Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 001



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى]ـ
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(1/1)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الْملك المعبود الرؤوف الرَّحِيم الْوَدُود الْمخْرج لِلْخلقِ من ظلمَة الْعَدَم إِلَى نور الْوُجُود الفاتح عَلَيْهِم بمعرفته والتحقق بوحدانيته كل بَاب مسدود الدَّال لَهُم على باهر حكمته وعظيم قدرته بِالْمَعْنَى الْمَعْقُول والحس الْمَشْهُود فَلَا يرتاب فِي أَنه الْوَاحِد الْقَدِير الْعَلِيم الْخَبِير إِلَّا الكفور الكنود خلق الْعباد وَقدر آجالهم وأحصى أنفاسهم وأمالهم وأوقفهم من شَرعه على نهج سوي وحد مَحْدُود فَمن وقف عِنْده وأطاع فقد فَازَ من ثَمَرَة الإيجاد بِالْمَقْصُودِ وَمن حاد عَنهُ واستكبر فقد أورد نَفسه الردى وَبئسَ الْورْد المورود نحمده تَعَالَى على مَا أَسْبغ من النعم الْبيض وكسا من البرود وأزاح من الْعِلَل وَوقى من النوب السود ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة نتبوأ بهَا من الْجنان السدر المخضود
(1/57)

والطلح المنضود والظل الْمَمْدُود ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أكْرم مَبْعُوث وأشرف مَوْلُود صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود واللواء الْمَعْقُود والحوض المورود صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم فِي محافل السّلم بدور وَفِي جحافل الْحَرْب أسود وَلَهُم فِي أَتْبَاعه ونصرته الْيَد الْبَيْضَاء والباع الْمَمْدُود وَالدُّعَاء لأمير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عبد الرَّحْمَن كَوْكَب السُّعُود ومنبع الْكَرم والجود والمنير بطلعته الغراء وإمامته الْبَيْضَاء الأغوار والنجود لَا زَالَت بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام بحول الله فِي صعُود تردي الْكفْر وتنفي الْبَغي وتذود وتصول على الضلال وَتسود آمين وَبعد فَيَقُول مُؤَلفه أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي عَفا الله عَنهُ هَذَا بعون الله كتاب الِاسْتِقْصَاء لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى كتاب جمعته لنَفْسي وَلمن شَاءَ الله من أَبنَاء جنسي ذكرت فِيهِ دوَل هَذَا الْقطر المغربي من لدن الْفَتْح الإسلامي إِلَى وقتنا هَذَا الَّذِي هُوَ آخر الْقرن الثَّالِث عشر سالكا فِيمَا أنقله من ذَلِك سَبِيل الِاخْتِصَار آتِيَا مِنْهُ بِمَا تسمو إِلَيْهِ النُّفُوس من حوادث الْأَعْصَار ملما بِمَا لَا بُد مِنْهُ من وفيات بعض الْأَئِمَّة المقتدى بهم فِي الدّين متبركا أَولا بِذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخلفائه الرَّاشِدين متحريا من القَوْل أَصَحهَا وَمن الْعبارَات أفصحها وَالله تَعَالَى المسؤول فِي بُلُوغ المأمول فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ الْمِنَّة والطول وَبِيَدِهِ تَعَالَى الْقُوَّة والحول
(1/58)

مُقَدّمَة فِي فضل علم التَّارِيخ

اعْلَم أَن علم التَّارِيخ من أجل الْعُلُوم قدرا وأرفعها منزلَة وذكرا وأنفعها عَائِدَة وذخرا وَكَفاهُ شرفا أَن الله تَعَالَى شحن كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة والقرون الخالية بِمَا أفحم بِهِ أكَابِر أهل الْكتاب وأتى من ذَلِك بِمَا لم يكن لَهُم فِي ظن وَلَا حِسَاب ثمَّ لم يكتف تَعَالَى بذلك حَتَّى امتن بِهِ على نبيه الْكَرِيم وَجعله من جملَة مَا أسداه إِلَيْهِ من الْخَيْر العميم فَقَالَ جلّ وَعلا {تِلْكَ الْقرى نقص عَلَيْك من أنبائها} وَقَالَ {وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك} وَقَالَ {لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب} وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كثيرا مَا يحدث أَصْحَابه بأخبار الْأُمَم الَّذين قبلهم ويحكي من ذَلِك مَا يشْرَح بِهِ صُدُورهمْ وَيُقَوِّي إيماناهم ويؤكد فَضلهمْ وَكتاب بَدْء الْخلق من صَحِيح البُخَارِيّ رَحمَه الله كَفِيل بِهَذَا الشَّأْن وَآت من الْقدر المهم مِنْهُ مَا يبرد غلَّة العطشان قَالَ بَعضهم احْتج الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن على أهل الْكِتَابَيْنِ بالتاريخ فَقَالَ تَعَالَى {يَا أهل الْكتاب لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون} وَحكى بدر الدّين الْقَرَافِيّ رَحمَه الله إِن الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ كَانَ يَقُول مَا مَعْنَاهُ دأبت فِي قِرَاءَة علم التَّارِيخ كَذَا وَكَذَا سنة وَمَا قرأته إِلَّا لأستعين بِهِ على الْفِقْه
(1/59)

قلت معنى كَلَام الشَّافِعِي هَذَا أَن علم التَّارِيخ لما كَانَ مطلعا على أَحْوَال الْأُمَم والأجيال ومفصحا عَن عوائد الْمُلُوك والأقيال ومبينا من أعراف النَّاس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم مَا فِيهِ عِبْرَة لمن اعْتبر وَحِكْمَة بَالِغَة لمن تدبر وافتكر كَانَ معينا على الْفِقْه وَلَا بُد وَذَلِكَ أَن جلّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَبْنِيّ على الْعرف وَمَا كَانَ مَبْنِيا على الْعرف لَا بُد أَن يطرد باطراده وينعكس بانعكاسه وَلِهَذَا ترى فتاوي الْفُقَهَاء تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والأقطار بل والأشخاص وَالْأَحْوَال وَهَذَا السَّبَب بِعَيْنِه هُوَ السِّرّ فِي اخْتِلَاف شرائع الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وتباينها حَتَّى جَاءَ مُوسَى بشرع وَعِيسَى بآخر وَمُحَمّد بسوى ذَلِك صلى الله على جَمِيعهم وَسلم تمّ فَائِدَة التَّارِيخ لَيست محصورة فِيمَا ذَكرْنَاهُ بل لَهُ فَوَائِد أخر جليلة لَو قيل بِعَدَمِ حصرها مَا بعد قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ رَحمَه الله من فَوَائِد التَّارِيخ وَاقعَة رَئِيس الرؤساء الْمَشْهُورَة مَعَ الْيَهُود بِبَغْدَاد وحاصلها أَنهم أظهرُوا رسما قَدِيما يتَضَمَّن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِإِسْقَاط الْجِزْيَة عَن يهود خَيْبَر وَفِيه شَهَادَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فَرفع الرَّسْم إِلَى رَئِيس الرؤساء وعظمت حيرة النَّاس فِي شَأْنه ثمَّ عرض على الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَتَأَمّله وَقَالَ هَذَا مزور فَقيل لَهُ بِمَ عَرفته قَالَ فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة وَهُوَ إِنَّمَا أسلم عَام الْفَتْح سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وخيبر فتحت سنة سبع وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَهُوَ مَاتَ يَوْم بني قُرَيْظَة وَذَلِكَ قبل فتح خَيْبَر فسر النَّاس بذلك وزالت حيرتهم اه قَالَ الْعَلامَة القادري فِي الأزهار الندية وَفِي حُدُود صدر هَذِه الْمِائَة أَعنِي الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة ظهر نَحْو هَذَا الْكتاب المزور بِمَعْنَاهُ وَالرَّفْع على خطوطه بتاريخ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة
(1/60)

بِالْمُوَحَّدَةِ ثمَّ ظهر أَيْضا بتاريخ سِتّ وَثَمَانمِائَة ثمَّ تعدد ظُهُوره مرَارًا آخرهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف مُسَمّى فِيهِ جمَاعَة مِمَّن شهرتهم بِالدّينِ وَالْعلم قاطعه بالتقول عَلَيْهِم فِي ذَلِك انْظُر بَقِيَّة كَلَامه
قلت وَقد وقفت فِي بعض التقاييد المظنون بهَا الصِّحَّة على كَلَام للأديب أبي عبد الله اليفرني الْمَعْرُوف بالصغير فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ جرى بِمَجْلِس شَيخنَا قَاضِي الْجَمَاعَة فلَان الْفُلَانِيّ ذكر علم التَّارِيخ فَقَالَ إِن علم التَّارِيخ يضر جَهله وَتَنْفَع مَعْرفَته لَا كَمَا قيل إِنَّه علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر قَالَ وَانْظُر مَا وَقع فِي هَذَا الْوَقْت فِي حُدُود عشر وَمِائَة ألف من أَن نَفرا من يهود فاس الْجَدِيد امْتَنعُوا من أَدَاء الْجِزْيَة وأخرجوا ظهيرا قَدِيما مضمنه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عقد لمُوسَى بن حييّ بن أَخطب أخي صَفِيَّة رَضِي الله عَنْهَا وَلأَهل بَيت صَفِيَّة الْأمان لَا يطَأ أَرضهم جَيش وَلَا عَلَيْهِم نزل وَلَهُم ربط العمائم فعلى من أحب الله وَرَسُوله أَن يؤمنهم وَكتب عَليّ بن أبي طَالب وَشهد عَتيق بن أبي قُحَافَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وتاريخ شَهَادَتهم فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع من الْهِجْرَة قَالَ شَيخنَا فَظهر لي ولعلماء الْعَصْر أَن ذَلِك زور وافتراء لَا شكّ فِيهِ وَلَا امتراء لِأَن التَّارِيخ بِالْهِجْرَةِ إِنَّمَا حدث زمن عمر سنة سبع عشرَة لأسباب
(1/61)

اقْتَضَت ذَلِك كَمَا فِي ابْن حجر وَلِأَن أهل التَّارِيخ لم يذكرُوا لصفية أَخا اسْمه مُوسَى وَإِنَّمَا الْمَرْوِيّ فِي الْأَحَادِيث أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قتل أَبَا صَفِيَّة وَزوجهَا وَلِأَن الظهير الَّذِي استظهروا بِهِ نُسْخَة من الأَصْل الَّذِي فِيهِ خطوط الصَّحَابَة وَقد أَرخُوا الاستنساخ من الأَصْل بِسنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة فقد تَأَخّر خطّ الصَّحَابَة بزعمهم إِلَى الْمِائَة الثَّامِنَة وَكَيف يتَوَصَّل فِي الْمِائَة الثَّامِنَة إِلَى أَن ذَلِك خطّ الصَّحَابَة هَذَا خُلَاصَة مَا كتبه أهل فاس فِي إبِْطَال الظهير وَلما رفع ذَلِك إِلَى السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله عاقب الْيَهُود عقَابا شَدِيدا اه
وَبِالْجُمْلَةِ ففضيلة علم التَّارِيخ شهيرة وَفَائِدَته جليلة خطيرة ومادحه مَحْمُود غير ملوم والْحَدِيث بفضله حَدِيث بِمَعْلُوم وَللَّه در ابْن الْخَطِيب إِذْ يَقُول
(وَبعد فالتاريخ والإخبار ... فِيهِ لنَفس الْعَاقِل اعْتِبَار)
(وَفِيه للمستبصر استبصار ... كَيفَ أَتَى الْقَوْم وَكَيف صَارُوا)
(يجْرِي على الْحَاضِر حكم الْغَائِب ... فَيثبت الْحق بِسَهْم صائب)
(وَينظر الدُّنْيَا بِعَين النبل ... وَيتْرك الْجَهْل لأهل الْجَهْل)
وَقَالَ الآخر
(لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَا عَاقل ... من لَا يعي التَّارِيخ فِي صَدره)
(وَمن روى أَخْبَار من قد مضى ... أضَاف أعمارا إِلَى عمره)
(1/62)

ذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخلفائه الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم

أما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهيميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام ابْن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام ابْن لامك بن متوشلخ بن حنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم عَلَيْهِمَا السَّلَام فَأَما مَا بَين رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين عدنان فمتفق عَلَيْهِ عِنْد عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأما مَا بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل فمختلف فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا مَا بَين سَبْعَة آبَاء إِلَى نَحْو الْأَرْبَعين وَالْمُخْتَار مَا ذَكرْنَاهُ تبعا لأبي الْفِدَاء وَأما مَا بَين إِسْمَاعِيل وآدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام فمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْكتاب وَهِي أَسمَاء أَعْجَمِيَّة يكثر تغييرها لصعوبة النُّطْق بحروفها وَالله أعلم
قَالَ ابْن خلدون ولد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفِيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول لأربعين سنة من ملك كسْرَى أنو شرْوَان وَقيل لثمان وَأَرْبَعين ولثمانمائة واثنتين وَثَمَانِينَ سنة لذِي القرنين وَمَات أَبوهُ عبد الله وَأمه حَامِل بِهِ وكفله جده عبد الْمطلب واسترضع لَهُ امْرَأَة من بني
(1/63)

سعد بن بكر اسْمهَا حليمة بنت أبي ذُؤَيْب السعدية فَكَانَ عِنْدهَا نَحْو أَربع سِنِين وشق صَدره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عِنْدهَا فِي السّنة الرَّابِعَة من مولده فخافت عَلَيْهِ وردته إِلَى أمه ثمَّ مَاتَت أمه عقب ذَلِك وَاسْتمرّ فِي كَفَالَة جده عبد الْمطلب إِلَى أَن توفّي أَيْضا لمضي ثَمَان سِنِين من مولده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأوصى بِهِ عبد الْمطلب إِلَى ابْنه أبي طَالب فَكَفَلَهُ أَبُو طَالب أحس كَفَالَة وَقَامَ بِشَأْنِهِ أتم قيام وَنَشَأ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نشأة طيبَة يحفظه ربه ويكلؤه لما يُرِيد بِهِ من كرامته ويهيء لَهُ من نبوته ورسالته وَتزَوج خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَشهد بِنَاء الْكَعْبَة وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة وَوضع الْحجر الْأسود بِيَدِهِ الشَّرِيفَة فِي مَوْضِعه بعد أَن تراضت قبائل قُرَيْش عَلَيْهِ ثمَّ آتَاهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة على رَأس أَرْبَعِينَ سنة من عمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَلمُسلم الصادقة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء يَتَحَنَّث فِيهِ والتحنث التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد قبل أَن يرجع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْي وَفِي رِوَايَة حَتَّى فجئه الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ فَقَالَ (مَا أَنا بقارىء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقاريء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ {اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ} (اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم) فَرجع بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترجف بوادره حَتَّى دخل على خَدِيجَة فال (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع ثمَّ قَالَ لِخَدِيجَة (أَي خَدِيجَة مَالِي) وأخبرها الْخَبَر وَقَالَ (لقد خشيت على نَفسِي) قَالَت لَهُ خَدِيجَة كلا أبشر
(1/64)

فو الله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امراءا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فِي كتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة أَي ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي أنزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَو مخرجي هم) قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم يلبث ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول الله حَقًا فيسكن لذَلِك جأشه وتقر عينه فَيرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك فيتبدى لَهُ جِبْرِيل فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ نزل عَلَيْهِ بعد فَتْرَة الْوَحْي سُورَة المدثر قَالَ الْعلمَاء كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ نَبيا فَقَط ثَلَاث سِنِين لم يُؤمر فِيهَا بإنذار ثمَّ أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام برسالة من ربه عز وَجل فَكَانَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِ فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين}
روى مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِسَنَدِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (يَا عَليّ إِن الله أَمرنِي أَن أنذر عشيرتي الْأَقْرَبين فضقت بذلك ذرعا وَعرفت أَنِّي مَتى أباديهم بِهَذَا الْأَمر أرى مِنْهُم مَا أكره فَصمت عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن لَا تفعل مَا تُؤمر يعذبك رَبك فَاصْنَعْ لنا طَعَاما وَاجعَل لنا عَلَيْهِ رجل شَاة واملأ لنا عسا من لبن ثمَّ اجْمَعْ لي بني عبد الْمطلب حَتَّى أبلغهم مَا أمرت بِهِ) فَفعلت
(1/65)

مَا أَمرنِي بِهِ ثمَّ دعوتهم لَهُ وَكَانُوا يَوْمئِذٍ نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا يزِيدُونَ رجلا أَو ينقصونه فيهم أَعْمَامه أَبُو طَالب وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وَأَبُو لَهب فَلَمَّا اجْتَمعُوا دَعَاني بِالطَّعَامِ الَّذِي صنعت فَجئْت بِهِ فَتَنَاول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جذبه من اللَّحْم فَشَقهَا بِأَسْنَانِهِ ثمَّ أَلْقَاهَا فِي نواحي الصحفة ثمَّ قَالَ (كلوا باسم الله) فَأكل الْقَوْم حَتَّى مَا لَهُم بِشَيْء من حَاجَة وَايْم الله إِن كَانَ الرجل الْوَاحِد ليَأْكُل مثل مَا قدمت لجميعهم ثمَّ قَالَ (اسْقِ الْقَوْم) فجئتهم بذلك الْعس فَشَرِبُوا حَتَّى رووا جَمِيعًا وَايْم الله إِن كَانَ الرجل الْوَاحِد ليشْرب مثله فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يكلمهم بدره أَبُو لَهب فَقَالَ سحركم صَاحبكُم فَتفرق الْقَوْم وَلم يكلمهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَقَالَ الْغَد يَا عَليّ إِن هَذَا الرجل قد سبقني إِلَى مَا سَمِعت من القَوْل فَتفرق الْقَوْم قبل أَن أكلمهم فاعدد لنا من الطَّعَام مثل مَا صنعت ثمَّ أجمعهم) فَفعلت ثمَّ جمعتهم ثمَّ دَعَاني بِالطَّعَامِ فقربته فَفعل كَمَا فعل بالْأَمْس فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا ثمَّ تكلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ (يَا بني عبد الْمطلب إِنِّي قد جِئتُكُمْ بخيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقد أَمرنِي الله عز وَجل أَن أدعوكم إِلَيْهِ فَأَيكُمْ يؤازرني على أَمْرِي هَذَا وَيكون أخي ووصيي وخليفتي فِيكُم) فأحجم الْقَوْم عَنْهَا جَمِيعًا وَأَنا أحدثهم سنا فَقلت يَا رَسُول الله أَنا أكون وزيرك عَلَيْهِ فَأخذ برقبتي ثمَّ قَالَ (هَذَا أخي ووصيي وخليفتي فِيكُم فا سمعُوا لَهُ وَأَطيعُوا) فَقَامَ الْقَوْم يَضْحَكُونَ وَيَقُولُونَ لأبي طَالب قد أَمرك أَن تسمع لعَلي وتطيع
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} صعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الصَّفَا فَجعل يُنَادي (يَا بني فهر يَا بني عدي) لبطون قُرَيْش حَتَّى اجْتَمعُوا فَجعل الرجل إِذْ لم يسْتَطع أَن خرج أرسل رَسُولا لينْظر مَا هُوَ فجَاء أَبُو لَهب وقريش فَقَالَ (أَرَأَيْتكُم لَو أَخْبَرتكُم أَن خيلا بالوادي تُرِيدُ أَن تغير عَلَيْكُم أَكُنْتُم مصدقي) قَالُوا نعم مَا جربنَا عَلَيْك كذبا قَالَ (فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد) فَقَالَ أَبُو لَهب تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم أَلِهَذَا جمعتنَا فَنزلت {تبت يدا أبي لَهب وَتب}
(1/66)

مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب) ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَمر ربه صَابِرًا محتسبا فِيمَا يَنَالهُ من المحن وضروب الْأَذَى مُعْلنا بالتذكير والإنذار دَاعيا إِلَى الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَأسلم مَعَه جمَاعَة من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام كخديجة وَعلي وَأبي بكر وَزيد بن حَارِثَة وَعُثْمَان وَسَائِر الْعشْرَة سوى عمر بن الْخطاب فَإِن إِسْلَامه كَانَ قد تَأَخّر قَلِيلا ونصبت قُرَيْش الْعَدَاوَة لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وافترقت كلمتهم عَلَيْهِ وانحاز بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب إِلَى أبي طَالب وتعاهدت قُرَيْش على أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا ينفعوهم بِشَيْء ونال أَصْحَاب رَسُول الله الَّذِي آمنُوا مَعَه من الْأَذَى فَوق مَا يُوصف وَهَاجَر جمَاعَة مِنْهُم إِلَى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ فِرَارًا بدينهم من الْفِتْنَة وحدب على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمه أَبُو طَالب وَقَامَ دونه وذب عَنهُ سُفَهَاء قُرَيْش وَمنعه مِنْهُم مَا اسْتَطَاعَ وَكَانَت خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا توازره على أمره وتسليه وتهون عَلَيْهِ مايلقاه من قومه فَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرتاح لذَلِك ويخف عَلَيْهِ بعض مَا يجد ثمَّ توفّي أَبُو طَالب فِي شَوَّال سنة عشر من النُّبُوَّة وَتوفيت خَدِيجَة بعد ذَلِك بِيَسِير وَكَانَت وفاتهما قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين فعظمت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُصِيبَة وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ المحن حَتَّى كَانَ يُسَمِّي ذَلِك الْعَام عَام الْحزن ونالت قُرَيْش مِنْهُ مَا لم تكن تطمع فِي نيله قبل ذَلِك فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تِلْكَ الثَّلَاث سِنِين إِذا حضر الْمَوْسِم خرج إِلَى قبائل الْعَرَب بمنى وَطَاف عَلَيْهِم قَبيلَة قَبيلَة يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى ويعرض عَلَيْهِم نَفسه ويسألهم النُّصْرَة لَهُ وَالْقِيَام مَعَه حَتَّى يبلغ رِسَالَة ربه فَإِن قُريْشًا قد عَتَتْ على الله وكذبت رَسُوله وَردت عَلَيْهِ كرامته وَيَقُول فِيمَا يَقُول (يَا بني فلَان إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم يَأْمُركُمْ أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تخلعوا مَا تَعْبدُونَ من دونه من هَذِه الأنداد وَأَن تؤمنوا بِي وتصدقوني)
وَلَقي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذِه الْمدَّة من الشدائد مَا رفع الله بِهِ فِي عليين دَرَجَته وأجزل بِهِ كرامته وَشرف مَنْزِلَته وَحَازَ بِهِ فِي جوَار الله تَعَالَى أكْرم نزل
(1/67)

وَصَارَ إِمَام أولي الْعَزْم من الرُّسُل صلى الله على جَمِيعهم وَسلم وَلما أَرَادَ الله إِظْهَار دينه وإعزاز نبيه خرج صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض المواسم يعرض نَفسه على الْقَبَائِل كَمَا كَانَ يصنع فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْد الْعقبَة بمنى إِذْ لَقِي سِتَّة نفر من الْخَزْرَج من أهل مَدِينَة يثرب وَأَهْلهَا يَوْمئِذٍ قبيلتان الْأَوْس والخزرج ويجمعهم أَب وَاحِد وهم من عرب الْيمن والنفر السِّتَّة هم أَبُو أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة وعَوْف بن الْحَارِث وَهُوَ ابْن عفراء وَرَافِع بن مَالك بن العجلان وَقُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة وَعقبَة بن عَامر بن نابي وَجَابِر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُم فَقَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من أَنْتُم) قَالُوا نفر من الْخَزْرَج قَالَ (أَمن موالى يهود) وَكَانُوا يحالفون قُرَيْظَة وَالنضير قَالُوا نعم قَالَ (أَفلا تجلسون حَتَّى أكلمكم) قَالُوا بلَى فجلسوا مَعَه فَدَعَاهُمْ إِلَى ألله عز وَجل وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام وتلا عَلَيْهِم الْقُرْآن قَالَ وَمِمَّا كَانَ صنع الله لَهُم فِي الْإِسْلَام أَن الْيَهُود كَانُوا مَعَهم ببلادهم وَكَانُوا أهل كتاب وَعلم وهم أهل أوثان وشرك وَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم شَيْء قَالُوا إِن نَبينَا الان مَبْعُوث قد أظل زَمَانه سنتبعه ونقتلكم مَعَه قتل عَاد وإرم فَلَمَّا كلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُولَئِكَ النَّفر ودعاهم إِلَى الله عز وَجل قَالَ بَعضهم لبَعض يَا قوم تعلمُوا وَالله إِنَّه النَّبِي الَّذِي توعدكم بِهِ يهود فَلَا يسبقنكم إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ وَصَدقُوهُ وَأَسْلمُوا مَعَه وَقَالُوا إِنَّا قد تركنَا قَومنَا وَبينهمْ من الْعَدَاوَة وَالشَّر مَا بَينهم فَعَسَى الله أَن يجمعهُمْ بك وسنقدم عَلَيْهِم وندعوهم إِلَى أَمرك فَإِن يجمعهُمْ الله عَلَيْك فَلَا أحد أعز مِنْك ثمَّ انصرفوا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة ذكرُوا لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعوهم إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى فَشَا فيهم فَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا ذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى إِذا كَانَ الْعَام الْمقبل وافى الْمَوْسِم من الْأَنْصَار اثْنَا عشر رجلا مِنْهُم خَمْسَة من السِّتَّة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ آنِفا عدى جَابر بن عبد الله فَإِنَّهُ لم يحضرها وَسَبْعَة من غَيرهم وهم معَاذ بن الْحَارِث أَخُو عَوْف بن الْحَارِث الْمَذْكُور وذكوان بن عبد الْقَيْس وَيزِيد بن ثَعْلَبَة البلوي وَعبادَة بن
(1/68)

