Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 014



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] قَالَ: ما بعد هذا خير، وإني خائف أن تهلك غدا بمضيعة، قَالَ: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عقيل: أعود إليك؟ قَالَ: لا، ولكن أبلغه عني وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدماء فيها وتهيأ ليخرج الى جرجان
. خبر الحارث بن سريج مع يزيد
وفي هذه السنة آمن يزيد بْن الوليد الحارث بْن سريج، وكتب له بذلك، فكتب إلى عبد الله بْن عمر يأمره برد ما كان أخذ منه من ماله وولده ذكر الخبر عن سبب ذلك:
ذكر أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر والكرماني، خاف نصر قدوم الحارث بْن سريج عليه بأصحابه والترك، فيكون أمره أشد عليه من الكرماني وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل إليه مقاتل بْن حيان النبطي وثعلبة بْن صفوان البناني وأنس بْن بجالة الأعرجي وهدبة الشعراوي وربيعة القرشي ليردوه عن بلاد الترك.
فذكر علي بْن محمد عن شيوخه أن خالد بْن زياد البدي من أهل الترمذ وخالد بْن عمرو مولى بني عامر، خرجا إلى يزيد بْن الوليد يطلبان الأمان للحارث بْن سريج، فقدما الكوفة، فلقيا سعيد خدينة، فقال لخالد ابن زياد: أتدري لم سموني خدينة؟ قَالَ: لا، قَالَ: أرادوني على قتل أهل اليمن فأبيت وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الأجلح- وكان من خاصة يزيد بْن الوليد- فكتب لهما إليه، فأدخلهما عليه، فقال له خالد بْن زياد:
يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله، وعمالك يغشمون ويظلمون! قَالَ: لا أجد أعوانا غيرهم، وإني لأبغضهم، قَالَ: يا أمير المؤمنين، ول أهل البيوتات، وضم إلى كل عامل رجالا من أهل الخير والفقه يأخذونهم بما في عهدك، قَالَ: أفعل، وسألاه أمانا للحارث بْن سريج، فكتب له:
أما بعد، فإنا غضبنا لله، إذ عطلت حدوده، وبلغ بعباده كل مبلغ،
(7/293)

وسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل في هذه الأمة بكتاب الله جل وعز وسنه نبيه ص، ولا قوة إلا بالله، فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا، فأقبل آمنا أنت ومن معك، فإنكم إخواننا وأعواننا وقد كتبت إلى عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز برد ما كان اصطفى من أموالكم وذراريكم.
فقدما الكوفة فدخلا على ابن عمر، فقال خالد بْن زياد: أصلح الله الأمير! ألا تامر عمالك بسيره ابيك؟ قال: او ليس سيرة عمر ظاهرة معروفة! قَالَ: فما ينفع الناس منها ولا يعمل بها! ثم قدما مرو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر، فرد ما كان أخذ لهم مما قدر عليه ثم نفذا إلى الحارث، فلقيا مقاتل بْن حيان وأصحابه الذين وجههم نصر إلى الحارث وكان ابن عمر كتب إلى نصر: إنك آمنت الحارث بغير إذني ولا إذن الخليفة فأسقط في يديه، فبعث يزيد بْن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة فلما لقيا مقاتلا بآمل قطع إليه مقاتل بنفسه، فكف عنه يزيد قَالَ: فأقبل الحارث يريد مرو- وكان مقامه بأرض الشرك اثنى عشرة سنة- وقدم معه القاسم الشيباني ومضرس بْن عمران قاضيه وعبد الله بْن سنان فقدم سمرقند وعليها منصور بْن عمر فلم يتلقه، وقال: ألحسن بلائه! وكتب إلى نصر يستأذنه في الحارث أن يثب به، فأيهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار وكتب إليه: لئن قدم الحارث على الأمير وقد ضر ببني أمية في سلطانهم، وهو والغ في دم بعد دم، قد طوى كشحا عن الدنيا بعد أن كان في سلطانهم أقراهم لضيف، وأشدهم بأسا، وأنفذهم غارة في الترك، ليفرقن عليك بني تميم وكان سردرخداه محبوسا عند منصور بْن عمر، لأنه قتل بياسان، فاستعدى ابنه جنده منصورا، فحبسه، فكلم الحارث منصورا فيه، فخلى سبيله، فلزم الحارث ووفى له
. كتاب ابراهيم الامام الى شيعه بنى العباس
وفي هذه السنة- فيما زعم بعضهم- وجه إبراهيم بْن محمد الإمام أبا هاشم بكير بْن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصية فقدم مرو،
(7/294)

وجمع النقباء ومن بها من الدعاة، فنعى لهم الإمام محمد بْن علي، ودعاهم إلى إبراهيم، ودفع إليهم كتاب إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بْن محمد
. ذكر بيعه ابراهيم بن الوليد بالعهد
وفي هذه السنة أخذ يزيد بْن الوليد لأخيه إبراهيم بْن الوليد على الناس البيعة، وجعله ولي عهده، ولعبد العزيز بْن الحجاج بن عبد الملك بعد ابراهيم ابن الوليد، وكان السبب في ذلك- فيما حدثني احمد بن زهير، عن على ابن محمد- أن يزيد بْن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بْن الحجاج من بعده قَالَ: فلم تزل القدرية يحثونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحل لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك، حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بْن الحجاج من بعده.
وفي هذه السنة عزل يزيد بْن الوليد يوسف بْن محمد بْن يوسف عن المدينة، وولاها عبد العزيز بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ قَالَ محمد بْن عمر: يقال إن يزيد بْن الوليد لم يوله، ولكنه افتعل كتابا بولايته المدينة، فعزله يزيد عنها، وولاها عبد العزيز بْن عمر، فقدمها لليلتين بقيتا من ذي القعده
. ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد
وفي هذه السنة أظهر مروان بْن محمد الخلاف على يزيد بْن الوليد، وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة، مظهرا أنه طالب بدم الوليد بْن يزيد فلما صار بحران بايع يزيد.
ذكر الخبر عما كان منه في ذلك وعن السبب الذي حمله على الخلاف ثم البيعة:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم بْن خالد ابن يزيد بْن هريم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح مولى عثمان بْن عفان- وسألته عما شهد مما حدثنا به فقال: لم أزل في عسكر مروان بْن محمد- قَالَ: كان عبد الملك بْن مروان بْن محمد بْن مروان حين
(7/295)

انصرف عن غزاته الصائفة مع الغمر بْن يزيد بحران، فأتاه قتل الوليد وهو بها، على الجزيرة عبدة بْن رباح الغساني عاملا للوليد عليها، فشخص منها- حيث بلغه قتل الوليد- إلى الشام، ووثب عبد الملك بْن مروان بْن محمد على حران ومدائن الجزيرة فضبطها، وولاها سليمان بْن عبد الله بْن علاثة، وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك، ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم فتهيأ مروان للمسير، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وكره أن يدع الثغر معطلا حتى يحكم أمره، فوجه إلى أهل الباب إسحاق بْن مسلم العقيلي- وهو رأس قيس- وثابت بْن نعيم الجذامي من أهل فلسطين- وهو رأس اليمن- وكان سبب صحبة ثابت إياه ان مروان كان خلصه من حبس هشام بالرصافة وكان مروان يقدم على هشام المرة في السنتين، فيرفع إليه أمر الثغر وحاله ومصلحة من به من جنوده، وما ينبغي أن يعمل به في عدوه وكان سبب حبس هشام ثابتا ما قد ذكرنا قبل من أمره مع حنظلة بْن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقية، إذ قتلوا عامل هشام عليهم، كلثوم بْن عياض القسرى، فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام في كتاب كتبه اليه، فامر هشام حنظله بتوجيهه إليه في الحديد، فوجهه حنظلة إليه، فحبسه هشام، فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان بْن محمد على هشام في بعض وفاداته- وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم ابن عياض وأمر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا- فلما قدم مروان على هشام أتاه رءوس أهل اليمانية، ممن كان مع هشام، فطلبوا إليه فيه، وكان ممن كلمه فيه كعب بْن حامد العبسي صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بْن الضخم وسليمان بْن حبيب قاضيه، فاستوهبه مروان منه فوهبه له، فشخص إلى أرمينية، فولاه وحباه، فلما وجه مروان ثابتا مع إسحاق إلى أهل الباب، كتب إليهم معهما كتابا يعلمهم فيه حال ثغرهم وما لهم من الأجر في لزوم أمرهم ومراكزهم، وما في ثبوتهم فيه من دفع مكروه العدو عن ذراري المسلمين.
قَالَ: وحمل إليهم معهما أعطياتهم، وولى عليهم رجلا من أهل
(7/296)

فلسطين يقال له حميد بْن عبد الله اللخمي- وكان رضيا فيهم وكان وليهم قبل ذلك- فحمدوا ولايته فقاما فيهم بأمره، وأبلغاهم رسالته، وقرأ عليهم كتابه، فأجابوا إلى الثبوت في ثغرهم ولزوم مراكزهم ثم بلغه أن ثابتا قد كان يدس إلى قوادهم بالانصراف من ثغرهم واللحاق بأجنادهم، فلما انصرفا إليه تهيأ للمسير وعرض جنده، ودس ثابت بْن نعيم إلى من معه من أهل الشام بالانخزال عن مروان والانضام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم، ويتولى أمرهم، فانخزلوا عن عسكرهم مع من فر ليلا وعسكروا على حدة.
وبلغ مروان أمرهم فبات ليلته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح، ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مروان، فصافوهم ليقاتلوهم، فأمر مروان منادين فنادوا بين الصفين من الميمنة والميسرة والقلب، فنادوهم: يا أهل الشام، ما دعاكم إلى الانعزال! وما الذي نقمتم علي فيه من سيري! ألم ألكم بما تحبون، وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم! ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم! فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا وقد قتل خليفتنا وبايع أهل الشام يزيد بْن الوليد، فرضينا بولاية ثابت، ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نرد إلى أجنادنا فأمر مناديه فنادى: أن قد كذبتم، وليس تريدون الذي قلتم، وإنما أردتم أن تركبوا رءوسكم، فتغصبوا من مررتم به من أهل الذمة أموالهم وأطعمتهم وأعلافهم، وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلي، فأسير بكم حتى أوردكم الفرات، ثم أخلي عن كل قائد وجنده، فتلحقون بأجنادكم فلما رأوا الجد منه انقادوا إليه ومالوا له، وأمكنوه من ثابت بْن نعيم وأولاده، وهم أربعة رجال: رفاعة، ونعيم، وبكر، وعمران قَالَ: فأمر بهم فأنزلوا عن خيولهم، وسلبوا سلاحهم، ووضع في أرجلهم السلاسل.
ووكل بهم عدة من حرسه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة من الجند من أهل الشام والجزيرة، وضمهم إلى عسكره، وضبطهم في مسيره، قلم يقدر احد منهم على ان يفسد ولا يظلم أحدا من أهل القرى، ولا يرزاه شيئا الا يثمن، حتى ورد حران ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم، وحبس ثابتا معه،
(7/297)

ودعا أهل الجزيرة إلى الفرض، ففرض لنيف وعشرين ألفا من أهل الجلد منهم، وتهيأ للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليه ما كان عبد الملك بْن مروان ولى أباه محمد بْن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان، ووجه إليه محمد بْن عبد الله بْن علاثة ونفرا من وجوه الجزيرة.

ذكر خبر وفاه يزيد بن الوليد
وفي هذه السنة مات يزيد بْن الوليد، وكانت وفاته سلخ ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومائة قَالَ أَبُو معشر مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه: توفي يزيد بْن الوليد في ذي الحجة بعد الأضحى سنة ست وعشرين ومائة، وكانت خلافته في قول جميع من ذكرنا ستة أشهر، وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين.
وقال هشام بْن محمد: ولي ستة أشهر وأياما وقال علي بْن محمد:
كانت ولايته خمسة أشهر واثني عشر يوما.
وقال علي بْن محمد: مات يزيد بْن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة وكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين، وتوفي بدمشق واختلف في مبلغ سنه.
يوم توفي فقال هشام توفي وهو ابن ثلاثين سنة.
وقال بعضهم: توفي وهو ابن سبع وثلاثين سنة وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بْن يزدجرد بْن شهريار ابن كسرى وهو القائل:
أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجد خاقان
وقيل: إنه كان قدريا وكان- فيما حدثني أحمد، عن علي بْن محمد في صفته- أسمر طويلا، صغير الرأس، بوجهه خال وكان جميلا من رجل، في فمه بعض السعة، وليس بالمفرط
(7/298)

وقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التي كان الوليد زادها الناس في قول الواقدي، وأما علي بْن محمد فإنه قَالَ: سبه مروان بْن محمد، فقال:
الناقص ابن الوليد، فسماه الناس الناقص وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بْن عمر بْن عبد العزيز بْن مروان في قول الواقدي وقال بعضهم: حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد الله ابن عبد الملك، بعثه يزيد بْن الوليد، وخرج معه عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف.
وكان عامله على العراق في هذه السنة عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى أحداث البصرة المسور بْن عمر بْن عباد.
وعلى قضائها عامر بْن عبيدة، وعلى خراسان نصر بْن سيار الكناني
. خلافة أبي إسحاق إبراهيم بْن الوليد
ثم كان إبراهيم بْن الوليد بْن عبد الملك بْن مروان غير أنه لم يتم له أمر.
فحدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: لم يتم لإبراهيم أمره، وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمرة، وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمرة، فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بْن محمد فخلعه وقتل عبد العزيز بْن الحجاج بْن عبد الملك.
وقال هشام بْن محمد: استخلف يزيد بْن الوليد أبا إسحاق إبراهيم بْن الوليد، فمكث أربعة أشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائة، ثم لم يزل حيا حتى أصيب في سنة اثنتين وثلاثين ومائة أمه أم ولد.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: كانت ولاية ابراهيم بن الوليد سبعين ليله.
(7/299)

سنة سبع وعشرين ومائة
(ذكر ما كان فيها من الأحداث)

ذكر مسير مروان الى الشام وخلع ابراهيم بن الوليد
فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بْن محمد إلى الشام والحرب التي جرت بينه وبين سليمان بْن هشام بعين الجر.
ذكر ذلك والسبب الذي كانت عنه هذه الوقعة:
قَالَ أبو جعفر: وكان السبب ما ذكرت بعضه، من أمر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية، وغلبته عليها، مظهرا أنه ثائر بالوليد، منكر قتله، ثم إظهاره البيعة ليزيد بْن الوليد بعد ما ولاه عمل أبيه محمد بْن مروان، وإظهاره ما أظهر من ذلك، وتوجيهه وهو بحران محمد بْن عبد الله بْن علاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة فحدثني أحمد، قَالَ:
حدثنا عبد الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: لما أتى مروان موت يزيد أرسل إلى ابن علاثة وأصحابه فردهم من منبج، وشخص إلى إبراهيم بْن الوليد، فسار مروان في جند الجزيرة، وخلف ابنه عبد الملك في أربعين ألف من الرابطة بالرقة فلما انتهى إلى قنسرين، وبها أخ ليزيد بْن الوليد يقال له بشر، كان ولاه قنسرين فخرج إليه فصافه، فنادى الناس، ودعاهم مروان إلى مبايعته، فمال إليه يزيد بْن عمر بْن هبيرة في القيسية، وأسلموا بشرا وأخا له يقال له مسرور بْن الوليد، - وكان أخا بشر لأمه وأبيه- فأخذه مروان وأخاه مسرور بْن الوليد، فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قنسرين، متوجها إلى أهل حمص، وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بْن الوليد أن يبايعوا ابراهيم وعبد العزيز ابن الحجاج، فوجه إليه إبراهيم عبد العزيز بْن الحجاج وجند أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأغذ مروان السير، فلما دنا من مدينة حمص، رحل عبد العزيز عنهم، وخرجوا إلى مروان فبايعوه، وساروا بأجمعهم معه
(7/300)

ووجه إبراهيم بْن الوليد الجنود مع سليمان بْن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجر، وأتاه مروان وسليمان في عشرين ومائة ألف فارس ومروان في نحو من ثمانين ألفا فالتقيا، فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله، والتخلية عن ابني الوليد: الحكم وعثمان، وهما في سجن دمشق محبوسان، وضمن عنهما ألا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، وألا يطلبا أحدا ممن ولي قتله، فأبوا عليه، وجدوا في قتاله، فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، واستحر القتل بينهم، وكثر في الفريقين وكان مروان مجربا مكايدا، فدعا ثلاثة نفر من قواده- أحدهم أخ لإسحاق بْن مسلم يقال له عيسى- فأمرهم بالمسير خلف صفه في خيله وهم ثلاثة آلاف، ووجه معهم فعله بالفؤوس، وقد ملأ الصفان من أصحابه وأصحاب سليمان بْن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرج، وبين العسكرين نهر جرار، وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشجر، فيعقدوا جسورا، ويجوزوا إلى عسكر سليمان، ويغيروا فيه.
قَالَ: فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم، فلما رأوا ذلك انكسروا، وكانت هزيمتهم، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحردهم عليهم، فقتلوا منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم، فلم يقتلوا منهم أحدا، وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم.
فأخذ مروان عليهم البيعة للغلامين: الحكم وعثمان، وخلى عنهم بعد أن قواهم.
بدينار دينار، وألحقهم بأهاليهم، ولم يقتل منهم إلا رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقار وللآخر الوليد بْن مصاد الكلبيان، وكانا فيمن سار إلى الوليد وولي قتله وكان يزيد بْن خالد بْن عبد الله القسري معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بْن هشام إلى دمشق، وكان أحدهما- يعني الكلبيين- على حرس يزيد والآخر على شرطه، فإنه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط، ثم أمر بهما فحبسا فهلكا في حبسه.
قَالَ: ومضى سليمان ومن معه من الفل حتى صبحوا دمشق، واجتمع
(7/301)

إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بْن الحجاج رءوس من معهم، وهم يزيد بْن خالد القسري وأبو علاقة السكسكي والأصبغ بْن ذؤالة الكلبي ونظراؤهم، فقال بعضهم لبعض: إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتلة أبيهما، والرأي أن نقتلهما.
فولوا ذلك يزيد بْن خالد- ومعهما في الحبس أبو محمد السفياني ويوسف بْن عمر- فأرسل يزيد مولى لخالد يقال له أبا الأسد، في عدة من أصحابه، فدخل السجن، فشدخ الغلامين بالعمد، وأخرج يوسف بْن عمر ليقتلوه، وضربت عنقه وأرادوا قتل أبي محمد السفياني، فدخل بيتا من بيوت السجن فأغلقه، وألقى خلفه الفرش والوسائد، واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه، فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل: قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بْن الوليد، وتغيب، وأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة
. ذكر ظهور عبد الله بْن معاوية بْن عبد الله بن جعفر
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بْن معاوية بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بالكوفة، وحارب بها عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز ابن مروان، فهزمه عبد الله بْن عمر، فلحق بالجبال فغلب عليها.
ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه:
وكان إظهار عبد الله بْن معاوية الخلاف على عبد الله بْن عمر ونصبه الحرب له- فيما ذكر هشام عن أبي مخنف- في المحرم سنة سبع وعشرين ومائة.
وكان سبب خروجه عليه- فيما حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عاصم ابن حفص التميمي وغيره من أهل العلم- أن عبد الله بْن معاوية بْن عبد الله ابن جعفر قدم الكوفة زائرا لعبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز، يلتمس صلته، لا يريد خروجا، فتزوج ابنة حاتم بْن الشرقي بْن عبد المؤمن بْن شبث بْن
(7/302)

ربعي، فلما وقعت العصبية قَالَ له أهل الكوفة: ادع إلى نفسك، فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مروان، فدعا سرا بالكوفة وابن عمر بالحيرة، وبايعه ابن ضمرة الخزاعي، فدس إليه ابن عمر فأرضاه، فأرسل إليه: إذا نحن التقينا بالناس انهزمت بهم وبلغ ابن معاوية، فلما التقى الناس قَالَ ابن معاوية: أن ابن ضمرة قد غدر، ووعد ابن عمران ينهزم بالناس، فلا يهولنكم انهزامه، فإنه عن غدر يفعل فلما التقوا انهزم ابن ضمرة، وانهزم الناس، فلم يبق معه أحد، فقال:
تفرقت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد
فرجع ابن معاوية إلى الكوفة، وكانوا التقوا ما بين الحيرة والكوفة، ثم خرج إلى المدائن فبايعوه، وأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج فغلب على حلوان والجبال.
قَالَ: ويقال قدم عبد الله بْن معاوية الكوفة وجمع جمعا، فلم يعلم عبد الله بْن عمر حتى خرج في الجبانة مجمعا على الحرب، فالتقوا، وخالد بْن قطن الحارثي على أهل اليمن، فشد عليه الأصبغ بْن ذؤالة الكلبي في أهل الشام، فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا، وأقبل خمسون رجلا من الزيدية إلى دار ابن محرز القرشي يريدون القتال، فقتلوا، ولم يقتل من أهل الكوفة غيرهم.
قَالَ: وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بْن عباس التميمي إلى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين وهمذان وقومس وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، وقال:
فلا تركبن الصنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله
(7/303)

ولا يعجبنك قول امرى ... يخالف ما قَالَ في فعله
وأما أبو عبيدة معمر بْن المثنى، فإنه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بْن معاوية بْن عبد الله بْن جعفر قدموا على عبد الله بْن عمر، فنزلوا في النخع، في دار مولى لهم، يقال له الوليد بْن سعيد، فأكرمهم ابن عمر واجازهم، واجرى عليهم كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بْن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بْن الوليد ومن بعده عبد العزيز ابن الحجاج بْن عبد الملك، فقدمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفه، فبايع الناس لهما، وزادهم في العطاء مائة مائه، وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك، إذ أتاه الخبر بأن مروان بْن محمد قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم بْن الوليد، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بْن عمر عبد الله بْن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجري عليه، واعده لمروان ابن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بْن الوليد ليبايع له، ويقاتل به مروان، فماج الناس في أمرهم، وقرب مروان من الشام، وخرج اليه ابراهيم فقاتله مروان، فهزمه وظفر بعسكره وخرج هاربا، وثبت عبد العزيز بْن الحجاج يقاتل حتى قتل وأقبل إسماعيل بْن عبد الله أخو خالد بْن عبد الله القسري هاربا حتى أتى الكوفة، وكان في عسكر إبراهيم، فافتعل كتابا على لسان إبراهيم بولاية الكوفة، فأرسل إلى اليمانية، فأخبرهم سرا أن إبراهيم بْن الوليد ولاه العراق، فقبلوا ذلك منه، وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فباكره صلاة الغداة، فقاتله من ساعته، ومعه عمر بن الغضبان، فلما رأى إسماعيل ذلك- ولا عهد معه وصاحبه الذي افتعل العهد على لسانه هارب منهزم- خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني كاره لسفك الدماء، ولم أحس أن يبلغ الأمر ما بلغ، فكفوا أيديكم فتفرق القوم عنه، فقال لأهل بيته: إن إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحكى ذلك عن
(7/304)

أهل بيته، فانتشر الخبر، واشرأبت الفتنة، ووقعت العصبية بين الناس.
وكان سبب ذلك أن عبد الله بْن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا عظاما، ولم يعط جعفر بْن نافع بْن القعقاع بْن شور الذهلي وعثمان بن الخيبرى أخا بنى تيم اللات بْن ثعلبة شيئا، ولم يسوهما بنظرائهما، فدخلا عليه، فكلماه كلاما غليظا، فغضب ابن عمر، وأمر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائي- وكان على شرطه يقوم على رأسه- فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضبين.
وكان ثمامة بْن حوشب بْن رويم الشيباني حاضرا، فخرج مغاضبا لصاحبيه، فخرجوا جميعا إلى الكوفة، وكان هذا وابن عمر بالحيرة، فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمروا، وبلغ الخبر ابن عمر، فأرسل إليهم أخاه عاصما، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال: هذه يدي لكم فاحكموا، فاستحيوا وعظموا عاصما، وتشكروا له، وأقبل على صاحبيهم فسكتا وكفا، فلما أمسى ابن عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بْن الغضبان بمائة ألف، فقسمها في قومه بني همام بْن مرة بْن ذهل بْن شيبان، وأرسل إلى ثمامة بْن حوشب بْن رويم بمائة ألف، فقسمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بْن نافع بْن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بْن الخيبري بعشرة آلاف.
قَالَ أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضعفه اغتمزوا فيه، واجترءوا عليه وطمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بْن معاوية بْن عبد الله بْن جعفر وكان الذى ولى ذلك هلال ابن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بْن معاوية، ثم مضوا من فورهم إلى عبد الله، فأخرجوه من دار الوليد بْن سعيد، حتى أدخلوه القصر، وحالوا بين عاصم بْن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة، وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بْن الغضبان بْن القبعثري ومنصور بْن جمهور وإسماعيل بْن عبد الله القسري ومن كان من أهل الشام بالكوفة له أهل وأصل، فأقام بالكوفة أياما يبايعه الناس، وأتته البيعة من المدائن وفم النيل، واجتمع إليه الناس، فخرج يريد عبد الله بْن عمر بالحيرة،
(7/305)

وبرز له عبد الله بْن عمر فيمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من اهل الشام يسأله البراز، فبرز له القاسم بْن عبد الغفار، فقال له الشامي: لقد دعوت حين دعوت، وما أظن أن يخرج إلي رجل من بكر بْن وائل، والله ما أريد قتالك، ولكن أحببت أن ألقي إليك ما انتهى إلينا، اخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن، لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بْن عمر، وجاءته كتب مضر، وما أرى لكم أيها الحي من ربيعه كتابا ولا رسولا، وليسوا مواقيعكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألا تكون بكم الحزة فافعلوا، فإني رجل من قيس، وسنكون غدا بإزائكم، فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغته، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حال الناس فدعا القاسم رجالا من قومه، فأعلمهم ما قَالَ له الرجل، وان ميمنه ابن عمر من ربيعة، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال عبد الله بْن معاوية: إن هذه علامة ستظهر لنا إن أصبحنا، فإن أحب عمر بْن الغضبان فليلقني الليلة، وإن منعه شغل ما هو فيه فهو عذر، وقل له: إني لأظن القيسي قد كذب، فأتى الرسول عمر بذلك، فرده إليه بكتاب يعلمه ان رسولي هذا بمنزلتي عندي، ويأمره أن يتوثق من منصور وإسماعيل، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك قَالَ: فأبى ابن معاوية أن يفعل، فأصبح الناس غادين على القتال، وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مناد: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا، والمال عند عمر بن الغضبان.
والتقى الناس واقتتلوا، وحمل عمر بْن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما الى الحيرة، ورجمت غوغاء الناس أهل اليمن من أهل الكوفة، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلا، وقتل الهاشمي العباس بْن عبد الله زوج ابنة الملاة.
ذكر عمر أن محمد بْن يحيى حدثه عن أبيه، عن عاتكة بنت الملاة،
(7/306)

تزوجت أزواجا، منهم العباس بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن الحارث بْن نوفل، قتل مع عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز في العصبية بالعراق وقتل مبكر ابن الحواري بْن زياد في غيرهم، ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بْن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مضر وربيعة ومن بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهل القلب من اهل الشام على الزيدية فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة، وبقيت الميسرة وهم نحو خمسمائة رجل، واقبل عامر بن ضباره ونباته ابن حنظلة بْن قبيصة وعتبة بْن عبد الرحمن الثعلبي والنضر بْن سعيد بْن عمرو الحرشي، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بْن الغضبان: أما نحن يا معشر ربيعة، فما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوف عليكم مثلها، فانصرفوا فقال عمر: ما كنت ببارح أبدا حتى أموت، فقالوا: إن هذا ليس بمغن عنك ولا عن أصحابك شيئا، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة قَالَ عمر: حدثني علي بْن محمد، عن سليمان بْن عبد الله النوفلي، قَالَ:
حدثني أبي، قَالَ: حدثنا خراش بْن المغيرة بْن عطية مولى لبني ليث، عن أبيه، قَالَ: كنت كاتب عبد الله بن عمر، فو الله إني لعنده يوما وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بْن معاوية قد أقبل في الخلق، فأطرق مليا وجاءه رئيس خبازيه، فقام بين يديه كأنه يؤذنه بادراك طعامه، فأومأ إليه عبد الله: أن هاته فجاء بالطعام، وقد شخصت قلوبنا، ونحن نتوقع أن يهجم علينا ابن معاوية ونحن معه، قَالَ: فجعلت أتفقده: هل أراه تغير في شيء من أمره من مطعم أو مشرب أو منظر أو أمر أو نهي؟ فلا والله، ما أنكرت من هيئته قليلا ولا كثيرا، وكان طعامه إذا أتي به وضع بين كل اثنين منا صحفة قَالَ: فوضعت بيني وبين فلان صحفة، وبين فلان وفلان صحفة أخرى، حتى عد من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه ووضوئه، أمر بالمال فأخرج، حتى اخرجت آنيه من ذهب وفضه وكسا، ففرق أكثر ذلك في قواده، ثم دعا مولى له أو مملوكا كان يتبرك به ويتفاءل باسمه- إما يدعى ميمونا أو فتحا أو اسما من الاسماء المتبرك بها- فقال له:
(7/307)

خذ لواءك، وامض إلى تل كذا وكذا فاركزه عليه، وادع أصحابك، وأقم حتى آتيك ففعل وخرج عبد الله وخرجنا معه، حتى صار إلى التل فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية، فأمر عبد الله مناديا، فنادى:
من جاء برأس فله خمسمائة، فو الله ما كان بأسرع من أن أتي برأس، فوضع بين يديه، فامر له بخمسمائة، فدفعت إلى الذي جاء به، فلما رأى اصحابه وفاءه لصاحب الراس، ثاروا بالقوم، فو الله ما كان إلا هنيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمائة رأس قد ألقيت بين يديه، وانكشف ابن معاوية ومن معه منهزمين، فكان أول من دخل الكوفة من أصحابه منهزما أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه- وكان أبو البلاد متشيعا- فجعل أهل الكوفة ينادونهم كل يوم، وكأنهم يعيرونهم بانهزامه، فجعل يصيح بابنه سليمان: امض ودع النواضح ينفقن قَالَ: ومر عبد الله بْن معاوية فطوى الكوفة، ولم يعرج بها حتى أتى الجبل.
وأما أبو عبيدة: فإنه ذكر أن عبد الله بْن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسوا قالوا لعمر بْن الغضبان وأصحابه: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعلقنا دماءنا في أعناقكم، فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم، وإن كنتم ترون الناس خاذلينا وإياكم، فخذوا لنا ولكم أمانا، فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا، فقال لهم عمر بن الغضبان:
ما نحن بتاركيكم من إحدى خلتين: إما أن نقاتل معكم، وإما أن نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا، فطيبوا نفسا، فأقاموا في القصر، والزيدية على افواه السكك يغدو عليهم أهل الشام ويروحون، يقاتلونهم أياما.
ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدية ولعبد الله بن معاويه أمانا، الا يتبعوهم ويذهبوا حيث شاءوا وأرسل عبد الله بْن عمر إلى عمر بْن الغضبان يأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بْن معاوية، فأرسل إليه ابن الغضبان فرحله ومن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد واهل
(7/308)

الكوفة، فسار بهم رسل عمر حتى أخرجوهم من الجسر فنزل عمر من القصر
. ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج الى مرو
وفي هذه السنة وافى الحارث بْن سريج مرو، خارجا إليها من بلاد الترك بالأمان الذي كتب له يزيد بْن الوليد، فصار إلى نصر بْن سيار، ثم خالفه وأظهر الخلاف له، وبايعه على ذلك جمع كبير.
ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه:
ذكر علي بْن محمد عن شيوخه، أن الحارث سار إلى مرو، مخرجه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فتلقاه سلم بْن أحوز، والناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل ابن عطية العبسي: الحمد لله الذي أقر أعيننا بقدومك، وردك الى فئه الإسلام وإلى الجماعة قَالَ: يا بني، أما علمت أن الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلا، وأن القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيرا! وما قرت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عيني إلا أن يطاع الله فلما دخل مرو قَالَ: اللهم إني لم أنو قط في شيء مما بيني وبينهم إلا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهم وتلقاه نصر فانزله قصر بخاراخذاه، وأجرى عليه نزلا خمسين درهما في كل يوم، وكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر من كان عنده من أهله، أطلق محمد بْن الحارث والألوف بنت الحارث وأم بكر، فلما أتاه ابنه محمد، قَالَ: اللهم اجعله بارا تقيا.
قَالَ: وقدم الوضاح بْن حبيب بْن بديل على نصر بْن سيار من عند عبد الله بْن عمر، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثوابا، وأمر له بقرى وجاريتين، ثم أتى الحارث بن سريج، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: أنا بالعراق، نشهر عظم عمودك وثقله، وإني أحب أن أراه، فقال: ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء- وأشار إلى أصحابه- ولكني إذا ضربت به شهرت ضربتني، قَالَ: وكان في عموده بالشامي ثمانية عشر رطلا
(7/309)

قَالَ: ودخل الحارث بْن سريج على نصر، وعليه الجوشن الذي أصابه من خاقان، وكان خيره بين مائة ألف دينار دنبكانية وبين الجوشن، فاختار الجوشن فنظرت إليه المرزبانة بنت قديد، امرأة نصر بْن سيار، فأرسلت إليه بجرز لها سمور، مع جارية لها فقالت، أقرئي ابن عمي السلام، وقولي له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرز السمور، فالحمد لله الذي أقدمك صالحا فقال للجارية: أقرئي بنت عمي السلام، وقولي لها: أعارية أم هدية؟ فقالت: بل هدية، فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه.
وبعث إليه نصر بفرش كثيرة وفرس، فباع ذلك كله، وقسمه في أصحابه بالسوية وكان يجلس على برذعة، وتثنى له وسادة غليظة وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل، وارسل الى نصر:
إني لست من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب في شيء، وإنما أسأل كتاب الله عز وجل والعمل بالسنة واستعمال أهل الخير والفضل، فإن فعلت ساعدتك على عدوك.
وأرسل الحارث إلى الكرماني: إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بالله عليه، وأعنتك إن ضمنت لي ما أريد من القيام بالعدل والسنة.
وكان كلما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه محمد بْن حمران ومحمد ابن حرب بْن جرفاس المنقريان والخليل بْن غزوان العدوى، وعبد الله ابن مجاعة وهبيرة بْن شراحيل السعديان، وعبد العزيز بن عبد ربه الليثى، وبشر ابن جرموز الضبي، ونهار بْن عبد الله بْن الحتات المجاشعي، وعبد الله النباتي وقال الحارث لنصر: خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه! فانضم الى الحارث ثلاثة آلاف
(7/310)

خلافه مروان بن محمد
وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بْن محمد بالخلافة:
ذكر الخبر عن سبب البيعة له:
حدثني أحمد، قَالَ: حدثنا عبد الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد مولى عثمان بْن عفان، قَالَ: لما قيل: قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بْن الوليد وتغيب، فانتهب سليمان ما كان في بيت المال وقسمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة، وثار من فيها من موالي الوليد بْن يزيد إلى دار عبد العزيز بْن الحجاج فقتلوه، ونبشوا قبر يزيد بْن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان دمشق فنزل عاليه، وأتي بالغلامين مقتولين وبيوسف بْن عمر فأمر بهم فدفنوا، وأتي بأبي محمد السفياني محمولا في كبوله، فسلم عليه بالخلافة، ومروان يومئذ يسلم عليه بالإمرة، فقال له: مه، فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشده شعرا قاله الحكم في السجن.
قَالَ: وكانا قد بلغا، وولد لأحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين، قَالَ: فقال الحكم:
ألا من مبلغ مروان عني ... وعمي الغمر طال بذا حنينا
بأني قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد متابعينا
أيذهب كلبهم بدمي ومالي ... فلا غثا أصبت ولا سمينا
ومروان بأرض بني نزار ... كليث الغاب مفترس عرينا
ألم يحزنك قتل فتى قريش ... وشقهم عصي المسلمينا
الا فاقر السلام على قريش ... وقيس بالجزيرة أجمعينا
وساد الناقص القدري فينا ... وألقى الحرب بين بني أبينا
(7/311)

فلو شهد الفوارس من سليم ... وكعب لم أكن لهم رهينا
ولو شهدت ليوث بني تميم ... لما بعنا تراث بني أبينا
أتنكث بيعتي من أجل أمي ... فقد بايعتم قبلي هجينا
فليت خئولتى من غير كلب ... وكانت في ولادة آخرينا
فإن أهلك أنا وولي عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا
ثم قَالَ: ابسط يدك أبايعك، وسمعه من مع مروان من أهل الشام، فكان أول من نهض معاوية بْن يزيد بْن الحصين بْن نمير ورءوس أهل حمص، فبايعوه، فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم، فاختار أهل دمشق زامل بْن عمرو الجبراني، وأهل حمص عبد الله بْن شجرة الكندي، وأهل الأردن الوليد بْن معاوية بْن مروان، وأهل فلسطين ثابت بْن نعيم الجذامي الذي كان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينية، فأخذ عليهم العهود المؤكدة والأيمان المغلظة على بيعته، وانصرف إلى منزله من حران.
قَالَ أبو جعفر: فلما استوت لمروان بْن محمد الشام وانصرف إلى منزله بحران طلب الأمان منه ابراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فامنهم، فقدم عليه سليمان- وكان سليمان بْن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية- فبايعوا مروان بْن محمد
. ذكر الخبر عن انتقاض اهل حمص على مروان
وفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام فحاربهم.
ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك:
حدثني أحمد، قَالَ حدثني عبد الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، قَالَ: لما انصرف مروان إلى منزله من حران بعد فراغه من أهل الشام لم يلبث إلا ثلاثة أشهر، حتى خالفه أهل الشام وانتقضوا عليه، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بْن نعيم، وراسلهم
(7/312)

وكاتبهم، وبلغ مروان خبرهم، فسار إليهم بنفسه، وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر من كلب، فشخص إليهم الأصبغ بْن ذؤالة الكلبي ومعه بنون له ثلاثة رجال: حمزة وذؤالة وفرافصة ومعاوية السكسكي- وكان فارس أهل الشام- وعصمة بْن المقشعر وهشام بْن مصاد وطفيل بن حارثة ونحو ألف من فرسانهم، فدخلوا مدينة حمص ليلة الفطر من سنة سبع وعشرين ومائة.
قَالَ: ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حمص إلا ثلاثون ميلا، فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجد في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بْن الوليد المخلوع وسليمان بْن هشام، وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الأمان، فصارا معه في عسكره يكرمهما ويدنيهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، ويسيران معه في موكبه.
فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين، والكلبية فيها قد ردموا أبوابها من داخل، وهو على عدة معه روابطه، فأحدقت خيله بالمدينة، ووقف حذاء باب من أبوابها، وأشرف على جماعة من الحائط، فناداهم مناديه:
ما دعاكم إلى النكث؟ قالوا: فإنا على طاعتك لم ننكث، فقال لهم: فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح في الوضاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة، فلما كثرتهم خيل مروان، انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدمر، فخرجوا منه والروابط عليه فقاتلوهم، فقتل عامتهم، وافلت الأصبغ بن ذؤاله والسكسكى واسر ابنا الأصبغ: ذؤالة وفرافصة في نيف وثلاثين رجلا منهم، فاتى بهم مروان فقتلهم وهو واقف، وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة او ستمائه، فصلبوا حول المدينة، وهدم من حائط مدينتها نحوا من غلوة وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بْن عمرو، وولوا عليهم يزيد بْن خالد القسري وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد في نحو أربعمائة، يقال له أبو هبار القرشي فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بْن الكوثر بْن زفر بْن الحارث- واسمه مجزأة- وعمرو بْن الوضاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج أبو هبار وخيله من المدينة، فهزموهم واستباحوا عسكرهم وحرقوا المزة من قرى اليمانية، ولجأ يزيد بْن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من أهل المزة، فدل عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتلا
(7/313)

قبل أن يوصل بهما إليه، فبعث برأسيهما الى مروان بحمص، وخرج ثابت ابن نعيم من أهل فلسطين، حتى أتى مدينة طبرية، فحاصر أهلها، وعليها الوليد بْن معاوية بْن مروان، ابن أخي عبد الملك بْن مروان، فقاتلوه أياما، فكتب مروان إلى أبي الورد ان يشخص إليهم فيمدهم، قَالَ:
فرحل من دمشق بعد أيام، فلما بلغهم دنوه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه، فاستباحوا عسكرهم، فانصرف إلى فلسطين منهزما، فجمع قومه وجنده، ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية، وتفرق من معه، وأسر ثلاثة رجال من ولده، وهم نعيم وبكر وعمران، فبعث بهم إلى مروان فقدم بهم عليه، - وهو بدير أيوب- جرحى، فأمر بمداواة جراحاتهم، وتغيب ثابت بْن نعيم، فولى الرماحس بْن عبد العزيز الكناني فلسطين، وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة ابن ثابت- وكان أخبثهم- فلحق بمنصور بْن جمهور، فأكرمه وولاه وخلفه مع أخ له يقال له منظور بْن جمهور، فوثب عليه فقتله، فبلغ منصورا وهو متوجه إلى الملتان، وكان أخوه بالمنصورة، فرجع إليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجر مجوفة، وأدخله فيها، ثم سمره إليها، وبنى عليه.
قَالَ: وكتب مروان إلى الرماحس في طلب ثابت والتلطف له، فدل عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر، فأتي به مروان موثقا بعد شهرين، فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه، فقطعت أيديهم وأرجلهم، ثم حملوا إلى دمشق، فرأيتهم مقطعين، فأقيموا على باب مسجدها، لأنه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت، ويقولون: إنه أتى مصر، فغلب عليها.
وقتل عامل مروان بها وأقبل مروان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله، وزوجهما ابنتي هشام بْن عبد الملك، أم هشام وعائشة، وجمع لذلك اهل بيته جميعا، من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبكار وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورءوس العرب، وقطع على أهل الشام بعثا وقواهم، وولى على كل جند منهم قائدا منهم، وأمرهم باللحاق بيزيد بْن عمر بْن هبيرة وكان قبل مسيره إلى الشام وجهه في عشرين ألفا من أهل قنسرين والجزيرة، وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم، وصيره
(7/314)

مقدمة له، وانصرف من دير أيوب إلى دمشق، وقد استقامت له الشام كلها ما خلا تدمر، وأمر بثابت بْن نعيم وبنيه والنفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق، قَالَ: فرأيتهم حين قتلوا وصلبوا قَالَ: واستبقى رجلا منهم يقال له عمرو بْن الحارث الكلبي، وكان- فيما زعموا- عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم، ومضى بمن معه، فنزل القسطل من أرض حمص مما يلي تدمر، بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وبلغه أنهم قد عوروا ما بينه وبينها من الآبار، وطموها بالصخر، فهيأ المزاد والقرب والأعلاف والإبل، فحمل ذلك له ولمن معه، فكلمه الابرش بن الوليد وسليمان ابن هشام وغيرهما، وسألوه أن يعذر إليهم، ويحتج عليهم فأجابهم إلى ذلك فوجه الأبرش إليهم أخاه عمرو بْن الوليد، وكتب إليهم يحذرهم ويعلمهم أنه يتخوف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يجيبوه، فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجه إليهم، ويؤجله أياما، ففعل، فأتاهم فكلمهم وخوفهم وأعلمهم أنهم حمقى، وأنه لا طاقة لهم به وبمن معه، فأجابه عامتهم، وهرب من لم يثق به منهم إلى برية كلب وباديتهم، وهم السكسكي وعصمة بْن المقشعر وطفيل بْن حارثة ومعاوية بْن أبي سفيان بْن يزيد بْن معاوية، وكان صهر الأبرش على ابنته وكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مروان: أن اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إلي بمن بايعك منهم.
فانصرف إليه ومعه من رءوسهم الأصبغ بْن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رءوسهم، وانصرف مروان بهم على طريق البرية على سورية ودير اللثق، حتى قدم الرصافة ومعه سليمان بْن هشام وعمه سعيد بْن عبد الملك وإخوته جميعا وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولد الوليد وسليمان ويزيد، فأقاموا بها يوما، ثم شخص إلى الرقة فاستأذنه سليمان، وسأله أن يأذن له أن يقيم أياما ليقوي من معه من مواليه، ويجم ظهره ثم يتبعه، فأذن له ومضى مروان، فنزل
(7/315)

عند واسط على شاطئ الفرات في عسكر كان ينزله، فأقام به ثلاثة أيام، ثم مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها، ليقدمه الى العراق لمحاربه الضحاك ابن قيس الشيبانى الحروري، فاقبل من نحو عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم حتى حلوا بالرصافة، فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته.
وفي هذه السنة دخل الضحاك بْن قيس الشيباني الكوفة.

ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكما ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها
اختلف في ذلك من أمره، فأما أحمد، فإنه حدثني عن عبد الوهاب ابن إبراهيم، قَالَ: حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: كان سبب خروج الضحاك أن الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد ابن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة، فيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام، فخرج بأرض كفرتوثا، وخرج بسطام البيهسي وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقارب العسكران وجه سعيد بْن بهدل الخيبري- وهو أحد قواده، وهو الذي هزم مروان- في نحو من مائة وخمسين فارسا ليبيته، فانتهى إلى عسكره وهم غارون، وقد أمر كل واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلل به رأسه، ليعرف بعضهم بعضا، فبكروا في عسكرهم فأصابوهم في غرة، فقال الخيبري:
إن يك بسطام فإني الخيبري ... أضرب بالسيف وأحمي عسكري
فقتلوا بسطاما وجميع من معه إلا أربعة عشر، فلحقوا بمروان، فكانوا معه فأثبتهم في روابطه، وولى عليهم رجلا منهم يقال له مقاتل، ويكنى أبا النعثل ثم مضى سعيد بْن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتيت الأمر بها واختلاف أهل الشام، وقتال بعضهم بعضا مع عبد الله بْن عمر
(7/316)

والنضر بْن سعيد الحرشي- وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بْن عمر بالحيرة، والمضرية، مع ابن الحرشي بالكوفة، فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشية.
قَالَ: فمات سعيد بْن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه، واستخلف الضحاك بْن قيس من بعده، وكانت له امرأة تسمى حوماء، فقال الخيبري في ذلك:
سقى الله يا حوماء قبر ابن بهدل ... إذا رحل السارون لم يترحل
قال: واجتمع مع الضحاك نحو من الف ثم توجه إلى الكوفة، ومر بأرض الموصل، فاتبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النضر بْن سعيد الحرشي ومعه المضرية، وبالحيرة عبد الله بْن عمر في اليمانية، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحرشي، فصار أمرهم واحدا، ويدا على قتال الضحاك، وخندقا على الكوفة، ومعهما يومئذ من أهل الشام نحو من ثلاثين ألفا، لهم قوة وعدة، ومعهم قائد من أهل قنسرين، يقال له عباد بْن الغزيل في ألف فارس، قد كان مروان أمد به ابن الحرشي، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتل يومئذ عاصم بْن عمر بْن عبد العزيز وجعفر بْن عباس الكندي، وهزموهم أقبح هزيمة، ولحق عبد الله بْن عمر في جماعتهم بواسط، وتوجه ابن الحرشي- وهو النضر- وجماعه المضرية واسماعيل ابن عبد الله القسري إلى مروان، فاستولى الضحاك والجزرية على الكوفة وأرضها، وجبوا السواد ثم استخلف الضحاك رجلا من أصحابه- يقال له ملحان- على الكوفة في مائتي فارس، ومضى في عظم اصحابه الى عبد الله ابن عمر بواسط، فحاصره بها، وكان معه قائد من قواد أهل قنسرين يقال له عطية الثعلبى- وكان من الأشداء- فلما تخوف محاصرة الضحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومه متوجها إلى مروان، فخرج على القادسية، فبلغ ملحانا ممره، فخرج في أصحابه مبادرا يريده، فلقيه على قنطرة السيلحين- وملحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسا- فقاتله
(7/317)

فقتله عطية وناسا من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان.
وأما أبو عبيدة معمر بْن المثنى، فإنه قَالَ: حدثني أبو سعيد، قَالَ:
لما مات سعيد بْن بهدل المري، وبايعت الشراه للضحاك، اقام بشهر زور وثابت إليه الصفرية من كل وجه حتى صار في أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجي قط قبله قَالَ: وهلك يزيد بْن الوليد وعامله على العراق عبد الله بْن عمر، فانحط مروان من أرمينية حتى نزل الجزيرة، وولي العراق النضر بْن سعيد- وكان من قواد ابن عمر- فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضرية إلى النضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم أمد مروان النضر بابن الغزيل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة، فأرسل ابن عمر إلى النضر: هذا لا يريد غيري وغيرك، فهلم نجتمع عليه فتعاقدا عليه، وأقبل ابن عمر، فنزل تل الفتح وأقبل الضحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بْن الأصبغ بْن ذؤالة الكلبي ليمنعه من العبور، فقال عبيد الله بْن العباس الكندي: دعه يعبر إلينا، فهو أهون علينا من طلبه فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفه عن ذلك، فنزل ابن عمر الكوفة، وكان يصلي في مسجد الأمير بأصحابه، والنضر بْن سعيد في ناحية الكوفة يصلي بأصحابه، لا يجامع ابن عمر ولا يصلي معه، غير أنهما قد تكافا واجتمعا على قتال الضحاك، وأقبل الضحاك حين رجع حمزة حتى عبر الفرات، ونزل النخيلة يوم الأربعاء في رجب سنة سبع وعشرين ومائة، فخف إليهم أهل الشام من أصحاب ابن عمر والنضر، قبل أن ينزلوا، فأصابوا منهم أربعة عشر فارسا وثلاث عشرة امرأة ثم نزل الضحاك وضرب عسكره، وعبى أصحابه، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكشفوا ابن عمر وأصحابه، وقتلوا أخاه عاصما، قتله البرذون بْن مرزوق الشيباني، فدفنه بنو الأشعث بْن قيس في دارهم، وقتلوا جعفر بْن العباس الكندي أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرطة عبد الله بْن عمر، وكان
(7/318)

الذي قتل جعفرا عبد الملك بْن علقمة بْن عبد القيس، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابن عم له يقال له شاشلة، فكر عليه شاشلة، وضربه رجل من الصفرية، ففلق وجهه.
قَالَ أبو سعيد: فرأيته بعد ذلك كأن له وجهين، وأكب عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحا، فقالت أم البرذون الصفرية:
نحن قتلنا عاصما وجعفرا ... والفارس الضبي حين أصحرا
ونحن جئنا الخندق المقعرا.
فانهزم أصحاب ابن عمر، وأقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعه، فو الله ما تتاممنا حتى هزمونا، فدخلنا خنادقنا، وأصبحنا يوم السبت، فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط، ورأوا قوما لم يروا مثلهم قط أشد بأسا، كأنهم الأسد عند أشبالها، فذهب ابن عمر ينظر أصحابه، فإذا عامتهم قد هربوا تحت الليل، ولحق عظمهم بواسط، فكان ممن لحق بواسط النضر بْن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور ابن جمهور والأصبغ بْن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة، والوليد بْن حسان الغساني وجميع الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن بقي من أصحابه مقيما لم يبرح.
ويقال: إن عبد الله بْن عمر لما ولي العراق ولي الكوفة عبيد الله بْن العباس الكندي وعلى شرطه عمر بْن الغضبان بْن القبعثري، فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بْن الوليد، وقام إبراهيم بْن الوليد، فأقر ابن عمر على العراق، فولى ابن عمر أخاه عاصما على الكوفة، وأقر ابن الغضبان على شرطه، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بْن معاوية فاتهم عمر بْن الغضبان، فلما انقضى أمر عبد الله بْن معاوية ولى عبد الله بْن عمر عمر بْن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بن الخطاب الكوفة، وعلى شرطه الحكم بْن عتيبة الأسدي من أهل الشام، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفه، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شرطه وولى الوليد بْن حسان الغساني، ثم ولى إسماعيل بْن عبد الله القسري وعلى شرطه أبان بْن الوليد، ثم عزل إسماعيل
(7/319)

وولى عبد الصمد بْن أبان بْن النعمان بْن بشير الأنصاري، ثم عزل فولى عاصم بْن عمر، فقدم عليه الضحاك بْن قيس الشيباني.
ويقال: إنما قدم الضحاك وإسماعيل بْن عبد الله القسري في القصر وعبد الله بْن عمر بالحيرة وابن الحرشي بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفة، وولى ملحان بْن معروف الشيباني عليها، وعلى شرطه الصفر من بني حنظلة- حروري- فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان، فقتله ابن الحرشي فولى الضحاك على الكوفه حسان فولى حسان ابنه الحارث على شرطه.
وقال عبد الله بْن عمر يرثي أخاه عاصما لما قتله الخوارج:
رمى غرضي ريب الزمان فلم يدع ... غداة رمى للقوس في الكف منزعا
رمى غرضي الأقصى فأقصد عاصما ... أخا كان لي حرزا ومأوى ومفزعا
فإن تك أحزان وفائض عبرة ... أذابت عبيطا من دم الجوف منقعا
تجرعتها في عاصم واحتسيتها ... فأعظم منها ما احتسى وتجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
وذكر أن عبد الله بْن عمر يقول: بلغني أن عين بْن عين بْن عين بْن عين يقتل ميم بْن ميم بْن ميم بْن ميم، وكان يأمل أن يقتله، فقتله عبد الله بن على ابن عبد الله بْن عباس بْن عبد المطلب، فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط، قَالَ لابن عمر أصحابه: علام تقيم وقد هرب الناس! قَالَ:
أتلوم وأنظر، فأقام يوما أو يومين لا يرى إلا هاربا، وقد امتلأت قلوبهم رعبا من الخوارج، فأمر عند ذلك بالرحيل إلى واسط، وجمع خالد بْن الغزيل أصحابه، فلحق بمروان وهو مقيم بالجزيرة، ونظر عبيد الله بْن العباس الكندي إلى ما لقي الناس، فلم يأمن على نفسه، فجنح إلى الضحاك فبايعه، وكان معه في عسكره، فقال أبو عطاء السندي يعيره باتباعه الضحاك، وقد قتل أخاه:
قل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يجنح وأنت قتيل
(7/320)

ولم يتبع المراق والثأر فيهم ... وفي كفه عضب الذباب صقيل
إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ... أباك، فماذا بعد ذاك تقول!
- فلما بلغ عبيد الله بْن العباس هذا البيت من قول ابى عطاء، قَالَ أقول:
أعضك الله ببظر أمك-
فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة ... وطالب وتر، والذليل ذليل
تركت أخا شيبان يسلب بزه ... ونجاك خوار العنان مطول
قَالَ: فنزل ابن عمر منزل الحجاج بْن يوسف بواسط- فيما قيل- في اليمانية ونزل النضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بْن نباتة وابناه محمد ونباتة في المضرية ذات اليمين إذا صعدت من البصرة، وخلوا الكوفة والحيرة للضحاك والشراة، وصارت في أيديهم، وعادت الحرب بين عبد الله بن عمر والنضر ابن سعيد الحرشي إلى ما كان عليه قبل قدوم الضحاك يطلب النضر أن يسلم إليه عبد الله بْن عمر ولاية العراق بكتاب مروان، وياتى عبد الله بْن عمر واليمانية مع ابن عمر والنزارية مع النضر، وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصبا على الوليد حيث أسلم خالد بْن عبد الله القسري إلى يوسف بْن عمر حتى قتله، وكانت القيسية مع مروان، لأنه طلب بدم الوليد- وأخوال الوليد من قيس، ثم من ثقيف، أمه زينب بنت محمد بْن يوسف ابنة أخي الحجاج- فعادت الحرب بين ابن عمر والنضر، ودخل الضحاك الكوفة فأقام بها، واستعمل عليها ملحان الشيباني في شعبان سنة سبع وعشرين ومائة، فأقبل منقضا في الشراة إلى واسط، متبعا لابن عمر والنضر، فنزل باب المضمار.
فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر نكلا عن الحرب فيما بينهما، وصارت كلمتهما عليه واحدة، كما كانت بالكوفة، فجعل النضر وقواده يعبرون الجسر، فيقاتلون الضحاك وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم، ولا يقيمون مع ابن عمر، فلم يزالوا على ذلك: شعبان وشهر رمضان وشوال، فاقتتلوا يوما من تلك الايام، فاشتد قتالهم، فشد منصور بْن جمهور على قائد
(7/321)

من قواد الضحاك، كان عظيم القدر في الشراة، يقال له عكرمة بْن شيبان، فضربه على باب القورج، فقطعه باثنين فقتله وبعث الضحاك قائدا من قواده يدعى شوالا من بني شيبان إلى باب الزاب، فقال: اضرمه عليهم نارا، فقد طال الحصار علينا، فانطلق شوال ومعه الخيبري، أحد بني شيبان في خيلهم، فلقيهم عبد الملك بْن علقمة، فقال لهم: أين تريدون؟ فقال له شوال: نريد باب الزاب، أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فقال: أنا معك، فرجع معه وهو حاسر، لا درع عليه، وكان من قواد الضحاك أيضا وكان أشد الناس، فانتهوا إلى الباب فأضرموه، فأخرج لهم عبد الله بْن عمر منصور بن جمهور في ستمائه فارس من كلب، فقاتلوهم أشد القتال، وجعل عبد الملك بْن علقمة يشد عليهم وهو حاسر، فقتل منهم عدة، فنظر إليه منصور بْن جمهور، فغاظه صنيعه، فشد عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حرقفته، فخر ميتا، وأقبلت امرأة من الخوارج شادة، حتى أخذت بلجام منصور بْن جمهور، فقالت: يا فاسق، أجب أمير المؤمنين، فضرب يدها- ويقال: ضرب عنان دابته فقطعه في يدها- ونجا.
فدخل المدينة الخيبري يريد منصورا، فاعترض عليه ابن عم له من كلب، فضربه الخيبرى فقتله فقال حبيب بن خدره مولى بنى هلال- وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس- يرثي عبد الملك بْن علقمة:
وقائلة ودمع العين يجرى ... على روح ابن علقمة السلام
أأدركك الحمام وأنت سار ... وكل فتى لمصرعه حمام
فلا رعش البدين ولا هدان ... ولا وكل اللقاء ولا كهام
وما قتل على شار بعار ... ولكن يقتلون وهم كرام
طغام الناس ليس لهم سبيل ... شجاني يا بن علقمة الطغام
ثم إن منصورا قَالَ لابن عمر: ما رأيت في الناس مثل هؤلاء قط يعني الشراة- فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا، واجعلهم بينك وبين مروان، فإنك إن أعطيتهم الرضا خلوا عنا ومضوا الى مروان،
(7/322)

فكان حدهم وبأسهم عليه، وأقمت أنت مستريحا بموضعك هذا، فإن ظفروا بها كان ما أردت وكنت عندهم آمنا، وإن ظفر بهم واردت خلافه وقتاله قاتلته جاما مستريحا، مع أن أمره وأمرهم سيطول، ويوسعونه شرا.
فقال ابن عمر: لا تعجل حتى نتلوم وننظر، فقال: أي شيء ننتظر! فما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقر، وإن خرجنا لم نقم لهم، فما انتظارنا بهم ومروان في راحة، وقد كفيناه حدهم وشغلناهم عنه! أما أنا فخارج لاحق بهم فخرج فوقف حيال صفهم وناداهم: إني جانح أريد أن أسلم وأسمع كلام الله- قَالَ: وهي محنتهم- فلحق بهم فبايعهم، وقال: قد أسلمت، فدعوا له بغداء فتغدى، ثم قَالَ لهم: من الفارس الذي أخذ بعناني يوم الزاب؟ يعني يوم ابن علقمة- فنادوا يا أم العنبر، فخرجت إليهم، فإذا أجمل الناس، فقالت له: أنت منصور؟ قَالَ: نعم، قالت:
قبح الله سيفك، اين ما تذكر منه! فو الله ما صنع شيئا، ولا ترك- تعني ألا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة- وكان منصور لا يعلم يومئذ أنها امرأة، فقال: يا أمير المؤمنين، زوجنيها، قَالَ: إن لها زوجا- وكانت تحت عبيدة بْن سوار التغلبي- قَالَ: ثم إن عبد الله بْن عمر خرج إليهم في آخر شوال فبايعه.

خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد
4 وفي هذه السنة- أعني سنة سبع وعشرين ومائه- خلع سليمان بن هشام ابن عبد الملك بْن مروان مروان بْن محمد ونصب الحرب.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وما جرى بينهما:
حدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثني عبد الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ:
حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، قَالَ: لما شخص مروان من الرصافة إلى الرقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحاك بْن قيس الشيباني استأذنه سليمان بْن هشام في مقام أيام، لإجمام ظهره وإصلاح امره، فاذن
(7/323)

له ومضى مروان، فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم، حتى جاءوا الرصافة، فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته، وقالوا: أنت أرضى منه عند أهل الشام وأولى بالخلافة، فاستزله الشيطان، فأجابهم، وخرج اليهم باخوته وولده ومواليه، فعسكر بهم وسار بجمعهم إلى قنسرين، فكاتب أهل الشام فانقضوا إليه من كل وجه وجند، وأقبل مروان بعد أن شارف قرقيسيا منصرفا إليه، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكره بواسط، واجتمع من كان بالهني من موالي سليمان وولد هشام، فدخلوا حصن الكامل بذراريهم فتحصنوا فيه، وأغلقوا الأبواب دونه، فأرسل إليهم: ماذا صنعتم؟ خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعد ما أعطيتموني من العهود والمواثيق! فردوا علي رسله: إنا مع سليمان على من خالفه فرد إليهم:
إني أحذركم وأنذركم أن تعرضوا لأحد ممن تبعني من جندي أو يناله منكم أذى، فتحلوا بأنفسكم، ولا أمان لكم عندي فأرسلوا إليه: إنا سنكف.
ومضى مروان، فجعلوا يخرجون من حصنهم، فيغيرون على من اتبعه من أخريات الناس وشذان الجند، فيسلبونهم خيولهم وسلاحهم وبلغه ذلك، فتحرق عليهم غيظا واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، وعسكر في قرية لبني زفر يقال لها خساف من قنسرين من أرضها فلما دنا منه مروان قدم السكسكي في نحو سبعة آلاف، ووجه مروان عيسى بْن مسلم في نحو من عدتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين، فاقتتلوا قتالا شديدا، والتقى السكسكي وعيسى، وكل واحد منهما فارس بطل، فاطعنا حتى تقصفت رماحهما، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السكسكي مقدم فرس صاحبه، فسقط لجامه في صدره، وجال به فرسه، فاعترضه السكسكي، فضربه بالعمود فصرعه، ثم نزل إليه فأسره، وبارز فارسا من فرسان أنطاكية، يقال له سلساق قائد الصقالبة فأسره، وانهزمت مقدمه مروان وبلغه الخبر وهو في مسيره، فمضى وطوى على تعبئة، ولم ينزل حتى انتهى
(7/324)

الى سليمان، وقد تعبا له، وتهيأ لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه، فانهزم سليمان ومن معه، واتبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم، وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه، ووقف مروان موقفا، وأمر ابنيه فوقفا موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته في موضع، ثم أمرهم ألا يأتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبدا مملوكا، فأحصى من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألفا.
قَالَ: وقتل إبراهيم بْن سليمان أكبر ولده، وأتي بخال لهشام بْن عبد الملك يقال له خالد بْن هشام المخزومي- وكان بادنا كثير اللحم- فأدني إليه وهو يلهث، فقال له: يا فاسق، أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفك عن الخروج مع الخراء تقاتلني! قَالَ: يا أمير المؤمنين، أكرهني، فأنشدك الله والرحم! قَالَ: وتكذب أيضا! كيف أكرهك وقد خرجت بالقيان والزقاق والبرابط معك في عسكره! فقتله قَالَ: وادعى كثير من الأسراء من الجند أنهم رقيق، فكف عن قتلهم، وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع ما بيع مما أصيب في عسكرهم.
قَالَ: ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى إلى حمص، فانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها، ووجه مروان يوم هزمه قوادا وروابط في جريدة خيل، وتقدم إليهم أن يسبقوا كل خبر، حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها الى ان يأتيهم، حنقا عليهم، فأتوهم فنزلوا عليهم، وأقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط، فأرسل إليهم أن انزلوا على حكمي، فقالوا: لا حتى تؤمننا بأجمعنا، فدلف إليهم، ونصب عليهم المجانيق، فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكمه، فمثل بهم واحتملهم أهل الرقة فآووهم، وداووا جراحاتهم، وهلك بعضهم وبقي أكثرهم، وكانت عدتهم جميعا نحوا من ثلاثمائه ثم شخص إلى سليمان ومن تجمع معه بحمص، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان! هلموا فلنتبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعا فمضى على ذلك من فرسانهم من قد وطن
(7/325)

نفسه على الموت نحو من تسعمائة، وولى سليمان على شطرهم معاوية السكسكي، وعلى الشطر الثانى ثبيتا البهراني فتوجهوا إليه مجتمعين، على أن يبيتوه إن أصابوا منه غرة، وبلغه خبرهم وما كان منهم، فتحرز وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبئة، فراموا تبييته فلم يقدروا، فتهيئوا له وكمنوا في زيتون ظهر على طريقه، في قرية تسمى تل منس من جبل السماق، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبئة، فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتبذ لهم، ونادى خيوله فثابت إليه من المقدمة والمجنبتين والساقة، فقاتلوهم من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، والتقى السكسكي وفارس من فرسان بني سليم، فاضطربا، فصرعه السلمي عن فرسه، ونزل إليه، وأعانه رجل من بني تميم، فأتياه به أسيرا وهو واقف، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك فطالما بلغت منا! فقال: استبقني فإني فارس العرب، قَالَ: كذبت، الذي جاء بك أفرس منك، فأمر به فأوثق، وقتل ممن صبر معه نحو من ستة آلاف.
قَالَ: وأفلت ثبيت ومن انهزم معه، فلما أتوا سليمان خلف أخاه سعيد ابن هشام في مدينة حمص، وعرف أنه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تدمر، فأقام بها، ونزل مروان على حمص، فحاصرهم بها عشرة أشهر.
ونصب عليها نيفا وثمانين منجنيقا، فطرح عليهم حجارتها بالليل والنهار وهم في ذلك يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه، وربما بيتوا نواحي عسكره، وأغاروا على الموضع الذى يطمعون في اصابه العورة والفرضه منه.
فلما تتابع عليهم البلاء، ولزمهم الذل سألوه أن يؤمنهم على أن يمكنوه من سعيد بْن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسكي، كان يغير على عسكرهم، ومن حبشي كان يشتمه ويفتري عليه، فأجابهم إلى ذلك وقبله وكانت قصة الحبشي انه كان يشرف من الحائط ويربط في ذكره ذكر حمار، ثم يقول: يا بني سليم، يا أولاد كذا وكذا، هذا لواؤكم!
(7/326)

وكان يشتم مروان، فلما ظفر به دفعه إلى بني سليم، فقطعوا مذاكيره وأنفه، ومثلوا به، وأمر بقتل المتسمي السكسكي والاستيثاق من سعيد وابنيه، وأقبل متوجها إلى الضحاك.
وأما غير أبي هاشم مخلد بْن محمد، فإنه ذكر من أمر سليمان بْن هشام بعد انهزامه من وقعة خساف غير ما ذكره مخلد، والذي ذكره من ذلك أن سليمان بْن هشام بْن عبد الملك حين هزمه مروان يوم خساف أقبل هاربا، حتى صار إلى عبد الله بْن عمر، فخرج مع عبد الله بْن عمر إلى الضحاك، فبايعه، وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضض عليه، وقال: أنا سائر معكم في موالي ومن اتبعني، فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان، فقال شبيل ابن عزرة الضبعي في بيعتهم الضحاك:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... فصلت قريش خلف بكر بْن وائل
فصارت كلمة ابن عمر وأصحابه واحدة على النضر بْن سعيد، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فارتحل من ساعته يريد مروان بالشام.
وذكر أبو عبيدة أن بيهسا أخبره: لما دخل ذو القعدة سنة سبع وعشرين ومائة، استقام لمروان الشام ونفى عنها من كان يخالفه، فدعا يزيد بن عمر ابن هبيرة، فوجهه عاملا على العراق، وضم إليه اجناد الجزيرة، فاقبل حتى نزل سعيد بْن عبد الملك، وأرسل ابن عمر إلى الضحاك يعلمه ذلك قَالَ: فجعل الضحاك لنا ميسان وقال: إنها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلي واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بْن النعمان.
فأما أبو مخنف فإنه قَالَ- فيما ذكر عنه هشام: إن عبد الله بْن عمر صالح الضحاك على أن بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها، وبيد ابن عمر ما كان بيده من كسكر وميسان ودستميسان وكور دجلة والأهواز وفارس، فارتحل الضحاك حتى لقي مروان بكفرتوثا من ارض الجزيرة.
وقال أبو عبيدة: تهيأ الضحاك ليسير إلى مروان، ومضى النضر يريد
(7/327)

الشام، فنزل القادسية، وبلغ ذلك ملحان الشيباني عامل الضحاك على الكوفة، فخرج إليه فقاتله وهو في قلة من الشراة، فقاتله فصبر حتى قتله النضر وقال ابن خدره يرثيه وعبد الملك بْن علقمة:
كائن كملحان من شار أخي ثقة ... وابن علقمة المستشهد الشاري
من صادق كنت أصفيه مخالصتي ... فباع داري بأعلى صفقة الدار
إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم ... أشكو إلى الله خذلاني وإخفاري
وبلغ الضحاك قتل ملحان، فاستعمل على الكوفة المثنى بْن عمران من بني عائدة، ثم سار الضحاك في ذي القعدة، فأخذ الموصل، وانحط ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزة من عين التمر، وبلغ ذلك المثنى بْن عمران العائذي، عامل الضحاك على الكوفة، فسار إليه فيمن معه من الشراة، ومعه منصور بْن جمهور، وكان صار إليه حين بايع الضحاك خلافا على مروان، فالتقوا بغزة، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما متوالية، فقتل المثنى وعزيز وعمرو- وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك- وهرب منصور، وانهزمت الخوارج، فقال مسلم حاجب يزيد:
ارت للمثنى يوم غزه حتفه ... واذرت عزيز بين تلك الجنادل
وعمرا أزارته المنية بعد ما ... أطافت بمنصور كفات الحبائل
وقال غيلان بْن حريث في مدحه ابن هبيرة:
نصرت يوم العين إذ لقيتا ... كنصر داود على جالوتا
فلما قتل منهم من قتل في يوم العين، وهرب منصور بْن جمهور، أقبل لا يلوي حتى دخل الكوفة، فجمع بها جمعا من اليمانية والصفرية ومن كان تفرق منهم يوم قتل ملحان ومن تخلف منهم عن الضحاك، فجمعهم منصور جميعا، ثم سار بهم حتى نزل الروحاء، وأقبل ابن هبيرة في أجناده حتى لقيهم، فقاتلهم أياما ثم هزمهم، وقتل البرذون بْن
(7/328)

مرزوق الشيباني، وهرب منصور ففي ذلك يقول غيلان بْن حريث:
ويوم روحاء العذيب دففوا ... على ابن مرزوق سمام مزعف
قَالَ: وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج، وبلغ الضحاك ما لقي أصحابه، فدعا عبيدة بْن سوار التغلبي، فوجهه إليهم، وانحط ابن هبيرة يريد واسطا وعبد الله بْن عمر بها، وولى على الكوفة عبد الرحمن بْن بشير العجلي، وأقبل عبيدة بْن سوار مغذا في فرسان أصحابه، حتى نزل الصراة، ولحق به منصور بْن جمهور، وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصراة في سنة سبع وعشرين ومائة.
وفي هذه السنة توجه سليمان بْن كثير ولاهز بْن قريظة وقحطبة بْن شبيب- فيما ذكر- إلى مكة، فلقوا إبراهيم بْن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا، فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عروة مولى محمد بْن علي، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم ذلك العام، فقال ابن كثير لإبراهيم بْن محمد: إن هذا مولاك.
وفيها كتب بكير بْن ماهان إلى إبراهيم بْن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنه قد استخلف حفص بن سليمان، وهو رضا للأمر، وكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه، وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان فصدقوه، وقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع قبلهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بْن عمر بْن عبد العزيز، وهو عامل مروان على المدينة ومكة والطائف، حَدَّثَنِي بذلك أحمد بْن ثابت الرازي، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره.
وكان العامل على العراق النضر بْن الحرشي، وكان من امره وامر عبد الله ابن عمر والضحاك الحروري ما قد ذكرت قبل وكان بخراسان نصر بْن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرماني والحارث بْن سريج.
(7/329)

