرَضِيَ قَوْمُكَ، فَلَكَ الذِّمَّةُ وَالْمَنْعَةُ، فَإِنْ مَنَعْنَاكُمْ فَلَنَا الْجِزْيَةُ، وَإِلا فلا حَتَّى نَمْنَعَكُمْ شَهِدَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَكَتَبَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي صَفَرٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مِكْنَفٍ، وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَسُفْيَانَ عَنْ مَاهَانَ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عن أبي عُثْمَان، وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَانَ الدَّهَّاقِينُ يَتَرَبَّصُونَ بِخَالِدٍ وَيَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَلَمَّا اسْتَقَامَ مَا بَيْنَ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَبَيْنَ خَالِدٍ، وَاسْتَقَامُوا لَهُ أَتَتْهُ دَهَّاقِينُ الْمِلْطَاطَيْنِ، وَأَتَاهُ زَاذُ بْنُ بهيشٍ دِهْقَانُ فُرَاتِ سريا، وَصلوبَا بْنُ نسطونَا بْنِ بصبهرى- هَكَذا فِي حَدِيثِ السَّرِيِّ، وقال عبيد الله: صلوبا بْنُ نسطونَا بْنِ بصبهرى- هَكَذا فِي حَدِيثِ السَّرِيِّ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: صلوبا بْنُ بصبهرى ونسطونا- فَصَالَحُوهُ عَلَى مَا بَيْنَ الْفَلالِيجِ إِلَى هرمزجرد عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ- وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ: عَلَى أَلْفِ أَلْفٍ ثَقِيلٍ- وَأَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى وَمَنْ مَالَ مَعَهُمْ عَنِ الْمُقَامِ فِي دَارِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصُّلْحِ وَضَرَبَ خَالِدٌ رِوَاقَهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَكَتَبَ لهم كتابا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِزَاذَ بْنِ بهيش وصلوبا بن نسطونا، لَكُمُ الذِّمَّةَ وَعَلَيْكُمُ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتُمْ ضَامِنُونَ لِمَنْ نَقَبْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَهْقَبَاذِ الأَسْفَلِ وَالأَوْسَطِ- وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَأَنْتُمْ ضَامِنُونَ جِزْيَةَ مَنْ نقبتم عليه- على الفى الف ثقيل في كل سنه، عن كُلّ ذِي يَدٍ سِوَى مَا عَلَى بَانِقْيَا وَبسمَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أَرْضَيْتُمُونِي وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا قَدْ أَرْضَيْنَاكُمْ وَأَهْلَ الْبَهْقَبَاذِ
(3/368)

الأَسْفَلِ، وَمَنْ دَخَلَ مَعَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَهْقَبَاذِ الأَوْسَطِ عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَيْسَ فِيهَا مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُمْ شَهِدَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَرِيرُ بْنُ عبد الله الحميرى، وبشير بن عبيد اللَّهِ بْنِ الْخَصَّاصِيَّةِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَكَتَبَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي صَفَرَ وَبَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عُمَّالَهُ وَمَسَالِحَهُ، فَبَعَثَ فِي الْعِمَالَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَثِيمَةَ النَّصْرِيَّ، فَنَزَلَ فِي أَعْلَى الْعَمَلِ بِالْفَلالِيجِ عَلَى الْمَنْعَةِ وَقَبَضَ الْجِزْيَةَ، وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى بَانِقْيَا وَبسمَا، وَبَشِيرَ بْنَ الْخَصَّاصِيَّةِ عَلَى النَّهْرَيْنِ فَنَزَلَ الْكُوَيْفَةَ ببانبورا، وسويد بن مقرن المزنى الى نستر، فَنَزَلَ الْعَقْرَ- فَهِيَ تُسَمَّى عَقْرَ سُوَيْدٍ إِلَى الْيَوْمِ، وَلَيْسَتْ بِسُوَيْدٍ الْمِنْقَرِيِّ سُمِّيَتْ- وأَطَّ بْنَ أَبِي أَطٍّ إِلَى روذمستانَ، فَنَزَلَ مَنْزِلا عَلَى نَهْرٍ سُمِّيَ ذَلِكَ النَّهْرُ بِهِ- وَيُقَالُ لَهُ:
نَهْرُ أَطٍّ إِلَى الْيَوْمِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ، فَهَؤُلاءِ كَانُوا عُمَّالَ الْخَراجِ زَمَنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
وَكَانَتِ الثُّغُورُ فِي زَمَنِ خَالِدٍ بِالسَّيْبِ، بَعَثَ ضِرَارَ بن الأزور وضرار ابن الْخَطَّابِ وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَضِرَارَ بْنَ مُقَرِّنٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو وَبُسْرَ بْنَ أَبِي رُهْمٍ وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، فَنَزَلُوا عَلَى السَّيْبِ فِي عَرْضِ سُلْطَانِهِ فَهَؤُلاءِ أُمَرَاءُ ثُغُورِ خَالِدٍ وَأَمَرَهُمْ خَالِدٌ بِالْغَارَةِ وَالإِلْحَاحِ، فَمَخَرُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ.
قَالُوا: وَلَمَّا غَلَبَ خَالِدٌ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيِ السَّوَادِ، دَعَا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ بِرَجُلٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ وَهُمْ بِالْمَدَائِنِ مُخْتَلِفُونَ مُتَسَانِدُونَ لِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلا أَنَّهُمْ قَدْ أَنَزَلُوا بهمنَ جَاذُوَيْهِ بِبَهُرَسِيرَ، وَكَأَنَّهُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَ بهمنَ جَاذُوَيْهِ الآزَاذبَةَ فِي أَشْبَاهٍ لَهُ، وَدَعَا صَلُوبَا بِرَجُلٍ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِلَى الْخَاصَّةِ وَأَمَّا الآخَرُ فَإِلَى الْعَامَّةِ، أَحَدُهُمَا حِيرِيٌّ وَالآخَرُ نِبْطِيٌّ.
وَلَمَّا قَالَ خَالِدٌ لِرَسُولِ أَهْلِ الْحِيرَةِ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مُرَّةٌ، قَالَ: خُذِ
(3/369)

الْكِتَابَ فَأْتِ بِهِ أَهْلَ فَارِسَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُمِرَّ عَلَيْهِمْ عَيْشَهُمْ، أَوْ يُسْلِمُوا، أَوْ يُنِيبُوا وَقَالَ لِرَسُولِ صلُوبَا: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: هِزْقِيلُ، قَالَ: فَخُذِ الْكِتَابَ.
وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَزْهِقْ نُفُوسَهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُجَالِدٍ وَغَيْرِهِ، بِمِثْلِهِ.
وَالْكِتَابَانِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مُلُوكِ فَارِسَ، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَلَّ نِظَامَكُمْ، وَوَهَنَ كَيْدَكُمْ، وَفَرَّقَ كَلِمَتَكُمْ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِكُمْ كَانَ شَرًّا لَكُمْ، فَادْخُلُوا فِي أَمْرِنَا نَدَعْكُمْ وَأَرْضَكُمْ، وَنُجَوِّزْكُمْ إِلَى غَيْرِكُمْ، وَإِلا كَانَ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ عَلَى غَلَبٍ، عَلَى أَيْدِي قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ الْحَيَاةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ فَارِسَ، أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَإِلا فَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذِّمَّةَ، وَأَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَإِلا فَقَدْ جِئْتُكُمْ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ، كَمَا تُحِبُّونَ شُرْبَ الْخَمْرِ.
حَدَّثَنِي عبيد الله، قال: حدثني عمي، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّد بْن نويرة، عن أبي عثمان والسري، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن عبد اللَّه، عن أبي عثمان والمهلب بْن عقبة وزياد بْن سرجس، عن سياه وسفيان الأحمري، عن ماهان: أن الخراج جبي إلى خالد في خمسين ليلة، وكان الذين ضمنوه والذين هم رءوس الرساتيق رهنا في يده، فأعطى ذلك كله للمسلمين، فقووا به على أمورهم وكان أهل فارس بموت أردشير مختلفين في الملك، مجتمعين على قتال خالد، متساندين، وكانوا بذلك سنة، والمسلمون يمخرون ما دون دجلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر، وليست لأحد منهم ذمة إلا الذين كاتبوه واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جلاء، ومتحصنون، ومحاربون واكتتب عمال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج، من نسخة واحدة:
(3/370)

بسم اللَّه الرحمن الرحيم براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التي صالحهم عليها الأمير خالد بْن الوليد، وقد قبضت الذي صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد، ما أقررتم بالجزية وكففتم أمانكم أمان، وصلحكم صلح، نحن لكم على الوفاء وأشهدوا لهم النفر من الصحابة الذين كان خالد أشهدهم: هشاما، والقعقاع، وجابر بْن طارق، وجريرا، وبشيرا، وحنظلة، وأزداذ، والحجاج بْن ذي العنق، ومالك بْن زيد.
حَدَّثَنَا عبيد اللَّه، قال: حَدَّثَنِي عمي، عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، قال: وخرج خالد وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابا: إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمون عباد اللَّه الصالحون، على أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم.
وأما السري، فإنه قال في كتابه إلي: حَدَّثَنَا شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، عن هشام بْن الوليد، قال: فرغ خالد.
ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد اللَّه بْن سعد.
حَدَّثَنَا عبيد اللَّه، قال: حدثني عمي، عن سيف- والسري، عن شعيب عن سيف- عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بْن أبي ثابت، عن ابن الهذيل الكاهلي نحوا منه، قالوا: وأمر الرسولين اللذين بعثهما أن يوافياه بالخبر، وأقام خالد في عمله سنة، ومنزله الحيرة، يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشام، وأهل فارس يخلعون ويملكون، ليس إلا الدفع عن بهرسير، وذلك أن شيرى بْن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بْن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه، فقتلوا كل من بين كسرى بْن قباذ وبين بهرام جور، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه
(3/371)

حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، قال: حدثني سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي، قَالَ: أَقَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِيمَا بَيْنَ فَتْحِ الْحِيرَةِ إِلَى خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، يُعَالِجُ عَمَلَ عِيَاضٍ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ، وَقَالَ خَالِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ: لَوْلا مَا عَهِدَ إِلَيَّ الْخَلِيفَةُ لَمْ أَتَنَقَّذْ عِيَاضًا، وَكَانَ قَدْ شَجِيَ وَأَشْجَى بِدُومَةٍ، وَمَا كَانَ دُونَ فَتْحِ فَارِسَ شَيْءٌ، إِنَّهَا لَسُنَّةٌ كَأَنَّهَا سنة نساء وَكَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ أَلا يَقْتَحِمَ عَلَيْهِمْ وَخَلْفَهُ نِظَامٌ لَهُمْ وَكَانَ بِالْعَيْنِ عَسْكَرٌ لِفَارِسَ وَبِالأَنْبَارِ آخَرُ وَبِالْفَرَاضِ آخَرُ وَلَمَّا وَقَعَتْ كُتُبُ خَالِدٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ تَكَلَّمَ نِسَاءُ آلِ كِسْرَى، فَوَلِيَ الْفَرْخَزَاذُ بْنُ الْبَنْدَوَانِ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ آلُ كِسْرَى عَلَى رَجُلٍ إِنْ وَجَدُوهُ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن أبي عثمان، وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْمُهَلَّبِ عَنْ سِيَاهٍ، وَسُفْيَانَ عَنْ مَاهَانَ، قَالُوا: كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ عَهِدَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَأْتِيَ الْعِرَاقَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهَا، وَإِلَى عِيَاضٍ أَنْ يَأْتِيَ الْعِرَاقَ مِنْ فَوْقِهَا، وَأَيُّكُمَا مَا سَبَقَ إِلَى الْحِيرَةِ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْحِيرَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعْتُمَا بِالْحِيرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ فَضَضْتُمَا مَسَالِحَ مَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَفَارِسَ وَأَمِنْتُمْ أَنْ يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ فَلْيَقُمْ بِالْحِيرَةِ أَحَدُكُمَا، وَلْيَقْتَحِمِ الآخَرُ عَلَى الْقَوْمِ، وَجَالِدُوهُمْ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاتَّقُوهُ، وَآثِرُوا أَمْرَ الآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا يَجْتَمِعَا لَكُمْ، وَلا تُؤْثِرُوا الدُّنْيَا فَتُسْلَبُوهُمَا.
وَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَمُعَاجَلَةِ التَّوْبَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالإِصْرَارَ وَتَأْخِيرَ التَّوْبَةِ.
فَأَتَى خَالِدٌ عَلَى مَا كَانَ أُمِرَ بِهِ، وَنَزَلَ الْحِيرَةَ، وَاسْتَقَامَ لَهُ مَا بَيْنَ الْفَلالِيجِ إِلَى أَسْفَلِ السَّوَادِ، وَفَرَّقَ سَوَادَ الْحِيرَةِ يَوْمَئِذٍ عَلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ.
وَبَشِيرِ بْنِ الْخَصَّاصِيَّةِ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَاشِمَةِ، وَابْنِ ذِي الْعُنُقِ، وَأَطٍّ، وَسُوَيْدٍ وَضِرَارٍ، وَفَرَّقَ سَوادَ الأُبُلَّةِ عَلَى سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَحَسْكَةَ الْحبطِيِّ، وَالْحُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ عَسَلٍ، وَأَقَرَّ الْمَسَالِحَ على ثغورهم،
(3/372)

وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْحِيرَةِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي عَمَلِ عِيَاضٍ لِيَقضيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلإِغَاثَتِهِ، فَسَلَكَ الْفَلُّوجَةَ حَتَّى نَزَلَ بِكَرْبلاءَ وَعَلَى مَسْلَحَتِهَا عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ خَالِدٍ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، لأَنَّ الْمُثَنَّى كَانَ عَلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ الَّتِي تَلِي الْمَدَائِنَ، فَكَانُوا يُغَاوِرُونَ أَهْلَ فَارِسَ، وَيَنْتَهُونَ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ قَبْلَ خُرُوجِ خَالِدٍ مِنَ الْحِيرَةِ وَبَعْدِ خُرُوجِهِ فِي إِغَاثَةِ عِيَاضٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي روق، عَمَّنْ شَهِدَهُمْ بِمِثْلِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَقَامَ خالد على كربلاء ايام، وَشَكَا إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَثِيمَةَ الذُّبَابَ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: اصْبِرْ فَإِنِّي إِنَّمَا أريد أَنْ أَسْتَفْرِغَ الْمَسَالِحَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا عِيَاضٌ فَنُسْكِنَهَا الْعَرْبَ، فَتَأْمَنَ جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤْتَوْا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَتَجَيئَنَا الْعَرَبُ أمَنَةً وَغَيْرَ مُتَعْتَعَةٍ، وَبِذَلِكَ أَمَرَنَا الْخَلِيفَةُ، وَرَأْيُهُ يَعْدِلُ نَجْدَةَ الأُمَّةِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ فِيمَا حَكَى ابْنُ وَثِيمَةَ:
لَقَدْ حُبِسَتْ فِي كَرْبِلاءِ مَطِيَّتِي ... وَفِي العين حتى عاد غثا سمينها
إذا زحلت مِنْ مَبْرَكٍ رَجَعَتْ لَهُ ... لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّنِي لأُهِينُهَا
وَيَمْنَعُهَا مِنْ مَاءِ كُلِّ شَرِيعَةٍ ... رِفَاقٌ مِنَ الذِّبَّانِ زُرْقٌ عُيُونُهَا

حديث الأنبار- وهي ذات العيون- وذكر كلواذى
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وَأَصْحَابِهِمَا، قَالُوا: خَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي تَعْبِيَتِهِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مِنَ الْحِيرَةِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَلَمَّا نَزَلَ الأَقْرَعُ الْمَنْزِلَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ إِلَى الأَنْبَارِ أَنْتَجَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِبِلَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْعَرَجَةَ،
(3/373)

وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الإِقْدَامِ، وَمَعَهُمْ بَنَاتُ مُخَاضٍ، تَتْبَعُهُمْ فَلَمَّا نُودِيَ بِالرَّحِيلِ صَرُّوا الأُمَّهَاتِ، وَاحْتَقَبُوا الْمَنْتُوجَاتِ، لأَنَّهَا لَمْ تُطِقِ السَّيْرَ، فَانْتَهُوا رُكْبَانًا إِلَى الأَنْبَارِ، وَقَدْ تَحَصَّنَ أَهْلُ الأَنْبَارِ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، وَأَشْرَفُوا مِنْ حِصْنِهِمْ، وَعَلَى تِلْكَ الجنود شيرزاد صَاحِبُ سَابَاطَ- وَكَانَ أَعْقَلَ أَعْجَمِيٍّ يَوْمَئِذٍ وَأَسْوَدَهُ وَأَقْنَعَهُ فِي النَّاسِ: الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ- فَتَصَايَحَ عَرَبُ الأَنْبَارِ يَوْمَئِذٍ مِنَ السُّورِ، وَقَالُوا: صبح الأنبار شر، جمل يحمل جميلة وجمل تربه عوذ فقال شيرزاد: مَا يَقُولُونَ؟ فَفَسَّرَ لَهُ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَدْ قَضَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا قَضَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَضَاءً كَادَ يُلْزِمُهُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِدٌ مُجْتَازًا لأُصَالِحَنَّهُ، فبيناهم كَذَلِكَ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَأَطَافَ بِالْخَنْدَقِ، وَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَكَانَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ إِذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَ بِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى رُمَاتِهِ، فَأَوْصَاهُمْ وَقَالَ:
إِنِّي أَرَى أَقْوَامًا لا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَارْمُوا عُيُونَهُمْ وَلا تَوَخُّوا غَيْرَهَا، فَرَمَوْا رَشْقًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَابَعُوا، فَفُقِئَ أَلْفُ عَيْنٍ يَوْمَئِذٍ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْوَقْعَةُ ذَاتَ الْعُيُونِ، وَتَصَايَحَ الْقَوْمُ: ذَهَبَتْ عُيُونُ أَهْلِ الأَنْبَارِ! فَقَالَ شِيرَزَاذُ: مَا يَقُولُونَ؟
فَفَسَّرَ لَهُ، فَقَالَ: آباذ آباذ فَرَاسَلَ خَالِدًا فِي الصُّلْحِ عَلى أَمْرٍ لَمْ يَرْضَهُ خَالِدٌ، فَرَدَّ رُسُلَهُ، وَأَتَى خَالِدٌ أَضْيَقَ مَكَانٍ فِي الْخَنْدَقِ بِرَذَايَا الْجَيْشِ فَنَحَرَهَا، ثُمَّ رَمَى بِهَا فِيهِ فَأَفْعَمَهُ، ثُمَّ اقْتَحَمَ الخندق- والردايا جُسُورُهُمْ- فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي الْخَنْدَقِ وَأَرَزَ القوم الى حصنهم، وراسل شيرزاد خَالِدًا فِي الصُّلْحِ عَلَى مَا أَرَادَ، فَقَبِلَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُخَلِّيَهُ وَيُلْحِقَهُ بِمَأْمَنِهِ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ، لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْمَتَاعِ وَالأَمْوَالِ شيء، فخرج شيرزاد، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى بهمنَ جَاذُوَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ لامَهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي قَوْمٍ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ، وَأَصْلُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَسَمِعْتُهُمْ مَقْدَمَهُمْ عَلَيْنَا يَقْضُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَلَّمَا قَضَى قَوْمٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَضَاءً إِلا وَجَبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قاتلهم الجند،
(3/374)

فَفَقَئُوا فِيهِمْ وَفِي أَهْلِ الأَرْضِ أَلْفَ عَيْنٍ، فَعَرَفْتُ أَنَّ الْمُسَالَمَةَ أَسْلَمُ وَلَمَّا اطْمَأَنَّ خَالِدٌ بِالأَنْبَارِ وَالْمُسْلِمُونَ، وَأَمِنَ أَهْلَ الأَنْبَارِ وَظَهَرُوا، رَآهُمْ يَكْتُبُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَتَعَلَّمُونَهَا، فَسَأَلَهُمْ: مَا أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ، نَزَلْنَا إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَنَا- فَكَانَتْ أَوَائِلَهُمْ نَزَلُوهَا أَيَّامَ بُخْتَنَصَّرَ حِينَ أَبَاحَ الْعَرَبُ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ عَنْهَا- فَقَالَ: مِمَّنْ تَعَلَّمْتُمُ الْكِتَابَ؟ فَقَالُوا: تَعَلَّمْنَا الْخَطَّ مِنْ إِيَادٍ، وَأَنْشَدُوهُ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
قَوْمِي إِيَادٌ لَوْ أَنَّهُمْ أَمَمُ ... أَوْ لَوْ أَقَامُوا فَتُهْزَلُ النَّعَمُ
قَوْمٌ لَهُمْ بَاحَةُ الْعِرَاقِ إِذَا ... سَارُوا جَمِيعًا وَالْخَطُّ وَالْقَلَمُ
وَصَالَحَ خَالِدٌ مَنْ حَوْلَهُمْ، وَبَدَأَ بِأَهْلِ الْبَوَازِيجِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ كَلْوَاذَى وعقد لَهُمْ، فَكَاتَبَهُمْ فَكَانُوا عيبته مِنْ وَرَاءِ دِجْلَةَ ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الأَنْبَارِ وَمَا حَوْلَهَا نَقَضُوا فِيمَا كَانَ يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الدُّوَلِ مَا خَلا أَهْلُ الْبَوَازِيجِ، فَإِنَّهُمْ ثَبَتُوا كَمَا ثَبَتَ أَهْلُ بَانِقْيَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز- يعني ابن سياه- عن حبيب بْن أبي ثابت، قال: ليس لأحد من أهل السواد عقد قبل الوقعة إلا بني صلوبا- وهم أهل الحيرة- وكلواذى، وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن قيس، قال: قلت للشعبي: أخذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإن بعضهم صالح به، وبعضهم غلب فقلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة
(3/375)

خبر عين التمر
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنَ الأَنْبَارِ، وَاسْتُحْكِمَتْ لَهُ، اسْتَخْلَفَ عَلَى الأَنْبَارِ الزِّبْرَقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَقَصَدَ لِعَيْنِ التَّمْرِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جوبين فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَعَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَمَنْ لافَهُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا بِخَالِدٍ قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ:
إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، فَدَعْنَا وَخَالِدًا، قَالَ: صَدَقْتَ، لَعَمْرِي لأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، وَإِنَّكُمْ لَمِثْلُنَا فِي قِتَالِ الْعَجَمِ فَخَدَعَهُ وَاتَّقَى بِهِ، وَقَالَ: دُونَكُمُوهُمْ وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ فَلَمَّا مَضَى نَحْوَ خَالِدٍ قَالَتْ لَهُ الأَعَاجِمُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ لِهَذَا الْكَلْبِ! فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنِّي لَمْ أَرُدَّ إِلا مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَشَرٌّ لَهُمْ، إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَنْ قَتْلَ مُلُوكَكُمْ، وَفَلَّ حَدَّكُمْ، فَاتَّقَيْتُهُ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ عَلَى خَالِدٍ فَهِيَ لَكُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى لَمْ تَبْلُغُوا مِنْهُمْ حَتَّى يَهِنُوا، فَنُقَاتِلَهُمْ وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ وَهُمْ مُضْعَفُونَ.
فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِفَضْلِ الرَّأْيِ، فَلَزَمَ مِهْرَانُ الْعَيْنَ، وَنَزَلَ عَقَّةُ لِخَالِدٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ بُجَيْرُ بْنُ فُلانٍ أَحَدُ بَنِي عُتْبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَعَلَى ميسرته الهذيل ابن عِمْرَانَ، وَبَيْنَ عَقَّةَ وَبَيْنَ مِهْرَانَ رَوْحَةٌ أَوْ غَدْوَةٌ، وَمِهْرَانُ فِي الْحِصْنِ فِي رَابِطَةِ فَارِسَ، وَعَقَّةُ عَلَى طَرِيقِ الْكَرْخِ كَالْخَفِيرِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدٌ وَهُوَ فِي تَعْبِئَةِ جُنْدِهِ، فَعَبَّى خَالِدٌ جُنْدَهُ وَقَالَ لِمُجَنِّبَتَيْهِ: اكْفُونَا مَا عِنْدَهُ، فَإِنِّي حَامِلٌ، وَوَكَّلَ بِنَفْسِهِ حَوَامِي، ثُمَّ حَمَلَ وَعَقَّةُ يُقِيمُ صُفُوفَهُ، فَاحْتَضَنَهُ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَانْهَزَمَ صَفَّهُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الأَسْرَ، وَهَرَبَ بُجَيْرٌ وَالْهُذَيْلُ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ مِهْرَانَ هَرَبَ فِي جُنْدِهِ، وَتَرَكُوا الْحِصْنَ وَلَمَّا انْتَهَتْ فِلالُ عَقَّةَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إِلَى الْحِصْنِ اقْتَحَمُوهُ وَاعْتَصَمُوا بِهِ، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى الْحِصْنِ وَمَعَهُ عَقَّةُ أَسِيرٌ وَعَمْرُو بْنُ الصَّعِقِ، وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِدٌ كَمَنْ كَانَ
(3/376)

يُغِيرُ مِنَ الْعَرَبِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يُحَاوِلُهُمْ سَأَلُوهُ الأَمَانَ، فَأَبَى إِلا عَلَى حُكْمِهِ فَسَلِسُوا لَهُ بِهِ فَلَمَّا فَتَحُوا دَفَعَهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَصَارُوا مساكًا، وَأَمَرَ خَالِدٌ بِعَقَّةَ وَكَانَ خَفِيرَ الْقَوْمِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ لِيُوئْسِ الأُسَرَاءَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَلَمَّا رَآهُ الأُسَرَاءُ مَطْرُوحًا عَلَى الْجِسْرِ يَئِسُوا مِنَ الْحَيَاةِ، ثُمَّ دَعَا بِعَمْرِو بْنِ الصَّعِقِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَضَرَبَ أَعْنَاقَ أَهْلِ الْحِصْنِ أَجْمَعِينَ وَسَبَى كُلَّ مَنْ حَوَى حِصْنُهُمْ، وَغَنِمَ مَا فِيهِ، وَوَجَدَ فِي بَيْعَتِهِمْ أَرْبَعِينَ غُلامًا يَتَعَلَّمُونَ الإِنْجِيلَ، عَلَيْهِمْ بَابٌ مُغْلَقٌ، فَكَسَرَهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رُهُنٌ، فَقَسَمَهُمْ فِي أَهْلِ الْبَلاءِ، مِنْهُمْ أَبُو زِيَادٍ مَوْلَى ثَقِيفٍ، وَمِنْهُمْ نُصَيْرٌ أَبُو مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ، وَمِنْهُمْ أَبُو عَمْرَةَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّاعِرِ، وَسِيرِينُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سِيرِينَ، وَحُرَيْثٌ، وَعُلاثَةُ فصار ابو عمره لشرحبيل ابن حَسَنَةَ، وَحُرَيْثٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبَّادٍ، وَعُلاثَةُ للمعنى، وَحُمْرَانُ لِعُثْمَانَ وَمِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَبُو قَيْسٍ، فَثَبَتَ عَلَى نَسَبِهِ مِنْ مَوَالِي أَهْلِ الشَّامِ الْقُدَمَاءِ، وَكَانَ نُصَيْرٌ يُنْسَبُ إِلَى بَنِي يَشْكُرَ، وَأَبُو عَمْرَةَ إِلَى بَنِي مُرَّةَ وَمِنْهُمُ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَأَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْمُهَلَّبِ بْنِ عُقْبَةَ، قَالُوا: وَلَمَّا قَدِمَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ مِنْ عِنْدِ خَالِدٍ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ مِنَ الأَخْمَاسِ وَجَّهَهُ إِلَى عِيَاضٍ، وَأَمَدَّهُ بِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ، وَعِيَاضٌ مُحَاصِرُهُمْ وَهُمْ مُحَاصِرُوهُ، وَقَدْ أَخَذُوا عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ: الرَّأْيُ فِي بَعْضِ الْحَالاتِ خَيْرٌ مِنْ جُنْدٍ كَثِيفٍ، ابْعَثْ إِلَى خَالِدٍ فَاسْتَمِدَّهُ فَفَعَلَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ غب وَقْعَةِ الْعَيْنِ مُسْتَغُيثًا، فَعَجَلَ إِلَى عِيَاضٍ بِكِتَابِهِ: مِنْ خَالِدٍ إِلَى عِيَاضٍ إِيَّاكَ أُرِيدُ.
لبث قَلِيلا تَأْتِكَ الْحَلائِبُ ... يَحْمِلْنَ آسَادًا عَلَيْهَا الْقَاشِبُ
كَتَائِبٌ يتبعها كتائب
(3/377)

خبر دومة الجندل
قالوا: ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويم بْن الكاهل الأسلمي، وخرج في تعبيته التي دخل فيها العين، ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وقبل ما قد أتاهم وديعة في كلب وبهراء، ومسانده ابن وبرة بْن رومانس، وأتاهم ابن الحدرجان في الضجاعم، وابن الأيهم في طوائف من غسان وتنوخ، فأشجوا عياضا وشجوا به.
فلما بلغهم دنو خالد، وهم على رئيسين: أكيدر بْن عبد الملك والجودي ابن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرا منه، ولا أحد في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد، فشأنكم.
فخرج لطيته، وبلغ ذلك خالدا، فبعث عاصم بْن عمرو معارضا له، فأخذه فقال: إنما تلقبت الأمير خالدا، فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه، وأخذ ما كان معه من شيء، ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة، وعليهم الجودي بْن ربيعة، ووديعة الكلبي، وابن رومانس الكلبي، وابن الأيهم وابن الحدرجان، فجعل خالد دومة بين عسكره وعسكر عياض، وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة، لم يحملهم الحصن، فلما اطمأن خالد خرج الجودي، فنهض بوديعة فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الأيهم إلى عياض، فاقتتلوا، فهزم اللَّه الجودي ووديعة علي يدي خالد، وهزم عياض من يليه، وركبهم المسلمون، فأما خالد فإنه أخذ الجودي أخذا، وأخذ الأقرع بْن حابس وديعة، وأرز بقية الناس إلى الحصن، فلم يحملهم، فلما امتلأ الحصن، أغلق من في الحصن الحصن دون أصحابهم، فبقوا حوله حرداء، وقال عاصم بْن عمرو: يا بني تميم، حلفاؤكم كلب، آسوهم واجيروهم،
(3/378)

فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها، ففعلوا وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن، ودعا خالد بالجودي فضرب عنقه، ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى كلب، فإن عاصما والأقرع وبني تميم قالوا: قد آمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسدهم العافية، ولا يحوزهم الشيطان ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشرخ، فأقاموهم فيمن يزيد، فاشترى خالد ابنة الجودي وكانت موصوفة، وأقام خالد بدومة ورد الأقرع إلى الأنبار.
ولما رجع خالد إلى الحيرة- وكان منها قريبا حيث يصبحها- أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتقليس، فخرجوا يتلقونه وهم يقلسون، وجعل بعضهم يقول لبعض: مروا بنا فهذا فرج الشر! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ خَالِدٌ أَقَامَ بِدومَةَ، فَظَنَّ الأَعَاجِمُ بِهِ، وَكَاتَبَهُمْ عَرَبُ الْجَزِيرَةِ غَضَبًا لِعَقَّةَ، فَخَرَجَ، زرمهرُ مِنْ بَغْدَادَ وَمَعَهُ رَوْزبَهْ يُرِيدَانِ الأَنْبَارَ، وَاتَّعَدَا حَصِيدًا وَالْخَنَافِسَ، فَكَتَبَ الزِّبْرِقَانُ وَهُوَ عَلَى الأَنْبَارِ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةُ خَالِدٍ عَلَى الْحِيرَةِ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعُ أَعْبَدَ بْنَ فَدكيٍّ السَّعْدِيَّ وَأَمَرَهُ بِالْحَصِيدِ، وَبَعَثَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ وَأَمَرَهُ بِالْخَنَافِسِ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ رَأَيْتُمَا مقدما فَأَقْدِمَا فَخَرَجَا فَحَالا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرِّيفِ، وَأَغْلَقَاهُمَا، وَانْتَظَرَ رُوزْبَهْ وزرمهرُ بِالْمُسْلِمِينَ اجْتِمَاعَ مَنْ كَاتَبَهُمَا مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ كَانُوا تَكَاتَبُوا وَاتَّعَدُوا، فَلَمَّا رَجَعَ خَالِدٌ مِنْ دُومَةَ إِلَى الْحِيرَةِ عَلَى الظهرِ وَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى مُصَادَمَةِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ، كَرِهَ خِلافَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَعَجَلَ الْقَعْقَاعُ
(3/379)

ابن عَمْرٍو وَأَبُو لَيْلَى بْنُ فَدكِيٍّ إِلَى رُوزْبَهْ وَزرمهرُ، فَسَبَقَاهُ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَقَدِمَ عَلَى خَالِدٍ كِتَابُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْكَلْبِيِّ، أَنَّ الْهُذَيْلَ بْنَ عِمْرَانَ قَدْ عَسْكَرَ بِالْمصيخِ، وَنَزَلَ رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ بِالثَّنِيِّ وَبِالبشرِ فِي عَسْكَرٍ غَضَبًا لِعَقَّةَ، يُرِيدَانِ زرمهر وروزبه فَخَرَجَ خَالِدٌ وَعَلَى مُقَدُّمَتِهِ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْحِيرَةِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، وَأَخَذَ طَرِيقَ الْقَعْقَاعِ وَأَبِي لَيْلَى إِلَى الْخَنَافِسِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمَا بِالْعَيْنِ، فبعث القعقاع الى حصيد، وَأَمَّرَهُ عَلَى النَّاسِ، وَبَعَثَ أَبَا لَيْلَى إِلَى الخنافس، وقال: زجياهم ليجتمعوا ومن استثارهم، وَإِلا فَوَاقِعَاهُمْ فَأَبَيَا إِلا الْمَقَامِ

خبر حصيد
فلما رأى القعقاع أن زرمهر وروزبه لا يتحركان سار نحو حصيد، وعلى من مر به من العرب والعجم روزبه ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر، فأمده بنفسه، واستخلف على عسكره المهبوذان، فالتقوا بحصيد، فاقتتلوا، فقتل اللَّه العجم مقتلة عظيمة، وقتل القعقاع زرمهر، وقتل روزبه، قتله عصمة بْن عبد اللَّه أحد بني الحارث بْن طريف، من بني ضبة، وكان عصمه من البررة- وكل فخذ هاجرت بأسرها تدعى البررة، وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة- فكان المسلمون خيرة وبررة وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة وأرز فلال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها
. الخنافس
وسار أبو ليلى بْن فدكي بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس، وقد أرزت فلال حصيد إلى المهبوذان، فلما أحس المهبوذان بقدومهم هرب ومن معه وأرزوا إلى المصيخ، وبه الهذيل بْن عمران، ولم يلق بالخنافس كيدا، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعا
(3/380)

مصيخ بني البرشاء
قالوا: ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إليهم، ووعد القعقاع وأبا ليلى وأعبد وعروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ- وهو بين حوران والقلت- وخرج خالد من العين قاصدا للمصيخ على الإبل يجنب الخيل، فنزل الجناب فالبردان فالحنى، واستقل من الحنى، فلما كان تلك الساعة من ليله الموعد اتفقوا جميعا بالمصيخ، فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليه، وهم نائمون من ثلاثة أوجه، فقتلوهم وأفلت الهذيل في أناس قليل، وامتلأ الفضاء قتلى، فما شبهوا بهم إلا غنما مصرعة، وقد كان حرقوص بْن النعمان قد محضهم النصح، وأجاد الرأي، فلم ينتفعوا بتحذيره، وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة:
الا سقيانى قبل خيل أبي بكر.
الأبيات وكان حرقوص معرسا بامرأة من بني هلال تدعى أم تغلب، فقتلت تلك الليلة، وعبادة بْن البشر وامرؤ القيس بْن بشر وقيس بْن بشر، وهؤلاء بنو الثورية من بني هلال وأصاب جرير بْن عبد اللَّه يوم المصيخ من النمر عبد العزى بْن أبي رهم بْن قرواش أخا أوس مناة، من النمر، وكان معه ومع لبيد بْن جرير كتاب من أبي بكر بإسلامهما، وبلغ أبا بكر قول عبد العزى، وقد سماه عبد اللَّه ليلة الغارة، وقال:
سبحانك اللهم رب مُحَمَّد.
فوداه وودى لبيدا- وكانا أصيبا في المعركة- وقال: أما إن ذلك ليس علي إذ نازلا أهل الحرب، وأوصى بأولادهما، وكان عمر يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك- يعني ابن نويرة- فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب في ديارهم وقال عبد العزى:
أقول إذ طرق الصباح بغارة: ... سبحانك اللهم رب مُحَمَّد
(3/381)

سبحان ربي لا إله غيره ... رب البلاد ورب من يتورد
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى أَهْلِ المُصَيَّخِ، وإذا رجل يدعى باسمه حرقوص ابن النُّعْمَانِ، مِنَ النَّمِرِ، وَإِذَا حَوْلَهُ بَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ، وَبَيْنَهُمْ جَفْنَةٌ مِنْ خَمْرٍ، وَهُمْ عَلَيْهَا عُكُوفٌ يَقُولُونَ لَهُ: وَمَنْ يَشْرَبُ هَذِهِ السَّاعَةَ وَفِي أَعْجَازِ اللَّيْلِ! فَقَالَ: اشْرَبُوا شُرْبَ وَدَاعٍ، فَمَا أَرَى أَنْ تَشْرَبُوا خَمْرًا بَعْدَهَا، هَذَا خَالِدٌ بِالْعَيْنِ وَجُنُودُهُ بِحَصِيدٍ، وَقَدْ بَلَغَهُ جَمْعُنَا وَلَيْسَ بِتَارِكِنَا، ثُمَّ قَالَ:
أَلا فَاشْرَبُوا مِنْ قَبْلِ فأصمه الظَّهْرِ ... بُعَيْدِ انْتِفَاخِ الْقَوْمِ بِالعكرِ الدثرِ
وَقَبْلَ مِنَايَانَا الْمُصِيبَة بِالْقَدَرِ ... لِحِينٍ لَعَمْرِي لا يَزِيدُ وَلا يَحْرِي
فَسَبَقَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْخَيْلِ، فَضَرَبَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ فِي جَفْنَتِهِ، وَأَخَذْنَا بَنَاتِهِ وَقَتَلْنَا بَنِيهِ
. الثني والزميل
وقد نزل ربيعة بْن بجير التغلبي الثني والبشر غضبا لعقة، وواعد روزبه وزرمهر والهذيل فلما أصاب خالد أهل المصيخ بما أصابهم به، تقدم إلى القعقاع وإلى أبي ليلى، بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما الليلة ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاثة أوجه، كما فعل بأهل المصيخ ثم خرج خالد من المصيخ، فنزل حوران، ثم الرنق، ثم الحماة- وهي اليوم لبني جنادة بْن زهير من كلب- ثم الزميل، وهو البشر والثني معه- وهما اليوم شرقي الرصافة- فبدأ بالثني، واجتمع هو وأصحابه، فبيته من ثلاثة أوجه بياتا ومن اجتمع له وإليه، ومن تأشب لذلك من الشبان، فجردوا فيهم السيوف، فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، واستبى الشرخ، وبعث بخمس اللَّه إلى أبي بكر مع النعمان بْن عوف بْن النعمان الشيباني، وقسم النهب والسبايا، فاشترى علي بْن ابى طالب ع بنت ربيعه
(3/382)

ابن بجير التغلبي، فاتخذها، فولدت له عمر ورقية، وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزميل، إلى عتاب بْن فلان، وهو بالبشر في عسكر ضخم، فبيتهم بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاءوا، وكانت على خالد يمين: ليبغتن تغلب في دارها، وقسم خالد فيئهم في الناس، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع الصباح بْن فلان المزني، وكانت في الأخماس ابنة مؤذن النمري، وليلى بنت خالد، وريحانة بنت الهذيل بْن هبيرة ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب، وبها هلال بْن عقة، وقد ارفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد، وانقشع عنها هلال فلم يلق كيدا بها

حديث الفراض
ثم قصد خالد بعد الرضاب وبغتته تغلب إلى الفراض- والفراض: تخوم الشام والعراق والجزيرة- فأفطر بها رمضان في تلك السفرة التي اتصلت له فيها الغزوات والأيام، ونظمن نظما، أكثر فيهن الرجاز إلى ما كان قبل ذلك منهن.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحه- وشاركهما عمرو بْن مُحَمَّد، عن رجل من بني سعد، عن ظفر بْن دهى- والمهلب بْن عقبة، قالوا: فلما اجتمع المسلمون بالفراض، حميت الروم واغتاظت، واستعانوا بمن يليهم من مسالح أهل فارس، وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب واياد والنمر، فأمدوهم، ثم ناهدوا خالدا، حتى إذا صار الفرات بينهم، قالوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم قال: خالد:
بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل، ولكن اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنى عشرة فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين، وله عقل وعلم، وو الله لينصرن ولنخذلن ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح، من أينا يجيء! ففعلوا، فاقتتلوا قتالا
(3/383)

شديدا طويلا ثم إن اللَّه عز وجل هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض في المعركة وفي الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا، ثم أذن في القفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بْن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بْن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد أنه في الساقة
. حجة خالد
قال أبو جعفر: وخرج خالد حاجا من الفراض لخمس بقين من ذي القعدة، مكتتما بحجه، ومعه عدة من أصحابه، يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال، فسار طريقا من طرق أهل الجزيرة، لم ير طريق أعجب منه، ولا أشد على صعوبته منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، فما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه فقدما معا، وخالد وأصحابه محلقون، لم يعلم بحجه إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة، ولم يعلم أبو بكر رحمه اللَّه بذلك إلا بعد، فعتب عليه وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام وكان مسير خالد من الفراض أن استعرض البلاد متعسفا متسمتا، فقطع طريق الفراض ماء العنبري، ثم مثقبا، ثم انتهى إلى ذات عرق، فشرق منها، فأسلمه إلى عرفات من الفراض، وسمي ذلك الطريق الصد، ووافاه كتاب من أبي بكر منصرفه من حجه بالحيرة يأمره بالشام، يقاربه ويباعده.
قال أبو جعفر: قالوا: فوافى خالدا كتاب أبي بكر بالحيرة، منصرفه من حجه: أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا
(3/384)

وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عطاء بْن البكائي، عن المقطع بْن الهيثم البكائي، عن أبيه، قال: كان أهل الأيام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذي يبلغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن مُحَمَّدٍ بِالإِسْنَادِ الَّذِي قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَتَى الأَنْبَارَ فَصَالَحُوهُ عَلَى الجلاء، ثم اعطوه شيئا رضى به، وَأَنَّهُ أَغَارَ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ مِنْ رُسْتَاقِ الْعَالِ، وَأَنَّهُ وَجَّهَ الْمُثَنَّى فَأَغَارَ عَلَى سُوقٍ فِيهَا جَمْعٌ لِقُضَاعَةَ وَبَكْرٍ، فَأَصَابَ مَا فِي السُّوقِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَبَعَثَ بِالسَّبْيِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَبْيٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْعَجَمِ، وَسَارَ إِلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، فَقَتَلَ أكيدرَ، وَسَبَى ابْنَةَ الْجُودِي، وَرَجَعَ فَأَقَامَ بِالْحِيرَةِ.
هَذَا كله سنه اثنتى عشره
. [حوادث متفرقة]
وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدٍ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ.
وَفِيهَا مات ابو العاصي بْنُ الرَّبِيعِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَوْصَى إِلَى الزبير، وتزوج على ع ابْنَتَهُ وَفِيهَا اشْتَرَى عُمَرُ أَسْلَمَ مَوْلاهُ
(3/385)

وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَجَّ بِهِمْ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ذكر من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، عَنِ ابْنِ مَاجِدَةَ السَّهْمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلافَتِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَقَدْ عَارَمْتُ غُلامًا مِنْ أَهْلِي، فَعَضَّ بِأُذْنِي فَقَطَعَ مِنْهَا- أَوْ عَضَضْتُ بِأُذْنِهِ فَقَطَعْتُ مِنْهَا- فَرَفَعَ شَأْنَنَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ قَدْ بَلَغَ فَلْيقد مِنْهُ فَلَمَّا انْتَهَى بِنَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَعَمْرِي لَقَدْ بَلَغَ هَذَا! ادْعُوا لِي حَجَّامًا قَالَ: فَلَمَّا ذَكَرَ الْحَجَّامَ، قَالَ: [أَمَا إِنِّي قد سمعت النبي ص يقول:
قد اعطيت خالتي غلاما، وانا أرجو أَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهَا فِيهِ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا أَنْ تَجْعَلَهُ حَجَّامًا أَوْ قَصَّابًا أَوْ صَائِغًا، فَاقْتَصَّ مِنْهُ] .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
ذكر من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
بعض الناس يقول: لم يحج أبو بكر في خلافته، وأنه بعث سنة اثنتي عشرة على الموسم عمر بْن الخطاب، أو عبد الرحمن بْن عوف
(3/386)

ثم دخلت

سنة ثلاث عشرة

ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
ففيها وجه أبو بكر رحمه اللَّه الجيوش إلى الشام بعد منصرفه من مكة إلى المدينة حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ لَمَّا قَفَلَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَجِّ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى الشَّامِ، فَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قِبَلَ فِلَسْطِينَ، فَأَخَذَ طَرِيقَ الْمُعْرِقَةَ عَلَى أَيْلَةَ، وَبَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ- وَهُوَ أَحَدُ الْغَوْثِ- وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْلُكُوا التبوكيةَ عَلَى الْبَلْقَاءِ مِنْ عَلْيَاءِ الشَّامِ.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْتُ قَبْلُ، عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ مَضَى ذِكْرُهُمْ، قَالَ: ثُمَّ وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ أَوَّلَ سَنَة ثَلاثَ عَشْرَةَ، فَأَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ لِوَاءُ خالد بن سعيد بن العاصي، ثم عزله قبل ان يسير، وَوَلَّى يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَكَانَ أَوَّلَ الأُمَرَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجُوا فِي سَبْعَةِ آلافٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ سَبَبَ عَزْلِ أَبِي بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ- فِيمَا ذُكِرَ- مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن ابى بكر، ان خالد بن سعيد لما قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَرَبَّصَ بِبَيْعَتِهِ شَهْرَيْنِ، يَقُولُ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَعْزِلْنِي حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ لَقِيَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وعثمان ابن عَفَّانٍ، فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَقَدْ طِبْتُمْ نَفْسًا عَنْ أَمْرِكُمْ يَلِيهِ غَيْرُكُمْ! فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَحْفِلْهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا عُمَرُ فَاضْطَغَنَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ
(3/387)

الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَعْمَلَ عَلَى رُبْعٍ مِنْهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَخَذَ عُمَرُ يَقُولُ: أَتؤمره وَقَدْ صَنَعَ مَا صَنَعَ وَقَالَ مَا قَالَ! فَلَمْ يَزَلْ بِأَبِي بَكْرٍ حَتَّى عَزَلَهُ، وَأَمَّرَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ فُضَيْلِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ صخر حارس النبي ص، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بن العاصي باليمن زمن النبي ص، وتوفى النبي ص وَهُوَ بِهَا، وَقَدِمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ دِيبَاجٍ فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَصَاحَ عُمَرُ بِمَنْ يَلِيهِ: مَزَّقُوا عَلَيْهِ جُبَّتَهُ! أَيَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَهُوَ فِي رِجَالِنَا فِي السِّلْمِ مَهْجُورٌ! فَمَزَّقُوا جُبَّتَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، يَا بَنِي عَبْدِ مناف، اغلبتم عليها! فقال على ع: أَمُغَالَبَةً تَرَى أَمْ خِلافَةً؟ قَالَ: لا يَغَالِبُ عَلَى هَذَا الأَمْرِ أَوْلَى مِنْكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَقَالَ عُمَرُ لِخَالِدٍ: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! وَاللَّهِ لا يَزَالُ كَاذِبٌ يَخُوضُ فِيمَا قُلْتَ ثُمَّ لا يَضُرُّ إِلا نَفْسَهُ فَأَبْلَغَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ مَقَالَتَهُ، فَلَمَّا عَقَدَ أَبُو بَكْرٍ الأَلْوِيَةَ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَقَدَ لَهُ فِيمَنْ عَقَدَ، فَنَهَاهُ عَنْهُ عُمَرُ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمَخْذُولٌ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ التَّرْوِئَةَ، وَلَقَدْ كَذَبَ كَذِبَةً لا يُفَارِقُ الأَرْضَ مُدْلٍ بِهَا وَخَائِضٌ فِيهَا، فَلا تَسْتَنْصِرْ بِهِ فَلَمْ يَحْتَمِلْ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ رِدْءًا بِتَيْمَاءَ، أَطَاعَ عُمَرَ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ وَعَصَاهُ فِي بَعْضٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي صَفِيَّةَ التَّيْمِيِّ، تَيْمِ بْنِ شَيْبَانَ، وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالُوا: أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا بِأَنْ يَنْزِلَ تَيْمَاءَ، فَفَصَلَ ردءا حَتَّى يَنْزِلَ بِتَيْمَاءَ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَلا يَبْرَحَهَا، وَأَنْ يَدْعُوَ مَنْ حَوْلَهُ بِالانْضِمَامِ إِلَيْهِ، وَأَلا يَقْبَلَ إِلا مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَلا يُقَاتِلَ إِلا مَنْ قَاتَلَهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ فَأَقَامَ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَبَلَغَ الرُّومَ عِظَمُ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، فَضَرَبُوا عَلَى الْعَرَبِ الضَّاحِيَةِ الْبعوث بالشام إليهم، فَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ
(3/388)

سَعِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، وَبِنُزُولِ مَنِ اسْتَنْفَرَتِ الرُّومُ، وَنَفَرَ إِلَيْهِمْ مِنْ بَهْرَاءَ وَكَلْبٍ وَسَلِيحٍ وَتَنُوخَ وَلَخْمٍ وَجُذَامَ وَغَسَّانَ مِنْ دُونِ زَيزَاءَ بِثَلاثٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: أَنْ أَقْدِمْ وَلا تُحْجِمْ وَاسْتَنْصِرِ اللَّهَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ تَفَرَّقُوا وَأَعْرَوْا مَنْزِلَهُمْ، فَنَزَلَهُ وَدَخَلَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ تَجَمَّعَ لَهُ فِي الإِسْلامِ، وَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ:
أَقْدِمْ وَلا تَقْتَحِمَنَّ حَتَّى لا تُؤْتَى مِنْ خَلْفِكَ فَسَارَ فِيمَنْ كَانَ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ تَيْمَاءَ وَفِيمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ طَرَفِ الرَّمْلِ، حَتَّى نَزَلُوا فِيمَا بَيْنَ آبِلَ وَزَيزَاءَ والْقَسْطَلِ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ، يُدْعَى بَاهَانَ، فَهَزَمَهُ وَقَتَلَ جُنْدَهُ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَاسْتَمَدَّهُ وَقَدْ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَائِلُ مُسْتَنْفِرِي الْيَمَنِ وَمَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَفِيهِمْ ذو الكلاع، وقدم اليه عِكْرِمَةُ قَافِلا وَغَازِيًا فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ تِهَامَةَ وَعُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالسَّرْوِ.
فَكَتَبَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُمَرَاءِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُبَدِّلُوا مَنِ اسْتُبْدِلَ، فَكُلُّهُمُ اسْتُبْدِلَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْبِدَالِ فَقَدِمُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ اهْتَاجَ أَبُو بَكْرٍ لِلشَّأمِ، وَعَنَاهُ أَمْرُهُ وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَدَّ عَمْرَو بْنَ العاص على عماله كان رسول الله ص وَلاهَا إِيَّاهُ مِنْ صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ، وَعُذْرَةَ وَمَنْ لَفَّهَا مِنْ جُذَامَ، وَحَدَسٍ قَبْلَ ذِهَابِهِ إِلَى عُمَانَ فَخَرَجَ إِلَى عُمَانَ وَهُوَ عَلَى عِدَةٍ مِنْ عَمَلِهِ، إِذَا هُوَ رَجَعَ فَأَنْجَزَ لَهُ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ.
فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ اهْتِيَاجِهِ لِلشَّأمِ إِلَى عَمْرٍو: إِنِّي كُنْتُ قَدْ رَدَدْتُكَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ الله ص وَلاكَهُ مَرَّةً، وَسَمَّاهُ لَكَ أُخْرَى، مَبْعَثُكَ إِلَى عمان إنجازا لمواعيد رسول الله ص، فَقَدْ وليته ثم وليته، وَقَدْ أَحْبَبْتُ- أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- أَنْ أُفَرِّغَكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَمَعَادِكَ مِنْهُ، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَحَبَّ إِلَيْكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرٌو: إِنِّي سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الإِسْلامِ، وَأَنْتَ بَعْدَ اللَّهِ الرَّامِي بِهَا، وَالْجَامِعُ لَهَا، فَانْظُرْ أَشَدَّهَا وَأَخْشَاهَا وَأَفْضَلَهَا فَارْمِ بِهِ شَيْئًا إِنْ جَاءَكَ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي وَكَتَبَ الى الوليد بن عقبه بنحو ذلك، فأجابه بايثار الجهاد
(3/389)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَمْرٍو، وَإِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ- وَكَانَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَدَقَاتِ قُضَاعَةَ- وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ شَيَّعَهُمَا مَبْعَثَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَأَوْصَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ: اتَّقِ اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ مَا تَوَاصَى بِهِ عِبَادُ اللَّهِ، إِنَّكَ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ، لا يَسَعُكَ فِيهِ الإِذْهَانُ وَالتَّفْرِيطُ وَالْغَفْلَةُ عَمَّا فِيهِ قَوَامُ دِينِكُمْ، وَعِصْمَةُ أَمْرِكُمْ، فَلا تَنِ وَلا تَفْتُرْ وَكَتَبَ إِلَيْهِمَا: اسْتَخْلِفَا عَلَى أَعْمَالِكُمَا، وَانْدُبَا مَنْ يَلِيكُمَا.
فَوَلَّى عَمْرٌو عَلَى عُلْيَا قُضَاعَةَ عَمْرَو بْنَ فُلانٍ الْعُذْرِيَّ، وَوَلَّى الْوَلِيدُ عَلَى ضَاحِيَةِ قُضَاعَةَ مِمَّا يَلِي دُومَةَ امْرَأَ الْقَيْسِ، وَنَدَبَا النَّاسَ، فَتَتَامَّ إِلَيْهِمَا بِشَرٍّ كَثِيرٍ، وَانْتَظَرَا أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ، وَقَالَ: أَلا إِنَّ لِكُلِّ أَمْرٍ جَوَامِعَ، فَمَنْ بَلَغَهَا فَهِيَ حَسْبُهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ.
عَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ وَالْقَصْدِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ أَبْلَغُ، إِلا إِنَّهُ لا دِينَ لأَحَدٍ لا إِيمَانَ لَهُ، وَلا أَجْرَ لِمَنْ لا حسْبَةَ لَهُ، وَلا عَمَلَ لِمَنْ لا نِيَّةَ لَهُ أَلا وَإِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُخَصَّ بِهِ، هِيَ التِّجَارَةُ الَّتِي دَلَّ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَنَجَّى بِهَا مِنَ الْخِزْيِ، وَأَلْحَقَ بِهَا الْكَرَامَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
فَأَمَدَّ عَمْرًا بِبَعْضِ مَنِ انْتَدَبَ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى فِلَسْطِينَ، وَأَمَّرَهُ بِطَرِيقٍ سَمَّاهَا لَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ وَأَمَّرَهُ بِالأُرْدُنِّ، وَأَمَدَّهُ بِبَعْضِهِمْ:
وَدَعَا يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَمَّرَهُ عَلَى جُنْدٍ عَظِيمٍ، هُمْ جُمْهُورُ مَنِ انْتُدِبَ لَهُ، وَفِي جُنْدِهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَأَشْبَاهُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَشَيَّعَهُ مَاشِيًا.
وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ عَلى مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى حِمْصَ وَخَرَجَ مَعَهُ وَهُمَا مَاشِيَانِ وَالنَّاسُ مَعَهُمَا وَخَلْفَهُمَا، وَأَوْصَى كُلَّ واحد منهما.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سَهْلٍ، عَنِ الْقَاسِمِ،
(3/390)

