Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 011



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَلا أجد من الانصراف بدا فأذن لي، فأذن لَهُ فانطلق حَتَّى لحق بالحجاز، فأتى أهل الْمَدِينَة، فكان فيمن يحرض الناس عَلَى يَزِيد، وَكَانَ من قوله يَوْمَئِذٍ: إن يَزِيد وَاللَّهِ لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني مَا صنع إلي أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، وَاللَّهِ إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حَتَّى يدع الصَّلاة، وعابه بمثل مَا عابه بِهِ أَصْحَابه الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وأشد، فكان سَعِيد بن عَمْرو يحدث بالكوفة أن يَزِيد بن مُعَاوِيَة بلغه قوله فِيهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إني آثرته وأكرمته، ففعل مَا قَدْ رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي سَعِيد بن زَيْد أَبُو المثلم أن يَزِيد بن مُعَاوِيَة بعث النُّعْمَان بن بشير الأنصاري فقال له: ائت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا فِي هَذَا الأمر لم يجترئ الناس عَلَى خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض فِي هَذِهِ الْفِتْنَة فيهلك فأقبل النُّعْمَان بن بشير فأتى قومه، ودعا الناس إِلَيْهِ عامة، وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوفهم الْفِتْنَة، وَقَالَ لَهُمْ: إنه لا طاقة لكم بأهل الشام، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن مطيع العدوي: مَا يحملك يَا نعمان عَلَى تفريق جماعتنا، وفساد مَا أصلح اللَّه من أمرنا! فَقَالَ النُّعْمَان: أما وَاللَّهِ لكأني بك لو قَدْ نزلت تِلَكَ الَّتِي تدعو إِلَيْهَا، وقامت الرجال عَلَى الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قَدْ هربت عَلَى بغلتك تضرب جنبيها إِلَى مكة، وَقَدْ خلفت هَؤُلاءِ المساكين- يعني الأنصار- يقتلون فِي سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم! فعصاه الناس، فانصرف وَكَانَ وَاللَّهِ كما قَالَ.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْوَلِيد بن عتبة وكانت العمال فِي هَذِهِ السنة عَلَى العراق وخراسان العمال الَّذِينَ ذكرت فِي سنة إحدى وستين.
وفي هَذِهِ السنة ولد- فِيمَا ذكر- مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس
(5/481)

ثُمَّ دخلت

سنة ثلاث وستين
(ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمن ذَلِكَ مَا كَانَ من إخراج أهل الْمَدِينَة عامل يَزِيد بن مُعَاوِيَة عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وإظهارهم خلع يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وحصارهم من كَانَ بِهَا من بني أُمَيَّة، ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، أن أهل الْمَدِينَة لما بايعوا عَبْد اللَّهِ بن حنظلة الغسيل عَلَى خلع يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وثبوا على عثمان ابن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ومن بِالْمَدِينَةِ من بنى اميه ومواليهم ومن رَأَى رأيهم من قريش، فكانوا نحوا من الف رجل، فخرجوا بجماعتهم حَتَّى نزلوا دار مَرْوَان بن الحكم، فحاصرهم الناس فِيهَا حصارا ضعيفا قَالَ: فدعت بنو أُمَيَّة حبيب بن كرة، وَكَانَ الَّذِي بعث إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَرْوَان بن الحكم وعمرو ابن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، وَكَانَ مَرْوَان هُوَ يدبر أمرهم فأما عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فإنما كَانَ غلاما حدثا لَمْ يَكُنْ لَهُ رأي قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: فَحَدَّثَنِي حبيب بن كرة، قَالَ: كنت مع مَرْوَان، فكتب معي هُوَ وجماعة من بني أُمَيَّة كتابا إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فأخذ الكتاب عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان حَتَّى خرج معي إِلَى ثنية الوداع، فدفع إلي الكتاب وَقَالَ: قَدْ أجلتك اثنتي عشرة ليلة ذاهبا واثنتي عشرة ليلة مقبلا، فوافني لأربع وعشرين ليلة فِي هَذَا المكان تجدني إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الساعة جالسا أنتظرك وَكَانَ الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه قَدْ حصرنا فِي دار مَرْوَان بن الحكم، ومنعنا العذب، ورمينا بالجبوب، فيا غوثاه يَا غوثاه! قَالَ: فأخذت الكتاب ومضيت بِهِ حَتَّى قدمت عَلَى يَزِيد وَهُوَ جالس عَلَى كرسي، واضع قدميه فِي ماء طست من وجع كَانَ يجده فيهما- ويقال: كَانَ بِهِ النقرس- فقرأه ثُمَّ قَالَ فِيمَا بلغنا متمثلا:
(5/482)

لقد بدلوا الحلم الَّذِي من سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان
ثُمَّ قَالَ: أما يكون بنو أُمَيَّة ومواليهم ألف رجل بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ:
قلت: بلى، وَاللَّهِ وأكثر، قَالَ: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! قَالَ: فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أجمع الناس كلهم عَلَيْهِم، فلم يكن لَهُمْ بجمع الناس طاقة، قَالَ: فبعث إِلَى عَمْرو بن سَعِيد فأقرأه الكتاب، وأخبره الخبر، وأمره أن يسير إِلَيْهِم فِي الناس، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كنت ضبطت لك البلاد، وأحكمت لك الأمور، فأما الآن إذ صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذَلِكَ، يتولاها مِنْهُمْ من هُوَ أبعد مِنْهُمْ مني قَالَ: فبعثني بِذَلِكَ الكتاب إِلَى مسلم بن عُقْبَةَ المري- وَهُوَ شيخ كبير ضعيف مريض- فدفعت إِلَيْهِ الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرته، فَقَالَ لي مثل مقالة يَزِيد: أما يكون بنو أُمَيَّة ومواليهم وأنصارهم بِالْمَدِينَةِ ألف رجل! قَالَ: قلت: بلى يكونون، قَالَ: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! ليس هَؤُلاءِ بأهل أن ينصروا حَتَّى يجهدوا أنفسهم فِي جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى دخل عَلَى يَزِيد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تنصر هَؤُلاءِ فإنهم الأذلاء، أما استطاعوا أن يقاتلوا يَوْمًا واحدا أو شطره أو ساعة مِنْهُ! دعهم يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يجهدوا أنفسهم فِي جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ويستبين لك من يقاتل مِنْهُمْ عَلَى طاعتك، ويصبر عَلَيْهَا أو يستسلم، قَالَ: ويحك! إنه لا خير فِي العيش بعدهم، فاخرج فأنبئني نبأك، وسر بِالنَّاسِ، فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إِلَى الحجاز عَلَى أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع فِي يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل حَدَّثَنَا ابن حميد قَالَ: حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة، قَالَ: كتب يَزِيد إِلَى ابن مرجانة: أن اغز ابن الزُّبَيْر، فَقَالَ: لا أجمعهما للفاسق أبدا،
(5/483)

اقتل ابن بنت رسول الله ص، وأغزو البيت! قَالَ: وكانت مرجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين ع: ويلك! ماذا صنعت! وماذا ركبت! رجع الحديث إِلَى حديث حبيب بن كرة قَالَ: فأقبلت حَتَّى أوافي عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان فِي ذَلِكَ المكان فِي تِلَكَ الساعة أو بعيدها شَيْئًا.
قَالَ: فوجدته جالسا متقنعا تحت شجرة، فأخبرته بِالَّذِي كَانَ، فسر بِهِ، فانطلقنا حَتَّى دخلنا دار مَرْوَان عَلَى جماعة بني أُمَيَّة، فنبأتهم بِالَّذِي قدمت بِهِ، فحمدوا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: حَدَّثَنِي حبيب، أنه بلغه فِي عشرة قَالَ: فلم أبرح حَتَّى رأيت يَزِيد بن مُعَاوِيَة خرج إِلَى الخيل يتصفحها وينظر إِلَيْهَا، قَالَ: فسمعته وَهُوَ يقول وَهُوَ متقلد سيفا، متنكب قوسا عربية:
أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى ... وهبط القوم عَلَى وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل وفتى ... أجمع سكران من القوم ترى!
أم جمع يقظان نفي عنه الكرى! ... يَا عجبا من ملحد يَا عجبا!
مخادع فِي الدين يقفو بالعرى
قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: وفصل ذَلِكَ الجيش من عِنْدَ يَزِيد وعليهم مسلم بن عُقْبَةَ، وَقَالَ لَهُ: إن حدث بك حدث فاستخلف عَلَى الجيش حصين بن نمير السكوني، وَقَالَ لَهُ: ادع القوم ثلاثا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا اظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما فِيهَا من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وأنظر عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فاكفف عنه،، واستوص بِهِ خيرا،
(5/484)

وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل فِي شَيْءٍ مما دخلوا فِيهِ، وَقَدْ أتاني كتابه وعلي لا يعلم بشيء مما أوصى بِهِ يَزِيد بن مُعَاوِيَة مسلم بن عُقْبَةَ، وَقَدْ كَانَ عَلِيّ بن الْحُسَيْن لما خرج بنو أُمَيَّة نحو الشام أوى إِلَيْهِ ثقل مَرْوَان بن الحكم، وامرأته عَائِشَة بنت عُثْمَان بن عَفَّانَ، وَهِيَ أم أبان بن مَرْوَان.
وَقَدْ حدثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عُمَرَ، قَالَ: لما أخرج أهل الْمَدِينَة عُثْمَان بن مُحَمَّد مِنَ الْمَدِينَةِ، كلم مَرْوَان بن الحكم ابن عُمَرَ أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم عَلِيّ بن الْحُسَيْن، وَقَالَ:
يَا أَبَا الْحَسَن، إن لي رحما، وحرمي تكون مع حرمك، فَقَالَ: افعل، فبعث بحرمه إِلَى عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فخرج بحرمه وحرم مَرْوَان حَتَّى وضعهم بينبع، وَكَانَ مَرْوَان شاكرا لعلي بن الْحُسَيْن، مع صداقة كَانَتْ بينهما قديمة.
رجع الحديث إِلَى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل، قال:
وأقبل مسلم بن عُقْبَةَ بالجيش حَتَّى إذا بلغ أهل الْمَدِينَة إقباله وثبوا عَلَى من معهم من بني أُمَيَّة، فحصروهم فِي دار مَرْوَان، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نكف عنكم حَتَّى نستنزلكم ونضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد اللَّه وميثاقه لا تبغونا غائلة، وَلا تدلوا لنا عَلَى عورة، وَلا تظاهروا علينا عدوا، فنكف عنكم ونخرجكم عنا، فأعطوهم عهد اللَّه وميثاقه لا نبغيكم غائلة، وَلا ندل لكم عَلَى عورة، فأخرجوهم مِنَ الْمَدِينَةِ، فخرجت بنو أُمَيَّة بأثقالهم حَتَّى لقوا مسلم بن عُقْبَةَ بوادي القرى، وخرجت عَائِشَة بنت عُثْمَان بن عَفَّانَ إِلَى الطائف، فتمر بعلي بن حُسَيْن وَهُوَ بمال لَهُ إِلَى جنب الْمَدِينَة قَدِ اعتزلها كراهية أن يشهد شَيْئًا من أمرهم، فَقَالَ لها: احملي ابني عَبْد اللَّهِ معك إِلَى الطائف، فحملته إِلَى الطائف حَتَّى نقضت أمور أهل الْمَدِينَة.
ولما قدمت بنو أُمَيَّة عَلَى مسلم بن عُقْبَةَ بوادي القرى دعا بعمرو بن
(5/485)

عُثْمَانَ بن عَفَّانَ أول الناس فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي خبر مَا وراءك، وأشر علي، قَالَ: لا أستطيع أن أخبرك، أخذ علينا العهود والمواثيق أَلا ندل عَلَى عورة، وَلا نظاهر عدوا، فانتهره ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لولا أنك ابن عُثْمَان لضربت عنقك، وايم اللَّه لا أقيلها قرشيا بعدك فخرج بِمَا لقي من عنده إِلَى أَصْحَابه، فَقَالَ مَرْوَان بن الحكم لابنه عَبْد الْمَلِكِ: ادخل قبلي لعله يجتزئ بك عني، فدخل عَلَيْهِ عَبْد الْمَلِكِ، فَقَالَ: هات مَا عندك، أَخْبِرْنِي خبر الناس، وكيف ترى؟ فَقَالَ لَهُ: نعم أَرَى أن تسير بمن معك، فتنكب هَذَا الطريق إِلَى الْمَدِينَة، حَتَّى إذا انتهيت إِلَى أدنى نخل بِهَا نزلت، فاستظل الناس فِي ظله، وأكلوا من صقره، حَتَّى إذا كَانَ الليل أذكيت الحرس الليل كله عقبا بين أهل العسكر، حَتَّى إذا أصبحت صليت بِالنَّاسِ الغداة، ثُمَّ مضيت بهم وتركت الْمَدِينَة ذات اليسار، ثُمَّ أدرت بِالْمَدِينَةِ حَتَّى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا، ثُمَّ تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وَقَدْ أشرقت عَلَيْهِم وطلعت الشمس طلعت بين أكتاف أَصْحَابك، فلا تؤذيهم، وتقع فِي وجوههم فيؤذيهم حرها، ويصيبهم أذاها، ويرون مَا دمتم مشرقين من ائتلاق بيضكم وحرابكم، وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم وسواعدكم مَا لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم مَا داموا مغربين، ثُمَّ قاتلهم واستعن بِاللَّهِ عَلَيْهِم، فإن اللَّه ناصرك، إذ خالفوا الإمام، وخرجوا من الجماعة فَقَالَ لَهُ مسلم: لِلَّهِ أبوك! أي امرئ ولد إذ ولدك! لقد رَأَى بك خلفا ثُمَّ إن مَرْوَان دخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إيه! قَالَ: أليس قَدْ دخل عَلَيْك عَبْد الْمَلِكِ! قَالَ: بلى، وأي رجل عَبْد الْمَلِكِ! قلما كلمت من رجال قريش رجلا بِهِ شبيها، فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني، قَالَ: أجل، ثُمَّ ارتحل من مكانه ذَلِكَ، وارتحل الناس مَعَهُ حَتَّى نزل المنزل الَّذِي أمره بِهِ عَبْد الْمَلِكِ، فصنع فِيهِ مَا أمره بِهِ، ثُمَّ مضى فِي الحرة حَتَّى نزلها، فأتاهم من قبل المشرق ثُمَّ دعاهم مسلم بن عُقْبَةَ، فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة، إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ
(5/486)

يَزِيد بن مُعَاوِيَة يزعم أنكم الأصل، وأني أكره هراقة دمائكم، وأني أؤجلكم ثلاثا، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا مِنْهُ، وانصرفت عنكم، وسرت إِلَى هَذَا الملحد الَّذِي بمكة، وإن أبيتم كنا قَدْ أعذرنا إليكم- وَذَلِكَ فِي ذي الحجة من سنة أربع وستين، هكذا وجدته فِي كتابي، وَهُوَ خطأ، لأن يَزِيد هلك فِي شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت وقعة الحرة فِي ذي الحجة من سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لليلتين بقيتا مِنْهُ ولما مضت الأيام الثلاثة قَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة، قَدْ مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فَقَالُوا: بل نحارب، فَقَالَ لَهُمْ:
لا تفعلوا، بل ادخلوا فِي الطاعة، ونجعل حدنا وشوكتنا عَلَى هَذَا الملحد الَّذِي قَدْ جمع إِلَيْهِ المراق والفساق من كل أوب فَقَالُوا لَهُمْ: يَا أعداء اللَّه، وَاللَّهِ لو أردتم أن تجوزوا إِلَيْهِم مَا تركناكم حَتَّى نقاتلكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت اللَّه الحرام، وتخيفوا أهله، وتلحدوا فِيهِ، وتستحلوا حرمته! لا وَاللَّهِ لا نفعل.
وَقَدْ كَانَ أهل الْمَدِينَة اتخذوا خندقا فِي جانب الْمَدِينَة، ونزله جمع مِنْهُمْ عظيم، وَكَانَ عَلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن زهير بن عبد عوف ابن عم عبد الرحمن ابن عوف الزُّهْرِيّ، وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بن مطيع عَلَى ربع آخر فِي جانب الْمَدِينَة، وَكَانَ معقل بن سنان الأشجعي عَلَى ربع آخر فِي جانب الْمَدِينَة، وَكَانَ أَمِير جماعتهم عَبْد اللَّهِ بن حنظلة الغسيل الأَنْصَارِيّ، فِي أعظم تِلَكَ الأرباع وأكثرها عددا.
قَالَ هِشَام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي، فذكر أن عَبْد اللَّهِ بن مطيع كَانَ عَلَى قريش من أهل الْمَدِينَة، وعبد اللَّه بن حنظلة الغسيل عَلَى الأنصار، ومعقل بن سنان عَلَى الْمُهَاجِرِينَ.
قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف: قَالَ عَبْد الملك بن نوفل: وصمد مسلم ابن عُقْبَةَ بجميع من مَعَهُ، فأقبل من قبل الحرة حَتَّى ضرب فسطاطه عَلَى
(5/487)

طريق الْكُوفَة، ثُمَّ وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل عَلَى الخيل فِي الرجال الَّذِينَ مَعَهُ حَتَّى كشف الخيل، حَتَّى انتهوا إِلَى مسلم بن عُقْبَةَ، فنهض فِي وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فانصرفوا فقاتلوا قتالا شديدا.
ثُمَّ إن الفضل بْن عباس بْن رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عبد المطلب جَاءَ الى عبد الله ابن حنظلة الغسيل فقاتل فِي نحو من عشرين فارسا قتالا شديدا حسنا، ثُمَّ قَالَ لعبد اللَّه: مر من معك فارسا فليأتني فليقف معى، فإذا حملت فليحملوا، فو الله لا أنتهي حَتَّى أبلغ مسلما، فإما أن أقتله، وإما أن أقتل دونه فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن حنظلة لعبد اللَّه بن الضحاك من بني عبد الأشهل من الأنصار: ناد فِي الخيل فلتقف مع الفضل بن العباس، فنادى فيهم فجمعهم إِلَى الفضل، فلما اجتمعت الخيل إِلَيْهِ حمل عَلَى أهل الشام فانكشفوا، فَقَالَ لأَصْحَابه: الا ترونهم كشفا لئاما! احملوا اخرى جعلت فداكم! فو الله لَئِنْ عاينت أميرهم، لأقتلنه أو لأقتلن دونه، ان صبر ساعه معقب سرور أبد، إنه ليس بعد لصبرنا إلا النصر ثُمَّ حمل وحمل أَصْحَابه مَعَهُ، فانفرجت خيل أهل الشام عن مسلم بن عُقْبَةَ فِي نحو من خمسمائة راجل جثاة عَلَى الركب، مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى كما هُوَ نحو رايته حَتَّى يضرب رأس صاحب الراية، وإن عَلَيْهِ لمغفرا، فقط المغفر، وفلق هامته فخر ميتا، فَقَالَ: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! فظن أنه قتل مسلما، فَقَالَ: قتلت طاغية القوم ورب الكعبة، فَقَالَ مسلم: أخطأت استك الحفرة! وإنما كَانَ ذَلِكَ غلاما لَهُ، يقال لَهُ: رومي، وَكَانَ شجاعا.
فأخذ مسلم رايته ونادى: يَا أهل الشام، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا بِهِ عن دينهم، وأن يعزوا بِهِ نصر إمامهم! قبح اللَّه قتالكم منذ الْيَوْم! مَا أوجعه لقلبي، وأغيظه لنفسي! اما والله ما جزاؤكم عليه الا ان تحرموا العطاء، وأن تجمروا فِي أقاصي الثغور شدوا مع هَذِهِ الراية، ترح اللَّه وجوهكم إن لم تعتبوا! فمشى برايته، وشدت تِلَكَ الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما بينه وبين اطناب مسلم بن عقبه الا نحو
(5/488)

من عشر أذرع، وقتل مَعَهُ زَيْد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، وقتل معه ابراهيم ابن نعيم العدوي، فِي رجال من أهل الْمَدِينَة كثير.
قَالَ هِشَام، عن عوانة: وَقَدْ بلغنا فِي حديث آخر أن مسلم بن عُقْبَةَ كَانَ مريضا يوم القتال، وأنه أمر بسرير وكرسي فوضع بين الصفين، ثُمَّ قَالَ:
يَا أهل الشام، قاتلوا عن أميركم أو دعوا ثُمَّ زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمدون لربع من تِلَكَ الأرباع إلا هزموه، وَلا يقاتلون إلا قليلا حَتَّى تولوا.
ثُمَّ إنه أقبل إِلَى عَبْد اللَّهِ بن حنظلة فقاتله أشد القتال، واجتمع من أراد القتال من تِلَكَ الأرباع إِلَى عَبْد اللَّهِ بن حنظلة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فحمل الفضل ابن العباس بن ربيعه في جماعه من وجوه النَّاسِ وفرسانهم يريد مسلم بن عُقْبَةَ، ومسلم عَلَى سريره مريض، فَقَالَ: احملوني فضعوني فِي الصف، فوضعوه بعد مَا حملوه أمام فسطاطه فِي الصف، وحمل الفضل بن العباس هُوَ وأَصْحَابه أُولَئِكَ حَتَّى انتهى إِلَى السرير، وَكَانَ الفضل أحمر، فلما رفع السيف ليضربه صاح بأَصْحَابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يَا بني الحرائر! اشجروه بالرماح، فوثبوا إِلَيْهِ فطعنوه حَتَّى سقط.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: ثُمَّ إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبد الله ابن حنظلة الغسيل ورجاله بعده- كما حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ منقذ- حَتَّى دنوا مِنْهُ، وركب مسلم بن عُقْبَةَ فرسا لَهُ، فأخذ يسير فِي أهل الشام ويحرضهم ويقول: يَا أهل الشام، إنكم لستم بأفضل العرب فِي أحسابها وَلا أنسابها، وَلا أكثرها عددا، وَلا أوسعها بلدا، ولم يخصصكم اللَّه بِالَّذِي خصكم بِهِ من النصر عَلَى عدوكم، وحسن المنزلة عِنْدَ أئمتكم، إلا بطاعتكم واستقامتكم، وإن هَؤُلاءِ القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير اللَّه بهم، فتموا عَلَى أحسن مَا كنتم عَلَيْهِ من الطاعة يتمم اللَّه لكم أحسن مَا ينيلكم من النصر والفلج ثُمَّ جَاءَ حَتَّى انتهى إِلَى مكانه الَّذِي كَانَ فِيهِ، وأمر الخيل أن تقدم عَلَى ابن الغسيل وأَصْحَابه، فأخذت الخيل إذا أقدمت عَلَى الرجال فثاروا فِي وجوهها بالرماح
(5/489)

والسيوف نفرت وابذعرت وأحجمت، فنادى فِيهِمْ مسلم بن عُقْبَةَ: يَا أهل الشام، مَا جعلهم اللَّه أولى بالأرض مِنْكُمْ، يَا حصين بن نمير، انزل فِي جندك، فنزل فِي أهل حمص، فمشى إِلَيْهِم، فلما رآهم قَدْ أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام فِي أَصْحَابه فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، إن عدوكم قَدْ أصابوا وجه القتال الَّذِي كَانَ ينبغي أن تقاتلوهم بِهِ، وإني قَدْ ظننت أَلا تلبثوا إلا ساعة حَتَّى يفصل اللَّه بينكم وبينهم إما لكم وإما عَلَيْكُمْ أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة، وَاللَّهِ مَا أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان الْمُسْلِمِينَ بأرضى مِنْهُ عنكم، وَلا عَلَى أهل بلد من بلدان العرب بأسخط مِنْهُ عَلَى هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم ان لكل امرئ مِنْكُمْ ميتة هُوَ ميت بِهَا، وَاللَّهِ مَا من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها، فو الله مَا كل مَا أردتموها وجدتموها ثُمَّ مشى برايته غير بعيد، ثُمَّ وقف، وجاء ابن نمير برايته حَتَّى أدناها، وأمر مسلم بن عُقْبَةَ عَبْد اللَّهِ بن عضاه الأَشْعَرِيّ فمشى في خمسمائة مرام حَتَّى دنوا من ابن الغسيل وأَصْحَابه، فأخذوا ينضحونهم بالنبل، فَقَالَ ابن الغسيل: علام تستهدفون لَهُمْ! من أراد التعجل إِلَى الجنة فليلزم هَذِهِ الراية، فقام إِلَيْهِ كل مستميت، فقال: الغدو الى ربكم، فو الله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريري عين، فنهض القوم بعضهم إِلَى بعض فاقتتلوا أشد قتال رئى فِي ذَلِكَ الزمان ساعة من نهار، وأخذ يقدم بنيه أمامه واحدا واحدا حَتَّى قتلوا بين يديه، وابن الغسيل يضرب بسيفه، ويقول:
بعدا لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى
لا يبعد الرحمن إلا من عصى.
فقتل، وقتل مَعَهُ أخوه لأمه مُحَمَّد بن ثَابِتِ بْنِ قيس بن شماس، استقدم فقاتل حَتَّى قتل، وَقَالَ: مَا أحب أن الديلم قتلوني مكان هَؤُلاءِ القوم، ثُمَّ قاتل حَتَّى قتل وقتل مَعَهُ مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الأنصاري، فمر عليه مروان
(5/490)

ابن الحكم وكأنه برطيل من فضة، فَقَالَ: رحمك اللَّه! فرب سارية قَدْ رأيتك تطيل القيام فِي الصَّلاة إِلَى جنبها.
قَالَ هِشَام: فَحَدَّثَنِي عوانة، قَالَ: فبلغنا أن مسلم بن عُقْبَةَ كَانَ يجلس عَلَى كرسي ويحمله الرجال وَهُوَ يقاتل ابن الغسيل يوم الحرة وَهُوَ يقول:
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباتين ويوم اليعمله
كل الملوك عنده مغربله ... ورمحه للوالدات مثكله
لا يلبث القتيل حَتَّى يجدله ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب لَهُ
قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف: وخرج مُحَمَّد بن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص يَوْمَئِذٍ يقاتل، فلما انهزم الناس مال عَلَيْهِم يضربهم بسيفه حَتَّى غلبته الهزيمة، فذهب فيمن ذهب مِنَ النَّاسِ وأباح مسلم الْمَدِينَة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فأفزع ذَلِكَ من كَانَ بِهَا من الصحابة، فخرج أَبُو سَعِيد الخدري حَتَّى دخل فِي كهف فِي الجبل، فبصر بِهِ رجل من أهل الشام، فَجَاءَ حَتَّى اقتحم عَلَيْهِ الغار.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْحَسَن بن عطية العوفي، عن أبي سَعِيد الخدري، قَالَ: دخل إلي الشامي يمشي بسيفه، قَالَ: فانتضيت سيفي فمشيت إِلَيْهِ لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي، فلما رأيت أن قَدْ جد شمت سيفي، ثُمَّ قلت لَهُ: «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ» ، فَقَالَ لي: من أنت لِلَّهِ أبوك! فقلت: أنا أَبُو سَعِيد الخدري، قَالَ:
صاحب رَسُول الله ص؟ قلت: نعم، فانصرف عني.
قَالَ هِشَام: حَدَّثَنِي عوانة، قَالَ: دعا الناس مسلم بن عُقْبَةَ بقباء إِلَى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش: ليزيد بن عَبْدِ اللَّهِ بْن زمعة بْن الأسود بْن
(5/491)

المطلب بن أسد بن عبد العزى ومُحَمَّد بن أبي الجهم بن حُذَيْفَة العدوي ولمعقل ابن سنان الأشجعي، فأتي بهما بعد الوقعة بيوم فقال: بايعا، فَقَالَ القرشيان:
نبايعك عَلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا أقيلكم هَذَا ابدا، فقد مهما فضرب أعناقهما، فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: سبحان اللَّه! أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما! فنخس بالقضيب فِي خاصرته ثُمَّ قَالَ:
وأنت وَاللَّهِ لو قلت بمقالتهما مَا رأيت السماء إلا برقة.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: وجاء معقل بن سنان، فجلس مع القوم، فدعا بشراب ليسقى، فَقَالَ لَهُ مسلم: أي الشراب أحب إليك؟
قَالَ: العسل، قَالَ: اسقوه، فشرب حَتَّى ارتوى، فَقَالَ لَهُ: أقضيت ريك من شرابك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: لا وَاللَّهِ لا تشرب بعده شرابا أبدا إلا الحميم فِي نار جهنم، أتذكر مقالتك لأمير الْمُؤْمِنِينَ: سرت شهرا، ورجعت شهرا، وأصبحت صفرا، اللَّهُمَّ غَيّر- تعني يَزِيد! فقدمه فضرب عنقه.
قَالَ هِشَام: وأما عوانة بن الحكم فذكر أن مسلم بن عُقْبَةَ بعث عَمْرو بن محرز الأشجعي فأتاه بمعقل بن سنان فَقَالَ لَهُ مسلم: مرحبا بأبي مُحَمَّد! أراك عطشان! قَالَ: أجل، قَالَ: شوبوا لَهُ عسلا بالثلج الَّذِي حملتموه معنا- وَكَانَ لَهُ صديقا قبل ذَلِكَ- فشابوه لَهُ، فلما شرب معقل قَالَ لَهُ:
سقاك اللَّه من شراب الجنة، فَقَالَ لَهُ مسلم: أما وَاللَّهِ لا تشرب بعدها شرابا أبدا حَتَّى تشرب من شراب الحميم، قال: أنشدك الله والرحيم! فَقَالَ لَهُ مسلم: أنت الَّذِي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عِنْدَ يَزِيد، فقلت: سرنا شهرا ورجعنا من عِنْدَ يَزِيد صفرا، نرجع إِلَى الْمَدِينَة فنخلع هَذَا الفاسق، ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين! فيم غطفان وأشجع من الخلع والخلافة! إني آليت بيمين لا ألقاك فِي حرب أقدر فِيهِ عَلَى ضرب عنقك إلا فعلت،
(5/492)

ثُمَّ أمر بِهِ فقتل.
قَالَ هِشَام: قَالَ عوانه: واتى يزيد بن وهب بن زمعة، فَقَالَ: بايع، قَالَ:
أبايعك عَلَى سنة عمر، قَالَ: اقتلوه، قَالَ: أنا أبايع، قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أقيلك عثرتك، فكلمه مَرْوَان بن الحكم- لصهر كَانَ بينهما- فأمر بمروان فوجئت عنقه، ثُمَّ قَالَ: بايعوا عَلَى أنكم خول ليزيد بن مُعَاوِيَة، ثُمَّ أمر بِهِ فقتل.
قَالَ هِشَام: قَالَ عوانة، عن أبي مخنف قَالَ: قَالَ عَبْد الملك بن نوفل ابن مساحق: ثُمَّ إن مَرْوَان أتي بعلي بن الْحُسَيْن، وَقَدْ كَانَ عَلِيّ بن الْحُسَيْن حين أخرجت بنو أُمَيَّة منع ثقل مَرْوَان وامرأته وآواها، ثُمَّ خرجت إِلَى الطائف، فهي أم أبان ابنة عُثْمَان بن عَفَّانَ، فبعث ابنه عَبْد اللَّهِ معها، فشكر ذَلِكَ لَهُ مَرْوَان- وأقبل عَلِيّ بن الْحُسَيْن يمشي بين مَرْوَان وعبد الملك يلتمس بهما عِنْدَ مسلم الأمان، فَجَاءَ حَتَّى جلس عنده بينهما، فدعا مَرْوَان بشراب ليتحرم بِذَلِكَ من مسلم، فأتي لَهُ بشراب، فشرب مِنْهُ مَرْوَان شَيْئًا يسيرا، ثُمَّ ناوله عَلِيًّا، فلما وقع فِي يده قَالَ له مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعدت كفه، ولم يأمنه عَلَى نفسه، وأمسك القدح بكفه لا يشربه وَلا يضعه، فَقَالَ: إنك إنما جئت تمشي بين هَؤُلاءِ لتأمن عندي، وَاللَّهِ لو كَانَ هَذَا الأمر إليهما لقتلتك، ولكن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أوصاني بك، وأخبرني أنك كاتبته، فذلك نافعك عندي، فإن شئت فاشرب شرابك الَّذِي فِي يدك، وإن شئت دعونا بغيره، فَقَالَ: هَذِهِ الَّتِي في كفى اريد، قال: اشربها، ثم قال:
الى هاهنا، فأجلسه مَعَهُ.
قَالَ هِشَام: وَقَالَ عوانة بن الحكم: لما أتي بعلي بن الْحُسَيْن إِلَى مسلم، قَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَلِيّ بن الْحُسَيْن، قَالَ: مرحبا وأهلا، ثُمَّ أجلسه مَعَهُ عَلَى السرير والطنفسة، ثُمَّ قَالَ: إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أوصاني بك قبلا، وَهُوَ يقول: إن هَؤُلاءِ الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك، ثم قال
(5/493)

لعلي: لعل أهلك فزعوا! قَالَ: إي وَاللَّهِ، فأمر بدابته فأسرجت، ثُمَّ حمله فرده عَلَيْهَا.
قَالَ هِشَام: وذكر عوانة أن عَمْرو بن عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ فيمن خرج من بني أُمَيَّة، وأنه أتى بِهِ يَوْمَئِذٍ إِلَى مسلم بن عُقْبَةَ فَقَالَ: يَا أهل الشام، تعرفون هَذَا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: هَذَا الخبيث ابن الطيب، هَذَا عَمْرو بن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ امير المؤمنين، هيه يَا عَمْرو! إذا ظهر أهل الْمَدِينَة قلت: أنا رجل مِنْكُمْ، وإن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بن عَفَّانَ، فأمر بِهِ فنتفت لحيته، ثُمَّ قَالَ: يَا أهل الشام، إن أم هَذَا كَانَتْ تدخل الجعل فِي فِيهَا ثُمَّ تقول: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حاجيتك، مَا فِي فمي؟ وفي فمها مَا ساءها وناءها، فخلى سبيله، وكانت أمه من دوس.
قَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري: فَحَدَّثَنِي أَحْمَد بن ثَابِت، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر وَحَدَّثَنِي الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عُمَرَ، قَالا: كَانَتْ وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وَقَالَ بعضهم: لثلاث ليال بقين مِنْهُ.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابن سعد، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن جَعْفَر، عن ابن عوف، قَالَ: حج ابن الزُّبَيْر بِالنَّاسِ سنة ثلاث وستين، وَكَانَ يسمى يَوْمَئِذٍ العائذ، ويرون الأمر شورى قَالَ: فلما كَانَتْ ليلة هلال المحرم ونحن فِي منزلنا إذ قدم علينا سَعِيد مولى المسور بن مخرمة، فخبرنا بِمَا أوقع مسلم بأهل الْمَدِينَة وما نيل مِنْهُمْ، فجاءهم امر عظيم، فرايت القوم شهروا ووجدوا وأعدوا وعرفوا أنه نازل بهم
(5/494)

وَقَدْ ذكر من أمر وقعة الحرة ومقتل ابن الغسيل أمر غير الَّذِي روي عن أبي مخنف، عن الَّذِينَ روى ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حدثنا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُحَدِّثُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لك من اهل الدنيا يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ فَلَمَّا هَلَكَ مُعَاوِيَةُ وَفَدَ إِلَيْهِ وَفْدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَكَانَ شَرِيفًا فَاضِلا سَيِّدًا عَابِدًا، مَعَهُ ثَمَانِيةُ بَنِينَ لَهُ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَى بَنِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلافٍ سِوَى كِسْوَتِهِمْ وَحِمْلانِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ أَتَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا بَنِيَّ هَؤُلاءِ لَجَاهَدْتُهُ بِهِمْ، قَالُوا: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ أَجْدَاكَ وَأَعْطَاكَ وَأَكْرَمَكَ، قَالَ: قَدْ فَعَلَ، وَمَا قَبِلْتُ مِنْهُ إِلا لأَتَقَوَّى بِهِ، وَحَضَّضَ النَّاسَ فَبَايَعُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ، فَبَعَثَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ بَعَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى كُلِّ مَاءٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَصَبُّوا فِيهِ زُقًّا مِنْ قَطِرَانٍ، وَعُوِّرَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَقُوا بِدَلْوٍ حَتَّى وَرَدُوا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَهَيْئَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ الشَّامِ هَابُوهُمْ وَكَرِهُوا قِتَالَهُمْ، وَمُسْلِمٌ شَدِيدُ الْوَجَعِ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي قِتَالِهِمْ إِذْ سَمِعُوا التَّكْبِيرَ مِنْ خَلْفِهِمْ فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ، وَأَقْحَمَ عَلَيْهِمْ بَنُو حَارِثَةَ أَهْلَ الشَّامِ، وَهُمْ عَلَى الْجُدِّ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَكَانَ مَنْ أُصِيبَ فِي الْخَنْدَقِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ النَّاسِ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَهُزِمَ النَّاسُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَحَدِ بَنِيهِ يَغُطُّ نَوْمًا، فَنَبَّهَهُ ابْنُهُ، فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَأَى مَا صَنَعَ النَّاسُ أَمَرَ أَكْبَرَ بَنِيهِ، فَتَقَدَّمَ حَتَّى قُتِلَ، فَدَخَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ، فَدَعَا النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، يَحْكُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مَا شَاءَ.
(5/495)

ثُمَّ دخلت

سنة أربع وستين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) قَالَ أَبُو جَعْفَر: فمن ذَلِكَ مسير أهل الشام إِلَى مكة لحرب عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ ومن كَانَ عَلَى مثل رأيه فِي الامتناع عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة.
ولما فرغ مسلم بن عُقْبَةَ من قتال أهل الْمَدِينَة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثا، شخص بمن مَعَهُ من الجند متوجها الى مكة، كالذي ذكر هشام ابن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل، أن مسلما خرج بِالنَّاسِ إِلَى مكة يريد ابن الزُّبَيْر، وخلف عَلَى الْمَدِينَة روح بن زنباع الجذامي.
وأما الْوَاقِدِيّ فإنه قَالَ: خلف عَلَيْهَا عَمْرو بن محرز الأشجعي، قَالَ:
ويقال: خلف عَلَيْهَا روح بن زنباع الجذامي.

ذكر موت مسلم بن عُقْبَةَ ورمي الكعبة وإحراقها
رجع الحديث إِلَى أبي مخنف قَالَ: حَتَّى إذا انتهى إِلَى المشلل- ويقال:
إِلَى قفا المشلل- نزل بِهِ الموت، وَذَلِكَ فِي آخر المحرم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السكوني فَقَالَ له: يا بن برذعة الحمار، أما وَاللَّهِ لو كَانَ هَذَا الأمر إلي مَا وليتك هَذَا الجند، ولكن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولاك بعدي، وليس لأمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مرد، خذ عني أربعا: أسرع السير، وعجل الوقاع، وعم الأخبار، وَلا تمكن قرشيا من أذنك ثُمَّ إنه مات، فدفن بقفا المشلل.
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الكلبي: وذكر عوانة أن مسلم بن عُقْبَةَ شخص يريد ابن الزُّبَيْر، حَتَّى إذا بلغ ثنية هرشا نزل بِهِ الموت، فبعث إِلَى رءوس الأجناد، فَقَالَ: إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عهد إلي إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عَلَيْكُمْ حصين بن نمير السكوني، وَاللَّهِ لو كَانَ الأمر إلي مَا فعلت،
(5/496)

ولكن أكره معصية أمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الموت، ثُمَّ دعا بِهِ فَقَالَ: انظر يَا برذعة الحمار فاحفظ مَا أوصيك بِهِ، عم الأخبار، وَلا ترع سمعك قريشا أبدا، وَلا تردن أهل الشام، عن عدوهم، وَلا تقيمن إلا ثلاثا حَتَّى تناجز ابن الزُّبَيْر الفاسق، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إني لم أعمل عملا قط بعد شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله أحب إلي من قتلي أهل الْمَدِينَة، وَلا أرجي عندي فِي الآخرة ثُمَّ قَالَ لبني مرة: زراعتي الَّتِي بحوران صدقة عَلَى مرة، وما أغلقت عَلَيْهِ فلانة بابها فهو لها- يعني أم ولده- ثُمَّ مات.
ولما مات خرج حصين بن نمير بِالنَّاسِ، فقدم عَلَى ابن الزُّبَيْر مكة وَقَدْ بايعه أهلها وأهل الحجاز.
قَالَ هِشَام: قَالَ عوانة: قَالَ مسلم قبل الوصية: إن ابني يزعم أن أم ولدي هَذِهِ سقتني السم، وَهُوَ كاذب، هَذَا داء يصيبنا فِي بطوننا أهل البيت قَالَ: وقدم عَلَيْهِ- يعني ابن الزُّبَيْر- كل أهل الْمَدِينَة، وَقَدْ قدم عَلَيْهِ نجدة بن عَامِر الحنفي فِي أناس من الخوارج يمنعون البيت، فَقَالَ لأخيه المنذر: مَا لهذا الأمر ولدفع هَؤُلاءِ القوم غيري وغيرك- وأخوه المنذر ممن شهد الحرة، ثُمَّ لحق بِهِ- فجرد إِلَيْهِم أخاه فِي الناس، فقاتلهم ساعة قتالا شديدا.
ثُمَّ إن رجلا من أهل الشام دعا المنذر إِلَى المبارزة- قَالَ: والشامي عَلَى بغلة لَهُ- فخرج إِلَيْهِ المنذر، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة خر صاحبه لها ميتا، فجثا عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ عَلَى ركبتيه وَهُوَ يقول: يَا رب أبرها من أصلها وَلا تشدها، وَهُوَ يدعو عَلَى الَّذِي بارز أخاه ثُمَّ ان اهل الشام شدوا عليهم شدة منكرة، وانكشف أَصْحَابه انكشافة، وعثرت بغلته فَقَالَ: تعسا! ثُمَّ نزل وصاح بأَصْحَابه: إلي، فأقبل إِلَيْهِ المسور بن مخرمة بن نوفل بْن أهيب بْن عبد مناف بْن زهرة، ومصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزُّهْرِيّ، فقاتلوا حَتَّى قتلوا جميعا وصابرهم ابن الزُّبَيْر يجالدهم
(5/497)

حَتَّى الليل، ثُمَّ انصرفوا عنه، وهذا فِي الحصار الأول ثُمَّ إِنَّهُمْ أقاموا عَلَيْهِ يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله، حَتَّى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بِهَا أعواد هَذَا المسجد
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو عوانة: جعل عَمْرو بن حوط السدوسي يقول:
كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه
يعني بأم فروة المنجنيق.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: سار الحصين بن نمير حين دفن مسلم بن عُقْبَةَ بالمشلل لسبع بقين من المحرم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزُّبَيْر أربعا وستين يَوْمًا حَتَّى جاءهم نعي يَزِيد بن معاويه لهلال ربيع الآخر
. ذكر الخبر عن حرق الكعبه
وفي هَذِهِ السنة حرقت الكعبة.
ذكر السبب فِي إحراقها:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعي يَزِيد بن مُعَاوِيَة بتسعة وعشرين يَوْمًا، وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا رياح بن مسلم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانُوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبت بِهَا الريح، فاحترقت ثياب الكعبة، واحترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الأول.
قَالَ مُحَمَّد بن عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي عروة بن
(5/498)

أذينة، قَالَ: قدمت مكة مع أمي يوم احترقت الكعبة قَدْ خلصت إِلَيْهَا النار، ورأيتها مجردة من الحرير، ورأيت الركن قَدِ اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: مَا أصاب الكعبة؟ فأشاروا إِلَى رجل من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، قَالُوا: هَذَا احترقت بسببه، أخذ قبسا فِي رأس رمح لَهُ فطيرت الريح بِهِ، فضربت أستار الكعبة مَا بين الركن اليماني والأسود
. ذكر خبر وفاه يزيد بن معاويه
وفيها هلك يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشام، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين وَهُوَ ابن ثمان وثلاثين سنة فِي قول بعضهم.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، عن هِشَام بن الْوَلِيد المخزومي، أن الزُّهْرِيّ، كتب لجده أسنان الخلفاء، فكان فِيمَا كتب من ذَلِكَ: ومات يَزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ ابن تسع وثلاثين، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر فِي قول بعضهم، ويقال: ثمانية أشهر.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بن ثَابِت عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، أنه قَالَ: توفي يَزِيد بن مُعَاوِيَة يوم الثلاثاء لأربع عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية اشهر الا ثمان ليال، وصلى عَلَى يَزِيد ابنه مُعَاوِيَة بن يَزِيدَ.
وأما هِشَام بن مُحَمَّد الكلبي فإنه قَالَ فِي سن يَزِيد خلاف الَّذِي ذكره الزُّهْرِيّ، والذي قَالَ هِشَام فِي ذَلِكَ- فِيمَا حدثنا عنه-: استخلف ابو خالد يزيد ابن مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ ابن اثنتين وثلاثين سنة وأشهر فِي هلال رجب سنة ستين، وولي سنتين وثمانية أشهر، وتوفي لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وَهُوَ ابن خمس وثلاثين، وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبى
(5/499)

ذكر عدد ولده فمنهم مُعَاوِيَة بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة، يكنى أبا لَيْلَى، وَهُوَ الَّذِي يقول فِيهِ الشاعر:
إني أَرَى فتنة قَدْ حان أولها ... والملك بعد أَبِي لَيْلَى لمن غلبا
وخالد بن يَزِيدَ- وَكَانَ يكنى أبا هاشم، وَكَانَ يقال: إنه أصاب عمل الكيمياء- وأبو سُفْيَان، وأمهما أم هاشم بنت أبي هاشم بْن عتبة بْن رَبِيعَة بْن عبد شمس، تزوجها بعد يَزِيد مَرْوَان، وَهِيَ الَّتِي يقول لها الشاعر:
انعمي أم خَالِد ... رب ساع لقاعد
وعبد اللَّه بن يَزِيدَ، قيل: إنه من أرمى العرب فِي زمانه، وأمه أم كلثوم بنت عَبْد اللَّهِ بن عَامِر، وَهُوَ الأسوار، وله يقول الشاعر:
زعم الناس ان خير قريش ... كلهم حين يذكر الأسوار
وعبد اللَّه الأصغر، وعمر، وأبو بكر، وعتبة، وحرب، وعبد الرَّحْمَن، والربيع، ومُحَمَّد، لأمهات اولاد شتى
(5/500)

خلافة مُعَاوِيَة بن يَزِيدَ
وفي هَذِهِ السنة بويع لمعاوية بْن يَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَانَ بِالشَّامِ بالخلافة، ولعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ بالحجاز.
ولما هلك يَزِيد بن مُعَاوِيَة مكث الحصين بن نمير وأهل الشام يقاتلون ابن الزُّبَيْر وأَصْحَابه بمكة- فِيمَا ذكر هِشَام عن عوانة- أربعين يَوْمًا، قَدْ حصروهم حصارا شديدا، وضيقوا عَلَيْهِم ثُمَّ بلغ موته ابن الزُّبَيْر وأَصْحَابه، ولم يبلغ الحصين بن نمير وأَصْحَابه، فَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ خَالِدِ بْنِ رُسْتُمَ الصَّنْعَانِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ جِيلٍ، قَالَ: بَيْنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ يُقَاتِلُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، إِذْ جَاءَ مَوْتُ يَزِيدَ، فَصَاحَ بِهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ طَاغِيَتَكُمْ قَدْ هَلَكَ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَلْيَفْعَلْ، فَمَنْ كَرِهَ فَلْيَلْحَقْ بِشَامِهِ، فَغَدَوْا عَلَيْهِ يُقَاتِلُونَهُ.
قَالَ: فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: ادْنُ مِنِّي أُحَدِّثْكَ، فَدَنَا مِنْهُ فَحَدَّثَهُ، فَجَعَلَ فَرَسُ أَحَدِهِمَا يَجْفَلُ- وَالْجَفْلُ: الرَّوَثُ- فَجَاءَ حَمَامُ الْحَرَمِ يَلْتَقِطُ مِنَ الْجَفْلِ، فَكَفَّ الْحُصَيْنُ فَرَسَهُ عَنْهُنَّ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُ فَرَسِي حَمَامِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزبير: اتتحرج مِنْ هَذَا وَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ لَهُ: لا أُقَاتِلُكَ، فَأْذَنْ لَنَا نَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَنَنْصَرِفْ عَنْكَ، فَفَعَلَ فَانْصَرَفُوا وَأَمَّا عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ قَالَ- فِيمَا ذَكَرَ هِشَامٌ، عَنْهُ- قَالَ: لَمَّا بَلَغَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مَوْتُ يَزِيدَ- وَأَهْلُ الشَّامِ لا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ، قَدْ حَصَرُوهُ حِصَارًا شَدِيدًا وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ- أَخَذَ يُنَادِيهِمْ هُوَ وَأَهْلُ مَكَّةَ: عَلامَ تُقَاتِلُونَ؟ قَدْ هَلَكَ طَاغِيَتُكُمْ، وَأَخَذُوا لا يُصَدِّقُونَهُ حَتَّى قَدِمَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْمُنَقِّعِ النَّخَعِيُّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي رُءُوسِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَمَرَّ بِالْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا صِهْرٌ، وَكَانَ يَرَاهُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ يَعْرِفُ فَضْلَهُ
(5/501)

وَإِسْلامَهُ وَشَرَفَهُ- فَسَأَلَ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بِهَلاكِ يزيد، فبعث الحصين ابن نُمَيْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: مَوْعِدٌ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ اللَّيْلَةُ الأَبْطَحَ، فَالْتَقَيَا، فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: إِنْ يَكُ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ هَلَكَ فَأَنْتَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الأَمْرِ، هَلُمَّ فَلْنُبَايِعْكَ، ثُمَّ اخْرُجْ مَعِي إِلَى الشَّامِ، فَإِنَّ هَذَا الْجُنْدَ الَّذِينَ مَعِي هُمْ وُجُوهُ اهل الشام وفرسانهم، فو الله لا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثْنَانِ، وَتُؤَمِّنُ النَّاسَ وَتَهْدِرُ هَذِهِ الدِّمَاءَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَالَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرَّةِ، فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ: مَا مَنَعَهُ أَنْ يُبَايِعَهُمْ وَيَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ إِلا تَطَيُّرٌ، لأَنَّ مَكَّةَ الَّتِي مَنَعَهُ اللَّهُ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُنْدِ مَرْوَانَ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ سَارَ مَعَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ الشَّامَ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَزَعَمَ بَعْضُ قُرَيْشٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَهْدِرُ تِلَكَ الدِّمَاءَ! أَمَا وَاللَّهِ لا أَرْضَى أَنْ أَقْتُلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً، وَأَخَذَ الْحُصَيْنُ يُكَلِّمُهُ سِرًّا، وَهُوَ يَجْهَرُ جَهْرًا، وَأَخَذَ يَقُولُ: لا وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ، فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ:
قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَعُدُّكَ بَعْدَ هَذِهِ دَاهِيًا قَطُّ أَوْ أَدِيبًا! قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ لَكَ رَأْيًا أَلا أَرَانِي أُكَلِّمُكَ سِرًّا وَتُكَلِّمُنِي جَهْرًا، وَأَدْعُوكَ إِلَى الْخِلافَةِ، وَتَعِدُنِي الْقَتْلَ وَالْهَلَكَةَ! ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ وَصَاحَ فِي النَّاسِ، فَأَقْبَلَ فِيهِمْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَنَدِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الَّذِي صَنَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَمَا أَنْ أَسِيرَ إِلَى الشَّامِ فَلَسْتُ فَاعِلا، وَأَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَكِنْ بَايِعُوا لِي هُنَالِكَ فَإِنِّي مُؤَمِّنُكُمْ وَعَادِلٌ فِيكُمْ.
فَقَالَ لَهُ الْحُصَيْنُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ تُقْدِمْ بِنَفْسِكَ، وَوَجَدْتُ هُنَالِكَ أُنَاسًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ يَطْلُبُونَهَا يُجِيبُهُمُ النَّاسُ، فَمَا أَنَا صَانِعٌ؟ فَأَقْبَلَ بِأَصْحَابِهِ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ قَتٌّ وَشَعِيرٌ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَى الْحُصَيْنِ، فَلَمْ يَكَدْ يلتفت
(5/502)

إِلَيْهِ، وَمَعَ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ فَرَسٌ لَهُ عَتِيقٌ، وَقَدْ فَنِيَ قَتُّهُ وَشَعِيرُهُ، فَهُوَ غَرَضٌ، وَهُوَ يَسُبُّ غُلامَهُ وَيَقُولُ: مِنْ أَيْنَ نَجِدُ هُنَا لِدَابَّتِنَا عَلَفًا! فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذَا عَلَفٌ عِنْدَنَا، فَاعْلِفْ مِنْهُ دَابَّتَكَ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ عِنْدَ ذَلِكَ بِوَجْهِهِ، فَأَمَرَ له بما كان عِنْدِهِ مِنْ عَلَفٍ، وَاجْتَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَذُلُّوا حَتَّى كَانَ لا يَنْفَرِدُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا أَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ ثُمَّ نَكَسَ عَنْهَا، فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مُعَسْكَرِهِمْ فَلا يَفْتَرِقُونَ.
وَقَالَتْ لَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ: لا تَبْرَحُوا حَتَّى تَحْمِلُونَا مَعَكُمْ إِلَى الشَّامِ، فَفَعَلُوا، وَمَضَى ذَلِكَ الْجَيْشُ حَتَّى دَخَلَ الشَّامَ، وَقَدْ أَوْصَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِالْبَيْعَةِ لابْنِهِ معاويه ابن يَزِيدَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى مَاتَ.
وَقَالَ عَوَانَةُ: اسْتَخْلَفَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلا أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى مَاتَ.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لما استخلف مُعَاوِيَة بن يَزِيدَ وجمع عمال أَبِيهِ، وبويع لَهُ بدمشق، هلك بِهَا بعد أربعين يَوْمًا من ولايته.
ويكنى أبا عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ أَبُو لَيْلَى، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم ابن عتبة بن رَبِيعَة، وتوفي وَهُوَ ابن ثلاث عشرة سنة وثمانية عشر يَوْمًا.
وفي هَذِهِ السنة بايع أهل الْبَصْرَة عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، عَلَى أن يقوم لَهُمْ بأمرهم حَتَّى يصطلح الناس عَلَى إمام يرتضونه لأنفسهم، ثُمَّ أرسل عُبَيْد اللَّهِ رسولا إِلَى الْكُوفَةِ يدعوهم إِلَى مثل الَّذِي فعل من ذَلِكَ أهل الْبَصْرَة، فأبوا عَلَيْهِ، وحصبوا الوالي الَّذِي كَانَ عَلَيْهِم، ثُمَّ خالفه أهل الْبَصْرَة أَيْضًا، فهاجت بِالْبَصْرَةِ فتنة، ولحق عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بالشام.
(5/503)

ذكر الخبر عما كَانَ من أمر عُبَيْد اللَّهِ بن زياد وأمر أهل الْبَصْرَة مَعَهُ بِهَا بعد موت يَزِيد
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سلمة، عن عَلِيّ بن زيد، عن الحسن، قال: كتب الضحاك ابن قيس إِلَى قيس بن الهيثم حين مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة: سلام عَلَيْك، أَمَّا بَعْدُ، فإن يَزِيد بن مُعَاوِيَة قَدْ مات، وَأَنْتُمْ إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حَتَّى نختار لأنفسنا.
حدثني عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن حماد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي عيينة، قَالَ: حَدَّثَنِي شهرك، قَالَ: شهدت عُبَيْد اللَّهِ بن زياد حين مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة قام خطيبا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
يَا أهل البصره، انسبوني، فو الله لتجدن مهاجر والدي ومولدي فيكم، وداري، وَلَقَدْ وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل وَلَقَدْ أحصى الْيَوْم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا، وَلَقَدْ أحصي الْيَوْم مائة وأربعين ألفا، وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عَلَيْكُمْ إلا وَهُوَ فِي سجنكم هَذَا وإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة قَدْ توفي، وَقَدِ اختلف أهل الشام، وَأَنْتُمُ الْيَوْم أكثر الناس عددا، وأعرضه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلادا، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترتضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشام عَلَى رجل ترتضونه، دخلتم فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وإن كرهتم ذَلِكَ كنتم عَلَى جديلتكم حَتَّى تعطوا حاجتكم، فما بكم إِلَى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغني الناس عنكم
(5/504)

فقامت خطباء أهل الْبَصْرَة فَقَالُوا: قَدْ سمعنا مقالتك أيها الأمير، وإنا وَاللَّهِ مَا نعلم أحدا أقوى عَلَيْهَا مِنْكَ، فهلم فلنبايعك، فَقَالَ: لا حاجة لي فِي ذَلِكَ، فاختاروا لأنفسكم، فأبوا عَلَيْهِ، وأبى عَلَيْهِم، حَتَّى كرروا ذَلِكَ عَلَيْهِ ثلاث مرات، فلما أبوا بسط يده فبايعوه، ثُمَّ انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظن ابن مرجانة أنا نستقاد لَهُ فِي الجماعة والفرقة، كذب وَاللَّهِ! ثُمَّ وثبوا عَلَيْهِ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ زهير: قَالَ: حَدَّثَنَا وهب، قال وحدثنا الأسود ابن شيبان، عن خَالِد بن سمير، أن شقيق بن ثور ومالك بن مسمع وحضين ابن المنذر أتوا عُبَيْد اللَّهِ ليلا وَهُوَ فِي دار الإمارة، فبلغ ذَلِكَ رجلا من الحي من بني سدوس، قَالَ: فانطلقت فلزمت دار الإمارة، فلبثوا مَعَهُ حَتَّى مضى عَلَيْهِ الليل، ثُمَّ خرجوا ومعهم بغل موقر مالا، قَالَ: فأتيت حضينا فقلت: مر لي من هَذَا المال بشيء، فَقَالَ: عَلَيْك ببني عمك، فأتيت شقيقا فقلت: مر لي من هَذَا المال بشيء- قَالَ: وعلى المال مولى لَهُ يقال لَهُ: أيوب- فَقَالَ: يَا أيوب، أعطه مائة درهم، قلت: أما مائة درهم وَاللَّهِ لا أقبلها، فسكت عني ساعة، وسار هنيهة، فأقبلت عَلَيْهِ فقلت:
مر لي من هَذَا المال بشيء، فَقَالَ: يَا أيوب، أعطه مائتي درهم، قلت:
لا اقبل والله مائتين، ثم امر بثلاثمائة ثم أربعمائة، فلما انتهينا إِلَى الطفاوة قلت:
مر لي بشيء، قَالَ: أرأيت إن لم أفعل مَا أنت صانع؟ قلت: أنطلق وَاللَّهِ حَتَّى إذا توسطت دور الحي وضعت إصبعي فِي أذني، ثُمَّ صرخت بأعلى صوتي: يَا معشر بكر بن وائل، هَذَا شقيق بن ثور وحضين بن المنذر ومالك بن المسمع، قَدِ انطلقوا إِلَى ابن زياد، فاختلفوا فِي دمائكم، قَالَ:
مَا لَهُ فعل اللَّه بِهِ وفعل! ويلك أعطه خمسمائة درهم، قَالَ: فأخذتها ثُمَّ صبحت غاديا عَلَى مالك- قَالَ وهب: فلم أحفظ مَا أمر له به مالك- قال:
(5/505)

ثم رايت حضينا فدخلت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا صنع ابن عمك؟ فأخبرته وقلت:
أعطني من هَذَا المال، فَقَالَ: إنا قَدْ أخذنا هَذَا المال ونجونا بِهِ، فلن نخشى مِنَ النَّاسِ شَيْئًا، فلم يعطني شَيْئًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَحَدَّثَنِي أَبُو عبيدة معمر بن المثنى أن يونس بن حبيب الجرمي حدثه، قَالَ: لما قتل عُبَيْد اللَّهِ بن زياد الحسين بن على ع وبني أَبِيهِ، بعث برءوسهم إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فسر بقتلهم أولا، وحسنت بِذَلِكَ منزلة عُبَيْد اللَّهِ عنده، ثُمَّ لم يلبث إلا قليلا حَتَّى ندم عَلَى قتل الْحُسَيْن، فكان يقول: وما كَانَ علي لو احتملت الأذى وأنزلته معي فِي داري، وحكمته فِيمَا يريد، وإن كَانَ علي فِي ذَلِكَ وكف ووهن في سلطاني، حفظا لرسول الله ص ورعاية لحقه وقرابته! لعن اللَّه ابن مرجانة، فإنه أخرجه واضطره، وَقَدْ كَانَ سأله أن يخلي سبيله ويرجع فلم يفعل، أو يضع يده فِي يدي، أو يلحق بثغر من ثغور الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يتوفاه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فلم يفعل، فأبى ذَلِكَ ورده عَلَيْهِ وقتله، فبغضنى بقتله الى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البر والفاجر، بِمَا استعظم الناس من قتلي حسينا، مَا لي ولابن مرجانة لعنه اللَّه وغضب عَلَيْهِ! ثُمَّ إن عبيد الله بعث مولى يقال لَهُ أيوب بن حمران إِلَى الشام ليأتيه بخبر يَزِيد، فركب عُبَيْد اللَّهِ ذات يوم حَتَّى إذا كَانَ فِي رحبة القصابين، إذا هُوَ بأيوب بن حمران قَدْ قدم، فلحقه فأسر إِلَيْهِ موت يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فرجع عُبَيْد اللَّهِ من مسيره ذَلِكَ فأتى منزله، وأمر عَبْد اللَّهِ بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصَّلاة جامعة.
قَالَ أَبُو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فَحَدَّثَنِي قَالَ: الَّذِي بعثه عُبَيْد اللَّهِ، حمران مولاه، فعاد عُبَيْد اللَّهِ عَبْد اللَّهِ بن نافع أخي زياد لأمه، ثُمَّ خرج عُبَيْد اللَّهِ ماشيا من خوخة كَانَتْ فِي دار نافع إِلَى الْمَسْجِدِ، فلما كَانَ فِي صحنه إذا هُوَ بمولاه حمران أدنى ظلمة عِنْدَ المساء- وَكَانَ حمران رسول عُبَيْد اللَّهِ بن زياد إِلَى مُعَاوِيَةَ حياته وإلى يَزِيد- فلما رآه ولم يكن آن
(5/506)

لَهُ أن يقدم- قَالَ: مهيم! قَالَ: خير، قَالَ: وما وراءك؟ قَالَ: أدنو مِنْكَ؟ قَالَ: نعم- وأسر إِلَيْهِ موت يَزِيد واختلاف أمر الناس بِالشَّامِ، وَكَانَ يَزِيد مات يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين- فأقبل عُبَيْد اللَّهِ من فوره، فأمر مناديا فنادى: الصَّلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد الْمِنْبَر فنعى يَزِيد، وعرض بثلبه لقصد يَزِيد إِيَّاهُ قبل موته حَتَّى يخافه عُبَيْد اللَّهِ، فَقَالَ الأحنف لعبيد اللَّه: إنه قَدْ كَانَتْ ليزيد فِي أعناقنا بيعة، وَكَانَ يقال: أعرض عن ذي فنن، فأعرض عنه، ثُمَّ قام عُبَيْد اللَّهِ يذكر اختلاف أهل الشام، وَقَالَ: إني قَدْ وليتكم ثُمَّ ذكر نحو حديث عُمَر بن شَبَّةَ، عن زهير بن حرب إِلَى: فبايعوه عن رضا مِنْهُمْ ومشورة.
ثُمَّ قَالَ: فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه، ويقولون: ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا فِي الفرقة! قَالَ: فأقام عُبَيْد اللَّهِ أميرا غير كثير حَتَّى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيرد عَلَيْهِ، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه.
قَالَ أَبُو عبيدة: فسمعت غيلان بن مُحَمَّد يحدث عن عُثْمَان البتي، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جوشن، قَالَ: تبعت جنازة فلما كَانَ فِي سوق الإبل إذا رجل عَلَى فرس شهباء متقنع بسلاح وفي يده لواء، وَهُوَ يقول: أَيُّهَا النَّاسُ، هلموا إلي أدعكم إِلَى مَا لم يدعكم إِلَيْهِ أحد، أدعوكم إِلَى العائذ بالحرم- يعني عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ قَالَ: فتجمع إِلَيْهِ نويس، فجعلوا يصفقون عَلَى يديه، ومضينا حَتَّى صلينا عَلَى الجنازة، فلما رجعنا إذا هُوَ قَدِ انضم إِلَيْهِ أكثر من الأولين، ثُمَّ أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصلت السلمي ودار الحارثيين قبل بني تميم فِي الطريق الَّذِي يأخذ عَلَيْهِم، فَقَالَ: أَلا من أرادني فأنا سلمة بن ذؤيب- وَهُوَ سلمة بن ذؤيب بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محكم بن زَيْد بن رياح بن يربوع بن حنظلة- قَالَ: فلقيني عبد الرَّحْمَن بن بكر عِنْدَ الرحبة،
(5/507)

فأخبرته بخبر سلمة بعد رجوعي، فأتى عبد الرَّحْمَن عُبَيْد اللَّهِ فحدثه بالحديث عني، فبعث إلي، فأتيته، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي خبر بِهِ عنك أَبُو بحر؟
قَالَ: فاقتصصت عَلَيْهِ القصة حَتَّى أتيت عَلَى آخرها، فأمر فنودي عَلَى المكان:
الصَّلاة جامعة، فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقص أمره وأمرهم، وما قَدْ كَانَ دعاهم إِلَى من يرتضونه، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم مَا قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثُمَّ هَذَا سلمة بن ذؤيب يدعو إِلَى الخلاف عَلَيْكُمْ، إرادة أن يفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف فقال الأحنف صخر بن قيس ابن مُعَاوِيَة بن حصين بن عبادة بن النزال بن مُرَّةَ بن عبيد بن الْحَارِث بن عَمْرو بن كعب بن سَعْدِ بْنِ زَيْد مناة بن تميم، والناس جميعا: نحن نأتيك بسلمة، فأتوا سلمة، فإذا جمعه قَدْ كثف، وإذا الفتق قَدِ اتسع عَلَى الراتق، وامتنع عَلَيْهِم، فلما رأوا ذَلِكَ قعدوا عن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فلم يأتوه.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي غير واحد، عن سبرة بن الجارود الْهُذَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ الجارود، قَالَ: وَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ فِي خطبته: يَا أهل الْبَصْرَة، وَاللَّهِ لقد لبسنا الخز واليمنة واللين من الثياب حَتَّى لقد أجمنا ذَلِكَ وأجمته جلودنا، فما بنا إِلَى أن نعقبها الحديد! يَا أهل الْبَصْرَة، وَاللَّهِ لو اجتمعتم عَلَى ذنب عير لتكسروه ما كسرتموه قال الجارود: فو الله مَا رمي بجماح حَتَّى هرب، فتوارى عِنْدَ مسعود فلما قتل مسعود لحق بِالشَّامِ.
قَالَ يونس: وَكَانَ فِي بيت مال عُبَيْد اللَّهِ يوم خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقل- وَقَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد: تسعة عشر ألف
(5/508)

الف- فقال للناس: ان هذا فيئكم، فخذوا أعطياتكم وأرزاق ذراريكم مِنْهُ، وأمر الكتبة بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتاب فِي ذَلِكَ حَتَّى وكل بهم من يحبسهم بالليل فِي الديوان، وأسرجوا بالشمع.
قَالَ: فلما صنعوا مَا صنعوا وقعدوا عنه، وَكَانَ من خلاف سلمة عَلَيْهِ مَا كَانَ، كف عن ذَلِكَ، ونقلها حين هرب، فهي إِلَى الْيَوْم تردد فِي آل زياد، فيكون فِيهِمُ العرس أو المأتم فلا يرى فِي قريش مثلهم، وَلا فِي قريش أحسن مِنْهُمْ فِي الغضارة والكسوة فدعا عُبَيْد اللَّهِ رؤساء خاصة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا مَعَهُ، فَقَالُوا: إن أمرنا قوادنا قاتلنا معك، فَقَالَ إخوة عُبَيْد اللَّهِ لعبيد اللَّه: وَاللَّهِ مَا من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت فئت إِلَيْهِ وإن استمددته أمدك، وَقَدْ علمت أن الحرب دول، فلا ندري لعلها تدول عَلَيْك، وَقَدِ اتخذنا بين أظهر هَؤُلاءِ القوم أموالا، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم تبق لك باقية وَقَالَ لَهُ أخوه عَبْد اللَّهِ لأبيه وأمه مرجانة: وَاللَّهِ لَئِنْ قاتلت القوم لأعتمدن عَلَى ظبة السيف حَتَّى يخرج من صلبي فلما رَأَى ذَلِكَ عُبَيْد اللَّهِ أرسل إِلَى حارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فَقَالَ لَهُ: يَا حار، إن أبي كَانَ أوصاني إن احتجت إِلَى الهرب يَوْمًا أن اختاركم، وإن نفسي تأبى غيركم، فَقَالَ الْحَارِث: قَدْ أبلوك فِي أبيك ما قد علمت، وابلوه فلم يجدوا عنده وَلا عندك مكافأة، وما لك مرد إذا اخترتنا، وما أدري كيف أتاني لك إن أخرجتك نهارا! إني أخاف أَلا أصل بك إِلَى قومي حَتَّى تقتل وأقتل، ولكني أقيم معك حَتَّى إذا وارى دمس دمسا وهدأت القدم، ردفت خلفي لئلا تعرف، ثُمَّ أخذتك عَلَى أخوالي بني ناجية،
(5/509)

قَالَ عُبَيْد اللَّهِ: نعم مَا رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب، حمله خلفه، وَقَدْ نقل تِلَكَ الأموال فأحرزها، ثُمَّ انطلق بِهِ يمر بِهِ عَلَى الناس، وكانوا يتحارسون مخافة الحرورية فيسأل عُبَيْد اللَّهِ أين نحن؟ فيخبره، فلما كَانُوا فِي بني سليم قَالَ عُبَيْد اللَّهِ: أين نحن؟ قَالَ: فِي بني سليم، قَالَ:
سلمنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فلما أتى بني ناجيه قال: اين نحن؟ قال: في بني ناجية، قَالَ: نجونا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فقال بنو ناجية: من أنت؟ قَالَ: الْحَارِث بن قيس، قَالُوا: ابن أختكم، وعرف رجل مِنْهُمْ عُبَيْد اللَّهِ فَقَالَ: ابن مرجانة! فأرسل سهما فوقع فِي عمامته، ومضى بِهِ الْحَارِث حَتَّى ينزله دار نفسه فِي الجهاضم، ثُمَّ مضى إِلَى مسعود بن عَمْرو بن عدي بن محارب بن صنيم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم، فَقَالَتِ الأزد ومُحَمَّد بن أبي عيينة، فلما رآه مسعود قَالَ: يَا حار، قَدْ كَانَ يتعوذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بِاللَّهِ من شر مَا طرقتنا بِهِ، قَالَ الْحَارِث: لم أطرقك إلا بخير، وَقَدْ علمت أن قومك قَدْ أنجوا زيادا فوفوا لَهُ، فصارت لَهُمْ مكرمة فِي العرب يفتخرون بِهَا عَلَيْهِم، وَقَدْ بايعتم عُبَيْد اللَّهِ بيعة الرضا، رضا عن مشورة، وبيعة أخرى قَدْ كَانَتْ فِي أعناقكم قبل البيعة- يعني بيعة الجماعة- فَقَالَ لَهُ مسعود:
يَا حار، أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا فِي عُبَيْد اللَّهِ، وَقَدْ أبلينا فِي أَبِيهِ مَا أبلينا، ثُمَّ لم نكافأ عَلَيْهِ، ولم نشكر! مَا كنت أحسب أن هَذَا من رأيك، قَالَ الْحَارِث: إنه لا يعاديك أحد عَلَى الوفاء ببيعتك حَتَّى تبلغه مأمنه.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأما عمر فَحَدَّثَنِي قَالَ: حَدَّثَنِي زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، عن الزُّبَيْر بن الخريت، عن أبي لبيد الجهضمي، عن الْحَارِث بن قيس، قَالَ: عرض نفسه- يعني عُبَيْد اللَّهِ بن زياد- علي، فَقَالَ: أما وَاللَّهِ إني لأعرف سوء رأي كَانَ فِي قومك، قال: فوقفت لَهُ، فأردفته عَلَى بغلتي- وَذَلِكَ ليلا- فأخذت عَلَى بني سليم، فَقَالَ: من هَؤُلاءِ؟ قلت: بنو سليم، قَالَ: سلمنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ مررنا ببني ناجية وهم جلوس ومعهم السلاح- وَكَانَ الناس
(5/510)

يتحارسون إذ ذاك فِي مجالسهم- فَقَالُوا: من هَذَا؟ قلت: الْحَارِث بن قيس، قَالُوا: امض راشدا، فلما مضينا قَالَ رجل مِنْهُمْ: هَذَا وَاللَّهِ ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه فِي كور عمامته، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، من هَؤُلاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ كنت تزعم أَنَّهُمْ من قريش، هَؤُلاءِ بنو ناجية، قَالَ: نجونا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا حارث، إنك قَدْ أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عَلَيْك؟ قَدْ علمت منزلة مسعود بن عَمْرو فِي قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه لَهُ، فهل لك أن تذهب بي إِلَيْهِ فأكون فِي داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عَلَيْك أمر قومك، قلت: نعم، فانطلقت بِهِ، فما شعر مسعود بشيء حَتَّى دخلنا عَلَيْهِ وَهُوَ جالس ليلتئذ يوقد بقضيب عَلَى لبنة، وَهُوَ يعالج خفيه قَدْ خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر فِي وجوهنا عرفنا وَقَالَ: إنه كَانَ يتعوذ من طوارق السوء، فقلت لَهُ: أفتخرجه بعد ما دخل عَلَيْك بيتك! قَالَ: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود- وامرأة عبد الغافر يَوْمَئِذٍ خيرة بنت خفاف بن عَمْرو- قَالَ: ثُمَّ ركب مسعود من ليلته وَمَعَهُ الْحَارِث وجماعة من قومه، فطافوا فِي الأزد ومجالسهم، فَقَالُوا: إن ابن زياد قَدْ فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا بِهِ، فأصبحوا فِي السلاح، وفقد الناس ابن زياد فَقَالُوا: أين توجه؟ فَقَالُوا: مَا هُوَ إلا فِي الأزد.
قَالَ وهب: فحدثنا أَبُو بَكْر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان انهم جعلوا يقولون: أين ترونه توجه؟ فَقَالَتْ عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجه! اندحس وَاللَّهِ فِي أجمة أَبِيهِ.
وكانت وفاة يَزِيد حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال الْبَصْرَة ستة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد طائفة منها فِي بني أَبِيهِ، وحمل الباقي مَعَهُ، وَقَدْ كَانَ دعا البخارية إِلَى القتال مَعَهُ، ودعا بني زياد إِلَى ذَلِكَ فأبوا عَلَيْهِ.
حدثني عمر، قَالَ: حَدَّثَنِي زهير بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عن عَبْد اللَّهِ بن جرير المازني، قَالَ: بعث إلي شقيق بن ثور فَقَالَ لي: إنه قَدْ بلغني أن ابن منجوف هَذَا وابن مسمع يدلجان بالليل إِلَى دار
(5/511)

مسعود ليردا ابن زياد إِلَى الدار ليصلوا بين هذين الغارين، فيهريقوا دماءكم، ويعزوا أنفسهم، وَلَقَدْ هممت أن أبعث إِلَى ابن منجوف فأشده وثاقا، وأخرجه عنى، فاذهب الى مسعود فاقرا ع مني، وَقل لَهُ: إن ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هَذَيْنِ الرجلين عنك قَالَ:
وَكَانَ مَعَهُ عُبَيْد اللَّهِ وعبد اللَّه ابنا زياد قَالَ: فدخلت عَلَى مسعود وابنا زياد عنده: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عَلَيْك أبا قيس، قَالَ: وعليك السلام، قلت: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عَلَيْك السلام ويقول لك: إنه بلغني، فرد الكلام بعينه إلي فأخرجهما عنك، قال مسعود: والله فعلت ذاك، فقال عبيد اللَّهِ: كيف أبا ثور- ونسي كنيته، إنما كان يكنى أبا الفضل- فَقَالَ أخوه عَبْد اللَّهِ: إنا وَاللَّهِ لا نخرج عنكم، قَدْ أجرتمونا، وعقدتم لنا ذمتكم، فلا نخرج حَتَّى نقتل بين أظهركم، فيكون عارا عَلَيْكُمْ إِلَى يوم الْقِيَامَة.
قَالَ وهب: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن الخريت، عن أبي لبيد، أن أهل الْبَصْرَة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النُّعْمَان بن صهبان الراسبي ورجلا من مضر ليختارا لَهُمْ رجلا فيولوه عَلَيْهِم، وَقَالُوا: من رضيتما لنا فقد رضيناه وَقَالَ غير أبي لبيد: الرجل المضري قيس بن الهيثم السلمي قَالَ أَبُو لبيد: ورأي المضري فِي بني أُمَيَّة، ورأي النُّعْمَان فِي بني هاشم، فَقَالَ النُّعْمَان: مَا أَرَى أحدا أحق بهذا الأمر من فلان- لرجل من بني أُمَيَّة- قَالَ: وَذَلِكَ رأيك؟
قَالَ: نعم، قَالَ: قَدْ قلدتك أمري، ورضيت من رضيت ثُمَّ خرجا إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ المضري: قَدْ رضيت من رضي النُّعْمَان، فمن سمى لكم فأنا بِهِ راض، فَقَالُوا للنعمان: مَا تقول! فَقَالَ: مَا أَرَى أحدا غير عبد الله ابن الْحَارِث- وَهُوَ ببة- فَقَالَ المضري: مَا هَذَا الَّذِي سميت لي؟ قَالَ:
بلى، لعمري إنه لهو، فرضي الناس بعبد اللَّه وبايعوه.
قَالَ أَصْحَابنا: دعت مضر إِلَى العباس بن الأَسْوَدِ بْنِ عوف الزُّهْرِيّ، ابن أخي عبد الرَّحْمَن بن عوف، ودعت اليمن إِلَى عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث بن نوفل، فتراضى الناس إن حكموا قيس بن الهيثم والنعمان بن صهبان الراسبي لينظرا فِي أمر الرجلين، فاتفق
(5/512)

رأيهما على أن يوليا المضري الهاشمي إِلَى أن يجتمع أمر الناس عَلَى إمام، فقيل فِي ذَلِكَ:
نزعنا وولينا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
فلما أمروا ببة عَلَى الْبَصْرَة ولى شرطته هميان بن عدي السدوسي.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأما أَبُو عبيدة فإنه- فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن علي، عن أبي سعدان، عنه- قص من خبر مسعود وعبيد اللَّه بن زياد وأخيه غير القصة الَّتِي قصها وهب بن جرير، عمن روى عَنْهُمْ خبرهم، قال: حدثنى مسلمه ابن محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذَلِكَ مِنْهُمْ ومن مواليهم والقوم أعلم بحديثهم، أن الْحَارِث بن قيس لم يكلم مسعودا، ولكنه آمن عُبَيْد اللَّهِ، فحمل مَعَهُ مائة ألف درهم، ثُمَّ أتى بِهَا إِلَى أم بسطام امرأة مسعود، وَهِيَ بنت عمه، وَمَعَهُ عُبَيْد اللَّهِ وعبد اللَّه ابنا زياد، فاستأذن عَلَيْهَا، فأذنت لَهُ، فَقَالَ لها الْحَارِث: قَدْ أتيتك بأمر تسودين بِهِ نساءك وتتمين بِهِ شرف قومك، وتعجلين غنى ودنيا لك خاصة، هَذِهِ مائة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضمي عُبَيْد اللَّهِ قالت، إني أخاف أَلا يرضى مسعود بِذَلِكَ وَلا يقبله، فَقَالَ الْحَارِث: ألبسيه ثوبا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلي بيننا وبين مسعود، فقبضت المال، وفعلت، فلما جَاءَ مسعود أخبرته، فأخذ برأسها، فخرج عُبَيْد اللَّهِ والحارث من حجلتها عَلَيْهِ، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: قَدْ أجارتني ابنة عمك عَلَيْك، وهذا ثوبك علي، وطعامك فِي بطني، وَقَدِ التف علي بيتك، وشهد لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَارِث، وتلطفا لَهُ حَتَّى رضي.
قَالَ أَبُو عبيدة: وأعطى عُبَيْد اللَّهِ الْحَارِث نحوا من خمسين ألفا، فلم يزل عُبَيْد اللَّهِ فِي بيت مسعود حَتَّى قتل مسعود، قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي يَزِيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيد الجرمي، قَالَ: فلما هرب عُبَيْد اللَّهِ غبر أهل الْبَصْرَة بغير أَمِير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عَلَيْهِم، ثُمَّ تراضوا برجلين يختاران لَهُمْ خيرة، فيرضون بِهَا إذا اجتمعا عَلَيْهَا، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن سفيان الراسبى- راسب بن جرم
(5/513)

