Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 007



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَقَالَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ: إِنَّ اللَّهَ قد هَدَاكُمْ لِلإِسْلامِ، وَجَمَعَكُمْ بِهِ، وَأَرَاكُمُ الزِّيَادَةَ، وَفِي الصَّبْرِ الرَّاحَةُ، فَعَوِّدُوا أَنْفُسَكُمُ الصَّبْرَ تَعْتَادُوهُ، وَلا تُعَوِّدُوهَا الْجَزَعَ فَتَعْتَادُوهُ.
وَقَامَ كُلُّهُمْ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْكَلامِ، وَتَوَاثَقَ النَّاسُ، وَتَعَاهَدُوا، وَاهْتَاجُوا لِكُلِّ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ، وَفَعَلَ أَهْلُ فَارِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَعَاهَدُوا وَتَوَاصَوْا، وَاقْتَرَنُوا بِالسَّلاسِلِ، وَكَانَ الْمُقْتَرِنُونَ ثَلاثِينَ أَلْفًا كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي:
إن أهل فارس كانوا عشرين ومائة ألف، معهم ثلاثون فيلا، مع كل فيل أربعة آلاف.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ حلامٍ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ خِرَاشٍ، قَالَ: كَانَ صَفُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَفِيرِ الْعَتِيقِ، وَكَانَ صَفُّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ حَائِطِ قُدَيْسَ، الْخَنْدَقُ مِنْ وَرَائِهِمْ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ وَمَعَهُمْ ثَلاثُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ، وَثَلاثُونَ فِيلا تُقَاتِلُ، وَفِيَلَةٌ عَلَيْهَا الْمُلُوكُ وُقُوفٌ لا تُقَاتِلُ وَأَمَرَ سَعْدٌ النَّاسَ أَنْ يَقْرَءُوا عَلَى النَّاسِ سُورَةَ الْجِهَادِ، وَكَانُوا يتعلمونها.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال سَعْدٌ: الْزَمُوا مَوَاقِفَكُمْ، لا تَحَرَّكُوا شَيْئًا حَتَّى تُصَلُّوا الظُّهْرَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ فَإِنِّي مُكَبِّرٌ تَكْبِيرَةٌ، فَكَبِّرُوا وَاسْتَعِدُّوا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّكْبِيرَ لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُعْطِيتُمُوهُ تَأْيِيدًا لَكُمْ ثُمَّ إِذَا سَمِعْتُمُ الثَّانِيَةَ فَكَبِّرُوا، ولتستتم عُدَّتُكُمْ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَكَبِرُّوا، وَلْيُنَشِّطْ فِرْسَانُكُمُ النَّاسَ لِيَبْرُزُوا وَلِيُطَارِدُوا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَازْحَفُوا جَمِيعًا حَتَّى تُخَالِطُوا عَدُوَّكُمْ، وَقُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ! كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بْنِ الرَّيَّانِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، مِثْلَهُ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَرْسَلَ سَعْدٌ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي النَّاسِ: إِذَا سَمِعْتُمُ التكبير
(3/535)

فَشُدُّوا شُسُوعَ نِعَالِكُمْ، فَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّانِيَةَ فَتَهَيَّئُوا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَشُدُّوا النَّوَاجِذَ عَلَى الأَضْرَاسِ وَاحْمِلُوا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: لَمَّا صَلَّى سَعْدٌ الظُّهْرَ أَمَرَ الْغُلامَ الَّذِي كَانَ أَلْزَمَهُ عُمَرُ إِيَّاهُ- وَكَانَ من القراء- ان يقرا سُورَةَ الْجِهَادِ، فَقُرِئَتْ فِي كُلِّ كَتِيبَةٍ، فَهَشَّتْ قُلُوبَ النَّاسِ وَعُيُونَهُمْ وَعَرَفُوا السَّكِينَةَ مَعَ قِرَاءَتِهَا كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: لَمَّا فَرَغَ الْقُرَّاءُ كَبَّرَ سَعْدٌ، فَكَبَّرَ الَّذِينَ يَلُونَهُ تَكْبِيرَةً، وَكَبَّرَ بَعْضُ النَّاسِ بِتَكْبِيرِ بَعْضٍ، فَتَحَشْحَشَ النَّاسُ، ثُمَّ ثَنَّى فَاسْتَتَمَّ النَّاسُ، ثُمَّ ثَلَّثَ فَبَرَزَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ فَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، وَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ أَمْثَالُهُمْ، فَاعْتَوَرُوا الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ، وَخَرَجَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ وَارِدَةُ الْمَسَائِحِ ... ذَاتُ اللَّبَانِ وَالْبَنَانِ الْوَاضِحِ
أَنِّي سِمَامُ الْبَطَلِ الْمُشَايِحِ ... وَفَارِجُ الأَمْرِ الْمُهِمِّ الْفَادِحِ
فَخَرَجَ إِلَيْهِ هُرْمُزُ- وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْبَابِ، وَكَانَ مُتَوَّجًا- فَأَسَرَهُ غَالِبٌ أَسْرًا، فجاء سَعْدًا، فَأُدْخِلَ، وَانْصَرَفَ غَالِبٌ إِلَى الْمُطَارَدَةِ، وَخَرَجَ عاصم ابن عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ صَفْرَاءُ اللَّبَبِ ... مِثْلَ اللُّجَيْنِ إِذْ تَغْشَاهُ الذَّهَبُ
أَنِّي امْرُؤٌ لا مَنْ تَعِيبُهُ السَّبَبُ ... مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يُغْرِيهِ الْعَتَبُ
(3/536)

فَطَارَدَ رَجُلا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَاتَّبَعَهُ، حَتَّى إِذَا خَالَطَ صَفَّهُمُ الْتَقَى بِفَارِسٍ مَعَهُ بَغْلُهُ، فَتَرَكَ الْفَارِسُ الْبَغْلَ، وَاعْتَصَمَ بِأَصْحَابِهِ فَحَمُوهُ، وَاسْتَاقَ عَاصِمٌ الْبَغْلَ وَالرَّحْلَ، حَتَّى أَفْضَى بِهِ إِلَى الصَّفِّ، فَإِذَا هُوَ خَبَّازُ الْمَلِكِ وَإِذَا الَّذِي مَعَهُ لُطْفُ الْمَلِكِ الأَخْبِصَةُ وَالْعَسَلُ الْمَعْقُودُ، فَأَتَى بِهِ سَعْدًا، وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ سَعْدٌ، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى أَهْلِ مَوْقِفِهِ، وَقَالَ:
إِنَّ الأَمِيرَ قَدْ نَفَلَكُمْ هَذَا فَكُلُوهُ، فَنَفَلَهُمْ إِيَّاهُ قَالُوا: وَبَيْنَا النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ، إِذْ قَامَ صَاحِبُ رَجَّالَةِ بَنِي نَهْدٍ قَيْسُ بْنُ حُذَيْمِ بْنِ جُرْثُومَةَ، فَقَالَ: يَا بَنِي نَهْدٍ انْهَدُوا، إِنَّمَا سُمِّيتُمْ نَهْدًا لِتَفْعَلُوا فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ عَرْفَطَةَ: وَاللَّهِ لَتَكُفَّنَّ أَوْ لأُوَلِّيَنَّ عَمَلَكَ غَيْرَكَ فَكَفَّ.
وَلَمَّا تَطَارَدَتِ الْخَيْلُ وَالْفِرْسَانُ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يُنَادِي: مرد ومرد، فَانْتَدَبَ لَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ وَهُوَ بِحِيَالِهِ، فَبَارَزَهُ فَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ جَلَدَ بِهِ الأَرْضَ فَذَبَحَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ الْفَارِسِيَّ إِذَا فَقَدَ قَوْسَهُ فَإِنَّمَا هُوَ تَيْسٌ ثُمَّ تَكَتَّبَتِ الْكَتَائِبُ مِنْ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْن أبي حازم، قال: مر بنا عمرو بْن معديكرب وهو يحضض الناس بين الصفين، وهو يقول: إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقى مزراقه، فإنما هو تيس، فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الأعاجم، فوقف بين الصفين فرمى بنشابة، فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بمنطقته، فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم! فقلنا:
يا أبا ثور، من يستطيع أن يصنع كما تصنع! وقال بعضهم غير إسماعيل: وأخذ سواريه ومنطقته ويلمق ديباج عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
(3/537)

عن قيس بْن أبي حازم، أن الأعاجم وجهت إلى الوجه الذي فيه بجيلة ثلاثة عشر فيلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كانت- يعني وقعة القادسية- في المحرم سنة أربع عشرة في أوله وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحلنا، فأحالهم على بجيلة، فصرفوا إليهم ستة عشر فيلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لَمَّا تَكَتَّبَتِ الْكَتَائِبُ بَعْدَ الطِّرَادِ حَمَلَ أَصْحَابُ الْفِيَلَةِ عَلَيْهِمْ، فَفَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ، فَابْذَعَرَّتِ الْخَيْلُ، فَكَادَتْ بَجِيلَةَ أَنْ تُؤْكَلَ، فَرَّتْ عَنْهَا خَيْلُهَا نِفَارًا، وَعَمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي مَوَاقِفِهِمْ، وَبَقِيَتِ الرَّجَّالَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِفِ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى بَنِي أَسَدٍ: ذَبِّبُوا عَنْ بَجِيلَةَ وَمَنْ لافَّهَا مِنَ النَّاسِ، فَخَرَجَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ وَحَمَّالُ بْنُ مَالِكٍ وَغَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالرَّبِيلُ بْنُ عَمْرٍو فِي كَتَائِبِهِمْ، فَبَاشَرُوا الْفِيَلَةَ حَتَّى عَدَلَهَا رُكْبَانُهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ فِيلٍ عِشْرِينَ رَجُلا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بْن طريف، أن طليحة قام في قومه حين استصرخهم سعد، فقال: يا عشيرتاه، إن المنوه باسمه، الموثوق به، وإن هذا لو علم أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم، ابتدءوهم الشدة، وأقدموا عليهم
(3/538)

إقدام الليوث الحربة، فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعله، شدوا ولا تصدوا، وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة! أي فري يفرون! وأي قرن يغنون! هل يوصل إلى مواقفهم! فأغنوا عن مواقفكم أعانكم اللَّه! شدوا عليهم باسم اللَّه! فقال المعرور بْن سويد وشقيق: فشدوا والله عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم، فأخرت، وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه، فما لبثه طليحة أن قتله.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَقَامَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، لِلَّهِ دَرُّ بَنِي أَسَدٍ! أَيُّ فِرًى يَفْرُونَ! وَأَيُّ هَذٍّ يَهُذُّونَ عَنْ مَوْقِفِهِمْ مُنْذُ الْيَوْمَ! أَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ، وَأَنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْفِيكُمُ الْبَأْسَ! أَشْهَدُ مَا أَحْسَنْتُمْ أُسْوَةَ قَوْمِكُمُ الْعَرَبِ مُنْذُ الْيَوْمَ، وَإِنَّهُمْ لَيُقْتَلُونَ وَيُقَاتِلُونَ، وَأَنْتُمْ جُثَاةٌ عَلَى الرُّكَبِ تَنْظُرُونَ! فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَدَدٌ مِنْهُمْ عشرة، فَقَالُوا: عَثَّرَ اللَّهُ جَدَّكَ! إِنَّكَ لتُؤبِّسُنا جَاهِدًا، وَنَحْنُ أَحْسَنُ النَّاسِ مَوْقِفًا! فَمِنْ أَيْنَ خَذَلْنَا قَوْمَنَا الْعَرَبَ وَأَسَأْنَا أُسْوَتَهُمْ! فَهَا نَحْنُ مَعَكَ فَنَهَدَ وَنَهَدُوا، فَأَزَالُوا الَّذِينَ بِإِزَائِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ فَارِسَ مَا تَلْقَى الْفِيَلَةُ مِنْ كَتِيبَةِ أَسَدٍ رَمَوْهُمْ بِحَدِّهِمْ وَبَدَرَ الْمُسْلِمِينَ الشِّدَّةُ عَلَيْهِمْ ذُو الْحَاجِبِ وَالْجَالِنُوسُ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ سَعْدٍ، فَاجْتَمَعَتْ حَلَبَةُ فَارِسَ عَلَى أَسَدٍ وَمَعَهُمْ تِلْكَ الْفِيَلَةُ، وَقَدْ ثَبَتُوا لَهُمْ، وَقَدْ كَبَّرَ سَعْدٌ الرَّابِعَةَ، فَزَحَفَ اليهم
(3/539)

الْمُسْلِمُونَ وَرَحَى الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَحَمَلَتِ الْفُيُولُ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ عَلَى الْخُيُولِ، فَكَانَتِ الْخُيُولُ تُحْجِمُ عَنْهَا وَتَحِيدُ، وَتَلِحُّ فِرْسَانُهُمْ عَلَى الرَّجْلِ يَشْمِسُونَ بِالْخَيْلِ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي تَمِيمٍ، أَلَسْتُمْ أَصْحَابُ الإِبِلِ وَالْخَيْلِ! أَمَا عِنْدَكُمْ لِهَذِهِ الْفِيَلَةِ مِنْ حِيلَةٍ! قَالُوا:
بَلَى وَاللَّهِ، ثُمَّ نَادَى فِي رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ رُمَاةٍ وَآخَرِينَ لَهُمْ ثَقَافَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ:
يَا مَعْشَرَ الرُّمَاةِ ذُبُّوا رُكْبَانَ الْفِيَلَةِ عَنْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الثَّقَافَةِ اسْتَدْبِرُوا الْفِيَلَةَ فَقَطِّعُوا وضنها، وَخَرَجَ يَحْمِيهِمْ وَالرَّحَى تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَقَدْ جَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ عَاصِمٍ عَلَى الْفِيَلَةِ، فَأَخَذُوا بِأَذْنَابِهَا وَذَبَاذِبِ تَوَابِيتِهَا، فَقَطَّعُوا وُضُنَهَا، وَارْتَفَعَ عَوَاؤُهُمْ، فَمَا بَقِيَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِيلٌ إِلا أُعْرِيَ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهَا، وَتَقَابَلَ النَّاسُ وَنُفِّسَ عَنْ أَسَدٍ، وَرَدُّوا فَارِسَ عَنْهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ حَتَّى ذَهَبَتْ هَدْأَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ، وَأُصِيبَ مِنْ أَسَدٍ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ خمسمائة، وَكَانُوا رِدْءًا لِلنَّاسِ، وَكَانَ عَاصِمٌ عَادِيَةَ النَّاسِ وَحَامِيَتَهُمْ، وَهَذَا يَوْمُهَا الأَوَّلُ وَهُوَ يَوْمُ أَرْمَاثَ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن الْقَاسِم، عن رجل من بني كنانة، قَالَ: جالت المجنبات ودارت على أسد يوم أرماث فقتل تلك العشية منهم خمسمائة رجل، فقال عمرو بْن شأس الأسدي:
جلبنا الخيل من أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا
تركن لهم على الأقسام شجوا ... وبالحقوين أياما طوالا
وداعية بفارس قد تركنا ... تبكي كلما رأت الهلالا
قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم الهيالا
تركنا منهم حيث التقينا ... فئاما ما يريدون ارتحالا
(3/540)

وفر البيرزان ولم يحامي ... وكان على كتيبته وبالا
ونجى الهرمزان حذار نفس ... وركض الخيل موصله عجالا
(3/541)

يوم أغواث
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:
وكان سَعْدٌ قَدْ تَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ خَصَفَةَ، امْرَأَةَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ قبله بِشَرَافَ، فَنَزَلَ بِهَا الْقَادِسِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أَرْمَاثَ، وَجَالَ النَّاسُ، وَكَانَ لا يُطِيقُ جِلْسَةً إِلا مُسْتَوْفِزًا أَوْ عَلَى بَطْنِهِ، جَعَلَ سَعْدٌ يَتَمَلْمَلُ وَيَحُولُ جَزَعًا فَوْقَ الْقَصْرِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ فارس، قالت: وا مثنياه وَلا مُثَنَّى لِلْخَيْلِ الْيَوْمَ! - وَهِيَ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَضْجَرَهُ مَا يَرَى مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي نَفْسِهِ- فَلَطَمَ وَجْهَهَا، وَقَالَ: أَيْنَ الْمُثَنَّى مِنْ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الرَّحَى! - يَعْنِي أَسَدًا وعَاصِمًا وَخَيْلَهُ- فَقَالَتْ: أَغَيْرَةً وَجُبْنًا! قَالَ: وَاللَّهِ لا يَعْذِرُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ إِذَا أَنْتِ لَمْ تَعْذِرِينِي وَأَنْتِ تَرَيْنَ مَا بِي، وَالنَّاسُ أَحَقُّ أَلا يَعْذِرُونِي! فَتَعَلَّقَهَا النَّاسُ، فَلَمَّا ظَهَرَ النَّاسُ لَمْ يَبْقَ شَاعِرٌ إِلا اعْتَدَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ غَيْرَ جَبَانٍ وَلا مَلُومٍ وَلَمَّا اصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبئة، وَقَدْ وَكَّلَ سَعْدٌ رِجَالا بِنَقْلِ الشُّهَدَاءِ إِلَى الْعُذَيْبِ وَنَقْلِ الرَّثِيثِ، فَأَمَّا الرَّثِيثُ فَأُسْلِمَ إِلَى النِّسَاءِ يَقُمْنَ عَلَيْهِمْ إِلَى قَضَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَدَفَنُوهُمْ هُنَالِكَ عَلَى مُشَرِّقٍ- وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَبَيْنَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِي عَدْوَتَيْهِ جَمِيعًا، الدُّنْيَا مِنْهُمَا إِلَى الْعُذَيْبِ وَالْقُصْوَى مِنْهُمَا مِنَ الْعُذَيْبِ- وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ بِالْقِتَالِ حَمْلَ الرَّثِيثِ وَالأَمْوَاتِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِمُ الإِبِلُ وَتَوَجَّهَتْ بِهِمْ نَحْوَ الْعُذَيْبِ طَلَعَتْ نَوَاصِي الْخَيْلِ مِنَ الشَّامِ- وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ بِشَهْرٍ- فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ كِتَابُ عُمَرَ بِصَرْفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَصْحَابِ خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَالِدًا
(3/542)

ضَنَّ بِخَالِدٍ فَحَبَسَهُ وَسَرَّحَ الْجَيْشَ، وَهُمْ سِتَّةُ آلافٍ، خَمْسَةُ آلافٍ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَأَلْفٌ مِنْ أَفْنَاءِ الْيَمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، فَجَعَلَهُ أَمَامَهُ، وَجَعَلَ عَلَى إِحْدَى مُجَنِّبَتَيْهِ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الْمُرَادِيَّ- وَلَمْ يَكُنْ شَهِدَ الأَيَّامَ، أَتَاهُمْ وَهُمْ بِالْيَرْمُوكِ حِينَ صُرِفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَصُرِفَ مَعَهُمْ- وَعَلَى الْمُجَنِّبَةِ الأُخْرَى الْهَزْهَازَ بْنَ عَمْرٍو الْعِجْلِيَّ، وَعَلى السَّاقَةِ أَنَسَ بْنَ عَبَّاسٍ.
فَانْجَذَبَ الْقَعْقَاعُ وَطَوَى وَتَعَجَّلَ، فَقَدِمَ عَلَى النَّاسِ صَبِيحَةَ يَوْمِ أَغْوَاثَ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَقَطَّعُوا أَعْشَارًا، وَهُمْ أَلْفٌ، فَكُلَّمَا بَلَغَ عَشَرَةً مَدَى الْبَصَرِ سَرَّحُوا فِي آثَارِهِمْ عَشَرَةً، فَقَدَّمَ الْقَعْقَاعُ أَصْحَابَهُ فِي عَشَرَةٍ، فَأَتَى الناس فسلم عليهم، وبشرهم بالجنود، فقال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ فِي قَوْمٍ، وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا بِمَكَانِكُمْ، ثُمَّ أَحَسُّوكُمْ حَسَدُوكُمْ حَظْوَتَهَا، وَحَاوَلُوا أَنْ يَطَّيَّرُوا بِهَا دُونَكُمْ، فَاصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ، فَتَقَدَّمَ ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟
فَقَالُوا فِيهِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا، وَسَكَنُوا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ذُو الْحَاجِبِ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا بهمنُ جَاذُوَيْهِ، فَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَسُلَيْطٍ وَأَصْحَابِ يَوْمِ الْجِسْرِ! فَاجْتَلَدَا، فَقَتَلَهُ الْقَعْقَاعُ، وَجَعَلَتْ خَيْلُهُ تَرِدُ قِطَعًا، وَمَا زَالَتْ تَرِدُ إِلَى اللَّيْلِ وَتَنْشَطُ النَّاسُ، وَكَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بِالأَمْسِ مُصِيبَةٌ، وَكَأَنَّمَا اسْتَقْبَلُوا قِتَالَهُمْ بِقَتْلِ الْحَاجِبِيِّ وَللحاق القطع، وَانْكَسَرَتِ الأَعَاجِمُ لِذَلِكَ وَنَادَى الْقَعْقَاعُ أَيْضًا:
مَنْ يُبَارِزُ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلانِ: أَحَدُهُمَا البيرزَانُ وَالآخَرُ الْبندوَانُ، فَانْضَمَّ إِلَى الْقَعْقَاعِ الْحَارِثُ بْنُ ظَبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ أَخُو بَنِي تَيْمِ اللاتِ، فَبَارَزَ الْقَعْقَاعُ الْبيرزَانَ، فَضَرَبَهُ فَأَذْرَى رَأْسَهُ، وَبَارَزَ ابْنُ ظَبْيَانَ الْبندوَانَ، فَضَرَبَهُ فَأَذْرَى رَأْسَهُ، وَتَوَرَّدَهُمْ فِرْسَانُ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ الْقَعْقَاعُ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، بَاشِرُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَإِنَّمَا يُحْصَدُ النَّاسُ بِهَا! فَتَوَاصَى النَّاسُ،
(3/543)

وَتَشَايَعُوا إِلَيْهِمْ، فَاجْتَلَدُوا بِهَا حَتَّى الْمَسَاءِ فَلَمْ يَرَ أَهْلُ فَارِسَ فِي هَذَا الْيَوْمِ شَيْئًا مِمَّا يُعْجِبُهُمْ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى فيل، كَانَتْ توابيتها تَكَسَّرَتْ بِالأَمْسِ، فَاسْتَأْنَفُوا عِلاجَهَا حِينَ أَصْبَحُوا فَلَمْ تَرْتَفِعْ حَتَّى كَانَ الْغَدُ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القادسية، فقالت لبنيها:
إنكم اسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثوبوا، ولم تنب بكم البلاد، ولم تقحمكم السنة، ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين يدي اهل فارس، والله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء، وهي تقول: اللهم ادفع عن بني! فرجعوا إليها، وقد أحسنوا القتال، ما كُلِمَ منهم رجل كَلْمًا، فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء، ثم يأتون أمهم، فيلقونه في حجرها، فترده عليهم وتقسمه فيهم على ما يصلحهم ويرضيهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فازر القعقاع يومئذ ثلاثة نفر من بني يربوع رياحيين، وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمون، ويحمل ويحملون، واليربوعيون: نعيم بْن عمرو بْن عتاب، وعتاب بْن نعيم بْن عتاب بْن الحارث ابن عمرو بْن همام، وعمرو بْن شبيب بْن زنباع بْن الحارث بْن ربيعة، أحد بني زيد وقدم ذلك اليوم رسول لعمر بأربعة أسياف وأربعة أفراس يقسمها فيمن انتهى إليه البلاء، إن كنت لقيت حربا فدعا حمال بْن مالك والربيل بْن عمرو بْن ربيعة الوالبيين وطليحة بْن خويلد الفقعسي- وكلهم من بني أسد- وعاصم بْن عمرو التميمي، فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع ابن عمرو واليربوعيين فحملهم على الأفراس، فأصاب ثلاثة من بنى يربوع
(3/544)

ثلاثة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال في ذلك الربيل بْن عمرو:
لقد علم الأقوام أنا أحقهم ... إذا حصلوا بالمرهفات البواتر
وما فتئت خيلي عشية أرمثوا ... يذودون رهوا عن جموع العشائر
لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم ... وقد أفلحت أخرى الليالي الغوابر
وقال القعقاع في شأن الخيل:
لم تعرف الخيل العراب سواءنا ... عشية أغواث بجنب القوادس
عشية رحنا بالرماح كأنها ... على القوم ألوان الطيور الرسارس
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن القاسم بْن سليم بْن عبد الرحمن السعدي، عن أبيه، قال: كان يكون أول القتال في كل أيامها المطاردة، فلما قدم القعقاع قال: يا أيها الناس، اصنعوا كما اصنع، ونادى:
من يبارز؟ فبرز له ذو الحاجب فقتله، ثم البيرزان فقتله، ثم خرج الناس من كل ناحية، وبدأ الحرب والطعان، وحمل بنو عم القعقاع يومئذ عشرة عشرة من الرجالة، على إبل قد ألبسوها فهي مجللة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم، تحميهم، وأمرهم أن يحملوا على خيلهم بين الصفين يتشبهون بالفيلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين فلما رأى ذلك الناس استنوا بهم، فلقي فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث.
وحمل رجل من بني تميم ممن كان يحمي العشيرة يقال له سواد، وجعل يتعرض للشهادة، فقتل بعد ما حمل، وأبطأت عليه الشهادة، حتى تعرض لرستم يريده، فأصيب دونه
(3/545)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن عن العلاء ابن زياد، والقاسم بْن سليم، عن أبيه، قالا: خرج رجل من أهل فارس، ينادي: من يبارز؟ فبرز له علباء بْن جحش العجلي، فنفحه علباء، فأسحره، ونفحه الآخر فأمعاه، وخرا، فأما الفارسي فمات من ساعته، وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج إدخالها فلم يتأت له حتى مر به رجل من المسلمين، فقال: يا هذا، أعني على بطني، فأدخله له، فأخذ بصفاقيه، ثم زحف نحو صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه، إلى صف فارس، وقال:
أرجو بها من ربنا ثوابا ... قد كنت ممن أحسن الضرابا
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن الغصن عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: وخرج رجل من أهل فارس فنادى: من يبارز؟
فبرز له الأعرف بْن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز له آخر فقتله، وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه، وندر سلاحه عنه فاخذوه، فغبر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه، وقال في ذلك:
وإن يأخذوا بزي فإني مجرب ... خروج من الغماء محتضر النصر
وإني لحام من وراء عشيرتي ... ركوب لآثار الهوى محفل الأمر
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: فحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل حملة، وأصاب فيها، وجعل يرتجز ويقول:
أزعجهم عمدا بها إزعاجا أطعن طعنا صائبا ثجاجا أرجو به من جنة أفواجا
(3/546)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد، قالوا: قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة، كلما حمل حمله قتل فيها، فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني، وقال في ذلك القعقاع:
حبوته جيلشه بالنفس ... هدارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث فليل الفرس ... أنخس بالقوم أشد النخس
حتى تفيض معشري ونفسي.
وبارز الأعور بْن قطبة شهر براز سجستان، فقتل كل واحد منهما صاحبه، فقال أخوه في ذلك:
لم أر يوما كان أحلى وأمر ... من يوم أغواث إذ افتر الثغر
من غير ضحك كان أسوا وأبر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، وشاركهم ابن مخراق عن رجل من طيئ، قالوا: وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف النهار، فلما عدل النهار تزاحف الناس، فاقتتلوا بها صتيتا حتى انتصف الليل، فكانت ليلة أرماث تدعى الهدأة، وليلة أغواث تدعى السواد، والنصف الأول يدعى السواد ثم لم يزل المسلمون يرون في يوم أغواث في القادسية الظفر، وقتلوا فيه عامة أعلامهم، وجالت فيه خيل القلب، وثبت رجلهم، فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا، فلما ذهب السواد بات الناس على مثل ما بات عليه القوم ليلة أرماث، ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا حتى تفايئوا فلما أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني، فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظني، فإنهم على السواء
(3/547)

فان سمعتهم ينتمون فايقظنى، فان انتماءهم عن السوء.
فقالوا: ولما اشتد القتال بالسواد، وكان أبو محجن قد حبس وقيد، فهو في القصر، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره ورده، فنزل، فأتى سلمى بنت خصفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خصفة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء، فلله علي إن سلمني اللَّه أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي، فقالت:
وما انا وذاك! فرجع يرسف في قيوده، ويقول:
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع دوني قد تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا اخاليا
ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: إني استخرت اللَّه ورضيت بعهدك، فأطلقته وقالت:
أما الفرس فلا أعيرها، ورجعت إلى بيتها، فاقتادها فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها، ثم دب عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم: عريا، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فندر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا
(3/548)

وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار، فقال بعضهم:
أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر: والله لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء! وقال بعض الناس: إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر، وقال بعضهم: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا: ملك يثبتنا، ولا يذكره الناس ولا يأبهون له، لأنه بات في محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج، ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيديه، وقال:
لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا وفدهم في كل يوم ... فإن عميوا فسل بهم عريفا
وليلة قادس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شيء حبسك هذا الرجل؟
قال: أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحيانا، فيساء لذلك ثنائي، ولذلك حبسني، قلت:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
وتروي بخمر الحص لحدي فإنني ... أسير لها من بعد ما قد أسوقها
(3/549)

ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية أرماث، وليلة الهدأة، وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن، فدعا به فأطلقه، وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا
. يوم عماس
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد بإسنادهم، وابن مخراق عن رجل من طيئ، قالوا: فأصبحوا من اليوم الثالث، وهم على مواقفهم، وأصبحت الأعاجم على مواقفهم، وأصبح ما بين الناس كالرجلة الحمراء- يعني الحرة- ميل في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان من رثيث وميت، ومن المشركين عشرة آلاف من رثيث وميت وقال سعد: من شاء غسل الشهداء، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحرزوهم، فجعلوهم من وراء ظهورهم، وأقبل الذين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر، ويبلغون الرثيث إلى النساء، وحاجب بْن زيد على الشهداء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور في اليومين: يوم أغواث، ويوم أرماث، بعدوتي مشرق، فدفن الفان وخمسمائة من أهل القادسية وأهل الأيام، فمر حاجب وبعض أهل الشهادة وولاة الشهداء في أصل نخلة بين القادسية والعذيب، وليس بينهما يومئذ نخله غيرها، فكان الرثيث إذا حملوا فانتهي بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تحتها يستروح إلى ظلها، ورجل من الجرحى يدعى بجيرا، يقول وهو مستظل بظلها:
ألا يا اسلمي يا نخلة بين قادس ... وبين العذيب لا يجاورك النخل
(3/550)

ورجل من بني ضبة، أو من بني ثور يدعى غيلان، يقول:
ألا يا اسلمي يا نخلة بين جرعة ... يجاورك الجمان دونك والرغل
ورجل من بني تيم اللَّه، يقال له: ربعي يقول:
أيا نخلة الجرعاء يا جرعة العدى ... سقتك الغوادي والغيوث الهواطل
وقال الأعور بْن قطبة:
أيا نخلة الركبان لا زلت فانضري ... ولا زال في أكناف جرعائك النخل
وقال عوف بْن مالك التميمي- ويقال التيمي تيم الرباب:
أيا نخلة دون العذيب بتلعة ... سقيت الغوادي المدجنات من النخل
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد، قالوا: وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس، ثم قال: إذا طلعت لكم الشمس، فأقبلوا مائة مائة، كلما توارى عنكم مائة فليتبعها مائة، فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا، ففعلوا، ولا يشعر بذلك أحد، وأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم، وخلوا بينهم وبين حاجب بْن زيد وقتلى المشركين بين الصفين قد أضيعوا، وكانوا لا يعرضون لأمواتهم، وكان مكانهم مما صنع اللَّه للمسلمين مكيدة فتحها ليشد بها أعضاد المسلمين، فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل، وطلعت نواصيها كبر وكبر الناس، وقالوا: جاء المدد، وقد كان عاصم بْن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاءوا من قبل خفان، فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب، فاختلفوا الضرب والطعن، ومددهم متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، وقد طلعوا في سبعمائة، فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يوميه، فعبى
(3/551)

أصحابه سبعين سبعين، فلما جاء آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بْن هبيرة بْن عبد يغوث- ولم يكن من أهل الأيام، إنما أتى من اليمن اليرموك- فانتدب مع هاشم، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب، كبر وكبر المسلمون، وقد أخذوا مصافهم، وقال هاشم: أول القتال المطاردة ثم المراماة، فأخذ قوسه، فوضع سهما على كبدها، ثم نزع فيها، فرفعت فرسه راسها، فخل اذنها، فضحك وقال: وا سوأتاه من رمية رجل! كل من رأى ينتظره! أين ترون سهمي كان بالغا؟ فقيل:
العتيق، فنزقها وقد نزع السهم، ثم ضربها حتى بلغت العتيق، ثم ضربها فأقبلت به تخرقهم، حتى عاد إلى موقفه، وما زالت مقانبه تطلع إلى الأولى، وقد بات المشركون في علاج توابيتهم، حتى أعادوها، وأصبحوا على مواقفهم، وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل وأتباعه، لينفروا بهم خيلهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش، وإذا أطافوا به كان آنس، فكان القتال كذلك، حتى عدل النهار، وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا، العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم نقطة إلا تعاورها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرد، فيبعث إليهم أهل النجدات ممن بقي عنده، فيقوون بهم، وأصبحت عنده للذي لقي بالأمس الأمداد على البرد، فلولا الذي صنع اللَّه للمسلمين بالذي ألهم القعقاع في اليومين وأتاح لهم بهاشم، كسر ذلك المسلمين.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مجالد، عن الشعبي، قال:
قدم هاشم بْن عتبة من قبل الشام، معه قيس بن المكشوح المرادى في سبعمائة بعد فتح اليرموك ودمشق، فتعجل في سبعين، فيهم سعيد بْن نمران
(3/552)

الهمداني قال مجالد: وكان قيس بْن أبي حازم مع القعقاع في مقدمة هاشم.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن جخدب بْن جرعب، عن عصمة الوابلي- وكان قد شهد القادسية- قال: قدم هاشم في أهل العراق من الشام، فتعجل أناس ليس معه أحد من غيرهم إلا نفير، منهم ابن المكشوح، فلما دنا تعجل في ثلاثمائة، فوافق الناس وهم على مواقفهم، فدخلوا مع الناس في صفوفهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كان اليوم الثالث يوم عماس، ولم يكن في أيام القادسية مثله، خرج الناس منه على السواء، كلهم على ما أصابه كان صابرا، وكلما بلغ منهم المسلمون بلغ الكافرون من المسلمين مثله، وكلما بلغ الكافرون من المسلمين بلغ المسلمون من الكافرين مثله.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بْن الريان، عن إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن سعد، قال: قدم هاشم بْن عتبة القادسية يوم عماس، فكان لا يقاتل إلا على فرس أنثى، لا يقاتل على ذكر، فلما وقف في الناس رمى بسهم، فأصاب اذن فرسه، فقال: وا سوأتاه من هذه! أين ترون سهمي كان بالغا لو لم يصب أذن الفرس! قالوا: كذا وكذا، فأجال فنزل وترك فرسه، ثم خرج يضربهم حتى بلغ حيث قالوا.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وكان في الميمنة.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بْن الريان، عن إسماعيل بْن مُحَمَّد، قال: كنا نرى أنه كان على الميمنة، وما كان عامة جنن الناس إلا البراذع، براذع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، وعصب من لم يكن له وقاية رءوسهم بالأنساع
(3/553)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابى كبران الحسن ابن عقبة، أن قيس بْن المكشوح، قال مقدمه من الشام مع هاشم، وقام فيمن يليه، فقال لهم: يا معشر العرب، إن اللَّه قد من عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد ص، فأصبحتم بنعمة اللَّه إخوانا.
دعوتكم واحدة، وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، ويختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب، فانصروا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وتنجزوا من اللَّه فتح فارس، فإن إخوانكم من أهل الشام قد أنجز اللَّه لهم فتح الشام، وانتثال القصور الحمر والحصون الحمر كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن المقدام الحارثي، عن الشعبي، قال: قال عمرو بْن معديكرب: إني حامل على الفيل ومن حوله- لفيل بإزائهم- فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، فإني لكم مثل أبي ثور! فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار، فقال أصحابه:
ما تنتظرون! ما أنتم بخلقاء أن تدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم، فحملوا حملة، فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه، وإن سيفه لفي يده يضاربهم، وقد طعن فرسه، فلما رأى أصحابه، وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس رجل من أهل فارس، فحركه الفارسي، فاضطرب الفرس، فالتفت الفارسي إلى عمرو، فهم به وأبصره المسلمون، فغشوه، فنزل عنه الفارسي، وحاضر إلى أصحابه، فقال عمرو: أمكنوني من لجامه، فأمكنوه منه فركبه.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد اللَّه بْن المغيرة العبدي، عن الأسود بْن قيس، عن أشياخ لهم شهدوا القادسية، قالوا:
لما كان يوم عماس خرج رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشق ونادى: من يبارز؟ فخرج رجل منا يقال له شبر بْن علقمة- وكان قصيرا قليلا دميما- فقال: يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرجل، فلم يجبه أحد، ولم يخرج إليه أحد، فقال: أما والله لولا أن تزدروني لخرجت
(3/554)

إليه فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وحجفته، وتقدم فلما رآه الفارسي هدر، ثم نزل إليه فاحتمله، فجلس على صدره، ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود فرسه مشدود بمنطقته، فلما استل السيف حاص الفرس حيصة فجذبه المقود، فقلبه عنه، فأقبل عليه وهو يسحب، فافترشه، فجعل أصحابه يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم، فو الله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعدا، فقال: إذا كان حين الظهر فأتني، فوافاه بالسلب، فحمد اللَّه سعد وأثنى عليه، ثم قال: إني قد رأيت أن أنحله إياه، وكل من سلب سلبا فهو له، فباعه باثني عشر ألفا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ الْفِيَلَةَ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْكَتَائِبِ وَعَادَتْ لِفِعْلِهَا يَوْمَ أَرْمَاثَ، أَرْسَلَ إِلَى أُولَئِكَ الْمُسِلَمَةِ: ضَخْمٍ، وَمُسْلِمٍ، وَرَافِعٍ، وَعَشَنَّقٍ، وَأَصْحَابِهِمْ مِنَ الْفُرْسِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْفِيَلَةِ: هَلْ لَهَا مَقَاتِلٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمِ، الْمَشَافِرُ وَالْعُيُونُ لا يُنْتَفَعُ بِهَا بَعْدَهَا فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَعَاصِمِ ابْنَيْ عَمْرٍو: اكْفِيَانِي الأَبْيَضَ- وَكَانَتْ كُلُّهَا آلِفَةً لَهُ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا- وَأَرْسَلَ إِلَى حَمَّالٍ وَالرَّبِيلِ: اكْفِيَانِي الْفِيلَ الأَجْرَبَ، وَكَانَتْ آلِفَةً لَهُ كُلُّهَا، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، فَأَخَذَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ رُمْحَيْنِ أَصَمَّيْنِ لَيِّنَيْنِ وَدَبَّا فِي خَيْلٍ وَرَجُلٍ فَقَالا: اكْتَنِفُوهُ لِتُخِيرُوهُ، وَهُمَا مَعَ الْقَوْمِ، فَفَعَلَ حَمَّالٌ وَالرَّبِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَالَطُوهُمَا اكْتَنَفُوهُمَا، فَنَظَرَ كُلٌّ واحد مِنْهُمَا يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَتَخَبَّطَا، فَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ، وَالْفِيلُ مُتَشَاغِلٌ بِمَنْ حَوْلَهُ، فَوَضَعَا رُمْحَيْهِمَا مَعًا فِي عَيْنَيِ الْفِيلِ الأَبْيَضِ، وَقَبَعَ وَنَفَضَ رَأْسَهُ، فَطَرَحَ سَائِسَهُ وَدَلَّى مِشْفَرَهُ، فَنَفَحَهُ الْقَعْقَاعُ، فَرَمَى بِهِ وَوَقَعَ لِجَنْبِهِ، فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ حَمَّالٌ، وَقَالَ لِلرَّبِيلِ: اخْتَرْ، إِمَّا أَنْ تَضْرِبَ الْمِشْفَرَ وَأَطْعَنُ فِي عَيْنِهِ، أَوْ تَطْعَنُ فِي عَيْنِهِ وَأَضْرَبُ مِشْفَرَهُ، فَاخْتَارَ الضَّرْبَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ حَمَّالٌ وَهُوَ
(3/555)

مُتَشَاغِلٌ بِمُلاحَظَةِ مَنِ اكْتَنَفَهُ، لا يَخَافُ سَائِسُهُ إِلا عَلَى بِطَانِهِ، فَانْفَرَدَ بِهِ أُولَئِكَ، فَطَعَنَهُ فِي عَيْنِهِ، فَأَقْعَى، ثُمَّ اسْتَوَى وَنَفَحَهُ الرَّبِيلُ، فَأَبَانَ مِشْفَرَهُ وَبَصُرَ بِهِ سَائِسُهُ، فَبَقَرَ أَنْفَهُ وَجَبِينَهُ بِفَأْسِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قال رجلان من بني أسد، يقال لهما الربيل وحمال: يا معشر المسلمين أي الموت أشد؟ قالوا: أن يشد على هذا الفيل، فنزقا فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما، فطعن أحدهما في عين الفيل، فوطئ الفيل من خلفه، وضرب الآخر مشفره، فضربه سائس الفيل ضربة شائنة بالطبرزين في وجهه، فأفلت بها هو والربيل، وحمل القعقاع وأخوه على الفيل الذي بازائهما، ففقأ عينيه، وقطعا مشفره، فبقي متلددا بين الصفين، كلما أتى صف المسلمين وخزوه، وإذا أتى صف المشركين نخسوه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: كان في الفيلة فيلان يعلمان الفيلة، فلما كان يوم القادسية حملوهما على القلب، فأمر بهما سعد القعقاع وعاصما التميميين وحمالا والربيل الأسديين، فذكر مثل الأول إلا أن فيه: وعاش بعد، وصاح الفيلان صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذي عور، فوثب في العتيق، فاتبعته الفيلة، فخرقت صف الأعاجم فعبرت العتيق في أثره، فأتت المدائن في توابيتها، وهلك من فيها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فلما ذهبت الفيلة، وخلص المسلمون بأهل فارس، ومال الظل تزاحف المسلمون، وحماهم فرسانهم الذين قاتلوا أول النهار، فاجتلدوا بها حتى أمسوا
(3/556)

على حرد، وهم في ذلك على السواء، لأن المسلمين حين فعلوا بالفيول ما فعلوا، تكتبت كتائب الإبل المجففة، فعرقبوا فيها، وكفكفوا عنها.
وقال في ذلك القعقاع بْن عمرو:
حضض قومي مضرحي بْن يعمر ... فلله قومي حين هزوا العواليا
وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا
فإن كنت قاتلت العدو فللته ... فإني لألقى في الحروب الدواهيا
فيولا أراها كالبيوت مغيرة ... أسمل أعيانا لها ومآقيا
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما أمسى الناس من يومهم ذلك، وطعنوا في الليل، اشتد القتال وصبر الفريقان، فخرجا على السواء إلا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسميت ليلة الهرير، لم يكن قتال بليل بعدها بالقادسية.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو ابن مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَيْشٍ، أَنَّ سَعْدًا بَعَثَ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ طُلَيْحَةَ وَعَمْرًا إِلَى مَخَاضَةٍ أَسْفَلَ مِنَ الْعَسْكَرِ لِيَقُومَا عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْقَوْمُ مِنْهَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ وَجَدْتُمَا الْقَوْمَ قَدْ سَبَقُوكُمَا إِلَيْهَا فَانْزِلا بِحِيَالِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَجِدَاهُمْ عَلِمُوا بِهَا، فَأَقِيمَا حَتَّى يَأْتِيَكُمَا أَمْرِي- وَكَانَ عُمَرُ قَدْ عَهِدَ إِلَى سَعْدٍ أَلا يُوَلِّيَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَلَى مِائَةٍ- فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْمَخَاضَةِ فَلَمْ يَرَيَا فِيهَا أَحَدًا، قَالَ طُلَيْحَةُ: لَوْ خُضْنَا فَأَتَيْنَا الأَعَاجِمَ مِنْ خَلْفِهِمْ! فَقَالَ عَمْرٌو: لا، بَلْ نَعْبُرُ أَسْفَلَ، فَقَالَ طُلَيْحَةُ: إِنَّ الَّذِي أَقُولُهُ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّكَ تَدْعُونِي إِلَى مَا لا أُطِيقُ، فَافْتَرَقَا، فَأَخَذَ طُلَيْحَةُ نَحْوَ الْعَسْكَرِ مِنْ وَرَاءِ الْعَتِيقِ وَحْدَهُ، وَسَفَلَ عَمْرٌو بِأَصْحَابِهِمَا جَمِيعًا، فَأَغَارُوا،
(3/557)

وَثَارَتْ بِهِمُ الأَعَاجِمُ، وَخَشِيَ سَعْدٌ مِنْهُمَا الَّذِي كَانَ، فَبَعَثَ قَيْسَ بْنَ الْمَكْشُوحِ فِي آثَارِهِمَا فِي سَبْعِينَ رَجُلا، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ نُهِيَ عَنْهُمْ أَنْ يُوَلِّيَهُمُ الْمِائَةَ، وَقَالَ: إِنْ لَحِقْتَهُمْ فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ نَحْوَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَخَاضَةِ وَجَدَ الْقَوْمَ يَكْرُدُونَ عَمْرًا وَأَصْحَابَهُ، فَنَهْنَهَ النَّاسَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ قَيْسٌ عَلَى عَمْرٍو يَلُومُهُ، فَتَلاحَيَا، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: إِنَّهُ قَدْ أُمِّرَ عَلَيْكَ، فَسَكَتَ، وَقَالَ: يَتَأَمَّرُ عَلَيَّ رَجُلٌ قَدْ قَاتَلْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُمْرَ رَجُلٍ! فَرَجَعَ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَأَقْبَلَ طُلَيْحَةُ حَتَّى إِذَا كَانَ بحيال السكر، كَبَّرَ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَطَلَبَهُ الْقَوْمُ فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ سَلَكَ! وَسَفَلَ حَتَّى خَاضَ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَأَتَى سَعْدًا فَأَخْبَرَهُ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَمَا يَدْرُونَ مَا هُوَ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن قدامة الكاهلي، عمن حدثه، أن عشرة إخوة من بني كاهل بْن أسد، يقال لهم بنو حرب، جعل أحدهم يرتجز ليلتئذ، ويقول:
أنا ابن حرب ومعى مخراقى اضربهم بصارم رقراق اذكره الموت أبو إسحاق وجاشت النفس على التراقي صبرا عفاق إنه الفراق.
وكان عفاق أحد العشرة، فأصيب فخذ صاحب هذا الشعر يومئذ، فأنشأ يقول:
صبرا عفاق إنها الأساوره صبرا ولا تغررك رجل نادره فمات من ضربته يومئذ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي شَجَّارٍ، قَالَ: بَعَثَ سَعْدٌ طُلَيْحَةَ فِي حَاجَةٍ فَتَرَكَهَا، وَعَبَرَ الْعَتِيقَ، فَدَارَ إِلَى عَسْكَرِ الْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا وَقَفَ عَلَى رَدْمِ النَّهْرِ كَبَّرَ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ، فَرَاعَ أَهْلَ فَارِسَ، وَتَعَجَّبَ الْمُسْلِمُونَ،
(3/558)

فَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ، فَأَرْسَلَتِ الأَعَاجِمُ فِي ذَلِكَ، وَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذلك ثم انهم عادوا وجددوا تعبئة، وَأَخَذُوا فِي أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِ فِي الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى تَعْبِيَتِهِمْ، وَجَعَلَ طُلَيْحَةُ يَقُولُ:
لا تَعْدَمُوا امْرَأً ضَعْضَعَكُمْ وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الأَسَدِيُّ وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ وَابْنُ ذِي الْبُرْدَيْنِ الْهِلالِيُّ وَابْنُ ذِي السَّهْمَيْنِ وَقَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ الأَسَدِيُّ، وَأَشْبَاهُهُمْ، فَطَارَدُوا الْقَوْمَ، وَانْبَعَثُوا لِلْقِتَالِ، فَإِذَا الْقَوْمُ لمة لا يَشُدُّونَ، وَلا يُرِيدُونَ غَيْرَ الزَّحْفِ، فَقَدَّمُوا صَفًّا لَهُ أذنانِ، وَأَتْبَعُوا آخَرَ مِثْلَهُ، وَآخَرَ وَآخَرَ، حَتَّى تَمَّتْ صُفُوفُهُمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ صَفًّا فِي الْقَلْبِ وَالْمُجَنِّبَتَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِمْ فِرْسَانُ الْعَسْكَرِ رَامُوهُمْ فَلَمْ يَعْطِفْهُمْ ذَلِكَ عَنْ رُكُوبِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَتْ بِالْفِرْسَانِ الْكَتَائِبُ، فَأُصِيبَ لَيْلَتَئِذٍ خَالِدُ بْنُ يَعْمُرَ التَّمِيمِيُّ، ثُمَّ الْعمرِيُّ، فَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ عَلَى نَاحِيَتِهِ الَّتِي رَمَى بِهَا مُزْدَلِفًا، فَقَامُوا عَلَى سَاقٍ، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ:
سَقَى اللَّهُ يَا خَوْصَاءُ قَبْرَ ابْنِ يَعْمُرٍ إِذَا ارْتَحَلَ السُّفَارُ لَمْ يَتَرَحَّلِ سَقَى اللَّهُ أَرْضًا حَلَّهَا قَبْرُ خَالِدٍ ذَهَابَ غَوَادٍ مُدْجِنَاتٍ تُجَلْجِلِ فَأَقْسَمْتُ لا يَنْفَكُّ سَيْفِي يَحُسُّهُمْ فَإِنْ زَحَلَ الأَقْوَامُ لَمْ أَتَزَحَّلِ فَزَاحَفَهُمْ وَالنَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِ سَعْدٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُ، وَانْصُرْهُ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ إِذْ لَمْ يَسْتَأْذِنِّي، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، إِلا مَنْ تَكَتَّبَ أَوْ طَارَدَهُمْ وَهُمْ ثَلاثَةُ صُفُوفٍ، فَصَفٌّ فِيهِ الرَّجَّالَةُ أَصْحَابُ الرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، وَصَفٌّ فِيهِ المراميةُ، وَصَفٌّ فِيهِ الْخُيُولُ، وَهُمْ أَمَامَ الرَّجَّالَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَيْمَنَةُ، وَكَذَلِكَ الْمَيْسَرَةُ وَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّ الأَمْرَ الَّذِي صَنَعَ الْقَعْقَاعُ، فَإِذَا كَبَّرْتُ ثَلاثًا فَازْحَفُوا، فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً فَتَهَيَّئُوا، وَرَأَى النَّاسُ كُلُّهُمْ مِثْلَ الَّذِي
(3/559)

رَأَى، وَالرَّحَى تَدُورُ عَلَى الْقَعْقَاعِ وَمَنْ مَعَهُ كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد اللَّه بْن عبد الأعلى، عن عمرو بْن مرة، قال: وقام قيس بْن هبيرة المرادي فيمن يليه، ولم يشهد شيئا من لياليها إلا تلك الليلة، فقال: إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة، والرأي رأي أميركم، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجالة، فإن القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم، ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم، فتيسروا للحملة فتيسروا وانتظروا التكبيرة وموافقة حمل الناس، وإن نشاب الأعاجم لتجوز صف المسلمين.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بْن يزيد، عمن حدثه، قال: وقال دريد بْن كعب النخعي، وكان معه لواء النخع:
ان المسلمين تهيئوا للمزاحفة، فاسبقوا المسلمين الليلة إلى اللَّه والجهاد، فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، نافسوهم في الشهادة، وطيبوا بالموت نفسا، فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة ما أردتم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن الأجلح، قال:
قال الأشعث بْن قيس: يا معشر العرب، إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت، ولا أسخى أنفسا عن الدنيا، تنافسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزعوا من القتل، فإنه أماني الكرام، ومنايا الشهداء، وترجل.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بْن مُحَمَّد، قال:
قال حنظلة بْن الربيع وأمراء الأعشار: ترجلوا أيها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا تجزعوا مما لا بد منه، فالصبر أنجى من الفزع وفعل طليحة وغالب وحمال وأهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك
(3/560)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والنضر بْن السري، قالا: ونزل ضرار بْن الخطاب القرشي، وتتابع على التسرع إليهم الناس كلهم فيها بين تكبيرات سعد حين استبطئوه فلما كبر الثانية، حمل عاصم بْن عمرو حتى انضم إلى القعقاع، وحملت النخع، وعصى الناس كلهم سعدا، فلم ينتظر الثالثة إلا الرؤساء، فلما كبر الثالثة زحفوا فلحقوا بأصحابهم، وخالطوا القوم، فاستقبلوا الليل استقبالا بعد ما صلوا العشاء.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بْن أبي طيبة، عن أبيه، قال: حمل الناس ليلة الهرير عامة، ولم ينتظروا بالحملة سعدا، وكان أول من حمل القعقاع، فقال: اللهم اغفرها له وانصره.
وقال: وا تميماه سائر الليلة! ثم قال: أرى الأمر ما فيه هذا، فإذا كبرت ثلاثا فاحملوا فكبر واحدة فلحقتهم أسد، فقيل: قد حملت أسد، فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم، وا أسداه سائر الليلة! ثم قيل: حملت النخع، فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم، وا نخعاه سائر الليلة! ثم قيل: حملت بجيلة، فقال: اللهم اغفرها لهم، وانصرهم، وا بجيلتاه! ثم حملت الكنود، فقيل: حملت كندة، فقال: وا كندتاه! ثم زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة، فقامت حربهم على ساق حتى الصباح، فذلك ليلة الهرير.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن نويرة، عن عمه أنس بْن الحليس، قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغا، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد، وأقبل سعد على الدعاء، حتى
(3/561)

إذا كان وجه الصبح، انتهى الناس فاستدل بذلك على أنهم الأعلون، وأن الغلبة لهم.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بْن مُحَمَّد، عن الأعور بْن بنان المنقري، قال: أول شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح في نصف الليل الباقي صوت القعقاع بْن عمرو وهو يقول:
نحن قتلنا معشرا وزئدا اربعه وخمسه وواحدا يحسب فوق اللبد الأساودا حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا اللَّه ربي، واحترزت عامدا.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الأعور ومحمد، عن عمه، والنضر عن ابن الرفيل، قالوا: اجتلدوا تلك الليلة من أولها حتى الصباح لا ينطقون، كلامهم الهرير، فسميت ليلة الهرير.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الريان، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: بَعَثَ سَعْدٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِجَادًا وَهُوَ غُلامٌ إِلَى الصَّفِّ، إِذْ لَمْ يَجِدْ رَسُولا، فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَرَى مِنْ حَالِهِمْ، فَرَجَعَ فَقَالَ:
مَا رَأَيْتَ أَيْ بُنَيَّ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُمْ يَلْعَبُونَ، فَقَالَ: أَوْ يَجِدُّونَ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن جرير العبدي، عن عابس الجعفي، عن أبيه، قال: كانت بإزاء جعفي يوم عماس كتيبة من كتائب العجم، عليهم السلاح التام، فازدلفوا لهم، فجالدوهم بالسيوف، فرأوا أن السيوف لا تعمل في الحديد فارتدعوا، فقال حميضة: ما لكم؟ قالوا: لا يجوز فيهم السلاح، قال: كما أنتم حتى أريكم، انظروا فحمل على رجل منهم، فدق ظهره بالرمح، ثم التفت
(3/562)

إلى أصحابه، فقال: ما أراهم إلا يموتون دونكم فحملوا عليهم فأزالوهم إلى صفهم.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: لا والله ما شهدها من كنده خاصه الا سبعمائة، وكان بإزائهم ترك الطبري، فقال الأشعث: يا قوم ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمائة، فأزالهم وقتل تركا، فقال راجزهم:
نحن تركنا تركهم في المصطره مختضبا من بهران الأبهره

ليلة القادسية
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وأصبحوا ليلة القادسية، وهي صبحة ليلة الهرير، وهي تسمى ليلة القادسية، من بين تلك الأيام والناس حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها، فسار القعقاع في الناس، فقال: إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر فآثروا الصبر على الجزع، فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم، حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح، ولما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بْن عبد يغوث والأشعث ابن قيس وعمرو بْن معديكرب وابن ذي السهمين الخثعمي وابن ذي البردين الهلالي، فقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر اللَّه منكم، ولا يكونن هؤلاء- لأهل فارس- أجرأ على الموت منكم، ولا أسخى أنفسا عن الدنيا، تنافسوها فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين بإزائهم، وقام في ربيعة رجال، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرأة! فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والبيرزان، فتأخرا وثبتا حيث انتهيا، وانفرج
(3/563)

القلب حين قام قائم الظهيرة، وركد عليهم النقع، وهبت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق، وهي دبور، ومال الغبار عليهم، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة، فاستظل في ظل بغل وحمله، وضرب هلال بْن علفة الحمل الذي رستم تحته، فقطع حباله، ووقع عليه أحد العدلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به، فأزال من ظهره فقارا، ويضربه ضربة فنفحت مسكا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه، فتناوله وقد عام، وهلال قائم، فأخذ برجله، ثم خرج به إلى الجد، فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إلي، فأطافوا به وما يحسون السرير ولا يرونه، وكبروا وتنادوا، وانبت قلب المشركين عندها وانهزموا، وقام الجالنوس على الردم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفر الغبار، فأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفا، وأخذ ضرار بْن الخطاب درفش كابيان، فعوض منها ثلاثين ألفا، وكانت قيمتها ألف ألف ومائتي ألف، وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عمرو بْن سلمة، قال: قتل هلال بْن علفة رستم يوم القادسية.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابن مخراق، عن ابى كعب الطائي، عن أبيه، قال: أصيب من الناس قبل ليله الهرير الفان وخمسمائة، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف من المسلمين، فدفنوا في الخندق بحيال مشرق
(3/564)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ، قَالُوا: لَمَّا انْكَشَفَ أَهْلُ فَارِسَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ أَحَدٌ، وَطَبَّقَتِ الْقَتْلَى مَا بَيْنَ قُدَيْسَ وَالْعَتِيقِ أَمَرَ سَعْدٌ زَهْرَةَ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَنَادَى زَهْرَةُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَأَمَرَ الْقَعْقَاعَ بِمَنْ سَفُلَ، وَشُرَحْبِيلَ بِمَنْ عَلا، وَأَمَر خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ بِسَلْبِ الْقَتْلَى وَبِدَفْنِ الشُّهَدَاءَ، فَدَفَنَ الشُّهَدَاءَ، شُهَدَاءَ لَيْلَةَ الهرير ويوم القادسية، حول قديس الفان وخمسمائة وَرَاءَ الْعَتِيقِ بِحِيَالِ مُشَرِّقٍ، وَدُفِنَ شُهَدَاءُ مَا كَانَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَجُمِعَتِ الأَسْلابُ وَالأَمْوَالُ فَجُمِعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يُجْمَعْ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلُهُ، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى هلال، فدعا لَهُ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: رَمَيْتُ بِهِ تحت ابغل، قال: اذهب فجيء بِهِ، فَذَهَبَ فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ: جَرِّدْهُ إِلا مَا شِئْتَ، فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَلَمْ يَدَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَمَّا رَجَعَ الْقَعْقَاعُ وَشُرَحْبِيلُ قَالَ لِهَذَا:
اغْدِ فِيمَا طَلَبَ هَذَا، وَقَالَ لِهَذَا: اغْدِ فِيمَا طَلَبَ هَذَا، فَعَلا هَذَا، وَسَفَلَ هَذَا، حَتَّى بَلَغَا مِقْدَارَ الْخَرَّارَةِ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَخَرَجَ زَهْرَةُ بْنُ الحوية فِي آثَارِهِمْ، وَانْتَهَى إِلَى الرَّدْمِ وَقَدْ بَثَقُوهُ لِيَمْنَعُوهُمْ بِهِ مِنَ الطَّلَبِ، فَقَالَ زَهْرَةُ:
يَا بُكَيْرُ، أَقْدِمْ، فَضَرَبَ فَرَسَهُ، وَكَانَ يُقَاتِلُ عَلَى الإِنَاثِ، فَقَالَ: ثِبِي أَطْلالُ، فَتَجَمَّعَتْ وَقَالَتْ: وَثْبًا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ! وَوَثَبَ زَهْرَةُ- وَكَانَ عَنْ حِصَانٍ- وَسَائِرِ الْخَيْلِ فَاقْتَحَمَتْهُ، وَتَتَابَعَ على ذلك ثلاثمائة فَارِسٍ، وَنَادَى زَهْرَةُ حَيْثُ كَاعَتِ الْخَيْلُ: خُذُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ، وَعَارِضُونَا، فَمَضَى وَمَضَى النَّاسُ إِلَى الْقَنْطَرَةِ يَتْبَعُونَهُ، فَلَحِقَ بِالْقَوْمِ وَالْجَالِنُوسُ فِي آخِرِهِمْ يَحْمِيهِمْ، فَشَاوَلَهُ زَهْرَةُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَهُ زَهْرَةُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، وَقَتَلُوا
(3/565)

مَا بَيْنَ الْخَرَّارَةِ إِلَى السَّيْلَحِينِ، إِلَى النَّجَفِ، وَأَمْسَوْا فَرَجَعُوا فَبَاتُوا بِالْقَادِسِيَّةِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: اقْتَحَمْنَا الْقَادِسِيَّةِ صَدْرَ النَّهَارِ، فَتَرَاجَعْنَا وَقَدْ أَتَى الصَّلاةَ، وَقَدْ أُصِيبَ الْمُؤَذِّنُ، فَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الأَذَانِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَجْتَلِدُوا بِالسُّيُوفِ، فَأَقْرَعَ سَعْدٌ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ فَأَذَّنَ.
ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ وَتَرَاجَعُ الطَّلَبُ الَّذِينَ طَلَبُوا مَنْ عَلا عَلَى القادسية ومن سفل عنها، وقد انى الصَّلاةَ وَقَدْ قُتِلَ الْمُؤَذِّنُ فَتَشَاحُّوا عَلَى الأَذَانِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ، وَأَقَامُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ وَلَيْلَتِهِمْ حَتَّى رَجَعَ زَهْرَةُ، وَأَصْبَحُوا وَهُمْ جَمِيعٌ لا يَنْتَظِرُونَ أَحَدًا مِنْ جُنْدِهِمْ، وَكَتَبَ سَعْدٌ بِالْفَتْحِ وَبِعِدَّةِ مَنْ قُتِلُوا وَمَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَمَّى لِعُمَرَ مَنْ يَعْرِفُ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَانِي سَعْدٌ، فَأَرْسَلَنِي أَنْظُرُ لَهُ فِي الْقَتْلَى، وَأُسَمِّي لَهُ رُءُوسَهُمْ، فَأَتَيْتُهُ فَأَعْلَمْتُهُ، وَلَمْ أَرَ رُسْتُمَ فِي مَكَانِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ التَّيْمِ يُدْعَى هِلالا، فَقَالَ: أَلَمْ تُبْلِغْنِي أَنَّكَ قَتَلْتَ رُسْتُمَ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ بِهِ؟ قَالَ: أَلْقَيْتُهُ تَحْتَ قَوَائِمِ الأَبْغَلِ، قَالَ: فَكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى قَالَ: ضَرَبْتُ جَبِينَهُ وَأَنْفَهُ قَالَ: فَجِئْنَا بِهِ، فَأَعْطَاهُ سَلَبَهُ، وَكَانَ قَدْ تَخَفَّفَ حِينَ وَقَعَ إِلَى الْمَاءِ، فَبَاعَ الَّذِي عَلَيْهِ بِسَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ قِيمَةُ قَلَنْسُوَتِهِ مِائَةَ أَلْفٍ لَوْ ظَفَرَ بِهَا وَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْعُبَّادِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى سَعْدٍ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الأَمِيرُ، رَأَيْنَا جَسَدَ رُسْتُمَ عَلَى بَابِ قَصْرِكَ وَعَلَيْهِ رَأْسُ غَيْرِهِ، وَكَانَ الضَّرْبُ قَدْ شَوَّهَهُ، فَضَحِكَ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة وزياد، قالوا: وقال الديلم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين، وقاتلوا معهم على غير الإسلام: إخواننا الذين دخلوا في هذا الأمر من أول الشأن أصوب منا وخير، ولا والله لا يفلح أهل فارس بعد رستم إلا من دخل في
(3/566)

هذا الأمر منهم، فأسلموا، وخرج صبيان العسكر في القتلى، ومعهم الأداوى يسقون من به رمق من المسلمين، ويقتلون من به رمق من المشركين، وانحدروا من العذيب مع العشاء قال: وخرج زهرة في طلب الجالنوس، وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم في كل قرية وأجمة وشاطئ نهر، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر، وهنأ الناس أميرهم، وأثنى على كل حي خيرا، وذكره منهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: خَرَجَ زَهْرَةُ حَتَّى أَدْرَكَ الْجَالِنُوسَ، مَلِكًا مِنْ مُلُوكِهِمْ، بَيْنَ الْخَرَّارَةِ وَالسَّيْلَحِينِ، وَعَلَيْهِ يَارَقَانِ وَقَلبانِ وَقِرْطَانِ عَلَى بِرْذَوْنٍ لَهُ قَدْ خَضَدَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ زَهْرَةَ يَوْمَئِذٍ لَعَلَى فَرَسٍ لَهُ مَا عَنَانُهَا إِلا مِنْ حَبْلٍ مَضْفُورٍ كَالْمِقْوَدِ، وَكَذَلِكَ حِزَامُهَا شَعْرٌ مَنْسُوجٌ، فَجَاءَ بِسَلْبِهِ إِلَى سَعْدٍ، فَعَرَفَ الأُسَارَى الَّذِينَ عِنْدَ سَعْدٍ سَلْبَهُ، فَقَالُوا: هَذَا سَلَبُ الْجَالِنُوسُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: هَلْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
مَنْ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَنَفَلَهُ سَلْبَهُ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ اسْتَكْثَرَ لَهُ سَلَبَهُ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنِّي قَدْ نَفَّلْتُ مَنْ قَتَلَ رَجُلا سَلَبَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَبَاعَهُ بِسَبْعِينَ أَلْفًا.
وعَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْبَرْمَكَانِ، وَالْمُجَالِدِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَحِقَ بِهِ زَهْرَةُ، فَرَفَعَ لَهُ الْكَرَّةَ فَمَا يُخْطِئُهَا بِنُشَّابَةٍ، فَالْتَقَيَا فَضَرَبَهُ زَهْرَةُ فجد له- وَلِزَهْرَةَ يَوْمَئِذٍ ذُؤَابَةٌ وَقَدْ سَودَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَسُنَ بَلاؤُهُ فِي الإِسْلامِ وَلَهُ سَابِقَةٌ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَابٌّ- فَتَدَرَّعَ زَهْرَةُ مَا كَانَ عَلَى الْجَالِنُوسِ، فَبَلَغَ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ
(3/567)

أَلْفًا فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى سَعْدٍ نَزَعَ سَلَبَهُ، وَقَالَ: أَلا انْتَظَرْتَ إِذْنِي! وَتَكَاتَبَا، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: تَعْمَدُ إِلَى مِثْلِ زَهْرَةَ- وَقَدْ صَلِيَ بِمِثْلِ مَا صَلِيَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ حَرْبِكَ مَا بَقِيَ- تَكْسِرُ قَرْنَهُ، وَتُفْسِدُ قَلْبَهُ! أَمْضِ لَهُ سَلَبَهُ، وَفَضِّلْهُ عَلَى اصحابه عند العطاء بخمسمائة.
وعَنْ سَيْفٍ، عَنْ عُبَيْدٍ، عَنْ عِصْمَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَنَا أَعْلَمُ بِزَهْرَةَ مِنْكَ، وَإِنَّ زَهْرَةَ لَمْ يَكُنْ لِيُغَيِّبَ مِنْ سَلَبٍ سَلَبَهُ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي سَعَى بِهِ إِلَيْكَ كَاذِبًا فَلَقَاهُ اللَّهُ مِثْل زَهْرَةَ، في عضديه يا رقان، وَإِنِّي قَدْ نَفَّلْتُ كُلَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلا سَلَبَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَبَاعَهُ بِسَبْعِينَ أَلْفًا.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عبيدة، عن إبراهيم وعامر، أن أهل البلاء يوم القادسية فضلوا عند العطاء بخمسمائة خمسمائة في أعطياتهم، خمسة وعشرين رجلا، منهم زهرة، وعصمة الضبي، والكلج وأما أهل الأيام، فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عبيدة، عن يزيد الضخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقت بهم أهل القادسية! فقال: لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم وقيل له في أهل القادسية: لو فضلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه! قال:
وكيف أفضلهم عليهم على بعد دارهم، وهم شجن العدو، وما سويت بينهم حتى استطبتهم، فهلا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا! وعَنْ سَيْفٍ، عن المجالد، عن الشعبي، وسعيد بْن المرزبان عن رجل من بني عبس، قال: لما زال رستم عن مكانه ركب بغلا، فلما دنا منه هلال نزع له نشابة، فأصاب قدمه فشكها في الركاب، وقال: بپايه، فأقبل عليه هلال فنزل، فدخل تحت البغل، فلما لم يصل إليه قطع عليه المال، ثم نزل إليه ففلق هامته.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عبيدة، عن شقيق، قال: حملنا على الأعاجم يوم القادسية حملة رجل واحد، فهزمهم اللَّه، فلقد رأيتني أشرت إلى أسوار منهم
(3/568)