وَمُبَشِّرٍ عَنْ سَالِمٍ، وَيَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغَسَّانِيِّ عَنْ خَالِدٍ، وَعُبَادَةَ، قَالُوا: وَلَمَّا قَدِمَ الْوَلِيدُ عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَسَانَدَهُ، وَقَدِمَتْ جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمَدَّهُ بِهِمْ وَسُمُّوا جَيْشَ الْبِدَالِ، وَبَلَغَهُ عَنِ الأُمَرَاءِ وَتَوَجُّهِهِمْ اليه، اقتحم على الروم طلب الْحَظْوَةَ، وَأَعْرَى ظَهْرَهُ، وَبَادَرَ الأُمَرَاءُ بِقِتَالِ الرُّومِ، وَاسْتَطْرَدَ لَهُ بَاهَانُ فَأَرَزَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَاقْتَحَمَ خَالِدٌ فِي الْجَيْشِ وَمَعَهُ ذُو الْكَلاعِ وَعِكْرِمَةُ وَالْوَلِيدُ حَتَّى يَنْزِلَ مَرْجَ الصفرِ، مِنْ بَيْنِ الْوَاقُوصَةِ وَدِمَشْقَ، فَانْطَوَتْ مَسَالِحُ بَاهَان عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا عَلَيْهِ الطُّرُقَ وَلا يَشْعُرُ، وَزَحَفَ لَهُ بَاهَانُ فَوَجَدَ ابْنَهُ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ يَسْتَمْطِرُ فِي النَّاسِ، فَقَتَلُوهُمْ.
وَأَتَى الْخَبَرُ خَالِدًا، فَخَرَجَ هَارِبًا فِي جَرِيدَةٍ، فَأَفْلَتَ مَنْ أَفْلَتَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَقَدْ أُجْهِضُوا عَنْ عَسْكَرِهِمْ، وَلَمْ تَنْتَهِ بِخَالِدِ بن سعيد هزيمه عَنْ ذِي الْمَرْوَةِ، وَأَقَامَ عِكْرِمَةُ فِي النَّاسِ ردءا لهم، فرد عنهم باهان جنوده أَنْ يَطْلُبُوهُ، وَأَقَامَ مِنَ الشَّامِ عَلَى قَرِيبٍ، وَقَدْ قَدِمَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَافِدًا مِنْ عِنْدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَنَدَبَ مَعَهُ النَّاسَ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَمَلِ الْوَلِيدِ، وَخَرَجَ مَعَهُ يُوصِيهِ، فَأَتَى شُرَحْبِيلُ عَلَى خَالِدٍ، فَفَصَلَ بِأَصْحَابِهِ إِلا الْقَلِيلَ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أُنَاسٌ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَرَهُ بِاللِّحَاقِ بِيَزِيدَ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى لَحِقَ بِيَزِيدَ، فَلَمَّا مَرَّ بِخَالِدٍ فَصَلَ بِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ فِي خالد بن الوليد وفي خالد ابن سعيد، فأبى ان يعطيه فِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: لا أُشِيمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ، وَأَطَاعَهُ فِي خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ بَعْدَ مَا فَعَلَ فَعْلَتَهُ فَأَخَذَ عَمْرٌو طَرِيقَ الْمُعْرِقَةِ، وَسَلَكَ أَبُو عُبَيْدَةَ طَرِيقَهُ، وَأَخَذَ يَزِيدُ طَرِيقَ التَّبُوكِيَّةِ، وَسَلَكَ شُرَحْبِيلُ طَرِيقَهُ، وَسَمَّى لَهُمْ أَمْصَارَ الشَّامِ، وَعَرَفَ أَنَّ الرُّومَ سَتَشُغِلُهُمْ، فَأَحَبَّ أَنْ يُصْعِدَ الْمُصَوِّبَ وَيُصَوِّبَ الْمُصْعِدَ، لِئَلا يَتَوَاكَلُوا، فَكَانَ كَمَا ظَنَّ وَصَارُوا إِلَى مَا أَحَبَّ
(3/391)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ذَا الْمَرْوَةِ، وَأَتَى أَبَا بَكْرٍ الْخَبَرُ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ:
أَقِمْ مَكَانَكَ، فَلَعَمْرِي إِنَّكَ مِقْدَامٌ مِحْجَامٌ، نَجَّاءُ مِنَ الْغَمَرَاتِ، لا تَخُوضُهَا إِلا إِلَى حَقٍّ، وَلا تَصْبِرُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ قَالَ خَالِدٌ: اعْذُرْنِي، قَالَ: أَخْطَلُ! أَنْتَ امْرُؤٌ جُبْنٌ لَدَى الْحَرْبِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ أَعْلَمَ بِخَالِدٍ، وَلَوْ أَطَعْتُهُمَا فِيهِ اخْتَشَيْتُهُ وَاتَّقَيْتُهُ! كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشِّرٍ وَسَهْلٍ وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ وَأَبِي حَارِثَةَ، قَالُوا: وَأَوْعَبَ الْقُوَّادُ بِالنَّاسِ نَحْوَ الشَّامِ وَعِكْرِمَةُ رِدْءٌ لِلنَّاسِ، وَبَلَغَ الرُّومَ ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ، وَخَرَجَ هِرَقْلُ حَتَّى نَزَلَ بِحِمْصَ، فَأَعَدَّ لَهُمُ الْجُنُودَ، وَعَبَّى لَهُمُ الْعَسَاكِرَ، وَأَرَادَ اشْتِغَالَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لِكَثْرَةِ جُنْدِهِ، وَفُضُولِ رِجَالِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرٍو أَخَاهُ تذارقَ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَخَرَجَ نَحْوَهُمْ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا، وَبَعَثَ مَنْ يَسُوقُهُمْ، حَتَّى نَزَلَ صَاحِبُ السَّاقَةِ ثَنِيَّةَ جلق بِأَعْلَى فِلَسْطِينَ، وَبَعَثَ جرجةَ بْنَ توذرَا نَحْوَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، وَبَعَثَ الدّرَاقصَ فَاسْتَقْبَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَبَعَثَ الْفَيْقَارَ بْنَ نسطوسَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا نَحْوَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَهَابَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَجَمِيعُ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، سِوَى عِكْرِمَةَ فِي سِتَّةِ آلافٍ، فَفَزِعُوا جَمِيعًا بِالْكُتُبِ وَبِالرُّسُلِ إِلَى عَمْرٍو: أَنَّ مَا الرَّأْيُ؟
فَكَاتَبَهُمْ وَرَاسَلَهُمْ: أَنَّ الرَّأْيَ الاجْتِمَاعُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِثْلَنَا إِذَا اجْتَمَعَ لَمْ يُغْلَبْ مِنْ قِلَّةٍ، وَإِذَا نَحْنُ تَفَرَّقْنَا لَمْ يَبْقَ الرَّجُلُ مِنَّا فِي عَدَدٍ يُقْرَنُ فيه لأحد ممن استقبلنا واعد لنا لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَّا فَاتَّعِدُوا الْيَرْمُوكَ لِيَجْتَمِعُوا بِهِ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا كَاتَبُوا بِهِ عَمْرًا، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ كِتَابُهُ بِمِثْلِ رَأْيِ عَمْرٍو، بِأَنِ اجْتَمِعُوا فَتَكُونُوا عَسْكَرًا وَاحِدًا، وَالْقَوْا زُحُوفَ الْمُشْرِكِينَ بِزَحْفِ الْمُسْلِمِينَ،
(3/392)

فَإِنَّكُمْ أَعْوَانُ اللَّهِ، وَاللَّهُ نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ، وَخَاذِلٌ مَنْ كَفَرَهُ، وَلَنْ يُؤْتَى مِثْلُكُمْ مِنْ قِلَّةٍ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى الْعَشَرَةُ آلافٍ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ آلافِ إِذَا أَتَوْا مِنْ تِلْقَاءِ الذَّنُوبِ، فَاحْتَرِسُوا مِنَ الذَّنُوبِ، وَاجْتَمِعُوا بِالْيَرْمُوكِ مُتَسَانِدِينَ وَلْيَصِلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ هِرَقْلَ، فَكَتَبَ إِلَى بَطَارِقَتِهِ: أَنِ اجْتَمِعُوا لَهُمْ، وَانْزِلُوا بِالرُّومِ مَنْزِلا وَاسَعَ الْعَطَنِ، وَاسِعَ الْمِطْرَدِ، ضَيِّقَ الْمَهْرَبِ، وَعَلَى النَّاسِ التذارقُ وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جرجةُ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ باهانُ وَالدراقصُ، وَعَلَى الْحَرْبِ الفَيْقَارُ، وَأَبْشِرُوا فَإِنَّ بَاهَانَ فِي الأَثَرِ مَدَدٌ لَكُمْ فَفَعَلُوا فَنَزَلُوا الْوَاقُوصَةَ وَهِيَ عَلَى ضِفَّةِ الْيَرْمُوكِ، وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا لَهُمْ، وَهُوَ لَهَبٌ لا يُدْرَكُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بَاهَانُ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَسْتَفِيقَ الرُّومُ وَيَأْنَسُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَتَرْجِعَ إِلَيْهِمْ أَفْئِدَتُهُمْ عَنْ طِيرَتِهَا.
وَانْتَقَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ عَسْكَرِهِمُ الَّذِي اجْتَمَعُوا به، فنزل عَلَيْهِمْ بِحِذَائِهِمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَلَيْسَ لِلرُّومِ طَرِيقٌ إِلا عَلَيْهِمْ فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا النَّاسُ، أَبْشِرُوا، حُصِرَتْ وَاللَّهِ الرُّومُ، وَقَلَّمَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ! فَأَقَامُوا بِإِزَائِهِمْ وَعَلَى طَرِيقِهِمْ، وَمَخْرَجِهِمْ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَشَهْرَيِ رَبِيعٍ، لا يَقْدِرُونَ مِنَ الرُّومِ عَلَى شَيْءٍ، وَلا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِمُ، اللَّهَبَ- وَهُوَ الْوَاقُوصَةُ- مِنْ وَرَائِهِمْ، وَالْخَنْدَقُ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَلا يَخْرُجُونَ خَرْجةً إِلا أديل الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا سَلَخُوا شَهْرَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَقَدِ اسْتَمَدُّوا أَبَا بَكْرٍ وَأَعْلَمُوهُ الشَّأْنَ فِي صَفَرٍ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ لِيَلْحَقَ بِهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلُفَ عَلَى الْعِرَاقِ الْمُثَنَّى، فَوَافَاهُمْ فِي رَبِيعٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَعَمْرٍو وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَلَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَرْمُوكَ، وَاسْتَمَدُّوا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: خَالِدٌ لَهَا فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَاسْتَحَثَّهُ فِي السَّيْرِ، فَنَفَذَ خَالِدٌ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ، وَطَلَعَ بَاهَانُ عَلَى الرُّومِ، وَقَدْ قَدَّمَ قُدَّامَهُ الشَّمَامِسَةَ وَالرُّهْبَانَ وَالْقِسِّيسِينَ، يَغْرُونَهُمْ وَيُحَضِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَوَافَقَ قُدُومُ خَالِدٍ
(3/393)

قُدُومَ بَاهَانَ، فَخَرَجَ بِهِمْ بَاهَانُ كَالْمُقْتَدِرِ، فَوَلِيَ خَالِدٌ قِتَالَهُ، وَقَاتَلَ الأُمَرَاءُ مَنْ بِإِزَائِهِمْ، فَهُزِمَ بَاهَانُ، وَتَتَابَعَ الرُّومُ عَلَى الْهَزِيمَةِ، فَاقْتَحَمُوا خَنْدَقَهُمْ، وتيمنت الروم بباهان، وفرح المسلمون بخالد وحرد الْمُسْلِمُونَ وَحَرَبَ الْمُشْرِكُونَ وَهُمْ أَرْبَعُونَ وَمِائَتَا أَلْفٍ، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَيَّدٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْهُمْ مُسَلْسَلٌ لِلْمَوْتِ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مُرَبَّطُونَ بِالْعَمَائِمِ، وَثَمَانُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَالْمُسْلِمُونَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِمَّنْ كَانَ مُقِيمًا، إِلَى أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ فِي تِسْعَةِ آلافٍ، فَصَارُوا سِتَّةً وَثلاثِينَ أَلْفًا.
وَمَرِضَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي جُمَادَى الأُولَى، وَتُوُفِّيَ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، قَبْلَ الْفَتْحِ بِعَشْرِ لَيَالٍ
. خبر اليرموك
قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشام كورة، فسمى لأبي عبيدة بْن عبد اللَّه بْن الجراح حمص، وليزيد بْن أبي سفيان دمشق، ولشرحبيل بْن حسنة الأردن، ولعمرو بْن العاص ولعلقمة بْن مجزز فلسطين، فلما فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مصر فلما شارفوا الشام، دهم كل أمير منهم قوم كثير، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد، وأن يلقوا جمع المشركين بجمع المسلمين.
ولما رأى خالد أن المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم: هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعز اللَّه به الدين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ، قَالا: تَوَافَى إِلَيْهَا مَعَ الأُمَرَاءِ وَالْجُنُودِ الأَرْبَعَةِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَثَلاثَةُ آلافٍ مِنْ فلالِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، أَمَّرَ عليهم ابو بكر ومعاويه وَشُرَحْبِيلَ، وَعَشَرَةَ آلافٍ مِنْ أَمْدَادِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مع خالد
(3/394)

ابن الْوَلِيدِ سِوَى سِتَّةِ آلافٍ ثَبَتُوا مَعَ عِكْرِمَةَ رِدْءًا بَعْدَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، فَكَانُوا سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَكُلُّ قِتَالُهُمْ كَانَ عَلَى تَسَانُدِ، كُلِّ جُنْدٍ وَأَمِيرِهِ، لا يَجْمَعُهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ وَكَانَ عَسْكَرُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْيَرْمُوكِ مُجَاوِرًا لِعَسْكَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَسْكَرُ شُرَحْبِيلَ مُجَاوِرًا لِعَسْكَرِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رُبَّمَا صَلَّى مَعَ عَمْرٍو، وَشُرَحْبِيلُ مَعَ يَزِيدَ.
فَأَمَّا عَمْرٌو وَيَزِيدُ فَإِنَّهُمَا كَانَا لا يُصَلِّيَانِ مَعَ أَبِي عبيده وَشُرَحْبِيلَ، وَقَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ تِلْكَ، فعَسَكَرَ عَلَى حدةٍ، فَصَلَّى بِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَوَافَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مُتَضَايقُونَ بِمَدَدِ الرُّومِ، عَلَيْهِمْ بَاهَانُ، وَوَافَقَ الرُّومَ وَهُمْ نشاط بِمَدَدِهِمْ، فَالْتَقَوْا، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ وَأَمَدَادَهُمْ إِلَى الْخَنَادِقِ- وَالْوَاقُوصَةُ أَحَدُ حُدُودِهِ- فَلَزِمُوا خَنْدَقَهُمْ عَامَّةَ شَهْرٍ، يُحَضِّضُهُمُ الْقِسِّيسُونَ وَالشَّمَامِسَةُ وَالرُّهْبَانُ وَيَنْعَوْنَ لَهُمُ النَّصْرَانِيَّةَ، حَتَّى اسْتَبْصَرُوا.
فَخَرَجُوا لِلْقِتَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ قِتَالٌ مِثْلُهُ، فِي جُمَادَى الآخِرَةِ.
فَلَمَّا أَحَسَّ الْمُسْلِمُونَ خُرُوجَهُمْ، وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ مُتَسَانِدِينَ، سَارَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، لا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلا الْبَغْيُ أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ، وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة، عَلَى تَسَانُدٍ وَانْتِشَارٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُحِلُّ وَلا يَنْبَغِي وَإِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ لَوْ يَعْلَمُ عِلْمَكُمْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَاعْمَلُوا فِيمَا لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ بِالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ الرَّأْيُ مِنْ وَالِيكُمْ وَمَحَبَّتِهِ، قَالُوا: فَهَاتِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَبْعَثْنَا إِلا وَهُوَ يَرَى أَنَّا سَنَتَيَاسَرُ، وَلَوْ عَلِمَ بِالَّذِي كَانَ وَيَكُونُ، لَقَدْ جَمَعَكُمْ أَنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ أَشَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا قَدْ غَشِيَهُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْدَادِهِمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدُّنْيَا فَرَّقَتْ بَيْنَكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ، فَقَدْ أُفْرِدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لا يَنْتَقِصُهُ مِنْهُ أَنْ دَانَ لأَحَدٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْجُنُودِ، وَلا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ أَنْ
(3/395)

دَانُوا لَهُ إِنَّ تَأْمِيرَ بَعْضَكُمْ لا يُنْقِصُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلا عِنْدَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص هَلُمُّوا فَإِنَّ هَؤُلاءِ تَهَيَّئُوا، وَهَذا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزَلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلَحْ بَعْدَهَا فَهَلُمُّوا فَلْنَتَعَاوَرِ الإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ عَلَيْهَا بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالآخَرُ غَدًا، وَالآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى يَتَأَمَّرَ كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي أَلِيكُمُ الْيَوْمَ.
فَأَمَّرُوهُ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا كَخَرَجَاتِهِمْ، وَأَنَّ الأَمْرَ أَطْوَلُ مِمَّا صاروا اليه، فخرجت الروم في تعبئة لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَجَ خَالِدٌ في تعبئة لَمْ تُعَبِّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الأَرْبَعِينَ، وَقَالَ: إِنَّ عدوكم قد كثر وطغى، وليس من التعبئة تعبئة اكثر في رَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْكَرَادِيسِ فَجَعَلَ الْقَلْبَ كَرَادِيسَ، وَأَقَامَ فِيهِ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَفِيهَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ.
وَجَعَلَ الْمَيْسَرَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ مِنْ كَرَادِيسِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى كُرْدُوسٍ مَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَزِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَخَالِدٌ فِي كُرْدُوسٍ، وعلى فاله خالد بن سعيد دحية بْنُ خَلِيفَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَامْرُؤُ الْقَيْسِ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَيَزِيدُ بْنُ يُحَنَّسَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعِكْرِمَةُ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَسُهَيْلٌ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَلَى كُرْدُوسٍ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً- وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَأَبُو الأَعْوَرِ بْنُ سُفْيَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَابْنُ ذِي الْخِمَارِ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَفِي الْمَيْمَنَةِ عماره بن مخشى ابن خُوَيْلِدٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَشُرَحْبِيلُ على كردوس وَمَعَهُ خالد بن
(3/396)

سَعِيدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَالسِّمْطُ بْنُ الأَسْوَدِ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَذُو الْكلاعِ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى آخَرَ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعَمْرُو بْنُ فُلانٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَلَقِيطُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ بْنِ بُجْرَةَ حَلِيفٌ لِبَنِي ظُفَرَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَفِي الْمَيْسَرَةِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَالزُّبَيْرُ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَحَوْشَبُ ذُو ظُلَيْمٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ مِنْ هَوَازِنَ- حَلِيفٌ لِبَنِي النَّجَّارِ- عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- حَلِيفٌ لِبَنِي النَّجَّارِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ- عَلَى كُرْدُوسٍ، وَضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَمَسْرُوقُ بْنُ فُلانٍ عَلَى كُرْدُوسٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ بَهْزِ- حَلِيفٌ لِبَنِي عِصْمَةَ- عَلَى كُرْدُوسٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ- حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ- عَلَى كُرْدُوسٍ، وَقَبَاثٌ عَلَى كُرْدُوسٍ وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ الْقَاصَّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَكَانَ عَلَى الطَّلائِعِ قُبَاثُ بْنُ أُشَيْمٍ، وَكَانَ عَلَى الأَقْبَاضِ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود.
كتب إلي السري، عن شعيب، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ نَحْوًا مِنْ حديث ابى عثمان، وقالوا جميعا: وكان القارئ الْمِقْدَادَ وَمِنَ السُّنَّةِ الَّتِي سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص بَعْدَ بَدْرٍ أَنْ تُقْرَأَ سُورَةُ الْجِهَادِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَهِيَ الأَنْفَالُ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بْنِ أُسَيْدٍ الْغَسَّانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ وَخَالِدٍ، قَالا: شهد اليرموك الف من اصحاب رسول الله ص، فِيهِمْ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالا:
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَسِيرُ فَيَقِفُ عَلَى الكراديس، فيقول: الله لله! إِنَّكُمْ ذَادَةُ الْعَرَبِ، وَأَنْصَارُ الإِسْلامِ، وَإِنَّهُمْ ذَادَةُ الرُّومِ وَأَنْصَارُ الشِّرْكِ! اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ عَلَى عِبَادِكَ! قَالا: وَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ خَالِدٌ:
(3/397)

مَا أَقَلَّ الرُّومَ وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالْخِذْلانِ، لا بِعَدَدِ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الأَشْقَرَ بَرَاءٌ مِنْ تَوْجِيهٍ، وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ- وَكَانَ فَرَسُهُ قَدْ حَفِيَ فِي مَسِيرِهِ- قَالا: فَأَمَرَ خَالِدٌ عِكْرِمَةَ والقعقاع، وكانا على مجنبى الْقَلْبِ، فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَارْتَجَزَ الْقَعْقَاعُ وَقَالَ:
يَا لَيْتَنِي أَلْقَاكَ فِي الطِّرَادِ قَبْلَ اعْتِرَامِ الْجَحْفَلِ الْوَرَّادِ وَأَنْتَ فِي حَلَبَتِكَ الْوِرَادِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
قَدْ عَلِمَتْ بَهْكَنَةُ الْجَوَارِي أَنِّي عَلَى مَكْرُمَةٍ أُحَامِي فَنَشَبَ الْقِتَالُ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ، وَتَطَارَدَ الْفِرْسَانُ، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قَدِمَ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَتْهُ الْخُيُولُ، وَسَأَلُوهُ الْخَبَرَ، فَلَمْ يُخْبِرْهُمْ إِلا بِسَلامَةٍ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ أَمْدَادٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَأَبْلَغُوهُ خَالِدًا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ، أَسَرَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْجُنْدَ قَالَ: أَحْسَنْتَ فَقِفْ، وَأَخَذَ الْكِتَابَ وَجَعَلَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَخَافَ إِنْ هُوَ أَظْهَرَ ذَلِكَ أَنْ ينتشر لَهُ أَمْرُ الْجُنْدِ، فَوَقَفَ مَحْمِيَّةُ بْنُ زُنَيْمٍ مَعَ خَالِدٍ، وَهُوَ الرَّسُولُ، وَخَرَجَ جرجةُ، حَتَّى كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَنَادَى: لِيَخْرُجْ إِلَيَّ خَالِدٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خَالِدٌ وَأَقَامَ أَبَا عُبَيْدَةَ مَكَانَهُ، فَوَافَقَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ دَابَّتَيْهِمَا، وَقَدْ أَمِنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ جرجةُ:
يَا خَالِدُ أَصْدِقْنِي وَلا تُكْذِبْنِي فَإِنَّ الْحُرَّ لا يَكْذِبُ وَلا تُخَادِعْنِي فَإِنَّ الْكَرِيمَ لا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ بِاللَّهِ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيُّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ،
(3/398)

فَلا تُسِلُّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَبِمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ ص، فَدَعَانَا فَنَفَرْنَا عَنْهُ وَنَأْيَنَا عَنْهُ جَمِيعًا ثُمَّ إِنَّ بَعْضَنَا صَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَبَعْضَنَا بَاعَدَهُ وَكَذَّبَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ وَقَاتَلَهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا، فَهَدَانَا بِهِ، فَتَابَعْنَاهُ [فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ!] وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ، فَسُمِّيتُ سَيْفَ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَأَنَا مِنْ أَشَدِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ صَدَقْتَنِي، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ جرجه:
يا خالد، أخبرني الا م تَدْعُونِي؟ قَالَ: إِلَى شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ لَمْ يُجِبْكُمْ؟
قَالَ: فَالْجِزْيَةُ وَنَمْنَعُهُمْ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا، قَالَ: نُؤْذِنْهُ بِحَرْبٍ، ثُمَّ نُقَاتِلُهُ قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيكُمْ وَيُجِيبُكُمْ إِلَى هَذَا الأَمْرِ الْيَوْمَ؟
قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا، شَرِيفُنَا وَوَضِيعُنَا، وَأَوَّلُنَا وَآخِرُنَا.
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ جرجةُ: هَلْ لِمَنْ دَخَلَ فِيكُمُ الْيَوْمَ يَا خَالِدُ مِثْلُ مَا لَكُمْ مِنَ الأَجْرِ وَالذَّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَفْضَلُ، قَالَ: وَكَيْفَ يُسَاوِيكُمْ وَقَدْ سَبَقْتُمُوهُ؟
قَالَ: إِنَّا دَخَلْنَا فِي هَذَا الأَمْرِ، وَبَايَعْنَا نَبِيَّنَا ص وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، تَأْتِيهِ أَخْبَارُ السَّمَاءِ ويخبرنا بِالْكُتُبِ، وَيُرِينَا الآيَاتِ، وَحَقٌّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا، وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا، أَنْ يُسْلِمَ وَيُبَايِعَ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مَا رَأَيْنَا، وَلَمْ تَسْمَعُوا مَا سَمِعْنَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْحُجَجِ، فَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الأَمْرِ مِنْكُمْ بِحَقِيقَةٍ وَنِيَّةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا قَالَ جرجةُ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتَنِي وَلَمْ تُخَادِعْنِي وَلَمْ تَأْلَفْنِي! قَالَ: بِاللَّهِ، لَقَدْ صَدَقْتُكَ وَمَا بِي إِلَيْكَ وَلا إِلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ وَحْشَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَوَلِيُّ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فَقَالَ: صَدَقْتَنِي، وَقَلَبَ التُّرْسَ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَقَالَ: عَلِّمْنِي الإِسْلامَ، فَمَالَ بِهِ خَالِدٌ إِلَى فُسْطَاطِهِ، فَشَنَّ عَلَيْهِ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَحَمَلَتِ الرُّومُ مَعَ
(3/399)

انْقِلابِهِ إِلَى خَالِدٍ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا مِنْهُ حَمْلَةٌ، فَأَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَرَكِبَ خَالِدٌ وَمَعَهُ جرجةُ وَالرُّومُ خِلالَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَنَادَى النَّاسُ، فَثَابُوا، وَتَرَاجَعَتِ الرُّومُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَزَحَفَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى تَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ، فَضَرَبَ فِيهِمْ خَالِدٌ وَجرجةُ مِنْ لَدُنِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى جُنُوحِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ، ثُمَّ أُصِيبَ جرجةُ وَلَمْ يُصَلِّ صَلاةً سَجَدَ فِيهَا إِلا الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا، وَصَلَّى النَّاسُ الأُولَى وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، وَتَضَعْضَعَ الرُّومُ، وَنَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خَيْلِهِمْ وَرِجْلِهِمْ، وَكَانَ مُقَاتِلُهُمْ وَاسِعَ الْمَطْرَدِ، ضَيِّقَ الْمَهْرَبِ، فَلَمَّا وَجَدَتْ خَيْلُهُمْ مَذْهَبًا ذَهَبَتْ وَتَرَكُوا رِجْلَهُمْ فِي مَصَافِّهِمْ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ تَشْتَدُّ بِهِمْ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَخَّرَ النَّاسُ الصَّلاةَ حَتَّى صَلُّوا بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ تَوَجَّهَتْ لِلْهَرَبِ، أَفْرَجُوا لَهَا، وَلَمْ يُحَرِّجُوهَا، فَذَهَبَتْ فَتَفَرَّقَتْ فِي الْبِلادِ، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى الرَّجْلِ فَفَضُّوهُمْ، فَكَأَنَّمَا هُدِمَ بِهِمْ حَائِطٌ، فَاقْتَحِمُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، فَاقْتَحَمَهُ عَلَيْهِمْ فَعَمَدُوا إِلَى الْوَاقُوصَةِ، حَتَّى هَوَى فِيهَا الْمُقْتَرِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ من المقترنين للقتال هوى به من خشعت نَفْسُهُ، فَيَهْوِي الْوَاحِدُ بِالْعَشْرَةِ لا يُطِيقُونَهُ، كُلَّمَا هَوَى اثْنَانِ كَانَتِ الْبَقِيَّةُ أَضْعَفَ، فَتَهَافَتَ فِي الْوَاقُوصَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفٍ، ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقْتَرِنٍ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُطْلَقٍ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّجْلِ، فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ يومئذ ألفا وخمسمائة، وَتَجَلَّلَ الْفَيْقَارُ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ بَرَانِسَهُمْ، ثُمَّ جَلَسُوا وَقَالُوا: لا نُحِبُّ أَنْ نَرَى يَوْمَ السُّوءِ إِذْ لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نَرَى يَوْمَ السُّرُورِ، وَإِذْ لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نَمْنَعَ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأُصِيبُوا فِي تَزَمُّلِهِمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد
(3/400)

وعباده، قالا: اصبح خالد من تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ فِي رِوَاقِ تذارقَ، لَمَّا دَخَلَ الْخَنْدَقَ نَزَلَهُ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَيْلُهُ، وَقَاتَلَ النَّاسُ حَتَّى أَصْبَحُوا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْغَسَّانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ في أربعمائة مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفِرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أَثْبَتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلُوا إِلا مَنْ بَرَأَ، وَمِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ قَالَ: واتى خالد بعد ما أَصْبَحُوا بِعِكْرِمَةَ جَرِيحًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَبِعَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاقِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمَا، وَيَقْطُرُ فِي حُلُوقِهِمَا الْمَاءَ، وَيَقُولُ:
كَلا، زَعَمَ ابْنُ الْحَنْتَمَةِ أَنَّا لا نَسْتَشْهِدُ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ- وَكَانَ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ هُوَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ- أَنَّ النِّسَاءَ قَاتَلْنَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فِي جَوْلَةٍ، فَخَرَجَتْ جُوَيْرِيَةُ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ فِي جَوْلَةٍ، وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا وَأُصِيبَتْ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَخْرَجَ السَّهْمَ مِنْ عينه وابو حَثْمَةَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن المستنير بْن يزيد بْن أرطاة ابن جهيش، قال: كان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية، فخرج يومئذ رجل من الروم، فقال: من يبارز؟ فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومي: خذها وأنا الغلام الإيادي، فقال:
الرومي: أكثر اللَّه في قومي مثلك! اما والله لو أنك من قومي لآزرت الروم، فأما الآن فلا اعينهم!
(3/401)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وخالد:
وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة، وعمرو بْن عكرمة، وسلمة بْن هشام، وعمرو بْن سعيد، وأبان بْن سعيد- وأثبت خالد بْن سعيد فلا يدرى أين مات بعد- وجندب بن عمرو ابن حممة الدوسي، والطفيل بْن عمرو، وضرار بْن الأزور أثبت فبقي وطليب بْن عمير بْن وهب من بني عبد بْن قصي، وهبار بن سفيان، وهشام بن العاصي.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيَ خَالِدًا مَقْدَمَهُ الشَّامِ مُغِيثًا لأَهْلِ الْيَرْمُوكِ رَجُلٌ مِنْ رُومِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ، إِنَّ الرُّومَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، مِائَتَيْ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرْجِعَ عَلَى حاميتك فافعل، فقال خالد:
أبا الروم تُخَوِّفُنِي! وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الأَشْقَرَ بَرَاءٌ مِنْ تَوْجِيهٍ، وَأَنَّهُمْ أَضْعَفُوا ضَعْفَهُمْ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُسْتَنِيرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ جُهَيْشٍ، قَالَ: قَالَ خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْمَوْتِ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَلَّى عُمَرَ، وَكَانَ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ أَلْزَمَنِي حُبَّهُ! كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحه وعمرو ابن ميمون، قالوا: وقد كان هرقل حج قبل مهزم خالد بْن سعيد، فحج بيت المقدس، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم، وقال: أرى من الرأي الا تقاتلوا هؤلاء القوم، وان نصالحوهم، فو الله لأن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام، وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم، خير لكم من أن يبلغوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الروم، فنخر أخوه ونخر ختنه، وتصدع عنه من كان حوله، فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه، وأمر الأمراء ووجه إلى كل جند
(3/402)

جندا فلما اجتمع المسلمون، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين، فنزلوا بالواقوصة، وخرج فنزل حمص، فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم، وعمد إلى بصرى وافتتحها وأباح عذراء، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم! فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم، إن دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم، فلا يقوم لهم أحد حتى يبلى.
فقالوا: قاتل عن دينك ولا تجبن الناس، واقض الذي عليك، قال:
وأي شيء أطلب إلا توفير دينكم! ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك، بعث إليهم المسلمون: إنا نريد كلام أميركم وملاقاته، فدعونا نأته ونكلمه، فأبلغوه فأذن لهم فأتاه أبو عبيدة ويزيد بْن أبي سفيان كالرسول، والحارث بْن هشام وضرار بْن الأزور وأبو جندل بْن سهيل، ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رواقا في عسكره وثلاثون سرادقا، كلها من ديباج، فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحل الحرير فابرز لنا فبرز إلى فرش ممهدة، وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم! هذا أول الذل، أما الشام فلا شأم، وويل للروم من المولود المشئوم! ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مطرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بْن سنان، عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم، قالوا: لما كان اليوم الذي تأمر فيه خالد، هزم اللَّه الروم مع الليل، وصعد المسلمون العقبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل اللَّه صناديدهم ورءوسهم وفرسانهم، وقتل اللَّه أخا هرقل، وأخذ التذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص، فارتحل فجعل حمص بينه وبينهم، وأمر عليها أميرا وخلفه فيها، كما كان أمر على دمشق، وأتبع المسلمون الروم حين هزموهم خيولا يثفنونهم ولما صار إلى
(3/403)

أبي عبيدة الأمر بعد الهزيمة، نادى بالرحيل، وارتحل المسلمون بزحفهم حتى وضعوا عساكرهم بمرج الصفر قال أبو أمامة: فبعثت طليعة من مرج الصفر، معي فارسان، حتى دخلت الغوطة فجستها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبي: قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا، فقلت:
قف مكانك حتى تصبح أو آتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة، وليس في الأرض أحد ظاهر، فنزعت لجام فرسي وعلقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعر إلا بالمفتاح يحرك عند الباب ليفتح، فقمت فصليت الغداة، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البواب فقتلته، ثم انكفأت راجعا، وخرجوا يطلبوننى، فجعلوا يكفون عني مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدنى الذي أمرته أن يقف، فلما رأوه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسرنا حتى انتهينا إلى المسلمين، وقد عزم أبو عبيدة ألا يبرح حتى يأتيه رأي عمر وأمره، فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دمشق، وخلف باليرموك بشير بْن كعب بْن أبي الحميري في خيل كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سعيد، قال: قال قباث: كنت في الوفد بفتح اليرموك، وقد أصبنا خيرا ونفلا كثيرا، فمر بنا الدليل على ماء رجل قد كنت اتبعته في الجاهلية حين أدركت وأنست من نفسي لأصيب منه، كنت دللت عليه، فأتيته فأخبرته، فقال: قد أصبت، فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل في اليوم عجز جزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العجز ما يفضل عنه إلا ما يقوتني وكان يغير على الحي ويدعني قريبا، ويقول: إذا مر بك راجز يرتجز بكذا وكذا، فأنا ذلك، فشل معي فمكثت بذلك حتى أقطعني قطيعا من مال، وأتيت به أهلي، فهو أول مال أصبته.
ثم إني رأست قومي، وبلغت مبلغ رجال العرب، فلما مر بنا على ذلك الماء
(3/404)

عرفته، فسألت عن بيته فلم يعرفوه، وقالوا: هو حي، فأتيت ببنين استفادهم بعدي، فأخبرتهم خبري، فقالوا: اغد علينا غدا، فإنه أقرب ما يكون إلى ما تحب بالغداة، فغاديتهم فأدخلت عليه، فأخرج من خدره، فأجلس لي، فلم أزل أذكره حتى ذكر، وتسمع وجعل يطرب للحديث ويستطعمنيه، وطال مجلسنا وثقلنا على صبيانهم، ففرقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خدره، فوافق ذلك عقله، فقال: قد كنت وما أفزع! فقلت: أجل، فأعطيته ولم أدع أحدا من أهله إلا أصبته بمعروف ثم ارتحلت.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ:
قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ لِقُبَاثٍ: أَأَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ الله ص؟
قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنِّي، وَأَنَا أَقْدَمُ مِنْهُ، قَالَ: فَمَا أَبْعَدُ ذِكْرِكَ؟
قَالَ: خِثْيُ الْفِيلِ لِسَنَةٍ قَالَ: وَمَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُضَاعَةَ، إِنِّي لَمَّا أَدْرَكْتُ وَآنَسْتُ مِنْ نَفْسِي سَأَلْتُ عَنْ رَجُلٍ أَكُونُ مَعَهُ وَأُصِيبُ مِنْهُ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ وَاقْتَصَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ سار القوم خرج مع يزيد ابن أَبِي سُفْيَانَ يُوصِيهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي وَيَزِيدُ رَاكِبٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وَصِيَّتِهِ قَالَ: أُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَمَضَى يَزِيدُ، فَأَخَذَ التبوكية ثُمَّ تَبِعَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ مَدَدًا لَهُمَا عَلَى ربع، فَسَلَكُوا ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى نَزَلَ بِغمرِ الْعَرَبَاتِ، وَنَزَلَتِ الرُّومُ بِثَنِيَّةِ جِلَّقَ بِأَعْلَى فِلَسْطِينَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، عَلَيْهِمْ تذارقُ أَخُو هِرَقْلَ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، يَذْكُرُ لَهُ أَمْرَ الرُّومِ وَيَسْتَمِدُّهُ وَخَرَجَ خَالِدُ بن سعيد بن العاصي، وَهُوَ بِمَرْجِ الصّفرِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ يَسْتَمْطِرُ فِيهِ، فَتَعَاوَى عَلَيْهِ
(3/405)

أَعْلاجُ الرُّومِ، فَقَتَلُوهُ، وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَذْكُرُ لَهُ أَمْرَ الرُّومِ وَيَسْتَمِدُّهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا أَبُو زَيْدٍ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالإِسْنَادِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ قَبْلُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَّهَ بَعْدَ خُرُوجِ يَزِيدَ بن ابى سفيان موجها إِلَى الشَّامِ بِأَيَّامٍ، شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ- قَالَ: وهو شرحبيل ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَاعِ بْنِ عَمْرِو، مِنْ كِنْدَةَ، وَيُقَالُ مِنَ الأَزْدِ- فَسَارَ فِي سَبْعَةِ آلافٍ، ثُمَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي سَبْعَةِ آلافٍ، فَنَزَلَ يَزِيدُ الْبَلْقَاءَ، وَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ الأُرْدُنَّ- وَيُقَالُ بُصْرَى- وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجَابِيَةَ، ثُمَّ أَمَدَّهُمْ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَنَزَلَ بِغَمْرِ الْعَرَبَاتِ، ثُمَّ رَغَّبَ النَّاسَ فِي الْجِهَادِ، فَكَانُوا يَأْتُونَ الْمَدِينَةَ فَيُوَجِّهُهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الشَّامِ فَمُنْهُمْ مَنْ يَصِيرُ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصِيرُ مَعَ يَزِيدَ، يَصِيرُ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ أَحَبُّوا.
قَالُوا: فَأَوَّلُ صُلْحٍ كَانَ بِالشَّامِ صُلْحُ مَآبٍ، وَهِيَ فُسْطَاطٌ لَيْسَتْ بِمَدِينَةٍ، مَرَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بِهِمْ فِي طَرِيقِهِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنَ الْبَلْقَاءِ، فَقَاتَلُوهُ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ وَاجْتَمَعَ الرُّومُ جَمْعًا بِالْعَرْبَةِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، فَفَضَّ ذَلِكَ الْجَمْعَ.
قَالُوا: فَأَوَّلُ حَرْبٍ كَانَتْ بِالشَّامِ بَعْدَ سَرِيَّةِ أُسَامَةَ بِالْعَرْبَةِ ثُمَّ أَتَوُا الدَّاثِنَةَ- وَيُقَالُ الدَّاثِنَ- فَهَزَمَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَقَتَلَ بِطْرِيقًا مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَتْ مَرْجَ الصُّفَّرِ، اسْتُشْهِدَ فِيهَا خَالِدُ بْنُ سعيد بن العاصي، أَتَاهُمْ أدرنجَارُ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ وَهُمْ غَارُونَ، فَاسْتُشْهِدَ خَالِدٌ وَعِدَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقِيلَ إِنَّ الْمَقْتُولَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كان ابْنًا لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَإِنَّ خَالِدًا انْحَازَ حِينَ قُتِلَ ابْنُهُ، فَوَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَمِيرًا عَلَى الأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِالشَّامِ، ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ، فَشَخَصَ خَالِدٌ مِنَ الْحِيرَةِ فِي رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ فِي ثمانمائه- ويقال في خمسمائة- وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، فَلَقِيَهُ عَدُوٌّ بِصَنْدُودَاءَ، فَظَفَرَ بِهِمْ، وَخَلَّفَ بِهَا ابْنَ حَرَامٍ الأَنْصَارِيَّ، وَلَقِيَ جَمْعًا بِالْمُصَيَّخِ وَالْحَصِيدِ، عَلَيْهِمْ
(3/406)

رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ التَّغْلِبِيُّ، فَهَزَمَهُمْ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَسَارَ فَفَوز مِنْ قُرَاقِرَ إِلَى سَوَى، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ سَوَى، وَاكْتَسَحَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ حُرْقُوصَ ابن النُّعْمَانِ الْبَهْرَانِيَّ، ثُمَّ أَتَى أَرْكَ فَصَالَحُوهُ، وَأَتَى تَدْمُرَ فَتَحَصَّنُوا، ثُمَّ صَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى الْقَرْيَتَيْنِ، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفَرَ بِهِمْ وَغَنِمَ، وَأَتَى حُوَارِينَ، فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ وَسَبَى، وَأَتَى قَصَمَ فَصَالَحَهُ بَنُو مَشْجَعَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَأَتَى مَرْجَ رَاهِطٍ، فَأَغَارَ عَلَى غَسَّانَ فِي يَوْمِ فِصْحِهِمْ، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَوَجَّهَ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى الْغَوْطَةِ، فَأَتَوْا كَنِيسَةً فَسَبَوُا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَسَاقُوا الْعِيَالَ إِلَى خَالِدٍ.
قَالَ: فَوَافَى خالدا كتاب أبي بكر بالحيرة منصرفه من حجه: أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أَنْ تَدُلَّ بِعَمَلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ له المن، وهو ولي الجزاء.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بْن عطاء، عن الهيثم البكائي، قال: كان أهل الأيام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذي يبلغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل، ويسمون ما بينها وبين الفراض، ما يذكرون ما كان بعد، احتقارا لما كان بعد فيما كان قبل.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظفر بن دهي، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ،
(3/407)

وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْمُهَلَّبِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيَاهٍ الأَحْمَرِيِّ، قَالُوا: كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ وَجَّهَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بن العاصي إِلَى الشَّامِ حَيْثُ وَجَّهَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَوْصَاهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ خالدا وان خالد ابن سَعِيدٍ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الشَّامِ وَلَمْ يَقْتَحِمْ، وَاسْتَجْلَبَ النَّاسَ فَعَزَّ، فَهَابَتْهُ الرُّومُ، فَأَحْجَمُوا عَنْهُ، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنْ تَوَرَّدَهَا فَاسْتَطْرَدَتْ لَهُ الرُّومُ، حَتَّى أَوْرَدُوهُ الصُّفَّرَ، ثُمَّ تَعَطَّفُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَا أَمِنَ، فَوَافَقُوا ابْنَهُ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ مُسْتَمْطِرًا، فَقَتَلُوهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَتَى الْخَبَرُ خَالِدًا، فَخَرَجَ هَارِبًا، حَتَّى يَأْتِيَ الْبَرَّ، فَيَنْزِلَ مَنْزِلا، وَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ إِلَى الْيَرْمُوكِ، فَنَزَلُوا بِهِ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنُشْغِلَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِي نَفْسِهِ عَنْ تَوَرُّدِ بِلادَنَا بِخُيُولِهِ.
وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالَّذِي كَانَ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الى عمرو ابن الْعَاصِ- وَكَانَ فِي بِلادِ قُضَاعَةَ- بِالسَّيْرِ إِلَى الْيَرْمُوكِ، فَفَعَلَ وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْغَارَةِ، وَأَلا تُوغِلُوا حَتَّى لا يَكُونُ وَرَاءَكُمْ أَحَدٌ مِنْ عَدُوِّكُمْ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ بِفَتْحٍ مِنْ فُتُوحِ خَالِدٍ، فَسَرَّحَهُ نَحْوَ الشَّامِ فِي جُنْدٍ، وَسَمَّى لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْ أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ كَوْرَةً مِنْ كُوَرِ الشَّامِ، فَتَوَافَوْا بِالْيَرْمُوكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ تَوَافِيَهُمْ، نَدِمُوا عَلَى الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُمْ، وَنَسُوا الَّذِي كَانُوا يَتَوَعَّدُونَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَاهْتَمُّوا وَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَأَشْجَوْهُمْ وَشَجَوْا بِهِمْ، ثُمَّ نَزَلُوا الْوَاقُوصَةَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُنْسِيَنَّ الرُّومَ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي فَوْقَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ عَلَى الْعِرَاقِ فِي نِصْفِ النَّاسِ، فَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الشَّامَ، فَارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ بِالْعِرَاقِ وَبَعَثَ خَالِدٌ بِالأَخْمَاسِ إِلا مَا نُفِلَ مِنْهَا مَعَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ وَبِمَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ.
وَدَعَا خَالِدٌ الأَدِلَّةَ، فَارْتَحَلَ مِنَ الْحِيرَةِ سَائِرًا إِلَى دُومَةَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الْبَرِّ إِلَى قُرَاقِرَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ لِي بِطَرِيقٍ أَخْرُجُ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ جُمُوعِ الرُّومِ!
(3/408)

فَإِنِّي إِنِ اسْتَقْبَلْتُهَا حَبَسَتْنِي عَنْ غِيَاثِ الْمُسْلِمِينَ، فَكُلُّهُمْ قَالَ: لا نَعْرِفُ إِلا طَرِيقًا لا يَحْمِلُ الْجُيُوشَ، يَأْخُذُهُ الْفَذُّ الرَّاكِبُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُغَرِّرَ بِالْمُسْلِمِينَ فَعَزَمَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ إِلا رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ عَلَى تَهَيُّبٍ شَدِيدٍ، فَقَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: لا يَخْتَلِفَنَّ هَدْيُكُمْ، وَلا يَضْعُفَنَّ يَقِينُكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وَإِنَّ الْمُسْلِمَ لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتَرِثَ بِشَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ مَعَ مَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ، فَشَأْنُكَ فَطَابَقُوهُ ونَوَوْا وَاحَتَسَبُوا، وَاشْتَهَوْا مِثْلَ الَّذِي اشْتَهَى خَالِدٌ، فَأَمَرَهُمْ خَالِدٌ، فَتَرَوَّوْا لِلشفةِ لِخَمْسٍ، وَأَمَرَ صَاحِبَ كُلِّ خَيْلٍ بِقَدْرِ مَا يَسْقِيهَا، فَظَمَأَ كُلُّ قَائِدٍ مِنَ الإِبِلِ الشرفِ الْجَلالِ مَا يَكْتَفِي بِهِ، ثُمَّ سَقَوْهَا الْعَلَلَ بَعْدَ النَّهَلِ، ثُمَّ صَرُّوا آذَانَ الإِبِلِ وَكَعَمُوهَا، وَخَلَّوْا أَدْبَارَهَا، ثُمَّ رَكِبُوا مِنْ قُرَاقِرَ مُفَوِّزِينَ إِلَى سَوَى- وَهِيَ عَلَى جَانِبِهَا الآخَرِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ- فَلَمَّا سَارُوا يَوْمًا افْتَظُّوا لِكُلِّ عِدَّةٍ مِنَ الْخَيْلِ عَشْرًا مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ فَمَزَجُوا مَا فِي كُرُوشِهَا بِمَا كَانَ مِنَ الأَلْبَانِ، ثُمَّ سَقَوُا الْخَيْلَ، وَشَرِبُوا للشفةِ جَرْعًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز ابن ثعلبة، عمن حدثه من بكر بْن وائل، أن محرز بْن حريش المحاربي قال لخالد: اجعل كوكب الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أمه تفض إلى سوى، فكان أدلهم.
قال أبو جعفر الطبري: وشاركهم مُحَمَّد وطلحة، قالوا: لما نزل بسوى وخشي أن يفضحهم حر الشمس، نادى خالد رافعا: ما عندك؟ قال:
(3/409)

خير، ادركتم الري، وأنتم على الماء! وشجعهم وهو متحير أرمد، وقال:
أيها الناس، انظروا علمين كأنهما ثديان فأتوا عليهما وقالوا: علمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمنة ويسرة- لعوسجة كقعدة الرجل- فوجدوا جذمها، فقالوا: جذم ولا نرى شجرة، فقال: احتفروا حيث شئتم، فاستثاروا أوشالا وأحساء رواء، فقال رافع: أيها الأمير، والله ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته الا مره وانا غلام مع ابى.
فاستعد واثم أغاروا والقوم لا يرون أن جيشا يقطع إليهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ظُفَرِ بْنِ دَهْيٍ، قَالَ: فَأَغَارَ بِنَا خَالِدٌ مِنَ سَوَى عَلَى مُصَيَّخِ بهمراء بِالْقَصْوَانِيِّ- مَاءٌ مِنَ الْمِيَاهِ- فَصَبَحَ الْمُصَيَّخُ وَالنَّمِرُ، وَإِنَّهُمْ لَغَارُونَ، وَإِنَّ رُفْقَةً لَتَشْرَبُ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ، وَسَاقِيهِمْ يُغَنِّيهِمْ، وَيَقُولُ:
أَلا صَبِّحَانِي قَبْلَ جَيْشِ أَبِي بَكْرٍ.
فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَاخْتَلَطَ دَمُهُ بِخَمْرِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ: وَلَمَّا بَلَغَ غَسَّانَ خُرُوجُ خَالِدٍ عَلَى سَوَى وَانْتِسَافُهَا، وَغَارَتُهُ عَلَى مُصَيَّخِ بَهَرَاءَ وَانْتِسَافُهَا، فَاجْتَمَعُوا بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ خَالِدًا، وَقَدْ خَلَّفَ ثُغُورَ الرُّومِ وَجُنُودَهَا مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، فَصَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَرْمُوكَ، صَمَدَ لهم، فخرج من سوى بعد ما رَجَعَ إِلَيْهَا بِسَبْيِ بَهْرَاءَ، فَنَزَلَ الرُّمَّانَتَيْنِ- عَلَمَيْنِ عَلَى الطَّرِيقِ- ثُمَّ نَزَلَ الْكَثَبَ، حَتَّى صَارَ إِلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ مَرْجِ الصُّفَّرِ، فَلَقِيَ عَلَيْهِ غَسَّانَ وَعَلَيْهِمُ الْحَارِثُ بْنُ الأَيْهَمِ، فَانْتَسَفَ عَسْكَرَهُمْ وَعِيَالاتِهِمْ وَنَزَلَ بِالْمَرْجِ أَيَّامًا، وَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالأَخْمَاسِ مَعَ بِلالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَرْجِ حَتَّى يَنْزِلَ قَنَاةَ بُصْرَى، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ افْتُتِحَتْ بِالشَّامِ عَلَى يدي خالد
(3/410)

فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِ الْعِرَاقِ، وَخَرَجَ مِنْهَا، فَوَافَى الْمُسْلِمِينَ بِالْوَاقُوصَةِ، فَنَازَلَهُمْ بِهَا فِي تِسْعَةِ آلافٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَلَمَّا رَجَعَ خَالِدٌ مِنْ حَجِّهِ وَافَاهُ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ بِالْخُرُوجِ فِي شَطْرِ النَّاسِ، وَأَنْ يُخَلِّفَ عَلَى الشَّطْرِ الْبَاقِي الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: لا تَأْخُذَنَّ نَجْدًا إِلا خَلَّفْتَ لَهُ نَجْدًا، فَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَارْدُدْهُمْ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْتَ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى عَمَلِكَ، وَأَحْضَرَ خَالِدٌ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَأْثَرَ بِهِمْ عَلَى الْمُثَنَّى، وَتَرَكَ لِلْمُثَنَّى أَعْدَادَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَنْ بَقِيَ، فَاخْتَلَجَ من كان قدم على النبي ص وَافِدًا أَوْ غَيْرِ وَافِدٍ، وَتَرَكَ لِلْمُثَنَّى أَعْدَادَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ، ثُمَّ قَسَّمَ الْجُنْدَ نِصْفَيْنِ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: وَاللَّهِ لا أُقِيمُ إِلا عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهِ فِي اسْتِصْحَابِ نِصْفِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِ النِّصْفِ، وَبِاللَّهِ مَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلا بِهِمْ، فَأَنَّى تُعْرِينِي مِنْهُمْ! فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَالِدٌ بَعْدَ مَا تَلَكَّأَ عَلَيْهِ أَعَاضَهُ مِنْهُمْ حَتَّى رَضِيَ، وَكَانَ فِيمَنْ أَعَاضَهُ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ، وَبَشِيرُ بْنُ الْخَصَّاصِيَّةِ وَالْحَارِثُ بْنُ حَسَّانٍ الذُّهْلِيَّانِ، وَمَعْبَدُ بن أُمِّ مَعْبَدٍ الأَسْلَمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الأَسْلَمِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ بِلالٍ الْمُزَنِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ، حَتَّى إِذَا رَضِيَ الْمُثَنَّى وَأَخَذَ حَاجَتَهُ، انْجَذَبَ خَالِدٌ فَمَضَى لِوَجْهِهِ وَشَيَّعَهُ الْمُثَنَّى إِلَى قُرَاقِرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحِيرَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَأَقَامَ فِي سُلْطَانِهِ، وَوَضَعَ فِي الْمَسْلَحَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا عَلَى السَّيْبِ أَخَاهُ، وَمَكَانَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ عُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، وَمَكَانَ ضِرَارِ بْنِ الأَزْوَرِ مَسْعُودًا أَخَاهُ الآخَرَ، وَسَدَّ أَمَاكِنَ كُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الأُمَرَاءِ بِرِجَالٍ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْغِنَاءِ، وَوَضَعَ مَذْعُورَ بْنَ عَدِيٍّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَمَاكِنِ، وَاسْتَقَامَ أَهْلُ فَارِسٍ- عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ مِنْ مَقْدَمِ خَالِدٍ الْحِيرَةِ، بَعْدَ خُرُوجِ خَالِدٍ بِقَلِيلٍ، وَذَلِكَ في سنه ثلاث عشره- على شهر براز بْنِ أردشيرَ بْنِ شَهْرَيَارِ مِمَّنْ يُنَاسَبُ إِلَى كِسْرَى، ثُمَّ إِلَى سَابُورَ فَوَجَّهَ إِلَى الْمُثَنَّى جُنْدًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ جَاذُوَيْهِ
(3/411)

فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَمَعَهُ فِيلٌ، وَكَتَبَتِ الْمَسَالِحُ إِلَى الْمُثَنَّى بِإِقْبَالِهِ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ نَحْوَهُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْمَسَالِحَ، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ الْمُعَنَّى وَمَسْعُودًا ابْنَيْ حَارِثَةَ، وَأَقَامَ لَهُ بِبَابِلَ، واقبل هرمز جاذويه، وعلى مجنبتيه الكوكبد والحركبذ وكتب الى المثنى: من شهر براز إِلَى الْمُثَنَّى، إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جُنْدًا من وخش أَهْلِ فَارِسَ، إِنَّمَا هُمْ رُعَاةُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلا بِهِمْ فَأَجَابَهُ الْمُثَنَّى: مِنَ المثنى الى شهر براز، إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ:
إِمَّا بَاغٍ فَذَلِكَ شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ فَأَعْظَمُ الْكَذَّابِينَ عُقُوبَةً وَفَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ فِي النَّاسِ الْمُلُوكُ وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ.
فَجَزِعَ أَهْلُ فارس من كتابه، وقالوا: انما اتى شهر براز مِنْ شُؤمِ مَوْلِدِهِ وَلُؤْمِ مَنْشَئِهِ- وَكَانَ يَسْكُنُ مَيْسَانَ- وَبَعْضُ الْبُلْدَانِ شَيْنٌ عَلَى مَنْ يَسْكُنُهُ.
وَقَالُوا لَهُ: جَرَّأْتَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا بِالَّذِي كَتَبْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَاتَبْتَ أَحَدًا فَاسْتَشِرْ فَالْتَقَوْا بِبَابِلَ، فَاقْتَتَلُوا بِعَدْوَةِ الصَّرَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الطَّرِيقِ الأَوَّلِ قِتَالا شَدِيدًا ثُمَّ إِنَّ الْمُثَنَّى وَنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اعْتَوَرُوا الْفِيلَ- وَقَدْ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَالْكَرَادِيسِ- فَأَصَابُوا مَقْتَلَهُ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَهْلَ فَارِسَ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ، حَتَّى جَازُوا بِهِمْ مَسَالِحَهُمْ، فَأَقَامُوا فِيهَا، وَتَتَبَّعَ الطَّلَبُ الْفَالَةَ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ السَّعْدِيُّ، وَكَانَ عَبْدَةُ قَدْ هَاجَرَ لِمُهَاجِرَةٍ حَلِيلَةٍ لَهُ حَتَّى شَهِدَ وَقْعَةَ بَابِلَ، فَلَمَّا آيَسَتْهُ رَجَعَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَقَالَ:
هَلْ حَبْلُ خَوْلَةَ بَعْدَ الْبَيْنِ مَوْصُولُ ... أَمْ أَنْتَ عَنْهَا بَعِيدُ الدَّارِ مَشْغُولُ!
وَلِلأَحِبَّةِ أَيَّامٌ تَذَكَّرُهَا ... وَللِنَّوَى قَبْلَ يَوْمِ الْبَيْنِ تَأْوِيلُ
(3/412)

حَلَّتْ خُوَيْلَةُ فِي حَيٍّ عَهِدْتُهُمُ ... دُونَ الْمَدَائِنِ فِيهَا الدِّيكُ وَالْفِيلُ
يُقَارِعُونَ رُءُوسَ الْعُجْمِ ضَاحِيَةً ... مِنْهُمْ فَوَارِسُ، لا عُزْلٌ وَلا مِيلُ
الْقَصِيدَةَ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يُعَدِّدُ بُيُوتَاتِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَذَكَرَ الْمُثَنَّى وَقَتْلَهُ الْفِيلَ:
وَبَيْتُ الْمُثَنَّى قَاتِلِ الْفِيلِ عَنْوَةً ... بِبَابِلَ إِذْ فِي فَارِسٍ مُلْكُ بابل
ومات شهر براز مُنْهَزِمٌ هرمزُ جَاذُوَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ فَارِسَ، وَبَقِيَ مَا دُونَ دِجْلَةَ وبُرْسَ مِنَ السَّوَادِ فِي يَدَيِ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ اجتمعوا بعد شهر براز عَلَى دختَ زنانَ ابْنَةِ كِسْرَى، فَلَمْ يَنْفُذْ لَهَا أَمْرٌ فَخُلِعَتْ.
وَمُلِّكَ سابورُ بْنُ شهر برازَ قَالُوا: وَلَمَّا مَلَكَ سَابورُ بْنُ شهر برازَ قَامَ بِأَمْرِهِ الْفرخزاذُ بْنُ الْبندوانِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ آزرميدختَ ابْنَةَ كِسْرَى، فَفَعَلَ، فَغَضَبَتْ من ذلك، وقالت: يا بن عم، اتزوجني عبدى! قال: استحيى مِنْ هَذَا الْكَلامِ وَلا تُعِيدِيهِ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ، فَبَعَثَتْ إِلَى سياوخشَ الرَّازِيِّ- وَكَانَ مِنْ فُتَّاكِ الأَعَاجِمِ- فَشَكَتْ إِلَيْهِ الَّذِي تَخَافُ، فَقَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتِ كَارِهَةً لِهَذَا فَلا تُعَاوِدِيهِ فِيهِ، وَأَرْسِلِي إِلَيْهِ وَقُولِي لَهُ: فَلْيَقُلْ لَهُ فَلْيَأْتِكِ، فَأَنَا أُكْفِيَكِهِ فَفَعَلَتْ وَفَعَلَ، وَاسْتَعَدَّ سياوخشُ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ أَقْبَلَ الْفرخزاذُ حَتَّى دَخَلَ، فَثَارَ بِهِ سياوخشُ فَقَتَلَهُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَهَدَ بِهَا مَعَهُ إِلَى سَابُورَ، فَحَضَرَتْهُ ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَمَلَكَتْ آزرميدختُ بِنْتُ كِسْرَى، وَتَشَاغَلُوا بِذَلِكَ، وَأَبْطَأَ خَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَخَلَّفَ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَّاصِيَّةِ، وَوَضَعَ مَكَانَهُ فِي الْمَسَالِحِ سَعِيدَ بْنَ مُرَّةَ الْعِجْلِيَّ، وَخَرَجَ الْمُثَنَّى نَحْوَ أَبِي بَكْرٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَلِيَسْتَأْذِنَهُ فِي الاسْتِعَانَةِ بِمَنْ قَدْ ظَهَرَتْ
(3/413)

تَوْبَتُهُ وَنَدَمُهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ مِمَّنْ يَسْتَطْعِمُهُ الْغَزْوُ، وَلِيُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَمْ يُخَلِّفْ أَحَدًا أَنْشَطَ إِلَى قِتَالِ فَارِسَ وَحَرْبِهَا وَمَعُونَةِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَرِيضٌ، وَقَدْ كَانَ مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَخْرَجِ خَالِدٍ إِلَى الشَّامِ- مَرْضَتَهَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا- بِأَشْهُرٍ، فَقَدِمَ الْمُثَنَّى وَقَدْ أُشْفِيَ، وَعَقَدَ لِعُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِعُمُرَ، فَجَاءَ فَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ يَا عُمَرُ مَا أَقُولُ لَكَ، ثُمَّ اعْمَلْ بِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ مِنْ يَوْمِي هذا- وذلك يوم الاثنين- فان انامت فَلا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَإِنْ تَأَخَّرْتُ إِلَى اللَّيْلِ فَلا تُصْبِحَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَلا تَشْغِلَنَّكُمْ مُصِيبَةٌ وَإِنْ عَظُمَتْ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، وَوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ، وقد رأيتني متوفى رسول الله ص وَمَا صَنَعْتُ، وَلَمْ يُصَبِ الْخَلْقُ بِمِثْلِهِ، وَبِاللَّهِ لو انى انى عن امر رَسُولِهِ لَخَذَلَنَا وَلَعَاقَبَنَا، فَاضْطَرَمَتِ الْمَدِينَةُ نَارًا وَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أُمَرَاءِ الشَّامِ فَارْدُدْ أَصْحَابَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُهُ وَوُلاةُ أَمْرِهِ وحده واهل الضراوة منهم والجرأة عَلَيْهِمْ.
وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ اللَّيْلِ، فَدَفَنَهُ عُمَرُ لَيْلا، وَصَلَّى عَلَيْهِ فِي المسجد، وندب الناس مع المثنى بعد ما سَوِيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ عُمَرُ:
كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسُوءُنِي أَنْ أُؤَمِّرَ خَالِدًا عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ، حِينَ أَمَرَنِي بِصَرْفِ أَصْحَابِي، وَتَرْكِ ذِكْرِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِلَى آزرميدختَ انْتَهَى شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَحَد شِقَّيِ السَّوَادِ فِي سُلْطَانِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَتَشَاغَلَ أَهْلُ فَارِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَنْ إِزَالَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ السَّوَادِ، فِيمَا بَيْنَ مُلْكِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى قِيَامِ عُمَرَ وَرُجُوعِ الْمُثَنَّى مَعَ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالْجُمْهُورِ مِنْ جُنْدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالْحِيرَةِ، وَالْمَسَالِحِ بِالسَّيْبِ، وَالْغَارَاتُ تَنْتَهِي بِهِمْ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَدِجْلَةُ حِجَازٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
فَهَذَا حَدِيثُ الْعِرَاقِ فِي إِمَارَةِ أَبِي بكر من مبتدئه الى منتهاه
(3/414)

[ذكر وقعة أجنادين]
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَمُدَّ أَهْلَ الشَّامِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، وَيَخْرُجُ فِيهِمْ، وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ رَجُلا مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَتَى خَالِدًا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، قَالَ خَالِدٌ: هَذا عَمَلُ الاعيسر بن أم شمله- يعنى عمر ابن الْخَطَّابِ- حَسَدَنِي أَنْ يَكُونَ فَتْحُ الْعِرَاقِ عَلَى يَدِي فَسَارَ خَالِدٌ بِأَهْلِ الْقُوَّةِ مِنَ النَّاسِ وَرَدَّ الضُّعَفَاءَ وَالنِّسَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ، وَاسْتَخْلَفَ خَالِدٌ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِالْعِرَاقِ مِنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِمُ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى عَيْنِ التَّمْرِ، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِهَا، فَأَصَابَ مِنْهُمْ، وَرَابَطَ حِصْنًا بِهَا فِيهِ مُقَاتِلَةٌ كَانَ كِسْرَى وَضَعَهُمْ فِيهِ حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَسَبَى مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ وَمِنْ أَبْنَاءِ تِلْكَ الْمُرَابِطَةِ سَبَايَا كَثِيرَةٍ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ مِنْ تِلْكَ السَّبَايَا أَبُو عَمْرَةَ مَوْلَى شَبَّانَ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الأَعْلَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَوْلَى الْمُعَلَّى، مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى زَهْرَةَ، وَخَيْرٌ مَوْلَى أَبِي دَاوُدَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَيَسَارٌ وَهُوَ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَحُ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بنى مالك بن النجار، وحمران ابن أَبَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَقَتَلَ خَالِدُ بن الوليد هلال بن عقه ابن بِشْرٍ النَّمِرِيَّ وَصَلَبَهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، ثُمَّ أَرَادَ السَّيْرَ مُفَوِّزًا مِنْ قُرَاقِرَ- وَهُوَ مَاءٌ لِكَلْبٍ إِلَى سَوَى، وَهُوَ مَاءٌ لِبَهْرَاءَ بَيْنَهُمَا خَمْسُ لَيَالٍ- فَلَمْ يَهْتَدِ خَالِدٌ الطَّرِيقَ، فَالْتَمَسَ دَلِيلا، فَدُلَّ عَلَى رَافِعِ بْنِ عُمَيْرَةَ الطَّائِيِّ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: انْطَلِقْ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: إِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ وَالأَثْقَالِ، وَاللَّهِ إِنَّ الرَّاكِبَ الْمُفْرَدَ لَيَخَافَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَمَا يَسْلُكُهَا إِلا مُغَرِّرًا، إِنَّهَا لَخَمْسُ لَيَالٍ جِيَادٍ لا يُصَابُ فِيهَا مَاءٌ مَعَ مَضَلَّتِهَا، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: وَيْحَكَ! إِنَّهُ وَاللَّهِ إِنَّ لِي بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ قَدْ أَتَتْنِي مِنَ الأَمِيرِ عَزْمَةٌ بِذَلِكَ، فَمُرْ بِأَمْرِكَ.
قَالَ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْمَاءِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَصُرَّ أُذُنَ نَاقَتِهِ عَلَى مَاءٍ فَلْيَفْعَلْ،
(3/415)

فَإِنَّهَا الْمَهَالِكُ إِلا مَا دَفَعَ اللَّهُ، ابْغِنِي عشرين جزورا عظاما سمانا مسان.
فَأَتَاهُ بِهِنَّ خَالِدٌ، فَعَمَدَ إِلَيْهِنَّ رَافِعٌ فَظَمَّأَهُنَّ، حَتَّى إِذَا أَجْهَدَهُنَّ عَطَشًا أَوْرَدَهُنَّ فَشَرِبْنَ حَتَّى إِذَا تَمَلأَنَّ عَمَدَ إِلَيْهِنَّ، فَقَطَعَ مَشَافِرَهُنَّ، ثُمَّ كَعَمَهُنَّ لِئَلا يَجْتَرِرْنَ، ثُمَّ أَخْلَى أَدْبَارَهُنَّ.
ثُمَّ قَالَ لِخَالِدٍ: سِرْ، فَسَارَ خَالِدٌ مَعَهُ مُغِذًّا بِالْخُيُولِ وَالأَثْقَالِ، فَكُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلا افْتَظَّ أَرْبَعًا مِنْ تِلْكَ الشَّوَارِفِ، فَأَخَذَ مَا فِي أَكْرَاشِهَا، فَسَقَاهُ الْخَيْلَ، ثُمَّ شَرِبَ النَّاسُ مِمَّا حَمَلُوا مَعَهُمْ مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا خَشِيَ خَالِدٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الْمَفَازَةِ قَالَ لِرَافِعِ بْنِ عُمَيْرَةَ وَهُوَ أَرْمَدُ: وَيْحَكَ يَا رَافِعُ! مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ أَدْرَكْتُ الرَّيَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْعَلَمَيْنِ، قَالَ لِلنَّاسِ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شُجَيْرَةً مِنْ عَوْسَجٍ كَقَعْدَةِ الرَّجُلِ؟ قَالُوا: مَا نَرَاهَا.
قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! هَلَكْتُمْ وَاللَّهِ إِذًا وهلكت، لا ابالكم! انْظُرُوا، فَطَلَبُوا فَوَجَدُوهَا قَدْ قُطِعَتْ وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، فَلَمَّا رَآهَا الْمُسْلِمُونَ كَبَّرُوا وَكَبَّرَ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ، ثُمَّ قَالَ: احْفُرُوا فِي أَصْلِهَا، فَحَفَرُوا فَاسْتَخْرَجُوا عَيْنًا، فَشَرِبُوا حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ، فَاتَّصَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ الْمَنَازِلُ، فَقَالَ رَافِعٌ:
وَاللَّهِ مَا وَرَدْتُ هَذَا الْمَاءَ قَطُّ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَرَدْتُهُ مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلامٌ، فقال شاعر من المسلمين:
لله عينا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى ... فَوْز مِنْ قُرَاقِرَ إِلَى سَوَى!
خَمْسًا إِذَا مَا سَارَهَا الْجَيْشُ بَكَى ... مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ يَرَى
فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَى سَوَى، أَغَارَ عَلَى أَهْلِهِ- وَهُمْ بهراء- قبيل الصبح، وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها، ومغنيهم يقول:
أَلا عَلِّلانِي قَبْلَ جَيْشِ أَبِي بَكْرٍ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي
(3/416)

الا عللانى بالزجاج وكرار ... عَلَيَّ كميت اللَّوْنِ صَافِيةً تَجْرِي
أَلا عَلِّلانِي مِنْ سُلافَةِ قَهْوَةٍ ... تُسْلِي هُمُومَ النَّفْسِ مِنْ جَيِّدِ الْخَمْرِ
أَظُنُّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ وَخَالِدًا ... سَتَطْرُقُكُمْ قَبْلَ الصَّبَاحِ مِنَ الْبشْرِ
فَهَلْ لَكُمْ فِي السَّيْرِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ ... وَقَبْلَ خُرُوجِ الْمُعْصرَاتِ مِنَ الْخدْرِ!
فَيَزْعُمُونَ أَنَّ مُغَنِّيَهُمْ ذَلِكَ قُتِلَ تَحْتَ الْغَارَةِ، فَسَالَ دَمُهُ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ.
ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ، حَتَّى أَغَارَ عَلَى غَسَّانَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى قَنَاةِ بُصْرَى، وَعَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أَبِي سُفْيَانَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، فَرَابَطُوهَا حَتَّى صَالَحَتْ بُصْرَى عَلَى الْجِزْيَةِ، وَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ فُتِحَتْ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى فِلَسْطِينَ، مَدَدًا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَمْرٌو مُقِيمٌ بِالْعَرَبَاتِ مِنْ غَوْرِ فِلَسْطِينَ، وَسَمِعَتِ الرُّومُ بِهِمْ، فَانْكَشَفُوا عَنْ جِلَّقَ إِلَى أَجْنَادِينَ، وَعَلَيْهِمْ تذارقُ أَخُو هِرَقْلَ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ- وَأَجْنَادِينُ بَلَدٌ بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ جِبْرِينَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ- وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ سَمِعَ بِأَبِي عبيده بن الجراح وشرحبيل ابن حَسَنَةَ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ حَتَّى لِقِيَهُمْ فَاجْتَمَعُوا بِأَجْنَادِينَ، حَتَّى عَسْكَرُوا عَلَيْهِمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنه قال: كان على الروم رجل منهم يقال له القبقلار، وكان هرقل استخلفه على أمراء الشام حين سار إلى القسطنطينية، وإليه انصرف تذارق بمن معه من الروم.
فأما علماء الشام فيزعمون أنما كان على الروم تذارق والله أَعْلَمَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جعفر بْن الزبير، عن عروة، قال: لما تدانى العسكران بعث
(3/417)

القبقلار رجلا عربيا- قال: فحدثت أن ذلك الرجل رجل من قضاعة، من تزيد بْن حيدان، يقال له ابن هزارف- فقال: ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة، ثم ائتني بخبرهم قال: فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر، فأقام فيهم يوما وليلة، ثم أتاه فقال له: ما وراءك؟ قال:
بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، لإقامة الحق فيهم فقال له القبقلار: لئن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظي من الله ان يخلى بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصرهم علي قال: ثم تزاحف الناس، فاقتتلوا، فلما رأى القبقلار ما رأى من قتال المسلمين، قال للروم: لفوا رأسي بثوب، قالوا له: لم؟ قال: يوم البئيس، لا أحب أن أراه! ما رأيت في الدنيا يوما أشد من هذا! قال: فاحتز المسلمون رأسه، وإنه لملفف.
وكانت وقعة أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقيتا من جمادى الاولى وقتل يومئذ من المسلمين جماعة، منهم سلمة بن هشام ابن المغيرة، وهبار بْن الأسود بْن عبد الأسد، ونعيم بْن عبد اللَّه النحام، وهشام بْن العاصي بْن وائل، وجماعة أخر من قريش قال: ولم يسم لنا من الأنصار أحد أصيب بها.
وفيها توفي أبو بكر لثمان ليال بقين- أو سبع بقين- من جمادى الآخرة.
رجع الحديث إلى حديث أبي زيد، عن علي بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره قال: وأتى خالد دمشق فجمع له صاحب بصرى، فسار إليه هو وأبو عبيدة، فلقيهم أدرنجا، فظفر بهم وهزمهم، فدخلوا حصنهم، وطلبوا الصلح، فصالحهم على كل رأس دينار في كل عام وجريب حنطة ثم رجع العدو للمسلمين، فتوافت جنود المسلمين والروم
(3/418)

بأجنادين، فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، فظهر المسلمون، وهزم اللَّه المشركين، وقتل خليفة هرقل، واستشهد رجال من المسلمين، ثم رجع هرقل للمسلمين، فالتقوا بالواقوصة فقاتلوهم، وقاتلهم العدو، وجاءتهم وفاة أبي بكر وهم مصافون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعه في رجب

ذكر مرض ابى بكر ووفاته
حَدَّثَنِي أبو زيد، عن علي بْن مُحَمَّد، بإسناده الذي قد مضى ذكره، قالوا:
توفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة في جمادى الآخرة يوم الاثنين لثمان بقين منه قالوا: وكان سبب وفاته أن اليهود سمته في أرزة، ويقال في جذيذة، وتناول معه الحارث بْن كلدة منها، ثم كف وقال لأبي بكر: أكلت طعاما مسموما سم سنة فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشر يوما، فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب! فقال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال: إني أفعل ما أشاء.
قال أبو جعفر: ومات عتاب بْن أسيد بمكة في اليوم الذى مات فيه ابو بكر- وكانا سما جميعا- ثم مات عتاب بمكة.
وقال غير من ذكرت في سبب مرض أبي بكر الذي توفي فيه، مَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ.
وَأَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ مَوْلَى آلِ مَظْعُونٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الرحمن ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: كَانَ أَوَّلُ مَا بَدَأَ مَرَضُ أَبِي بَكْرٍ بِهِ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ، وَكَانَ يَأْمُرُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَيَدُخُلُ النَّاسُ يَعُودُونَهُ، وَهُوَ يَثْقُلُ كُلَّ يَوْمٍ، وَهُوَ نَازِلٌ فِي داره
(3/419)

التي قطع له رسول الله ص وُجَاهَ دَارِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْيَوْمَ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَلْزَمَهُمْ لَهُ فِي مَرَضِهِ، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مِسْيَ لَيْلَةِ الثُّلاثَاءِ، لِثَمَانِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْهُجْرَةِ وَكَانَتْ خِلافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَلاثةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرِ لَيَالٍ قَالَ: وَكَانَ أَبُو مَعْشَرٍ يَقُولُ:
كَانَتْ خِلافَتُهُ سَنَتَيْن وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلا أَرْبَعَ لَيَالٍ، فَتُوُفِّيَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، مَجْتَمَعٌ عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، اسْتَوْفَى سِنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلاثِ سِنِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ:
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: اسْتَكْمَلَ أَبُو بَكْرٍ بِخِلافَتِهِ سِنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتُوُفِّيَ وَهُوَ بِسِنِّ النبي ص.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ معاويه فقال: توفى النبي ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: قبض رسول الله ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ، وَقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي خَبَرِهِ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنْهُ: كَانَتْ وِلايَةُ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَثَلاثَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: عَشَرَةَ أَيَّامٍ
(3/420)

ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه ابو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلي عليه فيه والوقت الذى توفى فيه
حدثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال:
حدثنى مالك بن أَبِي الرَّحَّالِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، قَالَتْ:
قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: غَسِّلِينِي، قُلْتُ: لا أُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: يُعِينُكِ عبد الرحمن ابن أَبِي بَكْرٍ، يَصُبُّ الْمَاءَ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ، فَإِنْ عَجَزَتْ أَعَانَهَا ابْنُهُ مُحَمَّدٌ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ:
وهذا الْحَدِيثُ وَهِلٌ، وَإِنَّمَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ يَوْمَ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ثَلاثُ سِنِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، سَأَلَهَا أَبُو بَكْرٍ، فِي كَمْ كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ، قَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ- وَكَانَا مُمَشَّقَيْنِ- وَابْتَاعُوا لِي ثَوْبًا آخَرَ قُلْتُ: يَا أَبَهْ، إِنَّا مُوسِرُونَ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، الْحَيُّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُهْلَةِ وَالصَّدِيدِ حَدَّثَنِي العباس بْن الوليد، قال: أخبرنا أبي قال: حَدَّثَنَا الأوزاعي،
(3/421)

قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن القاسم، أن أبا بكر توفي عشاء بعد ما غابت الشمس ليلة الثلاثاء، ودفن ليلا ليلة الثلاثاء.
حَدَّثَنَا أبو كريب، قال: حَدَّثَنَا غنام، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودفن ليلا.
حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ، عن علي بْن مُحَمَّد بإسناده الذي قد مضى ذكريه، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حُمِلَ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله ص، وَدَخَلَ قَبْرَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَ قَبْرَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كُفِيتَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ أَوْصَى- فِيمَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بْن عبد اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ- أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولانِ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ص، فَلَمَّا تُوُفِّيَ حُفِرَ لَهُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصقوا اللحد يلحد النبي ص فَقُبِرَ هُنَالِكَ.
قَالَ الْحَارِثُ: حَدَّثَنِي ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جُعِلَ رَأْسُ أَبِي بَكْرٍ عند كتفي رسول الله ص، وَرَأْسُ عُمَرَ عِنْدَ حِقْوَيْ أَبِي بَكْرٍ.
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَقُلْتُ: يَا أُمَّهِ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النبي ص وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاثَةِ قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ وَلا لاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى
(3/422)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمًا وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ النَّبِيِّ ص.
حدثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال:
حدثنا أبو بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة، عن عمرو بْن أبي عمرو، عن المطلب بْن عبد اللَّه بْن حنطب، قال: جعل قبر ابى بكر مثل قبر النبي ص مسطحا، ورش عليه الماء، وأقامت عليه عائشة النوح.
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقَامَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ النَّوْحَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى قَامَ بِبَابِهَا، فَنَهَاهُنَّ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ، فَقَالَ عُمَرُ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِهِشَامٍ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ: إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكَ بَيْتِي فَقَالَ عُمَرُ لِهِشَامٍ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَدَخَلَ هِشَامٌ فَأَخْرَجَ أُمَّ فَرْوَةَ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ، فَعَلاهَا بِالدِّرَّةِ، فَضَرَبَهَا ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوْحُ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ.
وَتَمَثَّلَ فِي مَرَضِهِ- فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زيد، عن على ابن مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ- الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ:
وَكُلُّ ذِي إِبِلٍ مَوْرُوثٌ ... وَكُلُّ ذِي سَلَبٍ مَسْلُوبُ
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لا يَئُوبُ
وَكَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، رَبِّ «تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ»
(3/423)

ذكر الخبر عن صفة جسم أبي بكر رحمه اللَّه
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال:
حدثنا شُعَيْبُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ مَرَّ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَجُلا أَشْبَهَ بِأَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا، فَقُلْنَا لَهَا: صِفِي أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَتْ: رَجُلٌ أَبْيَضُ نَحِيفٌ خَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ، أَجْنَأُ لا يَسْتَمْسِكُ إِزَارُهُ، يَسْتَرْخِي عَنْ حِقْوَيْهِ، مَعْرُوقُ الْوَجْهِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، عَارِي الأَشَاجِعِ.
وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْتُ إِسْنَادَهُ قَبْلُ:
إِنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ يُخَالِطُهُ صُفْرَةٌ، حَسَنَ القامة، نحيفا اجنا، رَقِيقًا عَتِيقًا، أَقْنَى، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، حَمْشَ السَّاقَيْنِ، مَمْحُوصَ الْفَخِذَيْنِ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَكَانَ أَبُو قُحَافَةَ حِينَ تُوُفِّيَ حَيًّا بِمَكَّةَ، فَلَمَّا نُعِيَ إِلَيْهِ قَالَ: رُزْءٌ جَلِيلٌ!

ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يعرف به
حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره، أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَتِيقٌ عَنْ عِتْقِهِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، [لأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ]
(3/424)

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ: لِمَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ عَتِيقًا؟ فَقَالَتْ: [نَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: هَذَا عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ] .
وَاسْمُ أَبِيهِ عُثْمَانُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو قُحَافَةَ، قَالَ: فَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الله بن عثمان ابن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لؤي ابن غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ- وَاسْمُهُ عُثْمَانُ- بْنُ عَامِرٍ.
وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ، وَاسْمُهَا سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وَأَمَّا هِشَامٌ، فَإِنَّهُ قَالَ- فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْهُ- ان اسم ابى بكر عتيق ابن عثمان بن عامر.
وحدثنى يُونُسُ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لهيعة، عن عمارة بْن غزية، قال: سألت عبد الرحمن بْن القاسم عن اسم أبي بكر الصديق، فقال: عتيق، وكانوا إخوة ثلاثة بني أبي قحافة: عتيق ومعتق وعتيق

ذكر أسماء نساء أبي بكر الصديق رحمه اللَّه
حدث علي بْن مُحَمَّد، عمن حدثه ومن ذكرت من شيوخه، قال:
تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة- ووافقه على ذلك الواقدي والكلبي- قالوا:
وهي قتيلة ابنة عبد العزى بْن عبد بْن أسعد بْن جابر بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لؤي، فولدت له عبد اللَّه وأسماء وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان
(3/425)

بنت عامر بْن عميرة بْن ذهل بْن دهمان بْن الحارث بْن غنم بْن مالك ابن كنانة- وقال بعضهم: هي أم رومان بنت عامر بْن عويمر بْن عبد شمس بْن عتاب بْن أذينة بْن سبيع بْن دهمان بْن الحارث بْن غنم بْن مالك بْن كنانة- فولدت له عبد الرحمن وعائشة.
فكل هؤلاء الأربعة من أولاده، ولدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية.
وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس، وكانت قبله عند جعفر بْن أبي طالب، وهي أسماء بنت عميس بْن معد بْن تيم بْن الحارث بْن كعب ابن مالك بْن قحافة بْن عامر بْن ربيعة بْن عامر بْن مالك بْن نسر بْن وهب اللَّه بْن شهران بْن عفرس بْن حلف بْن أفتل- وهو خثعم- فولدت له مُحَمَّد بْن أبي بكر.
وتزوج أيضا في الإسلام حبيبة بنت خارجة بْن زيد بْن أبي زهير، من بني الحارث بن الخزرج، وكانت نسأ حين توفي أبو بكر، فولدت له بعد وفاته جارية سميت أم كلثوم

ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله على الصدقات
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ- وَذَكَرَهُ عَنْ مِسْعَرٍ: لَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَا أُكْفِيكَ الْمَالَ- يَعْنِي الْجَزَاءَ- وَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُكْفِيكَ الْقَضَاءَ: فَمَكَثَ عُمَرُ سَنَةً لا يَأْتِيهِ رَجُلانِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الَّذِينَ سَمَّيْتُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ قَاضِيًا فِي خِلافَتِهِ، فَمَكَثَ سَنَةً لَمْ يُخَاصَمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ.
قَالَ: وَقَالُوا: كَانَ يَكْتُبُ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَيَكْتُبُ لَهُ الأَخْبَارَ عُثْمَانُ ابن عفان رضى الله عَنْهُ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ مَنْ حَضَرَ
(3/426)

وَقَالُوا: كَانَ عَامِلَهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أسيد، وعلى الطائف عثمان بن ابى العاصي، وَعَلَى صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَعَلَى خَوْلانَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى زَبِيدَ وَرِمَعَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَعَلَى الْجُنْدِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى البحرين العلاء ابن الْحَضْرَمِيِّ وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، وَبَعَثَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَوْرٍ، أَحَدِ بَنِي الْغَوْثِ إِلَى نَاحِيَةِ جُرَشَ، وَبَعَثَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ بِالشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، كُلُّ رجل منهم على جند، وعليهم خالد ابن الْوَلِيدِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَخِيًّا لَيِّنًا، عَالِمًا بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ، وَفِيهِ يَقُولُ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ- وَنُدْبَةُ أُمُّهُ، وَأَبُوهُ عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ- فِي مَرْثِيَّتِهِ أَبَا بَكْرٍ:
أَبْلَجُ ذُو عرف وَذُو منكر مقسم المعروف رحب الفناء للمجد في منزله باديا حوض رفيع لم يخنه الإزاء والله لا يدرك أيامه ذو مئزر حاف ولا ذو رداء من يسع كي يدرك أيامه يجتهد الشد بأرض فضاء وكان- فيما ذكر الحارث، عن ابن سعد، عن عمرو بْن الهيثم أبي قطن، قال: حَدَّثَنَا الربيع عن حيان الصائغ، قال: كان نقش خاتم أبي بكر رحمه اللَّه: نعم القادر اللَّه.
قالوا: ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياما، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة، وهو ابن سبع وتسعين سنة
(3/427)

ذكر استخلافه عمر بن الخطاب
وعقد أبو بكر في مرضته التي توفي فيها لعمر بْن الخطاب عقد الخلافة من بعده.
وذكر أنه لما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بْن عوف، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْوَفَاةُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ مِنْ رَجُلٍ، وَلَكِنْ فِيهِ غِلْظَةٌ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَلِكَ لأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أُفْضِيَ الأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَيَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ رَمَقْتُهُ، فَرَأَيْتُنِي إِذَا غَضِبْتُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ أَرَانِي الرِّضَا عَنْهُ، وَإِذَا لِنْتُ لَهُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ، لا تَذْكُرْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مِمَّا قُلْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ، قَالَ: أَنْتَ أَخْبَرُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! قَالَ: اللَّهُمَّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنْ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لا تَذْكُرْ مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُكَ، وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ تَارِكُهُ، وَالْخِيرَةُ لَهُ أَلا يَلِي مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ خِلْوًا مِنْ أُمُورِكُمْ، وَأَنِّي كُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ، يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لا تَذْكُرَنَّ مِمَّا قُلْتُ لَكَ مِنْ أَمْرِ عُمَرَ، وَلا مِمَّا دَعَوْتُكَ لَهُ شَيْئًا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: أَشْرَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّاسِ مِنْ كَنِيفِهِ وَأَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ مُمْسِكَتُهُ، مَوْشُومَةُ الْيَدَيْنِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَتَرْضَوْنَ بِمَنْ أَسْتَخْلِفُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آلَوْتُ مِنْ جَهْدِ الرَّأْيِ، وَلا وَلَّيْتُ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
(3/428)

حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ الْقُرْقُسَانِيِّ، قال: حدثنا سفيان ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَجْلِسُ وَالنَّاسُ مَعَهُ، وَبِيَدِهِ جَرِيدَةٌ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وأطيعوا قول خليفه رسول الله ص، إِنَّهُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ آلُكُمْ نُصْحًا قَالَ: وَمَعَهُ مَوْلَى لأَبِي بَكْرٍ يُقَالُ لَهُ: شَدِيدٌ، مَعَهُ الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيهَا اسْتِخْلافُ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: دَعَا أَبُو بَكْرٍ عُثْمَانَ خَالِيًا، فقال:
اكْتُبْ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فذهب عَنْهُ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلَمْ آلكم خيرا منه، ثُمَّ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنِ افْتُلِتَتْ نَفْسِي فِي غَشْيَتِي! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، وَأَقَرَّهَا أَبُو بَكْرٍ رضى الله عَنْهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ.
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُلْوَانُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَأَصَابَهُ مُهْتَمًّا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَصْبَحْتَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِئًا! فقال ابو بكر رضى الله عَنْهُ: أَتَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي وَلَّيْتُ أَمْرَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ أَنْفُهُ مِنْ ذَلِكَ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ لَهُ دُونَهُ، وَرَأَيْتُمُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلُ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ حَتَّى تَتَّخِذُوا سُتُورَ
(3/429)

الْحَرِيرِ وَنَضَائِدَ الدِّيبَاجِ وَتَأَلَّمُوا الاضْطِجَاعَ عَلَى الصُّوفِ الأَذْرِيِّ، كَمَا يَأْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَنَامَ عَلَى حَسَكٍ، وَاللَّهِ لأَنْ يَقْدَمُ أَحَدُكُمْ فَتُضْرَبُ عُنُقُهُ فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَخُوضَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا وَأَنْتُمْ أَوَّلُ ضَالٍّ بِالنَّاسِ غَدًا، فَتَصُدُّونَهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ يَمِينًا وَشِمَالا يَا هَادِيَ الطَّرِيقِ، إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ أَوِ البجر، فَقُلْتُ لَهُ: خَفِّضْ عَلَيْكَ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَإِنَّ هَذَا يَهِيضُكَ فِي أَمْرِكَ إِنَّمَا النَّاسُ فِي أَمْرِكَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ رَأَى مَا رَأَيْتَ فَهُوَ مَعَكَ، وَإِمَّا رَجُلٌ خَالَفَكَ فَهُوَ مُشِيرٌ عَلَيْكَ وَصَاحِبُكَ كَمَا تُحِبُّ، وَلا نَعْلَمُكَ أَرَدْتَ إِلا خَيْرًا، وَلَمْ تَزَلْ صَالِحًا مُصْلِحًا، وَأَنَّكَ لا تَأْسَى عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا.
قال ابو بكر رضى الله عَنْهُ: أَجَلْ، إِنِّي لا آسَى عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلا عَلَى ثَلاثٍ فَعَلْتُهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُنَّ، وَثَلاثٌ تَرَكْتُهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ عَنْهُنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الثَّلاثُ اللاتِي وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُنَّ، فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكْشِفْ بَيْتَ فَاطِمَةَ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ كَانُوا قَدْ غَلَّقُوهُ عَلَى الْحَرْبِ، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَرَقْتُ الْفُجَاءَةَ السُّلَمِيَّ، وَأَنِّي كُنْتُ قَتَلْتُهُ سَرِيحًا أَوْ خَلَّيْتُهُ نَجِيحًا وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةَ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الأَمْرَ فِي عُنُقِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ- يُرِيدُ عُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ- فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَمِيرًا، وَكُنْتُ وَزِيرًا وَأَمَّا اللاتِي تَرَكْتُهُنَّ، فَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أسيرا كنت
(3/430)

ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ تَخَيلَّ إِلَيَّ أَنَّهُ لا يَرَى شَرًّا إِلا أَعَانَ عَلَيْهِ وَوَدِدْتُ أَنِّي حِينَ سَيَّرْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ، كُنْتُ أَقَمْتُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَإِنْ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ ظَفَرُوا، وَإِنْ هُزِمُوا كُنْتُ بِصَدَدِ لِقَاءٍ او مددا وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ إِذْ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الشَّامِ كُنْتُ وَجَّهْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكُنْتُ قَدْ بَسَطْتُ يَدَيَّ كِلْتَيْهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَمَدَّ يَدَيْهِ- وَوَدِدْتُ انى كنت سالت رسول الله ص: لِمَنْ هَذَا الأَمْرُ؟
فَلا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ: هَلْ لِلأَنْصَارِ فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبٌ؟ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ عَنْ مِيرَاثِ ابْنَةِ الأَخِ وَالْعَمَّةِ، فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهُمَا شَيْئًا.
قَالَ لِي يُونُسُ: قَالَ لَنَا يَحْيَى: ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عُلْوَانُ بَعْدَ وَفَاةِ اللَّيْثِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ كَمَا حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَرْفًا حَرْفًا، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ هُوَ حَدَّثَ بِهِ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِ أَبِيهِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُلْوَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا بكر الصديق رضى الله عَنْهُ، قَالَ- ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَقُلْ فيه: عن ابيه
. [حال أبي بكر قبل الخلافة وبعدها]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ تَاجِرًا، وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِالسُّنْحِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بن أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُبَيْحَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن
(3/431)

أَبِي وَجْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ وَغَيْرُ هَؤُلاءِ أَيْضًا قَدْ حَدَّثَنِي بِبَعْضِهِ، فَدَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ مَنْزِلُ أَبِي بِالسُّنْحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ ابنة خارجة بن زيد بن أبي زهير من بنى الحارث ابن الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ حُجْرَةً مِنْ سَعَفٍ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَحَوَّلَ الى منزله بالمدينة، فأقام هنالك بالسنح بعد ما بُويِعَ لَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرُبَّمَا رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ مُمَشَّقٌ، فَيُوَافِي الْمَدِينَةَ فَيُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ، رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ، فَكَانَ إِذَا حَضَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ صَلَّى بِهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: فَكَانَ يُقِيمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَدْرَ النَّهَارِ بِالسُّنْحِ يَصْبِغُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ ثُمَّ يَرُوحُ لِقَدْرِ الْجُمُعَةِ، فَيُجَمِّعُ بِالنَّاسِ.
وَكَانَ رَجُلا تَاجِرًا، فَكَانَ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَكَانَتْ لَهُ قِطْعَةُ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِيهَا، وَرُبَّمَا كُفِيهَا فَرُعِيَتْ لَهُ، وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ بِالْخِلافَةِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الآنَ لا تَحْلِبُ لَنَا مَنَائِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ:
بَلَى لَعَمْرِي لأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَلا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ، فَرُبَّمَا قَالَ لِلْجَارِيَةِ مِنَ الْحَيِّ: يَا جَارِيَةُ اتحبين أَنْ أَرْعَى لَكِ، أَوْ أصرح؟ فَرُبَّمَا قَالَتِ: ارْعَ، وَرُبَّمَا قَالَتْ:
صرح، فَأَيُّ ذَلِكَ قَالَتْهُ فَعَلَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ بِالسُّنْحِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَنَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، مَا تُصْلِحُ أُمُورَ النَّاسِ التِّجَارَةُ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ إِلا التَّفَرُّغُ لَهُمْ وَالنَّظَرُ فِي شَأْنِهِمْ، وَلا بُدَّ لِعِيَالِي مِمَّا يُصْلِحُهُمْ فَتَرَكَ التِّجَارَةَ وَاسْتَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ وَيُصْلِحُ عِيَالَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَكَانَ الَّذِي فَرَضُوا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: رُدُّوا مَا عِنْدَنَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِّي لا أُصِيبُ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْئًا، وَإِنَّ أَرْضِي الَّتِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا أَصَبْتُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَلَقُوحًا وَعَبْدًا
(3/432)

صَيْقَلا، وَقَطِيفَةً مَا تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ- فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: انْظُرُوا كَمْ أَنْفَقْتُ مُنْذُ وُلِّيتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَاقْضُوهُ عَنِّي فَوَجَدُوا مَبْلَغَهُ ثَمَانِيةَ آلافِ دِرْهَمٍ فِي وِلايَتهِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، فَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلا بِهِمْ! وَأَنْتَ لاقٍ رَبِّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ مُضْطَجِعًا:
أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ لِطَلْحَةَ: أَبِاللَّهِ تَفْرُقُنِي- أَوْ أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي- إِذَا لَقِيتُ اللَّهَ رَبِّي فَسَاءَلَنِي قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا وَقْتَ عَقْدِ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخِلافَةَ، وَوَقْتَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ عُمَرَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ لَيْلَةَ وَفَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ النَّاسُ، فَأَصْبَحَ عُمَرُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا عَمِلَ وَقَالَ- فِيمَا ذُكِرَ- مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنِّي قَائِلٌ كَلِمَاتٍ فَأَمِّنُوا عَلَيْهِنَّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْطِقٍ نَطَقَ بِهِ حِينَ اسْتُخْلِفَ- فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارٍ، عَنْ حُصَيْنٍ الْمُرِّيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ:
إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مِثْلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يقود، واما انا فو رب الْكَعْبَةِ لأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ
(3/433)

حَدَّثَنَا عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، عَنْ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ كِتَابٍ كَتَبَهُ عُمَرُ حِينَ وُلِّيَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُوَلِّيهِ عَلَى جُنْدِ خَالِدٍ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَفْنَى مَا سِوَاهُ، الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلالَةِ، وَأَخْرَجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى جُنْدِ خالد ابن الْوَلِيدِ، فَقُمْ بِأَمْرِهِمُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْكَ، لا تُقَدِّمِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى هَلَكَةٍ رَجَاءَ غَنِيمَةٍ، وَلا تُنْزِلْهُمْ مَنْزِلا قَبْلَ أَنْ تَسْتَرِيدَهُ لَهُمْ، وَتَعْلَمَ كَيْفَ مَأْتَاهُ، وَلا تَبْعَثْ سَرِيَّةً إِلا فِي كَثْفٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَإِلْقَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْهَلَكَةِ، وَقَدْ أَبْلاكَ اللَّهُ بِي وَأَبْلانِي بِكَ، فَغَمِّضْ بَصَرَكَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَلْهِ قَلْبَكَ عَنْهَا، وإياك ان تهلك كَمَا أَهْلَكَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مصارعهم

ذكر غزوه فحل وفتح دمشق
حَدَّثَنِي عمر، عن علي بْن مُحَمَّد، بإسناده، عن النفر الذين ذكرت روايتهم عنهم في أول ذكري أمر أبي بكر، أنهم قالوا: قدم بوفاة أبي بكر إلى الشام شداد بْن أوس بْن ثابت الأنصاري ومحمية بْن جزء، ويرفأ، فكتموا الخبر الناس حتى ظفر المسلمون- وكانوا بالياقوصه يقاتلون عدوهم من الروم، وذلك في رجب- فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته حرب الشام، وضم عمر إليه الأمراء، وعزل خالد بْن الوليد.
فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
لما فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَجْنَادِينَ سَارُوا إِلَى فِحْلَ مِنْ أَرْضِ الأُرْدُنِّ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهَا رَافِضَةُ الرُّومِ، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أُمَرَائِهِمْ وَخَالِدٌ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ.
فَلَمَّا نَزَلَتِ الرُّومُ بَيْسَانَ بَثَقُوا أَنْهَارَهَا، وهي ارض صبخه، فكانت وحلا، ونزلوا فحلا- وَبَيْسَانَ بَيْنَ فِلَسْطِينَ وَبَيْنَ الأَرْدُنِ- فَلَمَّا غَشِيَهَا المسلمون ولم
(3/434)

يَعْلَمُوا بِمَا صَنَعَتِ الرُّومُ، وَحِلَتْ خُيُولُهُمْ، وَلَقُوا فِيهَا عَنَاءً، ثُمَّ سَلَّمَهُمُ اللَّهُ- وَسُمِّيَتْ بَيْسَانُ ذَاتَ الرَّدَغَةِ لِمَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا- ثُمَّ نَهَضُوا إِلَى الرُّومِ وَهُمْ بِفِحْلَ، فَاقْتَتَلُوا فَهُزِمَتِ الروم، ودخل المسلمون فحلا وَلَحِقَتْ رَافِضَةُ الرُّومِ بِدِمَشْقَ، فَكَانَتْ فِحْلُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ وَأَقَامَ تِلْكَ الْحَجَّةَ لِلنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى دِمَشْقَ وَخَالِدٌ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ بَاهَانُ بِدِمَشْقَ- وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ- فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ فِيمَا حَوْلَ دِمَشْقَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ، وَأَصَابَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَدَخَلَتِ الرُّومُ دِمَشْقَ، فَغَلَّقُوا أبوابها وجثم الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا فَرَابَطُوهَا حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ، وَأَعْطَوُا الْجِزْيَةَ، وَقَدْ قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بامارته وعزل خالد، فاستحيا أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يُقْرِئَ خَالِدًا الْكِتَابَ حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ، وَجَرَى الصُّلْحُ عَلَى يَدَيْ خَالِدٍ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بِاسْمِهِ فَلَمَّا صَالَحَتْ دِمَشْقُ لَحِقَ بَاهَانُ- صَاحِبُ الرُّومِ الَّذِي قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ- بِهِرَقْلَ وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي رَجَبٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِمَارَتَهُ وَعَزْلِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ، الْتَقَوْا هُمْ وَالرُّومُ بِبَلَدٍ يُقَالُ لَهُ عَيْنُ فِحْلٍ بَيْنَ فِلَسْطِينَ وَالأُرْدُنِ، فَاقْتَتَلُوا بِهِ قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ لَحِقَتِ الرُّومُ بِدِمَشْقَ.
وَأَمَّا سَيْفٌ- فِيمَا ذَكَرَ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْهُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ- فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي خَبَرِهِ أَنَّ الْبَرِيدَ قَدِمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُمْ بِالْيَرْمُوكِ، وَقَدِ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ.
وَقَصَّ مِنْ خَبَرِ الْيَرْمُوكِ وَخَبَرِ دِمَشْقَ غَيْرَ الَّذِي اقْتَصَّهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَنَا ذَاكِرٌ بَعْضَ الَّذِي اقْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَامَ عمر رضى عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَأَذِنَ لَهُمَا بِدُخُولِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قد منعهما لِفَرَّتِهِمَا الَّتِي فَرَّاهَا وَرَدَّهُمَا
(3/435)

إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ: لِيَبْلُغْنِي عَنْكُمَا غِنَاءُ أبلكما بَلاءً، فَانْضَمَّا إِلَى أَيِّ أُمَرَائِنَا أَحْبَبْتُمَا، فَلَحِقَا بِالنَّاسِ فَأَبْلَيَا وَأَغْنَيَا.
خبر دمشق من رواية سيف:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ، قَالا: لَمَّا هَزَمَ اللَّهُ جُنْدَ الْيَرْمُوكِ، وَتَهَافَتَ أَهْلُ الْوَاقُوصَةِ وَفُرِغَ مِنَ الْمَقَاسِمِ وَالأَنْفَالِ، وَبُعِثَ بِالأَخْمَاسِ وَسُرِّحَتِ الْوُفُودُ، اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبِ بْنِ أَبِي الْحِمْيَرِيِّ كَيْلا يَغْتَالُ بردة، وَلا تَقْطَعُ الرُّومُ عَلَى مَوَادهِ، وَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى يَنْزِلَ بِالصُّفَّرِ، وُهَو يُرِيدُ اتِّبَاعَ الْفَالَةَ، وَلا يَدْرِي يَجْتَمِعُونَ أَوْ يَفْتَرِقُونَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ أَرَزُوا إِلَى فِحْلَ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَدَدَ قَدْ أَتَى أَهْلَ دِمَشْقَ مِنْ حِمْصَ، فَهُوَ لا يَدْرِي أَبِدِمَشْقَ يَبْدَأُ أَمْ بِفِحْلَ مِنْ بِلادِ الأردن فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَانْتَظَرَ الْجَوَابَ، وَأَقَامَ بِالصُّفَّرِ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرَ فَتْحُ الْيَرْمُوكِ أَقَرَّ الأُمَرَاءَ عَلَى مَا كَانَ اسْتَعْمَلَهُمْ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ إِلا مَا كَانَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَإِنَّهُ ضَمَّ خَالِدًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَمَرَ عَمْرًا بِمَعُونَةِ النَّاسِ، حَتَّى يُصَيِّرَ الْحَرْبَ إِلَى فِلَسْطِينَ، ثُمَّ يَتَوَلَّى حَرْبَهَا.
وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَمْرِ خَالِدٍ وَعَزْلِ عُمَرَ إِيَّاهُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّمَا نَزَعَ عُمَرُ خَالِدًا فِي كَلامٍ كَانَ خَالِدٌ تَكَلَّمَ بِهِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- وَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ عَلَيْهِ سَاخِطًا وَلأَمْرِهِ كَارِهًا فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهِ، لِوَقْعَتِهِ بِابْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَزْلُهُ، فَقَالَ: لا يَلِي لِي عَمَلا أَبَدًا، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنْ خالد أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ فَأَنْتَ الأَمِيرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْزَعْ عمامته عن
(3/436)