ابن ربان بن حلوان بن عِمْرَان بن الحاف بن قضاعة- أن يختارا من يرضيان لَهُمْ، فذكرا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِث بْن عبد المطلب- وأمه هند بنت أبي سُفْيَان بن حرب بن أُمَيَّة- وكان يلقب ببه، وهو جد سليمان ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِث، وذكرا عَبْد اللَّهِ بن الأَسْوَدِ الزُّهْرِيّ فلما أطبقا عليهما اتعدا المربد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم عَلَى أحد هَذَيْنِ.
قَالَ: فحضر الناس، وحضرت معهم قارعه المربد، اى اعلاه، فجاء قيس ابن الهيثم، ثُمَّ جَاءَ النُّعْمَان بعد، فتجاول قيس والنعمان، فأرى النُّعْمَان قيسا أن هواه فِي ابن الأسود، ثُمَّ قَالَ: إنا لا نستطيع أن نتكلم معا، وأراده أن يجعل الكلام إِلَيْهِ، ففعل قيس وَقَدِ اعتقد أحدهما عَلَى الآخر، فأخذ النُّعْمَان عَلَى الناس عهدا ليرضون بِمَا يختار قَالَ: ثُمَّ أتى النُّعْمَان عَبْد الله ابن الأَسْوَدِ فأخذ بيده، وجعل يشترط عَلَيْهِ شرائط حَتَّى ظن الناس أنه مبايعه، ثُمَّ تركه، وأخذ بيد عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث، فاشترط عَلَيْهِ مثل ذَلِكَ، ثُمَّ حمد اللَّه تعالى واثنى عليه، وذكر النبي ص وحق أهل بيته وقرابته، ثُمَّ قَالَ: يا أيها الناس، مَا تنقمون من رجل من بنى عم نبيكم ص، وأمه هند بنت أبي سُفْيَان! فإن كَانَ فِيهِمْ فهو ابن أختكم، ثُمَّ صفق عَلَى يده وَقَالَ: أَلا إني قَدْ رضيت لكم بِهِ، فنادوا: قَدْ رضينا، فأقبلوا بعبد اللَّه بن الْحَارِث إِلَى دار الإمارة حَتَّى نزلها، وَذَلِكَ فِي أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شرطته هيمان بن عدي السدوسي، ونادى فِي الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فَقَالَ الفرزدق حين بايعه:
وبايعت أقواما وفيت بعهدهم ... وبَبَّة قَدْ بايعته غير نادم
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي زهير بن هنيد، عن عَمْرو بن عِيسَى، قَالَ: كَانَ منزل مالك بن مسمع الجحدري فِي الباطنة عِنْدَ باب عَبْد اللَّهِ الإصبهاني فِي خط بنى جحدر، الَّذِي عِنْدَ مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هُوَ قاعد فِيهِ- وَذَلِكَ بعد يسير من أمر ببة- وافى الحلقة
(5/514)

رجل من ولد عَبْد اللَّهِ عَامِر بن كريز القرشي يريد ببة، وَمَعَهُ رسالة من عبد الله ابن خازم، وبيعته بهراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشي لمالك، فلطم رجل من بكر بن وائل القرشي، فتهايج من ثُمَّ من مضر وربيعة، وكثرتهم رَبِيعَة الَّذِينَ فِي الحلقة، فنادى رجل: يال تميم! فسمعت الدعوة عصبه من ضبة ابن أد- كَانُوا عِنْدَ القاضي- فأخذوا رماح حرس من المسجد وترستهم، ثُمَّ شدوا عَلَى الربعيين فهزموهم، وبلغ ذَلِكَ شقيق بن ثور السدوسي- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ رئيس بكر بن وائل- فأقبل إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: لا تجدن مضريا إلا قتلتموه، فبلغ ذَلِكَ مالك بن مسمع، فأقبل متفضلا يسكن الناس، فكف بعضهم عن بعض، فمكث الناس شهرا أو أقل، وَكَانَ رجل من بني يشكر يجالس رجلا من بني ضبة فِي المسجد، فتذاكرا لطمة البكري القرشي، ففخر اليشكري قال: ثم قال: ذهبت ظلفا فأحفظ الضبي بِذَلِكَ، فوجأ عنقه، فوقذه الناس فِي الجمعة، فحمل إِلَى أهله ميتا- أعني اليشكري- فثارت بكر إِلَى رأسهم أشيم بن شقيق، فَقَالُوا: سر بنا، فَقَالَ: بل أبعث إِلَيْهِم رسولا، فإن سيبوا لنا حقنا وإلا سرنا إِلَيْهِم، فأبت ذَلِكَ بكر، فأتوا مالك بن مسمع- وَقَدْ كَانَ قبل ذَلِكَ مملكا عليهم قبل اشيم، فغلب اشيم على الرياسة حين شخص أشيم إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فكتب لَهُ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد أن ردوا الرياسة إِلَى أشيم، فأبت اللهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافوهم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يشكر، وذهل بن ثعلبة وحلفاؤها ضبيعة بن رَبِيعَة بن نزار، أربع قبائل وأربع قبائل، وَكَانَ هَذَا الحلف فِي أهل الوبر فِي الْجَاهِلِيَّة، فكانت حنيفة بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت فِي الْجَاهِلِيَّة فِي هَذَا الحلف، لأنهم أهل مدر، فدخلوا فِي الإِسْلام مع أخيهم عجل، فصاروا لهزمة، ثُمَّ تراضوا بحكم عِمْرَان بن عصام العنزي أحد بني هميم، وردها إِلَى أشيم، فلما كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَة استخفت بكر مالك بن مسمع، فخف وجمع وأعد،
(5/515)

فطلب إِلَى الأزد أن يجددوا الحلف الَّذِي كَانَ بينهم قبل ذَلِكَ فِي الجماعة عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فَقَالَ حَارِثَة بن بدر فِي ذَلِكَ:
نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
وما بات بكريّ من الدهر ليلة ... فيصبح إلا وَهْوَ للذل عارف
قَالَ: فبلغ عُبَيْد اللَّهِ الخبر- وَهُوَ فِي رحل مسعود- من تباعد مَا بين بكر وتميم، فَقَالَ لمسعود: الق مالكا فجدد الحلف الأول، فلقيه، فترادا ذَلِكَ، وتأبى عليهما نفر من هَؤُلاءِ وأولئك، فبعث عُبَيْد اللَّهِ أخاه عَبْد اللَّهِ مع مسعود، فأعطاه جزيلا من المال، حَتَّى أنفق فِي ذَلِكَ أكثر من مائتي ألف درهم عَلَى أن يبايعوهما، وَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحلف وكتبوا بينهم كتابا سوى الكتابين اللذين كانا كتبا بينهما فِي الجماعة، فوضعوا كتابا عِنْدَ مسعود بن عَمْرو.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي بعض ولد مسعود، أن أول تسمية من فِيهِ، الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، ووضعوا كتابا عِنْدَ الصلت بن حريث أول تسميته ابن رجاء العوذي، من عوذ بن سود، وَقَدْ كَانَ بينهم قبل هَذَا حلف.
قَالَ أَبُو عبيدة: وزعم مُحَمَّد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حدير وزهير بن هنيد، أن مضر كَانَتْ تكثر رَبِيعَة بِالْبَصْرَةِ، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل بِالْبَصْرَةِ، كَانُوا حَيْثُ مصرت الْبَصْرَة، فحول عُمَر بن الْخَطَّابِ رحمه اللَّه من تنوخ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْبَصْرَة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثُمَّ لحقوا بِالْبَصْرَةِ بعد ذَلِكَ فِي آخر خلافة مُعَاوِيَة، وأول خلافة يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فلما قدموا قالت بنو تميم للأحنف: بادر إِلَى هَؤُلاءِ قبل أن تسبقنا إِلَيْهِم رَبِيعَة، وَقَالَ الأحنف: إن أتوكم فاقبلوهم، وإلا لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لَهُمْ أتباعا فأتاهم مالك بن مسمع ورئيس الأزد يَوْمَئِذٍ مسعود بن عَمْرو المعني، فَقَالَ مالك: جددوا حلفنا وحلف كندة فِي الْجَاهِلِيَّة، وحلف بني ذهل بن ثعلبة فِي طيئ بن أدد من ثعل،
(5/516)

فقال الأحنف: اما إذ أتوهم فلن يزالوا لَهُمْ أتباعا أذنابا.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي هبيرة بن حدير، عن إِسْحَاق بن سويد، قَالَ:
فلما أن جرت بكر إِلَى نصر الأزد عَلَى مضر، وجددوا الحلف الأول، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منا، فرأسوا مسعودا عَلَيْهِم.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي مسلمة بن محارب، قَالَ: قَالَ مسعود لعبيد اللَّه:
سر معنا حَتَّى نعيدك فِي الدار، فَقَالَ: مَا أقدر عَلَى ذَلِكَ، امض أنت، وأمر برواحله فشدوا عَلَيْهَا أدواتها وسوادها، وتزمل فِي أهبة السفر، وألقوا لَهُ كرسيا عَلَى باب مسعود، فقعد عَلَيْهِ، وسار مسعود، وبعث عُبَيْد اللَّهِ غلمانا لَهُ عَلَى الخيل مع مسعود، وَقَالَ لَهُمْ: إني لا أدري مَا يحدث فأقول: إذا كَانَ كذا، فليأتني بعضكم بالخبر، ولكن لا يحدثن خير وَلا شر إلا أتاني بعضكم بِهِ، فجعل مسعود لا يأتي عَلَى سكة، وَلا يتجاوز قبيلة إلا أتى بعض أُولَئِكَ الغلمان بخبر ذَلِكَ، وقدم مسعود رَبِيعَة، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعا سكة المربد، فَجَاءَ مسعود حَتَّى دخل المسجد، فصعد الْمِنْبَر، وعبد اللَّه بن الْحَارِث فِي دار الإمارة، فقيل لَهُ: إن مسعودا وأهل اليمن وربيعة قَدْ ساروا، وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم أو ركبت في بنى تميم عليهم! فقال: أبعدهم اللَّه! لا وَاللَّهِ لا أفسدت نفسي فِي إصلاحهم، وجعل رجل من أَصْحَاب مسعود يقول:
لأنكحن ببه ... جارية فِي قبه
تمشط رأس لعبه.
فهذا قول الأزد وربيعة، فأما مضر فيقولون: إن أمه هند بنت أبي سُفْيَان كَانَتْ ترقصه وتقول هَذَا، فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود الْمِنْبَر، خرج مالك بن مسمع فِي كتيبته حَتَّى علا الجبان من سكة المربد، ثُمَّ جعل يمر بعداد دور بني تميم حَتَّى دخل سكة بني العدوية من قبل الجبان، فجعل يحرق دورهم للشحناء الَّتِي فِي صدورهم، لقتل الضبي اليشكري، ولاستعراض ابن خازم رَبِيعَة بهراة، قَالَ: فبينا هُوَ فِي ذَلِكَ إذ أتوه فقالوا: قتلوا
(5/517)

مسعودا، وَقَالُوا: سارت بنو تميم إِلَى مسعود، فاقبل حتى إذا كَانَ عِنْدَ مسجد بني قيس فِي سكة المربد، وبلغه قتل مسعود، وقف.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي زهير بن هنيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الضحاك- أو الوضاح بن خيثمة أحد بني عَبْد اللَّهِ بن دارم- قَالَ: حَدَّثَنِي مالك بن دينار، قَالَ: ذهبت فِي الشباب الَّذِينَ ذهبوا إِلَى الأحنف ينظرون، قَالَ: فأتيته وأتته بنو تميم، فَقَالُوا: إن مسعودا قَدْ دخل الدار وأنت سيدنا، فَقَالَ:
لست بسيدكم، إنما سيدكم الشَّيْطَان.
وأما هبيرة بن حدير، فَحَدَّثَنِي عن إسحاق بن سويد العدوى، قال: اتيت منزل الأحنف فِي النظارة، فأتوا الأحنف فَقَالُوا: يا أبا بحر، وان رَبِيعَة والأزد قَدْ دخلوا الرحبة، فَقَالَ: لستم بأحق بالمسجد مِنْهُمْ، ثُمَّ أتوه فَقَالُوا: قَدْ دخلوا الدار، فقال: لستم بأحق بالدار مِنْهُمْ، فتسرع سلمة بن ذؤيب الرياحي، فَقَالَ: إلي يَا معشر الفتيان، فإنما هَذَا جبس لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبان بني تميم فانتدب معه خمسمائة، وهم مع ماه أفريذون، فَقَالَ لَهُمْ سلمة: أين تريدون؟ قَالُوا: إياكم أردنا، قَالَ: فتقدموا.
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي زهير بن هنيد، عن ابى نعامة، عن ناشب ابن الحسحاس وحميد بن هلال، قَالا: أتينا منزل الأحنف بحضرة المسجد، قَالا: فكنا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجمر فَقَالَتْ: مَا لك وللرئاسة! تجمر فإنما أنت امرأة، فَقَالَ: است المرأة أحق بالمجمر، فأتوه فَقَالُوا:
إن علية بنت ناجية الرياحي- وَهِيَ أخت مطر، وَقَالَ آخرون: عزة بنت الحر الرياحية- قَدْ سلبت خلاخيلها من ساقيها، وَكَانَ منزلها شارعا فِي رحبة بني تميم عَلَى الميضأة، وَقَالُوا: قتلوا الصباغ الَّذِي عَلَى طريقك، وقتلوا المقعد الَّذِي كَانَ عَلَى باب المسجد، وَقَالُوا: إن مالك بن مسمع قَدْ دخل سكة بني العدوية من قبل الجبان، فحرق دورا، فَقَالَ الأحنف: أقيموا البينة عَلَى هَذَا، ففي دون هَذَا مَا يحل قتالهم، فشهدوا عنده عَلَى ذَلِكَ،
(5/518)

فَقَالَ الأحنف: أجاء عباد؟ وَهُوَ عباد بن حصين بن يَزِيدَ بن عَمْرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حلزة بن بيان بن سَعْدِ بْنِ الْحَارِث الحبطة بن عمرو ابن تميم، قَالُوا: لا، ثُمَّ مكث غير طويل، فَقَالَ: أجاء عباد؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فهل هاهنا عبس بن طلق بن رَبِيعَة بن عَامِر بن بسطام بن الحكم ابن ظالم بن صريم بن الْحَارِث بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد؟ فَقَالُوا: نعم، فدعاه، فانتزع معجرا فِي رأسه، ثُمَّ جثا عَلَى ركبتيه، فعقده فِي رمح ثُمَّ دفعه إِلَيْهِ، فَقَالَ: سر قَالا: فلما ولي قَالَ: اللَّهُمَّ لا تخزها الْيَوْم، فإنك لم تخزها فِيمَا مضى وصاح الناس: هاجت زبراء- وزبراء أمة للأحنف، وإنما كنوا بِهَا عنه- قَالا: فلما سار عبس جَاءَ عباد فِي ستين فارسا فسأل، مَا صنع الناس؟ فَقَالُوا: ساروا، قَالَ: ومن عَلَيْهِم؟ قَالُوا: عبس بن طلق الصريمي، فَقَالَ عباد: أنا أسير تحت لواء عبس! فرجع والفرسان إِلَى أهله.
فَحَدَّثَنِي زهير، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ريحانة العريني، قَالَ: كنت يوم قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عَبْدِ اللَّهِ السعدي أعدو حَتَّى بلغنا شريعة القديم.
قَالَ إِسْحَاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواه السكك وقفوا، فَقَالَ لَهُمْ ماه أفريذون بالفارسية: ما لكم يَا معشر الفتيان؟ قَالُوا: تلقونا بأسنة الرماح، فَقَالَ لَهُمْ بالفارسية: صكوهم بالفنجقان- أي بخمس نشابات فِي رميه، بالفارسيه- والأساورة أربعمائة، فصكوهم بألفي نشابة فِي دفعة، فأجلوا عن أبواب السكك، وقاموا عَلَى باب المسجد، ودلفت التميمية إِلَيْهِم، فلما بلغوا الأبواب وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لكم؟ قَالُوا: أسندوا إلينا أطراف رماحهم، قَالَ: ارموهم أَيْضًا، فرموهم بألفي نشابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجد، فأقبلوا ومسعود يخطب عَلَى الْمِنْبَر ويحضض، فجعل غطفان بن أنيف بن يَزِيدَ بن فهدة، أحد بني كعب بن عَمْرو بن
(5/519)

تميم، وَكَانَ يَزِيد بن فهدة فارسا فِي الجاهلية يقاتل ويحض قومه ويرتحز:
يال تميم إنها مذكوره ... إن فات مسعود بِهَا مشهوره
فاستمسكوا بجانب المقصوره.
أي لا يهرب فيفوت.
قَالَ إِسْحَاق بن يَزِيدَ: فأتوا مسعودا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر يحض، فاستنزلوه فقتلوه، وَذَلِكَ فِي أول شوال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شَيْئًا، فانهزموا.
وبادر أشيم بن شقيق القوم بباب المقصورة هاربا، فطعنه أحدهم، فنجا بِهَا، ففي ذَلِكَ يقول الفرزدق:
لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا ... وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد
إذا لصاحب مسعودا وصاحبه ... وَقَدْ تهافتت الأعفاج والكبد
قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي سلام بن أبي خيرة، وسمعته أَيْضًا من أبي الخنساء كسيب العنبري يحدث فِي حلقه يونس، قالا: سمعنا الحسن ابن أبي الْحَسَن يقول فِي مجلسه فِي مسجد الأمير: فاقبل مسعود من هاهنا- وأشار بيده إِلَى منازل الأزد فِي أمثال الطير- معلما بقباء ديباج أصفر مغير بسواد، يأمر الناس بالسنة، وينهى عن الْفِتْنَة: أَلا إن من السنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القمر القمر، فو الله مَا لبثوا إلا ساعة حَتَّى صار قمرهم قميرا، فأتوه فاستنزلوه عن الْمِنْبَر وَهُوَ عَلَيْهِ- قَدْ علم اللَّه- فقتلوه.
قَالَ سلام فِي حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من هاهنا- وأشار بيده إِلَى دور بني تميم
(5/520)

قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي مسلمة بن محارب، قَالَ: فأتوا عُبَيْد اللَّهِ فَقَالُوا: قَدْ صعد مسعود المنبر، ولم يرم دون الدار بكثاب، فبيناه فِي ذَلِكَ يتهيأ ليجيء إِلَى الدار، إذ جاءوا فَقَالُوا: قَدْ قتل مسعود، فاغترز فِي ركابه فلحق بِالشَّامِ، وَذَلِكَ فِي شوال سنة أربع وستين قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي رواد الكعبي، قَالَ: فأتى مالك بن مسمع أناس من مضر، فحصروه فِي داره، وحرقوا، ففي ذَلِكَ يقول غطفان بن أنيف الكعبي فِي أرجوزة:
وأصبح ابن مسمع محصورا ... يبغي قصورا دونه ودورا
حَتَّى شببنا حوله السعيرا.
ولما هرب عُبَيْد اللَّهِ بن زياد اتبعوه، فأعجز الطلبه، فانتهبوا مَا وجدوا لَهُ، ففي ذَلِكَ يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن منقر بن عبيد بن الْحَارِث بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد:
يَا رب جبار شديد كلبه ... قَدْ صار فينا تاجه وسلبه
مِنْهُمْ عُبَيْد اللَّهِ حين نسلبه ... جياده وبزه وننهبه
يوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زياد هربه
وَقَالَ جرهم بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قيس، أحد بني العدوية فِي قتل مسعود فِي كلمة طويلة:
ومسعود بن عَمْرو إذ أتانا ... صبحنا حد مطرور سنينا
رجا التأمير مسعود فأضحى ... صريعا قَدْ أزرناه المنونا
قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير: وأما عمر، فإنه حَدَّثَنِي فِي أمر خروج عُبَيْد اللَّهِ إِلَى الشام، قَالَ: حَدَّثَنِي زهير، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن جرير بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن الخريت، قَالَ: بعث مسعود مع ابن زياد
(5/521)

مائة من الأزد، عَلَيْهِم قرة بن عَمْرو بن قيس، حَتَّى قدموا بِهِ الشام.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصم النبيل، عَنْ عَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ وخلاد بن يَزِيدَ الباهلي والوليد بن هِشَام، عن عمه، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هبيرة، عن يساف بن شريح اليشكري، قَالَ، وحدثنيه عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ، قَالَ- قَدِ اختلفوا فزاد بعضهم عَلَى بعض- إن ابن زياد خرج مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ ذات ليلة: إنه قَدْ ثقل علي ركوب الإبل، فوطئوا لي عَلَى ذي حافر، قَالَ: فألقيت لَهُ قطيفة عَلَى حمار، فركبه وإن رجليه لتكادان تخدان فِي الأرض قَالَ اليشكري: فإنه ليسير أمامي إذ سكت سكتة فأطالها، فقلت فِي نفسي: هَذَا عُبَيْد اللَّهِ أَمِير العراق أمس نائم الساعة عَلَى حمار، لو قَدْ سقط مِنْهُ أعنته، ثُمَّ قلت: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نائما لأنغصن عَلَيْهِ نومه، فدنوت مِنْهُ، فقلت: أنائم أنت؟ قَالَ: لا، قلت: فما أسكتك؟
قَالَ: كنت أحدث نفسي، قلت: أفلا أحدثك مَا كنت تحدث بِهِ نفسك؟ قَالَ: هات، فو الله مَا أراك تكيس وَلا تصيب، قَالَ: قلت: كنت تقول: ليتني لم أقتل الْحُسَيْن، قَالَ: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت، قَالَ: وماذا؟ قلت: كنت تقول: ليتني لم أكن بنيت البيضاء، قَالَ: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدهاقين، قال: وماذا؟
قلت: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنت، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نطقت بصواب، وَلا سكت عن خطإ، أما الْحُسَيْن فإنه سار إلي يريد قتلي، فاخترت قتله عَلَى أن يقتلني، وأما البيضاء فإني اشتريتها من عَبْد اللَّهِ بن عُثْمَانَ الثقفي، وأرسل يَزِيد بألف ألف فأنفقتها عَلَيْهَا، فإن بقيت فلأهلي، وإن هلكت لم آس عَلَيْهَا مما لم أعنف فِيهِ، وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة وزاذان فروخ وقعا فِيّ عِنْدَ مُعَاوِيَة حَتَّى ذكرا قشور الأرز، فبلغا بخراج العراق مائه الف الف، فخيرني معاويه بين الضمان والعزل، فكرهت العزل،
(5/522)

فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدمت إِلَيْهِ أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركته تركت مال اللَّه وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون فِي المطالبه منكم، مع انى قد جعلتكم أمناء عَلَيْهِم لئلا يظلموا أحدا وأما قولك في السخاء، فو الله مَا كَانَ لي مال فأجود بِهِ عَلَيْكُمْ، ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت بِهِ بعضكم دون بعض، فيقولون:
مَا أسخاه! ولكني عممتكم، وَكَانَ عندي أنفع لكم وأما قولك: ليتني لم أكن قتلت من قتلت، فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هُوَ أقرب إِلَى اللَّهِ عندي من قتلي من قتلت من الخوارج، ولكني سأخبرك بِمَا حدثت بِهِ نفسي، قلت: ليتني كنت قاتلت أهل الْبَصْرَة، فإنهم بايعوني طائعين غير مكرهين، وايم اللَّه لقد حرصت عَلَى ذَلِكَ، ولكن بني زياد أتوني فَقَالُوا:
إنك إذا قاتلتهم فظهروا عَلَيْك لم يبقوا منا أحدا، وان تركتهم تغيب الرجل منا عِنْدَ أخواله وأصهاره، فرفقت لَهُمْ فلم أقاتل وكنت أقول: ليتني كنت أخرجت اهل السجن فضربت أعناقهم، فاما إذ فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام ولم يبرموا أمرا.
قَالَ بعضهم: فقدم الشام ولم يبرموا أمرا، فكأنما كَانُوا مَعَهُ صبيانا، وَقَالَ بعضهم: قدم الشام وَقَدْ أبرموا، فنقض مَا أبرموا إِلَى رأيه.
وفي هَذِهِ السنة طرد أهل الْكُوفَة عَمْرو بن حريث وعزلوه عَنْهُمْ، واجتمعوا عَلَى عَامِر بن مسعود
. ذكر الخبر عن عزلهم عَمْرو بن حريث وتأميرهم عامرا
قَالَ أَبُو جَعْفَر: ذكر الهيثم بن عدي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عَيَّاش، قَالَ:
(5/523)

كَانَ أول من جمع لَهُ المصران: الْكُوفَة والبصرة زيادا وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفا، وحبس عُبَيْد اللَّهِ مِنْهُمْ أربعة آلاف، فلما هلك يَزِيد قام خطيبا، فَقَالَ: إن الَّذِي كنا نقاتل عن طاعته قَدْ مات، فان أمرتموني جبيت فيئكم، وقاتلت عدوكم وبعث بِذَلِكَ إِلَى أهل الْكُوفَة مقاتل ابن مسمع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته عَلَى الْكُوفَة عَمْرو بن حريث، فقاما بِذَلِكَ، فقام يَزِيد بن الْحَارِث بن رويم الشيباني فَقَالَ:
الحمد لِلَّهِ الَّذِي أراحنا من ابن سمية، لا وَلا كرامة! فأمر بِهِ عَمْرو فلبب ومضي بِهِ إِلَى السجن، فحالت بكر بينهم وبينه، فانطلق يَزِيد إِلَى أهله خائفا، فأرسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الأشعث: أنك عَلَى رأيك، وتتابعت عَلَيْهِ الرسل بِذَلِكَ، وصعد عَمْرو الْمِنْبَر فحصبوه، فدخل داره، واجتمع الناس فِي المسجد فَقَالُوا: نؤمر رجلا إِلَى أن يجتمع الناس على خليفه، فاجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء همدان يبكين حسينا، ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر، فَقَالَ مُحَمَّد بن الأشعث: جَاءَ أمر غير مَا كنا فِيهِ، وكانت كنده تقوم بأمر عمر بن سعد لانهم أخواله، فاجتمعوا على عامر ابن مسعود، وكتبوا بِذَلِكَ إِلَى ابن الزُّبَيْر، فأقره.
وأما عوانة بن الحكم، فإنه قال فيما ذكر هِشَام بن مُحَمَّد عنه: لما بايع أهل الْبَصْرَة عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بعث وافدين من قبله إِلَى الْكُوفَةِ: عَمْرو بن مسمع، وسعد بن القرحا التميمي، ليعلم أهل الْكُوفَة مَا صنع أهل الْبَصْرَة، ويسألانهم البيعة لعبيد اللَّه بن زياد، حَتَّى يصطلح الناس، فجمع الناس عَمْرو بن حريث، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن هَذَيْنِ الرجلين قَدْ أتياكم من قبل أميركم يدعوانكم إِلَى أمر يجمع اللَّه بِهِ كلمتكم، ويصلح بِهِ ذات بينكم، فاسمعوا منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما برشد مَا أتياكم.
فقام عَمْرو بن مسمع، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وذكر أهل الْبَصْرَة واجتماع رأيهم عَلَى تأمير عُبَيْد اللَّهِ بن زياد حَتَّى يرى الناس رأيهم فيمن يولون عليهم،
(5/524)

وَقَدْ جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم فيكون أميرنا وأميركم واحدا، فإنما الْكُوفَة مِنَ الْبَصْرَةِ والبصرة من الْكُوفَة، وقام ابن القرحا فتكلم نحوا من كلام صاحبه.
قَالَ: فقام يَزِيد بن الْحَارِث بن يَزِيدَ الشيباني- وَهُوَ ابن رويم- فحصبهما أول الناس، ثُمَّ حصبهما الناس بعد، ثُمَّ قَالَ: أنحن نبايع لابن مرجانة! لا وَلا كرامة، فشرفت تِلَكَ الفعلة يَزِيد فِي المصر ورفعته، ورجع الوفد إِلَى الْبَصْرَة فأعلم الناس الخبر فَقَالُوا: أهل الْكُوفَة يخلعونه، وَأَنْتُمْ تولونه وتبايعونه! فوثب بِهِ الناس، وَقَالَ: مَا كَانَ فِي ابن زياد وصمة إلا استجارته بالأزد.
قَالَ: فلما نابذه الناس استجار بمسعود بن عَمْرو الأَزْدِيّ، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يَوْمًا بعد موت يَزِيد، ثُمَّ خرج إِلَى الشام، وبعثت الأزد وبكر ابن وائل رجالا مِنْهُمْ مَعَهُ حَتَّى أوردوه الشام، فاستخلف حين توجه إِلَى الشام مسعود بن عَمْرو عَلَى الْبَصْرَة، فَقَالَتْ بنو تميم وقيس: لا نرضى وَلا نجيز وَلا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا، فَقَالَ مسعود: فقد استخلفني فلا أدع ذَلِكَ أبدا، فخرج فِي قومه حَتَّى انتهى إِلَى القصر فدخله، واجتمعت تميم إِلَى الأحنف بن قيس فَقَالُوا لَهُ: إن الأزد قد دخلوا المسجد، قَالَ: ودخل المسجد فمه! إنما هُوَ لكم ولهم، وَأَنْتُمْ تدخلونه، قَالُوا: فإنه قَدْ دخل القصر، فصعد الْمِنْبَر وكانت خوارج قَدْ خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عُبَيْد اللَّهِ بن زياد إِلَى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إِلَيْهِم إن هَذَا الرجل الَّذِي قَدْ دخل القصر لنا ولكم عدو، فما يمنعكم من أن تبدءوا بِهِ! فجاءت عصابة مِنْهُمْ حَتَّى دخلوا المسجد، ومسعود بن عَمْرو عَلَى الْمِنْبَر يبايع من أتاه، فيرميه علج يقال لَهُ: مسلم من أهل فارس، دخل الْبَصْرَة فأسلم ثُمَّ دخل فِي الخوارج، فأصاب قلبه فقتله وخرج، وجال الناس بعضهم فِي بعض فَقَالُوا: قتل مسعود بن عَمْرو، قتلته الخوارج، فخرجت الأزد إِلَى تِلَكَ الخوارج فقتلوا مِنْهُمْ وجرحوا، وطردوهم عن الْبَصْرَة، ودفنوا مسعودا، فجاءهم الناس فَقَالُوا لَهُمْ: تعلمون أن بني تميم يزعمون أَنَّهُمْ قتلوا مسعود بن عَمْرو، فبعثت الأزد تسأل عن ذَلِكَ، فإذا أناس مِنْهُمْ يقولونه، فاجتمعت الأزد عِنْدَ ذَلِكَ فرأسوا عَلَيْهِم زياد بن عَمْرو العتكي، ثُمَّ ازدلفوا إِلَى بني تميم
(5/525)

وخرجت مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم وأقبلت تميم إِلَى الأحنف يقولون: قَدْ جَاءَ القوم، اخرج وَهُوَ متمكث، إذ جاءته امرأة من قومه بمجمر فَقَالَتْ: يَا أحنف اجلس عَلَى هَذَا، أي إنما أنت امرأة، فَقَالَ: استك أحق بِهَا، فما سمع منه بعد كلمه كانت رافث منها، وَكَانَ يعرف بالحلم ثُمَّ إنه دعا برايته فَقَالَ: اللَّهُمَّ انصرها وَلا تذللها، وإن نصرتها أَلا يظهر بِهَا وَلا يظهر عَلَيْهَا، اللَّهُمَّ احقن دماءنا، وأصلح ذات بيننا ثُمَّ سار وسار ابن أخيه إياس بن مُعَاوِيَة بين يديه، فالتقى القوم فاقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين قتلى كثيرة، فَقَالَتْ لَهُمْ بنو تميم: اللَّه اللَّه يَا معشر الأزد فِي دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإِسْلام، فإن كَانَتْ لكم علينا بينة أنا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينه فانا نحلف بِاللَّهِ مَا قتلنا وَلا أمرنا، وَلا نعلم لصاحبكم قاتلا، وإن لم تريدوا ذَلِكَ فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس فِي وجوه مضر إِلَى زياد بن عَمْرو العتكي، فَقَالَ:
يَا معشر الأزد، أنتم جيرتنا فِي الدار، وإخوتنا عِنْدَ القتال، وَقَدْ آتيناكم فِي رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسل سخيمتكم، ولكم الحكم مرسلا، فقولوا عَلَى أحلامنا وأموالنا، فإنه لا يتعاظمنا ذهاب شَيْء من أموالنا كَانَ فِيهِ صلاح بيننا، فَقَالُوا: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ قَالَ: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا، فَقَالَ الهيثم بن الأَسْوَدِ:
أعلى بمسعود الناعي فقلت لَهُ ... نعم اليماني تجروا عَلَى الناعي
أوفى ثمانين مَا يسطيعه أحد ... فتى دعاه لرأس العده الداعي
آوى ابن حرب وَقَدْ سدت مذاهبه ... فأوسع السرب مِنْهُ أي إيساع
حَتَّى توارت بِهِ أرض وعامرها ... وَكَانَ ذا ناصر فِيهَا وأشياع
(5/526)

وقال عبيد الله بن الحر:
ما زلت أرجو الأزد حَتَّى رأيتها ... تقصر عن بنيانها المتطاول
أيقتل مسعود ولم يثأروا بِهِ ... وصارت سيوف الأزد مثل المناجل
وما خير عقل أورث الأزد ذلة ... تسب بِهِ أحياؤهم فِي المحافل
عَلَى أَنَّهُمْ شمط كأن لحاهمُ ... ثعالب فِي أعناقها كالجلاجل
واجتمع أهل الْبَصْرَة عَلَى أن يجعلوا عَلَيْهِم مِنْهُمْ أميرا يصلي بهم حَتَّى يجتمع الناس عَلَى إمام، فجعلوا عَبْد الْمَلِكِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِر شهرا، ثُمَّ جعلوا ببة- وَهُوَ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث بن عبد المطلب- فصلى بهم شهرين، ثُمَّ قدم عَلَيْهِم عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر من قبل ابن الزُّبَيْر، فمكث شهرا، ثُمَّ قدم الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ المخزومي بعزله، فوليها الْحَارِث وَهُوَ القباع.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأما عُمَر بن شَبَّةَ، فإنه حَدَّثَنِي فِي أمر عَبْد الْمَلِكِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِر بن كريز وأمر ببة ومسعود وقتله، وأمر عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ غير مَا قَالَ هِشَام عن عوانة والذي حَدَّثَنِي عُمَر بن شَبَّةَ فِي ذَلِكَ أنه قَالَ:
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن أبي مقرن عُبَيْد اللَّهِ الدهني، قَالَ: لما بايع الناس ببة ولى ببة شرطته هميان بن عدي، وقدم عَلَى ببة بعض أهل الْمَدِينَة، وأمر هميان بن عدي بإنزاله قريبا مِنْهُ، فأتى هميان دارا للفيل مولى زياد الَّتِي فِي بني سليم وهم بتفريغها لينزلها إِيَّاهُ، وَقَدْ كَانَ هرب وأقفل أبوابه، فمنعت بنو سليم هميان حَتَّى قاتلوه، واستصرخوا عَبْد الْمَلِكِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِر بن كريز، فأرسل بخاريته ومواليه فِي السلاح حَتَّى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عَبْد الْمَلِكِ من الغد إِلَى دار الإمارة ليسلم عَلَى ببة، فلقيه عَلَى الباب رجل من بني قيس بن ثعلبة، فَقَالَ: أنت المعين علينا بالأمس! فرفع يده فلطمه، فضرب قوم من البخارية يد القيسي فأطارها، ويقال: بل سلم القيسي، وغضب ابن عَامِر فرجع، وغضبت لَهُ مضر فاجتمعت وأتت بكر بن
(5/527)

وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل وَمَعَهُ مالك بن مسمع حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَقَالَ: أي مضري وجدتموه فاسلبوه وزعم بنو مسمع أن مالكا جَاءَ يَوْمَئِذٍ متفضلا فِي غير سلاح ليرد أشيم عن رأيه ثُمَّ انصرفت بكر وَقَدْ تحاجزوا هم والمضرية، واغتنمت الأزد ذَلِكَ، فحالفوا بكرا، وأقبلوا مع مسعود إِلَى الْمَسْجِدِ الجامع، وفزعت تميم إِلَى الأحنف، فعقد عمامته عَلَى قناة، ودفعها إِلَى سلمة بن ذؤيب الرياحي، فأقبل بين يديه الأساورة حَتَّى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزلوه فقتلوه، وزعمت الأزد أن الأزارقة قتلوه، فكانت الْفِتْنَة، وسفر بينهم عُمَر بن عُبَيْد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الْحَارِث بن هِشَام حَتَّى رضيت الأزد من مسعود بعشر ديات، ولزم عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث بيته، وَكَانَ يتدين، وَقَالَ: مَا كنت لأصلح الناس بفساد نفسي.
قَالَ عمر: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فكتب أهل الْبَصْرَة إِلَى ابن الزُّبَيْر، فكتب إِلَى أنس بن مالك يأمره بالصلاة بِالنَّاسِ، فصلى بهم أربعين يَوْمًا.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كتب ابن الزبير الى عمر ابن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر التيمي بعهده عَلَى الْبَصْرَة، ووجه بِهِ إِلَيْهِ، فوافقه وَهُوَ متوجه يريد العمرة، فكتب إِلَى عُبَيْد اللَّهِ يأمره أن يصلي بِالنَّاسِ، فصلى بهم حَتَّى قدم عمر.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن جرير، قال: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بن الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ الناس اصطلحوا عَلَى عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث الهاشمي، فولى أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إِلَى الأهواز، فَقَالَ الناس لعبد اللَّه: إن الناس قَدْ أكل بعضهم بعضا، تؤخذ المرأة من الطريق فلا يمنعها أحد حَتَّى تفضح، قَالَ: فتريدون ماذا؟
قَالُوا: تضع سيفك، وتشد عَلَى الناس، قَالَ: مَا كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يَا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثُمَّ لحق بأهله، وأمر الناس عَلَيْهِم عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر التيمي، قَالَ أبي، عن الصعب بن زيد:
(5/528)

أن الجارف وقع وعبد اللَّه عَلَى الْبَصْرَة، فماتت أمه فِي الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حَتَّى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إِلَى حفرتها، وَهُوَ الأمير يَوْمَئِذٍ.
حَدَّثَنِي عمر، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد، قال: كَانَ ببة قَدْ تناول فِي عمله عَلَى الْبَصْرَة أربعين ألفا من بيت المال، فاستودعها رجلا، فلما قدم عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ أميرا أخذ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث فحبسه، وعذب مولى لَهُ فِي ذَلِكَ المال حَتَّى أغرمه إِيَّاهُ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن مُحَمَّد، عن القافلانى، عن يزيد ابن عَبْدِ اللَّهِ بن الشخير، قَالَ: قلت لعبد اللَّه بن الْحَارِث بن نوفل: رأيتك زمان استعملت علينا أصبت من المال، واتقيت الدم، فَقَالَ: إن تبعة المال أهون من تبعة الدم
. ذكر الخبر عن ولايه عامر بن مسعود على الكوفه
وفي هَذِهِ السنة ولى أهل الْكُوفَة عَامِر بن مسعود امرهم، فذكر هشام ابن مُحَمَّد الكلبي، عن عوانة بن الحكم، أَنَّهُمْ لما ردوا وافدي أهل الْبَصْرَة اجتمع أشراف أهل الْكُوفَة، فاصطلحوا عَلَى أن يصلي بهم عَامِر بن مسعود- وَهُوَ عَامِر بن مسعود بن خلف القرشي، وَهُوَ دحروجة الجعل الَّذِي يقول فِيهِ عَبْد اللَّهِ بن همام السلولي:
اشدد يديك بزَيْد إن ظفرت بِهِ ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل
وَكَانَ قصيرا- حَتَّى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يَزِيد بن مُعَاوِيَة، ثُمَّ قدم عَلَيْهِم عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ الأَنْصَارِيّ ثُمَّ الخطمي عَلَى الصَّلاة، وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ عَلَى الخراج، فاجتمع
(5/529)

لابن الزُّبَيْر أهل الْكُوفَة وأهل الْبَصْرَة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشام، وأهل الجزيرة الا اهل الأردن.

خلافه مروان بن الحكم
وفي هَذِهِ السنة بويع لمروان بن الحكم بالخلافة بِالشَّامِ.
ذكر السبب فِي البيعة لَهُ:
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
لَمَّا بُويِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَّى الْمَدِينَةَ عُبَيْدَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَمٍ الْفِهْرِيَّ مِصْرَ، وَأَخْرَجَ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ إِلَى الشَّامِ- وَعَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ- فَلَمَّا قَدِمَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ بِمَا خَلَفَ عَلَيْهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فأبى فقال له ولبنى اميه: نَرَاكُمْ فِي اخْتِلاطٍ شَدِيدٍ، فَأَقِيمُوا أَمْرَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ شَامَكُمْ، فَتَكُونَ فِتْنَةً عَمْيَاءَ صَمَّاءَ، فَكَانَ مِنْ رَأْيِ مَرْوَانَ أَنْ يَرْحَلَ فَيَنْطَلِقَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَيُبَايِعَهُ، فَقَدِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَاجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ مَا يُرِيدُ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَحْيَيْتُ لَكَ مِمَّا تُرِيدُ! أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، تَصْنَعُ مَا تَصْنَعُهُ! فَقَالَ: مَا فَاتَ شَيْءٌ بَعْدُ، فَقَامَ مَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ وَمَوَالِيهِمْ، وَتَجَمَّعَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَسَارَ وَهُوَ يَقُولُ: مَا فَاتَ شَيْءٌ بَعْدُ، فَقَدِمَ دِمَشْقَ وَمَنْ مَعَهُ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ قَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ، وَيُقِيمَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَمْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
وَأَمَّا عَوَانَةُ فَإِنَّهُ قَالَ- فِيمَا ذَكَرَ هِشَامٌ عَنْهُ- إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَمَرَ بَعْدَ وِلايَتِهِ فَنُودِيَ بِالشَّامِ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ! فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِكُمْ فَضَعُفْتُ عَنْهُ، فَابْتَغَيْتُ لَكُمْ رَجُلا مِثْلَ عُمَرَ بن
(5/530)

الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ فَزِعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَابْتَغَيْتُ لَكُمْ سِتَّةً فِي الشُّورَى مِثْلَ سِتَّةَ عُمَرَ، فَلَمْ أَجِدْهَا، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِأَمْرِكُمْ، فَاخْتَارُوا لَهُ مَنْ أَحْبَبْتُمْ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، وَتَغَيَّبَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: دُسَّ إِلَيْهِ فَسُقِيَ سُمًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: طُعِنَ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ عَوَانَةَ ثُمَّ قَدِمَ عُبَيْدُ الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك ابن قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، فَثَارَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلابِيُّ بِقِنَّسْرِينَ يُبَايِعُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَايَعَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ بِحِمْصَ لابْنِ الزُّبَيْرِ، وكان حسان ابن مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ بِفِلَسْطِينَ عَامِلا لِمُعَاوِيَةَ بن ابى سفيان، ثم ليزيد ابن مُعَاوِيَةَ بَعْدَهُ، وَكَانَ يَهْوَى هَوَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ سَيِّدَ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، فَدَعَا حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيَّ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَخْلِفُكَ عَلَى فِلَسْطِينَ، وَأَدْخُلَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، وَلَسْتَ بِدُونِ رجل إذ كنت عينهم قَاتَلْتَ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ وَخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى الأُرْدُنِّ وَاسْتَخْلَفَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَثَارَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ بِرَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ فَأَخْرَجَهُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى فِلَسْطِينَ، وَبَايَعَ لابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَنْفِيَ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَنُفُوا بِعِيَالاتِهِمْ وَنِسَائِهِمْ إِلَى الشَّامِ، فَقَدِمَتْ بَنُو أُمَيَّةَ دِمَشْقَ وَفِيهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَكَانَ النَّاسُ فَرِيقَيْنِ:
حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ بِالأُرْدُنِّ يَهْوَى هَوَى بَنِي اميه، ويدعو اليهم، والضحاك ابن قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ بِدِمَشْقَ يَهْوَى هَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ.
قَالَ: فَقَامَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ بِالأُرْدُنِّ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الأُرْدُنِّ، مَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلَى قَتْلَى أَهْلِ الْحَرَّةِ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ مُنَافِقٌ وَأَنَّ قَتْلَى أَهْلِ الْحَرَّةِ فِي النَّارِ، قَالَ: فَمَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقَتْلاكُمْ بِالْحَرَّةِ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ يَزِيدَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ دِينُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ حَيٌّ حَقًّا يَوْمَئِذٍ إِنَّهُ الْيَوْمَ وَشِيعَتَهُ عَلَى حَقٍّ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَشِيعُتُهُ عَلَى بَاطِلٍ إِنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى بَاطِلٍ وَشِيعَتَهُ، قَالُوا لَهُ: قَدْ صَدَقْتَ، نَحْنُ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ نُقَاتِلَ مَنْ
(5/531)

خَالَفَكَ مِنَ النَّاسِ، وَأَطَاعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، عَلَى أَنْ تُجَنِّبْنَا هَذَيْنِ الْغُلامَيْنِ، فَإِنَّا نَكْرَهُ ذَلِكَ- يَعْنُونَ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَبْدَ اللَّهِ وَخَالِدًا- فَإِنَّهُمَا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمَا، وَنَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَنَا النَّاسُ بِشَيْخٍ وَنَأْتِيَهُمْ بِصَبِيٍّ وَقَدْ كَانَ الضحاك ابن قَيْسٍ بِدِمَشْقَ يَهْوَى هَوَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا بِحَضْرَتِهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ فِي ذَلِكَ سِرًّا، فبلغ ذلك حسان بن مالك ابن بَحْدَلٍ، فَكَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ كِتَابًا يُعَظِّمُ فِيهِ حَقَّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَيَذْكُرُ الطَّاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَحُسْنَ بَلاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَهُ وَصَنِيعَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِمْ، وَيَذْكُرُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَيَقَعُ فِيهِ وَيَشْتُمُهُ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ، قَدْ خَلَعَ خَلِيفَتَيْنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ عَلَى النَّاسِ وَدَعَا رَجُلا مِنْ كَلْبٍ يُدْعَى نَاغِضَةَ فَسَرَّحَ بِالْكِتَابِ مَعَهُ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ نُسْخَةَ ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَدَفَعَهُ إِلَى نَاغِضَةَ، وَقَالَ: إِنْ قَرَأَ الضَّحَّاكُ كِتَابِي عَلَى النَّاسِ وَإِلا فَقُمْ فَاقْرَأْ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى النَّاسِ، وَكَتَبَ حَسَّانٌ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا ذَلِكَ، فَقَدِمَ نَاغِضَةُ بِالْكِتَابِ عَلَى الضَّحَّاكِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ وَدَفَعَ كِتَابَ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الضَّحَّاكُ الْمِنْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ نَاغِضَةُ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ! ادْعُ بِكِتَابِ حَسَّانٍ فَاقْرَأْهُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ:
اجْلِسْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَلَمَّا رَآهُ نَاغِضَةُ لا يَفْعَلْ أَخْرَجَ الْكِتَابَ الَّذِي مَعَهُ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، فَقَامَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصَدَّقَ حَسَّانًا وَكَذَّبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَشَتَمَهُ، وَقَامَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي النَّمَسِ الْغَسَّانِيُّ، فَصَدَّقَ مَقَالَةَ حَسَّانٍ وَكِتَابَهُ، وَشَتَمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَقَامَ سُفْيَانُ بْنُ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ فَصَدَّقَ مَقَالَةَ حَسَّانٍ وَكِتَابَهُ، وَشَتَمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ.
وَقَامَ عمرو بن يزيد الحكمي فشتم حسان وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاضْطَرَبَ النَّاسُ تَبَعًا لَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ الضَّحَّاكُ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ويزيد بن ابى النمس وسفيان
(5/532)

ابن الأَبْرَدِ الَّذِينَ كَانُوا صَدَّقُوا مَقَالَةَ حَسَّانٍ وَشَتَمُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَحُبِسُوا، وَجَالَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَوَثَبَتْ كَلْبٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْحَكَمِيِّ فَضَرَبُوهُ وَحَرَّقُوهُ بِالنَّارِ، وَخَرَّقُوا ثِيَابَهُ.
وَقَامَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَصَعِدَ مِرْقَاتَيْنِ مِنَ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَكَلَّمَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بِكَلامٍ أَوْجَزَ فِيهِ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ، وَسَكَنَ النَّاسُ وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ دَخَلَ فَجَاءَتْ كَلْبٌ فَأَخْرَجُوا سُفْيَانَ بْنَ الأَبْرَدِ، وَجَاءَتْ غَسَّانُ فَأَخْرَجُوا يَزِيدَ بْنَ أَبِي النَّمَسِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ: لَوْ كُنْتُ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَسَّانَ أُخْرِجْتُ.
قَالَ: فَجَاءَ ابْنَا يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: خَالِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، مَعَهُمَا أَخْوَالُهُمَا مِنْ كَلْبٍ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ السِّجْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ جَيْرُونَ الأَوَّلِ.
وَأَقَامَ النَّاسُ بِدِمَشْقَ، وَخَرَجَ الضَّحَّاكُ إِلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَجَلَسَ فِيهِ فَذَكَرَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَوَقَعَ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ شَابٌّ مِنْ كَلْبٍ بِعَصًا مَعَهُ فَضَرَبَهُ بِهَا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ فِي الْحَلَقِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، فَقَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاقْتَتَلُوا، قَيْسٌ تَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَنُصْرَةِ الضَّحَّاكِ، وَكَلْبٌ تَدْعُو إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ ثُمَّ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَيَتَعَصَّبُونَ لِيَزِيدَ، وَدَخَلَ الضَّحَّاكُ دَارَ الإِمَارَةِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى صَلاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ مِنَ الأَجْنَادِ نَاسٌ يَهْوَوْنَ هَوَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَنَاسٌ يَهْوَوْنَ هَوَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَبَعَثَ الضَّحَّاكُ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَذَكَرَ حُسْنَ بَلائِهِمْ عِنْدَ مَوَالِيهِ وَعِنْدَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
قَالَ: فَتَكْتُبُونَ إِلَى حَسَّانٍ وَنَكْتُبُ، فَيَسِيرُ مِنَ الأُرْدُنِّ حَتَّى يَنْزِلَ الْجَابِيَةَ، وَنَسِيرُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ حَتَّى نُوَافِيَهُ بِهَا، فَنُبَايِعَ لِرَجُلٍ مِنْكُمْ، فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ، وَكَتَبُوا إِلَى حَسَّانٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ، وَخَرَجَ النَّاسُ وَخَرَجَتْ بَنُو أُمَيَّةَ وَاسْتُقْبِلَتِ الرَّايَاتُ، وَتَوَجَّهُوا يُرِيدُونَ الْجَابِيَةَ، فَجَاءَ ثَوْرُ بْنُ معن بن يزيد ابن الأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ إِلَى الضَّحَّاكِ، فَقَالَ: دَعَوْتَنَا إِلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَايَعْنَاكَ
(5/533)

عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى هَذَا الأَعْرَابِيِّ من كلب تستخلف ابن أخيه خالد ابن يَزِيدَ! فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ نُظْهِرَ مَا كُنَّا نُسِرُّ وَنَدْعُو إِلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَنُقَاتِلُ عَلَيْهَا، فَمَالَ الضَّحَّاكُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ فَعَطَفَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بِمَرْجِ رَاهِطٍ بَيْنَ الضحاك بن قيس ومروان ابن الْحَكَمِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: بُويِعَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ مَرْوَانُ بِالشَّامِ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى أَطْمَعَهُ فِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَرَئِيسُهَا، يَلِي عَلَيْكَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ! فَذَلِكَ حِينَ كَانَ مَا كَانَ، فَخَرَجَ إِلَى الضَّحَّاكِ فِي جَيْشٍ، فَقَتَلَهُمْ مَرْوَانُ وَالضَّحَّاكُ يَوْمَئِذٍ فِي طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقُتِلَتْ قَيْسٌ بِمَرْجِ رَاهِطٍ مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْ مِثْلَهَا فِي مَوْطِنٍ قَطُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ:
قتل الضحاك يوم مَرْجِ رَاهِطٍ عَلَى أنه يدعو إِلَى عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، وكتب بِهِ إِلَى عَبْد اللَّهِ لما ذكر عنه من طاعته وحسن رأيه.
وَقَالَ غير واحد: كَانَتِ الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان فِي سنة أربع وستين.
وَقَدْ حدثت عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قال: حدثنى موسى ابن يَعْقُوب، عن أبي الحويرث، قَالَ: قَالَ أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخ كبير، وابن يَزِيدَ غلام وابن الزُّبَيْر كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك فِي نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عمر: وَحَدَّثَنِي مُصْعَب بن ثَابِت، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أن الضحاك لما بلغه أن مَرْوَان قَدْ بايعه من بايعه عَلَى الخلافة، بايع من معه
(5/534)

لابن الزُّبَيْر، ثُمَّ سار كل واحد منهما إِلَى صاحبه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحاك وأَصْحَابه.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عمر: وَحَدَّثَنِي ابن أبي الزناد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما ولى الْمَدِينَة عبد الرَّحْمَن بن الضحاك كَانَ فتى شابا، فقال: ان الضحاك ابن قيس قَدْ كَانَ دعا قيسا وغيرها إِلَى البيعة لنفسه، فبايعهم يَوْمَئِذٍ عَلَى الخلافة، فَقَالَ لَهُ زفر بن عقيل الفهري: هَذَا الَّذِي كنا نعرف ونسمع، وإن بني الزُّبَيْر يقولون: إنما كَانَ بايع لعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ، وخرج فِي طاعته حَتَّى قتل، الباطل وَاللَّهِ يقولون، كَانَ أول ذاك أن قريشا دعته إِلَيْهَا، فأبى عَلَيْهَا حَتَّى دخل فِيهَا كارها
. ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث فِي سنة أربع وستين
قَالَ أَبُو جَعْفَر: حَدَّثَنَا نوح بن حبيب، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن عوانة بن الحكم الكلبي، قَالَ: مال الضحاك بن قيس بمن مَعَهُ مِنَ النَّاسِ حين سار يريد الجابية للقاء حسان بن مَالِكٍ، فعطفهم، ثُمَّ أقبل يسير حَتَّى نزل بمرج راهط، وأظهر البيعة لابن الزُّبَيْر وخلع بني أُمَيَّة، وبايعه عَلَى ذَلِكَ جل أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم.
قَالَ: وسارت بنو أُمَيَّة ومن تبعهم حَتَّى وافوا حسان بالجابية، فصلى بهم حسان أربعين يَوْمًا، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك إِلَى النُّعْمَان بن بشير وَهُوَ عَلَى حمص، وإلى زفر بن الْحَارِث وَهُوَ عَلَى قنسرين، وإلى ناتل ابن قيس وَهُوَ عَلَى فلسطين يستمدهم، وكانوا عَلَى طاعة ابن الزُّبَيْر، فأمده النُّعْمَان بشُرَحْبِيل بن ذي الكلاع، وأمده زفر بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، فاجتمعت الأجناد إِلَى الضحاك بالمرج.
وَكَانَ الناس بالجابية لَهُمْ أهواء مختلفة، فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى بني يَزِيد بن مُعَاوِيَة، ويحب أن تكون الخلافة فِيهِمْ، وأما الحصين بن نمير السكوني فكان يهوى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم،
(5/535)

فَقَالَ مالك بن هبيرة لحصين بن نمير: هلم فلنبايع لهذا الغلام الَّذِي نحن ولدنا أباه، وَهُوَ ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كَانَتْ من أَبِيهِ، فإنه يحملنا عَلَى رقاب العرب غدا- يعني خَالِد بن يَزِيدَ- فَقَالَ الحصين: لا، لعمر اللَّه، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي، فَقَالَ مالك: هَذَا ولم تردى تهامه ولما يبلغ الحزام الطبيين، فَقَالُوا: مهلا يَا أَبَا سُلَيْمَان! فَقَالَ لَهُ مالك:
وَاللَّهِ لَئِنِ استخلفت مَرْوَان وآل مَرْوَان ليحسدنك عَلَى سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بِهَا، إن مَرْوَان أَبُو عشيرة، وأخو عشيرة، وعم عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لَهُمْ، ولكن عَلَيْكُمْ بابن أختكم خَالِد، فَقَالَ حصين:
إني رأيت فِي المنام قنديلا معلقا من السماء، وإن من يمد عنقه إِلَى الخلافة تناوله فلم ينله، وتناوله مَرْوَان فناله، وَاللَّهِ لنستخلفنه، فَقَالَ لَهُ مالك:
ويحك يَا حصين! أتبايع لمروان وآل مَرْوَان وأنت تعلم أَنَّهُمْ أهل بيت من قيس! فلما اجتمع رأيهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنكم تذكرون عَبْد اللَّهِ بن عمر ابن الخطاب وصحبته من رسول الله ص، وقدمه فِي الإِسْلام، وَهُوَ كما تذكرون، ولكن ابن عمر رجل ضعيف، وليس بصاحب أمة مُحَمَّد الضعيف، وأما مَا يذكر الناس من عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ ويدعون إِلَيْهِ من أمره فهو وَاللَّهِ كما يذكرون بأنه لابن الزبير حوارى رسول الله ص وابن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وَهُوَ بعد كما تذكرون فِي قدمه وفضله، ولكن ابن الزُّبَيْر منافق، قَدْ خلع خليفتين: يزيد وابنه معاويه ابن يَزِيدَ، وسفك الدماء، وشق عصا الْمُسْلِمِينَ، وليس صاحب امر أمه محمد ص المنافق، واما مروان بن الحكم، فو الله مَا كَانَ فِي الإِسْلام صدع قط إلا كَانَ مَرْوَان ممن يشعب ذَلِكَ الصدع، وَهُوَ الَّذِي قاتل عن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بن عَفَّانَ يوم الدار، والذي قاتل عَلِيّ بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى لِلنَّاسِ أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير-
(5/536)

يعني بالكبير مَرْوَان بن الحكم، وبالصغير خَالِد بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة قَالَ:
فأجمع رأي الناس عَلَى البيعة لمروان، ثُمَّ لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو ابن سَعِيد بن الْعَاصِ من بعد خَالِد، عَلَى ان اماره دمشق لعمرو بن سعيد ابن الْعَاصِ، وإمارة حمص لخالد بن يَزِيدَ بن معاويه قال: فدعا حسان ابن مالك بن بحدل خَالِد بن يَزِيدَ فَقَالَ: أبني أختي، إن الناس قَدْ أبوك لحداثة سنك، وإني وَاللَّهِ مَا أريد هَذَا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مَرْوَان إلا نظرا لكم، فَقَالَ لَهُ خَالِد بن يَزِيدَ: بل عجزت عنا، قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا عجزت عنك، ولكن الرأي لك مَا رأيت ثُمَّ دعا حسان بمروان فَقَالَ:
يَا مَرْوَان، إن الناس وَاللَّهِ مَا كلهم يرضى بك، فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: إن يرد اللَّه أن يعطنيها لا يمنعني إياها أحد من خلقه، وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحد من خلقه قَالَ: فَقَالَ لَهُ حسان: صدقت، وصعد حسان الْمِنْبَر يوم الاثنين، فَقَالَ: يا أيها الناس، إنا نستخلف يوم الخميس إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فلما كَانَ يوم الخميس بايع لمروان، وبايع الناس لَهُ، وسار مَرْوَان إِلَى الجابية فِي الناس حَتَّى نزل مرج راهط عَلَى الضحاك فِي أهل الأردن من كلب، وأتته السكاسك والسكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إِلَى الأردن.
قَالَ: وعلى ميمنته- أعني مَرْوَان- عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ، وعلى ميسرته عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة العقيلي وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وَكَانَ يَزِيد بن أبي النمس الغساني لم يشهد الجابية، وَكَانَ مختبئا بدمشق، فلما نزل مَرْوَان مرج راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق فِي عبيدها، فغلب عَلَيْهَا، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب عَلَى الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح فتح عَلَى بني أُمَيَّة قَالَ: وقاتل مَرْوَان الضحاك عشرين ليلة كَانَ، ثُمَّ هزم أهل المرج، وقتلوا وقتل الضحاك، وقتل يَوْمَئِذٍ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كَانَ مع الضحاك ثمانون رجلا كلهم كَانَ يأخذ القطيفة، والذي كَانَ يأخذ القطيفة يأخذ ألفين فِي العطاء، وقتل أهل الشام يَوْمَئِذٍ مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك
(5/537)

يَوْمَئِذٍ رجل من كلب من بني عليم يقال لَهُ مالك بن يَزِيدَ بن مالك بن كعب، وقتل يَوْمَئِذٍ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعه الشام، وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عَمْرو بن رَبِيعَة بن عَمْرو الجرشي، وقتل ثور بن معن بن يَزِيدَ السلمي، وَهُوَ الَّذِي كَانَ رد الضحاك عن رأيه قَالَ: وجاء برأس الضحاك رجل من كلب، وذكروا أن مَرْوَان حين أتي برأسه ساءه ذَلِكَ وَقَالَ: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت فِي مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! قَالَ: وذكروا أنه مر يَوْمَئِذٍ برجل قتيل فَقَالَ:
وما ضرهم غير حين النفوس ... أي أميري قريش غلب
وَقَالَ مَرْوَان حين بويع لَهُ ودعا إِلَى نفسه:
لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... سيرت غسان لَهُمْ وكلبا
والسكسكيين رجالا غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربا
والقين تمشي فِي الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا
لا تأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيس فقل لا قربا
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو مخنف لوط بن يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رجل من بني عبد ود من أهل الشام، قَالَ: حَدَّثَنِي من شهد مقتل الضحاك ابن قيس، قَالَ: مر بنا رجل من كلب يقال لَهُ زحنة بن عَبْدِ اللَّهِ، كأنما يرمي بالرجال الجداء، مَا يطعن رجلا إلا صرعه، وَلا يضرب رجلا إلا قتله، فجعلت أنظر إِلَيْهِ أتعجب من فعله ومن قتله الرجال، إذ حمل عَلَيْهِ رجل فصرعه زحنة وتركه، فأتيته فنظرت إِلَى المقتول فإذا هُوَ الضحاك بن قيس، فأخذت رأسه فأتيت بِهِ إِلَى مَرْوَان، فَقَالَ: أنت قتلته؟ فقلت: لا، ولكن قتله زحنة بن عَبْدِ اللَّهِ الكلبي، فاعجبه صدقى اياه، وتركي ادعائه، فأمر لي بمعروف، وأحسن إِلَى زحنة
(5/538)

قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، قَالَ: وَاللَّهِ إن راية مَرْوَان يَوْمَئِذٍ لمعي، وإنه ليدفع بنعل سيفه فِي ظهري، وَقَالَ: ادن برايتك لا أبا لك! إن هَؤُلاءِ لو قَدْ وجدوا لَهُمْ حد السيوف انفرجوا انفراج الرأس، وانفراج الغنم عن راعيها قَالَ: وَكَانَ مَرْوَان فِي ستة آلاف، وَكَانَ عَلَى خيله عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وَكَانَ عَلَى الرجال مالك ابن هبيرة، قَالَ عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل: وذكروا أن بشر بن مَرْوَان كَانَتْ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ راية يقاتل بِهَا وَهُوَ يقول:
إن عَلَى الرئيس حقا حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا
قَالَ: وصرع يَوْمَئِذٍ عَبْد الْعَزِيزِ بن مَرْوَان، قَالَ: ومر مَرْوَان يَوْمَئِذٍ برجل من محارب وَهُوَ فِي نفر يسير تحت راية يقاتل عن مَرْوَان، فَقَالَ مَرْوَان: يرحمك اللَّه! لو أنك انضممت بأَصْحَابك، فإني أراك فِي قلة! فَقَالَ: إن معنا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ من الملائكة مددا أضعاف من تأمرنا ننضم إِلَيْهِ، قَالَ: فسر بِذَلِكَ مَرْوَان وضحك، وضم أناسا إِلَيْهِ ممن كَانَ حوله، قَالَ: وخرج الناس منهزمين من المرج إِلَى أجنادهم، فانتهى أهل حمص إِلَى حمص والنعمان بن بشير عَلَيْهَا، فلما بلغ النُّعْمَان الخبر خرج هاربا ليلا وَمَعَهُ امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية، وَمَعَهُ ثقله وولده، فتحير ليلته كلها، وأصبح أهل حمص فطلبوه، وَكَانَ الَّذِي طلبه رجل من الكلاعيين يقال لَهُ عَمْرو بن الخلي فقتله، وأقبل برأس النُّعْمَان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأس فِي حجر أم أبان ابنة النُّعْمَان الَّتِي كَانَتْ تحت الحجاج بن يُوسُفَ بعد.
قَالَ: فَقَالَتْ نائلة: ألقوا الرأس إلي فأنا أحق بِهِ منها، فألقي الرأس فِي حجرها، ثُمَّ أقبلوا بهم وبالرأس حَتَّى انتهوا بهم إِلَى حمص، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها، قَالَ: وخرج زفر بن الْحَارِث من قنسرين هاربا فلحق بقرقيسيا، فلما انتهى إِلَيْهَا وعليها عياض الجرشي وَهُوَ ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن
(5/539)

حدس بن أسلم- وَكَانَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة ولاه قرقيسيا، فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا، فَقَالَ لَهُ زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمامها أن أخرج منها، فلما انتهى إِلَيْهَا ودخلها لم يدخل حمامها وأقام بِهَا، وأخرج عياضا منها، وتحصن زفر بِهَا وثابت إِلَيْهِ قيس.
قَالَ: وخرج ناتل بن قيس الجذامي صاحب فلسطين هاربا، فلحق بابن الزُّبَيْر بمكة، وأطبق أهل الشام عَلَى مَرْوَان، واستوثقوا لَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عماله.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي رجل من بني عبد ود من أهل الشام- يعني الشرقي- قَالَ: وخرج مَرْوَان حَتَّى أتى مصر بعد ما اجتمع لَهُ أمر الشام، فقدم مصر وعليها عبد الرَّحْمَن بن جحدم القرشي يدعو إِلَى ابن الزُّبَيْر، فخرج إِلَيْهِ فيمن مَعَهُ من بني فهر، وبعث مَرْوَان عَمْرو بن سَعِيد الأشدق من ورائه حَتَّى دخل مصر، وقام عَلَى منبرها يخطب الناس، وقيل لَهُمْ: قَدْ دخل عَمْرو مصر، فرجعوا، وأمر الناس مَرْوَان وبايعوه، ثُمَّ أقبل راجعا نحو دمشق، حَتَّى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزُّبَيْر قَدْ بعث أخاه مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ نحو فلسطين، فسرح إِلَيْهِ مَرْوَان عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ فِي جيش، واستقبله قبل أن يدخل الشام، فقاتله فهزم أَصْحَاب مصعب، وَكَانَ مَعَهُ رجل من بني عذرة يقال لَهُ مُحَمَّد بن حريث بن سليم، وَهُوَ خال بني الأشدق، فَقَالَ:
وَاللَّهِ مَا رأيت مثل مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ رجلا قط أشد قتالا فارسا وراجلا، وَلَقَدْ رأيته فِي الطريق يترجل فيطرد بأَصْحَابه، ويشد عَلَى رجليه، حَتَّى رأيتهما قَدْ دميتا قَالَ: وانصرف مَرْوَان حَتَّى استقرت بِهِ دمشق، ورجع إِلَيْهِ عَمْرو بن سَعِيد.
قَالَ: ويقال: إنه لما قدم عُبَيْد اللَّهِ بن زياد من العراق، فنزل الشام أصاب بني أُمَيَّة بتدمر، قَدْ نفاهم ابن الزُّبَيْر مِنَ الْمَدِينَةِ ومكة، ومن الحجاز كله، فنزلوا بتدمر، وأصابوا الضحاك بن قيس أميرا عَلَى الشام لعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إِلَى ابن الزُّبَيْر فيبايعه بالخلافة، فيأخذ مِنْهُ الأمان لبني أُمَيَّة، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: أنشدك الله
(5/540)

تفعل، ليس هَذَا برأي أن تنطلق وأنت شيخ قريش إِلَى أبي خبيب بالخلافة، ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم، ثُمَّ سر بهم وبمن معك من بني أُمَيَّة إِلَى الضحاك بن قيس حَتَّى تخرجه من الشام، فَقَالَ عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ:
صدق وَاللَّهِ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، ثُمَّ أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، إنما ينظر الناس إِلَى هَذَا الغلام- يعني خَالِد بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة- فتزوج أمه فيكون فِي حجرك، قَالَ: ففعل مَرْوَان ذَلِكَ، فتزوج أم خَالِد بن يَزِيدَ، وَهِيَ فاختة ابنة أبي هاشم بْن عتبة بْن رَبِيعَة بْن عبد شمس ثُمَّ جمع بني أُمَيَّة فبايعوه بالإمارة عَلَيْهِم، وبايعه أهل تدمر ثُمَّ سار فِي جمع عظيم إِلَى الضحاك بن قيس، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بدمشق، فلما بلغ الضحاك مَا صنع بنو أُمَيَّة ومسيرتهم إِلَيْهِ، خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم، فِيهِمْ زفر بن الْحَارِث، فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الضحاك بن قيس الفهري وعامة أَصْحَابه، وانهزم بقيتهم، فتفرقوا، وأخذ زفر بن الْحَارِث وجها من تِلَكَ الوجوه، هُوَ وشابان من بني سليم فجاءت خيل مَرْوَان تطلبهم، فلما خاف السلميان أن تلحقهم خيل مَرْوَان قَالا لزفر: يَا هَذَا، انج بنفسك، فأما نحن فمقتولان، فمضى زفر وتركهما حَتَّى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إِلَيْهِ قيس، فرأسوه عَلَيْهِم، فذلك حَيْثُ يقول زفر بن الْحَارِث:
أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أَرَى الحرب لا تزداد إلا تماديا
أتاني عن مَرْوَان بالغيب أنه ... مقيد دمي أو قاطع من لسانيا
ففي العيس منجاة وفي الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المثانيا
فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا ... وَلا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا
(5/541)

فقد ينبت المرعى عَلَى دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كماهيا
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ماهيا!
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسان صدعا بينا متنائيا
أبعد ابن عَمْرو وابن معن تتابعا ... ومقتل همام أمني الأمانيا!
فلم تر مني نبوة قبل هَذِهِ ... فراري وتركي صاحبي ورائيا
عشية أعدو بالقران فلا أَرَى ... مِنَ النَّاسِ إلا من علي وَلا ليا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا!
فلا صلح حَتَّى تنحط الخيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا
أَلا ليت شعري هل تصيبن غارتي ... تنوخا وحيي طيئ من شفائيا
فأجابه جواس بن قعطل:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... عَلَى زفر داء من الداء باقيا
مقيما ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا
تبكي عَلَى قتلي سليم وعامر ... وذبيان معذورا وتبكي البواكيا
دعا بسلاح ثُمَّ أحجم إذ رَأَى ... سيوف جناب والطوال المذاكيا
(5/542)

عَلَيْهَا كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا شرعوا نحو الطعان العواليا
فأجابه عمر بن المخلاة الكلبي من تيم اللات بن رفيدة، فَقَالَ:
بكى زفر القيسي من هلك قومه ... بعبرة عين مَا يجف سجومها
يبكي عَلَى قتلى أصيبت براهط ... تجاوبه هام القفار وبومها
أبحنا حمى للحي قيس براهط ... وولت شلالا واستبيح حريمها
يبكيهم حران تجري دموعه ... يرجي نزارا أن تئوب حلومها
فمت كمدا أو عش ذليلا مهضما ... بحسرة نفس لا تنام همومها
إذا خطرت حولي قضاعة بالقنا ... تخبط فعل المصعبات قرومها
خبطت بهم من كادني من قبيلة ... فمن ذا إذا عز الخطوب يرومها
وَقَالَ زفر بن الْحَارِث أَيْضًا:
افي الله اما بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزُّبَيْر فيقتل!
كذبتم وبيت اللَّه لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغر محجل
ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاع كقرن الشمس حين ترجل
(5/543)

فأجابه عبد الرَّحْمَن بن الحكم، أخو مَرْوَان بن الحكم، فَقَالَ:
أتذهب كلب قَدْ حمتها رماحها ... وتترك قتلى راهط مَا أجنت!
لحا اللَّه قيسا قيس عيلان إنها ... أضاعت ثغور الْمُسْلِمِينَ وولت
فباه بقيس فِي الرخاء وَلا تكن ... أخاها إذا مَا المشرفية سلت
قَالَ أَبُو جَعْفَر: ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فِيمَا أشار بِهِ عَلَيْهِ من بيعة خَالِد بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة، واستقر لمروان بن الحكم الملك، وَقَدْ كَانَ الحصين بن نمير اشترط عَلَى مَرْوَان أن ينزل البلقاء من كَانَ بِالشَّامِ من كندة، وأن يجعلها لَهُمْ مأكلة، فأعطاه ذَلِكَ، وإن بني الحكم لما استوثق الأمر لمروان، وَقَدْ كَانُوا اشترطوا لخالد بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة شروطا، قَالَ مَرْوَان ذات يوم وَهُوَ جالس فِي مجلسه ومالك بن هبيرة جالس عنده: إن قوما يدعون شروطا مِنْهُمْ عطارة مكحلة- يعني مالك بن هبيرة وَكَانَ رجلا يتطيب ويكتحل- فَقَالَ مالك بن هبيرة: هَذَا ولما تردي تهامة، ولما يبلغ الحزام الطبيين، فَقَالَ مَرْوَان: مهلا يَا أَبَا سُلَيْمَان، إنما داعبناك، فَقَالَ مالك: هُوَ ذاك وَقَالَ عويج الطَّائِيّ يمتدح كلبا وحميد بن بحدل:
لقد علم الأقوام وقع ابن بحدل ... وأخرى عَلَيْهِم إن بقي سيعيدها
يقودون أولاد الوجيه ولاحق ... من الريف شهرا مَا يني من يقودها
فهذا لهذا ثم انى لنافض ... على الناس أقواما كثيرا حدودها
فلولا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لأصبحت ... قضاعة أربابا وقيس عبيدها
وفي هَذِهِ السنة بايع جند خُرَاسَان لسلم بن زياد بعد موت يَزِيد بن مُعَاوِيَة، عَلَى أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفه
(5/544)

ذكر الخبر عن فتنه عبد الله بن خازم وبيعه سلم بن زياد
وفيها كَانَتْ فتنة عَبْد اللَّهِ بن خازم بخراسان.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: أخبرنا مسلمه ابن محارب، قَالَ: بعث سلم بن زياد بِمَا أصاب من هدايا سمرقند وخوارزم إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة مع عَبْد اللَّهِ بن خازم، وأقام سلم واليا عَلَى خُرَاسَان حَتَّى مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة ومعاوية بن يَزِيدَ، فبلغ سلما موته، وأتاه مقتل يَزِيد بن زياد فِي سجستان وأسر أبي عبيدة بن زياد، وكتم الخبر سلم، فَقَالَ ابن عرادة:
يَا أَيُّهَا الملك المغلق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم
قتلى بجنزة والذين بكابل ... ويزيد أعلن شأنه المكتوم
أبني أُمَيَّة إن آخر ملككم ... جسد بحوارين ثُمَّ مقيم
طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم
ومرنة تبكي عَلَى نشوانه ... بالصنج تقعد تارة وتقوم
قَالَ مسلمة: فلما ظهر شعر ابن عرادة أظهر سلم موت يَزِيد بن مُعَاوِيَة ومعاوية بن يَزِيدَ، ودعا الناس إِلَى البيعة عَلَى الرضا حَتَّى يستقيم أمر الناس عَلَى خليفة، فبايعوه، ثُمَّ مكثوا بِذَلِكَ شهرين، ثُمَّ نكثوا بِهِ.
قَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد: وَحَدَّثَنَا شيخ من أهل خُرَاسَان، قَالَ: لم يحب أهل خُرَاسَان أميرا قط حبهم سلم بن زياد، فسمي فِي تِلَكَ السنين الَّتِي كَانَ بِهَا سلم أكثر من عشرين ألف مولود بسلم، من حبهم سلما
(5/545)

قَالَ: وأخبرنا أَبُو حفص الأَزْدِيّ، عن عمه قَالَ: لما اختلف الناس بخراسان ونكثوا بيعة سلم، خرج سلم عن خُرَاسَان وخلف عَلَيْهَا المهلب بن أبي صفرة، فلما كَانَ بسرخس لقيه سُلَيْمَان بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبة، فَقَالَ لَهُ: من خلفت عَلَى خُرَاسَان؟ قَالَ: المهلب، فَقَالَ: ضاقت عَلَيْك نزار حَتَّى وليت رجلا من أهل اليمن! فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان، وولى أوس بن ثعلبة بن زفر- وَهُوَ صاحب قصر أوس بِالْبَصْرَةِ- هراة، ومضى فلما صار بنيسابور لقيه عَبْد اللَّهِ بن خازم فَقَالَ: من وليت خُرَاسَان؟ فأخبره، فَقَالَ: أما وجدت فِي مضر رجلا تستعمله حَتَّى فرقت خُرَاسَان بين بكر بن وائل ومزون عمان! وَقَالَ لَهُ: اكتب لي عهدا عَلَى خُرَاسَان، قَالَ: أوالي خُرَاسَان أنا! قَالَ: اكتب لي عهدا وخلاك ذم.
قَالَ: فكتب لَهُ عهدا عَلَى خُرَاسَان، قَالَ: فأعني الآن بمائة ألف درهم فأمر لَهُ بِهَا، وأقبل إِلَى مرو، وبلغ الخبر المهلب بن أبي صفرة،، فأقبل واستخلف رجلا من بني جشم بن سَعْدِ بْنِ زَيْد مناة بن تميم.
قَالَ: وأخبرنا المفضل بن مُحَمَّد الضبي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما صار عَبْد اللَّهِ بن خازم إِلَى مرو بعهد سلم بن زياد، منعه الجشمي، فكانت بينهما مناوشة، فأصابت الجشمي رمية بحجر فِي جبهته، وتحاجزوا وخلى الجشمي بين مرو الروذ وبينه، فدخلها ابن خازم، ومات الجشمي بعد ذَلِكَ بيومين.
قَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد المدائني: حَدَّثَنَا الْحَسَن بن رشيد الجوزجاني، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة ومعاوية بن يَزِيدَ وثب أهل خُرَاسَان بعمالهم فأخرجوهم، وغلب كل قوم عَلَى ناحية، ووقعت الْفِتْنَة، وغلب ابن خازم عَلَى خُرَاسَان، ووقعت الحرب.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأخبرنا أَبُو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، قَالَ:
أقبل عَبْد اللَّهِ بن خازم فغلب عَلَى مرو، ثُمَّ سار إِلَى سُلَيْمَان بن مرثد فلقيه
(5/546)

بمرو الروذ، فقاتله أياما، فقتل سُلَيْمَان بن مرثد، ثُمَّ سار عَبْد اللَّهِ بن خازم إِلَى عَمْرو بن مرثد وَهُوَ بالطالقان فِي سبعمائة، وبلغ عمرا إقبال عَبْد اللَّهِ إِلَيْهِ وقتله أخاه سُلَيْمَان، فأقبل إِلَيْهِ، فالتقوا عَلَى نهر قبل أن يتوافى إِلَى ابن خازم أَصْحَابه، فأمر عَبْد اللَّهِ من كَانَ مَعَهُ فنزلوا، فنزل وسال عن زهير بن ذؤيب العدوى، فقالوا: لم يجيء حَتَّى أقبل وَهُوَ عَلَى حاله، فلما أقبل قيل لَهُ: هَذَا زهير قَدْ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ: تقدم، فالتقوا فاقتتلوا طويلا، فقتل عَمْرو بن مرثد، وانهزم أَصْحَابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عَبْد اللَّهِ ابن خازم إِلَى مرو قَالَ: وَكَانَ الَّذِي ولي قتل عَمْرو بن مرثد زهير بن حيان العدوى فيما يروون فَقَالَ الشاعر:
أتذهب أيام الحروب ولم تبئ ... زهير بن حيان بعمرو بن مرثد!
قال: وَحَدَّثَنَا أَبُو السري الخراساني- وَكَانَ من أهل هراة- قَالَ: قتل عَبْد اللَّهِ بن خازم سُلَيْمَان وعمرا ابني مرثد المرثديين من بني قيس بن ثعلبة ثُمَّ رجع إِلَى مرو، وهرب من كَانَ بمرو الروذ من بكر بن وائل إِلَى هراة، وانضم إِلَيْهَا من كَانَ بكور خُرَاسَان من بكر بن وائل، فكان لَهُمْ بِهَا جمع كثير عَلَيْهِم أوس بن ثعلبة، قَالَ: فَقَالُوا لَهُ نبايعك عَلَى أن تسير إِلَى ابن خازم، وتخرج مضر من خُرَاسَان كلها، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا بغي، وأهل البغي مخذولون، أقيموا مكانكم هَذَا، فإن ترككم ابن خازم- وما أراه يفعل- فارضوا بهذه الناحية، وخلوه وما هُوَ فِيهِ، فَقَالَ بنو صهيب- وهم موالي بني جحدر: لا وَاللَّهِ لا نرضى أن نكون نحن ومضر فِي بلد، وَقَدْ قتلوا ابني مرثد، فإن أجبتنا إِلَى هَذَا وإلا أمرنا علينا غيرك، قَالَ: إنما أنا رجل مِنْكُمْ، فاصنعوا مَا بدا لكم، فبايعوه، وسار إِلَيْهِم ابن خازم، واستخلف ابنه مُوسَى، وأقبل حَتَّى نزل عَلَى واد بين عسكره وبين هراة، قَالَ: فَقَالَ البكريون لأوس: اخرج فخندق خندقا دون الْمَدِينَة فقاتلهم فِيهِ، وتكون الْمَدِينَة من ورائنا، فَقَالَ لَهُمْ أوس: الزموا الْمَدِينَة فإنها حصينة، وخلوا ابن خازم ومنزله الَّذِي هُوَ فِيهِ، فإنه إن طال مقامه ضجر فأعطاكم مَا ترضون
(5/547)