فجاء إلي وعليه السلاح التام، فضربت عنقه، ثم أخذت ما كان عليه.
وعَنْ سَيْفٍ، عن سعيد بْن المرزبان، عن رجل من بني عبس، قال:
أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم، قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه، وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به، وحتى إنه ليأمر الرجلين أحدهما بصاحبه، وكذلك في العدة.
وعَنْ سَيْفٍ، عن يونس بْن أبي إسحاق، عن أبيه، عمن شهدها، قال: أبصر سلمان بْن ربيعة الباهلي أناسا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها، وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتل من كان تحتها وسلبهم وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية، وكان أحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، والآخر عبد الرحمن ابن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله.
وعَنْ سَيْفٍ، عن الغصن، عن القاسم، عن البهي، أن الشعبي قال: كان يقال: لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور.
فكان موضع المحبس اليوم دار عبد الرحمن بْن ربيعة، والتي بينها وبين دار المختار دار سلمان، وإن الأشعث بْن قيس استقطع فناء كان قدامها، هو اليوم في دار المختار، فأقطعه فقال له: ما جرأك علي يا أشعث؟ والله لئن حزتها لأضربنك بالجنثي- يعني سيفه- فانظر ما يبقى منك بعد، فصدف عنها ولم يتعرض لها.
وعَنْ سَيْفٍ، عن المهلب ومحمد وطلحة وأصحابه، قالوا: وثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استقتلوا واستحيوا من الفرار، فأبادهم اللَّه، فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يتبعوا فالة القوم، فصمد سلمان بْن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بْن ربيعة ذو النور لأخرى، وصمد لكل كتيبة منها رأس من رؤساء
المسلمين
وكان قتال أهل هذه الكتائب،
(3/569)

من أهل فارس على وجهين، فمنهم من كذب فهرب، ومنهم من ثبت حتى قتل، فكان ممن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرمزان وكان بإزاء عطارد، وأهود وكان بإزاء حنظلة بْن الربيع، وهو كاتب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزاذ بْن بهيش وكان بإزاء عاصم بْن عمرو، وقارن وكان بإزاء القعقاع بْن عمرو، وكان ممن استقتل شهريار بْن كنار وكان بإزاء سلمان.
وابن الهربذ وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرخان الأهوازي وكان بإزاء بسر بن ابى رهم الجهنى، وخسرو شنوم الهمذاني وكان بحيال ابن الهذيل الكاهلي.
ثم إن سعدا أتبع بعد ذلك القعقاع وشرحبيل من صوب في هزيمته أو صعد عن العسكر وأتبع زهرة بْن الحوية الجالنوس ذكر حديث ابن إسحاق:
قال أبو جعفر الطبري رحمه اللَّه: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
قال: ومات المثنى بْن حارثة، وتزوج سعد بْن أبي وقاص امرأته سلمى ابنة خصفة وذلك في سنة أربع عشرة وأقام تلك الحجة للناس عمر بْن الخطاب ودخل أبو عبيدة بْن الجراح تلك السنة دمشق، فشتا بها، فلما أصافت الروم سار هرقل في الروم حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلي وعاملة، وتلك القبائل من قضاعه، غسان بشر كثير، ومعه من أهل أرمينية مثل ذلك، فلما نزلها أقام بها، وبعث الصقلار، خصيا له، فسار بمائة ألف مقاتل، معه من أهل أرمينية اثنا عشر ألفا، عليهم جرجة، ومعه من المستعربة من غسان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفا عليهم جبلة بْن الأيهم الغساني، وسائرهم من الروم، وعلى جماعة الناس الصقلار خصي هرقل، وسار اليهم المسلمون
(3/570)

وهم أربعة وعشرون ألفا عليهم أبو عبيدة بْن الجراح، فالتقوا باليرموك في رجب سنة خمس عشرة، فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخل العسكر- منهن أم حكيم بنت الحارث بْن هشام- حتى سابقن الرجال، وقد كان انضم إلى المسلمين حين ساروا إلى الروم ناس من لخم وجذام، فلما رأوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى، وخذلوا المسلمين.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بْن عروة بْن الزبير، عن أبيه، قال: قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم وجذام ما رأى:
القوم لخم وجذام في الهرب ... ونحن والروم بمرج نضطرب
فإن يعودوا بعدها لا نصطحب.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب ابن كَيْسَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ عَامَ الْيَرْمُوكِ، فَلَمَّا تَعَبَّى الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ، لَبِسَ الزُّبَيْرُ لأْمَتَهُ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ، ثُمَّ قَالَ لِمَوْلَيَيْنِ لَهُ: احْبِسَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مَعَكُمَا فِي الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ غُلامٌ صَغِيرٌ.
قَالَ: ثُمَّ تَوَجَّهَ فَدَخَلَ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ وَالرَّومُ نَظَرْتُ إِلَى نَاسٍ وُقُوفٍ عَلَى تَلٍّ لا يُقَاتِلُونَ مَعَ النَّاسِ قَالَ: فَأَخَذْتُ فَرَسًا لِلزُّبَيْرِ كَانَ خَلَّفَهُ فِي الرَّحْلِ فَرَكِبْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى أُولَئِكَ النَّاسِ فَوَقَفْتُ مَعَهُمْ، فَقُلْتُ: أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي مَشْيَخَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ وُقُوفًا لا يُقَاتِلُونَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي رَأَوْا غُلامًا حَدَثًا، فَلَمْ يَتَّقُونِي.
قَالَ: فَجَعَلُوا وَاللَّهِ إِذَا مَالَ الْمُسْلِمُونَ وَرَكِبَتْهُمُ الْحَرْبُ، لِلرُّومِ يَقُولُونَ: ايه ايه بلا صفر! فَإِذَا مَالَتِ الرُّومُ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، قَالَوا: يَا ويح بلا صفر! فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ، جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ
(3/571)

خَبَرَهُمْ قَالَ: فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَبَوْا إِلا ضَغَنًا! وَمَاذَا لَهُمْ إِنْ يَظْهَرْ عَلَيْنَا الرُّومُ! لَنَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ نَصْرَهُ، فَهُزِمَتِ الرُّومُ وَجُمُوعُ هِرَقْلَ الَّتِي جَمَعَ، فَأُصِيبَ مِنَ الرُّومِ أَهْلُ أَرْمِينِيَةَ وَالْمُسْتَعْرِبَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَقَتَلَ اللَّهُ الصّقلارَ وَبَاهَانَ، وَقَدْ كَانَ هِرَقْلُ قَدَّمَهُ مَعَ الصّقلارِ حِينَ لَحِقَ بِهِ، فَلَمَّا هُزِمَتِ الرُّومُ بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ فِي طَلَبِهِمْ، فَسَلَكَ الأَعْمَاقَ حَتَّى بَلَغَ مَلَطْيَةَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَلَمَّا سَمِعَ هِرَقْلُ بِذَلِكَ بَعَثَ إِلَى مُقَاتِلَتِهَا وَمَنْ فِيهَا، فَسَاقَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِمَلَطْيَةَ فَحُرِقَتْ وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ، وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ.
قَالَ: وَفِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ، قَتَلَ اللَّهُ رُسْتُمَ بِالْعِرَاقِ، وَشَهِدَ أَهْلُ الْيَرْمُوكِ حِينَ فَرَغُوا مِنْهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا حِينَ حُسِرَ عَنْهُ الشِّتَاءُ، سَارَ مِنْ شَرَافَ يُرِيدُ الْقَادِسِيَّةَ، فَسَمِعَ بِهِ رُسْتُمُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَعْدٌ وَقَفَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدَّهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ الثَّقَفِيَّ فِي أربعمائة رجل مددا من المدينة، وامده بقيس ابن مكشوح المرادى في سبعمائة، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْيَرْمُوكِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْ أَمِدَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَمِيرَ الْعِرَاقِ بِأَلْفِ رَجُلٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَفَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ الْفِهْرِيَّ، وَأَقَامَ تِلْكَ الْحُجَّةَ لِلنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَقَدْ كَانَ لِكِسْرَى مُرَابِطَةٌ فِي قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ، عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَهُوَ ابْنُ حَيَّةَ الطَّائِيِّ ابْنُ عَمِّ قَبِيصَةَ بْنَ إِيَاسِ بْنِ حَيَّةَ الطَّائِيِّ صَاحِبِ الْحِيرَةِ، فَكَانَ فِي مَنْظَرَةٍ لَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَأَلَ عَنْهُ عبد الله بن سنان ابن جَرِيرٍ الأَسَدِيَّ، ثُمَّ الصَّيْدَاوِيَّ، فَقِيلَ لَهُ: رَجُلٌ من قريش، فقال:
(3/572)

اما إذ كَانَ قُرَشِيًّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَاللَّهِ لأُجَاهِدَنَّهُ الْقِتَالَ، إِنَّمَا قُرَيْشٌ عَبِيدُ مَنْ غَلَبَ، وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُونَ خَفِيرًا، وَلا يَخْرُجُونَ مِنْ بِلادِهِمْ إِلا بِخَفِيرٍ، فَغَضِبَ حِينَ قَالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ الأَسَدِيُّ، فَأَمْهَلَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَوَضَعَ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِسَعْدٍ فَأَسْلَمَ وَقَالَ فِي قَتْلِهِ النُّعْمَانَ بْنَ قَبِيصَةَ:
لَقَدْ غَادَرَ الأَقْوَامُ لَيْلَةَ أدْلجُوا ... بِقَصْرِ الْعَبَادِي ذَا الْفِعَالِ مُجَدَّلا
دَلَفْتُ لَهُ تَحْتَ الْعُجَاجِ بِطَعْنَةٍ ... فَأَصْبَحَ مِنْهَا فِي النَّجِيعِ مُرَمَّلا
أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ فِي نُغْضِ كَتْفِهِ ... أَبَا عَامِرٍ عَنْكَ الْيَمِينَ تَحَلَّلا
سَقَيْتُ بِهَا النُّعْمَانَ كَأْسًا رَوِيَّةً ... وَعَاطَيْتُهُ بِالرُّمْحِ سُمًّا مُثَمَّلا
تَرَكْتُ سِبَاعَ الْجَوِّ يَعْرِفْنَ حَوْلَهُ ... وَقَدْ كَانَ عَنْهَا لابْنِ حَيَّةَ مَعْزِلا
كَفَيْتُ قُرَيْشًا إِذْ تَغَيَّبَ جَمْعُهَا ... وَهَدَّمْتُ لِلنُّعْمَانِ عِزًّا مُؤَثَّلا
وَلَمَّا لَحِقَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَقَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ فِيمَنْ مَعَهُمَا، سَارَ إِلَى رُسْتُمَ حِينَ سَمِعَ بِهِ حَتَّى نَزَلَ قَادِسَ- قَرْيَةً إِلَى جَانِبِ الْعُذَيْبِ- فَنَزَلَ النَّاسُ بِهَا، وَنَزَلَ سَعْدٌ فِي قَصْرِ الْعُذَيْبِ، وَأَقْبَلَ رُسْتُمُ فِي جُمُوعِ فَارِسَ سِتِّينَ أَلْفًا مِمَّا أُحْصِيَ لَنَا فِي دِيوَانِهِ، سِوَى التُّبَّاعِ وَالرَّقِيقِ، حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الناس جسر القادسية، وسعد في منزله وَجِعٌ، قَدْ خَرَجَ بِهِ قَرْحٌ شَدِيدٌ، وَمَعَهُ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبٍ الثَّقَفِيُّ مَحْبُوسٌ فِي الْقَصْرِ، حَبَسَهُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَمَّا أَنْ نَزَلَ بِهِمْ رُسْتُمُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَنِ ابْعَثُوا إِلَيَّ رَجُلا مِنْكُمْ جَلِيدًا أُكَلِّمَهُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ المغيره بن شعبه، فجاءه وفد فَرَقَ رَأْسَهُ أَرْبَعَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ، وَفِرْقَةٌ إِلَى أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَقَصَ شَعْرَهُ، وَلَبِسَ بُرْدًا لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رُسْتُمَ، وَرُسْتُمُ مِنْ وَرَاءِ الْجِسْرِ الْعَتِيقِ مِمَّا يَلِي
(3/573)

الْعِرَاقَ، وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ نَاحِيَتِهِ الأُخْرَى مِمَّا يَلِي الْحِجَازَ فِيمَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْعُذَيْبِ، فَكَلَّمَهُ رُسْتُمُ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ أَهْلَ شَقَاءٍ وَجَهْدٍ، وَكُنْتُمْ تَأْتُونَنَا مِنْ بَيْنَ تَاجِرٍ وَأَجِيرٍ وَوَافِدٍ، فَأَكَلْتُمْ مِنْ طَعَامِنَا، وَشَرِبْتُمْ مِنْ شَرَابِنَا، وَاسْتَظْلَلْتُمْ مِنْ ظِلالِنَا، فَذَهَبْتُمْ فَدَعَوْتُمْ أَصْحَابَكُمْ، ثُمَّ أَتَيْتُمُونَا بِهِمْ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ حَائِطٌ مِنْ عِنَبٍ، فَرَأَى فِيهِ ثَعْلَبًا وَاحِدًا، فَقَالَ: مَا ثَعْلَبٌ وَاحِدٌ! فَانْطَلَقَ الثَّعْلَبُ، فَدَعَا الثَّعَالِبَ إِلَى الْحَائِطِ، فَلَمَّا اجْتَمَعْنَ فِيهِ جَاءَ الرَّجُلُ فَسَدَّ الْجُحْرَ الَّذِي دَخَلْنَ مِنْهُ، ثُمَّ قَتَلَهُنَّ جَمِيعًا.
وَقَدْ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ الْجَهْدُ الَّذِي قَدْ أَصَابَكُمْ، فَارْجِعُوا عَنَّا عَامَكُمْ هَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ شَغَلْتُمُونَا عَنْ عِمَارَةِ بِلادِنَا، وَعَنْ عَدُوِّنَا، وَنَحْنُ نُوقِرُ لَكُمْ رَكَائِبَكُمْ قَمْحًا وَتَمْرًا، وَنَأْمُرُ لَكُمْ بِكِسْوَةٍ، فَارْجِعُوا عَنَّا عَافَاكُمُ اللَّهُ! فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: لا تَذْكُرْ لَنَا جَهْدًا إِلا وَقَدْ كُنَّا فِي مِثْلِهِ أَوْ أَشَدَّ مِنْهُ، أَفْضَلُنَا فِي أَنْفُسِنَا عَيْشًا الَّذِي يَقْتُلُ ابْنَ عَمِّهِ، وَيَأْخُذُ مَالَهُ فَيَأْكُلُهُ، نَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالْعِظَامَ، فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيًّا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مَا بَعَثَهُ بِهِ، فَصَدَّقَهُ مِنَّا مُصَدِّقٌ، وَكَذَّبَهُ مِنَّا آخَرُ، فَقَاتَلَ مَنْ صَدَّقَهُ مَنْ كَذَّبَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا فِي دِينِهِ، مِنْ بَيْنَ مُوقِنٍ بِهِ، وَبَيْنَ مَقْهُورٍ، حَتَّى اسْتَبَانَ لَنَا أَنَّهُ صَادِقٌ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
فَأَمَرَنَا أَنْ نُقَاتِلَ مَنْ خَالَفَنَا، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَّا عَلَى دِينِهِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ عَاشَ مَلِكٌ وَظَهَرَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، فَنَحْنُ نَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَدْخُلَ فِي دِينِنَا، فَإِنْ فَعَلْتَ كَانَتْ لَكَ بِلادُكَ، لا يَدْخُلُ عَلَيْكَ فِيهَا إِلا مَنْ أَحْبَبْتَ، وَعَلَيْكَ الزَّكَاةُ وَالْخُمُسُ، وَإِنْ أَبَيْتَ ذَلِكَ فَالْجِزْيَةُ، وَإِنْ أَبَيْتَ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ.
قَالَ لَهُ رُسْتُمُ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعِيشُ حَتَّى أَسْمَعَ مِنْكُمْ هَذَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ.
لا أُمْسِي غَدًا حَتَّى أَفْرَغَ مِنْكُمْ وَأَقْتُلَكُمْ كُلَّكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِالْعَتِيقِ أَنْ يسكر، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يسكر بِالْبَرَاذِعِ وَالتّرَابِ وَالْقَصَبِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَقَدْ تَرَكَهُ طَرِيقًا مُهِيعًا، وَتَعَبَّى لَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ سَعْدٌ عَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ خَالِدَ بْنَ
(3/574)

عُرْفُطَةَ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وجعل على ميمنه الناس جرير ابن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْسَرَتِهِمْ قَيْسَ بْنَ الْمَكْشُوحِ الْمُرَادِيَّ.
ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ رُسْتُمُ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَمَا عَامة جننهم- فِيمَا حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ- غير بَرَاذِعِ الرِّحَالِ، قَدْ عَرَضُوا فِيهَا الْجَرِيدَ، يَتْرُسُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَا عَامَّةُ مَا وَضَعُوهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ إِلا أَنْسَاعُ الرِّحَالِ، يَطْوِي الرَّجُلُ نِسْعَ رَحْلِهِ عَلَى رَأْسِهِ يَتَّقِي بِهِ، وَالْفُرْسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَدِيدِ وَالْيَلامِقِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَسَعْدٌ فِي الْقَصْرِ يَنْظُرُ، مَعَهُ سَلْمَى بِنْتُ خَصَفَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، فَجَالَتِ الْخَيْلُ، فَرُعِبَتْ سلمى حين رات الخيل جالت، فقالت: وا مثنياه وَلا مُثَنَّى لِي الْيَوْمَ! فَغَارَ سَعْدٌ فَلَطَمَ وَجْهَهَا، فَقَالَتْ:
أَغَيْرَةً وَجُبْنًا! فَلَمَّا رَأَى أَبُو مِحْجَنٍ مَا تَصْنَعُ الْخَيْلُ حِينَ جَالَتْ، وَهُوَ يَنْظُرُ مِنْ قَصْرِ الْعُذَيْبِ وَكَانَ مَعَ سَعْدٍ فِيهِ، قَالَ:
كَفَى حُزْنًا أَنْ تُرْدِيَ الْخَيْلُ بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد واغلقت ... مصاريع دوني لا نجيب المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركونى واحدا لا اخاليا
فَكَلَّمَ زَبْرَاءَ أُمَّ وَلَدِ سَعْدٍ- وَكَانَ عِنْدَهَا مَحْبُوسًا، وَسَعْدٌ فِي رَأْسِ الْحِصْنِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ- فَقَالَ: يَا زَبْرَاءُ، أَطْلِقِينِي وَلَكِ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، لَئِنْ لَمْ أُقْتَلْ لأَرْجِعَنَّ إِلَيْكِ حَتَّى تَجْعَلِي الْحَدِيدَ فِي رِجْلِي، فَأَطْلَقَتْهُ وَحَمَلَتْهُ عَلَى فَرَسٍ لِسَعْدٍ بَلْقَاءَ وَخَلَّتْ سَبِيلَهُ، فَجَعَلَ يَشُدُّ عَلَى الْعَدُوِّ وَسَعْدٌ يَنْظُرُ فَجَعَلَ سَعْدٌ يَعْرِفُ فَرَسَهُ وَيَنْكِرُهَا، فَلَمَّا أَنْ فَرَغُوا مِنَ الْقِتَالِ، وَهَزَمَ اللَّهُ جُمُوعَ فَارِسَ، رَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ إِلَى زَبْرَاءَ، فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي قَيْدِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ رَأَى فَرَسَهُ تَعْرَقُ، فَعَرَفَ أَنَّهَا قَدْ رُكِبَتْ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَبْرَاءَ، فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ أَبِي مِحْجَنٍ فَخَلَّى سَبِيلَهُ
(3/575)

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق، قال: وقد كان عمرو بْن معديكرب شهد القادسية مع الْمُسْلِمِينَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بْن الأسود النخعي، عن أبيه، قال: شهدت القادسية، فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الأحرار.
فقلت: لقد أذل اللَّه أبناء الأحرار! حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، مَوْلَى بَجِيلَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ الْبَجَلِيِّ- وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ- قَالَ: كَانَ مَعَنَا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَلَحِقَ بِالْفُرْسِ مُرْتَدًّا، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ بَأْسَ النَّاسِ فِي الْجَانِبِ الَّذِي بِهِ بَجِيلَةُ قَالَ: وَكُنَّا رُبْعَ النَّاسِ، فَوَجَّهُوا إِلَيْنَا سِتَّةَ عَشَرَ فِيلا وَإِلَى سَائِرِ النَّاسِ فِيلَيْنِ، وَجَعَلُوا يُلْقُونَ تَحْتَ أَرْجُلِ خُيُولِنَا حَسَكَ الْحَدِيدِ، وَيَرْشُقُونَنَا بِالنُّشَّابِ، فَكَأَنَّهُ الْمَطَرُ عَلَيْنَا، وَقَرَنُوا خَيْلَهُمْ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ لِئَلا يَفِرُّوا قَالَ: وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، كُونُوا أُسُودًا، فَإِنَّمَا الأَسَدُ مَنْ أَغْنَى شَأْنَهُ، فَإِنَّمَا الفارسي تيمن إِذَا أَلْقَى نَيْزَكَهُ.
قَالَ: وَكَانَ إِسْوَارٌ مِنْهُمْ لا يَكَادُ تَسْقُطُ لَهُ نُشَّابَةٌ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، اتَّقِ ذَلِكَ الْفَارِسِيَّ فَإِنَّهُ لا تَقَعُ لَهُ نُشَّابَةً، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَرَمَاهُ الْفَارِسِيُّ بِنُشَّابَةٍ فَأَصَابَ قَوْسَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو فَاعْتَنَقَهُ فَذَبَحَهُ، وَاسْتَلَبَهُ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَمِنْطَقَةً مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْمَقًا مِنْ دِيبَاجٍ، وَقَتَلَ اللَّهُ رُسْتُمَ، وَأَفَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَسْكَرَهُ وَمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُسْلِمُونَ سِتَّةُ آلافٍ أَوْ سَبْعَةُ آلافٍ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ رُسْتُمَ هِلالُ بْنُ عُلَّفَةَ التَّيْمِيُّ رَآهُ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَرَمَاهُ رُسْتُمُ بِنُشَّابَةٍ فَأَصَابَ قَدَمَهُ وَهُوَ يَتْبَعُهُ، فَشَكَّهَا إِلَى رِكَابِ سرجه، ورستم يقول بالفارسيه:
(3/576)

بپايه، أَيْ كَمَا أَنْتَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ هِلالُ بْنُ عُلَّفَةَ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ فَعَلَّقَهُ، وَوَلَّتِ الْفُرْسُ فَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْفُرْسُ الْخَرَّارَةَ نَزَلُوا فَشَرِبُوا مِنَ الْخَمْرِ، وَطَعِمُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنْ رَمْيِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي الْعَرَبِ وَخَرَجَ جَالِنُوسُ فَرَفَعُوا لَهُ كُرَةً فَهُوَ يَرْمِيهَا وَيَشُكُّهَا بِالنُّشَّابِ، وَلَحِقَ بِهِمْ فِرْسَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ هُنَالِكَ، فَشَدَّ عَلَى جَالِنُوسَ زَهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ التَّمِيمِيُّ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ، فَلَحِقُوا بِدَيْرِ قُرَّةَ وَمَا وَرَاءَهُ، وَنَهَضَ سَعْدٌ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلَ بِدَيْرِ قُرَّةَ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْفُرْسِ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ بِدَيْرِ قُرَّةَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ فِي مَدَدِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَهُمْ الف رجل، فأسهم له سعد ولأصحابه مع الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَصَابُوا بِالْقَادِسِيَّةِ، وَسَعْدٌ وَجِعٌ مِنْ قرحته تلك، وقال جرير ابن عَبْدِ اللَّهِ:
أَنَا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أَبُو عَمْرِو ... قَدْ نَصَرَ اللَّهُ وَسَعْدٌ فِي الْقَصْرِ
وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا:
نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ ... وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ ... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
قَالَ: وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا سَعْدًا، خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَرَاهُمْ مَا بِهِ مِنَ الْقَرْحِ فِي فَخِذَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، فَعَذَرَهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ سَعْدٌ لَعَمْرِي يَجْبُنُ، فَقَالَ سَعْدٌ يُجِيبُ جَرِيرًا فِيمَا قَالَ:
وَمَا أَرْجُو بَجِيلَةَ غَيْرَ أَنِّي ... أُؤَمَّلُ أَجْرَهُمْ يَوْمَ الْحِسَابِ
فَقَدْ لَقِيَتْ خُيُولُهُمْ خُيُولا ... وَقَدْ وَقَعَ الْفَوَارِسُ فِي ضِرَابِ
وَقَدْ دَلَفَتْ بِعَرْصَتِهِمْ فُيُولٌ ... كَأَنَّ زُهَاءَهَا إِبِلٌ جِرَابِ
(3/577)

ثُمَّ إِنَّ الْفُرْسَ هَرَبَتْ مِنْ دَيْرِ قُرَّةَ إِلَى الْمَدَائِنِ يُرِيدُونَ نَهَاوَنْدَ، وَاحْتَمَلُوا مَعَهُمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالدِّيبَاجَ وَالْفِرْنَدَ وَالْحَرِيرَ وَالسِّلاحَ وَثِيَابَ كِسْرَى وَبَنَاتَهُ، وَخَلَّوْا مَا سِوَى ذَلِكَ، وَأَتْبَعَهُمْ سَعْدٌ الطَّلَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَوَجَّهَ مَعَهُ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ زَهْرَةَ بْنَ حَوِيَّةَ التَّمِيمِيَّ، وَتَخَلَّفَ سَعْدٌ لِمَا بِهِ مِنَ الْوَجَعِ، فَلَمَّا أَفَاقَ سَعْدٌ مِنْ وَجَعِهِ ذَلِكَ اتَّبَعَ النَّاسَ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَدْرَكَهُمْ دُونَ دِجْلَةَ عَلَى بَهُرَسِيرَ، فَلَمَّا وَضَعُوا عَلَى دِجْلَةَ الْعَسْكَرَ وَالأَثْقَالَ طَلَبُوا الْمَخَاضَةَ، فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهَا، حَتَّى أَتَى سَعْدًا عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ، فَقَالَ: أَدُلُّكُمْ عَلَى طَرِيقٍ تُدْرِكُونَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُمْعِنُوا فِي السَّيْرِ! فَخَرَجَ بِهِمْ عَلَى مَخَاضَةٍ بِقُطْرَبُّلَ، فكان أول من خاض المخاضة هاشم ابن عُتْبَةَ فِي رَجْلِهِ، فَلَمَّا جَازَ اتَّبَعَتْهُ خَيْلُهُ، ثُمَّ أَجَازَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ بِخَيْلِهِ، ثُمَّ أَجَازَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ بِخَيْلِهِ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فَخَاضُوا حَتَّى أَجَازُوا، فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يُهْتَدَ لِتِلْكَ الْمَخَاضَةِ بَعْدُ ثُمَّ سَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مُظْلِمِ سَابَاطَ، فَأَشْفَقَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ بِهِ كَمِينٌ لِلْعَدُوِّ، فَتَرَدَّدَ النَّاسُ، وَجَبُنُوا عَنْهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهُ بِجَيْشِهِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، فَلَمَّا أَجَازَ أَلاحَ لِلنَّاسِ بِسَيْفِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ أَنْ لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ يَخَافُونَهُ، فَأَجَازَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ، ثُمَّ لَحِقَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى جَلُولاءَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسِ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولاءَ بِهَا، فَهَزَمَ اللَّهُ الْفُرْسَ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا مِنَ الْفَيْءِ أَفْضَلَ مِمَّا أَصَابُوا بِالْقَادِسِيَّةِ، وَأُصِيبَتِ ابْنَةٌ لِكِسْرَى، يُقَالُ لَهَا مِنْجَانَةَ، وَيُقَالُ: بَلِ ابْنَةُ ابْنِهِ وَقَالَ شَاعِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
يَا رُبَّ مُهْرٍ حَسَنٍ مُطَهَّمْ ... يَحْمِلُ أَثْقَالَ الْغُلامِ الْمُسْلِمْ
يَنْجُو إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ جَهَنَّمْ ... يَوْمَ جَلُولاءَ ويوم رستم
ويوم زحف الكوفة المقدم ... ويوم لاقَى ضِيقَةً مُهْزَمْ
وَخَرَّ دِينُ الْكَافِرِينَ لِلْفَمْ
(3/578)

ثُمَّ كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ قِفْ وَلا تَطْلُبُوا غَيْرَ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سعد أيضا: انما هي سربه أَدْرَكْنَاهَا وَالأَرْضُ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ قِفْ مَكَانَكَ وَلا تَتْبَعْهُمْ، وَاتَّخِذْ لِلْمُسْلِمِينَ دَارَ هِجْرَةٍ وَمَنْزِلَ جِهَادٍ، وَلا تَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَحْرًا فَنَزَلَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ الأَنْبَارَ، فَاجْتَوَوْهَا وَأَصَابَتْهُمْ بِهَا الْحُمَّى، فَلَمْ تُوَافِقْهُمْ، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى سَعْدٍ أَنَّهُ لا تَصْلُحُ الْعَرَبُ إِلا حَيْثُ يَصْلُحُ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ فِي مَنَابِتِ الْعُشْبِ، فَانْظُرْ فَلاةً فِي جَنْبِ الْبَحْرِ فَارْتَدْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا مَنْزِلا.
قَالَ: فَسَارَ سَعْدٌ حَتَّى نَزَلَ كُوَيْفَةَ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ، فَلَمْ تُوَافِقِ النَّاسَ مَعَ الذُّبَابِ وَالْحُمَّى فَبَعَثَ سَعْدٌ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ سَلَمَةَ- وَيُقَالُ: بَلْ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ- فَارْتَادَ لَهُمْ مَوْضِعَ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، فَنَزَلَهَا سَعْدٌ بِالنَّاسِ، وَخَطَّ مَسْجِدَهَا، وَخَطَّ فِيهَا الْخُطَطَ لِلنَّاسِ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَرَجَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ الْجَابِيَةَ، وَفُتِحَتْ عَلَيْهِ إِيلِياءُ، مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَعَثَ فِيهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَنْظَلَةَ بْنَ الطُّفَيْلِ السُّلَمِيَّ إِلَى حِمْصَ، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى الْمَدَائِنِ رَجُلا مِنْ كِنْدَةَ، يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ:
الا ليتنى والمرء سعد بن مالك ... وربراء وَابْنُ السِّمْطِ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ

ذكر أحوال أهل السواد
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ مَعَ الْفَتْحِ:
(3/579)

نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ ... وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ ... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
فَبَعَثَ بِهَا فِي النَّاسِ، فَبَلَغَتْ سَعْدًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، أَوْ قَالَ الَّذِي قَالَ رِيَاءً وَسُمْعَةً وَكَذِبًا، فَاقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ وَيَدَهُ.
وَقَالَ قبيصة: فو الله إِنَّهُ لَوَاقِفٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَوْمَئِذٍ، إِذْ أَقْبَلَتْ نُشَّابَةٌ لِدَعْوَةِ سَعْدٍ، حَتَّى وَقَعَتْ فِي لِسَانِهِ فَيَبُسَ شِقُّهُ، فَمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَارِثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ يَوْمَئِذٍ:
أَنَا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أَبُو عَمْرِو ... قَدْ نَصَرَ اللَّهُ وَسَعْدٌ فِي الْقَصْرِ
فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَقَالَ:
وَمَا أَرْجُو بَجِيلَةَ غَيْرَ أَنِّي ... أُؤَمَّلُ أَجْرَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ
وَقَدْ لَقِيَتْ خُيُولُهُمْ خُيُولا ... وَقَدْ وَقَعَ الْفَوَارِسُ فِي الضِّرَابِ
فَلَوْلا جَمْعُ قَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو ... وَحَمَّالٍ لَلَجُّوا فِي الْكِذَابِ
هُمُ مَنَعُوا جُمُوعَكُمُ بِطَعْنٍ ... وَضَرْبٍ مِثْلَ تَشْقِيقِ الإِهَابِ
وَلَوْلا ذَاكَ أَلْفَيْتُمْ رِعَاعًا ... تُشَلُّ جُمُوعُكُمْ مِثْلَ الذُّبَابِ
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بْن سليم بْن عبد الرحمن السعدي، عن عثمان بْن رجاء السعدي، قال: كان سعد بْن مالك أجرأ الناس وأشجعهم، إنه نزل قصرا غير حصين بين الصفين، فأشرف منه على الناس، ولو أعراه الصف فواق ناقه أخذ برمته، فو الله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه
(3/580)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بْن بشير، عن أم كثير، امرأة همام بْن الحارث النخعي، قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوى، ثم أتينا القتلى، فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك، ونصرفهم به.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عطية- وهو ابن الحارث- عمن أدرك ذلك، قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأة يوم القادسية من بجيلة والنخع، وكان في النخع سبعمائة امرأة فارغة، وفي بجيلة ألف، فصاهر هؤلاء الف من احياء العرب، وهؤلاء سبعمائة، وكانت النخع تسمى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنما جرأهم على الانتقال بأثقالهم توطئة خالد، والمثنى بعد خالد، وأبي عبيد بعد المثنى، وأهل الأيام، فلاقوا بأسا بعد ذلك شديدا.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة، قالوا: وكان بكير بْن عبد اللَّه الليثي وعتبة بْن فرقد السلمي وسماك بْن خرشة الأنصاري- وليس بأبي دجانة- قد خطبوا امرأة يوم القادسية، وكان مع الناس نساؤهم، وكانت مع النخع سبعمائة امرأة فارغة، وكانوا يسمون أختان المهاجرين حتى كان قريبا، فتزوجهن المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح، حتى استوعبوهن، فصار اليهن سبعمائة رجل من الأفناء، فلما فرغ الناس خطب هؤلاء النفر هذه المرأة- وهي أروى ابنة عامر الهلالية- هلال النخع، وكانت أختها هنيدة تحت القعقاع بْن عمرو التميمي، فقالت لأختها: استشيري زوجك أيهم يراه لنا! ففعلت، وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسية، فقال القعقاع: سأصفهم في الشعر فانظري لأختك، وقال:
إن كنت حاولت الدراهم فانكحي ... سماكا أخا الأنصار أو ابن فرقد
وإن كنت حاولت الطعان فيممي ... بكيرا إذا ما الخيل جالت عن الردي
وكلهم في ذروة المجد نازل ... فشأنكم إن البيان عن الغد
(3/581)

وقالوا: وكانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس في القادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين، وفيما بين الأبلة وأيلة، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وكانت في كل بلد مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها، حتى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتى أنظر ما يكون من أمر القادسية فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن، فأتت بها ناسا من الإنس، فسبقت أخبار الإنس إليهم، قالوا: فبدرت امرأة ليلا على جبل بصنعاء، لا يدرى من هي؟ وهي تقول:
حييت عنا عكرم ابنة خالد ... وما خير زاد بالقليل المصرد
وحيتك عني الشمس عند طلوعها ... وحياك عني كل ناج مفرد
وحيتك عني عصبة نخعية ... حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده ... بكل رقيق الشفرتين مهند
إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل ... من الموت تسود الغياطل مجرد
وسمع أهل اليمامة مجتازا يغني بهذه الأبيات:
وجدنا الأكثرين بني تميم ... غداة الروع أصبرهم رجالا
هم ساروا بأرعن مكفهر ... إلى لجب فزرتهم رعالا
بحور للأكاسر من رجال ... كأسد الغاب تحسبهم جبالا
تركن لهم بقادس عز فخر ... وبالخيفين أياما طوالا
مقطعة أكفهم وسوق ... بمردى حيث قابلت الرجالا
(3/582)

قال: وسمع بنحو ذلك في عامة بلاد العرب.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَطَلْحَةَ، قَالُوا: وَكَتَبَ سَعْدٌ بِالْفَتْحِ وَبِعِدَّةِ مَنْ قُتِلُوا وَبِعِدَّةِ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَمَّى لِعُمَرَ مَنْ يَعْرِفُ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ، وَشَارَكَهُمُ النَّضْرُ بْنُ السَّرِيِّ عَنِ ابْنِ الرُّفَيْلِ بْنِ مَيْسُورٍ، وَكَانَ كِتَابُهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ نَصَرَنَا عَلَى أَهْلِ فَارِسَ، وَمَنَحَهُمْ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، بَعْدَ قِتَالٍ طَوِيلٍ وَزِلْزَالٍ شَدِيدٍ، وَقَدْ لَقُوا الْمُسْلِمِينَ بِعِدَّةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَ زُهَائِهَا فَلَمْ يَنْفَعْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، بَلْ سَلَبَهُمُوهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الأَنْهَارِ وَعَلَى طُفُوفِ الآجَامِ وَفِي الْفِجَاجِ، وَأُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْقَارِئُ، وَفُلانٌ، وَفُلانٌ، وَرِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لا نَعْلَمُهُمْ، اللَّهُ بِهِمْ عَالِمٌ، كَانُوا يَدْوُونَ بِالْقُرْآنِ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ دَوِيَّ النَّحْلِ، وَهُمْ آسَادُ النَّاسِ، لا يَشْبِهُهُمُ الأُسُودُ، وَلَمْ يَفْضُلْ مَنْ مَضَى مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ إِلا بِفَضْلِ الشِّهَادَةِ إِذْ لَمْ تُكْتَبْ لَهُمْ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نُزُولُ رُسْتُمَ الْقَادِسِيَّةَ، كَانَ يَسْتَخْبِرُ الرُّكْبَانَ عَنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ حِينَ يُصْبِحُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ قَالَ: فَلَمَّا لَقِيَ الْبَشِيرَ سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ حَدِّثْنِي، قَالَ: هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ، وَعُمَرُ يَخُبُّ مَعَهُ وَيَسْتَخْبِرُهُ وَالآخَرُ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ وَلا يَعْرِفُهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بامره المؤمنين، فقال: فَهَلا أَخْبَرْتَنِي رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! وَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: لا عَلَيْكَ يَا أَخِي! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ
(3/583)

وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فِي انْتِظَارِ بُلُوغِ الْبَشِيرِ وَأَمَرِ عُمَرَ، يَقَوِّمُونَ أَقْبَاضَهُمْ، وَيَحْزُرُونَ جُنْدَهُمْ، وَيَرُمُّونَ أَمُورَهُمْ قَالُوا: وَتَتَابَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ الأَيَّامِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْيَرْمُوكَ وَدِمَشْقَ، وَرَجِعُوا مِمِدِّينَ لأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَتَوَافَوْا بِالْقَادِسِيَّةِ مِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَجَاءَ أَوَّلُهُمْ يَوْمَ أَغْوَاثَ، وَآخِرُهُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، وَقَدِمَتْ أَمْدَادٌ فِيهَا مُرَادُ وَهَمْدَانُ، وَمِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ، فَكَتَبُوا فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسَارَ بِهِ فِيهِمْ- وَهَذَا الْكِتَابُ الثَّانِي بَعْدَ الْفَتْحِ- مَعَ نَذِيرِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمَّا أَتَى عُمَرَ الْفَتْحُ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْفَتْحَ، وَقَالَ: إِنِّي حَرِيصٌ عَلى أَلا أَدَعَ حَاجَةً إِلا سَدَدْتُهَا مَا اتَّسَعَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، فَإِذَا عَجَزَ ذَلِكَ عَنَّا تَآسَيْنَا فِي عَيْشِنَا حَتَّى نَسْتَوِيَ فِي الْكَفَافِ، وَلَوَدِدْتُ انكم علمتم من نفس مِثْلَ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا لَكُمْ، وَلَسْتُ مُعَلِّمَكُمْ إِلا بِالْعَمَلِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِمَلِكٍ فَأَسْتَعْبِدَكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُرِضَ عَلَيَّ الأَمَانَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُهَا وَرَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ وَاتَّبَعْتُكُمْ حَتَّى تَشْبَعُوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَتُرْوَوْا سَعِدْتُ، وَإِنْ أَنَا حملتها واستتبعتها إِلَى بَيْتِي شَقِيتُ، فَفَرِحْتُ قَلِيلا، وَحَزِنْتُ طَوِيلا، وَبَقِيتُ لا أُقَالُ وَلا أُرَدُّ فَأُسْتَعْتَبُ قَالُوا: وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ مَعَ أَنَسِ بْنِ الْحُلَيْسِ: إِنَّ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ ادَّعَوْا عُهُودًا، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى عَهْدِ أَهْلِ الأَيَّامِ لَنَا، وَلَمْ يَفِ بِهِ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ إِلا أَهْلُ بَانِقْيَا وَبسمَا وَأَهْلُ أُلَّيْسَ الآخِرَةُ وَادَّعَى أَهْلُ السَّوَادِ أَنَّ فَارِسَ أَكْرَهُوهُمْ وَحَشَرُوهُمْ، فَلَمْ يُخَالِفُوا إِلَيْنَا، وَلَمْ يَذْهَبُوا فِي الأَرْضِ.
وَكَتَبَ مَعَ أَبِي الْهياجِ الأَسَدِيِّ- يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ- إِنَّ أَهْلَ السَّوَادِ جلوا، فَجَاءَنَا مَنْ أَمْسَكَ بِعَهْدِهِ وَلَمْ يجلبْ عَلَيْنَا، فَتَمَّمْنَا لَهُمْ مَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ أَهْلَ السَّوَادِ قَدْ لَحِقُوا بِالْمَدَائِنِ، فَأَحْدَثَ إِلَيْنَا فِيمَنْ تَمَّ وَفِيمَنْ جَلا وَفِيمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ
(3/584)

اسْتُكْرِهَ وَحُشِرَ فَهَرَبَ وَلَمْ يُقَاتِلْ، أَوِ اسْتَسْلَمَ، فَإِنَّا بِأَرْضٍ رغيبة، وَالأَرْضُ خَلاءٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَعَدَدُنَا قَلِيلٌ، وَقَدْ كَثُرَ أَهْلُ صلحنَا، وَإِنْ أَعْمَرَ لَنَا وَأَوْهَنَ لِعدونا تألفهم فَقَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ بِالْهَوَى وَالْمَعْصِيَةِ يَسْقُطْ حَظُّهُ وَلا يَضُرَّ إِلا نَفْسَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ السُّنَّةَ وَيَنْتَهِ إِلَى الشَّرَائِعِ، وَيَلْزَمِ السَّبِيلَ النَّهجَ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدِ اللَّهِ لأَهْلِ الطَّاعَةِ، أَصَابَ أَمْرَهُ، وَظَفَرَ بِحَظِّهِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» ، وَقَدْ ظَفَرَ أَهْلُ الأَيَّامِ وَالْقَوَادِسِ بِمَا يَلِيهِمْ، وَجَلا أَهْلُهُ، وَأَتَاهُمْ مَنْ أَقَامَ عَلَى عَهْدِهِمْ، فَمَا رَأْيُكُمْ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتُكْرِهَ وَحُشِرَ، وَفِيمَنْ لَمْ يَدع ذَلِكَ وَلَمْ يَقُمْ وَجِلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئا، ولم يجل، وفيمن استسلم فأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف لم يزده غلبه إلا خيرا، وأن من ادعى فصدق أو وفي فبمنزلتهم، وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إليهم، فإن شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا تموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال، وأن يخيروا من أقام واستسلم: الجزاء، أو الجلاء، وكذلك الفلاح.
وكتب جواب كتاب أنس بْن الحليس: أما بعد، فإن اللَّه جل وعلا أنزل في كل شيء رخصة في بعض الحالات إلا في أمرين: العدل في السيرة والذكر، فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة، ولم يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل- وان رئى لينا- فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وان رئى شديدا فهو انكش للكفر، فمن تم على عهده من أهل السواد، ولم يعن عليكم بشيء، فلهم الذمة، وعليهم الجزية، وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض، فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاءوا، وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم، وابلغوهم مأمنهم
(3/585)

وأجابهم في كتاب أبي الهياج أما من أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل العهد بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة، وكذلك الفلاحون إذا فعلوا ذلك، وكل من ادعى ذلك فصدق فلهم الذمة، وإن كذبوا نبذ إليهم، وأما من أعان وجلا، فذلك أمر جعله اللَّه لكم، فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم، ولهم الذمة، وعليهم الجزية، وإن كرهوا ذلك، فاقسموا ما أفاء اللَّه عليكم منهم.
فلما قدمت كتب عمر على سعد بْن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمة وعليهم الجزية، فتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده، إلا أن خراجهم أثقل، فأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلاحين، ولم يدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام، أو الجزاء، فصارت فيئا لمن أفاء اللَّه عليه، فهي والصوافي الأولى ملك لمن أفاء اللَّه عليه، وسائر السواد ذمة وأخذوهم بخراج كسرى، وكان خراج كسرى على رءوس الرجال على ما في أيديهم من الحصة والأموال، وكان مما أفاء اللَّه عليهم ما كان لآل كسرى، ومن صوب معهم وعيال من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسكك، وما كان لآل كسرى، فلم يتأت قسم ذلك الفيء الذي كان لآل كسرى ومن صوب معهم، لأنه كان متفرقا في كل السواد، فكان يليه لأهل الفيء من وثقوا به، وتراضوا عليه، فهو الذي يتداعاه أهل الفيء لأعظم السواد، وكانت الولاة عند تنازعهم فيها تهاون بقسمه بينهم، فذلك الذي شبه على الجهلة أمر السواد، ولو أن الحلماء جامعوا السفهاء الذين سألوا الولاة قسمه لقسموه بينهم، ولكن الحلماء أبوا، فتابع الولاة الحلماء، وترك قول السفهاء.
كذلك صنع علي رحمه اللَّه، وكل من طلب إليه قسم ذلك فإنما تابع
(3/586)

الحلماء، وترك قول السفهاء، وقالوا: لئلا يضرب بعضهم وجوه بعض.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن عامر الشعبي، قال: قلت له: السواد ما حاله؟ قال أخذ عنوة، وكذلك كل أرض إلا الحصون، فجلا أهلها، فدعوا إلى الصلح والذمة، فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمة، وعليهم الجزاء، ولهم المنعة، وذلك هو السنة، كذلك صنع رسول الله ص بدومة، وبقي ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم فيئا لمن أفاءه اللَّه عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن طلحة وسفيان، عن ماهان، قالوا: فتح اللَّه السواد عنوة- وكذلك كل أرض بينها وبين نهر بلخ- إلا حصنا، ودعوا إلى الصلح، فصاروا ذمه، وصارت لهم أرضوهم ولم يدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومن اتبعهم، فصارت فيئا لمن أفاءه اللَّه عليه، ولا يكون شيء من الفتوح فيئا حتى يقسم، وهو قوله: «ما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ» ، مما اقتسمتم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بْن أبي الحسن، قال: عامة ما أخذ المسلمون عنوة فدعوهم إلى الرجوع والذمة، وعرضوا عليهم الجزاء فقبلوه ومنعوهم.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عمرو بْن مُحَمَّد، عن الشعبي، قال: قلت له: إن أناسا يزعمون أن أهل السواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجزاء من العبيد؟
أخذ السواد عنوة، وكل أرض علمتها إلا حصنا في جبل أو نحوه.
فدعوا إلى الرجوع فرجعوا، وقبل منهم الجزاء، وصاروا ذمة، وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم، فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء من قبل أن يتغنم، فلهم جرت السنة بذلك.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي ضمرة، عن عبد اللَّه بْن المستورد، عن مُحَمَّد بْن سيرين، قال: البلدان كلها أخذت عنوة إلا حصون قليلة، عاهدوا قبل أن ينزلوا ثم دعوا- يعني الذين أخذوا عنوة- إلى الرجوع والجزاء، فصاروا ذمة أهل السواد والجبل كله
(3/587)

أمر لم يزل يصنع في أهل الفيء، وإنما عمل عمر والمسلمون في هذا الجزاء والذمة على اجريا ما عمل به رسول الله ص في ذلك، وقد كان بعث خالد بْن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل، فأخذها عنوة، وأخذ ملكها أكيدر بْن عبد الملك أسيرا، فدعاه إلى الذمة والجزاء، وقد أخذت بلاده عنوة، وأخذ أسيرا، وكذلك فعل بابني عريض، وقد أخذا فادعيا أنهما أوداؤه، فعقد لهما على الجزاء والذمة، وكذلك كان أمر يحنه ابن رؤبة صاحب أيلة وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصة، من روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون، فقد كذب وطعن عليهم.
وعَنْ سَيْفٍ، عن حجاج الصواف، عن مسلم مولى حذيفة، قال:
تزوج المهاجرون والأنصار في أهل السواد- يعني في أهل الكتابين منهم، ولو كانوا عبيدا لم يستحلوا ذلك، ولم يحل لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب، لأن اللَّه تعالى يقول: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا
» الآية، ولم يقل:
فتياتهم من أهل الكتابين.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عَبْد الْمَلِكِ بْن أبي سُلَيْمَان، عن سعيد بْن جبير، قال:
بعث عمر بْن الخطاب إلى حذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات: إنه بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلقها فكتب إليه: لا أفعل حتى تخبرني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك! فكتب إليه: لا بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم فقال: الآن، فطلقها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الْقَادِسِيَّةَ مَعَ سَعْدٍ، فَتَزَوَّجْنَا نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَنَحْنُ لا نَجِدُ كَثِيرَ مُسْلِمَاتٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا، فَمِنَّا مَنْ طَلَّقَ، وَمِنَّا مَنْ أَمْسَكَ.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عَبْد الْمَلِكِ بْن أبي سُلَيْمَان، عن سعيد بْن جبير، قال:
(3/588)

أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع والجزاء، فأجابوا إليه، فصاروا ذمة، إلا ما كان لآل كسرى، وأتباعهم، فصار فيئا لأهله، وهو الذي يتحجى أهل الكوفة إلى أن جهل ذلك، فحسبوه السواد كله، وأما سوادهم، فذلك.
وعَنْ سَيْفٍ، عن المستنير بْن يزيد، عن إبراهيم بْن يزيد النخعي، قال: أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع، فمن أجاب فعليه الجزية وله الذمة، ومن أبى صار ماله فيئا، فلا يحل بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجبل إلى العذيب من أرض السواد ولا في الجبل.
وعَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن قيس، عن الشعبي، بمثله: لا يحل بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجبل والعذيب.
وعَنْ سَيْفٍ، عن عمرو بْن مُحَمَّد، عن عامر، قال: أقطع الزبير وخباب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبار أزمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الْخَطَأَ أَخْطَأُ، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا وأقطع عمر طلحة وجرير بْن عبد اللَّه والربيل بْن عمرو، وأقطع أبا مفزر دار الفيل في عدد ممن أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء اللَّه.
وكتب عمر إلى عثمان بْن حنيف مع جرير: أما بعد، فاقطع جرير ابن عبد اللَّه قدر ما يقوته لا وكس ولا شطط فكتب عثمان إلى عمر:
إن جريرا قدم علي بكتاب منك تقطعه ما يقوته، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعك فيه فكتب إليه عمر: أن قد صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنت في مؤامرتي وأقطع أبا موسى وأقطع علي رحمه اللَّه كردوس بْن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بْن غفلة الجعفي.
وعَنْ سَيْفٍ، عن ثابت بْن هريم، عن سويد بْن غفلة، قال:
استقطعت عليا رحمه اللَّه، فقال: اكتب: هذا ما أقطع علي سويدا أرضا لداذويه، ما بين كذا إلى كذا وما شاء اللَّه.
وعَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُسْتَنِيرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِذَا
(3/589)

عَاهَدْتُمْ قَوْمًا فَأَبْرِءُوا إِلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجُيُوشِ فَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي الصُّلْحِ لِمَنْ عَاهَدُوا: وَنَبْرَأُ إِلَيْكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجُيُوشِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ وَافْتِتَاحُهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
قَالَ: وَالثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرِي الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِذَلِكَ

ذكر بناء البصرة
قال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بْن الخطاب رحمه اللَّه- فيما زعم الواقدي- الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.
وفي هذه السنة- أعني سنة أربع عشرة- وجه عمر بن الخطاب عتبة ابن غزوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمن معه، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني وروايته.
وزعم سيف أن البصرة مصرت في ربيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بْن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت والحصنين، وجهه إليها سعد بأمر عمر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْهُ فَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
قُتِلَ مِهْرَانُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي صَفَر، فَقَالَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ- يَعْنِي ابْنَ غَزْوَانَ-:
قَدْ فَتَحَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى إِخْوَانِكُمُ الْحِيرَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَقُتِلَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهَا
(3/590)

وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَمُدَّهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَكَ إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، لِتَمْنَعَ أَهْلَ تِلْكَ الْجِيزَةِ مِنْ إِمْدَادِ إِخْوَانِهِمْ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، وَتُقَاتِلَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْكُمْ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَاتَّقِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاحْكُمْ بِالْعَدْلِ، وَصَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ عُتْبَةُ فِي ثلاثمائة وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، وَضَوى إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الاعراب واهل البوادى، فقدم البصره في خمسمائة، يَزِيدُونَ قَلِيلا أَوْ يَنْقُصُونَ قَلِيلا، فَنَزَلَهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ- أَوِ الآخِرِ- سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَالْبَصْرَةُ يَوْمَئِذٍ تُدْعَى أَرْضَ الْهِنْدِ فِيهَا حِجَارَةٌ بِيضٌ خَشِنٌ، فَنَزَلَ الْخُرَيْبَةَ، وَلَيْسَ بِهَا إِلا سَبْعُ دَسَاكِرَ، بِالزَّابُوقَةِ وَالْخُرَيْبَةِ وَمَوْضِعِ بَنِي تَمِيمٍ وَالأَزْدِ: ثِنْتَانِ بِالْخُرَيْبَةِ، وَثِنْتَانِ بِالأَزْدِ، وَثِنْتَانِ فِي مَوْضِعِ بَنِي تَمِيمٍ وَوَاحِدَةٌ بِالزَّابُوقَةِ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، وَوَصَفَ لَهُ مَنْزِلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: اجْمَعْ لِلنَّاسِ مَوْضِعًا وَاحِدًا، وَلا تُفَرِّقْهُمْ، فَأَقَامَ عُتْبَةُ أَشْهُرًا لا يَغْزُو وَلا يَلْقَى أَحَدًا.
وأما مُحَمَّد بْن بشار، فإنه حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى أَبِو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عُمَيْرٍ وَشُوَيْسًا أَبَا الرُّقَادِ، قَالا: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ، فَأَقِيمُوا فَأَقْبَلُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمِرْبَدِ وَجَدُوا هَذَا الْكذان قَالُوا: مَا هَذِهِ الْبَصْرَةِ؟ فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا حِيَالَ الْجِسْرِ الصَّغِيرِ، فَإِذَا فِيهِ حُلَفَاءٌ وَقصب نابتة، فَقَالُوا: هَاهُنَا أُمِرْتُمْ، فَنَزَلُوا دُونَ صَاحِبِ الْفُرَاتِ، فاتوه فقالوا: ان هاهنا قَوْمًا مَعَهُمْ رَايَةٌ، وَهُمْ يُرِيدُونَكَ، فَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعَةِ آلافِ إِسْوَارٍ، فَقَالَ: مَا هُمْ إِلا مَا أَرَى، اجْعَلُوا فِي أَعْنَاقِهِمُ الْحِبَالَ، وَأْتُونِي بِهِمْ، فَجَعَلَ عُتْبَةُ يَزْجِلُ، وَقَالَ: إِنِّي شَهِدْتُ الحرب مع النبي ص، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: احْمِلُوا، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا صَاحِبُ الْفُرَاتِ، أَخَذُوهُ
(3/591)

أَسِيرًا، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ: ابْغُوا لَنَا مَنْزِلا هُوَ أَنْزَهَ مِنْ هَذَا- وَكَانَ يَوْمَ عِكَاكٍ وَوَمَدٍ- فَرَفَعُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَقَامَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صَبَابَةٌ كَصَبَابَةِ الإِنَاءِ أَلا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ وَقَدْ ذُكِرَ لِي:
لَوْ أَنَّ صَخْرَةً أُلْقِيَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَلَتَمْلأَنَّهُ، أَوَعَجِبْتُمْ! وَلَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وهو كظيظ بزحام، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا سَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ص، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلا وَرَقُ السمرِ، حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ، فَمَا مِنَّا مِنْ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَسَيُجَرِّبُونَ النَّاسَ بَعْدَنَا.
وعَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو، قَالُوا: لَمَّا تَوَجَّهَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ الْمَازِنِيُّ مِنْ بَنِي مَازِنَ بْنِ مَنْصُورٍ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى فرج الْهِنْدِ، نَزَلَ عَلَى الشَّاطِئِ بِحِيَالِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَقَامَ قَلِيلا ثُمَّ أَرَزَ، ثُمَّ شَكَوْا ذَلِكَ حَتَّى أَمَرَهُ عُمَرُ بِأَنْ يُنْزِلَ الْحَجَرَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَوْطَانٍ إِذَا اجْتَوَوُا الطِّينَ، فَنَزَلُوا فِي الرَّابِعَةِ الْبَصْرَةَ- وَالْبَصْرَةُ كُلُّ أَرْضٍ حِجَارَتُهَا جِصٌّ- وَأَمَرَ لَهُمْ بِنَهْرٍ يُجْرَى مِنْ دِجْلَةَ، فَسَاقُوا إِلَيْهَا نَهْرًا لِلشَّفَةِ، وَكَانَ إِيطَانُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْبَصْرَةَ الْيَوْمَ وَإِيطَانُ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْكُوفَةَ الْيَوْمَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ فَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَكَانَ مَقَامُهُمْ قَبْلَ نُزُولِهَا الْمَدَائِنَ إِلَى أَنْ وَطَنُوهَا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَكَانَ مَقَامُهُمْ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ ثُمَّ أَرَزُوا مَرَّاتٍ حَتَّى اسْتَقَرُّوا وَبَدَءُوا، فَخَنَسُوا فَرْسَخًا وَجَرُّوا مَعَهُمْ نَهْرًا، ثُمَّ فَرْسَخًا ثُمَّ جَرُّوهُ ثُمَّ فَرْسَخًا، ثُمَّ جَرُّوهُ ثُمَّ أَتَوُا
(3/592)

الْحَجَرَ، ثُمَّ جَرُّوهُ، وَاخْتَطَّتْ عَلَى نَحْوٍ مِنْ خِطَطِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ عَلَى أَنْزَالِ الْبَصْرَةِ أَبُو الْجَرْبَاءِ عَاصِمُ بْنُ الدُّلَفِ، أَحَدُ بَنِي غَيْلانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.
وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ- فِيمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّلَمِيِّ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ قَتَادَةَ السَّدُوسِيِّ- يُغِيرُ بِنَاحِيَةِ الْخُرَيْبَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، كَمَا كَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ يُغِيرُ بِنَاحِيَةِ الْحِيرَةِ.
فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ عَدَدٌ يَسِيرٌ ظَفَرَ بِمَنْ قَبْلِهِ مِنَ الْعُجْمِ، فَنَفَاهُمْ مِنْ بِلادِهِمْ وَكَانَتِ الأَعَاجِمُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ قَدْ هَابُوهُ بَعْدَ وَقْعَةِ خَالِدٍ بِنَهْرِ الْمَرْأَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّهُ أَتَانِي كِتَابُكَ أَنَّكَ تُغِيرُ عَلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الأَعَاجِمِ، وَقَدْ أَصَبْتَ وَوُفِّقْتَ، أَقِمْ مَكَانَكَ، وَاحْذَرْ عَلَى مَنْ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي فَوَجَّهَ عُمَرُ شُرَيْحَ بْنَ عَامِرٍ، أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْجِيزَةِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَتَرَكَ بِهَا قُطْبَةَ، وَمَضَى إِلَى الأَهْوَازِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِسَ، وَفِيهَا مَسْلَحَةٌ لِلأَعَاجِمِ، فَقَتَلُوهُ، وَبَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ.
حَدَّثَنَا عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، عَنْ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ إِذْ وَجَّهَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ: يَا عُتْبَةُ، إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، وَهِيَ حَوْمَةٌ مِنْ حَوْمَةِ الْعَدُوِّ، وَأَرْجُو أَنْ يُكْفِيَكَ اللَّهُ مَا حَوْلَهَا، وَأَنْ يُعِينَكَ عَلَيْهَا وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يَمُدَّكَ بِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ، وَهُوَ ذُو مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ وَمُكَايَدَتِهِ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ فَاسْتَشِرْهُ وَقَرِّبْهُ، وَادْعُ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى فَالْجِزْيَةَ عَنْ صَغَارٍ وَذِلَّةٍ، وَإِلا فَالسَّيْفَ فِي غَيْرِ هَوَادَةٍ وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وُلِّيتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ يُفْسِدُ عَلَيْكَ اخوتك، وقد صحبت رسول الله ص فَعُزِّزْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقُوِّيتَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا وَمَلِكًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وَتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ، فَيَا لَهَا نِعْمَةٌ، إِنْ لَمْ تَرْفَعْكَ فَوْقَ قَدْرِكَ وَتُبْطِرْكَ عَلَى مَنْ دُونَكَ! احْتَفِظْ مِنَ النِّعْمَةِ احْتِفَاظَكَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهِيَ أَخْوَفُهُمَا عِنْدِي عَلَيْكَ
(3/593)

أَنْ تَسْتَدْرِجْكَ وَتَخْدَعَكَ، فَتَسْقُطَ سَقْطَةً تَصِيرُ بِهَا إِلَى جَهَنَّمَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَنَفْسِي مِنْ ذَلِكَ إِنَّ النَّاسَ أَسْرَعُوا إِلَى اللَّهِ حِينَ رُفِعَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَأَرَادُوهَا، فَأَرِدِ اللَّهَ وَلا تُرِدِ الدُّنْيَا، وَاتَّقِ مَصَارِعَ الظَّالِمِينَ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَمْدَانِيُّ وَأَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عُتْبَةُ بْنُ غزوان البصره في ثلاثمائة، فَلَمَّا رَأَى مَنْبَتَ الْقَصَبِ، وَسَمِعَ نَقِيقَ الضَّفَادِعِ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْزِلَ أَقْصَى الْبَرِّ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَدْنَى أَرْضِ الرِّيفِ مِنْ أَرْضِ الْعَجَمِ، فَهَذَا حَيْثُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فِيهِ طَاعَةُ إِمَامِنَا فَنَزَلَ الْخُرَيْبَةَ وَبِالأُبُلَّةِ خمسمائة مِنَ الأَسَاوِرَةِ يَحْمُونَهَا وَكَانَتْ مِرْفَأَ السُّفُنِ مِنَ الصِّينِ وَمَا دُونَهَا، فَسَارَ عُتْبَةُ فَنَزَلَ دُونَ الإِجَانَةِ، فَأَقَامَ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الأُبُلَّةِ فَنَاهَضَهُمْ عُتْبَةُ، وَجَعَلَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ وَقَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيُّ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، وَقَالَ لَهُمَا: كُونَا فِي ظَهْرِنَا، فَتَرُدَّا الْمُنْهَزِمَ، وَتَمْنَعَا مَنْ أَرَادَنَا مِنْ وَرَائِنَا ثُمَّ الْتَقَوْا فَمَا اقْتَتَلُوا مِقْدَارَ جَزْرِ جَزُورٍ وَقَسْمِهَا، حَتَّى مَنَحَهُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَمَلُوا مَا خَفَّ لَهُمْ، وَعَبَرُوا إِلَى الْفُرَاتِ، وَخَلُّوا الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلاحًا وَسَبْيًا وَعينًا، فَاقْتَسَمُوا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وَوَلَّى عُتْبَةُ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ أَقْبَاضَ الأُبُلَّةِ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ.
وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَتَلَ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ الأُبُلَّةِ تسعه، وابو بكر سِتَّةً.
وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: أصاب المسلمون بالابله من الدراهم ستمائه دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَفَرَضَ عُمَرُ لأَصْحَابِ الدِّرْهَمَيْنِ مِمَّنْ أَخَذَهُمَا مِنْ فَتْحِ الأُبُلَّةِ في الفين من العطاء، وكانوا ثلاثمائة رَجُلٍ، وَكَانَ فَتْحُ الأُبُلَّةِ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
(3/594)

وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: شَهِدَ فَتْحَ الأُبُلَّةُ مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ الْبَلَوِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ كِلْدَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وَالْحَجَّاجُ.
وَعَنْ عَبَايَةَ بْنِ عَبْدِ عَمْرٍو، قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ الأُبُلَّةِ مَعَ عُتْبَةَ، فَبَعَثَ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْفَتْحِ، وَجَمَعَ لَنَا اهل دست ملسان، فَقَالَ عُتْبَةُ: أَرَى أَنْ نَسِيرَ إِلَيْهِمْ، فَسِرْنَا فلقينا مرزبان دست ميسان، فَقَاتَلْنَاهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأُخِذَ قِبَاؤُهُ ومنطقته، فبعث به عتبة مع انس ابن حُجَيَّةَ الْيَشْكُرِيِّ.
وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عُتْبَةُ أَنَسَ بْنَ حُجَيَّةَ إِلَى عُمَرَ بمنطقه مرزبان دست ميسان، فقال له: كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ؟ قَالَ: انْثَالَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، فَهُمْ يُهِيلُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَرَغِبَ النَّاسُ فِي الْبَصْرَةِ، فَأَتَوْهَا.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنَ الأُبُلَّةِ، جَمَعَ لَهُ مَرْزُبَانُ دست ميسان، فَسَارَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ مِنَ الأُبُلَّةِ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ سَرَّحَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَى الْفُرَاتِ وَبِهَا مَدِينَةٌ وَوَفَدَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ، وَأَمَرَ الْمُغِيرَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حَتَّى يَقْدَمَ مُجَاشِعُ مِنَ الْفُرَاتِ، فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ الأَمِيرُ فَظَفَرَ مُجَاشِعٌ بِأَهْلِ الْفُرَاتِ، وَرَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَجَمَعَ الْفيلكَانُ، عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ أَبَزْقُبَاذَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَقِيَهُ بِالْمَرْغَابِ، فَظَفَرَ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ؟ قَالَ: مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ:
تَسْتَعْمِلُ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ؟ تَدْرِي مَا حَدَثَ! قَالَ: لا، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمَلِهِ، فَمَاتَ عُتْبَةُ في
(3/595)

الطَّرِيقِ، وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَوْشَنٍ، قَالَ: شَخَصَ عُتْبَةُ بعد ما قتل مرزبان دست ميسان، وَوَجَّهَ مُجَاشِعًا إِلَى الْفُرَاتِ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وامر المغيره ابن شُعْبَةَ بِالصَّلاةِ حَتَّى يَرْجِعَ مُجَاشِعُ مِنَ الْفُرَاتِ، وَجَمَعَ أَهْلُ مِيسَانَ، فَلَقِيَهُمُ الْمُغِيرَةُ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ قُدُومِ مُجَاشِعٍ مِنَ الْفُرَاتِ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ.
الطبري، بإسناده عن قتادة، قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف المغيرة الأثقال، فلقي العدو دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بْن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم! فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا، وأتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة وعن حارثة بْن مضرب، قال: فتحت الأبلة عنوة، فقسم بينهم عتبة- ككة- يعني خبزا أبيض وعن مُحَمَّد بْن سيرين مثله.
قال الطبرى، وَكَانَ مِمَّنْ سُبِيَ مِنْ مِيسَانَ يَسَارٌ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَرْطُبَانُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ بْنِ أَرْطُبَانَ.
وَعَنِ الْمُثَنَّى بْنِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
شَهِدْتُ فَتْحَ الأُبُلَّةِ، فَوَقَعَ لِي فِي سَهْمِي قِدْرُ نَحَاسٍ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِذَا هِيَ ذَهَبٌ فِيهَا ثَمَانُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ أَنْ يُصْبَرَ يَمِينُ سَلَمَةَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَهَا وَهِيَ عِنْدَهُ نَحَاسٌ، فَإِنْ حَلَفَ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِلا قُسِّمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَحَلَفْتُ، فَسُلِّمَتْ لِي قَالَ الْمُثَنَّى: فَأُصُولُ أَمْوَالِنَا الْيَوْمَ مِنْهَا
(3/596)

وَعَنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ النَّاسُ لِقِتَالِ أَهْلِ الأُبُلَّةِ خَرَجَ زَوْجِي وَابْنِي مَعَهُمْ، فَأَخَذُوا الدِّرْهَمَيْنِ وَمَكُّوكِ زَبِيبٍ، وَإِنَّهُمْ مَضَوْا حَتَّى إِذَا كَانُوا حِيَالَ الأُبُلَّةِ، قَالُوا لِلْعَدُوِّ، نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ أَوْ تَعْبُرُونَ إِلَيْنَا؟ قَالَ: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا، فَأَخَذُوا خَشَبَ الْعُشَرِ فَأَوْثَقُوهُ، وَعَبَرُوا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لا تَأْخُذُوا أَوَّلَهُمْ حَتَّى يَعْبُرَ آخِرُهُمْ فَلَمَّا صَارُوا عَلَى الأَرْضِ كَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، ثُمَّ كَبَّرُوا الثَّانِيَةَ، فَقَامَتْ دَوَابُّهُمْ عَلَى أَرْجُلِهَا، ثُمَّ كَبَّرُوا الثَّالِثَةَ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تَضْرِبُ بِصَاحِبِهَا الأَرْضَ، وَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى رُءُوسٍ تُنْدَرُ، مَا نَرَى مَنْ يَضْرِبُهَا، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ.
الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ عُتْبَةَ صَفِيَّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا أَردَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ عِنْدَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيِّ، فَلَمَّا وَلِيَ عُتْبَةُ الْبَصْرَةَ انْحَدَرَ مَعَهُ أَصْهَارُهُ: أَبُو بَكْرَةَ، وَنَافِعٌ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَانْحَدَرَ مَعَهُمْ زِيَادٌ، فَلَمَّا فَتَحُوا الأُبُلَّةَ لَمْ يَجِدُوا قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ زِيَادٌ قَاسِمَهُمْ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، لَهُ ذُؤَابَةٌ، فَأَجْرَوْا عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِمَارَةَ عُتْبَةَ الْبَصْرَةَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ رُمِيَ بِمَا رُمِيَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى، وَقِيلَ اسْتَعْمَلَ بَعْدَ عُتْبَةَ أَبَا مُوسَى، وَبَعْدَهُ الْمُغِيرَةَ.
وَفِيهَا- أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ- ضَرَبَ عُمَرُ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فِي شَرَابٍ شَرِبُوهُ وَأَبَا مِحْجَنٍ.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الْخَطَّابِ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ في قول، وعلى اليمن يعلى بن مُنَيَّةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ- وَقِيلَ:
الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ- وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ
(3/597)

ثم دخلت

سنة خمس عشرة
قال ابن جرير: قال بعضهم: فيها مصر سعد بْن أبي وقاص الكوفة، دلهم عليها ابن بقيلة، قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق، وانحدرت عن الفلاة! فدلهم على موضع الكوفة اليوم.

