Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 013



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] دابتي أوفق لي، وركب دابته قال: فصرفت تلك الدواب، ثم أقبل سائرا، فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، فأقام في منزله حتى فرغوه بعد، قال رجاء: فلما كان المساء من ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادع لي كاتبا، فدعوته وقد رأيت منه كل ما سرني، صنع في المراكب ما صنع، وفي منزل سُلَيْمَان، فقلت:
كيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيصنع نسخا، أم ماذا؟ فلما جلس الكاتب أملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب أن ينسخ إلى كل بلد.
وبلغ عبد العزيز بن الوليد- وكان غائبا- موت سُلَيْمَان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس عمر بن عبد العزيز، وعهد سُلَيْمَان إلى عمر، فعقد لواء، ودعا إلى نفسه، فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سُلَيْمَان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك، وأردت دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أن الخليفة سُلَيْمَان لم يكن عقد لأحد، فخفت على الأموال أن تنتهب، فقال عمر: لو بويعت وقمت بالأمر ما نازعتك ذلك، ولقعدت في بيتي، فقال عبد العزيز:
ما أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك وبايع عمر بن عبد العزيز قال: فكان يرجى لسُلَيْمَان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده.
وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا عتاقا وطعاما كثيرا، وحث الناس على معونتهم، وكان الذى وجه اليه الخيل العتاق- فيما قيل- خمسمائة فرس.
وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعة، ونالوا منهم، فوجه اليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي،
(6/553)

فقتل أولئك الترك، فلم يفلت منهم إلا اليسير، فقدم منهم على عمر بخناصرة بخمسين أسيرا.
وفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق، ووجه على البصرة وأرضها عدي بن أرطاة الفزاري، وبعث على الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب الأعرج القرشي، من بني عدي بن كعب، وضم إليه أبا الزناد، فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري.
وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، وكان عامل عمر على المدينة.
وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى البصرة وأرضها عدي بن أرطاة، وعلى خراسان الجراح بن عبد الله.
وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني، وقد ولى فيما ذكر قبله الحسن بن أبي الحسن، فشكا، فاستقصى إياس بن معاوية.
وكان على قضاء الكوفة في هذه- السنة فيما قيل- عامر الشعبي وكان الواقدي يقول: كان الشعبي على قضاء الكوفة أيام عمر بن عبد العزيز من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن، والحسن بن أبي الحسن البصري على قضاء البصرة من قبل عدي بن أرطاة، ثم إن الحسن استعفى من القضاء عديا، فأعفاه وولى اياسا
(6/554)

ثم دخلت

سنة مائة
(ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا)

فمن ذلك خروج الخارجة التي خرجت على عمر بن عبد العزيز بالعراق.
ذكر الخبر عن أمرهم: ذكر مُحَمَّد بن عمر أن ابن أبي الزناد حدثه، قال خرجت حرورية بالعراق، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ ابن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنه نبيه ص فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية، فبلغ عمر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخل بينه وبينهم.
فلقيهم مسلمة في أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم 4
. خبر خروج شوذب الخارجي
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب- واسمه بسطام من بني يشكر- لكان مخرجه بجوخى في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد، الا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلا صليبا حازما فوجهه إليهم، ووجه معه جندا، وأوصه بما أمرتك به.
فعقد عبد الحميد لمُحَمَّد بن جرير بن عبد الله البجلي في الفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم عليه مُحَمَّد بن جرير، فقام بإزائه لا يحركه
(6/555)

ولا يهيجه، فكان في كتاب عمر إليه: أنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني، فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا فلم يحرك بسطام شيئا، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك- قال أبو عبيدة: أحد الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر ممزوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر- قال: فيقال: أرسل نفرا فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين، فاختاروهما، فدخلا عليه فناظراه، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال:
صيره غيري، قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك! قال: فقال: انظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد، فدسوا إليه من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثا حتى مات.
وفي هذه السنة أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطى وعمرو ابن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة.
وفيها شخص عمر بن هبيرة الفزاري إلى الجزيرة عاملا لعمر عليها
. خبر القبض على يزيد بن المهلب
وفي هذه السنة حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر بن عبد العزيز.
ذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه:
اختلف أهل السير في ذلك، فأما هشام بن مُحَمَّد فإنه ذكر عن أبي مخنف أن عمر بن عبد العزيز لما جاء يزيد بن المهلب فنزل واسطا، ثم ركب السفن يريد البصرة، بعث عدي بن أرطاة إلى البصرة أميرا، فبعث عدي موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في نهر معقل عند الجسر، جسر
(6/556)

البصرة فأوثقه، ثم بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فقدم به عليه موسى ابن الوجيه، فدعا به عمر بن عبد العزيز- وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة، ولا أحب مثلهم، وكان يزيد بن المهلب يبغض عمر ويقول: إني لأظنه مرائيا، فلما ولي عمر عرف يزيد أن عمر كان من الرياء بعيدا ولما دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سُلَيْمَان بن عبد الملك، فقال: كنت من سُلَيْمَان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سُلَيْمَان لأسمع الناس به، وقد علمت أن سُلَيْمَان لم يكن ليأخذني بشيء سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني تركها، فرده إلى محبسه، وبعث إلى الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان، وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ولا يمر بكورة إلا أعطاهم فيها أموالا عظاما ثم خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد ابتلينا بك، فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ! أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل، فقال عمر: لا الا ان تحمل جميع ما نسأله اياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينة فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه.
فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال فلما خرج مخلد قال: هذا خير عندي من أبيه، فلم يلبث مخلدا إلا قليلا حتى مات، فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئا ألبسه جبة من صوف، وحمله على جمل، ثم قال: سيروا به إلى دهلك، فلما أخرج فمر به على الناس أخذ يقول: ما لي عشيرة، ما لي يذهب بي إلى دهلك! إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الخارب، سبحان الله! أما لي عشيرة! فدخل على عمر سلامة بن نعيم
(6/557)

الخولاني، فقال: يا أمير المؤمنين، اردد يزيد إلى محبسه، فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه، فإني قد رأيت قومه غضبوا له فرده إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر.
وأما غير أبي مخنف فإنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز الى عدى ابن أرطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب، ودفعه إلى من بعين التمر من الجند، فوجهه عدي بن أرطاة مع وكيع بن حسان بن أبي سود التميمي مغلولا مقيدا في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان، عرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع فانتضى سيفه، وقطع قلس السفينة، وأخذ سيف يزيد ابن المهلب، وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا، فناداهم يزيد بن المهلب، فأعلمهم يمين وكيع، فتفرقوا، ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر، ورجع وكيع إلى عدي بن أرطاة، ومضى الجند الذين بعين التمر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه في السجن
. عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مائة.
(ذكر سبب عزل عمر إياه:) وكان سبب ذلك- فيما ذكر علي بْن مُحَمَّد عن كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة، والمفضل عن جده وعلي بن مجاهد عن خالد ابن عبد العزيز، أن يزيد بن المهلب ولى جهم بن زحر جرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجه عامل العراق من العراق واليا على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جهم فقيده وقيد
(6/558)

رهطا قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجراح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أسوغك هذا، فقال له جهم: ولولا أنك ابن عمي لم آتك- وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتي حصين بن الحارث وابن عمه، لأن الحكم وجعفي ابنا سعد- فقال له الجراح: خالفت إمامك، وخرجت عاصيا، فاغز لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك فوجهه إلى الختل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكرا في ثلاثة، وخلف في عسكره ابن عمه القاسم بن حبيب- وهو ختنه على ابنته أم الأسود- حتى دخل على صاحب الختل فقال له:
أخلني، فأخلاه، فاعتزى، فنزل صاحب الختل عن سريره وأعطاه حاجته- ويقولون: الختل موالي النعمان- وأصاب مغنما، فكتب الجراح إلى عمر: وأوفد وفدا، رجلين من العرب، ورجلا من الموالي من بني ضبة ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلا في دينه وقال بعضهم: المولى سعيد أخو خالد أو يزيد النحوي فتكلم العربيان والآخر جالس، فقال له عمر: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، قال: فما يمنعك من الكلام! قال:
يا أمير المؤمنين، عشرون ألفا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج، وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا، فيقول: أتيتكم حفيا، وأنا اليوم عصبي! والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم وبلغ من جفائه أن كم درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان فقال عمر:
إذن مثلك فليوفد.
وكتب عمر إلى الجراح: أنظر من صلى قبلك إلى القبلة، فضع عنه الجزية فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفورا من الجزية، فامتحنهم بالختان.
فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدا ص داعيا ولم يبعثه خاتنا وقال عمر: ابغوني رجلا صدوقا،
(6/559)

أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدته، عليك بأبي مجلز فكتب إلى الجراح: أن أقبل واحمل أبا مجلز وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدي وعلى جزيتها عبيد الله- أو عبد الله- بن حبيب.
فخطب الجراح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي علي وعلى فرسي، لم أصب من مالكم إلا حلية سيفي- ولم يكن عنده إلا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها، فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق من وصفك بالجفاء، هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج! وكان الجراح يقول: أنا والله عصبي عقبي- يريد من العصبية وكان الجراح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: أني قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزوا، أحب الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم إلا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك فكتب إليه عمر:
يا بن أم الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ، وتقرأ كتابا لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها.
ولما أراد الجراح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفا وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال وقال: هي علي سلفا حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال:
لأيام بقين من شهر رمضان، وعلي دين فاقضه، قال: لو أقمت حتى تفطر ثم خرجت قضيت عنك فأدى عنه قومه في أعطياتهم.
(6/560)

ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراسان
وكان سبب ذلك- فيما ذكر لي- أن الجراح بن عبد الله لما شكي، واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فقدم عليه عزله عن خراسان لما قد ذكرت قبل.
ثم إن عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان، قال- فيما ذكر على ابن مُحَمَّد عن خارجة بن مصعب الضبعي وعبد الله بن المبارك وغيرهما: ابغوني رجلا صدوقا أسأله عن خراسان، فقيل له: أبو مجلز لاحق بن حميد، فكتب فيه، فقدم عليه- وكان رجلا لا تأخذه العين- فدخل أبو مجلز على عمر في جفة الناس، فلم يثبته عمر، وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل:
دخل مع الناس ثم خرج، فدعا به عمر فقال: يا أبا مجلز، لم أعرفك، قال:
فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني! قال: أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال:
يكافئ الأكفاء، ويعادي الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء، ويقدم إن وجد من يساعده قال: عبد الرحمن بن نعيم، قال: ضعيف لين يحب العافية، وتأتي له، قال: الذي يحب العافية وتأتي له أحب إلي، فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري ثم أحد بني الأعور بن قشير الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: أني استعملت عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة مني بهما ولا اختيار، إلا ما أخبرت عنهما، فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله،.
ولا حول ولا قوة إلا بالله قال علي: وحدثنا أبو السري الأزدي، عن إبراهيم الصائغ، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:
أما بعد، فكن عبدا ناصحا لله في عباده، ولا يأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، فلا تولين شيئا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعي،
(6/561)

وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق، فان الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهبا، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
قال علي، عن مُحَمَّد الباهلي، وأبي نهيك بن زياد وغيرهما: إن عمر بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشي، فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليها في شهر رمضان من سنة مائة، وعزل سنة اثنتين ومائة، بعد ما قتل يزيد بن المهلب.
قال علي: كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا
. أول الدعوة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة- أعني سنة مائة- وجه مُحَمَّد بن عَلِيّ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس من أرض الشراة ميسرة إلى العراق، ووجه مُحَمَّد بن خنيس وأبا عكرمة السراج، وهو أبو مُحَمَّد الصادق وحيان العطار خال ابراهيم ابن سلمة إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي من قبل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا، ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى مُحَمَّد بن علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى مُحَمَّد بن علي، واختار أبو مُحَمَّد الصادق لمُحَمَّد بن علي اثني عشر رجلا، نقباء، منهم سليمان ابن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود، من بني عمرو بن شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن إسماعيل أبو النجم، مولى لآل أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي وطلحه ابن رزيق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة وشبل بن طهمان أبو علي الهروي، مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة، واختار.
سبعين رجلا، فكتب إليهم مُحَمَّد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها
(6/562)

وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى عن أبي معشر.
وكذلك قال الواقدي.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل ما خلا عامل خراسان، فإن عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج
(6/563)

ثم دخلت

سنة إحدى ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه
فمن ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه:
ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، أن عمر بن عبد العزيز لما كلم في يزيد بن المهلب حين أراد نفيه إلى دهلك، وقيل له: إنا نخشى أن ينتزعه قومه، رده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر، فأخذ يعمل بعد في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك، لأنه كان قد عذب أصهاره آل أبي عقيل- كانت أم الحجاج بنت مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول- فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه، فأعدوا له إبلا وكان مرض عمر في دير سمعان، فلما اشتد مرض عمر أمر بإبله فأتي بها، فلما تبين له أنه قد ثقل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذي واعدهم فيه، فلم يجدهم جاءوا، فجزع اصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: اترونني أرجع إلى السجن! لا والله لا أرجع إليه أبدا ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل، فخرج ومعه عاتكه امراته ابنه الفرات ابن معاويه العامريه من بنى البكاء في شق المحمل، فمضى.
فلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك، فقال عمر: اللهم إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شرا فاكفهم شره، واردد كيده في نحره ومضى يزيد بن المهلب حتى مر بحدث الزقاق، وفيه الهذيل بن زفر معه قيس،
(6/564)

فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مر بهم، فأصابوا طرفا من ثقله وغلمة من وصفائه، فأرسل الهذيل بن زفر في آثارهم، فردهم فقال: ما تطلبون؟
أخبروني، أتطلبون يزيد بن المهلب أو أحدا من قومه بتبل؟ فقالوا: لا، قال: فما تريدون؟ إنما هو رجل كان في إسار، فخاف على نفسه فهرب.
وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر
. خبر وفاه عمر بن عبد العزيز
وفي هذه السنة توفي عمر بن عبد العزيز، فحدثني أحمد بْن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفي عمر بن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة.
وكذلك قال مُحَمَّد بن عُمَرُ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمرو بن عثمان، قال: مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة.
وقال هشام عن أبي مخنف: مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان في سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسه اشهر، ومات بدير سمعان.
حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمي الهيثم بن واقد، قال: ولدت سنة سبع وتسعين، واستخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير، وتوفي بخناصرة يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكان شكوه عشرين يوما، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير سمعان.
وقد قال بعضهم: كان له يوم توفي تسع وثلاثون سنة، وخمسة أشهر
(6/565)

وقال بعضهم: كان له أربعون سنة.
وقال هشام: توفي عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر، وكان يكنى أبا حفص وله يقول عويف القوافي، وقد حضره في جنازة شهدها معه:
أجبني أبا حفص لقيت مُحَمَّدا ... على حوضه مستبشرا وراكا
فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة ... شمالك خير من يمين سواكا
وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له: اشج بنى اميه، وذلك أن دابة من دواب أبيه كانت شجته فقيل له: اشج بنى اميه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا سُلَيْمَان بن حرب، قال: حدثنا المبارك بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، قال: كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلا! وحدثت عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا مروان بن شجاع.
عن سالم الأفطس، أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتيت به أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضمته إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه، وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادما ولا حاضنا يحطه من مثل هذا! فقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إذ كان أشج بني أمية!

ذكر بعض سيره
ذكر علي بن مُحَمَّد أن كليب بن خلف حدثهم عن إدريس بن حنظلة، والمفضل، عن جده وعلي بن مجاهد عن خالد: أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولي الخلافة إلى يزيد بن الهلب:
(6/566)

أما بعد، فإن سُلَيْمَان كان عبدا من عبيد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس علي بهين، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال، كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا، ومساله غليظه، اما ما عافى الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.
فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب، ألقاه إلى أبي عيينة، فلما قرأه قال: لست من عماله، قال: ولم؟ قال: ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته، وليس يريد أن يسلك مسلكهم فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا.
قال: ثم كتب عمر إلى يزيد استخلف على خراسان، وأقبل، فاستخلف ابنه مخلدا.
قال علي: وحدثنا علي بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن منصور، عن ميمون بن مهران، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أن العمل والعلم قريبان، فكن عالما بالله عاملا له، فإن أقواما علموا ولم يعلموا، فكان علمهم عليهم وبالا.
قال وأخبرنا مصعب بن حيان عن مقاتل بن حيان، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن.
أما بعد، فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين.
قال علي: أخبرنا كليب بن خلف، عن طفيل بن مرداس، قال: كتب عمر إلى سُلَيْمَان بن أبي السري، أن اعمل خانات في بلادك فمن مر بك من المسلمين فأقروهم يوما وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعا به فقووه بما يصل به إلى بلده.
فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسُلَيْمَان: إن قتيبة غد ربنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فائذن لنا فليفد منا وفد
(6/567)

إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة فأذن لهم، فوجهوا منهم قوما، فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سُلَيْمَان ابن أبي السري:
أن أهل سمرقند قد شكوا إلي ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة.
قال: فأجلس لهم سُلَيْمَان جميع بن حاضر القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة، فقال أهل السغد: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربا.
وتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عندنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا.
قال: وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم قال: فأبوا وقالوا: لا يسعنا مرو فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر: اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين، فحسبهم الذي قد فتح الله عليهم.
قال: وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائي- وكان قد ولاه الخراج بعد القشيري.
إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها، فالوالي ركن، والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع انا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي، ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرزه في غير ظلم، فإن يك كفافا لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم قال: فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم، فكتب إلى
(6/568)

عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر: أن اقسم الفضل في أهل الحاجة.
وحدثني عبد اللَّه بْن أحمد بْن شبويه، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ:
حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحه، عن داود ابن سُلَيْمَان الجعفي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز:
من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد، سلام عليك، أما بعد، فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في احكام الله وسنه خبيثة استنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك، فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامرا على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب، حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية ان يحج، فعجل له مائه يحج بها، والسلام.
حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله، عن شهاب بن شريعة المجاشعي، قال:
ألحق عمر بن عبد العزيز ذراري الرجال الذين في العطايا أقرع بينهم، فمن
(6/569)

أصابته القرعة جعله في المائة، ومن لم تصبه القرعة جعله في الأربعين، وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم، فأعطى الزمني خمسين خمسين قال: وأراه رزق الفطم. حدثني عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الفضيل، عن عبد الله قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشام.
سلام عليكم ورحمة الله، أما بعد، فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه، ومن علم أن الموت حق رضى باليسير، والسلام قال علي بن مُحَمَّد: وقال أبو مجلز لعمر: إنك وضعتنا بمنقطع التراب، فاحمل إلينا الأموال قال: يا أبا مجلز: قلبت الأمر، قال: يا أمير المؤمنين أهو لنا أم لك؟ قال: بل هو لكم إذا قصر خراجكم عن أعطياتكم، قال: فلا أنت تحمله إلينا، ولا نحمله إليك، وقد وضعت بعضه على بعض.
قال: أحمله إليكم إن شاء الله.
ومرض من ليلته فمات من مرضه وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرا.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي عمارة بن أكيمة الليثي، ويكنى أبا الوليد، وهو ابن تسع وسبعين.

زياده في سيره عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبي جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان
روى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، قال: حدثنا رجل في مسجد الجنابذ، أن عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخناصرة، فقال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض ألا واعلموا
(6/570)

أنما الأمان غدا لمن حذر الله وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير وخوفا بأمان ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين! وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة، وخلع الأسباب، فسكن التراب وواجه الحساب فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدم، غني عما ترك.
فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه.
وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه، وما منكم أحد يسعه ما عندنا الا وددت انه سداى ولحمتي، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء وايم الله إن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش، لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، يدل فيها على طاعته، وينهى عن معصيته.
ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله.
روى خلف بن تميم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سعد، قال:
بلغني أن عمر بن عبد العزيز مات ابن له، فكتب عامل له يعزيه عن ابنه، فقال لكاتبه: أجبه عني، قال: فأخذ الكاتب يبري القلم، قال: فقال للكاتب: أدق القلم، فإنه أبقى للقرطاس، وأوجز للحروف، واكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن هذا الأمر أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه، فلما نزل لم ننكره، والسلام.
روى منصور بن مزاحم، قال: حدثنا شعيب- يعني ابن صفوان- عن ابن عبد الحميد، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب
(6/571)

حقه، فاتقوا الله، فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منجية في العواقب فالزموها الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القنوع سعة وبلغة وكفافا، إن أجل الدنيا في أعناقكم، وجهنم أمامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى فكأن لم يكن، وكل أموات عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق، وبعد فراغه وقد ذاق الموت، والقوم حوله يقولون: قد فرغ رحمه الله! وعاينتم تعجيل إخراجه، وقسمة تراثه ووجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور، وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين.
روى سهل بن محمود، قال: حدثنا حرملة بن عبد العزيز، قال:
حدثني أبي، عن ابن لعمر بن عبد العزيز، قال: أمرنا عمر أن نشتري موضع قبره، فاشتريناه من الراهب، قال: فقال بعض الشعراء:
أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لا يبعدن قوام العدل والدين
قد غادر القوم باللحد الذي لحدوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين
روى عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، قال: قال عمر بن عبد العزيز:
من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر، وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرا مما انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
» وقدم كتابه على عبد الرحمن بن نعيم:
لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه، ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار، ولا تجر الشاة إلى مذبحها، ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة، ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر.
روى عفان بن مسلم، عن عثمان بن عبد الحميد، قال: حدثنا أبي،
(6/572)

قال: بلغنا أن فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: اشتد علزه ليلة، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا امرت وصيفا له يقال له مرثد، فقلت له:
يا مرثد، كن عند أمير المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه ثم انطلقنا فضربنا برءوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثدا خارجا من البيت نائما، فأيقظته فقلت: يا مرثد ما أخرجك؟
قال: هو أخرجني، قال: يا مرثد، اخرج عنى! فو الله إني لأرى شيئا ما هو بالإنس ولا جان، فخرجت فسمعته يتلو هذه الآية: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ، قال: فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه وأغمض عينيه.
وإنه لميت رحمه الله
(6/573)

خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان
وفيها ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان، وكنيته أبو خالد، وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن مُحَمَّد، ولما ولي الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، فقدمها- فيما زعم الواقدي- يوم الأربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبد الرحمن سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.
وذكر مُحَمَّد بن عمر، أن عبد الجبار بن عمارة حدثه عن أبي بكر بن حزم، أنه قال: لما قدم عبد الرحمن بن الضحاك المدينة وعزلني، دخلت عليه، فسلمت فلم يقبل علي، فقلت: هذا شيء لا تملكه قريش للأنصار، فرجعت إلى منزلي وخفته- وكان شابا مقداما- فإذا هو يبلغني عنه أنه يقول:
ما يمنع ابن حزم أن يأتيني إلا الكبر، وإني لعالم بخيانته، فجاءني ما كنت أحذر وما أستيقن من كلامه، فقلت للذي جاءني بهذا: قل له: ما الخيانة لي بعادة، وما أحب أهلها، والأمير يحدث نفسه بالخلود في سلطانه، كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الأمير فخرجوا منها وبقيت آثارهم أحاديث إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا! فاتق الله ولا تسمع قول ظالم او حاسد على نعمه.
فلم يزل الأمر يترقى بينهما، حتى خاصم إليه رجل من بني فهر وآخر من بني النجار- وكان أبو بكر قضى للنجاري على الفهري في أرض كانت بينهما نصفين، فدفع أبو بكر الأرض إلى النجاري- فأرسل الفهري إلى النجاري وإلى أبي بكر بن حزم، فأحضرهما ابن الضحاك، فتظلم الفهري من أبي بكر بن حزم، وقال: أخرج مالي من يدي، فدفعه إلى هذا النجاري، فقال أبو بكر:
اللهم غفرا! أما رأيتني سألت أياما في أمرك وأمر صاحبك، فاجتمع لي على إخراجها من يدك، وأرسلتك إلى من أفتاني بذلك: سعيد بن المسيب وابى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألتهما؟ فقال الفهري: بلى،
(6/574)

وليس يلزمني قولهما فانكسر ابن الضحاك فقال: قوموا، فقاموا، فقال للفهري:
تقر له أنك سألت من أفتاه بهذا، ثم تقول ردها علي! أنت أرعن، اذهب فلا حق لك، فكان أبو بكر يتقيه ويخافه، حتى كلم ابن حيان يزيد أن يقيده من أبي بكر، فإنه ضربه حدين، فقال يزيد: لا افعل، رجل اصطنعه اهل بيتى، ولكنى أولئك المدينة قال: لا أريد ذلك، لو ضربته بسلطاني لم يكن لي قودا فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا:
أما بعد، فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه، وإن كان ضربه في أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه، فإن كان ضربه في أمر غير ذلك فأقده منه.
فقدم بالكتاب على عبد الرحمن بن الضحاك، فقال عبد الرحمن:
ما جئت بشيء، أترى ابن حزم ضربك في أمر لا يختلف فيه! فقال عثمان لعبد الرحمن: إن أردت أن تحسن أحسنت، قال: الآن أصبت المطلب، فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حزم فضربه حدين في مقام واحد، ولم يسأله عن شيء، فرجع أبو المغراء بن حيان وهو يقول: أنا أبو المغراء بن الحيان، والله ما قربت النساء من يوم صنع بي ابن أبي حزم ما صنع حتى يومى هذا، واليوم اقرب النساء!.

مقتل شوذب الخارجي
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل شوذب الخارجي.
ذكر الخبر عن مقتله:
قد ذكرنا قبل الخبر عما كان من مراسلة شوذب عمر بن عبد العزيز لمناظرته في خلافه عليه، فلما مات عمر أحب- فيما ذكر معمر بن المثنى- عبد الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى
(6/575)

مُحَمَّد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه، ولم يرجع رسولا شوذب، ولم يعلم بموت عمر، فلما رأوا مُحَمَّد بن جرير يستعد للحرب، أرسل إليه شوذب: ما أعجلك قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع رسولا شوذب! فأرسل إليهم مُحَمَّد: أنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة- قال غير أبي عبيدة: فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح قال معمر بن المثنى: فبرز لهم شوذب، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، وأكثروا في اهل القبله القتل، وتولوا منهزمين، والخوارج في أعقابهم تقتل حتى بلغوا أخصاص الكوفة، ولجئوا إلى عبد الحميد، وجرح مُحَمَّد بن جرير في استه، ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه، فجاءاه فأخبراه بما صادرا عليه عمر، وان قد مات فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة، ووجه من قبله تميم بن الحباب في ألفين، فراسلهم وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد، فحاربهم فقتلوه وهزموا أصحابه، فلجأ بعضهم إلى الكوفة ورجع الآخرون إلى يزيد، فوجه إليهم نجدة بن الحكم الأزدي في جمع فقتلوه، وهزموا أصحابه، فوجه إليهم الشحاج بن وداع في ألفين، فراسلهم وراسلوه، فقتلوه، وقتل منهم نفرا فيهم هدبة اليشكري، ابن عم بسطام- وكان عابدا- وفيهم أبو شبيل مقاتل ابن شيبان- وكان فاضلا عندهم- فقال أبو ثعلبة أيوب بن خولي يرثيهم:
تركنا تميما في الغبار ملحبا ... تبكى عليه عرسه وقرائبه
وقد أسلمت قيس تميما ومالكا ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه
وأقبل من حران يحمل راية ... يغالب أمر الله والله غالبه
فيا هدب للهيجا، ويا هدب للندى، ... ويا هدب للخصم الألد يحاربه!
ويا هدب كم من ملحم قد اجنته ... وقد أسلمته للرماح جوالبه
(6/576)

وكان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى ويخشى بأسه من يحاربه
ففاز ولاقى الله بالخير كله ... وخذمه بالسيف في الله ضاربه
تزود من دنياه درعا ومغفرا ... وعضبا حساما لم تخنه مضاربه
واجرد محبوك السراة كأنه ... إذا انقض وافي الريش حجن مخالبه
فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه أهلها مكان شوذب، وخوفهم منه وما قد قتل منهم، فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي- وكان فارسا- فعقد له على عشرة آلاف، ووجهه إليه وهو مقيم بموضعه، فأتاه ما لا طاقة له به، فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنما البقاء في الدار الآخرة، فكسروا أغماد السيوف وحملوا، فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا، حتى خاف الفضيحة فذمر أصحابه، وقال لهم: أمن هذه الشرذمة لا أبا لكم تفرون! يا أهل الشام يوما كأيامكم! قال: فحملوا عليهم، فطحنوهم طحنا لم يبقوا منهم أحدا، وقتلوا بسطاما وهو شوذب وفرسانه، منهم الريان بن عبد الله اليشكري، وكان من المخبتين، فقال أخوه شمر بن عبد الله يرثيه:
ولقد فجعت بسادة وفوارس ... للحرب سعر من بنى شيبان
اعتاقهم ريب الرمان فغالهم ... وتركت فردا غير ذي اخوان
كمدا تجلجل في فؤادي حسرة ... كالنار من وجد على الريان
وفوارس باعوا الإله نفوسهم ... من يشكر عند الوغى فرسان
وقال حسان بن جعدة يرثيهم:
يا عين أذري دموعا منك تسجاما ... وابكي صحابة بسطام وبسطاما
فلن تري أبدا ما عشت مثلهمُ ... أتقى وأكمل في الأحلام أحلاما
(6/577)

بسيهم قد تأسوا عند شدتهم ... ولم يريدوا عن الأعداء إحجاما
حتى مضوا للذي كانوا له خرجوا ... فأورثونا منارات وأعلاما
إني لأعلم أن قد أنزلوا غرفا ... من الجنان ونالوا ثم خداما
أسقى الإله بلادا كان مصرعهم ... فيها سحابا من الوسمي سجاما.

خبر خلع يزيد بن المهلب يزيد بن عبد الملك
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عدي بن أرطاة الفزاري، فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك.

ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة:
قد مضى ذكرى خبر هرب يزيد بن المهلب من محبسه الذي كان عمر بن عبد العزيز حبسه فيه، ونذكر الآن ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة- أعني سنة إحدى ومائة.
ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه عمر، وبلغه هرب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلبه ويستقبله، وكتب إلى عدي بن أرطاة يعلمه هربه، ويأمره أن يتهيأ لاستقباله، وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته.
فذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، أن عدي بن أرطاة أخذهم وحبسهم، وفيهم المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب حتى مر بسعيد بن عبد الملك بن مروان، فقال يزيد لأصحابه: ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا! فقال أصحابه: لا بل امض بنا ودعه وأقبل يسير حتى ارتفع فوق القطقطانة، وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام ابن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزيز بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عُبْدُودِ بْنِ
(6/578)

نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بن لؤي القرشي، في ناس من أهل الكوفة من الشرط ووجوه الناس وأهل القوة، فقال له: انطلق حتى تستقبله فإنه اليوم يمر بجانب العذيب فمشى هشام قليلا، ثم رجع إلى عبد الحميد فقال:
آجيئك به أسيرا أم آتيك برأسه؟ فقال: أي ذلك ما شئت، فكان يعجب لقوله ذلك من سمعه، وجاء هشام حتى نزل العذيب، ومر يزيد منهم غير بعيد، فاتقوا الإقدام عليه، ومضى يزيد نحو البصرة، ففيه يقول الشاعر:
وسار ابن المهلب لم يعرج ... وعرس ذو القطيفة من كنانه
وياسر والتياسر كان حزما ... ولم يقرب قصور القطقطانه
ذو القطيفة هو مُحَمَّد بن عمرو، وهو أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أبو قطيفة، وإنما سمي ذا القطيفة، لأنه كان كثير شعر اللحية والوجه والصدر ومُحَمَّد يقال له ذو الشامة.
فلما جاء يزيد بن المهلب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد، ومضى يزيد إلى البصرة، وقد جمع عدي بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي وكان عدي بن أرطاة رجلا من بني فزارة وقال عبد الملك بن المهلب لعدي بن أرطاة: خذ ابني حميدا فاحبسه مكاني، وأنا أضمن لك أن أرد يزيد عن البصرة حتى يأتي فارس، ويطلب لنفسه الأمان ولا يقربك فأبى عليه، وجاء يزيد ومعه أصحابه الذين أقبل فيهم، والبصرة محفوفة بالرجال، وقد جمع مُحَمَّد بن المهلب- ولم يكن ممن حبس- رجالا وفتية من أهل بيته وناسا من مواليه، فخرج حتى استقبله، فأقبل في كتيبة تهول من رآها، وقد دعا عدي أهل البصرة، فبعث على كل خمس من أخماسها رجلا، فبعث على خمس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، وبعث على خمس بني تميم محرز بن حمران السعدي من بني منقر، وعلى خمس بكر بن وائل عمران بن عامر
(6/579)

ابن مسمع من بني قيس بن ثعلبة فقال أبو منقر، - رجل من قيس بن ثعلبة-:
إن الراية لا تصلح إلا في بني مالك بن مسمع، فدعا عدي نوح بن شيبان ابن مالك بن مسمع، فعقد له على بكر بن وائل، ودعا مالك بن المنذر بن الجارود، فعقد له على عبد القيس، ودعا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، فعقد له على أهل العالية- والعالية قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة- وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة وبالبصرة خمس أهل العالية، وكانوا بالكوفة أخماسا، فجعلهم زياد بن عبيد أرباعا.
قال هشام عن أبي مخنف: وأقبل يزيد بن المهلب لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن السبيل حتى يمضي، واستقبله المغيرة ابن عبد الله الثقفي في الخيل، فحمل عليه مُحَمَّد بن المهلب في الخيل، فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه، وأقبل يزيد حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، وأخذ يبعث إلى عدي بن أرطاة أن ادفع إلي إخوتي وأنا أصالحك على البصرة، وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك، فلم يقبل منه، وخرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلب، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته، وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه من الناس، فكان يقطع لهم قطع الذهب وقطع الفضة، فمال الناس إليه، ولحق به عمران بن عامر بن مسمع ساخطا على عدي بن أرطاة حين نزع منه رايته، راية بكر بن وائل، وأعطاها ابن عمه، ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس، فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشام، وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين، ويقول:
(6/580)

لا يحل لي أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذا حتى يأتي الأمر في ذلك، فقال الفرزدق في ذلك:
أظن رجال الدرهمين يسوقهم ... إلى الموت آجال لهم ومصارع
فأحزمهم من كان في قعر بيته ... وأيقن أن الأمر لا شك واقع
وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي، فنزلوا المربد، فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس، فحمل عليهم فهزمهم، فقال الفرزدق في ذلك:
تفرقت الحمراء إذ صاح دارس ... ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم
جزى الله قيسا عن عدي ملامة ... ألا صبروا حتى تكون ملاحم
وخرج يزيد بن المهلب حين اجتمع له الناس، حتى نزل جبانة بني يشكر- وهو المنصف فيما بينه وبين القصر- وجاءته بنو تميم وقيس وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة، فحمل عليهم مُحَمَّد بن المهلب، فضرب مسور بن عباد الحبطي بالسيف فقطع أنف البيضة، ثم أسرع السيف إلى أنفه، وحمل على هريم بن أبي طلحة بن أبي نهشل بن دارم، فأخذ بمنطقته، فحذفه عن فرسه، فوقع فيما بينه وبين الفرس، وقال: هيهات هيهات! عمك أثقل من ذلك وانهزموا وأقبل يزيد بن المهلب إثر القوم يتلوهم حتى دنا من القصر،
(6/581)

فقاتلوهم وخرج إليه عدي بنفسه فقتل من أصحابه الحارث بن مصرف الأودي- وكان من أشراف أهل الشام وفرسان الحجاج- وقتل موسى بن الوجيه الحميري ثم الكلاعي، وقتل راشد المؤذن، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد وهم في محبس عدي الأصوات تدنو، والنشاب تقع في القصر، فقال لهم عبد الملك إني أرى النشاب تقع في القصر، وأرى الأصوات تدنو، ولا أرى يزيد إلا قد ظهر، وإني لا آمن من مع عدي من مضر ومن أهل الشام أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار، فأغلقوا الباب ثم ألقوا عليه ثيابا ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عمر، وكان على حرس عدي- فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه، وقد وضع بنو المهلب متاعا على الباب، ثم اتكوا عليه، فأخذ الآخرون يعالجون الباب، فلم يستطيعوا الدخول، وأعجلهم الناس فخلوا عنهم.
وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سلم بن زياد بن أبي سفيان إلى جانب القصر، وأتي بالسلاليم، فلم يلبث عثمان أن فتح القصر، واتى بعدي ابن أرطاة، فجيء به وهو يتبسم، فقال له يزيد: لم تضحك؟ فو الله إنه لينبغي أن يمنعك من الضحك خصلتان: إحداهما الفرار من القتلة الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها، فهذه واحدة، والأخرى إني أتيت بك تتل كما يتل العبد الآبق إلى أربابه، وليس معك مني عهد ولا عقد، فما يؤمنك أن أضرب عنقك! فقال عدي: أما أنت فقد قدرت علي، ولكني أعلم أن بقائي بقاؤك، وأن هلاكي مطلوب به من جرته يده، إنك قد رأيت جنود الله بالمغرب، وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث، فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة، قبل أن يرمي إليك البحر بأمواجه، فإن طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل، وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين، وما لم يشخص القوم إليك فلم
(6/582)

يمنعوك شيئا طلبت فيه الأمان على نفسك وأهلك ومالك.
فقال له يزيد: أما قولك: إن بقاءك بقائي، فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور إن كنت لا يبقيني إلا بقاؤك، وأما قولك: إن هلاكك مطلوب به من جرته يده، فو الله لو كان في يدي من أهل الشام عشرة آلاف إنسان ليس فيهم رجل إلا أعظم منزلة منك فيهم، ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد، لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم وأعظم في صدورهم من قتل أولئك، ثم لو شئت أن تهدر لي دماؤهم، وأن أحكم في بيوت أموالهم، وأن يجوزوا لي عظيما من سلطانهم، على أن أضع الحرب فيما بيني وبينهم لفعلوا، فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخيارنا إليهم، وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لأنفسهم، لا يذكرونك ولا يحلفون بك وأما قولك: تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل، فو الله ما استشرتك، ولا أنت عندي بواد ولا نصيح، فما كان ذلك منك إلا عجزا وفضلا، انطلقوا به، فلما ذهبوا به ساعة قال: ردوه، فلما رد قال: أما إن حبسي إياك ليس إلا لحبسك بني المهلب وتضييقك عليهم فيما كنا نسألك التسهيل فيه عليهم، فلم تكن تألو ما عسرت وضيقت وخالفت، فكأنه لهذا القول حين سمعه أمن على نفسه، وأخذ عدي يحدث به كل من دخل عليه.
وكان رجل يقال له السميدع الكندي من بني مالك بن ربيعة من ساكني عمان يرى رأي الخوارج، وكان خرج وأصحاب يزيد وأصحاب عدي مصطفون فاعتزل ومعه ناس من القراء، فقال طائفة من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدي: قد رضينا بحكم السميدع ثم إن يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه، فأجابه، فاستعملوا يزيد على الأبلة، فأقبل على الطيب والتخلق والنعيم، فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رءوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر، فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة، ولحق بعضهم بالشام، فقال الفرزدق:
(6/583)

فداء لقوم من تميم تتابعوا ... إلى الشام لم يرضوا بحكم السميدع
أحكم حروري من الدين مارق ... أضل وأغوى من حمار مجدع
فأجابه خليفة الأقطع:
وما وجهوها نحوه عن وفادة ... ولا نهزة يرجى بها خير مطمع
ولكنهم راحوا إليها وأدلجوا ... بأقرع أستاه ترى يوم مقرع
وهم من حذار القوم أن يلحقوا بهم ... لهم نزلة في كل خمس وأربع
وخرج الحواري بن زياد بن عمرو العتكي يريد يزيد بن عبد الملك هاربا من يزيد بن المهلب، فلقي خالد بن عبد الله القسري وعمرو بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب قد أقبلوا من عند يزيد بن عبد الملك بأمان يزيد بن المهلب، وكل شيء اراده فاستقبلهما، فسألاه عن الخبر، فخلا بهما حين راى معهما حميد بن عبد الملك، فقال: أين تريدان؟
فقالا: يزيد بن المهلب، قد جئناه بكل شيء أراده، فقال: ما تصنعان بيزيد شيئا، ولا يصنعه بكما، قد ظهر على عدوه عدي بن أرطاة، وقتل القتلى وحبس عديا، فارجعا أيها الرجلان ويمر رجل من باهلة يقال له مسلم بن عبد الملك، فلم يقف عليهما، فصايحاه وساءلاه، فلم يقف عليهما، فقال القسري: ألا ترده فتجلده مائة جلدة! فقال له صاحبه: عز به عنك، وامليا لينصرف.
ومضى الحواري بن زياد إلى يزيد بن عبد الملك، وأقبلا بحميد بن عبد الملك معهما، فقال لهما حميد: أنشدكما الله أن تخالفا أمر يزيد ما بعثتما به! فإن يزيد قابل منكما، وإن هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فأنشدكما الله أن تقبلا مقالته، فلم يقبلا قوله، وأقبلا به حتى دفعاه إلى عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وقد كان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خراسان عاملا عليها فلما بلغه خلع يزيد بن عبد الملك كتب إليه: أن جهاد من خالفك أحب إلي
(6/584)

من عملي على خراسان، فلا حاجة لي فيها، فاجعلني ممن توجهني إلى يزيد بن المهلب، وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد، ووثب عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بن الخطاب على خالد بن يزيد بن المهلب، وهو بالكوفة وعلى حمال بن زحر الجعفي، وليسا ممن كان ينطق بشيء إلا أنهم عرفوا ما كان بينه وبين بني المهلب، فأوثقهما وسرحهما إلى يزيد بن عبد الملك، فحبسهما جميعا، فلم يفارقوا السجن حتى هلكوا فيه وبعث يزيد بن عبد الملك رجالا من أهل الشام إلى الكوفة يسكنونهم، ويثنون عليهم بطاعتهم، ويمنونهم الزيادات منهم القطامي بن الحصين، وهو أبو الشرقي، واسم الشرقي الوليد، وقد قال القطامي حين بلغه ما كان من يزيد بن المهلب:
لعل عيني أن ترى يزيدا ... يقود جيشا جحفلا شديدا
تسمع للأرض به وئيدا ... لا برما هدا ولا حسودا
ولا جبانا في الوغى رعديدا ... ترى ذوي التاج له سجودا
مكفرين خاشعين قودا ... وآخرين رحبوا وفودا
لا ينقض العهد ولا المعهودا ... من نفر كانوا هجانا صيدا
ترى لهم في كل يوم عيدا ... من الأعادي جزرا مقصودا
ثم إن القطامي سار بعد ذلك إلى العقر حتى شهد قتال يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك، فقال يزيد بن المهلب: ما أبعد شعر القطامي من فعله! ثم إن يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد في أربعة آلاف فارس، جريدة خيل، حتى وافوا الحيرة يبادر إليها يزيد بن المهلب، ثم أقبل بعد ذلك مسلمة بن عبد الملك وجنود أهل الشام، وأخذ على الجزيرة وعلى شاطئ الفرات، فاستوثق أهل البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان، عليها الجراح بن عبد الملك الحكمي حتى انصرف إلى عمر بن
(6/585)

عبد العزيز، وعبد الرحمن بن نعيم الأزدي فكان على الصلاة واستخلف يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن القشيري على الخراج، وجاء مدرك بن المهلب حتى انتهى إلى رأس المفازة، فدس عبد الرحمن بن نعيم إلى بني تميم أن هذا مدرك بن المهلب يريد أن يلقي بينكم الحرب، وأنتم في بلاد عافية وطاعة وعلى جماعة، فخرجوا ليلا يستقبلونه، وبلغ ذلك الأزد، فخرج منهم نحو من ألفي فارس حتى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة، فقالوا لهم: ما جاء بكم؟
وما أخرجكم إلى هذا المكان؟ فاعتلوا عليهم بأشياء، ولم يقروا لهم أنهم خرجوا ليتلفوا مدرك بن المهلب، فكان لهم الآخرون، بل قد علمنا أن تخرجوا لتلقى صاحبنا، وها هو ذا قريب، فما شئتم ثم انطلقت الأزد حتى تلقوا مدرك بن المهلب على رأس المفازة، فقالوا له: إنك أحب الناس إلينا، وأعزهم علينا، وقد خرج أخوك ونابذه، فإن يظهره الله فإنما ذلك لنا، ونحن أسرع الناس إليكم أهل البيت واحقه بذلك، وان تكن الاخرى فو الله مالك في أن يغشانا ما يعرنا فيه من البلاء راحة فعزم له رأيه على الانصراف، فقال ثابت قطنة، وهو ثابت بن كعب، من الأزد من العتيك:
ألم تر دوسرا منعت أخاها ... وقد حشدت لتقتله تميم
رأوا من دونه الزرق العوالي ... وحيا ما يباح لهم حريم
شنوءتها وعمران بن حزم ... هناك المجد والحسب الصميم
فما حملوا ولكن نهنهتهم ... رماح الأزد والعز القديم
رددنا مدركا بمرد صدق ... ليس بوجهه منكم كلوم
وخيل كالقداح مسومات ... لدى أرض مغانيها الجميم
عليها كل أصيد دوسري ... عزيز لا يفر ولا يريم
بهم تستعتب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تردعها الحلوم
(6/586)

قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني معاذ بن سعد أن يزيد لما استجمع له البصرة، قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنه نبيه محمد ص، ويحث على الجهاد، ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم.
قال: فدخلت أنا والحسن البصري وهو واضع يده على عاتقي، وهو يقول: انظر هل ترى وجه رجل تعرفه؟ قلت: لا والله، ما أرى وجه رجل أعرفه، قال: فهؤلاء والله الغثاء، قال: فمضينا حتى دنونا من المنبر قال:
فسمعته يذكر كتاب الله وسنه نبيه ص، ثم رفع صوته، فقال: والله لقد رأيناك واليا ومولى عليك، فما ينبغي لك ذلك قال: فوثبنا عليه، فأخذنا بيده وفمه واجلسناه، فو الله ما نشك أنه سمعه، ولكنه لم يلتفت إليه ومضى في خطبته.
قال: ثم إنا خرجنا إلى باب المسجد، فإذا على باب المسجد النضر بن انس ابن مالك يقول: يا عباد الله، ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيه ص! فو الله ما رأينا ذلك ولا رأيتموه منذ ولدتم إلا هذه الأيام من إمارة عمر بن عبد العزيز، فقال الحسن: سبحان الله! وهذا النضر بن أنس قد شهد أيضا.
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني المثنى بن عبد الله أن الحسن البصري مر على الناس وقد اصطفوا صفين، وقد نصبوا الرايات والرماح، وهم ينتظرون خروج يزيد، وهم يقولون: يدعونا يزيد إلى سنة العمرين، فقال الحسن: إنما كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون، ثم يسرح بها إلى بني مروان، يريد بهلاك هؤلاء رضاهم فلما غضب غضبة نصب قصبا، ثم وضع عليها خرقا، ثم قال: إني قد خالفتهم فخالفوهم قال هؤلاء:
نعم وقال: إني أدعوكم إلى سنة العمرين، وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله، ثم يرد إلى محبس عمر الذي فيه حبسه، فقال له ناس من اصحابه
(6/587)

ممن سمع قوله: والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشام، فقال: أنا راض عن أهل الشام قبحهم الله وبرحهم! أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله ص، يقتلون أهله ثلاثة أيام وثلاث ليال! قد أباحوهم لأنباطهم وأقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدين، لا يتناهون عن انتهاك حرمة.
ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام، فهدموا الكعبة، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله وسوء الدار! قال: ثم إن يزيد خرج من البصرة، واستعمل عليها مروان بن المهلب، وخرج معه بالسلاح وبيت المال، فأقبل حتى نزل واسطا، وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط، فقال: هاتوا الرأي، فإن أهل الشام قد نهضوا إليكم، فقال له حبيب، وقد أشار عليه غير حبيب أيضا فقالوا: نرى أن تخرج وتنزل بفارس، فتأخذ بالشعاب وبالعقاب، وتدنو من خراسان، وتطاول القوم، فإن أهل الجبال ينقضون إليك وفي يديك القلاع والحصون فقال:
ليس هذا برأيي، ليس يوافقني هذا، إنما تريدون أن تجعلوني طائرا على رأس جبل فقال له حبيب: فإن الرأي الذي كان ينبغي أن يكون في أول الأمر قد فات، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلا عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة، فإنما هو عبد الحميد بن عبد الرحمن، مررت به في سبعين رجلا فعجز عنك، فهو عن خيلك أعجز في العدة، فنسبق إليها أهل الشام وعظماء أهلها يرون رأيك، وأن تلي عليهم أحب إلى جلهم من أن يلي عليهم أهل الشام، فلم تطعني، وأنا أشير الآن برأي، سرح مع أهل بيتك خيلا من خيلك عظيمة فتأتي الجزيرة، وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونها، وتسير في أثرهم، فإذا أقبل أهل الشام يريدونك لم يدعوا جندا من جنودك بالجزيرة، ويقبلون إليك فيقيمون عليهم، فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك، وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور، وتقاتلهم في ارض رفيغه السعر، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك،
(6/588)

فقال: إني أكره أن أقطع جيشي وجندي فلما نزل واسطا أقام بها أياما يسيرة.
قال أبو جعفر: وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضحاك ابن قيس الفهري، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ محمد بن عمر.
وكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان على الكوفة عبد الحميد ابن عبد الرحمن، وعلى قضائها الشعبي، وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد ابن المهلب، وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم.
(6/589)

ثم دخلت

سنة اثنتين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان فيها من مسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمه ابن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إياهما لحربه.
وفيها قتل يزيد بن المهلب، في صفر.

ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن المهلب
ذكر هشام، عن أبي مخنف: أن معاذ بن سعيد حدثه أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنه معاوية، وجعل عنده بيت المال والخزائن والأسراء، وقدم بين يديه أخاه عبد الملك، ثم سار حتى مر بفم النيل، ثم سار حتى نزل العقر وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الأنبار، ثم عقد عليها الجسر، فعبر من قبل قرية يقال لها فارط، ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب، وقد قدم يزيد أخاه نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد بسورا، فاصطفوا، ثم اقتتل القوم، فشد عليهم أهل البصرة شدة كشفوهم فيها، وقد كان معهم ناس من بني تميم وقيس ممن انهزم من يزيد من البصرة، فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس، فيهم هريم بن أبي طحمة المجاشعي فلما انكشف أهل الشام تلك الانكشافة، ناداهم هريم بن أبي طحمة: يا أهل الشام، الله الله أن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نهر فأخذوا ينادونه: لا بأس عليك، إن لأهل الشام جولة في أول القتال، أتاك الغوث
(6/590)

قال: ثم إن أهل الشام كروا عليهم، فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا، وقتل المنتوف من بكر بن وائل، مولى لهم، فقال الفرزدق يحرض بكر بن وائل:
تبكي على المنتوف بكر بن وائل ... وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما
غلامين شبا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حيا مالك وابن مالك ... إذا أوقدوا نارين يعلو سناهما
وابنا مسمع: مالك وعبد الملك ابنا مسمع، قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب فأجابه الجعد بن درهم مولى من همدان:
نبكي على المنتوف في نصر قومه ... ولسنا نبكي الشائدين أباهما
أراد فناء الحي بكر بن وائل ... فعز تميم لو أصيب فناهما
فلا لقيا روحا من الله ساعة ... ولا رقأت عينا شجي بكاهما
أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما ... وقد لقيا بالغش فينا رداهما
وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلى أخيه بالعقر، وأمر عبد الله ابن حيان العبدي، فعبر إلى جانب الصراة الأقصى- وكان الجسر بينه وبينه- ونزل هو وعسكره وجمع من جموع يزيد، وخندق عليه، وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمرو الحرشي، ويقال: عبر إليهم الوضاح، فكانوا بإزائهم.
وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير، ومن الجبال، وأقبل إليه ناس من الثغور، فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وبعث على ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، وبعث على ربع كندة وربيعة محمد
(6/591)

ابن إسحاق بن مُحَمَّد بن الأشعث، وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعا مع المفضل بن المهلب.
قال هشام بن مُحَمَّد، عن أبي مخنف: حدثني العلاء بن زهير، قال:
والله إنا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال: ترون أن في هذا العسكر ألف سيف يضرب به؟ قال حنظلة بن عتاب: إي والله وأربعة آلاف سيف، قال: إنهم والله ما ضربوا الف سيف قط، والله لقد أحصى ديواني مائة وعشرين ألفا، والله لوددت أن مكانهم الساعة معي من بخراسان من قومي.
قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إنه قام ذات يوم فحرضنا ورغبنا في القتال ثم قال لنا فيما يقوله: إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية على هامهم ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء- يعني مسلمة بن عبد الملك- وعاقر ناقة ثمود، يعنى العباس ابن الوليد، وكان العباس أزرق أحمر، كانت أمه رومية- والله لقد كان سُلَيْمَان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه، فبلغني أنه ليس همهما إلا التماسي في الارض، والله لو جاء اهل الأرض جميعا وليس إلا أنا، ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم قالوا: نخاف أن تعنينا كما عنانا عبد الرحمن ابن مُحَمَّد، قال: إن عبد الرحمن فضح الذمار، وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله! ثم نزل.
قال: ودخل علينا عامر بن العميثل- رجل من الأزد- قد جمع جموعا فأتاه فبايعه، فكانت بيعة يزيد: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه ص، وعلى الا تطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا، ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجاج، فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن أبى جاهدناه، وجعلنا الله بيننا وبينه، ثم يقول: تبايعونا؟ فإذا قالوا: نعم، بايعهم.
وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة، وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب، لئلا يصل إلى الكوفة، ووضع على الكوفة مناظر وأرصادا لتحبس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد، وبعث
(6/592)

عبد الحميد بعثا من الكوفة عليهم سيف بن هانئ الهمداني حتى قدموا على مسلمة، فألطفهم مسلمة، وأثنى عليهم بطاعتهم، ثم قال: والله لقل ما جاءنا من أهل الكوفة فبلغ ذلك عبد الحميد، فبعث بعثا هم أكثر من ذلك، وبعث عليهم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فلما قدم أثنى عليه، وقال:
هذا رجل لأهل بيته طاعه وبلاء، ضموا اليه من كان هاهنا من أهل الكوفة.
وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله، وبعث مُحَمَّد بن عمرو بن الوليد بن عقبة- وهو ذو الشامة- مكانه فدعا يزيد بن المهلب رءوس أصحابه فقال لهم: قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألف رجل، فأبعثهم مع محمد ابن المهلب حتى يبيتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والأكف والزبل لدفن خندقهم، فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقية ليلتهم، وأمده بالرجال حتى أصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس، فنناجزهم، فانى أرجو عند ذلك ان ينصرنا الله عليهم قال السميدع: إنا قد دعوناهم الى كتاب الله وسنه نبيه محمد ص، وقد زعموا انهم قابلوا هذا منا، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر، ولا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا قال أبو رؤبة- وكان رأس طائفة من المرجئة، ومعه أصحاب له:
صدق، هكذا ينبغي قال يزيد: ويحكم! أتصدقون بني أمية! إنهم يعملون بالكتاب والسنة، وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا، إنهم يقولوا لكم: إنا نقبل منكم، وهم يريدون الا يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به، وتدعونهم إليه، لكنهم أرادوا أن يكفوكم عنهم، حتى يعملوا في المكر، فلا يسبقوكم إلى تلك، ابدءوهم بها، انى قد لقيت بنى مروان فو الله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصفراء- يعني مسلمة- قالوا: لا نرى أن نفعل ذلك، حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا.
وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، ويسرح الناس إلى يزيد، وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد ابن المهلب
(6/593)

قال أبو مخنف: فحدثني عبد الحميد البصري، أن الحسن البصري كان يقول في تلك الأيام:
أيها الناس، الزموا رحالكم، وكفوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير ليس لأهلها بباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض، إنه لم تكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف التقي، فمن كان منكم خفيا فليلزم الحق، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفا، وكفى له بها من الدنيا خلفا، ومن كان منكم معروفا شريفا، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك، فواها لهذا! ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله! فهذا غدا- يعني يوم القيامة- القرير عينا، الكريم عند الله مآبا.
فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبا كما يقوم، فأمر الناس بالجد والاحتشاد، ثم قال لهم:
لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي- ولم يسمه- يثبط الناس، والله لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه، أينكر علينا وعلى اهل مصرنا ان نطلب حقنا، وأن ننكر مظلمتنا! أما والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إلينا سقاط الأبلة وعلوج فرات البصرة- قوما ليسوا من أنفسنا، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا- أو لأنحين عليه مبردا خشنا.
فلما بلغ ذلك الحسن قال: والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: فقد خالفتكم إذا إلى ما نهيتكم عنه! آمركم ألا يقتل بعضكم بعضا مع غيري، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضا دوني! فبلغ ذلك مروان بن المهلب، فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا ولم يدع الحسن كلامه ذلك، وكف عنه مروان بن المهلب
(6/594)

وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع وهو ومسلمة ثمانية أيام، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر، بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضاحية والسفن حتى يحرق الجسر، ففعل وخرج مسلمة فعبى جنود أهل الشام، ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب، وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وجعل على ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث العامري، وجعل العباس على ميمنته سيف بن هانئ الهمداني، وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي ومسلمة على الناس، وخرج يزيد بن المهلب، وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته المفضل بن المهلب، وكان مع المفضل أهل الكوفة وهو عليهم، ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن، وكان مما يلي العباس بن الوليد.
قال أبو مخنف: فحدثني الغنوي- قال هشام: وأظن الغنوي العلاء ابن المنهال- إن رجلا من الشام خرج فدعا إِلَى المبارزة، فلم يخرج إِلَيْهِ أحد، فبرز له مُحَمَّد بن المهلب، فحمل عليه، فاتقاه الرجل بيده، وعلى كفه كف من حديد، فضربه مُحَمَّد فقطع كف الحديد وأسرع السيف في كفه، واعتنق فرسه، وأقبل مُحَمَّد يضربه، ويقول: المنجل أعود عليك قال: فذكر لي أنه حيان النبطي قال: فلما دنا الوضاح من الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه، وقد اقتتل الناس ونشبت الحرب، ولم يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان، وقيل لهم: أحرق الجسر انهزموا، فقالوا ليزيد: قد انهزم الناس.
قال: ومم انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم من مثله! فقيل له: قالوا:
أحرق الجسر فلم يثبت أحد، قال: قبحهم الله! بق دخن عليه فطار فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه، فقال:
اضربوا وجوه من ينهزم، ففعلوا ذلك بهم، حتى كثروا عليه، فاستقبلهم منهم مثل الجبال، فقال: دعوهم، فو الله انى لأرجو الا يجمعني الله وإياهم في مكان واحد أبدا، دعوهم يرحمهم الله، غنم عدا في نواحيها الذئب، وكان
(6/595)

يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وقد كان يزيد بن الحكم بن أبي العاص- وأمه ابنه الزبرقان السعدي- أتاه وهو بواسطه قبل ان يصل الى العقر، فقال:
ان بني مروان قد باد ملكهم ... فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر
قال يزيد: ما شعرت قال: فقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي:
فعش ملكا أو مت كريما وان تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر
قال: أما هذا فعسى:
ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة، فقال: يا سميدع، أرأيي أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم! قال: بلى والله، والرأي كان رأيك، انا ذا معك لا أزايلك، فمرني بأمرك، قال: إما لا فانزل، فنزل في أصحابه، وجاء يزيد بن المهلب جاء فقال: إن حبيبا قد قتل.
قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير بن سلمة الأزدي، قال: أشهد أني أسمعه حين قال له ذلك، قال: لا خير في العيش بعد حبيب! قد كنت والله أبغض الحياه بعد الهزيمة، فو الله ما ازددت له إلا بغضا، امضوا قدما فعلمنا والله أن قد استقتل، فأخذ من يكره القتال ينكص، وأخذوا يتسللون، وبقيت معه جماعة حسنة، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن اصحابه، جاء ابو رؤبه المرجى، فقال: ذهب الناس- وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه- فقال: هل لك أن تنصرف إلى واسط، فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة، ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن، وتضرب خندقا؟
فقال له: قبح الله رأيك! ألي تقول هذا! الموت أيسر علي من ذلك، فقال له: فإني أتخوف عليك لما ترى، أما ترى ما حولك من جبال الحديد! وهو يشير إليه، فقال له: أما أنا فما أباليها، جبال حديد كانت أم جبال نار، اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالا معنا قال: وتمثل قول حارثة بن بدر الغداني- قال أبو جعفر أخطأ هذا، هو للأعشى-:
(6/596)

أبالموت خشّتني عباد وإنما ... رأيت منايا الناس يشقى ذليلها
فما مِيتَةٌ إِنْ مِتُّهَا غَيْرُ عَاجِزٍ ... بِعَارٍ إِذَا ما غالت النفس غولها
وكان يزيد بن المهلب على برذون له أشهب، فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، فعطف عليه خيول أهل الشام، وعلى أصحابه، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه السميدع، وقتل معه مُحَمَّد بن المهلب وكان رجل من كلب من بني جابر بن زهير بن جناب الكلبي يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال: يا أهل الشام، هذا والله يزيد، والله لأقتلنه أو ليقتلني، وإن دونه ناسا، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه؟ فقال له ناس من أصحابه: نحمل نحن معك، ففعلوا، فحملوا بأجمعهم، واضطربوا ساعة، وسطع الغبار، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن القحل بن عياش بآخر رمق فأومى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد، يقول لهم: أنا قتلته، ويومي إلى نفسه أنه هو قتلني ومر مسلمة على القحل بن عياش صريعا إلى جنب يزيد، فقال: أما إني أظن هذا هو الذي قتلني وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته؟
فقال: لا، فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر، فقال له الحواري بن زياد ابن عمرو العتكي: مر برأسه فليغسل ثم ليعمم، ففعل ذلك به، فعرفه، فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير، قال: لقد قتل يزيد وهزم الناس، وإن المفضل بن المهلب ليقاتل أهل الشام ما يدري بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس، وإنه لعلى برذون شديد قريب من الأرض، وإن معه لمجففة أمامه، فكلما حمل عليها نكصت وانكشفت وانكشف، فيحمل في ناس من أصحابه حتى يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه، وكان لا يرى منا ملتفتا إلا أشار إليه بيده ألا يلتفت ليقبل القوم بوجوههم على عدوهم، ولا يكون لهم هم غيرهم
(6/597)

قال: ثم اقتتلنا ساعة، فكأني أنظر إلى عامر بن العميثل الأزدي وهو يضرب بسيفه، ويقول:
قد علمت أم الصبي المولود ... أني بنصل السيف غير رعديد
قال: واضطربنا والله ساعة، فانكشفت خيل ربيعة، والله ما رأيت عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال، فاستقبل ربيعة بالسيف يناديهم: أي معشر ربيعة، الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولالئام، ولا هذه لكم بعادة، فلا يؤتين أهل العراق اليوم من قبلكم أي ربيعة، فدتكم نفسي، اصبروا ساعة من النهار.
قال: فاجتمعوا حوله، وثابوا إليه، وجاءت كويفتك.
قال: فاجتمعنا ونحن نريد الكرة عليهم، حتى أتى، فقيل له:
ما تصنع هاهنا وقد قتل يزيد وحبيب ومُحَمَّد، وانهزم الناس منذ طويل؟
وأخبر الناس بعضهم بعضا، فتفرقوا ومضى المفضل، فأخذ الطريق إلى واسط، فما رأيت رجلا من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه، ولا أضرب بسيفه، ولا أحسن تعبئة لأصحابه منه.
قال أبو مخنف: فقال لي ثابت مولى زهير: مررت بالخندق، فإذا عليه حائط، عليه رجال معهم النبل، وأنا مجفف، وهم يقولون: يا صاحب التجفاف، أين تذهب؟ قال: فما كان شيء أثقل علي من تجفافي، قال: فما هو إلا أن جزتهم، فنزلت فألقيته لأخفف عن دابتي وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب، فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عظمهم، وأسر أهل الشام نحوا من ثلاثمائه رجل، فسرحهم مسلمة إلى مُحَمَّد بن عمرو بن الوليد فحبسهم وكان على شرطه العريان بن الهيثم وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى مُحَمَّد بن عمرو:
أن اضرب رقاب الأسراء فقال للعريان بن الهيثم: أخرجهم عشرين عشرين، وثلاثين ثلاثين قال: فقام نحو من ثلاثين رجلا من بني تميم، فقالوا:
(6/598)

نحن انهزمنا بالناس، فاتقوا الله وابدءوا بنا، أخرجونا قبل الناس، فقال لهم العريان: اخرجوا على اسم الله، فأخرجهم إلى المصطبة، وأرسل إلى مُحَمَّد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم، فبعث إليه أن اضرب أعناقهم.
قال أبو مخنف: فحدثني نجيح أبو عبد الله مولى زهير، قال: والله انى لانظر اليهم يقولون: إنا لله! انهزمنا بالناس، وهذا جزاؤنا، فما هو إلا أن فرغ منهم، حتى جاء رسول من عند مسلمة فيه عافية الأسراء والنهي عن قتلهم، فقال حاجب بن ذبيان من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم:
لعمري لقد خاضت معيط دماءنا ... بأسيافها حتى انتهى بهم الوحل
وما حمل الأقوام أعظم من دم ... حرام ولا ذحل إذا التمس الذحل
حقنتم دماء المصلتين عليكمُ ... وجر على فرسان شيعتك القتل
وقى بهمُ العريان فرسان قومه ... فيا عجبا أين الأمانة والعدل!
وكان العريان يقول: والله ما اعتمدتهم ولا أردتهم حتى قالوا: ابد بنا، أخرجنا، فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمت المأمور بقتلهم، فما يقبل حجتهم، وأمر بقتلهم، والله على ذلك ما أحب أن قتل من قومي مكانهم رجل، ولئن لاموني ما أنا بالذي أحفل لأئمتهم، ولا تكبر علي وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة، فأتى بنحو من خمسين أسيرا، ولم يكونوا فيمن بعث به إلى الكوفة، كان أقبل بهم معه، فلما رأى الناس أنه يريد أن يضرب رقابهم، قام إليه الحصين بن حماد الكلبي فاستوهبه ثلاثة: زياد بن عبد الرحمن القشيري، وعتبة بن مسلم، وإسماعيل مولى آل بني عقيل بن مسعود، فوهبهم له، ثم استوهب بقيتهم أصحابه، فوهبهم لهم، فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط، اخرج معاويه بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا
(6/599)

في يده، فضرب أعناقهم: منهم عدي بن أرطاة، ومُحَمَّد بن عدي بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عزرة البصري، وعبد الله بن وائل، وابن أبي حاضر التميمي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد قال له القوم: ويحك! انا لا نراك الا تقتلنا، إلا أن أباك قد قتل، وإن قتلنا ليس بنافع لك في الدنيا، وهو ضارك في الآخرة، فقتل الأسارى كلهم غير ربيع بن زياد بن الربيع ابن انس بن الريان، تركه، فقال له ناس: نسيته؟ فقال: ما نسيته، ولكن لم أكن لأقتله، وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف وبيت عظيم، ولست أتهمه في ود، ولا أخاف بغيه فقال ثابت قطنة في قتل عدي بن ارطاه:
ما سرني قتل الفزاري وابنه ... عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع
ولكنها كانت معاوي زلة ... وضعت بها أمري على. غير موضع
ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة، وقد كانوا يتخوفون الذي كان من يزيد، وقد أعدوا السفن البحرية، وتجهزوا بكل الجهاز، وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الأزدي على قندابيل أميرا، وقال له: إني سائر إلى هذا العدو، ولو قد لقيتهم لم أبرح العرصة حتى تكون إلي أولهم، فإن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت بقندابيل حتى يقدم عليك أهل بيتي، فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أمانا، أما إني قد اخترتك لأهل بيتى من بين قومى، فكن عند حسن ظني، وأخذ عليه أيمانا غلاظا ليناصحن أهل بيته، إن هم احتاجوا ولجئوا إليه، فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية، ثم لججوا في البحر حتى مروا بهرم ابن القرار العبدي- وكان يزيد استعمله على البحرين- فقال لهم: أشير عليكم الا تفارقوا سفنكم، فإن ذلك هو بقاؤكم، وإني أتخوف عليكم إن خرجتم من هذه السفن ان يتخطفكم الناس، وأن يتقربوا بكم إلى بني مروان فمضوا حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم، وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب
(6/600)

وكان معاوية بن يزيد بن المهلب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت المال، فكأنه أراد أن يتأمر عليهم، فاجتمع آل المهلب وقالوا للمفضل: أنت أكبرنا وسيدنا، وإنما أنت غلام حديث السن كبعض فتيان أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان، وبكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في طلب آل المهلب وفي اثر الفل فأدرك مدرك المفضل بن المهلب، وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس فتبعهم، فأدركهم في عقبة، فعطفوا عليه، فقاتلوه واشتد قتالهم إياه، فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الاشتر النخعى ومحمد بن إسحاق ابن مُحَمَّد بن الأشعث، وأخذ ابن صول ملك قهستان أسيرا، وأخذت سرية المفضل العالية، وجرح عثمان بن إسحاق بن مُحَمَّد بن الأشعث جراحة شديدة، وهرب حتى انتهى إلى حلوان، فدل عليه، فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة، ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب، فطلبوا الأمان، فأومنوا، منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي من تميم، وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن مُحَمَّد مواطنه وأيامه كلها، فطلب له الأمان مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك عمه وابنة مسلمة تحته- فآمنه، فلما أتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائما، فقال: صاحب خلاف وشقاق ونفاق ونفار في كل فتنة، مرة مع حائك كندة، ومرة مع ملاح الأزد، ما كنت بأهل أن تؤمن، قال: ثم انطلق وطلب الأمان لمالك بن إبراهيم بن الأشتر الحسن بن عبد الرحمن بن شراحيل- وشراحيل يلقب رستم الحضرمي- فلما جاء ونظر إليه، قال له الحسن بن عبد الرحمن الحضرمي: هذا مالك بن إبراهيم بن الأشتر، قال له: انطلق، قال له الحسن:
أصلحك الله! لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه! قال: أجللتكم عن ذلك، وكنتم أكرم علي من أصحاب الآخر وأحسن طاعة قال: فإنه أحب إلينا أن تشتمه، فهو والله أشرف أبا وجدا، وأسوأ أثرا من أهل الشام من الورد بن عبد الله، فكان الحسن يقول بعد أشهر: ما تركه إلا حسدا من ان يعرف
(6/601)

صاحبنا، فأراد أن يرينا أنه قد حقره ومضى آل المهلب ومن سقط منهم من الفلول حتى انتهوا إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب الكلبي فرده، وسرح في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، من بني مازن بن عمرو بن تميم فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخول قندابيل، فمنعهم وداع بن حميد.
وكاتبه هلال بن أحوز، ولم يباين آل المهلب فيفارقهم، فتبين لهم فراقه لما التقوا وصفوا، كان وداع بن حميد على الميمنة، وعبد الملك بن هلال على الميسره وكلاهما ازدى، فرقع لهم راية الأمان، فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك ابن هلال، وارفض عنهم الناس فخلوهم فلما رأى ذلك مروان بن المهلب ذهب يزيد أن ينصرف إلى النساء، فقال له المفضل: أين تريد؟ قال: أدخل إلى نسائنا فأقتلهن، لئلا يصل إليهن هؤلاء الفساق، فقال: ويحك! أتقتل أخواتك ونساء أهل بيتك! إنا والله ما نخاف عليهن منهم قال: فرده عن ذلك، ثم مشوا بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، الا أبا عيينه ابن المهلب، وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا، فلحقا بخاقان ورتبيل، وبعث بنسائهم وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة، وبعث برءوسهم إلى مسلمة، فبعث بهم مسلمه الى يزيد بن عبد الملك، وبعث بهم يزيد بن عبد الملك إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك، وهو على حلب، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم، فقال لأصحابه: هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل، والله لكانه جالس معى حدثنى.
وقال مسلمة: لأبيعن ذريتهم وهم في دار الرزق، فقال الجراح بن عبد الله: فأنا أشتريهم منك لأبر يمينك، فاشتراهم منه بمائة ألف، قال:
هاتها، قال: إذا شئت فخذها، فلم يأخذ منه شيئا، وخلى سبيلهم، إلا تسعه فتية
(6/602)

منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فقدم بهم عليه، فضرب رقابهم، فقال ثابت قطنة حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه:
ألا يا هند طال علي ليلي ... وعاد قصيره ليلا تماما
كأني حين حلقت الثريا ... سقيت لعاب أسود أو سماما
أمر علي حلو العيش يوم ... من الأيام شيبني غلاما
مصاب بني أبيك وغبت عنهم ... فلم أشهدهمُ ومضوا كراما
فلا والله لا أنسى يزيدا ... ولا القتلى التي قتلت حراما
فعلي أن أبو بأخيك يوما ... يزيدا أو أبوء به هشاما
وعلي أن أقود الخيل شعثا ... شوازب ضمرا تقص الإكاما
فأصبحهن حمير من قريب ... وعكا أو أرع بهما جذاما
ونسقي مذحجا والحي كلبا ... من الذيفان أنفاسا قواما
عشائرنا التي تبغي علينا ... تجربنا زكا عاما فعاما
ولولاهم وما جلبوا علينا ... لأصبح وسطنا ملكا هماما
وقال أيضا يرثي يزيد بن المهلب:
أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما
أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولا مجرما
على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وَسَلَّمَا
على ملك يا صاح بالعقر جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما
(6/603)

أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما
وفي غِيَر الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما
فعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما
أمسلم أن يقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قيء الأساود مسلما
وإن تلق للعباس في الدهر عثره ... نكافئه باليوم الذي كان قدما
قصاصا ولا نعدو الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما
ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء مجمجما
من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما
وإنا لعطافون بالحلم بعد ما ... نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما
وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكنا إلا الخميس العرمرما
نرى أن للجيران حاجا وحرمه ... إذا الناس لم يرعوا لدى الجار محرما
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجشما
وراحت بصراد ملث جليده ... على الطلح ارما كامن الشهب صيما
أبونا أبو الأنصار عمرو بن عامر ... وهم ولدوا عوفا وكعبا وأسلما
وقد كان في غسان مجد يعده ... وعادية كانت من المجد معظما.