ثم دخلت

سنه ثمان وعشرين ومائه
(ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان) فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بْن سريج بخراسان.
ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
قد مضى ذكر كتاب يزيد بْن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلاد الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بْن سيار، وما كان من نصر إليه، واجتماع من اجتمع إلى الحارث مستجيبين له فذكر علي بْن محمد عن شيوخه، أن ابن هبيرة لما ولي العراق كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بْن الوليد، ومروان لا يجيز أمان يزيد، فلا آمنه فدعا إلى البيعة، فشتم أبو السليل مروان، فلما دعا الحارث إلى البيعة أتاه سلم بْن أحوز وخالد بْن هريم وقطن بْن محمد وعباد بْن الأبرد بْن قرة وحماد بْن عامر، وكلموه وقالوا له: لم يصير نصر سلطانه وولايته في أيدي قومك؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما أتى بك لئلا يجترئ عليك عدوك فخالفته، وفارقت أمر عشيرتك، واطمعت فيهم عدوهم، فنذكرك الله أن تفرق جماعتنا! فقال الحارث: إني لأرى في يدي الكرماني ولاية، والأمر في يد نصر، فلم يجبهم بما أرادوا، وخرج إلى حائط لحمزة بْن أبي صالح السلمي بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر وأرسل إلى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بْن داود، وأمر جهم بْن صفوان، مولى بني راسب، فقرأ كتابا سير فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل سلم بْن أحوز عن شرطك، واستعمل بشر بْن بسطام البرجمي، فوقع بينه وبين مغلس بن زياد كلام، فتفرقت قيس وتميم،
(7/330)

فعزله واستعمل ابراهيم بن عبد الرحمن، واختاروا رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب الله فاختار نصر مقاتل بْن سليمان ومقاتل بْن حيان، واختار الحارث المغيرة بْن شعبة الجهضمي ومعاذ بْن جبلة، وأمر نصر كاتبه أن يكتب ما يرضون من السنن، وما يختارونه من العمال، فيوليهم الثغرين، ثغر سمرقند وطخارستان، ويكتب إلى من عليهما ما يرضونه من السير والسنن.
فاستأذن سلم بْن أحوز نصرا في الفتك بالحارث، فأبى وولى إبراهيم الصائغ، وكان يوجه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مرو، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود، فأرسل إليه نصر: إن كنت كما تزعم، وأنكم تهدمون سور دمشق، وتزيلون أمر بني اميه، فخذ منى خمسمائة رأس ومائتي بعير، واحمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك، وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثل بصيرتك، وأنهم هم فساق ورعاع، فاذكرك الله في عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم وعرض نصر على الحارث ان يوليه ما وراء النهر، ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، فقال له نصر: فإن شئت فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك.
وإن شئت فخل بيني وبينه، فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر باصحابك، فإذا جزت الري فأنا في طاعتك قَالَ: ثم تناظر الحارث ونصر، فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بْن حيان وجهم بْن صفوان، فحكما بأن يعتزل نصر، ويكون الأمر شورى.
فلم يقبل نصر وكان جهم يقص في بيته في عسكر الحارث، وخالف الحارث نصرا، ففرض نصر لقومه من بني سلمة وغيرهم، وصير سلما في المدينة في منزل ابن سوار، وضم إليه الرابطة وإلى هدبة بْن عامر الشعراوى فرسا، وصيره في المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بْن يزيد بْن حيان السلمي، وحول السلاح والدواوين إلى القهندز، واتهم قوما من اصحابه
(7/331)

أنهم كاتبوا الحارث، فأجلس عن يساره من اتهم ممن لا بلاء له عنده، وأجلس الذين ولاهم واصطنعهم عن يمينه، ثم تكلم وذكر بني مروان ومن خرج عليهم، كيف أظفر الله به، ثم قَالَ: أحمد الله وأذم من على يساري، وليت خراسان فكنت يا يونس بْن عبد ربه ممن أراد الهرب من كلف مئونات مرو، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بْن عبد الله أن يختم أعناقهم، ويجعلهم في الرجالة، فوليتكم إذ وليتكم واصطنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقل، ثم ملأتم الحارث علي، فهلا نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه فاعتذر القوم إليه، فقبل عذرهم.
وقدم على نصر من كور خراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعة، منهم عاصم بْن عمير الصريمي وأبو الذيال الناجى وعمرو الفادوسبان السغدى البخاري وحسان بْن خالد الأسدي من طخارستان في فوارس، وعقيل ابن معقل الليثي ومسلم بْن عبد الرحمن بْن مسلم وسعد الصغير في فرسان.
وكتب الحارث بْن سريج سيرته، فكانت تقرأ في طريق مرو والمساجد فأجابه قوم كثير، فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه الحارث، فأتى نصرا هبيرة بْن شراحيل ويزيد أبو خالد، فأعلماه، فدعا الحسن بْن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: إن الحارث بْن سريج عدو الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا اللَّهُ وَلا حول وَلا قوة إلا بِاللَّهِ وأرسل من ليلته عاصم بْن عمير إلى الحارث، وقال لخالد بْن عبد الرحمن:
ما نفعل شعارنا غدا؟ فقال مقاتل بْن سليمان: إن الله بعث نبيا فقاتل عدوا له، فكان شعاره حم لا ينصرون، فكان شعارهم حم لا ينصرون وعلامتهم على الرماح الصوف.
وكان سلم بْن أحوز وعاصم بْن عمير وقطن وعقيل بن معقل ومسلم
(7/332)

ابن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بْن مالك والجماعة في طرف الطخارية ويحيى بْن حضين وربيعة في البخاريين ودل رجل من أهل مدينة مرو الحارث على نقب في الحائط، فمضى الحارث فنقب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون، ونادوا: يا منصور- بشعار الحارث- وأتوا باب نيق، فقاتلهم جهم بْن مسعود الناجي، فحمل رجل على جهم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نيق حتى أتوا قبة سلم بْن أحوز فقاتلهم عصمة بْن عبد الله الأسدي وخضر بْن خالد والأبرد بْن داود من آل الأبرد بْن قرة، وعلى باب بالين حازم بْن حاتم، فقتلوا كل من كان يحرسه، وانتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قديد بْن منيع، ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قديد بْن منيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلمي إلا الدواب والسلاح، وذلك ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.
قَالَ: وأتى نصرا رسول سلم يخبره دنو الحارث منه، وأرسل إليه: أخره حتى نصبح، ثم بعث إليه أيضا محمد بْن قطن بْن عمران الأسدي، أنه قد خرج عليه عامة أصحابه، فأرسل إليه: لا تبدأهم.
وكان الذي أهاج القتال، أن غلاما للنضر بْن محمد الفقيه يقال له عطية، صار إلى أصحاب سلم، فقال أصحاب الحارث: ردوه إلينا، فأبوا، فاقتتلوا، فرمي غلاما لعاصم في عينه فمات، فقاتلهم ومعه عقيل بْن معقل فهزمهم، فانتهوا إلى الحارث وهو يصلي الغداة في مسجد أبي بكرة، مولى بني تميم، فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا إلى طرف الطخارية، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عرقبا برذونه، فضرب الحارث أحدهما بعموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السغد، فرأى أعين مولى حيان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، وعدل في سكة بني عصمة، فأتبعه حماد بْن عامر الحماني ومحمد بْن زرعة، فكسر رمحيهما، وحمل على مرزوق مولى سلم، فلما دنا منه رمى به فرسه، فدخل حانوتا، وضرب برذونه على مؤخره فنفق قَالَ: وركب سلم حين أصبح الى باب
(7/333)

نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا وأمر مناديا، فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، وقاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بْن مجاعة بْن سعد، فقتلوه وانتهى سلم إلى عسكر الحارث، وانصرف إلى نصر فنهاه نصر، فقال: لست منتهيا حتى أدخل المدينة على هذا الدبوسي، فمضى معه محمد ابن قطن وعبيد الله بْن بسام إلى باب درسنكان- وهو القهندز- فوجده مردوما، فصعد عبد الله بْن مزيد الأسدي السور ومعه ثلاثة، ففتحوا الباب، ودخل بن أحوز، ووكل بالباب أبا مطهر حرب بْن سليمان، فقتل سلم يومئذ كاتب الحارث بْن سريج، واسمه يزيد بن داود، واتى عبد ربه ابن سيسن فقتله، ومضى سلم إلى باب نيق ففتحه، وقتل رجلا من الجزارين كان دل الحارث على النقب، فقال المنذر الرقاشي ابْن عم يحيى بْن حضين، يذكر صبر القاسم الشيباني:
ما قاتل القوم منكم غير صاحبنا ... في عصبة قاتلوا صبرا فما ذعروا
هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا ... حتى أتاهم غياث الله فانتصروا
فقاسم بعد أمر الله أحرزها ... وأنت في معزل عن ذاك مقتصر
ويقال: لما غلظ أمر الكرماني والحارث أرسل نصر إلى الكرماني، فأتاه على عهد، وحضرهم محمد بْن ثابت القاضي ومقدام بْن نعيم أخو عبد الرحمن ابن نعيم الغامدي وسلم بْن أحوز، فدعا نصر إلى الجماعة، فقال للكرماني:
أنت أسعد الناس بذلك، فوقع بين سلم بْن أحوز والمقدام كلام، فأغلظ له سلم، فأعانه عليه أخوه، وغضب لهما السغدي بْن عبد الرحمن الحزمي، فقال سلم: لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف، فقال السغدي: لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك، فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وعاد إلى باب المقصورة.
قَالَ: فتلقوه بفرسه، فركب في المسجد، وقال نصر: أراد الغدر بي، وأرسل الحارث إلى نصر: إنا لا نرضى بك إماما، فأرسل إليه نصر: كيف
(7/334)

يكون لك عقل، وقد أفنيت عمرك في أرض الشرك وغزوت المسلمين بالمشركين! أتراني أتضرع إليك أكثر مما تضرعت! قَالَ: فأسر يومئذ جهم بْن صفوان صاحب الجهمية، فقال لسلم: ان لي ولثا من ابنك حارث، قَالَ: ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأبرأك إلي عيسى بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت، وأمر عبد ربه بْن سيسن فقتله، فقال الناس: قتل أبو محرز- وكان جهم يكنى أبا محرز.
وأسر يومئذ هبيرة بْن شراحيل وعبد الله بْن مجاعة فقال: لا أبقى الله من استبقاكما، وإن كنتما من تميم ويقال: بل قتل هبيرة، لحقته الخيل عند دار قديد بْن منبع فقتل قَالَ: ولما هزم نصر الحارث، بعث الحارث ابنه حاتما إلى الكرماني، فقال له محمد بْن المثنى: هما عدواك، دعهما يضطربان، فبعث الكرماني السغدي بن عبد الرحمن الحزمي معه، فدخل السغدي المدينة من ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازه الكرماني، ومع الكرماني داود ابن شعيب الجدانى ومحمد بْن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرماني، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بْن محمد بْن عزيز أبو خلف، فلما كان الغد سار الكرماني إلى باب ميدان يزيد، فقاتل أصحاب نصر، فقتل سعد بْن سلم المراغي، وأخذوا علم عثمان بْن الكرماني، فأول من أتى الكرماني بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ماسرجسان على فرسخ من المدينة النضر ابن غلاق السغدي وعبد الواحد بْن المنخل ثم أتاه سواده بن سريج، وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذري، اتوه ببيعه الحارث بْن سريج وأول من بايع الكرماني يحيى بْن نعيم بْن هبيرة الشيباني، فوجه الكرماني إلى الحارث بْن سريج سورة بْن محمد الكندى الى اسمانير والسغدى بن عبد الرحمن أبا طعمة وصعبا أو صعيبا، وصباحا، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوا باب ركك، وأقبل الكرماني إلى باب حرب بْن عامر،
(7/335)

ووجه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء، فتراموا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال قَالَ: والتقوا يوم الجمعة، فانهزمت الأزد، حتى وصلوا إلى الكرماني، فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وحمل الخضر بْن تميم وعليه تجفاف، فرموه بالنشاب، وحمل عليه حبيش مولى نصر فطعنه في حلقه، فأخذ الخضر السنان بشماله من خلفه، فشب به فرسه، وحمل فطعن حبيشا فأذراه عن برذونه، فقتله رجالة الكرماني بالعصي.
قَالَ: وانهزم أصحاب نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرسا، وصرع تميم ابن نصر، فأخذوا له برذونين، أخذ أحدهما السغدي بن عبد الرحمن، وأخذ الآخر الخضر، ولحق الخضر بسلم بْن أحوز، فتناول من ابن أخيه عمودا فضربه فصرعه، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب، فرمى سلم بنفسه تحت القناطر وبه بضع عشرة ضربة على بيضته فسقط، فحمله محمد بْن الحداد إلى عسكر نصر، وانصرفوا، فلما كان في بعض الليالي خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بْن عبد الله الأسدي، وكان يحمي أصحاب نصر، فأدركه صالح بْن القعقاع الأزدي، فقال له عصمة: تقدم يا مزوني، فقال صالح: اثبت يا خصى- وكان عقيما- فعطف فرسه فشب فسقط، فطعنه صالح فقتله.
وقاتل ابن الديليمري، وهو يرتجز، فقتل إلى جنب عصمة وقتل عبيد الله بْن حوتمة السلمي، رمى مروان البهراني بجرزه، فقتل، فأتى الكرماني برأسه فاسترجع- وكان له صديقا- وأخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بْن عبد الرحمن بْن مسلم فعرفه فتركه واقتتلوا ثلاثة أيام، فهزمت آخر يوم المضرية اليمن، فنادى الخليل بْن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن، قد دخل الحارث السوق، وقتل ابن الأقطع، ففت في أعضاد المضرية وكان أول من انهزم إبراهيم بْن بسام الليثي، وترجل تميم بْن نصر، فأخذ برذونه عبد الرحمن بْن جامع الكندي، وقتلوا هياجا الكلبي ولقيط بْن أخضر، قتله غلام لهانئ البزار
(7/336)

قَالَ: ويقال: لما كان يوم الجمعة تأهبوا للقتال، وهدموا الحيطان ليتسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بْن قطن إلى الكرماني: إنك لست مثل هذا الدبوسي، فاتق الله، لا تشرع في الفتنة قَالَ: وبعث تميم بْن نصر شاكريته، وهم في دار الجنوب بنت القعقاع، فرماهم أصحاب الكرماني من السطوح ونذروا بهم، فقال عقيل بْن معقل لمحمد بْن المثنى: علام نقتل أنفسنا لنصر والكرماني! هلم نرجع إلى بلدنا بطخارستان، فقال محمد: إن نصرا لم يف لنا، فلسنا ندع حربه وكان أصحاب الحارث والكرماني يرمون نصرا وأصحابه بعرادة، فضرب سرادقه وهو فيه فلم يحوله، فوجه اليهم سلم ابن أحوز فقاتلهم، فكان أول الظفر لنصر، فلما رأى الكرماني ذلك أخذ لواءه من محمد بْن محمد بْن عميرة، فقاتل به حتى كسره وأخذ محمد بْن المثنى والزاغ وحطان في كاربكل، حتى خرجوا على الرزيق، وتميم بْن نصر على قنطرة النهر، فقال محمد بْن المثنى لتميم حين انتهى إليه: تنح يا صبي وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء، فصرعوا أعين مولى نصر، وقتلوه، وكان صاحب دواة نصر، وقتلوا نفرا من شاكريته وحمل الخضر بن تميم على سلم بْن أحوز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجرز على صدره وأخرى على منكبه، وضربه على رأسه فسقط، وحمى نصر أصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق.
قَالَ: ولما هزمت اليمانية مضر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم، وأنا كاف، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني، فبعث إليه نصر يزيد النحوي او خالدا يتوثق منه، أن يفي له بما أعطاه من الكف.
ويقال: إنما كف الحارث عن قتال نصر أن عمران بْن الفضل الأزدي وأهل بيته وعبد الجبار العدوي وخالد بْن عبيد الله بن حبيب العدوي وعامة أصحابه نقموا على الكرماني فعله باهل التبوشكان، وذلك ان أسدا وجهه اليهم، فنزلوا على حكم أسد، فبقر بطون خمسين رجلا وألقاهم في نهر بلخ، وقطع أيدي ثلاثمائة منهم وأرجلهم، وصلب ثلاثة، وباع أثقالهم فيمن يزيد،
(7/337)

فنقموا على الحارث عونه الكرماني، وقتاله نصرا فقال نصر لأصحابه حين تغير الأمر بينه وبين الحارث: ان مضر، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرماني، لا يتفقان على أمر، فالرأي تركهما، فإنهما يختلفان وخرج إلى جلفر فيجد عبد الجبار الأحول العدوي وعمر بْن أبي الهيثم الصغدي، فقال لهما: أيسعكما المقام مع الكرماني؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت آسيا، ما أحلك هذا المحل! فلما رجع نصر الى مرو امر به فضرب أربعمائة سوط، ومضى نصر إلى خرق، فأقام أربعة أيام بها، ومعه مسلم بْن عبد الرحمن بْن مسلم وسلم بْن أحوز وسنان الأعرابي، فقال نصر لنسائه: ان الحارث سيخلفنى فيكن ويحميكن فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه: ما أقدمك، وقد أظهرت من العصبية أمرا قد كان الله أطفأه؟ وكان عامل نصر على نيسابور ضرار ابن عيسى العامري، فأرسل إليه نصر بْن سيار سنانا الأعرابي ومسلم بْن عبد الرحمن وسلم بْن أحوز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوا نصرا بالمواكب والجواري والهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحي من قيس، فإنما كانت عاتبة، فقال نصر:
أنا ابن خندف تنميني قبائلها ... للصالحات وعمي قيس عيلانا
وأقام عند نصر حين خرج من مرو يونس بْن عبد ربه ومحمد بْن قطن وخالد بْن عبد الرحمن في نظرائهم.
قَالَ: وتقدم عباد بْن عمر الأزدي وعبد الحكيم بْن سعيد العوذي وأبو جعفر عيسى بْن جرز على نصر من مكة بأبرشهر، فقال نصر لعبد الحكيم:
أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك، طالت ولايتها في ولايتك، وصيرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعه واليمن حلماء وسفهاء فغلب السفهاء الحكماء فقال عباد: أتستقبل الأمير بهذا الكلام! قَالَ: دعه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بْن جرز- وهو من أهل قرية على نهر مرو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية،
(7/338)

فإنه قد أطل أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد، ويدعو إلى دولة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون فقال نصر:
ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين وجهت إلى الحارث وهو بأرض الترك، فعرضت عليه الولاية والأموال فأبى وشغب، وظاهر علي فقال أبو جعفر عيسى: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرماني من ذلك ببعيد فوصله نصر قَالَ: وكان سلم بْن أحوز يقول: ما رأيت قوما أكرم إجابة، ولا أبذل لدمائهم من قيس.
قَالَ: فلما خرج نصر من مرو غلب عليها الكرماني، وقال للحارث: إنما أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقا لأمددته ألف عنان، فقال مقاتل بْن حيان: أفي كتاب الله هدم الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرماني في خيمة في العسكر، فكلمه معمر بْن مقاتل بْن حيان- أو معمر بْن حيان- فخلاه، فأتى الكرماني المسجد، ووقف الحارث، فخطب الكرماني الناس، وآمنهم غير محمد بْن الزبير ورجل آخر، فاستأمن لابن الزبير داود بْن أبي داود بْن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه، ومضى الحارث إلى باب دوران وسرخس، وعسكر الكرماني في مصلى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هدم الدور وانتهاب الأموال، فهم الكرماني به، ثم كف عنه، فأقام أياما وخرج بشر بْن جرموز الضبي بخرقان، فدعا إلى الكتاب والسنة، وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب العدل، فأما إذ كنت مع الكرماني، فقد علمت أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون عصبية، فلست مقاتلا معك واعتزل في خمسه آلاف وخمسمائة- ويقال في أربعة آلاف- وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحق ولا نقاتل إلا من يقاتلنا وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرماني، وبعث الحارث ابنه محمدا فحمل ثقله من دار تميم بْن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومضر، أن الزموا الحارث مناصحة
(7/339)

فأتوه، فقال الحارث: إنكم أصل العرب وفرعها، وأنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا إلي بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشيء دون لقائه وكان من مدبري عسكر الكرماني مقاتل بْن سليمان، فأتاه رجل من البخاريين، فقال: أعطني أجر المنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البينة أنك نصبتها من منفعة المسلمين، فشهد له شيبة بْن شيخ الأزدي، فأمر مقاتل فصك له إلى بيت المال قَالَ: فكتب أصحاب الحارث إلى الكرماني: نوصيكم بتقوى الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرم الله من دمائكم، فإن الله جعل اجتماعنا كان إلى الحارث ابتغاء الوسيلة إلى الله، ونصيحة في عباده، فعرضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف، فصغر ذلك كله عندنا في جنب ما نرجو من ثواب الله، ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدو، فاتقوا الله وراجعوا الحق، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها.
فأقاموا أياما، فأتى الحارث بْن سريج الحائط فثلم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بْن أبي الهيثم، فتفرق عن الحارث أهل البصائر وقالوا:
غدرت فأقام القاسم الشيباني وربيع التيمي في جماعة، ودخل الكرماني من باب سرخس، فحاذى الحارث، ومر المنخل بْن عمرو الأزدي فقتله السميدع، أحد بني العدوية، ونادى: يا لثارات لقيط! واقتتلوا، وجعل الكرماني على ميمنته داود بْن شعيب وإخوته: خالدا ومزيدا والمهلب، وعلى ميسرته سورة بْن محمد بْن عزيز الكندي، في كندة وربيعة فاشتد الأمر بينهم، فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث على بغل فنزل عنه، وركب فرسا فضربه، فجرى وانهزم أصحابه، فبقي في أصحابه، فقتل عند شجرة، وقتل أخوه سوادة وبشر بْن جرموز وقطن بْن المغيرة بْن عجرد، وكف الكرماني، وقتل مع الحارث مائة، وقتل من أصحاب الكرماني مائة، وصلب الحارث عند مدينة مرو بغير رأس.
وكان قتل بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوما، قتل يوم الأحد لست بقين من رجب وكان يقال: إن الحارث يقتل تحت زيتونة أو شجرة غبيراء.
فقتل كذلك سنة ثمان وعشرين ومائة وأصاب الكرماني صفائح ذهب للحارث
(7/340)

فأخذها وحبس أم ولده ثم خلى عنها، وكانت عند حاجب بْن عمرو بْن سلمة بْن سكن بْن جون بْن دبيب قَالَ: وأخذ أموال من خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال ابراهيم: بم تستحل ما له؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقني دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بْن سليمان، فأتى به منزله قَالَ علي:، قَالَ زهير بْن الهنيد: خرج الكرماني إلى بشر بْن جرموز، وعسكر خارجا من المدينة، مدينة مرو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرماني، فأقام الكرماني أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم تقدم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث:
تقدم وندم الحارث على اتباع الكرماني، فقال: لا تعجل الى قتالهم، فانى اردهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس، حتى أتى عسكر بشر في قرية الدرزيجان، فأقام معهم وقال: ما كنت لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضريون ينسلون من عسكر الكرماني إلى الحارث حتى لم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بْن أبي عبد الله، مولى بني سليم، فإنه قَالَ: والله لا أتبع الحارث أبدا فإني لم أره إلا غادرا والمهلب بْن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قط إلا في خيل تطرد فقاتلهم الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، فالتقوا يوما من أيامهم، وقد شرب مرثد بْن عبد الله المجاشعي، فخرج سكران على برذون للحارث، فطعن فصرع، وحماه فوارس من بني تميم، حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لأمه الحارث، وقال: كدت تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برذونك، امراته طالق ان لم آتك ببرذون افره من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: اى برذون في عسكرهم افره؟ قالوا: برذون عبد الله ابن ديسم العنزي- وأشاروا إلى موقفه- حتى وصل إليه، فلما غشيه رمى ابن ديسم نفسه عن برذونه، وعلق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان برذونك، فلقي مخلد بْن الحسن مرثدا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابْن ديسم تحتك! فنزل عنه، وقال: خذه، قَالَ:
أردت أن تفضحني! أخذته منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك
(7/341)

أياما، ثم ارتحل الحارث ليلا، فأتى حائط مرو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكرماني، وارتحل، فقالت المضرية للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مرة، فترجل فقال: أنا لكم فارسا خير مني لكم راجلا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجل، فترجل وهو بين حائط مرو والمدينة، فقتل الحارث وأخوه وبشر بْن جرموز وعدة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصلب الحارث وصفت مرو لليمن، فهدموا دور المضرية، فقال نصر بْن سيار للحارث حين قتل:
يا مدخل الذل على قومه ... بعدا وسحقا لك من هالك!
شؤمك أردى مضرا كلها ... وغض من قومك بالحارك
ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك
ولا بني سعد إذا ألجموا ... كل طمر لونه حالك
ويقال: بل قَالَ هذه الأبيات نصر لعثمان بْن صدقة المازني.
وقالت أم كثير الضبية:
لا بارك الله في أنثى وعذبها ... تزوجت مضريا آخر الدهر
أبلغ رجال تميم قول موجعة ... أحللتموها بدار الذل والفقر
إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر
إني استحيت لكم من بذل طاعتكم ... هذا المزونى يجبيكم على قهر
وقال عباد بْن الحارث:
ألا يا نصر قد برح الخفاء ... وقد طال التمني والرجاء
وأصبحت المزون بأرض مرو ... تقضي في الحكومة ما تشاء
يجوز قضاؤها في كل حكم ... على مضر وإن جار القضاء
(7/342)

وحمير في مجالسها قعود ... ترقرق في رقابهم الدماء
فإن مضر بذا رضيت وذلت ... فطال لها المذلة والشقاء
وإن هي أعتبت فيها وإلا ... فحل على عساكرها العفاء
وقال:
ألا يا ايها المرء ... الذى قد شفه الطرب
أفق ودع الذي قد ... كنت تطلبه ونطلب
فقد حدثت بحضرتنا ... أمور شأنها عجب
الأزد رأيتها ... عزت بمرو وذلت العرب
فجاز الصفر لما ... كان ذاك وبهرج الذهب
وقال أبو بكر بْن إبراهيم لعلي وعثمان ابني الكرماني.
إني لمرتحل أريد بمدحتي ... أخوين فوق ذرى الأنام ذراهما
سبقا الجياد فلم يزالا نجعه ... لا يعلم الضيف الغريب قرأهما
يستعليان ويجريان الى العلا ... ويعيش في كنفيهما حياهما
أعني عليا إنه ووزيره ... عثمان ليس يذل من والاهما
جريا لكيما يلحقا بأبيهما ... جري الجياد من البعيد مداهما
فلئن هما لحقا به لمنصب ... يستعليان ويلحقان أباهما
ولئن ابر عليهما فلطالما ... جريا فبذهما وبذ سواهما
فلأمدحنهما بما قد عاينت ... عيني وإن لم أحص كل نداهما
فهما التقيان المشار إليهما ... الحاملان الكاملان كلاهما
وهما أزالا عن عريكة ملكه ... نصرا ولاقى الذل إذ عاداهما
نفيا ابن أقطع بعد قتل حماته ... وتقسمت أسلابه خيلاهما
(7/343)

والحارث بْن سريج إذ قصدوا له ... حتى تعاور رأسه سيفاهما
أخذا بعفو أبيهما في قدره ... إذ عز قومهما ومن والاهما
وفي هذه السنة وجه إبراهيم بْن محمد أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فاعلمه ابو مسلم انهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إني قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علي، وذلك أنه كان عرض ذلك قبل أن يوجه أبا مسلم على سليمان بْن كثير، فقال: لا ألي اثنين أبدا، ثم عرضه على إبراهيم بْن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبي مسلم، وامرهم بالسمع والطاعة، ثم قَالَ: يا عبد الرحمن، إنك رجل منا أهل البيت، فاحتفظ وصيتي، وانظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم، وحل بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة فاتهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحي من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك منه شيء، وإن استطعت ألا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل، فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ- يعني سليمان بْن كثير- ولا تعصه، وإذا أشكل عليك امر فاكتف به منى.

ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجي
وفي هذه السنة قتل الضحاك بْن قيس الخارجي، فيما قَالَ أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بْن محمد عنه
(7/344)

ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
ذكر أن الضحاك لما حاصر عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بْن جمهور، ورأى عبد الله بْن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم علي ليس بشيء، هذا مروان فسر إليه، فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه.
فذكر هشام، عن أبي مخنف، أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقي مروان بكفرتوثا من أرض الجزيرة، فقتل الضحاك يوم التقوا.
واما أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، فقال فيما حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم عنه أن الضحاك لما قتل عطية الثعلبي صاحبه وعامله على الكوفة ملحان بقنطرة السيلحين، وبلغه خبر قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بْن عمر بواسط، وجه مكانه من أصحابه رجلا يقال له مطاعن، واصطلح عبد الله بْن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته، فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضحاك الكوفة، وكاتبه أهل الموصل ودعوه إلى أن يقدم عليهم فيمكنوه منها، فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرا، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمروان، وهو رجل من بني شيبان من أهل الجزيرة يقال له القطران بْن أكمة، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطران في عدة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضحاك على الموصل وكورها.
وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من روابطه الى مدينه نصيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصيبين في جماعة روابطه، وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلف بحران قائدا في ألف أو نحو ذلك، وسار الضحاك من الموصل إلى عبد الله
(7/345)

بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوة لكثرة من مع الضحاك، فهم فيما بلغنا عشرون ومائة ألف، يرزق الفارس عشرين ومائه والراجل والبغال المائه والثمانين في كل شهر، وأقام الضحاك على نصيبين محاصرا لها، ووجه قائدين من قواده يقال لهما عبد الملك بْن بشر التغلبي، وبدر الذكواني مولى سليمان بْن هشام في، أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرقة، فقاتلهم من بها من خيل مروان، وهم نحو من خمسمائة فارس، ووجه مروان حين بلغه نزولهم الرقة خيلا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع أصحاب الضحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيفا وثلاثين رجلا، فقطعهم مروان حين قدم الرقة، ومضى صامدا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغز من أرض كفرتوثا، فقاتله يومه ذلك، فلما كان عند المساء ترجل الضحاك وترجل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيول مروان فألحوا عليهم حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك إلى عسكرهم، ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضحاك قد قتل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل وجاءهم بعض من عاينه حين ترجل، فأخبرهم بخبره ومقتله، فبكوه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بْن بشر التغلبي القائد الذي كان وجهه في عسكرهم إلى الرقة حتى دخل عسكر مروان، ودخل عليه فأعلمه أن الضحاك قتل، فأرسل معه رسلا من حرسه، معهم النيران والشمع إلى موضع المعركة، فقلبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوا به مروان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضربة، فكبر أهل عسكر مروان، فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيف به فيها.
وقيل: إن الخيبري والضحاك إنما قتلا في سنة تسع وعشرين ومائة.

ذكر الخبر عن مقتل الخيبرى وولايه شيبان
وفي هذه السنة كان أيضا- في قول أبي مخنف- قتل الخيبري الخارجي كذلك ذكر هشام عنه
(7/346)

ذكر الخبر عن مقتله:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ:
حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، قَالَ: لما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا الخيبري، وأقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد، وصافوه وصافهم، وسليمان بْن هشام يومئذ في مواليه وأهل بيته مع الخيبري، وقد كان قدم على الضحاك وهو بنصيبين، وهم في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوج فيهم أخت شيبان الحروري الذي بايعوه بعد قتل الخيبري، فحمل الخيبري على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة، فهزم مروان وهو في القلب، وخرج مروان من المعسكر هاربا، ودخل الخيبري فيمن معه عسكره، فجعلوا ينادون بشعارهم: يا خيبري يا خيبري، ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مروان، فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبري على فرشه، وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالها، وميسرته ثابتة عليها إسحاق بْن مسلم العقيلي، فلما رأى أهل عسكر مروان قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعا في حجرة مروان وحولها، وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزما، فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواضعها ومواقفها، وبات ليلته تلك في عسكره فانصرف أهل عسكر الخيبري فولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصف منذ يومئذ وكان مروان يوم الخيبري بعث محمد بْن سعيد، وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبري، فبلغه أنه مالأهم وانحاز إليهم يومئذ، فأتي به مروان أسيرا فقطع يده ورجله ولسانه.
وفي هذه السنة وجه مروان يزيد بْن عمر بْن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج.
وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بْن عمر بْن عبد العزيز، كذلك قَالَ أَبُو معشر- فِيمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى
(7/347)

عنه وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وقال الواقدي: وافتتح مروان حمص وهدم سورها، وأخذ نعيم بن ثابت الجزامى فقتله في شوال سنه ثمان، وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل.
وكان العامل على المدينة ومكة والطائف- فيما ذكر- في هذه السنة عبد العزيز بْن عمر بْن عبد العزيز، وبالعراق عمال الضحاك وعبد الله بْن عمر وعلى قضاء البصرة ثمامة بْن عبد الله، وبخراسان نصر بْن سيار وخراسان مفتونه
. خبر ابى حمزه الخارجي مع عبد الله بن يحيى
وفي هذه السنة لقي أبو حمزة الخارجي عبد الله بْن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه.
ذكر الخبر عن ذلك:
حدثني العباس بْن عيسى العقيلي، قَالَ: حدثنا هارون بْن موسى الفروي، قَالَ: حدثني موسى بْن كثير مولى الساعديين، قَالَ: كان أول أمر أبي حمزة- وهو المختار بْن عوف الأزدي السليمي من البصرة- قَالَ موسى: كان أول أمر أبي حمزة أنه كان يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بْن محمد وإلى خلاف آل مروان قَالَ: فلم يزل يختلف في كل سنة حتى وافى عبد الله بْن يحيى في آخر سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل، أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان.
وقد حدثني محمد بْن حسن أن أبا حمزة مر بمعدن بني سليم وكثير بْن عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد سبعين سوطا، ثم مضى إلى مكة، فلما قدم أبو حمزة المدينة حين افتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهم ما كان.
(7/348)

ثم دخلت

سنة تسع وعشرين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروري
فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بْن عبد العزيز اليشكري أبي الدلفاء ذكر الخبر عن سبب مهلكه: وكان سبب ذلك أن الخوارج الذين كانوا بإزاء مروان بْن محمد يحاربونه لما قتل الضحاك بْن قيس الشيباني رئيس الخوارج والخيبري بعده، ولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان، فذكر هشام بْن محمد والهيثم بْن عدي أن الخيبري لما قتل قَالَ سليمان بْن هشام بْن عبد الملك للخوارج- وكان معهم في عسكرهم: إن الذى تفعلون ليس براى، فان أخذتم برأيي، وإلا انصرفت عنكم قالوا: فما الرأي؟ قَالَ: إن أحدكم يظفر ثم يستقتل فيقتل، فإني أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل، فنخندق ففعل وأتبعه مروان والخوارج في شرقي دجلة ومروان بإزائهم، فاقتتلوا تسعة أشهر، ويزيد بْن عمر بْن هبيرة بقرقيسيا في جند كثيف من أهل الشام وأهل الجزيرة، فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة، وعليها يومئذ المثنى بْن عمران، من عائذة قريش من الخوارج.
وحدثني أحمد بْن زهير، قَالَ: حدثنا عبد الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ:
حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: كان مروان بْن محمد يقاتل الخوارج بالصف، فلما قتل الخيبري وبويع شيبان، قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصف منذ يومئذ، وجعل الآخرون يكردسون بكراديس مروان كراديس تكافئهم وتقاتلهم، وتفرق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخذلوهم، وحصلوا في نحو من أربعين ألفا، فأشار عليهم سليمان بْن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل، فيصيروها ظهرا وملجأ وميرة لهم، فقبلوا رأيه، وارتحلوا
(7/349)

ليلا، وأصبح مروان فأتبعهم، ليس يرحلون عن منزل إلا نزله، حتى انتهوا إلى مدينة الموصل، فعسكروا على شاطئ دجلة، وخندقوا على أنفسهم، وعقدوا جسورا على دجلة من عسكرهم إلى المدينة، فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكرة وعشية.
قَالَ: وأتي مروان بابن أخ لسليمان بْن هشام، يقال له أمية بْن معاوية بْن هشام، وكان مع عمه سليمان بْن هشام في عسكر شيبان بالموصل، فهو مبارز رجلا من فرسان مروان، فأسره الرجل فأتي به أسيرا، فقال له: أنشدك الله والرحم يا عم! فقال: ما بيني وبينك اليوم من رحم، فأمر به- وعمه سليمان وإخوته ينظرون- فقطعت يداه وضربت عنقه.
قَالَ: وكتب مروان إلى يزيد بْن عمر بْن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى عبيدة بْن سوار خليفة الضحاك بالعراق، فلقي خيوله بعين التمر، فقاتلهم فهزمهم، وعليهم يومئذ المثنى بْن عمران من عائذة قريش والحسن بْن يزيد، ثم تجمعوا له بالكوفة بالنخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصراة ومعهم عبيدة، فقاتلهم فقتل عبيدة، وهزم أصحابه، واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم بقية بالعراق، واستولى ابن هبيرة عليها، وكتب إليه مروان بْن محمد من الخنادق يأمره أن يمده بعامر بْن ضبارة المري، فوجهه في نحو من ستة آلاف أو ثمانية، وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الحرورية، فوجهوا إليه قائدين في أربعة آلاف، يقال لهما ابن غوث والجون، فلقوا ابن ضبارة بالسن دون الموصل، فقاتلوه قتالا شديدا، فهزمهم ابن ضبارة، فلما قدم فلهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، واعلمهم انه لا مقام لهم إذ جاءهم ابن ضبارة من خلفهم، وركبهم مروان من بين أيديهم، فارتحلوا فأخذوا على حلوان إلى الأهواز وفارس، ووجه مروان إلى ابن ضبارة ثلاثة نفر من قواده في ثلاثين ألفا من روابطه، أحدهم مصعب بْن الصحصح الأسدي وشقيق وعطيف السليماني، وشقيق الذي يقول فيه الخوارج:
قد علمت أختاك يا شقيق ... أنك من سكرك ما تفيق
وكتب إليه يأمره أن يتبعهم، ولا يقلع عنهم حتى يبيرهم ويستأصلهم،
(7/350)

فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارس، وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم، فتفرقوا، وأخذ شيبان في فرقته إلى ناحية البحرين، فقتل بها، وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند، وانصرف مروان إلى منزله من حران، فأقام بها حتى شخص إلى الزاب وأما أبو مخنف فإنه قَالَ- فِيمَا ذكر هِشَام بْن مُحَمَّد عنه- قَالَ: أمر مروان يزيد بْن عمر بْن هبيرة- وكان في جنود كثيرة من الشام وأهل الجزيرة بقرقيسيا- أن يسير إلى الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنى بْن عمران العائذي، عائذة قريش، فسار إليه ابن هبيرة على الفرات حتى انتهى إلى عين التمر، ثم سار فلقي المثنى بالروحاء، فوافى الكوفة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، فهزم الخوارج، ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصراة، وبعث شيبان عبيدة بْن سوار في خيل كثيرة، فعسكر في شرقي الصراة، وابن هبيرة في غربيها، فالتقوا، فقتل عبيدة وعدة من أصحابه، وكان منصور بْن جمهور معهم في دور الصراة، فمضى حتى غلب على الماهين وعلى الجبل أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط، فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجه نباتة بْن حنظلة إلى سليمان بْن حبيب وهو على كور الأهواز، وبعث إليه سليمان داود بْن حاتم، فالتقوا بالمريان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس، وقتل داود بْن حاتم وفي ذلك يقول خلف بن خليفه:
نفسي لداود الفدا والحمى ... إذ أسلم الجيش أبا حاتم
مهلبي مشرق وجهه ... ليس على المعروف بالنادم
سألت من يعلم لي علمه ... حقا وما الجاهل كالعالم
قالوا عهدناه على مرقب ... يحمل كالضرغامة الصارم
ثم أنثى منجدلا في دم ... يسفح فوق البدن الناعم
وأقبل القبط على رأسه ... واختصموا في السيف والخاتم
وسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفري بفارس وأقام ابن هبيرة شهرا
(7/351)

ثم وجه عامر بْن ضبارة في أهل الشام إلى الموصل، فسار حتى انتهى إلى السن فلقيه بها الجون بْن كلاب الخارجي، فهزم عامر بْن ضبارة حتى أدخله السن فتحصن فيها، وجعل مروان يمده بالجنود يأخذون طريق البر، حتى انتهوا إلى دجلة، فقطعوها إلى ابن ضبارة حتى كثروا وكان منصور بْن جمهور يمد شيبان بالأموال من كور الجبل، فلما كثر من يتبع ابن ضبارة من الجنود، نهض إلى الجون بْن كلاب فقتل الجون، ومضى ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل، فلما انتهى خبر الجون وقتله إلى شيبان ومسير عامر بْن ضبارة نحوه، كره أن يقيم بين العسكرين، فارتحل بمن معه وفرسان الشام من اليمانية.
وقدم عامر بْن ضبارة بمن معه على مروان بالموصل، فضم إليه جنودا من جنوده كثيرة، وأمره أن يسير إلى شيبان، فإن أقام أقام، وإن سار سار، والا يبدأه بقتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتبعه، فكان على ذلك حتى مر على الجبل، وخرج على بيضاء اصطخر، وبها عبد الله بْن معاوية في جموع كثيرة، فلم يتهيأ الأمر بينه وبين ابن معاوية، فسار حتى نزل جيرفت من كرمان، وأقبل عامر بْن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياما، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية، فلحق بهراة وسار ابن ضبارة بمن معه، فلقي شيبان بجيرفت من كرمان، فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزمت الخوارج، واستبيح عسكرهم، ومضى شيبان إلى سجستان، فهلك بها، وذلك في سنة ثلاثين ومائة.
وأما أبو عبيدة فإنه قَالَ: لما قتل الخيبري قام بأمر الخوارج شيبان بْن عبد العزيز اليشكري، فحارب مروان، وطالت الحرب بينهما، وابن هبيرة بواسط قد قتل عبيدة بْن سوار ونفى الخوارج ومعه رءوس قواد أهل الشام وأهل الجزيرة فوجه عامر بْن ضبارة في أربعة آلاف مددا لمروان، فأخذ على باب المدائن، وبلغ مسيره شيبان، فخاف أن يأتيهم مروان، فوجه إليه الجون بْن كلاب الشيباني ليشغله، فالتقيا بالسن، فحصر الجون عامرا أياما.
قال ابو عبيده: قال ابو سعيد: فاحرجناهم والله، واضطررناهم إلى
(7/352)

قتالنا، وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا، فلم ندع لهم مسلكا فقال لهم عامر:
أنتم ميتون لا محالة، فموتوا كراما، فصدمونا صدمه لم يقم لها شيء، وقتلوا رئيسنا الجون بْن كلاب، وانكشفنا حتى لحقنا بشيبان، وابن ضبارة في آثارنا، حتى نزل منا قريبا، وكنا نقاتل من وجهين، نزل ابن ضبارة من ورائنا مما يلي العراق، ومروان أمامنا مما يلي الشام، فقطع عنا المادة والميرة، فغلت أسعارنا، حتى بلغ الرغيف درهما، ثم ذهب الرغيف فلا شيء يشتري بغال ولا رخيص فقال حبيب بن خدره لشيبان: يا أمير المؤمنين، إنك في ضيق من المعاش، فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع! ففعل ومضى شهرزور من أرض الموصل، فعاب ذلك عليه أصحابه، فاختلفت كلمتهم.
وقال بعضهم: لما ولى شيبان امر الخوارج رجع باصحابه إلى الموصل فاتبعه مروان ينزل معه حيث نزل فقاتله شهرا ثم انهزم شيبان حتى لحق بأرض فارس، فوجه مروان في اثره عامر بن ضباره فقطع إلى جزيرة ابن كاوان، ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عمان، فقتله جلندى بن مسعود ابن جيفر بن جلندى الأزدي.

ذكر اظهار الدعوة العباسية بخراسان
وفي هذه السنة أمر إبراهيم بْن محمد بْن علي بْن عبد الله بْن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد.
ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيه:
قَالَ علي بْن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خراسان، حتى وقعت العصبية بها، فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بْن كثير إلى أبي سلمة الخلال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم، يسأله أن يوجه رجلا من أهل بيته فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فبعث أبا مسلم فلما كان في سنة تسع وعشرين ومائة، كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسا
(7/353)

من النقباء، فلما صار بالدندانقان من أرض خراسان عرض له كامل- أو أبو كامل- قَالَ: أين تريدون؟ قالوا: الحج، ثم خلا به أبو مسلم، فدعاه فأجابهم، وكف عنهم، ومضى أبو مسلم إلى بيورد، فأقام بها أياما، ثم سار إلى نسا، وكان بها عاصم بْن قيس السلمي عاملا لنصر بْن سيار الليثي، فلما قرب منها أرسل الفضل بْن سليمان الطوسي إلى أسيد بْن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قرية من قرى نسا، فلقي رجلا من الشيعة يعرفه، فسأله عن أسيد، فانتهره، فقال:
يا عبد الله، ما أنكرت من مسألتي عن منزل رجل؟ قَالَ: إنه كان في هذه القرية شر، سعي برجلين قدما إلى العامل، وقيل إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بْن عبد الله وغيلان بْن فضالة وغالب بْن سعيد والمهاجر بْن عثمان، فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكب الطريق، وأخذ في أسفل القرى، وأرسل طرخان الجمال إلى أسيد، فقال: أدعه لي ومن قدرت عليه من الشيعة، وإياك أن تكلم أحدا لم تعرفه، فأتى طرخان أسيدا فدعاه، وأعلمه بمكان أبي مسلم، فأتاه فسأله عن الأخبار، قَالَ: نعم، قدم الأزهر بْن شعيب وعبد الملك بْن سعد بكتب من الإمام إليك، فخلفا الكتب عندي وخرجا، فأخذا فلا أدري من سعي بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بْن قيس، فضرب المهاجرين عثمان وناسا من الشيعة قَالَ: فأين الكتب؟ قَالَ: عندي، قَالَ: فاتنى بها فأتاه بالكتب فقرأها.
قَالَ: ثم سار حتى أتى قومس، وعليها بيهس بْن بديل العجلي، فأتاهم بيهس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: الحج، قَالَ: أفمعكم فضل برذون تبيعونه؟ قَالَ أبو مسلم: أما بيعا فلا، ولكن خذ أي دوابنا شئت، قَالَ: اعرضوها علي، فعرضوها، فأعجبه برذون منها سمند، فقال أبو مسلم: هو لك، قَالَ: لا اقبله الا بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمائة، قال:
هو لك وأتاه وهو بقومس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بْن كثير، وكان في كتاب أبي مسلم: إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك
(7/354)

كتابي، ووجه إلي قحطبة بما معك يوافني به في الموسم فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجه قحطبة إلى الإمام، فلما كانوا بنسا عرض لهم صاحب مسلحه في قرية من قرى نسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحج، فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأوصلهم إلى عاصم بْن قيس السلمي، فسألهم فأخبروه، فقال: ارتحلوا وامر المفضل بن الشرقى السلمى- وكان على شرطته- ان يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال:
ارتحلوا.
على مهل، ولا تعجلوا وأقام عندهم حتى ارتحلوا فقدم أبو مسلم مرو في أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بْن كثير، وكان فيه أن اظهر دعوتك ولا تريص، فقد آن ذلك فنصبوا أبا مسلم، وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم ونزل أبو مسلم قرية من قرى خزاعة يقال لها سفيذنج، وشيبان والكرماني يقاتلان نصر بْن سيار، فبث أبو مسلم دعاته في الناس، وظهر أمره، وقال الناس: قدم رجل من بني هاشم، فأتوه من كل وجه، فظهر يوم الفطر في قرية خالد بْن إبراهيم فصلى بالناس يوم الفطر القاسم بْن مجاشع المرائي، ثم ارتحل فنزل بالين- ويقال قرية اللين- لخزاعة، فوافاه في يوم واحد أهل ستين قرية، فأقام اثنين وأربعين يوما، فكان أول فتح أبي مسلم من قبل موسى بْن كعب في بيورد، وتشاغل بقتل عاصم بْن قيس، ثم جاء فتح من قبل مروروذ.
قَالَ أبو جعفر: وأما أبو الخطاب فإنه قَالَ: كان مقدم أبي مسلم أرض مرو منصرفا من قومس، وقد أنفذ من قومس قحطبة بْن شبيب بالأموال التي كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بْن محمد، وانصرف إلى مرو، فقدمها في شعبان سنة تسع وعشرين ومائة لتسع خلون منه يوم الثلاثاء، فنزل قرية تدعى فنين على أبي الحكم عيسى بْن أعين النقيب، وهي قرية أبي داود النقيب، فوجه منها أبا داود ومعه عمرو بْن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ
(7/355)

بإظهار الدعوة في شهر رمضان من عامهم، ووجه النضر بْن صبيح التميمي ومعه شريك بْن غضي التميمي إلى مرو الروذ بإظهار الدعوة في شهر رمضان، ووجه أبا عاصم عبد الرحمن بْن سليم إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بْن عطية إلى العلاء بْن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يظهروا السيوف ويجردوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومن شغلهم عدوهم عن الوقت.
فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت ثم تحول أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن اعين، فنزل على سليمان ابن كثير الخزاعي في قريته التي تدعى سفيذنج من ربع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنه تسع وعشرين ومائه اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، وهو يتلو: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» ، ولبس السواد هو وسليمان بْن كثير وأخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، منهم غيلان بْن عبد الله الخزاعي- وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير- ومنهم حميد بْن رزين وأخوه عثمان بن رزين، فأوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان- وكانت العلامة بين الشيعة- فتجمعوا له حين أصبحوا مغذين، وتاويل هذين الاسمين: الظل والسحاب، أن السحاب يطبق الأرض، وكذلك دعوة بني العباس، وتأويل الظل أن الأرض لا تخلو من الظل أبدا، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسي أبد الدهر.
وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة، وكان أول من قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح الهرمز فرى عيسى بن شبيل
(7/356)

في تسعمائة رجل واربعه فرسان، ومن اهل هرمز فره سليمان بْن حسان وأخوه يزدان بْن حسان والهيثم بْن يزيد بْن كيسان، وبويع مولى نصر بْن معاوية وأبو خالد الحسن وجردي ومحمد بْن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبي القاسم محرز بْن إبراهيم الجوباني في الف وثلاثمائة راجل وستة عشر فارسا، ومنهم من الدعاة أبو العباس المروزي وخذام بْن عمار وحمزة بْن زنيم، فجعل أهل السقادم يكبرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بْن إبراهيم يجيبونهم بالتكبير، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج، وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين، وأمر أبو مسلم أن يرم حصن سفيذنج ويحصن ويدرب، فلما حضر العيد يوم الفطر بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بْن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة- وكانت بنو أمية تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة، فيخطبون على المنابر جلوسا في الجمعة والأعياد- وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير ان يكبر الركعة الاولى ست تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا، ثم يقرا ويركع بالسادسه، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكانت بنو أمية تكبر في الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفي الثانية ثلاث تكبيرات فلما قضى سليمان بْن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعده لهم أبو مسلم الخراساني، فطعموا مستبشرين وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بْن سيار يكتب: للأمير نصر، فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه، فكتب إلى نصر: اما بعد، فان الله تبارك أسماؤه وتعالى ذكره عير أقواما في القرآن فقال: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ
(7/357)

الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.
» فتعاظم نصر الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له احدى عينيه واطال الفكره وقال: هذا كتاب له جواب فلما استقر بابى مسلم معسكره بالماخوان امر محرز ابن إبراهيم أن يخندق خندقا بجيرنج، ويجتمع إليه أصحابه ومن نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادة نصر بْن سيار من مروروذ وبلخ وكور طخارستان.
ففعل ذلك محرز بْن إبراهيم، واجتمع له في خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بْن مظفر أن يوجه رجلا إلى خندق محرز بْن إبراهيم لعرض من فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجه ابو صالح حميدا الأزرق لذلك، وكان كاتبا، فأحصى في خندق محرز ثمانمائه رجل وأربعة رجال من أهل الكف، وكان فيهم من القواد المعروفين زياد بْن سيار الأزدي من قرية تدعى اسبوادق من ربع خرقان، وخذام بْن عمار الكندي من ربع السقادم ومن قرية تدعى بالأوايق، وحنيفة بْن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بْن عبد الكريم من أهل هراة، وكان يجلب الغنم إلى مرو، وحمزة بْن زنيم الباهلي من ربع خرقان من قريه تدعى ميلاذجرد، وأبو هاشم خليفة بْن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جوبان وأبو خديجة جيلان بْن السغدي وأبو نعيم موسى بْن صبيح فلم يزل محرز بْن إبراهيم مقيما في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مرو، وعطل الخندق بماخوان وإلى أن عسكر بمار سرجس يريد نيسابور، فضم إليه محرز بْن إبراهيم اصحابه، وكان من الاحداث، وابو مسلم بسفيدنج أن نصر بْن سيار وجه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره، فوجه اليه ابو مسلم مالك ابن الهيثم الخزاعي ومعه مصعب بْن قيس، فالتقوا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله ص، فاستكبروا عن ذلك، فصافهم مالك وهو في نحو من مائتين من أول النهار إلى وقت العصر
(7/358)

وقدم على أبي مسلم صالح بْن سليمان الضبي وإبراهيم بْن يزيد وزياد بْن عيسى فوجههم إلى مالك بْن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوي بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بْن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم الإمداد، فاحملوا على القوم، ففعلوا، وترجل أبو نصر وحض أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفا، فاجتلدوا جلادا صادقا، وصبر الفريقان، فقتل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلا، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجه أبو نصر عبد الله الطائي بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرءوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزي وأبو عمرو الأعجمي، فأمر أبو مسلم بالرءوس فنصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلمي إلى أبي إسحاق خالد بْن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما، وأعطنا عهد الله الا تحاربنا والا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت، فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق وقال أبو مسلم: إن هذا سيرد عنكم اهل الورع والصلاح، فانا عندهم على غير الإسلام.
وقدم يزيد على نصر بْن سيار، فقال: لا مرحبا بك، والله ما ظننت استبقاك القوم الا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننت، وقد استحلفوني ألا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيرا، ويدعون إلى ولايه رسول الله ص، وما أحسب أمرهم إلا سيعلو، ولولا إنك مولاي أعتقتني من الرق ما رجعت إليك، ولأقمت معهم فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان
(7/359)

وفي هذه السنة غلب خازم بْن خزيمة على مروروذ، وقتل عامل نصر بْن سيار الذي كان عليها، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع خزيمة بْن خازم.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
ذكر عَلِيّ بن محمد أن أبا الحسن الجشمى وزهير بن هنيد والحسن ابن رشيد أخبروه أن خازم بْن خزيمة لما اراد الخروج بمرو روذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه، فقال: إنما أنا رجل منكم، أريد مرو لعلي أن أغلب عليها، فإن ظفرت فهي لكم، وإن قتلت فقد كفيتكم أمري فكفوا عنه، فخرج فعسكر في قرية يقال لها كنج رستاه، وقدم عليهم من قبل أبي مسلم النضر بْن صبيح وبسام بْن إبراهيم فلما أمسى خازم بيت أهل مروروذ، فقتل بشر بْن جعفر السعدي- وكان عاملا لنصر بْن سيار على مروروذ- في أول ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع خزيمة بن خازم عبد الله بْن سعيد وشبيب بْن واج قَالَ أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدعوة ومصيره إلى خراسان وشخوصه عنها وعوده إليها بعد الشخوص قولا خلاف قولهم، والذي قَالَ في ذلك: ان إبراهيم الإمام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم- فيما زعم- من أهل خطرنية، من سواد الكوفة، وكان قهرمانا لإدريس بْن معقل العجلي، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بْن علي، ثم لإبراهيم بْن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد ابن علي فقدم خراسان وهو حديث السن، فلم يقبله سليمان بْن كثير وتخوف ألا يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردوه- وأبو داود خالد بْن إبراهيم غائب خلف نهر بلخ- فلما انصرف أبو داود، وقدم
(7/360)

مرو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجهه، فأخبروه أن سليمان بْن كثير رده، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بْن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجتكم في رده؟ فقال سليمان بْن كثير: لحداثة سنه، وتخوفا ألا يقدر على القيام بهذا الأمر، فأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله تبارك وتعالى اختار محمدا ص وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟
فهل فيكم أحد ينكر ذلك؟ قالوا: لا، قَالَ: أفتشكون أن الله تعالى نزل عليه كتابه فأتاه به جبريل الروح الأمين، أحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وسن فيه سننه، وأنبأه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قَالَ: أفتشكون أن الله عز وجل قبضه إليه بعد ما أدى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قَالَ:
أفتظنون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه، قَالَ: أفتظنونه خلفه عند غير عترته وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قَالَ: فهل أحد منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالا، وراى الناس له مجيبين بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قَالَ:
لست أقول لكم فعلتم، ولكن الشيطان ربما نزع النزعة فيما يكون.
وفيما لا يكون قَالَ: فهل فيكم أحد بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عتره النبي ص؟ قالوا: لا، قَالَ: أفتشكون أنهم معدن العلم واصحاب ميراث رسول الله ص؟ قالوا: لا، قَالَ:
فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذى ينبغى له ان يقوم بامرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم.
فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود، وولوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بْن كثير، ولم يزل
(7/361)

يعرفها لأبي داود وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبلوا ما جاء به، وبث الدعاة في أقطار خراسان، فدخل الناس أفواجا، وكثروا، وفشت الدعاة بخراسان كلها وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيه بالموسم في هذه السنة- وهي سنة تسع وعشرين ومائة-، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقحطبة بْن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال، وقد كان اجتمع عنده ثلاثمائة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامتها عروضا من متاع التجار، من القوهي والمروي والحرير والفرند، وصير بقيته سبائك ذهب وفضة وصيرها في الأقبية المحشوة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بْن شبيب والقاسم بْن مجاشع وطلحة بْن رزيق، ومن الشيعة واحد وأربعون رجلا، وتحمل من قرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بغلا، وحمل على كل بغل رجلا من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بْن سيار حتى انتهوا الى ابيورد.
فكتب أبو مسلم إلى عثمان بْن نهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلا، ثم ارتحلوا من أبيورد، حتى انتهوا إلى قرية يقال لها قافس، من قرى نسا، فبعث الفضل ابن سليمان إلى أندومان- قرية أسيد- فلقي بها رجلا من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شر طويل من العامل أخذ، فأخذ معه الأحجم بْن عبد الله وغيلان بْن فضالة وغالب ابن سعيد والمهاجرين بْن عثمان، فحملوا إلى العامل عاصم بْن قيس بْن الحروري، فحبسهم وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من اهل نسا، فاخبره أبو مالك أن الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيه به، فأتاه بالكتاب وبلواء وراية، فإذا في الكتاب اليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه، وأن يظهر الدعوة فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرءوس، ومعه أهل أبيورد الذين قدموا معه.
وبلغ ذلك عاصم بْن قيس الحروري، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاج الذين يريدون بيت الله، ومعه عدة من
(7/362)

أصحابه من التجار، وسأله أن يخلي سبيل من أحتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرطا على نفسه، ان يصرف من معه من العبيد وما معه من الدواب والسلاح، على أن يخلوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه، فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام، وأمرهم بإظهار الدعوة، فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسيد بْن عبد الله الخزاعي وزريق بْن شوذب ومن قدم عليه من أبيورد، وأمر من انصرف بالاستعداد ثم سار فيمن بقي من اصحابه ومعه قحطبه ابن شبيب، حتى نزلوا تخوم جرجان، وبعث إلى خالد بْن برمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قبلهما من مال الشيعة، فقدما عليه، فأقام أياما حتى اجتمعت القوافل وجهز قحطبة بْن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها، ثم وجهه إلى إبراهيم بْن محمد، وسار أبو مسلم بمن معه حتى انتهى إلى نسا، ثم ارتحل منها إلى أبيورد حتى قدمها، ثم سار حتى أتى مرو متنكرا، فنزل قرية تدعى فنين من قرى خزاعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان، وقد كان واعد أصحابه أن يوافوه بمرو يوم الفطر.
ووجه أبا داود وعمرو بْن أعين إلى طخارستان، والنضر بْن صبيح إلى آمل وبخارى ومعه شريك بْن عيسى، وموسى بْن كعب إلى أبيورد ونسا، وخازم بْن خزيمة إلى مروروذ، وقدموا عليه، فصلى بهم القاسم بْن مجاشع التميمي يوم العيد، في مصلى آل قنبر، في قرية أبي داود خالد بْن إبراهيم.

ذكر تعاقد اهل خراسان على قتال ابى مسلم
وفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال ابى مسلم، وذلك حين كثر تباع أبي مسلم وقوي أمره وفيها تحول أبو مسلم من معسكره بإسفيذنج إلى الماخوان.
ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه:
قَالَ علي: أخبرنا الصباح مولى جبريل، عن مسلمة بْن يحيى، قال:
(7/363)

لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه، لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم، وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم، لأنه دعا إلى خلع مروان بْن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال لها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلم ووقار وسكينة، فانطلق فتية من أهل مرو، نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خبري خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا، ونحن في شغل، ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسألتكم، فاعفونا قالوا: والله ما نعرف لك نسبا، ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل، وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرغ أحد هذين، قَالَ أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله.
فرجع الفتية فأتوا نصر بْن سيار فحدثوه، فقال: جزاكم الله خيرا، مثلكم تفقد هذا وعرفه وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضا، فأرسل إليه نصر: إن شئت فكف عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعني على حربه حتى أقتله أو أنفيه، ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه فهم شيبان أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم! تكلمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوه، فقال: هذا لذاك إذا فكتبوا إلى علي بْن الكرماني: إنك موتور، قتل أبوك ونحن نعلم أنك لست على رأي شيبان، وإنما تقاتل لثأرك فامنع شيبان من صلح نصر، فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور، وايم الله ليتفاقمن هذا الأمر حتى تستصغرني في جنبه
(7/364)

فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بْن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى بْن عقيل الليثي، فطرده عن هراة، فقدم عيسى على نصر منهزما، وغلب النضر على هراة قَالَ: فقال يحيى بْن نعيم بْن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قَالَ: إن هذا الرجل إنما ظهر أمره منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم، قالوا:
فما الرأي؟ قَالَ: صالحوا نصرا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم، لأن الأمر في مضر، وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم.
قالوا: فما الرأي؟ قَالَ: قدموهم قبلكم ولو ساعة، فتقر أعينكم بقتلهم.
فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه، فأرسل إلى سلم بْن أحوز، فكتب بينهم كتابا، فأتى شيبان وعن يمينه ابن الكرماني، وعن يساره يحيى ابن نعيم، فقال سلم لابن الكرماني: يا أعور، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أن يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنة، وكتبوا بينهم كتابا فبلغ أبا مسلم، فأرسل إلى شيبان: إنا نوادعك أشهرا، فتوادعنا ثلاثة أشهر، فقال ابن الكرماني: فإني ما صالحت نصرا، وإنما صالحه شيبان، وأنا لذلك كاره، وأنا موتور، ولا أدع قتاله فعاوده القتال، وأبى شيبان أن يعينه، وقال: لا يحل الغدر فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره على نصر بْن سيار، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخوان، وأرسل إلى ابن الكرماني شبل بْن طهمان: إني معك على نصر، فقال ابن الكرماني: إني أحب أن يلقاني أبو مسلم، فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوما، ثم سار إلى ابن الكرماني، وخلف عسكره بالماخوان، فتلقاه عثمان بْن الكرماني في خيل، وسار معه حتى دخل العسكر، وأتى لحجرة علي فوقف، فاذن له
(7/365)

فدخل، فسلم على علي بالإمرة، وقد اتخذ له على منزلا في قصر لمخلد بْن الحسن الأزدي، فأقام يومين، ثم انصرف إلى عسكره بالماخوان، وذلك لخمس خلون من المحرم من سنة ثلاثين ومائة.
وأما أبو الخطاب، فإنه قَالَ: لما كثرت الشيعة في عسكر أبي مسلم، ضاقت به سفيذنج، فارتاد معسكرا فسيحا، فأصاب حاجته بالماخوان، - وهي قرية العلاء بْن حريث وأبي إسحاق خالد بن عثمان، وفيها ابو الجهم ابن عطية وإخوته- وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوما، وارتحل من سفيذنج إلى الماخوان، فنزل منزل أبي إسحاق خالد بْن عثمان يوم الأربعاء، لتسع ليال خلون من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين ومائة، فاحتفر بها خندقا، وجعل للخندق بابين، فعسكر فيه والشيعة، ووكل بأحد بابي الخندق مصعب بْن قيس الحنفي وبهدل بْن إياس الضبي، ووكل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجمي، واستعمل على الشرط أبا نصر مالك ابن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بْن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بْن صبيح، والقاسم بْن مجاشع النقيب التميمي على القضاء، وضم أبا الوضاح وعدة من أهل السقادم إلى مالك بْن الهيثم، وجعل أهل نوشان- وهم ثلاثة وثمانون رجلا- إلى أبي إسحاق في الحرس وكان القاسم بْن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصلوات في الخندق، ويقص القصص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية فنزل أبو مسلم خندق الماخوان، وهو كرجل من الشيعة في هيئته، حتى أتاه عبد الله بْن بسطام، فأتاه بالأروقة والفساطيط والمطابخ والمعالف للدواب وحياض الأدم للماء، فأول عامل استعمله أبو مسلم على شيء من العمل داود بْن كراز، فرد ابو مسلم العبيد عن أن يضاموا في خندقه، واحتفر لهم خندقا في قرية شوال، وولى الخندق داود بْن كراز فلما اجتمعت للعبيد جماعة، وجههم إلى موسى بْن كعب بأبيورد، وأمر أبو مسلم كامل بْن مظفر أن يعرض أهل الخندق باسمائهم وأسماء آبائهم فينسبهم الى القوى، ويجعل ذلك في دفتر،
(7/366)

ففعل ذلك كامل أبو صالح، فبلغت عدتهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكل رجل، ثم اعطاهم أربعة على يدي أبي صالح كامل.
ثم إن أهل القبائل من مضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم، فإذا نفوه عن مرو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابا وثيقا.
وبلغ أبا مسلم الخبر، فافظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء، فتخوف أن يقطع عنه نصر بْن سيار الماء، فتحول إلى آلين- قرية أبي منصور طلحة بْن رزيق النقيب- وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخوان، فنزل آلين في ذي الحجة من سنة تسع وعشرين ومائة، يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة فخندق بآلين خندقا أمام القرية، فيما بينها وبين بلاش جرد، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان ابن بشر المزني في الخندق، وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكن نصر ابن سيار قطع الشرب عن آلين وحضر العيد يوم النحر، وأمر القاسم بْن مجاشع التميمي فصلى بأبي مسلم والشيعة في مصلى آلين، وعسكر نصر بْن سيار على نهر عياض، ووضع عاصم بْن عمرو ببلاش جرد، ووضع أبا الذيال بطوسان، ووضع بشر بْن أنيف اليربوعى بجلفر، ووضع حاتم بن الحارث ابن سريج بخرق، وهو يلتمس مواقعه أبي مسلم فأما أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام، وكلفوهم الطعام والعلف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجه معهم خيلا، فلقوا أبا الذيال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميمونا الأعسر الخوارزمي في نحو من ثلاثين رجلا، فكساهم أبو مسلم، وداوى جراحاتهم وخلى لهم الطريق
. ذكر خبر مقتل الكرماني
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل جديع بْن علي الكرماني وصلب
(7/367)

ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى قبل ذكرنا مقتل الحارث بْن سريج، وأن الكرماني هو الذي قتله ولما قتل الكرماني الحارث، خلصت له مرو بقتله إياه، وتنحى نصر ابن سيار عنها إلى أبرشهر، وقوي أمر الكرماني، فوجه نصر إليه- فيما قيل- سلم بْن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه، حتى لقي أصحاب الكرماني، فوجد يحيى بْن نعيم أبا الميلاء واقفا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنى في سبعمائة من فرسان الأزد، وابن الحسن بْن الشيخ الأزدي في ألف من فتيانهم، والحزمي السغدي في ألف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قَالَ سلم بْن أحوز لمحمد بْن المثنى: يا محمد بْن المثنى، مر هذا الملاح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعلة، لأبي علي تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلم بْن أحوز، وقتل من أصحابه زيادة على مائة، وقتل من أصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولا، فقال له عقيل بْن معقل: يا نصر شأمت العرب، فأما إذ صنعت ما صنعت فجد وشمر عن ساق، فوجه عصمة بْن عبد الله الأسدي فوقف موقف سلم بْن أحوز، فنادى: يا محمد، لتعلمن أن السمك لا يغلب اللخم، فقال له محمد: يا بن الفاعلة، قف لنا إذا وأمر محمد السغدي فخرج إليه في أهل اليمن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عصمة حتى أتى نصر بْن سيار، وقد قتل من اصحابه أربعمائة.
ثم أرسل نصر بْن سيار مالك بْن عمرو التميمي فأقبل في أصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي إن كنت رجلا! فبرز له، فضربه التميمي على حبل العاتق فلم يصنع شيئا، وضربه محمد بْن المثنى بعمود فشدخ رأسه، فالتحم القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمائة رجل، وقتل من اصحاب الكرماني ثلاثمائة رجل، ولم يزل الشر بينهم حتى خرجوا جميعا إلى الخندقين، فاقتتلوا قتالا شديدا،
(7/368)

فلما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه، وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شيبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضرية، فإنهم سيعرضون لك، ويأخذون كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرءون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم، فلا تثقن بهم ولا تطمئن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله ما تحب، ولئن بقيت لا أدع لهم شعرا ولا ظفرا.
ويرسل رسولا آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرية وإطراء اليمن بمثل ذلك، حتى صار هوى الفريقين جميعا معه، وجعل يكتب إلى نصر بْن سيار وإلى الكرماني: إن الإمام قد أوصاني بكم، ولست أعدو رأيه فيكم.
وكتب إلى الكور بإظهار الأمر، فكان أول من سود- فيما ذكر- اسيد ابن عبد الله بنسا، ونادى: يا محمد، يا منصور وسود معه مقاتل بْن حكيم وابن غزوان، وسود أهل أبيورد وأهل مرو الروذ، وقرى مرو.
وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بْن سيار وخندق جديع الكرماني، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه، فكتب نصر بن سيار الى مروان ابن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه ومن تبعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بْن محمد، وكتب بأبيات شعر:
أرى بين الرماد وميض جمر ... فأحج بأن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجب: ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام!
فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألا نصر عنده فكتب إلى يزيد بْن عمر بْن هبيرة يستمده، وكتب إليه بأبيات شعر:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تبينت الأخير في الكذب
(7/369)

إن خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضا لو أفرخ قد حدثت بالعجب
فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب
فإن يطرن ولم يحتل لهن بها ... يلهبن نيران حرب أيما لهب
فقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة، وليس عندي رجل وكتب نصر إلى مروان يخبره خبر أبي مسلم وظهوره وقوته، وأنه يدعو إلى إبراهيم بْن محمد، فألفى الكتاب مروان وقد أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم، كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبه، حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ امكناه، ويأمره الا يدع بخراسان عربيا إلا قتله فدفع الرسول الكتاب إلى مروان، فكتب مروان إلى الوليد بْن معاوية بْن عبد الملك وهو على دمشق، يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء، فيسير إلى كرار الحميمة، فليأخذ إبراهيم بْن محمد ويشده وثاقا، وليبعث به إليه في خيل، فوجه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مروان فحبسه مروان في السجن.
رجع الحديث إلى حديث نصر والكرماني وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرماني ونصر إلى الكرماني: إني معك، فقبل ذلك الكرماني وانضم إليه أبو مسلم، فاشتد ذلك على نصر، فأرسل إلى الكرماني: ويلك لا تغترر! فو الله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه، ولكن هلم الى الموادعة، فتدخل مرو، فنكتب بيننا كتابا بصلح- وهو يريد أن يفرق بينه وبين أبي مسلم- فدخل الكرماني منزله، وأقام أبو مسلم في المعسكر، وخرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مائة فارس، وعليه قرطق خشكشونة ثم أرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر منه غرة، فوجه إليه
(7/370)

ابن الحارث بْن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس، فالتقوا في الرحبة، فاقتتلوا بها طويلا.
ثم إن الكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته، وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرماني وصلبه، ومعه سمكة، فأقبل ابنه علي- وقد كان صار إلى أبي مسلم، وقد جمع جمعا كثيرا- فسار بهم إلى نصر بْن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، فأتاه علي بْن جديع الكرماني فسلم عليه بالإمرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مرني بأمرك، فقال:
أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري.