الصَّامِت وَالْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة وَهَؤُلَاء الْعشْرَة من الْخَوَارِج وَمن الْأَوْس أَبُو الْهَيْثَم مَالك بن التيهَان وعويم بن سَاعِدَة فَلَقوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعقبَةِ فَبَايعُوهُ بيعَة النِّسَاء أَن لَا يشركوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا يسرقوا وَلَا يزنوا وَلَا يقتلُوا أَوْلَادهم إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَإِن وفيتم فلكم الْجنَّة وَإِن غشيتم شَيْئا من ذَلِك فأخذتم بحده فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لكم وَإِن ستر عَلَيْكُم فأمركم إِلَى الله عز وَجل إِن شَاءَ الله عذبكم وَإِن شَاءَ غفر لكم) قَالَ وَذَلِكَ قبل أَن تفرض الْحَرْب فَلَمَّا انْصَرف الْقَوْم بعث مَعَهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي وَمَعَهُ عَمْرو بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى ليعلمهم الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام ويفقهم فِي الدّين فَكَانَ مُصعب بِالْمَدِينَةِ يُسمى المقرىء وَكَانَ منزله على أسعد بن زُرَارَة فَأسلم على يَده كثير من الْأَوْس والخزرج مِنْهُم أسيد بن حضير وَسعد بن معَاذ سيدا الْأَوْس وَسعد هَذَا هُوَ الذ ي يَقُول فِيهِ حسان بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ
(وَمَا اهتز عرش الله من أجل هَالك ... سمعنَا بِهِ إِلَّا لسعد أبي عَمْرو)
وَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا رجال وَنسَاء مُسلمُونَ إِلَّا مَا كَانَ من دَار بني أُميَّة بن زيد وخطمة وَوَائِل وواقف بطُون من الْأَوْس وَكَانُوا فِي عوالي الْمَدِينَة وَكَانَ فيهم أَبُو قيس بن الأسلت الشَّاعِر سيدا مُطَاعًا فَوقف بهم عَن الْإِسْلَام حَتَّى هَاجر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة وَمضى بدر وَأحد وَالْخَنْدَق فأسلموا كلهم ثمَّ إِن مُصعب بن عُمَيْر رَجَعَ إِلَى مَكَّة من الْعَام الْمقبل وَذَلِكَ سنة ثَلَاث عشرَة من المبعث وَخرج مَعَه من الْأَنْصَار الَّذين أَسْلمُوا ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ بَعضهم من الْأَوْس وَبَعْضهمْ من الْخَزْرَج مَعَ حجاج قَومهمْ من أهل الشّرك فَلَمَّا وصلوا إِلَى مَكَّة واعدوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يجتمعوا بِهِ لَيْلًا فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق بِالْعقبَةِ من منى وجاءهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهُوَ يَوْمئِذٍ على دين قومه إِلَّا أَنه أحب أَن يتوثق لِابْنِ أَخِيه فَقَالَ يَا معشر الْخَزْرَج إِن مُحَمَّدًا
(1/69)

منا حَيْثُ قد علمْتُم وَقد منعناه من قَومنَا مِمَّن هُوَ على مثل رَأينَا وَهُوَ فِي عز ومنعة من قومه وبلده وَأَنه قد أَبى إِلَّا الانحياز إِلَيْكُم واللحوق بكم فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ وافون لَهُ بِمَا دعوتموه إِلَيْهِ ومانعوه مِمَّن خَالفه فَأنْتم وَمَا تحملتم من ذَلِك وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ مسلموه وخاذلوه فَمن الْآن فَدَعوهُ فَقَالُوا قد سمعنَا مَا قلت فَتكلم يَا رَسُول الله وَخذ لنَفسك ولربك مَا شِئْت فَتكلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتلا الْقُرْآن ودعا إِلَى الله عز وَجل وَرغب فِي الْإِسْلَام ثمَّ قَالَ (أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم ونساءكم وأبناءكم) قَالَ فَأخذ الْبَراء بن معْرور بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا لنمنعنك مِمَّا نمْنَع مِنْهُ أزرنا فَبَايعْنَا يَا رَسُول الله فَنحْن أهل الْحَرْب وَأهل الْحلقَة ورثناهما كَابِرًا عَن كَابر فَاعْترضَ القَوْل والبراء يكلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن بَيْننَا وَبَين النَّاس حِبَالًا يَعْنِي عهودا وَإِنَّا قَاطِعُوهَا فَهَل عَسَيْت أَن فعلنَا ذَلِك ثمَّ أظهرك الله أَن ترجع إِلَى قَوْمك وَتَدعنَا فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ (بل الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم أَنْتُم مني وَأَنا مِنْكُم أُحَارب من حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ من سَالَمْتُمْ) وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أخرجُوا إِلَيّ مِنْكُم اثْنَي عشر نَقِيبًا يكونُونَ كفلاء على قَومهمْ بِمَا فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابْن مَرْيَم فأخرجوا لَهُ اثنى عشر نَقِيبًا) وَتِسْعَة من الْخَزْرَج وَثَلَاثَة من الْأَوْس
قَالَ عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة إِن الْقَوْم لما اجْتَمعُوا لبيعة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة يَا معشر الْخَزْرَج هَل تَدْرُونَ على مَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرجل إِنَّكُم تبايعونه على حَرْب الْأَحْمَر وَالْأسود فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ إِذا نهكت أَمْوَالكُم مُصِيبَة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فَمن الْآن فَهُوَ وَالله خزي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ إِنَّكُم وافون لَهُ بِمَا دعوتموه إِلَيْهِ على نهكة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَخُذُوهُ فَهُوَ وَالله خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالُوا فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَمَا لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفينَا قَالَ (الْجنَّة) قَالُوا ابْسُطْ يدك فَبسط يَده فَبَايعُوهُ وَأول من
(1/70)

ضرب على يَده الْبَراء بن معْرور ثمَّ تتَابع الْقَوْم ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (انْفَضُّوا إِلَى رحالكُمْ) فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَئِن شِئْت لنميلن غَدا على أهل منى بأسيافنا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِنِّي لم أومر بذلك وَلَكِن ارْجعُوا إِلَى رحالكُمْ) ثمَّ انْصَرف الْقَوْم رَاجِعين إِلَى الْمَدِينَة وَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة فَخَرجُوا أَرْسَالًا وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة ينْتَظر الْإِذْن من ربه فِي الْهِجْرَة وَبَقِي مَعَه أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب إِلَى أَن أذن الله لنَبيه فِي الْهِجْرَة فَهَاجَرَ كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي كتب الحَدِيث وَالسير وَلما اسْتَقر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ أظهر الْإِسْلَام وَشرع الْأَحْكَام وَبَين الْحَلَال وَالْحرَام وَنزل عَلَيْهِ من الْقُرْآن السَّبع الطول سوى سُورَة الْأَنْعَام فَإِنَّهَا نزلت بِمَكَّة وَنزل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ بِغَيْر حق إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبنَا الله) فَكَانَت هَذِه أول آيَة نزلت بِالْإِذْنِ فِي الْقِتَال فَجَاهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الله حق جهاده ونال من نصْرَة الدّين وإعلاء كلمة الله غَايَة مُرَاده وانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب من كل نَاحيَة ولبت دَعوته من أماكنها الدانية والقاصية وَضرب الْإِسْلَام بجرانه فِي جَزِيرَة الْعَرَب كلهَا وَأجْمع على التَّمَسُّك بِدِينِهِ أهل عقدهَا وحلها قَالَ القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله فِي كتاب الشفا فتح على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته بِلَاد الْحجاز واليمن وَجَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب وَمَا دانى ذَلِك من الشَّام وَالْعراق وجبى إِلَيْهِ من أخماسها وجزيتها وصدقاتها مَا لَا يجبى للملوك إِلَّا بعضه وهادته جمَاعَة من مُلُوك الأقاليم فَمَا اسْتَأْثر بِشَيْء مِنْهُ وَلَا أمسك مِنْهُ درهما بل صرفه مصارفه وأغنى بِهِ غَيره وقوى بِهِ الْمُسلمين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلما حصل الْمَقْصُود من بعثته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأظْهر دينه على الدّين كُله أنزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر يَوْم عَرَفَة وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاقِف بِعَرَفَات على
(1/71)

نَاقَته العضباء فَكَادَتْ عضد النَّاقة تندق وبركت لثقل الْوَحْي وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة بَكَى عمر فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مَا يبكيك يَا عمر) فَقَالَ أبكاني أَنا كُنَّا فِي زِيَادَة من ديننَا فَأَما إِذا كمل فَإِنَّهُ لم يكمل شَيْء إِلَّا نقص قَالَ صدقت فَكَانَت هَذِه الْآيَة نعي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَاشَ بعْدهَا إِحْدَى وَثَمَانِينَ يَوْمًا وَمَات صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين خلتا من ربيع الأول وَقيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة قَالَ الخازن فِي تَفْسِيره وَهُوَ الْأَصَح سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة فمجموع عمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة على الصَّحِيح
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أنزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فَمَكثَ ثَلَاث عشرَة سنة يُوحى إِلَيْهِ ثمَّ أَمر بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة فَمَكثَ بهَا عشر سِنِين ثمَّ توفّي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ ورد فِي عمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة الثَّانِيَة خمس وَسِتُّونَ سنة وَالثَّالِثَة ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَهِي أَصَحهَا وأشهرها اه وَفضل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشهر من أَن يشْرَح وَيبين فَهُوَ حجَّة الله فِي الأَرْض وشهيده على الْخلق ومصطفاه من الْبشر والمخصوص بمزية النُّبُوَّة وآدَم بَين المَاء والطين وَللَّه در ابْن الْخَطِيب إِذْ يَقُول
(يَا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح لَهُ أغلاق)
(أيروم مَخْلُوق ثناءك بعد مَا ... أثنى على أخلاقك الخلاق)
(1/72)