ولايه مسلمه بن عبد الملك على العراق وخراسان
فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فلما ولاه يزيد ذلك، ولى مسلمة الكوفة ذا الشامة مُحَمَّد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب- فيما قيل- شبيب بن الحارث التميمي، فضبطها، فلما ضمت إلى مسلمة بعث عاملا
(6/604)

عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمر بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهل البصرة، وأفشى ذلك إلى عمر بن يزيد، فقال له عمر: أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تمن حصنا بكويفة، وتدخل من تحتاج اليه! فو الله لو رماك اهل البصرة وأصحابك بالحجارة لتخوفت أن يقتلونا، ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك.
ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما هم به عبد الرحمن، فوجه مسلمة عبد الملك ابن بشر بن مروان على البصرة، وأقر عمر بن يزيد على الشرطه والاحداث.

ذكر استعمال مسلمه سعيد خذينه على خراسان
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وهو الذي يقال له سعيد خذينة- وإنما لقب بذلك- فيما ذكر- أنه كان رجلا لينا سهلا متنعما، قدم خراسان على بختية معلقا سكينا في منطقته، فدخل عليه ملك أبغر، وسعيد متفضل في ثياب مصبغة، حوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينيه، لمته سكينية، فلقب خذينة وخذينة هي الدهقانة ربة البيت، وإنما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان لأنه كان ختنه على ابنته، كان سعيد متزوجا بابنه مسلمه.
ولما ولى مسلمة سعيد خذينة خراسان، قدم إليها قبل شخوصه سوره ابن الحر من بني دارم، فقدمها قبل سعيد- فيما ذكر- بشهر، فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند، فخرج إليها في خمسة وعشرين رجلا من أهل بيته، فأخذ على آمل، فأتى بخارى، فصحبه منها مائتا رجل، فقدم
(6/605)

السغد، وقد كان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن بن نعيم الغامدي، ووليها ثمانية عشر شهرا، ثم عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل السغد، ووبخ سكانها من العرب وعيرهم بالجبن، فقال: ما أرى فيكم جريحا، ولا أسمع فيكم أنة فاعتذروا إليه بأن جبنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدي، وكان على الحرب ثم قدم سعيد، فأخذ عمال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري الذين ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم، فكلمه فيهم عبد الرحمن بن عبد الله القشيري، فقال له سعيد: قد رفع عليهم أن عندهم أموالا من الخراج قال:
فأنا اضمنه، فضمن عنهم سبعمائة ألف، ثم لم يأخذه بها ثم إن سعيدا رفع إليه- فيما ذكر علي بن مُحَمَّد- أن جهم بن زحر الجعفي وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدي والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي والقعقاع الأزدي ولوا ليزيد بن المهلب وهم ثمانية، وعندهم أموال قد اختانوها من فيء المسلمين فأرسل إليهم، فحبسهم في قهندز مرو، فقيل له: إن هؤلاء لا يؤدون إلا أن تبسط عليهم فأرسل إلى جهم بن زحر، فحمل على حمار من قهندز مرو، فمروا به على الفيض بن عمران، فقام إليه فوجأ أنفه، فقال له جهم: يا فاسق، هلا فعلت هذا حين أتوني بك سكران قد شربت الخمر، فضربتك حدا! فغضب سعيد على جهم فضربه مائتي سوط، فكبر أهل السوق حين ضرب جهم بن زحر، وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانوا في السجن فدفعوا إلى ورقاء بن نصر الباهلي، فاستعفاه فأعفاه.
وقال عبد الحميد بن دثار- أو عبد الملك بن دثار- والزبير بن نشيط مولى باهلة، وهو زوج أم سعيد خذينة: ولنا محاسبتهم، فولاهم فقتلوا في العذاب جهما، وعبد العزيز بن عمرو والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقوما حتى أشرفوا على الموت.
قال: فلم يزالوا في السجن حتى غزتهم الترك وأهل السغد، فأمر سعيد باخراج
(6/606)

من بقي منهم، فكان سعيد يقول: قبح الله الزبير، فإنه قتل جهما! وفي هذه السنة غزا المسلمون السغد والترك، فكان فيها الوقعة بينهم بقصر الباهلي.
وفيها عزل سعيد خذينة شعبة بن ظهير عن سمرقند.
ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شعبة وسبب هذه الوقعة وكيف كانت ذكر علي بن محمد، عن الذين تقدم ذكرى خبره عنهم، أن سعيد خذينة لما قدم خراسان، دعا قوما من الدهاقين، فاستشارهم فيمن يوجه إلى الكور، فأشاروا إليه بقوم من العرب، فولاهم، فشكوا إليه، فقال للناس يوما وقد دخلوا عليه: إني قدمت البلد، وليس لي علم بأهله، فاستشرت فأشاروا علي بقوم، فسألت عنهم فحمدوا، فوليتهم، فأحرج عليكم لما أخبرتموني عن عمالي فأثنى عليهم القوم خيرا، فقال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري: لو لم تحرج علينا لكففت، فاما إذ حرجت علينا فإنك شاورت المشركين فأشاروا عليك بمن لا يخالفهم وبأشباههم، فهذا علمنا فيهم.
قال: فاتكا سعيد ثم جلس، فقال: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» ، قوموا.
قال: وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السغد، وولى حربها عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير، وولى الخراج سُلَيْمَان بن أبي السري مولى بني عوافة، واستعمل على هراة معقل بن عروة القشيري، فسار إليها.
وضعف الناس سعيدا وسموه خذينة، فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك،
(6/607)

ووجههم الى السغد، فكان على الترك كورصول، وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي.
وقال بعضهم: أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة، وكانت في ذلك القصر، فأرسل إليها يخطبها، فأبت، فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر، فيأخذ المرأة، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله وخافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، وندب عثمان بن عبد الله الناس، فانتدب المسيب بن بشر الرياحي وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، فقال شعبه بن ظهير: لو كان هاهنا خيول خراسان ما وصلوا إلى غايتهم.
قال: وكان فيمن انتدب من بني تميم شعبة بن ظهير النهشلي وبلعاء بن مجاهد العنزي، وعميرة بن ربيعة أحد بني العجيف- وهو عميرة الثريد- وغالب بن المهاجر الطائي- وهو عم أبي العباس الطوسي- وأبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وثابت قطنة، وأبو المهاجر بن داره من غطفان، وحليس الشيباني والحجاج بن عمرو الطائي، وحسان بن معدان الطائي، والأشعث أبو حطامة وعمرو بن حسان الطائيان فقال المسيب بن بشر لما عسكروا:
إنكم تقدمون على حلبة الترك حلبة خاقان وغيرهم والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب النار إن فررتم، فمن أراد الغزو والصبر فليقدم.
فانصرف عنه الف وثلاثمائه، وسار في الباقين، فلما سار فرسخا قال للناس مثل مقالته الأولى، فاعتزل ألف، ثم سار فرسخا آخر فقال لهم مثل ذلك، فاعتزل ألف، ثم سار- وكان دليلهم الأشهب بن عبيد الحنظلي- حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل فأتاهم ترك خاقان ملك قي فقال: انه لم يبق هاهنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري، وأنا في ثلاثمائه مقاتل فهم معك، وعندي الخبر، قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفا، فأعطوهم سبعة عشر رجلا، ليكونوا رهنا
(6/608)

في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم، فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن.
قال: وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلي فنجا لم يقتل، والأشهب بن عبيد الله الحنظلي، وميعادهم أن يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر، فبعث المسيب رجلين: رجلا من العرب ورجلا من العجم من ليلته على خيولهم، وقال لهم: إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر، واعلموا علم القوم فأقبلا في ليلة مظلمة، وقد أجرت الترك الماء في نواحي القصر، فليس يصل إليه أحد، ودنوا من القصر، فصاح بهما الربية، فقالا: لا تصح وادع لنا عبد الملك ابن دثار، فدعاه فقالا له: أرسلنا المسيب، وقد أتاكم الغياث، قال: أين هو؟ قال: على فرسخين، فهل عندكم امتناع ليلتك وغدا؟ فقال: قد أجمعنا على تسليم نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا، حتى نموت جميعا غدا فرجعا إلى المسيب، فأخبراه فقال المسيب للذين معه: إني سائر إلى هذا العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب، فلم يفارقه أحد، وبايعوه على الموت فسار وقد زاد الماء الذي أجروه حول المدينة تحصينا، فلما كان بينه وبينهم نصف فرسخ نزل، فأجمع على بياتهم، فلما أمسى أمر الناس فشدوا على خيولهم، وركب فحثهم على الصبر، ورغبهم فيما يصير إليه أهل الاحتساب والصبر، وما لهم في الدنيا من الشرف والغنيمة إن ظفروا، وقال لهم: اكعموا دوابكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها، وشدوا شدة صادقة وكبروا، وليكن شعاركم: يا مُحَمَّد، ولا تتبعوا موليا، وعليكم بالدواب فاعقروها، فإن الدواب إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، والقليل الصابر خير من الكثير الفشل، وليست بكم قله، فان سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وإن كثر أهله
(6/609)

قال: وعباهم وجعل على الميمنه كثير بن الدبوسي، وعلى الميسرة رجلا من ربيعة يقال له ثابت قطنة، وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين كبروا وذلك في السحر، وثار الترك، وخالط المسلمون العسكر، فعقروا الدواب، وصابرهم الترك، فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيب، وتبعهم الترك وضربوا عجز دابة المسيب فترجل رجال من المسلمين، فيهم البختري أبو عبد الله المرائي، ومُحَمَّد بن قيس الغنوي- ويقال: مُحَمَّد بن قيس العنبري- وزياد الأصبهاني، ومعاوية بن الحجاج وثابت قطنة فقاتل البختري فقطعت يمينه، فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذب بيديه حتى استشهد واستشهد أيضا مُحَمَّد بن قيس العنبري أو الغنوي وشبيب بن الحجاج الطائي قال: ثم انهزم المشركون، وضرب ثابت قطنة عظيما من عظمائهم، فقتله، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم، فإنهم لا يدرون من الرعب، أتبعتموهم أم لا! واقصدوا القصر، ولا تحملوا شيئا من المتاع إلا المال، وتحملوا لا من يقدر على المشي وقال المسيب: من حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله، ومن أبى فله أربعون درهما، وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه قال: فقصدوا جميعا القصر، فحملوا من كان فيه، وانتهى رجل من بني فقيم إلى امرأة، فقالت: أغثني أغاثك الله! فوقف وقال: دونك وعجز الفرس، فوثبت فإذا هي على عجز الفرس، فإذا هي أفرس من رجل، فتناول الفقيمي بيد ابنها، غلاما صغيرا، فوضعه بين يديه، وأتوا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام، وقال: الحقوا بسمرقند، لا يرجعوا في آثاركم فخرجوا نحو سمرقند، فقال لهم: هل بقي أحد؟
قالوا: هلال الحريري، قال: لا أسلمه، فأتاه وبه بضع وثلاثون جراحة، فاحتمله، فبرأ، ثم أصيب يوم الشعب مع الجنيد قال: فرجع الترك من الغد، فلم يروا في القصر أحدا، ورأوا
(6/610)

قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين جاءوا من الإنس، فقال ثَابِت قطنة:
فدت نفسي فوارس من تميم ... غدا. الروع في ضنك المقام
فدت نفسي فوارس اكنفونى ... على الأعداء في رهج القتام
بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضن به المحامي
بسيفي بعد حطم الرمح قدما ... أذودهمُ بذي شطب جسام
أكر عَلَيْهِم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام
أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق بها مقامي
فلولا اللَّه ليس لَهُ شريك ... وضربي قونس الملك الهمام
إذا لسعت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام!
فمن مثل المسيب في تميم ... أبى بشر كقادمة الحمام
وقال جرير يذكر المسيب:
لولا حماية يربوع نساءكم ... كانت لغيركم منهن أطهار
حامي المسيب والخيلان في رهج ... إذ مازن ثم لا يحمى لها جار
إذ لا عقال يحامي عن ذماركم ... ولا زرارة يحميها ووزار
قال: وعور تلك الليلة أبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وشلت يده، وقد كان ولي ولاية قبل سعيد، فخرج عليه شيء مما كان بقي عليه، فأخذ به، فدفعه سعيد إلى شداد بن خليد الباهلي ليحاسبه ويستأديه فضيق عليه شداد، فقال: يا معشر قيس، سرت إلى قصر الباهلي وأنا شديد البطش، حديد البصر، فعورت وشلت يدي، وقاتلت مع من قاتل
(6/611)

حتى استنقذناهم بعد أن أشرفوا على القتل والأسر والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع، فكفوه عني، فخلاه.
قال: وقال عبد الله بن مُحَمَّد عن رجل شهد ليلة قصر الباهلي قال: كنا في القصر، فلما التقوا ظننا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد وصهيل الخيل
. ذكر الخبر عن غزو سعيد خذينه السغد
وفي هذه السنة قطع سعيد خذينة نهر بلخ وغزا السغد، وكانوا نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين.
ذكر الخبر عما كان من أمر سعيد والمسلمين في هذه الغزوة:
وكان سبب غزو سعيد هذه الغزوة- فيما ذكر- أن الترك عادوا إلى السغد، فكلم الناس سعيدا وقالوا: تركت الغزو، فقد أغار الترك، وكفر أهل السغد، فقطع النهر، وقصد للسغد، فلقيه الترك وطائفة من أهل السغد فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم، فإن السغد بستان أمير المؤمنين وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم! وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل أباروكم.
وسار المسلمون، فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقال عبد الرحمن ابن صبح: لا يقطعن هذا الوادي مجفف ولا راجل، وليعبر من سواهم.
فعبروا، ورأتهم الترك، فأكمنوا كمينا، وظهرت لهم خيل المسلمين فقاتلوهم، فانحاز الترك فأتبعوهم حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي، فقال لهم عبد الرحمن بن صبح: سابقوهم، ولا تقطعوا فإنكم إن قطعتم أبادوكم فصبروا لهم حتى انكشفوا عنهم، فلم يتبعوهم، فقال
(6/612)

قوم: قتل يومئذ شعبة بن ظهير وأصحابه، وقال قوم: بل انكشف الترك منهم يومئذ منهزمين، ومعهم جمع من أهل السغد فلما كان الغد، خرجت مسلحة للمسلمين- والمسلحة يومئذ من بني تميم- فما شعروا إلا بالترك معهم، خرجوا عليهم من غيضة وعلى خيل بني تميم شعبة بن ظهير، فقاتلهم شعبة فقتل، أعجلوه عن الركوب وقتل رجل من العرب، فأخرجت جاريته حناء، وهي تقول: حتى متى أعد لك مثل هذا الخضاب، وأنت مختضب بالدم! مع كلام كثير، فأبكت أهل العسكر وقتل نحو من خمسين رجلا، وانهزم أهل المسلحة، وأتى الناس الصريخ، فقال عبد الرحمن بن المهلب العدوي: كنت أنا أول من أتاهم لما أتانا الخبر، وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة كأنه قنفذ من النشاب، وقد قتل، وركب الخليل بن أوس العبشمي- أحد بني ظالم، وهو شاب- ونادى: يا بني تميم، أنا الخليل، إلي! فانضمت إليه جماعة- فحمل بهم على العدو، فكفوهم ووزعوهم عن الناس حتى جاء الأمير والجماعة، فانهزم العدو، فصار الخليل على خيل بني تميم يومئذ، حتى ولي نصر بن سيار، ثم صارت رياسة بني تميم لأخيه الحكم بن أوس.
وذكر علي بن مُحَمَّد، عن شيوخه، ان سوره بن الحر قال لحيان: انصرف يا حيان، قال: عقيرة الله أدعها وأنصرف قال: يا نبطي قال: أنبط الله وجهك! قال: وكان حيان النبطي يكنى في الحرب أبا الهياج، وله يقول الشاعر:
إن أبا الهياج أريحي ... للريح في أثوابه دوي
قال: وعبر سعيد النهر مرتين، فلم يجاوز سمرقند، نزل في الأولى بإزاء العدو، فقال له حيان مولى مصقلة بن هبيرة الشيباني: أيها الأمير، ناجز أهل السغد، فقال: لا، هذه بلاد أمير المؤمنين، فرأى دخانا ساطعا، فسأل عنه فقيل له: السغد قد كفروا ومعهم بعض الترك قال: فناوشهم، فانهزموا
(6/613)

فألحوا في طلبهم، فنادى منادي سعيد: لا تطلبوهم، إنما السغد بستان أمير المؤمنين، وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم! وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرة، فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع، فلما كان العام المقبل بعث رجالا من بني تميم إلى ورغسر، فقالوا: ليتنا نلقى العدو فنطاردهم- وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا رد ذراري السبي وعاقب السرية، فقال الهجري وكان شاعرا:
سريت إلى الأعداء تلهو بلعبة ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد
وأنت لمن عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند
فلله در السغد لما تحزبوا ... ويا عجبا من كيدك المتردد!
قال: فقال سورة بن الحر لسعيد- وقد كان حفظ عليه، وحقد عليه قوله: أنبط الله وجهك-: إن هذا العبد أعدى الناس للعرب والعمال، وهو أفسد خراسان على قتيبة بن مسلم، وهو واثب بك، مفسد عليك خراسان، ثم يتحصن في بعض هذه القلاع فقال: يا سورة لا تسمعن هذا أحدا ثم مكث أياما، ثم دعا في مجلسه بلبن، وقد أمر بذهب فسحق، وألقي في إناء حيان فشربه، وقد خلط بالذهب، ثم ركب، فركب الناس اربعه فراسخ إلى باركث، كأنه يطلب عدوا، ثم رجع فعاش حيان أربعة أيام ومات في اليوم الرابع، فثقل سعيد على الناس وضعفوه، وكان رجل من بني أسد يقال له إسماعيل منقطعا إلى مروان بن مُحَمَّد، فذكر إسماعيل عند خذينة ومودته لمروان، فقال سعيد: وما ذاك الملط! فهجاه إسماعيل، فقال:
زعمت خذينة أنني ملط ... لخذينة المرآة والمشط
ومجامر ومكاحل جعلت ... ومعازف وبخدها نقط
(6/614)

أفذاك أم زغف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط
لمقرس ذكر أخي ثقة ... لم يغذه التأنيث واللقط
أغضبت أن بات ابن أمكم ... بهم وأن أباكم سقط
إني رأيت نبالهم كسيت ... ريش اللوام ونبلكم مرط
ورأيتهم جعلوا مكاسرهم ... عند الندي وأنتم خلط.

عزل مسلمه عن العراق وخراسان
وفي هذه السنة عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام.
ذكر الخبر عن سبب عزله وكيف كان ذلك:
وكان سبب ذلك- فيما ذكر علي بْن مُحَمَّد- أن مسلمة لما ولي ما ولي من أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، وأن يزيد بن عاتكة أراد عزله فاستحيا منه، وكتب إليه أن استخلف على عملك، وأقبل.
وقد قيل إن مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى ابن عاتكة ليزوره، فقال له: أمن شوق بك إليه! إنك لطروب، وإن عهدك به لقريب، قال: لا بد من ذلك، قال: إذا لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه، فشخص، فلما بلغ دورين لقيه عمر بن هبيرة على خمس من دواب البريد، فدخل عليه ابن هبيرة، فقال: الى اين يا بن هبيرة؟ فقال: وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب فلما خرج من عنده أرسل إلى عبد العزيز فجاءه، فقال: هذا ابن هبيرة قد لقينا كما ترى، قال: قد أنبأتك، قال: فإنه إنما وجهه لحيازة أموال بني المهلب، قال: هذا أعجب من الأول، يصرف عن الجزيرة، ويوجه في حيازة اموال
(6/615)

بني المهلب، قال: فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم فقال الفرزدق:
راحت بمسلمة الركاب مودعا ... فارعى فزارة لا هناك المرتع
عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع
ولقد علمت لئن فزاره امرت ... ان سوف تطمع في الإمارة أشجع
من خلق ربك ما همُ ولمثلهم ... في مثل ما نالت فزارة يطمع
يعني بابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان، وبابن عمرو مُحَمَّدا ذا الشامة بن عمرو بن الوليد، وبأخي هراة سعيدا خذينة بن عبد العزيز، كان عاملا لمسلمة على خراسان.
وفي هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الروم بأرمينية، فهزمهم وأسر منهم بشرا كثيرا قيل سبعمائة اسير.

بدء ظهور الدعوة
وفيها وجه- فيما ذكر ميسرة- رسله من العراق إلى خراسان وظهر أمر الدعوة بها، فجاء رجل من بني تميم يقال له عمرو بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينه، فقال له: ان هاهنا قوما قد ظهر منهم كلام قبيح، فبعث إليهم سعيد، فأتي بهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: أناس من التجار؟ قال:
فما هذا الذي يحكى عنكم؟ قالوا: لا ندري، قال: جئتم دعاة؟ فقالوا:
(6/616)

إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلا عن هذا، فقال: من يعرف هؤلاء؟ فجاء أناس من أهل خراسان، جلهم ربيعة واليمن، فقالوا: نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه، فخلى سبيلهم.

ذكر خبر قتل يزيد بن ابى مسلم بإفريقية
وفيها- أعني سنة اثنتين ومائة- قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية وهو وال عليها ذكر الخبر عن سبب قتله:
وكان سبب ذلك أنه كان- فيما ذكر- عزم أن يسير بهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار، ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة، فأسلم بالعراق ممن ردهم إلى قراهم ورساتيقهم، ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم، فلما عزم على ذلك تآمروا في أمره، فأجمع رأيهم- فيما ذكر- على قتله فقتلوه، وولوا على أنفسهم الذي كان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم، وهو مُحَمَّد بن يزيد مولى الأنصار، وكان في جيش يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى الله والمسلمون، فقتلناه، وأعدنا عاملك.
فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم، واقر محمد بن يزيد على إفريقية.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنة استعمل عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة على العراق وخراسان.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضحاك، كذلك قال أبو معشر والواقدي
(6/617)

وكان العامل على المدينة عبد الرحمن بن الضحاك، وعلى مكة عبد العزيز ابن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى الكوفة مُحَمَّد بن عمرو ذو الشامة، وعلى قضائها القاسم بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود، وعلى البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، وعلى خراسان سعيد خذينه، وعلى مصر اسامه ابن زيد
(6/618)

ثم دخلت

سنة ثلاث ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

عزل سعيد خذينه عن خراسان
فمما كان فيها من ذلك عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، وكان سبب عزله عنها- فيما ذكر علي بن مُحَمَّد عن أشياخه- أن المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة، فشكواه فعزله، واستعمل سعيد بن عمرو بن الأسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بْن كعب بْن ربيعة بْن عامر بْن صعصعة، وخذينة غاز بباب سمرقند، فبلغ الناس عزله، فقفل خذينة، وخلف بسمرقند ألف فارس، فقال نهار بن توسعة:
فمن ذا مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش
بأن الله أبدل من سعيد ... سعيدا لا المخنث من قريش
قال: ولم يعرض سعيد الحرشي لأحد من عمال خذينة، فقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال سعيد: صه، مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه بريء، فقال الشاعر يضعف الحرشي في هذا الكلام:
تبدلنا سعيدا من سعيد ... لجد السوء والقدر المتاح
قال الطبري: وفي هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسله.
وفيها اغارت الترك عن اللان
(6/619)

وفيها ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهري، فجمعت له مع المدينة.
وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله النضري، الطائف وعزل عبد العزيز بن عَبْد اللَّهِ بن خَالِد بن أسيد عن مكة.
وفيها أمر عبد الرحمن بن الضحاك أن يجمع بين أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم وعثمان بن حيان المري، وكان من أمره وأمرهما ما قد مضى ذكره قبل.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضحاك بن قيس الفهري، كذلك قال أبو معشر والواقدي.
وكان عامل يزيد بن عاتكة في هذه السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن بن الضحاك، وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري وعلى العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشي من قبل عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة القاسم بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.

استعمال ابن هبيرة سعيدا الحرشي على خراسان
وفيها استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي على خراسان.
ذكر الخبر عن سبب استعماله الحرشي على خراسان:
ذكر علي بن مُحَمَّد عن أصحابه أن ابن هبيرة لما ولي العراق، كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر، ولم يذكر الحرشي، فقال يزيد بن عبد الملك: لم لم يذكر الحرشي: فكتب إلى ابن هبيرة: ول الحرشي خراسان فولاه، فقدم الحرشي على مقدمته المجشر بن مزاحم السلمي سنة ثلاث ومائة، ثم قدم الحرشي خراسان، والناس بإزاء العدو، وقد كانوا نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد، فقال: إنكم لا تقاتلون عدو الإسلام بكثرة
(6/620)

ولا بعدة، ولكن بنصر الله وعز الإسلام، فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال:
فلست لعامر إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي
فأضرب هامة الجبار منهم ... بعضب الحد حودث بالصقال
فما أنا في الحروب بمستكين ... ولا أخشى مصاولة الرجال
أبى لي والدي من كل ذم ... وخالي في الحوادث خير خال
إذا خطرت أمامي حي كعب ... وزافت كالجبال بنو هلال.

ارتحال اهل السغد عن بلادهم الى فرغانه
وفي هذه السنة ارتحل أهل السغد عن بلادهم عند مقدم سعيد بن عمرو الحرشي فلحقوا بفرغانة، فسألوا ملكها معونتهم على المسلمين.
ذكر الخبر عما كان منهم ومن صاحب فرغانة:
ذكر علي بن مُحَمَّد عن أصحابه، أن السغد كانوا قد أعانوا الترك أيام خذينة، فلما وليهم الحرشي خافوا على أنفسهم، فأجمع عظماؤهم على الخروج عن بلادهم، فقال لهم ملكهم: لا تفعلوا، أقيموا واحملوا إليه خراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما تستقبلون، واضمنوا له عمارة أرضيكم والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن يكونون في يديه.
قالوا: نخاف الا يرضى، ولا يقبل منا، ولكنا نأتي خجندة، فنستجير ملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح عما كان منا، ونوثق له الا يرى أمرا يكرهه، فقال: أنا رجل منكم، وما أشرت به عليكم كان خيرا لكم، فأبوا، فخرجوا إلى خجندة، وخرج كارزنج وكشين وبياركث وثابت بأهل إشتيخن، فأرسلوا إلى ملك فرغانة الطار يسألونه أن يمنعهم وينزلهم
(6/621)

مدينته فهم أن يفعل، فقالت له أمه: لا تدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ولكن فرغ لهم رستاقا يكونون فيه، فأرسل إليهم: سموا لي رستاقا أفرغه لكم، وأجلوني أربعين يوما- ويقال: عشرين يوما- وإن شئتم فرغت لكم شعب عصام بن عبد الله الباهلي- وكان قتيبة خلفه فيهم- فقبلوا شعب عصام، فأرسلوا إليه: فرغه لنا، قال: نعم، وليس لكم علي عقد ولا جوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب قبل أن تدخلوه لم أمنعكم، فرضوا، ففرغ لهم الشعب.
وقد قيل: إن ابن هبيرة بعث إليهم قبل أن يخرجوا من بلادهم يسألهم أن يقيموا، ويستعمل عليهم من أحبوا، فأبوا وخرجوا إلى خجندة وشعب عصام من رستاق أسفرة- وأسفرة يومئذ ولي عهد ملك فرغانه بلاذا، وبيلاذا ابو جور ملكها.
وقيل: قال لهم كارزنج: أخيركم ثلاث خصال، إن تركتموها هلكتم:
إن سعيدا فارس العرب، وقد وجه على مقدمته عبد الرحمن بن عبد الله القشيري في حماة أصحابه، فبيتوه فاقتلوه، فان الحرشي إذ أتاه خبره لم يغزكم، فأبوا عليه، قال: فاقطعوا نهر الشاش، فسلوهم ماذا تريدون؟ فإن أجابوكم وإلا مضيتم إلى سوياب، قالوا: لا، قال: فأعطوهم.
قال: فارتحل كارزنج وجلنج بأهل قي، وأبار بن ماخنون وثابت بأهل إشتيخن، وارتحل اهل بياركث واهل سبسكث بألف رجل عليهم مناطق الذهب مع دهاقين بزماجن، فارتحل الديواشني بأهل بنجيكث إلى حصن ابغر، ولحق كارزنج واهل السغد بخجنده.
. تم الجزء السادس من تاريخ الطبرى ويليه الجزء السابع، واوله: ذكر حوادث سنه اربع ومائه
(6/622)

الجزء السابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت

سنة أربع ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر الوقعه بين الحرشي والسغد
ففي هذه السنة كانت وقعة الحرشي بأهل السغد وقتله من قتل من دهاقينها ذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة:
ذكر علي عن أصحابه أن الحرشي غزا في سنة أربع ومائة فقطع النهر.
وعرض الناس، ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده.
قَالَ: فأمر الناس بالرحيل، فقال له هلال بْن عليم الحنظلي: يا هناه، إنك وزيرا خير منك أميرا، الأرض حرب شاغرة برجلها، ولم يجتمع لك جندك، وقد أمرت بالرحيل! قَالَ: فكيف لي؟ قَالَ: تأمر بالنزول، ففعل.
وخرج النيلان ابن عم ملك فرغانة إلى الحرشي، وهو نازل على مغون فقال له: إن أهل السغد بخجندة، وأخبره خبرهم وقال: عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل فوجه الحرشي مع النيلان عبد الرحمن القشيري وزياد بْن عبد الرحمن القشيري في جماعة، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني علج لا أدري صدق أم كذب، فغررت بجند من المسلمين وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشروسنة، فصالحهم بشيء يسير، فبينا هو يتعشى إذ قيل له: هذا عطاء الدبوسي- وكان فيمن وجهه مع القشيري- ففزع وسقطت اللقمة من يده، ودعا
(7/7)

بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحدا؟ فقال: لا، قَالَ:
الحمد لله، وتعشى، وأخبره بما قدم له عليه فسار جوادا مغذا، حتى لحق القشيري بعد ثالثة، وسار فلما انتهى إلى خجندة، قَالَ للفضل بْن بسام:
ما ترى؟ قَالَ: أرى المعاجلة، قَالَ: لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى أين يرجع! أو قتل قتيل فإلى من يحمل! ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب، فنزل فرفع الأبنية وأخذ في التأهب، فلم يخرج أحد من العدو، فجبن الناس الحرشي، وقالوا: كان هذا يذكر بأسه بالعراق ورأيه، فلما صار بخراسان ماق قَالَ: فحمل رجل من العرب، فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وقد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا، وغطوه بقصب، وعلوه بالتراب مكيدة، وأرادوا إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق.
قَالَ: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطئوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فأخرجوا من الخندق أربعين رجلا، على الرجل درعان درعان، وحصرهم الحرشي، ونصب عليهم المجانيق، فأرسلوا إلى ملك فرغانة: غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال لهم: لم أغدر ولا أنصركم، فانظروا لأنفسكم، فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري فلما أيسوا من نصره طلبوا الصلح، وسألوا الأمان وأن يردهم إلى السغد، فاشترط عليهم أن يردوا من في أيديهم من نساء العرب وذراريهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم.
قَالَ: وكان السفير فيما بينهم موسى بْن مشكان مولى آل بسام،
(7/8)

فخرج إليه كارزنج، فقال له: إن لي حاجة أحب أن تشفعني فيها، قَالَ:
وما هي؟ قَالَ: أحب إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح ألا تأخذني بما جنى، فقال الحرشي: ولي حاجة فاقضها، قَالَ: وما هي؟ قال: لا يلحقني في شرطي ما أكره قَالَ: فأخرج الملوك والتجار من الجانب الشرقي، وترك أهل خجندة الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحرشي: ما تصنع؟
قَالَ: أخاف عليكم معرة الجند قَالَ: وعظماؤهم مع الحرشي في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، ونزل كارزنج على أيوب بْن أبي حسان، فبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأة من نساء كن في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتا الأشتيخني قتل امرأة ودفنها تحت حائط، فجحدوا فأرسل الحرشي إلى قاضي خجندة، فنظروا فإذا المرأة مقتولة قَالَ: فدعا الحرشي بثابت، فأرسل كارزنج غلامه إلى باب السرادق ليأتيه بالخبر، وسأل الحرشي ثابتا وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقن الحرشي أنه قتلها فقتله فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت، فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشي، فقال لأيوب بْن أبي حسان: إني ضيفك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خلق، قَالَ: فخذ سراويلي.
قَالَ: وهذا لا يجمل، أقتل في سراويلاتكم! فسرح غلامك الى جلنج ابن أخي يجيئونى بسراويل جديد- وكان قد قَالَ لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل- فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطعها عصائب، وعصبها برءوس شاكريته، ثم خرج هو وشاكريته.
فاعترض الناس فقتل ناسا، ومر بيحيى بْن حضين فنفحه نفحة على رجله، فلم يزل يخمع منها وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شرا، حتى انتهى إلى ثابت بْن عثمان بْن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بْن مسعود وكان في أيدي السغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومائة، ويقال: قتلوا منهم أربعين، قَالَ: فأفلت منهم غلام فأخبر
(7/9)

الحرشي- ويقال: بل أتاه رجل فأخبره- فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم من علم علمهم، فوجد الخبر حقا، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم- وكان التجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصين- قَالَ: فامتنع أهل السغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم فلما كان الغد دعا الحراثين- ولم يعلموا ما صنع أصحابهم- فكان يختم في عنق الرجل ويخرج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف- ويقال سبعة آلاف- فأرسل جرير بْن هميان والحسن بْن أبي العمرطة ويزيد بْن أبي زينب فأحصوا أموال التجار- وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل- فاصطفى أموال السغد وذراريهم، فأخذ منه ما أعجبه، ثم دعا مسلم بْن بديل العدوي، عدي الرباب، فقال: قد وليتك المقسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة! ولِّه غيري، فولاه عبيد الله بْن زهير بْن حيان العدوي، فأخرج الخمس، وقسم الأموال، وكتب الحرشي إلى يزيد بْن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بْن هبيرة، فكان هذا مما وجد فيه عليه عمر بْن هبيرة، فقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:
أقر العين مصرع كارزنج ... وكشين وما لاقى بيار
وديواشنى وما لاقى جلنج ... بحصن خجند إذ دمروا فباروا
ويروى أقر العين مصرع كارزنج، وكشكيش، ويقال: إن ديواشني دهقان أهل سمرقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني.
ويقال: كان على أقباض خجندة علباء بْن أحمر اليشكري، فاشترى رجل منه جونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضع يده على لحيته كأنه رمد، فرد الجونة، وأخذ الدرهمين، فطلب فلم يوجد
(7/10)

قَالَ: وسرح الحرشي سليمان بْن أبي السري مولى بني عوافة إلى قلعة لا يطيف بها وادي السغد إلا من وجه واحد ومعه شوكر بْن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان، فوجه سليمان بْن أبي السري على مقدمته المسيب بْن بشر الرياحي، فتلقوه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيب حتى ردهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودهقانها يقال له ديواشني.
قَالَ فكتب إليه الحرشي فعرض عليه أن يمده، فأرسل إليه: ملتقانا ضيق فسر إلى كس، فأنا في كفاية الله إن شاء الله فطلب الديواشنى ان يزل على حكم الحرشي، وأن يوجهه مع المسيب بْن بشر إلى الحرشي، فوفي له سليمان ووجهه إلى سعيد الحرشي، فألطفه وأكرمه مكيدة، فطلب أهل القلعة الصلح بعد مسيرة على ألا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلمون القلعة فكتب سليمان إلى الحرشي أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة.
قَالَ: فبعث محمد بْن عزيز الكندي وعلباء بْن أحمر اليشكري، فباعوا ما في القلعة مزايدة، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم وخرج الحرشي إلى كس فصالحوه على عشرة آلاف رأس ويقال: صالح دهقان كس، واسمه ويك- على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يوما على ألا يأتيه فلما فرغ من كس خرج إلى ربنجن، فقتل الديواشني، وصلبه على ناوس، وكتب على أهل ربنجن كتابا بمائة إن فقد من موضعه، وولى نصر بْن سيار قبض صلح كس، ثم عزل سورة بْن الحر وولى نصر بْن سيار، واستعمل سليمان بْن أبي السري على كس، ونسف حربها وخراجها، وبعث برأس الديواشني إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بْن ابى السري إلى طخارستان.
قَالَ: وكانت خزار منيعة، فقال المجشر بْن مزاحم لسعيد بْن عمرو الحرشي: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال؟ قَالَ: بلى، قَالَ:
المسربل بْن الخريت بْن راشد الناجي، فوجهه إليها- وكان المسربل صديقا لملكها، واسم الملك سبقري وكانوا يحبون المسربل- فأخبر الملك ما صنع
(7/11)

الحرشي بأهل خجندة وخوفه، قَالَ: فما ترى؟ قَالَ: أرى أن تنزل بأمان، قَالَ: فما أصنع بمن لحق بي من عوام الناس؟ قال: نصيرهم معك في أمانك، فصالحهم فآمنوه وبلاده.
قَالَ: ورجع الحرشي إلى مرو ومعه سبقري، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بْن يزيد الحرشي، وامره ان يوافيه ببرذون بن كشانيشاه قتل سبقري وصلبه ومعه أمانه- ويقال: كان هذا دهقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أمانا لأهل السغد، فحبسه الحرشي في قهندز مرو، فلما قدم مرو دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز:
إذا سعيد سار في الأخماس ... في رهج يأخذ بالأنفاس
دارت على الترك أمر الكاس ... وطارت الترك على الأحلاس
ولوا فرارا عطل القياس.
وفي هذه السنة عزل يزيد بْن عبد الملك عبد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس الفهري عن المدينة ومكة، وذلك للنصف من شهر ربيع الأول، وكان عامله على المدينة ثلاث سنين.
وفيها ولى يزيد بْن عبد الملك المدينة عبد الواحد النضري.

ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بْن عبد الملك عبد الرحمن ابن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال
وكان سبب ذلك- فيما ذكر محمد بن عمر، عن عبد الله بن محمد بْن أبي يحيى- قَالَ: خطب عبد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس الفهري فاطمة ابنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بني هؤلاء،
(7/12)

وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه قَالَ: وألح عليها وقال:
والله لئن لم تفعلي لأجلدن أكبر بنيك في الخمر- يعني عبد الله بْن الحسن- فبينا هو كذلك، وكان على ديوان المدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودعها، فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك، وما يتعرض مني قَالَ: وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابن الضحاك منها، وما يتوعدها به قال: فقدم ابن هرمز والرسول معا قَالَ: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغربة خبر؟ فلم يذكر ابن هرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إن فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حملتني رسالة إليك، فأخبره الخبر.
قَالَ: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أم لك! ألم أسألك هل من مغربة خبر، وهذا عندك لا تخبرنيه! قَالَ: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضحاك! هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بْن عبد الله بْن بشر النضري.
قَالَ: فدعا بقرطاس، فكتب بيده:
إلى عبد الواحد بْن عبد الله بْن بشر النضري وهو بالطائف: سلام عليك، أما بعد فإني قد وليتك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي.
قَالَ: وأخذ البريد الكتاب، وقدم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضحاك
(7/13)

وقد أوجست نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دينار لك ولك العهد والميثاق، لئن أنت أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثا حتى يسير، ففعل ثم خرج ابن الضحاك، فأغذ السير حتى نزل على مسلمة بْن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرققه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كل حاجة تكلمت فيها هي في يدك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو والله ابن الضحاك! فقال: والله لا أعفيه أبدا وقد فعل ما فعل، قَالَ: فرده إلى المدينة إلى النضري.
قَالَ عبد الله بْن محمد: فرأيته في المدينة عليه جبة من صوف يسأل الناس، وقد عذب ولقي شرا، وقدم النضري يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومائة.
قَالَ محمد بْن عمر: حدثني إبراهيم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ الزهري، قَالَ: قلت لعبد الرحمن بْن الضحاك: إنك تقدم على قومك وهم ينكرون كل شيء خالف فعلهم، فالزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم ابن محمد وسالم بْن عبد الله، فإنهما لا يألوانك رشدا قَالَ الزهري: فلم يأخذ بشيء من ذلك، وعادى الأنصار طرا، وضرب أبا بكر بْن حزم ظلما وعدوانا في باطل، فما بقي منهم شاعر إلا هجاه، ولا صالح إلا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيته ذليلا.
وولي المدينة عبد الواحد بْن عبد الله بْن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم وال أحب عليهم منه، وكان يذهب مذاهب الخير، لا يقطع أمرا إلا استشار فيه القاسم وسالما.
وفي هذه السنة غزا الجراح بْن عبد الله الحكمي- وهو أمير على أرمينية وأذربيجان- أرض الترك ففتح على يديه بلنجر، وهزم الترك وغرقهم وعامه
(7/14)

ذراريهم في الماء، وسبوا ما شاءوا، وفتح الحصون التي تلي بلنجر وجلا عامة أهلها.
وفيها ولد- فيما ذكر- أبو العباس عبد الله بْن محمد بْن علي في شهر ربيع الآخر.
وفيها دخل أبو محمد الصادق وعدة من أصحابه من خراسان الى محمد ابن علي، وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خرقة، وقال لهم: والله ليتمن هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم.
وفي هذه السنة عزل عمر بْن هبيرة سعيد بْن عمرو الحرشي عن خراسان، وولاها مسلم بْن سعيد بْن أسلم بْن زرعة الكلابي.

ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بْن هبيرة سعيد بْن عمرو الحرشي عن خراسان
ذكر أن سبب ذلك كان من موجدة وجدها عمر على الحرشي في أمر الديواشني، وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخف بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرسول إذا ورد من العراق قَالَ له: كيف أبو المثنى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنى ولا يقول: الأمير، ويكثر أن يقول: قَالَ أبو المثنى وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعا جميل بْن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحرشي، فاخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه.
فقدم جميل، فقال له الحرشي: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين فقيل للحرشي: ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلا ليعلم علمك، فسم بطيخة، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض،
(7/15)

وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبل وصح، فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك، ما يرى سعيد إلا أنك عامل من عماله فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفح في بطنه النمل، وكان يقول حين عزله: لو سألني عمر درهما يضعه في عينه ما أعطيته، فلما عذب أدى، فقال له رجل:
ألم تزعم أنك لا تعطيه درهما! قَالَ: لا تعنفني، إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أذينة بْن كليب- أو كليب بْن أذينة:
تصبر أبا يحيى فقد كنت- علمنا ... - صبورا ونهاضا بثقل المغارم
وقال علي بْن محمد: إنما غضب عليه ابن هبيرة أنه وجه معقل بْن عروة إلى هراة، إما عاملا وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمر على الحرشي، وأتى هراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحرشي، فكتب الحرشي إلى عامله: أن احمل إلي معقلا، فحمله، فقال له الحرشي: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هراة؟ قَالَ: أنا عامل لابن هبيرة ولاني كما ولاك، فضربه مائتين وحلقه فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خراسان مسلم بْن سعيد بْن أسلم بْن زرعة، فكتب الى الحرشي يلخنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللخناء وكتب إلى مسلم أن احمل إلي الحرشي مع معقل بْن عروة، فدفعه إليه فأساء به وضيق عليه، ثم أمره يوما فعذبه، وقال: اقتله بالعذاب.
فلما أمسى ابن هبيرة سمر فقال: من سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قَالَ:
دعوا هذا، سيد قيس الكوثر بْن زفر، لو بوق بليل لوافاه عشرون ألفا، لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبس- قد أمرت بقتله- فارسها، وأما خير قيس لها فعسى أن أكونه، إنه لم يعرض إلي أمر أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلا جررته إليهم، فقال له أعرابي من بني فزارة: ما أنت كما تقول، لو كنت كذلك ما أمرت بقتل فارسها فأرسل إلى معقل أن كف عما كنت امرتك به
(7/16)

قَالَ علي: قَالَ مسلم بْن المغيرة: لما هرب ابن هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بْن عمرو الحرشي، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قبيض، فعرفه الحرشي فقال له: قبيض؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أفي السفينة أبو المثنى؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: فخرج إليه ابن هبيرة، فقال له الحرشي: أبا المثنى، ما ظنك بي؟
قَالَ: ظني بك أنك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنجاء.
قَالَ علي: قَالَ أبو إسحاق بْن ربيعة: لما حبس ابن هبيرة الحرشي دخل عليه معقل بْن عروة القشيري، فقال: أصلح الله الأمير! قيدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براض عنه، غير أني لم أحب أن تبلغ منه ما بلغت، قَالَ: أنت بيني وبينه، قدمت العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إلي ببرذون حطم واستخف بأمري، وخان فعزلته، وقلت له: يا بن نسعه، فقال لي: يا بن بسرة فقال معقل: وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحرشي السجن، فقال: يا بن نسعة، أمك دخلت واشتريت بثمانين عنزا جربا، كانت مع الرعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها ندا لبنت الحارث بْن عمرو بْن حرجة! وافترى عليه، فلما عزل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدى الحرشي على معقل ابن عروة، وأقام البينة أنه قذفه، فقال للحرشي: اجلده، فحده، وقال:
لولا أن ابن هبيرة وهن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأت إلى ابن عمك وقذفته، فأداله الله منك، فصرت لا شهادة لك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحد قذف الحرشي أيضا، فأمر خالد بإعادة الحد، فقال القاضي: لا يحد قال: وأم عمر ابن هبيرة بسرة بنت حسان، عدوية من عدي الرباب
(7/17)

ولايه مسلم بن سعيد على خراسان
وفي هذه السنة ولى عمر بْن هبيرة مسلم بْن سعيد بْن أسلم بْن زرعة بْن عمرو بْن خويلد الصعق خراسان بعد ما عزل سعيد بْن عمرو الحرشي عنها ذكر الخبر عن سبب توليته إياها:
ذكر علي بْن محمد أن أبا الذيال وعلي بْن مجاهد وغيرهما حدثوه، قالوا: لما قتل سعيد بْن أسلم ضم الحجاج ابنه مسلم بْن سعيد مع ولده، فتأدب ونبل، فلما قدم عدي بْن أرطاة أراد أن يوليه، فشاور كاتبه، فقال: ولِّه ولاية خفيفة ثم ترفعه، فولاه ولاية، فقام بها وضبطها وأحسن، فلما وقعت فتنة يزيد بْن المهلب حمل تلك الأموال إلى الشام، فلما قدم عمر بْن هبيرة أجمع على أن يوليه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، فنظر فرأى شيبة في لحيته، فكبر.
قَالَ: ثم سمر ليلة ومسلم في سمره، فتخلف مسلم بعد السمار، وفي يد ابن هبيرة سفرجلة، فرمى بها، وقال: أيسرك أن أوليك خراسان؟
قَالَ: نعم، قَالَ: غدوة إن شاء الله قَالَ: فلما أصبح جلس، ودخل الناس، فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بْن سعيد، ودعا بجبلة بْن عبد الرحمن مولى باهلة فولاه كرمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولويه! كان مسلم يطمع أن ألي ولاية عظيمة فأوليه كورة، فعقد له على خراسان وعقد لي على كرمان! قَالَ: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومائة- أو ثلاث ومائة- نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقا، فأتى دار الدواب فوجد الباب مغلقا فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقا، فصلى وخرج وصيف من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلم الحرشي، وقيل له: قدم مسلم بْن سعيد ابن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائرا ولا وزيرا، فأتاه الحرشي فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهارا قتل، فأمر بحبسه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلا
(7/18)

وقيده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قيدا فأتاه حزينا، فقال:
مالك؟ فقال: أمرت أن أزيدك قيدا، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيدا، فإن كان أمرا ممن فوقك فسمعا وطاعة، وإن كان رأيا رأيته فسيرك الحقحقة، وتمثل:
هم إن يثقفوني يقتلوني ... ومن أثقف فليس إلى خلود
ويروى:
فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود
هم الأعداء ان شهدوا وغابوا ... أولو الأحقاد والأكباد سود
أريغوني إراغتكم فإني ... وحذفة كالشجا تحت الوريد
ويروى: أريدوني إرادتكم.
. قال: وبعث مسلم على كورة رجلا من قبله على حربها قَالَ: وكان ابن هبيرة حريصا، أخذ قهرمانا ليزيد بْن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يدع منهم شريفا إلا قرفه، فبعث أبا عبيدة العنبري ورجلا يقال له خالد، وكتب إلى الحرشي وأمره أن يدفع الذين سماهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فرد رسول ابن هبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بْن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلما قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي فرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان، لأن هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قرفوا بالباطل، إنما كان على مهزم بْن جابر ثلاثمائة الف فزادوا مائه الف فصارت أربعمائة ألف، وعامة من سموا لك ممن كثر عليه بمنزله
(7/19)

فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدا فيهم مهزم بْن جابر، فقال له مهزم بْن جابر: أيها الأمير، إن الذي رفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلا القليل الذي لو أخذنا به أديناه، فقال ابن هبيرة: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» ، فقال: اقرأ ما بعدها:
«وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» فقال ابن هبيرة:
لا بد من هذا المال، قَالَ: أما والله لئن أخذته لتأخذنه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوك، وليضرن ذلك بأهل خراسان في عدتهم وكراعهم وحلقتهم، ونحن في ثغر نكابد فيه عدوا لا ينقضي حربهم، إن أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادم التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذي تخدمه لريح الحديد، وأنتم في بلادكم متفضلون في الرقاق وفي المعصفرة، والذين قرفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي.
وقبلنا قوم قدموا علينا من كل فج عميق، فجاءوا على الحمرات، فولوا الولايات، فاقتطعوا الأموال، فهي عندهم موقره جمة.
فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بْن سعيد بما قَالَ الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموال ممن ذكر الوفد أنها عندهم فلما أتى مسلما كتاب ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمرو الحارثي أن يعذبهم، ففعل وأخذ منهم ما فرق عليهم.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد بْن عبد الله النضري، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ الوافدى.
وكان العامل على مكة والمدينة والطائف في هذه السنة عبد الواحد بْن عبد الله النضري، وعلى العراق والمشرق عمر بْن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة حسين بْن الحسن الكندي، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.
(7/20)

ثم دخلت

سنة خمس ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوة الجراح بْن عبد الله الحكمي اللان، حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك، وجلى عنه بعض أهله، وأصاب غنائم كثيرة.
وفيها كانت غزوة سعيد بْن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا- فيما ذكر- جميعا.
وفيها غزا مسلم بْن سعيد الترك، فلم يفتح شيئا، فقفل ثم غزا أفشينة مدينة من مدائن السغد بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
ذكر عَلِيّ بن محمد عن أصحابه، أن مسلم بْن سعيد مرزب بهرام سيس فجعله المرزبان وأن مسلما غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومائة، فلم يفتح شيئا وقفل، فاتبعه الترك فلحقوه، والناس يعبرون نهر بلخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بْن زهير بْن حيان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا ومات يزيد بْن عبد الملك، وقام هشام، وغزا مسلم أفشين فصالح ملكها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومائة.

ذكر موت يزيد بن عبد الملك
وفي هذه السنة مات الخليفة يزيد بْن عبد الملك بْن مروان، لخمس ليال بقين من شعبان منها، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي
(7/21)

وقال الواقدي: كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق، وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة.
وقال بعضهم: كان ابن أربعين سنة.
وقال بعضهم: ابن ست وثلاثين سنة، فكانت خلافته في قول أبي معشر وهشام بْن محمد وعلي بْن محمد أربع سنين وشهرا، وفي قول الواقدي أربع سنين.
وكان يزيد بْن عبد الملك يكنى أبا خالد، كذلك قال ابو معشر وهشام ابن محمد والواقدي وغيرهم.
وقال علي بْن محمد: توفي يزيد بْن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة خمس ومائة.
وقال: ومات بأربد من أرض البلقاء، وصلى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهشام بْن عبد الملك يومئذ بحمص، حدثنى بذلك عمر ابن شبه، عن على.
وقال هشام بْن محمد: توفي يزيد بْن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قَالَ علي: قَالَ أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بْن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال رجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قصبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة.

ذكر بعض سيره وأموره
حدثني عمر بْن شبة، قَالَ: حدثنا علي، قَالَ: كان يزيد بْن عاتكة من فتيانهم، فقال يوما وقد طرب، وعنده حبابة وسلامة: دعوني أطير، فقالت حبابة: إلى من تدع الأمة! فلما مات قالت سلامة القس:
(7/22)

لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بالخشوع
قد لعمري بت ليلي ... كأخي الداء الوجيع
ثم بات الهم مني ... دون من لي من ضجيع
للذي حل بنا اليوم ... من الأمر الفظيع
كلما أبصرت ربعا ... خاليا فاضت دموعي
قد خلا من سيد كان ... لنا غير مضيع
ثم نادت: وا امير المؤمنيناه! والشعر لبعض الأنصار.
قَالَ علي: حج يزيد بْن عبد الملك في خلافة سليمان بْن عبد الملك فاشترى حبابة- وكان اسمها العالية- بأربعة آلاف دينار من عثمان بْن سهل ابن حنيف، فقال سليمان: هممت أن أحجر على يزيد، فرد يزيد حبابة فاشتراها رجل من أهل مصر، فقالت سعدة ليزيد: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه بعد؟ قَالَ: نعم حبابة، فأرسلت سعدة رجلا فاشتراها باربعه آلاف دينار، وصنعتها حتى ذهب عنها كلال السفر، فأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، فقالت: يا أمير المؤمنين، أبقي شيء من الدنيا تتمناه؟ قَالَ: ألم تسأليني عن هذا مرة فأعلمتك! فرفعت الستر وقالت: هذه حبابه، وقامت وخلتها عنده، فحظيت سعدة عند يزيد وأكرمها وحباها وسعدة امرأة يزيد، وهي من آل عثمان ابن عفان.
قَالَ علي عن يونس بْن حبيب: إن حبابة جارية يزيد بْن عبد الملك غنت يوما:
بين التراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئن وما تسوغ فتبرد
(7/23)

فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة، فمرضت وثقلت، فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال:
لئن تسل عنك النفس أو تذهل الهوى ... فباليأس يسلو القلب لا بالتجلد
وسمع جارية لها تتمثل:
كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
فكان يتمثل بهذا.
قَالَ عمر: قَالَ علي: مكث يزيد بْن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس، أشار عليه بذلك مسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناس.
(7/24)

خلافة هشام بْن عبد الملك
وفي هذه السنة استخلف هشام بْن عبد الملك لليال بقين من شعبان منها، وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر.
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: حدثنا أبو محمد القرشي وأبو محمد الزيادي والمنهال بْن عبد الملك وسحيم بْن حفص العجيفي، قالوا: ولد هشام بْن عبد الملك عام قتل مصعب بْن الزبير سنة اثنتين وسبعين.
وأمه عائشة بنت هشام بْن إسماعيل بْن هشام بْن الوليد بْن المغيرة بْن عبد الله ابن عمر بْن مخزوم، وكانت حمقاء، أمرها أهلها ألا تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثني الوسائد وتركب الوسادة وتزجرها كأنها دابة، وتشترى الكندر فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتصنع التماثيل على الوسائد، وقد سمت كل تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة، فطلقها عبد الملك لحمقها وسار عبد الملك إلى مصعب فقتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسماه منصورا، يتفاءل بذلك، وسمته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، وكان هشام يكنى أبا الوليد.
وذكر محمد بْن عمر عمن حدثه أن الخلافة أتت هشاما وهو بالزيتونة في منزله في دويرة له هناك.
قَالَ محمد بْن عمر: وقد رأيتها صغيرة، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرصافة حتى أتى دمشق.
وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السغد- وكان بها مع الجنيد بْن عبد الرحمن ترجمانا له- فلما عزل الجنيد بْن عبد الرحمن، قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بْن خنيس وسالما الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر
(7/25)

دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم، ودخل الى محمد ابن علي ومات ميسرة فوجه محمد بْن علي بكير بْن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام بْن إسماعيل، والنضري على المدينة.
قَالَ الواقدي: حدثني إبراهيم بْن محمد بْن شرحبيل، عن أبيه، قَالَ:
كان إبراهيم بْن هشام بْن إسماعيل حج، فأرسل إلى عطاء بن ابى رباح:
متى أخطب بمكة؟ قَالَ: بعد الظهر، قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما امرته الا بعد الظهر، قال: فاستحيا إبراهيم بْن هشام يومئذ، وعدوه منه جهلا
. ذكر ولايه خالد القسرى على العراق
وفي هذه السنة عزل هشام بْن عبد الملك عمر بْن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق، وولى ذلك كله خالد بْن عبد الله القسري في شوال.
ذكر محمد بْن سلام الجمحي، عن عبد القاهر بْن السري، عن عمر بْن يزيد بْن عمير الأسيدي قَالَ: دخلت على هشام بْن عبد الملك، وعنده خالد بْن عبد الله القسري، وهو يذكر طاعة أهل اليمن، قَالَ: فصفقت تصفيقة بيدي دق الهواء منها، فقلت: تالله ما رأيت هكذا خطأ ولا مثله خطلا! والله ما فتحت فتنة في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا أمير المؤمنين عثمان، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإن سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب قَالَ: فلما قمت تبعني رجل من آل مروان كان حاضرا، فقال: يا أخا بني تميم، ورت بك زنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين مول خالدا العراق، وليست لك بدار
(7/26)

ذكر عبد الرزاق أن حماد بْن سعيد الصنعانى اخبره قال: أخبرني زياد ابن عبيد الله، قَالَ: أتيت الشام، فاقترضت، فبينا أنا يوما على الباب باب هشام، إذ خرج علي رجل من عند هشام، فقال لي: ممن أنت يا فتى؟
قلت: يمان، قَالَ: فمن أنت؟ قلت: زياد بْن عبيد الله بْن عبد المدان، قَالَ: فتبسم، وقال: قم الى ناحيه العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فإن أمير المؤمنين قد رضي عني، وأمرني بالمسير، ووكل بي من يخرجني قَالَ: قلت: من أنت يرحمك الله؟ قَالَ: خالد بْن عبد الله القسري، قَالَ:
ومرهم يا فتى ان يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر فلما جزت قليلا ناداني، فقال: يا فتى، وإن سمعت بي قد وليت العراق يوما فالحق بي، قَالَ: فذهبت إليهم، فقلت: إن الأمير قد أرسلني إليكم بأن أمير المؤمنين قد رضي عنه، وأمره بالمسير فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبل رأسي، فلما رأيت ذلك منهم، قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، قالوا: إي والله وكرامة، قَالَ: فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجود ثيابا مني، ولا أجود مركبا مني، فلم ألبث إلا يسيرا حتى قيل: قد ولي خالد العراق، فركبني من ذلك هم، فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهموما! قلت: أجل قد ولي خالد كذا وكذا، وقد أصبت هاهنا رزيقا عشت به، وأخشى أن أذهب إليه فيتغير على فيفوتني هاهنا وهاهنا، فلست أدري كيف أصنع! فقال لي:
هل لك في خصلة؟ قلت: وما هي؟ قَالَ: توكلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبت ما تحب فلي أرزاقك، وإلا رجعت فدفعتها إليك، فقلت نعم.
وخرجت، فلما قدمت الكوفه لبست من صالح ثيابي وأذن للناس، فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت ودعوت وأثنيت، فرفع رأسه، فقال: أحسنت بالرحب والسعة، فما رجعت الى منزلي حتى اصبت ستمائه دينار بين نقد وعرض.
ثم كنت أختلف إليه، فقال لي يوما: هل تكتب يا زياد؟ فقلت:
(7/27)

أقرأ ولا أكتب، أصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك، وبقي لك واحدة فيها غني الدهر قَالَ: قلت: أيها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قَالَ: وماذا حينئذ! قلت: تشتري غلاما كاتبا تبعث به إلي فيعلمني، قَالَ: هيهات! كبرت عن ذلك، قَالَ: قلت: كلا، فاشترى غلاما كاتبا حاسبا بستين دينارا، فبعث به إلي، فأكببت على الكتاب، وجعلت لا آتيه إلا ليلا، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبت ما شئت وقرأت ما شئت قَالَ: فإني عنده ليلة، إذ قَالَ: ما أدري هل أنجحت من ذلك الأمر شيئا؟ قلت: نعم، أكتب ما شئت، وأقرأ ما شئت، قَالَ:
إني أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذ كونه، فإذا طومار، فقال: اقرأ هذا الطومار، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الري، فقال: اخرج فقد وليتك عمله، فخرجت حتى قدمت الري، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إلي: إن هذا أعرابي مجنون، فإن الأمير لم يول على الخراج عربيا قط، وإنما هو عامل المعونة، فقل له:
فليقرني على عملي وله ثلاثمائة ألف، قَالَ: فنظرت في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لا انكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الري، فظننت أنك جمعتها لي فأرسل إلي صاحب الخراج ان اقره على عمله ويعطيني ثلاثمائة ألف درهم فكتب إلي أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنك مغبون فأقمت بها ما أقمت، ثم كتبت: إني قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولاني الشرطة.
وَكَانَ العامل فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْمَدِينَة ومكة والطائف عبد الواحد بْن عبد الله النضري وعلى قضاء الكوفة حسين بْن حسن الكندي، وعلى قضاء البصرة موسى بْن أنس وقد قيل إن هشاما إنما استعمل خالد بْن عبد الله القسري على العراق وخراسان في سنة ست ومائة، وإن عامله على العراق وخراسان في سنة خمس ومائة كان عمر بْن هبيرة.
(7/28)

ثم دخلت

سنة ست ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففي هذه السنة عزل هشام بْن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بْن عبد الله النضري وعن مكة والطائف، وولى ذلك كله خاله إبراهيم بْن هشام بْن إسماعيل المخزومي، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة ست ومائة، فكانت ولاية النضري على المدينة سنة وثمانية أشهر.
وفيها غزا سعيد بْن عبد الملك الصائفة وفيها غزا الحجاج بْن عبد الملك اللان، فصالح أهلها، وأدوا الجزية وفيها ولد عبد الصمد بْن علي في رجب.
وفيها مات الإمام طاوس مولى بحير بْن ريسان الحميري بمكة وسالم ابن عبد الله بْن عمر، فصلى عليهما هشام وكان موت طاوس بمكة وموت سالم بالمدينة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحكيم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، قَالَ: مات سالم بْن عبد الله سنة خمس ومائة في عقب ذي الحجة، فصلى عليه هشام بْن عبد الملك بالبقيع، فرأيت القاسم بْن محمد بْن أبي بكر جالسا عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا دراعة، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام إليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قَالَ: بخير، قَالَ: إني أحب والله أن يجعلكم بخير ورأى في الناس كثرة، فضرب عليهم بعث أربعة آلاف، فسمي عام الأربعة آلاف وفيها استقضى إبراهيم بْن هشام محمد بْن صفوان الجمحى ثم عزله، واستقضى الصلت الكندى
(7/29)

ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانيه والمضرية وربيعه
وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبروقان من أرض بلخ.
(ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة:) وكان سبب ذلك- فيما قيل- إن مسلم بْن سعيد غزا، فقطع النهر، وتباطأ الناس عنه، وكان ممن تباطأ عنه البختري بْن درهم، فلما أتى النهر رد نصر بْن سيار وسليم بْن سليمان بْن عبد الله بْن خازم وبلعاء بْن مجاهد بْن بلعاء العنبري وأبا حفص بْن وائل الحنظلي وعقبة بْن شهاب المازني وسالم بْن ذؤابة إلى بلخ، وعليهم جميعا نصر بْن سيار، وأمرهم أن يخرجوا الناس إليه فأحرق نصر باب البختري وزياد بْن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بْن مسلم من دخول بلخ- وكان عليها- وقطع مسلم بْن سعيد النهر فنزل نصر البروقان، فأتاه أهل صغانيان، وأتاه مسلمة العقفاني من بني تميم، وحسان بْن خالد الأسدي، كل واحد منهما في خمسمائة، وأتاه سنان الأعرابي وزرعة بْن علقمة وسلمة بْن أوس والحجاج بْن هارون النميري في أهل بيته، وتجمعت بكر والأزد بالبروقان، رأسهم البختري، وعسكر بالبروقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصر إلى أهل بلخ: قد أخذتم أعطياتكم فالحقوا بأميركم، فقد قطع النهر فخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو ابن مسلم، وقال قوم من ربيعة: إن مسلم بْن سعيد يريد أن يخلع، فهو يكرهنا على الخروج فأرسلت تغلب إلى عمرو بْن مسلم: إنك منا، وأنشدوه شعرا قاله رجل عزا بأهله إلى تغلب- وكان بنو قتيبة من باهلة- فقالوا:
إنا من تغلب، فكرهت بكر أن يكونوا في تغلب فتكثر تغلب، فقال رجل منهم:
زعمت قتيبة أنها من وائل ... نسب بعيد يا قتيبة فاصعدي
وذكر أن بني معن من الأزد يدعون باهلة، وذكر عن شريك بْن
(7/30)

أبي قيلة المعني أن عمرو بْن مسلم كان يقف على مجالس بني معن، فيقول: لئن لم نكن منكم ما نحن بعرب، وقال عمرو بْن مسلم حين عزاه التغلبي إلى بني تغلب: أما القرابة فلا أعرفها، وأما المنع فإني سأمنعكم، فسفر الضحاك بْن مزاحم ويزيد بْن المفضل الحداني، وكلما نصرا وناشداه فانصرف فحمل أصحاب عمرو بْن مسلم والبختري على نصر، ونادوا: يال بكر! وجالوا، وكر نصر عليهم، فكان أول قتيل رجل من باهلة، ومع عمرو بْن مسلم البختري وزياد بْن طريف الباهلي، فقتل من أصحاب عمرو بْن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلا، وقتل كردان أخو الفرافصة ومسعدة ورجل من بكر بْن وائل يقال له إسحاق، سوى من قتل في السكك، وانهزم عمرو بْن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر: ابعث إلى بلعاء بْن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال:
خذ لي أمانا منه، فآمنه نصر، وقال: لولا أني أشمت بك بكر بْن وائل لقتلتك وقيل: أصابوا عمرو بْن مسلم في طاحونة، فأتوا به نصرا في عنقه حبل، فآمنه نصر، وقال له ولزياد بْن طريف والبختري بْن درهم: الحقوا بأميركم وقيل: بل التقى نصر وعمرو بالبروقان، فقتل من بكر بْن وائل واليمن ثلاثون، فقالت بكر: علا م نقاتل إخواننا وأميرنا، وقد تقربنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا وقاتلت الأزد، ثم انهزموا ودخلوا حصنا فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بْن مسلم والبختري أحد بني عباد وزياد بْن طريف الباهلي، فضربهم نصر مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح وقيل:
أخذ البختري في غيضه كان دخلها، فقال نصر في يوم البروقان:
أرى العين لجت في ابتدار وما الذي ... يرد عليها بالدموع ابتدارها!
فما أنا بالواني إذا الحرب شمرت ... تحرق في شطر الخميسين نارها
ولكنني أدعو لها خندف التي ... تطلع بالعبء الثقيل فقارها
(7/31)

وما حفظت بكر هنالك حلفها ... فصار عليها عار قيس وعارها
فإن تك بكر بالعراق تنزرت ... ففي أرض مرو علها وازورارها
وقد جربت يوم البروقان وقعة ... لخندف إذ حانت وآن بوارها
أتتني لقيس في بجيلة وقعة ... وقد كان قبل اليوم طال انتظارها
يعني حين أخذ يوسف بْن عمر خالدا وعياله وذكر علي بْن محمد أن الوليد بْن مسلم قَالَ: قاتل عمرو بْن مسلم نصر بْن سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بني تميم كان معه: كيف ترى استاه قومك يا أخا بني تميم؟ يعيره بهزيمتهم، ثم كرت تميم فهزموا أصحاب عمرو، فانجلى الرهج وبلعاء بْن مجاهد في جمع من بني تميم يشلهم، فقال التميمي لعمرو: هذه استاه قومي قَالَ: وانهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا الأسرى ولكن جردوهم، وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم، ففعلوا، فقال بيان العنبري يذكر حربهم بالبروقان:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعة ... لآل تميم أرجفت كل مرجف
تظل عيون البرش بكر بْن وائل ... إذا ذكرت قتلى البروقان تذرف
هم أسلموا للموت عمرو بْن مسلم ... وولوا شلالا والأسنة ترعف
وكانت من الفتيان في الحرب عادة ... ولم يصبروا عند القنا المتقصف

خبر غزو مسلم بن سعيد الترك
وفي هذه السنة غزا مسلم بْن سعيد الترك، فورد عليه عزله من خراسان من خالد بْن عبد الله، وقد قطع النهر لحربهم وولاية أسد بْن عبد الله عليها ذكر الخبر عن غزوة مسلم بْن سعيد هذه الغزوة: ذكر علي بْن محمد عن أشياخه أن مسلما غزا في هذه السنة، فخطب الناس في ميدان يزيد، وقال: ما أخلف بعدي شيئا أهم عندي من قوم
(7/32)

يتخلفون بعدي مخلقى الرقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين، اللهم افعل بهم وافعل! وقد أمرت نصرا ألا يجد متخلفا إلا قتله، وما أرثي لهم من عذاب ينزله الله بهم- يعني عمرو بْن مسلم وأصحابه- فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بْن عبد الله القسري بولايته على العراق، وكتب إليه: أتمم غزاتك فسار إلى فرغانة، فقال أبو الضحاك الرواحي- أحد بني رواحة من بني عبس، وعداده في الأزد، وكان ينظر في الحساب: ليس على متخلف العام معصية، فتخلف أربعة آلاف.
وسار مسلم بْن سعيد، فلما صار بفرغانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأتاه شميل- أو شبيل- بْن عبد الرحمن المازني، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا وكذا، فأرسل إلى عبد الله بْن أبي عبد الله الكرماني مولى بني سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم، ثم سار من غد حتى قطع وادي السبوح فأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل، فأنزل عبد الله بْن أبي عبد الله قوما من العرفاء والموالي، فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، وأصابوا دواب لمسلم وقتل المسيب بْن بشر الرياحي، وقتل البراء- وكان من فرسان المهلب- وقتل أخو غوزك وثار الناس في وجوههم، فأخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بْن مالك الحماني، ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام، وهم مطيفون بهم، فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، والماء منا غير بعيد، وإنك إن نزلت المرج تفرق الناس في الثمار، وانتهب عسكرك، فقال لسوره بْن الحر: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قَالَ: أرى ما رأى الناس ونزلوا قَالَ: ولم يرفع بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة، فحرقوا قيمة ألف ألف وأصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النهر أهل فرغانة والشاش، فقال مسلم بْن سعيد: أعزم على كل رجل إلا اخترط سيفه، ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفا، فتركوا الماء وعبروا، فأقام يوما،
(7/33)

ثم قطع من غد، وأتبعهم ابن الخاقان قَالَ: فأرسل حميد بْن عبد الله وهو على الساقة إلى مسلم: قف ساعة فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم- وهو مثقل جراحة- فوقف الناس، فعطف على الترك، فأسر أهل السغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة، وانصرف البقية، ومضى حميد ورمي بنشابة في ركبته، فمات.
وعطش الناس، وقد كان عبد الرحمن بن نعيم الغامدي حمل عشرين قربة على إبله، فلما رأى جهد الناس أخرجها، فشربوا جرعا، واستسقى يوم العطش مسلم بْن سعيد فأتوه بإناء، فأخذه جابر- أو حارثة- بْن كثير أخو سليمان بْن كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه، فما نازعني شربتي إلا من حر دخله، فأتوا خجندة، وقد أصابتهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بْن نعيم، فأتياه بعهده على خراسان من أسد بْن عبد الله، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا وطاعة، قَالَ:
وكان عبد الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل.
قَالَ: وكان أعظم الناس غنى يوم العطش إسحاق بْن محمد الغداني، فقال حاجب الفيل لثابت قطنة، وهو ثابت بْن كعب:
نقضي الأمور وبكر غير شاهدها ... بين المجاذيف والسكان مشغول
ما يعرف الناس منه غير قطنته ... وما سواها من الآباء مجهول
وكان لعبد الرحمن بْن نعيم من الولد نعيم وشديد وعبد السلام وإبراهيم والمقداد، وكان أشدهم نعيم وشديد، فلما عزل مسلم بْن سعيد، قَالَ الخزرج التغلبي: قاتلنا الترك، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك، فنظرت إليهم وقد اصفرت وجوههم، فحمل حوثرة بْن يزيد بْن الحر بْن الحنيف بْن نصر بْن يزيد بْن جعونة على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر بْن سيار في ثلاثين فارسا، فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم، وحمل الناس عليهم، فانهزم الترك.
قَالَ: وحوثرة هذا هو ابن أخي رقبة بْن الحر قَالَ: وكان عمر بْن
(7/34)

هبيرة قَالَ لمسلم بْن سعيد حين ولاه خراسان: ليكن حاجبك من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبر عنك، وحث صاحب شرطتك على الأمانة، وعليك بعمال العذر قَالَ: وما عمال العذر؟ قَالَ: مر أهل كل بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإذا اختاروا رجلا فوله، فإن كان خيرا كان لك، وإن كان شرا كان لهم دونك، وكنت معذورا.
قَالَ: وكان مسلم بْن سعيد كتب إلى ابن هبيرة أن يوجه إليه توبة بْن أبي أسيد مولى بني العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة: احمل إلي توبة بْن أبي أسيد، فحمله فقدم- وكان رجلا جميلا جهيرا له سمت- فلما دخل على ابن هبيرة، قَالَ ابن هبيرة: مثل هذا فليول، ووجه به إلى مسلم، فقال له مسلم: هذا خاتمي فاعمل برأيك، فلم يزل معه حتى قدم أسد بْن عبد الله، فأراد توبة أن يشخص مع مسلم، فقال له أسد: أقم معي فأنا أحوج إليك من مسلم فأقام معه، فأحسن إلى الناس وألان جانبه، وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم، فقال له اسد: حلفهم بالطلاق فلا يتخلف أحد عن مغزاه، ولا يدخل بديلا، فأبى ذلك توبة فلم يحلفهم بالطلاق.
قَالَ: وكان الناس بعد توبة يحلفون الجند بتلك الايمان، فلما قدم عاصم ابن عبد الله أراد أن يحلف الناس بالطلاق فأبوا، وقالوا: نحلف بأيمان توبة، قَالَ: فهم يعرفون ذلك، يقولون: ايمان توبه
. حج هشام بن عبد الملك
وحج بالناس في هذه السنة هشام بْن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد ابن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره، لا خلاف بينهم في ذلك.
قَالَ الواقدي: حدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قَالَ: كتب الى
(7/35)

هشام بْن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لي سنن الحج، فكتبتها له، وتلقاه أبو الزناد قَالَ أبو الزناد: فإني يومئذ في الموكب خلفه، وقد لقيه سعيد بْن عبد الله بْن الوليد بْن عثمان بْن عفان، وهشام يسير، فنزل له، فسلم عليه، ثم سار إلى جنبه، فصاح هشام: أبو الزناد! فتقدمت، فسرت إلى جنبه الآخر، فأسمع سعيدا يقول: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة، قَالَ: فشق على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قَالَ:
ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنة، قدمنا حجاجا ثم قطع كلامه وأقبل علي فقال: يا عبد الله بْن ذكوان، فرغت مما كتبت إليك؟ فقلت: نعم، فقال أبو الزناد: وثقل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام، فرأيته منكسرا كلما رآني.
وفي هذه السنة كلم إبراهيم بْن محمد بْن طلحة هشام بْن عبد الملك- وهشام واقف قد صلى في الحجر- فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت والبلد الذي خرجت معظما لحقه، إلا رددت علي ظلامتي! قَالَ:
أي ظلامة؟ قَالَ: داري، قَالَ: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟
قَالَ: ظلمني والله، قَالَ: فعن الوليد بْن عبد الملك؟ قَالَ: ظلمني والله، قَالَ: فعن سليمان؟ قَالَ: ظلمني، قَالَ: فعن عمر بْن عبد العزيز؟ قَالَ:
يرحمه الله، ردها والله علي، قَالَ: فعن يزيد بْن عبد الملك؟ قَالَ: ظلمني والله، هو قبضها مني بعد قبضي لها، وهي في يديك قَالَ هشام: أما والله لو كان فيك ضرب لضربتك، فقال إبراهيم: في والله ضرب بالسيف والسوط.
فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع، كيف سمعت هذا اللسان؟
قال: ما اجود هذا اللسان! قَالَ: هذه قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا.
(7/36)

وفي هذه السنة قدم خالد بْن عبد الله القسري أميرا على العراق.