غلبه عبد الله بن معاويه على فارس
وفي هذه السنة غلب عبد الله بْن معاوية بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ على فارس ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذي وصل به إلى الغلبة عليها:
ذكر علي بْن محمد أن عاصم بْن حفص التميمي وغيره حدثوه أن عبد الله ابن معاوية لما هزم بالكوفة، شخص إلى المدائن، فبايعه أهل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلما غلب على ذلك أقام بأصبهان، وقد كان محارب بْن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشي في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل، عامل ابْن عمر عنها، وقال لرجل يقال له عماره: بايع الناس، فقال له اهل اصطخر: علام نبايع؟
قَالَ: على ما أحببتم وكرهتم فبايعوه لابن معاوية، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم، وأصاب في غارته إبلا لثعلبة بْن حسان المازني فاستاقها ورجع.
فخرج ثعلبة يطلب إبله في قرية له تدعى أشهر- قَالَ: ومع ثعلبة مولى له- فقال له مولاه: هل لك ان نفتك بمحارب، فإن شئت ضربته وكفيتني الناس، وإن شئت ضربته وكفيتك الناس؟ قَالَ: ويحك! أردت ان تفتك
(7/371)

وتذهب الإبل ولم نلق الرجل! ثم دخل على محارب فرحب به ثم قال:
حاجتك! قال: ابلى، قال: نعم، لقد أخذت، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك فأخذها، وقال لمولاه: هذا خير، وما اردت؟
قال: ذلك لو أخذناها كان أشفى وانضم إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشام:
فسار إلى مسلم بْن المسيب وهو بشيراز، عامل لابن عمر، فقتله في سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم خرج محارب إلى أصبهان، فحول عبد الله بْن معاوية إلى إصطخر، واستعمل عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل في دير على ميل من اصطخر، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال، وبعث العمال، وكان معه منصور بْن جمهور وسليمان بْن هشام بْن عبد الملك وشيبان بْن الحلس بْن عبد العزيز الشيباني الخارجي، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا علي وقدم يزيد بْن عمر بْن هبيرة على العراق، فأرسل نباتة بْن حنظلة الكلابي إلى عبد الله بْن معاوية، وبلغ سليمان بْن حبيب أن ابن هبيرة ولى نباتة الأهواز، فسرح داود بْن حاتم، فأقام بكربج دينار ليمنع نباتة من الأهواز، فقدم نباتة، فقاتله، فقتل داود، وهرب سليمان إلى سابور، وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحمارى، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور، وكتب إلى عبد الله بْن معاوية بالبيعة، فقال: عبد الرحمن ابن يزيد بْن المهلب: لا يفي لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه، ويأكل سابور، فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقا فكتب إليه فقدم، وقال لأصحابه: ادخلوا معي، فإن منعكم أحد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية:
أنا أطوع الناس لك، قَالَ: ارجع إلى عملك، فرجع ثم إن محارب بْن موسى نافر ابن معاوية، وجمع جمعا، فأتى سابور- وكان ابنه مخلد بْن محارب محبوسا بسابور، أخذه يزيد بْن معاوية فحبسه- فقال لمحارب: ابنك في يديه وتحاربه! أما تخاف أن يقتل ابنك! قَالَ:
أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بْن الأشعث، فصار معه، ثم نافر ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين
(7/372)

ابنا له ولم يزل عبد الله بْن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضبارة مع داود ابن يزيد بْن عمر بْن هبيرة، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة، فوجه ابن هبيرة معن بْن زائدة من وجه آخر، فقال سليمان لأبان بْن معاوية بْن هشام: قد أتاك القوم، قَالَ: لم أومر بقتالهم، قَالَ: ولا تؤمر والله بهم أبدا، وأتاهم فقاتلهم عند مرو الشاذان، ومعن يرتجز:
ليس أمير القوم بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع
قال ابن المقفع او غيره:
فر من الموت وفيه قد وقع.
قَالَ: عمدا، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاوية، وكف معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان وأسروا أسراء كثيرة، فقتل ابن ضبارة عدة كثيرة، فيقال كان فيمن قتل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتل بالأهواز، قتله نباتة.
ولما انهزم ابن معاوية هرب شيبان إلى جزيرة ابن كاوان ومنصور بْن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بْن يزيد إلى عمان، وعمرو بْن سهل بْن عبد العزيز إلى مصر، وبعث ببقية الأسراء إلى ابن هبيرة.
قَالَ حميد الطويل: أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بْن وعلة السدوسي، ولما أمر بقتله قَالَ: أقتل من بين الأسراء! قَالَ: نعم، أنت مشرك، أنت الذي تقول:
ولو آمر الشمس لم تشرق.
ومضى ابن معاوية من وجهه إلى سجستان ثم أتى خراسان ومنصور بْن جمهور إلى السند، فسار في طلبه معن بْن زائدة وعطية الثعلبي وغيره من بني ثعلبة، فلم يدركوه، فرجعوا وكان حصين بْن وعلة السدوسي مع يزيد بْن معاويه، فتركه معن بن زائده فبعث به معن إلى ابن ضبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط، وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بْن معاوية بإصطخر، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصحصح في ألف، فلقيه من أصحاب
(7/373)

عبد الله بْن معاوية أبان بْن معاوية بْن هشام فيمن كان معه من أهل الشام، ممن كان مع سليمان بْن هشام فاقتتلوا، فمال ابن نباتة إلى القنطرة، فلقيهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج، فانهزم أبان والخوارج، فأسر منهم ألفا، فأتوا بهم ابن ضبارة، فخلى عنهم، وأخذ يومئذ عبد الله بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضبارة، فقال: ما جاء بك إلى ابن معاوية، وقد عرفت خلافه أمير المؤمنين! قَالَ: كان علي دين فأديته فقام إليه حرب بْن قطن الكناني، فقال: ابن أختنا، فوهبه له، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش وقال له ابن ضبارة: إن الذي قد كنت معه قد عيب بأشياء، فعندك منها علم؟ قَالَ: نعم، وعابه ورمى أصحابه باللواط، فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قوهية مصبغة ألوانا، فأقامهم للناس وهم أكثر من مائة غلام، لينظروا إليهم وحمل ابن ضبارة عبد الله بْن علي على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره، فحمله ابن هبيرة إلى مروان في أجناد أهل الشام، وكان يعيبه، وابن ضبارة يومئذ في مفازة كرمان في طلب عبد الله ابن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فوجه ابن هبيرة كرب بْن مصقلة والحكم بْن أبي الأبيض العبسي وابن محمد السكوني، كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضبارة، فكتب إليه أن سر بالناس إلى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة: سر الى أصبهان
. مجيء ابى حمزه الخارجي الموسم
وفي هذه السنة وافى الموسم أبو حمزة الخارجي، من قبل عبد الله ابن يحيى طالب الحق، محكما مظهرا للخلاف على مروان بْن محمد.
ذكر الخبر عن ذلك من أمره:
حدثني العباس بْن عيسى العقيلي، قَالَ: حدثنا هارون بْن موسى الفروي قَالَ: حدثنا موسى بْن كثير مولى الساعديين، قَالَ: لما كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة، لم يدر الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود
(7/374)

حرقانيه في رءوس الرماح وهم في سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم، وقالوا:
ما لكم! وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرؤ منه.
فراسلهم عبد الواحد بْن سليمان- وهو يومئذ على المدينة ومكة- فراسلهم في الهدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن، ونحن عليه أشح وصالحهم على أنهم جميعا آمنون، بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا من الغد فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد بْن سليمان بْن عبد الملك بْن مروان، فلما كانوا بمنى ندموا عبد الواحد، وقالوا: قد أخطأت فيهم، ولو حملت الحاج عليهم ما كانوا إلا أكلة رأس فنزل أبو حمزة بقرين الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بْن الحسن بْن الحسن بْن علي، ومحمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وعبد الرحمن بْن القاسم بْن محمد بْن أبي بكر، وعبيد الله بْن عمر بْن حفص بْن عاصم بْن عمر بْن الخطاب، وربيعة بْن أبي عبد الرحمن، في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ، فتقدمهم إليه عبد الله بْن الحسن ومحمد بْن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبس في وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بْن القاسم وعبيد الله بْن عمر فانتسبا له، فهش إليهما، وتبسم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد الله بْن حسن: والله ما جئنا لتفضل بين آبائنا، ولكنا بعثنا إليك الأمير برسالة- وهذا ربيعة يخبركها- فلما ذكر ربيعة نقض العهد، قَالَ بلج وأبرهة- وكانا قائدين له: الساعة الساعة! فأقبل عليهم أبو حمزة، فقال: معاذ الله أن ننقض العهد أو نحبس، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النفر نفر عبد الواحد في النفر الأول، وخلى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال قَالَ العباس: قَالَ هارون: فأنشدني يعقوب بْن طلحة الليثي أبياتا هجي بها عبد الواحد- قَالَ: وهي لبعض الشعراء لم احفظ اسمه:
(7/375)

زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر عبد الواحد
ترك الحلائل والإمارة هاربا ... ومضى يخبط كالبعير الشارد
لو كان والده تنصل عرقه ... لصفت مضاربه بعرق الوالد
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالديوان، فضرب على الناس البعث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة قَالَ العباس: قَالَ هارون:
أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بْن عياض، قَالَ: كنت فيمن اكتتب، ثم محوت اسمي.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وحدثني غير واحد من أصحابنا أن عبد الواحد استعمل عبد العزيز بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ على الناس فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد بْن سليمان بْن عبد الملك بن مروان حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قال محمد بْن عمر وغيره.
وكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان، وعلى العراق يزيد ابن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي- فيما ذكر- وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والفتنة بها.
(7/376)

ثم دخلت

سنه ثلاثين ومائه
(ذكر خبر الاحداث التي كانت فيها)

ذكر دخول ابى مسلم مرو والبيعه بها
فمما كان فيها من ذلك دخول أبي مسلم حائط مرو ونزوله دار الإمارة بها، ومطابقة علي بْن جديع الكرماني إياه على حرب نصر بْن سيار.
ذكر الخبر عن ذلك وسببه:
ذكر أبو الخطاب أن دخول أبي مسلم حائط مرو ونزوله دار الإمارة التي ينزلها عمال خراسان كان في سنة ثلاثين ومائة لتسع خلون من جمادى الآخرة يوم الخميس، وأن السبب في مسير علي بْن جديع مع أبي مسلم كان أن سليمان ابن كثير كان بإزاء علي بْن الكرماني حين تعاقد هو ونصر على حرب أبي مسلم، فقال سليمان بْن كثير لعلي بْن الكرماني: يقول لك أبو مسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بْن سيار، وقد قتل بالأمس اباك وصلبه! ما كنت أحسبك تجامع نصر بْن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك علي بْن الكرماني الحفيظة، فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب قال: ولما انتقض صلحهم بعث نصر ابن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أياما، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان، فإن السلطان في مضر، وهم عمال مروان الجعدي، وهم قتلة يحيى بْن زيد فقدم الوفدان، فكان في وفد مضر عقيل بْن معقل بْن حسان الليثي وعبيد الله بْن عبد ربه الليثي والخطاب بن محرز السلمى، في رجال منهم وكان في وفد قحطان عثمان بْن الكرماني ومحمد بْن المثنى وسوره بن محمد ابن عزيز الكندي، في رجال منهم، فأمر أبو مسلم عثمان بْن الكرماني وأصحابه
(7/377)

فدخلوا بستان المحتفز، وقد بسط لهم فيه، فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز، وأذن لعقيل بْن معقل وأصحابه من وفد مضر، فدخلوا إليه، ومع أبي مسلم في البيت سبعون رجلا من الشيعة، قرأ على الشيعة كتابا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين، فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان ابن كثير، فتكلم- وكان خطيبا مفوها- فاختار علي بْن الكرماني وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بْن رزيق النقيب فيهم- وكان فصيحا متكلما- فقال كمقالة سليمان بْن كثير، ثم قام مزيد بْن شقيق السلمي، فقال: مضر قتلة آل النبي ص وأعوان بني أمية وشيعة مروان الجعدي، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، والتباعات قبلهم، ونصر بْن سيار عامل مروان على خراسان ينفذ أموره، ويدعو له على منبره، ويسميه أمير المؤمنين، ونحن من ذلك إلى الله برآء وأن يكون مروان أمير المؤمنين، وأن يكون نصر على هدى وصواب، وقد اخترنا علي بْن الكرماني وأصحابه من قحطان وربيعة فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بْن شقيق.
فنهض وفد مضر عليهم الذلة والكآبة، ووجه معهم أبو مسلم القاسم بْن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد علي بْن الكرماني مسرورين منصورين وكان مقام أبي مسلم بآلين تسعة وعشرين يوما، فرحل عن آلين راجعا إلى خندقه بالماخوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن، ويستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة، وكان ذلك قدرا من الله مقدورا.
وكان دخول أبي مسلم الماخوان منصرفا عن آلين سنة ثلاثين ومائة، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم في خندقه بالماخوان ثلاثة أشهر، تسعين يوما، ثم دخل حائط مرو يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة.
قَالَ: وكان حائط مرو إذ ذاك في يد نصر بْن سيار لأنه عامل خراسان،
(7/378)

فأرسل علي بْن الكرماني إلى أبي مسلم أن ادخل الحائط من قبلك، وأدخل أنا وعشيرتي من قبلي، فنغلب على الحائط فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي، ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه، فدخل علي بْن الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم أبا علي شبل بْن طهمان النقيب في جند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه، فبعثوا إلى أبي مسلم أن ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان، وعلى مقدمته أسيد بْن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك بْن الهيثم الخزاعي، وعلى ميسرته القاسم بْن مجاشع التميمي، حتى دخل الحائط، والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله:
«وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ» ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرو الذي كان ينزله عمال خراسان، وكان ذلك لتسع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، يوم الخميس.
وهرب نصر بْن سيار عن مرو الغد من يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الاولى من سنة ثلاثين ومائة، وصفت مرو لأبي مسلم فلما دخل أبو مسلم حائط مرو أمر أبا منصور طلحة بْن رزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشمية خاصة- وكان أبو منصور رجلا فصيحا نبيلا مفوها عالما بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم، وهو أحد النقباء الاثني عشر، والنقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بْن علي من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة- وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمي أحدا، ومثل له مثالا ووصف من العدل صفة، فقدمها فدعا سرا، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثنى عشر نقيبا.
منهم من خزاعة سليمان بْن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحه ابن رزيق وعمرو بن اعين، ومن طيّئ قحطبة- واسمه زياد بْن
(7/379)

شبيب بْن خالد بْن معدان- ومن تميم موسى بْن كعب أبو عيينة ولاهز بْن قريظ والقاسم بْن مجاشع، كلهم من بني امرئ القيس، وأسلم بْن سلام أبو سلام، ومن بكر بْن وائل أبو داود خالد بْن إبراهيم من بني عمرو بْن شيبان أخي سدوس وأبو علي الهروي.
ويقال: شبل بْن طهمان مكان عمرو بْن أعين وعيسى بْن كعب وأبو النجم عمران بْن إسماعيل مكان أبي علي الهروي، وهو ختن أبي مسلم.
ولم يكن في النقباء أحد والده حي غير ابى منصور طلحه بن رزيق بْن أسعد، وهو أبو زينب الخزاعي، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بْن محمد بْن الأشعث، وصحب المهلب بْن أبي صفرة وغزا معه، فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويسأله عما شهد من الحروب والمغازي، ويسأله عن الكنية بأبي منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ وما رأيك؟
قَالَ أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشمية:
أبايعكم عَلَى كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وسنة نبيه ص والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله ص، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعتاق، والمشي إلى بيت الله، وعلى ألا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى يبدأكم به ولاتكم، وإن كان عدو أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم فلما حبس أبو مسلم سلم بْن أحوز ويونس بْن عبد ربه، وعقيل ابن معقل ومنصور بْن أبي الخرقاء وأصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر، فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم، وكانت عدتهم أربعة وعشرين رجلا.
وأما علي بْن محمد، فإنه ذكر أن الصباح مولى جبريل، أخبره عن مسلمه ابن يحيى، أن أبا مسلم جعل على حرسه خالد بن عثمان، وعلى شرطه مالك
(7/380)

ابن الهيثم، وعلى القضاء القاسم بْن مجاشع، وعلى الديوان كامل بْن مظفر، فرزق كل رجل أربعة آلاف، وأنه أقام في عسكره بالماخوان ثلاثة أشهر، ثم سار من الماخوان ليلا في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرماني، وعلى ميمنته لاهز بْن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بْن مجاشع، وعلى مقدمته أبو نصر مالك بْن الهيثم وخلف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخواني، فأصبح في عسكر شيبان، فخاف نصر أن يجتمع أبو مسلم وابن الكرماني على قتاله، فأرسل إلى أبي مسلم يعرض عليه أن يدخل مدينة مرو ويوادعه، فأجابه، فوادع أبا مسلم نصر، فراسل نصر بْن أحوز يومه ذلك كله، وأبو مسلم في عسكر شيبان، فأصبح نصر وابن الكرماني، فغدوا إلى القتال، وأقبل أبو مسلم ليدخل مدينة مرو، فرد خيل نصر وخيل ابن الكرماني، ودخل المدينة لسبع- أو لتسع- خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائة، وهو يتلو:
«وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ» إلى آخر الآية.
قَالَ علي: وأخبرنا أبو الذيال والمفضل الضبي، قالا: لما دخل أبو مسلم مدينة مرو، قَالَ نصر لأصحابه: أرى هذا الرجل قد قوي أمره، وقد سارع إليه الناس، وقد وادعته وسيتم له ما يريد، فاخرجوا بنا عن هذه البلدة وخلوه، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: لا، فقال:
أما إنكم ستذكرون قولي وقال لخاصته من مضر: انطلقوا إلى أبي مسلم فالقوه، وخذوا بحظكم منه، وأرسل أبو مسلم إلى نصر لاهز بْن قريظ يدعوه فقال لاهز: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ» ، وقرأ قبلها آيات، ففطن نصر، فقال لغلامه: ضع لي وضوءا، فقام كأنه يريد الوضوء، فدخل بستانا وخرج منه، فركب وهرب.
قَالَ علي: وأخبرنا أبو الذيال، قَالَ: أخبرني إياس بْن طلحة بْن طلحة قَالَ: كنت مع أبي وقد ذهب عمي إلى أبي مسلم يبايعه، فأبطأ حتى صليت
(7/381)

العصر والنهار قصير، فنحن ننتظره، وقد هيأنا له الغداء، فإني لقاعد مع أبي إذ مر نصر على برذون، لا أعلم في داره برذونا أسرى منه، ومعه حاجبه والحكم بْن نميلة النميري قَالَ أبي: إنه لهارب ليس معه أحد، وليس بين يديه حربة ولا راية، فمر بنا، فسلم تسليما خفيا، فلما جازنا ضرب برذونه، ونادى الحكم بْن نميلة غلمانه، فركبوا واتبعوه.
قَالَ علي: قَالَ أبو الذيال: قَالَ إياس: كان بين منزلنا وبين مرو أربعة فراسخ، فمر بنا نصر بعد العتمة، فضج أهل القرية وهربوا، فقال لي أهلي وإخواني: اخرج لا تقتل، وبكوا، فخرجت أنا وعمي المهلب بْن إياس فلحقنا نصرا بعد هدء الليل، وهو في أربعين، قد قام برذونه، فنزل عنه، فحمله بشر بْن بسطام بْن عمران بْن الفضل البرجمي على برذونه، فقال نصر: إني لا آمن الطلب، فمن يسوق بنا؟ قَالَ عبد الله بْن عرعرة الضبي:
أنا أسوق بكم، قَالَ: أنت لها، فطرد بنا ليلته حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخا أو أقل، ونحن ستمائه، فسرنا يومنا فنزلنا العصر، ونحن ننظر إلى ابيات سرخس وقصورها ونحن الف وخمسمائة، فانطلقت أنا وعمي إلى صديق لنا من بني حنيفة يقال له مسكين، فبتنا نحن عنده لم نطعم شيئا، فأصبحنا، فجاءنا بثريدة فأكلنا منها ونحن جياع لم نأكل يومنا وليلتنا، واجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف، وأقمنا بسرخس يومين، فلما لم يأتنا أحد صار نصر إلى طوس، فأخبرهم خبر أبي مسلم، وأقام خمسة عشر يوما، ثم سار وسرنا إلى نيسابور فأقام بها، ونزل أبو مسلم حين هرب نصر دار الإمارة، وأقبل ابن الكرماني، فدخل مرو مع أبي مسلم، فقال ابو مسلم حين هرب نصر: يزعم نصر أني ساحر، هو والله ساحر! وقال غير من ذكرت قوله في أمر نصر وابن الكرماني وشيبان الحروري: انتهى أبو مسلم في سنة ثلاثين ومائة من معسكره بقرية سليمان بْن كثير إلى قرية تدعى الماخوان فنزلها، وأجمع على الاستظهار بعلي بْن جديع ومن معه من اليمن، وعلى دعاء نصر بْن سيار ومن معه إلى معاونته، فأرسل إلى الفريقين جميعا، وعرض على كل فريق منهم المسالمة واجتماع الكلمة والدخول
(7/382)

في الطاعة، فقبل ذلك علي بْن جديع، وتابعه على رأيه، فعاقده عليه، فلما وثق أبو مسلم بمبايعة علي بْن جديع إياه، كتب إلى نصر بْن سيار أن يبعث إليه وفدا يحضرون مقالته ومقالة أصحابه فيما كان وعده أن يميل معه، وأرسل إلى علي بمثل ما أرسل به إلى نصر.
ثم وصف من خبر اختيار قواد الشيعة اليمانية على المضرية نحوا مما وصف من قد ذكرنا الرواية عنه قبل في كتابنا هذا، وذكر أن أبا مسلم إذ وجه شبل ابن طهمان فيمن وجهه إلى مدينة مرو وأنزله قصر بخاراخذاه، إنما وجهه مددا لعلي بْن الكرماني.
قَالَ: وسار أبو مسلم من خندقه بالماخوان بجميع من معه الى على ابن جديع، ومع على عثمان واخوه وأشراف اليمن معهم وحلفاؤهم من ربيعة، فلما حاذى أبو مسلم مدينة مرو استقبله عثمان بْن جديع في خيل عظيمة، ومعه أشراف اليمن ومن معه من ربيعة، حتى دخل عسكر علي بْن الكرماني وشيبان بْن سلمة الحروري ومن معه من النقباء، ووقف على حجرة علي بْن جديع، فدخل عليه وأعطاه الرضا، وآمنه على نفسه وأصحابه، وخرجا إلى حجره شيبان، وهو يسلم عليه يومئذ بالخلافة، فأمر أبو مسلم عليا بالجلوس إلى جنب شيبان، وأعلمه أنه لا يحل له التسليم عليه وأراد أبو مسلم أن يسلم على علي بالإمرة، فيظن شيبان أنه يسلم عليه ففعل ذلك علي، ودخل عليه أبو مسلم، فسلم عليه بالإمارة، وألطف لشيبان وعظمه، ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بْن الحسن الأزدي، فأقام به ليلتين، ثم انصرف إلى خندقه بالماخوان، فأقام به ثلاثة أشهر، ثم ارتحل من خندقه بالماخوان إلى مرو لسبع خلون من ربيع الآخر، وخلف على جنده أبا عبد الكريم الماخواني، وجعل أبو مسلم على ميمنته لاهز بْن قريظ، وعلى ميسرته القاسم ابن مجاشع، وعلى مقدمته مالك بْن الهيثم، وكان مسيره ليلا، فأصبح على باب مدينة مرو، وبعث إلى علي بْن جديع أن يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الإمارة، فوجد الفريقين يقتتلان أشد القتال في حائط مرو،
(7/383)

فأرسل إلى الفريقين أن كفوا، وليتفرق كل قوم إلى معسكرهم، ففعلوا.
وأرسل أبو مسلم لاهز بْن قريظ وقريش بْن شقيق وعبد الله بْن البختري، وداود بْن كراز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمد ص.
فلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربيعه والعجم، وأنه لا طاقة له بهم، ولا بد أن أظهر قبول ما بعث به اليه ان يأتيه فيبايعه، وجعل يريثهم لما هم به من الغدر والهرب إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى ما يأمنون فيه، فما تيسر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة.
وقال له سلم بْن أحوز: إنه لا يتيسر لنا الخروج الليلة، ولكنا نخرج القابلة، فلما كان صبح تلك الليلة عبأ أبو مسلم كتائبه، فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر، وأرسل إلى نصر لاهز بْن قريظ وقريش بْن شقيق وعبد الله بْن البختري وداود بْن كراز وعدة من أعاجم الشيعة، فدخلوا على نصر، فقال لهم: لشر ما عدتم، فقال له لاهز: لا بد لك من ذلك فقال نصر: اما إذ كان لا بد منه، فإني أتوضأ وأخرج إليه وأرسل إلى أبي مسلم، فإن كان هذا رايه وامره أتيته ونعمى لعينه، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي، وقام نصر، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» ، فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم، فلما جنه الليل، خرج من خلف حجرته، ومعه تميم ابنه والحكم بْن نميلة النميري وحاجبه وامرأته، فانطلقوا هرابا، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب، فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار الى معسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم، وكان فيهم سلم بْن أحوز صاحب شرطة نصر والبختري كاتبه، وابنان له ويونس بْن عبد ربه ومحمد بْن قطن ومجاهد بْن يحيى بن حضين والنضر بن ادريس ومنصور بن عمر بن ابى الحرقاء وعقيل بن معقل الليثى، وسيار بن عمر السلمى، مع رجال من رؤساء مضر فاستوثق منهم بالحديد، ووكل بهم عيسى بن اعين، وكانوا في الحبس عنده حتى امر بقتلهم
(7/384)

جميعا، ونزل نصر سرخس فيمن اتبعه من المضرية، وكانوا ثلاثة آلاف، ومضى أبو مسلم وعلي بْن جديع في طلبه، فطلباه ليلتهما حتى أصبحا في قرية تدعى نصرانية، فوجدا نصرا قد خلف امرأته المرزبانة فيها، ونجا بنفسه.
ورجع أبو مسلم وعلي بْن جديع إلى مرو، فقال أبو مسلم لمن كان وجه إلى نصر: ما الذي ارتاب به منكم؟ قالوا: لا ندري، قَالَ: فهل تكلم أحد منكم؟ قالوا: لاهز تلا هذه الآية: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ» قَالَ: هذا الذي دعاه إلى الهرب، ثم قَالَ: يا لاهز، أتدغل في الدين! فضرب عنقه.

خبر مقتل شبيب بن سلمه الخارجي
وفي هذه السنة قتل شيبان بْن سلمة الحروري.
ذكر الخبر عن مقتله وسببه:
وكان سبب مقتله- فيما ذكر- أن علي بْن جديع وشيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بْن سيار لمخالفة شيبان نصرا، لأنه من عمال مروان بْن محمد، وأن شيبان يرى رأي الخوارج ومخالفة علي بْن جديع نصرا، لأنه يمان ونصر مضري، وأن نصرا قتل أباه وصلبه، ولما بين الفريقين من العصبية التي كانت بين اليمانية والمضرية، فلما صالح علي بْن الكرماني أبا مسلم، وفارق شيبان، تنحى شيبان عن مرو، إذ علم أنه لا طاقة له بحرب أبي مسلم وعلي ابن جديع مع اجتماعهما على خلافه، وقد هرب نصر من مرو وسار الى سرخس فذكر على بن محمد ان أبا حفص اخبره والحسن بن رشيد وأبا الذيال ان المده التي كانت بين ابى مسلم وبين شيبان لما انقضت، أرسل أبو مسلم إلى شيبان يدعوه إلى البيعة، فقال شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي، فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحل عن منزلك الذي أنت فيه، فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره، فأبى فسار شيبان إلى سرخس،
(7/385)

واجتمع إليه جمع كثير من بكر بْن وائل فبعث إليه أبو مسلم تسعة من الأزد، فيهم المنتجع بْن الزبير، يدعوه ويسأله أن يكف، فأرسل شيبان، فأخذ رسل أبي مسلم فسجنهم، فكتب أبو مسلم إلى بسام بْن إبراهيم مولى بني ليث ببيورد، يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله ففعل، فهزمه بسام، واتبعه حتى دخل المدينة، فقتل شيبان وعدة من بكر بْن وائل، فقيل لأبي مسلم:
إن بساما ثائر بأبيه، وهو يقتل البريء والسقيم، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، فقدم، واستخلف على عسكره رجلا.
قَالَ علي: أخبرنا المفضل، قَالَ: لما قتل شيبان مر رجل من بكر بْن وائل- يقال له خفاف- برسل أبي مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان، وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم.
وقيل: إن أبا مسلم وجه إلى شيبان عسكرا من قبله، عليهم خزيمة ابن خازم وبسام بن ابراهيم
. ذكر خبر قتل على وعثمان ابنى جديع
وفي هذه السنة قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني جديع الكرماني.
ذكر سبب قتل أبي مسلم إياهما:
وكان السبب في ذلك- فيما قيل- إن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب الى ابيورد فافتتحها، او كتب إلى أبي مسلم بذلك، ووجه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بْن عبد الرحمن القشيري، فلما بلغه قصد أبي داود بلخ خرج في أهل بلخ والترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان، فلما دنا أبو داود منهم، انصرفوا منهزمين إلى الترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ، فخرج أبو داود، فلقيه كتاب من أبي مسلم يأمره بالانصراف، فانصرف، وقدم عليه أبو الميلاء، فكاتب زياد بْن عبد الرحمن يحيى بْن نعيم أبو الميلاء أن يصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد بْن عبد الرحمن القشيري ومسلم
(7/386)

ابن عبد الرحمن بْن مسلم الباهلي وعيسى بْن زرعة السلمي وأهل بلخ والترمذ وملوك طخارستان، وما خلف النهر وما دونه، فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ، وخرج إليه يحيى بْن نعيم بمن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة، مضريهم ويمانيهم وربعيهم ومن معهم من الأعاجم على قتال المسودة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بْن حيان النبطي، كراهة أن يكون من الفرق الثلاثة، وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل أبو داود بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان وكان زياد بْن عبد الرحمن وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحة فيما بين العود وبين قريه يقال لها أمديان، لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم وكانت أعلام أبي سعيد وراياته سودا، فلما اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما، واصطفوا للقتال، أمر أبو سعيد القرشي أصحابه أن يأتوا زيادا وأصحابه من خلفهم، فرجع وخرج عليهم من سكة العود وراياته سود، فظن أصحاب زياد أنهم كمين لأبي داود، وقد نشب القتال بين الفريقين، فانهزم زياد ومن معه، وتبعهم أبو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان، وقتل عامة رجالهم المتخلفين، ونزل أبو داود عسكرهم، وحوى ما فيه، ولم يتبع زيادا ولا اصحابه واكثر من تبعهم سرعان من سرعان خيل أبي داود إلى مدينة بلخ لم يجاوزها ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى الترمذ، واقام ابو داود يومه ذلك ومن الغد، ولم يدخل مدينه بلخ واستصفى أموال من قتل بالسرجنان ومن هرب من العرب وغيرهم، واستقامت بلخ لأبي داود.
ثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه النضر بْن صبيح المري على بلخ وقدم أبو داود، واجتمع رأي أبي داود وأبي مسلم على أن يفرقا بين علي وعثمان ابني الكرماني، فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ، فلما قدمها استخلف الفرافصة بْن ظهير العبسي على مدينة بلخ، وأقبلت المضرية من ترمذ، عليهم مسلم بْن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا وأصحاب عثمان بْن جديع بقرية بين البروقان وبين الدستجرد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان بْن جديع، وغلب المضرية ومسلم بْن عبد الرحمن
(7/387)

على مدينة بلخ، وأخرجوا الفرافصة منها وبلغ عثمان بن جديع الخبر والنضر ابن صبيح، وهما بمرو الروذ، فأقبلا نحوهم، وبلغ أصحاب زياد بْن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، وعتب النضر في طلبهم، رجاء أن يفوتوا، ولقيهم أصحاب عثمان بْن جديع، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان بْن جديع، وأكثروا فيهم القتل، ومضت المضرية إلى أصحابها، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه علي بْن جديع إلى نيسابور.
واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليا، ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الختل فيمن معه من يماني اهل مرو واهل بلخ وربيعهم فلما خرج من بلخ خرج أبو داود فاتبع الاثر فلحق عثمان على شاطئ نهر بوخش من أرض الختل، فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم جميعا ثم ضرب أعناقهم صبرا وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بْن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم، ويأمر لهم بجوائز وكسا، فسماهم له فقتلهم جميعا
. قدوم قحطبه بن شبيب على ابى مسلم
وفي هذه السنة قدم قحطبة بْن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفا من عند إبراهيم بْن محمد بْن علي، ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم، فوجهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدمته، وضم إليه الجيوش، وجعل له العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة.
وفيها وجه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر، فذكر علي بْن محمد أن أبا الذيال والحسن بْن رشيد وأبا الحسن الجشمي أخبروه أن شيبان بْن سلمة الحروري لما قتل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور، وكتب إليه النابئ بْن سويد العجلي يستغيث، فوجه إليه نصر ابنه تميم بْن نصر في ألفين، وتهيأ نصر على أن يسير إلى طوس، ووجه أبو مسلم قحطبة بْن شبيب في قواد، منهم القاسم
(7/388)

ابن مجاشع وجهور بْن مرار، فأخذ القاسم من قبل سرخس، وأخذ جهور من قبل أبيورد، فوجه تميم عاصم بْن عمير السغدي إلى جهور، وكان أدناهم منه، فهزمه عاصم بْن عمير، فتحصن في كبادقان، واطل قحطبة والقاسم على النابي، فأرسل تميم إلى عاصم أن ارحل عن جهور وأقبل، فتركه، وأقبل فقاتلهم قحطبة.
قَالَ أبو جعفر: فأما غير الذين روى عنهم علي بْن محمد ما ذكرنا في أمر قحطبة وتوجيه أبي مسلم إياه إلى نصر وأصحابه، فإنه ذكر أن أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجي وابني الكرماني، ونفى نصرا عن مرو، وغلب على خراسان، وجه عماله على بلادها، فاستعمل سباع بْن النعمان الأزدي على سمرقند وأبا داود خالد بْن إبراهيم على طخارستان، ووجه محمد بْن الأشعث إلى الطبسين وفارس، وجعل مالك بْن الهيثم على شرطته، ووجه قحطبة إلى طوس، ومعه عدة من القواد، منهم أبو عون عبد الملك بْن يزيد ومقاتل بْن حكيم العكي وخالد بْن برمك وخازم بْن خزيمة والمنذر بْن عبد الرحمن وعثمان ابن نهيك وجهور بْن مرار العجلي وأبو العباس الطوسي وعبد الله بْن عثمان الطائي وسلمة بْن محمد وأبو غانم عبد الحميد بْن ربعي وأبو حميد وأبو الجهم- وجعله أبو مسلم كاتبا لقحطبة على الجند- وعامر بْن إسماعيل ومحرز بْن إبراهيم، في عدة من القواد، فلقي من بطوس فانهزموا، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ عدة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفا ووجه أبو مسلم القاسم بْن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة، وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بْن نصر بْن سيار والنابى بن سويد، ومن لجأ إليهما من أهل خراسان، وأن يصرف إليه موسى بْن كعب إلى من أبيورد فلما قدم قحطبة أبيورد صرف موسى بْن كعب إلى أبي مسلم، وكتب إلى مقاتل بْن حكيم يأمره أن يوجه رجلا إلى نيسابور، ويصرف منها القاسم بْن مجاشع، فوجه أبو مسلم علي بْن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وامره إذا دخل قحطبة طوس أن يستقبله بمن معه وينضم إليه، فسار علي بْن معقل حتى نزل قرية يقال لها حلوان، وبلغ قحطبة مسير على ونزوله حيث نزل، فعجل
(7/389)

السير إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بْن نصر والنابي بْن سويد، ووجه على مقدمته اسيد بن عبد الله الخزاعي في ثلاثة آلاف رجل من شيعه أهل نسا وأبيورد، فسار حتى نزل قرية يقال لها حبوسان، فتعبا تميم والنابى لقتاله، فكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه ما اجمعوا عليه من قتاله، وانه ان لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله عز وجل وأخبره أنهما في ثلاثين ألفا من صناديد أهل خراسان وفرسانهم فوجه قحطبة مقاتل بْن حكيم العكي في ألف وخالد بْن برمك في ألف، فقدما على أسيد، وبلغ ذلك تميما والنابي فكسرهما ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه وتعبأ لقتال تميم، وجعل على ميمنته مقاتل بْن حكيم وأبا عون عبد الملك بْن يزيد وخالد بْن برمك، وعلى ميسرته أسيد بْن عبد الله الخزاعي والحسن بْن قحطبة والمسيب بْن زهير وعبد الجبار بْن عبد الرحمن، وصار هو في القلب ثم زحف إليهم، فدعاهم إِلَى كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى الرضا من آل محمد ص فلم يجيبوه، فأمر الميمنة والميسرة أن يحملوا، فاقتتلوا قتالا شديدا أشد ما يكون من القتال، فقتل تميم بْن نصر في المعركة، وقتل معه منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم، وأفلت النابي في عدة، فتحصنوا في المدينة، وأحاطت بهم الجنود، فنقبوا الحائط ودخلوا إلى المدينة، فقتلوا النابي ومن كان معه، وهرب عاصم بْن عمير السمرقندي وسالم بْن راوية السعيدي إلى نصر بْن سيار بنيسابور، فأخبراه بمقتل تميم والنابي ومن كان معهما، فلما غلب قحطبة على عسكرهم بما فيه صير إلى خالد بْن برمك قبض ذلك، ووجه مقاتل بْن حكيم العكي على مقدمته إلى نيسابور فبلغ ذلك نصر بْن سيار، فارتحل هاربا في أثر أهل أبرشهر حتى نزل قومس وتفرق عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بْن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده
(7/390)

ذكر خبر قتل نباته بن حنظله
وفي هذه السنة قتل نباتة بْن حنظلة عامل يزيد بْن عمر بْن هبيرة على جرجان.
ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر علي بْن محمد أن زهير بْن هنيد وأبا الحسن الجشمي وجبلة بْن فروخ وأبا عبد الرحمن الأصبهاني أخبروه أن يزيد بْن عمر بْن هبيرة بعث نباتة بْن حنظلة الكلابي إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان، ثم سار الى الري، ومضى الى جرجان، ولم ينضم إلى نصر بْن سيار، فقالت القيسية لنصر: لا تحملنا قومس، فتحولوا إلى جرجان وخندق نباتة، فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشوه فأخره، فكان خندقه نحوا من فرسخ.
وأقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة من سنة ثلاثين ومائة، ومعه أسيد ابن عبد الله الخزاعي وخالد بْن برمك وأبو عون عبد الملك بْن يزيد وموسى بْن كعب المرائى والمسيب بْن زهير وعبد الجبار بْن عبد الرحمن الأزدي، وعلى ميمنه موسى بْن كعب، وعلى ميسرته أسيد بْن عبد الله، وعلى مقدمته الحسن بْن قحطبة، فقال قحطبة: يا أهل خراسان، أتدرون إلى من تسيرون، ومن تقاتلون؟ إنما تقاتلون بقية قوم احرقوا بيت الله عز وجل وأقبل الحسن حتى نزل تخوم خراسان، ووجه الحسن عثمان بْن رفيع ونافعا المروزى وأبا خالد المروروذى ومسعدة الطائي إلى مسلحة نباتة، وعليها رجل يقال له ذؤيب، فبيتوه، فقتلوا ذؤيبا وسبعين رجلا من أصحابه، ثم رجعوا إلى عسكر الحسن، وقدم قحطبة فنزلوا بإزاء نباتة وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها.
فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه وبلغ قحطبة، فقام فيهم خطيبا فقال:
يا أهل خراسان، هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا ينصرون على عدوهم بعدلهم وحسن سيرتهم، حتى بدلوا وظلموا، فسخط الله عز وجل عليهم، فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم،
(7/391)

فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقوا أولادهم، فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد، وينصرون المظلوم، ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله ص، فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشد عقوبة، لأنكم طلبتموهم بالثأر وقد عهد إلي الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله عز وجل عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم.
وقد قرئ على قحطبة كتاب أبي مسلم من أبي مسلم إلى قحطبة:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فناهض عدوك، فإن الله عز وجل ناصرك، فإذا ظهرت عليهم فأثخن في القتل فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة في يوم الجمعة، فقال قحطبة: يا اهل خراسان ان هذا اليوم قد فضله الله تبارك وتعالى على سائر الأيام والعمل فيه مضاعف، وهذا شهر عظيم فيه عيد من أعظم أعيادكم عند الله عز وجل، وقد أخبرنا الإمام أنكم تنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم، فالقوه بجد وصبر واحتساب، ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ثم ناهضهم وعلى ميمنته الحسن بْن قحطبة، وعلى ميسرته خالد بْن برمك ومقاتل بْن حكيم العكي، فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض، فقتل نباتة، وانهزم أهل الشام فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث قحطبة إلى أبي مسلم برأس نباتة وابنه حية.
قَالَ: وأخبرنا شيخ من بني عدي، عن أبيه، قَالَ: كان سالم بْن راوية التميمي ممن هرب من أبي مسلم، وخرج مع نصر، ثم صار مع نباتة، فقاتل قحطبة بجرجان، فانهزم الناس، وبقي يقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائي- وكان من فرسان قحطبة- فضربه سالم بْن راوية على وجهه، فأندر عينه، وقاتلهم حتى اضطر إلى المسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشد من ناحية الا كشفهم، فجعل ينادى: شربه! فو الله لا نقعن لهم شرا يومي هذا وحرقوا عليه سقف المسجد، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وجاءوا
(7/392)

برأسه إلى قحطبة، وليس في رأسه ولا وجهه مصح، فقال قحطبة: ما رأيت مثل هذا قط!

ذكر وقعه ابى حمزه الخارجي بقديد
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بقديد بين أبي حمزة الخارجي وأهل المدينة.
ذكر الخبر عن ذلك:
حدثني العباس بْن عيسى العقيلي، قَالَ: حدثنا هارون بْن موسى الفروي، قَالَ حدثني غير واحد من أصحابنا، أن عبد الواحد بْن سليمان استعمل عبد العزيز بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ على الناس، فخرجوا، فلما كان بالحرة لقيتهم جزر منحورة، فمضوا، فلما كان بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة، فانكسر الرمح، فتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا حتى نزلوا قديد، فنزلوها ليلا- وكانت قرية قديد من ناحية القصر المبني اليوم، وكانت الحياض هنالك، فنزل قوم مغترون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من القصر.
وقد زعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم، وأدخلوهم عليهم فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، وأصيب منهم عدد كثير.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أن رجلا من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن وهو يقول: الحمد لله الذي أقر عيني بمقتل قريش، فقال لابنه: يا بني ابدأ به- وقد كان من أهل المدينة- قَالَ: فدنا منه ابنه فضرب عنقه، ثم قَالَ لابنه: أي بني، تقدم، فقاتلا حتى قتلا ثم ورد فلال الناس المدينة، وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رجالهن فتخرج النساء امرأة
(7/393)

امراه، كل امراه.
تذهب الى حميمها فتنصرف حتى ما تبقى عندها امرأة قَالَ: وأنشدني أبو ضمرة هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه، رثاهم بعض أصحابهم فقال:
يا لهف نفسي ولهفي غير كاذبة ... على فوارس بالبطحاء أنجاد
عمرو وعمرو وعبد الله بينهما ... وابناهما خامس والحارث السادى

ذكر خبر دخول ابى حمزه المدينة
وفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجي من مدينه رسول الله ص وهرب عبد الواحد بْن سليمان بْن عبد الملك إلى الشام.
ذكر الخبر عن دخول ابى حمزه المدينة وما كان منه فيها:
حدثني العباس بْن عيسى، قَالَ: حدثنا هارون بْن موسى الفروي، قَالَ: حدثني موسى بْن كثير، قَالَ: دخل ابو حمزه المدينة سنة ثلاثين ومائة، ومضى عبد الواحد بْن سليمان بْن عبد الملك إلى الشام، فرقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
يا اهل المدينة، سالناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم لعمر الله فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا: نعم، وسألناكم: هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم لنا: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نناشدهم الله ألا تنحوا عنا وعنكم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم:
تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم، فان نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد ص، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم:
فخلوا بيننا وبينهم، فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنه نبيكم ص ونقسم فيئكم بينكم، فابيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم
(7/394)

فأبعدكم الله وأسحقكم.
قَالَ محمد بْن عمر: حدثني حزام بْن هشام، قَالَ: كانت الحرورية أربعمائة، وعلى طائفة من الحرورية الحارث، وعلى طائفة بكار بْن محمد العدوي، عدي قريش، وعلى طائفة أبو حمزة، فالتقوا وقد تهيأ الناس بعد الأعذار من الخوارج إليهم، وقالوا لهم: إنا والله ما لنا حاجة بقتالكم، دعونا نمض إلى عدونا فأبى أهل المدينة، فالتقوا لسبع ليال خلون من صفر يوم الخميس سنة ثلاثين ومائة، فقتل أهل المدينة، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بْن عبد الله، واتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا الحرورية.
فقال لي حزام: والله لقد آويت رجالا من قريش منهم حتى آمن الناس، فكان بلج على مقدمتهم وقدمت الحرورية المدينة لتسع عشرة ليلة خلت من صفر حدثني العباس بْن عيسى، قَالَ: قَالَ هارون بْن موسى: أخبرني بعض أشياخنا، أن أبا حمزة لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته:
يا أهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بْن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع أخراصكم عنكم، فكتب إليكم يضعها عنكم، فزاد الغني غنى، وزاد الفقير فقرا، فقلتم:
جزاك الله خيرا، فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وأخبرني يحيى بْن زكرياء ان أبا حمزه خطب بهذه الخطبة، قَالَ: رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ:
تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط:
ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله «وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي
(7/395)

الْأَرْضِ» ، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعا بنعمته إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الرشد والغي ثم أقبلوا يهرعون يزفون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عز وجل عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون وأنتم يا أهل المدينة، إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله عز وجل بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين يا أهل المدينة، أولكم خير أول وآخركم شر آخر يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو مشرك أهل الكتاب، أو إماما جائرا يا أهل المدينة من زعم أن الله عز وجل كلف نفسا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عز وجل عدو، ولنا حرب يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله عز وجل في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرا محاربا لربه يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث، واعراب جفاه، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله ص الا شبابا احداثا! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله عز وجل أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بايه خوف شهقوا خوفا من النار، وإذا مروا بايه
(7/396)

شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا الى السيوف قد انتضيت والرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة لوعيد الله عز وجل، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عز وجل! وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق وجبين رقيق فلق بعمد الحديد.
رحمه الله على تلك الأبدان، وادخل أرواحها الجنان أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أنيب.
حدثني العباس، قَالَ قَالَ هارون: حدثني جدي أبو علقمة، قَالَ:
سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله ص، يقول: من زنى فهو كافر ومن شك فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك أنه كافر.
فهو كافر قَالَ العباس: قَالَ هارون: وسمعت جدي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: من زنى فهو كافر.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وحدثني بعض أصحابنا: لما رقي المنبر قَالَ: برح الخفاء، أين ما بك يذهب! من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، قَالَ العباس: قَالَ هارون: وأنشدني بعضهم في قديد:
ما للزمان وماليه ... أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة ... ولأبكين علانية
ولأبكين إذا ... شجيت مع الكلاب العاويه
(7/397)

فكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيت من صفر.
واختلفوا في قدر مدتهم في مقامهم بها، فقال الواقدي: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره: أقاموا بها بقية صفر وشهري ربيع وطائفة من جمادى الأولى.
وكانت عدة من قتل من أهل المدينة بقديد- فيما ذكر الواقدى- سبعمائة.
قال ابو جعفر: وكان أبو حمزة- فيما ذكر- قد قدم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بْن محمد بْن عبد الله بْن عمر القرشي، ثم احد بنى عدي بْن كعب، وبلج بْن عيينة بْن الهيصم الأسدي من أهل البصرة، فبعث مروان بْن محمد من الشام عبد الملك بْن محمد بْن عطية أحد بني سعد في خيول الشام فحدثني العباس بْن عيسى، قَالَ: حدثني هارون بْن موسى، عن موسى بْن كثير، قَالَ: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلف بعض أصحابه، فسار حتى نزل الوادي.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: حدثني بعض أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهري، أن مروان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابن عطية، وأمره بالجد في السير، وأعطى كل رجل منهم مائة دينار، وفرسا عربية وبغلا لثقله، وأمره أن يمضي فيقاتلهم، فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بْن يحيى ومن معه، فخرج حتى نزل بالعلا- وكان رجل من أهل المدينة يقال له العلاء بْن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجل من أصحاب ابن عطية، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قَالَ: فقلت: العلاء، قَالَ: ابن من؟
قلت: ابن أفلح، قَالَ: مولى من؟ قلت: مولى أبي الغيث، قَالَ: فأين نحن؟ قلت بالعلا، قَالَ: فأين نحن غدا؟ قلت: بغالب، قَالَ: فما كلمني حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطية، فقال:
سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسر
(7/398)

بذلك، ووهب لي دارهم.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وأخبرني عبد الملك بْن الماجشون، قَالَ: لما لقي أبو حمزة وابن عطية، قَالَ أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم، قَالَ: فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ قَالَ: فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق، قَالَ: فما تقولون في مال اليتيم؟ قَالَ:
نأكل ماله ونفجر بأمه في أشياء بلغني أنهم سألوهم عنها قَالَ: فلما سمعوا كلامهم، قاتلوهم حتى امسوا، فصاحوا: ويحك يا بن عطية! إن الله عز وجل قد جعل الليل سكنا، فاسكن نسكن قَالَ: فأبى فقاتلهم حتى قتلهم.
قَالَ العباس: قَالَ هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودع أهل المدينة للخروج الى مروان يقاتله، قال: يا اهل المدينة، إنا خارجون إلى مروان، فإن نظفر نعدل في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد ص، ونقسم فيئكم بينكم، وإن يكن ما تمنون، ف سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قَالَ العباس: قَالَ هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أن الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتله فقتلوهم قَالَ محمد بْن عمر: سار أبو حمزة وأصحابه إلى مروان، فلقيهم خيل مروان بوادي القرى، عليها ابن عطية السعدي، من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهل المدينة فقتلوهم قَالَ: وكان الذي قاد جيش مروان عبد الملك بْن محمد بْن عطية السعدي سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربي، مع كل واحد منهم بغل، ومنهم من عليه درعان او درع وسنور وتجافيف، وعدة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوا إلى مكة.
وقال بعضهم: أقام ابن عطية بالمدينة حين دخلها شهرا، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بْن عروة بْن محمد بْن عطية، ثم مضى الى مكة والى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز، رجلا من أهل الشام
(7/399)

ولما مضى ابن عطية بلغ عبد الله بْن يحيى- وهو بصنعاء- مسيره إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بْن يحيى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بْن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطية يأمره أن يغذ السير، ويحج بالناس، فخرج في نفر من أصحابه- فيما حدثني العباس بْن عيسى، عن هارون- حتى نزل الجرف- هكذا قَالَ العباس- ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزمين والله، فشدوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحج، والله كتب إلي أمير المؤمنين قَالَ أبو جعفر: واما بن عمر، فإنه ذكر أن أبا الزبير بْن عبد الرحمن حدثه، قَالَ: خرجت مع ابن عطية السعدي، ونحن اثنا عشر رجلا، بعهد مروان على الحج، ومعه أربعون ألف دينار في خرجه، حتى نزل الجرف يريد الحج، وقد خلف عسكره وخيله وراءه بصنعاء، فو الله إنا آمنون مطمئنون، إذ سمعت كلمة من امراه: قاتل الله ابنى جمانه ما اشامهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نشز من الأرض، فإذا الدهم من الرجال والسلاح والخيل والقذافات، فإذا ابنا جمانة المراديان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كل ناحيه، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص، فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده علي الحج وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص، فرأينا الشر فركب الصفر بْن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل، ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قتل، ثم قتل من معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل؟ من همدان، قالوا: من أي همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم- وكنت عالما ببطون همدان- فتركوني، وقالوا: أنت آمن، وكل ما كان لك في هذا الرحل فخذه، فلو ادعيت المال كله لأعطوني، ثم بعثوا معي فرسانا حتى بلغوا بي صعدة، وامنت ومضيت حتى قدمت مكة
(7/400)

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا الصائفة- فيما ذكر- الوليد بْن هشام، فنزل العمق وبنى حصن مرعش وفيها وقع الطاعون بالبصرة وفي هذه السنة قتل قحطبة بْن شبيب من أهل جرجان من قتل من أهلها، قيل إنه قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، وذلك أنه بلغه- فيما ذكر- عن اهل جرجان انه أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بْن حنظلة على الخروج على قحطبة، فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم، واستعرضهم، فقتل منهم من ذكرت ولما بلغ نصر بْن سيار قتل قحطبة نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس، ارتحل حتى نزل خوار الري.
وكان سبب نزول نصر قومس- فيما ذكر علي بن محمد- أن أبا الذيال حدثه والحسن بْن رشيد وأبا الحسن الجشمي، ان أبا مسلم كتب مع المنهال ابن فتان إلى زياد بْن زرارة القشيري بعهده على نيسابور بعد ما قتل تميم بن نصر والنابئ بْن سويد العجلي، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرا، فوجه قحطبة العكي على مقدمته وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين، شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومائة، ونصر نازل في قرية من قرى قومس يقال لها بذش، ونزل من كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد، وكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمده وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان، يعظم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسله، وكتب نصر إلى مروان: إني وجهت إلى ابن هبيرة قوما من وجوه أهل خراسان ليعلموه أمر الناس من قبلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدني بأحد، وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء.
داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فناء فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمد نصرا، وكتب إلى نصر يعلمه
(7/401)

ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجل إليه الجند، فإن أهل خراسان قد كذبتهم حتى ما رجل منهم يصدق لي قولا، فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف، ثم لا تغني شيئا.
وحج في هذه السنة بالناس محمد بْن عبد الملك بْن مروان، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكانت إليه مكة والمدينة والطائف.
وكان فيها العراق إلى يزيد بْن عمر بْن هبيرة.
وكان على قضاء الكوفة الحجاج بْن عاصم المحاربي، وكان على قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت.
(7/402)

ثم دخلت

سنة إحدى وثلاثين ومائة
(ذكر ما كان فيها من الأحداث)

ذكر خبر موت نصر بن سيار
فمما كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومس.
فذكر علي بْن محمد، أن زهير بْن هنيد والحسن بْن رشيد وجبلة بْن فروخ التاجي، قالوا: لما قتل نباتة ارتحل نصر بْن سيار من بذش، ودخل خوار وأميرها أبو بكر العقيلي، ووجه قحطبة ابنه الحسن إلى قومس في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائة، ثم وجه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بْن إبراهيم وأبا العباس المروزي إلى الحسن في سبعمائة، فلما كانوا قريبا منه، انحاز أبو كامل وترك عسكره، وأتى نصرا فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذي خلف، فوجه إليهم نصر جندا فأتوهم وهم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بْن مهران الحائط، وهرب هو وأصحابه، وخلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له عطيف بالري، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر، وقال: ابي يتلعب ابن هبيرة! أيشغب علي بضغابيس قيس! أما والله لأدعنه فليعرفن أنه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربص له الأشياء وسار حتى نزل الري- وعلى الري حبيب بْن بديل النهشلي- فخرج عطيف من الري حين قدمها نصر إلى همذان، وفيها مالك بْن أدهم بْن محرز الباهلي على الصحصحية، فلما رأى مالكا في همذان عدل منها إلى أصبهان إلى عامر بْن ضبارة- وكان عطيف في ثلاثة آلاف- وجهه ابن هبيرة إلى نصر، فنزل الري، ولم يأت نصرا وأقام نصر بالري يومين ثم مرض، فكان يحمل حملا، حتى إذا كان بساوة قريبا من همذان مات بها، فلما مات دخل أصحابه همذان
(7/403)

وكانت وفاة نصر- فيما قيل- لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وهو ابن خمس وثمانين سنة.
وقيل إن نصرا لما شخص من خوار متوجها نحو الري لم يدخل الري ولكنه أخذ المفازة التي بين الري وهمذان فمات بها.
رجع الحديث الى حديث على عن شيوخه قالوا: ولما مات نصر بْن سيار بعث الحسن خازم بْن خزيمة إلى قرية يقال لها سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان، وقدم أمامه زياد بْن زرارة القشيري، وكان زياد قد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بْن ضبارة، فوجه قحطبة المسيب بْن زهير الضبي، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، وقتل عامة من معه، ورجع المسيب بْن زهير إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذي كان وجهه فيه الحسن، فقدم قحطبة ابنه الحسن إلى الري وبلغ حبيب ابن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا من الري ودخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه.
وكتب قحطبة حين قدم الري إلى أبي مسلم يعلمه بنزوله الري
. امر ابى مسلم مع قحطبه عند نزوله الري
قال ابو جعفر: وفي هذه السنة تحول أبو مسلم من مرو إلى نيسابور فنزلها.
ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالك ومن قحطبة بعد نزوله الري.
ولما كتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الري ارتحل أبو مسلم- فيما ذكر- من مرو، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الري بثلاث إلى همذان، فذكر علي عن شيوخه وغيرهم أن الحسن بْن قحطبة لما توجه إلى همذان، خرج منها مالك بْن أدهم ومن كان بها من أهل الشام وأهل خراسان إلى نهاوند، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم، وقال: من
(7/404)

كان له ديوان فليأخذ رزقه، فترك قوم كثير دواوينهم ومضوا، فأقام مالك ومن بقي معه من أهل الشام وأهل خراسان ممن كان مع نصر، فسار الحسن من همذان إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمده قحطبة بأبي الجهم بْن عطية مولى باهله في سبعمائة، حتى اطاف بالمدينة وحصرها
. ذكر خبر قتل عامر بن ضباره ودخول قحطبه أصبهان
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل عامر بْن ضبارة.
ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:
وكان سبب مقتله أن عبد الله بْن معاوية بْن عبد الله بْن جعفر لما هزمه ابن ضبارة مضى هاربا نحو خراسان، وسلك إليها طريق كرمان، ومضى عامر بْن ضبارة في أثره لطلبه، وورد على يزيد بْن عمر مقتل نباتة بْن حنظلة بجرجان، فذكر علي بْن محمد ان أبا السرى وأبا الحسن الجشمى والحسن ابن رشيد وجبله بن فروج وحفص بن شبيب اخبروه، قالوا: لما قتل نباتة كتب ابن هبيرة إلى عامر بْن ضبارة وإلى ابنه داود بْن يزيد بْن عمر أن يسير إلى قحطبة- وكانا بكرمان- فسارا في خمسين ألفا حتى نزلوا أصبهان بمدينة جي- وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر- فبعث قحطبة إليهم مقاتلا وأبا حفص المهلبي وأبا حماد المروزي مولى بني سليم وموسى بْن عقيل وأسلم بْن حسان وذؤيب بْن الأشعث وكلثوم بْن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بْن زياد، وعليهم جميعا العكي، فسار حتى نزل قم وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بأهل نهاوند، فأراد أن يأتيهم معينا لهم، وبلغ الخبر العكي، فبعث إلى قحطبة يعلمه، فوجه زهير بْن محمد إلى قاشان، وخرج العكي من قم وخلف بها طريف بْن غيلان، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قم، وأقبل قحطبة من الري، وبلغه طلائع العسكرين، فلما لحق قحطبة بمقاتل بْن حكيم
(7/405)

العكي ضم عسكر العكي إلى عسكره، وسار عامر بْن ضبارة إليهم وبينه وبين عسكر قحطبة فرسخ، فأقام أياما، ثم سار قحطبة إليهم، فالتقوا وعلى ميمنة قحطبة العكي ومعه خالد بْن برمك، وعلى ميسرته عبد الحميد بْن ربعي ومعه مالك بْن طريف- وقحطبة في عشرين ألفا وابن ضبارة في مائة ألف، وقيل في خمسين ومائة ألف- فأمر قحطبة بمصحف فنصب على رمح ثم نادى: يا أهل الشام، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وأفحشوا في القول، فأرسل إليهم قحطبة: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكي، وتهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهل الشام، وقتلوا قتلا ذريعا، وحووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لا يدرى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شريح بْن عبد الله.
قَالَ علي: وأخبرنا أبو الذيال، قَالَ: لقي قحطبة عامر بْن ضبارة، ومع ابن ضبارة ناس من أهل خراسان، منهم صالح بن الحجاج النميرى وبشر ابن بسطام بْن عمران بْن الفضل البرجمي وعبد العزيز بْن شماس المازني وابن ضبارة في خيل ليست معه رجالة، وقحطبة معه خيل ورجالة فرموا الخيل بالنشاب، فانهزم ابن ضبارة حتى دخل عسكره، واتبعه قحطبه، فترك ابن ضبارة العسكر، ونادى: إلي، فانهزم الناس وقتل.
قَالَ علي: وأخبرنا المفضل بْن محمد الضبي، قَالَ: لما لقي قحطبة ابن ضبارة انهزم داود بْن يزيد بْن عمر، فسأل عنه عامر، فقيل: انهزم، فقال: لعن الله شرنا منقلبا! وقاتل حتى قتل.
قَالَ علي: وأخبرنا حفص بْن شبيب، قَالَ: حدثني من شهد قحطبة وكان معه، قَالَ: ما رأيت عسكرا قط جمع ما جمع أهل الشام بأصبهان من الخيل والسلاح والرقيق، كأنا افتتحنا مدينة، وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير، ولقل بيت أو خباء ندخله إلا أصبنا فيه زكرة أو زقا من الخمر، فقال بعض الشعراء:
لما رمينا مضرا بالقب ... قرضبهم قحطبة القرضب
يدعون مروان كدعوى الرب.
(7/406)

ذكر خبر محاربه قحطبه اهل نهاوند ودخولها
وفي هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجأ إليها من جنود مروان بْن محمد وقيل: كانت الوقعة بجابلق من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذكر علي بْن محمد أن الحسن بْن رشيد وزهير بْن الهنيد أخبراه أن ابن ضبارة لما قتل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن، فلما أتاه الكتاب كبر وكبر جنده، ونادوا بقتله، فقال عاصم بْن عمير السغدي: ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضبارة إلا وهو حق، فاخرجوا إلى الحسن بْن قحطبة وأصحابه، فإنكم لا تقومون لهم، فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده فقالت الرجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا! فقال لهم مالك ابن أدهم الباهلي: كتب إلي ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم علي فأقاموا وأقام قحطبة بأصبهان عشرين يوما، ثم سار حتى قدم على الحسن نهاوند فحصرهم أشهرا، ثم دعاهم إلى الأمان فأبوا، فوضع عليهم المجانيق، فلما رأى ذلك مالك طلب الأمان لنفسه ولأهل الشام- وأهل خراسان لا يعلمون- فأعطاه الأمان فوفى له قحطبة، ولم يقتل منهم أحدا، وقتل من كان بنهاوند من أهل خراسان، إلا الحكم بْن ثابت بْن أبي مسعر الحنفي، وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بْن الحارث بْن شريح وابن نصر بن سيار وعاصم بْن عمير وعلي بْن عقيل وبيهس بْن بديل من بني سليم، من أهل الجزيرة، ورجلا من قريش يقال له البختري، من أولاد عمر بْن الخطاب- وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه- وقطن بْن حرب الهلالي.
قَالَ علي: وحدثنا يحيى بْن الحكم الهمداني، قَالَ: حدثني مولى لنا قَالَ: لما صالح مالك بْن أدهم قحطبة قَالَ بيهس بن بديل: ان ابن ادهم لمصالح علينا، والله لأفتكن به، فوجد أهل خراسان أن قد فتح لهم الأبواب، ودخلوا وأدخل قحطبة من كان معه من أهل خراسان حائطا
(7/407)

وقال غير علي: أرسل قحطبة إلى أهل خراسان الذين في مدينة نهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه، وأعطاهم الأمان، فأبوا ذلك ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فقبلوا، ودخلوا في الأمان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوال، وبعث أهل الشام إلى قحطبة يسألونه أن يشغل أهل المدينة حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون، ففعل ذلك قحطبة، وشغل أهل المدينة بالقتال، ففتح أهل الشام الباب الذي كانوا عليه، فلما رأى أهل خراسان الذين في المدينة خروج أهل الشام، سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم، فخرج رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى رجل من قواد اهل خراسان، ثم امر مناديه فنادى: من كان في يده أسير ممن خرج إلينا من أهل المدينة فليضرب عنقه، وليأتنا برأسه ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم وصاروا إلى الحصن إلا قتل، ما خلا أهل الشام فإنه خلى سبيلهم، وأخذ عليهم إلا يمالئوا عليه عدوا.
رجع الحديث إلى حديث علي عن شيوخه الذين ذكرت: ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنهاوند من أهل خراسان ومن اهل الشام الحائط، قال لهم عاصم بن عمير: ويلكم! الا تدخلوا الحائط! وخرج عاصم فلبس درعه، ولبس سوادا كان معه، فلقيه شاكري كان له بخراسان فعرفه، فقال: أبو الأسود؟
قَالَ: نعم، فأدخله في سرب، وقال لغلام له: احتفظ به ولا تطلعن على مكانه أحدا، وأمر قحطبة: من كان عنده أسيرا فليأتنا به فقال الغلام الذي كان وكل بعاصم: إن عندي أسيرا أخاف أن أغلب عليه، فسمعه رجل من أهل اليمن، فقال: أرنيه، فأراه إياه فعرفه، فأتى قحطبة فأخبره، وقال: رأس من رءوس الجبابرة، فأرسل إليه فقتله، ووفى لأهل الشام فلم يقتل منهم أحدا.
قَالَ علي: وأخبرنا أبو الحسن الخراساني وجبلة بْن فروخ، قالا: لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم، أقام قحطبة عليهم، ووجه الحسن إلى مرج القلعة، فقدم الحسن خازم بْن خزيمة إلى حلوان، وعليها عبد الله
(7/408)

ابن العلاء الكندي، فهرب من حلوان وخلاها.
قَالَ علي: وأخبرنا محرز بْن إبراهيم، قَالَ: لما فتح قحطبة نهاوند، أرادوا أن يكتبوا إلى مروان باسم قحطبة، فقالوا: هذا اسم شنيع، اقلبوه فجاء هبط حق، فقالوا: الاول مع شنعته ايسر من هذا فردوه.

ذكر وقعه شهرزور وفتحها
وفي هذه السنة كانت وقعة أبي عون بشهرزور ذكر الخبر عنها وعما كان فيها:
ذكر علي أن أبا الحسن وجبلة بْن فروخ، حدثاه قالا: وجه قحطبة أبا عون عبد الملك بْن يزيد الخراساني ومالك بْن طريف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بْن سفيان على مقدمة عبد الله بْن مروان، فقدم أبو عون ومالك، فنزلا على فرسخين من شهرزور، فأقاما به يوما وليلة، ثم ناهضا عثمان بْن سفيان في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة فقتل عثمان بْن سفيان، وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بْن المتوكل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل.
وقال بعضهم: لم يقتل عثمان بْن سفيان، ولكنه هرب إلى عبد الله بْن مروان، واستباح أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد وقال: كان قحطبة وجه أبا عون إلى شهرزور في ثلاثين ألفا بأمر أبي مسلم إياه بذلك قَالَ: ولما بلغ خبر أبي عون مروان وهو بحران، ارتحل منها ومعه جنود الشام والجزيرة والموصل، وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلا إلى أبي عون، حتى انتهى إلى الموصل، ثم أخذ في حفر الخنادق من خندق إلى خندق، حتى نزل الزاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهرزور بقية ذي الحجة والمحرم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض فيها لخمسه آلاف رجل.
(7/409)

ذكر خبر مسير قحطبه الى ابن هبيرة بالعراق
وفي هذه السنة سار قحطبة نحو ابن هبيرة، ذكر علي بْن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير بْن هنيد وإسماعيل بْن أبي إسماعيل وجبلة بْن فروخ، قالوا: لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزما من حلوان، خرج يزيد بْن عمر بْن هبيرة، فقاتل قحطبة في عدد كثير لا يحصى مع حوثرة بْن سهيل الباهلي، وكان مروان أمد ابن هبيرة به، وجعل على الساقة زياد بْن سهل الغطفاني، فسار يزيد بْن عمر بْن هبيرة، حتى نزل جلولاء الوقيعة وخندق، فاحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرته ايام وقعه جلولاء، واقيل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حلوان، ثم تقدم من حلوان، فنزل خانقين، فارتحل قحطبة من خانقين، وارتحل ابن هبيرة راجعا إلى الدسكرة.
وقال هشام عن أبي مخنف، قال: اقبل قحطبه، وابن هبيرة فخندق بجلولاء، فارتفع إلى عكبراء، وجاز قحطبة دجلة، ومضى حتى نزل دمما دون الأنبار، وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا مبادرا إلى الكوفة لقحطبة، حتى نزل في الفرات في شرقيه، وقدم حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة، وقطع قحطبة الفرات من دمما، حتى صار من غربيه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة.
وفي هذه السنة حج بالناس الوليد بْن عروة بْن محمد بْن عطية السعدي، سعد هوازن، وهو ابن أخي عبد الملك بْن محمد بْن عطية الذي قتل أبا حمزة الخارجي وكان والي المدينة من قبل عمه، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ الواقدي وغيره.
وقد ذكر أن الوليد بْن عروة إنما كان خرج خارجا من المدينة، وكان مروان قد كتب إلى عمه عبد الملك بْن محمد بْن عطية يأمره أن يحج بالناس وهو باليمن، فكان من أمره ما قد ذكرت قبل، فلما أبطأ عليه عمه عبد الملك
(7/410)

افتعل كتابا من عمه يأمره بالحج بالناس، فحج بهم.
وذكر أن الوليد بْن عروة بلغه قتل عمه عبد الملك فمضى إلى الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقر بطون نسائهم، وقتل الصبيان، وحرق بالنيران من قدر عليه منهم وكان عامل مكة والمدينة والطائف في هذه السنة الوليد بْن عروة السعدي من قبل عمه عبد الملك بْن محمد، وعامل العراق يزيد بْن عمر بْن هبيرة وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربى، وعلى قضاء البصره عباد ابن منصور الناجى.
(7/411)

ثم دخلت

سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر الخبر عن هلاك قحطبه بن شبيب
فمما كان فيها هلاك قحطبة بْن شبيب ذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك:
فكان السبب في ذلك أن قحطبة لما نزل خانقين مقبلا إلى ابن هبيرة، وابن هبيرة بجلولاء، ارتحل ابن هبيرة من جلولاء إلى الدسكرة، فبعث- فيما ذكر- قحطبة ابنه الحسن طليعة ليعلم له خبر ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة راجعا إلى خندقه بجلولاء، فوجد الحسن بْن هبيرة في خندقه، فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هبيرة، فذكر علي بْن محمد، عن زهير بْن هنيد وجبلة ابن فروخ وإسماعيل بْن أبي إسماعيل والحسن بْن رشيد، أن قحطبة، قَالَ لأصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمر ابن هبيرة: هل تعلمون طريقا يخرجنا إلى الكوفة، لا نمر بابن هبيرة؟ فقال خلف بْن المورع الهمذاني، أحد بني تميم: نعم، أنا أدلك، فعبر به تامرا من روستقباذ، ولزم الجادة حتى نزل بزرج سابور، وأتى عكبراء، فعبر دجلة إلى أوانا قَالَ علي: وحدثنا إبراهيم بْن يزيد الخراساني، قَالَ: نزل قحطبة بخانقين وابن هبيرة بجلولاء، بينهما خمسة فراسخ، وأرسل طلائعه إلى ابن هبيرة ليعلم علمه، فرجعوا إليه، فأعلموه أنه مقيم، فبعث قحطبة خازم بْن خزيمة، وأمره أن يعبر دجلة، فعبر وسار بين دجلة ودجيل، حتى نزل كوثبا، ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الأنبار، وأن يحدر إليه ما فيها من السفن وما قدر عليه يعبرها، ويوافيه بها بدمما، ففعل ذلك خازم، ووافاه قحطبة بدمما، ثم عبر قحطبة الفرات في المحرم من سنة اثنتين وثلاثين
(7/412)

ومائة، ووجه الأثقال في البرية، وصارت الفرسان معه على شاطئ الفرات، وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة العليا، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، وقد اجتمع إليه فل ابْن ضبارة، وأمده مروان بحوثرة بْن سهيل الباهلي في عشرين ألفا من أهل الشام وذكر علي أن الحسن بْن رشيد وجبلة بْن فروخ أخبراه أن قحطبة لما ترك ابن هبيرة ومضى يريد الكوفة، قَالَ حوثرة بْن سهيل الباهلي وناس من وجوه أهل الشام لابن هبيرة: قد مضى قحطبة إلى الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان فإنك تكسره، فبالحري أن يتبعك، فقال: ما هذا برأي، ما كان ليتبعني ويدع الكوفة، ولكن الرأي أن أبادره إلى الكوفة ولما عبر قحطبة الفرات، وسار على شاطئ الفرات ارتحل ابن هبيرة من معسكره بأرض الفلوجة، فاستعمل على مقدمته حوثرة بْن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات، ابن هبيرة بين الفرات وسورا، وقحطبة في غربيه مما يلي البر ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابي في زورق، فسلم على قحطبة، فقال: ممن أنت؟ قَالَ: من طيّئ، فقال الأعرابي لقحطبة: اشرب من هذا واسقني سؤرك، فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه، فقال: الحمد لله الذي نسأ أجلي حتى رأيت هذا الجيش يشرب من هذا الماء قَالَ قحطبة: أتتك الرواية؟ قَالَ: نعم، قَالَ: ممن أنت؟ قال: من طيّئ، ثم احد بني نبهان، فقال قحطبة: صدقني إمامي، أخبرني أن لي وقعة على هذا النهر لي فيها النصر، يا أخا بني نبهان، هل هاهنا مخاضة؟ قَالَ: نعم ولا أعرفها، وأدلك على من يعرفها، السندي بْن عصم فأرسل إليه قحطبة، فجاء وأبو السندي وعون، فدلوه على المخاضة وأمسى ووافته مقدمة ابن هبيرة في عشرين ألفا، عليهم حوثرة فذكر علي، عن ابن شهاب العبدى، قال: نزل قحطبه الجباريه فقال:
صدقني الإمام أخبرني أن النصر بهذا المكان، وأعطى الجند أرزاقهم، فرد عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل، فقال: لا تزالون بخير ما كنتم على هذا ووافته خيول الشام، وقد دلوه على
(7/413)

مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف أن قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكرت له، وذلك عند غروب الشمس ليلة الأربعاء، لثمان خلون من المحرم سنه اثنتين وثلاثين ومائة، فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحم في عدة من أصحابه، حتى حمل على ابن هبيرة، وولى أصحابه منهزمين، ثم نزلوا فم النيل، ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم، فألقوا بايدهم، وعلى الناس الحسن بْن قحطبة رجع الحديث إلى حديث علي عن ابن شهاب العبدي: فاما صاحب علم قحطبه خيران او يسار مولاه، فقال له: اعبر، وقال لصاحب رايته مسعود بْن علاج رجل من بكر بْن وائل: اعبر، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بْن ربعي ابى غانم احد بنى نبهان من طيّئ: اعبر يا أبا غانم، وأبشر بالغنيمة وعبر جماعه حتى عبر أربعمائة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نحوهم عن الشريعة، ولقوا محمد بْن نباتة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشام، وفقدوا قحطبة فبايعوا حميد بْن قحطبة على كره منه، وجعلوا على الأثقال رجلا يقال له أبو نصر في مائتين، وسار حميد حتى نزل كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسية قَالَ علي: أخبرنا خالد بْن الأصفح وأبو الذيال، قالوا: وجد قحطبة فدفنه أبو الجهم، فقال رجل من عرض الناس: من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بْن مالك العكي: سمعت قحطبة يقول:
إن حدث بي حدث فالحسن امير الناس، فبايع الناس حميدا للحسن، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاهي، فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة، وبايعوه، فقال الحسن: إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة وقتل في هذه الليلة ابن نبهان السدوسي وحرب بْن سلم بن
(7/414)

أحوز وعيسى بْن إياس العدوي ورجل من الأساورة، يقال له مصعب، وادعى قتل قحطبة معن بن زائده ويحيى بن حضين قَالَ علي: قَالَ أبو الذيال: وجدوا قحطبة قتيلا في جدول وحرب بْن سلم بْن أحوز قتيل إلى جنبه، فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه قَالَ علي: وذكر عبد الله بْن بدر قَالَ: كنت مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا، فقاتلونا على مسناة عليها خمسة فوارس، فبعث ابن هبيرة محمد بن نباته، فتلقاهم فدفعناهم دفعا، وضرب معن بْن زائدة قحطبة على حبل عاتقه، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه، فقال: شدوا يدي، فشدوها بعمامة، فقال: إن مت فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلي وكر عليهم أهل خراسان، فانكشف ابن نباتة وأهل الشام، فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه، ولحقنا قوم من أهل خراسان، فقاتلناهم طويلا، فما نجونا إلا برجلين من أهل الشام قاتلوا عنا قتالا شديدا، فقال بعض الخراسانية:
دعوا هؤلاء الكلاب بالفارسية فانصرفوا عنا ومات قحطبة وقال قبل موته:
إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة، فسلموا هذا الأمر إليه ورجع ابن هبيرة إلى واسط وقد قيل في هلاك قحطبة قول غير الذي قاله من ذكرنا قوله من شيوخ علي بْن محمد، والذي قيل من ذلك أن قحطبة لما صار بحذاء ابن هبيرة من الجانب الغربي من الفرات، وبينهما الفرات، قدم الحسن ابنه على مقدمته، ثم أمر عبد الله الطائي ومسعود بْن علاج وأسد بْن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات، فعبروا بعد العصر، فطعن أول فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة، فولوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابهم حتى ردهم إلى موضعهم، وذلك عند المغرب، حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه، فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسام وسلمه ابن محمد- وهم في جريدة خيل- أن يعبروا، فيكونوا ردءا لمسعود بْن علاج،
(7/415)

فعبروا ولقيهم محمد بْن نباتة، فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطئ الفرات، وترجل سلمة ومن معه، وحمي القتال، فجعل محمد بْن نباتة يحمل على سلمة وأصحابه، فيقتل العشرة والعشرين، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بْن نباتة وأصحابه، فيقتل منهم.
المائة والمائتين، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمده، فأمده بقواده جميعا، ثم عبر قحطبة بفرسانه، وأمر كل فارس أن يردف رجلا، وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرم، ثم واقع قحطبة محمد بْن نباتة ومن معه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم قحطبة حتى ألحقهم بابن هبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح والرثة والآنية وغير ذلك، ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصراة، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه، فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القواد على الحسن بْن قحطبة فولوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هبيرة، ووكل بذلك رجلا من اهل خراسان يكنى أبا النضر في مائتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم ارتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور، ثم سار منه فنزل العباسية.
وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هبيرة بواسط.
وكان سبب قتل قحطبة- فيما قَالَ هؤلاء- أن أحلم بْن إبراهيم بْن بسام مولى بني ليث قَالَ: لما رأيت قحطبة في الفرات، وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبر به من الجانب الذي كنت فيه أنا وبسام بْن إبراهيم أخي- وكان بسام على مقدمة قحطبة- فذكرت من قتل من ولد نصر بْن سيار وأشياء ذكرتها منه، وقد أشفقت على أخي بسام بْن إبراهيم لشيء بلغه عنه، فقلت: لا طلبت بثأر أبدا إن نجوت الليلة قَالَ: فأتلقاه وقد صعدت به دابته لتخرج من الفرات وأنا على الشط، فضربته بالسيف على جبينه، فوثب فرسه، وأعجله الموت، فذهب في الفرات بسلاحه ثم أخبر ابن حصين السعدي بعد موت
(7/416)

أحلم بْن إبراهيم بمثل ذلك، وقال: لولا أنه أقر بذلك عند موته ما أخبرت عنه بشيء.

ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفه مسودا
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج محمد بْن خالد بالكوفة، وسود قبل أن يدخلها الحسن بْن قحطبة، وخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن.
ذكر الخبر عما كان من أمر من ذكرت:
ذكر هشام، عن أبي مخنف، قَالَ: خرج محمد بْن خالد بالكوفة في ليلة عاشوراء، وعلى الكوفة زياد بْن صالح الحارثي، وعلى شرطه عبد الرحمن ابن بشير العجلي، وسود محمد وسار إلى القصر، فارتحل زياد بْن صالح وعبد الرحمن بْن بشير العجلى ومن معهم من أهل الشام، وخلوا القصر، فدخله محمد بْن خالد، فلما أصبح يوم الجمعة- وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة- بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيأ للمسير إلى محمد، فتفرق عن محمد عامة من معه حيث بلغهم نزول حوثرة مدينة ابن هبيرة، ومسيره إلى محمد لقتاله، إلا فرسانا من فرسان أهل اليمن، ممن كان هرب من مروان ومواليه وأرسل إليه أبو سلمة الخلال- ولم يظهر بعد- يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات، فإنه يخاف عليه لقلة من معه وكثرة من مع حوثرة- ولم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة- فأبى محمد بْن خالد أن يفعل حتى تعالى النهار، فتهيأ حوثرة للمسير إلى محمد بْن خالد، حيث بلغه قلة من معه وخذلان العامة له، فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: خيل قد جاءت من أهل الشام، فوجه إليهم عدة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بْن سعد، إذ طلعت الرايات لأهل الشام، فتهيئوا لقتالهم، فنادى الشاميون: نحن بجيلة، وفينا مليح بْن خالد البجلي، جئنا لندخل في طاعة الأمير فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل، فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع
(7/417)

أصحابه، ارتحل نحو واسط بمن معه، وكتب محمد بْن خالد من ليلته إلى قحطبة، وهو لا يعلم بهلكه، يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، وعجل به مع فارس، فقدم على الحسن بْن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بْن خالد قرأه على الناس، ثم ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة والسبت والأحد وصبحه الحسن يوم الاثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بني سلمة فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين، ثم ارتحل الى حمام اعين، ووجه الحسن ابن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة.
وأما علي بْن محمد، فإنه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بْن يحيى أخبره، قَالَ: بايع أهل خراسان الحسن بعد قحطبة، فأقبل إلى الكوفة، وعليها يومئذ عبد الرحمن بْن بشير العجلي، فأتاه رجل من بني ضبة، فقال: إن الحسن داخل اليوم أو غدا، قَالَ: كأنك جئت ترهبنى! وضربه ثلاثمائة سوط ثم هرب فسود محمد بْن خالد بْن عبد الله القسري، فخرج في أحد عشر رجلا، ودعا الناس إلى البيعة، وضبط الكوفة، فدخل الحسن من الغد، فكانوا يسألون في الطريق: أين منزل أبي سلمة، وزير آل محمد؟ فدلوهم عليه، فجاءوا حتى وقفوا على بابه، فخرج إليهم، فقدموا له دابة من دواب قحطبة فركبها، وجاء حتى وقف في جبانة السبيع، وبايع أهل خراسان، فمكث ابو سلمه حفص بن سليمان مولى السبيع- يقال له وزير آل محمد- واستعمل محمد بْن خالد بْن عبد الله القسري على الكوفة- وكان يقال له الأمير- حتى ظهر أبو العباس.
وقال علي: أخبرنا جبلة بْن فروخ وأبو صالح المروزي وعمارة مولى جبرائيل وأبو السري وغيرهم ممن قد أدرك أول دعوة بني العباس، قالوا: ثم وجه الحسن ابن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط، وضم إليه قوادا، منهم خازم بْن خزيمة ومقاتل بْن حكيم العكي وخفاف بْن منصور وسعيد بْن عمرو وزياد بْن مشكان والفضل بْن سليمان وعبد الكريم بْن مسلم وعثمان بْن نهيك وزهير بْن محمد والهيثم بْن زياد وأبو خالد المروزي وغيرهم، ستة عشر قائدا وعلى جميعهم
(7/418)

الحسن بْن قحطبة ووجه حميد بْن قحطبة إلى المدائن في قواد، منهم عبد الرحمن بْن نعيم ومسعود بْن علاج، كل قائد في أصحابه وبعث المسيب بْن زهير وخالد بْن برمك إلى ديرقني، وبعث المهلبي وشراحيل في أربعمائة إلى عين التمر، وبسام بْن إبراهيم بْن بسام الى الاهواز، وبها عبد الواحد ابن عمر بْن هبيرة فلما أتى بسام الأهواز خرج عبد الواحد إلى البصرة، وكتب مع حفص بْن السبيع إلى سفيان بْن معاوية بعهده على البصرة، فقال له الحارث أبو غسان الحارثي- وكان يتكهن وهو أحد بني الديان: لا ينفذ هذا العهد.
فقدم الكتاب على سفيان، فقاتله سلم بْن قتيبة، وبطل عهد سفيان.
وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمام أعين، على نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة، فأقام محمد بْن خالد بْن عبد الله بالكوفة.
وكان سبب قتال سلم بْن قتيبة سفيان بْن معاوية بْن يزيد بْن المهلب- فيما ذكر- أن أبا سلمة الخلال وجه إذ فرق العمال في البلدان بسام بْن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد بْن عمر بْن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضه، فلحق سلم بْن قتيبة الباهلي بالبصرة، وهو يومئذ عامل ليزيد بْن عمر بْن هبيرة وكتب أبو سلمة إلى الحسن بْن قحطبة أن يوجه إلى سلم من أحب من قواده، وكتب إلى سفيان بْن معاوية بعهده على البصرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس، ويدعو الى القائم منهم، وينفى سلم ابن قتيبة فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحول عن دار الإمارة، ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة، فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وجنح إليه قائد من قواد ابن هبيرة، وكان بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم بْن قتيبة، فاستعد له سلم، وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبصرة من بني أمية ومواليهم، وسارعت بنو أمية إلى نصره.
فقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر، فأتى المربد سلم، فوقف منه عند سوق الإبل، ووجه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان، ونادى: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، ومن
(7/419)

جاء بأسير فله ألف درهم ومضى معاوية بْن سفيان بْن معاوية في ربيعة خاصة، فلقيه خيل من تميم في السكة التي تأخذ الى بنى عامر في سكة المربد عند الدار التي صارت لعمر بْن حبيب، فطعن رجل منهم فرس معاوية، فشب به فصرعه، فنزل إليه رجل من بني ضبة يقال له عياض، فقتله، وحمل رأسه إلى سلم بْن قتيبة، فأعطاه ألف درهم، فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه، وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر.
وقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بْن توبة الكلابي والوليد بْن عتبة الفراسي، من ولد عبد الرحمن بْن سمرة في أربعة آلاف رجل، كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مددا لسلم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقي من رجال الأزد قتالا شديدا حتى كثرت القتلى فيهم، فانهزموا، فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء، وهدموا الدور وانتهبوا، فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام، فلم يزل سلم مقيما بالبصرة حتى بلغه قتل ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بْن عبد المطلب إلى محمد بْن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أياما يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بْن أسيد الخزاعي من قبل أبي مسلم، فوليها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولاها سفيان بن معاويه.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع لأبي العباس عبد الله بْن محمد بْن على ابن عَبْد اللَّهِ بْن العباس بْن عبد المطلب بْن هاشم، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قَالَ هشام بْن محمد وأما الواقدي فإنه قَالَ:
بويع لأبي العباس بالمدينة بالخلافة في جمادى الأولى في سنه ثنتين وثلاثين ومائه.
قال الواقدي: وقال لي أبو معشر: في شهر ربيع الاول سنه ثنتين وثلاثين ومائة، وهو الثبت
(7/420)

خلافة أبي العباس عبد الله بْن محمد بن على ابن عبد الله بْن عباس
(ذكر الخبر عن سبب خلافته) وكان بدء ذلك- فيما ذكر عن رسول الله ص- انه اعلم العباس ابن عبد المطلب انه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك، ويتحدثون به بينهم.
وذكر علي بْن محمد أن إسماعيل بْن الحسن حدثه عن رشيد بْن كريب، أن أبا هاشم خرج إلى الشام، فلقي محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، فقال: يا بن عم، إن عندي علما أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحدا، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم، قَالَ: قد علمت فلا يسمعنه منك احد قال على: وأخبرنا سليمان بْن داود، عن خالد بْن عجلان، قَالَ: لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بْن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بْن يزيد فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس، إنما كنا نتخوف لو كان من خراسان وقال علي: أخبرنا الحسن بْن رشيد وجبله بن فروخ التاجى ويحيى بْن طفيل والنعمان بْن سري وأبو حفص الأزدي وغيرهم أن الإمام محمد بْن على ابن عبد الله بْن عباس، قَالَ: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بْن معاوية، ورأس المائه، وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاه، ثم يقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها فلما قتل يزيد بْن أبي مسلم بإفريقية، ونقضت البربر، بعث محمد بْن علي رجلا إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمي احد.
وقد ذكرنا قبل خبر محمد بْن علي، وخبر الدعاه الذي وجههم إلى خراسان ثم مات محمد بْن علي وجعل وصيه من بعده ابنه إبراهيم، فبعث إبراهيم بْن محمد إلى خراسان أبا سلمة حفص بْن سليمان مولى السبيع، وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه وقام فيهم، ثم رجع إليه فرده ومعه
(7/421)

أبو مسلم وقد ذكرنا أمر أبي مسلم قبل وخبره.
ثم وقع في يد مروان بْن محمد كتاب لإبراهيم بْن محمد إلى أبي مسلم، جواب كتاب لأبي مسلم يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فكتب مروان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبلقاء أن يسير إلى الحميمة، ويأخذ إبراهيم بْن محمد ويوجه به إليه فذكر أبو زيد عمر بْن شبة أن عيسى ابن عبد الله بْن محمد بْن عمر بْن على بْن أبي طالب، حدثه عن عثمان بْن عروه ابن محمد بْن عمار بْن ياسر، قَالَ: إني مع أبي جعفر بالحميمة ومعه ابناه محمد وجعفر، وأنا أرقصهما، إذ قَالَ لي: ماذا تصنع؟ أما ترى إلى ما نحن فيه! قَالَ: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعني اخرج اليهم، قَالَ: تخرج من بيتي وأنت ابن عمار بْن ياسر! قَالَ: فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبح، ثم قالوا للشاميين الذين معهم: أين إبراهيم بْن محمد؟ فقالوا: هو ذا، فأخذوه، وقد كان مروان أمرهم بأخذ ابراهيم، ووصف لهم صفة أبي العباس التي كان يجدها في الكتب أنه يقتلهم، فلما أتوه بإبراهيم، قَالَ: ليس هذه الصفة التي وصفت لكم، فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، فردهم في طلبه، ونذروا، فخرجوا إلى العراق هرابا.
قَالَ عمر: وحدثني عبد الله بْن كثير بْن الحسن العبدي، قَالَ: أخبرني علي بْن موسى، عن أبيه، قَالَ: بعث مروان بْن محمد رسولا إلى الحميمة يأتيه بإبراهيم بْن محمد، ووصف له صفته، فقدم الرسول فوجد الصفة صفة أبي العباس عبد الله بْن محمد، فلما ظهر إبراهيم بْن محمد وأمن قيل للرسول:
إنما أمرت بإبراهيم، وهذا عبد الله! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به قَالَ: فشخصت معه أنا وأناس من بني العباس ومواليهم، فانطلق بإبراهيم، ومعه أم ولد له كان بها معجبا، فقلنا له:
إنما أتاك رجل، فهلم فلنقتله ثم ننكفئ إلى الكوفة، فهم لنا شيعة، فقال:
ذلك لكم، قلنا: فأمهل حتى نصير إلى الطريق التي تخرجنا إلى العراق.
قَالَ: فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعب إلى العراق، وأخرى إلى الجزيرة، فنزلنا منزلا، وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أم ولده، فآتينا للأمر الذي
(7/422)

اجتمعنا عليه، فصرخنا به، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده، وقالت:
هذا وقت لم تكن تخرج فيه، فما هاجك! فالتوى عليها، فأبت حتى أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتله فتشام أهلك! والله لئن قتلته لا يبقي مروان من آل العباس أحدا بالحميمة إلا قتله، ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل، ثم خرج إلينا وأخبرنا، فقلنا: أنت أعلم.
قَالَ عبد الله: فحدثني ابن لعبد الحميد بْن يحيى كاتب مروان، عن أبيه، قَالَ: قلت لمروان بْن محمد: أتتهمني؟ قَالَ: لا، قلت: أفيحطك صهره؟ قَالَ: لا، قلت: فإني أرى أمره ينبغ عليك فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت قد أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشنك صهره قَالَ: ويحك! والله لو علمته صاحب ذاك لسبقت إليه، ولكن ليس بصاحب ذلك.
وذكر أن إبراهيم بْن محمد حين أخذ للمضي به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيعوه نفسه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه ابى العباس عبد الله ابن محمد، وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس، وجعله الخليفة بعده، فشخص أبو العباس عند ذلك ومن معه من أهل بيته، منهم عبد الله ابن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو على ويحيى ابن محمد وعيسى بْن موسى بْن محمد بْن علي، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بْن داود ويحيى بْن جعفر بْن تمام، حتى قدموا الكوفة، في صفر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بْن سعد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة وأراد- فيما ذكر- أبو سلمة تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بْن محمد، فذكر علي بْن محمد أن جبلة بْن فروخ وأبا السري وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قَالَ: لم يقدم بعد، فألح عليه يسأله، قَالَ: قد أكثرت السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حميد خادما
(7/423)

لأبي العباس، يقال له سابق الخوارزمي، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأن أبا سلمة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجهم، فأخبره خبرهم، فسرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم بْن سلمه رجل كان معهم، فاخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الامام في بني أود، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم إلى موسى بْن كعب، وقصوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمائتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه، لأن واسطا لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بْن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بْن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن ربعي وسلمه ابن محمد وإبراهيم بْن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بْن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بْن بسام وأبو حميد محمد بْن إبراهيم وسليمان بْن الأسود ومحمد بْن الحصين إلى الإمام، فبلغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا الى الكوفه في حاجه لهم.
واتى القوم أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيكم عبد الله بْن محمد ابْن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة، فرجع موسى بْن كعب وأبو الجهم وأمر أبو الجهم الآخرين، فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم:
أين كنت؟ قَالَ: ركبت إلى إمامي فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أن أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلن على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس.
وخرج أبو العباس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلى بالناس، فأخبرنا عمار مولى جبرئيل وأبو عبد الله السلمي أن أبا سلمة لما سلم على أبي العباس بالخلافة، قَالَ له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه! فقال له أبو العباس: مه!
(7/424)

وذكر أن أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلاه، وصعد داود بْن علي فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله ص وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» ، وقال: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» وقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ، وقال: «مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى» ، وقال:
«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى» فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا، وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم.
وزعمت السبئيه الضلال، أن غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وتم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر
(7/425)

ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم، فتح الله ذلك منة ومنحه لمحمد ص، فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها ثم وثب بنو حرب ومروان، فابتزوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمن بنا عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وختم بنا كما افتتح بنا وانى لأرجو الا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا.
أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير.
وكان موعوكا فاشتد به الوعك، فجلس على المنبر، وصعد داود بْن علي فقام دونه على مراقي المنبر، فقال:
الحمد لله شكرا شكرا شكرا، الذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد ص أيها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه، في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.
أيها الناس، إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا، ولا نبني قصرا، وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرثنا من أموركم، وبهظنا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا، ويشتد علينا سوء
(7/426)

سيره بنى اميه فيكم، وخرقهم بكم، واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم لكم ذمة الله تبارك وتعالى، وذمه رسوله صلى الله عليه وآله، وذمة العباس رحمه الله، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبا تبا لبني حرب بْن أمية وبني مروان! آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الآنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلا باستدراج الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ، فأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، أرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه، فظن عدو الله أن لن نقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا.
أيها الناس، إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا، انما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، إنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدة الوعك، وادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى.
فعج الناس له بالدعاء ثم قَالَ:
يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، واظهر بهم
(7/427)

دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، واليه تتشوفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان، وعز الإسلام، ومن عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة.
فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن انفسكم فان الأمر امركم، وان لكل أهل بيت مصرا، وإنكم مصرنا ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ص الا امير المؤمنين على ابن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بْن محمد- وأشار بيده إلى أبي العباس- فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه الى عيسى بن مريم صلى الله عليه، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزل أبو العباس وداود بْن علي أمامه، حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم، حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب، وجنهم الليل، فدخل.
وذكر أن داود بْن علي وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشراة فلقيهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بْن محمد وعبد الله بْن علي وعيسى بْن موسى ويحيى بْن جعفر بْن تمام بْن العباس، ونفر من مواليهم بدومة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قصتكم؟
فقص عليه أبو العباس قصتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتي الكوفه وشيخ بنى مروان، مروان ابن محمد بحران مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بْن عمر بْن هبيرة بالعراق في حلبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحب الحياة ذل، ثم تمثل بقول الأعشى:
فما مِيتَةٌ إِنْ مِتُّهَا غَيْرُ عَاجِزٍ ... بِعَارٍ إِذَا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزاء أو نمت كراما، فرجعوا جميعا، فكان عيسى بْن موسى
(7/428)

يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: إن نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبنا، لعظيم همهم كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم
. ذكر بقية الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومائة
تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بْن محمد بْن علي وما كان من أمره:
قَالَ أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بْن محمد بْن علي ما حضرنا ذكره قبل، عمن ذكرنا ذلك عنه، وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي العباس أيضا ما أنا ذاكره، وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتل مروان بْن محمد إبراهيم الذي كان يقال له الإمام، بدا له في الدعاء الى ولد العباس وأضمر الدعاء لغيرهم، وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع من قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بْن سعد في بني أود، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمام أعين حتى خرج أبو حميد، وهو يريد الكناسة، فلقي خادما لإبراهيم يقال له سابق الخوارزمي، فعرفه، وكان يأتيهم بالشام فقال له: ما فعل الإمام إبراهيم؟ فأخبره أن مروان قتله غيلة، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس، واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعد بيني وبينك غدا في هذا الموضع، وكره سابق ان يدله عليهم إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقا، فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حميد: من الخليفة منهم؟
فقال داود بْن علي: هذا إمامكم وخليفتكم- وأشار إلى أبي العباس- فسلم عليه بالخلافة، وقبل يديه ورجليه، وقال: مرنا بأمرك، وعزاه بالإمام إبراهيم.
وقد كان إبراهيم بْن سلمة دخل عسكر أبي سلمة متنكرا، فأتى أبا الجهم فاستأمنه، فأخبره أنه رسول أبي العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم،
(7/429)

وأن أبا العباس كان سرحه إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار، يعطيها للجمال كراء الجمال التي قدم بهم عليها، فلم يبعث بها اليه، ورجع أبو حميد إلى أبي الجهم، فأخبره بحالهم، فمشى ابو الجهم وابو حميد ومعهما إبراهيم بْن سلمة، حتى دخلوا على موسى بْن كعب، فقص عليه أبو الجهم الخبر، وما أخبره إبراهيم بْن سلمة، فقال موسى بْن كعب: عجل البعثة إليه بالدنانير وسرحه فانصرف أبو الجهم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بْن سلمة، وحمله على بغل وسرح معه رجلين، حتى ادخلاه الكوفة، ثم قَالَ أبو الجهم لأبي سلمة، وقد شاع في العسكر أن مروان بْن محمد قد قتل الإمام: فإن كان قد قتل كان أخوه أبو العباس الخليفة والإمام من بعده، فرد عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد.
فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بْن سلمة أبا الجهم وموسى بْن كعب، فبلغهما رسالة من أبي العباس وأهل بيته، ومشى في القواد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا في منزل موسى بْن كعب، منهم عبد الحميد بْن ربعي وسلمه بن محمد وعبد الله الطائي واسحق بْن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بْن بسام وغيرهم من القواد، فائتمروا في الدخول إلى أبي العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا الكوفه وزعيمهم موسى بْن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميري- وهو محمد بْن إبراهيم- فانتهوا إلى دار الوليد بْن سعد، فدخلوا عليهم، فقال موسى ابن كعب وأبو الجهم: أيكم أبو العباس؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليه وعزوه بالإمام إبراهيم، وانصرفوا إلى العسكر، وخلفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين ومحمد بْن الحارث ونهار بْن حصين ويوسف بْن محمد وأبا هريرة محمد بْن فروخ.
فبعث أبو سلمة إلى أبي الجهم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال:
أين كنت يا أبا الجهم؟ قَالَ: كنت عند إمامي، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بْن صدان، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل، فسلم على أبي العباس
(7/430)

بالخلافة، وبعث إلى أبي حميد وأصحابه: أن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحده، فان دخل وبايع فسبيله ذلك، والا فاضربوا عنقه، فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحده، فسلم على أبي العباس بالخلافة، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحهم، واصطفوا لخروج أبي العباس، وأتوه بالدواب، فركب ومن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخر ثم دخل المسجد من دار الإمارة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عظمة الرب تبارك وتعالى وفضل النبي ص، وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيا إليه، ووعد الناس خيرا ثم سكت.
وتكلم داود بْن علي وهو على المنبر أسفل من أبي العباس بثلاث درجات، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ص، وقال: أيها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله ص خليفة إلا علي بْن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة، ونزل معه في حجرته، بينهما ستر، وحاجب أبي العباس يومئذ عبد الله بْن بسام واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بْن علي، وبعث عمه عبد الله بن على الى ابى عون ابن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بْن موسى إلى الحسن بْن قحطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بْن جعفر بن تمام ابن عباس إلى حميد بْن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروه ابن محمد بْن عمار بْن ياسر إلى بسام بْن إبراهيم بْن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بْن عمرو بْن عثمان إلى مالك بْن طريف، وأقام أبو العباس في العسكر أشهرا ثم ارتحل، فنزل المدينة الهاشمية في قصر الكوفة، وقد كان تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك.
(7/431)

ذكر هزيمه مروان بن محمد بموقعه الزاب
وفي هذه السنة هزم مروان بْن محمد بالزاب.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك:
ذكر علي بْن محمد أن أبا السري وجبلة بْن فروخ والحسن بْن رشيد وأبا صالح المروزي وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بْن يزيد الأزدي وجهه قحطبه الى شهرزور من نهاوند، فقتل عثمان بْن سفيان، وأقام بناحية الموصل، وبلغ مروان أن عثمان قد قتل، فأقبل من حران، فنزل منزلا في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بلوى، قَالَ: بل علوى وبشرى ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دجلة، وحفر خندقا فسار إليه أبو عون، فنزل الزاب، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بْن موسى والمنهال بْن فتان وإسحاق بْن طلحة، كل واحد في ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بْن محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في الف وخمسمائة وعبد الحميد بْن ربعي الطائي في ألفين، ووداس بن نضله في خمسمائة إلى أبي عون ثم قَالَ: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بْن علي:
أنا، فقال: سر على بركة الله، فسار عبد الله بْن علي، فقدم على أبي عون، فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه وما فيه، وصير عبد الله بْن علي على شرطته حياش بْن حبيب الطائي، وعلى حرسه نصير بْن المحتفز ووجه أبو العباس موسى بْن كعب في ثلاثين رجلا على البريد إلى عبد الله بْن علي، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنه ثنتين وثلاثين ومائة، سأل عبد الله بْن علي عن مخاضة، فدل عليها بالزاب، فأمر عيينة بْن موسى فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة الى عسكر عبد الله ابن علي، فأصبح مروان فعقد الجسر، وسرح ابنه عبد الله يحفر خندقا أسفل من عسكر عبد الله بْن علي، فبعث عبد الله بْن علي المخارق بْن غفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بْن
(7/432)

علي، فسرح عبد الله بْن مروان إليه الوليد بْن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابه، وأسروا، وقتل منهم يومئذ عدة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مروان مع الرءوس، فقال مروان: أدخلوا علي رجلا من الأسارى، فأتوه بالمخارق- وكان نحيفا- فقال: أنت المخارق؟ فقال:
لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر، قَالَ: فتعرف المخارق؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فانظر في هذه الرءوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم! قَالَ علي: حدثنا شيخ من أهل خراسان قَالَ: قَالَ مروان للمخارق: تعرف المخارق ان رايته؟ فإنهم زعموا انه في هذه الرءوس التي أتينا بها، قَالَ: نعم، قَالَ: اعرضوا عليه تلك الرءوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرءوس، ولا أراه إلا وقد ذهب، فخلى سبيله وبلغ عبد الله بْن علي انهزام المخارق، فقال له موسى بْن كعب: اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفل إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق فدعا عبد الله بْن علي محمد بْن صول، فاستخلفه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مروان الوليد بْن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانيه والصحصحية والراشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بْن عمر بْن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها الى عيسى بن مريم، وان قاتلونا قبل الزوال، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وأرسل مروان إلى عبد الله بْن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله.
فقال مروان لأهل الشام: قفوا لا تبدءوهم بقتال، فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بْن معاوية بْن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه وقاتل ابن معاوية أهل الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن على، فقال موسى ابن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الارض، فنزل الناس،
(7/433)

واشرعوا الرماح، وجثوا على الركب، فقاتلوهم، فجعل أهل الشام يتأخرون كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله قدما وهو يقول: يا رب، حتى متى نقتل فيك! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثأرات إبراهيم! يا محمد، يا منصور! واشتد بينهم القتال وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطه: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضا قَالَ: أما والله لأسوءنك، قَالَ: وددت والله أنك قدرت على ذلك ثم انهزم أهل الشام، وانهزم مروان، وقطع الجسر، فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل، فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بْن الوليد بْن عبد الملك المخلوع، وأمر عبد الله بْن علي فعقد الجسر على الزاب، واستخرجوا الغرقى فاخرجوا ثلاثمائة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بْن الوليد بْن عبد الملك، فقال عبد الله بْن علي: «وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
» وأقام عبد الله بْن علي في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاصي يعير مروان:
لج الفرار بمروان فقلت له ... عاد الظلوم ظليما همه الهرب
أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت ... عنك الهوينى فلا دين ولا حسب
فراشه الحلم فرعون العقاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب
وكتب عبد الله بْن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحا كثيرا وأموالا، ولم يجدوا فيه امرأة إلا جارية كانت لعبد الله بْن مروان، فلما اتى العباس كتاب عبد الله ابن علي صلى ركعتين، ثم قَالَ: «فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ» الى قوله: «وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ» وامر لمن شهد الوقعه
(7/434)

بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.
حدثنا أحمد بْن زهير، عن علي بْن محمد، قَالَ: قَالَ عبد الرحمن بْن أمية: كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل والفساد قَالَ: بلغني أنه كان يوم انهزم واقفا، والناس يقتتلون، إذ امر باموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إن الناس قد مالوا على هذا المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى مؤخر عسكرك، فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم، فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة، فانهزموا.
حدثنا أحمد بْن علي، عن أبي الجارود السلمي، قَالَ: حدثني رجل من أهل خراسان، قَالَ: لقينا مروان على الزاب، فحمل علينا أهل الشام كأنهم جبال حديد، فجثونا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا، فبقي عليه رجل من أهل الشام، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشامي، ثم خرج آخر فقتله، حتى والى بين ثلاثة، فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفا قاطعا، وترسا صلبا، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشامي فاتقاه بالترس، وضرب رجله فقطعها، وقتله ورجع، وحملناه وكبرنا فإذا هو عبيد الله الكابلي وكانت هزيمة مروان بالزاب- فيما ذكر- صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

ذكر خبر قتل ابراهيم بن محمد بن على الامام
وفي هذه السنة قتل إبراهيم بْن محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس.
ذكر الخبر عن سبب مقتله:
اختلف أهل السير في أمر إبراهيم بْن محمد، فقال بعضهم: لم يقتل ولكنه مات في سجن مروان بْن محمد بالطاعون
(7/435)

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير، قَالَ: حدثنا عبد الوهاب بْن إبراهيم بْن خالد، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، قَالَ: قدم مروان بْن محمد الرقة حين قدمها متوجها إلى الضحاك بسعيد بْن هشام بْن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وهم في وثاقهم معه، فسرح بهم إلى خليفته بحران، فحبسهم في حبسها، ومعهم إبراهيم بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وعبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز والعباس بْن الوليد وأبو محمد السفياني- وكان يقال له البيطار-، فهلك في سجن حران منهم في وباء وقع بحران العباس بْن الوليد وإبراهيم بْن محمد وعبد الله بْن عمر قَالَ: فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب يوم هزمه عبد الله بْن علي بجمعة، خرج سعيد بْن هشام ومن معه من المحبسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلوا الخروج من الحبس، فقتل أهل حران ومن كان فيها من الغوغاء سعيد بْن هشام وشراحيل بْن مسلمة بْن عبد الملك وعبد الملك بْن بشر التغلبي، وبطريق أرمينية الرابعة- وكان اسمه كوشان- بالحجارة، ولم يلبث مروان بعد قتلهم إلا نحوا من خمس عشرة ليلة، حتى قدم حران منهزما من الزاب، فخلى عن أبي محمد ومن كان في حبسه من المحبسين.
وذكر عمر أن عبد الله بْن كثير العبدي حدثه عن علي بْن موسى، عن أبيه، قَالَ: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتا فقتله.
قال عمرو: وحدثنى محمد بْن معروف بْن سويد، قَالَ: حدثني أبي عن المهلهل بْن صفوان- قَالَ عمر: ثم حدثني المفضل بْن جعفر بْن سليمان بعده، قَالَ: حدثني المهلهل بْن صفوان- قَالَ: كنت اخدم ابراهيم بن محمد في الحبس، وكان معه في الحبس عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز وشراحيل بْن مسلمة بْن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخص الذي بين إبراهيم وشراحيل فأتاه رسوله يوما بلبن،
(7/436)

فقال: يقول لك أخوك: إني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، فتناوله فشرب فتوصب من ساعته وتكسر جسده، وكان يوما يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل اليه: جعلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إلي أخلفني، فأتاه شراحيل مذعورا وقال: لا وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، مَا شربت اليوم لبنا، ولا أرسلت به إليك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! احتيل لك والله قال: فو الله ما بات الا ليلته واصبح من غد ميتا، فقَالَ إبراهيم بْن علي بْن سلمة بْن عامر ابن هرمة بْن هذيل بْن الربيع بْن عامر بْن صبيح بْن عدي بْن قيس- وقيس هو ابن الحارث بن فهر- يرثيه:
قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني ... قبر بحران فيه عصمة الدين
فيه الإمام وخير الناس كلهم ... بين الصفائح والأحجار والطين
فيه الإمام الذي عمت مصيبته ... وعيلت كل ذي مال ومسكين
فلا عفا الله عن مروان مظلمة ... لكن عفا الله عمن قال آمين.

ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمد
وفي هذه السنة قتل مروان بْن محمد بن مروان بن الحكم.
ذكر الخبر عن مقتله وقتاله من قاتله من أهل الشام في طريقه وهو هارب من الطلب:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ:
حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: لما انهزم مروان من الزاب كنت في عسكره قَالَ: كان لمروان في عسكره بالزاب عشرون ومائه الف، كان في عسكره ستون ألفا، وكان في عسكر ابنه عبد الله مثل ذلك، والزاب بينهم، فلقيه عبد الله بْن علي فيمن معه وأبي عون وجماعة قواد، منهم حميد بْن قحطبة، فلما هزموا سار إلى حران وبها أبان بْن يزيد بْن محمد بْن مروان،
(7/437)

ابن أخيه عامله عليها، فأقام بها نيفا وعشرين يوما فلما دنا منه عبد الله بْن علي حمل أهله وولده وعياله، ومضى منهزما، وخلف بمدينه حران ابان ابن يزيد، وتحته ابنة لمروان يقال لها أم عثمان، وقدم عبد الله بْن علي، فتلقاه أبان مسودا مبايعا له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومن كان بحران والجزيرة ومضى مروان حتى مر بقنسرين وعبد الله بن على متبع له ثم مضى من قنسرين إلى حمص، فتلقاه أهلها بالاسواق وبالسمع والطاعة فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص منها، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم، فاتبعوه بعد ما رحل عنهم، فلحقوه على أميال، فلما رأى غبرة خيلهم أكمن لهم في واديين قائدين من مواليه، يقال لأحدهما يزيد والآخر مخلد، فلما دنوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذراري صافهم فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال بينهم، وثار الكمينان من خلفهم، فهزمهم وقتلتهم خيله حتى انتهوا إلى قريب من المدينة.
قَالَ: ومضى مروان حتى مر بدمشق، وعليها الوليد بْن معاوية بْن مروان، وهو ختن لمروان، متزوج بابنة له يقال لها أم الوليد، فمضى وخلفه بها حتى قدم عبد الله بْن علي عليه، فحاصره أياما، ثم فتحت المدينة، ودخلها عنوة معترضا أهلها وقتل الوليد بْن معاوية فيمن قتل، وهدم عبد الله بْن علي حائط مدينتها ومر مروان بالأردن، فشخص معه ثعلبه ابن سلامة العاملي، وكان عامله عليها، وتركها ليس عليها وال، حتى قدم عبد الله بْن علي فولى عليها، ثم قدم فلسطين وعليها من قبله الرماحس بْن عبد العزيز فشخص به معه، ومضى حتى قدم مصر، ثم خرج منها حتى نزل منزلا منها يقال له بوصير، فبيته عامر بْن إسماعيل وشعبة ومعهما خيل اهل الموصل فقتلوه بها، وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان ليلة بيت مروان إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاء وقاتلتهم الحبشه، فقتلوا عبيد الله، وافلت عبد الله في عدة ممن معه، وكان فيهم بكر بْن معاوية الباهلي، فسلم حتى كان في خلافة المهدي، فأخذه نصر بْن محمد بْن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهدى
(7/438)

وأما علي بْن محمد، فإنه ذكر أن بشر بْن عيسى والنعمان أبا السري ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزي وعمار مولى جبريل أخبروه أن مروان لقي عبد الله بْن علي في عشرين ومائة ألف وعبد الله في عشرين ألفا.
وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بْن على يومئذ فذكر مسلم بن المغيره، عن مصعب بْن الربيع الخثعمي وهو أبو موسى ابن مصعب- وكان كاتبا لمروان- قَالَ: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بْن علي على الشام، طلبت الأمان فآمنني، فإني يوما جالس عنده، وهو متكئ إذ ذكر مروان وانهزامه، قَالَ: أشهدت القتال؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير! فقال: حدثني عنه، قَالَ: قلت: لما كان ذلك اليوم قَالَ لي:
احزر القوم، فقلت: إنما أنا صاحب قلم، ولست صاحب حرب، فاخذ يمنه ويسره ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفا، فجلس عبد الله، ثم قال:
ماله قاتله الله! ما أحصى الديوان يومئذ فضلا على اثني عشر ألف رجل! رجع الحديث إلى حديث علي بْن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل، وعليها هشام بْن عمرو التغلبي وبشر بْن خزيمة الأسدي، وقطعوا الجسر، فناداهم أهل الشام هذا مروان، قالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفر، فسار إلى بلد، فعبر دجلة، فأتى حران ثم أتى دمشق، وخلف بها الوليد بْن معاوية، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام ومضى مروان حتى أتى فلسطين، فنزل نهر أبي فطرس، وقد غلب على فلسطين الحكم بْن ضبعان الجذامي فأرسل مروان إلى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْن روح بْن زنباع، فأجازه، وكان بيت المال في يد الحكم وكتب أبو العباس إلى عبد الله بْن علي يأمره باتباع مروان، فسار عبد الله إلى الموصل، فتلقاه هشام بْن عمرو التغلبي وبشر بْن خزيمة وقد سودا في أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حران، وولى الموصل محمد بْن صول، فهدم الدار التي حبس فيها ابراهيم
(7/439)

ابن محمد، ثم سار من حران إلى منبج وقد سودوا، فنزل منبج وولاها أبا حميد المروروذي، وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبي وقدم عليه عبد الصمد بْن علي، أمده به أبو العباس في أربعة آلاف، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصمد، ثم سار إلى قنسرين، فأتاها وقد سود أهلها، فأقام يومين، ثم سار حتى نزل حمص، فأقام بها أياما وبايع أهلها، ثم سار إلى بعلبك، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل بعين الجر، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل مزة قرية من قرى دمشق فأقام وقدم عليه صالح بْن علي مددا، فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف، معه بسام بْن إبراهيم وخفاف وشعبة والهيثم بْن بسام ثم سار عبد الله بن على، فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح بْن علي على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير، وحميد بْن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بْن صفوان والعباس بْن يزيد على باب الفراديس- وفي دمشق الوليد بْن معاوية- فحصروا أهل دمشق والبلقاء، وتعصب الناس بالمدينة، فقتل بعضهم بعضا، وقتلوا الوليد، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنه ثنتين وثلاثين ومائة، فكان أول من صعد سور المدينة من الباب الشرقى عبد الله الطائي، ومن قبل باب الصغير بسام بن ابراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وأقام عبد الله بْن علي بدمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين، فنزل نهر الكسوة، فوجه منها يحيى بْن جعفر الهاشمي إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن، فأتوه وقد سودوا، ثم نزل بيسان، ثم سار إلى مرج الروم، ثم أتى نهر أبي فطرس، وقد هرب مروان، فأقام بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العباس، أن وجه صالح بْن علي في طلب مروان، فسار صالح بْن علي من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومعه ابن فتان وعامر بْن إسماعيل وأبو عون، فقدم صالح ابن علي أبا عون على مقدمته وعامر بْن إسماعيل الحارثي، وسار فنزل الرملة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بْن علي السفن وتجهز يريد مروان، وهو بالفرماء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر، حتى نزل العريش
(7/440)

وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح ابن على فنزل الليل، ثم سار حتى نزل الصعيد وبلغه أن خيلا لمروان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجه إليهم قوادا، فأخذوا رجالا، فقدموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مروان النيل، وقطع الجسر، وحرق ما حوله، ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمروان على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج، فصادف عليه خيلا لمروان، فأصاب منهم طرفا وهزمهم، ثم سار إلى خليج آخر فعبروا، ورأوا رهجا فظنوه مروان، فبعث طليعة عليها الفضل بْن دينار ومالك ابن قادم، فلم يلقوا أحدا ينكرونه، فرجعوا إلى صالح فارتحل، فنزل موضعا يقال له ذات الساحل، ونزل فقدم أبو عون عامر بْن إسماعيل الحارثي، ومعه شعبة بن كثير المازنى، فلقوا خيلا لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالا، فقتلوا بعضهم، واستحيوا بعضا، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه، على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير، ووافوهم في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسير، فأحاطوا به فقتلوه قَالَ علي: وأخبرني إسماعيل بْن الحسن، عن عامر بْن إسماعيل قَالَ: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون بقلتنا لأهلكونا، فقلت لمن معي من أصحابي: فإن أصبحنا فرأوا قلتنا وعددنا لم ينج منا أحد، وذكرت قول بكير بْن ماهان: أنت والله تقتل مروان، كأني اسمعك، تقول دهيد يا جوانكثان، فكسرت جفن سيفي، وكسر أصحابي جفون سيوفهم، وقلت: دهيد يا جوانكثان، فكأنها نار صبت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مروان فضربه بسيفه فقتله وركب عامر بْن إسماعيل إلى صالح بْن علي، فكتب صالح بْن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس: إنا اتبعنا عدو الله الجعدي حتى ألجأناه إلى أرض عدو الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضه.
قَالَ علي: حدثنا أبو طالب الأنصاري، قَالَ: طعن مروان رجل من
(7/441)

أهل البصرة- يقال له المغود، وهو لا يعرفه- فصرعه، فصاح صائح: صرع أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتز رأسه، فبعث عامر بْن إسماعيل برأس مروان إلى أبي عون، فبعث بها أبو عون إلى صالح بْن علي، وبعث صالح برأسه مع يزيد بْن هانئ- وكان على شرطه- إلى أبي العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنه ثنتين وثلاثين ومائة، ورجع صالح إلى الفسطاط، ثم انصرف إلى الشام، فدفع الغنائم إلى أبي عون، والسلاح والأموال والرقيق إلى الفضل بْن دينار، وخلف أبا عون على مصر.
قَالَ علي: وأخبرنا أبو الحسن الخراساني، قَالَ: حدثنا شيخ من بكر ابن وائل، قال: انى لبديرقنى مع بكير بْن ماهان ونحن نتحدث، إذ مر فتى معه قربتان، حتى انتهى إلى دجلة، فاستقى ماء، ثم رجع فدعاه بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قَالَ: عامر، قَالَ: ابن من؟ قَالَ:
ابن إسماعيل، من بلحارث، قَالَ: وأنا من بلحارث، قَالَ: فكن من بني مسلية، قَالَ: فأنا منهم، قَالَ: فأنت والله تقتل مروان، لكأني والله أسمعك تقول: يا جوانكثان دهيد.
قَالَ علي: حدثنا الكناني، قَالَ: سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون:
بنو مسلية قتلة مروان.
وقتل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة في قول بعضهم، وفي قول آخرين: وهو ابن تسع وستين، وفي قول آخرين: وهو ابن ثمان وخمسين.
وقتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما، وكان يكنى أبا عبد الملك وزعم هشام بْن محمد أن أمه كانت أم ولد كردية.
وقد حدثني أحمد بْن زهير، عن علي بن محمد، عن علي بن مجاهد وأبي سنان الجهني، قالا: كان يقال: إن أم مروان بْن محمد كانت لإبراهيم بْن الأشتر، أصابها محمد بْن مروان بْن الحكم يوم قتل ابن الأشتر،
(7/442)

فأخذها من ثقله وهي تتنيق، فولدت مروان على فراشه، فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بْن عياش المنتوف، فقال: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمه النخع ابن عم رسول الله ص وابن عبد المطلب وفي هذه السنة قتل عبد الله بْن علي من قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية، وكانوا اثنين وسبعين رجلا.
وفيها خلع أبو الورد أبا العباس بقنسرين، فبيض وبيضوا معه
. ذكر الخبر عن تبيض أبي الورد وما آل إليه أمره وأمر من بيض معه
وكان سبب ذلك- فيما حدثني أحمد بْن زهير- قَالَ: حدثنى عبد الوهاب ابن إبراهيم، قَالَ: حدثني أبو هاشم مخلد بْن محمد بْن صالح، قَالَ: كان أبو الورد- واسمه مجزأة بْن الكوثر بْن زفر بْن الحارث الكلابي، من أصحاب مروان وقواده وفرسانه- فلما هزم مروان، وأبو الورد بقنسرين، قدمها عبد الله بْن علي فبايعه ودخل فيما دخل فيه جنده من الطاعة وكان ولد مسلمة بْن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قواد عبد الله بْن علي من الأزار مردين في مائة وخمسين فارسا، فبعث بولد مسلمة بْن عبد الملك ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى ابى الورد، فخرج من مزرعه يقال لها زراعة بني زفر- ويقال لها خساف- في عدة من أهل بيته، حتى هجم على ذلك القائد وهو نازل في حصن مسلمة، فقاتله حتى قتله ومن معه، وأظهر التبييض والخلع لعبد الله بْن علي، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك، فبيضوا بأجمعهم، وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بْن علي يومئذ مشتغل بحرب حبيب بْن مرة المري، فقاتله بأرض البلقاء والبثنية وحوران وكان قد لقيه عبد الله بْن علي في جموعه فقاتلهم وكان بينه وبينهم وقعات، وكان من قواد مروان وفرسانه وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وعلى قومه، فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور، البثنية وحوران
(7/443)

فلما بلغ عبد الله بْن علي تبييضهم، دعا حبيب بْن مرة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجها نحو قنسرين للقاء أبي الورد، فمر بدمشق، فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بْن ربعي الطائي في أربعة آلاف رجل من جنده، وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بْن علي أم البنين بنت محمد بْن عبد المطلب النوفلية أخت عمرو بْن محمد، وأمهات أولاد لعبد الله وثقل له.
فلما قدم حمص في وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهل دمشق فبيضوا، ونهضوا مع عثمان بْن عبد الأعلى بن سرادقه الأزدي قَالَ: فلقوا أبا غانم ومن معه، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بْن علي خلف من ثقله ومتاعه، ولم يعرضوا لأهله، وبيض أهل دمشق واستجمعوا على الخلاف، ومضى عبد الله بْن علي- وقد كان تجمع مع أبي الورد جماعة أهل قنسرين، وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، وقدمهم ألوف، عليهم أبو محمد بْن عبد الله بْن يَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَانَ، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه وقالوا: هو السفياني الذى كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفا فلما دنا منهم عبد الله بْن علي وأبو محمد معسكر في جماعته بمرج يقال له مرج الأخرم- وأبو الورد المتولي لأمر العسكر والمدبر له وصاحب القتال والوقائع- وجه عبد الله أخاه عبد الصمد بْن علي في عشرة آلاف من فرسان من معه، فناهضهم أبو الورد، ولقيهم فيما بين العسكرين، واشتجر القتل فيما بين الفريقين وثبت القوم، وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم يومئذ ألوف، وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بْن قحطبة وجماعة من معه من القواد، فالتقوا ثانية بمرج الأخرم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانكشف جماعة ممن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بْن قحطبة فهزموهم، وثبت أبو الورد في نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبية حتى لحقوا بتدمر، وآمن عبد الله أهل قنسرين، وسودوا وبايعوه، ودخلوا في طاعته، ثم انصرف راجعا إلى أهل دمشق، لما كان من تبييضهم عليه، وهزيمتهم أبا غانم.
فلما دنا من دمشق هرب الناس وتفرقوا، ولم يكن بينهم وقعة، وآمن عبد الله أهلها، وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم
(7/444)

قَالَ: ولم يزل أبو محمد متغيبا هاربا، ولحق بأرض الحجاز وبلغ زياد بْن عبيد الله الحارثي عامل أبي جعفر مكانه الذي تغيب فيه، فوجه إليه خيلا، فقاتلوه حتى قتل، وأخذ ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد وابنيه إلى أبي جعفر أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما وأما علي بْن محمد فإنه ذكر أن النعمان أبا السري حدثه وجبلة بْن فروخ وسليمان بْن داود وأبو صالح المروزي قالوا: خلع أبو الورد بقنسرين، فكتب أبو العباس إلى عبد الله بْن علي وهو بفطرس أن يقاتل أبا الورد، ثم وجه عبد الصمد إلى قنسرين في سبعة آلاف، وعلى حرسه مخارق بْن غفار، وعلى شرطه كلثوم بْن شبيب، ثم وجه بعده ذؤيب بْن الأشعث في خمسة آلاف، ثم جعل يوجه الجنود، فلقي عبد الصمد أبا الورد في جمع كثير، فانهزم الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حمص، فبعث عبد الله بْن علي العباس بْن يزيد بْن زياد ومروان الجرجاني وأبا المتوكل الجرجاني، كل رجل في أصحابه إلى حمص، وأقبل عبد الله بْن علي بنفسه، فنزل على أربعة أميال من حمص- وعبد الصمد بْن علي بحمص- وكتب عبد الله الى حميد ابن قحطبة، فقدم عليه من الأردن، وبايع أهل قنسرين لأبي محمد السفياني زياد بْن عبد الله بْن يزيد بْن معاوية وأبو الورد بْن، وبايعه الناس، وأقام أربعين يوما، وأتاهم عبد الله بْن علي ومعه عبد الصمد وحميد بْن قحطبة، فالتقوا فاقتتلوا أشد القتال بينهم، واضطرهم أبو محمد إلى شعب ضيق، فجعل الناس يتفرقون، فقال حميد بْن قحطبة لعبد الله بن على: علام نقيم؟ هم يزيدون وأصحابنا ينقصون! ناجزهم، فاقتتلوا يوم الثلاثاء في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورد وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤاله، فجرح أبو الورد، فحمل إلى أهله فمات.
ولجأ قوم من أصحاب أبي الورد إلى أجمة فأحرقوها عليهم، وقد كان أهل حمص نقضوا، وأرادوا إيثار أبي محمد، فلما بلغهم هزيمته أقاموا.
(7/445)

ذكر خبر خلع حبيب بن مره المري
وفي هذه السنة خلع حبيب بْن مرة المري وبيض هو ومن معه من أهل الشام.
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر علي عن شيوخه، قَالَ: بيض حبيب بْن مرة المري وأهل البثنية وحوران، وعبد الله بْن علي في عسكر أبي الورد الذي قتل فيه.
وقد حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ: حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: كان تبييض حبيب بْن مرة وقتاله عبد الله بْن علي قبل تبييض أبي الورد، وإنما بيض أبو الورد وعبد الله مشتغل بحرب حبيب بْن مرة المري بأرض البلقاء أو البثنية وحوران، وكان قد لقيه عبد الله بْن علي في جموعه فقاتله، وكان بينه وبينه وقعات، وكان من قواد مروان وفرسانه، وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور، البثنية وحوران، فلما بلغ عبد الله ابن علي تبييض أهل قنسرين، دعا حبيب بْن مرة إلى الصلح فصالحه، وآمنه ومن معه، وخرج متوجها إلى قنسرين للقاء أبي الورد
. ذكر خبر تبييض اهل الجزيرة وخلعهم أبا العباس
وفي هذه السنة بيض أيضا أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس.
ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوهاب بْن إبراهيم، قَالَ:
حدثنا أبو هاشم مخلد بْن محمد، قَالَ: كان أهل الجزيرة بيضوا ونقضوا، حيث بلغهم خروج أبي الورد وانتقاض أهل قنسرين، وساروا إلى حران، وبحران يومئذ موسى بْن كعب في ثلاثة آلاف من الجند، فتشبث بمدينتها، وساروا إليه مبيضين من كل وجه، وحاصروه ومن معه، وأمرهم مشتت، ليس عليهم رأس يجمعهم
(7/446)

وقدم على تفيئة ذلك إسحاق بْن مسلم من أرمينية- وكان شخص عنها حين بلغه هزيمة مروان- فرأسه أهل الجزيرة عليهم وحاصر موسى بْن كعب نحوا من شهرين، ووجه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مر بقرقيسيا وأهلها مبيضون، وقد غلقوا أبوابها دونه ثم قدم مدينة الرقة وهم على ذلك، وبها بكار بْن مسلم، فمضى نحو حران، ورحل إسحاق بْن مسلم إلى الرهاء- وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وخرج موسى بْن كعب فيمن معه من مدينة حران، فلقوا أبا جعفر وقدم بكار على أخيه إسحاق بْن مسلم، فوجهه الى جماعه ربيعه بدارا وماردين- ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة- فصمد إليه أبو جعفر، فلقيهم فقاتلوه بها قتالا شديدا، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرهاء فخلفه إسحاق بها، ومضى في عظم العسكر إلى سميساط، فخندق على عسكره.
وأقبل أبو جعفر في جموعه حتى قابله بكار بالرهاء، وكانت بينهما وقعات وكتب أبو العباس إلى عبد الله بْن علي في المسير بجنوده إلى إسحاق بسميساط، فأقبل من الشام حتى نزل بإزاء إسحاق بسميساط، وهم في ستين ألفا أهل الجزيرة جميعها، وبينهما الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرهاء فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الأمان، فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبي العباس، فأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، ففعلوا وكتبوا بينهم كتابا، ووثقوا له فيه، فخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وتم الصلح بينهما، وكان عنده من آثر اصحابه.
فاستقام أهل الجزيرة وأهل الشام، وولى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل على ذلك حتى استخلف.
وقد ذكر أن إسحاق بْن مسلم العقيلي هذا أقام بسميساط سبعة أشهر، وأبو جعفر محاصره، وكان يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل فأرسل إليه أبو جعفر: أن مروان قد قتل، فقال: حتى أتيقن، ثم طلب الصلح، وقال: قد علمت أن مروان قد قتل، فآمنه أبو جعفر وصار معه، وكان عظيم المنزلة عنده
(7/447)

وقد قيل: إن عبد الله بْن علي هو الذى آمنه
. ذكر خبر شخوص ابى جعفر الى خراسان
وفي هذه السنة شخص أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في قتل أبي سلمة حفص بْن سليمان.
ذكر الخبر عن سبب مسير أبي جعفر في ذلك، وما كان من أمره وأمر أبي مسلم في ذلك:
قد مضى ذكري قبل أمر أبي سلمة، وما كان من فعله في أمر أبي العباس ومن كان معه من بنى هاشم عند قدومهم الكوفه، الذى صار به عندهم متهما، فذكر علي بن محمد ان جبله بن فروخ قال: قال يزيد بْن أسيد:
قَالَ أبو جعفر: لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة، فذكرنا ما صنع أبو سلمة، فقال رجل منا: ما يدريكم، لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم! فلم ينطق منا أحد، فقال: أمير المؤمنين أبو العباس:
لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا لبعرض بلاء، إلا أن يدفعه الله عنا.
وتفرقنا فأرسل إلي أبو العباس، فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيك، فقال:
ليس منا أحد أخص بأبي مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفى عليك، فلو قد لقيته، فإن كان عن رأيه أخذنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا.
فخرجت على وجل، فلما انتهيت إلى الري، إذا صاحب الري قد أتاه كتاب أبي مسلم: إنه بلغني أن عبد الله بْن محمد توجه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعة قدومه عليك فلما قدمت أتاني عامل الري فأخبرني بكتاب أبي مسلم، وأمرني بالرحيل، فازددت وجلا، وخرجت من الري وأنا حذر خائف فسرت، فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتاني بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فاشخصه ولا تدعه يقيم، فإن أرضك أرض
(7/448)

خوارج ولا آمن عليه فطابت نفسي وقلت: أراه يعنى بأمري فسرت، فلما كنت من مرو على فرسخين، تلقاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا مني أقبل يمشي إلي، حتى قبل يدي، فقلت: اركب، فركب فدخل مرو، فنزلت دارا فمكثت ثلاثة أيام، لا يسألني عن شيء، ثم قَالَ لي في اليوم الرابع:
ما أقدمك؟ فأخبرته، فقال: فعلها أبو سلمة! أكفيكموه! فدعا مرار ابن أنس الضبي، فقال: انطلق إلى الكوفة، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته، وانته في ذلك إلى رأي الإمام فقدم مرار الكوفة، فكان أبو سلمة يسمر عند أبي العباس، فقعد في طريقه، فلما خرج قتله فقالوا: قتله الخوارج.
قَالَ علي: فحدثني شيخ من بني سليم، عن سالم، قَالَ: صحبت أبا جعفر من الري إلى خراسان، وكنت حاجبه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على باب الدار ويجلس في الدهليز، ويقول: استأذن لي، فغضب أبو جعفر علي، وقال: ويلك! إذا رأيته فافتح له الباب، وقل له يدخل على دابته.
ففعلت وقلت لأبي مسلم: إنه قَالَ كذا وكذا، قَالَ: نعم، أعلم، واستأذن لي عليه.
وقد قيل: إن أبا العباس قد كان تنكر لأبي سلمة قبل ارتحاله من عسكره بالنخيلة، ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية، فنزل قصر الإمارة بها، وهو متنكر له، قد عرف ذلك منه، وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه، وما كان هم به من الغش، وما يتخوف منه، فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين:
إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله، فقال داود بن علي لأبي العباس: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فيحتج عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله، فكتب إلى أبي مسلم بذلك، فبعث بذلك أبو مسلم مرار بْن أنس الضبي، فقدم على أبي العباس في المدينة الهاشمية، وأعلمه سبب قدومه، فأمر أبو العباس مناديا فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه وكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة، فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج منصرفا
(7/449)

إلى منزله يمشي وحده، حتى دخل الطاقات، فعرض له مرار بْن أنس ومن كان معه من أعوانه فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا: قتل الخوارج أبا سلمة ثم أخرج من الغد، فصلى عليه يحيى بْن محمد بْن علي، ودفن في المدينة الهاشمية، فقال سليمان بْن المهاجر البجلي:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم: أمين آل محمد فلما قتل أبو سلمة وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم، فيهم الحجاج بْن أرطاة وإسحاق بْن الفضل الهاشمي ولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايره عبيد الله بْن الحسين الأعرج وسليمان بْن كثير معه، فقال سليمان بْن كثير للأعرج: يا هذا، إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك وبلغ أبا مسلم مسايرة سليمان بْن كثير إياه، وأتى عبيد الله أبا مسلم، فذكر له ما قَالَ سليمان، وظن أنه إن لم يفعل ذلك اغتاله فقتله، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بْن كثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام لي: من اتهمته فاقتله؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فإني قد اتهمتك، فقال:
أنشدك الله! قَالَ: لا تناشدني الله وأنت منطو على غش الإمام، فأمر بضرب عنقه ولم ير أحدا ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره، فانصرف أبو جعفر من عند أبي مسلم، فقال لأبي العباس: لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، قَالَ: وكيف؟ قَالَ: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال ابو العباس: اسكت فاكتمها.

ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط
وفي هذه السنة وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بْن عمر بْن هبيرة، وقد ذكرنا ما كان من أمر الجيش الذين لقوه من أهل خراسان مع قحطبة، ثم مع ابنه الحسن بْن قحطبة وانهزامه ولحاقه بمن معه من جنود الشام بواسط متحصنا بها، فذكر علي بْن محمد عن أبي عبد الله السلمي
(7/450)

عن عبد الله بْن بدر وزهير بْن هنيد وبشر بْن عيسى وأبي السري أن ابن هبيرة لما انهزم تفرق الناس عنه، وخلف على الأثقال قوما، فذهبوا بتلك الأموال فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم! امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر، قَالَ: بل نأتي واسطا فننظر، قَالَ:
ما تزيد على أن تمكنه من نفسك وتقتل، فقال له يحيى بْن حضين: إنك لا تأتي مروان بشيء أحب إليه من هذه الجنود، فالزم الفرات حتى تقدم عليه، وإياك وواسطا، فتصير في حصار، وليس بعد الحصار إلا القتل.
فأبى وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه في الأمر فيخالفه، فخافه إن قدم عليه أن يقتله، فأتى واسطا فدخلها، وتحصن بها.
وسرح أبو سلمة الحسن بْن قحطبة، فخندق الحسن واصحابه، فنزلوا فيما بين الزاب ودجلة، وضرب الحسن سرادقه حيال باب المضمار، فأول وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء، فقال أهل الشام لابن هبيرة: ائذن لنا في قتالهم، فأذن لهم، فخرجوا وخرج ابن هبيرة، وعلى ميمنته ابنه داود، ومعه محمد بْن نباتة في ناس من أهل خراسان، فيهم أبو العود الخراساني، فالتقوا وعلى ميمنته الحسن خازم بْن خزيمة، وابن هبيرة قبالة باب المضمار، فحمل خازم على ابن هبيرة، فهزموا أهل الشام حتى ألجئوهم إلى الخنادق، وبادر الناس باب المدينة حتى غص باب المضمار، ورمى أصحاب العرادات بالعرادات والحسن واقف وأقبل يسير في الخيل فيما بين النهر والخندق، ورجع أهل الشام، فكر عليهم الحسن، فحالوا بينه وبين المدينة، فاضطروهم الى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، فتلقوه هم بالسفن، فحملوهم، وألقى ابن نباتة يومئذ سلاحه واقتحم، فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام، ثم خرجوا إليهم يوم الثلاثاء فاقتتلوا، فحمل رجل من أهل الشام على أبي حفص هزار مرد، فضربه وانتمى: أنا الغلام السلمي، وضربه أبو حفص وانتمى: أنا الغلام العتكي، فصرعه، وانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميا من وراء الفصيل
(7/451)

وبلغ ابن هبيرة وهو في الحصار أن أبا أمية التغلبي قد سود، فأرسل أبا عثمان الى فدخل، منزله على أبي أمية في قبته، فقال: إن الأمير أرسلني إليك لأفتش قبتك، فإن كان فيها سواد علقته في عنقك وحبلا، ومضيت بك إليه، وإن لم يكن في بيتك سواد فهذه خمسون ألفا صلة لك فأبى أن يدعه أن يفتش قبته، فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه، فتكلم في ذلك معن ابن زائدة وناس من ربيعة، وأخذوا ثلاثة من بني فزارة، فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة، فجاءهم يحيى بْن حضين، فكلمهم فقالوا: لا نخلي عنهم حتى يخلى عن صاحبنا، فأبى ابن هبيرة، فقال له: ما تفسد إلا على نفسك وأنت محصور، خل سبيل هذا الرجل، قَالَ: لا ولا كرامة، فرجع ابن حضين إليهم فأخبرهم، فاعتزل معن وعبد الرحمن بْن بشير العجلي، فقال ابن حضين لابن هبيرة: هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم، وإن تماديت في ذلك كانوا أشد عليك ممن حصرك، فدعا أبا أمية فكساه، وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وقدم أبو نصر مالك بْن الهيثم من ناحية سجستان، فأوفد الحسن بْن قحطبة وفدا إلى أبي العباس بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غيلان ابن عبد الله الخزاعي- وكان غيلان واجدا على الحسن لأنه سرحه الى روح ابن حاتم مددا له- فلما قدم على أبي العباس قَالَ: أشهد أنك أمير المؤمنين، وأنك حبل الله المتين، وانك امام المتقين، فقال: حاجتك يا غيلان؟ قَالَ:
أستغفرك، قَالَ: غفر الله لك، فقال داود بْن علي: وفقك الله يا أبا فضالة، فقال له غيلان: يا أمير المؤمنين، من علينا برجل من اهل بيتك، قال:
او ليس عليكم رجل من أهل بيتي! الحسن بْن قحطبة، قَالَ: يا أمير المؤمنين، من علينا برجل من أهل بيتك، فقال أبو العباس مثل قوله الأول، فقال:
يا أمير المؤمنين، من علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه، وتقر أعيننا به، قَالَ: نعم يا غيلان، فبعث أبا جعفر، فجعل غيلان على شرطه فقدم واسطا، فقال أبو نصر لغيلان: ما أردت لا ما صنعت؟ قَالَ: به بود
(7/452)

فمكث أياما على الشرط، ثم قَالَ لأبي جعفر: لا أقوى على الشرط، ولكني أدلك على من هو أجلد مني، قَالَ: من هو؟ قَالَ: جهور بْن مرار، قَالَ: لا أقدر على عزلك، لأن أمير المؤمنين استعملك، قَالَ: اكتب إليه فأعلمه، فكتب إليه، فكتب إليه أبو العباس: أن اعمل برأي غيلان، فولى شرطه جهورا وقال أبو جعفر للحسن: ابغني رجلا أجعله على حرسي، قَالَ: من قد رضيته لنفسي، عثمان بْن نهيك، فولي الحرس.
قَالَ بشر بْن عيسى: ولما قدم أبو جعفر واسطا، تحول له الحسن عن حجرته، فقاتلهم وقاتلوه، فقاتلهم أبو نصر يوما، فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم، وقد كمن لهم معن وابو يحيى الجذامى، فلما جاوزهم أهل خراسان، خرجوا عليهم، فقاتلوهم حتى أمسوا، وترجل لهم أبو نصر، فاقتتلوا عند الخنادق، ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلالين، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل وسرح ابن هبيرة إلى معن أن ينصرف، فانصرف ومكثوا أياما.
وخرج أهل الشام أيضا مع محمد بْن نباتة ومعن بْن زائدة وزياد بْن صالح وفرسان من فرسان أهل الشام، فقاتلهم أهل خراسان، فهزموهم إلى دجلة، فجعلوا يتساقطون في دجلة، فقال أبو نصر: يا أهل خراسان مردمان خائنه بيابان هستيد وبرخزيد، فرجعوا وقد صرع ابنه، فحماه روح بْن حاتم، فمر به أبوه، فقال له بالفارسية: قد قتلوك يا بني، لعن الله الدنيا بعدك! وحملوا على أهل الشام فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة واسط، فقال بعضهم لبعض: لا والله لا تفلح بعد عيشتنا أبدا، خرجنا عليهم ونحن فرسان أهل الشام، فهزمونا حتى دخلنا المدينة.
وقتل تلك العشية من أهل خراسان بكار الأنصاري ورجل من أهل خراسان كانا من فرسان أهل خراسان، وكان أبو نصر في حصار ابن هبيرة يملأ السفن حطبا، ثم يضرمها بالنار لتحرق ما مرت به، فكان ابن هبيرة يهيئ حراقات كان فيها كلاليب تجر تلك السفن، فمكثوا بذلك أحد عشر شهرا، فلما طال ذلك عليهم طلبوا الصلح، ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر
(7/453)

قتل مروان، أتاهم به إسماعيل بْن عبد الله القسري، وقال لهم: علام تقتلون أنفسكم، وقد قتل مروان! وقد قيل: إن أبا العباس وجه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفا من عند أبي مسلم إلى ابن هبيرة لحربه، فشخص جعفر حتى قدم على الحسن ابن قحطبة، وهو محاصر ابن هبيرة بواسط، فتحول له الحسن عن منزله، فنزله أبو جعفر، فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تحنى عليه أصحابه، فقالت اليمانية: لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره وقالت النزارية: لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية، وكان إنما يقاتل معه الصعاليك والفتيان، وهم ابن هبيرة أن يدعو إلى محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن، فكتب إليه فأبطأ جوابه، وكاتب أبو العباس اليمانية من أصحاب ابن هبيرة، وأطمعهم فخرج إليه زياد بْن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان، ووعد ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية أبي العباس فلم يفعلا، وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانا، وكتب به كتابا، مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه ابن هبيرة، ثم أنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس، فأمره بإمضائه، وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون ابى مسلم، وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على أبي العباس، فكتب إليه بأخباره كلها، فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس:
إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.
ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في الف وثلاثمائة من البخارية، فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلام بْن سليم، فقال:
مرحبا بك أبا خالد! انزل راشدا، وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا بالقواد فدخلوا، ثم قَالَ سلام: ادخل أبا خالد، فقال له: أنا ومن معي؟ فقال: إنما استأذنت لك وحدك، فقام فدخل، ووضعت له وسادة، فجلس عليها، فحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه، ثم مكث يقيم عنه يوما، ويأتيه يوما
(7/454)

في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقال يزيد بْن حاتم لأبي جعفر: أيها الأمير، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء، فإذا كان يسير في هذه الفرسان والرجالة، فما يقول عبد الجبار وجهور! فقال أبو جعفر لسلام: قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته نحوا من ثلاثين، فقال له سلام ذلك، فتغير وجهه، وجاء في حاشيته نحوا من ثلاثين، فقال له سلام: كأنك تأتي مباهيا! فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال:
ما أردنا بك استخفافا، ولا امر الأمير بما امر به إلا نظرا لك، فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة.
وذكر أبو زيد أن محمد بْن كثير حدثه، قَالَ: كلم ابن هبيرة يوما أبا جعفر، فقال: يا هناه- او يايها المرء- ثم رجع، فقال: أيها الأمير، إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث، فسبقني لساني إلى ما لم أرده وألح أبو العباس على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه، حتى كتب إليه:
والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك، ثم يتولى قتله فأزمع على قتله، فبعث خازم بْن خزيمة والهيثم بْن شعبة بْن ظهير، وأمرهما بختم بيوت الأموال ثم بعث إلى وجوه من معه من القيسية والمضرية، فاقبل محمد ابن نباتة وحوثرة بْن سهيل وطارق بْن قدامة وزياد بْن سويد وأبو بكر بْن كعب العقيلي وأبان وبشر ابنا عبد الملك بْن بشر، في اثنين وعشرين رجلا من قيس وجعفر بْن حنظلة وهزان بْن سعد.
قَالَ: فخرج سلام بْن سليم، فقال: أين حوثرة ومحمد بْن نباتة؟ فقاما، فدخلا، وقد أجلس عثمان بْن نهيك والفضل بْن سليمان وموسى بْن عقيل في مائة في حجرة دون حجرته، فنزعت سيوفهما وكتفا، ثم دخل بشر وأبان ابنا عبد الملك بْن بشر، ففعل بهما ذلك، ثم دخل أبو بكر بْن كعب وطارق ابن قدامة، فقام جعفر بْن حنظلة، فقال: نحن رؤساء الأجناد، ولم يكون هؤلاء يقدمون علينا؟ فقال: ممن أنت؟ قَالَ: من بهراء، فقال: وراءك
(7/455)

أوسع لك، ثم قام هزان، فتكلم فأخر، فقال روح بْن حاتم:
يا أبا يعقوب، نزعت سيوف القوم، فخرج عليهم موسى بْن عقيل، فقالوا له: أعطيتمونا عهد الله ثم خستم به! إنا لنرجو أن يدرككم الله، وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه، فقال له حوثرة: إن هذا لا يغني عنك شيئا، فقال: كأني كنت أنظر إلى هذا، فقتلوا وأخذت خواتيمهم.
وانطلق خازم والهيثم بْن شعبة والأغلب بْن سالم في نحو من مائة، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل المال، فقال ابن هبيرة لحاجبه: يا أبا عثمان، انطلق فدلهم عليه، فأقاموا عند كل بيت نفرا، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بْن أيوب وحاجبه وعدة من مواليه، وبني له صغير في حجره، فجعل ينكر نظرهم فقال: أقسم بالله إن في وجوه القوم لشرا، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم، فقال:
ما وراءكم؟ فضربه الهيثم بْن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل وقتل مواليه، ونحى الصبي من حجره، وقال: دونكم هذا الصبي، وخر ساجدا فقتل وهو ساجد، ومضوا برءوسهم إلى أبي جعفر، فنادى بالأمان للناس إلا للحكم بْن عبد الملك بْن بشر وخالد بْن سلمة المخزومي وعمر بْن ذر، فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذر فآمنه أبو العباس، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالدا، فقتله أبو العباس، ولم يجز أمان أبي جعفر، وهرب ابو علاقة وهشام ابن هشيم بن صفوا بْن مزيد الفزاريان، فلحقهما حجر بْن سعيد الطائي فقتلهما على الزاب، فقال أبو عطاء السندي يرثيه:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد
(7/456)

وقال منقذ بْن عبد الرحمن الهلالي يرثيه:
منع العزاء حرارة الصدر ... والحزن عقد عزيمة الصبر
لما سمعت بوقعة شملت ... بالشيب لون مفارق الشعر
أفنى الحماة الغر أن عرضت ... دون الوفاء حبائل الغدر
مالت حبائل أمرهم بفتى ... مثل النجوم حففن بالبدر
عالى نعيهم فقلت له ... هلا أتيت بصيحة الحشر!
لله درك من زعمت لنا ... أن قد حوته حوادث الدهر
من للمنابر بعد مهلكهم ... أو من يسد مكارم الفخر!
فإذا ذكرتهم شكا ألما ... قلبي لفقد فوارس زهر
قتلى بدجلة ما يغمهم ... إلا عباب زواخر البحر
فلتبك نسوتنا فوارسها ... خير الحماة ليالي الذعر
وذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلي حدثه، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان، قال: كان هشام بْن عبد الملك خطب إلى يزيد بْن عمر بْن هبيرة ابنته على ابنه معاوية، فأبى أن يزوجه، فجرى بعد ذلك بين يزيد بْن عمر وبين الوليد بْن القعقاع كلام، فبعث به هشام إلى الوليد بْن القعقاع، فضربه وحبسه، فقال ابن طيسلة:
يا قل خير رجال لا عقول لهم ... من يعدلون إلى المحبوس في حلب
إلى امرئ لم تصبه الدهر معضلة ... إلا استقل بها مسترخي اللبب
وقيل: إن أبا العباس لما وجه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، كتب إلى الحسن بْن قحطبة: أن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فاسمع له واطمع، واحسن مؤازرته وكتب إلى أبي نصر مالك بْن الهيثم بمثل ذلك، فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور
(7/457)

وفي هذه السنة وجه أبو مسلم محمد بْن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم ففعل ذلك.
وفي هذه السنة وجه أبو العباس عمه عيسى بْن علي على فارس، وعليها محمد بْن الأشعث، فهم به، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني أبو مسلم ألا يقدم علي أحد يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه.
ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته، فاستحلف عيسى بالايمان المحرجه الا يعلو منبرا، ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك عملا، ولا تقلد سيفا إلا في غزو ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بْن علي واليا على فارس.
وفي هذه السنة وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر واليا على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، ووجه أخاه يحيى بْن محمد بْن علي واليا على الموصل.
وفيها عزل عمه داود بْن علي عن الكوفة وسوادها، وولاه المدينة ومكة واليمن واليمامة، وولى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بْن موسى.
وفيها عزل مروان- وهو بالجزيرة عن المدينة- الوليد بْن عروة، وولاها أخاه يوسف بْن عروة، فذكر الواقدي أنه قدم المدينة لأربع خلون من شهر ربيع الأول.
وفيها استقضى عيسى بْن موسى على الكوفة ابن أبي ليلى.
وكان العامل على البصرة في هذه السنة سفيان بْن معاوية المهلبي وعلى قضائها الحجاج بْن أرطاة، وعلى فارس محمد بْن الأشعث، وعلى السند منصور بْن جمهور، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان عبد الله بْن محمد، وعلى الموصل يحيى بْن محمد، وعلى كور الشام عبد الله بْن علي، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بْن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بْن برمك.
وحج بالناس في هذه السنة دَاوُد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس.
(7/458)

ثم دخلت

سنة ثلاث وثلاثين ومائة
. (ذكر ما كَانَ فِي هَذِهِ السنة من الأحداث) فمن ذلك ما كان من توجيه أبي العباس عمه سليمان بْن علي واليا على البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان ومهرجانقذق، وتوجيهه أيضا عمه إسماعيل بْن علي على كور الأهواز.
وفيها قتل داود بْن علي من كان أخذ من بني أمية بمكة والمدينة.
وفيها مات داود بْن علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، وكانت ولايته- فيما ذكر محمد بْن عمر- ثلاثة أشهر.
واستخلف داود بْن علي حين حضرته الوفاة على عمله ابنه موسى، ولما بلغت أبا العباس وفاته وجه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خاله زياد بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد المدان الحارثي، ووجه محمد بن يزيد بن عبد الله ابن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن في جمادى الأولى، فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن ثم وجه زياد بْن عبيد الله من المدينة إبراهيم بْن حسان السلمي، وهو أبو حماد الأبرص- إلى المثنى بْن يزيد بْن عمر بْن هبيرة وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه.
وفيها كتب أبو العباس إلى أبي عون بإقراره على مصر واليا عليها، وإلى عبد الله وصالح ابني علي على أجناد الشام وفيها توجه محمد بْن الأشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالا شديدا حتى فتحها وفيها خرج شريك بْن شيخ المهري بخراسان على أبي مسلم ببخارى ونقم عليه، وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، على أن نسفك الدماء، ونعمل بغير الحق وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو مسلم زياد بْن صالح الخزاعي فقاتله فقتله
(7/459)

وفيها توجه أبو داود خالد بْن إبراهيم من الوخش إلى الختل، فدخلها ولم يمتنع عليه حنش بْن السبل ملكها، وأتاه ناس من دهاقين الختل، فتحصنوا معه، وامتنع بعضهم في الدروب والشعاب والقلاع فلما ألح أبو داود على حنش، خرج من الحصن ليلا ومعه دهاقينه وشاكريته حتى انتهوا إلى أرض فرغانة، ثم خرج منها في أرض الترك، حتى وقع إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم، فجاوز بهم إلى بلخ، ثم بعث بهم إلى أبي مسلم.
وفيها قتل عبد الرحمن بْن يزيد بْن المهلب، قتله سليمان الذي يقال له الأسود، بأمان كتبه له.
وفيها وجه صالح بْن علي سعيد بْن عبد الله لغزو الصائفة، وراء الدروب.
وفيها عزل يحيى بْن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بْن علي.
وحج بالناس في هذه السنة زياد بْن عبيد الله الحارثى، كذلك حدثنى احمد ابن ثَابِت، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره.
وكان على الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجانقذق سليمان ابن علي، وعلى قضائها عباد بْن منصور، وعلى الأهواز إسماعيل بْن علي وعلى فارس محمد بْن الأشعث، وعلى السند منصور بْن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى قنسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بْن علي، وعلى فلسطين صالح بْن علي.
وعلى مصر عبد الملك بْن يزيد أبو عون، وعلى الجزيرة عبد الله بْن محمد المنصور، وعلى الموصل إسماعيل بْن علي، وعلى أرمينية صالح بْن صبيح، وعلى أذربيجان مجاشع بْن يزيد.
وعلى ديوان الخراج خالد بْن برمك.
(7/460)

ثم دخلت

سنة أربع وثلاثين ومائة
(ذكر ما كان فيها من الأحداث)

ذكر خبر خلع بسام بن ابراهيم
ففيها خالف بسام بْن إبراهيم بْن بسام، وخلع، وكان من فرسان أهل خراسان وشخص- فيما ذكر- من عسكر أبي العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممن شايعه على ذلك من رايه، مستسرين بخروجهم، ففحص عن أمرهم وإلى أين صاروا، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجه إليهم أبو العباس خازم بْن خزيمة، فلما لقي بساما ناجزه القتال، فانهزم بسام وأصحابه وقتل أكثرهم، واستبيح عسكره، ومضى خازم وأصحابه في طلبهم، في ارض جوخى إلى أن بلغ ماه، وقتل كل من لحقه منهزما، أو ناصبه القتال، ثم انصرف من وجهه ذلك، فمر بذات المطامير- أو بقرية شبيهة بها- وبها من بني الحارث بْن كعب من بني عبد المدان، وهم أخوال أبي العباس ذنبة فمر بهم وهم في مجلس لهم- وكانوا خمسة وثلاثين رجلا منهم ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا، ومن مواليهم سبعة عشر رجلا- فلم يسلم عليهم، فلما جاز شتموه، وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بْن الفزع، وإنه لجأ إليهم، وكان من أصحاب بسام بْن إبراهيم فكر راجعا، فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم، فقالوا: مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها، فقال لهم: أنتم اخوال امير المؤمنين وياتيكم عدوه، فيأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا، وهدمت دورهم، وانتهبت أموالهم، ثم انصرف إلى أبي العباس، وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك، واجتمعت كلمتهم، فدخل زياد بْن عبيد الله الحارثي على أبي العباس مع عبد الله بْن
(7/461)

الربيع الحارثي وعثمان بْن نهيك، وعبد الجبار بْن عبد الرحمن، وهو يومئذ على شرطة أبي العباس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن خادما اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد من أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به، من استخفافه بحقك، وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد، وأتوك معتزين بك، طالبين معروفك، حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك، وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، وأنهب أموالهم، وأخرب ضياعهم، بلا حدث أحدثوه فهم بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بْن كعب وأبا الجهم بْن عطية، فدخلا على أبي العباس، فقالا: بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم، وإشارتهم عليك بقتله، وما هممت به من ذلك، وإنا نعيذك بالله من ذلك، فإن له طاعة وسابقة، وهو يحتمل له ما صنع، فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب من الأولاد والآباء والإخوان، وقتلوا من خالفكم، وأنت أحق من تعمد إساءة مسيئهم، فإن كنت لا بد مجمعا على قتله فلا تتول ذلك بنفسك، وعرضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج إلى الجلندي وأصحابه، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بْن عبد العزيز اليشكري، فامر ابو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب الى سليمان بْن علي وهو على البصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمان فشخص
. امر الخوارج مع خازم بن خزيمة وقتل شيبان بن عبد العزيز
وفي هذه السنة شخص خازم بْن خزيمة إلى عمان، فأوقع بمن فيها من الخوارج، وغلب عليها وعلى ما قرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجي.
ذكر الخبر عما كان منه هنالك: ذكر أن خازم بْن خزيمة شخص في السبعمائة الذين ضمهم إليه أبو العباس، وانتخب من أهل بيته وبني عمه ومواليه ورجال من أهل مرو الروذ، قد عرفهم
(7/462)

ووثق بهم، فسار إلى البصرة، فحملهم سليمان بْن علي، وانضم إلى خازم بالبصرة عدة من بني تميم، فساروا حتى أرسوا بجزيرة ابن كاوان، فوجه خازم نضلة بْن نعيم النهشلي في خمسمائة رجل من أصحابه إلى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فركب شيبان وأصحابه السفن، فقطعوا إلى عمان- وهم صفرية- فلما صاروا إلى عمان نصب لهم الجلندي وأصحابه- وهم إباضية- فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل شيبان ومن معه، ثم سار خازم في البحر بمن معه، حتى أرسوا إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى صحراء، فلقيهم الجلندي وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم، وهم يومئذ على ضفة البحر، وقتل فيمن قتل أخ لخازم لأمه يقال له إسماعيل، في تسعين رجلا من أهل مرو الروذ، ثم تلاقوا في اليوم الثاني، فاقتتلوا قتالا شديدا، وعلى ميمنته رجل من أهل مرو الروذ، يقال له حميد الورتكاني، وعلى ميسرته رجل من أهل مرو الروذ يقال له مسلم الأرغدي، وعلى طلائعه نضلة بْن نعيم النهشلي، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة رجل، وأحرقوا منهم نحوا من تسعين رجلا ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به عليه رجل من أهل الصغد، وقع بتلك البلاد، فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويرووها بالنفط، ويشعلوا فيها النيران، ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندي.
وكانت من خشب وخلاف، فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شد عليهم خازم وأصحابه، فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم، وقتل الجلندي فيمن قتل، وبلغ عدة من قتل عشرة آلاف، وبعث خازم برءوسهم الى البصره، فمكثت بالبصرة أياما، ثم بعث بها إلى أبي العباس، وأقام خازم بعد ذلك أشهرا، حتى أتاه كتاب ابى العباس باقفاله فقفلوا
. ذكر غزوه كس
وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن ابراهيم اهل كس فقتل الاخريد
(7/463)

ملكها، وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلخ، ثم تلقاه بكندك مما يلي كس، وأخذ أبو داود من الأخريد وأصحابه حين قتلهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة التي لم ير مثلها، ومن السروج الصينية ومتاع الصين كله من الديباج وغيره، ومن طرف الصين شيئا كثيرا، فحمله أبو داود أجمع إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل أبو داود دهقان كس في عدة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الاخريد وملكه على كس، وأخذ ابن النجاح ورده إلى أرضه، وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد وأهل بخارى، وأمر ببناء حائط سمرقند، واستخلف زياد بْن صالح على الصغد وأهل بخارى، ثم رجع أبو داود الى بلخ
. ذكر قتال منصور بن جمهور
وفي هذه السنة وجه أبو العباس موسى بن كعب الى الهند لقتال منصور ابن جمهور، وفرض لثلاثة آلاف رجل من العرب والموالي بالبصرة ولألف من بني تميم خاصة، فشخص واستخلف مكانه على شرطة أبي العباس المسيب ابن زهير حتى ورد السند، ولقي منصور بْن جمهور في اثني عشر ألفا، فهزمه ومن معه، ومضى فمات عطشا في الرمال.
وقد قيل: أصابه بطن، وبلغ خليفة منصور وهو بالمنصورة هزيمة منصور، فرحل بعيال منصور وثقله، وخرج بهم في عدة من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر.
وفيها توفي محمد بْن يزيد بْن عبد الله وهو على اليمن، فكتب أبو العباس إلى علي بْن الربيع بْن عبيد الله الحارثي، وهو عامل لزياد بْن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها.
وفي هذه السنة تحول أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار- وذلك فيما قَالَ الواقدي وغيره- في ذي الحجة
(7/464)

وفيها عزل صالح بْن صبيح عن أرمينية، وجعل مكانه يزيد بْن أسيد وفيها عزل مجاشع بْن يزيد عن أذربيجان واستعمل عليها محمد بْن صول.
وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال وحج بالناس في هذه السنة عيسى بْن موسى، وهو على الكوفة وأرضها.
وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بْن عبيد الله، وعلى اليمن علي بْن الربيع الحارثي، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجانقذق سليمان بْن علي، وعلى قضائها عباد بْن منصور، وعلى السند موسى بْن كعب، وعلى خراسان والجبال ابو مسلم، وعلى فلسطين صالح ابن علي، وعلى مصر أبو عون، وعلى موصل إسماعيل بْن علي، وعلى أرمينية يزيد بْن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بْن صول وعلى ديوان الخراج خالد بْن برمك، وعلى الجزيرة عبد الله بْن محمد أبو جعفر وعلى قنسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بن على.
(7/465)

ثم دخلت

سنة خمس وثلاثين ومائة
(ذكر ما كان فيها من الأحداث)

ذكر خبر خروج زياد بن صالح
4 فمما كان فيها من ذلك خروج زياد بْن صالح وراء نهر بلخ، فشخص أبو مسلم من مرو مستعدا للقائه، وبعث أبو داود خالد بْن إبراهيم نصر بْن راشد إلى الترمذ، وأمره أن ينزل مدينتها، مخافة أن يبعث زياد بْن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر، وأقام بها أياما، فخرج عليه ناس من الراوندية من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق، فقتلوا نصرا، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بْن ماهان في تتبع قتلة نصر، فتتبعهم فقتلهم، فمضى أبو مسلم مسرعا، حتى انتهى إلى آمل، ومعه سباع بْن ابى النعمان الأزدي، وهو الذي كان قدم بعهد زياد بْن صالح من قبل أبي العباس، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبي مسلم فيقتله فأخبر أبو مسلم بذلك، فدفع سباع بْن النعمان إلى الحسن بْن الجنيد عامله على آمل، وأمره بحبسه عنده، وعبر أبو مسلم إلى بخارى، فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشروي في قواد قد خلعوا زيادا، فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومن أفسده، قالوا: سباع بْن النعمان، فكتب إلى عامله على آمل أن يضرب سباعا مائة سوط، ثم يضرب عنقه، ففعل.
ولما أسلم زيادا قواده ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دهقان باركث، فوثب عليه الدهقان، فضرب عنقه، وجاء برأسه إلى أبي مسلم، فأبطأ أبو داود على أبي مسلم لحال الراوندية الذين كانوا خرجوا، فكتب اليه ابو مسلم: اما بعد فليفرخ روعك، ويأمن سربك، فقد قتل الله زيادا، فاقدم، فقدم ابو داود، كس، وبعث عيسى بْن ماهان إلى بسام، وبعث ابن النجاح إلى الأصبهبذ إلى شاوغر، فحاصر الحصن فاما أهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك
(7/466)

واما بسام فلم يصل عيسى بْن ماهان إلى شيء منه، حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتابا وجدها من عيسى بْن ماهان إلى كامل بْن مظفر صاحب أبي مسلم، يعيب فيها أبا داود، وينسبه فيها إلى العصبية وإيثاره العرب وقومه على غيرهم من أهل هذه الدعوة، وإن في عسكره ستة وثلاثين سرادقا للمستأمنة، فبعث بها أبو مسلم إلى أبي داود، وكتب إليه: إن هذه كتب العلج الذي صيرته عدل نفسك، فشأنك به فكتب ابو داود الى عيسى ابن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسام، فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم، وكان في يده محبوسا، ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكره صنيعته به وإيثاره إياه على ولده، فأقر بذلك، فقال أبو داود: فكان جزاء ما صنعت بك أن سعيت بي وأردت قتلي فأنكر ذلك، فأخرج كتبه فعرفها، فضربه أبو داود يومئذ حدين: أحدهما للحسن بْن حمدان ثم قَالَ أبو داود: أما إني قد تركت ذنبك لك، ولكن الجند أعلم فأخرج في القيود، فلما أخرج من السرادق وثب عليه حرب بْن زياد وحفص بْن دينار مولى يحيى بْن حضين، فضرباه بعمود وطبرزين، فوقع إلى الأرض، وعدا عليه أهل الطالقان وغيرهم.
فأدخلوه في جوالق، وضربوه بالأعمدة، حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مرو.
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بْن علي وهو على البصرة وأعمالها وعلى قضائها عباد بْن منصور.
وكان على مكة الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عباس، وعلى المدينة زياد بْن عبيد الله الحارثي، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون، وعلى حمص وقنسرين وبعلبك والغوطة وحوران والجولان والأردن عبد الله ابن علي وعلى البلقاء وفلسطين صالح بْن علي، وعلى الموصل إسماعيل بْن علي، وعلى أرمينية يزيد بْن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بْن صول، وعلى ديوان الخراج خالد بْن برمك.
(7/467)

ثم دخلت

سنة ست وثلاثين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر قدوم ابى مسلم على ابى العباس
ففي هذه السنة قدم أبو مسلم العراق من خراسان على أبي العباس أمير المؤمنين.
ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من امره في ذلك:
ذكر علي بْن محمد أن الهيثم بْن عدي أخبره والوليد بْن هشام، عن أبيه، قالا: لم يزل أبو مسلم مقيما بخراسان، حتى كتب إلى أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه، فأجابه إلى ذلك، فقدم على أبي العباس في جماعة من أهل خراسان عظيمة ومن تبعه من غيرهم من الأنبار، فأمر أبو العباس الناس يتلقونه، فتلقاه الناس، وأقبل إلى أبي العباس، فدخل عليه فأعظمه وأكرمه، ثم استأذن أبا العباس في الحج فقال: لولا أن أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم وأنزله قريبا منه، فكان يأتيه في كل يوم يسلم عليه، وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا، لأن أبا العباس كان بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور، بعد ما صفت له الأمور بعهده على خراسان وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعده، فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان وأقام أبو جعفر أياما حتى فرغ من البيعة، ثم انصرف وكان أبو مسلم قد استخف بأبي جعفر في مقدمه ذلك، فلما قدم على أبي العباس أخبره بما كان من استخفافه به.
قَالَ علي: قَالَ الوليد عن أبيه: لما قدم أبو مسلم على أبي العباس، قَالَ أبو جعفر لأبي العباس: يا أمير المؤمنين، أطعني واقتل أبا مسلم، فو الله إن في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي، قد عرفت بلاءه وما كان منه، فقال
(7/468)

أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ في هذه الدولة فقال له أبو العباس: فكيف نقتله؟
قَالَ: إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك دخلت فتغفلته فضربته من خلفه ضربة أتيت بها على نفسه، فقال أبو العباس: فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قَالَ: يئول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قد قتل تفرقوا وذلوا، قَالَ: عزمت عليك إلا كففت عن هذا، قَالَ: أخاف والله ان لم تتغده اليوم يتعشاك غدا، قَالَ: فدونكه، أنت أعلم.
قَالَ: فخرج أبو جعفر من عنده عازما على ذلك، فندم أبو العباس وأرسل إلى أبي جعفر: لا تفعل ذلك الأمر.
وقيل: إن أبا العباس لما أذن لأبي جعفر في قتل أبي مسلم، دخل أبو مسلم على أبي العباس، فبعث أبو العباس خصيا له، فقال: اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر، فأتاه فوجده محتبيا بسيفه، فقال للخصي: أجالس أمير المؤمنين؟
فقال له: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الخصي إلى أبي العباس فأخبره بما رأى منه، فرده إلى أبي جعفر وقال له: قل له الأمر الذي عزمت عليه لا تنفذه فكف ابو جعفر
. حج ابى جعفر المنصور وابى مسلم
وفي هذه السنة حج أبو جعفر المنصور وحج معه أبو مسلم.
ذكر الخبر عن مسيرهما وعن وصفه مقدمهما على أبي العباس: أما أبو مسلم فإنه- فيما ذكر عنه- لما أراد القدوم على أبي العباس، كتب يستأذنه في القدوم للحج، فأذن له، وكتب إليه أن أقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترت الناس ولست آمن على نفسي فكتب إليه أن أقبل في ألف، فإنما أنت في سلطان أهلك ودولتك، وطريق مكة لا تحتمل العسكر، فشخص في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والري، وقدم بالأموال والخزائن فخلفها بالري، وجمع أيضا أموال الجبل، وشخص منها في ألف وأقبل، فلما أراد الدخول تلقاه القواد وسائر الناس، ثم استأذن
(7/469)

أبا العباس في الحج، فأذن له، وقال: لولا أن أبا جعفر حاج لوليتك الموسم.
وأما أبو جعفر فإنه كان أميرا على الجزيرة، وكان الواقدي، يقول: كان إليه مع الجزيرة أرمينية وأذربيجان، فاستخلف على عمله مقاتل بْن حكيم العكي، وقدم على أبي العباس فاستأذنه في الحج، فذكر علي بْن محمد عن الوليد بْن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجا، وحج معه أبو مسلم سنة ست وثلاثين ومائة، فلما انقضى الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم، فلما كان بين البستان وذات عرق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس، وكان أبو جعفر قد تقدم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمر فالعجل العجل، فأتاه الرسول فأخبره، فأقبل حتى لحق أبا جعفر، وأقبلا إلى الكوفة.
وفي هذه السنة عقد أبو العباس عبد الله بْن محمد بْن علي لأخيه أبي جعفر الخلافة من بعده، وجعله ولي عهد المسلمين، ومن بعد أبي جعفر عيسى ابن موسى بْن محمد بْن علي، وكتب العهد بذلك، وصيره في ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بْن موسى
. ذكر الخبر عن موت ابى العباس السفاح
وفيها توفي أبو العباس أمير المؤمنين بالأنبار يوم الأحد، لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة وكانت وفاته فيما قيل بالجدري.
وقال هشام بْن محمد: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ذي الحجة.
واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم: كان له يوم توفي ثلاث وثلاثون سنة وقال هشام بْن محمد: كان يوم توفي ابن ست وثلاثين سنة.
وقال بعضهم: كان له ثمان وعشرون سنة.
وكانت ولايته من لدن قتل مروان بْن محمد إلى أن توفي أربع سنين:
ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر وقال بعضهم:
وتسعة أشهر وقال الواقدي: أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة
(7/470)

أيام يقاتل مروان.
وملك بعد مروان أربع سنين وكان- فيما ذكر- ذا شعرة جعدة، وكان طويلا أبيض أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية.
وأمه ريطة بنت عبيد الله بْن عبد الله بْن عبد المدان بْن الديان الحارثي وكان وزيره أبو الجهم بْن عطية.
وصلى عليه عمه عيسى بْن علي، ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره.
وكان- فيما ذكر- خلف تسع جباب، وأربعة أقمصة، وخمسه سراويلات، واربعه طيالسه، وثلاثة مطارف خز
. خلافة أبي جعفر المنصور وهو عبد الله بْن محمد
وفي هذه السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة، وذلك في اليوم الذي توفي فيه أخوه أبو العباس، وأبو جعفر يومئذ بمكة، وكان الذي أخذ البيعة بالعراق لأبي جعفر بعد موت أبي العباس عيسى بْن موسى، وكتب إليه عيسى يعلمه بموت أخيه أبي العباس وبالبيعة له.
وذكر علي بْن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بْن عياش، قَالَ: لما حضرت أبا العباس الوفاة، أمر الناس بالبيعة لعبد الله بْن محمد أبي جعفر، فبايع الناس له بالأنبار في اليوم الذي مات فيه أبو العباس وقام بأمر الناس عيسى بْن موسى، وأرسل عيسى بْن موسى إلى أبي جعفر وهو بمكة محمد بْن الحصين العبدي بموت أبي العباس، وبالبيعة له، فلقيه بمكان من الطريق يقال له زكية، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه، وبايعه أبو مسلم، فقال أبو جعفر: أين موضعنا هذا؟ قالوا: زكية، فقال: أمر يزكى لنا إن شاء الله تعالى.
وقال بعضهم: ورد على أبي جعفر البيعة له بعد ما صدر من الحج، في منزل من منازل طريق مكة، يقال له صفية، فتفاءل باسمه، وقال: صفت لنا إن شاء الله تعالى
(7/471)

رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد: فقال علي: حدثني الوليد، عن أبيه، قَالَ: لما أتى الخبر أبا جعفر كتب إلى أبي مسلم وهو نازل بالماء، وقد تقدمه أبو جعفر، فأقبل أبو مسلم حتى قدم عليه.
وقيل إن أبا مسلم كان هو الذي تقدم أبا جعفر، فعرف الخبر قبله، فكتب إلى أبي جعفر:
بسم الله الرحمن الرحيم عافاك الله وأمتع بك، إنه أتاني أمر أفظعني وبلغ مني مبلغا لم يبلغه شيء قط، لقيني محمد بْن الحصين بكتاب من عيسى بْن موسى إليك بوفاة أبي العباس أمير المؤمنين رحمه الله، فنسأل الله أن يعظم أجرك، ويحسن الخلافة عليك، ويبارك لك فيما أنت فيه، إنه ليس من أهلك أحد أشد تعظيما لحقك وأصفى نصيحة لك، وحرصا على ما يسرك مني.
وأنفذ الكتاب إليه، ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد، ثم بعث إلى أبي جعفر بالبيعة، وإنما أراد ترهيب أبي جعفر بتأخيرها.
رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد: فلما جلس أبو مسلم، ألقى إليه الكتاب، فقرأه وبكى واسترجع قَالَ: ونظر أبو مسلم إلى أبي جعفر، وقد جزع جزعا شديدا فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال:
أتخوف شر عبد الله بْن علي وشيعة علي، فقال: لا تخفه، فأنا أكفيك أمره إن شاء الله، إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان، وهم لا يعصونني.
فسري عن أبي جعفر ما كان فيه وبايع له أبو مسلم وبايع الناس، وأقبلا حتى قدما الكوفة، ورد أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة، وكان قبل ذلك واليا عليها وعلى المدينة لأبي العباس.
وقيل: إن أبا العباس كان قد عزل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة، وولاها الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ العباس وفي هذه السنة قدم عبد الله بْن علي على أبي العباس.
الأنبار، فعقد له
(7/472)

أبو العباس على الصائفة في أهل خراسان وأهل الشام والجزيرة والموصل، فسار فبلغ دلوك، ولم يدرب حتى أتته وفاة أبي العباس.
وفي هذه السنة بعث عيسى بْن موسى وأبو الجهم يزيد بْن زياد أبا غسان إلى عبد الله بْن علي ببيعة المنصور فانصرف عبد الله بْن علي بمن معه من الجيوش، قد بايع لنفسه حتى قدم حران وأقام الحج للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور، وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة، ومن استخلف عليه حين شخص حاجا.
وكان على الكوفة عيسى بْن موسى وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بْن على، وعلى قضائها عباد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بْن عبيد الله الحارثي، وعلى مكة العباس بْن عبد الله بْن معبد، وعلى مصر صالح ابن على.
(7/473)

ثم دخلت

سنة سبع وثلاثين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِي هَذِهِ السنة من الاحداث)

ذكر خبر خروج عبد الله بن على وهزيمته
فمما كان فيها من ذلك قدوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزوله الحيرة، فوجد عيسى بْن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفه طلحه ابن إسحاق بْن محمد بْن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكوفة فصلى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ووافاه أبو مسلم بالحيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه.
وذكر علي بْن محمد عن الوليد، عن أبيه، أن عيسى بْن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين، حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بْن موسى من بعده، فسلم عيسى بْن موسى إلى أبي جعفر الأمر، وقد كان عيسى بْن موسى بعث أبا غسان- واسمه يزيد بْن زياد، وهو حاجب أبي العباس- إلى عبد الله بْن علي ببيعه ابى جعفر، ذلك بأمر أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده فقدم أبو غسان على عبد الله بْن على بأفواه الدروب متوجها يريد والروم، فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دلوك، أمر مناديا فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القواد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه، وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بْن محمد دعا بني أبيه، فأرادهم على المسير إلى مروان بْن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو ولي عهدي، فلم ينتدب له غيري، فعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت.
من قتلت فقام أبو غانم الطائي وخفاف المروروذي في عدة من قواد أهل خراسان فشهدوا له بذلك، فبايعه أبو غانم وخفاف وأبو الأصبغ وجميع من كان معه
(7/474)

من أولئك القواد، فيهم حميد بْن قحطبة وخفاف الجرجاني وحياش بْن حبيب ومخارق بْن غفار وترار خدا وغيرهم من أهل خراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تل محمد، فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حران، وبها مقاتل العكي- وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس- فأراد مقاتلا على البيعة فلم يجبه، وتحصن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حصنه فقتله.
وسرح أبو جعفر لقتال عبد الله بْن علي أبا مسلم، فلما بلغ عبد الله إقبال أبي مسلم أقام بحران، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت، فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحران، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائرا من الأنبار، ولم يتخلف عنه من القواد أحد، وبعث على مقدمته مالك بْن الهيثم الخزاعي، وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بْن علي، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان، وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بْن إبراهيم أبا داود.
قَالَ الهيثم: كان حصار عبد الله بْن علي مقاتلا العكي أربعين ليلة، فلما بلغه مسير أبي مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشي أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكي أمانا، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أياما يسيرة، ثم وجهه إلى عثمان بْن عبد الأعلى بْن سراقة الأزدي إلى الرقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتابا دفعه إلى العكي، فلما قدموا على عثمان قتل العكي وحبس ابنيه، فلما بلغه هزيمة عبد الله بْن علي وأهل الشام بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما.
وكان عبد الله بْن علي خشي ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، أمر صاحب شرطه فقتلهم، وكتب لحميد بْن قحطبة كتابا ووجهه إلى حلب، وعليها زفر بْن عاصم وفي الكتاب: إذا قدم عليك حميد بْن قحطبة فاضرب عنقه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكر في كتابه، وقال: إن ذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغرر، ففك
(7/475)

الطومار فقرأه، فلما رأى ما فيه دعا أناسا من خاصته فأخبرهم الخبر، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: من أراد منكم أن ينجو ويهرب فليسر معي، فإني أريد أن آخذ طريق العراق، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بْن علي في أمره، وقال لهم: من لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشين سري، وليذهب حيث أحب.
قَالَ: فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابه فأنعلت، وأنعل أصحابه دوابهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوز بهم وبهرج الطريق فأخذ على ناحية من الرصافة، رصافة هشام بالشام، وبالرصافة يومئذ مولى لعبد الله بْن علي يقال له سعيد البربري، فبلغه أن حميد بْن قحطبة قد خالف عبد الله بْن علي، وأخذ في المفازة، فسار في طلبه فيمن معه من فرسانه، فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حميد ثنى فرسه نحوه حتى لقيه، فقال له:
ويحك! أما تعرفني! والله مالك في قتالي من خير فارجع، فلا تقتل أصحابي وأصحابك، فهو خير لك فلما سمع كلامه عرف ما قَالَ له، فرجع إلى موضعه بالرصافة، ومضى حميد ومن كان معه، فقال له صاحب حرسه موسى بْن ميمون: إن لي بالرصافة جارية، فإن رأيت أن تأذن لي فآتيها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك! فأذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرصافة يريد حميدا، فلقيه سعيد البربري مولى عبد الله بْن علي، فأخذه فقتله، وأقبل عبد الله بْن علي حتى نزل نصيبين، وخندق عليه.
وأقبل أبو مسلم وكتب أبو جعفر إلى الحسن بْن قحطبة- وكان خليفته بأرمينية- أن يوافي أبا مسلم، فقدم الحسن بْن قحطبة على أبي مسلم وهو بالموصل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرض له، وأخذ طريق الشام، وكتب إلى عبد الله:
إني لم أومر بقتالك، ولم أوجه له، ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام، وإنما أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام لعبد الله: كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا، وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا!
(7/476)

ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حرمنا وذرارينا ونقاتله إن قاتلنا، فقال لهم عبد الله بْن علي: إنه والله ما يريد الشام، وما وجه الا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينكم قَالَ: فلم تطب أنفسهم، وأبوا إلا المسير إلى الشام قَالَ: وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبا منهم، وارتحل عبد الله بْن علي من عسكره متوجها نحو الشام، وتحول أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله ابن علي في موضعه، وعور ما كان حوله من المياه، وألقى فيها الجيف.
وبلغ عبد الله بْن علي نزول أبي مسلم معسكره، فقال لأصحابه من أهل الشام: ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره، فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان فيه، فاقتتلوا أشهرا خمسة أو ستة، وأهل الشام أكثر فرسانا وأكمل عده، وعلى ميمنه عبد الله بكار بْن مسلم العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بْن سويد الأسدي، وعلى الخيل عبد الصمد بْن علي، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بْن قحطبة، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بْن خزيمة، فقاتلوه أشهرا.
قَالَ علي: قَالَ هشام بْن عمرو التغلبي: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدث الناس يوما، فقيل: أي الناس أشد؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان وقال آخر: أهل الشام، فقال أبو مسلم: كل قوم في دولتهم أشد الناس قَالَ: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بْن علي فصدمونا صدمة أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا وشد علينا عبد الصمد في خيل مجردة، فقتل منا ثمانية عشر رجلا، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموا بأنفسهم: فأزالوا صفنا وجلنا جولة، فقلت لأبي مسلم:
لو حركت دابتى حتى اشرف على هذا التل فاصبح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قَالَ: قلت: وأنت أيضا فتحرك دابتك، فقال: إن أهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، ناد: يا أهل خراسان ارجعوا، فإن العاقبة لمن اتقى
(7/477)

قَالَ: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال:
من كان ينوي أهله فلا رجع فر من الموت وفي الموت وقع قَالَ: وكان قد عمل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها:
إن في ناحيتك انتشارا، فاتق ألا تؤتى من قبلك، فافعل كذا، قدم خيلك كذا، أو تأخر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض.
قَالَ: فلما كان يوم الثلاثاء- أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومائة- أو سبع وثلاثين ومائة- التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا.
فلما رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم، فأرسل إلى الحسن بْن قحطبة- وكان على ميمنته- أن أعر الميمنة وضم أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشداؤهم فلما رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام فحملوا عليهم فحطموهم وجال أهل القلب والميمنة.
قَالَ: وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بْن علي لابن سراقه الأزدي- وكان معه: يا بن سراقة، ما ترى؟ قَالَ: أرى والله أن تصبر وتقاتل حتى تموت، فإن الفرار قبيح بمثلك، وقبل عبته على مروان، فقلت: قبح الله مروان! جزع من الموت ففر! قَالَ: فإني آتي العراق، قَالَ: فأنا معك فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصي ما أصابوا في عسكر عبد الله بْن علي، فغضب من ذلك أبو مسلم ومضى عبد الله بْن علي وعبد الصمد بْن علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بْن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بْن علي فأتى سليمان بْن علي بالبصرة، فأقام عنده وآمن أبو مسلم الناس فلم يقتل أحدا، وأمر بالكف عنهم
(7/478)

ويقال: بل استأمن لعبد الصمد بْن علي إسماعيل بْن علي.
وقد قيل: إن عبد الله بْن علي لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رصافة هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، وعليها جهور بْن مرار العجلي، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبي الخصيب مولاه موثقا، فلما قدم عليه أمر بصرفه إلى عيسى بْن موسى، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه، وحباه وكساه.
وأما عبد الله بْن علي فلم يلبث بالرصافة إلا ليلة، ثم أدلج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بْن علي وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زمانا متوارين
. ذكر خبر قتل ابى مسلم الخراسانى
وفي هذه السنة قتل أبو مسلم.
ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن محمد، قَالَ: حدثنا سلمة بْن محارب ومسلم بْن المغيرة وسعيد بْن أوس وأبو حفص الأزدي والنعمان أبو السري ومحرز بْن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج- وذلك في سنة ست وثلاثين ومائة- وإنما أراد أن يصلي بالناس.
فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان:
أن أبا مسلم كتب إلي يستأذن في الحج وقد أذنت له، وقد ظننت أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أوليه إقامة الحج للناس، فاكتب إلي تستأذنني في الحج فإنك إذا كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك فكتب أبو جعفر إلى أبي العباس يستأذنه في الحج فأذن له، فوافى الأنبار، فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا! واضطغنها عليه.
قَالَ علي: قَالَ مسلم بْن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينية في تلك
(7/479)

السنة الحسن بْن قحطبة وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بْن مسلم بْن عروة- وكان أسود مولى لهم- فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كل منزل، ويصل من سأله، وكسا الأعراب البتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق، فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه، حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك- وضرب جنبه-: يا نيزك، أي جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة! ثم رجع الحديث إلى حديث الأولين قالوا: لما صدر الناس عن الموسم، نفر أبو مسلم قبل أبي جعفر، فتقدمه، فأتاه كتاب بموت أبي العباس واستخلاف أبي جعفر فكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يعزيه بأمير المؤمنين، ولم يهنئه بالخلافة، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: اكتب إليه كتابا غليظا، فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة، فقال يزيد بْن أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده، وهم له أطوع، وله أهيب، وليس معك أحد فأخذ برأيه، فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم، وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا، فاجتمعوا جميعا وجمع سلاحهم، فما كان في عسكره الا سته اذرع، فمضى أبو مسلم إلى الأنبار، ودعا عيسى بْن موسى إلى أن يبايع له، فأتى عيسى، فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة، وأتاه أن عبد الله بْن علي قد خلع، فرجع إلى الأنبار، فدعا أبا مسلم، فعقد له، وقال له: سر إلى ابن علي، فقال له أبو مسلم:
إن عبد الجبار بْن عبد الرحمن وصالح بْن الهيثم يعيبانني فاحبسهما، فقال أبو جعفر: عبد الجبار على شرطي- وكان قبل على شرط أبي العباس- وصالح بْن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما، قَالَ: أراهما آثر عندك مني! فغضب أبو جعفر، فقال أبو مسلم:
لم أرد كل هذا
(7/480)

قَالَ علي: قَالَ مسلم بْن المغيرة: كنت مع الحسن بْن قحطبة بأرمينية فلما وجه أبو مسلم إلى الشام كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير معه، فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أياما، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون الى القتال وليس بك إلي حاجة، فلو أذنت لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قَالَ: نعم، لكن أعلمني إذا أردت الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمته، وقلت:
أتيتك أودعك، قَالَ: قف لي بالباب حتى أخرج إليك، فخرجت فوقفت وخرج، فقال: إني أريد أن ألقي إليك شيئا لتبلغه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرك، ولولا مكانك من أبي أيوب لم أخبرك، فأبلغ أبا أيوب أني قد ارتبت بأبي مسلم منذ قدمت عليه، إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤه، ثم يلوي شدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء، قلت: نعم قد فهمت، فلقيت أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، وقال: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله بْن علي إلا أنا نرجو واحدة، نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد الله بْن علي، وقد قتل منهم من قتل، وكان عبد الله بْن علي حين خلع خاف أهل خراسان فقتل منهم سبعة عشر ألفا، أمر صاحب شرطته حياش بْن حبيب فقتلهم.
قَالَ علي: فذكر أبو حفص الأزدي أن أبا مسلم قاتل عبد الله بْن علي فهزمه، وجمع ما كان في عسكره من الأموال فصيره في حظيرة، وأصاب عينا ومتاعا وجوهرا كثيرا، فكان منثورا في تلك الحظيرة، ووكل بها وبحفظها قائدا من قواده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتشه، فخرج أصحابي يوما من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقالوا: هو في الحظيرة، قَالَ: فجاء فاطلع
(7/481)

من الباب، وفطنت له فنزعت خفي وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكمي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلاني، فقال: قد رأيت ما صنعت فلم صنعت هذا؟ قلت: إن في الحظيرة لؤلؤا منثورا ودراهم منثورة، ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خفي منها شيء، فنزعت خفي وجوربي، فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فاجعل بعضها في خفي وأشد بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتشون ولا أفتش، حتى جمعت مالا، قَالَ: وأما اللؤلؤ فإني لم أكن أمسه.
ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر علي عنهم قصة أبي مسلم في أول الخبر قالوا: ولما انهزم عبد الله بْن علي بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبي الخصيب وهم بقتله، فكلم فيه، وقيل: إنما هو رسول، فخل سبيله فرجع إلى أبي جعفر، وجاء القواد إلى أبي مسلم، فقالوا: نحن ولينا أمر هذا الرجل، وغنمنا عسكره، فلم يسأل عما في أيدينا، إنما لأمير المؤمنين من هذا الخمس.
فلما قدم أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره أن أبا مسلم هم بقتله، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه كتابا مع يقطين، أن قد وليتك مصر والشام، فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت، وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قريب.
فلما أتاه الكتاب غضب، وقال: هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي! وأعتزم بالمضي إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبي جعفر بذلك.
وقال غير من ذكرت خبره: لما ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله بْن علي بعث المنصور يقطين بْن موسى، وأمره أن يحصي ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه يك دين، فقال أبو مسلم: يا يقطين،
(7/482)

أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فابلغه يقطين ذلك.
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج من وجهه معارضا يريد خراسان، وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزاب وهو على الرواح إلى طريق حلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان: أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك، فإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك، ضنا بنفسي فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي اوجبت منك سمع ولا طاعة وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بْن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها، واسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده، وأقرب من طبه من الباب الذي فتحه عليك ووجه إليه جرير بْن يزيد بْن جرير بْن عبد الله البجلي، وكان واحد أهل زمانه، فخدعه ورده، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلن بالروم، وكان المنجمون يقولون ذلك، فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أياما.
وأما علي فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدم ذكرنا لهم إنهم قالوا: كتب أبو مسلم إلى أبي جعفر: أما بعد، فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترضه الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلا، وفي قرابته من رسول الله ص
(7/483)

قريبا، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه، فكان كالذي دلي بغرور، وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فان يعف عنى فقد ما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فيما قدمت يداي وما الله بظلام للعبيد وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقا، فلما دخل أرض العراق، ارتحل المنصور من الأنبار، فأقبل حتى نزل المدائن، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان، فقال: رب أمر لله دون حلوان وقال أبو جعفر لعيسى بْن علي وعيسى بْن موسى ومن حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم، فكتبوا إليه يعظمون امره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين، وأن يلتمس رضاه وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبي حميد المروروذي، وقال له: كلم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد، إن هو صلح وراجع ما أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس وأنا بريء من محمد، ان مضيت مشاقا ولم تأتني، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ولا تقولن له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير فسار أبو حميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم، حتى قدموا على أبي مسلم بحلوان، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك، حسدا وبغيا، يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان
(7/484)

منك، وكلمه وقال: يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك الشيطان، فقال له أبو مسلم:
متى كنت تكلمني بهذا الكلام! قَالَ: إنك دعوتنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبي ص بني العباس، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا بمحبتهم، وأعزنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلا إلا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا، وتفرق كلمتنا، وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلوني! فأقبل على أبي نصر، فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا! ما هذا بكلامه يا مالك! قَالَ:
لا تسمع كلامه، ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقت ما هذا كلامه، ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنك، ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدا فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، وقال: يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلا أعقل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، وقد قَالَ القوم ما قالوا؟ قَالَ: لا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الري فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان والري لك، وهم جندك ما يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت في جندك، وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك فدعا أبا حميد، فقال:
ارجع إلى صاحبك، فليس من رأيي أن آتيه قَالَ: قد عزمت على خلافه؟
قَالَ: نعم، قَالَ: لا تفعل، قَالَ: ما أريد أن ألقاه، فلما آيسه من الرجوع، قَالَ له ما امره به ابو جعفر، فوجم طويلا، ثم قَالَ: قم فكسره ذلك القول ورعبه.
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود- وهو خليفة أبي مسلم بخراسان- حين اتهم أبا مسلم: إن لك إمرة خراسان ما بقيت فكتب
(7/485)

أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه ص، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا وهما، فأرسل إلى أبي حميد وأبي مالك فقال لهما: إني قد كنت معتزما على المضي إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، وقال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه، ولك ولاية خراسان، وأجازه فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم، فقال له: ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعت على الرجوع؟ قَالَ: نعم، وتمثل:
ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام
فقال: اما إذا اعتزمت على هذا فخار الله لك، واحفظ عني واحدة، إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه.
قالوا: قَالَ أبو أيوب: فدخلت يوما على أبي جعفر وهو في خباء شعر بالرومية جالسا على مصلى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم، فرمى به إلي فقرأته، ثم قَالَ: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه، فقلت في نفسي:
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! طلبت الكتابه حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتبا للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى إنا إن قتل يرضى أصحابه بقتله، ولا يدعون هذا حيا، ولا أحدا ممن هو بسبيل منه، وامتنع مني النوم، ثم قلت: لعل الرجل يقدم وهو آمن، فإن كان آمنا فعسى أن ينال ما يريد، وإن قدم وهو حذر لم يقدر عليه إلا في شر، فلو التمست حيلة! فأرسلت إلى سلمة بْن سعيد بْن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق، تدخل معك حاتم بْن أبي سليمان أخي؟ قَالَ: نعم، فقلت- وأردت أن يطلع ولا
(7/486)

ينكر: وتجعل له النصف؟ قَالَ: نعم، قلت: إن كسكر كالت عام أول كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أول، فإن دفعتها إليك بقبالتها عاما أول أو بالأمانة أصبت ما تضيق به ذرعا، قَالَ: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه وتكلمه غدا، وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولاها أنت بما كانت في العام الأول، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قَالَ:
فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟ قلت: أنا أستأذن لك، ودخلت إلى أبي جعفر، فحدثته الحديث كله، قَالَ: فادع سلمة، فدعوته، فقال:
إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فقد أذنت لك، فاقرئه السلام، وأعلمه بشوقنا إليه فخرج سلمة فلقيه، فقال:
أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأيا، فطابت نفسه، وكان قبل ذلك كئيبا.
فلما قدم عليه سلمة سره ما أخبره به وصدقه، ولم يزل مسرورا حتى قدم.
قَالَ أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، فلما كان عشية قدم، دخلت على أمير المؤمنين وهو في خباء على مصلى، فقلت: هذا الرجل يدخل العشية، فَمَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ:
أُرِيدُ أَنْ أقتله حين أنظر إليه، قلت: أنشدك الله، إنه يدخل معه الناس، وقد علموا ما صنع، فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك وما أردت بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي عليه وعلينا جميعا من أصحاب أبي مسلم فدخل عليه من عشيته وسلم، وقام قائما بين يديه، فقال: انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك، وادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ثم اغد علي، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس قَالَ: فافترى علي أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم، وقال: متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائما على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي! فانصرفت وأصبحت غاديا عليه،
(7/487)

فلما رآنى قال: يا بن اللخناء، لا مرحبا بك! أنت منعتني منه أمس، والله ما غمضت الليلة، ثم شتمني حتى خفت أن يأمر بقتلي، ثم قَالَ: ادع لي عثمان بْن نهيك، فدعوته، فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟
قَالَ: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدك، والله لو أمرتني أن أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قَالَ: كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم؟
فوجم ساعة لا يتكلم، فقلت: ما لك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله، قَالَ: انطلق فجيء باربعه من وجوه الحرس جلند، فمضى، فلما كان عند الرواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان، ارجع، فرجع، قَالَ: اجلس، وأرسل إلي من تثق به من الحرس، فأحضر منهم أربعة، فقال لوصيف له انطلق:
فادع شبيب بْن واج، وادع أبا حنيفة ورجلين آخرين، فدخلوا، فقال لهم أمير المؤمنين نحوا مما قَالَ لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خلف الرواق، فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه.
وأرسل إلى أبي مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض، فقالوا: قد ركب، وأتاه وصيف، فقال: أتى عيسى بْن موسى، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أخرج فأطوف في العسكر، فأنظر ما يقول الناس؟ هل ظن أحد ظنا، او تكلم أحد بشيء؟ قَالَ: بلى، فخرجت، وتلقاني أبو مسلم داخلا، فتبسم وسلمت عليه ودخل، فرجعت، فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي، وجاء أبو الجهم، فلما رآه مقتولا قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! فأقبلت على أبي الجهم، فقلت له: أمرته بقتله حين خالف، حتى إذا قتل قلت هذه المقالة! فنبهت به رجلا غافلا، فتكلم بكلام أصلح ما جاء منه، ثم قَالَ: يا أمير المؤمنين، ألا أرد الناس؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فمر بمتاع يحول إلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرش فأخرجت، كأنه يريد أن يهيئ له رواقا آخر وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقل، فظنوه صادقا، فانصرفوا ثم راحوا، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم، وأعطى أبا إسحاق مائة الف
(7/488)

قَالَ أبو أيوب: قَالَ لي أمير المؤمنين: دخل علي أبو مسلم فعاتبته ثم شتمته، فضربه عثمان فلم يصنع شيئا، وخرج شبيب بْن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو والسيوف قد اعتورتك! وقلت: اذبحوه، فذبحوه.
قَالَ علي عن أبي حفص الأزدي، قَالَ: كنت مع أبي مسلم، فقدم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيت القوم على غير ما ترى، كل القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك.
فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثقله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قَالَ: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قَالَ: إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بالخاتم كله، فلم أكتبه ولم أختمه فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قواده، فسلم عليه، فقال له:
أطعني وارجع، فإنه إن عاينك قتلك، قَالَ: قد قربت من القوم فأكره أن أرجع فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلف الناس بحلوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغول، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليا، فأتى منزل عيسى بْن موسى- وكان يحب عيسى- فدعا له بالغداء وقال أمير المؤمنين للربيع- وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلق إلى أبي مسلم، ولا يعلم أحد، فقل له: قَالَ لك مرزوق: إن أردت أمير المؤمنين خاليا فالعجل، فقام فركب، وقال له عيسى: لا تعجل بالدخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجيء عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عباءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قَالَ: مدرج في الكساء، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ! قَالَ: اسكت، فما تم سلطانك وأمرك إلا اليوم، ثم رمي به في دجلة.
قَالَ علي: قَالَ أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بْن نهيك وأربعة
(7/489)

من الحرس، فقال لهم: إذا ضربت بيدي إحداهما على الأخرى، فاضربوا عدو الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله بْن علي، قَالَ: هذا أحدهما الذي علي، قَالَ: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين! قَالَ: ظننت أخذه لا يحل، فكتب إلي، فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قَالَ: فأخبرني عن تقدمك إياي في الطريق؟ قَالَ: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمتك التماس الرفق، قَالَ: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إلي: نقدم فنرى من رأينا، ومضيت فلا أنت اقمت حتى الحقك ولا أنت رجعت إلي! قَالَ: منعني من ذلك ما اخبرتك من طلب الرفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قَالَ:
فجارية عبد الله بْن علي أردت أن تتخذها؟ قَالَ: لا، ولكني خفت ان تضيع، فحملتها في قبة، ووكلت بها من يحفظها، قَالَ: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قَالَ: خفت أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري، وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك علي، قَالَ: تالله ما رأيت كاليوم قط، والله ما زدتني إلا غضبا، وضرب بيده، فخرجوا عليه، فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه.
قَالَ علي: قَالَ يزيد بْن أسيد: قَالَ أمير المؤمنين: عاتبت عبد الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحران؟ قَالَ: أنفقته وأعطيته الجند تقوية لهم واستصلاحا، قلت: فرجوعك إلى خراسان مراغما؟ قَالَ: دع هذا فما أصبحت أخاف أحدا إلا الله، فغضبت فشتمته، فخرجوا فقتلوه وقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتل، أتى عيسى بْن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدم وأنت في ذمتي،
(7/490)

فدخل مضرب أبي جعفر، وقد أمر عثمان بْن نهيك صاحب الحرس، فأعد له شبيب بْن واج المروروذي رجلا من الحرس وأبا حنيفة حرب بْن قيس، وقال لهم: إذا صفقت بيدي فشأنكم، وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجاري: ما الخبر؟ قَالَ: خير، يعطيننى الأمير سيفه، فقال: ما كان يصنع بي هذا! قَالَ: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قَالَ: ومن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب أمينة بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بْن عبد الله بْن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بْن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد نقبائنا قبل أن ندخلك في شيء من هذا الأمر؟ قَالَ: أراد الخلاف وعصاني فقتلته.
فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلته، وتعصيني وأنت مخالف علي! قتلني الله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيب وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومائة، فقال المنصور:
زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
سقيت كاسا كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
قَالَ: وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وحروبه ستمائه ألف صبرا.
وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قَالَ له: فعلت وفعلت، قَالَ له أبو مسلم.
ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان مني، فقال: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزت ناحيتها، إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب أمينة بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بْن عبد الله بْن عباس! لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا! فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه.
وقيل: إن عثمان بْن نهيك ضرب أبا مسلم أول ما ضرب ضربة خفيفة
(7/491)

بالسيف، فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه، فاعتقل بها ابو مسلم وضرب شبيب بن واج رجله، واعتوره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم! وقد كان أبو مسلم قَالَ- فيما قيل- عند أول ضربة أصابته:
يا أمير المؤمنين، استبقني لعدوك قَالَ: لا أبقاني الله إذا! وأي عدو لي أعدى منك! وقيل: إن عيسى بْن موسى دخل بعد ما قتل أبو مسلم، فقال:
يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا آنفا، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ونصيحته ورأي الإمام إبراهيم كان فيه، فقال: يا أنوك، والله ما أعلم في الأرض عدوا أعدى لك منه، ها هو ذاك في البساط، فقال عيسى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وكان لعيسى رأي في أبي مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك، وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهي مع ابى مسلم! قال: ثم دعا ابو جعفر جعفر بْن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت شعرة من رأسه فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله! ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبي مسلم مقتولا، فقال: يا أمير المؤمنين، عد من هذا اليوم لخلافتك.
ثم استؤذن لإسماعيل بْن علي، فدخل، فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في ليلتي هذه كأنك ذبحت كبشا وإني توطأته برجلي، فقال: نامت عينك يا أبا الحسن، قم فصدق رؤياك، قد قتل الله الفاسق، فقام إسماعيل إلى الموضع الذي فيه أبو مسلم، فتوطأه.
ثم إن المنصور هم بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم وقتل أبي نصر مالك- وكان على شرط أبي مسلم- فكلمه أبو الجهم، فقال:
يا أمير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه ودعا المنصور بأبي إسحاق فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم، قَالَ له أبو جعفر: أنت المتابع لعدو
(7/492)

الله أبي مسلم على ما كان أجمع، فكف وجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل الله الفاسق، وأمر بإخراجه إليه مقطعا، فلما رآه أبو إسحاق خر ساجدا، فأطال السجود، فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم، فرفع رأسه وهو يقول: الحمد لله الذي آمنني بك اليوم، والله ما أمنته يوما واحدا منذ صحبته، وما جئته يوما قط إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت، ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثياب كتان جدد، وقد تحنط فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه، ثم قَالَ:
استقبل طاعة خليفتك، واحمد الله الذي أراحك من الفاسق ثم قَالَ له أبو جعفر: فرق عني هذه الجماعة ثم دعا بمالك بْن الهيثم فحدثه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته، وإنما خدمه وخف له الناس بمرضاته، وإنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم، فقبل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبي مسلم وبعث أبو جعفر إلى عدة من قواد أبي مسلم بجوائز سنية، وأعطى جميع جنده حتى رضوا، ورجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسم بالله لئن قطعوا طنبا من أطنابي لأضربن عنقك ثم لأجاهدنهم فخرج إليهم أبو إسحاق فقال:
يا كلاب انصرفوا.
قَالَ علي: قَالَ أبو حفص الأزدي: لما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تاما، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: أفعلتموها! وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهده على شهرزور، ووجه رسولا إليه بالعهد، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجه إلى خراسان، فكتب إلى زهير بْن التركي- وهو على همذان: إن مر بك أبو نصر فاحبسه، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان، فأخذه فحبسه في القصر، وكان
(7/493)

زهير مولى لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بْن عريف- وهو ابن أخي أبي نصر لأمه- فقال: يا إبراهيم، تقتل عمك! قَالَ: لا والله أبدا، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: إني مأمور والله، إنه لمن أعز الخلق علي، ولكني لا أستطيع رد أمر امير المؤمنين وو الله لئن رمى أحدكم بسهم لأرمين إليكم برأسه ثم كتب أبو جعفر كتابا آخر إلى زهير: إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله.
وقدم صاحب العهد على أبي نصر بعهده فخلى زهير سبيله لهواه فيه، فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتاب إلى زهير بقتله، فقال: جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله.
وقدم أبو نصر على أبي جعفر، فقال: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، كانت له عندي أياد وصنائع فاستشارني فنصحت له، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت فعفا عنه، فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا اليوم البواب، لا يدخل أحد القصر وأنا حي فقال أبو جعفر:
أين مالك بْن الهيثم؟ فأخبروه عنه فرأى أنه قد نصح له.
وقيل: إن أبا نصر مالك بْن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بْن التركي: إن لله دمك إن فاتك مالك، فأتى زهير مالكا، فقال له: إني قد صنعت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيأ زهير أربعين رجلا تخيرهم، فجعلهم في بيتين يفضيان إلى المجلس الذي هيأه، فلما دخل مالك قَالَ: يا أدهم، عجل طعامك، فخرج أولئك الأربعون إلى مالك، فشدوه وثاقا، ووضع في رجليه القيود وبعث به إلى المنصور فمن عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل.
وفي هذه السنة ولى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بْن إبراهيم خراسان وكتب اليه بعهده
(7/494)

ذكر خروج سنباذ للطلب بدم ابى مسلم ثم قتله
4 وفيها خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم.
ذكر الخبر عن سنباذ:
ذكر أن سنباذ هذا كان مجوسيا، من أهل قرية من قرى نيسابور يقال لها أهن، وأنه كثر اتباعه لما ظهر، وكان خروجه غضبا لقتل أبي مسلم- فيما قيل- وطلبا بثأره، وذلك أنه كان من صنائعه، وغلب حين خرج على نيسابور وقومس والري، وتسمى فيروز أصبهبذ فلما صار بالري قبض خزائن أبي مسلم، وكان أبو مسلم خلف بها خزائنه حين شخص متوجها إلى أبي العباس، وكان عامة أصحاب سنباذ أهل الجبال فوجه إليهم أبو جعفر جهور بْن مرار العجلي في عشرة آلاف، فالتقوا بين همذان والري على طرف المفازة، فاقتتلوا، فهزم سنباذ، وقتل من اصحابه في الهزيمة نحو من ستين ألفا، وسبي ذراريهم ونساءهم ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس، قتله لونان الطبرى، فصير المنصور اصبهبذه طبرستان الى ولد هرمز بْن الفرخان، وتوجه.
وكان بين مخرج سنباذ الى قتله سبعون ليله.

خروج ملبد بن حرمله الشيبانى
44 وفي هذه السنة خرج ملبد بْن حرملة الشيباني، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت إليه روابط الجزيرة، وهم يومئذ فيما قيل ألف، فقاتلهم ملبد فهزمهم، وقتل من قتل منهم ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بْن حاتم المهلبي، فهزمه ملبد بعد قتال شديد كان بينهما، وأخذ ملبد جاريه ليزيد كان يطؤها، وقتل قائد من قواده، ثم وجه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بْن صفوان في ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبد، واستباح عسكرهم
(7/495)

ثم وجه إليه نزارا قائدا من قواد أهل خراسان، فقتله ملبد، وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بْن مشكان في جمع كثير، فلقيهم ملبد فهزمهم.
ثم وجه إليه صالح بْن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة، فهزمهم.
ثم سار إليه حميد بْن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبد فهزمه، وتحصن منه حميد، وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكف عنه.
وأما الواقدي فإنه زعم أن ظهور ملبد وتحكيمه كان في سنة ثمان وثلاثين ومائة، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ.
وحج بالناس في هذه السنة إسماعيل بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، كذلك قَالَ الواقدي وغيره، وهو على الموصل.
وكان على المدينة زياد بْن عبيد الله، والعباس بْن عبد الله بْن معبد على مكة ومات العباس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إلى زياد بْن عبيد الله، فأقره عليها أبو جعفر.
وكان على الكوفة في هذه السنة عيسى بْن موسى وعلى البصرة وأعمالها سليمان بْن علي، وعلى قضائها عمر بْن عامر السلمي وعلى خراسان أبو داود خالد بْن إبراهيم وعلى الجزيرة حميد بْن قحطبة وعلى مصر صالح بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس.
(7/496)

ثم دخلت

سنة ثمان وثلاثين ومائة
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة وقهرا لأهلها وهدمه سورها، وعفوه عمن فيها من المقاتلة والذرية.
ومنها غزو العباس بْن محمد بْن علي بْن عبد الله بْن العباس- في قول الواقدي- الصائفة، مع صالح بْن علي بْن عبد الله، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، وخرج معهم عيسى بْن علي بْن عبد الله، فوصله أيضا بأربعين ألف دينار، فبنى صالح بْن علي ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية.
وقد قيل: إن خروج صالح والعباس إلى ملطية للغزو كان في سنة تسع وثلاثين ومائة.
وفي هذه السنة بايع عبد الله بْن علي لأبي جعفر وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن على.

ذكر خلع جهور بن مرار المنصور
4 وفيها خلع جهور بْن مرار العجلي المنصور.
ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه: وكان سبب ذلك- فيما ذكر- ان جهور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم التي كان خلفها بالري، فلم يوجهها إلى أبي جعفر، وخاف فخلع، فوجه إليه أبو جعفر محمد بْن الأشعث الخزاعي في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالا شديدا، ومع جهور نخب فرسان العجم، زياد ودلاستاخنج، فهزم جهور وأصحابه، وقتل من أصحابه خلق كثير، وأسر زياد ودلاستاخنج، وهرب جهور فلحق بأذربيجان فأخذ بعد ذلك باسباذرو فقتل
(7/497)

ذكر خبر قتل ملبد الخارجي
وفي هذه السنة قتل الملبد الخارجي.
ذكر الخبر عن مقتله: ذكر أن أبا جعفر لما هزم الملبد حميد بْن قحطبة، وتحصن منه حميد، وجه إليه عبد العزيز بْن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بْن عبد الرحمن، وضم إليه زياد بْن مشكان، فأكمن له الملبد مائة فارس، فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين، فهزموه، وقتلوا عامة أصحابه فوجه أبو جعفر إليه خازم بْن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذية فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى الملبد بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار إلى بلد فخندقوا، وأقاموا له الأسواق، وبلغ ذلك الملبد، فخرج حتى نزل ببلد، في خندق خازم، فلما بلغ ذلك خازما خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبد عبر دجلة من بلد، وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل، فلما بلغ خازما ذلك، وبلغ اسماعيل ابن علي- وهو على الموصل- أمر إسماعيل خازما أن يرجع من معسكره حتى يعبر من جسر الموصل، فلم يفعل، وعقد جسرا من موضع معسكره، وعبر إلى الملبد، وعلى مقدمته وطلائعه نضلة بْن نعيم بْن خازم بْن عبد الله النهشلي، وعلى ميمنته زهير بْن محمد العامري، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى بني سليم وسار خازم في القلب، فلم يزل يساير الملبد وأصحابه حتى غشيهم الليل ثم تواقفوا ليلتهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبد وأصحابه متوجهين إلى كورة حزة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبد وأصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم وأصحابه في أثرهم، وتركوا خندقهم، وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسك، فلما خرجوا من خندقهم كر عليهم الملبد وأصحابه، فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين يديه وبين يدي أصحابه، فحملوا
(7/498)

على ميمنة خازم وطووها، ثم حملوا على الميسرة وطووها، ثم انتهوا إلى القلب، وفيه خازم، فلما رأى ذلك خازم نادى في اصحابه: الأرض، فنزلوا ونزل الملبد وأصحابه، وعقروا عامة دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، وأمر خازم نضلة بْن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضا فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها، ثم ارموا بالنشاب ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقوا الملبد وأصحابه بالنشاب، فقتل الملبد في ثمانمائه رجل ممن ترجل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمائة، وهرب الباقون، وتبعهم نضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلا.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن صالح بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، كذلك قَالَ الواقدي وغيره وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من الشام حاجا، فأدركته ولايته على الموسم والحج بالناس في الطريق، فمر بالمدينة فأحرم منها.
وزياد بن عبيد الله على المدينة ومكة والطائف، وعلى الكوفة وسوادها عيسى بْن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بْن علي، وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وأبو داود خالد بْن إبراهيم على خراسان، وعلى مصر صالح بْن علي
(7/499)

ثم دخلت

سنة تسع وثلاثين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من إقامة صالح بْن علي والعباس بْن محمد بملطية، حتى استتما بناء ملطية، ثم غزوا الصائفة من درب الحديث، فوغلا في أرض الروم- وغزا مع صالح أختاه: أم عيسى ولبابة ابنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله.
وغزا من درب ملطية جعفر بْن حنظلة البهراني وفي هذه السنة كان الفداء الذي جرى بين المنصور وصاحب الروم، فاستنقذ المنصور منهم أسراء المسلمين، ولم يكن بعد ذلك- فيما قيل- للمسلمين صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة، لاشتغال أبي جعفر بأمر ابني عبد الله بْن الحسن، إلا أن بعضهم ذكر أن الحسن بْن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بْن إبراهيم الإمام في سنه اربعين وأقبل قسطنطين صاحب الروم في مائة ألف، فنزل جيحان، فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم، ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة وفي هذه السنة سار عبد الرحمن بْن معاوية بْن هشام بْن عبد الملك بْن مروان إلى الأندلس، فملكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها إلى اليوم.
وفيها وسع أبو جعفر المسجد الحرام، وقيل إنها كانت سنة خصبة فسميت سنة الخصب.
وفيها عزل سليمان بْن علي عن ولاية البصرة، وعما كان إليه من أعمالها.
وقد قيل إنه عزل عن ذلك في سنة أربعين ومائة.
وفيها ولي المنصور ما كان إلى سليمان بْن علي من عمل البصرة سفيان بْن معاوية، وذلك- فيما قيل- يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان، فلما
(7/500)

عزل سليمان وولى سفيان توارى عبد الله بْن علي وأصحابه خوفا على أنفسهم، فبلغ ذلك أبا جعفر، فبعث إلى سليمان وعيسى ابني علي، وكتب إليهما في أشخاص عبد الله بْن علي، وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله بْن علي ما رضياه له ووثقا به، وكتب إلى سفيان بْن معاوية يعلمه ذلك، ويأمره بإزعاجهما واستحثاثهما بالخروج بعبد الله ومن معه من خاصته، فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامة قواده وخواص أصحابه ومواليه، حتى قدموا على أبي جعفر، يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.

