Advertisement

تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري 019



الكتاب: تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)
الناشر: دار التراث - بيروت
الطبعة: الثانية - 1387 هـ
عدد الأجزاء: 11
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] فوجد القاسم بن عبيد الله مساغا للقول فيه، وقال للمكتفى: يا امير المؤمنين، قد عرضنا عليه ان نقلده اى النواحي شاء ان يمضى إليها، فأبى الا المجيء الى بابك، وخوفه غائلته، وحرض المكتفي على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر انه قد وكل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشر، ووجه من يحتال في تخليص ابنه هلال واحداره اليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فامر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضى على الشرقيه وامره بالمضي الى بدر ولقائه وتطييب نفسه واعطائه الامان من امير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذكر ان أبا خازم قال له: احتاج الى سماع ذلك من امير المؤمنين حتى اؤديه اليه عنه، فقال له: انصرف حتى استاذن لك في ذلك امير المؤمنين.
ثم دعا بابى عمر محمد بن يوسف، فأمره بمثل الذى امر به أبا خازم، فسارع الى اجابته الى ما امره به، ودفع القاسم بن عبيد الله الى ابى عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر، فلما فصل بدر عن واسط ارفض عنه اصحابه واكثر غلمانه، مثل عيسى النوشرى وختنه يانس المستأمن واحمد بن سمعان ونحرير الصغير، وصاروا الى مضرب المكتفي في الامان فلما كان بعد مضى ليلتين من شهر رمضان من هذه السنه، خرج المكتفي من بغداد الى مضربه بنهر ديالى، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على من صار الى مضربه من الجماعه الذين سميت، وعلى جماعه من القواد والجند ووكل بجماعه منهم، ثم قيد تسعه منهم، وامر بحملهم مقيدين الى السجن الجديد، ولقى- فيما ذكر- ابو عمر محمد بن يوسف بدرا بالقرب من واسط، ودفع اليه الامان وخبره عن المكتفي بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حراقه بدر، وكان قد سيره في الجانب الشرقى وغلمانه الذين بقوا معه في جماعه من الجند وخلق كثير من الأكراد واهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شط دجلة، فاستقر الأمر بين بدر وابى عمر على ان يدخل بدر بغداد سامعا مطيعا،
(10/91)

وعبر بدر دجلة، فصار الى النعمانية، وامر غلمانه واصحابه الذين يقوا معه ان ينزعوا سلاحهم، والا يحاربوا أحدا، واعلمهم ما ورد به عليه ابو عمر من الامان، فبينا هو يسير إذ وافاه محمد بن إسحاق بن كنداج في شذا، ومعه جماعه من الغلمان، فتحول الى الحراقة، وساله بدر عن الخبر، فطيب نفسه، وقال له قولا جميلا، وهم في كل ذلك يؤمرونه، وكان القاسم بن عبيد الله وجهه، وقال له: إذا اجتمعت مع بدر، وصرت معه في موضع واحد، فأعلمني فوجه الى القاسم، واعلمه، فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤا احد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتك لامر، فقال: سمعا وطاعه، فقال له: امض وتسلم بدرا من ابن كنداجيق، وجئني برأسه فمضى في طيار حتى استقبل بدرا ومن معه بين سيب بنى كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار الى الحراقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا باس عليك، فحوله الى طيارة، ومضى به حتى صار به الى جزيرة بالصافية، فاخرجه الى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستله، فلما ايقن بدر بالقتل ساله ان يمهله حتى يصلى ركعتين، فأمهله، فصلاهما، ثم قدمه فضرب عنقه، وذلك في يوم الجمعه قبل الزوال لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ راسه ورجع الى طيارة، واقبل راجعا الى معسكر المكتفي بنهر ديالى وراس بدر معه، وتركت جثته مكانها، فبقيت هنالك ثم وجه عياله من أخذ جثته سرا، فجعلها في تابوت، واخفوها عندهم، فلما كان ايام الموسم حملوها الى مكة، فدفنوها بها- فيما قيل- وكان اوصى بذلك، واعتق قبل ان يقتل مماليكه كلهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميع ماله بعد قتله وورد الخبر على المكتفي بما كان من قتل بدر، لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنه، فرحل منصرفا الى مدينه السلام، ورحل معه من كان معه من الجند، وجيء برأس بدر اليه، فوصل اليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فامر به فنظف، ورفع في الخزانه، ورجع ابو عمر القاضى
(10/92)

الى داره يوم الاثنين كئيبا حزينا، لما كان منه في ذلك، وتكلم الناس فيه، وقالوا: هو كان السبب في قتل بدر، وقالوا فيه اشعارا، فمما قيل فيه منها:
قل لقاضى مدينه المنصور ... بم احللت أخذ راس الأمير!
بعد اعطائه المواثيق والعهد ... وعقد الايمان في منشور
اين ايمانك التي شهد الله ... على انها يمين فجور
ان كفيك لا تفارق كفيه ... الى ان ترى مليك السرير
يا قليل الحياء يا اكذب ... الا مه يا شاهدا شهاده زور
ليس هذا فعل القضاه ولا يحسن ... امثاله ولاه الجسور
اى امر ركبت في الجمعه الزهراء ... من شهر خير خير الشهور
قد مضى من قتلت في رمضان ... صائما بعد سجده التعفير
يا بنى يوسف بن يعقوب اضحى ... اهل بغداد منكم في غرور
بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياه هذا الوزير
فأعد الجواب للحكم العادل ... من بعد منكر ونكير
أنتم كلكم فدا لأبي خازم ... المستقيم كل الأمور
ولسبع خلون من شهر رمضان، حمل زيدان السعيدي الذى كان قدم رسولا من قبل بدر الى المكتفي مع التسعه الأنفس الذين قيدوا من قواد بدر، وسبعه انفس اخر من اصحاب بدر قبض عليهم بعدهم في سفينه مطبقة عليهم، واحدروا مقيدين الى البصره، فحبسوا في سجنها.
وذكر ان لؤلؤا الذى ولى قتل بدر كان غلاما من غلمان محمد بن هارون الذى قتل محمد بن زيد بطبرستان واكرتمش بالري، قدم مع جماعه من غلمان محمد بن هارون على السلطان في الامان.
وفي ليله الاثنين لاربع عشره بقيت من شهر رمضان منها قتل عبد الواحد بن ابى احمد الموفق- فيما ذكر- وكانت والدته- فيما قيل- وجهت معه الى دار مؤنس لما قبض عليه دايه له، ففرق بينه وبين الداية
(10/93)

فمكثت يومين او ثلاثة، ثم صرفت الى منزل مولاتها، فكانت والده عبد الواحد إذا سالت عن خبره قيل لها: انه في دار المكتفي، وهو في عافيه.
وكانت طامعه في حياته، فلما مات المكتفي ايست منه واقامت عليه مأتما
. ذكر باقى الكائن من الأمور الجليله في سنه تسع وثمانين ومائتين
فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب من اسماعيل بن احمد صاحب خراسان على السلطان بخبر وقعه كانت بين اصحابه وبين ابن جستان الديلمى بطبرستان، وان اصحابه هزموه، وقرئ بذلك كتابه بمسجدى الجامع ببغداد وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغاني من اصحاب بدر لما قتل بدر الى ناحيه البادية في جماعه من اصحابه على الخلاف على السلطان، فكانت بينه هنالك وبين ابى الأغر وقعه، هزم فيها ابو الأغر، وقتل من اصحابه ومن قواده عده، ثم اشخص مؤنس الخازن في جمع كثيف الى الكوفه لحرب إسحاق الفرغاني ولسلخ ذي القعده خلع على خاقان المفلحى، وولى معونه الري، وضم اليه خمسه آلاف رجل وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعا كثيره من الاعراب وغيرهم فاتى بهم دمشق، وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن احمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنه، فكانت بين طغج، وبينه وقعات كثيره قتل فيها- فيما ذكر- خلق كثير
. ذكر خبر هذا الرجل الذى ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها
ذكر ان زكرويه بن مهرويه الذى ذكرنا انه كان داعيه قرمط لما تتابع من المعتضد توجيه الجيوش الى من بسواد الكوفه من القرامطة، والح في طلبهم، واثخن فيهم القتلى، وراى انه لا مدفع عن انفسهم عند اهل السواد
(10/94)

ولا غناء، سعى في استغواء من قرب من الكوفه من اعراب اسد وطيّئ وتميم وغيرهم من قبائل الاعراب، ودعاهم الى رايه، وزعم لهم ان من بالسواد من القرامطة يطابقونهم على امره ان استجابوا له فلم يستجيبوا له، وكانت جماعه من كلب تخفر الطريق على البر بالسماوة فيما بين الكوفه ودمشق على طريق تدمر وغيرها، وتحمل الرسل وامتعه التجار على ابلها، فأرسل زكرويه اولاده اليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا الى على بن ابى طالب والى محمد بن اسماعيل بن جعفر، وذكروا انهم خائفون من السلطان، وانهم ملجئون اليهم، فقبلوهم على ذلك، ثم دبوا فيهم بالدعاء الى راى القرمطة، فلم يقبل ذلك احد منهم- اعنى من الكلبيين- الا الفخذ المعروفه ببني العليص ابن ضمضم بن عدى بن جناب ومواليهم خاصه، فبايعوا في آخر سنه تسع وثمانين ومائتين بناحيه السماوه ابن زكرويه المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم، ولقبوه الشيخ، على امر احتال فيهم، ولقب به نفسه، وزعم لهم انه ابو عبد الله ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد وقد قيل: انه زعم انه محمد بن عبد الله بن يحيى وقيل انه زعم انه محمد ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ابن ابى طالب وقيل انه لم يكن لمحمد بن اسماعيل ابن يسمى عبد الله، وزعم لهم ان أباه المعروف بابى محمود داعيه له، وان له بالسواد والمشرق والمغرب مائه الف تابع، وان ناقته التي يركبها مأمورة، وانهم إذا اتبعوها في مسيرها ظفروا وتكهن لهم، واظهر عضدا له ناقصه، وذكر انها آيه، وانحازت اليه جماعه من بنى الأصبغ، وأخلصوا له وتسموا بالفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم سبك الديلمى مولى المعتضد بالله بناحيه الرصافه في غربي الفرات من ديار مضر، فاغتروه وقتلوه، وحرقوا مسجد الرصافه، واعترضوا كل قريه اجتازوا بها حتى اصعدوا الى اعمال الشام التي كان هارون بن خمارويه قوطع عليها، واسند امرها هارون الى طغج بن جف، فأناخ عليها، وهزم كل عسكر لقيه لطغج حتى حصره في مدينه دمشق، فانفذ المصريون اليه بدرا الكبير غلام ابن طولون، فاجتمع مع طغج على محاربته، فواقعهم قريبا من دمشق، فقتل الله عدو الله يحيى بن زكرويه
(10/95)

وكان سبب قتله- فيما ذكر- ان بعض البرابره زرقه بمزراق واتبعه نفاط، فزرقه بالنار فأحرقه، وذلك في كبد الحرب وشدتها، ثم دارت على المصريين الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالي بنى العليص ومن معهم من الاصبغيين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخي الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه، وزعم لهم انه أحمد بْن عبد الله بْن محمد بْن اسماعيل بن جعفر ابن محمد، وهو ابن نيف وعشرين سنه، وقد كان الملقب بالشيخ حمل موالي بنى العليص على صريحهم، فقتلوا جماعه منهم، واستذلوهم، فبايعوا الحسين ابن زكرويه المسمى باحمد بن عبد الله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بعد أخيه، فأظهر شامه في وجهه ذكر انها آيته، وطرا اليه ابن عمه عيسى بن مهرويه المسمى عبد الله، وزعم انه عبد الله بن احمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فلقبه المدثر، وعهد اليه، وذكر انه المعنى في السورة التي يذكر فيها المدثر، ولقب غلاما من اهله المطوق، وقلده قتل اسرى المسلمين، وظهر على المصريين، وعلى جند حمص وغيرها من اهل الشام، وتسمى بامره المؤمنين على منابرها، وكان ذلك كله في سنه تسع وثمانين، وفي سنه تسعين.
وفي اليوم التاسع من ذي الحجه من هذه السنه صلى الناس العصر في قمص الصيف ببغداد، فهبت ريح الشمال عند العصر، فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شده البرد الى الوقود والاصطلاء بالنار، ولبس المحشو والجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء وفيها كانت وقعه بين اسماعيل بن احمد بالري ومحمد بن هارون وابن هارون- فيما قيل- حينئذ في نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمد بن هارون وتقدم اصحابه، وتبعه من اصحابه نحو من الف، ومضوا نحو الديلم، فدخلها مستجيرا بها، ودخل اسماعيل بن احمد الري، وصار زهاء الف رجل- فيما ذكر- ممن انهزم من اصحابه الى باب السلطان وفي جمادى الآخرة منها لاربع خلون منها ولى القاسم بن سيما غزو الصائفه بالثغور الجزرية، واطلق له من المال اثنا وثلاثون الف دينار.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.
(10/96)

ثم دخلت

سنه تسعين ومائتين
(ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمما كان فيها من ذلك توجيه المكتفي رسولا الى اسماعيل بن احمد لليلتين خلتا من المحرم منها بخلع، وعقد ولايه له على الري، وبهدايا مع عبد الله ابن الفتح ولخمس بقين من المحرم منها ورد- فيما ذكر- كتاب على بن عيسى من الرقة، يذكر فيه ان القرمطى بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافى الرقة في جمع كثير، فخرج اليه جماعه من اصحاب السلطان ورئيسهم سبك غلام المكتفي، فواقعوه، فقتل سبك، وانهزم اصحاب السلطان ولست خلون من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بان طغج بن جف اخرج من دمشق جيشا الى القرمطى، عليهم غلام له يقال له بشير، فواقعهم القرمطى، فهزم الجيش وقتل بشيرا ولثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على ابى الأغر ووجه به لحرب القرمطى بناحيه الشام، فمضى الى حلب في عشره آلاف رجل.
ولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على ابى العشائر احمد بن نصر وولى طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكايه اهل الثغور اياه.
وللنصف من جمادى الاولى من هذه السنه، وردت كتب التجار الى بغداد من دمشق مؤرخه لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها ان القرمطى الملقب بالشيخ قد هزم طغج غير مره، وقتل اصحابه الا القليل، وانه قد بقي في قله، وامتنع من الخروج، وانما تجتمع العامه، ثم تخرج للقتال، وانهم قد
(10/97)

أشرفوا على الهلكة، فاجتمعت جماعه من تجار بغداد في هذا اليوم، فمضوا الى يوسف بن يعقوب، فاقرءوه كتبهم، وسألوه المضى الى الوزير ليخبره خبر اهل دمشق، فوعدهم ذلك.
ولسبع بقين من جمادى الاولى احضر دار السلطان ابو خازم ويوسف وابنه محمد، واحضر صاحب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال فارس، ثم عقد المكتفي لطاهر على اعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحملت اليه خلع مع العقد.
وفي جمادى الاولى هرب من مدينه السلام القائد المستأمن المعروف بابى سعيد الخوارزمي، وأخذ نحو طريق الموصل، فكتب الى عبد الله المعروف بغلام نون، وكان يتقلد المعاون بتكريت والاعمال المتصلة بها الى حد سامرا والى الموصل في معارضته واخذه، فزعموا ان عبد الله عارضه، فاختدعه ابو سعيد حتى اجتمعا جميعا على غير حرب، ففتك به ابو سعيد فقتله، ومضى ابو سعيد نحو شهرزور، فاجتمع هو وابن ابى الربيع الكردى، وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان ثم ان أبا سعيد قتل بعد ذلك، وتفرق من كان اجتمع اليه.
ولعشر خلون من جمادى الآخرة، شخص ابو العشائر الى عمله بطرسوس، وخرج معه جماعه من المطوعة للغزو، ومعه هدايا من المكتفي الى ملك الروم.
ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفي بعد العصر عامدا سامرا، مريدا البناء بها للانتقال إليها، فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة، ثم انصرف الى مضارب قد ضربت له بالجوسق، فدعا القاسم بن عبيد الله والقوام بالبناء، فقدروا له البناء وما يحتاج اليه من المال للنفقة عليه، فكثروا عليه في ذلك، وطولوا مده الفراغ مما اراد بناءه، وجعل القاسم يصرفه عن رايه في ذلك، ويعظم امر النفقة في ذلك وقدر مبلغ المال،
(10/98)

فثناه عن عزمه، ودعا بالغداء، فتغدى ثم نام، فلما هب من نومه ركب الى الشط، وقعد في الطيار، وامر القاسم بن عبيد الله بالانحدار.
ورجع اكثر الناس من الطريق قبل ان يصلوا الى سامرا حين تلقاهم الناس راجعين.
ولسبع خلون من رجب خلع على ابنى القاسم بن عبيد الله، فولى الاكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات، والاصغر منهما كتبه ابى احمد بن المكتفي، وكانت هذه الاعمال الى الحسين بن عمرو النصراني، فعزل بهما، وكان القاسم بن عبيد الله اتهم الحسين بن عمرو انه قد سعى به الى المكتفي.
ثم ان الحسين بن عمرو كاشف القاسم بن عبيد الله بحضره المكتفي، فلم يزل القاسم يدبر عليه، ويغلظ قلب المكتفي عليه، حتى وصل الى ما اراد من امره.
وفي يوم الجمعه لاربع عشره بقيت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بمدينه السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، قتله المصريون على باب دمشق، وقد كانت الحرب اتصلت بينه وبين من حاربه من اهل دمشق وجندها ومددهم من اهل مصر، وكسر لهم جيوشا، وقتل منهم خلقا كثيرا، وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملا برحاله، ويلبس ثيابا واسعه ويعتم عمه اعرابيه، ويتلثم، ولم يركب دابه من لدن ظهر الى ان قتل، وامر اصحابه الا يحاربوا أحدا، وان اتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبل نفسه، وقال لهم:
إذا فعلتم ذلك لم تهزموا.
وذكر انه كان إذا اشار بيده الى ناحيه من النواحي التي فيها محاربوه، انهزم اهل تلك الناحية، فاستغوى بذلك الاعراب ولما كان في اليوم الذى قتل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، وانحازوا الى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلب أخاه الشيخ في القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه، وتسمى باحمد بن عبد الله، وتكنى بابى العباس
(10/99)

وعلم اصحاب بدر بعد ذلك بقتل الشيخ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه، ودعا الحسين بن زكرويه الى مثل ما دعا اليه اخوه، فأجابه اكثر اهل البوادى وغيرهم من سائر الناس، واشتدت شوكته وظهر وصار الى دمشق، فذكر ان أهلها صالحوه على خراج دفعوه اليه، ثم انصرف عنهم، ثم سار الى اطراف حمص، فتغلب، عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى بالمهدى، ثم سار الى مدينه حمص، فاطاعه أهلها، وفتحوا له بابها خوفا منه على انفسهم فدخلها، ثم سار منها الى حماه ومعره النعمان وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال ثم سار الى بعلبك فقتل عامه أهلها حتى لم يبق منهم- فيما قيل- الا اليسير، ثم سار الى سلميه فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثم وادعهم واعطاهم الامان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدا بمن فيها من بنى هاشم، وكان بها منهم جماعه فقتلهم، ثم ثنى باهل سلميه فقتلهم اجمعين.
ثم قتل البهائم، ثم قتل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها، وليس بها عين تطرف- فيما قيل- وسار فيما حوالى ذلك من القرى يقتل ويسبى ويحرق ويخيف السبيل.
فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسن انه قال: جاءتني امراه بعد ما ادخل القرمطى صاحب الشامة واصحابه بغداد، فقالت لي: انى اريد ان تعالج شيئا في كتفي، قلت: وما هو؟ قالت: جرح، قلت:
انا كحال، وهاهنا امراه تعالج النساء، وتعالج الجراحات، فانتظرى مجيئها.
فقعدت، ورايتها مكروبه كئيبه باكيه، فسألتها عن حالها، وقلت:
ما سبب جراحتك؟ فقالت: قصتي تطول، فقلت: حدثيني بها وصادقينى، وقد خلا من كان عندي، فقالت: كان لي ابن غاب عنى، وطالت غيبته، وخلف على اخوات له، فضقت واحتجت واشتقت اليه، وكان شخص الى ناحيه الرقة، فخرجت الى الموصل والى بلد والى الرقة، كل ذلك اطلبه، واسال عنه، فلم ادل عليه، فخرجت عن الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطى، فجعلت اطوف واطلبه، فبينا انا كذلك إذ رايته فتعلقت به، فقلت: ابنى! فقال: أمي! فقلت: نعم، قال:
(10/100)

ما فعل أخواتي؟ قلت: بخير، وشكوت ما نالنا بعده من الضيق، فمضى بي الى منزله، وجلس بين يدي، وجعل يسائلني عن أخبارنا، فخبرته، ثم قال:
دعينى من هذا وأخبريني ما دينك؟ فقلت: يا بنى اما تعرفنى! فقال:
وكيف لا اعرفك! فقلت: ولم تسألني من ديني وأنت تعرفنى وتعرف ديني! فقال: كل ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه الان، فاعظمت ذلك وعجبت منه، فلما رآنى كذلك خرج وتركني ثم وجه الى بخبز ولحم وما يصلحني، وقال: اطبخيه، فتركته ولم امسه، ثم عاد فطبخه، واصلح امر منزله، فدق الباب داق، فخرج اليه فإذا رجل يسأله، ويقول له:
هذه القادمة عليك تحسن ان تصلح من امر النساء شيئا؟ فسألني فقلت:
نعم، فقال: امضى معى، فمضيت فأدخلني دارا، وإذا امراه تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت اكلمها، فلا تكلمني، فقال لي الرجل الذى جاء بي إليها:
ما عليك من كلامها، اصلحى امر هذه، ودعى كلامها، فاقمت حتى ولدت غلاما، واصلحت من شانه، وجعلت اكلمها واتلطف بها واقول لها: يا هذه، لا تحتشمينى، فقد وجب حقي عليك، أخبريني خبرك وقصتك ومن والد هذا الصبى، فقالت: تساليننى عن ابيه لتطالبيه بشيء يهبه لك! فقلت: لا، ولكن أحب ان اعلم خبرك، فقالت لي: انى امراه هاشمية- ورفعت راسها، فرايت احسن الناس وجها- وان هؤلاء القوم أتونا، فذبحوا ابى وأمي واخوتى واهلى جميعا، ثم أخذني رئيسهم، فاقمت عنده خمسه ايام، ثم أخرجني، فدفعنى الى اصحابه، فقال: طهروها فأرادوا قتلى، فبكيت وكان بين يديه رجل من قواده، فقال: هبها لي، فقال:
خذها، فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة انفس قيام من اصحابه، فسلوا سيوفهم، وقالوا: لا نسلمها إليك، اما ان تدفعها إلينا، والا قتلناها، وأرادوا قتلى، وضجوا، فدعاهم رئيسهم القرمطى، وسألهم عن خبرهم فخبروه، فقال: تكون لكم اربعتكم، فأخذوني، فانا مقيمه معهم اربعتهم، والله ما ادرى ممن هو هذا الولد منهم!
(10/101)

قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي: هنيه فهناته بالمولود، فأعطاني سبيكة فضه، وجاء آخر وآخر، أهنئ كل واحد منهم فيعطيني سبيكة فضه، فلما كان في السحر جاء جماعه مع رجل وبين يديه شمع، وعليه ثياب خز تفوح منه رائحه المسك، فقالت لي: هنيه، فقمت اليه، فقلت: بيض الله وجهك، والحمد لله الذى رزقك هذا الابن، ودعوت له، فأعطاني سبيكة فيها الف درهم، وبات الرجل في بيت، وبت مع المرأة في بيت، فلما اصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقي، فالله الله في، خلصينى! قالت: مم أخلصك؟ فخبرتها خبر ابنى، وقلت لها: انى جئت راغبه اليه، وانه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضعاف خلفتهن باسوا حال، فخلصينى من هاهنا لاصل الى بناتي، فقالت: عليك بالرجل الذى جاء آخر القوم، فسليه ذلك، فانه يخلصك فاقمت يومى الى ان أمسيت، فلما جاء تقدمت اليه، وقبلت يده ورجله، وقلت:
يا سيدي قد وجب حقي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضعاف فقراء، فان أذنت لي ان امضى فاجيئك ببناتى حتى يخدمنك ويكن بين يديك! فقال: وتفعلين؟ قلت: نعم، فدعا قوما من غلمانه، فقال: امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثم اتركوها وارجعوا.
فحملوني على دابه، ومضوا بي قالت: فبينما نحن نسير، وإذا انا بابني يركض، وقد كنا سرنا عشره فراسخ- فيما خبرني به القوم الذين معى- فلحقني وقال: يا فاعله، زعمت انك تمضين وتجيئين ببناتك! وسل سيفه ليضربني، فمنعه القوم، فلحقني طرف السيف، فوقع في كتفي، وسل القوم سيوفهم، فارادوه، فتنحى عنى وساروا بي حتى بلغوا بي الموضع الذى سماه لهم صاحبهم، فتركوني ومضوا، فتقدمت الى هاهنا وقد طفت لعلاج جرحى، فوصف لي هذا الموضع، فجئت الى هاهنا قالت: ولما قدم امير المؤمنين بالقرمطى وبالأسارى من اصحابه خرجت لانظر اليهم، فرايت ابنى فيهم على جمل،
(10/102)

عليه برنس وهو يبكى وهو فتى شاب، فقلت له: لا خفف الله عنك ولا خلصك! قال المتطبب: فقمت معها الى المتطببة لما جاءت، واوصيتها بها، فعالجت جرحها وأعطتها مرهما، فسالت المتطببة عنها بعد منصرفها، فقالت: قد وضعت يدي على الجرح، وقلت: انفحى، فنفحت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدي، وما أراها تبرا منه، ومضت فلم تعد إلينا.
ولإحدى عشرة بقيت من شوال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد الله على الحسين بن عمرو النصراني، وحبسه، وذلك انه لم يزل يسعى في امره الى المكتفي، ويقدح فيه عنده، حتى امره بالقبض عليه، وهرب كاتب الحسين ابن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازى، فطلب وكبست منازل جيرانه، ونودى: من وجده فله كذا وكذا، فلم يوجد ولسبع بقين منه صرف الحسين بن عمرو الى منزله، على ان يخرج من بغداد.
وفي الجمعه التي بعدها خرج الحسين بن عمرو وحدر الى ناحيه واسط على وجه النفى، ووجد الشيرازى كاتبه لثلاث خلون من ذي القعده.
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة امر المكتفي بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب للشخوص لحرب القرمطى بناحيه الشام، فاطلق للجند في دفعه واحده مائه الف دينار، وذلك ان اهل مصر كتبوا الى المكتفي يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وانه قد اخرب البلاد، وقتل الناس، وما لقوا من أخيه قبله وقتلهما رجالهم، وانه لم يبق منهم الا العدد اليسير.
ولخمس خلون من شهر رمضان اخرجت مضارب المكتفي، فضربت بباب الشماسيه.
ولسبع خلون منه خرج المكتفي في السحر الى مضربه بباب الشماسيه، ومعه قواده وغلمانه وجيوشه.
ولاثنتى عشره ليله من شهر رمضان، رحل المكتفي من مضربه بباب الشماسيه في السحر، وسلك طريق الموصل
(10/103)

وللنصف من شهر رمضان منها مضى ابو الأغر الى حلب، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب، ونزل معه جميع اصحابه، فنزع- فيما ذكر- جماعه من اصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادى يتبردون بمائه، وكان يوما شديد الحر، فبينا هم كذلك إذ وافى جيش القرمطى المعروف بصاحب الشامة، وقد بدرهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وافلت ابو الأغر في جماعه من اصحابه، فدخل حلب، وافلت معه مقدار الف رجل، وكان في عشره آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضم اليه جماعه ممن كان على باب السلطان من قواد الفراغنه ورجالهم، فلم يفلت منهم الا اليسير ثم صار اصحاب القرمطى الى باب حلب، فحاربهم ابو الأغر ومن بقي معه من اصحابه واهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب كانت بينهم، ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتى انتهى الى الرقة، فنزلها، وسرح الجيوش الى القرمطى جيشا بعد جيش.
ولليلتين خلتا من شوال ورد مدينه السلام كتاب من القاسم بن عبيد الله، يخبر فيه ان كتابا ورد عليه من دمشق من بدر الحمامي صاحب ابن طولون، يخبر فيه انه واقع القرمطى صاحب الشامة، فهزمه ووضع في اصحابه السيف، ومضى من افلت منهم نحو البادية، وان امير المؤمنين وجه في اثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القواد.
وورد أيضا في هذه الأيام- فيما ذكر- كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا، يذكر فيه انه كبس حصنا للقرامطه، فظفر بمن فيه.
ولثلاث عشره خلت من ذي القعده منها- فيما ذكر- ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين، يذكر فيه انه واقع قرابه لأبي سعيد الجنابى، وولى عهده من بعده على اهل طاعته، فهزمه وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوجد بعد ما انهزم اصحابه قتيلا بين القتلى، فاحتز راسه، وانه دخل القطيف فافتتحها
(10/104)

ومن كتب صاحب الشامة الى بعض عماله:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه احمد بن عبد الله المهدى المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي الى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله امير المؤمنين وامام المسلمين، ومذل المنافقين خليفه الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنه سيد المرسلين، وولد خير الوصيين، صلى الله عليه وعلى اهل بيته الطيبين، وسلم كثيرا، الى جعفر بن حميد الكردى:
سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا اله الا هو، واساله ان يصلى على جدي محمد رسول الله ص اما بعد، فقد انهى إلينا ما حدث قبلك من اخبار أعداء الله الكفره، وما فعلوه بناحيتك، واظهروه من الظلم والعيث والفساد في الارض، فاعظمنا ذلك، ورأينا ان ننفذ الى ما هناك من جيوشنا من ينقم الله به من اعدائه الظالمين، الذين يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً* وأنفذنا عطيرا داعيتنا وجماعه من المؤمنين الى مدينه حمص، وامددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد اوعزنا اليهم في المصير الى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو ان يجرينا الله فيهم على احسن عوائده عندنا في أمثالهم، فينبغي ان تشد قلبك وقلوب من معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل يعودناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الايمان، وتبادر إلينا باخبار الناحية، وما يتجدد فيها، ولا تخف عنى شيئا من امرها ان شاء الله سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وصلى الله على جدي محمد رسول الله.
وعلى اهل بيته وسلم كثيرا.
نسخه كتاب عامل له إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لعبد اللَّه احمد الامام المهدى المنصور بالله، ثم الصدر كله على مثال نسخه صدر كتابه الى عامله الذى حكينا في الكتاب الذى قبل هذا
(10/105)

الكتاب، الى ولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى اهل بيته الطيبين وسلم كثيرا.
ثم بعد ذلك من عامر بن عيسى العنقائى.
سلام على أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ورحمة اللَّه وبركاته، أَمَّا بَعْدُ اطال الله بقاء امير المؤمنين، وادام الله عزه وتاييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، واسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه اليه، وفضله لديه فقد كان وصل كتاب سيدي امير المؤمنين اطال الله بقاءه، يعلمه فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصوره مع قائد من قواده الى ناحيتنا لمجاهده أعداء الله بنى الفصيص والخائن ابن دحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وباسبابهم وضياعهم، ويأمرني ادام الله عزه عند نظري في كتابه بالنهوض في كل من قدرت عليه من اصحابى وعشائرى للقائهم ومكانفه الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كل ما يومون اليه ويأمرون به، وفهمته، ولم يصل الى هذا الكتاب أعز الله امير المؤمنين حتى وافت الجيوش المنصوره، فنالت طرفا من ناحيه ابن دحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن احمد الداعيه ليلقوه بمدينه افاميه ثم ورد على كتاب مسرور بن احمد في درجه الكتاب الذى اقتصصت ما فيه في صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ من اصحابى وعشيرتي والنهوض الى ما قبله، ويحذرني التخلف عنه وكان ورود كتابه على وقت صح عندنا نزول المارق سبك عبد مفلح مدينه عرقه في زهاء الف رجل، ما بين فارس وراجل وقد شارف بلدنا، واطل على ناحيتنا، وقد وجه احمد بن الوليد عبد امير المؤمنين اطال الله بقاءه الى جميع اصحابه، ووجهت الى جميع اصحابى، فجمعناهم إلينا، ووجهنا العيون الى ناحيه عرقه لنعرف اخبار هذا الخائن، واين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو ان يظفر الله به، ويمكن منه بمنه وقدرته.
ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، واشرافه على بلدنا لما تاخرت في جماعه اصحابى عن النهوض الى مدينه افاميه، لتكون يدي مع أيدي القواد المقيمين بها لمجاهده من بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين واعلمت سيدي امير المؤمنين اطال الله بقاءه السبب في تخلفى عن
(10/106)

مسرور بن احمد، ليكون على علم منه ثم ان أمرني ادام الله عزه بالنفوذ الى افاميه كان نفوذى برايه، وامتثلت ما يأمرني به ان شاء الله اتم الله على امير المؤمنين نعمه وادام عزه وسلامته، وهناه كرامته، والبسه عفوه وعافيته.
والسلام على امير المؤمنين ورحمه الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وعلى اهل بيته الطاهرين الاختيار.
وفيها وجه القاسم بن عبيد الله الجيوش الى صاحب الشامة، وولى حربه محمد بن سليمان الكاتب الذى كان اليه ديوان الجيش، وضم جميع القواد اليه، وامرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرقة في جيش كثيف، وكتب الى من تقدمه من القواد بالسمع له والطاعة وفيها ورد رسولا صاحب الروم، أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفداء بمن في يده من المسلمين اسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم اليه، فأجبنا الى ما سالا، وخلع عليهما.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.
(10/107)

ثم دخلت

سنه احدى وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليله)

ذكر خبر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة
فمن ذلك ما كان من امر الوقعه بين اصحاب السلطان وصاحب الشامة.
ذكر الخبر عن هذه الوقعه:
قال ابو جعفر: قد مضى ذكرى شخوص المكتفي من مدينه السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره الى الرقة، وبثه جيوشه فيما بين حلب وحمص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره امر جيشه وقواده اليه، فلما دخلت هذه السنه كتب وزيره القاسم بن عبيد الله الى محمد ابن سليمان وقواد السلطان يأمره وإياهم بمناهضه ذي الشامة واصحابه، فساروا اليه حتى صاروا الى موضع بينهم وبين حماه- فيما قيل- اثنا عشر ميلا، فلقوا به اصحاب القرمطى في يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم، وكان القرمطى قدم اصحابه وتخلف هو في جماعه من اصحابه، ومعه مال قد كان جمعه، وجعل السواد وراءه، فالتحمت الحرب بين اصحاب السلطان واصحاب القرمطى، واشتدت، فهزم اصحاب القرمطى، وقتلوا، واسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادى، وتبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء لسبع خلون من المحرم فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الفلول والهزيمة حمل- فيما قيل- أخا له يكنى أبا الفضل مالا، وتقدم اليه ان يلحق بالبوادي الى ان يظهر في موضع، فيصير اليه، وركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوق صاحبه وغلام له رومي، وأخذ دليلا، وسار يريد الكوفه عرضا في البريه، حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات،
(10/108)

فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون اليه، فدخل الدالية المعروفه بداليه ابن طوق لشراء حاجه، فأنكروا زيه، وسئل عن امره فمجمج، فاعلم المتولى مسلحه هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بابى خبزه خليفه احمد بن محمد بن كشمرد عامل امير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرحبة وطريق الفرات فركب في جماعه، وسال هذا الرجل عن خبره، فاخبره ان الشامة خلف رابيه هنالك في ثلاثة نفر.
فمضى اليهم، فاخذهم وصار بهم الى صاحبه، فتوجه بهم ابن كشمرد وابو خبزه الى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد ان قتلوا وأسروا جميع من قدروا عليه من أولياء القرمطى واشياعه، وكتب محمد بن سليمان الى الوزير بالفتح:
بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدمت كتبي الى الوزير اعزه الله في خبر القرمطى اللعين واشياعه، بما أرجو ان يكون قد وصل ان شاء الله ولما كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرم رحلت من الموضع المعروف بالقروانه، نحو موضع يعرف بالعليانه، في جميع العسكر من الأولياء، وزحفنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنه والميسره وغير ذلك، فلم ابعد ان وافانى الخبر بان الكافر القرمطى انفذ النعمان ابن أخي اسماعيل بن النعمان احد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلق من الرجاله، وانه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماه اثنا عشر ميلا، فاجتمع اليه جميع من كان بمعره النعمان وبناحيه الفصيصى وسائر النواحي من الفرسان والرجاله، فاسررت ذلك عن القواد والناس جميعا ولم اظهره، وسالت الدليل الذى كان معى عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر انه سته اميال، فتوكلت على الله عز وجل، وتقدمت اليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعا، وسرنا حتى وافيت الكفره، فوجدتهم على تعبئه، ورأينا طلائعهم فلما نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا اليهم، فافترقوا سته كراديس، وجعلوا على ميسرتهم- على ما أخبرني من ظفرت به من رؤسائهم- مسرورا العليصى وأبا الحمل وغلام هارون العليصى، وأبا
(10/109)

العذاب ورجاء وصافى وأبا يعلى العلوي، في الف وخمسمائة فارس، وكمنوا كمينا في أربعمائة فارس خلف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العليصى والمعروف بابى الحطى، والحمارى وجماعه من بطلانهم في الف وأربعمائة فارس وثلاثة آلاف راجل، وفي ميمنتهم كليبا العليصى والمعروف بالسديد العليصى والحسين بن العليصى وأبا الجراح العليصى وحميد العليصى، وجماعه من نظرائهم في الف وأربعمائة فارس، وكمنوا مائتي فارس، فلم يزالوا زفا إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرقين، متوكلين على الله عز وجل وقد استحثثت الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم فلما راى بعضنا بعضا حمل الكردوس الذى كان في ميسرتهم، ضربا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنه، فاستقبلهم الحسين- بارك الله عليه واحسن جزاءه- بوجهه وبموضعه من سائر اصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربا للوجوه، فصرع من الكفار الفجره ستمائه فرس في أول وقعه، وأخذ اصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضه، وولوا مدبرين مفلولين، واتبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حمله وحمله، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعه بعد الجماعه، حتى افناهم الله عز وجل، فلم يفلت منهم الا اقل من مائتي رجل.
وحمل الكردوس الذى كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويمن الخادم ومن كان معهما من بنى شيبان وبنى تميم، فاستقبلوهم بالرماح حتى كسروها فيهم، واعتنق بعضهم بعضا، فقتل من الفجره جماعه كثيره وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفه بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحا لخليفه في ثلاثمائة فارس، وجميع اصحاب خليفه، وهم يعاركون بنى شيبان وتميم، فقتل من الكفره مقتله عظيمه، واتبعوهم، فاخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومائه طوق، وأخذ اصحاب خليفه مثل ذلك، وزحف النعمان ومن معه في القلب إلينا، فحملت ومن معى، وكنت بين القلب والميمنه، وحمل خاقان
(10/110)

ونصر القشورى ومحمد بن كمشجور ومن كان معهم في الميمنه، ووصيف موشكير ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وابنا كيغلغ والمبارك القمي وربيعه بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحي الكبير ووصيف البكتمرى وبشر البكتمرى ومحمد بن قراطغان.
وكان في جناح الميمنه جميع من حمل على من في القلب ومن انقطع ممن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم حتى قتلوا اكثر من خمسه اميال ولما ان تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت ان يكون من الكفار مكيده في الاحتيال على الرجاله والسواد، فوقفت الى ان لحقوني وجمعتهم وجمعت الناس، الى وبين يدي المطرد المبارك، مطرد امير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الاول، وحمل الناس ولم يزل عيسى النوشرى ضابطا للسواد من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجالته على ما رسمته له، لم يزل من موضعه الى ان رجع الناس جميعا الى من كل موضع، وضربت مضربى في الموضع الذى وقفت فيه، حتى نزل الناس جميعا، ولم أزل واقفا الى ان صليت المغرب، حتى استقر العسكر باهله، ووجهت في الطلائع ثم نزلت، واكثرت حمد الله على ما هنانا به من النصر، ولم يبق احد من قواد امير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركه في المناصحة لها الا بلغوها، بارك الله عليهم جميعا! ولما استراح الناس خرجت والقواد جميعا لنقيم خارج العسكر الى ان يصبح الناس خوفا من حيله تقع، واسال الله تمام النعمه وايزاع الشكر، وانا- أعز الله سيدنا الوزير- راحل الى حماه، ثم اشخص الى سلميه بمن الله تعالى وعونه، فمن بقي من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلميه، فانه قد صار إليها منذ ثلاثة ايام، واحتاج الى ان يتقدم الوزير بالكتاب الى جميع القواد وسائر بطون العرب من بنى شيبان وتغلب وبنى تميم، يجزيهم جميعا الخير على ما كان في هذه الوقعه، فما بقي احد منهم- صغير ولا كبير- غاية، والحمد لله على ما تفضل به، واياه اسال تمام النعمه
(10/111)

ولما تقدمت في جمع الرءوس، وجد راس ابى الحمل وراس ابى العذاب وابى البغل وقيل ان النعمان قد قتل، وقد تقدمت في طلبه، وأخذ راسه وحمله مع الرءوس الى حضره امير المؤمنين ان شاء الله.
وفي يوم لاثنين الأربع بقين من المحرم، ادخل صاحب الشامة الى الرقة ظاهرا للناس على فالج، عليه برنس حرير ودراعه ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين.
ثم ان المكتفي خلف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص في خاصته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقة الى بغداد، وحمل معه القرمطى والمدثر والمطوق وجماعه من أسارى الوقعه، وذلك في أول صفر من هذه السنه.
فلما صار الى بغداد عزم- فيما ذكر- على ان يدخل القرمطى مدينه السلام مصلوبا على دقل، والدقل على ظهر فيل، فامر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل، ان كانت اقصر من الدقل، وذلك مثل باب الطاق وباب الرصافه وغيرهما.
ثم استسمج المكتفي- فيما ذكر- فعل ما كان عزم عليه من ذاك، فعمل له دميانه- غلام يا زمان- كرسيا، وركب الكرسي على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعين ونصف ذراع- فيما قيل- ودخل المكتفي مدينه السلام بغداد صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول، وقدم الأسرى بين يديه على جمال مقيدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوق في وسطهم، غلام ما خرجت لحيته، قد جعل في فيه خشبة مخروطه، وشدت الى قفاه كهيئة اللجام، وذلك انه لما ادخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق عليهم، ففعل ذلك به لئلا يشتم إنسانا.
ثم امر المكتفي ببناء دكه في المصلى العتيق من الجانب الشرقى، تكسيرها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشره اذرع، وبنى
(10/112)

لها درج يصعد منها إليها وكان المكتفي خلف مع محمد بن سليمان عساكره بالرقة عند منصرفه الى مدينه السلام، فتلقط محمد بن سليمان من كان في تلك الناحية من قواد القرمطى وقضاته واصحاب شرطه، فاخذهم وقيدهم، وانحدر والقواد الذين تخلفوا معه الى مدينه السلام على طريق الفرات، فوافى باب الأنبار ليله الخميس لاثنتى عشره خلت من شهر ربيع الاول، ومعه جماعه من القواد، منهم خاقان المفلحى ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما.
فامر القواد الذين ببغداد بتلقى محمد بن سليمان والدخول معه، فدخل بغداد وبين يديه نيف وسبعون أسيرا، حتى صار الى الثريا، فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب وسور بسوارين من ذهب، وخلع على جميع القواد القادمين معه، وطوقوا وسوروا وصرفوا الى منازلهم، وامر بالأسرى الى السجن.
وذكر عن صاحب الشامة انه أخذ وهو في حبس المكتفي سكرجة من المائدة التي تدخل اليه فكسرها، وأخذ شظية منها فقطع بها بعض عروق نفسه، فخرج منه دم كثير، ثم شد يده فلما وقف المولى خدمته على ذلك ساله: لم فعل ذلك؟ فقال: هاج بي الدم فاخرجته فترك حتى صلح، ورجعت اليه قوته.
ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الاول امر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة التي امر ببنائها، وخرج من الناس خلق كثير لحضورها، فحضروها، وحضر احمد بن محمد الواثقى وهو يومئذ يلى الشرطه بمدينه السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدكة، فقعدا عليها، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفي معه من الرقة والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان في السجن من القرامطة الذين جمعوا من الكوفه، وقوم من اهل بغداد كانوا على راى القرامطة، وقوم من الرفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة- وكانوا قليلا- فجيء بهم على جمال، واحضروا الدكة، ووقفوا على جمالهم، ووكل بكل رجل منهم عونان، فقيل: انهم كانوا ثلاثمائة ونيفا وعشرين، وقيل ثلاثمائة وستين، وجيء بالقرمطى الحسين بن زكرويه المعروف
(10/113)

بصاحب الشامة، ومعه ابن عمه المعروف بالمدثر على بغل في عمارية، وقد اسبل عليهما الغشاء، ومعهما جماعه من الفرسان والرجاله، فصعد بهما الى الدكة واقعدا، وقدم اربعه وثلاثون إنسانا من هؤلاء الأسارى، فقطعت ايديهم وارجلهم، وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد، كان يؤخذ الرجل فيبطح على وجهه فيقطع يمنى يديه، ويحلق بها الى اسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يسرى يديه، ثم يمنى رجليه، ويرمى بما قطع منه الى اسفل، ثم يقعد فيمد راسه، فيضرب عنقه، ويرمى برأسه وجثته الى اسفل وكانت جماعه من هؤلاء الأسرى قليله يضجون ويستغيثون، ويحلفون انهم ليسوا من القرامطة.
فلما فرغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس- وكانوا من وجوه اصحاب القرمطى- فيما ذكر- وكبرائهم قدم المدثر، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، ثم قدم القرمطى فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى فغشى عليه، ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار، ووضع في خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما، فلما خافوا ان يموت ضربت عنقه، ورفع راسه على خشبة، وكبر من على الدكة وكبر سائر الناس فلما قتل انصرف القواد ومن كان حضر ذلك الموضع للنظر الى ما يفعل بالقرمطى.
واقام الواثقى في جماعه من اصحابه في ذلك الموضع الى وقت العشاء الآخرة، حتى ضرب اعناق باقى الأسرى الذين احضروا الدكة، ثم انصرف.
فلما كان من غد هذا اليوم حملت رءوس القتلى من المصلى الى الجسر، وصلب بدن القرمطى في طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأجساد القتلى في يوم الأربعاء آبار الى جانب الدكة، وطرحت فيها وطمت، ثم امر بعد ايام بهدم الدكة ففعل.
ولاربع عشره خلت من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفا عن عمله بطريق الفرات، ومعه رجل من بنى العليص من اصحاب القرمطى صاحب الشامة، دخل اليه بأمان، وكان احد دعاه القرمطى،
(10/114)

يكنى أبا محمد وكان سبب دخوله في الامان ان السلطان راسله، ووعده الاحسان ان هو دخل في الامان، وذلك انه لم يكن بقي من رؤساء القرامطة بنواحي الشام غيره، وكان من موالي بنى العليص، فر وقت الوقعه الى بعض النواحي الغامضه، فافلت ثم رغب في الدخول في الامان والطاعة خوفا على نفسه، فوافى هو ومن معه مدينه السلام، وهم نيف وستون رجلا، فاومنوا واحسن اليهم، ووصلوا بمال حمل اليهم، واخرج هو ومن معه الى رحبه مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، واجريت لهم الأرزاق، فلما وصل القاسم بن سيما الى عمله وهم معه، أقاموا معه مده، ثم اجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما، وائتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم، فبادرهم ووضع السيف فيهم فابارهم، واسر جماعه منهم، فارتدع من بقي من بنى العليص ومواليهم، وذلوا، ولزموا ارض السماوه وناحيتها مده حتى راسلهم الخبيث زكرويه، واعلمهم ان مما اوحى اليه، ان المعروف بالشيخ وأخاه يقتلان، وان امامه الذى يوحى اليه يظهر بعدهما ويظفر.
[أخبار متفرقة]
وفي يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوج المكتفي ابنه محمدا ويكنى أبا احمد بابنه ابى الحسين القاسم بن عبيد الله على صداق مائه الف دينار وفي آخر جمادى الاولى من هذه السنه ورد- فيما ذكر- كتاب من ناحيه جبى، يذكر فيه ان جبى وما يليها جاءها سيل في واد من الجبل، فغرق نحوا من ثلاثين فرسخا، غرق في ذلك خلق كثير، وغرقت المواشى والغلات، وخرجت المنازل والقرى، واخرج من الغرقى الف ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم وفي يوم الأحد غره رجب خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعه من وجوه القواد، منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وخليفه بن المبارك المعروف بابى الأغر وابنا كيغلغ، وبندقة بن كمشجور وغيرهم من القواد، وامرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سلمان، وخرج محمد بن
(10/115)

سليمان والخلع عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسيه، وعسكر هنالك، وعسكر معه جماعه القواد الذين اخرجوا وبرزوا، وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض الاعمال من هارون بن خمارويه، لما تبين للسلطان من ضعفه وضعف من معه وذهاب رجاله بقتل من قتل منهم القرمطى.
ثم رحل لست خلون من رجب محمد بن سليمان من باب الشماسيه ومن ضم اليه من الرجال، وهم زهاء عشره آلاف رجل، وامر بالجد في المسير.
ولثلاث بقين من رجب قرئ في الجامعين بمدينه السلام كتاب ورد من اسماعيل بن احمد من خراسان، يذكر فيه ان الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير، وانه كان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية، ولا يكون ذلك الا للرؤساء منهم، فوجه اليه برجل من قواده في جيش ضمه اليه، ونودى في الناس بالنفير، فخرج من المطوعة ناس كثير، ومضى صاحب العسكر نحو الترك بمن معه، فوافاهم المسلمون وهم غارون، فكبسوهم مع الصبح، فقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وانصرف المسلمون الى موضعهم سالمين غانمين.
وفي شعبان منها ورد الخبر ان صاحب الروم وجه عشره صلبان معها مائه الف رجل الى الثغور، وان جماعه منهم قصدت نحو الحدث، فأغاروا وسبوا من قدروا عليه من المسلمين، واحرقوا.
وفي شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرحبه على السلطان.
يذكر فيه ان الاعراب الذين استأمنوا الى السلطان واليه من بنى العليص ومواليهم ممن كان مع القرمطى نكثوا وغدروا، وانهم عزموا على ان يكبسوا الرحبه في يوم الفطر، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا من يلحقون، وان يحرقوا وينهبوا، وانى اوقعت عليهم الحيله حتى قتلت منهم واسرت خمسين ومائه نفس، سوى من غرق منهم في الفرات، وانى قادم بالأسرى وفيهم جماعه من رؤسائهم وبرءوس من قتل منهم.
وفي آخر شهر رمضان من هذه السنه ورد كتاب من ابى معدان من الرقة- فيما
(10/116)

قيل- باتصال الاخبار به من طرسوس ان الله اظهر المعروف بغلام زرافه في غزاه غزاها الروم في هذا الوقت بمدينه تدعى انطاليه، وزعموا انها تعادل قسطنطينيه، وهذه المدينة على ساحل البحر، وان غلام زرافه فتحها بالسيف عنوه، وقتل- فيما قيل- خمسه آلاف رجل، واسر شبيها بعدتهم، واستنقذ من الأسارى اربعه آلاف انسان وانه أخذ للروم ستين مركبا، فحملها ما غنم من الفضه والذهب والمتاع والرقيق، وانه قدر نصيب كل رجل حضر هذه الغزاة، فكان الف دينار فاستبشر المسلمون بذلك وبادرت بكتابي هذا ليقف الوزير على ذلك.
وكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.
(10/117)

ثم دخلت

سنه اثنتين وتسعين ومائتين
(ذكر ما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة) فمن ذَلِكَ ما كان من توجيه نزار بن محمد من البصره الى السلطان ببغداد رجلا ذكر انه اراد الخروج على السلطان، وصار الى واسط، وان نزارا وجه في طلبه من قبض عليه بواسط، واحدره الى البصره، وانه أخذ بالبصرة قوما، ذكر انهم بايعوه فوجه نزار جميعهم في سفينه الى بغداد، فوقفوا في فرضه البصريين، ووجه جماعه من القواد الى فرضه البصريين، فحمل هذا الرجل على الفالج، وبين يديه ابن له صبى على جمل، ومعه تسعه وثلاثون إنسانا على جمال، وعلى جماعتهم برانس الحرير ودراريع الحرير، واكثرهم يستغيث ويبكى، ويحلف انه بريء، وانه لا يعرف مما ادعى عليه شيئا، وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا الى دار المكتفي، فامر بردهم، وحبسهم في السجن المعروف بالجديد.
وفي المحرم منها اغار اندرونقس الرومي على مرعش ونواحيها، فنفر اهل المصيصة واهل طرسوس، فاصيب ابو الرجال بن ابى بكار في جماعه من المسلمين.
وفي المحرم منها صار محمد بن سليمان الى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه، ووجه المكتفي دميانه غلام يا زمان من بغداد، وامره بركوب البحر والمضى الى مصر ودخول النيل، وقطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى ودخل النيل حتى وصل الى الجسر، فأقام به، وضيق عليهم وزحف اليهم محمد بن سليمان في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها، فكان أول من خرج اليه بدر الحمامي- وكان رئيس القوم- فكسرهم ذلك، ثم تتابع من يستامن اليه من قواد المصريين وغيرهم، فلما راى ذلك هارون وبقية من معه، زحفوا الى محمد بن سليمان، فكانت بينهم
(10/118)

وقعات- فيما ذكر- ثم وقع بين اصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكتهم، فرماه بعض المغاربه بزانه فقتله.
وبلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو ومن معه الفسطاط، واحتوى على دور آل طولون وأسبابهم، واخذهم جميعا وهم بضعه عشر رجلا، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح، وكانت الوقعه في صفر من هذه السنه.
وكتب الى محمد بن سليمان في اشخاص جميع آل طولون وأسبابهم من القواد، والا يترك أحدا منهم بمصر ولا بالشام، وان يبعث بهم الى بغداد.
ففعل ذلك.
ولثلاث خلون من شهر ربيع الاول منها سقط الحائط الذى على راس الجسر الاول من الجانب الشرقى من الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطى، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط، فطحنه، فلم يوجد بعد منه شيء.
4 وفي شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بان قائدا من قواد المصريين يعرف بالخليجى، يسمى ابراهيم، تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر مع جماعه استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى الى مصر مخالفا للسلطان، وصار معه في طريقه جماعه تحب الفتنة، حتى كثر جمعه فلما صار الى مصر اراد عيسى النوشرى محاربته وكان عيسى النوشرى العامل على المعونة بها يومئذ، فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجي، فانحاز عنه الى الإسكندرية واخلى مصر فدخلها الخليجي وفيها ندب السلطان لمحاربه الخليجي واصلاح امر المغرب فاتكا مولى المعتضد، وضم اليه بدرا الحمامي، وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به، وضم اليه جماعه من القواد وجندا كثيرا.
ولسبع خلون من شوال منها خلع على فاتك وبدر الحمامي لما ندبا اليه من
(10/119)

الخروج الى مصر، وامرا بسرعة الخروج ثم شخص فاتك وبدر الحمامي لاثنتى عشره خلت من شوال.
وللنصف من شوال منها دخل مدينه طرسوس رستم بن بردوا واليا عليها وعلى الثغور الشامية.
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وأول يوم من ذلك كان لست بقين من ذي القعده منها، فكان جمله من فودى به من المسلمين- فيما قيل- ألفا ونحوا من مائتي نفس ثم غدر الروم، فانصرفوا، ورجع المسلمون بمن بقي معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من ابى العشائر والقاضى ابن مكرم، فلما كان من امر اندرونقس ما كان من غارته على اهل مرعش وقتله أبا الرجال وغيره، عزل ابو العشائر وولى رستم، فكان الفداء على يديه، وكان المتولى امر الفداء من قبل الروم رجل يدعى اسطانه.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس ابن محمد.
(10/120)

ثم دخلت

سنه ثلاث وتسعين ومائتين

ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بقين من صفر، بان الخليجي المتغلب على مصر، واقع احمد بن كيغلغ وجماعه من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم اقبح هزيمه، فندب للخروج اليه جماعه من القواد المقيمين بمدينه السلام، فيهم ابراهيم بن كيغلغ، فخرجوا.
ولسبع خلون من شهر ربيع الاول منها، وافى مدينه السلام قائد من قواد طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنا، يعرف بابى قابوس، مفارقا عسكر السجزيه، وذلك ان طاهر بن محمد- فيما ذكر- تشاغل باللهو والصيد، ومضى الى سجستان للصيد والنزهه، فغلب على الأمر بفارس الليث ابن على بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبر الأمر في عمل طاهر والاسم له، فوقع بينهم وبين ابى قابوس تباعد، ففارقهم وصار الى باب السلطان، فقبله السلطان، وخلع عليه وعلى جماعه معه وحباه واكرمه، فكتب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الى السلطان، يسأله رد ابى قابوس اليه، ويذكر انه استكفاه بعض اعمال فارس، وانه جبى المال، وخرج به معه، ويسال ان لم يرد اليه ان يحسب له ما ذهب به من مال فارس مما صودر عليه، فلم يجبه السلطان الى شيء من ذلك
. ذكرا الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه
وفي هذا الشهر من هذه السنه ورد الخبر ان أخا للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر، وانه اجتمع اليه نفر من الاعراب والمتلصصة، فسار بهم نحو دمشق على طريق البر، وعاث بتلك الناحية، وحارب أهلها، فندب للخروج اليه الحسين بن حمدان بن
(10/121)

حمدون، فخرج في جماعه كثيره من الجند، وكان مصير هذا القرمطى الى دمشق في جمادى الاولى من هذه السنه ثم ورد الخبر ان هذا القرمطى صار الى طبرية فامتنعوا من ادخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقتل عامه من بها من الرجال والنساء، ونهبها، وانصرف الى ناحيه البادية.
وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بان الداعيه الذى بنواحي اليمن صار الى مدينه صنعاء، فحاربه أهلها، فظفر بهم، فقتل أهلها، فلم ينفلت منهم الا القليل، وتغلب على سائر مدن اليمن.

عاد الخبر الى ما كان من امر أخي ابن زكرويه
فذكر عن محمد بن داود بن الجراح انه قال: انفذ زكرويه بن مهرويه بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى الزابوقه من عمل الفلوجة، يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمى نصرا ليعمى امره، فدار على احياء كلب يدعوهم الى رايه، فلم يقبله منهم احد سوى رجل من بنى زياد، يسمى مقدام بن الكيال، فانه استغوى له طوائف من الاصبغيين المنتمين الى الفواطم وسواقط من العليصيين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحيه الشام، وعامل السلطان على دمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خليج، الذى كان خالف محمد بن سليمان، ورجع الى مصر، فغلب عليها، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار الى مدينتي بصرى واذرعات من كورتى حوران والبثنية، فحارب أهلها ثم آمنهم، فلما استسلموا قتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واستصفى أموالهم، ثم سار يؤم دمشق، فخرج اليه جماعه ممن كان مرسوما بتشحينها من المصريين كان خلفهم احمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل، فظهروا عليهم، واثخنوا فيهم ثم اغتروهم ببذل الامان لهم، فقتلوا صالحا، وفضوا عسكره، ولم يطمعوا في مدينه دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلها عنها، فقصدوا نحو طبرية مدينه جند الأردن، ولحق بهم جماعه افتتنت من
(10/122)

الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن ابراهيم بن بغامردى عامل احمد بن كيغلغ على الأردن، فكسروه وبذلوا الامان له، ثم غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينه الأردن، وسبوا النساء، وقتلوا طائفه من أهلها، فانفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوها من القواد، فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية، فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوه، وتبعهم الحسين يطلبهم في بريه السماوه، وهم ينتقلون من ماء الى ماء، ويعورونه حتى لجئوا الى الماءين المعروفين بالدمعانه والحاله، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد الى الرحبه واسرى القرامطة مع غاويهم المسمى نصرا الى قريه هيت، فصبحوها وأهلها غارون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب ربضها، وقتل من قدر عليه من أهلها، واحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها، وقتل من اهل البلد- فيما قيل- زهاء مائتي نفس ما بين رجل وامراه وصبى، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، واوقر- فيما قيل- ثلاثة آلاف راحله، كانت معه زهاء مائتي كر حنطه بالمعدل ومن البر والعطر والسقط جميع ما احتاج اليه، واقام بها بقية اليوم الذى دخلها والذى بعده، ثم رحل عنها بعد المغرب الى البريه وانما أصاب ذلك من ربضها، وتحصن منه اهل المدينة بسورها، فشخص محمد بن إسحاق بن كنداجيق الى هيت في جماعه من القواد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطى، ثم تبعه بعد ايام مؤنس الخازن.
وذكر عن محمد بن داود، انه قال: ان القرامطة صبحوا هيت وأهلها غارون، فحماهم الله منه بسورها، ثم عجل السلطان محمد بن إسحاق بن كنداجيق نحوهم، فلم يقيموا بها الا ثلاثا، حتى قرب محمد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمد نحوهم، فوجدهم قد عوروا المياه بينه وبينهم، فانفذت اليه من الحضره الإبل والروايا والزاد وكتب الى الحسين ابن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبه اليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم، فلما احس الكلبيون باشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدو الله
(10/123)

المسمى نصرا، فوثبوا عليه، وفتكوا به، وتفرد بقتله رجل منهم يقال له الذئب ابن القائم، وشخص الى الباب متقربا بما كان منه، ومستأمنا لبقيتهم، فأسنيت له الجائزة، وعرف له ما أتاه، وكف عن طلب قومه، فمكث أياما ثم هرب، وظفرت بطلائع محمد بن إسحاق برأس المسمى بنصر، فاحتزوه وادخلوه مدينه السلام، واقتتلت القرامطة بعده، حتى وقعت بينهما الدماء، فصار مقدام بن الكيال الى ناحيه طيّئ مفلتا بما احتوى عليه من الحطام، وصارت فرقه منهم كرهت أمورهم الى بنى اسد المقيمين بنواحي عين التمر، فجاوروهم وأرسلوا الى السلطان وفدا يعتذرون مما كان منهم، ويسألون اقرارهم في جوار بنى اسد، فأجيبوا الى ذلك، وحصلت على الماءين بقية الفسقه المستبصره في دين القرامطة.
وكتب السلطان الى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث اصولهم، فانفذ زكرويه اليهم داعيه له من اكره اهل السواد يسمى القاسم بن احمد بن على، ويعرف بابى محمد، من رستاق نهر تلحانا، فاعلمهم ان فعل الذئب بن القائم قد اتقره عنهم، وثقل قلبه عليهم، وانهم قد ارتدوا عن الدين، وان وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع له بالكوفه اربعون الف رجل، وفي سوادها أربعمائة الف رجل، وان يوم موعدهم الذى ذكره الله في كتابه في شان موسى كليمه ص، وعدوه فرعون إذ يقول: «مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» وان زكرويه يأمرهم ان يخفوا امرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفه حتى يصبحوها في غداه يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجه سنه ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منها.
وانه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذى كانت رسله تأتيهم به، وان يحملوا القاسم بن احمد معهم فامتثلوا امره، ووافوا باب الكوفه، وقد انصرف الناس عن مصلاهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفه في هذا اليوم- فيما ذكر- ثمانمائه فارس او نحوها، راسهم الذبلانى ابن مهروبه من اهل الصوعر وقيل انه من اهل جنبلاء، عليهم الدروع والجواشن والإله الحسنه، ومعهم جماعه من الرجاله على الرواحل، فاوقعوا
(10/124)

بمن لحقوه من العوام، وسلبوا جماعه، وقتلوا نحوا من عشرين نفسا، وبادر الناس الى الكوفه فدخلوها، وتنادوا السلاح فنهض إسحاق بن عمران في اصحابه، ودخل مدينه الكوفه من القرامطة زهاء مائه فارس من الباب المعروف بباب كنده، فاجتمعت العوام وجماعه من اصحاب السلطان، فرموهم بالحجارة وحاربوهم، والقوا عليهم الستر، فقتل منهم زهاء عشرين نفسا، وأخرجوهم من المدينة، وخرج إسحاق بن عمران ومن معه من الجند، فصافوا القرامطة الحرب وامر إسحاق بن عمران اهل الكوفه بالتحارس لئلا يجد القرامطة غره منهم، فيدخلوا المدينة، فلم يزل الحرب بينهم الى وقت العصر يوم النحر، ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، واصلح اهل الكوفه سورهم وخندقهم، وقاموا مع اصحاب السلطان يحرسون مدينتهم ليلا ونهارا.
وكتب إسحاق بن عمران الى السلطان يستمده، فندب للخروج اليه جماعه من قواده، منهم طاهر بن على بن وزير ووصيف بن صوارتكين التركى والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الافشينى وجنى الصفواني ورائق الخزري.
وضم اليه جماعه من غلمان الحجر وغيرهم فشخص اولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجه، ولم يراس واحد منهم، كل واحد منهم رئيس على اصحابه.
وامر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الاعراب بجمع الاعراب من البوادى بديار مضر وطريق الفرات ودقوقاء وخانيجار وغيرها من النواحي، لينهضوا الى هؤلاء القرامطة إذ كان اصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشام ومصر، فمضت الرسائل بذلك اليهم، فحضروا ثم ورد الخبر فيها بان الذين شخصوا مددا لإسحاق بن عمران خرجوا الى زكرويه في رجالهم، وخلفوا إسحاق بن عمران بالكوفه مع من معه من رجاله ليضبطها، وصاروا الى موضع بينه وبين القادسية اربعه اميال، يعرف بالصور وهي في البريه في العرض، فلقيهم زكرويه هنالك فصافوه يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجه.
وقد قيل كانت الوقعه يوم الأحد لعشر بقين منه، وجعل اصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحوا من ميل، ولم يخلفوا أحدا من المقاتله عنده، واشتدت
(10/125)

الحرب بينهم وكانت الدبره أول هذا اليوم على القرمطى واصحابه حتى كادوا ان يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كمن عليهم كمينا من خلفهم، ولم يشعروا به فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه، وراى اصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا اقبح هزيمه، ووضع القرمطى واصحابه السيف في اصحاب السلطان، فقتلوهم كيف شاءوا، وصبر جماعه من غلمان الحجر من الخزر وغيرهم، وهم زهاء مائه غلام، وقاتلوا حتى قتلوا جميعا بعد نكاية شديده نكوها في القرامطة، واحتوت القرامطة على سواد اصحاب السلطان فحازوه، ولم يفلت من اصحاب السلطان الا من كان في دابته فضل فنجا به، او من اثخن بالجراح، فطرح نفسه في القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعه حتى دخل الكوفه وأخذ للسلطان في هذا السواد، مما كان وجه به مع رجاله من الجمازات، عليها السلاح والإله زهاء ثلاثمائة جمازه، ومن البغال خمسمائة بغل.
وذكر ان مبلغ من قتل من اصحاب السلطان في هذه الوقعه سوى غلمانهم والحمالين ومن كان في السواد الف وخمسمائة رجل، فقوى القرمطى واصحابه بما أخذوا في هذه الوقعه، وتطرف بيادر كانت الى جانبه، فاخذ منها طعاما وشعيرا، وحمله على بغال السلطان الى عسكره، وارتحل من موضع الوقعه نحوا من خمسه اميال في العرض الى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنية، وذلك ان روائح القتلى آذتهم.
وذكر عن محمد بن داود بن الجراح انه قال: وافى باب الكوفه الاعراب الذين كان زكرويه راسلهم، وقد انصرف المسلمون عن مصلاهم مع إسحاق بن عمران، فتفرقوا من جهتين، ودخلوا ابيات الكوفه، وقد ضربوا على القاسم بن احمد داعيه زكرويه قبة، وقالوا: هذا ابن رسول الله ص، ودعوا: يا لثارات الحسين! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينه السلام، وشعارهم: يا احمد يا محمد- يعنون ابنى زكرويه المقتولين.
وأظهروا الاعلام البيض، وقدروا ان يستغووا رعاع الكوفيين بذلك القول، فاسرع إسحاق بن عمران ومن معه المبادره نحوهم، ودفعهم وقتل من ثبت له منهم،
(10/126)

وحضر جماعه من آل ابى طالب، فحاربوا مع إسحاق بن عمران، وحضر جماعه من العامه، فحاربوا فانصرف القرامطة خاسئين، وصاروا الى قريه تدعى العشيره من آخر عمل طسوج السالحين ونهر يوسف مما يلى البر من يومهم، وانفذوا الى عدو الله زكرويه بن مهرويه من استخرجه من نقير في الارض، كان متطمرا فيه سنين كثيره بقرية الدرية واهل قريه الصوعر يتلفونه على ايديهم، ويسمونه ولى الله فسجدوا له لما راوه، وحضر معه جماعه من دعاته وخاصته، واعلمهم ان القاسم بن احمد اعظم الناس عليهم منه، وانه ردهم الى الدين بعد خروجهم منه، وانهم إذا امتثلوا امره انجز مواعيدهم، وبلغهم آمالهم.
ورمز لهم رموزا، وذكر فيها آيات من القرآن، نقلها عن الوجه الذى انزلت فيه، واعترف لزكرويه جميع من رسخ حب الكفر في قلبه، من عربي ومولى ونبطي وغيرهم انه رئيسهم المقدم، وكهفهم وملاذهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيد، ولا يبرزونه لمن في عسكرهم، والقاسم يتولى الأمور دونه، ويمضيها على رايه الى مؤاخر سقى الفرات من عمل الكوفه واعلمهم ان اهل السواد قاطبه خارجون اليه، فأقام هنالك نيفا وعشرين يوما، يبث رسله في السواديين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين الا من لحقته الشقوة، وهم زهاء خمسمائة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرب اليه السلطان الجنود، وكتب الى كل من كان نفذ نحو الأنبار وهيت لضبطها خوفا من معاوده المقيمين، كانوا بالمائين إليها بالانصراف نحو الكوفه، فعجل اليهم جماعه من القواد منهم، بشر الافشينى وجنى الصفواني ونحرير العمرى، ورائق فتى امير المؤمنين والغلمان الصغار المعروفين بالحجريه، فاوقعوا بأعداء الله بقرب قريه الصوعر، فقتلوا رجالتهم وجماعه من فرسانهم، وأسلموا بيوتهم في ايديهم، فدخلوها، وتشاغلوا بها، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم وذكر عن بعض من ذكر انه حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح، وقد ادخل اليه قوم من القرامطة، منهم سلف زكرويه، فكان مما حدثه ان قال: كان زكرويه مختفيا في منزلي في سرداب في دارى عليه باب حديد،
(10/127)

وكان لنا تنور ننقله، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنور على باب السرداب، وقامت امراه تسجره، فمكث كذلك اربع سنين، وذلك في ايام المعتضد وكان يقول: لا اخرج والمعتضد في الأحياء ثم انتقل من منزلي الى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى باب البيت الذى هو فيه، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ انفذ الدعاه، وعمل في الخروج.
ولما ورد خبر الوقعه التي كانت بين القرمطى واصحاب السلطان بالصوعر على السلطان والناس، اعظموه، وندب للخروج الى الكوفه من ذكرت من القواد، وجعلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كنداج، وضم اليه جماعه من اعراب بنى شيبان والنمر زهاء الفى رجل، وأعطوا الأرزاق.
[أخبار متفرقة]
ولاثنتى عشره بقيت من جمادى الاولى قدم بغداد من مكة جماعه نحو العشرة، فصاروا الى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش الى بلدهم، لانهم على خوف من الخارج بناحيه اليمن ان يطأ بلدهم، إذ كان قد قرب منها بزعمهم.
وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتاب ورد على السلطان، ان اهل صنعاء وغيرهم من مدن اليمن اجتمعوا على الخارجي الذى كان تغلب عليها، فحاربوه وهزموه، وفلوا جموعه، فانحاز الى موضع من نواحي اليمن، ثم خلع السلطان لثلاث خلون من شوال على مظفر ابن حاج، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاج لخمس خلون من ذي القعده، ومضى الى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات.
ولسبع بقين من رجب من هذه السنه، اخرج مضرب المكتفي، فضرب بباب الشماسيه على ان يخرج الى الشام بسبب ابن الخليج، فوردت خريطة لست بقين منه من مصر من قبل فاتك، يذكر انه والقواد زحفوا الى الخليجي، وكانت بينهم حروب كثيره، وان آخر حرب جرت بينهم وبينه قتل فيها اكثر اصحابه،
(10/128)

ثم انهزم الباقون، فظفروا بهم، واحتووا على معسكرهم، فهرب الخليجي حتى دخل الفسطاط، فاستتر بها عند رجل من اهل البلد، ودخل الأولياء الفسطاط.
فلما استقروا بها دل على الخليجي، وعلى من كان استتر معه ممن شايعه، فقبض عليهم وحبسهم قبله، فكتب الى فاتك في حمل الخليجي ومن أخذ معه الى مدينه السلام، فردت مضارب المكتفي التي اخرجت الى باب الشماسه، ووجه في رد خزائنه، فردت وقد كانت جاوزت تكريت.
ثم وجه فاتك بالخليجى من مصر وجماعه ممن اسر معه مع بشر مولى محمد بن ابى الساج الى مدينه السلام.
فلما كان في يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنه ادخل مدينه السلام من باب الشماسيه، وقدم بين يديه احدى وعشرون رجلا على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينك- فيما قيل- وابن اشكال الذى كان صار الى السلطان من عسكر عمرو الصفار في الامان، وصندل المزاحمى الخادم الأسود.
فلما وصل الخليجي الى المكتفي، فنظر اليه امر بحبسه في الدار، وامر بحبس الآخرين في الحديد، فوجه بهم الى ابن عمرويه، وكانت اليه الشرطه ببغداد، ثم خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خلعا، لحسن تدبيره في هذا الفتح، وخلع على بشر الافشينى.
ولخمس خلون من شوال ادخل بغداد راس القرمطى المسمى نصرا الذى كان انتهب هيت منصوبا على قناه ولسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينه السلام ان الروم أغاروا على قورس، فقاتلهم أهلها، فهزموهم، وقتلوا اكثرهم، وقتلوا رؤساء بنى تميم، ودخلوا المدينة، واحرقوا مسجدها، واستاقوا من بقي من أهلها.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.
(10/129)

ثم دخلت

سنه اربع وتسعين ومائتين

ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليله
فمما كان فيها من ذلك دخول ابن كيغلغ طرسوس غازيا في أول المحرم، وخرج معه رستم، وهي غزاه رستم الثانيه، فبلغوا سلندو، ففتح الله عليهم، وصاروا الى آلس، فحصل في ايديهم نحو من خمسه آلاف راس، وقتلوا من الروم مقتله عظيمه، وانصرفوا سالمين
. خبر زكرويه بن مهرويه القرمطى
ولاثنتى عشره خلت من المحرم ورد الخبر مدينه السلام ان زكرويه بن مهرويه القرمطى ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاج، وانه وافى موضعا بينه وبين واقصه اربعه اميال.
وذكر عن محمد بن داود انهم مضوا في البر من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمى سلمان وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاج ينتظر القافلة الاولى، ووافت القافلة واقصه لست- او سبع- خلون من المحرم، فانذرهم اهل المنزل، واخبروهم ان بينهم وبينهم اربعه اميال.
فارتحلوا ولم يقيموا، فنجوا وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الربعي وسيما الابراهيمى، فلما امعنت القافلة في السير صار القرمطى الى واقصه، فسألهم عن القافلة فاخبروه انها لم تقم بواقصه، فاتهمهم بإنذارهم إياهم، فقتل من العلافين بها جماعه، واحرق العلف، وتحصن أهلها في حصنهم، فأقام بها أياما، ثم ارتحل عنها نحو زبالة.
وذكر عن محمد بن داود انه قال: ان العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطف، ثم انصرفت عنه لما علمت بمكانه بسلمان، ونفذ علان بن كشمرد مع قطعه من فرسان الجيش متجرده على طريق جاده مكة نحو زكرويه، حتى نزلوا السبال، فمضى نحو واقصه حتى نزلها بعد ان جازت القافلة
(10/130)

الاولى، ومر زكرويه في طريقه بطوائف من بنى اسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاج المنصرفين عن مكة، وقصد الجادة نحوهم.
ووافى خبر الطير من الحوفه لاربع عشر بقيت من المحرم من هذه السنه بان زكرويه اعترض قافلة الخراسانيه يوم الأحد لإحدى عشره خلت من المحرم بالعقبه من طريق مكة، فحاربوه حربا شديدا، فساءلهم: وقال: افيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاج، فقال لهم: فامضوا فلست أريدكم فلما سارت القافلة تبعها فاوقع بها، وجعل اصحابه ينخسون الجمال بالرماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت، واختلطت القافلة، وأكب اصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاءوا، فقتلوا الرجال والنساء، وسبوا من النساء من أرادوا، واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقى بعض من افلت من هذه القافلة علان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فاعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانيه، وقال له: ما بينك وبين القوم الا قليل، والليلة او في غد توافى القافلة الثانيه، فان رأوا علما للسلطان قويت انفسهم والله الله فيهم! فرجع علان من ساعته، وامر من معه بالرجوع، وقال: لا اعرض اصحاب السلطان للقتل، ثم اصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانيه.
وقد كان السلطان كتب الى رؤساء القافلتين الثانيه والثالثه ومن كان فيهما من القواد والكتاب مع جماعه من الرسل الذين تنكبوا طريق الجادة بخبر الفاسق وفعله بالحاج، ويأمرهم بالتحرز منه، والعدول عن الجادة نحو واسط والبصره، او الرجوع الى فيد او الى المدينة، الى ان يلحق بهم الجيوش.
ووصلت الكتب اليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا وتقدم اهل القافلة الثانيه وفيها المبارك القمي واحمد بن نصر العقيلي واحمد بن على بن الحسين الهمذاني، فوافوا الفجره، وقد رحلوا عن واقصه، وعوروا مياهها، وملئوا بركها وبئارها بجيف الإبل والدواب التي كانت معهم، مشققه بطونها، ووردوا منزل العقبه في يوم الاثنين لاثنتى عشره خلت من المحرم، فحاربهم اصحاب القافلة الثانيه وكان ابو العشائر مع اصحابه في أول القافلة ومبارك القمي فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حرب شديده حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجره من ساقتهم غره، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب ابلهم
(10/131)

وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، الا من استعبدوه ثم انفذوا الى ما دون العقبه باميال فوارس لحقوا المفلته من السيف، فأعطوهم الامان، فرجعوا فقتلوهم اجمعين، وسبوا من النساء ما أحبوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة وقتل المبارك القمي والمظفر ابنه، واسر ابو العشائر، وجمع القتلى، فوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتل العظيم ثم قطعت يدا ابى العشائر ورجلاه، وضربت عنقه، واطلق من النساء من لم يرغبوا فيه، وافلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا، فمنهم من مات، ومنهم من نجا وهم قليل وكان نساء القرامطة يطفن مع صبيانهم في القتلى يعرضون عليهم الماء، فمن كلمهم أجازوا عليه.
وقيل انه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين الف رجل، قتل جميعهم غير نفر يسير ممن قوى على العدو، فنجا بغير زاد ومن وقع في القتل وهو مجروح، وافلت بعد، او من استعبدوه لخدمتهم.
وذكر ان الذى أخذوا من المال والأمتعة الفاخره في هذه القافلة قيمه الفى الف دينار.
وذكر عن بعض الضرابين انه قال: وردت علينا كتب الضرابين بمصر انكم في هذه السنه تستغنون، قد وجه آل ابن طولون والقواد المصريون الذين أشخصوا الى مدينه السلام، ومن كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر الى مدينه السلام، وقد سبكوا آنيه الذهب والفضه والحلى نقارا، وحمل الى مكة ليوافوا به مدينه السلام مع الحاج، فحمل في القوافل الشاخصه الى مدينه السلام، فذهب ذلك كله.
وذكر ان القرامطة بينا هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الاثنين، إذ اقبلت قافلة الخراسانيه، فخرج اليهم جماعه من القرامطة، فواقعوهم، فكان سبيلهم سبيل هذه فلما فرغ زكرويه من اهل القافلة الثانيه من الحاج.
وأخذ أموالهم، واستباح حريمهم، رحل من وقته من العقبه بعد ان ملا البرك والابار بها بالجيف من الناس والدواب وكان ورد خبر قطعه على القافلة
(10/132)

الثانيه من قوافل السلطان مدينه السلام في عشيه يوم الجمعه لاربع عشره بقيت من المحرم، فعظم ذلك على الناس جميعا وعلى السلطان، وندب الوزير العباس بن الحسن بن أيوب محمد بن داود بن الجراح الكاتب المتولى دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج الى الكوفه، والمقام بها لانفاذ الجيوش الى القرمطى فخرج من بغداد لإحدى عشره بقيت من المحرم، وحمل معه اموالا كثيره لاعطاء الجند.
ثم سار زكرويه الى زبالة فنزلها، وبث الطلائع امامه ووراءه خوفا من اصحاب السلطان المقيمين بالقادسية ان يلحقوه، ومتوقعا ورود القافلة الثالثه التي فيها الأموال والتجار ثم سار الى الثعلبية، ثم الى الشقوق، واقام بها بين الشقوق والبطان في طرف الرمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثه، وفيها من القواد نفيس المولدى وصالح الأسود، ومعه الشمسه والخزانه وكانت الشمسه جعل فيها المعتضد جوهرا نفيسا.
وفي هذه القافلة، كان ابراهيم ابن ابى الاشعث- واليه كان قضاء مكة والمدينة وامر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه- وميمون بن ابراهيم الكاتب- وكان اليه امر ديوان زمام الخراج والضياع- واحمد بن محمد بن احمد المعروف بابن الهزلج، والفرات بن احمد بن محمد بن الفرات، والحسن بن اسماعيل قرابه العباس بن الحسن- وكان يتولى بريد الحرمين- وعلى بن العباس النهيكى.
فلما صار اهل هذه القافلة الى فيد بلغهم خبر الخبيث زكرويه واصحابه، وأقاموا بفيد أياما ينتظرون تقويه لهم من قبل السلطان، وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق الى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد.
ثم سار زكرويه الى فيد، وبها عامل السلطان، يقال له حامد بن فيروز، فالتجا منه حامد الى احد حصنيها في نحو من مائه رجل كانوا معه في المسجد، وشحن الحصن الآخر بالرجال، فجعل زكرويه يراسل اهل فيد، ويسألهم ان يسلموا اليه عاملهم ومن فيها من الجند، وانهم ان فعلوا ذلك آمنهم فلم
(10/133)

يجيبوه الى ما سال ولما لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء.
قال: فلما راى انه لا طاقه له بأهلها، تنحى فصار الى النباج، ثم الى حفير ابى موسى الأشعري.
وفي أول شهر ربيع الاول انهض المكتفي وصيف بن صوارتكين- ومعه من القواد جماعه- فنفذوا من القادسية على طريق خفان، فلقيه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الاول، فاقتتلوا يومهم، ثم حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثم عاودهم الحرب، فقتل جيش السلطان منهم مقتله عظيمه، وخلصوا الى عدو الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مول ضربه اتصلت بدماغه فاخذ أسيرا وخليفته وجماعه من خاصته واقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره.
وعاش زكرويه خمسه ايام ثم مات، فشق بطنه، ثم حمل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حيا في يديه من اسرى الحاج.
[أخبار متفرقة]
وفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من العدو اربعه آلاف راس سبى ودواب ومواشى كثيره ومتاعا ودخل بطريق من البطارقه اليه في الامان، واسلم وكان شخوصه من طرسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنه.
وفيها كاتب اندرونقس البطريق السلطان يطلب الامان، وكان على حرب اهل الثغور من قبل صاحب الروم، فاعطى ذلك، فخرج، واخرج نحوا من مائتي نفس من المسلمين كانوا اسرى في حصنه، وكان صاحب الروم قد وجه اليه من يقبض عليه، فاعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه اسرى السلاح، واخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البطريق الموجه اليه للقبض عليه ليلا، فقتلوا ممن معه خلقا كثيرا، وغنموا ما في عسكره وكان رستم قد خرج في اهل الثغور في جمادى الاولى قاصدا اندرونقس ليتخلصه، فوافى رستم قونيه بعقب الوقعه وعلم البطارقه بمسير المسلمين اليهم فانصرفوا، ووجه اندرونقس ابنه الى رستم، ووجه رستم كاتبه وجماعه من البحريين،
(10/134)

فباتوا في الحصن، فلما أصبحوا خرج اندرونقس وجميع من معه من أسارى المسلمين، ومن صار اليهم منهم، ومن وافقه على رايه من النصارى، واخرج ماله ومتاعه الى معسكر المسلمين، وخرب المسلمون قونيه، ثم قفلوا الى طرسوس واندرونقس وأسارى المسلمين ومن كان مع اندرونقس من النصارى.
وفي جمادى الآخرة منها كانت بين اصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعه من اصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعه التي اصابه فيها ما اصابه، وأخذوا طريق الفرات يريدون الشام، فاوقع بهم وقعه، فقتل جماعه منهم، اسر جماعه من نسائهم وصبيانهم.
وفيها وافى رسل ملك الروم احدهم خال ولده اليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعه باب الشماسيه بكتاب منه الى المكتفي يسأله الفداء بمن في بلاده من المسلمين، من في بلاد الاسلام من الروم، وان يوجه المكتفي رسولا الى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على امر يتفقان عليه، ويتخلف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع اليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيرهم مع صاحب السلطان الى موضع الفداء فأقاموا بباب الشماسيه أياما، ثم ادخلوا بغداد ومعهم هديه من صاحب الروم عشره من أسارى المسلمين، فقبلت منهم واجيب صاحب الروم الى ما سال.
وفيها أخذ رجل بالشام- زعم انه السفياني- فحمل هو وجماعه معه من الشام الى باب السلطان، فقيل انه موسوس.
وفيها أخذ الاعراب بطريق مكة رجلين يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذكر ان المعروف بالمنتقم منهما أخو امراه زكرويه، فدفعوهما الى نزار بالكوفه، فوجههما نزار الى السلطان، فذكر عن الاعراب انهما كانا صارا إليهما يدعوانهم الى الخروج على السلطان.
وفيها وجه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلا يعرف بالكيال مع
(10/135)

ستين رجلا من اصحابه الى السلطان كانوا استأمنوا اليه من اصحاب زكرويه.
وفيها وصل الى بغداد اندرونقس البطريق وفيها كانت وقعه بين الحسين بن حمدان واعراب كليب والنمر واسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب وفيها حاصر اعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفيد، وكان وجه أميرا على الموسم، فحوصر ثلاثة ايام، ثم خرج اليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الاعراب ورحل وصيف من فيد بمن معه من الحاج.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(10/136)

ثم دخلت

سنه خمس وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن ابراهيم المسمعي عن مدينه أصبهان الى قريه من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشره آلاف من الأكراد وغيرهم- فيما ذكر- اليه مظهرا الخلاف على السلطان فامر بدر الحمامي بالشخوص اليه، وضم اليه جماعه من القواد ونحو من خمسه آلاف من الجند وفيها كانت وقعه للحسين بن موسى على اعراب طيّئ الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين على غره منهم، فقتل من رجالهم- فيما قيل- سبعين، واسر من فرسانهم جماعه.
وفيها توفى ابو ابراهيم اسماعيل بن احمد عامل خراسان وما وراء النهر في صفر منها، لاربع عشره خلت منه، وقام ابنه احمد بن اسماعيل بن احمد في عمل ابيه مقامه، وولى اعمال ابيه وذكر ان المكتفي لاربع ليال خلون من شهر ربيع الآخر قعد، فعقد بيده لواء ودفعه الى طاهر بن على بن وزير، وخلع عليه وامره بالخروج باللواء الى احمد بن اسماعيل.
وفيها وجه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب الى عبد الله بن ابراهيم المسمعي، وكتب اليه يخوفه عاقبه الخلاف اليه، فتوجه اليه، فلما صار اليه ناظره، فرجع الى طاعه السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفه، ومعه منصور بن عبد الله، حتى صار الى باب السلطان، فرضى عنه المكتفي، ووصله وخلع عليه وعلى ابنه.
وفيها اوقع الحسين بن موسى بالكردى المتغلب كان على نواحي الموصل، فظفر باصحابه، واستباح عسكره وأمواله، وافلت الكردى فتعلق بالجبال فلم يدرك
(10/137)

وفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيسا من رؤسائهم يعرف بالحكيمى وفيها لثلاث عشره ليله بقيت من جمادى الآخرة امر خاقان المفلحى بالشخوص الى اذربيجان لحرب يوسف بن ابى الساج، وضم اليه نحو اربعه آلاف رجل من الجند ولثلاث عشره بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول ابى مضر زياده الله بن الاغلف، ومعه فتح الأعجمي، ومعه هدايا وجه بها الى المكتفي.
وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعده، وكانت عده من فودى به من الرجال والنساء ثلاثمائه آلاف نفس.
وفي ذي القعده لاثنتى عشره ليله خلت منها توفى المكتفي بالله، وكانت خلافته ست سنين وسته اشهر وتسعه عشر يوما، وكان يوم توفى ابن اثنتين وثلاثين سنه يومئذ، وكان ولد سنه اربع وستين ومائتين، ويكنى أبا محمد، وأمه أم ولد تركية تسمى جيجك وكان ربعه جميلا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر الحمه، وافر اللحية.
(10/138)

خلافه المقتدر بالله
ثم بويع جعفر بن المعتضد بالله، ولما بويع جعفر بن المعتضد لقب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشره سنه وشهر واحد واحد وعشرين يوما وكان مولده ليله الجمعه لثمان بقين من شهر رمضان من سنه اثنتين وثمانين ومائتين، وكنيته ابو الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شغب، فذكر كان في بيت المال يوم بويع خمسه عشر الف الف دينار ولما بويع المقتدر غسل المكتفي وصلى عليه، ودفن في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر.
وفيها كانت بين عج بن حاج والجند وقعه في اليوم الثانى من ايام منى، قتل فيها جماعه، وجرح منهم، بسبب طلبهم جائزه بيعه المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى الى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب ابى عدنان ربيعه بن محمد بمنى.
وكان احد أمراء القوافل، وأصاب المنصرفين من مكة في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش امر غليظ، مات من العطش- فيما قيل- منهم جماعه وسمعت بعض من يحكى ان الرجل كان يبول في كفه، ثم يشربه.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(10/139)