ولايه اسد بن عبد الله القسرى على خراسان
وفيها استعمل خالد أخاه أسد بْن عبد الله أميرا على خراسان، فقدمها ومسلم بْن سعيد غاز بفرغانة، فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع، منعه الأشهب بْن عبيد التميمي أحد بني غالب، وكان على السفن بآمل، فقال له أسد: أقطعني، فقال: لا سبيل إلى إقطاعك، لأني نهيت عن ذلك، قَالَ: لاطفوه وأطعموه، فأبى، قَالَ: فإني الأمير، ففعل، فقال أسد:
اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا، فقطع النهر، فأتى السغد، فنزل مرجها، وعلى خراج سمرقند هانئ بْن هانئ، فخرج في الناس يتلقى أسدا، فأتوه بالمرج، وهو جالس على حجر، فتفاءل الناس، فقالوا: أسد على حجر! ما عند هذا خير فقال له هانئ: أقدمت أميرا فنفعل بك ما نفعل بالأمراء؟
قَالَ: نعم، قدمت أميرا ثم دعا بالغداء فتغدى بالمرج، وقال: من ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهما- ويقال: قَالَ ثلاثة عشر درهما- وها هي في كمي؟ وإنه ليبكي ويقول: إنما أنا رجل مثلكم وركب فدخل سمرقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بْن نعيم على الجند، فقدم الرجلان على عبد الرحمن بْن نعيم، وهو في وادي أفشين على الساقة- وكانت الساقة على أهل سمرقند الموالي وأهل الكوفة- فسألا عن عبد الرحمن فقالوا: هو في الساقة، فأتياه بعهد وكتاب بالقفل والإذن لهم فيه، فقرأ الكتاب ثم أتى به مسلما وبعهده، فقال مسلم: سمعا وطاعه، فقام عمرو ابن هلال السدوسي- ويقال التيمى- فقنعه سوطين لما كان منه بالبروقان إلى بكر بْن وائل، وشتمه حسين بْن عثمان بْن بشر بْن المحتفز، فغضب
(7/37)

عبد الرحمن بْن نعيم، فزجرهما ثم أغلظ لهما، وأمر بهما فدفعا، وقفل بالناس وشخص معه مسلم.
فذكر علي بْن محمد عن أصحابه، أنهم قدموا على أسد، وهو بسمرقند، فشخص أسد إلى مرو، وعزل هانئا، واستعمل على سمرقند الحسن بْن أبي العمرطة الكندي من ولد آكل المرار قَالَ: فقدمت على الحسن امرأته الجنوب ابنة القعقاع بْن الأعلم رأس الأزد، ويعقوب بْن القعقاع قاضي خراسان، فخرج يتلقاها، وغزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك قد أتوك- وكانوا سبعة آلاف- فقال: ما أتونا بل أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم، وايم الله مع هذا لأدنينكم منهم، ولأقرنن نواصي خيلكم بنواصي خيلهم.
قَالَ: ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا، فقال الناس: خرج إلى امرأته يتلقاها مسرعا، وخرج إلى العدو متباطئا فبلغه فخطبهم، فقال:
تقولون وتعيبون! اللهم اقطع آثارهم وعجل أقدارهم، وأنزل بهم الضراء وارفع عنهم السراء! فشتمه الناس في أنفسهم.
وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قطنة، فخطب الناس فحصر فقال: من يطع الله ورسوله فقد ضل، وارتج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قَالَ:
إن لم أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلت هذا على المنبر، لكنت خطيبا، فقال حاجب الفيل اليشكري يعيره حصره:
أبا العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق
تلوي اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق
(7/38)

لما رمتك عيون الناس ضاحية ... أنشأت تجرض لما قمت بالريق
أما القران فلا تهدى لمحكمة ... من القران ولا تهدى لتوفيق
وفي هذه السنة ولد عبد الصمد بْن علي في رجب.
وكان العامل على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة إبراهيم بْن هشام المخزومي وعلى العراق وخراسان خالد بْن عبد الله القسري، وعامل خالد على صلاة البصرة عقبة بْن عبد الأعلى، وعلى شرطتها مالك بْن المنذر بْن الجارود، وعلى قضائها ثمامة بْن عبد الله بْن أنس، وعلى خراسان أسد بْن عبد الله.
(7/39)

ثم دخلت

سنة سبع ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من خروج عباد الرعيني باليمن محكما، فقتله يوسف ابن عمر، وقتل معه اصحابه كلهم وكانوا ثلاثمائه.
وفيها غزا الصائفة معاوية بْن هشام، وعلى جيش الشام ميمون بْن مهران، فقطع البحر حتى عبر إلى قبرس، وخرج معهم البعث الذى هشام كان أمر به في حجته سنة ست، فقدموا في سنة سبع على الجعائل، غزا منهم نصفهم وقام النصف وغزا البر مسلمة بْن عبد الملك وفيها وقع بالشام طاعون شديد.
وفيها وجه بكير بْن ماهان أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بْن خنيس وعمار العبادي في عدة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بْن عبد الله، فوشى بهم إليه، فأتى بأبي عكرمة ومحمد بْن خنيس وعامة أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم، وصلبهم فأقبل عمار إلى بكير بْن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب به إلى محمد بْن علي، فأجابه: الحمد لله الذي صدق مقالتكم ودعوتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستقتل.
وفي هذه السنة حمل مسلم بْن سعيد إلى خالد بن عبد الله، وكان اسد ابن عبد الله له مكرما بخراسان لم يعرض له ولم يحبسه، فقدم مسلم وابن هبيرة مجمع على الهرب، فنهاه عن ذلك مسلم، وقال له: إن القوم فينا أحسن رأيا منكم فيهم وفي هذه السنة غزا أسد جبال نمرون ملك الغرشستان مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يديه، فهم اليوم يتولون اليمن.

غزو الغور
وفيها غزا أسد الغور وهي جبال هراة
(7/40)

ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة:
ذكر علي بن محمد عن أشياخه، أن أسدا غزا الغور، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت ووضع فيها الرجال، ودلاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه، فقال ثابت قطنة:
أرى أسدا تضمن مفظعات ... تهيبها الملوك ذوو الحجاب
سما بالخيل في أكناف مرو ... وتوفزهن بين هلا وهاب
إلى غورين حيث حوى أزب ... وصك بالسيوف وبالحراب
هدانا الله بالقتلى تراها ... مصلبة بأفواه الشعاب
ملاحم لم تدع لسراة كلب ... مهاترة ولا لبني كلاب
فأوردها النهاب وآب منها ... بأفضل ما يصاب من النهاب
وكان إذا أناخ بدار قوم ... أراها المخزيات من العذاب
ألم يزر الجبال جبال ملع ... ترى من دونها قطع السحاب
بأرعن لم يدع لهم شريدا ... وعاقبها الممض من العقاب
وملع من جبال خوط فيها تعمل الحزم الملعية.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنة نقل أسد من كان بالبروقان من الجند إلى بلخ، فأقطع كل من كان له بالبروقان مسكن مسكنا بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له: إنهم يتعصبون، فخلط بينهم، وكان قسم لعمارة مدينة بلخ الفعلة على كل كورة على قدر خراجها، وولى بناء مدينة بلخ برمك أبا خالد بْن برمك، - وكان البروقان منزل الأمراء وبين البروقان وبين بلخ فرسخان وبين المدينة والنوبهار قدر غلوتين- فقال أبو البريد في بنيان أسد مدينة بلخ:
شعفت فؤادك فالهوى لك شاعف ... رئم على طفل بحومل عاطف
(7/41)

ترعى البرير بجانبي متهدل ... ريان لا يعشو إليه آلف
بمحاضر من منحني عطفت له ... بقر ترجح زانهن روادف
إن المباركة التي أحصنتها ... عصم الذليل بها وقر الخائف
فأراك فيها ما رأى من صالح ... فتحا وأبواب السماء رواعف
فمضى لك الاسم الذي يرضى به ... عنك البصير بما نويت اللاطف
يا خير ملك ساس أمر رعية ... إني على صدق اليمين لحالف
الله آمنها بصنعك بعد ما ... كانت قلوب خوفهن رواجف
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وهشام وغيرهما.
وكانت عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنة ست ومائة
(7/42)

ثم دخلت

سنة ثمان ومائة
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففيها كانت غزوة مسلمة بْن عبد الملك حتى بلغ قيسارية، مدينة الروم مما يلي الجزيرة، ففتحها الله على يديه.
وفيها أيضا غزا إبراهيم بْن هشام ففتح أيضا حصنا من حصون الروم.
وفيها وجه بكير بن ماهان الى خراسان عدة، فيهم عمار العبادي، فوشى بهم رجل إلى أسد بْن عبد الله، فأخذ عمارا فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه، فقدموا على بكير بْن ماهان فأخبروه الخبر، فكتب بذلك إلى محمد بْن علي، فكتب إليه في جواب الكتاب: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ونجى شيعتكم.
وفيها كان الحريق بدابق، فذكر مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نافع حدثه عن أبيه، قَالَ: احترق المرعى حتى احترق الدواب والرجال.

غزو الختل
وفيها غزا أسد بْن عبد الله الختل، فذكر عن علي بْن محمد أن خاقان أتى أسدا وقد انصرف إلى القواديان، وقطع النهر، ولم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة وذكر عن أبي عبيدة، أنه قَالَ: بل هزموا أسدا وفضحوه، فتغنى عليه الصبيان:
از ختلان آمذى ... برو تباه آمذي
قَالَ: وكان السبل محاربا له، فاستجلب خاقان، وكان أسد قد أظهر أنه يشتو بسرخ دره، فأمر أسد الناس فارتحلوا، ووجه راياته، وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره، فكبر الناس، فقال أسد: ما للناس؟ قالوا:
(7/43)

هذه علامتهم إذا ففلوا، فقال لعروة المنادي: ناد أن الأمير يريد غورين، ومضى وأقبل خاقان حين انصرفوا إلى غورين النهر فقطع النهر، فلم يلتق هو ولا هم، ورجع إلى بلخ، فقال الشاعر في ذلك يمدح اسد بن عبد الله:
ندبت لي من كل خمس ألفين ... من كل لحاف عريض الدفين
قال: ومضى المسلمون إلى الغوريان فقاتلوهم يوما، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه وركز رمحه، وقد أعلم بعصابة خضراء- وسلم بْن أحوز واقف مع نصر بن سيار- فقال سلم لنصر: قد عرفت رأي أسد، وأنا حامل على هذا العلج، فلعلي أن أقتله فيرضى.
فقال: شأنك، فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه فإذا هو بين يدي فرسه، ففحص برجله، فرجع سلم فوقف، فقال لنصر: أنا حامل حمله أخرى، فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدو، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، فرجع سلم جريحا، فقال نصر لسلم: قف لي حتى أحمل عليهم، فحمل حتى خالط العدو، فصرع رجلين ورجع جريحا، فوقف فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟ لا أرضاه الله! فقال: لا والله فيما أظن وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم وقلة غنائكما عن المسلمين، لعنكما الله! فقالا: آمين إن عدنا لمثل هذا وتحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد فأسروا وسبوا وغنموا، وقال بعضهم رجع أسد في سنة ثمان ومائة مفلولا من الختل، فقال اهل خراسان:
از ختلان آمذى ... برو تباه آمذي
بيدل فراز آمذي
قال: وكان أصاب الجند في غزاة الختل جوع شديد، فبعث اسد
(7/44)

بكبشين مع غلام له، وقال: لا تبعهما باقل من خمسمائة، فلما مضى الغلام، قَالَ أسد: لا يشتريهما إلا ابن الشخير، وكان في المسلحة، فدخل ابن الشخير حين أمسى، فوجد الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمائة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما رجع الغلام إلى أسد أخبره بالقصة، فبعث إليه أسد بألف درهم.
قَالَ: وابن الشخير هو عثمان بْن عبد الله بْن الشخير، أخو مطرف بْن عبد الله بْن الشخير الحرشي وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي وكان العمال في هذه السنة على الأمصار في الصلاة والحروب والقضاء هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل.
(7/45)

ثم دخلت

سنة تسع ومائة
(ذكر الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فِمِمَّا كَانَ فِيهَا من ذلك غزوة عبد الله بْن عقبة بْن نافع الفهري على جيش في البحر وغزوة معاوية بْن هشام أرض الروم، ففتح حصنا بها يقال له طيبة، وأصيب معه قوم من اهل أنطاكية

خبر مقتل عمر بن يزيد الأسيدي
وفيها قتل عمر بْن يزيد الأسيدي، قتله مالك بْن المنذر بْن الجارود ذكر الخبر عن ذلك:
وكان سبب ذلك- فيما ذكر- أن خالد بْن عبد الله شهد عمر بْن يزيد أيام حرب يزيد بْن المهلب، فأعجب به يزيد بْن عبد الملك، وقال: هذا رجل العراق، فغاظ ذلك خالدا، فأمر مالك بْن المنذر وهو على شرطه البصرة أن يعظم عمر بْن يزيد، ولا يعصى له أمرا حتى يعرفه الناس، ثم أقبل يعتل عليه حتى يقتله، ففعل ذلك، فذكر يوما عبد الأعلى بْن عبد الله بْن عامر، فافترى عليه مالك، فقال له عمر بْن يزيد: تفتري على مثل عبد الأعلى! فأغلظ له مالك، فضربه بالسياط حتى قتله
. غزو غورين
وفيها غزا أسد بْن عبد الله غورين، وقال ثابت قطنة:
أرى أسدا في الحرب إذ نزلت به ... وقارع أهل الحرب فاز وأوجبا
تناول أرض السبل، خاقان ردؤه ... فحرق ما استعصى عليه وخربا
أتتك وفود الترك ما بين كابل ... وغورين إذ لم يهربوا منك مهربا
فما يغمر الأعداء من ليث غابة ... أبي ضاريات حرشوه فعقبا
(7/46)

أزب كأن الورس فوق ذراعه ... كريه المحيا قد أسن وجربا
ألم يك في الحصن المبارك عصمة ... لجندك إذ هاب الجبان وأرهبا!
بنى لك عبد الله حصنا ورثته ... قديما إذا عد القديم وأنجبا.
وفي هذه السنة عزل هشام بْن عبد الملك خالد بْن عبد الله عن خراسان وصرف أخاه أسدا عنها
. ذكر الخبر عن عزل هشام خالدا وأخاه عن خراسان
وكان سبب ذلك أن أسدا أخا خالد تعصب حتى أفسد الناس، فقال أبو البريد- فيما ذكر علي بْن محمد لبعض الأزد: ادخلنى على ابن عمك عبد الرحمن ابن صبح، وأوصه بي، وأخبره عني، فأدخله عليه- وهو عامل لأسد على بلخ- فقال: أصلح الله الأمير! هذا أبو البريد البكري أخونا وناصرنا، وهو شاعر أهل المشرق، وهو الذي يقول:
إن تنقض الأزد حلفا كان أكده ... في سالف الدهر عباد ومسعود
ومالك وسويد أكداه معا ... لما تجرد فيها أي تجريد
حتى تنادوا أتاك الله ضاحية ... وفي الجلود من الإيقاع تقصيد
قَالَ: فجذب أبو البريد يده، وقال: لعنك الله من شفيع كذب! أصلحك الله! ولكني الذي أقول:
الأزد إخوتنا وهم حلفاؤنا ... ما بيننا نكث ولا تبديل
قال: صدقت، وضحك وأبو البريد من بني علباء بن شيبان بن ذهل ابن ثعلبة.
قَالَ: وتعصب على نصر بْن سيار ونفر معه من مضر، فضربهم بالسياط، وخطب في يوم جمعه فقال في خطبته: قبح الله هذه الوجوه! وجوه أهل الشقاق والنفاق، والشغب والفساد اللهم فرق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني، وقل من يروم ما قبلي أو يترمرم، وأمير المؤمنين خالي، وخالد بْن عبد الله أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يمان
(7/47)

ثم نزل عن منبره، فلما صلى ودخل عليه الناس، وأخذوا مجالسهم، أخرج كتابا من تحت فراشه، فقرأه على الناس، فيه ذكر نصر بْن سيار وعبد الرحمن بن نعيم الغامدي وسورة بْن الحر الأباني- أبان بْن دارم- والبختري بْن أبي درهم من بني الحارث بْن عباد، فدعاهم فأنبهم، فأزم القوم، فلم يتكلم منهم أحد، فتكلم سورة، فذكر حاله وطاعته ومناصحته، وأنه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدو مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من قرفهم بالباطل فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجردوا، فضرب عبد الرحمن بْن نعيم، فإذا رجل عظم البطن، أرسح، فلما ضرب التوى، وجعل سراويله يزل عن موضعه، فقام رجل من أهل بيته، فأخذ رداء له هرويا، وقام مادا ثوبه بيده، وهو ينظر إلى أسد، يريد أن يأذن له فيؤزره فأومى إليه أن أفعل، فدنا منه فأزره- ويقال بل أزره أبو نميلة- وقال له: اتزر أبا زهير، فإن الأمير وال مؤدب ويقال: بل ضربهم في نواحي مجلسه.
فلما فرغ قَالَ: أين تيس بني حمان؟ - وهو يريد ضربه، وقد كان ضربه قبل- فقال: هذا تيس بني حمان، وهو قريب العهد بعقوبة الأمير، وهو عامر بْن مالك بْن مسلمة بْن يزيد بْن حجر بْن خيسق بْن حمان بْن كعب بْن سعد وقيل إنه حلقهم بعد الضرب، ودفعهم إلى عبد ربه بْن أبي صالح مولى بني سليم- وكان من الحرس- وعيسى بن ابى بريق، ووجههم الى خالد، وكتب اليه: انهم أرادوا الوثوب عليه، فكان ابن ابى بريق كلما نبت شعر احدهم حلقه، وكان البختري بن أبي درهم، يقول: لوددت أنه ضربني وهذا شهرا- يعني نصر بْن سيار لما كان بينهما بالبروقان- فأرسل بنو تميم إلى نصر: إن شئتم انتزعناكم من أيديهم، فكفهم نصر، فلما قدم بهم على خالد لام أسدا وعنفه، وقال: ألا بعثت برءوسهم! فقال عرفجة التميمي:
فكيف وأنصار الخليفة كلهم ... عناة وأعداء الخليفة تطلق
(7/48)

بكيت ولم أملك دموعي وحق لي ... ونصر شهاب الحرب في الغل موثق
وقال نصر:
بعثت بالعتاب في غير ذنب ... في كتاب تلوم أم تميم
إن أكن موثقا أسيرا لديهم ... في هموم وكربة وسهوم
رهن قسر فما وجدت بلاء ... كأسار الكرام عند اللئيم
أبلغ المدعين قسرا وقسر ... أهل عود القناة ذات الوصوم
هل فطمتم عن الخيانة والغدر ... أم أنتم كالحاكر المستديم،
وقال الفرزدق:
أخالد لولا الله لم تعط طاعة ... ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا
إذا للقيتم دون شد وثاقه ... بنى الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا
وخطب أسد بْن عبد الله على منبر بلخ، فقال في خطبته: يا أهل بلخ، لقبتموني الزاغ والله لأزيغن قلوبكم.
فلما تعصب أسد وأفسد الناس بالعصبية، كتب هشام إلى خالد بْن عبد الله: اعزل أخاك، فعزله فاستأذن له في الحج، فقفل أسد إلى العراق ومعه دهاقين خراسان، في شهر رمضان سنة تسع ومائة، واستخلف أسد على خراسان الحكم بْن عوانة الكلبي، فأقام الحكم صيفيه، فلم يغز.

ذكر الخبر عن دعاه بنى العباس
وذكر علي بْن محمد أن أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ولاية أسد بْن عبد الله الأولى، بعثه محمد بْن على ابن عبد الله بْن العباس، وقال له: ادع الناس إلينا وانزل في اليمن، والطف بمضر ونهاه عن رجل من أبرشهر، يقال له غالب، لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمه
(7/49)

ويقال: أول من جاء أهل خراسان بكتاب محمد بن على حرب بْن عثمان، مولى بني قيس بْن ثعلبة من أهل بلخ.
قَالَ: فلما قدم زياد أبو محمد، ودعا إلى بني العباس، وذكر سيرة بني مروان وظلمهم، وجعل يطعم الناس الطعام، فقدم عليه غالب من أبرشهر، فكانت بينهم منازعة، غالب يفضل آل أبي طالب وزياد يفضل بني العباس.
ففارقه غالب، وأقام زياد بمرو شتوة، وكان يختلف إليه من أهل مرو يحيى بْن عقيل الخزاعي وإبراهيم بْن الخطاب العدوي.
قَالَ: وكان ينزل برزن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، وكان على خراج مرو الحسن بْن شيخ، فبلغه أمره، فأخبر به أسد بْن عبد الله، فدعا به- وكان معه رجل يكنى أبا موسى- فلما نظر أليه أسد، قَالَ له:
أعرفك؟ قَالَ: نعم، قَالَ له أسد: رأيتك في حانوت بدمشق، قَالَ: نعم، قَالَ لزياد: فما هذا الذي بلغني عنك؟ قَالَ: رفع إليك الباطل، إنما قدمت خراسان في تجارة، وقد فرقت مالي على الناس، فإذا صار إلي خرجت.
قَالَ له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد إلى أمره، فعاود الحسن أسدا، وعظم عليه أمره، فأرسل إليه، فلما نظر إليه، قَالَ: ألم أنهك عن المقام بخراسان! قَالَ: ليس عليك أيها الأمير مني بأس، فاحفظه وأمر بقتلهم، فقال له أبو موسى: فاقض ما أنت قاض فازداد غضبا، وقال له: أنزلتني منزلة فرعون! فقال له: ما أنزلتك ولكن الله أنزلك.
فقتلوا، وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة، فلم ينج منهم يومئذ إلا غلامان استصغرهما، وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه.
وقال قوم: أمر أسد بزياد أن يخط وسطه، فمد بين اثنين، فضرب فنبا السيف عنه، فكبر أهل السوق، فقال أسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحك السيف فيه فأعطى أبا يعقوب سيفا، فخرج في سراويل والناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، فضربه ضربة أخرى، فقطعه باثنتين
(7/50)

وقال آخرون: عرض عليهم البراءة، فمن تبرأ منهم مما رفع عليه خلى سبيله، فأبى البراءة ثمانية منهم، وتبرأ اثنان.
فلما كان الغد أقبل أحدهما وأسد في مجلسه المشرف على السوق بالمدينة العتيقة، فقال: اليس هذا أسيرنا بالأمس! فأتاه، فقال له: أسألك أن تلحقني بأصحابي، فأشرفوا به على السوق، وهو يقول: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد ص نبيا، فدعا اسد بسيف بخاراخذاه، فضرب عنقه بيده قبل الأضحى بأربعة أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيرا، فنزل على أبي النجم، فكان يأتيه الذين لقوا زيادا فيحدثهم ويدعوهم، فكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان كثير أميا، فقدم عليه خداش، وهو في قرية تدعى مرعم، فغلب كثيرا على أمره، ويقال: كان اسمه عمارة فسمي خداشا، لأنه خدش الدين.
وكان أسد استعمل عيسى بْن شداد البرجمي إمرته الأولى في وجه وجهه على ثابت قطنة، فغضب، فهجا أسدا، فقال:
أرى كل قوم يعرفون أباهم ... وأبو بجيلة بينهم يتذبذب
إني وجدت أبي أباك فلا تكن ... إلبا علي مع العدو تجلب
أرمي بسهمي من رماك بسهمه ... وعدو من عاديت غير مكذب
اسد بن عبد الله جلل عفوه ... أهل الذنوب فكيف من لم يذنب!
أجعلتني للبرجمي حقيبة ... والبرجمي هو اللئيم المحقب
عبد إذا استبق الكرام رأيته ... يأتي سكينا حاملا في الموكب
إني أعوذ بقبر كرز أن أرى ... تبعا لعبد من تميم محقب.

ولايه اشرس بن عبد الله على خراسان
وفي هذه السنة استعمل هشام بْن عبد الملك على خراسان اشرس
(7/51)

ابن عبد الله السلمي، فذكر علي بْن محمد، عن أبي الذيال العدوي ومحمد بْن حمزة، عن طرخان ومحمد بْن الصلت الثقفي أن هشام بن عبد الملك عزل اسد ابن عبد الله عن خراسان، واستعمل أشرس بْن عبد الله السلمي عليها، وأمره أن يكاتب خالد بْن عبد الله القسري- وكان أشرس فاضلا خيرا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم- فسار الى خراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شرطته عميرة أبا أمية اليشكري ثم عزله وولى السمط، واستقضى على مرو أبا المبارك الكندي، فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بْن حيان، فأشار عليه مقاتل بمحمد بْن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضيا حتى عزل اشرس.
وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بْن دثار الباهلي، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه.
قَالَ: وكان أشرس لما قدم خراسان كبر الناس فرحا به، فقال رجل:
لقد سمع الرحمن تكبير أمة ... غداة أتاها من سليم إمامها
إمام هدى قوى لهم أمرهم به ... وكانت عجافا ما تمخ عظامها
وركب حين قدم حمارا، فقال له حيان النبطي: أيها الأمير، إن كنت تريد أن تكون والي خراسان فاركب الخيل، وشد حزام فرسك، والزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، وإلا فارجع قَالَ: ارجع إذن، ولا أقتحم النار يا حيان ثم أقام وركب الخيل.
قَالَ علي: وقال يحيى بْن حضين: رأيت في المنام قبل قدوم أشرس قائلا يقول: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضة، المشئوم الطائر، فانتبهت فزعا ورأيت في الليلة الثانية: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضة، المشئوم الطائر، الخائن قومه، جغر، ثم قَالَ:
لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم ... فهل من تلاف قبل دوس القبائل
(7/52)

فإن صرفت عنهم به فلعله ... وإلا يكونوا من أحاديث قائل
وكان أشرس يلقب جغرا بخراسان
. [أخبار متفرقة]
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وقال الواقدي: خطب الناس إبراهيم بْن هشام بمنى في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر فقال سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحدا أعلم مني فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية، أواجبة هي أم لا؟ فما درى أي شيء يقول له! فنزل.
وَكَانَ العامل فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْمَدِينَة ومكة والطائف إبراهيم بْن هشام، وعلى البصرة والكوفة خالد بْن عبد الله، وعلى الصلاة بالبصرة أبان بْن ضبارة اليزني، وعلى شرطتها بلال بْن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بْن عبد الله الأنصاري، من قبل خالد بْن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بْن عبد الله.
(7/53)

ثم دخلت

سنة عشر ومائة
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بْن عبد الملك الترك، سار إليهم نحو باب اللان حتى لقي خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، وأصابهم مطر شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مسلمة فسلك على مسجد ذي القرنين وفيها غزا- فيما ذكر- معاوية بْن هشام أرض الروم، ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبد الله بْن عقبة الفهري وكان على جيش البحر-- فيما ذكر الواقدي- عبد الرحمن بْن معاوية بْن حديج.
وفي هذه السنة دعا الأشرس أهل الذمة من أهل سمرقند ومن وراء النهر إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب.

ذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلك.
ذكر أن أشرس قَالَ في عمله بخراسان: ابغوني رجلا له ورع وفضل أوجهه إلى من وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام فأشاروا عليه بأبي الصيداء صالح بن طريف، مولى بنى ضبة، فقال: لست بالماهر بالفارسية، فضموا معه الربيع بْن عمران التميمي، فقال أبو الصيداء: اخرج على شريطه أن من أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خراج خراسان على رءوس الرجال، قَالَ أشرس: نعم، قَالَ أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم
(7/54)

فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بْن أبي العمر طه الكندي على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس:
إن الخراج قد انكسر، فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغني أن أهل السغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام تعوذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن إسلامه، وقرأ سورة من القرآن، فارفع عنه خراجه ثم عزل اشرس ابن ابى العمرطه عن الخراج، وصيره إلى هانئ بْن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابن أبي العمرطة لأبي الصيداء: لست من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئا والأشحيذ، فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد فجاء دهاقين بخاري إلى أشرس فقالوا: ممن تأخذ الخراج، وقد صار الناس كلهم عربا؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزل من أهل السغد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بْن عمران التميمي والقاسم الشيباني وأبو فاطمة الأزدي وبشر بْن جرموز الضبي وخالد بْن عبد الله النحوي وبشر بْن زنبور الأزدي وعامر بْن قشير- أو بشير، الخجندي، وبيان العنبري وإسماعيل بْن عقبة، لينصروهم.
قَالَ: فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشر بْن مزاحم السلمي، وضم إليه عميرة بْن سعد الشيباني.
قَالَ: فلما قدم المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليس بغدر
(7/55)

ما كان فيه حقن الدماء وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده، فلما حمل أبو الصيداء اجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقاتلوا هانئا، فقال لهم: كفوا حتى أكتب إلى أشرس فيأتينا رأيه فنعمل بأمره فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء، فضعف أمرهم، فتتبع الرؤساء منهم فأخذوا، وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت محبوسا، وأشرك أشرس مع هانئ بْن هانئ سليمان بْن أبي السرى مولى بنى عوافه في الخراج، فألح هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفوا بعظماء العجم، وسلط المجشر عميرة بْن سعد على الدهاقين، فأقيموا وخرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء، فكفرت السغد وبخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر، حتى قدم نصر بْن سيار واليا على المجشر، فحمل ثابتا إلى أشرس مع إبراهيم بْن عبد الله الليثي فحبسه وكان نصر بن سيار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قطنة، وهو محبوس عند أشرس فقال:
ما هاج شوقك من نوى وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار!
لم يبق منها ومن أعلام عرصتها ... إلا شجيج وإلا موقد النار
ومائل في ديار الحي بعدهم ... مثل الربيئة في أهدامه العاري
ديار ليلى قفار لا أنيس بها ... دون الحجون وأين الحجن من داري!
بدلت منها وقد شط المزار بها ... وادي المخافة لا يسري بها الساري
بين السماوة في حزم مشرقة ... ومعنق دوننا آذية جار
نقارع الترك ما تنفك نائحة ... منا ومنهم على ذي نجدة شار
إن كان ظني بنصر صادقا أبدا ... فيما ادبر من نقضي وامرارى
يصرف الجند حتى يستفي بهم ... نهبا عظيما ويحوي ملك جبار
(7/56)

وتعثر الخيل في الأقياد آونة ... تحوي النهاب إلى طلاب أوتار
حتى يروها دوين السرح بارقة ... فيها لواء كظل الأجدل الضاري
لا يمنع الثغر إلا ذو محافظة ... من الخضارم سباق بأوتار
إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الواري
لذاكر منك أمرا قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بْن سيار
ناضلت عني نضال الحر إذ قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري
وصار كل صديق كنت آمله ... ألبا علي ورث الحبل من جاري
وما تلبست بالأمر الذي وقعوا ... به علي ولا دنست أطماري
ولا عصيت إماما كان طاعته ... حقا علي ولا قارفت من عار
قَالَ علي: وخرج أشرس غازيا فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر، وقدم قطن بْن قتيبة بْن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل السغد وأهل بخارى، معهم خاقان والترك، فحصروا قطن بْن قتيبة في خندقه، وجعل خاقان ينتخب كل يوم فارسا، فيعبر في قطعه من الترك النهر وقال قوم: أقحموا دوابهم عريا، فعبروا وأغاروا على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بْن بسطام بْن مسعود بْن عمرو، فوجهه مع عبد الله بْن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم، ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بْن قتيبة، ووجه أشرس رجلا يقال له مسعود- أحد بني حيان- في سرية، فلقيهم العدو، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزم مسعود، حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم:
خابت سرية مسعود وما غنمت ... إلا أفانين من شد وتقريب
حلوا بأرض قفار لا أنيس بها ... شوهن بالسفح أمثال اليعاسيب
(7/57)

وأقبل العدو، فلما كانوا بالقرب لقيهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جولة، فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين، ثم كر المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون ومضى أشرس بالناس، حتى نزل بيكند، فقطع العدو عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعوا عنهم المياه منها، وعلى مقدمة المسلمين قطن بْن قتيبة، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبق في صف الرباب إلا سبعة، فكاد ضرار بْن حصين يؤسر من الجهد الذي كان به، فحض الحارث بْن سريج الناس، فقال:
أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا فتقدم الحارث بْن سريج وقطن بْن قتيبة وإسحاق بْن محمد، ابن أخي وكيع، في فوارس من بني تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا.
قَالَ: فمر ثابت قطنة بعبد الملك بْن دثار الباهلي، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في آثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضهم، فحملوا على العدو، واشتد القتال، فقتل ثابت في عدة من المسلمين، منهم صخر بْن مسلم بْن النعمان العبدي وعبد الملك بْن دثار الباهلي والوجيه الخراساني والعقار بْن عقبة العودي فضم قطن بْن قتيبة وإسحاق بْن محمد بْن حسان خيلا من بني تميم وقيس، تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدو، فقاتلوهم فكشفوهم، وركبهم المسلمون يقتلونهم، حتى حجزهم الليل، وتفرق العدو فأتى أشرس بخارى فحصر أهلها.
قَالَ عَلِيّ بْن مُحَمَّدٍ، عن عَبْد اللَّهِ بْن المبارك: حدثني هشام بن عماره
(7/58)

ابن القعقاع الضبي عن فضيل بْن غزوان، قَالَ: حدثني وجيه البناني ونحن نطوف بالبيت، قَالَ: لقينا الترك، فقتلوا منا قوما، وصرعت وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقون حتى انتهوا إلي، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثرا هو واطئه، وأجلا هو بالغه، فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة فرجع إلى خراسان، فاستشهد مع ثابت.
قَالَ: فقال الوازع بْن مائق: مر بي الوجيه في بغلين يوم أشرس، فقلت:
كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قَالَ: أصبحت بين حائر وحائز، اللهم لف بين الصفين، فخالط القوم وهو متنكب قوسه وسيفه، مشتمل في طيلسان واستشهد واستشهد الهيثم بْن المنخل العبدي قَالَ علي، عن عبد الله بْن المبارك، قَالَ: لما التقى أشرس والترك، قَالَ ثابت قطنة: اللهم إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إلي بنو أمية مشدودا في الحديد، فحمل وحمل أصحابه، فكذب أصحابه وثبت، فرمى برذونه فشب، وضربه فأقدم، وضرب فارتث، فقال وهو صريع: اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام، وأمسيت ضيفك، فاجعل قراي من ثوابك الجنة.
قَالَ علي: ويقال إن أشرس قطع النهر، ونزل بيكند، فلم يجد بها ماء، فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوا من قصر بخاراخداه- وكان منزله منهم على ميل- تلقاهم ألف فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رهج الغبار، فلم يكن الرجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه قَالَ: فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بْن قتيبة وغوزك من الدهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بخارى، وهم يرون أن أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى، فلم يلتقوا إلا بعد يومين، ولحق غوزك في تلك الوقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قطن، فأرسل إليه قطن رجلا، فصاحوا برسول قطن، ولحق بالترك
(7/59)

قَالَ: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بدا من اللحاق بهم ويقال إن أشرس أرسل إلى غوزك يطلب منه طاسا، فقال لرسول أشرس: إنه لم يبق معى شيء اتدهن به غير الطاس، فاصفح عنه فأرسل إليه: اشرب في قرعة، وابعث إلي بالطاس، ففارقه.
قَالَ: وكان على سمرقند نصر بْن سيار، وعلى خراجها عميرة بْن سعد الشيباني، وهم محصورون، وكان عميرة ممن قدم مع أشرس، وأقبل قريش ابن أبي كهمس على فرس، فقال لقطن: قد نزل الأمير والناس، فلم يفقد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر، وكان بينهم ميل
. ذكر وقعه كمرجه
قَالَ: ويقال إن أشرس نزل قريبا من مدينة بخارى على قدر فرسخ، وذلك المنزل يقال له المسجد، ثم تحول منه إلى مرج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة- أو شبابة- مولى قيس بْن عبد الله الباهلي، وهم نزول بكمرجة- وكانت كمرجة من أشرف أيام خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته- فقال لهم: إن خاقان مار بكم غدا، فأرى لكم أن تظهروا عدتكم، فيرى جدا واحتشادا، فينقطع طمعه منكم فقال له رجل منهم: استوثقوا من هذا فإنه جاء ليفت في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به المولى، وصبحهم خاقان، فلما حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى كأنه يريدها، فتحدر بجنوده من وراء تل بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهم فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التل، فإذا جبل حديد: أهل فرغانة والطاربند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى قَالَ: فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بْن قنان الذهلي: هم يريدون مزاحفتكم فسربوا دوابكم المجففة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جردتموها فخذوا طريق الباب،
(7/60)

وتسربوا الأول فالأول، فلما رآهم الترك يتسربون شدوا عليهم في مضايق، وكانوا هم أعلم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلا كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجل من العرب بحزمة قصب قد أشعلها، فرمى بها وجوههم فتنحوا، وأخلوا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوا انصرف الترك، وأحرق العرب القنطرة، فأتاهم خسرو بْن يزدجرد في ثلاثين رجلا، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد علي مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف.
قَالَ: وجاءهم بازغري في مائتين- وكان داهية- من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمنونا حتى ندنو منكم، فأعرض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان فآمنوه، فدنا من المدينة، وأشرفوا عليه ومعه أسراء من العرب، فقال بازغري: يا معشر العرب، أحدروا إلي رجلا منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيبا مولى مهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: أحدروا إلي رجلا يعقل عني، فأحدروا يزيد بْن سعيد الباهلي، وكان يشدو شدوا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء وقال: إن خاقان أرسلني إليكم، وهو يقول لكم: إني أجعل من كان عطاؤه منكم ستمائه ألفا، ومن كان عطاؤه ثلاثمائه ستمائه، وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينكم صلح.
فغضب بازغري، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قَالَ: لا، نزل إلينا بأمان وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغرى الا ان
(7/61)

أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه، وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السغد.
فرضي بازغري والتركيان بما قَالَ، فقال له: اعرض على القوم ما تراضينا به، وأقبل فأخذ بطرف الحبل فجذبوه حتى صار على سور المدينة، فنادى:
يا أهل كمرجة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قَالَ: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين، قالوا: نموت جميعا قبل ذلك قَالَ: فأعلموهم. قَالَ: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادي بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قَالَ لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أنتم عندنا إلا بمنزلة من في أيدينا منكم- وكان في أيديهم الحجاج بْن حميد النضري- فقالوا له: يا حجاج، ألا تكلم؟ قَالَ: علي رقباء، وأمر خاقان بقطع الشجر، فجعلوا يلقون الحطب الرطب، ويلقي أهل كمرجة الحطب اليابس، حتى سوى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريح شديدة- صنعا من الله عز وجل- قَالَ: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فأوجعناهم وشغلناهم بالجراحات قَالَ: وأصابت بازغري نشابة في صرته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانهم، وأصبحوا بشر، منكسين رءوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم فلما امتد النهار جاءوا بالأسرى وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي واصحابه، فقتلوهم، ورموا اليهم برأس الحجاج ابن حميد النضري وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتد القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: من لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بْن مقاتل الطفاوي: أنا لك بهم، فذهب يسعى وقال لفتيان: امشوا خلفي، وهو جريح، قَالَ: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة قَالَ: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجب إنه لم يبق ملك فيما وراء النهر الا
(7/62)

قاتل بكمرجة غيري، وعز علي ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني فلم يزل أهل كمرجة بذلك، حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فرغانة.
فعير خاقان أهل السغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حمارا، وإنا نفتحها في خمسة أيام، فصارت الخمسة الأيام شهرين وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جهدا، ولكن أحضرنا غدا فانظر، فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطاربند، فاستأذنه في القتال والدخول عليهم، قَالَ: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع- وكان خاقان يعظمه- فقال: اجعل لي جاريتين من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم، فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثلمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خرق يفضي إلى الثلمة، وفي البيت رجل من بني تميم مريض، فرماه بكلوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته، ورماه رجل بحجر، فأصاب أصل أذنه فصرع، وطعنه رجل فقتله وجاء شاب أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده- قَالَ: ويقال: إن الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش- فكانوا قد اتخذوا صناعا، وألصقوها بحائط الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبوابا له، فأقعدوا الرماة وراءها، وفيهم غالب بْن المهاجر الطائي عم أبي العباس الطوسي ورجلان، أحدهما شيباني والآخر ناجي، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجي فلم يخطئ قصبه انفه، وعليه كاشخوده تبتية، فلم تضره الرمية، ورماه الشيباني وليس يرى منه غير عينيه، فرماه غالب ابن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقان شيء أشد منه.
قَالَ: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو ترحلهم عنها فقال له كليب بْن قنان: وليس من ديننا ان نعطى
(7/63)

بأيدينا حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم، فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سمرقند أو الدبوسية، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خروجكم من هذه المدينة.
قَالَ: ورأى أهل كمرجة ما هم فيه من الحصار والشدة، فقالوا:
نشاور أهل سمرقند، فبعثوا غالب بْن المهاجر الطائي، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدهقان الذي بها صديق له، فقال له: إني بعثت إلى سمرقند، فاحملني، فقال: ما أجد دابة إلا بعض دواب خاقان، فإن له في روضة خمسين دابة، فخرجا جميعا إلى تلك الروضة، فأخذ برذونا فركبه، وكان إلفه برذون آخر، فتبعه فأتى سمرقند من ليلته، فأخبرهم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدبوسية، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألا يعرضوا لهم، وسألوهم رجلا من الترك يتقوون به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا من شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حيث أرادوا.
ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابه، وأمرهم بالارتحال عنهم، وكلمه المختار بْن غوزك وملوك السغد وقالوا: لا تفعل أيها الملك، ولكن أعطهم أمانا يخرجون عنها، ويرون أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه، فأجابهم إلى ذلك، فسرح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.
قَالَ: فصار الرهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سمرقند- وكان الرهن الذي في أيديهم من ملوكهم- فلما ارتحل خاقان- قَالَ كورصول للعرب: ارتحلوا، قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب.
قَالَ: فكف عنهم، حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم
(7/64)

كورصول بالرحلة، وقال: إنما الشدة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة، فارتحلوا وفي يد الترك من الرهن من العرب نفر، منهم شعيب البكري أو النصري، وسباع بْن النعمان وسعيد بْن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خلف كل رجل من الترك رجلا من العرب معه خنجر، وليس على التركي غير قباء، فساروا بهم.
ثم قَالَ العجم لكورصول: إن الدبوسية فيها عشرة آلاف مقاتل، فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم.
فساروا، فلما صار بينهم وبين الدبوسية قدر فرسخ أو اقل نظر أهلها الى فرسان وبياذقه وجمع فظنوا أن كمرجة قد فتحت، وأن خاقان قصد لهم قَالَ: وقربنا منهم وقد تأهبوا للحرب، فوجه كليب بْن قنان رجلا من بني ناجية يقال له الضحاك على برذون يركض، وعلى الدبوسية عقيل بْن وراد السغدي، فأتاهم الضحاك وهم صفوف، فرسان ورجالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبوسية يركضون، فحمل من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا.
ثم إن كليبا أرسل إلى محمد بْن كراز ومحمد بْن درهم ليعلما سباع ابن النعمان وسعيد بْن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلوا عن الرهن، فجعلت العرب ترسل رجلا من الرهن الذين في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلا من الرهن الذين في أيديهم من العرب، حتى بقي سباع بْن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كل فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر، فقال سباع: خلوا رهينة الترك، فخلوه وبقي سباع في أيديهم، فقال له كورصول: لم فعلت هذا؟ قَالَ: وثقت برأيك في، وقلت: ترفع نفسك عن الغدر في مثل هذا، فوصله وسلحه وحمله على برذون، ورده إلى أصحابه.
قَالَ: وكان حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما، فيقال إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما
(7/65)

قَالَ: وكان خاقان قسم في أصحابه الغنم، فقال: كلوا لحومها واملئوا جلودها ترابا، واكبسوا خندقكم، ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم.
وكان مع أهل كمرجة قوم من الخوارج، فيهم ابن شنج مولى بنى ناجيه
. ذكر رده اهل كردر
وفي هذه السنة ارتد أهل كردر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم، وقد كان الترك أعانوا أهل كردر، فوجه أشرس إلى من قرب من كردر من المسلمين ألف رجل ردءا لهم، فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفروا بأهل كردر وقال عرفجة الدارمي:
نحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر
فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر
وفي هذه السنة جعل خالد بْن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطة، والأحداث والقضاء إلى بلال بْن أبي بردة، فجمع ذلك كله له، وعزل به ثمامة بْن عبد الله بْن أنس عن القضاء.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام بْن إسماعيل، كذلك قَالَ أبو معشر والواقدي وغيرهما، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر.
وَكَانَ العامل فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْمَدِينَة ومكة والطائف إبراهيم بْن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بْن عبد الله، وعلى خراسان اشرس ابن عبد الله.
(7/66)

ثم دخلت

سنة إحدى عشرة ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بْن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سعيد بْن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية.
قال الواقدي: غزا سنة إحدى عشرة ومائة على جيش البحر عبد الله بْن أبي مريم، وأمر هشام على عامة الناس من أهل الشام ومصر الحكم بن قيس ابن مخرمة بْن المطلب بن عبد مناف.
وفيها سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بْن عمرو فهزمهم.
وفيها ولي هشام الجراح بْن عبد الله الحكمي على أرمينية.
وفيها عزل هشام أشرس بْن عبد الله السلمي عن خراسان، وولاها الجنيد ابن عبد الرحمن المري.

ذكر السبب الذي من أجله عزل هشام اشرس عن خراسان واستعماله الجنيد
ذكر علي بْن محمد، عن أبي الذيال، قَالَ: كان سبب عزل أشرس أن شداد بْن خالد الباهلي شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل الجنيد بْن عبد الرحمن على خراسان سنة إحدى عشرة ومائة.
قَالَ: وكان سبب استعماله إياه أنه أهدى لأم حكيم بنت يحيى بْن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشاما، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد، فسأله أكثر من تلك الدواب فلم يفعل، فقدم خراسان في خمسمائة- وأشرس بْن عبد الله
(7/67)

يقاتل أهل بخارى والسغد- فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر، فدل على الخطاب بْن محرز السلمي خليفة أشرس، فلما قدم آمل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من بزم ومن حوله، فيقدموا عليه، فأبى وقطع النهر، وأرسل إلى أشرس أن أمدني بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجه إليه أشرس عامر بْن مالك الحماني، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسغد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجنيد، فدخل عامر حائطا حصينا، فقاتلهم على ثلمة الحائط، ومعه ورد بْن زياد بْن أدهم بْن كلثوم، ابن أخي الأسود بْن كلثوم، فرماه رجل من العدو بنشابة، فأصاب عرض منخره، فأنفذ المنخرين، فقال له عامر بْن مالك:
يا أبا الزاهرية، كأنك دجاجة مقرق وقتل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة، وخاقان على تل خلفه أجمة، فخرج عاصم بْن عمير السمرقندي وواصل بْن عمرو القيسي في شاكرية، فاستدارا حتى صارا من وراء ذلك الماء، فضموا خشبا وقصبا وما قدروا عليه، حتى اتخذوا رصفا، فعبروا عليه فلم يشعر خاقان إلا بالتكبير، وحمل واصل والشاكرية على العدو فقاتلوهم، فقتل تحت واصل برذون، وهزم خاقان وأصحابه.
وخرج عامر بْن مالك من الحائط، ومضى إلى الجنيد وهو في سبعة آلاف، فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعلى مقدمة الجنيد عمارة بْن حريم فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند، تلقته خيل الترك فقاتلهم، فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه، ثم أظهره الله، فسار حتى قدم العسكر وظفر الجنيد، وقتل الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند، وقطن ابن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارى- وكان ينزلها- فاسر ملك الشاش، وأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة، فبعث به إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشر بْن مزاحم على مرو،
(7/68)

وولى سورة بْن الحر من بني أبان بْن دارم بلخ، وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عمارة بْن معاوية العدوي ومحمد بْن الجراح العبدي وعبد ربه بْن أبي صالح السلمي إلى هشام بْن عبد الملك ثم انصرفوا، فتواقفوا بالترمذ، فأقاموا بها شهرين.
ثم أتى الجنيد مرو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام مترف، هزمني العام وأنا مهلكه في قابل، فاستعمل الجنيد عماله، ولم يستعمل إلا مضريا، استعمل قطن بْن قتيبة على بخارى، والوليد بْن القعقاع العبسي على هراة، وحبيب بْن مرة العبسي على شرطه، وعلى بلخ مسلم بْن عبد الرحمن الباهلي وكان نصر بْن سيار على بلخ، والذي بينه وبين الباهليين متباعد لما كان بينهم بالبروقان، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائما، فجاءوا به في قميص ليس عليه سراويل، ملببا، فجعل يضم عليه قميصيه، فاستحيا مسلم، وقال: شيخ من مضر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجنيد مسلما عن بلخ، وولاها يحيى بْن ضبيعة، واستعمل على خراج سمرقند شداد بْن خالد الباهلي، وكان مع الجنيد السمهري بْن قعنب وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام المخزومي، وكان إليه من العمل في هذه السنة ما كان إليه في السنة التي قبلها، وقد ذكرت ذلك قبل.
وكان العامل على العراق خالد بْن عبد الله، وعلى خراسان الجنيد بْن عبد الرحمن.
(7/69)

ثم دخلت

سنة اثنتي عشرة ومائة
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بْن هشام الصائفة فافتتح خرشنة، وحرق فرندية من ناحية ملطيه.

ذكر خبر قتل الجراح الحكمي
وفيها سار الترك من اللان، فلقيهم الجراح بْن عبد الله الحكمي فيمن معه من اهل الشام واذربيجان، فلم يتنام إليه جيشه، فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل، وافتتحت الترك أردبيل، وقد كان استخلف أخاه الحجاج بْن عبد الله على أرمينية.
ذكر محمد بْن عمر أن الترك قتلت الجراح بْن عبد الله ببلنجر، وأن هشاما لما بلغه خبره دعا سعيد بْن عمرو الحرشي، فقال له: إنه بلغني أن الجراح قد انحاز عن المشركين، قَالَ: كلا يا أمير المؤمنين، الجراح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدو، ولكنه قتل، قَالَ: فما الرأي؟ قَالَ:
تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث إلي كل يوم أربعين دابة عليها أربعون رجلا، ثم اكتب الى أمراء الأجناد يوافوننى ففعل ذلك هشام.
فذكر أن سعيد بْن عمرو أصاب للترك ثلاثة جموع وفودا إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذمة، فاستنقذ الحرشي ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم.
وذكر علي بْن محمد أن الجنيد بْن عبد الرحمن قَالَ في بعض ليالي حربه الترك بالشعب: ليلة كليلة الجراح ويوم كيومه، فقيل له: أصلحك الله!
(7/70)

إن الجراح سير إليه فقتل أهل الحجي والحفاظ، فجن عليه الليل، فانسل الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذربيجان، وأصبح الجراح في قلة فقتل.
وفي هذه السنة وجه هشام أخاه مسلمة بْن عبد الملك في أثر الترك فسار في شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم- فيما ذكر- حتى جاز الباب في آثارهم، وخلف الحارث بْن عمرو الطائي بالباب.

ذكر وقعه الجنيد مع الترك
وفي هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشعب.
وفيها قتل سورة بْن الحر، وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت:
ذكر علي بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بْن عبد الرحمن خرج غازيا في سنة اثنتي عشرة ومائة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجه عمارة ابن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا وإبراهيم بْن بسام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بْن الحر، أحد بني أبان بْن دارم، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم فما قدرت أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث! فأمر الجنيد الناس بالعبور، فقام إليه المجشر بْن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي وابن صبح الخرقي، فقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفا ولا زحفا، وقد فرقت جندك، فمسلم بْن عبد الرحمن بالنيروذ، والبختري بهراة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بْن حريم غائب وقال له المجشر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا، فاكتب الى
(7/71)

عماره فليأتك، وامهل ولا تعجل، قَالَ: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين! لو لم أكن الا في بني مرة، أو من طلع معي من أهل الشام لعبرت وقال:
أليس أحق الناس ان يشهد الوغى ... وان يقتل الابطال ضخم. على ضخم
وقال:
ما علتي ما علتي ما علتي! ... إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي
قَالَ: وعبر فنزل كس، وقد بعث الأشهب بْن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم، فرجع إليه وقال: قد أتوك فتأهب للمسير.
وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كس وما فيه من الركايا، فقال الجنيد: أي الطريقين إلى سمرقند أمثل؟ قالوا: طريق المحترقة.
قَالَ المجشر بْن مزاحم السلمي: القتل بالسيف أمثل من القتل بالنار، إن طريق المحترقة فيه الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيت خاقان أحرق ذلك كله، فقتلنا بالنار والدخان، ولكن خذ طريق العقبة، فهو بيننا وبينهم سواء.
فأخذ الجنيد طريق العقبة، فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته، وقال: إنه كان يقال: إن رجلا من قيس مترفا يهلك علي يديه جند من جنود خراسان، وقد خفنا أن تكونه قَالَ: أفرخ روعك، فقال المجشر: أما إذا كان بيننا مثلك فلا يفرخ فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حين أصبح، فصار الجنيد بين مرتحل ومقيم، فتلقى فارسا، فقال:
ما اسمك؟ فقال: حرب، قَالَ: ابن من؟ قَالَ: ابن محربة، قَالَ: من بني من؟ قَالَ: من بني حنظلة، قَالَ: سلط الله عليك الحرب والحرب والكلب ومضى بالناس حتى دخل الشعب وبينه وبين مدينة سمرقند أربعة فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه أهل السغد والشاش وفرغانة وطائفة من الترك قَالَ: فحمل خاقان على المقدمه وعليها عثمان
(7/72)

ابن عبد الله بْن الشخير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم، وجاءوهم من كل وجه، وقد كان الإخريد قَالَ للجنيد: رد الناس إلى العسكر، فقد جاءك جمع كثير، فطلع أوائل العدو والناس يتغدون، فرآهم عبيد الله بْن زهير بْن حيان، فكره أن يعلم الناس حتى يفرغوا من غدائهم، والتفت أبو الذيال، فرآهم، فقال: العدو! فركب الناس إلى الجنيد، فصير تميما والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل، وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيان، وعلى المجردة عمر- أو عمرو- بْن جرفاس بْن عبد الرحمن بْن شقران المنقري، وعلى جماعه بنى تميم عامر ابن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بْن بسطام بْن مسعود بْن عمرو المعني، وعلى خيلهم: المجففة والمجردة فضيل بْن هناد وعبد الله بْن حوذان، أحدهما على المجففة، والآخر على المجردة- ويقال: بل كان بشر بْن حوذان أخو عبد الله بْن حوذان الجهضمي- فالتقوا وربيعة مما يلي الجبل في مكان ضيق، فلم يقدم عليهم أحد، وقصد العدو للميمنة وفيها تميم والأزد في موضع واسع فيه مجال للخيل فترجل حيان بْن عبيد الله بْن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيان، انطلق إلى أخيك فإنه حدث وأخاف عليه فأبى، فقال: يا بني، إنك إن قتلت على حالك هذه قتلت عاصيا فرجع إلى الموضع الذي خلف فيه أخاه والبرذون، فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شد البرذون، فقطع حيان مقوده وركبه، فأتى العدو، فإذا العدو قد أحاط بالموضع الذي خلف فيه أباه وأصحابه، فأمدهم الجنيد بنصر بْن سيار في سبعة معه، فيهم جميل بْن غزوان العدوي، فدخل عبيد الله بْن زهير معهم، وشدوا على العدو فكشفوهم ثم كروا عليهم، فقتلوا جميعا، فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك الموضع، وقتل عبيد الله بْن زهير وابن حوذان وابن جرفاس والفضيل بْن هناد.
وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت
(7/73)

راية الأزد- وقد كان جفاهم- فقال له صاحب راية الأزد: ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا، ولكنك قد علمت أنه لا يوصل إليك ومنا رجل حي، فإن ظفرنا كان لك، وإن هلكنا لم تبك علينا ولعمري لئن ظفرنا وبقيت لا أكلمك كلمة أبدا وتقدم فقتل وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل، فتداول الراية ثمانية عشر رجلا منهم فقتلوا، فقتل يومئذ ثمانون رجلا من الأزد.
قَالَ: وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا، فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، حتى مل الفريقان فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بْن مجاعة العتكي ومحمد بْن عبد الله بْن حوذان الجهضمي، وعبد الله بْن بسطام المعني واخوه زنيم والحسن ابن شيخ والفضيل الحارثي- وهو صاحب الخيل- ويزيد بْن المفضل الحداني، وكان حج فأنفق في حجة ثمانين ومائة ألف، فقال لأمه وحشية: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له، وغشي عليه، فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما، وقاتل معه عبدان له، وقد كان أمرهما بالانصراف فقتلا، فاستشهدا.
قَالَ: وكان يزيد بْن المفضل حمل يوم الشعب على مائة بعير سويقا للمسلمين، فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل،.
فاستقدم وهو يقول: لا إله إلا الله، فقاتل حتى قتل وقاتل يومئذ محمد بْن عبد الله بْن حوذان وهو على فرس أشقر، عليه تجفاف مذهب، فحمل سبع مرات يقتل في كل حملة رجلا، ثم رجع إلى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه ترجمان للعدو: يقول لك الملك: لا تقبل وتحول إلينا، فنرفض صنمنا الذي نعبده ونعبدك، فقال محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده فقاتل واستشهد.
وقتل جشم بْن قرط الهلالي من بني الحارث، وقتل النضر بْن راشد العبدي، وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرجا بالدماء؟ فشقت جيبها ودعت بالويل،
(7/74)

فقال: حسبك، لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقا إلى الحور العين، ورجع فقاتل حتى استشهد رحمه الله قَالَ: فبينا الناس كذلك إذ أقبل رهج، فطلعت فرسان، فنادى منادي الجنيد: الأرض، الأرض! فترجل وترجل الناس، ثم نادى منادي الجنيد: ليخندق كل قائد على حياله، فخندق الناس قَالَ: ونظر الجنيد إلى عبد الرحمن بْن مكية يحمل على العدو، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكية، قَالَ: ألسان البقرة! لله دره أي رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزد مائة وتسعون.
وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة، فأرسل الجنيد إلى عبد الله بْن معمر بْن سمير اليشكري أن يقف في الناحية التي تلي كس ويحبس من مر به، ويحوز الأثقال والرجالة، وجاءت الموالي رجالة، ليس فيهم غير فارس واحد والعدو يتبعونهم، فثبت عبد الله بْن معمر للعدو، فاستشهد في رجال من بكر، وأصبحوا يوم السبت، فأقبل خاقان نصف النهار، فلم ير موضعا للقتال فيه أيسر من موضع بكر بْن وائل، وعليهم زياد بْن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كثرونا، فخل عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنة، إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم، ولكن دعوهم حتى يقربوا ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجنيد، وقال خاقان يومئذ: إن العرب إذا أحرجوا استقتلوا، فخلوهم حتى يخرجوا، ولا تعرضوا لهم، فإنكم لا تقومون لهم وخرج جوار للجنيد يولولن، فانتدب رجال من أهل الشام، فقالوا: الله الله يا اهل خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد: ليلة كليلة الجراح، ويوم كيومه.

ذكر الخبر عن مقتل سوره بن الحر
وفي هذه السنة قتل سورة بْن الحر التميمى
(7/75)

ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر علي عن شيوخه، أن عبيد الله بْن حبيب قَالَ للجنيد: اختر بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سورة أهون علي، قَالَ:
فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإن الترك إن بلغهم أن سورة قد توجه إليك انصرفوا إليه فقاتلوه فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم- وقيل: كتب أغثني- فقال عبادة بْن السليل المحاربي أبو الحكم بْن عبادة لسورة: انظر أبرد بيت بسمرقند فنم فيه، فإنك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير أم رضي وقال له حليس بْن غالب الشيباني: إن الترك بينك وبين الجنيد، فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج، فكتب اليه الجنيد:
يا بن اللخناء، تخرج وإلا وجهت إليك شداد بْن خالد الباهلي- وكان له عدوا- فأقدم وضع فلانا بفرخشاذ في خمسمائة ناشب، والزم الماء فلا تفارقه فأجمع على المسير، فقال الوجف بْن خالد العبدي: إنك لمهلك نفسك والعرب بمسيرك، ومهلك من معك، قَالَ: لا يخرج حملي من التنور حتى اسير، فقال له عباده وحليس: اما إذ أبيت إلا المسير فخذ على النهر، فقال: أنا لا أصل إليه على النهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فاصبحه، فإذا سكنت الزجل سرت فأعبره فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سورة بالرحيل، واستخلف على سمرقند موسى بْن أسود، أحد بني ربيعة بْن حنظلة، وخرج في اثني عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، وإنما دله على ذلك الطريق علج يسمى كارتقبد، فتلقاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين
(7/76)

الجنيد فرسخ: فقال أبو الذيال: قاتلهم.
في ارض خواره، فصبر وصبروا حتى اشتد الحر وقَالَ بعضهم: قَالَ له غوزك: يومك يوم حار فلا تقاتلهم حتى تحمى عليهم الشمس وعليهم السلاح تثقلهم فلم يقاتلهم خاقان، وأخذ برأي غوزك، وأشعل النار في الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء، فقال سورة لعبادة: ما ترى يا أبا السليل؟ قَالَ: أرى والله أنه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة، فاعقر هذه الدواب وأحرق هذا المتاع، وجرد السيف، فإنهم يخلون لنا الطريق قَالَ أبو الذيال: فقال سورة لعبادة: ما الرأي؟
قَالَ: تركت الرأي، قَالَ: فما ترى الآن؟ قَالَ: أن ننزل فنشرع الرماح، ونزحف زحفا، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر، قَالَ: لا أقوى على هذا، ولا يقوى فلان وفلان وعدد رجالا، ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكهم، سلمت أم عطبت، فجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك، وثار الغبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك اللهب، فسقطوا فيه، وسقط فيه العدو والمسلمون، وسقط سورة فاندقت فخذه، وتفرق الناس، وانكشفت الغمة والناس متفرقون، فقطعتهم الترك، فقتلوهم فلم ينج منهم غير ألفين- ويقال: ألف- وكان ممن نجا عاصم بْن عمير السمرقندي، عرفه رجل من الترك فأجاره، واستشهد حليس بْن غالب الشيباني، فقال رجل من العرب: الحمد لله، استشهد حليس، ولقد رأيته يرمي البيت أيام الحجاج ويقول: دري عقاب، بلبن وأخشاب، وامراه قائمة، فكلما رمي بحجر قالت المرأة: يا رب بي ولا ببيتك! ثم رزق الشهادة.
وانحاز المهلب بن زياد العجلى في سبعمائة ومعه قريش بْن عبد الله العبدي إلى رستاق يسمى المرغاب، فقاتلوا أهل قصر من قصورهم، فأصيب المهلب بْن زياد، وولوا أمرهم الوجف بْن خالد، ثم أتاهم الإشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك، فقال غوزك: يا وجف، لكم الأمان، فقال
(7/77)

قريش: لا تثقوا بهم، ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سمرقند، فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا.
قَالَ: فعصوه وأقاموا، فساقوهم إلى خاقان، فقال: لا أجيز أمان غوزك، فقال غوزك للوجف: أنا عبد لخاقان من شاكريته، قالوا: فلم غرزتنا؟ فقاتلهم الوجف وأصحابه، فقتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا الحائط وأمسوا، فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط، فجاء قريش بْن عبد الله العبدي إلى الشجرة فرمى بها، وخرج في ثلاثة فباتوا في ناوس فكمنوا فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا.
وقتل سورة، فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادرا، فقال له خالد بْن عبيد الله بْن حبيب: سر سر، ومجشر بْن مزاحم السلمي يقول: أذكرك الله أقم، والجنيد يتقدم، فلما رأى المجشر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد، فقال: والله لا تسير ولتنزلن طائعا أو كارها، ولا ندعك تهلكنا بقول هذا الهجري، انزل فنزل ونزل الناس فلم يتتام نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشر: لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة، وجال الناس، فقال الجنيد: أيها الناس، إنها النار، فتراجعوا وأمر الجنيد رجلا فنادى: أي عبد قاتل فهو حر، فقاتل العبيد قتالا شديدا عجب الناس منه، جعل أحدهم يأخذ اللبد فيجوبه ويجعله في عنقه، يتوقى به فسر الناس بما رأوا من صبرهم، فكر العدو، وصبر الناس حتى انهزم العدو فمضوا، فقال موسى بْن النعر للناس: أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله إن لكم منهم ليوما أرونان ومضى الجنيد فأخذ العدو رجلا من عبد القيس فكتفوه، وعلقوا في عنقه رأس بلعاء العنبري بْن مجاهد بْن بلعاء، فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه، ومضى الجنيد إلى سمرقند، فحمل
(7/78)

عيال من كان مع سورة إلى مرو، وأقام بالسغد أربعة أشهر، وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بْن مزاحم السلمي وعبد الرحمن بْن صبح الخرقي وعبيد الله بْن حبيب الهجري، وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم، ويضع المسالح ليس لأحد مثل رايه في ذلك، وكان عبد الرحمن ابن صبح إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه، وكان عبيد الله بن حبيب على تعبئه القتال، وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب، فمنهم الفضل بْن بسام مولى بني ليث وعبد الله ابن أبي عبد الله مولى بني سليم والبختري بْن مجاهد مولى بني شيبان قَالَ: فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجنيد سيف بْن وصاف العجلي من سمرقند إلى هشام، فجبن عن السير وخاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه، وبعث نهار بْن توسعة أحد بني تميم اللات وزميل بْن سويد المري، مرة غطفان، وكتب إلى هشام: أن سورة عصاني، أمرته بلزوم الماء فلم يفعل، فتفرق عنه أصحابه، فأتتني طائفة إلى كس، وطائفة إلى نسف، وطائفة إلى سمرقند، وأصيب سورة في بقية أصحابه.
قَالَ: فدعا هشام نهار بْن توسعة، فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد، فقال نهار بْن توسعة:
لعمرك ما حابيتني إذ بعثتني ... ولكنما عرضتني للمتالف
دعوت لها قوما فهابوا ركوبها ... وكنت امرأ ركابة للمخاوف
فأيقنت إن لم يدفع الله أنني ... طعام سباع أو لطير عوائف
قرين عراك وهو أيسر هالك ... عليك وقد زملته بصحائف
فإني وإن آثرت منه قرابة ... لأعظم حظا في حباء الخلائف
على عهد عثمان وفدنا وقبله ... وكنا أولي مجد تليد وطارف
قَالَ: وكان عراك معهم في الوفد، وهو ابن عم الجنيد، فكتب إلى الجنيد: قد وجهت إليك عشرين ألفا مددا، عشرة آلاف من أهل البصرة عليهم عمرو بْن مسلم، ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن
(7/79)

ابن نعيم، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفا.
قَالَ: ويقال أن الجنيد أوفد الوفد إلى خالد بْن عبد الله، فأوفد خالد إلى هشام: أن سورة بْن الحر خرج يتصيد مع أصحاب له فهجم عليهم الترك، فأصيبوا فقال هشام حين أتاه مصاب سورة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! مصاب سوره بن الحر بخراسان والجراح بالباب! وأبلى نصر بْن سيار يومئذ بلاء حسنا، فانقطع سيفه، وانقطع سيور ركابه، فأخذ سيور ركابه، فضرب به رجلا حتى أثخنه، وسقط في اللهب مع سورة يومئذ عبد الكريم ابن عبد الرحمن الحنفي وأحد عشر رجلا معه وكان ممن سلم من أصحاب سورة ألف رجل، فقال عبد الله بْن حاتم بْن النعمان: رأيت فساطيط مبنية بين السماء والأرض، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بْن بسطام وأصحابه، فقتلوا من غد، فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحة المسك ساطعة قَالَ: ولم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه، فقال نصر:
إن تحسدوني على حسن البلاء لكم ... يوما، فمثل بلائي جر لي الحسدا
يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عضدا
وضربي الترك عنكم يوم فرقكم ... بالسيف في الشعب حتى جاوز السندا
قَالَ: وكان الجنيد يوم الشعب أخذ في الشعب، وهو لا يرى أن أحدا يأتيه من الجبال، وبعث ابن الشخير في مقدمته، واتخذ ساقة، ولم يتخذ مجنبتين.
وأقبل خاقان فهزم المقدمة، وقتل من قتل منهم، وجاءه خاقان من قبل ميسرته وجبغويه من قبل الميمنة، فأصيب رجال من الأزد وتميم، وأصابوا له سرادقات وأبنية، فأمر الجنيد حين أمسى رجلا من أهل بيته، فقال له:
امش في الصفوف والدراجة، وتسمع ما يقول الناس، وكيف حالهم، ففعل
(7/80)

ثم رجع إليه، فقال: رأيتهم طيبة أنفسهم، يتناشدون الأشعار، ويقرءون القرآن، فسره ذلك، وحمد الله.
قَالَ: ويقال نهضت العبيد يوم الشعب من جانب العسكر وقد أقبلت الترك والسغد ينحدرون، فاستقبلهم العبيد وشدوا عليهم بالعمد، فقتلوا منهم تسعة، فأعطاهم الجنيد أسلابهم.
وقال ابن السجف في يوم الشعب، ويعني هشاما:
اذكر يتامى بأرض الترك ضائعة ... هزلى كأنهم في الحائط الحجل
وارحم، وإلا فهبها أمة دمرت ... لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل
لا تأملن بقاء الدهر بعدهم ... والمرء ما عاش ممدود له الأمل
لاقوا كتائب من خاقان معلمة ... عنهم يضيق فضاء السهل والجبل
لما رأوهم قليلا لا صريخ لهم ... مدوا بأيديهم لله وابتهلوا
وبايعوا رب موسى بيعة صدقت ... ما في قلوبهم شك ولا دغل
قَالَ: فأقام الجنيد بسمرقند ذلك العام، وانصرف خاقان إلى بخارى وعليها قطن بْن قتيبة، فخاف الناس الترك على قطن، فشاورهم الجنيد، فقال قوم: الزم سمرقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدك بالجنود وقال قوم:
تسير فتأتي ربنجن، ثم تسير منها إلى كس، ثم تسير منها إلى نسف، فتتصل منها إلى أرض زم، وتقطع النهر وتنزل آمل، فتأخذ عليه بالطريق.
فبعث إلى عبد الله بْن أبي عبد الله، فقال: قد اختلف الناس علي- وأخبره بما قالوا- فما الرأي؟ فاشترط عليه ألا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال، قَالَ: نعم، قَالَ: فإني أطلب إليك خصالا، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: تخندق حيثما نزلت، ولا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعني في نزولك وارتحالك فأعطاه ما اراد.
قال: اما ما اشار به عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عنك، وإن سرت فأخذت بالناس غير الطريق فتت في أعضادهم،
(7/81)

فانكسروا عن عدوهم، فاجترأ عليك خاقان، وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت بهم غير الطريق تفرق الناس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوهم، وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدو، والرأي لك أن تعمد إلى عيالات من شهد الشعب من أصحاب سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك، فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوك، وتعطي كل رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسا.
قَالَ: فأخذ برأيه، فخلف في سمرقند عثمان بْن عبد الله بن الشخير في ثمانمائه: أربعمائة فارس وأربعمائة راجل، وأعطاهم سلاحا فشتم الناس عبد الله بْن أبي عبد الله مولى بني سليم، وقالوا: عرضنا لخاقان والترك، ما أراد إلا هلاكنا! فقال عبيد الله بْن حبيب لحرب بْن صبح: كم كانت لكم الساقه اليوم؟ قال: الف وستمائه، قَالَ: لقد عرضنا للهلاك قَالَ: فأمر الجنيد بحمل العيال.
قَالَ: وخرج والناس معه، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسى وزياد ابن خيران الطائي، فسرح الجنيد الأشهب بْن عبيد الحنظلي، ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له: كلما مضيت مرحلة فسرح إلي رجلا يعلمني الخبر.
قَالَ: وسار الجنيد، فلما صار بقصر الريح أخذ عطاء الدبوسي بلجام الجنيد وكبحه، فقرع رأسه هارون الشاشي مولى بني حازم بالرمح حتى كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خل عن الدبوسي، وقال له: ما لك يا دبوسي؟ فقال: انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلحه سلاحا تاما، وقلده سيفا وجعبة وترسا، وأعطه رمحا، ثم سر بنا على قدر مشيه، فإنا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجالة ففعل ذلك الجنيد،
(7/82)

فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكرمينية، أول يوم من رمضان.
فلما ارتحل الجنيد من كرمينية قدم محمد بْن الرندي في الأساورة آخر الليل، فلما كان في طرف مفازة كرمينية رأى ضعف العدو، فرجع إلى الجنيد فأخبره، فنادى منادي الجنيد: ألا يخرج المكتبون إلى عدوهم؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادى رجل: أيها الناس، صرتم حرورية فاستقتلتم وجاء عبد الله بْن أبي عبد الله إلى الجنيد يضحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: إنه ضحك تعجبا، فالحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطشة، فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار، كالين وأنت معك الزاد، فقاتلوا قليلا ثم رجعوا وكان عبد الله بْن أبي عبد الله قَالَ للجنيد وهم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: وهل من حيلة؟
قَالَ: نعم، تمضي برايتك قدر ثلاث غلاء، فإن خاقان ود أنك أقمت فينطوي عليك إذا شاء فأمر بالرحيل وعبد الله بْن أبي عبد الله على الساقة.
فأرسل إليه: انزل، قَالَ: أنزل على غير ماء! فأرسل إليه: إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك، فنزل وأمر الناس أن يسقوا، فذهب الناس الرجالة والناشبة، وهم صفان، فاستقوا وباتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله ابن أبي عبد الله: إنكم معشر العرب أربعة جوانب، فليس يعيب بعضهم بعضا، كل ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدمة- وهم القلب- ومجنبتان وساقة، فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانبا منكم- وهم الساقة- كان بواركم، وبالحري أن يفعل، وأنا أتوقع ذلك في يومي، فشدوا الساقة بخيل فوجه الجنيد خيل بني تميم والمجففة، وجاءت الترك فمالت على الساقة، وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتد الأمر بينهم، فحمل سلم بْن أحوز على رجل من عظماء الترك فقتله قَالَ: فتطير الترك، وانصرفوا من الطواويس، ومضى المسلمون، فأتوا بخارى يوم المهرجان قَالَ: فتلقونا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشرة عشرة، فقال عبد المؤمن بْن خالد: رأيت
(7/83)

عبد الله بْن أبي عبد الله بعد وفاته في المنام، فقال: حدث الناس عني برأيي يوم الشعب.
قَالَ: وكان الجنيد يذكر خالد بْن عبد الله، ويقول: ربذة من الربذ، صنبور ابن صنبور، قل ابْن قل، هيفة من الهيف- وزعم أن الهيفة الضبع، والعجرة الخنزيرة، والقل: الفرد- قَالَ: وقدمت الجنود مع عمرو بْن مسلم الباهلي في أهل البصره وعبد الرحمن بْن نعيم الغامدي في أهل الكوفة وهو بالصغانيان، فسرح معهم الحوثرة بْن يزيد العنبري فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم، وأمرهم أن يحملوا ذراري أهل سمرقند، ويدعوا فيها المقاتلة ففعلوا قَالَ أبو جعفر: وقد قيل: إن وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة.
وقال نصر بْن سيار يذكر يوم الشعب وقتال العبيد:
إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن تحسدوني على مثل البلاء لكم ... يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا
يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا
أرمي العدو بأفراس مكلمة ... حتى اتخذن على حسادهن يدا
من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا!
فما حفظتم من الله الوصاة ولا ... أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا
ولا نهاكم عن التوثاب في عتب ... إلا العبيد بضرب يكسر العمدا
هلا شكرتم دفاعى عن جنيد كم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا!
(7/84)

وقال ابن عرس العبدي، يمدح نصرا يوم الشعب ويذم الجنيد، لأن نصرا أبلى يومئذ:
يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع
فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا
يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع
ما زلت ترميهم بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا
فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع
وقال الشرعبي الطائي:
تذكرت هندا في بلاد غريبة ... فيا لك شوقا، هل لشملك مجمع!
تذكرتها والشاش بيني وبينها ... وشعب عصام والمنايا تطلع
بلاد بها خاقان جم زحوفه ... ونيلان في سبعين ألفا مقنع
إذا دب خاقان وسارت جنوده ... أتتنا المنايا عند ذلك شرع
هنالك- هند- ما لنا النصف منهم ... وما إن لنا يا هند في القوم مطمع
ألا رب خود خدلة قد رايتها ... يسوق جهم من السغد أصمع
أحامي عليها حين ولى خليلها ... تنادي إليها المسلمين فتسمع
تنادي بأعلى صوتها صف قومها ... ألا رجل منكم يغار فيرجع!
ألا رجل منكم كريم يردني ... يرى الموت في بعض المواطن ينفع!
فما جاوبوها غير أن نصيفها ... بكف الفتى بين البرازيق أشنع
إلى الله أشكو نبوة في قلوبها ... ورعبا ملا أجوافها يتوسع
فمن مبلغ عني ألوكا صحيفة ... إلى خالد من قبل أن نتوزع
بأن بقايانا وأن أميرنا ... إذا ما عددناه الذليل الموقع
(7/85)

هم أطمعوا خاقان فينا وجنده ... ألا ليتنا كنا هشيما يزعزع
وقال ابن عرس- واسمه خالد بْن المعارك من بني غنم بْن وديعة بْن لكيز بْن أفصى وذكر علي بْن محمد عن شيخ من عبد القيس أن أمه كانت أمة، فباعه أخوه تميم بْن معارك من عمرو بْن لقيط أحد بنى عامر بن الحارث، فاعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب، كم لي عندك من المال؟ قَالَ: ثمانون ألفا، قَالَ: أنت حر وما في يديك لك قال: فكان عمرو ينزل مرو الروذ، وقد اقتتلت عبد القيس في ابن عرس، فردوه إلى قومه، فقال ابن عرس للجنيد:
أين حماة الحرب من معشر ... كانوا جمال المنسر الحارد!
بادوا بآجال توافوا لها ... والعائر الممهل كالبائد
فالعين تجرى دمعها مسبلا ... ما لدموع العين من ذائد
انظر ترى للميت من رجعة ... أم هل ترى في الدهر من خالد!
كنا قديما يتقى بأسنا ... وندرأ الصادر بالوارد
حتى منينا بالذي شامنا ... من بعد عز ناصر آئد
كعاقر الناقة لا ينثني ... مبتدئا ذي حنق جاهد
فتقت ما لم يلتئم صدعه ... بالجحفل المحتشد الزائد
تبكي لها إن كشفت ساقها ... جدعا وعقرا لك من قائد!
تركتنا أجزاء معبوطة ... يقسمها الجازر للناهد
ترقت الأسياف مسلولة ... تزيل بين العضد والساعد
تساقط الهامات من وقعها ... بين جناحي مبرق راعد
إذ أنت كالطفله في خدرها ... لم تدر يوما كيدة الكائد
إنا أناس حربنا صعبة ... تعصف بالقائم والقاعد
أضحت سمرقند وأشياعها ... أحدوثة الغائب والشاهد
(7/86)

وكم ثوى في الشعب من حازم ... جلد القوى ذي مرة ماجد
يستنجد الخطب ويغشى الوغى ... لا هائب غس ولا ناكد
ليتك يوم الشعب في حفرة ... مرموسة بالمدر الجامد
تلعب بك الحرب وأبناؤها ... لعب صقور بقطا وارد
طار لها قلبك من خيفة ... ما قلبك الطائر بالعائد
لا تحسبن الحرب يوم الضحى ... كشربك المزاء بالبارد
أبغضت من عينك تبريجها ... وصورة في جسد فاسد
جنيد ما عيصك منسوبه ... نبعا ولا جدك بالصاعد
خمسون ألفا قتلوا ضيعة ... وأنت منهم دعوة الناشد
لا تمرين الحرب من قابل ... ما أنت في العدوة بالحامد
قلدته طوقا على نحره ... طوق الحمام الغرد الفارد
قصيدة حبرها شاعر ... تسعى بها البرد الى خالد
[أخبار متفرقة]
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام المخزومي، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وقد قيل: إن الذي حج بالناس في هذه السنة سليمان بْن هشام.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين كانوا في سنة إحدى عشرة ومائة، وقد ذكرناهم قبل.
(7/87)

ثم دخلت

سنة ثلاث عشرة ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

قتل عبد الوهاب بن بخت
فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بْن بخت، وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم، فذكر محمد بْن عمر، عن عبد العزيز بْن عمر، أن عبد الوهاب بْن بخت غزا مع البطال سنة ثلاث عشرة ومائة، فانهزم الناس عن البطال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكر فرسه وهو يقول: ما رأيت فرسا أجبن منه، وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بْن بخت، أمن الجنة تفرون! ثم تقدم في نحور العدو، فمر برجل وهو يقول: وا عطشاه! فقال: تقدم، الري أمامك، فخالط القوم فقتل وقتل فرسه.
ومن ذلك ما كان من تفريق مسلمة بْن عبد الملك الجيوش في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبي، وحرق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار، ودان لمسلمة من كان وراء جبال بلنجر وقتل ابن خاقان.
ومن ذلك غزوة معاوية بْن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع.
وفي هذه السنة صار من دعاة بني العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد بْن عبد الرحمن رجلا منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدر
(7/88)

وحج بالناس في هذه السنة- في قول أبي معشر- سليمان بْن هشام بْن عبد الملك، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى عن أبي معشر وكذلك قَالَ الواقدي.
وقال بعضهم: الذي حج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن هشام المخزومي.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم الذين كانوا عمالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة، وقد مضى ذكرنا لهم
(7/89)

ثم دخلت

سنة أربع عشرة ومائة
(ذكر الأخبار عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمن ذَلِكَ غزوة معاوية بْن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بْن هشام على الصائفة اليمنى، فذكر أن معاوية بْن هشام أصاب ربض أقرن، وأن عبد الله البطال التقى وقسطنطين في جمع فهزمهم، واسر قسطنطين، وبلغ سليمان ابن هشام قيسارية.
وفي هذه السنة عزل هشام بْن عبد الملك إبراهيم بْن هشام عن المدينة، وأمر عليها خالد بْن عبد الملك بْن الحارث بْن الحكم قَالَ الواقدي: قدم خالد بْن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الاول، وكانت امره ابراهيم ابن هشام على المدينة ثماني سنين.
وقال الواقدي: في هذه السنة ولي محمد بْن هشام المخزومي مكة.
وقال بعضهم: بل ولي محمد بْن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما عزل إبراهيم أقر محمد بْن هشام على مكة.
وفي هذه السنة وقع الطاعون- فيما قيل- بواسط.
وفيها قفل مسلمة بْن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان وبنى الباب فأحكم ما هنالك.
وفي هذه السنة ولى هشام مروان بْن محمد أرمينية وأذربيجان.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَالَ أَبُو معشر- فِيمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه: حج بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بْن عبد الملك بْن الحارث بْن الحكم، وهو على المدينة
(7/90)

وقال بعضهم: حج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام، وهو أمير مكة، فأقام خالد بْن عبد الملك تلك السنة، لم يشهد الحج.
قَالَ الواقدي: حدثني بهذا الحديث عبد الله بْن جعفر، عن صالح بْن كيسان.
قَالَ الواقدي: وقال لي أبو معشر: حج بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بْن عبد الملك، ومحمد بْن هشام على مكة قَالَ الواقدي: وهو الثبت عندنا.
وكان عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، غير أن عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بْن عبد الملك، وعامل مكة والطائف محمد بْن هشام، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد.
(7/91)

ثم دخلت

سنة خمس عشرة ومائة
(ذكر الأخبار عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كَانَ فيها من ذلك غزوة معاوية بْن هشام أرض الروم.
وفيها وقع الطاعون بالشام.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام بْن إسماعيل، وهو أمير مكة والطائف، كذلك قَالَ أَبُو معشر، فِيمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في سنة أربع عشرة ومائة، غير أنه اختلف في عامل خراسان في هذه السنة، فقال المدائني: كان عاملها الجنيد بْن عبد الرحمن، وقال بعضهم كان عاملها عمارة بْن حريم المري.
وزعم الذي قَالَ ذلك أن الجنيد مات في هذه السنة، واستخلف عمارة بْن حريم وأما المدائني فإنه ذكر ان وفاه الجنيد كانت في سنه ست عشرة ومائة.
وفي هذه السنة أصاب الناس بخراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجنيد إلى الكور: إن مرو كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فاحملوا إليها الطعام.
قَالَ علي بْن محمد: أعطى الجنيد في هذه السنة رجلا درهما، فاشترى به رغيفا، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتني بالهند وإن الحبة من الحبوب لتباع عددا بالدرهم، وقال: إن مرو كما قَالَ الله عز وجل:
«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً» .
(7/92)

ثم دخلت

سنة ست عشرة ومائة
(ذكر ما كان فيها من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بْن هشام أرض الروم الصائفة.
وفيها كان طاعون شديد بالعراق والشام، وكان أشد ذلك- فيما ذكر- بواسط.

وفاة الجنيد بْن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله خراسان
وفيها كانت وفاة الجنيد بْن عبد الرحمن وولاية عاصم بْن عبد الله بْن يزيد الهلالي خراسان.
ذكر الخبر عن أمرهما:
ذكر علي بْن محمد، عن أشياخه، أن الجنيد بْن عبد الرحمن تزوج الفاضلة بنت يزيد بْن المهلب، فغضب هشام على الجنيد، وولى عاصم بْن عبد الله خراسان، وكان الجنيد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فازهق نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد.
قال: وذكروا ان جبله بن أبي رواد دخل على الجنيد عائدا، فقال:
يا جبلة، ما يقول الناس؟ قَالَ: قلت يتوجعون للأمير، قَالَ: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشام بيده قَالَ: قلت: يقدم على خراسان يزيد بْن شجرة الرهاوي، قَالَ: ذلك سيد أهل الشام، قَالَ: ومن؟
قلت: عصمة أو عصام، وكنيت عن عاصم، فقال: إن قدم عاصم فعدو جاهد، لا مرحبا به ولا أهلا.
قَالَ: فمات في مرضه ذلك في المحرم سنة ست عشرة ومائة، واستخلف عمارة بْن حريم وقدم عاصم بْن عبد الله، فحبس عمارة بْن حريم وعمال الجنيد وعذبهم وكانت وفاته بمرو، فقال ابو الجويرية عيسى ابن عصمه يرثيه:
(7/93)

هلك الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في أرض مرو ... ما تغنت على الغصون الحمام
كنتما نزهة الكرام فلما ... مت مات الندى ومات الكرام
ثم إن أبا الجويرية أتى خالد بْن عبد الله القسري وامتدحه، فقال له خالد: ألست القائل: هلك الجود والجنيد جميعا.
مالك عندنا شيء، فخرج فقال:
تظل لامعة الآفاق تحملنا ... إلى عمارة والقود السراهيد
قصيدة امتدح بها عمارة بْن حريم، ابن عم الجنيد، وعمارة هو جد أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام.
قَالَ: وقدم عاصم بْن عبد الله فحبس عماره بن حريم وعمال الجنيد وعذبهم
. ذكر خلع الحارث بن سريج
وفي هذه السنة خلع الحارث بْن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بْن عبد الله.
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر علي عن أشياخه، قَالَ: لما قدم عاصم خراسان واليا، اقبل الحارث ابن سريج من النخذ حتى وصل إلى الفارياب، وقدم أمامه بشر بن جرموز.
قَالَ: فوجه عاصم الخطاب بْن محرز السلمي ومنصور بْن عمر بن ابى الخرقاء السلمي وهلال بْن عليم التميمي والأشهب الحنظلي وجرير بْن هميان السدوسي ومقاتل بْن حيان النبطي مولى مصقلة إلى الحارث، وكان خطاب ومقاتل بْن حيان قالا: لا تلقوه إلا بأمان، فأبي عليهما القوم، فلما انتهوا إليه بالفارياب قيدهم وحبسهم، ووكل بهم رجلا يحفظهم قَالَ: فأوثقوه وخرجوا من السجن، فركبوا دوابهم، وساقوا دواب البريد، فمروا بالطالقان
(7/94)

فهم سهرب صاحب الطالقان بهم، ثم أمسك وتركهم فلما قدموا مرو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره ثم مضى الحارث إلى بلخ وعليها نصر، فقاتلوه، فهزم أهل بلخ ومضى نصر إلى مرو.
وذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التجيبي بْن ضبيعة المري ونصر بْن سيار، وولاهما الجنيد قَالَ: فانتهى إلى قنطرة عطاء وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، فتلقى نصر بْن سيار في عشرة آلاف والحارث بْن سريج في أربعة آلاف، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنة والبيعه للرضا، فقال قطن بْن عبد الرحمن بْن جزي الباهلي: يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسنة، والله لو أن جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتك، فقاتلهم فأصابته رمية في عينه، فكان أول قتيل.
فانهزم أهل بلخ إلى المدينة، وأتبعهم الحارث حتى دخلها، وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكف عنهم، فقال رجل من أصحاب الحارث: إني لأمشي في بعض طرق بلخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول: يا أبتاه! ليت شعري من دهاك! وأعرابي إلى جنبي يسير، فقال:
من هذه الباكية؟ فقيل له: ابنة قطن بْن عبد الرحمن بْن جزي، فقال الأعرابي: أنا وأبيك دهيتك، فقلت: أنت قتلته؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: ويقال: قدم نصر والتجيبي على بلخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوسا حتى هزم الحارث نصرا، وكان التجيبي ضرب الحارث أربعين سوطا في إمرة الجنيد، فحوله الحارث إلى قلعة باذكر بزم، فجاء رجل من بني حنيفة فادعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هراة، فدفعه الحارث إلى الحنفي، فقال له التجيبي: أفتدي منك بمائة ألف، فلم يقبل منه وقتله وقوم يقولون: قتل التجيبي في ولاية نصر قبل أن يأتيه الحارث.
قَالَ: ولما غلب الحارث علي بلخ استعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن خازم، وسار، فلما كان بالجوزجان دعا وابصة بْن زرارة العبدي، ودعا دجاجة ووحشا العجليين وبشر بْن جرموز وأبا فاطمة، فقال:
(7/95)

ما ترون؟ فقال أبو فاطمة: مرو بيضة خراسان، وفرسانهم كثير، لو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإن أتوك قاتلتهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم، قَالَ: لا أرى ذلك، ولكن أسير إليهم فأقبل الحارث إلى مرو، وقد غلب على بلخ والجوزجان والفارياب والطالقان ومرو الروذ، فقال أهل الدين من أهل مرو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرق جماعتنا، وإن أتانا نكب.
قَالَ: وبلغ عاصما أن أهل مرو يكاتبون الحارث، قَالَ: فأجمع على الخروج وقال: يا اهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، لا يقصد مدينة إلا خليتموها له، إني لاحق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدني بعشرة آلاف من أهل الشام فقال له المجشر بْن مزاحم:
إن أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق فأقم، وإن أبوا فسر حتى تنزل أبرشهر، وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدك بأهل الشام فقال خالد بن هريم احد بنى ثعلبه بن يربوع وأبو محارب هلال بْن عليم: والله لا نخليك والذهاب، فيلزمنا دينك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال.
قَالَ: افعل، قَالَ يزيد بْن قران الرياحي: ان لم اقاتل معك ما قاتلت فابنه الأبرد بْن قرة الرياحي طالق ثلاثا- وكانت عنده- فقال عاصم: أكلكم على هذا؟ قالوا: نعم وكان سلمة بْن أبي عبد الله صاحب حرسه يحلفهم بالطلاق.
قَالَ: وأقبل الحارث بْن سريج إلى مرو في جمع كثير- يقال في ستين ألفا- ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بْن المثنى وحماد بْن عامر ابن مالك الحماني وداود الأعسر وبشر بْن أنيف الرياحي وعطاء الدبوسي.
ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب وسهرب ملك الطالقان، وقرياقس دهقان مرو، في أشباههم.
قَالَ: وخرج عاصم في أهل مرو وفي غيرهم، فعسكر بجياسر عند البيعه،
(7/96)

وأعطى الجند دينارا دينارا، فخف عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، وأعطى الجند وغيرهم، فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسرت، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البرية! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبوا وذهب رجالتهم يصلحون القناطر، فأتاهم رجالة أهل مرو فقاتلوهم، فمال محمد بْن المثنى الفراهيذي برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الأزد، ومال حماد بْن عامر بْن مالك الحماني إلى عاصم، وأتى بني تميم.
قَالَ سلمة الأزدي: كان الحارث بعث الى عاصم رسلا- منهم محمد ابن مسلم العنبري- يسألونه العمل بكتاب الله وسنة نبيه ص.
قَالَ: وعلى الحارث بْن سريج يومئذ السواد قَالَ: فلما مال محمد بْن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى الناس، فكان أول قتيل غياث بْن كلثوم من أهل الجارود، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مرو والنهر الأعظم، ومضت الدهاقين إلى بلادهم، فضرب يومئذ خالد بْن علباء بْن حبيب بْن الجارود على وجهه، وأرسل عاصم بْن عبد الله المؤمن بْن خالد الحنفي وعلباء بْن أحمر اليشكري ويحيى بْن عقيل الخزاعي ومقاتل بْن حيان النبطي إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمد بْن مسلم العنبري وحده، فقال لهم: ان الحارث وإخوانكم يقرءونكم السلام، ويقولون لكم: قد عطشنا وعطشت دوابنا، فدعونا ننزل الليلة، وتختلف الرسل فيما بيننا ونتناظر، فإن وافقناكم على الذي تريدون وإلا كنتم من وراء أمركم، فأبوا عليه وقالوا مقالا غليظا، فقال مقاتل ابن حيان النبطي: يا أهل خراسان، إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد، ويدنا على عدونا واحدة، وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم، وجه إليه أميرنا بالفقهاء والقراء من أصحابه، فوجه رجلا واحدا قَالَ محمد: إنما أتيتكم مبلغا، لطلب كتاب الله وسنه نبيه ص، وسيأتيكم الذي تطلبون من غد إن شاء الله تعالى
(7/97)

وانصرف محمد بْن مسلم إلى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصما، فلما أصبح سار إليه فالتقوا، وعلى ميمنة الحارث رابض بْن عبد الله بْن زرارة التغلبي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فحمل يحيى بْن حضين- وهو رأس بكر بْن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بْن الحارث بْن سريج- فقتلوا قتلا ذريعا، فقطع الحارث وادي مرو، فضرب رواقا عند منازل الرهبان، وكف عنه عاصم قَالَ: وكانت القتلى مائة، وقتل سعيد بْن سعد بْن جزء الأزدي، وغرق خازم بْن موسى بْن عبد الله بْن خازم- وكان مع الحارث بْن سريج- واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بْن مسلم: لما هزم الحارث كف عنه عاصم، ولو ألح عليه لأهلكه.
وأرسل إلى الحارث: إني راد عليك ما ضمنت لك ولأصحابك، على أن ترتحل، ففعل.
قَالَ: وكان خالد بْن عبيد الله بْن حبيب أتى الحارث ليلة هزم، وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث، وقالوا: ألم تزعم أنه لا يرد لك راية! فأتاهم فسكنهم.
وكان عطاء الدبوسي من الفرسان، فقال لغلامه يوم زرق: أسرج لي برذوني لعلي ألاعب هذه الحمارة، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من أهل الطالقان، فقال بلغته: اى كير خر.
قَالَ أبو جعفر الطبري رحمه الله: وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْوَلِيد بْن يزيد بْن عبد الملك، وهو ولي العهد، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في التي قبلها إلا ما كان من خراسان فإن عاملها في هذه السنة عاصم بْن عبد الله الهلالي.
(7/98)

ثم دخلت

سنة سبع عشرة ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها غزوة معاوية بْن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سليمان بْن هشام بْن عبد الملك الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم وفيها بعث مروان بْن محمد- وهو على أرمينية- بعثين، فافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان ونزل الآخر على تومانشاه، فنزل أهلها على الصلح.
وفيها عزل هشام بْن عبد الملك عاصم بْن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بْن عبد الله، فولاها خالد أخاه أسد بْن عبد الله.
وقال المدائني: كان عزل هشام عاصما عن خراسان وضم خراسان إلى خالد بْن عبد الله في سنة ست عشرة ومائة.

ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصما وتوليته خالدا خراسان
وكان سبب ذلك- فيما ذكر علي عن أشياخه- أن عاصم بْن عبد الله كتب إلى هشام بْن عبد الملك: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد كان من أمر أمير المؤمنين إلي ما يحق به علي نصيحته، وإن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى صاحب العراق، فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب، لتباعد أمير المؤمنين عنها.
وتباطؤ غياثه عنها فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بْن حضين والمجشر بْن مزاحم وأصحابهم، فأخبرهم، فقال له المجشر بعد ما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك فقدم أسد بْن عبد الله، بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكميت بْن زيد الأسدي إلى أهل مرو بهذا الشعر:
(7/99)

ألا أبلغ جماعة أهل مرو ... على ما كان من نأى وبعد
رسالة ناصح يهدي سلاما ... ويأمر في الذي ركبوا بجد
وأبلغ حارثا عنا اعتذارا ... إليه بأن من قبلي بجهد
ولولا ذاك قد زارتك خيل ... من المصرين بالفرسان تردي
فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف ... ولا يغرركم أسد بعهد
وكونوا كالبغايا إن خدعتم ... وإن اقررتم ضيما لوغد
وإلا فارفعوا الرايات سودا ... على أهل الضلالة والتعدي
فكيف وأنتم سبعون ألفا ... رماكم خالد بشبيه قرد
ومن ولى بذمته رزينا ... وشيعته ولم يوف بعهد
ومن غشى قضاعة ثوب خزي ... بقتل أبي سلامان بْن سعد
فمهلا يا قضاع فلا تكوني ... توابع لا أصول لها بنجد
وكنت إذا دعوت بني نزار ... أتاك الدهم من سبط وجعد
فجدع من قضاعة كل أنف ... ولا فازت على يوم بمجد
قَالَ: ورزين الذي ذكر كان خرج على خالد بْن عبد الله بالكوفة، فأعطاه الأمان ثم لم يف به.
وقال فيه نصر بْن سيار حين أقبل الحارث إلى مرو وسود راياته- وكان الحارث يرى رأى المرجئة:
دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم ... ما خير دنيا وأهل لا يدومونا!
إلا بقية أيام إلى أجل ... فاطلب من الله أهلا لا يموتونا
اكثر تقى الله في الإسرار مجتهدا ... إن التقى خيره ما كان مكنونا
واعلم بأنك بالأعمال مرتهن ... فكن لذاك كثير الهم محزونا
إني أرى الغبن المردي بصاحبه ... من كان في هذه الأيام مغبونا
(7/100)

تكون للمرء أطوارا فتمنحه ... يوما عثارا وطورا تمنح اللينا
بينا الفتى في نعيم العيش حوله ... دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا
تحلو له مرة حتى يسر بها ... حينا وتمقره طعما أحايينا
هل غابر من بقايا الدهر تنظره ... إلا كما قد مضى فيما تقضونا
فامنح جهادك من لم يرج آخره ... وكن عدوا لقوم لا يصلونا
واقتل مواليهم منا وناصرهم ... حينا تكفرهم والعنهم حينا
والعائبين علينا ديننا وهم ... شر العباد إذا خابرتهم دينا
والقائلين سبيل الله بغيتنا ... لبعد ما نكبوا عما يقولونا
فاقتلهم غضبا لله منتصرا ... منهم به ودع المرتاب مفتونا
إرجاؤكم لزَّكم والشرك في قرن ... فأنتم أهل إشراك ومرجونا
لا يبعد الله في الأجداث غيركم ... إذ كان دينكم بالشرك مقرونا
ألقى به الله رعبا في نحوركم ... والله يقضي لنا الحسنى ويعلينا
كيما نكون الموالي عند خائفة ... عما تروم به الإسلام والدينا
وهل تعيبون منا كاذبين به ... غال ومهتضم، حسبي الذي فينا
يأبى الذي كان يبلي الله أولكم ... على النفاق وما قد كان يبلينا
قال: ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلما بلغ عاصما أن أسد بْن عبد الله قد أقبل، وأنه قد سير على مقدمته محمد بْن مالك الهمداني، وأنه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء، وعلى أن يكتبا جميعا إلى هشام، يسألانه كتاب الله وسنة نبيه، فإن أبى اجتمعا جميعا عليه فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وابى يحيى
(7/101)

ابن حضين أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين، فقال خلف بْن خليفة ليحيى:
أبى هم قلبك إلا اجتماعا ... ويأبى رقادك إلا امتناعا
بغير سماع ولم تلقني ... أحاول من ذات لهو سماعا
حفظنا أمية في ملكها ... ونخطر من دونها ان تراعى
ندافع عنها وعن ملكها ... إذا لم نجد بيديها امتناعا
أبى شعب ما بيننا في القديم ... وبين أمية إلا انصداعا
ألم نختطف هامه ابن الزبير ... وتنتزع الملك منه انتزاعا
جعلنا الخلافة في أهلها ... إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا
نصرنا أمية بالمشرفي ... إذا انخلع الملك عنها انخلاعا
ومنا الذي شد أهل العراق ... ولو غاب يحيى عن الثغر ضاعا
على ابن سريج نقضنا الأمور ... وقد كان أحكمها ما استطاعا
حكيم مقالته حكمة ... إذا شتت القوم كانت جماعا
عشية زرق وقد أزمعوا ... قمعنا من الناكثين الزماعا
ولولا فتى وائل لم يكن ... لينضج فيها رئيس كراعا
فقل لأمية ترعى لنا ... أيادي لم نجزها واصطناعا
أتلهين عن قتل ساداتنا ... ونأبى لحقك إلا اتباعا
أمن لم يبعك من المشترين ... كآخر صادف سوقا فباعا!
أبى ابن حضين لما تصنعين ... إلا اضطلاعا وإلا اتباعا
ولو يأمن الحارث الوائلين ... لراعك في بعض من كان راعا
وقد كان اصعر ذا نيرب ... أشاع الضلالة فيما أشاعا
كفينا أمية مختومة ... أطاع بها عاصم من أطاعا
(7/102)

فلولا مراكز راياتنا ... من الجند خاف الجنود الضياعا
وصلنا القديم لها بالحديث ... وتأبى أمية إلا انقطاعا
ذخائر في غيرنا نفعها ... وما إن عرفنا لهن انتفاعا
ولو قدمتها وبان الحجاب ... لارتعت بين حشاك ارتياعا
فأين الوفاء لأهل الوفاء ... والشكر أحسن من أن يضاعا!
وأين ادخار بني وائل ... إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا!
ألم تعلمي أن أسيافنا ... تداوى العليل وتشفي الصداعا!
إذا ابن حضين غدا باللواء ... اسلم أهل القلاع القلاعا
إذا ابن حضين غدا باللواء ... أشار النسور به والضباعا
إذا ابن حضين غدا باللواء ... ذكى وكانت معد جداعا
قَالَ: وكان عاصم بْن سليمان بْن عبد الله بْن شراحيل اليشكري من أهل الرأي، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة، وقال له: غمرات ثم ينجلين، وهي المغمضات، فغمض.
قَالَ: وكان عاصم بْن عبد الله في قرية بأعلى مرو لكندة، ونزل الحارث قرية لبني العنبر، فالتقوا بالخيل والرجال، ومع عاصم رجل من بنى عبس في خمسمائة من أهل الشام وإبراهيم بْن عاصم العقيلي في مثل ذلك، فنادى منادي عاصم: من جاء برأس فله ثلاثمائة درهم، فجاء رجل من عماله برأس وهو عاض على أنفه، ثم جاءه رجل من بني ليث- يقال له ليث بْن عبد الله- برأس، ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: إن طمع الناس في هذا لم يدعوا ملاحا ولا علجا إلا أتوك برأسه، فنادى مناديه: لا يأتنا أحد برأس، فمن أتانا به فليس له عندنا شيء، وانهزم أصحاب الحارث فأسروا منهم أسارى، وأسروا عبد الله بْن عمرو المازني رأس أهل مرو الروذ، وكان الأسراء ثمانين، أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بْن عبد الله على نهر الداندنقان وكانت اليمانية بعثت من الشام رجلا يعدل بألف يكنى أبا داود، أيام العصبية في
(7/103)

خمسمائة، فكان لا يمر بقرية من قرى خراسان إلا قَالَ: كأنكم بي قد مررت راجعا حاملا رأس الحارث بْن سريج، فلما التقوا دعا إلى البراز، فبرز له الحارث بْن سريج، فضربه فوق منكبه الأيسر فصرعه، وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط، فكان يقول: يا أبرشهر الحارث بْن سريجاه! يا أصحاب المعموراه! ورمى فرس الحارس بْن سريج في لبانه، فنزع النشابة، واستحضره وألح عليه بالضرب حتى نزقه وعرقه، وشغله عن ألم الجراحة.
قَالَ: وحمل عليه رجل من أهل الشام، فلما ظن أن الرمح مخالطه، مال عن فرسه واتبع الشامي، فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! قَالَ:
انزل عن فرسك، فنزل وركبه الحارث، فقال الشامي: خذ السرج، فو الله إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس:
تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا
فليت قريشا أصبحوا ذات ليلة ... يعومون في لج من البحر أخضرا
قَالَ: وعظم أهل الشام يحيى بْن حضين لما صنع في أمر الكتاب الذي كتبه عاصم، وكتبوا كتابا، وبعثوا مع محمد بْن مسلم العنبري ورجل من أهل الشام، فلقوا أسد بْن عبد الله بالري- ويقال: لقوه ببيهق- فقال:
ارجعوا فإني أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بْن مسلم: هدمت داري، فقال: أبنيها لك، وأرد عليكم كل مظلمة.
قَالَ: وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى.
قَالَ: فأجاز خالد يحيى بْن حضين بعشرة آلاف دينار وكساه مائة حله.
قَالَ: وكانت ولاية عاصم أقل من سنة- قيل كانت سبعة أشهر- وقدم اسد ابن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصما وسأله عما أنفق، وحاسبه فأخذه بمائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز ولم تخرج من مرو، ووافق عمارة بْن حريم وعمال الجنيد محبوسين عنده، فقال لهم: أسير فيكم بسيرتنا أم بسيره قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلى سبيلهم.
(7/104)

قَالَ علي عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشام بن عبد الملك امر الحارث ابن سريج، كتب إلى خالد بْن عبد الله: ابعث أخاك يصلح ما أفسد، فإن كانت رجية فلتكن به قَالَ: فوجه أخاه أسدا إلى خراسان، فقدم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلا مرو وناحية أبرشهر، والحارث بْن سريج بمرو الروذ وخالد بْن عبيد الله الهجري بآمل، ويخاف إن قصد للحارث بمرو الروذ دخل خالد بْن عبيد الله مرو من قبل آمل، وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قبل مرو الروذ، فأجمع على أن يوجه عبد الرحمن بْن نعيم الغامدي في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث إلى ناحية مرو الروذ وسار أسد بالناس إلى آمل، واستعمل على بني تميم الحوثرة بْن يزيد العنبري، فلقيهم خيل لأهل آمل، عليهم زياد القرشي مولى حيان النبطي عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوا إلى باب المدينة، ثم كروا على الناس، فقتل غلام لأسد بْن عبد الله يقال له جبلة، وهو صاحب علمه، وتحصنوا في ثلاث مدائن لهم.
قَالَ: فنزل عليهم أسد وحصرهم، ونصب عليهم المجانيق، وعليهم خالد ابن عبيد الله الهجري من أصحاب الحارث، فطلبوا الامان، فخرج اليهم رويد ابن طارق القطعي ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنه نبيه ص، قَالَ: فلكم ذلك، قالوا: على ألا تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا فأعطاهم ذلك، واستعمل عليهم يحيى بْن نعيم الشيباني أحد بني ثعلبة بْن شيبان، ابن أخي مصقلة بْن هبيرة ثم أقبل أسد في طريق زم يريد مدينة بلخ، فتلقاه مولى لمسلم بْن عبد الرحمن، فأخبره أن أهل بلخ قد بايعوا سليمان بْن عبد الله بْن خازم فقدم بلخ، واتخذ سفنا وسار منها إلى الترمذ، فوجد الحارث محاصرا سنانا الأعرابي السلمي، ومعه بنو الحجاج بْن هارون النميري، وبنو زرعة وآل عطية الأعور النضري في أهل الترمذ، والسبل مع الحارث، فنزل أسد دون النهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدهم، وخرج أهل الترمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالا شديدا، وكان الحارث استطرد لهم، ثم كر عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بْن الهيثم بْن
(7/105)

المنخل وعاصم بْن معول النجلي في خمسين ومائة من أهل الشام وغيرهم، وكان بشر بْن جرموز وأبو فاطمة الإيادي ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب الترمذ، فيبكون ويشكون بني مروان وجورهم، ويسألونهم النزول إليهم على أن يمالئوهم على حرب بني مروان فيأبون عليهم، فقال السبل وهو مع الحارث: يا حارث، إن الترمذ قد بنيت بالطبول والمزامير، ولا تفتح بالبكاء وإنما تفتح بالسيف، فقاتل إن كان بك قتال وتركه السبل وأتى بلاده.
قَالَ: وكان أسد حين مر بأرض زم تعرض للقاسم الشيباني وهو في حصن بزم يقال له باذكر، ومضى حتى أتى الترمذ، فنزل دون النهر، ووضع سريره على شاطئ النهر، وجعل الناس يعبرون، فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة، فالتقوا في سفينة فيها أصحاب أسد، فيهم أصغر بْن عيناء الحميري، وسفينة أصحاب الحارث فيها داود الأعسر، فرمى أصغر فصك السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمري، فقال داود الأعسر: لأمر ما انتميت إليه، لا أرض لك! وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا، وأقبل الأشكند- وقد أراد الحارث الانصراف- فقال له: إنما جئتك ناصرا لك، وكمن الأشكند وراء دير، وأقبل الحارث بأصحابه، وخرج إليه أهل الترمذ فاستطرد لهم فاتبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر، فأظهر الكراهية، وعرف أن الحارث قد كادهم، فظن أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولى، فأراد أسد معاتبة نصر، فإذا الأشكند قد خرج عليهم، فحمل على أهل الترمذ فهربوا وقتل في المعركة يزيد بْن الهيثم بْن المنخل الجرموزي من الأزد وعاصم بْن معول- وكان من فرسان أهل الشام- ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل الترمذ إلى الحارث فهزموه، وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وقوما من أهل البصائر، ثم سار أسد الى سمرقند في طريق زم، فما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني- وهو في باذكر، وهو من أصحاب الحارث- فقال:
إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم، ولم يبلغ ذلك النساء ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا أريد سمرقند،
(7/106)

وعلي عهد الله وذمته ألا يبدأك مني شر، ولك المؤاساة واللطف والكرامة والأمان ولمن معك، وأنت إن غمصت ما دعوتك إليه فعلي عهد الله وذمة أمير المؤمنين وذمة الأمير خالد إن أنت رميت بسهم ألا اؤمنك بعده، وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان فآمنه، وسار معه إلى سمرقند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان من دواب ساقها معه، وحمل معه طعاما من بخارى، وساق معه شياء كثيرة من شاء الأكراد قسمها فيهم، ثم ارتفع إلى ورغسر وماء سمرقند منها، فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند، وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السكر، ثم قفل من سمرقند حتى نزل بلخ.
وقد زعم بعضهم أن الذي ذكرت من أمر أسد وأمر اصحاب الحارث كان في سنه ثمان عشره.
وحج بالناس في هذه السنة خالد بْن عبد الملك.
وكان العامل فيها على المدينة، وعلى مكة والطائف محمد بْن هشام بْن إسماعيل، وعلى العراق والمشرق خالد بْن عبد الله، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بْن محمد.
وفيها توفيت فاطمه بنت على وسكينه ابنه الحسين بن على.

امر اسد بن عبد الله مع دعاه بنى العباس
وفي هذه السنة أخذ أسد بْن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم، وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ سليمان بْن كثير ومالك بْن الهيثم وموسى بْن كعب ولاهز بْن قريظ وخالد بْن إبراهيم وطلحة بْن رزيق، فأتى بهم، فقال لهم: يا فسقة، ألم يقل الله تعالى:
«عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» !
(7/107)

فذكر أن سليمان بْن كثير قَالَ: أتكلم أم أسكت؟ قَالَ: بل تكلم، قَالَ: نحن والله كما قَالَ الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان، بالماء اعتصاري
تدري ما قصتنا؟ صيدت والله العقارب بيدك أيها الأمير، إنا أناس من قومك، وإن هذه المضرية إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بْن مسلم، وإنما طلبوا بثأرهم فتكلم ابن شريك بْن الصامت الباهلي، وقال: إن هؤلاء القوم قد أخذوا مرة بعد مرة، فقال مالك بْن الهيثم:
أصلح الله الأمير! ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره، فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشد الناس عليه، فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بْن نعيم فَقَالَ لَهُ: مَا تَرَى؟ قَالَ:
أَرَى أَنْ تمن بهم على عشائرهم، قَالَ: فالتميميان اللذان معهم؟ قَالَ: تخلي سبيلهما، قَالَ: أنا إذا من عبد الله بْن يزيد نفي، قَالَ: فكيف تصنع بالربعي؟ قَالَ: أخلي والله سبيله ثم دعا بموسى بْن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطمت أسنانه، ثم قَالَ: اكسروا وجهه، فدق أنفه، ووجأ لحيته، فندر ضرس له ثم دعا بلاهز بْن قريط، فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانيين والربعيين، فضربه ثلاثمائه سوط، ثم قَالَ: اصلبوه، فقال الحسن بْن زيد الأزدي: هو لي جار وهو بريء مما قذف به، قَالَ: فالآخرون؟ قَالَ:
أعرفهم بالبراءه، فخلى سبيلهم.
(7/108)

ثم دخلت

سنه ثمان عشرة ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِي هَذِهِ السنة من الأحداث) فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بْن عبد الملك ارض الروم.

ولايه عمار بن يزيد على شيعه بنى العباس بخراسان
وفيها وجه بكير بْن ماهان عمار بْن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس، فنزل- فيما ذكر- مرو، وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بْن علي، فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به، وسمعوا إليه وأطاعوا، ثم غير ما دعاهم إليه، وتكذب وأظهر دين الخرمية، ودعا إليه ورخص لبعضهم في نساء بعض، وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بْن علي، فبلغ أسد بْن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتي به، وقد تجهز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فأغلظ خداش له القول، فأمر به فقطعت يده، وقلع لسانه وسملت عينه.

ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع اصحابه
فذكر محمد بْن علي عن أشياخه، قَالَ: لما قدم اسد آمل في مبدئه، أتوه بخداش صاحب الهاشمية، فأمر به قرعة الطبيب، فقطع لسانه، وسمل عينه، فقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! ثم دفعه إلى يحيى بْن نعيم الشيباني عامل آمل فلما قفل من سمرقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمل، وأتى أسد بحزور مولى المهاجر بن داره الضبي، فضرب عنقه بشاطئ النهر ثم نزل أسد منصرفه من سمرقند بلخ، فسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي فيها ثقل الحارث وثقل أصحابه- واسم القلعة التبوشكان من طخارستان العليا، وفيها بنو برزى التغلبيون، وهم أصهار الحارث- فحصرهم الكرماني حتى فتحها، فقتل مقاتلتهم وقتل بني برزى،
(7/109)

وسبى عامة أهلها من العرب والموالي والذراري، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، فقال علي بْن يعلى- وكان شهد ذلك: نقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بْن ميمون القاضي، وفيهم بشر بْن أنيف الحنظلي وداود الأعسر الخوارزمي فقال الحارث: إن كنتم لا بد مفارقي وطلبتم الأمان، فاطلبوه وأنا شاهد، فإنه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان، فقالوا: ارتحل أنت وخلنا ثم بعثوا بشر بْن أنيف ورجلا آخر، فطلبوا الأمان فآمنهما أسد ووصلهما، فغدروا بأهل القلعة، وأخبراه أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرح أسد الكرماني في ستة آلاف، منهم سالم بْن منصور البجلي، على ألفين، والأزهر بْن جرموز النميري في اصحابه، وجند بلخ وهم الفان وخمسمائة من اهل الشام، وعليهم صالح بْن القعقاع الأزدي، فوجه الكرماني منصور بْن سالم في أصحابه، فقطع نهر ضرغام، وبات ليله وأصبح، فأقام حتى متع النهار، ثم سار يومه قريبا من سبعة عشر فرسخا، فأتعب خيله، ثم انتهى إلى كشتم من ارض جبغويه، فانتهى إلى حائط فيه زرع قد قصب، فأرسل أهل العسكر دوابهم فيه، وبينهم وبين القلعة أربع فراسخ ثم ارتحل فلما صار إلى الوادي جاءته الطلائع فأخبرته بمجيء القوم ورأسهم المهاجر بْن ميمون، فلما صاروا إلى الكرماني كابدهم فانصرفوا، وسار حتى نزل جانبا من القلعة، وكان أول ما نزل في زهاء خمسمائة في مسجد كان الحارث بناه، فلما أصبح تتامت إليه الخيل، وتلاحقت من أصحاب الأزهر وأهل بلخ.
فلما اجتمعوا خطبهم الكرماني، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أهل بلخ، لا أجد لكم مثلا غير الزانية، من أتاها أمكنته من رجلها، أتاكم الحارث في ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم، وطرد أميركم، ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مرو فخذلتموه، ثم انصرف إليكم منهزما فأمكنتموه من المدينة، والذي نفسي بيده لا يبلغني عن رجل
(7/110)

منكم كتب كتابا إليهم في سهم إلا قطعت يده ورجله وصلبته، فأما من كان معي من أهل مرو فهم خاصتي، ولست أخاف غدرهم، ثم نهد إلى القلعة فأقام بها يوما وليلة من غير قتال، فلما كان من الغد نادى مناد:
إنا قد نبذنا إليكم بالعهد، فقاتلوهم، وقد عطش القوم وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد، فأقام أياما وقدم المهلب بْن عبد العزيز العتكي بكتاب اسد، ان احملوا إلي خمسين رجلا منهم، فيهم المهاجر بْن ميمون ونظراؤه من وجوههم، فحملوا إليهم فقتلهم، وكتب إلى الكرماني أن يصير الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يصلبهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم، ففعل ذلك الكرماني، وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد، وكان الذين قتلهم وصلبهم أربعمائة واتخذ أسد مدينة بلخ دارا في سنة ثمان عشرة ومائة، ونقل إليها الدواوين واتخذ المصانع، ثم غزا طخارستان ثم ارض جبغويه، ففتح وأصاب سبيا.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنة عزل هشام خالد بْن عبد الملك بْن الحارث بْن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها محمد بْن هشام بْن إسماعيل ذكر الواقدي أن أبا بكر بْن عمرو بْن حزم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمرته على المدينة، فصعد المنبر، وصلى بالناس ستة أيام، ثم قدم محمد بْن هشام من مكة عاملا على المدينة.
وفي هذه السنة مات علي بْن عبد الله بْن العباس، وكان يكنى أبا محمد، وكانت وفاته بالحميمة من أرض الشام، وهو ابن ثمان- أو سبع- وسبعين سنة.
وقيل إنه ولد في الليلة التي ضرب فيها علي بْن أبي طالب وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة أربعين، فسماه أبوه عليا، وقال: سميته باسم أحب الخلق إلي، وكناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بْن مروان أكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا
(7/111)

الاسم والكنية لأحد، وسأله: هل ولد له من ولد؟ وكان قد ولد له يومئذ محمد بْن علي، فأخبره بذلك، فكناه أبا محمد.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف وقد قيل إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد بْن عبد الملك، وكان إلى محمد بْن هشام فيها مكة والطائف، والقول الأول قول الواقدي.
وكان على العراق خالد بْن عبد الله، وإليه المشرق كله، وعامله على خراسان أخوه أسد بْن عبد الله، وعامله على البصرة وأحداثها وقضائها والصلاة بأهلها بلال بْن أبي بردة، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بْن محمد بْن مروان.
(7/112)

ثم دخلت

سنة تسع عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث فمن ذلك غزوة الوليد بْن القعقاع العبسي أرض الروم وفيها غزا أسد بْن عبد الله الختل، فافتتح قلعة زغرزك، وسار منها إلى خداش، وملأ يديه من السبي والشاء، وكان الجيش قد هرب الى الصين.

ذكر غزو الترك ومقتل خاقان
وفيها لقي أسد خاقان صاحب الترك فقتله، وقتل بشرا كثيرا من أصحابه، وسلم أسد والمسلمون، وانصرفوا بغنائم كثيرة وسبي.
ذكر الخبر عن هذه الغزوة:
ذكر علي بْن محمد عن شيوخه، أنهم قالوا: كتب ابن السائجي إلى خاقان أبي مزاحم- وإنما كني أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب- وهو موالث، يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوده فيها، وأنه بحال مضيعة فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز- وكان لخاقان مرج وجبل حمى لا يقربهما احد، ولا يتصيد فيهما، يتركان للجهاد فضاء، ما كان في المرج ثلاثة أيام، وما في الجبل ثلاثة أيام- فتجهزوا وارتعوا ودبغوا مسوك الصيد، واتخذوا منها أوعية، واتخذوا القسي والنشاب، ودعا خاقان ببرذون مسرج ملجم، وأمر بشاة فقطعت ثم علقت في المعاليق، ثم أخذ شيئا من ملح فصيره في كيس، وجعله في منطقته، وأمر كل تركي أن يفعل مثل ذلك، وقال: هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالختل.
وأخذ طريق خشوراغ، فلما أحس ابن السائجي أن خاقان قد أقبل بعث إلى أسد: اخرج عن الختل فإن خاقان قد أظلك فشتم رسوله، ولم يصدقه، فبعث صاحب الختل: إني لم أكذبك، وأنا الذي أعلمته دخولك،
(7/113)

وتفرق جندك، وأعلمته أنها فرصة له، وسألته المدد، غير أنك أمعرت البلاد، وأصبت الغنائم، فإن لقيك على هذه الحال ظفر بك، وعادتني العرب أبدا ما بقيت واستطال علي خاقان واشتدت مؤونته، وامتن علي بقوله: أخرجت العرب من بلادك، ورددت عليك ملكك، فعرف أسد أنه قد صدقه، فأمر بالأثقال أن تقدم، وولى عليها إبراهيم بْن عاصم العقيلي الجزري، الذي كان ولي سجستان بعد، وأخرج معه المشيخة، فيهم كثير ابن أمية، أبو سليمان بْن كثير الخزاعي وفضيل بْن حيان المهري وسنان بْن داود القطعي، وكان على أهل العالية سنان الأعرابي السلمي، وعلى الاقباض عثمان ابن شباب الهمذاني، جد قاضي مرو، فسارت الأثقال، فكتب أسد إلى داود بْن شعيب والأصبغ بن ذؤاله الكلبي- وقد كان وجههما في وجه: إن خاقان قد أقبل، فانضما إلى الأثقال، إلى إبراهيم بْن عاصم.
قَالَ: ووقع إلى داود والأصبغ رجل دبوسي، فأشاع أن خاقان قد كسر المسلمين، وقتل أسدا.
وقال الأصبغ: إن كان أسد ومن معه أصيبوا فإن فينا هشاما ننحاز إليه، فقال داود بْن شعيب: قبح الله الحياة بعد أهل خراسان! فقال الأصبغ: حبذا الحياة بعد أهل خراسان! قتل الجراح ومن معه فما ضر المسلمين كثير ضر، فإن هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل الله دينه، وإن الله حي قيوم، وأمير المؤمنين حي وجنود المسلمين كثير فقال داود:
أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم! فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم فإذا هما بالنيران، فقال داود: هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران الأتراك متفرقة، فقال الأصبغ: هم في مضيق ودنوا فسمعوا نهيق الحمير، فقال داود: أما علمت أن الترك ليس لهم حمير! فقال الأصبغ: أصابوها بالأمس، ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين، فقال داود: نسرح فارسين فيكبران، فبعثا فارسين، فلما دنوا من العسكر كبرا، فأجابهما العسكر
(7/114)

بالتكبير، فأقبلوا إلى العسكر الذي فيه الأثقال، ومع إبراهيم أهل الصغانيان وصغان خذاه، فقام إبراهيم بْن عاصم مبادرا.
قَالَ: وأقبل أسد من الختل نحو جبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد قطع إبراهيم بْن عاصم بالسبي وما أصاب فأشرف أسد على النهر وقد أتاه أن خاقان قد سار من سوياب سبع عشرة ليلة، فقام إليه أبو تمام بْن زحر وعبد الرحمن بْن خنفر الأزديان، فقالا: أصلح الله الأمير! إن الله قد أحسن بلاءك في هذه الغزوة فغنمت وسلمت فاقطع هذه النطفة، واجعلها وراء ظهرك فأمر بهما فوجئت رقابهما، وأخرجا من العسكر وأقام يومه.
فلما كان من الغد ارتحل وفي النهر ثلاثة وعشرون موضعا يخوضه الناس، وفي موضع مجتمع ماء يبلغ دفتي السرج، فخاضه الناس، وأمر أن يحمل كل رجل شاة، وحمل هو بنفسه شاة، فقال له عثمان بْن عبد الله بْن مطرف ابن الشخير: إن الذي أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخطر مما تخاف، وقد فرقت الناس وشغلتهم، وقد أظلك عدوك، فدع هذا الشاء لعنة الله عليه، وأمر الناس بالاستعداد فقال أسد: والله لا يعبر رجل ليست معه شاة حتى تفنى هذه الغنم إلا قطعت يده، فجعل الناس يحملون الشاء، الفارس يحملها بين يديه والراجل على عنقه، وخاض الناس ويقال: لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخه فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته، فأمر أسد بالشاء أن تقذف، وخاض الناس، فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدهم، فقتلوا من لم يقطع، وجعل الناس يقتحمون النهر- ويقال كانت المسلحة على الأزد وتميم، وقد خلف ضعفة الناس- وركب أسد النهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها إلى ما وراء النهر، حتى تحمل عليها الأثقال، وأقبل رهج من ناحية الختل، فإذا خاقان، فلما توافى معه صدر من جنده حمل على الأزد وبني تميم فانكشفوا، وركض أسد حتى انصرف إلى معسكره، وبعث إلى أصحاب الأثقال الذين كان سرح أمامه.
أن انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي قَالَ: وأقبل خاقان، فظن المسلمون
(7/115)

أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر، فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الأشكند- وهو يومئذ اصبهبذ نسف- أن يسير في الصف حتى يبلغ أقصاه، ويسأل الفرسان وأهل البصر بالحرب والماء: هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد؟ فكلهم يقول: لا يطاق، حتى انتهى إلى الأشتيخن، فقال:
بلى يطاق، لأنا خمسون الف فارس، فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة رد بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته قَالَ: فضربوا بكوساتهم فظن أسد ومن معه أنه منهم وعيد، فأقحموا دوابهم، فجعلت تنخر أشد النخير، فلما رأى المسلمون اقتحام الترك ولوا إلى العسكر، وعبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرجل دابته، ولا يعرف بعضهم بعضا، فدخل المسلمون عسكرهم وحووا ما كان خارجا، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد، فضربوا وجوه الترك، فأدبروا، وبات أسد، فلما أصبح- وقد كان عبأ أصحابه من الليل تخوفا من غدر خاقان وغدوه عليه، ولم ير شيئا- دعا وجوه الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافية، قَالَ: ما هذه عافية، بل هي بلية، لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح، فما منعه منا اليوم إلا أنه قد وقع في يديه أسراء فأخبروه بموضع الأثقال أمامنا، فترك لقاءنا طمعا فيها فارتحل فبعث أمامه الطلائع، فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين طوقات الترك وأعلاما من اعلام الاشكند، في بشر قليل فسار والدواب مثقلة، فقيل له: انزل أيها الأمير واقبل العافية، قَالَ: وأين العافية فأقبلها! إنما هي بلية وذهاب الأنفس والأموال فلما أمسى أسد صار إلى منزل، فاستشار الناس: أينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافية، وما عسى أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بْن سيار مطرق، فقال أسد: ما لك يا بن سيار مطرقا لا تتكلم! قَالَ: أصلح الله الأمير! خلتان كلتاهما لك، إن تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطعت قحمه لا بد من قطوعها فقبل رأيه وسار يومه كله
(7/116)

قَالَ: ودعا أسد سعيدا الصغير- وكان فارسا مولى باهلة، وكان عالما بأرض الختل- فكتب كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد، فإن خاقان قد توجه إلى ما قبلك، وقال: سر بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل، فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلك، وإن أنت لحقت بالحارث فعلى اسد مثل الذى حلف، ان لم يبع امرأتك الدلال في سوق بلخ وجميع أهل بيتك قَالَ سعيد: فادفع إلي فرسك الكميت الذنوب قَالَ:
لعمري لئن جدت بدمك، وبخلت عليك بالفرس إني للئيم فدفعه إليه، فسار على دابة من جنائبه، وغلامه على فرس له، ومعه فرس أسد يجنبه، فلما حاذى الترك وقد قصدوا الأثقال طلبته طلائعهم، فتحول على فرس أسد، فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب، وتبعه بعض الطلائع- يقال عشرون رجلا- حتى رأوا عسكر إبراهيم، فرجعوا إلى خاقان فأخبروه.
فغدا خاقان على الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقا، فأتاهم وهم قيام عليه، فأمر أهل السغد بقتالهم، فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلا، فقال خاقان: اركبوا، وصعد خاقان تلا فجعل ينظر العورة، ووجه القتال، قَالَ: وهكذا كان يفعل، ينفرد في رجلين أو ثلاثة، فإذا رأى عورة أمر جنوده فحملت من ناحية العورة فلما صعد التل رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة، فدعا بعض قواد الترك، فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة، ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دبر، وأمرهم أن يبدءوا بالأعاجم وأهل الصغانيان، وأن يدعوا غيرهم، فإنهم من العرب، وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم، وقال لهم: إن أقام القوم في خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم، وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دبره عليهم ففعلوا ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه، واحتووا على أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه، وترك المسلمون التعبئة واجتمعوا في موضع، وأحسوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء،
(7/117)

فإذا أسد في جنده قد أتاهم، فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يتعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وأصابوا ما أصابوا، وهو لا يطمع في أسد.
قَالَ: وكان أسد قد أغذ السير، فأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان، وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إليه من بقي ممن كان مع الأثقال، وقد قتل منهم بشر كثير، قتل يومئذ بركة بْن خولى الراسبى وكثير بن أمية ومشيخة من خزاعة وخرجت امرأة صغان خذاه إلى أسد، فبكت زوجها، فبكى أسد معها حتى علا صوته، ومضى خاقان يقود الأسراء من الجند في الأوهاق ويسوق الإبل موقرة والجواري.
قَالَ: وكان مصعب بْن عمرو الخزاعي ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا على مواقفتهم، فكفهم أسد، وقال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الريح واستكلبوا، فلا تعرضوا لهم وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث بْن سريج فأمره فنادى: يا أسد، أما كان لك فيما وراء النهر مغزى! إنك لشديد الحرص، قد كان لك عن الختل مندوحة، وهي أرض آبائي وأجدادي فقال أسد:
كان ما رأيت، ولعل الله أن ينتقم منك قَالَ كورمغانون- وكان من عظماء الترك: لم أر يوما كان أحسن من يوم الأثقال، قيل له: وكيف ذلك؟
قَالَ: أصبت أموالا عظيمة، ولم أر عدوا أسمج من أسراء العرب، يعدو أحدهم فلا يكاد يبرح مكانه.
وقال بعضهم: سار خاقان إلى الأثقال، فارتحل أسد، فلما أشرف على الظهر، ورأى المسلمين الترك فامتنعوا، وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا، فأتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم، فأسروا أولادهم.
قَالَ: فأردف كل رجل منهم وصيفا أو وصيفة، ثم أقبلوا إلى عسكر أسد عند مغيب الشمس قَالَ: وسار أسد بالناس، حتى نزل مع الثقل.
وصبحوا أسدا من الغد، وذلك يوم الفطر، فكادوا يمنعونهم من الصلاة.
ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلخ، فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم
(7/118)

تفرق الناس في الدور، ودخل المدينة، ففي هذه الغزاة قيل له بالفارسية:
أز ختلان آمديه ... برو تباه آمديه
آبار باز آمديه ... خشك نزار آمديه
قَالَ: وكان الحارث بْن سريج بناحية طخارستان، فانضم إلى خاقان، فلما كان ليلة الأضحى قيل لأسد: إن خاقان نزل جزة، فأمر بالنيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرساتيق إلى مدينة بلخ، فأصبح أسد فصلى وخطب الناس، وقال: إن عدو الله الحارث بْن سريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله، ويبدل دينه، والله مذله إن شاء الله وإن عدوكم الكلب أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله وقال: إنه بلغني أن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله، وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لربكم، وأخلصوا له الدعاء ففعلوا ثم رفعوا رءوسهم، وهم لا يشكون في الفتح، ثم نزل عن المنبر وضحى وشاور الناس في المسير إلى خاقان، فقال قوم: أنت شاب، ولست ممن تخوف من غارة، على شاة ودابة تخاطر بخروجك قَالَ: والله لأخرجن، فإما ظفر وإما شهادة.
ويقال: أقبل خاقان، وقد استمد من وراء النهر واهل طخارستان وجبغويه الطخاري بملوكهم وشاكريتهم بثلاثين ألفا، فنزلوا خلم، وفيها مسلحة، عليها أبو العوجاء بْن سعيد العبدي، فناوشهم فلم يظفروا منه بشيء، فساروا على حاميتهم في طريق فيروز بخشين من طخارستان فكتب أبو العوجاء إلى أسد بمسيرهم قَالَ: فجمع الناس، فأقرأهم كتاب أبي العوجاء وكتاب الفرافصة صاحب مسلحة جزة بعد مرور خاقان به، فشاور أسد الناس، فقال قوم: تأخذ بأبواب مدينة بلخ، وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده وقال آخرون: تأخذ في طريق زم، وتسبق خاقان إلى مرو.
وقال قوم: بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم، فوافق قولهم رأي أسد
(7/119)

وما كان عزم عليه من لقائهم ويقال: إن خاقان حين فارق أسدا، ارتفع حتى صار بأرض طخارستان عند جبغويه، فلما كان وسط الشتاء أقبل فمر بجزة، وصار إلى الجوزجان وبث الغارات، وذلك أن الحارث بْن سريج أخبره أنه لا نهوض بأسد، وأنه لم يبق معه كبير جند، فقال البختري ابن مجاهد مولى بني شيبان: بل بث الخيول حتى تنزل الجوزجان فلما بث الخيل، قَالَ له البختري: كيف رأيت رأيي؟ قَالَ: وكيف رأيت صنع الله عز وجل حين أخذ برأيك! فأخذ أسد من جبلة بْن أبي رواد عشرين ومائة ألف درهم، وأمر للناس بعشرين عشرين، ومعه من الجنود من أهل خراسان وأهل الشام سبعة آلاف رجل، واستخلف على بلخ الكرماني بْن علي، وأمره ألا يدع أحدا يخرج من مدينتها، وإن ضرب الترك باب المدينة فقال له نصر بْن سيار الليثي والقاسم بْن بخيت المراغي من الأزد وسليم بْن سليمان السلمي وعمرو بْن مسلم بْن عمرو ومحمد بْن عبد العزيز العتكي وعيسى الأعرج الحنظلي والبختري بْن أبي درهم البكري وسعيد الأحمر وسعيد الصغير مولى باهلة:
أصلح الله الأمير، ائذن لنا في الخروج، ولا تهجن طاعتنا فأذن لهم ثم خرج فنزل بابا من أبواب بلخ وضربت له قبة، فازتان، وألصق إحداهما بالأخرى، وصلى بالناس ركعتين طولهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس:
ادعوا الله، وأطال في الدعاء، ودعا بالنصر، وأمن الناس على دعائه، فقال:
نصرتم ورب الكعبة! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله، ثلاث مرات، ثم نادى مناديه: برئت ذمة الله من رجل حمل امرأة ممن كان من الجند، قالوا: إن أسدا إنما خرج هاربا، فخلف أم بكر أم ولده وولده، فنظر فإذا جارية على بعير، فقال: سلوا لمن هذه الجارية؟
فذهب بعض الأساورة فسأل ثم رجع، فقال: لزياد بْن الحارث البكري- وزياد جالس- فقطب اسد، وقال: لا تنتهون حتى أسطو بالرجل منكم يكرم علي، فأضرب ظهره وبطنه، فقال زياد: إن كانت لي فهى حره،
(7/120)

لا والله أيها الأمير ما معي امرأة، فإن هذا عدو حاسد.
وسار أسد، فلما كان عند قنطرة عطاء، قَالَ لمسعود بْن عمرو الكرماني، وهو يومئذ خليفة الكرماني على الأزد: ابغني خمسين رجلا ودابة أخلفهم على هذه القنطرة، فلا تدع أحدا ممن جازها أن يرجع إليها، فقال مسعود: ومن أين أقدر على خمسين رجلا! فأمر به فصرع عن دابته، وأمر بضرب عنقه، فقام إليه قوم فكلموه فكف عنه، فلما جاز القنطرة نزل منزلا، فأقام فيه حتى أصبح، وأراد المقام يومه، فقال له العذافر بْن زيد: ليأتمر الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس قَالَ: فأمر بالرحيل وقال: لا حاجة لنا إلى المتخلفين، ثم ارتحل، وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائه، فلقى ثلاثمائه من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة منهم معه، وهرب بقيتهم، فأتى به أسد قَالَ: فبكى التركي، قَالَ: ما يبكيك؟ قَالَ:
لست أبكي لنفسي، ولكني أبكي لهلاك خاقان، قَالَ: كيف؟ قَالَ: لأنه قد فرق جنوده فيما بينه وبين مرو.
قَالَ: وسار أسد، حتى نزل السدرة- قرية ببلخ- وعلى خيل أهل العالية ريحان بْن زياد العامري العبدلي من بني عبد الله بْن كعب قَالَ:
فعزله، وصير على أهل العالية منصور بْن سالم، ثم ارتحل من السدرة، فنزل خريستان، فسمع أسد صهيل فرس، فقال: لمن هذا؟ فقيل: للعقار بْن ذعير، فتطير من اسمه واسم أبيه، فقال: ردوه، قَالَ: إني مقتول بجراتى على الترك، قَالَ: أسد: قتلك الله! ثم سار حتى إذا شارف العين الحارة استقبله بشر بْن رزين- أو رزين بْن بشر- فقال بشارة ورزانة، ما وراءك يا رزين؟ قَالَ: إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قَالَ: قل للمقدام بْن عبد الرحمن يطاول رمحى، فسار فنزل من مدينة الجوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا وقد تراءت الخيلان، فقال خاقان للحارث: من هذا؟ فقال: هذا محمد ابن المثنى ورأيته، ويقال: إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرته أن رهجا
(7/121)

ساطعا طلع من قبل بلخ، فدعا خاقان الحارث، فقال: ألم تزعم أن أسدا ليس به نهوض! وهذا رهج قد أقبل من ناحية بلخ، قَالَ الحارث: هذا اللص الذي كنت قد أخبرتك أنه من أصحابي فبعث خاقان طلائع، فقال:
انظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسي؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرة والكراسي، وهذا أسد قد أتاك فسار أسد غلوة فلقيه سالم بْن جناح، فقال: أبشر أيها الأمير، قد حزرتهم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله فقال المجشر بْن مزاحم، وهو يسايره: أنزل أيها الأمير رجالك، فضرب وجه دابته، وقال: لو أطعت يا مجشر ما كنا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد، وقال: يا أهل الصباح، انزلوا، فنزلوا وقربوا دوابهم، وأخذوا النبل والقسي.
قَالَ: وخاقان في مرج قد بات فيه تلك الليلة.
قَالَ: وقال عمرو بْن أبي موسى: ارتحل أسد حين صلى الغداة، فمر بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشبورقان قَالَ: وقصور الجوزجان إذ ذاك ذليلة قَالَ: وأتاه المقدام بْن عبد الرحمن بْن نعيم الغامدي في مقاتلته وأهل الجوزجان- وكان عاملها- فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، وقال للجوزجان بْن الجوزجان: سر معي، وكان على التعبئه القاسم بن بخيت المراغي، فجعل الأزد وبني تميم والجوزجان بْن الجوزجان وشاكريته ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بْن عمرو الخزاعي، وأهل قنسرين عليهم صغراء بْن أحمر، وجعل ربيعة ميسرة، عليهم يحيى بْن حضين، وضم إليهم أهل حمص عليهم جعفر بن حنظلة البهراني، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حمير، وعلى المقدمة منصور بْن مسلم البجلي، وأضاف إليهم أهل دمشق عليهم حملة بْن نعيم الكلبي، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد.
قَالَ: وعبى خاقان الحارث بن سريج واصحابه وملك السغد وصاحب الشاش وخرابغره أبا خاناخره، جد كاوس وصاحب الختل جبغويه، والترك
(7/122)

كلهم ميمنة فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من أهل السغد والبابية وغيرهم على الميسرة، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشام، فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد، فشدت عليهم الميمنة- وهم الأزد وبنو تميم والجوزجان- فما وصلوا إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جميعا، فقال أسد: اللهم إنهم عصوني فانصرهم، وذهب الترك في الأرض عباديد لا يلوون على أحد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه، حتى انتهوا إلى أغنامهم، فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومائة ألف شاة ودواب كثيرة وأخذ خاقان طريقا غير الجادة في الجبل، والحارث بْن سريج يحميه، ولحقهم أسد عند الظهر ويقال: لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فأمر أسد برواقه فرفع، فقال رجل من بني قيس بْن ثعلبة: يا أهل الشام، أهكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الأبنية! فأمر به فحط، وهاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يدعون الله ويكبرون واقبل خاقان في قريب من أربعمائة فارس عليهم الحمرة، وقال لرجل يقال له سوري:
إنما أنت ملك الجوزجان إن أسلمت العرب، فمن رايت من اهل الجوزجان موليا فاقتله وقال الجوزجان لعثمان بْن عبد الله الشخير: إني لأعلم ببلادي وطرقها، فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت؟ قَالَ:
ما هو؟ قَالَ: تتبعني، قَالَ: نعم، فأخذ طريقا يسمى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف وقد شبت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصراف، ثم ضربت الثانية فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابن الشخير والجوزجان على الطوقات، وولى خاقان مدبرا منهزما، فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلي ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك، ووحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بْن سريج قَالَ: ولم يعلم الناس أنه
(7/123)

خاقان، ووجد عسكر الترك مشحونا من كل شيء من آنية الفضة وصناجات الترك وأراد الخصي أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرك، فأخذوا خفها وهو من لبود مضرب.
قَالَ: فبعث أسد بجواري الترك إلى دهاقين خراسان، واستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين قَالَ: وأقام أسد خمسة أيام قَالَ: فكانت الخيول التي فرق تقبل فيصيبهم أسد، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلخ يوم التاسع من خروجه، فقال ابن السجف المجاشعي:
لو سرت في الأرض تقيس الأرضا ... تقيس منها طولها والعرضا
لم تلق خيرا مرة ونقضا ... من الأمير أسد وامضى
أفضى إلينا، الخير حين أفضى ... وجمع الشمل وكان رفضا
ما فاته خاقان إلا ركضا ... قد فض من جموعه ما فضا
يا بن سريج قد لقيت حمضا ... حمضا به يشفى صداع المرضى
قَالَ: وارتحل أسد، فنزل جزة الجوزجان من غد، وخاقان بها، فارتحل هاربا منه وندب أسد الناس، فانتدب ناس كثير من أهل الشام وأهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بْن حنظلة البهراني، فساروا ونزلوا مدينة تسمى ورد من أرض جزة، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر- ويقال:
أصابهم الثلج- فرجعوا ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخاري، وانصرف البهراني إلى أسد، ورجع أسد إلى بلخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرو الروذ منصرفة لتغير على بلخ، فقتلوا من قدروا عليه منهم، وكان الترك قد بلغوا بيعة مرو الروذ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف درع، فلما صار ببلخ أمر الناس بالصوم لافتتاح الله عليهم.
قَالَ: وكان أسد يوجه الكرماني في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك، ومضى خاقان إلى طخارستان العليا،
(7/124)

فأقام عند جبغويه الخزلخى تعززا به، وأمر بصنيعة الكوسات، فلما جفت وصلحت أصواتها ارتحل إلى بلاده، فلما ورد شروسنة، تلقاه خرابغره ابو خاناخره، جد كاوس أبي أفشين باللعابين، وأعد له هدايا ودواب له ولجنده- وكان الذي بينهما متباعدا- فلما رجع منهزما أحب أن يتخذ عنده يدا، فأتاه بكل ما قدر عليه ثم أتى خاقان بلاده، وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث بْن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون، وفرق براذين في قواد الترك، فلاعب خاقان يوما كورصول بالنرد على خطر تدرجة، فقمر كورصول الترقشي، فطلب منه التدرجة، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر، فتنازعا، فكسر كورصول يد خاقان، فحلف خاقان ليكسرن يد كورصول، وبلغ كورصول، فتنحى وجمع جمعا من أصحابه، فبيت خاقان فقتله، فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجردا، فأتاه زريق بْن طفيل الكشاني وأهل بيت الحموكيين- وهم من عظماء الترك- فحمله ودفنه، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل.
فتفرقت الترك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشاش، فعند ذلك طمع أهل السغد في الرجعة إليها قال: فلم يسلم من خيل الترك التي تفرقت في الغارات إلا زر بْن الكسي، فإنه سلم حتى صار إلى طخارستان، وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيف بْن وصاف العجلي على فرس، فسار حتى نزل الشبورقان قَالَ: وفيها إبراهيم بْن هشام مسلحة، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بْن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدقه، وقال للربيع حاجبه: ويحك! إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامه الكبرى إذا كان صادقا، ولا أراه صادقا، اذهب فعده ثم سله عما يقوله وأتني بما يقول.
فانطلق إليه ففعل الذي أمره به، فأخبره بالذي أخبر به هشاما قَالَ: فدخل عليه أمر عظيم، فدعا به بعد، فقال: من القاسم بْن بخيت منكم؟ قَالَ:
ذلك صاحب العسكر، قَالَ: فإنه قد أقبل، قَالَ: فإن كان قد أقبل فقد
(7/125)

فتح الله على أمير المؤمنين- وكان أسد وجهه حين فتح الله عليه- فأقبل القاسم بْن بخيت، فكبر على الباب، ثم دخل يكبر وهشام يكبر لتكبيره، حتى انتهى إليه، فقال: الفتح يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر، وهي واحدة عندهم قَالَ: فحسدت القيسية أسدا وخالدا، وأشاروا على هشام أن يكتب إلى خالد بْن عبد الله، فيأمر أخاه أن يوجه مقاتل بْن حيان، فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بْن حيان على رءوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فأخبره بالذي عاينت وقل الحق، فإنك لا تقول غير الحق إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك.
قالوا: إذا لا يأخذ شيئا، قَالَ: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا وكذا، وجهزه.
فسار فقدم على هشام بْن عبد الملك وهو والأبرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الختل، فأصبنا أمرا عظيما، وانذر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا واستنقذوا من غنائمنا، واستباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعة قريبا من خلم، فانتهى الناس الى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدو، فسار بنا حتى التقينا برستاق بيننا وبين أرض الجوزجان، فقاتلناهم وقد حازوا ذراري من ذراري المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان، فأجلى عنه- وهشام متكئ فاستوى جالسا عند ذكره عسكر خاقان- فقال ثلاثا: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قَالَ: نعم، قَالَ: ثم ماذا؟ قال: دخلوا الختل وانصرفوا.
قَالَ هشام: إن أسدا لضعيف، قَالَ: مهلا يا أمير المؤمنين، ما أسد بضعيف وما أطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتك؟ قَالَ: إن يزيد بْن المهلب أخذ من أبي حيان مائة ألف درهم بغير حق، فقال له هشام:
لا أكلفك شاهدا، احلف بالله إنه كما قلت، فحلف، فردها عليه من بيت
(7/126)

مال خراسان، وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها، فكتب إليه، فأعطاه أسد مائة ألف درهم، فقسمها بين ورثة حيان على كتاب الله وفرائضه.
ويقال: بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقا أعطي مائة ألف درهم.
وكان الذي جاء بفتح خراسان إلى مرو عبد السلام بْن الأشهب بْن عتبة الحنظلي قَالَ: فأوفد أسد إلى خالد بْن عبد الله وفدا في هزيمته يوم سان، ومعهم طوقات خاقان ورءوس من قتلوا منهم، فأوفدهم خالد إلى هشام، فأحلفهم أنهم صدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال أبو الهندي الأسدي لأسد يذكر وقعة سان:
أبا منذر رمت الأمور فقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم
فما كان ذو رأي من الناس قسته ... برأيك إلا مثل رأي البهائم
أبا منذر لولا مسيرك لم يكن ... عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم
ولا حج بيت الله- مذ حج- راكب ... ولا عمر البطحاء بعد المواسم
فكم من قتيل بين سان وجزة ... كثير الأيادي من ملوك قماقم
تركت بأرض الجوزجان تزوره ... سباع وعقبان لحز الغلاصم
وذي سوقة فيه من السيف خطة ... به رمق حامت عليه الحوائم
فمن هارب منا ومن دائن لنا ... أسير يقاسي مبهمات الأداهم
فدتك نفوس من تميم وعامر ... ومن مضر الحمراء عند المآزم
هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت ... جلائبه ترجو احتواء المغانم
قَالَ: وكان السبل أوصى عند موته ابن السائجى حين استخلفه بثلاث خصال، فقال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي التي كانت عليهم،
(7/127)

فإني ملك ولست بملك، إنما أنت رجل منهم، فلا يحتملون لك ما يحتملون للملوك، ولا تدع أن تطلب الجيش حتى ترده إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي والملوك هم النظام، والناس ما لم يكن لهم نظام طغام، ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم كل حيلة تدفعونهم بها عن أنفسكم ما قدرتم فقال له ابن السائجى: أما ما ذكرت من تركي الاستطالة على أهل الختل فإني قد عرفت ذلك، وأما ما أوصيت من رد الجيش فقد صدق الملك، وأما قولك: لا تحاربوا العرب، فكيف تنهى عن حربهم، وقد كنت أكثر الملوك لهم محاربة! قَالَ: قد أحسنت إذ سألت عما لا تعلم، إني قد جربت قوتكم بقوتي، فلم أجدكم تقعون مني موقعا، فكنت إذا حاربتهم لم أفلت منهم إلا جريضا، وإنكم إن حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم.
قال وكان الجيش، قد هرب إلى الصين، وابن السائجى الذي أخبر أسد بْن عبد الله بمسير خاقان اليه، فكره محاربه اسد.