بِهِ، فإن اضطررتم إِلَى القتال قاتلتم، فأبوا وخرجوا مِنَ الْمَدِينَةِ فخندقوا خندقا دونها، فقاتلهم ابن خازم نحوا من سنة.
قَالَ وزعم الأحنف بن الأشهب الضبي، وأخبرنا أَبُو الذيال زهير بن الهنيد، سار ابن خازم إِلَى هراة وفيها جمع كثير لبكر بن وائل قَدْ خندقوا عَلَيْهِم، وتعاقدوا عَلَى إخراج مضر إن ظفروا بخراسان، فنزل بهم ابن خازم، فَقَالَ لَهُ هلال الضبي أحد بني ذهل، ثُمَّ أحد بني أوس: إنما تقاتل إخوتك من بني أبيك، وَاللَّهِ إن نلت مِنْهُمْ فما تريد مَا فِي العيش بعدهم من خير، وَقَدْ قتلت بمرو الروذ مِنْهُمْ من قتلت، فلو أعطيتهم شَيْئًا يرضون بِهِ، أو أصلحت هَذَا الأمر! قَالَ: وَاللَّهِ لو خرجت لَهُمْ عن خُرَاسَان مَا رضوا بِهِ، ولو استطاعوا أن يخرجوكم من الدُّنْيَا لأخرجوكم، قَالَ لا، وَاللَّهِ لا أرمي معك بسهم، وَلا رجل يطيعني من خندف حَتَّى تعذر إِلَيْهِم، قَالَ: فأنت رسولي إِلَيْهِم فأرضهم، فأتى هلال إِلَى أوس بن ثعلبة فناشده اللَّه والقرابة، وَقَالَ: أذكرك اللَّه فِي نزار أن تسفك دماءها، وتضرب بعضها ببعض! قَالَ: لقيت بني صهيب؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، قَالَ: فالقهم، فخرج فلقي أرقم بن مطرف الحنفي، وضمضم بن يَزِيدَ- أو عَبْد اللَّهِ بن ضمضم بن يَزِيدَ- وعاصم بن الصلت بن الحريث الحنفيين، وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل مَا كلم بِهِ أوسا، فَقَالُوا: هل لقيت بني صهيب؟ فَقَالَ: لقد عظم اللَّه أمر بني صهيب عندكم، لا لم ألقهم، قَالُوا: القهم، فأتى بني صهيب فكلمهم، فَقَالُوا: لولا أنك رسول لقتلناك، قَالَ: أفما يرضيكم شَيْء؟
قَالُوا: واحدة من اثنتين، إما أن تخرجوا عن خُرَاسَان وَلا يدعو فِيهَا لمضر داع، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كراع وسلاح وذهب وفضة، قَالَ:
أفما شَيْء غير هاتين؟ قَالُوا: لا، قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ! فرجع إِلَى ابن خازم، فَقَالَ: مَا عندك؟ قَالَ: وجدت إخوتنا قطعا للرحم، قَالَ:
قَدْ أخبرتك أن رَبِيعَة لم تزل غضابا عَلَى ربها منذ بعث الله النبي ص من مضر
(5/548)

قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأخبرنا سُلَيْمَان بن مُجَالِد الضبي، قَالَ: أغارت الترك عَلَى قصر إسفاد وابن خازم بهراة، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزد هم أكثر من فِيهِ، فهزمتهم، فبعثوا إِلَى من حولهم من الأزد فجاءوا لينصروهم فهزمتهم الترك، فأرسلوا إِلَى ابن خازم، فوجه إِلَيْهِم زهير بن حيان فِي بني تميم وَقَالَ لَهُ: إياك ومشاولة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عَلَيْهِم، فأقبل فوافاهم فِي يوم بارد، قَالَ: فلما التقوا شدوا عَلَيْهِم فلم يثبتوا لَهُمْ، وانهزمت الترك واتبعوهم حَتَّى مضى عامة الليل حَتَّى انتهوا إِلَى قصر فِي المفازة، فأقامت الجماعة ومضى زهير فِي فوارس يتبعهم، وَكَانَ عالما بالطريق، ثُمَّ رجع فِي نصف من الليل، وَقَدْ يبست يده عَلَى رمحه من البرد، فدعا غلامه كعبا، فخرج إِلَيْهِ، فأدخله، وجعل يسخن لَهُ الشحم فيضعه عَلَى يده، ودهنوه وأوقدوا لَهُ نارا حَتَّى لان ودفى، ثُمَّ رجع إِلَى هراة، فَقَالَ فِي ذَلِكَ كعب بن مَعْدَانَ الأشقري:
أتاك أتاك الغوث فِي برق عارض ... دروع وبيض حشوهن تميم
أبوا أن يضموا حشو مَا تجمع القرى ... فضمهمُ يوم اللقاء صميم
ورزقهمُ من رائحات تزينها ... ضروع عريضات الخواصر كوم
وَقَالَ ثَابِت قطنة:
فدت نفسي فوارس من تميم ... عَلَى مَا كَانَ من ضنك المقام
بقصر الباهلي وَقَدْ أراني ... أحامي حين قل بِهِ المحامي
بسيفي بعد كسر الرمح فِيهِمْ ... أذودهمُ بذي شطب حسام
أكر عَلَيْهِم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام
فلولا اللَّه ليس لَهُ شريك ... وضربي قونس الملك الهمام
(5/549)

إذا فاظت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَحَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الخراساني، عن أبي حماد السلمي قَالَ: أقام ابن خازم بهراة يقاتل أوس بن ثعلبة أكثر من سنة، فَقَالَ يوما لأَصْحَابه: قَدْ طال مقامنا عَلَى هَؤُلاءِ، فنادوهم: يَا معشر رَبِيعَة، إنكم قَدِ اعتصمتم بخندقكم، أفرضيتم من خُرَاسَان بهذا الخندق! فأحفظهم ذَلِكَ، فتنادى الناس للقتال، فَقَالَ لَهُمْ أوس بن ثعلبة: الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم، وَلا تخرجوا إِلَيْهِم بجماعتكم، قَالَ: فعصوه وخرجوا إِلَيْهِم، فالتقى الناس، فَقَالَ ابن خازم لأَصْحَابه: اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب، فإن قتلت فأميركم شماس بن دثار العطاردي، فإن قتل فأميركم بكير بن وشاح الثقفي.
قَالَ علي: وَحَدَّثَنَا أَبُو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة العدوي عن عبيد بن نقيد، عن إياس بن زهير بن حيان: لما كَانَ الْيَوْم الَّذِي هرب فِيهِ أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل، قَالَ ابن خازم لأَصْحَابه حين التقوا: إني قلع، فشدوني عَلَى السرج، واعلموا أن علي من السلاح مَا لا أقتل قدر جزر جزورين، فان قيل لكم: انى قد قتلت فلا تصدقوا.
قَالَ: وكانت راية بني عدي مع أبي وأنا عَلَى فرس محزم، وَقَدْ قَالَ لنا ابن خازم: إذا لقيتم الخيل فاطعنوها فِي مناخرها، فإنه لن يطعن فرس فِي نخرته إلا أدبر أو رمى بصاحبه، فلما سمع فرسي قعقعة السلاح وثب بي واديا كَانَ بيني وبينهم، قَالَ: فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسه فِي نخرته، فصرعه، وحمل أبي ببني عدي، وأتبعته بنو تميم من كل وجه، فاقتتلوا ساعة، فانهزمت بكر بن وائل حَتَّى انتهوا الى خندقهم
(5/550)

وأخذوا يمينا وشمالا، وسقط ناس فِي الخندق فقتلوا قتلا ذريعا، وهرب أوس ابن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير إلا قتله حَتَّى تغيب الشمس، فكان آخر من أتي بِهِ رجل من بني حنيفة يقال لَهُ محمية فَقَالُوا لابن خازم: قَدْ غابت الشمس، قَالَ: وفوا بِهِ القتلى، فقتل.
قَالَ: فأخبرني شيخ من بني سعد بن زَيْد مناة أن أوس بن ثعلبه هرب وبه جراحات إِلَى سجستان، فلما صار بِهَا أو قريبا منها مات.
وفي مقتل ابن مرثد وأمر أوس بن ثعلبة يقول الْمُغِيرَة بن حبناء، أحد بني رَبِيعَة بن حنظلة:
وفي الحرب كنتم فِي خُرَاسَان كلها ... قتيلا ومسجونا بِهَا ومسيرا
ويوم احتواكم فِي الحفير ابن خازم ... فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا
ويوم تركتم فِي الغبار ابن مرثد ... وأوسا تركتم حَيْثُ سار وعسكرا
قَالَ: وأخبرني أَبُو الذيال زهير بن هنيد، عن جده أبي أمه، قَالَ:
قتل من بكر بن وائل يَوْمَئِذٍ ثمانية آلاف.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا التميمي، رجل من أهل خُرَاسَان، عن مولى لابن خازم، قَالَ: قاتل ابن خازم أوس بن ثعلبة وبكر بن وائل، فظفر بهراة، وهرب أوس وغلبه ابن خازم عَلَى هراة، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابنه مُحَمَّدا، وضم إِلَيْهِ شماس بن دثار العطاردي، وجعل بكير بن وشاح عَلَى شرطته، وَقَالَ لهما:
ربياه فإنه ابن أختكما، فكانت أمه من بني سعد يقال لها صفية، وَقَالَ لَهُ:
لا تخالفهما، ورجع ابن خازم إِلَى مرو
. ذكر الخبر عن تحرك الشيعة للطلب بدم الحسين
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وفي هَذِهِ السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتعدوا الاجتماع بالنخيلة فِي سنة خمس وستين للمسير إِلَى أهل الشام للطلب بدم الْحُسَيْن بن علي، وتكاتبوا فِي ذَلِكَ
(5/551)

ذكر الخبر عن مبدإ أمرهم فِي ذَلِكَ:
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: حَدَّثَنَا أَبُو مخنف، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ عن عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر الأَزْدِيّ، قَالَ: لما قتل الْحُسَيْن بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الْكُوفَة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قَدْ أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الْحُسَيْن إِلَى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إِلَى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عَنْهُمْ فِي مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فِيهِ، ففزعوا بالكوفة إِلَى خمسة نفر من رءوس الشيعة إِلَى سُلَيْمَان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبه مع النبي ص، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وَكَانَ من أَصْحَاب علي وخيارهم، وإلى عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل الأَزْدِيّ، وإلى عَبْد اللَّهِ بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي.
ثُمَّ إن هَؤُلاءِ النفر الخمسة اجتمعوا فِي منزل سُلَيْمَان بن صرد، وكانوا من خيار أَصْحَاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.
قَالَ: فلما اجتمعوا إِلَى منزل سُلَيْمَان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام، فتكلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وصلى على نبيه ص ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فإنا قَدِ ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إِلَى ربنا أَلا يجعلنا ممن يقول لَهُ غدا: «أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ» ، فإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: [العمر الَّذِي أعذر اللَّه فِيهِ إِلَى ابن آدم ستون سنة، وليس] فينا رجل إلا وَقَدْ بلغه، وَقَدْ كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حَتَّى بلا اللَّه أخيارنا فوجدنا كاذبين فِي موطنين من مواطن ابن ابنه نبينا ص، وَقَدْ بلغتنا قبل ذَلِكَ كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عودا
(5/552)

وبدءا، وعلانية وسرا، فبخلنا عنه بأنفسنا حَتَّى قتل إِلَى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، وَلا جادلنا عنه بألسنتنا، وَلا قويناه بأموالنا، وَلا طلبنا لَهُ النصرة إِلَى عشائرنا، فما عذرنا الى ربنا وعند لقاء نبينا ص وَقَدْ قتل فينا ولده وحبيبه، وذريته ونسله! لا وَاللَّهِ، لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عَلَيْهِ، أو تقتلوا فِي طلب ذَلِكَ، فعسى ربنا أن يرضى عنا عِنْدَ ذَلِكَ، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن أيها القوم، ولوا عَلَيْكُمْ رجلا مِنْكُمْ فإنه لا بد لكم من أَمِير تفزعون إِلَيْهِ، وراية تحفون بِهَا، أقول قولي هَذَا وأستغفر اللَّه لي ولكم.
قَالَ: فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه وصلى على النبي ص ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه قَدْ هداك لأصوب القول، ودعوت إِلَى أرشد الأمور، بدأت بحمد اللَّه والثناء عَلَيْهِ، والصلاة عَلَى نبيه ص، ودعوت إِلَى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع مِنْكَ، مستجاب لك، مقبول قولك، قلت: ولوا أمركم رجلا مِنْكُمْ تفزعون إِلَيْهِ، وتحفون برايته، وَذَلِكَ رأي قَدْ رأينا مثل الَّذِي رأيت، فإن تكن أنت ذَلِكَ الرجل تكن عندنا مرضيا، وفينا متنصحا، وفي جماعتنا محبا، وإن رأيت رأي أَصْحَابنا ذَلِكَ ولينا هَذَا الأمر شيخ الشيعة صاحب رَسُول الله ص، وذا السابقه والقدم سليمان ابن صرد المحمود فِي بأسه ودينه، والموثوق بحزمه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قَالَ: ثُمَّ تكلم عَبْد اللَّهِ بن وال وعبد اللَّه بن سَعْد، فحمدا ربهما وأثنيا عَلَيْهِ، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا سُلَيْمَان بن صرد بسابقته، ورضاهما بتوليته، فَقَالَ المسيب ابن نجبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أَرَى مثل الَّذِي رايتم، فولوا امركم سليمان ابن صرد
(5/553)

قَالَ أَبُو مخنف: فحدثت سُلَيْمَان بن أبي راشد بهذا الحديث، فَقَالَ:
حَدَّثَنِي حميد بن مسلم، قَالَ: وَاللَّهِ إني لشاهد بهذا الْيَوْم، يوم ولوا سليمان ابن صرد، وإنا يَوْمَئِذٍ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم فِي داره.
قَالَ: فتكلم سُلَيْمَان بن صرد فشدد، وما زال يردد ذَلِكَ القول فِي كل جمعة حَتَّى حفظته، بدأ فَقَالَ: أثني عَلَى اللَّه خيرا، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسوله، أَمَّا بَعْدُ، فإني وَاللَّهِ لخائف أَلا يكون آخرنا إِلَى هَذَا الدهر الَّذِي نكدت فِيهِ المعيشة، وعظمت فِيهِ الرزية وشمل فِيهِ الجور أولي الفضل من هَذِهِ الشيعة لما هُوَ خير، أنا كنا نمد أعناقنا إِلَى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم عَلَى القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنا، وتربصنا، وانتظرنا مَا يكون حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ، ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضا للنبل، ودرية للرماح حَتَّى أقصدوه، وعدوا عَلَيْهِ فسلبوه أَلا انهضوا فقد سخط ربكم، وَلا ترجعوا إِلَى الحلائل والأبناء حَتَّى يرضى اللَّه، وَاللَّهِ مَا أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله، أو تبيروا أَلا لا تهابوا الموت فو الله مَا هابه امرؤ قط إلا ذل، كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قَالَ لَهُمْ نبيهم: «إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» ، فما فعل القوم؟ جثوا عَلَى الركب وَاللَّهِ، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حَتَّى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر عَلَى القتل، فكيف بكم لو قَدْ دعيتم إِلَى مثل مَا دعي القوم إِلَيْهِ! اشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ» ، حَتَّى تدعوا حين تدعون وتستنفرون
(5/554)

قَالَ: فقام خَالِد بن سَعْدِ بْنِ نفيل، فقال: اما انا فو الله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي ربي لقتلتها، ولكن هَذَا أمر بِهِ قوم كَانُوا قبلنا ونهينا عنه، فأشهد اللَّه ومن حضر مِنَ الْمُسْلِمِينَ أن كل مَا أصبحت أملكه سوى سلاحي الَّذِي أقاتل بِهِ عدوي صدقة عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أقويهم بِهِ عَلَى قتال القاسطين وقام أَبُو المعتمر حنش بن رَبِيعَة الكناني فَقَالَ: وأنا أشهدكم عَلَى مثل ذَلِكَ.
فَقَالَ سُلَيْمَان بن صرد: حسبكم، من أراد من هَذَا شَيْئًا فليأت بماله عَبْد اللَّهِ بن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كل مَا تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا بِهِ ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم.
قَالَ أَبُو مخنف لوط بن يَحْيَى، عن سُلَيْمَان بن أبي راشد، قَالَ: فحدثنا حميد بن مسلم الأَزْدِيّ أن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ لخالد بن سَعْدِ بْنِ نفيل حين قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لو علمت أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضى عني ربي لقتلتها، ولكن هَذَا أمر بِهِ قوم غيرنا كَانُوا من قبلنا ونهينا عنه، قَالَ: أخوكم هَذَا غدا فريس أول الأسنة، قَالَ: فلما تصدق بماله عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ لَهُ: أبشر بجزيل ثواب اللَّه للذين لأنفسهم يمهدون.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الحصين بن يَزِيدَ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ نفيل قَالَ: أخذت كتابا كَانَ سُلَيْمَان بن صرد كتب بِهِ إِلَى سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ بالمدائن، فقرأته زمان ولي سُلَيْمَان، قَالَ: فلما قرأته أعجبني، فتعلمته فما نسيته، كتب إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من سُلَيْمَان بن صرد إِلَى سعد بن حُذَيْفَة ومن قبله من الْمُؤْمِنِينَ سلام عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ، فإن الدُّنْيَا دار قَدْ أدبر منها مَا كَانَ معروفا، وأقبل منها مَا كَانَ منكرا، وأصبحت قَدْ تشنأت إِلَى ذوي الألباب، وأزمع بالترحال منها عباد اللَّه الأخيار، وباعوا قليلا من الدُّنْيَا
(5/555)

لا يبقى بجزيل مثوبة عِنْدَ اللَّه لا تفنى ان أولياء من إخوانكم، وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فِيمَا ابتلوا بِهِ من أمر ابن بنت نبيهم الَّذِي دعي فأجاب، ودعا فلم يجب، وأراد الرجعة فحبس، وسأل الأمان فمنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعدوا عَلَيْهِ فقتلوه، ثُمَّ سلبوه وجردوه ظلما وعدوانا وغرة بِاللَّهِ وجهلا، وبعين الله ما يعملون، وإلى اللَّه مَا يرجعون، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» ، فلما نظروا إخوانكم وتدبروا عواقب مَا استقبلوا رأوا أن قَدْ خطئوا بخذلان الزكي الطيب وإسلامه وترك مواساته، والنصر لَهُ خطأ كبيرا ليس لَهُمْ مِنْهُ مخرج وَلا توبة، دون قتل قاتليه أو قتلهم حَتَّى تفنى عَلَى ذَلِكَ أرواحهم، فقد جد إخوانكم فجدوا، وأعدوا واستعدوا، وَقَدْ ضربنا لإخواننا أجلا يوافوننا إِلَيْهِ، وموطنا يلقوننا فِيهِ، فأما الأجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأما الموطن الَّذِي يلقوننا فِيهِ فالنخيلة.
أنتم الَّذِينَ لم تزالوا لنا شيعة وإخوانا، وإلا وَقَدْ رأينا أن ندعوكم إِلَى هَذَا الأمر الَّذِي أراد اللَّه بِهِ إخوانكم فِيمَا يزعمون، ويظهرون لنا أَنَّهُمْ يتوبون، وإنكم جدراء بتطلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إِلَى ربكم من الذنب، ولو كَانَ فِي ذَلِكَ حز الرقاب، وقتل الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العشائر، مَا ضر أهل عذراء الَّذِينَ قتلوا أَلا يكونوا الْيَوْم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، شهداء قَدْ لقوا اللَّه صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين- يعني حجرا واصحابه- وما ضر إخوانكم المقتلين صبرا، المصلبين ظلما، والمثل بهم، المعتدى عَلَيْهِم، أَلا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم، قَدْ خير لَهُمْ فلقوا ربهم، ووفاهم اللَّه إِنْ شَاءَ اللَّهُ أجرهم، فاصبروا رحمكم اللَّه عَلَى البأساء والضراء وحين البأس، وتوبوا الى الله عن قريب، فو الله انكم لأحرياء الا يكون أحد من إخوانكم صبر عَلَى شَيْء من البلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماس الأجر فِيهِ عَلَى مثله، وَلا يطلب رضاء اللَّه طالب بشيء من الأشياء ولو أنه القتل إلا طلبتم رضا اللَّه بِهِ إن التقوى أفضل الزاد فِي الدُّنْيَا، وما سوى ذَلِكَ يبور ويفنى، فلتعزف عنها أنفسكم، ولتكن رغبتكم فِي دار عافيتكم، وجهاد عدو اللَّه وعدوكم، وعدو أهل بيت نبيكم
(5/556)

حَتَّى تقدموا عَلَى اللَّه تائبين راغبين، أحيانا اللَّه وإياكم حياة طيبة، وأجارنا وإياكم من النار، وجعل منايانا قتلا فِي سبيله عَلَى يدي أبغض خلقه إِلَيْهِ وأشدهم عداوة لَهُ، إنه القدير عَلَى مَا يشاء، والصانع لأوليائه فِي الأشياء، والسلام عَلَيْكُمْ.
قَالَ: وكتب ابن صرد الكتاب وبعث بِهِ إِلَى سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ مع عَبْد اللَّهِ بن مالك الطَّائِيّ، فبعث بِهِ سعد حين قرأ كتابه إِلَى من كَانَ بالمدائن من الشيعة، وَكَانَ بِهَا أقوام من أهل الْكُوفَة قَدْ أعجبتهم فأوطنوها وهم يقدمون الْكُوفَة فِي كل حين عطاء ورزق، فيأخذون حقوقهم، وينصرفون إِلَى أوطانهم، فقرأ عَلَيْهِم سعد كتاب سُلَيْمَان بن صرد ثُمَّ إنه حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنكم قَدْ كنتم مجتمعين مزمعين عَلَى نصر الْحُسَيْن وقتال عدوه، فلم يفجأكم أول من قتله، وَاللَّهِ مثيبكم عَلَى حسن النية وما أجمعتم عَلَيْهِ من النصر أحسن المثوبة، وَقَدْ بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم، ويدعونكم إِلَى الحق وإلى مَا ترجون لكم بِهِ عِنْدَ اللَّه أفضل الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فَقَالَ القوم بأجمعهم: نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا فِي ذَلِكَ مثل رأيهم.
فقام عَبْد اللَّهِ بن الحنظل الطَّائِيّ ثُمَّ الحزمري، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنا قَدْ أجبنا إخواننا إِلَى مَا دعونا إِلَيْهِ، وَقَدْ رأينا مثل الَّذِي قَدْ رأوا، فسرحني إِلَيْهِم فِي الخيل، فَقَالَ لَهُ: رويدا، لا تعجل، استعدوا للعدو، وأعدوا لَهُ الحرب، ثُمَّ نسير وتسيرون.
وكتب سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ إِلَى سُلَيْمَان بن صرد مع عَبْد اللَّهِ بن مالك الطَّائِيّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى سُلَيْمَان بن صرد، من سعد بن حُذَيْفَة ومن قبله من الْمُؤْمِنِينَ، سلام عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الَّذِي دعوتنا إِلَيْهِ من الأمر الَّذِي عَلَيْهِ رأي الملأ من إخوانك، فقد هديت لحظك، ويسرت لرشدك، ونحن جادون مجدون، معدون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي، فإذا جَاءَ الصريخ أقبلنا ولم نعرج إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام
(5/557)

فلما قرأ كتابه سُلَيْمَان بن صرد قرأه على اصحابه، فسروا بذلك.
قالوا: وكتب الى المثنى بن مخربه العبدي نسخة الكتاب الَّذِي كَانَ كتب بِهِ إِلَى سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ وبعث بِهِ مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد، فكتب إِلَيْهِ المثنى: أَمَّا بَعْدُ، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك إِنْ شَاءَ اللَّهُ للأجل الَّذِي ضربت وفي الموطن الَّذِي ذكرت، والسلام عَلَيْك وكتب فِي أسفل كتابه:
تبصر كأني قَدْ أتيتك معلما ... عَلَى أتلع الهادي اجش هزيم
طويل القرا نهد الشواه مقلص ... ملح عَلَى فأس اللجام أزوم
بكل فتى لا يملأ الروع نحره ... محس لعض الحرب غير سئوم
أخي ثقة ينوي الإله بسعيه ... ضروب بنصل السيف غير أثيم
قَالَ أَبُو مخنف لوط بن يَحْيَى، عن الْحَارِث بن حصيرة، عن عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل، قَالَ: كَانَ أول مَا ابتدعوا بِهِ من أمرهم سنة إحدى وستين، وَهِيَ السنة الَّتِي قتل فِيهَا الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فلم يزل القوم فِي جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس فِي السر من الشيعة وغيرها إِلَى الطلب بدم الْحُسَيْن، فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر.
فلم يزالوا كذلك وفي ذَلِكَ حَتَّى مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة يوم الخميس لأربع عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سنة أربع وستين، وَكَانَ بين قتل الْحُسَيْن وهلاك يَزِيد بن مُعَاوِيَة ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وهلك يَزِيد وأمير العراق عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ، وخليفته بالكوفة عَمْرو بن حريث المخزومي، فَجَاءَ إِلَى سُلَيْمَان أَصْحَابه من الشيعة، فَقَالُوا: قَدْ مات هَذَا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا عَلَى عَمْرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثُمَّ أظهرنا الطلب بدم الْحُسَيْن، وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إِلَى أهل هَذَا البيت المستأثر عَلَيْهِم، المدفوعين عن حقهم، فَقَالُوا فِي ذَلِكَ فأكثروا، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَان بن صرد: رويدا، لا تعجلوا، إني قَدْ نظرت فِيمَا تذكرون، فرأيت أن قتلة الْحُسَيْن هم أشراف أهل الْكُوفَة، وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا مَا تريدون، وعلموا أَنَّهُمُ المطلوبون، كَانُوا
(5/558)

أشد عَلَيْكُمْ ونظرت فيمن تبعني مِنْكُمْ فعلمت أَنَّهُمْ لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا فِي عدوهم، وكانوا لَهُمْ جزرا، ولكن بثوا دعاتكم فِي المصر، فادعوا إِلَى أمركم هَذَا، شيعتكم وغير شيعتكم، فإني أرجو أن يكون الناس الْيَوْم حَيْثُ هلك هَذَا الطاغية أسرع إِلَى أمركم استجابة مِنْهُمْ قبل هلاكه ففعلوا، وخرجت طائفة مِنْهُمْ دعاة يدعون الناس، فاستجاب لَهُمْ ناس كثير بعد هلاك يَزِيد بن مُعَاوِيَة أضعاف من كَانَ استجاب لَهُمْ قبل ذَلِكَ.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنَا الحصين بن يَزِيدَ، عن رجل من مزينة قَالَ: مَا رأيت من هَذِهِ الأمة أحدا كَانَ أبلغ من عُبَيْد اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ المري فِي منطق وَلا عظة، وَكَانَ من دعاة أهل المصر زمان سُلَيْمَان بن صرد، وَكَانَ إذا اجتمعت إِلَيْهِ جماعة مِنَ النَّاسِ فوعظهم بدأ بحمد اللَّه والثناء عَلَيْهِ والصلاة عَلَى رَسُول الله ص، ثُمَّ يقول: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه اصطفى محمدا ص عَلَى خلقه بنبوته، وخصه بالفضل كله، وأعزكم بأتباعه وأكرمكم بالإيمان بِهِ، فحقن بِهِ دماءكم المسفوكة، وأمن بِهِ سبلكم المخوفة، «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» فهل خلق ربكم فِي الأولين والآخرين أعظم حقا عَلَى هَذِهِ الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقا عَلَى هَذِهِ الأمة من ذرية رسولها؟ لا وَاللَّهِ، مَا كَانَ وَلا يكون لِلَّهِ أنتم! ألم تروا ويبلغكم مَا اجترم إِلَى ابن بنت نبيكم! أما رأيتم إِلَى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم إِيَّاهُ بالدم، وتجرارهموه عَلَى الأرض! لم يرقبوا فِيهِ ربهم ولا قرابته من الرسول ص، اتخذوه للنبل غرضا، وغادروه للضباع جزرا، فلله عينا من رَأَى مثله! ولله حُسَيْن بن علي، ماذا غادروا بِهِ ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم! ابن أول الْمُسْلِمِينَ إسلاما، وابن بنت رسول رب العالمين، قلت حماته، وكثرت عداته حوله، فقتله عدوه، وخذله وليه فويل للقاتل، وملامة
(5/559)

للخاذل! إن اللَّه لم يجعل لقاتله حجة، وَلا لخاذله معذرة، إلا أن يناصح لِلَّهِ فِي التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين، فعسى اللَّه عِنْدَ ذَلِكَ أن يقبل التوبة، ويقيل العثرة، إنا ندعوكم إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المحلين والمارقين، فإن قتلنا فما عِنْدَ اللَّه خير للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هَذَا الأمر إِلَى أهل بيت نبينا.
قَالَ: وَكَانَ يعيد هَذَا الكلام علينا فِي كل يوم حَتَّى حفظه عامتنا.
قَالَ: ووثب الناس عَلَى عَمْرو بن حريث عِنْدَ هلاك يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا عَلَى عَامِر بن مسعود بن أُمَيَّة بن خلف الْجُمَحِيّ.
وَهُوَ دحروجة الجعل الَّذِي قَالَ لَهُ ابن همام السلولي:
اشدد يديك بزَيْد إن ظفرت بِهِ ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل
وَكَانَ كأنه إبهام قصرا، وزَيْد مولاه وخازنه، فكان يصلي بِالنَّاسِ.
وبايع لابن الزُّبَيْر، ولم يزل أَصْحَاب سُلَيْمَان بن صرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم حَتَّى كثر تبعهم، وَكَانَ الناس الى اتباعهم بعد هلاك يزيد ابن مُعَاوِيَة أسرع مِنْهُمْ قبل ذَلِكَ، فلما مضت سته اشهر من هلاك يزيد ابن مُعَاوِيَة، قدم المختار بن أبي عبيد الْكُوفَة، فقدم فِي النصف من شهر رمضان يوم الجمعة قَالَ: وقدم عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ الأَنْصَارِيّ ثُمَّ الخطمي من قبل عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ أميرا عَلَى الْكُوفَة عَلَى حربها وثغرها، وقدم مَعَهُ من قبل ابن الزُّبَيْر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ الأعرج أميرا على خراج الْكُوفَة، وَكَانَ قدوم عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ الأَنْصَارِيّ ثُمَّ الخطمي يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين.
قَالَ: وقدم المختار قبل عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بثمانية أيام، ودخل المختار الْكُوفَة، وَقَدِ اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سُلَيْمَان بن صرد فليس يعدلونه بِهِ، فكان المختار إذا دعاهم إِلَى نفسه وإلى الطلب بدم الْحُسَيْن قالت لَهُ الشيعة: هَذَا سُلَيْمَان بن صرد شيخ الشيعة، قَدِ انقادوا لَهُ واجتمعوا
(5/560)

عَلَيْهِ، فأخذ يقول للشيعة: إني قَدْ جئتكم من قبل المهدي مُحَمَّد بن عَلِيّ ابن الحنفيه مؤتمنا مأمونا، منتجبا ووزيرا، فو الله مَا زال بالشيعة حَتَّى انشعبت إِلَيْهِ طائفة تعظمه وتجيبه، وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان ابن صرد، فسُلَيْمَان أثقل خلق اللَّه عَلَى المختار.
وَكَانَ المختار يقول لأَصْحَابه: أتدرون مَا يريد هَذَا؟ يعني سُلَيْمَان بن صرد- إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس لَهُ بصر بالحروب، وَلا لَهُ علم بِهَا.
قَالَ: وأتى يَزِيد بن الْحَارِث بن يَزِيدَ بن رويم الشيباني عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ الأَنْصَارِيّ فَقَالَ: إن الناس يتحدثون أن هَذِهِ الشيعة خارجة عَلَيْك مع ابن صرد، ومنهم طائفة أخرى مع المختار، وَهِيَ أقل الطائفتين عددا، والمختار فِيمَا يذكر الناس لا يريد أن يخرج حَتَّى ينظر إِلَى مَا يصير إِلَيْهِ أمر سُلَيْمَان بن صرد، وَقَدِ اجتمع لَهُ أمره، وَهُوَ خارج من أيامه هَذِهِ، فإن رأيت أن تجمع الشرط والمقاتلة ووجوه الناس، ثُمَّ تنهض إِلَيْهِم، وننهض معك، فإذا دفعت الى منزله دعوته، فان أجابك فحسبه، وإن قاتلك قاتلته، وَقَدْ جمعت لَهُ وعبأت وَهُوَ مغتر، فإني أخاف عَلَيْك إن هُوَ بدأك وأقررته حَتَّى يخرج عَلَيْك أن تشتد شوكته، وأن يتفاقم أمره.
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: اللَّه بيننا وبينهم، إن هم قاتلونا قتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم، حَدِّثْنِي مَا يريد الناس؟ قَالَ: يذكر الناس أَنَّهُمْ يطلبون بدم الْحُسَيْن بن علي، قَالَ: فأنا قتلت الْحُسَيْن! لعن اللَّه قاتل الْحُسَيْن! قَالَ: وَكَانَ سُلَيْمَان بن صرد وأَصْحَابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، فخرج عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ حَتَّى صعد الْمِنْبَر، ثُمَّ قام فِي الناس فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فقد بلغني أن طائفة من أهل هَذَا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الَّذِي دعاهم إِلَى ذَلِكَ مَا هُوَ؟ فقيل لي: زعموا أَنَّهُمْ يطلبون بدم الْحُسَيْن بن علي، فرحم اللَّه هَؤُلاءِ القوم، قَدْ وَاللَّهِ دللت على أماكنهم، وامرت بأخذهم، وقيل: ابداهم قبل
(5/561)

أن يبدءوك، فأبيت ذَلِكَ، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم، وعلام يقاتلونني! فو الله مَا أنا قتلت حسينا، وَلا أنا ممن قاتله، وَلَقَدْ أصبت بمقتله رحمة اللَّه عَلَيْهِ! فإن هَؤُلاءِ القوم آمنون، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إِلَى من قاتل الْحُسَيْن، فقد أقبل إِلَيْهِم، وأنا لَهُمْ عَلَى قاتله ظهير، هَذَا ابن زياد قاتل الْحُسَيْن، وقاتل خياركم وأماثلكم، قَدْ توجه إليكم، عهد العاهد بِهِ عَلَى مسيرة ليلة من جسر منبج، فقتاله والاستعداد لَهُ أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضا، ويسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم ذَلِكَ العدو غدا وَقَدْ رققتم، وتلك وَاللَّهِ أمنية عدوكم، وإنه قَدْ أقبل إليكم أعدى خلق اللَّه لكم، من ولي عَلَيْكُمْ هُوَ وأبوه سبع سنين، لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هُوَ الَّذِي قتلكم، ومن قبله اتيتم، والذي قتل من تثأرون بدمه، قَدْ جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها بِهِ، وَلا تجعلوها بأنفسكم، إني لم آلكم نصحا، جمع اللَّه لنا كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا! قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة: أَيُّهَا النَّاسُ، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هَذَا المداهن الموادع، وَاللَّهِ لَئِنْ خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استقينا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده، والمولود بوالده، ولنأخذن الحميم بالحميم، والعريف بِمَا فِي عرافته حَتَّى يدينوا للحق، ويذلوا للطاعة فوثب إِلَيْهِ المسيب بن نجبة فقطع عَلَيْهِ منطقه ثُمَّ قَالَ: يا بن الناكثين، أنت تهددنا بسيفك وغشمك! أنت وَاللَّهِ أذل من ذَلِكَ، إنا لا نلومك عَلَى بغضنا، وَقَدْ قتلنا أباك وجدك، وَاللَّهِ إني لأرجو الا يخرجك اللَّه من بين ظهراني أهل هَذَا المصر حَتَّى يثلثوا بك جدك وأباك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا سديدا، وإني وَاللَّهِ لأظن من يريد هَذَا الأمر مستنصحا لك، وقابلا قولك.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة: إي وَاللَّهِ، ليقتلن وَقَدْ أدهن ثُمَّ أعلن
(5/562)

فقام إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن وال التيمي، فَقَالَ: مَا اعتراضك يَا أخا بني تيم بن مره فيما بيننا وبين أميرنا! فو الله مَا أنت علينا بأمير، وَلا لك علينا سلطان، إنما أنت أَمِير الجزية، فأقبل عَلَى خراجك، فلعمر اللَّه لَئِنْ كنت مفسدا مَا أفسد أمر هَذِهِ الأمة إلا والدك وجدك الناكثان، فكانت بهما اليدان، وكانت عليهما دائرة السوء قَالَ: ثُمَّ أقبل مسيب بن نجبة وعبد اللَّه بن وال عَلَى عَبْد اللَّهِ بن يزيد فقالا: اما رأيك ايها الأمير فو الله إنا لنرجو أن تكون بِهِ عِنْدَ العامة محمودا وأن تكون عِنْدَ الَّذِي عنيت واعتريت مقبولا فغضب أناس من عمال إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة وجماعة ممن كَانَ مَعَهُ، فتشاتموا دونه، فشتمهم الناس وخصموهم.
فلما سمع ذَلِكَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ نزل ودخل، وانطلق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدٍ وَهُوَ يقول: قَدْ داهن عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ أهل الْكُوفَة، وَاللَّهِ لأكتبن بِذَلِكَ إِلَى عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فأتى شبث بن ربعي التميمي عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ فأخبره بِذَلِكَ، فركب بِهِ وبيزيد بن الْحَارِث بن رويم حَتَّى دخل عَلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة، فحلف لَهُ بِاللَّهِ مَا أردت بالقول الَّذِي سمعت إلا العافية وصلاح ذات البين، إنما أتاني يَزِيد بن الْحَارِث بكذا وكذا، فرأيت أن اقوم فيهم بما سمعت اراده الا تختلف الكلمة، وَلا تتفرق الألفة، وألا يقع بأس هَؤُلاءِ القوم بينهم فعذره وقبل مِنْهُ.
قَالَ: ثُمَّ إن أَصْحَاب سُلَيْمَان بن صرد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين، ويتجهزون يجاهرون بجهازهم وما يصلحهم
. ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير
وفي هَذِهِ السنة فارق عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ الخوارج الَّذِينَ كَانُوا قدموا عَلَيْهِ مكة، فقاتلوا مَعَهُ حصين بن نمير السكوني، فصاروا إِلَى الْبَصْرَة، ثُمَّ افترقت كلمتهم فصاروا أحزابا
(5/563)

ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزُّبَيْر والسبب الَّذِي من أجله فارقوه والذي من أجله افترقت كلمتهم:
حدثت عن هِشَام بْن مُحَمَّد الكلبي، عن أبي مخنف لوط بن يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو المخارق الراسبي، قَالَ: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال مَا ركب، وَقَدْ كَانَ قبل ذَلِكَ لا يكف عَنْهُمْ وَلا يستبقيهم غير أنه بعد قتل أبي بلال تجرد لاستئصالهم وهلاكهم، واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزُّبَيْر بمكة، وسار اليه اهل الشام، فتذاكروا أتى إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُمْ نافع بن الأزرق: إن اللَّه قَدْ أنزل عَلَيْكُمُ الكتاب، وفرض عَلَيْكُمْ فِيهِ الجهاد، واحتج عَلَيْكُمْ بالبيان، وَقَدْ جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولو العدا والغشم، وهذا من قَدْ ثار بمكة، فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هَذَا الرجل، فإن يكن عَلَى رأينا جاهدنا مَعَهُ العدو، وإن يكن عَلَى غير رأينا دافعنا عن البيت مَا استطعنا، ونظرنا بعد ذَلِكَ فِي أمورنا فخرجوا حتى قدموا على عبد الله ابن الزبير، فسر بمقدمهم، ونبأهم أنه عَلَى رأيهم، وأعطاهم الرضا مِنْ غَيْرِ توقف وَلا تفتيش، فقاتلوا مَعَهُ حَتَّى مات يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وانصرف أهل الشام عن مكة ثُمَّ إن القوم لقي بعضهم بعضا، فَقَالُوا: إن هَذَا الَّذِي صنعتم أمس بغير رأي وَلا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس عَلَى رأيكم، إنما كَانَ أمس يقاتلكم هُوَ وأبوه ينادي: يال ثأرات عُثْمَان! فأتوه وسلوه عن عُثْمَان، فإن برئ مِنْهُ كَانَ وليكم، وإن أبى كَانَ عدوكم.
فمشوا نحوه فَقَالُوا لَهُ: أيها الإنسان، إنا قَدْ قاتلنا معك، ولم نفتشك عن رأيك حَتَّى نعلم أمنا أنت أم من عدونا! خبرنا مَا مقالتك فِي عُثْمَان؟ فنظر فإذا من حوله من أَصْحَابه قليل، فَقَالَ لَهُمْ: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إلي العشية حَتَّى أعلمكم من ذَلِكَ الَّذِي تريدون.
فانصرفوا، وبعث إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: البسوا السلاح، وأحضروني بأجمعكم العشية، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وَقَدْ أقام أَصْحَابه حوله سماطين عليهم
(5/564)

السلاح، وقامت جماعة مِنْهُمْ عظيمة عَلَى رأسه بأيديهم الأعمدة، فَقَالَ ابن الأزرق لأَصْحَابه: خشي الرجل غائلتكم، وَقَدْ أزمع بخلافكم واستعد لكم، مَا ترون؟
فدنا مِنْهُ ابن الأزرق، فَقَالَ له: يا بن الزُّبَيْر، اتق اللَّه ربك، وأبغض الخائن المستأثر، وعاد أول من سن الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب، فإنك إن تفعل ذَلِكَ ترض ربك، وتنج من العذاب الأليم نفسك، وإن تركت ذَلِكَ فأنت من الَّذِينَ استمتعوا بِخَلاقِهِمْ، وأذهبوا فِي الحياة الدُّنْيَا طيباتهم.
يَا عبيدة بن هلال، صف لهذا الإنسان ومن مَعَهُ أمرنا الَّذِي نحن عَلَيْهِ، والذي ندعو الناس إِلَيْهِ، فتقدم عبيدة بن هلال.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو عَلْقَمَة الخثعمى، عن قبيصة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ القحافي، من خثعم، قَالَ: أنا وَاللَّهِ شاهد عبيدة بن هلال، إذ تقدم فتكلم، فما سمعت ناطقا قط ينطق كَانَ أبلغ وَلا أصوب قولا مِنْهُ، وَكَانَ يرى رأي الخوارج.
قَالَ: وإن كَانَ ليجمع القول الكثير، فِي المعنى الخطير، فِي اللفظ اليسير.
قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه بعث محمدا ص يدعو إِلَى عبادة اللَّه، وإخلاص الدين، فدعا إِلَى ذَلِكَ، فأجابه الْمُسْلِمُونَ، فعمل فِيهِمْ بكتاب الله وامره، حتى قبضه الله اليه ص، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أَبُو بَكْر عمر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنة رَسُول اللَّهِ، فالحمد لِلَّهِ رب العالمين ثُمَّ إن الناس استخلفوا عثمان بن عفان، فحمى الاحماء، وآثر القربى، وَاسْتَعْمَلَ الفتى ورفع الدرة، ووضع السوط، ومزق الكتاب، وحقر المسلم
(5/565)

وضرب منكري الجور، وآوى طريد الرسول ص، وضرب السابقين بالفضل، وسيرهم وحرمهم ثُمَّ أخذ فيء اللَّه الَّذِي أفاءه عَلَيْهِم فقسمه بين فساق قريش، ومجان العرب، فسارت إِلَيْهِ طائفة مِنَ الْمُسْلِمِينَ أخذ اللَّه ميثاقهم عَلَى طاعته، لا يبالون فِي اللَّه لومة لائم، فقتلوه، فنحن لَهُمْ أولياء، ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما تقول أنت يا بن الزُّبَيْر؟ قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ ابن الزُّبَيْر وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فقد فهمت الذى ذكرتم، وذكرت به النبي ص، فهو كما قلت صلى الله عليه وفوق مَا وصفته، وفهمت مَا ذكرت بِهِ أبا بكر وعمر، وَقَدْ وفقت وأصبت، وَقَدْ فهمت الَّذِي ذكرت بِهِ عُثْمَان بن عَفَّانَ رحمة اللَّه عَلَيْهِ، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق اللَّه الْيَوْم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت مَعَهُ حَيْثُ نقم القوم عَلَيْهِ، واستعتبوه فلم يدع شَيْئًا استعتبه القوم فِيهِ إلا أعتبهم مِنْهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ رجعوا إِلَيْهِ بكتاب لَهُ يزعمون أنه كتبه فِيهِمْ، يأمر فِيهِ بقتلهم فَقَالَ لَهُمْ: مَا كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، فإن لم تكن حلفت لكم، فو الله مَا جاءوه ببينة، وَلا استحلفوه ووثبوا عَلَيْهِ فقتلوه، وَقَدْ سمعت مَا عبته بِهِ، فليس كذلك، بل هُوَ لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضر أني ولي لابن عفان فِي الدُّنْيَا والآخرة، وولي أوليائه، وعدو أعدائه، قَالُوا: فبرئ اللَّه مِنْكَ يَا عدو اللَّه، قَالَ: فبرئ اللَّه مِنْكُمْ يَا أعداء اللَّه.
وتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد اللَّه بن صفار السعدي من بني صريم بن مقاعس، وعبد اللَّه بن إباض أَيْضًا من بني صريم، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز: عَبْد اللَّهِ، وعبيد اللَّه، وَالزُّبَيْر، من بنى سليط ابن يربوع، حَتَّى أتوا الْبَصْرَة، وانطلق أَبُو طالوت من بني زمان بن مالك بن صعب بن عَلِيّ بن مالك بن بكر بن وائل وعبد اللَّه بن ثور أَبُو فديك من بني قيس بن ثعلبة وعطية بن الأَسْوَدِ اليشكري إِلَى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثُمَّ أجمعوا بعد ذَلِكَ عَلَى نجده ابن عَامِر الحنفي، فأما الْبَصْرِيُّونَ
(5/566)

مِنْهُمْ فإنهم قدموا الْبَصْرَة وهم مجمعون عَلَى رأي أبي بلال.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف لوط بن يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي أَبُو المثنى، عن رجل من إخوانه من أهل الْبَصْرَة، أَنَّهُمُ اجتمعوا فَقَالَتِ العامة مِنْهُمْ: لو خرج منا خارجون فِي سبيل اللَّه، فقد كَانَتْ منا فترة منذ خرج أَصْحَابنا، فيقوم علماؤنا فِي الأرض فيكونون مصابيح الناس يدعونهم إِلَى الدين، ويخرج أهل الورع والاجتهاد فيلحقون بالرب، فيكونون شهداء مرزوقين عِنْدَ اللَّه أحياء.
فانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلاثمائة رجل، فخرج، وَذَلِكَ عِنْدَ وثوب الناس بعبيد اللَّه بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزد وربيعة وبني تميم وقيس فِي دم مسعود بن عَمْرو، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض، فتهيئوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهل الْبَصْرَة عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِث بْن عبد المطلب يصلي بهم، وخرج ابن زياد إِلَى الشام، واصطلحت الأزد وبنو تميم، فتجرد الناس للخوارج، فأتبعوهم وأخافوهم حَتَّى خرج من بقي مِنْهُمْ بِالْبَصْرَةِ، فلحق بابن الأزرق، إلا قليلا مِنْهُمْ ممن لَمْ يَكُنْ أراد الخروج يومه ذَلِكَ، مِنْهُمْ عَبْد اللَّهِ بن صفار، وعبد الله ابن إباض، ورجال مَعَهُمَا عَلَى رأيهما ونظر نافع بن الأزرق ورأى أن ولاية من تخلف عنه لا تنبغي، وأن من تخلف عنه لا نجاة لَهُ، فَقَالَ لأَصْحَابه: إن اللَّه قَدْ أكرمكم بمخرجكم، وبصركم مَا عمي عنه غيركم، ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته وأمره! فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سننه وأثره، فَقَالُوا: بلى، فَقَالَ: أليس حكمكم فِي وليكم حكم النَّبِيّ ص فِي وليه، وحكمكم فِي عدوكم حكم النَّبِيّ ص فِي عدوه، وعدوكم الْيَوْم عدو اللَّه وعدو النبي ص، كما ان عدو النبي ص يَوْمَئِذٍ هُوَ عدو اللَّه وعدوكم الْيَوْم! فَقَالُوا: نعم، قَالَ: فقد أنزل اللَّه تبارك وتعالى:
«بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»
(5/567)

وقال: «وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» ، فقد حرم اللَّه ولايتهم، والمقام بين أظهرهم، وإجازة شهادتهم، وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عَنْهُمْ، ومناكحتهم، ومواريثهم، وَقَدِ احتج اللَّه علينا بمعرفة هَذَا، وحق علينا أن نعلم هَذَا الدين الَّذِينَ خرجنا من عندهم، وَلا نكتم مَا أنزل اللَّه، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يقول: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» ، فاستجاب لَهُ إِلَى هَذَا الرأي جميع أَصْحَابه.
فكتب: من عبيد اللَّهِ نافع بن الأزرق إِلَى عَبْد اللَّهِ بن صفار وعبد الله ابن إباض ومن قبلهما مِنَ النَّاسِ سلام عَلَى أهل طاعة اللَّه من عباد اللَّه، فإن من الأمر كيت وكيت، فقص هَذِهِ القصة، ووصف هَذِهِ الصفة، ثُمَّ بعث بالكتاب إليهما فأتيا بِهِ، فقرأه عَبْد اللَّهِ بن صفار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه عَلَى الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن إباض: مَا لك لِلَّهِ أبوك! اى شيء اصبت! اان قَدْ أصيب إخواننا، أو أسر بعضهم! فدفع الكتاب إِلَيْهِ، فقرأه، فَقَالَ: قاتله اللَّه!، أي راى راى! صدق نافع ابن الأزرق، لو كَانَ القوم مشركين كَانَ أصوب الناس رأيا وحكما فِيمَا يشير بِهِ، وكانت سيرته كسيره النبي ص فِي المشركين، ولكنه قَدْ كذب وكذبنا فِيمَا يقول، إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم برآء من الشرك، وَلا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذَلِكَ من أموالهم فهو علينا حرام، فقال ابن صفار: برئ اللَّه مِنْكَ، فقد قصرت، وبرئ اللَّه من ابن الأزرق فقد غلا، برئ اللَّه منكما جميعا، وَقَالَ الآخر:
فبرئ اللَّه مِنْكَ ومنه.
وتفرق القوم، واشتدت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جموعه، وأقبل
(5/568)

نحو الْبَصْرَة حَتَّى دنا من الجسر، فبعث إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث مسلم بن عبيس بن كريز بن رَبِيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فِي اهل البصره
. ذكر الخبر عن مقدم المختار بن ابى عبيد الكوفه
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وفي النصف من شهر رمضان من هَذِهِ السنة كَانَ مقدم المختار بن أبي عبيد الْكُوفَة.
ذكر الخبر عن سبب مقدمه إِلَيْهَا:
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الكلبي: قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ النضر بن صالح:
كَانَتِ الشيعة تشتم المختار وتعتبه لما كَانَ مِنْهُ فِي أمر الْحَسَن بن علي يوم طعن فِي مظلم ساباط، فحمل إِلَى أبيض المدائن، حَتَّى إذا كَانَ زمن الْحُسَيْن، وبعث الْحُسَيْن مسلم بن عقيل إِلَى الْكُوفَةِ، نزل دار المختار، وَهِيَ الْيَوْم دار سلم بن المسيب، فبايعه المختار بن أبي عبيد فيمن بايعه من أهل الْكُوفَة، وناصحه ودعا إِلَيْهِ من أطاعه، حَتَّى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار فِي قرية لَهُ بخطرنية تدعى لقفا، فجاءه خبر ابن عقيل عِنْدَ الظهر أنه قَدْ ظهر بالكوفة، فلم يكن خروجه يوم خرج عَلَى ميعاد من أَصْحَابه، إنما خرج حين قيل لَهُ: إن هانئ بن عروة المرادي قَدْ ضرب وحبس، فأقبل المختار فِي موال لَهُ حَتَّى انتهى إِلَى باب الفيل بعد الغروب، وَقَدْ عقد عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لعمرو بن حريث راية عَلَى جميع الناس، وأمره أن يقعد لَهُمْ في المسجد، فلما كان المختار وقف عَلَى باب الفيل مر بِهِ هانئ بن أبي حية الوادعي، فَقَالَ للمختار: مَا وقوفك هاهنا! لا أنت مع الناس، وَلا
(5/569)

أنت فِي رحلك، قَالَ: أصبح رأيي مرتجا لعظم خطيئتكم، فَقَالَ لَهُ: أظنك وَاللَّهِ قاتلا نفسك، ثُمَّ دخل عَلَى عَمْرو بن حريث فأخبره بِمَا قَالَ للمختار وما رد عَلَيْهِ المختار.
قَالَ أَبُو مخنف: فأخبرني النضر بن صالح، عن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمير الثقفي، قَالَ: كنت جالسا عِنْدَ عَمْرو بن حريث حين بلغه هانئ بن أبي حية عن المختار هَذِهِ المقالة، فَقَالَ لي: قم إِلَى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدري أين هُوَ! فلا يجعلن عَلَى نفسه سبيلا، فقمت لآتيه، ووثب إِلَيْهِ زائدة بن قدامة بن مسعود، فَقَالَ لَهُ: يأتيك عَلَى أنه آمن؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن حريث:
أما مني فهو آمن، وإن رقي إِلَى الأمير عُبَيْد اللَّهِ بن زياد شَيْء من أمره أقمت لَهُ بمحضره الشهادة، وشفعت لَهُ أحسن الشفاعة، فَقَالَ لَهُ زائدة بن قدامة:
لا يكونن مع هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إلا خير.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فخرجت، وخرج معي زائدة إِلَى المختار، فأخبرناه بمقالة ابن أبي حية وبمقالة عَمْرو بن حريث، وناشدناه بالله الا يجعل عَلَى نفسه سبيلا، فنزل إِلَى ابن حريث، فسلم عَلَيْهِ، وجلس تحت رايته حَتَّى أصبح، وتذاكر الناس أمر المختار وفعله، فمشى عمارة بن عُقْبَةَ بن أبي معيط بِذَلِكَ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فذكر لَهُ، فلما ارتفع النهار فتح باب عُبَيْد اللَّهِ ابن زياد وأذن لِلنَّاسِ، فدخل المختار فيمن دخل، فدعاه عُبَيْد اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أنت المقبل فِي الجموع لتنصر ابن عقيل! فَقَالَ لَهُ: لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عَمْرو بن حريث، وبت مَعَهُ وأصبحت، فَقَالَ لَهُ عَمْرو: صدق أصلحك اللَّه! قَالَ: فرفع القضيب، فاعترض بِهِ وجه المختار فخبط بِهِ عينه فشترها وَقَالَ: أولى لك! أما وَاللَّهِ لولا شهادة عَمْرو لك لضربت عنقك، انطلقوا به الى السجن فانطلقوا به الى فحبس فيه فلم يزل فِي السجن حَتَّى قتل الْحُسَيْن ثُمَّ إن المختار بعث إِلَى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير إِلَى عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ فيسأله أن يكتب لَهُ إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فيكتب
(5/570)

إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بتخلية سبيله، فركب زائدة إِلَى عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ فقدم عَلَيْهِ، فبلغه رسالة المختار، وعلمت صفية أخت المختار بمحبس أخيها وَهِيَ تحت عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ، فبكت وجزعت، فلما رَأَى ذَلِكَ عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ كتب مع زائدة إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة: أَمَّا بَعْدُ، فإن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد حبس المختار، وَهُوَ صهري، وأنا أحب أن يعافى ويصلح من حاله، فإن رأيت رحمنا اللَّه وإياك أن تكتب إِلَى ابن زياد فتأمره بتخليته فعلت.
والسلام عَلَيْك.
فمضى زائدة عَلَى رواحله بالكتاب حَتَّى قدم بِهِ عَلَى يَزِيد بِالشَّامِ، فلما قرأه ضحك ثُمَّ قَالَ: يشفع أَبُو عبد الرَّحْمَن، وأهل ذَلِكَ هُوَ فكتب لَهُ إِلَى ابن زياد: أَمَّا بَعْدُ، فخل سبيل المختار بن أبي عبيد حين تنظر فِي كتابي، والسلام عَلَيْك.
فأقبل بِهِ زائدة حَتَّى دفعه، فدعا ابن زياد بالمختار، فأخرجه، ثُمَّ قَالَ لَهُ قَدْ أجلتك ثلاثا، فإن أدركتك بالكوفه بعدها قد برئت مِنْكَ الذمة.
فخرج إِلَى رحله وَقَالَ ابن زياد: وَاللَّهِ لقد اجترأ علي زائدة حين يرحل إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يأتيني بالكتاب فِي تخلية رجل قَدْ كَانَ من شأني أن أطيل حبسه، علي بِهِ فمر بِهِ عَمْرو بن نافع أَبُو عُثْمَان- كاتب لابن زياد- وَهُوَ يطلب، وَقَالَ لَهُ: النجاء بنفسك، واذكرها يدا لي عندك.
قَالَ: فخرج زائدة، فتوارى يومه ذَلِكَ ثُمَّ إنه خرج فِي أناس من قومه حَتَّى أتى القعقاع بن شور الذهلي، ومسلم بن عَمْرو الباهلي، فأخذا لَهُ من ابن زياد الأمان.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: ولما كَانَ الْيَوْم الثالث خرج المختار إِلَى الحجاز، قَالَ: فَحَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن ابن العرق، مولى لثقيف.
قَالَ: أقبلت من الحجاز حَتَّى إذا كنت بالبسيطة من وراء واقصة استقبلت المختار بن أبي عبيد خارجا يريد الحجاز حين خلى سبيله ابن زياد، فلما استقبلته رحبت بِهِ، وعطفت إِلَيْهِ، فلما رأيت شتر عينه استرجعت لَهُ، وقلت لَهُ بعد ما توجعت لَهُ: مَا بال عينك، صرف اللَّه عنك السوء!
(5/571)

فَقَالَ: خبط عيني ابن الزانية بالقضيب خبطة صارت إِلَى مَا ترى فقلت لَهُ: مَا لَهُ شلت أنامله! فَقَالَ المختار: قتلني اللَّه ان لم اقطع أنامله واباجله وأعضائه إربا إربا، قَالَ: فعجبت لمقالته، فقلت لَهُ: مَا علمك بِذَلِكَ رحمك اللَّه؟ فَقَالَ لي: مَا أقول لك فاحفظه عني حَتَّى ترى مصداقه.
قَالَ: ثُمَّ طفق يسألني عن عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فقلت لَهُ: لجأ إِلَى البيت، فَقَالَ: إنما أنا عائذ برب هَذِهِ البنية، والناس يتحدثون أنه يبايع سرا، وَلا أراه إلا لو قَدِ اشتدت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيظهر الخلاف، قَالَ: أجل، لا شك فِي ذَلِكَ، أما إنه رجل العرب الْيَوْم، أما إنه إن يخطط فِي أثري، ويسمع قولي أكفه أمر الناس، وإلا يفعل فو الله ما انا بدون احد من العرب، يا بن العرق، إن الْفِتْنَة قَدْ أرعدت وأبرقت، وكأن قَدِ انبعثت فوطئت فِي خطامها، فإذا رأيت ذَلِكَ وسمعت بِهِ بمكان قَدْ ظهرت فِيهِ فقل: إن المختار فِي عصائبه مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف، سيد المسلمين، وابن سيدها، الحسين ابن على، فو ربك لأقتلن بقتله عدة القتلى الَّتِي قتلت عَلَى دم يحيى بن زكرياء ع، قَالَ: فقلت لَهُ: سبحان اللَّه! وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى، فَقَالَ: هُوَ مَا أقول لك فاحفظه عني حَتَّى ترى مصداقه.
ثُمَّ حرك راحلته، فمضى ومضيت مَعَهُ ساعة أدعو اللَّه لَهُ بالسلامة، وحسن الصحابة قَالَ: ثُمَّ إنه وقف فأقسم علي لما انصرفت، فأخذت بيده! فودعته، وَسَلَّمَت عَلَيْهِ، وانصرفت عنه، فقلت فِي نفسي: هَذَا الَّذِي يذكر لي هَذَا الإنسان، - يعني المختار- مما يزعم أنه كائن، اشيء حدث به نفسه! فو الله مَا أطلع اللَّه عَلَى الغيب أحدا، وإنما هُوَ شَيْء يتمناه فيرى أنه كائن، فهو يوجب رايه، فهذا والله الرأي الشعاع، فو الله مَا كل مَا يرى الإنسان أنه كائن يكون، قال: فو الله مَا مت حَتَّى رأيت كل مَا قاله قال: فو الله
(5/572)

لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ من علم ألقى إِلَيْهِ لقد أثبت لَهُ، ولئن كَانَ ذَلِكَ رأيا رآه، وشيئا تمناه، لقد كَانَ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ بْنُ زُهَيْرٍ، عن ابن العرق، قَالَ:
فحدثت بهذا الحديث الحجاج بن يُوسُفَ، فضحك ثُمَّ قَالَ لي: إنه كَانَ يقول أيضا:
ورافعه ذيلها ... وداعية ويلها
بدجلة أو حولها
فقلت لَهُ: أترى هَذَا شَيْئًا كَانَ يخترعه، وتخرصا يتخرصه، أم هُوَ من علم كَانَ أوتيه؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أدري مَا هَذَا الَّذِي تسألني عنه، ولكن لِلَّهِ دره! أي رجل دينا، ومسعر حرب، ومقارع أعداء كَانَ! قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو سيف الأَنْصَارِيّ من بني الخزرج، عن عباس بن سَهْل بن سَعْدٍ، قَالَ: قدم المختار علينا مكة، فَجَاءَ الى عبد الله ابن الزُّبَيْرِ وأنا جالس عنده، فسلم عَلَيْهِ، فرد عَلَيْهِ ابن الزُّبَيْر، ورحب بِهِ، وأوسع لَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي عن حال الناس بالكوفة يَا أَبَا إِسْحَاق، قَالَ:
هم لسلطانهم فِي العلانية أولياء، وفي السر أعداء، فَقَالَ لَهُ ابن الزُّبَيْر: هَذِهِ صفة عبيد السوء، إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عَنْهُمْ شتموهم ولعنوهم، قَالَ: فجلس معنا ساعة، ثُمَّ إنه مال إِلَى ابن الزُّبَيْر كأنه يساره، فَقَالَ لَهُ: مَا تنتظر! ابسط يدك أبايعك، وأعطنا مَا يرضينا، وثب عَلَى الحجاز فإن أهل الحجاز كلهم معك وقام المختار فخرج، فلم ير حولا، ثُمَّ إني بينا أنا جالس مع ابن الزُّبَيْر إذ قَالَ لي ابن الزُّبَيْر: متى عهدك بالمختار بن أبي عبيد؟ فقلت لَهُ: مَا لي بِهِ عهد منذ رأيته عندك عاما أول، فَقَالَ: أين تراه ذهب! لو كان بمكة، لقد رئى بِهَا بعد، فقلت لَهُ:
إني انصرفت إِلَى الْمَدِينَة بعد إذ رأيته عندك بشهر أو شهرين، فلبثت بِالْمَدِينَةِ أشهرا، ثُمَّ إني قدمت عَلَيْك، فسمعت نفرا من أهل الطائف جاءوا معتمرين
(5/573)

يزعمون أنه قدم عَلَيْهِم الطائف، وَهُوَ يزعم أنه صاحب الغضب، ومبير الجبارين، قَالَ: قاتله اللَّه! لقد انبعث كذابا متكهنا، إن اللَّه ان يهلك الجبارين يكن المختار احدهم فو الله مَا كَانَ إلا ريث فراغنا من منطقنا حَتَّى عن لنا فِي جانب المسجد، فَقَالَ ابن الزُّبَيْر: اذكر غائبا تره، أين تظنه يهوي؟ فقلت: أظنه يريد البيت، فأتى البيت فاستقبل الحجر، ثُمَّ طاف بالبيت أسبوعا، ثُمَّ صلى ركعتين عِنْدَ الحجر، ثُمَّ جلس، فما لبث أن مر بِهِ رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز، فجلسوا إِلَيْهِ، واستبطأ ابن الزُّبَيْر قيامه إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا ترى شأنه لا يأتينا! قلت: لا ادرى، وساعلم لك علمه، فقال: مَا شئت، وكأن ذَلِكَ أعجبه.
قَالَ: فقمت فمررت بِهِ كأني أريد الخروج من المسجد، ثُمَّ التفت إِلَيْهِ، فأقبلت نحوه ثُمَّ سلمت عَلَيْهِ، ثُمَّ جلست إِلَيْهِ، وأخذت بيده، فقلت له:
اين كنت؟ واين بلغت بعدي؟ أبا لطائف كنت؟ فَقَالَ لي: كنت بالطائف وغير الطائف، وعمس علي أمره، فملت إِلَيْهِ، فناجيته، فقلت لَهُ: مثلك يغيب عن مثل مَا قَدِ اجتمع عَلَيْهِ أهل الشرف وبيوتات العرب من قريش والأنصار وثقيف! لم يبق أهل بيت وَلا قبيلة إلا وَقَدْ جَاءَ زعيمهم وعميدهم فبايع هَذَا الرجل، فعجبا لك ولرأيك أَلا تكون أتيته فبايعته، وأخذت بحظك من هَذَا الأمر! فَقَالَ لي: وما رأيتني؟ أتيته العام الماضي، فأشرت عَلَيْهِ بالرأي، فطوى أمره دوني، وإني لما رأيته استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه، إنه وَاللَّهِ لهو أحوج إلي مني إِلَيْهِ، فقلت لَهُ: إنك كلمته بِالَّذِي كلمته وَهُوَ ظاهر فِي المسجد، وهذا الكلام لا ينبغي أن يكون إلا والستور دونه مرخاة والأبواب دونه مغلقة، القه الليلة إن شئت وأنا معك، فَقَالَ لي: فانى فاعل
(5/574)

إذا صلينا العتمة أتيناه، واتعدنا الحجر.
قَالَ: فنهضت من عنده، فخرجت ثُمَّ رجعت إِلَى ابن الزُّبَيْر، فأخبرته بِمَا كَانَ من قولي وقوله، فسر بِذَلِكَ، فلما صلينا العتمة، التقينا بالحجر، ثُمَّ خرجنا حَتَّى أتينا منزل ابن الزُّبَيْر، فاستأذنا عَلَيْهِ، فأذن لنا، فقلت:
أخليكما؟ فقالا جميعا: لا سر دونك، فجلست، فإذا ابن الزُّبَيْر قَدْ أخذ بيده، فصافحه ورحب بِهِ، فسأله عن حاله وأهل بيته، وسكتا جميعا غير طويل.
فَقَالَ لَهُ المختار وأنا أسمع بعد أن تبدأ فِي أول منطقه، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنه لا خير فِي الإكثار من المنطق، وَلا فِي التقصير عن الحاجة، إني قَدْ جئتك لأبايعك على أَلا تقضي الأمور دوني، وعلى أن أكون فِي أول من تأذن لَهُ، وإذا ظهرت استعنت بي عَلَى أفضل عملك فَقَالَ لَهُ ابن الزُّبَيْر: أبايعك عَلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه ص، فَقَالَ: وشر غلماني أنت مبايعه عَلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لي فِي هَذَا الأمر من الحظ مَا ليس لأقصى الخلق مِنْكَ، لا وَاللَّهِ لا أبايعك أبدا إلا عَلَى هَذِهِ الخصال.
قَالَ عباس بن سهل: فالتقمت أذن ابن الزُّبَيْر، فقلت لَهُ: اشتر مِنْهُ دينه حَتَّى ترى من رأيك، فَقَالَ لَهُ ابن الزُّبَيْر: فإن لك مَا سألته، فبسط يده فبايعه، ومكث مَعَهُ حَتَّى شاهد الحصار الأول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة، فقاتل فِي ذَلِكَ الْيَوْم، فكان من أحسن الناس يَوْمَئِذٍ بلاء، وأعظمهم غناء فلما قتل المنذر بن الزُّبَيْرِ والمسور بن مخرمة ومُصْعَب بن عبد الرحمن ابن عوف الزُّهْرِيّ، نادى المختار: يَا أهل الإِسْلام، الى الى! انا ابن ابى عبيد ابن مسعود، وأنا ابن الكرار لا الفرار، أنا ابن المقدمين غير المحجمين، إلي يَا أهل الحفاظ وحماة الأوتار فحمى الناس يَوْمَئِذٍ، وأبلى وقاتل قتالا حسنا
(5/575)

ثُمَّ أقام مع ابن الزُّبَيْر فِي ذَلِكَ الحصار حَتَّى كَانَ يوم أحرق البيت، فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، فقاتل المختار يومئذ في عصابه معه نحو من ثلاثمائة أحسن قتال قاتله أحد مِنَ النَّاسِ، إن كَانَ ليقاتل حَتَّى يتبلد، ثُمَّ يجلس ويحيط بِهِ أَصْحَابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما كَانَ يتوجه نحو طائفة من أهل الشام إلا ضاربهم حَتَّى يكشفهم.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف مُحَمَّد بن ثابط، عن عباس بن سَهْل بن سَعْدٍ، قَالَ: تولى قتال أهل الشام يوم تحريق الكعبة عَبْد اللَّهِ بن مطيع وأنا والمختار، قَالَ: فما كَانَ فينا يَوْمَئِذٍ رجل أحسن بلاء من المختار.
قَالَ: وقاتل قبل أن يطلع أهل الشام عَلَى موت يَزِيد بن مُعَاوِيَة بيوم قتالا شديدا، وَذَلِكَ يوم الأحد لخمس عشرة ليلة مضت من ربيع الآخر سنة أربع وستين، وَكَانَ أهل الشام قَدْ رجوا أن يظفروا بنا، وأخذوا علينا سكك مكة.
قَالَ: وخرج ابن الزُّبَيْر، فبايعه رجال كثير عَلَى الموت، قَالَ:
فخرجت فِي عصابة معي أقاتل فِي جانب، والمختار فِي عصابة أخرى يقاتل فِي جميعة من أهل اليمامة فِي جانب، وهم خوارج، وانما قاتلوا ليدفعوا عن البيت، فهم فِي جانب، وعبد اللَّه بن المطيع فِي جانب.
قَالَ: فشد أهل الشام علي، فحازوني فِي أَصْحَابي حَتَّى اجتمعت أنا والمختار وأَصْحَابه فِي مكان واحد، فلم أكن أصنع شَيْئًا إلا صنع مثله، وَلا يصنع شَيْئًا إلا تكلفت أن أصنع مثله، فما رأيت أشد مِنْهُ قط، قَالَ: فإنا لنقاتل إذ شدت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشام، فاضطروني وإياه فِي نحو من سبعين رجلا من أهل الصبر إِلَى جانب دار من دور أهل مكة، فقاتلهم المختار يومئذ، وأخذ يقول رجل لرجل:
لا وألت نفس امرئ يفر.
قَالَ: فخرج المختار، وخرجت مَعَهُ، فقلت: ليخرج مِنْكُمْ إلي رجل
(5/576)

فخرج إلي رجل وإليه رجل آخر، فمشيت إِلَى صاحبي فأقتله، ومشى المختار إِلَى صاحبه فقتله، ثم صحنا باصحابنا، وشددنا عليهم، فو الله لضربناهم حَتَّى أخرجناهم من السكك كلها، ثُمَّ رجعنا إِلَى صاحبينا اللذين قتلنا قَالَ:
فإذا الَّذِي قتلت رجل أحمر شديد الحمرة كأنه رومي، وإذا الَّذِي قتل المختار رجل أسود شديد السواد، فَقَالَ لي المختار: تعلم وَاللَّهِ أني لأظن قتيلينا هَذَيْنِ عبدين، ولو أن هَذَيْنِ قتلانا لفجع بنا عشائرنا ومن يرجونا، وما هَذَانِ وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء، وَلا أخرج بعد يومي هَذَا لرجل أبدا إلا لرجل أعرفه، فقلت لَهُ: وأنا وَاللَّهِ لا أخرج إلا لرجل أعرفه.
وأقام المختار مع ابن الزُّبَيْر حَتَّى هلك يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وانقضى الحصار، ورجع أهل الشام إِلَى الشام، واصطلح أهل الْكُوفَة عَلَى عَامِر بن مسعود، بعد ما هلك يَزِيد يصلي بهم حَتَّى يجتمع الناس عَلَى إمام يرضونه، فلم يلبث عَامِر إلا شهرا حَتَّى بعث ببيعته وبيعة أهل الْكُوفَة إِلَى ابن الزُّبَيْر، وأقام المختار مع ابن الزُّبَيْر خمسة أشهر بعد مهلك يَزِيد وأياما.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل بن مساحق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ، قَالَ: وَاللَّهِ إني لمع عَبْد اللَّهِ بن الزبير ومعه عبد الله ابن صفوان بن أُمَيَّة بن خلف، ونحن نطوف بالبيت، إذ نظر ابن الزُّبَيْر فإذا هُوَ بالمختار، فقال لابن صفوان: انظر اليه، فو الله لهو أحذر من ذئب قَدْ أطافت بِهِ السباع، قَالَ: فمضى ومضينا مَعَهُ، فلما قضينا طوافنا وصلينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار، فَقَالَ لابن صفوان: مَا الَّذِي ذكرني بِهِ ابن الزُّبَيْر؟ قَالَ: فكتمه، وَقَالَ: لم يذكرك إلا بخير، قَالَ: بلى ورب هَذِهِ البنية إن كنت لمن شأنكما، أما وَاللَّهِ ليخطن فِي أثري أو لأقدنها عَلَيْهِ سعرا فأقام مَعَهُ خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عَلَيْهِ أحد من الْكُوفَة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عطية بن الْحَارِث أَبُو روق الهمدانى، ان هانئ ابن أبي حية الوادعي قدم مكة يريد عمرة رمضان، فسأله المختار عن حاله
(5/577)

وحال الناس بالكوفة وهيئتهم، فأخبره عَنْهُمْ بصلاح واتساق عَلَى طاعة ابن الزُّبَيْر، إلا أن طائفة مِنَ النَّاسِ إِلَيْهِم عدد أهل المصر لو كَانَ لَهُمْ رجل يجمعهم عَلَى رأيهم أكل بهم الأرض إِلَى يوم مَا، فَقَالَ لَهُ المختار: أنا أَبُو إِسْحَاق أنا وَاللَّهِ لَهُمْ! أنا أجمعهم عَلَى مر الحق، وأنفي بهم ركبان الباطل، وأقتل بهم كل جبار عنيد، فَقَالَ لَهُ هانئ بن أبي حية: ويحك يا بن أبي عبيد! إن استطعت أَلا توضع فِي الضلال ليكن صاحبهم غيرك، فإن صاحب الْفِتْنَة أقرب شَيْء أجلا، وأسوأ الناس عملا، فَقَالَ لَهُ المختار: إني لا أدعو إِلَى الْفِتْنَة إنما أدعو إِلَى الهدى والجماعة، ثُمَّ وثب فخرج وركب رواحله، فأقبل نحو الْكُوفَة حَتَّى إذا كَانَ بالقرعاء لقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد القابضي من همدان- وَكَانَ من أشجع العرب، وَكَانَ ناسكا- فلما التقيا تصافحا وتساءلا، فخبره المختار، ثُمَّ قَالَ لسلمة بن مرثد: حَدَّثَنِي عن الناس بالكوفة، قَالَ: هم كغنم ضل راعيها، فَقَالَ المختار بن أبي عبيد: أنا الَّذِي أحسن رعايتها، وأبلغ نهايتها، فَقَالَ لَهُ سلمة: اتق اللَّه واعلم أنك ميت ومبعوث، ومحاسب ومجزي بعملك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثُمَّ افترقا وأقبل المختار حَتَّى انتهى إِلَى بحر الحيرة يوم الجمعة، فنزل فاغتسل فِيهِ، وادهن دهنا يسيرا، ولبس ثيابه واعتم، وتقلد سيفه، ثُمَّ ركب راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كندة، لا يمر بمجلس إلا سلم عَلَى أهله، وَقَالَ: أبشروا بالنصر والفلج، أتاكم مَا تحبون، وأقبل حَتَّى مر بمسجد بني ذهل وبني حجر، فلم يجد ثَمَّ أحدا، ووجد الناس قَدْ راحوا إِلَى الجمعة، فأقبل حَتَّى مر ببني بداء، فوجد عبيدة بن عَمْرو البدى من كنده، فسلم عليه، ثُمَّ قَالَ: أبشر بالنصر واليسر والفلج، إنك أبا عَمْرو عَلَى رأي حسن، لن يدع اللَّه لك مَعَهُ مأثما إلا غفره، وَلا ذنبا إلا ستره- قَالَ: وَكَانَ عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم، وأشدهم حبا لعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ لا يصبر عن الشراب- فلما قَالَ لَهُ المختار هَذَا القول قَالَ لَهُ عبيدة: بشرك اللَّه بخير
(5/578)

إنك قَدْ بشرتنا، فهل أنت مفسر لنا؟ قَالَ: نعم، فالقني فِي الرحل الليلة ثُمَّ مضى.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج، عن عبيدة بن عَمْرو قَالَ: قَالَ لي المختار هَذِهِ المقالة، ثُمَّ قَالَ لي: القني فِي الرحل، وبلغ أهل مسجدكم هَذَا عنى أَنَّهُمْ قوم أخذ اللَّه ميثاقهم عَلَى طاعته، يقتلون المحلين، ويطلبون بدماء أولاد النبيين، ويهديهم للنور المبين، ثُمَّ مضى فَقَالَ لي:
كيف الطريق إِلَى بني هند؟ فقلت لَهُ: أنظرني أدلك، فدعوت بفرسي وَقَدْ أسرج لي فركبته، قَالَ: ومضيت مَعَهُ إِلَى بني هند، فَقَالَ: دلتنى عَلَى منزل إِسْمَاعِيل بن كثير قَالَ: فمضيت بِهِ إِلَى منزله، فاستخرجته، فحياه ورحب بِهِ، وصافحه وبشره، وَقَالَ لَهُ: القني أنت وأخوك الليلة وأبو عَمْرو فإني قَدْ أتيتكم بكل مَا تحبون، قَالَ: ثُمَّ مضى ومضينا مَعَهُ حَتَّى مر بمسجد جهينة الباطنة، ثُمَّ مضى إِلَى باب الفيل، فأناخ راحلته، ثُمَّ دخل المسجد واستشرف لَهُ الناس، وَقَالُوا: هَذَا المختار قَدْ قدم، فقام المختار إِلَى جنب سارية من سواري المسجد، فصلى عندها حَتَّى أقيمت الصَّلاة، فصلى مع الناس ثُمَّ ركد إِلَى سارية أخرى فصلى مَا بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع الناس انصرف.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْمُجَالِد بن سَعِيدٍ، عن عَامِر الشَّعْبِيّ، أن المختار مر عَلَى حلقة همدان وعليه ثياب السفر، فَقَالَ: أبشروا، فإني قَدْ قدمت عَلَيْكُمْ بِمَا يسركم، ومضى حَتَّى نزل داره، وَهِيَ الدار الَّتِي تدعى دار سلم ابن المسيب، وكانت الشيعة تختلف إِلَيْهَا وإليه فِيهَا.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج، عن عبيد بْنِ عَمْرو، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ مِنْ بَنِي هند، قَالا: أتيناه من الليل كما وعدنا، فلما دخلنا عَلَيْهِ وجلسنا ساءلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا لَهُ: إن الشيعة قَدِ اجتمعت لسُلَيْمَان بن صرد الخزاعي، وإنه لن يلبث إلا يسيرا حَتَّى يخرج، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وصلى عَلَى النبي ص ثم قال:
(5/579)

أَمَّا بَعْدُ، فإن المهدي ابن الوصي، مُحَمَّد بن علي، بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا، وأمرني بقتال الملحدين، والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء.
قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ فضيل بن خديج: فَحَدَّثَنِي عبيدة بن عَمْرو وإسماعيل بن كثير، أنهما كانا أول خلق اللَّه إجابة وضربا عَلَى يده، وبايعاه.
قَالَ: وأقبل المختار يبعث إِلَى الشيعة وَقَدِ اجتمعت عِنْدَ سُلَيْمَان بن صرد، فيقول لَهُمْ: إني قَدْ جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الوصي والإمام المهدي، بأمر فِيهِ الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء، أن سُلَيْمَان بن صرد يرحمنا اللَّه وإياه إنما هُوَ عشمة من العشم وحفش بال، ليس بذي تجربة للأمور، وَلا لَهُ علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم إني إنما أعمل عَلَى مثال قَدْ مثل لي، وأمر قَدْ بين لي، فِيهِ عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثُمَّ أبشروا وتباشروا، فإني لكم بكل مَا تأملون خير زعيم.
قال: فو الله مَا زال بهذا القول ونحوه حَتَّى استمال طائفة من الشيعة، وكانوا يختلفون إِلَيْهِ ويعظمونه، وينظرون أمره، وعظم الشيعة يَوْمَئِذٍ ورؤساؤهم مع سُلَيْمَان بن صرد، وَهُوَ شيخ الشيعة وأسنهم، فليس يعدلون بِهِ أحدا، إلا أن المختار قَدِ استمال مِنْهُمْ طائفة ليسوا بالكثير، فسُلَيْمَان بن صرد أثقل خلق اللَّه عَلَى المختار، وَقَدِ اجتمع لابن صرد يَوْمَئِذٍ أمره، وَهُوَ يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرك، وَلا أن يهيج أمرا حَتَّى ينظر إِلَى مَا يصير إِلَيْهِ أمر سُلَيْمَان، رجاء أن يستجمع لَهُ أمر الشيعة، فيكون أقوى لَهُ عَلَى درك مَا يطلب، فلما خرج سُلَيْمَان بن صرد ومضى نحو الجزيرة قَالَ عُمَر بن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص وشبث بن ربعي ويزيد بن الْحَارِث بن رويم لعبد الله ابن يَزِيدَ الخطمي وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ: إن المختار أشد
(5/580)

عَلَيْكُمْ من سُلَيْمَان بن صرد، إن سُلَيْمَان إنما خرج يقاتل عدوكم، ويذللهم لكم، وَقَدْ خرج عن بلادكم، وإن المختار إنما يريد أن يثب عَلَيْكُمْ فِي مصركم، فسيروا إِلَيْهِ فأوثقوه فِي الحديد، وخلدوه فِي السجن حَتَّى يستقيم أمر الناس، فخرجوا إِلَيْهِ فِي الناس، فما شعر بشيء حَتَّى أحاطوا بِهِ وبداره فاستخرجوه، فلما رَأَى جماعتهم قَالَ: مَا بالكم! فو الله بعد مَا ظفرت أكفكم! قَالَ:
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ لعبد اللَّه بن يَزِيدَ: شده كتافا، ومشه حافيا، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: سبحان اللَّه! مَا كنت لأمشيه وَلا لأحفيه وَلا كنت لأفعل هَذَا برجل لم يظهر لنا عداوة وَلا حربا، وإنما أخذناه عَلَى الظن فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد: ليس بعشك فادرجي، مَا أنت وما يبلغنا عنك يا بن أبي عبيد! فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي بلغك عني إلا باطل، وأعوذ بِاللَّهِ من غش كغش ابيك وجدك! قال: قال فضيل: فو الله إني لأنظر إِلَيْهِ حين أخرج وأسمع هَذَا القول حين قَالَ لَهُ، غير أني لا أدري أسمعه مِنْهُ إِبْرَاهِيم أم لم يسمعه، فسكت حين تكلم بِهِ، قَالَ: وأتى المختار ببغلة دهماء يركبها، فَقَالَ إِبْرَاهِيم لعبد اللَّه بن يَزِيدَ: أَلا تشد عَلَيْهِ القيود؟ فَقَالَ: كفى لَهُ بالسجن قيدا.
قَالَ أَبُو مخنف: وأما يَحْيَى بن أبي عِيسَى فَحَدَّثَنِي أنه قَالَ: دخلت إِلَيْهِ مع حميد بن مسلم الأَزْدِيّ نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيدا، قَالَ: فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، فِي جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار، وَلا بعزل أشرار، حَتَّى إذا أقمت عمود الدين، ورأبت شعب صدع الْمُسْلِمِينَ، وشفيت
(5/581)

غليل صدور الْمُؤْمِنِينَ، وأدركت بثأر النبيين، ولم يكبر علي زوال الدُّنْيَا ولم أحفل بالموت إذا أتى.
قَالَ: فكان إذا أتيناه وَهُوَ فِي السجن ردد علينا هَذَا القول حَتَّى خرج مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ يتشجع لأَصْحَابه بعد ما خرج ابن صرد.

ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبه
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وفي هَذِهِ السنة هدم ابن الزُّبَيْر الكعبة، وكانت قَدْ مال حيطانها مما رميت بِهِ من حجارة المجانيق، فذكر مُحَمَّد بن عُمَرَ الْوَاقِدِيّ أن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حدثه عَنْ عِكْرِمَةَ بن خَالِدٍ، قَالَ: هدم ابن الزُّبَيْر البيت حَتَّى سواه بالأرض، وحفر أساسه وأدخل الحجر فِيهِ، وَكَانَ الناس يطوفون من وراء الأساس، ويصلون إِلَى موضعه، وجعل الركن الأسود عنده فِي تابوت فِي سرقة من حرير، وجعل مَا كَانَ من حلي البيت وما وجد فِيهِ من ثياب أو طيب عِنْدَ الحجبة فِي خزانة البيت، حَتَّى أعادها لما أعاد بناءه.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عمر: وَحَدَّثَنِي معقل بن عَبْدِ اللَّهِ، عن عطاء، قَالَ: رأيت ابن الزُّبَيْر هدم البيت كله حَتَّى وضعه بالأرض.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ.
وَكَانَ عامله عَلَى الْمَدِينَة فِيهَا أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفه عبد الله ابن يَزِيدَ الخطمي، وعلى قضائها سَعِيد بن نمران.
وأبى شريح أن يقضي فِيهَا، وَقَالَ فِيمَا ذكر عنه: أنا لا أقضي فِي الْفِتْنَة.
وعلى الْبَصْرَة عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر التيمي، وعلى قضائها هِشَام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله ابن خازم
(5/582)

سنة خمس وستين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) فمن ذَلِكَ مَا كَانَ من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الْحُسَيْن بن علي إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف الأحمري، قَالَ: بعث سُلَيْمَان بن صرد إِلَى وجوه أَصْحَابه حين أراد الشخوص وَذَلِكَ فِي سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر، خرج فِي وجوه أَصْحَابه، وَقَدْ كَانَ واعد أَصْحَابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حَتَّى أتى عسكره، فدار فِي الناس ووجوه أَصْحَابه، فلم يعجبه عدة الناس، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، وبعث الوليد بن غصين الكناني فِي خيل، وَقَالَ: اذهبا حَتَّى تدخلا الْكُوفَة فناديا: يَا لثأرات الْحُسَيْن! وابلغا المسجد الأعظم فناديا بِذَلِكَ، فخرجا، وكانا أول خلق اللَّه دعوا: يَا لثأرات الْحُسَيْن! قَالَ: فأقبل حكيم بن منقذ الكندي فِي خيل والوليد بن غصين فِي خيل، حَتَّى مرا ببني كثير، وأن رجلا من بني كثير من الأزد يقال لَهُ عَبْد اللَّهِ بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عَمْرو من بني كثير، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إِلَيْهِ، سمع الصوت: يَا لثأرات الْحُسَيْن! وما هُوَ ممن كَانَ يأتيهم، وَلا استجاب لَهُمْ فوثب إِلَى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فرسه، فَقَالَتْ لَهُ امرأته: ويحك! أجننت! قَالَ: لا وَاللَّهِ، ولكني سمعت داعي اللَّه، فأنا مجيبه، أنا طالب بدم هَذَا الرجل حَتَّى أموت، أو يقضي اللَّه من أمري مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِلَى من تدع بنيك هَذَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ وحده لا شريك لَهُ، اللَّهُمَّ إني أستودعك أهلي وولدى،
(5/583)

اللَّهُمَّ احفظني فِيهِمْ، وَكَانَ ابنه ذَلِكَ يدعى عزرة، فبقي حَتَّى قتل بعد مع مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، وخرج حَتَّى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إِلَيْهَا نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تِلَكَ الليلة الخيل بالكوفة، حَتَّى جاءوا المسجد بعد العتمة، وفيه ناس كثير يصلون، فنادوا: يَا لثارات الْحُسَيْن! وفيهم أَبُو عزة القابضي وكرب بن نمران يصلي، فَقَالَ:
يَا لثارات الْحُسَيْن! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنخيلة، فخرج حَتَّى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنته الرواع- وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضي، فَقَالَتْ: يَا أبت، مَا لي أراك قَدْ تقلدت سيفك، ولبست سلاحك! فَقَالَ لها: يَا بنية، إن أباك يفر من ذنبه إِلَى ربه، فأخذت تنتحب وتبكي، وجاءه أصهاره وبنو عمه، فودعهم، ثُمَّ خرج فلحق بالقوم، قَالَ: فلم يصبح سُلَيْمَان بن صرد حَتَّى أتاه نحو ممن كَانَ فِي عسكره حين دخله، قَالَ: ثُمَّ دعا بديوانه لينظر فِيهِ إِلَى عدة من بايعه حين أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفا، فَقَالَ: سبحان اللَّه! مَا وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفا.
قَالَ أَبُو مخنف: عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِث، عن حميد بن مسلم، قَالَ: قلت لسُلَيْمَان بن صرد: إن المختار وَاللَّهِ يثبط الناس عنك، إني كنت عنده أول ثلاث، فسمعت نفرا من أَصْحَابه يقولون: قَدْ كملنا ألفي رجل، فَقَالَ:
وهب أن ذَلِكَ كَانَ، فأقام عنا عشرة آلاف، أما هَؤُلاءِ بمؤمنين! أما يخافون اللَّه! أما يذكرون اللَّه، وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن! فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من أَصْحَابه إِلَى من تخلف عنه يذكرهم اللَّه وما أعطوه من أنفسهم، فخرج إِلَيْهِ نحو من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة إِلَى سُلَيْمَان بن صرد، فَقَالَ: رحمك
(5/584)

اللَّه، إنه لا ينفعك الكاره، وَلا يقاتل معك الا من اخرجته النيه، فلا ننتظرن أحدا، واكمش فِي أمرك قَالَ: فإنك وَاللَّهِ لنعما رأيت! فقام سُلَيْمَان بن صرد فِي الناس متوكئا عَلَى قوس لَهُ عربية فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، من كَانَ إنما أخرجته إرادة وجه اللَّه وثواب الآخرة فذلك منا ونحن مِنْهُ، فرحمة اللَّه عَلَيْهِ حيا وميتا، ومن كان انما يريد الدنيا وحرثها فو الله مَا نأتي فيئا نستفيئه، وَلا غنيمة نغنمها، مَا خلا رضوان اللَّه رب العالمين، وما معنا من ذهب وَلا فضة، وَلا خز وَلا حرير وما هي إلا سيوفنا فِي عواتقنا، ورماحنا فِي أكفنا، وزاد قدر البلغة إِلَى لقاء عدونا، فمن كَانَ غير هَذَا ينوي فلا يصحبنا.
فقام صخير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المزني، فَقَالَ: آتاك اللَّه رشدك، ولقاك حجتك، وَاللَّهِ الَّذِي لا إله غيره ما لنا خير فِي صحبة من الدُّنْيَا همته ونيته أَيُّهَا النَّاسُ، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا، والطلب بدم من نبينا، ص ليس معنا دينار وَلا درهم، إنما نقدم عَلَى حد السيوف وأطراف الرماح، فتنادى الناس من كل جانب: إنا لا نطلب الدُّنْيَا، وليس لها خرجنا.
قَالَ أَبُو مخنف: عن إِسْمَاعِيل بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ، عن السري بن كعب الأَزْدِيّ، قَالَ: أتينا صاحبنا عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل نودعه، قَالَ: فقام فقمنا مَعَهُ، فدخل عَلَى سُلَيْمَان ودخلنا مَعَهُ، وَقَدْ أجمع سُلَيْمَان بالمسير، فأشار عَلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل أن يسير إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فَقَالَ هُوَ ورءوس أَصْحَابه: الرأي مَا أشار بِهِ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل أن نسير إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد قاتل صاحبنا، ومن قبله أتينا، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ وعنده رءوس أَصْحَابه جلوس حوله: إني قَدْ رأيت رأيا إن يكن صوابا فالله
(5/585)

وفق، وأن يكن ليس بصواب فمن قبلي، فإني مَا آلوكم ونفسي نصحا، خطأ كَانَ أم صوابا، إنما خرجنا نطلب بدم الْحُسَيْن، وقتلة الْحُسَيْن كلهم بالكوفة، مِنْهُمْ عُمَر بن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص، ورءوس الأرباع وأشراف القبائل، فانى نذهب هاهنا وندع الأقتال والأوتار! فَقَالَ سُلَيْمَان بن صرد:
فماذا ترون؟ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لقد جَاءَ برأي، وان ما ذكر لكما ذكر، والله مَا نلقى من قتلة الْحُسَيْن إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد، وما طلبتنا الا هاهنا بالمصر، فَقَالَ سُلَيْمَان بن صرد: لكن أنا مَا أَرَى ذَلِكَ لكم، إن الَّذِي قتل صاحبكم، وعبا الجنود إِلَيْهِ، وَقَالَ: لا أمان لَهُ عندي دون أن يستسلم فأمضي فِيهِ حكمي هَذَا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة، عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فسيروا إِلَى عدوكم عَلَى اسم اللَّه، فإن يظهركم اللَّه عَلَيْهِ رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة مِنْهُ، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم فِي عافية، فتنظرون إِلَى كل من شرك فِي دم الْحُسَيْن فتقاتلونه وَلا تغشموا، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عِنْدَ اللَّه خير للأبرار والصديقين، إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين وَاللَّهِ لو قاتلتم غدا أهل مصركم مَا عدم رجل أن يرى رجلا قَدْ قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلا لَمْ يَكُنْ يريد قتله، فاستخيروا اللَّه وسيروا فتهيأ الناس للشخوص قَالَ: وبلغ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة خروج ابن صرد وأَصْحَابه، فنظرا فِي أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيعرضا عَلَيْهِم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدة، فإن أبوا إلا الشخوص سألوهم النظرة حَتَّى يعبوا معهم جيشا فيقاتلوا عدوهم بكشف وحد، فبعث عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بْنِ طَلْحَة سويد بن عَبْدِ الرحمن الى سليمان ابن صرد، فَقَالَ لَهُ: إن عَبْد اللَّهِ وإبراهيم يقولان: إنا نريد أن نجيئك
(5/586)

الآن لأمر عسى اللَّه أن يجعل لنا ولك فِيهِ صلاحا، فَقَالَ: قل لهما فليأتيانا، وَقَالَ سُلَيْمَان لرفاعة بن شداد البجلي: قم أنت فأحسن تعبئة الناس، فإن هَذَيْنِ الرجلين قَدْ بعثا بكيت وكيت، فدعا رءوس أَصْحَابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا إلا ساعة حَتَّى جَاءَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ فِي أشراف أهل الْكُوفَة والشرط وكثير من المقاتلة، وإبراهيم بن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَة فِي جماعة من أَصْحَابه، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ لكل رجل معروف قَدْ علم أنه قَدْ شرك فِي دم الْحُسَيْن:
لا تصحبني إِلَيْهِم مخافة أن ينظروا إِلَيْهِ فيعدوا عَلَيْهِ، وَكَانَ عُمَر بن سَعْد تِلَكَ الأيام الَّتِي كَانَ سُلَيْمَان معسكرا فِيهَا بالنخيلة لا يبيت إلا فِي قصر الإمارة مع عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ مخافة أن يأتيه القوم فِي داره، ويذمروا عليه في بيته وهو فاعل لا يعلم فيقتل وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: يَا عَمْرو بن حريث، إن أنا أبطأت عنك فصل بِالنَّاسِ الظهر.
فلما انتهى عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد إِلَى سُلَيْمَان بن صرد دخلا عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، وَلا يغشه، وَأَنْتُمْ إخواننا، وأهل بلدنا، وأحب أهل مصر خلقه اللَّه إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، وَلا تستبدوا علينا برأيكم، وَلا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حَتَّى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قَدْ شارف بلدنا خرجنا إِلَيْهِم بجماعتنا فقاتلناهم وتكلم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بنحو من هَذَا الكلام قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ سُلَيْمَان بن صرد وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لهما: إني قَدْ علمت أنكما قَدْ محضتما فِي النصيحة، واجتهدتما فِي المشورة، فنحن بِاللَّهِ وله، وَقَدْ خرجنا لأمر، ونحن نسأل اللَّه العزيمة عَلَى الرشد والتسديد لأصوبه، وَلا نرانا إلا شاخصين إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ.
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ: فأقيموا حَتَّى نعبئ معكم جيشا كثيفا، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحد فقال سُلَيْمَان: تنصرفون، ونرى فِيمَا بيننا، وسيأتيكم إِنْ شَاءَ اللَّهُ رأي
(5/587)

قَالَ أَبُو مخنف: عن عبد الجبار- يعني ابن عباس الهمدانى- عن عون ابن أبي جحيفة السوائي، قَالَ: ثُمَّ إن عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد ابن طَلْحَة عرضا عَلَى سُلَيْمَان أن يقيم مَعَهُمَا حَتَّى يلقوا جموع أهل الشام عَلَى أن يخصاه وأَصْحَابه بخراج جوخى خاصة لَهُمْ دون الناس، فَقَالَ لهما سُلَيْمَان: إنا ليس للدنيا خرجنا، وإنما فعلا ذَلِكَ لما قَدْ كَانَ بلغهما من إقبال عُبَيْد اللَّهِ بن زياد نحو العراق وانصرف إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وعبد اللَّه بن يَزِيدَ إِلَى الْكُوفَةِ، وأجمع القوم عَلَى الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل الْبَصْرَة لم يوافوهم لميعادهم وَلا أهل المدائن، فأقبل ناس من أَصْحَابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيسرعون إليكم، لو قَدِ انتهى إِلَيْهِم خبركم وحين مسيركم، وَلا أراهم خلفهم وَلا أقعدهم إلا قلة النفقة وسوء العدة، فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة، وما أسرع القوم فِي آثاركم قَالَ: ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد قام فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّه قَدْ علم مَا تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجارا، وللآخرة تجارا، فأما تاجر الآخرة فساع إِلَيْهَا، متنصب بتطلابها، لا يشتري بِهَا ثمنا، لا يرى إلا قائما وقاعدا، وراكعا وساجدا، لا يطلب ذهبا وَلا فضة، وَلا دنيا وَلا لذة، وأما تاجر الدُّنْيَا فمكب عَلَيْهَا، راتع فِيهَا، لا يبتغي بِهَا بدلا، فعَلَيْكُمْ يرحمكم اللَّه فِي وجهكم هَذَا بطول الصَّلاة فِي جوف الليل، وبذكر اللَّه كثيرا عَلَى كل حال، وتقربوا إِلَى اللَّهِ جل ذكره بكل خير قدرتم عَلَيْهِ، حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه، فان تتوسلوا إِلَى ربكم بشيء هُوَ أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة، فإن الجهاد سنام العمل جعلنا اللَّه وإياكم من العباد الصالحين، المجاهدين الصابرين عَلَى اللأواء! وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فادلجوا.
فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين للهجرة
(5/588)

قَالَ: فلما خرج سُلَيْمَان وأَصْحَابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم ابن منقذ فنادى فِي الناس: أَلا لا يبيتن رجل مِنْكُمْ دون دير الأعور.
فبات الناس بدير الأعور، وتخلف عنه ناس كثير، ثُمَّ سار حَتَّى نزل الأقساس، أقساس مالك عَلَى شاطئ الفرات، فعرض الناس، فسقط مِنْهُمْ نحو من ألف رجل، فَقَالَ ابن صرد: مَا أحب أن من تخلف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم مَا زادوكم إلا خبالا، إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كره انبعاثهم فثبطهم، وخصكم بفضل ذَلِكَ، فاحمدوا ربكم ثُمَّ خرج من منزله ذلك دلجه، فصبحوا قبر الْحُسَيْن، فأقاموا بِهِ ليلة ويوما يصلون عَلَيْهِ، ويستغفرون لَهُ، قَالَ: فلما انتهى الناس إِلَى قبر الْحُسَيْن صاحوا صيحة واحدة، وبكوا، فما رئي يوم كَانَ أكثر باكيا مِنْهُ.
قَالَ أَبُو مخنف: وَقَدْ حدث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن ابن غزية، قَالَ: لما انتهينا إِلَى قبر الْحُسَيْن ع بكى الناس بأجمعهم، وسمعت جل الناس يتمنون أَنَّهُمْ كَانُوا أصيبوا مَعَهُ، فَقَالَ سُلَيْمَان: اللَّهُمَّ ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللَّهُمَّ إنا نشهدك أنا عَلَى دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل، ونزل أَصْحَابه.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنَا الأعمش، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قَالَ: لما انتهى سُلَيْمَان بن صرد وأَصْحَابه إِلَى قبر الْحُسَيْن نادوا صيحة واحدة: يَا رب إنا قَدْ خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا مَا مضى منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسينا وأَصْحَابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يَا رب أنا عَلَى مثل مَا قتلوا عَلَيْهِ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قَالَ: فأقاموا عنده يَوْمًا وليلة يصلون عَلَيْهِ ويبكون ويتضرعون، فما انفك الناس من يومهم ذَلِكَ يترحمون عَلَيْهِ وعلى
(5/589)

أَصْحَابه، حَتَّى صلوا الغداة من الغد عِنْدَ قبره، وزادهم ذَلِكَ حنقا ثُمَّ ركبوا، فأمر سُلَيْمَان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حَتَّى يأتي قبر الْحُسَيْن فيقوم عَلَيْهِ، فيترحم عليه، ويستغفر له، قال: فو الله لرأيتهم ازدحموا عَلَى قبره أكثر من ازدحام الناس عَلَى الحجر الأسود قَالَ: ووقف سُلَيْمَان عِنْدَ قبره، فكلما دعا لَهُ قوم وترحموا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمُ المسيب بن نجبة وسُلَيْمَان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم اللَّه! فما زال كذلك حَتَّى بقي نحو من ثَلاثِينَ من أَصْحَابه، فأحاط سُلَيْمَان بالقبر هُوَ وأَصْحَابه، فَقَالَ سُلَيْمَان: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الْحُسَيْن، اللَّهُمَّ إذ حرمتناها مَعَهُ فلا تحرمناها فِيهِ بعده وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن وال: أما وَاللَّهِ إني لأظن حسينا وأباه وأخاه افضل أمه محمد ص وسيلة عِنْدَ اللَّه يوم الْقِيَامَة، أفما عجبتم لما ابتليت بِهِ هَذِهِ الأمة مِنْهُمْ! إِنَّهُمْ قتلوا اثنين، وأشفوا بالثالث عَلَى القتل، قَالَ: يقول المسيب بن نجبة: فأنا من قتلتهم ومن كَانَ عَلَى رأيهم بريء، إياهم أعادي وأقاتل قَالَ: فأحسن الرءوس كلهم المنطق، وَكَانَ المثنى بن مخربه صاحب أحد الرءوس والأشراف، فساءني حَيْثُ لم أسمعه تكلم مع القوم بنحو مَا تكلموا به، قال: فو الله مَا لبث إن تكلم بكلمات مَا كن بدون كلام أحد من القوم، فَقَالَ: إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم ص أفضل ممن هُوَ دون نبيهم، وَقَدْ قتلهم قوم نحن لَهُمْ أعداء، ومنهم برآء، وَقَدْ خرجنا من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم، فو الله لو أن القتال فِيهِمْ بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق علينا طلبه حَتَّى نناله، فإن ذَلِكَ هُوَ الغنم، وَهِيَ الشهادة الَّتِي ثوابها الجنة، فقلنا لَهُ: صدقت وأصبت ووفقت.
قَالَ: ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد سار من موضع قبر الْحُسَيْن وسرنا مَعَهُ، فأخذنا عَلَى الحصاصة، ثُمَّ عَلَى الأنبار، ثُمَّ عَلَى الصدود، ثُمَّ عَلَى القيارة.
قَالَ أَبُو مخنف: عن الْحَارِث بن حصيرة وغيره: أن سُلَيْمَان بعث على
(5/590)

مقدمته كُرَيْب بن يَزِيدَ الحميري.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الحصين بن يَزِيدَ، عن السري بن كعب، قَالَ: خرجنا مع رجال الحي نشيعهم، فلما انتهينا إِلَى قبر الْحُسَيْن وانصرف سُلَيْمَان بن صرد وأَصْحَابه عن القبر، ولزموا الطريق، استقدمهم عبد الله ابن عوف بن الأحمر عَلَى فرس لَهُ مهلوب كميت مربوع، يتأكل تأكلا، وَهُوَ يرتجز ويقول:
خرجن يلمعن بنا أرسالا ... عوابسا يحملننا أبطالا
نريد أن نلقى بِهِ الأقتالا ... القاسطين الغدر الضلالا
وَقَدْ رفضنا الأهل والأموالا ... والخفرات البيض والحجالا
نرضي بِهِ ذا النعم المفضالا.
قَالَ أَبُو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطَّائِيّ، عن المحل بن خليفة الطَّائِيّ، أن عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ كتب إِلَى سُلَيْمَان بن صرد، أحسبه قَالَ: بعثني بِهِ، فلحقته بالقيارة، واستقدم أَصْحَابه حَتَّى ظن أن قَدْ سبقهم، قَالَ:
فوقف وأشار إِلَى النَّاسِ، فوقفوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أقرأهم كتابه، فإذا فِيهِ:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عَبْد اللَّه بن يَزِيدَ إِلَى سُلَيْمَان بن صرد ومن مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سلام عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ فإن كتابي هَذَا إليكم كتاب ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغش، وكم من غاش مستنصح محب، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إِلَى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، وينزع وَهُوَ مذموم العقل والفعل.
يَا قومنا لا تطمعوا عدوكم فِي أهل بلادكم، فإنكم خيار كلكم، ومتى مَا يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذَلِكَ فيمن وراءكم
(5/591)

يَا قومنا، «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً» ، يَا قوم، إن أيدينا وأيديكم الْيَوْم واحدة، وإن عدونا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر عَلَى عدونا، ومتى تختلف تهن شوكتنا عَلَى من خالفنا، يَا قومنا لا تستغشوا نصحي، وَلا تخالفوا أمري، وأقبلوا حين يقرأ عَلَيْكُمْ كتابي، أقبل اللَّه بكم إِلَى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام.
قَالَ: فلما قرئ الكتاب عَلَى ابن صرد وأَصْحَابه قَالَ لِلنَّاسِ: مَا ترون؟
قَالُوا: ماذا ترى؟ قَدْ أبينا هَذَا عَلَيْكُمْ وعليهم، ونحن فِي مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطنا أنفسنا عَلَى الجهاد، ودنونا من أرض عدونا! مَا هَذَا برأي ثُمَّ نادوه أن أَخْبِرْنَا برأيك، قَالَ: رأيي وَاللَّهِ أنكم لم تكونوا قط أقرب من إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ مِنْكُمْ يومكم هَذَا، الشهادة والفتح، وَلا أَرَى أن تنصرفوا عما جمعكم اللَّه عَلَيْهِ من الحق، وأردتم بِهِ من الفضل، أنا وهؤلاء مختلفون، إن هَؤُلاءِ لو ظهروا دعونا إِلَى الجهاد مع ابن الزُّبَيْر، وَلا أَرَى الجهاد مع ابن الزُّبَيْر إلا ضلالا، وإنا إن نحن ظهرنا رددنا هَذَا الأمر إِلَى أهله، وإن أصبنا فعلى نياتنا، تائبين من ذنوبنا، إن لنا شكلا، وإن لابن الزُّبَيْر شكلا، إنا وإياهم كما قَالَ أخو بني كنانة:
أَرَى لَكَ شكلا غير شكلي فأقصري ... عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل
قَالَ: فانصرف الناس مَعَهُ حَتَّى نزل هيت، فكتب سُلَيْمَان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ للأمير عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ، من سُلَيْمَان بن صرد ومن مَعَهُ من الْمُؤْمِنِينَ، سلام عَلَيْك، اما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم وَاللَّهِ الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت وَاللَّهِ من نأمنه بالغيب، ونستنصحه فِي المشورة، ونحمده عَلَى كل حال، إنا سمعنا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يقول فِي كتابه: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» - إِلَى قَوْلِهِ: «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» إن القوم قَدِ استبشروا ببيعتهم
(5/592)

الَّتِي بايعوا، أَنَّهُمْ قَدْ تابوا من عظيم جرمهم، وَقَدْ توجهوا إِلَى اللَّهِ، وتوكلوا عَلَيْهِ ورضوا بِمَا قضى اللَّه، «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ، والسلام عَلَيْك فلما أتاه هَذَا الكتاب قَالَ: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عَنْهُمْ قتلهم، وايم اللَّه ليقتلن كراما مسلمين، وَلا والذي هُوَ ربهم لا يقتلهم عدوهم حَتَّى تشتد شوكتهم، وتكثر القتلى فِيمَا بينهم.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر، وعبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عبد الرَّحْمَن بن غزية، قَالا: خرجنا من هيت حَتَّى انتهينا إِلَى قرقيسيا، فلما دنونا منها وقف سُلَيْمَان بن صرد فعبانا تعبئة حسنة حَتَّى مررنا بجانب قرقيسيا، فنزلنا قريبا منها، وبها زفر بن الْحَارِث الكلابي قَدْ تحصن بِهَا من القوم، ولم يخرج إِلَيْهِم، فبعث سُلَيْمَان المسيب بن نجبة، فَقَالَ: ائت ابن عمك هَذَا فقل لَهُ: فليخرج إلينا سوقا، فإنا لسنا إِيَّاهُ نريد، إنما صمدنا لهؤلاء المحلين فخرج المسيب بن نجبة حَتَّى انتهى إِلَى باب قرقيسيا، فَقَالَ: افتحوا، ممن تحصنون؟ فَقَالُوا: من أنت؟
قَالَ: أنا المسيب بن نجبة، فأتى الهذيل بن زفر أباه فَقَالَ: هَذَا رجل حسن الهيئة، يستأذن عَلَيْك، وسألناه من هُوَ؟ فَقَالَ: المسيب بن نجبة- قَال:
وأنا إذ ذاك لا علم لي بِالنَّاسِ، وَلا أعلم أي الناس هُوَ- فَقَالَ لي أبي: أما تدري أي بني من هَذَا؟ هَذَا فارس مضر الحمراء كلها، وإذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم، وهو بعد رجل ناسك له دين، ائذن له فأذنت له، فأجلسه أبي إلى جانبه، وساءله والطفه في المسألة، فقال المسيب ابن نجبه: ممن تتحصن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا عَلَى هَؤُلاءِ القوم الظلمة المحلين، فأخرج لنا سوقا، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يَوْمًا أو بعض يوم، فَقَالَ لَهُ زفر بن الْحَارِث: إنا لم نغلق أبواب هَذِهِ الْمَدِينَة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا! إنا وَاللَّهِ مَا بنا عجز عن الناس مَا لم تدهمنا حيلة، وما نحب أنا بلينا بقتالكم، وَقَدْ بلغنا عنكم
(5/593)

صلاح، وسيرة حسنة جميلة.
ثُمَّ دعا ابنه فأمره أن يضع لَهُمْ سوقا، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فَقَالَ لَهُ المسيب: أما المال فلا حاجة لي فِيهِ، وَاللَّهِ مَا لَهُ خرجنا، وَلا إِيَّاهُ طلبنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إِلَيْهِ إن ظلع فرسي، أو غمز تحتي فخرج بِهِ حَتَّى أتى أَصْحَابه وأخرجت لَهُمُ السوق، فتسوقوا، وبعث زفر بن الْحَارِث إِلَى المسيب بن نجبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جزورا، وبعث إِلَى سُلَيْمَان بن صرد مثل ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمي لَهُ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل وعبد اللَّه بن وال ورفاعة بن شداد، وسمي لَهُ أمراء الأرباع.
فبعث إِلَى هَؤُلاءِ الرءوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عيرا عظيمة وشعيرا كثيرا، فَقَالَ غلمان زفر: هَذِهِ عير فاجتزروا منها مَا أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا مِنْهُ مَا أردتم، وهذا دقيق فتزودوا مِنْهُ مَا أطقتم، فظل القوم يومهم ذَلِكَ مخصبين لم يحتاجوا الى شراء شيء من هذه الاسواق الَّتِي وضعت، وَقَدْ كفوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن يشتري الرجل ثوبا أو سوطا ثُمَّ ارتحلوا من الغد، وبعث إِلَيْهِم زفر: إني خارج إليكم فمشيعكم، فأتاهم وَقَدْ خرجوا على تعبئة حسنة، فسايرهم، فَقَالَ زفر لسُلَيْمَان: إنه قَدْ بعث خمسة أمراء قَدْ فصلوا من الرقة فِيهِمُ الحصين بن نمير السكوني، وشُرَحْبِيل بن ذي كلاع، وأدهم بن محرز الباهلي وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عَبْدِ اللَّهِ الخثعمي، وَقَدْ جاءوكم فِي مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحد حديد، وايم اللَّه لقل مَا رأيت رجالا هم أحسن هيئة وَلا عدة، وَلا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك، ولكنه قَدْ بلغني أنه قَدْ أقبلت إليكم عدة لا تحصى، فَقَالَ ابن صرد: عَلَى اللَّه توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون، ثُمَّ قَالَ زفر: فهل لكم فِي أمر أعرضه عَلَيْكُمْ، لعل اللَّه أن يجعل لنا ولكم فِيهِ خيرا؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحدا وأيدينا واحدة، وإن شئتم نزلتم عَلَى باب مدينتنا، وخرجنا فعسكرنا إِلَى جانبكم، فإذا جاءنا هَذَا العدو
(5/594)

قاتلناهم جميعا فَقَالَ سُلَيْمَان لزفر: قَدْ أرادنا أهل مصرنا عَلَى مثل مَا أردتنا عَلَيْهِ، وذكروا مثل الَّذِي ذكرت، وكتبوا إلينا بِهِ بعد ما فصلنا، فلم يوافقنا ذَلِكَ، فلسنا فاعلين، فَقَالَ زفر: فانظروا مَا أشير بِهِ عَلَيْكُمْ فاقبلوه، وخذوا بِهِ، فإني للقوم عدو، وأحب أن يجعل اللَّه عَلَيْهِم الدائرة، وأنا لكم واد، أحب أن يحوطكم اللَّه بالعافية، إن القوم قَدْ فصلوا من الرقة، فبادروهم إِلَى عين الوردة، فاجعلوا الْمَدِينَة فِي ظهوركم، ويكون الرستاق والماء والماد فِي أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم لَهُ آمنون، وَاللَّهِ لو أن خيولي كرجالي لأمددتكم، اطووا المنازل الساعة إِلَى عين الوردة، فإن القوم يسيرون سير العساكر، وَأَنْتُمْ عَلَى خيول، وَاللَّهِ لقل مَا رأيت جماعة خيل قط أكرم منها، تأهبوا لها من يومكم هَذَا فإني أرجو أن تسبقوهم إِلَيْهَا، وإن بدرتموهم إِلَى عين الوردة فلا تقاتلوهم فِي فضاء ترامونهم وتطاعنونهم، فأنهم أكثر مِنْكُمْ فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لَهُمْ ترامونهم وتطاعنونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لَهُمْ لم يلبثوكم أن يصرعوكم، وَلا تصفوا لَهُمْ حين تلقونهم، فإني لا ارى معكم رجاله، ولا أراكم كلكم إلا فرسانا، والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان، فالفرسان تحمي رجالها، والرجال تحمي فرسانها، وَأَنْتُمْ ليس لكم رجال تحمي فرسانكم، فالقوهم فِي الكتائب والمقانب، ثُمَّ بثوها مَا بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل كتيبة كتيبة إِلَى جانبها فإن حمل عَلَى إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال، ومتى مَا شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى مَا شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم فِي صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة، ثُمَّ وقف فودعهم، وسأل اللَّه أن يصحبهم وينصرهم فأثنى الناس عَلَيْهِ، ودعوا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان بن صرد: نعم المنزول بِهِ أنت! أكرمت النزول، وأحسنت الضيافة، ونصحت في المشورة ثم ان القوم وجدوا فِي المسير، فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة، قَالَ: فمررنا بالمدن حَتَّى
(5/595)

بلغنا ساعا ثُمَّ إن سُلَيْمَان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر، ثُمَّ أقبل حَتَّى انتهى إِلَى عين الوردة فنزل فِي غربيها، وسبق القوم إِلَيْهَا، فعسكروا، وأقام بِهَا خمسا لا يبرح، واستراحوا واطمأنوا، وأراحوا خيلهم.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِث، عن عَبْد اللَّهِ بن غزية، قَالَ: أقبل أهل الشام فِي عساكرهم حَتَّى كَانُوا من عين الوردة عَلَى مسيرة يوم وليلة، قَالَ عَبْد اللَّهِ بن غزية: فقام فينا سُلَيْمَان فَحَمِدَ اللَّهَ فأطال، وأثنى عَلَيْهِ فأطنب، ثُمَّ ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء اللَّه ونعمه، وذكر الدنيا فزهد فيها، وذكر الآخرة فرغب فِيهَا، فذكر من هَذَا مَا لم أحصه، ولم أقدر عَلَى حفظه، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فقد أتاكم اللَّه بعدوكم الَّذِي دابتم فِي المسير إِلَيْهِ آناء الليل والنهار، تريدون فِيمَا تظهرون التوبة النصوح، ولقاء اللَّه معذرين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم فِي دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلا يولينهم امرؤ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ: لا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم، إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة اللَّه عَلَيْهِم، فإن هَذِهِ كَانَتْ سيرة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بن أبي طالب فِي أهل هَذِهِ الدعوة ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَان: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل، فان قتل عبد الله ابن سَعْد فأمير الناس عَبْد اللَّهِ بن وال، فإن قتل عَبْد اللَّهِ بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد، رحم اللَّه امرأ صدق مَا عاهد اللَّه عَلَيْهِ! ثُمَّ بعث المسيب ابن نجبه في أربعمائة فارس، ثُمَّ قَالَ: سر حَتَّى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فِيهِمُ الغارة، فإذا رأيت مَا تحبه وإلا انصرفت إلي فِي أَصْحَابك، وإياك أن تنزل أو تدع أحدا من أَصْحَابك أن ينزل، أو يستقبل آخر ذَلِكَ، حَتَّى لا تجد مِنْهُ بدا
(5/596)

قال ابو مخنف: فحدثني أبي عن حميد بن مسلم أنه قَالَ: اشهد انى في خيل المسيب بن نجبة تِلَكَ، إذ أقبلنا نسير آخر يومنا كله وليلتنا، حَتَّى إذا كَانَ فِي آخر السحر نزلنا فعلقنا عَلَى دوابنا مخاليها، ثُمَّ هومنا تهويمة بمقدار تكون مقدار قضمها ثُمَّ ركبناها، حَتَّى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا، ثُمَّ ركب فركبنا فبعث أبا الجويرية العبدي بن الأحمر فِي مائة من أَصْحَابه، وعبد اللَّه بن عوف بن الأحمر فِي مائة وعشرين، وحنش بن رَبِيعَة أبا المعتمر الكناني فِي مثلها، وبقي هُوَ فِي مائة، ثُمَّ قَالَ: انظروا أول من تلقون فأتوني بِهِ، فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرة وَهُوَ يقول:
يَا مال لا تعجل إِلَى صحبي ... واسرح فإنك آمن السرب
قَالَ: يقول عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر: يَا حميد بن مسلم، أبشر بشرى ورب الكعبة، فَقَالَ لَهُ ابن عوف بن الأحمر: ممن أنت يَا أعرابي؟
قَالَ: أنا من بني تغلب، قَالَ: غلبتم ورب الكعبة إِنْ شَاءَ اللَّهُ فانتهى إلينا المسيب بن نجبة، فأخبرناه بِالَّذِي سمعنا من الأعرابي وأتيناه به، فقال المسيب ابن نجبة أما لقد سررت بقولك: أبشر، وبقولك: يَا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بِمَا يسركم، وإنما سركم أن تحمدوا أمركم، وأن تسلموا من عدوكم، وإن هَذَا الفأل لهو الفأل الْحَسَن، وَقَدْ كَانَ رَسُول الله ص يعجبه الفأل ثُمَّ قَالَ المسيب بن نجبة للأعرابي: كم بيننا وبين أدنى هَؤُلاءِ القوم منا؟ قَالَ: أدنى عسكر من عساكرهم مِنْكَ عسكر ابن ذي الكلاع، وَكَانَ بينه وبين الحصين اختلاف، ادعى الحصين أنه عَلَى جماعة الناس، وَقَالَ ابن ذي الكلاع: مَا كنت لتولى علي، وَقَدْ تكاتبا إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع مِنْكُمْ عَلَى رأس ميل، قال: فتركنا الرجل، فخرجنا نحوهم مسرعين، فو الله مَا شعروا حَتَّى أشرفنا عَلَيْهِم وهم غارون، فحملنا في جانب عسكرهم فو الله مَا قاتلوا كثير قتال حَتَّى انهزموا، فأصبنا مِنْهُمْ رجالا، وجرحنا فِيهِمْ
(5/597)

فأكثرنا الجراح، وأصبنا لَهُمْ دواب، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا، فأخذنا مِنْهُ مَا خف علينا، فصاح المسيب فينا: الرجعة، إنكم قَدْ نصرتم، وغنمتم وَسَلَّمَتم، فانصرفوا، فانصرفنا حَتَّى أتينا سُلَيْمَان.
قَالَ: فأتى الخبر عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعا حَتَّى نزل فِي اثني عشر ألفا، فخرجنا إِلَيْهِم يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى، فجعل سُلَيْمَان بن صرد عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل عَلَى ميمنته، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، ووقف هُوَ فِي القلب، وجاء حصين بن نمير وَقَدْ عبأ لنا جنده، فجعل عَلَى ميمنته جبلة بن عَبْدِ اللَّهِ، وعلى ميسرته رَبِيعَة بن المخارق الغنوي ثُمَّ زحفوا إلينا، فلما دنوا دعونا إِلَى الجماعة عَلَى عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان وإلى الدخول فِي طاعته، ودعوناهم إِلَى أن يدفعوا إلينا عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، وأن يخلعوا عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان، وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزُّبَيْر، ثُمَّ نرد هَذَا الأمر إِلَى أهل بيت نبينا الَّذِينَ آتانا اللَّه من قبلهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا.
قَالَ حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا عَلَى ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا عَلَى ميمنتهم، وحمل سُلَيْمَان فِي القلب عَلَى جماعتهم، فهزمناهم حَتَّى اضطررناهم إِلَى عسكرهم، فما زال الظفر لنا عَلَيْهِم حَتَّى حجز الليل بيننا وبينهم، ثم انصرفنا عنهم وقد حجزناهم فِي عسكرهم، فلما كَانَ الغد صبحهم ابن ذي الكلاع فِي ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد الله ابن زياد، وبعث إِلَيْهِ يشتمه، ويقع فِيهِ، ويقول: إنما عملت عمل الأغمار، تضيع عسكرك ومسالحك! سر إِلَى الحصين بن نمير حَتَّى توافيه وَهُوَ عَلَى الناس، فجاءه، فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصَّلاة حَتَّى أمسينا فتحاجزنا، وَقَدْ وَاللَّهِ أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فِيهِمْ، قَالَ: وَكَانَ فينا قُصّاص ثلاثة: رفاعة بن شداد البجلي، وصحير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المري، وأبو الجويرية العبدي، فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنه، لا يبرحها، وجرح أَبُو الجويرية الْيَوْم الثاني فِي أول النهار، فلزم الرحال، وَكَانَ صحير ليلته كلها يدور
(5/598)

فينا ويقول: أبشروا عباد اللَّه بكرامة اللَّه ورضوانه، فحق وَاللَّهِ لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدُّنْيَا وأذاها إلا فراق هَذِهِ النفس الأمارة بالسوء أن يكون بفراقها سخيا، وبلقاء ربه مسرورا، فمكثنا كذلك حَتَّى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلي فِي نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا الْيَوْم الثالث يوم الجمعة قتالا شديدا إِلَى ارتفاع الضحى ثُمَّ إن أهل الشام كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب، ورأى سُلَيْمَان بن صرد مَا لقي أَصْحَابه، فنزل فنادى:
عباد اللَّه، من أراد البكور إِلَى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي، ثُمَّ كسر جفن سيفه، ونزل مَعَهُ ناس كثير، فكسروا جفون سيوفهم، ومشوا مَعَهُ، وانزوت خيلهم حَتَّى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حَتَّى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف، وَقَدْ كسروا الجفون، فحمل الفرسان عَلَى الخيل وَلا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فِيهِمْ فأكثروا الجراح فلما رَأَى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سُلَيْمَان بن صرد رحمه اللَّه، رماه يَزِيد بن الحصين بسهم فوقع، ثُمَّ وثب ثُمَّ وقع، قَالَ: فلما قتل سُلَيْمَان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة، وَقَالَ لسُلَيْمَان بن صرد: رحمك اللَّه يَا أخي! فقد صدقت ووفيت بِمَا عَلَيْك، وبقي مَا علينا، ثُمَّ أخذ الراية فشد بِهَا، فقاتل ساعة ثُمَّ رجع، ثُمَّ شد بِهَا فقاتل ثُمَّ رجع، ففعل ذَلِكَ مرارا يشد ثُمَّ يرجع، ثُمَّ قتل رحمه اللَّه.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنَا فروة بن لقيط، عن مولى للمسيب بن نجبة الفزاري، قَالَ: لقيته بالمدائن وَهُوَ مع شبيب بن يَزِيدَ الخارجي، فجرى الحديث حَتَّى ذكرنا أهل عين الوردة.
قَالَ هِشَام عن أبي مخنف، قَالَ: حَدَّثَنَا هَذَا الشيخ، عن المسيب بن نجبة، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رأيت أشجع مِنْهُ إنسانا قط، وَلا من العصابة الَّتِي كَانَ فِيهِمْ، وَلَقَدْ رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالا شديدا، مَا ظننت أن
(5/599)

رجلا واحدا يقدر أن يبلى مثل مَا أبلى، وَلا ينكأ فِي عدوه مثل مَا نكأ، لقد قتل رجالا، قَالَ: وسمعته يقول قبل أن يقتل وَهُوَ يقاتلهم:
قَدْ علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب
أني غداة الروع والتغالب ... أشجع من ذي لبد مواثب
قطاع أقران مخوف الجانب.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أبي وخالي، عن حميد بن مسلم وعبد اللَّه بن غزية قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف، قَالَ: لما قتل المسيب بن نجبة أخذ الراية عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل، ثُمَّ قَالَ رحمه اللَّه: أخوي مِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وأقبل بمن كَانَ مَعَهُ من الأزد، فحفوا برايته، فو الله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عَبْد اللَّهِ بن الخضل الطَّائِيّ، وكثير بن عَمْرو المزني، وسعر بن أبي سعر الحنفي، كَانُوا خرجوا مع سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ فِي سبعين ومائة من أهل المدائن، فسرحهم يوم خرج فِي آثارنا عَلَى خيول مقلمة مقدحة، فَقَالَ لَهُمُ: اطووا المنازل حَتَّى تلحقوا بإخواننا فتبشروهم بخروجنا إِلَيْهِم لتشتد بِذَلِكَ ظهورهم، وتخبروهم بمجيء أهل الْبَصْرَة أَيْضًا، كَانَ المثنى بن مخربه العبدى اقبل في ثلاثمائة من أهل الْبَصْرَة، فَجَاءَ حَتَّى نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حُذَيْفَة من المدائن لخمس ليال، وَكَانَ خروجه مِنَ الْبَصْرَةِ قبل ذَلِكَ قَدْ بلغ سعد بن حُذَيْفَة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتهوا إلينا قَالُوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل الْبَصْرَة، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ نفيل: ذَلِكَ لو جاءونا ونحن أحياء، قَالَ: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارع إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القوم وَقَالُوا: وَقَدْ بلغ مِنْكُمْ مَا نرى! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! قَالَ: فنظروا والله
(5/600)

إِلَى مَا ساء أعينهم، فَقَالَ لَهُمْ عَبْد اللَّهِ بن نفيل: إنا لهذا خرجنا، ثُمَّ اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعة حَتَّى قتل المزني، وطعن الحنفي فوقع بين القتلى، ثُمَّ ارتث بعد ذَلِكَ فنجا، وطعن الطَّائِيّ فجزم أنفه، فقاتل قتالا شديدا، وَكَانَ فارسا شاعرا، فأخذ يقول:
قَدْ علمت ذات القوام الرود ... أن لست بالواني وَلا الرعديد
يَوْمًا وَلا بالفرق الحيود.
قَالَ: فحمل علينا رَبِيعَة بن المخارق حملة منكرة، فاقتتلنا قتالا شديدا.
ثُمَّ إنه اختلف هُوَ وعبد اللَّه بن سَعْدِ بْنِ نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شَيْئًا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إِلَى الأرض، ثُمَّ قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي رَبِيعَة بن المخارق عَلَى عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ، فطعنه فِي ثغرة نحره، فقتله، ويحمل عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر عَلَى رَبِيعَة بن المخارق، فطعنه فصرعه فلم يصب مقتلا، فقام فكر عَلَيْهِ الثانية، فطعنه أَصْحَاب رَبِيعَة فصرعوه، ثُمَّ إن أَصْحَابه استنقذوه وَقَالَ خَالِد بن سَعْدِ بْنِ نفيل: أروني قاتل أخي، فأريناه ابن أخي رَبِيعَة بن المخارق، فحمل عَلَيْهِ فقنعه بالسيف واعتنقه الآخر فخر إِلَى الأرض، فحمل أَصْحَابه وحملنا، وكانوا أكثر منا فاستنقذوا صاحبهم، وقتلوا صاحبنا، وبقيت الراية ليس عندها أحد.
قَالَ: فنادينا عَبْد اللَّهِ بن وال بعد قتلهم فرساننا، فإذا هُوَ قَدِ استلحم فِي عصابة مَعَهُ إِلَى جانبنا، فحمل عَلَيْهِ رفاعة بن شداد، فكشفهم عنه، ثُمَّ أقبل إِلَى رايته وَقَدْ أمسكها عَبْد الله بن خازم الكثيرى، فَقَالَ لابن وال:
أمسك عني رايتك، قَالَ: أمسكها عني رحمك اللَّه، فإني بي مثل حالك فَقَالَ لَهُ: أمسك عني رايتك، فإني أريد أن أجاهد، قَالَ: فإن هَذَا الَّذِي أنت فِيهِ جهاد وأجر، قَالَ: فصحنا: يَا أَبَا عزة، أطع أميرك يرحمك اللَّه! قَالَ: فأمسكها قليلا، ثُمَّ إن ابن وال أخذها مِنْهُ.
قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ أَبُو الصلت التيمي الأعور: حَدَّثَنِي شيخ للحي
(5/601)

كَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ لنا ابن وال: من أراد الحياة الَّتِي ليس بعدها موت، والراحة الَّتِي ليس بعدها نصب، والسرور الَّذِي ليس بعده حزن، فليتقرب إِلَى ربه بجهاد هَؤُلاءِ المحلين، والرواح إِلَى الجنة رحمكم اللَّه! وَذَلِكَ عِنْدَ العصر، فشد عَلَيْهِم، وشددنا مَعَهُ، فأصبنا وَاللَّهِ مِنْهُمْ رجالا، وكشفناهم طويلا، ثُمَّ إِنَّهُمْ بعد ذَلِكَ تعطفوا علينا من كل جانب، فحازونا حَتَّى بلغوا بنا المكان الَّذِي كنا فِيهِ، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فِيهِ إلا من وجه واحد، وولي قتالنا عِنْدَ المساء أدهم بن محرز الباهلي، فشد علينا فِي خيله ورجاله، فقتل عَبْد اللَّهِ بن وال التيمي.
قَالَ أَبُو مخنف، عن فروة بن لقيط، قَالَ: سمعت أدهم بن محرز الباهلي فِي إمارة الحجاج بن يُوسُفَ وَهُوَ يحدث ناسا من أهل الشام، قَالَ:
دفعت إِلَى أحد أمراء العراق، رجل مِنْهُمْ يقولون لَهُ عَبْد اللَّهِ بن وال وَهُوَ يقول:
«وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
فَرِحِينَ» ، الآيات الثلاث، قَالَ: فغاظني، فقلت فِي نفسي:
هَؤُلاءِ يعدوننا بمنزلة أهل الشرك، يرون أن من قتلنا مِنْهُمْ كَانَ شهيدا.
فحملت عَلَيْهِ أضرب يده اليسرى فأطننتها، وتنحيت قريبا، فقلت لَهُ:
أما إني أراك وددت أنك فِي أهلك، فَقَالَ: بئسما رأيت! أما وَاللَّهِ مَا أحب أنها يدك الآن إلا أن يكون لي فِيهَا من الأجر مثل مَا فِي يدي، قَالَ: فقلت لَهُ:
لم؟ قَالَ: لكيما يجعل اللَّه عَلَيْك وزرها، ويعظم لي أجرها، قَالَ: فغاظني فجمعت خيلي ورجالي، ثُمَّ حملنا عَلَيْهِ وعلى أَصْحَابه، فدفعت إِلَيْهِ فطعنته فقتلته، وإنه لمقبل إلي مَا يزول، فزعموا بعد أنه كَانَ من فقهاء أهل العراق الَّذِينَ كَانُوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد اللَّه بن غزية
(5/602)

قَالَ: لما هلك عَبْد اللَّهِ بن وال نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إِلَى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من بني كنانة يقال لَهُ الْوَلِيد بن غضين: أمسك رايتك، قَالَ: لا أريدها، فقلت لَهُ: إنا لِلَّهِ! مَا لك! فَقَالَ: ارجعوا بنا لعل اللَّه يجمعنا ليوم شر لَهُمْ، فوثب عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر إِلَيْهِ، فَقَالَ: أهلكتنا، وَاللَّهِ لَئِنِ انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حَتَّى نهلك من عِنْدَ آخرنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى، فتقربوا إِلَيْهِم بِهِ فيقتل صبرا، أنشدك اللَّه أن تفعل، هَذِهِ الشمس قَدْ طفلت للمغيب، وهذا الليل قَدْ غشينا، فنقاتلهم عَلَى خيلنا هَذِهِ فإنا الآن ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بِهَا، فكان ذَلِكَ الشأن حَتَّى نصبح ونسير ونحن عَلَى مهل، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه، وتسير العشرة والعشرون معا، ويعرف الناس الوجه الَّذِي يأخذون، فيتبع فِيهِ بعضهم بعضا، ولو كَانَ الَّذِي ذكرت لم تقف أم عَلَى ولدها، ولم يعرف رجل وجهه، وَلا أين يسقط، وَلا أين يذهب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور فَقَالَ لَهُ رفاعة بن شداد: فإنك نعم مَا رأيت، قَالَ: ثُمَّ أقبل رفاعة عَلَى الكناني فَقَالَ لَهُ: أتمسكها أم آخذها مِنْكَ؟ فَقَالَ لَهُ الكناني: إني لا أريد مَا تريد، إني أريد لقاء ربي، واللحاق بإخواني، والخروج من الدُّنْيَا إِلَى الآخرة، وأنت تريد ورق الدُّنْيَا، وتهوى البقاء، وتكره فراق الدنيا، اما والله انى لاحب لك أن ترشد، ثُمَّ دفع إِلَيْهِ الراية، وذهب ليستقدم فَقَالَ لَهُ ابن أحمر: قاتل معنا ساعة رحمك اللَّه وَلا تلق بيدك إِلَى التهلكة، فما زال بِهِ يناشده حَتَّى احتبس عَلَيْهِ، وأخذ أهل الشام يتنادون: إن اللَّه قَدْ أهلكهم، فأقدموا عَلَيْهِم فافرغوا مِنْهُمْ قبل الليل فأخذوا يقدمون عَلَيْهِم، فيقدمون عَلَى شوكة شديدة، ويقاتلون فرسانا شجعانا ليس فِيهِمْ سقط رجل، وليسوا لَهُمْ بمضجرين فيتمكنوا مِنْهُمْ، فقاتلوهم حَتَّى العشاء قتالا شديدا، وقتل الكناني قبل المساء، وخرج عَبْد اللَّهِ بن عزيز الكندي وَمَعَهُ ابنه مُحَمَّد غلام صغير، فَقَالَ: يَا أهل الشام، هل فيكم أحد من كندة؟ فخرج إِلَيْهِ مِنْهُمْ رجال، فَقَالُوا: نعم، نحن هؤلاء،
(5/603)

فَقَالَ لَهُمْ: دونكم أخوكم فابعثوا بِهِ إِلَى قومكم بالكوفة، فأنا عَبْد اللَّهِ بن عزيز الكندي، فَقَالُوا لَهُ: أنت ابن عمنا، فإنك آمن، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لا أرغب عن مصارع إخواني الَّذِينَ كَانُوا للبلاد نورا، وللأرض أوتادا، وبمثلهم كَانَ اللَّه يذكر، قَالَ: فأخذ ابنه يبكي فِي أثر أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا بني، لو أن شَيْئًا كَانَ آثر عندي من طاعة ربي إذا لكنت أنت، وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه فِي أثره، وأروا الشاميون لَهُ ولابنه رقة شديدة حَتَّى جزعوا وبكوا، ثُمَّ اعتزل الجانب الَّذِي خرج إِلَيْهِ مِنْهُ قومه، فشد عَلَى صفهم عِنْدَ المساء، فقاتل حَتَّى قتل قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج، قَالَ: حَدَّثَنِي مسلم بن زحر الخولاني، أن كُرَيْب بن زَيْد الحميري مشى إِلَيْهِم عِنْدَ المساء وَمَعَهُ راية بلقاء فِي جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وَقَدْ كَانُوا تحدثوا بِمَا يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لَهُمُ الحميري وجمع إِلَيْهِ رجالا من حمير وهمدان، فَقَالَ: عباد اللَّه! روحوا إِلَى ربكم، وَاللَّهِ مَا فِي شَيْءٍ من الدُّنْيَا خلف من رضاء اللَّه والتوبة إِلَيْهِ، إنه قَدْ بلغني أن طائفة مِنْكُمْ يريدون أن يرجعوا إِلَى مَا خرجوا مِنْهُ إِلَى دنياهم، وإن هم ركنوا إِلَى دنياهم رجعوا الى خطاياهم، فاما انا فو الله لا أولي هَذَا العدو ظهري حَتَّى أرد موارد إخواني، فأجابوه وَقَالُوا: رأينا مثل رأيك ومضى برايته حَتَّى دنا من القوم، فَقَالَ ابن ذي الكلاع: وَاللَّهِ إني لأرى هَذِهِ الراية حميرية أو همدانية، فدنا مِنْهُمْ فسألهم، فأخبروه، فَقَالَ لَهُمْ: إنكم آمنون، فَقَالَ لَهُ صاحبهم: إنا قَدْ كنا آمنين فِي الدُّنْيَا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة، فقاتلوا القوم حتى قتلوا، ومشى صخير بن حُذَيْفَة بن هلال بن مالك المزني فِي ثَلاثِينَ من مزينة، فَقَالَ لَهُمْ: لا تهابوا الموت فِي اللَّه، فإنه لاقيكم، وَلا ترجعوا إِلَى الدُّنْيَا الَّتِي خرجتم منها إِلَى اللَّهِ فإنها لا تبقى لكم، وَلا تزهدوا فِيمَا رغبتم فِيهِ من ثواب اللَّه فإن مَا عِنْدَ اللَّه خير لكم، ثُمَّ مضوا فقاتلوا حَتَّى قتلوا، فلما أمسى الناس ورجع أهل الشام إِلَى معسكرهم، نظر رفاعة إِلَى كل رجل قَدْ عقر بِهِ، وإلى
(5/604)

كل جريح لا يعين عَلَى نفسه، فدفعه إِلَى قومه، ثُمَّ سار بِالنَّاسِ ليلته كلها حَتَّى أصبح بالتنينير فعبر الخابور، وقطع المعابر، ثُمَّ مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قَدْ ذهبوا، فلم يبعث فِي آثارهم أحدا، وسار بِالنَّاسِ فأسرع، وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدي فِي سبعين فارسا يسترون الناس، فإذا مروا برجل قَدْ سقط حمله، أو بمتاع قَدْ سقط قبضه حَتَّى يعرفه، فإن طلب او ابتغى بعث اليه فاعمله، فلم يزالوا كذلك حَتَّى مروا بقرقيسيا من جانب البر، فبعث إِلَيْهِم زفر من الطعام والعلف مثل مَا كَانَ بعث إِلَيْهِم فِي المرة الأولى، وأرسل إِلَيْهِم الأطباء وَقَالَ: أقيموا عندنا مَا أحببتم، فإن لكم الكرامة والمواساة، فأقاموا ثلاثا، ثُمَّ زود كل امرئ مِنْهُمْ مَا أحب من الطعام والعلف، قَالَ: وجاء سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ حَتَّى انتهى إِلَى هيت، فاستقبله الأعراب فأخبروه بِمَا لقي الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخربة العبدي بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حَتَّى جاءهم الخبر: أن رفاعة قَدْ أظلكم، فخرجوا حين دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم عَلَى بعض، وبكى بعضهم إِلَى بعض، وتناعوا إخوانهم فأقاموا بِهَا يَوْمًا وليلة، فانصرف أهل المدائن إِلَى المدائن، وأهل الْبَصْرَة إِلَى الْبَصْرَة، وأقبل أهل الْكُوفَة إِلَى الْكُوفَةِ، فإذا المختار محبوس.
قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف، عن عبد الرَّحْمَن بن يَزِيدَ بن جابر، عن أدهم بن محرز الباهلي، أنه أتى عَبْد الْمَلِكِ بن مَرْوَان ببشارة الفتح، قَالَ:
فصعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه قَدْ أهلك من رءوس أهل العراق ملقح فتنة، ورأس ضلالة، سُلَيْمَان بن صرد، أَلا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف، أَلا وَقَدْ قتل اللَّه من رءوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عَبْد اللَّهِ بن سَعْد أخا الأزد، وعبد اللَّه بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هَؤُلاءِ أحد عنده دفاع وَلا امتناع.
قَالَ هِشَام، عن أبي مخنف: وحدثت أن المختار مكث نحوا من خمس
(5/605)

عشرة ليلة ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابه: عدوا لغازيكم هَذَا أكثر من عشر، ودون الشهر، ثُمَّ يجيئكم نبأ هتر، من طعن نتر، وضرب هبر، وقتل جم، وأمر رجم.
فمن لها؟ أنا لها، لا تكذبن، أنا لها.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنَا الحصين بن يَزِيدَ، عن أبان بن الْوَلِيد، قَالَ:
كتب المختار وَهُوَ فِي السجن إِلَى رفاعة بن شداد حين قدم من عين الوردة:
أَمَّا بَعْدُ، فمرحبا بالعصب الذين اعظم اللَّه لَهُمُ الأجر حين انصرفوا، ورضي انصرافهم حين قفلوا اما ورب البنيه التي بنى مَا خطا خاط مِنْكُمْ خطوة، وَلا رتا رتوة، إلا كَانَ ثواب اللَّه لَهُ أعظم من ملك الدُّنْيَا إن سُلَيْمَان قَدْ قضى مَا عَلَيْهِ، وتوفاه اللَّه فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الَّذِي بِهِ تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا، وأبشروا واستبشروا، أدعوكم إِلَى كتاب الله، وسنه نبيه ص، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين، والسلام.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو زهير العبسي، أن الناس تحدثوا بهذا من أمر المختار، فبلغ ذَلِكَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد، فخرجا فِي الناس حَتَّى أتيا المختار، فأخذاه.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قَالَ: لما تهيأنا للانصراف قام عَبْد اللَّهِ بن غزية ووقف عَلَى القتلى فَقَالَ:
يرحمكم اللَّه، فقد صدقتم وصبرتم، وكذبنا وفررنا، قَالَ: فلما سرنا وأصبحنا إذا عَبْد اللَّهِ بن غزية فِي نحو من عشرين قَدْ أرادوا الرجوع إِلَى العدو والاستقتال، فَجَاءَ رفاعة وعبد اللَّه بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فَقَالُوا لَهُمْ: ننشدكم اللَّه أَلا تزيدونا فلولا ونقصانا، فإنا لا نزال بخير مَا كَانَ فينا مثلكم من ذوي النيات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حَتَّى ردوهم غير
(5/606)

رجل من مزينة يقال لَهُ عبيدة بن سُفْيَان، رحل مع الناس، حَتَّى إذا غفل عنه انصرف حَتَّى لقي أهل الشام، فشد بسيفه يضاربهم حَتَّى قتل.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الحصين بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ، عن حميد بن مسلم الأَزْدِيّ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ المزني صديقا لي، فلما ذهب لينصرف ناشدته اللَّه، فَقَالَ: أما إنك لم تكن لتسألني شَيْئًا من الدُّنْيَا إلا رأيت لك من الحق علي إيتاءكه، وهذا الَّذِي تسألني أريد اللَّه بِهِ، قَالَ: ففارقني حَتَّى لقي القوم فقتل، قال: فو الله مَا كَانَ شَيْء بأحب إلي من أن ألقى إنسانا يحدثني عنه كيف صنع حين لقي القوم! قَالَ: فلقيت عَبْد الْمَلِكِ بن جزء بن الحدرجان الأَزْدِيّ بمكة، فجرى حديث بيننا، جرى ذكر ذَلِكَ الْيَوْم، فَقَالَ: أعجب مَا رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلا أقبل حَتَّى شد علي بسيفه، فخرجنا نحوه، قَالَ: فانتهى إِلَيْهِ وَقَدْ عقر بِهِ وَهُوَ يقول:
إني من اللَّه إِلَى اللَّهِ أفر ... رضوانك اللَّهُمَّ أبدي وأسر
قَالَ: فقلنا لَهُ: ممن أنت؟ قَالَ: من بني آدم، قَالَ: فقلنا: ممن؟
قَالَ: لا أحب أن أعرفكم وَلا أن تعرفوني يَا مخربى البيت الحرام، قال:
فتزل إِلَيْهِ سُلَيْمَان بن عَمْرو بن محصن الأَزْدِيّ من بني الخيار، قَالَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ من أشد الناس، قَالَ: فكلاهما أثخن صاحبه، قَالَ: وشد الناس عَلَيْهِ من كل جانب، فقتلوه، قال: فو الله مَا رأيت واحدا قط هُوَ أشد مِنْهُ، قَالَ: فلما ذكر لي، وكنت أحب أن أعلم علمه، دمعت عيناي، فَقَالَ:
أبينك وبينه قرابة؟ فقلت لَهُ: لا، ذَلِكَ رجل من مضر كَانَ لي ودا وأخا، فَقَالَ لي: لا أرقأ اللَّه دمعك، أتبكي عَلَى رجل من مضر قتل عَلَى ضلالة! قَالَ: قلت: لا، وَاللَّهِ مَا قتل عَلَى ضلالة، ولكنه قتل عَلَى بينة من ربه وهدى، فَقَالَ لي: أدخلك اللَّه مدخله، قلت: آمين، وأدخلك اللَّه مدخل حصين بن نمير، ثُمَّ لا ارقا الله لك عَلَيْهِ دمعا، ثُمَّ قمت وقام.
وَكَانَ مما قيل من الشعر فِي ذَلِكَ قول أعشى همدان، وَهِيَ إحدى المكتمات، كن يكتمن فِي ذَلِكَ الزمان:
(5/607)

ألم خيال مِنْكَ يَا أم غالب ... فحييت عنا من حبيب مجانب
وما زلت لي شجوا وما زلت مقصدا ... لِهَمٍّ عراني من فراقك ناصب
فما أنس لا أنس انفتالك فِي الضحى ... إلينا مع البيض الوسام الخراعب
تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب
مبتلة غراء، رود شبابها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب
فلما تغشاها السحاب وحوله ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
فتلك الهوى وَهْيَ الجوى لي والمنى ... فأحبب بِهَا من خلة لم تصاقب
وَلا يبعد اللَّه الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب
ويزداد مَا أحببته من عتابنا ... لعابا وسقيا للخدين المقارب
فإني وإن لم أنسهن لذاكر ... رزيئة مخبات كريم المناصب
توسل بالتقوى إِلَى اللَّهِ صادقا ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب
وخلى عن الدُّنْيَا فلم يلتبس بِهَا ... وتاب إِلَى اللَّهِ الرفيع المراتب
تخلى عن الدُّنْيَا وَقَالَ اطّرحتها ... فلست إِلَيْهَا مَا حييت بآيب
وما أنا فِيمَا يكبر الناس فقده ... ويسعى لَهُ الساعون فِيهَا براغب
فوجهه نحو الثوية سائرا ... إِلَى ابن زياد فِي الجموع الكباكب
بقوم همُ أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجاد سراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طَلْحَة حسبه ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم من بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب
(5/608)

فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا ... إِلَيْهِم فحسوهم ببيض قواضب
يمانيه تذرى الأكف وتارة ... بخيل عتاق مقربات سلاهب
فجاءهمُ جمع من الشام بعده ... جموع كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حَتَّى أبيدت سراتهم ... فلم ينج مِنْهُمْ ثَمَّ غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب
فاضحى الخزاعي الرئيس مجدلا ... كأن لم يقاتل مرة ويحارب
وراس بنى شمخ وفارس قومه ... شنوءه والتيمي هادي الكتائب
وعمرو بن بشر والوليد وخالد ... وزَيْد بن بكر والحليس بن غالب
وضارب من همدان كل مشيع ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب
ومن كل قوم قَدْ أصيب زعيمهم ... وذو حسب فِي ذروة المجد ثاقب
أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن بأطراف الأسنة صائب
وإن سعيدا يوم يدمر عامرا ... لأشجع من ليث بدرنى مواثب
فيا خير جيش للعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب
فلا يبعدَنْ فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب
فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة ... وكل فتى يَوْمًا لإحدى الشواعب
وما قتلوا حَتَّى أثاروا عصابة ... محلين ثورا كالليوث الضوارب
وقتل سُلَيْمَان بن صرد ومن قتل مَعَهُ بعين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر
(5/609)

ذكر الخبر عن بيعه عبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان
وفي هَذِهِ السنة أمر مَرْوَان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عَبْد الْمَلِكِ وعبد العزيز، وجعلهما ولي العهد.
ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لها:
قَالَ هِشَام، عن عوانة قَالَ: لما هزم عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ الأشدق مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ حين وجهه أخوه عَبْد اللَّهِ إِلَى فلسطين وانصرف راجعا إِلَى مَرْوَان، ومروان يَوْمَئِذٍ بدمشق، قَدْ غلب عَلَى الشام كلها ومصر، وبلغ مَرْوَان أن عمرا يقول: إن هَذَا الأمر لي من بعد مَرْوَان، ويدعي أنه قَدْ كَانَ وعده وعدا، فدعا مَرْوَان حسان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه من بعده، واخبره بما بلغه عن عَمْرو بن سَعِيدٍ، فَقَالَ: أنا أكفيك عمرا، فلما اجتمع الناس عِنْدَ مَرْوَان عشيا قام ابن بحدل فَقَالَ: إنه قَدْ بلغنا أن رجالا يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده، فقام الناس، فبايعوا من عند آخرهم
. ذكر الخبر عن موت مروان بن الحكم
وفي هَذِهِ السنة مات مَرْوَان بن الحكم بدمشق مستهل شهر رمضان.
ذكر الخبر عن سبب هلاكه:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بن يَعْقُوب، عن أبي الحويرث، قال: لما حضرت معاويه ابن يَزِيدَ أبا لَيْلَى الوفاة، أبى أن يستخلف أحدا، وَكَانَ حسان بن مالك بن بحدل يريد أن يجعل الأمر بعد مُعَاوِيَة بن يَزِيدَ لأخيه خَالِد بن يَزِيدَ بن مُعَاوِيَة، وَكَانَ صغيرا، وَهُوَ خال أَبِيهِ يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فبايع لمروان، وَهُوَ يريد أن يجعل الأمر بعده لخالد بن يَزِيدَ، فلما بايع لمروان وبايعه مَعَهُ أهل الشام قيل لمروان: تزوج أم خَالِد- وأمه أم خَالِد ابنة أبي هِشَام بن عتبة حَتَّى تصغر
(5/610)

شأنه، فلا يطلب الخلافة، فتزوجها، فدخل خَالِد يَوْمًا عَلَى مَرْوَان وعنده جماعة كثيرة، وَهُوَ يمشي بين الصفين، فَقَالَ: إنه وَاللَّهِ مَا علمت لاحمق، تعال يا بن الرطبة الاست- يقصر بِهِ ليسقطه من أعين أهل الشام- فرجع إِلَى أمه فأخبرها، فَقَالَتْ لَهُ أمه: لا يعرفن ذَلِكَ مِنْكَ، واسكت فإني أكفيكه، فدخل عَلَيْهَا مَرْوَان، فَقَالَ لها: هل قَالَ لك خَالِد فِيّ شَيْئًا؟
فَقَالَتْ: وخالد يقول فيك شَيْئًا! خَالِد أشد لك إعظاما من أن يقول فيك شَيْئًا، فصدقها، ثُمَّ مكثت أياما، ثُمَّ إن مَرْوَان نام عندها، فغطته بالوسادة حَتَّى قتلته.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَكَانَ هلاك مَرْوَان فِي شهر رمضان بدمشق، وَهُوَ ابن ثلاث وستين سنة فِي قول الْوَاقِدِيّ، وأما هِشَام بن مُحَمَّد الكلبي فإنه قَالَ:
كَانَ يوم هلك ابن إحدى وستين سنة، وقيل: توفي وَهُوَ ابن إحدى وسبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة، وَكَانَ يكنى أبا عَبْد الْمَلِكِ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت عَلْقَمَة ابن صفوان بن أُمَيَّة الكناني، وعاش بعد أن بويع لَهُ بالخلافة تسعة أشهر، وقيل: عاش بعد أن بويع لَهُ بالخلافة عشرة أشهر إلا ثلاث ليال، وَكَانَ قبل هلاكه قَدْ بعث بعثين: أحدهما إِلَى الْمَدِينَة، عَلَيْهِم حبيش بن دلجة القيني، والآخر منهما إِلَى العراق، عليهم عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فأما عُبَيْد الله ابن زياد فسار حَتَّى نزل الجزيرة، فأتاه الخبر بِهَا بموت مَرْوَان، وخرج إِلَيْهِ التوابون من أهل الْكُوفَة طالبين بدم الْحُسَيْن، فكان من أمرهم مَا قَدْ مضى ذكره، وسنذكر إِنْ شَاءَ اللَّهُ باقي خبره إِلَى أن قتل
. ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجه
وفي هَذِهِ السنة قتل حبيش بن دلجة وأما حبيش بن دلجة، فإنه سار حَتَّى انتهى- فِيمَا ذكر عن هِشَام، عن عوانة بن الحكم- الى المدينة، وعليهم جابر ابن الأَسْوَدِ بْنِ عوف، ابن أخي عبد الرَّحْمَن بن عوف، من قبل عَبْد اللَّهِ بن
(5/611)

الزُّبَيْرِ، فهرب جابر من حبيش ثُمَّ إن الْحَارِث بن أَبِي رَبِيعَةَ- وَهُوَ أخو عُمَر بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ- وجه جيشا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ قَدْ ولاه الْبَصْرَة، عَلَيْهِم الحنيف بن السجف التميمى لحرب حبيش ابن دلجه، فلما سمع حبيش بن دلجه سار إِلَيْهِم مِنَ الْمَدِينَةِ، وسرح عَبْد اللَّهِ ابن الزُّبَيْرِ عباس بن سَهْل بن سَعْد الأَنْصَارِيّ عَلَى الْمَدِينَة، وأمره أن يسير فِي طلب حبيش بن دلجة حَتَّى يوافي الجند من أهل الْبَصْرَة الَّذِينَ جاءوا ينصرون ابن الزُّبَيْر، عليهم الحنيف، واقبل عباس فِي آثارهم مسرعا حَتَّى لحقهم بالربذة، وَقَدْ قَالَ أَصْحَاب ابن دلجة لَهُ: دعهم، لا تعجل إِلَى قتالهم، فَقَالَ: لا أنزل حَتَّى آكل من مقندهم، - يعني السويق الَّذِي فِيهِ القند- فجاءه سهم غرب فقتله، وقتل مَعَهُ المنذر بن قيس الجذامى، وابو عتاب مولى أبي سُفْيَان، وَكَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ يُوسُف بن الحكم، والحجاج بن يُوسُفَ، وما نجوا يَوْمَئِذٍ إلا عَلَى جمل واحد، وتحرز مِنْهُمْ نحو من خمسمائة في عمود المدينة، فقال لهم عباس: انزلوا عَلَى حكمي، فنزلوا عَلَى حكمه فضرب أعناقهم، ورجع فل حبيش إِلَى الشام.
حَدَّثَنِي أحمد بن زهير، عن علي بن محمد انه قال: الذى قتل حبيش ابن دلجة يوم الرَّبَذَة يَزِيد بن سياه الأسواري، رماه بنشابة فقتله، فلما دخلوا الْمَدِينَة وقف يَزِيد بن سياه عَلَى برذون أشهب وعليه ثياب بياض، فما لبث أن اسودت ثيابه، ورايته مما مسح الناس بِهِ ومما صبوا عليه من الطيب

ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع بِالْبَصْرَةِ الطاعون الَّذِي يقال لَهُ الطاعون الجارف، فهلك بِهِ خلق كثير من أهل الْبَصْرَة.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن جرير، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن المُصْعَب بن زَيْد، ان الجارف وقع وعبيد الله بن
(5/612)

معمر عَلَى الْبَصْرَة، فماتت أمه فِي الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حَتَّى استأجروا لها أربعة علوج فحملوها إِلَى حفرتها وَهُوَ الأمير يومئذ
. مقتل نافع بن الأزرق واشتداد امر الخوارج
وفي هَذِهِ السنة اشتدت شوكة الخوارج بِالْبَصْرَةِ، وقتل فِيهَا نافع بن الأزرق.
ذكر الخبر عن مقتله:
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، عن مُحَمَّد بن الزُّبَيْرِ، أن عُبَيْد اللَّهِ بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر بعث أخاه عُثْمَان بن عُبَيْد اللَّهِ إِلَى نافع بن الأزرق فِي جيش، فلقيهم بدولاب، فقتل عُثْمَان وهزم جيشه.
قَالَ عمر: قَالَ زهير: قَالَ وهب: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي عيينة، عن سبرة بن نخف، أن ابن معمر عُبَيْد اللَّهِ بعث أخاه عُثْمَان إِلَى ابن الأزرق، فهزم جنده وقتل، قَالَ وهب: فحدثنا أبي أن أهل الْبَصْرَة بعثوا جيشا عَلَيْهِم حَارِثَة بن بدر، فلقيهم، فَقَالَ لأَصْحَابه:
كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا
حَدَّثَنَا عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زهير، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي ومُحَمَّد بن أبي عيينة، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بن قرة، قَالَ: خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وأما هِشَام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف، عن أبي المخارق الراسبي من قصة ابن الأزرق، وبني الماحوز قصة هي غير مَا ذكره عمر، عن زهير بن حرب، عن وهب بن جرير، والذي ذكر من خبرهم أن نافع بن الأزرق اشتدت شوكته باشتغال أهل الْبَصْرَة بالاختلاف الَّذِي كَانَ بين الأزد وربيعة وتميم بسبب مسعود بن عَمْرو، وكثرت جموعه، فأقبل نحو الْبَصْرَة حَتَّى دنا من الجسر، فبعث إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث مسلم ابن عبيس بن كريز بن رَبِيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فِي اهل
(5/613)

الْبَصْرَة، فخرج إِلَيْهِ، فأخذ يحوزه عن الْبَصْرَة، ويدفعه عن أرضها، حَتَّى بلغ مكانا من أرض الأهواز يقال لَهُ: دولاب، فتهيأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس عَلَى ميمنته الحجاج بن باب الحميري، وعلى ميسرته حَارِثَة بن بدر التميمي، ثُمَّ الغداني، وجعل ابن الأزرق على ميمنته عبيده بن هلال اليشكري، وعلى ميسرته الزُّبَيْر بن الماحوز التميمي، ثُمَّ التقوا فاضطربوا، فاقتتل الناس قتالا لم ير قتال قط أشد مِنْهُ، فقتل مسلم ابن عبيس أَمِير أهل الْبَصْرَة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمر أهل الْبَصْرَة عَلَيْهِم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الأزارقة عَلَيْهِم عبد الله ابن الماحوز، ثُمَّ عادوا فاقتتلوا أشد قتال، فقتل الحجاج بن باب الحميري أَمِير أهل الْبَصْرَة، وقتل عَبْد اللَّهِ بن الماحوز أَمِير الأزارقة ثُمَّ إن أهل الْبَصْرَة أمروا عَلَيْهِم رَبِيعَة الأجذم التميمي، وأمرت الخوارج عَلَيْهِم عُبَيْد اللَّهِ بن الماحوز، ثُمَّ عادوا فاقتتلوا حَتَّى أمسوا، وَقَدْ كره بعضهم بعضا، وملوا القتال، فإنهم لمتواقفون متحاجزون حَتَّى جاءت الخوارج سرية لَهُمْ جامة لم تكن شهدت القتال، فحملت عَلَى الناس من قبل عبد القيس، فانهزم الناس، وقاتل امير البصره ربيعه الاجذم، فقتل، وأخذ راية أهل الْبَصْرَة حَارِثَة بن بدر، فقاتل ساعة وَقَدْ ذهب الناس عنه، فقاتل من وراء الناس فِي حماتهم، وأهل الصبر مِنْهُمْ، ثُمَّ أقبل بِالنَّاسِ حَتَّى نزل بهم منزلا بالأهواز ففي ذَلِكَ يقول الشاعر من الخوارج:
يا كبدا مِنْ غَيْرِ جوع وَلا ظما ... ويا كبدي من حب أم حكيم
ولو: شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان امرئ فِي الحرب غير لئيم
(5/614)

غداة طفت فِي الماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم
وَكَانَ لعبد القيس أول حدنا ... وذلت شيوخ الأزد وَهْيَ تعوم
وبلغ ذَلِكَ أهل الْبَصْرَة، فهالهم وأفزعهم، وبعث ابن الزبير الحارث ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ القرشي عَلَى تلك الحره، فقدم، وعزل عبد الله ابن الْحَارِث، فأقبلت الخوارج نحو الْبَصْرَة، وقدم المهلب بن أبي صفرة عَلَى تِلَكَ من حال الناس من قبل عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، مَعَهُ عهده عَلَى خُرَاسَان، فَقَالَ الأحنف للحارث بن أَبِي رَبِيعَةَ وللناس عامة: لا وَاللَّهِ، ما لهذا الأمر الا المهلب بن ابى صفره، فخرج أشراف الناس، فكلموه أن يتولى قتال الخوارج، فَقَالَ: لا أفعل، هَذَا عهد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ معي عَلَى خُرَاسَان، فلم أكن لأدع عهده وأمره، فدعاه ابن أَبِي رَبِيعَةَ فكلمه فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِكَ، فاتفق رأي ابن أَبِي رَبِيعَةَ ورأي أهل الْبَصْرَة عَلَى أن كتبوا عَلَى لسان ابن الزُّبَيْر:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ إِلَى المهلب بن أبي صفرة، سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ كتب إلي أن الأزارقة المارقة أصابوا جندا
(5/615)

لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ عددهم كثيرا، وأشرافهم كثيرا، وذكر أَنَّهُمْ قَدْ أقبلوا نحو الْبَصْرَة، وَقَدْ كنت وجهتك إِلَى خُرَاسَان، وكتبت لك عَلَيْهَا عهدا، وقد رايت حيث ذكر هَذِهِ الخوارج أن تكون أنت تلي قتالهم، فقد رجوت أن يكون ميمونا طائرك، مباركا عَلَى أهل مصرك، والأجر فِي ذَلِكَ أفضل من المسير إِلَى خُرَاسَان، فسر إِلَيْهِم راشدا، فقاتل عدو اللَّه وعدوك، ودافع عن حقك وحقوق أهل مصرك، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خُرَاسَان وَلا غير خُرَاسَان إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه فأتي بِذَلِكَ الكتاب، فلما قرأه قَالَ: فإني وَاللَّهِ لا أسير إِلَيْهِم إلا أن تجعلوا لي مَا غلبت عَلَيْهِ، وتعطوني من بيت المال مَا أقوي بِهِ من معي، وأنتخب من فرسان الناس ووجوههم وذوي الشرف من أحببت، فَقَالَ جميع أهل الْبَصْرَة: ذَلِكَ لك، قَالَ: فاكتبوا لي عَلَى الأخماس بِذَلِكَ كتابا ففعلوا، إلا مَا كَانَ من مالك بن مسمع وطائفة من بكر بن وائل، فاضطغنها عَلَيْهِم المهلب، وَقَالَ الأحنف وعبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان وأشراف أهل الْبَصْرَة للمهلب: وما عليك الا يكتب لك مالك بن مسمع وَلا من تابعه من أَصْحَابه، إذا أعطاك الَّذِي أردت من ذَلِكَ جميع أهل الْبَصْرَة! ويستطيع مالك خلاف جماعه الناس اوله ذَلِكَ! انكمش أيها الرجل، واعزم عَلَى أمرك، وسر إِلَى عدوك، ففعل ذَلِكَ المهلب، وأمر عَلَى الأخماس، فأمر عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بن ظبيان عَلَى خمس بكر بن وائل، وامر الحريش ابن هلال السعدي عَلَى خمس بني تميم، وجاءت الخوارج حَتَّى انتهت إِلَى الجسر الأصغر، عَلَيْهِم عُبَيْد اللَّهِ بن الماحوز، فخرج إِلَيْهِم فِي أشراف الناس وفرسانهم ووجوههم، فحازهم عن الجسر، ودفعهم عنه، فكان أول شَيْء دفعهم عنه أهل الْبَصْرَة، ولم يكن بقي لَهُمْ إلا أن يدخلوا، فارتفعوا إِلَى الجسر الأكبر ثُمَّ انه عبا لَهُمْ، فسار إِلَيْهِم فِي الخيل والرجال، فلما أن رأوا أن قَدْ أظل عَلَيْهِم، وانتهى إِلَيْهِم، ارتفعوا فوق ذَلِكَ مرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مرحلة بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حَتَّى انتهوا إِلَى منزل
(5/616)

من منازل الأهواز يقال لَهُ سلى وسلبرى، فأقاموا بِهِ، ولما بلغ حَارِثَة بن بدر الغداني أن المهلب قَدْ أمر عَلَى قتال الأزارقة، قَالَ لمن مَعَهُ مِنَ النَّاسِ:
كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا
قَدْ أمر المهلب.
فأقبل من كَانَ مَعَهُ نحو الْبَصْرَة، فصرفهم الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى المهلب، ولما نزل المهلب بالقوم خندق عَلَيْهِ، ووضع المسالح، وأذكى العيون، وأقام الأحراس، ولم يزل الجند عَلَى مصافهم، والناس عَلَى راياتهم وأخماسهم، وأبواب الخنادق عَلَيْهَا رجال موكلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا ابيات المهلب ووجدوا أمرا محكما، فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسان قط كَانَ أشد عَلَيْهِم وَلا أغيظ لقلوبهم مِنْهُ.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف بن الأحمر، أن رجلا كَانَ فِي تِلَكَ الخوارج حدثه ان الخوارج بعثت عبيده ابن هلال وَالزُّبَيْر بن الماحوز فِي خيلين عظيمين ليلا إِلَى عسكر المهلب، فَجَاءَ الزُّبَيْر من جانبه الأيمن، وجاء عبيدة من جانبه الأيسر، ثُمَّ كبروا وصاحوا بِالنَّاسِ، فوجدوهم عَلَى تعبيتهم ومصافهم حذرين مغذين، فلم يصيبوا للقوم غرة، ولم يظفروا مِنْهُمْ بشيء، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عُبَيْد اللَّهِ ابن زياد بن ظبيان فَقَالَ:
وجدتمونا وقرا أنجادا ... لا كشفا خورا وَلا أوغادا
هيهات! إنا إذا صيح بنا أتينا، يَا أهل النار، أَلا ابكروا إِلَيْهَا غدا، فإنها مأواكم ومثواكم، قَالُوا: يَا فاسق، وهل تدخر النار إلا لك ولأشباهك! إنها أعدت للكافرين وأنت مِنْهُمْ، قَالَ: أتسمعون! كل مملوك لي حر
(5/617)

إن دخلتم أنتم الجنة إن بقي فِيمَا بين سفوان إِلَى أقصى حجر من أرض خُرَاسَان مجوسي ينكح أمه وابنته وأخته إلا دخلها، قَالَ لَهُ عبيدة: اسكت يَا فاسق فإنما أنت عبد للجبار العنيد، ووزير للظالم الكفور، قَالَ: يَا فاسق، وأنت عدو المؤمن التقي، ووزير الشَّيْطَان الرجيم، فَقَالَ الناس لابن ظبيان: وفقك الله يا بن ظبيان، فقد وَاللَّهِ أجبت الفاسق بجوابه، وصدقته فلما أصبح الناس أخرجهم المهلب عَلَى تعبيتهم وأخماسهم، ومواقفهم الأزد، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العالية فِي القلب وسط الناس.
وخرجت الخوارج عَلَى ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزُّبَيْر بن الماحوز، وجاءوا وهم أحسن عدة، وأكرم خيولا، وأكثر سلاحا من أهل الْبَصْرَة، وَذَلِكَ لأنهم مخروا الأرض وجردوها، وأكلوا مَا بين كَرْمَان إِلَى الأهواز، فجاءوا عَلَيْهِم مغافر تضرب إِلَى صدورهم، وعليهم دروع يسحبونها، وسوق من زرد يشدونها بكلاليب الحديد إِلَى مناطقهم، فالتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال، فصبر بعضهم عامة النهار ثُمَّ إن الخوارج شدت عَلَى الناس بأجمعها شدة منكرة، فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوى أم عَلَى ولد حَتَّى بلغ الْبَصْرَة هزيمة الناس، وخافوا السباء، وأسرع المهلب حَتَّى سبقهم إِلَى مكان يفاع فِي جانب عن سنن المنهزمين.
ثُمَّ إنه نادى الناس: إلي إلي عباد اللَّه، فثاب إِلَيْهِ جماعة من قومه، وثابت إِلَيْهِ سرية عمان فاجتمع إِلَيْهِ مِنْهُمْ نحو من ثلاثة آلاف، فلما نظر إِلَى من قَدِ اجتمع رضي جماعتهم، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه ربما يكل الجمع الكثير إِلَى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر عَلَى الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري مَا بكم الآن من قلة، إني لجماعتكم لراض، وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفرسان أهل المصر، وما أحب أن أحدا ممن انهزم معكم، فإنهم لو كَانُوا فيكم مَا زادوكم إلا خبالا عزمت عَلَى كل امرئ مِنْكُمْ لما أخذ عشرة أحجار مَعَهُ، ثُمَّ امشوا بنا نحو
(5/618)

عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وَقَدْ خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، فو الله انى لأرجو الا ترجع إِلَيْهِم خيلهم حَتَّى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم ففعلوا، ثُمَّ أقبل بهم راجعا، فلا وَاللَّهِ مَا شعرت الخوارج إلا بالمهلب يضاربهم بالمسلمين فِي جانب عسكرهم ثُمَّ استقبلوا عُبَيْد اللَّهِ بن الماحوز وأَصْحَابه، وعليهم الدروع والسلاح كاملا، فأخذ الرجل من أَصْحَاب المهلب يستقبل الرجل مِنْهُمْ، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حَتَّى يثخنه، ثُمَّ يطعنه بعد ذَلِكَ برمحه، أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلا ساعة حَتَّى قتل عبيد الله ابن الماحوز، وضرب اللَّه وجوه أَصْحَابه، وأخذ المهلب عسكر القوم وما فِيهِ، وقتل الأزارقة قتلا ذريعا، وأقبل من كَانَ فِي طلب أهل الْبَصْرَة مِنْهُمْ راجعا، وَقَدْ وضع لَهُمُ المهلب خيلا ورجالا في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفئوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين، مغلوبين، فارتفعوا إِلَى كَرْمَان وجانب أصفهان، وأقام المهلب بالأهواز، ففي ذَلِكَ الْيَوْم يقول الصلتان العبدي:
بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وقتلى لم توسد خدودها
وانصرفت الخوارج حين انصرفت، وإن أَصْحَاب النيران الخمس والست ليجتمعون عَلَى النار الواحدة من الفلول وقلة العدد، حَتَّى جاءتهم مادة لَهُمْ من قبل البحرين، فخرجوا نحو كَرْمَان وأصبهان، فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذَلِكَ مكانه حَتَّى جَاءَ مصعب الْبَصْرَة، وعزل الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عنها ولما ظهر المهلب عَلَى الأزارقة كتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ للأمير الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ، من المهلب بن أبي صفرة سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فالحمد لِلَّهِ الَّذِي نصر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كل قتلة، وشردهم كل مشرد أخبر الأمير أصلحه اللَّه أنا لقينا الأزارقة
(5/619)

بأرض من أرض الأهواز يقال لها سلى وسلبرى، فزحفنا إِلَيْهِم ثُمَّ ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال مليا من النهار ثُمَّ إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إِلَى بعض، ثُمَّ حملوا عَلَى طائفة مِنَ الْمُسْلِمِينَ فهزموهم، وكانت فِي الْمُسْلِمِينَ جولة قَدْ كنت أشفقت أن تكون هي الاصرى مِنْهُمْ فلما رأيت ذَلِكَ عمدت إِلَى مكان يفاع فعلوته، ثُمَّ دعوت إلي عشيرتي خاصة والمسلمين عامة، فثاب إلي أقوام شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة اللَّه من أهل الدين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إِلَى عسكر القوم، وفيه جماعتهم وحدهم وأميرهم قَدْ أطاف بِهِ أولو فضلهم فِيهِمْ، وذوو النيات مِنْهُمْ، فاقتتلنا ساعة رميا بالنبل، وطعنا بالرماح.
ثُمَّ خلص الفريقان إِلَى السيوف، فكان الجلاد بِهَا ساعة من النهار مبالطة ومبالدة ثُمَّ إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أنزل نصره عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتهم فِي رجال كثير من حماتهم وذوي نياتهم، فقتلهم اللَّه فِي المعركة.
ثُمَّ اتبعت الخيل شرادهم فقتلوا فِي الطريق والآخاذ والقري، والحمد لِلَّهِ رب العالمين، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه.
فلما أتى هَذَا الكتاب الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بعث به الى الزُّبَيْر فقرئ عَلَى الناس بمكة.
وكتب الْحَارِث بن أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى المهلب:
أَمَّا بَعْدُ، فقد بلغني كتابك، تذكر فِيهِ نصر اللَّه إياك، وظفر الْمُسْلِمِينَ، فهنيئا لك يَا أخا الأزد بشرف الدُّنْيَا وعزها، وثواب الآخرة وفضلها، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه.
فلما قرأ المهلب كتابه ضحك ثُمَّ قَالَ: أما تظنونه يعرفني إلا بأخي الأزد! مَا أهل مكة إلا أعراب.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو المخارق الراسبي أن أبا عَلْقَمَة اليحمدي قاتل يوم سلى وسلبرى قتالا لم يقاتله أحد مِنَ النَّاسِ، وأنه أخذ ينادي فِي
(5/620)

شباب الأزد وفتيان اليحمد: أعيرونا جماجمكم ساعة من نهار، فأخذ فتيان مِنْهُمْ يكرون، فيقاتلون ثُمَّ يرجعون إِلَيْهِ، يضحكون ويقولون: يَا أَبَا عَلْقَمَة، القدور تستعار! فلما ظهر المهلب ورأى من بلائه مَا رَأَى وفاه مائة ألف وَقَدْ قيل: إن أهل الْبَصْرَة قَدْ كَانُوا سألوا الأحنف قبل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عَلَيْهِم بالمهلب، وَقَالَ: هُوَ أقوى عَلَى حربهم مني، وإن المهلب إذ أجابهم إِلَى قتالهم شرط عَلَى أهل الْبَصْرَة أن مَا غلب عَلَيْهِ من الأرض فهو لَهُ ولمن خف مَعَهُ من قومه وغيرهم ثلاث سنين، وإنه ليس لمن تخلف عنه مِنْهُ شَيْء فأجابوه إِلَى ذَلِكَ، وكتب بِذَلِكَ عَلَيْهِم كتابا، وأوفدوا بِذَلِكَ وفدا إِلَى ابن الزُّبَيْر.
وإن ابن الزُّبَيْر أمضى تِلَكَ الشروط كلها للمهلب وأجازها لَهُ، وإن المهلب لما أجيب إِلَى ما سال وجه ابنه حبيبا في ستمائه فارس إِلَى عَمْرو القنا، وَهُوَ معسكر خلف الجسر الاصغر في ستمائه فارس، فأمر المهلب بعقد الجسر الأصغر، فقطع حبيب الجسر إِلَى عَمْرو ومن مَعَهُ، فقاتلهم حَتَّى نفاهم عما بين الجسر، وانهزموا حَتَّى صاروا من ناحية الفرات، وتجهز المهلب فيمن خف من قومه مَعَهُ، وهم اثنا عشر ألف رجل، ومن سائر الناس سبعون رجلا، وسار المهلب حَتَّى نزل الجسر الأكبر، وعمرو القنا بازائه في ستمائه.
فبعث الْمُغِيرَة بن المهلب فِي الخيل والرجالة، فهزمتهم الرجالة بالنبل، واتبعتهم الخيل، وأمر المهلب بالجسر فعقد، فعبر هُوَ وأَصْحَابه، فلحق عَمْرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأَصْحَابه، وَهُوَ بالمفتح، فأخبروهم الخبر، فساروا فعسكروا دون الأهواز بثمانية فراسخ، وأقام المهلب بقية سنته، فجبى كور دجلة، ورزق أَصْحَابه، وأتاه المدد من أهل الْبَصْرَة لما بلغهم ذَلِكَ، فأثبتهم فِي الديوان وأعطاهم حَتَّى صاروا ثَلاثِينَ ألفا قَالَ أَبُو جَعْفَر: فعلى قول هَؤُلاءِ كَانَتِ الوقعة الَّتِي كَانَتْ فِيهَا هزيمة الأزارقة وارتحالهم عن نواحي الْبَصْرَة والأهواز إِلَى ناحية أصبهان وكرمان فِي
(5/621)

سنه ست وستين وقيل: انهم ارتحلوا عن الأهواز وهم ثلاثة آلاف، وإنه قتل مِنْهُمْ فِي الوقعة الَّتِي كَانَتْ بينهم وبين المهلب بسلى وسلبرى سبعة آلاف.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وفي هَذِهِ السنة وجه مَرْوَان بن الحكم قبل مهلكه ابنه مُحَمَّدا إِلَى الجزيرة، وَذَلِكَ قبل مسيره إِلَى مصر.
وفي هَذِهِ السنة عزل عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ عَبْد اللَّهِ بن يزيد عن الْكُوفَة، وولاها عَبْد اللَّهِ بن مطيع، ونزع عن الْمَدِينَة أخاه عبيدة بن الزُّبَيْرِ، وولاها أخاه مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، وَكَانَ سبب عزله أخاه عبيدة عنها أنه- فِيمَا ذكر الْوَاقِدِيّ- خطب الناس فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ رأيتم مَا صنع بقوم فِي ناقه قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوم الناقة، وبلغ ذَلِكَ ابن الزبير فقال: ان هذا لهو التكلف
. ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام
وفي هَذِهِ السنة بنى عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ البيت الحرام، فأدخل الحجر فِيهِ.
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ خَالِدِ بْنِ رُسْتُمَ الصَّنْعَانِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ جِيلٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ يَوْمَ غُلِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: إِنَّ أُمِّي أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ حدثتني ان رسول الله ص قَالَ لِعَائِشَةَ: [لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ رَدَدْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَزِيدُ فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الْحَجَرِ فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَحُفِرَ،] فَوَجَدُوا قِلاعًا أَمْثَالَ الإِبِلِ، فَحَرَّكُوا مِنْهَا صَخْرَةً، فَبَرَقَتْ بَارِقَةٌ فَقَالَ: أَقِرُّوهَا عَلَى أَسَاسِهَا، فَبَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ: يَدْخُلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَخْرُجُ مِنَ الآخَرِ.
قَالَ أَبُو جعفر: وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَخُوهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ فِي آخِرِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ الَّذِي
(5/622)

يُقَالُ لَهُ الْقُبَاعُ وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَام بْنُ هبيرة، وعلى خُرَاسَان عبد الله بن خازم
. خروج بنى تميم بخراسان على عبد الله بن خازم
4 وفي هذه السنة خالف من كَانَ بخراسان من بني تميم عَبْد اللَّهِ بن خازم حَتَّى وقعت بينهم حروب.
ذكر الخبر عن سبب ذَلِكَ:
وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ- فِيمَا ذكر- أن من كَانَ بخراسان من بني تميم أعانوا عَبْد اللَّهِ بن خازم عَلَى من كَانَ بِهَا من رَبِيعَة، وعلى حرب أوس بن ثعلبة حَتَّى قتل من قتل مِنْهُمْ، وظفر بِهِ، وصفا لَهُ خُرَاسَان، فلما صفا لَهُ ولم ينازعه بِهِ أحد جفاهم وَكَانَ قَدْ ضم هراة إِلَى ابنه مُحَمَّد واستعمله عَلَيْهَا، وجعل بكير بن وشاح عَلَى شرطته، وضم إِلَيْهِ شماس بن دثار العطاردي، وكانت أم ابنه مُحَمَّد امرأة من تميم تدعى صفية، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوا ابنه مُحَمَّدا بهراة، فكتب ابن خازم إِلَى بكير وشماس يأمرهما بمنع بني تميم من دخول هراة، فأما شماس بن دثار فأبى ذَلِكَ، وخرج من هراة، فصار من بني تميم، وأما بكير فمنعهم من الدخول.
فذكر عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ أن زهير بن الهنيد حدثه أن بكير بن وشاح لما منع بني تميم من دخول هراة أقاموا ببلاد هراة، وخرج إِلَيْهِم شماس بن دثار فأرسل بكير إِلَى شماس: إني أعطيك ثَلاثِينَ ألفا، وأعطي كل رجل من بني تميم ألفا عَلَى أن ينصرفوا، فأبوا، فدخلوا الْمَدِينَة، وقتلوا مُحَمَّد بن عبد الله ابن خازم قَالَ علي: فأخبرنا الْحَسَن بن رشيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عزيز الكندي قَالَ: خرج مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خازم يتصيد بهراة، وَقَدْ منع بني تميم من دخولها، فرصدوه، فأخذوه فشدوه وثاقا، وشربوا ليلتهم، وجعل كلما أراد رجل مِنْهُمُ البول بال عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ شماس بن دثار: أما إذ بلغتم هَذَا مِنْهُ فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط قَالَ: وَقَدْ كَانَ أخذ قبيل
(5/623)

ذَلِكَ رجلين من بني تميم، فضربهما بالسياط حَتَّى ماتا قَالَ: فقتلوه، قَالَ:
فزعم لنا عمن شهد قتله من شيوخهم أن جيهان بن مشجعة الضبي نهاهم عن قتله، وألقى نفسه عَلَيْهِ، فشكر لَهُ ابن خازم ذَلِكَ، فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا قَالَ: فزعم عَامِر بن أبي عمر أنه سمع أشياخهم من بني تميم يزعمون أن الَّذِي ولى قتل مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خازم رجلان من بني مالك بن سَعْدٍ، يقال لأحدهما: عجلة، وللآخر كسيب فَقَالَ ابن خازم: بئس مَا اكتسب كسيب لقومه، وَلَقَدْ عجل عجلة لقومه شرا.
قَالَ علي: وَحَدَّثَنَا أَبُو الذيال زهير بن هنيد العدوي، قَالَ: لما قتل بنو تميم مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خازم انصرفوا إِلَى مرو، فطلبهم بكير بن وشاح فأدرك رجلا من بني عطارد يقال لَهُ شميخ، فقتله، وأقبل شماس وأَصْحَابه إِلَى مرو، فَقَالُوا لبني سعد: قَدْ أدركنا لكم بثأركم، قتلنا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله ابن خازم بالجشمي الَّذِي أصيب بمرو، فأجمعوا عَلَى قتال ابن خازم، وولوا عَلَيْهِم الحريش بن هلال القريعي.
قَالَ: فأخبرني أَبُو الفوارس عن طفيل بن مِرْدَاس، قَالَ: أجمع أكثر بني تميم عَلَى قتال عَبْد اللَّهِ بن خازم، قَالَ: وَكَانَ مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم، إنما الرجل مِنْهُمْ كتيبة، مِنْهُمْ شماس بن دثار، وبحير بن ورقاء الصريمي، وشعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، والحجاج بن ناشب العدوي- وَكَانَ من أرمى الناس- وعاصم بن حبيب العدوي، فقاتل الحريش بن هلال عَبْد اللَّهِ بن خازم سنتين.
قَالَ: فلما طالت الحرب والشر بينهم ضجروا، قَالَ: فخرج الحريش فنادى ابن خازم، فخرج إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ طالت الحرب بيننا، فعلام تقتل قومي وقومك! ابرز لي، فأينا قتل صاحبه صارت الأرض لَهُ، فَقَالَ ابن خازم:
وأبيك لقد أنصفتني، فبرز لَهُ، فتصاولا تصاول الفحلين، لا يقدر أحد
(5/624)

منهما عَلَى مَا يريد وتغفل ابن خازم غفلة، وضربه الحريش عَلَى رأسه، فرمى بفروة رأسه عَلَى وجهه، وانقطع ركابا الحريش، وانتزع السيف قَالَ:
فلزم ابن خازم عنق فرسه راجعا إِلَى أَصْحَابه وبه ضربة قَدْ أخذت من رأسه، ثُمَّ غاداهم القتال، فمكثوا بِذَلِكَ بعد الضربة أياما، ثُمَّ مل الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق، فمضى بحير بن ورقاء إِلَى أَبْرَشَهْر فِي جماعة، وتوجه شماس بن دثار العطاردي ناحية أخرى، وقيل: أتى سجستان، وأخذ عُثْمَان بن بشر بن المحتفز إِلَى فرتنا، فنزل قصرا بِهَا، ومضى الحريش إِلَى ناحية مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم، فلحقه بقرية من قراها يقال لها قرية الملحمة- أو قصر الملحمة- والحريش بن هلال فِي اثني عشر رجلا، وَقَدْ تفرق عنه أَصْحَابه، فهم فِي خربة، وَقَدْ نصب رماحا كَانَتْ مَعَهُ وترسة.
قَالَ: وانتهى إِلَيْهِ ابن خازم، فخرج إِلَيْهِ فِي أَصْحَابه، ومع ابن خازم مولى لَهُ شديد البأس، فحمل عَلَى الحريش فضربه فلم يصنع شَيْئًا، فَقَالَ رجل من بني ضبة للحريش: أما ترى مَا يصنع العبد! فَقَالَ لَهُ الحريش: عَلَيْهِ سلاح كثير، وسيفي لا يعمل فِي سلاحه، ولكن انظر لي خشبة ثقيلة، فقطع لَهُ عودا ثقيلا من عناب- ويقال: أصابه فِي القصر- فأعطاه إِيَّاهُ، فحمل بِهِ عَلَى مولى ابن خازم، فضربه فسقط وقيذا ثُمَّ أقبل عَلَى ابن خازم، فَقَالَ:
مَا تريد إلي وَقَدْ خليتك والبلاد! قَالَ: إنك تعود إِلَيْهَا، قَالَ: فإني لا أعود، فصالحه عَلَى أن يخرج لَهُ من خُرَاسَان وَلا يعود إِلَى قتاله، فوصله ابن خازم بأربعين ألفا قَالَ: وفتح لَهُ الحريش باب القصر، فدخل ابن خازم، فوصله وضمن لَهُ قضاء دينه، وتحدثا طويلا قَالَ:: وطارت قطنة كَانَتْ عَلَى رأس ابن خازم ملصقة عَلَى الضربة الَّتِي كَانَ الحريش ضربه، فقام الحريش فتناولها، فوضعها عَلَى رأسه، فَقَالَ لَهُ ابن خازم: مسك الْيَوْم يَا أَبَا قدامة ألين من مسك أمس، قَالَ: معذرة إِلَى اللَّهِ وإليك، أما وَاللَّهِ لولا أن ركابي انقطعا لخالط السيف أضراسك فضحك ابن خازم، وانصرف عنه، وتفرق
(5/625)

جمع بني تميم، فَقَالَ بعض شعراء بني تميم:
فلو كنتمُ مثل الحريش صبرتمُ ... وكنتم بقصر الملح خير فوارس
إذا لسقيتم بالعوالي ابن خازم ... سجال دم يورثن طول وساوس
قَالَ: وَكَانَ الأشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العدوي قتل فِي تِلَكَ الحرب، فَقَالَ لَهُ أخوه زهير وبه رمق: من قتلك؟ قَالَ: لا أدري، طعنني رجل عَلَى برذون أصفر، قَالَ: فكان زهير لا يرى أحدا عَلَى برذون أصفر إلا حمل عَلَيْهِ، فمنهم من يقتله، ومنهم من يهرب، فتحامى أهل العسكر البراذين الصفر، فكانت مخلاة فِي العسكر لا يركبها أحد وَقَالَ الحريش فِي قتاله ابن خازم:
أزال عظم يميني عن مركبه ... حمل الرديني فِي الإدلاج والسحر
حولين مَا اغتمضت عيني بمنزلة ... إلا وكفي وساد لي عَلَى حجر
بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عنى العيون محال القارح الذكر
تم الجزء الخامس من تاريخ الطبرى ويليه الجزء السادس، واوله: ذكر حوادث سنه ست وستين.
(5/626)

الجزء السادس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ثُمَّ دخلت

سنة ست وستين
(ذكر الخبر عن الكائن الَّذِي كَانَ فِيهَا من الأمور الجليلة) فمما كَانَ فِيهَا من ذَلِكَ وثوب المختار بن أبي عبيد بالكوفة طالبا بدم الْحُسَيْن بن عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ وإخراجه منها عامل ابن الزُّبَيْر عَبْد اللَّهِ بن مطيع العدوي.

ذكر الخبر عما كَانَ من أمرهما فِي ذَلِكَ وظهور المختار للدعوة إِلَى مَا دعا إِلَيْهِ الشيعة بالكوفة:
ذَكَرَ هِشَام بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، أَنَّ فُضَيْلَ بْنَ خَدِيجٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرو وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ مِنْ بَنِي هِنْدٍ أَنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ لَمَّا قَدِمُوا كَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعْظَمَ لَكُمُ الأَجْرَ، وَحَطَّ عَنْكُمُ الْوِزْرَ، بِمُفَارَقَةِ الْقَاسِطِينَ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ، إِنَّكُمْ لَمْ تُنْفِقُوا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْطَعُوا عُقْبَةً، وَلَمْ تَخْطُوا خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ لَكُمْ بِهَا دَرَجَةً، وَكَتَبَ لَكُمْ بِهَا حَسَنَةً، إِلَى مَا لا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَأَبْشِرُوا فَإِنِّي لو قَدْ خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ قَدْ جَرَّدْتُ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي عَدُوِّكُمُ السَّيْفَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَجَعَلْتُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ رُكَامًا، وَقَتَلْتُهُمْ فَذًّا وَتُؤَامًا، فَرَحَّبَ اللَّهُ بِمَنْ قَارَبَ مِنْكُمْ وَاهْتَدَى، وَلا يُبْعِدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ عَصَى وَأَبَى، وَالسَّلامُ يَا أَهْلَ الْهُدَى.
فَجَاءَهُمْ بِهَذَا الْكِتَابِ سَيْحَانُ بْنُ عَمْرٍو، مِنْ بَنِي لَيْثٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدْ أَدْخَلَهُ فِي قُلُنْسُوَتِهِ فِيمَا بَيْنَ الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ، فَأَتَى بِالْكِتَابِ رِفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍ
(6/6)

وَالْمُثَنَّى بْنَ مَخْرَبَةَ الْعَبْدِيَّ وَسَعْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَيَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ وَأَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ الأَحْمَسِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجْلِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ ابْنَ كَامِلٍ، فَقَالُوا: قُلْ لَهُ: قَدْ قَرَأْنَا الْكِتَابَ، وَنَحْنُ حَيْثُ يَسُرُّكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَأْتِيَكَ حَتَّى نُخْرِجَكَ فَعَلْنَا.
فَأَتَاهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ السِّجْنَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِهِ، فُسَرَّ بِاجْتِمَاعِ الشِّيعَةِ لَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: لا تُرِيدُوا هَذَا، فَإِنِّي أَخْرُجُ فِي أَيَّامِي هَذِهِ.
قَالَ: وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ بَعَثَ غُلامًا يُدْعَى زُرَبْيًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ حُبِسْتُ مَظْلُومًا، وَظَنَّ بِيَ الْوُلَاةُ ظُنُونًا كَاذِبَةً، فَاكْتُبْ فِيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِلَى هَذَيْنِ الظَّالِمَيْنِ كِتَابًا لَطِيفًا، عَسَى اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِنْ أيديهما بلطفك وبركتك ويمنك، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنَ الصَّهْرِ، والَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مِنَ الْوُدِّ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكُمَا بِحَقِّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا لَمَا خَلَّيْتُمَا سَبِيلَهُ حِينَ تَنْظُرَانِ فِي كِتَابِي هَذَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
فَلَمَّا أَتَى عَبْد اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّد بْنِ طَلْحَةَ كِتَابُ عبد الله ابن عُمَرَ دَعَوَا لِلْمُخْتَارِ بِكُفَلَاءَ يَضْمَنُونَهُ بِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُؤَيْمٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: مَا تَصْنَعُ بِضَمَانِ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ! ضَمِّنْهُ عَشَرَةً مِنْهُمْ أَشْرَافًا مَعْرُوفِينَ، وَدَعْ سَائِرَهُمْ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا ضَمِنُوهُ، دَعَا بِهِ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَةَ فَحَلَّفَاهُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لا يَبْغِيهِمَا غَائِلَةً، وَلا يَخرُجُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ لَهُمَا سُلْطَانٌ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَلْفُ بدنه
(6/8)

يَنْحَرُهَا لَدَى رَتَاجِ الْكَعْبَةِ، وَمَمَالِيكُهُ كُلُّهُمْ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ أَحْرَارٌ فَحَلَفَ لَهُمَا بِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَاءَ دَارَهُ فَنَزَلَهَا.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي يحيى بن أبي عيسى، عن حميد بن مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُخْتَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! مَا أَحْمَقَهُمْ حِينَ يَرَوْنَ أَنِّي أَفِي لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ هَذِهِ! أَمَّا حَلِفِي لَهُمْ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِي إِذَا حَلَفْتُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا أَنْ أَدَعَ مَا حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَآتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفِّرَ يَمِينِي، وَخُرُوجِي عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنْ كفى عنهم، واكفر يميني، وَأَمَّا هَدْيُ أَلْفِ بَدَنَةٍ فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ بَصْقَةٍ، وَمَا ثَمَنُ أَلْفِ بَدَنَةٍ فَيَهُولُنِي! واما عتق مماليكى فو الله لَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَتَبَّ لِي أَمْرِي، ثُمَّ لَمْ أَمْلِكْ مَمْلُوكًا أَبَدًا.
قَالَ: وَلَمَّا نَزَلَ الْمُخْتَارُ دَارَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، اخْتَلَفَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهَا عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَكَانَ الَّذِي يُبَايِعُ لَهُ النَّاسَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ خَمْسَةُ نَفَرٍ: السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ الْفِتْيَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن شداد الجشمى.
قال: فلم تزل أَصْحَابُهُ يَكْثُرُونَ، وَأَمْرُهُ يَقْوَى وَيَشْتَدُّ حَتَّى عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَبْد اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بن مُحَمَّد بن طلحه، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى عَمَلِهِمَا إِلَى الْكُوفَةِ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَعَا ابْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ أَخَا بَنِي عَدِيِّ ابن كَعْبٍ وَالْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَبَعَثَ الْحَارِث بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ قَالَ:
فَبَلَغَ ذَلِكَ بَحِيرَ بْنَ رَيْسَانَ الْحِمْيَرِيَّ، فَلَقِيَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: يَا هَذَانِ، إِنَّ الْقَمَرَ اللَّيْلَةَ بِالنَّاطِحِ، فَلا تَسِيرَا فَأَمَّا ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَأَطَاعَهُ، فأقام يسيرا
(6/9)

ثُمَّ شَخَصَ إِلَى عَمَلِهِ فَسَلِمَ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ نَطْلُبُ إِلَّا النَّطْحَ! قَالَ: فَلَقِيَ وَاللَّهِ نَطْحًا وَبَطْحًا، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: وَالْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ.
قال عُمَر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالا على البلاد، فقال: من بعث على البصرة؟
فقيل بعث عليها الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفا وجلس! ثم قال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيرا ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته.
قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك، وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين وقال لإبراهيم بن مُحَمَّد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين، فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الخراج، وقال: إنما كانت فتنة، فكف عنه ابن الزبير.
قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة والخراج، وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلي، وأمره أن يحسن السيرة والشدة على المريب.
قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدي- وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير- قال:
إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم، والا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضا منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيره عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا
(6/10)

على أيدي سفهائكم، وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني، فو الله لاوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن درء الأصعر المرتاب فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما أمر ابن الزبير إياك الا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، والا يقسم إلا فينا، وألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرا، وقد كان لا يألو الناس خيرا فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.
فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيره احببتموها وهو يتموها ثم نزل فقال:
يزيد بن أنس الأسدي: ذهبت بفضلها يا سائب، لا يعدمك المسلمون! أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحوا من مقالتك، وما أحب أن الله ولى الرد عليه رجلا من أهل المصر ليس من شيعتنا.
وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع، فقال له: إن السائب بن مالك من رءوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار، فابعث إليه فليأتك، فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس، فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له، وكأنه قد وثب بالمصر قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمي من همدان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وامر باسراج دابته وتحشخش للذهاب معهما، فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى:
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا علي القطيفة، ما أراني إلا قد وعكت، إني لأجد قفقفة
(6/11)

شديدة، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدي:
إذا ما معشر تركوا نداهم ... ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا
ارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها فقال له زائدة بن قدامة: أما أنا ففاعل، فقال: وأنت يا أخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك.
قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمداني، عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أبلغ عن هذا ما يرضيه ما أنا بآمن من أن يظهر غدا فيهلكني قال: فقلت له، نعم، انا أضع عند ابن مطيع عذرك، وأبلغه كل ما تحب، فخرجنا من عنده، فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأت تلك الآية، وعلمت ما أردت بها، وقد علمت أنها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابته، وعلمت حين تمثل البيت الذي تمثل إنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تفهمه، وأنه لن يأتيه قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئا من ذلك، فقلت له: لا تحلف، فو الله ما كنت لأبلغ عنك ولا عنه شيئا تكرهانه، ولقد علمت أنك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه فأقبلنا الى ابن مطيع، فأخبرناه بعلته وشكواه، فصد قنا ولها عنه.
قال: وبعث المختار إلى أصحابه، فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فجاء رجل من أصحابه من شبام- وكان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح- فلقي سعيد بن منقذ الثوري وسعر ابن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك الجشمي، فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به
(6/12)

وبما دعانا إليه، فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه، وان نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا.
فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفقت، اخرج بنا إذا شئت.
فاجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيامهم، فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفية، وكان أمامهم عبد الرحمن بن شريح، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم وما هم عليه قال أبو مخنف: فحدثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكندي قال: قلنا لابن الحنفية، إن لنا إليك حاجة، قال: فسر هي أم علانية؟
قال: قلنا: لا، بل سر، قال: فرويدا إذا، قال: فمكث قليلا، ثم تنحى جانبا فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة، فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب، قد أصبتم بحسين رحمه الله عليه عظمت مصيبه اختصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنه نبيه ص، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه.
ثم تكلمنا واحدا واحدا بنحو مما تكلم به صاحبنا، وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص، ثم قال:
أما بعد، فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل، فإن اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العظيم، فلله الحمد! وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فإن ذلك كان في الذكر الحكيم
(6/13)

وهي ملحمة كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.
وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فو الله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول: قد أذن لنا، قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا.
قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنا قد أعلمناه بمخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا، ممن كان على رأينا من إخواننا، وقد كان بلغ المختار مخرجنا، فشق ذلك عليه، وخشي أن نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه، فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا، فلم يتهيأ ذلك له، فكان المختار يقول: إن نفيرا منكم ارتابوا وتحيروا وخابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا، وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثبروا وخابوا، فلم يكن الا شهرا وزياده شيء، حتى اقبل القوم على رواحلهم، حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم، فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك فقال: الله أكبر! أنا أبو إسحاق، اجمعوا إلي الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريبا فقال: يا معشر الشيعة، إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى، حاشا النبي المجتبى، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله، وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين، والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين.
فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يا معشر الشيعة، فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه،
(6/14)

فأقبلنا طيبة أنفسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم، غائبكم، واستعدوا وتأهبوا ثم جلس وقمنا رجلا فرجلا، فتكلمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه.
قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة والمشرقي، عن عامر الشعبي، قال: كنت أنا وأبي أول من أجاب المختار قال: فلما تهيأ أمره ودنا خروجه، قال له أحمر بن شميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شداد: إن أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن جامعنا على أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله القوه على عدونا، والا يضرنا خلاف من خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصيت، وله عشيرة ذات عز وعدد قال لهم المختار: فألقوه فادعوه، وأعلموه الذي أمرنا به من الطلب بدم الحسين وأهل بيته.
قال الشعبي: فخرجوا إليه وأنا فيهم، وأبي، فتكلم يزيد بن أنس، فقال له:
إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك، وندعوك إليه، فإن قبلته كان خيرا لك، وإن تركته فقد أدينا إليك فيه النصيحة، ونحن نحب أن يكون عندك مستورا.
فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإن مثلي لا تخاف غائلته ولا سعايته، ولا التقرب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغار الأخطار الدقاق همما.
فقال له: إنما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأي الملإ من الشيعة، إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّه عليه، والطلب بدماء أهل البيت، وقتال المحلين، والدفع عن الضعفاء قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظك محب وإن أباك قد هلك وهو سيد الناس وفيك منه إن رعيت حق الله خلف، قد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت من ذلك أمرا قد مات، إنما يكفي مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أولك مفتخرا واقبل القوم
(6/15)

كلهم عليه يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه فقال لهم إبراهيم بن الأشتر:
فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على أن تولوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي، وهو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبهم فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا، قال: فغبر ثلاثا، ثم إن المختار دعا بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه- قال الشعبي: أنا وأبي فيهم- قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة قدا لا ندري أين يريد، حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر، فاستأذنا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائد، فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الله على مُحَمَّد، والسلام عليه، أما بعد، فإن هذا كتاب إليك من المهدى محمد بن أمير المؤمنين الوصي، وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي مُحَمَّدا وأولياءه عنك.
قال الشعبي: وكان المختار قد دفع الكتاب إلي حين خرج من منزله، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفض خاتمه، وقرأه فإذا هو:
بسم الله الرحمن الرحيم من مُحَمَّد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيرى وأميني ونجيي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك بذلك أعنة الخيل وكل جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل
(6/16)

الشام، على الوفاء بذلك علي عهد الله، فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا، والسلام عليك.
فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إلي ابن الحنفية، وقد كتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه، قال له 2 المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم- قال الشعبي: إلا أنا وأبي- فقالوا: نشهد أن هذا كتاب مُحَمَّد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها، ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا، وخرج معنا ابن الأشتر، فركب مع المختار حتى دخل رحله، فلما رجع إبراهيم منصرفا أخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك، أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقا قال: فقلت له هذه المقالة، وأنا والله لهم على شهادتهم متهم، غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم، وأحب تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك، فقال لي ابن الأشتر: اكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا شهد عليه السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي، حتى أتى على أسماء القوم، ثم كتب: شهدوا أن مُحَمَّد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الاشتر يأمره بموازره المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهاده شراحيل ابن عبد- وهو أبو عامر الشعبي الفقيه- وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي،
(6/17)

وعامر بن شراحيل الشعبي فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:
دعه يكون قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار.
قال هشام بن مُحَمَّد: قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزدي، قال: كان حميد بن مسلم الأسدي صديقا لإبراهيم بن الأشتر، وكان يختلف إليه، ويذهب به معه، وكان إبراهيم يروح في كل عشية عند المساء، فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوب النجوم ثم ينصرف، فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم، حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر، فأذن، ثم إنه استقدم، فصلى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أو الذئب- وهو يريد المختار، - فأقبلنا علينا السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين، قال:
فخرج إياس في الشرط، فبعث ابنه راشدا إلى الكناسة، وأقبل يسير حول السوق في الشرط ثم إن إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعثت في كل جبانة بالكوفة عظيمة رجلا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة، هاب المريب الخروج عليك قال:
فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبانة السبيع، وقال:
اكفني قومك، لا أوتين من قبلك، وأحكم أمر الجبانة التي وجهتك إليها، لا يحدثن بها حدث، فاوليك العجز والوهن وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم، وبعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائديين، وبعث يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب الى جبانه مراد
(6/18)

واوصى كل رجل ان يكفيه قومه، والا يؤتى من قبله، وأن يحكم الوجه الذي وجهه فيه، وبعث شبث بن ربعي إلى السبخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم، فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين، فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار، وقد بلغه أن الجبابين قد حشيت رجالا، وأن الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر.
قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار عمرو بن حريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو من مائة، علينا الدروع، قد كفرنا عليها بالاقبيه، ونحو متقلد والسيوف، ليس معنا سلاح إلا السيوف في عواتقنا، والدروع قد سترناها بأقبيتنا، فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها إلى دار أسامة، قلنا: مر بنا على دار خالد بن عرفطة، ثم امض بنا إلى بجيلة، فلنمر في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار- وكان إبراهيم فتى حدثا شجاعا، فكان لا يكره أن يلقاهم- فقال: والله لأمرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبن به عدونا ولأرينهم هوانهم علينا قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبار، ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث، حتى إذا جاوزها ألفينا إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح، فقال لنا: من أنتم؟ ما أنتم؟
فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟
وما تريد؟ والله إن أمرك لمريب! وقد بلغني أنك تمر كل عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه فقال إبراهيم: لا أبا لغيرك! خل سبيلنا، فقال: كلا والله لا أفعل- ومع إياس بن مضارب رجل من همدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشرطة فهم يكرمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقا- فقال له ابن الأشتر: يا أبا قطن، ادن مني- ومع أبي قطن رمح له طويل-، فدنا منه أبو قطن، ومعه الرمح،
(6/19)

وهو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلي سبيله، فقال إبراهيم- وتناول الرمح من يده: إن رمحك هذا لطويل، فحمل به إبراهيم على ابن مضارب، فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل عليه، فاحتز رأسه، فنزل إليه فاحتز رأسه، وتفرق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن إياس مكان أبيه على الشرطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلة الأربعاء، فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنا اتعدنا للخروج للمقابله ليلة الخميس، وقد حدث أمر لا بد من الخروج الليلة، قال المختار: ما هو؟
قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه، فقتلته، وهذا رأسه مع أصحابي على الباب فقال المختار: فبشرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أول الفتح ان شاء الله ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهرادي النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شداد، فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامه ابن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: علي بدرعي وسلاحي، فأتي به، فأخذ يلبس سلاحه ويقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل ... واضحة الخدين عجزاء الكفل
أني غداة الروع مقدام بطل.
ثم إن إبراهيم قال للمختار: إن هؤلاء الرءوس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا، ويضيقون عليهم، فلو أني خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتي قومي، فيأتيني كل من قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا، فخرج إلي من أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس، فمن أتاك حبسته عندك إلى من
(6/20)

معك ولم تفرقهم، فإن عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به، وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل والرجال قال له إما لا فاعجل وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله، ولا تقاتل أحدا وأنت تستطيع الا تقاتل، واحفظ ما أوصيتك به إلا أن يبدأك أحد بقتال فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة التي أقبل فيها، حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان بايعه وأجابه ثم إنه سار بهم في سكك الكوفة طويلا من الليل، وهو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء، فجاء إلى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطرق العظام، حتى انتهى إلى مسجد السكون، وعجلت إليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس لهم قائد ولا عليهم أمير فشد عليهم ابراهيم بن اشتر وأصحابه، فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة، فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في 2 جبانة كندة فشد إبراهيم وأصحابه عليهم، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك، وثرنا لهم، فانصرنا عليهم، وتمم لنا دعوتنا، حتى انتهى إليهم هو وأصحابه، فخالطوهم وكشفوهم فقيل له: زحر بن قيس، فقال: انصرفوا بنا عنهم، فركب بعضهم بعضا كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفة، فانصرفوا يسيرون.
ثم خرج إبراهيم يسير حتى انتهى إلى جبانة أثير، فوقف فيها طويلا، ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقري مكانهم في جبانة أثير، فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبانة، فلما رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه:
يا شرطة الله، انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا دماء اهل بيت رسول الله ص فنزلوا ثم شد عليهم إبراهيم، فضربهم حتى أخرجهم من الصحراء، وولوا منهزمين يركب بعضهم بعضا، وهم يتلاومون، فقال قائل منهم: إن هذا الأمر يراد، ما يلقون لنا جماعة
(6/21)

إلا هزموهم! فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: أتبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله إلى من ندعو وما نطلب، وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته، ونكون من أمره على علم، ويعلم هو أيضا ما كان من عنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أني لا آمن أن يكون قد اتى.
فاقبل ابراهيم في أصحابه حتى مر بمسجد الأشعث، فوقف به ساعة، ثم مضى حتى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقوم يقتتلون، وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبى له المختار يزيد بن أنس، وجاء حجار بن أبجر العجلي، فجعل المختار في وجهه في وجهه أحمر بن شميط، فالناس يقتتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجارا وأصحابه أن إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقة والسكك، وجاء قيس بن طهفة في قريب من مائة رجل من بني نهد من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعا ثم إن شبث بن ربعي ترك لهم السكة، وأقبل حتى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثم انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإن أمر القوم قد قوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمره فلما بلغ ذلك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة.
قال: وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم، يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبي كعب الخثعمي منهم، وكان كعب في جبانة بشر، فلما بلغه ان شاكرا تخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان، وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم قال: فلما أتاهم أبو عثمان النهدي
(6/22)

في عصابة من أصحابه، نادى: يا لثأرات الحسين! يا منصور أمت! يايها الحي المهتدون، ألا إن أمير آل مُحَمَّد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعيا ومبشرا، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال:
فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثأرات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثعمي في جماعة من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافه، فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم ولم يقاتلهم.
وخرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبانة مراد، فلما بلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانة السبيع، فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائه من اثني عشر ألفا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح قد فرغ من تعبيته.
قال أبو مخنف: فحدثني الوالبي قال: خرجت أنا وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجعد إلى المختار ليلة خرج، فأتيناه في داره وخرجنا معه إلى معسكره، قال: فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبيته، فلما 2 أصبح استقدم، فصلى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ وَالنَّازِعاتِ وعَبَسَ وَتَوَلَّى، قال: فما سمعنا إماما أمّ قوما أفصح لهجة منه.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله، أن ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضموا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافى الناس في المسجد، فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت التيمي عن أبي سعيد الصيقل
(6/23)

قال: لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتا مرتفعة فيما بين بني سليم وسكة البريد، فقال المختار: من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟
فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: أما لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار، ثم تأتيني بخبرهم قال: ففعلت، فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعي معه خيل عظيمة، وعلى خيله شيبان بن حريث الضبي، وهو في الرجالة معه منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدم فصلى بأصحابه، فقرأ: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» ، فقلت في نفسي: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: «وَالْعادِياتِ ضَبْحاً» ، فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئا! فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرات سوره البقرة وآل عمران! قال: وكانوا ثلاثة آلاف، قال: فأقبلت سريعا حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث وأصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سعر بن أبي سعر الحنفي يركض من قبل مراد، وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلما أصبح أقبل على فرسه، فمر بجبانة مراد، وفيها راشد بن إياس، فقالوا:
كما أنت! ومن أنت؟ فراكضهم حتى جاء المختار، فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شبث، قال: فسرح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن اياس في تسعمائة- ويقال ستمائة فارس وستمائة راجل- وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائه راجل، وقال لهما: امضيا حتى تلقيا عدو كما، فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال وعجلا الفراغ وابدءاهم بالاقدام، ولا تستهد فالهم، فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إلي حتى تظهرا أو تقتلا فتوجه إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة أمامه.
وتوجه نعيم بن هبيرة قبل شبث قال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت انا فيمن توجه مع نعيم
(6/24)

ابن هبيرة إلى شبث ومعي سعر بن أبي سعر الحنفي، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالا شديدا، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سعر الحنفي على الخيل، ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت، ثم إن شبث بن ربعي ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمن عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشد علينا وقد تفرقنا فهزمنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتل، ونزل سعر فأسر وأسرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد- وكان وسيما جسيما: من أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شبث:
يا بن المتكاء، تركت بيع الصحناة بالكناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقتل، ورأى سعرا الحنفي فعرفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: ويحك! ما أردت إلى اتباع هذه السبئيه! قبح الله رأيك، دعوا ذا فقلت في نفسي: قتل المولى وترك العربي، إن علم والله إني مولى قتلني فلما عرضت عليه قال: من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله، قال: أعربي أنت أو مولى؟
فقلت: لا بل عربي، أنا من آل زياد بن خصفة، فقال: بخ بخ! ذكرت الشريف المعروف، الْحَقْ بأهلك قال: فأقبلت حتى انتهيت إلى الحمراء، وكانت لي في قتال القوم بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار، وقلت في نفسي: والله لاتين اصحابى فلا واسينهم بنفسي، فقبح الله العيش بعدهم! قال: فأتيتهم وقد سبقني إليهم سعر الحنفي، وأقبلت إليه خيل شبث، وجاءه قتل نعيم بن هبيرة، فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير، قال: فدنوت من المختار، فأخبرته بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكت، فليس هذا بمكان الحديث وجاء شبث حتى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس
(6/25)

وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رؤيم في ألفين من قبل سكة لحام جرير، فوقفوا في أفواه تلك السكك، وولى المختار يزيد بن أنس خيله، وخرج هو في الرجالة.
قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي، والبة الأزد، قال:
حملت علينا خيل شبث بن ربعي حملتين، فما يزول منا رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم، وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذا والله لا يدعون منكم عينا تطرف، وليقتلنكم صبرا، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلا الصدق والصبر، والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة، وتهيئوا للحملة، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجثونا على الركب، وانتظرنا أمره.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتر كان حين توجه الى راشد بن اياس، مضى حتى لقمه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال ابراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثره هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصابرين، ثم قال يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قد ما قد ما واقتتل الناس، فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليه
(6/26)

فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشدا ورب الكعبة وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد يبشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين فاعترض إبراهيم بن الأشتر فويق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشى إبراهيم نحوه في الرجال.
فقال:
والله ما أطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف حتى انهزموا وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم وحمل عليه خزيمة بن نصر، فلما رآه عرفه فقال له: يا حسان بن فائد أما والله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء فعثر بحسان فرسه فوقع.
فقال: تعسا لك، أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به فضاربهم ساعة بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر قال: إنك آمن يا أبا عبد الله لا تقتل نفسك وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه ومر به إبراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمي وقد آمنته، فقال له إبراهيم: أحسنت، فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتي به، فحمله عليه، وقال: الحق بأهلك.
قال: وأقبل إبراهيم نحو المختار، وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس.
فلما رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سكك الكوفة التي تلي السبخة.
وإبراهيم مقبل نحو شبث، أقبل نحوه ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغن عنا يزيد بن الحارث، وصمد هو في بقية أصحابه نحو شبث بن ربعي.
قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب أن إبراهيم لما أقبل نحونا رأينا شبثا وأصحابه ينكصون وراءهم رويدا رويدا، فلما دنا إبراهيم من شبث وأصحابه، حمل عليهم، وأمرنا يزيد بن أنس بالحملة عليهم،
(6/27)

فحملنا عليهم، فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفه، وحمل خزيمة ابن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك، وقد كان يزيد بن الحارث وضع رامية على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختار في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلما انتهى، أصحاب المختار إلى أفواه السكك رمته تلك الرامية بالنبل، فصدوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس، فأسقط في يده.
قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزبيدي لابن مطيع: أيها الرجل لا يسقط في خلدك، ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوك فاغزهم، فإن الناس كثير عددهم، وكلهم معك إلا هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أول منتدب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة، قال: فخرج ابن مطيع، فقام فِي الناس، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلا والله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون ثم نزل.
قال: ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة قال: ومضى المختار من السبخة حتى ظهر على الجبانة، ثم ارتفع إلى البيوت، بيوت مزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتهم شاذة منفردة من بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابه، وأبى المختار أن يشرب قال: فظن أصحابه أنه صائم، وقال أحمر بن هديج من همدان
(6/28)

لابن كامل: اترى الأمير الأمير صائما؟ فقال له: نعم، هو صائم، فقال له: فلو أنه كان في هذا اليوم مفطرا كان أقوى له، فقال له: إنه معصوم، وهو أعلم بما يصنع، فقال له: صدقت، أستغفر الله وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفلهم وأدخل الرعب قلوبهم، وتنزل هاهنا! سربنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع.
ولا يمتنع كبير امتناع، فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم بن الأشتر أمامه، وعبى أصحابه على الحال التي كانوا عليها في السبخة.
قال: وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل.
فخرج عليهم من سكة الثوريين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في أثر إبراهيم، فمضوا جميعا حتى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف، وأمر إبراهيم أن يمضي على وجهه حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة، فمضى، فخرج إليه من سكة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح المختار إليه سعيد بن منقذ الهمذاني فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن اطوه، وامض على وجهك فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مخرمة في نحو من ألفين- أو قال: خمسة آلاف.
وهو الصحيح- وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس:
أن الحقوا بابن مساحق قال: واستخلف شبث بن ربعي على القصر، وخرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله، قال: إني لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه، حتى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا، فنزلوا، فقال:
(6/29)

قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف، ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث قال: فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو قد ووجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب، قال حصيرة: فإني لأنظر إليه وإلى أصحابه حين قربوا خيولهم وحين أخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فرفعه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشي البرود، وقد شد بها على القباء، وقد كفر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم فدى لكم عمي وخالي! قال: فو الله ما لبثهم أن هزمهم، فركب بعضهم بعضا على فم السكة وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بلجام دابته، ورفع السيف عليه، فقال له ابن مساحق: يا بن الأشتر، أنشدك الله، أتطلبني بثأر! هل بيني وبينك من إحنة! فخلى ابن الأشتر سبيله، وقال له: اذكرها، فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الأشتر، وأقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة في آثار القوم حتى دخلوا السوق والمسجد، وحصروا ابن مطيع ثلاثا.
قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح أن ابن مطيع مكث ثلاثا، يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق، ومعه أشراف الناس، إلا ما كان من عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار، ثم خرج حتى نزل البر وجاء المختار حتى نزل جانب السوق، وولى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر، ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفة وسكة دار الروميين، وأحمر بن شميط مما يلي دار عمارة ودار أبي موسى.
فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الأشراف، فقام إليه شبث فقال: أصلح الله الأمير انظر لنفسك ولمن معك، فو الله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا علي برأيكم،
(6/30)

قال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا ولنا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك قال ابن مطيع: والله إني لأكره أن آخذ منه أمانا والأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحجاز كله وبأرض البصرة، قال:
فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلا بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به، ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك، فقال لأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة:
ما ترون في هذا الرأي الذي أشار به علي شبث؟ فقالوا: ما نرى الرأي إلا ما أشار به عليك، قال: فرويدا حتى أمسي قال أبو مخنف: فحدثني أبو المغلس الليثي، أن عبد الله بن عبد الله الليثي أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشي يشتمهم، وينتحي له مالك بن عمرو أبو نمران النهدي بسهم، فيمر بحلقه، فقطع جلدة من حلقه فمال فوقع، قال: ثم إنه قام وبرأ بعد، وقال النهدي حين أصابه: خذها من مالك، من فاعل كذا.
قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح، عن حسان بن فائد بن بكير، قال: لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع، فذكر الله بما هو أهله، وصلى عَلَى نبيه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أما بعد، فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم، وقد علمت أنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي، ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به علي ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة فقال له شبث: جزاك الله من أمير خيرا! فقد والله عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبدا إلا ونحن منك في إذن، فقال: جزاكم الله خيرا، أخذ امرؤ حيث أحب، ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبي موسى، وخلى القصر، وفتح اصحابه
(6/31)

الباب، فقالوا: يا بن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، فخرجوا فبايعوا المختار.
قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر العدوي، من عدي جهينة- وهو أبو الأشعر- أن المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعدا مفعولا، وقضاء مقضيا، وقد خاب من افترى أيها الناس، إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية: أن اجروا إليها ولا تعدوها، في معنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية، لقتلى في الواعية! وبعدا لمن طغى وأدبر، وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا، والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها.
ثم نزل فدخل، ودخلنا عليه وأشراف الناس، فبسط يده، وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعوني على كتاب اللَّه وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم، فإذا قال الرجل:
نعم بايعه قال: فكأني والله أنظر إلى المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذ أتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفا عند المصطبة، فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح بهم سعيد بن منقذ: لا تعجلوا، لا تعجلوا حتى ننظر ما رأي أميركم فيه قال: وبلغ المختار ذلك، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه، وأقبل المختار يمني الناس، ويستجر مودتهم ومودة الأشراف، ويحسن السيرة جهده
(6/32)

قال: وجاءه ابن كامل فقال للمختار، أعلمت أن ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشيء، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه، ثم أعادها فلم يجبه، فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقا، فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم، فقال له: تجهز بهذه واخرج، فإني قد شعرت بمكانك، وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلا أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج وأصاب 2 المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر- وهم ثلاثة آلاف وثمانمائه رجل- كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ومناهم العدل وحسن السيرة، وأدنى الأشراف، فكانوا جلساءه وحداثه، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له- وأسر إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم ثم سكت طويلا، ثم قرأ:
«إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله به قد قتلهم.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله الأزدي وفضيل بن خديج الكندي والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أول رجل عقد له المختار
(6/33)

راية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية، وبعث محمد ابن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري، وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث مُحَمَّد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان قال:
ورزقه ألف درهم في كل شهر، وأمره بقتال الأكراد، وبإقامة الطرق، وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بحلوان، وكان عبد الله بن الزبير قد بعث مُحَمَّد بن الأشعث بن قيس على الموصل، وأمره بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة، غير أن ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير، وكان قبل ذلك في إمارة عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ، وإبراهيم بن مُحَمَّد منقطعا بإمارة الموصل، لا يكاتب أحدا دون ابن الزبير.
فلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس من قبل المختار أميرا تنحى له عن الموصل، وأقبل حتى نزل تكريت، وأقام بها مع أناس من أشراف قومه وغيرهم، وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس، وإلى ما يصير أمرهم، ثم شخص إلى المختار فبايع له، ودخل فيما دخل فيه أهل بلده.
قال أبو مخنف: وحدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع وبعث عماله، أقبل يجلس للناس غدوة وعشية، فيقضي بين الخصمين، ثم قال:
والله إن لي فيما أزاول وأحاول لشغلا عن القضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شريحا، وقضى بين الناس، ثم انه خافهم فمارض، وكانوا يقولون:
إنه عثماني، وإنه ممن شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هانئ ابن عروة ما أرسله به- وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء- فلما
(6/34)

أن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض، وجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم إن عبد الله مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي قاضيا.
قال مسلم بن عبد الله: وكان عبد الله بن همام سمع أبا عمرة يذكر الشيعة وينال من عثمان بن عفان، فقنعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلا حتى استأمن له عبد الله بن شداد، فجاء إلى المختار ذات يوم فقال:
ألا انتسأت بالود عنك وأدبرت ... معالنة بالهجر أم سريع
وحملها واش سعى غير مؤتل ... فأبت بهم في الفؤاد جميع
فخفض عليك الشأن لا يردك الهوى ... فليس انتقال خلة ببديع
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى ... ويلهيه عن رؤد الشباب شموع
دعا يا لثارات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك ... يقود جموعا عبيت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره ... بكل فتى حامي الذمار منيع
وجاء نعيم خير شيبان كلها ... بأمر لدى الهيجا أحد جميع
وما ابن شميط إذ يحرض قومه ... هناك بمخذول ولا بمضيع
ولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن ... وكل أخو إخباتة وخشوع
وسار أبو النعمان لله سعيه ... إلى ابن إياس مصحرا لوقوع
بخيل عليها يوم هيجا دروعها ... وأخرى حسورا غير ذات دروع
فكر الخيول كرة ثقفتهمُ ... وشد بأولاها على ابن مطيع
فولى بضرب يشدخ الهام وقعه ... وطعن غداة السكتين وجيع
فحوصر في دار الإمارة بائيا ... بذل وإرغام له وخضوع
فمن وزير ابن الوصي عليهم ... وكان لهم في الناس خير شفيع
(6/35)

وآب الهدى حقا الى مستقره ... خير إياب آبه ورجوع
إلى الهاشمي المهتدي المهتدى به ... فنحن له من سامع ومطيع
قال: فلما أنشدها المختار قال المختار لأصحابه: قد أثنى عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثناء عليكم، فأحسنوا له الجزاء ثم قام المختار، فدخل وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى أخرج إليكم، قال: وقال عبد الله ابن شداد الجشمى: يا بن همام: إن لك عندي فرسا ومطرفا، وقال قيس بن طهفة النهدي- وكانت عنده الرباب بنت الأشعث: فإن لك عندي 6 فرسا ومطرفا، واستحيا أن يعطيه صاحبه شيئا لا يعطي مثله، فقال ليزيد بن أنس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: إن كان ثواب الله أراد بقوله فما عند الله خير له، وإن كان انما اعترى بهذا القول أموالنا، فو الله ما في أموالنا ما يسعه، قد كانت بقيت من عطائي بقية فقويت بها إخواني، فقال أحمر بن شميط مبادرا لهم قبل ان يكلموه: يا بن همام، إن كنت أردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله، وإن كنت إنما اعتريت به رضا الناس وطلب أموالهم، فاكدم الجندل، فو الله ما من قال قولا لغير الله وفي غير ذات الله بأهل أن ينحل، ولا يوصل، فقال له: عضضت بأير أبيك! فرفع يزيد بن انس السوط وقال لابن همام: تقول هذا القول يا فاسق! وقال لابن شميط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام وأخذ بيده إبراهيم بن الأشتر فألقاه وراءه، وقال: أنا له جار، لم تأتون إليه ما ارى! فو الله إنه لواصل الولاية، راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، ولا تسفكوا دمه ووثبت مذحج فحالت دونه، وقالوا:
أجاره ابن الأشتر، لا والله لا يوصل إليه قال: وسمع لغطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم:
إذا قيل لكم خير فاقبلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا، وإن لم تقدروا
(6/36)

على مكافأة فتنصلوا، واتقوا لسان الشاعر، فإن شره حاضر، وقوله فاجر، وسعيه بائر، وهو بكم غدا غادر فقالوا: أفلا نقتله؟ قال: إنا قد آمناه وأجرناه، وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الأشتر، فجلس مع الناس قال: ثم إن إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفا وفرسا ومطرفا فرجع بها وقال: لا والله، لا جاورت هؤلاء أبدا وأقبلت هوازن وغضبت واجتمعت في المسجد غضبا لابن همام، فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عما اجتمعوا له، ففعلوا، وقال ابن همام لابن الأشتر يمدحه:
أطفأ عني نار كلبين ألبا ... علي الكلاب ذو الفعال ابن مالك
فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك
وقد غضبت لي من هوازن عصبه ... طوال الذرا فيها عراض المبارك
إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك
وثبتم علينا يا موالي طيئ ... مع ابن شميط شر ماش وراتك
وأعظم ديّار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك
فيا عجبا من أحمس ابنة أحمس ... توثب حولي بالقنا والنيازك
كأنكم في العز قيس وخثعم ... وهل أنتمُ إلا لئام عوارك
وأقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثب بنو أسد وأحمس! والله لا نرضى بهذا أبدا فبلغ ذلك المختار، فبعث إليه فدعاه، ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا بن شداد، إن الذي فعلت نزغة من نزغات الشيطان، فتب إلى الله، قال: قد تبت، وقال: إن هذين أخواك، فأقبل إليهما، واقبل منهما، وهب لي هذا الأمر، قال: فهو لك، وكان ابن همام قد قال قصيدة
(6/37)

أخرى في أمر المختار، فقال:
أضحت سليمى بعد طول عتاب ... وتجرم ونفاد غرب شباب
قد ازمعت بصريمتى وتجنبى ... وتهوك مذ ذاك في إعتاب
لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتوكلت همدان بالأسباب
ورأيت أصحاب الدقيق كأنهم ... حول البيوت ثعالب الأسراب
ورأيت أبواب الأزقة حولنا ... دربت بكل هراوة وذباب
أيقنت أن خيول شيعة راشد ... لم يبق منها فيش أير ذباب

ذكر الخبر عن امر المختار مع قتله الحسين بالكوفه
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين والمشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم، فلم يقدر عليه.
ذكر الخبر عن سبب وثوبه بهم وتسمية من قتل منهم ومن هرب فلم يقدر عليه منهم:
وكان سبب ذلك- فيما ذكره هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن عوانة بن الحكم- ان مروان بن الحكم لما استوسقت له الشام بالطاعة، بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القيني- وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل- والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيد الله بن زياد- وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة- وكان مروان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا هو ظفر بأهلها ثلاثا.
قال عوانة: فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبها قيس عيلان على
(6/38)

طاعة ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب قيسا يوم مرج راهط وهم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان، وعلى ابنه عبد الملك من بعده، فلم يزل عبيد الله مشتغلا بهم عن العراق نحوا من سنة ثم إنه أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار: أما بعد، فإني أخبرك أيها الأمير أن عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصل، وقد وجه قبلي خيله ورجاله، وإني انحزت إلى تكريت حتى يأتيني رأيك وأمرك، والسلام عليك.
فكتب إليه المختار: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت كل ما ذكرت فيه، فقد أصبت بانحيازك إلى تكريت، فلا تبرحن مكانك الذي أنت به حتى يأتيك أمري إن شاء الله، والسلام عليك.
قال هشام، عن أبي مخنف: حدثني موسى بن عامر، أن كتاب عبد الرحمن بن سعيد لما ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه، فقال له: يا يزيد بن أنس، إن العالم ليس كالجاهل، وإن الحق ليس كالباطل، وإني أخبرك خبر من لم يكذب ولم يكذب، ولم يخالف ولم يرتب، وإنا المؤمنون الميامين، الغالبون المساليم، وإنك صاحب الخيل التي تجر جعابها، وتضفر أذنابها، حتى توردها منابت الزيتون، غائرة عيونها، لاحقة بطونها اخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها، فإني ممدك بالرجال بعد الرجال فقال له يزيد بن أنس: سرح معي ثلاثة آلاف فارس 2 أنتخبهم، وخلني والفرج الذي توجهنا إليه، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك، قال له المختار: فاخرج فانتخب على اسم الله من أحببت.
فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس، فجعل على ربع المدينة النعمان بن عوف بن أبي جابر الأزدي، وعلى ربع تميم وهمدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمداني، وعلى مذحج وأسد ورقاء بن عازب الأسدي، وعلى ربع ربيعة وكندة سعر بن أبي سعر الحنفي.
ثم إنه فصل من الكوفة، فخرج وخرج معه المختار والناس يشيعونه، فلما
(6/39)

بلغ دير أبي موسى ودعه المختار وانصرف، ثم قال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك في كل يوم عندي، وإن احتجت إلى مدد فاكتب إلي، مع أني ممدك ولو لم تستمدد، فإنه أشد لعضدك، وأعز لجندك، وأرعب لعدوك فقال له يزيد بن أنس: لا تمدني إلا بدعائك، فكفى به مددا وقال له الناس:
صحبك الله وأداك وأيدك، وودعوه: فقال لهم يزيد: سلوا الله لي الشهادة، وايم الله لئن لقيتهم ففاتني النصر لا تفتني الشهادة إن شاء الله فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: أما بعد، فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك فخرج يزيد بن أنس بالناس حتى بات بسورا، ثم غدا بهم سائرا حتى بات بهم بالمدائن، فشكا الناس إليه ما دخلهم من شدة السير عليهم، فأقام بها يوما وليلة ثم إنه اعترض بهم أرض جوخى حتى خرج بهم في الراذانات، حتى قطع بهم الى ارض الموصل، فنزلت ببنات تلي، وبلغ مكانه ومنزله الذي نزل به عبيد الله بن زياد، فسأل عن عدتهم، فأخبرته عيونه أنه خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس، فقال عبيد الله: فأنا أبعث إلى كل ألف ألفين ودعا ربيعة بن المخارق الغنوي وعبد الله بن حمله الخثعمى، فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وبعث ربيعة بن المخارق أولا، ثم مكث يوما، ثم بعث خلفه عبد الله بن حملة، ثم كتب إليهما: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه، وإن انتهيتما جميعا فاكبر كما سنا أمير على صاحبه والجماعة قال: فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد بن أنس وهو ببنات تلي، فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنى.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال:
خرج علينا يزيد بن أنس وهو مريض على حمار يمشي معه الرجال يمسكونه عن يمينه وعن شماله، بفخذيه وعضديه وجنبيه، فجعل يقف على الأرباع:
(6/40)

ربع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً، إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي قال: وأنا والله فيمن يمشي معه ويمسك بعضده ويده، وإني لأعرف في وجهه أن الموت قد نزل به قال: فجعل يزيد بن أنس عبد الله بن ضمرة العذري على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم:
ابرزوا لهم بالعراء، وقدموني في الرجال، ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم، وإن شئتم ففروا عنه قال: فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست وستين، فأخذنا نمسك أحيانا بظهره فيقول: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا، وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهزمها، ويحمل ورقاء بن عازب الأسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، وحوينا عسكرهم.
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر العدوي، قال: انتهينا الى ربيعه ابن المخارق صاحبهم، وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياء الحق، ويا أهل السمع والطاعة، إلي أنا ابن المخارق، قال موسى: فأما أنا فكنت غلاما حدثا، فهبته ووقفت، ويحمل عليه عبد الله بن ورقاء الأسدي وعبد الله بن ضمرة العذري، فقتلاه.
قال أبو مخنف: وحدثني عمرو بن مالك أبو كبشة القيني، قال:
كنت غلاما حين راهقت مع أحد عمومتي في ذلك العسكر، فلما نزلنا بعسكر الكوفيين عبأنا ربيعة بن المخارق فاحسن التعبئه، وجعل على ميمنته ابن
(6/41)

أخيه، وعلى ميسرته عبد ربه السلمي، وخرج هو في الخيل والرجال وقال:
يا أهل الشام، إنكم إنما تقاتلون العبيد الأباق، وقوما قد تركوا الإسلام وخرجوا منه، ليست لهم تقيه، ولا ينطقون بالعربية، قال: فو الله إن كنت لأحسب أن ذلك كذلك حتى قاتلناهم، قال: فو الله ما هو إلا أن اقتتل الناس إذا رجل من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول:
برئت من دين المحكمينا ... وذاك فينا شر دين دينا
ثم إن قتالنا وقتالهم اشتد ساعة من النهار، ثم إنهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا، وحووا عسكرنا، فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبد الله بن حملة على مسيرة ساعة من تلك القرية التي يقال لها بنات تلي، فردنا، فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد بن أنس، فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة، ثم خرجنا على تعبئه حسنة، فجعل على ميمنته الزبير بن خزيمة، من خثعم، وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافي من خثعم، وتقدم في الخيل والرجال، وذلك يوم الأضحى، فاقتتلنا قتالا شديدا، ثم إنهم هزمونا هزيمة قبيحة، وقتلونا قتالا ذريعا، وحووا عسكرنا، وأقبلنا حتى انهينا إلى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لقينا.
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: أقبل إلينا عبد الله بن حملة الخثعمي، فاستقبل فل ربيعة بن المخارق الغنوي فردهم، ثم جاء حتى نزل ببنات تلي، فلما أصبح غادوا وغادينا، فتطاردت الخيلان من أول النهار، ثم انصرفوا وانصرفنا، حتى إذا صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثم هزمناهم.
قال: ونزل عبد الله بن حملة فأخذ ينادي أصحابه: الكرة بعد الفرة، يا أهل السمع والطاعة، فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوينا عسكرهم وما فيه، وأتي يزيد بن انس بثلاثمائة اسير وهو في السوق، فاخذ يومىء بيده أن اضربوا أعناقهم، فقتلوا من عند آخرهم.
وقال يزيد بن أنس: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فما أمسى حتى مات، فصلى عليه ورقاء بن عازب ودفنه، فلما رأى ذلك أصحابه أسقط في أيديهم، وكسر موته قلوب أصحابه، وأخذوا في دفنه،
(6/42)

فقال لهم ورقاء: يا قوم، ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن عبيد الله بن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفا من أهل الشام، فأخذوا يتسللون ويرجعون ثم إن ورقاء دعا رءوس الأرباع وفرسان أصحابه فقال لهم: يا هؤلاء، ماذا ترون فيما أخبرتكم؟ إنما أنا رجل منكم، ولست بأفضلكم رأيا، فأشيروا علي، فإن ابن زياد قد جاءكم في جند أهل الشام الأعظم، وبجلتهم وفرسانهم وأشرافهم، ولا أرى لنا ولكم بهم طاقة على هذه الحال، وقد هلك يزيد بن أنس أميرنا، وتفرقت عنا طائفة منا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم وقبل أن نبلغهم، فيعلموا أنا انما ردنا عنهم هلاك صاحبنا، فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم! ولأنا إنما نعتل لانصرافنا بموت صاحبنا وإنا إن لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فإن هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم قالوا: فإنك نعما رأيت، انصرف رحمك الله فانصرف، فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس، ولم يعلموا كيف كان الأمر أن يزيد بن أنس هلك، وأن الناس هزموا، فبعث إلى المختار عامله على المدائن عينا له من أنباط السواد فأخبره الخبر، فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر فعقد له على سبعة آلاف رجل، ثم قال له: سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم فخرج إبراهيم فوضع عسكره بحمام أعين قال أبو مخنف: فحدثني أبو زهير النضر بن صالح، قال: لما مات يزيد أنس التقى أشراف الناس بالكوفة فأرجفوا بالمختار وقالوا: قتل يزيد بن أنس، ولم يصدقوا أنه مات، وأخذوا يقولون: والله لقد تأمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا، ولقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب، وأعطاهم وأطعمهم فيئنا، ولقد عصتنا عبيدنا، فحرب بذلك أيتامنا وأراملنا فاتعدوا منزل شبث بن ربعي وقالوا: نجتمع في منزل شيخنا- وكان شبث جاهليا إسلاميا- فاجتمعوا فأتوا منزله، فصلى بأصحابه، ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال: ولم يكن فيما أحدث المختار عليهم شيء هو أعظم من أن جعل للموالي
(6/43)

الفيء نصيبا- فقال لهم شبث: دعوني حتى ألقاه، فذهب فلقيه، فلم يدع شيئا مما أنكره أصحابه إلا وقد ذاكره إياه، فأخذ لا يذكر خصلة إلا قال له المختار: أرضيهم في هذه الخصلة، وآتي كل شيء أحبوا، قال:
فذكر المماليك، قال: فأنا أرد عليهم عبيدهم، فذكر له الموالي، فقال:
عمدت إلى موالينا، وهم فيء أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعا فأعتقنا رقابهم، نأمل الأجر في ذلك والثواب والشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا، فقال لهم المختار: إن أنا تركت لكم مواليكم، وجعلت فيئكم فيكم، أتقاتلون معي بني أمية وابن الزبير، وتعطون على الوفاء بذلك عهد الله وميثاقه، وما أطمئن إليه من الإيمان؟ فقال شبث ما أدري حتى أخرج إلى أصحابي فأذاكرهم ذلك، فخرج فلم يرجع إلى المختار.
قال: وأجمع رأي أشراف أهل الكوفة على قتال المختار.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن حوشب، قال: جاء شبث ابن ربعي وشمر بن ذي الجوشن ومُحَمَّد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس حتى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي، فتكلم شبث، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، وسأله أن يجيبهم إلى ذلك، وقال فيما يعيب به المختار: إنه تأمر علينا بغير رضا منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، واطعم موالينا فيئنا، وأخذ عبيدنا، فحرب بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين قال: فرحب بهم كعب بن أبي كعب، وأجابهم إلى ما دعوه إليه.
قال أبو مخنف: حدثني أبي يحيى بن سعيد أن أشراف أهل الكوفة قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعوه إلى أن يجيبهم إلى قتال المختار، فقال لهم: يا هؤلاء، إنكم إن أبيتم إلا أن تخرجوا لم أخذ لكم، وإن أنتم أطعتموني لم تخرجوا فقالوا: لم؟ قال: لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا وتتخاذلوا، ومع الرجل والله شجعاؤكم وفرسانكم من أنفسكم، اليس
(6/44)

معه فلان وفلان! ثم معه عبيد كم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، وعبيدكم ومواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب، وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشام أو بمجيء، أهل البصرة، فتكونوا قد كفيتموه بغيركم، ولم تجعلوا بأسكم بينكم، قالوا:
ننشدك الله أن تخالفنا، وأن تفسد علينا رأينا وما قد اجتمعت عليه جماعتنا قال: فأنا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا، فسار بعضهم إلى بعض وقالوا: انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر، قال: فأمهلوا حتى إذا بلغ ابن الأشتر ساباط، وثبوا بالمختار قال: فخرج عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في جبانة السبيع، وخرج زحر بن قيس الجعفي وإسحاق بن مُحَمَّد بن الأشعث في جبانة كندة.
قال هشام: فحدثني سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الحضرمي، قال: خرج إليهما جبير الحضرمي فقال لهما: اخرجا عن جبانتنا، فإنا نكره أن نعرى بشر، فقال له إسحاق بن مُحَمَّد: وجبانتكم هي؟ قال: نعم، فانصرفوا عنه، وخرج كعب بن أبي كعب الخثعمي في جبانة بشر، وسار بشير بن جرير بن عبد الله إليهم في بجيلة، وخرج عبد الرحمن بن مخنف في جبانة مخنف، وسار إسحاق بن مُحَمَّد وزحر بن قيس إلى عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس بجبانة السبيع، وسارت بجيلة وخثعم الى عبد الرحمن ابن مخنف وهو بالأزد وبلغ الذين في جبانة السبيع ان المختار قد عبا لهم خيلا ليسير اليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضا إلى الأزد وبجيلة وخثعم، يسألونهم بالله والرحم لما عجلوا إليهم فساروا إليهم واجتمعوا جميعا في جبانة السبيع، ولما أن بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد، وخرج شمر بن ذي الجوشن حتى نزل بجبانة بني سلول في قيس، ونزل شبث بن ربعي وحسان بن فائد العبسي وربيعة بن ثروان الضبي في مضر بالكناسة، ونزل حجار بن أبحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما بين التمارين والسبخة، ونزل عمرو بن الحجاج الزبيدي في جبانة مراد بمن تبعه من مذحج، فبعث إليه أهل اليمن أن ائتنا، فأبى أن يأتيهم
(6/45)