ذكر الوقعة بمرج الروم
وفي هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم، وكان من ذلك أن أبا عبيدة خرج بخالد بْن الوليد من فحل إلى حمص، وانصرف بمن أضيف إليهم من اليرموك، فنزلوا جميعا على ذي الكلاع، وقد بلغ الخبر هرقل، فبعث توذرا البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم وجمعهم هذا، وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية، فلما نزل على القوم بمرج الروم نازله يوم نزل عليه شنس الرومي، في مثل خيل توذرا، إمدادا لتوذرا وردءا لأهل حمص، فنزل في عسكر على حدة، فلما كان من الليل أصبحت الأرض من توذرا بلاقع، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدا الخبر أن توذرا قد رحل إلى دمشق، فأجمع رأيه ورأي أبي عبيدة أن يتبعه خالد، فأتبعه خالد من ليلته في جريدة، وقد بلغ يزيد بْن أبي سفيان الذي فعل، فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون، فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم، فأناموهم ولم يفلت منهم إلا الشريد، فأصاب المسلمون ما شاءوا من ظهر وأداة وثياب، وقسم
(3/598)

ذلك يزيد بْن أبي سفيان على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة، وقد قتل خالد توذرا، وقال خالد:
نحن قتلنا توذرا وشوذرا وقبله ما قد قتلنا حيدرا نحن أزرنا الغيضة الأكيدرا.
وقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد في أثر توذرا شنس، فاقتتلوا بمرج الروم، فقتلهم مقتلة عظيمة، وقتل أبو عبيدة شنس، وامتلأ المرج من قتلاهم، فأنتنت منهم الأرض، وهرب من هرب منهم، فلم يفلتهم، وركبوا أكساءهم إلى حمص
. ذكر فتح حمص
حكى الطبري عَنْ سَيْفٍ، في كتابه، عن أبي عثمان، قال: ولما بلغ هرقل الخبر بمقتل أهل المرج، أمر أمير حمص بالسير والمضي إلى حمص، وقال: إنه بلغني أن طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء فلا تقاتلوهم إلا في كل يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد، هذا جل طعامه وشرابه وارتحل من عسكره ذلك، فأتى الرهاء، وأخذ عامله بحمص، وأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حمص، وأقبل خالد بعده حتى ينزل عليها، فكانوا يغادون المسلمين ويراوحونهم في كل يوم بارد، ولقي المسلمون بها بردا شديدا، والروم حصارا طويلا، فأما المسلمون فصبروا ورابطوا، وأفرغ اللَّه عليهم الصبر، وأعقبهم النصر، حتى اضطرب الشتاء، وإنما تمسك القوم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء.
وعن أبي الزهراء القشيري، عن رجل من قومه، قال: كان أهل حمص
(3/599)

يتواصون فيما بينهم، ويقولون: تمسكوا فإنهم حفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون، فكانت الروم تراجع، وقد سقطت أقدام بعضهم في خفافهم، وإن المسلمين في النعال ما أصيب أصبع أحد منهم، حتى إذا انخنس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين قالوا: كيف والملك في سلطانه وعزه، ليس بيننا وبينهم شيء! فتركهم، وقام فيهم آخر فقال: ذهب الشتاء، وانقطع الرجاء، فما تنتظرون؟
فقالوا: البرسام، فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف، فقال: إن هؤلاء قوم يعانون، ولأن تأتوهم بعهد وميثاق، خير من أن تؤخذوا عنوة، أجيبوني محمودين قبل أن تجيبوني مذمومين! فقالوا: شيخ خرف، ولا علم له بالحرب.
وعن أشياخ من غسان وبلقين، قالوا: أثاب اللَّه المسلمين على صبرهم أيام حمص أن زلزل بأهل حمص، وذلك أن المسلمين ناهدوهم، فكبروا تكبيرة زلزلت معها الروم في المدينة، وتصدعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وذوي رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب اللَّه! فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيركم، فأشرفوا فنادوا: الصلح الصلح! ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموال الروم وبنيانهم، لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام، على كل جريب أبدا أيسروا أو أعسروا وصالح بعضهم على قدر طاقته، إن زاد ماله زيد عليه، وإن نقص نقص، وكذلك كان صلح دمشق والأردن، بعضهم على شيء إن أيسروا وإن أعسروا، وبعضهم على قدر طاقته، وولوا معاملة ما جلا ملوكهم عنه.
وبعث أبو عبيدة السمط بْن الأسود في بني معاوية، والأشعث بْن مئناس في السكون، معه ابن عابس، والمقداد في بلى، وبلالا وخالدا في الجيش، والصباح
(3/600)

ابن شتير وذهيل بْن عطية وذا شمستان، فكانوا في قصبتها وأقام في عسكره، وكتب إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع عبد اللَّه بْن مسعود، وقد وفده.
وأخبر خبر هرقل، وأنه عبر الماء إلى الجزيرة، فهو بالرهاء ينغمس أحيانا، ويطلع أحيانا فقدم ابن مسعود على عمر، فرده، ثم بعثه بعد ذلك إلى سعد بالكوفة، ثم كتب إلى أبي عبيدة: أن أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام، فإني غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك، إن شاء اللَّه
. حديث قنسرين
وعن أبي عثمان وجارية، قالا: وبعث أبو عبيدة بعد فتح حمص خالد ابن الوليد إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف إليهم الروم، وعليهم ميناس، وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر، فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم يقتلوا مثلها، فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه، فقبل منهم وتركهم ولما بلغ عمر ذلك قال: أمر خالد نفسه، يرحم اللَّه أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني، وقد كان عزله والمثنى مع قيامه، وقال: إني لم أعزلهما عن ريبة، ولكن الناس عظموهما، فخشيت أن يوكلوا إليهما فلما كان من أمره وأمر قنسرين ما كان، رجع عن رأيه، وسار خالد حتى نزل قنسرين، فتحصنوا منه، فقال:
إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا اللَّه إليكم أو لأنزلكم اللَّه إلينا قال: فنظروا في أمرهم، وذكروا ما لقي أهل حمص، فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها، واتطأت حمص وقنسرين، فعند ذلك خنس هرقل، وإنما كان سبب خنوسه أن خالدا حين قتل ميناس ومات الروم على دمه، وعقد لأهل الحاضر وترك قنسرين، طلع من قبل الكوفه عمر
(3/601)

ابن مالك من قبل قرقيسيا، وعبد اللَّه بْن المعتم من قبل الموصل، والوليد ابن عقبة من بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة، وطووا مدائن الجزيرة من نحو هرقل، وأهل الجزيرة في حران والرقة ونصيبين وذواتها لم يغرضوا غرضهم، حتى يرجعوا إليهم، إلا أنهم خلفوا في الجزيرة الوليد لئلا يؤتوا من خلفهم، فأدرب خالد وعياض مما يلي الشام، وأدرب عمر وعبد اللَّه مما يلي الجزيرة، ولم يكونوا أدربوا قبله، ثم رجعوا، فهي أول مدربة كانت في الإسلام سنة ست عشرة فرجع خالد إلى قنسرين فنزلها، وأتته امرأته، فلما عزله قال: إن عمر ولاني الشام حتى إذا صارت بثنية وعسلا عزلني.
قال أبو جعفر الطبري: ثم خرج هرقل نحو القسطنطينية، فاختلف في حين شخوصه إليها وتركه بلاد الشام، فقال ابن إسحاق: كان ذلك سنة خمس عشرة، وقال سيف: كان سنة ست عشرة

ذكر خبر ارتحال هرقل إلى القسطنطينية
ذكر سيف عن أبي الزهراء القشيري، عن رجل من بني قشير، قالوا:
لما خرج هرقل من الرهاء واستتبع أهلها، قالوا: نحن هاهنا خير منا معك، وأبوا أن يتبعوه، وتفرقوا عنه وعن المسلمين، وكان أول من أنبح كلابها، وأنفر دجاجها زياد بْن حنظلة، وكان من الصحابه، وكان مع عمر ابن مالك مسانده، وكان حليفا لبني عبد بْن قصي، وقبل ذلك ما قد خرج هرقل حتى شمشاط، فلما نزل القوم الرهاء أدرب فنفذ نحو القسطنطينية، ولحقه رجل من الروم كان أسيرا في أيدي المسلمين، فأفلت، فقال له: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أحدثك كأنك تنظر إليهم، فرسان بالنهار ورهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على
(3/602)

من حاربهم حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليرثن ما تحت قدمي هاتين.
وعن عبادة وخالد، أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس فخلف سورية، وظعن في أرض الروم التفت فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع لم يقض منك وطره، وهو عائد فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء، فنزل الرهاء، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة وفتحت قنسرين وقتل ميناس، فخنس عند ذلك إلى شمشاط، حتى إذا فصل منها نحو الروم علا على شرف، فالتفت ونظر نحو سورية، وقال: عليك السلام يا سورية، سلاما لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا، حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد! ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم! وعن أبي الزهراء وعمرو بْن ميمون، قالا: لما فصل هرقل من شمشاط داخلا الروم التفت إلى سورية، فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا، حتى يولد المولود المشئوم، وليته لم يولد! ومضى حتى نزل القسطنطينية.
وأخذ أهل الحصون التي بين إسكندرية وطرسوس معه، لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم، وشعث الحصون، فكان المسلمون لا يجدون بها أحدا، وربما كمن عندها الروم، فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط المسلمون لذلك
. ذكر فتح قيسارية وحصر غزة
ذَكَرَ سَيْفٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ، عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ، قَالا: لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ مِنْ فحل، نَزَلَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلٌ عَلَى بَيْسَانَ فَافْتَتَحَاهَا، وَصَالَحَتْهُ الأردن، واجتمع عسكر الروم بالجنادين
(3/603)

وَبِيسَانَ وَغَزَّةَ، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِتَفَرُّقِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بِأَنْ يُدَفِّئَ ظُهُورَهُمْ بِالرِّجَالِ، وَأَنْ يُسَرِّحَ مُعَاوِيَةَ إِلَى قَيْسَارِيَةَ وَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو يَأْمُرُهُ بِصَدْمِ الأَرْطَبُونِ، وَإِلَى عَلْقَمَةَ بِصَدْمِ الْفَيْقَارِ.
وَكَانَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ قَيْسَارِيَةَ، فَسِرْ إِلَيْهَا وَاسْتَنْصِرِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، اللَّهُ رَبُّنَا وَثِقَتُنَا وَرَجَاؤُنَا وَمَوْلانَا، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ فَانْتَهَى الرَّجُلانِ إِلَى مَا أَمَرَا بِهِ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ فِي جُنْدِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَهْلِ قَيْسَارِيَةَ وَعَلَيْهِمْ أبنى، فَهَزَمَهُ وَحَصَرَهُ فِي قَيْسَارِيَةَ ثُمَّ إِنَّهُمْ جَعَلُوا يُزَاحِفُونَهُ، وَجَعَلُوا لا يُزَاحِفُونَهُ مِنْ مَرَّةٍ إِلا هَزَمَهُمْ وَرَدَّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ ثُمَّ زَاحَفُوهُ آخِرَ ذَلِكَ، وَخَرَجُوا مِنْ صَيَاصِيهِمْ، فَاقْتَتَلُوا فِي حَفِيظَةٍ وَاسْتِمَاتَةٍ، فَبَلَغَتْ قَتْلاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكَمَّلَهَا فِي هَزِيمَتِهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، ثُمَّ خَافَ مِنْهُمَا الضَّعْفَ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلْقَمَةَ الْفِرَاسِيَّ وَزُهَيْرَ بْنَ الْحَلابِ الْخَثْعَمِيَّ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَتْبَعَاهُمَا وَيَسْبِقَاهُمَا، فَلَحِقَاهُمَا، فَطَوَيَاهُمَا وَهُمَا نَائِمَانِ.
وَابْنُ عَلْقَمَةَ يَتَمَثَّلُ وَهِيَ هِجِّيرَاهُ:
أَرَّقَ عَيْنِي أَخَوَا جُذَامِ ... كَيْفَ أَنَامُ وَهُمَا أَمَامِي!
إِذْ يَرْحَلانِ وَالْهَجِيرُ طَامِي ... أَخُو حَشِيمٍ وَأَخُو حَرَامِ
وَانْطَلَقَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ، فَحَصَرَ الْفَيْقَارَ بِغَزَّةَ، وَجَعَلَ يُرَاسِلُهُ، فَلَمْ يَشْفِهِ مِمَّا يُرِيدُ أَحَدٌ، فَأَتَاهُ كَأَنَّهُ رَسُولُ عَلْقَمَةَ، فَأَمَرَ الْفَيْقَارُ رَجُلا أَنْ يَقْعُدَ لَهُ بِالطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ قَتَلَهُ، فَفَطِنَ عَلْقَمَةُ، فَقَالَ: إِنَّ مَعِي نَفَرًا شُرَكَائِي فِي الرَّأْيِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِيكَ بِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ: لا تَعْرِضْ لَهُ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَعُدْ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو بِالأَرْطَبُونِ، وَانْتَهَى بَرِيدُ مُعَاوِيَةَ إِلَى عُمَرَ بِالْخَبَرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَأَبَاتَهُمْ عَلَى الْفَرَحِ لَيْلا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: لِتَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى فَتْحِ قَيْسَارِيَةَ، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ يَحْبِسُ الأَسْرَى عِنْدَهُ، وَيَقُولُ: مَا صَنَعَ مِيخَائِيلُ بِأَسْرَانَا صَنَعْنَا بِأَسْرَاهُمْ مِثْلَهُ، فَفَطَمَهُ عَنِ الْعَبَثِ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى افْتَتَحَهَا
(3/604)

ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين
ولما توجه علقمة إلى غزة وتوجه معاوية إلى قيسارية، صمد عمرو بْن العاص إلى الأرطبون، ومر بإزائه، وخرج معه شرحبيل بْن حسنة على مقدمته، واستخلف على عمل الأردن أبا الأعور، وولى عمرو بْن العاص مجنبتيه عبد اللَّه بْن عمرو وجنادة بْن تميم المالكي، مالك بْن كنانة، فخرج حتى ينزل على الروم بأجنادين، والروم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطبون.
وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكاها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما، وبإيلياء جندا عظيما، وكتب عمرو إلى عمر بالخبر، فلما جاءه كتاب عمرو، قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تتفرج! وجعل عمر رحمه اللَّه من لدن وجه أمراء الشام يمد كل أمير جند ويرميه بالأمداد، حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الروم، كتب إلى يزيد أن يبعث معاوية في خيله إلى قيسارية، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيسارية، وليشغلهم عن عمرو، وكان عمرو قد استعمل علقمة ابن حكيم الفراسي ومسروق بْن فلان العكي على قتال أهل إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو، وبعث أبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، وكان بإزائهما، ولما تتابعت الأمداد على عمرو، بعث مُحَمَّد بْن عمرو مددا لعلقمة ومسروق، وبعث عمارة بْن عمرو بْن أمية الضمري مددا لأبي أيوب، وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد وقال أرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو، أو إنه للذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله ثم دعا حرسيا فساره بقتله، فقال: اخرج فقم مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، وفطن له عمرو، فقال: قد سمعت مني وسمعت منك، فأما ما قلته فقد وقع مني
(3/605)

موقعا، وأنا واحد من عشرة، بعثنا عمر بْن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك فقال: نعم، ودعا رجلا فساره، وقال: اذهب إلى فلان فرده إلي، فرجع إليه الرجل وقال لعمرو: انطلق فجيء بأصحابك، فخرج عمرو ورأى ألا يعود لمثلها، وعلم الرومي بأنه قد خدعه، فقال:
خدعني الرجل، هذا أدهى الخلق فبلغت عمر، فقال: غلبه عمرو، لله عمرو! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه وعاقبته، والتقوا ولم يجد من ذلك بدا فالتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم.
ثم إن أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين.
ولما أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجنادين، فانضم علقمة ومسروق ومحمد بْن عمرو وأبو أيوب إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع ولا تغر فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يغرب ويتنكر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرني به إذا رجعت إن شاء اللَّه.
وكتب إليه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدي عليك فلانا وفلانا وفلانا- لوزرائه- فأقرئهم كتابي، ولينظروا فيما بيني وبينك فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فاقترأه فضحكوا وتعجبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمت أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه عمر ثلاثة أحرف، فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر
(3/606)

وكتب إلى عمر يستمده، ويقول: إني أعالج حربا كئودا ضدوما وبلادا ادخرت لك، فرأيك ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف أن عمرا لم يقل إلا بعلم، فنادى في الناس، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات، فأما الأولى فعلى فرس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصر عنها أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار فاستخلف عليها، وخرج وقد كتب مخرجه أول مرة إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية- ليوم سماه لهم في المجردة- وأن يستخلفوا على أعمالهم.
فلقوه حيث رفعت لهم الجابية، فكان أول من لقيه يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول، عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة، فرماهم بها، وقال: سرع ما لفتم عن رأيكم! إياي تستقبلون في هذا الزي، وإنما شبعتم منذ سنتين! سرع ما ندت بكم البطنة! وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذا وركب حتى دخل الجابية وعمرو وشرحبيل بأجنادين لم يتحركا من مكانهما.

ذكر فتح بيت المقدس
وعن سالم بْن عبد اللَّه، قال: لما قدم عمر رحمه اللَّه الجابية، قال له رجل من يهود: يا أمير المؤمنين، لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح اللَّه عليك إيلياء، فبينا عمر بْن الخطاب بها، إذ نظر إلى كردوس من خيل مقبل، فلما دنوا منه سلوا السيوف، فقال عمر: هؤلاء قوم يستأمنون، فأمنوهم، فأقبلوا فإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجزية، وفتحوها له، فلما فتحت عليه دعا ذلك اليهودي، فقيل له: إن عنده لعلما قال: فسأله عن الدجال- وكان كثير المسألة عنه- فقال له اليهودي: وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين! فأنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعا
(3/607)

وعن سالم، قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال:
السلام عليك يا فاروق! أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح اللَّه إيلياء، وكانوا قد أشجوا عمرا وأشجاهم، ولم يقدر عليها ولا على الرملة، فبينا عمر معسكرا بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟
فقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف! فنظر، فإذا كردوس يلمعون بالسيوف، فقال عمر: مستأمنة، ولا تراعوا وأمنوهم، فأمنوهم، وإذا هم أهل إيلياء، فأعطوه واكتتبوا منه على إيلياء وحيزها، والرملة وحيزها، فصارت فلسطين نصفين: نصف مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل الرملة، وهم عشر كور، وفلسطين تعدل الشام كله، وشهد ذلك اليهودي الصلح، فسأله عمر عن الدجال، فقال: هو من بني بنيامين، وأنتم والله يا معشر العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعا من باب لد وعن خالد وعبادة، قالا: كان الذي صالح فلسطين العوام من أهل إيلياء والرملة، وذلك أن أرطبون والتذارق لحقا بمصر، مقدم عمر الجابية، وأصيبا بعد في بعض الصوائف.
وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام، أن أبا عبيدة حضر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بْن الخطاب، فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة وعن عدي بْن سهل، قال: لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين، استخلف عليا، وخرج ممدا لهم، فقال علي: أين تخرج بنفسك! إنك تريد عدوا كلبا، فقال: إني أبادر بجهاد العدو موت العباس، إنكم لو قد فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض أول الحبل.
قال: وانضم عمرو وشرحبيل إلى عمر بالجابية حين جرى الصلح فيما بينهم، فشهد الكتاب.
وعن خالد وعبادة، قالا: صالح عمر أهل إيلياء بالجابية، وكتب لهم
(3/608)

فيها الصلح لكل كورة كتابا واحدا، ما خلا أهل إيلياء.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد اللَّه وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بْن الوليد، وعمرو بْن العاص، وعبد الرحمن بْن عوف، ومعاوية بْن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمس عشرة.
فأما سائر كتبهم فعلى كتاب لد بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا مللها، ولا من صلبهم ولا من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل مدائن الشام، وعليهم إن خرجوا مثل
(3/609)

ذلك الشرط إلى آخره ثم سرح إليهم، وفرق فلسطين على رجلين، فجعل علقمة بْن حكيم على نصفها وأنزله الرملة، وعلقمة بْن مجزز على نصفها وأنزله إيلياء، فنزل كل واحد منهما في عمله في الجنود التي معه.
وعن سالم، قال: استعمل علقمة بْن مجزز على إيلياء وعلقمة بْن حكيم على الرملة في الجنود التي كانت مع عمرو وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إلى الجابية، وافقا عمر رحمه اللَّه راكبا، فقبلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما.
وعن عبادة وخالد، قالا: ولما بعث عمر بأمان أهل إيلياء وسكنها الجند، شخص إلى بيت المقدس من الجابية، فرأى فرسه يتوجى، فنزل عنه، وأتي ببرذون فركبه، فهزه فنزل، فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبح اللَّه من علمك هذا! ثم دعا بفرسه بعد ما أجمه أياما يوقحه فركبه، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس.
وعن أبي صفية، شيخ من بني شيبان، قال: لما أتى عمر الشام أتي ببرذون فركبه، فلما سار جعل يتخلج به، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علم اللَّه من علمك! هذا من الخيلاء، ولم يركب برذونا قبله ولا بعده وفتحت إيلياء وأرضها كلها على يديه، ما خلا اجنادين فإنها فتحت على يدي عمرو، وقيسارية على يدي معاوية.
وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: افتتحت إيلياء وأرضها على يدي عمر في ربيع الآخر سنة ست عشرة.
وعن أبي مريم مولى سلامة، قال: شهدت فتح إيلياء مع عمر رحمه اللَّه، فسار من الجابية فاصلا حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود، ونحن معه،
(3/610)

فدخله ثم قرأ سجدة داود، فسجد وسجدنا معه.
وعن رجاء بْن حيوة، عمن شهد، قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيلياء، فدنا من باب المسجد، قال: ارقبوا لي كعبا، فلما انفرق به الباب، قال: لبيك، اللهم لبيك، بما هو أحب إليك! ثم قصد المحراب، محراب داود ع، وذلك ليلا، فصلى فيه، ولم يلبث أن طلع الفجر، فأمر المؤذن بالإقامة، فتقدم فصلى بالناس، وقرأ بهم ص، وسجد فيها، ثم قام، وقرأ بهم في الثانية صدر بني إسرائيل، ثم ركع ثم انصرف، فقال:
علي بكعب، فأتي به، فقال: أين ترى أن نجعل المصلى؟ فقال: إلى الصخرة، فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب، وقد رأيتك وخلعك نعليك، فقال: أحببت أن أباشره بقدمي، فقال: قد رأيتك، بل نجعل قبلته صدره، كما جعل رسول الله ص قبله مساجدنا صدورها، اذهب إليك، فإنا لم نؤمر بالصخرة، ولكنا أمرنا بالكعبة، فجعل قبلته صدره، ثم قام من مصلاه إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل، فلما صار إليهم أبرزوا بعضها، وتركوا سائرها، وقال:
يا أيها الناس، اصنعوا كما أصنع، وجثا في أصلها، وجثا في فرج من فروج قبائه، وسمع التكبير من خلفه، وكان يكره سوء الرعة في كل شيء، فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبر كعب وكبر الناس بتكبيره فقال: علي به فأتي به، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال: وكيف؟ فقال: إن الروم أغاروا على بني إسرائيل فأديلوا عليهم، فدفنوه، ثم أديلوا فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس فبغوا على بني إسرائيل، ثم أديلت الروم عليهم إلى أن وليت، فبعث اللَّه نبيا على الكناسة، فقال: أبشري أورى شلم! عليك الفاروق ينقيك مما فيك وبعث إلى القسطنطينية نبي، فقام على تلها، فقال: يا قسطنطينية، ما فعل أهلك ببيتي! أخربوه وشبهوك كعرشي، وتأولوا علي، فقد قضيت عليك أن أجعلك جلحاء يوما ما، لا يأوي إليك أحد، ولا يستظل فيك
(3/611)

علي أيدي بني القاذر سبأ وودان، فما أمسوا حتى ما بقي منه شيء.
وعن ربيعة الشامي بمثله، وزاد: أتاك الفاروق في جندي المطيع، ويدركون لأهلك بثأرك في الروم وقال في قسطنطينية: أدعك جلحاء بارزة للشمس، لا يأوي إليك أحد، ولا تظلينه.
وعن أنس بْن مالك، قال: شهدت إيلياء مع عمر، فبينا هو يطعم الناس يوما بها أتاه راهبها وهو لا يشعر أن الخمر محرمة، فقال: هل لك في شراب نجده في كتبنا حلالا إذا حرمت الخمر! فدعاه به فقال: من أي شيء هذا؟ فأخبره أنه طبخه عصيرا، حتى صار إلى ثلثه، فغرف بإصبعه، ثم حركه في الإناء فشطره، فقال: هذا طلاء، فشبهه بالقطران، وشرب منه، وأمر أمراء الأجناد بالشام به، وكتب في الأمصار: إني أتيت بشراب مما قد طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كالطلاء، فاطبخوه وارزقوه المسلمين.
وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: ولحق أرطبون بمصر مقدم عمر الجابية، ولحق به من أحب ممن أبى الصلح، ثم لحق عند صلح أهل مصر، وغلبهم بالروم في البحر، وبقي بعد ذلك، فكان يكون على صوائف الروم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين فيختلف هو ورجل من قيس يقال له ضريس، فقطع يد القيسي، وقتله القيسي، فقال:
فإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد اللَّه منتفعا
بنانتان وجرموز أقيم به ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا
وإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا
وقال زياد بْن حنظلة:
تذكرت حرب الروم لما تطاولت ... وإذ نحن في عام كثير نزائله
وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا ... مسيرة شهر بينهن بلابله
وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده ... يحاوله قرم هناك يساجله
(3/612)

فلما رأى الفاروق أزمان فتحها ... سما بجنود اللَّه كيما يصاوله
فلما أحسوه وخافوا صواله ... أتوه وقالوا أنت ممن نواصله
وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها ... وعيشا خصيبا ما تعد مآكله
أباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله
وكم مثقل لم يضطلع باحتماله ... تحمل عبئا حين شالت شوائله
وقال أيضا:
سما عمر لما أتته رسائل ... كأصيد يحمي صرمة الحي أغيدا
وقد عضلت بالشام أرض بأهلها ... تريد من الأقوام من كان أنجدا
فلما أتاه ما أتاه أجابهم ... بجيش ترى منه الشبائك سجدا
وأقبلت الشام العريضة بالذي ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا
فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنا وأحمدا

ذكر فرض العطاء وعمل الديوان
وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة، وأعطى صفوان بْن أمية والحارث بْن هشام وسهيل بْن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم، فامتنعوا من أخذه وقالوا:
لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا، فقال: إني إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب، قالوا: فنعم إذا، وأخذوا، وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام، فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب، وقيل: ماتا في طاعون عمواس
(3/613)

ولما أراد عمر وضع الديوان، قال له علي وعبد الرحمن بْن عوف: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل أبدأ بعم رسول اللَّه ص، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن اهل الرده ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر، ومن ولى الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء البارع منهم الفين وخمسمائة، الفين وخمسمائة، فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام! فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه، فقال: من قربت داره أحق بالزيادة، لأنهم كانوا ردءا للحوق وشجى للعدو، فهلا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم، وهاجر إليهم المهاجرون من بعد، وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا، ثم فرض للروادف: المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم، ثلاثمائة ثلاثمائة، سوى كل طبقة في العطاء، قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين، وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها: الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان، وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفا- وقيل اثني عشر ألفا- وأعطى نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى عليها الملك، فقال نسوه رسول الله ص: ما كان رسول الله ص يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا، ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبه رسول الله ص إياها فلم تأخذ، وجعل نساء أهل بدر في
(3/614)

خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم الى الحديبية على أربعمائة أربعمائة، ونساء من بعد ذلك الى الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان سواء على مائة مائة، ثم جمع ستين مسكينا، وأطعمهم الخبز، فأحصوا ما أكلوا، فوجدوه يخرج من جريبتين، ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر.
وقال عمر قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، وألفا يجعلها الرجل في اهله، وألفا يزدوها معه، وألفا يتجهز بها، ألفا يترفق بها، فمات قبل ان يفعل قال ابو جعفر الطبرى: كتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَزِيَادٍ وَالْمُجَالِدِ وَعَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي ضَمْرَةَ عن عبد الله بن المستورد عن محمد بن سيرين، ويحيى ابن سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْمُسْتَنِيرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَزَهْرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالُوا: فَرَضَ عُمَرُ الْعَطَاءَ حِينَ فَرَضَ لأَهْلِ الْفَيْءِ الَّذِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ، فَصَارُوا بَعْدُ إِلَى الْكُوفَةِ، انْتَقَلُوا عَنِ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَدِمَشْقَ وَحِمْصَ وَالأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ وَمِصْرَ، وَقَالَ: الْفَيْءُ لأَهْلِ هَؤُلاءِ الأَمْصَارِ وَلِمَنْ لَحِقَ بِهِمْ وَأَعَانَهُمْ، وَأَقَامَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَفْرِضْ لِغَيْرِهِمْ، أَلا فَبِهِمْ سُكِنَتِ الْمَدَائِنُ وَالْقُرَى، وَعَلَيْهِمْ جَرَى الصُّلْحُ، وَإِلَيْهِمْ أُدِّيَ الْجَزَاءُ، وَبِهِمْ سُدَّتِ الْفُرُوجُ وَدُوِّخَ الْعَدُوُّ ثُمَّ كَتَبَ فِي إِعْطَاءِ أَهْلِ الْعَطَاءِ أَعْطِيَاتَهُمْ إِعْطَاءً وَاحِدًا سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ قَائِلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ تَرَكْتَ فِي بُيُوتِ الأَمْوَالِ عُدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ! فَقَالَ: كَلِمَةٌ أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى فِيكَ وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهَا، وَهِيَ فِتْنَةٌ لِمَنْ بَعْدِي، بَلْ أعد لَهُمْ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ وَرَسُولَهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُمَا عُدَّتُنَا الَّتِي بِهَا أَفْضَيْنَا إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَالُ ثَمَنَ دِينِ أَحَدِكُمْ هَلَكْتُمْ
(3/615)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد، قالوا: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقُتِلَ رُسْتُمُ، وَقَدِمَتْ عَلَى عُمَرَ الْفُتُوحُ مِنَ الشَّامِ جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِلْوَالِي مِنْ هَذَا الْمَالِ؟ فَقَالُوا جَمِيعًا: أَمَّا لِخَاصَّتِهِ فَقُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ، لا وَكْسٌ وَلا شَطَطٌ، وَكِسْوَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُ لِلشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَدَابَّتَانِ إِلَى جِهَادِهِ وَحَوَائِجِهِ وَحِمْلانِهِ الى حجه وَعُمْرَتِهِ، وَالْقَسْمُ بِالسَّوِيَّةِ، أَنْ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ عَلَى قَدْرِ بَلائِهِمْ، وَيَرُمُّ أُمُورَ النَّاسِ بَعْدُ، وَيَتَعَاهَدَهُمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالنَّوَازِلِ حَتَّى تُكْشَفَ، وَيَبْدَأُ بِأَهْلِ الْفَيْءِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: جَمَعَ النَّاسَ عُمَرُ بِالْمَدِينَةِ حِينَ انْتَهَى إِلَيْهِ فَتْحُ الْقَادِسِيَّةِ وَدِمَشْقَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا، يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ، فَمَاذَا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِي من هذا المال؟ فاكثر القوم وعلى ع سَاكِتٌ، فَقَالَ: [مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَكَ وَأَصْلَحَ عِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ، لَيْسَ لَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ غَيْرُهُ،] فَقَالَ الْقَوْمُ: الْقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَنِي وَأَصْلَحَ عِيَالِي بِالْمَعْرُوفِ، وَحُلَّةُ الشِّتَاءِ وَحُلَّةُ الصَّيْفِ، وَرَاحِلَةُ عُمَرَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَدَابَّةٌ فِي حَوَائِجِهِ وَجِهَادِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَعَدَ عَلَى رِزْقِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانُوا فَرَضُوا لَهُ، فَكَانَ بِذَلِكَ، فَاشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: لَوْ قُلْنَا لِعُمَرَ فِي زِيَادَةٍ نَزِيدُهَا إِيَّاهُ فِي رِزْقِهِ! فَقَالَ عَلِيٌّ: وَدِدْنَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَانْطَلِقُوا بِنَا، فقال
(3/616)

عُثْمَانُ: إِنَّهُ عُمَرُ! فَهَلُمُّوا فَلْنَسْتَبْرِئُ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَاء، نَأْتِي حَفْصَةَ فَنَسْأَلُهَا وَنَسْتَكْتِمُهَا، فَدَخَلُوا عَلَيْهَا وَأَمَرُوهَا أَنْ تُخْبِرَ بِالْخَبَرِ عَنْ نَفَرٍ، وَلا تُسَمِّي لَهُ أَحَدًا، إِلا أَنْ يَقْبَلَ، وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَقِيَتْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَعَرَفَتِ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَتْ: لا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِمْ حَتَّى أَعْلَمَ رَأْيَكَ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ مَنْ هُمْ لَسُؤْتُ وُجُوهَهُمْ، أَنْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ! أَنْشُدُكِ بِاللَّهِ، مَا افضل ما اقتنى رسول الله ص فِي بَيْتِكِ مِنَ الْمَلْبَسِ؟ قَالَتْ: ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ كَانَ يَلْبَسُهُمَا لِلْوَفْدِ، وَيَخْطُبُ فِيهِمَا لِلْجُمَعِ، قَالَ: فَأَيُّ الطَّعَامِ نَالَهُ عِنْدَكِ أَرْفَعُ؟ قَالَتْ: خَبَزْنَا خُبْزَةَ شَعِيرٍ، فَصَبَبْنَا عَلَيْهَا وَهِيَ حَارَّةٌ أَسْفَلَ عُكَّةٍ لَنَا، فَجَعَلْنَاهَا هَشَّةً دَسِمَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا وَتَطَعَّمَ مِنْهَا اسْتِطَابَةً لَهَا قَالَ: فَأَيُّ مَبْسَطٍ كَانَ يَبْسُطُهُ عِنْدَكِ كَانَ أَوْطَأَ؟ قَالَتْ: كِسَاءٌ لَنَا ثَخِينٌ كُنَّا نُرْبِعُهُ فِي الصَّيْفِ، فَنَجْعَلُهُ تَحْتَنَا، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَسَطْنَا نِصْفَهُ وَتَدَثَّرْنَا بِنِصْفِهِ، قَالَ: يَا حَفْصَةُ، فَأَبْلِغِيهِمْ عَنِّي أَنَّ رسول الله ص قدر فوضع الفضول مواضعها، وتبلغ بالتزجيه، وانى قدرت فو الله لاضعن الفضول مواضعها، ولا تبلغن بالتزجيه، وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ صَاحِبَيَّ كِثَلاثَةٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَمَضَى الأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّدَ زَادًا فَبَلَغَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الآخَرُ فَسَلَكَ طَرِيقَهُ، فَأَفْضَى إِلَيْهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الثَّالِثُ، فَإِنْ لَزِمَ طَرِيقَهُمَا وَرَضِيَ بِزَادِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا وَكَانَ مَعَهُمَا، وَإِنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا لَمْ يُجَامِعْهُمَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَصْحَابِهِ.
وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتِ الْقَادِسِيَّةُ وَصَالَحَ مَنْ صَالَحَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ وَافْتُتِحَتْ دِمَشْقُ، وَصَالَحَ أَهْلُ دِمَشْقَ، قَالَ عُمَرُ لِلنَّاسِ:
اجْتَمِعُوا فَأَحْضِرُونِي عِلْمَكُمْ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَهْلِ الشَّامِ فَاجْتَمَعَ
(3/617)

رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٌّ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَنْ قِبَلِ الْقُرْآنِ، فَقَالُوا: «مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» - يعنى من الخمس- «فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ» ، إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ، مِنَ اللَّهِ الأَمْرُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْقَسْمُ «وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ» الآية، ثُمَّ فَسَّرُوا ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ» الآية، فَأَخَذُوا الأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ عَلَى مَا قُسِّمَ عليه الخمس فيمن بدئ به وثنى وثلاث، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَغْنَمَ ثُمَّ اسْتُشْهِدُوا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ» ، فَقَسَّمَ الأَخْمَاسَ عَلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ عَلَى ذَلِكَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَعَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ، فَبَدَأَ بِالْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ بِالأَنْصَارِ، ثُمَّ التَّابِعِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعَهُمْ وَأَعَانُوهُمْ، ثُمَّ فَوَّضَ الأَعْطِيَةَ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ صَالَحَ أَوْ دُعِيَ إِلَى الصُّلْحِ مِنْ جَزَائِهِ، مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ فِي الْجَزَاءِ أَخْمَاسٌ، وَالْجَزَاءُ لِمَنْ مَنَعَ الذِّمَّةَ وَوَفِيَ لَهُمْ مِمَّنْ وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلِمَنْ لَحِقَ بِهِمْ فَأَعَانَهُمْ، إِلا أَنْ يُؤَاسُوا بِفَضْلَةٍ مِنْ طِيبِ أَنْفُسٍ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَنَلْ مِثْلَ الذى نالوا.
قال الطبرى: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ- كَانَتْ وَقَعَاتٍ فِي قَوْلِ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ قَبْلُ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ.
نَذْكُرُ الآنَ الأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ بِمَا كَانَ بَيْنَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْحُرُوبِ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: عَهِدَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ حِينَ أَمَرَهُ بِالسَّيْرِ إِلَى الْمَدَائِنِ أَنْ يُخَلِّفَ النِّسَاءَ وَالْعِيَالَ بِالْعَتِيقِ، وَيَجْعَلَ مَعَهُمْ كَثْفًا مِنَ الْجُنْدِ، ففعل
(3/618)

وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي كُلِّ مَغْنَمٍ مَا دَامُوا يَخْلُفُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي عِيَالاتِهِمْ.
قَالُوا: وَكَانَ مَقَامُ سَعْدٍ بِالْقَادِسِيَّةِ بَعْدَ الْفَتْحِ شَهْرَيْنِ فِي مُكَاتَبَةِ عُمَرَ فِي الْعَمَلِ بِمَا يَنْبَغِي، فَقَدِمَ زَهْرَةُ نَحْوَ اللِّسَانِ- وَاللِّسَانُ لِسَانُ الْبَرِّ الَّذِي أَدْلَعَهُ فِي الرِّيفِ، وَعَلَيْهِ الْكُوفَةُ الْيَوْمَ، وَالْحِيرَةُ قَبْلَ الْيَوْمِ- وَالنّخيرجَانُ مُعَسْكِرٌ بِهِ، فَارْفَضَّ وَلَمْ يَثْبُتْ حِينَ سَمِعَ بِمَسِيرِهِمْ إِلَيْهِ، فَلَحِقَ بِأَصْحَابِهِ قَالُوا: فَكَانَ مِمَّا يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ فِي الْعَسْكَرِ وَتُلْقِيهِ النِّسَاءُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ عَلَى شَاطِئِ الْعَتِيقِ، أَمْرٌ كَانَ النِّسَاءُ يَلْعَبْنَ بِهِ فِي زَرُودَ وَذِي قَارٍ، وَتِلْكَ الأَمْوَاهُ حِينَ أُمِرُوا بِالسَّيْرِ فِي جُمَادَى إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ كَلامًا أَبَدْنَ فِيهِ كَالأَوَابِدِ مِنَ الشِّعْرِ، لأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ جُمَادَى وَرَجَبٍ شَيْءٌ:
الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبْ ... بَيْنَ جُمَادَى وَرَجَبْ
أَمْرٌ قَضَاهُ قَدْ وَجَبْ ... يُخْبِرُهُ مَنْ قَدْ شَجَبْ
تَحَتَ غُبَارٍ وَلَجَبْ
. خبر يوم برس
قال: ثم إن سعدا ارتحل بعد الفراغ من أمر القادسية كله، وبعد تقديم زهرة بْن الحوية في المقدمات إلى اللسان، ثم أتبعه عبد اللَّه بْن المعتم، ثم أتبع عبد اللَّه شرحبيل بْن السمط، ثم أتبعهم هاشم بْن عتبة، وقد ولاه خلافته، عمل خالد بْن عرفطة، وجعل خالدا على الساقة، ثم أتبعهم وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل اللَّه إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكراع ومال، لأيام بقين من شوال، فسار زهرة حتى ينزل الكوفة- والكوفة كل حصباء حمراء وسهلة حمراء مختلطتين- ثم نزل عليه عبد اللَّه وشرحبيل، وارتحل زهرة حين نزلا عليه نحو المدائن، فلما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهرى في جمع فناوشوه فهزمهم، فهرب بصبهرى ومن
(3/619)

معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم: النخيرجان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم، فأقاموا واستعملوا عليهم الفيرزان، وقدم عليهم بصبهرى وقد نجا بطعنة، فمات منها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: طعن زهرة بصبهرى في يوم برس، فوقع في النهر فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل، ولما هزم بصبهرى أقبل بسطام دهقان برس، فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل
. يوم بابل
قالوا: ولما أتى بسطام زهرة بالخبر عن الذين اجتمعوا ببابل من فلال القادسية، أقام وكتب إلى سعد بالخبر ولما نزل سعد على من بالكوفة مع هاشم بْن عتبة، وأتاه الخبر عن زهرة باجتماع الفرس ببابل على الفيرزان، قدم عبد اللَّه، وأتبعه شرحبيل وهاشما، ثم ارتحل بالناس، فلما نزل عليهم برس، قدم زهرة فأتبعه عبد اللَّه وشرحبيل وهاشما، واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل، وقد قالوا: نقاتلهم دستا قبل أن نفترق، فاقتتلوا ببابل، فهزموهم في أسرع من لفت الرداء، فانطلقوا على وجوههم، ولم يكن لهم همة إلا الافتراق، فخرج الهرمزان متوجها نحو الاهواز، فأخذها فأكلها ومهرجانقذق، وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند، وبها كنوز كسرى، فأخذها وأكل الماهين، وصمد النخيرجان ومهران الرازي للمدائن، حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر، ثم قطعا الجسر، وأقام سعد ببابل أياما، وبلغه أن النخيرجان قد
(3/620)

خلف شهريار، دهقانا من دهاقين الباب بكوثى في جمع، فقدم زهرة ثم أتبعه الجنود، فخرج زهرة حتى ينزل على شهريار بكوثى بعد قتل فيومان والفرخان فيما بين سورا والدير.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ قَدِمَ زَهْرَةَ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ فَمَضَى مُتَشَعِّبًا فِي حَرْبِهِ وجنده، ثم لم يلق جمعا فهزمهم الا قدم، فَأَتْبَعَهُمْ لا يَمُرُّونَ بِأَحَدٍ إِلا قَتَلُوهُ مِمَّنْ لَحِقُوا بِهِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَامَ لَهُمْ، حَتَّى إِذَا قَدِمَهُ مِنْ بَابِلَ قَدِمَ زَهْرَةَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ وَكَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ السَّعْدِيُّ أَخَا الْغَلاقِ حِينَ عَبَرَ الصَّرَاةَ، فَيَلْحَقُونَ بِأُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ وَفِيهِمْ فيومَانُ وَالْفرخَانُ، هَذَا مِيسَانِيٌّ وَهَذَا أَهْوَازِيٌّ، فَقَتَلَ بُكَيْرٌ الْفرخَانَ، وَقَتَلَ كَثِيرٌ فيومَانَ بِسُورَا ثُمَّ مَضَى زَهْرَةُ حَتَّى جَاوَزَ سُورَا، ثُمَّ نَزَلَ، وَأَقْبَلَ هَاشِمٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ سَعْدٌ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ زَهْرَةُ، فَسَارَ تِلْقَاءَ الْقَوْمِ، وَقَدْ أَقَامُوا لَهُ فِيمَا بَيْنَ الدَّيْرِ وَكُوثَى، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ النخيرجَانُ وَمِهْرَانُ عَلَى جُنُودِهِمَا شَهْرَيَارَ، دِهْقَانَ الْبَابِ ومضيا الى المدائن، واقام شهريار هُنَالِكَ، فَلَمَّا الْتَقَوْا بِأَكْنَافِ كُوثَى، جَيْشُ شَهْرَيَارِ وَأَوَائِلُ الْخَيْلِ، خَرَجَ فَنَادَى:
أَلا رَجُلٌ، أَلا فَارِسٌ مِنْكُمْ شَدِيدٌ عَظِيمٌ يَخْرُجُ إِلَيَّ حَتَّى أَنْكُلَ بِهِ! فَقَالَ زَهْرَةُ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ أُبَارِزَكَ، فَأَمَّا إِذْ سَمِعْتُ قَوْلَكَ، فَإِنِّي لا أُخْرِجُ إِلَيْكَ إِلا عَبْدًا، فَإِنْ أَقَمْتَ لَهُ قَتَلَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِبَغْيِكَ، وَإِنْ فَرَرْتَ مِنْهُ فَإِنَّمَا فَرَرْتَ مِنْ عَبْدٍ، وَكَايَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا نُبَاتَةَ نَائِلَ بْنَ جُعْشُمٍ الأَعْرَجِيَّ- وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ بَنِي تَمِيمٍ- فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّمْحُ، وَكِلاهُمَا وَثِيقُ الْخلقِ، إِلا أَنَّ الشَّهْرَيَارَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَلَمَّا رَأَى نَائِلا أَلْقَى الرُّمْحَ لِيَعْتَنِقَهُ، وَأَلْقَى نَائِلٌ رُمْحَهُ لِيَعْتَنِقَهُ، وَانْتَضَيَا سَيْفَيْهِمَا فَاجْتَلَدَا، ثُمَّ اعْتَنَقَا فَخَرَّا عَنْ دَابَّتَيْهِمَا، فَوَقَعَ عَلَى نَائِلٍ كَأَنَّهُ بَيْتٌ، فَضَغَطَهُ بِفَخْذِهِ، وَأَخَذَ الْخِنْجَرَ وَأَرَاغَ حَلَّ ازرار درعه، فوقعت ابهامه في فم نائل، فحطم عظمهما، وَرَأَى مِنْهُ فُتُورًا، فَثَاوَرَهُ فَجَلَدَ بِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَخَذَ خِنْجَرَهُ، فَكَشَفَ درعه عن بطنه، فطعنه فِي بَطْنِهِ وَجَنْبِهِ حَتَّى مَاتَ،
(3/621)

فَأَخَذَ فَرَسَهُ وَسِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، وَانْكَشَفَ أَصْحَابُهُ، فَذَهَبُوا فِي الْبِلادِ، وَأَقَامَ زَهْرَةُ بِكُوثَى حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَأَتَى بِهِ سَعْدًا، فَقَالَ سَعْدٌ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ يَا نَائِلُ بْنَ جُعْشُمٍ لَمَا لَبِسْتَ سِوَارَيْهِ وَقِبَاءَهُ وَدِرْعَهُ، وَلَتَرْكَبَنَّ بِرْذَوْنَهُ! وَغَنَّمَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَانْطَلَقَ، فَتَدَرَّعَ سَلْبَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي سِلاحِهِ عَلَى دَابَّتِهِ، فَقَالَ: اخْلَعْ سِوَارَيْكَ إِلا أَنْ تَرَى حَرْبًا فَتَلْبَسْهُمَا، فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُوِّرَ بِالْعِرَاقِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: فَأَقَامَ سَعْدٌ بِكُوثَى أَيَّامًا، وَأَتَى الْمَكَانَ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ ابراهيم ع بِكُوثَى، فَنَزَلَ جَانِبَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يُبَشِّرُونَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَتَى الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ع مَحْبُوسًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَرَأَ:
«وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ»
. حديث بهرسير في ذي الحجة سنة خمس عشره في قول سيف
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ وَالنَّضْرِ، عَنِ ابْنِ الرُّفَيْلِ، قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدِمَ زَهْرَةَ إِلَى بَهُرَسِيرَ، فَمَضَى زَهْرَةُ مِنْ كُوثَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ حَتَّى ينزل بهرسير، وقد تلقاه شيرزاد بِسَابَاطَ بِالصُّلْحِ وَتَأْدِيَةِ الْجَزَاءِ، فَأَمْضَاهُ إِلَى سَعْدٍ، فَأَقْبَلَ مَعَهُ وَتَبِعَتْهِ الْمُجَنِّبَاتُ، وَخَرَجَ هَاشِمٌ، وَخَرَجَ سَعْدٌ فِي أَثَرِهِ، وَقَدْ فَلَّ زَهْرَةُ كَتِيبَةَ كِسْرَى بُورَانَ حَوْلَ الْمُظْلِمِ، وَانْتَهَى هَاشِمٌ إِلَى مُظْلِمِ سَابَاطَ، وَوَقَفَ لِسَعْدٍ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ رُجُوعَ الْمُقَرَّطِ أَسَدٍ كَانَ لِكِسْرَى قَدْ أَلِفَهُ وَتَخَيَّرَهُ مِنْ أُسُودِ الْمُظْلِمِ، وَكَانَتْ بِهِ كَتَائِبُ كِسْرَى الَّتِي تُدْعَى بُورَانَ، وَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ: لا يَزُولُ مُلْكُ فَارِسَ مَا عِشْنَا-، فَبَادَرَ
(3/622)

الْمُقَرَّطُ النَّاسَ حِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ سَعْدٌ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ هَاشِمٌ فَقَتَلَهُ، وَسَمَّيَ سَيْفَهُ الْمَتْنَ، فَقَبَّلَ سَعْدٌ رَأْسَ هَاشِمٍ، وَقَبَّلَ هَاشِمٌ قَدَمَ سَعْدٍ، فَقَدَّمَهُ سَعْدٌ إِلَى بَهُرَسِيرَ، فَنَزَلَ إِلَى الْمُظْلِمِ وَقَرَأَ: «أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ» ، فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ هَدْأَةٌ ارْتَحَلَ، فَنَزَلَ عَلَى النَّاسِ بِبَهُرَسِيرَ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ كُلَّمَا قَدِمَتْ خَيْلٌ عَلَى بَهُرَسِيرَ وَقَفُوا ثُمَّ كَبَّرُوا، فَكَذَلِكَ حَتَّى نَجَزَ آخِرُ مَنْ مَعَ سَعْدٍ، فَكَانَ مَقَامُهُ بِالنَّاسِ عَلَى بَهُرَسِيرَ شَهْرَيْنِ، وَعَبَرُوا فِي الثَّالِثِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عَامِلَهُ فِيهَا عَلَى مَكَّةَ عتاب بن اسيد، وعلى الطائف يعلى بن منيه، وعلى اليمامه والبحرين عثمان ابن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى كور الشام ابو عبيده ابن الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وقاص، وعلى قضائها أبو قرة، وعلى البصرة وأرضها المغيره بن شعبه
(3/623)

الجزء الرابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سنة ست عشرة
قال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بهرسير، وافتتحوا المدائن، وهرب منها يزدجرد بْن شهريار.

ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بهرسير
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: لَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ عَلَى بَهُرَسِيرَ بَثَّ الْخُيُولَ، فَأَغَارَتْ عَلَى مَا بَيْنَ دِجْلَةَ إِلَى مَنْ لَهُ عَهْدٌ مِنْ أَهْلِ الْفُرَاتِ، فَأَصَابُوا مِائَةَ أَلْفِ فَلاحٍ، فَحَسَبُوا، فَأَصَابَ كُلٌّ مِنْهُمْ فَلاحًا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّهُمْ فَارِسٌ بِبَهُرَسِيرَ فخندق لهم، فقال له شيرزاد دِهْقَانُ سَابَاطَ: إِنَّكَ لا تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ شَيْئًا، إِنَّمَا هَؤُلاءِ عُلُوجٌ لأَهْلِ فَارِسَ لَمْ يجروا إِلَيْكَ، فَدَعْهُمْ إِلَيَّ حَتَّى يفرق لَكُمُ الرَّأْيُ.
فَكَتَبَ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِمْ، وَدَفَعَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ شِيرَزَاذُ: انْصَرِفُوا إِلَى قُرَاكُمْ.
وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ: إِنَّا وَرَدْنَا بَهُرَسِيرَ بَعْدَ الَّذِي لَقِينَا فِيمَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَبَهُرَسِيرَ، فَلَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ لِقِتَالٍ، فَبَثَثْتُ الْخُيُولَ، فَجَمَعْتُ الْفَلاحِينَ مِنَ الْقُرَى وَالآجَامِ، فَرِ رَأْيَكَ.
فَأَجَابَهُ: إِنَّ مَنْ أَتَاكُمْ مِنَ الْفَلاحِينَ إِذَا كَانُوا مُقِيمِينَ لَمْ يُعِينُوا عَلَيْكُمْ فَهُوَ أَمَانُهُمْ، وَمَنْ هَرَبَ فَأَدْرَكْتُمُوهُ فَشَأْنُكُمْ بِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ خَلَّى عَنْهُمْ وَرَاسَلَهُ الدَّهَّاقِينُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَالرُّجُوعِ، أَوِ الْجَزَاءِ وَلَهُمُ الذِّمَّةُ وَالْمَنْعَةُ، فَتَرَاجَعُوا عَلَى الْجَزَاءِ وَالْمَنْعَةِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى، وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي غَرْبِي دِجْلَةَ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ سَوَادِيٌّ إِلا آمَنَ وَاغْتَبَطَ بِمَلِكِ الإِسْلامِ وَاسْتَقْبَلُوا الْخَرَاجَ، وَأَقَامُوا عَلَى بَهُرَسِيرَ شَهْرَيْنِ يَرْمُونَهَا بِالْمَجَانِيقِ وَيَدُبُّونَ إِلَيْهِمْ
(4/5)

بِالدَّبَّابَاتِ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ بِكُلِّ عُدَّةٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَارِثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَهُرَسِيرَ، وَعَلَيْهَا خَنَادِقُهَا وَحَرَسُهَا وَعُدَّةُ الْحَرْبِ، فرموهم بالمجانيق والعرادات، فاستصنع سعد شيرزاد الْمَجَانِيقَ، فَنَصَبَ عَلَى أَهْلِ بَهُرَسِيرَ عِشْرِينَ مِنْجَنِيقًا، فَشَغَلُوهُمْ بِهَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابْنِ الرُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ عَلَى بَهُرَسِيرَ، كَانَتِ الْعَرَبُ مُطِيفَةٌ بِهَا، وَالْعَجَمُ مُتَحَصِّنَةٌ فِيهَا، وَرُبَّمَا خَرَجَ الأَعَاجِمُ يَمْشُونَ عَلَى الْمَسْنِيَّاتِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى دِجْلَةَ فِي جَمَاعَتِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلا يَقُومُونَ لَهُمْ، فَكَانَ آخِرُ مَا خَرَجُوا فِي رَجَّالَةٍ وَنَاشِبَةٍ، وَتَجَرَّدُوا لِلْحَرْبِ، وَتَبَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، فَكَذَّبُوا وَتَوَلَوْا، وَكَانَتْ عَلَى زَهْرَةَ بن الجويه دِرْعٌ مَفْصُومَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا الْفَصْمِ فَسُرِدَ! فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ، قَالَ: إِنِّي لَكَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، أَنْ تَرَكَ سَهْمَ فَارِسَ الْجُنْدُ كُلُّهُ ثُمَّ أَتَانِي مِنْ هَذَا الْفَصْمِ، حَتَّى يَثْبُتَ فِيَّ! فَكَانَ أَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ بِنُشَّابَةٍ، فثبت فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَصْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْزَعُوهَا عَنْهُ، فَقَالَ: دَعُونِي، فَإِنَّ نَفْسِي مَعِي مَا دَامَتْ فِيَّ، لَعَلِّي أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ بِطَعْنَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ خُطْوَةٍ، فَمَضَى نَحْوَ الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِسَيْفِهِ شَهْرَبرَازَ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ، فَقَتَلَهُ، وَأُحِيطَ بِهِ فَقُتِلَ وَانْكَشَفُوا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثَابِتٍ، عَنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقُتِلَ رُسْتُمُ وَأَصْحَابُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ وَفُضَّتْ جُمُوعُهُمْ،
(4/6)

اتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَزَلُوا الْمَدَائِنَ، وَقَدِ ارْفَضَّتْ جُمُوعُ فَارِسَ، وَلَحِقُوا بِجِبَالِهِمْ، وَتَفَرَّقَتْ جَمَاعَتُهُمْ وَفِرْسَانُهُمْ، إِلا أَنَّ الْمَلِكَ مُقِيمٌ فِي مَدِينَتِهِمْ، مَعَهُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ عَلَى أَمْرِهِ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سماك بْن فلان الهجيمي، عن أبيه ومحمد بْن عبد اللَّه، عن أنس بْن الحليس، قال:
بينا نحن محاصرو بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم، أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع اللَّه بطونكم! فبدر الناس أبو مفزر الأسود بْن قطبة، وقد أنطقه اللَّه بما لا يدري ما هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا:
يا أبا مفزر، ما قلت له؟ فقال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما أدري ما هو، إلا أن علي سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد، فجاءنا فقال: يا أبا مفزر، ما قلت؟ فو الله إنهم لهراب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى في الناس، ثم نهد بهم، وإن مجانيقنا لتخطر عليهم، فما ظهر على المدينة أحد، ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه، فقال: إن بقي فيها أحد فما يمنعكم! فتسورها الرجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئا ولا أحدا، إلا أسارى أسرناهم خارجا منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأي شيء هربوا؟
فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذين بأترج كوثى، فقال الملك:
وا ويله! ألا إن الملائكة تكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك، ما هذا إلا شيء ألقي علي في هذا الرجل لننتهي، فأرزوا إلى المدينة القصوى.
كتب الى السرى عَنْ سَيْفٍ، عن سعيد بْن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك
(4/7)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ بَهُرَسِيرَ أَنْزَلَ سَعْدٌ النَّاسَ فِيهَا، وَتَحَوَّلَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهَا، وَحَاوَلَ الْعُبُورَ فَوَجَدُوهُمْ قَدْ ضَمُّوا السُّفُنَ فِيمَا بَيْنَ الْبَطَائِحِ وَتِكْرِيتَ وَلَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بَهُرَسِيرَ- وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ- لاحَ لَهُمُ الأَبْيَضُ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أَبْيَضُ كِسْرَى، هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَابَعُوا التَّكْبِيرَ حَتَّى أَصْبَحُوا فَقَالَ مُحَمَّدٌ وَطَلْحَةُ: وَذَلِكَ لَيْلَةَ نَزَلُوا عَلَى بَهُرَسِيرَ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قال: دفعنا إلى المدائن- يعني بهرسير- وهي المدينة الدنيا، فحصرنا ملكهم وأصحابه، حتى أكلوا الكلاب والسنانير.
قال: ثم لم يدخلوا حتى ناداهم مناد: والله ما فيها أحد، فدخلوها وما فيها أحد
. حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى
قال سيف: وذلك في صفر سنة ست عشرة، قالوا: ولما نزل سعد بهرسير، وهي المدينة الدنيا، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر
(4/8)

على شيء، ووجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا ببهرسير أياما من صفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه أعلاج فدلوه على مخاضة تخاض إلى صلب الوادي، فأبى وتردد عن ذلك، وفجئهم المد، فرأى رؤيا، إن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وفي سنة جود صيفها متتابع فجمع سعد الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعا: عزم اللَّه لنا ولك على الرشد، فافعل.
فندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو الباس، وانتدب بعده ستمائه من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون، منهم أصم بني ولاد وشرحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكوره، ليكون أساسا لعوم الخيل ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقية الستمائة على أثرهم، فكان أول من فصل من الستين أصم التيم، والكلج، وأبو مفزر، وشرحبيل، وجحل العجلي، ومالك بْن كعب الهمداني، وغلام من بني الحارث بْن كعب، فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت سعدا مثلها، فاقتحموا عليهم دجلة، فأعاموها إليهم، فلقوا عاصما في السرعان، وقد دنا من الفراض، فقال عاصم: الرماح الرماح! أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا فاطعنوا، وتوخى المسلمون عيونهم، فولوا نحو الجد، والمسلمون يشمصون بهم خيلهم، ما يملك رجالها منع
(4/9)

ذلك منها شيئا فلحقوا بهم في الجد، فقتلوا عامتهم، ونجا من نجا منهم عورانا، وتزلزلت بهم خيولهم، حتى انتقضت عن الفراض، وتلاحق الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وتلاحق عظم الجند، فركبوا اللجة، وإن دجلة لترمي بالزبد، وإنها لمسودة، وإن الناس ليتحدثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون، كما يتحدثون في مسيرهم على الأرض، ففجئوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم، ودخلها المسلمون في صفر سنة ست عشرة، واستولوا على ذلك كله مما بقي في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف، ومما جمع شيري ومن بعده وفي ذلك يقول أبو بجيد نافع بن الأسود:
وأرسلنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا
فانتثلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولوا وحاص منا جريضا
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَقَامَ سَعْدٌ عَلَى دِجْلَةَ أَتَاهُ عِلْجٌ، فَقَالَ: مَا يُقِيمُكَ! لا يَأْتِي عَلَيْكَ ثَالِثَةٌ حَتَّى يَذْهَبَ يَزْدَجَرْدُ بِكُلِّ شَيْءٍ فِي الْمَدَائِنِ، فَذَلِكَ مِمَّا هَيَّجَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْعُبُورِ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ فِي قِيَامِ سَعْدٍ فِي النَّاسِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْعُبُورِ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: طَبَّقْنَا دِجْلَةَ خَيْلا وَرَجُلا وَدَوَابَّ حَتَّى مَا يَرَى الْمَاءَ مِنَ الشَّاطِئِ أَحَدٌ، فخرجت
(4/10)

بِنَا خَيْلُنَا إِلَيْهِمْ تَنْفُضُ أَعْرَافَهَا، لَهَا صَهِيلٌ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ انْطَلَقُوا لا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَصْرِ الأَبْيَضِ، وَفِيهِ قوم قد تحصنوا، فأشرف بعضهم فكلمنا، فَدَعَوْنَاهُمْ وَعَرَضْنَا عَلَيْهِمْ، فَقُلْنَا: ثَلاثٌ تَخْتَارُونَ مِنْهُنَّ ايتهن شئتم، قالوا: ما هُنَّ؟ قُلْنَا: الإِسْلامُ فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مَا لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَمُنَاجَزَتُكُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَأَجَابَنَا مُجِيبُهُمْ: لا حَاجَةَ لَنَا فِي الاولى ولا في الآخرة، ولكن الوسطى.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ عَطِيَّةَ بِمِثْلِهِ قَالَ:
وَالسَّفِيرُ سَلْمَانُ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بْن السري، عن ابن الرفيل، قال: لما هزموهم في الماء وأخرجوهم إلى الفراض، ثم كشفوهم عن الفراض أجلوهم عن الأموال، إلا ما كانوا تقدموا فيه- وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف- فبعثوا مع رستم بنصف ذلك، وأقروا نصفه في بيوت الأموال.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ وَاقِفٌ قَبْلَ أَنْ يُقْحِمَ الْجُمْهُورَ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى حُمَاةِ النَّاسِ وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْفِرَاضِ:
وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْخَرْسَاءِ- يَعْنِي الْكَتِيبَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَحَمَّالُ بْنُ مَالِكٍ وَالرَّبِيلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَاتَلُوا قِتَالَ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ هَذِهِ الْخَيْلِ- لَكَانَتْ قَدْ أَجْزَأَتْ وَأَغْنَتْ، وَكَتِيبَةُ عَاصِمٍ هِيَ كَتِيبَةُ الأَهْوَالِ، فَشَبَّهَ كَتِيبَةَ الأَهْوَالِ- لِمَا رَأَى مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ وَالْفِرَاضِ بِكَتِيبَةِ الْخَرْسَاءِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُمْ تَنَادَوْا بَعْدَ هَنَاتٍ قَدِ اعْتَوَرُوهَا عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ فَخَرَجُوا حَتَّى لَحِقُوا بِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَوَوْا عَلَى الْفِرَاضِ هُمْ وَجَمِيعُ كَتِيبَةِ الأَهْوَالِ بِأَسْرِهِمْ، أَقْحَمَ سَعْدٌ النَّاسَ- وَكَانَ الَّذِي يُسَايِرُ سَعْدًا فِي الْمَاءِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ- فَعَامَتْ بِهِمُ الْخَيْلُ، وَسَعْدٌ
(4/11)

يَقُولُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلِ! وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ، وَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ دِينَهُ، وَلَيَهْزِمَنَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ بَغْيٌ أَوْ ذُنُوبٌ تَغْلِبُ الْحَسَنَاتِ.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: الإِسْلامُ جَدِيدٌ، ذَلَّلْتَ لَهُمْ وَاللَّهِ الْبُحُورَ كَمَا ذُلِّلَ لَهُمُ الْبَرُّ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَيَخْرُجُنَّ مِنْهُ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوهُ أَفْوَاجًا فَطَبَّقُوا الْمَاءَ حَتَّى مَا يُرَى الْمَاءُ مِنَ الشَّاطِئِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنْهُمْ فِي الْبَرِّ لَوْ كَانُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا مِنْهُ- كَمَا قَالَ سَلْمَانُ- لَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا، وَلَمْ يَغْرَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي عمر دثار، عن أبي عثمان النهدي، أنهم سلموا من عند آخرهم إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عريا والغريق طاف، فثنى القعقاع بْن عمرو عنان فرسه إليه، فأخذ بيده فجره حتى عبر، فقال البارقي- وكان من أشد الناس: أعجز الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع! وكان للقعقاع فيهم خؤولة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: فما ذهب لهم في الماء يومئذ إلا قدح كانت علاقته رثة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذي كان يعاوم صاحب القدح معيرا له: أصابه القدر فطاح، فقال: والله إني لعلى جديلة ما كان اللَّه ليسلبني قدحي من بين أهل العسكر فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمي الفراض، قد سفل حتى طلع عليه أوائل الناس، وقد ضربته الرياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرفه، فأخذه صاحبه، وقال للذي كان يعاومه: ألم أقل لك! وصاحبه حليف لقريش من عنز، يدعى مالك بْن عامر، والذي قال: طاح يدعى عامر بْن مالك.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُمَيْرٍ الصَّائِدِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَقْحَمَ سَعْدٌ النَّاسَ فِي دِجْلَةَ اقْتَرَنُوا، فَكَانَ
(4/12)