ذكر الخبر عن مقتل المغيره بن سعيد ونفر معه
وفي هذه السنة خرج المغيرة بْن سعيد وبيان في نفر، فأخذهم خالد فقتلهم.
ذكر الخبر عن مقتلهم:
أما المغيرة بْن سعيد، فإنه كان- فيما ذكر- ساحرا حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا جرير، عن الأعمش، قَالَ: سمعت المغيرة بْن سعيد، يقول:
لو أردت ان احيى عادا او ثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا لأحييتهم قَالَ الأعمش:
وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلم، فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام.
وذكر أبو نعيم، عن النضر بْن محمد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليلى، قَالَ: قدم علينا رجل من أهل البصرة يطلب العلم، فكان عندنا، فأمرت جاريتي يوما أن تشتري لي سمكا بدرهمين، ثم انطلقت أنا
(7/128)

والبصري إلى المغيرة بْن سعيد، فقال لي: يا محمد، أتحب أن أخبرك، لم افترق حاجباك؟ قلت: لا، قَالَ أفتحب أن أخبرك لم سماك أهلك محمدا؟ قلت:
لا، قَالَ: أما إنك قد بعثت خادمك يشتري لك سمكا بدرهمين قَالَ:
فنهضنا عنه قَالَ أبو نعيم: وكان المغيرة قد نظر في السحر، فأخذه خالد القسري فقتله وصلبه.
وذكر أبو زيد أن أبا بكر بْن حفص الزهري، قَالَ: أخبرني محمد بْن عقيل، عن سعيد بن مردابند، مولى عمرو بْن حريث، قَالَ: رأيت خالدا حين أتى بالمغيرة وبيان في ستة رهط أو سبعة، أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان قصب ونفط فأحضرا، ثم أمر المغيرة أن يتناول طنا فكع عنه وتأنى، فصبت السياط على رأسه، فتناول طنا فاحتضنه، فشد عليه، ثم صب عليه وعلى الطن نفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم أمر الرهط ففعلوا، ثم أمر بيانا آخرهم فقدم إلى الطن مبادرا فاحتضنه، فقال خالد: ويلكم! في كل أمر تحمقون، هلا رأيتم هذا المغيرة! ثم أحرقه.
قَالَ أبو زيد: لما قتل خالد المغيرة وبيانا أرسل إلى مالك بْن أعين الجهني فسأله فصدقه عن نفسه، فأطلقه، فلما خلا مالك بمن يثق به- وكان فيهم أبو مسلم صاحب خراسان- قَالَ:
ضربت له بين الطريقين لاحبا ... وطنت عليه الشمس فيمن يطينها
وألقيته في شبهة حين سالني ... كما اشتبها في الخط سين وشينها
فقال أبو مسلم حين ظهر أمره: لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه.
قَالَ أحمد بْن زهير، عن علي بْن محمد، قَالَ: خرج المغيرة بْن سعيد في سبعة نفر، وكانوا يدعون الوصفاء، وكان خروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسري بخروجهم وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماء، فنعى ذلك عليه ابن نوفل، فقال:
أخالد لا جزاك الله خيرا ... وأير في أمك من أمير
(7/129)

تمنى الفخر في قيس وقسر ... كأنك من سراة بني جرير
وأمك علجة وأبوك وغد ... وما الاذناب عدلا للصدور
جرير من ذوي يمن أصيل ... كريم الأصل ذو خطر كبير
وأنت زعمت انك من يزيد ... وقد ادحقتم دحق العبور
وكنت لدى المغيرة عبد سوء ... تبول من المخافة للزئير
وقلت لما أصابك: أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ليس بذي نصير.

خبر مقتل بهلول بن بشر
وفي هذه السنة حكم بهلول بْن بشر الملقب كثارة فقتل.
ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله:
ذكر أبو عبيدة معمر بْن المثنى أن بهلولا كان يتأله، وكان له قوت دانق، وكان مشهورا بالبأس عند هشام بْن عبد الملك، فخرج يريد الحج، فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم، فجاءه غلامه بخمر، فامر بردها وأخذ الدراهم، فلم يجب إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية- وهي من السواد- فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك، فمضى بهلول في حجه حتى فرغ منه، وعزم على الخروج على السلطان، فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمع بها أربعون رجلا، وأمروا عليهم البهلول، وأجمعوا على ألا يمروا بأحد إلا أخبروه أنهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، ووجههم إلى خالد لينفذهم في أعمالهم، فجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه بذلك وأخذوا دواب من دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي كان ابتاع فيها الغلام الخل فأعطي خمرا، قَالَ بهلول: نبدأ بهذا العامل الذي قَالَ ما قَالَ، فقال له أصحابه: نحن نريد قتل خالد، فان
(7/130)

بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره، فننشدك الله ان تقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد، ويبني البيع والكنائس، ويولي المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلنا نقتله فيريح الله منه قَالَ:
والله لا أدع ما يلزمني لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا الذي قَالَ لي ما قَالَ وأدرك خالدا فاقتله، وإن تركت هذا وأتيت خالدا شهر أمرنا فأفلت هذا، وقد قَالَ الله عز وجل: «قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» ، قالوا: أنت ورأيك فأتاه فقتله، فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطريق هرابا، وخرجت البرد إلى خالد فأخبروه أن خارجة قد خرجت، وهم لا يدرون حينئذ من رئيسهم.
فخرج خالد من واسط حتى اتى الحيرة وهو حينئذ في الحلق، وقد قدم في تلك الأيام قائد من أهل الشام من بني القين في جيش قد وجهوا مددا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلك قصدها خالد، فدعا رئيسهم فقال: قاتل هؤلاء المارقة، فإن من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما قبض بالشام، وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند- وكان الخروج إلى أرض الهند شاقا عليهم- فسارعوا إلى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النفر ونرجع إلى بلادنا فتوجه القينى اليهم في ستمائه، وضم إليهم خالد مائتين من شرط الكوفة، فالتقوا على الفرات، فعبأ القيني أصحابه، وعزل شرط الكوفة، فقال: لا تكونوا معنا- وإنما يريد في نفسه أن يخلو هو وأصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد- وخرج إليهم بهلول، فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكر له، ومعه لواء أسود، فحمل عليه فطعنه في فرج درعه، فأنفذه فقال: قتلتني قتلك الله! فقال بهلول: إلى النار أبعدك الله.
وولى أهل الشام مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا باب الكوفة، وبهلول وأصحابه يقتلونهم فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه، وأما شرط الكوفة فإنه لحقهم، فقالوا: اتق الله فينا فانا مكرهون مقهورون،
(7/131)

فجعل يقرع رءوسهم بالرمح، ويقول: الحقوا! النجاء النجاء! ووجد البهلول مع القيني بدرة فأخذها وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأي البهلول، فخرجوا إليه يريدون اللحاق به فقتلوا، وخرج إليهم البهلول وحمل البدرة بين يديه، فقال: من قتل هؤلاء النفر حتى أعطيه هذه الدراهم؟ فجعل هذا يقول: أنا، وهذا يقول:
أنا، حتى عرفهم، وهم يرون أنه من قبل خالد جاء ليعطيهم مالا لقتلهم من قتلوا فقال بهلول لأهل القرية: أصدق هؤلاء، هم قتلوا النفر؟ قالوا:
نعم، وخشي بهلول أنهم ادعوا ذلك طمعا في المال، فقال لأهل القرية:
انصرفوا أنتم، وأمر بأولئك فقتلوا، وعاب عليه أصحابه فحاجهم، فأقروا له بالحجة وبلغت هزيمة القوم خالدا وخبر من قتل من أهل صريفين، فوجه قائدا من بني شيبان أحد بني حوشب بْن يزيد بْن رويم، فلقيهم فيما بين الموصل والكوفة، فشد عليهم البهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فإني جانح مستجير! فكف عنه، وانهزم أصحابه، فأتوا خالدا وهو مقيم بالحيرة ينتظر، فلم يرعه إلا الفل قد هجم عليه، فارتحل البهلول من يومه يريد الموصل، فخافه عامل الموصل، فكتب إلى هشام: إن خارجة خرجت فعاثت وأفسدت، وأنه لا يأمن على ناحيته، ويسأله جندا يقاتلهم به، فكتب إليه هشام: وجه إليهم كثارة بْن بشر- وكان هشام لا يعرف البهلول إلا بلقبه- فكتب إليه العامل: إن الخارج هو كثارة.
قَالَ: ثم قَالَ البهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا- يعني خالدا- وما خرجت إلا لله، فلم لا نطلب الرأس الذي يسلط خالدا وذوي خالد! فتوجه يريد هشاما بالشام، فخاف عمال هشام موجدته إن تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهى الى الشام، فجند له خالد جندا من أهل العراق، وجند له عامل الجزيرة جندا من أهل الجزيرة، ووجه إليه هشام جندا من أهل الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول حتى انتهى
(7/132)

إليهم- ويقال: التقوا بالكحيل دون الموصل- فأقبل بهلول، فنزل على باب الدير، فقالوا له: تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك، فتنحى وخرجوا، فلما رأى كثرتهم وهو في سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثم أقبل عليهم فقال: أكلكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتي بلده وأهله سالما؟ قالوا: إنا نرجو ذلك إن شاء الله، فشد على رجل منهم فقتله، فقال: أما هذا فلا يأتي أهله أبدا، فلم يزل ذلك ديدنه حتى قتل منهم ستة نفر، فانهزموا، فدخلوا الدير فحاصرهم، وجاءتهم الأمداد فكانوا عشرين ألفا، فقال له أصحابه: ألا نعقر دوابنا، ثم نشد عليهم شدة واحدة؟ فقال: لا تفعلوا حتى نبلي الله عذرا ما استمسكنا على دوابنا، فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل والجراح.
ثم ان بهلولا وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا، وأصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا فيهم، فقتل عامة أصحاب بهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، وحمل عليه رجل من جديلة قيس يكنى أبا الموت، فطعنه فصرعه، فوافاه من بقي من أصحابه، فقالوا له: ول أمرنا من بعدك من يقوم به، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني، فإن هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكري، وكان أبو الموت إنما ختل البهلول ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم، فقال رجل من شعرائهم:
لبئس أمير المؤمنين دعامة ... دعامة في الهيجاء شر الدعائم
وقال الضحاك بْن قيس يرثي بهلولا، ويذكر أصحابه:
بدلت بعد أبي بشر وصحبته ... قوما علي مع الأحزاب أعوانا
كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا
يا عين أذري دموعا منك تهتانا ... وابكي لنا صحبة بانوا وإخوانا
خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا
قَالَ أبو عبيدة: 4 لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل ثم
(7/133)

4 خرج العنزي صاحب الأشهب- وبهذا كان يعرف- على خالد في ستين، فوجه إليه خالد السمط بْن مسلم البجلي في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات، فشد العنزي على السمط، فضربه بين أصابعه فألقى سيفه، وشلت يده، وحمل عليهم فانهزمت الحرورية فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم، فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
4 قَالَ أبو عبيدة: 4 ثم خرج وزير السختياني على خالد في نفر، وكان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا أحد إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه اليه خالد قائدا من أصحابه وشرطا من شرط الكوفة، فقاتلوه وهو في نفير، فقاتل حتى قتل عامة أصحابه، وأثخن بالجراح، فأخذ مرتثا، فأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، وتلا عليه آيات من القرآن فأعجب خالدا ما سمع منه، فأمسك عن قتله وحبسه عنده، وكان لا يزال يبعث إليه في الليالي فيؤتى به فيحادثه ويسائله، فبلغ ذلك هشاما وسعى به إليه، وقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال، فاستبقاه فاتخذه سميرا فغضب هشام، وكتب إلى خالد يشتمه، ويقول: لا تستبق فاسقا قتل وحرق، وأباح الأموال، فكان خالد يقول:
إني أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته فكتب فيه إلى هشام يرقق من أمره- ويقال: بل لم يكتب ولكنه كان يؤخر أمره ويدفع عنه- حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله وإحراقه، فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخذوا معه، فامر بهم فادخلوا المسجد، وأدخلت أطنان القصب فشدوا فيها، ثم صب عليهم النفط، ثم أخرجوا فنصبوا في الرحبة، ورموا بالنيران، فما منهم أحد إلا من اضطراب وأظهر جزعا، إلا وزيرا فإنه لم يتحرك، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.
وفي هذه السنة غزا أسد بْن عبد الله الختل وفيها قتل اسد بدرطاخان ملك الختل
(7/134)

ذكر الخبر عن غزوة أسد الختل هذه الغزوة وسبب قتله بدر طرخان
ذكر علي بْن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل انهم قالوا: غزا اسد ابن عبد الله الختل وهي غزوة بدر طرخان، فوجه مصعب بْن عمرو الخزاعي إليها، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدر طرخان، فطلب الأمان على أن يخرج إلى أسد فأجابه مصعب، فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء فامتنع، ثم ساله بدر طرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم، فقال له أسد:
إنك رجل غريب من أهل الباميان، اخرج من الختل كما دخلتها فقال له بدر طرخان: دخلت أنت خراسان على عشرة من المحذفة، ولو خرجت منها اليوم لم تستقل على خمسمائة بعير، وغير ذلك أني دخلت الختل بشيء فاردده علي حتى أخرج منها كما دخلتها قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ:
دخلتها شابا فكسبت المال بالسيف، ورزق الله أهلا وولدا، فاردد علي شبابي حتى أخرج منها، هل ترى أن أخرج من أهلي وولدي! فما بقائي بعد أهلي وولدي! فغضب أسد.
قَالَ: وكان بدر طرخان يثق بالأمان، فقال له أسد: اختم في عنقك، فإني أخاف عليك معرة الجند، قَالَ: لست أريد ذلك، وأنا أكتفي من قبلك برجل يبلغ بي مصعبا فأبى أسد إلا أن يختم في عنقه، فختم في رقبته ودفعه إلى أبي الأسد مولاه، فسار به أبو الأسد، فانتهى إلى عسكر المصعب عند المساء وكان سلمة بْن أبي عبد الله في الموالي مع مصعب، فوافى أبو الأسد سلمة، وهو يضع الدراجة في موضعها، فقال سلمة لأبي الأسد: ما صنع الأمير في امر بدر طرخان؟ فقص الذى عرض عليه بدر طرخان وإباء أسد ذلك، وسرحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن، فقال سلمة: إن الأمير لم يصب
(7/135)

فيما صنع، وسينظر في ذلك ويندم، إنما كان ينبغي له أن يقبض ما عرض عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه، فإنا إنما دخلناه بقناطر اتخذناها، ومضايق أصلحناها، وكان يمنعه أن يغير علينا رجاء الصلح، فإما إذ يئس من الصلح فإنه لا يدع الجهد فدعه الليلة في قبتي، ولا تنطلق به إلى مصعب، فإنه ساعة ينظر إليه يدخله حصنه.
قال: فأقام ابو الأسد وبدر طرخان معه في قبة سلمة، وأقبل أسد بالناس في طريق ضيق، فتقطع الجند، ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطش- ولم يكن أحد من خدمه- فاستسقى، وكان السغدي بْن عبد الرحمن ابو طعمه الحزمي معه شاكري له، ومع الشاكري قرن تبتي، فأخذ السغدي القرن، فجعل فيه سويقا، وصب عليه ماء من النهر، وحركه وسقى أسدا وقوما من رؤساء الجند، فنزل أسد في ظل شجرة، ودعا برجل من الحرس، فوضع رأسه في فخذه، وجاء المجشر بْن مزاحم السلمي يقود فرسه حتى قعد تجاهه حيث ينظر أسدا، فقال أسد: كيف أنت يا أبا العدبس؟ قَالَ:
كنت أمس أحسن حالا مني اليوم، قَالَ: وكيف ذاك؟ قَالَ: كان بدر طرخان في أيدينا وعرض ما عرض، فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يده عليه، لكنه خلى سبيله، وأمر بإدخاله حصنه لما عنده- زعم- من الوفاء فندم أسد عند ذلك، ودعا بدليل من أهل الختل ورجل من أهل الشام نافذ، فاره الفرس فأتى بهما، فقال للشامي: إن أنت أدركت بدرطرخان قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم، فتوجها حتى انتهيا إلى عسكر مصعب، فنادى الشامي: ما فعل العلج؟ قيل: عند سلمة، وانصرف الدليل إلى أسد بالخبر، واقام الشامي مع بدرطرخان في قبة سلمه، وبعث اسد الى بدر طرخان فحوله اليه فشتمه، فعرف بدر طرخان أنه قد نقض عهده، فرفع حصاة فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد الله، وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء، وقال:
هذا عهد محمد ص، وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين وعهد المسلمين، فأمر أسد بقطع يده، وقال أسد: من هاهنا من أولياء
(7/136)

ابى فديك رجل من الأزد قتله بدر طرخان، فقام رجل من الأزد فقال:
أنا، قَالَ: اضرب عنقه، ففعل وغلب أسد على القلعة العظمى، وبقيت قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله، فلم يوصل إليهم، وفرق أسد الخيل في أودية الختل.
قَالَ: وقدم أسد مرو، وعليها أيوب بْن أبي حسان التميمي، فعزله واستعمل خالد بْن شديد، ابن عمه فلما شخص إلى بلخ بلغه أن عمارة بْن حريم تزوج الفاضلة بنت يزيد بْن المهلب، فكتب إلى خالد بْن شديد:
احمل عمارة على طلاق ابنة يزيد، فإن أبى فاضربه مائة سوط، فبعث إليه فأتاه وعنده العذافر بْن زيد التميمي، فأمره بطلاقها، ففعل بعد إباء منه، وقال عذافر: عمارة والله فتى قيس وسيدها، وما بها عليه أبهة، أي ليست بأشرف منه فتوفي خالد بْن شديد، واستخلف الاشعث بن جعفر البجلي.

ظهور الصحارى بن شبيب الخارجي
وفيها شرى الصحاري بْن شبيب، وحكم بجبل ذكر خبره:
ذكر عن أبي عبيدة معمر بْن المثنى أن الصحاري بْن شبيب أتى خالدا يسأله الفريضة، فقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة! فودعه ابن شبيب، ومضى، وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فتقا، فأرسل إليه يدعوه، فقال:
أنا كنت عنده آنفا، فأبوا أن يدعوه، فشد عليهم بسيفه، فتركوه فركب وسار حتى جاوز واسطا، ثم عقر فرسه وركب زورقا ليخفي مكانه، ثم قصد إلى نفر من بني تيم اللات بْن ثعلبة، كانوا بجبل، فأتاهم متقلدا سيفا فأخبرهم خبره وخبر خالد، فقالوا له: وما كنت ترجو بالفريضة! كنت لأن تخرج إلى ابن النصرانية فتضربه بسيفك أحرى فقال: إني والله ما اردت
(7/137)

الفريضة، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني، ثم أقتل ابن النصرانية غيلة بقتله فلانا- وكان خالد قبل ذلك قد قتل رجلا من قعدة الصفرية صبرا- ثم دعاهم الصحاري إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم، وقال بعضهم:
ننتظر، وأبى بعضهم وقالوا: نحن في عافية، فلما رأى ذلك قَالَ:
لم أرد منه الفريضة إلا ... طمعا في قتله أن أنالا
فأريح الأرض منه وممن ... عاث فيها وعن الحق مالا
كل جبار عنيد أراه ... ترك الحق وسن الضلالا
إنني شار بنفسي لربي ... تارك قيلا لديهم وقالا
بائع أهلي ومالي أرجو ... في جنان الخلد أهلا ومالا
قال: فبايعه نحو من ثلاثين، فشرى بجبل، ثم سار حتى أتى المبارك.
فبلغ ذلك خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه ثم وجه اليه خالد جندا، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع أصحابه.
قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنه ابو شاكر مسلمه بن هشام ابن عبد الملك، وحج معه ابن شهاب الزهري في هذه السنة.
وَكَانَ العامل فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْمَدِينَة ومكة والطائف محمد بْن هشام، وعلى العراق والمشرق خالد بْن عبد الله القسري، وعامل خالد على خراسان أخوه أسد بْن عبد الله.
وقد قيل: إن أخا خالد أسدا هلك في هذه السنة، واستخلف عليها جعفر بْن حنظلة البهراني.
وقيل: إن أسدا أخا خالد بْن عبد الله إنما هلك في سنة عشرين ومائة.
وكان على أرمينية وأذربيجان مروان بْن محمد.
(7/138)

ثم دخلت

سنة عشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك غزوة سليمان بْن هشام بْن عبد الملك الصائفه وافتتاحه- فيما ذكر- سندرة، وغزوة إسحاق بْن مسلم العقيلي وافتتاحه قلاع تومانشاه وتخريبه أرضه، وغزوة مروان بن محمد ارض الترك.

خبر وفاه اسد بن عبد الله القسرى
وفيها كانت وفاة أسد بْن عبد الله في قول المدائني.
ذكر الخبر عن سبب وفاته:
وكان سبب ذلك أنه كانت به- فيما ذكر- دبيلة في جوفه، فحضر المهرجان وهو ببلخ، فقدم عليه الأمراء والدهاقين، فكان ممن قدم عليه إبراهيم بْن عبد الرحمن الحنفي عامله على هراة وخراسان، ودهقان هراة، فقد ما بهدية قومت بألف ألف، فكان فيما قدما به قصران: قصر من فضة وقصر من ذهب، وأباريق من ذهب وأباريق من فضة وصحاف من ذهب وفضة، فأقبلا وأسد جالس على السرير، وأشراف خراسان على الكراسي، فوضعا القصرين، ثم وضعا خلفهما الأباريق والصحاف والديباج المروي والقوهي والهروي وغير ذلك، حتى امتلأ السماط، وكان فيما جاء به الدهقان أسدا كرة من ذهب، ثم قام الدهقان خطيبا، فقال: أصلح الله الأمير! إنا معشر العجم، أكلنا الدنيا أربعمائة سنة، أكلناها بالحلم والعقل والوقار، ليس فينا كتاب ناطق، ولا نبي مرسل، وكانت الرجال عندنا ثلاثة: ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله على يده، والذي يليه رجل تمت مروته في بيته فان كان كذلك رجى وعظم، وقود وقدم، ورجل رحب صدره، وبسط
(7/139)

يده فرجي، فإذا كان كذلك قود وقدم، وإن الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا الدنيا بهم أربعمائة سنة فيك أيها الأمير، وما نعلم أحدا هو أتم كتخدانية منك، إنك ضبطت أهل بيتك وحشمك ومواليك، فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدى على صغير ولا كبير، ولا غنى ولا فقير، فهذا تمام الكتخدانية، ثم بنيت الإيوانات في المفاوز، فيجيء الجائي من المشرق والآخر من المغرب، فلا يجدان عيبا إلا أن يقولا: سبحان الله ما أحسن ما بني! ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مائة ألف، معه الحارث ابن سريج فهزمته وفللته، وقتلت أصحابه، وأبحت عسكره وأما رحب صدرك وبسط يدك، فإنا ما ندري أي المالين أقر لعينك؟ أمال قدم عليك، أم مال خرج من عندك! بل أنت بما خرج أقر عينا فضحك أسد، وقال:
أنت خير دهاقين خراسان وأحسنهم هدية، وناوله تفاحة كانت في يده، وسجد له دهقان هراة، وأطرق أسد ينظر إلى تلك الهدايا، فنظر عن يمينه، فقال: يا عذافر بْن يزيد، مر من يحمل هذا القصر الذهب، ثم قَالَ:
يا معن بْن أحمر رأس قيس- أو قَالَ قنسرين- مر بهذا القصر يحمل، ثم قَالَ: يا فلان خذ إبريقا، ويا فلان خذ إبريقا، وأعطى الصحاف حتى بقيت صحفتان، فقال: قم يا بن الصيداء، فخذ صحيفة، قَالَ:
فأخذ واحدة فرزنها فوضعها، ثم أخذ الأخرى فرزنها، فقال له أسد: ما لك؟
قَالَ: آخذ أرزنهما، قَالَ: خذهما جميعا، وأعطى العرفاء وأصحاب البلاء، فقام أبو اليعفور- وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازي- فنادى: هلم إلى الطريق، فقال أسد: ما أحسن ما ذكرت بنفسك! خذ ديباجتين، وقام ميمون العذاب فقال: إلي، إلى يساركم، إلى الجادة، فقال:
ما أحسن ما ذكرت نفسك! خذ ديباجة، قَالَ: فأعطى ما كان في السماط كله، فقال نهر بْن توسعة:
تقلون إن نادى لروع مثوب ... وأنتم غداة المهرجان كثير
(7/140)

ثم مرض أسد، فأفاق إفاقة فخرج يوما، فأتي بكمثرى أول ما جاء، فأطعم الناس منه واحدة واحدة، وأخذ كمثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدبيلة، فهلك. واستخلف جعفرا البهراني، وهو جعفر بْن حنظلة سنة عشرين ومائة فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بْن سيار في رجب سنة إحدى وعشرين ومائة، فقال ابن عرس العبدي:
نعى أسد بْن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع
ببلخ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك من دفاع
فجودي عين بالعبرات سحا ... ألم يحزنك تفريق الجماع!
أتاه حمامه فى جوف صيغ ... وكم بالصيغ من بطل شجاع!
كتائب قد يجيبون المنادي ... على جرد مسومة سراع
سقيت الغيث إنك كنت غيثا ... مريعا عند مرتاد النجاع
وقال سليمان بْن قتة مولى بني تيم بْن مرة- وكان صديقا لأسد:
سقى الله بلخا، سهل بلخ وحزنها ... ومروى خراسان السحاب المجمما
وما بي لتسقاه ولكن حفرة ... بها غيبوا شلوا كريما وأعظما
مراجم أقوام ومردى عظيمة ... وطلاب أوتار عفرنا عثمثما
لقد كان يعطي السيف في الروع حقه ... ويروي السنان الزّاغبىّ المقوّما

امر شيعه بنى العباس بخراسان
قَالَ أبو جعفر: وفي هذه السنة وجهت شيعة بني العباس بخراسان إلى محمد بْن علي بْن العباس سليمان بْن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه.
ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد:
وكان السبب في ذلك موجدة كانت من محمد بْن علي على من كان بخراسان من شيعته من أجل طاعتهم، كانت لخداش الذي ذكرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روي عليه من الكذب، فترك مكاتبتهم، فلما أبطأ عليهم
(7/141)

كتابه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم، فأجمعوا على الرضا بسليمان بْن كثير ليلقاه بأمرهم، ويخبره عنهم، ويرجع إليهم بما يرد عليه، فقدم- فيما ذكر- سليمان بْن كثير على محمد بْن علي وهو متنكر لمن بخراسان من شيعته، فأخبره عنهم، فعنفهم في اتباعهم خداشا وما كان دعا إليه، وقال: لعن الله خداشا ومن كان على دينه! ثم صرف سليمان إلى خراسان، وكتب إليهم معه كتابا، فقدم عليهم، ومعه الكتاب مختوما، ففضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئا، إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أن ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف.
وفي هذه السنة وجه محمد بْن علي بكر بْن ماهان إلى شيعته بخراسان بعد منصرف سليمان بْن كثير من عنده إليهم، وكتب معه إليهم كتابا يعلمهم أن خداشا حمل شيعته على غير منهاجه فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدقوه واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد بْن علي، فبعث معه بعصي مضببة بعضها بالحديد وبعضها بالشبه، فقدم بها بكير وجمع النقباء والشيعة، ودفع إلى كل رجل منهم عصا، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته، فرجعوا وتابوا.
وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن اعماله التي كان ولاه إياها كلها
. ذكر سبب عزل هشام خالدا
قد قيل في ذلك أقوال، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره، فمما قيل في ذلك: إن فروخ أبا المثنى كان قد تقبل من ضياع هشام بْن عبد الملك بموضع يقال له رستاق الرمان أو نهر الرمان- وكان يدعى بذلك فروخ الرماني- فثقل مكانه على خالد، فقال خالد لحسان النبطي:
ويحك! اخرج إلى أمير المؤمنين فزد على فروخ، فخرج فزاد عليه
(7/142)

ألف ألف درهم، فبعث هشام رجلين من صلحاء اهل الشام، فحازا الضياع، فصار حسان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يضر به، فيقول له حسان:
لا تفسدني وأنا صنيعتك! فأبى إلا الإضرار به، فلما قدم عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج إلى هشام، فقال: إن خالدا بثق البثوق على ضياعك.
فوجه هشام رجلا، فنظر إليها ثم رجع إلى هشام فأخبره، فقال حسان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار، قَالَ: فعجل لي الألف وأقول ما شئت، قَالَ: فعجلها له وقال له: بك صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، والله لكأنك ابن خالد القسري الذي غلته ثلاثة عشر ألف ألف فسمعها هشام فأغضى عليها ثم دخل عليه حسان بعد ذلك، فقال له هشام: ادن مني فدنا منه، فقال: كم غلة خالد؟ قَالَ: ثلاثة عشر ألف ألف، قَالَ:
فكيف لم تخبرني بهذا! قَالَ: وهل سألتني؟ فوقرت في نفس هشام، فأزمع على عزله.
وقيل: كان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمة بْن هشام، فإنك لتفخر على الناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحد: سكرت دجلة ولم يتكلف ذلك أحد، ولي سقاية بمكة، ولي ولاية العراق.
وقيل: إنما أغضب هشاما على خالد أن رجلا من قريش دخل على خالد فاستخف به وعضه بلسانه، فكتب إلى هشام يشكوه، فكتب هشام إلى خالد:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين- وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره، واستحفظك عليه، للذي رجا من كفايتك، ووثق به من حسن تدبيرك- لم يفرشك غره أهل بيته لتطأه بقدمك، ولا تحد إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت على غرتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ، تريد بذلك تصغير خطره، واحتقار قدره، زعمت بالنصفة منه حتى
(7/143)

أخرجك ذلك إلى الإغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة، غير متحلحل له حين رأيته مقبلا من صدر مهادك الذي مهد له الله، وفي قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوليته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصة، مساوين بك فروع غرر القبائل وقرومها قبل أمير المؤمنين، حتى حللت هضبة أصبحت تنحو بها عليهم مفتخرا هذا إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطما وقيذا فهلا- يا بن مجرشة قومك- أعظمت رجلهم عليك داخلا، ووسعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلا، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرما، ثم فاوضته مقبلا ببشرك، إكراما لأمير المؤمنين فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحيي السرار، معظما لقرابته، عارفا لحقه، فهو سن البيتين ونابهم، وابن شيخ آل أبي العاص وحرب وغرتهم.
وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدم من حرمتك وما يكره من شماتة عدوك بك لوضع منك ما رفع، حتى يردك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك وما أقربني من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا، فانهض على أي حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه، من ليل او نهار، ماشيا على قدمك بمن معك من خولك، حتى تقف على باب ابن عمرو صاغرا، مستأذنا عليه، متنصلا إليه، أذن لك أو منعك، فإن حركته عواطف رحمة احتملك، وإن احتملته أنفة وحمية من دخولك عليك فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل، ثم أمرك بعد إليه، عزل أو ولى، انتصر أو عفا، فلعنك الله من متكل عليه بالثقة، ما أكثر هفواتك، وأقذع لأهل الشرف ألفاظك، التي لا تزال تبلغ أمير المؤمنين
(7/144)

من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصري العراق، وأقدم وأقوم وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمه بما كتب به إليك من إنكاره عليك، ليرى في العفو عنك والسخط عليك رأيه، مفوضا ذلك إليه مبسوطة فيه يده، محمودا عند أمير المؤمنين على أيهما آتى إليك، موفقا إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى ابن عمرو:
أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه في مجلس العامه محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك وإمساكك عنه، تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه وتمسكا بوثائق عصم طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه، وإكثابه عليك عند إطراقك عنه، مرويا فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه، وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوه من خموله، وكذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هذر الذنابي وطائشة أحلامها، صمت من غير إفحام، بل بأحلام تخف بالجبال وزنا وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه، وتوقيرك سلطانه وشكره، وقد جعل أمر خالد إليك في عزلك إياه أو إقراره، فإن عزلته أمضى عزلك إياه، وإن أقررته فتلك منة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله إليه، يأمره بإتيانك راجلا على أية حال صادفه كتاب امير المؤمنين فيها، وألفاه رسوله الموجه إليه من ليله أو نهاره، حتى يقف ببابك، أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته، وتقدم أمير المؤمنين إلى رسوله في ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطا إلا أن تكره أن يناله
(7/145)

ذلك بسببك لحرمة خدمته، فأيهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين في برك وعظم حرمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقا، وإليه حبيبا، فيما ينوي من قضاء حق آل أبي العاص وسعيد فكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئا ومجيبا ومحادثا وطالبا، ما عسى أن ينزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه، وقلة إمكان الخروج لإنزالها به، غير محتشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه، على قدر قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحا ومسترفدا، وطالبا مستزيدا، تجد أمير المؤمنين إليك سريعا بالبر لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوي، وإليه يرغب في العون على قضاء حق قرابته، وعليه يتوكل، وبه يثق والله وليه ومولاه والسلام.
وقيل: إن خالدا كان كثيرا ما يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.
وكانت أم هشام تستحمق، وقد ذكرنا خبرها قبل.
وذكر أنه كتب إلى هشام كتابا غاظه، فكتب اليه هشام: يا بن أم خالد، قد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف، فيابْن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش، يشد يديك إلى عنقك.
وذكر أن هشاما كتب إليه: قد بلغني قولك: أنا خالد بْن عبد الله بْن يزيد بْن أسد بْن كرز، ما أنا بأشرف الخمسة أما والله لأردنك إلى بغلتك وطيلسانك الفيروزي.
وذكر أن هشاما بلغه أنه يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين! فظهر الغضب في وجهه.
وقيل: إن هشاما قدم عليه رجل من أهل الشام، فقال: إني سمعت خالدا ذكر أمير المؤمنين بما لا تنطلق به الشفتان، قَالَ: قَالَ: الأحول؟
قَالَ: لا، بل قَالَ أشد من ذلك، قَالَ: فما هو؟ قَالَ: لا أقوله أبدا،
(7/146)

فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتى تغير له وذكر أن دهقانا دخل على خالد، فقال: أيها الأمير، إن غلة.
ابنك قد زادت على عشرة آلاف ألف، ولا آمن أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره.
وإن الناس يحبون جسدك، وأنا أحب جسدك وروحك، قَالَ: إن أسد بْن عبد الله قد كلمني بمثل هذا، فأنت أمرته؟ قَالَ: نعم، قَالَ: ويحك! دع ابني، فلربما طلب الدرهم فلم يقدر عليه.
ثم عزم هشام- لما كثر عليه ما يتصل به عن خالد من الأمور التي كان يكرهها- على عزله، فلما عزم على ذلك أخفى ما قد عزم له عليه من أمره.

ذكر الخبر عن عمل هشام عزل خالد حين صح عزمه على عزله
ذكر عمر أن عبيد بْن جناد حدثه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشاما أخفى عزل خالد، وكتب إلى يوسف بخطه- وهو على اليمن- أن يقبل في ثلاثين من أصحابه فخرج يوسف حتى صار الى الكوفه، فعرس قريبا منها، وقد ختن طارق- خليفة خالد على الخراج- ولده، فأهدى له ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة، سوى الأموال والثياب وغير ذلك، فمر العاس بيوسف وأصحابه ويوسف يصلي ورائحة الطيب تنفح من ثيابه، فقال:
ما أنتم؟ قالوا: سفار، قَالَ: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقا وأصحابه، فقالوا: إنا رأينا قوما أنكرناهم، والرأي أن نقتلهم، فإن كانوا خوارج استرحنا منهم، وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم على أمرهم فنهوهم عن قتلهم، فطافوا، فلما كان في السحر وقد انتقل يوسف وصار إلى دور ثقيف، فمر بهم العاس، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: سفار، قَالَ: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقا وأصحابه، فقالوا:
قد صاروا إلى دور ثقيف والرأي أن نقتلهم، فمنعوهم وأمر يوسف بعض الثقفيين، فقال: اجمع لي من بها من مضر ففعل، فدخل المسجد مع
(7/147)

الفجر، فأمر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الامام، فانتهره فأقام، وتقدم يوسف فقرأ: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وسَأَلَ سائِلٌ، ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما، فأخذوا وان القدور لتغلي.
قَالَ عمر: قَالَ علي بْن محمد، قَالَ: قَالَ الربيع بْن سابور مولى بني الحريش- وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الحرس: اتى هشاما كتاب خالد فغاظه، وقدم عليه في ذلك اليوم جندب مولى يوسف بْن عمر بكتاب يوسف، فقرأه ثم قَالَ لسالم مولى عنبسة بْن عبد الملك: أجبه عن لسانك، وكتب هو بخطه كتابا صغيرا، ثم قَالَ لي: ائتني بكتاب سالم- وكان سالم على الديوان- فأتيته به، فأدرج فيه الكتاب الصغير، ثم قَالَ لي: اختمه ففعلت، ثم دعا برسول يوسف، فقال: إن صاحبك لمتعد طوره، ويسأل فوق قدره، ثم قَالَ لي: مزق ثيابه ثم أمر به فضرب أسواطا، فقال:
أخرجه عني وادفع إليه كتابه فدفعت إليه الكتاب، وقلت له: ويلك! النجاء! فارتاب بشير بْن أبي ثلجة من أهل الأردن، وكان خليفة سالم وقال:
هذه حيلة، وقد ولى يوسف العراق، فكتب إلى عامل لسالم على أجمة سالم، يقال له عياض: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه واحمد الله، وأعلم ذلك طارقا فبعث عياض إلى طارق بْن أبي زياد بالكتاب، وندم بشير على كتابه، وكتب إلى عياض: إن أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب فلا تتكل عليه، فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فسار يوما وليلة، فصبحهم، فرآه داود البربري- وكان على حجابة خالد وحرسه وعلى ديوان الرسائل- فأعلم خالدا، فغضب، وقال: قدم بغير إذن، فأذن له، فلما رآه قَالَ: ما أقدمك؟ قَالَ: أمر كنت أخطأت فيه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: وفاة أسد رحمه الله، كتبت إلى الأمير أعزيه عنه، وإنما كان ينبغي لي أن آتيه ماشيا فرق خالد ودمعت عيناه، وقال: ارجع إلى عملك،
(7/148)

قَالَ: أردت أن أذكر للأمير أمرا أسره، قَالَ: ما دون داود سر، قَالَ: أمر من أمري، فغضب داود وخرج، وأخبر طارق خالدا، قَالَ:
فما الرأي؟ قَالَ: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شيء إن كان بلغه عنك قَالَ: فبئس الرجل أنا إذا إن ركبت إليه بغير إذنه، قَالَ: فشيء آخر، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: تسير في عملك، وأتقدمك إلى الشام، فأستأذنه لك، فإنك لا تبلغ أقصى عملك حتى يأتيك إذنه، قَالَ: ولا هذا، قَالَ: فأذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلا، قَالَ: وما يبلغ ذاك؟ قَالَ: مائة ألف ألف، قَالَ: ومن أين آخذ هذا! والله ما أجد عشرة آلاف درهم، قَالَ:
أتحمل أنا وسعيد بْن راشد أربعين ألف ألف درهم، والزينبي وأبان بْن الوليد عشرين ألف ألف، وتفرق الباقي على العمال، قَالَ: إني إذا للئيم، إن كنت سوغت قوما شيئا ثم أرجع فيه، فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا، وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال، وهي عند تجار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربصون بنا فنقتل، ويأكلون تلك الأموال فأبى خالد فودعه طارق وبكى، وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا، ومضى.
ودخل داود، فأخبره خالد بقول طارق، فقال: قد علم أنك لا تخرج بغير إذن، فأراد أن يختلك ويأتي الشام، فيتقبل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بْن راشد فرجع طارق إلى الكوفة، وخرج خالد الى الحمه.
قال: وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال له: ما وراءك؟ قَالَ:
الشر، أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان ففض الكتاب فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه: أن سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بذاك أحد، وخذ ابن النصرانية وعماله فاشفني منهم، فقال يوسف: انظروا
(7/149)

دليلا عالما بالطريق، فأتى بعدة، فاختار منهم رجلا وسار من يومه، واستخلف على اليمن ابنه الصلت فشيعه، فلما أراد أن ينصرف سأله:
أين تريد؟ فضربه مائة سوط، وقال: يا بن اللخناء، أيخفى عليك إذا استقر بي منزل، فسار، فكان إذا اتى إلى طريقين سأل، فإذا قيل: هذا إلى العراق، قَالَ: أعرق، حتى أتى الكوفة قَالَ عمر: قَالَ علي عن بشر بْن عيسى، عن أبيه، قَالَ: قَالَ حسان النبطي: هيأت لهشام طيبا، فإني لبين يديه وهو ينظر إلى ذلك الطيب إذ قَالَ لي: يا حسان، في كم يقدم القادم من العراق إلى اليمن؟ قَالَ:
قلت: لا أدري، فقال:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
قَالَ: فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها، وذلك في جمادى الآخرة سنة عشرين ومائة.
قَالَ عمر: قَالَ علي: قَالَ سالم زنبيل: لما صرنا إلى النجف قَالَ لي يوسف: انطلق فاتنى بطارق، فلم أستطع أن آبي عليه، وقلت في نفسي:
من لي بطارق في سلطانه! ثم أتيت الكوفة، فقلت لغلمان طارق: استأذنوا لي على طارق، فضربوني فصحت له: ويلك يا طارق! أنا سالم رسول يوسف، وقد قدم على العراق فخرج فصاح بالغلمان، وقال: أنا آتيه، قَالَ: وروي أن يوسف قَالَ لكيسان: انطلق فاتنى بطارق، فإن كان قد أقبل فاحمله على أكاف، وإن لم يكن أقبل فأت به سحبا قَالَ:
فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح- وهو سيد أهل الحيرة- فقلت له: إن يوسف قد قدم على العراق، وهو يأمرك أن تشد طارقا وتأتيه به، فخرج هو وولده وغلمانه حتى أتوا منزل طارق- وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدة- فقال لطارق: إن أذنت لي خرجت إلى هؤلاء فيمن معي فقتلتهم، ثم طرت على وجهك فذهبت حيث شئت قَالَ: فأذن لكيسان، فقال: أخبرني عن الأمير، يريد المال؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأنا أعطيه ما سأل، وأقبلوا إلى يوسف فتوافوا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضربا مبرحا
(7/150)

- يقال خمسمائة سوط- ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بْن مقدم إلى خالد بالحمة.
قَالَ عطاء: فأتيت الحاجب فقلت: استأذن لي على أبي الهيثم، فدخل وهو متغير الوجه فقال له خالد: مالك؟ قَالَ: خير، قَالَ: ما عندك خير، قَالَ: عطاء بْن مقدم، قَالَ: استأذن لي على أبي الهيثم، فقال:
ائذن له، فدخلت: فقال: ويل أمها سخطة! قَالَ: فلم أستقر حتى دخل الحكم بْن الصلت، فقعد معه، فقال له خالد: ما كان ليلي علي أحد هو أحب إلي منكم.
وخطب يوسف بالكوفة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني بأخذ عمال ابْن النصرانية، وأن أشفيه منهم، وسأفعل وأزيد والله يا أهل العراق، ولأقتلن منافقيكم بالسيف وجناتكم بالعذاب وفساقكم ثم نزل ومضى إلى واسط، وأتي بخالد وهو بواسط.
قَالَ عمر: قَالَ حدثني الحكم بْن النضر: قَالَ: سمعت أبا عبيدة يقول: لما حبس يوسف خالدا صالحه عنه أبان بْن الوليد وأصحابه على تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف، وقيل له: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف درهم قَالَ: ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء وأخبر أصحاب خالد خالدا، فقال: قد أسأتم حين أعطيتموه عند أول وهلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا فجاءوا فقالوا: إنا قد أخبرنا خالدا فلم يرض بما ضمنا، وأخبرنا أن المال لا يمكنه، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم، فأما أنا فلا أرجع عليكم، فإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: فإنا قد رجعنا، قَالَ: وقد فعلتم! قالوا: نعم، قال: فمنكم اتى النقض، فو الله لا ارضى بتسعه آلاف الف ولا مثليها ولا مثلها، فأخذ أكثر من ذلك.
وقد قيل: إنه أخذ مائة ألف ألف وذكر الهيثم بْن عدي، عن ابن عياش ان، هشاما ما أزمع على عزل خالد، وكان سبب ذلك انه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهارا، حتى بلغت
(7/151)

غلته عشرين ألف ألف، منها نهر خالد، وكان يغل خمسة آلاف ألف وباجوي وبارمانا والمبارك والجامع وكورة سابور والصلح، وكان كثيرا ما يقول: إنني والله مظلوم، ما تحت قدمي من شيء إلا وهو لي- يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد.
قَالَ الهيثم بْن عدي: أخبرني الحسن بْن عمارة، عن العريان بْن الهيثم، قَالَ: كنت كثيرا ما أقول لأصحابي: إني أحسب هذا الرجل قد تخلى منه، أن قريشا لا تحتمل هذا ونحوه، وهم أهل حسد، وهذا يظهر ما يظهر، فقلت له يوما: أيها الأمير، إن الناس قد رموك بأبصارهم، وهي قريش، وليس بينك وبينها إل، وهم يجدون منك بدا، وأنت لا تجد منهم بدا، فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك، وتعرض عليه منها ما أحب، فما أقدرك على أن تتخذ مثلها، وهو لا يستفسدك، وإن كان حريصا على ذلك فلعمري لأن يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها، وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها، ولا آمن أن يأتيه باغ أو حاسد فيقبل منه، فلأن تعطيه طائعا خير من أن تعطيه كارها فقال: ما أنت بمتهم، ولا يكون ذلك أبدا قَالَ: فقلت أطعني واجعلني رسولك، فو الله لا يحل عقدة إلا شددتها، ولا يشد عقدة إلا حللتها قَالَ: إنا والله لا نعطي على الذل، قَالَ: قلت: هل كانت لك هذه الضياع إلا في سلطانه! وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها! قَالَ: لا، قلت: فبادره، فإنه يحفظها لك ويشكرك عليها، ولو لم تكن له عندك يد إلا ما ابتدأك به كنت جديرا أن تحفظه، قَالَ: لا والله لا يكون ذلك أبدا، قَالَ: قلت فما كنت صانعا إذا عزلك وأخذ ضياعك فاصنعه، فإن إخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا لك، وأكثروا عليه فيك، ولك صنائع تعود عليهم بما بدا لك، ثم استدرك استتمام ما كان منك إلى صنائعك من هشام قَالَ: قد أبصرت ما تقول وليس إلى ذلك سبيل وكان العريان يقول: كأنكم به قد عزل، وأخذ ما له
(7/152)

وتجنى عليه ثم لا ينتفع بشيء قَالَ: فكان كذلك.
قَالَ الهيثم: وحدثني ابن عياش، أن بلال بْن أبي بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتب هشام عليه: أنه حدث أمر لا أجد بدا من مشافهتك فيه، فإن رأيت أن تأذن لي، فإنما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفا فكتب إليه: أن أقبل إذا شئت فركب هو وموليان له الجمازات، فسار يوما وليلة، ثم صلى المغرب بالكوفة، وهي ثمانون فرسخا، فأخبر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصب، فقال: أبا عمرو، أتعبت نفسك، قَالَ: أجل، قَالَ: متى عهدك بالبصرة؟
قَالَ: أمس، قَالَ: أحق ما تقول! قَالَ: هو والله ما قلت، قَالَ: فما أنصبك؟ قَالَ: ما بلغني من تعتب أمير المؤمنين وقوله، وما بغاك به ولده واهل بيته، فان رايت ان أتعرض له وأعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها إلى ما أحب وأنفسنا به طيبة، ثم أعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد قَالَ: ما اتهمك وحتى أنظر، قَالَ: إني أخاف أن تعاجل، قَالَ: كلا، قَالَ: إن قريشا من قد عرفت، ولا سيما سرعتهم إليك قَالَ: يا بلال، إني والله ما أعطي شيئا قسرا أبدا قَالَ أيها الأمير، أتكلم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إن هشاما أعذر منك، يقول: استعملتك.
وليس لك شيء، فلم تر من الحق عليك أن تعرض علي بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزين له حسان النبطي ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة.
قَالَ: أنا ناظر في ذلك فانصرف راشدا فانصرف بلال وهو يقول: كأنكم بهذا الرجل قد بعث إليه رجل بعيد أتى، به حمز، بغيض النفس سخيف الدين، قليل الحياء، يأخذه بالاحن والترات فكان كما قَالَ.
قَالَ ابن عياش: وكان بلال قد اتخذ دارا بالكوفة، وإنما استأذن خالدا لينظر إلى داره، فما نزلها إلا مقيدا، ثم جعلت سجنا إلى اليوم
(7/153)

قَالَ ابن عياش: كان خالد يخطب فيقول: إنكم زعمتم أني أغلي أسعاركم، فعلى من يغليها لعنة الله! وكان هشام كتب إلى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة درهما.
قَالَ الهيثم، عن ابن عياش: كانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومائة ثم عزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائه
. [أخبار متفرقة]
وفي هذه السنة قدم يوسف بْن عمر العراق واليا عليها.
وقد ذكرت قبل سبب ولايته عليها وفي هذه السنة ولى خراسان يوسف بْن عمر جديع بْن علي الكرماني وعزل جعفر بْن حنظلة.
وقيل: إن يوسف لما قدم العراق أراد أن يولي خراسان سلم بْن قتيبة، فكتب بذلك إلى هشام، ويستأذنه فيه، فكتب إليه هشام: إن سلم بْن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة، ولو كان له بها عشيرة لم يقتل بها أبوه.
وقيل إن يوسف كتب إلى الكرماني بولاية خراسان مع رجل من بني سليم وهو بمرو، فخرج إلى الناس يخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أسدا وقدومه خراسان، وما كانوا فيه من الجهد والفتنة، وما صنع لهم على يديه ثم ذكر أخاه خالدا بالجميل، وأثنى عليه، وذكر قدوم يوسف العراق، وحث الناس على الطاعة ولزوم الجماعة، ثم قَالَ: غفر الله للميت- يعني أسدا- وعافى الله المعزول، وبارك للقادم ثم نزل.
وفي هذه السنة عزل الكرماني عن خراسان، ووليها نصر بْن سيار بْن ليث بْن رافع بْن ربيعة بْن جري بْن عوف بْن عامر بْن جندع بْن ليث بْن بكر بْن عبد مناة بْن كنانة، وأمه زينب بنت حسان من بني تغلب.

ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بْن سيار خراسان
ذكر علي بْن محمد عن شيوخه أن وفاة أسد بْن عبد الله لما انتهت إلى
(7/154)

هشام بْن عبد الملك استشار أصحابه في رجل يصلح لخراسان، فأشاروا عليه بأقوام، وكتبوا له أسماءهم، فكان ممن كتب له عثمان بْن عبد الله بْن الشخير ويحيى بْن حضين بْن المنذر الرقاشي ونصر بْن سيار الليثي وقطن بْن قتيبة بْن مسلم والمجشر بْن مزاحم السلمي أحد بني حرام، فأما عثمان بن عبد الله ابن الشخير، فقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له: المجشر شيخ هم، وقيل له: ابن حضين رجل فيه تيه وعظمة، وقيل له: قطن بْن قتيبة موتور، فاختار نصر بن سيار، فقيل له: ليست له بها عشيرة، فقال هشام: أنا عشيرته فولاه وبعث بعهده مع عبد الكريم بْن سليط بْن عقبة الهفاني، هفان بْن عدي بْن حنيفة فأقبل عبد الكريم بعهده، ومعه أبو المهند كاتبه مولى بني حنيفة، فلما قدم سرخس ولا يعلم به أحد، وعلى سرخس حفص بْن عمر بْن عباد التيمي أخو تميم بْن عمر، فأخبره أبو المهند، فوجه حفص رسولا، فحمله إلى نصر، ونفذ ابن سليط إلى مرو، فأخبر أبو المهند الكرماني، فوجه الكرماني نصر بن حبيب بْن بحر بْن ماسك بْن عمر الكرماني إلى نصر بْن سيار، فسبق رسول حفص إلى نصر بْن سيار، فكان أول من سلم عليه بالإمرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكار! فدفع إليه الكتاب وكان جعفر بْن حنظلة ولى عمرو بْن مسلم مرو، وعزل الكرماني وولى منصور بْن عمر أبرشهر، وولى نصر بْن سيار بخارى، فقال جعفر ابن حنظلة: دعوت نصرا قبل أن يأتيه عهده بأيام، فعرضت عليه أن أوليه بخارى، فشاور البختري بْن مجاهد، فقال له البختري، وهو مولى بني شيبان: لا تقبلها، قَالَ: ولم؟ قَالَ: لأنك شيخ مضر بخراسان، فكأنك بعهدك قد جاء على خراسان كلها، فلما أتاه عهده بعث إلي البختري فقال البختري لأصحابه:
قد ولي نصر بْن سيار خراسان، فلما أتاه سلم عليه بالإمرة، فقال له: إني علمت؟ قَالَ: لما بعثت إلي، وكنت قبل ذلك تأتيني، علمت أنك قد وليت.
قَالَ: وقد قيل إن هشاما قَالَ لعبد الكريم حين أتاه خبر أسد بْن عبد الله بموته: من ترى أن نولي خراسان، فقد بلغني أن لك بها وبأهلها علما؟
(7/155)

قَالَ عبد الكريم: قلت: يا أمير المؤمنين، أما رجل خراسان حزما ونجدة فالكرماني، فأعرض بوجهه، وقال: ما اسمه؟ قلت: جديع بْن علي، قَالَ: لا حاجة لي فيه، وتطير، وقال: سم لي غيره، قلت: اللسن المجرب يحيى بْن نعيم بْن هبيرة الشيباني أبو الميلاء، قَالَ: ربيعة لا تسد بها الثغور- قَالَ عبد الكريم: فقلت في نفسي: كره ربيعة واليمن، فأرميه بمضر- فقلت: عقيل بْن معقل الليثي، إن اغتفرت هنة، قَالَ: ما هي؟
قلت: ليس بالعفيف، قَالَ: لا حاجة لي به، قلت: منصور بْن أبي الخرقاء السلمي، إن اغتفرت نكرة فإنه مشئوم، قَالَ: غيره، قلت: المجشر بْن مزاحم السلمي، عاقل شجاع، له رأي مع كذب فيه، قَالَ: لا خير في الكذب، قلت: يحيى بْن حضين، قَالَ: ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور! قَالَ: فكان إذا ذكرت له ربيعة، واليمن أعرض قَالَ عبد الكريم: وأخرت نصرا وهو أرجل القوم وأحزمهم وأعلمهم بالسياسة، فقلت: نصر بْن سيار الليثي، قَالَ: هو لها، قلت: إن اغتفرت واحدة، فإنه عفيف مجرب عاقل، قَالَ: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة، قَالَ: لا أبا لك، أتريد عشيرة أكثر مني! أنا عشيرته.
وقال آخرون: لما قدم يوسف بْن عمر العراق قال: أشيروا على برجل اوله خراسان، فأشاروا عليه بمسلمة بْن سليمان بْن عبد الله ابن خازم وقديد بْن منيع المنقري ونصر بْن سيار وعمرو بْن مسلم ومسلم بْن عبد الرحمن بْن مسلم ومنصور بْن أبي الخرقاء وسلم بْن قتيبة ويونس بْن عبد ربه وزياد بْن عبد الرحمن القشيري، فكتب يوسف بأسمائهم إلى هشام، وأطرى القيسية، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بْن سيار الكناني، فقال هشام:
ما بال الكناني آخرهم! وكان في كتاب يوسف إليه: يا أمير المؤمنين، نصر بخراسان قليل العشيرة فكتب إليه هشام: قد فهمت كتابك وإطراءك القيسية وذكرت نصرا وقلة عشيرته، فكيف يقل من أنا عشيرته! ولكنك تقيست علي، وأنا متخندف عليك، ابعث بعهد نصر، فلم يقل من عشيرته
(7/156)

أمير المؤمنين، بله ما إن تميما أكثر أهل خراسان فكتب إلى نصر أن يكاتب يوسف بْن عمر، وبعث يوسف سلما وافدا إلى هشام، وأثنى عليه فلم يوله، ثم أوفد شريك بْن عبد ربه النميري، وأثنى عليه ليوليه خراسان، فأبى عليه هشام.
قَالَ: وأوفد نصر من خراسان الحكم بْن يزيد بْن عمير الأسدي إلى هشام، وأثنى عليه نصر، فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلى خراسان، فلما قدم يزيد بْن عمر بْن هبيرة استعمل الحكم بْن يزيد على كرمان، وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفي- ومعه كاتبه أبو المهند مولى بني حنيفة- فلما أتى سرخس وقع الثلج، فأقام ونزل على حفص بْن عمر بْن عباد التيمي، فقال له: قدمت بعهد نصر على خراسان، قَالَ: وهو عامل يومئذ على سرخس- فدعا حفص غلامه، فحمله على فرس وأعطاه مالا، وقال له: طر واقتل الفرس، فإن قام عليك فاشتر غيره حتى تأتي نصرا قَالَ: فخرج الغلام حتى قدم على نصر ببلخ، فيجده في السوق، فدفع إليه الكتاب، فقال:
أتدري ما في هذا الكتاب؟ قَالَ: لا، فأمسكه بيده، وأتى منزله، فقال الناس: أتى نصرا عهده على خراسان، فأتاه قوم من خاصته، فسألوه فقال:
ما جاءني شيء، فمكث يومه، فدخل عليه من الغد أبو حفص بْن علي، أحد بني حنظلة- وهو صهره، وكانت ابنته تحت نصر، وكان أهوج كثير المال، فقال له: إن الناس قد خاضوا وأكثروا في ولايتك، فهل جاءك شيء؟ فقال:
ما جاءني شيء، فقام ليخرج فقال: مكانك، وأقرأه الكتاب، فقال:
ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحق، قَالَ: فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبد الكريم، فدفع إليه عهده، فوصله بعشرة آلاف درهم ثم استعمل نصر على بلخ مسلم بْن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل وشاح ابن بكير بْن وشاح على مرو الروذ، والحارث بْن عبد الله بْن الحشرج على هراة، وزياد بْن عبد الرحمن القشيري على أبرشهر، وأبا حفص بْن علي ختنه على خوارزم، وقطن بْن قتيبة على السغد فقال رجل من أهل الشام من اليمانية: ما رأيت عصبية مثل هذه! قَالَ: بلى، التي كانت قبل هذه
(7/157)

فلم يستعمل أربع سنين إلا مضريا، وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، فقال سوار بْن الأشعر:
أضحت خراسان بعد الخوف آمنة ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار
لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت ... اختار نصرا لها، نصر بْن سيار
وقال نصر بْن سيار فيمن كره ولايته:
تعز عن الصبابة لا تلام ... كذلك لا يلم بك احتمام
أإن سخطت كبيرة بعد قرب ... كلفت بها وباشرك السقام!
ترجى اليوم ما وعدت حديثا ... وقد كذبت مواعدها الكرام
ألم تر ان ما صنع الغواني ... عسير لا يريع به الكلام
أبت لي طاعتي وأبى بلائي ... وفوزي حين يعترك الخصام
وإنا لا نضيع لنا ملما ... ولا حسبا إذا ضاع الذمام
ولا نغضي على غدر وإنا ... نقيم على الوفاء فلا نلام
خليفتنا الذي فازت يداه ... بقدح الحمد والملك الهمام
نسوسهم به ولنا عليهم ... إذا قلنا مكارمه جسام
أبو العاصي أبوه وعبد ... شمس وحرب والقماقمة الكرام
ومروان أبو الخلفاء عال ... عليه المجد فهو لهم نظام
وبيت خليفة الرحمن فينا ... وبيتاه المقدس والحرام
ونحن الأكرمون إذا نسبنا ... وعرنين البرية والسنام
فأمسينا لنا من كل حي ... خراطيم البرية والزمام
لنا أيد نريش بها ونبري ... وأيد في بوادرها السمام
وبأس في الكريهة حين نلقى ... إذا كان النذير بها الحسام
(7/158)

قال: وأتى نصرا عهده في رجب من سنة عشرين ومائة، وقال له البختري:
اقرأ عهدك واخطب الناس، فخطب الناس فقال في خطبته: استمسكوا أصحابنا بجدتكم، فقد عرفنا خيركم وشركم.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام بْن إسماعيل، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وقد قيل: إن الذي حج بهم فيها سليمان بْن هشام.
وقيل: حج بهم يزيد بْن هشام.
وَكَانَ العامل فِي هَذِهِ السنة عَلَى الْمَدِينَة ومكة والطائف محمد بْن هشام، وعلى العراق والمشرق كله يوسف بْن عمر، وعلى خراسان نصر بْن سيار- وقيل جعفر بْن حنظلة- وعلى البصرة كثير بْن عبد الله السلمي من قبل يوسف بْن عمر، وعلى قضائها عامر بْن عبيدة الباهلي، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بْن محمد، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة.
(7/159)

ثم دخلت

سنة إحدى وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك غزوة مسلمة بْن هشام بْن عبد الملك الروم، فافتتح بها مطامير.
وغزوة مروان بْن محمد بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح قلاعه وخرب أرضه، وأذعن له بالجزية، في كل سنة ألف رأس يؤديه إليه، وأخذ منه بذلك الرهن، وملكه مروان على أرضه.
وفيها ولد العباس بن محمد.