ثم دخلت

سنه ست وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعه من القواد والكتاب والقضاه على خلع المقتدر، وتناظرهم فيمن يجعل في موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتز وناظروه في ذلك، فأجابهم الى ذلك على الا يكون في سفك ذلك دم ولا حرب، فاخبروه ان الأمر يسلم اليه عفوا، وان جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وكان الراس في ذلك محمد بن داود ابن الجراح وابو المثنى احمد بن يعقوب القاضى، وواطا محمد بن داود بن الجراح جماعه من القواد على الفتك بالمقتدر والبيعه لعبد الله بن المعتز، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم فلما راى العباس امره مستوثقا له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذى تولى قتله بدر الأعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول.
ولما كان من غد هذا اليوم- وذلك يوم الأحد- خلع المقتدر القواد والكتاب وقضاه بغداد، وبايعوا عبد الله بن المعتز، ولقبوه الراضي بالله.
وكان الذى أخذ له البيعه على القواد وتولى استحلافهم والدعاء باسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش.
وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديده من غدوه الى انتصاف النهار.
وفيه انفضت الجموع التي كان محمد بن داود جمعها لبيعه ابن المعتز عنه، وذلك ان الخادم الذى يدعى مؤنسا حمل غلمانا من غلمان الدار في شذوات،
(10/140)

فصاعد بها وهم فيها في دجلة، فلما حاذوا الدار التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم، ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا، وهرب من في الدار من الجند والقواد والكتاب، وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا بانه منع من المصير اليه، واختفى بعضهم فأخذوا وقتلوا وانتهب العامه دور ابن داود والعباس بن الحسن، وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ.
وفي يوم السبت لاربع بقين من شهر ربيع الاول منها سقط الثلج ببغداد من غدوه الى قدر صلاه العصر، حتى صار في الدور والسطوح منه نحو من اربعه أصابع، وذكر انه لم ير ببغداد مثل ذلك قط.
وفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الاول منها، سلم محمد بن يوسف القاضى ومحمد بن عمرويه وابو المثنى وابن الجصاص والأزرق كاتب الجيش في جماعه غيرهم الى مؤنس الخازن، فترك أبا المثنى في دار السلطان، ونقل الآخرين الى منزله، فافتدى بعضهم نفسه، وقتل بعضهم، وشفع في بعض فاطلق.
وفيها كانت وقعه بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وسبكرى غلام عمرو بن الليث، فاسر سبكرى طاهرا، ووجهه مع أخيه يعقوب بن محمد الى السلطان وفيها وجه القاسم بن سيما مع جماعه من القواد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتى صار الى قرقيسيا والرحبه والدالية، وكتب الى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه، فالتقى هو واخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تكريت والسودقانيه بالجانب الغربي من دجلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الامان، فاعطى ذلك ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافى الحسين بن حمدان بغداد، فنزل باب حرب، ثم صار الى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان.
ولست بقين من جمادى الآخرة، خلع على ابن دليل النصراني كاتب يوسف
(10/141)

ابن ابى الساج ورسوله، وعقد ليوسف بن ابى الساج على المراغه واذربيجان، وحملت اليه الخلع، وامر بالشخوص الى عمله.
وللنصف من شعبان منها خلع على مؤنس الخادم، وامر بالشخوص الى طرسوس لغزو الصائفه، فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعه من القواد وغلمان الحجر.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(10/142)

ثم دخلت

سنه سبع وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزو مؤنس الخادم الصائفه بلاد الروم من ثغر ملطيه في جيش كثيف، ومعه ابو الأغر السلمى وظفر بالروم، واسر اعلاجا في آخر سنه ست وتسعين ومائتين، وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرم.
وفيها صار الليث بن على بن الليث الصفار الى فارس في جيش، فتغلب عليها، وطرد عنها سبكرى، وذلك بعد ما ولى السلطان سبكرى بعد ما بعث سبكرى طاهر بن محمد الى السلطان أسيرا، فامر المقتدر مؤنسا الخادم بالشخوص الى فارس لحرب الليث بن على، فشخص إليها في شهر رمضان منها.
وفيها وجه أيضا المقتدر القاسم بن سيما لغزوه الصائفه ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها.
وفيها كانت بين مؤنس الخادم والليث بن على بن الليث وقعه هزم فيها الليث، ثم اسر وقتل من اصحابه جماعه كثيره، واستامن منهم الى مؤنس جماعه كثيره، ودخل اصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلب عليها.
واقام الحج فيها للناس الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبيد الله ابن العباس بن محمد.
(10/143)

ثم دخلت

سنه ثمان وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما ارض الروم الصائفه.
وفيها وجه المقتدر وصيف كامه الديلمى في جيش وجماعه من القواد لحرب سبكرى غلام عمرو بن الليث وفيها كانت بين سبكرى ووصيف كامه وقعه هزمه فيها وصيف، واخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستامن اليه من اصحاب سبكرى جماعه كثيره، فاسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سبكرى هاربا الى احمد بن اسماعيل بن احمد بما معه من الأموال والذخائر فاخذ ما معه اسماعيل بن احمد، وقبض عليه فحبسه.
وفيها كانت بين احمد بن اسماعيل بن احمد ومحمد بن على بن الليث وقعه بناحيه بست والرخج، اسره فيها احمد بن اسماعيل.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
(10/144)

ثم دخلت

سنه تسع وتسعين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن برود الصائفه من ناحيه طرسوس.
وهو والى الثغور من قبل بنى نفيس، ومعه دميانه فحاصر حصن مليح الأرمني، ثم رحل عنه، واحرق ارباض ذي الكلاع وفيها ورد رسول احمد بن اسماعيل بن احمد بكتاب منه الى السلطان يخبر فيه انه فتح سجستان، وان اصحابه دخلوها، واخرجوا من كان بها من اصحاب الصفار، وان المعدل بن على بن الليث صار اليه بمن معه من اصحابه في الامان، وكان المعدل يومئذ مقيما بزرنج، فصار الى احمد بن اسماعيل وهو مقيم ببست والرخج، فوجه به ابن اسماعيل وبعياله ومن معه الى هراة، وبين سجستان وبست الرخج ستون فرسخا، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر.
وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغر- وهو أيضا احد قواد زكرويه- مستأمنا.
وفي ذي الحجه منها غضب على على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه، وحبس ووكل بدوره ودور اهله وأخذ كل ما وجد له ولهم، وانتهت دوره ودور بنى اخوته وأهلهم، واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
(10/145)

ثم دخلت

سنه ثلاثمائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على برقه، وهي من عمل مصر، الى ما خلفها باربع فراسخ، ثم ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجى خرج عليه، وانه ظفر بعسكره، وقتل خلقا من اصحابه، ومعه آذان وانوف من قتله في خيوط واعلام من اعلام الخارجي وفي هذه السنه كثرت الامراض والعلل ببغداد في الناس، وذكر ان الكلاب والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدواب والبهائم، فإذا عضت إنسانا اهلكته.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(10/146)

ثم دخلت

سنه احدى وثلاثمائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه اياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره على بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرا وفيها كثر أيضا الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سموه حنينا، ومنه نوع سموه الماسرا، فاما الحنين فكانت سليمه، واما الماسرا فكانت طاعونا قتاله وفيها احضر دار الوزير على بن عيسى رجل- ذكر انه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد- مشعوذ، ومعه صاحب له، سمعت جماعه من الناس يزعمون انه يدعى الربوبيه فصلب هو وصاحبه ثلاثة ايام، كل يوم من ذلك من اوله الى انتصافه، ثم ينزل بهما، فيؤمر بهما الى الحبس، فحبس مده طويله، فافتتن به جماعه منهم نصر القشورى وغيره، الى ان ضج الناس، ودعوا على من يعيبه، وفحش امره، واخرج من الحبس، فقطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه، ثم احرق بالنار.
وفيها غزا الصائفه الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه انه فتح حصونا كثيره، وقتل من الروم خلقا كثيرا.
وفيها قتل احمد بن اسماعيل بن احمد صاحب خراسان وما وراء النهر، قتله غلام له تركي- اخص غلمانه به- ذبحا، هو وغلامان معه، دخلوا عليه في قبته، ثم هربوا فلم يدركوا.
وفيها وقع الاختلاف بين نصر بن احمد بن اسماعيل بن احمد وعم ابيه إسحاق بن احمد، فكان مع نصر بن احمد غلمان ابيه وكتابه وجماعه من قواده والأموال والكراع والسلاح، وانحاز بعد قتل ابيه الى بخارى وإسحاق بن احمد بسمرقند وهو عليل من نقرس به، فدعا الناس
(10/147)

بسمرقند الى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كل واحد منهما الى السلطان كتبه خاطبا على نفسه، عمل اسماعيل بن احمد، وانفذ إسحاق كتبه- فيما ذكر- الى عمران المرزبانى لإيصالها الى السلطان، ففعل ذلك، وانفذ نصر بن احمد ابن اسماعيل كتبه الى حماد ابن احمد، ليتولى إيصالها الى السلطان، ففعل.
وفيها كانت وقعه بين نصر بن احمد بن اسماعيل واصحابه من اهل بخارى وإسحاق بن احمد عم ابيه واصحابه من اهل سمرقند، لاربع عشره بقيت من شعبان منها، هزم فيها نصر واصحابه إسحاق واهل سمرقند ومن كان قد انضم اليه من اهل تلك النواحي، وتفرقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعه بينهم على باب بخارى وفيها زحف اهل بخارى الى اهل سمرقند بعد ما هزموا إسحاق بن احمد ومن معه، فكانت بينهم وقعه اخرى ظفر فيها أيضا اهل بخارى باهل سمرقند، فهزموهم، وقتلوا منهم مقتله عظيمه، ودخلوا سمرقند قسرا، وأخذوا إسحاق بن احمد أسيرا، وولوا ما كان اليه من عمل ابنا لعمرو بن نصر بن احمد.
وفيها دخل اصحاب ابن البصرى من اهل المغرب برقه، وطرد عنها عامل السلطان.
وولى ابو بكر محمد بن على بن احمد بن ابى زنبور الماذرائى اعمال مصر وخراجها.
وفيها قتل ابو سعيد الجنابى الخارج كان بناحيه لبحرين وهجر، قتله- فيما قيل- خادم له وفيها كثرت الامراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان اكثر ذلك- فيما قيل- في الحربية واهل الارباض وفيها وافى قائد من قواد ابن البصرى في البرابره والمغاربه الإسكندرية وفيها ورد كتاب تكين عامل السلطان من مصر يسأله.
المدد.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
(10/148)

ثم دخلت

سنه اثنتين وثلاثمائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من اشخاص الوزير على بن عيسى بن عبد الباقى في الفى فارس فيها لغزو الصائفه، معونه لبشر خادم ابن ابى الساج وهو والى طرسوس من قبل السلطان الى طرسوس، فلم يتيسر لهم غزو الصائفه، فغزوها شاتيه في برد شديد وثلج.
وفيها تنحى الحسن بن على العلوي الاطروش بعد غلبته على طبرستان عن آمل، وصار الى سالوس فأقام بها ووجه صعلوك صاحب الري اليه جيشا، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن على إليها، ولم ير الناس مثل عدل الاطروش وحسن سيرته واقامته الحق.
وفيها دخل حباسه صاحب ابن البصرى الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر انه وردها في مائتي مركب في البحر.
وفيها وافى حباسه صاحب ابن البصرى موضعا من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها سفط، ثم رجع منه الى وراء ذلك، فنزل منزلا بين الفسطاط والإسكندرية.
وفيها شخص مؤنس الخادم الى مصر لحرب حباسه، وقوى بالرجال والسلاح والمال.
وفيها لسبع بقين من جمادى الاولى قبض على الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص وعلى ابنيه، واستصفى كل شيء له، ثم حبس وقيد.
وفيها كانت وقعه بمصر بين اصحاب السلطان وحباسه واصحابه لست بقين من جمادى الاولى منها، فقتل من الفريقين جماعه، وجرحت منهم
(10/149)

جماعه ثم اخرى بعد ذلك بيوم نحو التي كانت في هذه، ثم ثالثه بعد ذلك في جمادى الآخرة منها ولاربع عشره بقيت من جمادى الآخرة منها.
ورد كتاب بوقعه كانت بينهم، هزم اصحاب السلطان فيها المغاربه وفيها ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طرسوس على السلطان، يذكر فيه غزوه ارض الروم، وما فتح فيها من الحصون، وما غنم وسبى، وانه اسر من البطارقه مائه وخمسين، وان مبلغ السبى نحو من الفى راس ولإحدى عشره بقيت من رجب ورد الخبر من مصر ان اصحاب السلطان لقوا حباسه واهل المغرب يقاتلونهم، فكانت الهزيمة على المغاربه، فقتلوا منهم وأسروا سبعه آلاف رجل، وهرب الباقون مفلولين، وكانت الوقعه يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة.
وفيها انصرف حباسه ومن معه من المغاربه عن الإسكندرية راجعين الى المغرب بعد ما ناظر- فيما ذكر- حباسه عامل السلطان بمصر على الدخول اليه بالأمان، وجرت بينهما في ذلك كتب وكان انصرافه- فيما ذكر- لاختلاف حدث بين اصحابه في الموضع الذى شخص منه.
وفيها اوقع يانس الخادم بناحيه وادي الذئاب، وما قرب من ذلك الموضع بمن هنالك من الاعراب، فقتل منهم مقتله عظيمه، ذكر انه قتل منهم سبعه آلاف رجل، ونهب بيوتهم، وأصاب في بيوتهم من اموال التجار وامتعتهم التي كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته.
ولست خلون من ذي الحجه هلكت بدعه مولاه المأمون وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
وفي اليوم الثانى والعشرين من ذي الحجه منها خرج اعراب من الحاجر على ثلاثة فراسخ مما يلى البر على المنصرفين من مكة، فقطعوا عليهم الطريق،
(10/150)

وأخذوا ما معهم من العين واستاقوا من جمالهم ما أرادوا، وأخذوا- فيما قيل- مائتين وثمانين امراه حرائر سوى من أخذوا من المماليك والإماء.
تم الكتاب، وهو آخر تاريخ ابن جرير الطبرى رحمه الله، وقد ضمنا هذا الكتاب أبوابا من اوله الى آخره، حيث انتهينا اليه من يومنا هذا، فما كان متأخرا ذكرناه بروايه سماع ان اخر الله في الأجل
(10/151)

الجزء الحادي عشر
[صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت

سنة احدى وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) (ذكر اخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة) فيها كتب الوزير القاسم بن عبيد الله الى محمد بن سليمان الكاتب- وكان المكتفي قد ولاه حرب القرمطى صاحب الشامة، وصير اليه امر القواد والجيوش- فأمره بمناهضه صاحب الشامة والجد في امره وجمع القواد والرجال على محاربته.
فسار اليه محمد بن سليمان بجميع من كان معه واهل النواحي التي تليه من الاعراب وغيرهم حتى قربوا من حماه، وصار بينهم وبينها نحو اثنى عشر ميلا، فلقوا اصحاب القرمطى هنالك يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم.
وكان القرمطى قد قدم بعض اصحابه في ثلاثة آلاف فارس وكثير من الرجاله في مقدمته، وتخلف هو في جماعه منهم، ردءا لهم، وجعل السواد وراءه، وكان معه مال جمعه، فالتقى رجال السلطان بمن تقدم من القرامطة لحربهم، والتحم القتال بينهم، وصبر الفريقان.
ثم انهزم اصحاب القرمطى، واسر من رجالهم بشر كثير، وقتل منهم عدد عظيم، وتفرق الباقون في البوادى، وتبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء يقتلونهم ويأسرونهم.
فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الانهزام والتفرق والقتل والاسر حمل أخا له يقال له ابو الفضل مالا، وتقدم اليه ان يلحق بالبوادي ويستتر بها، الى ان يظهر القرمطى بموضع، فيصير اليه اخوه بالمال، وركب هو وابن عمه المسمى بالمدثر، وصاحبه المعروف بالمطوق، وغلام له رومي وأخذ دليلا وسار يريد الكوفه عرضا في
(11/11)

البريه حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات، فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ لهم ما احتاجوا اليه فدخل الدالية لشراء حاجته، فأنكر زيه، وسئل عن امره فاستراب وارتاب، واعلم المتولى لمسلحه تلك الناحية بخبره، وكان على المعاون رجل يعرف بابى خليفه بن كشمرد فركب في جماعه، وسال هذا الرجل عن خبره، فاعلمه ان صاحب الشامة بالقرب منه، في ثلاثة نفر، وعرفه بمكانه.
فمضى صاحب المعاون اليهم واخذهم ووجه بهم الى المكتفي وهو بالرقة، ورجعت الجيوش من طلب القرامطة، بعد ان أفنوا اكثرهم قتلا واسرا وكتب محمد بن سليمان الكاتب الى الوزير القاسم بن عبيد الله بمحاربته للقرامطه، وما فتح الله له عليهم، وقتله واسره لاكثرهم، وانه تقدم في جمع الرءوس وهو باعث منها بعدد عظيم.
وفي يوم الاثنين لاربع بقين من المحرم ادخل صاحب الشامة الى الرقة ظاهرا للناس على فالج، وعليه برنس جرير، ودراعه ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين ثم ان المكتفي خلف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص هو في خاصته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله الوزير من الرقة الى بغداد، وحمل معه القرمطى والمدثر والمطوق وجماعه ممن اسر في الوقعه وذلك في أول صفر، فلما صار الى بغداد عزم على ان يدخل القرمطى مدينه السلام مصلوبا على دقل والدقل على ظهر فيل، فامر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل بالدقل ثم استسمج ذلك، فعمل له دميانه، غلام يا زمان كرسيا، وركبه على ظهر الفيل، في ارتفاع ذراعين ونصف، واقعد فيه القرمطى صاحب الشامة، ودخل المكتفي مدينه السلام، صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول وقد قدم بين يديه الأسرى مقيدين على جمال عليهم دراريع الحرير وبرانس الحرير، والمطوق وسطهم، وهو غلام ما نبتت لحيته بعد، قد جعل في فيه خشبة مخروطه والجم بها في فمه كهيئة اللجام ثم شدت
(11/12)

الى قفاه، وذلك انه لما دخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق في وجوههم، فجعل له هذا لئلا يتكلم ولا يشتم.
ثم امر المكتفي ببناء دكه في المصلى العتيق بالجانب الشرقى في ارتفاعها عشره اذرع لقتل القرامطة، وكان خلف المكتفي وراءه محمد بن سليمان الكاتب بجمله من قواد القرامطة وقضاتهم ووجوههم فقيد جميعهم، ودخلوا بغداد بين يديه يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وقد امر القواد بتلقيه والدخول معه فدخل في اتم ترتيب حتى إذا صار بالثريا نزل بها وخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب، وسور بسوارين من ذهب، وخلع على جميع القواد القادمين معه وطوقوا وسوروا.
ثم صرفوا الى منازلهم وامر بالأسرى الى السجن.
وذكر عن صاحب الشامة انه أخذ وهو في حبس المكتفي سكرجة من المائدة التي كانت تدخل عليه وكسرها وأخذ شظية منها، فقطع بها بعض عروقه وخرج منه دم كثير، حتى شدت يده، وقطع دمه، وترك أياما حتى رجعت اليه قوته.
ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الاول، امر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة في المصلى العتيق، وخرج من الناس خلق كثير، وحضر الواثقى وهو يلى الشرطه بمدينه السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش، فقعدوا على الدكة في موضع هيئ لهم، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفي، والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان في السجن من القرامطة، وقوم من اهل بغداد ذكر انهم على مذاهبهم، وقوم من سائر البلدان من غير القرامطة حبسوا لجنايات مختلفه فاحضر جميعهم الدكة ووكل بكل رجل منهم عونان، وقيل انهم كانوا في نحو ثلاثمائة وستين.
ثم احضر صاحب الشامة والمدثر والمطوق، واقعدوا في الدكة وقدم اربعه وثلاثون رجلا من القرامطة فقطعت ايديهم وارجلهم، وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد.
وكانت ترمى رءوسهم وجثثهم وايديهم وارجلهم كل ما قطع منها الى اسفل الدكة.
فلما فرغ من قتل هؤلاء قدم المدثر فقطعت يداه ورجلاه، وضربت عنقه، ثم المطوق.
ثم قدم صاحب الشامة فقطعت يداه ورجلاه وأضرمت نار عظيمه، وادخل فيها خشب صليب، وكانت توضع الخشبة الموقده في خواصره وبطنه، وهو يفتح
(11/13)

عينيه ويغمضهما، حتى خشي عليه ان يموت، فضربت عنقه ورفع راسه في خشبة وكبر من كان على الدكة وكبر سائر الناس في أسفلها، ثم ضربت اعناق باقى الأسرى وانصرف القواد ومن حضر ذلك الموضع وقت العشاء فلما كان بالغد حملت الرءوس الى الجسر، وصلب بدن القرمطى في الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأبدان القتلى آبار الى جانب الدكة، فطرحوا فيها ثم امر بعد ذلك بايام بهدم الدكة ففعل ذلك.
واستامن على يدي القاسم بن سيما رجل من القرامطة، يسمى اسماعيل ابن النعمان، ويكنى أبا محمد، لم يكن بقي منهم بنواحي الشام غيره وغير من انضوى اليه، وكان هذا الرجل من موالي بنى العليص، فرغب في الدخول في الطاعة، خوفا على نفسه، فأومن هو ومن معه، وهم نيف وستون رجلا، ووصلوا الى بغداد.
واجريت لهم الأرزاق، واحسن اليهم ثم صرفوا مع القاسم بن سيما الى عمله، وأقاموا معه مده فهموا بالغدر به فوضع السيف فيهم، واباد جميعهم.
وفي آخر جمادى الاولى من هذه السنه ورد كتاب من ناحيه جبى بان سيلا أتاها من الجبل، غرق فيه نحو من ثلاثين فرسخا وذهب فيه خلق كثير، وخربت به المنازل والقرى، وهلكت المواشى والغلات، واخرج من الغرقى الف ومائتان سوى من لم يوجد منهم.
وفي يوم الأحد غره رجب، خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى وجوه القواد، وامرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وبرز محمد الى مضربه بباب الشماسيه وعسكر هنالك، ثم خرج بالجيوش الى جانب دمشق، لقبض الاعمال من هارون بن خمارويه إذ تبين ضعفه، وذهب رجاله في حرب القرامطة، ورحل محمد بن سليمان في زهاء عشره آلاف، وذلك لست خلون من رجب، وامر بالجد في المسير.
ولثلاث بقين من رجب قرئ على الناس كتاب لإسماعيل بن احمد بان الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم، وان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية لرؤساء منهم خاصه فنودي في الناس بالنفير وخرج مع صاحب العسكر خلق كثير فوافى
(11/14)

الترك غارين، فكبسوهم ليلا، وقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم وانصرف المسلمون سالمين غانمين.
وورد أيضا الخبر من الثغور، بان صاحب الروم وجه إليها عسكرا فيه عشره صلبان ومائه الف رجل، فأغاروا وكبسوا واحرقوا ثم ورد كتاب ابى معد بان الاخبار اتصلت من طرسوس بان غلام زرافه خرج الى مدينه انطاليه على ساحل البحر.
فافتتحها عنوه، وقتل بها خمسه آلاف رجل من الروم، واسر نحو هذه العده منهم، واستنقذ من أسارى المسلمين اربعه آلاف انسان، ووجد للروم ستين مركبا فغرقها وأخذ ما كان فيها من الذهب والفضه والمتاع والانيه وان كل رجل حضر هذه الغزاة أصاب في فيئه الف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بْن محمد
(11/15)

ثم دخلت

سنه اثنتين وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وجه صاحب البصره الى السلطان رجلا ذكر انه اراد الخروج عليه، وصار الى واسط مخالفا بها، فاقصد اليه من يقبض عليه وعلى قوم ذكروا انهم بايعوه، ووجه بهم الى بغداد، فحمل هذا الرجل على فالج، وبين يديه ابن له صبى على جمل، ومعه سبعه وثلاثون رجلا، على جمال عليهم برانس الحرير، واكثرهم يستغيث ويبكى، ويحلف انه بريء فامر المكتفي بحبسهم وفي هذه السنه اغارت الروم على مرعش ونواحيها، فنفر اهل المصيصة وطرسوس، وأصيبت جماعه من المسلمين فيهم ابو الرجال بن ابى بكار.
وفيها انتهى محمد بن سليمان الكاتب الى احواز مصر لحرب هارون، ووجه اليه المكتفي في البحر دميانه، وامره بدخول النيل، وقطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى وقطع عن اهل مصر الميرة، وزحف اليهم محمد بن سليمان على الظهر، حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها، فخرج اليه بدر الحمامي، وكان رئيس القوم، ثم تتابع قواد مصر بالخروج اليه، والاستئمان له، فلما راى ذلك هارون ومن بقي معه خرجوا محاربين لمحمد بن سليمان، وكانت بينهم وقعات.
ثم انها وقعت بين اصحاب هارون في بعض الأيام عصبية اقتتلوا فيها، فخرج اليهم هارون ليسكنهم، فرماه بعض المغاربه بسهم فقتله وبلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو ومن معه الفسطاط، واحتووا على دور آل طولون وأموالهم، وتقبض على جميعهم، وهم بضعه عشر رجلا، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح الى المكتفي، وكانت هذه الوقيعه في صفر، وكتب الى محمد بن سليمان في
(11/16)

اشخاص آل طولون الى بغداد، والا يبقى منهم أحدا بمصر ولا الشام، ففعل ذلك.
ولثلاث خلون من ربيع الاول، سقط الحائط من الجسر الاول على جثه القرمطى وهو مصلوب، فطحنه ولم يبق منه شيء.
4 وفي شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بان قائدا من القواد المصريين يعرف بالخليجى، ويسمى بابراهيم تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر، مع جماعه استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى الى مصر مخالفا للسلطان، وكان معه في طريقه جماعه أحبوا الفتنة حتى كثر جمعه، فلما صار الى مصر اراد عيسى النوشرى محاربته، فعجز عن ذلك لكثرة من كان مع ابن الخليجي، فانحاز عنه الى الإسكندرية، واخلى مصر، فدخلها الخليجي.
وفيها ندب السلطان لمحاربه الخليجي واصلاح امر المغرب فاتكا مولى المعتضد، وضم اليه بدرا الحمامي، وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به، وندب معه جماعه من القواد وجندا كثيرا، وخلع على فاتك وعلى بدر الحمامي لسبع خلون من شوال،.
وامرا بسرعة الخروج وتعجيل السير فخرجا لاثنتى عشره ليله خلت من شوال.
وللنصف من شوال دخل رستم مدينه طرسوس واليا عليها وعلى الثغور الشامية.
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم لست بقين من ذي القعده، ففودى من المسلمين الف ومائتا نفس، ثم غدر الروم، وانصرفوا، ورجع المسلمون بمن في ايديهم من أسارى الروم.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بْن محمد
(11/17)

ثم دخلت

سنه ثلاث وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها ورد الخبر بان الخليجي المتغلب على مصر واقع احمد بن كيغلغ وجماعه من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم الخليجي، اقبح هزيمه، فندب السلطان للخروج اليه جماعه من القواد المقيمين بمدينه السلام فيهم ابراهيم بن كيغلغ وغيره وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة ورد الخبر بان أخا للحسين بن زكرويه، ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر من اصحابه، ثم اجتمع اليه جماعه من الاعراب والمتلصصة فسار بهم نحو دمشق، في جمادى الاولى وحارب أهلها، فندب السلطان للخروج اليه الحسين بن حمدان بن حمدون، في جمع كثير من الجند ثم ورد الخبر بان هذا القرمطى سار الى طبرية، فامتنع أهلها من ادخاله، فحاربهم حتى دخلها فقتل عامه من بها من الرجال والنساء، ونهبها وانصرف الى ناحيه البادية.
وذكر من حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح، وقد ادخل اليه قوم من القرامطة بعد قتل الحسين بن زكرويه المصلوب بجسر بغداد فقال الرجل: كان زكرويه ابو حسين المقتول مختفيا عندي في منزلي، وقد اعد له سرداب تحت الارض، عليه باب حديد، وكان لنا تنور، فإذا جاءنا الطلب، وضعنا التنور على باب السرداب، وقامت امراه تسخنه فمكث زكرويه كذلك اربع سنين، في ايام المعتضد، ثم انتقل من منزلي الى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، فإذا فتح الباب انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل، فلا يرى باب البيت الذى هو فيه، فلم تزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ انفذ الدعاه، واستهوى طوائف من اهل البادية، وصار اهل قريه صوعر يتفلونه على ايديهم، ويسجدون له واعترف لزكرويه جميع من رسخ حب الكفر في قلبه من عربي ومولى ونبطي وغيرهم، بانه رئيسهم وكهفهم وملاذهم، وسموه السيد والمولى، وساروا به وهو محجوب عن اهل عسكره، والقاسم يتولى الأمور دونه، يمضيها على رايه
(11/18)

وذكر محمد بن داود ان زكرويه بن مهرويه هذا اقام رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى زابوقه، من عمل الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمى بنصر ليعمى امره، ويخفى خبره، فاستهوى طوائف من الاصبغيين والعليصيين وصعاليك من بطون كلب، وقصد بهم ناحيه الشام، وكان عامل السلطان على دمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وكان مقيما بمصر على حرب الخليجي، فاغتنم ذلك عبد الله ابن سعيد المتسمى بنصر وسار الى مدينه بصرى، فحارب أهلها، ثم آمنهم فلما استسلموا له قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، واستاق أموالهم، ثم نهض الى دمشق، فخرج اليه من كان بقي بها مع صالح بن الفضل خليفه احمد بن كيغلغ فقتل صالحا، وفض عسكره ولم يطمع في مدينه دمشق إذ دافعهم أهلها عنها ثم قصد القرمطى ومن معه مدينه طبرية، فقتلوا طائفه من أهلها، وسبوا النساء والذرية بها، فحينئذ انفذ السلطان لمحاربتهم الحسين بن حمدان في جماعه من القواد والرجال، فوردوا دمشق، وقد دخل القرامطة طبرية فلما اتصل بهم خروج القواد اليهم، عطفوا نحو السماوه، وتبعهم الحسين بن حمدان وهم ينتقلون من ماء الى ماء ويعورون ما وراءهم من المياه.
فانقطع الحسين عن اتباعهم لما عدم الماء، وعاد الى الرحبه، وقصدت القرامطة الى هيت، فصبحوها ولم يصلوا الى المدينة لحصانه سورها لسبع بقين من شعبان، مع طلوع الشمس، فنهبوا ربضها، وقتلوا من قدروا عليه من أهلها، واحرقت المنازل وانهبت السفن التي في الفرات، وقتل من اهل البلد نحو مائتي نفس، وأوقروا ثلاثة آلاف بعير بالأمتعة والحنطة ثم رحلوا الى البادية.
ثم شخص باثرهم محمد بن كنداج اليهم، فلما كان بقربه منهم، هربوا منه وعوروا المياه بينهم وبينه، فانفذت اليه الإبل والروايا والزاد، وكتب الى الحسين بن حمدان بالنفوذ اليهم من جهة الرحبه، والاجتماع مع محمد بن كنداج على الإيقاع بهم.
فلما احسن الكلبيون الذين كانوا مع عبد الله بن سعيد القرمطى المتسمى بنصر، وثبوا عليه، وقتلوه، وتقربوا برأسه الى محمد بن كنداج، واقتتلت القرامطة حتى وقعت بينهما الدماء.
ثم انفذ زكرويه داعيه له يسمى القاسم بن احمد، الى اكره السواد، فاستهواهم
(11/19)

ووعدهم بان ظهوره قد حضر، وانه قد بايع له بالكوفه نحو اربعين الف رجل وفي سوادها أربعمائة الف رجل، وان يوم موعدهم الذى ذكره الله يوم الزينة وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وامرهم بالمسير الى الكوفه ليفتتحوها في غداه يوم النحر، وهو يوم الخميس فإنهم لا يمنعون منها فتوجه القاسم بن احمد باهل السواد ومن يجتمع اليه من الصعاليك، حتى وافوا باب الكوفه في ثمانمائه فارس، عليهم الدروع والجواشن والإله الحسنه، ومعهم جماعه من الرجاله على الرواحل، وقد انصرف الناس عن مصلاهم، فاوقعوا بمن لحقوه من العوام، وقتلوا منهم زهاء عشرين نفسا.
وخرج اليهم إسحاق بن عمران عامل الكوفه ومن كان معه من الجند فصافوا القرامطة الحرب الى وقت العصر، وكان شعار القرامطة: يا احمد يا محمد، وهم يدعون: يا لثارات الحسين! يعنون المصلوب بجسر بغداد، وأظهروا الاعلام البيض، وضربوا على القاسم بن احمد قبة، وقالوا: هذا ابن رسول الله، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، واصلح اهل الكوفه سورهم وخندقهم، وحرسوا مدينتهم وكتب إسحاق بن عمران الى السلطان يستمده، فندب اليه جماعه فيهم طاهر بن على بن وزير ووصيف بن صوارتكين والفضل بن موسى بن بغا وبشر الخادم وجنى الصفواني ورائق الخزري، وضم اليهم جماعه من غلمان الحجر، وامر القاسم بن سيما ومن ضم اليه من رؤساء البوادى بديار ربيعه وطريق الفرات وغيرهم بالنهوض الى القرامطة، إذ كان اصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشام ومصر، فنفذت الكتب بذلك اليهم.
وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتاب بان اهل صنعاء وسائر اهل اليمن اجتمعوا على الخارجي وحاربوه وفلوا جموعه، فانحاز الى بعض النواحي باليمن، فخلع السلطان على مظفر بن حاج، وعقد له على اليمن وخرج إليها لخمس خلون من ذي القعده، فأقام بها حتى مات ولتسع بقين من رجب اخرجت مضارب المكتفي الى باب الشماسيه، فضربت هنالك ليخرج الى الشام، ويحاصر ابن الخليجي، فورد كتاب من قبل فاتك القائد واصحابه، يذكرون
(11/20)

محاربتهم له وظفرهم به، وانهم موجهون له الى مدينه السلام، فردت مضارب المكتفي، وصرفت خزائنه، وقد كانت جاوزت تكريت، ثم ادخل مدينه السلام للنصف من شهر رمضان ابن الخليجي واحد وعشرون رجلا معه على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، فحبسوا ثم خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خلعا لحسن تدبيره في امر هذا الفتح ثم لخمس خلون من شوال، ادخل بغداد راس القرمطى المتسمى بنصر الذى انتهب مدينه هيت منصوبا في قناه ولسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينه السلام، بان الروم أغاروا على قورس وقتلوا مقاتلتهم، ودخلوا المدينة، واخربوا مسجدها، وسبوا من بقي فيها، وقتلوا رؤساء بنى تميم المنضوين إليها وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.
(11/21)

ثم دخلت

سنه اربع وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها دخل ابن كيغلغ طرسوس غازيا في أول المحرم، وخرج معه رستم، وهي غزاه رستم الثانيه، فبلغوا حصن سلندو، وافتتحوه وقتلوا من الروم مقتله عظيمه، وأسروا وسبوا نحوا من خمسه آلاف راس، وانصرفوا سالمين.
ولإحدى عشره ليله خلت من المحرم، ورد الخبر بان زكرويه القرمطى، ارتحل من نهر المثنية يريد الحاج وانه وافى موضعا بينه وبين بعض مراحلهم اربعه اميال.
وذكر محمد بن داود انهم مضوا في جهة المشرق، حتى صاروا بماء سليم، وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه ينتظر قافلة الحاج حتى وافته لسبع خلون من المحرم، فانذرهم اهل المنزل بارتصاد القرامطة لهم، وان بينهم وبين موضعهم اربعه اميال فارتحلوا ولم يقيموا، وكان في هذه القافلة ابن موسى وسيما الابراهيمى فلما امعنت القافلة في السير، صار القرمطى الى الموضع الذى انتقلت عنه القافلة.
وسال اهل القيروان عنها فاخبروه انها تنقلت ولم تقم، فاتهمهم بانذار القافلة وقتل من العلافين بها جماعه، واحرق العلف ثم ارتصد أيضا زكرويه قافلة خراسان، فاوقع بأهلها وجعل اصحابه ينخسون الجمال بالرماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة، وأكب اصحاب زكرويه على الحاج، فقتلوهم كيف شاءوا، وسبوا النساء، واحتووا على ما في القافلة.
ثم وافى عليهم اهل القافلة الثانيه، وفيها المبارك القمي واحمد بن نصر العقيلي واحمد ابن على بن الحسين الهمذاني، وقد كان رحل القرامطة عن محلتهم، وعوروا مياهها وملأوا بركها بجيف الإبل والدواب التي كانت معهم، وانتقلوا الى منزل العقبه فوافاهم بها اهل القافلة الثانيه، ودارت بينهم حرب شديده، حتى اشرف اهل القافلة على الظفر بالقرامطة، وكشفوهم ثم ان الفجره تمكنوا في ساقتهم من غره، فركبوها ووضعوا
(11/22)

رماحهم في جنوب ابلهم وبطونها، فطرحتهم الإبل وتمكنوا منهم، فقتلوهم عن آخرهم الا من استفدوه، وسبوا النساء واكتسحوا الأموال والأمتعة، وقتل المبارك القمي والمظفر ابنه، وقتل ابو العشائر، ثم قطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه، وافلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا فمنهم من مات في الطريق، ومنهم من نجا، وهم قليل وكان نساء القرامطة وصبيانهم يطرفون بين القتلى ويعرضون عليهم الماء، فمن كان فيه رمق، او طلب الماء اجهزوا عليه وقيل انه كان في القافلة من الحاج نحو عشرين الف رجل فقتل جميعهم غير نفر يسير وذكر ان الذى أخذوا من المال والأمتعة في هذه القافلة قيمه الفى الف دينار، وورد الخبر على السلطان بمدينه السلام، عشيه يوم الجمعه لاربع عشر ليله بقيت من المحرم بما كان من فعل القرامطة بالحاج، فعظم ذلك عليه، وعلى الناس، وندب السلطان محمد ابن داود بن الجراح الوزير للخروج الى الكوفه، والمقام بها، وانفاذ الجيوش الى القرمطى، فخرج من بغداد لإحدى عشره ليله بقيت من المحرم، وحمل معه اموالا كثيره لاعطاء الجند ثم صار زكرويه الى زبالة فهولها وبث الطلائع امامه ووراءه خوفا من اصحاب السلطان وارتصادا لورود القافلة الاخرى التي كانت فيها الاثقال واموال التجار وجوهر نفيس للسلطان، وبها من القواد نفيس المولدى وصالح الأسود، ومعه الشمسه والخزانه، وكان المعتضد قد جعل في الشمسه جوهرا نفيسا، ومعهم أيضا ابراهيم بن ابى الاشعث، قاضى مكة والمدينة، وميمون بن ابراهيم الكاتب والفرات بن احمد بن الفرات والحسن بن اسماعيل وعلى بن العباس النهيكى.
فلما صارت هذه القافلة بفيد، بلغهم خبر القرامطة فأقاموا أياما ينتظرون القوه من قبل السلطان، واقبل القرامطة الى موضع يعرف بالخليج، فلقوا القافلة، وحاربوا أهلها ثلاثة ايام ثم عطش اهل القافلة وكانوا على غير ماء، فلم يتمكنوا منها، فاستسلموا، فوضع القرامطة فيهم السيف، ولم يفلت منهم الا اليسير، وأخذ القرامطة جميع ما في القافلة، وسبوا النساء، واكتسحوا الأموال ثم توجه زكرويه بمن معه الى فيد، وبها عامل السلطان فتحصن منه، وجعل زكرويه يراسل اهل فيد بان يسلموا اليه عاملهم فلم يجيبوه الى ذلك ثم تنقل الى النباج ثم الى حفير ابى موسى الأشعري
(11/23)

وفي أول شهر ربيع الاول انهض المكتفي وصيف بن سوارتكين ومعه جماعه من القواد الى القرامطة فنفذوا من القادسية على طريق خفان، والتقى وصيف بالقرامطة، يوم السبت لثمان بقين من ربيع الاول، فاقتتلوا يومهم ذلك، حتى حجز بينهم المساء، ثم عاودهم الحرب في اليوم الثانى، فظفر جيش السلطان بالقرامطة، وقتلوا منهم مقتله عظيمه، وخلصوا الى زكرويه، فضربه بعض الجند ضربه بالسيف، اتصلت بدماغه، وأخذ أسيرا، وأخذ معه ابنه وزوجته وكاتبه وجماعه من خاصته وقرابته واحتوى الجند على جميع ما في عسكره، وعاش زكرويه خمسه ايام ثم مات فشق بطنه، وحمل كذلك وانطلق من كان بقي في يديه من اسرى الحاج وفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من العدو اربعه آلاف راس سبى، ودواب ومواشى كثيره ومتاعا، واسلم على يده بطريق من البطارقه.
وفيها كتب أندرونقس البطريق، وكان على حرب اهل الثغور من قبل صاحب الروم الى السلطان يطلب الامان، فأجيب الى ذلك، وخرج بنحو مائتي نفس من المسلمين كانوا عنده اسرى، واخرج ماله ومتاعه الى طرسوس وفي جمادى الآخرة ظفر الحسين بن حمدان بجماعه من اصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعه، فقتل اكثرهم واسر نساءهم وصبيانهم.
وفيها وافى رسل ملك الروم باب الشماسيه بكتاب الى المكتفي يسأله الفداء بمن معهم من المسلمين لمن في أيدي الاسلام من الروم، فدخلوا بغداد ومعهم هديه كبيره وعشره من أسارى المسلمين.
وفيها أخذ قوم من اصحاب زكرويه أيضا ووجهوا الى باب السلطان.
وفيها كانت وقعه بين الحسين بن حمدان واعراب كلب والنمر واسد وغيرهم كانوا خرجوا عليه فهزموه حتى بلغوا به باب حلب.
وفيها هزم وصيف بن سوارتكين الاعراب بفيد ثم رحل سالما بمن معه من الحاج.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/24)

ثم دخلت

سنه خمس وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن ابراهيم المسعى عن مدينه أصبهان الى قريه من قراها على فراسخ منها، وانضمام نحو من عشره آلاف كردى اليه، مظهرا الخلاف على السلطان، فامر المكتفي بدرا الحمامي بالشخوص اليه، وضم اليه جماعه من القواد في نحو من خمسه آلاف من الجند.
وفيها كانت وقعه للحر بن موسى على اعراب طيّئ، فواقعهم على غره منهم، فقتل من رجالهم سبعين، واسر من فرسانهم جماعه وفيها توفى اسماعيل بن احمد في صفر، لاربع عشره ليله خلت منه، وقام ابنه احمد ابن اسماعيل في عمل ابيه مقامه وذكر ان المكتفي قعد له وعقد بيده لواءه، ودفعه الى طاهر بن على، وخلع عليه، وامره بالخروج اليه باللواء.
وفيها وجه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب الى عبد الله بن ابراهيم المسمعي وكتب اليه يخوفه عاقبه الخلاف، فتوجه اليه فلما صار اليه ناظره، فرجع الى طاعه السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف بأصبهان خليفه له ومعه منصور بن عبد الله حتى صار الى باب السلطان، فرضى عنه المكتفي ووصله وخلع عليه وعلى ابنه.
وفيها اوقع الحر بن موسى بالكردى المتغلب على تلك الناحية، فتعلق بالجبال فلم يدرك.
وفيها فتح المظفر بن حاج ما كان تغلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيسا من رؤسائهم يعرف بالحكيمى.
وفيها لثلاث عشره ليله بقيت من جمادى الآخرة امر خاقان المفلحى بالخروج الى اذربيجان لحرب يوسف بن ابى الساج، وضم اليه نحو اربعه آلاف رجل من الجند.
ولثلاث عشره ليله بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول ابى مضر بن الاغلب، ومعه فتح الانجحى وهدايا وجه بها معه الى المكتفي
(11/25)

وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعده ففدى ممن كان عندهم من الرجال ثلاثة آلاف نفس.

ذكر عله المكتفي بالله وما كان من امره الى وقت وفاته
وكان المكتفي على بن احمد يشكو عله في جوفه، وفسادا في احشائه، فاشتدت العله به في شعبان من هذا العام، واخذه ذرب شديد افرط عليه، وأزال عقله، حتى أخذ صافى الحرمي خاتمه من يده، وانفذه الى وزيره العباس بن الحسن وهو لا يعقل شيئا من ذلك، وكان العباس يكره ان يلى الأمر عبد الله بن المعتز، ويخافه خوفا شديدا، فعمل في تصيير الخلافه الى ابى عبد الله محمد بن المعتمد على الله، فاحضره داره ليلا، واحضر القاضى محمد بن يوسف وحده، وكلمه بحضرته، وقال له:
ما لي عندك ان سقت هذا الأمر إليك؟ فقال له محمد بن المعتمد: لك عندي ما تستحقه من الجزاء والايثار وقرب المنزله، فقال له العباس: اريد ان تحلف لي الا تخليني من احدى حالتين، اما ان تريد خدمتي فانصح لك وابلغ جهدي في طاعتك وجمع المال لك، كما فعلته بغيرك، واما ان تؤثر غيرى فتوقرنى وتحفظني، ولا تبسط على يدا في نفسي ومالي، ولا على احد بسببي، فقال له محمد بن المعتمد- وكان حسن العقل، جميل المذهب: لو لم تسق هذا الى ما كان لي معدل عنك في كفايتك وحسن اثرك فكيف إذا كنت السبب له، والسبيل اليه! فقال له العباس:
اريد ان تحلف لي على ذلك فقال: ان لم اوف لك بغير يمين لم اوف لك بيمين، فقال القاضى محمد بن يوسف للعباس: ارض منه بهذا، فانه اصلح من اليمين.
قال العباس: قد قنعت ورضيت ثم قال له العباس: مد يدك حتى ابايعك.
فقال له محمد: وما فعل المكتفي؟ قال: هو في آخر امره، واظنه، قد تلف فقال محمد: ما كان الله ليراني أمد يدي لبيعه وروح المكتفي في جسده، ولكن ان مات فعلت ذلك فقال محمد بن يوسف: الصواب ما قال، وانصرفوا على هذه الحال
(11/26)

ثم ان المكتفي افاق وعقل امره، فقال له صافى الحرمي: لو راى امير المؤمنين ان يوجه الى عبد الله بن المعتز ومحمد بن المعتمد، فيوكل بهما في داره ويحبسهما فيها، فان الناس ذكروهما لهذا الأمر، وارجفوا بهما، فقال له المكتفي: هل بلغك ان أحدهما احدث بيعه علينا؟ فقال له صافى: لا، قال له: فما ارى لهما في ارجاف الناس ذنبا فلا تعرض لهما، ووقع الكلام بنفسه، وخاف ان يزول الأمر عن ولد ابيه، فكان إذا عرض له بشيء من هذا الأمر استجر فيه الحديث وتابع المعنى واهتبل به جدا.
وعرض لمحمد بن المعتمد في شهر رمضان فالج في مجلس العباس بن الحسن الوزير من غيظ اصابه في مناظره كانت بينه وبين ابن عمرويه صاحب الشرطه، فامر العباس ان يحمل في قبة من قبابه على افره بغاله، فحمل الى منزله في تلك الصورة، وانصرفت نفسه الى تأميل غيره.
ثم اشتدت العله بالمكتفى في أول ذي القعده، فسال عن أخيه ابى الفضل جعفر فصح عنده انه بالغ، فاحضر القضاه واشهدهم بانه قد جعل العهد اليه من بعده.

ذكر وفاه المكتفي
ومات المكتفي بالله على بن احمد ليله الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعده سنه خمس وتسعين ومائتين، ودفن يوم الاثنين في دار محمد بن عبد الله بن طاهر.
وكانت خلافته ست سنين وتسعه عشر يوما، وكان يوم توفى ابن اثنتين وثلاثين سنه.
وكان ولد سنه اربع وستين ومائتين وكنيته ابو محمد، وأمه أم ولد تركية، وكان جميلا رقيق اللون حسن الشعر، وافر اللحية.
وولد أبا القاسم عبد الله المستكفى، ومحمدا أبا احمد، والعباس، وعبد الملك، وعيسى، وعبد الصمد، والفضل، وجعفرا، وموسى، وأم محمد، وأم الفضل، وأم سلمه، وأم العباس، وأم العزيز، وأسماء، وساره وأمه الواحد.
قال: وكان جعفر بن المعتضد بدار ابن طاهر التي هي مستقر اولاد الخلفاء فتوجه فيه صافى الحرمي لساعتين بقيتا من ليله الأحد واحضره القصر وقد كان العباس
(11/27)

ابن الحسن فارق صافيا على ان يجيء بالمقتدر الى داره التي كان يسكنها على دجلة، لينحدر به معه الى القصر، فعرج به صافى عن دار العباس إذ خاف حيله تستعمل عليه، وعد ذلك من حزم صافى وعقله.

ذكر خلافه المقتدر
وفيها بويع جعفر بن احمد المقتدر يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعده سنه خمس وتسعين ومائتين وهو يومئذ ابن ثلاث عشره سنه واحد وعشرين يوما، وكان مولده يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنه اثنتين وثمانين ومائتين، وكنيته ابو الفضل وأمه أم ولد يقال لها شغب وكانت البيعه للمقتدر في القصر المعروف بالحسنى، فلما دخله وراى السرير منصوبا امر بحصير صلاه فبسط له، وصلى اربع ركعات وما زال يرفع صوته بالاستخارة ثم جلس على السرير، وبايعه الناس ودارت البيعه على يدي صافى الحرمي وفاتك المعتضدي، وحضر العباس بن الحسن الوزير وابنه احمد حتى تمت البيعه ثم غسل المكتفي، ودفن في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر.
وذكر الطبرى انه كان في بيت المال يوم بويع المقتدر خمسه عشر الف الف دينار، وذكر ذلك الصولي، وحكى انه كان في بيت مال العامه ستمائه الف دينار، وخلع المقتدر يوم الاثنين الثانى من بيعته على الوزير ابى احمد العباس بن الحسن خلعا مشهوره الحسن، وقلده كتابته وامر بتكنيته، وان تجرى الأمور مجراها على يده.
وقلد ابنه احمد بن العباس العرض عليه، وكتابه السيده أمه وكتابه هارون ومحمد اخويه، وكتب العباس الى الكور والاطراف بالبيعه كتابا على نسخه واحده واعطى الجند مال البيعه، للفرسان ثلاثة اشهر، وللرجاله سته اشهر، وامر اصحاب الدواوين على ما كانوا عليه، وخلع المقتدر على سوسن مولى المكتفي الذى كان حاجبه، واقره على حجابته، وخلع على فاتك المعتضدي، ومؤنس الخازن ويمن غلام المكتفي، وابن عمرويه، صاحب الشرطه ببغداد، وعلى احمد بن كيغلغ، وكان قد قدم
(11/28)

مبايعه المقتدر بقوم حاولوا فتق سجن دمشق، واقامه فتنه بها، فحملوا على جمال، وطوفوا، وخلع على كثير من الخدم، فمن كان اليه منهم عمل جعلت الخلعه عليه لإقراره على عمله، ومن لم يكن اليه عمل كانت الخلعه تشريفا له، ورد المقتدر رسوم الخلافه الى ما كانت عليه من التوسع في الطعام والشراب، واجراء الوظائف، وفرق في بنى هاشم خمسه عشر الف دينار وزادهم في الأرزاق، واعاد الرسوم، في تفريق الاضاحى على القواد والعمال واصحاب الدواوين والقضاه والجلساء، ففرق عليهم يوم الترويه ويوم عرفه من البقر والغنم ثلاثون الف راس، ومن الإبل الف راس، وامر باطلاق من كان في السجون ممن لا خصم له ولا حق لله عز وجل عليه، وبعد ان امتحن محمد بن يوسف القاضى أمورهم.
ورفع اليه ان الحوانيت والمستغلات التي بناها المكتفي في رحبه باب الطاق اضرت بالضعفاء، إذ كانوا يقعدون فيها لتجاراتهم بلا اجره لأنها افنيه واسعه، فسال عن غلتها فقيل: له تغل الف دينار في كل شهر، فقال: وما مقدار هذا في صلاح المسلمين واستجلاب حسن دعائهم! فامر بهدمها وإعادتها الى ما كانت عليه.
ولم يل الخلافه من بنى العباس اصغر سنا من المقتدر، فاستقل بالأمور، ونهض بها، واستصلح الى الخاصة والعامه وتحبب إليها، ولولا التحكم عليه في كثير من الأمور لكان الناس معه في عيش رغد، ولكن أمه وغيرها من حاشيته كانوا يفسدون كثيرا من امره.
وفي هذه السنه، كانت وقعه عج بن حاج مع الجند بمنى في اليوم الثانى من ايام منى، وقتل بينهم جماعه، وهرب الناس الذين كانوا بمنى الى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب ابى عدنان، وأصاب المنصرفين من الحاج في منصرفهم ببعض الطريق عطش، حتى مات منهم جماعه قال الطبرى: سمعت بعض من يحكى ان الرجل كان يبول في كفه ثم يشربه.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/29)

ثم دخلت

سنه ست وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعه من القواد والكتاب والقضاه على خلع جعفر المقتدر، وكانوا قد تناظروا وتأمروا عند موت المكتفي على من يقدمونه للخلافة، واجمع رأيهم على عبد الله بن المعتز، فاحضروه وناظروه في تقلدها، فأجابهم الى تولى الأمر، على الا يكون في ذلك سفك دماء ولا حرب، فاخبروه ان الأمر يسلم اليه عفوا، وان من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا به، فبايعهم على ذلك سرا، وكان الراس في هذا الأمر العباس بن الحسن الوزير، ومحمد بن داود ابن الجراح، وابو المثنى احمد بن يعقوب القاضى وغيرهم، فخالفهم على ذلك العباس، ونقض ما كان عقده معهم في امر ابن المعتز، وأحب ان يختبر امر المقتدر، وان كان فيه محمل للقيام بالخلافة مع حداثة سنه، وكيف يكون حاله معه، وعلم ان تحكمه عليه سيكون فوق تحكمه على غيره، فصدهم عن ابن المعتز، وانفذ عقد البيعه للمقتدر على ما تقدم ذكره.
ثم ان المقتدر اجرى الأمور مجراها في حياه المكتفي، وقلد العباس جميعها، وزاده في المنزله والحظوة وصير اليه الأمر والنهى، فتغير العباس على القواد، واستخف بهم واشتد كبره على الناس واحتجابه عنهم واستخفافه بكل صنف منهم، وكان قبل ذلك صافى النيه لعامه القواد والخدم منصفا لهم في اذنه لهم ولقائه ثم تجبر عليهم، وكانوا يمشون بين يديه فلا يأمرهم بالركوب، وترك الوقوف على المتظلمين، والسماع منهم، فاستثقله الخاصة والعامه، وكثر الطعن عليه، والانكار لفعله والهجاء له، فقال بعض شعراء بغداد فيه:
يا أبا احمد لا تحسن بأيامك ظنا ... واحذر الدهر فكم اهلك املاكا وافنى
كم رأينا من وزير صار في الأجداث رهنا
(11/30)

اين من كنت تراهم درجوا قرنا فقرنا ... فتجنب مركب الكبر وقل للناس حسنا
ربما امسى بعزل من باصباح يهنأ ... وقبيح بمطاع الأمر الا يتأنى
اترك الناس وأيامك فيهم تتمنى
وكان مما يشنع به الحسين بن حمدان على العباس، انه شرب يوما عنده، فلما سكر الحسين، استخرج العباس خاتمه من اصبعه، وانفذه الى جاريته مع فتى له، وقال لها: يقول لك مولاك: اشتهى الوزير سماع غنائك، فاحضرى الساعة ولا تتاخرى، فهذا خاتمي علامه إليك قال الحسين: وقد كنت خفت منه شيئا من هذا لبلاغات بلغتني عنه، وكتب رايت له إليها بخطه، فحفظت الجاريه وحذرتها، فلم تصغ الى قول الفتى ولا اجابته.
وكان الحسين يحلف مجتهدا انه سمعه يكفر ويستخف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، وانه قال في بعض ما جرى من القول: قد كان أجيرا لخديجة، ثم جاء منه ما رايت قال: فاعتقدت قتله من ذلك الوقت، واعتقد غيره من القواد فيه مثل ذلك، واجتمعت القلوب على بغضته، فحينئذ وثب به القوم فقتلوه، وكان الذى تولى قتله بدر الأعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن سوارتكين وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الاول من العام المؤرخ.

ذكر البيعه لابن المعتز
وفي غد هذا اليوم خلع المقتدر، خلعه القواد والكتاب وقضاه بغداد، ثم وجهوا في عبد الله بن المعتز، وادخل دار ابراهيم بن احمد الماذرائى التي على دجلة والصراة ثم حمل منها الى دار المكتفي بظهر المخرم، واحضر القضاه، وبايعوا عبد الله بن المعتز فحضرهم ولقبوه المنتصف بالله، وهو لقب اختاره لنفسه.
واستوزر محمد بن داود بن الجراح، واستحلفه على الجيش، وكان الناس
(11/31)

يحلفون بحضره القضاه، وكان الذى يأخذ البيعه على الناس وعلى القواد ويتولى استحلافهم والدعاء باسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش، واحضر عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى وطولب بالبيعه لابن المعتز فلجلج، وقال:
ما فعل جعفر المقتدر! فدفع في صدره وقتل ابو المثنى لما توقف عن البيعه، ولم يشك الناس ان الأمر تام له إذ اجتمع اهل الدولة عليه، وكان اجل من تخلف عن سوسن الحاجب، فانه بقي بدار المقتدر مثبتا لأمره وحاميا له.
وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار التي كان بها المقتدر حرب شديده من غدوه الى انتصاف النهار، وثبت سوسن الحاجب به وحامى عنه، واحضر الغلمان ووعدهم الزيادة، وقوى نفس صافى ونفس مؤنس الخادم ومؤنس الخازن، فكلهم حماه ودافع عنه، حتى انفضت الجموع التي كان محمد بن داود جمعها لبيعه ابن المعتز، وذلك ان مؤنسا الخادم حمل غلمانا من غلمان الدار الى الشذوات، فصاعد بها في دجلة فلما جازوا الدار التي كان فيها ابن المعتز ومحمد ابن داود صاحوا بهم، ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا وهرب من كان في الدار من الجند والقواد والكتاب، وهرب ابن المعتز ومن كان معه، ولحق بعض الذين كانوا بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا اليه بأنهم منعوا من المصير نحوه، واختفى بعضهم، فأخذوا وقتلوا وانتهبت العامه دور محمد بن داود والعباس بن الحسن، وأخذ ابن المعتز فقتل وقتل معه جماعه، منهم احمد بن يعقوب القاضى، ذبح ذبحا، وقالوا له:
تبايع للمقتدر! فقال: هو صبى ولا يجوز المبايعة له.
وقال الطبرى، ولم ير الناس اعجب من امر ابن المعتز والمقتدر، فان الخاصة والعامه اجتمعت على الرضا بابن المعتز وتقديمه، وخلع المقتدر لصغر سنه، فكان امر الله قدرا مقدورا، ولقد تحير الناس في امر دوله المقتدر وطول أيامها على وهي أصلها وضعف ابتنائها ثم لم ير الناس ولم يسمعوا بمثل سيرته وايامه وطول خلافته.
وقال محمد بن يحيى الصولي: وفي يوم الاثنين لتسع ليال بقين من ربيع الاول خلع المقتدر على على بن محمد بن الفرات للوزارة، وركب الناس معه الى داره بسوق العطش، وتكلم في اطلاق جماعه ممن كان بايع ابن المعتز، فاذن له المقتدر في ذلك،
(11/32)

فخلى سبيل طاهر بن على ونزار بن محمد وابراهيم بن احمد الماذرائى والحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصاص، ووضع العطاء للغلمان والأولياء الذين بقوا مع المقتدر صله ثانيه للفرسان ثلاثة اشهر وللرجاله ست نوائب، وولى مؤنسا الخادم شرطه جانبي بغداد وما يليها، وتقدم اليه بالنداء على محمد بن داود ويمن ومحمد الرقاص، وان يبذل لمن جاء بمحمد بن داود عشره آلاف دينار، وخلع على عبد الله بن على بن محمد بن ابى الشوارب لقضاء جانبي بغداد، وقلد الوزير على بن محمد أخاه جعفر بن محمد ديوان المشرق والمغرب، واشاع انه يخلفه عليهم وقلد نزارا الكوفه وطساسيجها، وعزل عنها المسمعي، ثم عزل نزارا وولى الكوفه نجحا الطولونى، وخلع على ابى الأغر خليفه بن المبارك السلمى لغزاه الصائفه وعظم امر سوسن الحاجب وتجبر وطغى، فاتهمه المقتدر ولم يأمنه، وادار الرأي في امره مع ابن الفرات، فاوصى اليه المقتدر: خذ من الرجال من شئت ومن المال والسلاح ما شئت، وتول من الاعمال ما احببت، وخل عن الدار أولها من اريد فأبى عليه، وقال:
امر أخذته بالسيف لا اتركه الا بالسيف فاحكم المقتدر الرأي مع ابن الفرات في قتله فلما دخل معه الميدان في بعض الأيام اظهر صافى الحرمي العله، وجلس في بعض طرق الميدان متعاللا فنزل سوسن ليعوده، فوثب اليه جماعه فيهم تكين الخاصة وغيره من القواد، فأخذوا سيفه، وادخلوه بيتا، فلما سمع من كان معه بذلك من غلمانه واصحابه تفرقوا، ومات سوسن بعد ايام في الحبس.
وقلد الحجابه نصرا الحاجب المعروف بالقشورى، وكان موصوفا بعقل وفضل.
وكان النصارى في آخر ايام العباس بن الحسن قد علا امرهم، وغلب عليهم الكتاب منهم، فرفع في امرهم الى المقتدر، فعهد فيهم بنحو ما كان عهد به المتوكل من رفضهم واطراحهم واسقاطهم عن الخدمه، ثم لم يدم ذلك فيهم.
وفي يوم السبت لاربع بقين من ربيع الاول سقط ببغداد الثلج من غدوه الى العصر، حتى صار في السطوح والدور منه نحو من اربعه أصابع، وذلك امر لم ير مثله ببغداد.
وفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الاول سلم محمد بن يوسف القاضى ومحمد
(11/33)

ابن عمرويه وابن الجصاص والأزرق كاتب الجيش في جماعه غيرهم الى مؤنس الخازن، فقتل بعضهم، وشفع في بعض فاطلق.
وفيها وجه القاسم بن سما في جماعه من القواد والجند في طلب الحسين بن حمدان، فشخص لذلك حتى صار الى قرقيسيا والرحبه، وكتب الى ابى الهيجاء عبد الله بن حمدان بان يطلب أخاه ويتبعه، فخرج في اثره، والتقى بأخيه بين تكريت والسودقانيه، بموضع يعرف بالأعمى، فانهزم عبد الله عن أخيه الحسين ثم بعث الحسين الى السلطان يطلب الامان لنفسه فاعطى ذلك.
ولسبع بقين من جمادى الآخرة خلع على ابن دليل النصراني كاتب ابن ابى الساج ورسوله، وعقد ليوسف على اذربيجان والمراغه وحملت اليه الخلع، وامر بالشخوص الى عمله وللنصف من شعبان خلع على مؤنس الخادم، وامر بالشخوص الى طرسوس لغزو الروم، فخرج في عسكر كثيف وجماعه من القواد وكان مؤنس قد ثقل على صافى الحرمي، وأحب الا يجاوره ببغداد، فيسعى مع الوزير ابن الفرات في ابعاده، فاغزى في الصائفه، وضم اليه ابو الأغر خليفه بن المبارك فلم يرضه مؤنس، وكتب الى المقتدر يذمه، فكتب اليه في الانصراف فانصرف، وحبس واجتمع قول الناس بلا اختلاف بينهم، انه لم يكن في زمن ابى الأغر فارس للعرب ولا للعجم اشجع منه ولا اعظم ايدا وجلدا.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/34)

ثم دخلت

سنه سبع وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) في المحرم من هذا العام، ولد للمقتدر ابن فامر ان يكتب اسمه على الاعلام والتراس والدنانير والدراهم والسمات ولم يعش ذلك المولود.
وفيها ورد كتاب مؤنس الخادم على السلطان لست خلون من المحرم بانه ظهر على الروم في غزاته اليهم التي تقدم ذكرها في سنه ست وتسعين، وهزمهم وقتل منهم مقتله عظيمه واسر لهم اعلاجا كثيره، وقرئ كتابه بذلك على العامه ببغداد، ثم قفل مؤنس منصرفا.
وفي صفر من هذه السنه اخر طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار ايراد ما كان يلزمه من المال الموظف عليه من اموال فارس، ودافع به، فكتب سبكرى، غلام عمرو بن الليث، يتضمن حمل المال وايراده، واستاذن في توجيه طاهر واخويه اسرى الى باب السلطان، فأجيب الى ذلك، فاجتمع سبكرى ومن والاه عليهم، ودارت بينهم حرب شديده، حتى استولى سبكرى على فارس وكرمان، وبعث بطاهر واخويه الى السلطان فادخلوا في عماريات مكشوفة، وخلع على رسول سبكرى.
ثم ان الليث بن على بن الليث لما بلغه فعل سبكرى بطاهر ويعقوب ابنى محمد، غضب لذلك، وسار يريد فارس، فتلقاه سبكرى، واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم سبكرى، وقدم على السلطان يستمده، فندب مؤنس الخادم الى فارس، وضم اليه زهاء خمسه آلاف من الأولياء والغلمان، وكتب الى اصحاب المعاون بأصبهان والاهواز والجبل في معاونه مؤنس على محاربه الليث بن على، واشخص معه الوزير ابن الفرات محمد بن جعفر العبرتاى، وولاه الخراج والضياع بفارس، فاحتاج الجند الى أرزاقهم، فوعدهم بها محمد بن جعفر فلم يرضوا وعده، ووثبوا عليه ونهبوا عسكره، واصابته ضربه، وزعم بعض اصحاب مؤنس انه أخذ له مائه الف دينار
(11/35)

وفي ليله الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنه سبع وتسعين ولد للمقتدر ابو العباس محمد الراضي بالله بدير حنيناء قبل طلوع الفجر.
وفي ذي الحجه من هذا العام كانت بين مؤنس الخادم وبين الليث بن على حرب بناحيه النوبندجان، فهزم الليث واصحابه، واسر مؤنس الليث وأخاه اسماعيل وعلى بن حسين بن درهم والفضل بن عنبر، وصاروا في قبضته، فحملهم بين يديه الى بغداد، وادخل الليث على فيل، ومن كان معه على جمال مشهورين، قد البسوا البرانس ثم حبسوا.
وفيها وجه المقتدر القاسم بن سيما غازيا في الصائفه الى الروم في جمع كثيف من الجند في شوال فغنم وسبى.
وفيها ولى ورقاء بن محمد الشيبانى امر السواد بطريق مكة فرفع المؤن عن الناس، وحسم عنها ضر الاعراب وما كانوا يفعلونه في الطريق من السلب والقتل، وحسن اثر ورقاء هنالك، ولم يزل مقيما بتلك الناحية الى ان رجع الحاج مسلمين شاكرين لفعله فيهم.
ولجمادى الاولى من هذا العام ورد الخبر بان اركان البيت الأربعة غرقت في سيول كانت بمكة وغرق الطواف وفاضت بئر زمزم، وانه كان سيلا لم ير مثله في قديم الأيام وحديثها.
وفي شوال منها توفى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر المعروف بالصناديقى، ودفن في مقابر قريش، وصلى عليه القاضى احمد بن إسحاق بن البهلول.
وفي شهر رمضان منها توفى يوسف بن يعقوب القاضى ومحمد بن داود الاصبهانى الفقيه.
وورد الخبر بوفاه عيسى النوشرى عامل مصر، فولى السلطان مكانه تكين الخاصة، وتوجه من بغداد الى مصر.
وفي شوال من هذه السنه توفى جعفر بن محمد بن الفرات أخو الوزير، وكان يلى ديوان المشرق والمغرب، فولى الوزير ابنه المحسن ديوان المغرب وولى ابنه الفضل ديوان المشرق.
وفي هذا العام توفى القاسم بن زرزور المغنى، وكان من الحذاق المجيدين، واسن حتى قارب تسعين سنه.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.
(11/36)

ثم دخلت

سنه ثمان وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها قدم القاسم بن سيما من غزاه الصائفه الى الروم، ومعه خلق كثير من الأسرى، وخمسون علجا قد حملوا على الجمال مشهورين، بأيدي جماعه منهم اعلام الروم، عليها صلبان الذهب والفضه، وذلك يوم الخميس لاربع عشر ليله بقيت من شهر ربيع الاول.
وفيها خالف سبكرى والتوى بما عليه، فندب لمحاربته وصيف كامه غلام الموفق، وشخص معه وجوه القواد، وفيهم الحسين بن حمدان وبدر غلام النوشرى وبدر الكبير المعروف بالحمامى، فواقعوا سبكرى في باب شيراز وهزموه، وأسروا القتال صاحبه وهرب بعض قواده عنه وفتق عسكره بماله واثقاله الى ناحيه كرمان، وورد الخبر بان سبكرى اسر، وكان الذى اسره سيمجور غلام احمد بن اسماعيل، ثم قدم وصيف كامه بالقتال صاحب سبكرى، فادخل على فيل وعليه برنس طويل، وبين يديه ثلاثة عشر أسيرا على الجمال، وعليهم دراريع وبرانس من ديباج، فخلع على وصيف وسور وطوق بطوق ذهب منظوم بجوهر، ثم دخل سبكرى وحضر دخوله الوزير ابن الفرات وسائر القواد يوم الاثنين لإحدى عشر ليله بقيت من شوال، وكان قد حمل على فيل وشهر ببرنس طويل، وبين يديه الكرك ومن يضرب بالصنوج، وخلفه الليث بن على على فيل آخر، فخلع على ابن الفرات وحمل وكان يوما مشهودا.
وحدث محمد بن يحيى الصولي انه شهد هذا اليوم قال: فتذكرت فيه حديثا كان حدثناه صافى الحرمي يوم بويع فيه المقتدر بالله، قال صافى: رايت الخليفة المقتدر بالله وهو صبى في حجر المعتضد، والمعتضد ينظر في دفتر كان كثيرا ما ينظر فيه، وهو يضرب على كتف المقتدر، ويقول له: كأني بملوك فارس قد ادخلوا إليك على الفيله والجمال، عليهم البرانس، وكان صافى يوم بيعه المقتدر يحدث بهذا، ويدعو الى الله ان يحقق هذا القول
(11/37)

وفيها وردت على المقتدر هدايا من خراسان أنفذها اليه احمد بن اسماعيل بن احمد، فيها غلمان على دوابهم وخيولهم وثياب ومسك كثير وبزاه وسمور وطرائف، لم يعهد بمثلها فيما اهدى من قبل.
وفيها جلس ابن الفرات الوزير لكتاب العطاء، فحاسبهم واشرف لهم على خيانة نحو مائه الف دينار، فورى عن الأمر قليلا إذ كان كتابه منهم، واستخرج ما وجد من المال في رفق وستر.
وفي جمادى الآخرة من هذا العام فلج عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى، فامر المقتدر ابنه محمد بن عبد الله بتولى امور الناس خليفه لأبيه، حتى يظهر حاله وما يكون من علته فنظر كما كان ينظر أبوه، وانفذ الأمور مثل تنفيذه
(11/38)

ثم دخلت

سنه تسع وتسعين ومائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فمن ذلك غزوه رستم الصائفه من ناحيه طرسوس، وهو والى الثغور، فحاصر حصن مليح الأرميني، ثم دخل عليه واحرق ارباض ذي الكلاع.
وفيها ورد رسول احمد بن اسماعيل بكتاب منه الى السلطان بانه فتح سجستان، وان اصحابه دخلوها واخرجوا من كان فيها من اصحاب الصفار، وان المعدل بن على ابن الليث صار اليه بمن معه من اصحابه في الامان، وكان المعدل يومئذ مقيما معهم بزرنج، وصار الى احمد بن اسماعيل وهو مقيم ببست والرخج، فوجه به احمد وبعياله ومن معه الى هراة، ووردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر.
وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغر، وهو احد قواد زكرويه مستأمنا
. ذكر القبض على ابن الفرات
وفي ذي الحجه غضب المقتدر على وزيره على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه، وحبس ووكل بدوره، وأخذ كل ما وجد له ولأهله، وانتهبت دوره اقبح نهب، وفجر الشرط بنسائه ونساء اهله، وكان ادعى عليه انه كتب الى الاعراب بان يكبسوا بغداد في خبر طويل.
واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان فكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية اشهر واثنى عشر يوما، وطولب ابن الفرات بأمواله وذخائره، فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعه آلاف الف دينار- فيما حكى عن الصولي- وكان مشاهدا ومشرفا على اخبارهم
(11/39)

قال: وما سمعنا بوزير جلس في الوزارة وهو يملك من العين والورق والضياع والأثاث ما يحيط بعشره آلاف الف غير ابن الفرات.
قال: وكانت له اياد جليله وفضائل كثيره قد ذكرتها في كتاب الوزراء قال ولم ير وزير اودع وجوه الناس من الأموال ما اودع ابن الفرات من قبل ولايته الوزارة، وكانت غلته تبلغ الف الف دينار ولم يمسك الناس ببغداد عن انتقاص ابن الفرات وهجوه مع حسن آثاره، واحضر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان دار المقتدر في الوقت الذى ضم فيه على ابن الفرات، فقلد الوزارة، وانصرف الى منزله بباب الشماسيه في طيار، وركب يوم الخميس بعده، فخلع عليه وحمل وقلد سيفا.
وقيل ان السبب في ولايته كان بعناية أم ولد المعتضد بامره على ان ضمن لها مائه الف دينار، وقوى امره عندها رياء كان يظهره وكان الخدم من الدار يأتونه بالكتب، فلا يكلم الواحد منهم الا بعد مائه ركعة يصليها، فكانوا ينصرفون بوصفه وما رأوا منه، وخلع على ابنه عبد الله بن محمد لخلافه ابيه، واستبدل بالعمال، وعزل كل من كان خطوطه الى على بن الفرات وآله.
وفي هذه السنه مات وصيف موشجير يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان.
وفيها مات الخرقى المحدث.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/40)

ثم دخلت

سنه ثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها امر جعفر المقتدر برفع مطالبه المواريث عن الناس، وان يورث ذوو الارحام، ولا يعرض لأحد في ميراث الا لمن صح انه غير وارث وكان الناس من قبل ذلك في بلاء وتعلل متصل من المستخرجين والعاملين.
وفيها اخرج محمد بن إسحاق بن كنداجيق بعض اصحابه لمحاربه قوم من القرامطة جاءوا الى سوق البصره، فعاثوا بها، وبسطوا ايديهم وأسيافهم على الناس فيها، فلما واقفهم اصحاب ابن كنداجيق، صدمهم القرامطة صدمه شديده حتى هزموهم، وقتل من اصحاب ابن كنداجيق جماعه، وكان محمد بن إسحاق قد خرج كالممد لهم، فلما بلغه امرهم وشده شوكتهم انصرف مبادرا الى المدينة، فانهض السلطان محمد بن عبد الله الفارقى في رجل كثير معونه لابن كنداجيق ومددا له فأقاما بالبصرة ولم يتعرضا لمحاربه.
وفي شعبان من هذه السنه قبض على ابراهيم بن احمد الماذرائى، وعلى ابن أخيه محمد بن على بن احمد، فطالبهم ابو الهيثم بن ثوابه بخمسمائة الف، فجملوا منها خمسين ألفا الى بيت المال، وصانعوا الوزير ابن خاقان وابنه وابن ثوابه بمال كثير، وصادر ابن ثوابه جماعه على مائه الف دينار، فحمل منها ابن الجصاص عشرين ألفا، وفرضت البقية على جماعه، منهم ابن ابى الشوارب القاضى وغيره.
وظهر في هذا العام ضعف امر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزير، وتغلب ابنه عبد الله عليه وتحكمه في الأمور دونه، وكثر التخليط من محمد في رايه وجميع امره، فكان يولى العمل الواحد جماعه في اسبوع من الأيام، وتقدم بالمصانعات حتى قلد عماله بادوريا في احد عشر شهرا احد عشر عاملا، وكان يدخل الرجل الذى قد عرفه دهرا طويلا فيسلم عليه فلا يعرفه، حتى يقول له: انا فلان ابن فلان، ثم يلقاه بعد ساعه فلا يعرفه
(11/41)

وفيها ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور، يعرف بالتل وخروج ماء كثير من تحته غرقت فيه عده من القرى، وورد الخبر أيضا بانخساف قطعه عظيمه من جبل لبنان وسقوطها الى البحر، وكان ذلك حدثا لم ير مثله.
وفيها ورد كتاب صاحب البريد بالدينور، يذكر ان بغله هناك وضعت فلوه ونسخه كتابه:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الموقظ بعبره قلوب الغافلين، والمرشد بآياته الباب العارفين، الخالق ما يشاء بلا مثال، ذلك الله البارئ المصور في الارحام ما يشاء وان الموكل بخبر التطواف بقرماسين رفع يذكر ان بغله لرجل يعرف بابى برده من اصحاب احمد بن على المري وضعت فلوه، ويصف اجتماع الناس لذلك، وتعجبهم لما عاينوا منه، فوجهت من أحضرني البغله والفلوه فوجدت البغله كمتاء خلوقيه والفلوه سويه الخلق تامه الأعضاء منسدله الذنب سبحان الملك القدوس لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.
وكان المقتدر لما راى عجز محمد بن عبيد الله الوزير وتبلده قد انفذ احمد بن العباس أخا أم موسى الهاشمية الى الاهواز، ليقدم باحمد بن يحيى المعروف بابن ابى البغل ليوليه الوزارة، فخرج اليه، واقبل به حتى صار بواسط، فلما قرب من دار السلطان سلم احمد بن العباس على احمد بن محمد بالوزارة، وحمل اليه ثلاثة آلاف دينار، فاتصل الخبر بمحمد بن عبيد الله الوزير من قبل حاشيته وعيونه، فركب الى الدار، وصانع جماعه من الخدم والحرم، وضمن لام ولد المعتضد التي كانت عنيت بولايته في أول امره خمسين الف دينار، فنقضت امر ابن ابى البغل، ورد واليا على فارس.
وفي شوال من هذا العام توفى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان اكثر الناس أدبا وجلاله وفهما ومروءة، وهو ابن احدى وثمانين سنه، وصلى عليه احمد بن عبد الصمد الهاشمى، ودفن في مقابر قريش وفيها مات ابو الفضل عبد الواحد بن الفضل بن عبد الوارث يوم السبت لسبع بقين من ذي الحجه.
واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك بن عبد الله الهاشمى.
(11/42)

ثم دخلت

سنه احدى وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وافى بغداد على بن عيسى بن داود بن الجراح مقدمه من مكة، وذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم، فمضى به من فوره الى دار المقتدر، فقلد الوزارة وخلع عليه لولايتها، وقلد سيفا، وقبض على محمد بن عبيد الله وابنيه عبد الله وعبد الواحد فحبسوا وكانوا قد ركبوا في ذلك النهار الى الدار، ووعدوا بان يخلع عليهم ويسلم على بن عيسى اليهم، فسلموا اليه، ووقع الأمر بضد ما ظنوه، وقعد على ابن عيسى لمحمد بن عبيد الله وناظره فقال له: اخربت الملك، وضيعت الأموال، ووليت بالعناية، وصانعت على الولايات بالرشوة، وزدت على السلطان اكثر من الف الف دينار في السنه، فقال: ما كنت افعل الا ما أراه صوابا وكان محمد بن عبيد الله فيما ذكر من تسناه يأخذ المصانعات على يدي ابى الهيثم بن ثوابه، ولا يفى بعهد لكل من صانعه برشوه، حتى قيلت فيه اشعار كثيره منها:
وزير ما يفيق من الرقاعه ... يولى ثم يعزل بعد ساعه
إذا اهل الرشا صاروا اليه ... فاحظى القوم أوفرهم بضاعة
وليس بمنكر ذا الفعل منه ... لان الشيخ افلت من مجاعه
وكان محمد بن عبيد الله قبل ان يستحيل به الحال فيما ذكر اهل الخبر.
وحسن الرأي فيه ذا دهاء وعقل، وكان ابنه عبد الله كاتبا بليغا حسن الكلام مليح اللفظ حسن الخط، جوادا يعطى العطايا الجزيله، ويقدم الأيادي الجليله، وصل عبد الله بن حمدون من ماله في مده ولايته بتسعين الف دينار الى ما وصل به غيره، واعطاه كثيرا ممن كان امله.
وفي هذه السنه رضى عن القاضى محمد بن يوسف، وقلد الشرقيه، وعسكر المهدى وخلع عليه دراعه وطيلسان وعمامة سوداء، وركب من دار الخليفة الى مسجد الرصافه، فصلى ركعتين، ثم قرئ عليه عهده بالولاية
(11/43)

وفيها ورد الخبر بوثوب ابى الهيجاء عبد الله بن حمدان بالموصل ومعه جماعه من الأكراد، وكانوا أخواله لان أمه كرديه، واغاث الجند اهل الموصل، فقتلت بينهم مقتله عظيمه، وصار ابو الهيجاء الى الأكراد، وتامر عليهم كالخالع للطاعة.
وتظلم اهل البصره من عاملهم محمد بن إسحاق بن كنداج، وشكوا به الى على ابن عيسى الوزير، فعزله عنهم بعد ان استامر فيه المقتدر لئلا يستبد بالرأي دونه، وولى البصره نجحا الطولونى، ثم ولى محمد بن إسحاق بن كنداج الدينور، وولى سليمان بن مخلد ديوان الدار، وكتابه غريب خال المقتدر، وولى على بن عيسى ابراهيم أخاه ديوان الجيش، واستخلف عليه سعيد بن عثمان والحسين بن على.
وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنه دخل مؤنس الخادم مدينه السلام، ومعه ابو الهيجاء قد اعطاه أمانا فخلع على مؤنس وعليه.
وقلد نصر القشورى مع الحجابه التي كان يتولاها ولايه السوس وجندى سابور ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى، فاستخلف على جميع ذلك يمنا الهلالي الخادم.
وفي هذه السنه اغارت الاتراك على المسلمين بخراسان، فسبت منهم نحو عشرين ألفا، الى ما ذهبت به من الأموال وقتلت من الرجال، فخرج اليهم احمد بن اسماعيل، وكان واليها في جيوش كثيره، واتبعهم فقتل منهم خلقا كثيرا واستنقذ بعض الأسرى، واوفد الى السلطان رجلا شيخا يعرف بالحمادى يستحمد اليه بفعله بالاتراك، ويخطب اليه شرطه مدينه السلام واعمال فارس وكرمان فأجيب الى كرمان وحدها وكتب له بها كتاب عهد.
وفي جمادى الآخرة من هذه السنه اطلق محمد بن عبيد الله الذى كان وزيرا وابنه عبد الله وامرا بلزوم منازلهما.
وفيها خلع على القاسم بن الحر وولى سيراف، وخلع على على بن خالد الكردى، وولى حلوان.
وفي هذه السنه ركب ابو العباس محمد بن المقتدر من القصر المعروف بالحسنى، وبين يديه لواء عقده له أبوه المقتدر على المغرب، ومعه القواد كلهم، والغلمان الحجريه وجماعه الخدم حول ركابه، وعلى بن عيسى عن يمينه ومؤنس الخادم عن يساره ونصر الحاجب بين يديه، فسار في الشارع الأعظم، ورجع في الماء والناس معه،
(11/44)

فاعترضه رجل بمربعه الحرشي، فنثر عليه دراهم مسيفه، وقال له: بحق امير المؤمنين الا أذنت لي في طلى الفرس بالغالية، فوقف له وجعل الرجل يطلى وجه الفرس، فنفر منه، وقيل له: دع وجهه، واطل سائر بدنه، فاقبل يطلى عرف الفرس وقوائمه بالغالية، فقال محمد بن المقتدر لمن حوله: اعرفوا لنا هذا الرجل.
وفي هذه السنه قلد ابو بكر محمد بن على الماذرائى اعمال مصر والاشراف على اعمال الشام وتدبير الجيوش، وخلع عليه، وذلك يوم الخميس للنصف من شهر رمضان وخلع في هذا النهار أيضا على القاسم بن سيما، وعقد له على الإسكندرية واعمال برقه.
وفي هذه السنه في جمادى الآخرة، ورد الخبر بوفاه على بن احمد الراسبى، وكان يتقلد جندى سابور والسوس وماذرايا الى آخر حدودها، وكان يورد من ذلك الف الف دينار وأربعمائة الف دينار في كل سنه، ولم يكن معه احد يشركه في هذه الاعمال من اصحاب السلطان لأنه تضمن الحرب والخراج والضياع والشحنه وسائر ما في عمله، فتخلف- فيما وردت به الاخبار- من العين الف الف دينار ومن آنيه الذهب والفضه قيمه مائه الف دينار ومن الخيل والبغال والجمال الف راس، ومن الخز الرفيع الطاقي ازيد من الف ثوب، وكان مع ذلك واسع الضيعه كثير الغلة وكان له ثمانون طرازا ينسج له فيها الثياب من الخز وغيره فلما ورد الخبر بوفاه الراسبى، انفذ المقتدر عبد الواحد بن الفضل بن وارث في جماعه من الفرسان والرجاله لحفظ ماله الى ان يوجه من ينظر فيه، ثم وجه مؤنس الخادم للنظر في ذلك، فيقال: انه صار اليه منه مال جليل، وخلع على ابراهيم بن عبد الله المسمعي، وولى النظر في دور الراسبى.
وتوفى مؤنس الخازن يوم الأحد لثمان بقين من شهر رمضان، ولم يتخلف احد عن جنازته من الرؤساء، وصلى عليه القاضى محمد بن يوسف، ودفن بطرف الرصافه، وكان جليل القدر عند السلطان، فلما مات قلد ابنه الحسن ما كان يتولاه من عرض الجيوش، فجلس ونظر، وعاقب واطلق، وفرق سائر الاعمال التي كانت الى مؤنس
(11/45)

على جماعه من القواد الذين كانوا في رسمه، وضم اصحابه الى ملازمه ابى العباس بن المقتدر، ولم يخلع على الحسن بن مؤنس للولاية مكان ابيه، فعلم ان ولايته لا تتم وعزل بعد شهرين، وعزل محمد بن عبيد الله بن طاهر وكان خليفته على الجانب الشرقى، وقدم مكانه بدر الشرابي، وعزل خزرى بن موسى خليفه مؤنس على الجانب الغربي وولى مكانه إسحاق الاشروسنى، وولى شفيع اللؤلؤى البريد وسمى شفيعا الاكبر.
وورد الخبر في شعبان بان احمد بن اسماعيل بن احمد صاحب خراسان قتله غلمانه غيله على فراشه، وكان قد اخاف بعضهم فتواطئوا على قتله ثم اجتمع سائر غلمانه فضبطوا الأمر وبايعوا لابنه نصر بن احمد وورد كتابه على المقتدر يسأله تجديد العهد له، ووردت كتب عمومته وبنى عمه يسال كل واحد منهم ناحيه من نواحي خراسان، فافرد الخليفة بالولاية ابنه وتم له الأمر.
قال الصولي: شهدت في هذا العام بين يدي محمد بن عبيد الله الوزير مناظره كانت بين ابن الجصاص وابراهيم بن احمد الماذرائى، فقال ابراهيم بن احمد الماذرائى في بعض كلامه: لابن الجصاص مائه الف دينار من مالي صدقه، لقد ابطلت في الذى حكيته وكذبت! فقال له ابن الجصاص: قفيز دنانير من مالي صدقه، لقد صدقت انا وابطلت أنت، فقال له ابن الماذرائى: من جهلك انك لا تعلم ان مائه الف دينار اكثر من قفيز دنانير، فعجب الناس من كلامهما قال الصولي: وانصرفت الى ابى بكر بن حامد فخبرته الخبر، فقال: نعتبر هذا بمحنه، فاحضر كيلجه وملاها دنانير ثم وزنها فوجد فيها اربعه آلاف دينار، فنظرنا فإذا القفيز سته وتسعون الف دينار كما قال الماذرائى.
وفي هذه السنه مات ابو بكر جعفر بن محمد المعروف بالفاريابى المحدث، لاربع بقين من المحرم وصلى عليه ابنه ودفن في مقابر الشونيزيه وفيها توفى عبد الله بن محمد بن ناجيه المحدث وكان مولده سنه عشر ومائتين.
وفيها مات الحسن بن الحسن بن رجاء، وكان يتقلد اعمال الخراج والضياع بحلب، مات فجاءه، وحمل تابوته الى مدينه السلام، ووصل يوم السبت لخمس
(11/46)

بقين من شهر ربيع الاول.
وفيها مات محمد بن عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى المعروف بالأحنف، وكان خليفه ابيه على قضاء عسكر المهدى والشرقيه والنهروانات والزوابي والتل وقصر ابن هبيرة والبصره وكور دجلة وواسط والاهواز، ودفن يوم الأحد لتسع ليال خلون من جمادى الاولى في حجره بمقام باب الشام وله ثمان وثلاثون سنه وفي هذه السنه بعد قتل احمد بن اسماعيل ورد الخبر بان رجلا طالبيا حسينيا خرج بطبرستان يدعو الى نفسه يعرف بالأطروش.
وفي آخر هذه السنه توفى احمد بن عبد الصمد بن طومار الهاشمى، وكان من قبل نقيب بنى هاشم العباسيين والطالبيين، فقلد ما كان يتقلده أخو أم موسى، فضج الهاشميون من ذلك، وسألوا رد ما كان يتولاه ابن طومار الى ابنه محمد بن احمد، فأجيبوا الى ذلك، وكان لأحمد بن عبد الصمد يوم توفى اثنتان وثمانون سنه.
واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(11/47)