سَلْمَانُ قَرِينَ سَعْدٍ إِلَى جَانِبِهِ يُسَايِرُهُ فِي الْمَاءِ، وَقَالَ سَعْدٌ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْمَاءُ يَطْمُو بِهِمْ، وَمَا يَزَالُ فَرَسٌ يَسْتَوِي قَائِمًا إِذَا أَعْيَا يَنْشُزُ لَهُ تَلْعَةً فَيَسْتَرِيحُ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ عَلَى الأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدَائِنِ أَمْرٌ أَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْمَاءِ، وَكَانَ يُدْعَى يَوْمَ الْجَرَاثِيمِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد، قالوا: كان يوم ركوب دجلة يدعى يوم الجراثيم، لا يعيا أحد إلا أنشزت له جرثومة يريح عَلَيْهَا كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قيس بن أبي حازم، قال: خضنا دجلة وهي تطفح، فلما كنا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ الْمَدِينَةَ الدُّنْيَا، وَقَطَعَ الْقَوْمُ الْجِسْرَ، وَضَمُّوا السُّفُنَ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: مَا تَنْتَظِرُونَ بِهَذِهِ النُّطْفَةِ! فَاقْتَحَمَ رَجُلٌ، فَخَاضَ النَّاسُ فَمَا غَرِقَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ وَلا ذَهَبَ لَهُمْ مَتَاعٌ، غَيْرَ أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدَ قَدْحًا لَهُ انْقَطَعَتْ عِلاقَتُهُ، فَرَأَيْتُهُ يَطْفَحُ عَلَى الْمَاءِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة، قالوا: وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال: علام تقتلون أنفسكم! فو الله ما في المدائن أحد.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَهُمُّونَ بِهِ بَعَثُوا مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعُبُورِ، وَتَحَمَّلُوا فَخَرَجُوا هُرَّابًا، وَقَدْ أُخْرِجَ يَزْدَجَرْدُ- قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ مَا فُتِحَتْ بَهُرَسِيرَ عِيَالَهُ إِلَى حُلْوَانَ، فَخَرَجَ يَزْدَجَرْدُ بَعْدُ حَتَّى يَنْزِلَ حُلْوَانَ، فَلَحِقَ بِعِيَالِهِ، وَخَلَفَ مِهْرَانَ الرَّازِي وَالنخيرجَانَ- وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ- بِالنَّهْرَوَانِ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ حَرِّ مَتَاعِهِمْ
(4/13)

وَخَفِيفِهِ، وَمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَبِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، وَتَرَكُوا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَالآنِيَةِ وَالْفُضُولِ وَالأَلْطَافِ وَالأَدْهَانِ مَا لا يُدْرَى مَا قِيمَتُهُ، وَخَلَّفُوا مَا كَانُوا أَعَدُّوا لِلْحِصَارِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الْمَدَائِنَ كَتِيبَةَ الأَهْوَالِ، ثُمَّ الْخَرْسَاءِ، فَأَخَذُوا فِي سِكَكِهَا لا يُلْقُونَ فِيهَا أَحَدًا وَلا يَحُسُّونَهُ إِلا مَنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ الأَبْيَضِ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ وَدَعَوْهُمْ، فَاسْتَجَابُوا لِسَعْدٍ عَلَى الْجَزَاءِ وَالذِّمَّةِ، وَتَرَاجَعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ عَلَى مِثْلِ عَهْدِهِمْ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى وَمَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ، وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ، وَسَرَّحَ زَهْرَةَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي آثَارِ الْقَوْمِ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَسَرَّحَ مِقْدَارَ ذَلِكَ فِي طَلَبِهِمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قال: لما عبر المسلمون يوم المدائن دجلة، فنظروا إليهم يعبرون، جعلوا يقولون بالفارسية: ديوان آمد وقال بعضهم لبعض: والله ما تقاتلون الإنس وما تقاتلون إلا الجن فانهزموا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عطية بْن الحارث وعطاء بْن السائب، عن أبي البختري، قال: كان رائد المسلمين سلمان الفارسي، وكان المسلمون قد جعلوه داعية أهل فارس قال عطية: وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بهرسير، وأمروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثا قال عطية وعطاء: وكان دعاؤه إياهم أن يقول: إني منكم في الأصل، وأنا أرق لكم، ولكم في ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم: أن تسلموا فإخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإلا فالجزية، وإلا نابذناكم على سواء، إن اللَّه لا يحب الخائنين قال عطية: فلما كان اليوم الثالث في بهرسير أبوا أن يجيبوا إلى شيء، فقاتلهم المسلمون حين أبوا ولما كان اليوم الثالث في المدائن قبل أهل القصر الأبيض وخرجوا، ونزل سعد القصر الأبيض واتخذ
(4/14)

الإيوان مصلى، وإن فيه لتماثيل جص فما حركها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب، وشاركهم سماك الهجيمي، قالوا: وقد كان الملك سرب عياله حين أخذت بهرسير إلى حلوان، فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرابا، وخيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمين وخيلهم من العبور، فاقتتلوا هم والمسلمون قتالا شديدا، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون انفسكم! فو الله ما في المدائن من أحد فانهزموا واقتحمتها الخيول عليهم، وعبر سعد في بقية الجيش.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب، قالوا: أدرك أوائل المسلمين أخريات أهل فارس، فأدرك رجل من المسلمين يدعى ثقيفا احد بنى عدى ابن شريف، رجلا من أهل فارس، معترضا على طريق من طرقها يحمي أدبار أصحابه، فضرب فرسه على الإقدام عليه، فأحجم ولم يقدم، ثم ضربه للهرب فتقاعس حتى لحقه المسلم، فضرب عنقه وسلبه كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عطية وعمرو ودثار أبي عمر، قالوا: كان فارس من فرسان العجم في المدائن يومئذ مما يلي جازر، فقيل له: قد دخلت العرب وهرب أهل فارس، فلم يلتفت إلى قولهم، وكان واثقا بنفسه، ومضى حتى دخل بيت أعلاج له، وهم ينقلون ثيابا لهم، قال: ما لكم؟ قالوا: أخرجتنا الزنابير، وغلبتنا على بيوتنا، فدعا بجلاهق وبطين، فجعل يرميهن حتى ألزقهن بالحيطان، فأفناهن وانتهى إليه الفزع، فقام وأمر علجا فأسرج له، فانقطع حزامه، فشده على عجل، وركب، ثم خرج فوقف ومر به رجل فطعنه، وهو يقول:
خذها وأنا ابن المخارق! فقتله ثم مضى ما يلتفت إليه.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بْن المرزبان بمثله، وإذا هو ابن المخارق بْن شهاب.
قالوا: وأدرك رجل من المسلمين رجلا منهم معه عصابة يتلاومون،
(4/15)

ويقولون: من أي شيء فررنا! ثم قال قائل منهم لرجل منهم: ارفع لي كرة، فرماها لا يخطئ، فلما رأى ذلك عاج وعاجوا معه وهو أمامهم، فانتهى إلى ذلك الرجل، فرماه من أقرب مما كان يرمي منه الكرة ما يصيبه، حتى وقف عليه الرجل، ففلق هامته، وقال: أنا ابن مشرط الحجارة.
وتفار عن الفارسي أصحابه.
وقالوا جميعا، مُحَمَّد والمهلب وطلحة وعمرو وأبو عمر وسعيد، قالوا:
ولما دخل سعد المدائن، فرأى خلوتها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ:
«كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ» وصلى فيه صلاة الفتح- ولا تصلى جماعة- فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن، واتخذه مسجدا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك، وتركوها على حالها قالوا: وأتم سعد الصلاة يوم دخلها، وذلك انه اراد المقام فيها وكانت أول جمعة بالعراق جمعت جماعة بالمدائن، في صفر سنة ست عشرة
. ذكر ما جمع من فيء أهل المدائن
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَالْمُهَلَّبِ وَعُقْبَةَ وَعَمْرٍو وَأَبِي عُمَرَ وَسَعِيدٍ، قَالُوا: نَزَلَ سَعْدٌ إِيوَانَ كِسْرَى، وَقَدِمَ زَهْرَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْلُغَ النَّهْرَوَانَ فَبَعَثَ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِقْدَارَ ذَلِكَ لِنَفِي الْمُشْرِكِينَ وَجَمْعِ الْفُيُوءِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْقَصْرِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَوَكَّلَ بِالأَقْبَاضِ عمرو بن عمرو ابن مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ بِجَمْعِ مَا فِي الْقَصْرِ وَالإِيوَانِ وَالدُّورِ وَإِحْصَاءِ مَا يَأْتِيهِ بِهِ الطَّلَبُ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْمَدَائِنِ تَنَاهَبُوا عِنْدَ الْهَزِيمَةِ غَارَةً، ثُمَّ طَارُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَمَا أَفْلَتَ احد منهم بشيء لم يكن في عسكر مهران بالنهروان
(4/16)

وَلا بِخَيْطٍ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمُ الطَّلَبُ فَتَنَقَّذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَجَعُوا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الأَقْبَاضِ، فَضَمُّوهُ إِلَى مَا قَدْ جُمِعَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ جُمِعَ يَوْمَئِذٍ مَا فِي الْقَصْرِ الأَبْيَضِ وَمَنَازِلِ كِسْرَى وَسَائِرِ دُورِ الْمَدَائِنِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بْن صهبان، قال: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، فما حسبناها إلا طعاما، فإذا هي آنية الذهب والفضة فقسمت بعد بين الناس وقال حبيب: وقد رأيت الرجل يطوف ويقول: من معه بيضاء بصفراء؟ وأتينا على كافور كثير، فما حسبناه إلا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه الرفيل بْن ميسور، قال: خرج زهرة في المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان، وهم عليه، فازدحموا، فوقع بغل في الماء فعجلوا وكلبوا عليه، فقال زهرة: إني أقسم بالله إن لهذا البغل لشأنا! ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلا لشيء بعد ما أرادوا تركه، وإذا الذي عليه حلية كسرى، ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة، وترجل زهرة يومئذ حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه بالبغل فاحتملوه، فأخرجوه فجاءوا بما عليه، حتى رده إلى الاقباض، ما يدرون ما عليه، وارتجز يومئذ زهرة:
فدى لقومي اليوم أخوالي وأعمامي هم كرهوا بالنهر خذلاني وإسلامي هم فلجوا بالبغل في الخصام بكل قطاع شئون الهام وصرعوا الفرس على الآكام كأنهم نعم من الأنعام كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن هبيرة بْن الأشعث، عن جده الكلج، قال: كنت فيمن خرج في الطلب، فإذا أنا ببغالين قد ردا الخيل عنهما بالنشاب، فما بقي معهما غير نشابتين، فألظظت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ارمه وأحميك، أو أرميه وتحميني!
(4/17)

فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بها ثم إني حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما، حتى أبلغتهما صاحب الأقباض، وإذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال وما كان في الخزائن والدور، فقال:
على رسلك حتى ننظر ما معك! فحططت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا- وكان لا يحمله إلا أسطوانتان- وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: وخرج القعقاع بْن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسي يحمي الناس، فاقتتلا فقتله، وإذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف وفي الآخر ستة أسياف، وإذا في العيبتين أدراع، فإذا في الأدراع درع كسرى ومغفره وساقاه وساعداه، ودرع هرقل، ودرع خاقان ودرع داهر ودرع بهرام شوبين ودرع سياوخش ودرع النعمان، وكانوا استلبوا ما لم يرثوا، استلبوها أيام غزاتهم خاقان وهرقل وداهر، وأما النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى، وأما أحد الغلافين ففيه سيف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز، وإذا السيوف الأخر، سيف هرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان فجاء به إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه درع بهرام، وأما سائرها فنفلها في الخرساء إلا سيف كسرى والنعمان- ليبعثوا بهما إلى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما، وحبسوهما في الأخماس- وحلي كسرى وتاجه وثيابه، ثم بعثوا بذلك إلى عمر ليراه المسلمون، ولتسمع بذلك العرب، وعلى هذا الوجه سلب خالد بْن سعيد عمرو بْن معد يكرب سيفه الصمصامة في الردة والقوم يستحيون من ذلك.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عبيدة بْن معتب، عن رجل من بني الحارث بْن طريف، عن عصمة بْن الحارث الضبي، قال: خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقا مسلوكا وإذا عليه حمار،
(4/18)

فلما رآني حثه فلحق بآخر قدامه، فمالا، وحثا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرقا، ورماني أحدهما فألظظت به فقتلته وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سفطان في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضة، على ثفره ولببه الياقوت، والزمرد منظوم على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضة، عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب ولها شناق- أو زمام- من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتي التاج.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن هبيرة بْن الأشعث، عن أبي عبيدة العنبري، قال: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال والذين معه:
ما رأينا مثل هذا قط، ما يعد له ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله لولا اللَّه ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأنا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد اللَّه وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بْن عبد قيس.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: قَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّ الْجَيْشَ لَذُو أَمَانَةٍ، وَلَوْلا مَا سَبَقَ لأَهْلِ بَدْرٍ لَقُلْتُ: وَايْمُ اللَّهِ- عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ- لَقَدْ تَتَبَّعْتُ مِنْ أَقْوَامِ مِنْهُمْ هَنَات وَهَنَات فِيمَا أَحْرَزُوا، مَا أَحْسَبُهَا وَلا أَسْمَعُهَا مِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، مَا اطَّلَعْنَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّنْيَا مَعَ الآخِرَةِ، وَلَقَدِ اتَّهَمْنَا ثَلاثَةَ نَفَرٍ، فَمَا
(4/19)

رَأَيْنَا كَالَّذِي هَجَمْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمَانَتِهِمْ وَزُهْدِهِمْ: طليحة بن خويلد، وعمرو بن معد يكرب، وَقَيْسَ بْنَ الْمَكْشُوحِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِسَيْفِ كِسْرَى عَلَى عُمَرَ وَمِنْطِقَتِهِ وَزِبْرِجِهِ، قَالَ: إِنَّ أَقْوَامًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ! [فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّكَ عَفَفْتَ فَعَفَّتِ الرَّعِيَّةُ] .
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرٍو وَالْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ حِينَ نَظَرَ إِلَى سِلاحِ كِسْرَى: إِنَّ أَقْوَامًا أَدَّوْا هَذَا لَذُوُو أَمَانَةٍ
. ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا- فيما زعم سيف- ستين ألفا
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وَسَعِيدٍ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَلَمَّا بَعَثَ سَعْدٌ بَعْدَ نُزُولِهِ الْمَدَائِنَ فِي طَلَبِ الأَعَاجِمِ، بَلَغَ الطَّلَبُ النَّهْرَوَانَ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا، وَمَضَى الْمُشْرِكُونَ نَحْوَ حُلْوَانَ، فَقَسَّمَ سَعْدٌ الْفَيْءَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَ مَا خَمَسَهُ، فَأَصَابَ الْفَارِسَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَكُلُّهُمْ كَانَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ رَاجِلٌ، وَكَانَتِ الْجَنَائِبُ فِي الْمَدَائِنِ كَثِيرَةً.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي بِمِثْلِهِ، وَقَالُوا جَمِيعًا: وَنَفَلَ مِنَ الأَخْمَاسِ وَلَمْ يَجْهَدْهَا فِي أَهْلِ الْبَلاءِ.
وَقَالُوا جَمِيعًا: قَسَّمَ سَعْدٌ دُورَ الْمَدَائِنِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَوْطَنُوهَا، وَالَّذِي وَلِي الْقَبْضَ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَالَّذِي وَلِيَ الْقَسْمَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ فَتْحُ الْمَدَائِنِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ قَالُوا: وَلَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ الْمَدَائِنَ أَتَمَّ الصَّلاةَ وَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِإِيوَانِ كِسْرَى فَجَعَلَ مَسْجِدًا لِلأَعْيَادِ، وَنَصَبَ فِيهِ مِنْبَرًا، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ- وَفِيهِ التَّمَاثِيلُ- وَيَجْمَعُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ الْفِطْرُ
(4/20)

قِيلَ: ابْرُزُوا، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِي الْعِيدَيْنِ الْبَرَازُ فَقَالَ سَعْدٌ: صَلُّوا فِيهِ، قَالَ: فَصُلِّيَ فِيهِ، وَقَالَ: سَوَاءٌ فِي عُقْرِ الْقَرْيَةِ أَوْ فِي بَطْنِهَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ: عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ الْمَدَائِنَ، وَقَسَّمَ الْمَنَازِلَ، بَعَثَ إِلَى الْعِيَالاتِ، فَأَنْزَلَهُمُ الدُّورَ وَفِيهَا الْمَرَافِقُ، فَأَقَامُوا بِالْمَدَائِنِ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ جَلُولاءَ وَتِكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ، ثُمَّ تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُوفَةِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة وزياد وَالْمُهَلَّبِ، وَشَارَكَهُمْ عَمْرٌو وَسَعِيدٌ: وَجَمَعَ سَعْدٌ الْخُمُسَ، وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يَعْجَبَ مِنْهُ عُمَرُ، مِنْ ثِيَابِ كِسْرَى وَحُلِيِّهِ وَسَيْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ يُعْجِبُ الْعَرَبُ أَنْ يَقَعَ إِلَيْهِمْ، وَنَفَلَ مِنَ الأَخْمَاسِ، وَفَضَلَ بَعْدَ الْقَسْمِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِخْرَاجِ الْخُمُسِ الْقِطْفُ، فَلَمْ تَعْتَدِلْ قِسْمَتُهُ، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: هَلْ لَكُمْ فِي أَنْ تَطِيبَ أَنْفُسُنَا عَنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ، فَنَبْعَثُ بِهِ إِلَى عُمَرَ فَيَضَعَهُ حَيْثُ يَرَى، فَإِنَّا لا نَرَاهُ يَتَّفِقُ قِسْمَتَهُ، وَهُوَ بَيْنَنَا قَلِيلٌ، وَهُوَ يَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَوْقِعًا! فَقَالُوا: نَعَمْ هَا اللَّهِ إِذًا، فَبَعَثَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَكَانَ الْقِطْفُ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا، بُسَاطًا وَاحِدًا مِقْدَارُ جَرِيبٍ، فِيهِ طُرُقٌ كَالصُّوَرِ وَفُصُوصٌ كَالأَنْهَارِ، وَخِلالَ ذَلِكَ كَالدَّيْرِ، وَفِي حَافَاتِهِ كَالأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ وَالأَرْضِ الْمَبْقَلَةِ بِالنَّبَاتِ فِي الرَّبِيعِ مِنَ الْحَرِيرِ عَلَى قُضْبَانِ الذَّهَبِ وَنُوَّارُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ نَفَلَ مِنَ الْخُمُسِ أُنَاسًا، وَقَالَ: إِنَّ الأَخْمَاسَ يُنْفَلُ مِنْهَا مَنْ شَهِدَ وَمَنْ غَابَ مِنْ أَهْلِ الْبَلاءِ فِيمَا بَيْنَ الْخُمُسَيْنِ، وَلا أَرَى الْقَوْمَ جَهَدُوا الْخُمُسَ بِالنَّفْلِ، ثُمَّ قَسَّمَ الْخُمُسَ فِي مَوَاضِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الْقِطْفِ! فَأَجْمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى أَنْ قَالُوا: قَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ لَكَ، فَرِ رَأْيَكَ، إِلا مَا كَانَ مِنْ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ [قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الأَمْرُ كَمَا قَالُوا، وَلَمْ يَبْقَ إِلا التَّرْوِيَةُ، إِنَّكَ إِنْ تَقْبَلْهُ عَلَى هَذَا الْيَوْمَ لَمْ تَعْدِمْ فِي غَدٍ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ] ،
(4/21)

قَالَ: صَدَقْتَنِي وَنَصَحْتَنِي فَقَطَعَهُ بَيْنَهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْمَدَائِنِ بُهَارُ كِسْرَى، ثَقُلَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ لِلشِّتَاءِ إِذَا ذَهَبَتِ الرَّيَاحِينُ، فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا الشُّرْبَ شَرِبُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فِي رِيَاضٍ بُسَاطُ سِتِّينَ فِي سِتِّينَ، أَرْضُهُ بِذَهَبٍ، وَوَشْيُهُ بِفُصُوصٍ، وَثَمَرُهُ بِجَوْهَرٍ، وَوَرَقُهُ بِحَرِيرٍ وَمَاءِ الذَّهَبِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقِطْفَ، فَلَمَّا قسم سعد فيئهم فَضَلَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَتَّفِقْ قِسَمْتُهُ، فَجَمَعَ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ مَلأَ أَيْدِيَكُمْ، وَقَدْ عَسُرَ قَسْمُ هَذَا الْبِسَاطِ، وَلا يَقْوَى عَلَى شِرَائِهِ أَحَدٌ، فَأَرَى أَنْ تَطِيبُوا بِهِ نَفْسًا لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، فَفَعَلُوا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ الْمَدِينَةَ رَأَى رُؤْيَا فَجَمَعَ النَّاسَ، فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْبِسَاطِ، وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، فَمِنْ بَيْنَ مُشِيرٍ بِقَبْضِهِ، وَآخَرَ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ، وَآخَرَ مُرَقِّقٍ، [فَقَامَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى عُمَرَ يَأْبَى حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: لِمَ تَجْعَلْ عِلْمَكَ جَهْلا، وَيَقِينَكَ شَكًّا! إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ] قَالَ: صَدَقْتَنِي فَقَطَعَهَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَصَابَ عَلِيًّا قِطْعَةً مِنْهُ، فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَا هِيَ بِأَجْوَدِ تِلْكَ الْقِطَعِ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَكَانَ الَّذِي ذَهَبَ بِالأَخْمَاسِ، أَخْمَاسِ الْمَدَائِنِ، بَشِيرُ بْنُ الْخَصَّاصِيَةِ، وَالَّذِي ذَهَبَ بِالْفَتْحِ خُنَيْسُ بْنُ فُلانٍ الأَسَدِيُّ، وَالَّذِي وَلِي الْقَبْضَ عَمْرٌو وَالْقَسْمُ سَلْمَانُ قَالُوا: وَلَمَّا قَسَّمَ الْبُسَاطَ بَيْنَ النَّاسِ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي فَضْلِ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ: أُولَئِكَ أَعْيَانُ الْعَرَبِ وَغُرَرُهَا، اجْتَمَعَ لَهُمْ مَعَ الأَخْطَارِ الدِّينُ، هُمْ أَهْلُ الأَيَّامِ وَأَهْلُ الْقَوَادِسِ.
قالوا: ولما اتى بحلى كسرى في المشاهدة فِي غَيْرِ ذَلِكَ- وَكَانَتْ لَهُ عِدَّةُ أَزْيَاءٍ لِكُلِّ حَالَةٍ زِيٌّ- قَالَ: عَلِيَّ بِمُحَلِّمٍ- وَكَانَ أَجْسَمَ عَرَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ
(4/22)

بِأَرْضِ الْمَدِينَةِ فَأُلْبِسَ تَاجَ كِسْرَى عَلَى عَمُودَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَصُبَّ عَلَيْهِ أَوْشِحَتُهُ وَقَلائِدُهُ وَثِيَابُهُ، وَأُجْلِسَ لِلنَّاسِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَفِتْنَتِهَا، ثُمَّ قَامَ عَنْ ذَلِكَ، فَأُلْبِسَ زِيَّهُ الَّذِي يَلِيهِ، فَنَظَرُوا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ نَوْعٍ، حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا كُلِّهَا، ثُمَّ أَلْبَسَهُ سِلاحَهُ، وَقَلَّدَهُ سَيْفَهُ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ أَقْوَامًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ وَنَفَلَ سَيْفَ كسرى محلما، وقال:
احمق بأمري مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا! هَلْ يَبْلُغَنَّ مَغْرُورٌ مِنْهَا إِلا دُونَ هَذَا أَوْ مِثْلَهُ! وَمَا خَيْرُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ سَبَقَهُ كِسْرَى فِيمَا يَضُرُّهُ وَلا يَنْفَعُهُ! إِنَّ كِسْرَى لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ تَشَاغَلَ بِمَا أُوتِيَ عَنْ آخِرَتِهِ، فَجَمَعَ لِزَوْجِ امْرَأَتِهِ أَوْ زَوْجِ ابْنَتِهِ، أَوِ امْرَأَةِ ابنه، ولم يقدم لنفسه، فقدم امرؤ لِنَفْسِهِ وَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا تُحَصَّلُ لَهُ، وَإِلا حُصِّلَتْ لِلثَّلاثَةِ بَعْدَهُ، وَأَحْمِقْ بِمَنْ جَمَعَ لَهُمْ أَوْ لِعَدُوٍّ جَارِفٍ! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ مَقْدَمَ الأَخْمَاسِ عَلَيْهِ حِينَ نَظَرَ إِلَى سِلاحِ كِسْرَى وَثِيَابِهِ وَحُلِيِّهِ، مَعَ ذَلِكَ سَيْفُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ لِجُبَيْرٍ:
إِنَّ أَقْوَامًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ! إِلَى مَنْ كُنْتُمْ تَنْسُبُونَ النُّعْمَانَ؟ فَقَالَ جُبَيْرٌ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسُبُهُ إِلَى الأَشْلاءِ، أَشْلاءِ قَنَصٍ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عُجْمِ بْنِ قَنَصٍ، فَقَالَ: خُذْ سَيْفَهُ فَنَفِّلْهُ إِيَّاهُ، فجهل النَّاسُ عجم، وَقَالُوا لخم وَقَالُوا جَمِيعًا: وَوَلَّى عُمَرُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ صَلاةَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَحَرْبِهِ، فَوَلِيَ ذَلِكَ، وَوَلَّى الْخَرَاجَ النُّعْمَانَ وَسُوَيْدًا ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ مُقَرِّنٍ، سُوَيْدًا عَلَى مَا سَقَى الْفُرَاتُ، وَالنُّعْمَانُ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةَ، وَعَقَدُوا الْجُسُورَ، ثُمَّ وَلَّى عَمَلَهُمَا، وَاسْتَعْفَيَا حُذَيْفَةَ بْنَ أُسَيْدٍ وَجَابِرَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيَّ، ثُمَّ وَلَّى عَمَلَهُمَا بَعْدُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ.
قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- اعنى سنه ست عشره- كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولاءَ، كَذَلِكَ
(4/23)

حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق وكتب إِلَيَّ السَّرِيُّ يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْ سَيْفٍ بِذَلِكَ
. ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْن أبي حازم، قال: لما أقمنا بالمدائن حين هبطناها واقتسمنا ما فيها، وبعثنا إلى عمر بالأخماس، وأوطناها، أتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء، وخندق عليه، وأن أهل الموصل قد عسكروا بتكريت.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أبي طيبة البجلي، عن أبيه بمثله، وزاد فيه: فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إلى سعد: أن سرح هاشم بْن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفا، واجعل على مقدمته القعقاع بْن عمرو، وعلى ميمنته سعر بْن مالك، وعلى ميسرته عمرو بْن مالك بْن عتبة، واجعل على ساقته عمرو بْن مرة الجهني.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وَزِيَادٍ، قَالُوا: وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنْ هَزَمَ اللَّهُ الْجُنْدَيْنِ: جُنْدَ مِهْرَانَ وَجُنْدَ الأَنْطَاقِ، فَقَدِّمِ الْقَعْقَاعَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ عَلَى حَدِّ سَوَادِكُمْ، وَشَارَكَهُمْ عَمْرٌو وَسَعِيدٌ قَالُوا: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ جَلُولاءَ، أَنَّ الأَعَاجِمَ لَمَّا انْتَهَوْا بَعْدَ الْهَرَبِ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى جَلُولاءَ، وَافْتَرَقَتِ الطُّرُقُ بِأَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ وَالْبَابِ وَبِأَهْلِ الْجِبَالِ وَفَارِسَ، تَذَامَرُوا وَقَالُوا: إِنِ افْتَرَقْتُمْ لَمْ تَجْتَمِعُوا أَبَدًا، وَهَذَا مَكَانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَجْتَمِعْ لِلْعَرَبِ بِهِ وَلْنُقَاتِلْهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى كُنَّا قَدْ قَضَيْنَا الَّذِي عَلَيْنَا، وَأَبْلَيْنَا عُذْرًا فَاحْتَفَرُوا الْخَنْدَقَ، وَاجْتَمَعُوا فِيهِ عَلَى مِهْرَانَ الرَّازِي، وَنَفَذَ يَزْدَجَرْدَ إِلَى حُلْوَانَ فَنَزَلَ بِهَا، وَرَمَاهُمْ بالرجال،
(4/24)

وَخَلَّفَ فِيهِمُ الأَمْوَالَ، فَأَقَامُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِهِ الْحَسَكَ مِنَ الْخَشَبِ إِلا طُرُقَهُمْ قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَسْتَعِينُ فِي حَرْبِهِ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اسْتَعَانَ بِهِمْ، فَكَانَ لا يُؤَمِّرُ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلا عَلَى النَّفَرِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ، وَكَانَ لا يَعْدِلُ أَنْ يُؤَمِّرَ الصَّحَابَةَ إِذَا وَجَدَ من يجزى عَنْهُ فِي حَرْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَفِي التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَلا يُطْمِعُ مَنِ انْبَعَثَ فِي الرده في الرياسة، وَكَانَ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ حِشْوَةً إِلَى أَنْ ضَرَبَ الإِسْلامُ بِجِرَانِهِ.
ثُمَّ اشْتَرَكَ عَمْرٌو وَمُحَمَّدٌ وَالْمُهَلَّبُ وَطَلْحَةُ وَسَعِيدٌ، فَقَالُوا: ففصل هاشم ابن عُتْبَةَ بِالنَّاسِ مِنَ الْمَدَائِنِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَعْلامِ الْعَرَبِ مِمَّنِ ارْتَدَّ وَمِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَسَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى جَلُولاءَ أَرْبَعًا، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ وَطَاوَلَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، وَجَعَلُوا لا يَخْرُجُونَ عَلَيْهِمْ إِلا إِذَا أَرَادُوا، وَزَاحَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِجَلُولاءَ ثَمَانِينَ زَحْفًا، كُلُّ ذَلِكَ يُعْطِي اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمُ الظَّفْرَ، وَغَلَبُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَسَكِ الْخَشَبِ، فَاتَّخَذُوا حَسَكَ الْحَدِيدِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عقبة بْن مكرم، عن بطان بْن بشر، قال: لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء وأهاويل، وجعل هاشم يقوم في الناس، ويقول: إن هذا المنزل منزل له ما بعده، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين، فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: أبلوا اللَّه بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا، وبعث اللَّه عليهم ريحا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم
(4/25)

أو نموت دونه! فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل، وتركوا للمجال.
وجها، فخرجوا على المسلمين منه، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير، إلا أنه كان أكمش وأعجل، وانتهى القعقاع بْن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فأقبلوا إليه، ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله وإنما أمر بذلك ليقوي المسلمين به، فحمل المسلمون ولا يشكون إلا أن هاشما فيه، فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بْن عمرو، وقد أخذ به، وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، وعادوا رجالة، وأتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل اللَّه منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه، قال: إني لفي أوائل الجمهور، مدخلهم ساباط ومظلمها، وإني لفي أوائل الجمهور حين عبروا دجلة، ودخلوا المدائن، ولقد أصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بْن وائل لسد منهم مسدا، عليه جوهر، فأديته، فما لبثنا بالمدائن إلا قليلا حتى بلغنا أن الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما، وقدموا عيالاتهم إلى الجبال، وحبسوا الأموال، فبعث إليهم سعد عمرو بْن مالك بْن عتبة بْن أهيب بْن عبد مناف بْن زهرة، وكان جند جلولاء اثني عشر ألفا من المسلمين، على مقدمتهم القعقاع بْن عمرو، وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم، فلما مروا ببابل مهروذ صالحه دهقانها، على أن يفرش له جريب أرض دراهم، ففعل وصالحه ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء، فوجدهم قد خندقوا وتحصنوا في خندقهم، ومعهم بيت ما لهم، وتواثقوا وتعاهدوا بالنيران ألا يفروا، ونزل المسلمون قريبا منهم، وجعلت
(4/26)

الأمداد تقدم على المشركين كل يوم من حلوان، وجعل يمدهم بكل من أمده من أهل الجبال، واستمد المسلمون سعدا فأمدهم بمائتي فارس، ثم مائتين، ثم مائتين ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين.
وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بْن فلان، أحد بني عبد الدار، وعلى خيل الأعاجم خرزاذ بْن خرهرمز- فاقتتلوا قتالا شديدا، لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن، حتى انفذوا النبل، وحتى أنفدوا النشاب، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر، ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع بْن عمرو على الناس، فقال: أهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون وهم مريحون، والكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال:
إنا حاملون عليهم ومجادوهم وغير كافين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبن أحد منكم فحمل فانفرجوا، فما نهنه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنة ويسرة، وجاء في الأمداد طليحة وقيس بْن المكشوح وعمرو بْن معد يكرب وحجر بْن عدي، فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل، ونادى منادي القعقاع بْن عمرو: أين تحاجزون وأميركم في الخندق! فتفار المشركون، وحمل المسلمون، فأدخل الخندق، فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب، وإذا فرش على إنسان فأنبشه، فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس، فأخذتها وثيابها، فأديت الثياب، وطلبت في الجارية حتى صارت إلي فاتخذتها أم ولد.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن حماد بْن فلان البرجمي، عن أبيه، أن خارجة بْن الصلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب
(4/27)

أو فضة موشحة بالدر والياقوت مثل الجفرة إذا وضعت على الأرض، وإذا عليها رجل من ذهب موشح كذلك، فجاء بها وبه حتى أداهما.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وَسَعِيدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُجَالِدِ وَعُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ، قَالُوا: وَأَمَرَ هَاشِمٌ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو بِالطَّلَبِ، فَطَلَبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ خَانقِينَ، وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ يَزْدَجَرْدَ سَارَ مِنْ حُلْوَانَ نَحْوَ الْجِبَالِ، وَقَدِمَ الْقَعْقَاعُ حُلْوَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ: إِنْ هَزَمَ اللَّهُ الْجُنْدَيْنِ، جُنْدَ مِهْرَانَ وَجُنْدَ الأَنْطَاقِ، فَقَدِّمِ الْقَعْقَاعَ، حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْجَبَلِ، عَلَى حَدِّ سَوَادِكُمْ فَنَزَلَ الْقَعْقَاعُ بِحُلْوَانَ فِي جُنْدٍ مِنَ الأَفْنَاءِ وَمِنَ الْحَمْرَاءِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ النَّاسُ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ لَحِقَ بِهِ الْقَعْقَاعُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الثَّغْرِ قُبَاذَ- وكان من الحمراء، واصله من خراسان- ونقل مِنْهَا مَنْ شَهِدَهَا، وَبَعْضَ مَنْ كَانَ بِالْمَدَائِنِ نَائِيًا.
وَقَالُوا- وَاشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ: وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِفَتْحِ جَلُولاءَ وَبِنُزُولِ الْقَعْقَاعِ حُلْوَانَ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ، فَأَبَى، وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ سَدًّا لا يَخْلُصُونَ إِلَيْنَا وَلا نَخْلُصُ إِلَيْهِمْ، حَسْبُنَا مِنَ الرِّيفِ السَّوَادُ، إِنِّي آثَرْتُ سَلامَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الأَنْفَالِ، قَالُوا: وَلَمَّا بَعَثَ هَاشِمٌ الْقَعْقَاعَ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، ادرك مهران بخانقين، فقتله وادرك الفيرزان فَنَزَلَ، وَتَوَقَّلَ فِي الظِّرَابِ، وَخَلَّى فَرَسَهُ، وَأَصَابَ الْقَعْقَاعُ سَبَايَا، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى هَاشِمٍ مِنْ سَبَايَاهُمْ، وَاقْتَسَمُوهُمْ فِيمَا اقْتَسَمُوا مِنَ الْفَيْءِ فَاتُّخِذْنَ، فَوَلَدْنَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ السَّبْيُ يُنْسَبُ إِلَى جلولاء، فيقال: سَبْيُ جَلُولاءَ، وَمِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ أُمُّ الشَّعْبِيِّ، وَقَعَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، فَوَلَدَتْ فَمَاتَ عَنْهَا فَخَلَفَ عَلَيْهَا شَرَاحِيلُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَامِرًا، وَنَشَأَ فِي بَنِي عَبْسٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب،
(4/28)

قالوا: واقتسم في جلولاء على كل فارس تسعة آلاف، تسعة آلاف، وتسعة من الدواب، ورجع هاشم بالأخماس إلى سَعْدٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: أفاء اللَّه على المسلمين ما كان في عسكرهم بجلولاء وما كان عليهم، وكل دابة كانت معهم إلا اليسير لم يفلتوا بشيء من الأموال، وولي قسم ذلك بين المسلمين سلمان بْن ربيعة، فكانت إليه يومئذ الأقباض والأقسام، وكانت العرب تسميه لذلك سلمان الخيل، وذلك أنه كان يقسم لها ويقصر بما دونها، وكانت العتاق عنده ثلاث طبقات، وبلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن المجالد وعمرو، عن الشعبي، قال: اقتسم الناس فيء جلولاء على ثلاثين ألف ألف، وكان الخمس ستة آلاف ألف.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحه ومحمد والمهلب وسعيد، قالوا: ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيا بالمدائن، وبعث بالأخماس مع قضاعى ابن عمرو الدؤلي من الأذهاب والأوراق والآنية والثياب، وبعث بالسبي مع أبي مفزر الأسود، فمضيا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ زَهْرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالا: بَعَثَ الأَخْمَاسَ مَعَ قُضَاعِيٍّ وَأَبِي مفزرٍ، وَالْحِسَابَ مَعَ زياد ابن أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ الَّذِي يَكْتُبُ لِلنَّاسِ وَيُدَوِّنُهُمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ كَلَّمَ زِيَادٌ عُمَرَ فِيمَا جَاءَ لَهُ، وَوَصَفَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ فِي النَّاسِ بِمِثْلِ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ شَخْصٌ أَهْيَبُ فِي صَدْرِي مِنْكَ، فَكَيْفَ لا أَقْوَى عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِكَ! فَقَامَ فِي النَّاسِ بِمَا
(4/29)

أَصَابُوا وَبِمَا صَنَعُوا، وَبِمَا يَسْتَأْذِنُونَ فِيهِ مِنَ الانْسِيَاحِ فِي الْبِلادِ فَقَالَ عُمَرُ:
هَذَا الْخَطِيبُ الْمِصْقَعُ، فَقَالَ: إِنَّ جُنْدَنَا أَطْلَقُوا بِالْفِعَالِ لِسَانَنَا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ زَهْرَةَ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: لَمَّا قُدِمَ عَلَى عُمَرَ بِالأَخْمَاسِ مِنْ جَلُولاءَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لا يَجِنُّهُ سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى أَقْسِمَهُ فَبَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ يَحْرُسَانِهِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ فِي النَّاسِ فَكَشَفَ عَنْهُ جَلابِيبَهُ- وَهِيَ الأَنْطَاعُ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَاقُوتِهِ وَزَبْرَجِدِهِ وَجَوْهَرِهِ بَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرحمن: ما يبكيك يا امير المؤمنين، فو الله إِنَّ هَذَا لَمَوْطِنُ شُكْرٍ! فَقَالَ:
عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ يُبْكِينِي، وَتَاللَّهِ مَا أَعْطَى اللَّهُ هَذَا قَوْمًا إِلا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا إِلا أُلْقِيَ بِأَسْهُمٍ بَيْنَهُمْ وَأُشْكِلَ عَلَى عُمَرَ فِي أَخْمَاسِ الْقَادِسِيَّةِ حَتَّى خَطَرَ عَلَيْهِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ يَعْنِي مِنَ الْخُمُسِ- فَوَضَعَ ذَلِكَ في اهله، فأجرى جلولاء مجرى خمس القادسية عن ملا وَتَشَاوُرٍ وَإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفَلَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وَسَعِيدٍ وَعَمْرٍو، قَالُوا: وَجَمَعَ سَعْدٌ مِنْ وَرَاءِ الْمَدَائِنِ، وَأَمَرَ بِالإِحْصَاءِ فَوَجَدَهُمْ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، وَوَجَدَهُمْ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ أَلْفَ أَهْلِ بَيْتٍ، وَوَجَدَ قِسْمَتَهُمْ ثَلاثَةً لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَهْلِهِمْ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ أَقِرَّ الْفَلاحِينَ عَلَى حَالِهِمْ، إِلا مَنْ حَارَبَ أَوْ هَرَبَ مِنْكَ إِلَى عَدُوِّكَ فَأَدْرَكْتَهُ، وَأَجْرِ لَهُمْ مَا أَجْرَيْتَ لِلْفَلاحِينَ قَبْلَهُمْ، وَإِذَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِي قَوْمٍ فَأَجْرُوا أَمْثَالَهُمْ مَجْرَاهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ فَلاحًا فَأَجَابَهُ: أَمَّا مَنْ سِوَى الْفَلاحِينَ فَذَاكَ إليكم ما لم تغنوه- يَعْنِي تَقْتَسِمُوهُ- وَمَنْ تَرَكَ أَرْضَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَخَلاهَا فَهِيَ لَكُمْ، فَإِنْ دَعَوْتُمُوهُمْ وَقَبِلْتُمْ مِنْهُمُ الْجَزَاءَ وَرَدَدْتُمُوهُمْ قَبْلَ قِسْمَتِهَا فَذِمَّةٌ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُوهُمْ فَفَيْءٌ لَكُمْ لِمَنْ أَفَاءَ اللَّهُ
(4/30)

ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَحْظَى بِفَيْءِ الأَرْضِ أَهْلَ جَلُولاءَ، اسْتَأْثَرُوا بِفَيْءِ مَا وَرَاءَ النَّهْرَوَانِ، وَشَارَكُوا النَّاسَ فِيمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَقَرُّوا الْفَلاحِينَ وَدَعَوْا مَنْ لَجَّ، وَوَضَعُوا الْخَرَاجَ عَلَى الْفَلاحِينَ وَعَلَى مَنْ رَجَعَ وَقَبِلَ الذِّمَّةَ، وَاسْتَصْفُوا مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى وَمَنْ لَجَّ مَعَهُمْ فَيْئًا لِمَنْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لا يُجَازُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ إِلا مِنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ- يَعْنِي فِيمَنْ لَمْ يَفِئْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُعَامِلُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَفِئْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ- فَأَقَرَّهُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَقْتَسِمُوهُ، لأَنَّ قِسْمَتَهُ لَمْ تَتَأَتَّ لَهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ الآجَامُ وَمَغِيضُ الْمِياهِ وَمَا كَانَ لِبُيُوتِ النَّارِ وَلِسِكَكِ الْبُرُدِ، وَمَا كَانَ لِكِسْرَى وَمَنْ جَامَعَهُ، وَمَا كَانَ لِمَنْ قُتِلَ، والأرحاء، فكان بعض مَنْ يَرِقُّ يَسْأَلُ الْوُلاةَ قَسْمَ ذَلِكَ، فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، أَبَوْا ذَلِكَ، فَانْتَهَوْا إِلَى رَأْيِهِمْ وَلَمْ يُجِيبُوا، وَقَالُوا: لَوْلا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ كَانَ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْ مَلإٍ لَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن طلحة بْن الأعلم، عن ماهان، قال: لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الأيام إلا أهل قريات، أخذوها عنوة، كلهم نكث، ما خلا أولئك القريات، فلما دعوا إلى الرجوع صاروا ذمة، وعليهم الجزاء، ولهم المنعة، إلا ما كان لآل كسرى ومن معهم، فإنه صافية فيما بين حلوان والعراق، وكان عمر قد رضي بالسواد من الريف.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن مَاهَانَ، قَالَ: كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فِي الصَّوَافِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَنِ اعْمَدُوا إِلَى الصَّوَافِي الَّتِي أَصْفَاكُمُوهَا اللَّهُ، فَوَزِّعُوهَا عَلَى مَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجُنْدِ، وَخُمْسٌ فِي مَوَاضِعِهِ إِلَيَّ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَنْزِلُوهَا فَهُوَ الَّذِي لهم فلما
(4/31)

جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ رَأَوْا أَلا يَفْتَرِقُوا فِي بِلادِ الْعَجَمِ، وَأَقَرُّوهَا حَبِيسًا لَهُمْ يُوَلُّونَهَا مَنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهَا فِي كُلِّ عَامٍ، وَلا يُوَلُّونَهَا إِلا مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّضَا، وَكَانُوا لا يَجْمَعُونَ إِلا عَلَى الأُمَرَاءِ، كَانُوا بِذَلِكَ فِي الْمَدَائِنِ، وَفِي الْكُوفَةِ حِينَ تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُوفَةِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ: أَنِ احْتَازُوا فَيْئَكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَتَقَادَمَ الأَمْرُ يَلْحَجُ، وَقَدْ قَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَيْهِمْ فَاشْهَدْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الْوَلِيدِ بْن عَبْدِ اللَّه، عَنْ أَبِيهِ، قال: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزاء عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين، وكانت الضيافة لمن أفاءها اللَّه خاصة ميراثا.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أَبِي ثَابِتٍ بِنَحْوٍ مِنْهُ، وَقَالُوا جَمِيعًا: كَانَ فَتْحُ جَلُولاءَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي أَوَّلِهَا، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَقَالُوا جَمِيعًا: كَانَ صُلْحُ عُمَرَ الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ الذِّمَّةِ، أَنَّهُمْ إِنْ غَشُّوا الْمُسْلِمِينَ لِعَدُوِّهِمْ بَرِئَتْ مِنْهُمُ الذِّمَّةُ، وَإِنْ سَبُّوا مُسْلِمًا أَنْ يُنْهَكُوا عُقُوبَةً، وَإِنْ قَاتَلُوا مُسْلِمًا أَنْ يُقْتَلُوا، وَعَلَى عُمَرَ مَنَعْتُهُمْ، وَبَرِئَ عُمَرُ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ مِنْ مَعَرَّةِ الْجُيُوشِ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُسْتَنِيرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِمِثْلِهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الري، كانوا بها حماة أهل
(4/32)

فارس ففنى أهل الري يوم جلولاء وقالوا جميعا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم، وصار السواد ذمة لهم إلا ما أصفاهم اللَّه به من مال الأكاسرة، ومن لج معهم وقالوا جميعا: ولما بلغ أهل فارس قول عمر ورأيه في السواد وما خلفه، قالوا: ونحن نرضى بمثل الذي رضوا به، لا يرضى أكراد كل بلد أن ينالوا من ريفهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد وحكيم بْن عمير، عن إبراهيم بْن يزيد، قال: لا يحل اشتراء أرض فيما بين حلوان والقادسية، والقادسية من الصوافي، لأنه لمن أفاءه اللَّه عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي مثله.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: اشْتَرَى جَرِيرٌ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ صَافِيَةً عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ الشِّرَاءَ وَكَرِهَهُ، وَنَهَى عَنْ شِرَاءِ شَيْءٍ لَمْ يَقْتَسِمْهُ أَهْلُهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بْن قيس، قال: قلت للشعبي: أخذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإن بعضهم صالح وبعضهم غلب، قلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز، عن حبيب بْن أبي ثابت، قال: ليس لأحد من أهل السواد عقد إلا بني صلوبا وأهل الحيرة وأهل كلواذى وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا، ثم دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا وقال هاشم بْن عتبة في يوم جلولاء:
يوم جلولاء ويوم رستم ... ويوم زحف الكوفة المقدم
ويوم عرض النهر المحرم ... من بين أيام خلون صرم
(4/33)

شيبن أصداغي فهن هرم ... مثل ثغام البلد المحرم
وقال أبو بجيد في ذلك:
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردي بأسد عوابس
ففضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس!
وأفلتهن الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حز القوانس
أقاموا بدار للمنية موعد ... وللترب تحثوها خجوج الروامس
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ جَلُولاءَ فَسَرِّحِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي آثَارِ الْقَوْمِ حَتَّى يَنْزِلَ بِحُلْوَانَ فَيَكُونَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ وَيَحْرِزَ اللَّهُ لَكُمْ سَوَادَكُمْ فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ جَلُولاءَ، أَقَامَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بِجَلُولاءَ، وَخَرَجَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي آثَارِ الْقَوْمِ إِلَى خَانقِينَ فِي جُنْدٍ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَمِنَ الْحَمْرَاءِ، فَأَدْرَكَ سَبْيًا مِنْ سَبْيِهِمْ، وَقَتَلَ مُقَاتِلَةَ مَنْ أَدْرَكَ، وَقَتَلَ مِهْرَانَ وَأَفْلَتَ الْفيرزَانُ، فَلَمَّا بَلَغَ يَزْدَجَرْدَ هَزِيمَةُ أَهْلِ جَلُولاءَ وَمُصَابُ مِهْرَانَ، خَرَجَ مِنْ حُلْوَانَ سَائِرًا نَحْوَ الرَّيِّ، وَخَلَّفَ بِحُلْوَانَ خيلا عليها خسرو شنوم، وَأَقْبَلَ الْقَعْقَاعُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقَصْرِ شِيرِينَ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخٍ مِنْ حُلْوَانَ خَرَجَ إِلَيْهِ خسرو شنوم، وَقَدِمَ الزَّيْنَبِيُّ دِهْقانُ حُلْوَانَ، فَلَقِيَهُ الْقَعْقَاعُ فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ الزَّيْنَبِيُّ، وَاحْتق فِيهِ عُمَيْرَةُ بْنُ طَارِقٍ وَعَبْدُ اللَّهِ، فَجَعَلَهُ وَسَلْبَهُ بَيْنَهُمَا، فَعَدَّ عُمَيْرَةُ ذلك حقره وهرب خسرو شنوم، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُلْوَانَ وَأَنْزَلَهَا الْقَعْقَاعُ الْحَمْرَاءَ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ قُبَاذَ، وَلَمْ يَزَلِ الْقَعْقَاعُ هُنَالِكَ عَلَى الثَّغْرِ وَالْجَزَاءُ بَعْدُ مَا دَعَاهُمْ،
(4/34)

فَتَرَاجَعُوا وَأَقَرُّوا بِالْجَزَاءِ إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَحِقَ بِهِ، وَاسْتَخْلَفَ قباذ على الثغر، وكان اصله خراسانيا
. ذكر فتح تكريت
وَكَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رِوَايَةِ سَيْفٍ- فَتْحُ تِكْرِيتَ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى مِنْهَا.
ذكر الخبر عن فتحها:
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَسَعِيدٍ، وَشَارَكَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَيْبَةَ، قَالُوا: كَتَبَ سَعْدٌ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى الأَنْطَاقِ وَإِقْبَالِهِ حَتَّى نَزَلَ بِتِكْرِيتَ، وَخَنْدَقَ فِيهِ عَلَيْهِ لِيَحْمِيَ أَرْضَهُ، وَفِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ جَلُولاءَ عَلَى مِهْرَانَ مَعَهُ، فَكَتَبَ فِي جَلُولاءَ مَا قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُ، وَكَتَبَ فِي تِكْرِيتَ وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى الأَنْطَاقِ بِهَا: أَنْ سَرِّحْ إِلَى الأَنْطَاقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَاسْتَعْمِلْ على مقدمته ربعي ابن الأَفْكَلِ الْعَنَزِيَّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَارِثَ بْنَ حَسَّانٍ الذُّهْلِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيَّ، وَعَلَى سَاقَتِهِ هَانِئَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عرفجة ابن هَرْثَمَةَ، فَفَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ فِي خَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَسَارَ إِلَى تِكْرِيتَ أَرْبَعًا، حَتَّى نَزَلَ عَلَى الأَنْطَاقِ، وَمَعَهُ الرُّومُ وَإِيَادٌ وَتَغْلِبُ وَالنَّمِرُ وَمَعَهُ الشَّهَارِجَةُ وَقَدْ خَنْدَقُوا بِهَا، فَحَصَرَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَزَاحَفُوا فِيهَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا، وَكَانُوا أَهْوَنَ شَوْكَةً، وَأَسْرَعَ أَمْرًا مِنْ أَهْلِ جَلُولاءَ، وَوُكِّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ بِالْعَرَبِ لِيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَإِلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الرُّومِ، فَهُمْ لا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ أَنَّهُمْ لا يَخْرُجُونَ خَرْجَةً إِلا كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَيُهْزَمُونَ فِي كُلِّ مَا زَاحَفُوهُمْ، تَرَكُوا أُمَرَاءَهُمْ، وَنَقَلُوا مَتَاعَهُمْ إِلَى السُّفُنِ، وَأَقْبَلَتِ الْعُيُونُ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ بِالْخَبَرِ، وَسَأَلُوهُ لِلْعَرَبِ السَّلْمَ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَجَابُوا لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: ان كنتم
(4/35)

صَادِقِينَ بِذَلِكَ فَاشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقِرُّوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَعْلِمُونَا رَأْيَكُمْ فَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَرَدُّوهُمْ إِلَيْهِ بِالإِسْلامِ، فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَاعْلَمُوا أَنَّا قَدْ نَهَدْنَا إِلَى الأَبْوَابِ الَّتِي تَلِينَا لِنَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، فَخُذُوا بِالأَبْوَابِ الَّتِي تَلِي دِجْلَةَ، وَكَبِّرُوا وَاقْتُلُوا مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تُوَاطِئُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَنَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ لِمَا يَلِيهِمْ وَكَبَّرُوا، وَكَبَّرَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ، وَقَدْ أَخَذُوا بِالأَبْوَابِ، فَحَسِبَ الْقَوْمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ مِمَّا يَلِي دِجْلَةَ، فَبَادَرُوا الأَبْوَابَ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَقْبِلَتُهُمْ، وَسُيُوف الربعيين الذين أسلموا ليتئذ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَهْلِ الخْنَدْقِ إِلا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَهِدَ إِلَى سَعْدٍ، إِنْ هُمْ هُزِمُوا أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ بِتَسْرِيحِ ابْنِ الأَفْكَلِ الْعَنَزِيِّ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَسَرَّحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ ابْنَ الأَفْكَلِ الْعَنَزِيَّ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَأَخَذَ بِالطَّرِيقِ، وَقَالَ: اسْبِقِ الخبر، وسر ما دون القيل، واحى اللَّيْلَ وَسَرِّحْ مَعَهُ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَالنَّمِرَ، فَقَدِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ عُتْبَةُ بْنُ الْوَعْلِ، أَحَدُ بَنِي جُشَمِ بْنِ سَعْدٍ وَذُو الْقِرْطِ وَأَبُو وَدَاعَةَ بْنُ أَبِي كَرِبٍ وَابْنُ ذِي السُّنَيْنَةِ قَتِيلُ الْكِلابِ وَابْنُ الْحُجَيْرِ الإِيَادِيُّ وَبِشْرُ بْنُ أَبِي حَوْطٍ مُتَسَانِدِينَ، فَسَبَقُوا الْخَبَرَ إِلَى الْحِصْنَيْنِ وَلَمَّا كَانُوا منها قريبا قدموا عتبة ابن الْوَعْلِ فَادَّعَى بِالظَّفْرِ وَالنَّفْلِ وَالْقَفْلِ، ثُمَّ ذُو الْقِرْطِ، ثُمَّ ابْنُ ذِي السُّنَيْنَةِ، ثُمَّ ابْنُ الْحَجِيرِ، ثُمَّ بِشْرٌ، وَوَقَفُوا بِالأَبْوَابِ، وَقَدْ أَخَذُوا بِهَا، وَأَقْبَلَتْ سَرَعَانُ الْخَيْلِ مَعَ رِبْعِيِّ بْنِ الأَفْكَلِ حَتَّى اقْتَحَمَتْ عَلَيْهِمُ الْحِصْنَيْنِ، فَكَانَتْ إِيَّاهَا، فَنَادَوْا بِالإِجَابَةِ إِلَى الصُّلْحِ، فَأَقَامَ مَنِ اسْتَجَابَ، وَهَرَبَ مَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ، إِلَى أَنْ أَتَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ دَعَا مَنْ لَجَّ وَذَهَبَ، وَوَفَّى لِمَنْ أَقَامَ، فَتَرَاجَعَ الْهُرَّابُ وَاغْتَبَطَ الْمُقِيمُ، وَصَارَتْ لَهُمْ جَمِيعًا الذِّمَّةُ وَالْمَنْعَةُ، وَاقْتَسَمُوا فِي تِكْرِيتَ عَلَى كُلِّ سَهْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ آلافٍ وَلِلرَّاجِلِ أَلْفٌ، وَبَعَثُوا بِالأَخْمَاسِ مَعَ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ، وَبِالْفَتْحِ
(4/36)

مَعَ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانٍ وَوَلَّى حَرْبَ الْمَوْصِلِ ربعي بن الأفكل، والخراج عرفجة ابن هرثمة
. ذكر فتح ماسبذان
وفي هذه السنة- أعني سنة ست عشرة- كان فتح ماسبذان أيضا.
ذكر الخبر عن فتحها:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ قالوا: ولما رجع هاشم بن عتبة من جَلُولاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ، بَلَغَ سَعْدًا أَنَّ آذِينَ بْنَ الْهُرْمُزَانِ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى السَّهْلِ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: ابْعَثْ إِلَيْهِمْ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي جُنْدٍ وَاجْعَلْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ ابْنَ الْهُذَيْلِ الأَسَدِيَّ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ الرَّاسِبِيَّ حَلِيفَ بَجِيلَةَ، وَالْمُضَارِبَ بْنَ فُلانٍ الْعِجْلِيَّ، فَخَرَجَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ فِي الْجُنْدِ، وَقَدِمَ ابْنُ الْهُذَيْلِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَهْلِ مَاسَبَذَانَ، فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ يُدْعَى بَهَنْدَفَ، فَاقْتَتَلُوا بِهَا، فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَذَ ضِرَارٌ آذِينَ سَلْمًا، فَأَسَرَهُ فَانْهَزَمَ عَنْهُ جَيْشُهُ فَقَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ثُمَّ خَرَجَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السِّيرَوَانِ فَأَخَذَ مَاسَبَذَانَ عَنْوَةً فَتَطَايَرَ أَهْلُهَا فِي الْجِبَالِ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تَحَوَّلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ الْهُذَيْلِ عَلَى مَاسَبَذَانَ فَكَانَتْ إِحْدَى فروج الكوفه

ذكر وقعه قرقيسياء
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ قَرْقِيسِيَاءَ فِي رَجَبٍ.
ذكر الخبر عن الوقعة بها:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمُ بن عتبة عن جَلُولاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ
(4/37)

وَقَدِ اجْتَمَعَتْ جُمُوعُ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، فَأَمَدُّوا هِرَقْلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَبَعَثُوا جُنْدًا إِلَى أَهْلِ هِيتَ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي جُنْدٍ، وَابْعَثْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْحَارَثَ بْنَ يَزِيدَ الْعَامِرِيَّ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ رِبْعِيَّ بْنَ عامر ومالك ابن حَبِيبٍ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ فِي جُنْدِهِ سائرا نحو هيت، وقدم الحارث ابن يَزِيدَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَنْ بِهِيتَ، وَقَدْ خندقوا عليهم فلما راى عمر ابن مَالِكٍ امْتِنَاعَ الْقَوْمِ بِخَنْدَقِهِمْ وَاعْتِصَامِهِمْ بِهِ، اسْتَطَالَ ذَلِكَ، فَتَرَكَ الأَخْبِيَةَ عَلَى حَالِهَا وَخَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ مُحَاصِرَهُمْ، وَخَرَجَ فِي نِصْفِ النَّاسِ يُعَارِضُ الطَّرِيقَ حَتَّى يَجِيءَ قَرْقِيسِيَاءَ فِي عره، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، فَأَجَابُوا إِلَى الْجَزَاءِ، وَكَتَبَ إِلَى الحارث بن يزيد ان هم اسْتَجَابُوا فَخَلِّ عَنْهُمْ فَلْيَخْرُجُوا، وَإِلا فَخَنْدِقْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا أَبْوَابَهُ مِمَّا يَلِيكَ حَتَّى أَرَى مِنْ رَأْيِي فَسَمَحُوا بِالاسْتِجَابَةِ، وَانْضَمَّ الْجُنْدُ إِلَى عُمَرَ وَالأَعَاجِمُ إِلَى أَهْلِ بِلادِهِمْ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَرَبَ عُمَرُ أَبَا مِحْجَنٍ الثقفى الى باضع.
قال: وَفِيهَا تَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَالَ: وَفِيهَا مَاتَتْ مَارِيَةُ أُمُّ وَلَدِ رسول الله ص، أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ، وَقَبْرُهَا بِالْبَقِيعِ، فِي الْمُحَرَّمِ.
قَالَ: وَفِيهَا كُتِبَ التَّأْرِيخُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رافع، عن ابن المسيب، قال: أول من كتب التأريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي بْن أبي طالب.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدثنا نعيم
(4/38)

ابن حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ، فَسَأَلَهُمْ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ نَكْتُبُ؟ [فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنْ يَوْمِ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ] فَفَعَلَهُ عُمَرُ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ التَّأْرِيخُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا رَسُولُ الله ص الْمَدِينَةَ وَفِيهَا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى اليمن يعلى ابن أُمَيَّةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام كُلِّهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قُرَّةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَرْضِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الأَفْكَلِ، وَعَلَى الْخَرَاجِ بِهَا عَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قَوْلِ آخَرِينَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ على الحرب والخراج- وقيل ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المعتم- وعلى الجزيرة عياض بن عمرو الأشعري
(4/39)

سنة سبع عشرة
ففيها اختطت الكوفة، وتحول سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بْن عمر وروايته.

ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا جَاءَ فَتْحُ جَلُولاءَ وَحُلْوَانَ وَنُزُولُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو بِحُلْوَانَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَجَاءَ فَتْحُ تِكْرِيتَ وَالْحِصْنَيْنِ، وَنُزُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ وَابْنِ الأَفْكَلِ الْحِصْنَيْنِ فِيمَنْ مَعَهُ، وَقَدِمَتِ الْوُفُودُ بِذَلِكَ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هَيْئَتُكُمْ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي أَبْدَأْتُمْ بِهَا، وَلَقَدْ قَدِمَتْ وُفُودُ الْقَادِسِيَّةِ وَالْمَدَائِنِ وَإِنَّهُمْ لَكَمَا أَبْدَءُوا، وَلَقَدِ انْتَكَيْتُمْ فَمَا غَيَّرَكُمْ؟ قَالُوا: وُخُومَةُ الْبِلادِ فَنَظَرَ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَعَجَّلَ سَرَاحَهُمْ، وَكَانَ فِي وُفُودِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ عُتْبَةُ بْنُ الْوَعْلِ، وَذُو الْقِرْطِ، وَابْنِ ذِي السُّنَيْنَةِ، وَابْنُ الْحُجَيْرِ وَبِشْرٌ، فَعَاقَدُوا عُمَرَ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ، فَعَقَدَ لَهُمْ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنَّمَا الإِجْبَارُ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَنْ كَانَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِذَا يَهْرَبُونَ وَيَنْقَطِعُونَ فَيَصِيرُونَ عَجَمًا، فأمر أجمل الصدقة، فَقَالَ: لَيْسَ إِلا الْجَزَاءُ، فَقَالُوا: تُجْعَلُ جِزْيَتُهُمْ مِثْلَ صَدَقَةِ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ مَجْهُودُهُمْ، فَفَعَلَ عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا مِمَّنْ أَسْلَمَ آبَاؤُهُمْ، فَقَالُوا: لَكَ ذَلِكَ، فَهَاجَرَ هَؤُلاءِ التَّغْلِبِيُّونَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ النَّمَرِيِّينَ وَالإِيَادِيِّينَ إِلَى سَعْدٍ بِالْمَدَائِنِ وَخَطُّوا مَعَهُ بَعْدُ بِالْكُوفَةِ، وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ فِي بِلادِهِ عَلَى مَا أَخَذُوا لَهُمْ عَلَى عُمَرَ مُسْلِمُهُمْ وَذِمِّيُّهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عَنِ الشَّعْبُيِّ، قَالَ: كَتَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ أُتْرِفَتْ بُطُونُهَا،
(4/40)

وَخَفَّتْ أَعْضَادُهَا، وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهَا وَحُذَيْفَةُ يَوْمَئِذٍ مَعَ سَعْدٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَأَصْحَابِهِمَا، قَالُوا: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَنْبِئْنِي مَا الَّذِي غَيَّرَ أَلْوَانَ الْعَرَبِ وَلُحُومَهُمْ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْعَرَبَ خَدَّدَهُمْ وَكَفَى أَلْوَانَهُمْ وُخُومَةُ الْمَدَائِنِ وَدِجْلَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْعَرَبَ لا يُوَافِقُهَا إِلا مَا وَافَقَ إِبِلَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، فَابْعَثْ سَلْمَانَ رَائِدًا وَحُذَيْفَةَ- وَكَانَا رَائِدَيِ الْجَيْشِ- فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلا جِسْرٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَمْرِ الْجَيْشِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ أَسْنَدَهُ إِلَى رَجُلٍ، فَبَعَثَ سَعْدٌ حُذَيْفَةَ وَسَلْمَانَ، فَخَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَ الأَنْبَارَ، فَسَارَ فِي غَرْبَيِّ الْفُرَاتِ لا يَرْضَى شَيْئًا، حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ.
وَخَرَجَ حُذَيْفَةُ فِي شَرْقِيِّ الْفُرَاتِ لا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَالْكُوفَةُ عَلَى حَصْبَاءَ- وَكُلُّ رَمْلَةٍ حَمْرَاءَ يُقَالُ لَهَا سَهْلَةٌ، وَكُلُّ حَصْبَاءَ وَرَمْلٍ هَكَذَا مُخْتَلِطَيْنِ فَهُوَ كُوفَةُ- فَأَتَيَا عَلَيْهَا، وَفِيهَا دَيْرَاتٌ ثَلاثَةٌ: دَيْرُ حُرَقَةَ، وَدَيْرُ أُمِّ عَمْرٍو، وَدَيْرُ سَلسلَةَ، وَخِصَاصٌ خِلالَ ذَلِكَ، فَأَعْجَبَتْهُمَا الْبُقْعَةُ، فَنَزَلا فَصَلَّيَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاءِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرْضِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَالرِّيحِ وَمَا ذَرَتْ، وَالنُّجُومِ وَمَا هَوَتْ، وَالْبِحَارِ وَمَا جَرَتْ، وَالشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، وَالْخصاص وَمَا أَجنتْ، بَارِكْ لَنَا فِي هَذِهِ الْكُوفَةِ، وَاجْعَلْهُ مَنْزِلَ ثَبَاتٍ وَكَتَبَ إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: حدثنا أمية بن خالد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عبد الرحمن، قال: لَمَّا هُزِمَ النَّاسُ يَوْمَ جَلُولاءَ، رَجَعَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمَّارٌ خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَاجْتَوَوْهَا، قَالَ عَمَّارٌ: هَلْ تَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ؟ قَالُوا: لا، إِنَّ بِهَا الْبَعُوضَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِنَّ الْعَرَبَ لا تَصْلُحُ بِأَرْضٍ لا تَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ قَالَ: فَخَرَجَ عَمَّارٌ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ
(4/41)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بْن قيس، عن أبيه، عن النسير بْن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذباب، وكتب إلى سعد في بعثه روادا يرتادون منزلا بريا بحريا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة، سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان- وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين، عين بني الحذاء، كانت العرب تقول: أدلع البر لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط، وما كان يلي الطين منه فهو النجاف- فكتب إلى سعد يأمره به.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَلَمَّا قَدِمَ سَلْمَانُ وَحُذَيْفَةُ عَلَى سَعْدٍ، وَأَخْبَرَاهُ عَنِ الْكُوفَةِ، وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ بِالَّذِي ذَكَرَا لَهُ، كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو: أَنْ خَلِّفْ عَلَى النَّاسِ بِجَلُولاءَ قُبَاذَ فِيمَنْ تَبِعَكُمْ إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْحَمْرَاءِ فَفَعَلَ وَجَاءَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَعْدٍ فِي جُنْدِهِ، وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ: أَنْ خَلِّفْ عَلَى الْمَوْصِلِ مُسْلِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ أُسِرَ أَيَّامَ الْقَادِسِيَّةِ فِيمَنِ اسْتَجَابَ لَكُمْ مِنَ الأَسَاوِرَةِ، وَمَنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْهُمْ فَفَعَلَ، وَجَاءَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَعْدٍ فِي جُنْدِهِ، فَارْتَحَلَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى عَسْكَرَ بِالْكُوفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَكَانَ بَيْنَ وَقْعَةِ الْمَدَائِنِ وَنُزُولِ الْكُوفَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ بَيْنَ قِيَامِ عُمَرَ وَاخْتِطَاطِ الْكُوفَةِ ثَلاثُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، اخْتُطَّتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ التَّأْرِيخِ، وَأعطوا الْعَطَايَا بِالْمَدَائِنِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا وفي بهرسير، في المحرم سنه ست عشره، وَاسْتَقَرَّ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ مَنْزِلُهُمُ الْيَوْمَ بَعْدَ ثَلاثِ نَزَلاتٍ قَبْلَهَا، كُلِّهَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا فِي الْمُحَرَّمِ سنه سبع عشره، وَاسْتَقَرَّ بَاقِي قَرَارِهِمَا الْيَوْمَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ يَقُولُ: نَزَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ فِي آخِرِ سَنَةِ سَبْعَ عشره
(4/42)

قال: وحدثنى ابن ابى الرقاد، عن أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلُوهَا حِينَ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فِي أَوَّلِ السَّنَةِ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَيْفٍ قَالُوا: وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَإِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ أَنْ يَتَرَبَّعَا بِالنَّاسِ فِي كُلِّ حِينٍ رَبِيعٌ فِي أَطْيَبِ أَرْضِهِمْ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِمعَاوِنِهِمْ فِي الرَّبِيعِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَبِإِعْطَائِهِمْ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَبِفَيْئِهِمْ عِنْدَ طُلُوعِ الشعري فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ إِدْرَاكِ الْغَلاتِ، وَأَخَذُوا قَبْلَ نُزُولِ الْكُوفَةِ عَطَاءَيْنِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قَيْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُدْعَى الْمَغْرُورَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدْ نَزَلْتُ بِكُوفَة مَنْزِلا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ بَرِيًّا بَحْرِيًّا، يُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَالنَّصِيَّ، وَخَيَّرْتُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدَائِنِ، فَمَنْ أَعْجَبَهُ الْمُقَامُ فِيهَا تَرَكْتُهُ فِيهَا كَالْمَسْلَحَةِ فَبَقِيَ أَقْوَامٌ مِنَ الأَفْنَاءِ، وَأَكْثَرُهُمْ بَنُو عَبْسٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ الْكُوفَةَ، وَاسْتَقَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ الدَّارُ، عَرَفَ الْقَوْمُ أَنْفُسَهُمْ، وَثَابَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا فَقَدُوا ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي بُنْيَانِ الْقَصَبِ، وَاسْتَأْذَنَ فِيهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْعَسْكَرُ أَجَدُّ لِحَرْبِكُمْ وَأَذْكَى لَكُمْ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَكُمْ، وَمَا الْقَصَبُ؟ قَالُوا:
الْعِكْرِشُ إِذَا رُوِيَ قصب فَصَارَ قَصَبًا، قَالَ: فَشَأْنُكُمْ، فَابْتَنَى أَهْلُ الْمِصْرَيْنِ بِالْقَصَبِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَرِيقَ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ وَبِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمَا حَرِيقًا الْكُوفَةُ،
(4/43)

فَاحْتَرَقَ ثَمَانُونَ عَرِيشًا، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا قَصَبَةٌ فِي شوالٍ، فَمَا زَالَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَبَعَثَ سَعْدٌ مِنْهُمْ نَفَرًا إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْبِنَاءِ بِاللَّبِنِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِالْخَبَرِ عَنِ الْحَرِيقِ، وَمَا بَلَغَ مِنْهُمْ- وَكَانُوا لا يَدَعُونَ شَيْئًا وَلا يَأْتُونَهُ إِلا وَآمَرُوهُ فِيهِ- فَقَالَ: افْعَلُوا، وَلا يَزِيدَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَلاثَةِ أَبْيَاتٍ، وَلا تُطَاوِلُوا فِي الْبُنْيَانِ، وَالْزَمُوا السُّنَّةَ تَلْزَمْكُمُ الدَّوْلَةُ فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْكُوفَةِ بِذَلِكَ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُتْبَةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَعَلَى تَنْزِيلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَبُو الْهَيَّاجِ بْنُ مالك، وعلى تنزيل اهل البصره عاصم ابن الدُّلَفِ أَبُو الْجَرْبَاءِ.
قَالَ: وَعَهِدَ عُمَرُ إِلَى الْوَفْدِ وَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ أَلا يَرْفَعُوا بُنْيَانًا فَوْقَ الْقَدْرِ.
قَالُوا: وَمَا الْقَدْرُ؟ قَالَ: مَا لا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ السَّرَفِ، وَلا يُخْرِجُكُمْ مِنَ الْقَصْدِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَضَعُوا بُنْيَانَ الْكُوفَةِ، أَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى أَبِي الْهَيَّاجِ فَأَخْبَرَهُ بِكِتَابِ عُمَرَ فِي الطُّرُقِ، أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَنَاهِجِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَمَا يَلِيهَا ثَلاثِينَ ذِرَاعًا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عِشْرِينَ، وَبِالأَزِقَّةِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، لَيْسَ دُونَ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَفِي الْقَطَائِعِ سِتِّينَ ذِرَاعًا إِلا الَّذِي لِبَنِي ضَبَّةَ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الرَّأْيِ لِلتَّقْدِيرِ، حَتَّى إِذَا أَقَامُوا عَلَى شَيْءٍ قَسَمَ ابو الهياج عليه، فأول شيء خط الكوفه وَبُنِيَ حِينَ عَزَمُوا عَلَى الْبِنَاءِ الْمَسْجِدُ، فَوُضِعَ فِي مَوْضِعِ أَصْحَابِ الصَّابُونِ وَالتَّمَّارِينَ مِنَ السُّوقِ، فَاخْتَطُّوهُ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فِي وَسَطِهِ، رَامٍ شَدِيدُ النَّزْعِ، فَرَمَى عَنْ يَمِينِهِ فَأَمَرَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَبْنِيَ وَرَاءَ مَوْقِعِ ذَلِكَ السَّهْمِ، وَرَمَى مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَأَمَرَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَبْنِيَ وَرَاءَ مَوْقِعِ السَّهْمَيْنِ.
فترك المسجد في مربعه غلوه مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ، وَبَنَى ظِلَّةً فِي مُقَدِّمِهِ، لَيْسَتْ لَهَا مُجَنِّبَاتٌ وَلا مَوَاخِيرُ، والمربعة لاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِئَلا يَزْدَحِمُوا-
(4/44)

وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ مَا خَلا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَانُوا لا يُشْبِهُونَ بِهِ الْمَسَاجِدَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَكَانَتْ ظِلَّتُهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ عَلَى أَسَاطِينَ رُخَامٍ كَانَتْ لِلأَكَاسِرَةِ، سَمَاؤُهَا كَأَسْمِيَةِ الْكَنَائِسِ الرُّومِيَّةِ، وَأَعْلَمُوا عَلَى الصَّحْنِ بِخَنْدَقٍ لِئَلا يَقْتَحِمَهُ أَحَدٌ بِبُنْيَانٍ، وَبَنَوْا لِسَعْدٍ دَارًا بِحِيَالِهِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ مَنْقَبٌ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَجَعَلَ فِيهَا بُيُوتَ الأَمْوَالِ، وَهِيَ قَصْرُ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، بَنَى ذَلِكَ لَهُ روزبه مِنْ آجر بُنْيَانِ الأَكَاسِرَةِ بِالْحِيرَةِ، وَنَهَجَ فِي الْوَدَعَةِ مِنَ الصَّحْنِ خَمْسَةَ مَنَاهِجَ، وَفِي قِبْلَتِهِ أَرْبَعَةُ مَنَاهِجَ، وَفِي شَرْقِيِّهِ ثَلاثَةُ مَنَاهِجَ، وَفِي غَرْبِيِّهِ ثَلاثَةُ مَنَاهِجَ، وَعَلَمُهَا، فَأَنْزَلَ فِي وَدَعَةِ الصَّحْنِ سَلِيمًا وَثَقِيفًا مِمَّا يَلِي الصَّحْنَ عَلَى طَرِيقَيْنِ، وَهَمْدَانُ عَلَى طَرِيقٍ، وَبَجِيلَةَ عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ، وَتَيْمِ اللاتِ عَلَى آخِرِهِمْ وَتَغْلِبَ، وَأَنْزَلَ فِي قِبْلَةِ الصَّحْنِ بَنِي أَسَدٍ عَلَى طَرِيقٍ، وَبَيْنَ بَنِي أَسَدٍ وَالنَّخْعِ طَرِيقٌ، وَبَيْنَ النَّخْعِ وَكِنْدَةَ طَرِيقٌ، وَبَيْنَ كِنْدَةَ وَالأَزْدِ طَرِيقٌ، وَأَنْزَلَ فِي شَرْقِيِّ الصَّحْنِ الأَنْصَارَ، وَمُزَيْنَةَ عَلَى طَرِيقٍ، وَتَمِيمًا وَمُحَارِبًا عَلَى طَرِيقٍ، وَأَسَدًا وَعَامِرًا عَلَى طَرِيقٍ، وَأَنْزَلَ فِي غَرْبِيِّ الصَّحْنِ بِجَالَةَ وَبَجَلَةَ عَلَى طَرِيقٍ، وَجديلَةَ وَأَخْلاطًا عَلَى طَرِيقٍ، وَجُهَيْنَةَ واخلاطا عَلَى طَرِيقٍ، فَكَانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَلُونَ الصَّحْنَ وَسَائِرُ النَّاسِ بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ وَاقْتَسَمَتْ عَلَى السّهمان، فَهَذِهِ مَنَاهِجُهَا الْعُظْمَى وَبَنَوْا مَنَاهِجَ دُونَهَا تُحَاذِي هَذِهِ ثُمَّ تُلاقِيهَا، وَأُخَرَ تَتْبَعُهَا، وَهِيَ دُونَهَا فِي الذَّرْعِ، وَالْمَحَال من ورائها، وفيما بينها، جعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الأعشار من أهل الأيام والقوادس، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها، فلما ردفتهم الروادف، البدء والثناء، وكثروا عليهم، ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلته، ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم، وإلا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم، فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع فيه القبائل، ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق في غير بنيان ولا أعلام وقال عمر: الأسواق على سنة المساجد، من سبق
(4/45)

إلى مقعد فهو له، حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه، وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف، فكان كل من يجيء سواء فيه- وذلك المناخ اليوم دور بنى البكاء- حتى يأتوا بالهياج، فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا وقد بنى سعد في الذين خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا، وأخذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن مما يلي ودعة الدار.
فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار، واجعل الدار قبلته، فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان، يقال له روزبه بْن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبني لك قصرا فأصلهما، ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ثم أنشأه من نقض آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يمنة على القبلة، ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة على بن ابى طالب ع، والرحبة قبلته، ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر، وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بني أزمان معاوية بْن أبي سفيان بنيانه اليوم، على يدي زياد.
ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهي من طوله في السماء، وقال: أشتهي من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بناء لكسرى: لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تنقر ثم تثقب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء، ثم تسقفه، وتجعل له مجنبات ومواخير، فيكون أثبت له فقال: هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني
(4/46)

إليها ولم تعبرها وغلق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث، فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سكن عني الصويت وبلغ عمر ذلك، وأن الناس يسمونه قصر سعد، فدعا مُحَمَّد بْن مسلمة، فسرحه إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك، فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأتي سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسل لهذا من الشأن، وبعث لينظر من هو؟ فإذا هو مُحَمَّد بْن مسلمة، فأرسل إليه رسولا بأن أدخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول والنزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت، فحلف له سعد ما قال الذي قالوا ورجع مُحَمَّد بْن مسلمة من فوره، حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده، فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر، فقدم على عمر، وقد سنق فأخبره خبره كله، فقال: فهلا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل، وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدق سعدا وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطاء أبي مُحَمَّد، مولى إسحاق بْن طلحة، قال: كنت أجلس في المسجد الأعظم قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخير، فأرى منه دير هند وباب الجسر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن ابن شبرمة، عن
(4/47)

الشعبي، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عمر بْن عياش أخي أبي بكر بْن عياش، عن أبي كثير، أن روزبه بْن بزرجمهر بْن ساسان كان همذانيا، وكان على فرج من فروج الروم، فأدخل عليهم سلاحا، فأخافه الأكاسرة، فلحق بالروم، فلم يأمن حتى قدم سعد بْن مالك، فبنى له القصر والمسجد ثم كتب معه إلى عمر، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له عمر وأعطاه، وصرفه إلى سعد مع أكريائه- والأكرياء يومئذ هم العباد- حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له قبر العبادي مات، فحفروا له، ثم انتظروا به من يمر بهم ممن يشهدونه موته، فمر قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأروهموه ليبرءوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العبادي- وقيل قبر العبادي لمكان الأكرياء- قال أبو كثير: فهو والله أبي، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد وزياد، قالوا: ورجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد الى عمر في تعديلهم، فكتب اليه: ان عد لهم، فأرسل إلى قوم من نساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران ومشعله ابن نعيم، فعدلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة- وهم بنو عمرو بْن قيس عيلان- سبعا، وصارت قضاعة- ومنهم يومئذ غسان بْن شبام- وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت، والأزد سبعا، وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سبعا، وصارت تميم وسائر الرباب وهوازن سبعا، وصارت أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب سبعا، وصارت إياد وعك وعبد القيس وأهل هجر والحمراء سبعا، فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلي، وعامة إمارة معاوية، حتى ربعهم زياد
(4/48)

إعادة تعريف الناس
وعرفوهم على مائة ألف درهم، فكانت كل عرافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال، لهم مائة ألف درهم، وكل عرافة من أهل الأيام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكل عيل على مائة، على مائة ألف درهم، وكل عرافة من الرادفة الأولى ستين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على الف وخمسمائة على مائه الف درهم، ثم على هذا من الحساب.
وقال عطية بْن الحارث: قد أدركت مائة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرايات، والرايات على أيادي العرب، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء، فيدفعونه إلى أهله في دورهم
. فتوح المدائن قبل الْكُوفَة
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قالوا: فتوح المدائن السواد وحلوان وماسبذان وقرقيسيا، فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعة: حلوان عليها القعقاع بْن عمرو، وماسبذان عليها ضرار بْن الخطاب الفهري، وقرقيسياء عليها عمر بْن مالك أو عمرو بْن عتبة بْن نوفل بْن عبد مناف، والموصل عليها عبد اللَّه بْن المعتم، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحول سعد إلى تمصير الكوفة، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور من يمسك بها ويقوم عليها، فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذ بْن عبد اللَّه، وخليفة عبد اللَّه على الموصل مسلم بْن عبد اللَّه، وخليفة ضرار رافع بْن عبد اللَّه، وخليفة عمر عشنق بْن عبد اللَّه، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة، ويرفعوا عنهم الجزاء، ففعلوا فلما اختطت الكوفة وأذن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابهم من المدائن إلى الكوفة فعلقوها على
(4/49)

ما بنوا وأوطنوا الكوفة وهذه ثغورهم، وليس في أيديهم من الريف إلا ذلك.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفة وسوادها والفروج: حلوان، والموصل، وماسبذان وقرقيسياء ثم وافقهم في الحديث عمرو بْن الريان، عن موسى بْن عيسى الهمداني بمثل حديثهم، ونهاهم عما وراء ذلك، ولم يأذن لهم في الانسياح.
وقالوا جميعا: ولي سعد بْن مالك على الكوفه بعد ما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها، وعماله ما بين الكوفه وحلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء إلى البصرة، ومات عتبة بْن غزوان وهو على البصرة فظع بعمله، وسعد على الكوفة فولى عمر أبا سبرة مكان عتبة بْن غزوان، ثم عزل أبا سبرة عن البصرة، واستعمل المغيرة، ثم عزل المغيرة، واستعمل أبا موسى الأشعري
. ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم
وفي هذه السنة قصدت الروم أبا عبيدة بْن الجراح ومن معه من جند المسلمين بحمص لحربهم، فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة، وهو فيما كتب به إلي السري عن شعيب، عن سيف عن مُحَمَّد وطلحة وعمرو وسعيد- قالوا أول ما اذن عمر للجند بالانسياج، أن الروم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص، فضم أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصن إلى مجيء الغياث، فكان خالد يأمره أن يناجزهم، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصن، ويكتب إلى عمر، فأطاعهم وعصى خالدا، وكتب إلى عمر يخبره بخروجهم عليه،
(4/50)

وشغلهم أجناد أهل الشام عنه، وقد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس فلما وقع الخبر لعمر كتب الى سعد ابن مالك: أن اندب الناس مع القعقاع بْن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم في الجد والحث.
وكتب أيضا إليه أن سرح سهيل بْن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل قرقيسياء لهم سلف وسرح عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان إلى نصيبين، فإن أهل قرقيسياء لهم سلف، ثم لينفضا حران والرهاء وسرح الوليد بْن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرح عياضا، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض بْن غنم- وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بْن الوليد ممدين لأهل الشام، وممن انصرف ايام انصرف أهل العراق ممدين لأهل القادسية، وكان يرافد أبا عبيدة- فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وخرج عياض بْن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفراض وغير الفراض، وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها فاتى الرقة، وخرج عمر من المدينة مغيثا لأبي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأن الجنود قد ضربت من الكوفة، ولم يدروا: الجزيرة يريدون أم حمص! فتفرقوا إلى بلدانهم
(4/51)

وإخوانهم، وخلوا الروم ورأى أبو عبيدة أمرا لما انفضوا غير الأول، فاستشار خالدا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح اللَّه عليهم وقدم القعقاع بْن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة، وقدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم في ثلاث، وبالحكم في ذلك فكتب إليهم أن أشركوهم، وقال: جزى اللَّه أهل الكوفة خيرا! يكفون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ سِيَاهٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: اسْتَمَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ عُمَرَ، وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ، وَتَابَعَهُمُ النَّصَارَى فَحَصَرُوهُ، فَخَرَجَ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَفَرَ إِلَيْهِمْ فِي غَدَاةٍ أَرْبَعَةُ آلافٍ عَلَى الْبِغَالِ يُجَنِّبُونَ الْخَيْلَ، فَقَدِمُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ثَلاثٍ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، وَقَدِ انْتَهَى إِلَى الْجَابِيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَنْ أَشْرِكْهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ نَفَرُوا إِلَيْكُمْ، وَتَفَرَّقَ لَهُمْ عَدُوُّكُمْ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فرس عدة لكون إن كان، يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته، ومن أجل ذلك يسمى ذلك المكان الآري إلى اليوم، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول، فسمته الأعاجم آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء، وكان قيمه عليها سلمان ابن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها، ويجريها في كل عام، وبالبصرة نحو منها، وقيمه عليها جزء بْن معاوية، وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم وتقدموا إلى أن يستعد النَّاسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن حلام، عن شهر ابن مالك بنحو منه فلما فرغوا رجعوا
(4/52)

ذكر فتح الجزيرة
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- افتتحت الجزيرة في رواية سيف وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أنها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة عنه، أن عمر كتب إلى سعد بْن أبي وقاص: إن اللَّه قد فتح على المسلمين الشام والعراق، فابعث من عندك جندا إلى الجزيرة، وأمر عليهم أحد الثلاثة: خالد بْن عرفطة، أو هاشم بْن عتبة، أو عياض بْن غنم.
فلما انتهى إلى سعد كتاب عمر، قال: ما أخر أمير المؤمنين عياض بْن غنم آخر القوم إلا انه له فيه هوى ان أوليه، وأنا موليه فبعثه وبعث معه جيشا، وبعث أبا موسى الأشعري، وابنه عمر بْن سعد- وهو غلام حدث السن ليس إليه من الأمر شيء- وعثمان بْن أبي العاص بْن بشر الثقفي، وذلك في سنة تسع عشرة فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرهاء فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران حين صالحت الرهاء، فصالحه أهلها على الجزية ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، ووجه عمر بْن سعد إلى رأس العين في خيل رداء للمسلمين، وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا، فنزل عليها حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نصيبين، وذلك في سنه تسع عشره ثم وجه عثمان بْن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه صفوان بْن المعطل السلمي شهيدا.
ثم صالح أهلها عثمان بْن أبي العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل.
وأما في رواية سيف، فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد، قالوا:
خرج عياض بْن غنم في أثر القعقاع، وخرج القواد- يعني حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها،
(4/53)

فسلك سهيل بْن عدي وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة، وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرهم حتى صالحوه، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة، فرأى أن يقبل منهم، فبايعوه وقبل منهم، وكان الذي عقد لهم سهيل بْن عدي عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروا ما أخذوا عنوة، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، وخرج عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بلد حتى أتى نصيبين، فلقوه بالصلح، وصنعوا كما صنع أهل الرقة، وخافوا مثل الذي خافوا، فكتبوا إلى عياض، فرأى أن يقبل منهم، فعقد لهم عبد اللَّه بْن عبد اللَّه، وأجروا ما أخذوا عنوة، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، وخرج الوليد بْن عقبة حتى قدم على بني تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم الا اياد ابن نزار، فإنهم ارتحلوا بقليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بْن الخطاب ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبد اللَّه إليه فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذمة ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد اللَّه إلى الرهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، وأجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا، وأيسره فتحا، فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بْن غنم:
من مبلغ الأقوام أن جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام
جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا ... عمن بحمص غيابه القدام
(4/54)

إن الأعزة والأكارم معشر ... فضوا الجزيرة عن فراخ الهام
غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... عن غزو من يأوي بلاد الشام
ولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهل حمص أمد عياض بْن غنم بحبيب ابن مسلمة، فقدم على عياض مددا، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بْن غنم إذ ضم خالدا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بْن عدي وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بْن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بْن عقبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.
قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم:
إنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم، فخرجوا فتم منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عدي بْن زياد، وخنس بقيتهم، فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف، وأبى الوليد بْن عقبة أن يقبل من بني تغلب إلا الإسلام، فقالوا له: أما من نقب على قومه في صلح سعد ومن كان قبله فأنتم وذاك، وأما من لم ينقب عليه أحد ولم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على ألا ينصروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على ألا ينصروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبى بعضهم إلا الجزاء، فرضي منهم بما رضي من العباد وتنوخ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَيْفٍ التغلبى، قال: كان رسول الله ص قَدْ عَاهَدَ وَفْدَهُمْ
(4/55)

عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا، فَكَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ عَلَى الْوَفْدِ وَعَلَى مَنْ وَفَدهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ قَالَ مُسْلِمُوهُمْ: لا تَنْفُرُوهُمْ بِالْخَرَاجِ فَيَذْهَبُوا، وَلَكِنْ أَضْعِفُوا عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ الَّتِي تَأْخُذُونَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَكُونَ جَزَاءً، فَإِنَّهُمْ يَغْضَبُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَزَاءِ عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا مَوْلُودًا إِذَا أَسْلَمَ آبَاؤُهُمْ.
فَخَرَجَ وَفْدُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا بَعَثَ الوليد اليه برءوس النصارى وبديانيهم، قَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَدُّوا الْجِزْيَةَ، فَقَالُوا: لِعُمَرَ: أَبْلِغْنَا مَأْمَنَنَا، وَاللَّهِ لَئِنْ وَضَعْتَ عَلَيْنَا الْجَزَاءَ لَنَدْخُلَنَّ أَرْضَ الرُّومِ، وَاللَّهِ لَتَفْضَحَنَّا مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ فَضَحْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَخَالَفْتُمْ أُمَّتَكُمْ فِيمَنْ خَالَفَ وَافْتَضَحَ مِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ، وَتَاللَّهِ لتؤدُّنَّه وَأَنْتُمْ صَغَرَةٌ قَمَأَةٌ، وَلَئِنْ هَرَبْتُمْ إِلَى الرُّومِ لأَكْتُبَنَّ فِيكُمْ، ثُمَّ لأُسْبِيَنَّكُمْ قَالُوا: فَخُذْ مِنَّا شَيْئًا وَلا تُسَمِّهِ جَزَاءً، فَقَالَ: أَمَّا نَحْنُ فَنُسَمِّيهِ جَزَاءً، وَسَمُّوهُ أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ [فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَمْ يُضْعِفْ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الصَّدَقَةَ؟] قَالَ: بَلَى، وَأَصْغَى إِلَيْهِ، فَرَضِيَ بِهِ مِنْهُمْ جَزَاءً، فَرَجَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ فِي بَنِي تَغْلِبَ عِزٌّ وَامْتِنَاعٌ، وَلا يَزَالُونَ يُنَازِعُونَ الْوَلِيدَ، فَهَمَّ بِهِمُ الْوَلِيدُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
إِذَا مَا عَصَبْتُ الرَّأْسَ مِنِّي بِمِشْوَذٍ ... فَغَيّكَ مِنِّي تَغْلِبَ ابْنَةَ وَائِلِ
وَبَلَغَتْ عَنْهُ عُمَرَ، فَخَافَ أَنْ يَحْرِجُوهُ وَأَنْ يَضْعُفَ صَبْرُهُ فَيَسْطُو عَلَيْهِمْ، فَعَزَلَهُ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ وَهِنْدَ بْنَ عَمْرٍو الْجَمَلِيَّ، وَخَرَجَ الْوَلِيدُ وَاسْتَوْدَعَ إِبِلا لَهُ حُرَيْثَ بْنَ النُّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي كِنَانَةَ بْنِ تَيْمٍ مِنْ بَنِي تغلب، وكانت مائه من الإبل فاختانها بعد ما خَرَجَ الْوَلِيدُ.
وَكَانَ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ فِي سَنَةِ سبع عشره في ذي الحجه
. خروج عمر بن الخطاب الى الشام
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- خَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ
(4/56)

الشَّامَ حَتَّى بَلَغَ سَرْغَ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ عَنْهُ، وَفِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ.
ذكر الخبر عن خروجه إليها:
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّد بْن إسحاق، قال:
خرج عمر إلى الشام غازيا في سنة سبع عشرة، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، فأخبروه أن الأرض سقيمة، فرجع بالناس إلى المدينة.
وقد كان عمر- كما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ، عن عبد الله ابن عَبَّاسٍ- خَرَجَ غَازِيًا، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَوْعَبَ النَّاسَ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِسَرْغَ، لقيه أمراء الأجناد: ابو عبيده ابن الْجَرَّاحِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الأَرْضَ سَقِيمَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: اجْمَعْ إِلَيَّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، قَالَ:
فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَمِنْهُمُ الْقَائِلُ: خَرَجْتَ لِوَجْهٍ تُرِيدُ فِيهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ، وَلا نَرَى أَنْ يَصُدَّكَ عَنْهُ بَلاءٌ عَرَضَ لَكَ وَمِنْهُمُ الْقَائِلُ: إِنَّهُ لَبَلاءٌ وَفَنَاءٌ مَا نَرَى أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ قَالَ:
قُومُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: اجْمَعْ لِي مُهَاجِرَةَ الأَنْصَارِ، فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَأَنَّمَا سَمِعُوا مَا قَالُوا فَقَالُوا مِثْلَهُ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ قَالَ: قُومُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: اجْمَعْ لِي مُهَاجِرَةَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فاستشارهم فلم يختلف عليه مِنْهُمُ اثْنَانِ، وَقَالُوا: ارْجِعْ بِالنَّاسِ، فَإِنَّهُ بَلاءٌ وفناء قال: فقال لي عمر: يا بن عَبَّاسٍ، اصْرُخْ فِي النَّاسِ فَقُلْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظُهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَأَصَبْحَ عُمَرُ عَلَى ظُهْرٍ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَاجِعٌ فَارْجِعُوا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ! قَالَ: نَعَمْ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ
(4/57)

رَجُلا هَبَطَ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ يَرْعَى مَنْ رَعَى الْجَدْبَةَ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَيَرْعَى مَنْ رَعَى الْخَصْبَةِ بِقَدَرِ اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! ثُمَّ خَلا بِهِ بِنَاحِيَةٍ دُونَ النَّاسِ، فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- وَكَانَ مُتَخَلِّفًا عَنِ النَّاسِ لَمْ يَشْهَدْهُمْ بِالأَمْسِ- فَقَالَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَقَالَ: عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ، فَقَالَ: عُمَرُ: فَأَنْتَ عِنْدَنَا الأَمِينُ الْمُصَدَّقُ، فَمَاذَا عِنْدَكَ؟
[قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهَذَا الْوَبَاءِ بِبَلَدٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِهِ فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ،] وَلا يُخْرِجَنَّكُمْ إِلا ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ! انْصَرِفُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَانْصَرَفَ بِهِمْ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد اللَّه بْن عامر بْن ربيعة وسالم بْن عبد اللَّه بْن عمر، أنهما حدثاه أن عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بْن عوف، فلما رجع عمر رجع عمال الأجناد إلى أعمالهم وَأَمَّا سَيْفٌ، فَإِنَّهُ رَوَى فِي ذَلِكَ مَا كتب بِهِ إِلَى السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان وَالرَّبِيعِ، قَالُوا: وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَاسْتَقَرَّ بِالشَّامِ، وَمَاتَ فِيهِ النَّاسُ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ الأَمْصَارِ فِي الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، وَارْتَفَعَ عَنِ النَّاسِ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ مَا خَلا الشَّامِ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْهَا قَرِيبًا بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَقَالَ وقال الصحابه:
[قال رسول الله ص: إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَبَاءٌ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا،] فَرَجَعَ حَتَّى ارْتَفَعَ عَنْهَا، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَبِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْبُلْدَانِ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بِلْدَانِهِمْ لأَنْظُرَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ- وَكَعْبُ الأَحْبَارِ
(4/58)

فِي الْقَوْمِ، وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ أَسْلَمَ- فَقَالَ كَعْبٌ: بِأَيِّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِالْعِرَاقِ، قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الشَّرَّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَالْخَيْرُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، فَجُزْءٌ مِنَ الْخَيْرِ بِالْمَشْرِقِ وَتِسْعَةٌ بِالْمَغْرِبِ، وَإِنَّ جُزْءًا مِنَ الشَّرِّ بِالْمَغْرِبِ وَتِسْعَةً بِالْمَشْرِقِ، وَبِهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، وَكُلُّ دَاءٍ عُضَالٌ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الأَصْبَغِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: [يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ إِنَّ الْكُوفَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّهَا لَقُبَّةُ الإِسْلامِ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ لا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلا أَتَاهَا وَحَنَّ إِلَيْهَا، وَاللَّهِ لَيُنْصَرَنَّ بِأَهْلِهَا كَمَا انْتُصِرَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ] .
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الْمطرحِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: وَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَغْرِبَ أَرْضُ الشَّرِّ، وَإِنَّ الشَّرَّ قُسِّمَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَجُزْءٌ فِي النَّاسِ وَسَائِرُ الأَجْزَاءِ بِهَا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابى يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِي مَاجِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: الْكُوفَةُ رُمْحُ اللَّهِ، وَقُبَّةُ الإِسْلامِ، وَجُمْجُمَةُ الْعَرَبِ، يَكُفُّونَ ثُغُورَهُمْ، وَيَمُدُّونَ الأَمْصَارَ، فَقَدْ ضَاعَتْ مَوَارِيثُ أَهْلِ عِمْوَاسَ، فَأَبْدَأُ بِها.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالُوا: قَالَ عُمَرُ: ضَاعَتْ مَوَارِيثُ النَّاسِ بِالشَّامِ، أَبْدَأُ بِهَا فَأُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ، وَأُقِيمُ لَهُمْ مَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَتَقَلَّبُ فِي الْبِلادِ، وَأَنْبِذُ إِلَيْهِمْ أَمْرِي فَأَتَى عُمَرُ الشَّامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَمَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، لَمْ يَدْخُلْهَا فِي الأُولَى مِنَ الآخِرَتَيْنِ.
كَتَبَ إِلَى السَّرِيِّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: قُسِّمَ الْحِفْظُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي التُّرْكِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْبُخْلُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي فَارِسَ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ السَّخَاءُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ،
(4/59)

فَتِسْعَةٌ فِي السُّودَانِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الشَّبَقُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الْهِنْدِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْحَيَاءُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي النِّسَاءِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْحَسَدُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الْعَرَبِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْكِبْرُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الرُّومِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ] .
واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أي سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة، ففيها كان طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس، فتوفى ابو عبيده ابن الجراح، وهو أمير الناس، ومعاذ بْن جبل، ويزيد بن ابى سفيان، والحارث ابن هشام، وسهيل بْن عمرو، وعتبة بْن سهيل، وأشراف الناس.
وحدثني أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنَا عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْمُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا مُوسَى وَهُوَ فِي دَارِهِ بِالْكُوفَةِ لِنَتَحَدَّثَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَالَ: لا عَلَيْكُمْ أَنْ تخفوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء، سأخبركم بما يكره مما يتقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظن من اقام فاصابه ذلك لو أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بْن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ
(4/60)

ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أما بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر اللَّه لأمير المؤمنين! ثم كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي اللَّه في وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضا غمقه، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدث، فقال: لعل صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فأمر ببعيره فرحل له، فلما وضع رجله في غرزة طعن، فقال: والله لقد أصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَابةَ- رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ قَدْ خَلَفَ عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، كَانَ شَهِدَ طَاعُونَ عِمْوَاسَ- قَالَ: لَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هذا الوجع رحمه بكم ودعوه نبيكم محمد ص، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ فَطُعِنَ فمات،
(4/61)

وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ، فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُمْ، فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، فَمَاتَ ثُمَّ قَامَ فَدَعَا بِهِ لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يُقَبِّلُ ظَهْرَ كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فتجبلوا منه في الجبال فقال ابو وائله الْهُذَلِيُّ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص وَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارِي هَذَا! قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ مَا تَقُولُ، وَايْمِ اللَّهِ لا نُقِيمُ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ النَّاسُ فَتَفَرَّقُوا، وَرَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْ رَأَيِ عَمْرَو بْنِ العاص، فو الله مَا كَرِهَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجِرْمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بَلَغَنِي هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَوْلِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: إِنَّ هذا الوجع رحمه بكم وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، فَكُنْتُ أَقُولُ: كيف دعا به رسول الله ص لأُمَّتِهِ، حَتَّى حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لا أَتَّهِمُ عن رسول الله انه سمعه منه، وجاءه جبريل ع فَقَالَ: إِنَّ فَنَاءَ أُمَّتِكَ يَكُونُ بِالطَّعْنِ أَوِ الطاعون، [فجعل رسول الله ص يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَنَاءَ الطَّاعُونِ!] فَعَرَفْتُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، قال: وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى عُمَرَ مُصَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَمَّرَ معاويه ابن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جُنْدِ دِمَشْقَ وَخَرَاجِهَا، وَأَمَّرَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدِ الأُرْدُنِّ وَخَرَاجِهَا.
وَأَمَّا سَيْفٌ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ طَاعُونَ عَمْوَاسَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ
(4/62)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون- يعنون طاعون عمواس- موتانا لم ير مثله، طمع له العدو في المسلمين، وتخوفت له قلوب المسلمين، كثر موته، وطال مكثه، مكث أشهرا حتى تكلم في ذلك النَّاسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَصَابَ الْبَصْرَةَ مِنْ ذَلِكَ مَوْتٌ ذَرِيعٌ، فَأَمَرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ غُلامًا لَهُ أَعْجَمِيًّا أَنْ يَحْمِلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ عَلَى حِمَارٍ، ثُمَّ يَسُوقَ بِهِ إِلَى سَفَوَانَ، حَتَّى يَلْحَقَهُ فَخَرَجَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى سَفَوَانَ، وَدَنَا مِنَ ابْنِهِ وَغُلامِهِ، فَرَفَعَ الْغُلامُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
لَنْ يعجزوا اللَّه على حمار ... ولا على ذي غرة مطار
قد يصبح الموت أمام الساري
فسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم، قال: ويحك، ما قلت! قال:
ما أدري، قال: ارجع، فرجع بابنه، وعلم أنه قد أسمع آية وأريها.
قال: وعزم رجل على الخروج الى ارض بها الطاعون فتردد بعد ما طعن، فإذا غلام له أعجمي يحدو به:
يا ايها المشعر هما لا تهم ... إنك إن تكتب لك الحمى تحم
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- كان خروج عمر إلى الشام الخرجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف، وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره
. ذكر الخبر عَنْ سَيْفٍ في ذلك، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع، قالوا: وخرج عمر وخلف عليا على المدينة، وخرج معه بالصحابة
(4/63)

وأغذوا السير واتخذ أيلة طريقا، حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق، واتبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه أوائل الناس، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم- يعني نفسه- وذهبوا هم إلى أمامهم، فجازوه حتى انتهى هو إلي أيلة فنزلها وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها.
فرجعوا إليه كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيْلَةَ، وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ دَفَعَ قَمِيصًا لَهُ كَرَابِيسُ قَدِ انْجَابَ مُؤَخِّرُهُ عَنْ قَعْدَتِهِ مِنْ طُولِ السَّيْرِ إِلَى الأُسْقُفِّ، وقال: اغسل هذا وارقعه، فَانْطَلَقَ الأُسْقُفُّ بِالْقَمِيصِ، وَرَقَّعَهُ، وَخَاطَ لَهُ آخَرُ مِثْلَهُ، فَرَاحَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ الأُسْقُفُّ: أَمَّا هَذَا فَقَمِيصُكَ قَدْ غَسَلْتُهُ وَرَقَّعْتُهُ، وَأَمَّا هَذَا فَكِسْوَةٌ لَكَ مِنِّي.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَمَسَحَهُ، ثُمَّ لَبِسَ قَمِيصَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَمِيصَ، وَقَالَ:
هَذَا أَنْشَفُهُمَا لِلْعَرَقِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ وَهِلالٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بِالْجَابِيَةِ يَقُولُ لِعُمَرَ: أَرْبَعٌ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ اسْتَوْجَبَ الْعَدْلَ: الأَمَانَةُ فِي الْمَالِ، وَالتَّسْوِيَّةُ فِي الْقَسْمِ، وَالْوَفَاءُ بالعدة، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْعُيُوبِ، نَظِّفْ نَفْسَكَ وَأَهْلَكَ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أَبِي عُثْمَانَ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي حَارِثَةَ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: قَسَّمَ عُمَرُ الأَرْزَاقَ، وَسَمَّى الشَّوَاتِيَ وَالصَّوَائِفَ، وَسَدَّ فُرُوجَ الشَّامِ وَمَسَالِحَهَا، وَأَخَذَ يَدُورُ بِهَا، وَسَمَّى ذَلِكَ فِي كُلِّ كَوْرَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى السَّوَاحِلِ مِنْ كُلِّ كَوْرَةٍ، وَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدًا تَحْتَهُ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: أَعَنْ
(4/64)

سَخْطَةٍ عَزَلْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لا، إِنَّكَ لَكَمَا أُحِبُّ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ رَجُلا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ، قَالَ: نَعَمْ، فَاعْذُرْنِي فِي النَّاسِ لا تُدْرِكْنِي هُجْنَةٌ، فَقَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا عَزَلْتُ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَخْطَةٍ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ رَجُلا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ وَأَمَّرَ عَمْرَو بْنَ عَبْسَةَ عَلَى الأَهْرَاءِ، وَسَمَّى كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ بِالْوَدَاعِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي ضمرة وأبي عمرو، عن المستورد، عن عدي بْن سهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه وأموره قسم المواريث، فورث بعض الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى الأحياء من ورثة كل امرئ منهم.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي:
وخرج الحارث بْن هشام في سبعين من أهل بيته، فلم يرجع منهم إلا أربعة، فقال المهاجر بْن خالد بْن الوليد:
من يسكن الشام يعرس به ... والشام إن لم يفننا كارب
أفنى بنى ريطة فرسانهم ... عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا أعجب العاجب
طعنا وطاعونا مناياهم ... ذلك ما خط لنا الكاتب
قال: وقفل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني اللَّه من امركم، ان شاء الله قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم اطماعكم، وامرنا لكم باعطياتكم، وأرزاقكم ومغانمكم
(4/65)

فمن علم علم شيء ينبغي العمل به فبلغنا نعمل به إن شاء اللَّه، ولا قوة إلا بالله وحضرت الصلاة، وقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن! فأمره فأذن، فما بقي احد كان ادرك رسول الله ص وبلال يؤذن له إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم، ولذكره ص
. ذكر خبر عزل خالد بن الْوَلِيد
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي المجالد مثله.
قالوا: وبلغ عمر أن خالدا دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن اللَّه قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا.
فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب إليه عمر: إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم اللَّه عليه! فانتهى إليه ذلك.
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- أدرب خالد بن الوليد وعياض ابن غنم في رواية سيف عن شيوخه
(4/66)

ذكر من قال ذلك:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلب، قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة خالد وعياض، فسارا فأصابا أموالا عظيمة، وكانا توجها من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قنسرين، وعلى دمشق يزيد بْن أبي سفيان، وعلى الأردن معاوية، وعلى فلسطين علقمة بْن مجزز، وعلى الأهراء عمرو ابن عبسة، وعلى السواحل عبد اللَّه بْن قيس، وعلى كل عمل عامل.
فقامت مسالح الشام ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تجز أمة إلى أخرى عملها بعد، إلا أن يقتحموا عليهم بعد كفر منهم، فيقدموا مسالحهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة، قالوا: ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصائفة انتجعه رجال، فانتجع خالدا رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بْن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف.
وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، كتب إليه من العراق بخروج من خرج، ومن الشام بجائزة من أجيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث، أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف.
واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال إليه، فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال: ما تقول! أمن مالك أم من إصابة؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا قالوا: وأقام خالد متحيرا لا يدري امعزول
(4/67)

أم غير معزول؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان، فكتب إليه بالإقبال، فأتى خالد أبا عبيدة، فقال:
رحمك اللَّه، ما أردت إلى ما صنعت! كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا، وقد علمت أن ذلك يروعك قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم، ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر، فقال عمر: من اين هذا الثراء؟
قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفا فلك فقوم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفا، فأدخلها بيت المال ثم قال: يا خالد، والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ سُهَيْلٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الأَمْصَارِ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سَخْطَةٍ وَلا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يوكلوا إِلَيْهِ وَيُبْتُلُوا بِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَلا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ خَالِدٍ عَلَى عُمَرَ قَالَ عُمَرُ مُتَمَثِّلا:
صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَصُنْعِكَ صَانِعٌ ... وَمَا يَصْنَعُ الأَقْوَامُ فَاللَّهُ يَصْنَعُ
فَأَغْرَمَهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَوَّضَهُ، وَكَتَبَ فِيهِ إِلَى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصرهم
. ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعه فيه
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- اعْتَمَرَ عُمَرُ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- وَوَسَّعَ فِيهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَهَدَمَ عَلَى أَقْوَامٍ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا، وَوَضَعَ أَثْمَانَ دُورِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى أَخَذُوهَا
(4/68)

قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ رَجَبَ، وَخَلَّفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي عُمْرَتِهِ هَذِهِ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَالأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَمَرَّ بِالطَّرِيقِ فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ أَنْ يَبْتَنُوا مَنَازِلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ- وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ بِنَاءٌ- فَأَذِنَ لَهُمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالظِّلِّ وَالْمَاءِ.
قَالَ: وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهِيَ ابْنَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص، ودخل بها في ذي القعده
. ذكر خبر عزل المغيره عن البصره وولايه ابى موسى
قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عُمَرُ أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُشْخِصَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ- فَشَهِدَ عَلَيْهِ- فيما حَدَّثَنِي معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب- أبو بكرة، وشبل بْن معبد البجلي، ونافع بْن كلدة، وزياد.
قال: وحدثني مُحَمَّد بْن يعقوب بْن عتبة، عن أبيه، قال: كان يختلف إلى أم جميل، امرأة من بني هلال، وكان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف، يقال له الحجاج بْن عبيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك أهل البصرة، فأعظموه، فخرج المغيرة يوما من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا، فكشفوا الستر، وقد واقعها فوفد أبو بكرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشر، قال: إنما جاء بي المغيرة، ثم قص عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعري عاملا، وأمره
(4/69)

أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبي موسى عقيلة، وقال: انى رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر.
قال الواقدي: وحدثني عبد الرحمن بْن محمد بن ابى بكر بن محمد ابن عمرو بْن حزم، عَنْ أَبِيهِ، عن مالك بْن أوس بْن الحدثان، قال:
حضرت عمر حين قدم بالمغيرة، وقد تزوج امرأة من بني مرة، فقال له:
إنك لفارغ القلب، طويل الشبق، فسمعت عمر يسأل عن المرأة فقال:
يقال لها الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بني هلال قال أبو جعفر: وكان سبب ما كان بين أبي بكرة والشهادة عليه- فيما كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة بْن شعبة أن المغيرة كان يناغيه، وكان أبو بكرة ينافره عند كل ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح، ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه، فبصر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوة مشربته، وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: من هذه؟ قال: أم جميل ابنة الأفقم- وكانت أم جميل إحدى بني عامر بْن صعصعة، وكانت غاشية للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف- وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها- فقالوا: إنما رأينا أعجازا، ولا ندري ما الوجه؟ ثم إنهم صمموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لا تصل بنا فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، إني مستعملك، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل اللَّه بك فقال: يا أمير المؤمنين،
(4/70)

أعني بعدة من أصحاب رسول اللَّه من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به فاستعن بمن أحببت فاستعان بتسعة وعشرين رجلا، منهم أنس بْن مالك وعمران بْن حصين وهشام بْن عامر ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرا، ولا تاجرا، ولكنه جاء أميرا فإنهم لفي ذلك، إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتابا من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس، أربع كلم عزل فيها، وعاتب، واستحث، وأمر:
أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك، والعجل وكتب إلى أهل البصرة: أما بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليحصى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقى لكم طرقكم.
وأهدى له المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة، وقال:
إني قد رضيتها لك- وكانت فارهة- وارتحل: المغيرة وأبو بكرة ونافع بْن كلدة وزياد وشبل بْن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني، مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة او عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلا امرأتي- وكانت شبهها- فبدأ بأبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال:
كيف رأيتهما؟ قال مستدبرهما، قال: فكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت.
ثم دعا بشبل بْن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما؟
(4/71)

قال: استقبلتهما وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديدا قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قال: فتنح، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد، وقرأ: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، فقال المغيرة:
اشفني من الأعبد، فقال: اسكت اسكت الله نامتك! اما والله لو تمت الشهاده لرجمتك باحجارك
. فتح سوق الاهواز ومناذر ونهر تيرى
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ست عشرة من الهجرة.
ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْ سَيْف بْن عمر، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت امته مهرجانقذق وكور الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه إلى أمته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين، من مناذر ونهر تيرى، فاستمد عتبة بْن غزوان سعدا، فأمده سعد بنعيم بْن مقرن ونعيم بْن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى ووجه عتبة ابن غزوان سلمى بْن القين وحرملة بْن مريطة- وكانا من المهاجرين مع رسول الله ص، وهما من بني العدوية من بني حنظلة- فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا
(4/72)

بنى العم، فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بْن وائل الكلينى، فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مترك، فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شيء إن شاء اللَّه ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بْن مالك.
قال: وكان من حديث العمي، والعمي مرة بْن مالك بْن حنظلة بْن مالك بْن زيد مناة بْن تميم- أنه تنخت عليه وعلى العصية بن امرئ القيس أفناء معد فعماه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل اردوان، فقال في ذلك كعب بْن مالك أخوه- ويقال: صدي بْن مالك:
لقد عم عنها مرة الخير فانصمى ... وصم فلم يسمع دعاء العشائر
ليتنخ عنا رغبة عن بلاده ... ويطلب ملكا عاليا في الأساور
فبهذا البيت سمي العم، فقيل بنو العم، عموه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول اللَّه تبارك وتعالى: عَمُوا وَصَمُّوا، وقال يربوع بْن مالك:
لقد علمت عليا معد بأننا ... غداة التباهي غر ذاك التبادر
تنخنا على رغم العداه ولم ننخ ... بحي تميم والعديد الجماهر
نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل ... لنا فيهم إحدى الهنات البهاتر
إذا العرب العلياء جاشت بحورها ... فخرنا على كل البحور الزواخر
وقال أيوب بْن العصية بْن امرئ القيس:
لنحن سبقنا بالتنوخ القبائلا ... وعمدا تنخنا حيث جاءوا قنابلا
وكنا ملوكا قد عززنا الأوائلا ... وفي كل قرن قد ملكنا الحلائلا
(4/73)

فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب، والهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث، خرج سلمى وحرمله صبيحتها في تعبئة، وأنهضا نعيما ونعيما فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى ابن القين على أهل البصرة، ونعيم بْن مقرن على اهل الكوفه فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيرى قد أخذتا، فكسر اللَّه في ذرعه وذرع جنده، وهزمه وإياهم، فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا منهم ما شاءوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بين الهرمزان وحرملة وسلمى ونعيم ونعيم وغالب وكليب.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عبد اللَّه بْن المغيرة العبدي، عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا، قال: قدمت على هرم ابن حيان- فيما بين الدلوث ودجيل- بجلال من تمر، وكان لا يصبر عنه، وكان جل زاده إذا تزود التمر، فإذا فني انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثما كان من سهل أو جبل.
قالوا: ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الأهواز رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة الى ذلك على الاهواز كلها ومهرجانقذق، ما خلا نهر تيرى ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يرد عليهم ما تنقذنا.
وجعل سلمى بْن القين على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العم، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر، ووفد وفدا منهم سلمى، وأمره أن يستخلف على عمله، وحرملة- وكانا من الصحابة- وغالب وكليب، ووفد وفود من البصرة
(4/74)

يومئذ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواص أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلا ما كان من الأحنف ابن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، إنك لكما ذكروا، ولقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر، ويسمع بآذانهم، وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة، من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تُخْضَدْ، وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة، زعقة نشاشة، طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج، يجري إليها ما جرى في مثل مريء النعامة دارنا فعمة، ووظيفتنا ضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير، وقد وسع اللَّه علينا، وزادنا في أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة توظف علينا، ونعيش بها فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفلهموه وأقطعهموه، وكان مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسة إلى الوالي فكانت قطائع أهل البصرة نصفين: نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع، وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز.
ثم قال: هذا الغلام سيد أهل البصرة، وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه
(4/75)

ويشرب برأيه، ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهر تيرى، فكانوا عدة فيه لكون إن كان، وليميزوا خراجها كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: بينا الناس من أهل البصرة وذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف وادعاء، فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان أيضا ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب ببغي الهرمزان وظلمه وكفره إلى عتبة بْن غزوان، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر يأمره بأمره، وأمدهم عمر بحرقوص بْن زهير السعدي، وكانت له صحبه من رسول الله ص، وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه فنهد الهرمزان بمن معه وسلمى وحرملة وغالب وكليب، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز أرسلوا إلى الهرمزان: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال: اعبروا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسر مما يلي سوق الأهواز، حتى هزم الهرمزان ووجه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشغر حتى حل برامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها ونزل الجبل، واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفد وفدا بذلك، فحمد اللَّه، ودعا له بالثبات والزيادة وقال الأسود بْن سريع في ذلك- وكانت له صحبة:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا ... ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب ... فلاقوا كبة فيها قبوع
وولى الهرمزان على جواد ... سريع الشد يثفنه الجميع
(4/76)

وخلى سرة الأهواز كرها ... غداة الجسر إذ نجم الربيع
وقال حرقوص:
غلبنا الهرمزان على بلاد ... لها في كل ناحية ذخائر
سواء برهم والبحر فيها ... إذا صارت نواجبها بواكر
لها بحر يعج بجانبيه ... جعافر لا يزال لها زواخر

فتح تستر
وفيها فتحت تستر في قول سيف وروايته- أعني سنة سبع عشرة- وقال بعضهم: فتحت سنة ست عشرة، وبعضهم يقول: في سنة تسع عشرة.
ذكر الخبر عن فتحها:
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بْن زهير سوق الأهواز، أقام بها، وبعث جزء بْن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سرق، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح اللَّه عليهم أن يتبعه جزءا، ويكون وجهه إلى سرق فخرج جزء في أثر الهرمزان، والهرمزان متوجه إلى رامهرمز هاربا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر، وأعجزه بها الهرمزان، فمال جزء إلى دورق من قرية الشغر، وهي شاغرة برجلها- ودورق مدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها- فأخذها صافية، وكتب إلى عمر بذلك وإلى عتبة، وبدعائه من هرب إلى الجزاء والمنعة، وإجابتهم إلى ذلك.
فكتب عمر إلى جزء بْن معاوية وإلى حرقوص بْن زهير بلزوم ما غلبا عليه، وبالمقام حتى يأتيهما أمره، وكتب إليه مع عتبة بذلك، ففعلا واستأذن جزء في عمران بلاده عمر، فأذن له، فشق الأنهار، وعمر الموات ولما
(4/77)

نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز والمسلمون حلال فيها فيما بين يديه، طلب الصلح، وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه عمر وإلى عتبة، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندي سابور، والبنيان ومهرجانقذق، فأجابهم إلى ذلك، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم، وأقام الهرمزان على صلحة يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه.
وكتب عمر إلى عتبة أن أوفد علي وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة، فوفد إلى عمر عشرة، فيهم الأحنف فلما قدم على عمر قال: إنك عندي مصدق، وقد رايتك رجلا، فأخبرني اان ظلمت الذمة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب قال:
فنعم إذا! انصرفوا إلى رحالكم فانصرف الوفد إلى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبة فشمه، ثم قال: لمن هذا الثوب منكم؟
قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنا يسيرا، ثمانية أو نحوها، ونقص مما كان أخذه به- وكان قد أخذه باثني عشر- قال: فهلا بدون هذا، ووضعت فضلته موضعا تغني به مسلما! حصوا وضعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم، إن نظر امرؤ لنفسه وقدم لها يخلف له وكتب عمر إلى عتبة أن أعزب الناس عن الظلم، واتقوا واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغي، فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم.
فأوفوا بعهد اللَّه، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا.
وبلغ عمر أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشق على من رامه فكتب إليه: بلغني أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلا على مشقة، فأسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك، وتذهب آخرتك
(4/78)

ثم إن حرقوصا تحرر يوم صفين وبقي على ذلك، وشهد النهروان مع الحرورية
. غزو المسلمين فارس من قبل البحرين
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- غزا المسلمون أرض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف ورواه.
ذكر الخبر بذلك:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، يقول: حَدَّثَنَا شعيب، قال: حَدَّثَنَا سيف، عن مُحَمَّد والمهلب وعمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة وأرضها- وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم، وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله، يؤدون الخراج ولا يدخل عليهم، ولهم الذمة والمنعة- وعميد الصلح الهرمزان وقد قال عمر: حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم، كما قال لأهل الكوفة: وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم.
وكان العلاء بْن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر، فعزله عمر، وجعل قدامة بْن المظعون مكانه، ثم عزل قدامة ورد العلاء، وكان العلاء يباري سعدا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بالقادسية، وأزاح الأكاسرة عن الدار، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، سر العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم، فرجا أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجد، وكان أبو بكر قد استعمله، وأذن له في قتال أهل الردة، واستعمله عمر، ونهاه عن البحر، فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرعوا إلى ذلك، وفرقهم أجنادا، على أحدهما
(4/79)

الجارود بْن المعلى، وعلى الآخر السوار بْن همام، وعلى الآخر خليد بْن المنذر بْن ساوى، وخليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا، يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي ص وبابى بكر، لم يغز فيه النبي ص ولا أبو بكر فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر، وبإزائهم أهل فارس، وعلى أهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد في الناس، فقال: أما بعد، فإن اللَّه إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب، ف اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس، وجعل السوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه، ويقول:
يا آل عبد القيس للقراع ... قد حفل الأمداد بالجراع
وكلهم في سنن المصاع ... يحسن ضرب القوم بالقطاع
حتى قتل وجعل الجارود يرتجز ويقول:
لو كان شيئا أمما أكلته ... أو كان ماء سادما جهرته
لكن بحرا جاءنا أنكرته.
حتى قتل ويومئذ ولي عبد اللَّه بْن السوار والمنذر بْن الجارود حياتهما إلى أن ماتا وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول:
يال تميم أجمعوا النزول ... وكاد جيش عمر يزول
وكلكم يعلم ما أقول
(4/80)

انزلوا، فنزلوا فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها ثم خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثم لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقي في روعه نحو من الذي كان فاشتد غضبه على العلاء، وكتب إليه يعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه، بتأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بْن أبي وقاص فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد وكتب عمر إلى عتبة بْن غزوان: إن العلاء بْن الحضرمي حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصاني، وأظنه لم يرد اللَّه بذلك، فخشيت عليهم ألا ينصروا أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم بْن عمرو، وعرفجة بْن هرثمة، وحذيفة بْن محصن، ومجزأة بْن ثور، ونهار بْن الحارث، والترجمان بْن فلان، والحصين بْن أبي الحر، والأحنف بْن قيس، وسعد بْن أبي العرجاء، وعبد الرحمن بْن سهل، وصعصعة بْن معاوية، فخرجوا في اثني عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بْن أبي رهم أحد بني مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة، وهم ردء للغازي والمقيم فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له، حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غب وقعة القوم
(4/81)

بطاوس، وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم، والشذاذ من غيرهم، وقد كان أهل اصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، وأنشبوهم، استصرخوا عليهم أهل فارس كلهم، فضربوا إليهم من كل وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا، ففتح اللَّه على المسلمين، وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا- وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة، وكانوا أفضل نوابت الأمصار، فكانوا أفضل المصرين نابتة- ثم انكفئوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحث وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم منها، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس، استأذن عمر في الحج، فأذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فدعا اللَّه ثم انصرف، فمات في بطن نخلة، فدفن، وبلغ عمر، فمر به زائرا لقبره، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم، وأثنى عليه بفضله، ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين، وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان، وكانت تحت عثمان بْن عفان، وكان خباب مولاه قد لزم سمته فلم يختط، ومات عتبة بْن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن، وقد استخلف على الناس أبا سبرة بْن أبي رهم، وعماله على حالهم، ومسالحه على نهر تيرى ومناذر وسوق الاهواز وسرق والهرمزان برامهرمز مصالح عليها، وعلى السوس والبنيان وجندى سابور ومهرجانقذق، وذلك بعد تنقذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس، ونزولهم البصرة.
وكان يقال لهم أهل طاوس، نسبوا إلى الوقعة واقر عمر أبا سبره
(4/82)

ابن أبي رهم على البصرة بقية السنة ثم استعمل المغيرة بْن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة، فعمل عليها بقية تلك السنة والسنة التي تليها، لم ينتقض عليه أحد في عمله، وكان مرزوقا السلامة، ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة.
ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة، ثم صرف إلى الكوفة، ثم استعمل عمر بْن سراقة، ثم صرف عمر بْن سراقة إلى الكوفة من البصرة، وصرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة، فعمل عليها ثانيه

ذكر فتح رامهرمز وتستر
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- كان فتح رامهرمز والسوس وتستر وفيها أسر الهرمزان في رواية سيف ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: ولم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج منهم، فكتب يزدجرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرو، يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه، والأهواز.
ثم لم يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم، فتحركوا وتكاتبوا:
أهل فارس وأهل الأهواز، وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بْن زهير، وجاءت جزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب، فكتب سلمى وحرملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فسبق كتاب سلمى حرملة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بْن مقرن، وعجل وابعث سويد بْن مقرن، وعبد اللَّه بْن ذي السهمين، وجرير بْن عبد اللَّه الحميري، وجرير بْن عبد اللَّه البجلي، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا أمره وكتب إلى أبي موسى
(4/83)

أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهل بن عدى- أخا سهيل ابن عدي- وابعث معه البراء بْن مالك، وعاصم بْن عمرو، ومجزأة بْن ثور، وكعب بْن سور، وعرفجة بْن هرثمة، وحذيفة بْن محصن، وعبد الرحمن ابن سهل، والحصين بْن معبد، وعلى أهل الكوفة واهل البصره جميعا ابو سبره ابن ابى رهم، وكل من أتاه فمدد له.
وخرج النعمان بْن مقرن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهر تيرى فجازها، ثم جاز مناذر، ثم جاز سوق الأهواز، وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثم سار نحو الهرمزان- والهرمزان يومئذ برامهرمز- ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن اللَّه عز وجل هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر، وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز، ثم صعد لإيذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها.
قالوا: ولما كتب عمر إلى سعد وأبي موسى، وسار النعمان وسهل، سبق النعمان في أهل الكوفة سهلا وأهل البصرة، ونكب الهرمزان، وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وهم يريدون رامهرمز، فأتتهم الوقعة وهم بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا من سوق الأهواز نحوه، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان من رامهرمز إليها، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر والنعمان على أهل الكوفة، وأهل البصرة متساندون، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق، وكتبوا بذلك إلى عمر، واستمده أبو سبرة فأمدهم بأبي موسى، فسار نحوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين جميعا أبو سبرة،
(4/84)

فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بْن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح اللَّه على المسلمين مائة مبارز، سوى من قتل في غير ذلك، وقتل مجزأة بْن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بْن سور مثل ذلك، وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عدة من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك، منهم حبيب بْن قرة، وربعي بْن عامر، وعامر بْن عبد الأسود- وكان من الرؤساء- في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم، يكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم لنا! فقال: اللهم اهزمهم لنا، واستشهدني.
قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وأرزوا إلى مدينتهم، وأحاطوا بها، فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة، وطالت حربهم، خرج إلى النعمان رجل فاستأمنه على أن يدله على مدخل يؤتون منه، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم فقال: قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتحها، فآمنوه في نشابة فرمى إليهم بآخر، وقال: انهدوا من قبل مخرج الماء، فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك وندب إليه، فانتدب له عامر بْن عبد قيس، وكعب بْن سور، ومجزأة بْن ثور، وحسكة الحبطي، وبشر كثير، فنهدوا لذلك المكان ليلا، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرجل، فانتدب له سويد بْن المثعبة، وورقاء بْن الحارث، وبشر بن ربيعه الخثعمى، ونافع ابن زيد الحميري، وعبد اللَّه بْن بشر الهلالي، فنهدوا في بشر كثير، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد اللَّه بْن بشر، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء، حتى إذا اجتمعوا فيها- والناس على رجل من خارج- كبروا فيها، وكبر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها، فأناموا كل مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة، وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم: ما شئتم!
(4/85)

قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعى في جعبتى مائه نشابه، والله ما تصلون إلي ما دام معي منها نشابه، وما يقع لي سهم، وما خير إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل أو جريح! قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء اللَّه عليهم، فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، والراجل ألفا، ودعا صاحب الرمية بها، فجاء هو والرجل الذي خرج بنفسه، فقالا: من لنا بالأمان الذي طلبنا، علينا وعلى من مال معنا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالا: من أغلق بابه عليه مدخلكم فأجازوا ذلك لهم، وقتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بْن ثور، والبراء بْن مالك.
قالوا: وخرج أبو سبرة في أثر الفل من تستر- وقد قصدوا للسوس- إلى السوس، وخرج بالنعمان وأبي موسى ومعهم الهرمزان، حتى اشتملوا على السوس، وأحاط المسلمون بها، وكتبوا بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عمر بْن سراقة بأن يسير نحو المدينة، وكتب إلى أبي موسى فرده على البصرة، وقد رد أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، ورد عمر عليها مرتين، وكتب إلى زر بْن عبد اللَّه بْن كليب الفقيمي ان يسير الى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، الأسود بْن ربيعة أحد بني ربيعة بْن مالك، وكان الأسود وَزِرٌّ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المهاجرين- وكان الأسود قد وفد على رسول الله ص وقال: جئت لأقترب إلى اللَّه عز وجل بصحبتك، فسماه المقترب، وكان زر قد وفد على رسول الله ص، وقال: فنى بطني، وكثر إخوتنا، فادع اللَّه لنا، [فقال: اللهم اوف لزرعمره، فتحول إليهم العدد- وأوفد أبو سبرة وفدا،] فيهم أنس بْن مالك والأحنف بْن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة،
(4/86)

حتى إذا دخلوا هيئوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين، مكللا بالياقوت، وعليه حليته، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروه، فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلددكم!؟ تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم في ميمنة المسجد، متوسد برنسه- وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام- فانطلقوا ومعهم النظارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة في يده معلقة، فقال: الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه، وأصغى الهرمزان إلى الوفد، فقال: أين حرسه وحجابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبيا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس، فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله، وتأمل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين اللَّه! وقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة فقال الوفد: هذا ملك الأهواز، فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمي عنه بكل شيء عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر اللَّه! فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان اللَّه قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم
(4/87)

غلبتمونا فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا ثم قال عمر:
ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك واستسقى ماء، فأتي به في قدح غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتى به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه، فقال عمر:
أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد أمنتني! فقال: كذبت! فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد أمنته، قال:
ويحك يا أنس! أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء! والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك! قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم. ففرض له على ألفين، وأنزله الْمَدِينَة كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن ابى سفيان طلحه ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عِيسَى، قَالَ: كَانَ التَّرْجُمَانَ يَوْمَ الْهُرْمُزَانِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى أَنْ جَاءَ الْمُتَرْجِمُ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَفْقَهُ شَيْئًا مِنَ الْفَارِسِيَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُغِيرَةِ: قُلْ لَهُ: من اى ارض أنت؟ فقال المغيره: از كدام ارضى؟ فقال: مهرجاني، فقال: تكلم بحجتك، قال: كلام حي أو ميت؟ قال: بل كلام حي، قال: قد أمنتني، قال: خدعتني، إن للمخدوع في الحرب حكمه، لا والله لا أؤمنك حتى تسلم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له على ألفين وأنزله المدينة وقال للمغيرة:
ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها منكم أحد إلا خب، وما خب إلا دق إياكم وإياها، فإنها تنقض الإعراب وأقبل زيد فكلمه، وأخبر عمر بقوله، والهرمزان بقول عمر
(4/88)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحه وعمرو، عن الشعبى وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال: فكيف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلا ما كان من الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين أظهرهم، وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس، ونخرجه من مملكته وعز أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربون جأشا فقال: صدقتني والله، وشرحت لي الأمر عن حقه ونظر في حوائجهم وسرحهم.
وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مهرجانقذق، وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الانسياح
. ذكر فتح السوس
اختلف أهل السير في أمرها، فأما المدائني فإنه- فيما حَدَّثَنِي عنه أبو زيد- قال: لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصته والموبذ، فقال: إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه، فما ترون؟
فقال الموبذ: نرى أن تخرج فتنزل إصطخر، فإنها بيت المملكة، وتضم إليك خزائنك، وتوجه الجنود فأخذ برأيه، وسار إلى إصبهان دعا سياه،
(4/89)

فوجهه في ثلاثمائه، فيهم سبعون رجلا من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب، فمضى سياه وأتبعه يزدجرد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السوس، فوجه سياه إلى السوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه الكلبانية، وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر منهزما، فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح، فصالحهم، وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانية، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فلم يزل مقيما حتى صار أبو موسى إلى تستر، فتحول سياه، فنزل بين رامهرمز وتستر، حتى قدم عمار بْن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من إصبهان، فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابهم في إيوانات إصطخر ومصانع الملوك، ويشدون خيولهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلا فلوه، ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه، فانظروا لأنفسكم قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفني كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم ووجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى يأخذ شروطا على أن يدخلوا في الإسلام فقدم شيرويه على أبي موسى، فقال: إنا قد رغبنا في دينكم، فنسلم على أن نقاتل معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، قالوا:
لا نرضى.
وكتب أبو موسى إلى عمر بْن الخطاب، فكتب إلى أبي موسى: أعطهم ما سألوك فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر، فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامي عنهم، ولم تلحقنا بأشراف العطاء
(4/90)

ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر: أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شيء أخذه أحد من العرب ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، ولستة منهم في الفين، وخمسمائة لسياه وخسرو- ولقبه مقلاص- وشهريار، وشهرويه، وأفروذين فقال الشاعر:
ولما رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتي من الأمر أبصرا
فسن لهم الفين فرضا وقد راى ... ثلاثمئين فرض عك وحميرا
قال: فحاصروا حصنا بفارس، فانسل سياه في آخر الليل في زي العجم حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن، ونضح ثيابه بالدم، وأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا في زيهم صريعا، فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلوا عن باب الحصن وهربوا، ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، وحاصروا حصنا، فمشى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلمه، فرماه خسرو بنشابة فقتله.
وأما سيف فإنه قال في روايته مَا كتب بِهِ إِلَى السري، عَنْ شُعَيْبٍ، عنه، عن مُحَمَّد وطلحة وعمرو ودثار أبي عمر، عن أبي عثمان، قالوا: لما نزل أبو سبرة في الناس على السوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين، فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا، أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا وجاء صرف أبي موسى إلى البصرة، وعمل على أهل البصرة المقترب مكان أبي موسى بالسوس، واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا لأهل السوس مع أبي سبرة، وزر محاصر أهل نهاوند من
(4/91)

وجهه ذلك، وضرب على أهل الكوفة، البعث مع حذيفة، وأمرهم بموافاته بنهاوند، وأقبل النعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند، ثم استقل في نفسه، فناوشهم قبل مضيه، فعاد الرهبان والقسيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقالوا:
يا معشر العرب، لا تعنوا فإنه لا يفتحها إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وصاف بْن صياد يومئذ مع النعمان في خيله، وناهدهم المسلمون جميعا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق، ولما يخرج أبو موسى بعد وأتى صاف باب السوس غضبان، فدقه برجله، وقال: انفتح فطار فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وتفتحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: الصلح الصلح! وأمسكوا بايديهم، فاجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح، ثم افترقوا.
فخرج النعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على ماه، وسرح أبو سبرة المقترب حتى ينزل على جندى سابور مع زر، فأقام النعمان بعد دخول ماه، حتى وافاه أهل الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهل نهاوند، فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة، فأقام بها، ومات بالمدينة.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عمن أورد فتح السوس، قال: وقيل لأبي سبرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: وما لنا بذلك! فأقره بأيديهم- قال عطية بإسناده: إن دانيال كان لزم أسياف فارس بعد بختنصر، فلما حضرته الوفاة، ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الإسلام، أكرم كتاب اللَّه عمن لم يجبه ولم يقبل منه، فأودعه ربه، فقال لابنه: ائت ساحل البحر، فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، وضن به، وغاب مقدار ما كان ذاهبا وجائيا، وقال:
قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئا، فغضب وقال: والله ما فَعَلْتَ الَّذِي أَمَرْتُكَ به فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رأيت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج واصطفق، فغضب أشد من غضبه الأول، وقال:
والله ما فعلت الذي أمرتك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة،
(4/92)

فانطلق إلى ساحل البحر، وألقاه فيه، فانكشف البحر عن الارض حتى بدت، وانفجرت له الأرض عن هواء من نور، فهوى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض، واختلط الماء، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال: الآن صدقت ومات دانيال بالسوس، فكان هنالك يستسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقروه في أيديهم، حتى إذا ولى ابو سبره عنهم الى جندى سابور أقام أبو موسى بالسوس وكتب إلى عمر فيه، فكتب إليه يأمره بتوريته، فكفنه ودفنه المسلمون وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا فكتب إليه أن تختمه، وفي فصه نقش رجل بين اسدين

ذكر مصالحه المسلمين اهل جندى سابور
وفيها- أعني سنة سبع عشرة- كانت مصالحة المسلمين اهل جندى سابور.
ذكر الخبر عن أمرهم وأمرها:
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي عمرو وأبي سفيان والمهلب قالوا: لما فرغ أبو سبرة من السوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور، وزر بْن عبد اللَّه بْن كليب محاصرهم، فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال، فما زالوا مقيمين عليها حتى رمي إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجا المسلمين إلا وأبوابها تفتح، ثم خرج السرح، وخرجت الاسواق، وانبث أهلها، فأرسل المسلمون: ان ما لكم؟ قالوا:
رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا فقالوا:
ما فعلنا، فقالوا: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها، هو الذي كتب لهم فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حركم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه،
(4/93)

ولم نبدل، فإن شئتم فاغدروا فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون اوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شك أجيزوهم، وفوا لهم فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: أذن عمر في الانسياح سنة سبع عشرة في بلاد فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بْن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرق الأمراء والجنود، وأمر على أهل البصرة أمراء، وأمر على أهل الكوفة أمراء، وأمر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشره، فساحوا في سنه ثمان عشره، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة، فيكون هنالك حتى يحدث إليه، وبعث بألوية من ولي مع سهيل بْن عدي حليف بني عبد الأشهل، فقدم سهيل بالألوية، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف ابن قيس، ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع بْن مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بْن أبي العاص الثقفي، ولواء فسا ودارابجرد إلى سارية بْن زنيم الكناني، ولواء كرمان مع سهيل بْن عدي، ولواء سجستان الى عاصم ابن عمرو- وكان عاصم من الصحابة- ولواء مكران إلى الحكم بْن عمير التغلبي فخرجوا في سنه سبع عشره، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم، حتى دخلت سنه ثمان عشره، وأمدهم عمر بأهل الكوفة، فأمد سهيل بْن عدي بعبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان، وأمد الأحنف بعلقمه ابن النضر، وبعبد اللَّه بْن أبي عقيل، وبربعي بْن عامر، وبابن أم غزال.
وأمد عاصم بْن عمرو بعبد اللَّه بْن عمير الأشجعي، وأمد الحكم بْن عمير بشهاب بْن المخارق المازني قال بعضهم: كان فتح السوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى عمر من تستر في سنه عشرين
. [أخبار متفرقة]
وحج بالناس في هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- عمر بْن الخطاب، وكان عامله على مكة عتاب بْن أسيد، وعلى اليمن يعلى بْن أمية، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى
(4/94)

الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قرة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعري- وقد ذكرت فيما مضى الوقت الذي عزل فيه عنها، والوقت الذي رد فيه إليها أميرا وعلى القضاء- فيما قيل- أبو مريم الحنفي وقد ذكرت من كان على الجزيرة والموصل قبل
(4/95)

سنه ثمان عشرة

ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثمان عشرة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة- أعني سنه ثمان عشرة- أصابت الناس مجاعة شديدة ولزبة، وجدوب وقحوط، وذلك هو العام الذي يسمى عام الرماده.