ذكر خبر حبس عبد الله بن على
وفيها أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بْن علي وبحبس من كان معه من أصحابه وبقتل بعضهم.
ذكر الخبر عن ذلك:
ولما قدم سليمان وعيسى ابنا علي على أبي جعفر أذن لهما، فدخلا عليه، فأعلماه حضور عبد الله بْن علي، وسألاه الإذن له فأنعم لهما بذلك، وشغلهما بالحديث، وقد كان هيأ لعبد الله بْن علي محبسا في قصره، وامر به ان ينصرف اليه بعد دخول عيسى وسليمان عليه، ففعل ذلك به، ونهض أبو جعفر من مجلسه، فقال لسليمان وعيسى: سارعا بعبد الله، فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذي كان فيه، فعلما أنه قد حبس، فانصرفا راجعين إلى أبي جعفر، فحيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحاب عبد الله بْن علي من عواتقهم وحبسوا.
وقد كان خفاف بْن منصور حذرهم ذلك وندم على مجيئه، وقال لهم: إن أنتم أطعتموني شددنا شدة واحده على ابى جعفر، فو الله لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتي على نفسه، ونشد على هذه الأبواب مصلتين سيوفنا، ولا
(7/501)

يعرض لنا عارض إلا أفتنا نفسه حتى نخرج وننجو بأنفسنا، فعصوه فلما أخذت السيوف وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرط في لحيته، ويتفل في وجوه أصحابه ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته، وبعث بالبقية إلى أبي داود خالد بْن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها.
وقد قيل إن حبس أبي جعفر عبد الله بن على كان في سنة أربعين ومائة.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بْن محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بْن عبيد الله الحارثي، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بْن معاوية، وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وعلى خراسان ابو داود خالد بن ابراهيم.
(7/502)

ثم دخلت

سنة أربعين ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث

ذكر هلاك ابى داود عامل خراسان وولايه عبد الجبار
فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان.
ذكر الخبر عن ذلك وسبب هلاكه:
ذكر أن ناسا من الجند ثاروا بأبي داود خالد بْن إبراهيم بخراسان وهو عامل أبي جعفر المنصور عليها في هذه السنة ليلا، وهو نازل بباب كشماهن من مدينة مرو، حتى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه، فأشرف أبو داود من الحائط على حرف آجرة خارجة، وجعل ينادي أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة عند الصبح، فوقع على سترة صفة كانت قدام السطح فانكسر ظهره، فمات عند صلاة العصر، فقام عصام صاحب شرطه أبي داود بخلافة أبي داود، حتى قدم عليه عبد الجبار بْن عبد الرحمن الأزدي.
وفيها ولى ابى جعفر عبد الجبار بْن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فأخذ بها ناسا من القواد ذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد علي بْن أبي طالب، منهم مجاشع بْن حريث الأنصاري صاحب بخارى وأبو المغيرة، مولى بني تميم واسمه خالد بْن كثير وهو صاحب قوهستان، والحريش بن محمد الذهلي، ابن عم داود، فقتلهم، وحبس الجنيد بْن خالد بْن هريم التغلبي ومعبد بْن الخليل المزني بعد ما ضربهما ضربا مبرحا، وحبس عدة من وجوده قواد أهل خراسان، وألح على استخراج ما على عمال أبي داود من بقايا الأموال.
وفيها خرج أبو جعفر المنصور حاجا، فأحرم من الحيرة، ثم رجع بعد ما قضى حجه إلى المدينة، فتوجه منها إلى بيت المقدس
(7/503)

وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، إلا خراسان فإن عاملها كان عبد الجبار.
ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها، ثم سلك الشام فإن عاملها كان عبد الجبار.
ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها، ثم سلك الشام منصرفا حتى انتهى إلى الرقة، فنزلها، فأتى بمنصور بْن جعونة بْن الحارث العامري، من بني عامر بْن صعصعة، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات حتى أتى الهاشمية، هاشمية الكوفة
(7/504)

ثم دخلت

سنة إحدى وأربعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر الخبر عن خروج الراونديه
44 فمن ذلك خروج الراوندية، وقد قَالَ بعضهم: كان أمر الراوندية وأمر أبي جعفر الذي أنا ذاكره، في سنة سبع وثلاثين ومائة.
أو ست وثلاثين ومائة ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبي جعفر المنصور معهم:
والراوندية قوم- فيما ذكر عن علي بْن محمد- كانوا من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم، يقولون- فيما زعم- بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بْن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأن الهيثم بْن معاوية جبرئيل.
قَالَ: وأتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون به، ويقولون: هذا قصر ربنا، فأرسل المنصور إلى رؤسائهم، فحبس منهم مائتين، فغضب أصحابهم وقالوا: علام حبسوا! وأمر المنصور ألا يجتمعوا، فأعدوا نعشا وحملوا السرير- وليس في النعش أحد- ثم مروا في المدينة، حتى صاروا على باب السجن، فرموا بالنعش، وشدوا على الناس- ودخلوا السجن، فأخرجوا اصحابهم، وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائه رجل، فتنادى الناس، وغلقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من القصر ماشيا، ولم يكن في القصر دابة، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسا يكون في دار الخلافة معه في قصره.
قَالَ: ولما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم، وجاء معن ابن زائدة، فانتهى إلى أبي جعفر، فرمى بنفسه وترجل، وادخل بركه قبائه في منطقته، وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين
(7/505)

إلا رجعت، فإنك تكفى، وجاء أبو نصر مالك بْن الهيثم فوقف على باب القصر، وقال: أنا اليوم بواب، ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم، وفتح باب المدينة، فدخل الناس.
وجاء خازم بْن خزيمة على فرس محذوف، فقال: يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ قَالَ: نعم، فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط، ثم كروا على خازم فكشفوه واصحابه، ثم كر خازم عليهم فاضطرهم إلى حائط المدينة وقال للهيثم بْن شعبة: إذا كروا علينا فاسبقهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم فحملوا على خازم، فاطرد لهم، وصار الهيثم بْن شعبة من ورائهم فقتلوا جميعا.
وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك، فكلمهم، فرجع فرموه بنشابه فوقعت بين كتفيه، فمرض أياما ومات منها، فصلى عليه أبو جعفر، وقام على قبره حتى دفن، وقال: رحمك الله أبا يزيد! وصير مكانه على حرسه عيسى بْن نهيك، فكان على الحرس حتى مات، فجعل على الحرس أبا العباس الطوسي.
وجاء يومئذ إسماعيل بْن علي، وقد أغلقت الأبواب، فقال للبواب:
افتح ولك ألف درهم، فأبى وكان القعقاع بْن ضرار يومئذ بالمدينة، وهو على شرط عيسى بْن موسى، فأبلى يومئذ، وكان ذلك كله في المدينة الهاشمية بالكوفة.
قَالَ: وجاء يومئذ الربيع ليأخذ بلجام المنصور، فقال له معن: ليس هذا من أيامك، فأبلى أبرويز بْن المصمغان ملك دنباوند- وكان خالف أخاه، فقدم على أبي جعفر فأكرمه، وأجرى عليه رزقا، فلما كان يومئذ أتى المنصور فكفر له، وقال: أقاتل هؤلاء؟ قَالَ له: نعم، فقاتلهم، فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخر عنه- فلما قتلوا وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، وقال: أطلعوا معن بْن زائدة، وأمسك عن الطعام حتى جاءه معن، فقال لقثم: تحول إلى هذا الموضع، وأجلس معنا مكان قثم، فلما فرغوا من العشاء قَالَ لعيسى بْن علي: يا أبا العباس، اسمعت باشد
(7/506)

الرجال؟ قَالَ: نعم، قَالَ: لو رأيت اليوم معنا علمت أنه من تلك الآساد، قَالَ معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الإقدام عليهم، رأيت أمرا لم أره من خلق في حرب، فشد ذلك من قلبي وحملني على ما رايت منى.
وقال ابو خزيمة: يا أمير المؤمنين، إن لهم بقية، قَالَ: فقد وليتك أمرهم فاقتلهم، قَالَ: فاقتل رزاما فإنه منهم، فعاذ رزام بجعفر بْن أبي جعفر، فطلب فيه فآمنه.
وقال علي عن أبي بكر الهذلي، قَالَ: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزة! هذا الذي يطعمنا ويسقينا، فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلت وخلا وجهه، فقلت له:
سمعت اليوم عجبا، وحدثته، فنكت في الأرض، وقال: يا هذلي، يدخلهم الله النار في طاعتنا ويعتلهم، أحب إلي من أن يدخلهم الجنة بمعصيتنا.
وذكر عن جعفر بْن عبد الله، قَالَ: حدثني الفضل بْن الربيع، قَالَ:
حدثني أبي، قَالَ: سمعت المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطيات وقاني الله شرها: قتلت أبا مسلم وأنا في خرق ومن حولي يقدم طاعته ويؤثرها ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعا.
وذكر أن معن بْن زائدة كان مختفيا من أبي جعفر، لما كان منه من قتاله المسودة مع ابن هبيرة مرة بعد مرة، وكان اختفاؤه عند مرزوق أبي الخصيب، وكان على أن يطلب له الأمان، فلما خرج الراوندية أتى الباب فقام عليه، فسأل المنصور أبا الخصيب- وكان يلي حجابة المنصور يومئذ: من بالباب؟
فقال: معن بْن زائدة، فقال المنصور: رجل من العرب، شديد النفس، عالم بالحرب كريم الحسب، أدخله، فلما دخل قَالَ: إيه يا معن! ما الرأي؟
قَالَ: الرأي أن تنادي في الناس وتأمر لهم بالأموال، قَالَ: وأين الناس والأموال؟
(7/507)

ومن يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئا يا معن، الرأي أن أخرج فأقف، فإن الناس إذا رأوني قاتلوا وأبلوا وثابوا إلي، وتراجعوا، وإن أقمت تخاذلوا وتهاونوا فأخذ معن بيده وقال: يا أمير المؤمنين، إذا والله تقتل الساعة، فأنشدك الله في نفسك! فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها، فاجتذب ثوبه منهما، ثم دعا بدابته، فركب ووثب عليها من غير ركاب ثم سوى ثيابه، وخرج ومعن آخذ بلجامه وأبو الخصيب مع ركابه فوقف.
وتوجه إليه رجل فقال: يا معن دونك العلج، فشد عليه معن فقتله، ثم والى بين أربعة، وثاب إليه الناس وتراجعوا، ولم يكن إلا ساعة حتى أفنوهم، وتغيب معن بعد ذلك، فقال أبو جعفر لأبي الخصيب: ويلك! أين معن؟
قَالَ: والله ما أدري أين هو من الأرض! فقال: أيظن أن أمير المؤمنين لا يغفر ذنبه بعد ما كان من بلائه! أعطه الأمان وأدخله علي، فأدخله، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وولاه اليمن، فقال له أبو الخصيب: قد فرق صلته وما يقدر على شيء، قَالَ: له لو أراد مثل ثمنك ألف مرة لقدر عليه.
وفي هذه السنة وجه أبو جعفر المنصور ولده محمدا- وهو يومئذ ولي عهد- إلى خراسان في الجنود، وأمره بنزول الري، ففعل ذلك محمد.

ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى اليه
4 وفيها خلع عبد الجبار بْن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خراسان، ذكر علي بْن محمد، عمن حدثه، عن أبي أيوب الخوزي، أن المنصور لما بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خراسان، وأتاه من بعضهم كتاب فيه:
قد نغل الأديم، قَالَ لأبي أيوب الخزاعي: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلا وهو يريد أن يخلع، فقال له: ما أيسر حيلته! اكتب إليه:
أنك تريد غزو الروم، فيوجه إليك الجنود من خراسان، وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليهم من شئت، فليس به امتناع
(7/508)

فكتب بذلك إليه، فأجابه: أن الترك قد جاشت، وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبي أيوب، وقال له: ما ترى؟ قَالَ: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: أن خراسان أهم إلي من غيرها، وأنا موجه إليك الجنود من قبلي ثم وجه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه.
فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: أن خراسان لم تكن قط أسوأ حالا منها في هذا العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له: قد أبدى صفحته، وقد خلع فلا تناظره.
فوجه إليه محمد بْن المنصور، وأمره بنزول الري، فسار إليها المهدي، ووجه لحربه خازم بْن خزيمة مقدمة له، ثم شخص المهدي فنزل نيسابور، ولما توجه خازم بْن خزيمة الى عبد الجبار، وبلغ ذلك اهل مروالروذ، ساروا إلى عبد الجبار من ناحيتهم فناصبوه الحرب، وقاتلوه قتالا شديدا حتى هزم، فانطلق هاربا حتى لجأ إلى مقطنة، فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بْن مزاحم من أهل مرو الروذ، فأخذه أسيرا، فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه خازم مدرعة صوف، وحمله على بعير، وجعل وجهه من قبل عجز البعير، حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب، وضربوا بالسياط حتى استخرج منهم ما قدر عليه من الأموال ثم أمر المسيب بْن زهير بقطع يدي عبد الجبار ورجليه وضرب عنقه، ففعل ذلك المسيب، وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك- وهي جزيرة على ضفة البحر بناحية اليمن- فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند، فسبوهم فيمن سبوا حتى فودوا بعد، ونجا منهم من نجا، فكان ممن نجا منهم واكتتب في الديوان وصحب الخلفاء عبد الرحمن بْن عبد الجبار، وبقي إلى أن توفي بمصر في خلافة هارون، في سنة سبعين ومائة.
وفي هذه السنة فرغ من بناء المصيصة على يدي جبرئيل بْن يحيى الخراسانى،
(7/509)

ورابط محمد بْن إبراهيم الإمام بملطية.
واختلفوا في أمر عبد الجبار وخبره، فقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثنتين وأربعين ومائة.
وقال غيره: كان ذلك في سنة إحدى وأربعين ومائة وذكر عن علي بْن محمد أنه قَالَ: كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة، ويقال لأربع عشرة ليلة، وكانت هزيمته يوم السبت لست خلون من ربيع الأول سنة ثنتين وأربعين ومائة.
وذكر عن أحمد بْن الحارث، أن خليفة بْن خياط حدثه، قَالَ: لما وجه المنصور المهدي إلى الري- وذلك قبل بناء بغداد، وكان توجيهه إياه لقتال عبد الجبار بْن عبد الرحمن، فكفى المهدي أمر عبد الجبار بمن حاربه وظفر به- كره أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهدي، فكتب إليه أن يغزو طبرستان، وينزل الري، ويوجه أبا الخصيب وخازم بْن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ، وكان الأصبهبذ يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنباوند معسكرا بإزائه، فبلغه أن الجنود دخلت بلاده، وأن أبا الخصيب دخل سارية، فساء المصمغان ذلك، وقال له: متى صاروا إليك صاروا إلي، فاجتمعا على محاربة المسلمين، فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده، فحارب المسلمين، وطالت تلك الحروب، فوجه أبو جعفر عمر بْن العلاء الذي يقول فيه بشار:
فقل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير في المتهم
إذا ايقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم
وكان توجيهه إياه بمشورة أبرويز أخي المصمغان، فإنه قَالَ له:
يا أمير المؤمنين، إن عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان، فوجهه، وكان أبرويز قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الراوندية، فضم إليه أبو جعفر خازم بْن خزيمة، فدخل الرويان ففتحها، وأخذ قلعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب،
(7/510)

فألح خازم على القتال، ففتح طبرستان، وقتل منهم فأكثر، وصار الأصبهبذ إلى قلعته، وطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره، فكتب المهدي بذلك إلى أبي جعفر، فوجه أبو جعفر بصالح صاحب المصلى وعدة معه، فأحصوا ما في الحصن، وانصرفوا وبدا للأصبهبذ، فدخل بلاد جيلان من الديلم، فمات بها، وأخذت ابنته- وهي أم إبراهيم بْن العباس بْن محمد- وصمدت الجنود للمصمغان، فظفروا به وبالبحترية أم منصور بْن المهدي، وبصيمر أم ولد على بن ريطة بنت المصمغان فهذا فتح طبرستان الأول.
قَالَ: ولما مات المصمغان تحوز أهل ذلك الجبل فصاروا حوزية لأنهم توحشوا كما توحش حمر الوحش.
وفي هذه السنة عزل زياد بْن عبيد الله الحارثي عن المدينة ومكة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بْن خالد بْن عبد الله القسري، فقدمها في رجب.
وعلى الطائف ومكة الهيثم بْن معاوية العتكي من أهل خراسان.
وفيها توفي موسى بْن كعب، وهو على شرط المنصور، وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه.
وفيها عزل موسى بْن كعب عن مصر، ووليها محمد بْن الأشعث ثم عزل عنها، ووليها نوفل بْن الفرات.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وهو على قنسرين وحمص ودمشق وعلى المدينة محمد بْن خالد بْن عبد الله القسري، وعلى مكة والطائف الهيثم بْن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بْن معاوية وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وعلى خراسان المهدي وخليفته عليها السري بْن عبد الله، وعلى مصر نوفل بْن الفرات.
(7/511)

ثم دخلت

سنة اثنتين وأربعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

ذكر خلع عيينة بْن موسى بْن كعب بالسند
فمما كان فيها خلع عيينة بْن موسى بْن كعب بالسند.
ذكر الخبر عن سبب خلعه:
ذكر أن سبب خلعه، كان أن المسيب بْن زهير كان خليفة موسى بْن كعب على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيب على ما كان يلي من الشرط، وخاف المسيب أن يكتب المنصور إلى عيينة في القدوم عليه فيوليه مكانه، وكتب إليه ببيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه:
فأرضك أرضك ان تأتنا ... فنم نومة ليس فيها حلم
وخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلعه حتى نزل بعسكره من البصرة عند جسرها الأكبر، ووجه عمر بْن حفص بْن أبي صفرة العتكي عاملا على السند والهند، محاربا لعيينة بْن موسى، فسار حتى ورد السند والهند، وغلب عليها
. ذكر خبر نكث اصبهبذ طبرستان العهد
وفي هذه السنة نقض إصبهبذ طبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين.
ذكر الخبر عن أمره وأمر المسلمين: ذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الأصبهبذ وما فعل بالمسلمين، وجه إليه خازم بْن خزيمة وروح بْن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى
(7/512)

أبي جعفر، فأقاموا على حصنه محاصرين له ولمن معه في حصنه، وهم يقاتلونهم حتى طال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه:
اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك به، ولحق بالأصبهبذ صاحب الحصن فقال له: إني ركب مني أمر عظيم، ضربت وحلق رأسي ولحيتي وقال له: إنما فعلوا ذلك بي تهمة منهم لي أن يكون هواي معك، وأخبره أنه معه، وأنه دليل له على عورة عسكرهم فقبل منه ذلك الأصبهبذ، وجعله في خاصته وألطفه، وكان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال، وتضعه عند فتحه وإغلاقه، وكان قد وكل به الأصبهبذ ثقات أصحابه، وجعل ذلك نوبا بينهم، فقال له أبو الخصيب: ما أراك وثقت بي، ولا قبلت نصيحتي! قَالَ: وكيف ظننت ذلك؟ قَالَ: لتركك الاستعانة بي فيما يعنيك، وتوكيلي فيما لا تثق به إلا بثقاتك، فجعل يستعين به بعد ذلك، فيرى منه ما يحب إلى أن وثق به، فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته وإغلاقه، فتولى له ذلك حتى أنس به ثم كتب أبو الخصيب إلى روح بْن حاتم وخازم بْن خزيمة، وصير الكتاب في نشابة، ورماها إليهم، وأعلمهم أن قد ظفر بالحيلة، ووعدهم ليله، سماها لهم في فتح الباب فلما كان في تلك الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، وسبوا الذراري، وظفر بالبحترية وهي أم منصور بْن المهدي، وأمها باكند بنت الأصبهبذ الأصم- وليس بالأصبهبذ الملك، ذاك أخو باكند- وظفر بشكلة أم إبراهيم بْن المهدي، وهي بنت خونادان قهرمان المصمغان، فمص الأصبهبذ خاتما له فيه سم فقتل نفسه.
وقد قيل: إن دخول روح بْن حاتم وخازم بْن خزيمة طبرستان كان في سنة ثلاث وأربعين ومائة.
وفي هذه السنة بنى المنصور لأهل البصرة قبلتهم التي يصلون إليها في عيدهم بالحمان، وولى بناءه سلمة بْن سعيد بْن جابر، وهو يومئذ على الفرات والأبلة
(7/513)

من قبل أبي جعفر، وصام أبو جعفر شهر رمضان وصلى بها يوم الفطر.
وفيها توفي سليمان بْن علي بْن عبد الله بالبصرة ليلة السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلى عليه عبد الصمد ابن علي.
وفيها عزل عن مصر نوفل بْن الفرات، ووليها محمد بْن الأشعث، ثم عزل عنها محمد ووليها نوفل بْن الفرات، ثم عزل نوفل ووليها حميد ابن قحطبة.
وحج بالناس في هذه السنة إسماعيل بْن علي بْن عبد الله بْن العباس.
وكان العامل على المدينة محمد بْن خالد بْن عبد الله، وعلى مكة والطائف الهيثم بْن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بْن معاوية، وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وعلى مصر حميد بْن قحطبة.
وفيها- في قول الواقدي- ولى أبو جعفر أخاه العباس بْن محمد الجزيرة والثغور وضم إليه عدة من القواد، فلم يزل بها حينا
(7/514)

ثم دخلت

سنة ثلاث وأربعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)

غزو الديلم
ففي هذه السنة ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم.
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الديلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة عظيمة، فوجه إلى البصرة حبيب بْن عبد الله بْن رغبان، وعليها يومئذ اسماعيل ابن علي، وأمره بإحصاء كل من له فيها عشرة آلاف درهم فصاعدا، وأن يأخذ كل من كان ذلك له بالشخوص بنفسه لجهاد الديلم، ووجه آخر لمثل ذلك إلى الكوفة
. عزل الهيثم بْن معاوية عن مكة والطائف
وفيها عزل الهيثم بْن معاوية عن مكة والطائف، وولى ما كان إليه من ذلك السري بْن عبد الله بْن الحارث بْن العباس بْن عبد المطلب، وأتى السري عهده على ذلك وهو باليمامة، فسار إلى مكة، ووجه ابو جعفر الى اليمامه قثم ابن العباس بن عبد الله بن عباس
. عزل حميد بن قحطبه عن مصر
وفيها عزل حميد بْن قحطبة عن مصر، ووليها نوفل بْن الفرات، ثم عزل نوفل ووليها يزيد بْن حاتم
(7/515)

وحج بالناس في هذه السنة عيسى بْن موسى بْن محمد بْن علي بْن عبيد الله ابن عباس، وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها.
وكان والي مكة فيها السري بْن عبد الله بْن الحارث، ووالي البصرة وأعمالها سفيان بْن معاوية، وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وعلى مصر يزيد بْن حاتم
(7/516)

ثم دخلت

سنة أربع وأربعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك غزو محمد بْن أبي العباس بْن عبد الله بْن محمد ابن على الديلم في أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة وفيها انصرف محمد بْن أبي جعفر المهدي عن خراسان إلى العراق، وشخص أبو جعفر إلى قرماسين، فلقيه بها ابنه محمد منصرفا من خراسان، فانصرفا جميعا إلى الجزيرة.
وفيها بنى محمد بْن أبي جعفر عند مقدمه من خراسان بابنة عمه ريطة بنت أبي العباس.
وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم ابن خزيمة.

ولايه رياح بن عثمان على المدينة وامر ابنى عبد الله بن حسن
وفي هذه السنة ولى أبو جعفر رياح بن عثمان المري المدينة، وعزل محمد ابن خالد بْن عبد الله القسري عنها.
ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بْن خالد واستعماله رياح بْن عثمان وعزله زياد بْن عبيد الله الحارثي من قبل محمد بْن خالد:
وكان سبب عزل زياد عن المدينة، أن أبا جعفر همه أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بْن حسن بْن حسن بْن علي بْن أبي طالب وتخلفهما عن حضوره، مع من شهده من سائر بني هاشم عام حج في حياة أخيه أبي العباس، ومعه أبو مسلم وقد ذكر أن محمدا كان يذكر أن أبا جعفر ممن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني مروان مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنا لك فسأل عنهما، فقال له زياد بْن
(7/517)

عبيد الله: ما يهمك من أمرهما! أنا آتيك بهما، وكان زياد يومئذ مع أبي جعفر عند مقدمه مكة سنة ست وثلاثين ومائه، فرد ابو جعفر زيادا الى عمله، وضمنه محمدا وإبراهيم.
فذكر أبو زيد عمر بْن شبة أن محمد بْن إسماعيل حدثه، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن عمران، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن أبي عبيدة بْن محمد ابن عمار بْن ياسر، قَالَ: لما استخلف أبو جعفر لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد، فدعا بني هاشم رجلا رجلا، كلهم يخليه فيسألهم عنه، فيقولون: يا أمير المؤمنين، قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافا، ولا يحب لك معصية، وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بْن زيد، فانه اخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه للذي لا ينام عنك، فر رأيك قَالَ ابن أبي عبيدة: فأيقظ من لا ينام.
وقال محمد: سمعت جدي موسى بْن عبد الله، يقول: اللهم اطلب حسن ابن زيد بدمائنا قَالَ موسى: وسمعت والله أبي يقول: أشهد لعرفني أبو جعفر حديثا ما سمعه منى الا حسن بن زيد.
وحدثنى محمد بْن إسماعيل، قَالَ: سمعت القاسم بْن محمد بن عبد الله ابن عمرو بْن عثمان بْن عفان، قَالَ: أخبرني محمد بْن وهب السلمي، عن أبي، قَالَ: عرفني أبو جعفر حديثا ما سمعه مني إلا أخي عبد الله بْن حسن وحسن بْن زيد، فاشهد ما أخبره به عبد الله، ولا كان يعلم الغيب.
قَالَ محمد: وسأل عنه عبد الله بْن حسن عام حج، فقال له مقالة الهاشميين، فأخبره أنه غير راض أو يأتيه به.
قَالَ محمد: وحدثتني أمي عن أبيها، قَالَ: قَالَ أبي: قلت لسليمان بْن
(7/518)

علي: يا أخي صهري بك صهري، ورحمي بك رحمي، فما ترى؟ قَالَ:
والله لكأني أنظر إلى عبد الله بْن علي حين حال الستر بيننا وبينه، وهو يشير إلينا أن هذا الذي فعلتم بي، فلو كان عافيا عفا عن عمه قَالَ: فقبل رأيه، قَالَ: فكان آل عبد الله يرونها صلة من سليمان لهم.
قَالَ أبو زيد: وحدثني سعيد بْن هريم، قَالَ: أخبرني كلثوم المرائي، قَالَ: سمعت يحيى بْن خالد بْن برمك يقول: اشترى أبو جعفر رقيقا من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البعير، والرجل البعيرين، والرجل الذود، وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال، فيفرون عنه ويتجسسون.
قَالَ: وحدثني محمد بْن عباد بْن حبيب المهلبي، قَالَ: قَالَ لي السندي مولى أمير المؤمنين: أتدري ما رفع عقبة بْن سلم عند أمير المؤمنين؟ قلت:
لا، قَالَ: أوفد عمي عمر بْن حفص وفدا من السند فيهم عقبة، فدخلوا على أبي جعفر، فلما قضوا حوائجهم نهضوا، فاسترد عقبة، فأجلسه، ثم قَالَ له: من أنت؟ قَالَ: رجل من جند امير المؤمنين وخدمه، صحبت عمر ابن حفص، قَالَ: وما اسمك؟ قَالَ: عقبة بْن سلم بْن نافع، قَالَ: ممن أنت؟ قَالَ: من الأزد ثم من بني هناءة، قَالَ: انى لأرى لك هيئة وموضعا، وإني لأريدك لأمر أنا به معني، لم أزل أرتاد له رجلا، عسى أن تكونه إن كفيتنيه رفعتك، فقال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين في، قَالَ:
فأخف شخصك، واستر أمرك، وأتني في يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا لملكنا واغتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من الطاف بلادهم، فاخرج بكسا وألطاف وعين حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن اهل هذه القرية، ثم تسبر ناحيتهم، فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على
(7/519)

رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر واحتراس منهم، فاشخص حتى تلقى عبد الله ابن حسن متقشفا متخشعا، فإن جبهك- وهو فاعل- فاصبر وعاوده، فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل علي قَالَ: فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبل كتابه وألطافه، وأنس به، فسأله عقبة الجواب، فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني خارجان لوقت كذا وكذا قَالَ: فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر، فأخبره الخبر.
قَالَ أبو زيد: حدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني موسى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرحمن بْن عوف، قَالَ: ولى أبو جعفر الفضل ابن صالح بْن علي الموسم في سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقال له: إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم، ابني عبد الله بْن حسن، فلا يفارقانك، وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما فقدم المدينة، فتلقاه أهلها جميعا، فيهم عبد الله بْن حسن وسائر بني حسن إلا محمد وإبراهيم ابني عبد الله بْن حسن فسكت حتى صدر عن الحج، وصار إلى السيالة، فقال لعبد الله بْن حسن: ما منع ابنيك أن يلقياني مع أهلهما! قَالَ: والله ما منعهما من ذلك ريبة ولا سوء، ولكنهما منهومان بالصيد واتباعه، لا يشهدان مع أهليهما خيرا ولا شرا فسكت الفضل عنه، وجلس على دكان قد بني له بالسيالة فأمر عبد الله رعاته فسرحوا عليه ظهره، فأمر أحدهم فحلب لبنا على عسل في عس عظيم، ثم رقي به الدكان، فأومأ إليه عبد الله أن اسق الفضل بْن صالح، فقصد قصده، فلما دنا منه صاح به الفضل صيحة مغضبا: إليك يا ماص بظر أمه! فأدبر الراعي، فوثب عبد الله- وكان من أرفق الناس- فتناول القعب، ثم أقبل
(7/520)

يمشي به إلى الفضل، فلما رآه يمشي إليه استحيا منه، فتناوله فشرب قَالَ أبو زيد: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني أبي، عن أبيه، قَالَ: كان لزياد بْن عبيد الله كاتب يقال له حفص بْن عمر من أهل الكوفة يتشيع، وكان يثبط زيادا عن طلب محمد، فكتب فيه عبد العزيز بْن سعد إلى أبي جعفر فحدره إليه، فكتب فيه زياد إلى عيسى بْن علي وعبد الله بْن الربيع الحارثي فخلصاه حتى رجع إلى زياد.
قَالَ علي بْن محمد: قدم محمد البصرة مختفيا في أربعين، فاتوا عبد الرحمن ابن عثمان بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فقال له عبد الرحمن:
أهلكتني وشهرتني، فانزل عندي وفرق أصحابك، فأبى، فقال: ليس لك عندي منزل، فانزل في بني راسب، فنزل في بني راسب.
وقال عمر: حدثني سليمان بْن محمد الساري، قَالَ: سمعت أبا هبار المزني يقول: أقمنا مع محمد بْن عبد الله بالبصرة يدعو الناس إلى نفسه.
قال: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال: قَالَ أبو جعفر: ما طمعت في بغية لي قط إذا ذكرت مكان بني راسب بالبصرة.
قَالَ: وحدثني أبو عاصم النبيل، قَالَ: حدثني ابن جشيب اللهبي، قَالَ: نزلت في بني راسب في أيام ابن معاوية، فسألني فتى منهم يوما عن اسمي، فلطمه شيخ منهم، فقال: وما أنت وذاك! ثم نظر إلى شيخ جالس بين يديه، فقال: أترى هذا الشيخ نزل فينا أبوه أيام الحجاج، فأقام حتى ولد له هذا الولد، وبلغ هذا المبلغ، وهذا السن! لا والله ما ندري ما اسمه ولا اسم أبيه، ولا ممن هو! قَالَ: وحدثني محمد بْن الهذيل، قَالَ: سمعت الزعفراني يقول: قدم محمد، فنزل على عبد الله بْن شيبان أحد بني مرة بْن عبيد، فأقام ستة أيام، ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمه البصرة، فأقبل مغذا حتى نزل الجسر
(7/521)

الأكبر، فأردنا عمرا على لقائه، فأبى حتى غلبناه، فلقيه فقال: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ قَالَ: لا قَالَ: فأقتصر على قولك وأنصرف؟ قَالَ: نعم، فانصرف، وكان محمد قد خرج قبل مقدم أبي جعفر.
قَالَ علي بْن محمد: حدثني عامر بْن أبي محمد، قَالَ: قَالَ أبو جعفر لعمرو بْن عبيد: أبايعت محمدا؟ قَالَ: أنا والله لو قلدتني الأمة أمورها ما عرفت لهما موضعا.
قال علي: وحدثني أيوب القزاز، قَالَ: قلت لعمرو: ما تقول في رجل رضي بالصبر على ذهاب دينه؟ قَالَ: أنا ذاك، قلت: وكيف، ولو دعوت أجابك ثلاثون ألفا! قَالَ: والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفوا، ولو عرفتهم لكنت لهم رابعا.
قَالَ أبو زيد: حدثني عبيد الله بْن محمد بْن حفص، قَالَ: حدثني ابى، قال: وجل محمد وإبراهيم من أبي جعفر، فأتيا عدن، ثم سارا إلى السند ثم إلى الكوفة، ثم إلى المدينة.
قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: تكفل زياد لأمير المؤمنين بابني عبد الله أن يخرجهما له، فأقره على المدينة، فكان حسن بْن زيد إذا علم من أمرهما علما كف حتى يفارقا مكانهما ذلك، ثم يخبر أبا جعفر، فيجد الرسم الذي ذكر، فيصدقه بما رفع إليه، حتى كانت سنة أربعين ومائة، فحج فقسم قسوما خص فيها آل أبي طالب فلم يظهر له ابنا عبد الله، فبعث إلى عبد الله فسأله عنهما، فقال: لا علم لي بهما، حتى تغالظا، فأمصه أبو جعفر، فقال: يا أبا جعفر، بأي أمهاتي تمصنى! ابفاطمه بنت رسول الله ص، أم بفاطمة بنت
(7/522)

أسد، أم بفاطمة بنت حسين، أَمْ أُمّ إسحاق بنت طلحة، أم خديجة بنت خويلد؟ قَالَ: لا بواحدة منهن، ولكن بالجرباء بنت قسامه بن زهير- وهي امراه من طيّئ- قَالَ: فوثب المسيب بْن زهير، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أضرب عنق ابن الفاعلة قَالَ: فقام زياد بْن عبيد الله، فألقى عليه رداءه، وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين، فأنا أستخرج لك ابنيه فتخلصه منه قال عمر: وحدثنى الوليد بْن هشام بْن قحذم، قَالَ: قَالَ الحزين الديلي لعبد الله بْن الحسن ينعي عليه ولادة الجرباء:
لعلك بالجرباء أو بحكاكة ... تفاخر أم الفضل وابنة مشرح
وما منهما إلا حصان نجيبة ... لها حسب في قومها مترجح
قال عمر: وحدثني محمد بْن عباد، قَالَ: قَالَ لي السندي مولى أمير المؤمنين: لما أخبر عقبة بْن سلم أبا جعفر، أنشأ الحج وقال لعقبة: إذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن، فيهم عبد الله، فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل فخرج حتى إذا تدفع في البلاد لقيه بنو حسن، فأجلس عبد الله إلى جانبه، ثم دعا بالطعام فأصابوا منه، ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، قد علمت ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألا تبغيني سوءا، ولا تكيد لي سلطانا، قَالَ: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين، قَالَ: فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يديه، فأعرض عنه، فرفع رأسه حتى قام من وراء ظهره، فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله! قَالَ: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم امر بحبسه
(7/523)

قال عمر: وحدثنى بكر بْن عبد الله بْن عاصم مولى قريبه بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، قَالَ: حدثني علي بْن رباح بْن شبيب، أخو إبراهيم، عن صالح صاحب المصلى، قَالَ: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدى بأوطاس، وهو متوجه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن حسن وابو الكرام الجعفري وجماعة من بني العباس، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي، وإني لأحب ان يأنسا بي، وأن يأتياني فأصلهما وأخلطهما بنفسي- قَالَ وعبد الله مطرق طويلا ثم رفع رأسه- فقال: وحقك يا أمير المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا من يدي، فيقول أبو جعفر: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما قَالَ: فامتنع أبو جعفر ذلك اليوم من عامة غدائه إقبالا على عبد الله، وعبد الله يحلف ما يعرف موضعهما، وأبو جعفر يكرر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد قَالَ: فكان شدة هرب محمد من أبي جعفر أن أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة.
قَالَ عمر: حدثني أيوب بْن عمر- يعني ابن أبي عمرو- قَالَ: حدثني محمد بْن خالد بْن إسماعيل بْن أيوب بْن سلمة المخزومي، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ: أخبرني العباس بْن محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، قَالَ:
لما حج أبو جعفر في سنة أربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن، فإنهما وإياي لعنده، وهو مشغول بكتاب ينظر فيه، إذ تكلم المهدي فلحن، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه، فإنه يغفل غفل الأمة! فلم يفهم، وغمزت عبد الله فلم ينتبه لها، وعاد لأبي جعفر فاحتفظ من ذلك، وقال: أين ابنك؟ فقال: لا أدري، قَالَ: لتأتيني به، قَالَ:
لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، قَالَ: يا ربيع قم به الى الحبس
(7/524)

قَالَ عمر: حدثني موسى بْن سعيد بْن عبد الرحمن الجمحي، قَالَ:
لما تمثل عبد الله بْن حسن لأبي العباس:
ألم تر حوشبا أمسى يبنى ... بيوتا نفعها لبني بقيلة
لم تزل في نفس أبي جعفر عليه، فلما أمر بحبسه، قَالَ: ألست القائل لأبي العباس:
ألم تر حوشبا أمسى يبنى ... بيوتا نفعها لبني بقيلة
وهو آمن الناس عليك، وأحسنهم إليك صنيعا! قَالَ عمر: حدثنا محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق عن أبي حنين، قَالَ: دخلت على عبد الله بْن حسن وهو محبوس، فقال:
هل حدث اليوم من خبر؟ قلت: نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقك، ولا أرى أحدا يقدم على شرائه، فقال: ويحك يا أبا حنين! والله لو خرج بي وببناتي مسترقين لاشترينا! قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثنا الحارث بْن إسحاق قَالَ: شخص أبو جعفر، وعبد الله بْن حسن محبوس، فأقام في الحبس ثلاث سنين.
قال عمر: وحدثني عبد الله بْن إسحاق بْن القاسم بن إسحاق بن عبد الله ابن جعفر بْن أبي طالب، قَالَ: حدثني أبو حرملة محمد بْن عثمان، مولى آل عمرو بْن عثمان، قَالَ: حدثني أبو هبار المزني، قَالَ: لما حج أبو جعفر سنة أربعين ومائة، حج تلك السنة محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، وهما متغيبان، فاجتمعوا بمكة، فأرادوا اغتيال أبي جعفر، فقال لهم الأشتر: عبد الله بن محمد ابن عبد الله، أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله أبدا غيلة حتى أدعوه، قَالَ: فنقض أمرهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه، وقد كان دخل
(7/525)

معهم في أمرهم قائد من قواد أبي جعفر من أهل خراسان قَالَ: فاعترض لأبي جعفر إسماعيل بْن جعفر بْن محمد الأعرج، فنمى إليه أمرهم، فأرسل في طلب القائد فلم يظفر به، وظفر بجماعة من أصحابه، وأفلت الرجل وغلام له بمال زهاء ألفي دينار كانت مع الغلام، فأتاه بها وهو مع محمد، فقسمها بين أصحابه قَالَ أبو هبار: فأمرني محمد، فاشتريت للرجل أباعر وجهزته وحملته في قبة وقطرته، وخرجت أريد به المدينة حتى أوردته إياها.
وقدم محمد فضمه إلى أبيه عبد الله، ووجههما إلى ناحية من خراسان قَالَ:
وجعل أبو جعفر يقتل أصحاب ذلك القائد الذي كان من أمره ما ذكرت.
قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى بْن محمد، قَالَ: حدثني أبي عن أبيه، قَالَ: غدوت على زياد بْن عبيد الله وأبو جعفر بالمدينة، قَالَ: فقال:
أخبركم عجبا مما لقيته الليلة، طرقني رسل أمير المؤمنين نصف الليل- وكان زياد قد تحول لقدوم أمير المؤمنين إلى داره بالبلاط- قَالَ: فدقت علي رسله، فخرجت ملتحفا بإزاري، ليس علي ثوب غيره، فنبهت غلمانا لي وخصيانا في سقيفة الدار، فقلت لهم: إن هدموا الدار فلا يكلمهم منكم أحد، قَالَ: فدقوا طويلا ثم انصرفوا، فأقاموا ساعة، ثم طلعوا بجرز شبيه أن يكون معهم مثلهم، مرة أو مرتين، فدقوا الباب بجرزة الحديد، وصيحوا فلم يكلمهم أحد، فرجعوا فأقاموا ساعة، ثم جاءوا بأمر ليس عليه صبر، فظننت والله أن قد هدموا الدار علي، فأمرت بفتحها، وخرجت إليهم فاستحثوني وهموا أن يحملوني، وجعلت أسمع العزاء من بعضهم حتى أسلموني إلى دار مروان، فأخذ رجلان بعضدي، فخرجانى على حال الدفيف على الأرض أو نحوه، حتى أتيا بي حجرة القبة العظمى، فإذا الربيع واقف، فقال: ويحك يا زياد! ماذا فعلت بنا وبنفسك منذ الليلة! ومضى بي حتى كشف ستر باب القبة، فأدخلني ووقف خلفي بين البابين، فإذا الشمع في نواحي القبة، فهي تزهر، ووصيف قائم في ناحيتها، وأبو جعفر محتب بحمائل سيفه على بساط
(7/526)

ليس تحته وسادة ولا مصلى، وإذا هو منكس رأسه ينقر بجرز في يده.
قَالَ: فأخبرني الربيع أنها حاله من حين صلى العتمة إلى تلك الساعة قَالَ:
فما زلت واقفا حتى أني لأنتظر نداء الصبح، وأجد لذلك فرجا، فما يكلمني بكلمة، ثم رفع راسه الى، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قَالَ:
ثم نكس رأسه، ونكت أطول مما مضى له، ثم رفع راسه الثانيه، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قتلني الله إن لم أقتلك! قَالَ: قلت له: اسمع مني ودعني اكلمك، قال: قل له: أنت نفرتهما عنك، بعثت رسولا بالمال الذي أمرت بقسمه على بني هاشم، فنزل القادسية، ثم أخرج سكينا يحده، وقال: بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمدا وإبراهيم، فجاءتهما بذلك الاخبار، فهربا قال: فصرفني فانصرفت.
قال عمر: وحدثني عبد الله بْن راشد بْن يزيد- وكان يلقب الأكار، من أهل فيد- قَالَ: سمعت نصر بْن قادم مولى بني محول الحناطين: قَالَ:
كان عبدويه وأصحاب له بمكة في سنة حجها أبو جعفر قَالَ: فقال لأصحابه:
إني أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصفا والمروة قَالَ: فبلغ ذلك عبد الله بْن حسن فنهاه، وقال: أنت في موضع عظيم، فما أرى أن تفعل.
وكان قائد لأبي جعفر يدعى خالد بْن حسان، كان يدعى أبا العساكر على ألف رجل، وكان قد مالأ عبدويه وأصحابه، فقال له أبو جعفر: أخبرني عنك وعن عبدويه والعطاردي، ما أردتم أن تصنعوا بمكة؟ قَالَ: أردنا كذا وكذا، قَالَ: فما منعكم؟ قَالَ: عبد الله بْن حسن، قَالَ: فطمره فلم ير حتى الساعة.
قَالَ عمر: حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثنا الحارث بْن إسحاق، قَالَ: جد أبو جعفر حين حبس عبد الله في طلب ابنيه، فبعث عينا له، وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم، وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرجل المدينة، فدخل على عبد الله بْن حسن، فسأله عن محمد، فذكر له أنه في جبل جهينة، وقال: أمرر بعلي بْن حسن،
(7/527)

الرجل الصالح الذي يدعى الأغر، وهو بذي الأبر، فهو يرشدك فأتاه فأرشده وكان لأبي جعفر كاتب على سره، كان متشيعا، فكتب الى عبد الله ابن حسن بأمر ذلك العين، وما بعث له، فقدم الكتاب على عبد الله فارتاعوا، وبعثوا أبا هبار إلى علي بْن الحسن وإلى محمد، فيحذرهم الرجل، فخرج أبو هبار حتى نزل بعلي بْن حسن، فسأله فأخبره أن قد أرشده إليه قَالَ أبو هبار: فجئت محمدا في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كهف، معه عبد الله بْن عامر الأسلمي وابنا شجاع وغيرهم، والرجل معهم أعلاهم صوتا، وأشدهم انبساطا، فلما رآني ظهر عليه بعض النكرة، وجلست مع القوم، فتحدثت مليا، ثم أصغيت إلى محمد، فقلت: إن لي حاجة، فنهض ونهضت معه، فأخبرته بخبر الرجل، فاسترجع، وقال: فما الرأي؟
فقلت: إحدى ثلاث أيها شئت فافعل، قَالَ: وما هي؟ قلت: تدعني فأقتل الرجل، قَالَ: ما أنا بمقارف دما إلا مكرها، أو ماذا؟ قلت: توقره حديدا وتنقله معك حيث انتقلت، قَالَ: وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال! أو ماذا؟ قلت: تشده وتوثقه وتودعه بعض أهل ثقتك من جهينة، قَالَ:
هذه إذا، فرجعنا وقد نذر الرجل فهرب، فقلت: أين الرجل؟ قالوا: قام بركوة فاصطب ماء، ثم توارى بهذا الظرب يتوضأ، قَالَ: فجلنا في الجبل وما حوله، فكأن الأرض التأمت عليه قَالَ: وسعى على قدميه حتى شرع على الطريق، فمر به أعراب معهم حمولة إلى المدينة، فقال لبعضهم: فرغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها ولك كذا وكذا، قَالَ: نعم، ففرغها وحمله حتى اقدمه بالمدينة ثم قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر كله، وعمي عن اسم أبي هبار وكنيته، وعلق وبرا، فكتب أبو جعفر في طلب وبر المزني، فحمل إليه رجل منهم يدعى وبرا، فسأله عن قصة محمد وما حكى له العين، فحلف أنه ما يعرف من ذلك شيئا، فامر به فضرب سبعمائة سوط، وحبس حتى مات أبو جعفر.
قَالَ عمر: حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: ألح أبو جعفر في طلب محمد، وكتب إلى زياد بْن عبيد الله الحارثي
(7/528)

يتنجزه ما كان ضمن له، فقدم محمد المدينة قدمة، فبلغ ذلك زيادا، فتلطف له وأعطاه الأمان على أن يظهر وجهه للناس معه، فوعده ذلك محمد، فركب زياد مغلسا، ووعد محمدا سوق الظهر، فالتقيا بها، ومحمد معلن غير مختف، ووقف زياد إلى جنبه، وقال: يأيها الناس، هذا محمد بْن عبد الله ابن حسن، ثم أقبل عليه، فقال: الحق بأي بلاد الله شئت، وتوارى محمد، وتواترت الأخبار بذلك على أبي جعفر.
قَالَ عمر: حدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: حدثني من أصدق، قَالَ: دخل إبراهيم بْن عبد الله على زياد، وعليه درع حديد تحت ثوية، فلمسها زياد ثم قَالَ: يا أبا إسحاق، كأنك اتهمتني! ذلك والله ما ينالك مني أبدا.
قَالَ عمر: حدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: ركب زياد بمحمد، فأتى به السوق فتصايح أهل المدينة: المهدي المهدي! فتوارى فلم يظهر، حتى خرج.
قَالَ عمر: حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما أن تتابعت الأخبار على أبي جعفر بما فعل زياد بْن عبيد الله، وجه أبا الأزهر رجلا من أهل خراسان إلى المدينة، وكتب معه كتابا، ودفع إليه كتبا، وأمره ألا يقرأ كتابه إليه حتى ينزل الأعوص، على بريد من المدينة، فلما أن نزله قرأه، فإذا فيه تولية عبد العزيز بْن المطلب بْن عبد الله المدينة- وكان قاضيا لزياد بْن عبيد الله- وشد زياد في الحديد، واصطفاء ماله، وقبض جميع ما وجد له، وأخذ عماله وإشخاصه وإياهم إلى أبي جعفر.
فقدم أبو الأزهر المدينة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ومائة، فوجد زيادا في موكب له، فقال: أين الأمير؟ فقيل: ركب، وخرجت الرسل إلى زياد بقدومه، فأقبل مسرعا حتى دخل دار مروان، فدخل عليه أبو الأزهر، فدفع إليه كتابا من أبي جعفر في ثلث يأمره أن يسمع ويطيع، فلما قرأه قَالَ: سمعا وطاعة، فمر يا أبا الأزهر بما أحببت، قَالَ: ابعث إلى
(7/529)

عبد العزيز بْن المطلب فبعث إليه، فدفع إليه كتابا أن يسمع لأبي الأزهر، فلما قرأه قَالَ: سمعا وطاعة، ثم دفع إلى زياد كتابا يأمره بتسليم العمل إلى ابن المطلب، ودفع إلى ابن المطلب كتابا بتوليته، ثم قَالَ لابن المطلب: ابعث إلي أربعة كبول وحدادا، فأتى بهما فقال: اشدد أبا يحيى، فشد فيها وقبض ماله- ووجد في بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار- وأخذ عماله، فلم يغادر منهم أحدا، فشخص بهم وبزياد، فلما كانوا في طرف المدينة وقف له عماله يسلمون عليه، فقال: بأبي أنتم! والله ما أبالي إذا رآكم أبو جعفر ما صنع بي! أي من هيئتهم ومروتهم.
قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، عن خاله علي بْن عبد الحميد، قَالَ: شيعنا زيادا، فسرت تحت محمله ليلة، فأقبل علي فقال: والله ما أعرف لي عند أمير المؤمنين ذنبا، غير انى احسبه وجد علي في ابني عبد الله ووجد دماء بني فاطمة علي عزيزة ثم مضوا حتى كانوا بالشقراء، فأفلت منهم محمد بْن عبد العزيز، فرجع إلى المدينة، وحبس أبو جعفر الآخرين، ثم خلى عنهم.
قَالَ: وحدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: حدثني من أصدق، قَالَ:
لما أن وجه أبو جعفر مبهوتا وابن أبي عاصية في طلب محمد، كان مبهوت الذي أخذ زيادا، فقال زياد:
أكلف ذنب قوم لست منهم ... وما جنت الشمال على اليمين
قال: وحدثني عيسى بْن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمران بن ابى فروه، قال: كنت أنا والشعباني- قائد كان لأبي جعفر- مع زياد بْن عبيد الله نختلف إلى أبي الأزهر أيام بعثه أبو جعفر في طلب بنى حسن، فإني لأسير مع أبي الأزهر يوما إذ أتاه آت فلصق به، فقال: إن عندي نصيحة في محمد وإبراهيم، قَالَ: اذهب عنا، قَالَ: إنها نصيحة لأمير المؤمنين، قَالَ:
اذهب عنا، ويلك قد قتل الخلق! قَالَ: فأبى أن ينصرف، فتركه أبو الأزهر حتى خلا الطريق، ثم بعج بسيفه بطنه بعجة القاه ناحيه
(7/530)

ثم استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بْن خالد بعد زياد، فذكر عمر أن محمد بْن يحيى حدثه، قَالَ: حدثنا الحارث بْن إسحاق، قَالَ: استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بْن خالد بعد زياد، وأمره بالجد في طلب محمد، وبسط يده في النفقة في طلبه فاغذ السير حتى قدم المدينة هلال رجب سنة إحدى وأربعين ومائة، ولم يعلم به أهل المدينة حتى جاء رسوله من الشقرة- وهي بين الأعوص والطرف على ليلتين من المدينة- فوجد في بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم، فاستغرق ذلك المال، ورفع في محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطأه أبو جعفر واتهمه، فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها، فأمر محمد بْن خالد أهل الديوان أن يتجاعلوا لمن يخرج، فتجاعلوا رباع الغاضري المضحك- وكان يداين الناس بألف دينار- فهلكت وتويت، وخرجوا إلى الأعراض لكشفها عن محمد، وأمر القسري أهل المدينة، فلزموا بيوتهم سبعة أيام، وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها، لا يحسون شيئا، وكتب القسري لأعوانه صكاكا يتعززون بها، لئلا يعرض لهم أحد، فلما استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الأموال عزله قال: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال: أخبرني حسين بْن يزيد، عن ابن ضبة، قَالَ: اشتد أمر محمد وإبراهيم على أبي جعفر، فبعث فدعا أبا السعلاء من قيس بْن عيلان، فقال: ويلك! أشر علي في امر هذين الرجلين، فقد غمتنى امرهما، قال: أرى لك أن تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة، فإنهم يطلبونهما بذحل، فاشهد لا يلبثونهما او يخرجوهما إليك.
قَالَ: قاتلك الله، ما أجود رأيا جئت به! والله ما غبي هذا علي، ولكنى اعاهد الله الا أثئر من أهل بيتي بعدوي وعدوهم، ولكني ابعث عليهم صعيليكا من العرب، فيفعل ما قلت، فبعث رياح بْن عثمان بْن حيان.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد الله بْن يحيى، عن
(7/531)

موسى بْن عبد العزيز، قَالَ: لما أراد أبو جعفر عزل محمد بْن خالد عن المدينة ركب ذات يوم، فلما خرج من بيته استقبله يزيد بْن أسيد السلمي، فدعاه فسايره ثم قَالَ: أما تدلني على فتى من قيس مقل، أغنيه وأشرفه وأمكنه من سيد اليمن يلعب به؟ يعني ابن القسري، قَالَ: بلى، قد وجدته يا أمير المؤمنين، قَالَ: من هو؟ قَالَ: رياح بْن عثمان بْن حيان المري، قَالَ: فلا تذكرن هذا لأحد، ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال، فهيئت للمسير، فلما انصرف من صلاة العتمة دعا برياح، فذكر له ما بلا من غش زياد وابن القسري في ابني عبد الله، وولاه المدينة، وامر بالمسير من ساعته قبل أن يصل إلى منزله، وأمره بالجد في طلبهما، فخرج مسرعا، حتى قدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة.
قَالَ: وحدثني محمد بْن معروف، قَالَ: أخبرني الفضل بْن الربيع، عن أبيه، قَالَ: لما بلغ أمر محمد وإبراهيم من أبي جعفر ما بلغ خرجت يوما من عنده- أو من بيتي- أريده، فإذا أنا برجل قد دنا مني، فقال: أنا رسول رياح بْن عثمان إليك، يقول لك: قد بلغني أمر محمد وإبراهيم وإدهان الولاة في أمرهما، وإن ولانى امير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما، والا أظهرهما.
قَالَ: فأبلغت ذلك أمير المؤمنين فكتب إليه بولايته، وليس بشاهد.
ذكر عمر بْن شبة، عن محمد بْن يحيى، عن عبد الله بن يحيى، عن موسى ابن عبد العزيز، قَالَ: لما دخل رياح دار مروان، فصار في سقيفتها، أقبل على بعض من معه، فقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قَالَ: هذه المحلال المظعان، ونحن أول من يظعن منها.
قَالَ عمر: حدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني الزبير بْن المنذر مولى عبد الرحمن بْن العوام، قَالَ: قدم رياح بْن عثمان، فقدم معه حاجب له يكنى أبا البختري- وكان لأبي صديقا زمان الوليد بْن يزيد قَالَ: فكنت
(7/532)

آتيه لصداقته لأبي- فقال لي يوما: يا زبير، إن رياحا لما دخل دار مروان قَالَ لي: هذه دار مروان؟ أما والله إنها لمحلال مظعان، فلما تكشف الناس عنه- وعبد الله محبوس في قبة الدار التي على الطريق إلى المقصورة، حبسه فيها زياد بْن عبيد الله- قَالَ لي: يا أبا البختري، خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ، فأقبل متكئا علي حتى وقف على عبد الله بْن حسن، فقال: أيها الشيخ، إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا يد سلفت إليه، والله لا لعبت بي كما لعبت بزياد وابن القسري، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم! قَالَ: فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة قَالَ أبو البختري: فانصرف رياح والله آخذا بيدي، أجد برد يده، وإن رجليه لتخطان مما كلمه، قَالَ:
قلت: والله إن هذا ما اطلع على الغيب قَالَ: إيها ويلك! فو الله ما قَالَ إلا ما سمع، قَالَ: فذبح والله فيها ذبح الشاة.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثنا الحارث بْن إسحاق، قَالَ: قدم رياح المدينة، فدعا بالقسري، فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي هو أعلم بذلك مني، قَالَ: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به فوجئت عنقه، وقنع أسواطا، ثم أخذ رزاما كاتب محمد بْن خالد القسري ومولاه فبسط عليه العذاب، وكان يضربه في كل غب خمسة عشر سوطا، مغلولة يده إلى عنقه من بكرة إلى الليل، يتبع به أفناء المسجد والرحبة، ودس إليه في الرفع على ابن خالد فلم يجد عنده في ذلك مساغا، فأخرجه عمر بْن عبد الله الجذامي- وكان خليفة صاحب الشرط يوما من الأيام- وهو يريد ضربه، وما بين قدميه إلى قرنه قرحة، فقال له: هذا يوم غبك، فأين تحب أن نجلدك؟ قَالَ: والله ما في بدني موضع لضرب، فإن شئت فبطون كفي، فأخرج كفيه فضرب في بطونهما خمسة عشر سوطا قَالَ: فجعلت رسل رياح تختلف إليه، تأمره أن يرفع على ابن خالد ويخلى سبيله، فأرسل إليه: مر بالكف عني حتى أكتب كتابا، فأمر بالكف عنه، ثم ألح عليه وبعث إليه:
(7/533)

أن رح بالكتاب العشية على رءوس الناس، فادفعه إلي فلما كان العشي أرسل إليه فأتاه وعنده جماعة فقال: أيها الناس، إن الأمير أمرني أن أكتب كتابا، وأرفع على ابن خالد، وقد كتبت كتابا أتنجى به، وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل فأمر به رياح فضرب مائة سوط، ورد إلى السجن.
قَالَ عمر: حدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: حدثني عمي عبيد الله بْن محمد بْن عمر بْن علي، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة رفعه على أبي قبيس، فرفع له الأرض جميعا حتى رآها وقال: هذه كلها لك، قَالَ: أي رب، كيف أعلم ما فيها؟ فجعل له النجوم، فقال: إذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا، وإذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان يعلم ذلك بالنجوم ثم إن ذلك اشتد عليه، فأنزل الله عز وجل مرآة من السماء يرى بها ما في الأرض حتى إذا ما مات آدم عمد إليها شيطان يقال له فقطس فكسرها، وبنى عليها مدينة بالمشرق يقال لها جابرت، فلما كان سليمان بْن داود سأل عنها، فقيل له: أخذها فقطس فدعاه فسأله عنها، فقال: هي تحت أواسي جابرت، قَالَ: فأتني بها، قَالَ ومن يهدمها؟ فقالوا لسليمان: قل له: أنت، فقال سليمان: أنت، فأتى بها سليمان، فكان يجبر بعضها إلى بعض ثم يشدها في أقطارها بسير، ثم ينظر فيها، حتى هلك سليمان، فوثبت عليها الشياطين، فذهبت بها وبقيت منها بقية، فتوارثتها بنو إسرائيل حتى صارت إلى رأس الجالوت، فأتى بها مروان بْن محمد، فكان يحكها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها ما يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، ودفعها إلى جارية له، فجعلتها في كرسفة، ثم جعلتها في حجر، فلما استخلف أبو جعفر سأل عنها فقيل له: هي عند فلانة، فطلبها حتى وجدها، فكانت عنده، فكان يحكها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها، وكان يرى محمد ابن عبد الله، فكتب إلى رياح بْن عثمان: إن محمدا ببلاد فيها الأترج والأعناب فاطلبه بها وقد كتب إلى محمد بعض أصحاب أبي جعفر: لا تقيمن في موضع إلا بقدر مسير البريد من العراق إلى المدينة، فكان يتنقل فيراه
(7/534)

بالبيضاء، وهي من وراء الغابة على نحو من عشرين ميلا، وهي لأشجع فكتب إليه: إنه ببلاد بها الجبال والقلات، فيطلبه فلا يجده قَالَ: فكتب إليه إنه بجبل به الحب الأخضر والقطران، قَالَ: هذه رضوى، فطلبه فلم يجده قال أبو زيد: حدثني أبو صفوان نصر بْن قديد بْن نصر بْن سيار، أنه بلغه أنه كان عند أبي جعفر مرآة يرى فيها عدوه من صديقه.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: جد رياح في طلب محمد، فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى- جبل جهينة، وهي من عمل ينبع- فاستعمل عليها عمرو بْن عثمان بْن مالك الجهني أحد بني جشم، وأمره بطلب محمد، فطلبه فذكر له أنه بشعب من رضوى، فخرج إليه بالخيل والرجال، ففزع منه محمد، فأحضر شدا، فأفلت وله ابن صغير، ولد في خوفه ذلك، وكان مع جارية له، فهوى من الجبل فتقطع، وانصرف عمرو بْن عثمان.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن محمد بْن حكيم الطائي، قَالَ: لما سقط ابن محمد فمات ولقي محمد ما لقي، قال:
سنخرق السربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
قال: وحدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: حدثني عمي عبيد الله بْن محمد، قَالَ: قَالَ محمد بْن عبد الله: بينا أنا في رضوى مع أمة لي أم ولد، معها بني لي ترضعه، إذا ابن سنوطي مولى لأهل المدينة، قد هجم علي في الجبل يطلبني، فخرجت هاربا، وهربت الجارية فسقط الصبي منها فتقطع، فقال عبيد الله: فأتي بابن سنوطي الى محمد بعد حين ظهر، فقال:
يا بن سنوطي، أتعرف حديث الصبي؟ قَالَ: أي والله، إني لأعرفه، فأمر به فحبس، فلم يزل محبوسا حتى قتل محمد
(7/535)

قَالَ: وحدثني عبد العزيز بْن زياد، قَالَ: حدثني أبي قَالَ: قَالَ محمد: إني بالحرة مصعد ومنحدر، إذا أنا برياح والخيل، فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها، فجعلت أستقي، فلقيني رياح صفحا، فقال: قاتله الله أعرابيا ما أحسن ذراعه! قَالَ: وحدثني ابن زبالة، قَالَ: حدثني عثمان بْن عبد الرحمن الجهني عن عثمان بْن مالك، قَالَ: أذلق رياح محمدا بالطلب، فقال لي: أغد بنا إلى مسجد الفتح ندع الله فيه قَالَ: فصليت الصبح، ثم انصرف إليه، فغدونا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبي مفتول، فخرجنا من موضع كان فيه، حتى إذا كان قريبا التفت، فإذا رياح في جماعة من أصحابه ركبان، فقلت له: هذا رياح، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! فقال غير مكترث به: امض، فمضيت وما تنقلني رجلاي، وتنحى هو عن الطريق، فجلس وجعل ظهره مما يلي الطريق، وسدل هدب ردائه على وجهه- وكان جسيما- فلما حاذاه رياح التفت إلى أصحابه، فقال: امرأة رأتنا فاستحيت قَالَ: ومضيت حتى طلعت الشمس، وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين، ثم انصرف من ناحية بطحان، فأقبل محمد حتى دخل المسجد، فصلى ودعا، ولم يزل محمد بْن عبد الله ينتقل من موضع إلى موضع إلى حين ظهوره.
ولما طال على المنصور أمره، ولم يقدر عليه وعبد الله بْن حسن محبوس، قَالَ عبد العزيز بْن سعيد- فيما ذكر عن عيسى بْن عبد الله، عن عبد الله بْن عمران بْن أبي فروة- قَالَ لأبي جعفر: يا أمير المؤمنين، أتطمع أن يخرج لك محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلون! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد قَالَ: فكان ذلك الذي هاجه على حبسهم قَالَ، ثم دعاه فقال: من أشار عليك بهذا الرأي؟ قَالَ: فليح بْن سليمان، فلما مات عبد العزيز ابن سعيد- وكان عينا لأبي جعفر وواليا على الصدقات- وضع فليح بْن سليمان في موضعه، وأمر أبو جعفر بأخذ بني حسن.
قَالَ عيسى: حدثني عبد الله بْن عمران بْن أبي فروة، قَالَ: أمر أبو جعفر
(7/536)

رياحا بأخذ بني حسن، ووجه في ذلك أبا الأزهر المهري- قَالَ: وقد كان حبس عبد الله بْن حسن فلم يزل محبوسا ثلاث سنين، فكان حسن بْن حسن قد نصل خضابه تسليا على عبد الله، فكان أبو جعفر يقول: ما فعلت الحادة؟
قَالَ: فأخذ رياح حسنا وإبراهيم ابني حسن بْن حسن، وحسن بْن جعفر بْن حسن بْن حسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بْن حسن بن حسن، ومحمدا واسماعيل وإسحاق ابنى إبراهيم بْن حسن بْن حسن، وعباس بْن حسن بْن حسن بْن حسن بْن علي بْن أبي طالب، أخذوه على بابه، فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بْن عمر بْن عبيد الله بْن معمر: دعوني أشمه، قالوا: لا والله، ما كنت حية في الدنيا، وعلي بْن حسن بْن حسن بْن حسن العابد.
قَالَ: وحدثني إسماعيل بْن جعفر بْن إبراهيم، قَالَ: حبس معهم أبو جعفر عبد الله بْن حسن بْن حسن أخا علي.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثنا الحارث بْن إسحاق، قَالَ: جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابني عبد الله، وشتم أهل المدينة قَالَ:
ثم قَالَ يوما وهو على المنبر يذكرهما: الفاسقين الخالعين الحاربين قَالَ: ثم ذكر ابنة أبي عبيدة أمهما، فأفحش لها، فسبح الناس وأعظموا ما قَالَ، فأقبل عليهم، فقال: إنكم لا كلنا عن شتمهما، ألصق الله بوجوهكم الذل والهوان! أما والله لأكتبن الى خليفتكم فلا علمنه غشكم وقلة نصحكم فقال الناس:
لا نسمع منك يا بن المحدود، وبادروه بالحصى، فبادر واقتحم دار مروان وأغلق عليه الباب، وخرج الناس حتى صفوا وجاهه، فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفوا.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الثقة عندي، قَالَ:
حبس معهم موسى بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن بْن علي وعلى بن محمد ابن عبد الله بْن حسن بْن حسن عند مقدمه من مصر.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن عمر بْن حبيب، قَالَ: وجه محمد بْن عبد الله ابنه عليا إلى مصر، فدل عليه عاملها، وقد هم بالوثوب، فشده وارسل به
(7/537)

إلى أبي جعفر، فاعترف له، وسمى أصحاب ابيه، فكان فيمن سمى عبد الرحمن ابن أبي الموالي وأبو حنين، فأمر بهما أبو جعفر فحبسا، وضرب أبو حنين مائة سوط.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: مر حسن بْن حسن بن حسن على ابراهيم ابن حسن وهو يعلف إبلا له، فقال: أتعلف إبلك وعبد الله محبوس! أطلق عقلها يا غلام، فأطلقها، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها واحدة.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني علي بْن عبد الله بْن محمد بْن عمر بن علي، قَالَ: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: من كان هاهنا من بني حسين فليدخل، فقال لي عمي عمر بْن محمد: انظر ما يصنع القوم، قَالَ: فدخلوا من باب المقصورة وخرجوا من باب مروان قَالَ: ثم قَالَ: من هاهنا من بني حسن فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدادون من باب مروان، فدعي بالقيود.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: كان رياح إذا صلى الصبح أرسل إلي وإلى قدامة بْن موسى فيحدثنا ساعة، فإنا لعنده يوما، فلما أسفرنا إذا برجل متلفف في ساج له، فقال له رياح: مرحبا بك وأهلا، ما حاجتك؟ قَالَ: جئت لتحبسني مع قومي، فإذا هو علي بْن حسن بْن حسن بْن حسن، فقال: أما والله ليعرفنها لك أمير المؤمنين، ثم حبسه معهم.
قَالَ: وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثني سعيد بْن ناشرة مولى جعفر بْن سليمان، قَالَ: بعث محمد ابنه عليا، فأخذ بمصر، فمات في سجن أبي جعفر.
قَالَ: وحدثني موسى بْن عبد الله بْن موسى بْن عبد الله بْن حسن، قَالَ:
حدثني أبي، عن أبيه موسى بْن عبد الله، قَالَ: لما حبسنا ضاق الحبس بنا، فسأل أبي رياحا أن يأذن له فيشتري دارا، فيجعل حبسنا فيها، ففعل، فاشترى أبي دارا فنقلنا إليها، فلما امتد بنا الحبس أتى محمد أمه هندا فقال: إني قد حملت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به، ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم، فعسى أن يخلى عنهم قَالَ: فتنكرت ولبست أطمارا، ثم جاءت
(7/538)

السجن كهيئة الرسول، فأذن لها، فلما رآها أبي أثبتها، فنهض إليها فأخبرته عن محمد، فقال: كلا بل نصبر، فو الله إني لأرجو أن يفتح الله به خيرا، قولي له: فليدع إلى أمره، وليجد فيه، فإن فرجنا بيد الله قَالَ: فانصرفت وتم محمد على بغيته
. ذكر حمل ولد حسن بن حسن الى العراق
وفي هذه السنة حمل ولد حسن بْن حسن بْن علي من المدينة إلى العراق.
ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حملوا:
ذكر عمر، قَالَ: حدثني موسى بْن عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما حج أبو جعفر أرسل محمد بْن عمران بْن إبراهيم بْن محمد بْن طلحة ومالك بْن أنس إلى أصحابنا، فسألهم أن يدفعوا محمدا وإبراهيم ابني عبد الله، قَالَ: فدخل علينا الرجلان وأبي قائم يصلي، فأبلغاهم رسالته، فقال حسن بْن حسن: هذا عمل ابني المشئومة، أما والله ما هذا برأينا، ولا عن ملأ منا، ولا لنا فيه حيلة قَالَ: فاقبل عليه ابراهيم، فقال: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ قَالَ: وانصرف أبي من صلاته، فأبلغاه، فقال: لا والله لا أرد عليكما حرفا، إن أحب أن يأذن لي فألقاه فليفعل، فانصرف الرجلان فابلغاه، فقال: اراد ان يسخرني، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيني بابنيه.
قَالَ: وحدثني ابن زبالة، قَالَ: سمعت بعض علمائنا يقول: ما سار عبد الله بْن حسن أحدا قط إلا فتله عن رأيه.
قَالَ: وحدثني موسى بْن عبد الله، عن أبيه عن جده، قَالَ: ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاجا، ثم رجع فلم يدخل المدينة، ومضى إلى الربذة حتى أتى ثني رهوتها
(7/539)

قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حج أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومائة، فتلقاه رياح بالربذة، فرده إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني حسن إليه، وبإشخاص محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ- وهو أخو بني حسن لأمهم أمهم جميعا فاطمة بنت حسين بْن علي بْن أبي طالب- فأرسل اليه رياح- وكان بماله ببدر- فحدرهم إلى المدينة، ثم خرج رياح ببني حسن ومحمد بْن عبد الله بْن عمرو إلى الربذة، فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من المدينة، دعا بالحدادين والقيود والأغلال، فألقى كل رجل منهم في كبل وغل، فضاقت حلقتا قيد عبد الله بْن حسن بْن حسن، فعضتاه فتأوه، فأقسم عليه أخوه علي بْن حسن ليحولن حلقتيه عليه إن كانتا أوسع، فحولتا عليه، فمضى بهم رياح إلى الربذة.
قَالَ: وحدثني إبراهيم بْن خالد، ابن أخت سعيد بْن عامر، عن جويرية بْن أسماء- وهو خال أمه- قَالَ: لما حمل بنو حسن إلى أبي جعفر أتي بأقياد يقيدون بها، وعلي بْن حسن بْن حسن قائم يصلي قَالَ: وكان في الأقياد قيد ثقيل، فكلما قرب إلى رجل منهم تفادى منه واستعفى قَالَ: فانفتل علي من صلاته، فقال: لشد ما جزعتم، شرعه هذا، ثم مد رجليه فقيد به.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عمران، قَالَ: الذي حدرهم إلى الربذة أبو الأزهر.
قَالَ عمر: حدثني ابن زبالة، قَالَ: حدثني حسين بن زيد بن على ابن حسين، قَالَ: غدوت إلى المسجد، فرأيت بني حسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر يراد بهم الربذة، فانصرفت، فأرسل الى جعفر ابن محمد فجئته، فقال: ما وراءك؟ فقلت: رأيت بني حسن يخرج بهم في محامل، قَالَ: اجلس، فجلست، فدعا غلاما له، ثم دعا ربه دعاء كثيرا، ثم قَالَ لغلامه: اذهب، فإذا حملوا فأت فأخبرني، فأتاه الرسول، فقال: قد أقبل بهم قَالَ: فقام جعفر بْن محمد، فوقف من وراء ستر شعر
(7/540)

يبصر من وراءه ولا يبصره أحد، فطلع بعبد الله بْن حسن في محل معادله مسود، وجميع أهل بيته كذلك قَالَ: فلما نظر إليهم جعفر هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا أبا عبد الله، والله لا يحفظ لله حرمة بعد هؤلاء قَالَ: وحدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: حدثني مصعب بْن عثمان، قَالَ: لما ذهب ببني حسن لقيهم الحارث بْن عامر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بالربذة، فقال: الحمد لله الذي أخرجكم من بلادنا، قَالَ: فاشرأب له حسن بْن حسن، فقال له عبد الله: عزمت عليك إلا سكت! قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني ابن أبرود حاجب محمد بْن عبد الله قَالَ: لما حمل بنو حسن، كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويسائلانه ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك، ويقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين.
فلا يمنعكما أن تموتا كريمين قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما صار بنو حسن إلى الربذة دخل محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ على أبي جعفر، وعليه قميص وساج وإزار رقيق تحت قميصه، فلما وقف بين يديه، قَالَ: إيها يا ديوث! قَالَ محمد: سبحان الله! والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا، قَالَ: فمم حملت ابنتك؟ وكانت تحت إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن بْن الحسن- وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعتاق ألا تغشني ولا تمالى علي عدوا، ثم أنت تدخل على ابنتك متخضبة متعطرة، ثم تراها حاملا فلا يروعك حملها! فأنت بين أن تكون حانثا أو ديوثا، وايم الله انى لاهم برجمها فقال محمد: أما أيماني فهي علي إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما رميت به هذه الجارية، فإن الله قد أكرمها عن ذلك بولادة رسول الله ص إياها، ولكني قد ظننت حين ظهر
(7/541)

حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة منا فاحتفظ أبو جعفر من كلامه، وأمر بشق ثيابه، فشق قميصه عن إزاره، فأشف عن عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ، وابو جعفر يفترى عليه ولا يكنى، فأصاب سوط منها وجهه، فقال له: ويحك! اكفف عن وجهي فإن له حرمة من رسول الله ص، قَالَ: فأغرى أبو جعفر، فقال للجلاد: الرأس الرأس، قَالَ: فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طوله- وكان طويلا- فشد في عنقه، وشدت به يده، ثم أخرج به ملببا، فلما طلع به من حجرة أبي جعفر، وثب إليه مولى له، فقال: بأبي أنت وأمي ألا ألوثك بردائي! قَالَ: بلى جزيت خيرا، فو الله لشفوف إزاري أشد علي من الضرب الذي نالني، فألقى عليه المولى الثوب، ومضى به إلى أصحابه المحبسين.
قَالَ: وحدثني الوليد بْن هشام، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عثمان، عن محمد بْن هاشم بْن البريد، مولى معاوية، قَالَ: كنت بالربذة، فأتي ببني حسن مغلولين، معهم العثماني كأنه خلق من فضة، فأقعدوا، فلم يلبثوا حتى خرج رجل من عند أبي جعفر، فقال: أين محمد بْن عبد الله العثماني؟ فقام فدخل، فلم يلبث أن سمعنا وقع السياط، فقال أيوب بْن سلمة المخزومي لبنيه: يا بني، إني لأرى رجلا ليس لأحد عنده هوادة، فانظروا لأنفسكم، لا تسقطوا بشيء قَالَ: فأخرج كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه، وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت، فأقعد إلى جنب أخيه عبد الله بْن حسن بْن حسن، فعطش فاستسقى ماء، فقال عبد الله بْن حسن: يا معشر الناس، من يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟ فتحاماه الناس فما سقوه حتى جاء خراساني بماء، فسله إليه فشرب، ثم لبثنا هنيهة، فخرج أبو جعفر في شق محمل، معادله الربيع في شقه الأيمن، على بغلة شقراء، فناداه عبد الله أبا جعفر، والله ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر! قال: فاخساه ابو جعفر،
(7/542)

وتفل عليه، ومضى ولم يعرج.
وذكر أن أبا جعفر لما دخل عليه محمد بْن عبد الله العثماني سأله عن إبراهيم، فقال: ما لي به علم، فدق أبو جعفر وجهه بالجرز.
وذكر عمر عن محمد بْن أبي حرب، قَالَ: لم يزل أبو جعفر جميل الرأي في محمد حتى قَالَ له رياح: يا أمير المؤمنين، أما أهل خراسان فشيعتك وأنصارك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، واما اهل الشام فو الله ما علي عندهم إلا كافر، وما يعتدون بأحد من ولده، ولكن أخاهم محمد بْن عبد الله ابن عمرو، ولو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم رجل قَالَ: فوقعت في نفس أبي جعفر، فلما حج دخل عليه محمد، فقال: يا محمد، أليس ابنتك تحت إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن؟ قَالَ: بلى، ولا عهد لي به إلا بمنى في سنة كذا وكذا، قَالَ: فهل رأيت ابنتك تختضب وتمتشط؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فهي إذا زانية، قَالَ: مه يا أمير المؤمنين! أتقول هذا لابنة عمك! قال: يا بن اللخناء، قال: اى أمهاتي تلخن! قال: يا بن الفاعله، ثم ضرب وجهه بالجرز وحدده، وكانت رقية ابنة محمد تحت إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن، ولها يقول:
خليلي من قيس دعا اللوم واقعدا ... يسركما ألا أنام وترقدا
أبيت كأني مسعر من تذكري ... رقية جمرا من غضا متوقدا
قَالَ: وحدثني عيسى بْن عبد الله بْن محمد، قَالَ: حدثني سليمان بْن داود بْن حسن، قَالَ: ما رأيت عبد الله بْن حسن جزع من شيء مما ناله إلا يوما واحدا، فإن بعير محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ انبعث وهو غافل، لم يتأهب له، وفي رجليه سلسلة، وفي عنقه زمارة، فهوى، وعلقت الزمارة بالمحمل، فرأيته منوطا بعنقه يضطرب، فرأيت عبد الله بْن حسن قد بكى بكاء شديدا.
قَالَ: وحدثني موسى بْن عبد الله بْن موسى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما صرنا بالربذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إلي أحدكم،
(7/543)

واعلم أنه غير عائد إليك أبدا، فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيرا، وقال: أنا أكره أن أفجعهم بكم، ولكن اذهب أنت يا موسى، قَالَ: فذهبت وأنا يومئذ حديث السن، فلما نظر إلي قَالَ:
لا أنعم الله بك عينا، السياط يا غلام قَالَ: فضربت والله حتى غشي علي، فما أدري بالضرب، فرفعت السياط عني، ودعاني فقربت منه واستقربني.
فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغت منه سجلا لم أستطع رده، ومن ورائه الموت أو تفتدي منه قَالَ: فقلت: يا أمير المؤمنين، والله إن ما لي ذنب، وإني لبمعزل عن هذا الأمر قَالَ: فانطلق فأتني بأخويك، قَالَ: فقلت: يا أمير المؤمنين، تبعثني إلى رياح بْن عثمان فيضع علي العيون والرصد، فلا أسلك طريقا إلا تبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي فيهربان مني! قَالَ: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى، قَالَ: وأرسل معي حرسا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري، قَالَ: فقدمت المدينة، فنزلت دار ابن هشام بالبلاط، فأقمت بها أشهرا، فكتب إليه رياح: إن موسى مقيم بمنزله يتربص بأمير المؤمنين الدوائر، فكتب إليه: إذا قرأت كتابي هذا فاحدره إلي، فحدرني.
قَالَ: وحدثني محمد بْن إسماعيل، قَالَ: حدثني موسى، قَالَ: أرسل أبي إلى أبي جعفر: إني كاتب إلى محمد وإبراهيم، فأرسل موسى عسى أن يلقاهما، وكتب إليهما أن يأتياه، وقال لي: أبلغهما عني فلا يأتياه أبدا قَالَ: وإنما أراد أن يفلتني من يده- وكان أرق الناس على، وكنت اصغر ولد هند- وارسل إليهما:
يا بنى أمية إني عنكما غان ... وما الغني غير انى مرعش فان
يا بنى أمية إلا ترحما كبري ... فإنما أنتما والثكل مثلان
قَالَ: فأقمت بالمدينة مع رسل أبي جعفر إلى أن استبطأني رياح، فكتب إلى ابى جعفر بذلك، فحدرنى اليه
(7/544)

قال: وحدثنى يعقوب بْن القاسم بْن محمد، قَالَ: أخبرني عمران بْن محرز من بني البكاء، قَالَ: خرج ببني حسن إلى الربذة، فيهم علي وعبد الله ابنا حسن بْن حسن بْن حسن، وأمهما حبابة ابنة عامر بْن عبد الله بن عامر ابن بشر بْن عامر ملاعب الأسنة، فمات في السجن حسن بن حسن وعباس ابن حسن، وأمه عائشة بنت طلحة بْن عمر بْن عبيد الله وعبد الله بْن حسن وإبراهيم بْن حسن.
قَالَ عمر: حدثني المدائني، قَالَ: لما خرج ببني حسن، قَالَ إبراهيم ابن عبد الله بن حسن، قال عمر: وقد أنشدني غير أبي الحسن هذا الشعر لغالب الهمداني:
ما ذكرك الدمنة القفار وأهل ... الدار اما ناوك أو قربوا
إلا سفاها وقد تفرعك الشيب ... بلون كأنه العطب
ومر خمسون من سنيك كما ... عد لك الحاسبون إذ حسبوا
فعد ذكر الشباب لست له ... ولا إليك الشباب منقلب
إني عرتني الهموم فاحتضر ... الهم وسادي فالقلب منشعب
واستخرج الناس للشقاء و ... خلفت لدهر بظهره حدب
اعوج يستعذب اللئام به ... ويحتويه الكرام إن سربوا
نفسي فدت شيبه هناك و ... ظنبوبا به من قيوده ندب
والسادة الغر من بنيه فما ... روقب فيه الإله والنسب
يا حلق القيد ما تضمن من ... حلم وبر يشوبه حسب
وأمهات من العواتك ... أخلصنك بيض عقائل عرب
كيف اعتذاري إلى الإله ولم ... يشهرن فيك المأثورة القضب!
(7/545)

ولم أقد غارة ململمة ... فيها بنات الصريح تنتحب
والسابقات الجياد والأسل ... الذبل فيها أسنة ذرب
حتى نوفي بني نتيلة بالقسط ... بكيل الصاع الذي احتلبوا
بالقتل قتلا وبالأسير الذي ... في القد أسرى مصفودة سلب
أصبح آل الرسول أحمد في ... الناس كذي عرة به جرب
بؤسا لهم ما جنت أكفهم ... وأي حبل من أمة قضبوا!
وأي حبل خانوا المليك به ... شد بميثاق عقده الكذب
وذكر عبد الله بْن راشد بْن يزيد، قَالَ: سمعت الجراح بن عمر وخاقان ابن زيد وغيرهما من أصحابنا يقولون: لما قدم بعبد الله بْن حسن وأهله مقيدين فأشرف بهم على النجف، قَالَ لأهله: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية؟ قَالَ: فلقيه ابنا أخي الحسن وعلي مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يا بن رسول الله، فمرنا بالذي تريد، قَالَ:
قد قضيتما، ولن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عمران بْن أبي فروة، قَالَ: أمر أبو جعفر أبا الأزهر فحبس بني حسن بالهاشمية.
قال: وحدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني محمد بْن إبراهيم، قَالَ: أتي بهم أبو جعفر، فنظر إلى محمد بْن إبراهيم بْن حسن، فقال:
أنت الديباج الأصفر؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك، ثم امر بأسطوانة مبنية ففرقت، ثم أدخل فيها فبنى عليه وهو حي قال محمد بن الحسن: وحدثني الزبير بْن بلال، قَالَ: كان الناس يختلفون إلى محمد ينظرون إلى حسنه.
قَالَ عمر: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عمران، قال:
(7/546)

أخبرني أبو الأزهر، قَالَ: قَالَ لي عبد الله بْن حسن: أبغني حجاما، فقد احتجت إليه، فاستأذنت أمير المؤمنين، فقال: آتيه بحجام مجيد.
قَالَ: وحدثني الفضل بْن دكين أبو نعيم، قَالَ: حبس من بني حسن ثلاثة عشر رجلا، وحبس معهم العثماني وابنان له في قصر ابن هبيرة، وكان في شرقي الكوفة مما يلي بغداد، فكان أول من مات منهم ابراهيم ابن حسن، ثم عبد الله بْن حسن، فدفن قريبا من حيث مات، وإلا يكن بالقبر الذي يزعم الناس أنه قبره، فهو قريب منه.
وحدثني محمد بْن أبي حرب، قَالَ: كان محمد بْن عبد الله بْن عمرو محبوسا عند أبي جعفر، وهو يعلم براءته، حتى كتب إليه أبو عون من خراسان: أخبر أمير المؤمنين أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني، وطال عليهم أمر محمد بْن عبد الله، فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمد بْن عبد الله بْن عمرو، فضربت عنقه، وأرسل برأسه إلى خراسان، وأقسم لهم أنه رأس محمد بْن عبد الله، وأن أمه فاطمه بنت رسول الله ص.
قال عمر: فحدثني الوليد بْن هشام، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: لما صار أبو جعفر بالكوفة، قَالَ: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فسق، فدعا به، فقال: أزوجت ابنتك ابن عبد الله؟ قَالَ: لا، قَالَ:
أفليست بامرأته؟ قَالَ: بلى زوجها إياه عمها وأبوه عبد الله بْن حسن فأجزت نكاحه، قَالَ: فأين عهودك التي أعطيتني؟ قَالَ: هي علي، قَالَ: أفلم تعلم بخضاب! ألم تجد ريح طيب! قَالَ: لا علم لي، قد علم القوم ما لك علي من المواثيق فكتموني ذلك كله، قَالَ: هل لك أن تستقيلني فأقيلك، وتحدث لي إيمانا مستقبلة؟ قَالَ: ما حنثت بأيماني فتجددها علي، ولا أحدثت ما استقيلك منه فتقيلني، فأمر به فضرب حتى مات، ثم احتز رأسه، فبعث به إلى خراسان، فلما بلغ ذلك عبد الله بْن حسن، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! والله ان كنا لنا من به في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا.
قَالَ: وحدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: حدثني مسكين بْن عمرو،
(7/547)

قَالَ: لما ظهر محمد بْن عبد الله بْن حسن، أمر أبو جعفر بضرب عنق محمد ابن عبد الله بْن عمرو، ثم بعث به إلى خراسان، وبعث معه الرجال يحلفون بالله إنه لمحمد بْن عبد الله بْن فاطمة بنت رسول الله ص قَالَ عمر: فسألت محمد بْن جعفر بْن إبراهيم، في أي سبب قتل محمد بْن عمرو؟
قال: احتيج الى راسه.
قال عمر: وحدثني محمد بْن أبي حرب، قَالَ: كان عون بْن أبي عون خليفة أبيه بباب أمير المؤمنين، فلما قتل محمد بْن عبد الله بْن حسن وجه أبو جعفر برأسه إلى خراسان، إلى أبي عون مع محمد بْن عبد الله بْن أبي الكرام وعون بْن أبي عون، فلما قدم به ارتاب أهل خراسان، وقالوا: أليس قد قتل مرة وأتينا برأسه! قَالَ: ثم تكشف لهم الخبر حتى علموا حقيقته، فكانوا يقولون: لم يطلع من أبي جعفر على كذبة غيرها.
قَالَ: وحدثني عيسى بْن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمران بْن أبي فروة، قَالَ: كنا نأتي أبا الأزهر ونحن بالهاشمية أنا والشعباني، فكان أبو جعفر يكتب إليه: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي الأزهر مولاه، ويكتب أبو الأزهر إلى أبي جعفر: من أبي الأزهر مولاه وعبده، فلما كان ذات يوم ونحن عنده- وكان أبو جعفر قد ترك له ثلاثة أيام لا ينوبها، فكنا نخلو معه في تلك الأيام- فأتاه كتاب من أبي جعفر، فقرأه ثم رمى به، ودخل إلى بني حسن وهم محبوسون قَالَ: فتناولت الكتاب وقرأته، فإذا فيه:
انظر يا أبا الأزهر ما أمرتك به في مدله فعجله وأنفذه قَالَ: وقرأ الشعباني الكتاب فقال: تدري من مدله؟ قلت: لا، قَالَ: هو والله عبد الله بْن حسن، فانظر ما هو صانع قَالَ: فلم نلبث أن جاء أبو الأزهر، فجلس فقال: قد والله هلك عبد الله بْن حسن، ثم لبث قليلا ثم دخل وخرج مكتئبا، فقال: أخبرني عن علي بْن حسن، أي رجل هو؟ قلت: أمصدق أنا عندك؟ قَالَ: نعم، وفوق ذلك، قَالَ: قلت: هو والله خير من تقله هذه وتظله هذه! قَالَ: فقد والله ذهب.
قَالَ: وحدثني محمد بْن إسماعيل، قَالَ: سمعت جدي موسى بْن عبد الله
(7/548)

يقول: ما كنا نعرف اوقات الصلاة في الحبس إلا بأحزاب كان يقرؤها علي بْن حسن قَالَ عمر: وحدثني ابن عائشة، قَالَ: سمعت مولى لبني دارم، قَالَ:
قلت لبشير الرحال ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قَالَ:
إنه أرسل إلي بعد أخذه عبد الله بْن حسن فأتيته، فأمرني يوما بدخول بيت فدخلته، فإذا بعبد الله بْن حسن مقتولا، فسقطت مغشيا علي، فلما أفقت أعطيت الله عهدا ألا يختلف في أمره سيفان إلا كنت مع الذي عليه منهما.
وقلت للرسول الذي معي من قبله: لا تخبره بما لقيت، فإنه إن علم قتلني.
قَالَ عمر: فحدثت به هشام بْن إبراهيم بْن هشام بْن راشد من أهل همذان، وهو العباسي أن أبا جعفر أمر بقتله، فحلف بالله ما فعل ذلك، ولكنه دس إليه من أخبره أن محمدا قد ظهر فقتل، فانصدع قلبه، فمات.
قَالَ: وحدثني عيسى بْن عبد الله، قَالَ: قَالَ من بقي منهم: إنهم كانوا يسقون، فماتوا جميعا إلا سليمان وعبد الله ابني داود بْن حسن بْن حسن وإسحاق وإسماعيل ابني إبراهيم بْن حسن بْن حسن، وجعفر بْن حسن، فكان من قتل منهم إنما قتل بعد خروج محمد.
قَالَ عيسى: فنظرت مولاة لآل حسن إلى جعفر بْن حسن، فقالت:
بنفسي أبو جعفر! ما أبصره بالرجال حيث يطلقك وقتل عبد الله بْن حسن!

ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت في سنة أربع وأربعين ومائة
فمن ذلك ما كان من حمل أبي جعفر المنصور بني حسن بْن حسن بْن علي من المدينة إلى العراق
(7/549)

ذكر الخبر عن سبب حمله إياهم إلى العراق:
حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: لما ولي أبو جعفر رياح بْن عثمان بْن حيان المري المدينة، أمره بالجد في طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بْن الحسن وقلة الغفلة عنهما.
قَالَ محمد بْن عمر: فأخبرني عبد الرحمن بْن أبي الموالي، قَالَ: فجد رياح في طلبهما ولم يداهن، واشتد في ذلك كل الشدة حتى خافا، وجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتم أبو جعفر من تبغيهما، وكتب الى رياح ابن عثمان: أن يأخذ أباهما عبد الله بْن حسن واخوته: حسن بن حسن وداود ابن حسن وإبراهيم بْن حسن، ومحمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بن عفان- وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين- في عدة منهم، ويشدهم وثاقا، ويبعث بهم إليه حتى يوافوه بالربذة وكان أبو جعفر قد حج تلك السنة وكتب إليه أن يأخذني معهم فيبعث بي إليه أيضا قَالَ: فأدركت وقد أهللت بالحج، فأخذت فطرحت في الحديد، وعورض بي الطريق حتى وافيتهم بالربذة قَالَ محمد بْن عمر: أنا رأيت عبد الله بْن حسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد، فيحملون في المحامل، ليس تحتهم وطاء، وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام، أحفظ ما أرى.
قَالَ محمد بْن عمر: قَالَ عبد الرحمن بْن ابى الموالي وأخذ معهم نحو من أربعمائة، من جهينة ومزينة وغيرهم من القبائل، فأراهم بالربذة مكتفين في الشمس قَالَ: وسجنت مع عبد الله بْن حسن وأهل بيته ووافى أبو جعفر الربذة منصرفا من الحج، فسأل عبد الله بْن حسن أبا جعفر أن يأذن له في الدخول عليه، فأبى أبو جعفر، فلم يره حتى فارق الدنيا قَالَ: ثم دعاني أبو جعفر من بينهم، فأقعدت حتى أدخلت- وعنده عيسى بْن علي- فلما رآني عيسى، قَالَ: نعم، هو هو يا أمير المؤمنين، وإن أنت شددت عليه أخبرك بمكانهم فسلمت، فقال أبو جعفر: لا سلم الله عليك! أين الفاسقان ابنا الفاسق، الكذابان ابنا الكذاب؟ قَالَ: قلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين
(7/550)

عندك؟ قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: امرأته طالق، وعلي وعلي، إن كنت أعرف مكانهما! قَالَ: فلم يقبل ذلك مني، وقال: السياط! وأقمت بين العقابين، فضربني أربعمائة سوط، فما عقلت بها حتى رفع عني، ثم حملت إلى أصحابي على تلك الحال، ثم بعث إلى الديباج محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ابن عفان، وكانت ابنته تحت إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن، فلما أدخل عليه قَالَ: أخبرني عن الكذابين ما فعلا؟ وأين هما؟ قَالَ: والله يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم، قَالَ: لتخبرني، قَالَ: قد قلت لك وإني والله لصادق، ولقد كنت أعلم علمهما قبل اليوم، واما اليوم فما لي والله بهما علم قَالَ:
جردوه، فجرد فضربه مائة سوط، وعليه جامعة حديد في يده إلى عنقه، فلما فرغ من ضربه أخرج فألبس قميصا له قوهيا على الضرب، وأتي به إلينا، فو الله ما قدروا على نزع القميص من لصوقه بالدم، حتى حلبوا عليه شاة، ثم انتزع القميص ثم داووه فقال أبو جعفر: أحدروا بهم إلى العراق، فقدم بنا إلى الهاشمية، فحبسنا بها، فكان أول من مات في الحبس عبد الله ابن حسن، فجاء السجان فقال: ليخرج أقربكم به فليصل عليه، فخرج أخوه حسن بْن حسن بن حسن بن على ع، فصلى عليه ثم مات محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فأخذ رأسه، فبعث به مع جماعة من الشيعة إلى خراسان، فطافوا في كور خراسان، وجعلوا يحلفون بالله أن هذا رأس محمد بْن عبد الله بن فاطمه بنت رسول الله ص، يوهمون الناس أنه رأس محمد بْن عبد الله بْن حسن، الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية.
وكان والي مكة في هذه السنة السري بْن عبد الله، ووالى المدينة رياح ابن عثمان المري، ووالي الكوفة عيسى بْن موسى، ووالي البصرة سفيان بْن معاوية.
وعلى قضائها سوار بْن عبد الله، وعلى مصر يزيد بْن حاتم
(7/551)

ثم دخلت

سنة خمس وأربعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك خروج محمد بْن عبد الله بْن حسن بالمدينة، وخروج أخيه إبراهيم بْن عبد الله بعده بالبصرة ومقتلهما.

ذكر الخبر عن مخرج محمد بْن عبد الله ومقتله
ذكر عمر أن محمد بْن يحيى حدثه، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما انحدر أبو جعفر ببني حسن، رجع رياح إلى المدينة، فألح في الطلب، واخرج محمدا حتى عزم على الظهور.
قَالَ عمر: فحدثت إبراهيم بْن محمد بْن عبد الله الجعفري أن محمدا أحرج، فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك، وقال: ما زال محمد يطلب أشد الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب، فتدلى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء، وقد انغمس فيه إلى رأسه، وكان بدنه لا يخفى عظما، ولكن إبراهيم تأخر عن وقته لجدرى أصابه.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
تحدث أهل المدينة بظهور محمد، فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حلي نسائه، وبلغ رياحا أن محمدا أتى المذاد، فركب في جنده يريده وقد خرج قبله محمد يريده، ومعه جبير بْن عبد الله السلمي وجبير ابن عبد الله بْن يعقوب بْن عطاء وعبد الله بْن عامر الأسلمي، فسمعوا سقاءة تحدث صاحبتها أن رياحا قد ركب يطلب محمدا بالمذاد، وأنه قد سار إلى السوق، فدخلوا دارا لجهينه وأجافوا بابها عليهم، ومر رياح على الباب لا يعلم بهم، ثم رجع إلى دار مروان، فلما حضرت العشاء الأخيرة صلى في الدار ولم يخرج
(7/552)

وقيل: إن الذي أعلم رياحا بمحمد سليمان بْن عبد الله بْن أبي سبرة من بني عامر بْن لؤي.
وذكر عن الفضل بْن دكين، قَالَ: بلغني أن عبيد الله بْن عمرو بْن أبي ذؤيب وعبد الحميد بْن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه، فقالوا له:
ما ننتظر بالخروج! والله ما نجد في هذه الأمة أحدا أشام عليها منك.
ما يمنعك أن تخرج وحدك! قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بْن محمد بْن علي بْن حسين، وحسين بْن علي بْن حسين بْن علي، على بْن عمر بْن علي بْن حسين بْن على، وحسن بن على بن حسين ابن علي بْن حسين بْن علي ورجال من قريش، منهم اسماعيل بن أيوب ابن سلمة بْن عبد الله بْن الوليد بْن المغيرة، ومعه ابنه خالد، فإنا لعنده في دار مروان إذ سمعنا التكبير قد حال دون كل شيء، فظنناه من عند الحرس، وظن الحرس أنه من الدار قَالَ: فوثب ابن مسلم بْن عقبة- وكان مع رياح- فاتكأ على سيفه، فقال: أطعني في هؤلاء فاضرب أعناقهم، فقال علي بْن عمر: فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بْن علي، فقال: والله ما ذاك لك، إنا على السمع والطاعة قَالَ: وقام رياح ومحمد بْن عبد العزيز، فدخلا جنبذا في دار يزيد، فاختفيا فيه، وقمنا فخرجنا من دار عبد العزيز ابن مروان حتى تسورنا على كبا كانت في زقاق عاصم بْن عمرو، فقال إسماعيل بْن أيوب لابنه خالد: يا بني، والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب، فارفعني، فرفعه.
وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن عمران، قَالَ:
حدثني أبي قَالَ: جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مروان ان محمدا الخارج الليلة، فأرسل إلى أخي محمد بْن عمران وإلى العباس بْن عبد الله بْن الحارث ابن العباس وإلى غير واحد قَالَ: فخرج أخي وخرجت معه، حتى
(7/553)

دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة، فسلمنا عليه فلم يرد علينا، فجلسنا فقال أخي: كيف أمسى الأمير أصلحه الله! قَالَ: بخير- بصوت ضعيف- قَالَ: ثم صمت طويلا ثم تنبه، فقال: ايها يا أهل المدينة! أمير المؤمنين يطلب بغيته في شرق الأرض وغربها، وهو ينتفق بين أظهركم! أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحدا إلا ضربت عنقه فقال أخي: أصلحك الله! أنا عذيرك منه، هذا والله الباطل، قَالَ: فأنت أكثر من هاهنا عشيرة، وأنت قاضي أمير المؤمنين، فادع عشيرتك قَالَ: فوثب أخي ليخرج، فقال: اجلس، اذهب أنت يا ثابت، فوثبت، فأرسلت إلى بني زهرة ممن يسكن حش طلحة ودار سعد ودار بني أزهر: أن أحضروا سلاحكم.
قَالَ: فجاء منهم بشر، وجاء إبراهيم بْن يعقوب بْن سعد بْن أبي وقاص متنكبا قوسا- وكان من أرمى الناس- فلما رأيت كثرتهم، دخلت على رياح، فقلت: هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك، ائذن لهم قَالَ:
هيهات! تريد أن تدخل علي الرجال طروقا في السلاح، قل لهم: فليجلسوا في الرحبة، فإن حدث شيء فليقاتلوا، قَالَ: قلت لهم: قد أبى أن يأذن لكم، لا والله ما هاهنا شيء، فاجلسوا بنا نتحدث.
قَالَ: فمكثنا قليلا، فخرج العباس بْن عبد الله بْن الحارث في خيل يعس حتى جاء رأس الثنية، ثم انصرف الى منزله واغلقه عليه، فو الله إنا لعلى تلك الحال إذ طلع فارسان من قبل الزوراء، يركضان، حتى وقفا بين دار عبد الله بْن مطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية قَالَ: قلنا: شر الأمر والله جد قَالَ: ثم سمعنا صوتا بعيدا، فأقمنا ليلا طويلا، فأقبل محمد بْن عبد الله من المذاد ومعه مائتان وخمسون رجلا، حتى إذا شرع على بني سلمة وبطحان، قال: اسلكوا بنى سلمه إن شاء الله، قَالَ: فسمعنا تكبيرا، ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمارين، حتى دخل من أصحاب الأقفاص، فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام، فدقه، وأخرج من كان فيه، ثم
(7/554)

أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار اويس نظرنا الى هول من الهئول.
قَالَ: فنزل إبراهيم بْن يعقوب، ونكب كنانته وقال: ارمي؟ فقلنا: لا تفعل، ودار محمد بالرحبة، حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد، فجلس على بابها، وتناوش الناس حتى قتل رجل سندي كان يستصبح في المسجد، قتله رجل من أصحاب محمد.
قال: وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بْن جعفر، أخبرني جهم بْن عثمان، قَالَ: خرج محمد من المذاد على حمار ونحن معه، فولى خوات بْن بكير بْن خوات بْن جبير الرجالة، وولى عبد الحميد بْن جعفر الحربة، وقال: أكفنيها، فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه، ووجهه مع ابنه حسن بْن محمد.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يزيد بْن ركانة قَالَ: بعث إبراهيم بْن عبد الله إلى أخيه بحملي سيوف، فوضعها بالمذاد، فأرسل إلينا ليلة خرج: وما نكون؟ مائة رجل! وهو على حمار أعرابي أسود، فافترق طريقان: طريق بطحان وطريق بني سلمة، فقلنا له:
كيف نأخذ؟ قَالَ: على بني سلمة، يسلمكم الله، قَالَ: فجئنا حتى صرنا بباب مروان.
قَالَ: وحدثني محمد بْن عمرو بْن رتبيل بْن نهشل أحد بني يربوع، عن أبي عمرو المديني- شيخ من قريش- قَالَ: أصابتنا السماء بالمدينة أياما، فلما أقلعت خرجت في غبها متمطرا، فانتسأت عن المدينة، فإني لفي رحلي إذ هبط علي رجل لا أدري من أين أتى، حتى جلس الى، وعليه أطمار له درنة وعمامة رثة، فقلت له: من أين أقبلت؟ قَالَ: من غنيمة لي أوصيت راعيها بحاجة لي، ثم أقبلت أريد أهلي قَالَ: فجعلت لا أسلك من العلم طريقا إلا سبقني إليه وكثرني فيه، فجعلت أعجب له ولما يأتي به، قلت: ممن الرجل؟ قَالَ: من المسلمين، قلت: أجل، فمن أيهم أنت؟
قال: لا عليك، الا تريد؟ قلت: بلى علي ذلك، فمن أنت؟ قَالَ:
فوثب وقال:
(7/555)

منخرق الخفين يشكو الوجى.
الأبيات الثلاثة.
قَالَ: ثم ادبر فذهب، فو الله ما فات مدى بصري حتى ندمت على تركه قبل معرفته، فاتبعته لأسأله، فكأن الأرض التأمت عليه، ثم رجعت إلى رحلي، ثم أتيت المدينة فما غبرت إلا يومي وليلتي، حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة، فإذا رجل يصلي بنا، لأعرف صوته، فقرأ: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» ، فلما انصرف صعد المنبر، فإذا صاحبي، وإذا هو محمد بْن عبد الله بْن حسن.
قَالَ: وحدثني إسماعيل بْن إبراهيم بْن هود مولى قريش، قَالَ: سمعت إسماعيل بْن الحكم بْن عوانة يخبر عن رجل قد سماه بشبيهة بهذه القصة.
قَالَ إسماعيل: فحدثت بها رجلا من الأنبار يكنى أبا عبيد، فذكر أن محمدا- أو إبراهيم- وجه رجلا من بني ضبة- فيما يحسب إسماعيل بْن إبراهيم بْن هود- ليعلم له بعض علم أبي جعفر، فأتى الرجل المسيب وهو يومئذ على الشرط، فمت إليه برحمه، فقال المسيب: إنه لا بد من رفعك إلى أمير المؤمنين.
فأدخله على أبي جعفر فاعترف، فقال: ما سمعته يقول؟ قَالَ:
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد
قَالَ أبو جعفر: فأبلغه أنا نقول:
وخطة ذل نجعل الموت دونها ... نقول لها للموت أهلا ومرحبا
وقال: انطلق فابلغه.
قال عمر: وحدثنى أزهر بْن سعيد بْن نافع- وقد شهد ذلك- قَالَ:
خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين ومائة، فبات بالمذاد هو وأصحابه، ثم أقبل في الليل، فدق السجن وبيت المال، وأمر برياح وابن مسلم فحبسا معا في دار ابن هشام
(7/556)

قَالَ: وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثني علي بْن أبي طالب، قَالَ: خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة.
وحدثني عمر بْن راشد، قَالَ: خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فرأيت عليه ليله خرج قلنسوة صفراء مضريه وجبة صفراء، وعمامة قد شد بها حقويه وأخرى قد اعتم بها، متوشحا سيفا، فجعل يقول لأصحابه:
لا تقتلوا، فلما امتنعت منهم الدار، قَالَ: ادخلوا من باب المقصورة، قَالَ: فاقتحموا وحرقوا باب الخوخة التي فيها، فلم يستطع أحد أن يمر، فوضع رزام مولى القسري ترسه على النار، ثم تخطى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا من بابها، وقد كان بعض أصحاب رياح مارسوا على الباب، وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام، وتعلق رياح في مشربة في دار مروان، فأمر بدرجها فهدمت، فصعدوا إليه، فأنزلوه وحبسوه في دار مروان، وحبسوا معه أخاه عباس بْن عثمان وكان محمد بْن خالد وابن أخيه النذير بْن يزيد ورزام في الحبس، فأخرجهم محمد، وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: حبس محمد رياحا وابن أخيه وابن مسلم بْن عقبة في دار مروان.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن أبي ثابت، عن خاله راشد بْن حفص، قَالَ: قَالَ رزام للنذير: دعني وإياه فقد رأيت عذابه إياي قَالَ: شأنك وإياه، ثم قام ليخرج، فقال له رياح: يا أبا قيس، قد كنت أفعل بكم ما كنت افعل، وانا بسؤددكم عالم فقال له النذير:
فعلت ما كنت اهله، ونفعل اما نحن أهله، وتناوله رزام فلم يزل به رياح يطلب إليه حتى كف، وقال: والله إن كنت لبطرا عند القدرة، لئيما عند البلية.
قَالَ: وحدثني موسى بْن سعيد الجمحي، قال: حبس رياح محمد ابن مروان بْن أبي سليط من الأنصار، ثم أحد بني عمرو بْن عوف، فمدحه وهو محبوس، فقال:
(7/557)

وما نسي الذمام كريم قيس ... ولا ملقى الرجال إلى الرجال
إذا ما الباب قعقعه سعيد ... هدجنا نحوه هدج الرئال
دبيب الذر تصبح حين يمشي ... قصار الخطو غير ذوي اختيال
قَالَ: حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني إسماعيل بْن يعقوب التيمي قَالَ: صعد محمد المنبر فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ أيها الناس، فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم، من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندا لله في ملكه، وتصغيرا للكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.
اللهم إنهم قد أحلوا حرامك، وحرموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت اللهم فأحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا.
أيها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة.
ولكني اخترتكم لنفسي، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة.
قَالَ: وحدثني موسى بْن عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ.
لما وجهني رياح بلغ محمدا فخرج من ليلته، وقد كان رياح تقدم إلى الأجناد الذين معي، أن اطلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي، فلما أتي محمد برياح، قَالَ: أين موسى؟ قَالَ: لا سبيل إليه، والله لقد حدرته إلى العراق قَالَ: فأرسل في أثره فرده قَالَ: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحدا مقبلا من المدينة أن يقتلوه قَالَ: فقال محمد لأصحابه: من لي بموسى؟ فقال ابن خضير: أنا لك به قَالَ: فانظر رجالا، فانتخب رجالا ثم أقبل.
قال: فو الله ما راعنا إلا وهو بين أيدينا، كأنما أقبل من العراق، فلما نظر إليه الجند قالوا: رسل أمير المؤمنين، فلما خالطونا شهروا السلاح، فأخذني القائد وأصحابه، وأناخ بي وأطلقني من وثاقي، وشخص بي حتى أقدمني على محمد
(7/558)

قَالَ عمر: حدثني علي بْن الجعد، قَالَ: كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه، فكان محمد يقول: لو التقينا مال إلي القواد كلهم.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بْن محمد بْن خالد بْن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بْن المطلب بْن عبد الله المخزومي، وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر بْن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بْن جعفر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وبعث إلى محمد بْن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا، وتقيم معنا فاعتذر إليه وقال: أفعل، ثم انسل منه فأتى مكة.
قَالَ: وحدثني إسماعيل بْن إبراهيم بْن هود، قَالَ: حدثني سعيد بْن يحيى أبو سفيان الحميري، قَالَ: حدثني عبد الحميد بْن جعفر، قَالَ: كنت على شرط محمد بْن عبد الله حتى وجهني وجها، وولي شرطه الزبيري.
قَالَ: وحدثني أزهر بْن سعيد بْن نافع، قَالَ: لم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر، منهم الضحاك بْن عثمان بْن عبد الله بْن خالد بْن حزام وعبد الله بْن المنذر بْن المغيرة بْن عبد الله بْن خالد بْن حزام، وأبو سلمة بْن عبيد الله ابن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب وخبيب بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ: وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثتني جدتي كلثم بنت وهب، قالت: لما خرج محمد تنحى أهل المدينة، فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بْن يَحْيَى بْن عباد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير إلى البقيع، فاختبات عند أسماء بنت حسن بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عباس قالت: فكتب إلي عبد الوهاب بأبيات قالها، فكتبت إليه:
رحم الله شبابا ... قاتلوا يوم الثنية
(7/559)

قاتلوا عنه: بنيات ... وأحساب نقيه
فر عنه الناس طرا ... غير خيل أسديه
قالت: فزاد الناس:
قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزكية
قال: وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم ابن سنان الحكمي أخو الأنصار، قَالَ: أخبرني غير واحد أن مالك بْن أنس استفتي في الخروج مع محمد، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته.
وحدثني محمد بْن إسماعيل، قَالَ: حدثني ابن أبي مليكه مولى عبد الله ابن جعفر، قَالَ: أرسل محمد إلى إسماعيل بْن عبد الله بْن جعفر- وقد كان بلغ عمرا- فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة، فقال: يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك! فارتدع الناس عنه قليلا، وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد، فأتته حمادة بنت معاوية، فقالت: يا عم، إن أخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت عنه الناس، فيقتل ابن خالي وإخوتي قَالَ: فأبى الشيخ إلا النهي عنه، فيقال: إن حمادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه، فوثب عليه عبد الله بْن إسماعيل، فقال: تأمر بقتل أبي ثم تصلي عليه! فنحاه الحرس، وصلى عليه محمد.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: اتى محمد بعبيد الله ابن الحسين بْن علي بْن الحسين بْن علي مغمضا عينيه، فقال: إن علي يمينا إن رأيته لأقتلنه فقال عيسى بْن زيد: دعني أضرب عنقه، فكفه عنه محمد.
قَالَ: وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني محمد بْن معن، قَالَ:
حدثني محمد بْن خالد القسري، قَالَ: لما ظهر محمد وأنا في حبس ابن
(7/560)

حيان أطلقني، فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حق، والله لأبلين الله فيها بلاء حسنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت في هذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا، فانهض معي، فإنما هي عشر حتى أضربه بمائه ألف سيف فأبى علي، فإني لعنده يوما إذ قَالَ لي: ما وجدنا من حر المتاع شيئا أجود من شيء وجدناه عند ابن ابى فروه، ختن ابى الخطيب- وكان انتهبه- قَالَ:
فقلت: ألا أراك قد أبصرت حر المتاع! فكتبت إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة من معه، فعطف علي، فحبسني حتى أطلقني عيسى بْن موسى بعد قتله إياه قَالَ: وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بْن جعفر، قَالَ: حدثتني أختي بريكة بنت عبد الحميد، عن أبيها، قَالَ: إني لعند محمد يوما ورجله في حجري، إذ دخل عليه خوات بْن بكير بْن خوات بْن جبير، فسلم عليه، فرد عليه سلاما ليس بالقوي، ثم دخل عليه شاب من قريش، فسلم عليه، فأحسن الرد عليه، فقلت: ما تدع عصبيتك بعد! قَالَ: وما ذلك؟
قلت: دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه ردا ضعيفا، ودخل عليك صعلوك من صعاليك قريش فسلم فاحتفلت في الرد عليه! فقال:
ما فعلت ذاك، ولكنك تفقدت مني ما لا يتفقد أحد من أحد قَالَ: وحدثني عبد الله بْن إسحاق بْن القاسم، قَالَ: استعمل محمد الحسن بْن معاوية بْن عبد الله بْن جعفر على مكة، ووجه معه القاسم بْن إسحاق واستعمله على اليمن قَالَ: وحدثني محمد بْن إسماعيل عن أهله، أن محمدا استعمل القاسم ابن إسحاق على اليمن وموسى بْن عبد الله على الشام، يدعوان إليه، فقتل قبل أن يصلا قَالَ: وحدثني أزهر بْن سعيد، قَالَ: استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز ابن الدراوردي على السلاح
(7/561)

قَالَ: وأخبرني محمد بْن يحيى ومحمد بْن الحسن بن زبالة وغيرهما، قالوا:
لما ظهر محمد، قَالَ ابن هرمة- وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيره لأبي جعفر:
غلبت على الخلافة من تمنى ... ومناه المضل بها الضلول
فأهلك نفسه سفها وجبنا ... ولم يقسم له منها فتيل
ووازره ذوو طمع فكانوا ... غثاء السيل يجمعه السيول
دعوا إبليس إذ كذبوا وجاروا ... فلم يصرخهم المغوي الخذول
وكانوا أهل طاعته فولى ... وسار وراءه منهم قبيل
وهم لم يقصروا فيها بحق ... على أثر المضل ولم يطيلوا
وما الناس احتبوك بها ولكن ... حباك بذلك الملك الجليل
تراث محمد لكم وكنتم ... أصول الحق إذ نفي الأصول
قَالَ: وحدثني محمود بْن معمر بْن أبي الشدائد الفزاري وموهوب بْن رشيد ابن حيان الكلابي، قَالَ: قَالَ أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجه إليه عيسى:
أتتك النجائب والمقربات ... بعيسى بْن موسى فلا تعجل
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: كان محمد آدم شديد الأدمة، أدلم جسيما عظيما، وكان يلقب القاري من أدمته، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمما قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني إبراهيم بْن زياد بْن عنبسة، قَالَ: ما رأيت محمدا رقي المنبر قط إلا سمعت بقعقعة من تحته، وإني لبمكاني ذلك قَالَ: وحدثني عبد الله بْن عمر بْن حبيب، قَالَ: حدثني من حضر محمدا على المنبر يخطب، فاعترض بلغم في حلقه فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعا، فرمى بنخامته سقف المسجد فألصقها به
(7/562)

قَالَ: وحدثني عبد الله بْن نافع، قَالَ: حدثني إبراهيم بْن علي من آل أبي رافع، قَالَ: كان محمد تمتاما، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره، فيضرب بيده على صدره، ويستخرج الكلام قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: دخل عيسى بْن موسى يوما على أبي جعفر، فقال: سرك الله يا أمير المؤمنين! قَالَ: فيم؟
قَالَ: ابتعت وجه دار عبد الله بْن جعفر من بني معاوية، حسن ويزيد وصالح، قَالَ أتفرح! أما والله ما باعوها إلا ليثبوا عليك بثمنها قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن عمران عن محمد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الربيع بْن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله، قَالَ: خرج محمد بالمدينة، وقد خط المنصور مدينته بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة وسرت معه، فصيح بي فلحقته، فصمت طويلا ثم قال: يا بن الربيع، خرج محمد، قلت: أين؟ قَالَ: بالمدينة، قلت: هلك والله وأهلك، خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أمير المؤمنين، ألا أحدثك حديثا حدثنيه سعيد بْن عمرو بْن جعدة المخزومي؟ قَالَ: كنت مع مروان يوم الزاب واقفا، فقال: يا سعيد، من هذا الذى يقاتلني في هذه الخيل؟ قلت: عبد الله ابن علي بْن عبد الله بْن عباس، قَالَ: أيهم هو؟ عرفه، قلت: نعم، رجل أصفر حسن الوجه رقيق الذراعين، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بْن معاوية حين هزم، قَالَ: قد عرفته، والله لوددت أن علي بْن أبي طالب يقاتلني مكانه، إن عليا وولده لا حظ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بنى هاشم وابن عم رسول الله ص وابن عباس، معه ريح الشام ونصر الشام يا بن جعدة، تدري ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلت: لا، قَالَ:
وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك، فعقدت له فقال: أنشدك الله! أحدثك هذا ابن جعدة! قلت: ابنة سفيان بْن معاوية طالق البتة إن لم يكن حدثني ما حدثتك
(7/563)

قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: خرج إلى أبي جعفر في الليلة التي ظهر فيها محمد رجل من آل اويس ابن أبي سرح من بني عامر بْن لؤي، فسار تسعا من المدينة، فقدم ليلا، فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى نذر به، فأدخل، فقال له الربيع:
ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم! قَالَ: لا بد لي منه، قَالَ:
أعلمنا نعلمه، فأبى، فدخل الربيع عليه فأعلمه، فقال: سله عن حاجته ثم أعلمني، قَالَ: قد أبى الرجل إلا مشافهتك فأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بْن عبد الله بالمدينة، قَالَ: قتلته والله إن كنت صادقا! أخبرني من معه؟ فسمى له من خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قَالَ: أنت رأيته وعاينته؟ قَالَ: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله ص جالسا فأدخله أبو جعفر بيتا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بْن دينار، غلام عيسى بْن موسى كان يلي أموال عيسى بالمدينة، فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسي فقال: لأوطئن الرجال عقبيك ولأغنينك، وأمر له بتسعة آلاف، لكل ليلة سارها ألفا قَالَ: وحدثني ابن أبي حرب، قَالَ: لما بلغ أبا جعفر ظهوره أشفق منه، فجعل الحارث المنجم يقول له: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه! فو الله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوما.
قَالَ: وحدثني سهيل بْن عقيل بْن إسماعيل، عن أبيه، قَالَ: لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة، وقال: أنا ابو جعفر، استخرجت الثعلب من جحره.
قَالَ: وحدثني عبد الملك بْن سليمان، عن حبيب بْن مرزوق، قَالَ:
حدثني تسنيم بْن الحواري، قَالَ: لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بْن علي وهو محبوس عنده: إن هذا الرجل قد خرج، فإن كان عندك رأي فأشر به علينا- وكان ذا رأي عندهم- فقال:
(7/564)

إن المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتى يخرج رأيي، فأرسل إليه أبو جعفر:
لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك، وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة، فاجثم على أكبادهم، فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها الى وجه من الوجوه او أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بْن قتيبة ينحدر عليك- وكان بالري- واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجده ما يحمل البريد، فأحسن جوائزهم، ووجههم مع سلم ففعل.
قَالَ: وحدثني العباس بْن سفيان بْن يحيى بْن زياد، قَالَ: سمعت أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بْن علي محبوس، فقال أبو جعفر لإخوته: إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب، فادخلوا عليه فشاوروه ولا تعلموه أني أمرتكم فدخلوا عليه، فلما رآهم قَالَ: لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعا وقد هجرتموني منذ دهر! قالوا: استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا، قَالَ: ليس هذا بشيء، فما الخبر؟ قالوا: خرج ابن عبد الله، قَالَ: فما ترون ابن سلامة صانعا؟ يعني أبا جعفر- قالوا:
لا ندري والله، قَالَ: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال، فليعط الأجناد، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم واحد.
قَالَ: وحدثنا عبد الملك بْن شيبان، قَالَ: أخبرني زيد مولى مسمع بْن عبد الملك، قَالَ: لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بْن موسى، فقال له:
قد ظهر محمد فسر إليه، قَالَ: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عمومتك حولك، فادعهم فشاورهم، قَالَ: فأين قول ابن هرمة:
ترون امرأ لا يمحض القوم سره ... ولا ينتجى الأذنين فيما يحاول
إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أبى ... وإن قَالَ إني فاعل فهو فاعل
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قال: نسخت هذه الرسائل من محمد
(7/565)

ابن بشير، وكان بشير يصححها، وحدثنيها أبو عبد الرحمن من كتاب أهل العراق والحكم بْن صدقة بْن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصححها، ويزعم أن رسالة محمد لما وردت على أبي جعفر، قَالَ أبو أيوب: دعني أجبه عليها، فقال أبو جعفر: لا بل أنا أجيبه عنها، إذ تقارعنا على الأحساب فدعني وإياه.
قالوا: لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد بن عبد الله المدينة كتب إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد اللَّه عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بْن عبد الله: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ولك علي عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله ص إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك، أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا فإن أردت أن تتوثق لنفسك، فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به.
وكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بْن عبد الله فكتب إليه محمد بْن عبد الله:
(7/566)

بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه المهدي محمد بْن عبد الله إلى عبد الله بْن محمد: «طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ المبين نتلو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كانوا يحذرون» وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإن أبانا عليا كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، وإنا بنو أَمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة بنت عمرو في الجاهلية وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم.
إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد ص، ومن السلف أولهم إسلاما علي، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة، وأول من صلى القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، وإني أوسط بني هاشم
(7/567)

نسبا، وأصرحهم أبا، لم تعرق في العجم، ولم تنازع في أمهات الأولاد، فما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابا في النار، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار ولك الله علي إن دخلت في طاعتي، وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك، وعلى كل أمر أحدثته، إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك من ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالا قبلي، فأي الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بْن علي، أم أمان أبي مسلم! فكتب إليه أبو جعفر:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد بلغني كلامك، وقرأت كتابك، فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العم أبا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهن رحما، وأعظمهن حقا، وأول من يدخل الجنة غدا، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم، واصطفائه لهم.
وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها، فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام لا بنتا ولا ابنا، ولو أن أحدا رزق الإسلام بالقرابة رزقه
(7/568)

عبد الله أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر لله يختار لدينه من يشاء، قَالَ الله عز وجل: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» ، ولقد بعث الله محمدا عليه السلام وله عمومة أربعة، فأنزل الله عز وجل: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» وأما ما فخرت به من فاطمة أم علي وأن هاشما ولده مرتين، ومن فاطمة أم حسن، وأن عبد المطلب ولده مرتين، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يلده هاشم إلا مرة ولا عبد المطلب إلا مرة.
وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا، وأصرحهم أما وأبا، وأنه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا! فإنك قد تعديت طورك، وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولا وآخرا، ابراهيم بن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى والد ولده، وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات أولاد، وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من علي ابن حسين، وهو لأم ولد، ولهو خير من جدك حسن بْن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بْن علي، وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك،
(7/569)

ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد، ولهو خير منك.
وأما قولك: إنكم بنو رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الله تعالى يقول في كتابه: «مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ» ، ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة، ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها! ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرجها نهارا، ومرضها سرا، ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يرثون.
وأما ما فخرت به من علي وسابقته، فقد حَضَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوفاة، فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في الستة فتركوه كلهم دفعا له عنها، ولم يروا له حقا فيها، أما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبي سعد بيعته، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاوية بعده ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها، وتفرق عنه أصحابه، وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير ولائه ولا حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه ثم خرج عمك حسين بْن علي على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية، فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بْن زيد بخراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحافل كالسبي
(7/570)

المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنينا سلفكم وفضلناه، فاتخذت ذلك علينا حجة.
وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلما منهم، مجتمعا عليهم بالفضل، وابتلي أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له، وذكرناهم فضله، وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم، وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين إخوته، فنازعنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا بأبينا، حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيره، فكان وراثه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته وميراث النبي له، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلا والعباس وارثه ومورثه.
وأما ما ذكرت من بدر، فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا، وللحساجفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين، فأذهب عنكم العار والسبة، وكفاكم النفقة والمئونة، ثم فدى عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم من الأسر، وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك ورحمة الله
(7/571)

قَالَ عمر بْن شبة: حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: أجمع ابن القسري على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين، ابعث موسى بْن عبد الله ومعه رزاما مولاي إلى الشام يدعوان إليك.
فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشام، وظهر محمد على أن القسري كتب إلى أبي جعفر في أمره، فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التي في قبلة مصلى الجنائز- وهي اليوم لفرج الخصي- وورد رزام بموسى الشام، ثم انسل منه، فذهب إلى أبي جعفر، فكتب موسى إلى محمد: إني أخبرك أني لقيت الشام وأهله، فكان أحسنهم قولا الذي قَالَ: والله لقد مللنا البلاء، وضقنا به ذرعا، حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجة، ومنهم طائفة تحلف: لئن أصبحنا من ليلتنا او مسينا من غد ليرفعن أمرنا وليدلن علينا، فكتبت إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي قَالَ الحارث:
ويقال أن موسى ورزاما وعبد الله بْن جعفر بْن عبد الرحمن بْن المسور توجهوا إلى الشام في جماعة، فلما ساروا بتيماء، تخلف رزام ليشتري لهم زادا، فركب إلى العراق، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني موسى بن عبد الله ببغداد ورزام معنا، قَالَ: بعثني محمد ورزاما في رجال معنا إلى الشام، لندعو له، فإنا لبدومة الجندل، إذ أصابنا حر شديد، فنزلنا عن رواحلنا نغتسل في غدير، فاستل رزام سيفه، ثم وقف على رأسي، وقال: يا موسى، أرأيت لو ضربت عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبي جعفر، أيكون أحد عنده في منزلتي! قَالَ: قلت لا تدع هزلك يا أبا قيس! شم سيفك غفر الله لك.
قَالَ: فشام سيفه، فركبنا قَالَ عيسى: فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشام، فأتى البصرة هو وعثمان بْن محمد، فدل عليهما، فأخذا.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن نافع بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ:
حدثني أخي عبد الله بْن نافع الأكبر، قَالَ: لما ظهر محمد لم يأته أبي نافع ابن ثابت، فأرسل إليه، فأتاه وهو في دار مروان، فقال: يا أبا عبد الله،
(7/572)

لم أرك جئتنا! قَالَ: ليس في ما تريد، فألح عليه محمد، حتى قَالَ: ألبس السلاح يتأس بك غيرك، فقال: أيها الرجل، إني والله ما أراك في شيء، خرجت في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح، وما أنا بمهلك نفسي معك، ولا معين على دمي قَالَ: انصرف، فلا شيء فيك بعد هذا.
قَالَ: فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قتل محمد، فلم يصل فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم قتل إلا نافع وحده.
ووجه محمد بْن عبد الله لما ظهر- فيما ذكر عمر عن أزهر بْن سعيد بْن نافع- الحسن بْن معاوية إلى مكة عاملا عليها، ومعه العباس بْن القاسم- رجل من آل أبي لهب- فلم يشعر بهم السري بْن عبد الله حتى دنوا من مكة، فخرج إليهم، فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قَالَ: انهزموا على بركة الله، وموعدكم بئر ميمون فانهزموا، ودخلها الحسن بْن معاوية وخرج الحسين بْن صخر- رجل من آل أويس- من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعا فأخبره فقال: قد أنصف القارة من راماها، وأجازه بثلاثمائة درهم قَالَ: وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني محمد بْن صالح بْن معاوية، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: كنت عند محمد حين عقد للحسن بْن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السري؟
قَالَ: يا حسن، إن السري لم يزل مجتنبا لما كرهنا، كارها للذي صنع ابو جعفر، ان ظفرت به فلا تقتله، ولا تحركن له أهلا، ولا تأخذن له متاعا، وإن تنحى فلا تطلبن له أثرا قَالَ: فقال له الحسن: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قَالَ: بلى، إن السري لم يزل ساخطا لما صنع أبو جعفر.
قَالَ: وحدثني عمر بْن راشد مولى عنج، قَالَ: كنت بمكة، فبعث
(7/573)

إلينا محمد حين ظهر الحسن بْن معاوية والقاسم بْن إسحاق ومحمد بْن عبد الله ابن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسن بْن معاوية، فبعث إليهم السري بْن عبد الله كاتبه مسكين بْن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بْن نافع في ألف، ورجلا من أهل مكة يقال له ابن فرس- وكان شجاعا- في سبعمائة، واعطاه خمسمائة دينار، فالتقوا ببطن اذاخر بين الثنيتين وهي الثنية التي تهبط على ذي طوى، منها هبط النبي ص وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحرم، فتراسلوا، فأرسل حسن إلى السري أن خل بيننا وبين مكة، ولا تهريقوا الدماء في حرم الله وحلف الرسولان للسري: ما جئناك حتى مات أبو جعفر فقال لهما السري: وعلي مثل ما حلفتما به، إن كانت مضت لي أربعة، منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فانظروني أربع ليال، فأني أنتظر رسولا لي آخر، وعلي ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقا سلمتها إليكم، وإن يكن باطلا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم، فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى نناجزك، ومع الحسن سبعون رجلا وسبعة من الخيل، فلما دنوا منه، قَالَ لهم الحسن: لا يقدمن أحد منكم حتى ينفخ في البوق، فإذا نفخ فلتكن حملتكم حملة رجل واحد فلما رهقناهم وخشي الحسن أن يغشاه وأصحابه، ناداه: أنفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حملة رجل واحد فانهزم أصحاب السري، وقتل منهم سبعة نفر قَالَ: واطلع عليهم بفرسان من أصحابه وهم من وراء الثنية في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصرنه، فلما رآهم القرشيون قالوا:
هؤلاء أصحابك قد انهزموا، قَالَ: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال، فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرب، وتسوروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام فدخلوا بيته فكانوا فيه ودخل الحسن بْن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد.
قَالَ: وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثني الغمر بْن حمزة بْن أبي رملة، مولى العباس بْن عبد المطلب، قَالَ: لما أخذ الحسن بْن معاوية
(7/574)

مكة، وفر السري بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفي على ابن أبي العضل.
قَالَ: وحدثني ابن أبي مساور بْن عبد الله بْن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بْن معيص، قَالَ: كنت بمكة مع السري بْن عبد الله، فقدم عليه الحسن بْن معاوية قبل مخرج محمد- والسري يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سراقة من بني عدي بْن كعب- قَالَ: فاستعدى عتبة بْن أبي خداش اللهبي على الحسن بْن معاوية في دين عليه فحبسه، فكتب له السري إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأت حظك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابن معاوية، وإنما أصبت المال من أخيه وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته، وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدم فيقضي عنه قَالَ:
فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بْن معاوية عاملا على مكة، فقيل للسري: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قَالَ: كلا ما يفعل وبلائي عنده بلائي، وكيف يخرج الى اهل المدينة! فو الله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء قَالَ: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنت بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلها مع السري، أتراك قاهرا قريشا وغاصبها على دارها! قال: يا بن الحائك، أبأهل مكة تخوفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها ثم وثب في أصحابه وأقبل إليه السري، فلقيه بفخ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسكين بْن هلال كاتب السري على رأسه فشجه، فانهزم السري وأصحابه، فدخلوا مكة، والتف أبو الرزام- رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة- على السري، فواراه في بيته، ودخل الحسن مكة ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرا، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به.
وذكر عمر عن عبد الله بْن إسحاق بْن القاسم، قَالَ: سمعت من لا أحصي من أصحابنا يذكر أن الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهزا وجمعا جمعا كثيرا، ثم أقبلا يريدان محمدا ونصرته على عيسى بْن موسى، واستخلفا على مكة رجلا من الانصار، فلما كانا بقديد لقيهما قتل محمد، فتفرق
(7/575)

الناس عنهما، وأخذ الحسن على بسقة- وهي حرة في الرمل تدعى بسقة قديد- فلحق بإبراهيم، فلم يزل مقيما بالبصرة حتى قتل إبراهيم وخرج القاسم بْن إسحاق يريد إبراهيم، فلما كان بيديع من أرض فدك، لقيه قتل إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفيا حتى أخذت ابنة عبد الله بْن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، زوجة عيسى بْن موسى له، ولإخوته الامان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسم.
قَالَ: وحدثني عمر بْن راشد مولى عنج، قَالَ: لما ظهر الحسن بْن معاوية على السري أقام قليلا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه، ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم قَالَ: فخرج من مكة يوم الاثنين في مطر شديد- زعموا أنه اليوم الذي قتل فيه محمد- فتلقاه بريد لعيسى بْن موسى بأمج- وهو ماء لخزاعة بين عسفان وقديد- بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه.
قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن أبي ثابت عن أبي سيار، قَالَ: كنت حاجب محمد بْن عبد الله، فجاءني راكب من الليل، قَالَ: قدمت من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها قَالَ: فجئت دار مروان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققت الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيار، قَالَ: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك من شر طوارق الليل، إلا طارق يطرق منك بخير، قَالَ: خير! قلت: خير، قَالَ: ما وراءك؟ قلت: أخذ ابراهيم البصره- قال:
وكان محمد إذا صلى المغرب والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بْن معاوية واستنصروه على عدوكم.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: قدم علينا رجل من أهل الشام، فنزل دارنا- وكان يكنى أبا عمرو- فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟
فيقول: حتى ألقاه فأسبره ثم أخبرك قَالَ عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله
(7/576)

فقال: هو والله الرجل كل الرجل، ولكن رأيت شحم ظهره ذراعا، وليس هكذا يكون صاحب الحرب قَالَ: ثم بايعه بعد، وقاتل معه.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن محمد بْن سلم- يدعى ابن البواب مولى المنصور- قَالَ: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابا على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قَالَ: قد خبرناكم يا بني هاشم، فإذا أنتم تحبون الثريد.
فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قَالَ: أشهد أن هذا كلام الأعمش.
وَحَدَّثَنِي الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
غلب محمد بْن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب، أنا يومئذ ابن خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه، وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه، ليس يصد عنه أحد، فدنوت حتى رأيته وتأملته، وهو على فرس، وعليه قميص أبيض محشو وعمامة بيضاء، وكان رجلا أحزم، قد أثر الجدري في وجهه، ثم وجه إلى مكة فأخذت له، وبيضوا، ووجه أخاه إبراهيم بْن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيضوا معه.
رجع الحديث إلى حديث عمر قَالَ عمر: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: ندب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بْن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه، وضم إليه أربعة آلاف من الجند، وبعث معه محمد بْن أبي العباس أمير المؤمنين.
قَالَ: وحدثني عبد الملك بْن شيبان عن زيد مولى مسمع، قَالَ: لما أمر أبو جعفر عيسى بْن موسى بالشخوص، قَالَ: شاور عمومتك، فقال له:
امض أيها الرجل، فو الله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أو أشخص، قَالَ: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة.
قَالَ: وحدثني عبد الملك بْن شيبان، قَالَ: دعا أبو جعفر بْن حنظلة البهراني- وكان أبرص طوالا، أعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مروان حروبه- فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قَالَ: وأين ظهر؟
(7/577)

قَالَ: بالمدينة، قَالَ: فاحمد الله، ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع، ابعث مولى لك تثق به فليسر حتى ينزل بوادي القرى، فيمنعه ميرة الشام، فيموت مكانه جوعا، ففعل.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن راشد بْن يزيد، قَالَ: سمعت أصحابنا إسماعيل بْن موسى وعيسى بْن النضر وغيرهما يذكرون أن أبا جعفر قدم كثير ابن حصين العبدي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقا، حتى قدم عليه عيسى بْن موسى، فخرج به إلى المدينة قَالَ عبد الله: فأنا رأيت الخندق قائما دهرا طويلا، ثم عفا ودرس.
قَالَ: وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثني علي بْن أبي طالب- ولقيته بصنعاء- قَالَ: قَالَ أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بْن محمد بْن شيبان بْن مالك بْن مسمع، فسر به معك، فإني قد رأيته منع سعيد بْن عمرو بْن جعدة بْن هبيرة من أهل البصرة، وهم محلبون عليه، وهو يدعو إلى مروان، وهو عند أبي العسكر يأكل المخ بالطبرزد، فخرج به عيسى، فلما كان ببطن نخل، تخلف هو والمسعودي بْن عبد الرحمن ابن عبد الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود حتى قتل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بْن موسى: ألا ضربت عنقه! وحدثني عيسى بْن عبد الله بْن محمد بْن عمر بن علي بْن أبي طالب، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ: قَالَ أبو جعفر لعيسى بْن موسى حين ودعه:
يا عيسى، إني أبعثك إلى ما بين هذين- وأشار إلى جنبيه- فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه قَالَ: فلما دخلها عيسى فعل ذلك.
فَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ:
وجه أبو جعفر إلى محمد بْن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن علي ابن عبد الله بْن عباس، ووجه معه محمد بْن أبي العباس أمير المؤمنين وعدة من
(7/578)

قواد أهل خراسان وجندهم، وعلى مقدمة عيسى بْن موسى حميد بْن قحطبة الطائي، وجهزهم بالخيل والبغال والسلاح والميرة، فلم ينزل، ووجه مع عيسى ابن موسى بْن أبي الكرام الجعفري، وكان في صحابه أبي جعفر، وكان مائلا إلى بني العباس، فوثق به أبو جعفر فوجهه.
رجع الحديث إلى حديث عمر بْن شبة قَالَ عمر: وحدثني عيسى، عن أبيه، قَالَ: كتب أبو جعفر إلى عيسى بْن موسى: من لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله قَالَ: فقبض عين أبي زياد- وكان جعفر بْن محمد تغيب عنه- فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر، وقال: مالي، قَالَ: قد قبضه مهديكم.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما صار عيسى بفيد، كتب إلى رجال من أهل المدينة في خرق الحرير، منهم عبد العزيز بْن المطلب المخزومي وعبيد الله بْن محمد بْن صفوان الجمحي، فلما وردت كتبه المدينة، تفرق ناس كثير عن محمد، منهم عبد العزيز بْن المطلب، فأخذ فرد، فأقام يسيرا، ثم خرج، فرد مرة أخرى، وكان أخوه علي بْن المطلب من أشد الناس مع محمد، فكلم محمدا في أخيه حتى كفه عنه.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: كتب عيسى بْن موسى إلى أبي في حريرة صفراء جاء بها أعرابي بين خصافي نعله، قَالَ عيسى: فرأيت الأعرابي قاعدا في دارنا، وإني لصبي صغير، فدفعها إلى أبي فإذا فيها:
أن محمدا تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يؤته الله، قال عز وجل في كتابه: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
(7/579)

فعجل التخلص وأقل التربص، وادع من أطاعك من قومك إلى الخروج معك.
قَالَ: فخرج وخرج معه عمر بْن محمد بْن عمر، وأبو عقيل محمد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ: ودعوا الأفطس حسن بْن علي بْن أبي طالب إلى الخروج معهم فأبى، وثبت مع محمد، وذكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظهرهم فأخذه، فأتاه عمر بْن محمد، فقال: أنت تدعو إلى العدل ونفي الجور، فما بال إبلي تؤخذ! فإنما أعددتها لحج أو عمرة قَالَ: فدفعها إليه- فخرجوا من تحت ليلتهم، فلقوا عيسى على أربع- أو خمس- من المدينة.
قَالَ: وحدثني أيوب بْن عمر بْن أبي عمرو بْن نعيم بن مهان، قال:
كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبا، وأمر عيسى: إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم فلما دنا بعث بها إليهم، فأخذ حرس محمد الرسول والكتب، فوجد فيها كتابا إلى إبراهيم بْن طلحة بْن عمر بْن عبيد الله ابن معمر وإلى جماعة من رؤساء قريش فبعث محمد إلينا جميعا ما خلا ابن عمر وأبا بكر بْن سبرة، فحبسنا في دار ابن هشام التي في المصلى.
قَالَ أبي: وبعث إلي وإلى أخي، فأتي بنا فضربنا ثلاثمائة قَالَ: فقلت له وهو يضربني ويقول: أردت أن تقتلني! تركتك وأنت تستتر بحجر وبيت شعر، حتى إذا صارت المدينة في يدك، وغلظ أمرك، قمت عليك فبمن أقوم! أبطاقتي، أم بمالي، أم بعشيرتي! قَالَ: ثم أمر بنا إلى الحبس، وقيدنا بكبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلا، قَالَ: فدخل عليه محمد بْن عجلان، فقال: انى ضربت هذين الرجلين ضربا فاحشا، وقيدتهما بما منعهما من الصلاة قَالَ: فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن أبي ثابت، عن عبد الحميد بْن جعفر بْن عبد الله بْن أبي الحكم، قَالَ: إنا لعند محمد ليلة- وذلك عند دنو عيسى من المدينة- إذ قَالَ محمد: أشيروا علي في الخروج والمقام، قَالَ: فاختلفوا فأقبل علي فقال: أشر علي يا أبا جعفر،
(7/580)

قلت: الست تعلم انك اقل بلاد الله فرسا وطعاما وسلاحا، وأضعفها رجالا؟
قال: بلى، قلت: تعلم أنك تقاتل أشد بلاد الله رجلا وأكثرها مالا وسلاحا؟
قَالَ: بلى، قلت: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصر، فو الله لا يردك راد، فتقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله فصاح حنين بْن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! [وحدثه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة.
] قَالَ: وحدثني محمد بْن إسماعيل بْن جعفر، عن الثقة عنده، قَالَ:
أجاب محمدا لما ظهر أهل المدينة وأعراضها وقبائل من العرب، منهم جهينة ومزينه وسليم وبنو بكر وأسلم وغفار، فكان يقدم جهينة، فغضبت من ذلك قبائل قيس قَالَ محمد: فحدثني عبد الله بْن معروف أحد بني رياح بْن مالك بْن عصية بْن خفاف- وقد شهد ذاك- قَالَ: جاءت محمدا بنو سليم على رؤسائها، فقال متكلمهم جابر بْن أنس الرياحي: يا أمير المؤمنين، نحن أخوالك وجيرانك، وفينا السلاح والكراع، والله لقد جاء الإسلام والخيل في بني سليم أكثر منها بالحجاز، لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثله عند عربي تسكن إليه البادية، فلا تخندق الخندق، فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به، فإنك إن خندقته لم يحسن القتال رجاله، ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة، وإن الذين يخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها، وإن الذين يخندق عليهم يحول الخندق دونهم فقال أحد بني شجاع: خندق رسول الله فاقتد برأيه، أو تريد أنت أن تدع رأي رسول الله ص لرأيك! قال: انه يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم، ولا شيء أحب إلي وإلى أصحابي من مناجزتهم فقال محمد: إنما اتبعنا في الخندق اثر رسول الله ص، فلا يردني عنه أحد، فلست بتاركه.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، عن الحارث بْن إسحاق، قَالَ: لما تيقن
(7/581)

محمد أن عيسى قد أقبل حفر الخندق، خندق النبي ص الذي كان حفره للأحزاب.
قَالَ: وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بْن جعفر، قَالَ: حدثني محمد ابن عطية مولى المطلبيين، قَالَ: لما حفر محمد الخندق ركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة، وركب الناس معه، فلما أتى الموضع نزل فيه، بدا هو فحفر بيده، فأخرج لبنة من خندق النبي ص، فكبر وكبر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنصر، هذا خندق جدك رسول الله ص.
قَالَ: وحدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: حدثني مصعب بْن عثمان بْن مصعب بْن عروة بْن الزبير، قَالَ: لما نزل عيسى الأعوص رقي محمد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ: إن عدو الله وعدوكم عيسى بْن موسى قد نزل الأعوص، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين، أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.
قَالَ: وحدثني إبراهيم بْن أبي إسحاق العبسي- شيخ من غطفان- قَالَ:
أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بْن عبد الرحمن بْن سليمان، قَالَ: سمعت الزبيري الذي قتله أبو جعفر- يعني عثمان بْن محمد بْن خالد- قَالَ: اجتمع مع محمد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه، إني لأحسب أنا قد كنا مائة ألف، فلما قرب عيسى خطبنا، فقال: يأيها الناس، إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدة، وقد حللتكم من بيعتي، فمن أحب المقام فليقم، ومن أحب الانصراف فلينصرف فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثيرة قَالَ: وحدثني موهوب بْن رشيد بْن حيان بْن أبي سليمان بْن سمعان، أحد بني قريط بْن عبد الله بْن أبي بكر بْن كلاب، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: لما ظهر محمد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد، فلما سمع بعيسى وحميد بْن قحطبة قد أقبلا، صعد المنبر، فقال:
(7/582)

يأيها الناس، إنا قد جمعناكم للقتال، وأخذنا عليكم المناقب، وإن هذا العدو منكم قريب، وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده، وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب، فمن أحب أن يقيم أقام، ومن أحب أن يظعن ظعن قَالَ أبي: فخرج عالم من الناس، كنت فيهم، فلما كنا بالعريض- وهو على ثلاثة أميال من المدينة- لقيتنا مقدمة عيسى بْن موسى دون الرحبة، فما شبهت رجالهم إلا رجلا من جراد قَالَ: فمضينا وخالفونا إلى المدينة.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلمس، فرد من قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني الغاضري، قَالَ: قَالَ لي محمد:
أعطيك سلاحا وتقاتل معي؟ قلت: نعم، إن أعطيتني رمحا أطعنهم به، وهم بالأعوص وسيفا أضربهم به وهم بهيفا قَالَ: ثم مكث غير كثير، ثم بعث إلي فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك- أبقاك الله- أن أقتل وتمروا، فيقال: والله إن كان لباديا! قَالَ: ويحك! قد بيض أهل الشام وأهل العراق وخراسان، قَالَ: قلت: اجعل الدنيا زبدة بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص! قَالَ: وحدثني عيسى، عن أبيه، عن جده، قَالَ: وجه أبو جعفر مع عيسى بْن موسى بابن الأصم ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله ص، فقال ابن الأصم: ألا إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة، وإني أخاف إن كشفوكم كشفه ان يدخلوا عسكرهم.
فرفعهم إلى سقاية سليمان بْن عبد الملك بالجرف- وهي على أربعة أميال من
(7/583)