ثم دخلت

سنه اثنتين وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ركب شفيع الخادم المعروف بالمقتدرى في جماعه من الجند والفرسان والرجال الى دار الحسين بن احمد المعروف بابن الجصاص، التي في سوق يحيى، ولحقه صاحب الشرطه بدر الشرابي، فوكل شفيع بالأبواب وقبض على جميع ما تحويه داره من مال وجوهر وفرش واثاث ورقيق ودواب، وحمل في وقته ذلك صناديق مختومه، ذكر ان فيها جوهر وآنيه ذهب، ووجد في داره فرشا سلطانيا من فرش أرمينية وطبرستان جليلا لا يعرف قدره، ووجد فيها من مرتفع ثياب مصر خمسمائة سفط وحفرت داره فوجدت له في بستانه اموال جليله مدفونة في جرار خضر وقماقم مرصصه الرءوس، فحملت كهيئتها الى دار المقتدر، وأخذ هو فقيد بخمسين رطلا من حديد وغل، وتسمع الناس ما جرى عليه، فصودر على مائه الف دينار بعد هذا كله، واطلق الى منزله.
وقال ابو الحسن بن عبد الحميد كاتب السيده: ان الذى صح مما قبض من مال الحسين بن احمد بن الجصاص الجوهري من العين والورق والانيه والثياب والفرش والكراع والخدم- لا ثمن ضيعه في ذلك ولا ثمن بستان- ما قيمته سته آلاف الف دينار.
وفي هذه السنه في رجب ورد كتاب محمد بن على الماذرائى الى السلطان من مصر يزعم ان وقعه كانت بين اصحاب السلطان وبين جيش القيروان فقتل من اصحاب الشيعى سبعه آلاف واسر نحوهم، وانهزم من بقي منهم، ومضوا على وجوههم، فمات اكثرهم قبل وصولهم الى برقه، ووردت كتب التجار بدخول الشيعة برقه، وعظم ما أحدثوا في تلك الناحية، وان الغلبه انما كانت لهم
(11/48)

قال الصولي: وفيها جلس على بن عيسى للمظالم في كل يوم ثلاثاء، فحضرته يوما، وقد جيء برجل يزعم انه نبى، فناظره فقال: انا احمد النبي، وعلامتي ان خاتم النبوه في ظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا سلعه صغيره، فقال له: هذه سلعه الحماقة، وليست بخاتم النبوه، ثم امر بصفعه وتقييده وحبسه في المطبق.
وفي شهر رمضان من هذه السنه وافى باب الشماسيه قائد من قواد صاحب القيروان يقال له ابو جده، ومعه من اصحابه مائتا فارس، نازعين الى الخليفة فاحضر القائد دار السلطان، وخلع عليه، واخرج هو واصحابه الى البصره ليكونوا مع محمد بن إسحاق بن كنداج.
وفيها اطلق المقتدر من سجنه الصفاري المعروف بالقتال، خلع عليه، واقطعه دارا ينزلها واجرى عليه الرزق، وامره بحضور الدار في يومى الموكب مع الأولياء، واطلق أيضا محمد بن الليث الكردى وخلع عليه، وهو ممن ادخل مع الليث، وطوف على جمل.
وفيها جاء رجل حسن البزة طيب الرائحة الى باب غريب خال المقتدر، وعليه دراعه وخف احمر وسيف جديد بحمائل، وهو راكب فرسا ومعه غلام، فاستأذن للدخول، فمنعه البواب، فانتهره واغلظ عليه، ونزل فدخل، ثم قعد الى جانب الخال، وسلم عليه بغير الإمرة، فقال له غريب وقد استبشع امره: ما تقول اعزك الله؟ قال: انا رجل من ولد على بن ابى طالب، وعندي نصيحه للخليفة لا يسعني ان يسمعها غيره، وهي من المهم الذى ان تأخر وصولي اليه حدث امر عظيم.
فدخل الخال الى المقتدر والى السيده، واعلمهما بامره، فبعث في الوزير على بن عيسى واحضر الخال الرجل، فاجتهد الوزير والحاجب نصر والخال ان يعلمهم النصيحه ما هي، فأبى حتى ادخل الى الخليفة، وأخذ سيفه، وادنى منه، وتنحى الغلمان والخدم، فاخبر المقتدر بشيء لم يقف عليه احد، ثم امره بالانصراف الى منزل اقيم له وخلع عليه ما يلبسه، ووكل به خدم يخدمونه، وامر المقتدر ان يحضر ابن طومار نقيب الطالبيين ومشايخ آل ابى طالب، فيسمعون منه ويفهمون امره، فدخلوا عليه وهو
(11/49)

على برذعه طبرية مرتفعه، فما قام الى واحد منهم، فسأله ابن طومار عن نسبته فزعم انه محمد بن الحسن بن على بن موسى بن جعفر الرضا وانه قدم من البادية، فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن- وكان قوم يقولون انه اعقب، وقوم قالوا لم يعقب- فبقى الناس في حيره من امره، حتى قال ابن طومار: هذا يزعم انه قدم من البادية وسيفه جديد الحلية والصنعه، فابعثوا بالسيف الى دار الطاق، وسلوا عن صانعه وعن نصله، فبعث به الى اصحاب السيوف بباب الطاق، فعرفوه واحضروا رجلا ابتاعه من صيقل هناك، فقيل له: لمن ابتعت هذا السيف؟ فقال:
لرجل يعرف بابن الضبعى، كان أبوه من اصحاب ابن الفرات، وتقلد له المظالم بحلب، فاحضر الضبعى الشيخ، وجمع بينه وبين هذا المدعى الى بنى ابى طالب فاقر بانه ابنه، فاضطرب الدعي وتلجج في قوله، فبكى الشيخ بين يدي الوزير حتى رحمه ووعده بان يستوهب عقوبته ويحبسه او ينفيه، فضج بنو هاشم، وقالوا: يجب ان يشهر هذا بين الناس، ويعاقب أشد عقوبة، ثم حبس الدعي، وحمل بعد ذلك على جمل، وشهر في الجانبين يوم الترويه ويوم عرفه، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي.
وفي هذه السنه اضطرب امر خراسان لما قتل احمد بن اسماعيل، واشتغل نصر بن احمد والده بمحاربه عمه، ودارت بينهما فتوق، فكتب احمد بن على المعروف بصعلوك، وكان يلى الري من قبل احمد بن اسماعيل ايام حياته الى المقتدر، ووجه اليه رسولا يخطب اليه اعمال الري وقزوين وجرجان وطبرستان، وما يستضيف الى هذه الاعمال، ويضمن في ذلك مالا كثيرا، وعنى به نصر الحاجب، حتى انفذ اليه الكتب بالولاية، ووصله المقتدر من المال الذى ضمن بمائه الف درهم، وامر بمائده تقام له في كل شهر من شهور الأهلة بخمسه آلاف درهم، واقطعه من ضياع السلطان بالري ما يقوم في كل سنه بمائه الف درهم.
وفي هذه السنه ركب المقتدر الى الميدان، وركب باثره على بن عيسى الوزير ليلحقه، فنفرت دابته وسقط سقطه مؤلمه، وامر الخليفة اصحاب الركاب باقامته،
(11/50)

وحمله على دابته، فانهضوه وحملوه، وقيلت فيه اشعار منها:
سقوطك يا على لكسف بال ... وخزى عاجل وسقوط حال
فما قلنا لعا لك بل سررنا ... وكان لما رجونا خير فال
أضعت المال في شرق وغرب ... فلم يحظ الامام بجمع مال
قال: وكان على بن عيسى بخيلا، فابغضه الناس لذلك.
ووردت الاخبار بدخول صاحب إفريقية الإسكندرية وتغلبه على برقه وغيرها، وكتب تكين الخاصة والى مصر يطلب المدد، ويستصرخ السلطان، فعظم ذلك على المقتدر ورجاله وكانوا من قبل مستخفين بأمر عبيد الله الشيعى وبابى عبد الله القائم بدعوته، وكانوا قد فحصوا عن نسبه ومكانه، وباطن امره.
قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا ابو الحسن على بن سراج المصرى، وكان حافظا لاخبار الشيعة ان عبيد الله هذا القائم بإفريقية هو عبيد الله بن عبد الله بن سالم من اهل عسكر مكرم بن سندان الباهلى صاحب شرطه زياد، ومن مواليه وسالم جده، قتله المهدى على الزندقة.
قال: وأخبرني غير ابن سراج ان جده كان ينزل بنى سهم من باهله بالبصرة، وكان يدعى انه يعرف مكان الامام القائم وله دعاه في النواحي، يجمعون له المال بسببه، فوجه الى ناحيه المغرب رجلا يعرف بابى عبد الله الصوفى المحتسب، فأرى الناس نسكا، ودعاهم سرا الى طاعه الامام، فافسد على زياده الله بن الاغلب القيروان، وكان عبيد الله هذا مقيما بسلميه مده، ثم خرج الى مصر فطلب بها، وظفر به محمد ابن سليمان، فاخذ منه مالا، واطلقه، ثم ثار المحتسب على ابن الاغلب وطرده عن القيروان، وقدم عليه عبيد الله، فقال المحتسب للناس: الى هذا كنت ادعو، وكان عبيد الله يعرف أول دخوله القيروان بابن البصرى، فأظهر شرب الخمر والغناء، فقال المحتسب: ما على هذا خرجنا، وانكر فعله، فدس عليه عبيد الله رجلا من المغاربه يعرف بابن خنزير، فقتله، وملك عبيد الله البلاد، وحاصر اهل طرابلس حتى فتحها، وأخذ اموالا عظيمه ثم ملك برقه واقبل جيشه يريد مصر، وقدم ولد
(11/51)

عبيد الله الإسكندرية، وخطب فيها خطبا كثيره محفوظه، لولا كفر فيها لاجتلبت بعضها.
ولما وردت الاخبار باستطاله صاحب القيروان بجهة مصر، انهض المقتدر مؤنسا الخادم وندب معه العساكر، وكتب الى عمال اجناد الشام بالمصير الى مصر.
وكتب الى ابنى كيغلغ وذكا الأعور، وابى قابوس الخراسانى باللحاق بتكين لمحاربته.
وخلع على مؤنس في شهر ربيع الاول سنه ثنتين وثلاثمائة وخرج متوجها الى مصر، وتقدم على بن عيسى الوزير بترتيب الجمازات من مصر الى بغداد ليروح عليه الاخبار في كل يوم، فورد الخبر بان جيش عبيد الله الخارج مع ابنه، ومع قائده حباسه انهزموا وبشر على بن عيسى بذلك المقتدر، فتصدق في يومه بمائه الف درهم، ووصل على ابن عيسى بمال عظيم، فلم يقبله ثم رجع على وقد باع له ابن ما شاء الله ضيعه باربعه آلاف دينار، وفرقها كلها شكرا لله عز وجل، ودخل مؤنس الخادم بالجيوش مصر في جمادى الآخرة، وقد انصرف كثير من اهل المغرب عن الإسكندرية ونواحيها، وانصرف ولد عبيد الله قافلا الى القيروان وكتب محمد بن على الماذرائى يذكر ضيق الحال بمصر وكثره الجيوش بها وما يحتاج اليه من الأموال لها، فانفذ اليه المقتدر مائتي بدره دراهم على مائتي جمازه مع جابر بن اسلم صاحب شرطه الجانب الشرقى ببغداد.
وورد الخبر من مصر في ذي القعده بان الاخبار تواترت عليهم بموت عبيد الله الشيعى فانصرف مؤنس يريد بغداد، وعزل المقتدر تكين عن مصر، وولاه دمشق ونقل ذكا الأعور من حلب الى مصر.
وفي هذه السنه صرف ابو ابراهيم بن بشر بن زيد أبا بكر الكريزى العامل عن اعمال قصر ابن هبيرة ونواحيه، فطالبه وضربه بالمقارع حتى مات، وحمل الى مدينه السلام في تابوت.
وفيها مات القاسم بن الحسن بن الاشيب، ويكنى أبا محمد، وكان قد حدث وحمل عنه الناس توفى لليلتين بقيتا من جمادى الاولى، ولم يتخلف عن جنازته قاض ولا فقيه ولا عدل.
وفيها ماتت بدعه جاريه عريب مولاه المأمون لست خلون من ذي الحجه
(11/52)

وصلى عليها ابو بكر بن المهتدى، وخلفت مالا كثيرا وجوهرا وضياعا وعقارات، فامر المقتدر بالله بقبض ذلك كله، وتوفيت ولها ستون سنه ما ملكها رجل قط.
وقطع في هذه السنه بطريق مكة على حاتم الخراسانى وعلى خلق عظيم معه، خرج عليهم رجل من الحسينية مع بنى صالح بن مدرك الطائي، فأخذوا الأموال واستباحوا الحرم ومات من سلم عطشا، وسلمت القوافل غير قافلة حاتم.
واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(11/53)

ثم دخلت

سنه ثلاث وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ورد الخبر بان رجلا من الطالبيين ثار بجهة واسط وانضم اليه جماعه من الاعراب والسواد، وكان للأعراب رئيس يقال له محرز بن رباح، وذلك انه بلغهم بان صاحب فارس والاهواز والبصره بعث الى حضره السلطان من المال المجتمع قبله ثلاثمائة الف دينار، حملت في ثلاث شذوات، فطمعوا في انتهابها وأخذها، وكمنوا للرسل في بعض الطريق، ففطن بهم اهل الشذوات، فافلتت منها واحده، وصاعدت، ورجعت الاثنتان الى البصره، ولم يظفر الخارجون بشيء فصاروا الى عقر واسط، وأوقعوا بأهلها، واحرقوا مسجدها، واستباحوا الحرم وبلغ حامد بن العباس خبرهم، وكان يتقلد اعمال الخراج والضياع بكسكر وكور دجلة وما اتصل بذلك، فوجه من قبله محمد بن يوسف المعروف بخزرى، وكان يتقلد له معونه واسط، وضم اليه غلمانه وقوما فرض لهم فرضا، وكتب الى السلطان بالخبر، فامده بلؤلؤ الطولونى، فلم يبلغ اليه لؤلؤ حتى قتل الطالبي ومحرز بن رباح واكثر الاعراب الخارجين معهما، واسر منهم نحو مائه اعرابى، وكتب حامد بالفتح الى المقتدر، وبعث بالأسرى، فادخلوا مدينه السلام في جمادى الاولى وقد البسوا البرانس، وحملوا على الجمال، فضجوا وعجوا وزعم قوم منهم انهم براء، فامر المقتدر بردهم الى حامد ليطلق البريء، ويقتل النطف، فقتلهم اجمعين على جسر واسط، وصلبهم.
وفي هذه السنه في جمادى الاولى ورد الخبر بان الروم حشدوا وخرجوا على المسلمين، فظفروا بقوم غزاه من اهل طرسوس، وظفرت طائفه منهم اخرى بخلق كثير من اهل مرعش وشمشاط، فسبوا من المسلمين نحوا من خمسين ألفا، وعظم الأمر في ذلك، وعم حتى وجه السلطان بمال ورجال الى ذلك الثغر، فدارت على الروم بعد ذلك وقعات كثيره
(11/54)

وفيها كانت لهارون بن غريب الخال جناية وهو سكران بمدينه السلام، على رجل من الخزر يعرف بجوامرد، ولقيه ليلا فضرب راسه بطبرزين كان في يده، فقتله بلا سبب، فشغب رفقاؤه الذين كان في جملتهم، وطلبوا هارون ليقتلوه، فمنع منهم وكانوا نحو المائه، فشكوا امره، وترددوا طالبين لاخذ الحق منه، فلم ينظر لهم فلما أعوزهم ذلك، خرجوا باجمعهم الى عسكر ابن ابى الساج، وكان قد تحرك على السلطان، وانفذ اليه المقتدر رشيقا الحرمي ختن نصر الحاجب رسولا ليصرفه عن مذهبه، فحبسه ابن ابى الساج عند نفسه، ومنعه ان يكتب كتابا الى المقتدر ثم انه اطلقه بعد ذلك، وبعث بهدايا ومال فرضى عنه.
وفيها عظم امر الحسين بن حمدان بنواحي الموصل، فانفذ اليه السلطان أبا مسلم رائقا الكبير، وكان اسن الغلمان المعتضديه واعلاهم رتبه، وكان فيه تصاون وتدين وحسن عقل، فشخص ومعه وجوه القواد والغلمان، فحارب الحسين بن حمدان، وهو في نحو خمسه عشر ألفا، فقتل رائق من قواد ابن حمدان جماعه منهم الحسن بن محمد ابن أبا التركى، وكان فارسا شجاعا مقداما وابو شيخ ختن ابن ابى مسعر الأرميني ووجه الحسين بن حمدان الى رائق جماعه يسأله ان يأخذ له الامان، وانما اراد ان يشغله بهذا عن محاربته، ومضى الحسين مصعدا ومعه الأكراد والاعراب وعشر عماريات، فيها حرمه وكان مؤنس الخادم قد انصرف من الغزاة وصار الى آمد، فوجه القواد والغلمان في اثر الحسين، فلحقوه وقد عبر باصحابه واثقاله واديا، وهو واقف يريد العبور في خمسين فارسا، ومعه العماريات، فكابرهم حتى اخذوه أسيرا، وسلم عياله وأخذ ابنه ابو الصقر أسيرا فلما راى الأكراد هذا عطفوا على العسكر فنهبوه وهرب ابنه حمزه وابن أخيه ابو الغطريف، ومعهما مال، ففطن بهما عامل آمد، وكان العامل سيما غلام نصر الحاجب، فاخذ ما معهما من المال وحبسهما.
ثم ذكر ان أبا الغطريف مات في الحبس، فاخذ راسه، وكان الظفر بحسين بن حمدان يوم الخميس للنصف من شعبان، ورحل مؤنس يريد بغداد، ومعه الحسين ابن حمدان واخوته على مثل سبيله، واكثر اهله، فصير الحسين على جمل مصلوبا على
(11/55)

نقنق، وتحته كرسي، ويدير النقنق رجل، فيدور الحسين من موقفه يمينا وشمالا، وعليه دراعه ديباج سابغه قد غطت الرجل الذى يدير النقنق، ما يراه احد، وابنه الذى كان هرب من مدينه السلام ابو الصقر قد حمل بين يديه على جمل، وعليه قباء ديباج وبرنس، وكان قد امتنع من وضع البرنس على راسه، فقال له الحسين: البسه يا بنى فان اباك البس البرانس اكثر هؤلاء الذين تراهم- وأومأ الى القتال وجماعه من الصفاريه- ونصبت القباب بباب الطاق، وركب ابو العباس محمد بن المقتدر بالله وبين يديه نصر الحاجب، ومعه الحربه وخلفه مؤنس وعلى بن عيسى واخوه الحسين خلف جمله عظيمه، عليهم السواد في جمله الجيش.
ولما صار الحسين بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين: الحمد لله الذى امكن منك، فقال له الحسين: والله لقد امتلأت صناديقى من الخلع والالويه، وافنيت أعداء الدولة، وانما اصارنى الى هذا الخوف على نفسي، وما الذى نزل بي الا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من اوليائه مثلي وبلغ الدار ووقف بين يدي المقتدر بالله، ثم سلم الى نذير الحرمي فحبسه في حجره من الدار، وشغب الغلمان والرجاله يطلبون الزيادة، ومنعوا من الدخول على مؤنس او على احد من القواد، ومضوا الى دار على بن عيسى الوزير، فاحرقوا بابه، وذبحوا في اصطبله دوابه وعسكروا بالمصلى ثم سفر بالأمر بينهم، فدخلوا واعترفوا بخطئهم وكان الغلمان سبعمائة، وكان الرجاله خلقا كثيرا، فوعدهم مؤنس الزيادة، فزيدوا شيئا يسيرا، فرضوا.
وفي آخر شهر رمضان ادخل خمسه نفر أسارى من اصحاب الحسين، فيهم حمزه ابنه ورجل يقال له على بن الناجى لثلاث بقين من هذا الشهر، ثم قبض على عبيد الله وابراهيم ابنى حمدان، وحبسا في دار غريب الخال ثم أطلقا.
وفي هذه السنه في صفر قلد ورقاء بن محمد الشيبانى معونه الكوفه وطريق مكة، وعزل عن الكوفه إسحاق بن عمران، وكان عقده على طريق مكة وقصبه الكوفه واربعه من طساسيجها: طسوج السيلحين، وطسوج فرات بادقلا، وطسوج بابل وخطرنيه والخرب، وطسوج سورا، وخلع عليه وعقد له لواء
(11/56)

وفي هذه السنه اغلظ على بن عيسى لأحمد بن العباس أخي أم موسى، وقال له:
قد افنيت مال السلطان ترتزق في كل شهر من شهور الأهلة سبعه آلاف دينار، وكتب رقعه بتفصيلها، فلم تزل أم موسى ترفق لعلى بن عيسى الى ان امسك عنه.
وفي هذه السنه نظر على بن عيسى بعين رايه الى امر القرامطة فخافهم على الحاج وغيرهم، فشغلهم بالمكاتبة والمراسله والدخول في الطاعة، وهاداهم واطلق لهم التسوق بسيراف، فردهم بذلك وكفهم، فخطاه الناس فلما عاينوا بعد ذلك ما فعله القرامطة حين احرجوا، علموا ان الذى فعله على صواب كله وشنع على على بن عيسى بهذا السبب انه قرمطى، ووجد حساده السبيل الى مطالبته بذلك، وكان الرجل ارجح عقلا، واحسن مذهبا من الدخول فيما نسب اليه.
وفي هذه السنه مات ابو الهيثم بن ثوابه الاكبر بالكوفه في الحبس بعد ان أخذ منه إسحاق بن عمران مالا جليلا للسلطان ولنفسه وقيل انه احتال في قتله خوف ان يقر عليه يوما بما أخذ منه لنفسه.
وفيها مات الفضل بن يحيى بن فرخان شاه الديراني النصراني من ديرقنا فقبض السلطان على جميع املاكه، وكانت له عند رجل مائه وخمسون الف دينار، فأخذت من الرجل، ووجه شفيع المقتدرى ومعه غلمان وخدم الى قنا فاحصوا تركته وضياعه.
وفيها مات ادريس بن ادريس العدل في القادسية وهو حاج الى مكة، وكان امره قد علا في التجارة والمكانه عند السلطان، وكان يحج في كل سنه، ويحمل معه مالا ينفقه على من احتاج الى النفقة قال محمد بن يحيى الصولي: انا سمعته يوما يقول: يلزمني كل سنه في الحج نفقه غير ما اصرفه في أبواب البر خمسه آلاف دينار.
وفيها مات ابو الأغر السلمى فجاءه لسبع خلون من ذي الحجه قال نصف النهار بعد ان تغدى ثم حرك للصلاة فوجد ميتا.
واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(11/57)

ثم دخلت

سنه اربع وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[مخالفة خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد على السلطان]
وفي المحرم من هذه السنه ورد كتاب صاحب البريد بكرمان يذكر ان خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد- وكان على بن عيسى الوزير ولاه الخراج بكرمان وسجستان- خالف على السلطان، ودعى أميرا، وجمع الناس الى نفسه، وضمن لهم الأموال على ان ينهضوا معه لمحاربه بدر الحمامي صاحب فارس، وضمن القواد كانوا معه مالا عظيما، وعجل لهم منه بعضه حتى اجتمع له نحو عشره آلاف فارس وراجل، وكان ضعيف الرأي ناقص القريحه، فكتب المقتدر الى بدر الحمامي في انفاذ جيش اليه ومعاجلته، فوجه اليه بدر قائدا من قواده يعرف بدرك وضم اليه من جنده ورجال فارس عسكرا كثيرا، وكتب بدر قبل انفاذ الجيش الى ابى يزيد الشعراني يرغبه في الطاعة، ويتضمن له العافيه، مع الانهاض في المنزله، وخوفه وبال المعصية، فجاوبه ابو يزيد: والله ما اخافك لانى فتحت المصحف فبدر الى منه قول الله عز وجل: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ومع ذلك ففي طالعى كوكب بيبانى لا بد ان يبلغني غاية ما اريد، فانفذ بدر الجيش اليه، وحوصر حتى أخذ أسيرا فقيلت فيه اشعار منها:
يا با يزيد قائل البهتان ... لا تغترر بالكوكب البيبانى
واعلم بان القتل غاية جاهل ... باع الهدى بالغى والعصيان
قد كنت بالسلطان عالى رتبه ... من ذا الذى أغراك بالسلطان
ثم اتى الخبر بان أبا يزيد هذا مات في طريقه، فحمل راسه الى مدينه السلام ونصب على سور السجن الجديد، وعزل يمن الطولونى عن اماره البصره، ووليها الحسن بن خليل بن ريمال، على يدي شفيع المقتدرى، إذ كانت امارتها اليه.
(11/58)

ذكر التقبض على على بن عيسى الوزير وولايه على بن الفرات ثانيه
وقبض في هذه السنه على الوزير على بن عيسى يوم الاثنين، لثمان ليال خلون من ذي الحجه، ونهبت منازل اخوته ومنازل حاشيته وذويه، وحبس في دار المقتدر، وقلد الوزارة في هذا اليوم على بن محمد بن موسى بن الفرات، وخلع عليه سبع خلع، وحمل على دابه بسرجه ولجامه، فجلس في داره بالمخرم المعروفه بدار سليمان بن وهب، وردت عليه اكثر ضياعه التي كانت قبضت منه عند التسخط عليه، وظهر من كان استتر بسببه من صنائعه ومواليه.
وذكر عنه انه لما ولى ابن الفرات الوزارة وخلع عليه بالغداة، زاد ثمن الشمع في كل من منه قيراط ذهب، لكثرة ما كان ينفقه منه في وقيده، وينفق بسببه وزاد في ثمن القراطيس لكثرة استعماله إياها فعد الناس ذلك من فضائله، وكان اليوم الذى خلع عليه فيه يوما شديد الحر.
فحدثني ابن الفضل بن وارث انه سقى في داره في ذلك اليوم، وتلك الليلة اربعون الف رطل من الثلج، وركب على بن محمد الى المسجد الجامع ومعه موسى بن خلف صاحبه فصيح به الهاشميون: قد أسلمنا، وضجوا في امر أرزاقهم، فامر ابن الفرات من كان معه الا يكلمهم في شيء، فافرطوا في القول، فأنكر ذلك المقتدر وامر بان يحجب اصحاب المراتب عن الدار، فصار مشايخهم الى ابن الفرات واعتذروا اليه، وقالوا له: هذا فعل جهالنا، فكلم الخليفة فيهم حتى رضى عنهم، وضم الى ابن الفرات جماعه من الغلمان الحجريه، ليركبوا بركوبه ويكونوا معه في كل موضع يكون فيه.
وفيها ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه انه وجد بالقندهار في ابراج سورها برج متصل بها فيه خمسه آلاف راس، في سلال من حشيش، ومن هذه الرءوس تسعه وعشرون راسا، في اذن كل راس منها رقعه مشدودة بخيط ابريسم، باسم كل رجل منهم
(11/59)

والأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمى، الحارث ابن عبد الله، طلق بن معاذ السلمى، حاتم بن حسنه، هانئ بن عروه، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبد الله ابن سليمان بن عماره، سليمان بن عماره، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل ابن السهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندى، حبيب بن انس، هارون بن عروه، غيلان بن العلاء، جبريل بن عباده، عبد الله البجلي، مطرف ابن صبح ختن عثمان بن عفان رضى الله عنه، وجدوا على حالهم الا انهم قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغير، وفي الرقاع من سنه سبعين من الهجره
. [أخبار متفرقة]
وفي هذه السنه عزل يمن الطولونى عن شرطه بغداد، ووليها نزار بن محمد الضبي.
وفي المحرم من هذه السنه توفى عبد العزيز بن طاهر بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن طاهر، وكان عبدا صالحا حسن المذهب، كثير الخير، ودفن في مقابر قريش، وصلى عليه مطهر بن طاهر.
وفيها مات محدث عدل يعرف بابى نصر الخراسانى في جمادى الاولى.
وفيها مات ابو الحسن احمد بن العباس بن الحسن الوزير في شعبان، وكان قد عنى بالأدب ورشح نفسه للوزارة، واهله قوم لها.
وفيها مات لؤلؤ غلام ابن طولون.
وفيها مات ابو سليمان داود بن عيسى بن داود بن الجراح قبل القبض على أخيه على بن عيسى بشهرين، فلم يتخلف احد عن جنازته من الاجلاء.
وفي هذه السنه قدم طرخان بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق من الدينور حاجا في شهر رمضان، فركب الى الوزير على بن عيسى يوم الاثنين لإحدى عشره ليله بقيت من شوال، وليس عنده خبر، فعزاه الوزير عن ابيه، فجزع عليه جزعا شديدا وخلع عليه في يوم الخميس بعد ثلاثة ايام وعقد له لواء على اعمال ابيه، فكتب
(11/60)

الى أخيه يستخلفه على العمل، ونوظر عن الاعمال التي كانت الى ابيه، فقطع الأمر معه على ستين الف دينار، حملها عنه حمد كاتبه، وجيء بتابوت محمد بن إسحاق لاربع بقين من شوال، ودفن في داره بالجانب الغربي.
واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.
(11/61)

ثم دخلت

سنه خمس وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها دخل مدينه السلام رسل ملك الروم ورئيساهم: شيخ وحدث، ومعهما عشرون علجا، فانزلوا الدار التي كانت لصاعد، ووسع عليهم في الأنزال والوظائف، ثم ادخلوا بعد ايام الى دار الخليفة من باب العامه، وجيء بهم في الشارع الأعظم، وقد عبى لهم المصاف من باب المخرم الى الدار، فانزل الرئيسان عن دابتهما عند باب العامه، وادخلا الدار وقد زينت المقاصير بأنواع الفرش، ثم أقيما من الخليفة على نحو مائه ذراع، والوزير على بن محمد بين يديه قائم، والترجمان واقف يخاطب الوزير، والوزير يخاطب الخليفة، وقد اعد من آلات الذهب والفضه والجوهر والفرش ما لم ير مثله، وطيف بهما عليه ثم صير بهما الى دجلة، وقد اعدت على الشطوط الفيله والزرافات والسباع والفهود، وخلع عليهما، وكان في الخلع طيالسه ديباج مثقلة، وامر لكل واحد من الاثنين بعشرين الف درهم، وحمل في الشذا مع الذين جاءوا معهما، وعبر بهما الى الجانب الغربي وقد مد المصاف على سائر شراع دجلة الى ان مر بهما تحت الجسر الى دار صاعد، وذلك يوم الخميس لست بقين من المحرم.
وقدم ابراهيم بن احمد الماذرائى من مكة، فقبض عليه ابن الفرات واغلظ له وصادره على مال عجل بعضه، ونجم الباقى عليه، وكتب ابن الفرات الى على بن احمد ابن بسطام المتقلد لاعمال الشام في المصير الى مصر، والقبض على الحسين بن احمد المعروف بابى زنبور، وعلى ابن أخيه ابى بكر محمد بن على، وحملهما الى مدينه السلام على جمازات، ونفذ اليه بهما من بغداد بعد مصادرتهما والاستقصاء عليهما، وحمل مال المصادره الى مدينه السلام، وقد كانا قبل ذلك ظفرا بابن بسطام، فأحسنا اليه فجازاهما ابن بسطام أيضا، بان رفق بهما وحسن أمورهما، وعنى بهما بعض حاشيه السلطان ببغداد وقيل للخليفة: ان الوزير انما وجه في قتلهما، فانفذ
(11/62)

خادما من ثقات خدمه على الجمازات في طريق البريه الى دمشق، ومنها الى مصر وامر ابن بسطام الا يناظرهما الا بحضره الخادم الموجه اليه، والا يعنف عليهما وكان ذلك مما يحبه ابن بسطام، لأنه كان أساء بهما غاية الإساءة، وأخذ منهما مالا جليلا يقال انه احتجنه، وتقلد ابو الطيب اخوه مناظره ابن بسطام، رفقا به أيضا ولم يشتدا عليه في شيء مما كان اليه واحسنا اليه، وسلماه الى تكين صاحب مصر ليناظر بحضرته، فنسب ابو الطيب بفعله ذلك الى العجز وقال فيه بعض الشعراء بمصر شعرا ذكرته لما فيه من مذهبهم في شنعه التعذيب والاستقصاء:
يا أبا الطيب الذى اظهر الله ... به العدل ليس فيك انتصار
قد تانيت وانتظرت فهل بعد ... تانيك وقفه وانتظار
جد بالخائن البخيل فكشفه ... ففي كشفه عليه دمار
اين ضرب المقارع الارزنيات ... واين الترهيب والانتهار
اين صفع القفا واين التهاويل ... إذا علقت عليه الثفار
اين ضيق القيود والالسن الفظه ... اين القيام والاخطار
اين عرك الاذان واللطم للهام ... وعصر الخصا واين الزيار
اين نتف اللحا وشد الحيازيم ... واين الحبوس والمضمار
ليس يرضى بغير ذا منك سلطانك ... فاشدد فان رفقك عار
فبهذا يجيك مالك فاسمع ... وإليك الخيار والاختيار
وقبض ببغداد على ابن اخت ابراهيم بن احمد الماذرائى، وهو ابو الحسين محمد بن احمد، وكان يكتب لبدر الحمامي، ويخلف أبا زنبور وأبا بكر محمد بن على وطالبه ابن الفرات باموال، فاغرمه وأخذ جميع ما وجد له في داره.
وفي هذه السنه ورد الخبر بان الحسن بن خليل بن ريمال امير البصره من قبل شفيع المقتدرى أساء السيرة في البصره، ومديده الى امور قبيحه، ووظف على الاسواق وظائف، فوثبوا به، فركب واحرق السوق التي حول الجامع، وركضت خيله في المسجد، وقتلوا جماعه من العامه ممن كان في المسجد، ولم تصل الجمعه في ذلك اليوم ثم كثر اهل البصره فحاصروه في داره بموضع يعرف ببني نمير، واجتمع اصحابه اليه الى ان تقدم المقتدر الى شفيع المقتدرى بعزله، فعزله وولى رجلا من اصحابه يعرف بابن ابى دلف
(11/63)

الخزاعي، فانحدر وافرج اهل البصره للحسن بن خليل حين خرج، وقد كان اهل البصره أطلقوا المحبوسين ومنعوا من صلاه الجمعه شهرا متواليا.
وفي هذه السنه ورد رجل من عسكر ابن ابى الساج يعرف بكلب الصحراء في الامان فذكر انه علوي، وان ابن ابى الساج كان يعتقله وانه هرب منه، فأجرى له ثلاثمائة دينار في المجتازين، وكتب الى ابن ابى الساج بذلك، فدس اليه من يناظره عن نسبه، وكان قد تزوج بامرأة ابن ابى ناظره، وهي ابنه الحسن بن محمد بن ابى عون، فاحضر ابن طومار النقيب، فناظره، وكان دعيا فسلم الى نزار بن محمد صاحب الشرطه ببغداد فوضعه في الحبس.
وفي شوال من هذه السنه دخل مؤنس الخادم الى الري لمحاربه ابن ابى الساج، بعد ان هزم ابن ابى الساج خاقان المفلحى، فما ترك أحدا من اصحابه يتبعه، ولا يأخذ من اصحابه شيئا ودخل ابن الفرات الى المقتدر بالله، فاعلمه ان على ابن عيسى كتب الى ابن ابى الساج يأمره ان يصير الى الري، حيله على الخليفة وتدبيرا عليه، فسمع المقتدر بالله هذا الكلام من ابن الفرات، فلما خرج سال على ابن عيسى عنه، وكان محبوسا عنده في داره، فقال له على: الناحية التي انهضت إليها ابن ابى الساج منغلقه بأخي صعلوك، فكتبت اليه بمحاربته، ولا أبالي من قتل منهما، وقد استأذنت امير المؤمنين في فعلى هذا، فاذن فيه، وسألته التوقيع به فوقع، وتوقيعه عندي، فاحضر التوقيع، فحسن موقع ذلك له من المقتدر ووسع على على بن عيسى في محبسه ولم يضيق عليه.
وفيها ورد الخبر بقتل عثمان العنزي القائد والى طريق خراسان، وادخل بغداد في تابوت، ثم ظفر بقاتله، وكان رجلا كرديا من غلمان علان الكردى، فضرب وثقل بالحديد حتى مات.
وفيها وردت هدايا احمد بن هلال صاحب عمان على المقتدر بالله، وفيها الوان الطيب ورماح وطرائف من طرائف البحر، فيها طير صينى اسود يتكلم افصح من الببغاء بالهندية والفارسيه، وفيها ظباء سود.
وفيها قدم القاسم بن سيما الفرغاني من مصر بعد ان عظم بلاؤه، وحسن اثره في حرب حباسه قائد الشيعة بمصر، وكان اهل مصر قد هزموا ودار سيف اهل المغرب بهم
(11/64)

حتى لحقهم القاسم، فنجاهم كلهم وهزم حباسه واصحابه، فركبوا الليل، ووردت كتب اهل مصر وصاحب البريد بها يذكرون جليل فعله، وحسن مقامه وهو لا يشك في ان السلطان يجزل له العطاء ويقطعه الاقطاع الخطيره، ويوليه الاعمال العاليه فلما وصل الى باب الشماسيه أقاموه بها، ومنعوه الدخول الى ان مل وضجر ثم أذنوا له في الوصول، فاعتدوا بذلك نعمه عليه وكان القاسم رجل صدق، كثير الفتوح، حسن النيه، فلم يزل منذ دخل بغداد كمدا عليلا الى ان توفى في آخر هذه السنه يوم الجمعه لسبع ليال بقين من ذي الحجه.
وفيها ماتت بنت للمقتدر، فدفنت بالرصافة، وحضرها آل السلطان، وطبقات الناس.
وفيها مات القاسم بن زكرياء المطرز المحدث في صفر.
وفي شهر ربيع الآخر مات القاسم بن غريب الخال، ولم يتخلف عن جنازته احد من القواد والاجلاء، وركب ابن الفرات الوزير الى غريب معزيا في عشى ذلك اليوم الذى دفن ابنه في غداته.
وفي هذا الشهر ورد الخبر بموت العباس بن عمرو الغنوي، وكان عامل ديار مضر، ومقيما بالرقة، فحمل ما تخلف من المال والأثاث والسلاح والكراع الى المقتدر، واضطرب بعد موته امر ديار مضر، فقلدها وصيف البكتمرى، فلم يظهر منه فيها اثر يرضى، فعزل، وقلدها جنى الصفواني فضبطها.
وفيها مات عبد الله بن ابراهيم المسمعي يوم السبت لتسع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، ودفن في داره التي أقطعها بباب خراسان، وكان عبد الله بن ابراهيم المسمعي عاقلا عالما، قد كتب الحديث، وسمع عن الرياشي سماعا كثيرا، وكان حسن الحفظ، وكان ابنه عالما الا انه كان دونه.
وفيها مات سبكرى غلام عمرو بن الليث الصفار ببغداد.
وفيها مات غريب خال المقتدر يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصلى عليه احمد بن العباس الهاشمى أخو أم موسى، ودفن بقصر عيسى وحضر جنازته الوزير على بن محمد وجميع حاشيته والقواد والقضاه، وكان نصر الحاجب قد احس من المقتدر سوء راى في الوزير ابن الفرات واستثقالا لمكانه، وعملا في الإيقاع به،
(11/65)

فوجه نصر الى المقتدر يشعره بان ابن الفرات قد حضر الجنازة في جميع اهله وحاشيته، وقال له: ان كنت عازما على انفاذ امرك فيهم، فاليوم امكنك إذ لا تقدر على جمعهم هكذا، فوجه المقتدر: اخر هذا فليس وقته، وخلع بعد جمعه من ذلك اليوم على هارون ابن غريب، وقلد ما كان يتقلد أبوه من الاعمال، وعقد له لواؤه بعد ذلك.
وفي هذه السنه مات مصعب بن إسحاق بن ابراهيم يوم الأحد سلخ شعبان، وقد بلغ سنا عاليه، وصلى عليه الفضل بن عبد الملك امام مكة، وكان آخر من بقي من ولد إسحاق بن ابراهيم، وانتهت اليه وصيته، وكان أعيا الناس لسانا واكثرهم في القول خطلا، وكان طويل اللحية مغفلا الا انه كان صالحا وكتب الحديث ورواه، وله اخبار وكتب مصحفه منها ما كتب به الى اهله من القادسية لما حج والفى هذا الكتاب بخطه، فحكيته على ألفاظه.
بسم الله الرحمن الرحيم كتابي إليكم من القادسية وكنت قد اغفلت امر الاضاحى فقولوا لابن ابى الورد- يعنى وكيلا له- يشترى لكم ثلاث بقرات يحضيها على احد وعشرين أمهات الأولاد اثنى عشر وابى وأمي تمام العشرين، وانا آخرهم الحادي والعشرين، فرأيكم في ذلك تعجيله ان شاء الله.
وقال فيه بعض جيرانه من الشعراء:
وصى إسحاق يا بنى صدقه ... عما قليل سياخذ الصدقه
ضد لإسحاق في براعته ... يظهر من غير منطق حمقه
وان اتى بالكلام بدله ... فقال في حلقه لنا لحقه
وورد الخبر من فارس بموت إسحاق الاشروسنى، وكان قد تقلد شرطه الجانب الشرقى من بغداد.
واقام الحج في هذه السنه ابن الفضل بن عبد الملك وأبوه حاضر معه.
(11/66)

ثم دخلت

سنه ست وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ورد الخبر بوقعه كانت بين مؤنس الخادم وبين يوسف بن ابى الساج، وذلك يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من صفر، فكانت الهزيمة على مؤنس واصحابه.
ولحق نصر السبكى مؤنسا وهو منهزم، وبين يديه مال، فاراد اسره وأخذ المال الذى كان بيده فوجه اليه يوسف: لا تعرض له ولا لشيء مما معه، واسر في هذه الوقيعه جماعه من القواد، فاكرمهم يوسف، وخلع عليهم وحملهم، ثم اطلقهم فود من كان في عسكر مؤنس انهم أسروا.
وفي هذه السنه امرت السيده أم المقتدر قهرمانه لها، تعرف بثمل ان تجلس بالرصافة للمظالم، وتنظر في كتب الناس يوما في كل جمعه، فأنكر الناس ذلك، واستبشعوه، وكثر عيبهم له والطعن فيه وجلست أول يوم، فلم يكن لها فيه طائل، ثم جلست في اليوم الثانى، واحضرت القاضى أبا الحسن، فحسن امرها واصلح عليها، وخرجت التوقيعات على سداد، فانتفع بذلك المظلومون، وسكن الناس الى ما كانوا نافروه من قعودها ونظرها.
وفيها امر المقتدر يمنا الطولونى- وكانت اليه الشرطه ببغداد- بان يجلس في كل ربع من الارباع فقيها يسمع من الناس ظلاماتهم، ويفتى في مسائلهم حتى لا يجرى على احد ظلم، وامره الا يكلف الناس ثمن الكاغذ الذى تكتب فيه القصص، وان يقوم به، والا يأخذ الأعوان الذين يشخصون مع الناس اكثر من دانقين في اجعالهم.
وفي هذه السنه استطاب المقتدر الزبيديه فسكنها، واقام بها مده، ونقل إليها بعض الحرم، ورتب القواد في مضاربهم حوالى الزبيديه، وجلس في يوم سبت لاطعامهم ووصل جماعه منهم وشرب مع الحرم، وفرق عليهن مالا كثيرا.
قال محمد بن يحيى الصولي: ووافق هذا اليوم قصدى الى نصر الحاجب مسلما عليه، فأمرني بعمل شعر اصف فيه حسن النهار، وان اوصله الى المقتدر، ففعلت
(11/67)

وما برحت من عنده حتى جاء خادم لام موسى، ومعه خمسه آلاف درهم فقال:
هذه للصولي، وقد استحسن امير المؤمنين الشعر، وكان أولها:
لها كل يوم من تعتبه عتب ... تحملني ذنبا وما كان لي ذنب
وفيها:
كواكب سعد قابلتها منيره ... فلا شخصها يخفى ولا نورها يخبو
واطلع أفق الغرب شمس خلافه ... وما خلت ان الشمس يطلعها الغرب
تلبس حسنا بالخليفه جعفر ... واشرق من اشراقه البعد والقرب
بمقتدر بالله عال على الهوى ... له من رسول الله منتسب رحب
ولما هزم ابن ابى الساج مؤنسا الخادم ارجف الناس بالوزير ابن الفرات، وأكثروا الطعن عليه، ونسبوا كل ما حدث الى تضييعه، وانكفى عليه اعداؤه ومن كان يحسده، واغرى الخليفة به، فكتبت رقعه واخرجت من دار السلطان الى على ابن عيسى وهو محبوس، وسمى له فيها جماعه ليقول فيهم بمعرفته، وليستوزر من يشير به منهم، وكان في جمله التسميه ابراهيم بن عيسى، فوقع تحته شره لا يصلح، ووقع تحت اسم ابن بسطام كاتب سفاك للدماء، ووقع تحت اسم ابن ابى البغل ظالم لا دين له، ووقع تحت اسم حامد بن العباس عامل موسر عفيف قد كبر، ووقع تحت اسم الحسين بن احمد الماذرائى لا علم لي به، وقد كفى ما في ناحيته، ووقع تحت اسم احمد بن عبيد الله بن خاقان احمق متهور ووقع تحت اسم سليمان بن الحسن بن مخلد كاتب حدث ووقع تحت اسم ابن ابى الحوارى لا اله الا الله فاجمع راى المقتدر ومن كان يشاوره على تقليد حامد بن العباس الوزارة واعان على ذلك نصر الحاجب ورآه صوابا، فانفذ المقتدر حاجبه المعروف بابن بويح للإقبال بحامد، وقبض على على بن محمد بن الفرات يوم الخميس بعد العصر لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر، وعلى من ظفر به من آله وحاشيته، فكانت وزارته في هذه المده سنه وخمسه اشهر وتسعه عشر يوما.
وفر ابنه المحسن من ديوان المغرب وكان يليه، فدخل الى منزل الحسين بن ابى العلاء فلم يستتر امره، وأخذ فجيء به الى دار السلطان ودخل حامد بن العباس بغداد يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى عشيا، فبات في دار نصر الحاجب التي
(11/68)

في دار السلطان، ووصل يوم الثلاثاء من غدوه الى المقتدر، وخلع عليه بعد ان تلقاه الناس من نهر سابس الى بغداد، ولم يتخلف عنه احد، وراى السلطان ومن حوله ضعف حامد وكبره، فعلموا انه لا بد له من معين، فاخرج على بن عيسى من محبسه، وانفذ الى الوزير حامد ومعه كتاب من الخليفة يعلمه فيه انه لم يصرف عليا عن الوزارة لخيانه ولا لشيء انكره، ولكنه واصل الاستعفاء، فعوفي، قال: وقد انفذته إليك لتوليه الدواوين وتستخلفه وتستعين به فان ذلك اجمع لامورك، وأعون على جميل نيتك فسلم الكتاب الى الوزير شفيع المقتدرى، فتطاول لعلى بن عيسى حين دخل اليه واجلسه الى جانبه فأبى عليه وجلس منزويا قليلا، وقرأ الرقعة، وأجاب فيها بالشكر والقبول وركب الوزير حامد وعلى بن عيسى الى الجمعه، وكثر دعاء الناس لهما وولى ابن حماد الموصلى مناظره ابن الفرات بحضره شفيع اللؤلؤى، واحضر حامد بن العباس المحسن بن على بن محمد بن الفرات وموسى بن خلف فطالبهما بالمال، واسرف في صفعهما وضربهما وشتمهما، فقال له موسى بن خلف: أعز الله الوزير! لا تسن هذا على اولاد الوزراء فان لك أولادا، فغاظه ذلك، فزاد في عقوبته، فحمل من بين يديه، وتلف واوقع بالمحسن، فامر المقتدر بالله باطلاق المحسن، فاطلق.
ولما بلغ ابن الفرات الخبر، اظهر انه راى أخاه في النوم، كأنه يقول له:
أعطهم مالك، فإنك تسلم، فاستدعى ابن الفرات ان يسمع الخليفة منه، فاحضره فاقر له فان قبل يوسف بن بنخاس وهارون بن عمران الجهبذين اليهوديين سبعمائة الف دينار، فاحضرهما حامد، فاقرا بالمال، فأخذه منهما، واقر بمائه الف دينار له عند بعض أسبابه، فأخذت، وأخذوا قبل ذلك منه نحو مائتي الف دينار، فكانت الجمله التي أخذت منه ومن أسبابه الف الف دينار وكان السلطان انفذ جمازات الى الحسين بن احمد الماذرائى، يأمره بالقدوم، فارجف الناس ان ذلك للوزارة وقيل أيضا: ليحاسب عن اعماله، فقدم الى بغداد للنصف من شهر رمضان سنه ست واهدى الى الخليفة هدايا جليله، والى السيده، وحمل مالا، واهدى الى على بن عيسى مالا وهدايا، فردها وامره ان يحملها الى السلطان، واخرج ابن الفرات، واجتمعت الجماعه لمناظرته، فاقر للحسين بن احمد انه حمل اليه عند تقلده الوزارة في الدفعه
(11/69)

الثانيه ستمائه الف دينار، فاقر بوصول المال اليه، وذكر وجوها يترفه فيها، فقبل بعض ذلك، والزم الباقى، ورد الحسين بن احمد على مصر وأعمالها، واخوه على الشام، وشخص إليها لست بقين من ذي القعده، وخرج توقيع الخليفة باسقاط جميع ما صودر عليه الحسين بن احمد وابن أخيه محمد بن على بن احمد والاقتصار بهما من جميع ذلك على مائتي الف دينار.
وورد الخبر يوم الترويه سنه ست وثلاثمائة بان احمد بن قدام، ابن اخت سبكرى- وكان احد قواد كثير بن احمد امير سجستان- وثب على كثير، فقتله وملك البلد، وكاتب السلطان بمقاطعته على البلد، وكان كثير هذا يحجب أبا يزيد خالد بن محمد المقتول الذى ذكرنا امره قبل هذا 4.
وفيها وثب جماعه من الهاشميين على على بن عيسى حين تاخرت أرزاقهم، وقد خرج من عند حامد بن العباس وشتموه وزنوه، وخرقوا دراعته وارجلوه، فخلصه القواد منهم، فحاربوهم وضربوا ضربا شديدا، واتصل ذلك بالمقتدر بالله، فامر فيهم بامور عظام، وان ينفوا الى البصره مقيدين، فحملوا في سفينه مطبقة بعد ان ضرب بعضهم بالدرة، وامر بان يحبسوا في المحبس، فلما وصلوا اجلسهم سبك الطولونى امير البصره على حمير مقيدين، وادخلهم الى دار في جانب المحبس، وكلمهم بجميل، ووعدهم، وفرق فيهم اموالا الا انه اسر ذلك، ثم نفذ الكتاب باطلاقهم، فاحسن اليهم سبك الطولونى، واحضرهم وزادهم، وصنع لهم طعاما ثم وصلهم، واكريت لهم سميريات، فكان مقامهم بالبصرة عشره ايام، ووصلهم حامد وأم موسى وأخوها وعلى بن عيسى.
وفي هذه السنه أخذ من القاضى محمد بن يوسف مائه الف دينار وديعة، كانت لابن الفرات، وزفت ابنه القاسم بن عبيد الله الى ابى احمد بن المكتفي بالله، فعملت لهما وليمة انفق فيها مال جليل يزيد على عشرين الف دينار.
وفيها عزل نزار بن محمد عن شرطه بغداد ووليها محمد بن عبد الصمد ختن تكين من قواد نصر الحاجب.
وفيها مات إسحاق بن عمران يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر.
وفيها مات محمد بن خلف، وكان اليه قضاء الاهواز وولى ابن البهلول قاضى الشرقيه مكانه
(11/70)

وفيها ورد الخبر في أول جمادى الاولى بوفاه عج بن حاج، امير الحجاز، فكتب السلطان الى أخيه ان يلى مكانه.
وفيها مات القاضى احمد بن عمر بن سريج وكان اعلم من بقي بمذهب الشافعى واقومهم به، ودفن يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الآخر.
وفي هذه السنه مات الحسين بن حمدان في الحبس، وقد قيل قتل، وقد كان على بن محمد بن الفرات تضمن عنه قبل القبض عليه ان يغرم السلطان مالا عظيما يقيم به الكفلاء، فعورض في ذلك وقيل له: انما يريد الحيله على الخليفة، فامسك.
وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر احمد بن العباس أخو أم موسى.
(11/71)

ثم دخلت

سنه سبع وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها اشخص عبد الله بن حمدان الى مؤنس الخادم لمعاونته على حرب يوسف ابن ابى الساج، فواقعه باردبيل، وانهزم ابن ابى الساج، فاسر وادخل مدينه السلام مشهرا، عليه الدراعه الديباج التي ألبسها عمرو بن الليث الصفار، والبس برنسا طويلا بشفاشج وجلاجل، وحمل على الفالج، وادخل من باب خراسان، فساء الناس ما فعل به إذ لم تكن له فعله ذميمه في كل من اسره او ظفر به، وحمل مؤنس وكسى وخلع على وجوه اصحابه، ووكل المقتدر بابن ابى الساج، وحبس في الدار، وامر بالتوسع عليه في مطعمه ومشربه، وهرب سبك غلام ابن ابى الساج عند الوقيعه، وكان صاحب امره كله ومدبر جيشه، وهرب معه اكثر رجال ابن ابى الساج، فقال مؤنس ليوسف: اكتب الى سبك في الاقبال إليك، فان ذلك مما يرفق الخليفة عليك.
ففعل ابن ابى الساج، وكتب الى سبك، فجاوبه: انى لا افعل حتى اعلم صنعهم فيك، وإحسانهم إليك، فحينئذ آتى طائعا.
وكانت لابن ابى الساج اشعار وهو محبوس منها:
اقول كما قال ابن حجر أخو الحجى ... وكان امرا راض الأمور ودوسا:
فلو انها نفس تموت سويه ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
ولست بهياب المنيه لو أتت ... ولم ابق رهنا للتأسف والاسى
اجازى على الاحسان فيما فعلته ... وقدمته ذخرا جزاء الذى اسا
وانى لأرجو ان أءوب مسلما ... كما سلم الرحمن في اليم يونسا
فاجزى امام الناس حق صنيعه ... وامنح شكرى ذا العنايه مؤنسا
وفيها ركبت أم موسى القهرمانه بهديه امرت أم المقتدر بتهيئتها واهدائها عن بنات غريب الخال لأزواجهن بنى بدر الحمامي، فسارت أم موسى في موكب عظيم
(11/72)

فيه الفرسان والرجاله، وقيد بين يديها اثنا عشر فرسا بسروجها ولجمها، منها سته بحليه ذهب، وسته بحليه فضه، مع كل فرس خادم بجنبه عليه منطقه ذهب وسيوف بمناطق ذهب، واربعون طختا من فاخر الثياب ومائه الف دينار مسيفه، كل ذلك هديه من قبل النساء الى ازواجهن.
وفيها قدم ابو القاسم بن بسطام من مصر الى بغداد، بعد ان كتب اليه في القدوم لإدارة أدارها على بن عيسى عليه، ومطالبه ذهب الى اخذه بها فلما قدم وجه الى الخليفة والى السيده بهديه فخمه، واموال جزيله، فقطعا عنه مطالبه على بن عيسى، وانقطع بنفسه الى الوزير حامد، فاعتنى به وكان ذلك سببا لفساد ما بين الوزير حامد وبين على بن عيسى، ووقعت بينهما ملاحاة، خرجا معها الى التهاتر والتساب، وبعث ذلك حامد الوزير الى ان يضمن للخليفة فيما كان يتقلده على واحمد ابنا عيسى اموالا عظيمه، فأجيب الى ذلك واستعمل حامد عليها عبيد الله بن الحسن بن يوسف، فبلغته عنه بعد ذلك خيانة أقلقته، فاستأذن الخليفة وشخص من بغداد الى واسط، واقام بها أياما وانحدر منها الى الاهواز واحكم ما اراد، واوفى ما عليه من الأموال مقسطا في كل شهر سوى ما وهب وانفق فزعم انه وهب مائه الف دينار، وانفق مائه الف دينار.
وقدم الى بغداد في غره ذي القعده وخلع عليه وحمل قال الصولي: رايته يوما وقد شكا اليه شفيع المقتدرى فناء شعيره، فجذب الدواة الى نفسه وكتب له بمائه كر، وكتب لام موسى بمائه كر، وكتب لمؤنس الخادم بمائه كر.
وفي هذه السنه تتابعت الاخبار من مصر باقبال صاحب المغرب إليها وموافاته الإسكندرية.
ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة بوقعه كانت بين اصحاب السلطان وبينهم في جمادى الاولى، وانه قتل من البرابر نحو من اربعه آلاف، ومن اصحاب السلطان مثلهم، فندب المقتدر مؤنسا الخادم للخروج الى مصر مره ثانيه، فخرج في شهر رمضان سنه سبع، وشيعه الى مضربه ابو العباس محمد بن امير المؤمنين المقتدر واجلاء الناس، وسار في آخر شهر رمضان فكان في الطريق باقى سنه سبع
(11/73)

وفيها مات ابو احمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لايام مضت من صفر.
وفي آخر صفر لست بقين منه توفى محمد بن عبد الحميد، كاتب السيده، وكان ممن عرضت عليه الوزارة فاباها، وكان موسرا بخيلا، وكان من مشايخ الكتاب الذين يعول عليهم في الأمور وفي احكام الدواوين، وأخذت السيده أم المقتدر بالله من مخلفيه من العين مائه الف دينار، واستكتبت السيده احمد بن عبيد الله بن احمد ابن الخصيب بعده وكان يكتب لثمل قهرمانتها، فضبط الأمر ضبطا شديدا وحمد اثره فيه.
واقام الحج للناس في هذه السنه احمد بن العباس الهاشمى.
(11/74)

ثم دخلت

سنه ثمان وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) وفيها ورد مؤنس الخادم مصر يوم الخميس لاربع خلون من المحرم، وكان المقتدر قد وجهه إليها لمحاربه الشيعة بها على ما تقدم ذكره في العام قبله، فالفى مؤنس أبا القاسم الشيعى مضطربا بالفيوم، فخرج القضاه والقواد ووجوه اهل مصر الى مؤنس، ونزل خارج المدينة، واجتبى ابو القاسم خراج الفيوم، وضياع مصر، ودفع مؤنس ارزاق الجند من اموال اهل مصر، وباع بعض ضياعها فيما اعطاهم، وضم مؤنس الجيوش اليه، وقويت بذلك نفوس اهل مصر، وجرت بين ابى القاسم الشيعى وبين اهل مصر مكاتبات واشعار بعث بها مؤنس الى الخليفة، وفيها توبيخ لهم وتحامل عليهم، وسب كثير تركنا ذكره لما فيه وقد اجتلبنا بعضها ما لم يكن فيه كبير رفث، وكذلك ما فعلنا في الجواب، وأول شعر الشيعى:
أيا اهل شرق الله زالت حلومكم ... أم اختدعت من قله الفهم والأدب
صلاتكم مع من؟ وحجكم بمن؟ ... وغزوكم فيمن؟ أجيبوا بلا كذب
صلاتكم والحج والغزو ويلكم ... بشراب خمر عاكفين على الريب
الا ان حد السيف اشفى لذى الوصب ... واحرى بنيل الحق يوما إذا طلب
الم ترني بعت الرفاهة بالسرى ... وقمت بأمر الله حقا كما وجب
صبرت وفي الصبر النجاح وربما ... تعجل ذو راى فأخطأ ولم يصب
الى ان اراد الله اعزاز دينه ... فقمت بأمر الله قومه محتسب
وناديت اهل الغرب دعوه واثق ... برب كريم من تولاه لم يخب
فجاءوا سراعا نحو اصيد ماجد ... يبادونه بالطوع من جمله العرب
وسرت بخيل الله تلقاء أرضكم ... وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب
واردفتها خيلا عتاقا يقودها ... رجال كأمثال الليوث لها جنب
(11/75)

شعارهم جدي ودعوتهم ابى ... وقولهم قولي على الناى والقرب
فكان بحمد الله ما قد عرفتم ... وفزت بسهم الفلج والنصر والغلب
وذلك دابى ما بقيت ودابكم ... فدونكم حربا تضرم كاللهب
فذكر الصولي انه امر بالجواب، فقال قصيده له طويله، كتبنا منها أبياتا وحذفنا منها مثل الذى حذفناه مما قبله:
عجبت وما يخلو الزمان من العجب ... لذى خطل في القول اهدى لنا الكذب
وجاء بملحون من الشعر ساقط ... فأخطأ فيما قال فيه ولم يصب
تباعد عن قصد الصواب طريقه ... فما عرفت تاويل اعرابه العرب
ولو كان ذا لب وراى موفق ... لقصر عن ذكر القصائد والخطب
فمن أنت يا مهدى السفاهه والخنا ... ابن لي فقد حقت على وجهك الريب
فلو كنت من اولاد احمد لم يغب ... عن الناس ما تسمو اليه من النسب
ولو كنت منهم ما انتهكت محارما ... يذبون عنها بالاسنه كالشهب
ولم تقتل الأطفال في كل بلده ... فتركب من أماتهم شر مرتكب
ابحت فروج المحصنات وبعت من ... اصبت من الاسلام بيعك للجلب
وكم مصحف خرقته فرماده ... مثاره مسفى الريح من حيث ما تهب
كفرت بما فيه وبدلت آيه ... وقضبت حبل الدين كفرا فما انقضب
وقد رويت أسيافنا من دمائكم ... فلم ينجكم منا سوى الجد في الهرب
تضيء بأيدينا وتظلم فيكم ... فكانت لنا نارا وكنتم لها حطب
فقل لي اى الناس أنتم وما الذى ... دعاكم الى ذكر الجحاجحة النجب
أولئك قوم خيم الملك فيهم ... فشدت أواخيه ومدت له الطنب
بهم غزونا اما سالت وحجنا ... فشق لما اسمعت جيبك وانتحب
أيا اهل غرب الله اظلم امركم ... عليكم فأنتم في نكوب وفي حرب
ولو كانت الدنيا مطيه راكب ... لكان لكم منها بما حزتم الذنب
قال محمد بن يحيى الصولي: فلما صنعت هذا الشعر عن عهد الخليفة الى أوصلني الى نفسه، فانشدته جميعه، فلما فرغت من الإنشاد قال على بن عيسى للخليفة: يا سيدي، هذا عبدك الصولي- وكان جده محمد الصولي حادي عشر
(11/76)

النقباء، وهو الذى أخذ البيعه للسفاح مع ابى حميد- قال: فنظر الى كالإذن لي في الكلام فتكلمت ودعوت قال: فامر لي بعشره آلاف درهم.
وكتب ابو القاسم الى اهل مكة يدعوهم الى الدخول في طاعته، ويعدهم بحسن السيرة فيهم، فأجابوه: ان لهذا البيت ربا يدفع عنه، ولن نؤثر على سلطاننا غيره.
وبقي ابو القاسم الشيعى بالفيوم ومؤنس بمصر، وكل واحد منهما محجم عن لقاء صاحبه، وساءت احوال من بينهما ومعهما.
وفي هذه السنه غلت الأسعار ببغداد، فظنت العامه ان ذلك من فعل حامد بن العباس، بسبب ضمانه للمقتدر، ما كان ضمنه، وانه هو منع من حمل الاطعمه الى بغداد، فشغبوا عليه وسبوه، وفتحوا السجون وكبسوا دار صاحب الشرطه محمد بن عبد الصمد، وكان ينزل في الجانب الشرقى في الدار المعروفه لعلى بن الجهشيار، وانتهبوا بعض دوابه وآلته حتى تحول الى باب خراسان الى الجانب الغربي، ووثب الناس به في الجانب الغربي أيضا، حتى ركب اليهم محمد بن عبد الصمد في جيش كثيف في السلاح، فارتدعوا، وقتل قوم من العامه بباب الطاق وسعر السلطان على الدقاقين، فكان ذلك أشد على الناس واعظم، واشار نصر الحاجب ان يترك الناس، ولا يسعر عليهم، فكان ذلك صوابا، وصلح امر السعر.
واقام الحج للناس في هذه السنه احمد بن العباس أخو أم موسى.
(11/77)

ثم دخلت

سنه تسع وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها زاد شغب الناس ببغداد على حامد بن العباس الوزير، بسبب غلاء الأسعار حتى صاروا الى حد الخلعان، وحاربهم السلطان عند باب الطاق، وركب هارون ابن غريب الخال ونازوك وياقوت وغيرهم، بعد ان فتحت العامه السجون، ووثبوا على ابن درهم خليفه صاحب المعونة، وأرادوا قتله حتى حماه بعضهم، فلما راى ذلك حامد بن العباس دخل الى المقتدر فقال له: لعبدك حوائج، ان رايت قضاءها له، اكدت بذلك إنعامك عليه، قال: افعل، فما هي؟ قال: أولها فسخ ضماني فقد جاء من العامه ما ترى، وظنوا ان هذا الغلاء من جهتي فأجاب المقتدر الى ذلك، وساله ان يأذن له في الشخوص الى واسط، لينفذ عماله بما فيها من الاطعمه الى بغداد، فأجابه الى ذلك، وساله ان يعفيه من الوزارة فلم يجبه الى ذلك، فشخص حامد الى واسط ولم يبق غاية في حمل الاطعمه، حتى صلح امر الأسعار ببغداد ثم قدم في غره شهر ربيع الآخر، فتلقاه الناس، وشكروا فعله، وقد كان المقتدر عرض على على بن عيسى الوزارة فاباها، فكساه ووصله، واعطاه سوادا يدخل به عليه، كما يفعل الوزير، فاستعفى من ذلك ولم يفارق الدراعه.
وفي هذه السنه زحف ثمل الفتى الى الإسكندرية، فاخرج عنها قائد الشيعة ورجال كتامه، والفى لهم بها سلاحا كثيرا وأثاثا ومتاعا واطعمه، فاحتوى على الجميع واطلق كل من كان في سجنهم ثم اقبل ممدا لمؤنس واجتمعا بفسطاط مصر، وزحفا الى الفيوم لملاقاه ابى القاسم الشيعى ومناجزته، ومعهما جنى الصفواني وغيره من القواد، فجعل مؤنس يقصر المحلات، فعوتب على ذلك، فقال لهم: انكم انما تمشون في طرق المنايا، فلعل الله يصرفهم عنا، ويكفينا امرهم كما فعل قبل هذا فلقى جنى الصفواني بعض قواد ابى القاسم، فهزمه وقتل كثيرا ممن كان معه، وانهزم الباقون الى ابى القاسم، فراعه امرهم، وقفل عن الفيوم منصرفا الى إفريقية لليلة بقيت من صفر، وحمل ما
(11/78)

خف من امتعته، واحرق الباقى بالنار، وأخذ على طريق قليله الماء، فهلك كثير من رجاله عطشا بعد ضربه الف سوط، وقطع يديه ورجليه وكان الحلاج هذا رجلا
(11/79)

غويا خبيثا، يتنقل في البلدان، ويموه على الجهال، ويرى قوما انه يدعو الى الرضا
(11/80)

من آل محمد، ويظهر انه سنى لمن كان من اهل السنه، وشيعى لمن كان مذهبه التشيع،
(11/81)

ومعتزلي لمن كان مذهبه الاعتزال وكان مع ذلك خفيف الحركات شعوذيا قد حاول
(11/82)

الطب، وجرب الكيميا، فلم يزل يستعمل المخاريق حتى استهوى بها من لا تحصيل
(11/83)

عنده، ثم ادعى الربوبيه، وقال بالحلول، وعظم افتراؤه على الله عز وجل ورسله،
(11/84)

ووجدت له كتب فيها حماقات، وكلام مقلوب وكفر عظيم وكان في بعض كتبه:
انى المغرق لقوم نوح والمهلك لعاد وثمود، وكان يقول لأصحابه: أنت نوح وأنت موسى،
(11/85)

وأنت محمد، قد اعدت ارواحهم الى أجسادكم ويزعم بعض الجهله المتبعين له بانه كان يغيب عنهم ثم ينزل عليهم من الهواء، اغفل ما كانوا، وحرك لقوم يده فنثر منها دراهم،
(11/86)

وكان في القوم ابو سهل بن نوبخت النوبختى فقال له: دع هذا وأعطني درهما واحدا عليه اسمك واسم ابيك، وانا أومن بك، وخلق كثير معى فقال له: كيف وهذا لم يصنع؟،
(11/87)

فقال له: من احضر ما ليس يحاضر صنع غير مصنوع، قال محمد بن يحيى الصولي: انا رايت هذا الرجل مرات، وخاطبته، فرايته جاهلا يتعاقل، وعييا
(11/88)

يتفصح، وفاجرا يظهر التنسك، ويلبس الصوف، فأول من ظفر به على بن احمد الراسبى، لما اطلع منه على هذه الحال، فقيده وادخله بغداد على جمل قد شهره،
(11/89)

وكتب بقصته وما ثبت عنده في امره، فاحضره على بن عيسى ايام وزارته في سنه احدى وثلاثمائة، واحضر الفقهاء، ونوظر فاسقط في لفظه، ولم يحسن من القرآن شيئا
(11/90)

ولا من الفقه ولا من الحديث ولا من الشعر، ولا من اللغة، ولا من اخبار الناس فسحفه وصفعه، وامر به فصلب حيا في الجانب الشرقى ثم في الجانب
(11/91)

الغربي، ليراه الناس، ثم حبس في دار الخليفة، فجعل يتقرب اليهم بالسنه، فظنوا ما يقول حقا ثم انطلق، وقد كان ابن الفرات كبسه في وزارته الاولى وعنى بطلبه موسى ابن خلف فافلت هو وغلام له، ثم ظفر به في هذه السنه، فسلم الى الوزير حامد،
(11/92)

وكان عنده يخرجه الى من حضره فيصفع وينتف لحيته.
واحضر يوما صاحب له يعرف بالسمرى فقال له حامد الوزير: أما زعمت بان صاحبكم هذا كان ينزل عليكم من الهواء، اغفل ما كنتم؟ قال: بلى، فقال له:
فلم لا يذهب حيث شاء، وقد تركته في دارى وحده، غير مقيد، ثم احضر حامد الوزير
(11/93)

القاضى والفقهاء واستفتاهم فيه، فحصلت عليه شهادات بما سمع منه اوجبت قتله، فعرف المقتدر بما ثبت عليه، وما افتى به الفقهاء فيه، فوقع الى صاحب شرطته محمد ابن عبد الصمد بان يخرجه الى رحبه الجسر، ويضربه الف سوط، ويقطع يديه ورجليه، ففعل ذلك به، ثم احرقه بالنار وذلك في آخر سنه ثلاثمائة وتسع.
واقام الحج للناس في هذه السنه احمد بن العباس.
(11/94)

ثم دخلت

سنه عشر وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) وفي هذه السنه اعتل المقتدر بالله عله شديده، فزعموا ان أم موسى القهرمانه أرسلت الى بعض اهله برسالة تقرب عليه ولايه الأمر، وانكشف ذلك له ولامه وجميع خاصته، وقبضوا عليها وعلى أختها أم محمد وأخيها احمد بن العباس، وأخذت منهم اموال، وأخذت لهم ودائع عند قوم وكثر الارجاف بحامد بن العباس، والطعن عليه، وسميت الوزارة لأقوام، فقيل يخرج على بن محمد بن الفرات فيولاها، وقيل يجبر على بن عيسى على ولايتها، وقيل ابن ابى الحوارى، وقيل ابن ابى البغل، فكتبت رقعه وطرحت في الدار التي فيها السلطان، وفيها:
قل للخليفة قل لي ... ان كنت في الحكم تنصف
من الوزير علينا ... حتى نقر ونعرف
احامد فهو شيخ ... واهي القوى متخلف
أم البخيل ابن عيسى ... فهو المنوع المطفف
أم الذى عند زيدان ... للمشورة يعلف
أم الفتى المتانى ... أم الظريف المغلف
أم ابن بسطام اعجل ... أم الشيخ المعفف
أم طارئ ليس ندري ... من اى وجه يلقف
الفتى المتانى ابن الخصيبى، والشيخ المعفف ابن ابى البغل.
وفي هذه السنه استضعف السلطان صاحب شرطه بغداد فيما كان من العامه، فعزله وولى شرطته نازوك المعتضدي، فبانت صرامته في أول يوم، وقام بالأمر قياما لم يقم مثله احد وفل من حد الرجاله، وكانت نارهم موقده، وحاربهم حتى أذعنوا وتناولوا حوائجهم منه بخضوع له بعد ان قصدوا داره ليحرقوها، وهو في وقته الذى ولى فيه نازل
(11/95)

على دجلة وعلى الزاهرية، فاستعان بالغلمان فشردهم واعانه نصر الحاجب عليهم، وهو كان سبب توليته، لأنه بلغه ان عروسا زفت الى زوجها بناحيه سوق الشتاء، فخرج بعض اولاد الرجاله، ومعه جماعه منهم، فأخذها وأدخلها الى داره، وفجر بها.
ثم صرفها الى أهلها، فأظهر الناس شده الانكار لهذا، وعظموه بحسب عظمه، وكل ما قدر عليه نصر الحاجب ان اسقط رزق هذا الرجل، ونفاه، ثم اشار بولاية نازوك فاشتد عليهم، وصلب في امرهم وشكر له فعله فيهم.
وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بْن عبد الملك.
(11/96)

ثم دخلت

سنه احدى عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) كانت هذه السنه ببغداد وما والاها شديده الوطأة على الناس، حتى سميت سنه الدمار وذلك ان على بن محمد بن الفرات ولى فيها الوزارة المره الثالثه، وتقبض على الوزير حامد بن العباس وعلى على بن عيسى وذلك يوم الخميس لتسع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، فدخل الجنابى والقرامطة البصره ليله الاثنين بعد ولايته باربعه ايام وكان خبر ولايه ابن الفرات والقبض على حامد وعلى بن عيسى قد وصل الى الجنابى واصحابه من وقته من قبل من كان يكاتبهم، لان بعض البصريين الثقات حكوا ان القرامطة كانوا يقولون لهم يوم دخولهم: ويلكم ما ارك سليطينكم في ابعاد ذلك الشيخ عن نفسه، وليعلمن ما يلقى بعده قالوا: ونحن لا ندري ما يقولون حتى وردنا الخبر بعد ذلك بالقبض على حامد وعلى وولايه ابن الفرات، فعلمنا ما ارادت القرامطة، وان الخبر أتاهم من وقته في جناح طائر على ما ازكن الناس آلته، واعتقدوا صحته فعاثت القرامطة في البصره، ودخلت الخيل المربد، وكان سبك المفلحى القائد بها، فلما سمع الصيحة وقت الفجر فخرج وهو يظن انها لفزعه دارت فلما توسط المربد يريد الدرب رأته القرامطة وهم وقوف بجانبي الشارع، فشدوا عليه فقتلوه، وقتلوا بعض من كان معه، وركض الباقون فافلتوا، وقاتلهم اهل البصره في شارع المربد الى عشى ذلك اليوم، ولا سلطان معهم فلم يظفروا بهم الا بالنار فإنهم كانوا كلما حووا موضعا احرقوه، وانهزم اهل البصره وجال القرامطة في شارع
(11/97)

المربد، ومروا بالمسجد الجامع وسكه بنى سمره حتى انتهوا الى شط نهر البصره المعروف بنهر ابن عمر الذى كان انفذ حفره عبد الله بْن عمر بْن عبد العزيز، وكانوا يخرجون من البصره ليلا الى معسكرهم بظهر البصره، ولا يبيت بها منهم احد فرقا، فأقاموا أياما على ذلك، ثم انصرفوا، وقد كان السلطان انفذ الى البصره حين بلغه ذلك بنى بن نفيس وجعفر بن محمد الزرنجى في جيش.
ثم ولى شرطه البصره محمد بن عبد الله الفارقى وانفذه في جيش ثان.
وخرج ابن الفرات في هذه الوقعه مغيظا على الناس، واطلق يد ابنه المحسن، فقتل الناس، وأخذ أموالهم، وغلبا على أم المقتدر بالله وملكا امرها وكان الذى سفر لهما في ذلك مفلح الخادم الأسود، وكان الأمر كله اليه والى كاتبه النصراني المعروف ببشر بن عبد الله بن بشر، وكان مجبوبا، فاحتالوا على مؤنس المظفر، حتى اخرجوه الى الرقة وازعجوه من باب الشماسيه فكان كالنفى له وكان حامد بن العباس قد استتر وعليه من المال الذى عقده على نفسه الف الف دينار، فاحتال حامد الى ان وصل الى باب السلطان، فدخل الى نصر الحاجب، فقال له: قد تضمننى بألف الف دينار، فخذوا منى الف الف دينار وخمسمائة الف دينار واحبسونى عندكم، واحتسبوا لابن الفرات بألف الف دينار التي تضمننى بها ولا تطلقوا ايديهم على فاخبر بذلك الخليفة، واشار به عليه، وقال: هاهنا فضل مال، ويكون في حبسنا رجل هو بيت مال للسلطان، فتلوموا في ذلك وقال المحسن لمفلح الخادم يفسد على امرى كله، ولا بد من تسليمه الى، فلم يزل مفلح بالمقتدر والسيده حتى زالا عن الصواب، وسلما حامدا الى ابن الفرات فكان يصفع ويضرب، ويخرجه المحسن إذا شرب فيلبسه جلد قرد، له ذنب، ويقيم من يرقصه ويصفعه، ويشرب على ذلك، واجرى على حامد افاعيل قبيحه ليست من افاعيل الناس، ولا يستجيزها ذو دين ولا عقل، ولم يصل من ماله كثير شيء الى السلطان، وضاع ما كان بذله، وحدر الى واسط وسلم الى البزوفري العامل، فقتله، واخرجه الى اهل واسط، وسلمه الى من يجنه فاجتمع الناس، وصلوا عليه وعلى قبره أياما متواليه.
وزعم ابن الفرات للسلطان ان على بن عيسى خائن ممالئ للقرمطى، فصادره على مال استخرج بعضه من قبله، ثم نفاه الى اليمن ووكل به رجلا من اصحابه، وامره
(11/98)

بالاحتيال لقتله، فقبض الله يده عن ذلك بصاحب لشفيع اللؤلؤى صاحب البريد، كان قد وكله به فلما خرج عن مكة لقيه اصحاب ابن يعفر، فحالوا بينه وبين الموكلين به، وأرادوا قتل الموكل به لأنه كان أضجعه بمكة ليذبحه، فخالفه عون كان معه، ودفع عنه، فمنع على بن عيسى من قتل الموكل به ولما بلغ ابن يعفر تلقاه اخوه ومعه هدايا عظيمه القدر، فاكرمه وانزله في دار عظيمه، وانزل الموكل به في دار غيرها، ولم يزل على بن عيسى يجرى بعد ذلك على العون المخالف في قتله، وعلى عياله الجرايات دهرا طويلا.
ووجه المحسن ابن ابى الحوارى الى الاهواز، فقتل بموضع يعرف بحصن مهدى، وكان نصر الحاجب يدارى المحسن وأباه، ويطيل عنده الى نصف الليل القعود، وينصرف عنه حتى اتصل به ان المحسن ضمن لعشرين غلاما عشرين الف دينار، على ان يقتلوا نصرا إذا خرج من عند ابيه في بعض الممرات فتحفظ منه، وكان لا يركب الا في غلمان كثيره وسلاح عتيد، واحتال في ازاله نصر بكل حيله، فما قدر على ذلك، واحتال على شفيع المقتدرى، فدس من يقع فيه ويقول: انه ان خرج الى الثغر يحصل عنده مال عظيم، فلم يجب الى ذلك، ونفى أبا القاسم سليمان ابن الحسن وأبا على محمد بن على بن مقله الى شيراز، وكتب الى ابراهيم بن عبد الله المسمعي في اتلافهما فسلمهما الله، ونفى النعمان بن عبد الله الكاتب، وكان رجل صدق، وقد اعتزل الاعمال، ولزم بيته وغله ضيعه له، فغربه الى واسط، ووجه المحسن رجلا كان يصحب ابن ابى العذافر خلفه، فذبحه بواسط، ونفى ابراهيم بن عيسى وعبد الله ابن ما شاء الله الى واسط، ودس إليهما من قتلهما، وطالب ابن حماد الموصلى الكاتب فقال له نصر الحاجب: سلمه الى وعلى مائه الف دينار من قبله، واسلمه بعد هذا إليكم على ان تلزموه بيته، فلم يفعل المحسن ذلك وعنف به وشتمه، فرد عليه ابن حماد القول فقتله.
وكان ابو بكر احمد بن محمد بن قرابه يتكلف للمحسن نفقاته كلها من ماله ايام نكبه ابيه وخموله، فلما ولى الوزارة اكرمه أبوه، واقبل عليه فحسده المحسن، وجعل يحتال في تلفه، وعزم على ان يركبه معه ليلا في طيارة من داره التي يسكنها المحسن الى دار ابيه بالمخرم، فإذا توسط دجلة امر من يرمى بابن قرابه فيها، وكانت ايام مدود
(11/99)

قال الصولي: فعرفني بذلك سرا خادم للمحسن يقال له مريث لموده كانت بيني وبينه فاشعرت ابن قرابه بما ذهب اليه فيه، فلم يدخل له دارا ولا جلس معه في طيار الى ان فرج الله امرهم، ولم تطل المده قال الصولي: وكان المحسن مقيما عندي ايام نكوبهم، وكنت كثير الانحراف اليهم، فلما عادوا الى المنزله التي كانوا بعدوا عنها اختصني على بن الفرات وأمرني بملازمه مجلسه وزاد في رزقي سبعين دينارا وقال لي:
انظر ما تريد من الاعمال اقلدك اياه، فسعى بي المحسن الى ابيه بفعل واش وشى بي اليه، فثقل جانبي على الوزير، حتى قلت في ذلك قصيده فاصغى إليها وقبل اعتذارى فيها، وزال ما كان في نفسه، وبقي المحسن على غله، ومن الشعر إذا اختصرناه.
قل لرحا ملكنا وللقطب ... وسيد وابن ساده نجب
وللوزير البعيد همته ... البالغ المجد غاية الرتب
لا والذى أنت من فواضله ... يا منقذ الملك من يد النوب
ما كان شيء مما وشى لكم ... ذو حسد مفتر وذو كذب
هل عله اوجبت على سوى ... مدحى وشكرى في الجد واللعب
اكفر نعماكم ويشكرها ... عدوكم ان ذا من العجب
فسائلوا علم ذاك انفسكم ... فليس رأيي عنكم بمحتجب
متى سمعتم من السعاة أراني ... الله أشلاءهم على الخشب
واوطن الحتف في ديارهم ... حتى يبادوا بالويل والحرب
وليكم راس مالكم ابدا ... والراس ان ضاع ليس كالذنب
وفي هذه السنه توفى يانس الموفقى، وكان رفيع المكانه عند السلطان، عظيم الغناء عنه، ولقد عزى به نصر الحاجب يوم وفاته، فجعل يبكى ولا يتعزى، وقال: لقد اصيب الملك مصيبه لا تنجبر، وقال: من اين للخليفة رجل مثله! شيخ ناصح مطاع ينزل عند سور داره من خيار الفرسان والغلمان والخدم الف مقاتل، فلو حزب السلطان امر وصاح به صائح من القصر لوافاه من ساعته في هذا العدد قبل ان يعلم بذلك غيرهم من جنسه فلما توفى يانس انتصح نصر الحاجب الخليفة في أمواله
(11/100)

وكانت عظيمه، وكانت له ضياع ومستغلات وامتعه ووطاء وكسوه لا يعرف لشيء منها قدر، فقال نصر الحاجب للمقتدر ان يأنسا خلف ضياعا تغل ثلاثين الف دينار الى ما خلف من سائر المال، واشار عليه بان يوجه ابنه أبا العباس الى دار يانس، فيصلى عليه ويأمر بدفنه، ويحضر جميع فرسانه وخدمه وحاشيته فيقول لهم: انا مكان يانس لكم وفوقه، وزائد في الاحسان إليكم، والتفقد لأحوالكم ثم يحصى ما تخلفه ولا يفوت منه شيء، فيجمع بذلك الاستحماد الى الرجال والاحراز للمال فاصغى المقتدر الى نصيحه نصر الحاجب، وظهر له صواب قوله: فلما خرج عنه حوله ابن الفرات وولديه عن رايه، وامر المحسن بتحصيل التركه فاذهب أكثرها، وخان الخليفة فيها وأخذ اكثر ذلك لنفسه، حتى لقد كانت الشقاق الدبيقيه الشقيريات التي اقل ثمن كل واحده منها سبعون دينارا، تحشى بها المخاد الأرمينيه والمساور، وتباع فتشترى للمحسن على ان الذى داخلها حشو صوف، وكذلك فعل بالقصب المرتفع الرشيدي والملحم الشعبى والنيسابورى، ولقد أخذ من الوسائد الرفيعه والمساور المحكمه فحشاها بالندو العود، عتيا وطغيانا، وكذلك كان يتكئ عليها.
ومما يعتد به على ابن الفرات وولده ان احمد بن محمد بن خالد الكاتب المعروف بأخي ابى صخره كان قد ولى الدواوين وكان من مشايخ الكتاب ورؤسائهم فتوفى في هذا العام وخلف ورثه احداثا، فانهى كثره ما خلف من المال الى المقتدر، فامر بالتوكيل بخزانته وداره، فسار بعض الورثه الى المحسن وضمنوا له مالا على ازاله التوكيل وحل الاعتقال، فكلم المحسن أباه في ذلك، وركب الى المقتدر، فقال له: ان المعتضد والمكتفي قد كانا قطعا الدخول على الناس في المواريث، وانا ارى لمولاي ان يحيى رسومهما، وان يأمر باثبات عهد الا يتعرض احد في ميراث، فأجابه المقتدر الى ذلك إذ ظن انها نصيحه منه، فسلمت الدار الى ورثه الكاتب، وأنشأ ابن الفرات كتابا عن المقتدر في اسقاط المواريث نسخته.
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن امير المؤمنين المقتدر بالله يؤثر في الأمور كلها
(11/101)

ما قربه من الله عز وجل، واجتلب له جزيل مثوبته، وواسع رحمته، وحسنته العائده على كافه رعيته كما جعل الله في طبعه، واولج في بيته، من التعطف عليها وايصال المنافع إليها، وابطال رسوم الجور التي كانت تعامل بها، جاريا مع احكام الكتاب والسنه، عاملا بالآثار عن الافاضل من الأئمة، وعلى الله يتوكل امير المؤمنين، واليه يفوض وبه يستعين.
وانهى الى امير المؤمنين المقتدر بالله ابو الحسن على بن محمد الوزير ما يلحق كثيرا من الناس من التحامل في مواريثهم، وما يتناول على سبيل الظلم من أموالهم، وانه قد كان شكى الى المعتضد بالله مثل ذلك، فكتب الى القاضيين يوسف بن يعقوب وعبد الحميد يسالهما عن العمل في المواريث، فكتبا اليه: ان عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود ومن اتبعهم من الأئمة وعلماء هذه الامه رحمهم الله رأوا ان يرد على اصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام المفروضه لهم في كتاب الله عز وجل من المواريث ان لم يكن للمتوفى عصبه يرثون ما بقي، ممتثلين في ذلك كتاب الله عز وجل في قوله وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، * ومحتملين على سنه رسول الله في توريث من لا فرض له في كتاب الله من الخال وابن الاخت والجده، وان تقليد العمال امر المواريث دون القضاه شيء لم يكن الا في خلافه المعتمد على الله، فانه خلط في ذلك، فامر المعتضد بابطال ما كان الأمر جرى عليه ايام المعتمد في المواريث، وترك العمل فيها بما روى عن زيد بن ثابت بان يرد على ذوى الارحام ما اوجب الله رده وأولو العلم من الأئمة.
فامر امير المؤمنين المقتدر بالله ان يجرى الأمر على ذلك ويعمل به، وكتب يوم الخميس.
لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة احدى عشره وثلاثمائة، فلما نفذ كتاب المقتدر بهذا، واشهد على ورثه ابن خالد الكاتب بتسليم ما خلفه وقبضهم له وجه المحسن، اليهم من أخذ جميع مالهم وحبسهم واخافهم.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/102)

ثم دخلت

سنه اثنتى عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها ورد الخبر في أول المحرم على الخليفة ببغداد بقطع الجنابى والقرامطة على الحاج، وما حدث فيهم من القتل والاسر، وذهاب عامه الناس، آل السلطان وغيرهم، وان عبد الله بن حمدان قد قلد امر الطريق.
فمضى الناس في القافلة الاولى فسلموا في أول مسيرهم، حتى إذا صاروا بفيد اتصل بهم خبر القرامطة، فتوقفوا، وورد كتاب ابى الهيجاء على نزار بن محمد الخراسانى، وكان في القافلة الاولى بان يتوقف عليه حتى يجتمعوا، فتوقف نزار وتلاحقت قوافل الشارية والزيريه والخوارزمية، فلما صاروا باجمعهم بالهبير غشيهم الجنابى واصحابه القرامطة، فقتلوا عامتهم واتصل الخبر بسائر القوافل، وقد اجتمعت بفيد، فتشاوروا في العدول الى وادي القرى، ولم يتفقوا على ذلك ثم عزموا على المسير، فقطع بهم الجنابى واسر ابو الهيجاء القائد، وافلت نزار وبه ضربات أثخنته، واسر ابن للحسين ابن حمدان واحمد بن بدر العم واحمد بن محمد بن قشمرد وابنه، واسر مازج الخادم صاحب الشمسه، وفلفل الفتى ونحرير فتى السيده، وكان على القافلة الثالثه، وقتل بدر ومقبل غلاما الطائي، وكانا فارسين مشهورين ممن يسير بالقوافل ويدافع عنها، ولهما قدر وذكر، واسر خزرى وابنه، وكانا من القواد، وقتل سائر الجند، وأخذت القرامطة الشمسه وجميع ما كان للسلطان من الجواهر والطرائف، وأخذوا من اموال الناس ما لا يحصى وتحدث من افلت بانه صار اليهم من الدنانير والورق خاصه نحو الف الف دينار، ومن الأمتعة والطيب وسائر الأشياء ما قيمته اكثر من هذا، وان جميع عسكره انما كان ثمانمائه فارس، وسائرهم رجاله وكل من افلت من أيدي القرامطة،
(11/103)

اكلهم الاعراب، وسلبوا ما بقي معهم مما كان تخباه الناس من أموالهم، ومات اكثر الناس عطشا وجوعا.
ولما صح عند المقتدر ما نال الناس وناله في رجاله وماله عظم ذلك عنده وعند الخاصة والعامه، وجل الاغتمام به على كل طبقه، وتقدم الخليفة الى ابن الفرات في الكتاب الى مؤنس الخادم بان يقدم من الرقة ليخرج الى القرمطى وكتب اليه نصر الحاجب بالاستعجال والبدار، فسلك الفرات في خاصته واسرع في مسيره، ووصل الى بغداد في غره شهر ربيع الاول.