خلَافَة أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ

هُوَ أَبُو بكر واسْمه عبد الله وَقيل عَتيق بن أبي قُحَافَة واسْمه عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب التَّيْمِيّ الْمَعْرُوف بِالصديقِ يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مرّة بن كَعْب ولي الْخلَافَة بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِجْمَاع من الصَّحَابَة وَمن تَأَخّر عَنْهَا أَولا رَجَعَ إِلَيْهَا ثَانِيًا إِلَّا مَا كَانَ من سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ توقف عَن بيعَته وَذَلِكَ أَنه لما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْتمعت الْأَنْصَار فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وهموا بمبايعة سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج لأَنهم كَانُوا يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِالْأَمر لأَنهم الَّذين آووا ونصروا وتبوأوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبل الْمُهَاجِرين وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى أبي بكر وَعمر أفزعهما ذَلِك وبادرا إِلَى السَّقِيفَة ومعهما أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فوجدوا الْأَنْصَار بهَا على مَا بَلغهُمْ من الْعَزْم على بيعَة سعد فحاجهم أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ نَحن أَوْلِيَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعشيرته وأحق النَّاس بِالْأَمر بعده فَنحْن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر لَا وَالله لَا نَفْعل منا أَمِير ومنكم أَمِير وَإِن شِئْتُم أعدناها جَذَعَة أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب فَقَامَ بشير بن سعد الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَلا إِن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قُرَيْش وَإِن قومه أَحَق وَأولى بِالْأَمر بعده وَنحن وَإِن كُنَّا أولي فضل فِي الْجِهَاد وسابقة فِي الدّين فَمَا أردنَا بذلك إِلَّا رضى الله وَطَاعَة نبيه فَلَا نبتغي بِهِ من الدُّنْيَا عوضا وَلَا نستطيل بِهِ على النَّاس ثمَّ أَشَارَ أَبُو بكر بِأَن يبايعوا أحد الرجلَيْن إِمَّا عمر بن الْخطاب وَإِمَّا أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح فكرها ذَلِك وَبَايِعًا أَبَا بكر وسبقهما إِلَيْهِ بشير بن سعد ثمَّ تناجى الْأَوْس فِيمَا بَينهم وَكَانَ فيهم أسيد بن حضير أحد النُّقَبَاء فكرهوا إِمَارَة الْخَزْرَج عَلَيْهِم ومالوا إِلَى بيعَة أبي بكر فَبَايعُوهُ وَأَقْبل النَّاس من كل جَانب يبايعون أَبَا بكر حَتَّى كَادُوا يطؤون سعد بن عبَادَة وَهُوَ مُضْطَجع بَينهم يوعك فَقَالَ رجل من أَصْحَابه قتلتم سعد بن عبَادَة فَقَالَ
(1/73)

عمر قَتله الله فَقَالَ أَبُو بكر مهلا يَا عمر الرِّفْق هُنَا أبلغ ثمَّ لحق سعد بِالشَّام فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى توفّي أَيَّام عمر رحم الله جَمِيعهم وَكَانَت بيعَة أبي بكر يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي من وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل دَفنه وَلما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ارْتَدَّت عَامَّة الْعَرَب لِأَن كلمة الْإِسْلَام لم تكن رسخت فِي قُلُوبهم على مَا يَنْبَغِي وَمنع آخَرُونَ مِنْهُم الزَّكَاة وَقَالُوا نصلي وَلَا نُؤَدِّي الزَّكَاة ظنا مِنْهُم أَن ذَلِك كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَط واضطرب أَمر الْمُسلمين عِنْد وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقلتهم وَكَثْرَة عدوهم قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ارْتَدَّت الْعَرَب وَنجم النِّفَاق واشرأبت الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَنزل بِأبي بكر مَا لَو نزل بالجبال الراسية لهاضها وَصَارَ الْمُسلمُونَ كالغنم الْمَطِيرَة فِي اللَّيْلَة الشَّاتِيَة لفقد نَبِيّهم وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش سَمِعت أَبَا حُصَيْن يَقُول مَا ولد بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر الصّديق لقد قَامَ مقَام نَبِي من الْأَنْبِيَاء فِي قتال أهل الرِّدَّة
وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واستخلف ابو بكر وَكفر من كفر من الْعَرَب قَالَ عمر يَا أَبَا بكر كَيفَ تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فقد عصم مني مَاله وَنَفسه إِلَّا بِحقِّهِ وحسابه على الله) قَالَ أَبُو بكر وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَإِن الزَّكَاة حق المَال وَالله لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقاتلتهم على منعهَا قَالَ عمر فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَيْت أَن قد شرح الله صدر أبي بكر لِلْقِتَالِ فَعرفت أَنه الْحق
وَحكى ابْن خلدون أَن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ لما عزم على قتال أهل الرِّدَّة اسْتخْلف أُسَامَة بن زيد بعد رُجُوعه من بَعثه الَّذِي كَانَ بَعثه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ قبل وَفَاته فَبَقيَ فِي الْمَدِينَة حَتَّى أنفذه أَبُو بكر بعد
(1/74)

وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج أَبُو بكر فِي جمَاعَة من الْمُسلمين إِلَى ذِي حسي وَإِلَى ذِي الْقِصَّة موضِعين قرب الْمَدِينَة ثمَّ سَار حَتَّى نزل على أهل الربذَة بالإبريق وَبهَا عبس وذبيان وَبَنُو بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وثعلبة بن سعد وَغَيرهم فَقَاتلهُمْ أَبُو بكر وَهَزَمَهُمْ وَرجع إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى ذِي الْقِصَّة ثَانِيًا فعقد فِيهِ أحد عشر لِوَاء على أحد عشر جندا لقِتَال أهل الرِّدَّة وَأمر كل وَاحِد باستنفار من يَلِيهِ من الْمُسلمين من كل قَبيلَة وَعقد لِلْأُمَرَاءِ على تِلْكَ الأجناد مِنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهم وَكتب لَهُم عهودهم بِنَصّ وَاحِد بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا عهد من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لفُلَان حِين بَعثه فِيمَن بَعثه لقِتَال من رَجَعَ عَن الْإِسْلَام وعهد إِلَيْهِ أَن يَتَّقِي الله مَا اسْتَطَاعَ فِي أمره كُله سره وجهره وَأمره بالجد فِي أَمر الله ومجاهدة من تولى عَنهُ وَرجع عَن الْإِسْلَام إِلَى أماني الشَّيْطَان بعد أَن يعْذر إِلَيْهِم فيدعوهم بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام فَإِن أجابوه أمسك عَنْهُم وَإِن لم يُجِيبُوهُ شن غارته عَلَيْهِم حَتَّى يقرُّوا لَهُ ثمَّ ينبئهم وَالَّذِي عَلَيْهِم وَلِذِي لَهُم فَيَأْخُذ مَا عَلَيْهِم ويعطيهم الَّذِي لَهُم لَا ينظرهم وَلَا يرد الْمُسلمين عَن قتال عدوهم فَإِن أجَاب إِلَى أَمر الله تَعَالَى وَأقر لَهُ قبل ذَلِك مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَاتل من كفر بِاللَّه على الْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْد الله فَإِذا أجَاب الدعْوَة لم يكن عَلَيْهِ سَبِيل كَانَ الله حسيبه بعد فِيمَا استسر بِهِ وَمن لم يجب إِلَى دَاعِيَة الله قوتل وَقتل حَيْثُ كَانَ وَحَيْثُ بلغ مراغمة لَا يقبل الله من أحد شَيْئا مِمَّا أعْطى إِلَّا الْإِسْلَام فَمن أَجَابَهُ وَأقر بِهِ قبل مِنْهُ وأعانه وَمن أَبى قَاتله فَإِن أظهره الله عَلَيْهِ قَتلهمْ فِيهِ كل قتلة بِالسِّلَاحِ والنيران ثمَّ قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ إِلَّا الْخمس فَإِنَّهُ يبلغناه وَيمْنَع أَصْحَابه العجلة وَالْفساد وَأَن لَا يدْخل فيهم حَشْوًا حَتَّى يعرفهُمْ وَيعلم مَا هم لِئَلَّا يَكُونُوا عيُونا وَلِئَلَّا يُؤْتى الْمُسلمُونَ من قبلهم وَأَن يقتصد بِالْمُسْلِمين ويرفق بهم فِي السّير والمنزل ويتفقدهم وَلَا يعجل بَعضهم عَن بعض ويستوصي بِالْمُسْلِمين فِي حسن الصُّحْبَة ولين القَوْل اه
(1/75)

وَكتب إِلَى كل من بعث إِلَيْهِ الْجنُود من الْمُرْتَدين كتابا وَاحِدًا أَيْضا وَجعله فِي نسخ مُتعَدِّدَة بيد رسل تقدمُوا أَمَام الْأُمَرَاء يَأْمُرهُم فِيهِ بالتمسك بِكَلِمَة الْإِسْلَام وينهاهم عَن الارتداد ويحذرهم عاقبته وَسُوء أَثَره تركنَا ذكره اختصارا وَكَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ خَالِد بن الْوَلِيد رَحمَه الله من الْقِتَال قتال طليحة بن خويلد الْأَسدي أَسد خُزَيْمَة وَكَانَ كَاهِنًا وَادّعى النُّبُوَّة فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَبعهُ أفاريق من قومه بني أَسد وَمن غَيرهم فَوجه إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرار بن الْأَزْوَر ليقاتله فَبَيْنَمَا ضرار يُرِيد مناجزته إِذْ ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بوفاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ففت ذَلِك فِي عضد ضرار وانكفأ رَاجعا بِمن مَعَه من الْمُسلمين إِلَى الْمَدِينَة وَعظم أَمر طليحة حِينَئِذٍ واستطار شرره وانضمت إِلَيْهِ غطفان وَبَعض طييء وأخلاط من الْعَرَب على مَاء من مياه بني أَسد يُقَال لَهُ بزاخة فَسَار إِلَيْهِم خَالِد رَحمَه الله فأوقع بهم وقْعَة شنعاء فل بهَا جمعهم وَقتل من قتل مِنْهُم وَنَجَا طليحة إِلَى الشَّام بِرَأْس طمرة ولجام وَبَقِي هُنَاكَ إِلَى أَن أسلم وَحسن إِسْلَامه وَكَانَت لَهُ فِي قتال فَارس وَالروم زمَان الْفَتْح الْيَد الْبَيْضَاء ثمَّ تتبع خَالِد رَحمَه الله أهل الرِّدَّة قَبيلَة قَبيلَة وجمعا جمعا فَقتل وَحرق ورضخ بِالْحِجَارَةِ وَرمى من رُؤُوس الْجبَال وأبلغ فِي النكاية بِكُل وَجه فخشعت نفوس الْمُرْتَدين وخامر قُلُوبهم الرعب وَقوم اعواججهم الطعْن وَالضَّرْب حَتَّى راجعوا الْإِسْلَام كرها وَكَانَ من اعظمهم شَوْكَة وأشدهم قُوَّة بَنو حنيفَة قوم مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَكَانَ موطنهم بِالْيَمَامَةِ وَهِي بِلَاد وَاسِعَة ذَات نخل وَزرع على أَرْبَعَة أَيَّام من مَكَّة وَكَانَ مُسَيْلمَة هَذَا قد قدم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيوفد بني حنيفَة فَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَادّعى النُّبُوَّة اسْتِقْلَالا ثمَّ مُشَاركَة مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشهد لَهُ بذلك الرِّجَال بن عنفوة أحد أَشْرَاف بني حنيفَة وَكَانَ قد هَاجر إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأقَام عِنْده وَقَرَأَ الْقُرْآن وتفقه فِي الدّين فَلَمَّا ارْتَدَّ مُسَيْلمَة بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معلما لأهل الْيَمَامَة ومشغبا عَن مُسَيْلمَة فَكَانَ من أعظم الْفِتَن على بني حنيفَة فَإِنَّهُ شهد لمُسَيْلمَة بِالنُّبُوَّةِ وَاتبعهُ على شَأْنه وَصَارَ مُؤذنًا لَهُ يشْهد لَهُ بالرسالة بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَعظم شَأْنه
(1/76)