ذكر الخبر عن ظهور زيد بن على
وفيها قتل زيد بْن علي بْن حسين بْن علي بْن أبي طالب في قول الواقدي في صفر، وأما هشام بْن محمد فانه زعانه قتل في سنة اثنتين وعشرين ومائة، في صفر منها.
ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه:
اختلف في سبب خروجه، فأما الهيثم بْن عدي فإنه قَالَ- فيما ذكر عنه، عن عبد الله بْن عياش- قَالَ: قدم زيد بْن علي ومحمد بْن عمر بْن علي بْن أبي طالب وداود بن عَلِيّ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس على خالد بْن عبد الله وهو على العراق، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي بن يوسف بْن عمر كتب إلى هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالدا ابتاع من زيد بْن علي أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم رد الأرض عليه فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسرحهم إليه ففعل، فسألهم هشام فأقروا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، فسأل زيدا عن الأرض فأنكرها، وحلفوا لهشام فصدقهم.
وأما هِشَام بْن مُحَمَّد الكلبي، فإنه ذكر أن أبا مخنف حدثه أن أول أمر زيد بْن علي كان أن يزيد بْن خالد القسري ادعى مالا قبل زيد بْن علي ومحمد بْن عمر بْن علي بْن أبي طالب وداود بْن علي بْن عبد الله بْن العباس ابن عبد المطلب وإبراهيم بْن سعد بْن عبد الرحمن بْن عوف الزهري وأيوب بْن
(7/160)

سلمة بْن عبد الله بْن الوليد بْن المغيرة المخزومي، فكتب فيهم يوسف بْن عمر إلى هشام بْن عبد الملك- وزيد بْن على يومئذ بالرصافة يخاصم بنى الحسن ابن الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي صدقه رسول الله ص، ومحمد بْن عمر بْن علي يومئذ مع زيد بْن علي- فلما قدمت كتب يوسف ابن عمر على هشام بْن عبد الملك بعث إليهم فذكر لهم ما كتب به يوسف ابن عمر إليه مما ادعى قبلهم يزيد بْن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم اليه يجمع بينكم وبينه، فقال له زيد بْن علي: أنشدك الله والرحم أن تبعث بي إلى يوسف بْن عمر! قَالَ: وما الذي تخاف من يوسف بْن عمر؟ قَالَ: أخاف أن يعتدي علي، قَالَ له هشام: ليس ذلك له، ودعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بْن عمر:
أما بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان، فاجمع بينهم وبين يزيد بْن خالد القسري، فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي، وإن هم أنكروا فسله بينة، فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما استودعهم يزيد بْن خالد القسري وديعة ولا له قبلهم، شيء! ثم خل سبيلهم.
فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدى كتابك، ويطول علينا، قَالَ:
كلا، أنا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك، حتى يعجل الفراغ، فقالوا: جزاك الله والرحم خيرا، لقد حكمت بالعدل فسرح بهم إلى يوسف، واحتبس أيوب بْن سلمة، لأن أم هشام بْن عبد الملك ابنه هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو في أخواله، فلم يؤخذ بشيء من ذلك القرف.
فلما قدموا على يوسف، ادخلوا عليه، فأجلس زيد بْن علي قريبا منه، وألطفه في المسألة، ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعا، وقالوا: لم يستودعنا مالا، ولا له قبلنا حق، فأخرج يوسف يزيد بْن خالد إليهم، فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بْن علي، وهذا محمد بْن عمر بْن علي،
(7/161)

وهذا فلان وفلان الذين كنت ادعيت عليهم ما ادعيت، فقال: ما لي قبلهم قليل ولا كثير، فقال يوسف: أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين! فعذبه يومئذ عذابا ظن أنه قد قتله، ثم أخرجهم إلى المسجد بعد صلاة العصر، فاستحلفهم فحلفوا له، وامر بالقوم فبسط عليهم، ما عدا زيد بْن علي فإنه كف عنه فلم يقتدر عند القوم على شيء فكتب إلى هشام يعلمه الحال، فكتب إليه هشام: أن استحلفهم، وخل سبيلهم، فخلى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بْن علي بالكوفة.
وذكر عبيد بْن جناد، عن عطاء بْن مسلم الخفاف أن زيد بْن علي رأى في منامه أنه أضرم في العراق نارا، ثم أطفأها ثم مات فهالته، فقال لابنه يحيى: يا بني، إني رأيت رؤيا قد راعتني، فقصها عليه وجاءه كتاب هشام بْن عبد الملك بأمره بالقدوم عليه، فقدم، فقال له: الحق بأميرك يوسف، فقال له: نشدتك بالله يا أمير المؤمنين، فو الله ما آمن إن بعثتني إليه ألا أجتمع أنا وأنت حيين على ظهر الأرض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر، فقدم عليه.
وقد قيل: إن هشام بْن عبد الملك إنما استقدم زيدا من المدينة عن كتاب يوسف بْن عمر، وكان السبب في ذلك- فيما زعم أبو عبيدة- أن يوسف بْن عمر عذب خالد بْن عبد الله، فادعى خالد أنه استودع زيد بْن علي وداود بن على ابن عبد الله بْن عباس ورجلين من قريش: أحدهما مخزومي والآخر جمحي مالا عظيما، فكتب بذلك يوسف إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله ابراهيم ابن هشام- وهو عامله على المدينة- يأمره بحملهم إليه فدعا إبراهيم بْن هشام زيدا وداود، فسألهما عما ذكر خالد، فحلفا ما أودعهما خالد شيئا، فقال:
إنكما عندي لصادقان، ولكن كتاب أمير المؤمنين قد جاء بما تريان، فلا بد من إنفاذه فحملهما إلى الشام، فحلفا بالأيمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئا قط وقال داود: كنت قدمت عليه العراق، فأمر لي بمائة ألف
(7/162)

درهم، فقال هشام: أنتما عندي أصدق من ابن النصرانية، فأقدما على يوسف، حتى يجمع بينكما وبينه فتكذباه في وجهه.
وقيل: إن زيدا إنما قدم على هشام مخاصما ابن عمه عبد الله بْن حسن بْن حسن بْن علي، ذكر ذلك عن جويرية بْن أسماء، قَالَ: شهدت زيد بْن علي وجعفر بْن حسن بْن حسن يختصمان في ولاية وقوف علي، وكان زيد يخاصم عن بني حسين، وجعفر يخاصم عن بني حسن، فكان جعفر وزيد يتبالغان بين يدي الوالي إلى كل غاية، ثم يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا، فلما مات جعفر قَالَ عبد الله: من يكفينا زيدا؟ قَالَ حسن بْن حسن بْن حسن: أنا أكفيكه، قَالَ: كلا، إنا نخاف لسانك ويدك، ولكني أنا، قَالَ: إذن لا تبلغ حاجتك وحجتك، قَالَ: أما حجتي فسأبلغها، فتنازعا إلى الوالي- والوالي يومئذ عندهم فيما قيل إبراهيم بْن هشام- قَالَ: فقال عبد الله لزيد: أتطمع أن تنالها وأنت لأمة سندية! قَالَ:
قد كان إسماعيل لأمة، فنال أكثر منها، فسكت عبد الله، وتبالغا يومئذ كل غاية، فلما كان الغد أحضرهم الوالي، وأحضر قريشا والأنصار، فتنازعا، فاعترض رجل من الأنصار، فدخل بينهما، فقال له زيد: وما أنت والدخول بيننا، وأنت رجل من قحطان! قَالَ: أنا والله خير منك نفسا وأبا وأما.
قَالَ: فسكت زيد، وانبرى له رجل من قريش فقال: كذبت، لعمر الله لهو خير منك نفسا وأبا وأما وأولا وآخرا، وفوق الأرض وتحتها، فقال الوالي:
وما أنت وهذا! فأخذ القرشي كفا من الحصى، فضرب به الأرض وقال:
والله ما على هذا من صبر، وفطن عبد الله وزيد لشماتة الوالي بهما، فذهب عبد الله ليتكلم، فطلب إليه زيد فسكت، وقال زيد للوالي: أما والله لقد جمعتنا لأمر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا على مثله، وإني أشهد الله ألا أنازعه إليك محقا ولا مبطلا ما كنت حيا ثم قال لعبد الله:
انهض يا بن عم، فنهضا وتفرق الناس.
وقال بعضهم: لم يزل زيد ينازع جعفر بْن حسن ثم عبد الله بعده،
(7/163)

حتى ولى هشام بْن عبد الملك خالد بْن عبد الملك بْن الحارث بْن الحكم المدينة، فتنازعا، فأغلظ عبد الله لزيد، وقال: يا بن الهندكية! فتضاحك زيد، وقال: قد فعلتها يا أبا محمد! ثم ذكر أمه بشيء وذكر المدائني أن عبد الله لما قَالَ ذلك لزيد قَالَ زيد: أجل والله، لقد صبرت بعد وفاة سيدها فما تعتبت بابها إذ لم يصبر غيرها قَالَ:
ثم ندم زيد واستحيا من عمته، فلم يدخل عليها زمانا، فاسلت اليه:
يا بن أخي، إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده.
وقيل: إن فاطمة أرسلت إلى زيد: أن سب عبد الله أمك فاسبب أمه، وإنها قَالَت لعبد الله: أقلت لأم زيد كذا وكذا؟ قَالَ: نعم، قالت:
فبئس والله ما صنعت! اما والله لنعم دخيلة القوم كانت! فذكر أن خالد بْن عبد الملك، قَالَ لهما: اغدوا علينا غدا، فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل:
كذا وقائل كذا، قائل يقول قَالَ زيد كذا، وقائل يقول: قَالَ عبد الله كذا.
فلما كان الغد جلس خالد في المجلس في المسجد، واجتمع الناس، فمن شامت ومن مهموم، فدعا بهما خالد، وهو يحب أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا، ثم أقبل على خالد فقال له: يا خالد، لقد جمعت ذرية رسول الله ص لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر، قَالَ خالد: أما لهذا السفيه أحد! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن ابى تراب وابن حسين السفيه، ما ترى لوال عليك حقا ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيها القحطاني، فإنا لا نجيب مثلك، قَالَ: ولم ترغب عنى! فو الله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، افذهبت الاحساب! فو الله إنه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم
(7/164)

فتكلم عبد الله بْن واقد بْن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب، فقال: كذبت والله ايها القحطانى، فو الله لهو خير منك نفسا وأبا وأما ومحتدا، وتناوله بكلام كثير، قَالَ القحطاني: دعنا منك يا بن واقد، فأخذ ابن واقد كفا من حصى، فضرب بها الأرض، ثم قَالَ له: والله ما لنا على هذا صبر، وقام.
وشخص زيد إلى هشام بْن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص، فكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك، فيقول زيد: والله لا أرجع إلى خالد أبدا، وما أسأل مالا، إنما أنا رجل مخاصم، ثم أذن له يوما بعد طول حبس.
فذكر عمر بْن شبة، عن أيوب بْن عمر بْن ابى عمرو، قَالَ: حدثني محمد بْن عبد العزيز الزهري قَالَ: لما قدم زيد بْن علي على هشام بْن عبد الملك أعلمه حاجبه بمكانه، فرقي هشام إلى علية له طويلة، ثم أذن له، وأمر خادما أن يتبعه، وقال: لا يرينك، واسمع ما يقول قال: فاتعبته الدرجة- وكان بادنا- فوقف في بعضها، فقال: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل، فلما صار إلى هشام قضى حوائجه، ثم مضى نحو الكوفة، ونسي هشام أن يسأل الخادم حتى مضى لذلك أيام، ثم سأله فأخبره، فالتفت إلى الأبرش فقال.
والله ليأتينك خلعه أول شيء، وكان كما قَالَ وذكر عن زيد أنه حلف لهشام على أمر، فقال له: لا أصدقك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرفع قدر أحد عن أن يرضى بالله، ولم يضع قدر أحد عن ألا يرضى بذلك منه، فقال له هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها، ولست هناك وأنت ابن أمة! فقال زيد: إن لك يا أمير المؤمنين جوابا، قال: تكلم، قال: ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع عنده منزلة من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء، وولد خيرهم محمدا ص، وكان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة مثلك، فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر، وما على أحد من
(7/165)

ذلك جده رسول الله ص ما كانت أمه أمه فقال له هشام: اخرج، قَالَ: أخرج ثم لا تراني إلا حيث تكره، فقال له سالم:
يا أبا الحسين، لا يظهرن هذا منك.
رجع الحديث إلى حديث هِشَام بْن مُحَمَّد الكلبي عن أبي مخنف قَالَ:
فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد بْن علي، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية.
فأقام بالكوفة، فجعل يوسف بْن عمر يسأل عنه، فيقال: هو هاهنا، فيبعث إليه أن اشخص، فيقول: نعم، ويعتل له بالوجع فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضا عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفة بعد لم يبرح، فبعث إليه، فاستحثه بالشخوص، فاعتل عليه بأشياء يبتاعها، وأخبره أنه في جهازه، ورأى جد يوسف في أمره فتهيأ، ثم شخص حتى أتى القادسية وقال بعض الناس: أرسل معه رسولا حتى بلغه العذيب، فلحقته الشيعة، فقالوا له: أين تذهب عنا ومعك مائة ألف رجل من أهل الكوفة، يضربون دونك بأسيافهم غدا وليس قبلك من أهل الشام إلا عدة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحج أو همدان أو تميم أو بكر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالى! فننشدك الله لما رجعت، فلم يزالوا به حتى ردوه إلى الكوفة وأما غير أبي مخنف، فإنه قَالَ ما ذكر عبيد بْن جناد، عن عطاء بْن مسلم، أن زيد بْن علي لما قدم على يوسف، قَالَ له يوسف: زعم خالد أنه قد أودعك مالا، قَالَ: أنى يودعني مالا وهو يشتم آبائي على منبره! فأرسل الى خالد، فاحضره في عباءه، فقال له: هذا زيد، زعمت أنك قد أودعته مالا، وقد أنكر، فنظر خالد في وجههما، ثم قَالَ: أتريد أن تجمع مع إثمك
(7/166)

في إثما في هذا! وكيف أودعه مالا وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! قَالَ: فشتمه يوسف، ثم رده.
وأما أبو عبيدة، فذكر عنه، أنه قَالَ: صدق هشام زيدا ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به، ووجههم إلى يوسف، وقال: إنهم قد حلفوا لي، وقبلت أيمانهم وأبرأتهم من المال، وإنما وجهت بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذبوه قَالَ: ووصلهم هشام، فلما قدموا على يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلى خالد فأتى به، فقال: قد حلف القوم، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بينة بما ادعيت؟ فلم تكن له بينة، فقال القوم لخالد:
ما دعاك إلى ما صنعت؟ قَالَ: غلظ علي العذاب فادعيت ما ادعيت، وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم فأطلقهم يوسف، فمضى القرشيان:
الجمحي والمخزومي إلى المدينة، وتخلف الهاشميان: داود بن على وزيد ابن علي بالكوفة.
وذكر أن زيدا أقام بالكوفة أربعة أشهر أو خمسة ويوسف يأمره بالخروج، ويكتب إلى عامله على الكوفة وهو يومئذ بالحيرة يأمره بإزعاج زيد، وزيد يذكر أنه ينازع بعض آل طلحة بْن عبيد الله في مال بينه وبينهم بالمدينة، فيكتب العامل بذلك إلى يوسف، فيقره أياما، ثم يبلغه أن الشيعة تختلف إليه، فيكتب إليه أن أخرجه ولا تؤخره، وإن ادعى أنه ينازع فليجر جرا، وليوكل من يقوم مقامه فيما يطالب به، وقد بايعه جماعة منهم سلمة بْن كهيل ونصر بْن خزيمة العبسي ومعاوية بْن إسحاق بْن زيد بْن حارثة الأنصاري وحجية بْن الأجلج الكندي وناس من وجوه أهل الكوفة، فلما راى ذلك داود ابن على قال له: يا بن عم، لا يغرنك هؤلاء من نفسك، ففي أهل بيتك لك عبرة، وفي خذلان هؤلاء إياهم فقال: يا داود، إن بني أمية قد عتوا وقست قلوبهم، فلم يزل به داود حتى عزم على الشخوص، فشخصا حتى بلغا القادسية.
وذكر عن أبي عبيدة، أنه قَالَ: أتبعوه إلى الثعلبية وقالوا له: نحن اربعون
(7/167)

ألفا، إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلف عنك أحد، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدي.
فيحلفون له، فيقول داود بْن على: يا بن عم، إن هؤلاء يغرونك من نفسك! أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدك علي بْن أبي طالب حتى قتل! والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فسطاطه، وجرحوه! او ليس قد أخرجوا جدك الحسين، وحلفوا له بأوكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه، ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه! فلا تفعل ولا ترجع معهم فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أحق بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشام، وإن الحسين قاتله يزيد بْن معاوية والأمر عليهم مقبل، فقال له داود: إني لخائف إن رجعت معهم ألا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة.
وقال عبيد بْن جناد، عن عطاء بْن مسلم الخفاف، قَالَ: كتب هشام إلى يوسف أن أشخص زيدا إلى بلده، فإنه لا يقيم ببلد غيره فيدعو أهله إلا أجابوه، فأشخصه، فلما كان بالثعلبية- أو القادسية- لحقه المشائيم- يعني أهل الكوفة- فردوه وبايعوه، فأتاه سلمة بْن كهيل، فأستأذن عليه، فأذن له، فذكر قرابته من رسول الله ص وحقه فأحسن.
ثم تكلم زيد فأحسن، فقال له سلمة: اجعل لي الأمان، فقال: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي الأمان! وإنما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه، ثم قَالَ: لك الأمان، فقال: نشدتك بالله، كم بايعك؟ قَالَ: أربعون ألفا، قَالَ: فكم بايع جدك؟ قَالَ: ثمانون ألفا، قَالَ: فكم حصل معه؟ قال:
ثلاثمائة، قَالَ: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قَالَ: بل جدي، قَالَ:
أفقرنك الذي خرجت فيهم خير أم القرن الذي خرج فيهم جدك؟ قَالَ:
بل القرن الذي خرج فيهم جدي، قَالَ: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك بجدك! قَالَ: قد بايعوني، ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم،
(7/168)

قَالَ: أفتأذن لي أن أخرج من البلد؟ قَالَ: لم؟ قَالَ: لا آمن أن يحدث في أمرك حدث فلا أملك نفسي، قَالَ: قد أذنت لك، فخرج إلى اليمامة، وخرج زيد فقتل وصلب فكتب هشام إلى يوسف يلومه على تركه سلمة ابن كهيل يخرج من الكوفه، ويقول: مقامه كان خيرا من كذا وكذا من الخيل تكون معك.
وذكر عمر عن ابى إسحاق- شيخ من أهل أصبهان حدثه- أن عبد الله ابن حسن كتب الى زيد بن على: يا بن عم، إن أهل الكوفة نفخ العلانية، خور السريرة، هوج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم، لا يبيتون بعده في الأحداث، ولا ينوءون بدولة مرجوة، ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم وإطراحا لهم، وما لهم مثل إلا ما قَالَ علي بْن أبي طالب:
إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خزتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم.
وذكر عن هشام بْن عبد الملك، أنه كتب إلى يوسف بْن عمر في أمر زيد بْن علي: أما بعد فقد علمت بحال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم، لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم، ووظفوا عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن، حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفوهم فيها إلى الخروج، وقد قدم زين بْن علي على أمير المؤمنين في خصومة عمر بْن الوليد، ففصل أمير المؤمنين بينهما، وراى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام وصوغه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وبكثرة مخارجه في حججه، وما يدلي به عند لدد الخصام من السطوة على الخصم بالقوة الحادة لنيل الفلج، فعجل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخله والمقام قبلك، فإنه إن أعاره القوم أسماعهم فحشاها
(7/169)

من لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلى به من القرابة برسول الله ص، وجدهم ميلا إليه، غير متئدة قلوبهم ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم، وبعض التحامل عليه فيه أذى له، وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع والحقن للدماء والأمن للفرقة أحب إلي من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم وقطع نسلهم، والجماعة حبل الله المتين، ودين الله القويم وعروته الوثقى، فادع إليك أشراف أهل المصر، وأوعدهم العقوبة في الأبشار، واستصفاء الأموال، فإن من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخف معه إلا الرعاع وأهل السواد ومن تنهضه الحاجة، استلذاذا للفتنة، وأولئك ممن يستعبد إبليس، وهو يستعبدهم.
فبادهم بالوعيد واعضضهم بسوطك، وجرد فيهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السفلة واعلم أنك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاض على جماعة، ومشمر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الذي تأوي إليه، وصغوك الذي تخرج منه الثقة بربك، والغضب لدينك، والمحاماة عن الجماعة، ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الذى امرهم الله بالدخول فيه، والتشاح عليه، فإن أمير المؤمنين قد أعذر إليه وقضى من ذمامه، فليس له منزى إلى ادعاء حق هو له ظلمه من نصيب نفسه، أو فيء، أو صلة لذي قربى، إلا الذي خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السفلة على الذي عسى أن يكونوا به أشقى وأضل، ولهم أمر، ولأمير المؤمنين أعز وأسهل إلى حياطة الدين والذب عنه، فإنه لا يحب أن يرى في أمته حالا متفاوتا نكالا لهم مفنيا، فهو يستديم النظرة، ويتأتى للرشاد، ويجتنبهم على المخاوف، ويستجرهم الى
(7/170)

المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد الشفيق على ولده، والراعي الحدب على رعيته.
واعلم أن من حجتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتك أطماعهم، وأعطية ذريتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم، فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله، فإنه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغي، وقد أوقعهم الشيطان، ودلاهم فيه، ودلهم عليه، والعصمة بتارك البغي أولى، فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيته، ويسأل إلهه ومولاه ووليه أن يصلح منهم ما كان فاسدا، وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز، إنه سميع قريب.
رجع الحديث إلى حديث هشام قَالَ: فرجع زيد إلى الكوفة، فاستخفى، قَالَ: فقال له محمد بْن عمر بْن علي بْن أبي طالب حيث أراد الرجوع إلى الكوفة: أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك، ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه، فإنهم لا يفون لك، فلم يقبل منه ذلك، ورجع.
قَالَ هشام: قَالَ أبو مخنف: فأقبلت الشيعة لما رجع إلى الكوفة يختلفون إليه، ويبايعون له، حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، إلا أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين، ثم أقبل إلى الكوفة، فأقام بها، وأرسل إلى أهل السواد وأهل الموصل رجالا يدعون إليه.
قَالَ: وتزوج حيث قدم الكوفة ابنة يعقوب بْن عبد الله السلمي، أحد بني فرقد، وتزوج ابنة عبد الله بْن أبي العنبس الأزدي قَالَ:
وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت ترى رأي الشيعة، فبلغها مكان زيد، فأتته لتسلم عليه- وكانت امرأة جسيمة جميلة لحيمة، قد دخلت في السن، إلا أن الكبر لا يستبين عليها-
(7/171)

فلما دخلت على زيد بْن علي فسلمت عليه ظن أنها شابة، فكلمته فإذا أفصح الناس لسانا، وأجمله منظرا، فسألها عن نسبها فانتسبت له، وأخبرته ممن هي، فقال لها: هل لك رحمك الله أن تتزوجيني؟ قالت: أنت والله- رحمك الله- رغبة لو كان من أمري التزويج، قَالَ لها: وما الذي يمنعك؟
قالت: يمنعني من ذلك أني قد أسننت، فقال لها: كلا قد رضيت، ما أبعدك من أن تكوني قد أسننت! قالت: رحمك الله، أنا أعلم بنفسي منك، وبما أتى علي من الدهر، ولو كنت متزوجة يوما من الدهر لما عدلت بك، ولكن لي ابنة أبوها ابن عمي، وهي أجمل مني، وانا أزوجكها ان احببت، قال: رضيت أن تكون مثلك، قالت له: لكن خالقها ومصورها لم يرض أن يجعلها مثلي، حتى جعلها أبيض وأوسم وأجسم، وأحسن مني دلا وشكلا فضحك زيد، وقال لها: قد رزقت فصاحة ومنطقا حسنا، فأين فصاحتها من فصاحتك؟ قالت: أما هذا فلا علم لي به، لأني نشأت بالحجاز، ونشأت ابنتي بالكوفة، فلا أدري لعل ابنتي قد أخذت لغة أهلها فقال زيد: ليس ذلك بأكره إلي، ثم واعدها موعدا فأتاها فتزوجها، ثم بنى بها فولدت له جارية ثم أنها ماتت بعد، وكان بها معجبا.
قَالَ: وكان زيد بْن علي ينزل بالكوفة منازل شتى، في دار امرأته في الأزد مرة، ومرة في أصهاره السلميين، ومرة عند نصر بْن خزيمة في بني عبس، ومرة في بني غبر ثم إنه تحول من بني غبر إلى دار معاويه ابن إسحاق بْن زيد بْن حارثة الأنصاري في أقصى جبانة سالم السلولي، وفي بني نهد وبني تغلب عند مسجد بني هلال بْن عامر، فأقام يبايع أصحابه، وكانت بيعته التي يبايع عليها الناس: إنا ندعوكم إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد الظالمين، وإقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا، أتبايعون على ذلك؟
(7/172)

فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن في السر والعلانية؟
فإذا قَالَ: نعم مسح يده على يده، ثم قَالَ: اللهم اشهد فمكث بذلك بضعة عشر شهرا، فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ، فجعل من يريد ان يفى ويخرج معه يستعد لو يتهيأ، فشاع امره في الناس.

ذكر الخبر عن غزوه نصر بن سيار ما وراء النهر
وفي هذه السنة غزا نصر بْن سيار ما وراء النهر مرتين، ثم غزا الثالثة، فقتل كور صول.
ذكر الخبر عن غزواته هذه:
ذكر علي عن شيوخه، أن نصرا غزا من بلخ ما وراء النهر من ناحية باب الحديد، ثم قفل إلى مرو، فخطب الناس، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانح المجوس، يمنحهم ويدفع عنهم، ويحمل أثقالهم على المسلمين، ألا إن أشبداد بْن جريجور كان مانح النصارى، ألا إن عقيبة اليهودي كان مانح اليهود يفعل ذلك ألا إني مانح المسلمين أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم على المشركين، ألا إنه لا يقبل مني إلا توفي الخراج على ما كتب ورفع وقد استعملت عليكم منصور بْن عمر بْن أبي الخرقاء، وأمرته بالعدل عليكم، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثقل عليه في خراجه، وخفف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك الى المنصور بْن عمر، يحوله عن المسلم إلى المشرك قَالَ: فما كانت الجمعة الثانية، حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم، كانوا يؤدون الجزية عن رءوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم، فحول ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين ثم صنف الخراج حتى وضعه مواضعة، ثم وظف الوظيفة التي جرى عليها الصلح قَالَ: فكانت مرو يؤخذ منها
(7/173)

مائة ألف سوى الخراج أيام بني أمية ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثانيه إلى الشاش من مرو، فحال بينه وبين قطوع النهر نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفا، استأجر كل رجل منهم في كل شهر بشقه حرير، الشقه يومئذ بخمسة وعشرين درهما، فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرا من القطوع إلى الشاش وكان الحارث بْن سريج يومئذ بأرض الترك، فأقبل معهم، فكان بإزاء نصر، فرمى نصرا، وهو على سريره على شاطئ النهر بحسبان، فوقع السهم في شدق وصيف لنصر يوضئه، فتحول نصر عن سريره، ورمى فرسا لرجل من أهل الشام فنفق وعبر كورصول في أربعين رجلا، فبيت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بخارى، وكانوا في الساقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة، ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكس وأشروسنة، وهم عشرون ألفا، فنادى نصر في الأخماس:
ألا لا يخرجن أحد من بنائه، واثبتوا على مواضعكم فخرج عاصم بْن عمير وهو على جند أهل سمرقند، حتى مرت خيل كورصول، وقد كانت الترك صاحت صيحة، فظن أهل العسكر أن الترك قد قطعوا كلهم فلما مرت خيل كورصول على ذلك حمل على آخرهم، فأسر رجلا، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبة، فجاءوا به إلى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعه شبرا، وعليه رانا ديباج فيهما حلق، وقباء فرند مكفف بالديباج، فقال له نصر: من أنت؟ قَالَ: كورصول، فقال نصر:
الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله! قَالَ: فما ترجو من قتل شيخ، وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك، وألف برذون تقوي بها جندك، وخل سبيلي! فقال نصر لمن حوله من أهل الشام وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا:
خل سبيله، فسأله عن سنه، قَالَ: لا أدري، قَالَ: كم غزوت؟ قَالَ:
اثنتين وسبعين غزوة، قَالَ: أشهدت يوم العطش؟ قَالَ: نعم، قَالَ:
لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك وقال لعاصم بْن عمير السغدي: قم إلى سلبه فخذه، فلما
(7/174)

أيقن بالقتل، قَالَ: من أسرني؟ قَالَ نصر وهو يضحك: يزيد بْن قران الحنظلي- وأشار إليه- قَالَ: هذا لا يستطيع أن يغسل استه- أو قَالَ:
لا يستطيع أن يتم بوله- فكيف يأسرني! فأخبرني من أسرني، فإني أهل أن أقتل سبع قتلات، قيل له: عاصم بْن عمير، قَالَ: لست أجد مس القتل إذ كان الذي أسرني فارسا من فرسان العرب فقتله وصلبه على شاطئ النهر قال: وعاصم بن عمير هو الهزار مرد، قتل بنهاوند أيام قحطبة.
قَالَ: فلما قتل كورصول تخدرت الترك وجاءوا بأبنيته فحرقوها، وقطعوا آذانهم، وجردوا وجوههم، وطفقوا يبكون عليه، فلما أمسى نصر وأراد الرحلة، بعث إلى كورصول بقارورة نفط، فصبها عليه، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه قَالَ: وكان ذلك أشد عليهم من قتله.
وارتفع نصر إلى فرغانة، فسبى منها ثلاثين ألف رأس، قَالَ: فقال عنبر بْن برعمة الأزدي: كتب يوسف بْن عمر إلى نصر: سر إلى هذا الغارز ذنبه بالشاش- يعني الحارث بْن سريج- فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرب بلادهم، واسب ذراريهم، وإياك وورطه المسلمين قَالَ: فدعا نصر الناس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال: ما ترون؟ فقال يحيى بْن حضين: امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير، فقال نصر: يا يحيى، تكلمت ليالي عاصم بكلمة، فبلغت الخليفة فحظيت بها، وزيد في عطائك، وفرض لأهل بيتك، وبلغت الدرجة الرفيعة، فقلت: أقول مثلها.
سر يا يحيى، فقد وليتك مقدمتي، فأقبل الناس على يحيى يلومونه، فقال نصر يومئذ: وأي ورطة أشد من أن تكون في السفر وهم في القرار! قَالَ: فسار إلى الشاش، فأتاه الحارث بْن سريج فنصب عرادتين تلقاء بني تميم، فقيل له: هؤلاء بنو تميم، فنقلهما فنصبهما على الأزد- ويقال: على بكر بْن وائل- وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترك، فقتله المسلمون، وأسروا سبعة من أصحابه، فأمر نصر بْن سيار برأس الأخرم، فرمي به في عسكرهم بمنجنيق، فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة، ثم ارتحلوا
(7/175)

منهزمين، ورجع نصر، وأراد أن يعبر، فحيل بينه وبين ذلك، فقال أبو نميلة صالح بْن الأبار:
كنا وأوبة نصر عند غيبته ... كراقب النوء حتى جاده المطر
اودى باخرم منه عارض برد ... مسترجف بمنايا القوم منهمر
وأقبل نصر فنزل سمرقند في السنة التي لقي فيها الحارث بْن سريج، فأتاه بخارى خذاه منصرفا، وكانت المسلحة عليهم، ومعهم دهقانان من دهاقين بخارى، وكانا أسلما على يدي نصر، وقد أجمعا على الفتك بواصل بْن عمرو القيسى عامل بخارى وببخار اخذاه يتظلمان من بخار اخذاه، - واسمه طوق شياده- فقال بخار اخذاه لنصر: أصلح الله الأمير! قد علمت أنهما قد أسلما على يديك، فما بالهما معلقي الخناجر عليهما! فقال لهما نصر: ما بالكما معلقي الخناجر وقد أسلمتما! قَالَ: بيننا وبين بخار اخذاه عداوة فلا نأمنه على أنفسنا فأمر نصر هارون بْن السياوش مولى بني سليم- وكان يكون على الرابطة- فاجتذبهما فقطعهما، ونهض بخار اخذاه إلى نصر يساره في أمرهما، فقالا: نموت كريمين، فشد أحدهما على واصل ابن عمرو فطعنه في بطنه بسكين، وضربه واصل بسيفه على رأسه، فأطار قحف رأسه فقتله، ومضى الآخر الى بخار اخذاه- وأقيمت الصلاة، وبخار اخذاه جالس على كرسي- فوثب نصر، فدخل السرادق، واحضر بخار اخذاه، فعثر عند باب السرادق فطعنه، وشد عليه الجوزجان بْن الجوزجان، فضربه بجرز كان معه فقتله، وحمل بخار اخذاه فادخل سرادق نصر، ودعا له نصر بوسادة فاتكأ عليها، وأتاه قرعة الطبيب، فجعل يعالجه وأوصى إلى نصر، ومات من ساعته، ودفن واصل في السرادق، وصلى عليه نصر واما طوق شياده فكشطوا عنه لحمه، وحملوا عظامه إلى بخارى.
قال: وسار نصر إلى الشاش، فلما قدم أشروسنة عرض دهقانها أباراخرة مالا، ثم نفذ إلى الشاش، واستعمل على فرغانة محمد بْن خالد الأزدي، وجهه إليها في عشرة نفر، ورد من فرغانه أخا جيش فيمن كان
(7/176)

معه من دهاقين الختل وغيرهم، وانصرف منها بتماثيل كثيرة، فنصبها في أشروسنة.
وقال بعضهم: لما أتى نصر الشاش تلقاه قدر ملكها بالصلح والهدية والرهن، واشترط عليه إخراج الحارث بْن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب، واستعمل على الشاش نيزك بْن صالح مولى عمرو بْن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، وقد كانوا أحسوا بمجيئه، فأحرقوا الحشيش وحبسوا الميرة ووجه نصر إلى ولي عهد صاحب فرغانة في بقية سنة إحدى وعشرين ومائة، فحاصروه في قلعة من قلاعها، فغفل عنهم المسلمون، فخرجوا على دوابهم فاستاقوها، وأسروا ناسا من المسلمين، فوجه إليهم نصر رجالا من بني تميم، ومعهم محمد بن المثنى- وكان فارسا- فكايدهم المسلمون، فأهملوا دوابهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدهقان، وأسروا منهم أسراء، وحمل ابن الدهقان المقتول على ابن المثنى، فختله محمد بْن المثنى، فأسره، وهو غلام أمرد، فأتى به نصرا، فضرب عنقه.
وكان نصر بعث سليمان بْن صول إلى صاحب فرغانة بكتاب الصلح بينهما قَالَ سليمان: فقدمت عليه فقال لي: من أنت؟ قلت:
شاكري خليفة كاتب الأمير، قَالَ: فقال: أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددنا، فقيل له: قم، قَالَ: قلت ليس بي مشي، قَالَ: قدموا له دابة يركبها، قَالَ: فدخلت خزائنه، فقلت في نفسي: يا سليمان، شمت بك اسرايل وبشر بْن عبيد، ليس هذا إلا لكراهة الصلح، وسأنصرف بخفي حنين.
قَالَ: فرجعت إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟
قلت: سهلا كثير الماء والمرعى، فكره ما قلت له، فقال: ما علمك؟
فقلت: قد غزوت غرشستان وغور والختل وطبرستان، فكيف لا أعلم! قَالَ: فكيف رأيت ما أعددنا؟ قلت: رأيت عدة حسنة، ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قَالَ: وما هن؟ قلت: لا يأمن أقرب الناس إليه وأحبهم إليه وأوثقهم في نفسه أن يثب به يطلب مرتبته، ويتقرب بذلك، أو يفنى ما قد جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت
(7/177)

فقطب وكره ما قلت له وقال: انصرف إلى منزلك، فانصرفت فأقمت يومين، وأنا لا أشك في تركه الصلح، فدعاني فحملت كتاب الصلح مع غلامي، وقلت له: إن أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف إلى المنزل، ولا تظهر الكتاب، وقل لي: إني خلفت الكتاب في المنزل فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلفته في المنزل فقال: ابعث من يجيئك به، فقبل الصلح، وأحسن جائزتي، وسرح معي أمه، وكانت صاحبة أمره قَالَ: فقدمت على نصر، فلما نظر إلي قَالَ: ما مثلك إلا كما قَالَ الأول: فأرسل حكيما ولا توصه.
فأخبرته، فقال: وفقت، وأذن لأمه عليه، وجعل يكلمها والترجمان يعبر عنها، فدخل تميم بْن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟
فقالت: لا، فقال: هذا تميم بْن نصر، فقالت: والله ما أرى له حلاوة الصغير، ولا نبل الكبير.
قَالَ أبو إسحاق بْن ربيعة: قالت لنصر: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يباثه بكتاب نفسه وما شجر في صدره من الكلام، ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إلى وجهها زال غمه، وحصن إذا فزع أو جهد فزع إليه فأنجاه- تعني البرذون- وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها.
من الأرض عاش بها ثم دخل تميم بن نصر في الازفله وجماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا:
هذا فتى خراسان، هذا تميم بْن نصر، قالت: ما له نبل الكبار ولا حلاوة الصغار.
ثم دخل الحجاج بْن قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بْن قتيبة، قَالَ: فحيته، وسألت عنه، وقالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، لا يصلح بعضكم لبعض قتيبة الذي وطن لكم ما أرى، وهذا ابنه تقعده دونك! فحقك أن تجلسه هذا المجلس، وتجلس أنت مجلسه
(7/178)

وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام بْن إسماعيل المخزومي- كذلك قَالَ أَبُو معشر، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وكان عامل هشام بْن عبد الملك على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة محمد بْن هشام، وعامله على العراق كله يوسف بْن عمر، وعامله على أذربيجان وأرمينية مروان بْن محمد، وعلى خراسان نصر بْن سيار، وعلى قضاء البصرة عامر بْن عبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة.
(7/179)

ثم دخلت

سنة اثنتين وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كان فيها من احداث)

خبر مقتل زيد بن على
فمن ذلك مقتل زيد بْن علي.
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر هشام عن أبي مخنف، أن زيد بْن علي لما أمر أصحابه بالتأهب للخروج والاستعداد، أخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بْن سراقة البارقي إلى يوسف بْن عمر، فأخبره خبره، وأعلمه أنه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر، وإلى رجل من بني تميم يقال له طعمة، ابن أخت لبارق، وهو نازل فيهم فبعث يوسف يطلب زيد بْن علي في منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخذ الرجلان، فأتي بهما، فلما كلمهما استبان له أمر زيد وأصحابه وتخوف زيد بْن علي أن يؤخذ، فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة قَالَ:
وعلى أهل الكوفة يومئذ الحكم بْن الصلت، وعلى شرطه عمرو بْن عبد الرحمن، رجل من القارة، وكانت ثقيف أخواله، وكان فيهم ومعه عبيد الله بْن العباس الكندي، في أناس من أهل الشام، ويوسف بْن عمر بالحيرة قَالَ: فلما رأى أصحاب زيد بْن علي الذين بايعوه أن يوسف بْن عمر قد بلغه أمر زيد، وأنه يدس إليه، ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رءوسهم، فقالوا: رحمك الله! ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قَالَ زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت، إلا أن وثبا على سلطانكم
(7/180)

فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشد ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان رسول الله ص من الناس أجمعين، وإن القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! وان كان أولئك لم يظلموك، فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وان هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنه نبيه ص، وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه ونكثوا بيعته، وقالوا: سبق الإمام- وكانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بْن علي أخا زيد بْن علي هو الإمام، وكان قد هلك يومئذ- وكان ابنه جعفر بْن محمد حيا، فقالوا: جعفر امامنا اليوم بعد أبيه، وهو أحق بالأمر بعد أبيه، ولا نتبع زيد بْن علي فليس بإمام فسماهم زيد الرافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي سماهم الرافضة المغيرة حيث فارقوه وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مروا إلى جعفر بْن محمد بْن علي، فقالوا له: إن زيد بْن علي فينا يبايع، أفترى لنا أن نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو والله أفضلنا وسيدنا وخيرنا فجاءوا، فكتموا ما أمرهم به.
قَالَ: واستتب لزيد بْن علي خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة.
وبلغ يوسف بْن عمر أن زيدا قد ازمع على الخروج، فبعث الى الحكم ابن الصلت، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة، فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: ألا إن الأمير يقول: من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة، ادخلوا المسجد الأعظم فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدا في دار معاوية بْن إسحاق بْن زيد بْن حارثة الأنصاري، فخرج ليلا، وذلك ليلة الأربعاء، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بْن
(7/181)

إسحاق، فرفعوا الهرادى فيها النيران، ونادوا: يا منصور.
أمت، أمت يا منصور فكلما أكلت النار هرديا رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا بعث زيد بْن علي القاسم التنعي ثم الحضرمي ورجلا آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بْن العباس الكندي، فشدوا عليه وعلى أصحابه، فقتل الرجل الذي كان مع القاسم التنعي، وارتث القاسم، فأتي به الحكم، فكلمه فلم يرد عليه شيئا، فأمر به فضربت عنقه على باب القصر، فكان أول من قتل من اصحاب زيد ابن علي هو وصاحبه وأمر الحكم بْن الصلت بدروب السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد على أهل الكوفة وعلى أرباع الكوفة يومئذ، على ربع أهل المدينة إبراهيم بْن عبد الله بْن جرير البجلي، وعلى مذحج وأسد عمرو ابن أبي بذل العبدي، وعلى كندة وربيعة المنذر بن محمد بن اشعث بْن قيس الكندي، وعلى تميم وهمدان محمد بْن مالك الهمداني ثم الخيواني.
قَالَ: وبعث الحكم بْن الصلت إلى يوسف بْن عمر، فأخبره الخبر، فأمر يوسف مناديه فنادى في أهل الشام: من يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبرهم؟ فقال جعفر بْن العباس الكندي: أنا، فركب في خمسين فارسا، ثم أقبل حتى انتهى إلى جبانة سالم السلولي، فاستخبرهم، ثم رجع إلى يوسف بْن عمر فأخبره، فلما أصبح خرج إلى تل قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس، وعلى شرطته يومئذ العباس بْن سعيد المزني، فبعث الريان بْن سلمة الإراشي في الفين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالا معهم النشاب.
وأصبح زيد بْن علي، فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، فقال زيد: سبحان الله! أين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر وسمع نصر ابن خزيمة النداء، فاقبل اليه، فلقى عمر بْن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بْن الصلت في خيله من جهينة عند دار الزبير بن ابى حكمه في الطريق
(7/182)

الذي يخرج إلى مسجد بني عدي، فقال نصر بْن خزيمة: يا منصور أمت، فلم يرد عليه شيئا، فشد عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بْن عبد الرحمن، وانهزم من كان معه، وأقبل زيد بْن علي من جبانة سالم حتى انتهى الى جبانه الصائديين، وبها خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم زيد بْن علي فيمن معه فهزمهم وكان تحت زيد بْن علي يومئذ برذون أدهم بهيم، اشتراه رجل من بني نهد بْن كهمس بْن مروان النجاري بخمسة وعشرين دينارا، فلما قتل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بْن الصلت.
قَالَ: وانتهى زيد بْن علي إلى باب دار رجل من الأزد، يقال له أنس ابن عمرو- وكان فيمن بايعه- فنودي وهو في الدار فجعل يجيب، فناداه زيد يا أنس: اخرج إلي رحمك الله، فقد جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم! قَالَ: ثم إن زيدا مضى حتى انتهى إلى الكناسة، فحمل على جماعة بها من أهل الشام فهزمهم، ثم خرج حتى ظهر إلى الجبانة ويوسف بْن عمر على التل ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حزام بْن مرة المزني وزمزم بْن سليم الثعلبي، وهما على المجففة، ومعه نحو من مائتي رجل، والله لو أقبل على يوسف لقتله، والريان بْن سلمة يتبع أثر زيد بْن علي بالكوفة في أهل الشام.
ثم إن زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بْن عبد الله حتى دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيد بْن علي حيث وجه إلى الكناسة قد انشعبت نحو جبانة مخنف بْن سليم ثم قَالَ بعضهم لبعض: ألا ننطلق نحو جبانة كندة! قَالَ: فما زاد الرجل على أن تكلم بهذا الكلام.
وطلع أهل الشام، فلما رأوهم دخلوا زقاقا فمضوا فيه، وتخلف رجل منهم، فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة ثم إنهم صرعوه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم، فنادى رجل منهم مقنع بالحديد:
أن اكشفوا المغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد، ففعلوا، وقتل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل، وانصرف أهل الشام، وقد اقتطعوا
(7/183)

رجلا، ونجا سائرهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل دار عبد الله بْن عوف، فدخل أهل الشام عليه فأسروه، فذهب به إلى يوسف بْن عمر فقتله.
قَالَ: وأقبل زيد بْن علي، وقد رأى خذلان الناس إياه، فقال:
يا نصر بْن خزيمة، أتخاف أن يكون قد جعلوها حسينية! فقال له:
جعلني الله لك الفداء! اما انا فو الله لأضربن معك بسيفي هذا حتى أموت، فكان قتاله يومئذ بالكوفة ثم إن نصر بْن خزيمة قَالَ لزيد بْن علي: جعلني الله لك الفداء! إن الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمر على دار خالد بْن عرفطه وبلغ عبيد الله ابن العباس الكندي إقباله، فخرج في أهل الشام، وأقبل زيد فالتقوا على باب عمر بْن سعد بْن أبي وقاص، فكع صاحب لواء عبيد الله- وكان لواؤه مع سلمان مولاه- فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كع عنه، قال:
احمل يا بن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتى خضب لواؤه بالدم.
ثم إن عبيد الله برز فخرج اليه واصل الحناط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول: خذها مني وأنا الغلام الحناط! وقال الآخر: قطع الله يدي إن كلت بقفيز أبدا ثم ضربه فلم يصنع شيئا وانهزم عبيد الله بْن العباس وأصحابه، حتى انتهوا الى دار عمرو من حريث وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوا إلى باب الفيل، فجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهل المسجد، اخرجوا وجعل نصر بْن خزيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا دنيا فأشرف عليهم أهل الشام، فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد- وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها، وقيل في جبانة سالم- وانصرف الريان بْن سلمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بْن علي فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق، فأتاه الريان بْن سلمة، فقاتله عند دار الرزق قتالا شديدا، فجرح من أهل
(7/184)

الشام وقتل منهم ناس كثير، وتبعهم أصحاب زيد من دار الرزق، حتى انتهوا إلى المسجد، فرجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنا، فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بْن عمر الريان بْن سلمة، فلم يوجد حاضرا تلك الساعة.
وقال بعضهم: بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفف به، وقال له: أف لك من صاحب خيل! اجلس فدعا العباس بْن سعيد المزني صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشام، فسار حتى انتهى إلى زيد بْن على في دار الرزق، وثم خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق وخرج زيد في أصحابه، وعلى مجنبتيه نصر بْن خزيمة العبسي ومعاوية بْن إسحاق الأنصاري، فلما رآهم العباس- ولم يكن معه رجال- نادى: يا أهل الشام، الارض والارض! فنزل ناس كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالا شديدا في المعركة وقد كان رجل من أهل الشام من بني عبس يقال له نائل بْن فروة قَالَ ليوسف بْن عمر:
والله لئن أنا ملأت عيني من نصر بْن خزيمة لأقتلنه أو ليقتلني، فقال له يوسف:
خذ هذا السيف، فدفع إليه سيفا لا يمر بشيء إلا قطعه فلما التقى أصحاب العباس بْن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا، بصر نائل بْن فروة بنصر بْن خزيمة، فأقبل نحوه، فضرب نصرا فقطع فخذه، وضربه نصر ضربة فقتله، فلم يلبث نصر أن مات، واقتتلوا قتالا شديدا.
ثم إن زيد بْن علي هزمهم وقتل من أهل الشام نحوا من سبعين رجلا، فانصرفوا وهم بشر حال وقد كان العباس بْن سعيد نادى في أصحابه أن اركبوا، فإن الخيل لا تطيق الرجال في المضيق فركبوا، فلما كان العشي عبأهم يوسف بْن عمر ثم سرحهم، فأقبلوا حتى التقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجاله، حتى أخذوا على المسناه.
ثم ان زيدا ظهر لهم فيما بين بارق ورؤاس، فقاتلهم هنالك قتالا شديدا،
(7/185)

وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بْن أبي مالك بْن مسروح، من بنى سعد بن زيد، خليف العباس بْن عبد المطلب، وكان مسروح السعدي تزوج صفية بنت العباس بْن عبد المطلب، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ورجله، فبعث العباس إلى يوسف بْن عمر يعلمه ذلك، فقال له: ابعث إلي الناشبة، فبعث إليهم سليمان بْن كيسان الكلبي في القيقانية والبخارية، وهم ناشبة، فجعلوا يرمون زيدا وأصحابه، وكان زيد حريصا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السبخة، فأبوا عليه، فقاتل معاوية بْن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد بْن علي قتالا شديدا، فقتل بين يديه، وثبت زيد بْن علي ومن معه حتى إذا جنح الليل رمي بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فتشبث في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل.
قَالَ: فحدثني سلمة بْن ثابت الليثي- وكان مع زيد بْن علي، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بْن إسحاق- قَالَ: أقبلت أنا وصاحبي نقص أثر زيد بْن علي، فنجده قد أنزل، وأدخل بيت حران ابن كريمة مولى لبعض العرب في سكة البريد في دور أرحب وشاكر.
قَالَ سلمة بْن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له شقير مولى لبنى رؤاس فانزع النصل من جبهته، وانا انظر اليه، فو الله ما عدا أن أنزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث أن قضى، فقال القوم: أين ندفنه، وأين نواريه؟
فقال بعض أصحابه: نلبسه درعه ونطرحه في الماء، وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا ناكل لحم أبي الكلاب.
وقال بعضهم: لا بل نحمله إلى العباسية فندفنه.
قَالَ سلمة: فأشرت عليهم أن ننطلق به إلى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأيي وانطلقنا، وحفرنا له بين حفرتين، وفيه حينئذ ماء كثير، حتى إذا نحن أمكنا له دفناه، وأجرينا عليه الماء، وكان معنا
(7/186)

عبد له سندي قَالَ: ثم انصرفنا حتى نأتي جبانة السبيع، ومعنا ابنه، فلم نزل بها، وتصدع الناس عنا، وبقيت في رهط معه لا يكونون عشرة، فقلت له: أين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك- ومعه أبو الصبار العبدي- قَالَ: فقال: النهرين، فقلت له: إن كنت إنما تريد النهرين- فظننت أنه يريد أن يتشطط الفرات ويقاتلهم- فقلت له: لا تبرح مكانك، تقاتلهم حتى تقتل، أو يقضي الله ما هو قاض فقال لي: أنا أريد نهري كربلاء.
فقلت له: فالنجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفة، وأنا معه وأبو الصبار ورهط معنا، فلما خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذنين، فصلينا الغداة بالنخيلة، ثم توجهنا سراعا قبل نينوى، فقال لي: إني أريد سابقا مولى بشر بْن عبد الملك بْن بشر، فأسرع السير، وكنت إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعم الأرغفة فأطعمها إياه، فيأكل ونأكل معه، فانتهينا إلى نينوى وقد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوت على الباب، فخرج إلينا فقلت له:
أما أنا فآتي الفيوم، فأكون به، فإذا بدا لك أن ترسل إلي فأرسل.
قَالَ: ثم إني مضيت وخلفته عند سابق، فذلك آخر عهدي به.
قَالَ: ثم إن يوسف بْن عمر بعث أهل الشام يطلبون الجرحى في دور أهل الكوفة، فكانوا يخرجون النساء إلى صحن الدار، ويطوفون البيت يلتمسون الجرحى.
قَالَ: ثم دل غلام زيد بْن علي السندي يوم الجمعة على زيد، فبعث الحكم بْن الصلت العباس بْن سعيد المزني وابن الحكم بن الصلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكره العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بْن الصلت فتركه وسرح بشيرا إلى يوسف بْن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بْن علي مع الحجاج بْن القاسم بْن محمد بْن الحكم بْن أبي عقيل، فقال أبو الجويرية مولى جهينة:
قل للذين انتهكوا المحارم ... ورفعوا الشمع بصحرا سالم
كيف وجدتم وقعة الأكارم ... يا يوسف بْن الحكم بْن القاسم!
قَالَ: ولما أتى يوسف بْن عمر البشير، امر بزيد فصلب بالكناسة،
(7/187)

هو ونصر بْن خزيمة ومعاوية بْن إسحاق بْن زيد بْن حارثة الأنصاري وزياد النهدي، وكان يوسف قد نادى: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء محمد بْن عباد برأس نصر بْن خزيمة، فأمر له يوسف بْن عمر بألف درهم، وجاء الأحول مولى الأشعريين برأس معاوية بْن إسحاق، فقال: أنت قتلته؟
فقال: أصلح الله الأمير! ليس أنا قتلته، ولكني رايته فعرفته، فقال:
اعطوه سبعمائة درهم، ولم يمنعه ان يتم له ألفا، إلا أنه زعم أنه لم يقتله وقد قيل: إن يوسف بْن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلى الكوفة بعد ما شخص إلا بإعلام هشام بْن عبد الملك إياه، وذلك أن رجلا من بني أمية كتب- فيما ذكر- إلى هشام، يذكر له أمر زيد، فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجهله، ويقول: إنك لغافل، وزيد غارز ذنبه بالكوفه يبايع له فالحح في طلبه، فأعطه الأمان فإن لم يقبل فقاتله فكتب يوسف إلى الحكم بْن الصلت من آل أبي عقيل وهو خليفته على الكوفة بطلبه، فطلبه فخفي عليه موضعه، فدس يوسف مملوكا خراسانيا ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأمره أن يلطف لبعض الشيعة فيخبره أنه قد قدم من خراسان حبا لأهل البيت، وأن معه مالا يريد أن يقويهم به، فلم يزل المملوك يلقى الشيعة، ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه على زيد، فخرج فدل يوسف على موضعه، فوجه يوسف إليه الخيل، فنادى أصحابه بشعارهم، فلم يجتمع إليه منهم الا ثلاثمائة او اقل، فجعل يقول: كان داود ابن علي أعلم بكم، قد حذرني خذلانكم فلم أحذر! وقيل: إن الذي دل على موضع زيد الذي كان دفن فيه- وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابه قد سكروا النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه ثم أجروا عليه الماء- عبد قصار كان به، فاستجعل جعلا على أن يدلهم على موضعه، ثم دلهم، فاستخرجوه، فقطعوا رأسه، وصلبوا جسده، ثم أمروا بحراسته لئلا ينزل، فمكث يحرس زمانا
(7/188)

وقيل إنه كان فيمن يحرسه زهير بْن معاوية أبو خيثمة، وبعث برأسه إلى هشام فأمر به فنصب على باب مدينة دمشق، ثم أرسل به إلى المدينة، ومكث البدن مصلوبا حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فانزل واحرق وقيل: ان حكيم ابن شريك كان هو الذي سعى بزيد إلى يوسف.
فأما أبو عبيدة معمر بْن المثنى فإنه قَالَ في أمر يحيى بْن زيد: لما قتل زيد عمد رجل من بني أسد إلى يحيى بْن زيد، فقال له: قد قتل أبوك، وأهل خراسان لكم شيعة، فالرأي أن تخرج إليها قَالَ: وكيف لي بذلك؟ قَالَ: تتوارى حتى يكف عنك الطلب ثم تخرج، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتى عبد الملك بْن بشر بْن مروان، فقال له: إن قرابة زيد بك قريبة، وحقه عليك واجب، قَالَ له: أجل، ولقد كان العفو عنه أقرب إلى التقوى، قَالَ: فقد قتل وهذا ابنه غلاما حدثا لا ذنب له، وإن علم يوسف بْن عمر بمكانه قتله، فتجيره وتواريه عندك، قَالَ: نعم وكرامة فأتاه به فواراه عنده فبلغ الخبر يوسف، فأرسل إلى عبد الملك: قد بلغني مكان هذا الغلام عندك، وأعطي الله عهدا، لئن لم تأتني به لأكتبن فيك إلى أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل والزور، أنا أواري من ينازعني سلطاني ويدعي فيه أكثر من حقي! ما كنت أخشاك على قبول مثل هذا علي ولا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق والله ابن بشر، ما كان ليواري مثل هذا، ولا يستر عليه، فكف عن طلبه، فلما سكن الطلب خرج يحيى في نفر من الزيدية إلى خراسان.
وخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال:
يا أهل الكوفة، إن يحيى بن زيد يتنقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو ابدى لي صفحته لعرقت خصييه كما عرقت خصيي أبيه.
وذكر عن رجل من الأنصار قَالَ: لما جيء برأس زيد فصلب بالمدينة في سنة ثلاث وعشرين ومائة، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال:
(7/189)

الا يا ناقض الميثاق ... أبشر بالذي ساكا
نقضت العهد والميثاق ... قدما كان قدماكا
لقد أخلف إبليس الذي ... قد كان مناكا
قال: فقيل له: ويلك! أتقول هذا لمثل زيد! فقال: إن الأمير غضبان فأردت أن أرضيه، فرد عليه بعض شعرائهم:
ألا يا شاعر السوء ... لقد أصبحت أفاكا
اشتم ابن رسول الله ... يرضى من تولاكا
ألا صبحك الله ... بخزي ثم مساكا
ويوم الحشر لا شك ... بأن النار مثواكا
وقيل: كان خراش بْن حوشب بْن يزيد الشيبانى على شرط يوسف ابن عمر، فهو الذي نبش زيدا، وصلبه، فقال السيد:
بت ليلي مسهدا ... ساهر الطرف مقصدا
ولقد قلت قولة ... وأطلت التبلدا
لعن الله حوشبا ... وخراشا ومزيدا
ويزيدا فإنه ... كان أعتى وأعندا
ألف ألف وألف ... ألف من اللعن سرمدا
إنهم حاربوا الإله ... وآذوا محمدا
شركوا في دم المطهر ... زيد تعندا
ثم عالوه فوق جذع ... صريعا مجردا
يا خراش بْن حوشب ... أنت أشقى الورى غدا
(7/190)

قَالَ أبو مخنف: ولما قتل يوسف زيد بْن علي أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر، فقال:
يا أهل المدرة الخبيثة، إني والله مَا تقرن بي الصعبة، وَلا يقعقع لي بالشنان، ولا اخوف بالذنب هيهات! حبيت بالساعد الأشد، أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق، ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه، فإنكم أهل بغي وخلاف، ما منكم إلا من حارب الله ورسوله، إلا حكيم بْن شريك المحاربي، ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم، ولو أذن لقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريكم.
وفي هذه السنة قتل كلثوم بْن عياض القشيري الذي كان هشام بْن عبد الملك بعثه في خيول أهل الشام إلى إفريقية، حيث وقعت الفتنة بالبربر.
وفيها قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم.
وفيها ولد الفضل بْن صالح ومحمد بْن إبراهيم بْن محمد بْن علي.
وفيها وجه يوسف بْن عمر بْن شبرمة على سجستان، فاستقضى ابن أبي ليلى.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام المخزومي، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن اسحق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل، إلا أن قاضي الكوفة كان- فيما ذكر- في هذه السنة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى.
(7/191)

ثم دخلت

سنة ثلاث وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السغد
فمن ذلك ما جرى بين أهل السغد ونصر بْن سيار من الصلح.
ذكر الخبر عن ذلك وسببه:
ذكر علي بْن محمد، عن شيوخه، أن خاقان لما قتل في ولاية أسد، تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض، فطمع أهل السغد في الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولى نصر بْن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم، وأعطاهم كل ما أرادوا.
قَالَ: وكانوا سألوا شروطا أنكرها أمراء خراسان، منها الا يعاقب من كان مسلما وارتد عن الإسلام، ولا يعدى عليهم في دين لأحد من الناس، ولا يؤخذون بقبالة عليهم في بيت المال، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضية قاض وشهادة العدول، فعاب الناس ذلك على نصر، وكلموه فقال: أما والله لو عاينتم شوكتهم في المسلمين ونكايتهم مثل الذي عاينت ما أنكرتم ذلك! فأرسل رسولا إلى هشام في ذلك، فلما قدم الرسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر، فقال الرسول: جربت يا أمير المؤمنين حربنا وصلحنا، فاختر لنفسك فغضب هشام، فقال الأبرش الكلبي: يا أمير المؤمنين، تألف القوم واحمل لهم، فقد عرفت نكايتهم كانت في المسلمين، فأنفذ هشام ما سأل.
وفي هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت الى هشام بْن عبد الملك، يسأله ضم خراسان إليه وعزل نصر بْن سيار
(7/192)

ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الأمر فيه:
ذكر علي عن شيوخه، قَالَ: لما طالت ولاية نصر بْن سيار، ودانت له خراسان، كتب يوسف بْن عمر إلى هشام حسدا له: إن خراسان دبرة دبرة فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمها إلى العراق فأسرح إليها الحكم بْن الصلت، فإنه كان مع الجنيد، وولي جسيم أعمالها، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم.
وأنا باعث بالحكم بْن الصلت إلى أمير المؤمنين، فإنه أديب أريب، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودتنا أهل البيت فلما أتى هشاما كتابه بعث إلى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن على السغدى، فأتوه به، فقال: أمن خراسان أنت؟ قَالَ: نعم، وأنا صاحب الترك- قَالَ: وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من الترك- فقال:
أتعرف الحكم بْن الصلت؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فما ولي بخراسان؟ قَالَ: ولي قرية يقال لها الفارياب، خراجها سبعون ألفا، فأسره الحارث بْن سريج، قَالَ:
ويحك! وكيف أفلت منه! قَالَ: عرك أذنه، وقفده وخلى سبيله قَالَ:
فقدم عليه الحكم بعد بخراج العراق، فرأى له جمالا وبيانا، فكتب إلى يوسف:
إن الحكم قدم وهو على ما وصفت، وفيما قبلك له سعة، وخل الكناني وعمله.
وفي هذه السنة غزا نصر فرغانة غزوته الثانية، واوفد مغراء بْن أحمر إلى العراق، فوقع فيه عند هشام.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ وما كَانَ من هشام ويوسف بْن عمر فيه:
ذكر أن نصرا وجه مغراء بْن أحمر إلى العراق وافدا، منصرفه من غزوته الثانية فرغانة، فقال له يوسف بْن عمر: يا بن أحمر، يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم! فقال: قد كان ذلك أصلح الله الأمير! قَالَ: فإذا قدمت على أمير المؤمنين فابقر بطنه فقدموا على هشام، فسألهم عن أمر خراسان، فتكلم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر
(7/193)

يوسف بْن عمر بخير، فقال: ويحك! أخبرني عن خراسان، قَالَ: ليس لك جند يا امير المؤمنين احد ولا انجد منهم، من سواذق في السماء وفرسان مثل الفيله، وعدة وعدد من قوم ليس لهم قائد، قَالَ: ويحك! فما فعل الكناني؟ قَالَ: لا يعرف ولده من الكبر فرد عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتي بشبيل بْن عبد الرحمن المازني، فقال له هشام: أخبرني عن نصر، قَالَ: ليس بالشيخ يخشى خرفه، ولا الشاب يخشى سفهه، المجرب المجرب، قد ولي عامة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته فكتب إلى يوسف بذلك، فوضع يوسف الأرصاد، فلما انتهوا إلى الموصل تركوا طريق البريد، وتكادوا حتى قدموا بيهق- وقد كتب إلى نصر بقول شبيل- وكان إبراهيم بْن بسام في الوفد، فمكر به يوسف، ونعى له نصرا، وأخبره أنه قد ولى الحكم بْن الصلت بْن أبي عقيل خراسان فقسم له ابراهيم امر خراسان كله، حتى قدم عليه إبراهيم بْن زياد رسول نصر، فعرف أن يوسف قد مكر به وقال: أهلكني يوسف.
وقيل: إن نصرا أوفد مغراء، وأوفد معه حملة بْن نعيم الكلبي، فلما قدموا على يوسف، أطمع يوسف مغراء، ان هو تنقص نصرا عند هشام أن يوليه السند فلما قدما عليه ذكر مغراء بأس نصر ونجدته ورأيه، وأطنب في ذلك، ثم قَالَ: لو كان الله متعنا منه ببقية! فاستوى هشام جالسا، ثم قَالَ: ببقية ماذا؟ قَالَ: لا يعرف الرجل إلا بجرمه، ولا يفهم عنه حتى يدنى منه، وما يكاد يفهم صوته من الضعف لأجل كبره فقام حملة الكلبي، فقال: يا أمير المؤمنين، كذب والله، ما هو كما قَالَ، هو هو فقال هشام: إن نصرا ليس كما وصف، وهذا أمر يوسف بن عمر حسد لنصر، وقد كان يوسف كتب إلى هشام يذكر كبر نصر وضعفه، ويذكر له سلم بْن قتيبة فكتب إليه هشام: إله عن ذكر الكناني، فلما قدم مغراء على يوسف، قَالَ له: قد علمت بلاء نصر عندي، وقد صنعت به
(7/194)

ما قد علمت، فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام، فأمره بالمقام وكتب إلى نصر: إني قد حولت اسمه، فأشخص إلي من قبلك من أهله.
وقيل: إن يوسف لما أمر مغراء بعيب نصر، قَالَ: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومى! فلم يزل به، فقال: فبم اعيبه؟
اعيب تجربته أم طاعته؟ أم يمن نقيبته أم سياسته؟ قَالَ: عبه بالكبر فلما دخل على هشام تكلم مغراء، فذكر نصرا بأحسن ما يكون، ثم قَالَ في آخر كلامه: لولا، فاستوى هشام جالسا، فقال: ما لولا! قَالَ:
لولا أن الدهر قد غلب عليه، قَالَ: ما بلغ به ويحك الدهر! قَالَ: ما يعرف الرجل إلا من قريب، ولا يعرفه إلا بصوته، وقد ضعف عن الغزو والركوب.
فشق ذلك على هشام فتكلم حملة بن نعيم فلما بلغ نصرا قول مغراء بعث هارون بْن السياوش إلى الحكم بْن نميلة، وهو في السراجين يعرض الجند، فأخذ برجله فسحبه عن طنفسة له، وكسر لواءه على رأسه، وضرب بطنفسته وجهه، وقال: كذلك يفعل الله بأصحاب الغدر! وذكر علي بْن محمد، عن الحارث بْن أفلح بْن مالك بن أسماء بْن خارجة:
لما ولي نصر خراسان أدنى مغراء بْن أحمر بْن مالك بْن ساريه النميرى والحكم ابن نميلة بْن مالك والحجاج بْن هارون بْن مالك، وكان مغراء بْن أحمر النميري رأس أهل قنسرين، فآثر نصر مغراء وسنى منزلته، وشفعه في حوائجه، واستعمل ابن عمه الحكم بْن نميلة على الجوزجان، ثم عقد للحكم على أهل العالية، وكان أبوه بالبصرة عليهم، وكان بعده عكابة بْن نميلة، ثم أوفد نصر وفدا من أهل الشام وأهل خراسان، وصير عليهم مغراء، وكان في الوفد حملة بْن نعيم الكلبي، فقال عثمان بْن صدقة بْن وثاب لمسلم بن عبد الرحمن ابن مسلم عامل طخارستان:
خيرني مسلم مراكبه ... فقلت حسبي من مسلم حكما
(7/195)

هذا فتى عامر وسيدها ... كفى بمن ساد عامرا كرما
يعني الحكم بْن نميلة.
قَالَ: فتغير نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء قَالَ: وكان أبو نميلة صالح الأبار مولى بني عبس، خرج مع يحيى بْن زيد بْن علي بْن حسين، فلم يزل معه حتى قتل بالجوزجان وكان نصر قد وجد عليه لذلك، فأتى عبيد الله بْن بسام صاحب نصر، فقال:
قد كنت في همة حيران مكتئبا ... حتى كفاني عبيد الله تهمامي
ناديته فسما للمجد مبتهجا ... كغرة البدر جلى وجه إظلام
فاسم برأي أبي ليث وصولته ... إن كنت يوم حفاظ بامرئ سام
تظفر يداك بمن تمت مروته ... واختصه ربه منه بإكرام
ماضي العزائم ليثي مضاربه ... على الكريهة يوم الروع مقدام
لا هذر ساحة النادي ولا مذل ... فيه ولا مسكت إسكات إفحام
له من الحلم ثوباه ومجلسه ... إذا المجالس شانت أهل أحلام
قال: فأدخله عبيد الله على نصر، فقال أبو نميلة: أصلحك الله! إني ضعيف، فإن رأيت أن تأذن لراويتى! فأذن له، فأنشده:
فاز قدح الكلبي فاعتقدت ... مغراء في سعيه عروق لئيم
فأبيني نمير ثم أبيني ... ألعبد مغراء أم لصميم
فلئن كان منكم ما يكون ... الغدر والكفر من خصال الكريم
ولئن كان أصله كان عبدا ... ما عليكم من غدره من شتيم
وليته ليث وأي ولاة ... بأياد بيض وامر عظيم!
اسمنته حتى إذا راح مغبوطا ... بخير من سيبها المقسوم
(7/196)

كاد ساداته بأهون من نهقه ... عير بقفره مرقوم
فضربنا لغيرنا مثل الكلب ... ذميما والذم للمذموم
وحمدنا ليثا ويأخذ بالفضل ... ذوو الجود والندى والحلوم
فاعلمن يا بني القساورة الغلب ... واهل الصفا وأهل الحطيم
أن في شكر صالحينا لما يد ... حض قول المرهق الموصوم
قد رأى الله ما اتيت ولن ينقص ... نبح الكلاب زهر النجوم
فلما فرغ قَالَ نصر: صدقت، وتكلمت القيسية واعتذروا قَالَ: وأهان نصر قيسا وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل، فقال في ذلك بعض الشعراء:
لقد بغض الله الكرام إليكم ... كما بغض الرحمن قيسا إلى نصر
رأيت أبا ليث يهين سراتهم ... ويدني إليه كل ذي والث غمر
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة يَزِيد بْن هشام بْن عبد الملك، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قَالَ الواقدي أيضا.
وكان عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، وقد ذكرتهم قبل.
(7/197)

ثم دخلت

سنة أربع وعشرين ومائة
(ذكر الاخبار عما كان فيها من الاحداث)

ابتداء امر ابى مسلم الخراسانى
فمما كان فيها من ذلك مقدم جماعة من شيعة بني العباس الكوفة يريدون مكة، وشرى بكير بْن ماهان- في قول بعض أهل السير- أبا مسلم صاحب دعوة بني العباس من عيسى بْن معقل العجلي.
ذكر الخبر عن سبب ذلك:
وقد اختلف في ذلك، فأما علي بْن محمد، فإنه ذكر أن حمزة بْن طلحة السلمي حدثه عن أبيه، قَالَ: كان بكير بْن ماهان كاتبا لبعض عمال السند، فقدمها، فاجتمعوا بالكوفة في دار، فغمز بهم فأخذوا، فحبس بكير وخلى عن الباقين، وفي الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بْن معقل العجلي، ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير فأجابوه إلى رأيه، فقال لعيسى بْن معقل: ما هذا الغلام؟ قَالَ: مملوك، قَالَ: تبيعه؟ قَالَ: هو لك، قَالَ: أحب أن تأخذ ثمنه، قَالَ: هو لك بما شئت، فاعطاه أربعمائة درهم، ثم أخرجوا من السجن، فبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى أبي موسى السراج، فسمع منه وحفظ، ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان.
وقال غيره: توجه سليمان بْن كثير ومالك بْن الهيثم ولاهز بْن قريظ، وقحطبة بْن شبيب من خراسان، وهم يريدون مكة في سنة أربع وعشرين ومائة، فلما دخلوا الكوفة أتوا عاصم بْن يونس العجلي، وهو في الحبس، قد اتهم بالدعاء إلى ولد العباس، ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل، حبسهما يوسف بْن عمر فيمن حبس من عمال خالد بْن عبد الله، ومعهما أبو مسلم يخدمهما، فرأوا فيه العلامات، فقالوا: من هذا؟ قالوا: غلام معنا من
(7/198)

السراجين- وقد كان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكى- فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى ما هم عليه، فأجاب وقبل.
وفي هذه السنة غزا سليمان بْن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فسلم وغنم.
وفيها مات- في قول الواقدي- محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن هشام بْن إسماعيل، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قَالَ الواقدي.
وحج في هذه السنة عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك معه امرأته أم سلمة بنت هشام بْن عبد الملك.
وذكر محمد بْن عمر أن يزيد مولى أبي الزناد حدثه، قَالَ: رأيت محمد ابن هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيره، ويعتذر فتأبى، حتى كان يأيس من قبول هديته، ثم أمرت بقبضها.
وكان عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة اثنتين وعشرين ومائة وفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد ذكرناهم قبل.
(7/199)

ثم دخلت

سنة خمس وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك غزوة النعمان بْن يزيد بْن عبد الملك الصائفه.

خبر وفاه هشام بن عبد الملك
ومن ذلك وفاة هشام بْن عبد الملك بْن مروان فيها، وكانت وفاته- فيما ذكر أبو معشر- لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عنه.
وكذلك قَالَ الواقدي والمدائني وغيرهما، غير أنهم قالوا: كانت وفاته يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، فكانت خلافته في قول جميعهم تسع عشرة سنة، وسبعة اشهر وأحدا وعشرين يوما في قول المدائني وابن الكلبي، وفي قول أبي معشر: وثمانية أشهر ونصفا، وفي قول الواقدي:
وسبعة أشهر وعشرة ليال.
واختلف في مبلغ سنه، فقال هشام بْن محمد الكلبي: توفي وهو ابن خمس وخمسين سنة.
وقال بعضهم: توفي وله اثنتان وخمسون سنة وقال محمد بْن عمر: كان هشام يوم توفي ابن أربع وخمسين سنة.
وكانت وفاته بالرصافة وبها قبره، وكان يكنى أبا الوليد

ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته
حدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثني علي بْن محمد، قَالَ: حدثني شيبة بْن عثمان، قَالَ: حدثني عمرو بْن كليع، قَالَ: حدثني سالم أبو العلاء، قَالَ: خرج علينا هشام بْن عبد الملك يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فيه،
(7/200)

مسترخ عليه ثيابه، وقد أرخى عنان دابته، فسار ساعة ثم انتبه، فجمع ثيابه وأخذ بعنان دابته، وقال للربيع: ادع الأبرش، فدعي فسار بيني وبين الأبرش، فقال له الأبرش: يا أمير المؤمنين، لقد رأيت منك شيئا غمني، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: رأيتك قد خرجت على حال غمني، قَالَ: ويحك يا أبرش! وكيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما! قَالَ سالم: فرجعت إلى منزلي، فكتبت في قرطاس: زعم أمير المؤمنين يوم كذا وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوما فلما كان في الليلة التي استكمل فيها ثلاثة وثلاثين يوما إذا خادم يدق الباب يقول: أجب أمير المؤمنين، واحمل معك دواء الذبحة- وقد كان أخذه مرة فتعالج فأفاق- فخرجت ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن فقال لي: يا سالم، قد سكن بعض ما كنت أجد، فانصرف إلى أهلك، وخلف الدواء عندي فانصرفت، فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ عليه، فقالوا: مات أمير المؤمنين! فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله، فما وجدوه حتى استعاروا قمقما من بعض الجيران، فقال بعض من حضر ذلك: إن في هذا لمعتبرا لمن اعتبر وكانت وفاته بالذبحة، فلما مات صلى عليه ابنه مسلمة بْن هشام.