ذكر التقبض على ابن الفرات وابنه وقتلهما
وفي يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الآخر، قبض على على بن محمد ابن الفرات الوزير، واختفى المحسن ابنه، فاشتد السلطان في طلبته، وعزم على تفتيش منازل بغداد كلها بسببه، وامر بالنداء بهدر دم من وجد عنده وأخذ ماله، وهدم داره، وتشدد على الناس في ذلك التشدد الذى لم يسمع بمثله، فجاء من اعطى نصرا الحاجب خبره، ودله على موضعه، فوجه بالليل من كبسه واخذه، وقد تشبه بالنساء وحلق لحيته، وتقنع، فاتى به على هيئته وفي زيه لم تغير له حال، وضرب في الليل بالدبادب ليعلم الناس انه قد أخذ، وغدت العامه الى دار الخليفة ليروه، وتكاثر الناس، وازدحموا للنظر اليه، وهو في ذلك الزي الذى وجد عليه ثم احضر ابو القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانى فاستوزر، واقعد، وخلع عليه للوزارة، فاستوزر منه رجل قد تكهل وفهم وجرب، وفارق ما كان عليه في ايام ابيه من الحداثة، وغلب عليه الوقار والسكينة.
وكان مؤنس الخادم هو الذى اشار به، وزين امره وحض المقتدر على استيزاره، فأول ما قعد نصب لمناظرة ابن الفرات وولده، ومحاسبتهما رجلا يعرف بابن نقد الشر، فتشدد عليهما في الأموال فلم يذعنا الى شيء، إذ علما انهما تالفان، وكان في
(11/104)

أول ضمهما قد دسسا الى من تضمن عنهما مالا عظيما على ان يحبسا في دار السلطان، ولا ينطلق عليهما أيدي اعدائهما، فهم المقتدر بذلك، واصغى اليه، فاجتمع الرؤساء:
مؤنس وشفيع اللؤلؤى ونصر وشفيع المقتدرى ونازوك وكلهم عدو لابن الفرات ومطالب له، فسعوا في احاله راى الخليفة عن ضمه الى الدار، وتقدموا الى الغلمان بان يشغبوا ويحملوا السلاح ويقولوا: قد عزم السلطان ان يستوزر ابن الفرات مره رابعه لا نرضى الا بقتله على عظيم ما احدث في الملك، وافسد من الأمور، واتلف من الرجال.
ففعلوا، وكتب شفيع اللؤلؤى الى المقتدر، وكان صاحب البريد والثقه في ايراد الاخبار يشنع عليه قيام الغلمان، وتشوف الناس الى الخلعان، فامر المقتدر بقتل ابن الفرات وابنه، وتقدم الى نازوك بان يضرب أعناقهما في الدار التي كانت لابن الفرات، ويوجه اليه برأسيهما، فنفذ ذلك من وقته وبعث بالرأسين في سفط ثم رد السفط الى شفيع اللؤلؤى، فوضع الرأسين في مخلاه وثقلهما بالرمل وغرقهما في دجلة وفي هذا العام قبل القبض على ابن الفرات بايام توفى محمد بن نصر الحاجب، وكان خلفا من ابيه، قال الصولي: عرفته والله فتى كريما عالى الهمه، جميل الأمر، سرى الإله، كثير المحاسن، قد اشتهى جمع العلم وكتب الحديث، وتخلف كتبا باكثر من الفى دينار.
قال: وكان قد خرج على اماره الموصل ونواحيها، فدعاني الى الخروج معه على ان اقيم شهرا او شهرين بألف دينار معجلا عند الخروج والف مؤجلا عند الانصراف.
قال: فلم ينتظم لي امرى على الخروج معه، ففعل قريبا مما قال، وانا مقيم بمنزلي.
ثم ان أباه لم يصبر عنه فاقدمه بغداد، فقلت شعرا اذكر فيه مفارقته وقدومه على عروض كان يعجبه، وهو هذا اختصرناه:
حرق ذابت لها الأحشاء ... من حر الفراق
بقيت وقفا على هم ... واحزان بواقى
آه من فجعه بين ... جلبت ماء المآقي
وتباريح اشتياق ... ساق قلبي للشياق
ان صبري عن ابى نصر ... لضرب من نفاق
(11/105)

عن امير جل عن اتيان ... افعال دقاق
واسع الهمه في الافضال ... ممدود الرواق
نشرب الصافى من جدواه ... في كاس دهاق
هو بحر واعالى الناس ... في الجود سواقي
ان أكن عنك تاخرت ... بجد ذي محاق
وزمان آخذ من ... كل حر بالخناق
فلقد شد سروري ... ونشاطي في وثاق
ووجدت الماء في بعدك ... كالملح الزعاق
فحمدت الله إذ من ... بقرب وتلاقى
وعلى الحج مقرونا ... بغزو وعتاق
ان تسمحت لنفسي ... بعد هذا بفراق
وفي هذه السنه توفى محمد بن عبيد الله بن خاقان والد الوزير وعزى منه، فكان جميل العزاء، وملتزما للصبر واعتل الوزير عبد الله بن محمد في جمادى الآخرة من هذا العام بعد وفاه ابيه، فكان يتحامل على الجلوس للناس، فيدخلون عليه، وهو لقى شديد العله، فلم يزل على هذه الحال حتى استهل شهر رمضان، ثم صلحت حاله ونقه من علته، وكان الوزير قد نافر نصرا الحاجب وعمل عليه عند المقتدر، حتى هم بالقبض على نصر، وظن الوزير ان ذلك مما يسر به مؤنسا في نصر إذ كان توهم ان الذى بينهما فاسد، وكانا عند الناس متخالفين، وهما في الحقيقة كنفس واحده، فقدم مؤنس وبعث اليه نصر كاتبه، فتلقاه باسفل المدائن، وعرفه خبر نصر كله، فوجده لنصر كمنزله نفسه، وقال للكاتب: قل له عنى: بحقي عليك، ان تلقيتني واخليت الدار، فلا مؤنه عليك منى، فان كنت لا بد فاعلا فبالقرب، فتلقاه نصر بسوق الأحد، وكان دخول مؤنس في أول سنه ثلاث عشره وسيقع خبره في موضعه ان شاء الله.
وفي ذي القعده من هذه السنه قدم خلق كثير من الخراسانيه الى مدينه السلام
(11/106)

للحج، واستعدوا بالخيل والسلاح، فاخرج السلطان القافلة الاولى مع جعفر بن ورقاء، وكان امير الكوفه يومئذ، فوقع اليه خبر القرمطى وتحركه مرتصدا للقوافل، فامر جعفر الناس بالتوقف والمقام حتى يتعرف حقائق الاخبار.
وتقدم جعفر في اصحابه، ومن خف وتسرع من الحاج، فلما قرب من زبالة اتبعه الناس، وخالفوا امره، فوجدوا اصحاب الجنابى مقيمين ينتظرون موافاه القوافل، وقد منعوا ان يجوزهم احد يخبر بخبرهم، فلما راوه ناوشوه القتال، ثم حال بينهم الليل، وخلص ابن ورقاء بنفسه، وقتل خلق كثير ممن كان معه وترك الحاج المتسرعه جمالهم ومحاملهم وفروا راجعين الى الكوفه واتبعهم القرمطى.
وكان بالكوفه جنى الصفواني، وثمل الطرسوسى وطريف السبكرى فاجتمعوا واجتمع اليهم بنو شيبان، فحاربوا القرمطى عشيه، فقاموا به وانتصفوا منه ثم باكرهم بالغدو، فهزمهم واسر جنيا الصفواني، وقتل خلقا من الجند، وانهزم الباقون الى بغداد، واقام القرامطة بالكوفه، وأخذوا اكثر ما كان في الاسواق، وقلعوا أبواب حديد كانت بالكوفه، ثم رحل الى البحرين، وبطل الحج من العراق في هذه السنه وصح حج اهل مصر والشام، وكان معهم بمكة على بن عيسى، فكتب الوزير عبد الله بن محمد الى على ابن عيسى بان يتقلد اعمال مصر والشام، وجعل امر المغرب كله اليه، فمضى على لما تم الحج من مكة الى الشام ومصر، وندب المقتدر مؤنسا الخادم الى الكوفه، فوصل إليها وقد رحل الجنابى عنها، فأقام بها أياما ثم كتب اليه السلطان ان يعدل الى واسط، فيقيم بها، فرحل إليها، واستقر بها، ولم يغن شيئا في حركته هذه، على انه انفق في خروجه فيما حكاه نصر الحاجب ومن حصل ذلك معه نحو الف الف دينار.
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.
(11/107)

ثم دخلت

سنه ثلاث عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها سعى الوزير عبد الله بن محمد الخاقانى على نصر الحاجب عند المقتدر، وحمله على الفتك به، والتقبض عليه، فكتب المقتدر الى مؤنس الخادم، وكان بواسط ان يقدم عليه، ليكون القبض على نصر الحاجب بمشاهدته وعن راى منه ورضا، إذ كان المقتدر مصغيا اليه، ومحتاجا الى رايه وغنائه فلما قدم مؤنس بغداد وشاوره المقتدر في امر نصر، قال له: والله يا سيدي لا اعتضت منه ابدا، ولولا مكانه من نصيحتك وخدمتك ما تهيأ لي ان افارق قصرك، ولا اغيب من مشاهده امرك، وباينه في امره مباينه وقفته عنه ثم اوصل المقتدر نصرا الى نفسه، وقرب مكانه ومكان مؤنس، واصغى إليهما، ولقب مؤنس بالمظفر من حين قدومه من الغزاة، فكان مما قاله نصر للمقتدر وقد علم ما كان ذهب اليه فيه: كم من امر قد عقد على امير المؤمنين، وابتغى به ادخال الكدح في سلطانه: ولم يعلم به، فكفاه الله اياه بسعايتنا في صرفه عنه، فحلف لهما المقتدر انه ما هم بسوء فيهما قط، ولا يفعل مكروها بأحدهما ما بقيا.
فقوى امر نصر وتأيد بمؤنس، وضعف امر الوزير عبد الله بن محمد، واعتل ولزم بيته، فكان الناس يدخلون عليه وهو لقى، وتولى اعماله ونظره عبيد الله بن محمد الكلواذى صاحب ديوان السواد، وبنان النصراني كاتبه، ومالك بن الوليد النصراني، وكان اليه ديوان الدار وابن القناني النصراني واخوه وكان اليه ديوان الخاصة وبيت المال وابنا سعد حاجباه ومما اوهن امر الوزير وكرهه الى الناس غلاء الأسعار في زمانه، ولم يكن عنده ماده من حيله يكثر بها ورود المير الى بغداد.
وكان مما اشار اليه نصر عند مكالمته للمقتدر بما كان يدار عليه، ويسعى فيه من الوثوب عليه، ولم يشرح ذلك له ان بعض القواد واطئوا قوما من الاعراب على ان يقعدوا
(11/108)

عند ركوب الخليفة الى الثريا بالقرب من طريقه، فإذا وازاهم وثبوا من ثلم كانت تهدمت في سور الحلبه، وأوقعوا به، ثم يخرجون ويحكمون على انهم شراه، فكان نصر حينئذ قد اراد كشف ذلك للمقتدر، وشاور من وثق به فيه، فقال له: لا تفعل، فلست بآمن الا يتضح الأمر للخليفة فتوحشه وترعبه، ثم يصير من اتهم بهذا عدوا لك وساعيا عليك، ولكن امنعه الركوب الى الثريا حتى تبنى ثلم السور، وان عزم على الركوب استعددت بالغلمان والعده، والزمتهم تلك المواضع المخوفه، وعملت مع هذا في استئلاف كل من سمى لك من هؤلاء القواد ومن تابعهم على مذهبهم، فمن كان منهم متعطلا من ولايه وليته ومن كان مستزيدا زدته، ومن كان خائفا آمنته، وان امكنك تفريقهم في الاعمال فرقتهم فيها.
وكان نصر رجلا عاقلا، فعمل براى من اشار عليه بهذا وسعى في ولايه بعض القوم، فاخرج واحدا الى سواد الكوفه، واخرج آخر الى ديار ربيعه ولما صفت الحال بين نصر ومؤنس واستالف نصر ثمل القهرمانه، وكانت متمكنه من المقتدر.
وظهر من امر الوزير عبد الله بن محمد ما ظهر، تكلموا في عزله، وشاوروا في رجل يصلح للوزارة مكانه، فمالت ثمل برأيها وعنايتها الى احمد الخصيبى، وكان يكتب لام المقتدر، وساعدها نصر على ذلك حتى تم له، وصح عزم المقتدر عليه.

ذكر التقبض على الوزير الخاقانى وولايه احمد الخصيبى
وقبض على الوزير عبد الله بن محمد الخاقانى لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ووكل به في منزله، فكانت ولايته ثمانية عشر شهرا، وخلع في هذا النهار على ابى العباس احمد بن عبيد الله بن احمد بن الخصيب للوزارة، وانصرف الى منزله بقنطرة الانصار، ثم جلس من الغد في دار سليمان بن وهب بمشرعه الصخر، فهابه الناس لموضعه من الخليفة بالوزارة التي صار إليها، لمحله من خدمه السيده وكتابتها،
(11/109)

ولعناية ثمل القهرمانه به، وهابه كل منكوب من اصحاب الخاقانى وابن الفرات، فحصل له من ما لهم الف الف دينار، اصلح منها أسبابه، ثم ركب الوزير الخصيبى الى القصر، فرماه الجند بالنشاب من جزيرة بقرب قصر عيسى، فلجا الى الشط، وتخلص منهم بجهد، فلما جلس في مجلسه قال: لعن الله من اشار بي لهذا الأمر وحسن دخولي فيه، فقد كان كرهه لي من أثق به وبرايه، وكرهته لنفسي، ولكن القدر غالب، وامر الله نافذ.
واقر الخصيبى عبيد الله بن محمد الكلواذى على ديوان السواد وفارس والاهواز، واقر على الازمه وديوان الجند أبا الفرج محمد بن جعفر بن حفص، وقلد ابن عم له شيخا يعرف بإسحاق بن ابى الضحاك ديوان المغرب.
ولم يكن للناس في هذا العام موسم لتغلب القرامطة على البلاد، وقله المال، وضيق الحال، فطولب بالأموال قوم لا حجه عليهم الا لفضل نعمه كانت عندهم، والح الوزير على الناس في ذلك حتى طلب امراه المحسن ودوله أم على بن محمد بن الفرات وابنه موسى بن خلف، وامراه احمد بن الحجاج بن مخلد باموال جليله، وكثر الناس في ذلك وانكروه غاية الانكار.
(11/110)

ثم دخلت

سنه اربع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها اشتدت مطالبه الخصيبى الوزير الأموال عند الناس، واكثر التعلل عليهم فيها، ولم يدع عند احد مالا احس به الا اخذه باتعس ما يكون من الأخذ والشده، وكان نصر بن الفتح صاحب بيت مال العامه قد توفى في شهر ربيع الاول من هذا العام، فطالب الخصيبى جاريته وابنته بالأموال، واحضرهما عند نفسه واشتد عليهما، فلم يجد عندهما كثير مال، إذ كان نصر رجلا صحيح الأمانة، وكان له معروف عند الناس واياد حسنه.
وفيها امر المقتدر ابن الخصيب وزيره باستقدام ابن ابى الساج من الجبل لمحاربه القرمطى، فاستقدمه، واقبل يريد مدينه السلام، فاشتد على نصر الحاجب ونازوك وشفيع المقتدرى وهارون بن غريب الخال وغيرهم من الغلمان دخوله بغداد، فكتب اليه مؤنس بان يعدل الى واسط ليكون مقامه بها وغزوه القرامطة منها، فسار إليها ثم تأخر نفوذه الى القرمطى ولم يتم خروجه اليه لشروط شرطها واموال طلبها، وكانت الأموال في غاية التعذر فلم يجب الى ما اشترطه، وكان ذلك سببا لتوقفه.
وفيها اتخذت أم المقتدر كاتبا يقوم بأمر ضياعها وحشمها وأسبابها لما رات الخصيبى قد اشتغل بالوزارة والنظر في اسباب المملكة، فقالت لثمل القهرمانه: ارتادى لي كاتبا يقوم مكانه ويحل محله، فاتخذت لها عبد الرحمن بن محمد بن سهل، وكان قد لزم بيته، واقتصر على ضيعه له، فاستخرج من منزله، وكتب لام المقتدر وتولى أمورها، وكانت فيه كفاية وأبوه شيخ من مشايخ الكتاب، وممن عنى بالعلم، فصعب امره على الخصيبى الوزير، وتمنى انه لم يكن تولى الوزارة حين فارق خدمه أم المقتدر، وكانت انفع له من الخليفة، فجعل امره يضعف كلما قلت الأموال التي كان يتقرب بها ويشتد على الناس فيها.
(11/111)

ذكر التقبض على الوزير الخصيبى وولايه على بن عيسى الوزارة
ثم ان المقتدر امر بالتقبض على الخصيبى احمد بن عبيد الله الوزير يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعده سنه اربع عشره وثلاثمائة وعلى ابنه معه ومن لف لفه، وتولى ذلك فيه نازوك صاحب الشرطه، واستتر اصحاب دواوينه ومن افلت من اهله، وكان على بن عيسى بالمغرب متوليا للاشراف، فاستوزر واستخلف له عبيد الله بن محمد الكلواذى الى وقت قدومه، وانفذ المقتدر سلامه أخا نجح الطولونى رسولا اليه ليأخذ به على طريق الرقة، ويتعجل استقدامه، فكانت مده وزارة الخصيبى اربعه عشر شهرا، وضبط عبيد الله بن محمد الأمر وقام به بقية سنه اربع عشره.
وفيها مات احمد بن العباس أخو أم موسى وماتت أختها أم محمد، فأظهر المقتدر الرضا عن أم موسى، وردت عليها دورها وضياعها التي كانت اعتقلت عليها عند ما اتهمت به على ما تقدم ذكره.
وحج بالناس في هذه السنه ابو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز.
(11/112)

ثم دخلت

سنه خمس عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها قدم على بن عيسى بغداد يوم الأربعاء لخمس خلون من صفر، بعد ان تلقاه الناس جميعا بالأنبار وفوق الأنبار، ودخل الى المقتدر بالله، فاستوزره وامر بالخلع عليه فاستعفى فلم يعفه، وسلم اليه الخبيصى ليناظره عن الأموال، فلم يستبن عليه خيانة، ولا علم انه أخذ من مال السلطان شيئا فقال له: ضيعت، والمضيع لا رزق له فرد ما ارتزقت وما اقطعت من الضياع، فرد ذلك وقال على بن عيسى الوزير للخليفة: ما فعلت سبحه جوهر أخذت من ابن الجصاص قيمتها ثلاثون الف دينار؟ قال له: هي في الخزانه، فسأله ان يأمر بتطلبها، فطلبت فلم توجد فأخرجها على من كمه وقال له: عرضت على هذه السبحه بمصر فعرفتها واشتريتها، فإذا كانت خزانه الجوهر لا تحفظ، فما الذى حفظ بعدها! وامير المؤمنين يقطع خزانه وخدمته الأموال الجليله والضياع الواسعه فاشتد هذا الأمر على السيده أم المقتدر وعلى غيرها من بطانته واتهمت بالسبحه زيدان القهرمانه، وكان لا يصل الى خزانه الجوهر غيرها، وضبط على بن عيسى الأمر جهده، ونظر ليله ونهاره، وجلس للمظالم في كل يوم ثلاثاء وكان لا يأخذ مال احد، ولا يتعلل على الناس كما كان يفعل غيره، فآمن البراء في ايامه، وقطع الزيادات والتعلل، وتحفظ من ان تجرى عليه حيله، ودعته الضرورة بقله المال الى الاخلال ببعض الاقامات في طريق مكة وغيرها، وخرج اليه توقيع المقتدر بالا يزيل الكلواذى عن ديوان السواد ولا محمد ابن يوسف عن القضاء، فقال: ما هممت بشيء من هذا، وان العهد فيه الى لتخليط على، وكدح في نظري واشار على بن عيسى على المقتدر بان يلزم خمسه آلاف فارس من بنى اسد طريق مكة بعيالاتهم ويثبت لهم مال الموسم، فانه يكفيهم ويترك ابن ابى الساج مكانه، ويبعث لحرب القرمطى خمسه آلاف رجل من بنى شيبان باقل من ربع المال الذى كان ينفق على ابن ابى الساج وكان على قد نظر الى ما طلبه ابن ابى الساج،
(11/113)

فوجده ثلاثة آلاف الف دينار، ووجد مال بنى اسد وبنى شيبان الف الف دينار.
والفى كاتب نازوك يرتزق تسعمائة دينار في النوبه، فأسقطها عنه، وقال: رزقه على صاحبه، واسقط من رزق مفلح الأسود الف دينار في جمله الغلمان، واقره على الف دينار كان يرتزق في النوبه.
واراد مؤنس المظفر الخروج الى الثغر فتبعه على بن عيسى وساله المقام، وقال له: انما قويت على نظري بهيبتك ومقامك، فان رحلت انتقض على تدبيرى، فأقام وقلد شيرزاد ما كان يتقلد قلنسوة من امر الحبس، وضم اليه كاتب نازوك، واجرى له مائه وعشرين دينارا، ولمن يخلفه ثلاثين دينارا، وكان قلنسوة يرتزق لهذه الاعمال ثمانمائه دينار، وصرف ياقوتا عن الكوفه، وولاها احمد بن عبد الرحمن بن جعفر الى ان يصير إليها ابن ابى الساج.
ولما راى المقتدر اجتهاد على بن عيسى قال: لقد استحييت من ظلمي قبل هذا له، وأخذي المال منه، وامر بان يرد عليه ذلك، وأحال به على الحسين بن احمد الماذرائى فاشترى على بن عيسى بالمال ضياعا، وضمها الى الضياع التي وقفها على اهل مكة والمدينة.
وكان في ناحيه بنى الفرات رجل يعرف بابى ميمون الأنباري، قد اصطنعوه وأحسنوا اليه، فوجد له على بن عيسى ارزاقا كثيره، فاقتصر على بعضها، فهجاه الأنباري ومن شعره المشهور فيه عند وزارته هذه:
قد اقبل الشؤم من الشام ... يركض في عسكر ابرام
مستعجلا يسعى الى حتفه ... مدته تقصر عن عام
يا وزراء الملك لا تفرحوا ... أيامكم اقصر ايام
وكان على بن عيسى قد كتب الى ابن ابى الساج ان يقيم بالجبل، فلم يلتفت الى كتابه، وبادر بالاقبال الى حلوان يريد دخول بغداد، فكره اصحاب السلطان دخوله لها، وكتب اليه مؤنس في العدول الى واسط، وعرفه ان الأموال من ثم ترد عليه فصار الى واسط، وعاث اصحابه بها على الناس، وكثر الضجيج منهم والدعاء عليهم، فلم يغير ذلك، فقال الناس: من اراد محاربه عدوه عمل بالانصاف والعدل، ولم يفتتح امره بالجور والظلم، وانتصحه من عرفه فلم يقبل النصيحه وخرج ابن ابى الساج
(11/114)

الى القرمطى من واسط، فأبطأ في سيره وسبقه القرمطى الى الكوفه، ثم التقيا فهزمه القرمطى، واخذه أسيرا، وسار القرمطى يريد بغداد، فعبر جسر الأنبار، وخرج مؤنس المظفر ونصر الحاجب وهارون بن غريب الخال وابو الهيجاء ومعهم جيش السلطان يريدون القرمطى، وقد بلغهم رحيله اليهم، وبادر نصر اصحابه، واختلف رأيهم، وجزع اصحاب السلطان، وامتلأت قلوبهم رهبه للقرمطى، ووقفوا على قنطره تعرف بالقنطره الجديده، وأرادوا قطعها لئلا يجوز القرمطى اليهم، وتابعه اكثر اهل العسكر، فقطعت القنطرة فلما صار القرمطى واصحابه إليها رماهم اصحاب السلطان بالنشاب، ورأوا كثره الخلق، فرجعوا وتبددوا في الموضع، فعزم نصر على العبور اليهم ومناجزتهم فلم يدعه مؤنس ووجه السلطان الى الفرات بطيارات، وشميليات فيها جماعه من الناشبة، وعليهم سبك غلام المكتفي، فحالوا بين القرامطة وبين العبور وكان ثقل القرمطى وسواد عسكره بحيال الأنبار، وابن ابى الساج محبوس عندهم، فاراد نصر ان يحتال للعبور في السفن ليلا، وان يكبسوا السواد طمعا في تخليص ابن ابى الساج فحم نصر الحاجب حمى ثقيله اذهبت عقله يومين وليلتين، وشاع ما اراد ان يفعله وقدم مؤنس غلامه يلبق في نحو الفين، فعبروا الفرات ليلا ووافوا سواد القرمطى بالأنبار وكان يلبق في جيش عظيم، وسواد القرمطى في خيل يسيره، فانهزم اصحاب السلطان، واسر جماعه منهم، واسر ابن ابى الأغر في جملتهم فلما أتاهم القرمطى جلس لهم، وضرب اعناق جميعهم، ودعا بابن ابى الساج من الموضع الذى كان محبوسا فيه، فقال له: انا اكرمك وانوى الصفح عنك، وأنت تحرض على أصحابك! فقال له: قد علمت انى ما اقدر على مكاتبتهم ولا مراسلتهم، فأي ذنب لي في فعلهم! فقال له: ما دمت حيا فلأصحابك طمع فيك، فامر به فضربت عنقه.
وفيها اتصل بمؤنس المظفر ان أم المقتدر عامله على قتله، وانها قد نصبت له من يقتله إذا دخل الدار، فاستوحش واحترس، وطلب الخروج الى الثغر، فأجيب الى ذلك، ثم اضطرب امره لما حدث من امر القرمطى
(11/115)

وفيها ورد الخبر بموت ابراهيم بن عبد الله المسمعي امير فارس، فخلع على ياقوت، وقلد مكانه، وولى محمد بن عبد الصمد كرمان.
وحج بالناس في هذه السنه ابو احمد عبيد الله بن عبد الله بن سليمان من بنى العباس.
(11/116)

ثم دخلت

سنه ست عشره وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها اوقع سليمان الجنابى القرمطى باهل الرحبه، وقتل منهم مقتله عظيمه، ووجه سريه الى ديار ربيعه، فاوقعت ببوادى الاعراب واستباحتها، ثم عادوا الى الرحبه، واستاقوا خمسه آلاف جمل ومواشى كثيره، وزحف القرامطة الى الرقة للإيقاع بأهلها، فحاربوهم أشد محاربه، ورموهم من اعالى دورهم بالماء والتراب والاجر ورموهم بسهام مسمومه، فمات منهم نحو مائه رجل وانصرفوا عنها مفلولين.

ذكر القبض على على بن عيسى الوزير وولايه محمد بن على بن مقله الوزارة
وفي هذه السنه قبض على على بن عيسى، ووكل به في دار الخليفة يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وتوجه هارون بن غريب الخال الى ابى على محمد بن على بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن مقله، فحمله الى دار المقتدر بعد مراسلات كانت بينهما وضمانات فقلده المقتدر وزارته، وفوض اليه أموره، وخلع عليه الوزارة يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فاقر عبيد الله ابن محمد بن عبد الله الكلواذى على ديوان السواد، واقر الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الفرات على ديوان المشرق، وانفذه ناظرا على اعمال فارس، وولى محمد ابن القاسم الكرخي ديوان المغرب- وكان قد قدم من ديار مضر- وقلد الوزير أخاه الحسن بن على ديوان الخاصة وديوان الدار الاصغر، الذى تنشأ منه الكتب بالزيادات والنقل، وقلد أخاه العباس بن على ديوان الفراتيه وديوان الجيش، واقر عثمان بن سعيد الصيرفى على ديوان الجيش الأصل، وابراهيم بن خفيف على ديوان النفقات،
(11/117)

واجرى الأمور احسن مجاريها، وامر الا يطالب احد بمصادره ولا غرم، ولا يعرض لصنائع احد، حتى اقر احمد بن جانى على ما كان يتقلده من ديوان اقطاع الوزراء، واجلس ابراهيم بن أيوب النصراني كاتب على بن عيسى بين يديه على رسمه، واقره على ديوان الجهبذه، وضمن امر الرجاله المصافيه الملازمين لدار الخليفة، وقد بلغت نوبتهم عشرين ومائه الف دينار في كل هلال فاستبشر الناس به، وسكنوا اليه، وأمنوا وانفسحت آمالهم، واتسعت هممهم، وتباشروا بأيامه ثم خلع في غره جمادى الاولى على ابى القاسم وابى الحسين وابى الحسن بنى ابى على محمد بن على الوزير لتقلد الدواوين، ثم خلع على محمد بن على بعد ذلك لتكنيه امير المؤمنين اياه.
قال الصولي: ولا اعلم انه ولى الوزارة احد بعد عبيد الله بن يحيى بن خاقان مدح من الاشعار باكثر مما مدح به محمد بن على قبل الوزارة، وفي الوزارة، وبعد ذلك لشهرته في الشعر، وعلمه به واثابته عليه وظهر من ذكاء ابنه ابى الحسين واستقلاله بالأعمال، وتصرفه في الآداب وحسن بلاغته وخطه ما تواصفه الناس، وكان اكثر ذلك في وزارته الثانيه، حين انفجر عليه الشباب، وزالت الطفوله عنه قال: وما رأينا وزيرا مذ توفى القاسم بن عبيد الله احسن حركه ولا اظرف اشاره ولا اصلح خطا، ولا اكثر حفظا، ولا اسلط قلما، ولا اقصد بلاغه، ولا آخذ بقلوب الخلفاء من محمد بن على وله بعد هذا كله علم بالاعراب وحفظ باللغة وشعر مليح وتوقيعات حسان وولى الوزير ابنه أبا القاسم ديوان زمام القواد مكان عبيد الله بن محمد، وقلد ابنه أبا عيسى ديوان الضياع المقبوضة عن أم موسى والموروثه عن الخدم، واقر إسحاق بن اسماعيل على ما كان ضامنا له من اعمال واسط، وغير ذلك.
وفي هذه السنه رجع القرمطى الى الكوفه، فخرج اليه نصر الحاجب محتسبا وانفق من ماله مائه الف دينار الى ما اعطاه السلطان، واعانه به واجتهد في لقاء القرمطى ونصحه الجيش الذين كانوا معه، وحسنت نياتهم في محاربه القرمطى.
فاعتل نصر في الطريق، ومات في شهر رمضان، فحمل الى بغداد في تابوت وولى الحجابه مكانه ابو الفوارس ياقوت مولى المعتضد، وهو إذ ذاك امير فارس، فاستخلف له ابنه ابو الفتوح الى ان يوافى ياقوت.
(11/118)

ذكر الحوادث التي أحدثها القرامطة بمكة وغيرها
وفي هذه السنه سار الجنابى القرمطى لعنه الله الى مكة، فدخلها واوقع بأهلها عند اجتماع الموسم واهلال الناس بالحج، فقتل المسلمين بالمسجد الحرام، وهم متعلقون باستار الكعبه، واقتلع الحجر، وذهب به، واقتلع أبواب الكعبه وجردها من كسوتها، وأخذ جميع ما كان فيها من آثار الخلفاء التي زينوا بها الكعبه وذهبوا بدره اليتيم، وكانت تزن- فيما ذكر اهل مكة- اربعه عشر مثقالا، وبقرطى مارية، وقرن كبش ابراهيم، وعصا موسى، ملبسين بالذهب مرصعين بالجوهر، وطبق ومكبه من ذهب وسبعه عشر قنديلا، كانت بها من فضه وثلاث محاريب فضه كانت دون القامة منصوبه في صدر البيت، ثم رد الحجر بعد اعوام ولم يرد من سائر ذلك شيء.
وقيل ان الجنابى لعنه الله صعد الى سطح الكعبه ليقلع الميزاب، وهو من خشب ملبس بذهب، فرماه بنو هذيل الاعراب من جبل ابى قبيس بالسهام حتى ازالوهم عنه، ولم يصلوا الى قلعه وظهر قرامطه يعرفون بالنفليه بسواد الفرات، ومعهم قوم من الاعراب من بنى رفاعة وذهل وعبس فعاثوا وأفسدوا، وكان عليهم رؤساء منهم يقال لهم عيسى بن موسى ابن اخت عبدان القرمطى ومسعود بن حريث من بنى رفاعة ورجل يعرف بابن الأعمى فاوقعوا وقائع عظيمه، وأخذوا الجزية ممن خالفهم على رسوم أحدثوها وجبوا الغلات، فانفذ المقتدر هارون بن غريب الى واسط فاوقع بهم، وقتل كثيرا منهم، وحمل منهم الى مدينه السلام مائتي اسير، فقتلوا وصلبوا.
4 وورد الخبر في شعبان بان الحسن بن القاسم الحسنى قام بالري ومعه ديلمى يقال له ما كان بن كاكى، وان العامل عليها هرب الى خراسان منه، ثم ورد الخبر في شوال باقبال ديلمى يقال له اسفار بن شيرويه من اصحاب الحسن بن القاسم الى الري أيضا، وان هارون بن غريب لقى اسفار هذا بناحيه قزوين، فهزمه اسفار وقتل اكثر رجاله وافلت هارون وحده، ثم تلاحق به من بقي من اصحابه وفيها ولى ابراهيم بن ورقاء اماره البصره وشخص إليها من بغداد، فما راى الناس في هذا العصر أميرا اعف منه
(11/119)

ولما صار هارون بن غريب الى الكوفه، قلد كور الجبل كلها وضم اليه وجوه القواد فقلد أبا العباس بن كيغلغ معاون همذان ونهاوند مكان محمد بن عبد الصمد، وقلد نحريرا الخادم الدينور مكان عبد الله بن حمدان، وخلع عليهما في دار السلطان، فاستوحش لذلك عبد الله بن حمدان، وكان هذا سبب معاونه عبد الله بن حمدان لنازوك عند ما احدثاه على المقتدر مما سيأتي ذكره.
وفي هذه السنه ولى ابو عبد الله احمد بن محمد بن يعقوب بن إسحاق البريدى خراج الاهواز بعد اعمال كثيره تصرف فيها هو واخواه ابو يوسف وابو الحسين، فحمدت آثارهم، وشاعت كفايتهم، وحرص السلطان على اصطناعهم وزيادتهم فعلت أحوالهم، وزادت مراتبهم، وظهر من استقلال ابى عبد الله احمد بن محمد بالأعمال وقرب ماخذها عليه والمعرفة بوجوه النظر والاجتهاد في إرضاء السلطان ما تعارفه الناس وعلموه، مع تخرق في الكرم والسودد، وحسن الرعاية لمن خدمه، واتصل به ولمن امله وقصده، حتى انه لا يرضى لكل واحد منهم الا بغناه، فأحب السلطان ان يلى هو واخواه اكثر الاعمال الدنيا، فلم يحبوا ذلك، واقتصر كل واحد منهم على دون ما يستحق من الاعمال.
وفيها ولى ابو الحسين عمر بن الحسن الأشناني قضاء المدينة مكان ابن البهلول إذ كبر واختلط عليه امره، ثم استعفى ابن الأشناني فاعفى، وولى الحسين بن عبد الله ابن على بن ابى الشوارب قضاء المدينة، وقلد ابو طالب محمد بن احمد بن إسحاق ابن البهلول قضاء الاهواز والأنبار، عوضا مما كان يليه أبوه من قضاء المدينة وفيها توفى ابو إسحاق بن الضحاك الخصيبى والليث بن على بالرقة.
وحج بالناس في هذه السنه من تقدم ذكره.
(11/120)

ثم دخلت

سنه سبع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

فيها ثار بالمقتدر بعض قواده،
وخلعوه وهتك الجند داره، ونهبوا ماله ثم اعيد الى الخلافه، وجددت له البيعه، وذلك ان مؤنسا المظفر لما قدم من الرقة عند اخراجه الى القرامطة، وقرب من بغداد، لقيه عبد الله بن حمدان ونازوك الحاجب، فاغرياه بالمقتدر، واعلماه بانه يريد عزله عن الإمارة وتقديم هارون بن غريب مكانه، لما تقدم ذكره من عزل المقتدر لابن حمدان عن الدينور مع استفساده الى نازوك فعمل ذلك في نفس مؤنس، ودخل بغداد أول يوم من المحرم وعدل الى داره، ولم يمض الى دار الخليفة، فوجه اليه المقتدر أبا العباس ولده ومحمد بن مقله وزيره، فاعلماه تشوقه اليه ورغبته في رؤيته، فاعتذر بعلة شكاها، وان تخلفه لم يكن الا بسببها، فارجف الناس بتكرهه الاقبال اليه، وتجمعت الرجاله المصافيه الملازمة بالحضرة الى باب داره، فواثبهم اصحابه، ودافعوهم، ووقع بنفس مؤنس ان الذى فعله الرجاله انما كان عن امر المقتدر، فخرج من الدار، وجلس في طيار وصار الى باب الشماسيه، وعسكر وتلاحق به اصحابه وخرج اليه نازوك في جميع جيشه، فعسكر معه، وذلك يوم الأحد لتسع خلون من المحرم ولما بلغ المقتدر ذلك ارتاع له، ووعده باخراج هارون بن غريب الى الثغر، وبذل له كل ما رجا به استمالته واذهاب وحشته وكتب المقتدر الى مؤنس واهل الجيش كتابا كان فيه:
واما نازوك فلست ادرى سبب عتبة واستيحاشه، فو الله ما اعنت عليه هارون حين حاربه، ولا قبضت يده حين طالبه، والله يغفر له سوء ظنه واما عبد الله بن حمدان فلا اعرف شيئا احفظه الا عزله عن الدينور، وما كنا عرفنا رغبته فيها، وانما أردنا نقله الى ما هو اجل منها، وما لأحد عندي الا ما أحب لنفسه، فان اريد بي نقض البيعه، فانى مستسلم لامر الله، وغير مسلم حقا خصنى الله به، وافعل ما فعل
(11/121)

عثمان بن عفان رضى الله عنه ولا الزم نفسي حجه، لا آتى في سفك الدماء ما نهى الله عنه الا في المواطن التي حدها الله في الكافرين والبغاة من المسلمين ولست استنصر الا بالله، لما اؤمله من الفوز في الآخرة، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
فلما قرئ كتاب المقتدر في العسكر وثب وجوه الجيش، وقالوا: نمضي الى دار الخليفة لنسمع منه ما يقول وبلغ ذلك المقتدر، فاخرج عن الدار كل من كان يحمل سلاحا، وجلس على سريره، وفي حجره مصحف يقرا فيه، واقام بنيه حوالى نفسه، وامر بفتح الأبواب، والا يمنع احد الدخول فلما علم ذلك مؤنس المظفر اقبل الى باب الخاصة ليعرف الحقيقة، ويستقرب مراسله الخليفة ثم كره ان يدخل عليه فيحدث من الأمر مالا يتلافاه فامر الحجاب بان يرجعوا الى الدار، والزم معهم قوما من اصحابه، وصرف الناس الى منازلهم على حال جميله، وكلهم مسرور بالسلامة، ورجع هو الى داره ليزيد بذلك في تسكين الناس وتطييب نفس الخليفة، وذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم.
فلما كان يوم الخميس لثلاث عشره خلت منه عاد اصحاب نازوك وسائر الفرسان الى الركوب في السلاح، وساروا الى دار مؤنس المظفر فاخرجوه عن كره منه الى المصلى العتيق، وغلبه نازوك على التدبير، واستأثر بالأمر، وباتوا في تلك الليلة على هذه الحال فلما اصبح نازوك ركب والناس معه في السلاح الى دار السلطان، فوجدوا الأبواب مغلقة، فاحرقوا بعضها ودخلوا الدار، وقد تكامل على بابها من الفرسان نحو اثنى عشر ألفا فلما سمع المقتدر نفيرهم دخل هو وولده داخل القصر، ونزل محمد بن مقله الى دجلة، فركب طيارة، وصار الى منزله، وتقحم نازوك واصحابه دخول الدار على دوابهم الى ان صاروا الى مجالس الخليفة، وهم يطلبونه ويكشفون عنه فلما راى مؤنس ذلك دخل الدار، وسال بعض الخدم عن المقتدر، فاعلمه بمكانه، فاحتال في اخراجه واخراج أمه وولده ووجه معهم ثقاته الى داره ليستتروا فيها، واخرج على بن عيسى من المكان الذى كان محبوسا فيه، فصرفه الى منزله، واخرج الحسين بن روح- وكان محبوسا أيضا بسبب مال طولب به-
(11/122)

فصرفه الى منزله، ونهب الجند الدار ومحوا رسوم الخلافه وهتكوا الحرمه، وصاروا من أخذ الجوهر والثياب والفرش والطيب الى مالا قدر له ثم وكل مؤنس اصحابه بالقصر وابوابه، واجمع راى نازوك وعبد الله بن حمدان على اقعاد محمد بن المعتضد للخلافة، واحضروه الدار ليله السبت، وحضر معهما مؤنس المظفر، ودعا لمحمد بن المعتضد بكرسي، وخاطبه ثم انصرف مؤنس الى داره، واقام نازوك في الدار إذ كان يتولى الحجابه مع الشرطه، وانصرف عبد الله بن حمدان الى منزله، ووجه نازوك بالليل من نهب دار هارون بن غريب الخال بنهر المعلى وداره بالجانب الغربي، واحرقنا جميعا، ونهبت دور الناس طول ليله السبت، فكانت من اشام الليالى على اهل بغداد، وافلت كل لص وجانى جناية ومقتطع مال، وفتقوا السجون التي كانوا فيها، وافلت من دار السلطان عبد الله صاحب الجنابى، وعيسى بن موسى الديلمى وغيرهما من اهل الجزائر.
ثم اصبح الناس على مثل ذلك الى ان ركب نازوك واظهر الانكار لما حدث من النهب، وضرب اعناق قوم وجد معهم امتعه الناس، فكف الأمر قليلا، وسمى محمد بن المعتضد القاهر بأمر الله، وسلم عليه بالخلافة، ووجه القاضى محمد بن يوسف وجماعه معه الى دار مؤنس المظفر ليجبروا المقتدر على الخلع، فامتنع من ذلك.
ثم ان الرجاله المصافيه طالبوا بست نوب وزياده دينار، وكان يجب لهم في كل نوبه مائه وعشرون الف دينار عين، إذ كانوا في عشرين الف راجل، وكان عدد الفرسان اثنى عشر ألفا، ومبلغ مالهم في كل شهر خمسمائة الف دينار فضمن نازوك ثلاث نوب للرجاله، ودافعهم عن الزيادة، فقالوا: لا نأخذ الا الست نوب والدينار الزائد، واخر نازوك إعطاء الجند، إذ لم يجتمع له المال، وألحوا في قبضه فلم يعطوا شيئا يوم السبت ولا يوم الأحد، وبكر الرجاله يوم الاثنين الى الدار للمطالبة بالمال، فدخل نازوك وخادمه عجيب الصقلبى الى الصحن المعروف بالشعيبى ودخل الرجاله الى الدهليز يشتمون نازوك، ويغلظون له، ويتواعدونه، لتاخيره العطاء والزيادة عنهم.
ثم انهم هجموا في الدار، وثاروا على نازوك لعداوتهم له وحربهم له في أول امارته فقتلوا عجيبا خادمه، وكان نازوك قد سد الطرق والممرات التي كانت في دار السلطان تحصينا على نفسه واستظهارا على امره فلما راى فعل الرجاله وايقن بالشر دخل
(11/123)

ليهرب من بعض الممرات، فوجدها مسدودة، ولحقه رجل من الرجاله اصفر يقال له مظفر وآخر يقال له سعيد بن يربوع، ويلقب بضفدع، فقتلاه ثم صلب جسده من وقته على بعض ادقال الستائر التي تلى دجلة، وصاحوا: لا نريد الا خليفتنا المقتدر بالله، ووثب القاهر مع جماعه من خدمه فخرج من بعض أبواب القصر، وجلس في طيار، ومضى الى موضعه في دار ابن طاهر.
قال الصولي: ونحن نرى ذلك كله من دجلة، ونهبت دار نازوك في ذلك الوقت، ودار بنى بن نفيس وقد قيل ان مؤنسا المظفر لما راى غلبه نازوك على الأمر وجه ليله الاثنين الى نقباء الرجاله فواطاهم على ما فعلوه، وكان لا يريد تمام خلع المقتدر، ولذلك ما ستره ولم يبت عنه منذ ادخله داره وكان عبد الله بن حمدان في الوقت الذى قتل فيه نازوك بين يدي القاهر وهو يراه خليفه، فلما هرب القاهر طلب ابن حمدان من بعض الغلمان جبه صوف كانت عليه، وضمن له مالا، فلبسها وبادر يريد بعض الأبواب، فندر به قوم من الغلمان والخدم، فما زالوا يرمونه بالنشاب حتى قتلوه واحتزوا راسه.
سنه 317

ذكر صرف المقتدر الى الخلافه
واخرج مؤنس المظفر المقتدر بالله وساله الرجوع الى الدار، والظهور للناس فاستعفاه من ذلك فلم يدعه حتى رده في طيارة، مع خادمه بشرى، فلما صعد القصر سال عن عبد الله بن حمدان، فاخبر بقتله، فساءه ذلك، وكان قد صح عنده انه لم يرد من أول امره ما اراده نازوك، ولا ظن الحال تبلغ حيث بلغت ثم ان المقتدر قعد للناس، وخاطبهم بنفسه، وقال للرجاله: لكم على ست نوب وزياده دينار، وقال للغلمان: لكم على ارزاق اربعه اشهر، وقال لسائر الجند: لكم على ارزاق اربعه اشهر وزياده خمسه دنانير لكل واحد منكم، وما عندي ما يفى بهذا ولكنى أبيع ما بقي من ثيابي وفرشي وأبيع ضياعي وضياع من يجوز عليه امرى، فبايعه الناس بيعه مجدده
(11/124)

واجتهد في توفيتهم ما ضمنه لهم، وصرف أواني الذهب والفضه، ثم اعجلوه عن صرفها فكان يزنها لهم مكان الدنانير والدراهم ووفى بكل الذى ضمنه، وكان القاهر لما اقعد للخلافة قد احضر محمد بن على الوزير يوم السبت ويوم الأحد، وامره ان يجرى الأمور مجاريها، فلم يحدث شيئا ولا حاول امرا فلما عاد المقتدر الى حالته احضره وشكر ما كان منه، فكتب محمد بن على الى جميع الأمراء والعمال والاطراف بما جدده الله للمقتدر بالله، وكفاه اياه، وارتجل الكتاب إملاء بلا نسخه، فاحسن فيها وأجاد.
واضطربت الأمور ببغداد الى ان ولى المقتدر شرطته ابراهيم ومحمد ابنى رائق مولى المعتضد، وخلع عليهما، وذلك بمشوره مؤنس المظفر وعن امره، فقاما بالأمر احسن قيام وضبطا البلد أشد ضبط، وطاف كل واحد منهما بالليل في جانبه من بغداد، وكان اكثر الضبط لمحمد فهو الذى كان يقيم الحدود، ويستوفى الحقوق وكانت في ابراهيم رحمه ورقه قلب.
وقدم ياقوت من فارس في غره شهر ربيع الاول، فخلع عليه للحجابه وعلى محمد ولده لسبب هزيمتهم للسجستانيه بكرمان، وولى الاعمال جماعه ممن اشار بهم مؤنس ومحمد بن على ولم يف مال المقتدر والانيه التي احضرها بارزاق الجند، فامر بارتجاع ما كان اقطعه الناس من الأموال والضياع والمستغلات، وافرد لها ديوانا، وقلد الوزير ابن مقله ذلك الديوان عبد الله بن محمد بن روح، وسمى ديوان المرتجعة، فتقلده في آخر المحرم، فعسف عليه الجند بالمطالبة بالمال، فاستعفى الوزير فأعفاه وقلد مكانه الحسين بن احمد بن كردى الماذرائى ووردت الاخبار باستيلاء العدو على الثغور الجزرية، ونصبهم في كل مدينه رجلا منهم لقبض الجبايه، فاخرج السلطان طريفا السبكرى لدفعهم، وكتب الى من قارب تلك الناحية ان يسيروا معه.
وورد الخبر بان اصحاب ابى مسافر اضطربوا عليه باذربيجان، فزال عنهم الى المراغه، فحصروه بها حتى قتلوه، وتراضوا على قائد منهم اسمه مفلح، فراسوه عليهم، وترددت الأنباء الشاغله الغامه.
[أخبار متفرقة]
وتوفى في هذا العام ابو الحسين بن ابى العباس الخصيبى والحسين بن احمد الماذرائى بمصر، وتوفيت ثمل القهرمانه التي كانت مع والده المقتدر
(11/125)

وفيها توفى ابو القاسم ابن بنت منيع المحدث، وهو ابن مائه سنه وثلاث سنين، مولده سنه اربع عشره ومائتين.
وتوفى نحرير الصغير بالموصل وكان يتولى معونتها.
وتوفى ابو معد نزار بن محمد الضبي.
وكان نصب الحج للناس في هذه السنه عمر بن الحسن بْن عبد العزيز بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ العباس، خليفه لأبيه الحسن بن عبد العزيز فصده الجنابى عن الحج.
(11/126)

ثم دخلت

سنه ثمان عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فيها اقبل مليح الأرميني الى ناحيه شمشاط للغارة على أهلها، فخرج اليه نجم غلام جنى الصفواني، وكان يلى المعاون بديار مضر، ويتولى اعمال الرقة، فاوقع بمليح وباصحابه وقيعه عظيمه، فانفذ ابنا له يقال له منصور، ويكنى أبا الغنائم الى الخليفة ببغداد بأربعمائة اسير منهم عشره رؤساء مشاهير، فادخلهم بغداد في شهر ربيع الأول من هذه السنة مشاهير على الجمال 4.
وفي هذه السنه خرج اعراب بنى نمير بن عامر وبنى كلاب بن ربيعه فعاثوا بظهر الكوفه، واستطالوا على المسلمين، وأخافوا السبيل، فخرج اليهم ابو الفوارس محمد بن ورقاء امير الكوفه في جمع من اشراف الكوفه وبنى هاشم العباسيين والطالبيين ولم يكن معه جند سواهم فقاتل الاعراب بنفسه، وصبر لمحاربتهم فأسروه وأسروا معه ابن عمر العلوي وابن عم شيبان العباسي من ولد عيسى بن موسى، وسار بهم الاعراب في اخبائهم، ولم يجسروا على إيقاع سوء بهم فطلبوا منهم الفداء فاجابوهم اليه، وفدوا انفسهم وتخلصوا منهم.
وفيها خلع على عبد الله بن عمرويه، وقلد شرطه البصره مكان محمد بن القاسم بن سيما، وخلع على على بن يلبق لمعاون النهروان وواسط مكان سعيد بن حمدان، فخرج الى واسط، وبلغه ان إسحاق الكردى المعروف بابى الحسين، خرج لقطع الطريق على عادته، ومعه جمله من الأكراد، فراسله على ولاطفه، ووعده تقديم السلطان له على جميع الأكراد فاقبل اليه وبات عنده وخلع عليه وحمله ثم صرفه الى عسكره ليغدو عليه في اليوم الثانى، واجتمع رؤساء اهل واسط الى على، فعرفوه بما قد هياه الله له في
(11/127)

الكردى وانه لو انفق مائه الف دينار لما تمكن ما تمكن منه فيه، وانه ان افلت من يديه انكر السلطان ذلك عليه فلما بكر الكردى الى على بن يلبق تقبض عليه وعلى من كان معه، وركب من وقته الى موضع عسكره، فقتل منهم خلقا واسر جماعه وادخل ابو الحسين الى بغداد مشهورا، ومعه اربعه عشر رجلا بين يدي يلبق المؤنسى وابنه على، وذلك لثمان خلون من جمادى الاولى، فحبسوا ولم يقتلوا وفيها خلع على محمد بن ياقوت وولى شرطه بغداد على الجانبين مكان ابراهيم ومحمد ابنى رائق المعتضدي، وقلد الحسبه.

ذكر الإيقاع بجند الرجاله ببغداد
ومن الحوادث في هذه السنه التي عظمت بركتها على السلطان والمسلمين، ان الرجاله المصافيه لما قتلوا نازوك، وتهيأ لهم ما فعلوه في امر المقتدر، وقبضوا الست النوائب والزيادة التي طلبوها، ملكوا امر الخلافه، وضربوا خياما حوالى الدار.
وقالوا:
نحن اولى من الغلمان بحفظ الخليفة وقصره، وانضوى اليهم من لم يكن منهم، وزادت عدتهم على عشرين ألفا، وبلغ المال المدفوع اليهم لكل شهر مائه الف وثلاثين الف دينار، وتحكموا على القضاه، وطالبوهم بحل الحباسات واخراج الوقوف من ايديهم، واكتنفوا الجناة، وعطلوا الأحكام، واستطالوا على المسلمين، وتدلل قوادهم على الخليفة وعلى الوزير، حتى كان لا يقدر ان يحتجب عن واحد منهم في اى وقت جاء من ليل او نهار، ولا يرد عن احد حاجه كائنا ما كانت، فلم يزالوا على هذه الحال الى ان شغب الفرسان، وطلبوا أرزاقهم، وعسكروا بالمصلى، ودخل بعضهم بغداد يريد دار ابى القاسم بن الوزير محمد بن على فلما قربوا منها دافعهم الرجاله الذين كانوا ملازمين بها، ومنعوهم الجواز في الشارع، فتجمع الفرسان، ورشقوهم بالنشاب، وقتلوا منهم رجلا، فانهزم الرجاله اقبح هزيمه، فطمع الفرسان حينئذ فيهم، وافترصوا ذلك منهم، وراسلوا الغلمان الحجريه في امرهم وتأمروا معهم على الإيقاع بهم
(11/128)

وبلغ محمد بن ياقوت صاحب الشرطه الخبر، فحرص على نفاذه، واغرى الفرسان بالعزم فيه، وسفر في الأمر واحكمه، وأومى اليهم الوزير بوجه الرأي فيه، ودبره من حيث لا يظن به، إذ علم ما في نفس الخليفة عليهم من الغيظ لقبيح ما كانوا يحدثونه عليه فوثب الغلمان الحجريه يوم الأربعاء لثمان ليال بقين من المحرم بالرجاله المصافيه وطردوهم عن المصاف، ورشقوهم بالنشاب، فانصرفوا منهزمين، واخرج ابن ياقوت صاحب شرطه بغداد غلمانا كثيرا في طيارات وتقدم اليهم الا يتركوا رجلا يعبر من جانب الى جانب الا قتلوه، ولا ملاحا يجيز احدهم الا رموه بالنشاب، واخافوه ومنعوا من عبور الجسر، والح عليهم بالطلب، ونودى فيهم الا يبقى ببغداد منهم احد، واعانت عليهم العامه، وانطلقت فيهم الأيدي، فلم يجتمع منهم اثنان، وحظر عليهم الا يخرجوا الى الكوفه والبصره والاهواز، فتخطفوا في كل وجه واميحوا بكل مكان، فهل ترى لهم من باقيه، وقصد الفرسان مع العامه الى الموضع الذى كان فيه مستقر السودان بباب عمار، فنهبوهم واحرقوا منازلهم، فطلبوا الامان، وسألوا الصفح، فرفع عنهم القتل وحبس منهم الوجوه واسقطت عنهم الجرايات.

كتاب على بن مقله الى القواد والعمال
وكتب الوزير محمد بن على بن مقله فيهم نسخه انفذت الى القواد والعمال وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم: قد جرى اعزك الله من امر الرجاله المصافيه بالحضرة ما قد اتصل بك، وعرفت جملته وتفصيله وجهته وسبيله، وقد خار الله عز وجل لسيدنا امير المؤمنين وللناس بعده بما تهيأ من قمعهم وردعهم، خيره ظاهره متصله بالكفاية الشامله التامة بمن الله وفضله، ولم ير سيدنا ايده الله استصلاح احد من هذه العصبة الا السودان فإنهم كانوا اخف جناية، وايسر جريره، فراى اعلى الله رايه اقرارهم على أرزاقهم القديمه، وتصفيتهم بالعرض على المحنة لعلمه ان العساكر لا بد لها من رجاله وامر اعلى الله امره، ان يستخدم بحضرته من تؤمن بائقته وتخف مؤنته، وترجى استقامته
(11/129)

وبالله ثقه امير المؤمنين وتوفيقه، وقبلك وقبل مثلك رجاله أنت اعلم بمن مرضت طاعته منهم، ومن يعود الى صحه وصلاح، فان قنع من ترضاه منهم بأصل الجاري عليه فتمسك به واقره على جاريه، ومن رايت الاستبدال به فأمره إليك والله المستعان.

ذكر صرف ابن مقله عن الوزارة وولايه ابن مخلد
وفي جمادى الاولى يوم الأربعاء لاربع عشره ليله بقيت منه صرف محمد بن على ابن مقله عن الوزارة، ووكل به في الدار، وحبس فيها، واحضر محمد بن ياقوت صاحب الشرطه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد، فوصل الى الخليفة وقلده وزارته، وخلع عليه، ومضى في الخلع التي كانت عليه الى الدار التي كان يسكنها ابن الفرات والوزراء بعده ثم نزل منها الى طيارة، ومضى الى منزله، فاقر عبيد الله الكلواذى على دواوين السواد والاهواز وفارس وكرمان، واقر كثيرا ممن كان على سائر الدواوين وقلد ابنه احمد بن سليمان ديوان المشرق، واستخلف له عليه من يتولاه له، وقلد ابنه أبا محمد ديوان الفراتيه، وقلد أبا العباس احمد بن عبيد الله الخصيبى الاشراف على اعمال فارس وكرمان، ورد التدبير اليه فكان يعزل ويولى، وقلد أبا بكر محمد بن على الماذرائى اعمال مصر، فسار سيره جميله، وعضده على بن عيسى برايه، وكان على يجلس للمظالم منذ خرج من الحبس الى وقته ذلك، ثم اتصل قعوده مده.
وفي جمادى الآخرة من هذا العام شغب الفرسان وصاروا الى دار على بن عيسى، فنهبوا اصطبله وقتلوا عبد الله بن سلامه حاجبه 4.
ثم ان الرجاله السودان طلبوا الزيادة على ما كان رسم لهم، وشغبوا وحملوا السلاح، فسار اليهم محمد بن ياقوت ورفق بهم، ودارى امرهم فلم يقنعهم ذلك، وبقوا على حالهم، وامتدوا الى الفرسان وقاتلوهم فتقدم اليهم سعيد بن حمدان وجماعه من اصحاب ابن ياقوت، ورشقوهم بالنشاب وادخلوا الى منازلهم النار فهربوا الى النهروان وقطعوا الجسر بعد ان قتل منهم خلق كثير، ثم ساروا الى واسط، وتجمع اليهم خلق كثير من البيضان، ولحق بهم جماعه من قوادهم، وراسهم نصر الساجي، وطالبوا عمال ذلك
(11/130)

الجانب بالأموال، فندب السلطان للشخوص اليهم مؤنسا المظفر، فخرج اليهم ورفق بهم ودعاهم الى القناعه بما رسمه السلطان لهم، فأبوا ولجوا في غيهم، واجتمعوا في مصلى واسط من الجانب الغربي، وحفروا الابار حوالى عسكرهم، وفجروا المياه، وأقاموا النخل المقطوع منصوبه في الطريق المسلوكه اليهم ليمنع الخيل من التقحم عليهم، فعبر مؤنس حتى نزل بقربهم، ثم سار اليهم بمن كان معه على الظهر وفي الماء على مخاضه وجدوها، ووضعوا فيهم السيف، فقتل اكثرهم، وغرق بعضهم واسر رئيسهم نصر الساجي، وأخذ ابن ابى الحسين الديراني واستامن بعض السودان، فنقلهم مؤنس وفرقهم في النواحي، واقر على بن يلبق على شرطه واسط وكانت هذه الوقيعه لخمس بقين من رجب، ورجع مؤنس الى بغداد لعشر بقين من شعبان.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنه اسر الحسن بن حمدان شاريا خرج بكفر غرثا، يقال له:
غزون، وانفذه الى السلطان، فحمل على فيل، وادخل بغداد مشهورا ثم حبس، وذلك في ذي الحجه.
وقبل ذلك بشهر ما وجه ابو السرايا نصر بن حمدان بن سعيد بن حمدان شاريا خرج بالرادفيه من موالي بجيله، فادخل بغداد على فيل وبين يديه ولدان له على جملين ومائه راس من رءوس اصحابه، وسار رجل من وجوه البرابر يعرف بابى شيخ الى دار السلطان في ذي القعده، فذكر ان جماعه من وجوه القواد والكتاب قد بايعوا أبا احمد محمد بن المكتفي بالله، واستجاب له نحو ثلاثة آلاف رجل من الجند، فامر السلطان بحفظ ابن المكتفي بالله في داره، وانتشر خبر ابى شيخ فخيف عليه ان يقتله الجند، فبعث الى الجبل الى ابن الخال ليكون في جيشه.
وورد الخبر في ذي القعده بوقوع الحرب بالبصرة بين البلاليه والسعديه، وان عبد الله بن محمد بن عمرويه والى المعونة بها اعان البلاليه فهزموا السعديه واحرقوا محالهم، فاخرجوا من البصره ثم ردوا إليها بعد مده عن سؤال منهم وتضرع.
قال الصولي: ولما ورد الخبر بذلك، كتب على بن عيسى الى اهل البصره في ذلك كتابا بليغا ينهاهم فيه عن العصبية ويعرفهم سوء عاقبتها، فدخلت اليه وهو يملى الكتاب،
(11/131)

فلما اوعب املاءه امر كاتبه بدفعه الى لأقرأه قال: فحسن عندي الكتاب، وقلت له: قد كان لإبراهيم بن العباس كتاب في العصبية فقال لي: ما اعرفه، فما هو؟
قلت: حدثنى عون بن محمد الكندى قال: قدم علينا بسر من راى كاتب من اهل الشام، يقال له عبد الله بن عمرو من بنى عبد كان المصريين، فجعل يستصغر كتاب سر من راى، ولا يرضى احدهم قال عون: فحدثت ابى بحديثه فانف من ذلك، وقال: والله يا بنى لاضعفنه ولاهونن نفسه اليه فمضى به الى ابراهيم بن العباس، وادخله عليه، وهو يملى رساله في قتل إسحاق بن اسماعيل، وفيها ذكر العصبية، فسمع الشامي ما اعجبه، وقال لأبي: هذا من لم تلد النساء مثله فانى سمعته يملى شيئا كأنه فيه تدبر مبين قال عون فنسخ ابى ما املاه من الرسالة وهو:
وقسم الله عدوه اقساما ثلاثة: روحا معجلة الى عذاب الله، وجثه منصوبه لأولياء الله، وراسا منقولا الى دار خلافه الله، استنزلوه من معقل الى عقال، وبدلوه آجالا من آمال، وقديما غذت العصبية أبناءها، فحلبت عليهم درها مرضعه، وركبت بهم مخاطرها موضعه، حتى إذا وثقوا فآمنوا وركبوا فاطمأنوا وامتد رضاع، وآن فطام، فجرت مكان لبنها دما وأعقبتهم من حلو غذائها مرا، ونقلتهم من عز الى ذل، ومن فرحه الى ترحه، ومن مسره الى خسره، قتلا واسرا، وغلبه وقسرا، وقل من وأضع في الفتنة مرهجا، واقتحم لهبها مؤجحا الا استلحمته آخذه بمخنقه، وموهنه بالحق كيده، حتى جعلته لعاجله جزرا ولأجله حطبا، وللحق موعظه وعن الباطل مزجره، أولئك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ*.
وورد الخبر في ذي الحجه بوثوب اصحاب اسفار بن شيرويه الديلمى المتغلب على الري عليه، واعتزامهم على قتله، وانه هرب في نفر من خاصته وغلمانه، فصار مكانه الى الري ديلمى يقال له مرداويج بن زيار
(11/132)

ومن الحوادث في هذه السنه ان الحريق وقع ليله الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى في دار محمد بن على بن مقله التي كان بناها بالزاهر على شاطئ دجلة، ويقال انه انفق فيها مائتي الف دينار، فاحترقت بجميع ما كان فيها، واحترقت معها دور له قديمه، كان يسكنها قبل الوزارة، وانتهب الناس ما بقي من الخشب والحديد والرصاص، حتى صارت مستطرقا للسابلة من دجلة، وبطل على السلطان ما كان يصير اليه من اجارات الزاهر، وذلك جمله وافرة في السنه، ثم امر السلطان بسد أبوابها ومنع السابلة من تطرقها، وتحدث الناس بان محمد بن ياقوت فعل ذلك لضغن كان لمحمد بن على بن مقله عنده في قلبه.
وفيها خلع المقتدر على ابنه ابى عبد الله هارون لتقلد فارس وكرمان يوم الاثنين لست بقين من شوال، وركب في الخلع الى داره المعروفه بجراده، بقرب الجسر، وكان المقتدر قد ثقف ولده هذا بنصر الحاجب، وجعله في حجره، فلما مات نصر تكفل امره ياقوت كما كان يتكفله نصر قبله، الا ان نصرا كان يهدى له، ويتقرب اليه.
قال الصولي: انا شهدت نصرا الحاجب قد اشترى ضيعه على نهر ديالى والنهروان يقال لها قرهاطيه، كانت للنوشجانى، فاشتراها حصصا واقساما وقامت عليه بثمانية عشر الف دينار، ثم أهداها الى ابى عبد الله بن المقتدر، وهي تساوى ثلاثين الف دينار، وصنع له فيها ولأخيه ابى العباس يوم أهداها اليه وخرجا معه إليها في وجوه القواد والغلمان، فأقاموا بها يومين، وانفق عليهم نصر مالا جسيما، ووصل الغلمان والخدم بصلات سنيه، وحمل بعضهم على خيل بسروجها ولجمها، قال: وحكى لي بعض وكلائه انه احصى ما ذبح في هذين اليومين من حمل وجدي وطير وغير ذلك من صنوف الدراج والطائر فبلغ ذلك اربعه آلاف راس.
قال الصولي: ولما خلع على ابى عبد الله هارون للولاية، وصح عزمه على الخروج، دعانى الى المسير معه والكون في عديد صحبه، فكره ذلك الأمير ابو العباس بن المقتدر، فاعتلك على ابى عبد الله، فغضب على وقطع اجراءه عنى قال: ثم بلغنى ان خروجه غير تام، فكتبت اليه بقصيده فيها تشبيب حسن ومديح مثله.
واجتلب الصولي جميع القصيده في كتاب الورقه الذى الفه باخبار الدولة، فرايت
(11/133)

اثبات ابيات منها في هذا الكتاب ليستدل بمباطنه الصولي لهم، على علمه باخبارهم، وحفظه لما جرى في ايامهم، فليس المخبر الشاهد كالسامع الغائب، ومن قصيده الصولي:
ظلم الدهر والحبيب ظلوم ... اين من ذين يهرب المظلوم
عطفت باللقاء ريح بعاد ... فاستهلت على فؤادى الهموم
يا سقيم الجفون اى صحيح ... لم يدعه هواك وهو سقيم
احرام عليك وصلى أم السائل ... وصلا مباعد محروم
قد كتمت الهوى واصعب شيء ... ان تاملته هوى مكتوم
فمتى اخصم الحبيب وايامى ... بما يشتهى على خصوم
لأبي عبد الله هارون عندي ... حادث من فعاله وقديم
هو بدر السماء يطلع في سعد ... المعالى والناس فيها نجوم
ورث المجد عن خلائف غر ... سبعه ما يعد فيهم بهيم
يا نسيم الحياه أنت لايامى ... إذا ما ركدن عنى نسيم
قد تذوقت منك طعم نوال ... مثله لا عدمته معدوم
لا تكلني الى شواهد ظن ... ليس يقضى بها على عليم
ليس تمضى الا ومن اتهمت ... ناج مما ظننت سليم
فانا الان راحل ان ترحلت ... وثاو إذا اقمت مقيم
ارنى للرضا علامه انصاف ... فدهرى وقد كفاك غسوم
نظم هذا المديح ان انصفوه ... لا يدانيه لؤلؤ منظوم
قد اتى ساحبا ذيول المعالى ... فيك والمدح بالنوال زعيم
وفيها مات ابو بكر محمد بن ابراهيم بن المنذر بن الجارود النيسابورى بمكة يوم الأحد انسلاخ شعبان.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الحسن العباسي.
(11/134)

ثم دخلت

سنه تسع عشره وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
قال ابو محمد عبد الله بن احمد الفرغاني في كتابه الذى وصل به كتاب محمد بن جرير الطبرى، وسماه المذيل: في هذه السنه في المحرم منها طالب قوم من الفرسان ببغداد الوزير سليمان بن الحسن بأرزاقهم، وشتموه واغلظوا له، فرماهم غلمانه بالأجر من اعالى الدار، وقتلوا رجلا من الأولياء فهجموا في الدار بعد ان احرقوا الباب.
فخرج الوزير على باب ثان، وجلس في طيار، وسار الى دار على بن عيسى.
فانصرفوا عن بابه.
وفيه قلد ابراهيم بن بطحا الحسبه بمدينه السلام.
وفي صفر ورد بغداد مؤنس الخادم الورقانى، منصرفا من الحج بالناس سالمين، فأظهر اهل مدينه السلام لذلك السرور والفرح، ونشروا الزينة في الاسواق، واخرجوا الثياب والحلى والجواهر، ونصبت القباب في الشوارع، وخلع السلطان على مؤنس واوصله نفسه وخلع على جماعه معه، وذلك يوم الخميس لعشر خلون من صفر، فذكر الحاج انها لحقتهم مجاعه عظيمه في الطريق، إذ كانت خاليه من العمارة، وكاد يأكل بعضهم بعضا من الجوع.
وللنصف من صفر قصد الشطار واهل الزعارة من العامه دار الخليفة فاحرقوا باب الميدان، ونقبوا في السور، وصعد الخليفة الى المجلس المثمن ومعه يلبق وسائر الغلمان، فضمن لهم يلبق ازاحه عللهم والانفاق عليهم، فانصرفوا ثم شغبوا بعد ذلك وقصدوا دار ابى العلاء سعيد بن حمدان فحوربوا منها، وقتل منهم رجل فانصرفوا وبكروا إليها من الغد، وقد كان ابو العلاء وضع حرمه وجميع ما يملكه في الزوارق داخل الماء، فلم يصلوا الى ما املوه منه، فاحرقوا بابه وصاروا الى السجون والمطبق ففتحت بعد محاربتهم لمن
(11/135)

كان يمنع منها وقتل من طلاب الفتن من العامه خلق كثير وقعدوا بعد ذلك في مجلس الشرطه، وقتلوا رجلا يعرف بالذباح قيل انه ذبح ابن النامي، فلما اصبح الناس ركب ابن ياقوت اليهم زورقا، وبعث باصحابه وغلمانه على الظهر، ثم وضع السيف والنشاب في اهل الزعارة من العامه، فلم يزل القتل يأخذهم من رحبه الحسين الى سوق الصاغه بباب الطاق، فارتدع الناس وكفوا.
وفي آخر صفر خرج طريف السبكرى الى الثغر غازيا، وخرج في ربيع الاول نسيم الخادم الشرابي الى الثغر أيضا، وشيعه مؤنس المظفر.
وخرج من الفسطاط بمصر احد عشر مركبا للغزو في البحر الى بلاد الروم، وعليها ابو على يوسف الحجري.
وفي هذه السنه اجتمع نوروز الفرس والشعانين في يوم واحد، وذلك يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وقل ما يجتمعان.
ولثمان بقين منه خلع على ابى العلاء بن حمدان، وقلد ديار ربيعه وما والاها، وتقدم اليه بالغزو، وفيه تقلد اعمال البصره ابو إسحاق وابو بكر ابنا رائق.
4 وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنه ورد الخبر بان الاعراب صاروا في جمع كثير الى الأنبار فأفسدوا وقتلوا، فجرد اليهم على بن يلبق في جيش كثيف، وخرج يلبق أبوه في اثره، فلحقوهم وواقعوهم يوم الأحد لثلاث عشره ليله بقيت منه بعد حرب شديده، وانهزم الاعراب، فقتلوا منهم وأسروا وغنم الأولياء غنيمه عظيمه.
وفي ربيع الآخر وقع حريق في مدينه الفسطاط بموضع يقال له خولان نهارا فذهبت فيه دور بنى عبد الوارث وغيرها.
ولاربع عشره ليله بقيت من جمادى الاولى ادخل الى مدينه السلام خمسه وسبعون رجلا من الأرمن، وجه بهم بدر الخرشنى ممن حارب، فشهروا وطيف بهم، وادخل أسارى القرامطة الخارجين بسواد الكوفه بعث بهم بشر النصرى وهم نحو مائه فشهروا وطوفوا بمدينه السلام.
وفي جمادى الآخرة من هذه السنه ازدادت وحشه مؤنس المظفر من ياقوت وولده،
(11/136)

ودارت بينهم مدافعات، فصرف ابن ياقوت عن الشرطه، ورد امرها بالجانب الشرقى الى احمد بن خاقان، وبالجانب الغربي الى سرور مولى المقتدر.
وفي هذا الشهر قلد ابو بكر محمد بن طغج مدينه دمشق وأعمالها، وصرف الراشدى عنها، ورد اليه عمل الرملة ونفذ كتاب الخليفة الى ابن طغج بالولاية، فلما وصل اليه الكتاب سار من وقته الى دمشق، وخرج الراشدى الى الرملة، فسر اهل دمشق بقدوم ابن طغج، ودخلها احسن دخول.
وفي مستهل رجب من هذه السنه راسل مؤنس الخليفة، وساله اخراج ياقوت وابنه عن مدينه السلام، فلم يجبه الى ذلك، فاوحشه فعله، واستاذن هو في الخروج فلم يمنع، فخرج الى مضاربه برقه الشماسيه مغاضبا واتصل به ان ياقوتا وابنه امرا بقصده والفتك به، فاستجلب مؤنس الرجاله المصافيه الى نفسه، فلحقوا به بالشماسيه وصاروا معه، ثم طالب الأولياء ابن ياقوت ببقايا أرزاقهم فنهددهم فلحق جميعهم بمؤنس بعد ان قطعوا خيامهم التي كانت حوالى دار الخليفة بالسيوف، فقوى امر مؤنس، وانضم عسكره على قريب من سته آلاف فارس وسبعه آلاف راجل، فتقدم ابن ياقوت الى اصحاب السلاح الا يبيعوا منهم سلاحا ووجه اليهم مؤنس قواده يحذرهم ان يمنعوا أحدا من اصحابه بيع ما يلتمس من السلاح، وحمل يلبق وبشر واصطفن وابن الطبرى الى مؤنس مالا كثيرا وقالوا له: هذا المال افدناه معك، وهذا وقت حاجتك اليه، وحاجتنا، فشكرهم على ذلك وفرقه في اصحابه وعلى من قصده.
ولما قوى امر مؤنس وانحاز الجيش اليه ركب اليه الوزير سليمان بن الحسن وعلى بن عيسى وشفيع ومفلح، فلما حصلوا في مضربه بباب الشماسيه، شغبت عليهم حاشيه مؤنس، وضربوا وجوه دوابهم، وقبضوا عليهم، واظهرت حاشيه مؤنس انهم يريدون الفتك بهم، فاهمتهم نفوسهم، واعتقلوا يومهم، وبلغ المقتدر الخبر فاقلقه، وجرى الأمر بينهما على اخراج ياقوت وابنيه عن بغداد ووجه الخليفة الى ياقوت وولده اخرجوا حيث شئتم، فخرجوا في الغلس يوم الأربعاء لثمان خلون من الشهر، وجميع حاشيتهم في الماء مع نيف واربعين سفينه محمله مالا وسلاحا وسروجا وسيوفا ومناطق وغير ذلك، وثمانية طيارات وشذاه فخلى مؤنس سبيل على بن عيسى، ومن اعتقله
(11/137)

معه، ورجع مؤنس الى داره، واحرقت دار ياقوت وابنه، ونودى بمدينه السلام الا يظهر احد ممن اثبت ابن ياقوت، واظهر من سائر الناس ونظر مؤنس فيمن يرد اليه الحجابه، فوقع اختياره على ابنى رائق للمهانه التي كانت فيهما، وانهما كانا يلقبان بخديجة وأم الحسين، فبعث فيهما، وقلدهما الحجابه، فقبلا يده ورجله، وقالا له: نحن عبدا الأستاذ وأبونا من قبلنا، وانصرفا وغلمان مؤنس بين أيديهما حتى بلغا منازلهما.
وفي يوم الاثنين لعشر بقين من رجب ادخل مفرج بن مضر الشاري مع رجلين وجه بهم ابن ورقاء من طريق خراسان، فشهروا على فيل وجملين.

ذكر القبض على سليمان بن الحسن الوزير وتقليد الكلواذى الوزارة
وفي يوم السبت لست بقين من رجب قبض على الوزير سليمان بن الحسن، وذلك ان المال ضاق في ايامه، واتصل شغب الجند، وظهر من سليمان في وزارته ما كان مستورا من سخف الكلام وضرب الأمثال المضحكه، واظهار اللفظ القبيح بين يدي الخليفة مما يجل الوزراء عنه، فاستنقصه الخلق، وهجاه الشعراء، واستعظموا الوزارة لمثله، وكانت لابن ياقوت فيه ابيات ضمن في آخرها هذا البيت:
يا سليمان غننى ... ومن الراح فاسقني
ولابن دريد فيه:
سليمان الوزير يزيد نقصا ... فاحر بان يعود بغير شخص
أعم مضره من ابى خلاط ... وأعيا من ابى الفرج بن حفص
وولى الوزارة ابو القاسم عبيد الله بن محمد الكلواذى واحضر الدار وخلع عليه، وذلك يوم الأحد لاربع بقين من رجب من هذه السنه.
وفي شعبان من هذه السنه ورد الخبر بان أبا العباس احمد بن كيغلغ لقى الاشكرى صاحب الديلم فهزمه الديلم وتفرق عنه اصحابه، حتى بقي في نحو من
(11/138)

عشرين، ومضى الديلم في آثار من انهزم من اصحابه، ودخلوا أصبهان، وملكوا دورها، وصاروا فيها ووافى الاشكرى على أثرهم في نفر من الديلم، فلما نظر اليهم ابن كيغلغ قال لمن حوله: أوقعوا عيني على الاشكرى، فاروه اياه فقصده وحده، وكان الديلمى شديد الخلق فلما نظر اليه مقبلا سال عنه فقيل له: هذا ابن كيغلغ، فبرز كل واحد منهما لصاحبه ورمى الديلمى أبا العباس بن كيغلغ بمزراق كان في يده، فانفذ ما كان يلبسه، ووصل الى خفه، فانفذ عضله ساقه وأثبتها في نداد سرجه، فحمل عليه ابن كيغلغ، وضربه بسيفه على أم راسه، فانصرع عن دابته وأخذ راسه وتوجه به بين يديه فتفرق اصحاب الديلمى وتراجع اصحاب ابن كيغلغ، ودخل أصبهان والراس قدامه، فوضع اهل المدينة سيوفهم ورماحهم في الديالمة الذين حصلوا بها، فقتلوا عن آخرهم ونزل ابن كيغلغ في داره، واستقام امره وحسن اثره عند المقتدر، واعجب الناس ما ظهر من شجاعته وبأسه، مع كبر سنه.
ولعشر بقين من شعبان ورد الخبر بان القرامطة صاروا الى الكوفه ونزلوا المصلى العتيق، وعسكروا به، وأقاموا، وسارت قطعه منهم في مائتي فارس فدخلوا الكوفه، وأقاموا بها خمسه وعشرين يوما مطمئنين، يقضون حوائجهم، وقتلوا بها خلقا كثيرا من بنى نمير خاصه، واستبقوا بنى اسد، ونهبوا اهراء فيها غلات كثيره للسلطان وغيره.
وفي هذه السنه وصل زكرى الخراسانى الى عسكر سليمان بن ابى سعيد الجنابى فجاز له عليهم من الحيله والمخرقه ما افتضحوا به وعبدوه، ودانوا له بكل ما امرهم، به من تحليل المحارم وسفك الرجل دم أخيه وولده وذوى قرابته وغيرهم، وكان السبب في وصوله اليهم ان القرامطة لما انتشروا في سواد الكوفه، وانتهوا الى قصر ابن هبيرة فأسروا جماعه من الناس كانوا يستعبدون من يأسرونه ويستخدمونهم، وكان له عرفاء، على كل طائفه منهم، فاسر زكرى هذا فيمن اسر، وملكه بعض المتراسين عليهم، فلما اراد الاستخدام به تمنع عليه واسمعه ما كره فلما نظر الى قوه
(11/139)

كلامه وجراته هابه وامسك عنه، وانهى خبره الى الجنابى سليمان فاحضره من وقته وخلا به، وسمع كلامه ففتنه، ودان له وامر اصحابه بان يدينوا له ويتبعوا امره وحمله في قبة وستره عن الناس، وشغل خبره القرامطة وانصرفوا به راجعين الى بلادهم، وهم يعتقدون انه يعلم الغيب ويطلع على ما في صدورهم وضمائرهم، وهو كان بعد ذلك السبب لهلاكهم وفنائهم، على ما ياتى ذكره في الوقت الذى دار فيه ذلك.
وفي هذه السنه انحدر ياقوت وابنه من مدينه السلام في الماء، ومن تبعه من جيشه من الجانب الشرقى يريدان أعمالهما من بلد فارس، وكان على بن يلبق بواسط متقلدا لها ومعه من الغلمان الذين اشخصهم مؤنس اليه جمله مثل سيما المنخلى وكانجور وشفيع وتكين الخاقانى وغيرهم، فحملت هذه الطبقة ابن يلبق على تلقى ياقوت ومحاربته واتصل الخبر بيلبق ابيه، فأنكر الأمر أشد الانكار، وكاتب ابنه يخوفه ركوب هذه الحال، ويأمره بان يتقدم الى خلفائه بواسط ان يتلقوا ياقوتا، ويخدموه ويكونوا بين يديه الى ان يخرج عن واسط وكاتب القواد الا يطاوعوا ابنه على مكروه ان هم به، وكاتب ياقوتا يسأله العبور الى الجانب الغربي خوفا من اجتماع العسكرين، ثم تحمل يلبق المصير الى ابنه وملازمته أياما الى ان جاز ياقوت وخرج عن واسط وفي شعبان من هذا العام شغب الرجاله ببغداد، فحاربهم يلبق وسائر الجيش ولم تزل الحرب بينهم من غدوه الى صلاه العصر، وخرج من الفرسان جماعه، وقتل من الرجاله عدد كثير، ثم تمزق الفريقان في الأزقة والدروب وانصرفوا
. ذكر صرف الكلواذى عن الوزارة وتقليدها الحسين بن القاسم
وكان عبيد الله بن محمد الكلواذى احد الكتاب الكبار، وجليلا في نفوس الناس، فقدروا ان فيه كفاية وقياما بالأمر، فأقام على الوزارة شهرين وهو متبرم بها لضيق الأموال وكثره الاعتراضات واتصال الشغب وقعود العمال عن حمل المال فاستعفى وقال:
ما اصلح ان أكون وزيرا، فصرف عنها ولم يعنف ولا نكب ولا تعرض احد من حاشيته،
(11/140)

وانصرف الى داره، واستقر فيها فامر الخليفة بحفظها وصيانتها.
وكان ابو الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب يسعى دهره في طلب الوزارة، ويتقرب الى مؤنس وحاشيته ويصانعهم حتى جاز عندهم، وملا عيونهم، وكان يتقرب الى النصارى الكتاب بان يقول لهم: ان اهلى منكم وأجدادي من كباركم، وان صليبا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جده في ايام المعتضد فلما رآه الناس، قال: هذا شيء تتبرك به عجائزنا، فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم، تقربا اليهم بهذا وشبهه، يعنى الى مؤنس واصحابه.
وقلد الوزارة يوم السبت سلخ شهر رمضان وخلع عليه في هذا اليوم، وركب في خلعه وسائر القواد والناس على طبقاتهم معه واخذه بوله في الطريق، فنزل وهو في خلع الخليفة الى دار محمد بن فتح السعدي فبال عنده، وامر له بزيادة في رزقه ونزله، وركب منها الى داره
. [أخبار متفرقة]
ولسبع بقين من شوال اخرج على بن عيسى الى ديرقنا.
وفيه قرئت كتب في جامع الرصافه بما فتحه الله لثمل بطرسوس في البر والبحر.
وفيه خلع على ابى العباس احمد بن كيغلغ وطوق وسور، وعقد لابن الخال على اعمال فارس، ولياقوت على أصبهان، ولابنه محمد على الجبل، واخرجت إليهما الخلع للولاية.
وفي شوال من هذه السنه خلع على الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم لمنادمه المقتدر.
وفي يوم الجمعه لخمس بقين منه ظهرت في السماء فيما يلى القبله من مدينه السلام حمره ناريه شديده لم ير مثلها، وصلى في هذا النهار الوزير عميد الدولة وابن ولى الدولة الحسين بن القاسم، في مسجد الرصافه، وعليه شاشيه وسيف بحمائل، فعجب الناس منه.
وحج بالناس في هذه السنة جعفر بن على الهاشمى من اهل مكة المعروف برقطه خليفه لأبي حفص عمر بن الحسن بن عبد العزيز.
(11/141)

ثم دخلت

سنه عشرين وثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[مخالفة مؤنس المظفر على المقتدر]
فيها خالف مؤنس المظفر على المقتدر، وخرج من بغداد الى الموصل، ثم خلعه بعد ذلك وقتله، وكان السبب في ذلك ان مؤنسا لما ابعد ياقوتا وولده عن الحجابه، وأخرجهما عن مدينه السلام، واختار ابنى رائق لملازمه المقتدر وحجابته، ورجا طوعهما له وقله مخالفتهما اياه، وكان مؤنس عليلا من النقرس قاعدا في منزله كالمقعد، وكان يلبق غلامه الذى صيره مقام نفسه وعقد له الجيش، وضمه اليه ينوب عنه في لقاء الخليفة واقامه اسباب الجند والأمر والنهى، فقوى امر ابنى رائق وتمكنا من الخليفة لقربهما منه، وقيل لهما: ان مؤنسا يريد ان يصير الحجابه الى يلبق، فالتاثا على مؤنس واستوحشا منه، وباطنا عليه من كان بحضره الخليفة مثل مفلح والوزير ابن القاسم وغيرهما، وراسلا ياقوتا وولده وابن الخال وغيرهم واتصل ذلك بمؤنس وصح عنده، فاوحشه ذلك من المقتدر وممن كان معه، ثم سالت الحجريه والساجيه المقتدر بما احكمه لها ابنا رائق، بان يصلوا اليه كلما جلس للسلام، واستعفوه من يلبق، وطعنوا على مؤنس في ضمهم اليه.
فلما كان يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم جلس المقتدر أيضا للسلام، ووصل اليه الناس، ووصلت اليه الحجريه والساجيه وصرف عنهم يلبق ولم يخلع عليه، واظهر المقتدر الانفراد بامره والاستبداد برايه، فانكشف لمؤنس الأمر، وصح عنده ما دبر عليه، وعلم انه مطلوب.
ولما كان يوم الخميس لثمان خلون من الشهر جلس المقتدر أيضا للسلام، فخرج مؤنس الى باب الشماسيه وعسكر بها ونهب اصحابه دار الوزير الحسين بن القاسم.
وبلغ ذلك المقتدر، فامر بشحن القصر بالرجال ونودى فيمن سخط عليه من
(11/142)

الرجاله بالرضا عنهم، فظفروا ووعدوا بزيادة دينار على النوبه، ووعد الفرسان بزيادة خمسه دنانير على الرزق، فظهر الرجاله، وقوى امر الخليفة واستتر اصحاب مؤنس ولحق به خاصته وخرج اليه يلبق.
فلما كان يوم الجمعه لتسع خلون من الشهر، وتمت صلاه الناس في الجامع، ركب المقتدر بين الظهر والعصر في قباء تاختج وعمامة سوداء وعلى راسه شمسه تظله وبين يديه اولاده الكبار ركبانا، وهم سبعه وجميع الأمراء والقواد معه وبين يديه، فسار من باب الخاصة الى المجلس الذى في طرف الميدان، وقد ضرب له قبة شراع ديباج فدخلها، ثم انصرف وظهر للعامه ودعا الناس له، وبعث مؤنس بشرى خليفته الى المقتدر يوم السبت مترضيا له، ومعتذرا اليه بانه لم يخرج خالعا ولا عاصيا، وانما خرج فارا من المطالبه له فقبض على بشرى وصفع وقيد، فلما اتصل الخبر بمؤنس زاد في ايحاشه ونفاره، وامر بوضع العطاء في اصحابه، ودخلوا السوق ليبتاعوا السلاح وما يحتاجون اليه، فمنعوا من ذلك حتى وجه مؤنس من قواده الى المدينة من حضر ابتياعهم لما أرادوا، ثم انتقل مؤنس الى البردان، وزال عنه كثير من جيشه الى دار السلطان وكان ممن رجع عنه ابو دلف القاسم بن دلف ومحمد بن القاسم بن سيما وغيرهم من قواده، ودخل هارون بن غريب الخال الى بغداد للنصف من المحرم، ونزل في النجمى، ودخل ابن عمرويه قافلا من البصره، ودخل نسيم الشرابي من الثغر، وخلع على سرور، وجمعت له الشرطتان ثم دخل محمد بن ياقوت لثمان بقين من المحرم، فتجمع للمقتدر قواده وقوى امره وخلع على الوزير ابى الجمال، ولقب عميد الدولة، وكنى ونفذت الكتب بذلك الى العمال من الوزير ابى على عميد الدولة بن ولى الدولة القاسم بن عبيد الله، وكتب اسمه على السكك، وخلع على ابته لكتابه الأمير ابى العباس بن المقتدر، وهو الراضي ولما اجتمع الجيش ببغداد، واتفقت كلمه اصحاب المقتدر وانتقل عن مؤنس كثير من اصحابه الى دار السلطان، قلع مؤنس عن البردان في الماء مضطرا ومعه نحو مائه غلام اكابر واصاغر من غلمانه وأربعمائة غلام سودان، كانوا له وسار يلبق وابنه وباقى غلمان مؤنس على الظهر في نحو الف وخمسمائة رجل، وكان معه من وجوه القرامطة نحو سبعين رجلا، منهم خطا أخو هند وزيد بن صدام واسد بن جهور، وكلهم انجاد مبرزون في الباس
(11/143)

لا يرد احدهم وجها عن عدو، فسار مؤنس الى سر من راى، وعسكر بالجانب الشرقى.
واجتمع الناس بقصر الجص الى مؤنس فكلمهم ووعدهم، وقال لهم: ما انا بعاص لمولاي، ولا هارب عنه، وانما هذه طبقه عادتنى، وغلبت على مولاى، فأثرت التباعد الى ان يفيقوا من سكرتهم، واتامل امرى معهم، ولست مع هذا اتجاوز الموصل اللهم الا ان يختار مولاى مسيرى الى الشام، فاسير إليها وقال لهم في خلال ذلك: من اراد الرجوع الى باب الخليفة فليرجع، ومن اراد المسير معى فليسر، فردوا عليه احسن مرد وقالوا له: نحن في طاعتك، ان سرت سرنا، وان عدت عدنا.
وبعث مؤنس أبا على المعروف بزعفران مع عشره من القرامطة في مال كان له مودعا عند بعض وكلائه بعكبراء، فأتاه منها بخمسين الف دينار، فدفع منها مؤنس ارزاق من كان معه، وزادهم خمسه دنانير واقام مؤنس يومه ذلك بقصر الحص، فاحترق سقف من سقوف القصر، فشق ذلك على مؤنس، واجتهد في إطفاء النار فتعذر ذلك عليه، ثم سار وهو مغموم لما دار من الحريق في القصر، يريد الموصل.
ونفذت كتب الوزير ابن القاسم من المقتدر الى جميع من في الغرب من القواد كبني حمدان وابن طغج صاحب دمشق، والى تكين صاحب مصر، والى ولاه ديار ربيعه والجزيرة وآذربيجان وملوك أرمينية والثغور الجزرية والشامية يأمرهم، بأخذ الطرق على مؤنس ويلبق وولده وزعفران، ومن كان معهم ومحاربتهم والقبض عليهم.
وبلغ ذلك مؤنسا، فغمه الأمر، وكتمه عن جميع من كان معه وسار الى تكريت، وقد انصرف عنه اكثر من كان معه ثم ان مؤنسا فكر في امره والى اين يكون توجهه، فلم يجد في نفسه اوثق عنده ولا اشكر ليده من بنى حمدان فانه كان عند ذكره إياهم يقول: هم أولادي، وانا أظهرتهم وكانت له عند حسين بن حمدان وديعة، فاراد ان يجتاز به ويأخذها ويسير بها الى الرقة، وقد كان بلغه تجمع بنى حمدان وحشدهم لمحاربته، فلم يصدق ذلك، ثقه منه بهم، فرحل عن تكريت الى بنى حمدان، بعد ان شاور من حضره في الطرق التي يأخذ عليها، فأشارت عليه طائفه بقطع البريه والخروج الى هيت ثم المسير الى شط الفرات وقال يلبق وزعفران لمؤنس:
(11/144)

الصواب مسيرك الى الموصل كيف تصرفت الحال لوجوه من المصالح، اما واحده فلعجزك عن ركوب البريه فتتعجل الرفاهية في الماء، واخرى لئلا يقال: جزع لما بلغه خبر بنى حمدان وتجمعهم، وثالثه انك ان بليت بقتالهم كانوا اسهل عليك من غيرهم، فوقع هذا الرأي من مؤنس بالموافقة، وسار يريد بنى حمدان فلم يلق لهم في طريقه رسولا، ولا سمع لهم خبرا الى ان وافى عليه بشرى النصراني كاتب ابى سليمان داود بن حمدان، فاستأذن عليه يوم السبت لليلة بقيت من المحرم، وخلا بمؤنس وادى اليه رساله صاحبه ورساله الحسين بن حمدان وابى العلاء وابى السرايا بأنهم على شكره ومعرفه حق يده، ولكنهم لا يدرون كيف الخلاص مما وقعوا فيه، فان أطاعوا سلطانهم كانوا قد كفروا نعمه مؤنس اليهم، وان أطاعوا مؤنسا وعصوا سلطانهم، نسبوا الى الخلعان، وسألوه ان يعدل عن بلدهم لئلا يلتقوا به ولا يمتحنوا بحربه فقال له مؤنس: قل لهم عنى: قد كنت ظننت بكم غير هذا، وما أخذت نحوكم الا لثقتي بكم، وطمعي في شكركم، فإذا خالفتم الظن فليس الى العدول عنكم سبيل، ونحن سائرون نحوكم بالغد، كائنا ما كان منكم وأرجو ان إحساني إليكم سيكون من انصارى عليكم، وخذلانكم لي غير صارف لفضل الله عنى وبات مؤنس بقصور مرج جهينة، وكان عسكر بنى حمدان بحصباء الموصل، وبات المحسن زعفران في الطلائع على المضيق الذى منه المدخل الى الموصل، وباكر مؤنس المسير في الماء على رسمه قبل ذلك.
وسار اهل العسكر على الظهر، ووقع ابو على المحسن زعفران في آخر الليل على مقدمه بنى حمدان التي كانوا أنفذوها نحو المضيق، فقتل منهم جماعه واسر نحو ثلاثين رجلا، وملك المضيق وامده يلبق برجال زياده على من كان معه وصبح الناس القتال يوم الأحد لثلاث خلون من صفر، وما كان جميع من يضمه عسكر مؤنس الا ثمانمائه وثلاثة واربعين فارسا، وستمائه وثلاثين راجلا بين اسود وابيض.
هكذا حكى الفرغاني عن احمد بن المحسن زعفران وكان شاهدا مع ابيه في عسكر مؤنس، وعنه ينقل اكثر الحكايات وكان بنو حمدان في عساكر عظيمه قد حشدوها من العرب والعجم وقبائل الاعراب وغيرهم، فتلاقى الفريقان على تعبئه، وأخذ مؤنس ويلبق وابنه ومن كان معهم من القواد في حربهم احزم ماخذ، وتوزعوا على مقدمه وميمنه وميسره وقلب، وجعلوا في كل مصاف منها ثقاتهم واكابر قوادهم ثم
(11/145)

حملت مقدمتهم على مقدمه بنى حمدان، فضرب داود بن حمدان بنبله دخلت من كم درعه، فصرعته وحملت ميمنه يلبق على ميسره بنى حمدان فقلعتها وطحنتها وغرق اكثرهم في دجلة.
ثم حمل يلبق بنفسه ورجاله الذين كانوا في القلب على قلب عسكر بنى حمدان، فهزموا من كان فيه، واتصل القتل فيهم، واسر ابن لأبي السرايا ابن حمدان وغنم عسكرهم وتفرق جميعهم، ودخل مؤنس الموصل لاربع خلون من صفر واعطى اصحابه الصلات التي كان وعدهم بها مع الزيادة، وصار في عسكره خلق كثير من غلمان ابن حمدان ورجاله، وتوجه ابو العلاء بن حمدان وابو السرايا الى بغداد مستنجدين للسلطان، وانحاز الحسين بن عبد الله بن حمدان الى جبال معلثايا واجتمع اليه بها بعض غلمانه وغلمان اهله، فسار اليه يلبق فهزمه وفرق جمعه، وعبر الحسين الى الجانب الغربي هاربا مفلولا، وقلد يلبق ابنه نصيبين وما والاها، وانصرف هو الى موضع يلبق وقلدها يمنا الأعور، وقلد يأنسا جزيرة بنى عمر، وأبا عبيد الله بن خفيف الحديثه.
وبلغ اهل بغداد اخبار مؤنس وغلبته وفتوحاته، فاخذ كل من زال عنه في الرجوع اليه واتصل بمؤنس ان جيوشا اجتمعت للروم، وفيها بنو ابن نفيس وكانوا قد هربوا الى بلاد الروم عند خلع المقتدر أولا، وانهم قاصدون ملطيه للغارة على المسلمين، فكتب مؤنس الى بلد الروم يستدعى بنى ابن نفيس ويعده ويمنيه، ويسأله صرف الروم عن ملطيه، فاقبل بنى الى الموصل وصرف الجيش عن ملطيه، فسر به مؤنس سرورا شديدا، وخلع عليه، واكرمه وانس به، فكان يعاشره ويشاربه.
ووافاه أيضا بدر الخرشنى من ارزن في نحو ثلاثمائة رجل، فسر به مؤنس ويلبق ومن كان معهما، وقدم عليهم طريف السبكرى من حلب في نحو أربعمائة فارس، فسروا به أيضا، وتوالت الفتوحات على مؤنس ويلبق، فلما طال مقام مؤنس بالموصل، ودامت فتوحه وعظمت هيبته، ابتدأ رجال السلطان الذين كانوا بالحضرة بالهرب اليه، وتاكدت محبتهم له، فكان احد من جاءه بالدوا غلام ابن ابى الساج-
(11/146)

وكان بطلا شجاعا- في نحو مائتي فارس، ولقى بالدوا في طريقه عسكرا للسلطان فكسره، وأخذ احمال مال كانت معهم يريدون بها بغداد فجاء بها بالدوا الى مؤنس ووهبها له ولرجاله، ثم استامنه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما ضاقت به الارض، وانقطع رجاؤه من امداد السلطان، وامنه مؤنس، وقدم عليه، ففرح مؤنس بقدومه، وقال له: نحن في ضيافتك منذ سبعه اشهر على كره لك، فشكره الحسين ولم يزل يخدم واقفا بين يدي مؤنس في دراعه وعمامة بغير سيف مده مقام مؤنس بالموصل.