فيهم وَكَانَ مُسَيْلمَة يَنْتَهِي إِلَيْهِ رَأْيه وَكَانَ يَأْتِي بأسجاع كَثِيرَة يزْعم أَنَّهَا قُرْآن ينزل عَلَيْهِ وَيَأْتِي بمخارق من الشعبذة وَيَقُول إِنَّهَا معجزاته فَتَقَع على خلاف الْمَقْصُود إهانة من الله لَهُ فَنَهَضَ خَالِد رَحمَه الله بعد الْفَرَاغ من طليحة وَغَيره من أهل الرِّدَّة إِلَى بني حنيفَة وهم يَوْمئِذٍ كثير يُقَال كَانُوا أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَلما سمعُوا بدنو خَالِد مِنْهُم خَرجُوا وعسكروا فِي مُنْتَهى ريف الْيَمَامَة واستنفروا النَّاس فنفروا مَعَهم وَأَقْبل خَالِد وعَلى مقدمته شُرَحْبِيل بن حَسَنَة ونازل بني حنيفَة وَكَانَ الرِّجَال بن عنفوة على مُقَدّمَة مُسَيْلمَة فَالْتَقوا واقتتلوا واشتدت الْحَرْب وانكشف الْمُسلمُونَ حَتَّى دخل بَنو حنيفَة خباء خَالِد ثمَّ تراجع الْمُسلمُونَ وكروا على بني حنيفَة وَقَاتل ثَابت بن قيس بن شماس حَتَّى قتل ثمَّ زيد بن الْخطاب أَخُو عمر كَذَلِك ثمَّ أَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة ثمَّ مَوْلَاهُ سَالم ثمَّ الْبَراء أَخُو أنس بن مَالك وَكَانَ تَأْخُذهُ عِنْد الْحَرْب رعدة حَتَّى ينتفض وَيقْعد عَلَيْهِ الرّحال حَتَّى يَبُول ثمَّ يثور كالأسد فقاتل ذَلِك الْيَوْم وَفعل الأفاعيل واستحر الْقَتْل فِي الْمُسلمين خُصُوصا قراء الْقُرْآن وَأهل السَّابِقَة
قَالَ ابْن خلدون قتل يَوْم الْيَمَامَة من الْأَنْصَار مَا ينيف على الثلاثمائة وَسِتِّينَ وَمن الْمُهَاجِرين مثلهَا وَمن التَّابِعين لَهُم مثلهَا أَو يزِيدُونَ وفشت الْجِرَاحَات فِيمَن بَقِي ثمَّ هزم الله الْعَدو وألجأهم الْمُسلمُونَ إِلَى حديقة كَانَت هُنَاكَ وفيهَا مُسَيْلمَة فَقَالَ الْبَراء بن مَالك ألقوني عَلَيْهِم من أَعلَى الْجِدَار فاقتحم وَقَاتلهمْ على بَاب الحديقة حَتَّى دخل بعض الْمُسلمين عَلَيْهِم واقتحم الْبَاقُونَ من أَعلَى الْحِيطَان فَقتل من بني حنيفَة يَوْمئِذٍ سَبْعَة عشر ألف مقَاتل فسميت الحديقة حديقة الْمَوْت وَأما مُسَيْلمَة فَقتله وَحشِي بالحربة الَّتِي قتل بهَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب يَوْم أحد وشاركه فِي قَتله رجل من الْأَنْصَار ثمَّ صَالح خَالِد بني حنيفَة فِي خبر طَوِيل وَهَذِه الْوَقْعَة من أعظم الوقعات الَّتِي كَانَت فِي زمن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَهِي كَانَت السَّبَب الدَّاعِي إِلَى جمع الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن جمعه عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ الْجمع الثَّانِي فِي الْمُصحف
(1/77)

فَفِي الصَّحِيح عَن زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ قَالَ أرسل إِلَى أَبُو بكر مقتل أهل الْيَمَامَة فَإِذا عمر بن الْخطاب عِنْده قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ إِن عمر أتأني فَقَالَ إِن الْقَتْل قد استحر يَوْم الْيَمَامَة بقراء الْقُرْآن وَإِنِّي أخْشَى أَن يستحر الْقَتْل بالقراء فِي المواطن فَيذْهب كثير من الْقُرْآن وَإِنِّي أرى أَن تَأمر بِجمع الْقُرْآن قَالَ أَبُو بكر قلت لعمر كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عمر هُوَ وَالله خير فَلم يزل عمر يراجعني فِيهِ حَتَّى شرح الله لذَلِك صَدْرِي وَرَأَيْت الَّذِي رأى عمر قَالَ زيد بن ثَابت وَعمر عِنْده جَالس لَا يتَكَلَّم فَقَالَ أَبُو بكر إِنَّك رجل شَاب عَاقل لَا نتهمك وَقد كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتتبع الْقُرْآن فاجمعه فو الله لَو كلفوني نقل جبل من الْجبَال مَا كَانَ أثقل عَليّ مِمَّا أَمرنِي بِهِ من جمع الْقُرْآن قلت كَيفَ تفعلان شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر هُوَ وَالله خير فَلم أزل أراجعهم حَتَّى شرح الله صَدْرِي للَّذي شرح لَهُ صدر أبي بكر وَعمر فَقُمْت فتتبعت الْقُرْآن أجمعه من الرّقاع والأكناف والعسف واللخاف وصدور الرِّجَال حَتَّى وجدت آخر سُورَة التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ لم أَجدهَا مَعَ أحد غَيره {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} حَتَّى خَاتِمَة بَرَاءَة فَكَانَت الصُّحُف عِنْد أبي بكر حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد حَفْصَة بنت عمر اه
وَلما فرغ خَالِد من أَمر الْيَمَامَة بعث إِلَيْهِ أَبُو بكر فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْ عشرَة يَأْمُرهُ بالسير إِلَى الْعرَاق وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَجمعت الْعَرَب على الْإِسْلَام وَاتَّفَقُوا على التَّمَسُّك بكلمته وَأَخْلصُوا الطَّاعَة لله ولخليفة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَمت لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ همة فِي قتال فَارس وَالروم أهل الدولتين العظيمتين فِي الْعَالم يَوْمئِذٍ فَتوجه خَالِد رَحمَه الله نَحْو فَارس وَكَانَ عذَابا من عَذَاب الله أرْسلهُ على أهل الْكفْر والضلال وَمَا مثله إِلَّا قَول المتنبي
(وَمَا كَانَ إِلَّا النَّار فِي كل مَوضِع ... يثير غبارا فِي مَكَان دُخان)
(1/78)

فَتوجه خَالِد رَحمَه الله وَفتح الْحيرَة وَمَا وَرَاءَهَا من أَعمال الْعرَاق وَفتح الأنبار وَعين التَّمْر وأوقع الوقائع الْعَظِيمَة بمسالح أهل فَارس وجيوشهم حَتَّى أَخَافهُم فِي بِلَادهمْ وهم بالاقتحام عَلَيْهِم ومقاتلتهم فِي عقر دَارهم وَكتب إِلَيْهِم بكتابين يتوعدهم ويتهددهم ثمَّ صرفه أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ إِلَى الشَّام فَشهد اليرموك مَعَ جيوش الْمُسلمين الَّذين كَانُوا هُنَاكَ فَفِي الأكنفاء عَن عبد الله بن أبي أوفى الْخُزَاعِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة قَالَ لما أَرَادَ أَبُو بكر أَن يُجهز الْجنُود إِلَى الشَّام دَعَا عمر وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح ووجوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من أهل بدر وَغَيرهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَأَنا فيهم فَقَالَ إِن الله لَا تحصى نعمه وَلَا تبلغ جزاءها الْأَعْمَال فَلهُ الْحَمد كثيرا على مَا اصْطنع عنْدكُمْ ثمَّ جمع كلمتكم وَأصْلح ذَات بَيْنكُم وهداكم إِلَى الْإِسْلَام وَنفى عَنْكُم الشَّيْطَان فَلَيْسَ يطْمع أَن تُشْرِكُوا بِاللَّه وَلَا أَن تَتَّخِذُوا إِلَهًا غَيره فالعرب الْيَوْم بَنو أم وَأب وَقد رَأَيْت أَن أستنفرهم إِلَى الرّوم بِالشَّام فَمن هلك مِنْهُم هلك شَهِيدا وَمَا عِنْد الله خير للأبرار وَمن عَاشَ مِنْهُم عَاشَ مدافعا عَن الدّين مستوجبا على الله ثَوَاب الْمُجَاهدين هَذَا رَأْيِي الَّذِي رَأَيْت فليشر عَليّ امْرُؤ بمبلغ رَأْيه فَأجَاب كل من الْحَاضِرين باستصواب رَأْيه وتقوية عزمه فَجهز أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ جيوشا وَأمر عَلَيْهِم أُمَرَاء كخالد بن سعيد بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعِكْرِمَة بن أبي جهل والوليد بن عقبَة وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وَأمر أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح على جَمِيعهم وَعين لَهُ حمص وَأوصى كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا تنبغي الْوَصِيَّة بِهِ فَكَانَ بِسَبَب تِلْكَ الجموع وقْعَة اليرموك بَين الْمُسلمين وَالروم فِي رَجَب سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة بعد وَفَاة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ بِنَحْوِ شهر لِأَن وَفَاته رَضِي الله عَنهُ كَانَت مسَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين العشاءين لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة فَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَعشرَة لَيَال وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة رَضِي الله عَنهُ ونفعنا بِهِ
(1/79)

خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ

هُوَ أول من دعِي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أَبُو بكر قبله يدعى خَليفَة رَسُول الله وَهُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن نفَيْل مُصَغرًا بن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بن عبد الله بن قرط بِضَم الْقَاف ابْن رزاح بِفَتْح الرَّاء بن عدي بن كَعْب بن لؤَي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كَعْب بن لؤَي ولي الْخلَافَة بعد أبي بكر رَضِي الله عَنهُ بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْن خلدون لما احْتضرَ أَبُو بكر عهد إِلَى عمر رَضِي الله عَنْهُمَا الْأَمر من بعده بعد أَن شاور عَلَيْهِ طَلْحَة وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَغَيرهم وَأخْبرهمْ بِمَا يُرِيد فِيهِ فَأَثْنوا على رَأْيه فَأَشْرَف على النَّاس وَقَالَ إِنِّي قد اسْتخْلفت عمر وَلم آل لكم نصحا فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا ودعا عُثْمَان فَأمره فَكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا عهد بِهِ أَبُو بكرخليفة مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة فِي الْحَال الَّتِي يُؤمن فِيهَا الْكَافِر وينيب فِيهَا الْفَاجِر إِنِّي اسْتعْملت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب وَلم آلكم خيرا فَإِن صَبر وَعدل فَذَلِك علمي بِهِ ورأيي فِيهِ وَإِن جَار وَبدل فَلَا علم لي بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر أردْت وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} فَكَانَ أول مَا أنفذه من الْأُمُور عزل خَالِد بن الْوَلِيد عَن إِمَارَة الجيوش بِالشَّام وتولية أبي عُبَيْدَة وَجَاء الْخَبَر بذلك والمسلمون مواقفون عدوهم باليرموك فكتم أَبُو عُبَيْدَة الْأَمر كُله حَتَّى انْقَضى أَمر اليرموك وَكَانَ فتح دمشق بعْدهَا فَحِينَئِذٍ أظهر أَبُو عُبَيْدَة إمارته وعزل خَالِد فَسمع خَالِد وأطاع وَقيل فِي هَذَا الْخَبَر غير هَذَا مِمَّا هُوَ مَبْسُوط فِي كتب الْفَتْح ثمَّ إِن عمر رَضِي الله عَنهُ سدد عزمه وأرهف حَده لغزو فَارس وَالروم فتابع عَلَيْهِم الْجنُود وَعين لكل أَمِير عمله وَعقد لأبي عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ على جَيش من الْمُسلمين وَبَعثه نَحْو الْعرَاق فاستشهد أَبُو عبيد بِموضع يُقَال لَهُ قس الناطف على الْفُرَات فولى مَكَانَهُ الْمثنى بن حَارِثَة
(1/80)

الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ بطلا من الْأَبْطَال نَظِير خَالِد بن الْوَلِيد فِي يمن النقيبة والجراءة على الْأَعْدَاء فأوقع بِأَهْل فَارس عدَّة وقعات مِنْهَا وقْعَة البويب قتل فِيهَا من الْفرس مائَة ألف أَو يزِيدُونَ ثمَّ إِن عمر رَضِي الله عَنهُ اسْتَأْنف الْجد لجهاد فَارس وَقَالَ وَالله لَأَضرِبَن مُلُوك الْعَجم بملوك الْعَرَب فَلم يدع رَئِيسا وَلَا ذَا رَأْي وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا إِلَّا رماهم بِهِ فَرَمَاهُمْ بِوُجُوه النَّاس وَكتب إِلَى الْمثنى يَأْمُرهُ أَن يخرج بِالْمُسْلِمين من بَين الْعَجم ويتفرق بهم على الْمِيَاه بحيالهم وَأَن يَدْعُو الفرسان وَأهل النجدات من ربيعَة وَمُضر ويحضرهم طَوْعًا وَكرها
ثمَّ حج عمر سنة ثَلَاث عشرَة وَرجع إِلَى الْمَدِينَة فوافته أَمْدَاد الْعَرَب بهَا فعقد عَلَيْهِم لسعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ وولاه حَرْب الْعرَاق وأوصاه وَقَالَ يَا سعد بن أم سعد لَا يغرنك من الله أَن يُقَال خَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن الله لَا يمحو السىء بالسىء وَلكنه يمحو السىء بالْحسنِ وَلَيْسَ بَين الله وَبَين أحد نسب إِلَّا بِطَاعَتِهِ فَالنَّاس فِي دين الله سَوَاء الله رَبهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون مَا عِنْده بِالطَّاعَةِ فَانْظُر الْأَمر الَّذِي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يلْزمه فالزمه وَعَلَيْك بِالصبرِ ثمَّ سرحه فِي أَرْبَعَة آلَاف مِمَّن اجْتمع إِلَيْهِ فيهم وُجُوه الْعَرَب وأشرافها وانضاف إِلَيْهِ فِي طَريقَة جموع أخر فَكَانَت لَهُ فِي هَذَا الْوَجْه وقْعَة الْقَادِسِيَّة الْمَشْهُورَة دَامَت فِيهَا الْحَرْب بَين الْمُسلمين وَالْفرس أَرْبَعَة أَيَّام بلياليها وَقتل فِيهَا رستم زعيم الْفرس وَصَاحب حربها واستلحمت جُنُوده وَكَانَ الْفَتْح الَّذِي لم يكن لَهُ فِي الْإِسْلَام نَظِير وَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة وَقيل خمس عشرَة ثمَّ كَانَ بعْدهَا فتح الْمَدَائِن وجلولاء وَسَائِر بِلَاد الْعرَاق وَغَيرهَا من بِلَاد فَارس الْجَبَل وأرمينية وأذربيجان وسجستان وكرمان ومكران وخراسان وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَكَذَا استولى جيوش الْمُسلمين الَّذين بِالشَّام على بِلَاد الشَّام والجزيرة وأنطاكية
(1/81)