ذكر بعض سير هشام
حدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثني علي بْن محمد، عن وسنان الأعرجي، قَالَ: حدثني ابن أبي نحيلة، عن عقال بْن شبة، قَالَ:
دخلت على هشام، وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك أخضر، فجعلت أتأمل هذا، أهو ذاك أم غيره.
فقال: هو والله الذي لا إله إلا، هو ذاك، ما لي قباء غيره وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم قَالَ: وكان عقال مع
(7/201)

هشام فأما شبة أبو عقال، فكان مع عبد الملك بْن مروان، وكان عقال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشو عقلا.
حدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثني علي، قَالَ: قَالَ مروان بْن شجاع، مولى لمروان بْن الحكم: كنت مع محمد بْن هشام بْن عبد الملك، فأرسل إلي يوما، فدخلت عليه، وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: ما لك؟
فقال: رجل نصراني شج غلامي- وجعل يشتمه- فقلت له: على رسلك! قَالَ: فما أصنع؟ قلت: ترفعه إلى القاضي، قَالَ: وما غير هذا! قلت:
لا، قَالَ خصي له: أنا أكفيك، فذهب فضربه وبلغ هشاما فطلب الخصي، فعاذ بمحمد، فقال محمد بْن هشام: لم آمرك، وقال الخصي:
بلى والله لقد أمرتني، فضرب هشام الخصي وشتم ابنه.
وحدثني أحمد، قَالَ علي: لم يكن أحد يسير في أيام هشام في موكب إلا مسلمة بْن عبد الملك قَالَ: ورأى هشام يوما سالما في موكب، فزجره وقال: لأعلمن متى سرت في موكب وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه، وكان سالم كأنه هو أمر هشاما.
قَالَ: ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ العطاء إلا عليه الغزو، فمنهم من يغزو، ومنهم من يخرج بدلا.
قَالَ: وكان لهشام بْن عبد الملك مولى يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء هشام مائتي دينار ودينارا، يفضل بدينار، فيأخذها يعقوب ويغزو وكانوا يصيرون أنفسهم في أعوان الديوان، وفي بعض ما يجوز لهم المقام به، ويوضع به الغزو عنهم وكان داود وعيسى ابنا علي بْن عبد الله بْن عباس- وهما لأم- في أعوان السوق بالعراق لخالد بْن عبد الله، فأقاما عنده، فوصلهما، ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما، فصيرهما في الأعوان، فسمرا، وكانا يسامرانه ويحدثانه
(7/202)

قَالَ: فولى هشام بعض مواليه ضيعة له، فعمرها فجاءت بغلة عظيمة كبيرة ثم عمرها أيضا، فأضعفت الغلة، وبعث بها مع ابنه، فقدم بها على هشام، فأخبره خبر الضيعة فجزاه خيرا، فرأى منه انبساطا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: زيادة عشرة دنانير في العطاء، فقال: ما يخيل إلى أحدكم أن عشرة دنانير في العطاء إلا بقدر الجوز! لا لعمري لا أفعل.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، قَالَ: قَالَ جعفر بْن سليمان:
قَالَ لي عبد الله بْن علي: جمعت دواوين بني مروان، فلم أر ديوانا أصح ولا اصلح للعامه والسلطان من ديوان هشام.
حدثنا أحمد، قال: قال علي: قال غسان بن عبد الحميد: لم يكن احد من بنى مروان أشد نظرا في امر اصحابى ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، قَالَ: قَالَ حماد الأبح: قَالَ هشام لغيلان: ويحك يا غيلان! قد أكثر الناس فيك، فنازعنا بأمرك، فإن كان حقا اتبعناك، وإن كان باطلا نزعت عنه، قَالَ: نعم، فدعا هشام ميمون بْن مهران ليكلمه، فقال له ميمون: سل، فان اقوى ما تكونون إذا سألتم، قَالَ له: أشاء الله أن يعصى؟ فقال له ميمون: أفعصي كارها! فسكت، فقال هشام: أجبه فلم يجبه، فقال له هشام: لا أقالني الله إن أقلته، وأمر بقطع يديه ورجليه.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي عن رجل من غنى، عن بشر مولى هشام، قال: اتى هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال:
اكسروا الطنبور على رأسه وضربه، فبكى الشيخ قَالَ بشر: فقلت له
(7/203)

- وأنا أعزيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضرب! إنما أبكي لاحتقاره للبربط إذ سماه طنبورا! قَالَ: وأغلظ رجل لهشام، فقال له هشام: ليس لك أن تغلظ لإمامك! قَالَ: وتفقد هشام بعض ولده- ولم يحضر الجمعة- فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قَالَ: نفقت دابتي، قَالَ: أفعجزت عن المشي فتركت الجمعة! فمنعه الدابة سنة.
قَالَ: وكتب سليمان بْن هشام إلى أبيه: إن بغلتي قد عجزت عني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة فعل فكتب إليه: قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وما ذكرت من ضعف دابتك، وقد ظن أمير المؤمنين أن ذلك من قلة تعهدك لعلفها، وأن علفها يضيع، فتعهد دابتك في القيام عليها بنفسك، ويرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك.
قَالَ: وكتب إليه بعض عماله: إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن، فليكتب إلي أمير المؤمنين بوصولها فكتب إليه: قد وصل إلى أمير المؤمنين الدراقن الذي بعثت به فأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء.
قَالَ: وكتب إلى بعض عماله: قد وصلت الكمأة التي بعثت بها إلى أمير المؤمنين، وهي أربعون، وقد تغير بعضها، ولم تؤت في ذلك إلا من حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئا فأجد حشوها في الظرف الذي تجعلها فيه بالرمل، حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضا.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثني علي، قَالَ: حدثنا الحارث بْن يزيد، قَالَ: حدثني مولى لهشام، قَالَ: بعث معي مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطيرين ظريفين، فدخلت إليه وهو جالس على سرير في عرصة الدار، فقال: أرسلهما في الدار، قَالَ: فأرسلتهما فنظر إليهما، فقلت:
يا أمير المؤمنين، جائزتي، قَالَ: ويلك! وما جائزة طيرين؟ قلت: ما كان، قَالَ: خذ أحدهما، فعدوت في الدار عليهما، فقال: ما لك؟ قلت:
(7/204)

اختار خيرهما، قال: اتختار أيضا خيرهما وتدع شرهما لي! دعهما ونحن نعطيك اربعين درهما او خمسين درهما قَالَ: وأقطع هشام أرضا يقال لها دورين، فأرسل في قبضها، فإذا هي خراب، فقال لذويد كاتب كان بالشام: ويحك! كيف الحيلة؟ قال:
ما تجعل لي؟ قال: أربعمائة دينار، فكتب دورين وقراها، ثم أمضاها في الدواوين، فأخذ شيئا كثيرا، فلما ولي هشام دخل عليه ذويد، فقال له هشام: دورين وقراها! لا والله لا تلي لي ولاية أبدا، وأخرجه من الشام.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، عن عمير بْن يزيد، عن أبي خالد، قَالَ: حدثني الوليد بْن خليد، قَالَ: رآني هشام بْن عبد الملك، وأنا على برذون طخاري، فقال: يا وليد بْن خليد، ما هذا البرذون؟ قلت:
حملني عليه الجنيد، فحسدني وقال: والله لقد كثرت الطخارية، لقد مات عبد الملك فما وجدنا في دوابه برذونا طخاريا غير واحد، فتنافسه بنو عبد الملك أيهم يأخذه، وما منهم أحد إلا يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من عبد الملك شيئا.
قَالَ: وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قَالَ: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف! قَالَ: وقال هشام يوما للأبرش: او ضعت أعنزك؟ قَالَ: إي والله، قَالَ: لكن أعنزي تأخر ولادها، فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قَالَ: نعم، أفأقدم قوما؟ قَالَ: لا، قَالَ: أفأقدم خباء حتى يضرب لنا؟ قَالَ:
نعم، فبعث برجلين بخباء فضرب، وغدا هشام والأبرش وغدا الناس، فقعد هشام والأبرش، كل واحد منهما على كرسي، وقدم إلى كل واحد منهما شاة، فحلب هشام الشاة بيده، وقال: تعلم يا أبرش أني لم أبس الحلب! ثم أمر بملة فعجنت وأوقد النار بيده، ثم فحصها وألقى الملة، وجعل يقلبها بالمحراث، ويقول: يا أبرش، كيف ترى رفقي! حتى نضجت ثم أخرجها،
(7/205)

وجعل يقلبها بالمحراث، ويقول: جبينك جبينك والأبرش يقول: لبيك لبيك- وهذا شيء تقوله الصبيان إذا خبزت لهم الملة- ثم تغدى وتغدى الناس ورجع.
قَالَ: وقدم علباء بْن منظور الليثي على هشام، فأنشده:
قالت عليه واعتزمت لرحلة ... زوراء بالأذنين ذات تسدر
أين الرحيل وأهل بيتك كلهم ... كل عليك كبيرهم كالأصغر!
فأصاغر أمثال سلكان القطا ... لا في ثرى مال ولا في معشر
إني إلى ملك الشام لراحل ... وإليه يرحل كل عبد موقر
فلأتركنك إن حييت غنية ... بندى الخليفة ذي الفعال الأزهر
إنا أناس ميت ديواننا ... ومتى يصبه ندى الخليفة ينشر
فقال له هشام: هذا الذي كنت تحاول، وقد أحسنت المسألة فامر له بخمسمائة درهم، وألحق له عيلا في العطاء.
قَالَ: وأتى هشاما محمد بْن زيد بْن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب، فقال:
مالك عندي شيء، ثم قَالَ: إياك أن يغرك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين، إني قد عرفتك، أنت محمد بْن زيد بْن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب، فلا تقيمن وتنفق ما معك، فليس لك عندي صله، فالحق بأهلك.
قَالَ: ووقف هشام يوما قريبا من حائط فيه زيتون، ومعه عثمان بْن حيان المري، وعثمان قائم يكاد رأسه يوازي رأس أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطا، ولا تنفضوه نفضا، فتتفقأ عيونه، وتتكسر غصونه.
قَالَ: وحج هشام، فأخذ الأبرش مخنثين ومعهم البرابط، فقال هشام: احبسوهم وبيعوا متاعهم- وما درى ما هو- وصيروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردوا عليهم الثمن.
وكان هشام بْن عبد الملك ينزل الرصافة- وهي فيما ذكر- من أرض قنسرين
(7/206)

وكان سبب نزوله إياها- فيما حدثني أحمد بْن زهير بْن حرب، عن علي بْن محمد- قال: كان الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدون ويهربون من الطاعون، فينزلون البرية خارجا عن الناس، فلما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج، فإن الخلفاء لا يطعنون، ولم نر خليفة طعن، قَالَ:
أتريدون أن تجربوا بي! فنزل الرصافة وهي برية، ابتنى بها قصرين.
والرصافة مدينة رومية بنتها الروم وكان هشام الأحول، فحدثني أحمد، عن علي، قَالَ: بعث خالد بْن عبد الله إلى هشام بْن عبد الملك بحاد فحدا بين يديه بأرجوزة أبي النجم:
والشمس في الأفق كعين احول ... صغواء قد همت ولما تفعل
فغضب هشام وطرده.
وحدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عاصم الضبي، قَالَ: مر بي معاوية بْن هشام، وأنا أنظر إليه في رحبة أبي شريك- وأبو شريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهي مزرعة- وقد اختبز خبزه، فوقف علي، فقلت: الغداء! فنزل وأخرجتها، فوضعتها في لبن، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاويه بن هشام، فامر لي بصلة وركب وثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غلوة، حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتا، فقال هشام: تالله لقد أجمعت أن أرشحه للخلافة، ويتبع ثعلبا! قَالَ: وكانت عند معاوية بْن هشام ابنة إسماعيل بْن جرير وامرأة أخرى، فأخرج هشام كل واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألفا.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا، عَلِيُّ، قَالَ: قَالَ قحذم كاتب يوسف: بعثني يوسف بْن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفى، وحبه لؤلؤ اعظم ما يكون من الحب، فدخلت عليه فدنوت منه، فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش، فتناول الحجر والحبه، فقال:
(7/207)

أكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين، هما أجل عن أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما! قَالَ: صدقت، وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بْن عبد الله، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى دَارِهِ عِنْدَ الْحَمَّامِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ طَالَ مُلْكُ هِشَامٍ وَسُلْطَانُهُ، وَقَدْ قَرُبَ مِنَ الْعِشْرِينَ وَقَدْ زَعَمَ النَّاسُ أَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهَا الْعِشْرُونَ، فَقَالَ:
مَا أَدْرِي مَا أَحَادِيثُ النَّاسِ! وَلَكِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ ابيه، [عن على، عن النبي ص أَنَّهُ قَالَ: لَنْ يُعَمِّرَ اللَّهُ مُلْكًا فِي أُمَّةِ نَبِيٍّ مَضَى قَبْلَهُ مَا بَلَغَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ مِنَ الْعُمُرِ] وفي هذه السنة وَلِيَ الْخِلافَةَ بَعْدَ مَوْتِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الوليد بن يزيد ابن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلِيَهَا يَوْمَ السَّبْتِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي قَوْلِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيِّ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: اسْتُخْلِفَ الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدِ بن عمر.
(7/208)

خلافة الوليد بْن يزيد بْن عبد الملك بْن مروان
(ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافه) قد مضى ذكرى سبب عقد أبيه يزيد بْن عبد الملك بْن مروان له الخلافة بعد أخيه هشام بْن عبد الملك، وكان الوليد بْن يزيد يوم عقد له أبوه يزيد ذلك ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت يزيد حتى بلغ ابنه الوليد خمس عشرة سنة، فندم يزيد على استخلافه هشاما أخاه بعده، وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد، قَالَ: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك! فتوفي يزيد بْن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة وولي هشام وهو للوليد مكرم معظم مقرب، فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بْن يزيد مجون وشرب الشراب، حمله على ذلك- فيما حدثني أحمد بْن زهير، عن علي ابن محمد، عن جويرية بْن أسماء وإسحاق بْن أيوب وعامر بْن الأسود وغيرهم- عبد الصمد بن عبد الأعلى الشبانى أخو عبد الله بْن عبد الأعلى- وكان مؤدب الوليد- واتخذ الوليد ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة تسع وعشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق، فسقط منها صندوق- فيما ذكر علي بْن محمد عمن سميت من شيوخه- عن البعير وفيه كلب، فأجالوا على الكري السياط، فأوجعوه ضربا وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرا، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها، فخوفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يحركها وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فاراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة، فأبى، فقال له: اجعلها له من بعدك، فأبى، فتنكر له هشام واضربه، وعمل سرا في البيعة لابنه، فأجابه قوم
(7/209)

قَالَ: فكان ممن أجابه خالاه: محمد وإبراهيم ابنا هشام بْن إسماعيل المخزومي، وبنو القعقاع بْن خليد العبسي وغيرهم من خاصته.
قَالَ: وتمادى الوليد في الشراب وطلب اللذات فأفرط، فقال له هشام:
ويحك يا وليد! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر به! فكتب إليه الوليد:
يايها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة- وكان يكنى أبا شاكر- وقال له:
يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة! فالزم الأدب واحضر الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:
يايها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر
يعرض بالوليد.
وأم مسلمه بْن هشام أم حكيم بنت يحيى بْن الحكم بْن أبي العاص فقال الكميت:
إن الخلافة كائن أوتادها ... بعد الوليد إلى ابن أم حكيم
فقال خالد بْن عبد الله القسرى: انا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر، فغضب مسلمة بْن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد ابن عبد الله، كتب أبو شاكر إلى خالد بْن عبد الله بشعر هجا به يحيى بْن نوفل خالدا وأخاه أسدا حين مات:
أراح من خالد وأهلكه ... رب أراح العباد من أسد
أما أبوه فكان مؤتشبا ... عبدا لئيما لأعبد قفد
(7/210)

وبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد، فظن أنه عزاه عن أخيه، ففض الخاتم، فلم ير في الطومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية! وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه، وكثر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلما رأى ذلك الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصته ومواليه، فنزل بالأزرق، بين أرض بلقين وفزارة، على ماء يقال له الاغدف، وخلف كاتبه عياض ابن مسلم مولى عبد الملك بْن مروان بالرصافة، فقال له: اكتب إلي بما يحدث قبلكم وأخرج معه عبد الصمد بْن عبد الأعلى، فشربوا يوما فلما أخذ فيهم الشراب، قَالَ الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتا، فقال:
ألم تر للنجم إذ شيعا ... يبادر في برجه المرجعا
تحير عن قصد مجراته ... أتى الغور والتمس المطلعا
فقلت وأعجبني شأنه ... وقد لاح إذ لاح لي مطمعا:
لعل الوليد دنا ملكه ... فأمسى إليه قد استجمعا
وكنا نؤمل في ملكه ... كتأميل ذي الجدب ان يمرعا
عقدنا له محكمات الأمور ... طوعا فكان لها موضعا
وروي الشعر، فبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه، وكتب إلى الوليد: بلغني عنك أنك اتخذت عبد الصمد خدنا ومحدثا ونديما، وقد حقق ذلك عندي ما بلغني عنك، ولم أبرئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموما مدحورا فأخرجه، وقال فيه:
لقد قذفوا أبا وهب بأمر ... كبير بل يزيد على الكبير
فأشهد أنهم كذبوا عليه ... شهادة عالم بهم خبير
وكتب الوليد إلى هشام يعلمه إخراج عبد الصمد، واعتذر إليه مما بلغه
(7/211)

من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه- وكان ابن سهيل من أهل اليمن وقد ولي دمشق غير مرة، وكان ابن سهيل من خاصة الوليد- فضرب هشام ابن سهيل وسيره، وأخذ عياض بْن مسلم كاتب الوليد، وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد، فضربه ضربا مبرحا، وألبسه المسوح.
فبلغ الوليد، فقال: من يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول المشئوم قدمه أبي على أهل بيته فصيره ولى عهده، ثم يصنع بي ما ترون:
لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به، كتب إلي أن أخرج عبد الصمد فاخرجته اليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إلي، فضربه وسيره، وقد علم رأيي فيه، وقد علم انقطاع عياض بْن مسلم إلي، وتحرمه بي ومكانه مني وأنه كاتبي، فضربه وحبسه، يضارني بذلك، اللهم أجرني منه! وقال:
انا النذير لمسدى نعمة أبدا ... إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا
إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا ... وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا
أتشمخون ومنا رأس نعمتكم ... ستعلمون إذا كانت لنا دولا
انظر فإن كنت لم تقدر على مثل ... له سوى الكلب فاضربه له مثلا
بينا يسمنه للصيد صاحبه ... حتى إذ ما قوى من بعد ما هزلا
عدا عليه فلم تضرره عدوته ... ولو أطاق له أكلا لقد أكلا
وكتب إلى هشام:
لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني، ومحو ما محا من أصحابي وحرمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه، فإن يكن ابن سهيل كان منه ما كان فبحسب العير أن يكون قدر الذئب، ولم يبلغ من صنيعي في ابن سهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كنه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي، فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين علي، فقد سبب الله لي من العهد، وكتب لي
(7/212)

من العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مدته، ولا صرف شيء عن مواقعه، فقدر الله يجري بمقاديره فيما أحب الناس أو كرهوا، ولا تأخير لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحق أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور.
فقال هشام لأبي الزبير: يا نسطاس، أترى الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قَالَ: بل يطيل الله عمرك يا أمير المؤمنين، قَالَ: ويحك! لا بد من الموت، أفترى الناس يرضون بالوليد؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين، إن له في أعناق الناس بيعة، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظن الحديث الذي رواه الناس: أن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار، إلا باطلا.
وكتب هشام إلى الوليد:
قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع عنك وغير ذلك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من اجرائه ما كان يجرى عليك، ولا يتخوف على نفسه اقتراف الماثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أما أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك، وهو يعلم وضعك له وإنفاقكه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم، لا ينالهم ما ينال المسلمين في كل عام من مكروه عند قطع البعوث،
(7/213)

وهم معك تجول بهم في سفهك، ولأمير المؤمنين احرى في نفسه للتقصير في القتر عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوف مما سلف فيه منه وأما ابن سهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلا أن تسر فيه أو تساء، ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابن سهيل- لله أبوك- على أن كان مغنيا زفانا، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشر ممن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنت لعمر الله أهلا للتوبيخ به، ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك، إنك إذا لغير إل عن هوى أمير المؤمنين من ذلك.
وأما ما ذكرت مما سبب الله لك، فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له، والله بالغ أمره لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربه، أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضرا ولا نفعا، وإن الله ولي ذلك منه، وانه لا بد له من مزايلته، والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضي له منهم وإن أمير المؤمنين من حسن ظنه بربه لعلى أحسن الرجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم، فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره، إلا بعون منه، ولئن كان قدر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة، إن في الذي هو مفض إليه إن شاء الله من كرامة الله لخلفا من الدنيا ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فاربع على نفسك من غلوائها، وارقأ على ظلعك، فإن لله سطوات وعينا، يصيب بذلك من يشاء، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له فكتب الوليد إلى هشام:
(7/214)

رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي ... فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن مت من شر ما تجنى!
كأني بهم والليت افضل قولهم ... الا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
قَالَ: فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزبير المنذر بْن أبي عمرو، فأتاه فقال له.
يا أبا الزبير، ما أتت علي ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة، عرضت لي هموم، وحدثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل، الذي قد أولع بي- يعني هشاما- فأركب بنا نتنفس، فركبا، فسارا ميلين، ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشامًا إذ نظر إلى رهج، فقال:
هؤلاء رسل هشام، نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان، أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، والآخر جردبة.
فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوجم، وجعل جردبة يكرر عليه السلام بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قَالَ: نعم، قَالَ فممن كتابك؟ قَالَ: من مولاك سالم بْن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرا الكتاب وانصرفا، فدعا مولى أبي محمد السفياني فسأله عن كاتبه عياض بْن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر الله فلما صار في حد لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان، أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد منه إلى شيء وأفاق هشام إفاقة، فطلب شيئا فمنعوه فقال: أرانا كنا خزانا للوليد! ومات من ساعته وخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه، فما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنا من الخزائن، فكفنه غالب مولى هشام، فكتب
(7/215)

الوليد إلى العباس بْن الوليد بْن عبد الملك بْن مروان أن يأتي الرصافة، فيحصي ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عماله وحشمه، إلا مسلمة بْن هشام، فإنه كتب اليه الا يعرض له، ولا يدخل منزله، فإنه كان يكثر أن يكلم أباه في الرفق به، ويكفه عنه فقدم العباس الرصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد، وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد:
ليت هشاما كان حيا يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا
ويروى:
ليت هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبعا
كلناه بالصاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا
وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحله الفرقان لي أجمعا
فاستعمل الوليد العمال، وجاءته بيعته من الآفاق، وكتب إليه العمال، وجاءته الوفود، وكتب إليه مروان بْن محمد:
بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده، وكان من تغشى غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاما على ما حاول من تصغير ما عظم الله من حق أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعب عليه، الذي أجابه إليه المدخولون في آرائهم واديانهم، فوجد ما طمع فيه مستصعبا، وزاحمته الأقدار بأشد مناكبها وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلا، ونهض مستقلا بما حمل منها، مثبتة ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى، وخصه الله بها على خلقه وهو يرى حالاتهم، فقلده طوقها، ورمى إليه بأزمة الخلافة، وعصم الأمور.
فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عرى دينه، وذب
(7/216)

له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم، فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور اوبق نفسه، واسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعا عن الباطل إلى حق وجد الله توابا رحيما.
أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله انى عند ما انتهى إلي من قيامه بولاية خلافة الله، نهضت الى منبري، على سيفان مستعدا بهما لأهل الغش، حتى أعلمت من قبلي ما امتن الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسر من ولاية أمير المؤمنين، وقد بسطت يدي لبيعتك فجددتها ووكدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسنت إجابتهم وطاعتهم، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك، فإنك أجودهم جودا وأبسطهم يدا، وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم بالرحم الذي استرحموك، وزدهم زيادة يفضل بها من كان قبلك، حتى يظهر بذلك فضلك عليهم وعلى رعيتك، ولولا ما أحاول من سد الثغر الذي أنا به، لخفت أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلا على غير أمره، وأقدم لمعاينة أمير المؤمنين، فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهت الكتاب بها فعل.
فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، لأهل الشام خاصة، وزاد من وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضعف وكان وهو ولي عهد يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلا، ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم، ولم يقل في شيء يسأله: لا، فقيل
(7/217)

له: إن في قولك: أنظر، عدة ما يقيم عليها الطالب، فقال: لا أعود لساني شيئا لم أعتده، وقال:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة ... وأعطية مني عليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتاب شهرا وتطبع
وفي هذه السنة عقد الوليد بْن يزيد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده، وجعلهما وليي عهده، أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدما على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بْن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نصر بْن سيار، وكانت نسخة الكتاب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بْن عمر إلى نصر بْن سيار، أما بعد فإني بعثت إليك نسخة كتاب أمير المؤمنين الذي كتب به إلى من قبلي في الذي ولي الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقال بْن شبة التميمي وعبد الملك القيني، وأمرتهما بالكلام في ذلك، فإذا قدما عليك فأجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومرهم فليحشدوا له، وقم فيهم بالذي كتب أمير المؤمنين، فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم العهد والميثاق على الذي نسخت لك في آخر كتابي هذا الذي نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيته في الذي قضى لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحكم وعثمان، ويبارك فيهما، والسلام عليك.
وكتب النصر يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة
(7/218)

بسم الله الرحمن الرحيم تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكم ابن أمير المؤمنين ان كان من بعده وعثمان بن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة، وإن حدث بواحد منهما حدث فأمير المؤمنين أملك في ولده ورعيته، يقدم من أحب، ويؤخر من أحب عليك بذلك عهد الله وميثاقه، فقال الشاعر في ذلك:
نبايع عثمان بعد الوليد ... للعهد فينا ونرجو يزيدا
كما كان إذ ذاك في ملكه ... يزيد يرجي لذاك الوليدا
على أنها شسعت شسعة ... فنحن نؤملها أن تعودا
فان هي عادت فارض القريب ... عنها ليؤيس منها البعيدا
قَالَ أحمد: قَالَ علي عن شيوخه الذين ذكرت: فقدم عقال بْن شبة وعبد الملك بْن نعيم على نصر، وقدما بالكتاب وهو:
أما بعد، فإن الله تباركت أسماؤه، وجل ثناؤه، وتعالى ذكره، اختار الاسلام دينا لنفسه، وجعله دين خيرته من خلقه، ثم اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس، فبعثهم به، وأمرهم به، وكان بينهم وبين من مضى من الأمم، وخلا من القرون قرنا فقرنا، يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم، حتى انتهت كرامة الله في نبوته إلى محمد صلوات الله عليه، على حين دروس من العلم، وعمى من الناس، وتشتيت من الهوى، وتفرق من السبل، وطموس من أعلام الحق، فأبان الله به الهدى، وكشف به العمى، واستنقذ به من الضلالة والردى، وأبهج به الدين، وجعله رحمه للعالمين، وختم به وحيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله، وقفى به على آثارهم، مصدقا لما نزل معهم، ومهيمنا عليه، وداعيا إليه، وآمرا به، حتى كان من أجابه من أمته، ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به، مصدقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذبهم فيه قومهم، منتصحين لهم فيما ينهونه، ذابين لحرمهم عما كانوا منتهكين، معظمين منها لما كانوا
(7/219)

مصغرين، فليس من أمه محمد ص أحد كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبا، ولا عليه في ذلك طاعنا، ولا له مؤذيا، بتسفيه له، او رد عليه، او جحد ما انزل الله عليه ومعه، فلم يبق كافر إلا استحل بذلك دمه، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه، وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوته، حين قبض نبيه ص، وختم به وحيه لإنفاذ حكمه، وإقامة سنته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييدا بهم للإسلام، وتشييدا بهم لعراه، وتقوية بهم لقوى حبله، ودفعا بهم عن حريمه، وعدلا بهم بين عباده، وإصلاحا بهم لبلاده، فإنه تبارك وتعالى يقول:
«وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» ، فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه، لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله، ولا يستخف بولايتهم، ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه، وسلطهم عليه، وجعله نكالا وموعظة لغيره، وكذلك صنع الله بمن فارق الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها، والأثرة لها، والتي قامت السموات والارض بها، قَالَ الله تبارك وتعالى:
«ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» ، وقال عز ذكره: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» فبالخلافة أبقى الله من أبقى في الأرض من عباده، وإليها صيره، وبطاعة من ولاه إياها سعد من ألهمها ونصرها، فإن الله عز وجل علم أن لا قوام
(7/220)

لشيء، ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، ويمضي بها أمره، وينكل بها عن معاصيه، ويوقف عن محارمه، ويذب عن حرماته، فمن أخذ بحظه منها كان لله وليا ولأمره مطيعا، ولرشده مصيبا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصا، ومن تركها ورغب عنها وحاد الله فيها أضاع نصيبه، وعصى ربه، وخسر دنياه وآخرته، وكان ممن غلبت عليه الشقوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية، التي تورد أهلها أفظع المشارع، وتقودهم إلى شر المصارع، فيما يحل الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة، ويصيرهم فيما عندهم من العذاب والحسرة.
والطاعة رأس هذا الأمر وذروته وسنامه وملاكه وزمامه، وعصمته وقوامه، بعد كلمة الإخلاص التي ميز الله بها بين العباد وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفي المعصية مما يحل بغيرهم من نقماته، ويصيبهم عليه، ويحق من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والادبار عنها والتبذل للمعصية بها، أهلك الله من ضل وعتا، وعمى وغلا، وفارق مناهج البر والتقوى.
فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم، وألم بكم من الأمور، وناصحوها واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القربة إلى الله بها، فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في إعلائه إياهم وإفلاجه حجتهم، ودفعه باطل من حادهم وناواهم وساماهم وأراد إطفاء نور الله الذي معهم وخبرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم والتقصير بهم، حتى يؤول أمرهم إلى تبار وصغار، وذلة وبوار، وفي ذلك لمن كان له رأي وموعظة عبرة ينتفع بواضحها، ويتمسك بحظوتها، ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها.
ثم إن الله- وله الحمد والمن والفضل- هدى الأمة لأفضل الأمور عاقبة لها في حقن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها، واعتدال عمودها،
(7/221)

وإصلاح دهمائها، وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافته التي جعلها لهم نظاما، ولأمرهم قواما، وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه، ليكون لهم عند ما يحدث بخلفائهم ثقة في المفزع وملتجأ في الأمر، ولما للشعث، وصلاحا لذات البين، وتثبيتا لأرجاء الإسلام، وقطعا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع إليه أولياؤه، ويوثبهم عليه من تلف هذا الدين وانصداع شعب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه، فلا يريهم الله في ذلك إلا ما ساءهم، وأكذب أمانيهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضى لأوليائه من ذلك عقد أمورهم، ونفى عنهم من أراد فيها إدغالا أو بها إغلالا، أو لما شدد الله منها توهينا، أو فيما تولى الله منها اعتمادا، فأكمل الله بها لخلفائه وحزبه البر الذين أودعهم طاعته أحسن الذي عودهم، وسبب لهم من إعزازه وإكرامه وإعلائه وتمكينه، فأمر هذا العهد من تمام الإسلام وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام، ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديه، وقضى به على لسانه، ووفقه لمن ولاه هذا الأمر عنده أفضل الذخر، وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثر بهم من منفعته، ويتسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عزه، ويدخلون فيه من وزره الذى يجعل الله لهم به منعة، ويحرزهم به من كل مهلكة، ويجمعهم به من كل فرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصمهم به من كل اختلاف وشقاق فاحمدوا الله ربكم الرءوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلكم عليه من هذا العهد، الذي جعله لكم سكنا ومعولا تطمئنون إليه، وتستظلون في أفنانه، ويستنهج لكم به مثنى أعناقكم، وسمات وجوهكم، وملتقى نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم، فإن لذلك خطرا عظيما من النعمة، وإن فيه من الله بلاء حسنا في سعة العافيه، يعرفه ذوو الألباب والنيات المريئون من أعمالهم في العواقب، والعارفون منار مناهج الرشد، فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، وحمده
(7/222)

على الذي عزم لكم منه، فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء اللَّه، ولا قوة إلا بالله.
ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشد اهتماما وعناية منه بهذا العهد، لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، ويكرمهم بما يقضي لهم ويختار له ولهم فيه جهده، ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليه، الذي بيده الحكم وعند الغيب، وهو على كل شيء قدير ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامة فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهدا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم، في مهلة من انفساح الأمل وطمأنينة النفس، وصلاح ذات البين، وعلم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمة ونجاة وصلاحا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحب تلف هذا الدين وفساد أهله وقما وخسارا وقدعا فولى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين، وعثمان بن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليه إياه، في وفاء الرأي وصحة الدين، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور، ولم يألكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادا وخيرا.
فبايعوا للحكم بن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولأخيه من بعده، على السمع والطاعة، واحتسبوا في ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم ويعودكم ويعرفكم في أشباهه فيما مضى، من اليسر الواسع والخير العام، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رجائه وخفضه وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته.
فهو الأمر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه، وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرا، ورأيتموه لكم حظا، تستبقونه وتجهدون أنفسكم في أداء حق الله عليكم، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله وكرامته
(7/223)

وحسن قسمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه، وحدبكم عليه، على قدر الذي أبلاكم الله، وصنع لكم منه وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليي عهده حدث، أولى بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به من أحب أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدمه بين يدي الباقي منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده فاعلموا ذلك وافهموه.
نسأل الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لأمير المؤمنين ولكم في الذي قضى به على لسانه من ذلك وقدر منه، وأن يجعل عاقبته عافية وسرورا وغبطة، فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هو، ولا يرغب فيه إلا إليه والسلام عليكم ورحمة الله.
وكتب سمال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنه خمس وعشرين ومائه
. توليه الوليد نصر بن سيار على خراسان وامره مع يوسف بن عمر
وفي هذه السنة ولى الوليد نصر بْن سيار خراسان كلها، وأفرده بها.
وفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشترى نصرا وعماله منه فرد إليه الوليد ولاية خراسان.
وفي هذه السنة كتب يوسف بْن عمر إلى نصر بْن سيار يأمره بالقدوم عليه، ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال.
(ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك) :
ذكر علي عن شيوخه، أن يوسف كتب إلى نصر بذلك، وأمره أن يقدم معه بعياله أجمعين، فلما أتى نصرا كتابه، قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى عماله، فلم يدع بخراسان جارية ولا عبدا ولا برذونا فارها إلا أعده، واشترى ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل.
قَالَ: وقال بعضهم: كان قد اعد خمسمائة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذهب والفضة وتماثيل الظباء ورءوس السباع والأيائل وغير ذلك، فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثه، فسرح الهدايا حتى بلغ
(7/224)

أوائلها بيهق، فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، فقال بعض شعرائهم:
فابشر يا أمين الله ... أبشر بتباشير
بإبل يحمل المال ... عليها كالانابير
بغال تحمل الخمر ... حقائبها طنابير
ودل البربريات ... بصوت البم والزير
وقرع الدف أحيانا ... ونفخ بالمزامير
فهذا لك في الدنيا ... وفي الجنة تحبير
قَالَ: وقدم الأزرق بْن قرة المسمعي من الترمذ أيام هشام على نصر، فقال لنصر: إني أريت الوليد بْن يزيد في المنام، وهو ولي عهد، شبه الهارب من هشام، ورأيته على سرير، فشرب عسلا وسقاني بعضه فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكسوه، وبعثه الى الوليد، وكتب اليه نصر فأتى الأزرق الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسر بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزى نصرا خيرا، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نصر موت هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره، فلما ولي الوليد كتب إلى الأزرق وإلى نصر، وأمر رسوله أن يبتدئ بالأزرق فيدفع إليه كتابه، فأتاه ليلا، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه، واتى نصرا بالكتابين، فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجة بخراسان يقدر عليها، وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان فقال رجل من باهلة: كان قوم من المنجمين يخبرون نصرا بفتنة تكون، فبعث نصر إلى صدقة بْن وثاب وهو ببلخ- وكان منجما- وكان عنده وألح عليه يوسف بالقدوم، فلم يزل يتباطأ، فوجه يوسف
(7/225)

رسولا وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادي في الناس أنه قد خلع، فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه، وتحول إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم، فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحول نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بْن عبد الله الأسدي على خراسان، وولى المهلب بْن إياس العدوي الخراج، وولى موسى بْن ورقاء الناجي الشاش، وحسان من أهل صغانيان الأسدي سمرقند، ومقاتل بْن علي السغدي آمل، وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستحلبوا الترك، وأن يغيروا على ما وراء النهر، لينصرف إليهم بعد خروجه، يعتل بذلك، فبينا هو يسير يوما إلى العراق طرقه ليلا مولى لبني ليث، فلما أصبح أذن للناس، وبعث إلى رسل الوليد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: قد كان في مسيري ما قد علمتم، وبعثي بالهدايا ما رأيتم، فطرقني فلان ليلا، فأخبرني أن الوليد قد قتل، وأن الفتنة قد وقعت بالشام، وقدم منصور بْن جمهور العراق، وقد هرب يوسف ابن عمر، ونحن في بلاد قد علمتم حالها وكثرة عدونا ثم دعا بالقادم فأحلفه أن ما جاء به لحق! فحلف، فقال سلم بْن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقا، إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك، فسر ولا تهجنا قَالَ: يا سلم أنت رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعة لبني أمية، فأما مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأي أمة هتماء.
ثم قَالَ نصر: لم أشهد بعد ابن خازم امرا مفظعا الا كنت المفزع في الرأي، فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك
. توليه الوليد بن يزيد خاله يوسف الثقفى على المدينة ومكة
وفي هذه السنة وجه الوليد بْن يزيد خاله يوسف بْن محمد بْن يوسف الثقفي
(7/226)

واليا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بْن إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة، فأقامهما للناس بالمدينة ثم كتب الوليد اليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بْن عمر، وهو يومئذ عامله على العراق، فلما قدما عليه عذبهما حتى قتلهما، وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالا كثيرا.
وفي هذه السنة عزل يوسف بْن محمد بْن سعد بْن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاري
. غزو قبرس
وفيها غزى الوليد بْن يزيد أخاه الغمر بْن يزيد بْن عبد الملك، وأمر على جيش البحر الأسود بْن بلال المحاربي، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيرهم بين المسير إلى الشام إن شاءوا، وإن شاءوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشام، واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها.
وفيها قدم سليمان بْن كثير ومالك بْن الهيثم ولاهز بْن قريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا- في قول بعض أهل السير- محمد بْن علي فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوا منه، فقال لهم: أحر هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر، قَالَ: فاشتروه وأعتقوه، وأعطوا محمد بْن علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بْن محمد، فإني أثق به وأوصيكم به خيرا، فقد أوصيته بكم فصدروا من عنده.
وتوفي محمد بْن علي في مستهل ذي القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان بين وفاته وبين وفاة أبيه علي سبع سنين
(7/227)

وحج بالناس في هذه السنة يوسف بْن محمد بْن يوسف الثقفي، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر.

ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن على
وفي هذه السنة قتل يحيى بْن زيد بْن علي بخراسان.
ذكر الخبر عن مقتله:
قد مضى ذكرنا قبل أمر مصير يحيى بْن زيد بْن علي إلى خراسان.
وسبب ذلك، ونذكر الان سبب مقتله، إذا كان ذلك فِي هَذِهِ السنة.
ذكر هِشَام بْن مُحَمَّدٍ الكلبي عن أبي مخنف، قَالَ: أقام يحيى بْن زيد بْن علي عند الحريش بْن عمرو بْن داود ببلخ حتى هلك هشام بْن عبد الملك، وولي الوليد بْن يزيد بْن عبد الملك فكتب يوسف بْن عمر إلى نصر بْن سيار بمسير يحيى بْن زيد وبمنزله الذي كان ينزل، حتى أخبره أنه عند الحريش، وقال له: ابعث إليه وخذه أشد الأخذ فبعث نصر بْن سيار إلى عقيل بْن معقل العجلي، يأمره أن يأخذ الحريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بْن زيد بْن علي فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا علم لي به، فجلده سمائه سوط، فقال له الحريش: والله لو أنه كان تحت قدمي ما رفعتهما لك عنه، فلما رأى ذلك قريش بْن الحريش أتى عقيلا، فقال: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فأرسل معه فدله عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه يزيد بْن عمر والفضل مولى عبد القيس- كان أقبل معه من الكوفة- فأتى به نصر بْن سيار فحبسه، وكتب إلى يوسف بْن عمر يخبره بذلك، فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بْن يزيد، فكتب الوليد إلى نصر بْن سيار، يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل اصحابه، فدعاه نصر ابن سيار، فأمره بتقوى الله وحذره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بْن يزيد، وأمر له بألفي درهم وبغلين، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سرخس، فأقام بها وعليها عبد الله بْن قيس بْن عباد، فكتب إليه نصر بْن سيار أن
(7/228)

يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بْن زيد التميمي- وكان رأس بني تميم، وكان على طوس- أن انظر يحيى بْن زيد، فإذا مر بكم فلا تدعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، وأمرهما إذا هو مر بهما ألا يفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بْن زرارة بأبرشهر فأشخصه عبد الله بْن قيس من سرخس، ومر بالحسن بْن زيد فأمره أن يمضي، ووكل به سرحان بْن فروخ بْن مجاهد بْن بلعاء العنبري أبا الفضل، وكان على مسلحة.
قَالَ: فدخلت عليه، فذكر نصر بْن سيار وما أعطاه، فإذا هو كالمستقل له، فذكر أمير المؤمنين الوليد بْن يزيد، فاثنى عليه، وذكر مجيئه باصحابه معه، وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يسم أو يغم، وعرض بيوسف، وذكر أنه إياه يتخوف، وقد كان أراد أن يقع فيه.
ثم كف، فقلت له: قل ما أحببت رحمك الله، فليس عليك مني عين، فقد أتى إليك ما يستحق أن تقول فيه ثم قَالَ: العجب من هذا الذي يقيم الأحراس أو أمر الأحراس قَالَ- وهو حينئذ يتفصح: والله لو شئت أن أبعث اليه، فاوتى به مربوطا قَالَ: فقلت له: لا والله ما بك صنع هذا، ولكن هذا شيء يصنع في هذا المكان أبدا، لمكان بيت المال قَالَ: واعتذرت إليه من مسيري معه، وكنت أسير معه على رأس فرسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بْن زرارة، فأمر له بألف درهم، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بيهق، وخاف اغتيال يوسف إياه، فأقبل من بيهق- وهي أقصى أرض خراسان، وأدناه من قومس- فأقبل في سبعين رجلا إلى عمرو بْن زرارة، ومر به تجار، فأخذ دوابهم، وقال:
علينا أثمانها فكتب عمرو بْن زرارة إلى نصر بْن سيار، فكتب نصر إلى عبد الله بْن قيس وإلى الحسن بْن زيد أن يمضيا إلى عمرو بْن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بْن زيد فيقاتلوه فجاءوا حتى انتهوا إلى عمرو بن زراره، واجتمعوا فكانوا عشره آلاف، وأتاهم يحيى بن زيد، وليس هو إلا في سبعين رجلا، فهزمهم وقتل عمرو بْن زرارة، وأصاب دواب كثيرة.
وجاء يحيى بْن زيد حتى مر بهراة، وعليها مغلس بْن زياد العامري، فلم
(7/229)

يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحيى بْن زيد، وسرح نصر بْن سيار سلم بْن أحوز في طلب يحيى بْن زيد، فأتى هراة حين خرج منها يحيى بْن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، وعليها حماد بْن عمرو السغدي.
قَالَ: ولحق بيحيى بْن زيد رجل من بني حنيفة يقال له أبو العجلان، فقتل يومئذ معه، ولحق به الحسحاس الأزدي فقطع نصر بعد ذلك يده ورجله.
قال: فبعث سلم بن احوز سوره بْن محمد بْن عزيز الكندي على ميمنته، وحماد بْن عمرو السغدي على ميسرته، فقاتله قتالا شديدا، فذكروا أن رجلا من عنزة يقال له عيسى، مولى عيسى بْن سليمان العنزي رماه بنشابة، فأصاب جبهته.
قَالَ: وقد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئه الناس، فتمارض عليه، فعبى الناس سورة بْن محمد بْن عزيز الكندي، فاقتتلوا فقتلوا من عند آخرهم ومر سورة بيحيى بْن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العنزي سلبه وقميصه، وغلبه سورة على رأسه.
فلما قتل يحيى بْن زيد وبلغ خبره الوليد بْن يزيد، كتب- فيما ذكر هشام عن موسى بْن حبيب، أنه حدثه- إلى يوسف بْن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليم نسفا قَالَ: فأمر يوسف خراش بْن حوشب، فأنزله من جذعه وأحرقه بالنار، ثم رضه فجعله في قوصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذراه في الفرات.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل.
(7/230)

ثم دخلت

سنة ست وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة)

ذكر بقية اخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك
فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بْن الوليد الذي يقال له الناقص الوليد ابن يزيد.

ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قتل:
قد ذكرنا بعض أمر الوليد بْن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما ولى الخلافه وافضت اليه، لم يزدد في الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق إلا تماديا وحدا- تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها- فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده، فكرهوا أمره.
وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه افساده على نفسه بنى عميه بنى هشام وولد الوليد، ابني عبد الملك بْن مروان، مع إفساده على نفسه اليمانية، وهم عظم جند أهل الشام.

ذكر بعض الخبر عن إفساده بني عميه هشام والوليد:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ، عن المنهال بْن عبد الملك، قَالَ: كان الوليد صاحب لهو وصيد ولذات، فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قتل، ولم يزل ينتقل ويتصيد، حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتد على بني هشام، فضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، وغربه إلى عمان فحبسه بها، فلم يزل بها محبوسا حتى
(7/231)

قتل الوليد قَالَ: وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلمه عمر بْن الوليد، فيها فقال: لا أردها، فقال: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك.
قَالَ: وحبس الأفقم يزيد بْن هشام، وأراد البيعة لابنيه الحكم وعثمان فشاور سعيد بْن بيهس بْن صهيب، فقال: لا تفعل، فإنهما غلامان لم يحتلما، ولكن بايع لعتيق بْن عبد العزيز بْن الوليد بْن عبد الملك، فغضب وحبسه حتى مات في الحبس وأراد خالد بْن عبد الله على البيعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أهله: أرادك أمير المؤمنين على البيعة لابنيه فأبيت، فقال:
ويحكم! كيف أبايع من لا أصلي خلفه، ولا أقبل شهادته! قالوا: فالوليد تقبل شهادته مع مجونه وفسقه! قَالَ: أمر الوليد أمر غائب عني ولا أعلمه يقينا، إنما هي أخبار الناس، فغضب الوليد على خالد.
قَالَ: وقال عمرو بْن سعيد الثقفي: أوفدني يوسف بْن عمر إلى الوليد فلما قدمت قَالَ لي: كيف رأيت الفاسق؟ يعني بالفاسق الوليد- ثم قَالَ:
إياك أن يسمع هذا منك أحد، فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بْن جبير طالق إن سمعته أذني ما دمت حيا، فضحك قَالَ: فثقل الوليد على الناس، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة، وكتب على كل جامعة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها ورموه بالزندقة، وكان أشدهم فيه قولا يزيد بْن الوليد بْن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل، لأنه كان يظهر النسك ويتواضع، ويقول: ما يسعنا الرضا بالوليد، حتى حمل الناس على الفتك به.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ، عن يزيد بن مصاد الكلبي، عن عمرو بْن شراحيل، قَالَ: سيرنا هشام بْن عبد الملك إلى دهلك، فلم نزل بها حتى مات هشام، واستخلف الوليد، فكلم فينا فأبى، وقال:
والله ما عمل هشام عملا أرجى له عندي أن تناله المغفرة به من قتله القدرية وتسييره إياهم وكان الوالي علينا الحجاج بْن بشر بْن فيروز الديلمى، وكان
(7/232)

يقول: لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهرا حتى يقتل، ويكون قتله سبب هلاك أهل بيته قَالَ: فأجمع على قتل الوليد جماعه من قضاعه واليمانيه من أهل دمشق خاصة، فأتى حريث وشبيب بْن أبي مالك الغساني ومنصور بْن جمهور ويعقوب بْن عبد الرحمن وحبال بْن عمرو، ابن عم منصور، وحميد بْن نصر اللخمي والأصبغ بن ذؤالة وطفيل بن حارثة والسري بن زياد بن علاقة، خالد بن عبد الله، فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال: لا أسمي أحدا منكم وأراد الوليد الحج، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخر الحج العام، فقال: ولم؟
فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يستأدى ما عليه من أموال العراق.
وقال علي عن الحكم بْن النعمان، قَالَ: أجمع الوليد على عزل يوسف واستعمال عبد الملك بْن محمد بْن الحجاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر تخريب ابن النصرانية البلاد، وقد كنت على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه، فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدق ظنه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك، لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القرابة، فإنك خاله، وأحق الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشام وغيرهم من الزيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام إياهم، حتى أضر ذلك ببيوت الأموال قَالَ: فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بْن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله فقدم- وخالد بْن عبد الله محبوس- فلقيه حسان النبطي ليلا، فأخبره أن الوليد عازم على تولية عبد الملك بْن محمد ابن الحجاج، وأنه لا بد ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه، فقال:
ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمائة ألف درهم، فإن شئت فهي
(7/233)

لك، وإن شئت فارددها إذا تيسرت قَالَ: فأنت أعرف بالقوم ومنازلهم من الخليفة مني، ففرقها على قدر علمك فيهم، ففعل وقدم يوسف والقوم يعظمونه، فقال له حسان: لا تغد على الوليد، ولكن رح إليه رواحا، واكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: إني كتبت إليك ولا أملك إلا القصر.
وادخل على الوليد والكتاب معك متحازنا، فاقرئه الكتاب، ومر ابان ابن عبد الرحمن النميري يشتري خالدا منه بأربعين ألف ألف ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، فقال له أبان: ادفع إلي خالدا وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم، قَالَ: ومن يضمن عنك؟ قَالَ: يوسف، قَالَ: أتضمن عنه؟ قَالَ: بل ادفعه إلي، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وطاء.
قَالَ محمد بْن محمد بْن القاسم: فرحمته، فجمعت ألطافا كانت معنا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، وأنا على ناقة فارهة، فتغفلت يوسف، فأسرعت ودنوت من خالد، ورميت بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عمان- يعني أن أخي الفيض كان على عمان، فبعث إلي بمال جسيم- فقلت في نفسي: هذا على هذه الحالة وهو لا يدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلت لابن النصرانية؟ فقلت: عرضت عليه الحاجة، قال:
احسنت، هو اسير، ولو فطن بما ألقيت إليه للقيني منه أذى.
وقدم الكوفة فقتله في العذاب، فقال الوليد بْن يزيد- فيما زعم الهيثم بْن عدي- شعرا يوبخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد بْن عبد الله.
وأما احمد بن زهير، فانه حدثه عن علي بْن محمد، عن محمد بْن سعيد العامري عامر كلب، أن هذا الشعر قَالَه بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانيه:
الم تهتج فتذكر الوصالا ... وحبلا كان متصلا فزالا
بلى فالدمع منك له سجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا
(7/234)

فدع عنك ادكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصى ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم المذلة والنكالا
وطئنا الأشعرين بعز قيس ... فيا لك وطأة لن تستقالا!
وهذا خالد فينا أسيرا ... ألا منعوه إن كانوا رجالا!
عظيمهم وسيدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... يسامر من سلاسلنا الثقالا
- ورواه المدائني: يعالج من سلاسلنا-
وكندة والسكون فما استقالوا ... ولا برحت خيولهم الرحالا
بها سمنا البرية كل خسف ... وهدمنا السهولة والجبالا
ولكن الوقائع ضعضعتهم ... وجذتهم وردتهم شلالا
فما زالوا لنا أبدا عبيدا ... نسومهم المذلة والسفالا
فأصبحت الغداة علي تاج ... لملك الناس ما يبغي انتقالا
فقال عمران بْن هلباء الكلبي يجيبه:
قفي صدر المطية يا حلالا ... وجذي حبل من قطع الوصالا
ألم يحزنك أن ذوي يمان ... يرى من حاذ قيلهم جلالا
جعلنا للقبائل من نزار ... غداة المرج أياما طوالا
بنا ملك المملك من قريش ... وأودى جد من أودى فزالا
متى تلق السكون وتلق كلبا ... بعبس تخش من ملك زوالا
كذاك المرء ما لم يلف عدلا ... يكون عليه منطقه وبالا
(7/235)

أعدوا آل حمير إذ دعيتم ... سيوف الهند والأسل النهالا
وكل مقلص نهد القصيرى ... وذا فودين والقب الجبالا
يذرن بكل معترك قتيلا ... عليه الطير قد مذل السؤالا
لئن عيرتمونا ما فعلنا ... لقد قلتم وجدكم مقالا
لإخوان الأشاعث قتلوهم فما ... وطئوا ولا لاقوا نكالا
وأبناء المهلب نحن صلنا ... وقائعهم وما صلتم مصالا
وقد كانت جذام على أخيهم ... ولخم يقتلونهم شلالا
هربنا أن نساعدكم عليهم ... وقد أخطأ مساعدكم وفالا
فإن عدتم فإن لنا سيوفا ... صوارم نستجد لها الصقالا
سنبكي خالدا بمهندات ... ولا تذهب صنائعه ضلالا
ألم يك خالد غيث اليتامى ... إذا حضروا وكنت لهم هزالا!
يكفن خالد موتى نزار ... ويثري حيهم نشبا ومالا
لو أن الجائرين عليه كانوا ... بساحة قومه كانوا نكالا
ستلقى ان بقيت مسومات ... عوابس لا يزايلن الحلالا
فحدثني أحمد بْن زهير، عن علي بْن محمد، قَالَ: فازداد الناس على الوليد حنقا لما رُوِيَ هذا الشعر، فقال ابن بيض:
وصلت سماء الضر بالضر بعد ما ... زعمت سماء الضر عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيا يسوسنا ... وكنا كما كنا نُرًجِّي ونطمع
(7/236)

وكان هشام استعمل الوليد بْن القعقاع على قنسرين وعبد الملك بْن القعقاع على حمص، فضرب الوليد بْن القعقاع ابن هبيرة مائة سوط، فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاذوا بقبر يزيد بْن عبد الملك، فبعث إليهم، فدفعهم إلى يزيد بْن عمر بْن هبيرة- وكان على قنسرين- فعذبهم، فمات في العذاب الوليد بْن القعقاع وعبد الملك بْن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بْن عبد الله فأتت اليمانية يزيد بْن الوليد، فأرادوه على البيعة، فشاور عمرو بْن يزيد الحكمي، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس بْن الوليد، فإنه سيد بني مروان، فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلا المضي على رأيك فأظهر أن العباس قد بايعك وكانت الشام تلك الأيام وبية، فخرجوا إلى البوادي، وكان يزيد بْن الوليد مُتَبَدِّيًا، وكان العباس بالقسطل بينهما أميال يسيرة.
فحدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثني علي، قَالَ: أتى يزيد أخاه العباس، فأخبره وشاوره، وعاب الوليد، فقال له العباس: مهلا يا يزيد، فان في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا فرجع يزيد إلى منزله، ودب في الناس فبايعوه سرا، ودس الأحنف الكلبي ويزيد بْن عنبسة السكسكي وقوما من ثقاته من وجوه الناس وأشرافهم، فدعوا الناس سرا، ثم عاود أخاه العباس ومعه قطن مولاهم، فشاوره في ذلك، وأخبره ان قوما يأتونه يريدونه على البيعه، فزبره العباس، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقا، ولأحملنك إلى أمير المؤمنين! فخرج يزيد وقطن، فأرسل العباس إلى قطن، فقال: ويحك يا قطن! أترى يزيد جادا! قَالَ: جعلت فداك! ما أظن ذاك، ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام وبني الوليد وما يسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعا قَالَ: أما والله إني لأظنه أشأم سخلة في بني مروان، ولولا ما أخاف من عجلة الوليد مع تحامله علينا لشددت يزيد وثاقا، وحملته إليه، فأزجره عن أمره، فإنه يسمع إليك فقال يزيد لقطن: ما قَالَ لك العباس حين رآك؟ فأخبره، فقال له: والله لا أكف
(7/237)

وبلغ معاوية بْن عمرو بْن عتبة خوض الناس، فأتى الوليد فقال:
يا أمير المؤمنين، إنك تبسط لساني بالإنس بك، وأكفه بالهيبة لك، وانا اسمع مالا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحا، أو أسكت مطيعا؟ قَالَ:
كل مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه، ولو علم بنو مروان أنهم إنما يوقدون على رضف يلقونه في أجوافهم ما فعلوا، ونعود ونسمع منك.
وبلغ مروان بْن محمد بأرمينية أن يزيد يؤلب الناس، ويدعو الى خلع الوليد، فكتب إلى سعيد بْن عبد الملك بْن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم- وكان سعيد يتأله إن الله جعل لكل أهل بيت أركانا يعتمدون عليها، ويتقون بها المخاوف، وأنت بحمد ربك ركن من أركان أهل بيتك، وقد بلغني أن قوما من سفهاء أهل بيتك قد استنوا أمرا- إن تمت لهم رويتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم- استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم حتى تسفك دماء كثيرة منهم، وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فرجا، ولو جمعتني وإياهم لرممت فساد أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك، لعلمي ما في عواقب الفرقة من فساد الدين والدنيا، وأنه لن ينتقل سلطان قوم قط الا بتشتيت كلمتهم، وان كلمتهم إذا تشتت طمع فيهم عدوهم وأنت أقرب إليهم مني، فاحتل لعلم ذلك واظهار المتابعة لهم، فإذا صرت إلى علم ذلك فتهددهم بإظهار أسرارهم، وخذهم بلسانك، وخوفهم العواقب، لعل الله أن يرد إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم، فإن فيما سعوا فيه تعير النعم وذهاب الدولة، فعاجل الأمر وحبل الإلفة مشدود، والناس سكون، والثغور محفوظة، فإن للجماعة دوله من الفرقة وللسعه دافعا من الفقر، وللعدد منتقصا، ودول الليالي مختلفة على أهل الدنيا، والتقلب مع الزيادة والنقصان، وقد امتدت بنا- أهل البيت- متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها، وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة وقد أمل القوم في الفتنة أملا، لعل أنفسهم تهلك دون ما أملوا، ولكل أهل بيت مشائيم يغير الله النعمة بهم-
(7/238)

فاعاذك الله من ذلك- فاجعلني من أمرهم على علم حفظ الله لك دينك، وأخرجك مما أدخلك فيه، وغلب لك نفسك على رشدك.
فأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه الى العباس، فدعا العباس يزيد فعذله وتهدده، فحذره يزيد، وقال: يا أخي، أخاف أن يكون بعض من حسدنا هذه النعمة من عدونا اراد ان يغرى بيننا، وحلف له أنه لم يفعل فصدقه حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، قَالَ: قَالَ ابن بشر بْن الوليد بْن عبد الملك: دخل أبي بشر بْن الوليد على عمي العباس، فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يراده، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويرد عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصواب فيما يقول عمي، فقال العباس: يا بني مروان، إني أظن الله قد أذن في هلاككم، وتمثل قائلا:
إني أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البرية قد ملت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا حسرة تغني ولا جزع
قَالَ: فلما اجتمع ليزيد امره وهو متبد، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكرا في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام وقال القوم لمولى لعباد بْن زياد: اما عندك طعام فنشريه؟ قَالَ: أما لبيع فلا، ولكن عندي قراكم وما يسعكم، فأتاهم بدجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز، فطعموا ثم سار فدخل
(7/239)

دمشق ليلا، وقد بايع ليزيد أكثر أهل دمشق سرا، وبايع أهل المزة غير معاوية بْن مصاد الكلبي- وهو سيد أهل المزة- فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بْن مصاد ماشيا في نفير من أصحابه- وبين دمشق وبين المزة ميل أو أكثر- فأصابهم مطر شديد، فاتوا منزل معاوية بْن مصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا، فقال ليزيد: الفراش أصلحك الله! قَالَ: إن في رجلي طينا، وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسد فكلمه يزيد فبايعه معاوية- ويقال هشام بْن مصاد- ورجع يزيد إلى دمشق، فأخذ طريق القناة، وهو على حمار أسود، فنزل دار ثابت بْن سليمان بْن سعد الخشني، وخرج الوليد بْن روح، وحلف لا يدخل دمشق إلا في السلاح، فلبس سلاحه، وكفر عليه الثياب، وأخذ طريق النيرب- وهو على فرس أبلق- حتى وافى يزيد، وعلى دمشق عبد الملك بْن محمد بْن الحجاج بْن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قطنا، واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج كثير بْن عبد الله السلمي، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل:
إن يزيد خارج فلم يصدق وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومائة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذنوا العتمة، فدخلوا المسجد، فصلوا- وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل- فلما صلى الناس صاح بهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد بْن عنبسة إلى يزيد بْن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده، وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه، فقام وقال: اللهم إن كان هذا لك رضا فأعني عليه وسددني له، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني بموت.
وأقبل في اثني عشر رجلا، فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، فلما كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من
(7/240)

أصحابهم، فمضوا إلى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا، وأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزان بيت المال وصاحب البريد، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيده- مولى سعيد ابن العاص وهو على بعلبك- فأخذه، وأرسل من ليلته الى عبد الملك بْن محمد بْن الحجاج بْن يوسف، فأخذه ووجه إلى الثنية إلى أصحابه ليأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الباب غدوة إلا لمن أخبركم بشعارنا فتركوا الأبواب بالسلاسل وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، ولم يكن الخزان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا، فلما أصبحوا جاء أهل المزة وابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، ويزيد يتمثل قول النابغة:
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فجعل أصحاب يزيد يتعجبون، ويقولون: انظروا إلى هذا، هو قبيل الصبح يسبح، وهو الآن ينشد الشعر! حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: حدثنا عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني رزين بْن ماجد، قَالَ: غدونا مع عبد الرحمن ابن مصاد، ونحن زهاء الف وخمسمائة، فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقا، ووجدنا عليه رسولا للوليد، فقال: ما هذه الهيئة وهذه العدة! أما والله لأعلمن أمير المؤمنين فقتله رجل من أهل المزة، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زقاق الكلبيين، فضاق عنا، فأخذ ناس منا سوق القمح، ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرنا من التسليم عليه، حتى جاءت السكاسك في نحو ثلاثمائة، فدخلوا من باب الشرقي حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدرج، ثم أقبل يعقوب ابن عمير بْن هانئ العبسي في أهل داريا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، وأقبل عيسى بْن شبيب التغلبي في أهل دومة وحرستا، فدخلوا من باب
(7/241)

توما، وأقبل حميد بْن حبيب اللخمي في أهل دير المران والأرزة وسطرا، فدخلوا من باب الفراديس، واقبل النضر بن الجرشى في اهل جرش واهل الحديثه ودير زكا، فدخلوا من باب الشرقي، وأقبل ربعي بْن هاشم الحارثي في الجماعة من بني عذرة وسلامان، فدخلوا من باب توما، ودخلت جهينة ومن والاهم مع طلحة بْن سعيد، فقال بعض شعرائهم:
فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا ... سكاسكها أهل البيوت الصنادد
وكلب فجاءوهم بخيل وعدة ... من البيض والأبدان ثم السواعد
فأكرم بهم أحياء أنصار سنة ... هم منعوا حرماتها كل جاحد
وجاءتهم شعبان والأزد شرعا ... وعبس ولخم بين حام وذائد
وغسان والحيان قيس وتغلب ... وأحجم عنها كل وان وزاهد
فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها ... قد استوثقوا من كل عات ومارد
حدثني أحمد بْن زهير، عن علي بْن محمد، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني قسيم بْن يعقوب ورزين بْن ماجد وغيرهما، قالوا: وجه يزيد بْن الوليد عبد الرحمن بْن مصاد في مائتي فارس أو نحوهم إلى قطن، ليأخذوا عبد الملك بْن محمد بْن الحجاج بْن يوسف، وقد تحصن في قصره، فأعطاه الأمان فخرج إليه، فدخلنا القصر، فأصبنا فيه خرجين، في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار قال: فلما انتهينا إلى المزة قلت لعبد الرحمن بْن مصاد: اصرف أحد هذين الخرجين إلى منزلك أو كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبدا، فقال: لقد عجلت إذا بالخيانة، لا والله لا يتحدث العرب أني أول من خان في هذا الأمر، فمضى به إلى يزيد بْن الوليد وأرسل يزيد بْن الوليد إلى عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، وقال: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة وقال لبني الوليد بْن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر: تفرقوا في الناس يرونكم وحضورهم، وقال للوليد بْن روح بْن الوليد: أنزل الراهب، ففعل
(7/242)

وحدثني أحمد، عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني دكين بن الشماخ الكلبي وأبو علاقة بْن صالح السلاماني أن يزيد بْن الوليد نادى بأمره مناد: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقل من ألف رجل، فأمر رجلا فنادى: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمائة؟
فانتدب اليه يومئذ الف وخمسمائة، فعقد لمنصور بْن جمهور على طائفة، وعقد ليعقوب بْن عبد الرحمن بْن سليم الكلبي على طائفه اخرى، وعقد لهرم ابن عبد الله بْن دحية على طائفة أخرى، وعقد لحميد بْن حبيب اللخمي على طائفة أخرى، وعليهم جميعا عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحيرة.
وحدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثنا علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني يعقوب بْن إبراهيم بْن الوليد أن مولى للوليد لما خرج يزيد بْن الوليد، خرج على فرس له، فأتى الوليد من يومه، فنفق فرسه حين بلغه، فأخبر الوليد الخبر، فضربه مائة سوط وحبسه، ثم دعا أبا محمد ابن عبد الله بْن يزيد بْن معاوية فأجازه، ووجهه إلى دمشق، فخرج أبو محمد، فلما انتهى إلى ذنبة أقام، فوجه يزيد بْن الوليد إليه عبد الرحمن بْن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بْن الوليد وأتى الوليد الخبر، وهو بالأغدف- والأغدف من عمان- فقال بيهس بْن زميل الكلابي- ويقال قاله يزيد بْن خالد بْن يزيد بْن معاوية: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجه الجنود إلى يزيد فيقتل أو يؤسر فقال عبد الله بن عنبسة ابن سعيد بْن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره فقال يزيد بْن خالد: وماذا يخاف على حرمه! وإنما أتاه عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك وهو ابن عمهن، فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بْن الوليد الكلبي:
يا أمير المؤمنين، تدمر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقَالَ: ما أرى أن نأتي تدمر وأهلها بنو عامر، وهم الذين خرجوا علي، ولكن دلني على منزل
(7/243)

حصين، فقال: ارى أن تنزل القرية، قَالَ: أكرهها، قَالَ: فهذا الهزيم.
قَالَ: أكره اسمه، قَالَ: فهذا البخراء، قصر النعمان بْن بشير، قَالَ:
ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم! فأقبل في طريق السماوة، وترك الريف، وهو في مائتين، فقال:
إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد ... نصيحا ولا ذا حاجة حين تفزع
إذا ما هم هموا بإحدى هناتهم ... حسرت لهم رأسي فلا أتقنع
فمر بشبكة الضحاك بْن قيس الفهري، وفيها من ولده وولد ولده أربعون رجلا، فساروا معه وقالوا: إنا عزل، فلو أمرت لنا بسلاح! فما أعطاهم سيفا ولا رمحا، فقال له بيهس بْن زميل: أما إذ أبيت أن تمضي إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء فإنه حصين، وهو من بناء العجم فانزله، قَالَ: إني أخاف الطاعون، قَالَ: الذي يراد بك أشد من الطاعون، فنزل حصن البخراء.
قَالَ: فندب يزيد بْن الوليد الناس إلى الوليد مع عبد العزيز، ونادى مناديه: من سار معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم ألفين ألفين وقال: موعدكم بذنبة، فوافى بذنبة ألف ومائتان، وقال: موعدكم مصنعة بني عبد العزيز بْن الوليد بالبرية، فوافاه ثمانمائه، فسار، فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه، ونزلوا قريبا من الوليد، فأتاه رسول العباس بْن الوليد: إني آتيك.
فقال الوليد: أخرجوا سريرا، فأخرجوا سريرا فجلس عليه وقال: أعلي توثب الرجال، وانا اثب على الأسد واتخصر الأفاعي! وهم ينتظرون العباس.
فقاتلهم عبد العزيز، وعلى الميمنة عمرو بْن حوي السكسكي وعلى المقدمة منصور بْن جمهور وعلى الرجالة عمارة بْن أبي كلثم الأزدي، ودعا عبد العزيز ببغل له أدهم فركبه، وبعث إليهم زياد بْن حصين الكلبي يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله قطري مولى الوليد، فانكشف أصحاب يزيد، فترجل عبد العزيز، فكر أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدة وحملت
(7/244)

رءوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البخراء قد أخرج لواء مروان بْن الحكم الذي كان عقده بالجابية، وقتل من أصحاب الوليد بْن يزيد عثمان الخشبي، قتله جناح بْن نعيم الكلبي، وكان من أولاد الخشبية الذين كانوا مع المختار.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس بْن الوليد، فأرسل منصور بْن جمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشعب، ومعه بنوه في الشعب فخذوهم فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدمت لأنفذن حصينك- يعني درعك- وقال نوح بْن عمرو بْن حوي السكسكي: الذي لقي العباس بْن الوليد يعقوب بْن عبد الرحمن بْن سليم الكلبي- فعدل به الى عبد العزيز، فأبى عليه فقال: يا بن قسطنطين، لئن أبيت لأضربن الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هرم بْن عبد الله بْن دحية، فقال: من هذا؟ قَالَ: يعقوب بْن عبد الرحمن بْن سليم، قَالَ: أما والله إن كان لبغيضا إلى أبيه أن يقف ابنه هذا الموقف، وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، كان تقدمهم مع بنيه فقال: إنا لله! فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بْن الوليد، فبايع ووقف ونصبوا راية، وقالوا:
هذه راية العباس بْن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بْن الوليد، فقال العباس: إنا لله! خدعة من خدع الشيطان! هلك بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد، فأتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين درعين، واتوه بفرسيه:
السندي والزائد، فقاتلهم قتالا شديدا فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتله قوم لوط، ارموه بالحجارة
(7/245)

فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه! فقال له يزيد بْن عنبسة السكسكي: كلمني، قَالَ له: من أنت؟ قَالَ: أنا يزيد بْن عنبسة، قَالَ: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم! ألم أخدم زمناكم! فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، قَالَ:
حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة عما ذكرت ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بْن عنبسة السكسكي، فنزل إليه وسيف لوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نح سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حاله فيهم غير هذه، فأخذ بيد الوليد، وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه فنزل من الحائط عشرة: منصور بْن جمهور وحبال بْن عمرو الكلبي وعبد الرحمن بْن عجلان مولى يزيد بْن عبد الملك وحميد بْن نصر اللخمي والسري بْن زياد بْن أبي كبشة وعبد السلام اللخمي، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السري على وجهه، وجروه بين خمسة ليخرجوه فصاحت امرأة كانت معه في الدار، فكفوا عنه ولم يخرجوه، واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه فأخذ عقبا
(7/246)

فخاط الضربة التي في وجهه، وقدم بالرأس على يزيد روح بْن مقبل، وقال:
أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسر من كان معه، والعباس- ويزيد يتغدى- فسجد ومن كان معه، وقام يزيد بْن عنبسة السكسكي، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفه، وقال: اللهم إن كان هذا لك رضا فسددني، وقال ليزيد بْن عنبسة: هل كلمكم الوليد؟ قَالَ: نعم، كلمني من وراء الباب، وقال:
أما فيكم ذو حسب فأكلمه! فكلمته ووبخته، فقال: حسبك، فقد لعمري أغرقت وأكثرت، أما والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم حدثني أحمد عن علي، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: قال نوح ابن عمرو بْن حوي السكسكي: خرجنا إلى قتال الوليد في ليال ليس فيها قمر، فإن كنت لأرى الحصى فأعرف أسوده من أبيضه قَالَ: وكان على ميسرة الوليد بْن يزيد الوليد بْن خالد، ابن أخي الأبرش الكلبي في بني عامر- وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز- فلم تقاتل ميسرة الوليد ميمنة عبد العزيز، ومالوا جميعا إلى عبد العزيز بْن الحجاج قَالَ: وقال نوح بْن عمرو: رأيت خدم الوليد بْن يزيد وحشمه يوم قتل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخلونهم عليه وحدثني أحمد عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني المثنى بْن معاوية، قَالَ: اقبل الوليد فنزل اللؤلؤه، وامر ابنه الحكم والمؤمل ابن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين دينارا في العطاء، فأقبلت أنا وابن عمي سليمان بْن محمد بْن عبد الله إلى عسكر الوليد، فقربني المؤمل وأدناني.
وقال: أدخلك على أمير المؤمنين، وأكلمه حتى يفرض لك في مائة دينار.
قَالَ المثنى: فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة، فأتاه رسول عمرو بْن قيس من حمص يخبره أن عمرا قد وجه اليه خمسمائة فارس، عليهم عبد الرحمن بْن أبي الجنوب البهراني، فدعا الوليد الضحاك بْن أيمن من
(7/247)

بني عوف بْن كلب، فأمره أن يأتي ابن أبي الجنوب- وهو بالغوير- فيستعجله، ثم يأتي الوليد بالمليكة فلما أصبح أمر الناس بالرحيل، وخرج على برذون كميت، عليه قباء خز وعمامة خز، محتزما بريطة رقيقة قد طواها، وعلى كتفيه ريطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بْن كيسان في ستة عشر فارسا، ثم سار قليلا، فتلقاه بنو النعمان بْن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الأبرش في بني عامر من كلب، فحمله الوليد وكساه، وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تلعة يقال لها المشبهة، فلقيه ابن أبي الجنوب في أهل حمص ثم أتى البخراء، فضج أهل العسكر، وقالوا: ليس معنا علف لدوابنا، فأمر رجلا فنادى: إن أمير المؤمنين قد اشترى زروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل! تضعف عليه دوابنا، وإنما أرادوا الدراهم قَالَ المثنى: أتيت الوليد، فدخلت من مؤخر الفسطاط، فدعا بالغداء، فلما وضع بين يديه أتاه رسول أم كلثوم بنت عبد الله بْن يزيد بْن عبد الملك يقال له عمرو بْن مرة، فأخبره أن عبد العزيز بْن الحجاج، قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بْن عثمان المخراش- وكان على شرطه- برجل من بني حارثة بْن جناب، فقال له: إني كنت بدمشق مع عبد العزيز، وقد اتيتك بالخبر، وهذه الف وخمسمائة قد أخذتها- وحل هميانا من وسطه، وأراه- وقد نزل اللؤلؤة، وهو غاد منها إليك، فلم يجبه والتفت إلى رجل إلى جنبه، وكلمه بكلام لم أسمعه، فسألت بعض من كان بيني وبينه عما قَالَ، فقال:
سأله عن النهر الذي حفره بالأردن: كم بقي منه؟ وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة، فأتى المليكة فحازها، ووجه منصور بْن جمهور، فأخذ شرقي القرى- وهو تل مشرف في أرض ملساء على طريق نهيا إلى البخراء- وكان العباس بْن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومائة من مواليه وولده، فبعث العباس رجلا من بني ناجية يقال له حبيش إلى الوليد يخيره بين أن يأتيه فيكون معه، أو يسير إلى يزيد بْن الوليد فاتهم الوليد العباس، فأرسل إليه يأمره أن يأتيه
(7/248)

فيكون معه، فلقي منصور بْن جمهور الرسول، فسأله عن الأمر فأخبره، فقال له منصور: قل له: والله لئن رحلت من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلنك ومن معك، فإذا أصبح فليأخذ حيث أحب فأقام العباس يتهيأ، فلما كان في السحر سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البخراء، فخرج خالد بْن عثمان المخراش، فعبأ الناس، فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس، وكان مع أصحاب يزيد بْن الوليد كتاب معلق في رمح، فيه:
إنا ندعوكم إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه ص، وأن يصير الأمر شورى فاقتتلوا فقتل عثمان الخشبي، وقتل من أصحاب الوليد زهاء ستين رجلا، وأقبل منصور بْن جمهور على طريق نهيا، فأتى عسكر الوليد من خلفهم، فأقبل الى الوليد وهو في فسطاطه، ليس بينه وبين منصور أحد.
فلما رأيته خرجت أنا وعاصم بْن هبيرة المعافري خليفة المخراش، فانكشف أصحاب عبد العزيز، ونكص أصحاب منصور، وصرع سمي بْن المغيرة وقتل، وعدل منصور إلى عبد العزيز وكان الأبرش على فرس له يدعى الأديم، عليه قلنسوة ذات أذنين، قد شدها تحت لحيته، فجعل يصيح بابن أخيه:
يا بن اللخناء، قدم رايتك، فقال له: لا أجد متقدما، إنها بنو عامر.
وأقبل العباس بْن الوليد فمنعه أصحاب عبد العزيز، وشد مولى لسليمان بْن عبد الله بْن دحية- يقال له التركي- على الحارس بْن العباس بْن الوليد، فطعنه طعنه اذراه عن فرسه، فعدل العباس إلى عبد العزيز، فأسقط في أيدي أصحاب الوليد وانكسروا فبعث الوليد بْن يزيد الوليد بْن خالد إلى عبد العزيز بْن الحجاج بأن يعطيه خمسين ألف دينار، ويجعل له ولاية حمص ما بقي، ويؤمنه على كل حدث، على أن ينصرف ويكف، فأبى ولم يجبه، فقال له الوليد: ارجع إليه فعاوده أيضا، فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شيء، فانصرف الوليد، حتى إذا كان غير بعيد عطف دابته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: أتجعل لي خمسة آلاف دينار وللأبرش مثلها، وأن أكون كأخص رجل من قومي منزلة وآتيك، فأدخل معك فيما دخلت فيه؟
فقال له عبد العزيز: على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد، ففعل وكان
(7/249)

على ميمنة الوليد معاوية بْن أبي سفيان بْن يزيد بْن خالد، فقال لعبد العزيز:
أتجعل لي عشرين ألف دينار وولاية الأردن والشركه في الأمر على ان اصير معكم؟ قَالَ: على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم أصحاب الوليد وقام الوليد فدخل البخراء، وأقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة، فجعل الرجل بعد الرجل يدخل من تحت السلسلة.
وأتى عبد العزيز عبد السلام بْن بكير بْن شماخ اللخمي، فقال له: إنه يقول:
أخرج على حكمك، قَالَ: فليخرج، فلما ولي قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس فدعا عبد السلام فقال: لا حاجة لي فيما عرض علي، فنظرت إلى شاب طويل على فرس، فدنا من حائط القصر فعلاه، ثم صار إلى داخل القصر قَالَ: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قصب وسراويل وشي، ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه، فأقبل إليه بشر بْن شيبان مولى كنانة بْن عمير، وهو الذي دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب- أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز- وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بْن قيس عن يساره، فضربه على راسه، وتعاروه الناس بأسيافهم فقتل، فطرح عبد السلام نفسه عليه يحتز رأسه- وكان يزيد بْن الوليد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف- وأقبل أبو الأسد مولى خالد بْن عبد الله القسري فسلخ من جلد الوليد قدر الكف، فأتى بها يزيد بْن خالد بْن عبد الله، وكان محبوسا في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه، وأتاني يزيد العليمي أبو البطريق بْن يزيد، وكانت ابنته عند الحكم بْن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتي، فما وصل أحد إلى شيء زعم أنه له.
قَالَ أحمد: قَالَ علي: قَالَ عمرو بْن مروان الكلبي: لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى، فبعث بها إلى يزيد بْن الوليد، فسبقت الرأس، قدم بها ليلة الجمعة، وانى برأسه من الغد، فنصبه الناس بعد الصلاة وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفوا.
قَالَ: وأمر يزيد بنصب الرأس، فقال له يزيد بْن فروة مولى بني مروان.
(7/250)

إنما تنصب رءوس الخوارج، وهذا ابن عمك، وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته، فقال: والله لانصبته، فنصبه على رمح، ثم قَالَ له: انطلق به، فطف به في مدينة دمشق، وأدخله دار أبيه ففعل، فصاح الناس وأهل الدار، ثم رده إلى يزيد، فقال: انطلق به إلى منزلك، فمكث عنده قريبا من شهر، ثم قَالَ له: ادفعه إلى أخيه سليمان- وكان سليمان أخو الوليد ممن سعى على أخيه- فغسل ابن فروة الرأس، ووضعه في سفط، وأتى به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال: بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر، ماجنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي الفاسق فخرج ابن فروة من الدار، فتلقته مولاة للوليد، فقال لها: ويحك! ما أشد ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! فقالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل، وما كان ليقدر على الامتناع منه.
وحدثني أحمد، عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني يزيد بْن مصاد عن عبد الرحمن بْن مصاد، قَالَ: بعثني يزيد بْن الوليد إلى أبي محمد السفياني- وكان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد واليا على دمشق وأتى ذنبة، وبلغ يزيد خبره، فوجهني إليه- فأتيته، فسالم وبايع ليزيد، قَالَ: فلم نرم حتى رفع لنا شخص مقبل من ناحية البرية، فبعثت إليه، فأتيت به فإذا هو الغزيل أبو كامل المغني، على بغلة للوليد تدعى مريم، فأخبرنا أن الوليد قد قتل، فانصرفت إلى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيه.
حدثني أحمد، عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني دكين بْن شماخ الكلبي ثم العامري، قَالَ: رأيت بشر بْن هلباء العامري يوم قتل الوليد ضرب باب البخراء بالسيف، وهو يقول:
سنبكى خالدا بمهندت ... ولا تذهب صنائعه ضلالا
وحدثني أحمد، عن علي، عن أبي عاصم الزيادي، قَالَ: ادعى قتل الوليد عشرة، وقال: إني رأيت جلدة رأس الوليد في يد وجه الفلس،
(7/251)

فقال: أنا قتلته، وأخذت هذه الجلدة، وجاء رجل فاحتز رأسه، وبقيت هذه الجلدة في يدي واسم وجه الفلس عبد الرحمن، قَالَ: وقال الحكم بْن النعمان مولى الوليد بْن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بْن جمهور في عشرة، فيهم روح بْن مقبل، فقال روح: يا أمير المؤمنين، أبشر بقتل الفاسق وأسر العباس، وكان فيمن قدم بالرأس عبد الرحمن وجه الفلس، وبشر مولى كنانة من كلب، فأعطى يزيد كل رجل منهم عشرة آلاف.
قَالَ: وقال الوليد يوم قتل وهو يقاتلهم: من جاء برأس فله خمسمائة، فجاء قوم بارؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا أمير المؤمنين، ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة! قَالَ: وكان مع الوليد مالك بْن أبي السمح المغني وعمرو الوادي، فلما تفرق عن الوليد اصحابه، وحصر، قَالَ مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء، ونحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال مالك: ويلك! والله لئن ظفروا بنا لا يقتل أحد قبلي وقبلك، فيوضع رأسه بين رأسينا، ويقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا، فهربا.
وقتل الوليد بْن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، كذلك قَالَ أَبُو معشر، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه وكذلك قَالَ هشام بن محمد ومحمد ابن عمر الواقدي وعلي بْن محمد المدائني.
واختلفوا في قدر المدة التي كان فيها خليفة، فقال أبو معشر: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عنه.
وقال هشام بْن محمد: كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما
(7/252)