المدينة- وقال: لا يهرول الراجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني محمد بْن أبي الكرام، قَالَ: لما نزل عيسى طرف القدوم أرسل إلي نصف الليل، فوجدته جالسا والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني إن هذا الرجل في ضعف، وأنا أخاف أن ينكشف، وقد ظننت ألا مسلك له الا الى مكة، فاضمم إليك خمسمائة رجل، فامض بهم معاندا عن الطريق حتى تأتي الشجرة فتقيم بها قَالَ: فأعطاهم على الشمع، فخرجت بهم حتى مررت بالبصرة بالبطحاء- وهي بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة- فخاف أهلها، فقلت: لا بأس عليكم، أنا محمد بْن عبد الله، هل من سويق؟ قَالَ:
فأخرجوا إلينا سويقا، فشربنا وأقمنا بها حتى قتل محمد.
قَالَ: وحدثني محمد بْن إسماعيل، عن الثقة عنده، قَالَ: لما قرب عيسى أرسل إلى محمد القاسم بْن الحسن بْن زيد يدعوه إلى الرجوع عما هو عليه، ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم:
وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ عنقك، لأني لم أرك منذ كنت غلاما في فرقتين، خير وشر، إلا كنت مع الشر على الخير وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا، إن لك برسول الله قرابة قريبة، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه، فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله، فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك، وأكثر لمأثمك فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بْن جعفر، فبلغه، فقال: ارجع إلى صاحبك، فقل له:
ليس بيننا إلا القتال.
قَالَ: وحدثني إبراهيم بْن محمد بْن أبي الكرام بْن عبد الله بْن علي بْن عبد الله بْن جعفر، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ: لما قرب عيسى من المدينة،
(7/584)

أرسلني إلى محمد بأمانة، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلون دمي، وإنما أنا رجل فر من أن يقتل! قَالَ: قلت: إن القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك على طلحة والزبير، على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم قَالَ: فأخبرت بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا قَالَ: وحدثني هشام بْن محمد بْن عروة بْن هشام بْن عروة، قَالَ:
أخبرني ماهان بْن بخت مولى قحطبة، قَالَ: لما صرنا بالمدينة أتانا إبراهيم بْن جعفر بْن مصعب طليعه، فطاف بعسكرنا حتى حسه كله، ثم ولى ذاهبا قَالَ: فرعبنا منه والله رعبا شديدا، حتى جعل عيسى وحميد بْن قحطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعة لأصحابه! فلما ولى مدى أبصارنا نظرنا إليه مقيما بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حال الرجل، فإني أرى دابته واقفا لا تزول، فوجه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به، فصرعه فقوس التنور عنقه فأخذا سلبه، فأتينا بتنور- قيل إنه كان لمصعب بْن الزبير- مذهب لم ير مثله قط قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: نزل عيسى بقصر سليمان بالجرف، صبيحة ثنتي عشره من رمضان من سنه خمس وأربعين ومائة، يوم السبت، فأقام يوم السبت ويوم الأحد وغدا يوم الاثنين، حتى استوى على سلع، فنظر إلى المدينة وإلى من دخلها وخرج منها، وشحن وجوهها كلها بالخيل والرجال إلا ناحية مسجد أبي الجراح، وهو على بطحان، فإنه تركه لخروج من هرب، وبرز محمد في أهل المدينة قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثنا محمد بْن زيد، قَالَ: قدمنا مع عيسى، فدعا محمدا ثلاثا: الجمعة والسبت والأحد قَالَ وحدثني عبد الملك بْن شيبان، قَالَ: حدثني زيد مولى مسمع، قَالَ:
(7/585)

لما عسكر عيسى أقبل على دابة يمشي حواليه نحو من خمسمائة، وبين يديه راية يسار بها معه، فوقف على الثنية ونادى: يا أهل المدينة، إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض، فهلموا إلى الأمان، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا أو له قَالَ: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاه، يا بن كذا.
يا بن كذا فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه، فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قط من الخيل والرجال والسلاح، فو الله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره.
قَالَ: وحدثني إبراهيم الغطفاني، قال: سمعت أبا عمرو مؤدب محمد ابن عبد الرحمن يحدث عن الزبيري- يعني عثمان بْن محمد بْن خالد- قَالَ:
لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألا أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك علي نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتعطى من المال كذا وكذا، ويقضى عنك دينك، ويفعل بك ويفعل! قَالَ: فصاح: محمد اله عن هذا، فو الله لو علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع، ولا يقربني منكم طمع ما كان هذا قَالَ: ولج القتال، وترجل محمد، فإني لأحسبه قتل بيده يومئذ سبعين رجلا.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني محمد بْن زيد، قَالَ: لما كان يوم الاثنين، وقف عيسى على ذباب، ثم دعا مولى لعبد الله بْن معاوية كان معه، وكان على مجففته، فقال: خذ عشرة من أصحابك، أصحاب التجافيف، فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب.
قَالَ: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بْن عمر بْن علي: عبد الله وعمر، ومحمد بْن عبد الله بْن عقيل، والقاسم بْن الحسن بْن زيد بْن الحسن بن على، وعبد الله ابن إسماعيل بْن عبد الله بْن جعفر، في عشرة منا فقال: انطلقوا إلى القوم،
(7/586)

فادعوهم وأعطوهم أمانا، وبقي أمان الله قَالَ: فخرجنا حتى جئنا سوق الحطابين، فدعوناهم فسبونا ورشقونا بالنبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه، فكلمهم القاسم بْن الحسن بْن زيد، فقال: وأنا ابن رسول الله، وأكثر من ترون بنو رسول الله، ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم، فجعلوا يسبوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القط هذه النبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال:
ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بْن حميد قحطبة في مائة.
قَالَ: حدثني أزهر بْن سعيد بْن نافع، قال: حدثنى اخواى عثمان ومحمد ابنا سعيد- وكانا مع محمد- قالا: وقف القاسم بْن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنية الوداع، فدعوا محمدا إلى الأمان، فسبهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرق القواد فجعل هزار مرد عند حمام بْن أبي الصعبة، وكثير بْن حصين عند دار ابن أفلح التي ببقيع الغرقد، ومحمد بْن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرق سائر القواد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنية، فرموا بالنشاب والمقاليع ساعة.
وحدثني أزهر، قَالَ: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه.
قَالَ: وحدثني عبد الله بْن إسحاق بْن القاسم، قَالَ: حدثني عمر، شيخ من الأنصار، قَالَ: جعل محمد ظلال المسجد خفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جهينة، فأعطى أحدهما خفتانا ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخفتان، ولم يقاتل الآخر معه، فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخفتان نشابة، فقتلته، فقال صاحبه:
يا رب لا تجعلني كمن خان ... وباع باقي عيشه بخفتان
قَالَ: وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني إسماعيل بْن أبي عمرو، قَالَ: إنا لوقوف على خندق بني غفار، إذ أقبل رجل على فرس،
(7/587)

ما يرى منه إلا عيناه، فنادى: الأمان، فأعطي الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم من يبلغ عني محمدا؟ قلت: نعم، أنا، قَالَ: فأبلغه عني- وحسر عن وجهه، فإذا شيخ مخضوب- فقال: قل له: يقول لك فلان التميمي، بآية أني وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل، فإن عامة الجند معك قَالَ: فأتيته قبل أن يغدو- وذلك يوم الاثنين في اليوم الذي قتل فيه- فوجدت بين يديه قربة عسل أبيض قد شقت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفه ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة، فأبلغته الرسالة فقال:
قد أبلغت، فقلت: أخواي في يدك، قَالَ: مكانهما خير لهما.
قَالَ: وحدثني إبراهيم بْن مصعب بْن عمارة بْن حمزة بْن مصعب بْن الزبير، قَالَ: حدثني محمد بْن عثمان بْن محمد بْن خالد بْن الزبير، قَالَ:
كانت راية محمد إلى أبي، فكنت احملها عنه.
قَالَ: وحدثني عيسى، عن أبيه، قَالَ: كان مع الأفطس حسن بْن علي بْن حسين علم أصفر، فيه صورة حية، ومع كل رجل من أصحابه من آل علي بْن أبي طالب علم، وشعارهم: أحد أحد، قَالَ: وكذلك كان شعار النبي ص يوم حنين.
قَالَ: وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بْن جعفر بْن عبد الله بْن أبي الحكم، قَالَ: أخبرنا جهم بْن عثمان مولى بني سليم، ثم أحد بني بهز، قَالَ:
قَالَ لي عبد الحميد بْن جعفر يوم لقينا أصحاب عيسى: نحن اليوم على عدة أهل بدر يوم لقوا المشركين- قَالَ: وكنا ثلاثمائة ونيفا.
قَالَ: وحدثني إبراهيم بْن موسى بْن عيسى بْن موسى بْن محمد بْن علي ابن عبد الله بْن عباس، قَالَ: سمعت أبي يقول: ولد عيسى بْن موسى في سنة ثلاث ومائة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدمته حميد بْن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بْن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى ميسرته داود بْن كراز من أهل خراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبه
(7/588)

قَالَ: وحدثني عيسى، عن أبيه، قَالَ: لقي أبو القلمس محمد بْن عثمان، أخا أسد بْن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفا، وأخذ أبو القلمس بأثفية، فوضعها على قربوس سرجه، وسترها بدرعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمس في ركائبه، ثم ضرب بها صدره فصرعه، ونزل فاحتز رأسه.
قَالَ: وحدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عمر بْن القاسم بْن عبد الله العمري، قَالَ: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة، مولى لآل الزبير يدعى القاسم بْن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أر مثل كماله وعدته، فلما رآه ابن وائل انصرف قَالَ: فوجدنا من ذلك وجدا شديدا، فإنا لعلى ذلك إذ سمعت خشف رجل ورائي، فالتفت فإذا أبو القلمس، فسمعته يقول: لعن الله أمير السفهاء، إن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألا يكون من شأنه.
قَالَ: ثم برز له فقتله.
قَالَ: وحدثني أزهر بْن سعيد بْن نافع، قَالَ: خرج القاسم بْن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزار مرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قط، ثم ضربه على حبل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيرا من ألف فاروق.
قَالَ: وحدثني علي أبو الحسن الحذاء من أهل الكوفة، قَالَ: حدثني مسعود الرحال، قَالَ: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإني لأنظر إليهم عند أحجار الزيت، وأنا مشرف عليهم من الجبل- يعني سلعا- إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئما في الحديد، لا ترى منه إلا عيناه، على فرس، حتى فصل من صف أصحابه، فوقف بين الصفين، فدعا للبراز، فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قباء أبيض، وكمه
(7/589)

بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليا، ظننت أنه استرجله لتستوي حالاهما، فنظرت إلى الفارس ثنى رجله، فنزل، ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خوذة حديد على رأسه، فأقعده على استه وقيذا لا حراك به، ثم انتزع الخوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أن خرج من صف عيسى آخر، كأنه صاحبه، فبرز له الرجل الأول، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفه، وبرز ثالث فدعاه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابه، فلم يبلغهم حتى خر صريعا فقتلوه دونهم وحدثني عيسى، قَالَ: أخبرني محمد بْن زيد، قَالَ: لما أخبرنا عيسى برميهم إيانا، قَالَ لحميد بْن قحطبة: تقدم، فتقدم في مائة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حميد إلى عيسى بهدم الجدار قَالَ: فأرسل إلى فعلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها، حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشد القتال من بكرة حتى صار العصر.
وحدثني الحارث، قَالَ: أخبرنا ابن سعد، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْن عُمَرَ:
أقبل عيسى بْن موسى بمن معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج اليه محمد ابن عبد الله ومن معه، فاقتتلوا أياما قتالا شديدا، وصبر نفر من جهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بْن عبد الله، حتى قتلوا وكان لهم غناء.
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قَالَ: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بْن مسعود التي في الثنية فطرحا على الخندق، فجازت الخيل، فالتقوا عند مفاتح خشرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.
حدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ:
انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مروان، فاغتسل وتحنط،
(7/590)

ثم خرج قَالَ عبد العزيز بْن أبي ثابت: فحدثني عبد الله بْن جعفر، قَالَ:
دنوت منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله مالك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال، فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بْن معاوية بمكة، فإن معه جلة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر، والله لو خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، وأنت مني في سعة، فاذهب حيث شئت فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضت فأخذت على الزياتين، ومضى إلى الثنية، وقتل من كان معه بالنشاب وجاءت العصر فصلى.
حدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: حدثني إبراهيم بْن محمد، قَالَ: رأيت محمدا بين داري بني سعد، عليه جبة ممشقة، وهو على برذون، وابن خضير إلى جانبه يناشده الله إلا مضى إلى البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين، ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حل.
قَالَ ابن خضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رياحا ثم لحقه بالثنية، فقاتل حتى قتل.
وحدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
خرج مع محمد بْن عبد الله بْن خضير، رجل من ولد مصعب بْن الزبير، فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأن السيف قد أفناهم، استأذن محمدا في دخول المدينة فأذن له، ولا يعلم ما يريد، فدخل على رياح بْن عثمان بْن حيان المري وأخيه، فذبحهما ثم رجع، فأخبر محمدا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل من ساعته.
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قَالَ: حدثني أخي، قَالَ: لما رجع ابن خضير قتل رياحا وابن مسلم بْن عقبة.
وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
ذبح ابن خضير رياحا ولم يجهز عليه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى
(7/591)

مات، وقتل معه عباسا أخاه، وكان مستقيم الطريقة، فعاب الناس ذلك عليه، ثم مضى إلى ابن القسري وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذر به فردم بابى الدار دونه، فعالج البابين، فاجتمع من في الحبس فسدوهما، فلم يقدر عليهم، فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قتل.
حدثني مسكين بْن حبيب بْن محمد، قَالَ: لما جاءت العصر صلاها محمد في مسجد بني الديل، في الثنية، فلما سلم استسقى، فسقته ربيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك! انج بنفسك، قَالَ: إذا لا يبقى بها ديك يصرخ، ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلع، نزل فعرقب دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غمد سيفه قَالَ مسكين:
فلقد رأيتني وأنا غلام، جمعت من حليها نحوا من ثلاثمائة درهم، ثم قَالَ لهم: قد بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل، فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له، ثم أقبل على ابن خضير، فقال له: قد أحرقت الديوان؟ قَالَ: نعم، خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قَالَ: أصبت.
حدثني أزهر، قَالَ: حدثني أخواي، قالا: لقد هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثا، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة، ولقد سمعنا يزيد بْن معاوية بْن عبد الله بْن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فتحا لو كان له رجال! حدثنى عيسى، قَالَ: كان ممن انهزم يومئذ وفر عن محمد عبد العزيز ابن عبد الله بْن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتي به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: ألا باقة بقبقبه، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشد ما أتي علي لصياح الصبيان.
وحدثني عيسى، قَالَ: حدثنا مولى لهشام بْن عمارة بن الوليد بن عدى ابن الخيار، قَالَ: كنا مع محمد، فتقدم هشام بْن عمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذلك من ترى، فأشهد أن غلامي هذا حر لوجه
(7/592)

الله إن رمت أبدا أو تقتل أو اقتل او نغلب، فقلت: فو الله إني لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درعه، فالتفت إلي فقال:
فلان! قلت: لبيك! قَالَ: ويلك! رأيت مثل هذا قط يا فلان! أيما أحب إليك، نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قَالَ: فأنت حر لوجه الله، فانطلق هاربا.
وحدثني متوكل بْن أبي الفحوة، قَالَ: حدثني محمد بْن عبد الواحد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، قَالَ: إنا لعلى ظهر سلع ننظر، وعليه أعاريب جهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رمح، قد نصب عليه رأس رجل متصل بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه، قَالَ: فرأيت منه منظرا هائلا، وتطيرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرجل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه بالفارسية كوهبان، فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعا فنصبوا عليه راية سوداء، ثم انصبوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرت أسماء بنت حسن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بْن عبد المطلب- وكانت تحت عبد الله ابن حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عباس- بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله ص، فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا:
دخلت المدينة، وهربوا قَالَ: وبلغ محمدا دخول الناس من سلع، فقال:
لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتى إلا منه.
وحدثني محمد بْن إسماعيل، عن الثقة عنده، قَالَ: فتح بنو ابى عمرو الغفاريون للمسودة طريقا في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاءوا من وراء أصحاب محمد.
وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني عبد العزيز بْن عمران، قَالَ:
نادى محمد يومئذ حميد بْن قحطبة: إن كنت فارسا وأنت تعتد ذاك على أهل خراسان فابرز لي، فأنا محمد بْن عبد الله، قَالَ: قد عرفتك وأنت الكريم ابْن الكريم، الشريف ابْن الشريف، لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يدي من هؤلاء الأغمار إنسان واحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز لك لعمري.
وحدثني عثمان بْن المنذر بن مصعب بْن عروة بْن الزبير، قَالَ: حدثني
(7/593)

رجل من بني ثعلبة بْن سعد، قَالَ: كنت بالثنية يوم قتل محمد بْن عبد الله ابن حسن ومعه ابن خضير، قَالَ: فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى الأمان، ويشح به عن الموت، وهو يشد على الناس بسيفه مترجلا، يتمثل:
لا تسقه حزرا ولا حليبا ... إن لم تجده سابحا يعبوبا
ذا ميعه يلتهم الجبوبا ... كالذئب يتلو طمعا قريبا
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
قَالَ: فخالط الناس، فضربه ضارب على اليته فخلها، فرجع إلى أصحابه، فشق ثوبا فعصبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حجاج عينه، فاغمض السيف في عينه، وخر فابتدره القوم، فحزوا رأسه، فلما قتل ترجل محمد، فقاتل على جيفته حتى قتل.
وحدثني مخلد بْن يحيى بْن حاضر بْن المهاجر الباهلي، قَالَ: سمعت الفضل بْن سليمان مولى بني نمير يخبر عن أخيه- وكان قد قتل له أخ مع محمد- قَالَ: كان الخراسانية إذا نظروا إلى ابن خضير تنادوا: خضير آمد، خضير آمد!، وتصعصعوا لذلك.
وحدثني هشام بْن محمد بْن عروة بْن هشام بْن عروة، قَالَ: أخبرني ماهان بْن بخت مولى قحطبة، قَالَ: أتينا برأس ابن خضير، فو الله ما جعلنا نستطيع حمله لما كان به من الجراح، والله لكانه باذنجاته مفلقه، وكنا نضم اعظمه ضماه وحدثني أزهر بْن سعيد، قَالَ: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على منارة المسجد فت ذلك في أعضادهم، ودخل حميد بْن قحطبة من زقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتى به عيسى، وقتل معه بشرا كثيرا.
قال: وحدثني أبو الحسن الحذاء، قَالَ: أخبرني مسعود الرحال، قَالَ: رأيت
(7/594)

محمدا يومئذ باشر القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وتعاوروا عليه، وصاح حميد بْن قحطبة:
لا تقتلوه، فكفوا، وجاء حميد فاحتز رأسه.
وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: برك محمد يومئذ لركبتيه وجعل يذب عن نفسه ويقول: ويحكم! انا ابن نبيكم، محرج مظلوم! وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ، حدثني ابن أبي ثابت، عن عبد الله بْن جعفر، قَالَ: طعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل فاحتز رأسه، فأتى به عيسى.
وحدثني محمد بْن إسماعيل، قَالَ: حدثني أبو الحجاج المنقري، قَالَ:
رأيت محمدا يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لما ذكر عن حمزة بْن عبد المطلب، يهذ الناس بسيفه هذا، ما يقاربه أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يليق شيئا، حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناس، فوجد الموت، فتحامل على سيفه فكسره، قَالَ: فسمعت جدي يقول: كان معه سيف رسول الله ص ذو الفقار.
وحدثني هرمز أبو علي مولى باهلة، قَالَ: حدثني عمرو بْن المتوكل- وكانت أمه تخدم فاطمة بنت حسين- قَالَ: كان مع محمد يوم قتل سيف النبي ص ذو الفقار، فلما أحس الموت أعطى سيفه رجلا من التجار كان معه- وكان له عليه أربعمائة دينار- فقال له: خذ هذا السيف، فإنك لا تلقى به أحدا من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك قَالَ: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بْن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، واعطاه أربعمائة دينار، فلم يزل عنده
(7/595)

حتى قام المهدي، وولي جعفر المدينة، وبلغه مكان السيف، فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرب به على كلب، فانقطع السيف.
وحدثني عبد الملك بْن قريب الأصمعي، قَالَ: رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس، متقلدا سيفا، فقال لي: يا أصمعي، ألا أريك ذا الفقار؟
قلت: بلى، جعلني الله فداك! قَالَ: استل سيفي، فاستللته، فرايت فيه ثمان عشرة فقارة.
وحدثني أبو عاصم النبيل، قَالَ: حدثني أخو الفضل بْن سليمان النميري قَالَ: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفا، فكانوا حولنا كالحرة السوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إن أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقية قَالَ: فجعلنا نعيد ذلك عليه، فحمل، فالتفوا عليه فقتلوه.
وحدثني عبد الله بْن محمد بْن عبد الله بن سلم- ويدعى ابن البواب، وكان خليفة الفضل بْن الربيع يحجب هارون، من أدباء الناس وعلمائهم- قَالَ: حدثني أبي عن الأسلمي- يعني عبد الله بْن عامر- قَالَ: قَالَ لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة، فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر الى دمى على احجار الزيت، قال: فو الله ما لبثنا أن أطلتنا سحابة فأحالت حتى قلت: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا، حتى رأيته قتيلا بين أحجار الزيت.
وحدثني إبراهيم بْن محمد بْن عبد الله بْن أبي الكرام، قَالَ: قَالَ عيسى لحميد بْن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأت في أمر هذا الرجل، فول حمزة بْن مالك حربه، فقال: والله لو رمت أنت ذاك ما تركتك، أحين قتلت الرجال ووجدت ريح الفتح! ثم جد في القتال حتى قتل محمد.
وحدثني جواد بْن غالب بْن موسى مولى بني عجل، قَالَ: أخبرني حميد
(7/596)

مولى محمد بْن أبي العباس، قَالَ: اتهم عيسى حميد بْن قحطبة يومئذ- وكان على الخيل- فقال: يا حميد، ما أراك تبالغ، قال: اتتهمني! فو الله لأضربن محمدا حين أراه بالسيف أو أقتل دونه قَالَ: فمر به وهو مقتول، فضربه بالسيف ليبر يمينه.
وحدثني يعقوب بْن القاسم، قَالَ: حدثني علي بْن أبي طالب، قَالَ:
قتل محمد بعد العصر، يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: بعث عيسى فدق السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم، فلم نزل مطرحين بين يديه، حين أتي برأس محمد، فقلت لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له، فإنا نخاف أن نخطئ، فلما أتي به قَالَ: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قَالَ: أنظرا، أهو هذا؟ قَالَ أبي: فبدرت يوسف، فقلت: أرى دما كثيرا وارى ضربا، فو الله ما أثبته، قَالَ: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنا كلها حتى أصبحنا قَالَ: ثم ولاني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل واليا عليه حتى قدم جعفر بْن سليمان، فحدرني إليه، وألزمني نفسه.
وحدثني علي بْن إسماعيل بْن صالح بْن ميثم، قَالَ: حدثني أبو كعب، قَالَ: حضرت عيسى حين قتل محمدا، فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قَالَ: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلا، لما على هذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشق عصا المسلمين، وإن كان لصواما قواما فسكت القوم.
وحدثني ابن البواب عبد الله بْن محمد، قَالَ: حدثني أبي، عن الأسلمي، قَالَ: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال:
كذبت! نحن أهل البيت لا نفر.
وحدثني عبد الله بْن راشد بْن يزيد، قَالَ: حدثني أبو الحجاج الجمال، قَالَ: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه
(7/597)

أن عيسى قد هزم- وكان متكئا فجلس- فضرب بقضيب معه مصلاه، وقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما إني لذلك بعد.
قال: وحدثني محمد بْن الحسن، قَالَ: حدثني بعض أصحابنا، قَالَ: أصاب أبا القلمس نشابة في ركبته، فبقي نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طلب بعد الهزيمة لحق بالحرة، وأبطأ به ما أصاب ركبته، فلم يزل بالنصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته، فرماهم فتصدعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا.
وحدثني محمد بْن الحسن، قَالَ: حدثني عبد الله بْن عمر بْن القاسم، قَالَ: لما انهزمنا يومئذ كنت في جماعة، فيهم أبو القلمس، فالتفت إليه، فإذا هو مستغرب ضحكا، قَالَ: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضت بصري، فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصه، فلم يبق منه إلا جربانه وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر، قَالَ:
فجعلت أضحك لضحك أبي القلمس.
فحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: لم يزل أبو القلمس مختفيا بالفرع، وبقي زمانا ثم عدا عليه عبد له، فشدخ رأسه بصخرة فقتله، ثم أتى أم ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيدك، فهلمى اتتزوجك؟
قالت: رويدا أتصنع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبد فشدخ رأسه.
حدثني محمود بْن معمر بْن أبي الشدائد، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ:
لما دخلت خيل عيسى من شعب بني فزارة، فقتل محمد، اقتحم نفر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنته الناعمة بنت ابى الشدائد:
وا رجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومن رجالك؟ قالت: بنو فزارة، قَالَ: والله لو علمت ما دخلت بيتك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من
(7/598)

عشيرتك من باهلة، وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها، قَالَ:
وأتي عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام ومحمد بْن لوط بْن المغيرة بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحد، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بْن معمر- رجل من بني فزارة مكفوف- قَالَ: فأمر مناديا فنادى: من جاء برأس ضربنا رأسه وحدثني علي بْن زادان، قَالَ: حدثني عبد الله بْن برقي، قَالَ: رأيت قائدا من قواد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز، فأرشدناه إليه.
قَالَ: فخرج وعليه قميص رياط، قَالَ: فأنزلوا قائدهم، وحملوه على برذونه وخرجوا به يزفونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه.
حدثني قدامة بْن محمد، قَالَ: خرج عبد الله بْن يزيد بْن هرمز ومحمد ابن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كل واحد منهما قوسا، فظننا أنهما أرادا أن يريا الناس أنهما قد صلحا لذلك.
وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني حسين بْن يزيد، قَالَ: أتي بابن هرمز الى عيسى بعد ما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهك عن الخروج مع من خرج! قَالَ: كانت فتنة شملت الناس، فشملتنا فيهم، قَالَ:
اذهب راشدا.
وحدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: سمعت مالك بْن أنس، يقول:
كنت آتي ابن هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب، وترخي الستر، ثم يذكر أول هذه الأمة، ثم يبكي حتى تخضل لحيته قَالَ: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قَالَ: قد علمت، ولكن يراني جاهل فيقتدي بي.
حدثني عيسى، قَالَ: حدثني محمد بْن زيد، قَالَ: لما قتل محمد انخرقت السماء بالمطر بما لم أر مثله انخرق قط منها، فنادى منادي عيسى:
لا يبيتن بالمدينة أحد من الجند إلا كثير بْن حصين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجرف، فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بْن حسن بْن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام
(7/599)

وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
لما أصبح محمد في مصرعه، أرسلت أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنتي عمى مما نيل منه فو الله ما أمرت ولا علمت، فوارياه راشدتين فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حشي في مقطع عنقه عديله قطنا، ودفن بالبقيع، وكان قبره وجاه زقاق دار علي بْن أبي طالب، شارعا على الطريق أو قريبا من ذلك، وبعث عيسى بألوية فوضع على باب أسماء بنت حسن بْن عبد الله واحد، وعلى باب العباس بْن عبد الله بْن الحارث آخر، وعلى باب محمد بْن عبد العزيز الزهري آخر، وعلى باب عبيد الله بْن محمد بْن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغفاري آخر، وصاح مناديه: من دخل تحت لواء منها، أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن، ومطرت السماء مطرا جودا، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم، وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجرف، فأقام بالمدينة أياما، ثم شخص صبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة.
حدثنى أزهر بْن سعيد، قَالَ: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفنه، وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بْن عبد العزيز.
قَالَ أزهر: فرأيتهم صفين، ووكل بخشبة ابن خضير من يحرسها، فاحتمله قوم في الليل فواروه، ولم يقدر عليهم، وأقام الآخرون مصلبين ثلاثا، ثم تأذى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سلع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقوا في خندق بأصل ذباب.
حدثني عيسى بْن عبد الله قَالَ: حدثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن علي بن حسين، قالت: قلت لعمي جعفر بْن محمد: إني- فديتك- ما أمر محمد بْن عبد الله؟ هذا قَالَ: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت
(7/600)

رومي، ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء.
حدثني عيسى، عن أبيه، قَالَ: خرج مع محمد حمزة بْن عبد الله بْن محمد بْن علي- وكان عمه جعفر ينهاه، وكان من أشد الناس مع محمد- قَالَ: فكان جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحى جعفر.
حدثنى عيسى، قَالَ: حدثنا ابن أبي الكرام، قَالَ: بعثني عيسى برأس محمد، وبعث معي مائة من الجند، قَالَ: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النجف كبرنا- قَالَ: وعامر بْن إسماعيل يومئذ بواسط محاصر هارون ابن سعد العجلي- فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قَالَ:
هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بْن عبد الله، قَالَ: ائذن له ولعشرة ممن معه، قَالَ: فأذن لي، فوضعت الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قتل معه من أهل بيته؟ قلت: لا والله ولا إنسان، قَالَ: سبحان الله! هو ذاك قَالَ: فرفع رأسه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟
قَالَ الربيع: زعم أنه قتل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد.
حدثني علي بْن إسماعيل بْن صالح بْن ميثم، قَالَ: لما قدم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيف في طبق أبيض، فرأيته آدم أرقط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق.
وحدثني عبد الله بْن عمر بْن حبيب من أهل ينبع، قَالَ: لما أتي أبو جعفر برءوس بني شجاع، قَالَ: هكذا فليكن الناس، طلبت محمدا فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا.
قَالَ عمر: أنشدني عيسى بْن إبراهيم وإبراهيم بْن مصعب بْن عمارة بْن حمزة بْن مصعب، ومحمد بْن يحيى ومحمد بْن الحسن بْن زبالة وغيرهم لعبد الله ابن مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير يرثي محمدا:
تبكي مدله أن تقنص حبلهم ... عيسى وأقصد صائبا عثمانا
(7/601)

هلا على المهدي وابني مصعب ... أذريت دمعك ساكبا تهتانا!
ولفقد إبراهيم حين تصدعت ... عنه الجموع فواجه الأقرانا
سالت دموعك ضلة قد هجت لي ... برحاء وجد تبعث الأحزانا
والله ما ولد الحواضن مثلهم ... أمضى وأرفع محتدا ومكانا
وأشد ناهضة وأقول للتي ... تنفي مصادر عدلها البهتانا
فهناك لو فقأت غير مشوه ... عينيك من جزع عذرت علانا
رزء لعمرك لو يصاب بمثله ... مبطان صدع رزوه مبطانا
وقال ابن مصعب:
يا صاحبي دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما
وقفا بقبر ابن النبي فسلما ... لا بأس أن تقفا به فتسلما
قبر تضمن خير أهل زمانه ... حسبا وطيب سجية وتكرما
رجل نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما
لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه، ولم يفتح بفاحشة فما
لو أعظم الحدثان شيئا قبله ... بعد النبي به لكنت المعظما
أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدا لكان قصاره أن يسلما
ضحوا بإبراهيم خير ضحية ... فتصرمت أيامه وتصرما
بطلا يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشا رعشا ولا مستسلما
حتى مضت فيه السيوف وربما ... كانت حتوفهم السيوف وربما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما
ونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما
يتوسلون بقتلهم ويرونه ... شرفا لهم عند الإمام ومغنما
والله لو شهد النبي محمد ... صلى الإله على النبي وسلما
(7/602)

إشراع أمته الأسنة لابنه ... حتى تقطر من ظباتهم دما
حقا لأيقن أنهم قد ضيعوا ... تلك القرابة واستحلوا المحرما
وحدثني إسماعيل بْن جعفر بْن إبراهيم، قَالَ: حدثني موسى بْن عبد الله ابن حسن، قَالَ: خرجت من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مخرج محمد ابن عبد الله، فإذا بنسوة كأنما خرجن من ديارنا، فأخذتني عليهن غيرة، فإني لأتبعهن أنظر أين يردن، حتى إذا كن بطرف الحميراء من جانب الغرس، التفتت إلي إحداهن، فقالت:
سويقة بعد ساكنها يباب ... لقد أمست أجد بها الخراب
فعرفت أنهن من ساكني الأرض، فرجعت.
وحدثني عيسى، قَالَ: لما قتل عيسى بْن موسى محمدا قبض أموال بني حسن كلها، فأجاز ذلك أبو جعفر.
وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: [لقي جعفر بْن محمد أبا جعفر، فقال:
يا أمير المؤمنين، رد علي قطيعتي عين أبي زياد آكل من سعفها، قَالَ: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهقن نفسك قَالَ: فلا تعجل علي، قد بلغت ثلاثا وستين، وفيها مات أبي وجدي على بْن أبي طالب، وعلي كذا وكذا إن ربتك بشيء أبدا، وإن بقيت بعدك أن ربت الذي يقوم بعدك] قَالَ:
فرق له وأعفاه.
وحدثني هشام بْن إبراهيم بْن هشام بْن راشد، قَالَ: لم يرد أبو جعفر عين أبي زياد حتى مات فردها المهدي على ولده.
وحدثني هشام بْن إبراهيم، قَالَ: لما قتل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمل إليهم من ناحيه البحار شيء، حتى كان المهدي فأمر بالبحر ففتح لهم، واذن في الحمل.
وحدثنى محمد بْن جعفر بْن إبراهيم، قَالَ: حدثتني أمي أم سلمة بنت
(7/603)

محمد بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بكر زوجة موسى بْن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بْن حسن بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قتل أبوكم محمد فورثه عبد الله، فتنازعوا إلى الحسن بْن زيد، فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد، فإذا بلغك كتابي هذا فورثهم من جدهم، فإني قد رددت عليهم أموالهم صلة لأرحامهم، وحفظا لقرابتهم وحدثني عيسى، قَالَ: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وحسين وعيسى ابنا زيد بْن علي بْن حسين بْن علي بْن أبي طالب، قَالَ: فحدثني عيسى، قَالَ: بلغني ان أبا جعفر كان يقول: وا عجبا لخروج ابني زيد بْن علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، واحرقناه كما احرقه، وحمزه ابن عبد الله بن محمد بن علي بن حسين بْن أبي طالب، وعلي وزيد ابنا حسن ابن زيد بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب! قَالَ عيسى: قَالَ أبو جعفر للحسن بْن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفين على راس محمد بسيفين، عليهما قباءان قَالَ: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قَالَ: أجل فهذا من ذاك والقاسم ابن إسحاق بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، والمرجى علي بْن جعفر بْن إسحاق بْن علي بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ عيسى: قَالَ أبو جعفر لجعفر بْن إسحاق: من المرجي هذا؟ فعل الله به وفعل! قَالَ:
يا أمير المؤمنين، ذاك ابني، والله لئن شئت أن أنتفي منه لأفعلن ومن بني عبد شمس محمد بْن عبد الله بْن عمرو بْن سعيد بْن العاص بْن أمية بْن عبد شمس.
قَالَ: وحدثني أبو عاصم النبيل، قَالَ: حدثني عباد بْن كثير، قَالَ:
خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقله، فلما ولي جعفر بْن سليمان المدينة قيده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصره في رجل قيد الحسن؟
(7/604)

قال: سيئا والله، قَالَ: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثم، فتركه ومحمد بْن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بْن رَبِيعَة بْن عبد شمس.
وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بْن جعفر بْن عبد الله، أن عبيد الله بن عمر ابن حفص بْن عاصم خرج معه، فأتى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج علي مع محمد؟ قَالَ: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد ص، قَالَ عمر: هذا وهم.
قَالَ: وحدثني عبد العزيز بْن أبي سلمة بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر، قَالَ: كان عبيد الله قد أجاب محمدا إلى الخروج معه، فمات قبل أن يخرج، وخرج معه أبو بكر بْن عبد الله بْن محمد بْن أبي سبرة بْن أبي رهم بْن عبد العزى ابن أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامر بن لؤي، وخرج معه عبد الواحد بْن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بْن جعفر بن عبد الرحمن ابن المسور بْن مخرمة وعبد العزيز بْن محمد الدراوردي وعبد الحميد بْن جعفر وعبد الله بْن عطاء بْن يعقوب مولى بني سباع، وابن سباع من خزاعة حليف بني زهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز، بنو عبد الله بْن عطاء.
وحدثني إبراهيم بْن مصعب بْن عمارة بْن حمزة بْن مصعب بْن الزبير.
قَالَ: وحدثني الزبير بْن خبيب بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ:
إنا لبالمر من بطن إضم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير، إذ مر بنا رجل مصعد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قَالَ: قتل، قالت:
فما فعل ابن خضير؟ قَالَ: قتل، فخرت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قتل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفر ولم يؤسر! قَالَ عيسى: حدثني أبي، قَالَ: قَالَ أبو جعفر لعيسى بْن موسى:
من استنصر مع محمد؟ قَالَ: آل الزبير، قَالَ: ومن؟ قَالَ: وآل
(7/605)

عمر، قَالَ: أما والله لعن غير مودة بهما له ولا محبة له ولا لأهل بيته قَالَ:
وكان أبو جعفر يقول: لو وجدت ألفا من آل الزبير كلهم محسن وفيهم مسيء واحد لقتلتهم جميعا، ولو وجدت ألفا من آل عمر كلهم مسيء وفيهم محسن واحد لأعفيتهم جميعا قَالَ عمر: وحدثني إبراهيم بْن مصعب بْن عمارة بْن حمزة بْن مصعب، قَالَ: حدثني محمد بْن عثمان بْن محمد بْن خالد بْن الزبير، قَالَ: لما قتل محمد، هرب أبي وموسى بْن عبد الله بْن حسن وأنا معهما وأبو هبار المزني، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيما، فلما وردنا البصرة- وذلك بعد ثلث الليل- وجدنا الدروب مغلقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر، ثم دخلنا فنزلنا المربد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيما يبتاع لنا طعاما، فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جعله، فتسخط علينا، فقلنا: زده، فتسخط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتصفح وجوهنا ثم خرج فلم ننشب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلا من بني سعد يدعى نميلة بْن مرة، كان خرج مع ابراهيم.
قال: فو الله ما راعنا إلا بالأسود قد دخل به علينا، قد غطي رأسه ووجهه فلما دخل به كشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قَالَ: نعم هؤلاء، هذا موسى بْن عبد الله، وهذا عثمان بْن محمد، وهذا ابنه، ولا أعرف الرابع غير أنه من أصحابهم قَالَ: فأخذنا جميعا، فدخل بنا على محمد بْن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحمك! أتركت البلاد جميعا وجئتني! فإما أطلقتك فتعرضت لأمير المؤمنين، وإما أخذتك فقطعت رحمك ثم كتب إلى امير المؤمنين بخبرنا: قَالَ: فجاء الجواب أن احملهم إلي، فوجهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جندا آخر ينتظروننا، ثم لم نزل نأتي على المسالح من الجند في طريقنا كله، حتى
(7/606)

وردنا بغداد، فدخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قَالَ: هيه! أخرجت علي مع محمد! قَالَ: قد كان ذاك، فأغلظ له أبو جعفر، فراجعه مليا، ثم أمر به فضربت عنقه ثم أمر بموسى فضرب بالسياط، ثم أمر بي فقربت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه، فإذا نظر إليه فاضربوا عنقه على جيفته قَالَ: فكلمه عيسى بْن علي، وقال: والله ما أحسبه بلغ، فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت غلاما حدثا غرا أمرني أبي فأطعته، قَالَ:
فأمر بي فضربت خمسين سوطا، ثم حبسني في المطبق وفيه يومئذ يعقوب بْن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توفي أبو جعفر، وقام المهدي وأخرج يعقوب، فكلمه في فأخرجني.
قَالَ: وحدثني أيوب بْن عمر، قَالَ: حدثني محمد بْن خالد، قَالَ:
أخبرني محمد بْن عروة بْن هشام بْن عروة، قَالَ: إني لعند أبي جعفر، إذ أتى فقيل له: هذا عثمان بْن محمد بْن خالد قد دخل به، فلما رآه أبو جعفر، قَالَ: أين المال الذي عندك؟ قَالَ: دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله، قَالَ:
ومن أمير المؤمنين؟ قَالَ: محمد بْن عبد الله، قَالَ: أبايعته؟ قَالَ: نعم كما بايعته، قال: يا بن اللخناء! قَالَ: ذاك من قامت عنه الإماء، قال:
اضرب عنقه.
قال: فاخذ فضربت عنقه قَالَ: وحدثني سعيد بْن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثنى محمد ابن عثمان بْن خالد الزبيري، قَالَ: لما خرج محمد خرج معه رجل من آل كثير بْن الصلت، فلما قتل وهزم أصحابه تغيبوا، فكان أبي والكثيري فيمن تغيب، فلبثوا بذلك، حتى قدم جعفر بْن سليمان واليا على المدينة، فاشتد في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيري إبلا كانت له، فخرجنا متوجهين نحو البصرة، وبلغ الخبر جعفرا، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتي بنا، فأقبل عليه
(7/607)

أبي، فقال: يا هذا، اتق الله في كرينا هذا، فإنه أعرابي لا علم له بنا، إنما أكرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل، وأنت معرضه لأبي جعفر، وهو من قد علمت، فأنت قاتله ومتحمل مأثمه قَالَ: فوجم محمد طويلا، ثم قَالَ: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرض له، ثم حملنا جميعا فدخلنا على أبي جعفر، وليس عنده أحد يعرف الكثيري غير الحسن بْن زيد، فأقبل على الكثيري، فقال: يا عدو الله، أتكري عدو أمير المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قَالَ: يا أمير المؤمنين، وما علمي بخبره وجريرته وعداوته إياك! إنما اكربته جاهلا به، ولا أحسبه إلا رجلا من المسلمين، بريء الساحة، سليم الناحية، ولو علمت حاله لم أفعل قَالَ:
وأكب الحسن بْن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه قَالَ: فأوعد أبو جعفر الكثيري وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيب، ثم أقبل على أبي، فقال:
هيه يا عثمان! أنت الخارج على أمير المؤمنين، والمعين عليه! قَالَ: بايعت أنا وأنت رجلا بمكة، فوفيت ببيعتي وغدرت ببيعتك قَالَ: فأمر به فضربت عنقه.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: أتي أبو جعفر بعبد العزيز بْن عبد الله بْن عمر بْن الخطاب، فنظر إليه فقال:
إذا قتلت مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتي بعثمان بن محمد ابن خالد فقتله، وأطلق ناسا من القرشيين، فقال له عيسى بْن موسى:
يا أمير المؤمنين، ما أشقى هذا بك من بينهم! فقال: ان هذا يدي.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: سمعت حسن بْن زيد يقول: غدوت يوما على أبي جعفر، فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالدا.
وأتي بعلي بْن المطلب بْن عبد الله بْن حنطب، فأمر به فضرب خمسمائة سوط، ثم أتي بعبد العزيز بْن إبراهيم بْن عبد الله بْن مطيع فأمر به فجلد خمسمائة سوط، فما تحرك واحد منهما، فقال لي: هل رأيت أصبر من
(7/608)

هذين قط! والله إنا لنؤتى بالذين قد قاسوا غلظ المعيشة وكدها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكن والنعمة، قلت: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قومك أهل الشرف والقدر، قَالَ: فأعرض عني، وقال: أبيت إلا العصبية! ثم أعاد عبد العزيز بْن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أمير المؤمنين، الله الله فينا! فو الله إني لمكب على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صليت لله صلاة! قَالَ: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قَالَ: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟
قَالَ: فالعفو والله إذا، ثم خلى سبيله.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
كثروا محمدا وألحوا في القتال حتى قتل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومائة، وحمل رأسه إلى عيسى بْن موسى، فدعا ابن أبي الكرام، فأراه إياه، فعرفه فسجد عيسى بْن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناس كلهم وكان مكث محمد بْن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوما.
وفي هذه السنة: استخلف عيسى بْن موسى على المدينة كثير بْن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بْن عبد الله بْن حسن، فمكث واليا عليها شهرا، ثم قدم عبد الله بْن الربيع الحارثي واليا عليها من قبل أبي جعفر المنصور.
وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بْن الربيع، فهرب منهم
. ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيج ذلك
ذكر عمر بْن شبة أن محمد بْن يحيى حدثه، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: كان رياح بْن عثمان استعمل أبا بكر بْن عبد الله بْن أبي سبرة على صدقه اسد وطيّئ فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمر معه، فلما استخلف عيسى كثير
(7/609)

ابن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطا وحدده وحبسه.
ثم قدم عبد الله بْن الربيع واليا من قبل أبي جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوال سنة خمس وأربعين ومائة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاءوا دار مروان، وفيها ابن الربيع، فشكوا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي.
قَالَ: وحدثني عمر بْن راشد، قَالَ: انتهب الجند شيئا من متاع السوق، وغدوا على رجل من الصرافين يدعى عثمان بْن زيد، فغالبوه على كيسه، فاستغاث فخلص، ماله منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوا ذلك إلى ابن الربيع فلم ينكره ولم يغيره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما يوم الجمعة، فأبى أن يعطيه ثمنه، وشهر عليه السيف، فخرج عليه الجزار من تحت الوضم بشفرة، فطعن بها خاصرته، فخر عن دابته، واعتوره الجزارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد في كل ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوا، فلما كان الغد هرب ابن الربيع.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثنى الحارث بْن إسحاق، قَالَ: نفخ السودان في بوق لهم، فذكر لي بعض من كان في العالية وبعض من كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكانهما في بعض عمله يسمع نفخ البوق، فيصغي له حتى يتيقنه ثم يوحش بما في يده، ويأتم الصوت حتى يأتيه قَالَ: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة قَالَ: فغدوا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصلاة، وخرج إليهم فاستطردوا له، حتى أتى السوق فمر بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصيبية على طنف دار، فظن أن القوم منهم، فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم، فلما نزلوا ضرب
(7/610)

أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحناطين، وحمل عليه السودان، فأجلى هاربا فاتبعوه حتى صار إلى البقيع، ورهقوه فنثر لهم دارهم، فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل، عن ليلتين من المدينة.
قَالَ: وحدثني عيسى، قَالَ: خرج السودان على ابن الربيع، ورؤساؤهم:
وثيق وحديا وعنقود وأبو قيس، فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطن نخل فأقام بها.
وحدثني عمر بْن راشد، قَالَ: لما هرب ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سويق ودقيق وزيت وقسب، فانتهبوه، فكان حمل الدقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم.
وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
أغاروا على دار مروان ودار يزيد، وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر، فلم يدعوا فيهما شيئا قَالَ: وشخص سليمان بْن فليح بْن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ: وقتل السودان نفرا من الجند، فهابهم الجند حتى إن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خرقتان على عورته ودراعة، فيوليه دبره احتقارا له، ثم لم ينشب أن يشد عليه بعمود من عمد السوق فيقتله: فكانوا يقولون:
ما هؤلاء السودان إلا سحرة او شياطين! قال: وحدثنى عثامه بن عمرو السهمي، قَالَ: حدثني المسور بْن عبد الملك، قَالَ: لما حبس ابن الربيع أبا بكر بْن ابى سبره، وكان جاء بجباية طيّئ واسد، فدفعها الى محمد، اشفق القرشيون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع، خرج ابن أبي سبرة من السجن، فخطب الناس، ودعاهم إلى الطاعة، وصلى بالناس حتى رجع ابن الربيع.
قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق،
(7/611)

قَالَ: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد عليه، حتى أتى المسجد، فأرسل إلى محمد بْن عمران ومحمد بْن عبد العزيز وغيرهما، فاجتمعوا عنده، فقال: أنشدكم الله وهذه البليه التي وقعت! فو الله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى، إنه لاصطلام البلد وأهله والعبيد في السوق بأجمعهم، فأنشدكم الله إلا ذهبتم إليهم فكلمتموهم في الرجعة والفيئة إلى رأيكم، فإنهم لا نظام لهم ولم يقوموا بدعوة، وإنما هم قوم أخرجتهم الحمية! قَالَ: فذهبوا إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحبا بكم يا موالينا، والله ما قمنا إلا أنفة لكم مما عمل بكم، فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد.
وحدثني محمد بْن الحسن بْن زبالة، قَالَ: حدثني الحسين بْن مصعب، قَالَ: لما خرج السودان وهرب ابن الربيع، جئتهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرقوا.
وأخبرناهم أنا وإياهم لا نقوى على ما نصبوا له، قَالَ: فقال لنا وثيق: إن الأمر قد وقع بما ترون، وهو غير مبق لنا ولا لكم، فدعونا نشفكم ونشتف أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرقوا وحدثني عمر بْن راشد، قَالَ: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزار.
قَالَ: فدخل عليه ابن عمران، قَالَ: إلى من تعهد يا وثيق؟ قَالَ: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي، ثم الأمر شورى بينهم قَالَ: أسأل الله إن ولاك شيئا من أمرنا أن يرزقنا عدلك، قال: قد والله ولا نيه الله قَالَ: وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
حضر السودان المسجد مع ابن أبي سبرة، فرقي المنبر في كبل حديد حتى استوى في مجلس رسول الله.
ص، وتبعه محمد بْن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بْن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان ابن عبد الله بْن أبي سبرة، فكان تحتهم جميعا، وجعل الناس يلغطون لغطا شديدا، وابن أبي سبرة جالس صامت فقال ابن عمران:
أنا ذاهب إلى السوق، فانحدر وانحدر من دونه، وثبت ابن أبي سبرة،
(7/612)

فتكلم فحث على طاعة أمير المؤمنين، وذكر أمر محمد بْن عبد الله فأبلغ.
ومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بلاس من بلس الحنظلة، فتكلم هناك، فتراجع الناس، ولم يصل بالناس يومئذ إلا المؤذن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيون في المقصورة، وأقام الصلاة محمد بْن عمار المؤذن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: من يصلي بكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه احد، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم ابن عبد العزيز بْن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس:
استووا، فلما استوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه، ونادى بأعلى صوته:
ألا تسمعون! أنا الأصبغ بْن سفيان بْن عاصم بْن عبد العزيز بْن مروان، أصلي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردد ذلك مرتين أو ثلاثا، ثم كبر فصلى، فلما أصبح الناس قَالَ ابن أبي سبرة: إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم، نهبتم ما في دار عاملكم وطعام جند أمير المؤمنين، فلا يبقين عند أحد منكم شيء إلا رده، فقد أقعدت لكم الحكم بْن عبد الله بْن المغيرة بْن موهب، فرفع الناس إليه ما انتهبوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار.
وحدثني عثامة بْن عمرو، قَالَ: حدثني المسور بْن عبد الملك، قَالَ: ائتمر القرشيون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سبرة على المدينة، ليتحلل ما في نفس أمير المؤمنين عليه، فلما أخرجه السودان، قَالَ له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير وال استخلف! ولها رجلا، قَالَ:
من؟ قَالَ: قدامة بْن موسى، قَالَ: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قَالَ: والله ما قَالَ لك هذا من نصحك، ولا نظر لمن وراءه، ولا أراد إلا الفساد، ولأحق بهذا مني ومنه من قام بأمر الناس وهو جالس في بيته- يعني ابن أبي سبرة- ارجع ايها الرجل، فو الله ما لك عذر في الخروج، فرجع ابن الربيع
(7/613)

قَالَ وحدثني محمد بْن يحيى، قَالَ: حدثني الحارث بْن إسحاق، قَالَ:
ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطن نخل إلا رجع إلى عمله، فتأبى قَالَ: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجع وسكن الناس وهدءوا.
قَالَ: وحدثني عمر بْن راشد، قَالَ: ركب إليه ابن عمران وغيره وقد نزل الأعوص، فكلموه فرجع، فقطع يد وثيق وابى النار ويعقل ومسعر.

ذكر الخبر عن بناء مدينه بغداد
وفي هذه السنة أسست مدينة بغداد، وهي التي تدعى مدينة المنصور.
ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها:
وكان سبب ذلك أن أبا جعفر المنصور بنى- فيما ذكر- حين أفضى الأمر إليه الهاشمية، قبالة مدينة ابن هبيرة، بينهما عرض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشمية إلى جانب الكوفة وبنى المنصور أيضا مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة، فلما ثارت الراوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمى الهاشمية، وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سكناها لاضطراب من اضطرب أمره عليه من الراوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعد من جوارهم، فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعا يتخذه مسكنا لنفسه وجنده، ويبتني به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جرجرايا ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كل ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وما حول ذلك فنزل وضرب عسكره على الصراة، وخط المدينة، ووكل بكل ربع قائدا
(7/614)

وذكر عمر بْن شبة أن محمد بْن معروف بْن سويد حدثه، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مجالد، قَالَ: أفسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا، والطريق يومئذ على المدائن، فخرجنا على ساباط، فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه، فأقام يعالج عينيه، فسأله الطبيب: أين يريد أمير المؤمنين؟ قَالَ: يرتاد منزلا، قَالَ: فإنا نجد في كتاب عندنا، أن رجلا يدعى مقلاصا، يبني مدينة بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى عرقا منها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها، وأقبل على إصلاح ذلك الفتق، فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر عليه منه، فلا يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر عمرا طويلا، ويبقى الملك في عقبه قَالَ سليمان: فإن أمير المؤمنين لبأطراف الجبال في ارتياد منزل، إذ قدم علي صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين، فدعا الرجل فحدثه الحديث، فكر راجعا عوده على بدئه، وقال: أنا والله ذاك! لقد سميت مقلاصا وأنا صبي، ثم انقطعت عني.
وذكر عن الهيثم بْن عدي، عن ابن عياش، قَالَ: لما أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روادا يرتادون له موضعا ينزله واسطا، رافقا بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من بارما، وذكر له عنه غذاء طيب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرر نظره فيه، فرآه موضعا طيبا، فقال لجماعة من أصحابه، منهم سليمان بْن مجالد وأبو أيوب الخوزي وعبد الملك بْن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا:
ما رأينا مثله، هو طيب صالح موافق، قَالَ: صدقتم، هو هكذا، ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات، وانما أريد موضعا يرتفق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعار، ولا تشتد فيه المئونة، فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه من البر والبحر شيء غلت الأسعار، وقلت المادة، واشتدت المئونة، وشق ذلك على الناس، وقد مررت في
(7/615)

طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال، فأنا نازل فيه، وبائت به، فإن اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليل والموافقة مع احتماله للجند والناس ابتنيه.
قَالَ الهيثم بْن عدي: فخبرت أنه أتى ناحية الجسر، فعبر في موضع قصر السلام، ثم صلى العصر- وكان في صيف، وكان في موضع القصر بيعة قس- ثم بات ليلة حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقه، وأقام يومه فلم ير إلا ما يحب، فقال: هذا موضع ابني فيه، فإنه تأتيه المادة من الفرات ودجلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجند والعامة إلا مثله، فخطها وقدر بناءها، ووضع أول لبنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ثم قَالَ: ابنوا على بركة الله.
وذكر عن بشر بْن ميمون الشروي وسليمان بْن مجالد، أن المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدثه عن الطبيب الذي أخبره عما يجدون في كتبهم من خبر مقلاص، ونزل الدير الذي هو حذاء قصره المعروف بالخلد، فدعا بصاحب الدير، وأحضر البطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرم وصاحب الدير المعروف ببستان القس وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحول والبق والهوام؟ فأخبره كل واحد بما عنده من العلم، فوجه رجالا من قبله، وأمر كل واحد منهم أن يبيت في قرية منها، فبات كل رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحر أخبارهم، فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساءله- فهو الدهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربعة المعروفة بأبي العباس الفضل بْن سليمان الطوسي، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها- فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يختار منها، فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طساسيج
(7/616)

في الجانب الغربي طسوجين وهما قطربل وبادوريا، وفي الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر العمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من المغرب في الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشام، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها في تأمرا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدوك، وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلا احتاج إلى العبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد كله، وأنت قريب من البر والبحر والجبل فازداد المنصور عزما على النزول في الموضع الذي اختاره وقال له:
يا أمير المؤمنين، ومع هذا فإن الله قد من على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقواده وجنده، فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنو منه، والتدبير في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خنادق لمدينة أمير المؤمنين.
وذكر عن ابراهيم بن عيسى ان حمادا التركي، قَالَ: بعث المنصور رجالا في سنة خمس وأربعين ومائة، يطلبون له موضعا يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعا، حتى جاء فنزل الدير على الصراة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة، ومن هذه الصراة.
وذكر عن محمد بْن صالح بْن النطاح عن محمد بْن جابر، عن أبيه، قَالَ: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهبا، فناداه فأجابه، فقال: تجدون في كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة؟ قَالَ الراهب: نعم، يبنيها مقلاص، قَالَ أبو جعفر: أنا كنت أدعى مقلاصا في حداثتي.
قَالَ: فأنت إذا صاحبها، قَالَ: وكذلك لما أراد أن يبني الرافقة بأرض الروم
(7/617)

امتنع أهل الرقة، وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهم بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصومعة، فقال: هل عندك علم أن يبنى هاهنا مدينة؟ فقال له: بلغني أن رجلا يقال له مقلاص يبنيها، قَالَ: أنا مقلاص، فبناها على بناء مدينة بغداد، سوى السور وأبواب الحديد وخندق منفرد.
وذكر عن السري، عن سليمان بْن مجالد، أن المنصور وجه في حشر الصناع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة، فأحضروا، وأمر باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بْن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بْن ثابت، وأمر بخط المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللبن وطبخ الآجر، فبدئ بذلك، وكان أول ما ابتدى به في عملها سنة خمس وأربعين ومائة.
وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحب أن ينظر إليها عيانا، فأمر أن يخط بالرماد، ثم أقبل يدخل من كل باب، ويمر في فصلانها وطاقاتها ورحابها، وهي مخطوطة بالرماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خط من خنادقها، فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حب القطن، وينصب عليه النفط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدئ في عملها.
وذكر عن حماد التركي أن المنصور بعث رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومائة، قبل خروج محمد بْن عبد الله بسنة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد، قرية على شاطئ الصراة، مما يلي الخلد، وكان في موضع بناء الخلد دير، وكان في قرن الصراة مما يلي الخلد من الجانب الشرقي أيضا قرية ودير كبير كانت تسمى سوق البقر، وكانت القرية تسمى العتيقة، وهي التي افتتحها المثنى بْن حارثة الشيباني، قَالَ: وجاء المنصور، فنزل الدير الذي في موضع الخلد على الصراة، فوجده قليل البق، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من
(7/618)

الفرات ودجلة، ويصلح أن تبتنى فيه مدينة، فقال للراهب الذي في الدير:
يا راهب، أريد أن أبني هاهنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يبنى هاهنا ملك يقال له أبو الدوانيق، فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق.
وأمر فخطت المدينة، ووكل بها أربعة قواد، كل قائد بربع.
وذكر عن سليمان بْن مجالد، أن المنصور أراد أبا حنيفه النعمان بْن ثابت على القضاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولى له، وحلف أبو حنيفة ألا يفعل، فولاه القيام ببناء المدينة وضرب اللبن وعده، وأخذ الرجال بالعمل قَالَ: وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه، قَالَ:
وكان أبو حنيفة المتولي لذلك، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة تسع وأربعين ومائة.
وذكر عن الهيثم بْن عدي، أن المنصور عرض على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف ألا يقلع عنه حتى يعمل، فأخبر بذلك أبو حنيفة، فدعا بقصبة، فعد اللبن على رجل قد لبنه، وكان أبو حنيفة أول من عد اللبن بالقصب، فأخرج أبا جعفر عن يمينه، واعتل فمات ببغداد.
وقيل: إن أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس، أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا، وقدر أعلاه عشرين ذراعا، وجعل في البناء جوائز قصب مكان الخشب، في كل طرقة، فلما بلغ الحائط مقدار قامة- وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة- أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء.
وذكر عن أحمد بْن حميد بْن جبلة، قَالَ: حدثني أبي، عن جدي جبلة، قَالَ: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين، يقال لها المباركة، وكانت لستين نفسا منهم، فعوضهم منها وأرضاهم، فأخذ جدي قسمه منها.
وذكر عن إبراهيم بْن عيسى بْن المنصور، أن حمادا التركي قَالَ: كان حول مدينة أبي جعفر قرى قبل بنائها، فكان إلى جانب باب الشام قرية
(7/619)

يقال لها الخطابية، على باب درب النورة، إلى درب الأقفاص، وكان بعض نخلها في شارع باب الشام، إلى ايام المخلوع في الطريق، حتى قطع في أيام الفتنة، وكانت الخطابية هذه لقوم من الدهاقين، يقال لهم بنو فروة وبنو قنورا، منهم إسماعيل بْن دينار ويعقوب بْن سليمان وأصحابهم وذكر عن محمد بْن موسى بْن الفرات أن القرية التي في مربعة أبي العباس كانت قرية جده من قبل أمه، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زراري، وكانت القرية تسمى الوردانية، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي فروة.
وذكر عن إبراهيم بْن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب كانت قرية يقال لها شرفانية، ولها نخيل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي الجون، وأبو الجون من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية.
وذكر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رستاق الفروسيج من بادوريا.
وذكر عن محمد بْن موسى بْن الفرات، أنه سمع أباه أو جده- شك راوي ذلك عنه- يقول: دخل علي رجل من دهاقين بادوريا وهو مخرق الطيلسان، فقلت له: من خرق طيلسانك؟ قَالَ: خرق والله في زحمة الناس اليوم، في موضع طالما طردت فيه الأرانب والظباء- يريد باب الكرخ ويقال: إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هي أقطاع المهدي للربيع، وأن المنصور إنما كان أقطعه الداخلة.
وقيل: إن نهر طابق كسروي، وإنه نهر بابك بْن بهرام بْن بابك، وأن بابك هذا هو الذي اتخذ العقر الذي عليه قصر عيسى بْن علي، واحتفر هذا النهر.
وذكر أن فرضة جعفر إقطاع من أبي جعفر لابنه جعفر، وأن القنطرة العتيقة من بناء الفرس.
وذكر عن حماد التركي، قَالَ: كان المنصور نازلا بالدير الذي على شاطئ دجلة بالموضع المعروف بالخلد، ونحن في يوم صائف شديد الحر
(7/620)

في سنة خمس وأربعين ومائة، وقد خرجت فجلست مع الربيع وأصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة، فاستأذن فأذنا المنصور به، وكان معه سلم بْن أبي سلم، فأذن له فخبره بخروج محمد، فقال المنصور:
نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحرمين المادة، ثم قَالَ: إنما هم في مثل حرجة، إذا انقطعت عنهم المادة والميرة من مصر قَالَ: وأمر بالكتاب إلى العباس بْن محمد- وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد- وقال: إني راحل ساعة كتبت إلى الكوفة، فأمدني في كل يوم بما قدرت عليه من الرجال من أهل الجزيرة وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشام، ولو أن يرد علي في كل يوم رجل واحد أكثر به من معي من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذاب انكسر قَالَ: ثم نادى بالرحيل من ساعته، فخرجنا في حر شديد حتى قدم الكوفة، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم، فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد وذكر عن أحمد بْن ثابت، قَالَ: سمعت شيخا من قريش يحدث أن أبا جعفر لما فصل من بغداد، متوجها نحو الكوفة، وقد جاءه البريد بمخرج محمد بْن عبد الله بالمدينة، نظر إليه عثمان بْن عمارة بْن حريم وإسحاق بْن مسلم العقيلي وعبد الله بْن الربيع المداني- وكانوا من صحابته- وهو يسير على دابته وبنو أبيه حوله فقال عثمان: أظن محمدا خائبا ومن معه من أهل بيته، إن حشو ثياب هذا العباسي لمكر ونكر ودهاء، وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قَالَ ابن جذل الطعان:
فكم من غارة ورعيل خيل ... تداركها وقد حمي اللقاء
فرد مخيلها حتى ثناها ... بأسمر ما يرى فيه التواء
قَالَ: فقال إسحاق بْن مسلم: قد والله سبرته ولمست عوده فوجدته خشنا، وغمزته فوجدته صليبا، وذقته فوجدته مرا، وإنه ومن حوله من بني أبيه لكما قَالَ ربيعة بْن مكدم:
سما لي فرسان كأن وجوههم ... مصابيح تبدو في الظلام زواهر
(7/621)

يقودهم كبش أخو مصمئلة ... عبوس السري قد لوحته الهواجر
قَالَ: وقال عبد الله بْن الربيع: هو ليث خيس، ضيغم شموس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس، وانه يهيج من الحرب كما قَالَ أبو سفيان بْن الحارث:
وإن لنا شيخا إذا الحرب شمرت ... بديهته الإقدام قبل النوافر
قَالَ: فمضى حتى سار إلى قصر ابن هبيرة، فنزل الكوفة ووجه الجيوش، فلما انقضت الحرب، رجع الى بغداد فاستتم بناءها.

ذكر الخبر عن ظهور ابراهيم بن محمد ومقتله
44 وفي هذه السنة ظهر إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن، أخو محمد بْن عبد الله ابن حسن بالبصرة، فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضا.
ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان:
فذكر عن عبد الله بْن محمد بْن حفص، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ:
لما أخذ أبو جعفر عبد الله بْن حسن، أشفق محمد وإبراهيم من ذلك، فخرجا إلى عدن، فخافا بها، وركبا البحر حتى صار إلى السند فسعي بهما إلى عمر بْن حفص، فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر.
وذكر عمر بْن شبة أن سعيد بْن نوح الضبعي، ابن ابنة أبي الساج الضبعى، حدثه قال: حدثتني منه بنت أبي المنهال، قالت: نزل إبراهيم في الحي من بني ضبيعة في دار الحارث بْن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكانت معه أم ولد له، فكنت أتحدث إليها، ولا ندري من هم، حتى ظهر فأتيتها، فقلت: إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي، لا والله ما أقرتنا الأرض منذ خمس سنين، مره بفارس، ومره بكرمان، ومرة بالحجاز، ومرة باليمن.
قَالَ عمر: حدثني أبو نعيم الفضل بْن دكين، قَالَ: حدثني مطهر ابن الحارث، قَالَ: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة، ونحن عشرة،
(7/622)

فصحبنا أعرابي في بعض الطريق، فقلنا له: ما اسمك؟ قَالَ: فلان بْن أبي مصاد الكلبي، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة، فأقبل علي يوما، فقال: أليس هذا إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن؟ فقلت: لا، هذا رجل من أهل الشام، فلما كنا على ليلة من البصرة، تقدم إبراهيم وتخلفنا عنه، ثم دخلنا من غد.
قال عمر: وحدثنى أبو صفوان نصر بْن قديد بْن نصر بْن سيار، قَالَ:
كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومائة، منصرف الناس من الحج، فكان الذي أقدمه وتولى كراءه وعادله في محمله يحيى بْن زياد ابن حسان النبطي، فأنزله في داره في بني ليث، واشترى له جارية أعجمية سندية، فأولدها ولدا في دار يحيى بْن زياد، فحدثني ابن قديد ابن نصر، أنه شهد جنازة ذلك المولود، وصلى عليه يحيى بْن زياد.
قَالَ: وحدثني محمد بْن معروف، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشام على آل القعقاع بْن خليد العبسي، فكتب الفضل بْن صالح بْن علي- وكان على قنسرين- إلى أبي جعفر في رقعة أدرجها في أسفل كتابه، يخبره خبر إبراهيم، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدرا إلى البصرة، فورد الكتاب على أبي جعفر، فقرأ أوله فلم يجد إلا السلامة، فألقى الكتاب إلى أبي أيوب المورياني، فألقاه في ديوانه، فلما أرادوا أن يجيبوا الولاة عن كتبهم فتح أبان بْن صدقة- وهو يومئذ كاتب أبي أيوب- كتاب الفضل، لينظر في تأريخه، فأفضى إلى الرقعة، فلما رأى أولها: أخبر أمير المؤمنين، أعادها في الكتاب، وقام إلى أبي جعفر، فقرأ الكتاب، فأمر بإذكاء العيون ووضع المراصد والمسالح.
قَالَ: وحدثني الفضل بْن عبد الرحمن بْن الفضل، قَالَ: أخبرني أبي قَالَ: سمعت إبراهيم يقول: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وذلك أنه قدمها يطلبني، فتحيرت، فلفظتني الأرض، فجعلت
(7/623)

لا أجد مساغا، ووضع الطلب والمراصد، ودعا الناس إلى غدائه، فدخلت فيمن دخل، وأكلت فيمن أكل، ثم خرجت وقد كف الطلب.
قَالَ: وحدثني أبو نعيم الفضل بْن دكين، قَالَ: قَالَ رجل لمطهر بْن الحارث: مر إبراهيم بالكوفة ولقيته، قَالَ: لا والله ما دخلها قط، ولقد كان بالموصل، ثم مر بالأنبار، ثم ببغداد، ثم بالمدائن والنيل وواسط.
قَالَ: وحدثني نصر بْن قديد بْن نصر، قَالَ: كاتب إبراهيم قوما من أهل العسكر كانوا يتشيعون، فكتبوا يسألونه الخروج إليهم، ووعدوه الوثوب بأبي جعفر، فخرج حتى قدم عسكر أبي جعفر، وهو يومئذ نازل ببغداد في الدير، وقد خط بغداد، وأجمع على البناء، وكانت لأبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوه من صديقه قَالَ: فزعم زاعم أنه نظر فيها، فقال: يا مسيب، قد والله رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض عدو أعدى لي منه، فانظر ما أنت صانع! قَالَ: وحدثني عبد الله بْن محمد بْن البواب، قَالَ: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينه على إبراهيم، وخنس إبراهيم، فذهب في الناس، فأتي فاميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له.
وجد أبو جعفر في طلبه، ووضع الرصد بكل مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذي هو به، وطلبه أبو جعفر أشد الطلب، وخفي عليه أمره.
قَالَ: وحدثني محمد بْن معروف، قَالَ: حدثني أبي- وحدثني نصر ابن قديد، قَالَ: حدثني أبي قَالَ، وحدثني عبد الله بْن محمد بْن البواب وكثير بْن النضر بْن كثير وعمرو بْن إدريس وابن أبي سفيان العمي، واتفقوا على جل الحديث، واختلفوا في بعضه- أن إبراهيم لما نشب وخاف الرصد كان معه رجل من بني العم- قَالَ عمر: فقال لي أبو صفوان، يدعى روح بْن ثقف، وقال لي ابن البواب: يكنى أبا عبد الله، وقال لي الآخرون:
يقال له سفيان بْن حيان بْن موسى: قَالَ عمر: وهو جد العمي الذي حدثنى-
(7/624)

قَالَ: قلت لإبراهيم: قد نزل ما ترى، ولا بد من التغرير والمخاطرة، قَالَ:
فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع، فسأله الإذن، قَالَ: ومن أنت؟ قال:
انا السفيان العمي، فأدخله على أبي جعفر، فلما رآه شتمه، فقال:
يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أني أتيتك نازعا تائبا، ولك عندي كل ما تحب إن أعطيتني ما أسألك، قَالَ: وما لي عندك؟ قَالَ: آتيك بابراهيم ابن عبد الله بْن حسن، إني قد بلوته وأهل بيته، فلم أجد فيهم خيرا، فما لي عندك إن فعلت؟ قَالَ: كل ما تسأل، فأين إبراهيم؟ قَالَ: قد دخل بغداد- أو هو داخلها عن قريب- قَالَ عمر: وقال لي أبو صفوان، قَالَ:
هو بعبدسي، تركته في منزل خالد بْن نهيك، فاكتب لي جوازا ولغلام لي ولفرانق واحملني على البريد قَالَ عمر: وقال بعضهم: وجه معي جندا واكتب لي جوازا ولغلام لي آتيك به قَالَ: فكتب له جوازا، ودفع إليه جندا، وقال: هذه ألف دينار فاستعن بها، قال: لا حاجه لي فيها فيها كلها، فاخذ ثلاثمائة دينار، وأقبل بها حتى أتى إبراهيم وهو في بيت، عليه مدرعة صوف وعمامة- وقيل بل عليه قباء كأقبية العبيد- فصاح به:
قم، فوثب كالفزع، فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع إليه جوازه، فقال: أين غلامك؟ قَالَ: هذا، فلما نظر في وجهه، قَالَ: والله ما هذا غلامك، وإنه لإبراهيم بْن عبد الله بْن حسن، ولكن اذهب راشدا فأطلقهما وهرب قَالَ عمر: فقال بعضهم: ركبا البريد حتى صارا بعبدسي، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها قَالَ: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة، فجعل يأتي بهم الدار، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابين، ويقول:
لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرق الجند عن نفسه، وبقي وحده، فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بْن معاوية، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب العمي فأعجزه.
قَالَ عمر: وحدثني ابن عائشة، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: الذي احتال
(7/625)