وقال لهم: وجدوا، فكأني قد أتيتكم قال: وبعث المختار رسولا من يومه يقال له عمرو بن توبة بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بساباط الا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إلي قال: وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم: أخبروني ما تريدون؟ فإني صانع كل ما أحببتم، فقالوا:
فإنا نريد أن تعتزلنا، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك.
فأرسل إليهم المختار أن ابعثوا إليه من قبلكم وفدا، وابعث إليه من قبلي وفدا، ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه، وهو يريد ان يريثهم بهذه المقالة ليقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وقد أمر أصحابه فكفوا أيديهم، وقد أخذ أهل الكوفة عليهم بأفواه السكك، فليس شيء يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلا القليل الوتح، يجيئهم إذا غفلوا عنه قال: وخرج عبد الله بن سبيع في الميدان، فقاتله شاكر قتالا شديدا، فجاءه عقبة بن طارق الجشمي فقاتل معه ساعة حتى رد عاديتهم عنه، ثم أقبلا على حاميتهما يسيران حتى نزل عقبة بن طارق مع قيس في جبانة بني سلول، وجاء عبد الله بن سبيع حتى نزل مع أهل اليمن في جبانة السبيع.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي يونس بن أبي إسحاق، أن شمر بن ذي الجوشن أتى أهل اليمن فقال لهم: إن اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم، وإلا فلا، والله لا أقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقة، ونقاتل من غير وجه فانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بني سلول قال: ولما خرج رسول المختار إلى ابن الأشتر بلغه من يومه عشية، فنادى في الناس: أن ارجعوا إلى الكوفة، فسار بقية عشيته تلك، ثم نزل حين أمسى، فتعشى أصحابه، وأراحوا الدواب شيئا كلا شيء، ثم نادى في الناس، فسار ليلته كلها، ثم صلى الغداة بسورا، ثم سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد، ثم إنه جاء حتى بات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة والجلد، حتى إذا كان صبيحة اليوم الثالث من مخرجهم على المختار، خرج المختار إلى
(6/46)

المنبر فصعده.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي أن شبث بن ربعي بعث اليه ابنه عبد المؤمن فقال: إنما نحن عشيرتك، وكف يمينك، لا والله لا نقاتلك، فثق بذلك منا، وكان رأيه قتاله، ولكنه كاده ولما أن اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس من رءوس أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الاختلاف، قدموا الرضا فيكم، فإن في عشيرتكم سيد قراء أهل المصر، فليصل بكم رفاعة بن شداد الفتياني من بجيلة، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة قال أبو مخنف: وحدثني وازع بن السري أن أنس بن عمرو الأزدي انطلق فدخل في أهل اليمن، وسمعهم وهم يقولون: إن سار المختار إلى إخواننا من مضر سرنا إليهم، وإن سار إلينا ساروا إلينا، فسمعها منهم رجل، وأقبل جوادا حتى صعد إلى المختار على المنبر، فأخبره بمقالتهم، فقال: أما هم فخلقاء لو سرت إلى مضر أن يسيروا إليهم، وأما أهل اليمن فأشهد لئن سرت إليهم لا تسير إليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل ويكرمه ثم ان المختار نزل فعبا أصحابه في السوق- والسوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء- فقال لإبراهيم بن الأشتر: إلى أي الفريقين أحب إليك أن تسير؟ فقال: إلى أي الفريقين أحببت، فنظر المختار- وكان ذا رأي، فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم- فقال: سر إلى مضر بالكناسة وعليهم شبث بن ربعي ومُحَمَّد بن عمير بن عطارد، وأنا أسير إلى أهل اليمن.
قال: ولم يزل المختار يعرف بشدة النفس، وقلة البقيا على أهل اليمن وغيرهم إذا ظفر، فسار إبراهيم بن الأشتر إلى الكناسة، وسار المختار إلى جبانة السبيع، فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسرح بين أيديه أحمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، وسرح عبد الله بن كامل الشاكري، وقال لابن شميط: الزم هذه السكة حتى تخرج إلى اهل
(6/47)

جبانة السبيع من بين دور قومك وقال لعبد الله بن كامل: الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانة السبيع من دار آل الأخنس بن شريق، ودعاهما فأسر إليهما أن شباما قد بعثت تخبرني أنهم قد أتوا القوم من ورائهم، فمضيا فسلكا الطريقين اللذين أمرهما بهما، وبلغ أهل اليمن مسير هذين الرجلين إليهم، فاقتسموا تينك السكتين، فأما السكة التي في دبر مسجد أحمس فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني وإسحاق بن الأشعث وزحر بن قيس، وأما السكة التي تلي الفرات فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن مخنف، وبشير بن جرير بن عبد الله، وكعب بن أبي كعب ثم إن القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم ثم إن أصحاب أحمر بن شميط انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضا، فلم يرع المختار إلا وقد جاءه الفل قد أقبل، فقال: ما وراءكم؟ قالوا: هزمنا، قال: فما فعل أحمر بن شميط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصاص- يعنون مسجد أبي داود في وادعة، وكان يعتاده رجال أهل ذلك الزمان يقصون فيه، وقد نزل معه أناس من أصحابه- وقال أصحاب عبد الله: ما ندري ما فعل ابن كامل! فصاح بهم: أن انصرفوا ثم أقبل بهم حتى انتهى إلى دار أبي عبد الله الجدلي، وبعث عبد الله بن قراد الخثعمى- وكان على أربعمائة رجل من أصحابه- فقال: سر في أصحابك إلى ابن كامل، فإن يك هلك فأنت مكانه، فقاتل القوم بأصحابك وأصحابه، وإن تجده حيا صالحا فسر في مائة من أصحابك كلهم فارس، وادفع إليه بقية أصحابك، ومر بالجد معه والمناصحة له، فإنهم إنما يناصحونني، ومن ناصحني فليبشر، ثم امض في المائة حتى تأتي أهل جبانة السبيع مما يلي حمام قطن ابن عبد الله فمضى فوجد ابن كامل واقفا عند حمام عمرو بن حريث
(6/48)

معه أناس من أصحابه قد صبروا، وهو يقاتل القوم، فدفع اليه ثلاثمائة من أصحابه ثم مضى حتى نزل إلى جبانة السبيع.
ثم أخذ في تلك السكك حتى انتهى إلى مسجد عبد القيس، فوقف عنده، وقال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: أمرنا لأمرك تبع وكل من كان معه من حاشد من قومه وهم مائة، فقال لهم: والله انى لاحب ان يظهر المختار، وو الله إني لكاره أن يهلك أشراف عشيرتي اليوم، وو الله لأن أموت أحب إلي من أن يحل بهم الهلاك على يدي، ولكن قفوا قليلا فإني قد سمعت شباما يزعمون أنهم سيأتونهم من ورائهم، فلعل شباما تكون هي تفعل ذلك، ونعافى نحن منه قال له أصحابه: فرأيك فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي في مائتي رجل- وكان من أشد الناس بأسا- وبعث عبد الله بن شريك النهدي في مائتي فارس إلى أحمر بن شميط، وثبت مكانه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروه، فاقتتلوا عند ذلك كأشد القتال، ومضى ابن الأشتر حتى لقي شبث بن ربعي وأنا سامعه من مضر كثيرا، وفيهم حسان بن فائد العبسي، فقال لهم إبراهيم:
ويحكم! انصرفوا، فو الله ما أحب أن يصاب أحد من مضر على يدي، فلا تهلكوا أنفسكم، فأبوا، فقاتلوه فهزمهم، واحتمل حسان بن فائد إلى أهله، فمات حين أدخل إليهم، وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاق إفاقة فقال: أما والله ما كنت أحب أن أعيش من جراحتي هذه، وما كنت أحب أن تكون منيتي إلا بطعنة رمح، أو بضربة بالسيف، فلم يتكلم بعدها كلمة حتى مات وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر، فبعث المختار البشرى من قبله إلى أحمر بن شميط وإلى ابن كامل، فالناس على أحوالهم كل أهل سكة منهم قد أغنت ما يليها.
قال: فاجتمعت شبام وقد رأسوا عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا
(6/49)

واجتمعوا بأن يأتوا أهل اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: أما والله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصوب، فسيروا إلى مضر أو إلى ربيعة فقاتلوهم- وشيخهم أبو القلوص ساكت لا يتكلم- فقالوا: يا أبا القلوص، ما رأيك؟ فقال: قال الله جل ثناؤه:
«قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» قوموا، فقاموا، فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم: اجلسوا فجلسوا، ثم مشى بهم أنفس من ذلك شيئا، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا، ثم مشى بهم الثالثة أنفس من ذلك شيئا، ثم قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القلوص، والله إنك عندنا لأشجع العرب، فما يحملك على الذي تصنع! قال: إن المجرب ليس كمن لم يجرب، إني أردت أن ترجع إليكم أفئدتكم، وأن توطنوا على القتال أنفسكم، وكرهت أن أقحمكم على القتال وأنتم على حال دهش، قالوا: أنت أبصر بما صنعت فلما خرجوا إلى جبانة السبيع استقبلهم على فم السكة الأعسر الشاكري، فحمل عليه الجندعي وأبو الزبير بن كريب فصرعاه، ودخلا الجبانة، ودخل الناس الجبانة في آثارهم، وهم ينادون: يا لثارات الحسين! فأجابهم أصحاب ابن شميط يا لثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران من همدان فقال: يا لثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: ما لنا ولعثمان! لا أقاتل مع قوم يبغون دم عثمان، فقال له أناس من قومه: جئت بنا وأطعناك، حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت: انصرفوا ودعوهم! فعطف عليهم وهو يقول:
أنا ابن شداد على دين علي ... لست لعثمان بن أروى بولي
لأصلين اليوم فيمن يصطلي ... بحر نار الحرب غير مؤتل
فقاتل حتى قتل، وقتل يزيد بن عمير بن ذي مران، وقتل النعمان ابن صهبان الجرمي ثم الراسبي- وكان ناسكا- ورفاعة بن شداد بن عوسجة
(6/50)

الفتياني عند حمام المهبذان الذي بالسبخة- وكان ناسكا- وقتل الفرات ابن زحر بن قيس الجعفي، وارتث زحر بن قيس، وقتل عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس، وقتل عمر بن مخنف، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى ارتث، وحملته الرجال على أيديها وما يشعر، وقاتل حوله رجال من الأزد، فقال حميد بن مسلم:
لأضربن عن أبي حكيم ... مفارق الأعبد والصميم
وقال سراقة بن مرداس البارقي:
يا نفس إلا تصبري تليمي ... لا تتولي عن ابى حكيم
واستخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير، فأتي بهم المختار مكتفين، فأخذ رجل من بني نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له: عبد الله ابن شريك، لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد، فقال له المختار: اعرضوهم علي، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له: هذا ممن شهد قتله، فيقدمه فيضرب عنقه، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلا، وأخذ أصحابه كلما رأوا رجلا قد كان يؤذيهم او يماريهم او يضربهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار، فأخبر بذلك المختار بعد، فدعا بمن بقي من الأسارى فأعتقهم، وأخذ عليهم المواثيق الا يجامعوا عليه عدوا، ولا يبغوه ولا أصحابه غائلة، إلا سراقة بن مرداس البارقي، فإنه أمر به أن يساق معه إلى المسجد قال: ونادى منادي المختار: إنه من أغلق بابه فهو آمن، إلا رجلا شرك في دم آل محمد ص
(6/51)

قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبى، ان يزيد ابن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجار بن أبجر بعثا رسلا لهما، فقالا لهم:
كونوا من أهل اليمن قريبا، فإن رأيتموهم قد ظهروا فأيكم سبق إلينا فليقل صرفان، وإن كانوا هزموا فليقل جمزان، فلما هزم أهل اليمن أتتهم رسلهم، فقال لهم أول من انتهى إليهم: جمزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما:
انصرفوا إلى بيوتكم، فانصرفوا، وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدي- وكان ممن شهد قتل الحسين- فركب راحلته، ثم ذهب عليها، فأخذ طريق شراف وواقصة، فلم ير حتى الساعة، ولا يدرى أرض بخسته، أم سماء حصبته! وأما فرات بن زحر بن قيس فإنه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية- وكانت امرأة الحسين بن علي- إلى المختار تسأله أن يأذن لها أن تواري جسده، ففعل، فدفنته.
وبعث المختار غلاما له يدعى زربيا في طلب شمر بن ذي الجوشن.
قال أبو مخنف: فحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: تبعنا زربي غلام المختار، فلحقنا وقد خرجنا من الكوفة على خيول لنا ضمر، فأقبل يتمطر به فرسه، فلما دنا منا قال لنا شمر: اركضوا وتباعدوا عني لعل العبد يطمع في، قال: فركضنا، فأمعنا، وطمع العبد في شمر، وأخذ شمر ما يستطرد له، حتى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال: بؤسا لزربي، أما لو يستشيرني ما أمرته أن يخرج لأبي السابغة.
قال أبو مخنف: حدثني أبو مُحَمَّد الهمداني، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار، وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع، ووجه غلامه زربيا في طلب شمر، وكان من قتل شمر إياه ما كان، مضى شمر حتى ينزل ساتيدما، ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر، إلى جانب تل،
(6/52)

ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجا فضربه، ثم قال: النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن قال: فمضى العلج حتى يدخل قرية فيها بيوت، وفيها أبو عمرة، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقي ذلك العلج علجا من تلك القرية، فأقبل يشكو إليه ما لقي من شمر، فإنه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة، فرأى الكتاب مع العلج، وعنوانه: لمصعب من شمر، فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به، فأخبرهم، فإذا ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة فراسخ قال: فأقبلوا يسيرون إليه.
قال أبو مخنف: فحدثني مسلم بن عبد الله، قال: وأنا والله مع شمر تلك الليلة، فقلنا: لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فإنا نتخوف به! فقال: أو كل هذا فرقا من الكذاب! والله لا أتحول منه ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعبا! قال: وكان بذلك المكان الذي كنا فيه دبى كثير، فو الله إني لبين اليقظان والنائم، إذ سمعت وقع حوافر الخيل، فقلت في نفسي: هذا صوت الدبى، ثم إني سمعته أشد من ذلك، فانتبهت ومسحت عيني، وقلت: لا والله، ما هذا بالدبي قال: وذهبت لأقوم، فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التل، فكبروا، ثم أحاطوا بأبياتنا، وخرجنا نشتد على أرجلنا، وتركنا خيلنا قال: فأمر على شمر، وإنه لمتزر ببرد محقق- وكان أبرص- فكأني أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد، فإنه ليطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه قال: فما هو إلا أن أمعنت ساعة، إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث! قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب الكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمرا، قال: قلت: هل سمعته يقول شيئا ليلتئذ؟ قال: نعم،
(6/53)

خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم خرج علينا وهو يقول:
نبهتمُ ليث عرين ... جهما محياه يدق الكاهلا
لم ير يوما عن عدو ناكلا ... إلا كذا مقاتلا أو قاتلا
يبرحهم ضربا ويروي العاملا.
قال أبو مخنف، عن يونس بن أبي إسحاق: ولما خرج المختار من جبانة السبيع، وأقبل إلى القصر، أخذ سراقة بن مرداس يناديه بأعلى صوته:
امنن علي اليوم يا خير معد ... وخير من حل بشحر والجند
وخير من حيا ولبى وسجد.
فبعث به المختار إلى السجن، فحبسه ليلة، ثم أرسل إليه من الغد فأخرجه، فدعا سراقة، فأقبل إلى المختار وهو يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا
نراهم في مصافهم قليلا ... هم مثل الدبى حين التقينا
برزنا إذ رأيناهم فلما ... رأينا القوم قد برزوا إلينا
لقينا منهمُ ضربا طلحفا ... وطعنا صائبا حتى انثنينا
نصرت على عدوك كل يوم ... بكل كتيبة تنعى حسينا
كنصر مُحَمَّد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا
فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا
(6/54)

قال: فلما انتهى إلى المختار، قال له: اصلحك الله ايها الأمير! سراقه ابن مرداس يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض، فقال له المختار: فاصعد المنبر فأعلم ذلك المسلمين، فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار، فقال:
إني قد علمت أنك لم تر الملائكة، وانما اردت ما قد عرفت الا أقتلك، 2 فاذهب عني حيث أحببت، لا تفسد علي أصحابي.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الحجاج بن علي البارقي عن سراقة بن مرداس، قال: ما كنت في أيمان حلفت بها قط أشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب مني في أيماني هذه التي حلفت لهم بها أني قد رأيت الملائكة معهم تقاتل فخلوا سبيله فهرب، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج أشراف أهل الكوفة والوجوه فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج سراقة بن مرداس من الكوفة وهو يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهما مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات
أري عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات
إذا قالوا أقول لهم كذبتم ... وإن خرجوا لبست لهم أداتي
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا مُحَمَّد بن براد، من ولد أبي موسى الأشعري، عن شيخ، قال: لما أسر سراقة البارقي، قال:
وأنتم أسرتموني! ما أسرني إلا قوم على دواب بلق، عليهم ثياب بيض قال:
فقال المختار: أولئك الملائكة، فأطلقه، فقال:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهما مصمتات
أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات
(6/55)

قال أبو مخنف: حدثني عمير بن زياد أن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني قال يوم جبانة السبيع: ويحكم! من هؤلاء الذين أتونا من ورائنا؟ قيل له: شبام، فقال: يا عجبا! يقاتلني بقومي من لا قوم له.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو روق أن شرحبيل بن ذي بقلان من الناعطيين قتل يومئذ، وكان من بيوتات همدان، فقال يومئذ قبل أن يقتل: يا لها قتلة، ما أضل مقتولها! قتال مع غير إمام، وقتال على غير نية، وتعجيل فراق الأحبة، ولو قتلناهم إذا لم نسلم منهم، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! أما والله ما خرجت الا مواسيا لقومي بنفسي مخافة أن يضطهدوا، وايم الله ما نجوت من ذلك ولا أنجوا، ولا أغنيت عنهم ولا أغنوا قال: ويرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له أحمر بن هديج بسهم فيقتله.
قال: واختصم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني نفر ثلاثة: سعر ابن أبي سعر الحنفي، وأبو الزبير الشبامي: ورجل آخر، فقال سعر: طعنته طعنة، وقال أبو الزبير: لكن ضربته أنا عشر ضربات أو أكثر، وقال لي ابنه: يا أبا الزبير، أتقتل عبد الرحمن بن سعيد سيد قومك! فقلت:
«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ.
» فقال المختار: كلكم محسن وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي النضر بن صالح أن القتل إذ ذاك كان استحر في أهل اليمن، وأن مضر أصيب منهم بالكناسة بضعة عشر رجلا، ثم مضوا حتى مروا بربيعة، فرجع حجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رؤيم وشداد بن المنذر- أخو حضين- وعكرمة بن ربعي، فانصرف جميع هؤلاء إلى رحالهم، وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انصرف عنهم وقد خرج، فجاء حتى دخل منزله، فقيل له: قد مرت خيل في
(6/56)

ناحية الحي، فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه فلم يستطع حتى حمله غلام له وكانت وقعة جبانة السبيع يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين.
قال: وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال: ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا آمنين، بئس ناصر آل مُحَمَّد أنا إذا في الدنيا! أنا إذا الكذاب كما سموني، فانى بالله استعين عليهم، الحمد الله الذي جعلني سيفا ضربهم به، ورمحا طعنهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقهم، إنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسموهم لي ثم اتبعوهم حتى تفنوهم.
قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر أن المختار قال لهم: اطلبوا لي قتلة الحسين، فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وانفى المصر منهم قال أبو مخنف: وحدثني مالك بن أعين الجهني أن عبد الله بن دباس، وهو الذي قتل محمد بن عمار بن ياسر الذي قال الشاعر:
قتيل ابن دباس أصاب قذاله.
هو الذي دل المختار على نفر ممن قتل الحسين، منهم عبد الله بن أسيد بن النزال الجهني من حرقة، ومالك بن النسير البدي، وحمل بن مالك المحاربى، فبعث اليهم المختار أبا نمران مالك بن عمرو النهدي- وكان من رؤساء أصحاب المختار- فأتاهم وهم بالقادسية، فأخذهم فأقبل بهم حتى أدخلهم عليه عشاء، فقال لهم المختار: يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله، أين الحسين بن علي؟ أدوا إلي الحسين، قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة، فقالوا: رحمك الله! بعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا واستبقنا، قال المختار: فهلا مننتم على الحسين ابن بنت
(6/57)

نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه! ثم قال المختار للبدِّي: أنت صاحب برنسه؟
فقال له عبد الله بن كامل: نعم، هو هو، فقال المختار، اقطعوا يدي هذا ورجليه، ودعوه فليضطرب حتى يموت، ففعل ذلك به وترك، فلم يزل ينزف الدم حتى مات، وأمر بالآخرين فقدما، فقتل عبد الله بن كامل عبد الله الجهني، وقتل سعر بن أبي سعر حمل بن مالك المحاربي.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت التيمي، قال: حدثني أبو سعيد الصيقل أن المختار دل على رجال من قتلة الحسين، دله عليهم سعر الحنفي، قال: فبعث المختار عبد الله بن كامل، فخرجنا معه حتى مر ببني ضبيعة، فأخذ منهم رجلا يقال له زياد بن مالك، قال: ثم مضى إلى عنزة فأخذ منهم رجلا يقال له عمران بن خالد قال: ثم بعثني في رجال معه يقال لهم الدبابة إلى دار في الحمراء، فيها عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه، فقال لهم:
يا قتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم! لقد جاءكم الورس، بيوم نحس- وكانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين- أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم ففعل ذلك بهم، فهؤلاء أربعة نفر.
قال أبو مخنف: وحدثني سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: جاءنا السائب بن مالك الأشعري في خيل المختار، فخرجت نحو عبد القيس، وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثري، وشغلوا بالاحتباس عليهما عني، فنجوت وأخذوهما، ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب بن عمرو ابن عم أعشى همدان من بني عبد، فأخذوه، فانتهوا بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:
ألم ترني على دهش نجوت ولم أكد انجو
(6/58)

رجاء الله أنقذني ولم أك غيره أرجو
قال أبو مخنف: حدثني موسى بن عامر العدوي من جهينة- وقد عرف ذلك الحديث شهم بن عبد الرحمن الجهني- قال: بعث المختار عبد الله ابن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهماني من جهينة، وإلى أبي أسماء بشر بن سوط القابضي- وكانا ممن شهدا قتل الحسين، وكانا اشتركا في دم عبد الرَّحْمَن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه- فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بني دهمان، ثم قال: علي مثل خطايا بني دهمان منذ يوم خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد بن أسير، إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم فقلنا له: أمهلنا نطلبه، فخرجوا مع الخيل في طلبه، فوجدوهما جالسين في الجبانة- وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة- فأتى بهما عبد الله بن كامل، فقال: الحمد لله الذي كفى المؤمنين القتال، لو لم يجدوا هذا مع هذا عنانا إلى منزله في طلبه، فالحمد لله الذي حينك حتى أمكن منك فخرج بهما حتى إذا كان في موضع بئر الجعد ضرب أعناقهما، ثم رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقهما بالنار، وقال:
لا يدفنان حتى يحرقا فهذان رجلان، فقال أعشى همدان يرثي عثمان الجهني:
يا عين بكّي فتى الفتيان عثمانا لا يبعدن الفتى من آل دهمانا واذكر فتى ماجدا حلوا شمائله ما مثله فارس في آل همدانا قال موسى بن عامر: وبعث معاذ بن هانئ بن عدي الكندي ابن أخي حجر، وبعث أبا عمرة صاحب حرسه، فساروا حتى أحاطوا بدار خولي بن يزيد الأصبحي وهو صاحب راس الحسين الذى جاء به، فاختبا في مخرجه، فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار، فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري أين هو- وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة، فأخرجوه، وكان المختار يسير
(6/59)

بالكوفة ثم إنه أقبل في أثر أصحابه وقد بعث أبو عمرة إليه رسولا، فاستقبل المختار الرسول عند دار بلال، ومعه ابن كامل، فأخبره الخبر، فأقبل المختار نحوهم، فاستقبل به، فردده حتى قتله إلى جانب أهله، ثم دعا بنار فحرقه بها، ثم لم يبرح حتى عاد رمادا، ثم انصرف عنه وكانت امرأته من حضرموت يقال لها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين.
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر أبو الأشعر أن المختار قال ذات يوم وهو يحدث جلساءه: لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين يسر مقتله المؤمنين والملائكة المقربين قال: وكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار حين سمع هذه المقالة، فوقع في نفسه أن الذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال: الق ابن سعد الليلة فخبره بكذا وكذا، وقل له: خذ حذرك، فإنه لا يريد غيرك قال: فأتاه فاستخلاه، ثم حدثه الحديث، فقال له عمر بن سعد: جزى الله أباك والإخاء خيرا! كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود والمواثيق! وكان المختار أول ما ظهر أحسن شيء سيرة وتألفا للناس، وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلي، فكلم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة وقال له: إني لا آمن هذا الرجل- يعني المختار- فخذ لي منه أمانا، ففعل، قال: فانا رايت امانه وقراته وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد ابن أبي وقاص، إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد
(6/60)

ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلا بخير شهد السائب بن مالك وأحمر بن شميط وعبد الله بن شداد وعبد الله بن كامل وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلا أن يحدث حدثا، وأشهد الله على نفسه، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً* قال: فكان أبو جعفر مُحَمَّد بن علي يقول: أما أمان المختار لعمر بن سعد:
إلا أن يحدث حدثا، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث.
قال: فلما جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتى أتى حمامه، ثم قال في نفسه: انزل داري، فرجع فعبر الروحاء، ثم أتى داره غدوة، وقد أتى حمامه، فأخبر مولى له بما كان من أمانه وبما أريد به، فقال له مولاه:
وأي حدث أعظم مما صنعت! إنك تركت رحلك وأهلك واقبلت الى هاهنا، ارجع إلى رحلك، لا تجعلن للرجل عليك سبيلا فرجع إلى منزله، وأتى المختار بانطلاقه، فقال: كلا إن في عنقه سلسلة سترده، لو جهد أن ينطلق ما استطاع قال: وأصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة، وأمره أن يأتيه به، فجاءه حتى دخل عليه فقال: أجب الأمير، فقام عمر: فعثر في جبة له، ويضربه أبو عمرة بسيفه، فقتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد وهو جالس عنده: أتعرف هذا الرأس؟ فاسترجع وقال: نعم، ولا خير في العيش بعده، قال له المختار: صدقت، فإنك لا تعيش بعده، فأمر به فقتل، وإذا رأسه مع رأس أبيه ثم إن المختار قال: هذا بحسين وهذا بعلي بن حسين، ولا سواء، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله، فقالت حميدة بنت عمر بن سعد تبكي أباها:
لو كان غير أخي قسي غره أو غير ذي يمن وغير الأعجم سخى بنفسي ذاك شيئا فاعلموا عنه وما البطريق مثل الألأم أعطى ابن سعد في الصحيفة وابنه عهدا يلين له جناح الارقم
(6/61)

فلما قتل المختار عمر بن سعد وابنه بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد ابن نمران الناعطي وظبيان بن عمارة التميمي، حتى قدما بهما على مُحَمَّد ابن الحنفية، وكتب إلى ابن الحنفية في ذلك بكتاب.
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: إنما كان هيج المختار على قتل عمر بن سعد أن يزيد بن شراحيل الأنصاري اتى محمد بن الحنفية، فسلم عليه، فجرى الحديث إلى أن تذاكروا المختار وخروجه وما يدعوا إليه من الطلب بدماء أهل البيت، فقال محمد بن الحنفية: على أهون رسله يزعم أنه لنا شيعة، وقتلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدثونه! قال: فوعاها الآخر منه، فلما قدم الكوفة أتاه فسلم عليه، فسأله المختار: هل لقيت المهدي؟ فقال له: نعم، فقال: ما قال لك وماذا كرك؟ قال: فخبره الخبر قال: فما لبث المختار عمر بن سعد وابنه أن قتلهما، ثم بعث برأسيهما إلى ابن الحنفية مع الرسولين اللذين سمينا، وكتب معهما إلى ابن الحنفية:
بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي مُحَمَّد بن علي من المختار بن أبي عبيد سلام عليك يايها المهدي، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم، فهم بين قتيل وأسير، وطريد وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتليكم، ونصر مؤازريكم.
وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شرك في دم الحسين وأهل بيته- رحمة الله عليهم- كل من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي، ولست بمنجم عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرميا.
فاكتب إلي أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته.
ثم إن المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائي السنبسي- وقد كان أصاب صلب العباس بن علي، ورمى
(6/62)

حسينا بسهم، فكان يقول: تعلق سهمي بسر باله وما ضره- فأتاه عبد الله ابن كامل، فأخذه ثم أقبل به، وذهب أهله فاستغاثوا بعدي بن حاتم، فلحقهم في الطريق، فكلم عبد الله بن كامل فيه، فقال: ما إلي من أمره شيء، إنما ذلك إلى الأمير المختار قال: فإني آتيه، قال: فأته راشدا فمضى عدي نحو المختار، وكان المختار قد شفعه في نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع، لم يكونوا نطقوا بشيء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل: إنا نخاف أن يشفع الأمير عدي بن حاتم في هذا الخبيث، وله من الذنب ما قد علمت، فدعنا نقتله قال: شأنكم به، فلما انتهوا به إلى دار العنزيين وهو مكتوف نصبوه غرضا، ثم قالوا له: سلبت ابن علي ثيابه، والله لنسلبن ثيابك وأنت حي تنظر! فنزعوا ثيابه، ثم قالوا له: رميت حسينا، واتخذته غرضا لنبلك، وقلت:
تعلق سهمي بسر باله ولم يضره، وايم الله لنرمينك كما رميته بنبال ما تعلق بك منها أجزاك قال: فرموه رشقا واحدا، فوقعت به منهم نبال كثيرة فخر ميتا.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو الجارود، عمن رآه قتيلا كأنه قنفذ لما فيه من كثرة النبل: ودخل عدي بن حاتم على المختار فأجلسه معه على مجلسه، فأخبره عدي عما جاء له، فقال له المختار: أتستحل يا أبا طريف أن تطلب في قتلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال: إذا ندعه لك قال: فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار:
ما فعل الرجل؟ قال: قتلته الشيعة: قال: وما أعجلك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لا يسره أنه لم يقتله- وهذا عدي قد جاء فيه، وهو أهل أن يشفع ويؤتى ما سره! قال: غلبتني والله الشيعة، قال له عدي: كذبت يا عدو الله، ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعني فيه، فبادرتني
(6/63)

فقتلته، ولم يكن خطر يدفعك عما صنعت قال: فاسحنفر إليه ابن كامل بالشتيمة، فوضع المختار أصبعه على فيه، يأمر ابن كامل بالسكوت والكف عن عدي، فقام عدي راضيا عن المختار ساخطا على ابن كامل، يشكوه عند من لقي من قومه وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين عبد الله ابن كامل، وهو رجل من عبد القيس يقال له مرة بن منقذ بن النعمان العبدي وكان شجاعا، فأتاه ابن كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبيده الرمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي، فصرعه ولم يضره قال: ويضربه ابن كامل بالسيف فيتقيه بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشلت يده بعد ذلك قال: وبعث المختار أيضا عبد الله الشاكري إلى رجل من جنب يقال له زيد بن رقاد، كان يقول: لقد رميت فتى منهم بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته يتقي النبل فأثبت كفه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفه عن جبهته قال أبو مخنف: فحدثني أبو عبد الأعلى الزبيدي أن ذلك الفتى عبد الله ابن مسلم بن عقيل، وأنه قال حيث أثبت كفه في جبهته: اللهم إنهم استقلونا واستذلونا، اللهم فاقتلهم كما قتلونا، وأذلهم كما استذلونا ثم إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله، فكان يقول: جئته ميتا فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه، فلم أزل أنضنض السهم من جبهته حتى نزعته، وبقي النصل في جبهته مثبتا ما قدرت على نزعه.
قال: فلما أتى ابن كامل داره أحاط بها، واقتحم الرجال عليه، فخرج مصلتا بسيفه- وكان شجاعا- فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تطعنوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فقال ابن كامل: إن كان به رمق فأخرجوه، فاخرجوه وبه
(6/64)

رمق، فدعا بنار فحرقه بها وهو حي لم تخرج روحه، وطلب المختار سنان ابن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة، فهدم داره وطلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب، ولحق بالجزيرة، فهدم داره، وكان ذلك الغنوي قد قتل منهم غلاما، وقتل رجل آخر من بني أسد يقال له حرملة بن كاهل رجلا من آل الحسين، ففيهما يقول ابن أبي عقب الليثي:
وعند غني قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر
وطلب رجلا من خثعم يقال لَهُ عَبْد اللَّهِ بن عروة الخثعمي- كان يقول:
رميت فيهم باثني عشر سهما ضيعة- ففاته ولحق بمصعب، فهدم داره، وطلب رجلا من صداء يقال له عمرو بن صبيح، وكان يقول: لقد طعنت بعضهم وجرحت فيهم وما قتلت منهم أحدا، فأتي ليلا وهو على سطحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه أخذا، وأخذوا سيفه، فقال: قبحك الله سيفا، ما أقربك وأبعدك! فجيء به إلى المختار، فحبسه معه في القصر، فلما أن أصبح أذن لأصحابه، وقيل: ليدخل من شاء أن يدخل، ودخل الناس، وجيء به مقيدا، فقال:
أما والله يا معشر الكفرة الفجرة إن لو بيدي سيفي لعلمتم أني بنصل السيف غير رعش ولا رعديد ما يسرني إذ كانت منيتي فتلا أنه قتلني من الخلق أحد غيركم لقد علمت أنكم شرار خلق الله، غير أني وددت أن بيدي سيفا أضرب به فيكم ساعة، ثم رفع يده فلطم عين ابن كامل وهو إلى جنبه، فضحك ابن كامل، ثم أخذ بيده وأمسكها، ثم قال: إنه يزعم أنه قد جرح في آل مُحَمَّد وطعن، فمرنا بأمرك فيه، فقال المختار:
علي بالرماح، فأتي بها، فقال: اطعنوه حتى يموت، فطعن بالرماح حتى مات.
قال أبو مخنف: حدثني هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام
(6/65)

أن أصحاب المختار مروا بدار بني أبي زرعة بن مسعود، فرموهم من فوقها، فأقبلوا حتى دخلوا الدار، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبي زرعة الثقفي وعبد الرحمن بن عثمان بن أبي زرعة الثقفي، وأفلتهم عبد المالك بن أبي زرعة بضربة في رأسه، فجاء يشتد حتى دخل على المختار، فأمر امرأته أم ثابت ابنة سمرة بن جندب، فداوت شجته، ثم دعاه، فقال: لا ذنب لي، أنكم رميتم القوم فأغضبتموهم وكان مُحَمَّد بن الأشعث بن قيس في قرية الأشعث إلى جنب القادسية، فبعث المختار إليه حوشبا سادن الكرسي في مائة، فقال: انطلق إليه فإنك تجده لاهيا متصيدا، أو قائما متلبدا، أو خائفا متلددا، أو كامنا متغمدا، فإن قدرت عليه فأتني برأسه فخرج حتى أتى قصره فأحاط به، وخرج منه مُحَمَّد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يرون انه فيه، ثم دخلوا فعلموا أنه قد فاتهم، فانصرفوا إلى المختار، فبعث إلى داره فهدمها، وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، وكان زياد بن سميه قد هدمها

ذكر الخبر عن البيعه للمختار بالبصرة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة دعا المثنى بن مخربة العبدي إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها، فحدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، عن عبد الله بن عطية الليثي وعامر بن الأسود، أن المثنى بن مخربة العبدي كان ممن شهد عين الوردة مع سُلَيْمَان بن صرد، ثم رجع مع من رجع ممن بقي من التوابين إلى الكوفة، والمختار محبوس، فأقام حتى خرج المختار من السجن، فبايعه المثنى سرا، وقال له المختار: الحق ببلدك بالبصرة فارع الناس، وأسر أمرك، فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجال من قومه وغيرهم فلما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة ومنع عمر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام من الكوفة خرج المثنى بن مخربة فاتخذ مسجدا، واجتمع إليه
(6/66)

قومه، ودعا إلى المختار، ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، وجمعوا الطعام في المدينة، ونحروا الجزر، فوجه إليهم القباع عباد بن حصين وهو على شرطته، وقيس بن الهيثم في الشرط والمقاتلة، فأخذوا في سكة الموالي حتى خرجوا إلى السبخة، فوقفوا، ولزم الناس دورهم، فلم يخرج أحد، فجعل عباد ينظر هل يرى أحدا يسأله! فلم ير أحدا، فقال: اما هاهنا رجل من بني تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بني عدي، عدي الرباب: هذه دار وراد مولى بني عبد شمس، قال: دق الباب، فدقه، فخرج إليه وراد، فشتمه عباد وقال: ويحك! انا واقف هاهنا، لم لم تخرج إلي! قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شد عليك سلاحك واركب، ففعل، ووقفوا، وأقبل أصحاب المثنى فواقفوهم، فقال عباد لوراد،: قف مكانك مع قيس، فوقف قيس بن الهيثم ووراد، ورجع عباد فأخذ في طريق الذباحين، والناس وقوف في السبخة، حتى اتى الكلا، ولمدينة الرزق أربعة أبواب:
باب مما يلي البصرة، وباب إلى الخلالين، وباب إلى المسجد، وباب إلى مهب الشمال، فأتى الباب الذي يلي النهر مما يلي أصحاب السقط، وهو باب صغير، فوقف ودعا بسلم فوضعه مع حائط المدينة، فصعد ثلاثون رجلا، وقال لهم: الزموا السطح، فإذا سمعتم التكبير فكبروا على السطوح، ورجع عباد إلى قيس بن الهيثم وقال لوراد: حرش القوم، فطارد هم وراد، ثم التبس القتال فقتل أربعون رجلا من أصحاب المثنى، وقتل رجل من أصحاب عباد، وسمع الذين على السطوح في دار الرزق الضجة والتكبير، فكبروا، فهرب من كان في المدينة، وسمع المثنى وأصحابه التكبير من ورائهم، فانهزموا، وأمر عباد وقيس بن الهيثم الناس بالكف عن اتباعهم وأخذوا مدينة الرزق وما كان فيها، وأتى المثنى وأصحابه عبد القيس ورجع عباد وقيس ومن معهما إلى القباع فوجههما إلى عبد القيس، فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر، وأتاهم عباد من طريق المربد، فالتقوا فأقبل زياد بن عمرو العتكي إلى القباع وهو في المسجد جالس على المنبر،
(6/67)

فدخل زياد المسجد على فرسه، فقال: أيها الرجل، لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا أمر الناس، فأتيا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر والأزد وللعامة: ألستم على بيعة ابن الزبير! قالوا: بلى، ولكنا لا نسلم إخواننا.
قال: فمروهم فليخرجوا إلى أي بلاد أحبوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فقالوا له ولأصحابه: إنا والله ما نحن على رأيكم، ولكنا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإن من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون فقبل المثنى قولهما وما أشارا به، وانصرف.
ورجع الأحنف وقال: ما غبنت رأيي إلا يومي هذا، إني أتيت هؤلاء القوم وخلفت بكرا والأزد ورائي، ورجع عباد وقيس إلى القباع، وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نفر يسير من أصحابه، وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشني، وعقبة بن عشيرة الشني، قتله رجل من بني تميم وقتل التميمي فولغ أخوه عقبة بن عشيرة في دم التميمي، وقال: ثأري وأخبر المثنى المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أما بعد، فاسمعا وأطيعا أوتكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنة فقال، مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق اعطاءنا الدنيا والآخرة! فقال زياد لمالك مازحا: يا أبا غسان، أما أنا فلا أقاتل نسيئة من أعطانا الدراهم قاتلنا معه وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:
من المختار إلى الأحنف ومن قبله فسلم أنتم، أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذابا،
(6/68)

وقد كذب الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم.
وكتب إلى الأحنف:
إذا اشتريت فرسا من مالكا ... ثم أخذت الجوب في شمالكا
فاجعل مصاعا حذما من بالكا.
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا الحسن بن حماد، عن حبان بن علي، عن المجالد، عن الشعبي، قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لي بعض القوم: من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، قال: أنتم موال لنا، قلت: وكيف؟
قال: قد أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: تدري ما قال شيخ همدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف بن قيس: وما قال؟
قلت: قال:
أفخرتم إن قتلتم أعبدا ... وهزمتم مرة آل عزل
وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونه ... وفتى أبيض وضاح رفل
جاءنا يهدج في سابغة ... فذبحناه ضحى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأجل
وقتلتم خشبيين بهم ... بدلا من قومكم شر بدل
فغضب الأحنف، فقال: يا غلام، هات تلك الصحيفة، فأتي بصحيفة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس، أما بعد، فويل أم ربيعة ومضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يقدرون على الصدر، وقد بلغني أنكم تكذبوني، وإن كذبت
(6/69)

فقد كذب رسل من قبلي، ولست أنا خيرا منهم فقال: هذا منا أو منكم! وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّدٍ عن أبي مخنف، قال: حدثني منيع بن العلاء السعدي أن مسكين بن عَامِر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس كان فيمن قاتل المختار، فلما هزم الناس لحق بأذربيجان بمُحَمَّد بن عمير بن عطارد، وقال:
عجبت دختنوس لما رأتني ... قد علاني من المشيب خمار
فأهلت بصوتها وأرنت ... لا تهالي قد شاب مني العذار
إن تريني قد بان غرب شبابي ... وأتى دون مولدي أعصار
فابن عامين وابن خمسين عاما ... أي دهر إلا له أدهار!
ليت سيفي لها وجوبتها لي ... يوم قالت ألا كريم يغار!
ليتنا قبل ذلك اليوم متنا ... أو فعلنا ما تفعل الأحرار
فعل قوم تقاذف الخير عنهم ... لم نقاتل وقاتل العيزار
وتوليت عنهم وأصيبوا ... ونفاني عنهم شنار وعار
لهف نفسي على شهاب قريش ... يوم يؤتى برأسه المختار!
وقال المتوكل:
قتلوا حسينا ثم هم ينعونه ... إن الزمان بأهله أطوار
لا تبعدن بالطف قتلى ضيعت ... وسقى مساكن هامها الأمطار
ما شرطة الدجال تحت لوائه ... بأضل ممن غره المختار
أبني قسي أوثقوا دجالكم ... يجل الغبار وأنتم أحرار
لو كان علم الغيب عند أخيكمُ ... لتوطأت لكم به الأحبار
ولكان أمرا بينا فيما مضى ... تأتي به الأنباء والاخبار
(6/70)

إني لأرجو أن يكذب وحيكم ... طعن يشق عصاكمُ وحصار
ويجيئكم قوم كأن سيوفهم ... بأكفهم تحت العجاجة نار
لا ينثنون إذا همُ لاقوكم ... الا وهام كماتكم اعشار

ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزبير
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختار جيشا إلى المدينة للمكر بابن الزبير، وهو مظهر له أنه وجههم معونة له لحرب الجيش الذي كان عبد الملك بن مروان وجهه إليه لحروبه، فنزلوا وادي القرى.
ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش وإلى ما صار أمرهم:
قال هشام بن مُحَمَّد: قال أبو مخنف: حدثني موسى بن عامر، قال:
لما اخرج المختار ابن مطيع من الكوفة لحق بالبصرة وكره أن يقدم ابن الزبير بمكة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبصرة مقيما حتى قدم عليه عمر بن عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعا بالبصرة وكان سبب قدوم عمر البصرة أن المختار حين ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشيعة إنما يدعو إلى ابن الحنفية والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابن الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أما بعد، فقد عرفت مناصحتي إياك وجهدي على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك فلما وفيت لك، وقضيت الذي كان لك علي، خست بي، ولم تف بما عاهدتني عليه، ورأيت مني ما قد رأيت، فإن ترد مراجعتي أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك وهو يريد بذلك كفه عنه، حتى يستجمع له الأمر، وهو لا يطلع الشيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منه أراهم أنه أبعد الناس عن ذلك قال: فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب! فدعا عُمَر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ المخزومي
(6/71)

فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد وليناكها، فقال: كيف وبها المختار! قال:
إنه يزعم أنه سامع مطيع قال: فتجهز بما بين الثلاثين الألف درهم إلى الأربعين ألفا، ثم خرج مقبلا إلى الكوفة قال: ويجيء عين المختار من مكة حتى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفا إلى الأربعين ألفا قال: فدعا المختار زائدة بن قدامة وقال له: احمل معك سبعين ألف درهم ضعف ما أنفق هذا في مسيره إلينا وتلقه في المفاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي في خمسمائة فارس دارع رامح، عليهم البيض، ثم قل له: خذ هذه النفقة فإنها ضعف نفقتك، فإنه قد بلغنا أنك تجهزت وتكلفت قدر ذلك، فكرهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلا فأره الخيل وقل له: إن وراء هؤلاء مثلهم مائة كتيبة.
قال: فأخذ زائدة المال، وأخرج معه الخيل، وتلقاه بالمفاوز، وعرض عليه المال، وأمره بالانصراف، فقال له: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ولا بد من إنفاذ أمره فدعا زائدة بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلما رآها قد أقبلت قال: هذا الآن أعذر لي وأجمل بي، هات المال، فقال له زائدة: أما إنه لم يبعث به إليك إلا لما بينك وبينه، فدفعه إليه فأخذه، ثم مضى راجعا نحو البصرة، فاجتمع بها هو وابن مطيع في إمارة الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم أن المختار أخبر أن أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق، فعرف أنه به يبدأ، فخشي أن يأتيه أهل الشام من قبل المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فوادع ابن الزبير وداراه وكايده، وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايد موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير:
(6/72)

أما بعد، فقد بلغني أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أن أمدك بمدد أمددتك.
فكتب إليه عبد الله بن الزبير:
أما بعد، فإن كنت على طاعتي فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي وتبايع لي الناس قبلك، فإذا أتتني بيعتك صدقت مقالتك، وكففت جنودي عن بلادك، وعجل علي بتسريح الجيش الذي أنت باعثه، ومرهم فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم.
والسلام.
فدعا المختار شرحبيل بن ورس من همدان، فسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب الا سبعمائة رجل، فقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري، وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضي إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله بمكة، فخرج الآخر يسير قبل المدينة، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد في ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له ابن الزبير: إن رأيت القوم في طاعتي فاقبل منهم، وإلا فكايدهم حتى تهلكهم ففعلوا، وأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبى ابن ورس أصحابه، فجعل على ميمنته سلمان ابن حمير الثوري من همدان، وعلى ميسرته عياش بن جعدة الجد لي، وكانت خيله كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلم عليه، ونزل هو يمشي في الرجالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبئة، فيجد ابن ورس على الماء قد عبى اصحابه تعبئة القتال، فدنا منهم فسلم عليهم، ثم قال:
اخل معى هاهنا، فخلا به، فقال له: رحمك الله! ألست في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسر بنا إلى عدوه هذا الذي بوادي القرى، فإن ابن الزبير حدثني أنه إنما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن ورس: ما أمرت بطاعتك، إنما أمرت أن أسير حتى آتي المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيي قال له عباس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد
(6/73)

أمرني أن أسير بك وبأصحابك إلى عدونا الذين بوادي القرى، فقال له ابن ورس: ما أمرت بطاعتك، وما أنا بمتبعك دون أن أدخل المدينة، ثم أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره فلما رأى عباس بن سهل لجاجته عرف خلافه، فكره أن يعلمه أنه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمل بما بدا لك، فأما أنا فإني سائر إلى وادي القرى ثم جاء عباس بن سهل فنزل بالماء، وبعث إلى ابن ورس بجزائر كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلخة- وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعا- فبعث عباس بن سهل إلى كل عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء، وترك القوم تعبيتهم، وأمن بعضهم بعضا، فلما رأى عباس بن سهل ما هم فيه من الشغل جمع من أصحابه نحوا من ألف رجل من ذوي البأس والنجدة ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس، فلما رآهم ابن ورس مقبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يتواف إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس بن سهل وهو يقول: يا شرطة الله، إلي إلي! قاتلوا المحلين، أولياء الشيطان الرجيم، فإنكم على الحق والهدى، قد غدروا وفجروا.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف أن عباسا انتهى إليهم، وهو يقول:
أنا ابن سهل فارس غير وكل ... أروع مقدام إذا الكبش نكل
وأعتلي رأس الطرماح البطل ... بالسيف يوم الروع حتى ينخزل
قال: فو الله ما اقتتلنا إلا شيئا ليس بشيء حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورفع عباس بن سهل راية أمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلا نحوا من ثلاثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حمير الهمداني وعياش بن جعدة الجدلي، فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلا نحوا من مائتي رجل، كره ناس من الناس ممن دفعوا إليهم قتلهم، فخلوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرهم في الطريق، فلما
(6/74)

بلغ المختار أمرهم، ورجع من رجع منهم، قام خطيبا فقال: ألا إن الفجار الأشرار، قتلوا الأبرار الأخيار إلا إنه كان أمرا مأتيا، وقضاء مقضيا وكتب المختار إلى ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني كنت بعثت إليك جندا ليذلوا لك الأعداء، وليحوزوا لك البلاد، فساروا إليك حتى إذا أظلوا على طيبة، لقيهم جند الملحد، فخدعوهم بالله، وغروهم بعهد الله، فلما اطمأنوا إليهم، ووثقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيت أن أبعث إلى أهل المدينة من قبلي جيشا كثيفا، وتبعث إليهم من قبلك رسلا، حتى يعلم أهل المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنك ستجد عظمهم بحقكم أعرف، وبكم أهل البيت اراف لهم بآل الزبير الظلمة الملحدين، والسلام عليك.
فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد، فإن كتابك لما بلغني قرأته، وفهمت تعظيمك لحقي، وما تنوي به من سروري وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم انى لو اردت لوجدت الناس إلي سراعا، والأعوان لي كثيرا، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفية فودعه وَسَلَّمَ عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتق الله، وليكفف عن الدماء، قال:
فقلت له: أصلحك الله! او لم تكتب بهذا اليه! قال له ابن الحنفية:
قد أمرته بطاعة الله، وطاعة الله تجمع الخير كله، وتنهى عن الشر كله فلما قدم كتابه على المختار أظهر للناس أني قد أمرت بأمر يجمع البر واليسر، ويضرح الكفر والغدر
. ذكر الخبر عن قدوم الخشبيه مكة وموافاتهم الحج
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكة، ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدلي.
ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة:
وكان السبب في ذلك- فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف وعلي بن مُحَمَّد،
(6/75)

عن مسلمه ابن محارب- أن عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة بزمزم، وكرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمة، وهربوا إلى الحرم، وتوعدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهدا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم، وما توعدهم به ابن الزبير فوجه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، ويسألهم الا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته فقدموا على المختار، فدفعوا إليه الكتاب فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب إليهم الخيل في أثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل.
ووجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوه، ووجه ظبيان ابن عماره أخا بنى تميم ومعه أربعمائة، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين، وكتب إلى مُحَمَّد بن علي مع الطفيل بن عامر ومُحَمَّد بن قيس بتوجيه الجنود إليه، فخرج الناس بعضهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتى نزل ذات عرق في سبعين راكبا، ثم لحقه عمير بن طارق في اربعين راكبا، ويونس ابن عمران في أربعين راكبا، فتموا خمسين ومائة، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الكافر كوبات، وهم ينادون: يا لثأرات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد
(6/76)

بقي من الأجل يومان، فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفية، فقالوا له: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال لهم:
إني لا أستحل القتال في حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أني مخل سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال أبو عبد الله الجدلي: أي ورب الركن والمقام، ورب الحل والحرام، لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلا أكلة رأس، والله لو أذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتى تقطف رءوسهم، فقال له قيس بن مالك: أما والله إني لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة، ثم قدم أبو المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وظبيان بن عمارة في مائتين، ومعه مال حتى دخلوا المسجد، فكبروا: يا لثأرات الحسين! فلما رآهم ابن الزبير خافهم، فخرج مُحَمَّد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي وهم يسبون ابن الزبير، ويستأذنون ابن الحنفية فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمد ابن علي في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال
. ذكر الخبر عن حصار بنى تميم بخراسان
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بني تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه مُحَمَّدا.
قال علي بن مُحَمَّد: حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجاني عن الطفيل ابن مرداس العمي، قال: لما تفرقت بنو تميم بخراسان أيام ابن خازم، أتى قصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفز المزني، ومعه شعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري وزهير بن ذؤيب العدوي، وجيهان بن مشجعة الضبي، والحجاج بن ناشب العدوي، ورقبة بن الحر في فرسان بني تميم، قال: فأتاهم ابن خازم، فحصرهم وخندق خندقا حصينا قال: وكانوا يخرجون إليه
(6/77)

فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر قال: فخرج ابن خازم يوما على تعبئة من خندقه في ستة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفز: انصرفوا اليوم عن ابن خازم، فلا أظن لكم به طاقة، فقال زهير بن ذؤيب العدوي: امرأته طالق إن رجع حتى ينقض صفوفهم- وإلى جنبهم نهر يدخله الماء في الشتاء، ولم يكن يومئذ فيه ماء، فاستبطنه زهير، فسار فيه، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطم أولهم على آخرهم، واستداروا وكر راجعا، واتبعوه على جنبتي النهر يصيحون به:
لا ينزل إليه أحد، حتى انتهى إلى الموضع الذي انحدر فيه، فخرج فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع، قال: فقال ابن خازم لأصحابه:
إذا طاعنتم زهيرا فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلقوها في أداته إن قدرتم عليه، فخرج إليهم يوما وفي رماحهم كلاليب قد هيئوها له، فطاعنوه، فأعلقوا في درعه أربعة أرماح، فالتفت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، فخلوا رماحهم، فجاء يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر، قال: فأرسل ابن خازم غزوان بن جزء العدوي إلى زهير فقال:
قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف، وجعلت لك باسار طعمة تناصحني، فقال زهير لغزوان: ويحك! كيف اناصح قوما قتلوا الاشعث ابن ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم.
قال: فلما طال عليهم الحصار أرسلوا إلى ابن خازم أن خلنا نخرج فنتفرق، فقال: لا إلا أن تنزلوا على حكمي، قالوا: فإنا ننزل على حكمك، فقال لهم زهير: ثكلتكم أمهاتكم! والله ليقتلنكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت أنفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا فإما أن تموتوا جميعا وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم
(6/78)

شدة صادقة ليفرجن لكم عن مثل طريق المربد، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم قال: فأبوا عليه، فقال: أما إني سأريكم، ثم خرج هو ورقبة بن الحر ومع رقبة غلام له تركي وشعبة بن ظهير قال:
فحملوا على القوم حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فمضوا، فأما زهير فرجع إلى أصحابه حتى دخل القصر فقال لأصحابه: قد رأيتم فأطيعوني، ومضى رقبة وغلامه وشعبة، قالوا: إن فينا من يضعف عن هذا ويطمع في الحياة، قال: أبعدكم الله! أتخلون عن أصحابكم! والله لا أكون أجزعكم عند الموت قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقيدهم، ثم حملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمن عليهم، فأبى ابنه موسى، وقال: والله لئن عفوت عنهم لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقال له عبد الله: أما والله إني لأعلم أن الغي فيما تأمرني به، ثم قتلهم جميعا إلا ثلاثة، قال: أحدهم الحجاج بن ناشب العدوي- وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم فكسر ضرسه، فحلف لئن ظفر به ليقتلنه أو ليقطعن يده، وكان حدثا، فكلمه فيه رجال من بني تميم كانوا معتزلين، من عمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمي وهو غلام حدث جاهل، هبه لي، قال: فوهبه له، وقال: النجاء! لا أرينك.
قال: وجيهان بن مشجعة الضبي الذي ألقى نفسه على ابنه مُحَمَّد يوم قتل، فقال ابن خازم: خلوا عن هذا البغل الدارج، ورجل من بني سعد، وهو الذي قال يوم لحقوا ابن خازم: انصرفوا عن فارس مضر قال:
وجاءوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيد، فأبى وأقبل يحجل حتى جلس بين يديه، فقام له ابن خازم: كيف شكرك ان اطلقتك وجعلت لك باسار طعمة؟ قال: لو لم تصنع بي إلا حقن دمي لشكرتك، فقام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذيخ! تقتل اللبؤة وتترك الليث! قال: ويحك! نقتل مثل زهير! من لقتال عدو المسلمين! من لنساء العرب! قال: والله لو شركت في دم أخي أنت لقتلتك، فقام رجل من بني
(6/79)

سليم إلى ابن خازم، فقال: أذكرك الله في زهير! فقال له موسى: اتخذه فحلا لبناتك، فغضب ابن خازم، فأمر بقتله، فقال له زهير: إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقتلني على حدة، ولا تخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كراما، وأن يخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله أن لو فعلوا لذعروا بنيك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوا، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالا.
فأمر به فنحي ناحية فقتل.
قال مسلمة بن محارب: فكان الأحنف بن قيس إذا ذكرهم قال:
قبح الله ابن خازم! قتل رجالا من بني تميم بابنه، صبي وغد أحمق لا يساوي علقا، ولو قتل منهم رجلا به لكان وفى.
قال: وزعمت بنو عدي أنهم لما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبى واعتمد على رمحه وجمع رجليه فوثب الخندق، فلما بلغ الحريش بن هلال قتلهم قال:
أعاذل إني لم ألم في قتالهم ... وقد عض سيفي كبشهم ثم صمما
أعاذل ما وليت حتى تبددت ... رجال وحتى لم أجد متقدما
أعاذل أفناني السلاح ومن يطل ... مقارعة الأبطال يرجع مكلما
أعيني إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دما لازما لي دون أن تسكبا الدما
أبعد زهير وابن بشر تتابعا ... وورد أرجي في خراسان مغنما
أعاذل كم من يوم حرب شهدته ... أكر إذا ما فارس السوء أحجما
يعني بقوله: أبعد زهير، زهير بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز المازني، وورد بن الفلق العنبري، قتلوا يومئذ، وقتل سُلَيْمَان بن المحتفز أخو بشر.
قال أبو جعفر: وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير من قبل أخيه عبد الله، وعلى البصره الحارث
(6/80)

ابن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالبا عليها، وبخراسان عبد الله بن خازم.

شخوص ابراهيم بن الاشتر لحرب عبيد الله بن زياد
وفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر متوجها الى عبيد الله ابن زياد لحربه، وذلك لثمان بقين من ذي الحجة.
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح- وكان قد أدرك ذلك- قال: حدثني فضيل بن خديج- وكان قد شهد ذلك- وغيرهما، قالوا: ما هو إلا أن فرغ المختار من أهل السبيع وأهل الكناسة، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وأخرج المختار معه من وجوه أصحابه وفرسانهم وذوي البصائر منهم: ممن قد شهد الحرب وجربها، وخرج معه قيس بن طهفة النهدي على ربع أهل المدينة، وأمر عبد الله بن حية الأسدي على ربع مذجج وأسد، وبعث الأسود بن جراد الكندي على ربع كندة وربيعة، وبعث حبيب بن منقذ الثوري من همدان على ربع تميم وهمدان، وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ دير عبد الرحمن بن أم الحكم، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه قد حملوا الكرسي على بغل أشهب كانوا يحملونه عليه، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب امر الكرسي حوشب البرسمي، وهو يقول: يا رب عمرنا في طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تنسنا واسترنا، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين، قال فضيل: فأنا سمعت ابن نوف الهمداني يقول: قال المختار:
أما ورب المرسلات عرفا ... لنقتلن بعد صف صفا
وبعد ألف قاسطين ألفا.
قال: فلما انتهى إليهم المختار وابن الأشتر ازدحموا ازدحاما شديدا
(6/81)

على القنطرة، ومضى المختار مع إبراهيم إلى قناطر رأس الجالوت- وهي إلى جنب دير عبد الرحمن- فإذا أصحاب الكرسي قد وقفوا على قناطر رأس الجالوت يستنصرون، فلما صار المختار بين قنطرة دير عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف، وذلك حين أراد أن ينصرف، فقال لابن الأشتر: خذ عني ثلاثا: خف الله في سر أمرك وعلانيته، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم، وان لقيتهم ليلا فاستطعت الا تصبح حتى تناجزهم، وإن لقيتهم نهارا فلا تنتظر بهم الليل حتى تحاكمهم إلى الله، ثم قال: هل حفظت ما أوصيتك به؟ قال: نعم، قال: صحبك الله، ثم انصرف وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمام أعين، ومنه شخص بعسكره
. ذكر امر الكرسي الذى كان المختار يستنصر به!
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج قال: لما انصرف المختار مضى إبراهيم ومعه أصحابه حتى انتهى إلى أصحاب الكرسي وقد عكفوا حوله وهم رافعوا أيديهم إلى السماء يستنصرون، فقال إبراهيم: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء- سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عجلهم- فلما جاز القنطرة إبراهيم وأصحابه انصرف أصحاب الكرسي.

ذكر الخبر عن سبب كرسي المختار الذي يستنصر به هو وأصحابه:
قال أبو جعفر: وكان بدء سببه ما حدثني به عبد الله بن أحمد بن شبويه، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عبد الله ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: حدثني معبد بن خالد، قال: حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة، قال: أعدمت مره من الورق، فانى لكذلك إذا خرجت يوما فإذا زيات جار لي، له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر على بالي ان لو قلب للمختار في هذا! فرجعت فأرسلت إلى
(6/82)

الزيات: أرسل إلي بالكرسي، فأرسل إلي به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتمك شيئا لم أستحل ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال:
وما هو؟ قلت: كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم، قال: سبحان الله! فأخرت هذا إلى اليوم! ابعث إليه، ابعث إليه، قال: وقد غسل وخرج عود نضار، وقد تشرب الزيت، فخرج يبص، فجيء به وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم دعا: الصلاة جامعة.
فحدثني معبد بن خالد الجدلي قال: انطلق بي وبإسماعيل بن طلحه ابن عبيد الله وشبث بن ربعي والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وإن هذا فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه، فكشفوا عنه أثوابه، وقامت السبئيه فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثا، فقام شبث بن ربعي وقال: يا معشر مضر، لا تكفرن، فنحوه فذبوه وصدوه واخرجوه، قال إسحاق: فو الله إني لأرجو أنها لشبث، ثم لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزل باهل الشام باجميرا، فخرج بالكرسي على بغل وقد غشي، يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتل أهل الشام مقتلة لم يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنا لله! وندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك، فغيب، فلم أره بعد.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعشى همدان كما حدثني غير عبد الله:
شهدت عليكم انكم سبئيه ... وإني بكم يا شرطة الشرك عارف
وأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف
وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف
(6/83)

وإني امرؤ أحببت آل مُحَمَّد ... وتابعت وحيا ضمنته المصاحف
وتابعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش: شمطها والغطارف
وقال المتوكل الليثي:
أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أني بكرسيكم كافر
تنزو شبام حول أعواده ... وتحمل الوحي له شاكر
محمرة أعينهم حوله ... كأنهن الحمص الحادر
فأما أبو مخنف: فإنه ذكر عن بعض شيوخه قصة هذا الكرسي غير الذي ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الذي حدثنا به، عن طفيل بن جعدة والذي ذكر من ذلك ما حدثنا به، عن هشام بن مُحَمَّد، عنه، قال: حدثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام، أن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي- وكانت أم جعدة أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن ابى طالب ع لأبيه وأمه: ائتوني بكرسي علي بن أبي طالب، فقالوا: لا والله ما هو عندنا، وما ندري من أين نجيء به! قال: لا تكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به، قال: فظن القوم عند ذلك أنهم لا يأتون بكرسي، فيقولون: هو هذا إلا قبله منهم، فجاءوا بكرسي فقالوا: هو هذا فقبله، قال: فخرجت شبام وشاكر ورءوس أصحاب المختار وقد عصبوه بالحرير والديباج.
قال أبو مخنف، عن موسى بن عامر أبي الأشعر الجهني: إن الكرسي لما بلغ ابن الزبير أمره قال: أين بعض جنادبة الأزد عنه! قال أبو الأشعر: لما جيء بالكرسي كان أول من سدنه موسى بن أبي موسى الأشعري، وكان يأتي المختار أول ما جاء ويحف به، لأن أمه أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب ثم إنه بعد ذلك عتب عليه فاستحيا
(6/84)

منه، فدفعه إلى حوشب البرسمي، فكان صاحبه حتى هلك المختار قال: وكان أحد عمومة الأعشى رجلا يكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول: قد وضع لنا اليوم وحي ما سمع الناس بمثله، فيه نبأ ما يكون من شيء.
قال أبو مخنف: حدثنا موسى بن عامر أنه إنما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف، ويقول: المختار أمرني به، ويتبرأ المختار منه
(6/85)

ثم دخلت

سنة سبع وستين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام.
ذكر الخبر عن صفة مقتله:
ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عبيد الله بن زياد ومن معه من اهل الشام، فخرجنا مسرعين لاننثنى، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق قال: فسبقناه إلى تخوم أرض العراق سبقا بعيدا، ووغلنا في أرض الموصل، فتعجلنا إليه، وأسرعنا السير، فنلقاه بخازر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدمته الطفيل بن لقيط، من وهبيل من النخع رجلا من قومه، وكان شجاعا بئيسا، فلما أن دنا من ابن زياد ضم حميد بن حريث إليه، وأخذ ابن الاشتر لا يسير الا على تعبئة، وضم أصحابه كلهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعا لا يفرقهم، إلا أنه يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتى نزل تلك القرية.
قال: وجاء عبيد الله بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ خازر.
وأرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر: إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، فأرسل إليه ابن الأشتر: أن القني إذا شئت، وكانت قيس كلها بالجزيرة، فهم أهل خلاف لمروان وآل مروان، وجند مروان يومئذ كلب وصاحبهم ابن بحدل فأتاه عمير ليلا فبايعه، وأخبره أنه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالناس، وقال ابن الأشتر: ما رأيك؟
أخندق علي وأتلوم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحباب: لا تفعل، انا
(6/86)

لله! هل يريد القوم إلا هذه! إن طاولوك وماطلوك فهو خير لهم، هم كثير أضعافكم، وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد ملئوا منكم رعبا، فأتهم فإنهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم، ومرة بعد مرة أنسوا بهم، واجترءوا عليهم، قال إبراهيم: الآن علمت أنك لي مناصح، صدقت، الرأي ما رأيت، أما إن صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرني قال عمير: فلا تعدون رأيه، فإن الشيخ قد ضرسته الحروب، وقاسى منها ما لم نقاس، أصبح فناهض الرجل.
ثم إن عميرا انصرف، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة الليل كله، ولم يدخل عينه غمض، حتى إذا كان في السحر الأول عبى أصحابه، وكتب كتائبه، وأمر أمراءه فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي على ميمنته، وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو أبي الأحوص.
وبعث عبد الرحمن بن عبد الله- وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه- على الخيل، وكانت خيله قليلة، فضمها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك قال: فلما انفجر الفجر صلى بهم الغداة بغلس، ثم خرج بهم فصفهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجالة بالرجالة، وضم الخيل إليه، وعليها أخوه لأمه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطا من الناس، ونزل إبراهيم يمشي، وقال للناس:
ازحفوا، فزحف الناس معه على رسلهم رويدا رويدا حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرك منهم أحد بعد- فسرح عبد الله بن زهير السلولي وهو على فرس له يتأكل تأكلا، فقال:
قرب علي فرسك حتى تأتيني بخبر هؤلاء، فانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء، فقال: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني رجل منهم فما كان له هجيرى إلا يا شيعة أبي تراب، يا شيعة المختار الكذاب! فقلت: ما بيننا وبينكم أجل من الشتم، فقال لي: يا عدو الله، الام
(6/87)

تدعوننا! أنتم تقاتلون مع غير إمام، فقلت له: بل يا لثأرات الحسين، ابن رسول الله! ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد، فإنه قتل ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين، فانا لا نراه الحسين ندا فنرضى أن يكون منه قودا، وإذا دفعتموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أي صالح من المسلمين شئتم حكما، فقال لي: قد جربناكم مرة أخرى في مثل هذا- يعني الحكمين- فغدرتم، فقلت له: وما هو؟ فقال: قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم ترضوا بحكمهما، فقلت له: ما جئت بحجة، إنما كان صلحنا على أنهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما، ورضينا به وبايعناه، فلم يجتمعا على واحد، وتفرقا، فكلاهما لم يوفقه الله لخير ولم يسدده، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقلت له: من أنت؟ فقال:
عدس- لبغلته يزجرها- فقلت له: ما أنصفتني، هذا أول غدرك! قال: ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثم مر بأصحاب الرايات كلها، فكلما مر على راية وقف عليها، ثم قال: يا أنصار الدين، وشيعة الحق، وشرطة الله، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي، ابن فاطمة بنت رسول الله، حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه، وهم ينظرون إليه، ومنعه أن يأتي ابن عمه فيصالحه، ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل اهل بيته، فو الله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله ص الَّذِينَ أذهب اللَّه عَنْهُمُ الرجس وطهرهم تَطْهِيراً قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فو الله انى لأرجو الا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم، فقد علم الله أنكم خرجتم غضبا لأهل بيت نبيكم فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلهم فرغبهم في الجهاد، وحرضهم على القتال، ثم رجع حتى نزل تحت رايته، وزحف القوم إليه، وقد جعل ابن زياد على
(6/88)

ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمى، وشر حبيل بن ذي الكلاع على الخيل وهو يمشي في الرجال، فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها علي بن مالك الجشمي، فثبت له هو بنفسه فقتل، ثم أخذ رايته قرة بن علي، فقتل أيضا من في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة، فأخذ راية علي بن مالك الجشمي عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله ص، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال: إلي يا شرطة الله، فأقبل إليه جلهم، فقال: هذا أميركم يقاتل، سيروا بنا إليه، فأقبل حتى أتاه وإذا هو كاشف عن رأسه ينادي: يا شرطة الله، إلي أنا ابن الأشتر! إن خير فراركم كراركم، ليس مسيئا من أعتب فثاب إليه أصحابه، وأرسل إلى صاحب الميمنة: احمل على ميسرتهم- وهو يرجو حينئذ ان ينهزم لهم عمير ابن الحباب كما زعم، فحمل عليهم صاحب الميمنة، وهو سفيان بن يزيد ابن المغفل، فثبت له عمير بن الحباب وقاتله قتالا شديدا، فلما رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أموا هذا السواد الأعظم، فو الله لو قد فضضناه لا نجفل من ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها فطارت.
قال أبو مخنف: فحدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ورقاء بن عازب، قال: مشينا إليهم حتى إذا دنونا منهم أطعنا بالرماح قليلا، ثم صرنا إلى السيوف والعمد، فاضطر بنا بها مليا من النهار، فو الله ما شبهت ما سمعت بيننا وبينهم من وقع الحديد على الحديد إلا مياجن قصاري دار الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال: فكان ذلك كذلك، ثم إن الله هزمهم، ومنحنا أكتافهم.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن حصيرة، عن أبي صادق أن إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم، فيقول له: إنه- جعلت فداك- ليس لي متقدم، فيقول: بلى، فإن أصحابك
(6/89)

يقاتلون، وإن هؤلاء لا يهربون إن شاء الله، فإذا تقدم صاحب رايته برايته شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلا إلا صرعه وكرد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنهم الحملان، وإذا حمل برايته شد أصحابه شدة رجل واحد.
قال أبو مخنف: حدثني المشرقي أنه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدة لا تليق شيئا مرت به، وأنه لما هزم أصحابه حمل عيينة ابن أسماء أخته هند بنت أسماء- وكانت امرأة عبيد الله بن زياد- فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول:
إن تصرمي حبالنا فربما أرديت في الهيجا الكمي المعلما قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج أن إبراهيم لما شد على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وإن عمير بن الحباب لما رأى أصحاب إبراهيم قد هزموا أصحاب عبيد الله بعث إليه: أجيئك الان؟ فقال: لا تأتيني حتى تسكن فورة شرطة الله، فإني أخاف عليك عاد يتهم.
وقال ابن الأشتر: قتلت رجلا وجدت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، تحت راية منفردة، على شاطئ نهر خازر فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلا، ضربه فقده بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق، ويداه في المغرب وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يحسبه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، ونادى التغلبي: اقتلوني وابن الزانية، فقتل ابن نمير.
وحدثني عبد الله بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عبد الله بن المبارك، قال: حدثني الحسن بن كثير، قال: كان شريك بن جدير التغلبى مع على ع، أصيبت عينه معه، فلما انقضت حرب علي لحق ببيت المقدس، فكان به، فلما جاءه
(6/90)

قتل الحسين، قال: أعاهد الله أن قدرت على كذا وكذا- يطلب بدم الحسين- لأقتلن ابن مرجانة أو لأموتن دونه فلما بلغه أن المختار خرج يطلب بدم الحسين أقبل إليه قال: فكان وجهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجعل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إني عاهدت الله على كذا وكذا، فبايعه ثلاثمائة على الموت، فلما التقوا حمل فجعل يهتكها صفا صفا مع أصحابه حتى وصلوا إليه، وثار الرهج فلا يسمع إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما احد، التغلبى وعبيد الله ابن زياد، قال: وهو الذي يقول:
كل عيش قد أراه قذرا ... غير ركز الرمح في طل الفرس
قال هشام: قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج، قال: قتل شرحبيل بن ذي الكلاع، فادعى قتله ثلاثة: سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وورقاء بن عازب الأسدي، وعبيد الله بن زهير السلمي قال:
ولما هزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كل شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قبل ابراهيم ابن الأشتر وأصحابه، قد هزموا أصحاب عبيد الله بن مرجانة قال: فخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائب بن مالك الأشعري، وخرج بالناس، ونزل ساباط.
قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن الشعبي، قال: كنت أنا وأبي ممن خرج معه، قال: فلما جزنا ساباط قال للناس: أبشروا فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوما إلى الليل بنصيبين أو قريبا من نصيبين، ودوين منازلهم، إلا أن جلهم محصور بنصيبين قال: ودخلنا المدائن، واجتمعنا اليه، فصعد المنبر، فو الله إنه ليخطبنا ويأمرنا بالجد وحسن
(6/91)

الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء اهل البيت ع، إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضا بقتل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره، وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار: يا شرطة الله، ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك، قال:
فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهمدانيين: اتؤمن الآن يا شعبي؟
قال: قلت بأي شيء أومن؟ أومن بأن المختار يعلم الغيب! لا أومن بذلك ابدا قال: او لم يقل لنا: إنهم قد هزموا! فقلت له: إنما زعم لنا أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما هو بخازر من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم، فقلت له: من هذا الهمداني الذي يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمري كان شجاعا- قتل مع المختار بعد ذلك يوم حروراء- يقال له: سلمان بن حمير من الثوريين من همدان، قال: وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهل الكوفة الذين كان المختار قاتلهم فهزمهم، فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة وكان فيمن قدم على مصعب شبث بن ربعي، فقال سراقه ابن مرداس البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابه في قتل عبيد الله ابن زياد:
أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جري على الأعداء غير نكول
فيا بن زياد بؤ بأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل
ضربناك بالعضب الحسام بحدة ... إذا ما أبأنا قاتلا بقتيل
جزى الله خيرا شرطة الله إنهم ... شفوا من عبيد الله أمس غليلى
(6/92)

ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصره
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير القباع عن البصرة، وبعث عليها أخاه مصعب بن الزبير، فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي ابن مُحَمَّد، قال: حدثنا الشعبي، قال: حدثني وافد بن أبي ياسر، قال:
كان عمرو بن سرح مولى الزبير يأتينا فيحدثنا، قال: كنت والله في الرهط الذين قدموا مع المصعب بن الزبير من مكة إلى البصرة، قال: فقدم متلثما حتى أناخ على باب المسجد، ثم دخل فصعد المنبر، فقال الناس:
أمير أمير قال: وجاء الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ- وهو أميرها قبله- فسفر المصعب فعرفوه، وقالوا: مصعب بن الزبير! فقال: للحارث:
أظهر أظهر، فصعد حتى جلس تحته من المنبر درجة، قال: ثم قام المصعب فحمد الله واثنى عليه قال: فو الله ما أكثر الكلام، ثم قال:
بسم الله الرحمن الرحيم: «طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى» إلى قوله: «إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» - وأشار بيده نحو الشام- «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» - وأشار بيده نحو الحجاز- «وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» - وأشار بيده نحو الشام.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن مُحَمَّد، عن عوانة، قال:
لما قدم مصعب البصرة خطبهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار
. ذكر خبر قتل مصعب المختار بن ابى عبيد
وفي هذه السنة سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله.
ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار:
(6/93)

قال هشام بن مُحَمَّد، عن أبي مخنف، حدثني حبيب بن بديل، قال:
لما قدم شبث على مصعب بن الزبير البصرة وتحته بغلته له قد قطع ذنبها، وقطع طرف أذنها وشق قباءه، وهو ينادي: يا غوثاه يا غوثاه! فأتى مصعب، فقيل له: إن بالباب رجلا ينادي: يا غوثاه يا غوثاه! مشقوق القباء، من صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شبث بن ربعي لم يكن ليفعل هذا غيره، فأدخلوه، فأدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما اجتمعوا له، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكوا إليه، وسألوه النصر لهم، والمسير إلى المختار معهم وقدم عليهم مُحَمَّد بن الأشعث بن قيس- ولم يكن شهد وقعة الكوفة، كان في قصر له مما يلي القادسية بطيزناباذ- فلما بلغه هزيمه الناس تهيأ الشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسرح إليه عبد الله بن قراد الخثعمي في مائة، فلما ساروا إليه، وبلغه أن قد دنوا منه، خرج في البرية نحو المصعب حتى لحق به، فلما قدم على المصعب استحثه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرمه لشرفه قال: وبعث المختار إلى دار مُحَمَّد بن الأشعث فهدمها قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف بن يزيد أن المصعب لما أراد المسير إلى الكوفة حين أكثر الناس عليه، قال لمُحَمَّد بن الأشعث: إني لا أسير حتى يأتيني المهلب بن أبي صفرة فكتب المصعب إلى المهلب- وهو عامله على فارس: أن أقبل إلينا لتشهد أمرنا، فإنا نريد المسير إلى الكوفة فأبطأ عليه المهلب وأصحابه، واعتل بشيء من الخراج، لكراهة الخروج، فأمر مصعب مُحَمَّد بن الأشعث في بعض ما يستحثه أن يأتي المهلب فيقبل به، وأعلمه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب، فذهب مُحَمَّد بن الأشعث بكتاب المصعب إلى المهلب، فلما قرأه قال له: مثلك يا مُحَمَّد يأتي بريدا! أما وجد المصعب بريدا غيرك! قال مُحَمَّد: إني والله ما أنا ببريد أحد، غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبداننا وموالينا فخرج المهلب،
(6/94)

وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة ولما دخل المهلب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس، فحجبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلب يده فكسر أنفه، فدخل إلى المصعب وأنفه يسيل دما، فقال له: مالك؟ فقال: ضربني رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال: هو ذا، قال له المصعب: عد إلى مكانك، وأمر المصعب الناس بالمعسكر عند الجسر الأكبر، ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائت الكوفة فأخرج إلي جميع من قدرت عليه أن تخرجه، وادعهم إلى بيعتي سرا، وخذل أصحاب المختار، فانسل من عنده حتى جلس في بيته مستترا لا يظهر، وخرج المصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطي من بني تميم على مقدمته، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، وبعث المهلب بن أبي صفرة على ميسرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزدي على خمس الأزد، وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية، وبلغ ذلك المختار، فقام في أَصْحَابه فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
يَا أهل الكوفة، يا أهل الدين، وأعوان الحق، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول، وآل الرسول، إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمصح الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفري على الله واللعن لأهل بيت نبيه انتدبوا مع أحمر بن شميط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد وإرم.
فخرج أحمر بن شميط، فعسكر بحمام أعين، ودعا المختار رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شميط، كما كانوا مع ابن الأشتر، فإنهم إنما فارقوا ابن الأشتر، لأنهم رأوه كالمتهاون بأمر المختار، فانصرفوا عنه، وبعثهم المختار مع ابن شميط، وبعث معه جيشا كثيفا،
(6/95)

فخرج ابن شميط، فبعث على مقدمته ابن كامل الشاكري، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المذار، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريبا.
ثم إن كل واحد منهما عبى جنده، ثم تزاحفا، فجعل أحمر بن شميط على ميمنته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى ميسرته عبد الله ابن وهب بن نضلة الجشمي، وعلى الخيل رزين عبد السلولي، وعلى الرجالة كثير بن إسماعيل الكندي- وكان يوم خازر مع ابن الأشتر- وجعل كيسان أبا عمرة- وكان مولى لعرينة- على الموالي، فجاء عبد الله بن وهب بن أنس الجشمي إلى ابن شميط وقد جعله على ميسرته، فقال له: إن الموالي والعبيد آل خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل، وأنت تمشي، فمرهم فلينزلوا معك، فإن لهم بك أسوة، فإني اتخوف ان طوردوا ساعه، وطوعنوا وضوربوا أن يطيروا على متونها ويسلموك، وإنك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بدا، وإنما كان هذا منه غشا للموالي والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب إن كانت عليهم الدبرة أن يكونوا رجالا لا ينجو منهم أحد، ولم يتهمه ابن شميط، وظن أنه إنما أراد بذلك نصحه ليصبروا ويقاتلوا، فقال: يا معشر الموالي، انزلوا معي فقاتلوا، فنزلوا معه، ثم مشوا بين يديه وبين يدي رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عباد 2؟ 72 ابن الحصين على الخيل، فجاء عباد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال:
إنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة امير المؤمنين عبد الله ابن الزبير، وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أن أحدا ينبغي له أن يتولى عليهم برئنا منه وجاهدناه.
فانصرف عباد إلى المصعب فأخبره، فقال له: ارجع فاحمل عليهم، فرجع فحمل على ابن شميط وأصحابه فلم يزل منهم أحد، ثم انصرف إلى موفقه وحمل المهلب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضهم في بعض، فنزل ابن كامل، ثم انصرف عنه المهلب، فقام مكانه، فوقفوا ساعة
(6/96)