رَأْسِهِ، وَقَاسِمْهُ مَالَهُ نِصْفَيْنِ فَلَمَّا ذَكَرَ أَبُو عبيده ذلك لخالد، قال: انظرنى استشر أُخْتِي فِي أَمْرِي، فَفَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَدَخَلَ خَالِدٌ عَلَى أُخْتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ- وَكَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ- فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ:
وَاللَّهِ لا يُحِّبُكَ عُمَرُ أَبَدًا، وَمَا يُرِيدُ إِلا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ثُمَّ يَنْزَعَكَ فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: صَدَقْتِ وَاللَّهِ! فَتَمَّ عَلَى أَمْرِهِ، وَأَبَى أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَقَامَ بِلالٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: مَا أُمِرْتَ بِهِ فِي خَالِدٍ؟ قَالَ:
أُمِرْتُ أَنْ أَنْزِعَ عِمَامَتَهُ، وَأُقَاسِمَهُ مَالَهُ فَقَاسَمَهُ مَالَهُ حَتَّى بَقِيَتْ نَعْلاهُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ هَذَا لا يَصْلُحُ إِلا بِهَذَا، فَقَالَ خَالِدٌ: أَجَلْ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَعْصِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ! فَأَخَذَ نَعْلا وَأَعْطَاهُ نَعْلا.
ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ الْمَدِينَةَ حِينَ عَزَلَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بْنِ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ كُلَّمَا مَرَّ بِخَالِدٍ قَالَ: يَا خَالِدُ، أَخْرِجْ مَالَ اللَّهِ مِنْ تَحْتِ اسْتِكَ، فَيَقُولُ:
وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مِنْ مَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا قِيمَةُ مَا أَصَبْتُ فِي سُلْطَانِكُمْ! أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ! فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ أَخَذْتُ ذَلِكَ مِنْكَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: هُوَ لَكَ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ ولم يكن لخالد مال إِلا عِدَّةٌ وَرَقِيقٌ، فَحُسِبَ ذَلِكَ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَنَاصَفَهُ عُمَرُ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ الْمَالَ فَقِيلَ لَهُ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ رَدَدْتَ عَلَى خَالِدٍ مَالَهُ! فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا تَاجِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهِ لا أَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَبَدًا فَكَانَ عُمَرُ يَرَى أَنَّهُ قَدِ اشْتَفَى مِنْ خَالِدٍ حِينَ صَنَعَ بِهِ ذَلِكَ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ، قَالا: وَلَمَّا جَاءَ عُمَرَ الْكِتَابُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِهِ كَتَبَ إِلَيْهِ:
أَمَّا بَعْدُ، فَابْدَءُوا بِدِمَشْقَ، فَانْهَدُوا لَهَا، فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ
(3/437)

مَمْلَكَتِهِمْ، وَاشْغِلُوا عَنْكُمْ أَهْلَ فِحْلَ بِخَيْلٍ تَكُونُ بِإِزَائِهِمْ فِي نُحُورِهِمْ وَأَهْلَ فِلَسْطِينَ وَأَهْلَ حِمْصَ، فَإِنْ فَتَحَهَا اللَّهُ قَبْلَ دِمَشْقَ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَتْحُهَا حَتَّى يَفْتَحُ اللَّهُ دِمَشْقَ فَلْيَنْزِلْ بِدِمَشْقَ مَنْ يُمْسِكْ بِهَا، وَدَعُوهَا، وَانْطَلِقْ أَنْتَ وَسَائِرُ الأُمَرَاءِ حَتَّى تُغِيرُوا عَلَى فِحْلَ، فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَانْصَرِفْ أَنْتَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ، وَدَعْ شُرَحْبِيلَ وَعَمْرًا وَأَخْلِهِمَا بِالأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ، وَأَمِيرُ كُلِّ بَلَدٍ وَجُنْدٍ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ إِمَارَتِهِ فَسَرَّحَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلَ عَشَرَةَ قُوَّادٍ: أَبَا الأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَبْدَ عَمْرِو بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ الْجُرَشِيَّ، وَعَامِرَ بْنَ حَثْمَةَ، وَعَمْرَو بْنَ كُلَيْبٍ من يحصب، وَعُمَارَةَ بْنَ الْصَعِقِ بْنِ كَعْبٍ، وَصَيْفِيَّ بْنَ عُلْبَةَ بْنِ شَامِلٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْحَبِيبِ بْنِ عَمْرٍو، ولِبْدَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ خَثْعَمَةَ، وَبِشْرَ بْنَ عِصْمَةَ، وَعُمَارَةَ بْنَ مخش قَائِدَ النَّاسِ، وَمَعَ كُلِّ رَجُلٍ خَمْسَةُ قُوَّادٍ، وَكَانَتِ الرُّؤَسَاءُ تَكُونُ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى لا يَجِدُوا مَنْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَسَارُوا مِنَ الصُّفَّرِ حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ فِحْلَ، فَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ أَنَّ الْجُنُودَ تُرِيدُهُمْ بَثَقُوا الْمِيَاهَ حَوْلَ فِحْلَ، فَأُرْدِغَتِ الأَرْضُ، ثُمَّ وَحِلَتْ، وَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَحَبَسُوا عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ثَمَانِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَكَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلَ، ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَا الْكَلاعِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ دِمَشْقَ وَحِمْصَ رِدْءًا وَبَعَثَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ وَمَسْرُوقًا فَكَانَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَفِلَسْطِينَ، وَالأَمِيرُ يَزِيدُ فَفَصَلَ، وَفَصَلَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ مِنَ الْمَرْجِ، وَقَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَمْرٌو وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَعَلى الْخَيْلِ عِيَاضٌ، وَعَلَى الرُّجَّلِ شُرَحْبِيلُ، فَقَدِمُوا عَلَى دِمَشْقَ، وعليهم نسطاس بن نسطورس، فَحَصَرُوا أَهْلَ دِمَشْقَ، وَنَزَلُوا حَوَالَيْهَا، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَعَمْرٌو عَلَى نَاحِيَةٍ، وَيَزِيدُ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ، وَمَدِينَةُ حِمْصَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَحَاصَرُوا أَهْلَ دِمَشْقَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا بِالزُّحُوفِ وَالتَّرَامِي وَالْمَجَانِيقِ، وهم معتصمون
(3/438)

بِالْمَدِينَةِ يَرْجُونَ الْغِيَاثَ، وَهِرَقلُ مِنْهُمْ قَرِيبٌ وَقَدِ اسْتَمَدُّوهُ وَذُو الْكَلاعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حِمْصَ على راس ليله من دمشق، كأنه يُرِيدُ حِمْصَ، وَجَاءَتْ خُيُولُ هِرَقْلَ مُغِيثَةً لأَهْلِ دِمَشْقَ، فَأَشجتْهَا الْخُيُولُ الَّتِي مَعَ ذِي الْكَلاعِ، وَشَغَلَتْهَا عَنِ النَّاسِ، فَأَرَزُوا وَنَزَلُوا بِإِزَائِهِ، وَأَهْلُ دِمَشْقَ عَلَى حَالِهِمْ.
فَلَمَّا أيَقْنَ أَهْلُ دِمَشْقَ أَنَّ الأَمْدَادَ لا تَصِلُ إِلَيْهِمْ فَشِلُوا وَوَهِنُوا وَأُبْلِسُوا وَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ طَمَعًا فِيهِمْ، وَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّها كَالْغَارَاتِ قَبْلَ ذَلِكَ، إِذَا هَجَمَ الْبَرْدُ قَفَلَ النَّاسُ، فَسَقَطَ النَّجْمُ وَالْقَوْمُ مُقِيمُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى دُخُولِ دِمَشْقَ، وَوُلِدَ لِلْبِطْرِيقِ الَّذِي دَخَلَ عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ مَوْلُودٌ، فَصَنَعَ عَلَيْهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَشَرِبُوا، وَغَفِلُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، وَلا يَشْعُرُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا مَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لا يَنَامُ وَلا يُنِيمُ، وَلا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، عُيُونُهُ ذَاكِيَةٌ وَهُوَ مَعْنِيٌّ بِمَا يَلِيهِ، قَدِ اتَّخَذَ حِبَالا كَهَيْئَةِ السَّلالِيمِ وَأَوْهَاقًا فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ نَهَدَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ قدم بهم عَلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُمْ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ، وَقَالُوا: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا عَلَى السُّورِ فَارْقُوا إِلَيْنَا، وَانْهَدُوا لِلْبَابِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْمُتَقَدِّمُونَ رَمَوْا بِالْحِبَالِ الشُّرَفَ وَعَلَى ظُهُورِهِمُ الْقِرَبُ الَّتِي قَطَعُوا بِهَا خَنْدَقِهِمْ فَلَمَّا ثَبَتَ لَهُمْ وَهْقَانِ تَسَلَّقَ فِيهِمَا الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ، ثُمَّ لَمْ يَدَعَا أُحْبُولَةً إِلا أَثْبَتَاهَا- وَالأَوْهَاق بِالشُّرَفِ- وَكَانَ الْمَكَانُ الَّذِي اقْتَحَمُوا مِنْهُ أَحْصَنَ مَكَانٍ يُحِيطُ بِدِمَشْقَ، أَكْثَرَهُ مَاءً، وَأَشَدَّهُ مَدْخَلا، وَتَوَافَوْا لِذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ دَخَلَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا رَقِيَ أَوْ دَنَا مِنَ الْبَابِ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَوْا عَلَى السُّورِ حَدَرَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَانْحَدَرَ مَعَهُمْ، وَخَلَّفَ
(3/439)

مَنْ يَحْمِي ذَلِكَ الْمَكَانَ لِمَنْ يَرْتَقِي، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَكَبَّرَ الَّذِينَ عَلَى رَأْسِ السُّورِ، فَنَهَدَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْبَابِ، وَمَالَ إِلَى الْحِبَالِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَوَثَبُوا فِيهَا، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَى أَوَّلِ مَنْ يَلِيهِ فَأَنَامَهُمْ، وَانْحَدَرَ إِلَى الْبَابِ، فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ، وَثَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَفَزِعَ سَائِرُ النَّاسِ، فَأَخَذُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَلا يَدْرُونَ مَا الشَّأْنُ! وَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ، وَقَطَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ أَغْلاقَ الْبَابِ بِالسُّيُوفِ، وَفَتَحُوا لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ دَاخِلٍ، حَتَّى مَا بَقِيَ مِمَّا يَلِي بَابَ خَالِدٍ مُقَاتِلٌ إِلا أُنِيمَ وَلَمَّا شَدَّ خَالِدٌ عَلَى مَنْ يَلِيهِ، وَبَلَغَ مِنْهُمُ الَّذِي أَرَادَ عَنْوَةً أَرَزَ مَنْ أَفْلَتَ إِلَى أَهْلِ الأَبْوَابِ الَّتِي تَلِي غَيْرَهُ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ إِلَى الْمُشَاطَرَةِ فَأَبَوْا وَأَبْعَدُوا، فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلا وَهُمْ يَبُوحُونَ لَهُمْ بِالصُّلْحِ، فَأَجَابُوهُمْ وَقَبِلُوا مِنْهُمْ، وَفَتَحُوا لَهُمُ الأَبْوَابَ، وَقَالُوا: ادْخُلُوا وَامْنَعُونَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَابِ فَدَخَلَ أَهْلُ كُلِّ بَابٍ بِصُلْحٍ مِمَّا يَلِيهِمْ، وَدَخَلَ خَالِدٌ مِمَّا يَلِيهِ عَنْوَةً، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْقُوَّادُ فِي وَسَطِهَا، هَذَا اسْتِعْرَاضًا وَانْتِهَابًا، وَهَذَا صُلْحًا وَتَسْكِينًا، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ مَجْرَى الصُّلْحِ، فَصَارَ صُلْحًا، وَكَانَ صُلْحُ دِمَشْقَ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ، الدِّينَارِ وَالْعَقَارِ، وَدِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ، فَاقْتَسَمُوا الأَسْلابَ، فَكَانَ أَصْحَابُ خَالِدٍ فِيهَا كَأَصْحَابِ سَائِرِ الْقُوَّادِ، وَجَرَى عَلَى الدِّيَارِ وَمَنْ بَقِيَ فِي الصُّلْحِ جَرِيبٌ مِنْ كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ، وَوَقَفَ مَا كَانَ لِلْمُلُوكِ وَمَنْ صَوَّبَ مَعَهُمْ فَيْئًا، وَقَسَّمُوا لِذِي الْكَلاعِ وَمَنْ مَعَهُ، وَلأَبِي الأَعْوَرِ وَمَنْ مَعَهُ، وَلِبَشِيرٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثُوا بِالْبِشَارَةِ إِلَى عُمَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ كِتَابُ عُمَرَ، بِأَنِ اصْرِفْ جُنْدَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْحَثِّ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَأَمَّرَ عَلَى جُنْدِ الْعِرَاقِ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الزُّهْرِيَّ وَرِبْعِيَّ بْنَ عَامِرٍ، وَضَرَبُوا بَعْدَ دِمَشْقَ نَحْوَ سَعْدٍ، فَخَرَجَ هَاشِمٌ نَحْوَ الْعِرَاقِ فِي جُنْدِ الْعِرَاقِ، وَخَرَجَ الْقُوَّادُ نحو فحل
(3/440)

وَأَصْحَابُ هَاشِمٍ عَشَرَةُ آلافٍ إِلا مَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ، فَأَتَمُّوهُمْ بِأُنَاسٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ قَيْسٌ وَالأَشْتَرُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ إِلَى إِيلِيَاءَ، فَنَزَلا عَلَى طَرِيقِهَا، وَبَقِيَ بِدِمَشْقَ مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ قُوَّادِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَدَدٌ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شِمْرِ بْنِ غَزِيَّةَ، وَسَهْمُ بْنُ الْمُسَافِرِ بْنِ هَزْمَةَ، وَمُشَافِعُ ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَافِعٍ وَبَعَثَ يَزِيدُ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ فِي خَيْلٍ بَعْدَ مَا فَتَحَ دِمَشْقَ إِلَى تَدْمُرَ، وَأَبَا الزَّهْرَاءِ الْقُشَيْرِيَّ إِلَى الْبَثَنِيَّةِ وَحَوْرَانَ، فَصَالَحُوهُمَا عَلَى صُلْحِ دِمَشْقٍ، وَوَلِيَا الْقِيَامَ عَلَى فَتْحِ مَا بُعِثَا إِلَيْهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي رَجَبٍ وَقَالَ أَيْضًا: كَانَتْ وَقْعَةُ فِحْلَ قَبْلَ دِمَشْقَ، وَإِنَّمَا صَارَ إِلَى دِمَشْقَ رَافِضَةُ فِحْلَ، وَاتَّبَعَهَمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا وَزَعَمَ أَنَّ وَقْعَةَ فِحْلَ كَانَتْ سَنَةَ ثلاث عشره فِي ذِي الْقَعْدَةَ مِنْهَا، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْهُ.
وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ: فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ فَتْحَ دِمَشْقَ كَانَ فِي سنه اربع عشره، كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَزَعَمَ أَنَّ حِصَارَ الْمُسْلِمِينَ لَهَا كَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَزَعَمَ أَنْ وقعه اليرموك كانت في سنه خمس عشره وَزَعَمَ أَنَّ هِرَقْلَ جَلا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ فِي شَعْبَانَ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْيَرْمُوكِ وَقْعَةٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ مَضَى ذِكْرِي مَا رُوِيَ عَنْ سَيْفٍ، عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، أَنَّ وَقْعَةَ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ فِي سَنَةِ ثَلاثَ عَشَرَةَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَرَدَ عَلَيْهِمُ الْبَرِيدُ بِوَفَاةِ ابى بكر باليرموك، في الْيَوْمِ الَّذِي هُزِمَتِ الرُّومُ فِي آخِرِهِ، وَأَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُمْ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْيَرْمُوكِ بِالْمَسِيرِ الى دمشق، وزعم ان فحلا كَانَتْ بَعْدَ دِمَشْقَ، وَأَنَّ حُرُوبًا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ سِوَى ذَلِكَ، قَبْلَ شُخُوصِ هِرَقْلَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ، سَأَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ- وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أبا عبيد ابن مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ نَحْوَ الْعِرَاقِ وَفِيهَا اسْتُشْهِدَ فِي قول الواقدى
(3/441)

وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ يَوْمُ الجسر، جسر ابى عبيد بن مسعود الثقفى في سنه اربع عشره.
ذكر أمر فحل من رواية سيف:
قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فحل إذ كان في الخبر الذي فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشام ومن الأمور التي تستنكر وقوع مثل الاختلاف الذي ذكرته في وقته، لقرب بعض ذلك من بعض.
فأما ما قال ابن إسحاق من ذلك وقص من قصته، فقد تقدم ذكريه قبل واما السرى فانه فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة العبشمي، قالا: خلف الناس بعد فتح دمشق يزيد بْن أبي سفيان في خيله في دمشق، وساروا نحو فحل، وعلى الناس شرحبيل بْن حسنة، فبعث خالدا على المقدمة وأبا عبيدة وعمرا على مجنبتيه، وعلى الخيل ضرار بْن الأزور، وعلى الرجل عياض، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل، وخلفهم ثمانون ألفا، وعلموا أن من بإزاء فحل جنة الروم وإليهم ينظرون، وأن الشام بعدهم سلم فلما انتهوا إلى أبي الأعور، قدموه إلى طبرية، فحاصرهم ونزلوا على فحل من الأردن، - وقد كان أهل فحل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرزوا إلى بيسان- فنزل شرحبيل بالناس فحلا، والروم بيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدثون انفسهم بالمقام، ولا يريدون ان يريموا فحلا حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال، وكانت العرب تسمي تلك الغزاة فحلا وذات الردغة وبيسان وأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل مما فيه المشركون، مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد، فاغترهم القوم، وعلى القوم سقلار بن مخراق، ورجوا ان يكونوا
(3/442)

على غره، فاتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم، فهم على حذر وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة فلما هجموا على المسلمين غافصوهم، فلم يناظروهم، واقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوه قط ليلتهم ويومهم إلى الليل، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزموا وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم سقلار بن مخراق، والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه، وركبوهم وهم يرون أنهم على قصد وجدد، فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل، فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم، وقد وحلوا فركبوهم، وما يمنعون يد لامس، فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة في فحل، وكان مقتلهم في الرداغ، فأصيب الثمانون ألفا، لم يفلت منهم إلا الشريد، وكان اللَّه يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق فكانت عونا لهم على عدوهم، وأناة من اللَّه ليزدادوا بصيرة وجدا، واقتسموا ما أفاء اللَّه عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص، وصرفوا سمير بْن كعب معهم، ومضوا بذي الكلاع ومن معه، وخلفوا شرحبيل ومن معه
. ذكر بيسان
ولما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد في الناس ومعه عمرو إلى أهل بيسان، فنزلوا عليهم، وأبو الأعور والقواد معه على طبرية، وقد بلغ أفناء أهل الأردن ما لقيت دمشق، وما لقي سقلار والروم بفحل وفي الردغة، ومسير شرحبيل إليهم، ومعه عمرو بْن العاص والحارث بْن هشام وسهيل بْن عمرو، يريد بيسان، وتحصنوا بكل مكان، فسار شرحبيل بالناس إلى أهل بيسان، فحصروهم أياما ثم إنهم خرجوا عليهم فقاتلوهم، فأناموا من خرج إليهم، وصالحوا بقية أهلها، فقبل ذلك على صلح دمشق
(3/443)

طبرية
وبلغ أهل طبرية الخبر، فصالحوا أبا الأعور، على أن يبلغهم شرحبيل، ففعل، فصالحوهم وأهل بيسان على صلح دمشق، على أن يشاطروا المسلمين المنازل في المدائن، وما أحاط بها مما يصلها، فيدعون لهم نصفا، ويجتمعون في النصف الآخر، وعن كل رأس دينار كل سنة، وعن كل جريب أرض جريب بر أو شعير، أي ذلك حرث، وأشياء في ذلك صالحوهم عليها، ونزلت القواد وخيولهم فيها، وتم صلح الأردن، وتفرقت الأمداد في مدائن الأردن وقراها، وكتب إلى عمر بالفتح
. ذكر خبر المثنى بْن حارثة وأبي عبيد بن مسعود
كتب إلي السري، عن شعيب، عَنْ سَيْفِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّادٍ وَطَلْحَةَ بْنِ الأَعْلَمِ وَزِيَادَ بْنِ سَرْجِسَ الأَحْمَرِيِّ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: أَوَّلُ مَا عَمِلَ بِهِ عُمَرُ أَنْ نَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ، مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَبَايَعَ النَّاسَ، وَعَادَ فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى فَارِسَ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى الْبَيْعَةِ فَفَرَغُوا فِي ثَلاثٍ، كُلَّ يَوْمٍ يَنْدُبُهُمْ فَلا يَنْتَدِبُ أَحَدٌ إِلَى فَارِسَ، وَكَانَ وَجْهُ فَارِسَ مِنْ أَكْرَهِ الْوُجُوهِ إِلَيْهِمْ وَأَثْقَلِهَا عَلَيْهِمْ، لِشِدَّةِ سُلْطَانِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَعِزِّهِمْ وَقَهْرِهِمُ الأُمَمَ قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، عَادَ فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلُ مُنْتَدَبٍ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ حَلِيفُ بَنِي فَزَارَةَ، هَرَبَ يَوْمَ الْجِسْرِ، فَكَانَتِ الْوُجُوهُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَأْبَى إِلا الْعِرَاقَ، وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ اعْتَدَّ عَلَيَّ فِيهَا بِفَرَّةٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ فِيهَا كَرَّةً وَتَتَابَعَ النَّاسُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يوسف، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بن حارثة، فقال:
(3/444)

يا ايها النَّاسُ، لا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْوَجْهُ، فَإِنَّا قَدْ تَبَحْبَحْنَا رِيفَ فَارِسَ، وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى خَيْرٍ شِقَّيِ السَّوَادِ وَشَاطَرْنَاهُمْ وَنِلْنَا مِنْهُمْ، وَاجْتَرَأَ مَنْ قِبَلِنَا عَلَيْهِمْ، وَلَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا بَعْدَهَا وَقَامَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النَّاسِ، فَقَالَ:
إِنَّ الْحِجَازَ لَيْسَ لَكُمْ بِدَارٍ إِلا عَلَى النُّجْعَةِ، وَلا يَقْوَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ إِلا بِذَلِكَ، أَيْنَ الطُّرَّاءُ الْمُهَاجِرُونَ عَنْ مَوْعُودِ اللَّهِ! سِيرُوا فِي الأَرْضِ الَّتِي وَعَدَكُمُ اللَّهَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُورِثَكُمُوهَا، فَإِنَّهُ قَالَ: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*» ، وَاللَّهُ مُظْهِرٌ دِينَهُ، وَمُعِزٌّ نَاصِرَهُ، وَمُوَلِّي أَهْلَهُ مَوَارِيثَ الأُمَمِ أَيْنَ عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ! فَكَانَ أَوَّلُ مُنْتَدَبٍ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ثنى سعد بن عبيد- او سليط ابن قَيْسٍ- فَلَمَّا اجْتَمَعَ ذَلِكَ الْبَعْثُ، قِيلَ لِعُمَرَ: أَمِّرْ عَلَيْهِمْ رَجُلا مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا رَفَعَكُمْ بِسَبْقِكُمْ وَسُرْعَتِكُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء، فاولى بالرئاسة مِنْكُمْ مَنْ سَبَقَ إِلَى الدَّفْعِ، وَأَجَابَ إِلَى الدُّعَاءِ! وَاللَّهِ لا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلا أَوَّلَهُمُ انْتِدَابًا.
ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدٍ، وَسُلَيْطًا وَسَعْدًا، فَقَالَ: أَمَّا إِنَّكُمَا لَوْ سَبَقْتُمَاهُ لَوَلَّيْتُكُمَا وَلأَدْرَكْتُمَا بِهَا إِلَى مَا لَكُمَا مِنَ الْقُدْمَةِ فَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدٍ عَلَى الْجَيْشِ، وَقَالَ لأَبِي عُبَيْدٍ: اسمع من اصحاب النبي ص وَسَلَّمَ، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، وَالْحَرْبُ لا يُصْلِحُهَا إِلا الرَّجُلُ الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأَبِي عُبَيْدٍ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُؤَمِّرَ سُلَيْطًا إِلا سُرْعَتُهُ إِلَى الْحَرْبِ، وَفِي التَّسَرُّعِ إِلَى الْحَرْبِ ضَيَاعٌ إِلا عَنْ بَيَانٍ، وَاللَّهِ لَوْلا سُرْعَتُهُ لأَمَّرْتُهُ، وَلَكِنَّ الْحَرْبَ لا يُصْلِحُهَا إِلا الْمَكِيثُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَدِمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، فَبَعَثَ مَعَهُ بَعْثًا قَدْ كَانَ نَدَبَهُمْ ثَلاثًا، فَلَمْ يَنْتَدِبْ لَهُ أَحَدٌ حَتَّى انْتَدَبَ لَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حِينَ انتدب:
(3/445)

أَنَا لَهَا، وَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا لَهَا، لفعلة فَعَلَهَا وَقَالَ سُلَيْطٌ: فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَمِّرْ عَلَيْهِمْ رَجُلا لَهُ صُحْبَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا فُضَّلَ الصَّحَابَةُ بِسُرْعَتِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ وَكِفَايَتِهِمْ مَنْ أَبَى، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلَهُمْ قَوْمٌ وَاثَّاقَلُوا كَانَ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالا أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لا أَبْعَثُ عَلَيْهِمْ إِلا أَوَّلَهُمُ انْتِدَابًا فَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدٍ، وَأَوْصَاهُ بِجُنْدِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ الْقَاسِمِ وَمُبَشِّرٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ بَعْثٍ بَعَثَهُ عُمَرُ بَعْثَ أَبِي عُبَيْدٍ، ثُمَّ بَعْثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ بِإِجْلاءِ اهل نجران، لوصيه رسول الله ص فِي مَرَضِهِ بِذَلِكَ، وَلِوَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ: ائْتِهِمْ وَلا تَفْتِنْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، ثُمَّ أَجْلِهِمْ، مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ، وَأَقْرِرِ الْمُسْلِمَ، وَامْسَحْ أَرْضَ كُلِّ مَنْ تُجْلِي مِنْهُمْ، ثُمَّ خَيِّرْهُمُ الْبُلْدَانَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّا نُجْلِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَلا يُتْرَكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، فَلْيُخْرِجُوا، مَنْ أَقَامَ عَلَى دِينِهِ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُعْطِيهِمْ أَرْضًا كَأَرْضِهِمْ، إِقْرَارًا لَهُمْ بِالْحَقِّ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَوَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، بَدَلا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جِيرَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا صَارَ لِجِيرَانِهِمْ بِالرِّيفِ
. خبر النمارق
كَتَبَ إِلَيَّ السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل ومبشر بإسنادهما، ومجالد عن الشعبي، قالوا: فخرج أبو عبيد ومعه سعد بْن عبيد، وسليط بْن قيس، أخو بني عدي بْن النجار، والمثنى بْن حارثة أخو بني شيبان، ثم أحد بني هند.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، وَعَمْرٍو عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي رَوْقٍ، قَالُوا: كَانَتْ بوران بِنْتُ كِسْرَى- كُلَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ بِالْمَدَائِنِ- عَدْلا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَلَمَّا قُتِلَ الْفرخزاذُ بن
(3/446)

البندوانِ وَقَدِمَ رُسْتُمُ فَقَتَلَ آزرميدختَ، كَانَتْ عَدْلا إِلَى أَنِ اسْتَخْرَجُوا يزدجردَ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالعَدْلُ بورانُ، وَصَاحِبُ الْحَرْبِ رُسْتُمُ، وَقَدْ كَانَتْ بوران اهدت للنبي ص، فقبل هديتها، وكانت ضدا على شيرى سَنَةً، ثُمَّ إِنَّهَا تَابَعَتْهُ، وَاجْتَمَعَا عَلَى أَنْ رَأَسَ وَجَعَلَهَا عَدْلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: لَمَّا قَتَلَ سياوخشُ فرخزاذَ بْنَ البندوانِ، وَمَلَكَتْ آزرميدختُ، اخْتَلَفَ أَهْلُ فَارِسَ، وَتَشَاغَلُوا عَنِ الْمُسْلِمِينَ غَيْبَةَ الْمُثَنَّى كُلَّهَا إِلَى أَنْ رَجَعَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَتْ بورانُ إِلَى رُسْتُمَ بِالْخَبَرِ، وَاسْتَحَثَّتْهُ بِالسَّيْرِ، وَكَانَ عَلَى فَرْجِ خُرَاسَانَ، فَأَقْبَلَ فِي النَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْمَدَائِنَ، لا يَلْقَى جَيْشًا لآزرميدختَ إِلا هَزَمَهُ، فَاقْتَتَلُوا بِالْمَدَائِنِ، فَهَزَمَ سياوخشَ وَحُصِرَ وَحُصِرَتْ آزرميدختُ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا فَقَتَلَ سياوخشَ، وَفَقَأَ عَيْنَ آزرميدختَ، وَنَصَّبَ بورانَ وَدَعَتْهُ إِلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ أَهْلِ فَارِسَ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ تَضَعْضُعَهُمْ وَإِدْبَارَ أَمْرِهِمْ، عَلَى أَنْ تُمَلِّكَهُ عَشْرَ حِجَجٍ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي آلِ كِسْرَى، إِنْ وَجَدُوا مِنْ غِلْمَانِهِمْ أَحَدًا، وَإِلا فَفِي نِسَائِهِمْ.
فَقَالَ رُسْتُمُ: أَمَّا أَنَا فَسَامِعٌ مُطِيعٌ، غَيْرُ طَالِبٍ عِوَضًا وَلا ثَوَابًا، وَإِنْ شَرَّفْتُمُونِي وَصَنَعْتُمْ إِلَيَّ شَيْئًا فَأَنْتُمْ أَوْلِيَاءُ مَا صَنَعْتُمْ، إِنَّمَا أَنَا سَهْمُكُمْ وَطَوْعُ أَيْدِيكُمْ فَقَالَتْ بُورانُ: اغْدُ عَلَيَّ، فَغَدَا عَلَيْهَا وَدَعَتْ مَرَازِبَةَ فَارِسَ، وَكَتَبَتْ لَهُ بِأَنَّكَ عَلَى حَرْبِ فَارِسَ، لَيْسَ عَلَيْكَ إِلا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ رِضًا مِنَّا وَتَسْلِيمٍ لِحُكْمِكَ، وَحُكْمُكَ جَائِزٌ فِيهِمْ مَا كَانَ حُكْمُكَ فِي مَنْعِ أَرْضِهِمْ وَجَمْعِهِمْ عَنْ فُرْقَتِهِمْ وَتَوَّجَتْهُ وَأَمَرَتْ أَهْلَ فَارِسَ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا فَدَانَتْ لَهُ فَارِسُ بَعْدَ قُدُومِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ عُمَرُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ اللَّيْلِ، أَنْ نَادَى: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ! ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَتَفَرَّقُوا عَلَى غَيْرِ إِجَابَةٍ مِنْ أَحَدٍ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَأَجَابَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَوَّلَ النَّاسِ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ، وَانْتَخَبَ عُمَرُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ حَوْلِهَا أَلْفَ رَجُلٍ،
(3/447)

أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدٍ، فَقِيلَ لَهُ: اسْتَعْمِلْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لا هَا اللَّهُ ذَا يَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ، لا أَنْدُبُكُمْ فَتَنْكِلُونَ، وَيَنْتَدِبُ غَيْرُكُمْ فَأُؤَمِّرُكُمْ عَلَيْهِمْ! إِنَّكُمْ إِنَّمَا فُضِّلْتُمْ بِتَسَرُّعِكُمْ إِلَى مثلها، فان نكلتم فضلوكم، بَلْ أُؤَمِّرُ عَلَيْكُمْ أَوَّلَكُمُ انْتِدَابًا وَعَجَّلَ الْمُثَنَّى، وَقَالَ:
النَّجَاءَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْكَ أَصْحَابُكَ! فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ عُمَرُ فِي خِلافَتِهِ مَعَ بَيْعَتِهِ بَعْثُهُ أَبَا عُبَيْدٍ، ثُمَّ بَعَثَ أَهْلَ نَجْرَانَ، ثُمَّ نَدَبَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا من كل أوب، فرمى بهم الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَرْمُوكِ، بِأَنَّ عَلَيْكُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ فَاصْرِفْ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَمْدَادِكُمْ إِذَا هُمْ قَدِمُوا عَلَيْكُمْ فَكَانَ أَوَّلَ فَتْحٍ أَتَاهُ الْيَرْمُوكُ عَلَى عِشْرِينَ لَيْلَةٍ مِنْ مُتَوَفَّى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ فِي الأَمْدَادِ إِلَى الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ قَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَرَجَعَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا غَزَا حِينَ أَذِنَ عُمَرُ لأَهْلِ الرِّدَّةِ فِي الْغَزْوِ وَقَدْ كَانَتْ فَارِسُ تَشَاغَلَتْ بِمَوْتِ شهر براز عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَلَكَتْ شَاهْ زنانَ، حَتَّى اصْطَلَحُوا على سابور بن شهر براز بْنِ أَردشيرَ بْنِ شَهْرَيَارَ، فَثَارَتْ بِهِ آزرميدختُ، فَقَتَلَتْهُ وَالْفرخزَاذُ، وَمَلَكَتْ- وَرُسْتُمُ بْنُ الْفَرخزَاذِ بِخُرَاسَانَ عَلَى فرجها- فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ بورانَ وَقَدِمَ الْمُثَنَّى الْحِيرَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عَشْرٍ، وَلَحِقَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَ شَهْرٍ، فَأَقَامَ الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَكَتَبَ رُسْتُمُ إِلَى دَهَاقِينِ السَّوَادِ أَنْ يَثُورُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَدَسَّ فِي كُلِّ رُسْتَاقٍ رَجُلا لِيَثُورَ بِأَهْلِهِ، فَبَعَثَ جَابَانَ إِلَى الْبَهْقَبَاذِ الأَسْفَلِ، وَبَعَثَ نَرْسِيًّ إِلَى كَسْكَرَ، وَوَعَدَهُمْ يَوْمًا، وَبَعَثَ جُنْدًا لِمُصَادَمَةِ الْمُثَنَّى، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ، فَضَمَّ إِلَيْهِ مَسَالِحَهُ وَحَذِرَ، وَعَجِلَ جَابَانَ، فَثَارَ وَنَزَلَ النَّمَارِقَ.
وَتَوَالَوْا عَلَى الْخُرُوجِ، فَخَرَجَ نَرْسِيٌّ، فَنَزَلَ زَنْدوَرْدَ، وَثَارَ أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ مِنْ أَعْلَى الْفُرَاتِ إِلَى أَسْفَلِهِ، وَخَرَجَ الْمُثَنَّى فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ
(3/448)

خَفَّانَ، لِئَلا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، واقام حتى قدم عليه ابو عبيده، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى النَّاسِ، فَأَقَامَ بِخَفَّانَ أَيَّامًا لِيَسْتَجِمَّ أَصْحَابُهُ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى جَابَانَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَ مَا جَمَّ النَّاسَ وَظَهَرَهُمْ، وَتَعَبَّى، فَجَعَلَ الْمُثَنَّى عَلَى الْخَيْلِ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ وَالِقُ بْنُ جيدَارَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْ جَابَانَ جشنسُ مَاهْ ومردان شاه فَنَزَلُوا عَلَى جَابَانَ بِالنَّمَارِقِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا فَهَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ، وَأُسِرَ جَابَانُ، أَسَرَهُ مطر بن فضه التيمى، واسر مردان شاه، أَسَرَهُ أَكْتَلُ بْنُ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيُّ، فَأَمَّا أَكْتَلُ فانه ضرب عنق مردان شاه، وَأَمَّا مَطَرُ بْنُ فِضَّةَ فَإِنَّ جَابَانَ خَدَعَهُ، حَتَّى تَفَلَّتَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَخَلَّى عَنْهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَتَوْا بِهِ أَبَا عُبَيْدٍ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ الْمَلِكُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أَقْتُلَهُ، وَقَدْ آمَنَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي التَّوَادِّ وَالتَّنَاصُرِ كَالْجَسَدِ، مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ فَقَدْ لَزِمَهُمْ كُلَّهُمْ.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ الْمَلِكُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ لا أَغْدُرُ، فَتَرَكَهُ كتب إلي السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن ابى عمران الجعفى، قَالَ: وَلَّتْ حَرْبَهَا فَارِسُ رُسْتُمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَلَّكُوهُ، وَكَانَ مُنَجِّمًا عَالِمًا بِالنُّجُومِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا الأَمْرِ وَأَنْتَ تَرَى مَا تَرَى! قَالَ: الطَّمَعُ وَحُبُّ الشَّرَفِ فَكَاتَبَ أَهْلَ السَّوَادِ، وَدَسَّ إِلَيْهِمُ الرُّؤَسَاءَ، فَثَارُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَى الْقَوْمِ أَنَّ الأَمِيرَ عَلَيْكُمْ أَوَّلُ مَنْ ثَارَ، فَثَارَ جَابَانُ فِي فُرَاتِ بَادِقْلَى، وَثَارَ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَأَرَزَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِ، فَصَمَدَ لِخَفَّانَ، وَنَزَلَ خَفَّانَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ الأَمِيرُ عَلَى الْمُثَنَّى وَغَيْرِهِ، وَنَزَلَ جَابَانُ النَّمَارِقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ خَفَّانَ، فَالْتَقَوْا بِالنَّمَارِقِ، فَهَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَا شَاءُوا وَبَصَرَ مَطَرُ بْنُ فِضَّةَ- وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ- وَأُبَيٌّ بِرَجُلٍ عَلَيْهِ حُلِيٌّ، فَشَدَّا عَلَيْهِ فَأَخَذَاهُ أَسِيرًا، فَوَجَدَاهُ شَيْخًا كَبِيرًا
(3/449)

فَزَهِدَ فِيهِ أُبَيٌّ وَرَغِبَ مَطَرٌ فِي فِدَائِهِ، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنَّ سَلْبَهُ لأُبَيٍّ، وَأَنَّ إِسَارَهُ لِمَطَرٍ، فَلَمَّا خَلَصَ مَطَرٌ بِهِ، قَالَ: إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ أَهْلُ وَفَاءٍ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تؤمننى وَأُعْطِيكَ غُلامَيْنِ أَمْرَدَيْنِ خَفِيفَيْنِ فِي عَمَلِكَ وَكَذَا وَكَذَا! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَدْخِلْنِي عَلَى مَلِكِكُمْ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ، فَفَعَلَ فَأَدْخَلَهُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ، فَتَمَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَقَامَ أُبَيٌّ وَأُنَاسٌ مِنْ رَبِيعَةَ، فَأَمَّا أُبَيٌّ فَقَالَ: أَسَرْتُهُ أَنَا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ أَمَانٍ، وَأَمَّا الآخَرُونَ فَعَرَفُوهُ، وَقَالُوا: هَذَا الْمَلِكُ جَابَانُ، وَهُوَ الَّذِي لَقِيَنَا بِهَذَا الْجَمْعِ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنِي فَاعِلا مَعَاشِرَ رَبِيعَةَ؟ أَيُؤَمِّنُهُ صَاحِبُكُمْ وَأَقْتُلُهُ أَنَا! مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ! وَقَسَّمَ أَبُو عُبَيْدٍ الْغَنَائِمَ، وَكَانَ فِيهَا عِطْرٌ كَثِيرٌ وَنَفَلَ، وَبَعَثَ بِالأَخْمَاسِ مَعَ الْقَاسِمِ
. السقاطية بكسكر
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حِينَ انْهَزَمُوا وَأَخَذُوا نَحْوَ كَسْكَرَ لِيَلْجَئُوا إِلَى نَرْسِيٍّ- وَكَانَ نَرْسِيٌّ ابْنَ خَالَةِ كِسْرَى، وَكَانَتْ كَسْكَرُ قَطِيعَةً لَهُ، وَكَانَ النَّرْسِيَّانِ لَهُ، يَحْمِيهِ لا يَأْكُلُهُ بَشَرٌ، وَلا يَغْرِسُهُ غَيْرُهُمْ أَوْ ملك فَارِسَ إِلا مَنْ أَكْرَمُوهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مَذْكُورًا مِنْ فِعْلِهِمْ فِي النَّاسِ، وَأَنَّ ثَمَرَهُمْ هَذَا حِمًى، فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ وبورانُ: اشْخُصْ إِلَى قَطِيعَتِكَ فَاحْمِهَا مِنْ عَدُوِّكَ وَعَدُوِّنَا وَكُنْ رَجُلا، فَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ النَّمَارِقِ، وَوُجِّهَتِ الْفَالَةُ نَحْوَ نَرْسِيٍّ- وَنَرْسِيٌّ فِي عَسْكَرِهِ- نَادَى أَبُو عُبَيْدٍ بِالرَّحِيلِ، وَقَالَ لِلْمُجَرَّدَةِ: أَتْبِعُوهُمْ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ عَسْكَرَ نَرْسِيٍّ، أَوْ تُبِيدُوهُمْ فِيمَا بَيْنَ النَّمَارِقِ إِلَى بَارِقٍ إِلى دُرْتَا وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو فِي ذَلِكَ:
لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالْخِزْيِ أَهْلُ النَّمَارِقِ
(3/450)

بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ ... يَجُوسُونَهُمْ مَا بَيْنَ دُرْتَا وَبَارِقِ
قَتَلْنَاهُمْ مَا بَيْنَ مَرْجِ مُسْلِحٍ ... وَبَيْنَ الْهَوَافِي مِنْ طَرِيقِ الْبَذَارِقِ
وَمَضَى أَبُو عُبَيْدٍ حِينَ ارْتَحَلَ مِنَ النَّمَارِقِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى نَرْسِيٍّ بِكَسْكَرَ- وَنَرْسِيٌّ يَوْمَئِذٍ بِأَسْفَلِ كَسْكَرَ- وَالْمُثَنَّى فِي تَعْبِيَتِهِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا جَابَانَ، وَنَرْسِيٌّ عَلَى مُجَنَّبَتَيْهِ ابْنَا خَالِهِ وَهُمَا ابْنَا خَالِ كِسْرَى بَنْدُوَيْهِ وَتِيرُوَيْهِ ابْنَا بِسْطَامَ- وَأَهْلُ بَارُوسْمَا وَنَهْرِ جَوْبَرَ وَالزَّوَابِي مَعَهُ إِلَى جُنْدِهِ، وَقَدْ أَتَى الْخَبَرُ بورانَ وَرُسْتُمَ بِهَزِيمَةِ جَابَانَ، فَبَعَثُوا إِلَى الْجَالِنُوسِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ نَرْسِيَّ وَأَهْلَ كَسْكَرَ وَبَارُوسْمَا وَنَهْرَ جَوْبَرَ وَالزَّابَ، فَرَجَوْا أَنْ يَلْحَقَ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَعَاجَلَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ فَالْتَقَوْا أَسْفَلَ مِنْ كَسْكَرَ بِمَكَانٍ يُدْعَى السَّقَاطِيَّةَ فَاقْتَتَلُوا فِي صَحَارَى ملس قِتَالا شَدِيدًا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَزَمَ فَارِسَ، وَهَرَبَ نَرْسِيٌّ، وَغُلِبَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَأَرْضِهِ، وَأَخْرَبَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا كَانَ حَوْلَ مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ كَسْكَرَ، وَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَرَأَى مِنَ الأَطْعِمَةِ شَيْئًا عَظِيمًا، فَبَعَثَ فِيمَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ فَانْتَقَلُوا مَا شَاءُوا، وَأُخِذَتْ خَزَائِنُ نَرْسِيٍّ، فَلَمْ يَكُونُوا بِشَيْءٍ مِمَّا خُزِنَ أَفْرَحَ مِنْهُمْ بِالنَّرْسِيَّانِ، لأَنَّهُ كَانَ يَحْمِيهِ وَيُمَالِئُهُ عَلَيْهِ مُلُوكُهُمْ، فَاقْتَسَمُوهُ فَجَعَلُوا يُطْعِمُونَهُ الْفَلاحِينَ، وَبَعَثُوا بِخُمْسِهِ إِلَى عُمَرَ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا مَطَاعِمَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ يَحْمُونَهَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ تَرَوْهَا، وَلِتَذْكُرُوا إِنْعَامَ اللَّهِ وَإِفْضَالِهِ.
وَأَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَرَّحَ الْمُثَنَّى إِلَى بَارُوسْمَا، وَبَعَثَ وَالِقًا إِلَى الزَّوَابِي وَعَاصِمًا إِلَى نَهْرِ جَوْبَرَ، فَهَزَمُوا مَنْ كَانَ تَجَمَّعَ وَأَخْرَبُوا وَسَبَوْا، وَكَانَ مِمَّا أَخْرَبَ الْمُثَنَّى وَسَبَى أَهْلَ زَنْدوَرْدَ وَبسُوسِيَا، وَكَانَ أَبُو زَعْبَلٍ مِنْ سَبْيِ زَنْدوَرْدَ، وَهَرَبَ ذَلِكَ الْجُنْدُ إِلَى الْجَالِنُوسِ، فَكَانَ مِمَّنْ أَسَرَ عَاصِمٌ أَهْلُ بيتيقَ مِنْ نَهْرِ جَوْبَرَ، وَمِمَّنْ أَسَرَ وَالِقٌ أَبُو الصَّلْتِ وَخَرَجَ فَرُّوخُ وَفروندَاذُ إِلَى الْمُثَنَّى، يَطْلُبَانِ الْجَزَاءَ وَالذِّمَّةَ، دَفْعًا عَنْ أَرْضِهِمْ، فَأَبْلَغَهُمَا أَبَا عُبَيْدٍ:
أَحَدُهُمَا بَارُوسْمَا وَالآخَرُ نَهْرَ جَوْبَرَ، فَأَعْطَيَاهُ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعَةً، فَرُّوخُ عن باروسما وفر ونداذ عَنْ نَهْرِ جَوْبَرَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الزَّوَابِي وَكَسْكَرُ، وَضَمِنَا لَهُمُ الرِّجَالَ عَنِ التَّعْجِيلِ، فَفَعَلُوا وَصَارُوا صُلْحًا وَجَاءَ فَرُّوخُ
(3/451)

وَفروندَاذُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ بِآنِيَةٍ فِيهَا أَنْوَاعُ أَطْعِمَةِ فَارِسَ مِنَ الأَلْوَانِ وَالأَخْبِصَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمْنَاكَ بِهَا، وَقِرًى لَكَ قَالَ: أَأَكْرَمْتُمُ الْجُنْدَ وَقَرَيْتُمُوهُمْ مِثْلَهُ؟ قَالُوا: لَمْ يَتَيَسَّرْ وَنَحْنُ فَاعِلُونَ، وَإِنَّمَا يَتَرَبَّصُونَ بِهِمْ قُدُومَ الْجَالِنُوسِ وَمَا يَصْنَعُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَلا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا لا يَسَعِ الْجُنْدَ، فَرَدَّهُ، وَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِبَارُوسْمَا فَبَلَغَهُ مَسِيرُ الْجَالِنُوسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن النضر بْن السري الضبي، قال: فأتاه الاندرزغر بن الخركبذ بمثل ما جاء به فروخ وفرونداذ.
فقال لهم: أأكرمتم الجند بمثله وقريتموهم؟ قالوا: لا، فرده، وقال:
لا حاجة لنا فيه، بئس المرء أبو عبيد، إن صحب قوما من بلادهم أهراقوا دماءهم دونه، أو لم يهريقوا فاستأثر عليهم بشيء يصيبه! لا والله لا يأكل مما أفاء اللَّه عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم.
قال أبو جعفر: وقد حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا، عن رجاله في توجيه عمر المثنى وأبا عبيد ابن مسعود إلى العراق في حرب من بها من الكفار وحروبهم، ومن حاربهم بها، غير أنه قال: لما هزم جالنوس وأصحابه، ودخل أبو عبيد بَارُوسْمَا، نزل هو وأصحابه قرية من قراها، فاشتملت عليهم، فصنع لأبي عبيد طعام فأتي به، فلما رآه قال: ما أنا بالذي آكل هذا دون المسلمين! فقالوا له: كل فإنه ليس من أصحابك أحد إلا وهو يؤتى في منزله بمثل هذا أو أفضل، فأكل فلما رجعوا إليه سألهم عن طعامهم، فأخبروه بما جاءهم من الطعام.
كتب إلي السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحه وزياده بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ جَابَانُ وَنَرْسِيٌّ اسْتَمَدَّا بورانَ، فَأَمَدَّتْهُمَا بِالْجَالِنُوسِ فِي جُنْدِ جَابَانَ، وَأُمِرَ أَنْ يَبْدَأَ بِنَرْسِيٍّ، ثُمَّ يُقَاتِلُ أَبَا عُبَيْدٍ بَعْدُ، فَبَادَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فَنَهَضَ فِي جُنْدِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ، فَلَمَّا دَنَا
(3/452)

اسْتَقْبَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فَنَزَلَ الْجَالِنُوسُ بِبَاقُسْيَاثَا مِنْ بَارُوسْمَا، فَنَهَدَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَتِهِ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَاقُسْيَاثَا، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَرَبَ الْجَالِنُوسُ، وَأَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَدْ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْبِلادِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْرِ بْنِ السَّرِيِّ وَالْمُجَالِدِ بِنَحْوٍ مِنْ وَقْعَةِ بَاقُسْيَاثَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَمُجَالِدٍ وَزِيَادٍ وَالنَّضْرِ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: أَتَاهُ أُولَئِكَ الدَّهَّاقِينُ الْمُتَرَبِّصُونَ جَمِيعًا بِمَا وَسِعَ الْجُنْدُ، وَهَابُوا وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا النَّضْرُ وَمُجَالِدٌ فَإِنَّهُمَا قَالا:
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَلَمْ أُعْلِمْكُمْ أَنِّي لَسْتُ آكِلا إِلا مَا يَسَعُ مَنْ مَعِي مِمَّنْ أَصَبْتُمْ بِهِمْ! قَالُوا: لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ أَتَى بِشَبْعِهِ مِنْ هَذَا فِي رِحَالِهِمْ وَأَفْضَلَ.
فَلَمَّا رَاحَ النَّاسُ عَلَيْهِ سَأَلَهُمْ عَنْ قَرَى أَهْلِ الأَرْضِ فَأَخْبَرُوهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا قَصَرُوا أَوَّلا تَرَبُّصًا وَمَخَافَةَ عُقُوبَةِ أَهْلِ فَارِسَ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ وَطَلْحَةُ وَزِيَادٌ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: فَلَمَّا عَلِمَ قَبِلَ مِنْهُمْ، وَأَكَلَ وَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ مَعَهُ أَضْيَافًا عَلَيْهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّعَامِ، وَقَدْ أَصَابُوا مَنْ نَزَلَ فَارِسَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُمْ أَتَوْا أَبَا عُبَيْدٍ بِشَيْءٍ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَى مِثْلِ مَا كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنْ غَلِيظِ عَيْشِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَرِهُوا تَرْكَ مَا أُتُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: قُلْ لِلأَمِيرِ، إِنَّا لا نَشْتَهِي شَيْئًا مَعَ شَيْءٍ أَتَتْنَا بِهِ الدَّهَّاقِينُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنَّهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ مِنْ أَطْعِمَةِ الأَعَاجِمِ، لِتَنْظُرُوا أَيْنَ هُوَ مِمَّا أَتَيْتُمْ بِهِ! إِنَّهُ قرو ونجم وجوزل وشواء وخردل، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو وَأَضْيَافِهِ عِنْدَهُ:
إِنْ تَكُ ذَا قرو وَنَجمٍ وَجَوْزَلٍ ... فَعِنْدَ ابْنِ فَرُّوخَ شِوَاءٌ وَخَرْدَلُ
وَقَروٌ رِقَاقٌ كَالصَّحَائِفِ طُوِّيَتْ ... عَلَى مُزَعٍ فِيهَا بقولٌ وَجَوْزَلٌ
وَقَالَ أَيْضًا:
صَبَحْنَا بِالبقايسِ رَهْطَ كِسْرَى ... صَبُوحًا لَيْسَ مِنْ خَمْرِ السَّوَادِ
صَبَحْنَاهُمْ بِكُلِّ فَتًى كَمِيٍّ ... وَأَجْرَدَ سَابِحٍ مِنْ خيل عاد
(3/453)

ثُمَّ ارْتَحَلَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَدَّمَ الْمُثَنَّى، وَسَارَ فِي تَعْبِيَتِهِ حَتَّى قَدِمَ الْحِيرَةَ.
وَقَالَ النَّضْرُ وَمُجَالِدٌ وَمُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ: تَقَدَّمَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّكَ تُقْدِمُ عَلَى أَرْضِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ قَدْ جَرَءُوا عَلَى الشَّرِّ فَعَلِمُوهُ، وَتَنَاسَوُا الْخَيْرَ فَجَهِلُوهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ! وَاخْزُنْ لِسَانَكَ، وَلا تُفْشِيَنَّ سِرَّكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ السِّرِّ مَا ضَبَطَهُ، مُتَحَصِّنٌ لا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ يَكْرَهُهُ، وَإِذَا ضَيَّعَهُ كَانَ بِمَضْيَعَةٍ
. وقعة القرقس
ويقال لها القس قس الناطف، ويقال لها الجسر، ويقال لها المروحة.
قال ابو جعفر الطبرى رحمه الله: كتب إلي السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قَالُوا: وَلَمَّا رَجَعَ الْجَالِنُوسُ إِلَى رُسْتُمَ وَمَنْ أَفْلَتَ مِنْ جُنُودِهِ، قَالَ رُسْتُمُ: أَيُّ الْعُجْمِ أَشَدُّ عَلَى الْعَرَبِ فِيمَا تَرَوْنَ؟
قَالُوا: بهمنُ جَاذُوَيْهِ، فَوَجَّهَهُ وَمَعَهُ فِيَلَةٌ وَرَدَّ الْجَالِنُوسَ مَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: قَدِّمِ الْجَالِنُوسَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَأَقْبَلَ بهمنُ جَاذُوَيْهِ وَمَعَهُ دَرفشُ كابيانَ رَايَةُ كِسْرَى- وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النَّمِرِ، عَرْضَ ثَمَانِيَةِ أَذْرُعٍ فِي طُولِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا- وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَنَزَلَ الْمَرْوَحَةَ، مَوْضِعَ الْبُرْجِ وَالْعَاقُولِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بهمنُ جَاذُوَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَنَدَعُكُمْ وَالْعُبُورَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعُونَا نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ! فَقَالَ النَّاسُ: لا تَعْبُرْ يَا أَبَا عُبَيْدٍ، نَنْهَاكَ عَنِ الْعُبُورِ وَقَالُوا لَهُ: قُلْ لَهُمْ: فَلْيَعْبُرُوا- وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ سُلَيْطٌ- فَلَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ، وَتَرَكَ الرَّأْيَ، وَقَالَ: لا يَكُونُونَ أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا، بَلْ نَعْبُرُ إِلَيْهِمْ فَعَبَرُوا إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَنْزِلٍ ضَيِّقِ الْمَطْرَدِ وَالْمَذْهَبُ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمًا- وَأَبُو عُبَيْدٍ فِيمَا بَيْنَ السِّتَّةِ وَالْعَشَرَةِ- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، وَاسْتَبْطَأَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ الْفَتْحَ، أَلَّفَ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ وَضَرَبَ أَبُو عُبَيْدٍ الْفِيلَ، وَخَبَطَ الْفِيلُ أَبَا عُبَيْدٍ، وَقَدْ أَسْرَعَتِ السُّيُوفُ فِي أَهْلِ فَارِسَ،
(3/454)

وَأُصِيبَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلافٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَلَمْ يَبْقَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ إِلا الْهَزِيمَةِ، فَلَمَّا خُبِطَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَامَ عَلَيْهِ الْفِيلُ جَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً، ثُمَّ تَمُّوا عَلَيْهَا، وَرَكِبَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، فَبَادَرَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ، فَانْتَهَى النَّاسُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ تَأْخُذُهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَتَهَافَتُوا فِي الْفُرَاتُ، فَأَصَابُوا يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ آلافِ، مِنْ بَيْن غَرِيقٍ وَقَتِيلٍ، وَحَمَى الْمُثَنَّى النَّاسَ وَعَاصِمٌ وَالْكَلَجُ الضَّبِّيُّ وَمَذْعُورٌ، حَتَّى عَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرُوهُمْ ثُمَّ عَبَرُوا فِي آثَارِهِمْ، فَأَقَامُوا بِالْمَرْوَحَةِ وَالْمُثَنَّى جَرِيحٌ، والْكَلَجُ وَمَذْعُورٌ وَعَاصِمٌ- وكانوا حماه لناس- مَعَ الْمُثَنَّى، وَهَرَبَ مِنَ النَّاسِ بَشَرٌ كَثِيرٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَافْتَضَحُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَاسْتَحْيُوا مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَوَى إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ! اللَّهُمَّ إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ! لَوْ كَانَ عَبَرَ فَاعْتَصَمَ بِالْخِيفِ، أَوْ تَحَيَّزَ إِلَيْنَا وَلَمْ يَسْتَقْتِلْ لَكُنَّا لَهُ فِئَةٌ! وَبَيْنَا أَهْلُ فَارِسَ يُحَاوِلُونَ الْعُبُورَ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ قَدْ ثَارُوا بِرُسْتُمَ، وَنَقَضُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَصَارُوا فِرْقَتَيْنِ: الْفهلُوجُ عَلَى رُسْتُمَ، وَأَهْلُ فَارِسَ عَلَى الْفيرزانِ، وَكَانَ بَيْنَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ وَالْجِسْرِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً، وَكَانَ الَّذِي جَاءَ بِالْخَبَرِ عَنِ الْيَرْمُوكِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَالَّذِي جَاءَ بِالْخَبَرِ عَنِ الْجِسْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ- وَلَيْسَ بِالَّذِي رَأَى الرُّؤْيَا- فَانْتَهَى إِلَى عُمَرَ وَعُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَادَى عُمَرُ: الْخَبَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ! قَالَ:
أَتَاكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَيْهِ الْمِنْبَرَ فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتِ الْيَرْمُوكُ فِي أَيَّامٍ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، وَالْجِسْرِ فِي شَعْبَانَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد وسعيد ابن الْمَرْزُبَانِ، قَالا: وَاسْتَعْمَلَ رُسْتُمُ عَلَى حَرْبِ أَبِي عُبَيْدٍ بهمنَ جَاذُوَيْهِ، وَهُوَ ذُو الْحَاجِبِ، وَرَدَّ مَعَهُ الْجَالِنُوسَ وَمَعَهُ الْفِيَلَةُ، فِيهَا فِيلٌ أَبْيَضُ عَلَيْهِ النخلُ، وَأَقْبَلَ فِي الدهم، وَقَدِ اسْتَقْبَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِلَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ انْحَازَ حَتَّى جَعَلَ الْفُرَاتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فعسكر بالمروحة
(3/455)

ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ نَدِمَ حِينَ نَزَلُوا بِهِ وَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ، فَحَلَفَ لَيَقْطَعَنَّ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ، وَلَيَمْحَصَنَّ مَا صَنَعَ، فَنَاشَدَهُ سُلَيْطُ بْنُ قَيْسٍ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَ جُنُودِ فَارِسَ مُذْ كَانُوا، وَإِنَّهُمْ قَدْ حَفَلُوا لَنَا وَاسْتَقْبَلُونَا مِنَ الزُّهَاءِ وَالْعُدَّةِ بِمَا لَمْ يَلْقَنَا بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ نَزَلْتَ مَنْزِلا لَنَا فِيهِ مَجَالٌ وَمَلْجَأٌ وَمَرْجِعٌ، مِنْ فَرَّةٍ إِلَى كَرَّةٍ فَقَالَ:
لا أَفْعَلُ، جَبُنْتَ وَاللَّهِ! وَكَانَ الرَّسُولُ فِيمَا بَيْنَ ذِي الْحَاجِبِ وَأَبِي عبيد مردان شاه الْخصي، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ عَيَّرُوهُمْ، فَازْدَادَ أَبُو عُبَيْدٍ مَحَكًّا، وَرَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ الرَّأْيَ، وَجَبُنَ سُلَيْطًا، فَقَالَ: سُلَيْطٌ:
أَنَا وَاللَّهِ أَجْرَأُ مِنْكَ نَفْسًا، وَقَدْ أَشَرْنَا عَلَيْكَ الرَّأْيَ فَسَتَعْلَمُ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عَنِ الأَغَرِّ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: أَقْبَل ذُو الْحَاجِبِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ بِقُسِّ النَّاطِفِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مُعَسْكِرٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ بِالْمَرْوَحَةِ فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بَلْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ فَعَقَدَ ابْنُ صَلُوبَا الْجِسْرَ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا قَدْ رَأَتْ دَوْمَةُ امْرَأَةُ أَبِي عُبَيْدٍ رُؤْيَا وَهِيَ بِالْمَرْوَحَةِ، أَنَّ رَجُلا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَبْرٌ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا أَبَا عُبَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الشِّهَادَةُ، وَعَهِدَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَى النَّاسِ جَبْرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْكُمْ فُلانٌ، حَتَّى أَمَّرَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ الإِنَاءِ عَلَى الْوَلاءِ مِنْ كَلامِهِ ثُمَّ قَالَ: إِنْ قُتِلَ أَبُو الْقَاسِمِ فَعَلَيْكُمُ الْمُثَنَّى، ثُمَّ نَهَدَ بِالنَّاسِ فَعَبَرَ وَعَبَرُوا إِلَيْهِمْ، وَعَضِلَتِ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَأَلْحَمَ النَّاسُ الْحَرْبَ.
فَلَمَّا نَظَرَتِ الْخُيُولُ إِلَى الْفِيَلَةِ عَلَيْهَا النَّخلُ، وَالْخَيْلُ عَلَيْهَا التَّجَافِيفُ وَالْفِرْسَانُ عَلَيْهِمُ الشُّعُرُ رَأَتْ شَيْئًا مُنْكَرًا لَمْ تَكُنْ تَرَى مِثْلَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا حَمَلُوا عَلَيْهِمْ لَمْ تَقَدَّمْ خُيُولُهُمْ، وَإِذَا حَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْفِيَلَةِ وَالْجَلاجِلِ فَرَّقَتْ بَيْنَ كَرَادِيسِهِمْ، لا تَقُومُ لَهَا الْخَيْلُ إِلا عَلَى نِفَارٍ وَخَزَقَهُمُ الْفُرْسُ
(3/456)

بِالنُّشَّابِ، وَعَضَّ الْمُسْلِمِينَ الأَلَمُ، وَجَعَلُوا لا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ، فَتَرَجَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَرَجَّلَ النَّاسُ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَيْهِمْ فَصَافَحُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَتِ الْفِيَلَةُ لا تَحْمِلُ عَلَى جَمَاعَةٍ إِلا دَفَعَتْهُمْ، فَنَادَى أَبُو عُبَيْدٍ: احْتَوِشُوا الْفِيلَةَ، وَقَطِّعُوا بَطْنَهَا وَاقْلِبُوا عَنْهَا أَهْلَهَا، وَوَاثَبَ هُوَ الْفِيلَ الأَبْيَضَ، فَتَعَلَّقَ بِبِطَانِهِ فَقَطَعَهُ، وَوَقَعَ الَّذِينَ عَلَيْهِ، وَفَعَلَ الْقَوْمُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا تَرَكُوا فِيلا إِلا حَطُّوا رَحْلَهُ، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، وَأَهْوَى الْفِيلُ لأَبِي عُبَيْدٍ، فَنَفَحَ مِشْفَرَهُ بِالسَّيْفِ، فَاتَّقَاهُ الْفِيلُ بِيَدِهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ يَتَجَرْثَمُهُ، فَأَصَابَهُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ فَخَبَطَهُ الْفِيلُ، وَقَامَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَصرَ النَّاسُ بِأَبِي عُبَيْدٍ تَحْتَ الْفِيلِ، خَشَعَتْ أَنْفُسُ بَعْضِهِمْ، وَأَخَذَ اللِّوَاءَ الَّذِي كَانَ أَمَّرَهُ بَعْدَهُ، فَقَاتَلَ الْفِيلَ حَتَّى تَنَحَّى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَاجْتَرَّهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْرَزُوا شِلْوَهُ، وَتَجَرْثَمَ الْفِيل فَاتَّقَاهُ الْفِيلُ بِيَدِهِ، دَأْبَ أَبِي عُبَيْدٍ وَخَبَطَهُ الْفِيلُ وَقَامَ عَلَيْهِ وَتَتَابَعَ سَبْعَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُ اللِّوَاءَ فَيُقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الْمُثَنَّى، وَهَرَبَ النَّاسُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ الثَّقَفِيُّ مَا لَقِيَ أَبُو عُبَيْدٍ وَخُلَفَاؤُهُ وَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ، بَادَرَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ، وَقَالَ: يا ايها النَّاسُ، مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أُمَرَاؤُكُمْ أَوْ تَظْفُرُوا وَحَازَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِسْرِ، وَخَشَعَ نَاسٌ فَتَوَاثَبُوا فِي الْفُرَاتِ، فَغَرِقَ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَسْرَعُوا فِيمَنْ صَبَرَ، وَحَمَى الْمُثَنَّى وفرسان من المسلمين الناس، ونادى: يا ايها النَّاسُ، إِنَّا دُونَكُمْ فَاعْبُرُوا عَلَى هَيِّنَتِكُمْ وَلا تَدْهَشُوا، فَإِنَّا لَنْ نُزَايِلَ حَتَّى نَرَاكُمْ مِنْ ذلك الجانب، ولا تغرقوا انفسكم.
فوجدوا الْجِسْرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ قَائِمٌ عَلَيْهِ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْعُبُورِ، فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ الْمُثَنَّى، فَضَرَبَهُ وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: لِيُقَاتِلُوا، وَنَادَى مِنْ عَبَرَ فَجَاءُوا بِعُلُوجٍ، فَضُمُّوا إِلَى السَّفِينَةِ الَّتِي قُطِعَتْ سَفَائِنُهَا، وَعَبَرَ النَّاسُ، وَكَانَ آخِرُ مَنْ قُتِلَ عِنْدَ الْجِسْرِ سُلَيْطُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ، فَاضْطَرَبَ عَسْكَرُهُ، وَرَامَهُمْ ذُو الْحَاجِبِ فَلَمْ يقدر عليهم،
(3/457)

فَلَمَّا عَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ ارْفَضَّ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى لَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَرَكَهَا بَعْضُهُمْ وَنَزَلُوا الْبَوَادِي وَبَقِيَ الْمُثَنَّى فِي قِلَّةٍ.
كَتَبَ إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن رجل، عن أبي عثمان النهدي، قال: هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقي ثلاثة آلاف، وأتى ذا الحاجب الخبر باختلاف فارس، فرجع بجنده، وكان ذلك سببا لارفضاضهم عنه، وجرح المثنى، وأثبت فيه حلق من درعه هتكهن الرمح.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية نحوا مِنْهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُجَالِدٍ وَعَطِيَّةَ وَالنَّضْرِ، أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمَّا لَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا عَمَّنْ سَارَ فِي الْبِلادِ اسْتِحْيَاءً مِنَ الْهَزِيمَةِ، اشتد على عمر ذلك ورحمهم قَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ كُلُّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَفَظِعَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فَأَنَا لَهُ فِئَةٌ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ لَوْ كَانَ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةٌ! وَبَعَثَ الْمُثَنَّى بِالْخَبَرِ إِلَى عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِنَحْوِ خَبَرِ سَيْفٍ هَذَا فِي أَمْرِ أَبِي عُبَيْدٍ وَذِي الْحَاجِبِ، وَقِصَّةِ حَرْبِهِمَا، إِلا أَنَّهُ قَالَ:
وَقَدْ كَانَتْ رَأَتْ دَوْمَةُ أُمُّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّ رَجُلا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ شَرَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَشَرِبَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَبْرُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأُنَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالَ أَيْضًا: فَلَمَّا رَأَى أَبُو عُبَيْدٍ مَا يَصْنَعُ الْفِيلُ، قَالَ: هَلْ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ مِنْ مَقْتَلٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، إِذَا قُطِعَ مِشْفَرُهَا مَاتَتْ، فَشَدَّ عَلَى الْفِيلِ فَضَرَبَ مِشْفَرَهُ فَقَطَعَهُ، وَبَرَكَ عَلَيْهِ الْفِيلُ فَقَتَلَهُ وَقَالَ أَيْضًا: فَرَجَعَتِ الْفُرْسُ وَنَزَلَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ أُلَيْسَ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، فَلَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِخَبَرِ النَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْخَطْمِيُّ، فاخبر الناس
(3/458)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن عائشة زوج النبي ص، قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَنَادَى: الْخَبَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ! وَهُوَ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَمُرُّ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ؟ قَالَ: أَتَاكَ الْخَبَرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ أَخْبَرَهُ خَبَرَ النَّاسِ، فَمَا سَمِعْتُ بِرَجُلٍ حَضَرَ أَمْرًا فَحَدَّثَ عَنْهُ كَانَ أَثْبَتَ خَبَرًا مِنْهُ فَلَمَّا قَدِمَ فَلُّ النَّاسِ، وَرَأَى عُمَرُ جَزَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِنَ الْفِرَارِ، قَالَ: لا تَجْزَعُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنَا فِئَتُكُمْ، إِنَّمَا انْحَزْتُمْ إِلَيَّ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ مُعَاذًا القاري أَخَا بَنِي النَّجَّارِ، كَانَ مِمَّنْ شَهِدَهَا فَفَرَّ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ، بَكَى، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: لا تَبْكِ يَا مُعَاذُ، أَنَا فِئَتُكَ، وَإِنَّمَا انْحَزْتَ إِلَيَّ
. خبر أليس الصغرى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ وَعَطِيَّةَ، قَالُوا: وَخَرَجَ جَابَانُ ومردان شاه حَتَّى أَخَذَا بِالطَّرِيقِ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ سَيَرْفُضُونَ وَلا يَشْعُرُونَ بِمَا جَاءَ ذَا الْحَاجِبِ مِنْ فُرْقَةِ أَهْلِ فَارِسَ، فَلَمَّا ارْفَضَّ أَهْلُ فَارِسَ، وَخَرَجَ ذُو الْحَاجِبِ فِي آثَارِهِمْ، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى فعله جابان ومردان شاه، اسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، وَخَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ يُرِيدُهُمَا، فَظَنَّا أَنَّهُ هَارِبٌ،
(3/459)

فَاعْتَرَضَاهُ فَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَخَرَجَ أَهْلُ أُلَّيْسَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا، فَأَتَوْهُ بِهِمْ أُسَرَاءَ، وَعَقَدَ لَهُمْ بِهَا ذِمَّةً وَقَدَّمَهُمَا، وَقَالَ: أَنْتُمَا غَرَّرْتُمَا أَمِيرَنَا، وَكَذَبْتُمَاهُ وَاسْتَفْزَزْتُمَاهُ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا، وَضَرَبَ أَعْنَاقَ الأُسَرَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَهَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنْ أُلَّيْسَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَنَفَرٌ اسْتَأْذَنُوا خَالِدًا مِنْ سُوَى، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَدِمُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ لَهُ جَرِيرٌ حَاجَتَهُ، فَقَالَ: أَعَلَى حَالِنَا، وَأَخَّرَهُ بِهَا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ دَعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَأَقَامَهَا، فَكَتَبَ لَهُ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ السُّعَاةِ فِي الْعَرَبِ كُلِّهِمْ: مَنْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ يُنْسَبُ إِلَى بَجِيلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ فِي الإِسْلامِ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَأَخْرِجُوهُ إِلَى جَرِيرٍ وَوَعَدَهُمْ جَرِيرٌ مَكَانًا بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالْمَدِينَةِ وَلَمَّا أُعْطِيَ جَرِيرٌ حَاجَتَهُ فِي اسْتِخْرَاجِ بَجِيلَةَ مِنَ النَّاسِ فَجَمَعَهُمْ فَأُخْرِجُوا لَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَوْعِدِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ، فَتَتَامَّوْا، قَالَ لِجَرِيرٍ:
اخْرُجْ حَتَّى تَلْحَقَ بِالْمُثَنَّى، فَقَالَ: بَلِ الشَّامُ، قَالَ: بَلِ الْعِرَاقُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ قَوَوْا عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَأَبَى حَتَّى أَكْرَهَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا لَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَوْعِدِ عَوَّضَهُ لإِكْرَاهِهِ وَاسْتِصْلاحًا لَهُ، فَجَعَلَ لَهُ رُبْعُ خُمُسِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي غَزَاتِهِمْ هَذِهِ لَهُ وَلِمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَلِمَنْ أَخْرَجَ لَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبَائِلِ، وَقَالَ:
اتَّخِذُونَا طَرِيقًا، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ فَصَلُوا مِنْهَا إِلَى الْعِرَاقِ مُمِدِّينَ لِلْمُثَنَّى، وَبَعَثَ عِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ الضَّبِيِّ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ، وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَلَمْ يُوَافِ شَعْبَانَ أَحَدٌ إِلا رَمَى بِهِ الْمُثَنَّى
. البويب
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وبعث المثنى بعد الجسر فيمن يليه من الممدين،
(3/460)

فتوافوا إليه في جمع عظيم، وبلغ رستم والفيرزان ذلك، وأتتهم العيون به وبما ينتظرون من الأمداد، واجتمعا على أن يبعثا مهران الهمذاني، حتى يريا من رأيهما، فخرج مهران في الخيول وأمراه بالحيرة، وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ بين القادسية وخفان في الذين أمدوه من العرب عن خبر بشير وكنانة- وبشير يومئذ بالحيرة- فاستبطن فرات بادقلى، وأرسل إلى جرير ومن معه: إنا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب.
وكان جرير ممدا له، وكتب إلى عصمة ومن معه، وكان ممدا له بمثل ذلك، وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجوف، فسلكوا القادسية والجوف، وسلك المثنى وسط السواد، فطلع على النهرين ثم على الخورنق، وطلع عصمة على النجف، ومن سلك معه طريقه، وطلع جرير على الجوف ومن سلك معه طريقه، فانتهوا إلى المثنى، وهو على البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلي موضع الكوفة اليوم، وعليهم المثنى وهم بإزاء مهران وعسكره فقال المثنى لرجل من اهل السواد: ما يقال للرقعه للتي فيها مهران وعسكره؟ قال: بسوسيا فقال: أكدي مهران وهلك! نزل منزلا هو البسوس، وأقام بمكانه حتى كاتبه مهران: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا، فعبر مهران، فنزل على شاطئ الفرات معهم في الملطاط، فقال المثنى لذلك الرجل: ما يقال لهذه الرقعة التي نزلها مهران وعسكره؟ قال: شوميا- وذلك في رمضان- فنادى في الناس: انهدوا لعدوكم، فتناهدوا، وقد كان المثنى عبى جيشه، فجعل على مجنبتيه مذعورا والنسير، وعلى المجردة عاصما، وعلى الطلائع عصمة، واصطف الفريقان، وقام المثنى فيهم خطيبا، فقال:
إنكم صوام، والصوم مرقة ومضعفة، وإني أرى من الرأي أن تفطروا ثم تقووا بالطعام على قتال عدوكم قالوا: نعم، فأفطروا، فأبصر رجلا يستوفز ويستنتل من الصف، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: هو ممن فر من
(3/461)

الزحف يوم الجسر، وهو يريد ان يستقبل، فقرعه بالرمح، وقال: لا ابالك! الزم موقفك، فإذا أتاك قرنك فأغنه عن صاحبك ولا تستقتل، قال:
إني بذلك لجدير، فاستقر ولزم الصف.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني بمثله.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ وَعَنْ سُفْيَانَ الأَحْمَرِيِّ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالا: قَالَ عُمَرُ حِينَ اسْتَجَمَّ جَمْعُ بَجِيلَةَ: اتَّخذُونَا طَرِيقًا، فَخَرَجَ سَرَوَاتُ بَجِيلَةَ وَوَفْدُهُمْ نَحْوَهُ، وَخَلَّفُوا الْجُمْهُورَ، فَقَالَ: أَيُّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: الشَّامُ فَإِنَّ أَسْلافَنَا بِهَا، فَقَالَ: بَلِ الْعِرَاقُ، فَإِنَّ الشَّامَ فِي كِفَايَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ، وَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ حَتَّى عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَ لَهُمْ رُبْعَ خُمُسِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَى نَصِيبِهِمْ مِنَ الْفَيْءِ، فَاسْتَعْمَلَ عَرْفَجَةَ عَلَى مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى جَدِيلَةَ مِنْ بَجِيلَةَ، وَجَرِيرًا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَلاهُ قِتَالَ أَهْلِ عُمَانَ فِي نَفَرٍ، وَأَقْفَلَهُ حِينَ غَزَا فِي الْبَحْرِ، فَوَلاهُ عُمَرُ عِظَمَ بَجِيلَةَ، وَقَالَ: اسْمَعُوا لِهَذَا، وَقَالَ لِلآخَرِينَ:
اسْمَعُوا لِجَرِيرٍ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِبَجِيلَةَ: تُقِرُّونَ بِهَذَا- وَقَدْ كَانَتْ بَجِيلَةُ غَضِبَتْ عَلَى عَرْفَجَةَ فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ- وَقَدْ أَدْخَلَ عَلَيْنَا مَا أَدْخَلَ! فَاجْتَمَعُوا فَأَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: أَعْفِنَا مِنْ عَرْفَجَةَ، فَقَالَ: لا أَعْفِيكُمْ مِنْ أَقْدَمِكُمْ هِجْرَةً وَإِسْلامًا، وَأَعْظَمِكُمْ بَلاءً وَإِحْسَانًا، قَالُوا: اسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا رَجُلا مِنَّا، وَلا تَسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا نَزِيعًا فِينَا، فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُمْ يَنْفُونَهُ مِنْ نَسَبِهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا مَا تَقُولُونَ! قَالُوا: نَقُولُ مَا تَسْمَعُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَرْفَجَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ اسْتَعْفُونِي مِنْكَ، وَزَعَمُوا أَنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، فَمَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: صَدَقُوا، وَمَا يَسُرُّنِي أَنِّي مِنْهُمْ.
أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الأَزْدِ، ثُمَّ مِنْ بَارِقَ، فِي كَهفٍ لا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَحَسَبٍ غَيْرِ مُؤْتَشِبٍ فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْحَيُّ الأَزْدُ! يَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ عَرْفَجَةُ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِي أَنَّ الشَّرَّ تَفَاقَمَ فِينَا، ودارنا واحده،
(3/462)

فَأَصَبْنَا الدِّمَاءَ، وَوَتِرَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَاعْتَزَلْتُهُمْ لَمَّا خِفْتُهُمْ، فَكُنْتُ فِي هَؤُلاءِ أَسُودُهُمْ وَأَقُودُهُمْ، فَحَفِظُوا عَلَيَّ لأَمْرٍ دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ دَهَاقِينِهِمْ، فَحَسَدُونِي وَكَفَّرُونِي فَقَالَ: لا يَضُرُّكَ فَاعْتَزِلْهُمْ إِذْ كَرِهُوكَ وَاسْتَعْمَلَ جَرِيرًا مَكَانَهُ، وَجَمَعَ لَهُ بَجِيلَةَ، وَأَرَى جَرِيرًا وَبَجِيلَةَ أَنَّهُ يَبْعَثُ عَرْفَجَةَ إِلَى الشَّامِ، فَحَبَّبَ ذَلِكَ إِلَى جَرِيرٍ الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ جَرِيرٌ في قومه ممدا للمثنى ابن حَارِثَةَ، حَتَّى نَزَلَ ذَا قَارَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْجُلِّ وَالْمُثَنَّى بِمَرْجِ السّبَاخِ، أَتَى الْمُثَنَّى الْخَبَرُ عَنْ حَدِيثِ بَشِيرٍ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، أَنَّ الأَعَاجِمَ قَدْ بَعَثُوا مِهْرَانَ، وَنَهَضَ مِنَ الْمَدَائِنِ شَاخِصًا نَحْوَ الْحِيرَةِ فَأَرْسَلَ الْمُثَنَّى إِلَى جَرِيرٍ وَإِلَى عِصْمَةَ بِالْحَثِّ، وَقَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ أَلا يَعْبُرُوا بَحْرًا وَلا جِسْرًا إِلا بَعْدَ ظَفْرٍ، فَاجْتَمَعُوا بِالْبُوَيْبِ، فَاجْتَمَعَ الْعَسْكَرَانِ عَلَى شَاطِئِ الْبُوَيْبِ الشَّرْقِيِّ، وَكَانَ الْبُوَيْبُ مُغِيضًا لِلْفُرَاتِ أَيَّامَ الْمُدُودِ، أَزْمَانَ فَارِسَ، يَصُبُّ فِي الْجَوْفِ، وَالْمُشْرِكُونَ بِمَوْضِعِ دَارِ الرِّزْقِ، وَالْمُسْلِمُونَ بِمَوْضِعِ السَّكُونِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَطِيَّةَ وَالْمُجَالِدِ بِإِسْنَادِهِمَا، قَالا: وَقَدِمَا عَلَى عُمَرَ غُزَاةُ بَنِي كِنَانَةَ وَالأَزْدِ فِي سبعمائة جَمِيعًا، فَقَالَ: أَيُّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: الشَّامُ، أَسْلافُنَا أَسْلافُنَا! فَقَالَ: ذَلِكَ قَدْ كُفِيتُمُوهُ، الْعِرَاقَ الْعِرَاقَ! ذَرُوا بَلْدَةً قَدْ قَلَّلَ اللَّهُ شَوْكَتَهَا وَعَدَدَهَا، وَاسْتَقْبِلُوا جِهَادَ قَوْمٍ قَدْ حَوَوْا فُنُونَ الْعَيْشِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُورِثَكُمْ بِقِسْطِكُمْ مِنْ ذَلِكَ فَتَعِيشُوا مَعَ مَنْ عَاشَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ وَعَرْفَجَةُ الْبَارِقِيُّ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِقَوْمِهِ، وَقَامَا فِيهِمْ:
يَا عَشِيرَتَاهُ! أَجِيبُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَرَى، وَأَمْضُوا لَهُ مَا يُسْكِنُكُمْ قَالُوا:
إِنَّا قَدْ أَطَعْنَاكَ وَأَجَبْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا رَأَى وَأَرَادَ فَدَعَا لَهُمْ عُمَرُ بِخَيْرٍ وَقَالَهُ لَهُمْ، وَأَمَّرَ عَلَى بَنِي كِنَانَةَ غَالِبَ بْنَ عبدِ اللَّهِ وَسَرَّحَهُ، وَأَمَّرَ عَلَى الأَزْدِ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ وَعَامَّتُهُمْ مِنْ بَارِقَ، وَفَرِحُوا بِرُجُوعِ عَرْفَجَةَ إِلَيْهِمْ.
فَخَرَجَ هَذَا فِي قَوْمِهِ، وَهَذَا فِي قَوْمِهِ، حَتَّى قَدِمَا عَلَى الْمُثَنَّى.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَمْرٍو
(3/463)

بِإِسْنَادِهِمَا، قَالا: وَخَرَجَ هِلالُ بْنُ عُلْفَةَ التَّيْمِيُّ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ الرِّبَابِ حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَسَرَّحَهُ، فَقَدِمَ عَلَى الْمُثَنَّى وَخَرَجَ ابْنُ الْمُثَنَّى الْجُشَمِيُّ، جُشَمُ سَعْدٍ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ، فَوَجَّهَهُ وَأَمَّرَهُ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، فَقَدِمَ عَلَى الْمُثَنَّى.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي وعطية بإسنادهما، قالا: وجاء عبد اللَّه بْن ذي السهمين في أناس من خثعم، فأمره عليهم ووجهه إلى المثنى، فخرج نحوه حتى قدم عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وجاء ربعي في أناس من بني حنظلة، فأمره عليهم وسرحهم، وخرجوا حتى قدم بهم على المثنى، فرأس بعده ابنه شبث بْن ربعي، وقدم عليه أناس من بني عمرو، فأمر عليهم ربعي بْن عامر بْن خالد العنود، وألحقه بالمثنى، وقدم عليه قوم من بني ضبة، فجعلهم فرقتين، فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهوبر، وعلى الأخرى المنذر بْن حسان، وقدم عليه قرط بْن جماح في عبد القيس، فوجهه وقالوا جميعا: اجتمع الفيرزان ورستم على أن يبعثا مهران لقتال المثنى واستأذنا بوران- وكانا إذا أرادا شيئا دنوا من حجابها حتى يكلماها به- فقالا بالذي رأيا وأخبراها بعدد الجيش- وكانت فارس لا تكثر البعوث، حتى كان من أمر العرب ما كان- فلما أخبراها بكثرة عدد الجيش، قالت: ما بال أهل فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟ وما لكما لا تبعثان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم! قالا: إن الهيبة كانت مع عدونا يومئذ، وانها فينا اليوم، فما لاتهما وعرفت ما جاءاها به، فمضى مهران في جنده حتى نزل من دون الفرات والمثنى وجنده على شاطئ الفرات، والفرات بينهما، وقدم أنس بْن هلال النمري ممدا للمثنى في أناس من النمر نصارى وجلاب جلبوا خيلا، وقدم ابن مردى الفهري التغلبي في أناس من بني تغلب نصارى وجلاب جلبوا خيلا- وهو عبد اللَّه بْن كليب بْن خالد- وقالوا حين رأوا نزول العرب بالعجم: نقاتل مع قومنا وقال مهران: إما أن تعبروا
(3/464)

إلينا، وإما أن نعبر إليكم، فقال المسلمون: اعبروا إلينا، فارتحلوا من بسوسيا إلى شوميا، وهي موضع دار الرزق.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بْن محفز، عن أبيه، أن العجم لما أذن لهم في العبور نزلوا شوميا موضع دار الرزق، فتعبوا هنالك، فأقبلوا إلى المسلمين في صفوف ثلاثة مع كل صف فيل، ورجلهم أمام فيلهم، وجاءوا ولهم زجل فقال المثنى للمسلمين: إن الذي تسمعون فشل، فالزموا الصمت وائتمروا همسا فدنوا من المسلمين وجاءوهم من قبل نهر بني سليم نحو موضع نهر بنى سليم، فلما دنوا زحفوا، وصف المسلمون فيما بين نهر بني سليم اليوم وما وراءها كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة، قالا:
وكان على مجنبتي المثنى بشير وبسر بْن أبي رهم، وعلى مجردته الْمُعَنَّى، وعلى الرجل مسعود، وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النسير، وعلى الردء مذعور، وكان على مجنبى مهران ابن الازاذبه مرزبان الحيرة ومردان شاه.
ولما خرج المثنى طاف في صفوفه يعهد إليهم عهده، وهو على فرسه الشموس- وكان يدعى الشموس من لين عريكته وطهارته، فكان إذا ركبه قاتل، وكان لا يركبه إلا لقتال ويدعه ما لم يكن قتال- فوقف على الرايات راية راية يحضضهم، ويأمرهم بأمره، ويهزهم بأحسن ما فيهم، تحضيضا لهم، ولكلهم يقول: إني لأرجو ألا تؤتى العرب اليوم من قبلكم، والله ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامتكم، فيجيبونه بمثل ذلك وأنصفهم المثنى في القول والفعل، وخلط الناس في المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا ثم قال: إني مكبر ثلاثا فتهيئوا، ثم احملوا مع الرابعة، فلما كبر أول تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أول تكبيرة، وركدت حربهم مليا، فرأى المثنى خللا في بعض صفوفه، فأرسل إليهم رجلا، وقال: إن الأمير يقرأ عليكم السلام، ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم، فقالوا: نعم، واعتدلوا، وجعلوا قبل ذلك يرونه وهو يمد لحيته لما يرى منهم، فاعتنوا بأمر لم يجيء به
(3/465)

أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فرحا والقوم بنو عجل.
فلما طال القتال واشتد، عمد المثنى إلى أنس بْن هلال، فقال: يا أنس إنك امرؤ عربي، وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي، وقال لابن مردى الفهر مثل ذلك فأجابه فحمل المثنى على مهران، فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم، واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتث مسعود يومئذ وقواد من قواد المسلمين، وقد كان قال لهم: إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، الزموا مصافكم، وأغنوا غناء من يليكم وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين، وقتل غلام من التغلبيين نصراني مهران واستوى على فرسه، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله، وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذي هو أمير على من قتل، وكان له قائدان: أحدهما جرير والآخر ابن الهوبر، فاقتسما سلاحه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه محفز بْن ثعلبة، قال: جلب فتية من بني تغلب أفراسا، فلما التقى الزحفان يوم البويب، قالوا: نقاتل العجم مع العرب، فأصاب أحدهم مهران يومئذ، ومهران على فرس له ورد مجفف بتجفاف أصفر، بين عينيه هلال، وعلى ذنبه أهلة من شبه، فاستوى على فرسه، ثم انتمى:
أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان! فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذا برجله فأنزلاه.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بْن المرزبان أن جريرا والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه، فتقاضيا إلى المثنى، فجعل سلاحه بينهما والمنطقة والسوارين بينهما، وأفنوا قلب المشركين كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي روق، قال:
(3/466)

والله إن كنا لنأتي البويب، فنرى فيما بين موضع السكون وبني سليم عظاما بيضا تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم، يعتبر بها قال: وحدثني بعض من شهدها أنهم كانوا يحزرونها مائة ألف، وما عفي عليها حتى دفنها أدفان البيوت.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:
وقف المثنى عند ارتفاع الغبار، حتى أسفر الغبار، وقد فني قلب المشركين، والمجنبات قد هز بعضها بعضا، فلما رأوه وقد أزال القلب، وأفنى أهله، قويت المجنبات- مجنبات المسلمين- على المشركين، وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر، ويرسل عليهم من يذمرهم، ويقول: إن المثنى يقول: عاداتكم في أمثالهم، انصروا اللَّه ينصركم، حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعدين ومصوبين، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم، ثم جعلوهم جثا، فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رمة منها ولما ارتث مسعود بْن حارثة يومئذ- وكان صرع قبل الهزيمة، فتضعضع من معه، فرأى ذلك وهو دنف- قال: يا معشر بكر بْن وائل، ارفعوا رايتكم، رفعكم اللَّه! لا يهولنكم مصرعي وقاتل أنس بْن هلال النمري يومئذ حتى ارتث، ارتثه للمثنى، وضمه وضم مسعودا إليه وقاتل قرط بْن جماح العبدي يومئذ حتى دق قنا، وقطع أسيافا وقتل شهربراز من دهاقين فارس وصاحب مجردة مهران.
قال: ولما فرغوا جلس المثنى للناس من بعد الفراغ يحدثهم ويحدثونه، وكلما جاء رجل فتحدث قال له: أخبرني عنك، فقال له قرط بْن جماح: قتلت رجلا فوجدت منه رائحة المسك، فقلت: مهران، ورجوت أن يكون إياه، فإذا هو صاحب الخيل شهر براز، فو الله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئا.
فقال المثنى: قد قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام، والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد علي من ألف من العرب، ولمائة اليوم من العرب
(3/467)

أشد علي من ألف من العجم، إن اللَّه أذهب مصدوقتهم، ووهن كيدهم، فلا يروعنكم زهاء ترونه، ولا سواد ولا قسي فج، ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها، كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت.
وقال ربعي وهو يحدث المثنى: لما رأيت ركود الحرب واحتدامها، قلت: تترسوا بالمجان، فإنهم شادون عليكم، فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة، فأجابوني والله، فوفى اللَّه كفالتي.
وقال ابن ذي السهمين محدثا: قلت لأصحابي: إني سمعت الأمير يقرأ ويذكر في قراءته الرعب، فما ذكره إلا لفضل عنده، اقتدوا برايتكم، وليحم راجلكم خيلكم، ثم احملوا، فما لقول اللَّه من خلف، فأنجز اللَّه لهم وعده، وكان كما رجوت.
وقال عرفجة محدثا: حزنا كتيبة منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون اللَّه تعالى قد أذن في غرقهم وسلى عنا بها مصيبة الجسر، فلما دخلوا في حد الإحراج، كروا علينا، فقاتلناهم قتالا شديدا حتى قال بعض قومي:
لو أخرت رايتك! فقلت: علي إقدامها، وحملت بها على حاميتهم فقتلته، فولوا نحو الفرات، فما بلغه منهم أحد فيه الروح.
وقال ربعي بْن عامر بْن خالد: كنت مع أبي يوم البويب- قال وسمي البويب يوم الأعشار- أحصي مائة رجل، قتل كل رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ، وكان عروة بْن زيد الخيل من أصحاب التسعة، وغالب في بني كنانة من أصحاب التسعة، وعرفجة في الأزد من أصحاب التسعة.
وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم إلى شاطئ الفرات، ضفة البويب الشرقية، وذلك أن المثنى بادرهم عند الهزيمة الجسر، فأخذه عليهم، فأخذوا يمنة ويسرة، وتبعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى الليل، وندم المثنى على أخذه بالجسر، وقال: لقد عجزت عجزة وقى اللَّه شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعه، حتى أحرجتهم، فإني غير عائد، فلا تعودوا
(3/468)

ولا تقتدوا بي أيها الناس، فإنها كانت مني زلة لا ينبغي إحراج أحد إلا من لا يقوى على امتناع ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين، منهم خالد ابن هلال ومسعود بْن حارثة، فصلى عليهم المثنى، وقدمهم على الأسنان والقرآن، وقال: والله إنه ليهون علي وجدي أن شهدوا البويب، أقدموا وصبروا، ولم يجزعوا ولم ينكلوا، وإن كان في الشهادة كفارة لتجوز الذنوب كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقد كان المثنى وعصمة وجرير أصابوا في أيام البويب على الظهر نزل مهران غنما ودقيقا وبقرا، فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس، وإلى عيالات أهل الأيام قبلهم، وهم بالحيرة.
وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات الذين بالقوادس عمرو بْن عبد المسيح بْن بقيلة، فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل، تصايحن وحسبنها غارة، فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد، فقال عمرو: هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش! وبشروهن بالفتح، وقالوا: هذا أوله، وعلى الخيل التي أتتهم بالنزل النسير، وأقام في خيله حامية لهم، ورجع عمرو بْن عبد المسيح فبات بالحيرة وقال المثنى يومئذ: من يتبع الناس حتى ينتهي إلى السيب؟
فقام جرير بْن عبد اللَّه في قومه، فقال: يا معشر بجيلة، إنكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لاخذ منهم في هذا الخمس غدا من النفل مثل الذي لكم منه، ولكم ربع خمسه نفلا من أمير المؤمنين، فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه، ونية إلى ما ترجون، فإنما تنتظرون إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: الشهادة والجنة أو الغنيمة والجنة.
ومال المثنى على الذين أرادوا أن يستقتلوا من منهزمة يوم الجسر، ثم قال:
أين المستبسل بالأمس وأصحابه! انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السيب، وابلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به، فهو خير لكم وأعظم أجرا، واستغفروا اللَّه إن اللَّه غفور رحيم
(3/469)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن حمزة بْن علي بْن محفز، عن رجل من بكر بْن وائل، قال: كان أول الناس انتدب يومئذ للمثنى واتبع آثارهم المستبسل وأصحابه، وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدو من صف المسلمين واستوفز واستنتل، فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر، ثم اخرجهم في آثار للقوم، واتبعتهم بجيلة وخيول من المسلمين تغذ من كل فارس، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السيب، ولم يبق في العسكر جسري إلا خرج في الخيل، فأصابوا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه المثنى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة، وألقى اللَّه الرعب في قلوب أهل فارس وكتب القواد الذين قادوا الناس في الطلب إلى المثنى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إن اللَّه عز وجل قد سلم وكفى، ووجه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء، فتأذن لنا في الإقدام! فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهل ساباط منهم واستباحوا القريات دونها، وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أول من دخل حصنهم ثلاثة قواد: عصمة، وعاصم، وجرير، وقد تبعهم أوزاع من الناس كلهم ثم انكفئوا راجعين إلى المثنى.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية بْن الحارث، قال: لما أهلك اللَّه مهران استمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة فمخروها، لا يخافون كيدا، ولا يلقون فيها مانعا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم، واعتصموا بساباط، وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة.
وكانت وقعة البويب في رمضان سنة ثلاث عشرة، قتل اللَّه عليه مهران وجيشه، وأفعموا جنبتي البويب عظاما، حتى استوى وما عفى عليها إلا التراب أزمان الفتنة، وما يثار هنالك شيء إلا وقعوا منها على شيء، وهو ما بين السكون ومرهبة وبني سليم، وكان مغيضا للفرات ازمان الاكاسره بصب في الجوف وقال الأعور العبدي الشني:
(3/470)

هاجت لأعور دار الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس خفانا
وقد أرانا بها والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا
أزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من فرس وجيلانا
سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا
قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه قال في أمر جرير وعرفجة والمثنى وقتال المثنى مهران غير ما قص سيف من أخبارهم، والذي قال في أمرهم ما حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُصِيبَةُ أَصْحَابِ الْجِسْرِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فَلُّهُمْ، قَدِمَ عَلَيْهِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ مِنَ الْيَمَنِ فِي رَكْبٍ مِنْ بَجِيلَةَ، وَعَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ- وَكَانَ عَرْفَجَةُ يَوْمَئِذٍ سَيَّدَ بَجِيلَةَ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ مِنَ الأَزْدِ- فَكَلَّمَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَانَ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي إِخْوَانِكُمْ بِالْعِرَاقِ، فَسِيرُوا إِلَيْهِمْ وَأَنَا أُخْرِجُ إِلَيْكُمْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَأَجْمَعُهُمْ إِلَيْكُمْ قَالُوا: نَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ قَيْسَ كُبَّةَ وَسَحْمَةَ وَعُرَيْنَةَ، وَكَانُوا فِي قَبَائِلِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، فَقَالَ لِبَجِيلَةَ: كَلِّمُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالُوا لَهُ: اسْتَعْمَلْتَ عَلَيْنَا رَجُلا لَيْسَ مِنَّا، فَأَرْسَلَ إِلَى عَرْفَجَةَ، فَقَالَ: مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: صَدَقُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَكِنِّي رَجُلٌ مِنَ الأَزْدِ، كُنَّا أَصَبْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَمًا فِي قَوْمنَا، فَلَحِقْنَا بَجِيلَةَ، فَبَلَغْنَا فِيهِمْ مِنَ السُّؤْدُدِ مَا بَلَغَكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَاثْبَتْ عَلَى مَنْزِلَتِكَ، ودافعهم كما يدفعونك قَالَ: لَسْتُ فَاعِلا وَلا سَائِرًا مَعَهُمْ، فَسَارَ عَرْفَجَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْد أَنْ نَزَلَتْ، وَتَرَكَ بَجِيلَةَ، وَأَمَّرَ عُمَرُ عَلَى بَجِيلَةَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارَ بِهِمْ مَكَانَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ عُمَرُ قَوْمَهُ مِنْ بَجِيلَةَ، فَأَقْبَلَ جَرِيرٌ حَتَّى إِذَا مَرَّ قَرِيبًا مِنَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى أَنْ أَقْبِلْ إِلَيَّ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي فَكَتَبَ إِلَيْهِ جَرِيرٌ: إِنِّي لَسْتُ فَاعِلا إِلا أَنْ يَأْمُرَنِي بِذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَمِيرٌ وأَنَا أَمِيرٌ
(3/471)

ثُمَّ سَارَ جَرِيرٌ نَحْوَ الْجِسْرِ، فَلَقِيَهُ مِهْرَانُ بْنُ بَاذَانَ- وَكَانَ مِنْ عُظَمَاءِ فَارِسَ- عِنْدَ النَّخِيلَةِ، قَدْ قَطَعَ إِلَيْهِ الْجِسْرَ، فَاقْتَتَلا قِتَالا شَدِيدًا، وَشَدَّ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانِ بْنِ ضِرَارٍ الضَّبِّيُّ عَلَى مِهْرَانَ فَطَعَنَهُ، فَوَقَعَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَاخْتَصَمَا فِي سَلْبِهِ، ثُمَّ اصْطَلَحَا فِيهِ، فَأَخَذَ جَرِيرٌ السِّلاحَ، وَأَخَذَ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانٍ مِنْطَقَتَهُ.
قَالَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ مِهْرَانَ لَمَّا لَقِيَ جَرِيرًا قَالَ:
إِنْ تَسْأَلُوا عَنِّي فَإِنِّي مِهْرَانُ ... أَنَا لِمَنْ أَنْكَرَنِي ابْنُ بَاذَانَ
قَالَ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ عَرَبِيًّا نَشَأَ مَعَ أَبِيهِ بِالْيَمَنِ إِذْ كَانَ عَامِلا لِكِسْرَى قَالَ: فَلَمْ أُنْكِرْ ذَلِكَ حِينَ بَلَغَنِي.
وَكَتَبَ الْمُثَنَّى إِلَى عُمَرَ يُمْحِلُ بِجَرِيرٍ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْمُثَنَّى: إِنِّي لَمْ أَكُنْ لأَسْتَعْمِلُكَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- يَعْنِي جَرِيرًا وَقَدْ وَجَّهَ عُمَرُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْعِرَاقِ فِي سِتَّةِ آلافِ، أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُثَنَّى وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَجْتَمِعَا إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَمَّرَ سَعْدًا عَلَيْهِمَا، فَسَارَ سَعْدٌ حَتَّى نَزَلَ شَرَافَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى وَجَرِيرٌ حَتَّى نَزَلا عَلَيْهِ، فَشَتَا بِهَا سَعْدٌ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَمَاتَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ
. خبر الخنافس
رجع الحديث الى حديث سيف كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ومخر المثنى السواد وخلف بالحيرة بشير بْن الخصاصية، وأرسل جريرا إلى ميسان، وهلال بْن علفة التيمي إلى دست ميسان، وأذكى المسالح بعصمة بْن فلان الضبي
(3/472)

وبالكلج الضبي وبعرفجة البارقي، وأمثالهم في قواد المسلمين، فبدأ فنزل أليس- قرية من قرى الأنبار- وهذه الغزاة تدعى غزاة الأنبار الآخرة، وغزاة أليس الآخرة، وألز رجلان بالمثنى: أحدهما أنباري، والآخر حيري يدله كل واحد منهما على سوق، فأما الأنباري فدله على الخنافس، وأما الحيري فدله على بغداد فقال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها؟ فقالوا: بينهما أيام، قال: أيهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس سوق يتوافى إليها الناس، ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم فاستعد لها المثنى، حتى إذا ظن أنه موافيها يوم سوقها ركب نحوهم، فأغار على الخنافس يوم سوقها، وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بْن وبرة، وعلى ربيعة السليل بْن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء، ثم رجع عوده على بدئه حتى يطرق دهاقين الأنبار طروقا في أول النهار يومه، فتحصنوا منه، فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالأعلاف والزاد، وأتوه بالأدلاء على بغداد، فكان وجهه إلى سوق بغداد، فصبحهم والمسلمون يمخرون السواد والمثنى بالأنبار، ويشنون الغارات فيما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات وجسور مثقب إلى عين التمر وما والاها من الأرض في أرض الفلاليج والعال.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ لِلْمُثَنَّى: أَلا نَدُلُّكَ عَلَى قَرْيَةٍ يَأْتِيهَا تُجَّارُ مَدَائِنِ كِسْرَى وَالسَّوَادِ، وَتَجْتَمِعُ بِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَمَعَهُمْ فِيهَا الأَمْوَالُ، كَبَيْتِ الْمَالِ، وَهَذِهِ أَيَّامُ سُوقِهِمْ، فَإِنْ أَنْتَ قَدَرْتَ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْهِمْ وَهُمَ لا يَشْعُرُونَ أَصَبْتَ فِيهَا مَالا يَكُونُ غِنَاءً لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَوَوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ دَهْرَهُمْ، قَالَ: وَكَمْ بَيْنَ مَدَائِنِ كِسْرَى وَبَيْنَهَا؟ قَالَ: بَعْضُ يَوْمٍ أَوْ عَامَّةُ يَوْمٍ، قَالَ: فَكَيْفَ لِي بِهَا؟ قَالُوا: نَأْمُرُكَ إِنْ أَرَدْتَهَا أَنْ تَأْخُذَ طَرِيقَ الْبَرِّ،
(3/473)

حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْخَنَافِسِ، فَإِنَّ أَهْلَ الأَنْبَارِ سَيَضْرِبُونَ إِلَيْهَا، وَيُخْبِرُونَ عَنْكَ فَيَأْمَنُونَ، ثُمَّ تَعُوجَ عَلَى أَهْلِ الأَنْبَارِ فَتَأْخُذَ الدَّهَاقِينَ بِالأَدِلاءِ، فَتَسِيرَ سَوَادَ لَيْلَتِكَ مِنَ الأَنْبَارِ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ صُبْحًا فَتُصْبِحَهُمْ غَارَةً.
فَخَرَجَ مِنْ أُلَّيْسَ حَتَّى أَتَى الْخَنَافِسَ، ثُمَّ عَاجَ حَتَّى رَجَعَ عَلَى الأَنْبَارِ، فَلَمَّا أَحَسَّهُ صَاحِبُهَا تَحَصَّنَ وَهُوَ لا يَدْرِي مَنْ هُوَ، وَذَلِكَ لَيْلا، فَلَمَّا عَرَفَهُ نَزَلَ اليه فاطمعه الْمُثَنَّى، وَخَوَّفَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ، وَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغِيرَ فَابْعَثْ مَعِي الأَدِلاءَ إِلَى بَغْدَادَ، حَتَّى أُغِيرَ مِنْهَا إِلَى الْمَدَائِنِ قَالَ: أَنَا أَجِيءُ مَعَكَ، قَالَ: لا أُرِيدُ أَنْ تَجِيءَ مَعِي، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعِي مَنْ هُوَ أَدَلُّ مِنْكَ، فَزَوَّدَهُمُ الأَطْعِمَةَ وَالأَعْلافَ، وَبَعَثَ مَعَهُمُ الأَدِلَّةَ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالنِّصْفِ، قَالَ لَهُمُ الْمُثَنَّى: كَمْ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟
قَالُوا: أَرْبَعَةُ أَوْ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: مَنْ يَنْتَدِبُ لِلْحَرَسِ؟
فَانْتَدَبَ لَهُ قَوْمٌ فَقَالَ لَهُمْ: أَذْكُوا حَرَسَكُمْ، وَنَزَلَ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا وَأَطْعِمُوا وَتَوَضَّئُوا وَتَهَيَّئُوا وَبَعَثَ الطَّلائِعَ فَحَبَسُوا النَّاسَ لِيَسْبِقُوا الأَخْبَارَ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَسْرَى إِلَيْهِمْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ، فَصَبَحَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ فَقَتَلَ، وَأَخَذُوا مَا شَاءُوا، وَقَالَ الْمُثَنَّى: لا تَأْخُذُوا إِلا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا تَأْخُذُوا مِنَ الْمَتَاعِ إِلا مَا يَقْدِرُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى دَابَّتِهِ.
وَهَرَبَ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، وَمَلأَ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحُرِّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَرَجَ كَارًّا حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ السَّيلَحِينِ بِالأَنْبَارِ، فَنَزَلَ وَخَطَبَ النَّاسَ، وقال: ايها الناس، انزلوا وقضوا أَوْطَارَكُمْ، وَتَأَهَّبُوا لِلسَّيْرِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ انْكَشَفُوا قَبِيضًا.
فَفَعَلُوا، فَسَمِعَ هَمْسًا فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَا أَسْرَعَ الْقَوْمَ فِي طَلَبِنَا! فَقَالَ: تَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، انْظُرُوا فِي الأُمُورِ وَقَدِّرُوهَا ثُمَّ تَكَلَّمُوا، أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النَّذِيرُ مَدِينَتَهُمْ بَعْدُ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَحَالَ الرُّعْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِكُمْ إِنَّ لِلْغَارَاتِ رَوَعَاتٌ تَنْتَشِرُ عَلَيْهَا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَلَوْ طَلَبَكُمُ الْمُحَامُونَ مِنْ رَأْيِ الْعَيْنِ مَا أَدْرَكُوكُمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى الْعَرابِ حَتَّى تَنْتَهُوا إِلَى
(3/474)

عَسْكَرِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ، وَلَوْ أَدْرَكُوكُمْ لَقَاتَلْتُهُمْ لاثْنَتَيْنِ: الْتِمَاسِ الأَجْرِ وَرَجَاءِ النَّصْرِ، فَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَحْسِنُوا بِهِ الظَّنَّ، فَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَهُمْ أَعَدُّ مِنْكُمْ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنِّي وَعَنِ انْكِمَاشِي وَالَّذِي أُرِيدُ بِذَلِكَ، إِنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص أَبَا بَكْرٍ أَوْصَانَا أَنْ نُقْلِلَ الْعرجةَ، وَنُسْرِعَ الْكَرَّةَ فِي الْغَارَاتِ، وَنُسْرِعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الأَوْبَةَ وَأَقْبَلَ بِهِمْ وَمَعَهُمْ أَدِلاؤُهُمْ يَقْطَعُونَ بِهِمُ الصَّحَارِي وَالأَنْهَارَ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمْ إِلَى الأَنْبَارِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ دَهَاقِينُ الأَنْبَارِ بِالْكَرَامَةِ، وَاسْتَبْشَرُوا بِسَلامَتِهِ، وَكَانَ مَوْعِدُهُ الإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ إِذَا اسْتَقَامَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا يُحِبُّونَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قَالُوا: لَمَّا رَجَعَ الْمُثَنَّى مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الأَنْبَارِ سَرَّحَ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ وَزَيْدًا إِلَى الْكَبَاثِ، وَعَلَيْهِ فَارِسُ الْعنابِ التَّغْلِبِيُّ، ثُمَّ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ، فَقَدِمَ الرَّجُلانِ الْكَبَاثَ، وَقَدِ ارْفَضُّوا وَأَخْلَوُا الْكَبَاثَ، وَكَانَ أَهْلُهُ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، فَرَكِبُوا آثَارَهُمْ يَتْبَعُونَهُمْ، فَأَدْرَكُوا أُخْرَيَاتِهِمْ وَفَارِسُ الْعنابِ يَحْمِيهِمْ، فَحَمَاهُمْ سَاعَةً ثُمَّ هَرَبَ، وَقَتَلُوا فِي أُخْرَيَاتِهِمْ وَأَكْثَرُوا، وَرَجَعَ الْمُثَنَّى إِلَى عَسْكَرِهِ بِالأَنْبَارِ، وَالْخَلِيفَةُ عَلَيْهِمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ فَلَمَّا رَجَعَ المثنى الى الأنبار سرح فرات ابن حَيَّانَ وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ وَأَمَرَهُمَا بِالْغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بِصِفِّينَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمَا وَخَلَّفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرَو بْنَ أَبِي سَلْمَى الْهُجَيْمِيَّ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ صِفِّينَ، افْتَرَقَ الْمُثَنَّى وَفُرَاتُ وَعُتَيْبَةُ، وَفَرَّ أَهْلُ صِفِّينَ وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَتَحَصَّنُوا، وَأَرْمَلَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابُهُ مِنَ الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم الا مالا بُدَّ مِنْهُ فَأَكَلُوهَا حَتَّى أَخْفَافَهَا وَعِظَامَهَا وَجُلُودَهَا ثُمَّ أَدْرَكُوا عِيرًا مِنْ أَهْلِ دِيَافَ وَحَوْرَانَ، فَقَتَلُوا الْعُلُوجَ وَأَصَابُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ مِنْ بَنِي تغلب خفراء، وأخذوا العير، وَكَانَ ظَهْرًا فَاضِلا، وَقَالَ لَهُمْ: دُلُّونِي، فَقَالَ احدهم: آمنونى على اهلى وما لي، وَأَدُلُّكُمْ عَلَى حَيٍّ مِنْ تَغْلِبَ غَدَوْتُ مِنْ عِنْدِهِمُ الْيَوْمَ، فَآمَنَهُ الْمُثَنَّى وَسَارَ مَعَهُ يَوْمَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَشِيُّ هَجَمَ عَلَى الْقَوْمِ، فَإِذَا النَّعَمُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَإِذَا الْقَوْمُ جلوس بافنيه
(3/475)

الْبُيُوتِ، فَبَثَّ غَارَتَهُ، فَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَوُا الذُّرِيَّةَ، وَاسْتَاقُوا الأَمْوَالَ، وَإِذَا هُمْ بَنُو ذِي الرُّوَيْحِلَةِ، فَاشْتَرَى مَنْ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَبِيعَةَ السَّبَايَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ، وَأَعْتَقُوا سَبْيَهُمْ، وَكَانَتْ رَبِيعَةُ لا تُسْبَى إِذِ الْعَرَبُ يَتَسَابُونَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَأَخْبِرَ الْمُثَنَّى أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ سَلَكَ الْبِلادَ قَدِ انْتَجَعُوا الشَّطَّ، شَاطِئَ دِجْلَةَ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي غَزَوَاتِهِ هَذِهِ بَعْدَ الْبُوَيْبِ كُلِّهَا حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغلفَانِيُّ، وَعَلى مُجَنِّبَتَيْهِ النُّعْمَانُ بْنُ عَوْفِ بْنِ النُّعْمَانِ وَمَطَرٌ الشَّيْبَانِيَّانِ، فَسَرَّحَ فِي أَدْبَارِهِمْ حُذَيْفَةَ وَأَتْبَعَهُ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِتِكْرِيتَ دُوَيْنَهَا مِنْ حَيْثُ طَلَبُوهُمْ يَخُوضُونَ الْمَاءَ، فَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ النَّعَمِ، حَتَّى أَصَابَ الرَّجُلُ خمسًا مِنَ النَّعَمِ، وَخمسًا مِنَ السَّبْيِ، وَخُمْسَ الْمَالِ، وَجَاءَ بِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى النَّاسِ بِالأَنْبَارِ، وَقَدْ مَضَى فُرَاتُ وَعُتَيْبَةُ فِي وُجُوهِهِمَا، حَتَّى أَغَارُوا عَلَى صِفِّينَ وَبِهَا النَّمِرُ وَتَغْلِبُ مُتَسَانِدَيْنِ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى رَمَوْا بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَنَاشَدُوهُمْ فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُمْ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَهُمُ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ! وَجَعَلَ عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَذْمُرُونَ النَّاسَ، وَيُنَادُونَهُمْ: تَغْرِيقٌ بِتَحْرِيقٍ- يُذَكِّرُونَهُمْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَحْرَقُوا فِيهِ قَوْمًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي غَيْضَةٍ مِنَ الْغِيَاضِ- ثُمَّ انْكَفَئُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْمُثَنَّى، وَقَدْ غَرَّقُوهُمْ.
وَلَمَّا تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى عَسْكَرِهِمْ بِالأَنْبَارِ وَتَوَافَى بِهَا الْبُعُوثُ وَالسَّرَايَا، انْحَدَرَ بِهِمُ الْمُثَنَّى إِلَى الْحِيرَةِ، فَنَزَلَ بِهَا وَكَانَتْ تَكُونُ لِعُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعُيُونُ فِي كُلِّ جَيْشٍ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِمَا كَانَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وبلغه الذى قال عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَوْمَ بَنِي تَغْلِبَ وَالْمَاءِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا فَسَأَلَهُمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا قَالا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ مَثَلٌ، وَأَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ طَلَبِ ذِحْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَحْلَفَهُمَا، فَحَلَفَا أَنَّهُمَا مَا أَرَادَا بِذَلِكَ إِلا الْمَثَلَ وَإِعْزَازَ الإِسْلامِ، فَصَدَّقَهُمَا وَرَدَّهُمَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى الْمُثَنَّى
(3/476)

ذكر الخبر عما هيج أمر القادسية
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّه بْن سواد بْن نويرة، عن عزيز بْن مكنف التميمي ثم الأسيدي، وطلحة بْن الأعلم الحنفي، عن المغيرة بْن عتيبة بْن النهاس العجلي، وزياد بْن سرجس الأحمري، عن عبد الرحمن بْن ساباط الأحمري، قالوا جميعا، قال أهل فارس لرستم والفيرزان- وهما على أهل فارس: أين يذهب بكما! لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم! وإنه لم يبلغ من خطركما أن يقركما فارس على هذا الرأي، وأن تعرضاها للهلكة، ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عبيد الله بن محفز عن أبيه، قال: قال أهل فارس لرستم والمسلمون يمخرون السواد:
ما تنتظرون والله إلا أن ينزل بنا ونهلك! والله ما جر هذا الوهن علينا غيركم يا معاشر القواد! لقد فرقتم بين أهل فارس وثبطتموهم عن عدوهم والله لولا أن في قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة، ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: فَقَالَ الْفيرزانُ وَرُسْتُمُ لِبُورَانَ ابْنَةَ كِسْرَى: اكْتُبِي لَنَا نِسَاءَ كِسْرَى وَسَرَارِيهِ وَنِسَاءَ آلِ كِسْرَى وَسَرَارِيهِمْ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فِي كِتَابٍ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِنَّ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلا أَتَوْا بِهَا، فَأَخَذُوهُنَّ بِالرِّجَالِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِنَّ الْعَذَابَ يَسْتَدِلُّونَهُنَّ عَلَى ذَكَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ كِسْرَى، فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَقُلْنَ- أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُنَّ: لَمْ يَبْقَ إِلا غُلامٌ يُدْعَى يَزْدَجَرْدُ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَأُمُّهُ مِنْ أَهْلِ بَادُورِيَا فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا فَأَخَذُوهَا بِهِ، وَكَانَتْ قَدْ أَنْزَلَتْهُ فِي أَيَّامِ شِيرِي حِينَ جَمَعَهُنَّ فِي القصر
(3/477)

الأَبْيَضِ، فَقَتَلَ الذُّكُورَ، فَوَاعَدَتْ أَخْوَالَهُ، ثُمَّ دَلَّتْهُ إِلَيْهِمْ فِي زَبِيلَ فَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَأَخَذُوهَا بِهِ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَجَاءُوا بِهِ فَمَلَّكُوهُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَاطْمَأَنَّتْ فَارِسُ وَاسْتَوْثَقُوا وَتَبَارَى الرُّؤَسَاءُ فِي طَاعَتِهِ وَمَعُونَتِهِ فَسَمَّى الْجُنُودَ لِكُلِّ مَسْلَحَةٍ كَانَتْ لِكِسْرَى أَوْ مَوْضِعِ ثَغْرٍ، فَسَمَّى جُنْدَ الْحِيرَةِ وَالأَنْبَارِ والْمَسَالِحِ وَالأُبُلَّةِ وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى يَزْدَجَرْدَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِمَا يَنْتَظِرُونَ مِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَلَمْ يَصِلِ الْكِتَابُ إِلَى عُمَرَ حَتَّى كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ، مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُمْ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُمْ عَهْدٌ فَخَرَجَ الْمُثَنَّى عَلَى حَامِيَتِهِ حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارَ، وَتَنَزَّلَ النَّاسُ بِالطَّفِّ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ حَتَّى جَاءَهُمْ كِتَابُ عُمَرَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَاخْرُجُوا مِنْ بَيْنَ ظَهْرَيِ الأَعَاجِمِ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْمِيَاهِ الَّتِي تَلِي الأَعَاجِمَ عَلَى حُدُودِ أَرْضِكُمْ وَأَرْضِهِمْ، وَلا تَدَعُوا فِي رَبِيعَةَ أَحَدًا وَلا مُضَرَ وَلا حُلَفَائِهِمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّجَدَاتِ وَلا فَارِسًا إِلا اجْتَلَبْتُمُوهُ، فَإِنْ جَاءَ طَائِعًا وَإِلا حَشَرْتُمُوهُ، احْمِلُوا الْعَرَبَ عَلَى الْجد إذ جد الْعَجَم، فلتلقوا جدهم بجدكم.
فَنَزَلَ الْمُثَنَّى بِذِي قَارٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ بِالجُلِّ وَشَرَافَ إِلَى غُضَيٍّ- وَغُضَيٌّ حِيَالُ الْبَصْرَةِ- فَكَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِغُضَيٍّ وَسَبْرَةُ بن عمرو العنبري وَمَنْ أَخَذَ أَخْذَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ إِلَى سَلْمَانَ، فكانوا في امواه الطف مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مَسَالِحُ بَعْضِهِمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَيَغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ كَونٌ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: كَانَ أَوَّلُ مَا عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا يَزْدَجَرْدَ، أَنْ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِ الْعَرَبِ عَلَى الْكُورِ وَالْقَبَائِلِ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَخْرَجَهُ الى الحج، وحج سنواته كلها: لا تدعى
(3/478)

أَحَدًا لَهُ سِلاحٌ، أَوْ فَرَسٌ، أَوْ نَجْدَةٌ، أَوْ رَأْيٌ إِلا انْتَخَبْتُمُوهُ، ثُمَّ وَجَّهْتُمُوهُ إِلَيَّ، وَالْعَجَلَ الْعَجَلَ! فَمَضَتِ الرُّسُلُ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ مَخْرَجَهُ إِلَى الْحَجِّ، وَوَافَاهُ أَهْلُ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي طُرُقُهَا عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِرَاقِ، فَوَافَاهُ بِالْمَدِينَةِ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَانْضَمُّوا إِلَى الْمُثَنَّى، فَأَمَّا مَنْ وَافَى عُمَرَ فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ عَمَّنْ وَرَاءَهُمْ بِالْحَثِّ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، فِيمَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عَنْهُ: الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَدْ حَدَّثَنِي الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ الْفَرْوِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى الْحَجِّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي السَّنَةِ الَّتِي وَلِيَ فِيهَا، فَحَجَّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ حَجَّ سِنِيهِ كُلَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- عَلَى مَا ذَكَرَ- عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وعلى اليمن يعلى بن مُنَيَّةَ، وَعَلَى عُمَانَ وَالْيَمَامَةِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى فرجِ الْكُوفَةِ وما فتح من أرضها المثنى ابن حَارِثَةَ وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ- فِيمَا ذَكَرَ- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقِيلَ:
لَمْ يَكُنْ لِعُمَرَ فِي أَيَّامِهِ قَاضٍ
. ثم دخلت

سنة أربع عشره

ذكر ابتداء امر القادسية
8 ففي أول يوم من المحرم سنة أربع عشرة- فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ بِهِ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة وزياد بِإِسْنَادِهِمْ- خَرَجَ عُمَرُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى صِرَارًا، فَعَسْكَرَ بِهِ وَلا يَدْرِي النَّاسُ مَا يُرِيدُ، أَيَسِيرُ أَمْ يُقِيمُ وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ رَمَوْهُ بِعُثْمَانَ أَوْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُدْعَى فِي إِمَارَةِ عُمَرَ رَدِيفًا- قَالُوا: وَالرَّدِيفُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ الرَّجُلُ الَّذِي بَعْدَ الرَّجُلِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَرْجُونَهُ بَعْدَ رَئِيسِهِمْ- وَكَانُوا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ هَذَانِ عَلَى عِلْمِ شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُونَ، ثَلَّثُوا بِالْعَبَّاسِ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعُمَرَ: مَا بَلَغَكَ؟ مَا الَّذِي تُرِيدُ؟ فَنَادَى: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ ثُمَّ نَظَرَ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَقَالَ الْعَامَّةُ: سِرْ وَسِرْ بِنَا مَعَكَ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ، وَكَرِهَ أَنْ يَدَعَهُمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ مِنْهُ فِي رِفْقٍ، فَقَالَ: اسْتَعِدُّوا وَأَعِدُّوا فَإِنِّي سَائِرٌ إِلا أَنْ يَجِيءَ رَأْيٌ هُوَ أَمْثَلُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَهْلِ الرَّأْيِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ وُجُوهُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلامُ الْعَرَبِ، فَقَالَ: أَحْضِرُونِي الرَّأْيَ فَإِنِّي سَائِرٌ فَاجْتَمَعُوا جَمِيعًا، وَأَجْمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى أَنْ يبعث رجلا من اصحاب رسول الله ص وَيُقِيمُ، وَيَرْمِيهِ بِالْجُنُودِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَشْتَهِي مِنَ الْفَتْحِ، فَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ وَيُرِيدُونَ، وَإِلا أَعَادَ رَجُلا وَنَدَبَ جُنْدًا آخَرَ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَغِيظُ الْعَدُوَّ، وَيَرْعَوِي الْمُسْلِمُونَ، وَيَجِيءُ نَصْرُ اللَّهِ بِإِنْجَازِ مَوْعُودِ اللَّهِ فَنَادَى عُمَرُ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ ع، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ، وَإِلَى طَلْحَةَ وقد بعثه
(3/479)

عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ الزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَمَعَ عَلَى الإِسْلامِ أَهْلَهُ، فَأَلَّفَ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَجَعَلَهُمْ فِيهِ إِخْوَانًا، وَالْمُسْلِمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَالْجَسَدِ لا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَ غيره، وكذلك يحق على المسلمين ان يكونوا أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْهُمْ، فَالنَّاسُ تُبَّعٌ لِمَنْ قَامَ بِهَذَا الأَمْرِ، مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ لَزِمَ النَّاسُ وَكَانُوا فِيهِ تُبَّعًا لَهُمْ، وَمَنْ أَقَامَ بِهَذَا الأَمْرِ تَبِعٌ لأُولِي رَأْيِهِمْ مَا رَأَوْا لَهُمْ وَرَضُوا بِهِ لَهُمْ مِنْ مَكِيدَةٍ فِي حَرْبٍ كَانُوا فيه تبعا لهم يا ايها النَّاسُ، إِنِّي إِنَّمَا كُنْتُ كَرَجُلٍ مُنْكُمْ حَتَّى صَرَفَنِي ذَوُو الرَّأْيِ مِنْكُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُقِيمَ وَأَبْعَثَ رَجُلا، وَقَدْ أَحْضَرْتُ هَذَا الأَمْرَ، مَنْ قَدَّمْتُ وَمَنْ خَلَّفْتُ: وَكَانَ على ع خَلِيفَتَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَطَلْحَةُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ بِالأَعْوَصِ، فَأَحْضَرَهُمَا ذَلِكَ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ ابن مَسْعُودٍ إِلَى عُمَرَ، وَاجْتِمَاعُ أَهْلِ فَارِسَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ كِسْرَى، نَادَى فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَخَرَجَ حَتَّى أَتَى صِرَارًا، وَقَدَّمَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِي الأَعْوَصَ، وَسَمَّى لِمَيْمَنَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلِمَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرَ ابن الْعَوَّامِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَكُلُّهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالسَّيْرِ إِلَى فَارِسَ، وَلَمْ يَكُنِ اسْتَشَارَ فِي الَّذِي كَانَ حَتَّى نَزَلَ بِصِرَارٍ وَرَجَعَ طَلْحَةُ، فَاسْتَشَارَ ذَوِي الرَّأْيِ، فَكَانَ طَلْحَةُ مِمَّنْ تَابَعَ النَّاسَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِمَّنْ نَهَاهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَمَا فَدَيْتُ أَحَدًا بِأَبِي وَأُمِّي بَعْدَ النبي ص قَبْلَ يَوْمَئِذٍ وَلا بَعْدَهُ، فَقُلْتُ: يَا بِأَبِي وَأُمِّي، اجْعَلْ عَجُزَهَا بِي وَأَقِمْ وَابْعَثْ جُنْدًا، فَقَدْ رَأَيْتُ قَضَاءَ اللَّهِ لَكَ فِي جُنُودِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ، فَإِنَّهُ إِنْ يُهْزَمْ جَيْشُكَ لَيْسَ كَهَزِيمَتِكَ، وَإِنَّكَ إِنْ تُقْتَلْ أَوْ تُهْزَمْ
(3/481)

فِي أَنْفِ الأَمْرِ خَشِيتُ أَلا يُكَبِّرَ الْمُسْلِمُونَ وَأَلا يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَبَدًا وَهُوَ فِي ارْتِيَادٍ مِنْ رَجُلٍ، وَأَتَى كتاب سعد على حفف مَشُورَتِهِمْ، وَهُوَ عَلَى بَعْضِ صَدَقَاتِ نَجْدٍ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَجَدْتُهُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: الأَسَدُ فِي بَرَاثِنِهِ، سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَالأَهُ أُولُو الرَّأْيِ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ ذَفْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ الْمُثَنَّى إِلَى عُمَرَ بِاجْتِمَاعِ فَارِسَ عَلَى يزدجرد وببعوثهم، وَبِحَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، أَنْ تَنَحَّ إِلَى الْبَرِّ، وَادْعُ مَنْ يَلِيكَ، وَأَقِمْ مِنْهُمْ قَرِيبًا عَلَى حُدُودِ أَرْضِكَ وَأَرْضِهِمْ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي وَعَاجَلَتْهُمُ الأَعَاجِمُ فَزَاحَفَتْهُمُ الزُّحُوفُ، وَثَارَ بِهِمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى بِالنَّاسِ حَتَّى يَنْزِلَ الطَّفَّ، فَفَرَّقَهُمْ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَأَقَامَ مَا بَيْنَ غُضَيٍّ إِلَى الْقُطْقُطَانَةِ مَسَالِحَهُ، وَعَادَتْ مَسَالِحُ كِسْرَى وَثُغُورُهُ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ فَارِسَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ هَائِبُونَ مُشْفِقُونَ، وَالْمُسْلِمُونَ مُتَدَفِّقُونَ قَدْ ضَرُّوا بِهِمْ كَالأَسَدِ يُنَازِعُ فَرِيسَتَهُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الْكَرَّ، وَأُمَرَاؤُهُمْ يُكَفْكِفُونَهُمْ بِكِتَابِ عُمَرَ وَأَمْدَادِ الْمُسْلِمِينَ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ اسْتَعْمَلَ سَعْدًا عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ بِنَجْدٍ، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ فِيمَنْ كَتَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْعُمَّالِ حِينَ اسْتَنْفَرَ النَّاسَ أَنْ يَنْتَخِبَ أَهْلَ الْخَيْلِ وَالسِّلاحِ مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ وَنَجْدَةٌ فَرَجَعَ إِلَيْهِ كِتَابُ سَعْدٍ بِمَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، فَوَافَقَ عُمَرُ وَقَدِ اسْتَشَارَهُمْ فِي رَجُلٍ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ
(3/482)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ بِإِسْنَادِهِمَا، قَالا: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فِيمَنْ كَتَبَ إِلَيْهِ بِانْتِخَابِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ سِلاحٌ أَوْ فَرَسٌ، فَجَاءَهُ كِتَابُ سَعْدٍ: إِنِّي قَدِ انْتَخَبْتُ لَكَ أَلْفَ فَارِسٍ مؤد كُلَّهُمْ لَهُ نَجْدَةٌ وَرَأْيٌ، وَصَاحَبُ حِيطَةٍ يَحُوطُ حَرِيمَ قَوْمِهِ، وَيَمْنَعُ ذمَارَهُمْ، إِلَيْهِمْ انْتَهَتْ أَحْسَابُهُمْ وَرَأْيُهُمْ، فَشَأْنُكَ بِهِمْ وَوَافَقَ كِتَابُهُ مَشُورَتَهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ وَجَدْتُهُ، قَالَ: فَمَنْ؟ قَالُوا: الأَسَدُ عَادِيًا، قَالَ: مَنْ؟ قَالُوا: سَعْدٌ، فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَأَوْصَاهُ فَقَالَ: يَا سَعْدُ، سَعْدَ بَنِي وُهَيْبٍ، لا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ خَالُ رَسُولِ اللَّهِ ص وصاحب رسول الله، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلا طَاعَتَهُ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ، اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ، يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَهُ بِالطَّاعَةِ فَانْظُرِ الأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ النبي ص عَلَيْهِ مُنْذُ بُعِثَ إِلَى أَنْ فَارَقَنَا فَالْزَمْهُ فَإِنَّهُ الأَمْرُ هَذِهِ عِظَتِي إِيَّاكَ إِنْ تَرَكْتَهَا وَرَغِبْتَ عَنْهَا حَبِطَ عَمَلُكَ، وَكُنْتَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَرِّحَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ حَرْبَ الْعِرَاقِ فَاحْفَظْ وَصِيَّتِي فَإِنَّكَ تُقْدِمُ عَلَى أَمْرٍ شَدِيدٍ كَرِيهٍ لا يَخْلُصُ مِنْهُ إِلا الْحَقُّ، فَعَوِّدْ نَفْسَكَ وَمَنْ مَعَكَ الخير، واستفتح به واعلم ان لكل عاده عتادا، فعتاد الخير الصبر، فالصبر عَلَى مَا أَصَابَكَ أَوْ نَابَكَ، يَجْتَمِعُ لَكَ خَشْيَةُ اللَّهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ فِي أَمْرَيْنِ: فِي طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنَّمَا أَطَاعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ بِبُغْضِ الدُّنْيَا وَحُبِّ الآخِرَةِ، وَعَصَاهُ مَنْ عَصَاهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا
(3/483)

وَبُغْضِ الآخِرَةِ، وَلِلْقُلُوبِ حَقَائِقُ يُنْشِئُهَا اللَّهُ إِنْشَاءً، مِنْهَا السِّرُّ، وَمِنْهَا الْعَلانِيَةُ، فَأَمَّا الْعَلانِيَةُ فَأَنْ يَكُونَ حَامِدُهُ وَذَامُّهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، وَأَمَّا السِّرُّ فَيُعْرَفُ بِظُهُورِ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ، وَبِمَحَبَّةِ النَّاسِ، فَلا تَزْهَدْ فِي التَّحَبُّبِ فَإِنَّ النَّبِيِّينَ قَدْ سَأَلُوا مَحَبَّتَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَّبَهُ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا بَغَّضَهُ فَاعْتَبِرْ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَتِكَ عِنْدَ النَّاسِ، مِمَّنْ يَشْرَعُ مَعَكَ فِي أَمْرِكَ ثُمَّ سَرَّحَهُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ نَفِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
فَخَرَجَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قَاصِدًا الْعِرَاقَ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ، ثَلاثَةٍ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْيَمَنِ وَالسُّرَاةِ، وَعَلَى أَهْلِ السَّرَوَاتِ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْضَةَ الْبَارِقِيُّ، وَهُمْ بَارِقُ وَأَلْمَعُ وَغَامِدُ وَسَائِرُ اخوتهم، في سبعمائة من اهل السراة، واهل اليمن الفان وثلاثمائه، مِنْهُمُ النَّخَعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَمِيعُهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةُ آلاف، مقاتلتهم وذراريهم ونساؤهم، وَأَتَاهُمْ عُمَرُ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَأَرَادَهُمْ جَمِيعًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَأَبَوْا إِلا الشَّامَ، وَأَبَى إِلا الْعِرَاقَ، فسمح نِصْفَهُمْ فَأَمْضَاهُمْ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَأَمْضَى النِّصْفَ الآخَرَ نَحْوَ الشَّامِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ حَنَشٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ، أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّرَفَ فِيكُمْ يَا مَعْشَرَ النَّخَعِ لَمُتَرَبِّعٌ، سِيرُوا مَعَ سَعْدٍ فَنَزَعُوا إِلَى الشَّامِ، وَأَبَى إِلا الْعِرَاقَ، وَأَبَوْا إِلا الشَّامَ، فَسَرَّحَ نِصْفَهُمْ إِلَى الشَّامِ وَنِصْفَهُمْ إِلَى الْعِرَاقِ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمستنير وحنش، قالوا: وكان فيهم من حضرموت والصدف ستمائه، عليهم شداد بْن ضمعج، وكان فيهم ألف وثلاثمائة من مذحج، على ثلاثة رؤساء: عمرو بْن معديكرب على بني منبه، وأبو سبرة بْن ذؤيب على جعفي ومن في حلف جعفي من إخوة جزء وزبيد وأنس اللَّه ومن لفهم، ويزيد بْن الحارث الصدائي على صداء وجنب ومسليه في ثلاثمائة، هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مخرج سعد منها، وخرج
(3/484)

معه من قيس عيلان ألف عليهم بشر بْن عبد اللَّه الهلالي.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: خرج أهل القادسية من المدينة، وكانوا أربعة آلاف، ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألف من سائر النَّاسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَسَهْلٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالُوا: وَشَيَّعَهُمْ عُمَرُ مِنْ صِرَارٍ إِلَى الأَعْوَصِ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ضَرَبَ لَكُمُ الأَمْثَالَ، وَصَرَفَ لَكُمُ الْقَوْلَ، لِيُحْيِيَ بِهِ الْقُلُوبَ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَيِّتَةٌ فِي صُدُورِهَا حَتَّى يُحْيِيَهَا اللَّهُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَنْتَفِعْ بِهِ، وَإِنَّ لِلْعَدْلِ أَمَارَاتٍ وَتَبَاشِيرَ، فَأَمَّا الأَمَارَاتُ فَالْحَيَاءُ وَالسَّخَاءُ وَالْهَيْنُ وَاللِّينُ، وَأَمَّا التَّبَاشِيرُ فَالرَّحْمَةُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ أَمْرٍ بَابًا، وَيَسَّرَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا، فَبَابُ الْعَدْلِ الاعْتِبَارُ وَمِفْتَاحُهُ الزُّهْدُ.
وَالاعْتِبَارُ ذِكْرُ الْمَوْتِ بِتَذَكُّرِ الأَمْوَاتِ، وَالاسْتِعْدَادِ لَهُ بِتَقْدِيمِ الأَعْمَالِ، وَالزُّهْدُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَهُ حَقٌّ، وَتَأْدِيَةُ الْحَقِّ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ لَهُ حَقٌّ وَلا تُصَانِعُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا، وَاكْتَفِ بِمَا يَكْفِيكَ مِنَ الْكَفَافِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكْفِهِ الْكَفَافُ لَمْ يُغْنِهِ شَيْءٌ إِنِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْزَمَنِي دَفْعَ الدُّعَاءِ عَنْهُ، فَانْهُوا شُكَاتَكُمْ إِلَيْنَا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِلَى مَنْ يَبْلِغُنَاهَا نَأْخُذُ لَهُ الْحَقَّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ وَأَمَرَ سَعْدًا بِالسَّيْرِ، وَقَالَ: إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى زَرُودَ فَانْزِلْ بِهَا، وَتَفَرَّقُوا فِيمَا حَوْلَهَا، وَانْدُبْ مَنْ حَوْلَكَ مِنْهُمْ، وَانْتَخِبْ أَهْلَ النَّجْدَةِ وَالرَّأْيِ وَالْقُوَّةِ وَالْعُدَّةِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بْن سوقة، عن رجل، قال: مرت السكون مع أول كندة مع حصين بْن نمير السكوني ومعاويه بن حديج في أربعمائة، فاعترضهم، فإذا فيهم فتية دلم سباط
(3/485)

مع معاوية بْن حديج، فأعرض عنهم، ثم اعرض، ثم اعرض، حتى قيل له: مالك ولهؤلاء! قال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم ثم أمضاهم، فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية، وتعجب الناس من رأي عمر وكان منهم رجل يقال له سودان بْن حمران، قتل عثمان بْن عفان رضي اللَّه عنه، وإذا منهم حليف لهم يقال له خالد بْن ملجم، قتل علي بْن أبي طالب رحمه اللَّه، وإذا منهم معاوية بْن حديج، فنهض في قوم منهم يتبع قتلة عثمان يقتلهم، وإذا منهم قوم يقرون قتلة عثمان.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، عَنْ مَاهَانَ، وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِ، قَالُوا: وَأَمَدَّ عُمَرُ سَعْدًا بَعْدَ خُرُوجِهِ بِأَلْفَيْ يَمَانِيٍّ وَأَلْفَيْ نَجْدِيٍّ مُؤَدٍّ مِنْ غَطَفَانَ وَسَائِرِ قَيْسٍ، فَقَدِمَ سَعْدٌ زَرُودَ فِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ، فَنَزَلَهَا وَتَفَرَّقَتِ الْجُنُودُ فِيمَا حَوْلَهَا مِنْ أَمْوَاهِ بَنِي تَمِيمٍ وَأَسَدٍ، وَانْتَظَرَ اجْتِمَاعَ النَّاسِ، وَأَمَّرَ عُمَرُ، وَانْتَخَبَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَالرَّبَابِ أَرْبَعَةَ آلافٍ، ثَلاثَةُ آلافٍ تَمِيمِيٌّ وَأَلْفٌ رَبِيٌّ، وَانْتَخَبَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ثَلاثَةَ آلافٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حَدِّ أَرْضِهِمْ بَيْنَ الْحَزْنِ وَالْبَسِيطَةِ، فَأَقَامُوا هُنَالِكَ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَبَيْنَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ الْمُثَنَّى فِي ثَمَانِيَةِ آلافٍ، مِنْ رَبِيعَةَ سِتَّةُ آلافٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَلْفَانِ مِنْ سَائِرِ رَبِيعَةَ، أَرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ كَانَ انْتُخِبَ بَعْدَ فُصُولِ خَالِدٍ، وَأَرْبَعَةُ آلافٍ كَانُوا مَعَهُ مِمَّنْ بَقِيَ يَوْمَ الْجِسْرِ وَكَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَلْفَانِ مِنْ بَجِيلَةَ، وَأَلْفَانِ مِنْ قُضَاعَةَ وَطَيِّئٍ مِمَّنِ انْتُخِبُوا إِلَى مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، عَلَى طَيِّئٍ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى قُضَاعَةَ عَمْرُو بْنُ وَبَرَةَ، وَعَلَى بَجِيلَةَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَبَيْنَا النَّاسُ كَذَلِكَ، سَعْدٌ يَرْجُو أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْمُثَنَّى، وَالْمُثَنَّى يَرْجُو أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، مَاتَ الْمُثَنَّى مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي كَانَ جُرِحَهَا يَوْمَ الْجِسْرِ، انْتَقَضَتْ بِهِ، فَاسْتَخْلَفَ الْمُثَنَّى عَلَى النَّاسِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَّاصِيَّةِ، وَسَعْدٌ يَوْمَئِذٍ بِزَرُودَ، وَمَعَ بَشِيرٍ يَوْمَئِذٍ وُجُوهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمَعَ سَعْدٍ وُفُودُ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ كَانُوا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ، مِنْهُمْ فُرَاتُ بن حيان
(3/486)

الْعِجْلِيُّ وَعُتَيْبَةُ، فَرَدَّهُمْ مَعَ سَعْدٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد بإسناده، وزياد عن ماهان، قالا: فمن أجل ذلك اختلف الناس في عدد أهل القادسية، فمن قال: أربعة آلاف فلمخرجهم مع سعد من المدينة، ومن قال: ثمانية آلاف فلاجتماعهم بزرود، ومن قال: تسعة آلاف فللحاق القيسيين، ومن قال: اثنا عشر ألفا فلدفوف بني أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف.
وأمر سعدا بالإقدام، فأقدم ونهض إلى العراق وجموع الناس بشراف، وقدم عليه مع قدومه شراف الاشعث بن قيس في الف وسبعمائة من أهل اليمن، فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفا، وجميع من قسم عليه فيء القادسية نحو من ثلاثين ألفا.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عُنْ زِيَادٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَنْزِعُونَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَتْ مُضَرَ تَنْزِعُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَرْحَامُكُمْ أَرْسَخُ مِنْ أَرْحَامِنَا! مَا بَالُ مُضَرَ لا تَذْكُرُ أَسْلافَهَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن أبي سعد بْن المرزبان، عمن حدثه، عن مُحَمَّد بْن حذيفة بْن اليمان، قال: لم يكن أحد من العرب أجرأ على فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفرس، وكانت العرب في جاهليتها تسمي فارس الأسد، والروم الأسد.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طَلْحَةَ، عَنْ مَاهَانَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لأَضْرِبَنَّ مُلُوكَ الْعُجْمِ بِمُلُوكِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَدَعْ رَئِيسًا، وَلا ذَا رَأْيٍ، وَلا ذَا شَرَفٍ، ولا ذا سطة، وَلا خَطِيبًا، وَلا شَاعِرًا، إِلا رَمَاهُمْ بِهِ، فَرَمَاهُمْ بِوُجُوهِ النَّاسِ وَغَرَّرَهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ مُرْتَحَلَهُ مِنْ زَرُودَ، أَنِ ابْعَثْ إِلَى فرج الهند
(3/487)

رَجُلا تَرْضَاهُ يَكُونُ بِحِيَالِهِ، وَيَكُونُ رِدْءًا لَكَ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَتَاكَ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ، فبعث المغيره بن شعبه في خمسمائة، فَكَانَ بِحِيَال الأُبُلَّةِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، فَأَتَى غضيا، ونزل على جرير، وهو فِيمَا هُنَالِكَ يَوْمَئِذٍ فَلَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ بِشَرَافَ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِمَنْزِلِهِ وُبِمَنَازِلِ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَ غُضَيٍّ إِلَى الْجَبَّانَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَعَشِّرِ النَّاسَ وَعَرِّفْ عَلَيْهِمْ، وَأَمِّرْ عَلَى أَجْنَادِهِمْ، وَعَبِّهِمْ، وَمُرْ رُؤَسَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَشْهَدُوا، وَقَدِّرْهُمْ وَهُمْ شُهُودٌ، ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إِلَى أَصْحَابِهِمْ، وَوَاعِدْهُمُ الْقَادِسِيَّةَ، وَاضْمُمُ إِلَيْكَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي خَيْلِهِ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِالَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ فَبَعَثَ سَعْدٌ إِلَى الْمُغِيرَةِ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ وَإِلَى رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، فَأَتَوُهْ، فَقَدَّرَ النَّاسَ وَعَبَّاهُمْ بِشَرَافَ، وَأَمَّرَ أُمَرَاءَ الأَجْنَادِ، وَعَرَّفَ الْعُرَفَاءَ، فَعَرَّفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ رَجُلا، كَمَا كانت العرافات ازمان النبي ص، وَكَذَلِكَ كَانَتْ إِلَى أَنْ فُرِضَ الْعَطَاءُ، وَأَمَّرَ عَلَى الرَّايَّاتِ رِجَالا مِنْ أَهْلِ السَّابِقَةِ، وَعَشَّرَ النَّاسَ، وَأَمَّرَ عَلَى الأَعْشَارِ رِجَالا مِنَ النَّاسِ لَهُمْ وَسَائِلُ فِي الإِسْلامِ، وَوَلَّى الْحُرُوبَ رِجَالا، فَوَلَّى عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا وَمُجَنِّبَاتِهَا وَسَاقَتِهَا وَمُجَرِّدَاتِهَا وَطَلائِعِهَا ورجلها وركبانها، فلم يفصل الا على تعبئة، وَلَمْ يَفْصِلْ مِنْهَا إِلا بِكِتَابِ عُمَرَ وَإِذْنِهِ، فاما أمراء التعبئة، فَاسْتَعْمَلَ زَهْرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ الحوية بْنِ مَرْثَدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَعْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَرْثَمَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ الأَعْرَجِ، وَكَانَ مَلِكُ هَجَرَ قَدْ سَوَّدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَوَفَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه سلم، فَقَدَّمَهُ، فَفَصَلَ بِالْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ الإِذْنِ مِنْ شَرَافَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْعُذَيْبِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النبي ص، وَكَانَ أَحَدَ التِّسْعَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَّمَهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَشَرَةً، فَكَانُوا عِرَافَةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْكِنْدِيَّ- وَكَانَ غُلامًا شَابًّا، وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَوَفَّى اللَّهَ، فَعُرِفَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ قَدْ غَلَبَ الأَشْعَثَ عَلَى الشَّرَفِ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنِ اخْتَطَّتِ الْكُوفَةِ
(3/488)

وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ إِلَى الشَّامِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ- وَجَعَلَ خَلِيفَتَهُ خَالِدَ ابن عَرْفَطَةَ، وَجَعَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ ثُمَّ العمرى على الساقه، وسواد ابن مَالِكٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى الطَّلائِعِ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، وَعَلَى الرجلِ حَمَّالَ بْنَ مَالِكٍ الأَسَدِيَّ، وَعَلَى الرُّكْبَانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذي السهمين الخثعمى، فكان أمراء التعبئة يَلُونَ الأَمِيرَ، وَالَّذِينَ يَلُونَ أُمَرَاءَ الأَعْشَارِ، وَالَّذِينَ يَلُونَ أُمَرَاءَ الأَعْشَارِ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ، وَالَّذِينَ يَلُونَ أَصْحَابَ الرَّايَاتِ وَالْقُوَّادِ رُءُوسُ الْقَبَائِلِ، وَقَالُوا جَمِيعًا: لا يَسْتَعِينُ أَبُو بَكْرٍ فِي الرِّدَّةِ وَلا عَلَى الأَعَاجِمِ بِمُرْتَدٍّ، وَاسْتَنْفَرَهُمْ عُمَرُ وَلَمْ يُوَّلِّ مِنْهُمْ أَحَدًا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُجَالِدٍ وَعَمْرٍو بِإِسْنَادِهِمَا، وَسَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالُوا: بَعَثَ عُمَرُ الأَطِبَّةَ، وَجَعَلَ عَلَى قَضَاءِ النَّاسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ ذَا النُّورِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الأَقْبَاضَ وَقِسْمَةَ الْفَيْءِ، وَجَعَلَ دَاعِيَتَهُمْ وَرَائِدَهُمْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: وَالتُّرْجُمَانُ هِلالٌ الْهَجَرِيُّ وَالْكَاتِبُ زِيَادُ بْنُ أَبِي سفيان.
فلما فرغ سعد من تعبيته، وعد لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ جَمَاعًا وَرَأْسًا، كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ سَعْدٍ فِيمَا بَيْنَ كِتَابِهِ إِلَى عُمَرَ بِالَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَبَيْنَ رُجُوعِ جَوَابِهِ وَرَحْلِهِ مِنْ شراف الى القادسية قدوم المثنى بْنِ حَارِثَةَ وَسَلْمَى بِنْتِ خَصَفَةَ التَّيْمِيَّةِ، تَيْمِ اللاتِ، إِلَى سَعْدٍ بِوَصِيَّةِ الْمُثَنَّى، وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِهَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعَجِّلُوهَا عَلَى سَعْدٍ بِزَرُودَ، فَلَمْ يَفْرُغُوا لِذَلِكَ وَشَغَلَهُمْ عَنْهُ قَابُوسُ بْنُ قَابُوسَ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الآزاذمردَ بْنَ الآزاذبهِ بَعَثَهُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، وَقَالَ لَهُ: ادْعُ الْعَرَبَ، فَأَنْتَ عَلَى مَنْ أَجَابَكَ، وَكُنْ كَمَا كَانَ آبَاؤُكَ فَنَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ، وَكَاتَبَ بَكْرَ بن
(3/489)

وَائِلٍ بِمِثْلِ مَا كَانَ النُّعْمَانُ يُكَاتِبُهُمْ بِهِ مُقَارَبَةً وَوَعِيدًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمُعَنَّى خَبَرُهُ، أَسْرَى الْمُعَنَّى مِنْ ذِي قَارٍ حَتَّى بَيْتِهِ، فَأَنَامَهُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذِي قَارٍ، وَخَرَجَ مِنْهَا هُوَ وَسَلْمَى إِلَى سَعْدٍ بُوَصِيَّةِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَرَأْيِهِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ بِشَرَافَ، يَذْكُرُ فِيهَا أَنَّ رَأْيَهُ لِسَعْدٍ أَلا يُقَاتِلَ عَدُوَّهُ وَعُدُوَّهُمْ- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ- مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، إِذَا اسْتُجْمِعَ أَمْرُهُمْ وَمَلَؤُهُمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى حُدُودِ أَرْضِهِمْ عَلَى أَدْنَى حَجَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَأَدْنَى مَدَرَةٍ مِنْ أَرْضِ الْعُجْمِ، فَإِنْ يُظْهِرِ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ مَا وَرَاءَهُمْ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَاءُوا إِلَى فِئَةٍ، ثُمَّ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِسَبِيلِهِمْ، وَأَجْرَأَ عَلَى أَرْضِهِمْ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَعْدٍ رَأْيُ الْمُثَنَّى وَوَصِيَّتُهُ تَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَأَمَّرَ الْمُعَنَّى عَلَى عَمَلِهِ، وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَيْرًا، وَخَطَبَ سَلْمَى فَتَزَوَّجَهَا وَبَنَى بِهَا، وَكَانَ فِي الأَعْشَارِ كلها بضعه وسبعون بدريا، وثلاثمائة وَبِضْعَةُ عَشْرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وثلاثمائة ممن شهد الفتح، وسبعمائة مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، فِي جَمِيعِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَقَدِمَ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ بِشَرَافِ كِتَابُ عُمَرَ بِمِثْلِ رَأْيِ الْمُثَنَّى، وَقَدْ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ مَعَ كِتَابِ سَعْدٍ، فَفَصَلَ كِتَابَاهُمَا إِلَيْهِمَا، فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِهِ بِصَرْفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَهُمْ سِتَّةُ آلافٍ، وَمَنِ اشْتَهَى أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ، وَكَانَ كِتَابُهُ إِلَى سَعْدٍ:
أَمَّا بَعْدُ، فَسِرْ مِنْ شَرَافَ نَحْوَ فَارِسَ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَاسْتَعِنْ بِهِ عَلَى أَمْرِكَ كُلِّهِ، وَاعْلَمْ فِيمَا لَدَيْكَ أَنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أُمَّةٍ عَدَدُهُمْ كَثِيرٌ، وَعُدَّتُهُمْ فَاضِلَةٌ، وَبَأْسُهُمْ شَدِيدٌ، وَعَلَى بَلَدٍ مَنِيعٍ- وَإِنْ كان سهلا- كؤود لِبُحُورِهِ وَفُيُوضِهِ وَدَآدِئِهِ، إِلا أَنْ تُوَافِقُوا غَيْضًا مِنْ فَيْضٍ.
وَإِذَا لَقِيتُمُ الْقَوْمَ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ فَابْدَءُوهُمُ الشَّدَّ وَالضَّرْبَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُنَاظَرَةَ لِجُمُوعِهِمْ وَلا يَخْدَعَنَّكُمْ، فَإِنَّهُمْ خُدْعَةٌ مَكْرَةٌ، أَمْرُهُمْ غَيْرُ امركم، الا
(3/490)

أَنْ تُجَادُّوهُمْ، وَإِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ- وَالْقَادِسِيَّةُ بَابُ فَارِسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ أَجْمَعُ تِلْكَ الأَبْوَابِ لِمَادَّتِهِمْ، وَلِمَا يُرِيدُونَهُ مِنَ تِلْكَ الآصل، وَهُوَ مَنْزِلٌ رَغِيبٌ خَصِيبٌ حَصِينٌ دُونَهُ قَنَاطِرٌ، وَأَنْهَارٌ مُمْتَنِعَةٌ- فَتَكُونُ مَسَالِحُكَ عَلَى أَنْقَابِهَا، وَيَكُونُ النَّاسُ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ عَلَى حَافَّاتِ الْحَجَرِ وَحَافَّاتِ الْمَدَرِ، وَالْجِرَاعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ الْزَمْ مَكَانَكَ فلا تبرحه، فإنهم إذا احسوك انغضتهم وَرَمَوْكَ بِجَمْعِهِمُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى خَيْلِهِمْ وَرِجْلِهِمْ وَحَدِّهِمْ وَجَدِّهِمْ، فَإِنْ أَنْتُمْ صَبَرْتُمْ لِعَدُوِّكُمْ وَاحْتَسَبْتُمْ لِقِتَالِهِ وَنَوَيْتُمُ الأَمَانَةَ، رَجَوْتُ أَنْ تُنْصَرُوا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لا يَجْتَمِعُ لَكُمْ مِثْلَهُمْ أَبَدًا إِلا أَنْ يَجْتَمِعُوا، وَلَيْسَتْ مَعَهُمْ قُلُوبُهُمْ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى كَانَ الْحَجَرُ فِي أَدْبَارِكُمْ، فَانْصَرَفْتُمْ مِنْ أَدْنَى مَدَرَةٍ مِنْ أَرْضِهِمْ إِلَى أَدْنَى حَجَرٍ مِنْ أَرْضِكُمْ، ثُمَّ كُنْتُمْ عَلَيْهَا أَجْرَأَ وَبِهَا أَعْلَمَ، وَكَانُوا عَنْهَا أَجْبَنَ وَبِهَا أَجْهَلَ، حَتَّى يَأْتِي اللَّهُ بِالْفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وَيَرُدُّ لَكُمُ الْكَرَّةَ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا بِالْيَوْمِ الَّذِي يَرْتَحِلُ فِيهِ مِنْ شَرَافَ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَارْتَحِلْ بِالنَّاسِ حَتَّى تَنْزِلَ فِيمَا بَيْنَ عُذَيْبِ الْهَجَانَاتِ وَعُذَيْبِ الْقَوَادِسِ، وَشَرِّقْ بِالنَّاسِ وَغَرِّبْ بِهِمْ.
ثم قدم عليه كتاب جواب عُمَرَ: أَمَّا بَعْدُ، فَتُعَاهِدْ قَلْبَكَ، وَحَادِثْ جُنْدَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَمَنْ غَفَلَ فَلْيُحَدِّثْهُمَا، وَالصَّبْرَ الصَّبْرَ، فَإِنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْحِسْبَةِ وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ عَلَى مَنْ أَنْتَ عَلَيْهِ وَمَا أَنْتَ بِسَبِيلِهِ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ أَيْنَ بَلَغَكَ جَمْعُهُمْ، وَمَنْ رَأْسُهُمُ الَّذِي يَلِي مُصَادَمَتَكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ مَنَعَنِي مِنْ بَعْضِ مَا أَرَدْتَ الْكِتَابَ بِهِ قِلَّةُ عِلْمِي بِمَا هَجَمْتُمْ عَلَيْهِ، وَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ عَدُوِّكُمْ، فَصِفْ لَنَا مَنَازِلَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَلَدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ صِفَةً كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَمْرِكُمْ عَلَى الْجَلِيَّةِ، وَخَفِ اللَّهَ وَارْجُهُ، وَلا تُدْلِ بِشَيْءٍ وَاعْلَمْ
(3/491)

أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكُمْ وَتَوَكَّلَ لِهَذَا الأَمْرِ بِمَا لا خُلْفَ لَهُ، فَاحْذَرْ أَنْ تَصْرِفَهُ عَنْكَ، وَيُسْتَبْدَلَ بِكُمْ غَيْرُكُمْ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ بِصِفَةِ الْبُلْدَانِ: إِنَّ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ، وَإِنَّ مَا عَنْ يَسَارِ الْقَادِسِيَّةِ بَحْرٌ أَخْضَرُ فِي جَوْفٍ لاحَ إِلَى الْحِيرَةِ بَيْنَ طَرِيقَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَعَلَى الظَّهْرِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَعَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ يُدْعَى الْحَضُوضَ، يَطْلَعُ بِمَنْ سَلَكَهُ عَلَى مَا بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالْحِيرَةِ، وَمَا عَنْ يَمِينِ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى الْولجَةِ فَيْضٌ مِنْ فُيُوضِ مِيَاهِهِمْ وَإِنَّ جَمِيعَ مَنْ صَالَحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ قَبْلِي ألب لأَهْلِ فَارِسَ قَدْ خَفُّوا لَهُمْ، وَاسْتَعَدُّوا لَنَا وَإِنَّ الَّذِي أَعَدُّوا لِمُصَادَمَتِنَا رُسْتُمَ فِي أَمْثَالٍ لَهُ مِنْهُمْ، فَهُمْ يُحَاوِلُونَ إِنْغَاضَنَا وَإِقْحَامَنَا، وَنَحْنُ نُحَاوِلُ إِنْغَاضَهُمْ وَإِبْرَازَهُمْ، وَأَمْرُ اللَّهِ بَعْدُ مَاضٍ، وَقَضَاؤُهُ مُسَلِّمٌ إِلَى مَا قَدَّرَ لَنَا وَعَلَيْنَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَ الْقَضَاءِ، وَخَيْرَ الْقَدَرِ فِي عَافِيَةٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ وَفَهِمْتُهُ، فَأَقِمْ بِمَكَانِكَ حَتَّى يُنْغِضَ اللَّهُ لَكَ عَدُوَّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ مَنَحَكَ اللَّهُ أَدْبَارَهُمْ فَلا تَنْزَعْ عَنْهُمْ حَتَّى تَقْتَحِمَ عَلَيْهِمُ الْمَدَائِنَ، فَإِنَّهُ خَرَابُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَجَعَلَ عُمَرُ يَدْعُو لِسَعْدٍ خَاصَّةً، وَيَدْعُونَ لَهُ مَعَهُ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عامه، فقدم زهره سعد حَتَّى عَسْكَرَ بِعُذَيْبِ الْهَجَانَاتِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَثَرِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى زَهْرَةَ بِعُذَيْبِ الْهَجَانَاتِ، وَقَدَّمَهُ، فَنَزَلَ زَهْرَةُ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْخَنْدَقِ بِحِيالِ الْقَنْطَرَةِ، وَقُدَيْسُ يَوْمَئِذٍ أَسْفَلُ مِنْهَا بِمَيْلٍ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الْقَعْقَاعِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنِّي قَدْ أُلْقِيَ فِي رَوْعِي أَنَّكُمْ إذا لقيتم العدو هزمتموهم، فَاطْرَحُوا الشَّكَّ، وَآثِرُوا التَّقِيَّةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لاعَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْعُجْمِ بِأَمَانٍ أَوْ قرفه باشاره او بلسان، فكان لا يَدْرِي الأَعْجَمِيُّ مَا كَلَّمَهُ بِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَمَانًا فَأَجْرُوا ذَلِكَ لَهُ مَجْرَى الأَمَانِ، وَإِيَّاكُمْ وَالضَّحِكَ وَالْوَفَاءَ الْوَفَاءَ! فَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْوَفَاءِ بقية وان الخطا بالغدر الهلكة، وفيها وهنك
(3/492)