وَغَيرهَا من بِلَاد الرّوم ومصر والإسكندرية وبرقة وطرابلس الغرب وَغير ذَلِك
وَفِي سنة أَربع عشرَة أَمر عمر رَضِي الله عَنهُ باختطاط الْبَصْرَة والكوفة بعراق الْعَرَب لما بلغه من وخامة الْبِلَاد وَأَن الْعَرَب قد تَغَيَّرت ألوانهم بالعراق فَأذن لَهُم فِي اختطاط المصرين وَأَن لَا يتجاوزوا فِي بنائهما السّنة وَيُقَال إِن اختطاط الْكُوفَة كَانَ فِي سنة سبع عشرَة
وَفِي سنة خمس عشرَة وضع عمر الدِّيوَان وَفرض الْعَطاء للْمُسلمين وَلم يكن قبل ذَلِك وروى الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب أَن ذَلِك كَانَ فِي الْمحرم سنة عشْرين
قَالَ ابْن خلدون يُقَال وضع عمر الدِّيوَان لسَبَب مَال أَتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَة من الْبَحْرين فاستكثروه وتعبوا فِي قسْمَة فسموا إِلَى إحصاء الْأَمْوَال وَضبط الْعَطاء والحقوق فَأَشَارَ خَالِد بن الْوَلِيد بالديوان وَقَالَ رَأَيْت مُلُوك الشَّام يدونون فَقبل مِنْهُ عمر وَقيل بل أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ الهرمزان لما رَآهُ يبْعَث الْبعُوث بِغَيْر ديوَان فَقَالَ لَهُ وَمن يعلم بغيبة من يغيب مِنْهُم فَإِن من تخلف أخل بمكانه وَإِنَّمَا يضْبط ذَلِك الْكتاب فَأثْبت لَهُم ديوانا فَأمر عمر رَضِي الله عَنهُ عقيل بن أبي طَالب ومخزمة بن نَوْفَل وَجبير بن مطعم وَكَانُوا من كتاب قُرَيْش فَكَتَبُوا ديوَان العساكر الإسلامية مُرَتبا على الْأَنْسَاب مُبْتَدأ فِيهِ بِقرَابَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب بعد أَن قَالَ عَليّ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعمر ابدأ بِنَفْسِك فَقَالَ لَا بل بعم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ ثمَّ بالأقرب فَالْأَقْرَب من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفرض لأهل بدر خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف وَفرض لمن بعدهمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَة أَرْبَعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف ثمَّ لمن بعدهمْ ثَلَاثَة آلَاف ثَلَاثَة آلَاف ثمَّ أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة ثمَّ لأهل الْقَادِسِيَّة وَأهل الشَّام أَلفَيْنِ أَلفَيْنِ وَفرض لمن بعد الْقَادِسِيَّة واليرموك ألفا ألفا ولروادفهم خَمْسمِائَة خَمْسمِائَة ثمَّ ثَلَاثمِائَة ثمَّ مِائَتَيْنِ وَخمسين ثمَّ مِائَتَيْنِ وَأعْطى نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكل وَاحِدَة عشرَة آلَاف وَفضل عَائِشَة بِأَلفَيْنِ وَجعل النِّسَاء على مَرَاتِب فلأهل بدر خَمْسمِائَة ثمَّ أَرْبَعمِائَة ثمَّ ثَلَاثمِائَة ثمَّ مِائَتَيْنِ وَالصبيان مائَة مائَة
(1/82)

وَالْمَسَاكِين جريبين فِي الشَّهْر وَلم يتْرك فِي بَيت المَال شَيْئا وَسُئِلَ فِي ذَلِك فَأبى وَقَالَ هِيَ فتْنَة لمن بعدِي ثمَّ سَأَلَ رَضِي الله عَنهُ الصَّحَابَة فِي قوته هُوَ من بَيت المَال فأذنوا لَهُ وسألوه فِي الزِّيَادَة على لِسَان ابْنَته حَفْصَة متكتمين عَنهُ فَغَضب وَامْتنع
وَفِي سنة سِتّ عشرَة قدم جبلة بن الْأَيْهَم ملك غَسَّان على عمر رَضِي الله عَنهُ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه مُسلمين فَتَلقاهُ الْمُسلمُونَ وَدخل فِي زِيّ حسن وَبَين يَدَيْهِ جنائب مقادة وعَلى أَصْحَابه الديباج حَتَّى تطاول النِّسَاء من خُدُورهنَّ لرُؤْيَته وَأكْرم عمر وفادته وَأحسن نزله وأجله بأرفع رتب الْمُهَاجِرين ثمَّ خرج عمر لِلْحَجِّ فِي هَذِه السّنة فحج مَعَه جبلة فَبَيْنَمَا جبلة يطوف بِالْبَيْتِ إِذا وطئ رجل من فَزَارَة فضل إزَاره فَلَطَمَهُ جبلة فهشم أَنفه فَأقبل الْفَزارِيّ إِلَى عمر وشكاه فَأحْضرهُ عمر وَقَالَ لَهُ افتد نَفسك وَإِلَّا أَمرته بلطمك فَقَالَ جبلة كَيفَ ذَلِك وَأَنا ملك وَهُوَ سوقة فَقَالَ عمر إِن الْإِسْلَام جمعكما وَسوى بَين الْملك والسوقة فِي الْحَد فَقَالَ جبلة كنت أَظن أَنِّي بِالْإِسْلَامِ أعز مني فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ عمر دع عَنْك هَذَا فَقَالَ جبلة إِنِّي أتنصر فَقَالَ عمر إِن تنصرت ضربت عُنُقك فَقَالَ لَهُ أَنْظرنِي لَيْلَتي هَذِه فأنظره فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل سَار جبلة بخيلة وَرجله إِلَى الشَّام ثمَّ مِنْهَا إِلَى القسطنطينة وَتَبعهُ خَمْسمِائَة رجل من قومه فتنصروا عَن آخِرهم وَفَرح هِرقل بِهِ وأكرمه ثمَّ نَدم جبلة على فعلته تِلْكَ وَقَالَ
(تنصرت الْأَشْرَاف من عَار لطمة ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَو صبرت لَهَا ضَرَر)
(تكنفني فِيهَا لجاج ونخوة ... وبعت لَهَا الْعين الصَّحِيحَة بالعور)
(وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بقفرة ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر)
(وَيَا لَيْت لي بِالشَّام أدنى معيشة ... أجالس قومِي ذَاهِب السّمع وَالْبَصَر)
(أدين بِمَا دانوا بِهِ من شَرِيعَة ... وَقد يحبس العير الدجون على الدبر) وَكَانَ قد مضى رَسُول عمر إِلَى هِرقل وَشَاهد مَا هُوَ فِيهِ جبلة من النِّعْمَة
(1/83)

فَأرْسل جباة بِخَمْسِمِائَة دِينَار إِلَى حسان بن ثَابت وأمضاها لَهُ عمر فمدحه حسان بن ثَابت بِأَبْيَات مِنْهَا
(إِن ابْن جَفْنَة من بَقِيَّة معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم)
(لم ينسني بِالشَّام إِذْ هُوَ رَبهَا ... كلا وَلَا متنصرا بالروم)
(يُعْطي الجزيل وَلَا يرَاهُ عِنْده ... إِلَّا كبعض عَطِيَّة المذموم)
وَفِي سنة سبع عشرَة جِيءَ إِلَى عمر بالهرمزان ملك الأهواز أَسِيرًا وَمَعَهُ وَفد فيهم أنس بن مَالك والأحنف بن قيس فَلَمَّا وصلوا بِهِ إِلَى الْمَدِينَة ألبسوه كسوته من الديباج الْمَذْهَب وَوَضَعُوا على رَأسه تاجه وَهُوَ مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون على هَيئته الَّتِي يكون عَلَيْهَا فِي ملكه فطلبوا عمر فَلم يجدوه فسألوا عَنهُ فَقيل هُوَ فِي الْمَسْجِد فَأتوهُ فَإِذا هُوَ نَائِم فجلسوا دونه فَقَالَ الهرمزان أَيْن هُوَ عمر قَالُوا هُوَ ذَا قَالَ فَأَيْنَ حرسه وحجابه قَالُوا لَيْسَ لَهُ حارس وَلَا حَاجِب فَنظر الهرمزان إِلَى عمر وَقَالَ عدلت فأمنت فَنمت واستيقظ عمر لجلبة النَّاس فَقَالَ الهرمزان قَالُوا نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذلّ بِالْإِسْلَامِ هَذَا وأشباهه وَأمر بِنَزْع مَا عَلَيْهِ فَنَزَعُوهُ وألبسوه ثوبا ضيقا فَقَالَ عمر كَيفَ رَأَيْت عَاقِبَة أَمر الله فِيك فَقَالَ الهرمزان لما خلى الله بَيْننَا وَبَيْنكُم فِي الْجَاهِلِيَّة غلبناكم وَلما كَانَ الله الْآن مَعكُمْ غلبتمونا
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة كَانَت مجاعَة الرَّمَادَة وطاعون عمواس وَحلف عمر لَا يَذُوق السّمن وَاللَّبن حَتَّى يحيى النَّاس واستسقى عمر بِالْعَبَّاسِ عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسقوا وَهلك بالطاعون أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَيزِيد ابْن أبي سُفْيَان والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَابْنه عتبَة فِي آخَرين أمثالهم وتفانى النَّاس بِالشَّام وبالبصرة أَيْضا وَلما فحش أثر الطَّاعُون بِالشَّام أجمع عمر الْمسير إِلَيْهِ ليقسم مَوَارِيث الْمُسلمين ويتطوف على الثغور فَفعل وَرجع وَكَانَت لَهُ خرجَة أُخْرَى قبل هَذَا لفتح بَيت الْمُقَدّس
وَفِي سنة عشْرين فتح عَمْرو بن الْعَاصِ مصر والإسكندرية وَشهد الْفَتْح
(1/84)