ذكر عزل الوزير الحسن بن القاسم وتقديم الفضل بن جعفر مكانه والتياث الاحوال ببغداد
ولما ظن الوزير ابو الجمال الحسين بن القاسم ان الأمر قد صفا له بخروج مؤنس من بغداد، وان قد تم له ما اراد، وقع فيما تكره، فكثر عليه الشغب، واشتدت مطالبه الجند له بالأموال، وخيب الله ظنه فيما اراد، ولازمه الحشم في دار الخليفة ملازمه قبيحه، وأهانوه وأهانوا الخليفة بسببه، فثقل على قلب المقتدر، ولم يزل يقاسى منه كل صعب وذلول، فامر بالقبض عليه في عقب ربيع الآخر، وولى الفضل بن جعفر ابن الفرات مكانه، وقد كان مشهورا عند الخاص والعام بالفضل والعلم والكتابه وترك الهزل واللهو، وكان هو وابو الخطاب من خيار آل الفرات فلما صارت اليه الوزارة اظهر الحب له والرغبة فيها، فعجب الناس من ذلك، وقال فيه بعض الشعراء:
اتطمع في الذى أعيا ابن مقله ... وقد أعيا على الوزراء قبله
وادبر امر من ولاك حتى ... لما نرجو مع الادبار مهله
كأنك بالحوادث قد توالت ... عليك وجاءك المكروه جمله
ولما خلع على الفضل بن جعفر سار في خلعه الى الدار التي بسوق العطش، فعطش في الطريق، واستسقى ماء، فشربه فأنكر ذلك عليه، إذ لم يكن في رسم من تقدمه
(11/147)

وفي مستهل جمادى الاولى اجتمع اهل الثغور والجبال الى دار السلطان، واستنفروا الناس ببغداد، وذكروا ما ينالهم من الديلم والروم وان الخراج انما يؤخذ منهم ومن غيرهم ليصان به عامه الناس، ويدفع عدوهم عنهم، وانهم قد ضاعوا وضاعت ثغورهم، واستطال عليهم عدوهم ورققوا القلوب بهذا وأشباهه، فثار الناس معهم وساروا الى الجامع بمدينه المنصور وكسروا درابزين المقصورة واعواد المنبر، ومنعوا من الخطبه، ووثبوا بحمزه الخطيب، ورجموه حتى ادموه، وسلخوا وجهه، وجروا برجله، وقالوا له:
يا فاجر، تدعو لرجل لا ينظر في امور المسلمين، قد اشتعل بالغناء والزنا عن النظر في امور الحرمين والثغور يفرق مال الله في أعداء الله، ولا يخاف عقابا، ولا ينتظر معادا فلم يزالوا في هذه الحال الى وقت صلاه العصر، وفعلوا بعد ذلك مثل فعلهم الاول في أول جمادى الآخرة ونهضوا الى باب الوزير الفضل بن جعفر وراموا كسره، فرموا بالسهام اعلى الدار، وقتل منهم نفر، فركب احمد بن خاقان وتوسط امرهم، وضمن لهم ما يصلحهم.
وفي ثمان خلون من رجب نقب الحسين بن القاسم في دار الحاجبين نقبا اخرج منه غلمانه، واراد الخروج بنفسه ففطن به وقبض عليه، وحدر الى البصره
. ذكر مسير مؤنس الى بغداد وقتل المقتدر
ولما كثر عند مؤنس من استامن اليه من قواد العراق ورجال الخليفة وبلغه الاضطراب بها، وانس الى الوزير الفضل بن جعفر، لما كان عليه من ترك المطالبه للناس، ودارت بين مؤنس وبين الوزير مكاتبات، ورجا الوزير ان تصلح الاحوال بمجيء مؤنس ويتأيد به على قمع المفسدين، ويتمكن بحضوره من صلاح امور الخليفة التي قد اضطربت، فراسل مؤنسا في القدوم ورغبه في الصلاح، وجنح مؤنس الى ذلك ورغب فيه، ورجا ما لم يعنه المقدار عليه فخرج مؤنس من الموصل يوم الأحد لثلاث عشره ليله بقيت من شوال بعد ان ضم الى نفسه قواده ورجاله، وقلد من وثق به الموصل ونصيبين وبعربايا وسائر الاعمال في تلك الناحية، فلما
(11/148)

انتهى مؤنس الى البردان، خرج اليه القواد وغيرهم مستأمنين اليه، مثل مفلح وبدر الحمال وابو على كاتب بشر الافشينى وابن هود وجماعه وبقي الغلمان الحجريه على الوزير وابن الخال في الشعيبي يطالبونهما بالمال والزيادة لما علموا به من اقبال مؤنس.
وكتب مؤنس الى المقتدر كتبا يقول فيها: لست بعاص لأمير المؤمنين ولا شققت عصاه، وانما تنحيت عنه لمطالبه أعدائي لي عنده، وقد جئت الى بابه برجاله، وليسن مذهبي الفتن ولا اراقه الدماء، وقد بلغنى ان مولاى يحمل على محاربتى، ولا حظ في ذلك للفريقين، بل فيه الشتات والفرقة وذهاب العدد وحدوث البلاء، وفناء الرجال، فيأمر مولاى للجند الذين معى بأرزاقهم فندفع اليهم، ثم يصيرون اليه وتطيب نفوسهم عليه.
فاصغى المقتدر الى قوله وسربه، وقيل انه اصطبح مفلح وابن الخال في دورهما سرورا بذلك ثم قال للمقتدر ابنا رائق وياقوت ومفلح وغيرهم، ممن كان يكره مؤنسا، ولا يريد رجوعه: هذا عجز منك، ونقص بك، ولعلها حيله عليك وخدعه لك، وحمل على اخراج مضاربه الى باب الشماسيه والعزم على قتاله، وقالوا له: لو قد رآك كل من مع مؤنس لانصرفوا عنه، وتركوه وحده، واخذوه في ذلك بالوعيد والترهيب، فاخرج المقتدر مضاربه الى الشماسيه يوم الثلاثاء لاربع بقين من شوال وخرج بنفسه يوم الأربعاء لثلاث بقين منه بعد ان توضأ للصلاة، وبرز الى دار العامه، فصلى بها، وكان كارها للخروج ومتثبطا فيه، وانما خرج مكرها حتى لقد حدثت بأنهم قالوا له: ان خرجت معنا الى حرب مؤنس والا تقربنا بك اليه.
وحدث ذكى عن المقتدر انه راى في الليلة التي خرج في صبيحتها الى مؤنس كان النبي ص كان يقول له: يا جعفر، اجعل إفطارك الليلة عندي، ففزع له وحدث به والدته، فجهدت به الا يخرج، وكشفت عن ثدييها، وبكت، فغلب القضاء ونزل البلاء.
قال: فحدثني احد خلفاء الحجاب ممن أثق به، قال: رايت المقتدر قبل خروجه الى مؤنس في دار العامه وابن رائق يستحثه ويقول له: عجل يا سيدي ليراك الناس، فقال له: الى اين اعجل يا وجه الشؤم! قال: وحدثنى ابن زعفران عن تكين الخادم ان المقتدر لما عمل على الخروج
(11/149)

الى مؤنس لبس ثيابه، وجلس على مسوره وقال لامه: يا أمه استودعك الله هذا يوم الحسين بن على، ثم تمثل بقول على بن الرومي:
طامن حشاك فان دهرك موقع ... بك ما تحب من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدرا ... فهربت منه فنحوه تتوجه
قال: وأخبرني جماعه من اهل بغداد ممن عاين المقتدر خارجا من داره وقد شق المدينة يريد رقه الشماسيه، فقالوا: كان عليه خفتان ديباج فضى تسترى، وعليه عمامة سوداء مصمت والبرده التي كانت للنبي ص على كتفيه وصدره وظهره، وهو متقلد بذى الفقار سيف رسول الله ص، وحمائله ادم احمر، وفي يده اليمنى الخاتم والقضيب، وتحته الفرس المعروف بالاقبال ويعرف بالقابوس، لان أبا قابوس اهداه اليه، وعلى الفرس سرج مغربى احمر، بحليه جديده، وتحت فخذه الأيسر سيف للركاب وبين يديه ابنه ابو احمد عبد الواحد عليه خفتان ديباج رومي منقوش، وعمامة بيضاء، وخلفه وزيره الفضل بن جعفر بن الفرات، وقدامه لواء ابيض ورايه سوداء يحملها ابن نصر اللابى، واللواء يحمله احمد بن خفيف السمرقندي، وعلمان أبيضان وعلمان اصفران، يحملها الانصار ومعهم رماح في رءوسها مصاحف، وسار المقتدر على حاله هذه حتى وافى الرقة بالشماسيه، وقد وقعت الحرب بين العسكرين، وكان الظهور أول النهار لعسكر المقتدر ثم عادت بعد ساعه لأصحاب مؤنس عليهم، فاسر ابو الوليد بن حمدان واحمد بن كيغلغ وكانا في ميمنه المقتدر في جماعه من قواد بغداد، فثبتا بأنفسهما لما خان المقتدر من كان حوله، حتى أخذا اسيرين، وكانا في القلب من عسكر مؤنس بدر الخرشنى وعلى بن يلبق ويمن الأعور وبازائهم المقتدر وعبد الواحد ابنه ومفلح الأسود، وشفيع المقتدرى، وابنا رائق، وهارون بن غريب الخال ومحمد بن ياقوت والحجريه، وكان في ميمنه مؤنس يلبق ويانس المونسي وغلمان يلبق ومن استامن اليهم من عسكر بغداد.
فلما اشتدت الحرب انكشف ابن يلبق قليلا، فراسله أبوه بالتوقف والانحياز اليه، وارسل الى ميمنته بان يحملوا، فحملوا وأخذوا على شط دجلة ليخرجوا في ظهر عسكر المقتدر، فتشوش العسكر، وحمل يلبق وابنه ومن كان معهما حمله
(11/150)

واحده، فانهزم جميع من كان مع المقتدر حتى لم يبق الا هو وحده، ولم يقتل بين يديه من غلمانه واوليائه احد الا رجل من خلفاء الحجاب، يقال له رشيق الهروي وقد كان المقتدر لما راى الحرب قد وقعت بين على بن يلبق وبين ابن الخال وابن ياقوت اراد العدول الى المضرب، او الى الحراقة فلقيه سعيد بن حمدان، فقال له:
يا امير المؤمنين، قد وقعت العين على العين، فان رآك من حولك قد زلت انهزموا وانفلوا فرجع الى المصاف وذلك وقت صلاه الظهر ولم يكن في موكبه احد من اهله الا هارون بن عبد العزيز بن المعتمد على الله وعبد العزيز بن على بن المنتصر بالله وابراهيم بن قصى بن المؤيد بالله وابراهيم بن عيسى بن موسى بن المتوكل على الله.
وكان أول من انهزم من اصحابه الحجريه ثم سائر الناس، وحمل عبد الواحد بن المقتدر في جماعه من الرجاله عده حملات، فاسر من رجال مؤنس يلبق النعماني الصفعان، وكان فارسا جيدا، فأرادوا قتله فنهاهم المقتدر عنه، ولم يزل ابن ياقوت في ذلك اليوم ثابتا بعد ان انهزم ابن الخال، وابلى بلاء حسنا فلما لم يجد ابن ياقوت مساعدا انهزم وانهزم عبد الواحد بن المقتدر، وبقي المقتدر وحده وحوله جماعه من العامه وهو يحض الناس على القتال، ويسألهم الثبات معه، ويتوسل اليهم بالله وبنبيه وببردته، ويمسح المصحف على وجهه الى ان اقبل موكب على بن يلبق- وكان قد اصابته جراح في الحرب فلم يهن لها- واقبل معه فارس تحته فرس ادهم، وعليه درع على راسه زرديه، فضرب المقتدر ضربه بالسيف في عاتقه الأيمن، فقطعت الضربه طاقا من حمائل السيف، وأثخنته الضربه، وكان السيف بيد المقتدر مجردا وقد كان نافع صاحب ركاب مؤنس ضرب بيده الى عنان دابه المقتدر ليسير به الى مؤنس، فلما ضربه الفارس خلى نافع عنانه، ومضى الفارس بعد ان ضربه ولم يقف عليه، ووافى بعد هذا الفارس ثلاثة فوارس، يقال لأحدهم: بهلول، وللثاني: سيمجور ورفيق لهما لم احفظ اسمه، فوقفوا بالمقتدر يخاطبونه ويسمعون منه، فاخذ احدهم السيف من يده وانتزع الآخر البرده والخفتان منه، وطالب الثالث بخاتمه فدفعه اليه، وكان الخاتم ياقوتا احمر مربعا، فضربه احد الثلاثة بالسيف على جبينه فألمه
(11/151)

فاخرج المقتدر كم قميصه ليمسح الدم عن وجهه، فضربه الآخر ضربه ثالثه، فتلقاها المقتدر بيده اليسرى، فقطعت ابهامه وانقلبت ابهامه وانقلبت الابهام الى ذراعه، وسقط الى الارض، واجتمعت عليه جماعه رجاله فاحتزوا راسه، وحمل الى مؤنس وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين وثلاثمائة، وكان الذى حمله سراج البكتمرى.
فلما نظر اليه مؤنس اشتد جزعه، وغمه وناله عليه امر عظيم.
وقيل: ان الذى قتل المقتدر نقيط غلام مؤنس، وان جثته بقيت مجرده، فطرح بعض المطوعة على سوءته خرقه ثم أخذها رجل من العجم، والقى عليها حشيشا، الى ان حملت الجثة الى مؤنس، فاضاف إليها الراس وسلمه الى ابن ابى الشوارب القاضى ليتولى امره، فقيل انه دفن مع ابيه، وقيل انه دفن في رقه الشماسيه، وقيل أيضا انه طرح في دجلة، ولم تزل الرعية يصلون في مصرعه ويدعون على قاتله وبنى في الموضع مسجد وحظيرة كبيره، وكان عمر المقتدر يوم قتل ثمانية وثلاثين سنه وشهر وسته ايام وكانت ولايته الخلافه أربعا وعشرين سنه واحد عشر شهرا.
وولد أبا العباس الراضي محمدا والعباس أبا احمد، وهارون أبا عبد الله، وعبد الواحد أبا على وابراهيم أبا إسحاق المتقى، والفضل أبا القاسم المطيع، وعليا أبا الحسن، وإسحاق أبا يعقوب وعبد الملك أبا محمد وعبد الصمد ولم يذكر الفرغاني جميعهم وانما ذكر سته منهم.
وبقي مؤنس في مضاربه بباب الشماسيه، ولم يدخل بغداد حتى اقام القاهر للخلافة.
واستامن اليه القواد المنهزمون عن المقتدر، فامنهم وانقطع الطلب عن جميعهم وسكن الناس، وهدنهم واظهر الأسف، لما دار في امر المقتدر وجمع القواد للمشورة في الخليفة بعده، ودار الرأي بينهم في ذلك.
وامر مؤنس باحضار بلال بواب دار ابن طاهر التي كان فيها اولاد الخلفاء، وساله عمن فيها من اولاد الخلفاء، فذكر جماعه فيهم محمد القاهر، فمال هواهم اليه- وكان مؤنس قد كرهه ونهاهم عنه- فقالوا: هو كهل، ولا أم له، ونرجو ان تستقيم أمورنا معه، فاطاعهم فيه، وأجابهم اليه واحضروه على ما سيقع بعد هذا ذكره.
قال: وحدثنى ابو الفهم ذكى ان رشيقا الأيسر وكان الذى اقبل بالقاهر
(11/152)

من دار ابن طاهر لولاية الخلافه، وكان مقدما على الحرم، حكى له بان رأيهم اجتمع بعد مفاوضه طويله على القاهر وعلى ابى احمد بن المكتفي.
قال ذكى: ووجهونى فيهما ليتكلم مؤنس مع كل واحد منهما خاليا، فمن ظهر لهم تقديمه منهما قدم، فتوجه ذكى فيهما، فلما صار بهما في بعض الطريق قال القاهر لأبي احمد بن المكتفي: لست اشك في انا انما دعينا لتعرض على كل واحد منا الخلافه، فعرفني بما عندك، فان كنت راغبا فيها أبيت انا منها، إذا دعيت إليها ثم كنت أول من يبايعك، فقال له ابو احمد: ما كنت بالذي اتقدمك، وأنت عمى وكبيرى وشيخي، بل انا أول من يبايعك.
فلما تحقق عند القاهر مذهبه بنى امره عليه، ثم لما صار الى مؤنس وحاشيته بدءوا بمخاطبه ابى احمد لفضل كان فيه، وعرضوا الأمر عليه فأبى من تقلده، ولم تكن رغبتهم فيه ثابته إذ كانت له والده، وقد علموا ما كانت تحدثه والده المقتدر في الخلافه.
فعقدوا الأمر للقاهر بالله.
قال: وذكر لي ابن زعفران انه حضر ذلك، وان القاهر اجلس في خيمه بإزاء خيمه مؤنس، ولم تزل المراسلات بينهما الشروط متخذه على القاهر الى ان أجاب الى جميعها الا النفقة التي كلفوه للجند على البيعه فانه ذكر الا مال له فعذروه.
قال: ولم يكن عليه يوم احضر للبيعه الا قميصان ورداء، فطلب ما يلبس من الثياب التي تشاركه للجلوس للعامه، وسيف ومنطقه، فلم يوجد ما يصلح لذلك، فنزع جعفر بن ورقاء ثيابه التي كان يلبسها، ولبسها القاهر، وهي عطاف وعمامة ومنطقه وسيف بحمائل، ثم قعد في الخيمة وسلموا عليه بالخلافة، وبويع له على ما سيأتي ذكره.
(11/153)

ذكر البيعه لمحمد القاهر بالله
وهو محمد بن احمد المعتضد بن طلحه الموفق بن جعفر المتوكل، وكنيه محمد القاهر ابو منصور، وكانت أمه تسمى بقبول، وبويع بالخلافة يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين وثلاثمائة، وهو ابن خمس وثلاثين سنه، وذلك انه لما احضر من دار عبد الله بن طاهر التي كان فيها مع اولاد الخلفاء، ودار بينه وبين مؤنس المظفر ما تقدم ذكره من الشروط، وتم الأمر بينهم، انحدروا به الى دار الخلافه، في اليوم المؤرخ، فلما دخلها دعا بحصير فصلى اربع ركعات، وجلس على سرير الملك.
ولقب القاهر بالله.
وحضر عبيد الله بن محمد الكلواذى فاستخلفه على الوزارة لمحمد بن على بن مقله إذ كان غائبا بفارس وامر بان تكتب الكتب الى العمال باسم ابن مقله، وولى الحجابه على بن يلبق، ولم يمكنه الحضور لجراح كانت به، فخلف على الحجابه بدر الخرشنى، وقلد احمد بن خاقان شرطه الجانبين.
ولما كان يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعده، بعث القاهر في اولاد المتوكل على الله وغيرهم من أبناء الخلفاء وأبناء ابنائهم، فاوصلهم اليه واستدناهم، وامرهم بالجلوس، وأخذ عليهم الكلواذى البيعه، وخاطبه هارون بن عبد العزيز بن المعتمد بعد ان صافحه وهناه ودعا له، فقال: قد نالت يا امير المؤمنين اهلك جفوه اضرت بهم واثرت في أحوالهم، وليس يسألون اقطاعا ورد ضيعه، وأحوالهم تصلح بادرار أرزاقهم، فقال: انا آمر بادرارها، ولا اقنع لكم بها، وقد كان يتصل بي من امركم ما يغمنى، فشكرته العامه على هذا القول، وتكلم منهم ابو عبد الله محمد بن المنتصر ودعوا له جميعا.
ثم ان القاهر اظهر في أول قعوده في الخلافه من الجد وبعد الهمه والاختصار والقناعه ما هابه به الناس، واراد قطع ثوب يلبسه، فحمل اليه من داره، فقيل له:
لو اخذلك ثوب من خزانه الكسوة، فقال: لا تمسوا لهم شيئا، وعرضت عليه صنوف
(11/154)

الألوان والحلواء والفواكه التي كانت توضع بين أيدي الخلفاء في كل يوم فاستكثرها، وقال في الفاكهة: بكم تبتاع هذه كل يوم؟ فقيل له: بثلاثين دينارا، فقال: نقتصر من ذلك على دينار واحد ومن الطعام على اثنى عشر لونا، وكان يصلح لغيره كل يوم ثلاثون لونا من حلواء، فاقتصر على الكافى له.
وفي يوم الخميس لخمس خلون من ذي القعده حمل ابو العباس وابو عبد الله ابنا المقتدر مع أمهما الى دار عبد الله بن طاهر بعد عتمه.
وفيه طولبت أم المقتدر بالأموال وضربت وعلقت، قال الفرغاني: حدثنى ابو الحسين ابن العجمي قال حدثتنا ذلفاء المنجمه التي كانت مع المقتدر، قالت: لما اراد المقتدر الخروج لمحاربه مؤنس قال لامه: قد ترين ما وقعت فيه وليس معى دينار ولا درهم، ولا بد من مال يكون معى، فاعينينى بما معك، فقالت له: قد أخذت منى يوم سار القرمطى الى بغداد ثلاثة آلاف الف دينار، وما بقيت لي بعدها ذخيره الا ما ترى، واحضرته خمسين الف دينار، فقال المقتدر: واى شيء تغنى عنى هذه الدنانير؟
واى مقام تقوم لي في عظيم ما استقبله؟ ثم قال لها: اما انا فخارج كيف كنت وعلى ما استطعت، ولعلى اقتل فاستريح، ولكن الشان فيمن يبقى بعدي، ويقبض عليها ويعذب ويعلق في هذه الشجرة دراجيه فقالت ذلفاء: وكانت في بعض دور الخلافه شجره فو الله لقد قبض على أم المقتدر وعلقت في تلك الشجرة بعينها وفيه ضرب شفيع وطولب بمال، وصير بيع املاكه الى بشرى الخادم، فضاع اكثر ذلك، وقبض أيضا على اسباب خاله المقتدر، وقبض على شفيع المقتدرى، وسلم المطبخ والبساتين الى رشيق الأيسر الحرمي، وسلم البريد والاصطبل الى على بن يلبق، وصرف احمد بن خاقان عن الشرطه في الجانبين وقلدها يمن الأعور وقبض الأعور، وقبض على يانس الخادم، ولم تزل الأمور مضطربه بقله المال ومطالبه الجند بالارزاق ومطالبتهم بمال البيعه حتى انهم شغبوا واجتمعوا الى باب الخليفة، ودخلوا الى الدهليز الشعيبي من باب العامه وفتح السجن وحورب الموكلون عليه، وأيدتهم العامه على ذلك، فخرج يمن الأعور وأخذ رجلا من العامه وضربه بالسياط وصلبه، فتفرق العوام، وزاد امر الجند شغبا وجدا فأرسل القاهر اليهم: ليس
(11/155)

عندي مال، والمال عند يلبق، واوصى القاهر الى مؤنس اما ان يرضى يلبق الرجال ويكفهم عنى والا اعتزلت، فليس على هذا الشرط تقلدت.
وقدم ابن مقله بغداد لتسع خلون من ذي الحجه وخلع عليه وقعد ودفع الى الجيش الذى بالحضرة عن البيعه لكل واحد منهم رزقا واحدا، وللجند اصحاب مؤنس ثلاثة ارزاق لكل واحد ثم ان ابن مقله بسط يده على الناس فاخذ أموالهم، وقبض على عيسى الطبيب، فاخذ املاكه، ثم بدا في بيع املاك السلطان وأخذ المال من حيث لاح له، وابتدأ بإنشاء داره، وادخل فيها من بستان الزاهر نحو عشرين جريبا، ونقض دور بنى المقتدر، واستولى ابن يلبق وحاشيه مؤنس على القاهر، حتى صار لا يجوز له امر ولا نهى الا على اهل بيته، واولاد المقتدر المحبوسين عنده.
قال: وكان القاهر مستهترا بالشراب لا يكاد يفيق منه، فإذا شرب اقبل الى اولاد المقتدر والى الراضي واخوته، وكان قد اخذهم وضمهم الى دار تعرف بالفاخر، واحضر أبا احمد بن المكتفي واعتقله معهم، فكان القاهر يدخل عليهم بالليل ويتخلق لأولاد المقتدر ولأبي احمد بن المكتفي، ويسقيهم بيده، وكان يقول للراضى:
أنت المرشح للامر، والمسمى له، ثم يومى اليه بحربه كانت في يده، وبما قفع أصابعه بقضيب كان معه، والراضي في كل ذلك لا يخضع له ولا يقبل يده، والمقادير تدفعه عنه، واقام على بن يلبق وهو الحاجب يفتش جميع ما يدخل الدار على القاهر ويضيق عليه، والقاهر في ذلك يزداد غضبا وكمدا ثم ان الراضي دس الى يلبق وابنه واهدى إليهما جوهرا وعرفهما انه واخوته خائفون على انفسهم من القاهر، وسألهما تخليص هؤلاء المحبوسين من يده فاجمع راى يلبق وابنه على تخليصهم، وقعد يلبق في بعض العشايا في بعض مجالس الدار واخرجهم على غيبه، واخرج الجده معهم، وكان القاهر قد سامها سوء العذاب، وطالبها بالأموال، فوجه بهم الى داره، وافرد لهم موضعا في دار حرمه، وماتت الجده بها، فكفنها في احسن كفن، ودفنها بشارع الرصافه.
وفيها صرف ابو عثمان احمد بن ابراهيم بن حماد عن القضاء بمصر.
وقلد القضاء بها عبد الله بن احمد بن زيد.
وفي ذي القعده من هذه السنه ورد الخبر بمصر بقتل المقتدر، فاضطربت الاحوال
(11/156)

بها، وشغب الجند، ووكل التجار وطولبوا بالأموال، وشغب الجند على تكين وطالبوه بمال البيعه، فجمع التجار بمصر واستسلف منهم الأموال بسبب البيعه على ان يطالب بدم المقتدر.
وحج بالناس في هذه السنه ابو حفص عمر بن حسن الهاشمى.
وهذا ما انتهى إلينا من هذا التاريخ والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين الطيبين وسلم تسليما.
فرغ من نسخه الفقير المشكر المعترف بذنبه يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور ابن المعمر بن عبد السلام الزريرانى في شهر ربيع الآخر من سنه سبع وعشرين وستمائه.
(11/157)

[تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذاني]
[مقدمة]
(بسم الله الرحمن الرحيم) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اما بعد الحمد الله الذى وفقنا لهدايته، ووهب لنا التمسك بشريعته، والصلاة على نبيه محمد، الذى اختاره لرسالته، وفضله بنبوءته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته.
والدعاء لمن الدنيا مهناه بمصادفه سلطانه، والفضائل مستفيده من تيامن إحسانه، والدهر مفتخر بحصول عنانه في يديه، ومثوله في جمله العبيد لديه، سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين، لا زال سلطانه باذخ المكان، راسخ الأركان وايامه رفيعه العماد، منيعه البلاد ليؤرخ من مناقبها ما لا تتعلق النجوم باذياله، وتقصر عين الزمان عن شماله.
فان علم التاريخ، رغب في الاطلاع عليه ساده الأمم والقبائل، واهل المحامد والفضائل، الأئمة من ولد العباس رضوان الله عليهم، وهم الأسرة الطاهره، والدوحه الزاهره، هداه الاعلام، وشموس الاسلام، وكانوا اكثر الخلق روايه لمن تقدمهم، وآثار من كان قبلهم، فما كان في ذلك من استقامة في الاحوال كان بالنعم مذكرا، وما شاهدوا فيه من الاختلال كان منبها ومنذرا.
وقد روى ان رجلا سال سعيد بن المسيب رحمه الله عليه، فقال: رايت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، فقال له: يا هذا ان الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، فمن كان على خير بشره وامره بالزيادة، ومن كان على شر حذره وامره بالتوبة.
والاطلاع في اخبار الناس، مرآه الناظر، تصدق عن المحاسن والمقابح، ويهذب ذوى البصائر والقرائح وبها يذكر الله تعالى من عباده ما يراه أهلا لذكره، ومستوجبا لكريم ثوابه واجره
(11/187)

هذا المنصور رضى الله عنه، وهو بازل الأئمة، وكافل الامه، قال لأصحابه:
الملوك اربعه: معاويه وكفاه زياده، وعبد الملك وكفاه حجاجه، وهشام وكفاه مواليه، وانا ولا كافى لي، واجماله لذلك استنهاض منه لهم على معرفه اخبارهم، حين انكر عليه الاسراف في ثمن عمامته، فقال له: أنت ابتعت جاريه باضعاف ذلك، لأخس اطرافك، فما تنكر من ابتياعى هذه لأكرم أطرافي! واخبر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال: لو كنت في قتله الحسين بن على عليهما السلام، ثم امرت بدخول الجنه لم افعل حياء ان تقع عيني في عين محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا الهادي رضوان الله، اخبر عن السندي بن شاهك، قال: كنت معه بجرجان فسمع بين بساتينها صوت رجل يتغنى، فامر باحضاره، فقلت له: ما اشبه قصه هذا الجائى بقصة صاحب سليمان بن عبد الملك، فقال: وما ذاك؟ فقلت:
خرج سليمان في منزه له مع حرمه، فسمع صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، وقال: على بصاحب الصوت، فاتى به، فقال له: ما حملك على الغناء وأنت على القرب منى، وبجانب حرمي؟ اما علمت ان الفرس يصهل فتستأتى له الرماك.
وان الحمار ليعشر فتودق له الأتن، وان التيس ليهب فتزعج له الغنم، وان
(11/188)

الرجل ليغنى فتغتلم المرأة يا غلام جبه، فجبه فلما كان في العام المقبل رجع سليمان الى ذلك المنزل، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: على بالرجل الذى جببته ان كان حيا فأتاه به، فقال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك! فما دعاه الرجل الا باسمه، وقال: يا سليمان، قطعت نسلى، وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما بعت واما وهبت! لا والله حتى أقف بين يدي الله عز وجل! فقال الهادي لصاحب الشرطه: لا تعرض للرجل.
وكان الرشيد رضوان الله عليه في بعض أسفاره، وقد نزل الثلج فاذاه، فقال له بعض اصحابه: الى متى سهرك يا امير المؤمنين؟ فقال: اسكت، للرعية المنام، وعلينا القيام، ولا بد للراعي من حراسه الاغنام.
وقد روى قطن بن وهب، عن ابيه، ان عمر بن الخطاب امير المؤمنين رضى الله عنه اجتاز في بعض أسفاره على صاحب غنم، فقال: يا ذا الرجل، ان كل راع مسئول عن رعيته، وانى رايت في المكان الفلاني عشبا امثل من موضعك ثم اثنى على عمر رضى الله عنه، وذكر سيرته، يقول الشاعر فيه:
غضبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصره الاسلام
ناموا الى كنف لعدلك واسع ... وسهرت تحرس غفله النوام
ولو تتبعت امثال هذا لأطلت، ولم أر اجمع لهذا العلم من كتاب محمد بن جرير الطبرى، فرايت ان اضيف اليه مجموعا عولت فيه على ما نقلته من تصانيف المؤرخين وتاليف المحققين كالصولى والتنوخي والخطيب ابى بكر احمد بن ثابت
(11/189)

المحدث وابى إسحاق الصابى، واولاده وابن سنان وغير هؤلاء، واضفت الى ذلك ما حفظته من شعر الشعراء وحكايات العلماء تشهد بالحال، واختصرته بجهدى، ولخصته بحسب طاقتي، واقتصرت فيه على الأمور المشهوره، والاحوال السائره المأثورة.
وختمته ببيعه سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين، الذى قضى حق الله في بريته، وارتسم امره في رعيته فمن نظر في فضائله، داوى فكره العليل، وشحذ طبعه الكليل، وما من احد اوتى ذخيره تحصيل، وبصيره راى اصيل، يبدع في تدوين مناقبه، ولا يغرب في اثبات فضائله، ومن قصر في جمعها، فله في انعام المتأمل لذلك مجال يحرسه عن الم التقريع وثقته تفصح الناظر، وتغنى عن التبذل والمعاذير.
فالرغبه الى الله تعالى في ان يمد ظلال ايامه التي بها اعتدل المائل، وارتدع الجاهل، وامن السابل، وقصر المتطاول، وان يجعل له من سيدنا ومولانا عمده الدين عضدا ينوء بقوتها، ويدا تسطو ببسطتها، وان يبلغه منه قاصيه الايثار وينيله منه غاية الاختيار وتبديد اعدائه تحت الذلة والصغار، والخيبة والخسار، لا يعتصمون بعصمه الا أباح الله حوزتها، ولا يعتضدون بفرقه الا شتت الله كلمتها.
ومن نظر في عزمات سيدنا ومولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين رضوان الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وابنائه الاكرمين، علم انها تأتي بما لم تقرع الاسماع من قبلها، ولا عثر في السير بمثلها، وتحقق انها ابعد مجدا، وان كانت اقرب عهدا، وارفع عمادا، وان كانت احدث ميلادا، فحفظ الله على الدنيا سياسته، وعلى أهلها حسن رأفته، حتى تضع له الدنيا خدودها ضارعه وتستجيب لأمره سامعه طائعة، انه ولى ذلك والقادر عليه، بمنه ولطفه.
ولما ختم ابن جرير تاريخه سنه اثنتين وثلاثمائة، وهي السنه السابعه من خلافه المقتدر بالله رضى الله عنه، واشار الى الأمور اشاره خفيه، رايت ان ابتدى بخلافته ووقت بيعته، وبالله التوفيق.
(11/190)

خلافه المقتدر بالله
مده خلافه المقتدر بالله ابى الفضل جعفر بن المعتضد بالله اربع وعشرون سنه وشهران وعشره ايام، ومولده لثمان بقين من شهر رمضان سنه اثنتين وثمانين ومائتين، ولم يل الخلافه اصغر سنا منه.
وليها وسنه ثلاث عشره سنه وشهر واحد وعشرون يوما بايع له لما مات المكتفي بالله ابو احمد العباس بن الحسن، وكان قد مال الى تقرير الأمر لعبد الله بن المعتز بمشوره ابى عبد الله محمد بن داود بن الجراح فثنى رايه عن ذلك ابن الفرات وقال: ان ابن المعتز يخبر نعم اصحاب السلطان، ويعرف اسرارهم وذخائرهم، وقد خالط الناس وفهم أمورهم، فعينه ممتدة الى ما في ايديهم، وان كان جعفر بن محمد المعتضد بالله صغيرا، فأنت تدبره، فقرر ذلك في نفسه.
ولما مات المكتفي بالله، انفذ الوزير العباس بن الحسن، بصافى الحرمي الى دار ابن طاهر، والمقتدر بالله بها، فاحدره الى دار الخلافه واجتازت الحراقة على دار الوزير فامر الوزير غلمانه فنادوا الملاحين بالدخول ليغير زيه، فظن صافى ان ذلك لتغير راى فيه، فجرد سيفه على الملاح، وامره الا يعرج على مكان غير دار الخلافه.
وبويع حينئذ على صلاه الاستخارة، واطال الدعاء، وكان العباس بن الحسن قد عول على ان ينصب في الخلافه أبا عبد الله بن المعتمد على الله، او أبا الخير ابن المتوكل على الله، فماتا مختلسين.
(11/191)

سنه ست وتسعين ومائتين
قد ذكرت ميل ابى عبد الله محمد بن داود بن الجراح صاحب الديوان الى ابن المعتز فلما لم يجد عند الوزير ما يريده، عدل الى الحسين بن حمدان، فاشار عليه بالمعاضده على فسخ امر المقتدر بالله وتمهيد حال ابن المعتز، وبادر الحسين بن حمدان الى الوزير العباس بن الحسن وقد ركب من داره بدرب عمار عند الثريا، الى بستانه المعروف ببستان الورد، عند مقسم الماء، فاعترضه بالسيف فقتله، وقتل معه فاتكا المعتضدي وكان المقتدر بالله قد ركب لمشاهده اجراء الخيل، فسمع الضجة، فبادر الى الدار وكان الحسين قد قصد للفتك به، واغلقت الأبواب دونه، فانصرف الى المخرم، وجلس في دار سليمان بن وهب، وعبر اليه ابن المعتز، وكان نزل بدار على الصراة، وحضر ارباب الدولة من الكتاب والقواد والقضاه فبايعوه ولقبوه المرتضى بالله.
واستخفى ابن الفرات واستوزر ابن المعتز ابن الجراح ومضى ابن حمدان الى دار الخلافه، فقابله الخدم والغلمان على سورها ودفعوه.
وكان مع المقتدر بالله غريب الخال، ومؤنس الخادم، الذى لقبه بالمظفر ومؤنس الخازن.
ولما جن الليل مضى ابن حمدان باهله وماله واصعد الى الموصل واصعد
(11/192)

غريب الخال ومؤنس المظفر في الزبازب الى المخرم فهرب الناس من عند ابن المعتز، وخرج وحده، واستجار بابن الجصاص.
واستتر على بن عيسى وابن الجراح عند بقلى، فأخرجهما العامه وسبوهما وسلموهما الى خادم اجتاز بهم فحملهما على بغل وقتل مؤنس المظفر جميع من بايع ابن المعتز غير على بن عيسى وابن عبدون والقاضى محمد بن خلف بن وكيع.
وانفذ المقتدر بالله مؤنسا الخازن لطلب ابن الفرات، وكان قد استتر عند جيرانه، فكتموه امره، فحلف لهم ان السلطان يريد ان يستوزره، فاظهروه وحمله الى الخليفة، فولاه وزارته.
ونم خادم لابن الجصاص بخبر ابن المعتز الى صافى الحرمي، فكبس عليه واخذه وأخذ ابن الجصاص معه، فصودر على اموال جمه وسال ابن الفرات فيه.
واستنقذ ابن الفرات على بن عيسى ومحمد بن وكيع القاضى، وابن عبدون، ونفى ابن عبدون الى الاهواز، ونفى على بن عيسى الى واسط، فلما حصلا بالموضعين قرر سوسن مع المقتدر بالله احضار ابن عبدون وتوليته الوزارة.
فلما حصل بواسط، بلغ ذلك ابن الفرات، فاغرى المقتدر سوسن حتى قتله وانفذ الى ابن عبدون من صادره واعتقله وكتب على بن عيسى الى ابن الفرات يسأله ابعاده الى مكة لتزول عنه التهم ففعل، وسار إليها على طريق البصره.
وظهر موت ابن المعتز فسلم الى اهله ميتا.
وكان ابن الجراح مستترا، وعزم ابن الفرات على التوصل الى الصفح عنه، وأتاه رجل برقعته، فأمره بالاستتار حتى يدبر طريق العفو عن جرمه العظيم، واعلمه ان صافيا الحرمي يعاديه فلم يصبر ابن الجراح، فتتبعت امراه نصرانية كانت تحمل رقاعه، فاخذ وحمل الى مؤنس فقتله.
واتى ابن الفرات رجل، فاخبره انه يعرف مكانه، فقال ان كان هذا صحيحا، فلك الف دينار، والا عوقبت لكذبك الف سوط، فرضى وامر ابن الفرات حاجبا
(11/193)

له بمراسلته ليبعد عن المكان الذى هو فيه مستتر فلما علم انه قد تركه، ومضى الى غيره انفذ بالساعى به مع صاحب الشرطه، فلم يجدوه فامر ابن الفرات بضرب الساعى مائتي سوط واشهاره والنداء على نفسه: هذا جزاء من يسعى بالباطل، ثم امر له بمائتي دينار ونفاه الى البصره سرا وقال: لو لم افعل هذا به، سعى بي الى الخليفة بأنني توانيت في امره.
واما ابو عمر القاضى فسال فيه أبوه يوسف بن يعقوب القاضى، فاحترم لكبر سنه، وادى عنه مائه الف دينار على ان يلازم منزله.
وانفذ الخليفة بالقاسم بن سيماء وابى الهيجاء بن حمدان، لمحاربه أخيه الحسين ابن حمدان، فهزمهما، ودبر ابن الفرات حتى كتب له أمانا وولاه قم.
وفي هذه السنه، قلد يوسف بن ابى الساج اعمال آذربيجان وأرمينية، على ان يحمل بعد إعطاء الجند والنفقات مائه وعشرين الف دينار في السنه.
وقدم بارس غلام اسماعيل بن احمد صاحب خراسان في اربعه آلاف تركي مفارقا لصاحبه، فقلد ديار ربيعه.
وكان للوزير العباس بن الحسن ابن كنيته ابو جعفر، واسمه محمد، فمضى بعد قتل ابيه الى بخارى واقام عند الملوك السامانيه، ومن شعره:
لئن اصبحت منبوذا ... باطراف خراسان
ومجفوا نبت عن لذة ... التغميض اجفانى
ومحمولا على الصعبه ... من اعراض سلطان
ومخصوصا بحرمان ... من الأعيان اعيانى
ومكلوما باظفار ... ومكدوما باسنان
وملقى بين اخفاف ... وأظلاف توطآنى
وما ذنبي الى من هو ... عنى عطفه ثانى
(11/194)

سوى انى ارى في الفضل ... فردا ليس لي ثانى
كان المجد إذ كشف ... عنى كان غطانى
ساسترفد صبري انه ... من خير أعواني
واستنجد عزمي انه ... والحزم سيان
وأنضو الهم من قلبي ... وان أنضيت جثماني
وانجو بنجاتى ان ... قضاء الله نجاني
الى ارضى التي ارضى ... وترضيني وترضانى
فان سلمني الله ... وبالصنع تولاني
واوطانى اوطانى ... وأعطاني أعطاني
واخلى ذرعي الدهر ... وخلاني وخلاني
فانى لا أجد العود ... ما عاد الجديدان
الى الغربه حتى تغرب ... الشمس بشروان
فان عدت لها يوما ... فسجانى سجاني
وللموت الوحى الأحمر ... القانى القانى
وقال بعض الشعراء في العباس بن الحسين، وقد ساء خلقه بعلو سنه:
يا أبا احمد لا تحسن ... بأيامك ظنا
فاحذر الدهر فكم اهلك ... املاكا فافنى
كم رأينا من وزير ... صار في الأجداث رهنا
اين من كنت تراهم ... درجوا قرنا فقرنا
فتجنب مركب الكبر ... وقل للناس حسنا
ربما امسى بعزل ... من باصباح يهنى
وقبيح بمطاع الأمر ... الا يتأنى
اترك الناس وأيامك ... فيهم تتمنى
قال جحظه: اضقت مره اضاقه شديده، فجلست مع ملاح، ومعى طنبورى، وانحدرت حتى دار الوزارة بالمخرم، والوزير إذ ذاك العباس بن الحسن، والسماء
(11/195)

متغيمه، والستائر منصوبه، والماء زائد على نيف وعشرين ذراعا، فأمرت الملاح، فشد السميريه في الروشن، وغنيته:
عللانى بجامه وبطاس ... قهوة من ذخائر الشماس
سقيانى فقد صرفت صروف الدهر ... عنى بدولة العباس
ملك ينثر الثمين من الدر ... بألفاظه على القرطاس
فامر بي، فاصعدت، وامر لي بألفي دينار.
(11/196)

سنه سبع وتسعين ومائتين
فيها انفذ السبكرى مقلد فارس، مع كاتبه الفضل عبد الرحمن بن جعفر الشيرازى طاهرا ويعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار وكان قد أسرهما، ثم عزم السبكرى على الخلاف، فانفذ اليه ابن الفرات مؤنسا فصالحه على عشره آلاف الف درهم، فلم يرض بذلك ابن الفرات، وانفذ اليه جيشا، ومعه محمد بن جعفر العبرتائي، فواقعوا السبكرى على باب شيراز، فهزموه الى سجستان، فاسره احمد بن اسماعيل، واسر معه بعض بنى عمرو بن الليث، وأنفذهما الى بغداد.
وتوفى العبرتائي بفارس، فقلد مكانه عبد الله بن ابراهيم المسمعي.
وفيها غرقت فاطمه القهرمانه في طيارها تحت الجسر في يوم ريح عاصف، فحضر صهرها بنى بن نفيس جنازتها، وجعلت السيده مكانها أم موسى.
(11/197)

سنه ثمان وتسعين ومائتين
فيها اعتل صافى الحرمي، ووهب داره بقصر عيسى لغلامه قاسم، وابراه من كل امر، ومات فحمل الى ابن الفرات من ماله مائه وعشرون الف دينار وسبعمائة منطقه ذهبا وفضه، فحملها ابن الفرات الى المقتدر بالله، فاقر مرتبه استاذه.
وولى غريب الخال ما كان يتقلده صافى من الثغور الشامية.
وفي هذه السنه مات المظفر بن حامد امير اليمن، وحمل الى مكة فدفن بها.
وكان ملاحظ قد انفذه الخليفة مددا فتولى مكانه.
وفي هذه السنه توفى احمد بن ابى عوف، وشارعه في الجانب الغربي معروف وكان احد العدول، وتوفى وسنه نيف وثمانون سنه وقال: أصابني هم لم اعرف سببه في بعض الأيام، فخرجت الى بستان لي على نهر عيسى، فاجتاز بي ركابى، ثم وقف في ظل شجره، فتقدمت له بما يأكله، لأنني رايته والجوع غالب عليه، فأكل ثم نام فأخذت الكيس الذى فيه كتبه، فإذا فيه كتاب التجار من الرقة، الى اصدقائهم ببغداد ومعارفهم، يأمرونهم بشراء كل زيت ببغداد، ويخبرونهم انه معدوم عندهم، فبادرت وامرت وكلائى بابتياع ما يقدرون عليه من الزيت، فابتيع الى آخر النهار بعشره آلاف دينار، وكنت قد وعدت الركابى بدينارين ان اقام ليلته عندي، ولم اعرفه السبب ولم يبت ببغداد زيت لغيري، فلما اصبحت سرحت الركابى، وانتشر الذين وصلت الكتب اليهم في طلب الزيت، فلم يجدوه، فاربحونى في كل درهم درهما، فعلمت انه انما كان خروجى الى بستاني لاحوز عشره آلاف دينار من غير مشقة.
وفي هذه السنه توفى محمد بن داود الاصبهانى الفقيه، صاحب الكتاب المعروف بالزهرة.
حكى الشيخ ابو إسحاق الشيرازى في كتاب الفقهاء، عن القاضى ابى الطيب
(11/198)

الطبرى عن ابى العباس الخضرى قال: كنت جالسا عند ابن داود، فاتته امراه فقالت: ما تقول في رجل له زوجه، لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال ابو بكر:
قد اختلف اهل العلم في ذلك، فقال قائلون: يؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على الطلب والاكتساب وقائلون: يؤمر بالإنفاق، والا يحمل على الطلاق فلم تفهم المرأة، فاعادت مسألتها، فقال: يا هذه، قد اجبتك الى مسألتك، وارشدتك الى طلبتك، ولست بسلطان فامضى، ولا زوج فارضى، ولا قاض فأقضي فذهبت المرأة ولم تعرف قوله.
ولما مات أبوه، قال الشيخ ابو إسحاق في كتاب الفقهاء: كان يحضر مجلس داود أربعمائة صاحب طيلسان واحتضر فجلس محمدا مكانه، فاستصغره الناس، فسألوه عن حد السكر، فقال مبادرا: حد الكسر ان تغرب عنه الهموم، وان يبوح من سره المكتوم، فعلموا نجابته حينئذ.
وكان يهوى محمد بن جامع، ولأجله صنف كتاب الزهرة وكان محمد بن جامع من احسن الناس، واكثرهم مالا، ولا يعرف معشوق كان ينفق الأموال على عاشق الا ابن جامع مع ابن داود.
قال الخطيب في تاريخه وخرج ابن جامع من الحمام، فاخذ المرآه، فنظر الى وجهه، فغطاه وركب الى ابن داود، فلما رآه مغطى الوجه، قال له ما الخبر؟
وخاف ان يكون قد لحقته آفه، فقال: رايت وجهى في المرآة، فغطيته واحببت الا يراه احد قبلك، فغشى على محمد بن داود.
وحضر ابن داود وابن سريج مجلس ابى عمر القاضى، فتكلما في مساله العود، فقال ابن سريج: عليك بكتاب الزهرة فقال ابو داود: ابكتاب الزهرة تعيرني وانا اقول فيه:
(11/199)

اكرر في روض المحاسن وجهه ... وامنع نفسي ان تنال المحرما
وينطق سرى عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسى رده لتكلما
رايت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما ان ارى حبا صحيحا مسلما
فقال ابن سريج: او على تفخر بهذا القول؟ وانا الذى اقول:
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت امنعه لذيذ سباته
ضنا بحسن حديثه وعتابه ... واكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود لأبي عمر: أيد الله القاضى، قد اقر بالمبيت وادعى البراءة، فما توجبه؟ قال ابن سريج: من مذهبي ان المقر إذا اقر إقرارا وناطه بصفه، كان اقراره موكلا الى الصفة فقال ابن داود: للشافعى في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذى قلته اختياري الساعة.
(11/200)

سنه تسع وتسعين ومائتين
فيها قبض على ابن الفرات، وهتكت حرمه، ونهبت دوره ودور أسبابه، فكان صاحب الشرطه مؤنس الخازن المعروف بالفحل تحت يده تسعه آلاف فارس وراجل، وإذا كثر النهب وعظم الخطب يركب، فيسكن المنتهبون عند ركوبه، ويعودون الى النهب عند نزوله ودام ذلك ثلاثة ايام بلياليها.
وتقلد بعده ابو على محمد بن عبيد بن يحيى بن خاقان الوزارة وكان ابو على يتقلد ديوان الضياع بعد وفاه ابيه في وزارة الحسن بن مخلد.
وكانت أم موسى القهرمانية تعنى بابني ابى البغل فولى أبا الحسن منهما أصبهان، وولى الآخر الصلح والمبارك.
وكان ابن الفرات قد نفى أبا الهيثم العباس بن ثوابه الى الموصل لقرابته من ابن عبدون، فاستدعاه ابن الخاقانى، وقلده مصادره بنى الفرات، فاسرف في المكروه بهم وغلب على الاحوال.
وكان في احوال الخاقانى تناقض، وكان يتقرب الى العامه، فانحدر يوما في زبزبه الى دار السلطان، فراى جماعه من الملاحين يصلون على دجلة، فصعد وصلى معهم.
وولى ابنه عرض الكتب على الخليفة، وكان مدمنا للشرب، ففسدت الأمور بذلك وكان اولاده وكتابه يرتفقون من العمال بما يولونهم به الولايات، ثم يعزلونهم إذا رأوا مطمعا فاجتمع بحلوان في خان بها سبعه عمال ولاهم في عشرين يوما ماء الكوفه وكان إذا ساله انسان حاجه قال: نعم وكرامة! ودق صدره.
وكتب الى بعض العمال: الزم وفقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما امكن من الدجاج فحمل العامل دجاجا كثيرا، وقال: هذا دجاج وفره بركه السجع
(11/201)

سنه ثلاثمائة
طالب القواد الخاقانى باستحقاقهم، فقصر واعتذر، فعزم المقتدر بالله على رد ابن الفرات، فاشار مؤنس ان يولى على بن عيسى، وذكر ديانته وثقته، وقال:
يقبح ان يعلم الناس ان الضرورة قادت الى ابن الفرات للطمع في ماله، فامر المقتدر الخاقانى ان يكاتب على بن عيسى بالحضور، واظهر له الايثار لاستنابته له، فكان الخاقانى يقول: قد استدعيت على بن عيسى لينوب عن عبد الله ابنى في الدواوين ثم ركب الى دار السلطان فقبض عليه وعلى أسبابه
(11/202)

سنه احدى وثلاثمائة
قدم فيها على بن عيسى من مكة، فقلده المقتدر وزارته وخلع عليه، وسلم الخاقانى اليه، فصادره وأسبابه مصادره قريبه، وصان حرم الخاقانى.
واعتمد على على بن عيسى لما اشتهر عنه من افاضه المعروف وعماره الثغور والجوامع والمارستانات في سائر الأوقات، ورد المظالم بها، وكتب في ذلك كتابا اوله:
بسم الله الرحمن الرحيم، سبيل ما يرفعه إليك كل واحد من المتظلمين قبل النوروز من مظلمته، ويدعى انه تلف بالآفة من غلته، ان تعتمد في كشف حاله على اوثق ثقاتك، واصدق كفاتك حتى يصح لك امره، فتزيل الظلم عنه، وترفعه، وتضع الإنصاف موضعه، وتحتسب من المظالم بما يوجب الوقوف عليه حسبه، وتستوفى الخراج بعده، من غير محاباه للاقوياء، ولا حيف على الضعفاء واعمل بما رسم لك ما يظهر ويذيع ويشتهر ويشيع، ويكون العدل به على الرعية كاملا، وللانصاف شاملا ان شاء الله.
وساس على بن عيسى الدنيا السياسة المشهوره، التي عمرت البلاد، حتى قال له ابن الفرات لما ناظره: قد اسقطت من مال امير المؤمنين خمسمائة الف دينار في السنه، فقال: لم استكثر هذا المقدار في جنب ما حططته عن امير المؤمنين من الأوزار، لأنني حططت المكس بمكة، والتكمله بفارس، وجبايه الخمور بديار ربيعه، ولكن انظر الى نفقاتى ونفقاتك، وضياعي وضياعك فاسكته.
وزادت في ايامه العمارة وتضاعف الزراعة، حين كتب اليه عامله: ان قوما يبادوريا لا يؤدون الخراج، فان امرت عاقبناهم، فكتب اليه: ان الخراج دين، ولا يجب فيمن امتنع عن أداء الدين غير الملازمة، فلا تتعد ذاك الى غيره والسلام.
ومما استحسن من افعال الخاقانى بعد عزله، ان قوما زوروا عليه باطلاقات ومسامحات، فانفذ بها على بن عيسى يسأله عنها ليمضى منها ما اعترف به، فصادفه
(11/203)

الرسول يصلى فلما راى ابنه يتأمل التوقيعات، قطع صلاته وقال: هذه توقيعاتى صحيحه، الوزير يرى رايه فيمضى ما آثر منها، ويعرض على ما أحب منها والتفت الى ابنه حين خرج الرسول فقال: اردت ان نتبغض الى الناس فتكون السبب في رد ما تضمنته، ويتنزه على بن عيسى من ذلك، فلم لا نتحبب بالاعتراف بها، فان أمضاها حمدنا وان ردها عذرنا.
وقصد القواد على بن عيسى، بإسقاطه الزيادات التي زادها ابن الفرات، ووقعوا فيه وثلبوه.
وفي هذه السنه، خلع على الأمير ابى العباس بن المقتدر- وهو الذى ولى الخلافه ولقب بالراضى- واستخلف له مؤنس.
وفيها انفذ على بن احمد الراسبى الحسين بن منصور الحلاج وقد قبض عليه بالسوس، فشهر على جمل ببغداد، وصلب وهو حي وظهر عنه بانه ادعى انه الله.
ومات الراسبى بعد قليل، فاخذ السلطان من ماله الف الف دينار.
وفيها ورد الخبر بان اسماعيل بن احمد صاحب خراسان قتله غلمانه على شاطئ نهر بلخ، وقام ابنه ابو الحسن نصر مقامه وانفذ اليه الخليفة عهده.
وفيها ورد الخبر بان خادما صقلابيا لأبي سعيد الجنابى قتله وخرج، فلم يزل يستدعى قائدا قائدا ويقتله، حتى قتل جماعه، ففطن به النساء فصحن بالأمر، فقام ابو طاهر سليمان بن الحسن مقام ابيه.
واتى القرامطة في هذه السنه البصره في ثلاثين فارسا، والناس في صلاه الجمعه، فقتلوا الموكلين بالباب ومن خرج اليهم من المطوعة وبلغ الخبر امير البصره محمد بن إسحاق بن بنداحيق فغلق الأبواب
(11/204)

سنه اثنتين وثلاثمائة
ورد فيها كتاب ابى الحسن نصر بن احمد صاحب خراسان بانه واقع عمه إسحاق واسره.
وفي هذه السنه خرج مؤنس الى مصر، وضم اليه على بن عيسى أخاه عبد الرحمن، وقلده كتابته، وذلك عند سماعهم قرب الخارج بالقيروان، وواقعه مؤنس، فانهزم من بين يديه:
وهذا الخارج، ذكر الصولي عن اصحاب النسب انه عبيد الله بن عبد الله ابن سالم، من اهل عسكر مكرم، وجده سالم قتله المهدى رضوان الله عليه على الزندقة 4 وانفذ أبا عبد الله الصوفى الى المغرب، فأرى الناس زهدا وعباده، وطرد زياده الله بن عبد الله بن الاغلب، وأتاه عبيد الله، فقال: الى هذا ادعوكم.
فلما اظهر عبيد الله شرب الخمر تبرا الصوفى منه، فدس عليه عبيد الله من قتله، وملك بلاد المغرب، فهزمه مؤنس، وتصدق المقتدر بالله عند هزيمته باموال كثيره.
وفي هذه السنه صودر ابن الجصاص، قال الصولي: وجد له بداره بسوق يحيى خمسمائة سفط من متاع مصر، ووجد فيها جرار خضر وقماقم مدفونة فيها دنانير، وأخذ منه الف الف دينار.
قال الصولي: وحضرت مجلسا جرى فيه بين ابن الجصاص وابراهيم بن احمد الماذرائى خلف، فقال ابراهيم: مائه الف دينار من مالي صدقه، لقد ابطلت في الذى حكيته عنى، فقال ابن الجصاص: قفيز دنانير من مالي صدقه، اننى صادق وانك مبطل، فقال ابن الماذرائى: من جهلك انك لا تعلم ان مائه الف اكثر من قفيز، فانصرفت الى ابى بكر بن ابى حامد فاخبرته، فقال: نعتبر هذا، فاحضر
(11/205)

كيلجه، فملأها دنانير، ثم وزنها، فكانت اربعه آلاف، فنظرنا فإذا القفيز سنه وتسعون الف دينار كما قال الماذرائى.
وكان ابن الجصاص قد انفذ له من مصر مائه عدل خيشا، في كل عدل الف دينار، فأخذت ايام نكبته وتركت بحالها، ولما اطلق سال فيها، فردت عليه، فاخذ المال منها، وكان إذا ضاق صدره اخرج جوهرا يساوى خمسين الف دينار، وتركه في صينية ذهب ويلعب به، فلما قبض عليه وكبست داره، كان الجوهر في حجره، فرمى به الى البستان، فوقع بين شجره، فلما اطلق فتش عليه في البستان وقد جف نبته وشجره، وهو بحاله.
وفي هذه السنه، ختن اولاد الخليفة، ونثر عليهم خمسه آلاف دينار، ومائه الف درهم وبلغت نفقه الطهر ستمائه الف دينار وادخلوا الى المكتب، وكان مؤدبهم ابو إسحاق ابراهيم بن السرى الزجاج.
وفي هذه السنه، غزا افسن الافشينى فاسر مائه وخمسين بطريقا، والفى فارس.
وفي ذي القعده، خلع على ابى الهيجاء بن حمدان، وقلد الموصل وأعمالها.
وفيها ماتت بدعه جاريه عريب، وكان إسحاق بن أيوب قد ضمن لأبي الحسن على بن يحيى المنجم عشرين الف دينار، ان باعتها عريب منه بمائه الف دينار.
فجاء وخاطبها، فاستدعت بدعه وخيرتها بين المقام والبيع، فاختارت المقام، فأعتقتها ولم يملكها قط رجل.
وفي هذه السنه توفى ابو بكر جعفر بن محمد الغريانى، وهو ممن طوف شرقا وغربا لسماع الحديث، واستقبل لما قدم بغداد بالطيارات والزبازب واملى بشارع
(11/206)

المنار بباب الكوفه، فحزر في مجلسه ثلاثون ألفا يكتب منهم عشره آلاف، وكان في مجلسه ثلاثمائة وسته عشر يستملون، ومولده سنه سبع ومائتين ودفن بالشونيزي.
وفي هذه السنه، توفى احمد بن عبد العزيز بن طوما الهاشمى، نقيب العباسيين، وولى مكانه ابنه محمد، وتوفى وهو ابن اثنتين وتسعين سنه، وسمعت ان له عقبا بالحاذانيه ذباله البطيحة
(11/207)

سنه ثلاث وثلاثمائة
فيها اطلق السبكرى من الحبس، وخلع عليه خلع الرضا.
ووقع حريق في سوق النجارين بباب الشام واحترق، وطار الشرار فاحرق ستاره جامع المدينة.
وعصى الحسين بن حمدان، واجتمع معه ثلاثون الف رجل من العرب وهزم رائقا الكبير، واقام بإزاء جزيرة ابن عمر وورد مؤنس من مصر، وقد استدعاه على بن عيسى لحرمه فانهزم اصحاب الحسين، واسره مؤنس، وادخله الى بغداد، ومعه ابنه عبد الوهاب، فصلبه حيا على نقنق على ظهر فيل، ونقله ابنه على جمل، والأمير ابو العباس والوزير على بن عيسى ومؤنس وابو الهيجاء بن حمدان وابراهيم ابن حمدان يسيرون بين يديه، وحبس عند زيدان القهرمانه وقبض بعد ذلك على ابى الهيجاء واخوته.
وطلب الجند الزيادة، فزيد الفارس ثلاثة دنانير، والراجل خمسه عشر قيراطا.
وفي هذه السنه، توفى ابو على الجبائي، ومولده سنه خمس وثلاثين ومائتين، وكان ابو على شيخ المعتزله في زمانه ومات بعسكر مكرم، وحمل الى منزله بجبى، ولما احتضر قال اصحابه: من يلقنه التوبة؟ فلم يتجاسر احد على ذلك إعظاما له، فقال اصغرهم سنا: انا القنه، وتقدم وقرأ: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون، ففتح ابو على عينيه وقال: اللهم انى تائب إليك من كل قول نصرته كان الصواب عندك غيره، واشتبه على امره، فقال من حضره: لو كان على ذنب غير هذا لذكره وكان يذهب الى ان حكم النجوم صحيح على وجه، وهو انه يجوز ان يكون الله تعالى، اجرى العادة إذا صار الكوكب الفلاني الذى جعله
(11/208)

الله تعالى وخلقه سعدا الى الموضع الفلاني كان كذا.
وكان ينكر على المنجمين ان الكواكب تفعل بأنفسها ذلك، فاجتاز بعسكر مكرم على دار سمع فيها صيحه لأجل امراه تلد، فقال: ان صح ما يقوله المنجمون، فهذا المولود ذو عاهة، فخرجت امراه، فسالت أبا على الدخول وان يحنك المولود ويؤذن في اذنه، ففعل فإذا به احنف
(11/209)

سنه اربع وثلاثمائة
في فصل الصيف فزع الناس من شيء من الحيوان يسمى الزبزب ذكروا انهم كانوا يرونه على السطوح ليلا، وربما قطع يد النائم وثدي النائمة فكانوا يضربون بالهواوين ليفزعوه، وارتجت بغداد في الجانبين لذلك، وعمل الناس لأولادهم مكاب من سعف يكبونها عليهم.
وفي هذه السنه، قبض على على بن عيسى وعلى اهله، وصودر اخوه عبيد الله ابن على على ستين الف دينار، وصودر اخوه ابراهيم بن عيسى على خمسين الف دينار.
وسال ان يؤذن له في المقام بدير العاقول، فأجيب الى ذلك.
والزم ابو بكر محمد بن عبد الله الشافعى اربعه آلاف دينار، وشفع القاضى ابو عمر فيه فاطلق بعد أدائها وتم ذلك عليهم في وزارة ابى الحسين بن الفرات الثانيه.
وظهر ابو على بن مقله من استتاره، وكان استتاره في ايام الخاقانى وعلى ابن عيسى، واختص بابن الفرات، وتولى كتابه السيده والأمراء اولاد المقتدر بالله.
وكان يوسف بن ابى الساج، قد قاطع على اعمال ابهر وزنجان والري وقزوين، واستبد بالمال، واظهر ان على بن عيسى كاتبه بذلك، وانفذ اليه لوائين وخلعا، فأنكر على بن عيسى، وقد عنفه ابن الفرات على ذلك، وقال: اللواء والخلع والكتاب على حامله وكاتبه لا من كتم ذلك فانفذ المقتدر خاقان المفلحى لمحاربته، فهزمه يوسف، وشهر اصحابه بالري وقدم مؤنس من الثغر، فانفذه المقتدر بالله
(11/210)

لحربه، فواصل ابن ابى الساج المكاتبة بالرضا والسؤال في المقاطعه عما بيده من الاعمال، وان يؤدى في كل سنه سبعمائة الف دينار، فلم تقع له اجابه فسار من الري الى اذربيجان، وركب الأشد، وحارب مؤنسا، فهزمه، ومضى مؤنس الى زنجان، وقتل من اصحابه وقواده عده.
وانفذ ابن ابى الساج يطلب الصلح، ومؤنس لا يجيبه، ولو اراد يوسف اسره لتم، ولكنه ابقى عليه فلما كان في المحرم سنه سبع وثلاثمائة في ايام حامد بن العباس واقعه مؤنس باردبيل، واستؤسر يوسف مجروحا، وحمل الى بغداد في شهر ربيع الآخر، وشهر على الفالج، وهو جمل له سنامان، يشهر عليه الخوارج على السلطان، وترك على راسه برنس، والقراء يقرءون بين يديه والجيش وراءه.
وحبس عند زيدان القهرمانه وخلع على مؤنس وطوق وسور، وزيد في ارزاق اصحابه.
ولما انكفأ مؤنس الى بغداد استولى سبك، غلام يوسف على الاعمال، فانفذ اليه مؤنس قائده الفارقى لحربه فهزمه وسال سبك ان يقاطع على الاعمال فأجيب.
واتصلت العداوة بين ابن الفرات وبين الحاجب نصر القشورى وشفيع المقتدرى.
وكان ابن الفرات قد قلد ابن مقله كتابه نصر، فاستوحش ابن مقله من ابن الفرات، فاطمعه صاحبه وابن الحوارى في تقلد الوزارة، وكان يهدى إليهما اخبار ابن الفرات
(11/211)

سنه خمس وثلاثمائة
فيها مات السبكرى بعد اطلاقه من الحبس.
وفيها اطلق ابو الهيجاء واخوته، وخلع عليهم.
وفيها مات غريب الخال خال المقتدر بالله، وعقد لابنه مكانه، وحضر ابن الفرات جنازته بداره، بالنجمى.
وفيها قلد ابو عمر قضاء الحرمين
(11/212)

سنه ست وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
في هذه السنه، تاخرت ارزاق الجند، واحتج ابن الفرات بان المال صرف في نفقه الجيش الذى جهزه لمحاربه ابن ابى الساج، فقبض عليه فكانت وزارته هذه سنه وخمسه اشهر وتسعه عشر يوما.
ودخل على جحظه بعض اصدقائه، فقال له: ما تتمنى؟ فقال: لم يبق لي منى غير نكبات الوزراء! فقال له: قد نكب ابن الفرات، فقال جحظه:
احسن من قهوة معتقه ... تخالها في انائها ذهبا
من كف مقدودة منعمه ... تقسم فينا الحاظها الوصبا
ومسمع نهض السرور إذا ... رجع فيما تقول او ضربا
نعمه قوم أزالها قدر ... لم يحظ حر فيها بما طلبا

وزارة حامد بن العباس
كان حامد يستدعى قسيما الجوهري خادم السيده، إذا خرج الى واسط لمشارفه أعمالها بها، ويلاطفه، فعاد من عنده وقد نكب ابن الفرات، فاشار به، فوافق ذلك مشوره ابن الحوارى أيضا فوصل وقد كوتب الى بغداد في اليوم الرابع من القبض على ابن الفرات وكان له أربعمائة غلام يحملون السلاح وعده حجاب تجرى مجرى القواد.
واشار ابن الحوارى عليه بطلب على بن عيسى، ومساءله المقتدر بالله فيه ليخلفه على الدواوين، ففعل، فقال المقتدر بالله: ما احسب على بن عيسى يرضى ان يكون تابعا، بعد ان كان متبوعا فقال حامد: انا اعامل الوزراء منذ ايام الناصر لدين الله، فما رايت اعف من على بن عيسى، ولا اكبر نفسا منه، ولم لا يستجيب لخلافه الوزارة؟ وانما الكاتب كالخياط يخيط يوما ثوبا قيمته الف دينار، ويخيط يوما
(11/213)

ثوبا قيمته عشره دراهم فضحك منه من سمع قوله، وعيب بهذا.
وازرى عليه، ان أم موسى القهرمانه، خرجت اليه برقعة من الخليفة فقرأها، ووضعها بين يديه، وأخذ يتحدث حديث شق الفرن المنفجر ايام الناصر لدين الله بواسط، وأم موسى مستعجله بالجواب، ولم يجب الى ان استوفى حديث الشق.
وحكايته معها في قوله لها: والتقطي واحذرى ان تغلطى مشهوره.
وكتب ابو الحسن محمد بن جعفر بن ثوابه، عن المقتدر بالله كتابا الى اصحاب الاطراف يذكر فيه وزارة حامد اوله: اما بعد، فان احمد الأمور ما عم صلاحه ومنفعته، وخير التدبير ما رجى سداده واصابته، وازكى الاعمال ما وصل الى الكافه يمنه وبركته، وافضل الاكوان ما كان اتباع الحق سبيله وعادته.
وخلع المقتدر بالله على على بن عيسى، وانفذ به مع صاحب نصر الحاجب وشفيع المقتدرى الى دار حامد على اعمال المملكة.
وكتب اليه على بن عيسى في بعض الأيام رقعه خاطبه فيها بعبده، فأنكر ذلك حامد وقال: لست اقرا له رقعه إذا خاطبني بهذا، بل يخاطبني بمثل ما اخاطبه به.
وكان يكتب كل واحد منهما الى صاحبه اسمه واسم ابيه، وشكر له على بن عيسى هذا الفعل.
وسقطت منزله حامد، وتفرد على بالأمور، وقيل فيهما، قال ابن بسام:
يا بن الفرات تعزى ... قد صار امرك آيه
لما عزلت حصلنا ... على وزير بدايه
وضمن على بن عيسى الحسين بن احمد الماذرائى، اعمال مصر والشام بثلاثة آلاف الف دينار، فاوصله الى المقتدر بالله، فخلع عليه وشخص الى عمله وقدم على بن احمد بن بسطام من مصر فولاه اعمال فارس.
قال ابو الفضل العباس بن الحسين وزير معز الدولة: رايت أبا القاسم بن بسطام وقد دخل إلينا فارس عاملا، ومعه اثقال لم ير مثلها، ورايت في جمله اثقاله اربعين نجيبا موقره اسره مشبكه، ذكروا انه يستعملها في الطرقات للمجلس والتمس يوما سجاده للصلاة بعينها، وكان يألفها، ففتشت رزم الفرش، فكان فيها نحو أربعمائة سجاده
(11/214)

ولما تبين حامد ان منزلته قد وهت، استاذن في الانحدار الى واسط، فاذن الخليفة له، وليس له من الوزارة غير الاسم.
واقطع المقتدر بالله ابنه أبا العباس دار حامد بالمخرم، فانتقل حامد الى داره في باب البصره.
ولما انحدر حامد استخلف مكانه صهره أبا الحسين محمد بن بسطام وأبا القاسم الكلوذانى، فظهرت كفاية الكلوذانى.
وتقلد ابو الهيجاء بن حمدان طريق خراسان
(11/215)

سنه سبع وثلاثمائة
ضجت العامه من الغلاء، وكسروا المنابر، وقطعوا الصلاة، واحرقوا الجسور، وقصدوا دار الروم ونهبوها، فانفذ المقتدر بمن قبض على عده منهم، واستدعى حامدا ليبيع الغلات التي له ببغداد، فاصعد، وباعها، ونقص في كل كر خمسه دنانير.
وركب هارون بن غريب وابراهيم بن بطحاء المحتسب الى قطيعه أم جعفر، فسعروا الكر الدقيق بخمسين دينارا، فرضى الناس وسكتوا وانحل السعر
(11/216)

سنه ثمان وثلاثمائة
ورد الخبر بحركة الخارج بالقيروان الى مصر، فاخرج مؤنس الى هناك.
ودخل صاحب السند بغداد، فاسلم على يدي المقتدر بالله.
وفي هذه السنه، خلع على ابى الهيجاء، وقلد الدينور.
وتحركت الأسعار فيها فافتتن الناس ببغداد لذلك.
وبرد الهواء في تموز، فنزل الناس من السطوح وتدثروا بالاكسيه واللحف.
(11/217)

سنه تسع وثلاثمائة
قرئت الكتب على المنابر بهزيمه المغربي، واستباحه عسكره ولقب مؤنس بالمظفر.
وخلع على محمد بن نصر الحاجب، وقلد اعمال المعاون بالموصل، وعقد له لواء وخرج الى هناك.
وهدمت دار على بن الجهشيار ببغداد في عرصة باب الطاق، وكان هذا الباب علما ببغداد في الحسن والعلو وبنى موضعه مستغل.
وعقد لمؤنس المظفر على مصر والشام وخلع على ابى الهيجاء بن حمدان، وقلد اعمال المعاون بالكوفه وطريق مكة.
وكبس سبعه من اللصوص دار ابن ابى عيسى الصيرفى، وأخذوا منه ثلاثين الف دينار، ثم عرفوا بعد ايام، فقتلوا، واسترد منهم نيفا وعشرين ألفا.
وفي شوال دخل مؤنس المظفر بغداد قادما من مصر، فتلقاه الأمير ابو العباس ابن المقتدر، وخلع عليه، وطوق وسور على مائه واثنى عشر قائدا من قواده.
وانفذ الى ابن ملاحظ عقد على اليمن وخلع ودعا المقتدر في يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة مؤنسا المظفر ونصرا الحاجب، وخلع على مؤنس خلع منادمه وسال في امر الليث بن على وطاهر بن محمد ابن عمرو بن الليث، ويوسف بن ابى الساج فوهبوا له.
وفي هذه السنه اهدى الوزير حامد بن العباس الى المقتدر البستان المعروف بالناعوره، انفق على بنائه مائه الف دينار، وفرشه باللبود الخراسانيه.
(11/218)

وبلغت زياده دجلة في نيسان ثمانية عشر ذراعا.
وانتهى الى حامد بن العباس امر الحسين بن منصور الحلاج، وانه قدموه على جماعه من الخدم والحشم والحجاب، وعلى خدم نصر، وانهم يذكرون عنه انه يحيى الموتى، وان الجن تخدمه واحضر السمري الكاتب ورجل هاشمي، مع جماعه من اصحاب الحلاج، واعترفوا بان الحلاج يدعى النبوه، وانهم صدقوه، وكذبهم الحلاج وقال: انما انا رجل اكثر الصلاة والصوم وفعل الخير واستحضر حامد ابن العباس القاضى أبا جعفر بن البهلول، فاستفتاهما في امره، فذكرا انهما لا يفتيان في امره بشيء، ولا يجوز ان يقبل قول من واجهه بما واجهه الا ببينه او باقرار منه، وتقرب الى الله تعالى بكشف امره رجل يعرف بدباس تبع الحلاج ثم فارقه، والحلاج مقيم عند نصر القشورى مكرم هناك ودافع عنه نصر أشد مدافعه، وكان يعتقد فيه اجمل اعتقاد فتكلم على بن عيسى، فقال له الحلاج فيما بينه وبينه: قف حيث انتهيت، والا قلبت الارض عليك، فعزم حينئذ على بن عيسى على مناظرته.
وحضرت بنت السمري، فذكرت ان أباها أهداها الى سليمان بن الحلاج وهو بنيسابور، وكانت امراه حسنه الوجه، عذبه الكلام جيده الألفاظ، وقال لها الحلاج: متى انكرت من ابنى شيئا فصومي يوما، واقعدى في آخره على سطحك، وافطرى على ملح ورماد، واستقبلي واذكرى ما كرهت منه، فانى اسمع وارى وحكت ان ابنه الحلاج أمرتها بالسجود له، وقالت: هذا اله الارض، واكثرت في الاخبار عنه بما شاكل ذلك.
وحكى حامد انه قبض على الحلاج بدور الراسبى فادعى تاره الصلاح، وادعى اخرى انه المهدى، ثم قال له: كيف صرت الاها بعد هذا! وكان السمري في جمله من قبض عليه من اصحابه، فقال له حامد: ما الذى
(11/219)

حداك على تصديقه؟ قال: خرجت معه الى اصطخر في الشتاء، فعرفته محبتي للخيار، فضرب يده الى سفح جبل، فاخرج من الثلج خياره خضراء، فدفعها الى، فقال حامد: افأكلتها؟ قال: نعم، قال: كذبت يا بن الف زانية في مائه الف زانية، أوجعوا فكه، فضربه الغلمان وهو يصيح: من هذا خفنا.
وحدث حامد، انه شاهد ممن يدعى النيرنجيات انه كان يخرج الفاكهة.
وإذا حصلت في يد الإنسان صارت بعرا.
ومن جمله من قبض عليه انسان هاشمي كان يكنى بابى بكر، فكناه الحلاج، بابى مغيث حيث كان يمرض اصحابه ويراعيهم وقبض على محمد بن على بن القنائى، وأخذ من داره سفط مختوم فيه قوارير، فيها بول الحلاج ورجيعه، اخذه ليستشفى به.
وكان الحلاج إذا حضر، لا يزيد على قوله: لا اله الا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب الا أنت.
وظفر من كتب الحلاج بكتاب فيه: إذا اراد الإنسان الحج، فليفرد بيتا في داره طاهرا ويطوف به سبعا، ويجمع ثلاثين يتيما، ويعمل لهم ما يمكنه من الطعام، ويخدمهم بنفسه ويكسوهم، ويدفع الى كل واحد سبعه دراهم، فان ذلك يقوم مقام الحج.
فالتفت القاضى ابو عمر الى الحلاج وقال: من اين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصرى، فقال ابو عمر: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا بكتاب الإخلاص بمكة، ما فيه ما ذكرت فقال حامد لأبي عمر: اكتب هذا.
فتشاغل عنه بكلام الحلاج، واقبل حامد يطالب أبا عمر بالكتاب وهو متشاغل بالخطاب، حتى قدم الدواة من بين يديه الى ابى عمر، والح عليه إلحاحا لم يمكنه الدفع، فكتب بإحلال دمه وكتب من حضر المجلس، ولما تبين الحلاج الصورة قال:
ظهري حمى ودمى حرام، وما يحل لكم ان تهتكوا منى ما لم يبحه الاسلام، وكتبي موجوده في الوراقين، على مذهب اهل السنه
(11/220)

وانفذ حامد بالفتيا والمحضر الى المقتدر، فلم يخرج جوابهما، فلم يجد بدا من نصره نفسه، فكتب الى المقتدر: إذا اهمل امر الحلاج بعد إفتاء الفقهاء بإباحة دمه، افتتن الناس به فوقع المقتدر: إذا افتى الفقهاء بقتله، فادفعه الى محمد ابن عبد الصمد، صاحب الشرطه، ومره ان يضربه الف سوط، فان تلف وإلا ضرب عنقه والحلاج يستطلع الى الاخبار، فلما اخبر ان ابن عبد الصمد عند الوزير قال: هلكنا والله.
واخرج يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعده الى رحبه الجسر، وقد اجتمع من العامه امم كثيره، فضرب الف سوط، فما تاوه ولا استعفى، وقطعت يداه ورجلاه، وحز راسه، واحرقت جثته، ونصب راسه يومين على الجسر، وحمل الى خراسان، فطيف به.
وزادت دجلة زياده عظيمه، فادعى اصحابه ان ذلك لأجل ما القى فيها من رماد جثته.
وادعى قوم من اصحابه، انهم راوه راكبا حمارا في طريق النهروان وقال لهم:
انما حولت دابه في صورتي، ولست المقتول كما ظن هؤلاء البقر.
وكان نصر الحاجب يقول: انما قتل ظلما.
ومن شعر الحلاج:
وما وجدت لقلبي راحه ابدا ... وكيف ذاك وقد هيئت للكدر
لقد ركبت على التغرير وا عجبا ... ممن يريد النجا في المسلك الخطر
كأنني بين امواج تقلبني ... مقلب بين اصعاد ومنحدر
الحزن في مهجتي والنار في كبدي ... والدمع يشهد لي فاستشهدوا بصرى
ومن شعره:
الكاس سهل لي الشكوى فبحت بكم ... وما على الكاس من شرابها درك
هبنى ادعيت بانى مدنف سقم ... فما لمضجع جنبي كله حسك
هجر يسوء ووصل لا اسر به ... مالي يدور بما لا اشتهى الفلك
فكلما زاد دمعي زادني قلقا ... كأنني شمعه تبكى فتنسبك
(11/221)

ومن شعره:
النفس بالشيء الممنع مولعه ... والحادثات أصولها متفرعه
والنفس للشيء البعيد مريده ... والنفس للشيء القريب مضيعه
كل يحاول حيله يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعه
وله:
كل بلاء على منى ... فليتني قد أخذت عنى
اردت منى اختبار سرى ... وقد علمت المراد منى
وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرنى
وفي الصوفية من يدعى ان الحلاج كوشف حتى عرف السر، وعرف سر السر، وقد ادعى ذلك لنفسه في قوله:
مواجيد اهل الحق تصدق عن وجدي ... واسرار اهل السر مكشوفة عندي
وله:
الله يعلم ما في النفس جارحه ... الا وذكرك فيها نيل ما فيها
ولا تنفست الا كنت في نفسي ... تجرى بك الروح منى في مجاريها
ان كانت العين مذ فارقتها نظرت ... الى سواك فخانتها مآقيها
او كانت النفس بعد البعد آلفه ... خلقا عداك فلا نالت أمانيها
وحكى انه قال: الهى، انك تتودد الى من يؤذيك، فكيف لا تتودد الى من يؤذى فيك! وانشد:
نظري بدء علتي ... ويح قلبي وما جنى
يا معين الضنى على ... اعنى على الضنى
وكان ابن نصر القشورى قد مرض، فوصف له الطبيب تفاحه فلم توجد، فأومأ الحلاج بيده الى الهواء، واعطاهم تفاحه، فعجبوا من ذلك، وقالوا: من اين لك هذه؟ قال: من الجنه، فقال له بعض من حضر: ان فاكهة الجنه غير متغيره، وهذه فيها دوده، قال: لأنها خرجت من دار البقاء الى دار الفناء، فحل بها جزء من البلاء فاستحسنوا جوابه اكثر من فعله.
ويحكون ان الشبلى دخل اليه الى السجن، فوجده جالسا يخط في التراب،
(11/222)