وَقُوَّةُ عَدُوِّكُمْ، وَذَهَابُ رِيحِكُمْ، وَإِقْبَالُ رِيحِهِمْ وَاعْلَمُوا أَنِّي أُحَذِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا شَيْنًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَسَبَبًا لِتَوْهِينِهِمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عبد اللَّه بْن مسلم العكلي والمقدام بْن أبي المقدام، عن أبيه، عن كرب بْن أبي كرب العكلي- وكان في المقدمات أيام القادسية- قال: قدمنا سعد من شراف، فنزلنا بعذيب الهجانات ثم ارتحل، فلما نزل علينا بعذيب الهجانات وذلك في وجه الصبح خرج زهرة بْن الحوية في المقدمات، فلما رفع لنا العذيب- وكان من مسالحهم- استبنا على بروجه ناسا، فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شرفتين إلا رأيناه، وكنا في سرعان الخيل، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف ونحن نرى أن فيها خيلا، ثم أقدمنا على العذيب، فلما دنونا منه، خرج رجل يركض نحو القادسية، فانتهينا إليه، فدخلناه فإذا ليس فيه أحد، وإذا ذلك الرجل هو الذي كان يتراءى لنا على البروج وهو بين الشرف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زهرة فاتبعنا، فلحق بنا وخلفنا واتبعه وقال: إن أفلت الربيء أتاهم الخبر فلحقه بالخندق فطعنه فجدله فيه، وكان أهل القادسية يتعجبون من شجاعة ذلك الرجل، ومن علمه بالحرب، لم ير عين قوم قط أثبت ولا أربط جأشا من ذلك الفارسي، لولا بعد غايته لم يلحق به، ولم يصبه زهرة، ووجد المسلمون في العذيب رماحا ونشابا وأسفاطا من جلود وغيرها، انتفع بها المسلمون ثم بث الغارات، وسرحهم في جوف الليل، وأمرهم بالغارة على الحيرة، وأمر عليهم بكير بْن عبد اللَّه الليثي- وكان فيها الشماخ الشاعر القيسي في ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس- فسروا حتى جازوا السيلحين، وقطعوا جسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جلبة وأزفلة، فأحجموا عن الإقدام، وأقاموا كمينا حتى يتبينوا، فما زالوا كذلك حتى جازوا بهم، فإذا خيول تقدم تلك الغوغاء، فتركوها فنفذت الطريق إلى الصنين، واذاهم
(3/493)

لم يشعروا بهم، وإنما ينتظرون ذلك العين لا يريدونهم، ولا يأبهون لهم، إنما همتهم الصنين، وإذا اخت آزاذ مرد بْن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين- وكان من أشراف العجم- فسار معها من يبلغها مخافة ما هو دون الذي لقوا، فلما انقطعت الخيل عن الزواف، والمسلمون كمين في النخل، وجازت بهم الأثقال، حمل بكير على شيرزاذ بْن أزاذبه، وهو بينها وبين الخيل، فقصم صلبه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع، ومعهم ما لا يدرى قيمته، ثم عاج واستاق ذلك، فصبح سعدا بعذيب الهجانات بما أفاء اللَّه على المسلمين، فكبروا تكبيرة شديدة فقال سعد: أقسم بالله لقد كبرتم تكبيرة قوم عرفت فيهم العز، فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله، وأعطى المجاهدين بقيته، فوقع منهم موقعا، ووضع سعد بالعذيب خيلا تحوط الحريم، وانضم إليها حاطة كل حريم، وأمر عليهم غالب بْن عبد اللَّه الليثي، ونزل سعد القادسية، فنزل بقديس، ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم، وبعث بخبر سرية بكير، وبنزوله قديسا، فأقام بها شهرا، ثم كتب إلى عمر: لم يوجه القوم إلينا أحدا، ولم يسندوا حربا إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به، واستنصر اللَّه، فإنا بمنحاة دنيا عريضة، دونها بأس شديد، قد تقدم إلينا في الدعاء إليهم، فقال: «سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» .
وبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفرات عاصم بْن عمرو فسار حتى أتى ميسان، فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها، وتحصن منه من في الأفدان، ووغلوا في الآجام، ووغل حتى أصاب رجلا على طف أجمة، فسأله واستدله على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم، وإذا هو راعي ما في تلك الأجمة، فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياما، وبلغ ذلك الحجاج في زمانه، فأرسل إلى نفر ممن شهدها أحدهم نذير بْن عمرو والوليد بْن عبد شمس وزاهر،
(3/494)

فسألهم فقالوا: نعم، نحن سمعنا ذلك، ورأيناه واستقناها، فقال: كذبتم! فقالوا:
كذلك، إن كنت شهدتها وغبنا عنها، فقال: صدقتم، فما كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آية تبشير يستدل بها على رضا اللَّه، وفتح عدونا، فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء، قالوا: والله ما ندري ما أجنت قلوبهم، فأما ما رأينا فإنا لم نر قوما قط أزهد في دنيا منهم، ولا أشد لها بغضا، ما اعتد على رجل منهم في ذلك اليوم بواحدة من ثلاث، لا بجبن ولا بغدر ولا بغلول، وكان هذا اليوم يوم الأباقر، وبث الغارات بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما كانوا يستكفون به زمانا، وبعث سعد عيونا إلى أهل الحيرة وإلى صلوبا، ليعلموا له خبر أهل فارس، فرجعوا إليه بالخبر، بأن الملك قد ولى رستم بْن الفرخزاذ الأرمني حربه، وأمره بالعسكرة فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل المنظرة والرأي والجلد يدعونه، فإن اللَّه جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجا عليهم، واكتب إلي في كل يوم ولما عسكر رستم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حازم، قالا: لما بلغ سعدا فصول رُسْتُمَ إِلَى سَابَاطَ، أَقَامَ فِي عَسْكَرِهِ لاجْتِمَاعِ النَّاسِ، فَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ أَنَّ رُسْتُمَ قَدْ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِسَابَاطَ دُونَ الْمَدَائِنِ وَزَحَفَ إِلَيْنَا، وَأَمَّا أَبُو ضَمْرَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ رُسْتُمَ قَدْ عَسْكَرَ بِسَابَاطَ، وَزَحَفَ إِلَيْنَا بِالْخُيُولِ وَالْفُيُولِ وَزُهَاءِ فَارِسَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ وَلا أَنَا لَهُ أَكْثَرُ ذِكْرًا مِنِّي لِمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ عَلَيْهِ، وَنَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ بعثت فلانا وفلانا وهم ما وصفت
(3/495)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عَمْرٍو وَالْمُجَالِدِ بِإِسْنَادِهِمَا، وَسَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ جَاءَهُ أَمْرُ عُمَرَ فِيهِمْ، جَمَعَ نَفَرًا عَلَيْهِمْ نِجَارٌ، وَلَهُمْ آرَاءٌ، وَنَفَرًا لَهُمْ مَنْظَرٌ، وَعَلَيْهِمْ مَهَابَةٌ وَلَهُمْ آرَاءٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ عَلَيْهِمْ نِجَارٌ وَلَهُمْ آرَاءٌ وَلَهُمُ اجْتِهَادٌ فَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ وَحَمَلَةُ بْنُ جُوَيَّةَ الْكِنَانِيُّ وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ التَّمِيمِيُّ وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ وعدى بن سهيل والمغيره بن زراره بْنُ النَّبَّاشِ بْنِ حَبِيبٍ، وَأَمَّا مَنْ لَهُمْ مَنْظَرٌ لأَجْسَامِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ مَهَابَةٌ وَلَهُمْ آرَاءٌ، فَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ وَالأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَالْحَارِثُ بْنُ حسان وعاصم بن عمرو وعمرو ابن معديكرب والمغيره بن شعبه والمثنى بْنُ حَارِثَةَ، فَبَعَثَهُمْ دُعَاةً إِلَى الْمَلِكِ.
حَدَّثَنِي محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، قال: حدثنا أمية بن خالد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عبد الرحمن، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: جَاءَ سَعْدٌ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ، وَمَعَهُ النَّاسُ، قَالَ: لا أَدْرِي لَعَلَّنَا لا نَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ آلافٍ أَوْ نحو من ذلك، والمشركين ثَلاثُونَ أَلْفًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَقَالُوا لَنَا: لا يدي لَكُمْ وَلا قوة وَلا سِلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا، قَالَ: قُلْنَا: لا نَرْجِعُ، وَمَا نَحْنُ بِرَاجِعِينَ، فَكَانُوا يَضْحَكُونَ مِنْ نُبْلِنَا، وَيَقُولُونَ:
دوك دوك، وَيُشَبِّهُونَهَا بِالْمَغَازِلِ قَالَ: فَلَمَّا أَبَيْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ نَرْجِعَ، قَالُوا:
ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلا مِنْكُمْ، عَاقِلا يُبَيِّنُ لَنَا مَا جَاءَ بِكُمْ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَنَا، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ، فَقَعَدَ مَعَ رُسْتُمَ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَخَرُوا وَصَاحُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَزِدْنِي رِفْعَةً، وَلَمْ يُنْقِصْ صَاحِبَكُمْ، قَالَ رُسْتُمَ: صَدَقْتَ، مَا جَاءَ بِكُمْ؟
قَالَ: انا كنا قوما في شر وَضَلالَةٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيًّا، فَهَدَانَا اللَّهُ بِهِ وَرَزَقَنَا عَلَى يَدَيْهِ، فَكَانَ مِمَّا رَزَقَنَا حَبَّةٌ زعمت تَنْبُتُ بِهَذَا الْبَلَدِ، فَلَمَّا أَكَلْنَاهَا وَأَطْعَمْنَاهَا أَهْلِينَا قَالُوا: لا صَبْرَ لَنَا عَنْ هَذِهِ، أَنْزِلُونَا هَذِهِ الأَرْضَ حَتَّى نَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الْحَبَّةِ، فَقَالَ رُسْتُمُ: إِذًا نَقْتُلَكُمْ، فَقَالَ: ان قتلتمونا
(3/496)

دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَتَلْنَاكُمْ دَخَلْتُمُ النَّارَ، أَوْ أَدَّيْتُمُ الْجِزْيَةَ قَالَ: فَلَمَّا قَالَ:
أَدَّيْتُمُ الْجِزْيَةَ، نَخَرُوا وَصَاحُوا، وَقَالُوا: لا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَقَالَ:
الْمُغِيرَةُ: تَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَوْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالَ رُسْتُمُ: بَلْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ، فَاسْتَأْخَرَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى عَبَرَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَرَ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فهزموهم.
قَالَ حُصَيْنٌ: فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ جَحْشٍ السُّلَمِيُّ، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنَّا لَنَطَأُ عَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ، مَا مَسَّهُمْ سِلاحٌ، قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَصَبْنَا جِرَابًا مِنْ كَافُورٍ، فَحَسِبْنَاهُ مِلْحًا لا نَشُكُّ أَنَّهُ مِلْحٌ، فَطَبَخْنَا لَحْمًا، فَجَعَلْنَا نُلْقِيهِ فِي الْقِدْرِ فَلا نَجِدْ لَهُ طَعْمًا، فَمَرَّ بِنَا عبادي مَعَهُ قَمِيصٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُعَرِّبِينَ، لا تُفْسِدُوا طَعَامَكُمْ، فَإِنَّ مِلْحَ هَذِهِ الأَرْضِ لا خَيْرَ فِيهِ، هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا هَذَا الْقَمِيصَ بِهِ؟ فَأَخَذْنَاهُ مِنْهُ، وَأَعْطَيْنَاهُ مِنَّا رَجُلا يَلْبَسُهُ، فَجَعَلْنَا نُطِيفُ بِهِ وَنَعْجَبُ مِنْهُ، فَلَمَّا عَرَفْنَا الثِّيَابَ، إِذَا ثَمَنُ ذَلِكَ الْقَمِيصِ دِرْهَمَانِ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقْرَبَ إِلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلاحُهُ، فَجَاءَ فَمَا كَلَّمْتُهُ حَتَّى ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
قَالَ: فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الصَّرَاةِ، فَطَلَبْنَاهُمْ فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِكُوثَى وَكَانَ مَسْلَحَةُ الْمُشْرِكِينَ بِدَيْرِ الْمِسْلاخِ، فَأَتَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَالْتَقَوْا، فَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِشَاطِئِ دِجْلَةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَبَرَ مِنْ كَلْوَاذَى، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَرَ مِنْ أَسْفَلِ الْمَدَائِنِ، فَحَصَرُوهُمْ حَتَّى- مَا يَجِدُونَ طَعَامًا يَأْكُلُونَهُ، إِلا كِلابَهُمْ وَسَنَانِيرَهُمْ فَخَرَجُوا لَيْلا، فَلَحِقُوا بِجَلُولاءَ، فَأَتَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ سَعْدٍ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَمَوْضِعُ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَلْحَقَهُمْ مِنْهَا فَرِيدٌ قَالَ أَبُو وَائِلٍ: فَبَعَثَ عُمَرُ بن الخطاب حذيفة ابن الْيَمَانِ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَطَلْحَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالُوا: فَخَرَجُوا مِنَ الْعَسْكَرِ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدَائِنَ احْتِجَاجًا وَدُعَاةً لِيَزْدَجَرْدَ، فَطَوَوْا رُسْتُمَ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ يَزْدَجَرْدَ، فَوَقَفُوا عَلَى خُيُولٍ عَرَواتٍ، مَعَهُمْ جَنَائِبُ، وَكُلُّهَا صَهَّالٌ، فَاسْتَأْذَنُوا فَحُبِسُوا، وَبَعَثَ يَزْدَجَرْدُ إِلَى وُزَرَائِهِ وَوَجُوهِ أَرْضِهِ يَسْتَشِيرَهُمْ فِيمَا
(3/497)

يَصْنَعُ بِهِمْ، وَيَقُولُهُ لَهُمْ، وَسَمِعَ بِهِمُ النَّاسُ فَحَضَرُوهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، وَعَلَيْهِمُ الْمُقَطَّعَاتُ وَالْبُرُودُ، وَفِي أَيْدِيهِمْ سِيَاطٌ دِقَاقٌ، وَفِي أَرْجُلِهِمُ النِّعَالُ فَلَمَّا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ أَذِنَ لَهُمْ فَأُدْخِلُوا عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن طلحة، عن بنت كيسان الضبية، عن بعض سبايا القادسية ممن حسن إسلامه، وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب قال: وثاب إليهم الناس ينظرون إليهم، فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضا وجعل أهل فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سَيِّئَ الأدب، فكان أول شيء دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم فقال: سلهم ما يسمون هذه الأردية؟ فسأل النعمان- وكان على الوفد: ما تسمي رداءك؟ قال:
البرد، فتطير وقال: بردجهان، وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فقال: ما تسمون هذه الاحذيه؟ فقال: النعمان، فعاد لمثلها، فقال: ناله ناله في أرضنا، ثم سأله عن الذي في يده فقال:
سوط، والسوط بالفارسية الحريق، فقال: أحرقوا فارس أحرقهم اللَّه! وكان تطيره على أهل فارس، وكانوا يجدون من كلامه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، بمثله وزاد: ثم قال الملك: سلهم ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟
أمن أجل أنا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا! فقال لهم النعمان ابن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم، ومن شاء آثرته فقالوا: بل تكلم، وقالوا للملك: كلام هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان، فقال: إن اللَّه رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين، فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث
(3/498)

بذلك ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، وبدأ بهم وفعل، فدخلوا معه جميعا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب اللَّه، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد، فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فأسكت القوم فقام المغيرة بْن زرارة بْن النباش الأسيدي، فقال:
أيها الملك، إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني لأكون الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك، أنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم،
(3/499)

ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث اللَّه إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا الى امر فلم يجبه احد قبل ترب كان له وكان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف اللَّه في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول اللَّه، وما أمرنا فهو أمر اللَّه، فقال لنا: إن ربكم يقول: إني أنا اللَّه وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري، دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال:
من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنى، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك فقال: أتستقبلني بمثل هذا! فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، وقال:
ائتوني بوقر من تراب، فقال: احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم
(3/500)

حتى يدفيكم ويدفيه في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من أشرفكم؟ فسكت القوم، فقال عاصم بْن عمرو- وافتات ليأخذ التراب: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أكذاك؟
قالوا: نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير، فأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه، فقال: بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء اللَّه.
ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع فدخل على سعد، فأخبره الخبر فقال: أبشروا فقد والله أعطانا اللَّه أقاليد ملكهم وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كل يوم قوة، ويزداد عدوهم في كل يوم وهنا، واشتد ما صنع المسلمون، وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي وما أنتم بأعقل منهم، ولا أحسن جوابا منهم، وأخبره بكلام متكلمهم، وقال: لقد صدقني القوم، لقد وعد القوم أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أني قد وجدت أفضلهم أحمقهم، لما ذكروا الجزية أعطيته ترابا فحمله على رأسه، فخرج به، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أعلم.
قال: أيها الملك، إنه لأعقلهم، وتطير إلى ذلك، وأبصرها دون أصحابه.
وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان- وكان منجما كاهنا- فبعث في أثر الوفد، وقال لثقته: إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا، وإن أعجزوه
(3/501)

سلبكم اللَّه أرضكم وأبناءكم فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك، ما كان من شأن ابن الحجامة الملك! ذهب القوم بمفاتيح أرضنا! فكان ذلك مما زاد اللَّه به فارس غيظا وأغاروا بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد، إلى أن جاءوا إلى صيادين قد اصطادوا سمكا، وسار سواد بْن مالك التميمي إلى النجاف والفراض الى جنبها، فاستاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور، فأوقروها سمكا، واستاقوها، فصبحوا العسكر، فقسم السمك بين الناس سعد، وقسم الدواب، ونفل الخمس إلا ما رد على المجاهدين منه، وأسهم على السبي، وهذا يوم الحيتان، وقد كان الآزاذمرد ابن الآزاذبه خرج في الطلب، فعطف عليه سواد وفوارس معه، فقاتلهم على قنطرة السيلحين، حتى عرفوا أن الغنيمة قد نجت، ثم اتبعوها فأبلغوها المسلمين، وكانوا إنما يقرمون إلى اللحم، فأما الحنطة والشعير والتمر والحبوب، فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا، فكانت السرايا إنما تسري للحوم، ويسمون أيامها بها، ومن أيام اللحم يوم الأباقر ويوم الحيتان وبعث مالك بْن ربيعة بْن خالد التيمي، تيم الرباب، ثم الواثلي ومعه المساور بْن النعمان التيمي ثم الربيعي في سرية أخرى، فأغارا على الفيوم، فأصابا إبلا لبني تغلب والنمر فشلاها ومن فيها، فغدوا بها على سعد، فنحرت الإبل في الناس واخصبوا، واغار على النهرين عمرو ابن الحارث، فوجدوا على باب ثوراء مواشي كثيرة، فسلكوا أرض شيلى- وهي اليوم نهر زياد- حتى أتوا بها العسكر.
وقال عمرو: ليس بها يومئذ إلا نهران وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسية سنتان وشيء وكان مقام سعد بها شهرين وشيئا حتى ظفر.
قال- والإسناد الأول-: وكان من حديث فارس والعرب بعد البويب أن الأنوشجان بْن الهربذ خرج من سواد البصرة يريد أهل غضي، فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم، وهم بإزائهم: المستورد وهو على الرباب،
(3/502)

وعبد اللَّه بْن زيد يسانده، الرباب بينهما، وجزء بْن معاوية وابن النابغة يسانده، سعد بينهما، والحصين بْن نيار والأعور بْن بشامة يسانده على عمرو، والحصين بْن معبد والشبه على حنظلة، فقتلوه دونهم وقدم سعد فانضموا إليه هم وأهل غضي وجميع تلك الفرق.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: وعج أهل السواد إلى يزدجرد بْن شهريار، وأرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب، وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسية لا يبقى عليه شيء، وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات، وليس فيما هنالك أنيس إلا في الحصون، وقد ذهب الدواب وكل شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلا أن يستنزلونا، فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطف، وأعانوهم عليه، وهيجوه على بعثه رستم.
ولما بدا ليزدجرد أن يرسل رستم أرسل إليه، فدخل عليه، فقال له:
إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه، وإنما يعد للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم مثله منذ ولي آل أردشير فأراه أن قد قبل منه، وأثنى عليه.
فقال له الملك: قد أحب أن أنظر فيما لديك لأعرف ما عندك، فصف لي العرب وفعلهم منذ نزلوا القادسية، وصف لي العجم وما يلقون منهم.
فقال رستم: صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال:
ليس كذلك، إني إنما سألتك رجاء أن تعرب صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب، فافهم عني، إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفى على جبل يأوي إليه الطير بالليل، فتبيت في سفحه في أوكارها،
(3/503)

فلما أصبحت تجلت الطير، فأبصرته يرقبها، فإن شذ منها شيء اختطفه، فلما أبصرته الطير لم تنهض من مخافته، وجعلت كلما شذ منها طائر اختطفه، فلو نهضت نهضة واحدة ردته، وأشد شيء يكون في ذلك أن تنجو كلها إلا واحدا، وإن اختلفت لم تنهض فرقة إلا هلكت، فهذا مثلهم ومثل الأعاجم، فاعمل على قدر ذلك فقال له رستم: أيها الملك، دعني، فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضرهم بي، ولعل الدولة أن تثبت بي فيكون اللَّه قد كفى، ونكون قد أصبنا المكيدة ورأي الحرب، فإن الرأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظفر فأبى عليه، وقال: أي شيء بقي! فقال رستم: إن الأناة في الحرب خير من العجلة، وللأناة اليوم موضع، وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا فلج وأبى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، وجعلت تختلف إلى الملك الرسل ليرى موضعا لإعفائه وبعثة غيره، ويجتمع إليه الناس وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبل الحيرة وبني صلوبا، وكتب إلى عمر بذلك ولما كثرت الاستغاثة على يزدجرد من أهل السواد على يدي الآزاذمرد بْن الآزاذبه جشعت نفسه، واتقى الحرب برستم، وترك الرأي- وكان ضيقا لجوجا- فاستحث رستم، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيها الملك، لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك اللَّه في نفسك وأهلك وملكك، دعني أقم بعسكري وأسرح الجالنوس، فإن تكن لنا فذلك، وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم، وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون فأبى إلا أن يسير.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بْن السري الضبي، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما نزل رستم بساباط، وجمع آلة الحرب وأداتها بعث على مقدمته الجالنوس في أربعين ألفا، وقال:
ازحف زحفا، ولا تنجذب إلا بأمري، واستعمل على ميمنته الهرمزان، وعلى ميسرته مهران بْن بهرام الرازي، وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم
(3/504)

ليشجع الملك: إن فتح اللَّه علينا القوم فهو وجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم، إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوا بما كانوا يرضون به فلما قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها، وأحس بالشر، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب وسأل الملك أن يمضي الجالنوس ويقيم حتى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غناء الجالنوس كغنائي، وإن كان اسمي أشد عليهم من اسمه، فإن ظفر فهو الذي نريد، وإن تكن الأخرى وجهت مثله، ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما، فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس، ما لم أهزم ينشطون، ولا أزال مهيبا في صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم، فإن باشرتهم اجترءوا آخر دهرهم، وانكسر أهل فارس آخر دهرهم فبعث مقدمته أربعين ألفا، وخرج في ستين ألفا، وساقته في عشرين ألفا.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: وخرج رستم في عشرين ومائة ألف، كلهم متبوع، وكانوا بأتباعهم أكثر من مائتي ألف، وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة، أن رستم زحف لسعد وهو بالقادسية في ستين ألف متبوع.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة، أن رستم زحف لسعد وهو بالقادسية في ستين ألف متبوع.
كتب إلي السري، عن شعيب عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما أبى الملك إلا السير، كتب رستم إلى أخيه وإلى رءوس أهل بلادهم: من رستم إلى البندوان مرزبان الباب، وسهم أهل فارس، الذي كان لكل كون يكون، فيفض اللَّه به كل جند عظيم شديد، ويفتح به
(3/505)

كل حصن حصين، ومن يليه، فرموا حصونكم، وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم، وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا، فأبى الملك.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن رجل، أن يزدجرد لما أمر رستم بالخروج من ساباط، كتب إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول، وزاد فيه: فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حسنت، وحسنت الزهرة، واعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما يلينا وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم أنا بنفسي فأنا سائر إليهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: كان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات بادقلى، فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير رستم وحرب العرب اليوم؟ فخافه على الصدق فكذبه، وكان رستم يعلم نحوا من علمه، فثقل عليه مسيره لعلمه، وخف على الملك لما غره منه، وقال: انى أحب ان تخبرني بشيء أراه اطمان به إلى قولك، فقال الغلام لزرنا الهندي: أخبره، فقال:
سلني، فسأله فقال: أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شيء في فيه هاهنا- وخط دارة- فقال العبد: صدق، والطائر غراب، والذى في فيه درهم وبلغ جابان أن الملك طلبه، فأقبل حتى دخل عليه، فسأله عما قال غلامه، فحسب فقال: صدق ولم يصب، هو عقعق، والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا.
ينزو الدرهم فيستقر هاهنا- ودور دارة أخرى- فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق، فسقط منه الدرهم في الخط الأول، فنزا فاستقر في الخط
(3/506)

الآخر ونافر الهندي جابان حيث خطأه، فأتيا ببقرة نتوج، فقال الهندي:
سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء صبغاء، فنحرت البقرة فاستخرجت سخلتها، فإذا هي ذنبها بين عينيها، فقال جابان:
من هاهنا أتي زرنا، وشجعاه على إخراج رستم، فأمضاه، وكتب جابان إلى جشنسماه: إن أهل فارس قد زال أمرهم، وأديل عدوهم عليهم، وذهب ملك المجوسية، وأقبل ملك العرب، وأديل دينهم، فاعتقد منهم الذمة، ولا تخلبنك الأمور، والعجل العجل قبل أن تؤخذ! فلما وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى الْمُعَنَّى، وهو في خيل بالعتيق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له ورده، وكان صاحب أخبارهم وأهدى للمعنى فالوذق، فقال لامرأته: ما هذا؟ فقالت:
أظن البائسة امرأته أراغت العصيدة فأخطأتها، فقال الْمُعَنَّى: بؤسا لها! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما فصل رستم من ساباط، لقيه جابان على القنطرة، فشكا إليه، وقال: ألا ترى ما أرى؟ فقال له رستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا أجد بدا من الانقياد وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة، فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف، وخرج رستم حتى ينزل بكوثى، وكتب إلى الجالنوس والآزاذمرد: أصيبا لي رجلا من العرب من جند سعد فركبا بأنفسهما طليعة، فأصابا رجلا، فبعثا به إليه وهو بكوثى فاستخبره، ثم قتله.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما فصل رستم، وأمر الجالنوس بالتقدم إلى الحيرة، أمره أن يصيب له رجلا من العرب، فخرج هو والآزاذمرد
(3/507)

سرية في مائة، حتى انتهيا إلى القادسية، فأصابا رجلا دون قنطرة القادسية فاختطفاه، فنفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون في أخرياتهم.
فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم، وهو بكوثى، فقال له رستم:
ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود اللَّه، قال: وما هو؟
قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود اللَّه أن من قتل منا قبل ذلك أدخله الجنة، وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك، فنحن على يقين فقال رستم: قد وضعنا إذا في أيديكم، قال: ويحك يا رستم! إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم اللَّه بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تحاول الانس، انما تحاول القضاء والقدر! فاستشاط غضبا، فأمر به فضربت عنقه، وخرج رستم من كوثى، حتى ينزل ببرس، فغصب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور فضج العلوج إلى رستم، وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس، والله لقد صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم إن اللَّه كان ينصركم على العدو، ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان، فأما إذ تحولتم عن ذلك إلى هذه الأعمال، فلا أرى اللَّه إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن أن ينزع اللَّه سلطانه منكم وبعث الرجال، فلقطوا له بعض من يشكى فأتي بنفر، فضرب أعناقهم، ثم ركب ونادى في الناس بالرحيل، فخرج ونزل بحيال دير الأعور، ثم انصب إلى الملطاط، فعسكر مما يلي الفرات بحيال أهل النجف بحيال الخورنق إلى الغريين، ودعا بأهل الحيرة، فأوعدهم وهم بهم، فقال له ابن بقيلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز عن نصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا فسكت.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، والمقدام الحارثي عمن ذكره، قالا: دعا رستم أهل الحيرة وسرادقه إلى جانب الدير، فقال: يا أعداء اللَّه، فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا، وكنتم عيونا لهم علينا، وقويتموهم بالأموال! فاتقوه ابن بقيله،
(3/508)

وقالوا له: كن أنت الذي تكلمه، فتقدم، فقال: أما أنت وقولك:
إنا فرحنا بمجيئهم، فماذا فعلوا؟ وبأي ذلك من أمورهم نفرح! إنهم ليزعمون أنا عبيد لهم، وما هم على ديننا، وإنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار وأما قولك: إنا كنا عيونا لهم، فما الذي يحوجهم إلى أن نكون عيونا لهم، وقد هرب أصحابكم منهم، وخلوا لهم القرى! فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه، إن شاءوا أخذوا يمينا أو شمالا وأما قولك: إنا قويناهم بالأموال، فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا، وإذ لم تمنعونا مخافة أن نسبى وأن نحرب، وتقتل مقاتلتنا- وقد عجز منهم من لقيهم منكم- فكنا نحن أعجز، ولعمري لأنتم أحب إلينا منهم، وأحسن عندنا بلاء، فامنعونا منهم لكن لكم أعوانا، فإنما نحن بمنزلة علوج السواد، عبيد من غلب.
فقال رستم: صدقكم الرجل كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: رأى رستم بالدير أن ملكا جاء حتى دخل عسكر فارس، فختم السلاح أجمع.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَشَارَكَهُمُ النَّضْرُ بِإِسْنَادِهِ، قَالُوا: وَلَمَّا اطْمَأَنَّ رُسْتُمُ أَمَرَ الْجَالِنُوسَ أَنْ يَسِيرَ مِنَ النَّجَفِ، فَسَارَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، فَنَزَلَ فِيمَا بَيْنَ النَّجَفِ وَالسَّيْلَحِينِ، وَارْتَحَلَ رُسْتُمُ، فَنَزَلَ النَّجَفَ- وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ رُسْتُمَ مِنَ الْمَدَائِنِ وَعَسْكَرَتِهِ بِسَابَاطَ وَزَحْفِهِ مِنْهَا إِلَى أَنْ لَقِيَ سَعْدًا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لا يُقْدِمُ وَلا يُقَاتِلُ- رَجَاءَ أَنْ يَضْجُرُوا بِمَكَانِهِمْ، وَأَنْ يُجْهَدُوا فَيَنْصَرِفُوا، وَكَرِهَ قِتَالَهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَلْقَى مَا لَقِيَ مَنْ قَبْلَهُ، وَطَاوَلَهُمْ لَوْلا مَا جَعَلَ الْمَلِكُ يَسْتَعْجِلُهُ وَيُنْهِضُهُ وَيُقَدِّمُهُ، حَتَّى أَقْحَمَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ رُسْتُمُ النَّجَفَ عَادَتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فَرَأَى ذَلِكَ الْمَلَكُ ومعه النبي ص وَعُمَرُ، فَأَخَذَ الْمَلَكُ سِلاحَ أَهْلِ
(3/509)

فارس، فختمه، ثم دفعه الى النبي ص، فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَرَ فَأَصْبَحَ رُسْتُمُ، فَازْدَادَ حُزْنًا، فَلَمَّا رَأَى الرُّفَيْلُ ذَلِكَ رَغِبَ فِي الإِسْلامِ، فَكَانَتْ دَاعِيَتُهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيُطَاوِلُونَهُمْ، فَعَهِدَ إِلَى سَعْدٍ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوا حُدُودَ أَرْضِهِمْ، وَأَنْ يُطَاوِلُوهُمْ أَبَدًا حَتَّى يُنْغِضُوهُمْ، فَنَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ، وَقَدْ وَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالْمُطَاوَلَةِ، وَأَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، فَأَقَامُوا وَاطْمَأَنُّوا، فَكَانُوا يُغِيرُونَ عَلَى السَّوَادِ، فَانْتَسَفُوا مَا حَوْلَهُمْ فَحَوَوْهُ وَأَعَدُّوا لِلْمُطَاوَلَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ جاءوا، او يفتح اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَكَانَ عُمَرُ يَمُدُّهُمْ بِالأَسْوَاقِ إِلَى مَا يُصِيبُونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِكُ وَرُسْتُمُ وعرفوا حَالَهُمْ، وَبَلَغَهُمْ عَنْهُمْ فِعْلُهُمْ، عَلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ غَيْرُ مُنْتَهِينَ، وَأَنَّهُ إِنْ أَقَامَ لَمْ يَتْرُكُوهُ، فَرَأَى أَنْ يَشْخُصَ رُسْتُمُ، وَرَأَى رُسْتُمُ أَنْ يَنْزِلَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالنَّجَفِ، ثُمَّ يُطَاوِلَهُمْ مَعَ الْمُنَازَلَةِ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْثَلُ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، حَتَّى يُصِيبُوا مِنَ الإِحْجَامِ حَاجَتَهُمْ، أَوْ تَدُورَ لَهُمْ سُعُودٌ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وجعلت السرايا تطوف، ورستم بالنجف والجالنوس بين النجف والسيلحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس، والهرمزان ومهران على مجنبتيه، والبيرزان على ساقته وزاذ بْن بهيش صاحب فرات سريا على الرجالة، وكنارى على المجردة، وكان جنده مائة وعشرين ألفا، ستين ألف متبوع مع الرجل الشاكري، ومن الستين ألفا خمسة عشر ألف شريف متبوع، وقد تسلسلوا وتقارنوا لتدور عليهم رحى الحرب.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قَيْسٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ: قَالَ النَّاسُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ ضَاقَ بِنَا الْمَكَانُ، فَأَقْدِمْ، فَزَبَرَ مَنْ كَلَّمَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِذَا كُفِيتُمُ الرَّأْيَ، فَلا تَكَلَّفُوا، فَإِنَّا لَنْ نَقْدُمَ إِلا عَلَى رَأْيِ ذَوِي الرَّأْيِ، فَاسْكُتُوا مَا سَكَتْنَا عنكم وبعث
(3/510)

طُلَيْحَةَ وَعَمْرًا فِي غَيْرِ خَيْلٍ كَالطَّلِيعَةِ، وَخَرَجَ سَوَّادٌ وَحُمَيْضَةُ فِي مِائَةِ مِائَةٍ، فَأَغَارُوا عَلَى النَّهْرَيْنِ، وَقَدْ كَانَ سَعْدٌ نَهَاهُمَا أَنْ يُمْعِنَا، وَبَلَغَ رَسْتُمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَيْلا، وَبَلَغَ سَعْدًا أَنَّ خَيْلَهُ قَدْ وَغِلَتْ، فَدَعَا عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَجَابِرًا الأَسَدِيَّ، فَأَرْسَلَهُمَا فِي آثَارِهِمْ يَقْتَصَّانِهَا، وَسَلَكَا طَرِيقَهُمَا، وَقَالَ لِعَاصِمٍ:
إِنْ جَمَعَكُمْ قِتَالٌ فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَإصطيميا، وَخَيْلُ أَهْلِ فَارِسَ مُحْتَوِشَتُهُمْ، يُرِيدُونَ تَخَلُّصَ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ قَالَ سَوَّادٌ لِحُمَيْضَةَ:
اخْتَرْ، إِمَّا أَنْ تُقِيمَ لَهُمْ وَأَسْتَاقُ الْغَنِيمَةَ، أَوْ أُقِيمَ لَهُمْ وَتَسْتَاقُ الْغَنِيمَةَ قَالَ:
أَقِمْ لَهُمْ وَنَهْنِهُهُمْ عنى، وانا ابلغ لك الغنيمه، فَأَقَامَ لَهُمْ سَوَّادٌ، وَانْجَذَبَ حُمَيْضَةُ، فَلَقِيَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، فَظَنَّ حُمَيْضَةُ أَنَّهَا خَيْلٌ لِلأَعَاجِمِ أُخْرَى، فَصَدَّ عَنْهَا مُنْحَرِفًا، فَلَمَّا تَعَارَفُوا سَاقَهَا، وَمَضَى عَاصِمٌ إِلَى سَوَّادٍ- وَقَدْ كَانَ أَهْلُ فَارِسَ تَنَقَّذُوا بَعْضَهَا- فَلَمَّا رَأَتِ الأَعَاجِمُ عَاصِمًا هَرَبُوا، وَتَنَقَّذَ سَوَّادٌ مَا كَانُوا ارْتَجَعُوا، فَأَتَوْا سَعْدًا بِالْفَتْحِ وَالْغَنَائِمِ وَالسَّلامَةِ، وَقَدْ خَرَجَ طُلَيْحَةُ وَعَمْرٌو، فَأَمَّا طُلَيْحَةُ فَأَمَرَهُ بِعَسْكَرِ رُسْتُمَ، وَأَمَّا عَمْرٌو فَأَمَرَهُ بِعَسْكَرِ الْجَالِنُوسِ، فَخَرَجَ طُلَيْحَةُ وَحْدَهُ، وَخَرَجَ عَمْرٌو فِي عِدَّةٍ، فَبَعَثَ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ فِي آثَارِهِمَا، فَقَالَ: إِنْ لَقِيتَ قِتَالا فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ- وَأَرَادَ إِذْلالَ طُلَيْحَةَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَأَمَّا عَمْرٌو فَقَدْ أَطَاعَهُ- فَخَرَجَ حَتَّى تَلَقَّى عَمْرًا، فَسَأَلَهُ عَنْ طُلَيْحَةَ، فَقَالَ:
لا عِلْمَ لِي بِهِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى النَّجَفِ مِنْ قَبْلِ الْجَوْفِ، قَالَ لَهُ قَيْسٌ:
مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُغِيرَ عَلَى أَدْنَى عَسْكَرِهِمْ، قَالَ: فِي هَؤُلاءِ! قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: لا أَدَعَكَ وَاللَّهِ وَذَاكَ! أَتُعَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا لا يُطِيقُونَ! قَالَ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ! قَالَ: إِنِّي أُمِّرْتُ عَلَيْكَ، وَلَوْ لَمْ أَكُنْ أَمِيرًا لَمْ أَدَعْكَ وَذَاكَ وَشَهِدَ لَهُ الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ فِي نَفَرٍ إِنَّ سَعْدًا قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْكَ، وَعَلَى طُلَيْحَةَ إِذَا اجْتَمَعْتُمْ، فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ يَا قَيْسُ، إِنَّ زَمَانًا تَكُونُ عَلَيَّ فِيهِ أَمِيرًا لَزَمَانُ سُوءٍ! لأَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِكُمْ هَذَا إِلَى دِينِي الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ وَأُقَاتِلُ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَتَأَمَّرَ عَلَيَّ ثَانِيَةً وَقَالَ: لَئِنْ عَادَ صَاحِبُكَ الَّذِي بَعَثَكَ لِمِثْلِهَا لَنُفَارِقَنَّهُ، قَالَ: ذَاكَ إِلَيْكَ بَعْدَ مَرَّتِكَ هَذِهِ، فَرَدَّهُ، فَرَجَعَا
(3/511)

إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ وَبِأَعْلاجٍ وَأَفْرَاسٍ، وَشَكَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، أَمَّا قَيْسٌ فَشَكَا عِصْيَانَ عَمْرٍو، وَأَمَّا عَمْرٌو، فَشَكَا غِلْظَةَ قَيْسٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا عَمْرُو، الْخَبَرُ وَالسَّلامَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُصَابِ مِائَةٍ بِقَتْلِ أَلْفٍ، أَتَعْمَدُ إِلَى حَلَبَةِ فَارِسَ فَتُصَادِمُهُمْ بِمِائَةٍ! إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ أَعْلَمَ بِالْحَرْبِ مِمَّا أَرَى فَقَالَ: إِنَّ الأَمْرَ لَكُمَا قُلْتُ، وَخَرَجَ طُلَيْحَةُ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَهُمْ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَتَوَسَّمَ فِيهِ، فَهَتَكَ أَطْنَابَ بَيْتِ رَجُلٍ عَلَيْهِ، وَاقْتَادَ فَرَسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى مَرَّ بِعَسْكَرِ ذِي الْحَاجِبِ، فَهَتَكَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ بَيْتَهُ، وَحَلَّ فَرَسَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْجَالِنُوسِ عَسْكَرَهُ فَهَتَكَ عَلَى آخَرَ بَيْتَهُ، وَحَلَّ فَرَسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْخَرَّارَةَ، وَخَرَجَ الَّذِي كَانَ بِالنَّجَفِ، وَالَّذِي كَانَ فِي عَسْكَرِ ذِي الْحَاجِبِ فَاتَّبَعَهُ الَّذِي كَانَ فِي عسكر الجالنوس، فكان اولهم لحاقا به الجالنوس، ثُمَّ الْحَاجِبِيُّ، ثُمَّ النَّجَفِيُّ، فَأَصَابَ الأَوَّلَيْنِ، وَأَسَرَ الآخِرَ وَأَتَى بِهِ سَعْدًا فَأَخْبَرَهُ، وَأَسْلَمَ، فَسَمَّاهُ سَعْدٌ مُسْلِمًا، وَلَزِمَ طُلَيْحَةَ، فَكَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْمَغَازِي كُلِّهَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ قَدْ عَهِدَ إِلَى سَعْدٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى فَارِسَ، أَلا يَمُرَّ بِمَاءٍ مِنَ الْمِيَاهِ بِذِي قُوَّةٍ وَنَجْدَةٍ وَرِيَاسَةٍ إِلا أَشْخَصَهُ، فَإِنْ أَبَى انْتَخَبَهُ، فَأَمَّرَهُ عُمَرُ، فَقَدِمَ الْقَادِسِيَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الأَيَّامِ، وَأُنَاسٍ مِنَ الْحَمْرَاءِ اسْتَجَابُوا لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَعَانُوهُمْ، أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ غِبَّ الْقِتَالِ، فَأُشْرِكُوا فِي الْغَنِيمَةِ، وَفُرِضَتْ لَهُمْ فَرَائِضُ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ:
أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَسَأَلُوا عَنْ أَمْنَعِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَعَادُوا تَمِيمًا، فَلَمَّا دَنَا رُسْتُمُ، وَنَزَلَ النَّجَفَ بَعَثَ سَعْدٌ الطَّلائِعَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصِيبُوا رَجُلا لِيَسْأَلَهُ عَنْ أَهْلِ فَارِسَ، فَخَرَجَتِ الطَّلائِعُ بَعْدَ اخْتِلافٍ، فَلَمَّا اجمع ملا النَّاسَ أَنَّ الطَّلِيعَةَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ سَمُحُوا، فَأَخْرَجَ سَعْدٌ طُلَيْحَةَ فِي خَمْسَةٍ، وَعَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ فِي خَمْسَةٍ، وَذَلِكَ صَبِيحَةَ قدم رستم الجالنوس وذا الحاجب، ولا يشعرون بفصولهم مِنَ النَّجَفِ، فَلَمْ يَسِيرُوا إِلا فَرْسَخًا وَبَعْضَ
(3/512)

آخَرَ، حَتَّى رَأَوْا مَسَالِحَهُمْ وَسَرْحَهُمْ عَلَى الطفُوفِ قَدْ مَلَئُوهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: ارْجِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ سَرَّحَكُمْ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْقَوْمَ بِالنَّجَفِ، فاخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا يُنْذِرَ بِكُمْ عَدُوَّكُمْ! فَقَالَ عَمْرٌو لأَصْحَابِهِ: صَدَقْتُمْ، وَقَالَ طُلَيْحَةُ لأَصْحَابِهِ: كَذَبْتُمْ، مَا بُعِثْتُمْ لِتُخْبِرُوا عَنِ السَّرْحِ، وَمَا بُعِثْتُمْ إِلا لِلْخَبَرِ قَالُوا: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُخَاطِرَ الْقَوْمَ أَوْ أَهْلَكَ، فَقَالُوا: أَنْتَ رَجُلٌ فِي نَفْسِكَ غدر، ولن تفلح بعد قتل عكاشة ابن مِحْصَنٍ، فَارْجِعْ بِنَا، فَأَبَى وَأَتَى سَعْدًا الْخَبَرُ بِرَحِيلِهِمْ، فَبَعَثَ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ الأَسَدِيَّ، وَأَمَّرَهُ عَلَى مِائَةٍ، وَعَلَيْهِمْ إِنْ هُوَ لَقِيَهُمْ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ وَقَدِ افْتَرَقُوا، فَلَمَّا رَآهُ عَمْرٌو قَالَ: تجلدوا له، اروه أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْغَارَةَ، فَرَدَّهُمْ، وَوَجَدَ طُلَيْحَةَ قَدْ فَارَقَهُمْ فَرَجَعَ بِهِمْ فَأَتَوْا سَعْدًا، فَأَخْبَرُوهُ بِقُرْبِ الْقَوْمِ، وَمَضَى طُلَيْحَةُ، وَعَارَضَ الْمِيَاهَ عَلَى الطّفُوفِ، حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَ رُسْتُمَ، وَبَاتَ فِيهِ يَجُوسُهُ وَيَنْظُرُ وَيَتَوَسَّمُ، فَلَمَّا أَدْبَرَ اللَّيْلُ، خَرَجَ وَقَدْ أَتَى أَفْضَلَ مَنْ تَوَسَّمَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَإِذَا فَرَسٌ لَهُ لَمْ يَرَ فِي خَيْلِ الْقَوْمِ مِثْلَهُ، وَفُسْطَاطٌ أَبْيَضُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَانْتَضَى سَيْفَهُ، فَقَطَعَ مِقْوَدَ الْفَرَسِ، ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى مِقْوَدِ فَرَسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ فَرَسَهُ، فَخَرَجَ يَعْدُو بِهِ، وَنَذَرَ بِهِ النَّاسَ وَالرَّجُلَ، فَتَنَادَوْا وَرَكِبُوا الصَّعْبَةَ وَالذَّلُولَ، وَعجل بعضهم أن يسرج، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَحِقَهُ فَارِسٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ وَبَوَّأَ لَهُ الرُّمْحَ لِيَطْعَنَهُ عَدَلَ طُلَيْحَةُ فَرَسَهُ، فَنَدَرَ الْفَارِسِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ، فَقَصَمَ ظَهْرَهُ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ آخَرُ، فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ آخَرُ، وَقَدْ رَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ- وَهُمَا ابْنَا عَمِّهِ- فَازْدَادَ حَنَقًا، فَلَمَّا لَحِقَ بِطُلَيْحَةَ، وَبَوَّأَ لَهُ الرُّمْحَ، عَدَلَ طُلَيْحَةُ فَرَسَهُ، فَنَدَرَ الْفَارِسِيُّ أَمَامَهُ، وَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ، وَدَعَاهُ إِلَى الإِسَارِ، فَعَرَفَ الْفَارِسِيُّ أَنَّهُ قَاتِلُهُ فَاسْتَأْسَرَ، وَأَمَرَهُ طُلَيْحَةُ أَنْ يَرْكُضَ بَيْنَ يديه، ففعل ولحق النَّاسُ فَرَأَوْا فَارِسِيَّ الْجُنْدِ قَدْ قُتِلا وَقَدْ أُسِر الثَّالِثُ، وَقَدْ شَارَفَ طُلَيْحَةُ عَسْكَرَهُمْ،
(3/513)

فأحجموا عنه، ونكسوا، وَأَقْبَلَ طُلَيْحَةُ حَتَّى غَشِيَ الْعَسْكَرَ، وَهُمْ عَلَى تعبئة، فَأَفْزَعَ النَّاسَ، وَجَوزُوهُ إِلَى سَعْدٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ، قَالَ: وَيْحَكَ مَا وَرَاءَكَ! قَالَ: دَخَلْتُ عَسَاكِرَهُمْ وَجُسْتُهَا مُنْذُ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أَخَذْتُ أَفْضَلَهُمْ تَوَسُّمًا، وَمَا أَدْرِي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ! وَهَا هُوَ ذَا فَاسْتَخْبِرْهُ فَأُقِيمَ التَّرْجُمَانُ بَيْنَ سَعْدٍ وَبَيْنَ الْفَارِسِيِّ، فَقَالَ لَهُ الْفَارِسِيُّ: أَتُؤَمِّنَنِي عَلَى دَمِي إِنْ صَدَقْتُكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، الصِّدْقُ فِي الْحَرْبِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْكَذِبِ، قَالَ:
أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَمَّنْ قَبْلِي، بَاشَرْتُ الْحُرُوبَ وَغَشِيتُهَا، وَسَمِعْتُ بِالأَبْطَالِ وَلَقِيتُهَا، مُنْذُ أَنَا غُلامٌ إِلَى أَنْ بَلَغْتُ مَا تَرَى، وَلَمْ أَرَ وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، أَنَّ رَجُلا قَطَعَ عَسْكَرَيْنِ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِمَا الأَبْطَالُ إِلَى عَسْكَرٍ فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَخْدِمُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْخَمْسَةَ وَالْعَشَرَةَ إِلَى مَا هُوَ دُونَ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَخْرُجَ كَمَا دَخَلَ حَتَّى سَلَبَ فَارِسَ الْجُنْدِ، وَهَتَكَ أَطْنَابَ بَيْتِهِ فَأَنْذَرَهُ، فَأَنْذَرَنَا بِهِ، فَطَلَبْنَاهُ، فَأَدْرَكَهُ الأَوَّلُ وَهُوَ فَارِسُ النَّاسِ، يَعْدِلُ أَلْفَ فَارِسٍ فَقَتَلَهُ، فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَلا أَظُنُّ أَنَّنِي خَلَّفْتُ بَعْدِي مَنْ يَعْدِلُنِي وَأَنَا الثَّائِرُ بِالْقَتِيلَيْنِ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّي، فَرَأَيْتُ الْمَوْتَ فاستأسرت ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ فَارِسَ، بِأَنَّ الْجُنْدَ عِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفٍ، وَأَنَّ الأَتْبَاعَ مِثْلُهُمْ خدامٌ لَهُمْ وَأَسْلَمَ الرَّجُلُ وَسَمَّاهُ سَعْدٌ مُسْلِمًا، وَعَادَ إِلَى طُلَيْحَةَ، وَقَالَ: لا وَاللَّهِ، لا تُهْزَمُونَ مَا دُمْتُمْ عَلَى مَا أَرَى مِنَ الْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ وَالإِصْلاحِ وَالْمُؤَاسَاةِ، لا حَاجَةَ لِي فِي صُحْبَةِ فَارِسَ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلاءِ يومئذ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ: قَالَ سَعْدٌ لِقَيْسِ بْنِ هُبَيْرَةَ الأَسَدِيِّ: اخْرُجْ يَا عَاقِلُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ تَحْنُو عَلَيْهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِعِلْمِ الْقَوْمِ فَخَرَجَ وَسَرَّحَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ وَطُلَيْحَةَ، فَلَمَّا حَاذَى الْقَنْطَرَةَ لَمْ يَسِرْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى لَحِقَ، فَانْتَهَى إِلَى خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنْهُمْ بِحِيَالِهَا ترد عَنْ عَسْكَرِهِمْ، فَإِذَا رُسْتُمُ قَدِ ارْتَحَلَ مِنَ النَّجَفِ، فَنَزَلَ مَنْزِلَ ذي الحاجب،
(3/514)

فَارْتَحَلَ الْجَالِنُوسُ، فَنَزَلَ ذُو الْحَاجِبِ مَنْزِلَهُ، وَالْجَالِنُوسَ يُرِيدُ طِيزَنَابَاذَ، فَنَزَلَ بِهَا، وَقَدَّمَ تِلْكَ الْخَيْلَ وَإِنَّ مَا حَمَلَ سَعْدًا عَلَى إِرْسَالِ عَمْرٍو وَطُلَيْحَةَ مَعَهُ لِمَقَالَةٍ بَلَغَتْهُ عَنْ عَمْرٍو، وَكَلِمَةٍ قَالَهَا لِقَيْسِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ، فَقَالَ:
قَاتِلُوا عَدُوَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَطَارَدَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا حَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ هَزِيمَتَهُمْ، فَأَصَابَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا، وَثَلاثَةَ أُسَرَاءٍ، وَأَصَابَ أَسْلابًا، فَأَتَوْا بِالْغَنِيمَةِ سَعْدًا وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ:
هَذِهِ بُشْرَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا لَقِيتُمْ جَمْعَهُمُ الأَعْظَمَ وحدهم، فَلَهُمْ أَمْثَالُهَا، وَدَعَا عَمْرًا وَطُلَيْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمَا قَيْسًا؟ فَقَالَ طُلَيْحَةُ: رَأَيْنَاهُ أكمانا، وَقَالَ عَمْرٌو: الأَمِيرُ أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنَّا قَالَ سَعْدٌ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَانَا بِالإِسْلامِ وَأَحْيَا بِهِ قُلُوبًا كَانَتْ مَيِّتَةً، وَأَمَاتَ بِهِ قُلُوبًا كَانَتْ حَيَّةً، وَإِنِّي أُحَذِّرُكُمَا أَنْ تُؤْثِرَا أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الإِسْلامِ، فَتَمُوتُ قُلُوبُكُمَا وَأَنْتُمَا حَيَّانِ، الْزَمَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَالاعْتِرَافَ بِالْحُقُوقِ، فَمَا رَأَى النَّاسُ كَأَقْوَامٍ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ بِالإِسْلامِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد، وشاركهم المجالد وسعيد بْن المرزبان، قالوا: فلما أصبح رستم من الغد من يوم نزل السيلحين قدم الجالنوس وذا الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل من دون القنطرة بحيال زهرة، ونزل إلى صاحب المقدمة، ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ، ونزل رستم منزل ذي الحاجب بالخرارة، ثم قدم ذا الحاجب، فلما انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قديس خندق خندقا، وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدمته- أعني سعدا- زهرة بْن الحوية، وعلى مجنبتيه عبد اللَّه بْن المعتم، وشرحبيل بْن السمط الكندي، وعلى مجردته عاصم بْن عمرو، وعلى المرامية فلان، وعلى الرجل فلان، وعلى الطلائع سواد بْن مالك، وعلى مقدمة رستم الجالنوس، وعلى مجنبتيه الهرمزان ومهران وعلى مجردته ذو الحاجب، وعلى الطلائع البيرزان، وعلى الرجالة زاذ بْن بهيش فلما انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه
(3/515)

بحيال عسكر سعد، ونزل الناس، فما زالوا يتلاحقون وينزلهم فينزلون، حتى أعتموا من كثرتهم، فبات بها تلك الليلة والمسلمون ممسكون عنهم.
قال سعيد بْن المرزبان: فلما أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجم رستم على رستم برؤيا أريها من الليل، قال: رأيت الدلو في السماء، دلوا أفرغ ماؤه، ورأيت السمكة، سمكة في ضحضاح من الماء تضطرب، ورأيت النعائم والزهرة تزدهر، قال: ويحك! هل أخبرت بها أحدا؟ قال:
لا، قال: فاكتمها كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كان رستم منجما، فكان يبكي مما يرى ويقدم عليه، فلما كان بظهر الكوفة رأى أن عمر دخل عسكر فارس، ومعه ملك، فختم على سلاحهم، ثم حزمه ودفعه إلى عمر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قيس بن أبي حازم- وكان قد شهد القادسية- قال: كان مع رستم ثمانية عشر فيلا، ومع الجالنوس خمسة عشر فيلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي، قال: كان مع رستم يوم القادسية ثلاثون فيلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن سعيد بْن المرزبان، عن رجل، قال: كان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا، منها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: كان معه ثلاثة وثلاثون فيلا، معه في القلب ثمانية عشر فيلا، ومعه في المجنبتين خمسة عشر فيلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ وَسَعِيدٍ وَطَلْحَةَ
(3/516)