مَعَه الزبير بن الْعَوام وَجَمَاعَة من كبار الصَّحَابَة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سَار عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى برقة فَصَالحه أَهلهَا على الْجِزْيَة ثمَّ سَار إِلَى طرابلس الغرب فحاصرها وَفتحهَا عنْوَة
وَفِي سنة ثَلَاث وَعشْرين كَانَت وَفَاة عمر رَضِي الله عَنهُ على مَا سَيَأْتِي وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ مَا زلنا أعزة مُنْذُ أسلم عمر وَعنهُ أَيْضا قَالَ لما أسلم عمر كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمقبل لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة وَلما مَاتَ عمر كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمُدبر لَا يزْدَاد إِلَّا ضعفا وَعند ابْن أبي شيبَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ إِسْلَام عمر عزا وهجرته نصرا وإمارته رَحْمَة وَفِي الصَّحِيح أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (بَينا أَنا نَائِم رَأَيْتنِي على قليب وَعَلَيْهَا دلو فنزعت مِنْهَا مَا شَاءَ الله ثمَّ أَخذهَا ابْن أبي قُحَافَة فَنزع مِنْهَا ذنوبا أَو ذنوبين وَفِي نَزعه ضعف وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ استحالت غربا فَأَخذهَا عمر بن الْخطاب فَلم أر عبقريا من النَّاس ينْزع نزع عمر وَفِي رِوَايَة فَلم أر عبقريا من النَّاس يفري فريه حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن) قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله قَالُوا هَذَا الْمَنَام مِثَال لما جرى للخليفتين من ظُهُور آثارهما الصَّالِحَة وانتفاع النَّاس بهما وكل ذَلِك مَأْخُوذ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ صَاحب الْأَمر فَقَامَ بِهِ أكمل قيام وَقرر قَوَاعِد الدّين ثمَّ خَلفه أَبُو بكر فقاتل أهل الرِّدَّة وَقطع دابرهم ثمَّ خَلفه عمر فطالت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَزِيَادَة واتسع الْإِسْلَام فِي زَمَانه فَشبه أَمر الْمُسلمين بقليب فِيهِ المَاء الَّذِي فِيهِ حياتهم وصلاحهم وأميرهم بالمستقي لَهُم مِنْهَا وسعته هِيَ قِيَامه بمصالحهم اه
قلت من تَأمل أَمر عمر رَضِي الله عَنهُ علم أَنه كَانَ عجبا من الْعجب فَإِنَّهُ عمد إِلَى ثَلَاث دوَل هِيَ أعظم دوَل الْعَالم فِي ذَلِك الْوَقْت دولة الْفرس ودولة الرّوم ودولة القبط فحاربهم فِي نفس وَاحِد وَفرق جيوشه عَلَيْهِم مَعَ قلَّة الْمُسلمين إِذْ ذَاك وشظف عيشهم فَغَلَبَهُمْ على ممالكهم وأزال عزهم وَكسر كراسيهم وأمات نخوتهم بِحَيْثُ ضرب الْجِزْيَة على رقابهم طول أحقابهم
(1/85)

فَلم يطالبوا بعْدهَا بثأر وَلَا عَادوا إِلَى جماح ونفار بل أعْطوا القادة وَأَسْلمُوا أنفسهم للصغار ثمَّ لم يكتف بذلك حَتَّى أغزى خيل الْمُسلمين أَطْرَاف الْمَعْمُور من خُرَاسَان وَالتّرْك وبلاد النّوبَة وبلاد البربر ولعمري مَا أَمر الْإِسْكَنْدَر الَّذِي تضرب الْأُمَم بِهِ الْمثل فِي الْغَلَبَة والتمكن فِي الأَرْض إِلَّا دون أَمر عمر بِكَثِير فَإِن الْإِسْكَنْدَر كَانَ غازيا بِجَمِيعِ جَيْشه مُتَوَلِّيًا ذَلِك بِنَفسِهِ جوالا فِي الأَرْض غير مُقيم ووجهته فِي حروبه وجهة وَاحِدَة كلما فرغ من مملكة انْتقل إِلَى غَيرهَا تَارِكًا للَّتِي خلف وَرَاءه غير ملتفت إِلَيْهَا وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا عرض لَهُ إِلَّا فِي إِظْهَار الْقُوَّة والبطش وَالْغَلَبَة على الْأُمَم دون مَا سوى ذَلِك من تصريف الممالك طوع الْأَمر وَالنَّهْي وَلذَا قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه تواريخ الْأُمَم وَمَا رَوَاهُ الْقصاص من إِن الْإِسْكَنْدَر بنى بِأَرْض إيران عدَّة مدن مِنْهَا أَصْبَهَان ومرو وهراة وسمرقند فَحَدِيث لَا أصل لَهُ لِأَن الرجل كَانَ مخربا لَا عَامِرًا اه فَأَما عمر رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ لما استولت جيوشه على أَكثر الْمَعْمُور صرف ممالكها طوع أمره حَتَّى جبي إِلَيْهِ خراجها وَثبتت استقامتها وَزَالَ اعوجاجها أقوى مَا كَانُوا شَوْكَة وَأَشد قُوَّة واكثر حامية وَلم يمت رَحمَه الله حَتَّى انْتَهَت خيله فِي جِهَة الشرق إِلَى نهر بَلخ وَفِي جِهَة الشمَال إِلَى الْبَيْضَاء على مِائَتي فَرسَخ من بلنجر وَفِي جِهَة الْمغرب إِلَى تخوم الرّوم وبلاد برقة وطرابلس الغرب كل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة لم يُجَاوز معظمها الثَّلَاث سِنِين وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي جَوف بَيته مُتَرَدّد فِيمَا بَين منزله ومسجده لم يسْتَعْمل لذَلِك كثير أَسبَاب وَلَا أجلب بِنَفسِهِ بخيل وَلَا ركاب إِنَّمَا هُوَ الرَّأْي الميمون والنصر الْمَضْمُون وَالْأَمر الْجَارِي بَين الْكَاف وَالنُّون والوعد الْمُنجز بقوله تَعَالَى {لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ} فَأَما وَفَاة عمر رَضِي الله عَنهُ فروى ابْن سعد بِإِسْنَاد صَحِيح أَن عمر كَانَ لَا يَأْذَن لمن احْتَلَمَ من أَوْلَاد الْعَجم فِي دُخُول الْمَدِينَة حَتَّى كتب إِلَيْهِ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَهُوَ على الْكُوفَة فَذكر لَهُ أَن عِنْده غُلَاما صنعا وَهُوَ يَسْتَأْذِنهُ أَن يدْخلهُ الْمَدِينَة وَيَقُول إِن لَهُ أعمالا تَنْفَع
(1/86)

النَّاس إِنَّه حداد نقاش نجار فَأذن لَهُ عمر وَضرب عَلَيْهِ مَوْلَاهُ كل شهر مائَة فَشكى إِلَى عمر شدَّة الْخراج فَقَالَ لَهُ مَا خراجك بِكَثِير فِي جنب مَا تعْمل فَانْصَرف ساخطا فَلبث عمر ليَالِي فَمر بِهِ العَبْد فَقَالَ عمر ألم أحدث أَنَّك تَقول لَو شِئْت لصنعت رحى تطحن بِالرِّيحِ فَالْتَفت إِلَيْهِ عَابِسا فَقَالَ لأصنعن لَك رحى يتحدث النَّاس بهَا فَأقبل عمر على من مَعَه فَقَالَ توعدني العَبْد فَلبث ليَالِي ثمَّ اشْتَمَل على خنجر ذِي رَأْسَيْنِ نصابه فِي وَسطه فكمن فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد فِي الْغَلَس حَتَّى خرج عمر يوقظ النَّاس للصَّلَاة وَكَانَ عمر يفعل ذَلِك فَلَمَّا دنا عمر وثب عَلَيْهِ فطعنه ثَلَاث طعنات إِحْدَاهُنَّ تَحت السُّرَّة قد خرقت الصفاق وَهِي الَّتِي قتلته
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قبل أَن يصاب بأيام بِالْمَدِينَةِ وقف على حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعُثْمَان بن حنيف قَالَ كَيفَ فعلتما فِي أَرض السوَاد أتخافان أَن تَكُونَا قد حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق يَعْنِي من الْخراج قَالَا حملناها أمرا هِيَ لَهُ مطيقة مَا فِيهَا كَبِير فضل قَالَ انظرا أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق قَالَا لَا فَقَالَ عمر لَئِن سلمني الله تَعَالَى لأدعن أرامل أهل الْعرَاق لَا يحتجن إِلَى رجل بعدِي أبدا قَالَ فَمَا أَتَت عَلَيْهِ رَابِعَة حَتَّى أُصِيب قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون إِنِّي لقائم مَا بيني وَبَينه إِلَّا عبد الله بن عَبَّاس غَدَاة أُصِيب وَكَانَ إِذا مر بَين الصفين قَالَ اسْتَووا حَتَّى إِذا لم ير فِيهِنَّ خللا تقدم فَكبر وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل أَو نَحْو ذَلِك فِي الرَّكْعَة الأولى حَتَّى يجْتَمع النَّاس فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فَسَمعته يَقُول قتلني أَو أكلني الْكَلْب حِين طعنه أَبُو لؤلؤة واسْمه فَيْرُوز فطار العلج بسكين ذَات طرفين لَا يمر على أحد يَمِينا وَلَا شمالا إِلَّا طعنه حَتَّى طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة فَلَمَّا رأى ذَلِك رجل من الْمُسلمين واسْمه حطاب التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي طرح عَلَيْهِ برنوسا فَلَمَّا ظن العلج أَنه مَأْخُوذ نحر نَفسه وَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه فَمن يَلِي عمر فقد رأى الَّذِي أرى وَأما نواحي الْمَسْجِد فَإِنَّهُم لَا
(1/87)

يَدْرُونَ غير أَنهم قد فقدوا صَوت عمر وهم يَقُولُونَ سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله فصلى بهم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا انصرفوا قَالَ يَا ابْن عَبَّاس انْظُر من قتلني فجال سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ غُلَام الْمُغيرَة قَالَ الصنع قَالَ نعم قَالَ قَاتله الله لقد أمرت بِهِ مَعْرُوفا الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل يَدعِي الْإِسْلَام قد كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكْثر العلوج بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم رَقِيقا قَالَ إِن شِئْت فعلنَا أَي إِن شِئْت قتلنَا قَالَ كذبت بَعْدَمَا تكلمُوا بلسانكم وصلوا إِلَى قبلتكم وحجوا حَجكُمْ فَاحْتمل إِلَى بَيته فَانْطَلَقْنَا مَعَه وَكَانَ النَّاس لم تصبهم مُصِيبَة قبل يَوْمئِذٍ فَقَائِل يَقُول لَا بَأْس وَقَائِل يَقُول أَخَاف عَلَيْهِ فَأتي بنبيذ فشربه فَخرج من جرحه ثمَّ أُتِي بِلَبن فشربه فَخرج من جرحه فَعَلمُوا أَنه ميت فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاء النَّاس يثنون عَلَيْهِ وَجَاء رجل شَاب فَقَالَ أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببشرى الله لَك بِصُحْبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت ثمَّ وليت فعدلت ثمَّ شَهَادَة قَالَ وددت أَن ذَلِك كفاف لَا عَليّ وَلَا لي فَلَمَّا أدبر الشَّاب إِذا إزَاره يمس الأَرْض قَالَ ردوا عَليّ الْغُلَام قَالَ يَا ابْن أخي ارْفَعْ ثَوْبك فَإِنَّهُ أنقى لثوبك وَأتقى لِرَبِّك يَا عبد الله بن عمر انْظُر مَاذَا عَليّ من الدّين فحسبوه فوجدوه سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا أَو نَحوه قَالَ إِن وفى لَهُ مَال آل عمر فأده من أَمْوَالهم وَإِلَّا فاسأل فِي بني عدي بن كَعْب فَإِن لم تف أَمْوَالهم فاسأل فِي قُرَيْش وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم فأد عني هَذَا المَال انْطلق إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ فَقل يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي لست الْيَوْم للْمُؤْمِنين أَمِيرا وَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فَسلم وَاسْتَأْذَنَ ثمَّ دخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَة تبْكي فَقَالَ يقْرَأ عَلَيْك عمر بن الْخطاب السَّلَام ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فَقَالَت كنت أريده لنَفْسي ولأوثرنه بِهِ الْيَوْم على نَفسِي فَلَمَّا أقبل قيل هَذَا عبد الله بن عمر قد جَاءَ قَالَ ارفعوني فأسنده رجل إِلَيْهِ فَقَالَ مَا لديك قَالَ الَّذِي تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَذِنت قَالَ الْحَمد لله مَا كَانَ من شَيْء
(1/88)