ذكر القحط وعام الرمادة
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّد بْن إسحاق، قال: دخلت سنة ثمان عشرة، وفيها كان عام الرمادة وطاعون عمواس، فتفانى فيها الناس.
وحدثني أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حدثت عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت الرماده سنه ثمان عشره قال:
وكان في ذلك العام طاعون عمواس.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ يقول: حَدَّثَنَا شعيب، عن سيف، عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم فتأولوا، وقالوا: خيرنا فاخترنا، قال: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» ! ولم يعزم علينا.
فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» ، يعني فانتهوا وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلده، ويضمنوا الفسق من تأول عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل.
فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رءوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحد القوم، وندموا على لجاجتهم،
(4/96)

وقال: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث، فحدثت الرمادة.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي بمثله.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ضِرَارٍ وَأَبِي جَنْدَلٍ، كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَيَسْأَلَهُمْ:
أَحَرَامٌ الْخَمْرُ أَمْ حَلالٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: حرام، فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَاسْتَتِبْهُمْ، وَإِنْ قَالُوا: حَلالٌ، فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَدَعَا بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: بَلْ حَرَامٌ، فَجَلَدَهُمْ، فَاسْتَحْيُوا فَلَزِمُوا الْبُيُوتَ وَوَسْوَسَ أَبُو جَنْدَلٍ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ أَبَا جَنْدَلٍ قَدْ وَسْوَسَ، إِلا أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ بِفَرَجٍ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ وَذَكِّرْهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَذَكَّرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ عُمَرَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*» ، فَتُبْ وَارْفَعْ رَأْسَكَ، وَابْرُزْ وَلا تَقْنَطْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: «يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ تَطَلَّقَ وَأُسْفِرَ عَنْهُ وَكَتَبَ إِلَى الآخَرِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَبَرَزُوا، وَكَتَبَ إِلَى النَّاسِ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسُكَمْ، وَمَنِ اسْتَوْجَبَ التغيير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحدا فيفشوا فِيكُمُ الْبَلاءُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوا منه، إلا أنه لم يذكر أنه كتب إلى الناس ألا يعيروهم، وقال:
قالوا: جاشت الروم، دعونا نغزوهم، فإن قضى اللَّه لنا الشهادة فذلك، وإلا عمدت للذي يريد فاستشهد ضرار بْن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحدوا وقال أبو الزهراء القشيري في ذلك:
ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى ... وليس على صرف المنون بقادر
(4/97)

صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الرَّبِيعِ بْن النُّعْمَانِ وَأَبِي الْمُجَالِدِ جَرَادِ بْن عمرو وأبي عثمان يزيد بْن أسيد الغساني، وأبي حارثة محرز العبشمي بإسنادهم، ومحمد بْن عبد اللَّه، عن كريب، قالوا:
أصابت الناس في إمارة عمر رضي اللَّه عنه سنة بالمدينة وما حولها، فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة، فآلى عمر ألا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس من أول الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا، فقدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبر اللَّه يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافا وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ السلمي، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنه ثمان عشره، وكانت الرمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، وإنه لمقفر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَعُمَرُ كَالْمَحْصُورِ عَنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، حَتَّى أَقْبَلَ بِلالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إليك، يقول لك رسول الله ص: لَقَدْ عَهِدْتُكَ كَيِّسًا، وَمَا زِلْتَ عَلَى رَجُلٍ، فَمَا شَأْنُكَ! فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتَ هَذَا؟
قَالَ: الْبَارِحَةَ، فَخَرَجَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ! فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ،
(4/98)

ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُونَ مِنِّي أَمْرًا غَيْرَهُ خَيْرٌ مِنْهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لا، قَالَ: فَإِنَّ بِلالَ بْنَ الْحَارِثِ يَزْعُمُ ذِيَّةً وَذِيَّةً، فَقَالُوا:
صَدَقَ بِلالٌ، فَاسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ- وَكَانَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ مَحْصُورًا- فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! بَلَغَ الْبَلاءُ مُدَّتَهُ فَانْكَشَفَ، مَا أُذِنَ لِقَوْمٍ فِي الطَّلَبِ إِلا وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُمُ الْبَلاءُ، فَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ:
أَغِيثُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَ جَهْدُهُمْ، وَأَخْرَجَ النَّاسَ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ، فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْعَبَّاسِ مَاشِيًا، فَخَطَبَ فَأَوْجَزَ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَارْضَ عَنَّا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَا بَلَغُوا الْمَنْزِلَ رَاجِعِينَ حَتَّى خَاضُوا الْغُدْرَانَ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مبشر بْن الفضيل، عن جبير بْن صخر، عن عاصم بْن عمر بْن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عاما، فهزل المال، فقال أهل بيت من مزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهن شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمداه! فأري فيما يرى النائم ان رسول الله ص أتاه، فقال: أبشر بالحيا! ائت عمر فأقرئه مني السلام، وقل له: إن عهدي بك وأنت وفي العهد، شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه:
استاذن لرسول رسول الله ص، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال:
رأيت به مسا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام، هل رأيتم مني شيئا تكرهونه! قالوا: اللهم لا، قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطنوا ولم يفطن، فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال:
اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا،
(4/99)

ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا، وأحي العباد والبلاد! كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النُّعْمَانِ وَجَرَادٍ أَبِي الْمُجَالِدِ وَأَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ رَجَاءٍ- وَزَادَ أَبُو عُثْمَانَ وَأَبُو حَارِثَةَ: عَنْ عُبَادَةَ وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ- قَالُوا: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ يَسْتَغِيثَهُمْ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَيَسْتَمِدَّهُمْ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي أَرْبَعَةِ آلافِ رَاحِلَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَوَلاهُ قِسْمَتَهَا فِيمَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ اللَّهَ وَمَا قَبْلَهُ، فَلا تُدْخِلْ عَلَيَّ الدُّنْيَا، فَقَالَ: خُذْهَا فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذْ لَمْ تَطْلُبْهُ، فَأَبَى فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنِّي قَدْ وَلِيتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ، فَقُلْتُ لَهُ كَمَا قُلْتَ لِي فَأَعْطَانِي فَقَبِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَانْصَرَفَ إِلَى عَمَلِهِ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ وَاسْتَغْنَى أَهْلُ الْحِجَازِ، وَأحيوا مَعَ أَوَّلِ الحيا.
وَقَالُوا بِإِسْنَادِهِمْ: وَجَاءَ كِتَابُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَوَابَ كِتَابِ عُمَرَ فِي الاسْتِغَاثَةِ: إِنَّ البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله ص حَفِيرًا، فَصَبَّ فِي بَحْرِ الْعَرَبِ، فَسَدَّهُ الرُّومُ وَالْقِبْطُ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَقُومَ سعر الطَّعَامِ بِالْمَدِينَةِ كسعره بِمِصْرَ، حَفَرْتُ لَهُ نَهْرًا وَبَنَيْتُ له قناطير فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِ افْعَلْ وَعَجِّلْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ مِصْرَ: خَرَاجُكَ زَاجٍ، وَأَمِيرُكَ رَاضٍ، وَإِنْ تَمَّ هَذَا انْكَسَرَ الْخَرَاجُ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ فِيهِ انْكِسَارَ خَرَاجِ مِصْرَ وَخَرَابَهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: اعْمَلْ فِيهِ وَعَجِّلْ، أَخْرَبَ اللَّهُ مِصْرَ فِي عِمْرَانِ الْمَدِينَةِ وَصَلاحِهَا، فَعَالَجَهُ عَمْرٌو وَهُوَ بِالْقُلْزُمِ، فَكَانَ سعر الْمَدِينَةِ كَسعرِ مِصْرَ، وَلَمْ يَزِدْ ذَلِكَ مِصْرَ إِلا رَخَاءً، وَلَمْ يَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الرَّمَادَةِ مِثْلَهَا، حَتَّى حُبِسَ عَنْهُمُ الْبَحْرُ مع مقتل عثمان رضى الله عنه فذلوا وتقاصروا وخشعوا
(4/100)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الرَّقَّةَ وَالرُّهَا وَحَرَّانَ فُتِحَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى يَدَيِ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَأَنَّ عَيْنَ الْوَرْدَةِ فتحت فيها على يدي عمير ابن سَعْدٍ وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، وَزَعَمَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَوَّلَ الْمُقَامَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَاتَ فِي طَاعُونِ عِمْوَاسَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَقْضَى عمر شريح ابن الْحَارِثِ الْكِنْدِيَّ عَلَى الْكُوفَةِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ كَعْبَ بْنَ سَوْرٍ الأَزْدِيَّ.
قَالَ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هذه السنة عمر بن الخطاب رضي الله عَنْهُ.
وَكَانَتْ وُلاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الأمصار الولاه الذين كانوا عليها في سنه سبع عشره
(4/101)

سنة تسع عشرة

ذكر الأحداث التي كانت في سنة تسع عشرة
قال أبو جعفر: قَالَ أَبُو معشر- فِيمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى عنه: إن فتح جلولاء كان في سنة تسع عشرة على يدي سعد، وكذلك قال الواقدي.
وقال ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة والرهاء وحران ورأس العين ونصيبين في سنة تسع عشرة.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قول من خالفهم في ذلك قبل.
وقال أبو معشر: كان فتح قيسارية في هذه السنة- أعني سنة تسع عشرة- وأميرها معاوية بْن أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى، عنه.
وكالذي قال أبو معشر في ذلك قال الواقدي.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه.
وأما سيف بْن عمر فإنه قال: كان فتحها في سنة ست عشرة.
قال: وكذلك فتح مصر.
وقد مضى الخبر عن فتح قيسارية قبل، وأنا ذاكر خبر مصر وفتحها بعد في قول، من قال: فتحت سنة عشرين، وفي قول من خالف ذلك.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة- أعني سنة تسع عشرة- سالت حرة ليلى نارا- فيما زعم الواقدي- فأراد عمر الخروج إليها بالرجال، ثم أمرهم بالصدقة فانطفأت
(4/102)

وزعم أيضا الواقدي أن المدائن وجلولاء فتحتا في هذه السنة، وقد مضى ذكر من خالفه في ذلك.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكان عماله على الأمصار وقضاته فيها الولاة والقضاه الذين كانوا عليها في سنه ثمان عشره
(4/103)

عشرين

ذكر الخبر عما كان فيها من مغازي المسلمين وغير ذلك من أمورهم
قال أبو جعفر: ففي هذه السنة فتحت مصر فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
فتحت مصر سنة عشرين.
وكذلك قال أبو معشر، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، أنه قال: فتحت مصر سنة عشرين، وأميرها عمرو بْن العاص.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: فتحت إسكندرية سنة خمس وعشرين.
وقال الواقدي- فيما حدثت عن ابن سعد عنه: فتحت مصر والإسكندرية في سنة عشرين.
وأما سيف فإنه زعم- فيما كتب به إلي السري، عن شعيب، عن سيف- أنها فتحت والإسكندرية في سنة ست عشرة.

ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية
قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلاف أهل السير في السنة التي كان فيها فتح مصر والإسكندرية، ونذكر الآن سبب فتحهما، وعلى يدي من كان، على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضا، فأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْهُ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ فَرَغَ مِنَ الشَّامِ كُلِّهَا كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَسِيرَ الى مصر في جنده، فخرج حتى فتح باب اليون فِي سَنَةِ عِشْرِينَ.
قَالَ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي فَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهَا فُتِحَتْ
(4/104)

فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى سَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني القاسم بْن قزمان- رجل من أهل مصر- عن زياد بْن جزء الزبيدي، أنه حدثه أنه كان في جند عمرو بْن العاص حين افتتح مصر والإسكندرية، قال: افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بْن الخطاب في سنة إحدى وعشرين- أو سنة اثنتين وعشرين- قال: لما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية قرية فقرية، حتى انتهينا إلى بلهيب- قرية من قرى الريف، يقال لها قرية الريش- وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن.
قال: فلما انتهينا إلى بلهيب أرسل صاحب الإسكندرية الى عمرو ابن العاص: إني قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم معشر العرب لفارس والروم، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم من سبايا أرضي فعلت.
قال: فبعث إليه عمرو بْن العاص: إن ورائي أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه بالذي عرضت علي، فإن هو قبل ذلك منك قبلت، وإن أمرني بغير ذلك مضيت لأمره قال: فقال: نعم قال: فكتب عمرو بن العاص الى عمر ابن الخطاب- قال: وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به- يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية قال: وفي أيدينا بقايا من سبيهم ثم وقفنا ببلهيب، وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا، فقرأه علينا عمرو وفيه: أما بعد، فإنه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصيب من سبايا أرضه، ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار
(4/105)

منهم الإسلام فهو مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وعليه مَا عليهم، ومن اختار دين قومه، وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم، ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به قال: فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين قال: فقال: قد فعلت.
قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام وبين النصرانية، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية، قال: ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى، ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعا شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم قال: فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم، وقد أتي فيمن أتينا به بأبي مريم عبد اللَّه بْن عبد الرحمن- قال القاسم: وقد أدركته وهو عريف بني زبيد- قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية- وأبوه وأمه وإخوته في النصارى- فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا، حتى شققوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، وإن هذه الكناسة التي ترى يا بن أبي القاسم لكناسة بناحية الإسكندرية حولها أحجار كما ترى، ما زادت ولا نقصت، فمن زعم غير ذلك أن الإسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية ولا لأهلها عهد، فقد والله كذب قال القاسم: وإنما هاج هذا الحديث أن ملوك بني أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أن مصر إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا سَيْفٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ، يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْهُ، عَنِ الرَّبِيعِ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ، قَالُوا: أَقَامَ عُمَرُ بِإِيلِيَاءَ بَعْدَ مَا صَالَحَ أَهْلَهَا، وَدَخَلَهَا أياما، فامضى عمرو ابن الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ وَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا، إِنْ فَتَحَ الله عليه، وبعث في اثره الزبير
(4/106)

ابن الْعَوَّامِ مَدَدًا لَهُ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الرَّمَادَةِ، وَأَمَرَهُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمَلِهِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ خَالِدٍ وَعُبَادَةَ، قَالا: خَرَجَ عَمْرُو بْنُ العاص الى مصر بعد ما رَجَعَ عُمَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى باب اليون، وَاتَّبَعَهُ الزُّبَيْرُ، فَاجْتَمَعَا، فَلَقِيَهُمْ هُنَالِكَ أَبُو مَرْيَمَ جَاثِلِيقُ مِصْرَ وَمَعَهُ الأُسْقُفُّ فِي أَهْلِ النِّيَّاتِ بَعَثَهُ الْمُقَوْقِسُ لِمَنْعِ بِلادِهِمْ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِمْ عَمْرٌو قَاتَلُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: لا تَعْجَلُونَا لِنَعْذُرَ إِلَيْكُمْ، وَتَرَوْنَ رَأْيَكُمْ بَعْدُ فَكَفُّوا أَصْحَابَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمْرٌو: إِنِّي بَارِزٌ فَلْيَبْرُزْ إِلَيَّ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مِرْيَامَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَّنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرٌو: أَنْتُمَا رَاهِبَا هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَاسْمَعَا، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بعث محمدا ص بالحق وامره به، وامرنا به محمد ص، وَأَدَّى إِلَيْنَا كُلَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ مَضَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ وَقَدْ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ، وَتَرَكَنَا عَلَى الْوَاضِحَةِ، وَكَانَ مِمَّا أَمَرَنَا بِهِ الإِعْذَارُ إِلَى النَّاسِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَمَنْ أَجَابَنَا إِلَيْهِ فَمِثْلُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْنَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَبَذَلْنَا لَهُ الْمَنْعَةَ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّا مُفْتَتِحُوكُمْ، وَأَوْصَانَا بِكُمْ حِفْظًا لِرَحِمِنَا فِيكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ إِنْ أَجَبْتُمُونَا بِذَلِكَ ذِمَّةً إِلَى ذِمَّةٍ وَمِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا أَمِيرُنَا: اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا، [فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أوصانا بالقبطين خَيْرًا، لأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَذِمَّةً،] فَقَالُوا: قَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ لا يَصِلُ مِثْلَهَا إِلا الأَنْبِيَاءُ، مَعْرُوفَةٌ شَرِيفَةٌ، كَانَتِ ابْنَةُ مَلِكِنَا، وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ مَنْفَ وَالْمَلِكُ فِيهِمْ، فَأُدِيلَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ عَيْنِ شَمْسٍ، فَقَتَلُوهُمْ وَسَلَبُوا مُلْكَهُمْ وَاغْتَرَبُوا، فَلِذَلِكَ صَارَتْ الى ابراهيم ع مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلا، آمِنَّا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ مِثْلِي لا يُخْدَعُ، وَلَكِنِّي أُؤَجِّلُكُمَا ثَلاثًا لِتَنْظُرَا وَلِتُنَاظِرَا قَوْمَكُمَا، وَإِلا نَاجَزْتُكُمْ، قَالا: زِدْنَا، فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَقَالا: زِدْنَا، فَزَادَهُمْ يوما، فرجعا الى المقوقس فهم، فَأَبَى أَرْطَبُونُ أَنْ يُجِيبَهُمَا، وَأَمَرَ بِمُنَاهَدَتِهِمْ،
(4/107)

فَقَالا لأَهْلِ مِصْرَ: أَمَّا نَحْنُ فَسَنَجْهَدُ أَنْ نَدْفَعَ عَنْكُمْ، وَلا نَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، فَلا تُصَابُونَ فِيهَا بِشَيْءٍ إِلا رَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَمَانٌ فَلَمْ يَفْجَأْ عمر وَالزُّبَيْرَ إِلا الْبياتُ من فرقب، وَعَمْرٌو عَلَى عُدَّةٍ، فَلَقَوْهُ فَقَتَلَ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ رَكِبُوا أَكْسَاءَهُمْ، وَقَصَدَ عَمْرٌو وَالزُّبَيْرُ لِعَيْنِ شَمْسٍ، وَبِهَا جَمْعُهُمْ، وبَعَثَ إِلَى الْفَرَمَا أَبْرَهَةَ بْنَ الصَّبَّاحِ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَبَعَثَ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لأَهْلِ مَدِينَتِهِ: إِنْ تَنْزِلُوا فَلَكُمُ الأَمَانُ، فَقَالُوا: نعم، فراسلوهم، وتربص بِهِمْ أَهْلُ عَيْنِ شَمْسٍ، وَسَبَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: مَا أَحْسَنَ مَدِينَتَكُمْ يَا أَهْلَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ! فَقَالُوا: إِنَّ الإِسْكَنْدَرَ قَالَ: إِنِّي أَبْنِي مَدِينَةً إِلَى اللَّهِ فَقِيرَةً، وَعَنِ النَّاسِ غَنِيَّةً- أَوْ لأَبْنِيَنَّ مَدِينَةً إِلَى اللَّهِ فَقِيرَةً، وَعَنِ النَّاسِ غَنِيَّةً- فَبَقِيَتْ بَهْجَتُهَا.
وَقَالَ أَبْرَهَةُ لأَهْلِ الْفَرَمَا: مَا أَخْلَقَ مَدِينَتَكُمْ يَا أَهْلَ الْفَرَمَا؟ قَالُوا:
إِنَّ الْفَرَمَا قَالَ: إِنِّي أَبْنِي مَدِينَةً عَنِ اللَّهِ غَنِيَّةً، وَإِلَى النَّاسِ فَقِيرَةٌ، فَذَهَبَتْ بَهْجَتُهَا.
وَكَانَ الإِسْكَنْدَرُ وَالْفَرَمَا أَخَوَيْنِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الإِسْكَنْدَرُ وَالْفَرَمَا أَخَوَيْنِ، ثُمَّ حَدَّثَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَنُسِبَتَا إِلَيْهِمَا، فَالْفَرَمَا يَنْهَدِمُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ شَيْءٌ، وَخَلقتْ مرآتها، وَبَقِيَتْ جِدَّةُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس، وكان الملك بين القبط والنوب، ونزل معه الزبير عليها قال أهل مصر لملكهم: ما تريد الى قوم فلوا كسرى وقيصر، وغيرهم على بلادهم! صالح القوم واعتقد منهم، ولا تعرض لهم، ولا تعرضنا لهم- وذلك في اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عنوة، حتى خرج على عمرو من الباب
(4/108)

معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذ عنوه مجرى ما صالح عليه، فصاروا ذمة، وكان صلحهم:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بْن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد اللَّه وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة، الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة شهد الزبير وعبد اللَّه ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر.
فدخل في ذلك أهل مصر كلهم، وقبلوا الصلح، واجتمعت الخيول فمصر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم وأبو مريام، فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فقال: أولهم عهد وعقد؟ ألم نحالفكما ويغار علينا من يومكما! وطردهما، فرجعا وهما يقولان: كل شيء أصبتموه إلى أن نرجع إليكم ففي ذمة منكم، فقال لهما: أتغيرون علينا وهم في ذمة؟ قالا: نعم، وقسم عمرو ذلك السبي على الناس، وتوزعوه، ووقع في بلدان العرب وقدم البشير على عمر بعد بالأخماس، وبعث الوفود
(4/109)

فسألهم عمر، فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه، فقال:
ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون! من قاتلكم فلا أمان له، ومن لم يقاتلكم فأصابه منكم شيء من أهل القرى فله الأمان في الأيام الخمسة حتى تنصرم، وبعث في الآفاق حتى رد ذلك السبي الذي سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة إلا من قاتل بعد، فترادوهم إلا ما كان من ذلك الضرب، وحضرت القبط باب عمرو، وبلغ عمرا أنهم يقولون: ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم! فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم، فأمر بجزر فذبحت، فطبخت بالماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا، وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذن لأهل مصر، وجيء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين، فأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعا وجرأة، وبعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد، وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر، فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا، وقالوا: كدنا وبعث إليهم أن تسلحوا للعرض غدا، وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم ثم قال: إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم حالهم، وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني، وراجع إلى عيش اليوم الأول فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.
وبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره، إن عمرا لعض ثم أمره عليها وقام بها.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الرَّبِيعِ ابن النُّعْمَانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: لَمَّا الْتَقَى عَمْرٌو وَالْمُقَوْقِسُ بِعَيْنِ شَمْسٍ،
(4/110)

وَاقْتَتَلَتْ خَيْلاهُمَا، جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَجُولُونَ بَعْدَ الْبُعْدِ فَدَمَّرَهُمْ عَمْرٌو، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ مِنْ حِجَارَةٍ وَلا حَدِيدٍ! فَقَالَ: اسْكُتْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ كَلْبٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَمِيرُ الْكِلابِ، قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ ذَلِكَ يَتَوَاصَلُ نادى عمرو: اين اصحاب رسول الله ص؟ فَحَضَرَ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَقَالَ: تَقَدَّمُوا، فَبِكُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فَتَقَدَّمُوا وَفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أَبُو بُرْدَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ، وَنَاهَدَهُمُ النَّاسُ يَتْبَعُونَ الصَّحَابَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَظَفَرُوا أَحْسَنَ الظَّفْرِ.
وَافْتُتِحَتْ مِصْرُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقَامَ فِيهَا مُلْكُ الإِسْلامِ عَلَى رَجُلٍ، وَجَعَلَ يَفِيضُ عَلَى الأُمَمِ وَالْمُلُوكِ، فَكَانَ أَهْلُ مِصْرَ يَتَدَفَّقُونَ عَلَى الأجلِ، وَأَهْلُ مكران عَلَى رَاسِلَ وَدَاهِرَ، وَأَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى الشَّاهْ وَذَويه، وَأَهْلُ خُرَاسَانَ وَالْبَابِ عَلَى خَاقَانَ، وَخَاقَانُ وَمَنْ دُونَهُمَا مِنَ الأُمَمِ، فَكَفْكَفَهُمْ عُمَرُ إِبْقَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، وَلَوْ خَلَّى سربهم لَبَلَغُوا كُلَّ مَنْهَلٍ.
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْن سهل، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مسلم، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بْن أبي حبيب، أن المسلمين لما فتحوا مصر غزوا نوبة مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحدق من جودة الرمي، فسموا رماة الحدق، فلما ولي عبد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح مصر، ولاه إياها عثمان بْن عفان رضي اللَّه عنه، صالحهم على هدية عدة رؤوس منهم، يؤدونهم إلى المسلمين في كل سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كل سنة طعاما مسمى وكسوه من نحو ذلك.
قال علي: قال الوليد: قال ابن لهيعة: وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من الولاة والأمراء، وأقره عمر بْن عبد العزيز نظرا منه للمسلمين، وإبقاء عليهم.
قال سيف: ولما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة، وضع عمر رضي اللَّه عنه مسالح مصر على السواحل كلها، وكان داعية ذلك أن هرقل أغزى
(4/111)

مصر والشام في البحر، ونهد لأهل حمص بنفسه، وذلك لثلاث سنين وستة أشهر من اماره عمر رضى الله عنه
[أخبار متفرقة]
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة- أعني سنة عشرين- غزا أرض الروم أبو بحرية الكندي عبد اللَّه بْن قيس، وهو أول من دخلها- فيما قيل وقيل:: أول من دخلها ميسره بن مسروق العبسى، فسلم وغنم.
قال: وقال الواقدي: وفي هذه السنة عزل قدامة بْن مظعون عن البحرين، وحده في شرب الخمر.
وفيها استعمل عمر أبا هريرة على البحرين واليمامة.
قال: وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.
قال: وفيها توفي بلال بْن رباح رضي اللَّه عنه، ودفن في مقبرة دمشق.
وفيها عزل عمر سعدا عن الكوفة لشكايتهم إياه، وقالوا: لا يحسن يصلي.
وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين، وأجلى اليهود منها، وبعث أبا حبيبة إلى فدك فأقام لهم نصف، فأعطاهم، ومضى إلى وادي القرى فقسمها.
وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة- فيما زعم الواقدي.
قال الواقدي: وفي هذه السنة- أعني سنة عشرين- دون عمر رضي اللَّه عنه الدواوين قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه.
وفيها بعث عمر رضي اللَّه عنه علقمة بْن مجزز المدلجي إلى الحبشة في البحر، وذلك أن الحبشة كانت تطرفت- فيما ذكر- طرفا من أطراف الإسلام، فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه الا بحمل في البحر أحدا أبدا
(4/112)

وأما أَبُو معشر فإنه قَالَ- فِيمَا حَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عنه: كانت غزوة الأساودة في البحر سنة إحدى وثلاثين.
قال الواقدي: وفيها مات أسيد بْن الحضير في شعبان.
وفيها ماتت زينب بنت جحش.
وحج في هذه السنة عمر رضي اللَّه عنه.
وكانت عماله في هذه السنة على الأمصار عماله عليها في السنة التي قبلها، إلا من ذكرت أنه عزله واستبدل به غيره، وكذلك قضاته فيها كانوا القضاة الذين كانوا في السنه التي قبلها
(4/113)

إحدى وعشرين
قال أبو جعفر: وفيها كانت وقعة نهاوند في قول ابن إسحاق، حَدَّثَنَا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه.
وكذلك قَالَ أَبُو معشر، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه.
وكذلك قال الواقدي.
وأما سيف بْن عمر فإنه قال: كانت وقعة نهاوند في سنه ثمان عشرة في سنة ست من إمارة عمر، كتب إلي بذلك السري، عن شعيب، عن سيف.

ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند
وكان ابتداء ذلك- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ- كَانَ مِنْ حَدِيثِ نهاوند أن النعمان بْن مقرن كان عاملا على كسكر، فكتب إلى عمر رضي اللَّه عنه يخبره أن سعد ابن ابى وقاص استعمله على جبابه الخراج، وقد أحببت الجهاد ورغبت فيه.
فكتب عمر إلى سعد: إن النعمان كتب إلي يذكر أنك استعملته على جباية الخراج، وأنه قد كره ذلك، ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهم وجوهك، إلى نهاوند.
قال: وقد اجتمعت بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب- رجل من الأعاجم- فكتب عمر إلى النعمان بْن مقرن:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن
(4/114)

مقرن، سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر اللَّه، وبعون اللَّه، وبنصر اللَّه، بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلنهم غيضة، فإن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار والسلام عليك.
فسار النعمان إليه ومعه وجوه أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمْ حذيفة بْن اليمان، وعبد اللَّه بْن عمر بْن الخطاب، وجرير بْن عبد اللَّه البجلي، والمغيرة بْن شعبة، وعمرو بْن معديكرب الزبيدي، وطليحة بْن خويلد الأسدي، وقيس بْن مكشوح المرادي فلما انتهى النعمان بْن مقرن في جنده إلى نهاوند، طرحوا له حسك الحديد، فبعث عيونا، فساروا لا يعلمون بالحسك، فزجر بعضهم فرسه، وقد دخلت في يده حسكة، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حسكة، فأقبل بها، وأخبر النعمان الخبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقل من منزلك هذا حتى يروا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك، فانتقل النعمان من منزله ذلك، وكنست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، وعطف عليهم النعمان، فضرب عسكره، ثم عبى كتائبه، وخطب الناس فقال: إن أصبت فعليكم حذيفة بْن اليمان، وإن أصيب فعليكم جرير بْن عبد اللَّه، وإن أصيب جرير بْن عبد اللَّه فعليكم قيس بْن مكشوح، فوجد المغيرة بْن شعبة في نفسه إذ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: إذا أظهرت قاتلتهم، لانى رايت رسول الله ص يستحب ذلك، فقال المغيرة: لو كنت بمنزلتك باكرتهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرت القتال، ثم لم يسود اللَّه وجهك وذلك يوم الجمعة فقال النعمان:
نصلي إن شاء اللَّه، ثم نلقى عدونا دبر الصلاة، فلما تصافوا قال النعمان للناس: إني مكبر ثلاثا، فإذا كبرت الأولى فشد رجل شسعه، وأصلح
(4/115)

من شأنه، فإذا كبرت الثانية، فشد رجل إزاره، وتهيأ لوجه حملته، فإذا كبرت الثالثة فاحملوا عليهم، فإني حامل وخرجت الأعاجم قد شدوا أنفسهم بالسلاسل لئلا يفروا، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فرمي النعمان بنشابة فقتل رحمه اللَّه، فلفه أخوه سويد بْن مقرن في ثوبه، وكتم قتله حتى فتح اللَّه عليهم، ثم دفع الراية إلى حذيفة بْن اليمان، وقتل اللَّه ذا الحاجب، وافتتحت نهاوند، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة.
قال أبو جعفر: وقد كان- فيما ذكر لي- بعث عمر بْن الخطاب رضي اللَّه عنه السائب بْن الأقرع، مولى ثقيف- وكان رجلا كاتبا حاسبا- فقال: الحق بهذا الجيش فكن فيهم، فإن فتح اللَّه عليهم فاقسم على المسلمين فيئهم، وخذ خمس اللَّه وخمس رسوله، وإن هذا الجيش أصيب، فاذهب في سواد الأرض، فبطن الأرض خير من ظهرها.
قال السائب: فلما فتح اللَّه على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظاما، فو الله إني لأقسم بين الناس، إذ جاءني علج من أهلها فقال: أتؤمنني على نفسي وأهلي وأهل بيتي، على أن أدلك على كنوز النخيرجان- وهي كنوز آل كسرى- تكون لك ولصاحبك، لا يشركك فيها أحد؟ قال: قلت:
نعم، قال: فابعث معي من أدله عليها، فبعثت معه، فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فلما فرغت من قسمي بين الناس احتملتهما معي، ثم قدمت على عمر بْن الخطاب، فقال: ما وراءك يا سائب؟
فقلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح اللَّه عليك بأعظم الفتح، واستشهد النعمان ابن مقرن رحمه اللَّه فقال عمر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! قال: ثم بكى فنشج، حتى إني لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده قال: فلما رأيت ما لقي قلت: والله يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده من رجل يعرف وجهه فقال المستضعفون من المسلمين: لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وانسابهم، وما يصنعون بمعرفة عمر بن أم عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: إن
(4/116)

معي مالا عظيما قد جئت به، ثم أخبرته خبر السفطين، قال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك قال: فأدخلتهما بيت المال، وخرجت سريعا إلى الكوفة قال: وبات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما اصبح بعث في اثرى رسولا، فو الله ما أدركني حتى دخلت الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك، فلم أقدر عليك إلا الآن قال: قلت: ويلك! ماذا ولماذا؟ قال: لا أدري والله، قال: فركبت معه حتى قدمت عليه، فلما رآني قال: ما لي ولابن أم السائب! بل ما لابن أم السائب وما لي! قَالَ: قلت:
وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك! والله ما هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا، يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فخذهما عنى لا ابالك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم.
قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشيني التجار، فابتاعهما مني عمرو بْن حريث المخزومي بألفي ألف، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم، فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عن زياد بن حدير، قال: حدثنى ابى، ان عمر ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ حِينَ أمَّنَهُ: لا بَأْسَ، انْصَحْ لِي، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ فَارِسَ الْيَوْمَ رَأْسٌ وَجَنَاحَانِ، قَالَ: وَأَيْن الرَّأْسُ؟
قَالَ: بِنَهَاوَنْدَ مَعَ بُنْدَارٍ، فَإِنَّ مَعَهُ أَسَاوِرَةَ كِسْرَى وَأَهْلَ إِصْبَهَانَ، قَالَ:
وَأَيْنَ الْجَنَاحَانِ؟ فَذَكَرَ مَكَانًا نَسِيتُهُ، قَالَ: فَاقْطَعِ الْجَنَاحَيْنِ يَهِنَّ الرَّأْسُ.
فَقَالُ عُمَرُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! بَلْ أَعْمَدُ إِلَى الرَّأْسِ فَأَقْطَعُهُ، فَإِذَا قَطَعَهُ اللَّهُ لَمْ يَعْصِ عَلَيْهِ الْجَنَاحَانِ قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَقَالُوا: نُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَسِيرَ بِنَفْسِكَ إِلَى حَلَبَةِ الْعُجْمِ، فَإِنْ أُصِبْتَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ نِظَامٌ، وَلَكِنِ ابْعَثِ الْجُنُودَ، فَبَعَثَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
(4/117)

عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِيهِمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنْ سِرْ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنْ سِرْ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ حَتَّى تَجْتَمِعُوا جَمِيعًا بِنَهَاوَنْدَ، وَكَتَبَ: إِذَا الْتَقَيْتُمْ فَأَمِيرُكْمُ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بِنَهَاوَنْدَ، أَرْسَلَ بُنْدَارٌ الْعلجَ إِلَيْهِمْ: أَنِ أَرْسِلُوا إِلَيْنَا رَجُلا نُكَلِّمَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ أَبِي: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، رَجُلا طَوِيلَ الشَّعْرِ أَعْوَرَ، فَأَرْسَلُوهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ سَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: وَجَدْتُهُ قَدِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ نَأْذَنُ لِهَذَا الْعَرَبِيِّ؟ بِشَارَتِنَا وَبَهْجَتِنَا وَمُلْكِنَا، أَوْ نَتَقَشَّفُ لَهُ فِيمَا قَبِلْنَا حَتَّى يَزْهَدَ؟ فَقَالُوا: لا، بَلْ بِأَفْضَلِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّارَةِ وَالْعُدَّةِ، فَتَهَيَّئُوا بِهَا، فَلَمَّا أَتَيْنَاهُمْ كَادَتِ الْحِرَابُ وَالنَّيَازِكُ يَلْتَمِعُ مِنْهَا الْبَصَرُ، فَإِذَا هُمْ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الشَّيَاطِينِ، وَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ عَلَى رَأْسِهِ التَّاجُ قَالَ: فَمَضَيْتُ كَمَا أَنَا وَنَكَسْتُ، قَالَ: فَدَفَعْتُ وَنَهْنَهْتُ، فَقُلْتُ: الرُّسُلُ لا يُفْعَلُ بِهِمْ هَذَا، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ كَلْبٌ، فَقُلْتُ: مَعَاذَ اللَّهِ! لأَنَا أَشْرَفُ فِي قَوْمِي من هذا في قومه، فانتهرونى، وقالوا: اجْلِسْ، فَأَجْلَسُونِي قَالَ- وَتُرْجِمَ لَهُ قَوْلُهُ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَطْوَلُ النَّاسِ جُوعًا، وَأَشْقَى النَّاسِ شَقَاءً، وَأَقْذَرُ النَّاسِ قَذَرًا، وَأَبْعَدُهُ دَارًا، وَمَا مَنَعَنِي أَنْ آمُرَ هَؤُلاءِ الأَسَاوِرَةَ حَوْلِي أَنْ يَنْتَظِمُوكُمْ بِالنُّشَّابِ إِلا تَنَجُّسًا لِجيفِكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَرْجَاسٌ، فَإِنْ تَذْهَبُوا نخل عنكم، وان تأتوا نُرِكُمْ مَصَارِعَكُمْ، قَالَ: فَحَمَدْتُ اللَّهَ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَخْطَأْتَ مِنْ صِفَتِنَا شَيْئًا، وَلا مِنْ نَعْتِنَا، إِنْ كُنَّا لأَبْعَدَ النَّاسِ دَارًا، وَأَشَدَّ النَّاسِ جُوعًا، وَأَشْقَى النَّاسِ شَقَاءً، وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، حَتَّى بَعَثَ الله عز وجل إلينا رسوله ص، فَوَعَدَنَا النَّصْرَ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةَ فِي الآخِرَةِ، فو الله مَا زِلْنَا نَتَعَرَّفُ مِنْ رَبِّنَا مُنْذُ جَاءَنَا رَسُولُهُ الْفَتْحَ وَالنَّصْرَ، حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الشَّقَاءِ أَبَدًا حَتَّى نَغْلِبَكُمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْ نُقْتَلَ بِأَرْضِكُمْ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الأَعْوَرَ قَدْ صَدَقَكُمُ الَّذِي فِي نَفْسِهِ قَالَ: فَقُمْتُ وَقَدْ وَاللَّهِ أَرْعَبْتُ الْعلجَ جَهْدِي قَالَ: فَأَرْسَلَ
(4/118)

إِلَيْنَا الْعلجُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا بِنَهَاوَنْدَ، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ فَقَالَ النُّعْمَانُ:
اعْبُرُوا، قَالَ أَبِي: فَلَمْ أَرَ وَاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، إِنَّهُمْ يَجِيئُونَ كَأَنَّهُمْ جِبَالُ حَدِيدٍ، قَدْ تَوَاثَقُوا أَلا يَفِرُّوا مِنَ الْعَرَبِ، وَقَدْ قَرَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، سَبْعَةً فِي قِرَانٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ خَلْفَهُمْ، وَقَالُوا: مَنْ فَرَّ مِنَّا عَقَرَهُ حَسَكُ الْحَدِيدِ.
فَقَالَ الْمُغِيرَةُ حِينَ رَأَى كَثْرَتَهُمْ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فَشَلا، إِنَّ عَدُوَّنَا يُتْرَكُونَ يَتَأَهَّبُونَ لا يَعْجَلُونَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الأَمْرَ لِي لَقَدْ أَعْجَلْتُهُمْ- وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ رَجُلا لَيِّنًا- فَقَالَ لَهُ: فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُشْهِدُكَ أَمْثَالَهَا فَلا يَحْزُنُكَ وَلا يَعِيبُكَ مَوْقِفُكَ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ أَنْ أُنَاجِزَهُمْ إِلا شَيْءٌ شَهِدْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا غَزَا فَلَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ لَمْ يَعْجَلْ حَتَّى تَحْضُرَ الصَّلاةُ، وَتَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَيَطِيبَ الْقِتَالُ، فَمَا مَنَعَنِي إِلا ذَلِكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَقَرَّ عَيْنِي الْيَوْمَ بِفَتْحٍ يَكُونُ فِيهِ عِزُّ الإِسْلامِ، وَذُلٌّ يُذَلُّ بِهِ الْكُفَّارُ، ثُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشِّهَادَةِ، أَمِّنُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ!.
فَأَمَّنَّا وَبَكَيْنَا ثُمَّ قَالَ: إِنِّي هَازٌّ لِوَائِي فَتَيَسَّرُوا لِلسِّلاحِ، ثُمَّ هَازٌّ الثَّانِيَةَ، فَكُونُوا مُتَأَهْبِينَ لِقِتَالِ عَدُوِّكُمْ، فَإِذَا هَزَزْتُ الثَّالِثَةَ فَلْيَحْمِلْ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مَنْ عَدُوِّهِمْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
قَالَ: وَجَاءُوا بِحَسَكِ الْحَدِيدِ قَالَ: فَجَعَلَ يُلْبِثُ حَتَّى إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَهَبَّتِ الأَرْوَاحُ كَبَّرَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لِي، وَيَفْتَحَ عَلَيَّ، ثُمَّ هَزَّ اللِّوَاءَ فَتَيَسَّرْنَا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ هَزَّهُ الثَّانِيَةَ فَكُنَّا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ هَزَّهُ الثَّالِثَةَ.
قَالَ: فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: فَتْحًا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ قَالَ النُّعْمَانُ: إِنْ أُصِبْتُ فَعَلَى النَّاسِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَإِنْ أُصِيبَ حُذَيْفَةُ فَفُلانٌ، وَإِنْ أُصِيبَ فُلانٌ فَفُلانٌ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً آخِرُهُمُ الْمُغِيرَةُ، ثُمَّ هَزَّ اللِّوَاءَ الثَّالِثَةَ، فَحَمَلَ كُلُّ إِنْسَانٌ عَلَى مَنْ يَلِيهِ من العدو قال: فو الله مَا عَلِمْتُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا يَوْمَئِذٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَظْفُرَ، فَحَمَلْنَا حَمْلَةً وَاحِدَةً، وَثَبَتُوا لَنَا، فَما كُنَّا نَسْمَعُ إِلا وَقْعَ الْحَدِيدِ عَلَى الْحَدِيدِ، حَتَّى أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِمَصَائِبَ عَظِيمَةٍ، فَلَمَّا رَأَوْا صَبْرَنَا وَأَنَّا لا نَبْرَحُ
(4/119)

الْعرصةَ انْهَزَمُوا، فَجَعَلَ يَقَعُ الْوَاحِدُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي قِيَادٍ، فَيُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَجَعَلَ يَعْقِرُهُمْ حَسَكُ الْحَدِيدِ الَّذِي وَضَعُوا خَلْفَهُمْ.
فَقَالَ النُّعْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِّمُوا اللِّوَاءَ، فَجَعَلْنَا نُقَدِّمُ اللِّوَاءَ، وَنَقْتُلُهُمْ وَنَهْزِمُهُمْ فَلَمَّا رَأَى أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ لَهُ وَرَأَى الْفَتْحَ، جَاءَتْهُ نُشَّابَةٌ فَأَصَابَتْ خَاصِرَتَهُ، فَقَتَلَتْهُ قَالَ: فَجَاءَ أَخُوهُ مَعْقِلُ فَسَجَى عَلَيْهِ ثَوْبًا، وَأَخَذَ اللِّوَاءَ فَقَاتَلَ، ثُمَّ قَالَ: تَقَدَّمُوا نَقْتُلْهُمْ وَنَهْزِمَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَالُوا:
أَيْنَ أَمِيرُنَا؟ قَالَ مَعْقِلٌ: هَذَا أَمِيرُكُمْ، قَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بِالْفَتْحِ، وَخَتَمَ لَهُ بِالشِّهَادَةِ قَالَ: فَبَايَعَ النَّاسُ حُذَيْفَةَ وَعُمَرُ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَنْصِرُ لَهُ، وَيَدْعُو لَهُ مِثْلُ الْحُبْلَى.
قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِفَتْحٍ أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَأَذَلَّ بِهِ الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ قَالَ: فَحَمَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: النُّعْمَانُ بَعَثَكَ؟ قَالَ: احْتَسَبِ النُّعْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ وَاسْتَرْجَعَ قَالَ: وَمَنْ وَيْحَكَ! قَالَ: فُلانٌ وَفُلانٌ، حَتَّى عَدَّ لَهُ نَاسًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ: وَآخَرِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَعْرِفُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ وَهُوَ يَبْكِي: لا يَضُرُّهُمْ أَلا يَعْرِفَهُمْ عُمَرُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْرِفُهُمْ.
وأما سيف، فإنه قال- فيما كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ يذكر أن شعيبا حدثه عنه، وعن مُحَمَّد والمهلب وطلحة وعمر وسعيد- إن الذي هاج أمر نهاوند أن أهل البصرة لما أشجوا الهرمزان، وأعجلوا أهل فارس عن مصاب جند العلاء، ووطئوا أهل فارس، كاتبوا ملكهم، وهو يومئذ بمرو، فحركوه، فكاتب الملك أهل الجبال من بين الباب والسند وخراسان وحلوان، فتحركوا وتكاتبوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويبرموا فيها أمورهم، فتوافى إلى نهاوند اوائلهم.
وبلغ سعد الخبر عن قباذ صاحب حلوان، فكتب إلى عمر بذلك، فنزا بسعد أقوام، وألبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند، ولم يشغلهم
(4/120)

ما دهم المسلمين من ذلك، وكان ممن نهض الجراح بْن سنان الأسدي في نفر، فقال عمر: إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الأمر، وقد استعد لكم من استعدوا، وايم اللَّه لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم وإن نزلوا بكم فبعث عمر مُحَمَّد بْن مسلمة، والناس في الاستعداد للأعاجم، والأعاجم في الاجتماع- وكان مُحَمَّد بْن مسلمة هو صاحب العمال الذي يقتص آثار من شكى زمان عمر- فقدم مُحَمَّد على سعد ليطوف به في أهل الكوفة، والبعوث تضرب على أهل الأمصار إلى نهاوند، فطوف به على مساجد أهل الكوفة، لا يتعرض للمسألة عنه في السر، وليست المسألة في السر من شأنهم إذ ذاك، وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلا قالوا: لا نعلم إلا خيرا، ولا نشتهي به بدلا، ولا نقول فيه، ولا نعين عليه، إلا من مالأ الجراح بْن سنان وأصحابه، فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءا، ولا يسوغ لهم، ويتعمدون ترك الثناء، حتى انتهوا إلى بني عبس، فقال مُحَمَّد: أنشد بالله رجلا يعلم حقا إلا قال! قال أسامة بْن قتادة: اللهم إن نشدتنا فإنه لا يقسم بالسويه، وو لا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية فقال سعد:
اللهم إن كان قالها كاذبا ورئاء وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن فعمي، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك ثم أقبل على الدعاء على النفر، فقال: اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا وكذبا فاجهد بلاءهم، فجهد بلاؤهم، فقطع الجراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بْن علي ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل أربد بالوجء وبنعال السيوف وقال سعد: إني لأول رجل أهرق دما من المشركين، ولقد جمع لي رسول الله ص أبويه، وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتني خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أني لا احسن
(4/121)

ان أصلي، وأن الصيد يلهيني وخرج مُحَمَّد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه، فأخبره الخبر، فقال: يا سعد، ويحك، كيف تصلي! فقال: أطيل الأوليين، وأحذف الأخريين، فقال: هكذا الظن بك! ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا ثم قال: من خليفتك يا سعد على الكوفه؟ قال: عبد الله ابن عبد اللَّه بن عتبان، فأقره واستعمله، فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد، وأما الوقعة ففي زمان عبد اللَّه.
قالوا: وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد الملك، فتوافوا إلى نهاوند، فتوافى إليها من بين خراسان إلى حلوان، ومن بين الباب إلى حلوان، ومن بين سجستان إلى حلوان، فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حلوان ثلاثون ألف مقاتل، ومن بين خراسان إلى حلوان ستون ألف مقاتل، ومن بين سجستان إلى فارس وحلوان ستون ألف مقاتل، واجتمعوا على الفيرزان، وإليه كانوا توافوا وشاركهم موسى عن حمزة بْن المغيرة بْن شعبة، عن أبي طعمة الثقفي- وكان قد أدرك ذلك- قال: ثم إنهم قالوا: إن محمدا الذي جاء العرب بالدين لم يغرض غرضنا، ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض غرض فارس، إلا في غارة تعرض لهم فيها، وإلا فيما يلي بلادهم من السواد ثم ملك عمر من بعده، فطال ملكه وعرض، حتى تناولكم وانتقصكم السواد والأهواز، وأوطأها، ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس والمملكة في عقر دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه، فقد اخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقلعوا هذين المصرين، ثم تشغلوه في بلاده وقراره وتعاهدوا وتعاقدوا، وكتبوا بينهم على ذلك كتابا، وتمالئوا عليه.
وبلغ الخبر سعدا، وقد استخلف عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان.
ولما شخص لقي عمر بالخبر مشافهة، وقد كان كتب إلى عمر بذلك، وقال:
إن أهل الكوفه يستأذنوك في الانسياح قبل أن يبادروهم الشدة- وقد كان عمر منعهم من الانسياح في الجبل
(4/122)

وكتب إليه أيضا عبد اللَّه وغيره بأنه قد تجمع منهم خمسون ومائة ألف مقاتل، فإن جاءونا قبل أن نبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة، وإن نحن عاجلناهم كان لنا ذلكم، وكان الرسول بذلك قريب بْن ظفر العبدي.
ثم خرج سعد بعده فوافى مشورة عمر، فلما قدم الرسول بالكتاب إلى عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك؟ قال: قريب، قال: ابن من؟ قال:
ابن ظفر، فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظفر قريب إن شاء اللَّه، ولا قوة إلا بالله! ونودي في الناس: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، ووافاه سعد، فتفاءل إلى سعد بْن مالك، وقام على المنبر خطيبا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، ولا تكثروا ولا تطيلوا، فتفشغ بكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأي، أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه، حتى أنزل منزلا واسطا بين هذين المصرين، فأستنفرهم ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح اللَّه عليهم، ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم ان اضربهم عليهم في بلادهم، وليتنازعوا ملكهم فقام عثمان بْن عفان، وطلحة بْن عبيد اللَّه، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، في رجال من أهل الرأي من أصحاب رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتكلموا كلاما، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم، ومن قد فض جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فأذن لهم، واندب إليهم، وادع لهم وكان الذي ينتقد له الرأي إذا عرض عليه العباس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن حمزة، عن أبي طعمة، [قال: فقام علي بْن أبي طالب ع فقال: أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي، وفهموا ما كتب به إليك، وإن هذا
(4/123)

الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعز، وأيده بالملائكة، حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من اللَّه، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم مكان النظام من الخرز، يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهي كثير عزيز بالإسلام، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، ومن لم يحفل بمن هو أجمع وأحد وأجد من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم] .
فسر عمر بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم وقام سعد فقال:
يا أمير المؤمنين، خفض عليك، فإنهم إنما جمعوا لنقمة.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي بكر الهذلي قال: لما أخبرهم عمر الخبر واستشارهم، وقال: أوجزوا في القول، ولا تطيلوا فتفشغ بكم الأمور، واعلموا أن هذا يوم له ما بعده من الأيام، تكلموا، فقام طلحة بْن عبيد اللَّه- وكان من خطباء أصحاب رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فتشهد، ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، وعجمتك البلايا، واحتنكتك التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا ننبو في يديك، ولا نكل عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، وادعنا نجب، واحملنا نركب، ووفدنا نفد، وقدنا ننقد، فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واختبرت، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء اللَّه لك إلا عن خيار ثم جلس فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلموا فقام عثمان بْن عفان، فتشهد، وقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شأمهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم،
(4/124)

ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين: الكوفة والبصرة، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فإنك إذا سرت بمن معك وعندك قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعز عزا وأكثر، يا أمير المؤمنين إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقيه، ولا تمتع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه ثم جلس.
فعاد عمر، فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلموا، [فقام علي بْن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك إن أشخصت أهل الشام من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق، فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم، لئلا ينتقضوا عليهم، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم، إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير العرب، وأصل العرب، فكان ذلك أشد لكلبهم، وألبتهم على نفسك وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن اللَّه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكنا كنا نقاتل بالنصر] .
فقال عمر: أجل والله، لئن شخصت من البلدة لتنتقضن علي الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرت إلي الأعاجم لا يفارقن العرصة، وليمدنهم من لم يمدهم، وليقولن: هذا أصل العرب، فإذا
(4/125)

اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب، فأشيروا علي برجل أوله ذلك الثغر غدا.
قالوا: أنت أفضل رأيا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا علي به، واجعلوه عراقيا قالوا: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بأهل العراق وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم، فقال: أما والله لأولين أمرهم رجلا ليكونن لأول الأسنة إذا لقيها غدا، فقيل: من يا أمير المؤمنين؟ فقال: النعمان بن مقرن المزنى فقالوا: هولها- والنعمان يومئذ بالبصرة معه قواد من قواد أهل الكوفة أمدهم بهم عمر عند انتقاض الهرمزان، فافتتحوا رامهرمز وإيذج، وأعانوهم على تستر وجندى سابور والسوس فكتب إليه عمر مع زر بْن كليب والمقترب الأسود بْن ربيعة بالخبر، وإني قد وليتك حربهم، فسر من وجهك ذلك حتى تأتي ماه، فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع لك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا اللَّه، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وروي عن أبي وائل في سبب توجيه عمر النعمان بْن مقرن إلى نهاوند، ما حَدَّثَنِي به مُحَمَّد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، قال: حدثنا أمية بن خالد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عبد الرحمن، قال:
قال أبو وائل: كان النعمان بْن مقرن على كسكر، فكتب إلى عمر:
مثلي ومثل كسكر كمثل رجل شاب والى جنبه مومسة تلون له وتعطر، فأنشدك اللَّه لما عزلتني عن كسكر، وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين! قال: فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بنهاوند، فأنت عليهم قال:
فالتقوا، فكان أول قتيل، وأخذ الراية أخوه سويد بْن مقرن، ففتح اللَّه على المسلمين، ولم يكن لهم- يعني للفرس- جماعة بعد يومئذ، فكان أهل كل مصر يغزون عدوهم في بلادهم
(4/126)

رجع الحديث إلى حديث سيف وكتب- يعني عُمَرُ- إِلَى عَبْدِ اللَّه بْن عَبْدِ اللَّه مع ربعي بْن عامر، أن استنفر من أهل الكوفة مع النعمان كذا وكذا، فإني قد كتبت إليه بالتوجه من الأهواز إلى ماه، فليوافوه بها، وليسر بهم إلى نهاوند، وقد أمرت عليهم حذيفة بْن اليمان، حتى ينتهي إلى النعمان بْن مقرن، وقد كتبت إلى النعمان: إن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بْن اليمان، فإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بْن مقرن، ورد قريب ابن ظفر ورد معه السائب بْن الأقرع أمينا وقال: إن فتح اللَّه عليكم فاقسم ما أفاء اللَّه عليهم بينهم، ولا تخدعني ولا ترفع إلي باطلا، وإن نكب القوم فلا تراني ولا أراك فقدما إلى الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث، وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الروادف، ليبلوا في الدين، وليدركوا حظا، وخرج حذيفة بْن اليمان بالناس ومعه نعيم حتى قدموا على النعمان بالطزر، وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسير وقد كتب عمر إلى سلمى بْن القين وحرملة بْن مريطة وزر بْن كليب والمقترب الأسود بْن ربيعة، وقواد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز، أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز حتى يأتيكم أمري وبعث مجاشع بْن مسعود السلمي إلى الأهواز، وقال له: انصل منها على ماه، فخرج حتى إذا كان بغضي شجر، أمره النعمان أن يقيم مكانه، فأقام بين غضي شجر ومرج القلعة، ونصل سلمى وحرملة وزر والمقترب، فكانوا في تخوم إصبهان وفارس، فقطعوا بذلك عن أهل نهاوند أمداد فارس ولما قدم أهل الكوفة على النعمان بالطزر جاءه كتاب عمر مع قريب:
إن معك حد العرب ورجالهم في الجاهلية، فأدخلهم دون من هو دونهم في العلم بالحرب، واستعن بهم، واشرب برأيهم، وسل طليحة وعمرا وعمرا ولا تولهم شيئا فبعث من الطزر طليحة وعمرا وعمرا طليعة ليأتوه بالخبر، وتقدم
(4/127)

إليهم ألا يغلوا فخرج طليحة بْن خويلد وعمرو بْن أبي سلمى العنزي، وعمرو بْن معد يكرب الزبيدي، فلما ساروا يوما إلى الليل رجع عمرو بْن أبي سلمى، فقالوا: ما رجعك؟ قال: كنت في أرض العجم، وقتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما وليلة، ولم نر شيئا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق ونفذ طليحة ولم يحفل بهما فقال الناس: ارتد الثانية، ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبين الطزر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخا فعلم علم القوم، واطلع على الأخبار، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبر الناس، فقال: ما شأن الناس؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه، فقال: والله لو لم يكن دين إلا العربية ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة فأتى النعمان فدخل عليه، فأخبروه الخبر، وأعلمه أنه ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه، ولا أحد.
فنادى عند ذلك النعمان بالرحيل، فأمرهم بالتعبية وبعث إلى مجاشع بْن مسعود أن يسوق الناس، وسار النعمان على تعبيته، وعلى مقدمته نعيم بْن مقرن، وعلى مجنبتيه حذيفة بْن اليمان وسويد بْن مقرن، وعلى المجردة القعقاع ابن عمرو، وعلى الساقة مجاشع، وقد توافى إليه أمداد المدينة، فيهم المغيرة وعبد اللَّه، فانتهوا الى الاسبيذهان والقوم وقوف دون واى خرد على تعبيتهم وأميرهم الفيرزان، وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب، وقد توافى إليهم بنهاوند كل من غاب عن القادسية والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلام من أعلامهم ليسوا بدون من شهد الأيام والقوادس، وعلى خيولهم أنوشق فلما رآهم النعمان كبر وكبر الناس معه
(4/128)

فتزلزلت الأعاجم، فأمر النعمان وهو واقف بحط الأثقال، وبضرب الفسطاط، فضرب وهو واقف، فابتدره اشراف اهل الكوفه وأعيانهم، فسبق اليه يومئذ عده من اشراف اهل الكوفه تسابقوا فبنوا له فسطاطا سابقوا أكفاءهم فسبقوهم، وهم أربعة عشر، منهم حذيفة بْن اليمان، وعقبة بْن عمرو، والمغيرة بْن شعبة، وبشير بْن الخصاصية، وحنظلة الكاتب بْن الربيع، وابن الهوبر، وربعي بْن عامر، وعامر بْن مطر، وجرير بْن عبد اللَّه الحميري، والأقرع بْن عبد اللَّه الحميري وجرير بْن عبد اللَّه البجلي، والأشعث بْن قيس الكندي، وسعيد بْن قيس الهمداني، ووائل بْن حجر، فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء وانشب النعمان بعد ما حط الأثقال القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس، والحرب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من إمارة عمر، في سنة تسع عشرة، وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء اللَّه والأعاجم بالخيار، لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فاشتد ذلك على المسلمين، وخافوا ان يطول امرهم وسرهم ان يناجزهم عدوهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين، فتكلموا، وقالوا: نراهم علينا بالخيار وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه، فوافقوه وهو يروي في الذي رووا فيه فقال: على رسلكم، لا تبرحوا! وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحروب، فتوافوا إليه، فتكلم النعمان، فقال:
قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنهم لا يخرجون إلا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه وعليه من الخيار عليهم في الخروج، فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى
(4/129)

المنابذة، وترك التطويل؟
فتكلم عمرو بْن ثبي- وكان أكبر الناس يومئذ سنا، وكانوا إنما يتكلمون على الأسنان- فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم، وقاتل من أتاك منهم، فردوا عليه جميعا رأيه.
وقالوا: إنا على يقين من إنجاز ربنا موعده لنا.
وتكلم عمرو بن معديكرب، فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم.
فردوا عليه جميعا رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران لهم أعوان علينا.
وتكلم طليحة فقال: قد قالا ولم يصيبا ما أرادا، وأما أنا فأرى أن تبعث خيلا مؤدية، فيحدقوا بهم، ثم يرموا لينشبوا القتال، ويحمشوهم، فإذا استحمشوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادا، فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، وإنا إذا فعلنا ذلك ورأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكوا فيها، فخرجوا فجادونا وجاددناهم، حتى يقضي اللَّه فيهم وفينا ما أحب.
فأمر النعمان القعقاع بْن عمرو- وكان على المجردة- ففعل، وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، فأنغضهم فلما خرجوا نكص، ثم نكص، ثم نكص، واغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا: هي هي، فخرجوا فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب، وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس، وانقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع، والنعمان ابن مقرن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعة في صدر النهار، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه! ألا ترى إلى ما لقي الناس، فما تنتظر بهم!
(4/130)

ائذن للناس في قتالهم، فقال لهم النعمان: رويدا رويدا! قالوا له ذلك مرارا، فأجابهم بمثل ذلك مرارا: رويدا رويدا، فقال المغيرة: لو أن هذا الأمر إلي علمت ما أصنع! فقال: رويدا ترى أمرك، وقد كنت تلي الأمر فتحسن، فلا يخذلنا اللَّه ولا إياك، ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في الحث.
وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمال ساعات كانت أحب إلى رسول اللَّه ص في القتال أن يلقى فيها العدو، وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الرياح فلما كان قريبا من تلك الساعة تحشحش النعمان، وسار في الناس على برذون أحوى قريب من الأرض، فجعل يقف على كل راية، ويحمد اللَّه ويثني عليه، ويقول: قد علمتم ما أعزكم اللَّه به من هذا الدين، وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هوادي ما وعدكم وصدوره، وإنما بقيت أعجازه وأكارعه، والله منجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة، فأنتم اليوم عباد اللَّه حقا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظفركم وعزكم، والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم، وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم، فأما ما أخطروا لكم فهذه الرثة وما ترون من هذا السواد، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم، ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا، فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم، واتقى اللَّه عبد صدق اللَّه، وأبلى نفسه فأحسن البلاء، فإنكم بين خيرين منتظرين، إحدى الحسنيين، من بين شهيد حي مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه، فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبر ثلاثا، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه،
(4/131)

وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة، فإني حامل إن شاء اللَّه فاحملوا معا اللهم أعز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك! فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف، وقضى إليهم أمره، رجع إلى موقفه، فكبر الأولى والثانية والثالثة، والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضة، ينحي بعضهم بعضا عن سننهم، وحمل النعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب، والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعه يوم قط كانت أشد قتالا منها، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب فيه، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء، فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه، وأصيب النعمان حين زلق به فرسه، وصرع وتناول الراية نعيم بْن مقرن قبل أن تقع، وسجى النعمان بثوب، وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حذيفة، فجعل حذيفة نعيم بْن مقرن مكانه، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء، وقال له المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع اللَّه فينا وفيهم، لكيلا يهن الناس، واقتتلوا حتى إذا أظلهم الليل انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظون بهم متلبسون، فعمي عليهم قصدهم، فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان، فوقعوا فيه، وجعلوا لا يهوي منهم أحد إلا قال: وايه خرد، فسمي بذلك وايه خرد إلى اليوم، فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل في المعركة منهم اعدادهم لم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة، فهرب نحو همدان في ذلك الشريد، فأتبعه نعيم بْن مقرن، وقدم القعقاع قدامه فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب
(4/132)