وَعَمْرٍو وَزِيَادٍ، قَالُوا: فَلَمَّا أَصْبَحَ رُسْتُمُ مِنْ لَيْلَتِهِ الَّتِي بَاتَهَا بِالْعَتِيقِ، أَصْبَحَ رَاكِبًا فِي خَيْلِهِ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَعِدَ نَحْوَ الْقَنْطَرَةِ، وَقَدْ حَزَرَ النَّاسُ، فَوَقَفَ بِحِيَالِهِمْ دُونَ الْقَنْطَرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَجُلا، إِنَّ رُسْتُمَ يَقُولُ لَكُمْ: أَرْسِلُوا إِلَيْنَا رَجُلا نُكَلِّمَهُ وَيُكَلِّمَنَا، وَانْصَرَفَ فَأَرْسَلَ زَهْرَةُ إِلَى سَعْدٍ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَخْرَجَهُ زَهْرَةُ إِلَى الْجَالِنُوسِ، فَأَبْلَغَهُ الْجَالِنُوسُ رُسْتُمَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما نزل رستم على العتيق وبات به، أصبح غاديا على التصفح والحزر، فساير العتيق نحو خفان، حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل القوم، حتى أتى على شيء يشرف منه عليهم، فلما وقف على القنطرة راسل زهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا، فكنا نحسن جوارهم، ونكف الأذى عنهم، ونوليهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم، فنرعيهم مراعينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا، وقد كان لهم في ذلك معاش- يعرض لهم بالصلح، وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرح- فقال له زهرة:
صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، كنا كما ذكرت، يدين لكم من ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم ثم بعث اللَّه تبارك وتعالى إلينا رسولا، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه ص: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز فقال له رستم: وما هو؟ قال: أما عموده الذي
(3/517)

لا يصلح منه شيء إلا به، فشهادة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّه، والإقرار بما جاء من عند اللَّه تعالى قال: ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟
قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه تعالى قال: حسن، وأي شيء أيضا؟ قال: والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم، قال:
ما أحسن هذا! ثم قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه، ومعي قومي كيف يكون أمركم! أترجعون؟ قال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبدا إلا في تجارة أو حاجة قال: صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم فقال له زهرة: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع اللَّه في السفلة، ولا يضرنا من عصى اللَّه فينا فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا، فحموا من ذلك، وأنفوا، فقال: أبعدكم اللَّه وأسحقكم! أخزى اللَّه أخرعنا وأجبننا! فلما انصرف رستم ملت إلى زهرة، فكان إسلامي، وكنت له عديدا وفرض لي فرائض أهل القادسية.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَعَمْرٍو وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِمْ مِثْلَهُ قَالُوا: وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَبُسْرِ بْنِ أَبِي رُهْمٍ وَعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ وَرِبْعِيِّ بْنِ عَامِرٍ وَقِرْفَةَ بْنِ زَاهِرٍ التَّيْمِيِّ ثُمَّ الْوَاثِلِيِّ وَمَذْعُورِ بْنِ عَدِيٍّ العجلى، والمضارب ابن يَزِيدَ الْعِجْلِيِّ وَمَعْبَدِ بْنِ مُرَّةَ الْعِجْلِيِّ- وَكَانَ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ- فَقَالَ: إِنِّي مُرْسِلُكُمْ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، فَمَا عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا جَمِيعًا: نَتْبَعُ مَا تَأْمُرُنَا بِهِ، وَنَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ فِيهِ شَيْءٌ نَظَرْنَا أَمْثَلَ مَا يَنْبَغِي وَأَنْفَعَهُ لِلنَّاسِ، فَكَلَّمْنَاهُمْ بِهِ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا فِعْلُ الْحِزْمَةِ، اذْهَبُوا فَتَهَيَّئُوا، فَقَالَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ: إِنَّ الأَعَاجِمَ لَهُمْ آرَاءٌ وَآدَابٌ، وَمَتَى
(3/518)

نَأْتِهِمْ جَمِيعًا يَرَوْا أَنَّا قَدِ احْتَفَلْنَا بِهِمْ! فَلا تَزِدْهُمْ عَلَى رَجُلٍ، فَمَالَئُوهُ جَمِيعًا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: فَسَرِّحُونِي، فَسَرَّحَهُ، فَخَرَجَ رِبْعِيٌّ لِيَدْخُلَ عَلَى رُسْتُمَ عَسْكَرَهُ، فَاحْتَبَسَهُ الَّذِينَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى رُسْتُمَ لِمَجِيئِهِ، فَاسْتَشَارَ عُظَمَاءَ أَهْلِ فَارِسَ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ؟ أَنُبَاهِي أَمْ نَتَهَاوَنُ! فَأَجْمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى التَّهَاوُنِ، فَأَظْهَرُوا الزِّبْرِجَ، وَبَسَطُوا الْبُسُطَ وَالنَّمَارِقَ، وَلَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا، وَوُضِعَ لِرُسْتُمَ سَرِيرُ الذَّهَبِ، وَأُلْبِسَ زِينَتَهُ مِنَ الأَنْمَاطِ وَالْوَسَائِدِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ وَأَقْبَلَ رِبْعِيٌّ يَسِيرُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ زَبَّاءٌ قَصِيرَةٌ، مَعَهُ سَيْفٌ لَهُ مَشُوفٌ، وَغَمْدُهُ لِفَافَةُ ثَوْبٍ خَلِقٍ، وَرُمْحُهُ مَعْلُوبٌ بِقدٍّ، مَعَهُ حَجَفَةٌ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ، عَلَى وَجْهِهَا أَدِيمٌ أَحْمَرُ مِثْلُ الرَّغِيفِ، وَمَعَهُ قَوْسُهُ وَنَبْلُهُ فَلَمَّا غَشِيَ الْمَلِكَ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ وَإِلَى أَدْنَى الْبُسُطِ، قِيلَ لَهُ: انْزِلْ، فَحَمَلَهَا عَلَى الْبِسَاطِ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ عَلَيْهِ، نَزَلَ عَنْهَا وَرَبَطَهَا بِوِسَادَتَيْنِ فَشَقَّهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَبْلَ فِيهِمَا، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْهَوْهُ، وَإِنَّمَا أَرَوْهُ التَّهَاوُنَ وَعَرَفَ مَا أَرَادُوا، فَأَرَادَ اسْتِحْرَاجَهُمْ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ كَأَنَّهَا أَضَاةٌ وَيلمقُهُ عَبَاءَةُ بَعِيرِهِ، قَدْ جَابَهَا وَتَدَرَّعَهَا، وَشَدَّهَا عَلى وَسَطِهِ بِسَلَبٍ وَقَدْ شَدَّ رَأْسَهُ بِمعْجَرَتِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ الْعَرَبِ شعرة، ومعْجَرَتُهُ نِسْعَةُ بَعِيرِهِ، وَلِرَأْسِهِ أَرْبَعُ ضَفَائِرَ، قَدْ قُمْنَ قِيَامًا، كَأَنَّهُنَّ قُرُونُ الْوَعْلَةِ فَقَالُوا: ضَعْ سِلاحَكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكُمْ فَأَضَعُ سِلاحِي بِأَمْرِكُمْ، أَنْتُمْ دعوتموني، فان ابيتم ان آتيكم كما اريد رَجَعْتُ فَأَخْبِرُوا رُسْتُمَ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ، هَلْ هُوَ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ! فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رمحه، وزجه نصل يقارب
(3/519)

الخطو، وَيَزُجُّ النَّمَارِقَ وَالْبُسُطَ، فَمَا تَرَكَ لَهُمْ نِمْرِقَةً وَلا بُسَاطًا إِلا أَفْسَدَهُ وَتَرَكَهُ مُنْهَتِكًا مُخْرَقًا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ رُسْتُمَ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَرَسُ، وَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَرَكَّزَ رُمْحَهُ بِالْبُسُطِ، فَقَالُوا: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ:
إِنَّا لا نَسْتَحِبُّ الْقُعُودَ عَلَى زِينَتِكُمْ هَذِهِ فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟
قَالَ: اللَّهُ ابْتَعَثَنَا، وَاللَّهُ جَاءَ بِنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ مِنَّا ذَلِكَ قَبِلْنَا ذَلِكَ مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ يَلِيهَا دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا، حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ.
قَالَ: وَمَا مَوْعُودُ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ لِمَنْ مَاتَ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَبَى، وَالظَّفْرِ لِمَنْ بَقِيَ فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ وَتَنْظُرُوا! قَالَ: نَعَمْ، كَمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ أَيَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟
قَالَ: لا بَلْ حَتَّى نُكَاتِبَ أَهْلَ رَأْيِنَا وَرُؤَسَاءَ قَوْمِنَا وَأَرَادَ مُقَارَبَتَهُ وَمُدَافَعَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ مِمَّا سَنَّ لَنَا رسول الله ص وَعَمِلَ بِهِ أَئِمَّتُنَا، أَلا نُمَكِّنَ الأَعْدَاءَ مِنْ آذَانِنَا، وَلا نُؤَجِّلَهُمْ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ، فَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ عَنْكُمْ ثَلاثًا، فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ، وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ بَعْدَ الأَجَلِ، اخْتَرِ الإِسْلامَ وَنَدَعُكَ وَأَرْضَكَ، أَوِ الْجَزَاءَ، فَنَقْبَلَ وَنَكُفَّ عَنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَنْ نَصْرِنَا غَنِيًّا تَرَكْنَاكَ مِنْهُ، وَإِنْ كُنْتَ إِلَيْهِ مُحْتَاجًا مَنَعْنَاكَ أَوِ الْمُنَابَذَةِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَلَسْنَا نَبْدَؤُكَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِلا أَنْ تَبْدَأَنَا، أَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِي وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ تَرَى قَالَ: أَسَيِّدُهُمْ أَنْتَ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلاهُمْ فَخَلَصَ رستم برءوساء أَهْلِ فَارِسَ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ؟ هَلْ رَأَيْتُمْ كَلامًا قَطُّ أَوْضَحَ وَلا أَعَزَّ مِنْ كَلامِ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ لَكَ أَنْ تَمِيلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَتَدَعَ دِينَكَ لِهَذَا الْكَلْبِ! أَمَا تَرَى إِلَى ثِيَابِهِ! فَقَالَ: ويحكم
(3/520)

لا تَنْظُرَوا إِلَى الثِّيَابِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الرَّأْيِ وَالْكَلامِ وَالسِّيرَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَخِفُّ بِاللِّبَاسِ وَالْمَأْكَلِ وَيَصُونُونَ الأَحْسَابَ، لَيْسُوا مِثْلَكُمْ فِي اللِّبَاسِ، وَلا يَرَوْنَ فِيهِ مَا تَرَوْنَ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَتَنَاوَلُونَ سِلاحَهُ، وَيُزَهِّدُونَهُ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى أَنْ ترونِي فَأُرِيَكُمْ؟ فَأَخْرَجَ سَيْفَهُ مِنْ خِرْقِهِ كَأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ فَقَالَ الْقَوْمُ:
اغْمِدْهُ، فَغَمَدَهُ، ثُمَّ رَمَى تُرْسًا وَرَمَوْا حَجْفَتَهُ، فَخُرِقَ تُرْسُهُمْ، وَسَلِمَتْ حَجْفَتُهُ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ فَارِسَ، إِنَّكُمْ عَظَّمْتُمُ الطَّعَامَ وَاللِّبَاسَ وَالشَّرَابَ، وَإِنَّا صَغَّرْنَاهُنَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الأَجَلِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَعَثُوا أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ حُذَيْفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَأَقْبَلَ فِي نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ الزِّيِّ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى أَدْنَى الْبِسَاطِ، قِيلَ لَهُ:
انْزِلْ، قَالَ: ذَلِكَ لَوْ جِئْتُكُمْ فِي حَاجَتِي، فَقُولُوا لِمَلِكِكُمْ: أَلَهُ الْحَاجَةُ أَمْ لِي؟
فَإِنْ قَالَ: لِي، فَقَدْ كَذَبَ، وَرَجَعْتُ وَتَرَكْتُكُمْ، فَإِنْ قَالَ: لَهُ، لَمْ آتِكُمْ إِلا عَلَى مَا أُحِبُّ فَقَالَ: دَعُوهُ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ وَرُسْتُمُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ:
انْزِلْ، قَالَ: لا أَفْعَلُ، فَلَمَّا أَبَى سَأَلَهُ: ما بالك جئت ولم يجيء صَاحِبُنَا بِالأَمْسِ؟ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَنَا يُحِبُّ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَنَا فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، فَهَذِهِ نَوْبَتِي قَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَّ عَلَيْنَا بِدِينِهِ، وَأَرَانَا آيَاتِهِ، حَتَّى عَرَفْنَاهُ وَكُنَّا لَهُ مُنْكِرِينَ ثُمَّ أَمَرَنَا بِدُعَاءِ النَّاسِ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلاثٍ، فَأَيُّهَا أَجَابُوا إِلَيْهَا قَبِلْنَاهَا: الإِسْلامُ وَنَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، أَوِ الجزاء ويمنعكم إِنِ احْتَجْتُمْ إِلَى ذَلِكَ، أَوِ الْمُنَابَذَةُ فَقَالَ: أَوِ الْمُوَادَعَةُ إِلَى يَوْمٍ مَا؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، ثَلاثًا مِنْ أَمْسَ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ إِلا ذَلِكَ رَدَّهُ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَلا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَرَى! جَاءَنَا الأَوَّلُ بِالأَمْسِ فَغَلَبَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَحَقَّرَ مَا نُعَظِّمُ، وَأَقَامَ فَرَسَهُ عَلَى زِبْرِجِنَا وَرَبَطَهُ بِهِ، فَهُوَ فِي يُمْنِ الطَّائِرِ، ذَهَبَ بِأَرْضِنَا وَمَا فِيهَا إِلَيْهِمْ، مَعَ فَضْلِ عَقْلِهِ وَجَاءَنَا هَذَا الْيَوْمَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا، فَهُوَ فِي يُمْنِ الطَّائِرِ، يَقُومُ عَلَى أَرْضِنَا دُونَنَا، حَتَّى أَغْضَبَهُمْ وَأَغْضَبُوهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلا، فَبَعَثُوا إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: لَمَّا جَاءَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْقَنْطَرَةِ فَعَبَرَهَا إِلَى أَهْلِ فَارِسَ حَبَسُوهُ واستأذنوا رستم
(3/521)

فِي إِجَازَتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ شَارَتِهِمْ، تَقْوِيَةً لِتَهَاوُنِهِمْ، فَأَقْبَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالْقَوْمُ فِي زِيِّهِمْ، عَلَيْهِمُ التِّيجَانُ وَالثِّيَابُ الْمَنْسُوجَةُ بِالذَّهَبِ، وَبُسُطُهُمْ عَلَى غَلْوَةٍ لا يَصِلُ إِلَى صَاحِبِهِمْ، حَتَّى يَمْشِيَ عَلَيْهِمْ غَلْوَةً، وَأَقْبَلَ الْمُغِيرَةُ وَلَهُ أَرْبَعُ ضَفَائِرَ يَمْشِي، حَتَّى جَلَسَ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَوِسَادَتِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَتَرْتَرُوهُ وَأَنْزَلُوهُ وَمَغَثُوهُ فَقَالَ: كَانَتْ تَبْلُغُنَا عَنْكُمُ الأَحْلامُ، وَلا أَرَى قَوْمًا أَسْفَهَ مِنْكُمْ! إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ سَوَاءٌ، لا يَسْتَعْبِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا إِلا أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا لِصَاحِبِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّكُمْ تُوَاسُونَ قَوْمَكُمْ كَمَا نَتَوَاسَى، وَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَنْ تُخْبِرُونِي أَنَّ بَعْضَكُمْ أَرْبَابُ بَعْضٍ، وَأَنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَسْتَقِيمُ فِيكُمْ فَلا نَصْنَعُهُ، وَلَمْ آتِكُمْ، وَلَكِنْ دَعَوْتُمُونِي الْيَوْمُ، عَلِمْتُ أَنَّ أَمْرَكُمْ مُضْمَحِلٌّ، وَأَنَّكُمْ مَغْلُوبُونَ، وَأَنَّ مُلْكًا لا يَقُومُ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ، وَلا عَلَى هَذِهِ الْعُقُولِ فَقَالَتِ السَّفَلَةُ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْعَرَبِيُّ، وَقَالَتِ الدَّهَّاقِينُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَى بِكَلامٍ لا يَزَالُ عَبِيدُنَا يَنْزَعُونَ إِلَيْهِ، قَاتَلَ اللَّهُ أَوَّلينَا، مَا كَانَ أَحْمَقَهُمْ حِينَ كَانُوا يُصَغِّرُونَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ! فَمَازَحَهُ رُسْتُمُ لِيَمْحُوَ مَا صَنَعَ، وَقَالَ لَهُ:
يَا عَرَبِيُّ، إِنَّ الْحَاشِيَةَ قَدْ تَصْنَعُ مَا لا يُوَافِقُ الْمَلِكَ، فَيَتَرَاخَى عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَكْسِرَهَا عَمَّا يَنْبَغِي مِنْ ذَلِكَ، فَالأَمْرُ عَلَى مَا تُحِبُّ مِنَ الْوَفَاءِ وَقُبُولِ الْحَقِّ، مَا هَذِهِ الْمَغَازِلُ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: مَا ضَرَّ الْجَمْرَةَ أَلا تَكُونَ طَوِيلَةً! ثُمَّ رَامَاهُمْ وَقَالَ:
مَا بَالُ سَيْفِكَ رَثًّا! قَالَ: رَثُّ الْكِسْوَةِ، حَدِيدُ الْمَضْرَبَةِ ثُمَّ عَاطَاهُ سَيْفَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رُسْتُمُ: تَكَلَّمْ أَمْ أَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَنْتَ الَّذِي بَعَثْتَ إِلَيْنَا، فَتَكَلَّمْ، فَأَقَامَ التَّرْجُمَانُ بَيْنَهُمَا، وَتَكَلَّمَ رُسْتُمُ، فَحَمِدَ قَوْمَهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُمْ وَطَوَّلَهُ، وَقَالَ: لَمْ نَزَلْ مُتَمَكِّنِينَ فِي الْبِلادِ، ظَاهِرِينَ عَلَى الأَعْدَاءِ، أَشْرَافًا فِي الأُمَمِ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ مِثْلُ عِزِّنَا وَشَرَفِنَا وَسُلْطَانِنَا، نُنْصَرُ عَلَى النَّاسِ وَلا يُنْصَرُونَ عَلَيْنَا إِلا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، أَوِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، لِلذُّنُوبِ، فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ فَرَضِيَ رَدَّ إِلَيْنَا عِزَّنَا، وَجَمَعَنَا لِعَدُوِّنَا شَرَّ يَوْمٍ هُوَ آتٍ عَلَيْهِمْ
(3/522)

ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ أُمَّةٌ أَصْغَرُ عِنْدَنَا أَمْرًا مِنْكُمْ، كُنْتُمْ أَهْلَ قَشَفٍ وَمَعِيشَةٍ سَيِّئَةٍ، لا نَرَاكُمْ شَيْئًا وَلا نَعُدُّكُمْ، وَكُنْتُمْ إِذَا قَحِطَتْ أَرْضُكُمْ، وَأَصَابَتْكُمُ السَّنَةُ اسْتَغَثْتُمْ بناحيه أرضنا فنأمر لكم بالشيء مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ثُمَّ نَرُدُّكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ إِلا مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْجَهْدِ فِي بِلادِكُمْ، فَأَنَا آمِرٌ لأَمِيرِكُمْ بِكِسْوَةٍ وَبَغْلٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَآمِرٌ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِوِقْرِ تَمْرٍ وَبِثَوْبَيْنِ، وَتَنْصَرِفُونَ عَنَّا، فَإِنِّي لَسْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ وَلا آسِرَكُمْ فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَازِقُهُ، فَمَنْ صَنَعَ شَيْئًا فَإِنَّمَا هُوَ الذى يصنعه هو لَهُ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَأَهْلَ بِلادِكَ، مِنَ الظُّهُورِ عَلَى الأَعْدَاءِ وَالتَّمَكُّنِ فِي الْبِلادِ وَعِظَمِ السُّلْطَانِ فِي الدُّنْيَا، فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ، وَلَسْنَا نُنْكِرُهُ، فَاللَّهُ صَنَعَهُ بِكُمْ، وَوَضَعَهُ فِيكُمْ، وَهُوَ لَهُ دُونَكُمْ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ فِينَا مِنْ سُوءِ الْحَالِ، وَضِيقِ الْمَعِيشَةِ وَاخْتِلافِ الْقُلُوبِ، فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ، وَلَسْنَا نُنْكِرُهُ، وَاللَّهُ ابْتَلانَا بِذَلِكَ، وَصَيَّرَنَا إِلَيْهِ، وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ شَدَائِدِهَا يَتَوَقَّعُونَ الرَّخَاءِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ رَخَائِهَا يَتَوَقَّعُونَ الشَّدَائِدَ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِمْ، وَيَصِيرُوا إِلَيْهَا، وَلَوْ كُنْتُمْ فِيمَا آتَاكُمُ اللَّهُ ذَوِي شُكْرٍ، كَانَ شُكْرُكُمْ يَقْصُرُ عَمَّا أُوتِيتُمْ، وَأَسْلَمَكُمْ ضَعْفُ الشُّكْرِ إِلَى تَغَيُّرِ الْحَالِ، وَلَوْ كُنَّا فِيمَا ابْتُلِينَا بِهِ أَهْلَ كُفْرٍ، كَانَ عَظِيمُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْنَا مُسْتَجْلِبًا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً يُرَفِّهُ بِهَا عَنَّا، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ غَيْرُ مَا تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، أَوْ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَنَا بِهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ فِينَا رَسُولا ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ الْكَلامِ الأَوَّلِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:
وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكَ فَكُنْ لَنَا عَبْدًا تُؤَدِّي الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِلا فَالسَّيْفُ إِنْ أَبَيْتَ! فَنَخَرَ نَخْرَةً، وَاسْتَشَاطَ غَضَبًا، ثُمَّ حَلِفَ بِالشَّمْسِ لا يَرْتَفِعُ لَكُمُ الصُّبْحُ غَدًا حَتَّى أَقْتُلَكُمْ أَجْمَعِينَ.
فَانْصَرَفَ الْمُغِيرَةُ، وَخَلَصَ رُسْتُمُ تَأَلُّفًا بِأَهْلِ فَارِسَ، وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلاءِ مِنْكُمْ؟ مَا بَعْدُ هَذَا! أَلَمْ يَأْتِكُمُ الأَوَّلانِ فَحَسَرَاكُمْ وَاسْتَحْرَجَاكُمْ، ثُمَّ جاءكم
(3/523)

هَذَا، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا، وَسَلَكُوا طَرِيقًا وَاحِدًا، وَلَزِمُوا أَمْرًا وَاحِدًا، هَؤُلاءِ وَاللَّهِ الرِّجَالُ، صَادِقِينَ كَانُوا أَمْ كَاذِبِينَ! وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ بَلَغَ مِنْ إِرْبِهِمْ وَصَوْنِهِمْ لِسِرِّهِمْ أَلا يَخْتَلِفُوا، فَمَا قَوْمٌ أَبْلَغُ فِيمَا أَرَادُوا مِنْهُمْ، لَئِنْ كَانُوا صَادِقِينَ مَا يَقُومُ لِهَؤُلاءِ شَيْءٌ! فَلُجُّوا وَتَجَلَّدُوا وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُصْغُونَ إِلَى مَا اقول لكم، وان هذا منكم رياء، فَازْدَادُوا لَجَاجَةً.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ مَعَ الْمُغِيرَةِ رَجُلا، وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَطَعَ الْقَنْطَرَةَ، وَوَصَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَنَادِ: إِنَّ الْمَلِكَ كَانَ مُنَجِّمًا قَدْ حَسَبَ لَكَ وَنَظَرَ فِي أَمْرِكَ، فَقَالَ: إِنَّكَ غَدًا تُفْقَأُ عَيْنُكَ فَفَعَلَ الرَّسُولُ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَشَّرْتَنِي بِخَيْرٍ وَأَجْرٍ، وَلَوْلا أَنْ أُجَاهِدَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَشْبَاهَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لَتَمَنَّيْتُ أَنَّ الأُخْرَى ذَهَبَتْ أَيْضًا فَرَآهُمْ يَضْحَكُونَ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ بَصِيرَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَطِيعُونِي يَا أَهْلَ فَارِسَ، وَإِنِّي لأَرَى لِلَّهِ فِيكُمْ نَقْمَةً لا تَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا عَنْ أَنْفُسِكُمْ.
وَكَانَتْ خُيُولُهُمْ تَلْتَقِي عَلَى الْقَنْطَرَةِ لا تَلْتَقِي إِلا عَلَيْهَا، فَلا يَزَالُونَ يَبْدَءُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ كَافُّونَ عَنْهُمُ الثَّلاثَةَ الأَيَّام، لا يَبْدَءُونَهُمْ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ صَدُّوهُمْ وَرَدَعُوهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ تَرْجُمَانُ رُسْتُمَ عَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ يُدْعَى عبودَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي وَسَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالا: دَعَا رُسْتُمُ بِالْمُغِيرَةِ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَدَعَا رُسْتُمُ تَرْجُمَانَهُ- وَكَانَ عَرَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، يُدْعَى عبودَ- فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: وَيْحَكَ يَا عبودُ! أَنْتَ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ، فَأَبْلِغْهُ عَنِّي إِذَا أَنَا تَكَلَّمْتُ كَمَا تُبَلِّغُنِي عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، الى احدى
(3/524)

ثَلاثِ خِلالٍ: إِلَى الإِسْلامِ وَلَكُمْ فِيهِ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ فِيهِ مَا عَلَيْنَا، لَيْسَ فِيهِ تَفَاضُلُ بَيْنَنَا، أَوِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ قَالَ: مَا صَاغِرُونَ؟
قَالَ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى رَأْسِ أَحَدِنَا بِالْجِزْيَةِ يَحْمَدُهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ.
إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَالإِسْلامُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُمَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الْقَادِسِيَّةَ غُلامًا بَعْدَ مَا احْتَلَمْتُ، فَقَدِمَ سَعْدٌ الْقَادِسِيَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَبِهَا أَهل الأَيَّامِ، فَقَدِمَتْ عَلَيْنَا مُقْدِمَاتُ رُسْتُمَ، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْنَا فِي سِتِّينَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَشْرَفَ رُسْتُمُ عَلَى الْعَسْكَرِ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلا يُكَلِّمُنَا وَنُكَلِّمْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَنَفَرًا، فَلَمَّا أَتَوْا رُسْتُمَ جَلَسَ الْمُغِيرَةُ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَخَرَ أَخُو رُسْتُمَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لا تَنْخَرُ، فَمَا زَادَنِي هَذَا شَرَفًا وَلا نَقَصَ أَخَاكَ فَقَالَ رُسْتُمُ:
يَا مُغِيرَةُ، كُنْتُمْ أَهْلَ شَقَاءٍ، حَتَّى بَلَغَ، وَإِنْ كَانَ لَكُمْ أَمْرٌ سِوَى ذَلِكَ، فَأَخْبِرُونَا ثُمَّ أَخَذَ رُسْتُمُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، وَقَالَ: لا تَرَوْا أَنَّ هَذِهِ الْمَغَازِلَ تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ مُجِيبًا لَهُ، فَذَكَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: فَكَانَ مِمَّا رَزَقَنَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ حَبَّةٌ تَنْبُتُ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ، فَلَمَّا أَذَقْنَاهَا عِيَالَنَا، قَالُوا: لا صَبْرَ لَنَا عَنْهَا، فَجِئْنَا لِنُطْعِمَهُمْ أَوْ نَمُوتَ فَقَالَ رُسْتُمُ: إِذًا تَمُوتُونَ أَوْ تُقْتَلُونَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: إِذًا يَدْخُلَ مَنْ قُتِلَ مِنَّا الْجَنَّةَ، وَيَدْخُلَ مَنْ قَتَلَنَا مِنْكُمُ النَّارَ، وَيَظْفَرُ مَنْ بَقِيَ مِنَّا بِمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ، فَنَحْنُ نُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلاثِ خِلالٍ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ رُسْتُمُ: لا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ بَقِيَّةَ ذَوِي الرَّأْيِ جَمِيعًا، وَحَبَسَ الثَّلاثَةَ، فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُ لِيُعْظِمُوا عَلَيْهِ اسْتِقْبَاحًا، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يَقُولُ لَكَ: إِنَّ الْجِوَارَ يَحْفَظُ الْوُلاةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا وَلَكَ، الْعَافِيَةُ أَنْ تَقْبَلَ
(3/525)

مَا دَعَاكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَرْضِنَا، وَتَرْجِعُ إِلَى أَرْضِكَ وَبَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ، إِلا أَنَّ دَارَكُمْ لَكُمْ، وَأَمْرَكُمْ فِيكُمْ، وَمَا أَصَبْتُمْ مِمَّا وَرَاءَكُمْ كَانَ زِيَادَةً لَكُمْ دُونَنَا، وَكُنَّا لَكُمْ عَوْنًا عَلَى أَحَدٍ إِنْ أَرَادَكُمْ أَوْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ وَاتَّقِ اللَّهَ يَا رُسْتُمُ، وَلا يَكُونَنَّ هَلاكُ قَوْمِكَ عَلَى يَدَيْكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ تغبط بِهِ إِلا أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ وَتَطْرُدُ بِهِ الشَّيْطَانَ عَنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ كَلَّمْتُ مِنْكُمْ نَفَرًا، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنِّي رَجَوْتُ أَنْ تَكُونُوا قَدْ فَهِمْتُمْ، وَإِنَّ الأَمْثَالَ أَوْضَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلامِ، وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلَكُمْ تُبْصِرُوا أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْلَ جَهْدٍ فِي الْمَعِيشَةِ، وَقَشَفٍ فِي الْهَيْئَةِ، لا تَمْتَنِعُونَ وَلا تَنْتَصِفُونَ، فَلَمْ نُسِئْ جِوَارَكُمْ، وَلَمْ نَدَعْ مُوَاسَاتَكُمْ، تُقْحَمُونَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، فَنُمِيرُكُمْ ثُمَّ نَرُدُّكُمْ، وَتَأْتُونَنَا أَجْرَاءً وَتُجَّارًا، فَنُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، فلما تَطَاعَمْتُمْ بِطَعَامِنَا، وَشَرِبْتُمْ شَرَابَنَا، وَأَظَلَّكُمْ ظِلُّنَا، وَصَفْتُمْ لِقَوْمِكُمْ، فَدَعَوْتُمُوهُمْ، ثُمَّ أَتَيْتُمُونَا بِهِمْ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي ذَلِكَ وَمَثَلُنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ كَرْمٌ، فَرَأَى فِيهِ ثَعْلَبًا، فَقَالَ: وَمَا ثَعْلَبُ! فَانْطَلَقَ الثَّعْلَبُ، فَدَعَا الثَّعَالِبَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ سَدَّ عَلَيْهِنَّ صَاحِبُ الْكَرْمِ الْجُحْرَ الَّذِي كُنَّ يَدْخُلْنَ مِنْهُ، فَقَتَلَهُنَّ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا الْحِرْصُ وَالطَّمَعُ وَالْجهْدُ، فَارْجِعُوا عَنَّا عَامَكُمْ هَذَا، وَامْتَارُوا حَاجَتَكُمْ، وَلَكُمُ الْعَوْدُ كُلَّمَا احْتَجْتُمْ، فَإِنِّي لا أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عمارة بْن القعقاع الضبي، عن رجل من يربوع شهدها، قال: وقال وقد أصاب أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا، ثم كان مصيرهم القتل والهرب، ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى، وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم، وخرج مما كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب، وفي الجرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعل الأخر ينقلن منها ويرجعن ويكلمنه في الرجوع، فيأبى فانتهى سمن الذي في الجرة، فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله،
(3/526)

فضاق عليه الجحر، ولم يطق الخروج، فشكا القلق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل، فكف وجوع نفسه، وبقي في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلها أتى عليه صاحب الجرة فقتله فاخرجوا ولا يكونن هذا لكم مثلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق اللَّه خلقا أولع من ذباب ولا أضر، ما خلاكم يا معشر العرب، ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع، وسأضرب لكم مثلكم: إن الذباب إذا رأى العسل طار، وقال: من يوصلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنهه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشب وقال: من يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقال أيضا: إنما مثلكم مثل ثعلب دخل جحرا وهو مهزول ضعيف إلى كرم، فكان فيه يأكل ما شاء اللَّه، فرآه صاحب الكرم، ورأى ما به، فرحمه، فلما طال مكثه في الكرم وسمن، وصلحت حاله، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يعبث بالكرم ويفسد أكثر مما يأكل، فاشتد على صاحب الكرم، فقال: لا أصبر على هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غلمانه، فطلبوه وجعل يراوغهم في الكرم، فلما رأى أنهم غير مقلعين عنه، ذهب ليخرج من الجحر الذي دخل منه، فنشب اتسع عليه وهو مهزول، وضاق عليه وهو سمين، فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكرم، فلم يزل يضربه حتى قتله، وقد جئتم وأنتم مهازيل، وقد سمنتم شيئا من سمن، فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضا: إن رجلا وضع سلا، وجعل طعامه فيه، فأتى الجرذان، فخرقوا سله، فدخلوا فيه فأراد سده، فقيل له:
لا تفعل، إذا يخرقنه، ولكن انقب بحياله، ثم اجعل فيها قصبة مجوفة، فإذا جاءت الجرذان دخلن من القصبة وخرجن منها، فكلما طلع عليكم جرذ قتلتموه وقد سددت عليكم، فإياكم أن تقتحموا القصبة، فلا يخرج منها أحد إلا قتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم، ولا أرى عددا ولا عدة!
(3/527)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ بِإِسْنَادِهِمَا وَزِيَادٍ مَعَهُمَا، قَالُوا: فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ سُوءِ حَالِنَا فِيمَا مَضَى، وَانْتِشَارِ أَمْرِنَا، فَلَمَّا تبلغ كنهه! يَمُوتُ الْمَيِّتُ مِنَّا إِلَى النَّارِ، وَيَبْقَى الْبَاقِي مِنَّا فِي بُؤْسٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي أَسْوَإِ ذَلِكَ، بَعَثَ اللَّهُ فِينَا رَسُولا مِنْ أَنْفُسِنَا إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ، رَحْمَةً رَحِمَ بِهَا مَنْ أَرَادَ رَحْمَتَهُ، وَنَقْمَةً يَنْتَقِمُ بِهَا مِمَّنْ رَدَّ كَرَامَتَهُ، فَبَدَأَ بِنَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشَدَّ عَلَيْهِ، وَلا أَشَدَّ إِنْكَارًا لِمَا جَاءَ بِهِ، وَلا أَجْهَدَ عَلَى قَتْلِهِ وَرَدَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى طَابَقْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّنَا، فَنَصَبْنَا لَهُ جَمِيعًا، وَهُوَ وَحْدَهُ فَرْدٌ لَيْسَ مَعَهُ إِلا اللَّهُ تَعَالَى، فَأُعْطِيَ الظَّفْرَ عَلَيْنَا، فَدَخَلَ بَعْضُنَا طَوْعًا، وَبَعْضُنَا كَرْهًا، ثُمَّ عَرَفْنَا جَمِيعًا الْحَقَّ وَالصِّدْقَ لَمَّا أَتَانَا بِهِ مِنَ الآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ، وَكَانَ مِمَّا أَتَانَا بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا جِهَادُ الأَدْنَى فَالأَدْنَى، فَسِرْنَا بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا، نَرَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَنَا وَوَعَدَنَا لا يُخْرَمُ عَنْهُ وَلا يُنْقَضُ، حَتَّى اجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى هَذَا، وَكَانُوا مِنَ اخْتِلافِ الرَّأْيِ فِيمَا لا يُطِيقُ الْخَلائِقُ تَأْلِيفَهُمْ ثُمَّ أَتَيْنَاكُمْ بِأَمْرِ رَبِّنَا، نُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَنَنْفُذُ لأَمْرِهِ، وَنَنْتَجِزُ مَوْعُودَهُ، وَنَدْعُوكُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَحُكْمِهِ، فَإِنْ أَجَبْتُمُونَا تَرَكْنَاكُمْ وَرَجَعْنَا وَخَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ لَمْ يَحْلُ لَنَا إِلا أَنْ نُعَاطِيَكُمُ الْقِتَالَ أَوْ تَفْتَدُوا بِالْجِزَى، فَإِنْ فَعَلْتُمْ وَإِلا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْرَثَنَا أرضكم وابناءكم وأموالكم.
فاقبلوا نصيحتنا، فو الله لإِسْلامُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وَلَقِتَالُكُمْ بَعْدُ أحب مِنْ صُلْحِكُمْ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَثَاثَتِنَا وَقِلَّتِنَا فَإِنَّ أَدَاتَنَا الطَّاعَةُ، وَقِتَالَنَا الصَّبْرُ وَأَمَّا مَا ضَرَبْتُمْ لَنَا مِنَ الأَمْثَالِ، فَإِنَّكُمْ ضَرَبْتُمْ لِلرِّجَالِ وَالأُمُورِ الْجِسَامِ وَلِلجِّدِ الْهَزْلِ، وَلَكِنَّا سَنَضْرَبُ مَثَلَكُمْ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ رَجُلٍ غَرَسَ أَرْضًا، وَاخْتَارَ لَهَا الشَّجَرَ وَالْحَبَّ، وَأَجْرَى إِلَيْهَا الأَنْهَارَ، وزينها بالقصور، واقام فيها فلا حين يَسْكُنُونَ قُصُورَهَا، وَيَقُومُونَ عَلَى جَنَّاتِهَا، فَخَلا الْفَلاحُونَ فِي الْقُصُورِ عَلَى مَا لا يُحِبُّ، وَفِي الْجِنَانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأَطَالَ نَظْرَتَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمُ، اسْتَعْتَبَهُمْ فَكَابَرُوهُ، فَدَعَا
(3/528)

إِلَيْهَا غَيْرَهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، فَإِنْ ذَهَبُوا عَنْهَا تَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ، وَإِنْ أَقَامُوا فِيهَا صَارُوا خَوْلا لِهَؤُلاءِ يَمْلِكُونَهُمْ، وَلا يَمَلِكُونَ عَلَيْهِمْ، فَيَسُومُونَهُمُ الْخَسْفَ ابدا، وو الله أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا نَقُولُ لَكَ حَقًّا، وَلَمْ يَكُنْ إِلا الدُّنْيَا، لَمَا كَانَ لَنَا عَمَّا ضَرِينَا بِهِ مِنْ لَذِيذِ عَيْشِكُمْ، وَرَأَيْنَا مِنْ زَبْرَجِكُمْ مِنْ صَبْرٍ، وَلَقَارَعْنَاكُمْ حَتَّى نَغْلِبَكُمْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ رُسْتُمُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ عَشِيًّا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَقِفُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: شَأْنَكُمْ وَالْعُبُورَ، فَأَرَادُوا الْقَنْطَرَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: لا وَلا كَرَامَةَ! أَمَّا شَيْءٌ قَدْ غَلَبْنَاكُمْ عَلَيْهِ فَلَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، تَكَلَّفُوا مَعْبَرًا غَيْرَ الْقَنَاطِرِ، فَبَاتُوا يَسْكُرُونَ الْعَتِيقَ حَتَّى الصَّبَاحِ بِأَمْتِعَتِهِمْ

يوم أرماث
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد، عن عبيد اللَّه، عن نافع وعن الحكم، قالا: لما أراد رستم العبور أمر بسكر العتيق بحيال قادس، وهو يومئذ أسفل منها اليوم مما يلي عين الشمس، فباتوا ليلتهم حتى الصباح يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعد ما ارتفع النهار من الغد.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ورأى رستم من الليل أن ملكا نزل من السماء، فأخذ قسي أصحابه، فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما محزونا، فدعا خاصته فقصها عليهم، وقال: إن اللَّه ليعظنا، لو أن فارس تركوني أتعظ! أما ترون النصر قد رفع عنا، وترون الريح مع عدونا، وأنا لا نقوم لهم في فعل ولا منطق، ثم هم يريدون مغالبة بالجبرية! فعبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، قال:
(3/529)

لما كان يوم السكر، لبس رستم درعين ومغفرا وأخذ سلاحه، وأمر بفرسه فأسرج، فأتي به فوثب، فإذا هو عليه لم يمسه ولم يضع رجله في الركاب، ثم قال: غدا ندقهم دقا، فقال له رجل: إن شاء اللَّه، فقال:
وإن لم يشأ! كَتَبَ إلي السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم: إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد- يذكرهم موت كسرى- ثم قال لأصحابه: قد خشيت أن تكون هذه سنة القرود ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم، وجلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة، وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا، عليها الصناديق والرجال، وفي المجنبتين ثمانية وسبعة، عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد وضع رجلا على باب إيوانه، إذ سرح رستم، وأمره بلزومه وإخباره، وآخر حيث يسمعه من الدار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كل دعوة رجلا، فلما نزل رستم، قال الذي بساباط: قد نزل، فقاله الآخر حتى قاله الذي على باب الإيوان، وجعل بين كل مرحلتين على كل دعوة رجلا، فكلما نزل وارتحل أو حدث أمر قاله، فقاله الذي يليه، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان، فنظم ما بين العتيق والمدائن رجالا، وترك البرد، وكان ذلك هو الشأن.
وأخذ المسلمون مصافهم، وجعل زهرة وعاصم بين عبد اللَّه وشرحبيل، ووكل صاحب الطلائع بالطراد، وخلط بين الناس في القلب والمجنبات، ونادى مناديه: ألا إن الحسد لا يحل إلا على الجهاد في أمر اللَّه يا أيها الناس، فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس، به حبون، فإنما هو على وجهه في صدره وسادة، هو مكب عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه،
(3/530)

إلى خالد بْن عرفطة، وهو أسفل منه، وكان الصف إلى جنب القصر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدا مشرفا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نِمْرَانَ، قَالَ: لَمَّا عَبَرَ رستم تخول زَهْرَةُ وَالْجَالِنُوسُ، فَجَعَلَ سَعْدٌ زَهْرَةَ مَكَانَ ابْنِ السِّمْطِ، وَجَعَلَ رُسْتُمُ الْجَالِنُوسَ مَكَانَ الْهُرْمُزَانِ، وَكَانَ بِسَعْدٍ عِرْقُ النَّسَا وَدَمَامِيلُ، وَكَانَ إِنَّمَا هُوَ مُكِبٌّ، وَاسْتَخْلَفَ خَالِدَ بْنَ عَرْفَطَةَ عَلَى النَّاسِ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ:
احْمِلُونِي، وَأَشْرِفُوا بِي عَلَى النَّاسِ، فَارْتَقَوْا بِهِ، فَأَكَبَّ مُطَّلِعًا عَلَيْهِمْ، وَالصَّفُّ فِي أَصْلِ حَائِطِ قُدَيْسَ، يَأْمُرُ خَالِدًا فَيَأْمُرُ خَالِدٌ النَّاسَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَغَبَ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ، فَهَمَّ بِهِمْ سَعْدٌ وَشَتَمَهُمْ، وَقَالَ:
أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ عَدُوَّكُمْ بِحَضْرَتِكُمْ لَجَعَلْتُكُمْ نَكَالا لِغَيْرِكُمْ! فَحَبَسَهُمْ- وَمِنْهُمْ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ- وَقَيَّدَهُمْ فِي الْقَصْرِ، وَقَالَ جَرِيرٌ: اما انى بايعت رسول الله ص عَلَى أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ لِمَنْ وَلاهُ اللَّهُ الأَمْرَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لا يَعُودُ أَحَدٌ بَعْدَهَا يَحْبِسُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عَدُوِّهِمْ وَيُشَاغِلُهُمْ وَهُمْ بِإِزَائِهِمْ إِلا سُنَّتْ بِهِ سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بِهَا مِنْ بَعْدِي.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: إِنَّ سَعْدًا خَطَبَ مَنْ يَلِيهِ يَوْمَئِذٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، بَعْدَ مَا تَهَدَّمَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَرَضُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ عَرْفَطَةَ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ لا شَرِيكَ لَهُ فِي الملك، وليس لقوله خلف، قال الله جل ثَنَاؤُهُ: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» ، إِنَّ هَذَا مِيرَاثُكُمْ وَمَوْعُودُ رَبِّكُمْ، وَقَدْ أَبَاحَهَا لَكُمْ مُنْذُ ثَلاثِ حِجَجٍ، فَأَنْتُمْ تُطْعَمُونَ مِنْهَا، وَتَأْكُلُونَ مِنْهَا، وَتَقْتُلُونَ أَهْلَهَا، وَتَجْبَوْنَهُمْ وَتَسْبَوْنَهُمْ إِلَى هذا اليوم
(3/531)

بِمَا نَالَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ الأَيَّامِ مِنْكُمْ، وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْهُمْ هَذَا الْجَمْعُ، وَأَنْتُمْ وُجُوهُ الْعَرَبِ وَأَعْيَانُهُمْ، وَخِيَارُ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَعَز مَنْ وَرَاءَكُمْ، فَإِنْ تَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا وَتَرْغَبُوا فِي الآخِرَةِ جَمَعَ اللَّهُ لَكُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَلا يُقَرِّبُ ذَلِكَ أَحَدًا إِلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ تَفْشَلُوا وَتَهِنُوا وَتَضْعَفُوا تَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَتُوبِقُوا آخِرَتكُمْ.
وَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو فِي الْمُجَرَّدَةِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ بِلادٌ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أَهْلَهَا، وَأَنْتُمْ تنالون منهم منذ ثلاث سنين مالا يَنَالُونَ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ، إِنْ صَبَرْتُمْ وَصَدَقْتُمُوهُمُ الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ فَلَكُمْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَبِلادُهُمْ، وَإِنْ خُرْتُمْ وَفَشِلْتُمْ فَاللَّهُ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ جَارٌ وَحَافِظٌ، لَمْ يُبْقِ هَذَا الْجَمْعُ مِنْكُمْ بَاقِيَةً، مَخَافَةَ أَنْ تَعُودُوا عَلَيْهِمْ بعائده هلاك الله اللَّهِ! اذْكُرُوا الأَيَّامَ وَمَا مَنَحَكُمُ اللَّهُ فِيهَا، او لا تَرَوْنَ أَنَّ الأَرْضَ وَرَاءَكُمْ بِسَابُسَ قِفَارٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ وَلا وَزَرٌ يُعْقَلُ إِلَيْهِ، وَلا يُمْتَنَعُ بِهِ! اجْعَلُوا هَمَّكُمُ الآخِرَةَ.
وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الرَّايَاتِ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ خَالِدَ بْنَ عَرْفَطَةَ، وَلَيْسَ يَمْنَعُنِي أَنْ أَكُونَ مَكَانَهُ إِلا وَجَعِي الَّذِي يَعُودُنِي وَمَا بِي مِنَ الحبون، فَإِنِّي مُكِبٌّ عَلَى وَجْهِي وَشَخْصِي لَكُمْ بَادٍ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِأَمْرِي، وَيَعْمَلُ بِرَأْيِي فَقُرِئَ عَلَى النَّاسِ فَزَادَهُمْ خَيْرًا، وَانْتَهَوْا إِلَى رَأْيِهِ، وَقَبِلُوا مِنْهُ وَتَحَاثُّوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى عُذْرِ سَعْدٍ وَالرِّضَا بِمَا صَنَعَ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن حلام، عن مسعود، قال: وخطب أمير كل قوم أصحابه، وسير فيهم، وتحاضوا على الطاعة والصبر تواصوا، ورجع كل أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف، ونادى منادي سعد بالظهر، ونادى رستم: پادشهان مرندر، أكل عمر كبدي أحرق اللَّه كبده! علم هؤلاء حتى علموا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، قال: حَدَّثَنَا سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، قال: لما نزل رستم النجف بعث منها عينا إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ند منهم، فرآهم يستاكون
(3/532)

عند كل صلاة ثم يصلون فيفترقون إلى مواقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم، وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثت فيهم ليلة، لا والله ما رأيت أحدا منهم يأكل شيئا إلا أن يمصوا عيدانا لهم حين يمسون، وحين ينامون، وقبيل أن يصبحوا فلما سار فنزل بين الحصن والعتيق وافقهم وقد أذن مؤذن سعد الغداة، فرآهم يتحشحشون، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه: ذلك إنما تحشحشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية، وهذا تفسيره بالعربية أتاني صوت عند الغداة، وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل، فلما عبروا تواقفوا، وأذن مؤذن سعد للصلاة، فصلى سعد، وقال رستم: أكل عمر كبدي! كتب إلي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وَأَرْسَلَ سَعْدٌ الَّذِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ رَأْيُ النَّاسِ، وَالَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْهِمْ نَجْدَتُهُمْ وَأَصْنَافُ الْفَضْلِ مِنْهُمْ إِلَى النَّاسِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ النَّفَرُ الَّذِينَ أَتَوْا رُسْتُمَ الْمُغِيرَةُ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَاصِمٌ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَمِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ طُلَيْحَةُ، وَقَيْسٌ الأَسَدِيُّ، وغالب، وعمرو ابن معد يكرب وَأَمْثَالُهُمْ، وَمِنَ الشُّعَرَاءِ الشَّمَّاخُ وَالْحُطَيْئَةُ، وَأَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ، وَعَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ، وَمِنْ سَائِرِ الأَصْنَافِ أَمْثَالُهُمْ وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَرْسِلَهُمْ:
انْطَلِقُوا فَقُومُوا فِي النَّاسِ بِمَا يَحِقُّ عَلَيْكُمْ وَيَحِقُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ مَوَاطِنِ الْبَأْسِ، فَإِنَّكُمْ مِنَ الْعَرَبِ بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ، وَأَنْتُمْ شُعَرَاءُ الْعَرَبِ وَخُطَبَاؤُهُمْ وَذَوُو رَأْيِهِمْ وَنَجْدَتُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، فَسِيرُوا فِي النَّاسِ، فَذَكِّرُوهُمْ وَحَرِّضُوهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَسَارُوا فِيهِمْ فَقَالَ قَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ الأَسَدِيُّ: أَيُّهَا النَّاسُ، احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ لَهُ وَأَبْلاكُمْ يَزِدْكُمْ، وَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ، وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي عَادَاتِهِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ أَوِ الْغَنِيمَةَ أَمَامُكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ هَذَا الْقَصْرِ إِلا الْعَرَاءُ
(3/533)

وَالأَرْضُ الْقَفْرُ، وَالظِّرَابُ الْخَشِنُ، وَالْفَلَوَاتُ الَّتِي لا تَقْطَعُهَا الأَدِلَّةُ.
وَقَالَ غَالِبٌ: أَيُّهَا النَّاسُ، احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَبْلاكُمْ، وَسَلُوهُ يَزِدْكُمْ، وَادْعُوهُ يُجِبْكُمْ، يَا مَعَاشِرَ مَعْدٍ، مَا عِلَّتُكُمُ الْيَوْمَ وَأَنْتُمْ فِي حُصُونِكُمْ- يَعْنِي الْخَيْلَ- وَمَعَكُمْ مَنْ لا يَعْصِيكُمْ- يَعْنِي السُّيُوفَ؟ اذْكُرُوا حَدِيثَ النَّاسِ فِي غَدٍ، فَإِنَّهُ بِكُمْ غَدًا يَبْدَأُ عِنْدَهُ، وَبِمَنْ بَعْدِكُمْ يُثَنَّى.
وَقَالَ ابْنُ الْهُذَيْلِ الأَسَدِيُّ: يَا مَعَاشِرَ مَعْدٍ، اجْعَلُوا حُصُونَكُمُ السُّيُوفَ، وَكُونُوا عَلَيْهِمْ كَأُسُودِ الأَجَمِ، وَتَرَبَّدُوا لَهْمُ تَرَبُّدَ النُّمُورِ، وَادَّرِعُوا الْعَجَّاجَ، وَثِقُوا بِاللَّهِ وَغُضُّوا الأَبْصَارَ، فَإِذَا كَلَّتِ السُّيُوفُ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَأَرْسِلُوا عَلَيْهِمُ الْجَنَادِلَ، فَإِنَّهَا يُؤْذَنَ لَهَا فِيمَا لا يُؤْذَنُ لِلْحَدِيدِ فِيهِ.
وَقَالَ بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْجُهَنِيُّ: احْمَدُوا اللَّهَ، وَصَدِّقُوا قَوْلَكُمْ بِفِعْلٍ، فَقَدْ حَمَدْتُمُ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ لَهُ وَوَحَّدْتُمُوهُ وَلا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَكَبَّرْتُمُوهُ، وَآمَنْتُمْ بِنَبِيِّهِ وَرُسُلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَلا يَكُونَنَّ شَيْءٌ بِأَهْوَنَ عَلَيْكُمْ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي مَنْ تَهَاوَنَ بِهَا، وَلا تَمِيلُوا إِلَيْهَا فَتَهْرَبَ مِنْكُمْ لِتَمِيلَ بِكُمْ.
انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ، إِنَّكُمْ أَعْيَانُ الْعَرَبِ، وَقَدْ صَمَدْتُمُ الأَعْيَانَ مِنَ الْعُجْمِ، وَإِنَّمَا تُخَاطِرُونَ بِالْجَنَّةِ، وَيُخَاطِرُونَ بِالدُّنْيَا، فَلا يَكُونَنَّ عَلَى دُنْيَاهُمْ أَحْوَطَ مِنْكُمْ عَلَى آخِرَتِكُمْ لا تُحْدِثُوا اليوم امرا تكونون به شيئا عَلَى الْعَرَبِ غَدًا.
وَقَالَ رَبِيعُ بْنُ الْبِلادِ السَّعْدِيُّ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ، قَاتِلُوا لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» ، وَإِنْ عَظَّمَ الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمُ الأَمْرَ، فَاذْكُرُوا الأَخْبَارَ عَنْكُمْ بِالْمَوَاسِمِ مَا دَامَ لِلأَخْبَارِ أَهْلٌ
(3/534)