واختلفوا أيضا في مبلغ سنه يوم قتل، فقال هشام بْن محمد الكلبي: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقال محمد بْن عمر: قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة.
وقال بعضهم: قتل وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وقال آخرون: وهو ابن إحدى وأربعين سنة، وقال آخرون: ابن خمس وأربعين سنة، وقال بعضهم: وهو ابن ست وأربعين سنة وكان يكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج بنت محمد بْن يوسف الثقفي، وكان شديد البطش، طويل أصابع الرجلين، كان يوتد له سكة حديد فيها خيط ويشد الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة ويركب، ما يمس الدابة بيده.
وكان شاعرا شروبا للخمر، حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، عن ابن أبي الزناد، قَالَ: قَالَ أبي: كنت عند هشام وعنده الزهري، فذكرا الوليد، فتقصاه وعاباه عيبا شديدا، ولم أعرض في شيء مما كانا فيه، فاستأذن الوليد، فأذن له، وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلا، ثم قام فلما مات هشام كتب في فحملت إليه فرحب بي، وقال: كيف حالك يا بن ذكوان؟ وألطف المسألة بي، ثم قَالَ: أتذكر يوم الأحول وعنده الفاسق الزهري، وهما يعيبانني؟
قلت: أذكر ذلك، فلم أعرض في شيء مما كانا فيه، قَالَ: صدقت، أرأيت الغلام الذي كان قائما على رأس هشام؟ قلت: نعم، قال: فانه نم الى بما قالا، وايم الله لو بقي الفاسق- يعني الزهري- لقتلته، قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت ثم قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، فقلت: بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين، ويمتع الأمة ببقائك، فدعا بالعشاء فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وتحدثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس، وقال: اسقني، فجاءوا بإناء مغطى، وجاء ثلاث جوار فصففن بين يديه، بيني وبينه، ثم شرب، وذهبنا فتحدثنا، واستسقى فصنعن مثل ما صنعن أولا، قَالَ: فما زال على
(7/253)

ذلك يتحدث ويستسقي ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا
. خبر قتل خالد بن عبد الله القسرى
وفي هذه السنة قتل خالد بْن عبد الله القسري.
ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
قد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام إياه عن عمله وولايته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بْن عمر، وكان- فيما ذكر- عمل لهشام على ذلك خمس عشرة سنة غير أشهر، وذلك أنه- فيما قيل- ولي العراق لهشام سنة خمس ومائة، وعزل عنها في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطا أخذه وحبسه بها، ثم شخص يوسف بْن عمر إلى الحيرة، فلم يزل محبوسا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل بْن عبد الله وابنه يزيد بْن خالد وابن أخيه المنذر بْن أسد بْن عبد الله واستأذن يوسف هشاما في إطلاق يده عليه وتعذيبه، فلم يأذن له حتى أكثر عليه، واعتل عليه بانكسار الخراج وذهاب الأموال، فأذن له مرة واحدة، وبعث حرسيا يشهد ذلك، وحلف: لئن أتى على خالد أجله وهو في يده ليقتلنه، فدعا به يوسف، فجلس على دكان بالحيرة وحضر الناس، وبسط عليه، فلم يكلمه واحدة حتى شتمه يوسف، فقال: يا بن الكاهن- يعني شق بْن صعب الكاهن- فقال له خالد: إنك لأحمق، تعيرني بشرفي! ولكنك يا بن السباء، إنما كان أبوك سباء خمر- يعني يبيع الخمر- ثم رده إلى حبسه، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومائة، فنزل خالد في قصر إسماعيل بْن عبد الله بدوران، خلف جسر الكوفة، وخرج يزيد بْن خالد وحده، فاخذ على بلاد طيّئ، حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد، قد جهزهم عبد الرحمن بْن عنبسة بن سعيد ابن العاص، وبعث بالأثقال إلى قصر بني مقاتل، وكان يوسف قد بعث خيلا، فأخذت الزاد والأثقال والإبل وموالي لخالد كانوا فيها، فضرب وباع
(7/254)

ما أخذ لهم، ورد بعض الموالي إلى الرق، فقدم خالد قصر بني مقاتل، وقد أخذ كل شيء لهم، فسار إلى هيت، ثم تحملوا إلى القرية- وهي بإزاء باب الرصافه- فأقام بها بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وصفر، لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه، والأبرش يكاتب خالدا وخرج زيد بْن علي فقتل قَالَ الهيثم بْن عدي- فيما ذكر عنه-: وكتب يوسف إلى هشام: إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا، حتى كانت همة أحدهم قوت عياله، فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد، والدليل على ذلك نزول خالد بالقرية على مدرجه العراق يستثني أخبارها.
فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قَالَ للحكم بْن حزن القيني- وكان على الوفد، وقد أمره يوسف بتصديق ما كتب به، ففعل- فقال له هشام: كذبت وكذب من أرسلك، ومهما اتهمنا خالدا فلسنا نتهمه في طاعة، وأمر به فوجئت عنقه وبلغ الخبر خالدا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بْن عبد الله، وعلى دمشق يومئذ كلثوم بْن عياض القسري، وكان متحاملا على خالد، فلما أدربوا ظهر في دور دمشق حريق، كل ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرس وأصحاب له، فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون وكان إسماعيل بْن عبد الله والمنذر بْن أسد بْن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويخبره أنه لم يكن قط، وإنه عمل موالي خالد، يريدون الوثوب على بيت المال فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد، الصغير منهم والكبير، ومواليهم والنساء، فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدم بهم في الجوامع ومن كان معهم من مواليهم، وحبس أم جرير بنت
(7/255)

خالد والرائقة وجميع النساء والصبيان، ثم ظهر على أبي العمرس، فأخذ ومن كان معه فكتب الوليد بْن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ أبي العمرس ومن كان معه، سماهم رجلا رجلا، ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم، ولم يذكر فيهم أحد من موالي خالد، فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويعنفه، ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم، فأرسلهم جميعا واحتبس الموالي رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدرب بلغ خالدا حبس أهله، ولم يبلغه تخليتهم، فدخل يزيد بْن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص، وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما أصبح أتاه الناس، فبعث الى ابنتيه: زينب وعاتكة، فقال: إني قد كبرت وأحببت أن تليا خدمتي، فسرتا بذلك- ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيد وسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحيا، فقال:
وما لهما تتنحيان، وهشام في كل يوم يسوقهن إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما فقال خالد: خرجت غازيا في سبيل الله، سامعا مطيعا، فخلفت في عقبي وأخذ حرمي وحرم أهل بيتي، فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرك! فما منع عصابة منكم أن تقوم فتقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعا! أخافكم الله! ثم قَالَ: ما لي ولهشام! ليكفن عني هشام أو لأدعون إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأصل- يعني محمد بن على بن عبد الله ابن عباس- وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما فلما بلغه ما قَالَ، قَالَ:
خرف أبو الهيثم.
وذكر أبو زيد أن أحمد بْن معاوية حدثه عن أبي الخطاب، قَالَ:
قَالَ خالد: أما والله، لئن ساء صاحب الرصافة- يعني هشاما- لننصبن لنا الشامي الحجازي العراقي، ولو نخر نخرة تداعت من أقطارها.
فبلغت هشاما، فكتب إليه: إنك هذاءة هذرة، أببجيلة القليله
(7/256)

الذليلة تتهددنى! قال: فو الله ما نصره أحد بيد ولا بلسان إلا رجل من عبس، فإنه قَالَ:
ألا إن بحر الجود أصبح ساجيا ... أسير ثقيف موثقا في السلاسل
فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملح على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد وكتب هشام إلى كلثوم بْن عياض يأمره بأخذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلا وهو في منزله، فشد عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كلثوم فاخبروه، فأرسل إلى خالد الغد من يوم تنحى يزيد خيلا، فدعا خالد بثيابه فلبسها وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرت هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولم؟ أما والله لولا الطاعة لعلم عبد بني قسر أنه لا ينال هذه مني، فأعلموه مقالتي، فإن كان عربيا كما يزعم، فليطلب جده مني ثم مضى معهم فحبس في حبس دمشق وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزبير على هشام فأعلمه، فكتب إلى كلثوم يعنفه، ويقول: خليت عمن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلاه.
وكان هشام إذا أراد أمرا أمر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش:
إنه بلغ أمير المؤمنين أن عبد الرحمن بْن ثويب الضنى- ضنه سعد اخوه عذره ابن سعد- قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم حتى عد عشرا، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلن دمك، فاكتب إلي بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرف ما كان فيه الى غيره، قام الى عبد الرحمن ابن ثويب، فقال: يا خالد أني لأحبك لعشر خصال: إن الله كريم يحب
(7/257)

كل كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحب الله إياك، حتى عدد عشر خصال، ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين، وقوله:
يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين:
بل خليفتي في أهلي، فقال ابن شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله، ولعمري لضلالة رجل من بجيلة إن ضل أهون على العامة والخاصة من ضلال أمير المؤمنين فأقرأ الأبرش هشاما كتابه، فقال خرف أبو الهيثم.
فأقام خالد بدمشق خلافة هشام حتى هلك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد، فيهم خالد، فلم يأذن لأحد منهم، واشتكى خالد، فاستأذن فأذن له، فرجع الى دمشق، فأقام أشهرا، ثم كتب إليه الوليد: إن أمير المؤمنين قد علم حال الخمسين الالف الف، التي تعلم، فأقدم على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره ألا يعجلك عن جهاز.
فبعث خالد إلى عدة من ثقاته، منهم عمارة بْن أبي كلثوم الأزدي، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا علي، فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون عليك، فالرأي ان تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعو إلى من أحببت، فأكثر الناس قومك، ولن يختلف عليك رجلان، قَالَ: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثق لنفسك، قال: أو ماذا؟ قالوا: او تتوارى.
قَالَ: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت، فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثق لنفسك، فأنتم لا تأمنون علي الوليد، ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بيوت الأموال! واما التوارى، فو الله.
ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط، فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت! لا، ولكن أمضي وأستعين الله فخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدع به، ولم يكلمه وهو في بيته، معه مواليه وخدمه، حتى قدم برأس يحيى بْن زيد من خراسان، فجمع الناس في رواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد:
إن حالي ما ترى، لا أقدر على المشي، وإنما أحمل في كرسي، فقال
(7/258)

الحاجب: لا يدخل عليه أحد يحمل، ثم أذن لثلاثة نفر، ثم قَالَ: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: إن حالي ما ذكرت لك، حتى أذن لعشرة، ثم قَالَ: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمل على كرسيه، فدخل به والوليد جالس على سريره، والموائد موضوعة، والناس بين يديه سماطان، وشبه ابن عقال- أو عقال بْن شبة- يخطب، ورأس يحيى بْن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصرف الناس، وحمل خالد إلى أهله، فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فرده، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بْن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله، فلما لم يظهر ظنناه ببلاد قومه من السراة، وما أوشكه فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلفته طلبا للفتنة فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين إنا أهل بيت طاعة، أنا وأبي وجدي- قَالَ خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول، أن الوليد قريب حيث يسمع كلامي- فرجع الرسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين، لتأتين به أو لأزهقن نفسك فرفع خالد صوته، وقال: قل له: هذا أردت، وعليه درت، والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما لك عنه، فاصنع ما بدا لك! فامر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه، وقال له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذبه بالسلاسل، فلم يتكلم، فرجع غيلان إلى الوليد، فقال:
والله ما أعذب إنسانا، والله ما يتكلم ولا يتأوه، فقال: اكفف عنه واحبسه عندك فحبسه حتى قدم يوسف بْن عمر بمال من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم، وجلس الوليد للناس ويوسف عنده، فتكلم أبان بْن عبد الرحمن النميري في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا
(7/259)

دفعتك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألني أن أضمن هذا- ورفع عودا من الأرض- ما ضمنته، فر رأيك.
فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرعه عباءه ولحفه بأخرى، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المري ابن أخي الوليد بْن تليد- وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحدثة، على مرحلة من عسكر الوليد ثم دعا به فذكر أمه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدا فبسط عليه، وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه كلمة ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بْن تميم القيني بشربة سويق حب رمان مع مولى له يقال له سالم النفاط، فبلغ يوسف فضرب زيدا خمسمائة سوط، وضرب سالما ألف سوط ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلمه، وصبر ابراهيم ابن هشام وخرع محمد بْن هشام فمكث خالد يوما في العذاب، ثم وضع على صدره المضرسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة في قول الهيثم بْن عدي، فأقبل عامر بْن سهلة الأشعري فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمائة سوط.
قَالَ أبو زيد: حدثني أبو نعيم قَالَ: حدثني رجل، قَالَ: شهدت خالدا حين أتى به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرجال حتى كسرت قدماه، فو الله ما تكلم ولا عبس، ثم على ساقيه حتى كسرتا، ثم على فخذيه ثم على حقويه ثم على صدره حتى مات، فو الله ما تكلم ولا عبس، فقال خلف بْن خليفة لما قتل الوليد بْن يزيد:
لقد سكنت كلب واسباق مذحج ... صدى كان يزقو ليله غير راقد
تركن أمير المؤمنين بخالد ... مكبا على خيشومه غير ساجد
فإن تقطعوا منا مناط قلادة ... قطعنا به منكم مناط قلائد
(7/260)

وإن تشغلونا عن ندانا فإننا ... شغلنا الوليد عن غناء الولائد
وإن سافر القسري سفرة هالك ... فإن أبا العباس ليس بشاهد
وقال حسان بْن جعدة الجعفري يكذب خلف بْن خليفة في قوله هذا:
إن امرأ يدعي قتل الوليد سوى ... أعمامه لمليء النفس بالكذب
ما كان إلا امرأ حانت منيته ... سارت إليه بنو مروان بالعرب
وقال أبو محجن مولى خالد:
سائل وليدا وسائل أهل عسكره ... غداة صبحه شؤبوبنا البرد
هل جاء من مضر نفس فتمنعه ... والخيل تحت عجاج الموت تطرد
من يهجنا جاهلا بالشعر ننقضه ... بالبيض إنا بها نهجو ونفتئد
وقال نصر بْن سعيد الأنصاري:
أبلغ يزيد بني كرز مغلغلة ... أني شفيت بغيب غير موتور
قطعت أوصال قنور على حنق ... بصارم من سيوف الهند مأثور
أمست حلائل قنور مجدعة ... لمصرع العبد قنور بْن قنور
ظلت كلاب دمشق وهي تنهشه ... كأن أعضاءه أعضاء خنزير
غادرن منه بقايا عند مصرعه ... أنقاض شلو على الاطناب مجرور
حكمت سيفك إذ لم ترض حكمهم ... والسيف يحكم حكما غير تعذير
لا ترض من خالد إن كنت متئرا ... إلا بكل عظيم الملك مشهور
أسعرت ملك نزار ثم رعتهم ... بالخيل تركض بالشم المغاوير
ما كان في آل قنور ولا ولدوا ... عدلا لبدر سماء ساطع النور

ذكر بيعه يزيد بن الوليد الناقص
وفي هذه السنة بويع ليزيد بْن الوليد بْن عبد الملك، الذي يقال له يزيد الناقص، وإنما قيل: يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد
(7/261)

ابن يزيد في أعطياتهم، وذلك عشرة عشرة، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة، ورد أعطياتهم إلى ما كانت عليه أيام هشام بْن عبد الملك.
وقيل: أول من سماه بهذا الاسم مروان بْن محمد، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن محمد، قَالَ: شتم مروان بْن محمد يزيد بْن الوليد فقال: الناقص بن الوليد، فسماه الناس الناقص لذلك.

ذكر اضطراب امر بنى مروان
وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة.
ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن:
فكان في ذلك وثوب سليمان بْن هشام بْن عبد الملك بعد ما قتل الوليد بْن يزيد بعمان فحدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد قال: لما قتل الوليد خرج سليمان بْن هشام من السجن، وكان محبوسا بعمان، فأخذ ما كان بعمان من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر
. ذكر خلاف اهل حمص
وفيها كان وثوب أهل حمص بأسباب العباس بْن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بْن يزيد.
ذكر الخبر عن ذلك:
حدثني أحمد عن علي، قَالَ: كان مروان بْن عبد الله بْن عبد الملك عاملا للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلا وكرما وعقلا وجمالا، فلما قتل الوليد بلغ أهل حمص قتله، فأغلقوا أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله، فقال بعض من حضرهم: ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم، حتى جاء العباس بْن الوليد، فمال إلى عبد العزيز بْن الحجاج فوثب أهل حمص فهدموا دار العباس وانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه فخرج إلى يزيد بْن الوليد.
وكاتبوا الأجناد، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجابوهم وكتب اهل
(7/262)

حمص بينهم كتابا، الا يدخلوا في طاعة يزيد، وإن كان وليا عهد الوليد حيين قاموا بالبيعة لهما وإلا جعلوها لخير من يعلمون، على أن يعطيهم العطاء من المحرم إلى المحرم، ويعطيهم للذرية وأمروا عليهم معاوية بْن يزيد بْن حصين، فكتب إلى مروان بْن عبد الله بْن عبد الملك وهو بحمص في دار الإمارة، فلما قرأه قَالَ: هذا كتاب حضره من الله حاضر وتابعهم على ما أرادوا فلما بلغ يزيد بْن الوليد خبرهم، وجه إليهم رسلا فيهم يعقوب بْن هانئ، وكتب إليهم: أنه ليس يدعو إلى نفسه، ولكنه يدعوهم إلى الشورى فقال عمرو بْن قيس السكوني: رضينا بولي عهدنا- يعني ابن الوليد بْن يزيد- فأخذ يعقوب بْن عمير بلحيته، فقال: أيها العشمة، إنك قد فيلت وذهب عقلك، إن الذي تعني لو كان يتيما في حجرك لم يحل لك أن تدفع إليه ماله، فكيف أمر الأمة! فوثب أهل حمص على رسل يزيد بْن الوليد فطردوهم.
وكان أمر حمص لمعاوية بْن يزيد بْن حصين، وليس إلى مروان بْن عبد الله من أمرهم شيء، وكان معهم السمط بْن ثابت، وكان الذي بينه وبين معاوية بْن يزيد متباعدا وكان معهم أبو محمد السفياني فقال لهم:
لو قد اتيت دمشق، ونظر الى أهلها لم يخالفوني فوجه يزيد بن الوليد مسرور ابن الوليد والوليد بْن روح في جمع كبير، فنزلوا حوارين، أكثرهم بنو عامر من كلب ثم قدم على يزيد سليمان بْن هشام فأكرمه يزيد، وتزوج أخته أم هشام بنت هشام بْن عبد الملك، ورد عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، ووجهه إلى مسرور بْن الوليد والوليد بْن روح، وأمرهما بالسمع والطاعة له.
وأقبل أهل حمص فنزلوا قرية لخالد بْن يزيد بْن معاوية.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني عمرو بْن محمد ويحيى بْن عبد الرحمن البهراني، قالا: قام مروان بْن عبد الله، فقال: يا هؤلاء، إنكم خرجتم لجهاد عدوكم والطلب
(7/263)

بدم خليفتكم، وخرجتم مخرجا أرجو أن يعظم الله به أجركم، ويحسن عليه ثوابكم، وقد نجم لكم منهم قرن، وشال إليكم منهم عنق، إن أنتم قطعتموه اتبعه ما بعده، وكنتم عليه أحرى، وكانوا عليكم أهون، ولست أرى المضي إلى دمشق وتخليف هذا الجيش خلفكم فقال السمط: هذا والله العدو القريب الدار، يريد أن ينقض جماعتكم، وهو ممايل للقدرية.
قَالَ: فوثب الناس على مروان بْن عبد الله فقتلوه وقتلوا ابنه، ورفعوا راسيهما للناس، وإنما أراد السمط بهذا الكلام خلاف معاوية بْن يزيد، فلما قتل مروان بْن عبد الله ولوا عليهم أبا محمد السفياني، وأرسلوا إلى سليمان بْن هشام:
إنا آتوك فأقم بمكانك، فأقام قَالَ: فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، ومضوا إلى دمشق، وبلغ سليمان مضيهم، فخرج مغذا، فلقيهم بالسليمانية- مزرعة كانت لسليمان بْن عبد الملك خلف عذراء من دمشق على أربعة عشر ميلا.
قَالَ علي: فحدثني عمرو بْن مروان بْن بشار والوليد بْن علي، قالا: لما بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بْن الحجاج، فوجهه في ثلاثة آلاف، وأمره أن يثبت على ثنية العقاب، ودعا هشام بْن مصاد، فوجهه في الف وخمسمائة، وأمره أن يثبت على عقبة السلامة، وأمرهم ان يمد بعضهم بعضا.
قَالَ عمرو بْن مروان: فحدثني يزيد بْن مصاد، قَالَ: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حمص، وقد نزلوا السليمانية، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبل على شمائلهم، والجباب خلفهم، وليس عليهم مأتى إلا من وجه واحد، وقد نزلوا أول الليل، فأراحوا دوابهم، وخرجنا نسري ليلتنا كلها، حتى دفعنا إليهم، فلما متع النهار واشتد الحر، ودوابنا قد كلت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بْن الوليد، فقلت له- وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يقدم الأمير جنده إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، اصبر نفسك، فو الله لا أنزل حتى يقضي الله
(7/264)

بيني وبينهم ما هو قاض فتقدم وعلى ميمنته الطفيل بْن حارثة الكلبي، وعلى ميسرته الطفيل بْن زرارة الحبشي، فحملوا علينا حملة، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غلوتين، وسليمان في القلب لم يزل من مكانه، ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردوهم إلى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارا، فقتل منهم زهاء مائتي رجل، فيهم حرب بْن عبد الله بْن يزيد بْن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحو من خمسين رجلا، وخرج أبو الهلباء البهراني- وكان فارس أهل حمص- فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حية بْن سلامة الكلبي فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشد عليه أبو جعدة مولى لقريش من أهل دمشق فقتله، وخرج ثبيت ابن يزيد البهراني، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه أيراك السغدي، من أبناء ملوك السغد كان منقطعا إلى سليمان بْن هشام- وكان ثبيت قصيرا، وكان أيراك جسيما- فلما رآه ثبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف أيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبده قَالَ: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنية العقاب، فشد عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتل ونفذ إلينا.
قَالَ أحمد: قَالَ علي: قَالَ عمرو بْن مروان: فحدثني سليمان بْن زياد الغساني قَالَ: كنت مع عبد العزيز بْن الحجاج، فلما عاين عسكر أهل حمص، قَالَ لأصحابه: موعدكم التل الذي في وسط عسكرهم، والله لا يتخلف منكم أحد إلا ضربت عنقه ثم قَالَ لصاحب لوائه: تقدم، ثم حمل وحملنا معه، فما عرض لنا أحد إلا قتل حتى صرنا على التل، فتصدع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بْن خالد بن عبد الملك القسري: الله الله في قومك! فكف الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز، وكاد يقع الشربين الذكوانية وسليمان وبين بني عامر من كلب، فكفوا عنهم، على ان يبايعوا ليزيد ابن الوليد وبعث سليمان بْن هشام إلى أبي محمد السفياني ويزيد بْن خالد بْن يزيد بْن معاوية فأخذا، فمر بهما على الطفيل بْن حارثة، فصاحا به:
يا خالاه! ننشدك الله والرحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف
(7/265)

بنو عامر أن يقتلهما، فجاءت جماعة منهم، فكانت معهما في الفسطاط، ثم وجههما إلى يزيد بْن الوليد، فحبسهما في الخضراء مع ابني الوليد، وحبس أيضا يزيد بْن عثمان بْن محمد بْن أبي سفيان، خال عثمان بْن الوليد معهم ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق، ونزلا بعذراء واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بْن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحمص وأعطاهم يزيد العطاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بْن يزيد بْن الحصين والسمط بْن ثابت وعمرو بْن قيس وابن حوي والصقر بْن صفوان، واستعمل معاوية بْن يزيد بْن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردن وفلسطين وقد قتل من أهل حمص يومئذ ثلاثمائة رجل

ذكر خلاف اهل الأردن وفلسطين
وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين والأردن على عاملهم فقتلوه.
ذكر الخبر عن أمرهم وأمر يزيد بْن الوليد معهم:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ:
حدثني رجاء بْن روح بْن سلامة بْن روح بْن زنباع، قَالَ: كان سعيد بْن عبد الملك عاملا للوليد على فلسطين، وكان حسن السيرة، وكان يزيد بْن سليمان سيد ولد أبيه، وكان ولد سليمان بْن عبد الملك ينزلون فلسطين، فكان أهل فلسطين يحبونهم لجوارهم، فلما أتى قتل الوليد- ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بْن روح بْن زنباع- كتب إلى يزيد بْن سليمان: إن الخليفة قد قتل فأقدم علينا نولك أمرنا فجمع له سعيد قومه، وكتب إلى سعيد بْن عبد الملك- وهو يومئذ نازل بالسبع: ارتحل عنا، فان الأمر قد اضطرب، وقد ولينا أمرنا رجلا قد رضينا أمره فخرج إلى يزيد بْن الوليد، فدعا يزيد ابن سليمان أهل فلسطين إلى قتال يزيد بْن الوليد، وبلغ أهل الأردن أمرهم، فولوا عليهم محمد بْن عبد الملك- وأمر أهل فلسطين إلى سعيد بْن روح وضبعان بْن روح- وبلغ يزيد أمرهم، فوجه إليهم سليمان بْن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني
(7/266)

قَالَ علي: قال عمرو بْن مروان: حدثني محمد بْن راشد الخزاعي أن أهل دمشق كانوا أربعة وثمانين ألفا، وسار إليهم سليمان بْن هشام قَالَ محمد بْن راشد: وكان سليمان بْن هشام يرسلني إلى ضبعان وسعيد ابني روح وإلى الحكم وراشد ابني جرو من بلقين، فأعدهم وأمنيهم على الدخول في طاعة يزيد بْن الوليد، فأجابوا.
قَالَ: وحدثني عثمان بْن داود الخولاني، قَالَ: وجهني يزيد بْن الوليد ومعي حذيفة بْن سعيد إلى محمد بْن عبد الملك ويزيد بْن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنيهما، فبدأنا بأهل الأردن ومحمد بْن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم، فكلمته فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدرى الخبيث، فكفهم عنى الحكم بن جرو القينى فأقيمت الصلاة فخلوت به، فقلت: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تعقد إلا على رأس رجل من قومك، ولا درهم يخرج من بيت المال إلا في يد رجل منهم، وهو يحمل لك كذا وكذا قَالَ: أنت بذاك؟ قلت: نعم:
ثم خرجت فأتيت ضبعان بْن روح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بقي، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رحل بأهل فلسطين.
حدثني أحمد، عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: سمعت محمد بْن سعيد بْن حسان الأردني، قَالَ: كنت عينا ليزيد بْن الوليد بالأردن، فلما اجتمع له ما يريد ولاني خراج الأردن، فلما خالفوا يزيد بْن الوليد أتيت سليمان بْن هشام، فسألته أن يوجه معي خيلا، فأشن الغارة على طبرية، فأبى سليمان أن يوجه معي أحدا، فخرجت إلى يزيد بْن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلى سليمان كتابا بخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت، فأتيت به سليمان، فوجه معي مسلم بْن ذكوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلا حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرقوا في القرى، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبرية، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طبرية: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بْن سليمان ومحمد بْن عبد الملك،
(7/267)

فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم، فلما تفرق أهل فلسطين والأردن، خرج سليمان حتى أتى الصنبرة، وأتاه أهل الأردن، فبايعوا ليزيد بْن الوليد، فلما كان يوم الجمعة وجه سليمان إلى طبرية، وركب مركبا في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبرية، فصلى بهم الجمعة، وبايع من حضر ثم انصرف إلى عسكره.
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، قَالَ: حدثني عثمان بْن داود، قَالَ: لما نزل سليمان الصنبرة، أرسلني إلى يزيد بْن الوليد، وقال لي: أعلمه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين، وقد كفى الله مئونتهم، وقد أزمعت على أن أولي ابن سراقة فلسطين والأسود بْن بلال المحاربي الأردن فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال:
أخبرني كيف قلت لضبعان بْن روح؟ فأخبرته، قَالَ: فما صنع؟ قلت:
ارتحل بأهل فلسطين، وارتحل ابن جرو بأهل الأردن قبل أن يصبحا.
قَالَ: فليسا بأحق بالوفاء منا، ارجع فمره الا ينصرف حتى ينزل الرملة، فيبايع أهلها، وقد استعملت إبراهيم بْن الوليد على الأردن وضبعان بْن روح على فلسطين ومسرور بْن الوليد على قنسرين وابن الحصين على حمص.
ثم خطب يزيد بْن الوليد بعد قتل الوليد، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد ص أيها الناس، إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضبا لله ورسوله ودينه، داعيا الى الله وكتابه وسنه نبيه ص، لما هدمت معالم الهدى، وأطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وانه لابن عمى في الحسب، وكفئي في النسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألا يكلني إلى
(7/268)

نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي.
أيها الناس، إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكثر مالا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلدة إلى بلدة حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يعينهم، فان فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ممن هو أحوج إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم، فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإن لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بما قلت، فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني، الا ان تستتيبونى، فان تبت قبلتم مني، فإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه، ويدخل في طاعته.
أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، إنما الطاعة طاعة الله، فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية، فهو أهل أن يعصى ويقتل أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بْن هشام وبايعه قيس بْن هانئ العبسي، فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله، ودم على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحد من أهل بيتك، وإن قالوا:
عمر بْن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء.
فبلغ مروان بْن محمد قوله، فقال: ما له قاتله الله ذمنا جميعا وذم عمر!
(7/269)

فلما ولي مروان بعث رجلا فقال: إذا دخلت مسجد دمشق فانظر قيس ابن هانئ، فإنه طالما صلى فيه، فاقتله، فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قيسا يصلي فقتله.
وفي هذه السنة عزل يزيد بْن الوليد يوسف بْن عمر عن العراق وولاها منصور بْن جمهور.
ذكر الخبر عن عزل يوسف بْن عمر وولاية منصور بْن جمهور ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشام، ندب- فيما قيل- لولاية العراق عبد العزيز بْن هارون بْن عبد الله بْن دحية بْن خليفة الكلبي، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولاها منصور بْن جمهور.
وأما أبو مخنف، فإنه قَالَ- فِيمَا ذكر هِشَام بْن مُحَمَّد عنه: قتل الوليد ابن يزيد بْن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وبايع الناس يزيد بْن الوليد بْن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بْن جمهور من البخراء في اليوم الذي قتل فيه الوليد بْن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبره يوسف بْن عمر فهرب وقدم منصور بْن جمهور الحيرة في أيام خلون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لا هل العطاء والأرزاق، واستعمل حريث بْن أبي الجهم على واسط، وكان عليها محمد بْن نباتة، فطرقه ليلا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بْن يزيد بْن يزيد بْن جرير على البصرة، وأقام منصور وولى العمال، وبايع ليزيد بْن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بقين منه.
وأما غير أبي مخنف فإنه قَالَ: كان منصور بْن جمهور أعرابيا جافيا غيلانيا، ولم يكن من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحمية لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق:
قد وليتك العراق فسر إليه، واتق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه
(7/270)

ولما أظهر من الجور، فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه فدخل على يزيد بْن الوليد يزيد بْن حجرة الغساني- وكان دينا فاضلا ذا قدر في أهل الشام، قد قاتل الوليد ديانة- فقال: يا أمير المؤمنين، أوليت منصورا العراق؟ قَالَ: نعم، لبلائه وحسن معونته، قَالَ: يا أمير المؤمنين، انه ليس هناك في أعرابيته وجفائه في الدين قَالَ: فإذا لم أول منصورا في حسن معاونته فمن أولي! قَالَ: تولي رجلا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود، وما لي لا أرى أحدا من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قَالَ: لولا أنه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيسا، فو الله ما عزت إلا ذل الإسلام ولما بلغ يوسف بْن عمر قتل الوليد، جعل يعمد إلى من بحضرته من اليمانية فيلقيهم في السجون، ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضرية، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فتق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشام، أبايع من بايعوا، وأفعل ما فعلوا فلم ير عندهم ما يحب، فأطلق من في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بْن عبد الله البصري ومنصور ابن نصير- وكانا على خبر ما بينه وبين أهل الشام- فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشام أرصادا، وأقام بالحيرة وجلا وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع، كتب إلى سليمان بْن سليم بْن كيسان كتابا:
اما بعد، ف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وإن الوليد بْن يزيد بدل نعمة الله كفرا، فسفك الدماء، فسفك الله دمه، وعجله إلى النار! وولى خلافته من هو خير منه، وأحسن هديا، يزيد بْن الوليد، وقد بايعه الناس، وولى على العراق الحارث بْن العباس بْن الوليد، ووجهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين، فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنك منهم، أحد، فاحبسهم قبلك وإياك أن تخالف، فيحل بك وبأهل بيتك ما لا قبل لك به، فاختر لنفسك اودع
(7/271)

وقيل إنه لما كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بْن سليم بْن كيسان، وأمره أن يفرقها على القواد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فبعل به.
قَالَ حريث بْن أبي الجهم: كان مكثي بواسط، فما شعرت إلا بكتاب منصور بْن جمهور قد جاءني أن خذ عمال يوسف، فكنت أتولى أمره بواسط، فجمعت موالي وأصحابي، فركبنا نحوا من ثلاثين رجلا في السلاح، فأتينا المدينة، فقال البوابون: من أنت؟ قلت: حريث بْن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء بحريث الا امر منهم، ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البيعة من الناس ليزيد بْن الوليد.
قَالَ: وذكر عمر بْن شجرة أن عمرو بْن محمد بْن القاسم كان على السند، فأخذ محمد بْن غزان- أو عزان- الكلبي، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالا عظيما يؤدي منه في كل جمعة نجما، وإن لم يفعل ضرب خمسة وعشرين سوطا، فجنت يده وبعض أصابعه، فلما ولى منصور ابن جمهور العراق ولاه السند وسجستان، فأتى سجستان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بْن محمد، فأوثقه وأمر به حرسا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفا مع الحرس، فاتكأ عليه مسلولا حتى خالط جوفه، وتصايح الناس، فخرج ابن غزان فقال: ما دعاك الى ما صنعت؟ قَالَ: خفت العذاب، قَالَ: ما كنت أبلغ منك ما بلغته من نفسك فلبث ثلاثا ثم مات، وبايع ابن غزان ليزيد، فقال يوسف بْن عمر لسليمان بْن سليم بْن كيسان الكلبي حين أقرأه كتاب منصور بْن جمهور:
ما الرأي؟ قَالَ: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشام الحارث بْن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بْن جمهور إن قدم عليك، وما الرأي إلا أن تلحق بشامك، قَالَ: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قَالَ: تظهر الطاعة
(7/272)

ليزيد، وتدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور وجهت معك من أثق به.
فلما نزل منصور بحيث يصبح الناس البلد، خرج يوسف إلى منزل سليمان بْن سليم، فأقام به ثلاثا، ثم وجه معه من أخذ به طريق السماوة حتى صار إلى البلقاء.
وقد قيل ان سليمان قال له: تستخفي وتدع منصورا والعمل، قَالَ: فعند من؟ قَالَ: عندي، وأضعك في ثقة، ثم مضى سليمان الى عمرو بن محمد ابن سعيد بْن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤوي يوسف، وقال:
أنت امرؤ من قريش، وأخوالك بكر بْن وائل، فآواه قَالَ عمرو: فلم أر رجلا كان مثل عتوه رعب رعبه، أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيب نفسه، فو الله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إلي يوما فأتيته، فقال:
قد أحسنت وأجملت، وقد بقيت لي حاجة، قلت: هاتها، قَالَ: تخرجني من الكوفة إلى الشام، قلت: نعم وصبحنا منصور بْن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد فقرظه، وذكر يوسف وجوره، وقامت الخطباء فشعثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قصتهم، فجعلت لا أذكر رجلا ممن ذكره بسوء إلا قَالَ: لله علي أن أضربه مائة سوط، مائتي سوط، ثلاثمائة سوط، فجعلت اتعجب من طمعه في الولاية بعد، وتهدده الناس، فتركه سليمان بْن سليم، ثم أرسله إلى الشام فاختفى بها، ثم تحول إلى البلقاء.
ذكر علي بْن محمد أن يوسف بْن عمر وجه رجلا من بنى كلاب في خمسمائة، وقال لهم: إن مر بكم يزيد بْن الوليد فلا تدعنه يجوز فأتاهم منصور بْن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة قَالَ: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلا سفيان بْن سلامة بْن سليم بْن كيسان وغسان بْن قعاس العذري، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى ودخل منصور الكوفة لأيام خلون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج
(7/273)

قَالَ: فلما بلغ يوسف البلقاء حينئذ بلغ خبره إلى يزيد بْن الوليد، فحدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثنا عبد الوهاب بْن إبراهيم بْن يزيد بْن هريم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح مولى عثمان بْن عفان، قَالَ: سمعت محمد بْن سعيد الكلبي- وكان من قواد يزيد بْن الوليد- يقول:
إن يزيد وجهه في طلب يوسف بْن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قَالَ:
فخرجت في خمسين فارسا أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتش، فلم نر شيئا، وكان يوسف قد لبس لبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهن فظفر به مع النساء، فجاء به في وثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولاية يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم، فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق ولى قتلهم يزيد ابن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد- يكنى أبا الأسد- في عدة من أصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعمد، وأخرج يوسف بْن عمر فضرب عنقه.
وقيل: إن يزيد بْن الوليد لما بلغه مصير يوسف إلى البلقاء وجه إليه خمسين فارسا، فعرض له رجل من بنى نمير، فقال: يا بن عم، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعك من أيادي هؤلاء قَالَ: لا، قَالَ:
فدعني أقتلك أنا، ولا يقتلك هذه اليمانية، فتغيظنا بقتلك، قَالَ: ما لي في واحدة مما عرضت علي خيار، قَالَ: فأنت أعلم.
ومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قَالَ: قدم منصور بْن جمهور واليا فتركته والعمل، قَالَ: لا، ولكنك كرهت أن تلي لي فأمر بحبسه.
وقيل: إن يزيد دعا مسلم بْن ذكوان ومحمد بْن سعيد بْن مطرف الكلبي، فقال لهما، إنه بلغني أن الفاسق يوسف بْن عمر قد صار إلى البلقاء، فانطلقا فأتياني به، فطلباه فلم يجداه: فرهبا ابنا له، فقال: أنا أدلكما عليه، فقال:
إنه انطلق إلى مزرعة له على ثلاثين ميلا، فأخذا معهما خمسين رجلا من جند البلقاء، فوجدوا أثره- وكان جالسا- فلما أحس بهم هرب وترك نعليه، ففتشا فوجداه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز، وجلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بْن سعيد أن يرضي عنه
(7/274)

كلبا، ويدفع عشرة آلاف دينار ودية كلثوم بْن عمير وهانئ بْن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عامل لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزها، ونتف بعضها- وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة- فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه- وإنها حينئذ لتجوز سرته- وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة فأمر به يزيد فحبس في الخضراء، فدخل عليه محمد بْن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت، فيلقي عليك حجرا! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلا كلمت أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا، وإن كان أضيق منه! قَالَ: فأخبرت يزيد، فقال:
ما غاب عنك من حمقه أكثر، وما حبسته إلا لاوجهه الى العراق، فيقام للناس، وتؤخذ المظالم من ماله ودمه.
ولما قتل يزيد بْن الوليد الوليد بْن يزيد، ووجه منصور بْن جمهور إلى العراق كتب يزيد بْن الوليد الى اهل العراق كتابا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به- فيما حدثني أحمد بْن زهير عن علي بْن محمد: أن الله اختار الإسلام دينا وارتضاه وطهره، وافترض فيه حقوقا أمر بها، ونهى عن أمور حرمها، ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كل منقبة خير وجسيم فضل، ثم تولاه، فكان له حافظا ولأهله المقيمين حدوده وليا، يحوطهم ويعرفهم بفضل الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحد بميثاق او يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث، الا كان كيده الاوهن، ومكره الابور، حتى يتم الله ما أعطاه، ويدخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوه الأضل سبيلا، الأخسر عملا.
فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحكمه، متبعين فيه لكتابه، فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام
(7/275)

ثم أفضى الأمر إلى عدو الله الوليد، المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مسلم، ولا يقدم عليها كافر، تكرما عن غشيان مثلها فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتد فيه البلاء، وسفكت فيه الدماء، وأخذت الأموال بغير حقها، مع امور فاحشه، لم يكن الله ليملى للعاملين بها إلا قليلا، سرت إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخيا من الله إتمام الذي نويت، من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندا، وقد وغرت صدورهم على عدو الله، لما رأوا من عمله، فإن عدو الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئا إلا أراد تبديله، والعمل فيه بغير ما أنزل الله، وكان ذلك منه شائعا شاملا، عريان لم يجعل الله فيه سترا، ولا لأحد فيه شكا، فذكرت لهم الذي نقمت وخفت من فساد الدين والدنيا، وحضضتهم على تلافي دينهم، والمحاماة عنه، وهم في ذلك مستريبون، قد خافوا ان يكونوا قد ابقوا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة.
فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم، من أولي الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك، حتى لقي عدو الله إلى جانب قرية يقال لها البخراء، فدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، ينظر المسلمون لأنفسهم من يقلدونه ممن اتفقوا عليه، فلم يجب عدو الله الى ذلك، وابى الا تتايعا في ضلالته، فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزا حكيما، وأخذه أليما شديدا، فقتله الله على سوء عمله وعصبته، ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة، لا يبلغون عشرة، ودخل من كان معه سواهم في الحق الذي دعوا إليه.
فأطفأ الله جمرته وأراح العباد منه، فبعدا له ولمن كان على طريقته! أحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليوم على أمثل حالكم، إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يسار فيكم بخلافه، فأكثروا على ذلك حمد ربكم، وتابعوا منصور بْن جمهور، فقد ارتضيته لكم، على أن عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهد
(7/276)

وعقد على أحد من خلقه، لتسمعن وتطيعن لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم علي مثل ذلك، لأعملن فيكم بأمر الله وسنه نبيه ص، وأتبع سبيل من سلف من خياركم، نسأل الله ربنا وولينا أحسن توفيقه وخير قضائه
. ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور
وفي هذه السنة امتنع نصر بْن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن جمهور، وقد كان يزيد بْن الوليد ولاها منصورا مع العراق.
قَالَ أبو جعفر: قد ذكرت قبل من خبر نصر، وما كان من كتاب يوسف ابن عمر إليه بالمصير إليه مع هدايا الوليد بْن يزيد، وشخوص نصر من خراسان متوجها إلى العراق، وتباطئه في سفره، حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد، فذكر علي بْن محمد أن الباهلي أخبره، قَالَ: قدم على نصر بشر بْن نافع مولى سالم الليثي- وكان على سكك العراق- فقال: أقبل منصور بْن جمهور أميرا على العراق، وهرب يوسف بْن عمر، فوجه منصور أخاه منظور بْن جمهور على الري، فأقبلت مع منظور إلى الري، وقلت: أقدم على نصر فأخبره، فلما صرت بنيسابور حبسني حميد مولى نصر، وقال: لن تجاوزني أو تخبرني، فأخبرته، وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ألا يخبر أحدا حتى أقدم على نصر فأخبره ففعل، فأقبلنا جميعا حتى قدمنا على نصر، وهو بقصره بماجان، فاستأذنا، فقال خصي له: هو نائم، فألححنا عليه، فانطلق فأعلمه، فخرج نصر حتى قبض على يدي وأدخلني، فلم يكلمني حتى صرت في البيت، فساءلني فأخبرته، فقال لحميد مولاه: انطلق به، فأته بجائزة، ثم أتاني يونس بْن عبد ربه وعبيد الله بْن بسام فأخبرتهما، وأتاني سلم بْن أحوز فاخبرته، قال: وكان خبر الوليد يوسف عند نصر، فاتوه حين بلغهم الخبر، فأرسل إلي فلما أخبرتهم كذبوني، فقلت: استوثق من هؤلاء، فلما مضت ثلاث على ذلك، جعل علي ثمانين رجلا حرسا، فأبطأ الخبر على ما كنت قدرت، فلما كانت الليلة التاسعة- وكانت ليلة نوروز- جاءهم الخبر على ما وصفت،
(7/277)

فصرف إلي عامة تلك الهدايا، وأمر لي ببرذون بسرجه ولجامه، وأعطاني سرجا صينيا، وقال لي: أقم حتى أعطيك تمام مائة ألف قَالَ: فلما تيقن نصر قتل الوليد رد تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم روقة الجواري في ولده وخاصته، وقسم تلك الآنية في عوام الناس، ووجه العمال، وأمرهم بحسن السيرة.
قَالَ: وأرجفت الأزد في خراسان أن منظور بْن جمهور قادم خراسان، فخطب نصر، فقال في خطبته: إن جاءنا أمير ظنين قطعنا يديه ورجليه.
ثم باح به بعد، فكان يقول: عبد الله المخذول المثبور.
قال: وولى نصر بن سيار ربيعة واليمن، وولي يعقوب بْن يحيى بْن حضين على أعلى طخارستان، ومسعدة بْن عبد الله اليشكري على خوارزم، وهو الذي يقول فيه خلف:
أقول لأصحابي معا دون كردر ... لمسعدة البكري غيث الأرامل
ثم أتبعه بأبان بْن الحكم الزهراني، واستعمل المغيرة بْن شعبة الجهضمي على قهستان وأمرهم بحسن السيرة، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه، فقال في ذلك:
أقول لنصر وبايعته ... على جل بكر وأحلافها
يدي لك رهن ببكر العراق ... سيدها وابن وصافها
أخذت الوثيقة للمسلمين ... لأهل البلاد وألافها
إذا آل يحيى الى ما تريد ... اتتك الدماك بأخفافها
دعوت الجنود إلى بيعة ... فأنصفتها كل إنصافها
وطدت خراسان للمسلمين ... إن الأرض همت بإرجافها
وإن جمعت ألفة المسلمين ... صرفت الضراب لألافها
أجار وسلم أهل البلاد ... والنازلين بأطرافها
فصرت على الجند بالمشرقين ... لقوحا لهم در اخلافها
(7/278)

فنحن على ذاك حتى تبين ... مناهج سبل لعرافها
وحتى تبوح قريش بما ... تجن ضمائر أجوافها
فاقسمت للمعبرات الرتاع ... للعرو أوفي لأصوافها
إلى ما تؤدي قريش البطاح ... أخلافها بعد أشرافها
فإن كان من عز بز الضعيف ... ضربنا الخيول بأعرافها
وجدنا العلائف أنى يكون ... يحمى أواري أعلافها
إذا ما تشارك فيه كبت ... خواصرها بعد إخطافها
فنحن على عهدنا نستديم ... قريشا ونرضى بأحلافها
سنرضى بظلك كنا لها ... وظلك من ظل أكنافها
لعل قريشا إذا ناضلت ... تقرطس في بعض أهدافها
وتلبس أغشية بالعراق ... رمت دلو شرق بخطافها
وبالأسد منا وإن الأسود ... لها لبد فوق أكتافها
فإن حاذرت تلفا في النفار ... فالدهر أدنى لإتلافها
فقد ثبتت بك أقدامنا ... إذا انهار منهار أجرافها
وجدناك برا رءوفا بنا ... كرامة أم وإلطافها
ولم تك بيعتنا خلسة ... لأسرع نسفة خطافها
نكاح التي أسرعت بالحليل ... قبل تخضب أطرافها
فكشفها البعل قبل الصداق ... فاستقبلته بمعتافها
قال: وكان نصر ولى عبد الملك بْن عبد الله السلمي خوارزم، فكان يخطبهم ويقول في خطبته: ما أنا بالأعرابي الجلف، ولا الفزاري المستنبط، ولقد كرمتني الأمور وكرمتها، أما والله لأضعن السيف موضعه، والسوط
(7/279)

موضعه، والسجن مدخله، ولتجدني غشمشما، أغشى الشجر، ولتستقيمن لي على الطريقه ورفض البكارة في السنن الأعظم، أو لأصكنكم صك القطامي القطا القارب يصكهن جانبا فجانبا قَالَ: فقدم رجل من بلقين خراسان، وجهه منصور بْن جمهور، فأخذه مولى لنصر، يقال له حميد، كان على سكه بنيسابور، فضربه وكسر أنفه، فشكاه إلى نصر، فأمر له نصر بعشرين ألفا وكساه، وقال: إن الذي كسر أنفك مولى لي وليس بكفء فأقصك منه، فلا تقل إلا خيرا قال:
ما قبلت جائزتك، وانا اريد الا اذكر إلا خيرا.
قَالَ عصمة بْن عبد الله الأسدي: يا أخا بلقين، أخبر من تأتي أنا قد أعددنا قيسا لربيعة وتميما للأزد، وبقيت كنانة، ليس لها من يكافئها.
فقال نصر: كلما أصلحت أمرا أفسدتموه! قَالَ أبو زيد عمر بْن شبة: حدثني أحمد بْن معاوية عن أبي الخطاب، قَالَ: قدم قدامة بْن مصعب العبدي ورجل من كندة على نصر بْن سيار من قبل منصور بْن جمهور، فقال: أمات أمير المؤمنين؟ قالا: نعم، قَالَ: وولي منصور بْن جمهور وهرب يوسف بْن عمر عن سرير العراق؟
قالا: نعم، قَالَ: أنا بجمهوركم من الكافرين، ثم حبسهما ووسع عليهما، ووجه رجلا حتى أتى فرأى منصورا يخطب بالكوفة فأخرجهما، وقال لقدامة:
أوليكم رجل من كلب؟ قَالَ: نعم، إنما نحن بين قيس واليمن، قَالَ:
فكيف لا يولاها رجل منكم! قَالَ: لأنا كما قَالَ الشاعر:
إذ ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا غسان يوما فعسكرا
فضحك نصر، وضمه إليه.
قَالَ: ولما قدم منصور بْن جمهور العراق ولى عبيد الله بْن العباس الكوفة- أو وجده واليا عليها فأقره- وولى شرطته ثمامة بْن حوشب ثم عزله وولى الحجاج بن ارطاه النخعى.
(7/280)

ذكر مخالفه مروان بن محمد
وفي هذه السنة كتب مروان بْن محمد إلى الغمر بْن يزيد، أخي الوليد بْن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد.
ذكر نسخة ذلك الكتاب الذي كتب إليه:
حدثني أحمد عن علي، قَالَ: كتب مروان إلى الغمر بْن يزيد بعد قتل الوليد:
أما بعد، فإن هذه الخلافة من الله على مناهج نبوة رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله بما قلدهم، يعزهم ويعز من يعزهم، والحين على من ناواهم فابتغى غير سبيلهم، فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم الله منها، يقوم بحقها ناهض بعد ناهض، بأنصار لها من المسلمين وكان أهل الشام أحسن خلقه فيه طاعه، واذبه عن حرمه واوفاه بعهده، وأشده نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب عن الحق، فاستدرت نعمة الله عليهم قد عمر بهم الإسلام، وكبت بهم الشرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكث العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامها، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولاية من بني أمية، فإن دمه غير ضائع، وإن سكنت بهم الفتنة، والتأمت الأمور، فأمر اراده الله لا مرد له فاكتب بحالك فيما أبرموا وما ترى، فإني مطرق إلى أن أرى غيرا فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين الله.
المنبوذة فرائضه، المتروكة مجانة، ومعي قوم أسكن الله طاعتي قلوبهم، أهل إقدام إلى ما قدمت بهم عليه، ولهم نظراء صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون منزعا، والنقمه دوله تأتي من الله، ووقت مؤجل، ولم أشبه محمدا ولا مروان- غير أن رايت غيرا-
(7/281)

إن لم أشمر للقدرية إزاري، وأضربهم بسيفي جارحا وطاعنا، يرمى قضاء الله بي في ذلك حيث أخذ، او يرمى بهم في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه، وما إطراقي إلا لما أنتظر مما يأتيني عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإن الله جارك وكافيك، وكفى بالله طالبا ونصيرا.
حدثني أحمد، عن علي، عن عمرو بْن مروان الكلبي، عن مسلم بْن ذكوان، قَالَ: كلم يزيد بْن الوليد العباس بْن الوليد في طفيل بْن حارثة الكلبي، وقال: إنه حمل حمالة، فإن رأيت أن تكتب إلى مروان بْن محمد في الوصاة به، وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها- وكان مروان يمنع الناس أن يسألوا شيئا من ذلك عند العطاء- فأجابه وحمله على البريد.
وكان كتاب العباس ينفذ في الآفاق بكل ما يكتب به وكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبي عبيدة بْن الوليد ضيعة بثمانية عشر ألف دينار، وقد احتاج إلى أربعة آلاف دينار قَالَ مسلم بْن ذكوان: فدعاني يزيد، وقال: انطلق مع طفيل بهذا الكتاب، وكلمه في هذا الأمر قَالَ: فخرجنا ولم يعلم العباس بخروجي، فلما قدمنا خلاط، لقينا عمرو بْن حارثة الكلبي، فسألنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما، إن لكما ولمروان لقصة، قلنا:
وما ذاك؟ قَالَ: أخلاني حين أردت الخروج، وقال لي: جماعة أهل المزة يكونون ألفا؟ قلت: وأكثر، قَالَ: وكم بينها وبين دمشق؟ قلت:
يسمعهم المنادي، قَالَ: كم ترى عدة بني عامر يعنى بنى عامر من كلب، قلت: عشرون ألف رجل، فحرك أصبعه، ولوى وجهه قَالَ مسلم: فلما سمعت ذلك طمعت في مروان، وكتبت إليه على لسان يزيد: أما بعد، فإنني وجهت إليك ابن ذكوان مولاي بما سيذكره لك، وينهيه إليك، فألق إليه ما أحببت، فإنه من خيار أهلي وثقات موالي، وهو شعب حصين، ووعاء أمين، إن شاء الله فقدمنا على مروان، فدفع طفيل كتاب العباس إلى الحاجب، وأخبره أن معه كتاب يزيد بْن الوليد، فقرأه، فخرج الحاجب، وقال: أما معك كتاب غير هذا، ولا أوصاك بشيء! قلت: لا، ولكني معي مسلم بْن
(7/282)

ذكوان، فدخل فأخبره، فخرج الحاجب، فقال: مر مولاه بالرواح.
قَالَ مسلم: فانصرفت، فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة، فلما صلى مروان انصرفت لأعيد الصلاة، ولم أكن أعتد بصلاته، فلما استويت قائما جاءني خصي، فلما نظر إلي انصرفت وأوجزت الصلاة، فلحقته، فأدخلني على مروان، وهو في بيت من بيوت النساء، فسلمت وجلست، فقال: من أنت؟ فقلت: مسلم بْن ذكوان مولى يزيد، قَالَ: مولى عتاقة أو مولى تباعة؟
قلت: مولى عتاقة، قَالَ: ذاك أفضل، وفي كل ذلك فضل، فاذكر ما بدا لك قلت: إن رأى الأمير أن يجعل لي الأمان على ما قلته، أوافقه في ذلك أو أخالفه، فأعطاني ما أردت، فحمدت الله وصليت على نبيه، ووصفت ما أكرم الله به بني مروان من الخلافة ورضا العامة بهم، وكيف نقض الوليد العرى، وأفسد قلوب الناس، وذمته العامة، وذكرت حاله كلها فلما فرغت تكلم، فو الله ما حمد الله ولا تشهد، وقال: قد سمعت ما قلت، قد أحسنت وأصبت، ولنعم الرأي رأي يزيد، فأشهد الله أني قد بايعته، أبذل في هذا الأمر نفسي ومالي، لا أريد بِذَلِكَ إلا مَا عِنْدَ اللَّه، والله ما أصبحت أستزيد الوليد، لقد وصل وفرض وأشرك في ملكه، ولكني أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب وسألني عن أمر يزيد، فكبرت الأمر وعظمته، فقال: اكتم أمرك، وقد قضيت حاجة صاحبك، وكفيته أمر حمالته، وأمرت له بألف درهم فأقمت أياما، ثم دعاني ذات يوم نصف النهار، ثم قَالَ: الحق بصاحبك، وقل له: سددك الله، امض على أمر الله، فإنك بعين الله وكتب جواب كتابي، وقال لي: إن قدرت أن تطوي أو تطير فطر، فإنه يخرج بالجزيرة إلى ست ليال أو سبع خارجة، وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز قلت: وما علم الأمير بذلك؟ فضحك، وقال: ليس من أهل هوى إلا وقد أعطيتهم الرضا حتى أخبروني بذات أنفسهم فقلت في نفسي: أنا واحد من أولئك، ثم قلت: لئن فعلت ذلك أصلحك الله، إنه قيل الخالد بْن يزيد بْن معاوية: أني أصبت هذا العلم؟ قَالَ: وافقت الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم في آرائهم، حتى بذلوا لي ما عندهم، وأفضوا لي بذات انفسهم
(7/283)

فودعته وخرجت فلما كنت بآمد لقيت البرد تتبع بعضها بعضا بقتل الوليد، وإذا عبد الملك بن مروان بن محمد قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة، فأخرجه منها، ووضع الأرصاد على الطريق، فتركت البرد، واستأجرت دابة ودليلا، فقدمت على يزيد بْن الوليد
. ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق
وفي هذه السنة عزل يزيد بْن الوليد منصور بْن جمهور عن العراق، وولاها عبد الله.
بْن عمر بْن عبد العزيز بْن مروان ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر عن يزيد بْن الوليد أنه قَالَ لعبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز: إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسر إليها فقد وليتكها، فذكر عن أبي عبيدة، قَالَ: كان عبد الله بْن عمر متألها متألما، فقدم حين شخص إلى العراق بين يديه رسلا وكتبا إلى قواد الشام الذين بالعراق، وخاف ألا يسلم له منصور بْن جمهور العمل، فانقاد له كلهم، وسلم له منصور بْن جمهور، وانصرف إلى الشام، ففرق عبد الله بْن عمر عماله في الأعمال، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم، فنازعه قواد أهل الشام وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدونا! فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أردت أن أرد فيئكم عليكم، وعلمت أنكم أحق به، فنازعني هؤلاء فأنكروا علي.
فخرج أهل الكوفة إلى الجبانة، وتجمعوا، فأرسل إليهم قواد أهل الشام يعتذرون وينكرون، ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئا مما بلغهم، وثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يعرفوا، وعبد الله بْن عمر بالحيرة، وعبيد الله بْن العباس الكندي بالكوفة، قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فاراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل إلى عمر بْن الغضبان بْن القبعثري، فأتاه فنحى الناس عنه، وسكنهم وزجر سفاءهم حتى تحاجزوا، وأمن بعضهم بعضا وبلغ ذلك عبد الله بْن عمر، فأرسل إلى ابن الغضبان،
(7/284)

فكساه وحمله، واحسن جائزته، وولاه شرطه وخراج السواد والمحاسبات، وأمره أن يفرض لقومه، ففرض في ستين وفي سبعين
. ذكر وقوع الخلاف بين اليمانيه والنزارية في خراسان
وفي هذه السنة وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزارية، وأظهر الكرماني فيها الخلاف لنصر بْن سيار، واجتمع مع كل واحد منهما جماعة لنصرته.
ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذي أحدث ذلك:
ذكر علي بْن محمد عن شيوخه، أن عبد الله بْن عمر لما قدم العراق واليا عليها من قبل يزيد بْن الوليد، كتب إلى نصر بعهده على خراسان، قَالَ:
ويقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرماني من حبس نصر، فقال المنجمون لنصر: إن خراسان سيكون بها فتنة، فأمر نصر برفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتخذها للوليد ابن يزيد، وكان أول من تكلم رجل من كندة، أفوه طوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعة الثانية، أمر نصر رجالا من الحرس، فلبسوا السلاح، وفرقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم، فقام الكندي فقال:
العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأزد- وكان يلقب أبا الشياطين- فتكلم، وقام حماد الصائغ وأبو السليل البكري، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر:
إياي والمعصية، عليكم بالطاعة والجماعة، فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به.
فصعد سلم بْن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلمه، فقال: ما يغني عنا كلامك هذا شيئا ووثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قَالَ: كأني بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه، فلطم وجهه في جمل يهدى له وثوب يكساه، ويقول: مولاي وظئري، وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شر لا يطاق، وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها، وأنتم يا أهل خراسان، مسلحة في نحور العدو، فإياكم ان
(7/285)

يختلف فيكم سيفان.
قَالَ علي: قَالَ عبد الله بْن المبارك، قَالَ نصر في خطبته: إني لمكفر ومع ذاك لمظلم، وعسى أن يكون ذلك خيرا لي إنكم تغشون أمرا تريدون فيه الفتنة، فلا أبقى الله عليكم، والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندي منكم عشرة، وإني وإياكم كما قَالَ من كان قبلكم:
استمسكوا أصحابنا نحدو بكم ... فقد عرفنا خيركم وشركم
فاتقوا الله، فو الله لئن اختلف فيكم ليتمنين الرجل منكم أنه يخلع من ماله وولده ولم يكن رآه يا أهل خراسان، إنكم غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون! إن فيه لهلاككم معشر العرب، وتمثل بقول النابغة الذبياني:
فإن يغلب شقاؤكم عليكم ... فإني في صلاحكم سعيت
وقال الحارث بْن عبد الله بْن الحشرج بْن المغيرة بْن الورد الجعدي:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا ... إذا استقلت تجري أوائلها
من فتنة أصبحت مجللة ... قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن ... بالشام كل شجاه شاغلها
فالناس منها في لون مظلمة ... دهماء ملتجة غياطلها
يمسي السفيه الذي يعنف ... بالجهل سواء فيها وعاقلها
والناس في كربة يكاد لها ... تنبذ أولادها حواملها
يغدون منها في ظل مبهمه ... عمياء تغتالهم غوائلها
لا ينظر الناس في عواقبها ... إلا التي لا يبين قائلها
كرغوة البكر أو كصيحة حبلى ... طرقت حولها قوابلها
فجاء فينا أزرى بوجهته ... فيها خطوب حمر زلازلها
(7/286)

قَالَ: فلما أتى نصرا عهده من قبل عبد الله بْن عمر قَالَ الكرماني لأصحابه: الناس في فتنة، فانظروا لأموركم رجلا- وإنما سمي الكرماني لأنه ولد بكرمان، واسمه جديع بْن علي بْن شبيب بْن براري بْن صنيم المعني- فقالوا: أنت لنا، فقالت المضرية لنصر: الكرماني يفسد عليك، فأرسل إليه فاقتله، او فاحبسه، قَالَ: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوج بني من بناته وبنيه من بناتي، قالوا: لا، قَالَ: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، فإنه بخيل ولا يعطي أصحابه شيئا، ويعلمون بها فيتفرقون عنه، قالوا: لا، هذه قوة له، قَالَ: فدعوه على حاله يتقينا ونتقيه، قالوا لا، قال:
فأرسل اليه فحبسه.
قَالَ: وبلغ نصرا أن الكرماني يقول: كانت غايتي في طاعه بنى مروان ان يقلد ولدى السيوف فأطلب بثأر بني المهلب، مع ما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه فقال له عصمه ابن عبد الله الأسدي: إنها بدء فتنة، فتجن عليه فاحشة، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سباع بْن النعمان الأزدي والفرافصة بْن ظهير البكرى، فانه لم يزل متغضبا على الله بتفضيله مضر على ربيعة.
وكان بخراسان وقال جميل بْن النعمان: إنك قد شرفته وإن كرهت قتله فادفعه إلي أقتله وقيل: إنما غضب عليه في مكاتبته بكر بْن فراس البهراني عامل جرجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرماني مع أبي الزعفران مولى أسد بْن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدر عليه والذي كتب إلى الكرماني بقتل الوليد وقدوم منصور بْن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار.
وقيل: إن قوما أتوا نصرا، فقالوا: الكرماني يدعو إلى الفتنة وقال اصرم ابن قبيصة لنصر: لو أن جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود وكان نصر والكرماني متصافيين، وقد كان الكرماني أحسن إلى نصر في ولاية أسد بْن عبد الله، فلما ولي نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة وصيرها لحرب بْن عامر بن ايثم الواشجى، فمات حرب
(7/287)

فأعاد الكرماني عليها، فلم يلبث إلا يسيرا حتى عزله، وصيرها لجميل بْن النعمان قَالَ: فتباعد ما بين نصر والكرماني فحبس الكرماني في القهندز وكان على القهندز مقاتل بْن علي المرئي- ويقال المري.
قَالَ: ولما أراد نصر حبس الكرماني أمر عبيد الله بْن بسام صاحب حرسه، فأتاه به، فقال له نصر: يا كرماني، ألم يأتني كتاب يوسف بْن عمر يأمرني بقتلك، فراجعته وقلت له: شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك! قَالَ: بلى، قَالَ ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس! قَالَ: بلى، قال الم أرش عليا ابنك على كره من قومك! قَالَ: بلى، قَالَ: فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة! قَالَ الكرماني: لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر، فإن كان الأمير حقن دمي فقد كان مني أيام أسد بْن عبد الله ما قد علم، فليستان الأمير ويتثبت فلست أحب الفتنة فقال عصمة بْن عبد الله الأسدي: كذبت، وأنت تريد الشغب، ومالا تناله وقال سلم بْن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بْن نعيم الغامدي: لجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: «أَرْجِهْ وَأَخاهُ*» ، والله لا يقتلن الكرماني بقولك يا بن احوز وعلت الأصوات، فامر نصر سلما بحبس الكرماني، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة، فكلمت الأزد، فقال نصر: انى حلفت ان احبسه ولا يبدؤه مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه قَالَ: فاختاروا يزيد النحوي، فكان معه في القهندز، وصير حرسه بني ناجية أصحاب عثمان وجهم ابني مسعود.
قَالَ: وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بْن شعبة الجهضمي وخالد بْن شعيب بْن أبي صالح الحداني، فكلماه فيه قَالَ: فلبث في الحبس تسعة وعشرين يوما، فقال علي بْن وائل أحد بني ربيعة بْن حنظلة: دخلت على نصر، والكرماني
(7/288)

جالس ناحية، وهو يقول: ما ذنبي إن كان ابو الزعفران جاء! فو الله ما واريته ولا أعلم مكانه وقد كانت الأزد يوم حبس الكرماني أرادت أن تنزعه من رسله، فناشدهم الله الكرماني ألا يفعلوا، ومضى مع رسل سلم بْن أحوز، وهو يضحك، فلما حبس تكلم عبد الملك بْن حرملة اليحمدي والمغيرة بْن شعبة وعبد الجبار بْن شعيب بْن عباد وجماعة من الأزد، فنزلوا نوش، وقالوا:
لا نرضى أن يحبس الكرماني بغير جناية ولا حدث، فقال لهم شيوخ من اليحمد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى، ليكفن عنا نصر أو لنبدأن بكم وأتاهم عبد العزيز بْن عباد بْن جابر بْن همام بْن حنظلة اليحمدي في مائة، ومحمد بْن المثنى وداود بْن شعيب، فباتوا بنوش مع عبد الملك بْن حرملة ومن كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوزان، وأحرقوا منزل عزة أم ولد نصر- وأقاموا ثلاثة أيام، وقالوا: لا نرضى، فعند ذلك صيروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحوي وغيره، فجاء رجل من أهل نسف، فقال لجعفر غلام الكرماني: ما تجعلون لي إن أخرجته؟
قالوا: لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسعه، وأتى ولد الكرماني، وقال لهم: اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرماني يزيد النحوي وحصين بْن حكيم فتعشيا معه وخرجا، ودخل الكرماني السرب، فأخذوا بعضده، فانطوت على بطنه حية فلم تضره، فقال بعض الأزد: كانت الحية أزدية فلم تضره.
قَالَ: فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، فلما خرج ركب بغلته دوامة- ويقال: بل ركب فرسه البشير- والقيد في رجله، فأتوا به قرية تسمى غلطان، وفيها عبد الملك بْن حرملة، فأطلق عنه.
قَالَ علي: وقال أبو الوليد زهير بْن هنيد العدوي: كان مع الكرماني غلامه بسام، فرأى خرقا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه.
قَالَ: فأرسل الكرماني إلى محمد بْن المثنى وعبد الملك بْن حرملة: إني خارج
(7/289)

الليلة، فاجتمعوا، وخرج فأتاهم فرقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه في قريه حرب ابن عامر، وعليه ملحفه متقلدا سيفا، ومعه عبد الجبار بْن شعيب وابنا الكرماني: علي وعثمان، وجعفر غلامه، فأمر عمرو بْن بكر، أن يأتي غلطان وأندغ وأشترج معا، وأمرهم أن يوافوه على باب الريان بْن سنان اليحمدي بنوش في المرج- وكان مصلاهم في العيد- فأتاهم فأخبرهم، فخرج القوم من قراهم في السلاح، فصلى بهم الغداة، وهم زهاء ألف، فما ترجلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مرج نيران حتى أتى حوزان، فقال خلف بْن خليفة:
أصحروا للمرج أجلى للعمى ... فلقد أصحر أصحاب السرب
إن مرج الأزد مرج واسع ... تستوي الأقدام فيه والركب
وقيل: إن الأزد بايعت لعبد الملك بْن حرملة على كتاب الله عز وجل ليلة خرج الكرماني، فلما اجتمعوا في مرج نوش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك والكرماني ساعة، ثم قدمه عبد الملك، وصيرا الأمر له، فصلى الكرماني ولما هرب الكرماني أصبح نصر معسكرا بباب مرو الروذ بناحية ايردانه، فأقام يوما أو يومين.
وقيل: لما هرب الكرماني استخلف نصر عصمة بْن عبد الله الأسدي، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الروذ، وخطب الناس، فنال من الكرماني، فقال: ولد بكرمان وكان كرمانيا، ثم سقط إلى هراة فكان هرويا، والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت، ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوثقوا فأذل قوم، وإن يأبوا فهم كما قَالَ الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله، فإن ذكر الله شفاء، ذكر الله خير لا شر فيه، يذهب الذنب، وذكر الله براءة من النفاق ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير، فوجه سلم بْن أحوز إلى الكرماني في
(7/290)

المجففة في بشر كثير فسفر الناس بين نصر والكرماني، وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه، ويضمن عنه قومه ألا يخالفه فوضع يده في يد نصر فأمره بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شيء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر، فأتاه القاسم بْن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، وقال له:
إن شئت خرج لك عن خراسان، وإن شئت أقام في داره- وكان رأي نصر إخراجه- فقال له سلم: إن أخرجته نوهت باسمه وذكره، وقال الناس:
اخرجه لأنه هابه، فقال نصر: إن الذي أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نفي عن بلده صغر أمره فأبوا عليه، فكف عنه، وأعطى من كان معه عشرة عشرة وأتى الكرماني نصرا، فدخل سرادقه فآمنه ولحق عبد العزيز بْن عبد ربه بالحارث بْن سريج.
وأتى نصرا عزل منصور بْن جمهور وولاية عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز في شوال سنة ست وعشرين ومائة، فخطب الناس، وذكر ابن جمهور، وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب ابن الطيب، فغضب الكرماني لابن جمهور، فعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح وكان يحضر الجمعه في الف وخمسمائة وأكثر وأقل، فيصلي خارجا من المقصورة ثم يدخل على نصر، فيسلم ولا يجلس ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سلم بْن أحوز: إني والله ما أردت بك في حبسك سوءا، ولكن خفت أن تفسد أمر الناس، فأتني فقال الكرماني: لولا إنك في منزلي لقتلتك، ولولا ما أعرف من حمقك أحسنت أدبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خير وشر فرجع إلى نصر فأخبره، فقال: عد إليه، فقال: لا والله، وما بي هيبة له ولكني أكره أن يسمعني فيك ما أكره فبعث إليه عصمة بْن عبد الله الأسدي، فقال: يا أبا علي، إني أخاف عليك عاقبة ما ابتدأت به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خصالا، فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد
(7/291)

بذلك إلا الإنذار إليك فقال الكرماني: إني أعلم أن نصرا لم يقل هذا لك ولكنك اردت ان يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل من أحب غيرك فرجع عصمة، وقال:
ما رأيت علجا أعدى لطوره من الكرماني، وما أعجب منه، ولكن من يحيى بن حصين لعنهم الله! والله لهم أشد تعظيما له من اصحابه قال سلم ابن أحوز: إني أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قديدا وقال نصر لقديد بْن منيع: انطلق إليه، فأتاه فقال له: يا أبا علي، لقد لججت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعا، وتشمت بنا هذه الأعاجم، فقال:
يا قديد، إني لا أتهمك، وقد جاء ما لا أثق بنصر معه، [وقد قال رسول الله ص: البكري أخوك ولا تثق به،] قَالَ: أما إذ وقع هذا في نفسك فأعطه رهنا، قَالَ: من؟ قَالَ: أعطه عليا وعثمان، قَالَ: فمن يعطيني؟ ولا خير فيه، قَالَ: يا أبا علي، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك ورجع إلى نصر، فقال لعقيل بْن معقل الليثي: ما أخوفني أن يقع بهذا الثغر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عقيل لنصر: أيها الأمير، أنشدك الله أن تشأم عشيرتك، إن مروان بالشام تقاتله الخوارج، والناس في فتنه والأزد سفهاء وهم جيرانك.
قَالَ: فما أصنع؟ إن علمت أمرا يصلح الناس فدونك، فقد عزم أنه لا يثق بي قَالَ: فأتى عقيل الكرماني، فقال: أبا علي، قد سننت سنة تطلب بعدك من الأمراء، إني أرى أمرا أخاف ان تذهب فيه العقول، قَالَ الكرماني:
إن نصرا يريد أن آتيه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلا من بكر بْن وائل، نرضاه جميعا، فيلي أمرنا جميعا حتى يأتي أمر من الخليفة، وهو يأبى هذا قَالَ: يا أبا علي، إني أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر، فأت أميرك وقل ما شئت تجب إليه، ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه، فقال الكرماني: إني لا اتهمك في نصيحه ولا عقل، ولكني لا أثق بنصر، فليحمل من مال خراسان ما شاء ويشخص قَالَ: فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما؟ تتزوج إليه ويتزوج إليك، قَالَ: لا آمنه على حال،
(7/292)