سنه 21 على أجله، فقتله على الثنية بعد ما امتنع، وقال المسلمون: إن لله جنودا من عسل، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل بها، وسميت الثنية بذلك ثنية العسل، وإن الفيرزان لما غشيه القعقاع نزل فتوقل في الجبل إذ لم يجد مساغا، وتوقل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همذان والخيل في آثارهم، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم، وحووا ما حولها، فلما راى ذلك خسرو شنوم استأمنهم، وقبل منهم على أن يضمن لهم همذان ودستبي، وألا يؤتى المسلمون منهم، فأجابوهم إلى ذلك وأمنوهم، وأمن الناس، وأقبل كل من كان هرب، ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها، وجمعوا الأسلاب والرثاث إلى صاحب الأقباض السائب بْن الأقرع فبيناهم كذلك على حالهم وفي عسكرهم يتوقعون ما يأتيهم من إخوانهم بهمذان، أقبل الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال:
أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم؟ قال: نعم، قال: إن النخيرجان وضع عندي ذخيرة لكسرى، فأنا أخرجها لك على أماني وأمان من شئت، فأعطاه ذلك، فأخرج له ذخيرة كسرى، جوهرا كان أعده لنوائب الزمان، فنظروا في ذلك، فأجمع رأي المسلمين على رفعه إلى عمر، فجعلوه له، فأخروه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس، وقسم حذيفة بْن اليمان بين الناس غنائمهم، فكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بْن الأقرع، فقبض السائب الأخماس، فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى وأقام حذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر وأمره، وكان رسوله بالفتح طريف بْن سهم، أخو بنى ربيعه ابن مالك.
فلما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همذان قد أخذت، ونزلها نعيم ابن مقرن والقعقاع بْن عمرو اقتدوا بخسروشنوم، فراسلوا حذيفة،
(4/133)

فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على القبول، وعزموا على إتيان حذيفة، فخدعهم دينار- وهو دون أولئك الملوك، وكان ملكا، إلا أن غيره منهم كان أرفع منه، وكان أشرفهم قارن- وقال: لا تلقوهم في جمالكم ولكن تقهلوا لهم، ففعلوا، وخالفهم فآتاهم في الديباج والحلي، وأعطاهم حاجتهم واحتمل للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره، فقيل ماه دينار لذلك فذهب حذيفة بماه دينار، وقد كان النعمان عاقد بهراذان على مثل ذلك، فنسبت إلى بهراذان، ووكل النسير بْن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم، فافتتحها فنسبت إلى النسير، وقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضي شجر ولأهل المسالح جميعا في فيء نهاوند مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنهم كانوا ردءا للمسلمين لئلا يؤتوا من وجه من الوجوه وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدر للقائهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر، فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلا، فمر به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة فقال: يا عبد اللَّه، من أين أقبلت؟
قال: من نهاوند، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر خير، فتح اللَّه على النعمان، واستشهد، واقتسم المسلمون فيء نهاوند، فأصاب الفارس ستة آلاف.
وطواه الراكب حتى انغمس في المدينة، فدخل الرجل، فبات فأصبح فتحدث بحديثه، ونمى الخبر حتى بلغ عمر، وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت، هذا عثيم بريد الجن، وقد رأى بريد الإنس، فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك، فقال: الخبر! فقال: ما عندي أكثر من الفتح، خرجت والمسلمون في الطلب وهم على رجل، وكتمه إلا ما سره.
ثم خرج وخرج معه أصحابه، فأمعن، فرفع له راكب، فقال: قولوا، فقال عثمان بْن عفان: السائب، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟
(4/134)

قال: البشرى والفتح، قال: ما فعل النعمان؟ قال: زلق فرسه في دماء القوم، فصرع فاستشهد، فانطلق راجعا والسائب يسايره، وسأل عن عدد من قتل من المسلمين، فأخبره بعدد قليل، وأن النعمان أول من استشهد يوم فتح الفتوح- وكذلك كان يسميه أهل الكوفة والمسلمون- فلما دخل المسجد حطت الأحمال فوضعت في المسجد، وأمر نفرا من أصحابه- منهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم- بالمبيت فيه، ودخل منزله، وأتبعه السائب بْن الأقرع بذينك السفطين، وأخبره خبرهما وخبر الناس، فقال:
يا بن مليكة، والله ما دروا هذا، ولا أنت معهم! فالنجاء النجاء، عودك على بدئك حتى تأتي حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما اللَّه عليه، فأقبل راجعا بقبل حتى انتهى إلى حذيفة بماه، فأقامهما فباعهما، فأصاب أربعة آلاف ألف.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد بْن قيس الأسدي، أن رجلا يقال له جعفر بْن راشد، قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند: لقد أخذتنا خلة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ فقال:
كما أنتم حتى أنظر، فأخذ كساء فتقنع به غير كثير، ثم قال: البيان البيان، غنم الدهقان، في بستان، مكان أرونان فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمنة.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابى معبد العبسى وعروه ابن الوليد، عمن حدثهم من قومهم، قال: بينما نحن محاصرو أهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نلبثهم أن هزمهم اللَّه، فتبع سماك بْن عبيد العبسي- رجلا منهم- معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم، فلم يبرز له أحد إلا قتله، حتى أتى عليهم ثم حمل على الذي كانوا معه، فأسره وأخذ سلاحه، ودعا له رجلا اسمه عبد، فوكله به، فقال: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض، وأؤدي إليه الجزية، وسلني أنت عن إسارك ما شئت، وقد مننت علي إذ لم تقتلني، وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتني على الملك، وأصلحت ما بيني وبينه وجدت لي شكرا، وكنت
(4/135)

لي أخا فخلى سبيله وأمنه، وقال: من أنت؟ قال: أنا دينار- والبيت منهم يومئذ في آل قارن- فأتى به حذيفة، فحدثه دينار عن نجدة سماك وما قتل ونظره للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، وكان يواصل سماكا ويهدي له، ويوافي الكوفة كلما كان عمله إلى عامل الكوفة، فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس بالكوفة، فقال: يا معشر أهل الكوفة، أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل، وخب، وغدر، وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهن، فرمقتكم، فإذا ذلك في مولديكم، فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن مُحَمَّد، عن الشعبي، قال: لما قدم بسبي نهاوند إلى المدينة، جعل أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بْن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال:
أكل عمر كبدي- وكان نهاونديا، فأسرته الروم أيام فارس، وأسره المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبي.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: قتل في اللهب ممن هوى فيه ثمانون ألفا، وفي المعركة ثلاثون ألفا مقترين، سوى من قتل في الطلب، وكان المسلمون ثلاثين ألفا، وافتتحت مدينة نهاوند في أول سنة تسع عشرة، لسبع سنين من إمارة عمر، لتمام سنه ثمان عشرة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة في كتاب النعمان بْن مقرن وحذيفة لأهل الماهين:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى النعمان بْن مقرن أهل ماه بهراذان،
(4/136)

أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون على ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى من وليهم، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقروا جنود المسلمين ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة، ووفوا ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا، فذمتنا منهم بريئة شهد عبد الله ابن ذي السهمين، والقعقاع بْن عمرو، وجرير بْن عبد اللَّه.
وكتب في المحرم سنة تسع عشرة.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى حذيفة بْن اليمان أهل ماه دينار، أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى من وليهم من المسلمين، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقروا جنود المسلمين، من مر بهم، فأوى إليهم يوما وليلة، ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة شهد القعقاع بْن عمرو، ونعيم بْن مقرن، وسويد بْن مقرن وكتب في المحرم.
قالوا: وألحق عمر من شهد نهاوند فأبلى من الروادف بلاء فاضلا في ألفين ألفين، ألحقهم بأهل القادسية.
وفي هذه السنة أمر عمر جيوش العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، وأمر بعض من كان بالبصرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير إلى أرض فارس وكرمان وإصبهان، وبعض من كان منهم بناحيه الكوفه وما هاتها إلى إصبهان وأذربيجان والري، وكان بعضهم يقول: إنما كان ذلك من فعل عمر في سنه ثمان عشرة وهو قول سيف بْن عمر.
ذكر الخبر عما كَانَ فِي هَذِهِ السنة- أعني سنة إحدى وعشرين- من أمر الجندين اللذين ذكرت أن عمر أمرهما بما ذكر أنه أمرهما به:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ
(4/137)

وعمرو وسعيد، قالوا: لما رأى عمر أن يزدجرد يبعث عليه في كل عام حربا، وقيل له: لا يزال هذا الدأب حتى يخرج من مملكته، أذن للناس في الانسياح في أرض العجم، حتى يغلبوا يزدجرد على ما كان في يدي كسرى، فوجه الأمراء من أهل البصرة بعد فتح نهاوند، ووجه الأمراء من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند، وكان بين عمل سعد بْن أبي وقاص وبين عمل عمار بْن ياسر أميران: أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان- وفي زمانه كانت وقعة نهاوند- وزياد بْن حنظلة حليف بني عبد بْن قصي- وفي زمانه أمر بالانسياح- وعزل عبد اللَّه بْن عبد اللَّه، وبعث في وجه آخر من الوجوه، وولي زياد بْن حنظلة- وكان من المهاجرين- فعمل قليلا، وألح في الاستعفاء، فأعفي، وولي عمار بْن ياسر بعد زياد، فكان مكانه، وأمد أهل البصرة بعبد اللَّه بْن عبد اللَّه، وأمد أهل الكوفة بأبي موسى، وجعل عمر بْن سراقة مكانه، وقدمت الألوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة زمان زياد بْن حنظلة، فقدم لواء منها على نعيم بْن مقرن، وقد كان أهل همذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسير نحو همذان، وقال: فإن فتح اللَّه على يديك فإلى ما وراء ذلك، في وجهك ذلك إلى خراسان وبعث عتبة ابن فرقد وبكير بْن عبد اللَّه وعقد لهما على أذربيجان، وفرقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حلوان إلى ميمنتها، وأمر الآخر أن يأخذ إليها من الموصل إلى ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا عن صاحبه وبعث إلى عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بلواء، وأمره أن يسير إلى إصبهان، وكان شجاعا بطلا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار، حليفا لبني الحبلى من بني أسد، وأمده بأبي موسى من البصرة، وأمر عمر بْن سراقة على البصرة.
وكان من حديث عبد اللَّه بْن عبد اللَّه أن عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له أن يأذن في الانسياح فكتب إليه: أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، واكتب إلي بذلك، وعمر يريد توجيهه إلى إصبهان.
فانتدب له فيمن انتدب عبد اللَّه بْن ورقاء الرياحي، وعبد اللَّه بن الحارث
(4/138)

ابن ورقاء الأسدي والذين لا يعلمون يرون أن أحدهما عبد الله بن بديل ابن ورقاء الخزاعي، لذكر ورقاء، وظنوا أنه نسب الى جده، وكان عبد الله ابن بديل بْن ورقاء يوم قتل بصفين ابن أربع وعشرين سنة، وهو أيام عمر صبي ولما أتى عمر انبعاث عبد اللَّه، بعث زياد بْن حنظلة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم أمر عمارا بعد، وقرأ قول اللَّه عز وجل: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» وقد كان زياد صرف في وسط من إمارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان وعبد الرحمن ابني ربيعة، ليقضي إلى أن يقدم عبد اللَّه بْن مسعود من حمص، وقد كان عمل لعمر على ما سقى الفرات ودجلة النعمان وسويد ابنا مقرن، فاستعفيا، وقالا: أعفنا من عمل يتغول ويتزين لنا بزينة المومسة.
فأعفاهما، وجعل مكانهما حذيفة بْن أسيد الغفاري وجابر بْن عمرو المزني، ثم استعفيا فأعفاهما، وجعل مكانهما حذيفة بْن اليمان وعثمان بْن حنيف، حذيفة على ما سقت دجلة وما وراءها، وعثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعا، وكتب إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عمار بْن ياسر أميرا، وجعلت عبد اللَّه بْن مسعود معلما ووزيرا، ووليت حذيفة بْن اليمان ما سقت دجلة وما وراءها، ووليت عثمان بْن حنيف الفرات وما سقى
. ذكر الخبر عن إصبهان
قالوا: ولما قدم عمار إلى الكوفة أميرا، وقدم كتاب عمر إلى عبد اللَّه:
أن سر إلى إصبهان وزياد على الكوفة، وعلى مقدمتك عبد اللَّه بْن ورقاء الرياحي، وعلى مجنبتيك عبد اللَّه بْن ورقاء الأسدي وعصمة بْن عبد اللَّه- وهو عصمة بْن عبد اللَّه بْن عبيدة بن سيف بن عبد الحارث- فسار عبد اللَّه في الناس حتى قدم على حذيفة، ورجع حذيفة إلى عمله، وخرج عبد الله فيمن كان معه ومن انصرف معه من جند النعمان من نهاوند نحو جند
(4/139)

قد اجتمع له من أهل إصبهان عليهم الأستندار، وكان على مقدمته شهر براز جاذويه، شيخ كبير في جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق من رساتيق إصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد اللَّه بْن ورقاء، فقتله وانهزم أهل إصبهان، وسمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ، فهو اسمه إلى اليوم ودعا عبد الله ابن عبد اللَّه من يليه، فسأل الأستندار الصلح، فصالحهم، فهذا أول رستاق أخذ من إصبهان ثم سار عبد اللَّه من رستاق الشيخ نحو جي حتى انتهى إلى جي والملك بإصبهان يومئذ الفاذوسفان، ونزل بالناس على جي، فحاصرهم، فخرجوا إليه بعد ما شاء اللَّه من زحف، فلما التقوا قال الفاذوسفان لعبد اللَّه: لا تقتل أصحابي، ولا أقتل أصحابك، ولكن ابرز لي، فإن قتلتك رجع أصحابك وإن قتلتني سالمك أصحابي، وإن كان أصحابي لا يقع لهم نشابة فبرز له عبد اللَّه وقال: إما أن تحمل علي، وإما أن أحمل عليك، فقال: أحمل عليك، فوقف له عبد اللَّه، وحمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قربوس سرجه فكسره، وقطع اللبب والحزام، وزال اللبد والسرج، وعبد اللَّه على الفرس، فوقع عبد اللَّه قائما، ثم استوى على الفرس عريا، وقال له: اثبت، فحاجزه، وقال: ما أحب أن أقاتلك، فإني قد رأيتك رجلا كاملا ولكن أرجع معك إلى عسكرك فأصالحك، وأدفع المدينة إليك، على أن من شاء أقام ودفع الجزية وأقام على ماله، وعلى أن تجرى من أخذتم أرضه عنوة مجراهم، ويتراجعون، ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء، ولكم أرضه قال:
لكم ذلك.
وقدم عليه أبو موسى الأشعري من ناحية الأهواز، وقد صالح الفاذوسفان عبد اللَّه فخرج القوم من جي، ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل إصبهان خالفوا قومهم وتجمعوا فلحقوا بكرمان في حاشيتهم، لجمع كان بها، ودخل عبد اللَّه وأبو موسى جي- وجي مدينة إصبهان- وكتب بذلك
(4/140)

إلى عمر، واغتبط من أقام، وندم من شخص فقدم كتاب عمر على عبد اللَّه:
أن سر حتى تقدم على سهيل بْن عدي فتجامعه على قتال من بكرمان، وخلف في جى من بقي عن جي، واستخلف على إصبهان السائب بْن الأقرع.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن نفر من أصحاب الحسن، منهم المبارك بْن فضالة، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمس بن أخي الأحنف، قال: شهدت مع أبي موسى فتح إصبهان، وإنما شهدها مددا.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: كتاب صلح إصبهان:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم كتاب من عبد اللَّه للفاذوسفان وأهل إصبهان وحواليها، إنكم آمنون ما أديتم الجزية، وعليكم من الجزية بقدر طاقتكم في كل سنة تؤدونها إلى الذي يلي بلادكم عن كل حالم، ودلالة المسلم وإصلاح طريقه وقراه يوما وليلة، وحملان الراجل إلى مرحلة، لا تسلطوا على مسلم، وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا او غير مغير منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم، ومن سب مسلما بلغ منه، فإن ضربه قتلناه وكتب وشهد عبد اللَّه بْن قيس، وعبد اللَّه بْن ورقاء، وعصمة بْن عبد اللَّه.
فلما قدم الكتاب من عمر على عبد اللَّه، وأمر فيه باللحاق بسهيل بْن عدي بكرمان خرج في جريدة خيل، واستخلف السائب، ولحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان.
وقد روي عن معقل بْن يسار أن الذي كان أميرا على جيش المسلمين حين غزوا إصبهان النعمان بْن مقرن.
ذكر الرواية بذلك:
حَدَّثَنَا يعقوب بْن إبراهيم وعمرو بْن علي، قالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بْن سلمة، عن ابى عمران الجونى، عن علقمه
(4/141)

ابن عبد اللَّه المزني، عن معقل بْن يسار، أن عمر بْن الخطاب شاور الهرمزان، فقال: ما ترى؟ أبدأ بفارس، أم بأذربيجان، أم بإصبهان؟ فقال: إن فارس وأذربيجان الجناحان، وإصبهان الرأس فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الآخر، فإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس.
فدخل عمر المسجد والنعمان بْن مقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته، قال: إني أريد أن أستعملك، قال: أما جابيا فلا، ولكن غازيا، قال: فأنت غاز فوجهه إلى إصبهان، وكتب إلى أهل الكوفة ان يمدوه، فأتاها وبينه وبينهم النهر، فأرسل إليهم المغيرة بْن شعبة، فأتاهم، فقيل لملكهم- وكان يقال له ذو الحاجبين: إن رسول العرب على الباب، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ أقعد له في بهجة الملك؟ فقالوا: نعم، فقعد على سريره، ووضع التاج على رأسه، وقعد أبناء الملوك نحو السماطين عليهم القرطه واسوره الذهب وثياب الديباج ثم أذن له فدخل ومعه رمحه وترسه، فجعل يطعن برمحه بسطهم ليتطيروا، وقد أخذ بضبعيه رجلان، فقام بين يديه، فكلمه ملكهم، فقال: إنكم يا معشر العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم، فإن شئتم أمرناكم ورجعتم إلى بلادكم فتكلم المغيرة، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: إنا معاشر العرب، كنا نأكل الجيف والميتة، ويطؤنا الناس ولا نطؤهم، وإن اللَّه عز وجل ابتعث منا نبيا، أوسطنا حسبا، وأصدقنا حديثا- فذكر النبي ص بما هو أهله- وإنه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال، وإنه وعدنا أنا سنظهر عليكم، ونغلب على ما هاهنا وإني أرى عليكم بزة وهيئة ما أرى من خلفي يذهبون حتى يصيبوها.
قال: ثم قلت في نفسي: لو جمعت جراميزي، فوثبت وثبة، فقعدت مع العلج على سريره لعله يتطير! قال: فوجدت غفله، فوثبت، فإذا انا معه على سريره قال: فأخذوه يتوجئونه ويطئونه بأرجلهم قال: قلت:
(4/142)

هكذا تفعلون بالرسل! فإنا لا نفعل هكذا، ولا نفعل برسلكم هذا فقال الملك: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم قال: فقلت: بل نقطع إليكم قال: فقطعنا إليهم فتسلسلوا كل عشرة في سلسلة، وكل خمسة وكل ثلاثة قال: فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: يرحمك اللَّه! إنه قد أسرع في الناس فاحمل، فقال: والله إنك لذو مناقب، لقد شهدت مع رسول الله ص القتال، فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر.
قال: ثم قال: إني هاز لوائي ثلاث مرات، فأما الهزة الأولى فقضى رجل حاجته وتوضأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه وفي شسعه فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان فلا يلو عليه أحد، فإني أدعو اللَّه عز وجل بدعوة، فعزمت على كل امرئ منكم لما أمن عليها! اللهم أعط اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم، وهز لواءه أول مرة، ثم هز الثانيه، ثم هزه الثالثة، ثم شل درعه، ثم حمل فكان أول صريع، فقال معقل: فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علما، ثم ذهبت- وكنا إذا قتلنا رجلا شغل عنا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشق بطنه، فهزمهم اللَّه، ثم جئت إلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: من أنت؟ قلت:
معقل بْن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح اللَّه عليهم، قال:
الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه.
واجتمع الناس إلى الأشعث بْن قيس، وفيهم ابن عمر وابن الزبير، وعمرو بن معديكرب وحذيفة، فبعثوا إلى أم ولده، فقالوا: أما عهد إليك عهدا؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فأخذوه، فكان فيه: إن قتل النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان
(4/143)

[أخبار متفرقة]
وقال الواقدي: في هذه السنة- يعني سنة احدى وعشرين- مات خالد ابن الوليد بحمص، وأوصى إلى عمر بْن الخطاب.
قال: وفيها غزا عبد اللَّه وعبد الرحمن ابنا عمرو وأبو سروعة، فقدموا مصر، فشرب عبد الرحمن وأبو سروعة الخمر، وكان من أمرهما ما كان.
قال: وفيها: سار عمرو بْن العاص إلى أنطابلس- وهي برقة- فافتتحها، وصالح أهل برقة على ثلاثة عشر ألف دينار، وأن يبيعوا من أبنائهم ما أحبوا في جزيتهم.
قال: وفيها ولى عمر بْن الخطاب عمار بْن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بْن حنيف على مساحة الأرض، فشكا أهل الكوفة عمارا، فاستعفى عمار عمر بْن الخطاب، فأصاب جبير بْن مطعم خاليا فولاه الكوفة، فقال: لا تذكره لأحد، فبلغ المغيرة بْن شعبة أن عمر خلا بجبير بْن مطعم، فرجع إلى امرأته، فقال: اذهبي إلى امرأة جبير بْن مطعم، فاعرضي عليها طعام السفر، فأتتها فعرضت عليها، فاستعجمت عليها، ثم قالت: نعم، فجيئنى به، فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر، فقال: بارك اللَّه لك فيمن وليت! قال: فمن وليت؟ فأخبره أنه ولى جبير ابن مطعم، فقال عمر: لا أدري ما أصنع! وولى المغيرة بْن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها حتى مات عمر.
قال: وفيها بعث عمرو بْن العاص عقبة بْن نافع الفهري، فافتتح زويلة بصلح وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين وحدثنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
كان بالشام في سنة إحدى وعشرين غزوة الأمير معاوية بْن أبي سفيان، وعمير بْن سعد الأنصاري على دمشق والبثنية وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة، ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية ومعره
(4/144)

مصرين وقلقية وعند ذلك صالح أبو هاشم بْن عتبة بْن رَبِيعَة بْن عبد شمس على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين.
وقيل: وفيها ولد الحسن البصري وعامر الشعبي.
قال الواقدي: وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وخلف على المدينة زيد بْن ثابت، وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشام ومصر والبصرة من كان عليها في سنة عشرين، وأما الكوفة فإن عامله عليها كان عمار بْن ياسر، وكان إليه الأحداث، والى عبد الله ابن مسعود بيت المال، وإلى عثمان بْن حنيف الخراج، والى شريح- فيما قيل- القضاء
(4/145)

اثنتين وعشرين

ذكر فتح همذان
قال أبو جعفر: ففيها فتحت أذربيجان، فيما حَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت الرازي، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، قال:
كانت أذربيجان سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بْن شعبة وكذلك قال الواقدي.
وأما سيف بْن عمر، فإنه قال فيما كتب إلي به السري عَنْ شُعَيْبٍ عنه، قال: كان فتح اذربيجان سنه ثمان عشرة من الهجرة بعد فتح همذان والري وجرجان وبعد صلح إصبهبذ طبرستان المسلمين قال: وكل ذلك كان في سنه ثمان عشرة.
قال: فكان سبب فتح همذان- فيما زعم- أن محمدا والمهلب وطلحة وعمرا وسعيدا أخبروه أن النعمان لما صرف إلى الماهين لاجتماع الأعاجم إلى نهاوند، وصرف إليه أهل الكوفة وافوه مع حذيفة، ولما فصل أهل الكوفة من حلوان وأفضوا إلى ماه هجموا على قلعه في مرج فيها مسلحه، فاستزلوهم، وكان أول الفتح، وأنزلوا مكانهم خيلا يمسكون بالقلعة، فسموا معسكرهم بالمرج، مرج القلعة، ثم ساروا من مرج القلعة نحو نهاوند، حتى إذا انتهوا إلى قلعة- فيها قوم خلفوا عليها النسير بْن ثور في عجل وحنيفة، فنسبت إليه، وافتتحها بعد فتح نهاوند ولم يشهد نهاوند عجلي ولا حنفي- أقاموا مع النسير على القلعة، فلما جمعوا فيء نهاوند والقلاع أشركوا فيها جميعا، لأن بعضهم قوى بعضا ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مرج القلعة وبين نهاوند مما مروا به قبل ذلك فيما استقروا من المرج
(4/146)

إليها بصفاتها، وازدحمت الركاب في ثنية من ثنايا ماه، فسميت بالركاب، فقيل: ثنية الركاب وأتوا على أخرى تدور طريقها بصخرة، فسموها ملويه، فدرست اسماؤها الاولى، وسميت بصفاتها، ومروا بالجبل الطويل المشرف على الجبال، فقال قائل منهم: كأنه سن سميرة- وسميرة امرأة من المهاجرات من بني معاوية، ضبية لها سن مشرفة على أسنانها، فسمي ذلك الجبل بسنها- وقد كان حذيفة أتبع الفالة- فالة نهاوند- نعيم بْن مقرن والقعقاع بْن عمرو، فبلغا همذان، فصالحهم خسروشنوم، فرجعا عنهم، ثم كفر بعده فلما قدم عهده في العهود من عند عمر ودع حذيفة وودعه حذيفة، هذا يريد همذان، وهذا يريد الكوفة راجعا واستخلف على الماهين عمرو بْن بلال بْن الحارث.
وكان كتاب عمر إلى نعيم بْن مقرن: أن سر حتى تأتي همذان، وابعث على مقدمتك سويد بْن مقرن، وعلى مجنبتيك ربعي بْن عامر ومهلهل ابن زيد، هذا طائي، وذاك تميمي فخرج نعيم بْن مقرن في تعبيته حتى نزل ثنية العسل- وإنما سميت ثنية العسل بالعسل الذي أصابوا فيها غب وقعة نهاوند حيث أتبعوا الفالة- فانتهى الفيرزان إليها، وهي غاصة بحوامل تحمل العسل وغير ذلك، فحبست الفيرزان حتى نزل، فتوقل في الجبل وغار فرسه فأدرك فأصيب ولما نزلوا كنكور سرقت دواب من دواب المسلمين، فسمي قصر اللصوص.
ثم انحدر نعيم من الثنية حتى نزل على مدينة همذان، وقد تحصنوا منهم، فحصرهم فيها، وأخذ ما بين ذلك وبين جرميذان، واستولوا على بلاد همذان كلها فلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصلح، على أن يجريهم ومن استجاب مجرى واحدا، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المنعة، وفرق دستبى بين نفر من أهل الكوفة، بين عصمة بْن عبد اللَّه الضبي ومهلهل بْن زيد الطائي وسماك بْن عبيد العبسي وسماك بْن مخرمة الأسدي،
(4/147)

وسماك بْن خرشة الأنصاري، فكان هؤلاء أول من ولي مسالح دستبي.
وقاتل الديلم.
وأما الواقدي فإنه قال: كان فتح همذان والري في سنة ثلاث وعشرين.
قال: ويقال افتتح الري قرظه بن كعب.
وحدثني ربيعة بْن عثمان أن فتح همذان كان في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بْن الخطاب، وكان أميرها المغيرة بْن شعبة.
قال: ويقال: كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين، ويقال: قتل عمر وجيوشه عليها.
رجع الحديث إلى حديث سيف قال: فبينما نعيم في مدينة همذان في توطئتها في اثني عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم وأهل الري وأهل أذربيجان، ثم خرج موتا في الديلم حتى ينزل بواج روذ، وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري حتى انضم إليه، وأقبل إسفندياذ أخو رستم في أهل أذربيجان، حتى انضم إليه، وتحصن أمراء مسالح دستبي، وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بْن قيس، وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند، ولم تكن دونها، وقتل من القوم مقتلة عظيمة لا يحصون ولا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار، وقد كانوا كتبوا إلى عمر باجتماعهم، ففزع منها عمر، واهتم بحربها، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة، فقال:
أبشير! فقال: بل عروة، فلما ثنى عليه: أبشير؟ فطن، فقال: بشير، فقال عمر: رسول نعيم؟ قال: رسول نعيم، قال: الخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر، وأخبره الخبر، فحمد اللَّه، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، فحمدوا اللَّه ثم قدم سماك بْن مخرمة وسماك بْن عبيد وسماك بن خرشه في وفود من وفود أهل الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سماك
(4/148)

وسماك وسماك، فقال: بارك اللَّه فيكم، اللهم اسمك بهم الإسلام وأيدهم بالإسلام فكانت دستبي من همذان ومسالحها إلى همذان، حتى رجع الرسول إلى نعيم بْن مقرن بجواب عمر بْن الخطاب:
أما بعد، فاستخلف على همذان، وأمد بكير بْن عبد اللَّه بسماك بْن خرشة، وسر حتى تقدم الري، فتلقى جمعهم، ثم أقم بها، فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد فأقر نعيم يزيد بْن قيس الهمذاني على همذان، وسار من واج الروذ بالناس إلى الري.
وقال نعيم في واج الروذ:
لما أتاني أن موتا ورهطه ... بني باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا ... لأمنع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا ... جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة ... وقد جعلوا يسمون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة ... لحد الرماح والسيوف الصوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم
أصبنا بها موتا ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمه غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم ... نقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنهم في واج روذ وجوه ... ضئين أصابتها فروج المخارم
وسماك بْن مخرمة هو صاحب مسجد سماك
(4/149)

وأعاد فيهم نعيم كتاب صلح همذان، وخلف عليها يزيد بْن قيس الهمذاني، وسار بالجنود حتى لحق بالري، وكان أول نسل الديلم من العرب، وقاولهم فيه نعيم
. فتح الري
قالوا: وخرج نعيم بْن مقرن من واج روذ في الناس- وقد أخربها- إلى دستبى، ففصل منها إلى الري، وقد جمعوا له، وخرج الزينبي أبو الفرخان، فلقيه الزينبي بمكان يقال له قها مسالما ومخالفا لملك الري، وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوخش وأهل بيته، فأقبل مع نعيم والملك يومئذ بالري سياوخش بْن مهران بْن بهرام شوبين، فاستمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان وقال: قد علمتم أن هؤلاء قد حلوا بالري، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وقد كان الزينبي قال لنعيم: إن القوم كثير، وأنت في قلة، فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك فبعث معه نعيم خيلا من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بْن عمرو، فأدخلهم الزينبي المدينة، ولا يشعر القوم، وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم ثم إنهم انهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء اللَّه على المسلمين بالري نحوا من فيء المدائن، وصالحه الزينبي على أهل الري ومرزبه عليهم نعيم، فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي الأكبر، ومنهم شهرام وفرخان، وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها العتيقة- يعني مدينة الري- وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثى وكتب نعيم إلى عمر بالذي فتح اللَّه عليه مع المضارب العجلي، ووفد بالأخماس مع عتيبة بْن النهاس وأبي مفزر في وجوه من وجوه أهل الكوفة، وأمد بكير بْن عبد اللَّه بسماك بْن
(4/150)

خرشة الأنصاري بعد ما فتح الري، فسار سماك إلى أذربيجان مددا لبكير، وكتب نعيم لأهل الري كتابا:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى نعيم بْن مقرن الزينبي بْن قوله، أعطاه الأمان على أهل الري ومن كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقة كل حالم في كل سنة، وعلى أن ينصحوا ويدلوا ولا يغلوا ولا يسلوا، وعلى أن يقروا المسلمين يوما وليلة، وعلى أن يفخموا المسلم، فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعتكم وكتب وشهد وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدى به منهم من غير أن يسأله النصر والمنعة، فقبل منه، وكتب بينه وبينه كتابا على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ نعيم بْن مقرن لمردانشاه مصمغان دنباوند وأهل دنباوند والخوار واللارز والشرز إنك آمن ومن دخل معك على الكف، أن تكف أهل أرضك، وتتقي من ولي الفرج بمائتي ألف درهم وزن سبعة في كل سنة، لا يغار عليك، ولا يدخل عليك إلا بإذن، ما أقمت على ذلك حتى تغير، ومن غير فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه وكتب وشهد

فتح قومس
قالوا: ولما كتب نعيم بفتح الري مع المضارب العجلي، ووفد بالأخماس كتب إليه عمر: أن قدم سويد بْن مقرن إلى قومس، وابعث على مقدمته سماك بْن مخرمة وعلى مجنبتيه عتيبة بْن النهاس وهند بْن عمرو الجملي، ففصل سويد بْن مقرن في تعبيته من الري نحو قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما، وعسكر بها، فلما شربوا من نهر لهم يقال له ملاذ، فشا فيهم القصر، فقال لهم سويد: غيروا ماءكم حتى تعودوا كاهله، ففعلوا،
(4/151)

واستمرءوه، وكاتبه الذين لجئوا إلى طبرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى سويد بْن مقرن أهل قومس ومن حشوا من الأمان على أنفسهم ومللهم وأموالهم، على أن يؤدوا الجزية عن يد، عن كل حالم بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا ولا يغشوا، وعلى أن يدلوا، وعليهم نزل من نزل بهم من المسلمين يوما وليلة من أوسط طعامهم، وإن بدلوا واستخفوا بعهدهم فالذمة منهم بريئة وكتب وشهد.

فتح جرجان
قالوا: وعسكر سويد بْن مقرن ببسطام، وكاتب ملك جرجان رزبان صول ثم سار إليها، وكاتبه رزبان صول، وبادره بالصلح على أن يؤدي الجزاء، ويكفيه حرب جرجان، فإن غلب أعانه فقبل ذلك منه، وتلقاه رزبان صول قبل دخول سويد جرجان، فدخل معه، وعسكر بها حتى جبى إليه الخراج، وسمى فروجها، فسدها بترك دهستان، فرفع الجزاء عمن أقام يمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب بينهم وبينه كتابا:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ سويد بْن مقرن لرزبان صول ابن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان، إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم، على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين، ولم يبد منهم سل ولا غل، ومن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومن خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، وعلى أن من سب مسلما بلغ جهده، ومن ضربه حل دمه شهد سواد بْن قطبة، وهند بْن عمرو، وسماك بْن مخرمة، وعتيبة بْن النهاس وكتب في سنة ثمان عشره
(4/152)

وأما المدائني، فإنه قال- فيما حَدَّثَنَا أبو زيد، عنه: فتحت جرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين.

فتح طبرستان
قالوا: وأرسل الإصبهبذ سويدا في الصلح، على أن يتوادعا، ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه، وجرى ذلك لهم، وكتب له كتابا:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ سويد بْن مقرن للفرخان إصبهبذ خراسان على طبرستان وجيل جيلان من أهل العدو، إنك آمن بأمان اللَّه عز وجل على أن تكف لصوتك وأهل حواشي أرضك، ولا تؤوى لنا بغيه، وتنقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك، ولا يتطرق أرضك، ولا يدخل عليك إلا بإذنك، سبيلنا عليكم بالإذن آمنة، وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية، ولا تسلون لنا إلى عدو، ولا تغلون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم شهد سواد بْن قطبة التميمي، وهند بْن عمرو المرادي، وسماك بْن مخرمة الأسدي، وسماك بن عبيد العبسى، وعتيبة بن النهاس البكرى وكتب سنه ثمان عشرة.

فتح أذربيجان
قال: ولما افتتح نعيم همذان ثانية، وسار إلى الري من واج روذ، كتب إليه عمر: أن يبعث سماك بْن خرشة الأنصاري ممدا لبكير بْن عبد اللَّه بأذربيجان، فأخر ذلك حتى افتتح الري، ثم سرحه من الري، فسار سماك نحو بكير بأذربيجان، وكان سماك بْن خرشة وعتبة بن فرقد
(4/153)

من أغنياء العرب، وقدما الكوفة بالغنى، وقد كان بكير سار حين بعث إليها، حتى إذا طلع بحيال جرميذان- طلع عليهم إسفندياذ بن الفرخزاد مهزوما من واج روذ، فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم اللَّه جنده، وأخذ بكير إسفندياذ أسيرا، فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك، فإن أهل أذربيجان إن لم اصالح عليهم او أجيء لم يقيموا لك، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن وقدم عليه سماك بْن خرشة ممدا وإسفندياذ في إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بْن فرقد ما يليه وقال بكير لسماك مقدمه عليه، ومازحه: ما الذي أصنع بك وبعتبة بأغنيين؟ لئن أطعت ما في نفسي لأمضين قدما ولأخلفنكما، فإن شئت أقمت معي، وإن شئت أتيت عتبة فقد أذنت لك، فإني لا أراني إلا تارككما وطالبا وجها هو أكره من هذا.
فاستعفى عمر، فكتب إليه بالإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف عتبة على الذي افتتح منها، ومضى قدما، ودفع إسفندياذ إلى عتبة، فضمه عتبة إليه، وأمر عتبة سماك بْن خرشة- وليس بأبي دجانة- على عمل بكير الذي كان افتتح، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بْن فرقد.
قالوا: وقد كان بهرام بن الفرخزاد أخذ بطريق عتبة بْن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فهزمه عتبة، وهرب بهرام.
فلما بلغ الخبر بهزيمة بهرام ومهربه إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال: الآن تم الصلح، وطفئت الحرب، فصالحه، وأجاب إلى ذلك كلهم، وعادت أذربيجان سلما، وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر، وبعثوا بما خمسوا مما أفاء اللَّه عليهم، ووفدوا الوفود بذلك، وكان بكير قد سبق عتبة بفتح ما ولي، وتم الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام وكتب عتبة بينه
(4/154)

وبين أهل أذربيجان كتابا حيث جمع له عمل بكير إلى عمله:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عتبة بْن فرقد، عامل عمر بْن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان- سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها- كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته، ومن حشر منهم في سنة وضع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه وكتب جندب، وشهد بكير بْن عبد اللَّه الليثي وسماك بْن خرشة الأنصاري وكتب في سنة ثمان عشرة.
قالوا: وفيها، قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهداه له، وذلك أن عمر كان يأخذ عماله بموافاة الموسم في كل سنة يحجر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه

فتح الباب
وفي هذه السنة كان فتح الباب في قول سيف وروايته، قال: وقالوا- يعني الذين ذكرت أسماءهم قبل: رد عمر أبا موسى الى البصره، ورده سراقة بْن عمرو- وكان يدعى ذا النور- إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بْن ربيعة- وكان أيضا يدعى ذا النور- وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بْن أسيد الغفاري، وسمى للأخرى بكير بْن عبد اللَّه الليثي- وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة بْن عمرو عليه، وكتب إليه أن يلحق به-
(4/155)

وجعل على المقاسم سلمان بْن ربيعة فقدم سراقة عبد الرحمن بْن ربيعة، وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب، قدم على بكير في أداني الباب، فاستدف ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عباه عمر.
وأمده عمر بحبيب بْن مسلمة، صرفه إليه من الجزيرة، وبعث زياد بْن حنظلة مكانه على الجزيرة ولما أطل عبد الرحمن بْن ربيعة على الملك بالباب- والملك بها يومئذ شهربراز، رجل من أهل فارس، وكان على ذلك الفرج، وكان أصله من أهل شهربراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل، وأعرى الشام منهم- فكاتبه شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه، ففعل فأتاه، فقال:
إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة، لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين أمثال هؤلاء، ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من القبج في شيء، ولا من الأرمن، وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم، وصغوي معكم، وبارك اللَّه لنا ولكم، وجزيتنا إليكم النصر لكم، والقيام بما تحبون، فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم.
فقال عبد الرحمن: فوقي رجل قد أظلك فسر إليه، فجوزه، فسار إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك، فقال سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء ممن يقيم ولا ينهض فقبل ذلك، وصار سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين، وفيمن لم يكن عنده الجزاء، إلا أن يستنفروا فتوضع عنهم جزاء تلك السنة وكتب سراقة إلى عمر بْن الخطاب بذلك، فأجازه وحسنه، وليس لتلك البلاد التي في ساحة تلك الجبال نبك لم يقم الأرمن بها إلا على أوفاز، وإنما هم سكان ممن حولها ومن الطراء استأصلت الغارات نبكها من أهل القرار، وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلوا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم، واكتتبوا من سراقة بْن عمرو كتابا:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى سراقة بْن عمرو عامل أمير المؤمنين
(4/156)

عمر بن الخطاب شهربراز وسكان أرمينية والأرمن من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وملتهم الا يضاروا ولا ينتقضوا، وعلى اهل أرمينية والأبواب، الطراء منهم والتناء ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة، وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينسب رآه الوالي صلاحا، على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك إلا الحشر، والحشر عوض من جزائهم ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدلالة والنزل يوما كاملا، فإن حشروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به شهد عبد الرحمن بْن ربيعة، وسلمان بْن ربيعة، وبكير بْن عبد اللَّه وكتب مرضي بْن مقرن وشهد ووجه سراقة بعد ذلك بكير بْن عبد اللَّه وحبيب بْن مسلمة وحذيفة بْن أسيد وسلمان بْن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، ووجه حبيبا إلى تفليس، وحذيفة بْن أسيد إلى من بجبال اللان، وسلمان بْن ربيعة إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بْن الخطاب، فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه في سريح بغير مئونة وكان فرجا عظيما به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.
فلما استوسقوا واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن ابن ربيعة، وقد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكير فإنه فض موقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى بكير بْن عبد الله اهل موقان من جبال القبج الأمان على أموالهم وأنفسهم وملتهم وشرائعهم على الجزاء، دينار على كل حالم أو قيمته، والنصح، ودلالة المسلم ونزله يومه وليلته، فلهم الأمان ما أقروا ونصحوا، وعلينا الوفاء، والله المستعان فإن تركوا ذلك واستبان منهم غش فلا أمان لهم إلا أن يسلموا الغششة برمتهم، وإلا فهم متمالئون شهد الشماخ بْن ضرار والرسارس بْن جنادب، وحملة بْن جوية.
وكتب سنة إحدى وعشرين
(4/157)

قالوا: ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بْن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو الترك، فخرج عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر، قال: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب قال: لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم، وتالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الردم قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول اللَّه ص ودخلوا في هذا الأمر بنية، كانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرمهم، فلا يزال هذا الأمر دائما لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم، وحتى يلفتوا عن حالهم بمن غيرهم فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر لم تئم فيها امرأة، ولم ييتم فيها صبي، وبلغ خيله في غزاتها البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم، ثم غزا غزوات في زمان عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدل أهل الكوفة في إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك، وزادهم فسادا أن سادهم من طلب الدنيا، وعضلوا بعثمان حتى جعل يتمثل:
وكنت وعمرا كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بْن ربيعة، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بْن ربيعة حال اللَّه بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل الا ومعه الملائكة تمنعه من الموت، فتحصنوا منه وهربوا، فرجع بالغنم والظفر، وذلك في إمارة عمر، ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان، ظفر كما كان يظفر، حتى إذا تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد فغزاهم بعد ذلك، تذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا، وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض، فرمى رجل منهم رجلا من
(4/158)

المسلمين على غرة فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتد قتالهم، ونادى مناد من الجو: صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل، وانكشف الناس، وأخذ الراية سلمان بْن ربيعة، فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو: صبرا آل سلمان ابن ربيعة! فقال سلمان: أو ترى جزعا! ثم خرج بالناس، وخرج سلمان وأبو هريرة الدوسي على جيلان، فقطعوها إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن.
وحدث عمرو بْن معد يكرب عن مطر بْن ثلج التميمي، قال: دخلت على عبد الرحمن بْن ربيعة بالباب وشهربراز عنده، فأقبل رجل عليه شحوبة، حتى دخل على عبد الرحمن، فجلس إلى شهربراز، وعلى مطر قباء برود يمينية، أرضه حمراء، ووشيه أسود- أو وشيه أحمر- وأرضه سوداء، فتساءلا.
ثم إن شهربراز، قال: أيها الأمير، أتدري من أين جاء هذا الرجل؟
هذا الرجل بعثته منذ سنين نحو السد لينظر ما حاله ومن دونه، وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يليني، وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينه وبينه، حتى انتهى إليه، فانتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فأعطاه حريرة، قال: فتشكر لي البازيار، فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله، وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسلك أكافك! إنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى اللَّه بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه، فألقاها في ذلك الهواء، وانقضت عليها العقاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء، فخرجت علينا العقاب باللحم في مخالبها، وإذا فيه ياقوتة، فأعطانيها،
(4/159)

وها هي هذه فتناولها شهربراز حمراء، فناولها عبد الرحمن، فنظر إليها، ثم ردها إلى شهربراز، وقال شهربراز: لهذه خير من هذا البلد- يعني الباب- وايم اللَّه لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وايم اللَّه لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر.
فأقبل عبد الرحمن على الرسول، وقال: ما حال هذا الردم وما شبهه؟
فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، قال: فنظر إلى ثوبي، فقال مطر بْن ثلج لعبد الرحمن بْن ربيعة: صدق والله الرجل، لقد نفذ ورأى، فقال: أجل، وصف صفة الحديد والصفر، وقال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ» إلى آخر الآية.
وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان.
وزعم الواقدي أن معاوية غزا الصائفة في هذه السنة، ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين
. [أخبار متفرقة]
وقال بعضهم: في هذه السنة كانت وفاة خالد بْن الوليد.
وفيها ولد يزيد بْن معاوية وعبد الملك بْن مروان.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بْن الخطاب، وكان عامله على مكة عتاب بْن أسيد، وعلى اليمن يعلى بْن أمية، وعلى سائر أمصار المسلمين الذين كانوا عماله في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل
. ذكر تعديل الفتوح بين اهل الكوفه والبصره
وفي هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم.
ذكر الخبر بذلك:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو، وَسَعِيدٍ، قَالُوا: أَقَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَامِلا عَلَى الْكُوفَةِ سَنَةً في اماره
(4/160)

عُمَرَ وَبَعْضَ أُخْرَى وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ سُرَاقَةَ وهو يومئذ على البصره الى عمر ابن الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ كَثْرَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَجْزَ خَرَاجِهِمْ عَنْهُمْ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُزِيدَهُمْ أَحَدَ الْمَاهَيْنِ أَوْ مَاسَبَذَانَ وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَقَالُوا لِعَمَّارٍ: اكْتُبْ لَنَا إِلَى عُمَرَ أَنَّ رَامَهُرْمُزَ وَإِيذَجَ لَنَا دُونَهُمْ، لَمْ يُعِينُونَا عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِنَا حَتَّى افْتَتَحْنَاهُمَا، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا لِي وَلِمَا هَاهُنَا! فَقَالَ لَهُ عُطَارِدٌ: فَعَلامَ تَدَعُ فَيْئَنَا أَيُّهَا الْعَبْدُ الأَجْدَعُ! فَقَالَ: لَقَدْ سَبَبْتَ أَحَبَّ أُذُنَيَّ إِلَيَّ وَلَمْ يَكْتُبْ فِي ذَلِكَ فَأَبْغَضُوهُ، وَلَمَّا أَبَى أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلا الْخُصُومَةَ فِيهِمَا لأَهْلِ الْبَصْرَةِ شَهِدَ لَهُمْ أَقْوَامٌ عَلَى أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَمَّنَ أَهْلَ رَامَهُرْمُزَ وَإِيذَجَ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَالنُّعْمَانِ رَاسَلُوهُمْ وَهُمْ فِي أَمَانٍ فَأَجَازَ لَهُمْ عُمَرُ ذَلِكَ، وَأَجْرَاهَا لأَهْلِ الْبَصْرَةِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَادَّعَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي إِصْبَهَانَ قَرْيَاتٍ افْتَتَحَهَا أَبُو مُوسَى دُونَ جَيٍّ، أَيَّامَ أَمَدَّهُمْ بِهِمْ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ اللَّه بْن عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَانَ، فَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَتَيْتُمُونَا مَدَدًا وَقَدِ افْتَتَحْنَا الْبِلادَ، فَآسَيْنَاكُمْ فِي الْمَغَانِمِ، وَالذِّمَّةُ ذِمَّتُنَا، وَالأَرْضُ أَرْضُنَا، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقُوا ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الأَيَّامِ وَأَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَخَذُوا فِي أَمْرٍ آخَرَ حَتَّى قَالُوا: فَلْيُعْطُونَا نَصِيبَنَا مِمَّا نَحْنُ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهِ مِنْ سَوَادِهِمْ وَحَوَاشِيهِ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَتَرْضَوْنَ بِمَاهٍ؟ وَقَالَ لأَهْلِ الْكُوفَةِ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ نُعْطِيَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَحَدِ الْمَاهَيْنِ؟ فَقَالُوا: مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي فَاعْمَلْ بِهِ، فَأَعْطَاهُمْ مَاهَ دِينَارٍ بِنَصِيبِهِمْ لِمَنْ كَانَ شَهِدَ الأَيَّامَ وَالْقَادِسِيَّةَ مِنْهُمْ إِلَى سواد البصره ومهرجانقذق، وَكَانَ ذَلِكَ لِمَنْ شَهِدَ الأَيَّامَ وَالْقَادِسِيَّةَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ- وَكَانَ مُعَاوِيَةُ هُوَ الَّذِي جَنَّدَ قِنَّسْرِينَ من رافضه العراقين ايام على، وانما كانت قنسرين رستاقا مِنْ رَسَاتِيقِ حِمْصَ حَتَّى مَصَّرَهَا مُعَاوِيَةُ وَجَنَّدَهَا بمن ترك الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَخَذَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ بِنَصِيبِهِمْ مِنْ فُتُوحِ الْعِرَاقِ أَذْرَبَيْجَانَ وَالْمَوْصِلَ وَالْبَابَ، فَضَمَّهَا فِيمَا ضَمَّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَوْمَئِذٍ نَاقِلَةً رُمِيَتَا بِكُلِّ مَنْ كَانَ تَرَكَ هِجْرَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلْدَيْنِ، وَكَانَتِ الْبَابُ واذربيجان والجزيرة
(4/161)

وَالْمَوْصِلُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْكُوفَةِ- نَقَلَ ذَلِكَ إِلَى مَنِ انْتَقَلَ مِنْهُمْ إِلَى الشَّامِ أَزْمَانَ عَلِيٍّ، وَإِلَى مَنْ رُمِيَتْ بِهِ الْجَزِيرَةُ وَالْمَوْصِلُ مِمَّنْ كَانَ تَرَكَ هِجْرَتَهُ أَيَّامَ عَلِيٍّ، وَكَفَرَ أَهْلُ أَرْمِينِيَّةَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ أَمَّرَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الْبَابِ- وَحَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ بِجَرْزَانَ- وَكَاتَبَ أَهْلُ تَفْلِيسَ وَتِلْكَ الْجِبَالِ، ثُمَّ نَاجَزَهُمْ، حَتَّى اسْتَجَابُوا وَاعْتَقَدُوا مِنْ حَبِيبٍ وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا بَعْدَ مَا كَاتَبَهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى اهل تفليس من جرزان ارض الهرمز وسلم أَنْتُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، فَإِنَّهُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُكُمْ تَفَلَّى، فَبَلَّغَ عَنْكُمْ، وَأَدَّى الَّذِي بَعَثْتُمْ وَذَكَرَ تَفَلَّى عَنْكُمْ أَنَّا لَمْ نَكُنْ أُمَّةً فِيمَا تَحْسَبُونَ، وَكَذَلِكَ كُنَّا حَتَّى هَدَانَا اللَّهُ عز وجل بمحمد ص، وَأَعَزَّنَا بِالإِسْلامِ بَعْدَ قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ وَذَكَرَ تفلى أَنَّكُمْ أَحْبَبْتُمْ سِلْمَنَا فَمَا كَرِهْتُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُزْءٍ السُّلَمِيَّ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَأَهْلِ الْقُرْآنِ، وَبَعَثْتُ مَعَهُ بِكِتَابِي بِأَمَانِكُمْ، فَإِنْ رَضِيتُمْ دَفَعَهُ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ آذَنَكُمْ بِحَرْبٍ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ لأَهْلِ تَفْلِيسَ مِنْ جُرْزَانِ أَرْضِ الْهُرْمُزِ، بِالأَمَانِ عَلَى انفسكم وأموالكم وَصَوَامِعِكُمْ وَبِيَعِكُمْ وَصَلَوَاتِكُمْ، عَلَى الإِقْرَارِ بِصِغَارِ الْجِزْيَةِ، عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ دِينَارٌ وَافٍ، وَلَنَا نُصْحُكُمْ وَنَصْرُكُمْ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّنَا، وَقِرَى الْمُجْتَازِ لَيْلَةً مِنْ حَلالِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحَلالِ شَرَابِهِمْ، وَهِدَايَةِ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ مَا يَضُرُّ فِيهِ بِأَحَدٍ مِنْكُمْ.
فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، فَإِخْوَانُنَا فِي الدِّينِ وَمَوَالِينَا، وَمَنْ تَوَلَّى عَنِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَحِزْبِهِ فَقَدْ آذَنَّاكُمْ بِحَرْبٍ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّه لا يحب
(4/162)

الْخَائِنِينَ شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَالْحَجَّاجُ، وعياض وكتب رياح، وَأُشْهِدُ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَكَفَى بِاللَّهِ شهيدا
. ذكر عزل عمار عن الكوفه
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمَّارًا عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ فِي ذَلِكَ قَبْلُ.
ذِكْرُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ:
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرِي بَعْضَ سَبَبِ عَزْلِهِ، وَنَذْكُرُ بَقِيَّتَهُ ذَكَرَ السَّرِيُّ- فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ- عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرِي مِنْ شُيُوخِهِ، قَالَ: قَالُوا: وَكَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، عُطَارِدٌ ذَلِكَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عُمَرَ فِي عَمَّارٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ بِأَمِيرٍ، وَلا يَحْتَمِلُ مَا هُوَ فِيهِ، وَنَزَا بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمَّارٍ: أَنْ أَقْبِلْ، فَخَرَجَ بوفد من اهل الكوفه، ووفد رجالا ممن يرى انهم مَعَهُ، فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ، فَجَزِعَ فَقِيلَ لَهُ:
يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحْمَدُ نَفْسِي عَلَيْهِ، وَلَقَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ- وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَمُّ الْمُخْتَارِ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَعَهُ- فَسَعِيَا بِهِ، وَأَخْبَرَا عُمَرَ بِأَشْيَاءَ يَكْرَهُهَا، فَعَزَلَهُ عُمَرُ وَلَمْ يُوَلِّهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قِيلَ لِعَمَّارٍ: أَسَاءَكَ الْعَزْلُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَرَّنِي حِينَ اسْتُعْمِلْتُ، وَلَقَدْ سَاءَنِي حِينَ عُزِلْتُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَمُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لأَهْلِ الْكُوفَةِ: أَيُّ مَنْزِلَيْكُمْ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ؟ - يَعْنِيَ الْكُوفَةَ أَوِ الْمَدَائِنَ- وَقَالَ: إِنِّي لأَسْأَلُكُمْ وَإِنِّي لأَعْرِفُ فَضْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ فِي وُجُوهِكُمْ، فَقَالَ جَرُيرٌ: أَمَّا مَنْزِلُنَا هَذَا الأَدْنَى فَإِنَّهُ أَدْنَى مَحِلَّةً مِنَ السَّوَادِ مِنَ الْبَرِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَوَعْكُ الْبَحْرِ وَغَمُّهُ وَبَعُوضُهُ
(4/163)

فَقَالَ عَمَّارٌ: كَذَبْتَ، فَقَالَ عُمَرُ لِعَمَّارٍ: بَلْ أَنْتَ أَكْذَبُ مِنْهُ، وَقَالَ:
مَا تَعْرِفُونَ مَنْ أَمِيرُكُمْ عَمَّارٍ؟ فَقَالَ جَرِيرٌ: هُوَ وَاللَّهِ غَيْرُ كَافٍ وَلا مُجْزٍ وَلا عَالِمٍ بِالسِّيَاسَةِ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن زَكَرِيَّاءَ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: والله ما يدرى علام استعملته! فَقَالَ عُمَرُ: عَلامَ اسْتَعْمَلْتُكَ يَا عَمَّارُ؟ قَالَ: على الحيرة وأرضها فقال: قد سمعت بِالْحِيرَةِ تُجَّارًا تَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى بَابِلَ وَأَرْضِهَا، قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بِذِكْرِهَا فِي الْقُرْآنِ.
قَالَ: وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَدَائِنِ وَمَا حَوْلَهَا، قَالَ: أَمَدَائِنُ كِسْرَى؟
قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَعَلَى أَيِّ شيء؟ قال: على مهرجانقذق وَأَرْضِهَا.
قَالُوا: قَدْ أَخْبَرْنَاكَ أَنَّهُ لا يَدْرِي عَلامَ بَعَثْتَهُ! فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ دَعَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَسَاءَكَ حِينَ عَزَلْتُكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا فَرِحْتُ بِهِ حِينَ بَعَثْتَنِي، وَلَقَدْ سَاءَنِي حِينَ عَزَلْتَنِي فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِ عَمَلٍ، وَلَكِنِّي تَأَوَّلْتُ: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» .
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ ذَفَرَةَ النَّمَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بمثله وزياده، فقال: او تحمد نَفْسَكَ بِمَعْرِفَةِ مَنْ تُعَالِجُهُ مُنْذُ قَدِمْت! وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا عَمَّارُ لا يَنْتَهِي بِكِ حَدُّكَ حَتَّى يُلْقِيَكَ فِي هَنَةٍ، وَتَاللَّهِ لَئِنْ أَدْرَكَكَ عُمَرُ لَتَرِقَّنَّ، وَلَئِنْ رَقَقْتَ لَتَبْتَلِيَنَّ، فَسَلِ اللَّهَ الْمَوْتَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ؟
فَقَالُوا: أَبَا مُوسَى فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَمَّارٍ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ سَنَةً، فَبَاعَ غُلامَهُ
(4/164)

الْعِلْفَ وَسَمِعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، يَقُولُ: ما صحبت قوما قط الا آثرتهم، وو الله مَا مَنَعَنِي أَنْ أُكَذِّبَ شُهُودَ الْبَصْرَةِ إِلا صُحْبَتُهُمْ، وَلَئِنْ صَحِبْتُكُمْ لأَمْنَحَنَّكُمْ خَيْرًا فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا ذَهَبَ بِأَرْضِنَا غَيْرُكَ، وَلا جَرَمَ لا تَعْمَلْ عَلَيْنَا فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ نَفَرٌ، فَقَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا فِي أَبِي مُوسَى، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: غُلامٌ لَهُ يَتْجَرُ فِي حَشْرِنَا فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ وَصَرَفَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَصَرَفَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَقَالَ لأَصْحَابِ أَبِي مُوسَى الَّذِينَ شَخَصُوا فِي عَزْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَقَوِيٌّ مُشَدِّدٌ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ ضَعِيفٌ مُؤْمِنٌ؟ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا، فَتَنَحَّى، فَخَلا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَنَامَ فَأَتَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَكَلأَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا مِنْ عَظِيمٍ، فَهَلْ نَابَكَ مِنْ نَائِبٍ؟ قَالَ: وَأَيُّ نَائِبٍ أَعْظَمَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لا يَرْضَوْنَ عَنْ أَمِيرٍ، وَلا يَرْضَى عَنْهُمْ أَمِيرٌ! وَقَالَ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
وَاخْتَطَّتِ الْكُوفَةُ حِينَ اخْتَطَّتْ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: شَأْنِي أَهْلُ الْكُوفَةِ قَدْ عَضِلُوا بِي.
وَأَعَادَ عليهم عمر المشورة التي استشار فيها، فَأَجَابَهُ الْمُغِيرَةُ فَقَالَ: أَمَّا الضَّعِيفُ الْمُسْلِمُ فَضَعْفُهُ عَلَيْكَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفَضْلُهُ لَهُ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ الْمُشَدِّدُ فَقُوَّتُهُ لَكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَشِدَادُهُ عَلَيْهِ وَلَهُ فَبَعَثَهُ عَلَيْهِمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عُمَرَ قَالَ قَبْلَ أَنِ اسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَةَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَوْلِيَةِ رَجُلٍ ضَعِيفٍ مُسْلِمٍ أَوْ رَجُلٍ قَوِيٍّ مُشَدِّدٍ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا الضَّعِيفُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّ إِسْلامَهُ لنِفَسْهِ وَضَعْفَهُ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ الْمُشَدِّدُ فَإِنَّ شِدَادَهُ لِنَفْسِهِ وَقُوَّتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَإِنَّا بَاعِثُوكَ يَا مُغِيرَةُ فَكَانَ الْمُغِيرَةُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ سَنَتَيْنِ وَزِيَادَةٍ فَلَمَّا وَدَّعَهُ الْمُغِيرَةُ لِلذَّهَابِ إِلَى الْكُوفَةِ، قَالَ لَهُ: يَا مُغِيرَةُ لِيَأْمَنْكَ الأَبْرَارُ، وَلْيَخَفْكَ الْفُجَّارُ.
ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَبْعَثَ سَعْدًا عَلَى عَمَلِ الْمُغِيرَةِ فَقُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ، فَأَوْصَى بِهِ، وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ عُمَرَ وَسِيرَتِهِ أَنْ يَأْخُذَ عُمَّالَهُ بِمُوَافَاةِ الْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ
(4/165)

لِلسِّيَاسَةِ، وَلِيَحْجِزَهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الرَّعِيَّةِ، وَلِيَكُونَ لِشَكَاةِ الرعية وقتا وَغَايَةٌ يُنْهُونَهَا فِيهِ إِلَيْهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ- فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ خُرَاسَانَ- وَحَارَبَ يَزْدَجَرْدَ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ سَيْفٍ فَإِنَّ خُرُوجَ الأَحْنَفِ إِلَى خُرَاسَانَ كَانَ فِي سنه ثمان عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ

ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك
اختلف أهل السير في سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه، فأما ما ذكره سيف عن أصحابه في ذلك، فإنه فيما كتب به إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: كان يزدجرد بْن شهريار بْن كسرى- وهو يومئذ ملك فارس- لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الري، وقد جعل له محمل واحد يطبق ظهر بعيره، فكان إذا سار نام فيه ولم يعرس بالقوم فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله، فأنبهوه ليعلم، ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ، فعنفهم وقال: بئسما صنعتم! والله لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الأمة، إني رأيت أني ومحمدا تناجينا عند اللَّه، فقال له: أملكهم مائة سنة، فقال: زدني، فقال: عشرا ومائة سنة، فقال: زدني، فقال: عشرين ومائة سنة، فقال: زدني، فقال: لك.
وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الأمة.
فلما انتهى إلى الري، وعليها آبان جاذويه، وثب عليه فأخذه، فقال:
يا آبان جاذويه، تغدر بي! قال: لا، ولكن قد تركت ملكك، وصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردت غير ذلك وأخذ خاتم يزدجرد ووصل الأدم، واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها ورد الخاتم ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه ولما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع
(4/166)

خرج يزدجرد من الري إلى إصبهان، وكره آبان جاذويه، فَارًّا مِنْهُ وَلَمْ يَأْمَنْهُ ثُمَّ عَزَمَ على كرمان، فأتاها والنار معه، فأراد أن يضعها في كرمان، ثم عزم على خراسان، فأتى مرو، فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتا واتخذ بستانا، وبنى أزجا فرسخين من مرو إلى البستان، فكان على رأس فرسخين من مرو، واطمأن في نفسه وأمن أن يؤتى، وكاتب من مرو من بقي من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون، فدانوا له، حتى أثار أهل فارس والهرمزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيرزان فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين في الانسياح، فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الأرض، فخرج الأحنف إلى خراسان، فاخذ على مهرجانقذق، ثم خرج إلى إصبهان- وأهل الكوفة محاصرو جي- فدخل خراسان من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بْن فلان العبدي ثم سار نحو مرو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور- وليس دونها قتال- مطرف بْن عبد اللَّه بْن الشخير والحارث بْن حسان إلى سرخس، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى خاقان يستمده، وكتب إلى ملك الصغد يستمده، فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصغد، وكتب إلى ملك الصين يستعينه، وخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليها حاتم بْن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بْن النضر النضري، وربعي بْن عامر التميمي، وعبد اللَّه بْن أبي عقيل الثقفي، وابن أم غزال الهمذاني، وخرج سائرا نحو مرو الروذ، حتى إذا بلغ ذلك يزدجرد خرج إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة، فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزم اللَّه يزدجرد، وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبر، ولحق الأحنف باهل
(4/167)

الكوفة، وقد فتح اللَّه عليهم، فبلخ من فتوح أهل الكوفة وتتابع أهل خراسان ممن شذ أو تحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان ممن كان في مملكة كسرى، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ، فنزلها واستخلف على طخارستان ربعي بْن عامر، وهو الذي يقول فيه النجاشي- ونسبه إلى أمه، وكانت من أشراف العرب:
ألا رب من يدعى فتى ليس بالفتى ... ألا إن ربعي ابن كأس هو الفتى
طويل قعود القوم في قعر بيته ... إذا شبعوا من ثفل جفتته سقى
كتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان، فقال: لوددت أني لم أكن بعثت إليها جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار، فقال علي:
ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات، فيجتاحون في الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَنُوبِ اليشكري، [عن على بن ابى طالب ع، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ عَلَى فَتْحِ خُرَاسَانَ، قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا بَحْرًا مِنْ نَارٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَمَا يَشْتَدُّ عَلَيْكَ مِنْ فَتْحِهَا! فَإِنَّ ذَلِكَ لَمَوْضِعُ سُرُورٍ،] قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يُدْعَى الْوَازِعَ بْنَ زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ غَلَبَةَ الأَحْنَفِ عَلَى الْمَرْوَيْنِ وَبَلْخَ، قَالَ: وَهُوَ الأَحْنَفُ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ الْمُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِهِ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الأَحْنَفِ: أَمَّا بَعْدُ، فَلا تَجُوزَنَّ النَّهْرَ وَاقْتَصِرْ عَلَى مَا دُونَهُ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ بِأَيِّ شَيْءٍ دَخَلْتُمْ عَلَى خُرَاسَانَ، فَدَاوِمُوا عَلَى الَّذِي دَخَلْتُمْ بِهِ خُرَاسَانَ يَدُمْ لَكُمُ النَّصْرُ، وإياكم ان تعبروا فتفضوا ولما بلغ رسولا يَزْدَجَرْد خَاقَان وَغَوْزَك، لَمْ يَسْتَتِبْ لَهُمَا إِنْجَادُهُ حتى عبر
(4/168)

إِلَيْهِمَا النَّهْرَ مَهْزُومًا، وَقَدِ اسْتَتَبَ فَأَنْجَدَهُ خَاقَانُ- وَالْمُلُوكُ تَرَى عَلَى أَنْفُسِهَا إِنْجَادَ الْمُلُوكِ- فَأَقْبَلَ فِي التُّرْكِ، وَحَشَرَ أَهْلُ فَرْغَانَةَ وَالصُّغْدِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ، وَخَرَجَ يَزْدَجَرْدُ رَاجِعًا إِلَى خُرَاسَانَ، حَتَّى عَبَرَ إِلَى بَلْخَ، وَعَبَرَ مَعَهُ خَاقَانُ، فَأَرَزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ إِلَى الأَحْنَفِ، وَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَلْخَ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الأَحْنَفِ بِمَرْوِ الرُّوذِ وَكَانَ الأَحْنَفُ حِينَ بلغه عبور خاقان والصغد نهر بَلْخَ غَازِيًا لَهُ، خَرَجَ فِي عَسْكَرِهِ لَيْلا يَتَسَمَّعُ: هَلْ يَسْمَعُ بِرَأْيٍ يَنْتَفِعُ بِهِ؟ فَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُنَقِّيَانِ عَلَفًا، إِمَّا تِبْنًا وَإِمَّا شَعِيرًا، وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ:
لَوْ أَنَّ الأَمِيرَ أَسْنَدَنَا إِلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَكَانَ النَّهْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا خَنْدَقًا، وَكَانَ الْجَبَلُ فِي ظُهُورِنَا مِنْ أَنْ نُؤْتَى مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَ قِتَالُنَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ رَجَوْتُ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ فَرَجَعَ وَاجْتَزَأَ بِهَا، وَكَانَ فِي لَيْلَةٍ مِظْلِمَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَمَعَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ عَدُوَّكُمْ كَثِيرٌ، فَلا يَهُولَنَّكُمْ، فَ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، ارْتَحِلُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا، فَأَسْنِدُوا إِلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَاجْعَلُوهُ فِي ظُهُورِكُمْ، وَاجْعَلُوا النَّهْرَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ، وَقَاتِلُوهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَفَعَلُوا، وَقَدْ أَعَدُّوا مَا يُصْلِحُهُمْ، وَهُوَ فِي عَشَرَةَ آلافٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ نَحْوٌ مِنْهُمْ وَأَقْبَلَتِ التُّرْكُ وَمَنْ أَجْلَبَتْ حَتَّى نَزَلُوا بِهِمْ، فَكَانُوا يُغَادُونَهُمْ وَيُرَاوِحُونَهُمْ وَيَتَنَحَّوْنَ عَنْهُمْ بِاللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَطَلَبَ الأَحْنَفُ عِلْمَ مَكَانِهِمْ بِاللَّيْلِ، فَخَرَجَ لَيْلَةً بَعْدَ مَا عَلِمَ عِلْمَهُمْ، طَلِيعَةً لأَصْحَابِهِ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِ خَاقَانَ فَوَقَفَ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ خَرَجَ فَارِسٌ مِنَ التُّرْكِ بِطَوْقِهِ، وَضَرَبَ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ وَقَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ مَوْقِفًا يَقِفُهُ مِثْلُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأَحْنَفُ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَطَعَنَهُ الأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئِيسٍ حَقَّا ... أَنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا
إِنَّ لَنَا شَيْخًا بِهَا مُلَقَّى ... سَيْفُ أَبِي حَفْصِ الَّذِي تَبَقَّى
ثُمَّ وَقَفَ مَوْقِفَ التُّرْكِيِّ وَأَخَذَ طَوْقَهُ، وَخَرَجَ آخَرُ مِنَ التُّرْكِ، فَفَعَلَ
(4/169)