فجلس بين يديه حتى ضجر، فرفع طرفه الى السماء وقال: الهى لكل حق حقيقة، ولكل خلق طريقه، ولكل عهد وثيقة، ثم قال: يا شبلي، من اخذه مولاه عن نفسه، ثم اوصله الى بساط انسه، كيف تراه! فقال الشبلى: وكيف ذاك؟ قال: يأخذه عن نفسه ثم يرده على قلبه، فهو عن نفسه مأخوذ، وعن قلبه مردود، فأخذه عن نفسه تعذيب، ورده الى قلبه تقريب، وطوبى لنفس كانت له طائعة، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعه، ثم انشد:
طلعت شمس من احبك ليلا ... فاستضاءت فما لها من غروب
ان شمس النهار تطلع بالليل ... وشمس القلوب ليس تغيب
ويذكرون انه سمى الحلاج، لأنه اطلع على سر القلوب، وكان يخرج لب الكلام، كما يخرج الحلاج لب القطن، بالحلج.
وقيل: كان يفعل بواسط بدكان حلاج، فمضى الحلاج في حاجه ورجع فوجد القطن محلوجا مع كثرته، فسماه الحلاج.
وفي الصوفية من يقبله، ويقول: انه كان يعرف اسم الله الأعظم ومنهم من يرده، ويقول: كان مموها.
ويذكرون ان الشبلى انفذ اليه بفاطمه النيسابوريه، وقد قطعت يده، فقال لها: قولي له: ان الله ائتمنك على سر من اسراره، فاذعته، فاذاقك حر الحديد، فان أجابك فاحفظى جوابه، ثم سليه عن التصوف، ما هو؟ فلما جاءت أنشأ يقول:
تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر ... وما احسن في مثلك ان ينهتك الستر
وان عنفنى الناس ... ففي وجهك لي عذر
كان البدر محتاج ... الى وجهك يا بدر
وهذا الشعر للحسين بن الضحاك الخليع الباهلى.
ثم قال لها: امضى الى ابى بكر وقولي له: يا شبلي، والله ما اذعت له سرا.
فقالت له: ما التصوف؟ فقال: ما انا فيه، والله ما فرقت بين نعمه وبلواه ساعه
(11/223)

قط فجاءت الى الشبلى، واعادت اليه، فقال: يا معشر الناس، الجواب الاول لكم، والثانى لي.
وذكروا انه لما قطعت يده ورجله صاح، وقال:
وحرمه الود الذى لم يكن ... يطمع في افساده الدهر
ما نالني عند هجوم البلا ... باس ولا مسنى الضر
ما قد لي عضو ولا مفصل ... الا وفيه لكم ذكر
وكتب بعض الصوفية على جذع الحلاج:
ليكن صدرك للاسرار ... حصنا لا يرام
انما ينطق بالسر ... ريفشيه اللئام.
(11/224)

سنه عشر وثلاثمائة
في المحرم، اطلق يوسف بن ابى الساج، وحمل اليه مال وخلع وحكى انه انزل في دار دينار، وانه انفذ الى مؤنس المظفر، يستدعى منه انفاذ ابى بكر ابن الادمى القاري، فتمنع ابو بكر وقال: اننى قرات بين يديه يوم شهر: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، ورايته يبكى، فاظنه حقد على ذلك، فقال له مؤنس لا تخف، فاننى شريكك في جائزته، فمضى اليه وجلا، فلما دخل عليه، وقد أفيضت عليه الخلع، والناس بحضرته والغلمان وقوف على راسه، قال لهم: هاتوا كرسيا لأبي بكر، فاتوه به، وقال: اقرا، فاستفتح وقرأ قوله تعالى:
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فقال: لا اريد هذا، بل اريد ان تقرا بين يدي ما كنت تقرؤه يوم شهرت فامتنع، ثم قرأ حين الزمه: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ فبكى ثم قال: هذه الآية كانت سببا لتوبتي من كل محظور، ولو أمكنني ترك خدمه السلطان لتركتها وامر له بمال جزيل وطيب كثير.
وحضر يوسف دار الخليفة بسواد، ووصل اليه، فقبل البساط وخلع عليه، وحمل على فرس بمركب ذهب، وذلك يوم الخميس ثامن المحرم، وجلس المقتدر يوم السبت، وعقد له على اعمال الصلاة والمعاون والخراج بالري والجبال واذربيجان، وزينت له دار السلطان يومئذ، فركب معه مؤنس ومفلح ونصر والقواد، واستكتب أبا عبد الله محمد بن خلف النيرمانى، وقرر ان يحمل الى السلطان في كل سنه خمسمائة الف دينار.
وخلع على طاهر ويعقوب ابنى محمد بن عمرو بن الليث الصفار، وعلى الليث
(11/225)

ابن على وابنه خلع الرضا.
وقدم أخ لنصر الحاجب من بلاد الروم واسلم، فخلع عليه.
وتوالت الفتوح على المسلمين برا وبحرا، فقرئت الكتب على المنابر لذلك.
وفي جمادى الاولى تقلد نازوك الشرطه ببغداد وعزل ابن عبد الصمد عنها.
واملك ابو عمر القاضى مسرورا المحفلى ببنت المظفر بن نصر الداعي، ومحمد بن ياقوت بابنه رائق الكبير، بحضره المقتدر وحكى انه خطب خطبه طويله تعجب الناس من حسنها، ولما فرغ منها، وقد حمى الحر وتعالى النهار، قيل له ضجر الخليفة بالجلوس، فخطب خطبه اوجزها بكلمتين، وعقد النكاح، فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر، ووقع فعل ابى عمر عنده الطف موقع، والتفت الى صاحب الديوان فقال: ينبغى ان يزاد ابو عمر في رزقه، واثنى عليه.
فعاد صاحب الديوان الى داره، فقال لمن حضره من خاصته: قد جرى لأبي عمر كل جميل من الخليفة، وقد تقدم بالزيادة في رزقه.
قال صاحب الحكاية، وكان ابو عمر رجلا صديقي، فدعتني نفسي الى التقرب بذلك اليه فجئته، فأنكر مجيئي في وقت خلوته، فحدثته بالحديث على شرحه، فدعا للخليفة وقال: لا عدمتك، فاستقللت شكره وانصرفت.
فولد لي فكرا معمى، بان في وجهه من التعجب منى، وندمت ندما شديدا، وقلت: سر السلطان أفشاه الى من هو احظى عندي من وزيره، ذكره الرجل لانسه بي، بادرت باخراجه ان راح ابو عمر وشكره فعلم انه من فعلى ما صورتي، فرجعت ودخلت بغير اذن، فلما وقع ناظره على قال: يا فلان، ولا حرف، فكانه فشكرته وانصرفت.
وفي جمادى الأخيرة، خلع على ابى الهيجاء بن حمدان، وطوق وسور
(11/226)

وانفذ الحسين بن احمد الماذرائى من مصر هديه وفيها بغله معها فلو، وغلام طويل اللسان يلحق طرفه انفه.
ودخل محمد بن نصر الحاجب، قادما من قاليقلا، في شهر رمضان وقد فتح عليه.
وفيه قبض على أم موسى القهرمانه، وأختها أم محمد، وأخيها ابى بكر احمد ابن العباس، لأنها زوجت بنت أخيها ابى بكر من ابى العباس بن محمد بن إسحاق ابن المتوكل على الله، وكانت له نعم عظيمه، وكان لعلى بن عيسى صديقا، واسرفت في الأموال التي نثرتها، والدعوات التي عملتها، حتى دعت اهل المملكة ثمانية عشر يوما، وقالت لها السيده: انك قد دبرت ان يصير صهرك خليفه، وسلمتها الى ثمل القهرمانه، وهي موصوفه بالشر، وكانت قهرمانه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فاستخرجت منها الف الف دينار.
وبلغت زياده دجلة ثمانية عشر ذراعا ونصفا.
وورد الخبر انه انبثق بواسط سبعه عشر بثقا أكثرها الف ذراع، وأصغرها مائتا ذراع، وغرق من أمهات القرى الفان وثلاثمائة قريه.
وحج نصر الحاجب، فقلد ابن ملاحظ الحرمين، وصرف عنهما نزار بن محمد.
(11/227)

سنه احدى عشره وثلاثمائة
في صفر مات ابو النجم بدر الحمامي بشيراز، وكان يتولى اعمال الحرب والمعاون بفارس وكرمان، ودفن بشيراز، ثم نبش وحمل الى بغداد، واضطرب الجند لموته بفارس، فكتب على بن عيسى الى ابى عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي بضبط تلك البلدان، فضبطها واستمال الجند.
وخلع على مؤنس المظفر، وعقد له على غزاه الصائفه وكان ابو الهيجاء ابن حمدان قد خلع عليه لولاية فارس وكرمان، ثم عدل عنه الى ابراهيم بن عبد الله المسمعي، فقلد ذاك.
وعقدت الكوفه وطريق مكة على ورقاء بن محمد.
وفي شهر ربيع الآخر، صرف حامد بن العباس عن الوزارة، وعلى بن عيسى عن الدواوين، وكانت وزارة حامد اربع سنين وعشره اشهر واربعه وعشرين يوما.
وكثرت عداوة الناس لحامد لاسقاطه لارزاقهم ونقصانهم، فكان ذلك سبب عزله.
وكان على بن عيسى يكتب ليطالب جهبذ الوزير: اسعده بكذا، فسقط بذلك.
وجرى بين مفلح وبين حامد مناكره، فقال حامد: صح عزمي على ابتياع مائه اسود اقودهم، واسمى كل واحد منهم مفلحا.
وكان المقتدر يستدعى ابن الفرات ويشاوره وهو محبوس.
واتفق انه انفذ الى المقتدر وساله ان يقرضه الف دينار باثنى عشر الف دينار، فأجابه الى ذلك حياء من رده، مع ما أخذ من أمواله فلما أخذ ابن الفرات المال،
(11/228)

جاء به الى المقتدر، فأفرغه بين يديه وقال: يا امير المؤمنين، ما تقول في رجل يسترزق في كل شهر هذا! فاستعظم المقتدر ذلك وقال: ومن الرجل؟ فقال: ابن الحوارى، هذا سوى ما يصله من المنافع، ويناله من الفوائد ورد ابن الفرات الدنانير، وسعى مفلح لتقليد ابن الفرات الوزارة، واعتقل على بن عيسى وسلم الى زيدان القهرمانه.
وخلع على ابن الفرات لتقليد الوزارة الثالثه، وعلى ابنه وأخيه، وجلسوا في دورهم، بسوق العطش للتهنئه، وسال ان يعاد الى داره بالمخرم، وكانت قد اقطعت للأمير ابى العباس، فاذن له المقتدر في ذلك وقبض ابن الفرات على جماعه من اسباب على بن عيسى، فيهم ابن مقله.
وأشير على ابن الحوارى بالاستتار، وقيل له: ان المقتدر لم يطو عنك وزارة ابن الفرات الا لتغير راى فيك، فقال: لا انكب نفسي، وستر حرمه.
ثم قبض ابن الفرات على ابن الحوارى، وقبض على صهره محمد بن خلف النيرمانى، وتوسط ابن قرابه حاله، فصادره على سبعمائة الف دينار، وصادر أبا الحسين ابن بسطام صهر حامد على مائتي الف دينار.
وشرط المقتدر على ابن الفرات، الا ينكب حامدا، وان يناظره على ما عليه، فناظره بمحضر الكتاب والقضاه، وقال المقتدر: انه خدمني ولم يأخذ رزقا، وشرط على الا اسلمه لمكروه، فاضطر ابن الفرات الى اقرار حامد على واسط، وكان يتأول عليه تاولا ديوانيا.
وكان حامد يطالب بما حبسه من النفقة على البثوق في ايام الخاقانى، وهي مائتان وخمسون الف دينار، فكانت تتأخر المطالبه جديده الضمان، ولأنه شرط انه يحسب ذلك من ماله، لا من مال السلطان.
فقلد ابن الفرات اعمال الصلح أبا العلاء محمد بن على البزوفري.
وقلد أبا سهل اسماعيل بن على النوبختى اعمال المبارك، وجعل الى كل واحد مطالبه حامد فاما ابو سهل فكان يخلط المطالبه برفق، وكان البزوفري يستعمل ضد ذلك، فكان حامد يقصده الى داره في رداء ونعل حذو، مع هيبة حامد
(11/229)

العظيمه ومنزلته الجسمية منذ ستين سنه فلم ينفع ذلك في البزوفري، بل زاد عليه انه ابتاع ضياعات سلطانيه بنواحي الجامدة في ايام الخاقانى بخمسمائة الف دينار، وابن الفرات يحمل البزوفري على ما يعتمده.
وكاتب ابن الفرات ان حامدا ممتنع من أداء ما عليه، مع ميل اهل البلد اليه، واحتواء يده على أربعمائة غلام لكل واحد منهم غلمان وسبعمائة رجل، فأجابه ابن الفرات ان المقتدر قد تقدم الى مفلح بالانحدار في جيش للقبض على حامد.
فأظهر البزوفري الكتاب قبل وصول القوم.
فحينئذ اصعد حامد في سائر جيشه وكتابه وغلمانه، وضربت البوقات يوم خروجه، وخروج اصحابه، بعضهم في الماء، وبعضهم على الطريق، ولم يقدر البزوفري على منعه، فكاتب على اجنحه الطيور بالحال، فانفذ المقتدر نازوك الى المدائن للقبض عليه فاخذ نازوك ما وجده له فاستتر حامد.
وجاء احد الجهابذه فتقرب الى المقتدر بمائه الف دينار لحامد عنده.
وارجف الناس ببغداد ان المقتدر امر حامدا بالاستتار ليقبض على ابن الفرات، ويعيده الى مرتبته.
فاستتر آل ابن الفرات وأسبابه، غير الوزير.
وكانت سعاده حامد قد تناهت، فصار الى دار المقتدر، وعليه ثياب الرهبان، ومعه مؤنس خادمه، فصعد الى دار الحجبة، فقال له نصر: لم جئت الى هاهنا؟
ولم يقم له، واعتذر بانه تحت سخط الخليفة.
وقال لمفلح الأسود- وهو الذى يتولى الاستئذان على الخليفة- انه تحت رحمه، ومثلك من أزال ما يعانيه، وقال حامد لمفلح: تقول لمولانا امير المؤمنين عنى:
إيثاري الاعتقال في الدار، كما اعتقل على بن عيسى، واناظر بحضره الفقهاء والقضاه والقواد، وامكن من استيفاء حججي وما يجب على من مال
(11/230)

فقالت السيده: لا يضر ان يعتقل في الدار ويحفظ نفسه، فقال مفلح:
ان فعل هذا، لم يتم لابن الفرات عمل وبطلت الاعمال، فقال المقتدر: صدقت، وامره بانفاذ حامد الى ابن الفرات، فبعد جهد، مكنه مفلح من تغيير زيه، وقال:
لا احمله الا في زي الرهبان وهذا الصوف الذى عليه، حتى تشفع فيه نصر، وانفذه مع ابن الزنداق الحاجب.
فلما دخل على ابن الفرات، اسمع حامدا المكروه، وقال له: جئت بها طائيه، وكان الطائي قد ضمن اسماعيل بن بلبل من الناصر لدين الله، وأتاه في زي الرهبان، فسلمه الى اسماعيل بن بلبل فعامله باصناف المكاره، وأخذ منه مالا عظيما.
وامر ابن الفرات قهرمان داره، بان يفرد له دار أخيه، يفرشها فرشا جميلا وان يحضر بين يديه ما يختاره من الطعام، ويقطع له ما يؤثره من الكسوة، واستخدم له خادمين اعجميين ودخل اليه كل من عامله بالمكاره فوبخوه، فقال: قد اكثرتم، وانا اجمل الجواب، ان كان ما استعملته من الاحوال التي وصفتموها جميله العاقبه، قد اثمرت لي خيرا فاستعملوا مثله وزيدوا عليه، وان كان قبيحا- وهو الذى بلغ هذه الغاية- فتجنبوه، فان السعيد من وعظ بغيره.
فقال ابن الفرات لما بلغه ذلك: ما ادفع شهامته، ولكنه رجل من اهل النار، يقدم على الدماء ومكاره الناس.
ومثل هذه الحكاية، حكاية زينب بنت سليمان بْن علي بْن عبد الله بْن العباس، قالت: كنت عند الخيزران، فدخلت جاريه وقالت: بالباب امراه لها جمال وخلقه حسنه، وليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية، تستأذن عليك، وقد
(11/231)

سالتها عن اسمها، فامتنعت ان تخبرني، فقالت الخيزران: ما تريد؟ فقلت: ائذنى لها، فلن تعدمى ثوابا.
فدخلت امراه من اجمل النساء وأكملهن، لا تتوارى بشيء، وقالت: انا مزنه امراه مروان بن محمد الاموى، فقلت لها: لا حيا الله ولا قرب، الحمد لله الذى أزال نعمتك وهتك سترك، تذكرين يا عدوه الله، حين أتاك عجائز اهلى يسالنك ان تكلمى صاحبك في الاذن في دفن ابراهيم الامام، فوثبت عليهن، فاسمعتهن وامرت بإخراجهن على الجهة التي اخرجن عليها! قالت: فضحكت، فما الدر احسن من ثغرها، وعلا صوتها بالقهقهة، ثم قالت: اى بنت عمى، اى شيء اعجبك من حسن صنع الله بي على العقوق حتى اردت ان تتأسى به! انى فعلت ما فعلت باهل بيتك، وأسلمني الله إليك ذليله فقيره، فكان هذا مقدار شكرك لله على ما اولاك في، ثم قالت: السلام عليكم، وولت فصاحت الخيزران بها: انها على استأذنت، والى قصدت، فما ذنبي! فرجعت وقالت: لعمري، لقد صدقت يا أخيه، وان مما ردني إليك ما انا عليه من الضر والجهد، فقامت الخيزران تعانقها، وامرت بها الى الحمام وخلعت عليها وجاء المهدى فاخبر بالحال، فسر بذلك، وكثر انعامه عليها، وافرد لها مقصوره من مقاصير حرمه.
واقر حامد بمائتي الف دينار، ولم يقر بغيرها، وسلمت منه.
وضرب المحسن مؤنسا خادم حامد، فاقر بأربعين الف دينار دفنها في داره بالمدينة، فحملت.
وصودر مؤنس الفحل حاجب حامد على عشرين الف دينار وصودر محمد ابن عبد الله النصراني صاحبه، والحسن بن على الخصيب كاتبه على ثمانين الف دينار.
واستعمل الخصيب مع حامد من المكاشفه، ما لم يستعمله كاتب مع حاجب، فرد ابن الفرات عليه ما صادره به لذلك
(11/232)

واشخص ابن الفرات الفقهاء والقضاه والكتاب، فيهم النعمان بن عبد الله، وكان قد تاب من عمل السلطان، فحضر بطيلسان، وناظره ابن الفرات مناظره طالت، وكان عمد ابن الفرات ان قال له: الضمان الذى ضمنته من الخاقانى سنه تسع وتسعين ومائتين لا يمضيه الفقهاء والكتاب لأنه ضمان مجهول، وضمنت اثمان غلات لم تزرع، فقال له حامد: فقد عملت بي كذلك حين ضمنتنى باعمال بالصدقات والضياع بالبصرة وكور دجلة، فقال ابن الفرات: الغلة بالبصرة يسيره، وانما ضمنت الثمره، فقال حامد فمن أحل بيع الثمره قبل إدراكها، وهي خضره في الزرع؟ فقال المحسن لحامد: هذا الكلوذانى، كاتبك وكتابه يشهدون عليك بما اقتطعته، فقال: هؤلاء كتاب الوزير الان هواه.
ولزمت ابن الفرات حججه، حتى قال له حامد: لم امضيت ضماني في وزارتك الثانيه؟ فقال ابن الفرات: لهذا نقلني امير المؤمنين الى حبسه.
وذكر حامد حججا كانت في يده، فقال ابن الفرات: انا فتشت صناديقك، فلم أجد فيها ما ذكرت، وانا المقدم بإحضارها وتفتيشها فقال حامد: افتشتها بعد ان فتشها الوزير، وقبضها نازوك وفتح أقفالها! فخجل ابن الفرات وتعجب الناس من استيفاء حامد الحجه.
فاخرج ابن الفرات عملا وجده في صناديق غريب غلام حامد، وهذا الغلام كان يتولى بيع غلات حامد، وحمل ذلك سهوا لان حامدا كان يجمع حسباناته، ويغرقها في دجلة، فراى انه قد بيع غلات تلك السنه سوى القضيم بخمسمائة الف دينار ونيف واربعين الف دينار، فبان الفضل، وظهر التضاعف، مع كون الأسعار رخيصه في تلك السنه، وعاليه فيما بعدها.
وقال حامد لابن الفرات: اننى اكرم الوزير عن اسماع ابنه جواب ما يشتمني، فحلف ابن الفرات برأس الخليفة، ان لم يمسك ابنه استعفى الخليفة في هذه القضية
(11/233)

فامسك المحسن حينئذ، واعيد حامد الى محبسه وطولب بالمال، فأقام على انه لا مال عنده، وانه قد باع ضياعه، وباع داره من نازوك بمدينه السلام باثنى عشر الف دينار، وباع خدمه، وباع اخصهم به من نازوك بثلاثين الف دينار.
فالتفت الخادم الى نازوك وقال له: لا تستضع بي، فلا تبتعنى، فلم يقبل منه، وابتاعه، فلما كان في تلك الليلة شرب الخادم زرنيخا فمات من ليلته.
وخلا ابن الفرات بحامد، وقال: ان اخبرت باموالك، صنتك عن مكاره ابنى، ووليتك فارس، وحلف له على ذلك، فاقر بدفائنه في بلاليع بواسط، وقدرها خمسمائة الف دينار، وثلاثمائة الف عند قوم من العدول، واقر بقماش له عند ابن شابده وابن المنتاب وإسحاق بن أيوب وعلى بن فرج بثلاثمائة الف دينار.
فعرف المقتدر ذلك، وقال له ابن الفرات: قد اقر بذلك، عفوا من غير مكروه.
وما زال ابن الفرات مكرما لحامد، يلبسه لين الثياب، ويطعمه هنى الطعام، الى ان توصل المحسن على يدي مفلح الى المقتدر، ان يتقدم الى ابيه باستخلافه، فاستخلفه على كره من الأب لذلك، وخلع المقتدر عليه، وصار الى داره، فمضى اليه الكتاب والعمال للتهنئه، فسقطوا من درجه ساج صعدوا عليها من زبازبهم، فلحقتهم العلل لذلك.
وضمن حامدا الخمسمائة الف دينار، واحضره، فطالبه فقال: لم يبق غير ضياعي، وانا اوكل في بيعها، فامر بصفعه، فصفع خمسين صفعه، واحدره الى واسط مع خادم وعشره فرسان، وذلك في عاشر شهر رمضان سنه احدى عشره وثلاثمائة.
وشاع ببغداد ان حامدا اشتهى بيضا، فطرح له الخادم فيه سما، فأكله، فلحقه ذرب، ودخل واسطا، وهو مثخن، فقام اكثر من مائه مجلس.
فاراد البزوفري الاستظهار لنفسه، فاحضر القاضى وشهوده وكتب: ان حامدا، وصل الى واسط، فتسلمه البزوفري وهو عليل من ذرب وان تلف من ذلك، فإنما مات حتف انفه.
فلما دخل الشهود وقد قرر مع حامد الاشهاد على نفسه قال لهم: ان ابن الفرات
(11/234)

الكافر الفاجر المجاهر بالرفض وبغض بنى العباس رحمه الله عليهم، عاهدني وحلف بالطلاق وايمان البيعه، على اننى ان اقررت بأموالي لم يسلمني الى ابنه، وصانني على المكروه وولانى، فلما اقررت سلمني الى ابنه فعذبني ودفعنى الى خادمه فسقاني بيضا مسموما، ولا صنع للبزوفرى في دمى الى وقتنا هذا، ولكنه، لعنه الله كفر إحساني ونسى اصطناعى، فاغرى ابن الفرات بي وسعى على دمى، ثم أخذ قطعه من أموالي، وجعل يحشوها في المساور البرتون، ويبتاع الواحدة منها بخمسه دراهم، وفيها امتعه تساوى ثلاثة آلاف دينار فاشهدوا على ما شرحته.
وتبين البزوفري انه قد أخطأ.
وكتب ابن بطحاء صاحب الخبر بواسط الى ابن الفرات بالحال، فشق عليه.
وتوفى ليله الخميس لثلاث عشره خلت من شهر رمضان سنه احدى عشره وثلاثمائة، وغسل وكفن، وصلى عليه القاضى والشهود بواسط.
وأخذ منه ابن الفرات الف الف وثلاثمائة الف دينار.
وقبض المحسن على ابى احمد محمد بن منتاب الواسطي، صاحب حامد، فصادره على مائه الف دينار.
وحكى التنوخي، عن بعض الكتاب قال: حضرت مائدة حامد بن العباس، وعليها عشرون نفسا، وكنت اسمع انه ينفق على مائدته مائتي دينار، فاستقللت ما رايت ثم خرجت فرايت في الدار نيفا وثلاثين مائدة منصوبه، على كل واحده ثلاثون نفسا، وكل مائدة مثل المائدة التي كنت عليها، حتى البوارد والحلوى، وكان لا يستدعى أحدا الى طعامه، بل يقدم الى كل قوم في أماكنهم، وكانت الموائد في الدهاليز، وكان يقدم لكل من يحضر جديا، فتكون الجداء بعدد الناس، ويرفع ما بقي، فتقتسمه الغلمان.
وقال حامد: انما فعلت هذا لأنني حضرت قبل علو امرى على مائدة بعض اصدقائى، وقدم عليها جدي، فعولت على اكل كليته، فسبقني رجل فأكلها، فاعتقدت في الحال: ان وسع الله على، وان اجعل جداء بعدد الحاضرين
(11/235)

وركب حامد، وهو عامل واسط الى بستان له، فراى في طريقه دارا محترقه وشيخا يبكى وحوله نساء وصبيان على مثل حاله، فسال عنه، فقيل هذا رجل تاجر احترقت داره، فافتقر، وافلت بنفسه وعياله على هذه الصورة، فوجم ساعه، ثم قال: فلان الوكيل! فجاء، فقال: اريد ان اندبك لامر ان عملته كما اريد، فعلت بك وصنعت وذكر جميلا، وان تجاوزت فيه رسمي فعلت بك وصنعت- وذكر قبيحا، فقال: مر بأمرك، فقال: ترى هذا الشيخ، قد آلمني قلبي له، وقد تنغصت على نزهتى بسببه، وما تسمح نفسي بالتوجه الى بستاني الا بعد ان تضمن لي انى إذا عدت العشية مع النزهه وجدت الشيخ في داره، وهي كما كانت مبنية مجصصه، نظيفة، وفيها الفرش والصفر والمتاع من صنوفه وصنوف الآلات، مثل ما كان فيها، وعلى جميع عياله من كسوه الشتاء والصيف، مثل ما كان لهم.
قال الشيخ: فتقدم الى الخادم ان يطلق ما أريده، والى صاحب المعونة ان يقف معى، ويحضر كل ما أريده من الصناع، فتقدم حامد بذلك، وكان الزمان صيفا، فاحضر اصناف الروزجايه والبنائين، فكانوا ينقضون بيتا ويطرحون فيه من يبنيه وقيل لصاحب الدار: اكتب جميع ما ذهب منك، فكتب حتى المكنسه والمقدحة، واحضر جميع ذلك.
وصليت العصر، وقد سقفت الدار كلها، وجصصت وغلقت الأبواب ولم يبق الا البياض والطوابيق، فانفذ الى حامد وساله التوقف في البستان، والا يركب منه الى ان يصلى العشاء الأخيرة، وقد بيضت الدار وكنست وفرشت، ولبس الشيخ وعياله الثياب، ودفعت اليهم الصناديق والخزانه مملوءة بالأمتعة.
واجتاز حامد، والناس مجتمعون له كأنه نهار في يوم عيد، فضجوا بالدعاء له، فتقدم الى الجهبذ بخمسه آلاف درهم، يدفعها اليه، يزيدها في بضاعته، وسار حامد الى داره.
وفي هذه السنه، توفى ابو إسحاق ابراهيم بن السرى الزجاج، صاحب المعانى، وكان يخرط الزجاج، فاتى المبرد، وكان يعلم لكل واحد بأجره على قدر معيشته،
(11/236)

وقال له: انى اكسب في كل يوم درهما ودانقين، وانى أعطيك درهما، ان تعلمت اولم اتعلم، حتى يفرق الموت بيننا، وآخذ منك، قال: قد رضيت قال: وانفذ اليه بنو مارمه من الصراة يطلبون مؤدبا لأولادهم، فانفذنى اليهم، وكنت اوجه اليه في كل شهر ثلاثين درهما وطلب عبيد الله بن سليمان منه مؤدبا لابنه القاسم، فقال: لا اعرف الا مؤدب بنى مارمه، فكتب اليه عبيد الله فاستنزلهم عنى وادبت القاسم، فكنت اقول له: ان ابلغك الله مبلغ ابيك تعطيني عشرين الف دينار؟ فيقول لي: نعم فما مضت الا سنون حتى ولى الوزارة، وانا على ملازمته، فقال لي باليوم الثالث: ما أراك ذكرتني بالنذر، فقلت: لا احتاج مع رعاية الوزير الى، اذكار خادم واجب الحق، فقال: انه المعتضد، ولولاه ما تعاظمنى ان ادفع ذلك في مكان واحد، ولكنى اخاف ان يصير لي حديثا، فخذه مفترقا، فقلت:
افعل، فقال: اجلس وخذ رقاع اصحاب الحوائج الكبار، ولا تمتنع من مساءلتي في شيء، فكنت اقول ضمن لي في هذه القصة كذا، فكان يقول غبنت فاستزد القوم، فحصل عندي عشرون الف دينار، فقال: حصل عندك مال النذر؟
قلت: لا، فلما حصل ضعفه، اخبرته، فوقع لي الى خازنه بثلاثة الاف دينار، فأخذتها وامتنعت ان اعرض عليه شيئا فلما كان من غد جئته، فأومأ الى، هات ما معك، فقلت: ما أخذت رقعه لان النذر قد وقع الوفاء به، ولم ادر كيف أقع مع الوزير! فقال: سبحان الله! اترانى كنت اقطع عنك شيئا قد صار لك به عاده، وصار لك به عند الناس منزله وغدو ورواح الى بابى، فيظن الناس ان انقطاعه لتغير رتبتك! اعرض على رسمك وخذ بلا حساب، فكنت اعرض عليه الى ان مات.
وحدث والدى رحمه الله، قال أخبرنا القاضى ابو الطيب، قال: حدثنى محمد بن طلحه الردادى، قال: حدثنى القاضى محمد بن احمد بن المخرمى انه جرى بين الزجاج وبين المعروف بمسينه- وكان من اهل العلم- شر، فاتصل، ونسجه ابليس واحكمه، حتى خرج ابراهيم الى حد السفه، فقال مسينه:
(11/237)

ابى الزجاج الا شتم عرضي ... لينفعه فإثمه وضره
واقسم صادقا ما كان حر ... ليطلق لفظه في شتم حره
ولو انى كررت لفر منى ... ولكن للمنون عليه كره
فاصبح قد وقاه الله شرى ... ليوم لا وقاه الله شره
فلما اتصل هذا بالزجاج قصده راجلا، حتى اعتذر وساله الصفح.
وورد الخبر بدخول ابى طاهر سليمان بن الحسن الجنابى البصره سحر يوم الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وثلاثمائة، في الف وسبعمائة رجل، وانه وصل إليها بسلاليم نصبها على سورها وقتل الحراس وطرح بين كل مصراعين حمل رمل وحصى.
وقتل سبك المفلحى امير البصره، واحرق المربد، وبعض الجامع، ومسجد قبر طلحه رضى الله عنه، ولم يعرض للقرى وحاربه اهل البصره عشره ايام بالكلا، وهربوا منه، فطرح فيهم السيف، وغرق منهم الكثير، واقام بها سبعه عشر يوما، يحمل على جماله أموالهم، وسار الى بلده.
وادعى ابن الفرات على على بن عيسى، انه كاتب القرامطة، على المصير الى البصره، واحضر ونوظر، فلم يصح عليه امره.
وقال الهمانى: سمعت على بن عيسى، يعنف أبا عبد الله، حين حلفت ان استغلال ضيعتك بواسط عشره آلاف دينار، وقد وجد بها في حساب الهمانى انه يرتفع فيها ثلاثين الف دينار، فقال البريدى: تاسيت بسيدنا حين حلف لابن الفرات، ان استغلال ضيعته الصافية عشرون الف دينار، واستغلالها خمسون ألفا.
وعلم انه مع ديانته، لو لم يعلم ان البقية مباحة عند من يخافه لما حلف، فكانه القم عليا حجرا
(11/238)

وامتنع المقتدر من تسليم على بن عيسى الى ابن الفرات، واراد حفظ نفسه، فادى ثمن دار كانت له بالجانب الغربي في سويقه ابى الورد، سبعه آلاف دينار، وقال للمحسن: ما يمكنني أداء مصادرتى في اعتقالى، فالبسه جبه صوف، وصفعه، فقام عند ذلك نازوك وقال: لا احضر مكروه من قبلت يده السنين الكثيره.
فلما علم ابن الفرات بفعل ابنه، لم يشك ان الخليفة ينكر ذلك، فبادر وكتب الى الخليفة، فسأله في على بن عيسى، وقال: هو من مشايخ الكتاب، وعرفه خدمته، فخرج خط المقتدر، بان الصواب ما فعله المحسن، وانه قد شفعه فيه، وحل قيوده.
واشارت زيدان القهرمانه على ابن الفرات، بتسليمه الى شفيع، والا تسلمه الخليفة، فاستدعى وسلمه اليه.
فخرج وقد أقيمت صلاه المغرب، فقدم على فصلى بالناس في المسجد الذى على دجلة.
ومضى مع شفيع فجلس في صدر طيارة، وجلس شفيع بين يديه، واسعف ابن الفرات وابنه على في مصادرته وحمل اليه ابو الهيجاء بن حمدان عشره آلاف دينار، فردها، فحلف ابو الهيجاء انها لا رجعت الى ملكه، ففرقت في الطالبين والفقراء، وبذل له شفيع اموالا فأبى من قبولها، وقال: لا اجمع عليك مئونتي ومعونتى.
ولما صعد درجه شفيع، مد شفيع يده فاتكا عليها، ولما قبض على ابن الفرات، جعل يرجف، فقال له: لم لم تعطني يدك كما أعطيتها عليا؟ فقال: لان عليا اتقى لله منك.
ولما ادى على مصادرته، اذن المقتدر لابن الفرات في ابعاده الى مكة، فاستاجر له جمالا واعطاه نفقه، وانفذ معه ابن الكوثانى صاحبه، فاراد قتل على، فبلغ
(11/239)

ذلك اهل مكة فهموا بقتل ابن الكوثانى، فمنع على منه، وحفظه.
وصادر ابن الفرات جميع اسباب على، منهم ابن مقله والشافعى، ولما لم يجد على النعمان بن عبد الله، الذى تاب من التصرف، سبيلا في المصادره، وامتنع من الولاية، احدره الى واسط، وقبض البزوفري عليه من جامعها، لما راى من اكرام اهل البلد له، وأخذ منه سبعه آلاف دينار، ونفى ابن الحوارى الى الأبله، وخنق بالمناره بعد ان عذب، ثم نبشه اهله، وحمل الى بغداد.
وصادر المحسن أبا الحسن على بن مأمون الاسكافى على مائه الف دينار.
وصادر الماذرائيين حين قدموا من مصر على الف وسبعمائة الف دينار.
ونفى ابن مقله الى البصره.
وقدم مؤنس المظفر من الغزو وقد فتح عليه، فاخبر ابن الفرات ما تم على العمال منهم، فسعى به الى المقتدر، فقال له: ما شيء أحب الى من مقامك ببغداد، لانى اجمع بين الانس بقربك والتبرك برأيك، والصواب ان تقيم بالرقة، فتتوسط الاعمال، وتستحث على المال.
فعلم ان ذلك من عمل ابن الفرات، فأجاب اليه، وسئل في الماذرائيين فأطلقوا ونفذ في ذي القعده.
وشرع ابن الفرات في السعاية بنصر القشورى وشفيع المقتدرى، فالتجا نصر الى السيده، فقالت للمقتدر: ان ابن الفرات، ابعد عنك مؤنسا، وهو سيفك، وقد حل له ابعاد حاجبك.
واتفق انه وجد على سطح دار السر في يوم الثلاثاء لخمس خلون من محرم سنه اثنتى عشره وثلاثمائة رجلا أعجميا واقفا، عليه ثياب دبيقيه وتحتها قميص صوف، ومعه محبره وأقلام وورق وحبل، قيل انه دخل مع الصناع وبقي أياما، وعطش فخرج لطلب الماء، فظفر به، وسئل عن حاله، فقال: لا اخاطب غير صاحب
(11/240)

الدار، فقال له ابن الفرات: أخبرني عن حالك، فقال: لا اخاطب غير الخليفة، فضرب وهو يقول ندانم حتى قتل بالعقوبة.
وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضره المقتدر، وقال: كيف ترضى بهذا لأمير المؤمنين، وما يجوز ان ترضى به لنفسك، وما سمعنا ان هذا تم على خليفه قط، وهذا الرجل صاحب احمد بن على أخي صعلوك الذى قتله ابن ابى الساج، واما ان يكون قد دسسته ليفتك بامير المؤمنين، لتخوفك على نفسك منه.
وعداوتك لابن ابى الساج، وصداقتك لأحمد بن على، فقال له نصر: ليت شعرى، ادبر على امير المؤمنين لأنه أخذ أموالي، ونكبنى وهتك حرمي، وحبسنى عشر سنين! ولم يزل امر نصر يضعف والسيده مدافعه عنه.
وكان يوسف بن ابى الساج، حين قلد اعمال الري، قتل بها احمد بن على، أخا صعلوك، وانفذ برأسه الى مدينه السلام.
ولليلتين خلتا من شعبان، قرئت الكتب على المنابر بمدينه السلام بفتح مؤنس المظفر في بلد الروم، وامر فيه المقتدر برفع المواريث الحشريه، كما فعل ذلك المعتضد بالله رحمه الله.
(11/241)

سنه اثنتى عشره وثلاثمائة
ورد الخبر بان أبا طاهر بن ابى سعيد الجنابى، ورد الهبير لتلقى حاج سنه احدى عشره وثلاثمائة في رجوعهم، فاوقع بقافله بغداديه، واقام بقية القوافل بعيدا، فلما فنيت ازوادهم، ارتحلوا، فاشار ابو الهيجاء بن حمدان، واليه طريق الكوفه وطريق مكة، ان يعدل بهم الى وادي القرى، فامتنعوا وساروا، فسار معهم مخاطرا حتى بلغ الهبير، فلقيهم ابو طاهر، فقتل منهم خلقا، واسر أبا الهيجاء واحمد بن بدر عم السيده أم المقتدر، وجماعه من خدم السلطان وحرمه.
وسار ابو طاهر الى هجر، وسنه إذ ذاك سبع عشره سنه، ومات من استاسره بالحفاء والعطش فنال اهل بغداد منالا عظيما، وخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه في الجانبين، فانضاف اليهن من حرم الذين نكبهم ابن الفرات، فانبسط لسان نصر عليه، واشار على المقتدر بمكاتبه مؤنس.
ورجمت العامه طيار ابن الفرات، وامتنعوا من الصلوات في الجماعات.
وانفذ المقتدر بياقوت وابنيه محمد والمظفر الى الكوفه، ورجعوا حين علموا انصراف القرمطى الى بلده.
وجمع المقتدر بالله ابن الفرات ونصر وامرهما بالتظافر.
وقدم مؤنس الى بغداد، فركب اليه ابن الفرات، ولم تجر له عاده بذلك، فخرج مؤنس الى باب داره، وساله ان ينصرف، فلم يفعل، وصعد اليه من طيارة حتى هناه بمقدمه، وخرج معه مؤنس حتى نزل الطيار
(11/242)

وانفذ المقتدر بنازوك وبليق فهجما على ابن الفرات، وهو في دار حرمه، فاخرجاه حاسرا، فاعطاه نازوك رداء قصب، فقال له مؤنس: الان تخاطبني بالاستاذ وبالأمس نفيتنى الى الرقة والمطر يصب على راسى، ثم تذكر لأمير المؤمنين سعيي في فساد مملكته! ورجمت العامه طيار مؤنس، لكون ابن الفرات فيه، وسلم الى نصر، وقبض على ولده وأسبابه.
فكانت مده ابن الفرات في هذه الوزارة الثالثه عشره اشهر وثمانية عشر يوما.
واجمع وجوه القواد فقالوا: ان حبس ابن الفرات في دار الخلافه خرجنا بأسرنا، فسلم الى شفيع واعتقل عنده.
واشار مؤنس بتوليه ابى القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانى، فانفذ ابن الفرات الى المقتدر بمائه ونيف وستين الف دينار، وقال لشفيع: فعلت ذلك حتى لا يوهم الخاقانى للمقتدر انه استخرجها.
قال الجمل كاتب شفيع: ولم أر قلبا اقوى من قلب ابن الفرات، سألني:
من قلد الخليفة وزارته؟ فقلت: الخاقانى، فقال: الخليفة نكب ولم انكب انا.
وسألني عمن استخلف في الدواوين؟ فقلت: في ديوان السواد ابن حفص، فقال: القدر رمى بحجره، وسميت له جماعه، فقال: لقد أيد الله هذا الوزير بالكفاءه.
واقر ابن الفرات بمائه وخمسين الف دينار اخرى، وطولب بالمكاره، فلم يستجب بمال، وكان لا يستجيب بمكروه، وانفذ الى الخاقانى: ايها الوزير، لست غرا جاهلا فتحتال على، وانا قادر على مال، إذا كتب الخليفة الى أمانا على نفسي لافديها بالمال، ويشهد عليه القضاه فيه، فقال الخاقانى: لو قدرت على ذلك فعلت، ولكن ان تكلمت عاداني خواص الدولة.
ورد الخليفة امره الى هارون بن غريب، فاخذ يداريه، وقال له: أنت اعرف بالأمور وان الوزراء لا يلاجون الخلفاء، فلم يزل به حتى أخذ خطه بألفي الف دينار، يعجل منها الربع، وان يطلق له بيع ضياعه، واذن له في احضار دواه، ليكتب
(11/243)

الى من يرى، او ان ينفذ الى دار شفيع اللؤلؤى، ويطلق الكلوذانى ليتصرف في أمواله.
وكانت حماه المحسن تخرجه في زي النساء الى مقابر قريش، فامست ليله عن المصير الى الكرخ، فصارت الى منزل امراه أخبرتها ان معها بنتا لم تتزوج، وسالت ان تفرد لها بيتا، ففعلت، وخلع المحسن ثيابه، فجاءت جاريه سوداء بسراج، فوضعته في الضفة، فرات المحسن، فاخبرت مولاتها فابصرت، وكانت مولاتها زوجه محمد بن نصر وكيل على بن عيسى، مات حين طالبه المحسن من الفزع، فمضت المرأة الى دار السلطان وشرحت الصورة لنصر، فاركب نازوك وقبض عليه، وضربت الدبادب لأجل الظفر به عند انتصاف الليل، فظن الناس ان القرمطى قد كسر بغداد وحمل الى دار مستخرج، يعرف بابن بعد شر، في المخرم بدار الوزارة، فأجرى عليه المكاره، وأخذ خطه بثلاثة آلاف الف دينار، ثم ابتلع رقعته، واقام على الامتناع من كتب شيء، فضرب بالدبابيس على راسه وعذب.
واحضر ابن الفرات مجلس الخاقانى، فناظره أشد مناظره، فلج ابن الفرات فيها، فقال له الخاقانى: انك استغللت ضياعك التي استغلها على بن عيسى، أربعمائة الف دينار وقال: كان ذلك بعمارتى البلاد واعتمادى ما جلب الريع.
ونوظر فيمن قتله ابنه، وقيل له: أنت قتلتهم، فقال هذا غير حكم الله، قال الله تعالى:
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * [والنبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه ابنه: لا يجنى عليك ولا تجنى عليه،] ومع هذا فان ابنى لم يباشر قتلا ولا سفك دما، وأجاب مؤنسا حين قال: اخرجتنى من بغداد فقال: انما اخرجك مولاك حين كتب الى يشكو ما يلاقيه من تبسط، وفتحك البلدان بالمؤن الغليظة، واغلاقك إياها بسوء التدبير: وسئل احضار سفط فيه المهمات فاحضر وطلب الرقعة، فوجدت فأخذها مؤنس، وحملها الى
(11/244)

المقتدر بالله واقراه الرقعة، فزاد غيظه وامر بضربه، فضرب خمس درر فقط وسلم وابنه الى نازوك، فضربا حتى تدودت لحومهما وحمل الخاقانى القواد على خلع الطاعة ان حملا الى دار الخليفة ولما توقف الخاقانى في قتلهما، وقال: لست ادخل في سفك الدماء، ولا اسهل على الخلفاء قتل خواصهم.
وحمل الى ابن الفرات ما يفطر عليه، فقال: رايت أخي أبا العباس في المنام يقول: إفطارك عندنا، وما أخبرني بشيء الا وصح، وانا مقتول.
فاخرج القواد توقيع المقتدر الى نازوك، بضرب أعناقهما، فقال: هذا امر عظيم لا اعمل فيه بتوقيع، فشافهه المقتدر بذلك.
وجاء نازوك، فامر السودان فضربوا عنق المحسن، واتى برأسه الى ابيه، فجزع وقال: يا أبا منصور، راجع امير المؤمنين، فان عندي اموالا جمه، فقال له:
جل الأمر عن هذا، وامر به فضرب عنقه، وحمل راسه وراس ابنه الى المقتدر بالله، فامر بتغريقهما.
وكان سن الحسن بن الفرات، يوم قتل، احدى وسبعين سنه وشهورا، وسن ابنه ثلاثا وثلاثين سنه.
وقال التنوخي: كان من عاده ابن الفرات ان يقول لكل من يخاطبه: بارك الله فيك، ولم يكن يفارق هذه اللفظه وكان على بن عيسى يقول في كلامه: وال وإليك فكان الناس يقولون: لو لم يكن بين الرجلين الا ما بين الكلامين من الخشونة واللطف، لكان من اعظم فرق.
ويقال ان على بن عيسى خاطب الراضي يوما بوال.
وكان ابن الفرات إذا ولى، غلا معذاذ الشمع والكاغذ، لكثرة استعماله لهما فيعرف الناس ولايته لغلائهما
(11/245)

قال الصولي: ابو الحسن على بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات من قريه يقال لها بايك قريبه من صريفين، وكان أبوه محمد بن موسى، تولى اعمالا جليله، واكبر اولاده ابو العباس احمد وابو عبد الله وابو عيسى، من خيار المسلمين والزهاد، جاور بمكة وواصل بها الصوم والصلاة، ومات في وزارة أخيه.
وقد ذكرنا اسر القرمطى لالفى رجل ومائتين وعشرين وخمسمائة امراه، فاطلق منهم أبا الهيجاء واحمد بن بدر عم السيده، وانفذ رسلا يسال ان يفرج له عن البصره والاهواز فلم تقع اجابه.
وكان سليمان بن الحسن بن مخلد، وابو على بن مقله، وابو الحسن محمد بن محمد بن ابى البغل، معتقلين بشيراز، فاطلقهم ابو عبد الله الكرخي، حين وقف على مثل ابن الفرات فكتب ابن ابى البغل على جانب تقويمه.
وفي هذا اليوم، ولد احمد بن يحيى، وله احدى وثمانون سنه، واتفق ان سليمان هرب في زي الفيوجى، فاشتد الأمر على الخاقانى، وارجف له بالوزارة، ودخل بغداد مستترا، وصار ابن مقله الى الاهواز، واجرى له في كل شهر مائتي دينار، واذن له في المصير الى بغداد وسال موسى في على بن عيسى، فكوتب صاحب اليمن بانفاذه الى مكة، وحمل اليه كسوه ومالا نحو خمسين الف دينار، ولما وصلها قلده الخاقانى الاشراف على الشام ومصر.
وتولى ابو العباس بن الخصيبى استخراج سبعمائة الف دينار من زوجه المحسن.
وشغب الجند على الخاقانى، فلم يكن عنده ما يدفعه اليهم، وبقي شهورا لا يركب الى الموكب.
وكان مؤنس بواسط، واشار عند قدومه بعلى بن عيسى، واشارت السيده والخاله بابى العباس بن الخصيبى، وهو احمد بن عبد الله، فولاه المقتدر، وقبض على الخاقانى، وكانت وزارته سنه وسته اشهر.
(11/246)

وزارة ابى العباس الخصيبى
استحضره المقتدر يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقلده وخلع عليه، وكان قبل كاتب القهرمانه، واستكتب مكانه أبا يوسف عبد الرحمن ابن محمد، وكان تائبا من العمل، فسماه الناس المرتد.
واستدرك اموالا، كان الخصيبى اضاعها، فتنكرت القهرمانه للخصيبى، وضاعت الأمور بوزارته حين كان مواصلا للشرب ليلا ونهارا ويبيت مخمورا.
فصادر الخاقانى على مائتي الف وخمسين الف دينار.
وصادر جعفر بن القاسم [الكرخي] على مائه وخمسين الف دينار.
وتوجه جعفر بن ورقاء الشيبانى بالحاج في الف من بنى عمه، وكان في القوافل الذين يبذرقون الحاج سته آلاف رجل، فلقيهم الجنابى فهزمهم بالعقبه وولوا الى الكوفه، فخرج قواد السلطان فهزمهم، واقام بالكوفه سته ايام، وحمل منها اربعه آلاف ثوب وشى وثلاثمائة راويه زيت، وانصرف الى بلده.
واضطرب الناس ببغداد، وعبر اهل الغربي منها الى الجانب الشرقى.
واتى موسى الكوفه، فاستخلف عليها ياقوت.
وسار مؤنس الى واسط.
وقرئت الكتب بفتح ابن ابى الساج طبرستان.
ووردت خريطة الموسم لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، بان النحر كان بمكة يوم الثلاثاء، ونحر الناس ببغداد يوم الاثنين.
وحج على بن عيسى ثم ورد مكة من مصر.
(11/247)

سنه ثلاث عشره وثلاثمائة
فيها فتح ابراهيم المسمعي ناحيه القفص، واسر منهم خمسه آلاف رجل، وحملهم الى فارس وكثرت الارطاب ببغداد، حتى عملوا منها التمور، وجهزوا بذلك الى البصره، فنسبوا الى البغى.
واتى القرمطى النجف، فخرج مؤنس، فانصرف من بين يديه.
وفيها مات الخاقانى.
وفيها دخل الروم ملطيه.
وفي هذه السنه، توفى ابو الحسن على بن محمد بن بشار الزاهد، وقبره ظاهر بالعقبه عند النجمى يتبرك به، وكان القادر بالله رضى الله عنه يزوره دائما، وقال في بعض الأيام: انى لاعرف رجلا ما تكلم منذ ثلاثين سنه بكلمة يعتذر منها، فعلم الحاضرون انه اراد نفسه.
وجاءته امراه، فقالت: ان ابنى قد غاب، وقد طالت غيبته، فقال لها:
عليك بالصبر، فظنت انه يأمرها باكل الصبر، وكانت عندها برنيه مملوءة صبرا، فمضت واكلت نصفها في مده، على مرارة من العيش، وشده من الحال، ثم رجعت اليه فشكت اليه غيبته، فقال لها: عليك بالصبر، فقالت: قد وفى من البرنية، قال لها: وأكلته! قالت: نعم قال: اذهبى فابنك قد ورد، فرجعت الى الى منزلها فوجدت ابنها هناك.
وسمع ابن بشار من تاج المقتدر بالله غناء، فلما اصبح قال: هذا الامام ولا يمكننا الانكار على الامام، ولكن ننتقل، فبلغ ذلك المقتدر بالله فانفذ اليه:
ايها الشيخ لا تنزعج فتزعجنا، ونحن اولى بالانتقال منك فكان هذا من عمل خادم وقد ادبناه وصرفناه عن دارنا، ولن ترى بعدها ولا تسمع ما تكره.
(11/248)

سنه اربع عشره وثلاثمائة
فيها مات الخاقانى.
ودخل الروم ملطيه، فاخربوا سورها، وأقاموا سته عشر يوما، فدخل أهلها مستغيثين.
وبلغ اهل مكة مسير القرمطى نحوهم، فنقلوا حرمهم وأموالهم.
واستدعى ابن ابى الساج الى واسط، وقلد اعمال المشرق، وكناه الخليفة بابى القاسم يتكنى بذلك على جميع القواد، الا على الوزير، ومؤنس المظفر، وحمل اليه المقتدر خلعا سلطانيه، وخيلا بمراكب ذهب وطيبا وسلاحا.
ودعى الى الري، واضطرب امر الخصيبى لإحدى عشره ليله خلت من ذي القعده.
واشار مؤنس بعلى بن عيسى، فاستدعى المقتدر أبا القاسم عبد الله بن محمد الكلواذى واستخلفه لعلى، واستحضر سلامه الطولونى، فتقدم اليه بالنفوذ في البريه الى دمشق ليحضر عليا وظهر في ذلك اليوم ابن مقله وجماعه من الكتاب، وسلموا على الكلواذى وتمكنت هيبة على بن عيسى في الصدور.
ووصلت حمول من البلدان مشى بها الكلواذى الأمور.
واطلقت في شهر رمضان أم موسى الهاشمية من حبسها والزمت منزلها.
ولم يحج احد من العراق.
(11/249)

سنه خمس عشره وثلاثمائة وزارة على بن عيسى الثانيه
في صفر، وصل على بن عيسى الى بغداد، وانفذ اليه المقتدر في ليلته فرشا وثيابا بعشرين الف دينار، وخلع عليه، وسار من الغد بين يديه كافه القواد الى دار بباب البستان، فاعتقد العفو عمن أساء اليه.
واشتغل بالعمل ليلا ونهارا، فاستقامت الأمور.
وكان الى عبد الله البريدى الضياع الخاصة ضمانا واقطاع الوزارة الى ابى يوسف أخيه الخراج برامهرمز.
واحضر على بن عيسى الخصيبى، وناظره مناظره جميله، وأخذ خطه بأربعين الف دينار.
ومات ابراهيم المسمعي بالنوبندجان، فقلد على بن عيسى مكانه ياقوتا، وقلد أبا طاهر محمد بن عبد الصمد كرمان.
وقلد اعمال الاهواز أبا الحسن احمد بن محمد بن مانبداذ فقال ابو عبد الله البريدى: تقلد هؤلاء هذه الاعمال، وتقصر بأخي ابى يوسف على بن مهرمز وبي على ضياع الوزراء! وكان قد كتب له بذلك منشورا: خذ يا بنى هذا الكتاب فمثل عليه في الكتب فان لطبلى صوتا تسمعه بعد ايام.
وانفذ ابو عبد الله البريدى أخاه أبا الحسين الى الحضره، لما بلغه اضطراب امر على بن عيسى، وقال له: اضمن اعمال الاهواز، إذا ولى الوزارة من يرتفق.
فان عليا عفيف.
فلما ولى ابن مقله الوزارة اعطاه عشرين الف دينار، حتى ولاه الاهواز، ثم صرفه بابى محمد الحسين بن احمد الماذرائى، فبان من تخلفه ما صار به حديثا
(11/250)

وأخذ عليه البريدى الطرقات، فكان كل كتاب يكتبه يؤخذ من رسله فما قرئ له كتاب منذ دخل الاهواز الى ان خرج عنها، فصرفه ابو على بابى عبد الله البريدى، واعترف باحترازه بطلل الماذرائى.
وكان اقطاع الوزارة مائه وسبعين الف دينار، بعد نفقاتهم، فلم يأخذ ذلك على بن عيسى وقال: ضيعتى تكفيني.
ودخل الروم شميشاط، وضرب ملكهم في الجامع النواقيس وصلى فيه الروم صلواتهم.
ووقعت وحشه بين المقتدر بالله ومؤنس، سببها: انه حكى له، ان المقتدر تقدم الى خواص خدمه بحفر زبيه تغطى بالقصب، فإذا اجتاز مؤنس وقع فيها، فهلك، فامتنع من المضى الى دار السلطان، وركب اليه القواد، فيهم عبد الله بن حمدان واخوته وقال له عبد الله بن حمدان: نقاتل بين يديك ايها الأستاذ حتى تنبت لحيتك، فكاتبه المقتدر بالله على يدي نسيم الشرابي، على بطلان ذلك، فجاء وقبل الارض، وحلف له المقتدر، على صفاء نيته، وامره بالخروج الى الروم، فخرج وشيعه الأمير ابو العباس، وعلى بن عيسى ونصر الحاجب وهارون بن غريب.
وفي هذه السنه كان ظهور الديلم، لما خرج ابن ابى الساج عن الري، غلب عليها ليلى بن النعمان، ثم ما كان بن كاكى، ودخل هذا الرجل في طاعه صاحب خراسان.
وغلب بعده اسفار بن شيرويه، وكان مزداويج احد قواده، فلما ظلم اسفار اهل قزوين، خرج رجالهم ونساؤهم مستغيثين الى المصلى داعين الله عليه، فخرج عليه مزداويج، فهزمه والجاه مزداويج، حين راى آثار حوافر الفرس فدخل عليه فاحتز راسه، وعاد الى قزوين، ووعدهم الجميل واظهر الخوف من دعائهم
(11/251)

ثم تغلب على الري وأصبهان، وأساء السيرة بأصبهان حاجبه وعظمت هيبته، وجلس على سرير ذهب، وكان يتنقص الاتراك، وكان يقول: انا سليمان وهؤلاء الشياطين وكان إذا سار انفرد عنه عسكره خوفا منه، فاشتق العسكر شيخ على دابه وقال: زاد امر هذا الكافر، واليوم تكفونه، ويأخذه الله اليه قبل تصرم النهار، فدهشوا واتبعوه فلم يجدوه.
وعاد مزداويج الى داره، فنزع ثيابه، ودخل الحمام واطال، فهجم عليه الاتراك، فقاتلهم بكرنيب فضه، فحزوا راسه بعد ان شقوا بطنه، وظنوا انهم قتلوه، فلما دخلوا عليه ثانيا راوه رد حشو بطنه، وأمسكها بيده، وكسر جامه الحمام وهم بالخروج.
وقبض ابن ابى الساج على كاتبه ابى عبد الله بن خلف البرقاني لما عرف سعايته به، وسلمه الى كاتبه حسن بن هارون وقيده وأخذ خطه بستمائة الف دينار.
وكاتب المقتدر ابن ابى الساج لحرب القرمطى، لما عرف خروجه من هجر لثلاث بقين من شهر رمضان، واطلق له من بيت مال الخاصة فيما ينصرف الى علوفه بين واسط والكوفه، فحمل ذلك اليه سلامه الطولونى، وامر على بن عيسى عمال الكوفه باعداد الميرة لابن ابى الساج.
وسار ابن ابى الساج من واسط طالبا الكوفه لليلة بقيت من شهر رمضان.
واطلق ابو طاهر القرمطى أسارى الحاج، ووصل الكوفه، فاخذ ما اعد ليوسف وهو مائه كر دقيقا، والف كر شعيرا.
ووافى يوسف الكوفه بعد وصول ابى طاهر إليها بيوم، وكان قد تقارب عسكر ابن ابى الساج، وعسكر ابى طاهر في يوم ضباب واحس به ابو طاهر وكف عنه، فالتقوا يوم السبت لتسع خلون من شوال على باب الكوفه، فاحتقر ابن ابى الساج عسكر ابى طاهر، وازرى عليهم، وتقدم يكتب كتاب الفتح قبل اللقاء، تهاونا بامره.
والتفت ابو طاهر الى رفيق له، وقد سمع صوت البوقات والدبادب، وكانت
(11/252)

عظيمه جدا فقال: ما هذا الزجل؟ فقال له صاحبه: فشل، فقال: اجل.
وعبا ابن ابى الساج رجاله، وكان القتال من ضحى النهار الى غروب الشمس، فثبت يوسف ثباتا حسنا، وجرح من اصحاب ابى طاهر بالنشاب خلق، وكان ابو طاهر في عمارية مع مائتي فارس من اصحابه، فنزل حينئذ وركب، فسار وحمل بنفسه، وحمل يوسف بنفسه، واشتبكت الحرب، فاسر يوسف بن ابى الساج بعد ان ضرب على جنبه ضربه، وقد اجتهد به اصحابه في الانصراف فأبى، وقتل من اصحابه خلق وانهزم الباقون.
وحمل يوسف الى عسكر ابى طاهر فضرب له خيمه وفرشت، ووكل به، واستدعى بطبيب يعرف بابن السبعى ليعالجه، فقال: قد جمد الدم على وجهه، واريد ماء حارا قال: فلم أجد عندهم ما اسخن فيه الماء، فغسله بالماء البارد وعالجه قال الطبيب: وسألني يوسف عن اسمى واهلى، فاخبرته فوجدته بهم عارفا ايام تقلده الكوفه، فعجبت من فهمه وقله اكتراثه بما هو فيه.
ولما وصل الخبر بغداد دخل الناس كابه عظيمه وعولوا على الانحدار الى واسط، ثم ورد الخبر بان أبا طاهر رحل يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال، قاصدا عين التمر، فاستاجر على بن عيسى خمسمائة سميريه، وجعل فيها الف رجل، وانفذ الطيارات والشذات وحولها الى الفرات واقعد فيها الحجريه، لمنع القرمطى من عبور الفرات، وتقدم الى القواد بالمسير الى الأنبار لحفظها.
فلما كان يوم الجمعه، راى اهل الأنبار خيل ابى طاهر مقبلة في الجانب الغربي، فقطعوا الجسر، وعبر ابو طاهر في مائه رجل، ونشبت الحرب بينه وبين اصحاب
(11/253)

السلطان، وعقد الجسر وخالف سواد الذين في السفن الى الجسر، فاحرقوه، فبقى ابو طاهر في الجانب الشرقى وعسكره وسواده في الغربي، وحالت السفن بينهما.
وورد الخبر الى بغداد بقتل ابى طاهر القواد، فخرج نصر الحاجب، ومعه الحجريه والرجاله ومن ببغداد من القواد، وبين يديه علم الخلافه ومعه ابو الهيجاء عبد الله بن حمدان واخوته.
فاجتمع مع نصر ما يزيد على الأربعين الف رجل، فنزل على قنطره النهر المعروف بزبارا، بناحيه عقرقوف، على فرسخين، ولحق به موسى، واشار ابو الهيجاء على نصر الحاجب وعلى مؤنس بقطع نهر زبارا، والح عليه في ذلك، فلما رآه متثاقلا عن قبول رايه، قال له: ايها الأستاذ أقطعها واقطع لحيتي معها، فقطعها حينئذ.
وسار ابو طاهر، ومن معه من اصحابه في الجانب الشرقى من الفرات قاصدين نهر زبارا، فلما صار على فرسخ واحد من عسكر السلطان آخر يوم الاثنين لعشر خلون من ذي القعده بات موضعه.
وباكر المسير الى القنطرة، فوجدها مقطوعه، وتقدم احد رجاله اسود يقال له صبح، فما زال النشاب يأخذه حتى صار كالقنفذ وهو مقدم، فراى القنطرة مقطوعه فرجع.
ولما علم اصحاب ابى طاهر ان النهر لا يخيض، عادوا القهقرى من غير ان يولوا ظهرهم، وعادوا الى الأنبار ولم يجسر احد على اتباعهم.
وكان الرأي فيما اشار به ابو الهيجاء من قطع القنطرة، ولولاها لعبر القرمطى غير مستهول لجمع اصحاب السلطان.
وطمع مؤنس المظفر في سواده وتخليص ابن ابى الساج من اقياده، فانفذ بليق حاجبه وجماعه من القواد، وسته آلاف من غلمان يوسف، فبلغ ذلك أبا طاهر، فانفرد من اصحابه ماشيا، وعبر في زورق صياد، دفع اليه الف دينار، فاجتمع مع قومه فلم يثبت له بليق، وبصر ابو طاهر بابن ابى الساج وقد خرج من الخيمة لما ناداه
(11/254)

غلمانه، فقال له القرمطى: طمعت في تخليصهم لك! وامر به فضربت عنقه واعناق من كان معه من الأسرى.
واحتال ابو طاهر في عبور اصحابه من الجانب الشرقى الى الجانب الغربي، وكان مع ابى طاهر سبعمائة فارس وثمانمائه راجل.
وتقدم على بن عيسى الى نازوك بالطواف ببغداد ليلا ونهارا، لكثرة العيارين، وأباح دم من ظهر منهم، ونقل الناس امتعتهم الى منازلهم خوفا منهم، واكترى وجوه الناس السفن.
وقصد القرمطى هيت، وبها هارون بن غريب وسعيد بن حمدان، فقاتلا من علا سورها بالمنجنيقات، بعد ان قتلوا من اصحابه عده فسكنت نفوس من ببغداد.
وتصدق المقتدر بمائه الف درهم.
وبادر على بن عيسى الى المقتدر بالله وقال له: انما جمع الخلفاء الأموال ليقمعوا بها الأعداء، ولم تلحق المسلمين مضره كهذه من هذا الكافر الذى اوقع بالحاج سنه اثنتى عشره وثلاثمائة، ولم يبق في بيت مال الخاصة شيء، فاتق الله يا امير المؤمنين، وخاطب السيده حتى تطلق ما عندها من مال ادخرته لشديده، فهذه أمها، وان لم يكن هناك شيء فالحق خراسان.
فدخل الى السيده، فأعطته خمسمائة الف دينار، وكان في بيت مال الخاصة مثلها.
واخبر على بن عيسى، بحال رجل شيرازى يكاتب القرمطى واتباعه، فاحضره فاقر انه من اصحابه، لم يتبعه الا لحق رآه معه وقال له: لسنا كالرافضة الحمقى، الذين يدعون اماما منتظرا، وامامنا فلان ابن فلان ابن اسماعيل بن جعفر، فامر به فحبس بعد الضرب، فامتنع في حبسه من الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة ايام.
وكتب القرمطى الى مؤنس كتابا، في آخره:
قولوا لمؤنسكم بالراح كن أنسا ... واستتبع الراح سرنايا ومزمارا
وقد تمثلت عن شوق تقاذف بي ... بيتا من الشعر للماضين قد سارا
نزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكم ... ان الكريم إذا لم يستزر زارا
ولا نكون كأنتم في تخلفكم ... من عالج الشوق لم يستبعد الدار
وله اشعار كثيره تركناها لشياعتها.
(11/255)

سنه ست عشره وثلاثمائة
. دخل مؤنس المظفر بغداد، وبعده نصر.
وندب مؤنس للخروج الى الرقة، لما وصل الخبر باستيلاء القرمطى على الرحبه حربا وقتله أهلها ورهبت الاعراب أبا طاهر، حتى كانوا يتطايرون عند سماع ذكره، وجعل على كل بيت منهم دينارا بعد ان نهبهم.
وعاود القرمطى هيب، فلم يقدر عليها، فاتى الكوفه، وجاء الى قصر ابن هبيرة فخرج اليه نصر، فحم نصر حمى شديده حاده، فسار مع ذلك الى شورا وبينه وبين القرمطى نهرها، واستخلف على الجيش احمد بن كيغلغ، وانفذ معه الجيش.
وانصرف القرمطى من غير لقاء.
واشتدت عله نصر، وجف لسانه من شده الحمى، فاعيد الى بغداد، فمات في الطريق في عمارية، فانفذ المقتدر على الجيش هارون بن غريب، فدخل بهم بغداد.
واقام على بن عيسى حين راى تنكر الأمور على الاستعفاء من الوزارة، والمقتدر يجلبه، ويستوقفه حتى اعفاه.
واستوزر المقتدر أبا على بن مقله ضرورة، وذلك بمشوره نصر، فلما كان في النصف من شهر ربيع الاول، انفذ المقتدر هارون بن غريب، ومعه ابو جعفر بن شيرزاد للقبض على على بن عيسى، فاستحيا هارون من لقائه بذلك، فانفذ أبا جعفر، فوجده مستعدا قد لبس خفا وعمامة وطيلسانا، واستصحب مصحفا ومقراضا، وسال هارون صيانة حرمه، ففعل وحمل مع أخيه ابى على الى دار السلطان، فاعتقله في دار زيدان القهرمانه، وكانت وزارته هذه سنه واربعه اشهر ويومين.
(11/256)

وزارة ابى على بن مقله
وقد كان محمد بن خلف النيرمانى بذل في الوزارة ثلاثمائة الف دينار، فلم تقبل منه، لما عرف منه الجهل بالكتابه والتهور في الافعال.
واحضر ابن مقله يوم الخميس سادس عشر ربيع الاول، وقلد الوزارة، ووصل الى الخليفة وخلع عليه، وحمل اليه طعام على العادة التي جرت للوزارة إذا خلع عليهم.
ودس نصر الحاجب على على بن عيسى من ادعى مكاتبته القرمطى على يده، وذلك لعداوة بينه وبينه، ولممايله على لمؤنس.
وعزم الخليفة على ضرب على بن عيسى بالسياط على باب العامه، فوقفت السيده على بطلان الأمر فازالت من نفس المقتدر تصديق ذلك، وثنته عن رايه في معاقبته.
واتفق لابن مقله ما مشى به الأمور، انفاذه البريدى له- وكان بينهما موده- سفاتجا بثلاثمائة الف دينار، وغير ذلك من وجوه اخر.
وتغاير سواس هارون بن غريب على غلام امرد، فوقع الحرب بينهم، فاخذ نازوك سواس هارون وحبسهم، فسار اصحاب هارون الى مجلس الشرطه وضربوا خليفه نازوك، وأخذوا اصحابه فلم ينكر ذلك المقتدر فجمع نازوك رجاله وزحف الى دار هارون، فقتل من اصحابه قوما، ووقعت الحرب، فجاء ابن مقله ومفلح الأسود فاديا رساله إليهما عن المقتدر حتى كفا.
واقام مؤنس في داره مستوحشا، فأظهر ان ذلك لمرض في ساقه، وصار اليه هارون لابسا دراعه فاصطلحا.
واقام هارون ببستان النجمى، قاصدا للبعد من الفتن، فكتب اصحاب مؤنس
(11/257)

اليه وهو بالرقة، بان الأمر قد تم لهارون في امره الأمراء، فاسرع الى بغداد ولم ينحدر الى المقتدر وصعد اليه الأمير ابو العباس والوزير ابو على فسلما عليه.
وقدم عليه ابو الهيجاء من الجبل، وقلد احمد بن نصر الحجبة، وأخذ منه ستين الف دينار، وذلك في شهر رمضان، وصرف في ذي الحجه.
وقبض ابن مقله على ابى محمد بن عبد الله كاتب نصر، والزمه خمسين الف دينار.
(11/258)

سنه سبع عشره وثلاثمائة
في يوم السبت ثالث المحرم، خرج مؤنس الى باب الشماسيه، وخرج الجيش معه، وعبر اليه نازوك في اصحابه، وخرج اليه ابو الهيجاء وسائر القواد، ثم انتقلوا الى المصلى.
وشحن المقتدر داره بهارون بن غريب واحمد بن كيغلغ والحجريه والرجاله المصافيه فما كان آخر النهار حتى مضوا الى مؤنس.
وراسل مؤنس المقتدر ان الجيش عاتب بما يصير الى الخدم والحرم ودخولهم في الرأي، وهم يطالبون باخراجهم عن الدار، فأجابه المقتدر برقعة طويله فيها:
امتعنى الله بك ولا أخلاني منك، ولا أراني سوءا فيك، تاملت الحال التي خرج اولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا إليها وتمسكوا بها، وأقاموا عليها، فوجدتم لم يريدوا الا صيانة نفسي وولدى، واعزاز امرى وملكي، بارك الله عليهم، واحسن اليهم وأعانني على صالح ما انويه لهم واما أنت يا أبا الحسن المظفر- لا خلونا منك- فشيخى وكبيرى، ومن لا ازول ولا احول عن الميل اليه والتوفر عليه والتحقق به، اعترض ما بيننا هذا الحادث الم يعترض، وانتقض هذا الأمر الذى لحقنا او لم ينتقض، وأرجو الا تشك في ذلك ان صدفت نفسك وحاسبتها، وازلت الظنون السيئه عنها، ادام الله حراستها.
والذى ذكره أصحابنا من امر الحرم والخدم قول إذا تبينوه حق تبينه، وتصفحوه حق تصفحه، علموا انه قول جاف، والبغى فيه على غير مستتر ولا خاف ولا يثارى موافقتهم واتباعى مصلحتهم اجبتهم الى المتيسر في امر هذه الطبقة، واتقدم بقبض اقطاعاتهم وحظر تسويغاتهم، واخراج من يجوز اخراجه من دارى، ولا اطلق للباقين الدخول في تدبيرى ورأيي، واوعز بمكاتبه العمال في استيفاء حق بيت المال من
(11/259)

ضياعهم الصحيحه الملك، دون ما يقال انه قد لابسه الريب والشك، وانظر بنفسي في امر الخاصة والعامه وابلغ في انصافها والاحسان إليها الغاية.
واما أنتم، فمعظم نعمكم منى، وما كنت لأعود عليكم في شيء سمحت به ورايته في وقته، وأراه الان زهيدا، في جنب استحقاقكم، وانا بتثميره اولى وبتوفيره احرى.
اما نازوك، فلست ادرى لأي شيء عتب، ولا لأي حال استوحش واضطرب؟ فما غيرت له حالا، ولا حزت له مالا.
واما عبد الله بن حمدان، فالذي احفظه صرفه عن الدينور وتهيؤ اعادته إليها ان كان راغبا فيها، وما عندي له ولنازوك والعصاة كلها الا التجاوز والإبقاء وبعد هذا وقبله، فلي في أعناقكم بيعه قد وكدتموها على انفسكم دفعه بعد اخرى.
ومن بايعنى فإنما بايع الله سبحانه، ومن نكث فإنما نكث عهد الله، ولي عندكم أيضا نعم واياد وعندكم صنائع وعوارف، آمل ان تعترفوا بها وتلتزموها وتشكروها، فان راجعتم هذا الجميل، وتلقيتم هذا الخطب الجليل، وفرقتم جموعكم ومزقتموها وعدتم الى منازلكم واستوطنتموها، واقبلتم على شئونكم فلم تقصروا فيها كنتم بمنزله من لم يبرح من موضعه، ولم يأت بما يعود بتشعث محله وموقعه، وان ابيتم الا مكاشفه ومخالفه، فقد وليتكم ما توليتم، واغمدت سيفي عنكم، ولجات في نصرتي ومعونتى الى الله سبحانه، ولم اسلم الحق الذى جعله الله تعالى لي، واقتديت بعثمان بن عفان رضى الله عنه، حين لم يخرج من داره، ولم يسلم حقه لما خذله عامه ثقاته وانصاره، والله تعالى بصير بالعباد وللظالمين بالمرصاد.
ولما وقف مؤنس ونازوك وابو الهيجاء على الرقعة، طالبوه باخراج هارون، فاخرجه من يومه الى الثغور الشامية والجزرية.
وعاد مؤنس والجيش الى بغداد في يوم عاشوراء وزحفوا الى دار السلطان، فهرب المظفر بن ياقوت والخدم والحجاب وابن مقله
(11/260)

واخرج المقتدر والدته وخالته وحرمه ليلا الى دار مؤنس، ودخل حينئذ من قطربل الى بغداد مستترا.
واصعد نازوك بغلامه مؤنس الى دار ابن طاهر، ففتح له كافور الموكل بها، وسلم اليه محمد بن المعتضد بالله، واحرق في طريقه دار هارون وبويع محمد بالخلافة، بايعه مؤنس والقواد ولقب القاهر بالله.
واخرج مؤنس على بن عيسى من دار السلطان، فاطلقه الى منزله وقلد أبا على بن مقله وزارة القاهر.
وقلد نازوك الحجبة والشرطه.
واضاف الى اعمال ابى الهيجاء اعمالا كثيره.
ومضى بنى ابن نفيس، بعد ان وقع النهب في دار السلطان الى تربه السيده بالرصافة، فوجد لها هناك ستمائه الف دينار.
واشهد المقتدر على نفسه بالخلع القضاه وأخذ القاضى ابو عمر الكتاب، فلم يطلع عليه أحدا، فكان هذا من اقوى ذرائعه عند المقتدر، لما عاد الى الخلافه.
وسكن النهب عند ولايه القاهر، وجلس ابن مقله بين يديه، وكتب بخلافته الى الافاق.
وتقدم الى نازوك بقلع خيم الرجاله، والمنع للحجريه من دخول الدار فاضطربوا.
فلما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرم، بكر الناس الى دار الخلافه، لأنه يوم الموكب وحضر الخلق والعسكر باسره، وطالبوا بالرزق والبيعه ولم ينحدر مؤنس يومئذ.
وهجمت الرجاله تريد الصحن التسعينى، وكان نازوك نهى اصحابه عن معارضتهم، إشفاقا من الفتنة، فقاربوا القاهر بالسلاح، وكان جالسا في الرواق، بين يديه ابن مقله ونازوك وابو الهيجاء، فانفذ بنازوك ليردهم وهو مخمور قد شرب ليلته، فقصدوه بالسلاح، فهرب منهم، فطمعوا فيه، وانتهى به الهرب الى باب كان
(11/261)

قد سده خوفا من الدخول منه فكانت منيته عنده، فقتلوه وصاحوا مقتدر يا منصور.
فهرب كل من في الدار، وصلبوا نازوك وعجيبا الخادم على خشب الستارة، وبادر الخدم الى أبواب الدار فغلقوها، لانهم خدم المقتدر وصنائعه.
وبادر ابو الهيجاء الخروج، فصاح القاهر به: تسلمني يا أبا الهيجاء! فأخذته الحمية فقال: لا والله لا اسلمك وعاد ابو الهيجاء ويده في يد القاهر الى دار السلام، وقصد الروشن فوجد الرجاله منتظمين، فنزل ابو الهيجاء معه وقال له: وتربه حمدان لا فارقتك يا مولاى او اقتل دونك! ومضى ابو الهيجاء الى الفردوس ونزع سواده ومنطقته واعطى ذلك غلامه، وأخذ جبه صوف مصريه عليه، وركب دابه غلامه، ومضى الى باب النوبى، فوجد الجيش وراءه وهو مغلق، فعاد الى القاهر، وقال: هذا امر من السماء، قد حمل راس نازوك الى هناك.
ودخلا من حيث خرجا، وأتيا دار الأترجة، وتأخر عنهما فائق وجه القصعة، واشار على الخدم بقتل ابى الهيجاء، وذكرهم عداوته للمقتدر، فاتوه بقسي ودبابيس فجرد سيفه ونزع جبته، وحمل عليهم فاجفلوا منه ورموه ضرورة، ورماه احد الحجريه بنشابه وهو ينادى: يال تغلب! القتل بين الحيطان اين الكميت بن الدهماء! فرماه خمار جونه بسهمين: أحدهما نظم فخذيه والآخر مال بترقوته، فانتزع السهام ومضى الى بيت فسقط فيه قبل ان يصل اليه.
فبادره اسود، فضرب يده فقطعها، وأخذ سيفه، وغشيه اسود آخر فحز راسه.
وامتنع المقتدر، وهو بدار ابن طاهر، من المضى الى دار السلطان، وخاف ان تكون حيله عليه، فحملوه على رقابهم الى الطيار.
فلما حصل في دار الخلافه سال عن ابى الهيجاء، فقيل له: هو في الأترجة، فكتب له أمانا بخطه، وقال لبعض الخدم: ويلك بادر به لا تنم عليه امره.
فلما حصل الخادم في الطريق، تلقاه خادم آخر برأسه، فعاد الى المقتدر فعزاه
(11/262)

عنه، فظهرت كابته وقال: ويلك من قتله؟ فغمزه مفلح الأسود، فقال: لا ادرى فكرر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وظهر من حزنه عليه امر عظيم.
وكان ابو الهيجاء في الشجاعة بمنزله كبيره، حكت عنه احدى حظاياه، انه كان يواقعها في سفر، فجاء السبع الى باب مضربه، فجرد سيفه وحمل عليه، وأتاها برأسه، وعاد الى الحال التي كان عليها، لم تفتر شهوته ولم تكل آلته.
واتى المقتدر بالقاهر، واستدناه، وقبل جبينه، والقاهر يقول: نفسي نفسي يا امير المؤمنين، فقال له: لا ذنب لك لأنك اكرهت، وحق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا جرى عليك سوء منى ابدا، فاطمان.
وشهر ببغداد راس نازوك وابى الهيجاء، ونودى عليهما: هذا جزاء من كفر نعمه مولاه.
وعاد ابن مقله الى الوزارة، وكتب باعاده الخلافه الى المقتدر وحكى ان بدر بن الهيثم القاضى، ركب للتهنئه ورجوع الخلافه الى المقتدر بالله، وقال لابن مقله: بين ركبتي هذه وركبه ركبتها مائه سنه، لأنني ركبت للتعزية بوفاه المأمون سنه سبع عشره ومائتين مع ابى، وقد ركبت اليوم للتهنئه بعود المقتدر سنه سبع عشره وثلاثمائة، وتوفى بدر بعد ايام سنه مائه واثنتى عشره سنه.
وجددت البيعه على الناس، فاطلق للفرسان زياده ثلاثة دنانير في الشهر، وللرجال زياده دينار ونفدت الأموال في عطياتهم حتى بيعت الآلات والكسوة.
واشهد المقتدر بالله على نفسه، بتوكيل على بن العباس النوبختى في بيع الضياع.
وحضر على بن عيسى فقام اليه ابن مقله، وشاهد البيع، فانتهى الى بيع ضياع جبريل والد بختيشوع، وقد بيعت بثمن نزر، فقال: لا اله الا الله! حدثنى شيخنا القاسم عيسى بن داود- يعنى أباه- ان المتوكل رحمه الله، لما غضب على بختيشوع انفذ لإحصاء ما في داره، فوجد في خزانه كسوته رقعه فيها ثمن ضياعه، مبلغ ذلك بضعه عشر آلاف الف درهم.
وخلع المقتدر على ابن مقله وكناه وقلد أبا عمر قضاء القضاه، وكتب عهده.
واوقع في هذه السنه القرمطى بالحجيج في المسجد الحرام، وقتل امير مكة، وقلع الحجر الأسود، وسلب البيت، واصعد رجلا من اصحابه ليقلع الميزاب، فتردى فهلك،
(11/263)

وطرح القتلى بزمزم، والقى من بقي في المسجد، وأخذ الأموال وحمل الحجر الى بلده.
قال المقتدر: قال لي عقيل بن عصام العقيلي بقرية ابروذه من الدجيل:
حدثنى ابى: انه راى أبا طاهر وبين يديه خمسون يضربون الرقاب، فقتل من الحجيج نحو عشره آلاف وهو يقول:
ولو كان هذا البيت بيتا لربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبا
وانا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا نبغى سوى كسبها ربا
لعنه الله واتباعه لعنا وبيلا! واتى اهل مكة على من عندهم من الحاج، فقتلوهم وسلبوهم.
وقلد ابنا رائق شرطه بغداد، مكان نازوك.
وورد ياقوت من فارس، فخلع المقتدر عليه، وعلى ابنه المظفر، وولى مكانه نجحا الطولونى بفارس وكرمان وعزل ياقوت، وجعل الاشراف بها لابن ابى مسلم.
وانحدر بعد ذلك مؤنس الى المقتدر، فخلع عليه ونادمه، وساله في أم موسى الهاشمية، وفي أم دستنبويه، فأجيب ووصلت بسبعه آلاف دينار.
ورتب على بن عيسى في المظالم، وجعلت الدواوين اليه.
وفيها فتح هارون بن غريب شهرزور، وطالبهم بخراج عشرين سنه عصوا فيها، وصالحوه على سبعه وثلاثين الف دينار ومائتي الف درهم.
وفيها رتب الحجريه على بن مقله، وضربوه بالدبابيس فافلت منهم.
وفيها ملك اصحاب ما كان الديلمى قاسان.
(11/264)

سنه ثماني عشره وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
زاد امر الرجاله وكثر تسحبهم وادلالهم، بأنهم كانوا السبب في عود المقتدر الى داره.
وطالب الفرسان بالمال، فاحتج عليهم السلطان، بانه يصرف الى الرجاله في كل شهر مائه وثلاثين الف دينار.
وركبت الفرسان مع محمد بن ياقوت، فطردوهم واوقع بالسودان بباب عمار، وحرق دورهم، فهربت الرجاله الى واسط، ورئيسهم. نصر الساجي، فغلبوا عليها فانحدر مؤنس فاوقع بهم، فلم ترتفع لهم رايه بعد ذلك.
وكان بين محمد بن ياقوت ومؤنس تباعد، فلممايله مؤنس ابن مقله، عاداه بالانضمام اليه، وقبض على الوزير سليمان بن الحسن، حين عرفت اضاقته، وكثرت المطالبات له، فكانت مده وزارته سنه وشهرين
. وزارة ابى القاسم عبد الله بن محمد الكلواذى
كانت في يوم الاثنين سابع رجب، واقرضه ابن قرابه مائتي الف دينار بربح درهم في كل دينار.
وملك مزداويج الجبل باسره الى حلوان.
وانهزم هارون بن غريب الى دير العاقول.
واستامن يشكرى الديلمى الى هارون، وهو من اصحاب اسفار، وانهزم بانهزامه وصادر يشكرى اهل نهاوند في اسبوع، على ثلاثة آلاف الف درهم، وانبثت
(11/265)

الاخبار، وصادر اهل الكرج وملك أصبهان، وكان بها احمد بن كيغلغ، فخرج هاربا في ثلاثين نفسا.
فكان لأحمد من الاتفاق العجيب ان يشكرى تبعه الى قريه، فعاون أهلها احمد وتقارب احمد ويشكرى، فضربه احمد ضربه قدت مغفره وخوذته، ونزلت في راسه فقتلته، وانهزم اصحابه، وسن احمد يومئذ سبعون سنه.
وركب الكلوذانى في طيارة، فرجمه قوم من الجند، طلبوا أرزاقهم، فجعل ذلك سببا لاغلاق بابه، وولى بعده الحسين بن القاسم الكرخي
. وزارة الكرخي
كان ببغداد رجل يعرف بالدانيالى، يظهر كتبا عتيقه، وينسبها الى دانيال النبي عليه السلام، ويودع تلك الكتب أسماء قوم وحلاهم، فاستوى جاهه، وقامت سوقه بين اهل الدولة وعند القاضى ابى عمر وابنه.
وذكر لمفلح الأسود، انه من ولد جعفر بن ابى طالب، فنفق بذلك عليه، وأخذ منه مالا كثيرا، واشار عليه ابن زنجى باثبات صفه الحسين بن القاسم، وذكر الجدري الذى في وجهه والعلامات التي في شفته العليا، فكتب ذلك، وانه ان وزر للثامن عشر من ولد العباس استقامت أموره، فعمل دفترا، وذكر ذلك في تضاعيفه وعتقه في التبن، وجعله تحت خفه ومشى عليه حتى اصفر وعتق.
قال ابن زنجى: فلولا معرفتي من عمله له لم اشك في انه قديم وحمله الى مفلح فعرضه على المقتدر، فقال له: اتعرف هذه الصفة لمن؟ قال: لا اعرفها الا للحسين بن القاسم، قال: فاستدعاه وشاوره.
قال ابن زنجى: ثم ان الدانيالى طالبنى بالمكافاه، فقلت: حتى يتم الأمر.
فلما ولى الحسين الوزارة، ولاه الحسبه، واجرى له مائتي دينار في الشهر
(11/266)

وسعى له بليق في الوزارة، وتقلدها يوم الجمعه لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فتشاغل عن الجلوس بالتهنئة بجمع الأموال التي يحتاج إليها في نفقه العيد، وصار اليه على بن عيسى وهناه.
وكانت دمنه تعنى بأمر الحسين، فكانت توصل رقاعه، وكانت حظيه عند المقتدر فكان يخدمها ويخدم ابنها الأمير أبا احمد إسحاق في كل يوم بمائه دينار.
واختص به بنو البريدى وابو بكر بن قرابه، واقرضه اموالا بربح درهم في الدينار.
واختص به جعفر بن ورقاء، فقلد أبا عبد الله محمد بن خلف النيرمانى اعمال الحرب والخراج والضياع بحلوان، وغيرها من ماء الكوفه، ولبس القباء والسيف والمنطقه وتسمى بالاماره وسئل في اخراج على بن عيسى الى مصر، فدافع عنه مؤنس وقال: انه شيخ نرجع الى رايه حتى احدره الى الصافية.
وابتدأ مؤنس في الاستيحاش وبلغ الحسين ان مؤنسا على كبسه ليلا، فكان ينتقل في كل ليله الى مكان، خوفا منه وراسل مؤنس المقتدر في صرف الحسين عن الوزارة فأجابه.
وسعى الحسين بمؤنس وقال للمقتدر: انه قد عزم على ان يخرج الأمير أبا العباس الى الشام ويقرر له الخلافه.
وكتب الحسين الى هارون بن غريب، وهو بدير العاقول، يأمره بالمبادره الى الحضره فاستوحش مؤنس، واظهر الغضب وسار في اصحابه الى الموصل.
وجاء بشرى خادم شفيع برسالة الى المقتدر، فشتمه الحسين وشتم صاحبه، وضربه بالمقارع، وأخذ خطه بثلاثمائة الف دينار.
ووقع الحسين بقبض املاك مؤنس وضياع أسبابه، وافرد له ديوانا سماه ديوان المخالفين.
وزاد مخل الحسين من المقتدر، فكان ينفذ له الطعام من بين يديه، ولقبه عميد الدولة، وامر بذكر لقبه على الدنانير.
وقلد أبا يوسف محمد بن يعقوب البريدى البصره، والقيام بنفقتها فتقدم الى
(11/267)

الكتاب، باخراج خراج البصره، فاخرجوه من صلاه الفجر الى عتمه يومه، واحضر البريدى ووافقه على ذلك، وأخذ خطه بالقيام بمال الأولياء بالبصرة، وان يرتب لحفظ السور زياده على من عليه الف رجل، وان يحمل بعد النفقات سبعين الف دينار، وحمل الخط الى الوزير متبجحا به، فلم يقع من الوزير بموقع، وظن انه وبخه بذلك.
وعرف المقتدر فوقع موقعه عنده، وغلظ على الحسين، فخافه الفضل بن جعفر، فاستتر منه عند ابن قرابه، فقلد الحسين الديوان أبا القاسم الكلواذى.
وجد ابو الفتح في طلب الوزارة، وصودر ابن مقله عند بعد مؤنس عن مائتي الف دينار.
واراد الحسين مصادره على بن عيسى، وهو بالصافية مقيم، فمنع منه هارون بن غريب وكان بدير العاقول.
ووصل هارون الى دار السلطان، فلقى المقتدر وساله في ابن مقله، فحط عنه خمسين الف دينار، فانصرف الى داره، فقصده الوزير وابنا رائق ومحمد بن ياقوت ومفلح وشفيع.
وأخذ ابن مقله في استماحه الناس، ففضل له عن الذى صودر عليه عشرون الف دينار فابتاع بها ضياعا وقفها على الطالبيين وكان اتباعها باسم عبد الله بن على المقرئ.
وقبض المقتدر على ابى احمد بن المكتفي، ومحمد بن المعتضد، فاعتمدت السيده مراعاه محمد، واهدت اليه الجوارى وراعته في نفقته، واعتقلا بدار السلطان واشتدت الإضافة بالحسين فباع ضياعا بخمسمائة الف دينار، واستسلف من مال سنه عشرين وثلاثمائة قبل افتتاحها، فاخبر هارون حاله للمقتدر، فكتب للخصيبى أمانا فظهر فخوطب بالوزارة، فذكر ان الحسين استسلف من مال سنه عشرين قطعه وافرة، وانه لا يغر السلطان من نفسه، فولاه ديوان الازمه، واجرى له ولكتابه الف دينار وسبعمائة دينار في كل شهر، واقر الحسين على الوزارة وخلع عليه، ليزول الارجاف عنه
(11/268)