ثم قال المهلب لأصحابه: كروا كرة صادقة، فإن القوم قد أطمعوكم، وذلك بجولتهم التي جالوا، فحمل عليهم حملة منكرة فولوا، وصبر ابن كامل في رجال من همدان، فأخذ المهلب يسمع شعار القوم:
أنا الغلام الشاكري، انا الغلام الشبامي، أنا الغلام الثوري، فما كان إلا ساعة حتى هزموا، وحمل عمر بن عبيد الله بن معمر على عبد الله ابن أنس، فقاتل ساعة ثم انصرف، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادوا: يا معشر بجيلة وخثعم، الصبر الصبر! فناداهم المهلب: الفرار الفرار! اليوم أنجى لكم، علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان، أضل الله سعيكم ثم نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرى استحرار القتل اليوم إلا في قومي ومالت الخيل على رجالة ابن شميط، فافترقت فانهزمت وأخذت الصحراء، فبعث المصعب عباد بن الحصين على الخيل، فقال: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه.
وسرح مُحَمَّد بن الاشعث في خيل عظيمه أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم، فقال: دونكم ثأركم! فكانوا حيث انهزموا أشد عليهم من أهل البصرة، لا يدركون منهزما إلا قتلوه، ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه قال: فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل، وأما رجالتهم فأبيدوا إلا قليلا.
قال أبو مخنف: حدثني ابن عياش المنتوف، عن معاوية بن قرة المزني، قال: انتهيت إلى رجل منهم، فأدخلت سنان الرمح في عينه، فأخذت أخضخض عينه بسنان رمحي، فقلت له: وفعلت به هذا؟ قال:
نعم، إنهم كانوا أحل عندنا دماء من الترك والديلم، وكان معاوية بن قرة قاضيا لأهل البصره، ففي ذلك يقول الأعشى:
الأهل اتَاكَ والأنباء تنمى ... بما لاقت بجيلة بالمذار
اتيح لهم بها ضرب طلحف ... وطعن صائب وجه النهار
كأن سحابة صعقت عليهم ... فعمتهم هنالك بالدمار
(6/97)

فبشر شيعة المختار إما ... مررت على الكويفة بالصغار
أقر العين صرعاهم وفل ... لهم جم يقتل بالصحاري
وما إن سرني إهلاك قومي ... وإن كانوا وجدك في خيار
ولكني سررت بما يلاقي ... أبو إسحاق من خزي وعار
وأقبل المصعب حتى قطع من تلقاء واسط القصب، ولم تك واسط هذه بنيت حينئذ بعد، فأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس في السفن، فأخذوا في نهر يقال له: نهر خرشاذ، ثم خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قوسان، ثم أخرجهم من ذلك النهر إلى الفرات.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي، إن أهل البصرة كانوا يخرجون فيجرون سفنهم ويقولون:
عودنا المصعب جر القلس ... والزنبريات الطوال القعس
قال: فلما بلغ من مع المختار من تلك الأعاجم ما لقي إخوانهم مع ابن شميط قالوا بالفارسية: أين بار دروغ كفت، يقولون: هذه المرة كذب.
قال أبو مخنف: وحدثني هشام بن عبد الرحمن الثقفي، عن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمير الثقفي، قال: والله إني لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم وما لقوا، قال: فأصغى إلي، فقال: قتلت والله العبيد قتلة ما سمعت بمثلها قط ثم قال: وقتل ابن شميط وابن كامل وفلان وفلان، فسمى رجالا من العرب أصيبوا، كان الرجل منهم في الحرب خيرا من فئام من الناس قال: فقلت له: فهذه والله مصيبة، فقال لي: ما من الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من مثل ميتة ابن
(6/98)

شميط، حبذا مصارع الكرام! قال: فعلمت أن الرجل قد حدث نفسه إن لم يصب حاجته أن يقاتل حتى يموت.
ولما بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه في البحر، وعلى الظهر، سار حتى نزل بهم السيلحين، ونظر إلى مجتمع الأنهار نهر الحيرة ونهر السيلحين ونهر القادسية، ونهر يوسف، فسكر الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماء الفرات كله في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن يمشون، وأقبلت خيلهم تركض حتى أتوا ذلك السكر، فكسروه وصمدوا صمد الكوفة، فلما رأى ذلك المختار أقبل إليهم حتى نزل حر وراء، وحال بينهم وبين الكوفه، قد كان حصن قصره والمسجد، وأدخل في قصره عدة الحصار، وجاء المصعب يسير إليه وهو بحروراء وقد استعمل على الكوفة عبد الله ابن شداد، وخرج إليه المختار وقد جعل على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وجعل على ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري، وكان على شرطته يومئذ عبد الله بن قراد الخثعمي، وبعث على الخيل عمر بن عبد الله النهدي، وعلى الرجال مالك بن عمرو النهدي، وجعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر التيمي، وعلى الخيل عباد بن الحصين الحبطى، على الرجال مقاتل بن مسمع البكري، ونزل هو يمشي متنكبا قوسا له.
قال: وجعل على أهل الكوفة مُحَمَّد بن الأشعث، فجاء مُحَمَّد حتى نزل بين المصعب والمختار مغربا ميامنا قال: فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل خمس من أخماس أهل البصرة رجلا من اصحابه، فبعث الى بكر ابن وائل سعيد بن منقذ صاحب ميسرته، وعليهم مالك بن مسمع البكري، وبعث إلى عبد القيس وعليهم مالك بن المنذر عبد الرحمن بن
(6/99)

شريح الشبامي، وكان على بيت ماله، وبعث الى اهل العاليه وعليهم قيس ابن الهيثم السلمي عبد الله بن جعدة القرشي، ثم المخزومي، وبعث إلى الأزد وعليهم زياد بن عمرو العتكي مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي، وبعث إلى بني تميم وعليهم الأحنف بن قيس سليم بن يزيد الكندي، وكان صاحب ميمنته، وبعث إلى مُحَمَّد بن الأشعث السائب بن مالك الأشعري، ووقف في بقية أصحابه، وتزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، ويحمل سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرة وعليهم عمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلتهم ربيعة قتالا شديدا، وصبروا لهم، وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان، إذا حمل واحد فانصرف حمل الآخر، وربما حملا جميعا، قال: فبعث المصعب إلى المهلب: ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك! ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان منذ اليوم! احمل بأصحابك، فقال: أي لعمري ما كنت لأجزر الأزد وتميما خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي قال: وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن احمل على من بإزائك، فحمل على أهل العالية فكشفهم حتى انتهوا إلى المصعب، فجثا المصعب على ركبتيه- ولم يكن فرارا- فرمى بأسهمه.
ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة، ثم تحاجزوا قال: وبعث المصعب إلى المهلب وهو في خمسين جامين كثيري العدد والفرسان: لا أبا لك! ما تنتظر أن تحمل على القوم! فمكث غير بعيد، ثم إنه قال لأصحابه:
قد قاتل الناس منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وقد بقي ما عليكم، احملوا واستعينوا بالله واصبروا، فحمل على من يليه حملة منكرة، فحطموا أصحاب المختار حطمة منكرة، فكشفوهم وقال عبد الله ابن عمرو النهدي- وكان من أصحاب صفين: اللهم إني على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفين، اللهم إني أبرأ إليك من فعل هؤلاء لأصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء- يعني أصحاب المصعب- ثم جالد بسيفه حتى قتل، وأتى مالك بن عمرو أبو نمران النهدي وهو
(6/100)

على الرجاله بفرسه، وانقصف أصحاب المختار انقصافة شديدة كأنهم أجمة فيها حريق، فقال مالك حين ركب: ما اصنع بالركوب! والله لان اقتل هاهنا أحب إلي من أن أقتل في بيتي، أين أهل البصائر؟ أين أهل الصبر؟ فثاب إليه نحو من خمسين رجلا، وذلك عند المساء، فكر على أصحاب مُحَمَّد بن الأشعث، فقتل مُحَمَّد بن الأشعث إلى جانبه هو وعامة أصحابه، فبعض الناس يقول: هو قتل مُحَمَّد بن الأشعث، ووجد أبو نمران قتيلا إلى جانبه- وكندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندي هو الذي قتله- فلما مر المختار في أصحابه على مُحَمَّد بن الأشعث قتيلا قال:
يا معشر الأنصار، كروا على الثعالب الرواغة، فحملوا عليهم، فقتل، خثعم تزعم أن عبد الله بن قراد هو الذي قتله قال أبو مخنف: وسمعت عوف بن عمرو الجشمي يزعم أن مولى لهم قتله، فادعى قتله أربعة نفر، كلهم يزعم أنه قتله، وانكشف أصحاب سعيد بن منقذ، فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلا فقتلوا، وقاتل سليم بن يزيد الكندي في تسعين رجلا من قومه، وغيرهم ضارب حتى قتل، وقاتل المختار على فم سكه شبث، ونزل وهو يريد الا يبرح، فقاتل عامة ليلته حتى انصرف عنه القوم، وقتل معه ليلتئذ رجال من أصحابه من أهل الحفاظ، منهم عاصم بن عبد الله الأزدي، وعياش بن خازم الهمداني، ثم الثوري، وأحمر بن هديج الهمداني ثم الفايشي.
قال أبو مخنف: حدثنا أبو الزبير أن همدان تنادوا ليلتئذ:
يا معشر همدان، سيفوهم فقاتلوهم أشد القتال، فلما أن تفرقوا عن المختار قال له أصحابه: أيها الأمير، قد ذهب القوم فانصرف إلى منزلك إلى القصر، فقال المختار: أما والله ما نزلت وأنا اريد ان آتى القصر، فاما إذا انصرفوا فاركبوا بنا على اسم الله، فجاء حتى دخل القصر فقال الأعشى في قتل مُحَمَّد بن الأشعث:
تأَوَّب عينك عوارها ... وعاد لنفسك تذكارها
(6/101)

واحدى لياليك راجعتها ... ارقت ولوم سمارها
وما ذاقت العين طعم الرقاد ... حتى تبلج إسفارها
وقام نعاة أبي قاسم ... فأسبل بالدمع تحدارها
فحق العيون على ابن الأشج ... الا يفتر تقطارها
وألا تزال تبكي له ... وتبتل بالدمع أشفارها
عليك مُحَمَّدُ لما ثويت ... تبكي البلاد وأشجارها
وما يذكرونك إلا بكوا ... إذا ذمة خانها جارها
وعارية من ليالي الشتاء ... لا يتمنح أيسارها
ولا ينبح الكلب فيها العقور ... إلا الهرير وتختارها
ولا ينفع الثوب فيها الفتى ... ولا ربة الخدر تخدارها
فأنت مُحَمَّدُ في مثلها ... مهين الجزائر نحارها
تظل جفانك موضوعة ... تسيل من الشحم أصبارها
وما في سقائك مستنطف ... إذا الشول روح أغبارها
فيا واهب الوصفاء الصباح ... ان شبرت تم إشبارها
ويا واهب الجرد مثل القداح ... قد يعجب الصف شوارها
ويا واهب البكرات الهجان ... عوذا تجاوب أبكارها
وكنت كدجلة إذ ترتمي ... فيقذف في البحر تيارها
وكنت جليدا وذا مرة ... إذا يبتغى منك إمرارها
وكنت إذا بلدة أصفقت ... وآذن بالحرب جبارها
بعثت عليها ذواكي العيون ... حتى تواصل أخبارها
بإذن من الله والخيل قد ... أعد لذلك مضمارها
وقد تطعم الخيل منك الوجيف ... حتى تنبذ أمهارها
(6/102)

وقد تعلم البازل العيسجور ... أنك بالخبت حسارها
فيا أسفي يوم لاقيتهم ... وخانت رجالك فرارها
واقبلت الخيل مهزومه ... عثارا تضرب أدبارها
بشط حروراء واستجمعت ... عليك الموالي وسحارها
فأخطرت نفسك من دونهم ... فحاز الرزيئة أخطارها
فلا تبعدن أبا قاسم ... فقد يبلغ النفس مقدارها
وأفنى الحوادث ساداتنا ... ومر الليالي وتكرارها
قال هشام: قال أبي: كان السائب أتى مع مصعب بن الزبير، فقتله ورقاء النخعى من وهبيل، فقال ورقاء:.
من مبلغ عني عبيدا بأنني ... علوت أخاه بالحسام المهند
فإن كنت تبغي العلم عنه فإنه ... صريع لدى الديرين غير موسد
وعمدا علوت الرأس منه بصارم ... فأثكلته سفيان بعد مُحَمَّد
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حصيره بن عبد الله، ان هندا بنت المتكلفة الناعطية كان يجتمع إليها كل غال من الشيعة فيتحدث في بيتها وفي بيت ليلى بنت قمامة المزنية، وكان أخوها رفاعة ابن قمامة من شيعة علي، وكان مقتصدا، فكانت لا تحبه، فكان أبو عبد الله الجدلي ويزيد بن شراحيل قد أخبرا ابن الحنفية خبر هاتين المرأتين وغلوهما وخبر أبي الأحراس المرادي والبطين الليثي وأبي الحارث الكندي.
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بن أبي عيسى، قال: فكان ابن الحنفية قد كتب مع يزيد بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يحذرهم هؤلاء، فكتب إليهم:
من مُحَمَّد بن علي إلى من بالكوفة من شيعتنا أما بعد، فاخرجوا إلى المجالس والمساجد فاذكروا الله علانية وسرا ولا تتخذوا من دون المؤمنين
(6/103)

بطانة، فإن خشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذابين، وأكثروا الصلاة والصيام والدعاء فإنه ليس أحد من الخلق يملك لأحد ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ،
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، * والله قائم على كل نفس بما كسبت، فاعملوا صالحا، وقدموا لأنفسكم حسنا، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم.
قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله، أن عبد الله بن نوف خرج من بيت هند بنت المتكلفة حين خرج الناس إلى حروراء وهو يقول: يوم الأربعاء، ترفعت السماء، ونزل القضاء، بهزيمة الأعداء، فاخرجوا على اسم الله إلى حروراء فخرج، فلما التقى الناس للقتال ضرب على وجهه ضربة، ورجع الناس منهزمين، ولقيه عبد الله بن شريك النهدي، وقد سمع مقالته، فقال له: الم تزعم لنا يا بن نوف انا سنهزمهم! قال: او ما قرات في كتاب الله: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ! قال: فلما أصبح المصعب أقبل يسير بمن معه من أهل البصرة ومن خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السبخة، فمر بالمهلب، فقال له المهلب: يا له فتحا ما أهنأه لو لم يكن مُحَمَّد بن الأشعث قتل! قال: صدقت، فرحم الله مُحَمَّدا ثم سار غير بعيد، ثم قال:
يا مهلب، قال: لبيك أيها الأمير، قال: هل علمت أن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل! قال: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ، قال:
المصعب: إما أنه كان ممن أحب أن يرى هذا الفتح، ثم لا نجعل أنفسنا أحق بشيء مما نحن فيه منه، أتدري من قتله؟ قال: لا، قال:
إنما قتله من يزعم أنه لأبيه شيعة، أما إنهم قد قتلوه وهم يعرفونه.
قال: ثم مضى حتى نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة، وبعث عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الاشعث فنزل الكناسة، وبعث عبد الرحمن ابن مخنف بن سليم إلى جبانة السبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مخنف:
ما كنت صنعت فيما كنت وكلتك به؟ قال: أصلحك الله! وجدت
(6/104)

الناس صنفين، أما من كان له فيك هوى فخرج إليك، وأما من كان يرى رأي المختار، فلم يكن ليدعه، ولا ليؤثر أحدا عليه، فلم أبرح بيتي حتى قدمت، قال: صدقت، وبعث عباد بن الحصين إلى جبانة كندة، فكل هؤلاء كان يقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادة، وهم في قصر المختار، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة مراد، وبعث عبيد الله بن الحر إلى جبانة الصائديين.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج، قال: لقد رأيت عبيد الله ابن الحر، وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار، يقاتلهم في جبانة الصائديين ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله، وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهي إلى دار عكرمة، ثم يكر راجعا هو وخيله، فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائديين، ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقاءين فيضربون، وإنما كانوا يأتونهم بالماء إنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا، ولا نكاية لهم، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت، ويصب عليهم الماء القذر.
واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء، قد التحفت عليه، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها، فإذا دنت من القصر فتح لها، فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه، فقال له المهلب- وكان مجربا: اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه، فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر، فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة، وكان ربما تقدم حتى ينتهي إلى مسجد
(6/105)

بني مخزوم، وحتى يرمي أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر، وكان لا يلقى امرأة قريبا من القصر إلا قال لها: من أنت؟
ومن أين جئت؟ وما تريدين؟ فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر، فبعث بهن إلى مصعب، وإن الطعام لمعهن، فردهن مصعب ولم يعرض لهن، وبعث زحر بن قيس، فنزل عند الحدادين حيث تكرى الدواب، وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال، وبعث مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه، وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند زقاق البصريين عند فم سكة بني جذيمة بن مالك من بني أسد بن خزيمة، وجاء المهلب يسير حتى نزل چهار سوج خنيس، وجاء عبد الرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية، وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة، أغمار ليس لهم علم بالحرب، فأخذوا يصيحون- وليس لهم امير:
يا بن دومه، يا بن دومة! فأشرف عليهم المختار فقال: أما والله لو أن الذي يعيرني بدومة كان من القريتين عظيما ما عيرني بها وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل، فكر عليهم، فشدخ نحوا من مائة، وهزمهم، فركب بعضهم بعضا، وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلي ثم إن رجلا من بني ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم، كانت رجلاه تكادان تخطان الأرض إذا ركب من طوله، وكان أقتل شيء للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبت له رجل صمد صمده، وبصر به المختار، فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه، وخر ميتا ثم إن تلك الأمراء وتلك الرءوس أقبلوا من كل جانب، فلم تكن لأصحابه بهم طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويحكم! إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا، انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم
(6/106)

أن ينصركم الله، فضعفوا وعجزوا، فقال لهم المختار: اما انا فو الله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي ولما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ابن أبي وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل، فلحق بأناس من اخوانه، فاختبا عندهم ثم إن المختار أزمع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف، ورأى ما بأصحابه من الفشل، فأرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاري، فأرسلت اليه بطيب كثير، فاغتسل ونحنط، ثم وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته، ثم خرج في تسعة عشر رجلا، فيهم السائب بن مالك الأشعري- وكان خليفته على الكوفة إذا خرج إلى المدائن- وكانت تحته عمرة بنت أبي موسى الأشعري، فولدت له غلاما، فسماه مُحَمَّدا، فكان مع أبيه في القصر، فلما قتل أبوه وأخذ من في القصر وجد صبيا فترك، ولما خرج المختار من القصر قال للسائب: ماذا ترى؟ قال: الرأي لك، فماذا ترى؟ قال: أنا أرى أم الله يرى! قال: الله يرى، قال: ويحك! أحمق أنت! إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز، ورأيت نجدة انتزى على اليمامة، ومروان على الشام، فلم أكن دون أحد من رجال العرب، فأخذت هذه البلاد، فكنت كأحدهم، إلا أني قد طلبت بثأر اهل بيت النبي ص إذ نامت عنه العرب، فقتلت من شرك في دمائهم، وبالغت في ذلك إلى يومي هذا، فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نية، فقال: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ، وما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي! فقال المختار عند ذلك يتمثل بقول غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي:
ولو يراني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الهموم بأمر ما له طبق
لقال رهبا ورعبا يجمعان معا ... غنم الحياة وهول النفس والشفق
إما تسف على مجد ومكرمة ... أو أسوة لك فيمن تهلك الورق
فخرج في تسعة عشر رجلا فقال لهم: أتؤمنوني وأخرج إليكم؟ فقالوا:
لا، إلا على الحكم، فقال: لا أحكمكم في نفسي أبدا، فضارب بسيفه حتى قتل، وقد كان قال لأصحابه حين أبوا أن يتابعوه على الخروج معه:
(6/107)

إذا أنا خرجت إليهم فقتلت لم تزدادوا إلا ضعفا وذلا، فإن نزلتم على حكمهم وثب أعداؤكم الذين قد وترتموهم، فقال كل رجل منهم لبعضكم: هذا عنده ثأري فيقتل، وبعضكم ينظر إلى مصارع بعض فيقولون: يا ليتنا أطعنا المختار وعملنا برأيه! ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتم الظفر متم كراما، وإن هرب منكم هارب فدخل في عشيرته اشتملت عليه عشيرته، أنتم غدا هذه الساعة أذل من على ظهر الأرض، فكان كما قال قال: وزعم الناس أن المختار قتل عند موضع الزياتين اليوم، قتله رجلان من بني حنيفة أخوان يدعى أحدهما طرفة والآخر طرافا، ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة ولما كان من الغد من قتل المختار قال بجير بن عبد الله المسلي: يا قوم، قد كان صاحبكم أمس أشار عليكم بالرأي لو أطعتموه يا قوم، إنكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، اخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما فعصوه وقالوا: لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك، فعصيناه، أفنحن نطيعك! فأمكن القوم من أنفسهم، ونزلوا على الحكم فبعث إليهم مصعب عباد بن الحصين الحبطي فكان هو يخرجهم مكتفين، وأوصى عبد الله بن شداد الجشمي إلى عباد بن الحصين، وطلب عبد الله ابن قراد عصا أو حديدة أو شيئا يقاتل به فلم يجده، وذلك أن الندامة أدركته بعد ما دخلوا عليه، فأخذوا سيفه، وأخرجوه مكتوفا، فمر به عبد الرحمن وهو يقول:
ما كنت أخشى أن أرى أسيرا ... إن الذين خالفوا الأميرا
قد رغموا وتبروا تتبيرا.
فقال عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأشعث: علي بذا، قدموه إلي أضرب عنقه، فقال له: أما إني على دين جدك الذي آمن ثم كفر، إن لم أكن ضربت أباك بسيفي حتى فاظ فنزل ثم قال: أدنوه مني، فأدنوه منه،
(6/108)

فقتله، فغضب عباد، فقال: قتلته ولم تؤمر بقتله! ومر بعبد الله بن شداد الجشمي وكان شريفا، فطلب عبد الرحمن إلى عباد أن يحبسه حتى يكلم فيه الأمير، فأتى مصعبا، فقال: إني أحب أن تدفع إلي عبد الله بن شداد فأقتله، فإنه من الثأر، فأمر له به، فلما جاءه أخذه فضرب عنقه، فكان عباد يقول: أما والله لو علمت أنك إنما تريد قتله لدفعته إلى غيرك فقتله، ولكني حسبت أنك تكلمه فيه فتخلي سبيله وأتي بابن عبد الله بن شداد، وإذا اسمه شداد، وهو رجل محتلم، وقد اطلى بنورة، فقال: اكشفوا عنه هل أدرك! فقالوا: لا، إنما هو غلام، فخلوا سبيله، وكان الأسود بن سعيد قد طلب الى مصعب يعرض على أخيه الأمان، فإن نزل تركه له، فأتاه فعرض عليه الأمان، فأبى أن ينزل، وقال: أموت مع أصحابي أحب إلي من حياة معكم، وكان يقال له قيس، فأخرج فقتل فيمن قتل، وقال بجير بن عبد الله المسلي- ويقال: كان مولى لهم حين أتي به مصعب ومعه منهم ناس كثير- فقال له المسلي: الحمد لله الذي ابتلانا بالإسار، وابتلاك بأن تعفو عنا، وهما منزلتان إحداهما رضا الله، والأخرى سخطه، من عفا عفا الله عنه، وزاده عزا، ومن عاقب لم يامن القصاص يا بن الزبير، نحن أهل قبلتكم، وعلى ملتكم، ولسنا تركا ولا ديلما، فإن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا فإما أن نكون أصبنا وأخطئوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا، فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، فقد اختلفوا واقتتلوا ثم اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة بينهم فقد اختلفوا واقتتلوا ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا، وقد قدرتم فاعفوا فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق لهم الناس، ورق لهم مصعب، وأراد أن يخلي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأشعث فقال: تخلى سبيلهم! اخترنا يا بن الزبير أو اخترهم ووثب مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني
(6/109)

فقال: قتل ابى وخمسمائة من همدان وأشراف العشيرة وأهل المصر ثم تخلي سبيلهم، ودماؤنا ترقرق في أجوافهم! اخترنا أو اخترهم ووثب كل قوم وأهل بيت كان أصيب منهم رجل فقالوا نحوا من هذا القول.
فلما رأى مصعب بن الزبير ذلك امر بقتلهم، فنادوه باجمعهم: يا بن الزبير، لا تقتلنا، اجعلنا مقدمتك إلى أهل الشام غدا، فو الله ما بك ولا بأصحابك عنا غدا غنى، إذا لقيتم عدوكم فإن قتلنا لم نقتل حتى نرقهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لك ولمن معك فأبى عليهم وتبع رضا العامة، فقال بجير المسلي: إن حاجتي إليك الا اقتل مع هؤلاء القوم إني أمرتهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كراما فعصوني، فقدم فقتل.
قال أبو مخنف: وحدثني أبي، قال: حدثني أبو روق أن مسافر بن سعيد بن نمران قال لمصعب بن الزبير: يا بن الزبير، ما تقول لله إذا قدمت عليه وقد قتلت أمة من المسلمين صبرا! حكموك في دمائهم، فكان الحق في دمائهم الا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس مسلمة، فإن كنا قتلنا عدة رجال منكم فاقتلوا عدة من قتلنا منكم، وخلوا سبيل بقيتنا، وفينا الآن رجال كثير لم يشهدوا موطنا من حربنا وحربكم يوما واحدا، كانوا في الجبال والسواد يجبون الخراج، ويؤمنون السبيل، فلم يستمع له، فقال: قبح الله قوما أمرتهم أن يخرجوا ليلا على حرس سكة من هذه السكك فنطردهم، ثم نلحق بعشائرنا، فعصوني حتى حملوني على أن أعطيت التي هي أنقص وأدنى وأوضع، وأبوا أن يموتوا إلا ميتة العبيد، فانا اسالك الا تخلط دمي بدمائهم فقدم فقتل ناحية.
ثم إن المصعب أمر بكف المختار فقطعت ثم سمرت بمسمار حديد إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجاج بن يوسف، فنظر إليها فقال: ما هذه؟ قالوا: كف المختار، فأمر بنزعها وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد،
(6/110)

ثم إنه كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول له: إن أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك الشام وأعنة الخيل، وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك العراق فدعا إبراهيم أصحابه فقال: ما ترون؟ فقال بعضهم:
تدخل في طاعة عبد الملك، وقال بعضهم: تدخل مع ابن الزبير في طاعته، فقال ابن الأشتر: ذاك لو لم أكن أصبت عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعت عبد الملك، مع أني لا أحب أن أختار على أهل مصري مصرا، ولا على عشيرتي عشيرة فكتب إلى مصعب، فكتب إليه مصعب أن أقبل، فأقبل إليه بالطاعة.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي أن كتاب مصعب قدم على ابن الأشتر وفيه:
أما بعد، فإن الله قد قتل المختار الكذاب وشيعته الذين دانوا بالكفر، وكادوا بالسحر، وإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى بيعة أمير المؤمنين، فإن أجبت إلى ذلك فأقبل إلي، فإن لك أرض الجزيرة وأرض المغرب كلها ما بقيت وبقي سلطان آل الزبير، لك بذلك عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ الله على النبيين من عهد أو عقد، والسلام.
وكتب إليه عبد الملك بن مروان:
أما بعد، فإن آل الزبير انتزوا على أئمة الهدى، ونازعوا الأمر أهله، وألحدوا في بيت الله الحرام والله ممكن منهم، وجاعل دائرة السوء عليهم، وانى ادعوك الى الله وإلى سنة نبيه، فإن قبلت وأجبت فلك سلطان العراق ما بقيت وبقيت، علي بالوفاء بذلك عهد الله وميثاقه.
قال: فدعا أصحابه فأقرأهم الكتاب، واستشارهم في الرأي، فقائل
(6/111)

يقول عبد الملك، وقائل يقول: ابن الزبير، فقال لهم: ورأيي اتباع أهل الشام، ولكن كيف لي بذلك، وليس قبيلة تسكن الشام إلا وقد وترتها، ولست بتارك عشيرتي وأهل مصري! فأقبل إلى مصعب، فلما بلغ مصعبا إقباله بعث المهلب إلى عمله، وهي السنة التي نزل فيها المهلب على الفرات.
قال أبو مخنف: حدثني أبو علقمة الخثعمي أن المصعب بعث إلى أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار وإلى عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري- وهي امرأة المختار- فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أم ثابت: ما عسينا أن نقول! ما نقول فيه إلا ما تقولون فيه أنتم، فقالوا لها: اذهبي، وأما عمرة فقالت: رحمة الله عليه، إنه كان عبدا من عباد الله الصالحين، فرفعها مصعب إلى السجن، وكتب فيها إلى عبد الله بن الزبير أنها تزعم أنه نبي، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها.
فأخرجها بين الحيرة والكوفة بعد العتمة، فضربها مطر ثلاث ضربات بالسيف- ومطر تابع لآل قفل من بني تيم الله بن ثعلبة، كان يكون مع الشرط- فقالت: يا أبتاه، يا أهلاه، يا عشيرتاه! فسمع بها بعض الأنصار، وهو أبان بن النعمان بن بشير، فأتاه فلطمه وقال له: يا بن الزانية، قطعت نفسها قطع الله يمينك! فلزمه حتى رفعه إلى مصعب، فقال:
إن أمي مسلمة، وادعى شهادة بني قفل، فلم يشهد له أحد، فقال مصعب: خلوا سبيل الفتى فإنه رأى أمرا فظيعا، فقال عمر بن أبي ربيعة القرشي في قتل مصعب عمرة بنت النعمان بن بشير:
إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول
قتلت هكذا على غير جرم ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول
قال ابو مخنف: حدثنى مُحَمَّد بن يوسف، أن مصعبا لقي عبد الله بن
(6/112)

عمر فسلم عليه، وقال له: أنا ابن أخيك مصعب، فقال له ابن عمر:
نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة! عش ما استطعت! فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة، فقال ابن عمر:
والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا، فقال سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانِ بْنِ ثابت في ذلك:
أتى راكب بالأمر ذي النبإ العجب ... بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب
بقتل فتاة ذات دل ستيرة ... مهذبة الأخلاق والخيم والنسب
مطهرة من نسل قوم أكارم ... من المؤثرين الخير في سالف الحقب
خليل النبي المصطفى ونصيره ... وصاحبه في الحرب والنكب والكرب
أتاني بأن الملحدين توافقوا ... على قتلها لاجنبوا القتل والسلب
فلا هنأت آل الزبير معيشة ... وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب
كأنهمُ إذ أبرزوها وقطعت ... بأسيافهم فازوا بمملكة العرب
ألم تعجب الأقوام من قتل حرة ... من المحصنات الدين محمودة الأدب
من الغافلات المؤمنات، بريئة ... من الذم والبهتان والشك والكذب
علينا كتاب القتل والبأس واجب ... وهن العفاف في الحجال وفي الحجب
على دين أجداد لها وأبوة ... كرام مضت لم تخز أهلا ولم ترب
من الخفرات لا خروج بذيه ... ملائمه تبغي على جارها الجنب
ولا الجار ذي القربى ولم تدر ما الخنا ... ولم تزدلف يوما بسوء ولم تحب
عجبت لها إذ كفنت وهي حية ... ألا إن هذا الخطب من أعجب العجب
حدثت عن علي بن حرب الموصلي، قال: حدثني إبراهيم بن سُلَيْمَان الحنفي، ابن أخي أبي الأحوص، قال: حدثنا مُحَمَّد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سويد بن غفلة، قال: بينا أنا اسير بظهر النجف إذ لحقني رجل فطعنني بمخصرة من خلفي، فالتفت إليه، فقال:
(6/113)

ما قولك في الشيخ؟ قلت: أي الشيوخ؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: إني أشهد أني أحبه بسمعي وبصري وقلبي ولساني، قال: وأنا أشهدك أني أبغضه بسمعي وبصري وقلبي ولساني فسرنا حتى دخلنا الكوفة، فافترقنا، فمكث بعد ذلك سنين- أو قال: زمانا- قال: ثم إني لفي المسجد الأعظم إذ دخل رجل معتم يتصفح وجوه الخلق، فلم يزل ينظر فلم ير لحى أحمق من لحى همدان، فجلس إليهم، فتحولت فجلست معهم، فقالوا: من أين أقبلت؟ قال: من عند أهل بيت نبيكم، قالوا:
فماذا جئتنا به؟ قال: ليس هذا موضع ذلك، فوعدهم من الغد موعدا، فغدا وغدوت، فإذا قد أخرج كتابا معه في أسفله طابع من رصاص، فدفعه الى غلام، فقال له: يا غلام، اقرأه- وكان أميا لا يكتب- فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للمختار بن أبي عبيد كتبه له وصي آل مُحَمَّد، أما بعد فكذا وكذا فاستفرغ القوم البكاء، فقال:: يا غلام، ارفع كتابك حتى يفيق القوم، قلت: معاشر همدان، أنا أشهد بالله لقد أدركني هذا بظهر النجف، فقصصت عليهم قصته، فقالوا: أبيت والله إلا تثبيطا عن آل مُحَمَّد، وتزيينا لنعثل شقاق المصاحف قال: قلت:
معاشر همدان، لا أحدثكم إلا ما سمعته أذناي، ووعاه قلبي من على بن ابى طالب ع، سمعته يقول: [لا تسموا عثمان شقاق المصاحف، فو الله ما شققها إلا عن ملإ منا أصحاب مُحَمَّد، ولو وليتها لعملت فيها مثل الذي عمل،] قالوا: آلله أنت سمعت هذا من علي؟ قلت:
والله لأنا سمعته منه، قال: فتفرقوا عنه، فعند ذلك مال إلى العبيد، واستعان بهم، وصنع ما صنع قال أبو جعفر: واقتص الواقدي من خبر المختار بن أبي عبيد بعض ما ذكرنا، فخالف فيه من ذكرنا خبره، فزعم أن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة، وأن مصعبا لما
(6/114)

سار إليه فبلغه مسيره إليه بعث إليه احمر بن شميط البجلي، وامره ان بواقعه بالمذار، وقال: إن الفتح بالمذار، قال: وإنما قال ذلك المختار لأنه قيل: إن رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أنه هو، وإنما كان ذلك للحجاج بن يوسف في قتاله عبد الرحمن بن الأشعث وأمر مصعب صاحب مقدمته عباد الحبطي أن يسير إلى جمع المختار فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب، ونزل مصعب، نهر البصريين على شط الفرات، وحفر هنالك نهرا فسمي نهر البصريين من أجل ذلك قال: وخرج المختار في عشرين ألفا حتى وقف بإزائهم وزحف مصعب ومن معه، فوافوه مع الليل على تعبئة، فأرسل إلى أصحابه حين أمسى: لا يبرحن أحد منكم موقفه حتى يسمع مناديا ينادي: يا محمد، فإذا اسمعتموه فاحملوا فقال رجل من القوم من أصحاب المختار: هذا والله كذا.
على الله، وانحاز ومن معه إلى المصعب، فأمهل المختار حتى إذا طلع القمر أمر مناديا، فنادى: يا مُحَمَّد، ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم، فأدخلوه عسكره، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبح المختار وليس عنده أحد، وإذا أصحابه قد وغلوا في أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة، فجاء أصحاب المختار حين أصبحوا، فوقفوا مليا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب، واختفوا في دور الكوفة، وتوجه منهم نحو القصر ثمانية آلاف لم يجدوا من يقاتل بهم، ووجدوا المختار في القصر، فدخلوا معه، وكان أصحاب المختار، قتلوا في تلك الليلة من أصحاب مصعب بشرا كثيرا، فيهم مُحَمَّد بن الأشعث، وأقبل مصعب حين أصبح حتى أحاط بالقصر، فأقام مصعب يحاصره اربعه اشهر يخرج اليهم في كل يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة من وجه واحد، ولا يقدر عليه حتى قتل المختار، فلما قتل المختار بعث من في القصر يطلب الأمان، فأبى مصعب حتى نزلوا على حكمه، فلما نزلوا على حكمه قتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك، وسائرهم
(6/115)

من العجم، قال: فلما خرجوا أراد مصعب أن يقتل العجم ويترك العرب، فكلمه من معه، فقالوا: أي دين هذا؟ وكيف ترجو النصر وأنت تقتل العجم وتترك العرب ودينهم واحد! فقد مهم فضرب أعناقهم قال أبو جعفر: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن مُحَمَّد، قال: لما قتل المختار شاور مصعب أصحابه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه، فقال عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأشعث ومُحَمَّد بن عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس وأشباههم ممن وترهم المختار: اقتلهم، وضجت ضبة، وقالوا: دم منذر بن حسان، فقال عبيد الله بن الحر: أيها الأمير، ادفع كل رجل في يديك إلى عشيرته تمن عليهم بهم، فإنهم إن كانوا قتلونا فقد قتلناهم، ولا غنى بنا عنهم في ثغورنا، وادفع عبيدنا الذين في يديك إلى مواليهم فإنهم لأيتامنا وأراملنا وضعفائنا، يردونهم إلى أعمالهم، واقتل هؤلاء الموالي، فإنهم قد بدا كفرهم، وعظم كبرهم، وقل شكرهم.
فضحك مصعب وقال للأحنف: ما ترى يا أبا بحر؟ قال: قد أرادني زياد فعصيته- يعرض بهم- فأمر مصعب بالقوم جميعا فقتلوا، وكانوا ستة آلاف، فقال عقبة الأسدي:
قتلتم ستة الآلاف صبرا ... مع العهد الموثق مكتفينا
جعلتم ذمة الحبطي جسرا ... ذلولا ظهره للواطئينا
وما كانوا غداة دعوا فغروا ... بعهدهمُ بأول خائنينا
وكنت أمرتهم لو طاوعوني ... بضرب في الأزقة مصلتينا
وقتل المختار- فيما قيل- وهو ابن سبع وستين سنة، لأربع عشرة خلت من شهر رمضان في سنة سبع وستين فلما فرغ مصعب من أمر المختار وأصحابه، وصار اليه ابراهيم ابن الأشتر وجه المهلب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وآذربيجان وأرمينية واقام بالكوفه
(6/116)

خبر عزل عبد الله بن الزبير أخاه المصعب
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن البصرة، وبعث اليه بابنه حمزة بن عبد الله إليها، فاختلف في سبب عزله إياه عنها، وكيف كان الأمر في ذلك فقال بعضهم في ذلك مَا حَدَّثَنِي بِهِ عمر، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد قال: لم يزل المصعب على البصرة حتى سار منها إلى المختار، واستخلف على البصرة عبيد الله بن معمر، فقتل المختار، ثم وفد إلى عبد الله بن الزبير فعزله وحبسه عنده، واعتذر إليه من عزله، وقال: والله إني لأعلم أنك أحرى وأكفى من حمزة، ولكني رأيت فيه رأي عثمان في عبد الله بن عامر حين عزل أبا موسى الأشعري وولاه وحدثني عمر، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد، قال: قدم حمزة البصرة واليا، وكان جوادا سخيا مخلطا، يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، فظهرت منه بالبصرة خفة وضعف، فيقال: إنه ركب يوما إلى فيض البصرة، فلما رآه قال: إن هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينهم صيفهم، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازرا، فقال: قد رأيت هذا ذات يوم، وظننت أن لن يكفيهم، فقال له الأحنف: إن هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنا وشخص إلى الأهواز، فلما رأى جبلها قال: هذا قعيقعان- لموضع بمكة- فسمي الجبل قعيقعان، وبعث الى مرد انشاه فاستحثه بالخراج، فأبطأ به، فقام إليه بسيفه فضربه فقتله، فقال الأحنف: ما أحد سيف الأمير! حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: لما خلط حمزة بالبصرة وظهر منه ما ظهر، وهم بعبد العزيز بن بشر أن يضربه، كتب الأحنف إلى ابن الزبير بذلك، وسأله أن يعيد مصعبا قال:
وحمزة الذي عقد لعبد الله بن عمير الليثي على قتال النجدية بالبحرين
(6/117)

حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: لما عزل ابن الزبير حمزة احتمل مالا كثيرا من مال البصرة، فعرض له مالك بن مسمع، فقال: لا ندعك تخرج باعطياتنا فضمن له عبيد الله بن عبيد بن معمر العطاء، فكف، وشخص حمزة بالمال، فترك أباه وأتى المدينة، فأودع ذلك المال رجالا، فذهبوا به إلا يهوديا كان أودعه فوفى له، وعلم ابن الزبير بما صنع، فقال: أبعده الله! أردت أن أباهي به بني مروان فنكص وأما هشام بن مُحَمَّد فإنه ذكر عن أبي مخنف في أمر مصعب وعزل أخيه إياه عن البصرة ورده إياه إليها غير هذه القصة، والذي ذكر من ذلك عنه في سياق خبر حدثت به عنه، عن أبي المخارق الراسبي، أن مصعبا لما ظهر على الكوفة أقام بها سنة معزولا عن البصرة، عزله عنها عبد الله، وبعث ابنه حمزة، فمكث بذلك سنة، ثم إنه وفد على أخيه عبد الله بمكة، فرده على البصرة وقيل: إن مصعبا لما فرغ من أمر المختار انصرف إلى البصرة وولى الكوفة الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قال: وقال مُحَمَّد بن عمر:
لما قتل مصعب المختار ملك الْكُوفَة والبصرة وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ وَكَانَ عامله عَلَى الكوفة مصعب، وقد ذكرت اختلاف أهل السير في العامل على البصرة وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وبالشام عبد الملك بن مروان وكان على خراسان عبد الله بن خازم السلمي
(6/118)

ثم دخلت

سنة ثمان وستين.
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأمور الجليلة) فمن ذلك ما كان من رد عبد الله أخاه مصعبا إلى العراق أميرا، وقد ذكرنا السبب في رد عبد الله أخاه مصعبا إلى العراق أميرا بعد عزله إياه، ولما رده عليها أميرا بعث مصعب الحارث بن أبي ربيعة على الكوفة أميرا، وذلك أنه بدأ بالبصرة مرجعه إلى العراق أميرا بعد العزل، فصار إليها.

ذكر الخبر عن رجوع الازارقه من فارس الى العراق
وفي هذه السنة كان مرجع الأزارقة من فارس إلى العراق حتى صاروا إلى قرب الكوفة، ودخلوا المدائن.
ذكر الخبر عن أمرهم ومسيرهم ومرجعهم إلى العراق:
ذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، أن مصعبا وجه عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس أميرا، وكانت الأزارقة لحقت بفارس وكرمان ونواحي أصبهان بعد ما أوقع بهم المهلب بالأهواز، فلما شخص المهلب عن ذلك الوجه ووجه إلى الموصل ونواحيها عاملا عليها، وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارس، انحطت الأزارقة مع الزبير بن الماحوز على عمر بن عبيد الله بفارس، فلقيهم بسابور، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم إنه ظفر بهم ظفرا بينا، غير أنه لم يكن بينهم كثير قتلى، وذهبوا كأنهم على حامية، وقد تركوا على ذلك المعركة.
قال أبو مخنف: فحدثني شيخ للحي بالبصرة، قال: إني لأسمع قراءة كتاب عمر بن عبيد الله:
(6/119)

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني اخبر الأمير اصلحه الله ابى لقيت الأزارقة التي مرقت من الدين واتبعت أهواءها بغير هدى من الله، فقاتلتهم بالمسلمين ساعة من النهار أشد القتال ثم إن الله ضرب وجوههم وأدبارهم، ومنحنا أكتافهم، فقتل الله منهم من خاب وخسر، وكل إلى خسران فكتبت إلى الأمير كتابي هذا وأنا على ظهر فرسي في طلب القوم، أرجو أن يجذهم الله إن شاء الله، والسلام.
ثم إنه تبعهم ومضوا من فورهم ذلك حتى نزلوا إصطخر، فسار إليهم حتى لقيهم على قنطرة طمستان، فقاتلهم قتالا شديدا، وقتل ابنه.
ثم إنه ظفر بهم، فقطعوا قنطرة طمستان، وارتفعوا إلى نحو من أصبهان وكرمان، فأقاموا بها حتى اجتبروا وقووا، واستعدوا وكثروا، ثم أقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر بن عبيد الله بن معمر، فقطعوا أرضه من غير الوجه الذي كان فيه أخذوا على سابور، ثم خرجوا على أرجان، فلما رأى عمر بن عبيد الله أن قد قطعت الخوارج ارضه متوجهه الى البصره خشي الا يحتملها له مصعب بن الزبير، فشمر في آثارهم مسرعا حتى أتى أرجان، فوجدهم حين خرجوا منها متوجهين قبل الأهواز، وبلغ مصعبا إقبالهم، فخرج فعسكر بالناس بالجسر الأكبر، وقال: والله ما أدري ما الذي أغنى عني أن وضعت عمر بن عبيد الله بفارس، وجعلت معه جندا أجري عليهم أرزاقهم في كل شهر، وأوفيهم أعطياتهم في كل سنة، وآمر لهم من المعاون في كل سنة بمثل الأعطيات، تقطع أرضه الخوارج إلي! وقد قطعت علته فأمددته بالرجال وقويتهم، والله لو قاتلهم ثم فر كان أعذر له عندي، وإن كان الفار غير مقبول العذر، ولا كريم الفعل.
وأقبلت الخوارج وعليهم الزبير بن الماحوز حتى نزلوا الأهواز، فأتتهم عيونهم أن عمر بن عبيد الله في أثرهم، وأن مصعب بن الزبير قد خرج من البصرة إليهم، فقام فيهم الزبير فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن
(6/120)

من سوء الرأي والحيرة وقوعكم فيما بين هاتين الشوكتين، وانهضوا بنا إلى عدونا نلقهم من وجه واحد فسار بهم حتى قطع بهم أرض جوخى، ثم أخذ على النهر وانات، ثم لزم شاطئ دجلة حتى خرج على المدائن وبها كردم بن مرثد بن نجبة الفزاري، فشنوا الغارة على أهل المدائن، يقتلون الولدان والنساء والرجال، ويبقرون الحبالى، وهرب كردم، فأقبلوا إلى ساباط فوضعوا أسيافهم في الناس، فقتلوا أم ولد لربيعه ابن ماجد، وقتلوا بنانة ابنة أبي يزيد بن عاصم الأزدي، وكانت قد قرأت القرآن، وكانت من أجمل الناس، فلما غشوها بالسيوف قالت:
ويحكم! هل سمعتم بأن الرجال كانوا يقتلون النساء! ويحكم! تقتلون من لا يبسط إليكم يدا، ولا يريد بكم ضرا، ولا يملك لنفسه نفعا! أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين! فقال بعضهم: اقتلوها، وقال رجل منهم: لو أنكم تركتموها! فقال بعضهم: أعجبك جمالها يا عدو الله! قد كفرت وافتتنت، فانصرف الآخر عنهم وتركهم، فظننا أنه فارقهم، وحملوا عليها فقتلوها، فقالت ريطة بنت يزيد: سبحان الله! أترون الله يرضى بما تصنعون! تقتلون النساء والصبيان ومن لم يذنب إليكم ذنبا! ثم انصرفت وحملوا عليها وبين يديها الرواع بنت إياس بن شريح الهمداني، وهي ابنة أخيها لأمها، فحملوا عليها فضربوها على رأسها، بالسيف، ويصيب ذباب السيف رأس الرواع فسقطتا جميعا إلى الأرض، وقاتلهم إياس بن شريح ساعة، ثم صرع فوقع بين القتلى، فنزعوا عنه وهم يرون أنهم قد قتلوه، وصرع منهم رجل من بكر ابن وائل يقال له رزين بن المتوكل.
فلما انصرفوا عنهم لم يمت غير بنانة بنت ابى يزيد، وأم ولد ربيعه ابن ناجد، وأفاق سائرهم، فسقى بعضهم بعضا من الماء، وعصبوا جراحاتهم ثم استأجروا دواب، ثم أقبلوا نحو الكوفة.
قال أبو مخنف: فحدثتني الرواع ابنة إياس، قالت: ما رأيت
(6/121)

رجلا قط كان أجبن من رجل كان معنا وكانت معه ابنته، فلما غشينا ألقاها إلينا وهرب عنها وعنا ولا رأينا رجلا قط كان أكرم من رجل كان معنا، ما نعرفه ولا يعرفنا، لما غشينا قاتل دوننا حتى صرع بيننا، وهو رزين بن المتوكل البكري وكان بعد ذلك يزورنا ويواصلنا ثم إنه هلك في إمارة الحجاج، فكانت ورثته الأعراب، وكان من العباد الصالحين.
قال هشام بن مُحَمَّد- وذكره عن أبي مخنف- قال: حدثني أبي، عن عمه أن مصعب بن الزبير كان بعث أبا بكر بن مخنف على إستان العال، فلما قدم الحارث بن أبي ربيعة أقصاه، ثم أقره بعد ذلك على عمله السنة الثانية، فلما قدمت الخوارج المدائن سرحوا إليه عصابة منهم، عليها صالح بن مخراق، فلقيه بالكرخ فقاتله ساعة، ثم تنازلوا فنزل أبو بكر ونزلت الخوارج، فقتل أبو بكر ويسار مولاه وعبد الرحمن بن أبي جعال، ورجل من قومه، وانهزم سائر أصحابه، فقال سراقة بن مرداس البارقي في بطن من الأزد:
ألا يا لقومي للهموم الطوارق ... وللحدث الجائي بإحدى الصفائق
ومقتل غطريف كريم نجاره ... من المقدمين الذائدين الأصادق
أتاني دوين الخيف قتل ابن مخنف ... وقد غورت أولى النجوم الخوافق
فقلت: تلقاك الإله برحمة ... وصلى عليك الله رب المشارق
لحا الله قوما عردوا عنك بكرة ... ولم يصبروا للامعات البوارق
تولوا فأجلوا بالضحى عن زعيمنا ... وسيدنا في المأزق المتضايق
فأنت متى ما جئتنا في بيوتنا ... سمعت عويلا من عوان وعاتق
(6/122)

يبكين محمود الضريبة ماجدا ... صبورا لدى الهيجاء عند الحقائق
لقد أصبحت نفسي لذاك حزينة ... وشابت لما حملت منه مفارقي
قال أبو مخنف: فحدثني حدرة بن عبد الله الأزدي، والنضر ابن صالح العبسي، وفضيل بن خديج، كلهم أخبرنيه ان الحارث بن ابى ربيعه الملقب بالقباع أتاه أهل الكوفة، فصاحوا إليه وقالوا له:
اخرج فإن هذا عدو لنا قد أظل علينا ليست له بقية، فخرج وهو يكد كدا حتى نزل النخيلة فأقام بها أياما، فوثب إليه إبراهيم بن الأشتر، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه سار إلينا عدو ليست له تقيه، يقتل الرجل والمرأة والمولود، ويخيف السبيل، ويخرب البلاد، فانهض بنا إليه، فأمر بالرحيل فخرج فنزل دير عبد الرحمن، فأقام فيه حتى دخل إليه شبث بن ربعي، فكلمه بنحو مما كلمه به ابن الأشتر، فارتحل ولم يكد، فلما رأى الناس بطء سيره رجزوا به فقالوا:
سار بنا القباع سيرا نكرا ... يسير يوما ويقيم شهرا
فأشخصوه من ذلك المكان، فكلما نزل بهم منزلا أقام بهم حتى يضج الناس به من ذلك، ويصيحوا به حول فسطاطه، فلم يبلغ الصراة إلا في بضعة عشر يوما، فأتى الصراة وقد انتهى إليها طلائع العدو وأوائل الخيول، فلما أتتهم العيون بأنه قد أتاهم جماعة أهل المصر قطعوا الجسر بينهم وبين الناس، وأخذ الناس يرتجزون:
إن القباع سار سيرا ملسا بين دبيرى ودباها خمسا قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، أن رجلا من السبيع كان به لمم، وكان بقرية يقال لها جوبر عند الخرارة،
(6/123)

وكان يدعى سماك بن يزيد، فأتت الخوارج قريته فأخذوه وأخذوا ابنته، فقدموا ابنته فقتلوها، وزعم لي أبو الربيع السلولي أن اسم ابنته أم يزيد، وأنها كانت تقول لهم: يا أهل الإسلام، إن أبي مصاب فلا تقتلوه، وأما أنا فإنما أنا جارية، والله ما أتيت فاحشة قط، ولا آذيت جارة لي قط، ولا تطلعت ولا تشرفت قط فقدموها ليقتلوها، فأخذت تنادي: ما ذنبي ما ذنبي! ثم سقطت مغشيا عليها أو ميتة، ثم قطعوها، بأسيافهم قال أبو الربيع: حدثتني بهذا الحديث ظئر لها نصرانية من أهل الخورنق كانت معها حين قتلت.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، أن الأزارقة جاءت بسماك بن يزيد معهم حتى أشرفوا على الصراة قال:
فاستقبل عسكرنا، فرأى جماعة الناس وكثرتهم، فأخذ ينادينا ويرفع صوته: اعبروا اليهم فإنهم فل خبيث، فضربوا عند ذلك عنقه وصلبوه ونحن ننظر إليه قال: فلما كان الليل عبرت إليه وأنا رجل من الحي.
فأنزلناه فدفناه قال أبو مخنف: حدثني أبي أن إبراهيم بن الأشتر قال للحارث بن أبي ربيعة: اندب معي الناس حتى أعبر إلى هؤلاء الأكلب، فأجيئك برءوسهم الساعة، فقال شبث بن ربعي وأسماء بن خارجه ويزيد ابن الحارث ومُحَمَّد بن الحارث ومُحَمَّد بن عمير: أصلح الله الأمير! دعهم فليذهبوا، لا تبدأهم، قال: وكأنهم حسدوا ابراهيم ابن الأشتر.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله وأبو زهير العبسي أن الأزارقة لما انتهوا إلى جسر الصراة فرأوا أن جماعة أهل المصر قد خرجوا إليهم قطعوا الجسر، واغتنم ذلك الحارث، فتحبس ثم إنه جلس للناس فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فان أول القتال الرميه بالنبل، ثم أشراع الرماح، ثم الطعن بها شزرا، ثم السلة آخر ذلك كله
(6/124)

قال: فقام إليه رجل فقال، قد أحسن الأمير اصلحه الله الصفة، ولكن حتام نصنع هذا وهذا البحر بيننا وبين عدونا! مر بهذا الجسر فليعد كما كان، ثم اعبر بنا إليهم، فإن الله سيريك فيهم ما تحبه، فأمر بالجسر فأعيد، ثم عبر الناس إليهم فطاروا حتى انتهوا إلى المدائن، وجاء المسلمون حتى انتهوا إلى المدائن، وجاءت خيل لهم فطاردت خيلا للمسلمين طردا ضعيفا عند الجسر ثم إنهم خرجوا منها فأتبعهم الحارث بن أبي ربيعة عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، فإذا وقعوا في أرض البصرة خلاهم فأتبعهم حتى إذا خرجوا من أرض الكوفة ووقعوا إلى أصبهان انصرف عنهم ولم يقاتلهم، ولم يكن بينه وبينهم قتال، ومضوا حتى نزلوا بعتاب بن ورقاء بحى، فأقاموا عليه وحاصروه، فخرج إليهم فقاتلهم فلم يطقهم، وشدوا على أصحابه حتى دخلوا المدينة، وكانت أصبهان يومئذ طعمة لإسماعيل بن طلحة من مصعب بن الزبير، فبعث عليها عتابا، فصبر لهم عتاب، وأخذ يخرج إليهم في كل أيام فيقاتلهم على باب المدينة، ويرمون من السور بالنبل والنشاب والحجارة، وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له أبو هُرَيْرَةَ بن شريح، فكان يخرج مع عتاب، وكان شجاعا، فكان يحمل عليهم ويقول:
كيف ترون يا كلاب النار شد أبي هُرَيْرَةَ الهرار يهركم بالليل والنهار يا بن أبي الماحوز والأشرار كيف ترى جي على المضمار.
فلما طال ذلك على الخوارج من قوله كمن له رجل من الخوارج يظنون أنه عبيدة بن هلال، فخرج ذات يوم فصنع كما كان يصنع، ويقول كما كان يقول، إذ حمل عليه عبيدة بن هلال فضربه بالسيف ضربة على حبل عاتقه فصرعه، وحمل أصحابه عليه فاحتملوه فأدخلوه
(6/125)

وداووه، وأخذت الأزارقة بعد ذلك تناديهم يقولون: يا أعداء الله، ما فعل أبو هُرَيْرَةَ الهرار؟ فينادونهم: يا أعداء الله، والله ما عليه من بأس، ولم يلبث أبو هُرَيْرَةَ أن برئ، ثم خرج عليهم بعد، فأخذوا يقولون:
يا عدو الله، أما والله لقد رجونا أن نكون قد أزرناك أمك، فقال لهم: يا فساق، ما ذكركم أمي! فأخذوا يقولون: إنه ليغضب لأمه، وهو آتيها عاجلا فقال له أصحابه: ويحك! إنما يعنون النار، ففطن فقال: يا أعداء الله، ما أعقكم بأمكم حين تنتفون منها! إنما تلك أمكم، وإليها مصيركم.
ثم إن الخوارج أقامت عليهم أشهرا حتى هلك كراعهم، ونفذت أطعمتهم، واشتد عليهم الحصار، وأصابهم الجهد الشديد، فدعاهم عتاب بن ورقاء فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أيها الناس، فإنه قد أصابكم من الجهد ما قد ترون، فو الله إن بقي إلا أن يموت أحدكم على فراشه فيجيء أخوه فيدفنه إن استطاع، وبالحري أن يضعف عن ذلك، ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه، ولا يصلي عليه، فاتقوا الله، فو الله ما أنتم بالقليل الذين تهون شوكتهم على عدوهم، وإن فيكم لفرسان أهل المصر، وإنكم لصلحاء من أنتم منه! اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم وبكم حياه وقوه قبل الا يستطيع رجل منكم أن يمشي إلى عدوه من الجهد، وقبل الا يستطيع رجل أن يمتنع من امرأة لو جاءته، فقاتل رجل عن نفسه وصبر وصدق، فو الله انى لأرجو ان صدقتموه أن يظفركم الله بهم، وأن يظهركم عليهم فناداه الناس من كل جانب: وفقت وأصبت، اخرج بنا إليهم، فجمع إليه الناس من الليل، فأمر لهم بعشاء كثير، فعشي الناس عنده، ثم إنه خرج بهم حين أصبح على راياتهم، فصبحهم في عسكرهم وهم آمنون من أن يؤتوا في عسكرهم، فشدوا عليهم في جانبه، فضاربوهم فاخلوا عن وجه العسكر حتى انتهوا إلى الزبير بن الماحوز، فنزل في عصابة من أصحابه فقاتل حتى قتل، وانحازت الأزارقة إلى قطري، فبايعوه،
(6/126)

وجاء عتاب حتى دخل مدينته، وقد أصاب من عسكرهم ما شاء، وجاء قطري في أثره كأنه يريد أن يقاتله، فجاء حتى نزل في عسكر الزبير بن الماحوز، فتزعم الخوارج أن عينا لقطري جاءه فقال: سمعت عتابا يقول: إن هؤلاء القوم إن ركبوا بنات شحاج، وقادوا بنات صهال، ونزلوا اليوم أرضا وغدا أخرى، فبالحري أن يبقوا، فلما بلغ ذلك قطريا خرج فذهب وخلاهم.
قال أبو مخنف: قال أبو زهير العبسي وكان معهم: خرجنا إلى قطري من الغد مشاة مصلتين بالسيوف، قال: فارتحلوا والله فكان آخر العهد بهم قال: ثم ذهب قطري حتى أتى ناحية كرمان فأقام بها حتى اجتمعت إليه جموع كثيرة، وأكل الأرض واجتبى المال وقوي، ثم أقبل حتى أخذ في أرض أصبهان ثم إنه خرج من شعب ناشط إلى إيذج، فأقام بأرض الأهواز والحارث بن ابى ربيعه عامل المصعب بن الزبير على البصرة، فكتب إلى مصعب يخبره أن الخوارج قد تحدرت إلى الأهواز، وأنه ليس لهم إلا المهلب، فبعث إلى المهلب وهو على الموصل والجزيرة.
فأمره بقتال الخوارج والمسير اليهم، وبعث الى عمله إبراهيم بن الأشتر، وجاء المهلب حتى قدم البصرة، وانتخب الناس، وسار بمن أحب، ثم توجه نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا بها ثانيه أشهر أشد قتال رآه الناس، لا ينقع بعضهم لبعض.
من الطعن والضرب ما يصد بعضهم عن بعض قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان القحط الشديد بالشام حتى لم يقدروا من شدته على الغزو.
وفيها عسكر عبد الملك بن مروان ببطنان حبيب من أرض قنسرين، فمطروا بها، فكثر الوحل فسموها بطنان الطين، وشتا بها عبد الملك، ثم انصرف منها إلى دمشق.
وفيها قتل عبيد الله بن الحر
(6/127)

ذكر الخبر عن مقتل عبد الله بن الحر
ذكر الخبر عن مقتله والسبب الذي جر ذلك عليه:
روى أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، أن عبيد الله بن الحر كان رجلا من خيار قومه صلاحا وفضلا، وصلاة واجتهادا، فلما قتل عثمان وهاج الهيج بين علي ومعاوية، قال: أما إن الله ليعلم أني أحب عثمان، ولأنصرنه ميتا فخرج إلى الشام، فكان مع معاوية، وخرج مالك بن مسمع إلى معاوية على مثل ذلك الرأي في العثمانية، فأقام عبيد الله عند معاوية، وشهد معه صفين، ولم يزل معه حتى قتل على ع، فلما قتل علي قدم الكوفة فأتى إخوانه ومن قد خف في الفتنة، فقال لهم: يا هؤلاء، ما أرى أحدا ينفعه اعتزاله، كنا بالشام، فكان من أمر معاوية كيت وكيت فقال له القوم: وكان من أمر علي كيت وكيت، فقال: يا هؤلاء، إن تمكننا الأشياء فاخلعوا عذركم، واملكوا أمركم، قالوا: سنلتقي، فكانوا يلتقون على ذلك فلما مات معاوية هاج ذلك الهيج في فتنة ابن الزبير، قال: ما أرى قريشا تنصف، أين أبناء الحرائر! فأتاه خليع كل قبيلة، فكان معه سبعمائة فارس، فقالوا: مرنا بأمرك، فلما هرب عبيد الله بن زياد ومات يزيد بن معاوية، قال عبيد الله بن الحر لفتيانه: قد بين الصبح لذي عينين، فإذا شئتم! فخرج إلى المدائن فلم يدع مالا قدم من الجبل للسلطان إلا أخذه، فأخذ منه عطاءه وأعطية أصحابه، ثم قال: إن لكم شركاء بالكوفة في هذا المال قد استوجبوه، ولكن تعجلوا عطاء قابل سلفا، ثم كتب لصاحب المال براءة بما قبض من المال، ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك قال: قلت: فهل كان يتناول أموال الناس والتجار؟ قال لي: إنك لغير عالم بأبي الأشرس، والله ما كان في الأرض
(6/128)

عربي اغير عن حرة ولا أكف عن قبيح وعن شراب منه، ولكن إنما وضعه عند الناس شعره، وهو من أشعر الفتيان فلم يزل على ذلك من الأمر حتى ظهر المختار، وبلغه ما يصنع بالسواد، فأمر بامرأته أم سلمة الجعفية فحبست، وقال: والله لأقتلنه أو لأقتلن أصحابه، فلما بلغ ذلك عبيد الله بن الحر أقبل في فتيانه حتى دخل الكوفة ليلا، فكسر باب السجن، وأخرج امرأته وكل امرأة ورجل كان فيه، فبعث إليه المختار من يقاتله، فقاتلهم حتى خرج من المصرم، فقال حين أخرج امرأته من السجن:
ألم تعلمي يا أم توبة أنني ... أنا الفارس الحامي حقائق مذحج
وأني صبحت السجن في سوره الضحى ... بكل فتى حامي الذمار مدجج
فما إن برحن السجن حتى بدا لنا ... جبين كقرن الشمس غير مشنج
وخد أسيل عن فتاه حييه ... إلينا سقاها كل دان مثجج
فما العيش إلا أن أزورك آمنا ... كعادتنا من قبل حربي ومخرجي
وما أنت إلا همة النفس والهوى ... عليك السلام من خليط مسحج
وما زلت محبوسا لحبسك واجما ... وإني بما تلقين من بعده شج
فبالله هل أبصرت مثليَ فارسا ... وقد ولجوا في السجن من كل مولج!
ومثلي يحامي دون مثلك إنني ... أشد إذا ما غمرة لم تفرج
أضاربهم بالسيف عنك لترجعي ... إلى الأمن والعيش الرفيع المخرفج
إذا ما أحاطوا بي كررت عليهم ... ككر أبي شبلين في الخيس محرج
دعوت إلي الشاكري ابن كامل ... فولى حثيثا ركضه لم يعرج
وإن هتفوا باسمي عطفت عليهمُ ... خيول كرام الضرب أكثرها الوجي
فلا غرو إلا قول سلمى ظعينى: ... اما أنت يا بن الحر بالمتحرج!
(6/129)

دع القوم لا تقتلهمُ وانج سالما ... وشمر هداك الله بالخيل فاخرج
وإني لأرجو يا ابنة الخير أن أرى ... على خير أحوال المؤمل فارتجي
ألا حبذا قولي لأحمر طيئ ... ولابن خبيب قد دنا الصبح فادلج
وقولي لهذا سر وقولي لذا ارتحل ... وقولي لذا من بعد ذلك اسرج
وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه، ووثبت همدان مع المختار فأحرقوا داره، وانتهبوا ضيعته بالجبة والبداة، فلما بلغه ذلك سار إلى ماه إلى ضياع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فأنهبها وأنهب ما كان لهمدان بها، ثم أقبل إلى السواد فلم يدع مالا لهمداني إلا أخذه، ففي ذلك يقول:
وما ترك الكذاب من جل مالنا ... ولا الزرق من همدان غير شريد
أفي الحق أن ينهب ضياعي شاكر ... وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد!
ألم تعلمي يا أم توبة أنني ... على حدثان الدهر غير بليد
أشد حيازيمي لكل كريهة ... وإني على ما ناب جد جليد
فإن لم أصبح شاكرا بكتيبة ... فعالجت بالكفين غل حديد
همُ هدموا داري وقادوا حليلتي ... إلى سجنهم والمسلمون شهودي
وهم أعجلوها أن تشد خمارها ... فيا عجبا هل الزمان مقيدي!
فما أنا بابن الحر إن لم أرعهمُ ... بخيل تعادى بالكماة أسود
وما جبنت خيلي ولكن حملتها ... على جحفل ذي عدة وعديد
وهي طويلة قال: وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما معهم من الأموال، ثم يميل إلى الجبل، فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار، فلما قتل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية: إن ابن الحر شاق ابن زياد والمختار، ولا نأمنه أن يثب بالسواد كما كان يفعل، فحبسه مصعب فقال ابن الحر:
(6/130)

من مبلغ الفتيان أن أخاهمُ ... أتى دونه باب شديد وحاجبه
بمنزلة ما كان يرضى بمثلها ... إذا قام عنته كبول تجاوبه
على الساق فوق الكعب أسود صامت ... شديد يداني خطوه ويقاربه
وما كان ذا من عظم جرم جنيته ... ولكن سعى الساعي بما هو كاذبه
وقد كان في الأرض العريضة مسلك ... وأي امرئ ضاقت عليه مذاهبه!
وفي الدهر والأيام للمرء عبرة ... وفيما مضى إن ناب يوما نوائبه
فكلم عبيد الله قوما من مذحج أن يأتوا مصعبا في أمره، وأرسل إلى وجوههم، فقال: ائتوا مصعبا فكلموه في أمري ذاته، فإنه حبسني على غير جرم، سعى بي قوم كذبة وخوفوه ما لم أكن لأفعله، وما لم يكن من شأني وأرسل إلى فتيان من مذحج وقال: البسوا السلاح، وخذوا عدة القتال، فقد أرسلت قوما إلى مصعب يكلمونه في أمري، فأقيموا بالباب، فإن خرج القوم وقد شفعهم فلا تعرضوا لأحد، وليكن سلاحكم مكفرا بالثياب، فجاء قوم من مذجح فدخلوا على مصعب فكلموه، فشفعهم، فأطلقه وكان ابن الحر قال لأصحابه: إن خرجوا ولم يشفعهم فكابروا السجن فإني أعينكم من داخل، فلما خرج ابن الحر قال لهم: أظهروا السلاح، فأظهروه، ومضى لم يعرض له أحد، فأتى منزله، وندم مصعب على إخراجه، فأظهر ابن الحر الخلاف، وأتاه الناس يهنئونه، فقال:
هذا الأمر لا يصلح إلا لمثل خلفائكم الماضين، وما نرى لهم فينا ندا ولا شبيها فنلقي إليه أزمتنا، ونمحضه نصيحتنا، فإن كان إنما هو من عز بز، فعلام: نعقد لهم في أعناقنا بيعة، وليسوا بأشجع منا لقاء، ولا اعظم منا غناء! [وقد عهد إلينا رسول الله ص:
ألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،] وما رأينا بعد الأربعة الماضين إماما صالحا، ولا وزيرا تقيا، كلهم عاص مخالف، قوي الدنيا، ضعيف
(6/131)

الآخرة، فعلا م تستحل حرمتنا، ونحن أصحاب النخيلة والقادسية وجلولاء ونهاوند! نلقى الأسنة بنحورنا والسيوف بجباهنا، ثم لا يعرف لنا حقنا وفضلنا، فقاتلوا عن حريمكم، فأي الأمر ما كان فلكم فيه الفضل، وإني قد قلبت ظهر المجن، وأظهرت لهم العداوة، ولا قوة إلا بالله وحاربهم فأغار فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ المرادي، فقال له: إن مصعبا يعطيك خراج بادوريا على أن تبايع وتدخل في طاعته، قال: أوليس لي خراج بادوريا وغيرها! لست قابلا شيئا، ولا آمنهم على شيء، ولكني أراك يا فتى- وسيف يومئذ حدث- حدثا، فهل لك أن تتبعني وأمولك! فأبى عليه، فقال ابن الحر حين خرج من الحبس:
لا كوفة أمي ولا بصرة أبي ... ولا أنا يثنيني عن الرحلة الكسل
- قال أبو الحسن: يروي هذا البيت لسحيم بن وثيل الرياحي-
فلا تحسبني ابن الزبير كناعس ... إذا حل أغفى أو يقال له ارتحل
فإن لم أزرك الخيل تردي عوابسا ... بفرسانها لا أدع بالحازم البطل
وإن لم تر الغارات من كل جانب ... عليك فتندم عاجلا أيها الرجل
فلا وضعت عندي حصان قناعها ... ولا عشت إلا بالأماني والعلل
وهي طويلة.
فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي في نفر، فقاتله فهزمه ابن الحر، وضربه ضربة على وجهه، فبعث اليه مصعب حريث ابن زيد- أو يزيد- فبارزه، فقتله عبيد الله بن الحر، فبعث إليه مصعب الحجاج بن جاريه الخثعمي ومسلم بن عمرو، فلقياه بنهر صرصر، فقاتلهم فهزمهم، فأرسل إليه مصعب قوما يدعونه إلى أن يؤمنه ويصله، ويوليه أي بلد شاء، فلم يقبل، وأتى نرسى ففر دهقانها ظيز جشنس بمال الفلوجة، فتبعه ابن الحر حتى مر بعين التمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، فتعوذ بهم الدهقان، فخرجوا إليه فقاتلوه- وكانت خيل بسطام خمسين ومائة فارس- فقال يونس بن
(6/132)

هاعان الهمداني من خيوان، ودعاه ابن الحر إلى المبارزة: شر دهر آخره، ما كنت أحسبني أعيش حتى يدعوني إنسان إلى المبارزة! فبارزه فضربه ابن الحر ضربة أثخنته، ثم اعتنقا فخرا جميعا عن فرسيهما، وأخذ ابن الحر عمامة يونس وكتفه بها ثم ركب، ووافاهم الحجاج بن حارثة الخثعمي، فحمل عليه الحجاج فأسره أيضا عبيد الله، وبارز بسطام بن مصقلة المجشر، فاضطربا حتى كره كل واحد منهما صاحبه، وعلاه بسطام، فلما رأى ذلك ابن الحر حمل على بسطام واعتنقه بسطام، فسقطا إلى الأرض، وسقط ابن الحر على صدر بسطام فأسره، وأسر يومئذ ناسا كثيرا، فكان الرجل يقول: أنا صاحبك يوم كذا، ويقول الآخر: أنا نازل فيكم، ويمت كل واحد منهم بما يرى إنه ينفعه، فيخلي سبيله، وبعث فوارس من أصحابه عليهم دلهم المرادي يطلبون الدهقان، فأصابوه، فأخذوا المال قبل القتال، فقال ابن الحر:
لو أن لي مثل جرير أربعه ... صبحت بيت المال حتى أجمعه
ولم يهلني مصعب ومن معه ... نعم الفتى ذلكم ابن مشجعه
ثم إن عبيد الله أتى تكريت، فهرب عامل المهلب عن تكريت، فأقام عبيد الله يجبي الخراج، فوجه إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي والجون بن كعب الهمداني في ألف، وأمدهما المهلب بيزيد بن المغفل في خمسمائة، فقال رجل من جعفي لعبيد الله: قد أتاك عدد كثير، فلا تقاتلهم، فقال:
يخوفني بالقتل قومي وإنما ... أموت إذا جاء الكتاب المؤجل
لعل القنا تدني بأطرافها الغنى ... فنحيا كراما أو نكر فنقتل
فقال للمجشر ودفع إليه رايته، وقدم معه دلهما المرادي، فقاتلهم يومين وهو في ثلاثمائه، فخرج جرير بن كريب، وقتل عمرو بن جندب الأزدي وفرسان كثير من فرسانه، وتحاجزوا عند المساء،
(6/133)

وخرج عبيد الله من تكريت فقال لأصحابه: انى سائر بكم الى عبد الملك ابن مروان، فتهيئوا، وقال: إني أخاف أن أفارق الحياة ولم أذعر مصعبا وأصحابه، فارجعوا بنا إلى الكوفة قال: فسار إلى كسكر فنفى عاملها، وأخذ بيت ما لها، ثم أتى الكوفة فنزل لحام جرير، فبعث إليه مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتله، فخرج إلى دير الأعور، فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر، فانهزم حجار، فشتمه مصعب ورده، وضم إليه الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحر وعقرت خيولهم، وجرح المجشر، وكان معه لواء ابن الحر، فدفعه إلى أحمر طيئ، فانهزم حجار بن أبجر ثم كر، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى أمسوا، فقال ابن الحر:
لو أن لي مثل الفتى المجشر ... ثلاثة بيتهم لا أمتري
ساعدني ليلة دير الأعور ... بالطعن والضرب وعند المعبر
لطاح فيها عمر بن معمر.
وخرج ابن الحر من الكوفة، فكتب مصعب إلى يزيد بن الحارث بن رؤيم الشيباني- وهو بالمدائن- يأمره بقتال ابن الحر، فقدم ابنه حوشبا فلقيه بباجسري، فهزمه عبيد الله وقتل فيهم، وأقبل ابن الحر فدخل المدائن، فتحصنوا، فخرج عبيد الله فوجه إليه الجون بن كعب الهمداني وبشر بن عبد الله الأسدي، فنزل الجون حولايا، وقدم بشر إلى تامرا فلقي ابن الحر، فقتله ابن الحر، وهزم أصحابه، ثم لقي الجون بن كعب بحولايا، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله، فحمل عليه ابن الحر فطعنه فقتله وهزم أصحابه، وتبعهم، فخرج إليه بشير بن عبد الرحمن بن بشير العجلي، فالتقوا بسورا فاقتتلوا قتالا شديدا، فانحاز بشير عنه، فرجع إلى عمله، وقال: قد هزمت ابن الحر،
(6/134)

فبلغ قوله مصعبا، فقال: هذا من الذين يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا وأقام عبيد الله في السواد يغير ويجبي الخراج، فقال ابن الحر في ذلك:.
سلوا ابن رؤيم عن جلادي وموقفي ... بإيوان كسرى لا أوليهمُ ظهري
أكر عليهم معلما وتراهمُ ... كمعزى تحنى خشية الذئب بالصخر
وبيتهم في حصن كسرى بن هرمز ... بمشحوذة بيض وخطية سمر
فاجزيتهم طعنا وضربا تراهمُ ... يلوذون منا موهنا بذرا القصر
يلوذون متى رهبة ومخافة ... لواذا كما لاذ الحمائم من صقر
ثم إن عبيد الله بن الحر- فيما ذكر- لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه وجهه في عشرة نفر نحو الكوفة، وأمره بالمسير نحوها حتى تلحقه الجنود، فسار بهم، فلما بلغ الأنبار وجه إلى الكوفة من يخبر أصحابه بقدومه، ويسألهم أن يخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسية، فأتوا الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عامل ابن الزبير على الكوفة، فسألوه أن يبعث معهم جيشا، فوجه معهم، فلما لقوا عبيد الله قاتلهم ساعة، ثم غرقت فرسه، وركب معبرا فوثب عليه رجل من الأنباط فأخذ بعضديه وضربه الباقون بالمرادي، وصاحوا: إن هذا طلبة أمير المؤمنين، فاعتنقا فغرقا، ثم استخرجوه فجزوا رأسه، فبعثوا به إلى الكوفة ثم إلى البصرة.
قال أبو جعفر: وقد قيل في مقتله غير ذلك من القول، قيل: كان سبب مقتل عبيد الله ابن الحر أنه كان يغشى بالكوفة مصعبا، فرآه يقدم عليه أهل البصرة، فكتب إلى عبد الله بن الزبير- فيما ذكر- قصيدة يعاتب بها مصعبا ويخوفه مسيره إلى عبد الملك بن مروان، يقول فيها:
(6/135)

ابلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست على رأي قبيح أواربه
أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب ... وزيريه من قد كنت فيه أحاربه!
فكيف وقد أبليتكم حق بيعتي ... وحقي يلوى عندكم واطالبه
وابليتكم مالا يضيّع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه
فلما استنار الملك وانقادت العدا ... وأدرك من مال العراق رغائبه
جفا مصعب عني ولو كان غيره ... لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه
لقد رابني من مصعب أن مصعبا ... أرى كل ذي غش لنا هو صاحبه
وما أنا إن حلأتموني بوارد ... على كدر قد غص بالصفو شاربه
وما لا مرى إلا الذي الله سائق ... إليه وما قد خط في الزبر كاتبه
إذا قمت عند الباب أدخل مسلم ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه
وهي طويلة.
وقال لمصعب وهو في حبسه، وكان قد حبس معه عطية بن عمرو البكري، فخرج عطية، فقال عبيد الله:
أقول له صبرا عطي فإنما ... هو السجن حتى يجعل الله مخرجا
أرى الدهر لي يومين يوما مطردا ... شريدا ويوما في الملوك متوجا
أتطعن في ديني غداة أتيتكم ... وللدين تدنى الباهلي وحشرجا!
ألم تر أن الملك قد شين وجهه ... ونبع بلاد الله قد صار عوسجا!
وهي طويلة.
وقال أيضا يعاتب مصعبا في ذلك، ويذكر له تقريبه سويد ابن منجوف، وكان سويد خفيف اللحية:
بأي بلاء أم بأية نعمة ... تقدم قبلي مسلم والمهلب
(6/136)

ويدعى ابن منجوف أمامي كأنه ... خصي أتى للماء والعير يسرب
وشيخ تميم كالثغامة رأسه ... وعيلان عنا خائف مترقب
جعلت قصور الأزد ما بين منبج ... إلى الغاف من وادي عمان تصوب
بلاد نفى عنها العدو سيوفنا ... وصفره عنها نازح الدار أجنب
وقال قصيدة يهجو فيها قيس عيلان، يقول فيها:
أنا ابن بني قيس فإن كنت سائلا ... بقيس تجدهم ذروة في القبائل
ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل!
وما زلت أرجو الأزد حتى رأيتها ... تقصر عن بنيانها المتطاول
فكتب زفر بن الحارث إلى مصعب: قد كفيتك قتال ابن الزرقاء وابن الحر يهجو قيسا ثم إن نفرا من بني سليم أخذوا ابن الحر فأسروه، فقال: إني إنما قلت:
ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت ... إلينا وسارت بالقنا والقنابل
فقتله رجل منهم يقال له عياش فقال زفر بن الحارث:
لما رأيت الناس أولاد علة ... وأغرق فينا نزغة كل قائل
تكلم عنا مشينا بسيوفنا ... إلى الموت واستنشاط حبل المراكل
فلو يسأل ابن الحر أخبر أنها ... يمانية لا تشترى بالمغازل
وأخبر أنا ذات علم سيوفنا ... بأعناق ما بين الطلى والكواهل
وقال عبد الله بن همام:
ترنمت يا بن الحر وحدك خاليا ... بقول امرئ نشوان أو قول ساقط
أتذكر قوما أوجعتك رماحهم ... وذبوا عن الأحساب عند المآقط
وتبكي لما لاقت ربيعة منهم ... وما أنت في أحساب بكر بواسط!
فهلا بجعفي طلبت ذحولها ... ورهطك دنيا في السنين الفوارط!
تركناهمُ يوم الثري أذلة يلوذون ... من أسيافنا بالعرافط
(6/137)