فِعْلَ صَاحِبِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ وَقَفَ دُونَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأَحْنَفُ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَطَعَنَهُ الأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
إِنَّ الرَّئِيسِ يَرْتَبِي وَيَطْلَعُ ... وَيَمْنَعُ الْخَلاءَ إِمَّا أَرْبَعُوا
ثُمَّ وَقَفَ مَوْقِفَ التُّرْكِيِّ الثَّانِي، وَأَخَذَ طَوْقَهُ، ثُمَّ خَرَجَ ثَالِثٌ مِنَ التُّرْكِ، فَفَعَلَ فِعْلَ الرَّجُلَيْنِ، وَوَقَفَ دُونَ الثَّانِي مِنْهُمَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأَحْنَفُ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَطَعَنَهُ الأَحْنَفُ، فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
جَرْيُ الشُّمُوسِ نَاجِزًا بِنَاجِزِ ... مُحْتَفِلا فِي جَرْيِهِ مُشَارِزِ
ثُمَّ انْصَرَفَ الأَحْنَفُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلَهُ وَاسْتَعَدَّ وَكَانَ مِنْ شِيمَةِ التُّرْكِ أَنَّهُمْ لا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجُ ثَلاثَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ كَهُؤلاءِ، كُلِّهِمْ يَضْرِبُ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّالِثِ، فَخَرَجَتِ التُّرْكُ لَيْلَتَئِذٍ بَعْدَ الثَّالِثِ، فَأَتَوْا عَلَى فُرْسَانِهِمْ مُقَتَّلِينَ، فَتَشَاءَمَ خَاقَانُ وَتَطَيَّرَ، فَقَالَ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا، وَقَدْ أُصِيبَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ بِمَكَانٍ لَمْ يُصَبْ بِمِثْلِهِ قَطُّ، مَا لَنَا فِي قِتَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ مِنْ خَيْرٍ، فَانْصَرَفُوا بِنَا، فَكَانَ وُجُوهُهُمْ رَاجِعِينَ، وَارْتَفَعَ النَّهَارُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلا يَرَوْنَ شَيْئًا، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِانْصِرَافِ خَاقَانَ إِلَى بَلْخَ وَقَدْ كَانَ يَزْدَجَرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى تَرَكَ خَاقَانَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَخَرَجَ إِلَى مَرْوِ الشَّاهِجَانِ، فَتَحَصَّنَ منه حاتم بْنُ النُّعْمَانِ وَمَنْ مَعَهُ، فَحَصَرَهُمْ وَاسْتَخْرَجَ خَزَائِنَهُ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَخَاقَانُ بِبَلْخَ مُقِيمٌ لَهُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلأَحْنَفِ: مَا تَرَى فِي اتِّبَاعِهِمْ؟ فَقَالَ: أَقِيمُوا بِمَكَانِكُمْ وَدَعُوهُمْ وَلَمَّا جَمَعَ يَزْدَجَرْدُ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِمَّا وَضَعَ بِمَرْوَ، فَأَعْجَلَ عَنْهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ مِنْهَا، إِذْ هُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ خَزَائِنِ أَهْلِ فَارِسَ، وَأَرَادَ اللِّحَاقَ بِخَاقَانَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ فَارِسَ أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ فَقَالَ:
أُرِيدُ اللِّحَاقَ بِخَاقَانَ فَأَكُونُ مَعَهُ أَوْ بِالصِّينِ، فَقَالُوا لَهُ: مَهْلا، فَإِنَّ هَذَا رَأْيُ سُوءٍ، إِنَّكَ إِنَّمَا تَأْتِي قَوْمًا فِي مَمْلَكَتِهِمْ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَقَوْمَكَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ
(4/170)

بِنَا إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ فَنُصَالِحَهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَوْفِيَاءُ وَأَهْلُ دِينٍ، وَهُمْ يَلُونَ بِلادَنَا، وَإِنَّ عَدُوًّا يَلِينَا فِي بِلادِنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مَمْلَكَةً مِنْ عَدُوٍّ يَلِينَا فِي بِلادِهِ وَلا دِينَ لَهُمْ، وَلا نَدْرِي مَا وَفَاؤُهُمْ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: فَدَعْ خَزَائِنَنَا نَرُدَّهَا إِلَى بِلادِنَا ومن يليها، ولا تخرجها من بلادها إِلَى غَيْرِهَا، فَأَبَى، فَقَالُوا:
فَإِنَّا لا نَدَعُكَ، فَاعْتَزَلُوا وَتَرَكُوهُ فِي حَاشِيَتِهِ، فَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمُوهُ وَأَخَذُوا الْخَزَائِنَ، وَاسْتَوْلُوا عَلَيْهَا وَنَكَبُوهُ، وَكَتَبُوا إِلَى الأَحْنَفِ بِالْخَبَرِ، فَاعْتَرَضَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِمَرْوَ يَثْفِنُونَهُ، فَقَاتَلُوهَ وَأَصَابُوهُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، وَأَعْجَلُوهُ عَنِ الأَثْقَالِ، وَمَضَى مُوَائِلا حَتَّى قَطَعَ النَّهْرَ إِلَى فَرْغَانَةَ وَالتُّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا زَمَانَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّهُ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ، أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ فَكَفَرَ أَهْلُ خُرَاسَانَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَأَقْبَلَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الأَحْنَفِ فَصَالَحُوهُ وَعَاقَدُوهُ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِ تِلْكَ الْخَزَائِنَ وَالأَمْوَالَ، وَتَرَاجَعُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَفْضَلِ مَا كَانُوا فِي زَمَانِ الأَكَاسِرَةِ، فَكَانُوا كَأَنَّمَا هُمْ فِي مُلْكِهِمْ، إِلا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْفَى لَهُمْ وَأَعْدَلُ عَلَيْهِمْ، فَاغْتَبَطُوا وَغُبِطُوا، وَأَصَابَ الْفَارِسُ يَوْمَ يَزْدَجَرْدَ كَسَهْمِ الْفَارِسِ يَوْمِ الْقَادِسِيَّةِ.
وَلَمَّا خَلَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ زَمَانَ عُثْمَانَ أَقْبَلَ يَزْدَجَرْدُ حَتَّى نَزَلَ بِمَرْوَ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَأَهْلُ خُرَاسَانَ أَوَى إِلَى طَاحُونَةٍ، فَأَتَوْا عَلَيْهِ يَأْكُلُ من كرد حول الرحا، فَقَتَلُوهُ ثُمَّ رَمَوْا بِهِ فِي النَّهْرِ.
وَلَمَّا أُصِيبَ يَزْدَجَرْدُ بِمَرْوَ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُخْتَبِئٌ فِي طَاحُونَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَ اللِّحَاقَ بِكَرْمَانَ- فَاحْتَوَى فَيْئَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَحْنَفَ، فَسَارَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ فِي النَّاسِ إِلَى بَلْخَ يُرِيدُ خَاقَانَ، وَيَتْبَعُ حَاشِيَةَ يَزْدَجَرْدَ وَأَهْلَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَخَاقَانُ وَالتُّرْكُ ببلخ فلما سمع بما القى يَزْدَجَرْدُ وَبِخُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الأَحْنَفِ مِنْ مَرْوِ الرُّوذِ نَحْوَهُ، تَرَكَ بَلْخَ وَعَبَرَ النَّهْرَ، وَأَقْبَلَ الأَحْنَفُ حَتَّى نَزَلَ بَلْخَ، وَنَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي كُوَرِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ فَنَزَلَ بِهَا، وَكَتَبَ
(4/171)

بِفَتْحِ خَاقَانَ وَيَزْدَجَرْدَ إِلَى عُمَرَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالأَخْمَاسِ، وَوَفَدَ إِلَيْهِ الْوُفُودُ.
قَالُوا: وَلَمَّا عَبَرَ خَاقَانُ النَّهْرَ، وَعَبَرَتْ مَعَهُ حَاشِيَةُ آلِ كِسْرَى، أَوْ مَنْ أَخَذَ نَحْوَ بَلْخَ مِنْهُمْ مَعَ يَزْدَجَرْدَ، لَقُوا رَسُولَ يَزْدَجَرْدَ الَّذِي كَانَ بُعِثَ الى ملك الصين، واهدى اليه معه هدايا، وَمَعَهُ جَوَابُ كِتَابِهِ مِنْ مَلِكِ الصِّينِ فَسَأَلُوهُ عَمَّا وَرَاءَهُ، فَقَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالْهَدَايَا كَافَأْنَا بِمَا تَرَوْنَ- وَأَرَاهُمْ هَدِيَّتَهُ وَأَجَابَ يَزْدَجَرْدُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِهَذَا الْكِتَابِ بَعْدَ مَا كَانَ قَالَ لِي: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ حَقًّا عَلَى الْمُلُوكِ إِنْجَادُ الْمُلُوكِ عَلَى مَنْ غَلَبَهُمْ، فَصِفْ لِي صِفَةَ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكَ تَذْكُرُ قِلَّةً مِنْهُمْ وَكَثْرَةً مِنْكُمْ، وَلا يَبْلُغُ أَمْثَالُ هَؤُلاءِ الْقَلِيلِ الَّذِينَ تَصِفُ مِنْكُمْ فِيمَا أَسْمَعُ مِنْ كَثْرَتِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ وَشَرٍّ فِيكُمْ، فَقُلْتُ: سَلْنِي عَمَّا أَحْبَبْتَ، فَقَالَ: أَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ؟ قُلْتُ: يَدْعُونَنَا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلاثٍ: إِمَّا دِينُهُمْ فَإِنْ أَجَبْنَاهُمْ أَجْرُونَا مُجْرَاهُمْ، أَوِ الْجِزْيَةُ وَالْمَنَعَةُ، أَوِ الْمُنَابَذَةُ قَالَ: فَكَيْفَ طَاعَتُهُمْ أُمَرَاءَهُمْ؟ قُلْتُ: أَطْوَعُ قَوْمٍ لِمُرْشِدِهِمْ، قَالَ: فَمَا يُحِلُّونَ وَمَا يُحَرِّمُونَ؟
فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَيُحَرِّمُونَ مَا حُلِّلَ لَهُمْ، أَوْ يُحِلُّونَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ؟ قُلْتُ لا، قَالَ: فَإِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَهْلِكُونَ أَبَدًا حَتَّى يُحِلُّوا حَرَامَهُمْ وَيُحَرِّمُوا حَلالَهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ لِبَاسِهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُ، وَعَنْ مَطَايَاهُمْ، فَقُلْتُ:
الْخَيْلُ الْعِرَابُ- وَوَصَفْتُهَا- فَقَالَ: نِعْمَتِ الْحُصُونُ هَذِهِ! وَوَصَفْتُ لَهُ الإِبِلَ وَبُرُوكَهَا وَانْبِعَاثَهَا بِحَمْلِهَا، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَةُ دَوَابٍّ طِوَالِ الأَعْنَاقِ.
وَكَتَبَ معه الى يزدجرد كتابا: أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ بِجَيْشٍ أَوَّلُهُ بِمَرْوَ وَآخِرُهُ بِالصِّينِ الْجَهَالَةُ بِمَا يَحِقُّ عَلَيَّ، وَلَكِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَ لِي رَسُولُكَ صِفَتَهُمْ لَوْ يُحَاوِلُونَ الْجِبَالَ لَهَدُّوَها، وَلَوْ خلى سربهم
(4/172)

أَزَالُونِي مَا دَامُوا عَلَى مَا وَصَفَ، فَسَالِمْهُمْ وارض منهم بالمساكنه، ولا تهجم مَا لَمْ يُهِيجُوكَ وَأَقَامَ يَزْدَجَرْدُ وَآلُ كِسْرَى بِفَرْغَانَةَ، مَعَهُمْ عَهْدٌ مِنْ خَاقَانَ وَلَمَّا وَقَعَ الرَّسُولُ بِالْفَتْحِ وَالْوَفْدُ بِالْخَبَرِ وَمَعَهُمُ الْغَنَائِمُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قِبَلِ الأَحْنَفِ، جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ، وَأَمَرَ بِكِتَابِ الْفَتْحِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ رسوله ص وَمَا بَعَثَهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى، وَوَعَدَ عَلَى أَتْبَاعِهِ مِنْ عَاجِلِ الثَّوَابِ وَآجِلِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَقَالَ: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*» ، فالحمد الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ جُنْدَهُ أَلا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مُلْكَ الْمَجُوسِيَّةِ، وَفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، فَلَيْسُوا يَمْلِكُونَ مِنْ بِلادِهِمْ شِبْرًا يَضُرُّ بِمُسْلِمٍ أَلا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ! أَلا وَإِنَّ الْمِصْرَيْنِ مِنْ مَسَالِحِهَا الْيَوْمَ كَأَنْتُمْ وَالْمِصْرَيْنِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْبُعْدِ، وَقَدْ وَغَلُوا فِي الْبِلادِ، وَاللَّهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ، وَمُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَمُتْبِعٌ آخِرَ ذَلِكَ أَوَّلَهُ، فَقُومُوا فِي أَمْرِهِ عَلَى رَجُلٍ يُوفِ لَكُمْ بِعَهْدِهِ، وَيُؤْتِكُمْ وَعْدَهُ، وَلا تَبَدَّلُوا وَلا تُغَيِّرُوا، فَيَسْتَبْدِلَ اللَّهُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ، فَإِنِّي لا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنْ تُؤْتَى إِلا مِنْ قِبَلَكُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ إِنْ أَدَّانِي أَهْلُ خُرَاسَانَ وَأَقَاصِيهِ اعْتَرَضُوا زَمَانَ عثمان ابن عَفَّانَ لِسَنَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ إِمَارَتِهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ خَبَرِ انْتِقَاضِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ مَقْتَلِ يَزْدَجَرْدَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ عُمَّالُهُ عَلَى الأَمْصَارِ فِيهَا عُمَّالَهُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ غَيْرَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، فَإِنَّ عَامِلَهُ عَلَى الْكُوفَةِ وَعَلَى الأَحْدَاثِ كَانَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ
(4/173)

ثلاث وعشرين
فكان فيها فتح إصطخر في قول أبي معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت إصطخر الأولى وهمذان سنة ثلاث وعشرين وقال الواقدي مثل ذلك وقال سيف: كان فتح إصطخر بعد توج الآخرة.

ذكر الخبر عن فتح توج
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد، وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: خرج أهل البصرة الذين وجهوا إلى فارس أمراء على فارس، ومعهم سارية بْن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يصمدوا لجمعهم بجموعهم، ولكن قصد كل أمير كورة منهم قصد إمارته وكورته التي أمر بها، وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى بلدانهم، كما افترق المسلمون ليمنعوها، وكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم وتفريق جموعهم، فتطير المشركون من ذلك، وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بْن مسعود لسابور وأردشير خرة فيمن معه من المسلمين، فالتقوا بتوج وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء اللَّه ثم إن اللَّه عز وجل هزم أهل توج للمسلمين، وسلط عليهم المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وبلغوا منهم ما شاءوا، وغنمهم ما في عسكرهم فحووه، وهذه توج الآخرة، ولم يكن لها بعدها شوكة، والأولى التي تنقذ فيها جنود العلاء أيام طاوس، الوقعة التي اقتتلوا فيها، والوقعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجلتان.
ثم دعوا إلى الجزية والذمة، فراجعوا وأقروا، وخمس مجاشع الغنائم، وبعث
(4/174)

بها، ووفد وفدا، وقد كانت البشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله ص كتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء اللَّه، فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهبا كثيرا، وقتلنا قتلى عظيمة، وكان علي قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا وجعلت أخيط قميصي بها ثم إني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس

فتح إصطخر
قال: وقصد عثمان بْن أبي العاص لإصطخر، فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا ما شاء اللَّه ثم إن اللَّه عز وجل فتح لهم جور، وفتح المسلمون إصطخر، فقتلوا ما شاء اللَّه، وأصابوا ما شاءوا، وفر من فر ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى، فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لما هزم القوم جمع إليه ما أفاء اللَّه عليهم، فخمسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس، وعفت الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان، ثم قام فيهم، وقال: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا، ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم
(4/175)

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَوْمَ إِصْطَخْرَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ خَيْرًا كَفَّهُمْ، وَوَفَّرَ أَمَانَتَهُمْ، فَاحْفَظُوهَا، فَإِنَّ أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةَ، فَإِذَا فَقَدْتُمُوهَا جُدِّدَ لَكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فُقْدَانُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ.
ثُمَّ إِنَّ شَهْرَكَ خُلِعَ فِي آخِرِ إِمَارَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ إِمَارَةِ عُثْمَانَ، وَنَشَطَ أَهْلُ فَارِسَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى النَّقْضِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي العاص ثانيه، وبعث معه جنود أَمَدَّ بِهِمْ، عَلَيْهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَالْتَقَوْا بِفَارِسَ، فَقَالَ شَهْرَكُ لابْنِهِ وَهُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَرْيَةٍ تُدْعَى رِيشَهْرَ ثَلاثَةُ فَرَاسِخَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَرَارِهِمُ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا:
يَا بُنَيَّ، اين يكون غداؤنا؟ هاهنا أَوْ رِيشَهْرَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنْ تَرَكُونَا فلا يكون غداؤنا هاهنا وَلا رِيشَهْرَ، وَلا يَكُونَنَّ إِلا فِي الْمَنْزِلِ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَرَاهُمْ يَتْرُكُونَنَا فَمَا فَرَغَا مِنْ كَلامِهِمَا حَتَّى أَنْشَبَ الْمُسْلِمُونَ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، قُتِلَ فِيهِ شَهْرَكُ وَابْنُهُ، وَقَتَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَوَلِيَ قَتْلَ شَهْرَكَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ دُهْمَانَ، أَخُو عُثْمَانَ.
وَأَمَّا أَبُو مَعْشَرٍ فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَتْ فَارِسُ الأُولَى وَإِصْطَخْرُ الآخِرَةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ قَالَ: وَكَانَتْ فَارِسُ الآخِرَةَ وَجُورُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، حَدَّثَنِي بذلك أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنِي من سمع إسحاق بْن عيسى، يذكر ذلك عن أبي معشر وحدثني عبد اللَّه بْن أحمد بْن شبويه المروزي، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبيد اللَّه، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كان عثمان بْن أبي العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم بْن أبي العاص في ألفين إلى توج، وكان كسرى قد فر عن المدائن، ولحق بجور من فارس.
قال: فحدثني زياد مولى الحكم بْن أبي العاص، عن الحكم بْن أبي العاص، قال: قصد إلي شهرك- قال عبيد: وكان كسرى أرسله- قال الحكم: فصعد إلي في الجنود فهبطوا من عقبه، عليهم الحديد، فخشيت
(4/176)

ان تعشوا أبصار الناس، فأمرت مناديا، فنادى أن من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه، ومن لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره، وناديت أن حطوا عن دوابكم فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة على الميسرة- يعني أبا المهلب- فحملوا على المسلمين فهزموهم، حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لي الجارود: أيها الأمير، ذهب الجند، فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدي، ومعي بعض ملوكهم- يقال له المكعبر، فارق كسرى ولحق بي- فأتيت برأس ضخم، فقال المكعبر: هذا رأس الأزدهاق- يعني شهرك- فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم- وملكهم أذربيان- فاستعان الحكم بأذربيان على قتال أهل إصطخر، ومات عمر رضي اللَّه عنه، فبعث عثمان عبيد اللَّه بْن معمر مكانه، فبلغ عبيد اللَّه أن أذربيان يريد أن يغدر بهم، فقال له: إني أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني، فإني أحب أن أتمشش العظام ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر الا بالفئوس، فكسره بيده، فيتمخخه- وكان من أشد الناس- فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ فأعطاه عهدا، فاصابت عبيد الله منجنيفه، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء اللَّه فاقتلوهم بي فيها ساعة ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا.
وكان عثمان بْن أبي العاص لحق الحكم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر:
أن بيني وبين الكوفة فرجة أخاف أن يأتيني العدو منها وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إن بيني وبين كذا فرجة فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمائة، فانزلهم البصره
(4/177)

ذكر فتح فسا ودارابجرد
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد ساريه بن زنيم، فسا ودارابجرد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء اللَّه ثم إنهم استمدوا، فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمون بصحراء، إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثم قام فقال:
يأيها الناس، إني رأيت هذين الجمعين- وأخبر بحالهما- ثم قال: يا سارية، الجبل، الجبل! ثم أقبل عليهم، وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم، ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم اللَّه لهم، وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ دِثَارِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بنى مازن، قال: كَانَ عُمَرُ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الدؤلى إِلَى فَسَا وَدَارَابَجِرْدَ، فَحَاصَرَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا فَأَصْحَرُوا لَهُ، وَكَثَرُوهُ فَأَتَوْهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقَالَ عُمَرُ وَهُوَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةَ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ، الْجَبَلَ! وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَإِلَى جَنْبِ الْمُسْلِمِينَ جَبَلٌ، إِنْ لَجَئُوا إِلَيْهِ لَمْ يُؤْتَوْا إِلا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَجَئُوا إِلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَصَابَ مَغَانِمَهُمْ، وَأَصَابَ فِي الْمَغَانِمِ سَفَطًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَاسْتَوْهَبَهُ الْمُسْلِمِينَ لِعُمَرَ، فَوَهَبُوهُ لَهُ،
(4/178)

فَبَعَثَ بِهِ مَعَ رَجُلٍ، وَبِالْفَتْحِ وَكَانَ الرُّسُلُ وَالْوَفْدُ يُجَازُونَ وَتُقْضَى لَهُمْ حَوَائِجُهُمْ، فَقَالَ لَهُ سَارِيَةُ: اسْتَقْرِضْ مَا تَبْلُغُ بِهِ وَمَا تُخْلِفُهَ لأَهْلِكَ عَلَى جَائِزَتِكَ فَقَدِمَ الرَّجُلُ الْبَصْرَةَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَوَجَدَهُ يُطْعِمُ النَّاسَ، وَمَعَهُ عَصَاهُ الَّتِي يَزْجَرُ بِهَا بَعِيرَهُ، فَقَصَدَ لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِهَا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ حَتَّى إِذَا أَكَلَ الْقَوْمُ انْصَرَفَ عُمَرُ، وَقَامَ فَأَتْبَعَهُ، فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يَشْبَعْ، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَابِ دَارِهِ: ادْخُلْ- وَقَدْ أَمَرَ الْخَبَّازَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْخُوَانِ إِلَى مَطْبَخِ الْمُسْلِمِينَ- فَلَمَّا جَلَسَ فِي الْبَيْتِ أُتِيَ بِغَدَائِهِ خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَمِلْحِ جَرِيشٍ، فَوُضِعَ وَقَالَ:
أَلا تَخْرُجِينَ يَا هَذِهِ فَتَأْكُلِينَ؟ قَالَتْ: إِنِّي لأَسْمَعُ حِسَّ رَجُلٍ، فَقَالَ: أَجَلْ، فَقَالَتْ: لَوْ أَرَدْتَ أَنْ أَبْرُزَ لِلرِّجَالِ اشْتَرَيْتَ لِي غَيْرَ هَذِهِ الْكِسْوَةِ، فَقَالَ:
أَوَمَا تَرْضِينَ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ وَامْرَأَةُ عُمَرَ! فَقَالَتْ: مَا أَقَلَّ غِنَاءَ ذَلِكَ عَنِّي! ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ادْنُ فَكُلْ، فَلَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً لَكَانَ أَطْيَبَ مِمَّا تَرَى، فَأَكَلا حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: رَسُولُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلا، ثُمَّ أَدْنَاهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ، فاخبره، ثم اخبره بقصة الدرج، فنظر إِلَيْهِ ثُمَّ صَاحَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا وَلا كَرَامَةَ حَتَّى تَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْجُنْدِ فَتُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ فَطَرَدَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ أَنْضَيْتُ إِبِلِي وَاسْتُقْرِضْتُ فِي جَائِزَتِي، فَأَعْطِنِي مَا أَتَبَلَّغُ بِهِ، فَمَا زَالَ عَنْهُ حَتَّى أَبْدَلَهُ بَعِيرًا بِبَعِيرِهِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَخَذَ بَعِيرَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ مَحْرُومًا حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَنَفَذَ لأَمْرِ عُمَرَ، وَقَدْ كَانَ سَأَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ سَارِيَةَ، وَعَنِ الْفَتْحِ وَهَلْ سَمِعُوا شَيْئًا يَوْمَ الْوَقْعَةِ؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، سَمِعْنَا: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ، وَقَدْ كِدْنَا نَهْلَكُ، فَلَجَأْنَا إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرٍو
(4/179)

ذكر فتح كرمان
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سهيل بْن عدي إلى كرمان، ولحقه عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بْن عدي النسير بْن عمرو العجلي، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس، فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضهم اللَّه، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه من مفازة شير، فأصابوا ما شاءوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر، فكتب إليهم: إن البعير العربي إنما قوم بتعيير اللحم، وذلك مثله، فإذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا فإنما هي من قيمه.
وأما المدائني، فإنه ذكر أن علي بْن مجاهد أخبره عن حنبل بْن أبي حريدة- وكان قاضي قهستان- عن مرزبان قهستان، قال: فتح كرمان عبد اللَّه بْن بديل بْن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بْن الخطاب، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان.

ذكر فتح سجستان
قالوا: وقصد عاصم بْن عمرو لسجستان، ولحقه عبد اللَّه بْن عمير، فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج، ومخروا أرض سجستان ما شاءوا ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين، فأعطوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم ان فدا فدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشية
(4/180)

أن يصيبوا منها شيئا، فيخفروا فتم أهل سجستان على الخراج والمسلمون على الإعطاء، فكانت سجستان أعظم من خراسان، وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله، فلم تزل أعظم البلدين، وأصعب الفرجين، وأكثرهما عددا وجندا، حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه- واسم أخي الشاه يومئذ رتبيل- إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بْن زياد، وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه قد فتح عليه فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم نكر غدر، فيضطرب الحبل غدا، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها وتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلب على آمل، وخاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رتبيل والذين جاءوا معه، فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم، وقد كانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية

فتح مكران
قالوا: وقصد الحكم بْن عمرو التغلبي لمكران، حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بْن المخارق بْن شهاب، فانضم إليه، وأمده سهيل بْن عدي، وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان بأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل مكران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند، فازدلف بهم مستقبل المسلمين.
فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، بعد ما كان
(4/181)

قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم اللَّه راسل وسلبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا إلى النهر ثم رجعوا فأقاموا بمكران.
وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدي، واستأمره في الفيلة، فقدم صحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مكران- وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه- فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها فقال: أسجاع أنت أم مخبر؟
قال: لا بل مخبر، قال: لا، والله لا يغزوها جيش لي ما أطعت، وكتب إلى الحكم بْن عمرو وإلى سهيل ألا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام، وقسم أثمانها على من أفاءها اللَّه عليه.
وقال الحكم بْن عمرو في ذلك:
لقد شبع الأرامل غير فخر ... بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مسغبة وجهد ... وقد صفر الشتاء من الدخان
فإني لا يذم الجيش فعلي ... ولا سيفي يذم ولا سناني
(4/182)

غداة أدفع الأوباش دفعا ... إلى السند العريضة والمداني
ومهران لنا فيما أردنا ... مطيع غير مسترخي العنان
فلولا ما نهى عنه أميري ... قطعناه إلى البدد الزواني

خبر بيروذ من الأهواز
قالوا: ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى ذمة البصرة، كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشي أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف، أو يخلفوا في أعقابهم، فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ، وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذي تجمعوا بها في رمضان، فالتقوا بين نهر تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد، ليكيدوا المسلمين، وليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا في واحده من اثنتين فقام المهاجرين زياد وقد تحنط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقم على كل صائم لما رجع فأفطر فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، ووهن اللَّه المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، وأقبل اخوه الربيع، فقال: هيئ يا والع الدنيا، واشتد جزعه عليه، فرق أبو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ إصبهان، فلقي بها جنود أهل الكوفة محاصري جي، ثم انصرف إلى البصرة، بعد
(4/183)

ظفر الجنود، وقد فتح اللَّه على الربيع بْن زياد أهل بيروذ من نهر تيرى، وأخذ ما كان معهم من السبي، فتنقى أبو موسى رجالا منهم ممن كان لهم فداء- وقد كان الفداء أرد على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم- ووفد الوفود والأخماس، فقام رجل من عنزة فاستوفده، فأبى، فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذر إلا في أمر خادمه، فضعفه فرده إلى عمله، وفجر الآخر، وتقدم إليه في ألا يعود لمثلها.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد، وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما رجع أبو موسى عن إصبهان بعد دخول الجنود الكور، وقد هزم الربيع اهل بيروذ، وجمع السبي والأموال، فغدا على ستين غلاما من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ووفد وفدا فجاءه رجل من عنزة، فقال: اكتبني في الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر: إن رجلا من عنزة يقال له ضبة بْن محصن، كان من أمره وقص قصته.
فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزي فأتى عمر فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال:
أما المرحب فمن اللَّه، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول له هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان في اليوم الرابع، دخل عليه، فقال: ماذا نقمت على أميرك؟ قال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغدى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خاتمان، وفوض الى زياد ابن أبي سفيان- وكان زياد يلي أمور البصرة- وأجاز الحطيئة بألف.
فكتب عمر كل ما قال
(4/184)

فبعث إلى أبي موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بْن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان، فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه قال: وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي، قال: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملي.
قال: وأجاز الحطيئه بألف، قال: سددت قمه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلت فرده عمر وقال: إذا قدمت فأرسل إلي زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال ألفان، قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها فرده، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة وقال عمر: ألا إن ضبة العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى النار وكان الحطيئة قد لقيه فأجازه في غزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلهم، ثم جازهم ووكل بهم الربيع، ثم
(4/185)

رجع إليهم بعد الفتح فولي القسم.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بْن المتشمس بن أخي الأحنف بْن قيس، قال: شهدت مع أبي موسى يوم إصبهان فتح القرى، وعليها عبد اللَّه بْن ورقاء الرياحي وعبد اللَّه بْن ورقاء الأسدي ثم إن أبا موسى صرف إلى الكوفة، واستعمل على البصرة عمر بْن سراقة المخزومي، بدوي.
ثم إن أبا موسى رد على البصرة، فمات عمر وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقا غير مجموع، وكان عمر ربما بعث إليه فأمد به بعض الجنود، فيكون مددا لبعض الجيوش

ذكر خبر سلمة بْن قيس الأشجعي والأكراد
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَابٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُحَجَّلِ الرُّدَيْنِيُّ، عَنْ مَخْلَدٍ الْبَكْرِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأَشْجَعِيَّ فَقَالَ: سِرْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ: ادْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَعَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لهم في فيء المسلمين نَصِيبٌ، وَإِنِ اخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِالْخَرَاجِ فَقَاتِلُوا عَدُوَّهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَفَرِّغُوهُمْ لِخَرَاجِهِمْ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، فَإِنْ
(4/186)

أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَحَصَّنُوا مِنْكُمْ فِي حِصْنٍ فَسَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، فَلا تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ! وَإِنْ سَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ فَلا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَأَعْطُوهُمْ ذِمَمَ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَلا تَغِلُّوا وَلا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا قَالَ سَلَمَةُ: فَسِرْنَا حَتَّى لَقِينَا عَدُوَّنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَدَعْوَنَاهُمْ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا، فَدَعْوَنَاهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا، فَقَاتَلْنَاهُمْ فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلْنَا الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَيْنَا الذُّرِّيَّةَ، وَجَمَعْنَا الرِّثَّةَ، فَرَأَى سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ شَيْئًا مِنْ حِلْيَةٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن نَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ لَهُ بُرْدًا وَمَئُونَةً؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَدْ طَابَتْ أَنْفُسُنَا قَالَ: فَجَعَلَ تِلْكَ الْحِلْيَةَ فِي سَفَطٍ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: ارْكَبْ بِهَا، فَإِذَا أَتَيْتَ الْبَصْرَةَ فَاشْتَرِ عَلَى جَوَائِزِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَاحِلَتَيْنِ، فَأَوْقِرْهُمَا زَادًا لَكَ وَلِغُلامِكَ، ثُمَّ سِرْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يُغَدِّي النَّاسَ مُتِّكَئًا عَلَى عَصًا كَمَا يَصْنَعُ الرَّاعِي وَهُوَ يَدُورُ عَلَى الْقِصَاعِ، يَقُولُ: يَا يَرْفَأْ، زِدْ هَؤُلاءِ لَحْمًا، زِدْ هَؤُلاءِ خُبْزًا، زِدْ هَؤُلاءِ مَرَقَةً، فَلَمَّا دَفَعْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ فِي أَدْنَى النَّاسِ، فَإِذَا طَعَامٌ فِيهِ خُشُونَةٌ طَعَامِي، الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ قِصَاعِهِمْ قَالَ: يَا يَرْفأُ، ارْفَعْ قِصَاعَكَ ثُمَّ أَدْبِرْ، فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَل دَارًا، ثُمَّ دَخَلَ حُجْرَةً، فَاسْتَأْذَنْتُ وَسَلَّمْتُ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى مَسْحٍ مُتَّكِئٍ عَلَى وِسَادَتَيْنِ مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّتَيْنِ لِيفًا، فَنَبَذَ إِلَيَّ بِإِحْدَاهُمَا، فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَهْوٌ فِي صُفَّةٍ فِيهَا بَيْتٌ عَلَيْهِ سَتِيرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، غَدَاءَنَا! فَأَخْرَجَتْ إِلَيْهِ خُبْزَةً بِزَيْتٍ فِي عَرَضِهَا مِلْحٌ لَمْ يُدَقَّ، فَقَالَ: يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، أَلا تَخْرُجِينَ إِلَيْنَا تَأْكُلِينَ مَعَنَا مِنْ هَذَا؟ قَالَتْ: إِنِّي أَسْمَعُ عِنْدَكَ حِسَّ رَجُلٍ،
(4/187)

قَالَ: نَعَمْ وَلا أَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ- قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْنِي- قَالَتْ: لَوْ أَرَدْتَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الرِّجَالِ لَكَسْوَتَنِي كَمَا كَسَا ابْنُ جَعْفَرٍ امْرَأَتَهُ، وَكَمَا كَسَا الزُّبَيْرُ امْرَأَتَهُ، وَكَمَا كَسَا طَلْحَةُ امْرَأَتَهُ! قال: او ما يَكْفِيكِ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَامْرَأَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ! فَقَالَ:
كُلْ، فَلَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً لأَطْعَمَتْكَ أَطْيَبَ مِنْ هَذَا قَالَ: فَأَكَلْتُ قَلِيلا- وَطَعَامِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ- وَأَكَلَ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ أَكْلا مِنْهُ مَا يَتَلَبَّسُ طَعَامُهُ بِيَدِهِ وَلا فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: اسْقُونَا، فَجَاءُوا بِعُسٍّ مِنْ سُلْتٍ فَقَالَ: أَعْطِ الرَّجُلَ، قَالَ: فَشَرِبْتُ قَلِيلا، سُوَيْقِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَشَرِبَهُ حَتَّى قَرَعَ الْقَدَحُ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا فَأَشْبَعَنَا، وَسَقَانَا فَأَرْوَانَا قَالَ: قُلْتُ: قَدْ أَكَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَشَبِعَ، وشرب فروى، حَاجَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا رَسُولُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: مَرْحَبًا بِسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ وَرَسُولِهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الْمُهَاجِرِينَ كَيْفَ هُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ وَالظَّفَرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ قَالَ: كَيْفَ أَسْعَارُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ:
أَرْخَصُ أَسْعَارٍ قَالَ: كَيْفَ اللَّحْمُ فِيهِمْ فَإِنَّهَا شَجَرَةُ الْعَرَبِ وَلا تَصْلُحُ الْعَرَبُ إِلا بِشَجَرَتِهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: الْبَقَرَةُ فِيهِمْ بِكَذَا، وَالشَّاةُ فِيهِمْ بِكَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سِرْنَا حَتَّى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أَمَرْتَنَا بِهِ مِنَ الإِسْلامِ فَأَبَوْا، فَدَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ فَأَبَوْا، فَقَاتَلْنَاهُمْ فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلْنَا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، فرأى سلمة فِي الرِّثَّةِ حِلْيَةً، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ هَذَا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَاسْتَخْرَجْتُ سَفَطِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْفُصُوصِ مِنْ بَيْنِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ، وَثَبَ ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا أَشْبَعَ اللَّهُ إِذًا بَطْنَ عُمَرُ! قَالَ: فَظَنَّ النِّسَاءُ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْتَالَهُ، فَجِئْنَ إِلَى السِّتْرِ، فَقَالَ: كُفَّ مَا جِئْتَ بِهِ، يَا يَرْفَأُ، جَأْ عُنُقَهُ قَالَ: فَأَنَا
(4/188)

أُصْلِحُ سَفَطِي وَهُوَ يَجَأُ عُنُقِي! قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أبدع بِي فَاحْمِلْنِي، قَالَ: يَا يرفا أعطه راحلتين مِنَ الصَّدَقَةِ، فَإِذَا لَقِيتَ أَفْقَرَ إِلَيْهِمَا مِنْكَ فَادْفَعْهُمَا إِلَيْهِ قُلْتُ: أَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ تُفَرَّقِ الْمُسْلِمُونَ فِي مَشَاتِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ هَذَا فِيهِمْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ وَبِصَاحِبَكَ الْفَاقِرَةَ.
قَالَ: فَارْتَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتَ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيمَا اخْتَصَصْتَنِي بِهِ، اقْسِمْ هَذَا فِي النَّاسِ قَبْلَ ان تصيبني وَإِيَّاكَ فَاقِرَةٌ، فَقَسَّمَهُ فِيهِمْ، وَالْفَصُّ يُبَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَأَمَّا السَّرِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ- فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ يَذْكُرُ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ- قال: لقيت رسول سلمه ابن قَيْسٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ: وَأَعْطُوهُمْ ذِمَمَ أَنْفُسِكُمْ قَالَ:
فَلَقِينَا عَدُوَّنَا مِنَ الأَكْرَادِ، فَدَعَوْنَاهُمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَجَمَعْنَا الرِّثَّةَ، فَوَجَدَ فِيهَا سَلَمَةُ حُقَّتَيْنِ جَوْهَرًا، فَجَعَلَهَا فِي سَفَطٍ.
وَقَالَ أيضا: او ما كَفَاكَ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ! قَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ عَنِّي لَقَلِيلُ الْغَنَاءِ، قَالَ: كُلْ.
وَقَالَ أَيْضًا: فَجَاءُوا بِعُسٍّ مِنْ سُلْتٍ، كُلَّمَا حَرَّكُوهُ فَارَ فَوْقَهُ مِمَّا فِيهِ، وَإِذَا تَرَكُوهُ سَكَنَ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبْتُ قَلِيلا، شَرَابِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَضَرَبَ بِهِ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَضَعِيفُ الأَكْلِ، ضَعِيفُ الشُّرْبِ.
وَقَالَ أَيْضًا: قُلْتُ: رَسُولُ سَلَمَةَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِسَلَمَةَ وَبِرَسُولِهِ، وَكَأَنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ صُلْبِهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الْمُهَاجِرِينَ
(4/189)

وَقَالَ أَيْضًا: ثُمَّ قَالَ: لا أَشْبَعَ اللَّهُ إِذًا بَطْنَ عُمَرُ! قَالَ: وَظَنَّ النِّسَاءُ أَنِّي قَدِ اغْتَلْتُهُ، فَكَشَفْنَ السِّتْرَ، وَقَالَ: يَا يَرْفَأُ، جَأْ عُنُقَهُ، فَوَجَأَ عُنُقِي وَأَنَا أَصِيحُ، وَقَالَ: النَّجَاءَ، وَأَظُنُّكَ سَتُبْطِئُ وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ لَئِنْ تُفَرَّقِ النَّاسُ إِلَى مَشَاتِيهِمْ وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ.
وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ دينار، عن منصور ابن الْمُعْتَمِرِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ الأَسْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الَّذِي جَرَى بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: نَدَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَشْجَعِيِّ بِالْحِيرَةِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ جَعْفَرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحَجَّ عُمَرُ بِأَزْوَاجِ رسول الله ص فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، عن الواقدى
. ذكر الخبر عن وفاه عمر
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاتُهُ.
ذكر الخبر عن مقتله:
حَدَّثَنِي سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن المسور بن مخرمة.
- وكانت أمه عاتكة بِنْتُ عَوْفٍ- قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا يَطُوفُ فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْنِي عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَإِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كَثِيرًا،
(4/190)

قَالَ: وَكَمْ خَرَاجُكَ؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: وَأَيْشِ صِنَاعَتُكَ؟
قَالَ: نَجَّارٌ، نَقَّاشٌ، حَدَّادٌ، قَالَ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ بِكَثِيرٍ عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تقول: لو اردت ان اعمل رحا تَطْحَنُ بِالرِّيحِ فَعَلْتُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ لي رحا، قال: لئن سلمت لاعملن لك رحا يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَقَدْ تَوَعَّدَنِيَ الْعَبْدُ آنِفًا! قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَهُ كَعْبُ الأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ:
أَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْرَاةِ، قَالَ عُمَرُ: آللَّهِ انك لتجد عمر ابن الْخَطَّابِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا، وَلَكِنِّي أَجِدُ صِفَتَكَ وَحِلْيَتَكَ، وَأَنَّهُ قَدْ فَنَى أَجَلُكَ- قَالَ: وَعُمَرُ لا يُحِسُّ وَجَعًا وَلا أَلَمًا- فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَهُ كَعْبٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَهَبَ يَوْمٌ وَبَقِيَ يَوْمَانِ، قَالَ:
ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ غَدِ الْغَدِ، فَقَالَ: ذَهَبَ يَوْمَانِ وَبَقِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهِيَ لَكَ إِلَى صَبِيحَتِهَا قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلاةِ، وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالا، فَإِذَا اسْتَوَتْ جَاءَ هُوَ فَكَبَّرَ قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ، فِي يَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَهِيَ الَّتِي قتلته، وقتل معه كليب ابن أَبِي الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ- وَكَانَ خَلْفَهُ- فَلَمَّا وَجَدَ عُمَرَ حُرَّ السِّلاحِ سَقَطَ، وَقَالَ: أَفِي النَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ ذَا، قَالَ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَصَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعُمَرُ طَرِيحٌ، ثُمَّ احْتُمِلَ فَأُدْخِلَ دَارَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ:
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَعَمْ، إِنْ أَشَرْتَ عَلَيَّ قَبِلْتُ مِنْكَ، قَالَ: وَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ لا، قَالَ: وَاللَّهِ لا أَدْخُلُ فِيهِ أَبَدًا، قَالَ: فَهَبْ لِي صَمْتًا
(4/191)

حتى اعهد الى النفر الذين توفى رسول الله ص وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ادْعُ لِي عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا قَالَ: وَانْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَةَ ثَلاثًا فَإِنْ جَاءَ وَإِلا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا سَعْدُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ اقْضُوا أَمْرَكُمْ، وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: قُمْ عَلَى بَابِهِمْ، فَلا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْعَرَبِ، فَإِنَّهَا مَادَّةُ الإِسْلامِ، أَنْ يُؤْخَذَ من صدقاتهم حقها فيوضع فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ رسول الله ص أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ! تَرَكْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي؟ فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَكَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ النبي ص وَأَبِي بَكْرٍ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، إِنِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فَكُنْ مَعَ الأَكْثَرِ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً وَثَلاثَةً فَاتْبَعِ الْحِزْبَ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ، قَالَ:
فَجَعَلَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أَعَنْ مَلإٍ مِنْكُمْ كَانَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: مَعَاذَ اللَّهِ! قَالَ: وَدَخَلَ فِي النَّاسِ كَعْبٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
فَأَوْعَدَنِي كَعْبٌ ثَلاثًا أُعِدُّهَا ... وَلا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ
(4/192)

وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حِذَارُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَعَوْتَ الطَّبِيبَ! قَالَ: فَدُعِيَ طَبِيبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَخَرَجَ النَّبِيذُ مُشْكَلا، قَالَ: فَاسْقُوهُ لبنا، قال: فخرج اللبن محضا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ، قَالَ: قَدْ فَرَغْتُ.
قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ.
قَالَ: فَخَرَجُوا بِهِ بُكْرَةَ يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، فَدُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ مَعَ النَّبِيِّ ص وَأَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَتَقَدَّمَ صُهَيْبٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ص: عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ وَاحِدٌ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، وَالآخَرُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، مَا أَحْرَصَكُمَا عَلَى الإِمْرَةِ! أَمَا عَلِمْتُمَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ:
لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ! فَتَقَدَّمَ صُهَيْبٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ: وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ الْخَمْسَةُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
ذِكْرُ من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن سعد، عن أبيه قال: طعن عمر رضى الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة، من متوفى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما من الهجرة وبويع لعثمان بْن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسي، فقال: ما أراك إلا وهلت، توفي
(4/193)

عمر رضي اللَّه تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بْن عفان لليلة بقيت من ذي الحجة، فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين.
وحدثني أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنَا محدث، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، ثم بويع عثمان بْن عفان.
قال أبو جعفر: وأما المدائني، فإنه قال فيما حَدَّثَنِي عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش- أو عن جابر الجعفي- عن عوف بْن مالك الأشجعي وعامر بْن أبي مُحَمَّد، عن أشياخ من قومه، وعثمان بْن عبد الرحمن، عن ابني شهاب الزهري، قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة.
قال: وقال غيرهم: لست بقين من ذي الحجة.
وأما سيف، فإنه قال فيما كَتَبَ إِلَيَّ به السَّرِيُّ يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْهُ، عَنِ خليد بن ذفره ومجالد، قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفد فاستن به.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان، لثلاث مضين من المحرم، وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مائة، ووفد أهل الأمصار، وصنع فيهم.
وهو أول من صنع ذلك.
وحدثت عن هشام بْن مُحَمَّد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام
(4/194)

ذِكْرُ نَسَبِ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إسحاق.
وحدثني الحارث، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، عن محمد بن عمر وهشام ابن مُحَمَّد وحدثني عمر، قال: حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد، قالوا جميعا في نسب عمر: هو عمر بْن الْخَطَّاب بْن نفيل بْن عبد العزى بْن رياح بْن عبد اللَّه بْن قرط بْن رزاح بْن عدي بْن كعب بْن لؤي وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بْن المغيرة بْن عبد اللَّه بْن عمر بن مخزوم
. تسميته بالفاروق
قال أبو جعفر: وكان يقال له الفاروق.
وقد اختلف السلف فيمن سماه بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله ص.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ذَكْوَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَنْ سَمَّى عمر الفاروق؟ قالت:
النبي ص.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ بِهَذَا الاسْمِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أخبرنا يعقوب بْن إبراهيم بْن سعد، عن أبيه، عن صالح بْن كيسان، قال: قال ابن شهاب:
بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون
(4/195)

يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ص ذكر من ذلك شيئا
. ذكر صفته
حَدَّثَنَا هناد بْن السري، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بْن أبي النجود، عن زر بْن حبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد- أو في جنازة زينب- آدم طوالا أصلع أعسر يسرا، يمشي كأنه راكب.
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ:
رَأَيْتُ عُمَرَ يَأْتِي الْعِيدَ ماشيا حافيا اعمر أَيْسَرَ مُتَلَبِّبًا بُرْدًا قَطَرِيًّا، مُشْرِفًا عَلَى النَّاسِ كَأَنَّهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، هاجروا وَلا تهجروا.
وحدثني الحارث، قال: حَدَّثَنَا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بكر، عن عاصم بن عُبَيْد اللَّهِ، عن عَبْد اللَّه بْن عامر بْن ربيعة، قال: رأيت عمر رجلا أبيض أمهق، تعلوه حمرة، طوالا أصلع.
وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَصِفُ عُمَرَ يَقُولُ: رَجُلٌ أَبْيَضُ، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، طُوَّالٌ، اشيب، اصلع.
وحدثني الحارث، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، وَيُرَجِّلُ رَأْسَهُ بالحناء
(4/196)

ذكر مولده ومبلغ عمره
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: وُلِدْتُ قَبْلَ الْفِجَارِ الأَعْظَمِ الآخَرِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاخْتَلَفُ السَّلَفُ فِي مَبْلَغِ سِنِي عُمَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
كَانَ يَوْمَ قُتِلَ ابْنَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ذكر بعض من قال ذلك:
حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قتيبة، عن جرير ابن حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدثنا نعيم ابن حَمَّادٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وحدثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة.
وقال آخرون: كان يوم توفي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.
ذكر من قال ذلك:
حدثت بذلك عن هشام بْن مُحَمَّد بْن الكلبي.
وقال آخرون توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة
(4/197)

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عن عامر، قال: مات عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال آخرون: توفي وهو ابن إحدى وستين سنة.
ذكر من قال ذلك:
حدثت بذلك، عن أبي سلمة التبوذكي، عن أبي هلال، عن قتادة.
وقال آخرون: توفي وهو ابن ستين سنة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا هشام بْن سعد، عن زيد بْن أسلم، عن أبيه، قال:
توفي عمر وهو ابن ستين سنة.
قال مُحَمَّد بْن عمر: وهذا أثبت الأقاويل عندنا، وذكر عن المدائني أنه قال: توفي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة

ذكر أسماء ولده ونسائه
حَدَّثَنِي ابو زيد عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ والحارث، عن مُحَمَّد بْن سعد، عن مُحَمَّد بْن عمر وحدثت عن هشام بْن مُحَمَّد- اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها- قالوا: تزوج عمر في الجاهلية زينب ابنة مظعون بْن حبيب بْن وهب بْن حذافة بْن جمح، فولدت له عبد اللَّه وعبد الرحمن الأكبر وحفصة.
وقال علي بْن مُحَمَّد: وتزوج مليكة ابنة جرول الخزاعي في الجاهلية، فولدت له عبيد اللَّه بْن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بْن حذيفة
(4/198)

وأما مُحَمَّد بْن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر وعبيد اللَّه الذي قتل يوم صفين مع معاوية، أمهما أم كلثوم بنت جرول بْن مالك بْن المسيب بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ ضُبَيْسِ بْنِ حرام بْن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو بْن خزاعة، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر.
قال علي بْن مُحَمَّد: وتزوج قريبة ابنة أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها أيضا في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بْن أبي بكر الصديق.
قالوا: وتزوج أم حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بن عبد الله ابن عمرو بْن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها قال المدائني:
وقد قيل: لم يطلقها.
وتزوج جميلة أخت عاصم بْن ثابت بْن أبي الأقلح- واسمه قيس بْن عصمة بْن مالك بْن ضبيعة بْن زيد بْن الأوس من الأنصار في الإسلام- فولدت له عاصما، فطلقها وتزوج أم كلثوم بنت علي بْن أبي طالب، وأمها فاطمه بنت رسول الله ص، وأصدقها- فيما قيل- أربعين ألفا، فولدت له زيدا ورقية.
وتزوج لهية، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن قال المدائني:
ولدت له عبد الرحمن الأصغر قال: ويقال كانت أم ولد قال الواقدي:
لهية هذه أم ولد وقال أيضا: ولدت له لهية عبد الرحمن الأوسط وقال:
عبد الرحمن الاصغر أمه أم ولد.
وكانت عنده فكيهة، وهي أم ولد وفي أقوالهم فولدت له زينب وقال الواقدي: هي أصغر ولد عمر.
وتزوج عاتكة ابنه زيد بْن عمرو بْن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله ابن أبي بكر، فلما مات عمر تزوجها الزبير بْن العوام.
قال المدائني: وخطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي
(4/199)

فيه، فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين! قالت: نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة إلى عمرو بْن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم، أفرغبت بي عنها، أم رغبت بها عني؟ قال: لا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوت بها! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك.
قال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها بسبب من رسول الله ص.
قال المدائني: وخطب أم أبان بنت عتبة بْن ربيعة، فكرهته، وقالت:
يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا، ويخرج عابسا
. ذكر وقت إسلامه
قال أبو جعفر: ذكر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، قَالَ: أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلا وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً
. ذكر بعض سيره
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارٍ، عَنْ
(4/200)

حصين المري، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مِثْلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يقوده، فاما انا فو رب الْكَعْبَةِ لأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِذَا كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ تَسَعُنِي وَتَعْجَزُ عَنِ النَّاسِ فو الله مَا تِلْكَ لِي بِمَنْزِلَةٍ حَتَّى أَكُونَ أُسْوَةً لِلنَّاسِ.
حَدَّثَنَا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا قَطَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لعثمان ابن عَفَّانَ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، حَتَّى أَتَى عَلَى حَظِيرَةِ الصَّدَقَةِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ شَدِيدِ السَّمُومِ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، قَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِرِدَاءٍ يَطْرُدُ الإِبِلَ يُدْخِلُهَا الْحَظِيرَةَ، حَظِيرَةَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ تُرَى هَذَا؟ قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الْقَوِيُّ الأَمِينُ.
حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ مُصْعَبٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ، وَقَامَ عَلِيٌّ راسه يمل عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ فِي الشَّمْسِ قَائِمٌ فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ، عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ، مُتَّزِرًا بِوَاحِدٍ، وَقَدْ لَفَّ عَلَى رَأْسِهِ آخَرَ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ- وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَعْتَ بِنْتِ شُعَيْبٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: [هَذَا الْقَوِيُّ الأَمِينُ!] حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ، وَأَمَّا هُمْ فَلا
(4/201)

يَصِلُونَ إِلَيَّ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ، فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا! حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو المغيرة عبد القدوس بْن الحجاج، قال: حَدَّثَنَا صفوان بْن عمرو، قال: حدثنى ابو المخارق زهير ابن سالم، أن كعب الأحبار، قال: نزلت على رجل يقال له مالك- وكان جارا لعمر بْن الخطاب- فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟
فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء.
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بِإِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْحِمَى، فَوَضَعْتُ جَهَازِي عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُصْدِرَهَا، قَالَ:
اعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، فَرَأَى مَتَاعِي عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا حَسْنَاءَ، فَقَالَ:
لا أُمَّ لَكَ! عَمِدْتَ إِلَى نَاقَةٍ تُغْنِي أَهْلَ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ! فَهَلا ابْنَ لَبُونٍ بَوَّالا، أَوْ نَاقَةً شَصُوصًا! حدثنى عمر بن اسماعيل بن مجالد الهمذاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي الزِّنْبَاعِ، عَنْ أَبِي الدِّهْقَانَةِ، قَالَ: قيل لعمر بن الخطاب: ان هاهنا رَجُلا مِنْ أَهْلِ الأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ، لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا! فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدِ اتَّخَذْتَ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ! حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَوْ أَنَّ جَمَلا هَلَكَ
(4/202)

ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ خَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهُ عَنْهُ آلَ الْخَطَّابِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ:
آلَ الخطاب يعنى نفسه، ما يعنى غيرها.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عدي، عن شعبة، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم، فأكرم من قبلك من وجوه الناس، وبحسب المسلم الضعيف من العدل، أن ينصف في الحكم وفي القسم.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنَّ بِبَعِيرِي نُقَبًا وَدَبَرًا فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ، مَا بِبَعِيرِكَ نُقَبٌ وَلا دَبَرٌ، قَالَ: فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ:
أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نُقَبٍ وَلا دَبَرْ
فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي! ثُمَّ دَعَا الأَعْرَابِيَّ فَحَمَلَهُ.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ رَجُلا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ قَرَابَةٌ، فَسَأَلَهُ فَزَبَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فُلانٌ سَأَلَكَ فَزَبَرْتَهُ وَأَخْرَجْتَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَأَلَنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ، فَمَا مَعْذِرَتِي إِنْ لَقِيتُهُ مَلِكًا خَائِنًا! فَلَوْلا سَأَلَنِي مِنْ مَالِي! قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلافٍ.
وَكَانَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ عَامِلا لَهُ عَلَى عَمَلٍ يَقُولُ- مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حدثنا شعبه، عن يحيى بن حضين، سَمِعَ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ فِي عُمَّالِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْهُمْ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَهُمْ، مَنْ ظَلَمَهُ أَمِيرُهُ فَلا إِمْرَةَ عَلَيْهِ دُونِي.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن شعبة، عن
(4/203)

قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ أَنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وسنه نبيهم، وان يقسموا فيهم فيئهم، وَأَنْ يَعْدِلُوا، فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ رَفَعُوهُ إِلَيَّ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ خَرَجَ مَعَهُمْ يُشَيِّعُهُمْ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْكُمْ عَلَى أمه محمد ص عَلَى أَشْعَارِهِمْ، وَلا عَلَى أَبْشَارِهِمْ، إِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكُمْ عَلَيْهِمْ لِتُقِيمُوا بِهِمُ الصَّلاةَ، وَتَقْضُوا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَتَقْسِمُوا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَإِنِّي لَمْ أُسَلِّطْكُمْ عَلَى أَبْشَارِهِمْ وَلا عَلَى أَشْعَارِهِمْ، وَلا تَجْلِدُوا الْعَرَبَ فَتُذِلُّوهَا، وَلا تَجْمُرُوهَا فَتَفْتِنُوهَا، وَلا تَغْفَلُوا عَنْهَا فَتَحْرِمُوهَا، جَرِّدُوا الْقُرْآنَ، وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ص، وانا شريككم وكان يقتص مِنْ عُمَّالِهِ، وَإِذَا شُكِيَ إِلَيْهِ عَامِلٌ لَهُ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ شَكَاهُ، فَإِنْ صَحَّ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَجِبُ أَخْذُهُ بِهِ أَخَذَهُ بِهِ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، قَالَ: خَطَبَ عمر ابن الخطاب، فقال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَلَكِنِّي أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شيء سوى ذلك فليرفعه الى، فو الذى نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتُكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، إِنَّكَ لَتُقِصَّهُ مِنْهُ! قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذًا لأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لا أُقِصَّهُ مِنْهُ وَقَدْ رايت رسول الله ص يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ! أَلا لا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَجْمُرُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فتكفروهم، وَلا تَنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ
(4/204)

وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ- يَعُسُّ بِنَفْسِهِ، وَيَرْتَادُ مَنَازِلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمْ بِيَدَيْهِ.
ذِكْرُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ عَنْهُ بِذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَضَرَبَهُ، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: لا تَدْخُلْ حَتَّى أَدْخُلَ الْبَيْتَ وَأَجْلِسَ مَجْلِسِي، فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى جَلَسَتْ، ثُمَّ قَالَتِ:
ادْخُلْ، فَدَخَلَ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأَتَتْهُ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لَهُ: تَجَوَّزْ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ، فَانْطَلَقَا فَأَتَيَا السُّوقَ، فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ! فَانْطَلَقَا، فَإِذَا هُمْ قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ:
يَا فُلانُ، كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ؟ قَالَ: وَمَا عِلْمُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: شيء شهدته، فقال: او لم يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ! قَالَ:
فَتَجَاوَزَ عَنْهُ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ، لأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ فَيَحْتَرِقُ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ سَقْفُ الْبَيْتِ مِنَ الْجَرِيدِ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ، إِذَا نَارٌ تُؤَرَّثُ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، إِنِّي أَرَى هَؤُلاءِ رُكْبًا قَصُرَ بِهِمُ اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ، انْطَلِقْ بِنَا، فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مَعَهَا
(4/205)

صِبْيَانٌ لَهَا، وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى النَّارِ، وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ، فَقَالَ عُمَرُ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ- وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَصْحَابَ النَّارِ- قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ، قَالَ: أَأَدْنُو؟ قَالَتِ: ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ، فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالَتْ: قَصُرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ، قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ؟ قَالَتِ: الْجُوعُ، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ؟ قَالَتْ:
مَاءٌ أُسْكِتُهُمْ بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ! قَالَ: أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ، مَا يُدْرِي عُمَرَ بِكُمْ! قَالَتْ: يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفَلُ عَنَّا! فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ:
انْطَلِقْ بِنَا، فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ، حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ، فَأَخْرَجَ عِدْلا فِيهِ كبه شحم، فقال: احمله على، فقلت: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، قَالَ: احْمِلْهُ عَلَيَّ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ أَقُولُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، فَقَالَ لِي فِي آخِرِ ذَلِكَ: أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا أُمَّ لَكَ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا، وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: ذُرِّي عَلَيَّ، وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ- وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ- فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خِلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ وَأَدِمَ الْقِدْرُ ثُمَّ أَنْزَلَهَا، وَقَالَ: ابْغِنِي شَيْئًا، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: أَطْعِمِيهِمْ، وَأَنَا أَسْطَحُ لَكِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا! أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَيَقُولُ:
قُولِي خَيْرًا، إِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً عَنْهَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ مَرْبَضَ السَّبُعِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ:
إِنَّ لَكَ شَأْنًا غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ لا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَيْتُ الصِّبْيَةَ يَصْطَرِعُونَ وَيَضْحَكُونَ ثُمَّ نَامُوا وَهَدَءُوا، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، إِنَّ الْجُوعَ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَلا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ.
وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ أَوْ يَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ صَلاحُهُمْ بَدَأَ بِأَهْلِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْوَعْظِ لَهُمْ، وَالْوَعِيدِ عَلَى خِلافِهِمْ أَمْرَهُ
(4/206)

كَالَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَنَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ- يَعْنِي إِلَى اللَّحْمِ- وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إِلا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ، وَفِي حَقِّ اللَّهِ صَلِيبًا حَتَّى يَسْتَخْرِجَهُ، وَلَيِّنًا سَهْلا فِيمَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَبِالضَّعِيفِ رَحِيمًا رَءُوفًا حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سعيد الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَلَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالُوا: كَلِّمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْشَانَا حَتَّى وَاللَّهِ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُدِيمَ إِلَيْهِ أَبْصَارَنَا.
قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِعُمَرَ، فَقَالَ: اوقد قالوا ذلك! فو الله لَقَدْ لِنْتُ لَهُمْ حَتَّى تَخَوَّفْتُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَلَقَدِ اشْتَدَدْتُ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَشِيتُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَايْمُ اللَّهِ لأَنَا أَشَدُّ مِنْهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ مِنِّي! وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ:
اسْتَعْمَلَ عُمَرُ رَجُلا عَلَى مِصْرٍ، فَبَيْنَا عُمَرُ يَوْمًا مَارٌّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِذْ سَمِعَ رَجُلا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهَ يَا عُمَرُ! تَسْتَعْمِلُ مَنْ يَخُونُ وَتَقُولُ: لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَعَامِلُكَ يَفْعَلُ كَذَا! قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ أَعْطَاهُ عَصًا وَجُبَّةَ صُوفٍ وَغَنَمًا، فَقَالَ: ارْعَهَا- وَاسْمُهُ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ- فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ رَاعِيًا، قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُ، فَذَكَرَ كَلامًا، فَقَالَ: إِنْ أَنَا رَدَدْتُكَ! فَرُدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ، وَقَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلا تَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلا تَرْكَبَ بِرْذَوْنًا! حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ المهاجرين والانصار،
(4/207)

وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَلا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلا يَأْكُلَ نَقِيًّا، وَلا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلا يَتَّخِذَ بَابًا دُونَ حَاجَاتِ النَّاسِ.
وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَلامِ بْنِ مِسْكِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ، فَاسْتَقْرَضَهُ، قَالَ: فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيَهُ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ فَيَلْزَمُهُ، فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ.
وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ يَوْمًا حَتَّى أَتَى الْمِنْبَرَ، وَقَدْ كَانَ اشْتَكَى شَكْوَى لَهُ، فَنُعِتَ لَهُ الْعَسَلُ، وَفِي بَيْتِ الْمَالِ عُكَّةٌ، فَقَالَ: إِنْ أَذِنْتُمْ لِي فِيهَا أَخَذْتُهَا، وَإِلا فَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ
. تَسْمِيَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَاسْتَعْمَلَهُ الْخُلَفَاءُ إِلَى الْيَوْمِ.
ذِكْرُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عبد الصمد الأنصاري، قال: حدثنى أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ حَسَّانٍ الْكُوفِيَّةُ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قِيلَ: يَا خَلِيفَةَ خليفه رسول الله، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ، كُلَّمَا جَاءَ خَلِيفَةٌ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ خليفه خليفه رسول الله! بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ: سَأَلْتُهَا كَمْ أَتَى عَلَيْكِ مِنَ السَّنِينَ؟ قَالَتْ:
مِائَةٌ وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(4/208)

أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ، قَالَ: خَالَفَ اللَّهُ بِكَ! فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ! قال: إذا يهينك اللَّهُ!

وضعه التأريخ
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَكَانَ أول من وضع التأريخ وكتبه- فِيمَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، عن محمد بن عمر- في سنة ست عشرة في شهر ربيع الأول منها، وَقَدْ مضى ذكري سبب كتابه ذلك، وكيف كان الأمر فِيهِ.
وعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أول من أرخ الكتب، وختم بالطين.
وهو أول من جمع الناس عَلَى إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بِذَلِكَ إلى البلدان، وأمرهم به، وَذَلِكَ- فيما حَدَّثَنِي به الحارث، قَالَ:
حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنة أربع عشرة، وجعل لِلنَّاسِ قارئين: قارئا يصلي بالرجال وقارئا يصلي بالنساء

حمله الدرة وتدوينه الدواوين
وهو أول من حمل الدرة، وضرب بِهَا، وهو أول من دون لِلنَّاسِ في الإِسْلام الدواوين، وكتب الناس عَلَى قبائلهم، وفرض لَهُمُ العطاء.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ نُقَيْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: تَقْسِمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ مِنْ مَالٍ، فَلا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَرَى مَالا كَثِيرًا يَسَعُ النَّاسَ، وَإِنْ لَمْ يُحْصَوْا حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ، خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الأَمْرُ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جِئْتُ الشَّامَ، فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا، وَجَنَّدُوا جُنْدًا، فَدَوِّنْ دِيوَانًا، وَجَنِّدْ جُنْدًا فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ، فَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ
(4/209)

وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وَكَانُوا مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ- فَقَالَ: اكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَكَتَبُوا فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ، ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ عَلَى الْخِلافَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ عُمَرُ قَالَ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ هَكَذَا، ولكن ابدءوا بقرابه رسول الله ص، الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ، حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَبَنُو تَيْمٍ عَلَى أَثَرِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنُو عَدِيٍّ عَلَى أَثَرِ بَنِي تَيْمٍ، فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ:
ضَعُوا عُمَرَ مَوْضِعَهُ، وَابْدَءُوا بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَجَاءَتْ بَنُو عَدِيٍّ إِلَى عُمَرَ، فَقَالُوا: أَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: أَوْ خَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ الله، قَالُوا: وَذَاكَ، فَلَوْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ حَيْثُ جَعَلَكَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ! قَالَ: بَخٍ بَخٍ بَنِي عَدِيٍّ! أَرَدْتُمُ الأَكْلَ عَلَى ظَهْرِي، وَأَنْ أُذْهِبَ حَسَنَاتِي لَكُمْ! لا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَكُمُ الدَّعْوَةُ، وَأَنْ أُطْبِقَ عَلَيْكُمُ الدَّفْتَرَ وَلَوْ أَنْ تُكْتَبُوا فِي آخِرِ النَّاسِ، إِنَّ لِي صَاحِبَيْنِ سَلَكَا طَرِيقًا، فَإِنْ خَالَفْتُهُمَا خُولِفَ بِي، وَاللَّهِ مَا أَدْرَكْنَا الْفَضْلَ فِي الدُّنْيَا، وَلا نَرْجُو مَا نَرْجُو مِنَ الآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَى مَا عملنا الا بمحمد ص، فَهُوَ شَرَفُنَا، وَقَوْمُهُ أَشْرَفُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الأَقْرَبُ فالأقرب، ان العرب شرفت برسول الله، وَلَعَلَّ بَعْضُهَا يَلْقَاهُ إِلَى آبَاءٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَنْ نَلْقَاهُ إِلَى نَسَبِهِ ثُمَّ لا نُفَارِقُهُ إِلَى آدَمَ إِلا آبَاءً يَسِيرَةً، مَعَ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَتِ الأَعَاجِمُ بِالأَعْمَالِ، وَجِئْنَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَهُمْ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا يَنْظُرُ رَجُلٌ إِلَى قَرَابَةٍ، وَلْيَعْمَلْ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ قَصَّرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِزَامُ بْنُ هِشَامٍ الْكَعْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَحْمِلُ دِيوَانَ خُزَاعَةَ حَتَّى يَنْزِلَ قَدِيدًا،
(4/210)