واجتمع الحسين والخصيبى، فاخذ الحسين يعانده والخصيبى ممسك، فلما بلغ ذلك المقتدر انحل امر الحسين عنده فقبض عليه، فكانت وزارته سبعه اشهر
. وزارة ابى الفتح الفضل بن جعفر
وخلع عليه لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر.
وصادر الحسين في نوب، أخذ منه في إحداها اربعين الف دينار، ثم ابعده الى البصره واقام له في كل شهر خمسه آلاف درهم.
وانفذ مزداويج رسولا يسال ان يقاطع عن الاعمال التي غلب عليها من اعمال المشرق، فأجيب، وتكفل هارون بن غريب بامره، وكتب له العهد وانفذ اليه اللواء والخلع، ومشى الوزير ابو الفتح الأمور بمائه الف دينار الزمت للبريدى ونفى ابن مقله الى شيراز.
ومات ابو عمر القاضى، فاغرى ابو بكر بن قرابه بورثته، وقال للمقتدر: هاهنا من يعطى مائه الف دينار لقضاء القضاه! ويوفر هذا المال من جهته.
وانفذ المقتدر بكتاب الى ابى الحسين القاضى معه، وعرفه الحال، فاتوه وهو في العزاء، وأمسكوا، فقال ابن قرابه: ما لهذا حضرنا، قم معنا حتى نخلو، فنهض واستوفى عليه ابن قرابه الخطاب، فقال ابو الحسين: ان نعمنا من امير المؤمنين، واساله ان يمهلنا يومه، حتى يحصل امره.
فلما كان بالعشي، وكان شهر رمضان، مضى الى دار ابن قرابه، فدخل والمائدة بين يديه، وعنده البريديون، فأكل قاصدا لاستكفاء شره، وقال: قد جئتك مستسلما إليك فدبرنى بما ترى.
وقرب منه البريديون، وقالوا متوجعين: له عندنا ثلاثة آلاف دينار نعينك بها، واستصوبوا قصده لابن قرابه، فقال له ابن قرابه: امض مصاحبا، وتعطف عليه المقتدر بالله، وعاونه البريديون واخوانه فقلده قضاء القضاه.
ووصف المقتدر لابن قرابه ما هو فيه من الإضافة، فقال له: لم لا يعاونك ابن خالك هارون بن غريب وعنده آزاج مملوءة دنانير؟ فقال هارون: لو كنت املك
(11/269)

شيئا لما بخلت به عن امير المؤمنين، لان سلامتي معقودة بسلامته، ولكن مع ابن قرابه من المال ما لا يحتاج اليه، وانا استخرج لك منه خمسمائة الف دينار، فقال:
اذهب فتسلمه، فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما اشفى به على التلف، حتى قتل المقتدر بالله فخلص.
وحكى ابن سنان: ان ابن قرابه كان صديقا لأبيه، فدخل عليه بعد ما صودر فقال له: خلطت حتى صودرت، وقد حصل لي الان ما يرتفع منه عشرون الف دينار في السنه خالصه لي، ولي من الاملاك ما ليس لأحد مثله ومن الآلات والفرش والمخروط والصيني والجوهر ما ليس لأحد، وكذلك من الرقيق والخدم والغلمان والكراع، ومعى ثلاثمائة الف دينار صامت، لا احتاج إليها، وبيني وبين ابن مقله موده، وهو مقدم من فارس وزيرا، فهل ترى لي ترك التخليط ولزوم رب النعمه وإصلاحها! فقال له ابن سنان: ما رايت اعجب من امرك، انما يسال عن الأمر الخفى، واما عن الواضح الجلى فكلا، وبعد فان اعقبك فائده واثمرك صلاحا، فلازمه، والا فكف عنه وأيضا فان الإنسان يكد ليحصل له بعض ما حصل لك وقد أتاك هذا وادعا فاشكر الله وتمتع بنعمتك التي انعم الله سبحانه بها عليك، فقال:
صدقت ونصحت، ولكن لي نفس مشئومه لا تصبر، وساعود الى ما كنت فيه.
فلما خرج سنان من عنده، قال: لا يموت ابن قرابه الا فقيرا او مقتولا.
ولما ورد مؤنس، وكان هارون بن غريب قد وكل به غلمانه وقيده، وامرهم باخراجه الى واسط، فقتل المقتدر بالله رحمه الله في ذلك اليوم، فهرب الموكلون به وبقي معه خادمان وكان ابن قرابه اشتراهما لهارون، فتعطفا عليه وصارا به الى الفرضه، وادخلاه مسجدا بها واحضرا حدادا، فكسر قيوده ومشى الى منزله بسويقه
(11/270)

غالب، ووهبا له خمسمائة دينار.
ثم اداه التخليط الى ان قبض عليه القاهر، فأزال نعمته وقبض املاكه وهدمت داره، واراد قتله فزال امر القاهر فعاد الى تخليطه.
ومضى الى البريديين لما خالفوا السلطان.
ومضى الى معز الدولة من نهر ديالى، وصودر حتى لم يبق له بقية، واضطر الى ان خدم ناصر الدولة، في كل شهر بمائه دينار، وكان ينفق أمثالها ومات بالموصل.
وفي ذي الحجه من هذه السنه، عقد المقتدر لأبي العلاء سعيد بن حمدان على الموصل وديار ربيعه.
وفي هذه السنه توفى ابو القاسم البلخى المتكلم صاحب المقالات والتفسير ببلخ.
وفي سنه عشرين وثلاثمائة كاتب الحسين بن القاسم داود وسعيدا ابنى حمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربه مؤنس، فامتنع داود من لقاء مؤنس، لأنه لم يزل محسنا اليه، فما زال به اهله حتى لقيه وقال: هذه تغسل ما فعله الحسين بن حمدان وابو الهيجاء، فكان يقول: والله انى اخاف ان يجيء سهم نجار فيقع في حلقى فيقتلني، فكان حاله كذلك، قتل وحده بسهم.
وكان بنو حمدان في ثلاثين ألفا، ومؤنس في ثمانمائه رجل فانهزموا، وتعجب مؤنس من محاربه داود له، وكان يقول: يا قوم في حجري ختن، ولي عليه من الحقوق ما ليس لأبيه.
وملك مؤنس اموال بنى حمدان، واستولى على الموصل، وكثر خروج الناس اليه ولما اقام بها تسعه اشهر، حمله من خرج اليه على الانحدار الى الحضره، وبلغ الجند بها انحداره، فشغبوا وطالبوا بأرزاقهم، فاطلق لهم المقتدر ذلك، واخرج مضرب الدم الى باب الشماسيه.
وتراجعت طلائع المقتدر، وبها سعيد بن حمدان ومحمد بن ياقوت ومؤنس الورقانى واجتهد المقتدر بهارون ان يخرج للحرب
(11/271)

وجاء محمد بن ياقوت، والوزير الفضل بن جعفر الى المقتدر ومعهما ابن رائق ومفلح، وقالوا: ان الرجال لا تقاتل الا بالمال، وسألوه في مائتي الف دينار من جهته وجهة والدته، فقال: ليس الى ذلك وجه، وتقدم بإصلاح الشذاءات والطيارات لينحدر هو وحرمه الى واسط، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله يا امير المؤمنين ولا تسلم بغداد بغير حرب، وان رجال مؤنس ان رأوك أحجموا عن القتال، فقال له: أنت والله رسول ابليس.
وركب المقتدر، ومعه هارون بن غريب، ومحمد بن ياقوت، وسائر القواد، وعليه البرده وبيده القضيب، وبين يديه ابنه الأمير ابو على، والانصار حافون به، معهم المصاحف منشوره، والقراء يقرءون القرآن، وكثر الدعاء له، واصعد الى الشماسيه، ووقف على موضع عال.
واشتبكت الحرب، ومؤنس بالراشديه لم يحضرها، وثبت هارون ومحمد، وصار ابو العلاء سعيد بن حمدان برسالتهما الى المقتدر يسألانه الحضور، ليشاهده اصحاب مؤنس فيستامنوا فلم يجبه.
وتتابعت رسلهما، حتى كان آخرهم محمد بن احمد القراريطى، كاتب هارون، وهو لا يجيبهم، ووقف على ظهر دابته، ووراءه الوزير ابو الفتح ومفلح وخواص غلمانه، فلما ألحوا عليه وقالوا: ان الغلمان يؤثرون رؤية امير المؤمنين.
فمضى حينئذ كارها المضى، ومعه مفلح، وتخلف عنه الوزير، فلما قارب دجلة، انهزم اصحابه قبل وصولهم، واستأسر احمد بن كيغلغ وجماعه القواد، وآخر من ثبت محمد بن ياقوت.
ولقى المقتدر على بن بليق، فترجل له وقبل الارض بين يديه، ووافى البربر من اصحاب مؤنس، فأحاطوا بالمقتدر، وضربه رجل منهم ضربه فسقط منها، فقال:
ويحكم! انى الخليفة! فقالوا: فلك نطلب، واضجعوه وذبحه احدهم بالسيف، وطرح احد اصحابه نفسه عليه فذبح أيضا، ورفع راسه على خشبة، وسلب ثيابه،
(11/272)

حتى مر به اكار، فستره بحشيش، وحفر له ودفنه وعفى اثره.
ونزل على بن بليق وأبوه في المضارب، وانفذ الى دار السلطان من يحفظها.
وانحدر مؤنس الى الشماسيه فبات بها.
ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وهارون ومحمد وابناه رائق على ظهر خيولهم الى الميدان.
وكان ما فعله مؤنس من ضرب وجه المقتدر بالسيف سببا لجراه الأعداء على الخلفاء.
وكانت مده وزارة ابى الفتح لأمير المؤمنين المقتدر بالله رحمه الله خمسه اشهر وعشرين يوما.
ولما حمل راس المقتدر الى مؤنس بكى، وقال: والله لنقتلن كلنا، والصواب ان نرتب مكانه ابنه أبا العباس، فتسخو نفس جدته السيده باخراج المال.
فثنى رأيهم ابو يعقوب إسحاق بن يعقوب النوبختى وقال: الصواب ان تولوا القاهر محمد بن المعتضد بالله، مقدرا استقامه امره معه، فكان الأمر على خلاف ما حسب

خلافه القاهر بالله ابو منصور بن المعتضد
كانت سنه وسته اشهر وخمسه ايام.
أمه تسمى قبول، وسبب خلافته، انه حمل الى مؤنس محمد بن المكتفي بالله، فخاطبه في تولى الخلافه فامتنع وقال: عمى أحق بالأمر، فخاطب عمه القاهر، فأجاب وحلف لمؤنس والقواد وبايعوه، وبايعه القضاه، وذلك سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال.
واشار مؤنس ان يستوزر له على بن عيسى، فقال بليق: وابنه على الحال الحاضره لا يقتضى ذلك، لأنها تحتاج الى سمح الكف واسع الأخلاق فاشار بابى على بن مقله وبان يستخلف له الى ان يقدم من فارس ابو القاسم الكلواذى فرضى
(11/273)

مؤنس بذلك، واستخلفوا له الكلواذى، وكتبوا الى ياقوت بحمله عاجلا.
وانحدر القاهر الى دار الخلافه، واستدعى مؤنس على بن عيسى من الصافية، فاوصله الى القاهر، فخاطبه بكل جميل.
وكانت والده المقتدر في عله عظيمه من فساد مزاج واستسقاء ولما وقفت على حال ابنها امتنعت من الاكل حتى كادت تتلف، فرفق بها حتى اغتذت بيسير من خبز وملح فاحضرها القاهر وقررها بالمال، باللين تاره وبالخشونه اخرى، فقالت: لو كان عندي مال ما اسلمت ولدى للقتل وتجرعت بفراقه الثكل، وما لي غير صناديق فيها صياغات وثياب وطيب.
فعلقها في حبل البراده بفرد رجلها، وتناولها بالضرب بيده في المواضع الغامضه من بدنها، ولم يذكر إحسانها اليه وقت اعتقال المقتدر اياه، وضربها اكثر من مائه مقرعه.
ولما اوقع المكروه بها، لم يجد زياده على ما اعترفت به طوعا، وأخذ ما وجد لها فإذا هي صناديق فيها ما قيمته مائه الف وثلاثون الف دينار وتماثيل كافور قيمتها ثلاثمائة الف درهم.
فرفع ذلك الى الكلواذى وبليق وامرهما بحمله الى مؤنس، ليصرف في مال البيعه.
وصودر جميع اسباب المقتدر.
وصادر الفضل بن جعفر على عشرين الف دينار، فقال مؤنس: انا أؤديها عنه.
وحل القاهر ما وقفته السيده على الحرمين والثغور، واشترى ذلك اصحاب مؤنس.
بخمسمائة الف دينار
. وزارة ابن مقله
وقدم ابن مقله من شيراز يوم النحر، واختار لنفسه لقاء القاهر ليلا بطالع الجدى، وقال: فيه احد السعدين، وخلع عليه من الغد خلع الوزارة
(11/274)

وصار الى دار مؤنس المظفر، فسلم عليه وانصرف الى داره.
وحضر الناس للتهنئه، وأتاه على بن عيسى، فلم يقم له، فاستقبح الناس فعله، وصار اليه ابن قرابه وعاود تخليطه.
وظهرت دمنه والده الأمير إسحاق بأمان كتبه القاهر لها، وبذلت عن ولدها عشرين الف دينار، ووجد اولاد المقتدر في دار على بن بليق.
وظهر شفيع المقتدرى بأمان، وقرر عليه خمسون الف دينار، وكان مملوكا لمؤنس، فحلف ان لا بد من بيعه، فنودي عليه، فبلغ ثمنه سبعين دينارا، فابتاعه الكلواذى باسم القاهر وشهد الشهود في العهد.
(11/275)

سنه احدى وعشرين وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
قبض ابن مقله على جماعه من العمال، منهم النوبختى إسحاق بن اسماعيل، وعلى الكلواذى، وعتب عليه انه لم يراع اهله وقت غيبته، وأخذ خطه بمائتي الف دينار، وسلمه الى ابى بكر بن قرابه.
وقبض على بنى البريدى، وضمن اعمالهم محمد بن خلف النيرمانى بزيادة ثلاثمائة الف دينار، وضمن له ابن قرابه ان يصادرهم على ستمائه الف دينار.
ولم يزل ابو عبد الله البريدى يدارى محمد بن خلف، ويعرفه انه يعمل بين يديه فرفهه من بين اخوته وتوصل ابو عبد الله حتى ضمنه ابن قرابه واطلق.
ومضى البريدى الى ابن مقله وقال: عرفت من ابن خلف انه يطلب الوزارة، فانفذ خدمه وحجابه للقبض عليه، فهزمهم محمد بن خلف، وحصلهم في بيت، واقفل عليهم بابه، وتسور السطوح وهرب، فلم يظهر الا بعد عزل ابن مقله.
ومضى البريدى الى الاهواز بتوسط ابن قرابه حاله.
وكان ابن مقله يعادى أبا الخطاب بن ابى العباس بن الفرات، فلم يجد للقبض عليه طريقا، لأنه ترك التصرف منذ عشرين سنه، ولزم منزله وقنع بدخول ضيعته.
وكان ابن مقله استسعفه ايام نكبته، فاعتذر بالإضافة ولم يسعفه، فأظهر ابو الخطاب اولاده ودعا اولاد ابن مقله، فعادوا الى ابيهم واخبروه بزينته فتركه.
حتى قصده للسلام، فقبض عليه وطالبه بثلاثمائة الف دينار، فقال: بم يحتج على الوزير وقد تركت التصرف من عشرين سنه؟ وفي حال تصرفى كنت الزم الصحة، ولي على الوزير حقوق، مثله لا ينساها، ولولا تهجينه لي لقد كنت اظهر خطوطا له عندي قبل هذه الحال، وما اريد من رعايتها الا السلامة، وان كان يعتقد اننى ورثت من ابى مالا فاننا كنا جماعه اولاد، ولو كان شيء لتقاسمناه
(11/276)

فقال ابن مقله للخصيبى: عاقبه، فعوقب، فلم يذعن، فقال: اضربوا عنقه، فقال للسياف: وجهني الى القبله، وأخذ يتشهد.
فقال مؤنس وقد بلغه الخبر: اى طريق لك على رجل لم يعمل منذ سنه تسع وتسعين ومائتين، وتوسط امره على عشره آلاف دينار، وصرفه الى منزله.
وتوسط ابن شيرزاد حال هارون بن غريب، على مصادره بثلاثمائة الف دينار، وعنى به مؤنس المظفر، فقبلت مصادرته وقلد اعمال ماه الكوفه وماسبذان.
وكان هارون بواسط، ففارقه عبد الواحد بن المقتدر ومحمد بن ياقوت وأبناء رائق وسرور ومفلح، وقصدوا السوس، واخرجوا البلاد في طريقهم، وأقاموا بسوق الاهواز، فنفذ لحربهم بليق.
وانحدر بدر الخرشنى في الماء وكوتب احمد بن نصر القشورى، وهو يتقلد البصره فلما تحصلت الجيوش بواسط، تغير اصحاب ابن ياقوت عليه، وصاحب البريدى بليق، وضمن تستر عسكره، وعمل بالاهواز كل عظيم من المصادرات، وأخذ الأمتعة واتى بعده البريدى فعمل كعمله.
وقال ابو عبد الله البريدى: لما رايت انحلال امر بليق هممت بالتغلب، وصار بين محمد بن ياقوت وبليق نهر، فحلف بليق لمحمد بالا يناله من جهته سوء إذا عبر اليه، فعبر اليه محمد، في غلام واحد، وانفرد وحلف كل واحد منهما لصاحبه، فاصطلحا على ان يسيرا الى الحضره ويكون بينهما منزل.
واشار البريدى على ابن الطبرى كاتب بليق، بان يخاطب استاذه في القبض على محمد فلما خاطبه، قال: ما كنت لاخفر أمانتي.
وخلف بليق بتستر البريدى، فعمل بها كل قبيح.
ورحل ابن ياقوت، وتبعه بليق الى مدينه السلام، فلما دخل بليق خلع القاهر عليه وطوقه وسوره، واطلق املاك ابن رائق ومحمد بن ياقوت ومفلح وسرور.
دون اقطاعاتهم
(11/277)

وبيعت دار الوزارة بالمخرم، وكانت قديما لسليمان بن وهب، وذرعها اكثر من ثلاثمائة الف ذراع، وقطعت وصرف ثمنها في مال البيعه للقاهر بالله.
وورد الخبر من مصر بموت تكين الخاصة.
واشار ابن مقله بانفاذ على بن عيسى، فجاءه ليلا واستشفع الى كرمه به، وعرفه كبر سنه، فأعفاه عن الشخوص لما تذلل له، وهم بتقبيل يده، فمنعه من ذلك.
وورد كتاب محمد بن تكين، يخطب مكان ابيه، فأجيب اليه، فشغب الجند عليه بمصر وهزموه.
وانحرف ابن مقله عن محمد بن ياقوت، ومكن في قلب مؤنس المظفر وبليق وعلى ابنه انه في تدبير عليهم مع القاهر عليهم وان رسوله في ذلك عيسى الطبيب.
فوجه مؤنس بعلى بن بليق الى دار الخلافه، وهجم غلمانه على عيسى الطبيب، فاخذوه من بين يدي القاهر، ونفاه مؤنس من وقته الى الموصل.
واستتر محمد بن ياقوت، ووكل مؤنس بدار القاهر، وامر بتفتيش كل من يدخل إليها، حتى فتش لبنا مع احدى الجوارى وخاف ان تكون فيه رقعه.
وأخذ المحبوسين فيها، وسلم والده المقتدر الى والده على بن بليق، فاقامت عندها مرهفه عشره ايام، وماتت بعد ذلك وحملت الى التربة بالرصافة فدفنت بها.
وباع ابن مقله الضياع والاملاك السلطانيه، لتمام مال البيعه بألفي الف وأربعمائة الف دينار.
وتقدم بالقبض على البر بهارى ورئيس الحنابله، فهرب، وقبض على جماعه من كبار اصحابه، ونفاهم الى البصره.
قال بعض اهل العلم: خرجنا في يوم مطير، مع جنازة ابى هاشم عبد السلام ابن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، الى باب البستان، فإذا نحن بجنازة معها جماعه فقلت: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة ابى بكر بن دريد، فبكينا على الكلام والأدب وذلك في سنه احدى وعشرين وثلاثمائة
(11/278)

فاما ابو هاشم فبينه وبين ابى بكر بن دريد اثنا عشر سنه، وله الكتب المشهوره في الكلام وفي الرد على ابن الراوندي والملحده.
قال الخطيب: ساله بعض اصحابه عن مساله فأجابه، فقال: يا أبا هاشم الصاحى بموضع رجلي السكران اعرف من السكران بموضع رجلي نفسه، يعنى ان العالم اعلم بمقدار ما يحسنه الجاهل من الجاهل بقدر ما يحسن.
واما ابو بكر بن دريد، فهو صاحب كتاب الجمهرة، وهو اشعر العلماء.
ومن شعره المقصورة، نقلت من خط التميمى له:
اعاد من اجلك من ضنى ... وسائر العواد اشراكى
ولست اشكوك الى عائد ... اخاف ان اشكو الى شاكى
وله:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنه المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
ومن شعره:
كل يوم يروعني بالتجنى ... من أراه مكان روحي منى
مشبه للهلال والظبى والغصن ... بوجه ومقله وتثنى
جمع الله شهوة الخلق فيه ... فهو في الحسن غاية المتمنى
امن العدل ان ارق ويجفونى ... واشتاقه ويصير عنى
وفي هذه السنه، تم تدبير القاهر على مؤنس، وانعكس ما دبره مع ابن مقله من القبض على القاهر، وذلك انه لما عومل بما ذكرناه، وضيق عليه التضييق الذى شرحناه راسل الساجيه وضربهم على مؤنس وبليق، وضمن لهم الضمانات الكثيره.
وكانت اختيار قهرمانه القاهر، تخرج من الدار، وتتوصل الى ان تمضى ليلا الى ابى جعفر محمد بن القيم بن عبيد الله وتشاوره في امور القاهر
(11/279)

وعزم ابن مقله وبليق وابو الحسن بن هارون على خلع القاهر، وتوليه ابى احمد بن المكتفي بالله، فاشار عليهم مؤنس بالتمهل، وامرهم بالتلبث الى ان ينبسط القاهر، ثم يقبضون عليه، فاتفق لبليق ان خادمه صدمه في الميدان صدمه اعتل فيها.
وبادر ابن مقله بمكاتبه القاهر، يعلمه ان القرمطى قد وافى الكوفه، وقد قررت انا ومؤنس مع على بن بليق الخروج اليه، وأمرناه بلقاء امير المؤمنين في ليلتنا هذه وكان قصدهم انه إذا وصل اليه، قبض عليه، واتبع الرقعة بأخرى تتضمن الحال، فاستراب القاهر، وخاف ان تكون حيله ونم الخبر اليه من جهة طريف السبكرى.
فلما كان بعد العصر، حضر ابن بليق منتبذا، ومعه عدد يسير من غلمانه:
وكان الظاهر قد ارسل الساجيه يحضرون بالسلاح، وشتموا عليا، وعملوا على القبض عليه، فحامى غلمانه عنه وطرح نفسه من الروشن الى الطيار، وعبر واستتر من ليلته.
واستتر ابن مقله وابن قرابه.
وانحدر بليق ليعتذر لابنه، فقبض عليه القاهر، وراسل مؤنسا واعلمه الحال وساله في الحضور، فاعتذر بثقل الحركة، فعاوده في السؤال في الحضور، فاستقبح له طريف السبكرى التأخر، فلما حصل في دار السلطان قبض عليه، فكانت وزارة ابن مقله للقاهر تسعه اشهر وثلاثة ايام.

وزارة ابى جعفر محمد بن القاسم
ووجه القاهر الى ابى جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، فاستحضره في مستهل شعبان وقلده وزارته، وخلع عليه يوم الاثنين ثالث شعبان خلع الوزارة.
ووجه القاهر من يومه من استقدم عيسى المتطبب من الموصل.
وانفذ الى دار ابن مقله بباب البستان فطرح فيها النار.
وظهر محمد بن ياقوت وصار الى دار السلطان، وخدم في الحجبة، ثم علم كراهية طريف والساجيه والحجريه له، فاحتال في الهرب واستتر، وانحدر الى ابيه بفارس وجلس بزي الصوفية في الماء وركب البحر، ووافى مهروبان، وجاء ليلا الى ارجان،
(11/280)

فنزل على ابى العباس بن دينار، وانفذ اليه أبوه مالا وكسوه، وتلاحق به اصحابه، وقلده القاهر كور الاهواز ثم أصبهان واستحجب القاهر سلامه الطولونى، وقلد أبا العباس احمد بن خاقان الشرطه بجانبي بغداد، وأخذ القاهر أبا احمد بن المكتفي من دار عبد الله بن الفتح، فسد عليه باب البيت، وعرف باستتار على بن بليق في دار، فانفذ من كبسها فاستتر في تنور، فاطبق عليه غطاءه، فتأخر بعض الرجال عن اصحابه حين لم يجدوه، واتى الى التنور، ففتحه وظن ان فيه خبزا يابسا، فلما رآه صاح، فعاد اصحابه فاخذوه، وضرب بين يدي القاهر، وادى عشره آلاف دينار، وحبسه.
وقبض الوزير ابو جعفر على أخيه الحسين، بعد ان امنه ونفاه الى الرقة، وقال:
انه يعتقد مذهب ابن ابى العزاقر.
ثم ان رجال مؤنس وبليق شغبوا وقصدوا دار الوزير ابى جعفر فاحرقوا روشنه.
وتقدم القاهر يذبح على بن بليق، وانفذه الى ابيه، فلما رآه بكى ثم ذبح بليق، وانفذ راسيهما الى مؤنس، فلما رآهما لعن قاتلهما، فذبح كما تذبح الشاه، واخرج الرؤوس في ثلاث طسوت حتى شاهدها الناس وأعيدت الى خزانه الرءوس.
وكان وزن راس مؤنس بعد تفريغ دماغه سته أرطال.
وسهل القاهر امر ابن مقله، حين أخذ من الاستتار فاطلقه.
وقبض الوزير على ابى جعفر بن شيرزاد، وأخذ خطه بعشرين الف دينار وكبس على بنى البريدى فلم يوجدوا.
واحضر القاهر على بن عيسى وقلده واسطا وسقى الفرات.
وقبض القاهر على الوزير محمد بن القاسم، فكانت وزارته ثلاثة اشهر واثنى عشر يوما.
وأخذ من داره ابو يوسف البريدى.
واستدعى القاهر عبد الوهاب بن عبيد الله الخاقانى وإسحاق بن على القناني، على ان يولى أحدهما الوزارة، وجلس القواد بين أيديهما، فخرجت رساله بالقبض
(11/281)

عليهما وإدخالهما المطبق ثم وجه الى سليمان بن الحسن، واستحضره للوزارة، فحضر، وتلقاه القواد وقبلوا يده، ووجه بمن قبض عليه وحبسه.
ثم وجه الى الفضل بن جعفر واستدعاه ليستوزره، فاستتر.
ثم استدعى الخصيبى، وخلع عليه، وكتب للبريديين أمانا، بعد ان صادر أبا يوسف على اثنى عشر الف الف درهم ولما أتاه عبد الله، عاتبه وقال له: شمت أم أخي وهي أمي، وحقوقي عليك توجب صيانتها عن الذكر القبيح، فقال له:
دع ما مضى، فاننى لم املك نفسي، وقد وصفتك لأمير المؤمنين ولا بد من الفى الف درهم فقال ابو عبيد الله: لقد اعتبتنى ايها الوزير، واحسنت التلاقى فقال: بحياتى عليك، اكتب خطك بهذا المبلغ، فكتب به خطه وانصرف.
وانحدر البريدى الى واسط، وعقدها القاهر عليه بثلاثة عشر الف درهم، وأتاها وبها على بن عيسى، وقد عمرها، وقال عيسى المتطبب للبريدى: ان القاهر يريد القبض عليك فاستتر، ولم يظهر حتى خلع القاهر
. وزارة الخصيبى
وكان ابن مقله، يراسل الساجيه والحجريه في استتاره، ويضريهم على القاهر.
وكان الحسن بن هارون يلقاهم ليلا بزي السؤال، وفي يده زبيل حتى تمت له الحيله.
وبذل لمنجم كان يخدم سيما مائتي دينار، حتى قال له من طريق النجوم: انه يخاف عليه من القاهر.
وبلغ الخبر باستيلاء اصحاب ابن رائق على الاهواز.
وبلغ الخصيبى ما عول عليه الحجريه والساجيه، من قصد دار السلطان،
(11/282)

فانفذ عيسى المتطبب الى القاهر ليخبره بالحال، فوجده نائما مخمورا، واجتهد في انباهه فلم ينتبه لشدة سكره.
فقام سيما بهم، وركبوا معه الى دار السلطان، ورتب على كل باب من أبوابها جماعه من الحجريه والساجيه، وامرهم بالهجوم في وقت عينه، وهجم من باب العامه، فوقف به ودخل اصحابه.
فخرج الخصيبى في زي امراه واستتر.
وانحدر سلامه الى مشرعه الساج واستتر.
ولما علم القاهر بالحال، انتبه من سكره، وافاق، وهرب الى سطح حمام في دور الحرم، ووقع في ايديهم خادم صغير، فضربوه بالدبابيس، حتى دلهم على موضعه، فاخذوه وعلى راسه منديل ديبقى وبيده سيف مجرد، واجتهدوا به في النزول اليهم.
وقالوا: نحن عبيدك وما نريد غير التوثق لأنفسنا وهو ممتنع حتى فوق اليه احدهم سهما، فنزل.
وقبضوا عليه ضحوه يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنه اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وأتوا الى محبس طريف السبكرى فكسروا قيده، وحبسوا القاهر مكانه، ووكلوا به.
وظفروا بزيزك خادمه، وعيسى المتطبب واختيار القهرمانه.
واستدلوا على الموضع الذى فيه ابو العباس محمد بن المقتدر، فدلهم على مكانه خادم، فوجدوه ووالدته معتقلين، ففتحوا عنهما.
ووقع النهب ببغداد
(11/283)

خلافه الراضي بالله ابى العباس محمد بن المقتدر رحمه الله
وأمه ظلوم وكانت مده خلافته ست سنين وعشره اشهر وعشره ايام.
اجلسه الساجيه والحجريه على السرير، وبايع له القواد وبدر الخرشنى، ولقب بالراضى بالله.
واستحضر على بن عيسى وأخاه عبد الرحمن، وشاورهما، فعرفه ابو الحسن ان سبيله ان يعقد لواء لنفسه، على رسم الخلفاء، ففعل ذلك، واستحفظ باللواء في الخزانه وتسلم خاتم الخلافه، وهو خاتم فضه وفصه حديد صينى، عليه مكتوب ثلاثة اسطر محمد رسول الله.
وانفذ الى القاهر بمن طالبه بتسليم خاتمه اليه، وكان فصه ياقوتا احمر وعليه منقوش: بالله محمد الامام القاهر بالله امير المؤمنين يثق فامر ان يسلم الى نقاش حاذق فمحاه.
ومضى القاضى ابو الحسين والقاضى ابو محمد الحسن بن عبد الله بن ابى الشوارب، فامتنع ان يخلع نفسه، فقال على بن عيسى: اخلعوه فان افعاله مشهوره واعماله معروفه وسمل في تلك الليلة.
وأخذ البيعه للراضى على بن عيسى واخوه، وسال الراضي على بن عيسى ان يتقلد الوزارة فاستعفاه وقال: انى لا أفي بالأمر، واشار بابن مقله، وكان مستترا وكتب له أمانا فظهر
(11/284)

وزارة ابن مقله
ومضى الناس اليه، وهو في دار ابن عبدوس الجهشيارى، فهنئوه وخلع عليه خلع الوزارة.
وظهر من الاستتار مفلح الأسود، خادم المقتدر، وسرور وفلفل والحسين ابن هارون، وابو بكر بن قرابه.
وصاروا الى ابى على وهنئوه، وقال ابن مقله لما أتاه الناس: كنت مستترا في دار ابى الفضل بن مارى النصراني، فسعى بي القاهر، قبل زوال امره بشهرين، وعرف موضعي، وانى لجالس وقد مضى نصف الليل اتحدث مع ابن مارى، أخبرتنا زوجته ان الشارع قد امتلا بالمشاعل والشمع والفرسان، فطار عقلي، وادخلنى ابن مارى بيت تبن، وكبست الدار وفتشوها، ودخلوا بيت التبن وفتشوه بايديهم، فلم اشك اننى مأخوذ، وعهدت وعاهدت الله تعالى على انه ان نجاني من يد القاهر بالله، ان انزع عن ذنوب كثيره، واننى ان تقلدت الوزارة امنت المستترين، واطلقت ضياع المنكوبين، ووقفت وقوفا على الطالبيين، فما استتم نذرى، حتى خرج القوم وانتقلت الى مكان آخر.
وما نزع من الخلع، حتى وفي بالنذر.
وكتب ابن ثوابه في خلع القاهر كتابا قرئ على المنابر واطلق ابن مقله المحبوسين.
وقلد الراضي بالله الشرطه ببغداد بدرا الخرشنى.
وكان زيرك القاهرى قد اجمل عشره الراضي وقت اعتقاله، فكافاه بان قلده امر حرمه واكرمه.
وسلم ابن مقله عيسى المتطبب الى بنى البريدى فأخذوا منه ثلاثين الف دينار، ارتفق بها منهم، وردوه على ابن مقله وقالوا: انه قد امتنع من أداء شيء.
ولم يعترف القاهر بشيء سوى خمسين الف دينار، ففرقها الراضي في الجند.
وقلد ابن مقله أبا الفتح الفضل بن جعفر خلافته على سائر الاعمال.
وقلد أبا عبد الله البريدى خوزستان، وقلد اخوته البصره والسوس وجنديسابور وكور دجلة وبادوريا والأنبار وبيرسير وقطربل ومسكن
(11/285)

وكتب الى على بن خلف بن طياب باقراره على فارس وكرمان.
وقلد الحسن بن هارون ما قلده على بن عيسى من اعمال واسط بمائه الف كر شعير وعشره آلاف كر أرز وأربعمائة كر سمسم والف الف وأربعمائة الف درهم.
وقلد القراريطى كتابه ابن ياقوت الزمام وديوان الفرات، فسفر حينئذ لصاحبه محمد بن ياقوت في الحجبة.
وحمل الى سماء خمسه عشر الف دينار، حتى عرف الراضي بالله انهم لا يريدون غير محمد بن ياقوت، وانفق هذا الوجه بحجه على القواد مائه الف وعشرين الف دينار.
فغاظ ابن مقله، لأنه استدعى ابن رائق وهو بالباسيان لذلك ولم يمكنه تغييره، فلما صار ابن رائق بالمدائن، امره الراضي بالانحدار الى واسط، وأضافها الى اعماله بالبصرة وغيرها.
وكان ابن ياقوت برامهرمز عازما على التوجه الى أصبهان، فكوتب بالاصعاد، فالتقى ابن ياقوت في طيارة وابن رائق في حديديه، فسلم كل واحد منهما على صاحبه إيماء من غير قيام.
وتلقى ابن ياقوت الحجريه والساجيه، ودخل على الراضي، فخلع عليه وقلده الحجبة، وصار اليه الناس الى داره بالزاهر، ولم يقم لأحد الا لابن مقله ولعلى ابن عيسى.
واستولى ابن ياقوت على الأمر.
وحصل ابن مقله مع كاتبه القراريطى، وبقي متعطلا.
وأخذ خطوط البريديين بمائه الف دينار.
وكان هارون بن غريب بالدينور، فعرف الحال بينهما، وهي على عشره فراسخ من بغداد، عازما على ان يتقلد الجيش، فكره الناس ذلك واستحضر ابن ياقوت ابن شيرزاد، واوصله الى الراضي بالله، حتى حمله رساله اليه، يأمره بالرجوع الى الدينور
(11/286)

فمضى ومعه القراريطى، فالتقى به بجسر النهروان، فلم يقبل، قال: ومن جعل ابن ياقوت أحق بالرئاسه منى! وقد كان يجلس بين يدي، وانا نسيب امير المؤمنين، وقال القراريطى: لولا انك رسول لقتلتك، فانصرفا الى بغداد واستخرج هارون اموال طريق خراسان فعسف الرعية وظلمهم وسار ابن ياقوت في الحين الى القنطرة فنزلها، وانفذ ابن شيرزاد برسالة جميله، وعرض عليه تسييب الأموال على النهروانات فلم يقبل.
ومضى كثير من الجند الى هارون مستأمنين، واشتد القتال وابن ياقوت يقرا في مصحف ويسبح، وهو في عدد قليل، حتى انهزم اصحابه، ونهب سواده.
وبلغ هارون ان محمدا قد عبر قنطره نهر بين، فبادر وحده لياسره، فتمطر به فرسه فسقط عنه في ساقيه، فلحقه غلام ابيه يمن الغربي، فضربه ضربه عظيمه وبادر غلام اسود فذبحه ورفع راسه، فتفرق اصحابه، ونهب الحجريه والساجيه سوادهم.
وامر ابن ياقوت بتكفينه، ودفن بهرس من غير ان يصلى عليه، ودخل بغداد، وبين يديه راسه ورءوس اصحابه، فامر الراضي بنصبهما على باب العامه.
ثم ان والده الراضي، سالت ان تحمل جثته ويدفن راسه في تربته بقصر عيسى، فأجابها الى ذلك:
وأخذ ابن مقله لابنه ابى الفتح أمانا من الراضي، وقطع امره على ثلاثين الف دينار.
وفي رجب هذه السنه مات ابو جعفر السجزى، وبلغ من السن مائه واربعين سنه قال ابن سنان: وراسه صحيح الحواس والبصر، منتصب الظهر، ملزز الأعضاء بغير معاون، وقال له على بن عيسى يوما: انما قطعت مالك لكذبك في سنك، فقال: ايها الوزير استدع الجرائد من سر من راى، فإنك تجد اسمى فيها
(11/287)

واسم من كان قبلي وبعدي، فوجد الأمر كما قال وقال ابن ابى داود السجستانى:
اعرفه واهله وهم معمرون وحكى انه يذكر دخول هرثمة وهو في المكتب.
واراد الراضي توليه محمد بن الحسن بن ابى الشوارب، القضاء بمدينه المنصور، كما كان يتولى ذلك أبوه، فشفع محمد بن ياقوت في امر ابى الحسن، حتى لم يغير عليه، وكتب عهده حتى زال الارجاف عنه.
وضمن ابو يوسف البريدى اعمال واسط والصلح والمبارك، واستخلف عليها الحسين بن على النوبختى، وكان يتقلدها لهارون بن غريب، وكان عفيفا خبيرا بالأعمال.
وكان ابن مقله قد احدر الخصيبى وسليمان بن الحسن الى البصره، وامر البريدى بنفيهما في البحر، فخف بهما ليله، فكادا يغرقان وايسا من الحياه، فقال الخصيبى:
اللهم اننى استغفرك من كل ذنب وخطيئة واتوب إليك من معاوده معاصيك الا من مكروه ابى على بن مقله ان قدرت عليك جازيته عن ليلتي هذه وما حل بي منه فيها، وتناهيت في الإساءة اليه، فقال سليمان: وفي هذا الموضع وأنت معاين للهلاك نقول هذا؟ فقال: ما كنت لاخادع ربى.
ولما وصلا الى عمان، عدل بالخصيبى الى سرنديب، فعرف سليمان بن الحسن ابن وجيه خبره فامر برده الى عمان.
ولما عزل الراضي ابن مقله وولى عبد الرحمن بن عيسى، ضمن الخصيبى ابن مقله، فلما رآه تلفت نفسه، فاسمعه الخصيبى نهاية ما كره، وسلمه الى الدستوائى، وكان لابن مقله اليه اساءه، لأنه سلمه الى ابن البريدى حين الوى نعمته، فعمل الدستوائى بابن مقله صنوف المكاره.
وجاء ابو بكر بن قرابه، فضمن عنه مائه الف دينار والفى دينار، ودفعت الضرورة الى ان وزن ابن قرابه المال من عنده
(11/288)

وفي هذه السنه، ظهرت حال ابن ابى العزاقر، وكان يدعى ان اللاهوت قد حل فيه، وكان قد استتر عند بختيشوع بن يحيى المتطبب، وتتبع حتى قتل وقتل جماعه صدقوه.
(11/289)

سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة
في صفر، مات ابو عبيد الله ابراهيم بن عرفه بن سليمان بن المغيره بن حبيب ابن المهلب بن ابى صفره الأزدي النحوي، المعروف بنفطويه، ومولده سنه خمسين ومائتين وصلى عليه ابو محمد البربهارى، ومن شعره:
استغفر الله مما يعلم الله ... ان الشقي لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كل مظلمه ... وا حسرتا من حيائى حين القاه
وله:
اهوى الملاح واهوى ان اجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر
وهكذا الحب لا اتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
واجتاز على بن بقلى فقال: كيف الطريق الى درب الرواسين؟ فالتفت الى جار له فقال: الا ترى الى الغلام فعل الله بغلامى وصنع احتبس على قال: وكيف، قال: جعل السلق تحت البقل في اسفل البنيقه حتى اصفع هذا العاض بظرامه، فتركه ابن عرفه وانصرف ولم يجبه بشيء
(11/290)

وفي هذا الشهر، صرف عبد الرحمن بن عيسى عن الدواوين، واحضر ابن مقله ابن شنبوذ، وقال له: بلغنى انك تقرا حروفا في القرآن بخلاف ما في المصحف، وكان ذلك بحضره ابن مجاهد واهل القرآن، فاعترف بقراءة ما عزى اليه من الحروف، ومنها إذا نودى للصلاة من يوم الجمعه فامضوا الى ذكر الله.
واغلظ للوزير وللجماعة في الكلام، ونصر ما عزى اليه، فامر به ابن مقله فضرب، فدعا عليه بتشتيت الشمل وقطع اليد، ودعا على ابن مجاهد بثكل الولد وعلى الضارب له بالنار، فشوهد قطع يد ابن مقله وثكل ابن مجاهد ولده.
ثم استتيب عن قراءة الحروف، فتاب منها.
ودعا الأئمة في الجوامع لابن ياقوت، فأنكر ذلك الراضي وصرفهم.
وقرر ابن مقله مع الراضي القبض على محمد بن ياقوت، لما غلب على الأمور، وانفرد بجباية الأموال وتضمين الاعمال.
فلما دخل ابن ياقوت دار الخلافه عدل به الى حجره، فقبض عليه وعلى كاتبه القراريطى، ونهبت دار القراريطى وحده.
وتقلد الحجبة ذكى مولى الراضي.
وأخذ خط القراريطى بخمسمائة الف دينار.
وكان ياقوت بواسط، فلما علم القبض على ابنيه، انحدر الى السوس، فكاتبه ابن مقله بالمصير الى فارس لفتحها وكان على بن بويه قد تغلب عليها.
وهذه حال الأمير ابى الحسين على بن بويه الملقب بعد عماد الدولة، لقبه بهذا اللقب المستكفى بالله، عند وصول أخيه الأمير ابو الحسين اليه.
هو احد قواد مزداويج بن زيار الديلمى، فانفذه ليستحث له مالا في الكرج، فأتاها فاخذ منها خمسمائة الف درهم، وصار الى همذان ففتحها عنوه، وقتل كثيرا من أهلها، ثم صار الى أصبهان فتركها عليه المظفر بن ياقوت مسالما، ولم يلبث بها على بن بويه حتى اخرجه منها اصحاب مزداويج، فصار الى ارجان وكاتب ياقوت،
(11/291)

وخاطبه بالاماره، وساله ان يقبله، وكان قد استخرج من ارجان مائتي الف دينار، ووجد كنوزا كثيره، واشتدت شوكته، وصار في الف، وخرج اليه ياقوت في بضع عشره آلاف من الغلمان الحجريه وغيرهم، فسأله على بن بويه ان يفرج له عن الطريق لينصرف الى باب السلطان، فمنعه، وطمع فيه لقله عدده وما معه من المال، ولقيه على باب اصطخر، ونصر ياقوت في يومين عليه، وواقعه في اليوم الثالث، وهو يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنه اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحمل ابو الحسين احمد بن بويه معز الدولة، في ثلاثين رجلا، على ياقوت حمله صادقه، فهزم ياقوت الى شيراز، ولم يصدق بهزيمته، بل ظنها مكيده حتى عرف ذلك في آخر النهار.
فمضى وراءه، واقام على فرسخ من شيراز، ودخل معز الدولة في ثمانين من الديلم فقتل من السودان ألفا، ونادى في اصحاب ياقوت فخرجوا.
واتى ياقوت الاهواز.
ولما ملك عماد الدولة شيراز، طالبه اصحابه بالمال، وكان مملقا، فخاف من فساد امره، فاستلقى على ظهره في مجلس من دار ياقوت وخلا فيه مفكرا، فراى حيه قد خرجت من سقف منه الى سقف، فخاف ان تسقط عليه إذا نام، فامر الفراشين بالصعود، فوجدوا غرفه بين سقفين، فأمرهم بفتحها، فوجدوا بها صناديق فيها خمسمائة الف دينار، فقويت نفسه، واستدعى خياطا اطروشا ليخيط له ثيابا، وكان الخياط موصوفا بالحذق، وكان يخدم ياقوتا فلما خاطبه في تقطيع الثياب، حلف في الجواب انه لا وديعة عنده سوى اثنى عشر صندوقا لا يدرى ما فيها، فعجب، فوجه بمن حملها وعجب من الحال.
وكاتب الراضي بالله يسأله ان يقاطعه على فارس بثمانية آلاف درهم فأجيب.
وانفذ اليه ابن مقله أبا الحسين بن ابراهيم المالكى الكاتب، ومعه خلع ولواء، وامره ابن مقله الا يسلم ذلك اليه الا عند تعجيل المال، فلما قاربه تلقاه على فرسخ، وأخذ منه الخلع فلبسها ودخل شيراز، واللواء بين يديه، ولم يدفع الى المالكى شيئا
(11/292)

ومات بشيراز، فحمل تابوته الى بغداد في رجب سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
ووافى على بن خلف بن طيار بغداد، فقبض عليه ابن مقله، وصادره على ثلاثمائة الف دينار، وانفذ اليه بابى الحسن احمد بن محمد بن ميمون صاحب بيت المال، وقال له: يقول الوزير: لك عندي مائه الف دينار، فحطها من الجمله، واكتب الخط بالباقي، فقال على بن خلف: من اى جهة هذا الدين؟ فعاد ابن ميمون فقال له:
يقول لك الوزير، تذكر وانا بشيراز وقد سألتك على ابى طالب بدر بن على النوبندجانى من خراجه خمسمائة الف درهم فامتنعت، وعاودتك وقلت: ان حططتها عوضتك عنها مائه الف دينار، ففعلت ولزمنى ضماني لك، وصار دينا لك على، وهذا وقت القضاء.
وقلد السلطان ياقوت الاهواز، وصار كاتبه ابو عبد الله البريدى.
وانفذ أخاه أبا الحسين للنيابة عن ياقوت وأخيه بالحضرة.
وكان مع عماد الدولة ابو سعيد النصراني الرازى يكتب له.
وضمن شيراز منه ابو الفضل العباس بن فسانحس.
وانتهى الى مزداويج خبر على، فقامت قيامته، وانفذ اصبهلار عسكره شيرز ابن ليلى، في الفين وأربعمائة من الديلم والخيل الى الاهواز، فقطع ياقوت قنطره نهر اربق، وأقاموا بإزاء ياقوت اربعين يوما، لا يمكنهم العبور، ثم عبروا على اطواف بنهر المسرقان، فهرب البريدى واهل الاهواز الى البصره.
واتى ياقوت واسطا، فاخرج له محمد بن رائق عن غربيها، فنزل فيه.
واقام على بن بويه عماد الدولة الخطبه لمرداويج، وانفذ اليه الرهون على طاعته، فسكنه بذلك.
فبينما هم كذلك، أتاهم الخبر، بان مزداويج في شهر ربيع الاول سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة قتلوه في الحمام بأصبهان، وحمل تابوته الى الري، ومشى الديلم والختل حوله حفاه اربعه فراسخ، ووفى رجاله لأخيه وشمكير، فولاهم من غير عطاء
(11/293)

فلما عرف شيرز بن ليلى خلو أصبهان سار إليها، واتى الري فبايع وشمكير، واستوزر ابن وهبان القصبانى، وكان يبيع القصب بالبصرة، وصار في جمله ابن الخال، فتنقلت به الحال، الى ان قلده همذان، واستامن الى مزداويج عن هزيمه هارون، فعفا عنه ونفق عليه، وجعل اليه كور الاهواز، وقال له: قد جعلت إليك الفى دينار في كل شهر فان أديت الأمانة استوزرتك، ونصبت الرايات بين يديك، وان خنتني وشرهت معدتك العظيمه، وكركرتك الكبيره، والحلاوات بخوزستان كثيره، فلأشقن بطنك بهذه الدشنى العريضة، فقال له: ستعلم ايها الأمير نصحى وأمانتي وانى مستحق لاصطناعك.
وكانت هذه الفتن نعمه على البريدى، لأنه حصل من الأموال ما لم يحاسب عليه.
وحصل ابو عبد الله وابو يوسف اربعه آلاف دينار خرجا بها على السلطان.
وابعد ابن مقله خلقا من الجند عند ضيق الأموال، واحالهم على البريدى، فصاروا اليه، فقبلهم وأضافهم الى غلامه اقبال، فاجتمع معه ثلاثة آلاف رجل.
وخرج توقيع الراضي بالله في جمادى الاولى بتلقيب ابى الحسن على بن الوزير ابى على بن مقله بالوزير، وسنه إذ ذاك ثماني عشره سنه، وان يكون الناظر في الأمور صغيرها وكبيرها، وخلع عليه الوزارة وطرح له مصلى في مجلس ابيه.
وركب بدر الخرشنى صاحب الشرطه، فنادى ببغداد الا يجتمع من اصحاب ابى محمد البربهارى نفسان واستتر البربهارى.
وخرج من الراضي توقيع طويل في معناهم، وكانت حال البربهارى قد زادت ببغداد، حتى انه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس فشمته اصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة في الوقت وهو في روشنه، فسال عن الحال فاخبر بها فاستهو لها.
واصحابه يذكرون عنه صلاحا كثيرا، واضداده يذكرون خلاف ذلك، حتى
(11/294)

حكوا عنه، انه حمل في درج مقفول له منظر بعره وجاء الى بزاز في الكرخ فقال:
هذه بعره جمل أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، واريد ان ارهنها عندك على الف دينار فاعتذر الرجل، فتركه فلما كان من الغد، اجتاز عليه فصعد وقبل لحيته وقال:
رايت النبي ص في المنام، يقبلها، فتركه اصحابه امرد، وحكاياتهم في امثال هذا عنه كثيره.
وكان سعيد بن حمدان شرع في ضمان الموصل وديار ربيعه سرا، ومضى إليها في خمسين غلاما، فقبض عليه حين وصل إليها ابن أخيه ابو محمد الحسن ابن عبد الله وقتله، فأنكر ذلك الراضي، فامر ابن مقله بالخروج اليه، فأظهر ابن مقله ان على بن عيسى هو الذى كاتبه حتى عصى، وصادر عليا على خمسين الف دينار واخرجه الى الصافية.
واستخلف ابن مقله ابنه بالحضرة، وصار الى الموصل، فتركها ابو محمد، ورحل الى بلد الزوراء، فاستخرج ابن مقله مال البلد واستسلف من التجار على غلاته، فحصل معه أربعمائة الف دينار.
فبذل سهل بن هاشم كاتب ابى محمد بن حمدان للوزير ابى الحسين ابن الوزير ابى على عشره آلاف دينار حتى كاتب أباه: ان الأمور بالحضرة مضطربه، فانزعج واستخلف على الموصل على بن خلف بن طياب، وانصرف الى بغداد.
وخرج اليه الأمير ابو الفضل، متلقيا، ولقى الراضي بالله وخدمه، فخلع عليه وعلى ابنه.
وقبض على جعفر بن المكتفي، حين بلغهم انه دعا الى نفسه، ونهب منزله، وأخذ له مال جزيل، وكانت داره قريبا من الزاهر.
وممن استجاب له يانس المرفقى، وكان نزل بقصر عيسى، فابعد الى قنسرين والعواصم وجعل اليه أعمالها.
وفي شهر رمضان توالى وقوع الحريق بالكرخ، منها في صف التوزيين اصيب به
(11/295)

خلق من التجار، فعوضهم الراضي مالا، وكان العقار لقوم من الهاشميين فأعطاهم عشره آلاف دينار.
واحترق ثمانية واربعون صفا من أسواقها، طرح النار قوم من الحنبلية، حين قبض بدر الخرشنى على رجل من اصحاب البربهارى يعرف بالدلاء.
واحترق خلق من الرجال والنساء.
ووقع حريق ثالث احترق فيه الحدادون والصيارف والعطارون.
وقبض الوزير ابو الحسين بن مقله على ابى الحسين البريدى، فتوسط بينهما ابو عبد الله محمد بن عبدوس، فصادره على خمسين الف دينار يسلمها بالاهواز، ومضى معه الكوفى ليأخذها فلم يسلم اليه شيئا وكان الكوفى يجمل عشرته ويقول:
اقمت معه غير متصرف ولا داخل تحت تبعه سنه، وحصل لي منه خمسه وثلاثون الف دينار، وتقلدت هناك امر ابن رائق وكفيت امر ابن مقله.
وكاتب ابن مقله البريدى كتابا يقول فيه: ويل للكوفه! انفذته ليصلحك لي فافسدك على، والله لاقطعن يديه ورجليه.
واتى ابو محمد بن حمدان الى الموصل، وبها اصحاب السلطان، وعلى حربها ما كرد الكردى فهزموه، ثم هزمهم، وكتب يسال الصفح ويقوم بمال الضمان، فأجيب الى ذلك، ولم يستوف التجار الغلات التي طالبهم إياها ابن مقله، فتظلموا، فاحالهم على عمال السواد ببعض أموالهم، وباعهم بالباقي ضياعا سلطانيه، فلم تحصل من سفرته حينئذ فائده، وهرب من دار الوزير ابى على القراريطى.
وقبض على ابى يوسف عبد الرحمن بن محمد بن داره بسوق العطش، وصودر على خمسين الف دينار.
ومات محمد بن ياقوت في الحبس، واخرج الى القضاه، فشاهدوه وسلم الى اهله، وباع الوزير ضياعه واملاكه.
وغلا السعر ببغداد، حتى بلغ الكر من الحنطة مائه وعشرين دينارا والشعير تسعين دينارا.
ومات ابو عبد الله محمد بن خلف النيرمانى بالأعمال التي استولى عليها مزداويج، وكان قد انفذ إليها
(11/296)

واقبل غلمان مزداويج يتقدمهم بجكم الى جسر النهروان، فأمروا بدخول الحضره، وعسكروا بالمصلى، واضطرب الحجريه لذلك، فكاتبهم ابن رائق وهو يتقلد اعمال المعاون بواسط والبصره، فانحدروا اليه، فاسنى لهم الرزق، وجعل متقدمهم بجكم الرائقى، واتته الاعراب والقرامطة، فقبلهم واستفحل امره.
(11/297)

سنه اربع وعشرين وثلاثمائة
[أخبار متفرقة]
في شهر ربيع الاول، مات الأمير هارون بن المقتدر بالله، واغتم عليه الراضي غما شديدا، واتهم بختيشوع بانه افسد تدبيره، فنفاه الى الأنبار، ثم سالت فيه السيده فاعاده.
واطلق المظفر بن ياقوت من الحبس.
وقلد ابن مقله محمد بن طغج الإخشيد اعمال مصر مع ما اليه من الشام وعزل عن مصر احمد بن كيغلغ.
وقطع ابن رائق مال واسط والبصره، واحتج باجتماع الجيش عنده.
ولما خرج المظفر بن ياقوت من الحبس عول على التشفى من ابن مقله، وكان قد حلف له على صفاء النيه واعتضد ابن مقله ببدر الخرشنى.
واوحش المظفر للساجيه والحجريه، فصارت كلمتهم واحده، وأحدثوا بدار السلطان وضربوا الخيم.
وكان المظفر يظهر للوزير انه مجتهد في الصلح، فحلف لهم، وحلفوا له ولبدر الخرشنى.
ودبر ابن مقله انحدار الراضي الى واسط مظهرا انه يقصد الاهواز، حتى يقبض على ابن رائق، فاخذ معه القاضى أبا الحسين ليسمع من الخليفة وساله ان.
يتقدم بها الى ابن رائق.
فلما حصل في دهليز الصحن التسعينى، شغب عليه المظفر بن ياقوت مع الحجريه وقبضوا عليه، وعرفوا الراضي انه المفسد للاحوال، وسألوه ان يستوزر غيره، وذكروا على بن عيسى، فامتنع واستشاره الراضي، فاشار بأخيه عبد الرحمن، فانفذ الراضي بالمظفر بن ياقوت الى عبد الرحمن فاحضره.
(11/298)

وزارة عبد الرحمن بن عيسى للراضى بالله
خلع عليه لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، وسار الجيش معه الى داره، واحرقوا دار ابن مقله واستتر اولاده.
وحكى ان ابن مقله لما شرع في بناء داره بالزاهر، جمع له المنجمون حتى اختاروا وقتا لبنائه، ووضع أساسه بين المغرب وعشاء الآخرة، فكتب اليه بعضهم:
قل لابن مقله مهلا لا تكن عجلا ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام
تبنى بانقاض دور الناس مجتهدا ... دارا ستنقض أيضا بعد ايام
ما زلت تختار سعد المشترى لها ... فلم توق به من نحس بهرام
ان القران وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال ابرام
وجرى على ابن مقله من المكاره ما يطول شرحه، وضرب بالمقارع، وأخذ خطه بألف الف دينار، وكان به ضيق النفس لان الدستوائى دهقه على صدره.
قال ثابت بن سنان: دخلت اليه لأجل مرض اصحابه، فرايته مطروحا على حصير خلق، على باريه، وهو عريان بسراويل، ومن راسه الى اطراف أصابعه كلون الباذنجان، فقلت: انه محتاج الى الفصد، فقال الخصيبى: يحتاج ان يلحقه كد في المطالبه، فقلت: ان لم يفصد تلف، وان فصد ولحقه مكروه تلف، فكاتبه الخصيبى: ان كنت تظن ان الفصد يرفهك فبئس ما تظن، ثم قال: افصدوه ورفهوه اليوم، ففصد وهو يتوقع المكروه.
فاتفق للخصيبى ما أحوجه للاستتار، فكفى ابن مقله امره.
وحضر ابن قرابه، وتوسط امره، وضمن حمله الى داره، واطلقه بعد ايام وانفذه الى ابيه.
وكرهت الحجريه مقام بدر الخرشنى بالحضرة، فصرفه الراضي عن الشرطه
(11/299)

وقلده اعمال المعاون بأصبهان وفارس، فاستعفى عبد الرحمن بن عيسى من الوزارة حين عجز عن تمشيه الأمور، فقبض عليه الراضي في رجب، وقبض على أخيه على بن عيسى، وصادر عليا على مائه الف دينار ادى منها تسعين ألفا، وصادر عبد الرحمن على سبعين ألفا ادى منها ثلاثين.
ولليلة بقيت من شعبان، توفى ابو بكر محمد بن موسى بن مجاهد، ودفن عند داره بسوق العطش، وكان مولده سنه خمس واربعين ومائتين.
قال ابو الفضل الزهري: انتبه ابى في الليلة التي مات فيها ابو بكر بن مجاهد المقرئ، فقال: يا بنى، ترى من مات الليلة؟ فانى رايت في منامي كان قائلا يقول:
قد مات الليلة مقوم وحى الله منذ خمسين سنه، فلما أصبحنا وإذا بابن مجاهد قد مات.
ونقلت من خط رئيس الرؤساء ابى الحسن بن حاجب النعمان: كان ابن مجاهد إذا ختم احد عنده القرآن عمل دعوه، فختم احد اولاد النجارين، فعمل دعوه فحضر ابو بكر واصحابه، وحضر الصوفية والقوالون، فلما قارب ثلث الليل، استدعى ابو بكر بن مجاهد ازاره فطرحه على كتفه، وقال: امضى في حاجه واعود، فلا يتبعني احد، قال: فعجبنا من خروجه في ذلك الوقت، وظننا انه انكر سوء ادب، ومكثنا منكرين، فلما كان بعد ساعتين، وافى وعاد الانبساط، فسألناه عن نهضته فقال: اصدقكم، نظرت فإذا انا في طيبه ولذة، وذكرت ان بيني وبين فلان الضرير مقه وشر، ففكرت اننى في هذه اللذه، وان ذاك واقف بين يدي الله عز وجل يتهجد، ولم أحب ان أكون بهذه الصفة وهو على تلك الحال من ثقل القلب، فخفت من الله تعالى فقصدته ودخلت داره، فقبلت راسه، واصلحت ما بيني وبينه، وامنت استحكامه، وعدت الى ما نحن عليه وانا طيب القلب.
وفي شهر رمضان ورد الخبر بقتل ياقوت بعسكر مكرم، ودفن بها، وذلك ان جنده شغبوا عليه، ومن جملتهم ثلاثة آلاف اسود، وانصرف عنه طاهر الجيلى في ثمانمائه رجل الى الكرج، وكبسه على بن بلقويه فقلل رجاله، ونجا طاهر بنفسه،
(11/300)

واستأسر كاتبه أبا جعفر الصيمرى، وكان سبب اقباله واتصاله بمعز الدولة.
فكاتب ياقوت البريدى، وهو بالاهواز يعرفه الصورة، فقال البريدى: انا كاتبك ومدبر امرك، والصواب ان تنفذ بالرجال حتى اقرر معهم الحال، فتقدم اليهم بالمصير، فاستعولهم البريدى، فانقطعوا اليه، فسار ياقوت اليه في ثلاثمائة رجل لئلا يستوحش ويلقاه البريدى في السواد الأعظم، وترجل له وقبل الارض، ووقف على راسه على سماطه، وقال الجند: انما وافى ياقوت ليقبض علينا.
وقد وافق البريدى على ذلك، فقال له البريدى: اخرج ايها الأمير، والا قتلنا جميعا، فخرج الى تستر وسبب له البريدى على عاملها خمسين الف دينار.
فقال لياقوت مؤنس مولاه: ايها الأمير ان البريدى يحز مفاصلنا ويسخر منا، وأنت مغتر به، وقد افسد رجالك وقوادك، وقد اتصلت كتب الحجريه إليك، وليس لهم شيخ سواك، فلو دخلت بغداد، فأول من يطيعك محمد بن رائق بالضرورة، ولأنك نظير ابيه والا فاخرج الى الاهواز، فاطرد البريدى عنها، فأنت في خمسمائة وهو في عشره آلاف، ومعك خمسه آلاف وأنت أنت، وقد قال عدوك على بن بويه:
لو كان في عسكرك مائه مثلك ما قاومناك، فقال: افكر في هذا.
فخرج مؤنس مغضبا في ثلاثة آلاف، ووافى عسكر مكرم، وقال: انا لا اعصى مولاى فانه اشترانى ورباني واصطنعنى ولكنى افتح الاهواز وأسلمها اليه.
فما استقر مؤنس بعسكر مكرم ثلاث ساعات، حتى وافى كتاب ياقوت اليه يحذره كفر نعمه.
وكان الكتاب مع شيخه مقدم يقال له درك، وكانت السن قد أخذت منه، وحضر معه خادم مغفل يقال له ابو النمر، فقال لمؤنس: مولاك قبض على ابنيه وهما درتان، فلم يستحل ان يعصى مولاه ولم يحارب لأجلهما ولا طالب بهما، واستفتى الفقهاء فافتوه انه لا يحل له ان يحارب الامام، وقالوا افأنت تعصى مولاك! اما تخاف ان تخذل في هذه الحرب فتخسر الدنيا والآخرة! فأقام مؤنس لما اخذه العذل والتانيب، حتى وافى ياقوت واجتمع معه، ووافى
(11/301)

عسكر البريدى، فخيموا في صحراء خان طوق، ومتقدمهم ابو جعفر الجمال غلام البريدى.
فقال ياقوت لمؤنس: ان السلطان لنا بالنية التي عرفتها، ولا موضع لنا ناويه غير هذا البلد، والحرب سجال، وان حاربنا هذا الرجل وانهزمنا كنا بين القتلى، فيقال: قد كفر نعمه مولاه فالعن او بين الأسارى، او ان ينفذنا الى الحضره فنشهر بها، والوجه المداراة وان نعود الى تستر والجبل، فان صح لنا بها امر، والا لحقنا خراسان وشاع كلامه فضعفت نفوس اصحابه وطالت الأيام، واستامن من عسكره الى البريدى خلق، حتى بقي ياقوت في الف رجل وكان مؤنس يبكر اليه ويقول: يا مولاى مضى أصحابنا فيقول: واى خير فيمن لا يصلح لنا؟
فلما علم البريدى من نفسه القوه، راسل ياقوتا بالقاضى ابى القاسم التنوخي، واعلمه انه على العهد، وانه كاتبه وان الإمارة لا تصلح له، وساله ان يعود الى تستر، وان يزوج ابنته من ابى العباس احمد بن ياقوت.
فقبل ياقوت الرسالة، وانعقد الصهر، ورحل الى تستر، ووافاه ابنه المظفر بها، واخبره ان الراضي قد من عليه بنفسه، واشار عليه بالاصعاد اليه والمقام بدير العاقول وان راى الحجريه مبادرين اليه وان كرهه السلطان، تولى الموصل وديار ربيعه، وان منع من ذلك قصد الشام.
فحالف ابنه ابنه فاستأذن ابنه ان يكون بعسكر مكرم فاذن له، واستامن البريدى، وجاء ياقوت الى المعسكر فنزل عند نهر جارود، فظهرت الطلائع من عسكر ابى جعفر الجمال، وثبت ياقوت في الف رجل، فأعيا من بازائه وهم اضعاف عدته، وكادوا ينهزمون، فظهر كمين البريدى في ثلاثة آلاف رجل فأبلس ياقوت، وقال:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فرمى بنفسه من دابته، وبقي بسراويل وقميص شيرى، وأوى الى رباط يعرف
(11/302)

برباط الحسين بن زياد، ولو دخله لجاز ان يسلم، وجلس وغطى وجهه وجعل يسال ويوهم انه رجل من ارباب النعم متصدق.
فركض اليه قوم من البربر من اصحاب البريدى، فكشفوا وجهه وجزوا راسه حين عرفوه، وحملوه الى الجمال، فاطلق طائرا الى البريدى بالخبر، فامر ان يجمع بين راسه وجثته ويدفن بالموضع الذى قتل فيه، ويعرف بين الساقيتين، ولم يجد له غير اثنى عشر الف دينار، ووجد في صناديقه كتب الحجريه اليه من بغداد ليرشوه.
وانفذ البريدى ابنه المظفر الى الحضره، وكانت نفس ابى عبد الله البريدى ضعيفه، فقواها اخوه ابو يوسف حتى شهر نفسه بالعصيان.
وكانت نفقه مائدته في كل يوم الف درهم، وكان غلمانه خمسه، وكسوته متوسطه، ولم يتسر الا بثلاث جوار، ولم تكن له زوجه غير والده ابنه ابى القاسم، وكانت صلاته للجند خاصه، ولم يعط شاعرا ولا طارقا شيئا.
وصادر ابو جعفر الكرخي ابن مقله بعد مصادره عبد الرحمن بن عيسى على مائه الف دينار، ادى منها ابن قرابه عنه خمسه واربعين الف دينار، ولم يعد اليه العوض.
ورد الوزير ابو جعفر الكرخي الى ابى على بن مقله الاشراف على اعمال الضياع والخراج لسقى الفرات، واجرى عليه في كل شهر الف دينار.
وقبض على ابى عبد الله محمد بن عبدوس الجهشيارى، وصادره على مائتي الف.
دينار، ادى منها مائه الف.
وكان الكرخي غير ناهض بالوزارة، وكان فيه إبطاء في الكتابه والقراءة، فلما نقصت هيئته، واحتف المطالبه له بالأموال، وقد تغلب الخوارج على الاعمال، فاستتر بعد ثلاثة ايام من تقلده الوزارة، وكان استتاره يوم الاثنين لثمان خلون من شوال فاستحضر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن عاشر شوال، وخاطبه في الوزارة، وخلع عليه، فكان في التجبر مثل ابى جعفر، فدفعت الراضي الضرورة الى ان راسل أبا بكر بن رائق في القدوم، وتقلد الإمارة ورئاسه الجيش، وان يخطب له على المنابر
(11/303)

وان يكنى، وانفذ اليه بالخلع واللواء مع الخدم.
وانحدر اليه اصحاب الدواوين وجميع قواد الساجيه، فلما حصلوا بواسط، قبض على الحسن بن هارون وعلى الساجيه، وحبسهم في المطامير، ونهب رحالهم.
وخرج من بغداد منهم حين بلغهم الخبر الى الشام.
واصعد ابن رائق الى بغداد في العشرين من ذي الحجه معه بجكم والاتراك والديلم والقرامطة، وضرب له الراضي مضربا في الحلبه، ووصل الى بغداد لخمس بقين من ذي الحجه، ووصل الى الراضي ومعه بجكم ورؤساء اصحابه، وصارت مرتبته فوق الوزير، وخلع عليه، وصار في الخلع الى مضربه بالحلبة، وحمل اليه من دار السلطان الطعام والشراب والفواكه.
وكانت الحجريه قد ضربوا الخيم متوكلين بالدار، وامرهم بالانصراف، فعطل امر الوزارة.
ولم يكن الى الوزير غير حضور المركب بالسواد والسيف والمنطقه.
وفي هذه السنه ملك ابو على بن الياس- وهو من الصغد- كرمان وصفت له، وزالت المنازعات.
(11/304)

سنه خمس وعشرين وثلاثمائة
[أخبار]
انحدر ابن رائق مع الراضي لمراسله البريدى في عشر من المحرم.
وكانت عده الحجاب في دار السلطان أربعمائة وثمانين حاجبا، فاقتصر ابن رائق على ستين واسقط الباقين، واسقط من الحجريه خلقا، فحاربوه فهزمهم واسر بعضهم، وامر صاحب شرطته لؤلؤ بقبض أموالهم واحراق دورهم، وتقدم بقتل من حبسهم من الساجيه عنده.
وكان مدبر امر رائق أبا عبد الله النوبختى، فاعتل بعد مصاحبته بثلاثة اشهر، فاستكتب مكانه أبا عبد الله الكوفى.
وقلق البريدى لما نزل الراضي وابن رائق باذبين، وراسل بان يحمل في كل سنه ثلاثمائة الف وستين الف دينار، وان يسلم الجيش الى جعفر بن ورقاء حتى يحملهم الى فارس.
وكان اخوه ابو الحسين وأمه ببغداد فانحدرا الى واسط، فخلع عليهما واحدرا اليه.
ومضى مع جعفر بن ورقاء، فلما لبس البريدى الخلع التي صحبت جعفرا، وسار بين يديه العسكر، وكان لبسه للخلع بجامع الاهواز، فلما راى طاعه الجند له، ادهش ذلك جعفرا، وولاهم البريدى عليه حتى طالبوه بالمال، فاستجار جعفر بالبريدى حتى اعاده الى الحضره.
واصعد الراضي وابن رائق الى بغداد وكان المتولى للبصرة محمد بن يزداد.
واستوحش ابو الحسن بن عبد السلام، واشار عليه بالتغلب على البصره، فبنى ابو عبد الله مائه قطعه من آله الماء، وأتاه اهل البصره في جمع عظيم للتهنئه بالولاية، فقربهم واكرمهم، وقال: قد اطلع ابن عبد السلام على نيتى الجميلة فيكم، وانى قد اعددت آله الماء، انفذ منها الجيوش لاحصن بلدكم من القرامطة، وانما ضمنت البصره من السلطان لظلم ابن رائق لكم
(11/305)

وكان ابن رائق قد امتنع من اجابه ابى يوسف البريدى الى ضمان البصره، وبذل فيها اربعه آلاف الف درهم، وما زال به الكوفى وابن مقاتل حتى ضمنه إياها، وقد ازلت عنكم يا اهل البصره، الشرطه والمآصير والشرك، وتحملت ذلك من مالي.
وكتب توقيعا بخطه برفعها عنهم- وسيبلغ ابن رائق فعلى بكم فيعادينى، وما أبالي ولو عاداني إخواني في صلاحكم، وانى لأرجو المغفره بازاله الرسوم الجائره عنكم، وان عزم ابن رائق على رد ذلك فأين السواعد القوية والأكف التي حاربت على ابن ابى طالب ع وما فكرت في مكاشفته، فمتى رام ابن رائق ذلك، فاضربوا وجهه بالسيف وانا من ورائكم.
يا اهل البصره، لقد فشلتم! اين يومكم مع ابن الاشعث؟ اين يومكم مع ابراهيم ومحمد ابني عبد الله بْن حسن بْن حسن، متى اخذكم ضميم فصبرتم! ثم هذا عسكرى سائر معكم فلتكن آمالكم ممتدة وقلوبكم قوية.
ووقع للنفقة على الجامع بألفي دينار، ووقع لهم بتخفيف معاملاتهم بألف الف درهم، وانصرفوا وقد صاروا سيوفه.
وسير البريدى إقبالا غلامه، في الفى رجل، وتقدم اليهم ان يقيموا بحصن مهدى، الى ان يأتيهم اقبال، واتصل الخبر بابن يزداد فقامت قيامته.
ولما وصل الراضي وابن رائق الى بغداد، قلد ابن رائق بجكم الشرطه، وانزله في دار محمد بن خلف النيرمانى على دجلة، وقلد القاضى أبا الحسين عمر بن محمد قضاء القضاه.
واثبت ابن رائق من الحجريه الفى رجل، وامرهم بالمسير الى الجبل، فلما صاروا بالنهروان، اجمع رأيهم على المضى الى الاهواز، فقبلهم البريدى واضعف أرزاقهم،
(11/306)

واظهر للسلطان وابن رائق، انه لم تكن له قدره بدفعهم واضطر لقبولهم.
وغلبت على الدنيا الطوائف، فصارت واسط والبصره والاهواز في يدي البريدى، وفارس في يد على بن بويه، وكرمان في يد ابى على بن الياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة ابى على بن بويه ووشمكير، والموصل وديار ربيعه وديار بكر في يد بنى حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، والمغرب وإفريقية في يد ابى تميم، والاندلس في يدي الاموى، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن احمد، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، واليمامه والبحرين في يد ابى طاهر الجنابى.
ولم يبق في يد الراضي وابن رائق غير السواد.
وكان بدر الخرشنى بديار مصر، فضاق مالها عن رجاله، فانحدر عنها، وحصل بهيت، فقصد تلك الديار سيف الدولة فغلب عليها.
وقبض ابو عبد الله احمد بن على الكوفى على ابى محمد بن شيرزاد، وصادره على مائه وعشرين الف دينار.
ووافى ابو طاهر القرمطى الى الكوفه فخرج ابن رائق من بغداد، لثلاث خلون من جمادى الاولى ونزل بستان ابن ابى الشوارب بالياسريه، وراسل أبا طاهر وقرر معه ان يحمل اليه في كل سنه- إذا دخل في الطاعة- طعاما ومالا قدره مائه وعشرون الف دينار، وسار ابو طاهر الى بلده، وسار ابن رائق الى واسط، وقد جاهر البريدى بالخلاف.
وعزل الراضي سليمان بن الحسين عن وزارته، وكانت مدتها عشره اشهر وثلاثة ايام.
واشار ابن رائق على الراضي باستيزار ابى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان بالشام فاستقدمه واستعتبه.
(11/307)

وزارة ابى الفتح بن الفرات للراضى بالله
كانت عند قدومه من الشام، لست خلون من شوال، فقيل لابن مقله: القه فقال:
فقلت لها لا عداك الصواب ... وان كان قولك الا سديدا
أمثلي تطاوعه نفسه ... على ان يرى خاضعا مستزيدا
وبلغ ابن رائق ما خاطب به البريدى اهل البصره، فأتاهم الكوفى وقال له اكتب اليه: اننى انكرت قبولك للحجريه، فاما رددتهم واما طردتهم، واما من انفذت به من أصحابك الى البصره، فإنما فعلت ذلك لحفظها من القرامطة، وقد كفينا امرهم ونفذوا الى بلادهم.
وكان قصد ابن رائق المغالطه، والا يكاشفه بالعداوة.
فكان جواب البريدى، ان اصحابه يتمسكون بالحجريه لقربى بينهم، وانه وان ابعدهم اوحش للجميع، لكنه يقطع أرزاقهم حتى يتصرفوا.
وكان اصحاب البريدى الذين انفذهم مع اقبال غلامه، قد وقعت بينهم وبين اصحاب محمد بن يزداد وتكين الصغدي شحنه البصره لحربهم، فوقعت بينهم، حرب بنهر الأمير، انهزم فيها اصحاب ابن رائق، وانهزموا ثانيه بسكرابان، على فراسخ من الأبله.
ودخل اقبال البصره، وخرج عنها محمد بن يزداد، سالكا طريق البر الى الكوفه، واصعد منها تكين ونيال الصغدي في الماء الى واسط.
وانفذ ابن رائق- وقد عظم عنده الأمر- أبا عمرو والعاقولي برسالة البريدى، تتضمن وعدا ووعيدا، فكان جوابه انه لا يمكنه رد اصحابه عن البصره لان أهلها قد تمسكوا بهم.
ولكن البصريون قد استوحشوا من محمد بن يزداد، لما عاملهم به من سوء السيرة،
(11/308)

فكانوا يظنون عند البريدى خيرا، فرأوا منه ما تمنوا يوما من ايام ابن رائق، فاستدعى ابن رائق بدرا الخرشنى من هيت، فخلع عليه خلعا سلطانيه.
وعول ابن رائق على طرد الكوفى وقال: ظننت انى اتالف به البريدى فحسى من ذنوبه شؤمه على.
وعول على اعاده الحسين بن على النوبختى، وقال: اوجه شفعائه عندي بركته على دولتي، فقال ابن مقاتل: لا ذنب للكوفى في هذا، ولا فائده في استعاده الحسين ابن على، وهو سقيم طريح، وأنت ذاكر قولي لك: احفظ البصره، فقلت ان تكين ونيال ليحفظانها.
فاحضر الكوفى، واستخلفه على موالاته ومعاداه البريدى.
وخلع ابن رائق على بجكم، وسيره وانفذ بعده بدرا الخرشنى الى الاهواز، وانفذ معهما ابن ابى عدنان الراسبى مشيرا ودليلا، وامر احمد بن نصر القشورى بالمقام بالجامده، وامر بجكم ان يسير الى البصره، فيصير البريدى بينه وبين بدر.
وبادر بجكم ولم ينتظر بدرا، وسار في ثلاثمائة غلام اتراكا، فلقيه ابو جعفر الجمال في عشره آلاف رجل بأتم آلة واكمل سلاح، فانهزموا من بين يدي بجكم.
واراد ان ينفرد بالفتح دون بدر، فلما اتى ابو جعفر البريدى قام فلكمه وقال:
ظننت انك تحارب ياقوتا، وقد ادبر بلقاء الاتراك بسودان باب عمار والمولدين، وضم اليه ثلاثة آلاف، فقال ابو جعفر: قد تمكنت هيبة الاتراك في قلوب أصحابنا، وستعلم حالهم.
فطرح بجكم نفسه في الماء بتستر، فانهزم اصحاب البريدى بغير قتال، فخرج ابو عبد الله ومعه اخوه في طيار، وحملوا معهم ثلاثمائة الف دينار، كانت في خزانتهم، فغرقوا بالنهروان فاخرجهم الغواصون، واخرج لبجكم بعض المال، فقال ابو عبد الله:
والله ما نجونا بصالح أعمالنا من الغرق، ولكن لصاعقه يريدها الله تعالى بهذه الدنيا، وقال له اخوه ابو يوسف: ويحك! ما تدع التطايب في كل حال ودخل بجكم الاهواز وكتب ابن رائق بالفتح
(11/309)

ولما وصل ابو عبد الله الى الأبله ومعه اخواه، انفذ إقبالا غلامه الى مطاره، واقام هو واخواه في طياراتهم، وأعدوا ثلاثة مراكب للهرب خوفا من ان تتم على اقبال من عسكر الجامدة بمطايا ما تم على ابى جعفر بالسوس.
فاخرج البريدى أبا الحسين بن عبد السلام لمعاضده اقبال، فانهزم اصحاب ابن رائق ومتقدمهم احمد بن نصر القشورى، واسر برغوت غلام ابن رائق، فاطلقه البريدى وكتب معه كتابا يستعطف فيه ابن رائق.
ودخل البريديون البصره، فاطمأنوا، ولم يمكن بجكم ان يسير الى البصره لخلوها من آله الماء.
وعاد بدر الخرشنى الى واسط، فانفذه ابن رائق في الطيارات الى البصره للحرب.
وانفذ أبا العباس احمد بن خاقان الى المذار، فلقيه اصحاب البريدى فأسروه وحملوه اليه، فاطلقه واستحلفه الا يعود الى حربه.
فلما اتصلت الهزيمة بابن رائق، سار من واسط الى البصره على الظهر للنصف من شوال، وكتب الى بجكم ان يلحق به بعسكر ابى جعفر، وانفذ بدرا الى ابن عمر وانفذ البريدى غلامه إقبالا بواسط، فحصل بدر في الكلا وحصل اقبال بالرصافة.
ولما ملك بدر الكلا هرب البريدى الى جزيرة أوال، وخرج الجند والعامه لدفع بدر.
ووافى ابن رائق وبجكم الى عسكر ابى جعفر ضحوه النهار من يوم ورود بدر الكلا، وعبر ابن رائق وبجكم دجلة البصره، وتبعهما احمد بن نصر، فرأوا من العامه ما بهرهم، حتى رجموا طيار احمد فغرقوه.
وهرب ابو عبد الله من جزيرة أوال الى فارس، واستجار بعماد الدولة فانفذ معه أخاه معز الدولة.
ووردت الاخبار بذلك، فتقدم ابن رائق الى بجكم بالانصراف الى الاهواز ليحميها، فقال: لست احارب الديلم الا بعد ان تحصل لي اماره الاهواز، فضمنه إياها بمائه وثلاثين الف دينار محمولة، واقطعه اقطاعا بخمسين الف دينار ونفذ
(11/310)

ومن عجيب الاتفاق ان طاهرا الجبلي قصد ابن رائق الى واسط مستأمنا، فلم يجده، فانحدر اليه الى عسكر ابى جعفر، فتلقاه كتاب جاريته وابنه انهما حصلا في يد ابى عبد الله البريدى بفارس فاكرمهما.
فعند ذلك، سار طاهر في مائتي رجل، وتبعه عسكر البريدى في الماء، فانهزم بدر الى واسط، وانهزم ابن رائق الى الاهواز، فأشير على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، واقام عنده مكرما، حتى وافاه فاتك غلامه من واسط، فرجع معه إليها، وخلف بجكم بالاهواز، وخلف ابو عبد الله البريدى عند عماد الدولة ابنه أبا الحسين محمدا، وأبا جعفر الفياض رهينه، وسار مع ابى الحسين معز الدولة الى الاهواز فلما نزلوا ارجان، خرج بجكم لحربهم فعاد بعد ثلاثة ايام منهزما، وسبب انهزامه ان المطر اتصل أياما كثيره، فمنع الاتراك ان يرموا بالنشاب، فعاد بجكم وقطع قنطره نهر اربق ورتب عليها جماعه، فكانت المنازله بين معز الدولة وبينهم ثلاثة عشر يوما وعبر معز الدولة في خمسه نفر في سميريه، فهزم من كان هناك من اصحاب بجكم، فعند ذلك قبض بجكم على وجوه اهل الاهواز، فيهم ابن ابى علان ويحيى بن سعيد السوسي، وسار بعسكره الى واسط، وكاتب ابن رائق وهو بها، ان كان عنده مائه الف دينار يفرقها في عسكره، فالوجه ان يقيم، والا فالصواب ان يصعد الى بغداد.
فعند ذلك اصعد، وطالب بجكم حين دخل واسطا من اعتقله من اهل الاهواز بخمسين الف دينار، فقال ابو زكريا يحيى بن سعيد السوسي: اردت ان اخبر ما في نفسه من طلب العراق، فراسلته على لسان الموكل بي: ايها الأمير أنت طالب للملك، معول على خدمه الخلافه، تطالب قوما منكرين في بلاد غربه، ولقد حمى في أمسنا طست، وجعل على بطن سهل بن قطين اليهودي، افما تعلم انه إذا سمع هذا عنك اوحش الاباعد منك! وما تذكر إنكارك على ابن رائق ايحاشه اهل البصره واهل بغداد، وقد حملت نفسك على مثل ما كان يعمل مزداويج باهل الجبل وبغداد، هي دار الخلافه لا تحتمل هذه الأخلاق.
فلما سمع بهذا الكلام رق وامر بحل قيودنا، واستعقل يحيى بن سعيد السوسي واطلقه، فشفع في الباقين، وكان طاهر الجبلي قد فارق الأمير عماد الدولة بارجان،
(11/311)

فكتب الى أخيه معز الدولة ان يطالب أبا عبد الله البريدى فكتب البريدى الى أخيه ابى يوسف، بالقبض عليه وانفاذه الى فارس ففعل ذلك.
ووصل معز الدولة الاهواز، ونزل البريدى دار ابى على المسروقان، ووافاه اهل الاهواز داعين مهنئين، وكان البريدى يحمى الربع، فدخل عليه يوحنا الطبيب وكان حاذقا، فقال له: ما تشير على؟ قال ان تخلط- وعنى بذلك في المأكولات- لترمى بالاخلاط، فقال: اعظم مما خلطت يا أبا زكريا لا يكون، قد ارهجت ما بين فارس والحضره، فان اقنعك هذا، والا ملت الى الجانب الآخر، وارهجتها الى خراسان.
وسبب معز الدولة على البريدى بعد ان اقام معه خمسه وثلاثين يوما بخمسه آلاف الف درهم، باحضار عسكره لينفذهم الى الأمير ركن الدولة بأصبهان، فاحضر اربعه آلاف رجل، وقال لمعز الدولة: ان أقاموا بالاهواز جرى بينهم وبين الديلم فتنه، والوجه ان انفذهم مع صاحبي ابى جعفر الجمال للسوس، فأمره بذلك ثم طالبه ان يحضر رجال الماه الى حصن مهدى، ليشاهدهم، فينفذهم الى واسط فاستوحش البريدى وقال: هكذا عملت بياقوت، فلو لم اتعلم الا من قصتي لكفانى.
وكان الديلم يهينونه ويزعجونه من منامه وهو محموم، وكان الأمير ابو الحسين ابن بويه يكرمه وابو على العارض الكاتب يجلس بين يديه ويخاطبه بسيدنا.
فاما بقية القواد من الديلم فكان عندهم بمنزله دنية.
وهرب البريدى من ابن بويه في الماء الى الباسيان، وتبعه جيشه، وكاتبه البريدى انه يضمن منه الاهواز في كل سنه بثمانية عشر الف الف درهم، فأجابه الأمير ابو الحسين الى هذا، وراسله البريدى بالقاضى ابى القاسم التنوخي وابى على العارض: ان نفسه لا تطيب بقرب داره منه.
واستقر الأمر ان يحمل الى معز الدولة ثلاثين الف دينار لنفقه الطريق، فأجاب.
الى ذلك معز الدولة، فانفذ البريدى منها سته عشر ألفا مع التنوخي، فاحتبسه معز الدولة على الباقى ثم اطلقه، وقال دلان للأمير ابى الحسين وهو كاتب جيش معز
(11/312)

الدولة، وكان الصيمرى من اتباعه، فقال: ان البريدى قد سلك معك طريقته مع ياقوت، وغرضه ابعادك الى السوس.
واستحكمت الوحشة بين معز الدولة والبريدى، وانفذ بجكم قائدا من قواده في الفى رجل من الأكراد والاعراب، فغلبوا على السوس وجنديسابور واقام البريدى ببنات ادر، غالبا على اسافل الاهواز، وبقي معز الدولة لا يملك غير عسكر مكرم، وقد احتاط به الأعداء من كل جانب، واضطرب عسكره وفارقوه حتى اتبعهم وترضاهم، وكاتب عماد الدولة بالصورة، فانفذ اليه قائدا من قواده وكان شجاعا، في ثلاثمائة ديلمى، وخمسمائة الف درهم.
وكان ابو على العارض معتقلا بين يدي البريدى، واتهم معز الدولة انه واطاه على ما فعله، وكان يبغض العارض لأنه شاهده وزير ما كان الديلمى، وكان بجكم مملوكه، فطلبه منه ما كان صاحبه، فاهداه اليه.
فعند وصول الرجال والمال، انفذ معز الدولة الصيمرى الى السوس عاملا عليها، وانفذ ثلاثمائة رجل الى بنات ادر، فهرب البريدى الى البصره، فحصلت الاهواز بيد الأمير ابى الحسين، وحصل البريدى بالبصرة، واستقر بجكم بواسط واقام، ابن رائق ببغداد، وهو الذى وضع المآصير ببغداد، وما كانت سمعت بالضرائب من قبله.
وحكى بجكم، ان ابن مقاتل قال لابن رائق: أخطأت حين قلدت بجكم الاهواز.
لأنه إذا حصل بها نازعك في امرك، وقد عرفت منازعه البريدى لك، وهم اصحاب دراريع، قال: بلغنى ذلك، فأخذت معى عشره آلاف دينار، وجئته ليلا وقد نام الناس، فقلت في مهم لم يعلم به احد، ولولا ان الترجمان محمد بن نيال يخبر عنى ما استصحبته، وقد توقف الأمير عن تقليدي للاهواز، واسالك ان تأخذ هذه العشرة آلاف دينار، وتمضى عزمه فيما نواه.
فلما راى الدنانير مال إليها، وكان ذلك سبب ولايتى.
(11/313)