وخالطكم يوم النخيل بجمعه ... عمير فما استبشرتمُ بالمخالط
ويوم شراحيل جدعنا أنوفكم ... وليس علينا يوم ذاك بقاسط
ضربنا بحد السيف مفرق رأسه ... وكان حديثا عهده بالمواشط
فإن رغمت من ذاك آنف مذحج ... فرغما وسخطا للأنوف السواخط
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وافت عرفات أربعة ألوية، قال مُحَمَّد بن عمر: حدثنى شر حبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: وقفت في سنة ثمان وستين بعرفات أربعة ألوية: ابن الحنفية في أصحابه في لواء قام عند جبل المشاة، وابن الزبير في لواء، فقام مقام الإمام اليوم، ثم تقدم ابن الحنفية بأصحابه حتى وقفوا حذاء ابن الزبير، ونجدة الحروري خلفهما، ولواء بني أمية عن يسارهما، فكان أول لواء انفض لواء مُحَمَّد ابن الحنفية، ثم تبعه نجدة، ثم لواء بني أمية، ثم لواء ابن الزبير، واتبعه الناس.
قال مُحَمَّد: حدثني ابن نافع، عن أبيه، قال: كان ابن عمر لم يدفع تلك العشية إلا بدفعه ابن الزبير، فلما أبطأ ابن الزبير وقد مضى ابن الحنفية ونجدة وبنو أمية- قال ابن عمر: ينتظر ابن الزبير أمر الجاهلية- ثم دفع، فدفع ابن الزبير على أثره.
قال مُحَمَّد: حدثني هشام بن عمارة، عن سعيد بن مُحَمَّد بن جبير، عن أبيه، قال: خفت الفتنة، فمشيت إليهم جميعا، فجئت مُحَمَّد بن علي في الشعب، فقلت: يا أبا القاسم، اتق الله فإنا في مشعر حرام، وبلد حرام، والناس وفد الله إلى هذا البيت، فلا تفسد عليهم حجهم، فقال: والله ما أريد ذلك، وما أحول بين أحد وبين هذا البيت، ولا يؤتى أحد من الحاج من قبلي، ولكني رجل أدفع عن نفسي من ابن الزبير، وما يروم مني، وما أطلب هذا الأمر الا الا يختلف علي فيه اثنان! ولكن ائت ابن الزبير فكلمه، وعليك بنجدة، قال
(6/138)

مُحَمَّد: فجئت ابن الزبير فكلمته بنحو ما كلمت به ابن الحنفية، فقال:
أنا رجل قد اجتمع علي الناس وبايعوني، وهؤلاء أهل خلاف، فقلت:
أرى خيرا لك الكف، قال: أفعل، ثم جئت نجدة الحروري فأجده في أصحابه، وأجد عكرمة غلام ابن عباس عنده، فقلت له:
استأذن لي على صاحبك، قال: فدخل، فلم ينشب أن أذن لي، فدخلت فعظمت عليه، وكلمته كما كلمت الرجلين، فقال: اما ان ابتدى أحدا بقتال فلا، ولكن من بدأ بقتال قاتلته، قلت: فإني رأيت الرجلين لا يريدان قتالك، ثم جئت شيعة بني أمية فكلمتهم بنحو ما كلمت به القوم، فقالوا: نحن على الا نقاتل أحدا إلا أن يقاتلنا، فلم أر في تلك الألوية قوما أسكن ولا أسلم دفعة من ابن الحنفية.
قال أبو جعفر: وكان العامل لابن الزبير في هذه السنة على المدينة جابر ابن الأسود بن عوف الزهري، وعلى البصرة والكوفة أخوه مصعب، وعلى قضاء الْبَصْرَة هِشَام بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبد الله بن عقبة بن مسعود، وعلى خراسان عبد الله بن خازم السلمى، وبالشام عبد الملك ابن مروان.
(6/139)

ثم دخلت

سنه تسع وستين

ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو
ففيها كان خروج عبد الملك بن مروان- فيما زعم الواقدي- إلى عين وردة، واستخلف عمرو بن سعيد بن العاص على دمشق فتحصن بها، فبلغ ذلك عبد الملك، فرجع إلى دمشق، فحاصره- قال: ويقال:
خرج معه- فلما كان ببطنان حبيب، رجع إلى دمشق فتحصن فيها، ورجع عبد الملك إلى دمشق.
وأما عوانة بن الحكم فإنه قال- فيما ذكر هشام بن مُحَمَّد عنه: - إن عبد الملك بن مروان لما رجع من بطنان حبيب إلى دمشق مكث بدمشق ما شاء الله، ثم سار يريد قرقيسياء، وفيها زفر بن الحارث الكلابي ومعه عمرو بن سعيد، حتى إذا كان ببطنان حبيب فتك عمرو بن سعيد، فرجع ليلا ومعه حميد بن حريث بن بحدل الكلبي وزهير بن الأبرد الكلبي، حتى أتى دمشق وعليها عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي قد استخلفه عبد الملك، فلما بلغه رجوع عمرو ابن سعيد هرب وترك عمله، ودخلها عمرو فغلب عليها وعلى خزائنها.
وقال غيرهما: كانت هذه القصة في سنة سبعين وقال: كان مسير عبد الملك من دمشق نحو العراق يريد مصعب بن الزبير، فقال له عمرو بن سعيد بن العاص: إنك تخرج إلى العراق، وقد كان أبوك وعدني هذا الأمر من بعده، وعلى ذلك جاهدت معه، وقد كان من بلائي معه ما لم يخف عليك، فاجعل لي هذا الأمر من بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى شيء، فانصرف عنه عمرو راجعا إلى دمشق، فرجع عبد الملك في أثره حتى انتهى إلى دمشق
(6/140)

رجع الحديث إلى حديث هشام، عن عوانة، قال: ولما غلب عمرو على دمشق طلب عبد الرحمن بن أم الحكم فلم يصبه، فأمر بداره فهدمت واجتمع الناس، وصعد المنبر فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا الناس، إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر إلا زعم أن له جنة ونارا، يدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله، وإنه ليس إلي من ذلك شيء، غير أن لكم علي حسن المؤاساة والعطية ونزل.
واصبح عبد الملك، ففقد عمرو وسعيد، فسأل عنه، فأخبر خبره، فرجع عبد الملك إلى دمشق، فإذا عمرو قد جلل دمشق المسوح فقاتله بها أياما، وكان عمرو بن سعيد إذا أخرج حميد بن حريث الكلبي على الخيل أخرج إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي، وإذا أخرج عمرو بن سعيد زهير بن الأبرد الكلبي أخرج إليه عبد الملك حسان بن مالك بن بحدل الكلبي.
قال هشام حدثني عوانة، أن الخيلين تواقفتا ذات يوم، وكان مع عمرو بن سعيد رجل من كلب يقال له رجاء بن سراج، فقال رجاء:
يا عبد الرحمن بن سليم، ابرز- وكان عبد الرحمن مع عبد الملك- فقال عبد الرحمن: قد أنصف القارة من راماها، وبرز له، فاطعنا وانقطع ركاب عبد الرحمن، فنجا منه ابن سراج، فقال عبد الرحمن:
والله لولا انقطاع الركاب لرميت بما في بطنك من تبن، وما اصطلح عمرو وعبد الملك أبدا، فلما طال قتالهم جاء نساء كلب وصبيانهم فبكين وقلن لسفيان بن الأبرد ولابن بحدل الكلبي: علام تقتلون أنفسكم لسلطان قريش! فحلف كل واحد منهما الا يرجع حتى يرجع صاحبه، فلما أجمعوا على الرجوع نظروا فوجدوا سفيان أكبر من حريث، فطلبوا إلى حريث، فرجع ثم إن عبد الملك وعمرا اصطلحا، وكتبا بينهما كتابا، وآمنه عبد الملك وذلك عشية الخميس.
قال هشام: فحدثني عوانة أن عمرو بن سعيد خرج في الخيل
(6/141)

متقلدا قوسا سوداء، فأقبل حتى أوطأ فرسه أطناب سرادق عبد الملك، فانقطعت الأطناب وسقط السرادق، ونزل عمرو فجلس وعبد الملك مغضب، فقال لعمرو: يا أبا أمية، كأنك تشبه بتقلدك هذه القوس بهذا الحي من قيس! قال: لا، ولكني أتشبه بمن هو خير منهم، العاص بن أمية.
ثم قام مغضبا والخيل معه حتى دخل دمشق، ودخل عبد الملك دمشق يوم الخميس، فبعث إلى عمرو أن أعط الناس أرزاقهم، فأرسل إليه عمرو:
أن هذا لك ليس ببلد فاشخص عنه فلما كان يوم الاثنين وذلك بعد دخول عبد الملك دمشق بأربع بعث إلى عمرو أن ائتني- وهو عند امرأته الكلبية، وقد كان عبد الملك دعا كريب بن أبرهة بن الصباح الحميري فاستشاره في أمر عمرو بن سعيد، فقال له: في هذا هلكت حمير، لا أرى لك ذلك، لا ناقتي في ذا ولا جملي- فلما أتى رسول عبد الملك عمرا يدعوه صادق الرسول عبد الله بن يزيد بن معاوية عند عمرو، فقال عبد الله لعمرو بن سعيد: يا أبا أمية، والله لأنت أحب إلي من سمعي وبصري، وقد أرى هذا الرجل قد بعث إليك أن تأتيه، وأنا ارى لك الا تفعل، فقال له عمرو: ولم؟ قال: لأن تبيع ابن امرأة كعب الأحبار.
قال: إن عظيما من عظماء ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق، ثم يخرج منها، فلا يلبث أن يقتل، فقال له عمرو: والله لو كنت نائما ما تخوفت أن ينبهني ابن الزرقاء، ولا كان ليجترئ على ذلك مني، مع أن عثمان بن عفان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه- وكان عبد الله بن يزيد زوج أم موسى بنت عمرو بن سعيد- فقال عمرو للرسول: أبلغه السلام، وقل له: أنا رائح إليك العشية إن شاء الله فلما كان العشي لبس عمرو درعا حصينة بين قباء قوهي وقميص قوهي، وتقلد سيفه وعنده امرأته الكلبية، وحميد بن حريث بن بحدل الكلبي، فلما نهض متوجها، عثر بالبساط، فقال له حميد: أما والله لئن أطعتني لم تأته، وقالت له امرأته تلك المقالة، فلم يلتفت إلى قولهم، ومضى في مائة رجل من مواليه، وقد بعث عبد الملك إلى بني مروان فاجتمعوا عنده، فلما بلغ عبد الملك
(6/142)

أنه بالباب أمر أن يحبس من كان معه، وأذن له فدخل، ولم تزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى دخل عمرو قاعة الدار، وما معه إلا وصيف له، فرمى عمرو ببصره نحو عبد الملك، فإذا حوله بنو مروان، وفيهم حسان ابن مالك بن بحدل الكلبي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، فلما رأى جماعتهم أحس بالشر، فالتفت إلى وصيفه فقال: انطلق ويحك إلى يحيى بن سعيد، فقل له يأتيني فقال له الوصيف ولم يفهم ما قال له: لبيك! فقال له: اغرب عني في حرق الله وناره وقال عبد الملك لحسان وقبيصة: إذا شئتما فقوما فالتقيا وعمرا في الدار، فقال عبد الملك لهما كالمازح ليطمئن عمرو بن سعيد: أيكما أطول؟ فقال حسان: قبيصة يا أمير المؤمنين أطول مني بالإمرة، وكان قبيصة على الخاتم ثم التفت عمرو إلى وصيفه فقال: انطلق إلى يحيى فمره أن يأتيني، فقال له: لبيك، ولم يفهم عنه، فقال له عمرو: اغرب عني، فلما خرج حسان وقبيصة أمر بالأبواب فغلقت، ودخل عمرو فرحب به عبد الملك، وقال: هاهنا يا أبا أمية، يرحمك الله! فأجلسه معه على السرير، وجعل يحدثه طويلا، ثم قال:
يا غلام، خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: أو تطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك! فأخذ السيف عنه، ثم تحدثا ما شاء الله، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: إنك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة، فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال: ثم أطلقه، وما عسيت أن أصنع بأبي أمية! فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين، فقال عمرو:
قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه، ثم قال: يا غلام، قم فاجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رءوس الناس! فقال عبد الملك: أمكرا أبا أمية عند الموت! لاها الله إذا! ما كنا
(6/143)

لنخرجك في جامعة على رءوس الناس، ولما نخرجها منك إلا صعدا.
ثم اجتبذه اجتباذة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال عمرو:
أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك إلى كسر عظم مني أن تركب ما هو أعظم من ذلك فقال له عبد الملك: والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أبقي عليك وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على مثل ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه فلما رأى عمرو أن ثنيته قد اندقت وعرف الذي يريد عبد الملك، قال: أغدرا يا بن الزرقاء! وقيل: إن عبد الملك لما جذب عمرا فسقطت ثنيته جعل عمرو يمسها، فقال عبد الملك له: أرى ثنيتك قد وقعت منك موقعا لا تطيب نفسك بعدها فأمر به فضرب عنقه.
رجع الحديث إلى حديث عوانة وأذن المؤذن العصر، فخرج عبد الملك يصلي بالناس، وأمر عبد العزيز بن مروان أن يقتله، فقام إليه عبد العزيز بالسيف، فقال له عمرو: أذكرك الله والرحم أن تلي أنت قتلي، وليتول ذلك من هو أبعد رحما منك! فألقى عبد العزيز السيف وجلس، وصلى عبد الملك صلاة خفيفة، ودخل، وغلقت الأبواب ورأى الناس عبد الملك حيث خرج وليس عمرو معه، فذكروا ذلك ليحيى بن سعيد فأقبل في الناس حتى حل بباب عبد الملك ومعه ألف عبد لعمرو، وأناس بعد من أصحابه كثير، فجعل من كان معه يصيحون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية! وأقبل مع يحيى بن سعيد حميد بن حريث وزهير بن الأبرد فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف، وضرب عبد لعمرو بن سعيد يقال له مصقلة الوليد بن عبد الملك ضربة على رأسه، واحتمله ابراهيم ابن عربي صاحب الديوان فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبد الملك حين صلى فوجد عمرا حيا، فقال لعبد العزيز: ما منعك من أن تقتله! قال:
(6/144)

منعني أنه ناشدني الله والرحم فرققت له فقال له عبد الملك: أخزى الله أمك البوالة على عقبيها، فإنك لم تشبه غيرها- وأم عبد الملك عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وكانت أم عبد العزيز ليلى، وذلك قول ابن الرقيات:
ذاك ابن ليلى عبد العزيز ... ببابليون تغدو جفانه رذما
ثم إن عبد الملك قال: يا غلام، ائتني بالحربة فأتاه بالحربة فهزها، ثم طعنه بها فلم تجز، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده إلى عضد عمرو، فوجد مس الدرع، فضحك، ثم قال: ودارع أيضا يا أبا أمية! إن كنت لمعدا! يا غلام، ائتني بالصمصامة، فأتاه بسيفه، ثم أمر بعمرو فصرع، وجلس على صدره فذبحه وهو يقول:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وانتفض عبد الملك رعدة- وكذلك الرجل زعموا يصيبه إذا قتل ذا قرابة له- فحمل عبد الملك عن صدره فوضع على سريره، فقال:
ما رأيت مثل هذا قط، قتله صاحب دنيا ولا طالب آخره ودخل يحيى ابن سعيد ومن معه على بني مروان الدار فجرحوهم ومن كان معهم من مواليهم، فقاتلوا يحيى واصحابه، وجاء عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي فدفع إليه الرأس، فألقاه إلى الناس، وقام عبد العزيز بن مروان فأخذ المال في البدور، فجعل يلقيها إلى الناس، فلما نظر الناس إلى الأموال ورأوا الرأس انتهبوا الأموال وتفرقوا وقد قيل: إن عبد الملك ابن مروان لما خرج إلى الصلاة أمر غلامه أبا الزعيزعة بقتل عمرو، فقتله وألقى رأسه إلى الناس وإلى أصحابه.
قال هشام: قال عوانة: فحدثت أن عبد الملك أمر بتلك الأموال التي طرحت إلى الناس فجبيت حتى عادت كلها إلى بيت المال، ورمي يحيى بن سعيد يومئذ في رأسه بصخرة، وأمر عبد الملك بسريره فأبرز إلى
(6/145)

المسجد، وخرج فجلس عليه، وفقد الوليد بن عبد الملك فجعل يقول:
ويحكم! أين الوليد؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عربي الكناني فقال: هذا الوليد عندي، قد أصابته جراحة، وليس عليه بأس، فأتي عبد الملك بيحيى بن سعيد، فأمر به أن يقتل، فقام إليه عبد العزيز، فقال: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! أتراك قاتلا بني أمية في يوم واحد! فأمر بيحيى فحبس، ثم أتي بعنبسة بن سعيد، فأمر به أن يقتل، فقام اليه عبد العزيز فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين في استئصال بني أمية وهلاكها! فأمر بعنبسه فحبس، ثم أتي بعنبسة بن سعيد فأمر به أن يقتل، فقام إليه عبد العزيز بن مروان، فقال: اذكرك لك الله يا أمير المؤمنين في استئصال بني أمية وهلاكها! فأمر بعنبسة فحبس، ثم أتي بعامر بن الأسود الكلبي فضرب رأسه عبد الملك بقضيب خيزران كان معه، ثم قال: أتقاتلني مع عمرو وتكون معه علي! قال: نعم، لأن عمرا أكرمني وأهنتني، وأدناني وأقصيتني، وقربني وأبعدتني، وأحسن إلي وأسأت إلي، فكنت معه عليك فأمر به عبد الملك أن يقتل، فقام عبد العزيز فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين في خالي! فوهبه له وأمر ببني سعيد فحبسوا، ومكث يحيى في الحبس شهرا أو أكثر ثم إن عبد الملك صعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ استشار الناس في قتله، فقام بعض خطباء الناس فقال: يا أمير المؤمنين، هل تلد الحية إلا حية! نرى والله أن تقتله فإنه منافق عدو ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فقال: يا أمير المؤمنين، إن يحيى ابن عمك، وقرابته ما قد علمت، وقد صنعوا ما صنعوا، وصنعت بهم ما قد صنعت، ولست لهم بآمن، ولا أرى لك قتلهم، ولكن سيرهم إلى عدوك، فإن هم قتلوا كنت قد كفيت أمرهم بيد غيرك، وإن هم سلموا ورجعوا رأيت فيهم رأيك.
فأخذ برأيه، وأخرج آل سعيد فألحقهم بمصعب بن الزبير، فلما قدموا عليه دخل يحيى بن سعيد، فقال له ابن الزبير: انفلت وانحص الذنب، فقال: والله إن الذنب لبهلبه ثم إن عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو الكلبية: ابعثي إلي بالصلح الذي كنت كتبته
(6/146)

لعمرو، فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلمه أني قد لففت ذلك الصلح معه في أكفانه ليخاصمك به عند ربه، وكان عمرو بن سعيد وعبد الملك يلتقيان في النسب إلى أمية، وكانت أم عمرو أم البنين ابنة الحكم ابن أبي العاص عمة عبد الملك قال هشام: فحدثنا عوانة أن الذي كان بين عبد الملك وعمرو كان شرا قديما، وكان ابنا سعيد أمهما أم البنين، وكان عبد الملك ومعاوية ابني مروان، فكانوا وهم غلمان لا يزالون يأتون أم مروان بن الحكم الكنانية يتحدثون عندها، فكان ينطلق مع عبد الملك ومعاوية غلام لهم أسود، وكانت أم مروان إذا أتوها هيأت لهم طعاما، ثم تأتيهم به فتضع بين يدي كل رجل صحفة على حدة، وكانت لا تزال تؤرش بين معاويه ابن مروان ومُحَمَّد بن سعيد، وبين عبد الملك وعمرو بن سعيد، فيقتتلون ويتصارمون الحين، لا يكلم بعضهم بعضا، وكانت تقول: إن لم يكن عند هذين عقل فعند هذين، فكان ذلك دأبها كلما أتوها حتى أثبتت الشحناء في صدورهم.
وذكر أن عبد الله بن يزيد القسري أبا خالد كان مع يحيى ابن سعيد حيث دخل المسجد فكسر باب المقصورة، فقاتل بني مروان، فلما قتل عمرو وأخرج رأسه إلى الناس ركب عبد الله وأخوه خالد فلحقوا بالعراق، فأقام مع ولد سعيد وهم مع مصعب حتى اجتمعت الجماعة على عبد الملك، وقد كانت عين عبد الله بن يزيد فقئت يوم المرج، وكان مع ابن الزبير يقاتل بني أمية، وإنه دخل على عبد الملك بعد الجماعة، فقال: كيف أنتم آل يزيد؟ فقال عبد الله: حرباء حرباء، فقال عبد الملك: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ*، وما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ*.
قال هشام عن عوانة: إن ولد عمرو بن سعيد دخلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة: أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومُحَمَّد، فلما نظر إليهم عبد الملك قال لهم: إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم، وإن الذي كان بيني وبين أبيكم لم
(6/147)

يكن حديثا، بل كان قديما في أنفس أوليكم على أولينا في الجاهلية.
فأقطع بأمية بن عمرو- وكان أكبرهم- فلم يقدر أن يتكلم، وكان أنبلهم وأعقلهم، فقام سعيد بن عمرو وكان الأوسط فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعي علينا أمرا كان في الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك، فوعدنا جنة، وحذرنا نارا! وأما الذي كان بينك وبين عمرو فان عمرا ابن عملك، وأنت أعلم وما صنعت، وقد وصل عمرو الى الله، وكفى بالله حسيبا، ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك رقة شديدة، وقال: إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم، وأوصلني لقرابتكم، وأرعاني لحقكم! فأحسن جائزتهم، ووصلهم وقربهم.
وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك ومن عمرو بن سعيد، كيف أصبت غرته فقتلته! فقال عبد الملك:
دانيته مني ليسكن روعه ... فأصول صولة حازم مستمكن
غضبا ومحمية لديني أنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن
قال عوانة: لقي رجل سعيد بن عمرو بن سعيد بمكة، فقال له: ورب هذه البنية، ما كان في القوم مثل أبيك، ولكنه نازع القوم ما في أيديهم فعطب.
وكان الواقدي يقول: إنما كان في سنة تسع وستين بين عبد الملك ابن مروان وعمرو بن سعيد الحصار، وذلك أن عمرو بن سعيد تحصن بدمشق فرجع عبد الملك إليه من بطنان حبيب، فحاصره فيها، وأما قتله إياه فإنه كان في سنة سبعين.
وفي هذه السنة حكم محكم من الخوارج بالخيف من منى فقتل عند الجمرة، ذكر محمد بن عمر أن يحيى بن سعيد بن دينار حدثه عن
(6/148)

أبيه، قال: رأيته عند الجمرة سل سيفه، وكانوا جماعة فأمسك الله بأيديهم، وبدر هو من بينهم، فحكم، فمال الناس عليه فقتلوه.
وأقام الحج للناس فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ.
وكان عامله فيها على المصرين: الكوفة والبصرة أخوه مصعب بن الزبير وكان على قضاء الْكُوفَة شريح وعلى قضاء الْبَصْرَة هِشَام بن هبيرة، وعلى خُرَاسَان عَبْد اللَّهِ بن خازم.
(6/149)

ثم دخلت

سنه سبعين
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففي هذه السنة ثارت الروم، واستجاشوا على من بالشام من ذلك من المسلمين، فصالح عبد الملك ملك الروم، على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين.
وفيها شخص- فيما ذكر مُحَمَّد بن عمر- مصعب بن الزبير إلى مكة فقدمها بأموال عظيمة، فقسمها في قومه وغيرهم، وقدم بدواب كثيرة وظهر وأثقال، فأرسل إلى عبد الله بن صفوان وجبير بن شيبة، وعبد الله بن مطيع مالا كثيرا، ونحر بدنا كثيرة.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزبير.
وكان عماله على الأمصار في هذه السنة عماله في السنة التي قبلها على المعاون والقضاء.
(6/150)

ثم دخلت

سنه إحدى وسبعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك

مسير عبد الملك بن مروان فيها إلى العراق لحرب مصعب بن الزبير،
وكان عبد الملك- فيما قيل- لا يزال يقرب من مصعب، حتى يبلغ بطنان حبيب، ويخرج مصعب إلى باجميرا، ثم تهجم الشتاء فيرجع كل واحد منهما إلى موضعه، ثم يعودان، فقال عدي بن زيد بن عدي بن الرقاع العاملي:
لعمري لقد أصحرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب
إذا ما منافق أهل العراق ... عوتب ثمت لم يعتب
دلفنا إليه بذي تدرإ ... قليل التفقد للغيب
يهزون كل طويل القناة ... ملتئم النصل والثعلب
كأن وعاهم إذا ما غدوا ... ضجيج قطا بلد مخصب
فقدمنا واضح وجهه ... كريم الضرائب والمنصب
أعين بنا ونصرنا به ... ومن ينصر الله لم يغلب
(6/151)

فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد، قال: أقبل عبد الملك من الشام يريد مصعبا- وذلك قبل هذه السنة، في سنة سبعين- ومعه خالد بن عَبْد اللَّهِ بن خَالِد بن أسيد، فَقَالَ خالد لعبد الملك: إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن أغلب لك عليها، فوجهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا في مواليه وخاصته، حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلي.
قال عمر: قال أبو الحسن: قال مسلمة بن محارب: أجار عمرو بن أصمع خالدا، وأرسل إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن معمر- وكان مصعب إذا شخص عن البصرة استخلف عليها عبيد الله بن عبيد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع ان يبايعه عباد بن الحصين- باتى قد اجرت خالدا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظهرا فوافاه رسوله حين نزل عن فرسه، فقال له عباد: قل له: والله لا أضع لبد فرسي حتى آتيك في الخيل فقال عمرو لخالد: إني لا أغرك، هذا عباد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك، ولكن عليك بمالك بن مسمع قال أبو زيد: قال أبو الحسن: ويقال إنه نزل على علي بن أصمع، فبلغ ذلك عبادا فأرسل إليه عباد: أني سائر إليك.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن محمد، عن مسلمة وعوانة أن خالدا خرج من عند ابن أصمع يركض، عليه قميص قوهي رقيق، قد حسره عن فخذيه، وأخرج رجليه من الركابين، حتى أتى مالكا، فقال: إني قد اضطررت إليك، فأجرني، قال: نعم، وخرج هو وابنه، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد، فكانت أول راية أتته راية بني يشكر وأقبل عباد في الخيل، فتواقفوا، ولم يكن بينهم، فلما كان من الغد غدوا الى حفره نافع بن الحارث التي نسبت بعد إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم قد أتوه، منهم صعصعة بن معاوية، وعبد العزيز بن
(6/152)

بشر، ومرة بن محكان، في عدد منهم، وكان أصحاب خالد جفرية ينسبون إلى الجفرة، وأصحاب ابن معمر زبيرية، فكان من الجفرية عبيد الله بن أبي بكرة وحمران والمغيرة بن المهلب، ومن الزبيرية قيس بن الهيثم السلمي، وكان يستأجر الرجال يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرة فقال: غدا أعطيكها، فقال غطفان بن أنيف، أحد بن كعب بن عمرو:
لبئس ما حكمت يا جلاجل ... النقد دين والطعان عاجل
وأنت بالباب سمير آجل.
وكان قيس يعلق في عنق فرسه جلاجل، وكان على خيل بني حنظله عمرو بن وبرة القحيفي، وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كل يوم، فيعطيهم عشرة عشرة، فقيل له:
لبئس ما حكمت يا بن وبره ... تعطى ثلاثين وتعطي عشره
ووجه المصعب زحر بن قيس الجعفي مددا لابن معمر في ألف، ووجه عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان مددا لخالد، فكره أن يدخل البصرة، وأرسل مطر بن التوءم فرجع إليه فأخبره بتفرق الناس، فلحق بعبد الملك.
قال أبو زيد: قال أبو الحسن: فحدثني شيخ من بني عرين، عن السكن بن قتادة، قال: اقتتلوا أربعة عشرين يوما، وأصيبت عين مالك، فضجر من الحرب، ومشت السفراء، بينهم يوسف بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، فصالحه، على أن يخرج خالدا وهو آمن، فأخرج خالدا من البصره، وخاف الا يجيز المصعب أمان عبيد الله، فلحق مالك بثأج، فقال الفرزدق يذكر مالكا ولحوق التميمية به وبخالد:
عجبت لأقوام تميم أبوهمُ ... وهم في بني سعد عظام المبارك
(6/153)

وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم ... إلى الأزد مصفرا لحاها ومالك
فما ظنكم بابن الحواري مصعب ... إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك
ونحن نفينا مالكا عن بلاده ... ونحن فقأنا عينه بالنيازك
قال أبو زيد: قال أبو الحسن: حدثني مسلمة أن المصعب لما انصرف عبد الملك إلى دمشق لم يكن له همة إلا البصرة، وطمع أن يدرك بها خالدا، فوجده قد خرج، وأمن ابن معمر الناس، فأقام أكثرهم، وخاف بعضهم مصعبا فشخص، فغضب مصعب على ابن معمر، وحلف الا يوليه، وأرسل إلى الجفرية فسبهم وأنبهم.
قال أبو زيد: فزعم المدائني وغيره من رواة أهل البصرة أنه أرسل إليهم فأتي بهم، فأقبل على عبيد الله بن أبي بكرة، فقال: يا بن مسروح، إنما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب، فجاءت بأحمر وأسود وأصفر من كل كلب بما يشبهه، وإنما كان أبوك عبدا نزل الى رسول الله ص من حصن الطائف، ثم أقمتم البينة تدعون أن أبا سفيان زنى بأمكم، أما والله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم ثم دعا بحمران فقال: يا بن اليهودية، إنما أنت علج نبطي سبيت من عين التمر ثم قال للحكم بن المنذر بن الجارود: يا بن الخبيث، أتدري من أنت ومن الجارود! إنما كان الجارود علجا بجزيرة ابن كاوان فارسيا، فقطع إلى ساحل البحر، فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حيا أكثر اشتمالا على سوءة منهم ثم أنكح أخته المكعبر الفارسي فلم يصب شرفا قط أعظم منه، فهؤلاء ولدها يا بن قباذ ثم أتي بعبد الله بن فضالة الزهراني فقال: ألست من أهل هجر ثم من أهل سماهيج! أما والله لآردنك إلى نسبك ثم أتي بعلي بن أصمع، فقال: أعبد لبني تميم مرة وعزي من باهلة! ثم أتي بعبد العزيز بن بشر بن حناط فقال: يا بن المشتور، ألم يسرق عمك عنزا في عهد عمر، فأمر به فسير ليقطعه! أما والله ما أعنت إلا
(6/154)

من ينكح أختك- وكانت أخته تحت مقاتل بن مسمع- ثم أتي بأبي حاضر الأسدي فقال: يا بن الإصطخرية، ما أنت والأشراف! وإنما أنت من أهل قطر دعي في بني أسد، ليس لك فيهم قريب ولا نسيب ثم أتي بزياد بن عمرو فقال: يا بن الكرماني، إنما أنت علج من أهل كرمان قطعت الى فارس فصرت ملاحا، مالك وللحرب! لأنت بجر القلس أحذق ثم أتي بعبد الله بن عثمان بن أبي العاص فقال: أعلي تكثر وأنت علج من أهل هجر، لحق أبوك بالطائف وهم يضمون من تأشب إليهم يتعززون به! أما والله لأردنك إلى أصلك ثم أتي بشيخ بن النعمان فقال: يا بن الخبيث، انما أنت علج من اهل زند ورد، هربت أمك وقتل أبوك، فتزوج أخته رجل من بني يشكر، فجاءت بغلامين، فألحقناك بنسبهما، ثم ضربهم مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وهدم دورهم، وصهرهم في الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمر أولادهم في البعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم ألا ينكحوا الحرائر وبعث مصعب خداش بن يزيد الأسدي في طلب من هرب من أصحاب خالد، فأدرك مرة بن محكان فأخذه، فقال مرة:
بني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميما إذا الحرب العوان اشمعلت
بني أسد هل فيكمُ من هوادة ... فتعفون إن كانت بي النعل زلت
فلا تحسب الأعداء إذ غبت عنهمُ ... وأوريت معنا أن حربيَ كلت
تمشى خداش في الأسكة آمنا ... وقد نهلت مني الرماح وعلت
فقربه خداش فقتله- وكان خداش على شرطة مصعب يومئذ- وأمر مصعب سنان بن ذهل أحد بني عمرو بن مرثد بدار مالك بن
(6/155)

مسمع فهدمها، وأخذ مصعب ما كان في دار مالك، فكان فيما أخذ جارية ولدت له عمر بن مصعب قال: وأقام مصعب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة، ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك، ونزل عبد الملك مسكن، وكتب عبد الملك إلى المروانية من أهل العراق، فأجابه كلهم وشرط عليه ولاية أصبهان، فأنعم بها لهم كلهم، منهم حجار ابن أبجر، والغضبان بن القبعثرى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومُحَمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وزحر بن قيس، ومحمد ابن عمير، وعلى مقدمته مُحَمَّد بن مروان، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد، وسار إليه مصعب وقد خذله أهل الكوفة.
قال عروة بن المغيرة بن شعبة: فخرج يسير متكئا على معرفة دابته، ثم تصفح الناس يمينا وشمالا فوقعت عينه علي، فقال: يا عروة، إلي، فدنوت منه، فقال: أخبرني عن الحسين بن علي، كيف صنع بإبائه النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب؟ فقال:
إن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
قال: فعلمت أنه لا يريم حتى يقتل، وكان عبد الملك- فيما ذكر محمد بن عمر عن عبد الله بْن محمد بْن عبد الله بن أبي قره، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي فروة، عن رجاء بن حيوة- قال: لما قتل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه، فلما أجمع بالمسير إلى مصعب وقد صفت له الشام وأهلها خطب الناس وأمرهم بالتهيؤ إلى مصعب، فاختلف عليه رؤساء أهل الشام من غير خلاف لما يريده، ولكنهم أحبوا أن يقيم ويقدم الجيوش، فإن ظفروا فذاك، وإن لم يظفروا أمدهم بالجيوش خشية على الناس إن أصيب في لقائه مصعبا لم يكن وراءه ملك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو أقمت مكانك وبعثت على هؤلاء الجيوش رجلا من أهل بيتك، ثم
(6/156)

سرحته إلى مصعب! فقال عبد الملك: إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي، ولعلي أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني أجد في نفسي أني بصير بالحرب، شجاع بالسيف إن ألجئت إلى ذلك ومصعب في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش، وهو شجاع ولا علم له بالحرب يحب الخفض، ومعه من يخالفه ومعي من ينصح لي فسار عبد الملك حتى نزل مسكن، وسار مصعب إلى باجميرا، وكتب عبد الملك إلى شيعته من أهل العراق، فأقبل إبراهيم بن الأشتر بكتاب عبد الملك مختوما لم يقرأه، فدفعه إلى مصعب، فقال: ما فيه؟ فقال: ما قرأته، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب: إنه والله ما كان من أحد آيس منه مني، ولقد كتب إلى أصحابك كلهم بمثل الذي كتب إلي، فأطعني فيهم فاضرب أعناقهم قال: إذا لا تناصحنا عشائرهم قال: فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى فاحبسهم هنالك، ووكل بهم من إن غلبت ضرب أعنقهم، وإن غلبت مننت بهم على عشائرهم فقال: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن ذلك، يرحم الله أبا بحر، إن كان ليحذرني غدر أهل العراق، كأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه! حدثني عمر، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سلام، عن عبد القاهر بن السري، قال: هم أهل العراق بالغدر بمصعب، فقال قيس بن الهيثم:
ويحكم! لا تدخلوا أهل الشام عليكم، فو الله لئن تطعموا بعيشكم ليصفين عليكم منازلكم، والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف وأحدنا على ألف بعير، وإن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه.
قال: ولما تدانى العسكران بدير الجاثليق من مسكن، تقدم إبراهيم بن الأشتر فحمل على مُحَمَّد بن مروان فأزاله عن موضعه، فوجه عبد الملك بن مروان عبد الله بن يزيد بن معاوية، فقرب من محمد بن
(6/157)

مروان والتقى القوم فقتل مسلم بن عمرو الباهلى، وقتل يحيى ابن مبشر، أحد بني ثعلبة بن يربوع، وقتل ابراهيم بن الاشتر، فهرب عتاب ابن ورقاء- وكان على الخيل مع مصعب- فقال مصعب لقطن بن عبد الله الحارثي: أبا عثمان، قدم خيلك، قَالَ: ما أرى ذلك، قَالَ: ولم؟
قَالَ: أكره أن تقتل مذحج في غير شيء، فقال لحجار بن أبجر:
أبا أسيد، قدم رايتك، قال: إلى هذه العذرة! قال: ما تتأخر إليه والله أنتن وألأم، فقال لمُحَمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس مثل ذلك، فقال: ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله، فقال مصعب: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم! حدثني أبو زيد، قال: حدثني مُحَمَّد بن سلام، قال: أخبر ابن خازم بمسير مصعب إلى عبد الملك، فقال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استعمله على فارس، قال: افمعه المهلب بن ابى صفره؟
قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعه عباد بن الحصين؟ قيل:
لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخراسان!
خذيني فجريني جعار وابشرى ... بلحم امرى لم يشهد اليوم ناصره
فقال مصعب لابنه عيسى بن مصعب: يا بني، اركب أنت ومن معك إلى عمك بمكة فأخبره ما صنع أهل العراق، ودعني فإني مقتول.
فقال ابنه: والله لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن إن أردت ذلك فالحق بالبصرة فهم على الجماعة، أو الحق بأمير المؤمنين قال مصعب: والله لا تتحدث قريش أني فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها حتى أدخل الحرم منهزما، ولكن أقاتل، فإن قتلت فلعمري ما السيف بعار، وما الفرار لي بعادة ولا خلق، ولكن إن أردت أن ترجع فارجع فقاتل فرجع فقاتل حتى قتل.
قال علي بن مُحَمَّد عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه
(6/158)

أن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه مُحَمَّد بن مروان: أن ابن عمك يعطيك الأمان، فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا.
وقال الهيثم بن عدي: حدثنا عبد الله بن عياش، عن أبيه، قال:
إنا لوقوف مع عبد الملك بن مروان وهو يحارب مصعبا إذ دنا زياد بن عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إن إسماعيل بن طلحة كان لي جار صدق، قلما أرادني مصعب بسوء إلا دفعه عني، فإن رأيت أن تؤمنه على جرمه! قال: هو آمن، فمضى زياد- وكان ضخما على ضخم- حتى صار بين الصفين، فصاح: أين أبو البختري إسماعيل بن طلحة؟ فخرج إليه، فقال: إني أريد أن أذكر لك شيئا، فدنا حتى اختلفت أعناق دوابهما- وكان الناس ينتطقون بالحواشي المحشوة- فوضع زياد يده في منطقة إسماعيل، ثم اقتلعه عن سرجه- وكان نحيفا- فقال: أنشدك الله يا أبا المغيرة، إن هذا ليس بالوفاء لمصعب، فقال: هذا أحب الى من أن أراك غدا مقتولا.
ولما أبى مصعب قبول الأمان نادى مُحَمَّد بن مروان عيسى بن مصعب وقال له: يا بن أخي، لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مصعب:
قد آمنك عمك فامض إليه، قال: لا تتحدث نساء قريش أني أسلمتك للقتل، قال: فتقدم بين يدي أحتسبك، فقاتل بين يديه حتى قتل، وأثخن مصعب بالرمي، ونظر إليه زائدة بن قدامة فشد عليه فطعنه، وقال: يا لثأرات المختار! فصرعه، ونزل اليه عبيد الله ابن زياد بن ظبيان، فاحتز رأسه، وقال: إنه قتل أخي النابئ بن زياد فأتي به عبد الملك بن مروان فأثابه ألف دينار، فأبى أن يأخذها، وقال: إني لم أقتله على طاعتك، إنما قتلته على وتر صنعه بي، ولا آخذ في حمل رأس مالا فتركه عند عبد الملك.
وكان الوتر الذي ذكره عبيد الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبا أن مصعبا كان ولي في بعض ولايته شرطه مطرف بن سيدان الباهلي ثم أحد بني جأوة
(6/159)

فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني أبو الحسن المدائني ومخلد بن يحيى بن حاضر، ان مطرفا اتى بالنابى بن زياد بن ظبيان ورجل من بني نمير قد قطعا الطريق، فقتل النابئ، وضرب النميري بالسياط فتركه، فجمع له عبيد الله بن زياد بن ظبيان جمعا بعد أن عزله مصعب عن البصرة وولاه الأهواز، فخرج يريده، فالتقيا فتواقفا وبينهما نهر، فعبر مطرف إليه النهر، وعاجله ابن ظبيان فطعنه فقتله، فعبث مصعب مكرم بن مطرف في طلب ابن ظبيان، فسار حتى بلغ عسكر مكرم، فنسب إليه، ولم يلق ابن ظبيان ولحق ابن ظبيان بعبد الملك لما قتل أخوه، فقال البعيث اليشكري بعد قتل مصعب يذكر ذلك:
ولما رأينا الأمر نكسا صدوره ... وهم الهوادي أن تكن تواليا
صبرنا لأمر الله حتى يقيمه ... ولم نرض إلا من أمية واليا
ونحن قتلنا مصعبا وابن مصعب ... أخا أسد والنخعي اليمانيا
ومرت عقاب الموت منا بمسلم ... فأهوت له نابا فأصبح ثاويا
سقينا ابن سيدان بكأس روية ... كفتنا، وخير الأمر ما كان كافيا
حدثني أبو زيد، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد، قال: مر ابن ظبيان بابنة مطرف بالبصرة، فقيل لها: هذا قاتل أبيك، فقالت:
في سبيل الله أبي، فقال ابن ظبيان:
فلا في سبيل الله لاقى حمامه ... أبوك ولكن في سبيل الدراهم
فلما قتل مصعب دعا عبد الملك بن مروان أهل العراق إلى البيعة، فبايعوه، وكان مصعب قتل على نهر يقال له الدجيل عند دير الجاثليق فلما قتل أمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا ذكر الواقدي عن عثمان بن مُحَمَّد، عن أبي بكر بن عمر، عن عروة
(6/160)

قال: قال عبد الملك حين قتل مصعب: واروه فقد والله كانت الحرمة بيننا وبينه قديمة، ولكن هذا الملك عقيم.
قال أبو زيد: وحدثني أبو نعيم، قال: حدثني عبد الله بن الزبير أبو أبي أحمد، عن عَبْد اللَّهِ بن شريك العامري، قَالَ: إني لواقف إلى جنب مصعب بن الزبير فأخرجت له كتابا من قبائي، فقلت له: هذا كتاب عبد الملك، فقال: ما شئت، قال: ثم جاء رجل من أهل الشام فدخل عسكره، فاخرج جاريه فصاحت: وا ذلاه! فنظر إليها مصعب، ثم أعرض عنها.
قال: وأتي عبد الملك برأس مصعب، فنظر إليه فقال: متى تغدو قريش مثلك! وكانا يتحدثان إلى حبى، وهما بالمدينة، فقيل لها: قتل مصعب، فقالت: تعس قاتله، قيل: قتله عبد الملك بن مروان، قالت: بأبي القاتل والمقتول! قال: وحج عبد الملك بعد ذلك، فدخلت عليه حبى، فقالت:
أقتلت أخاك مصعبا؟ فقال:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع
وقال ابن قيس الرقيات:
لقد أورث المصرين خزيا وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما نصحت لله بكر بن وائل ... ولا صبرت عند اللقاء تميم
ولو كان بكريا تعطف حوله ... كتائب يغلي حميها ويدوم
ولكنه ضاع الذمام ولم يكن ... بها مضري يوم ذاك كريم
جزى الله كوفيا هناك ملامة ... وبصريهم إن المليم مليم
وإن بني العلات أخلوا ظهورنا ... ونحن صريح بينهم وصميم
(6/161)

فان نفن لا يبقوا ولا يك بعدنا ... لذي حرمة في المسلمين حريم
قال أبو جعفر: وقد قيل: إن ما ذكرت من مقتل مصعب والحرب التي جرت بينه وبين عبد الملك كانت في سنة اثنتين وستين، وان امر خالد ابن عبد الله بن خالد بن أسيد ومصيره إلى البصرة من قبل عبد الملك كان في سنة إحدى وسبعين، وقتل مصعب في جمادى الآخرة
. ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفه
وفي هذه السنة دخل عبد الملك بن مروان الكوفة وفرق أعمال العراق والمصرين الكوفة والبصرة على عماله في قول الواقدي، وأما أبو الحسن فإنه ذكر أن ذلك في سنة اثنتين وسبعين.
وحدثني عمر، قال: حدثني علي بن مُحَمَّد، قال: قتل مصعب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى أو الآخرة سنة اثنتين وسبعين.
ولما أتي عبد الملك الكوفة- فيما ذكر- نزل النخيلة، ثم دعا الناس إلى البيعة، فجاءت قضاعة، فرأى قلة، فقال: يا معشر قضاعة، كيف سلمتم من مضر مع قلتكم! فقال: عبد الله بن يعلى النهدي:
نحن أعز منهم وأمنع، قال: بمن؟ قال: بمن معك منا يا امير المؤمنين.
ثم جاءت مذجح وهمدان فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا ثم جاءت جعفي، فلما نظر إليهم عبد الملك قال: يا معشر جعفي، اشتملتم على ابن أختكم، وواريتموه؟ يعني يحيى بن سعيد بن العاص- قالوا: نعم، قال: فهاتوه، قالوا: وهو آمن؟ قال: وتشترطون أيضا! فقال رجل منهم: إنا والله ما نشترط جهلا بحقك، ولكنا نتسحب عليه تسحب الولد على والده، فقال: أما والله لنعم الحي أنتم، إن كنتم لفرسانا في الجاهلية والاسلام، هو آمن، فجاءوا به وكان يكنى أبا أيوب، فلما نظر إليه عبد الملك قال أبا قبيح، بأي وجه تنظر إلى ربك وقد
(6/162)

خلعتني! قال: بالوجه الذي خلقه، فبايع ثم ولى فنظر عبد الملك في قفاه فقال: لله دره! أي ابن زوملة هو! يعني غريبة.
وقال علي بن مُحَمَّد: حدثني القاسم بن معن وغيره أن معبد بن خالد الجدلي قال: ثم تقدمنا إليه معشر عدوان، قال: فقدمنا رجلا وسيما جميلا، وتأخرت- وكان معبد دميما- فقال عبد الملك: من؟
فقال الكاتب: عدوان، فقال عبد الملك:
عذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض
ثم أقبل على الجميل فقال: إيه! فقال: لا أدري، فقلت من خلفه:
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
ومنهم من يجيز ... الحج بالسنة والفرض
وهم مذ ولدوا شبوا ... بسر النسب المحض
قال: فتركني عبد الملك، ثم أقبل على الجميل فقال: من هو؟ قال:
لا أدري، فقلت من خلفه: ذو الإصبع، قال: فأقبل على الجميل فقال:
ولم سمى ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري، فقلت من خلفه: لأن حية عضت إصبعه فقطعتها، فأقبل على الجميل فقال: ما كان اسمه؟
فقال: لا أدري، فقلت من خلفه: حرثان بن الحارث، فأقبل على الجميل، فقال: من أيكم كان؟ قال: لا أدري، فقلت من خلفه: من بني ناج، فقال:
أبعد بني ناج وسعيك بينهم ... فلا تتبعن عينيك ما كان هالكا
(6/163)

إذا قلت معروفا لأصلح بينهم ... يقول وهيب: لا أصالح ذلكا
فأضحى كظهر العير جب سنامه ... تطيف به الولدان أحدب باركا
ثم أقبل على الجميل، فقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة، فقال لي:
في كم أنت؟ قلت: في ثلاثمائة، فأقبل على الكاتبين، فقال: حطا من عطاء هذا أربعمائة، وزيداها في عطاء هذا، فرجعت وأنا في سبعمائة، وهو في ثلاثمائة ثم جاءت كندة فنظر إلي عبد الله بن إسحاق بن الأشعث، فأوصى به بشرا أخاه، وقال: اجعله في صحابتك وأقبل داود بن قحذم في مائتين من بكر بن وائل، عليهم الأقبية الداودية، وبه سميت، فجلس مع عبد الملك على سريره، فأقبل عليه عبد الملك، ثم نهض ونهضوا معه فأتبعهم عبد الملك بصره، فقال: هؤلاء الفساق، والله لولا أن صاحبهم جاءني ما أعطاني أحد منهم طاعة.
ثم إنه ولى- فيما قيل- قطن بن عبد الله الحارثي الكوفة أربعين يوما ثم عزله، وولى بشر بن مروان وصعد منبر الكوفة فخطب فقال:
إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرز ذنبه في الحرم ثم قال: إني قد استعملت عليكم بشر بن مروان، وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، والشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا.
817 واستعمل مُحَمَّد بن عمير على همذان، ويزيد بن رؤيم على الري، وفرق العمال، ولم يف لأحد شرط عليه ولاية أصبهان، ثم قال: علي هؤلاء الفساق الذين انغلوا الشام، وأفسدوا العراق، فقيل:
قد أجارهم رؤساء عشائرهم، فقال: وهل يجير علي أحد! وكان عبد الله بن يزيد بن أسد لجأ إلى علي بن عبد الله بن عباس، ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني، ولجأ الهذيل بن زفر بن الحارث وعمرو بن زيد الحكمي إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فآمنهم عبد الملك، فظهروا
(6/164)

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تنازع الرياسة بالبصرة عبيد الله بن أبي بكرة وحمران بن أبان، فحدثني عمر بن شبة قال: حدثني علي بن مُحَمَّد قال: لما قتل المصعب وثب حمران بن أبان وعبيد الله بن أبي بكرة فتنازعا في ولاية البصرة، فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم غناء منك، أنا كنت أنفق على أصحاب خالد يوم الجفرة فقيل لحمران: إنك لا تقوى على ابن أبي بكرة، فاستعن بعبد الله بن الأهتم، فإنه إن أعانك لم يقو عليك ابن أبي بكرة، ففعل، وغلب حمران على البصرة وابن الأهتم على شرطها.
وكان لحمران منزلة عند بني أمية، حدثني أبو زيد قال: حدثني أبو عاصم النبيل قال: أخبرني رجل قال: قدم شيخ أعرابي فرأى حمران فقال: من هذا؟ فقالوا: حمران، فقال: لقد رأيت هذا وقد مال رداؤه عن عاتقه فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه قال أبو زيد:
قال أبو عاصم: فحدثت بذلك رجلا من ولد عبد الله بن عامر، فقال:
حدثني أبي أن حمران مد رجله فابتدر معاوية وعبد الله بن عامر أيهما يغمزها
. ذكر خبر ولايه خالد بن عبد الله على البصره
وفي هذه السنة بعث عبد الملك خالد بن عبد الله على البصرة واليا، حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: مكث حمران على البصرة يسيرا، وخرج ابن أبي بكرة حتى قدم على عبد الملك الكوفة بعد مقتل مصعب، فولى عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة وأعمالها، فوجه خالد عبيد الله بن أبي بكرة خليفته على البصرة، فلما قدم على حمران، قال: أقد جئت لا جئت! فكان ابن أبي بكرة على البصرة حتى قدم خالد.
وفي هذه السنة رجع عبد الملك- فيما زعم الواقدي- إلى الشام
(6/165)

قال: وفيها نزع ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف قال: وهو آخر وال لابن الزبير على المدينة، حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب طلحة، وأقام طارق بالمدينة حتى كتب إليه عبد الملك.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن الزبير في قول الواقدى
. خطبه عبد الله بن الزبير بعد مقتل مصعب
وذكر أبو زيد عن أبي غسان مُحَمَّد بن يحيى، قال: حدثنى مصعب ابن عثمان، قال: لما انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتل مصعب قام في الناس فقال:
الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه، وإن كان فردا، ولم يعزز من كان وليه الشيطان وحزبه وإن كان معه الأنام طرا ألا وإنه قد أتانا من العراق خبر حزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب رحمة الله عليه، فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي حزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر وكريم العزاء، ولئن أصبت بمصعب لقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني إلا أن أهل العراق أهل الغدر والنفاق، أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص، والله ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهلية ولا الإسلام، وما نموت إلا قعصا بالرماح، وموتا تحت ظلال السيوف ألا انما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر لا ابك عليها بكاء الحرق المهين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
(6/166)

وذكر أن عبد الملك لما قتل مصعبا ودخل الكوفة أمر بطعام كثير فصنع، وأمر به إلى الخورنق، وأذن إذنا عاما، فدخل الناس فأخذوا مجالسهم، فدخل عمرو بن حريث المخزومي فقال: إلي وعلى سريري، فأجلسه معه، ثم قال: أي الطعام أكلت أحب إليك وأشهى عندك؟ قال:
عناق حمراء قد أجيد تمليحها، وأحكم نضجها، قال:
ما صنعت شيئا، فأين أنت من عمروس راضع قد أجيد سمطه، وأحكم نضجه، اختلجت إليك رجله، فأتبعتها يده، غذي بشريجين من لبن وسمن ثم جاءت الموائد فأكلوا، فقال عبد الملك بن مروان: ما ألذ عيشنا لو أن شيئا يدوم! ولكنا كما قال الأول:
وكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرئ يوما يصير إلى كان
فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر يقول لعمرو بن حريث: لمن هذا البيت؟ ومن بنى هذا البيت؟ وعمرو يخبره، فقال عبد الملك:
وكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرئ يوما يصير إلى كان
ثم أتى مجلسه فاستلقى، وقال:
اعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان
وفي هذه السنة افتتح عبد الملك- في قول الواقدي- قيساريه.
(6/167)

ثم دخلت

سنة اثنتين وسبعين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) قال أبو جعفر: فمن ذلك ما كان من امر الخوارج وامر المهلب بن ابى ضفره وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف أن حصيرة بن عبد الله وأبا زهير العبسي حدثاه أن الأزارقة والمهلب بعد ما اقتتلوا بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال، أتاهم أن مصعب بن الزبير قد قتل، فبلغ ذلك الخوارج قبل أن يبلغ المهلب وأصحابه، فناداهم الخوارج: ألا تخبروننا ما قولكم في مصعب؟ قالوا: إمام هدى، قالوا: فهو وليكم في الدنيا والآخرة؟ قالوا:
نعم، قالوا: وأنتم أولياؤه أحياء وأمواتا؟ قالوا: ونحن أولياؤه أحياء وأمواتا، قالوا: فما قولكم في عبد الملك بن مروان؟ قالوا: ذلك ابن اللعين، نحن إلى الله منه برآء، هو عندنا أحل دما منكم، قالوا: فأنتم منه برآء في الدنيا والآخرة؟ قالوا: نعم كبراءتنا منكم، قالوا: وأنتم له أعداء أحياء وأمواتا؟
قالوا: نعم نحن له أعداء كعداوتنا لكم، قالوا: فان امامكم مصعبا قد قتله عبد الملك بن مروان، ونراكم ستجعلون غدا عبد الملك إمامكم، وأنتم الآن تتبرءون منه، وتلعنون أباه! قالوا: كذبتم يا أعداء الله فلما كان من الغد تبين لهم قتل مصعب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فأتتهم الخوارج فقالوا: ما تقولون في مصعب؟ قالوا: يا أعداء الله، لا نخبركم ما قولنا فيه، وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم عندهم، قالوا:
فقد أخبرتمونا أمس أنه وليكم في الدنيا والآخرة، وأنكم أولياؤه أحياء وأمواتا، فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: ذاك إمامنا وخليفتنا- ولم يجدوا إذ بايعوه بدا من أن يقولوا هذا القول- قالت لهم الأزارقة: يا أعداء الله، أنتم أمس تتبرءون منه في الدنيا والآخرة، وتزعمون انكم له أعداء احياء وأمواتا، وهو اليوم إمامكم وخليفتكم، وقد قتل إمامكم الذي كنتم
(6/168)

تولونه! فأيهما المحق، وأيهما المهتدي، وأيهما الضال! قالوا لهم: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان ولي أمورنا، ونرضى بهذا كما رضينا بذاك، قالوا:
لا والله ولكنكم إخوان الشياطين، وأولياء الظالمين، وعبيد الدنيا وبعث عبد الملك بن مروان بشر بن مروان على الكوفة، وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة فلما قدم خالد أثبت المهلب على خراج الأهواز ومعونتها، وبعث عامر بن مسمع على سابور، ومقاتل بن مسمع على أردشير خرة، ومسمع بن مالك بن مسمع على فسا ودرابجرد، والمغيرة بن المهلب على إصطخر.
ثم إنه بعث إلى مقاتل فبعثه على جيش، وألحقه بناحية عبد العزيز فخرج يطلب الأزارقة، فانحطوا عليه من قبل كرمان حتى أتوا درابجرد، فسار نحوهم وبعث قطري مع صالح بن مخراق تسعمائة فارس، فأقبل يسير بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير بالناس ليلا، يجرون على غير تعبئة، فهزم الناس، ونزل مقاتل بن مسمع فقاتل حتى قتل، وانهزم عبد العزيز بن عبد الله وأخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت مائة ألف- وكانت جميلة- فغار رجل من قومها كان من رءوس الخوارج يقال له: أبو الحديد الشني، فقال:
تنحوا هكذا، ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم، فضرب عنقها ثم زعموا أنه لحق بالبصرة، فرآه آل منذر فقالوا: والله ما ندري أنحمدك أم نذمك! فكان يقول: ما فعلته إلا غيرة وحمية وجاء عبد العزيز حتى انتهى إلى رامهرمز، وأتى المهلب فأخبر به، فبعث إليه شيخا من أشياخ قومه كان أحد فرسانه، فقال: ائته فإن كان منهزما فعزه وأخبره أنه لم يفعل شيئا لم يفعله الناس قبله، وأخبره أن الجنود تأتيه عاجلا، ثم يعزه الله وينصره فأتاه ذلك الرجل، فوجدوه نازلا في نحو من ثلاثين رجلا كئيبا حزينا، فسلم عليه الأزدي، وأخبره أنه رسول المهلب، وبلغه ما أمره به، وعرض عليه أن يذكر له ما كانت له من حاجة ثم انصرف إلى المهلب فأخبره الخبر، فقال له المهلب: الحق الآن بخالد بالبصرة فأخبره الخبر،
(6/169)

فقال: أنا آتيه أخبره أن أخاه هزم! والله لا آتيه، فقال المهلب: لا والله لا يأتيه غيرك، أنت الذي عاينته ورأيته، وأنت كنت رسولي إليه، قال:
هو إذا بهديك يا مهلب إن ذهب إليه العام، ثم خرج قال المهلب:
أما أنت والله فإنك لي آمن، أما والله لو أنك مع غيري، ثم أرسلك على رجليك خرجت تشتد! قال له وأقبل عليه: كأنك إنما تمن علينا بحلمك! فنحن والله نكافئك بل نزيد، أما تعلم أنا نعرض أنفسنا للقتل دونك، ونحميك من عدوك! ولو كنا والله مع من يجهل علينا، ويبعثنا في حاجاته على أرجلنا، ثم احتاج إلى قتالنا ونصرتنا جعلناه بيننا وبين عدونا، ووقينا به أنفسنا قال له المهلب: صدقت صدقت ثم دعا فتى من الأزد كان معه فسرحه إلى خالد يخبره خبر أخيه، فأتاه الفتى الأزدي وحوله الناس، وعليه جبة خضراء ومطرف أخضر، فسلم عليه، فرد عليه، فقال: ما جاء بك؟ قال: أصلحك الله! أرسلني إليك المهلب لأخبرك خبر ما عاينته، قال: وما عاينت؟ قال: رأيت عبد العزيز برامهرمز مهزوما، قال: كذبت، قال: لا، والله ما كذبت، وما قلت لك إلا الحق، فإن كنت كاذبا فاضرب عنقي، وإن كنت صادقا فأعطني أصلحك الله جبتك ومطرفك قال: ويحك! ما أيسر ما سألت، ولقد رضيت مع الخطر العظيم إن كنت كاذبا بالخطر الصغير إن كنت صادقا.
فحبسه وأمر بالإحسان إليه حتى تبينت له هزيمة القوم، فكتب إلى عبد الملك:
أَمَّا بَعْدُ، فإني أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أكرمه الله أني بعثت عبد العزيز بن عبد الله في طلب الخوارج، وأنهم لقوه بفارس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عبد العزيز لما انهزم عنه الناس، وقتل مقاتل بن مسمع، وقدم الفل إلى الأهواز أحببت أن أعلم أمير المؤمنين ذلك ليأتيني رأيه وأمره أنزل عنده إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله
(6/170)

فكتب إليه:
أما بعد، فقد قدم رسولك في كتابك، تعلمني فيه بعثتك أخاك على قتال الخوارج، وبهزيمة من هزم، وقتل من قتل، وسألت رسولك عن مكان المهلب، فحدثني أنه عامل لك على الأهواز، فقبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب إلى جنبك يجبي الخراج، وهو الميمون النقيبة، الحسن السياسة، البصير بالحرب، المقاسي لها، ابنها وابن أبنائها! انظر ان تنهض بالناس حتى تستقبلهم بالأهواز ومن وراء الأهواز وقد بعثت إلى بشر أن يمدك بجيش من أهل الكوفة، فإذا أنت لقيت عدوك فلا تعمل فيهم برأي حتى تحضره المهلب، وتستشيره فيه إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله فشق عليه انه فيل رأيه في بعثة أخيه وترك المهلب، وفي أنه لم يرض رأيه خالصا حتى قال: أحضره المهلب واستشره فيه وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان: أما بعد، فإني قد كتبت إلى خالد بن عبد الله.
آمره بالنهوض إلى الخوارج، فسرح إليه خمسة آلاف رجل، وابعث عليهم رجلا من قبلك ترضاه، فإذا قضوا غزاتهم تلك صرفتهم إلى الري فقاتلوا عدوهم، وكانوا في مسالحهم، وجبوا فيئهم حتى تأتي أيام عقبهم فتعقبهم وتبعث آخرين مكانهم.
فقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف، وبعث عليهم عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأشعث، وقال: إذا قضيت غزاتك هذه فانصرف إلى الري.
وكتب له عليها عهدا وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز، وجاء عبد الرحمن بن مُحَمَّد ببعث أهل الكوفة حتى وافاهم بالأهواز،
(6/171)

وجاءت الأزارقة حتى دنوا من مدينة الأهواز ومن معسكر القوم، وقال المهلب لخالد بن عبد الله: انى ارى هاهنا سفنا كثيره، فضمها إليك، فو الله ما أظن القوم إلا محرقيها فما لبث إلا ساعة حتى ارتفعت خيل من خيلهم إليها فحرقتها وبعث خالد بن عبد الله على ميمنته المهلب، وعلى ميسرته داود بن قحذم من بني قيس بن ثعلبة، ومر المهلب على عبد الرحمن بن مُحَمَّد ولم يخندق، فقال: يا بن أخي، ما يمنعك من الخندق! فقال: والله لهم أهون علي من ضرطة الجمل، قال: فلا يهونوا عليك يا بن أخي، فإنهم سباع العرب، لا أبرح أو تضرب عليك خندقا، ففعل وبلغ الخوارج قول عبد الرحمن بن مُحَمَّد لهم: أهون علي من ضرطة الجمل، فقال شاعرهم:
يا طالب الحق لا تستهو بالأمل ... فإن من دون ما تهوى مدى الأجل
واعمل لربك واسأله مثوبته ... فإن تقواه فاعلم أفضل العمل
واغز المخانيث في الماذي معلمة ... كيما تصبّح غدوا ضرطة الجمل
فأقاموا نحوا من عشرين ليلة ثم إن خالدا زحف إليهم بالناس، فرأوا أمرا هالهم من عدد الناس وعدتهم، فأخذوا ينحازون، واجترأ عليهم الناس، فكرت عليهم الخيل، وزحف إليهم فانصرفوا كأنهم على حامية وهم مولون لا يرون لهم طاقة بقتال جماعة الناس، واتبعهم خالد بن عبد الله داود بن قحذم في جيش من أهل البصرة، وانصرف خالد إلى البصرة، وانصرف عبد الرحمن بن مُحَمَّد إلى الري وأقام المهلب بالأهواز، فكتب خالد بن عبد الله إلى عبد الملك: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين أصلحه الله أني خرجت إلى الأزارقة الذين مرقوا من الدين، وخرجوا من ولاية المسلمين، فالتقينا بمدينة الأهواز
(6/172)

فتناهضنا فاقتتلنا كأشد قتال كان في الناس ثم إن الله أنزل نصره على المؤمنين والمسلمين، وضرب الله وجوه أعدائه، فأتبعهم المسلمون يقتلونهم، ولا يمنعون ولا يمتنعون، وأفاء الله ما في عسكرهم على المسلمين، ثم أتبعتهم داود بن قحذم، والله ان شاء مهلكهم ومستأصلهم، والسلام عليك.
فلما قدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب عبد الملك الى بشر ابن مروان:
أما بعد، فابعث من قبلك رجلا شجاعا بصيرا بالحرب في أربعة آلاف فارس، فليسيروا إلى فارس في طلب المارقة، فإن خالدا كتب إلي يخبرني أنه قد بعث في طلبهم داود بن قحذم، فمر صاحبك الذى تبعث الا يخالف داود بن قحذم إذا ما التقيا، فإن اختلاف القوم بينهم عون لعدوهم عليهم والسلام عليك.
فبعث بشر بن مروان عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، فخرجوا حتى التقوا هم وداود بن قحذم بأرض فارس، ثم اتبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت خيول عامتهم، وأصابهم الجهد والجوع، ورجع عامة ذينك الجيشين مشاة إلى الأهواز، فقال ابن قيس الرقيات- من بني مخزوم- في هزيمة عبد العزيز وفراره عن امرأته:
عبد العزيز فضحت جيشك كلهم ... وتركتهم صرعى بكل سبيل
من بين ذي عطش يجود بنفسه ... وملحب بين الرجال قتيل
هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا ... إذ رحت منتكث القوى بأصيل
وتركت جيشك لا أمير عليهمُ ... فارجع بعار في الحياه طويل
نسيت عرسك إذ تقاد سبية ... تبكي العيون برنة وعويل
(6/173)

خروج ابى فديك الخارجي وغلبته على البحرين
وفي هذه السنة كان خروج أبي فديك الخارجي، وهو من بنى قيس ابن ثعلبة، فغلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحنفي، فاجتمع على خالد بن عبد الله نزول قطري الأهواز وأمر أبي فديك، فبعث أخاه أمية بن عبد الله على جند كثيف إلى أبي فديك، فهزمه أبو فديك، وأخذ جارية له فاتخذها لنفسه، وسار أمية على فرس له حتى دخل البصرة في ثلاثة أيام، فكتب خالد إلى عبد الملك بحاله وحال الازارقه
. خبر توجيه عبد الملك الحجاج لقتال ابن الزبير
وفي هذه السنة وجه عبد الملك الحجاج بن يوسف إلى مكة لقتال عبد الله ابن الزبير، وكان السبب في توجيهه الحجاج إليه دون غيره- فيما ذكر- أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشام، قام إليه الحجاج بن يوسف فقال.
يا أمير المؤمنين، إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثني إليه، وولني قتاله فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فسار حتى قدم مكة، وقد كتب إليهم عبد الملك بالأمان إن دخلوا في طاعته.
فحدثني الحارث، قال: حدثني مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال: بعث عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب ابن الزبير الحجاج بن يوسف إلى ابن الزبير بمكة، فخرج في ألفين من جند أهل الشام في جمادى من سنة اثنتين وسبعين، فلم يعرض للمدينة، وسلك طريق العراق، فنزل بالطائف، فكان يبعث البعوث إلى عرفة في الخيل، ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هنالك، فكل ذلك تهزم خيل ابن الزبير وترجع خيل الحجاج بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه، ويخبره أن
(6/174)

شوكته قد كلت، وتفرق عنه عامة أصحابه، ويسأله أن يمده برجال، فجاءه كتاب عبد الملك، وكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه من الجند بالحجاج، فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج وكان قدوم الحجاج الطائف في شعبان سنة اثنتين وسبعين فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير.
وحج الحجاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور، وكان قدوم طارق مكة لهلال ذي الحجة، ولم يطف بالبيت، ولم يصل إليه وهو محرم، وكان يلبس السلاح، ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ونحر ابن الزبير بدنا بمكة يوم النحر، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة.
قال محمد بن عمر: حدثني سعيد بن مسلم بن بابك، عن أبيه، قال: حججت في سنة اثنتين وسبعين فقدمنا مكة، فدخلناها من أعلاها، فنجد أصحاب الحجاج وطارق فيما بين الحجون إلى بئر ميمون، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حج بالناس الحجاج، فرأيته واقفا بالهضبات من عرفة على فرس، وعليه الدرع والمغفر، ثم صدر فرأيته عدل إلى بئر ميمون، ولم يطف بالبيت وأصحابه متسلحون، ورأيت الطعام عندهم كثيرا، ورأيت العير تأتي من الشام تحمل الطعام، الكعك والسويق والدقيق، فرأيت أصحابه مخاصيب، ولقد ابتعنا من بعضهم كعكا بدرهم، فكفانا إلى أن بلغنا الجحفة وإنا لثلاثة نفر.
قال مُحَمَّد بن عمر: حدثني مصعب بن ثابت، عن نافع مولى بني أسد، قال- وكان عالما بفتنة ابن الزبير- قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين
(6/175)

امر عبد الله بن خازم السلمى مع عبد الملك
وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم السلمي يدعوه إلى بيعته ويطعمه خراسان سبع سنين، فذكر علي بن مُحَمَّد أن المفضل بن مُحَمَّد ويحيى بن طفيل وزهير بن هنيد حدثوه- قال: وفي خبر بعضهم زيادة على خبر بعض- أن مصعب بن الزبير قتل سنة اثنتين وسبعين وعبد الله بن خازم بأبرشهر يقاتل بحير بن ورقاء الصريمي صريم بن الحارث، فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سوره بن أشيم النميري: أن لك خراسان سبع سنين على أن تبايع لي فقال ابن خازم لسورة: لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك ولكن كل هذه الصحيفة، فأكلها قال: وقال أبو بكر بن مُحَمَّد بن واسع: بل قدم بعهد عبد الله بن خازم سوادة بن عبيد الله النميري وقال بعضهم: بعث عبد الملك إلى.
ابن خازم سنان بن مكمل الغنوي، وكتب إليه: أن خراسان طعمة لك، فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غني، وقد علم أني لا أقتل رجلا من قيس، ولكن كل كتابه.
قال: وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح أحد بني عوف بن سعد- وكان خليفة ابن خازم على مرو- بعهده على خراسان ووعده ومناه، فخلع بكير بن وشاح عبد الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو، فيجتمع عليه أهل مرو وأهل أبرشهر، فترك بحيرا، وأقبل إلى مرو يريد أن يأتي ابنه بالترمذ، فأتبعه بحير، فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية: شاهميغد، بينها وبين مرو ثمانية فراسخ.
قال: فقاتله ابن خازم، فقال مولى لبني ليث: كنت قريبا من معترك
(6/176)

القوم في منزل، فلما طلعت الشمس تهايج العسكران، فجعلت أسمع وقع السيوف، فلما ارتفع النهار خفيت الأصوات، فقلت: هذا لارتفاع النهار، فلما صليت الظهر- أو قبل الظهر- خرجت، فتلقاني رجل من بني تميم، فقلت: ما الخبر؟ قال: قتلت عدو الله ابن خازم وها هو ذا، وإذا هو محمول على بغل، وقد شدوا في مذاكيره حبلا وحجرا وعدلوه به على البغل.
قال: وكان الذي قتله وكيع بن عميرة القريعي وهو ابن الدورقية.
اعتور عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمي ووكيع، فطعنوه فصرعوه، فقعد وكيع على صدره فقتله، فقال بعض الولاة لوكيع:
كيف قتلت ابن خازم؟ قال: غلبته بفضل القنا، فلما صرع قعدت على صدره، فحاول القيام فلم يقدر عليه، وقلت: يا لثأرات دويلة! ودويلة أخ لوكيع لأمه، قتل قبل ذلك في غير تلك الأيام.
قال وكيع: فتنخم في وجهي وقال: لعنك الله! تقتل كبش مضر، بأخيك علج لا يساوي كفا من نوى- أو قال: من تراب- فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت.
قال: فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث فقال: هذه والله البسالة.
قال: وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بني غدانة إلى عبد الملك ابن مروان يخبره بقتل ابن خازم، ولم يبعث بالرأس، وأقبل بكير بن وشاح في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس وقيد بحيرا وحبسه، وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله، فلما قدم بالرأس على عبد الملك دعا الغداني رسول بحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقت القوم حتى قتل، فقال رجل من بني سليم:
أليلتنا بنيسابور ردي ... علي الصبح ويحك أو أنيري
كواكبها زواحف لا غبات ... كأن سماءها بيدي مدير
(6/177)

تلوم على الحوادث أم زيد ... وهل لك في الحوادث من نكير!
جهلن كرامتي وصددن عني ... إلى أجل من الدنيا قصير
فلو شهد الفوارس من سليم ... غداة يطاف بالأسد العقير
لنازل حوله قوم كرام ... فعز الوتر في طلب الوتور
فقد بقيت كلاب نابحات ... وما في الأرض بعدك من زئير
فولي الحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف.
وكان العامل على المدينة طارق مولى عثمان من قبل عبد الملك، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى قضائها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود.
وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضائها هشام ابن هبيرة وعلى خراسان في قول بعضهم عبد الله بن خازم السلمى، في قول بعض: بكير بن وشاح وزعم من قال: كان على خراسان في سنة اثنتين وسبعين عبد الله بن خازم أن عبد الله بن خازم إنما قتل بعد ما قتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك إنما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يطعمه خراسان عشر سنين بعد ما قتل عبد الله بن الزبير، وبعث برأسه إليه، وأن عبد الله بن خازم حلف لما ورد عليه رأس عبد الله بن الزبير الا يعطيه طاعة أبدا، وأنه دعا بطست فغسل رأس ابن الزبير، وحنطه وكفنه، وصلى عليه، وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه
. فصل نذكر فيه الكتاب من بدء أمر الإسلام
روى هشام وغيره أن أول من كتب من العرب حرب بن أمية بن عبد شمس بالعربية، وأن أول من كتب بالفارسية بيوراسب، وكان في زمان إدريس وكان أول من صنف طبقات الكتاب وبين منازلهم لهراسب ابن كاوغان بن كيموس
(6/178)

وحكي أن أبرويز قال لكاتبه: إنما الكلام أربعة أقسام:
سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء، فهذه دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجد، وإن نقص منها رابع لم تتم، فإذا طلبت فأسجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فاحتم، وإذا أخبرت فحقق.
وقال أبو موسى الأشعري: أول من قال: أما بعد داود، وهي فصل الخطاب الذي ذكره الله عنه.
وقال الهيثم بن عدي: أول من قال: أما بعد قس بن ساعدة الإيادي
. أسماء من كتب للنبي ص
على بن ابى طالب ع وعثمان بن عفان، كانا يكتبان الوحي، فإن غابا كتبه أبي بن كعب وزيد بن ثابت.
وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه.
وكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في حوائجهم، وكان عبد الله بن الأرقم ربما كتب إلى الملوك عن النبي ص
. أسماء من كان يكتب للخلفاء والولاه
وكتب لأبي بكر عثمان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن خلف الخزاعي، وحنظلة بن الربيع.
وكتب لعمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة، وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك الأنصاري.
وقال عمر بن الخطاب لكتابه وعماله: ان القوه على العمل الا
(6/179)

تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت عليكم الأعمال، فلا تدرون بأيها تبدءون، وأيها تأخذون وهو أول من دون الدواوين في العرب في الإسلام.
وكان يكتب لعثمان مروان بن الحكم، وكان عبد الملك يكتب له على ديوان المدينة، وأبو جبيرة الأنصاري على ديوان الكوفة، وكان أبو غطفان ابن عوف بن سعد بن دينار من بني دهمان من قيس عيلان يكتب له، وكان يكتب له أهيب مولاه، وحمران مولاه.
وكان يكتب لعلى ع سعيد بن نمران الهمداني، ثم ولي قضاء الكوفة لابن الزبير وكان يكتب له عبد الله بن مسعود، وروي أن عبد الله بن جبير كتب له وكان عبيد الله بن أبي رافع يكتب له واختلف في اسم أبي رافع، فقيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: سنان، وقيل:
عبد الرحمن وكان يكتب لمعاوية على الرسائل عبيد بن أوس الغساني.
وكان يكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور الرومي وكتب له عبد الرحمن بن دراج، وهو مولى معاوية، وكتب على بعض دواوينه عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمي.
وكان يكتب لمعاوية بن يزيد الريان بن مسلم، ويكتب له على الديوان سرجون ويروى أنه كتب له أبو الزعيزعة.
وكتب لعبد الملك بن مروان قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، ويكنى أبا إسحاق وكتب على ديوان الرسائل أبو الزعيزعة مولاه.
وكان يكتب للوليد القعقاع بن خالد- أو خليد العبسي، وكتب له على ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وعلى ديوان الخاتم شعيب
(6/180)

العماني مولاه، وعلى ديوان الرسائل جناح مولاه، وعلى المستغلات نفيع ابن ذؤيب مولاه.
وكان يكتب لسُلَيْمَان سُلَيْمَان بن نعيم الحميري.
وكان يكتب لمسلمة سميع مولاه، وعلى ديوان الرسائل الليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان، وعلى ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وعلى ديوان الخاتم نعيم بن سلامة مولى لأهل اليمن من فلسطين، وقيل: بل رجاء بن حيوة كان يتقلد الخاتم.
وكان يكتب ليزيد بن المهلب المغيرة بن أبي فروة.
وكان يكتب لعمر بن عبد العزيز الليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان، ورجاء بن حيوة وكتب له إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير، وعلى ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وقلد مكانه صالح بن جبير الغساني- وقيل: الغداني- وعدي بن الصباح بن المثنى، ذكر الهيثم بن عدي أنه كان من جلة كتابه.
وكتب ليزيد بن عبد الملك قبل الخلافة رجل يقال له يزيد بن عبد الله، ثم استكتب أسامة بن يزيد السليحي.
وكتب لهشام سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة الكلبى الابرش، ويكنى أبا مخاشع، وكان نصر بن سيار يتقلد ديوان خراج خراسان لهشام وكان من كتابه بالرصافة شعيب بن دينار.
وكان يكتب للوليد بن يزيد بكير بن الشماخ، وعلى ديوان الرسائل سالم مولى سعيد بن عبد الملك، ومن كتابه عبد الله بن أبي عمرو، ويقال:
عبد الأعلى بن أبي عمرو، وكتب له على الحضرة عمرو بن عتبة وكتب ليزيد بن الوليد الناقص عبد الله بن نعيم، وكان عمرو ابن الحارث مولى بني جمح يتولى له ديوان الخاتم، وكان يتقلد له ديوان
(6/181)

الرسائل ثابت بن سُلَيْمَان بن سعد الخشني- ويقال الربيع بن عرعرة الخشني- وكان يتقلد له الخراج والديوان الذي للخاتم الصغير النضر بن عمرو من أهل اليمن.
وكتب لإبراهيم بن الوليد ابن أبي جمعة، وكان يتقلد له الديوان بفلسطين، وبايع الناس إبراهيم- أعني ابن الوليد- سوى أهل حمص، فإنهم بايعوا مروان بن مُحَمَّد الجعدي وكتب لمروان عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب العامري، ومصعب بن الربيع الخثعمي، وزياد بن أبي الورد وعلى ديوان الرسائل عثمان بن قيس مولى خالد القسري وكان من كتابه مخلد بن مُحَمَّد بن الحارث- ويكنى أبا هاشم- ومن كتابه مصعب بن الربيع الخثعمي، ويكنى أبا موسى وكان عبد الحميد بن يحيى من البلاغة في مكان مكين، ومما اختير له من الشعر:
ترحل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالزائل
فلهفي على الخلف النازل ... ولهفي على السلف الراحل
أبكّي على ذا وأبكي لذا ... بكاء مولهة ثاكل
تبكّي من ابن لها قاطع ... وتبكي على ابن لها واصل
فليست تفتر عن عبرة ... لها في الضمير ومن هامل
تقضت غوايات سكر الصبى ... ورد التقى عنن الباطل
وكتب لأبي العباس خالد بن برمك، ودفع أبو العباس ابنته ريطة إلى خالد بن برمك حتى أرضعتها زوجته أم خالد بنت يزيد بلبان بنت لخالد تدعى أم يحيى، وأرضعت أم سلمة زوجة أبي العباس أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة وقلد ديوان الرسائل صالح بن الهيثم مولى ريطة بنت أبي العباس
(6/182)

وكتب لأبي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد مولى حاتم بن النعمان الباهلي من أهل خراسان، وكتب له هاشم بن سعيد الجعفي وعبد الأعلى بن أبي طلحة من بني تميم بواسط وروي أن سُلَيْمَان بن مخلد كان يكتب لأبي جعفر، ومما كان يتمثل به أبو جعفر المنصور:
وما إن شفى نفسا كأمر صريمة ... إذا حاجة في النفس طال اعتراضها
وكتب له الربيع وكان عمارة بن حمزة من نبلاء الرجال، وله:
لا تشكون دهرا صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم
هبك الإمام أكنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم!
وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس:
أمن أمية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
لا تبك عينك إن الدهر ذو غير ... فيه تفرق ذو إلف ومألوف
وكتب للمهدي أبو عبيد الله وأبان بن صدقة على ديوان رسائله، ومُحَمَّد بن حميد الكاتب على ديوان جنده ويعقوب بن داود، وكان اتخذه على وزارته وأمره، وله:
عجبا لتصريف الأمور ... محبة وكراهية
والدهر يلعب بالرجال ... له دوائر جاريه
ولابنه عبد الله بن يعقوب- وكان له مُحَمَّد ويعقوب، كلاهما شاعر مجيد:
وزع المشيب شراستى وغرامى ... ومرى الجفون بمسبل سجام
(6/183)