سنه ست وعشرين وثلاثمائة
[أخبار]
لما ورد ابن رائق بغداد، اطمعه الوزير ابو الفضل في اموال مصر والشام، وزوج ابنه أبا القاسم بابنه ابن رائق، وزوج ابن رائق ابنه بابنه طغج.
وخرج الوزير ابو الفضل الى الشام، واستخلف بالحضرة أبا بكر البقرى، فلما بلغ هيت ضعف امره، وقوى امر ابى عبد الله الكوفى، وقلد ابن رائق اعمال الاهواز، فدعاه بجكم الى كتابته فأجابه.
وسفر ابو جعفر بن شيرزاد في الصلح بين ابن رائق والبريدى وأخذ خط الراضي بالرضا عنهم، وقطعت لهم الخلع، على ان يقيموا الخطبه بالبصرة لابن رائق، وان يفتحوا الاهواز وان يحملوا ثلاثين الف دينار، واطلقت ضياعهم بالحضرة وبلغ ذلك بجكم فجزع لهذا الصلح.
واشار عليه يحيى بن سعيد السوسي، بحرب البريدى، فانفذ اليه البريدى أبا جعفر الجمال، فالتقيا بشابرزان، فانهزم الجمال، وانفذ يعاتب البريدى ويقول له: جنيت على نفسك باستجلاب الديلم أولا، وبمظافره ابن رائق ثانيا، وانا أعاهدك ان اوليك وسطا إذا ملكت الحضره، فسجد البريدى لما بلغته رسالته شكرا لله تعالى، ووصل رسوله بثلاثة آلاف دينار، وحلف بمحضر من القاضى ابى القاسم التنوخي والقاضى ابى القاسم بن عبد الواحد بالوفاء لبجكم.
وكان ابن مقله يسال ابن مقاتل والكوفى في رد ضياعه، فيمطلونه، فكتب الى بجكم والى أخي مزداويج يطمعهما في الحضره، وكاتب الراضي بالله يشير بالقبض على ابن رائق، وتوليه بجكم، وكتب الى بجكم ان الراضي قد استجاب لذلك.
وظن ابن مقله انه قد توثق من الراضي، وبذل له استخراج ثلاثة آلاف الف دينار، ان قلده الوزارة، فوافقه على ان ينحدر اليه سرا، الى ان يتم التدبير على ابن رائق، فركب من داره في سوق العطش في طيلسان، وسار الى الأزج بباب البستان،
(11/314)

فانحدر في سميريه ليله الاثنين لليلة بقيت من شهر رمضان، وتعمد تلك الليلة ان يكون القمر تحت الشعاع، وذلك يختار للأمور المستوره.
فلما وصل الى دار السلطان، لم يصله الراضي واعتقله في حجره، وبعث بابى الحسن سعيد بن سنجلا الى ابن رائق واخبره بما جرى، واظهر للناس حاله رابع عشر شوال، واستفتى الفقهاء في حاله، وعرفهم ما كاتب به بجكم، فيقال ان القاضى أبا الحسين عمر بن محمد افتى بقطع يده، لأنه سعى في الارض فسادا، فامر الراضي باخراجه الى دهليز التسعينى، وحضر فاتك حاجب ابن رائق والقواد، فقطعت يده اليمنى، ورد الى محبسه من دار السلطان، وامر الراضي بمداواته، فكان ينوح على يده ويقول: يد قد خدمت بها الخلفاء ثلاث دفعات، وكتب بها القرآن دفعتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص! ثم قال: ان المحنة قد تشبثت بي وهي تؤدينى الى التلف وتمثل:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فان الشيء من بعض قريب
وقطع لسانه لما قرب بجكم الحضره، ومات فدفن في دار السلطان، ثم طلبه اهله فنبش وسلم اليهم، نبشته زوجته الدينارية فدفنته بدارها بغله صافى، فنبش بعد موته ثلاث دفعات فهذا عجب.
ومن العجائب انه وزر لثلاث خلفاء، وابن الفرات وزر لخليفه واحد ثلاث دفعات، وابن مقله وزر ثلاث دفعات لثلاث خلفاء، ودفن بعد موته ثلاث دفنات
(11/315)

وصول بجكم الى الحضره وتفرده بالإمرة
ولما وافى بجكم ديالى انهزم ابن رائق بعد ان فتح من النهروان بثقا الى ديالى ليكثر ماؤه، فعبر اصحابه سباحه، وصار ابن رائق الى عكبرا، واستتر الكوفى وابن مقاتل.
ووصل بجكم الى الراضي ثانى عشر ذي القعده، فخلع عليه والطالع العقرب، وسار بالخلع الى مضربه بديالى، وانفض جيش ابن رائق عنه، فدخل بغداد واستتر.
وخلع على بجكم دفعتين بعد ذلك، ومضى الى دار مؤنس بسوق الثلاثاء، وهي التي كان ينزلها ابن رائق فنزلها.
فكانت اماره ابن رائق سنه وعشره اشهر وسته عشر يوما، ومده كتابه الكوفى له وتدبيره المملكة تسعه عشر شهرا وثمانية ايام.
قال ابو سعيد السوسي: قال لي بجكم بحضره اصحابه: معى خمسون الف دينار لا احتاج إليها، فلما كان بعد ذلك قال لي: تدرى كم كان معى ذلك اليوم؟ قلت:
لا، قال: كان معى خمسون الف درهم، فقلت: اتراك لم تثق بي فكنت تطلعني على الحال! فقال: لو اطلعتك ضعفت نفسك وضعف كلامك، وعولت عليك في رساله، فعجبت من دهائه.
ومات ابو عبد الله النوبختى بعلة السل.
وظفر الراضي بابى عبد الله الكوفى، فسأله فيه ابو الحسن سعيد بن سنجلا حتى صادره على اربعين الف دينار.
واقر الراضي الوزير أبا الفتح على الوزارة وهو بمصر.
وفي شهر رمضان انفذ ملك الروم كتابا بالرومية يتضمن سؤال الراضي الفداء، وكانت الترجمه بالعربية مكتوبه بالفضة، وانفذ مع الكتاب هديه جليله، فأجاب ابن ثوابه عن الكتاب، وفي آخره: وقد اسعفكم امير المؤمنين بما احببتم من هديتكم ورد الرسائل بما سنح من مروءتكم، صيانة لكم عن الاحتشام، ورفعا عندكم من الاغتنام.
وخاطبه ملك الروم بالشريف البهي ضابط سلطان المسلمين، وخاطبهم الراضي برءوساء الروم.
(11/316)

سنه سبع وعشرين وثلاثمائة
[أخبار]
واخر الحسن بن عبد الله بن حمدان مال ضمان الموصل، فصار الراضي الى تكريت، وانفذ بجكم الى الموصل، فلقيه زواريق فيها هديه ابن حمدان، فأخذها بجكم، وعبر فيها جيشه الى الجانب الغربي، وسار فالتقى هو وابن حمدان بالكحيل، فانهزم اصحاب بجكم واستؤسر ابو حامد الطالقانى، ثم حمل بجكم بنفسه على ابن حمدان حمله صادقه، فانهزم ابن حمدان رابع المحرم ومضى الى آمد، واتبعه بجكم الى نصيبين، فسار حينئذ الراضي في المساء الى الموصل، وانصرف عنه من تكريت القرامطة، الذين تبعوه الى بغداد مغضبين لتاخر أرزاقهم، فظهر ابن رائق وانضموا اليه.
وكتب الراضي حين بلغته الصورة الى بجكم، فاستخلف على اصحابه، وجاء الى الموصل، فجرى بين اصحابه وبين أهلها فتنه، فركب ووضع فيها السيف، واحرق مواضع في البلد.
ورجع الحسن بن عبد الله بن حمدان الى نصيبين، وانصرف عنها من خلفه بجكم بها، فاخذ اصحاب بجكم يتسللون من الموصل الى بغداد، وينضمون الى ابن رائق، فزاد في قلق بجكم، ولم يعرف ذلك ابن حمدان، فاطلق أبا حامد الطالقانى، وساله ان يسعى في الصلح، وبذل له الف الف درهم فاستأذن بجكم الراضي في ذلك، فاذن له في امضائه، فرد الطالقانى وأبا الحسين بن ابى الشوارب، وانفذ معهما باللواء والخلع.
وصاهر بجكم أبا محمد بن حمدان.
وانفذ ابن رائق أبا جعفر بن شيرزاد الى بجكم يلتمس الصلح.
وانحدر الراضي وبجكم الى بغداد، بعد ان راسلا ابن رائق بقاضى القضاه ابى الحسين، في تمام الصلح، وولوه طريق الفرات وجنديسابور وديار مضر
(11/317)

والعواصم، فسار إليها قبل وصولهم.
وبلغ الراضي ان عبد الصمد بن المكتفي راسل ابن رائق ان يتقلد الخلافه، فقبض عليه، ويقال قتله.
وفي جمادى مات الوزير ابو الفتح بن جعفر بن الفرات بالرملة، ودفن هناك.
وشرع ابن شيرزاد في الصلح، بين بجكم والبريدى ثم ضمن البريدى اعمال واسط بستمائة الف دينار
. وزارة البريدى ابى عبد الله للراضى بالله
فلما مات ابو الفتح، شرع ابن شيرزاد للبريدى في الوزارة، فانفذ اليه الراضي بقاضى القضاه ابى الحسين فامتنع من تقلدها، ثم استجاب لذلك، ووليها في رجب، وخلفه ابو بكر محمد بن على البقرى بالحضرة، كما كان ابن الفرات.
ولما تقلد البريدى الوزارة، قال فيه ابو الفرج الاصفهانى قصيده أولها:
يا سماء اسقطى ويا ارض ميدى ... قد تولى الوزارة ابن البريدى
جل خطب وجل امر عضال ... وبداء أشاب راس الوليد
هد ركن الاسلام وانهتك الملك ... ومحت آثاره فهو مودى
اخلقت بهجه الزمان كما اخلق ... طول الزمان وشى البرود
يا لقومى لحر صدري وعولي ... وغليلى وقلبي المعمود
حين سار الخميس يوم خميس ... في البريدى في ثياب سود
سودت اوجه الورى وعلتهم ... إذ علته بذله وهمود
قد حباه بها الامام اصطفاء ... واعتمادا منه بغير عميد
خلع تخلع العلا ولواء ... عقده حل عروه المعقود
كان اولى من لبسه خلع الملك ... بغل يسوده وقيود
(11/318)

وهي قصيده طويله آخرها:
في سبيل الاسلام خير سبيل ... محو رسم الاسلام والتوحيد
لا يسرن غافل بعد هذا ... بوليد لا يرع لفقيد
فاستهلى يا عين بالدمع سحا ... وقليل ان تذرفى وتجودى
وحكى ان البريدى ابو عبد الله قال لندمائه: من فيكم يحفظ قصيده الاصفهانى التي هجانى بها؟ فأنكروا مع معرفتها، فقال: بحقي عليكم انشدونى إياها فقال احدهم: اما مع قسمك فنعم فلما بلغ الى قوله.
وكان احد قواد بجكم ابراهيم بن احمد أخو نصر بن احمد، صاحب خراسان فقلده بجكم الشرطه ببغداد.
وعمل ابراهيم لبجكم دعوه، جمع طباخى دار الخلافه لها، وانفق فيها زياده على عشرين الف دينار
(11/319)

سنه ثمان وعشرين وثلاثمائة
[أخبار]
في مستهل المحرم ورد خبر، بان أبا الحسن على بن عبد الله بن حمدان، اوقع بالدمستق وهزمه.
وفي آخره تزوج بجكم ساره، بنت الوزير ابى عبد الله البريدى، بحضره الراضي، والصداق مائه الف درهم.
وكان جيش البريدى قد قتل قائدين من الديلم، فاستنجد معز الدولة، أخاه ركن الدولة، وكان مقيما بإصطخر، فأتاه طاويا للمنازل، فوصل الى واسط في عشره ايام، والبريدى مقيم بغربيها، فانحدر لحربه بجكم مع الراضي، فانصرف عنها، ومضى من فوره الى أصبهان ففتحها فعاد عند مضيه الراضي وبجكم الى بغداد.
وفي رجب، قتل طريف السبكرى بطرسوس.
وفي شعبان توفى قاضى القضاه ابو الحسين، فتوسط ابو عبد الله بن ابى موسى الهاشمى امر ابنه ابى نصر، على عشرين الف دينار، حتى ولى مكانه.
روى الخطيب عن القاضى ابى الطيب قال: سمعت أبا الفرج المعافى بن زكريا الجريرى يقول: كنت احضر مجلس ابى الحسين بن ابى عمر يوم النظر، فحضرت انا واهل العلم، فدخل اعرابى له حاجه، فجلس فجاء غراب فقعد على نحله في الدار، وصاح وطار، فقال الأعرابي: هذا الغراب يقول: ان صاحب هذه الدار، يموت بعد سبعه ايام، وقال: فصحنا عليه، وزبرناه، فقام وانصرف.
واحتبس خروج ابى الحسين، فإذا به قد خرج إلينا الغلام وقال: القاضى يستدعيكم، فقمنا فدخلنا، فإذا به متغير اللون منكسف البال مغتم، فقال: اعلموا انى احدثكم بشيء قد شغل قلبي، وهو انى رايت البارحه في المنام شخصا وهو يقول:
منازل آل حماد بن زيد ... على اهليك والنعم السلام
وقد ضاق صدري، فدعونا له وانصرفنا، فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن رحمه الله
(11/320)

وانفذ الى على بن عيسى الوزير بمال في بعض نكباته وكتب اليه:
وتركي مواساتي اخلاى في الذى ... تنال يدي ظلم له وعقوق
وانى لأستحي من الله ان ارى ... بعين اتساع والصديق مضيق
وتوفى في هذا الشهر، ابو بكر بن الأنباري، معلم اولاد الراضي بالله، ومن جمله تصانيفه كتاب الزاهر، وكان يحفظ مائه وعشرين تفسير للقرآن، ولم يمل بساقط من دفتر، وقال: انى احفظ ثلاثة عشر صندوقا كتبا.
وفي شهر رمضان مات ابو بشر بن يونس القناني النصراني، وهو الذى فسر كتاب المنطق.
وفيه خرج بجكم الى الجبل، فلما بلغ قرميسين، بلغه ان البريدى قد طمع في بغداد، وكان طمعه لأجل دفائن في داره، فعاد بجكم حينئذ، وقد استامن اليه خلق من الديلم، وكان قد أمد البريدى قبل ذلك بخمسمائة رجل، وانفذ معهم أبا زكريا السوسي.
فلما عرف البريدى رجوعه الى بغداد ابلس، وانفذ الى السوسي، فاستحضره، فظن انه يريد القبض عليه، فقال له: أحب ان تصعد الى بجكم فتزيل الوحشة من صدره، وهذه اذنى فخذها، وبعنى، فانى لا اعدل عن رأيك، وقد رتبت لك طيارا وخمسين غلاما لخدمتك.
قال: فقبلت الارض بين يديه، وسرت فما عادت ذهني الا بفم الصلح.
وندم البريدى على انفاذه لي، وسقط عليه طائر يعرفه تعويل بجكم على قصده، وتضمن اغراؤه بي، فكان ذلك من كفاية الله تعالى لي.
ووصلت دير العاقول، وبها احمد بن نصر القشورى.
ولقيت بجكم بالزعفرانيه، واجتهدت به في صلح البريدى، فأبى، وانحدرت معه.
وقبض على ابن شيرزاد، لأنه اشار عليه بمصاهره البريدى، وأزال اسم البريدى عن الوزارة، فكانت وزارته سنه واربعه اشهر واربعه عشر يوما، واوقع اسمها على ابى القاسم سليمان بن الحسن.
(11/321)

وزارة ابى القاسم سليمان بن الحسن
وخلع عليه وانحدر بجكم بعد ان ضبط الطريق ممن ينشر خبره، فوقع على حديديه طائر، فأخذه وإذا به كتاب كاتبه يعرف أخاه انحداره وسائر اسراره، فاحضر الكاتب واوقفه، فلم يجحد فرمى به في الزبانيات حتى قتل، ورمى به في الماء.
وانحدر فوجد البريدى قد انحدر عنها.
وفي ذي الحجه، ورد بان رائقا اوقع بابى نصر بن طغج، أخي الإخشيد، فانهزم اصحاب ابى نصر بعد ان قتل وكفنه ابن رائق وانفذه في تابوت الى أخيه، واستأسر قواده، وانفذ مع التابوت ابنه أبا مزاحم بن رائق، وكتب معه يعزيه ويعتذر ويقول: ما اردت قتله، وقد انفذت ابنى لتقيده به، فتلقى الإخشيد فعله بالجميل، وخلع على ابنه ورده الى ابيه، واصطلحا على ان يفرج ابن رائق للإخشيد عن الرملة، ويكون باقى الشام لابن رائق، ويحمل اليه الإخشيد في كل سنه مائه واربعين الف دينار.
وكان بدر بن عمار الأسدي الطبرستاني، يتقلد حرب طبرية لابن رائق، وهو الذى مدحه المتنبى بقصائد عده.
وعاد ابو نصر محمد بن ينال الترجمان من الجبل منهزما من الديلم، فانفذ بجكم من واسط بمن ضربه في منزله بالمقارع وقيده، ثم رضى عنه.
وانحدر ابو عبد الله الكوفى الى واسط، واستقرت له كتابه بجكم، فكانت كتابه ابن شيرزاد تسعه عشر شهرا وثلاثة عشر يوما.
والتقى ركن الدولة بوشمكير، وانهزم الفريقان، ركن الدولة الى اصفهان، ووشمكير الى الري.
وفيها مات جستان وفيها توفى ابو عبيد الله القمي، الوزير لركن الدولة، وتقلد مكانه ابو الفضل بن العميد.
(11/322)

سنه تسع وعشرين وثلاثمائة
[أخبار]
فيها صادر بجكم ابن شيرزاد، وقال: اردت ان اعلم ايساره، فقلت: ان عندي مائه الف دينار، اريد ايداعك إياها، فما ارتاع، وحملتها اليه، وطلبتها بعد مده، فكان يحملها تفاريق، فقلت: ما السبب في هذا؟ فقال: اننى لا آمن غير أختي، ولا تقوى على حمل المال دفعه واحده، فقبض على اخته، وبلغ بالقبض عليها ما اراده من ماله.
وفي ليله النصف من شهر ربيع الاول مات الراضي بالله، وقد انكسف القمر جميعه، وكان موته بعلة الاستسقاء.
وكان الراضي رحمه الله سمحا شاعرا سخيا أديبا، ومن شعره يرثى المقتدر رحمه الله:
بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا فلو ان حيا كان قبرا لميت لصيرت احشائى لأعظمه قبرا ولو ان عمرى كان طوع مشيئتى وساعدني المقدار قاسمته العمرا وحكى الخطيب في تاريخه قال: كتب الراضي الى أخيه المتقى، وقد جرى بينهما شيء في الكتب: انا معترف لك بالعبودية، والمولى يعفو، وقد قال الشاعر:
يا ذا الذى يغضب من غير شى ... اعتب فعتباك حبيب الى
أنت- على انك لي ظالم ... أعز خلق الله طرا على
(11/323)

خلافه المتقى لله
وهو ابو إسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله، أمه رومية، وكانت خلافته ثلاث سنين واحد عشر شهرا.
ورد كتاب بجكم، لما بلغه موت الراضي بالله رحمه الله عليه، على ابى عبد الله الكوفى يأمره ان يجمع كل من كان يتقلد الوزارة بالحضرة، واصحاب الدواوين والقضاه والفقهاء والعلويين والعباسيين ووجوه البلد، ويحضرهم الى ابى القاسم سليمان بن الحسن، وينصبون الخلافه من يحمدونه.
فلما اجتمعوا قال محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى: يكون الخطاب سرا، فخلا الكوفى في بيت وجعل الرجل والرجلان يدخلان اليه، فيقول لهما: قد وصف لنا ابراهيم بن المقتدر بالله، فيظنان ان ذلك عن امر ورد من بجكم في معناه، فيقولان:
هو لذلك اهل، فاحضر الى دار بجكم وعقد له الأمر ولقب المتقى لله.
وحمل الى بجكم من دار الخلافه قبل تقلد المتقى فرش وآلات اختارها.
وانفذ المتقى لله عند بيعته مع ابى العباس الاصفهانى، خلعا ولواء الى بجكم، وخلع على سلامه الطولونى، وقلده حجبته، واقر أبا القاسم سليمان بن الحسن على الوزارة.
وورد الخبر بدخول ابى على بن محتاج في جيش خراسان الى الري، وقتله ما كان الديلمى صاحب جرجان، وحاصر من بها حتى تركها، ومضى الى ساريه، فاستولى ابو على على جرجان.
وتعاضد ابو على وركن الدولة، على محاربه وشمكير، حين اعتضد بما كان، والتقى الفريقان واظهر ما كان شجاعة شديده، فأتاه، سهم عائر، فنفذ في خوذته وطلع من قفاه فسقط ميتا
(11/324)

وافلت وشمكير، بعد ان اسر اكثر اصحابه.
وحمل ابن محتاج من رءوس القتلى سته آلاف راس الى خراسان، فيهم راس ما كان وجلس ابو على بن محتاج للعزاء، واظهر الحزن عليه.
وقال الحسن بن الفيروزان ابن عم ما كان: ان وشمكير، اسلمه، وكان الحسن شجاعا، وقصد ابن محتاج فقبله، وقصد وشمكير، فكان بينهما حرب على باب ساريه أياما.
ثم ورد على ابى على وفاه صاحبه نصر بن احمد، فصالح وشمكير وأخذ ابنه رهينه، وانحدر معه الحسن بن الفيروزان، وحقد عليه كيف لم يستخلفه على حرب وشمكير، وانتهز غرته حين قاربا خراسان، فوثب عليه فافلت منه، وقتل حاجبه وانتهب سواده، واستعاد رهينه ابن وشمكير، وعاد الى جرجان فملكها، فصالحه الحسن، ورد عليه ابنه.
ثم ان ركن الدولة قصد الري، وحارب وشمكير، فهزمه واستامن اليه اكثر رجاله، وصار بعد انهزامه الى خراسان، وتزوج ركن الدولة بنت الحسن، وهي والده فخر الدولة.
وفي هذه السنه، فرغ من بناء مسجد براثا، وجمع فيه.
وفيها ابتدأ الغلاء ببغداد، وبلغ الكر من الدقيق مائه وستين دينارا، وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعه من غير غسل ولا صلاه، وظهر من قوم فيهم دين وصدقه عطف على الأحياء وتكفين الموتى، وظهر من آخرين فجور ومنكرات، وكان على بن عيسى والبقرى يكفنان الناس على أبواب دورهما.
وسقطت القبه الخضراء، التي هي قبة المنصور المعروفه بقبه الشعراء.
ونكب الكوفى هارون اليهودي جهبذ ابن شيرزاد، وبقي عليه من مصادرته ستون الف
(11/325)

دينار، فأخذت داره، وكانت قديما لإبراهيم بن احمد الماذرائى، راكبه دجلة والصراة، وفيها بستان ابى الفضل الشيرازى ودار المرتضى، وحمل هذا اليهودي الى بجكم بواسط، فضرب بين يديه بالدبابيس حتى مات.
واظهر بجكم العدل بواسط، وبنى دار ضيافه، وعمل البيمارستان ببغداد.
وخرجت الشتوة جميعها بغير مطر.
وانبثق نهر رفيل ونهر بوق فلم يتلاقيا، حتى خربت بادوريا بضع عشره سنه.
وانفذ البريدى جيشا الى المذار فانفذ بجكم بتوزون، فهزمهم بعد ان كسروه.
وجلس في رجب المعروف بغلام القاضى بجامع الرصافه، وقص على مذاهب اهل العدل، واجتمع اليه الناس.
ونصبت القباب بباب الطاق والرصافه لزوار الحائر على ساكنه السلام.
وتوفى البربهارى مستترا، ودفن في تربه نصر القشورى.
وانحدر بجكم حين بلغه كسر توزون أولا، ولم يبلغه كسره لأصحاب البريدى وتمم، وقد عرف الغناء عن حضوره، فلما بلغ نهر جور، شره الى اموال اكراد هناك، وقصدهم متهاونا بهم في عدد يسير من غلمانه في قميص، فهرب الأكراد من بين يديه، واستدار احدهم من ورائه من غير ان يعرفه، فطعنه بالرمح في خاصرته فقتله، وذلك بين الطيب والمذار، يوم الأربعاء لتسع بقين من رجب.
وكان البريديون قد عملوا على الهرب، فوافاهم من عسكره الف وخمسمائة ديلمى، فقبلوهم.
وعاد تكينك بالاتراك الى بغداد، فنزلوا النجمى وأظهروا طاعه المتقى.
وصار احمد بن ميمون كاتب المتقى لله قديما، يدبر الأمور والكوفى من قبله
(11/326)

فكانت اماره بجكم سنتين وثمانية اشهر وتسعه ايام، وكتابه الكوفى له خمسه اشهر وثمانية عشر يوما.
وكان بجكم يدفن أمواله وحده، فتتبع احد غلمانه اثره، واستدل على موضع المال، ودل المتقى على ذلك، فاستخرج مالا عظيما، ودفع التراب الى الحفارين فلم يقنعوا، فامر بغسله، فاخرجوا من التراب سته وثلاثين الف درهم.
قال ثابت بن سنان: قال بجكم: قلت: الصواب ان ادفن في الصحراء، فربما حيل بيني وبين دارى، وكان الناس يشنعون اننى اقتل من يدفن معى، وما كنت افعل ذلك، بل كنت آخذ المال في الصناديق، واترك معها الرجال الذين أثق بهم واحملهم فيها مقفلا عليهم على البغال، واقود بنفسي القطار، وافتح عن الرجال، ولا يدرون اين هم من الارض، وإذا دفنوا اعدتهم على هذه الصفة.
وقدم الترجمان من واسط، فاقره المتقى لله على الشرطه ببغداد.
واصعد البريديون الى واسط في سبعه آلاف رجل، فانفذ اليهم المتقى الى واسط ثمانية وخمسين الف دينار، وامرهم بالمقام بواسط فلم تقنعهم.
وفرق المتقى في الاتراك أربعمائة الف دينار.
واصعد البريدى من واسط الى بغداد، فلما قرب اضطربت الاتراك البجكميه وسار بعضهم الى الموصل واستامن بعضهم اليه.
واستتر الكوفى، وانتقل كثير من ارباب النعم، واشار بعض اصحاب على بن عيسى عليه بالاصعاد الى الموصل، فاستاجر سفنا ليصعد فيها رحله بمائتي دينار، ثم استدعى صاحبه فقال: ايهرب مخلوق الى مخلوق! اصرف الدنانير في الصدقه.
وانحدر البريدى حين قرب، فتلقاه واكرمه، ومنعه ان يخرج من طيارة، وانتقل اليهم وشكر بره.
ودخل البريدى بغداد، ومعه ابو الحسين، فابنه ابو القاسم، وابو جعفر بن شيرزاد، لليلتين خلتا من شهر رمضان، ونزلوا الشفيعى وكان معه من الزبازب والطيارات والحديديات والشذآت ما لا يحصى
(11/327)

وتلقاه الوزير ابو الحسين بن ميمون، والكتاب والعمال والقضاه، وانفذ المتقى يعرفه انسه بقربه، وحمل اليه الطعام والهدايا عده ليال.
وكان ابن ميمون والبريدى يخاطب كل واحد منهما صاحبه بالوزارة، ثم انفرد بها البريدى خاصه.
فكانت وزارة ابن ميمون شهرا وثلاثة ايام، ثم قبض عليه واحدره الى البصره فمات بها.
فاستكتب المتقى لله على خاص امره أبا العباس احمد بن عبد الله الاصبهانى.
ولم يلتق البريدى بالمتقى، ومضى اليه الأمير ابو منصور بن المتقى لله بالنجمى ليسلم عليه، فلبس البريدى ثياب سواده، وتلقاه في احسن زي، ونثر عليه الدنانير.
وراسل ابو عبد الله البريدى المتقى لله على يد القاضى احمد بن عبد الله ابن إسحاق الخرقى وابى العباس الاصبهانى يطالبه بحمل المال، فقال للقاضي: انصحه وعرفه خبر المعتز والمهتدى بالله، والله ان خليته مع الأولياء ليطلبن نفسه فلا يجدها.
فكان الجواب، ان حمل اليه خمسمائة الف دينار، فوهب للخرقى منها خمسه آلاف دينار بعد مائه وخمسين الف دينار.
وكان البريدى يأمر عسكره بالتشغيب على الخليفة، فرجعت المكيدة عليه، حتى شغبوا.
واجتمع الديلم، فراسوا على انفسهم كورنكج بن الفارضى الديلمى، بالقبض عليه، وقصدوا البريدى وهو بالنجمى، وعاونهم العامه، فقطع البريدى الجسر، ووقعت الحرب في الماء ووثبت العامه بأسباب البريدى في الجانب الغربي فهرب ابنه واخوه في الماه الى واسط ونهبت داره ودور قواده، وحمل بعض ما حمل اليه المتقى من المال.
واستتر ابن شيرزاد، فنهبت داره ودور قواده.
وظهر سلامه الطولونى وبدر الخرشنى.
وهرب البريدى من بغداد.
(11/328)

اماره كورنكج
وحصلت الإمارة لكورنكج ثانى شوال، ولقى المتقى في ثالثه، فقلده امير الأمراء وعقد له اللواء وخلع عليه.
ودبر الأمر على بن عيسى واخوه من غير تسميه بوزاره.
وغرق الأمير ابو شجاع كورنكج تكينك خامس شوال.
واجتمعت العامه يوم الجمعه، وتظلموا من نزول الديلم في دورهم، وكسروا المنبر، ومنعوا من اقامه الصلاة، وقتل بينهم وبين الديلم جماعه.
فلما كان بعد تسعه ايام من نظر على بن عيسى، استوزر المتقى أبا إسحاق محمد ابن احمد الاسكافى المعروف بالقراريطى.
واخرج الأمير كورنكج أصبهان الديلمى الى واسط، ليحارب البريدى.
وظهر ابن سنجلا وقريبه على بن يعقوب من استتارهما، فقبض القراريطى عليهما حين صارا اليه، وصادرهما بعد مكروه شديد على مائه وخمسين الف دينار.
وبلغ ابن رائق قتل بجكم فسار من الشام.
ولم يقبل ابو محمد بن حمدان من صار اليه من اصحاب بجكم، مثل توزون وصيغون، ونفذوا الى ابن رائق، فكتب اليه المتقى يستدعيه الى الحضره، فسار من دمشق، وعاد أصبهان الى بغداد، وحمل ابو محمد بن حمدان الى ابن رائق مائه الف دينار.
وقبض كورنكج على القراريطى، فكانت مده وزارته ثلاثة واربعين يوما.
وقلد الوزارة أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وخلع المتقى عليه.
وخطب بنو البريدى بواسط والبصره لابن رائق.
فلما قرب ابن رائق من بغداد، خرج اليه كورنكج وانتهى الى عكبرا، واتصلت الحرب بينهما، ثم دخل ابن مقاتل، ومعه قطعه من الجيش، وبعده ابن رائق
(11/329)

وعبر من النجمى الى دار السلطان، وسال المتقى الركوب معه، فركب معه الى الشماسيه، وانحدرا في الماء، ودخل المتقى دار الخلافه، وعبر ابن رائق الى النجمى.
ووصل كورنكج واصحابه الى بغداد وهم في غاية التهاون بابن رائق، وجعلوا يقولون: اين نزلت القافلة الشامية؟
واتى كورنكج دار السلطان، فدافع عنها لؤلؤ وبدر الخرشنى.
وعمل ابن رائق على الرجوع الى الشام، وانفذ سواده.
واتفق حصول ابن رائق في سميريات بدجله ليعبر، فصادفهم كورنكج فراشقوا بالزوينات والنشاب، وصاحت العامه، فهرب كورنكج، ورماهم العامه بالستر والاجر، فانهزم اصحابه واستتر هو.
وظهر الكوفى الى خدمه ابن رائق، وقتل ابن رائق أربعمائة ديلمى صبرا، اعطاهم الامان ولم يسلم منهم غير رجل واحد وقع بين القتلى، ورمى به معهم الى دجلة، وعاش مده طويله، وقتل جماعه من قوادهم، وانهزم بعضهم، فباتوا بخان بجسر النهروان، فسقط عليهم فهلكوا.
وخلع المتقى على ابن رائق لاربع بقين من ذي الحجه، وطوقه وسوره وعقد له اللواء.
وقلده امره الأمراء، والزم الكرخي بيته، فكانت وزارته ثلاثة وخمسين يوما.
واطلق القراريطى الى منزله.
وزادت الفرات في السادس والعشرين من ايار زياده غرقت هيت وسقط سورها، وغرقت محال بغداد، وهدمت القنطرتين بالصراه، وسقطت الدور التي عليها.
وفي هذه السنه، قلد القاضى ابو الحسين احمد بن عبيد الله الخرقى القضاء بمصر والحرمين، وخلع عليه
(11/330)

سنه ثلاثين وثلاثمائة
انحدر ابن رائق في عاشر المحرم الى واسط، حين اخر عنه البريدى ما ضمنه، فهرب عند قربه منها البريدى الى البصره، وانفذ اليه مائه وسبعين الف دينار، وضمن حمل ستمائه الف دينار في السنه.
فاصعد ابن رائق الى بغداد، وانفذ صاحب خراسان الى المتقى لله هدايا من غلمان اتراك وطيب وخيل، على يدي ابى العباس بن شقيق، وانفذ معه برأس ما كان، فشهر ببغداد في دجلة.
وشغب توزون والاتراك على ابن رائق، وساروا الى البريدى فقوى بهم ولقوه بواسط.
وكوتب البريدى من الحضره بالوزارة، واستخلف له ابن شيرزاد، ثم عول على الإصعاد الى الحضره، فركب المتقى وابنه وابن رائق، بين ايديهم المصاحف المنشورة، واستنفروا العامه، ولعن بنو البريدى على المنابر.
واصعد ابو الحسين البريدى الى بغداد في جيش أخيه، فاستامن اليه قرامطه ابن رائق.
وعمل ابن رائق على التحصن بدار السلطان، ونصبت العرادات على سورها، واستنهض العامه، فكان ذلك سببا للفتن واحرقوا نهر طابق، وكبسوا المنازل ليلا ونهارا.
واشتبكت الحرب بين ابى الحسين البريدى وابن رائق في الماء، واشتدت الحرب في حادي عشر من جمادى الآخرة، وملك الديلم من اصحاب البريدى دار السلطان، فخرج وابنه هاربين ومضوا الى باب الشماسيه، فلحق بهم ابن رائق، واصعدوا الى الموصل فيها.
وقيد كورنكج وحده واحدره الى أخيه، فكان آخر العهد به
(11/331)

وكان القاهر محبوسا، فتركه الموكلون به فخرج فرئي وهو يتصدق بسوق الثلاثاء، فبلغ ذلك البريدى، فانفذ بمن اقامه واجرى له في كل يوم خمسه دراهم.
ونزل البريدى دار مؤنس، وقلد توزون الشرطه، فلما وليها سكنت الفتنة، وأخذ ابو الحسين حرم توزون وعيالات القواد رهينه وانفذهم الى أخيه، وغلت الأسعار.
وظلم البريدى الناس، وافتتح الخراج في آذار، وافتتح الجزية، وأخذ الأقوياء بالضعفاء، وقرر على الحنطة وسائر المكيلات من كل كر سبعين درهما، وقبض على خمسمائة كر، وردت للتجار من الكوفه، وادعى انها للحسن بن هارون فقلد الناحية.
وهرب خجخج الى المتقى لله.
وتخالف توزون ونوشتكين والاتراك على كبس ابى الحسين البريدى، فغدر نوشتكين بتوزون.
ونمى الخبر الى الحسين، فتحرز واحضر الديلم فاستظهر بهم.
وقصد توزون دار ابى الحسين، وغلقت الأبواب دونه.
وانكشف لتوزون غدر نوشتكين به، فلعنه، وانصرف ضحوه نهار يوم الثلاثاء، ومضى معه قطعه وافرة من الاتراك الى الموصل، وقاتلت العامه البريدى، فقوى ابن حمدان بتوزون وبالاتراك، وعمل على الانحدار مع المتقى لله الى بغداد، وبلغ ذلك البريدى فكتب الى أخيه يستمده فامده بجماعه من الديلم والقواد.
واخرج ابو الحسين مضربه الى باب الشماسيه، واظهر انه يحارب ابن حمدان، وذلك بعد ان قتل ابن حمدان ابن رائق، وكان سبب قتله، ان ابن حمدان كان بشرقى الموصل وابن رائق والمتقى بغربيها، فما زالت المراسلات بينهم، حتى توثق بعضهم من بعض وانس بهم.
فعبر الأمير ابو منصور بن المتقى لله ومعه ابن رائق، يوم الاثنين لتسع بقين من رجب، الى ابن حمدان، فلقيهم اجمل لقاء ونثر على الأمير الدنانير.
فلما اراد الانصراف ركب الأمير ابو منصور، وقدم فرس ابن رائق ليركب من داخل المضرب، فامسكه ابو محمد بن حمدان، وقال: تقيم عندي اليوم لنتحدث فان بيننا ما نتجاراه، فقال له ابن رائق: امضى في خدمه الأمير واعود، فالح عليه ابن حمدان
(11/332)

إلحاحا استراب به ابن رائق، فجذب كمه من يده حتى تخرق، وكانت رجله في الركاب فشب به الفرس فوقع وقام ليركب، فصاح ابو محمد لغلمانه: ويلكم لا يفوتكم! فقتلوه.
وانفذ للمتقى لله ان ابن رائق اراد ان يغتاله، فرد عليه المتقى انه الموثوق به.
وعبر الى المتقى، فخلع عليه وعقد له لواء، ولقبه ناصر الدولة، وجعله امير الأمراء وكناه، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه على، وعلى ابى عبد الله الحسين بن سعيد ابن حمدان وكتب الى القراريطى بتقليد الوزارة.
ولما قارب المتقى بغداد، هرب ابو الحسين البريدى عنها الى واسط.
ودخل المتقى وناصر الدولة واخوه الشفيعى ولقى القراريطى المتقى وناصر الدولة.
وتقلد ابو الوفاء توزون الشرطه.
وخلع المتقى على القراريطى خلع الوزارة لليلتين خلتا من ذي القعده.
وخلع بعد ذلك، على ناصر الدولة وأخيه وطوقهما وسورهما.
وأتاهم الخبر ان البريدى على قصد بغداد، فعبر حينئذ المتقى وناصر الدولة الى الجانب الغربي، وسار ابو الحسن على بن عبد الله بن حمدان في الجيش الى الكيل، ولقيهم البريدى بها، ومعه ابن شيرزاد وابن قرابه في الديلم وجيش عظيم فكانت الوقعه مستهل ذي الحجه يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعه، ومع ابن حمدان توزون وخجخج والاتراك، فانهزم على واصحابه الى المدائن، فردهم ناصر الدولة الى الكيل، فانهزم حينئذ البريدى، واستؤسر من اصحابه يانس وجماعه من قواد البريدى.
وعاد الى واسط، واستامن الى ابن حمدان محمد بن ينال الترجمان، وجماعه من قواد البريدى، وعاد منهزما مفلولا.
وانحدر سيف الدولة الى واسط، فوجد البريديين قد انحدروا منها فأقام بها.
ودخل ناصر الدولة يوم الجمعه لثانى عشر ليله بقيت من ذي الحجه، بغداد وبين يديه يانس غلام البريدى واصحابه مشهرين على رءوسهم البرانس، وسار في الجانب الغربي الى دار عمه ابى الوليد سليمان بن حمدان، وهي بالقرب من الجسر، ولأجل هذا لقب المتقى لله أبا الحسن على بن حمدان، بسيف الدولة، وكتب في ذلك ابن ثوابه كتابا.
ولأجل هذا يقول المتنبى في قصيدته في سيف الدولة:
(11/333)

انا منك بين مكارم وفضائل ... ومن ارتياحك في غمام دائم
يقول فيها:
ان الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى ابتلاك فكنت عين الصارم
فإذا تتوج كنت دره تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم
قال ابو الفتح: يقال فص وفص والفتح اكثر.
وإذا انتضاك على العدى في معرك ... هلكوا وضاقت كفه بالقائم
وظهر الكوفى لناصر الدولة وخدمه.
وأخذ ابو زكريا السوسي لابن مقاتل أمانا، وشرط ان استقر ما بينه وبين ناصر الدولة، تمم الظهور، والا عاد الى استتاره.
فلما عاد لم يتمش بينهما امر، فقال له: عد الى استتارك، فقال ابن مقاتل: لم أجد عهدا، وان شئت فعلت.
فضج ناصر الدولة من ذلك، وعلم انها حيله وقعت عليه، فصحح امره على مائه وثلاثين الف دينار، وعلى ان ينفذ جيشا الى حلب ليفتحها، وصح له خمسون الف دينار.
ونظر ناصر الدولة في امر النقد، وطالب بتصفيه العين والورق، وضرب دنانير سماها الابريزيه، وبيع الدينار منها بثلاثة عشر درهما، بعد ان كان عشره، وكتب ابن ثوابه عن المكتفي في ذلك كتابا.
وفي هذه السنه توفى ابو الحسن على بن اسماعيل بن بشر الأشعري المتكلم.
وولد سنه ستين ومائتين، ودفن في مشرعه الروايا في تربه الى جانبها مسجد، وبالقرب منها حمام على يسار المار من السوق الى دجلة واخبر بذلك الخطيب عن ابن برهان، وعمرها ابو سعيد الصوفى في زماننا.
(11/334)

سنه احدى وثلاثين وثلاثمائة
[أخبار]
ورد الخبر، بان الأمير معز الدولة وافى من الاهواز الى عسكر ابى جعفر، بإزاء نهر معقل، واظهر ان السلطان كاتبه حتى يحارب البريديين، فأقام مده يحاربهم ثم عاد الى الاهواز.
وورد الخبر بورود الروم قريبا من نصيبين فسبوا واحرقوا.
وضرب ناصر الدولة أبا على هارون بن عبد العزيز الأوار، حتى على ضعف جسمه سبعمائة مقرعه، وصادره على عشرين الف دينار، وكان يكتب لابن مقاتل، وصادر جماعه من أسبابه، وعمل لدار عمه ابى الوليد في دجلة انفق عليها مالا، وزوج ابنته عدويه من الأمير ابى منصور بن المتقى، ووكل في العقد أبا عبد الله بن ابى موسى الهاشمى، وكان الخطيب ابو الحسن الخرقى، فلحن في خطبته، وتمم العقد ابن ابى موسى على صداق خمسمائة الف درهم، وتعجيل مائه الف دينار.
وقبض القراريطى على جماعه من الكتاب وصادرهم.
وقبض على ابى القاسم بن زنجى، فامتنع من الغذاء أياما، وبقي لا يتكلم، فحمله الى منزله خوفا عليه من حادثه في اعتقاله، وظنه انه يموت من يومه، ووكل به في منزله فدبر امره واستتر.
وقبض على ابى الفتح بن داهر العامل، وكان يوسع على المكلفين الموكلين ويسقيهم الشراب، فأطعمهم يوما قطائف منبج، فقام وهرب.
واحدث القراريطى سوما في الظلم، فلم يمهله الله تعالى، فعبر الى دار ناصر الدولة فقبض عليه وعلى اصحابه، فكانت وزارته ثمانية اشهر وسته وعشرين يوما.
وفي جمادى الاولى هرب قطعه من الجيش الى البريدى.
واغاث الله تعالى الضعفاء عند تعذر الخبز بجراد اسود، فبيع كل خمسين رطلا بدرهم.
(11/335)

وزارة ابى العباس الاصفهانى
ولما قبض ناصر الدولة على القراريطى جعل الوزارة الى ابى العباس احمد بن عبد الله الاصفهانى، وخلع عليه المتقى خلع الوزارة، ولبس القباء والسيف والمنطقه، وابو عبد الله الكوفى المدبر للأمور.
وصادر القراريطى على خمسمائة الف درهم، وحمل الى دار ابن ابى موسى الهاشمى.
وكان ناصر الدولة ينظر في احوال الناس كما ينظر اصحاب الشرط، وتقام الحدود بين يديه.
وصار عدل، حاجب بجكم بعده الى ابن رائق، وبعده الى ناصر الدولة، فقلده الرحبه، واستولى عليها وكثر اتباعه، فانفذ ناصر الدولة ببدر الخرشنى لحربه.
فلما صار بدر بالدالية، توقف عن المسير الى عدل، وكاتب لاخشيد محمد بن طغج وهو بدمشق يستاذنه في المسير اليه، فاذن له وانفذ اليه القرب والجمال والروايا، فسلك بدر البريه، ووصل دمشق، فقلده الإخشيد المعاون بها، وجعلت الرحبه واعمال الفرات لعدل، وعامله ابو على النوبختى.
وحصل لعدل من المصادرات الفى الف درهم، فاتسعت يده، وكثر رجاله، واقبل الديلم والاتراك يقصدونه من بغداد في المرقعات فخلع عليهم.
وتمت على عدل الحيله من سهلون كاتب ناصر الدولة، لأنه اراد المضى الى يانس المؤنسى بالرقة، فمنعه عدل من ذلك، فقال له سهلون: قد كثر اتباعك ولا يفيء بمؤونتكم ما في يديك، وانا اكتب عن ناصر الدولة الى يانس، بتسليم الرقة إليك، فتبعه على ذلك.
وبلغا الخانوقه، فقال له سهلون: الرأي ان اتقدمك اليه، فطلب منه رهينه فقال:
(11/336)

ان رآك وقد أخذت رحلي فطن، فتركه، فلما حصل بالرقة مع يانس كاتبا بنى نمير.
فلما عرف عدل الصورة، سار الى نصيبين، فلقيه الحسين بن سعيد بن حمدان، فاستامن اصحاب عدل الى الحسين، فاسره وابنه وسلمهما وأنفذهما الى ناصر الدولة وشهرهما على جملين.
وحصل سيف الدولة بواسط، ودافعه اخوه ناصر الدولة بحمل المال.
وكان توزون وجوجوج يسيئان الأدب عليه، فضاق ذرعا بتحكمهما، فانفذ اليه ناصر الدولة أبا عبد الله الكوفى في الفى الف درهم وخمسين الف دينار.
فلما وصل الى واسط، قام توزون وجوجوج الى الكوفى، فشتماه واسمعاه مكروها، فخباه سيف الدولة في بيت وقال: اما تستحيان منى! فلما كان يوم الأحد آخر شعبان كبس الاتراك سيف الدولة، واحرقوا سواده، فهرب ولزم نهرا يقال له الجازور، فاداه الى قريه تعرف ببرقه، ولزم البريه حتى وصل الى بغداد واتبعوه فرسخا.
وعاد توزون وجوجوج الى معسكرهما.
ووصل الكوفى الى بغداد لليلتين خلتا من شهر رمضان، ولقى ناصر الدولة، وعرفه الصورة، فاصعد الى الشماسيه، وركب المتقى لله اليه، فسأله التوقف عن الخروج من بغداد، ونهبت داره رابع شهر رمضان.
وافلت يانس غلام البريدى وعاد الى صاحبه فاستتر الكوفى وابن مقاتل.
وخرج الديلم الى المصلى، وضبط الاتراك الذين بالبلد بغداد، ثم عاد الديلم.
ودبر الأمور القراريطى.
وانعقدت الرئاسة بواسط لتوزون، بعد منازعه من جوجوج له، ثم تظاهرا، وكانت مده وقوع اسم الوزارة على ابى العباس الاصفهانى أحدا وخمسين يوما، ومده اماره ناصر الدولة ابى محمد الحسن عبد الله بن حمدان ثلاثة عشر شهرا وثلاثة ايام.
وتقدم توزون الى جوجوج بالانحدار الى نهر ابان، ورد البريدى عن واسط انه قصدها
(11/337)

ووافى رسول البريدى عيسى بن نصر الى توزون، يهنئه بالاماره ويسأله ان يضمنه اعمال واسط، ويعرفه ان الرأي ان يعجل الى الحضره، ويخرج ابن حمدان عنها، فأجابه: ان عسكرى عسكر بجكم الذين جربت، وإذا استقرت الأمور تكلمنا في الضمان، واتبعه جاسوسا يعرفه ما يجرى بينه وبين جوجوج، فعاد الجاسوس وعرفه ان جوجوج على الاستئمان الى البريدى، فسار اليه توزون في ثانى عشر شهر رمضان في مائه من الاتراك فكبسه في فراشه.
فلما احس به ركب دابه النوبه، واخذلتا ودفع عن نفسه، ثم أخذ بعد ساعه وحمله توزون الى واسط، فسلمه في دار عبد الله بن يونس
. وزارة ابى الحسين بن مقله
ولما انصرف ناصر الدولة من بغداد، قلد المتقى وزارته أبا الحسين على بن محمد ابن مقله، وخلع عليه في حادي عشر شهر رمضان.
وعاد سيف الدولة الى بغداد، فلما بلغ جرجرايا عرف سيف الدولة ذلك، فاصعد عن باب حرب، لسبع بقين من شهر رمضان، ونزل دار مؤنس.
ولثلاث بقين من شهر رمضان، دخل البريدى واسطا، فاحرق ونهبت واحتوى على الغلات
. اماره توزون
واقام توزون، فخلع عليه المتقى وقلده امره الأمراء، وعقد له لواء، فاسرف بالخلع الى دار مؤنس، واستكتب أبا جعفر الكرخي، وقبض على جماعه من التجار وطالبهم بمال.
وقبض على ابى بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى
(11/338)

واستتر منه ابن ابى موسى الهاشمى لتحققه بناصر الدولة، وكان قد اسر عند هزيمه سيف الدولة غلاما حظيا عند سيف الدولة، فاطلقه ووهبه لسيف الدولة، وبعثه اليه حين حصل ببغداد، فحسن هذا الفعل من ناصر الدولة وسيفها، حتى قال ناصر الدولة:
قد قلدت توزون الحضره، واستخلفته هناك، فسكنت نفسه حينئذ.
وغلا السعر ببغداد، حتى بيع اربعه أرطال بدرهم.
ووجه بالديلم الى قطيعه أم جعفر، فكبسوا الدكاكين، وأخذوا من الدقيق وقر زورقين عظيمين، وواثبهم العامه.
وانحدر ثالث عشر ذي القعده وخلف ببغداد الترجمان.
وخطب ابن مقله كتابه توزون لعمه ابى عبد الله، وانفذ اليه هديه، منها عشرون ثوبا دبيقيا وعشرون رداء قصبا وطيبا، وذلك بعد ان استكتب توزون القراريطى وصرف النوبختى، فلم يجب توزون الى ذلك، وقال: لا يحسن بي صرفه بعد ثلاثة ايام من استخدامى له.
ووافاه بواسط ابن شيرزاد من البصره فتلقاه توزون في دجلة وسر به، وقال:
يا أبا جعفر كملت امارتى وهذا خاتمي فخذه ودبرني بأمرك، فأنت ابى، فقبل ابو جعفر يده.
فانصرف ابن شيرزاد الى دار الصوفى فنزلها، وانفذ أبا الحسن طازاذ الى الحضره لخلعه، وانفذ معه صافيا غلام توزون في خمسين غلاما، ليقوى يده وامر بالقبض على القراريطى، وان يسلمه الى ابن مقله، ومطالبته بالعشرين الف دينار.
وكان سبب تخلص ابن شيرزاد من البريدى ان يوسف بن وجيه صاحب عمان.
وافى البصره في ذي الحجه، في المراكب والشذاآت، وغلب على الأبله، فهرب ابن شيرزاد وطازاذ وابو عثمان سعيد بن ابراهيم كاتب بدر الخرشنى.
وانصرف يوسف، وقد قارب ان يملك البصره، حتى اتى البريدى بفلاح يعرف بالزبارى، فقال: انا احرق مراكبه، وكانت بالليل يشد بعضها الى بعض، كالجسر في عرض دجلة، فاعتمد الزبارى الى زورقين فملأهما زعفا، واضرمهما نارا
(11/339)

وأرسلهما، فوقعت على المراكب، فاشتعلت وتقطعت واحرق من فيها، وانتهب الناس منها مالا عظيما.
وهرب يوسف على وجهه، واستشعر ابن مقله الخوف من ابن شيرزاد، واوقع بين المتقى وتوزون وقال: قد عزم على ان يأخذ منك خمسمائة الف دينار كما أخذ من البريدى، وقال: هذه بقية تركه بجكم.
ووافى ابن شيرزاد الحضره في ثلاثمائة غلام، ووصل الى المتقى، واشار عليه ابن مقله والترجمان بالقبض عليه فلم يفعل.
وفي شهر رمضان ورد الخبر بموت نصر بن احمد صاحب خراسان، وترتب ابنه نوح في موضعه.
واتصلت الفتن ببغداد، فانتقل كثير من تجارها مع الحاج الى مصر والشام.
وورد من ملك الروم كتاب يلتمس فيه منديلا ببيعه الرها، وذكر ان عيسى ابن مريم ع، مسح به وجهه، وانه حصلت صوره وجهه فيه، وانه ان انفذ اليه اطلق الأسارى، فاستامر ابن مقله المتقى، فأمره باحضار الناس، فاستحضر على ابن عيسى والفقهاء والقضاه، فقال بعض من حضر: هذا المنديل منذ الدهر الطويل في البيعه، ولم يلتمسه ملك من الملوك، وفي دفعه غضاضه على المسلمين، وهم أحق بمنديل عيسى ع، فقال على بن عيسى: خلاص المسلمين من الاسر اوجب، فامر المتقى بتسليم المنديل وان يخلص به الأسارى، وكتب بذلك عنه.
(11/340)

سنه اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
وافى ابو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان الى باب حرب في جيش كثير، فخرج اليه المتقى لله وحرمه وولده، وابن مقله وابو نصر محمد بن ينال الترجمان، وخرج معه العمال والوجوه، وسلامه الطولونى وابو زكريا السوسي وابو محمد الماذرائى والقراريطى وابو عبد الله الموسوى وغيرهم.
واستتر ابن شيرزاد ونهب اقبال غلامه بعض خزائن المتقى.
وظهر ابن شيرزاد من استتاره.
ووصل سيف الدولة الى تكريت لاربع خلون من شهر ربيع الاول، فتلقاه الأمير ابو منصور، وصار معه الى المتقى لله، واشار بالاصعاد الى الموصل، فامتنع وقال:
لم توافقونى على هذا؟
وانفذ توزون حين بلغه الخبر موسى بن سليمان في الف رجل فنزل بالشماسيه.
وعقد توزون واسطا على البريدى، واصعد فوصل بغداد عاشر ربيع الاول.
فعند ذلك، انفذ المتقى حرمه الى الموصل، وانحدر اليه ناصر الدولة في بنى نمير وبنى كلاب وبنى اسد، فتلقاه المتقى وسار توزون اليهم، الى قصر الجص، ودامت الحرب فيه، بين سيف الدولة وبين توزون ثلاثة ايام، فانهزم سيف الدولة حينئذ، واصعد معه اخوه ناصر الدولة، ونهب اعرابهما سوادهما.
وملك توزون تكريت، فشغب عليها اتراكه، ولحق بعضهم بناصر الدولة، فانحدر حينئذ توزون الى بغداد، وأنقذ بابن ابى موسى في الصلح بينه وبين ناصر الدولة.
وانحدر سيف الدولة من الموصل، ومعه الجيش للقاء توزون، وكان توزون قد زوج ابنته من ابى عبد الله البريدى.
وسار توزون الى حربى فالتقيا أول شعبان، فانهزم سيف الدولة، وسار
(11/341)

الى الموصل فعند ذلك خرج اخوه ناصر الدولة والمتقى لله وسائر من معهم الى نصيبين، وخرج توزون وراءهم الى الموصل، ومعه ابن شيرزاد، فاستخرج منها مائه الف دينار.
وللنامى يذكر وقعه سيف الدولة بتوزون:
على رماحك نصر الله قد نزلا ... فاسال به يوم تلقاك العدى الاسلا
ان ضل سعدا على مسراك مطلعه ... فقد دعته العدى المريخ او زحلا
يا ناصر الدين ان الدين في وزر ... وموئل الملك ان الملك قد والا
هاتى صنائعك الحسنى أبا حسن ... والت لمن قد بغاك العتر والزللا
وسار المتقى لله الى الرقة في حرمه وولده، ووصلها أول يوم من شهر رمضان، وانفذ من هناك بابى زكريا السوسي الى توزون، وقال: قل له: قد اوحشتنى الظنون السيئه من البريديين، وعرفت انك وهم يد واحده، وقد عفا الله عما سلف، فان آثرت رضائى فصالح نصر الدولة وارجع الى الحضره، فان الأمور تستقيم لك برضائي عنك، فقال ابو زكريا: يا امير المؤمنين انى اخافه على نفسي، فقال: إذا قصدت الصلاح كفيت، فقلت له: فان لم يتم الصلح اعود الى وطنى؟ قال: قد أذنت لك، فقبلت يده.
فلما جئت الموصل، هم الاتراك بي، وارتاب توزون بوصولى، فقلت: ايها الأمير، قد كنت اسفر بينك وبين ابن رائق، فهل عرفتني الا مستقيما؟ قال: صدقت:
فقلت: انا رجل سنى كبير وارى طاعه الخليفة، وخرجت معه احتسابا، لا اطلب الدنيا وقد انفذنى رسولا، وأنتم أولادي، ربيتكم وارى الصلح فاشار عليه ابن شيرزاد بذلك.
ووردت الاخبار بمجيء معز الدولة الى واسط، فأحب توزون اتمام الصلح.
وحصل لابن شيرزاد مائتا الف دينار.
وعقد البلد على ناصر الدولة ثلاث سنين، كل سنه بثلاثة آلاف الف وستمائه الف درهم، ودخل توزون بغداد
(11/342)

وظهر ببغداد لص يعرف بابن حمدي، فكان يعمل للعملات، ورافقه ابن شيرزاد بعد ان خلع عليه، على خمسه عشر الف دينار، فكان يؤدى الروزات بها أولا أولا.
وكان ابو يوسف البريدى قد استوحش من أخيه، فقال: قد حصل لأخي ابى عبد الله من واسط ثمانية آلاف الف دينار بذر فيها.
فصار في بعض الأيام الى دار ابى عبد الله من واسط، فتلقاه الغلمان وقتلوه.
وورد الخبر بان نافعا غلام يوسف بن وجيه صاحب غان، قتل مولاه وملك مكانه.
ودخل الروم راس عين، وسبوا من أهلها ثلاثة آلاف انسان.
ووضع ابن شيرزاد على سائر مدائن بغداد ضربته، وعم الغلاء، وصار ما كان يساوى في ايام المقتدر رحمه الله دينارا يساوى درهما.
وفي جمادى الآخرة، قبض ابو العباس الديلمى، خليفه توزون، على الشرطه ببغداد، على ابن حمدان اللص ووسطه، فخف عن الناس بعض المكاره بقتله.
وفي رجب مات ابو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد.
وقد قالوا: مريم بنت الحسن بن مخلد أبوها وزير، تقلد الوزارة ثلاث دفعات، وزوجها القاسم بن عبيد الله، وزير المعتضد والمكتفي، وأخوها سليمان بن الحسن ابن مخلد، تقلد الوزارة للمقتدر والراضي والمتقى، وحموها عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد، وابنها ابو على الحسن بن القاسم بن عبيد الله وزر للمقتدر بالله.
وقد تقدم قول الناس: امراه يحل لها ان نضع قناعها بين يدي اثنى عشر خليفه، كل لها محرم، وهي عاتكه بنت يزيد بن معاويه، أبوها يزيد وجدها معاويه، وأخوها معاويه بن يزيد، وزوجها عبد الملك بن مروان وابو زوجها مروان بن الحكم، وابنها يزيد بن عبد الملك، وبنو زوجها الوليد وسليمان وهشام، وابن ابنها الوليد بن يزيد، وابن زوجها يزيد بن الوليد بن عبد الملك، واخوه ابراهيم بن الوليد الذى خلع.
واصعد معز الدولة من واسط، على وعد من البريدى في نصرته فلم يف
(11/343)

وانحدر اليه توزون محاربا فالتقيا في الموضع المعروف بقباب حميد، ودامت الحرب بينهم بضعه عشر يوما وكان توزون يتأخر كل يوم، وكثر القتلى في الجانبين.
وعبر توزون نهر ديالى، واستولى على زواريق معز الدولة، فضاقت عليه الميرة، فصار الى جسر النهروان، وعبر اليه توزون في الف عربي وخمسمائة تركي على غفله، وأخذ سواده، وقتل من اصحابه خلقا واسر آخرين، في جملتهم ابن الاطروش المعروف بالداعي العلوي وابو بكر بن قرابه، وكان قد وافى مع الديلم، فصودر على عشرين الف دينار، وشغل توزون عن اتباعهم ما عاود من الصرع.
ونجا معز الدولة والصميرى ونفر يسير باسوا حال.
ولليلة بقيت من شوال، ورد الخبر بموت ابى طاهر سليمان بن الحسين الهجرى، بالجدري في منزل بهجر، في شهر رمضان وصار الأمر لإخوته.
وكان ابن سنبر يعادى المعروف بابى حفص الشريك، واحضر رجلا أصبهانيا، فكشف له دفائن وأسرارا، كان ابو سعيد كشفها لابن سنبر وحده، من غير ان يعلم ابنه أبا طاهر بذلك، وقال الاصبهانى: امض الى ابى طاهر، وعرفه ان أباه كان يدعو إليك وعرفه الاسرار.
فلما أتاه وخبره اعتقد صدقه، وقام بين يديه وسلم الأمر اليه، فتمكن وقتل أبا حفص، وكان إذا قال لأبي طاهر: ان فلانا قد مرض، معناه شك في دينهم، فطهره، قتله ابو طاهر ولو كان اخوه فخاف ابو طاهر على نفسه منه، وقال: قد وقع لي في امره شبهه، وليس بالرجل الذى يعرف الضمائر ويحيى الأموات، وقال: ان أمي عليله، وغطاها بازار، فلما جاء إليها الاصبهانى قال: هذه عليله لا تبرا فطهروها،
(11/344)

اى اقتلوها، فجلست الام، فقال له ابو طاهر واخوته: أنت كذاب وقتلوه.
وكان له سبعه من الوزراء اكبرهم ابن سنبر.
وكان لأبي طاهر اخوان، ابو القاسم سعيد بن الحسن، وابو العباس الفضل ابن الحسن، وكان امرهم واحدا، فكانوا إذا أرادوا حالا خرجوا الى الصحراء، واتفقوا على ما يعملون، فإذا انصرفوا تمموا ما عولوا عليه، وكان لهم أخ متشاغل باللذات، لا يدخل معهم في أمورهم.
وفي هذه السنه توفى ابو عبد الله البريدى، بحمى حاده، مكثت به سبعه ايام، وكان بين قتله لأخيه وبين موته ثمانية اشهر.
وانتصب ابو الحسين مكان أخيه، فاستطال على اصحابه، فمضى يانس الى ابى القاسم ابن مولات، وأخذ منه ثلاثمائة الف دينار، ففرقها في الديلم حتى عقدوا له الرئاسة، وكبسوا أبا الحسين بمسماران، فخرج من تحت ليلته، وتنكر ومضى الى الجعفرية، ومضى الى الهجرى فقبله، واقام عنده شهرا، وسار معه أخو ابى طاهر ولم يتمكنوا من دخول البلد، فسفروا بين ابى الحسين وبين عمه في الصلح، وسألوه ان يؤمنه، فاختار الإصعاد الى بغداد، وكان من حاله ما ياتى ذكره.
واجتمع لشكرستان الديلمى، ويانس، على الإيقاع بابى القاسم، فلما خرج يانس من عند القائد اتبعه بزوبين في الليل، فسلم منه وصار الى خراب فآواه.
وكان ابو القاسم معولا على الهرب، حين بلغه ما هما به، واستتر لشكرستان حين علم سلامه يانس.
وعولج يانس حتى برئ، وصادره ابو القاسم على مائه الف دينار، وتلقاه الى عمان، فلما صار في الحديدى قتله غلمان ابى القاسم، وتمكن ابو القاسم من الرئاسة.
وخرج في هذه السنه، عسكر الروسيه الى اذربيجان، وفتحوا برذعه، وملكوها وسبوا أهلها.
فجمع المرزبان بن محمد عسكره، واتته المطوعة، حتى صار في مائتي الف رجل، فلم يقاومهم، وكان أميرهم يركب حمارا
(11/345)

وكمن لهم المرزبان كمينا، وهرب من بين ايديهم، وسال الناس العود، فلم يعد احد معه، لما تمكن لهم في النفوس من الهيبه، فعاد وحده طالبا الشهاده، فاستحى خلق من الديلم وعادوا معه، فقتل أميرهم وسبعمائة منهم، وألجأهم الى حصن.
ووقع في الروسيه الوباء حين أكلوا الفاكهة، وكان الواحد منهم إذا مات، كفن بماله وسلاحه، ودفنت زوجته ومعه وغلامه إذا كان يحبه.
واخرج المسلمون، لما مضوا من قبورهم اموالا، وحملوا على ظهورهم الأموال والجواهر، واحرقوا ما عدا ذلك، وساقوا النساء والصبيان ومضوا الى سفن لهم.
واجتمع خمسه منهم في بستان ببرذعه فيهم امرد، ومعهم نسوه من سبى المسلمين، فاحاط بهم المسلمون، واجتمع قوم من الديلم عليهم، ولم يصل الى واحد منهم حتى قتلوا من المسلمين اعدادا، ولم يتمكن من واحد منهم اسرا، وكان الأمرد آخر من بقي منهم، فقتل نفسه.
وظهر للمتقى من بنى حمدان ضجر بمقامه عندهم، فانفذ بالحسن بن هارون وابى عبد الله بن ابى موسى الى توزون في الصلح، فتلقى ذلك باحسن لقاء، وحلف له ولابن مقله بمحضر من الناس.
(11/346)

سنه ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
[أخبار]
اتى الإخشيد حلب، فاستولى عليها، وانصرف عنها ابو عبد الله الحسين بن سعيد ابن حمدان الى الرقة، فلم يوصله المتقى، وغلق أبواب البلد دونه، فمضى الى سيف الدولة وهو بحران.
واتى الإخشيد الى الرقة فخدم المتقى، ووقف بين يديه، ومشى قدامه حين ركب، فأمره بالركوب فلم يفعل، وحمل اليه اموالا، وحمل الى ابن مقله عشرين الف دينار، ولم يدع كاتبا ولا حاجبا الا بره.
واجتهد بالمتقى، ان يسير معه الى مصر والشام فلم يفعل، واشار عليه بالمقام مكانه فلم يقبل.
وانحدر المتقى الى هيت، فأقام بها، وانفذ بالقاضى الخرقى، حتى جدد على توزون الايمان والعهود والمواثيق، بعد ان لقب توزون بالمظفر.
وخرج توزون الى السندية، فلما وصلها المتقى، ترجل له وقبل الارض بين يديه، ووكل به وبالوزير، وارتجت الدنيا بفعله، ثم سمله.
وكان المتقى يتأله ويصلى ويصوم كثيرا، ولم يشرب النبيذ قط، وكان فيه وفاء وقناعه، ولم يتحظ غير جاريته التي كان يتحظاها قبل الخلافه.
ولما تمكن، استوزر كاتبه ابن ميمون قديما، ولم يغدر بأحد، وكان بر النفس، حسن الوجه، وهرب وعنده الف الف دينار أخذها من بجكم، ولم يحسن التدبير ولم تنهب دار خليفه قبله.
قال ثابت بن سنان: وحدثنى ابو العباس التميمى الرازى- وكان خصيصا بتوزون-
(11/347)

ان ابراهيم الديلمى سألني المصير الى دعوته، وكان ينزل بدار القراريطى، فجئتها وهي مفروشة، فلما جلست قال: اعلم انى خطبت الى قوم وتجملت عندهم، بان ادعيت ان لي منزله من الأمير، فقالت لي المرأة: إذا كنت بهذه المنزله، فانى ادلك على شيء يعمم صلاحه الامه، وينفعك عند الأمير، فقلت ما هو؟ قالت: فان هذا الخليفة المتقى، قد عاداكم وعاديتموه، واجتهد في هلاككم ببني حمدان وبنى بويه، فلم يتم له ما اراد، ولا يجوز ان يصفو لكم، وهاهنا رجل من ولد الخلفاء يرجع الى دين ورجله، فهل لكم ان تنصبوه للخلافة وهو يثير اموالا عظيمه.
واطالت الكلام، فهوستنى، فعلمت ان محلى لا يبلغ الى مثل ذلك، وكرهت انى اكذب نفسي في ادعاء المنزله التي ذكرتها، فاطمعتها في ذلك بك، وقد اطلعتك عليه، فقلت: اريد ان اسمع كلام المرأة، فجاءني بامرأة تتكلم بالعربية والفارسيه، من اهل شيراز، جزله شهمه قهمه، فخاطبتني بنحو ما خاطبني به الرجل فقلت لها: اريد ان القى الرجل، فاتتنى به في خف وإزار، من دار ابن طاهر، وعرفني انه عبد الله بن المكتفي بالله.
فرايت رجلا حصيفا، ورايته يميل الى التشيع، ورايته عارفا بأمر الدنيا، وضمن ستمائه الف دينار يستخرجها ويمشى بها الأمر، ومائتي الف دينار للأمير توزون، وقال: انا رجل فقير، واعرف هذه الأموال عند اقوام عندهم ذخائر الخلافه.
فصرت الى توزون، ولقيت أبا عمران موسى بن سليمان، فاطلعته على الحال، فقال: انى لا ادخل في هذه الأمور، فلما آيسنى حلفته على الكتمان، واستحلفت توزون على الكتمان بالمصحف، واخبرته، فطلب الرجل ان يبصره، فقلت: بشرط ان تكتم الحال من ابن شيرزاد.
واتى توزون معى الى دار موسى بن سليمان، فلقيه هناك وخاطبه وبايعه.
فلما وصل المتقى لله الى السندية ولقيه توزون، قلت له: ان كنت عزمت على
(11/348)

اتمام ذلك الأمر فافعله الان، فانه ان دخل بغداد، تعذر عليك الأمر، فوكل به.
وكانت المرأة التي سفرت للمستكفى المعروفه بعلم الشيرازيه، حماه ابى احمد الفضل الشيرازى، وصارت قهرمانه المستكفى، واستولت على الأمور.
وكان سمل المتقى وخلعه في صفر.

خلافه المستكفى بالله
ابى القاسم عبيد الله بن المكتفي بالله بن المعتضد بالله، أمه رومية اسمها غصن، ولى الخلافه، وسنه يومئذ احدى واربعون سنه وسبعه ايام، وكان في سن المنصور يوم ولى، وكانت خلافته سنه واربعه اشهر.
فقلد أبا الفرج محمد بن على السرمزراى الوزارة، ولم يكن اليه غير اسم الوزارة، وابو جعفر بن شيرزاد الناظر في الأمور.
وخلع على توزون، وطوقه وسوره، ووضع على راسه التاج المرصع بجواهر، وجلس بين يدي المستكفى بالله على كرسي.
وفي شهر ربيع الاول، تقلد القاضى ابو عبد الله محمد بن عيسى المعروف بابن ابى موسى الضرير القضاء بالجانب الشرقى من بغداد، وتقلد ابو الحسن محمد ابن الحسن بن ابى الشوارب القضاء في الجانب الغربي منها.
وطلب المستكفى بالله الفضل بن المقتدر طلبا شديدا، فاستتر منه، فامر بهدم داره التي على دجلة، بدار ابن طاهر، فهدمت، فلم يبق منها غير المسناه وما زال في ايام المستكفى مستترا، فلما هدم داره، قال على بن عيسى: اليوم بايع له بولاية العهد.
وقد ذكرنا حال ابى عيسى البريدى وهربه من ابى القاسم ابن أخيه، فورد الحضره بعد ما امنه ابو القاسم، واختار الإصعاد إليها، فوصلها في شهر ربيع الاول، ولقى توزون، ونزل دار طازاد، التي كانت بقصر فرج على دجلة، وسعى في ضمان
(11/349)

البصره إذا سير معه توزون جيشا، واوصله توزون الى المستكفى، فخلع عليه خلعا سلطانيه، وسار الجيش معه الى داره.
فبلغ ذلك ابن أخيه، فانفذ اليه توزون مالا اقره به على عمله.
وبلغ ابن شيرزاد ان أبا الحسين يخطب كتابه توزون، فتوصل الى القبض عليه، وضرب بدار صافى مولى توزون ضربا مبرحا، وقرض لحم فخذيه بالمقاريض، وانتزعت اظافره.
وكان ابو عبد الله بن ابى موسى، أخذ ايام ناصر الدولة فتوى الفقهاء بإحلال دم ابى الحسين، فاظهرها في هذا الوقت.
فلما كان في آخر ذي الحجه جلس المستكفى، واحضر القضاه والفقهاء، واحضر البريدى، وبسط النطع وجرد السيف، وحضر ابو عبد الله بن ابى موسى يقرا ما افتى به واحد واحد، من اباحه دمه على رءوس الاشهاد، وابو الحسين يسمع ذلك وراسه مشدود الى جثته، فامر المستكفى بضرب عنقه من غير ان يحتج لنفسه بحجه.
وأخذ راسه وطيف به في بغداد، ورد الى دار السلطان، وصلبت جثته على باب الخاصة على دجلة، في الموضع الذى كان حديديه مشدودا فيه، فكان هذا خاتمه امور الثلاثة، وعقبى ما ارتكبوه من الظلم واهله، ومن البلاء كله.
ومضى سيف الدولة الى حلب، بعد انصراف ابى بكر محمد بن طغج الإخشيد، وبها يانس، فتركها ومضى الى الإخشيد، وتسلم سيف الدولة حلب.
وفي شهر ربيع الاول، كان لسيف الدولة وقعه مع الروم، رزق الظفر فيها.
واطلق توزون أبا الحسين بن مقله، بعد ان صادره على ثلاثين الف دينار.
ثم قبض على ابى الفرج السرمزراى، وصادره على ثلاثمائه الف درهم، فكان وقوع اسم الوزارة عليه اثنين واربعين يوما
(11/350)

وخرج القاهر الى جامع المنصور، ملتفا في قطن يتصدق، ورآه ابن ابى موسى، فمنعه بالرفق واعطاه خمسمائة درهم، وقصد القاهر بذلك التشنيع.
وانفذت الى ابى القاسم البريدى الخلع، وذلك في جمادى الآخرة.
وعزم المستكفى على الخروج مع توزون، حين اخر ناصر الدولة المال، فسفر ابو القاسم بن مكرم، كاتب ناصر الدولة في الصلح، وحمل مالا تقرر.
وأخذ ابن شيرزاد خطوط الناس بمال الضمان، فدخل اليه ابو القاسم عيسى ابن على بن عيسى فقال: اكتب عن والدك بألف دينار، فكتب ومضى الى ابيه، فادى خمسمائة، وركب الى ابن شيرزاد، فخرج اليه ابو زكريا السوسي وطازاد معتذرين، فقال على بن عيسى: انى اريد ان القاه ولا اخاطبه في البقية، فمضى وعاد اليه، وقالا انه يستحيى من لقائك، فانصرف على بن عيسى كئيبا من المذلة اكثر من كابته بالعزم.
وكان هو الذى اصطنع ابن شيرزاد.
وخرج تكين الشيرزادى صاحب توزون الى جزيرة بنى غبر، وعاد الى جسر سابور، وامر اصحابه بالتقدم الى واسط، واجلس في بستان يشرب، فاحاط به عسكر البريدى فأسروه وحملوه الى البصره.
وفي رجب دخل ابو جعفر الصيمرى واسطا.
ودخلها معز الدولة ولما علم انحدار توزون اليه مع المستكفى بالله، انصرف عنها.
وراسل توزون البريدى، فاطلق تكينا وضمنه واسطا.
واصعد المستكفى وتوزون الى بغداد.
وورد كتاب نوح صاحب خراسان بفتحه جرجان وطبرستان، وكان بها الحسن ابن الفيروزان الديلمى، وملك الري.
وانصرف ركن الدولة الى أصبهان ونزل نوح بنيسابور.
وورد الخبر بانهزام سيف الدولة من الإخشيد، واتباعهم له الى الرقة، وذلك بعد ان أخذ منهم حلب وملك دمشق، واسر منهم الفى رجل، ثم انصرف عنه اصحابه فكانت هزيمته.
(11/351)

سنه اربع وثلاثين وثلاثمائة
[أخبار]
في المحرم خرج ابن شيرزاد الى هيت، فصالحه ابو المرجى عمرو بن كلثوم مقدمها على ثمانمائه الف وخمسين الف درهم، يسقطها على اهل البلد، واقام لأخذها.
فورد عليه الخبر بوفاه توزون في ثانى عشر المحرم، وانه دفن بتربه يانس الموفقى.
وكانت اماره ابى الوفاء توزون سنتين واربعه اشهر وسبعه وعشرين يوما، كتب له ابن شيرزاد سنتين وشهرا، فعقد العسكر الإمارة لابن شيرزاد.
وانحدر عن هيت، وخلف بها غلامه إقبالا، فقبلوه، وحلف له المستكفى بحضره القضاه والعدول والعسكر، وانفذ ابن ابى موسى الى ناصر الدولة، فعاد من عنده بخمسمائة الف درهم ودقيق، فلم يكن لها موقع، لغلاء السعر وانتشار الأمر.
وقسط ابن شيرزاد على الكتاب والعمال والتجار ارزاق الجند، وكان في البلد ساعيان، يعرفان بهاروت وماروت، يسعيان اليه بمن عنده قوت لعياله فيأخذه، فصار البلد محاصرا بهذا الفعل وبالضرائب التي قررها، وانقطع الجلب.
وكان من جمله من صادر ابو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى، أخذ منه عشره آلاف دينار.
وقبض المستكفى على القاضى ابن ابى الشوارب، ونفاه الى سر من راى، وقسم اعماله، فولى الشرقيه أبا طاهر محمد بن احمد بن نصر، وولى المدينة أبا السائب عتبة بن عبيد.
وكان الى ابى عبد الله بن ابى موسى الهاشمى القضاء بالجانب الشرقى، فدخل عليه اللصوص في شهر ربيع الآخر فأخذوا أمواله وقتلوه، فولى ابو السائب مكانه.
وورد الخبر بوقوع الصلح بين سيف الدولة والإخشيد، وسلم اليه سيف الدولة حلب وأنطاكية، فتزوج ابنه أخيه عبيد الله بن طغج، وتوسط ذلك الحسن بن طاهر العلوي، فقال النامي يمدح سيف الدولة:
(11/352)

فتى قسم الأيام بين سيوفه ... وبين طريفات المكارم والتلد
فسود يوما بالعجاج وبالقنا ... وبيض يوما بالفضائل والمجد
سرى ابن طغج في ثلاثين جحفلا ... واحجامه في الزحف عن فارس فرد
وكانت لسيف الدولة العزم عاده ... إذا كر القى البيض حدا على حد
أيا سائلي عن يومه اسمع فانه ... حديث المعالى قصه قصص الجهد
وقالت لها الهيجاء في صدر سيفه ... وقد نهدت من صدر غير الشرى نهد
كأنك من ضغن ودرعك من تقى ... وطرفك من راى وسيفك من حقد
فاظماتهم والماء معترض لهم ... واسقيتهم ماء على قصب الهند
الم تر فرعونا وموسى تنازعا ... فغودرت العقبى لذى الحق لا الحشد
فغرقه في البحر فاجعل فويقها ... لتغريقه كالبحر وامدده بالمد
فلو جئت ثمدا ناصبا ورفدته ... بجودك فاض البحر من ذلك الثمد
وورد الخبر بموت ابى عبد الله الكوفى بحلب، وقد تقدمت اخباره.
وورد الخبر بوصول الأمير ابى الحسن معز الدولة الى باجسرى وكان ابن شيرزاد قد استخلف بواسط ينال كوشا، فدخل في طاعته، فاستتر ابن شيرزاد حينئذ، فكانت امارته ثلاثة اشهر وخمسه ايام.
واستتر المستكفى، حتى خرج الاتراك مصعدين الى الموصل، فظهر حينئذ وأتاه ابو محمد المهلبى فخدمه عن معز الدولة، في حادي عشر جمادى الاولى ونزل بالشماسيه، وانفذ اليه المستكفى هدايا، ووصل اليه بعد ثلاثة ايام، فخلع عليه وطوقه، وعقد له اللواء، وقلده الإمارة ووقف بين يدي الخليفة، وأخذت عليه البيعه، وحلف له بايمان البيعه، على ان يصون أبا احمد الشيرازردى وحماته علم القهرمانه، والقاضى أبا السائب، وولد ابن موسى، وأبا العباس بن خاقان الحاجب.
ثم استخلف المستكفى، الأمير أبا الحسين واخوته، ثم ساله في امر ابن شيرزاد،
(11/353)

فآمنه وحلف له، ولبس الخلع ولقب معز الدولة، وكنى ولقب اخوه ابو الحسن على عماد الدولة، ولقب اخوه ابو على ركن الدولة، وضربت القابهم على الدنانير، وانصرف الى دار مؤنس فنزلها.
ومن جمله دار مؤنس المدرسه النظامية اليوم وظهر ابن شيرزاد ولقى معز الدولة.
وقرر المستكفى في كل يوم خمسين الف درهم لنفقته.
وكتب ابو عبد الله الحسين بن على بن مقله، الى معز الدولة رقعه يخطب فيها كتابته، وكان قد ولاها ابن شيرزاد، فلم يؤثره عليه، وقبض على ابى عبد الله.
وعملت علم القهرمانه دعوه عظيمه احضرتها الديلم، فقيل لمعز الدولة: انها فعلت ذلك لتاخذ البيعه عليهم للمستكفى، وعرفوه انها هي السبب في ولايته، فساء ظنه وانحدر الى دار الخلافه، كما جرت عادته، وانحدر معه الصيمرى وابن شيرزاد، ووقفا في مراتبهم، وكان ابو احمد الشيرازى وولد ابن ابى موسى واقفين، ودخل معز الدولة فقبل الارض، وجلس على كرسي، فاوصل رسول البريدى.
وتقدم نفسان الى المستكفى، فظن انهما يريدان تقبيل يده، فمدها، فجذباه وطرحاه الى الارض، وحملاه الى دار معز الدولة ماشيا، وقبضوا على ابن ابى موسى وعلى علم، ونهبت الدار.
قال ابن البهلول: كنا إذا كلمنا المستكفى، وجدنا كلامه كلام العيارين، وكان جلدا بعيد الغور والحيله، وكان يلعب قبل الخلافه بالطيور ويرمى بالبندق، ويخرج الى البساتين للفرجه واللعب، وكان لا ينفق عليه من الجوارى غير السودان، ولا يعاشر غير الرجال.
وعزم معز الدولة على ان يبايع أبا الحسن محمد بن يحيى الزيدي العلوي، فمنعه الصيمرى من ذاك، وقال: إذا بايعته استنفر عليك اهل خراسان وعوام البلدان، وأطاعه الديلم، ورفضوك وقبلوا امره فيك، وبنو العباس قوم منصورون،
(11/354)

تعتل دولتهم مره وتصح مرارا، وتمرض تاره وتستقل أطوارا، لان أصلها ثابت وبنيانها راسخ.
فعدل معز الدولة عن تعويله، واحدر أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله من دار ابن طاهر الى دار الخلافه.

خلافه المطيع لله ابى القاسم الفضل بن المقتدر
كانت تسعه وعشرين سنه واربعه اشهر.
بويع له يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، أمه تدعى مشغله، وتوفيت في مستهل ذي الحجه سنه خمس واربعين وثلاثمائة، بايعه معز الدولة، واحدر المستكفى اليه، فسلم عليه بالخلافة، واشهد على نفسه بالخلع، وسمل واعتقل عنده.
وقام ابن شيرزاد بتدبير الأمر، واستكتب على خاص امره أبا الحسن طازاذ بن عيسى النصراني، واستحجب أبا العباس بن خاقان.
وأنشأ ابو العباس بن ثوابه يذكر بيعته كتابا الى الافاق.
واقام معز الدولة لنفقته في كل يوم الفى درهم.
وركب ومعز الدولة بين يديه والجيش وراءه، الى باب الشماسيه، وعاد في المساء الى دار الخلافه، وصرف ابن نصر عن القضاء بالجانب الغربي، واعاد ابن ابى الشوارب.
وصادر ابن شيرزاد ابن ابى موسى وعلم القهرمانه، على اربعين الف دينار، وقطع لسانها وسلمها الى المطيع لله، ولم يعارض أبا احمد الشيرزاى لقديم مودته.
ولما استولى ابن شيرزاد على الأمور، قال ابو الفرج بن ابى هشام: باى شيء نفق عليك؟ وما يصلح لكتابه الإنشاء ولا لجباية الخراج، وانما تتولى ديوان النفقات،
(11/355)

وكتب لابن الخال تاره وقد سالك المستكفى عزله بعد ان سالك فيه فلم تجب، فقال: لما رايت عظيم لحيته، قلت: لان يكون هذا قطانا اولى من ان يكون كاتبا، ولكن رايته قد ملك بغداد، واستولى على الخلافه، وصار لي نظيرا، فاردت ان احطه من منزله بعد اخرى، حتى اجعله كاتبا لأحد قوادي.
وورد ناصر الدولة والاتراك معه الى سر من راى.
ووافى ابو العطاف بن عبد الله بن حمدان، أخو ناصر الدولة، ونزل باب قطربل وظهر له ابن شيرزاد وجماعه من العجم.
وكان معز الدولة قد اصعد ومعه المطيع الى ناصر الدولة، فتركهم ناصر الدولة وانحدر في الجانب الشرقى، ونزل مقابل قطربل، فنهب الديلم تكريت وسر من راى.
وانحدروا ومعهم المطيع لله الى بغداد، ومع ناصر الدولة الاتراك، وقد جعلهم على مقدمته مع ابى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، وكان يخطب في اعماله للمستكفى وهو مخلوع.
ونزل معز الدولة في قطيعه أم جعفر، وانزل المطيع لله في دير النصارى.
وقد استولى ناصر الدولة على السفن، وجعلها بالجانب الشرقى، فلحق الناس بالجانب الغربي مجاعه شديده، وكانت الأسعار بالشرقي رخيصه، والقرامطة من اصحاب ناصر الدولة يعبرون ويجولون بين الديلم وبين الغلات.
فابتاع وكيل معز الدولة له كر دقيق بعد الجهد بعشرين الف درهم.
وكان ابن شيرزاد، قد اثبت خلقا من العيارين ليحاربوا مع ناصر الدولة، وظفر بكافور خادم معز الدولة فشهره، فظفر معز الدولة بابى الحسين بن شيرزاد فصلبه حيا، فاطلق ابو جعفر الخادم فحط معز الدولة أخاه.
وكان جعفر بن ورقاء يقول لمعز الدولة: لقد سمعت ان رجلا يعد بألف رجل فلم اصدق، حتى رايت ناصر الدولة، وقد عبر بصافى التوزونى لكبس معز الدولة، فانفذ اليه بي وبابى جعفر الصيمرى وباسفهدرست، فرايت اسفهدرست وقد هزمهم
(11/356)

وبنى معز الدولة في الحدق نيفا وخمسين زبزبا، وعبر فيها، فانهزم ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقى سلخ ذي الحجه سحر يوم السبت، وطرحوا النار في المخرم، ونهبوا باب الطاق وسوق يحيى، وهرب الناس لما اودعوه قلوب الديلم من السب، فخرجوا حفاه في الحر، وطلبوا عكبرا فماتوا في الطريق.
قال بعضهم: رايت امراه تقول: انا بنت ابن قرابه، ومعى حلى وجواهر تزيد على الف دينار، فمن يأخذها ويسقيني شربه ماء؟ فما أجابها احد، وماتت وما فتشها احد، لشغل كل انسان بنفسه.
وامر معز الدولة برفع السيف والكف من النهب، ولما وصل ناصر الدولة الى عكبرا، ومعه الاتراك وابن شيرزاد، انفذ بابى بكر ابن قرابه، وطلب الصلح فتم ذلك.
وعرف الاتراك الحال، فهموا بالوثوب بناصر الدولة، فهرب الى الموصل.
وقصد عيار خيمه ناصر الدولة بباب الشماسيه ليلا، فطفا الشمعه، واراد ان يضع السكين في حلقه وهو نائم، فوضعها في المخدة وظن انه قتله ومضى الى معز الدولة، فاخبره فقال: هذا لا يؤمن، ودفعه الى الصيمرى وقتله.
واكل الناس في يوم الغلاء النوى والميته، وكان يؤخذ البزر قطونا ويضرب بالماء ويبسط على طابق حديد، ويوقد تحته النار ويوكل، فمات الناس باكله، وكان الواحد يصيح: الجوع! ويموت، ووجدت امراه قد شوت صبيا حيا فقتلت.
وانحل السعر عند دخول الغلات.
ونظر الصيمرى فيما كان ينظر فيه ابن شيرزاد، فاستخلف له أبا عبد الله بن مقله، فقبض على ابى زكريا السوسي، والحسن بن هارون فشتمهما، فقال الصيمرى:
لم يكن غرضك غير التشفى منهما.
واطلق معز الدولة أبا زكريا السوسي، ولم يلزمه بشيء، والزم الحسن بن هارون خمسين الف دينار، وعزل ابن مقله، وانفرد الصيمرى بالأمر، واقطع اصحابه ضياع السلطان وضياع ابن شيرزاد وضياع المستترين.
وفي شعبان انبثق في البحر بثق الخالص والنهروان
(11/357)

وفي ذي الحجه مات الإخشيد ابو بكر بن طغج بدمشق، وتقلد مكانه ابنه ابو القاسم.
وغلب كافور على الأمر وكان ابن طغج جبانا شديد التيقظ في حروبه، وكان جيشه يحتوى على أربعمائة رجل، وكان له خمسه آلاف مملوك يحرسونه بالليل بالنوبه، كل نوبه ألفا مملوك، ويوكل بجانب خيمته الخدم، ثم لا يثق بعد ذلك فيمضى الى خيم الفراشين فينام.
قال التنوخي: لقب الراضي أبا بكر محمد بن طغج امير مصر بالاخشيد، وسبب ذلك انه فرغانى، وكل ملك بفرغانه يدعى اخشيد، كما تدعو الروم ملكها بقيصر، والفرس بكسرى، وشاها بشاه، والمسلمون بامير المؤمنين، وملك اشروسنه صول، وملك اذربيجان اصبهبذ، وملك طبرستان يدعى سالان.
وابو بكر بن الإخشيد على مذهب الجبائي، كان جده يدعى بحضره المعتضد الإخشيد، ولقب على ابنه بذلك، وهو من اولاد الملوك بفرغانه.
(11/358)