أهم عَليّ من ذَلِك فَإِذا أَنا قضيت فاحملوني ثمَّ سلم فَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَإِن أَذِنت لي فادخلوني وَإِن ردتني ردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين وَجَاءَت أم الْمُؤمنِينَ حَفْصَة وَالنِّسَاء تسير مَعهَا فَلَمَّا رأيناها قمنا فولجت عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْده سَاعَة وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَال فولجت دَاخِلا لَهُم فسمعنا بكاءها من الدَّاخِل فَقَالُوا أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اسْتخْلف قَالَ مَا أجد أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر أَو الرَّهْط الَّذين توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم رَاض فَسمى عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعدا وَعبد الرَّحْمَن وَقَالَ يشهدكم عبد الله بن عمر وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء كهينة التَّعْزِيَة لَهُ فَإِن أَصَابَت الْإِمَارَة سَعْدا فَهُوَ ذَاك وَإِلَّا فليستعن بِهِ أَيّكُم مَا أَمر فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة وَقَالَ أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين أَن يعرف لَهُم حَقهم ويحفظ لَهُم حرمتهم وأوصيه بالأنصار الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم أَن يقبل من محسنهم وَأَن يعفي عَن مسيئهم وأوصيه بالأنصار خيرا فَإِنَّهُم ردء الْإِسْلَام وجباة المَال وغيظ الْعَدو وَأَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا فَضلهمْ عَن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فَإِنَّهُم أصل الْعَرَب ومادة الْإِسْلَام أَن يُؤْخَذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم وَترد على فقرائهم وأوصيه بِذِمَّة الله وَذمَّة رَسُوله أَن يُوفي لَهُم بعدهمْ وَأَن يُقَاتل من ورائهم وَلَا يكلفوا إِلَّا طاقتهم فَلَمَّا قبض خرجنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نمشي فَسلم عبد الله بن عمر وَقَالَ يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب قَالَت أدخلوه فَأدْخل فَوضع هُنَالك مَعَ صَاحِبيهِ فَلَمَّا فرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط فَقَالَ عبد الرَّحْمَن اجعلوا أَمركُم إِلَى ثَلَاثَة مِنْكُم فَقَالَ الزبير قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَليّ فَقَالَ طَلْحَة قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان وَقَالَ سعد قد جعلت أَمْرِي إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أيكما يتبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرن أفضلهم فِي نَفسه فأسكت الشَّيْخَانِ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أفتجعلونه إِلَيّ وَالله على أَن لَا آلو عَن أفضلكم قَالَا نعم فَأخذ بيد أَحدهمَا فَقَالَ لَك
(1/89)

من قرَابَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والقدم مَا قد علمت فَالله عَلَيْك لَئِن أَمرتك لتعدلن وَلَئِن أمرت عُثْمَان لتسمعن ولتطيعن ثمَّ خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان فَبَايعهُ وَبَايع لَهُ عَليّ وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ اه
وَكَانَت وَفَاة عمر رَضِي الله عَنهُ يَوْم السبت منسلخ ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَدفن يَوْم الْأَحَد هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام كَذَا لأبي الْفِدَاء وَفِي حَدِيث عَائِشَة مِمَّا أخرجه أَبُو عمر بن عبد الْبر ناحت الْجِنّ على عمر رَضِي الله عَنهُ قبل أَن يَمُوت بِثَلَاث فَقَالَت
(أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ أظلمت ... لَهُ الأَرْض تهتز العضاه بأسوق)
(جزى الله خيرا من إِمَام وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق)
(فَمن يسع أَو يركب جنَاح نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق)
(قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائق من أكمامها لم تفتق)
خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ

هُوَ أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عبد منَاف ولي الْخلَافَة بعد عمر رَضِي الله عَنهُ بِاخْتِيَار أهل الشورى لَهُ وَقد تقدم خبر ذَلِك مُسْتَوفى وَلما بُويِعَ رقى الْمِنْبَر وَقَامَ خَطِيبًا فَحَمدَ الله وَتشهد ثمَّ ارتج عَلَيْهِ فَقَالَ إِن أول كل أَمر صَعب وَإِن أعش فستأتيكم الْخطب على وَجههَا إِن شَاءَ الله ثمَّ نزل وَأقر عُمَّال عمر كلهم إِلَّا مَا كَانَ من الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَمِير الْكُوفَة فَإِنَّهُ عَزله واستبدل بِهِ سعد بن أبي وَقاص لوَصِيَّة عمر بذلك ثمَّ بعد مُدَّة نَحْو سنة عزل من عزل من عُمَّال عمر واستبدل بهم آخَرين كَانَ فيهم من هُوَ من قرَابَته فعزل سعد بن أبي وَقاص عَن الْكُوفَة وَولى عَلَيْهَا الْوَلِيد بن عقبَة وَكَانَ أَخا عُثْمَان من أمه وعزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وَولى عَلَيْهَا
(1/90)

عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة ثمَّ عزل بعد ذَلِك أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر بن كريز وَهُوَ ابْن خَاله واستكتب مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ وَهُوَ ابْن عَمه كل ذَلِك كَانَ لمصْلحَة اقتضاها الْحَال وَضم حمص وقنسرين وفلسطين وَغَيرهَا من بِلَاد الشَّام إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَمِير دمشق وَمضى رَضِي الله عَنهُ على سنَن عمر فِي الْجِهَاد وتجهيز الجيوش وتكتيب الْكَتَائِب حَتَّى اتسعت خطة الْإِسْلَام اتساعا أعظم مِنْهُ فِي خلَافَة عمر رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ لأوّل خلَافَة عُثْمَان قد انْتقض بعض الثغور والجهات مثل الْإسْكَنْدَريَّة وَبَعض بِلَاد الْعَجم وَفَارِس وَنَحْو ذَلِك فتلاقاها بالغزو والبعوث حَتَّى عَادَتْ إِلَى الطَّاعَة وَأَدت مَا كَانَت تُؤَدِّيه أَيَّام عمر أَو أَكثر وَفتح عَلَيْهِ بِلَاد أرمينية مثل تفليس وقاليقلا وخلاط والسيرجان وعدة حصون وانْتهى الْفَتْح إِلَى مَدِينَة الْبَاب وَكَانَ ذَلِك على يَد سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ سنة أَربع وَعشْرين وغزا مُعَاوِيَة صَاحب الشَّام أَيْضا بِلَاد الرّوم حَتَّى بلغ عمورية وَوجد مَا بَين أنطاكية وطرطوس من حصون الرّوم خَالِيا فَجمع فِيهَا العساكر حَتَّى رَجَعَ وخربها وَكَذَا استتم الْمُسلمُونَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فتح مدن خُرَاسَان والجوزجان والطالقان وطخارستان وَمَا وَرَاء النَّهر إِلَى فرغانة فِي الشرق وانْتهى الْفَتْح أَيْضا إِلَى كابل وزابلستان وَهِي بِلَاد غزنة من ثغور الْهِنْد فِي الْجنُوب
(1/91)

فتح أفريقية
وَفتح فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ إفريقية أَيْضا من بِلَاد الْمغرب وَكَانَ من خَبَرهَا أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَعشْرين من الْهِجْرَة عزل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ عَن خراج مصر وَاسْتعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن سعد بن أبي سرح رَضِي الله عَنهُ فَلَمَّا قدم ابْن أبي سرح مصر كَانَ على خراجها وَعَمْرو بن الْعَاصِ على حربها فَكتب ابْن أبي سرح إِلَى عُثْمَان يشكو عمرا فاستقدمه عُثْمَان واستقل ابْن أبي سرح بالخراج وَالْحَرب مَعًا ثمَّ أمره عُثْمَان بغزو إفريقية بعد أَن كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ اسْتَشَارَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي غزوها فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ لَهُ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَلما أَمر عُثْمَان بن أبي سرح بغزوها قَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد الْقَيْس على جند ولعَبْد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى أفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن ابْن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُم وَسَارُوا مَعَ ابْن أبي سرح سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا
(1/92)

الرّوم عِنْدهَا ثمَّ سَارُوا إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان لما أَبْطَأت أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ قَالَ عبد الله بن الزبير لِابْنِ أبي سرح الرَّأْي أَن تتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وتقاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فتركبهم بالآخرين على غرَّة لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا ذَلِك وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وَأخذت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة حَتَّى فتحهَا وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصه فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل أفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار وَأرْسل عبد الله بن أبي سرح عبد الله بن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار ثمَّ وَضعهَا عَنهُ عُثْمَان وَأعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى ثمَّ بعد تَمام الصُّلْح رَجَعَ عبد الله بن أبي سرح
(1/93)

إِلَى مصر بعد مقَامه بأفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَيُقَال إِنَّه لما فتح إفريقية أَمر عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ عبد الله بن نَافِع أَن يسير إِلَى جِهَة الأندلس فغزا تِلْكَ الْجِهَة وَعَاد إِلَى أفريقية فَأَقَامَ بهَا واليا من قبل عُثْمَان وَرجع ابْن أبي سرح إِلَى مصر وَالله أعلم
وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين اسْتَأْذن مُعَاوِيَة عُثْمَان فِي غَزْو الْبَحْر فَأذن لَهُ وَقد كَانَ مُعَاوِيَة وَهُوَ بحمص أَيَّام عمر رَضِي الله عَنهُ كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن جَزِيرَة قبرص يَقُول إِن قَرْيَة من قرى حمص يسمع أَهلهَا نباح كلاب قبرص وصياح ديوكهم فَكتب عمر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول صف لي الْبَحْر وراكبه فَكتب إِلَيْهِ عَمْرو يَقُول هُوَ خلق كَبِير يركبه خلق صَغِير لَيْسَ إِلَّا السَّمَاء وَالْمَاء إِن ركد أقلق الْقُلُوب وَإِن تحرّك أزاغ الْعُقُول يزْدَاد فِيهِ الْيَقِين قلَّة وَالشَّكّ كَثْرَة وراكبه دود على عود إِن مَال غرق وَإِن نجا فرق فَكتب عمر إِلَى مُعَاوِيَة وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحمل فِيهِ مُسلما أبدا وَقد بَلغنِي أَن بَحر الشَّام يشرف على أطول جبل بِالْأَرْضِ فيستأذن الله كل يَوْم وَلَيْلَة فِي أَن يغرق الأَرْض فَكيف أحمل الْجنُود على هَذَا الْبَحْر الْكَافِر وَبِاللَّهِ لمُسلم وَاحِد أحب إِلَيّ مِمَّا حوت الرّوم فإياك أَن تعرض لي فِي ذَلِك فقد علمت مَا لَقِي الْعَلَاء مني ثمَّ لما كَانَت خلَافَة عُثْمَان ألح مُعَاوِيَة عَلَيْهِ فِي غَزْو الْبَحْر فَأَجَابَهُ على خِيَار النَّاس وطوعهم فَاخْتَارَ الْغَزْو جمَاعَة من الصَّحَابَة فيهم أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء وَشَدَّاد بن أَوْس وَعبادَة بن الصَّامِت وزوجه أم حرَام بنت ملْحَان وَاسْتعْمل عَلَيْهِم عبد الله بن قيس حَلِيف بني فَزَارَة وَسَارُوا إِلَى قبرص وَجَاء عبد الله بن أبي سرح من مصر فَاجْتمعُوا عَلَيْهَا وصالحهم أَهلهَا على سَبْعَة آلَاف دِينَار لكل سنة ويؤدون مثلهَا للروم وَلَا مَنْعَة لَهُم على الْمُسلمين مِمَّن أَرَادَهُم من سواهُم وعَلى أَن يَكُونُوا عينا للْمُسلمين على عدوهم وَيكون طَرِيق الْغَزْو للْمُسلمين عَلَيْهِم وَكَانَت هَذِه
(1/94)

الْغُزَاة سنة ثَمَان وَعشْرين كَمَا قدمنَا وَقيل غير ذَلِك وفيهَا توفيت أم حرَام بنت ملْحَان سَقَطت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْر وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرهَا بذلك وَهُوَ نَائِم عِنْدهَا كَمَا فِي الصَّحِيح وَأقَام عبد الله بن قيس على الْبَحْر فغزا خمسين غَزْوَة لم ينكب فِيهَا أحد إِلَى أَن نزل فِي بعض الْأَيَّام فِي سَاحل المرفأ من أَرض الرّوم فثاروا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَنَجَا الملاح وَكَانَ اسْتخْلف سُفْيَان بن عَوْف الْأَزْدِيّ على السفن فجَاء إِلَى أهل المرفأ وَقَاتلهمْ حَتَّى قتل وَقتل مَعَه جمَاعَة من الْمُسلمين
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ جمع عُثْمَان الْقُرْآن الْجمع الثَّانِي فِي الْمَصَاحِف وفيهَا هلك يزدجرد كسْرَى فَارًّا من جيوش الْمُسلمين بِمَدِينَة مرو من خُرَاسَان وَهُوَ آخر الأكاسرة وبموته انقرضت دولة آل ساسان وَكَانَ من خبر جمع الْقُرْآن مَا أخرجه البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهُ أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية وأذربيجان مَعَ أهل الْعرَاق فأفزع حُذَيْفَة اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة فَقَالَ حُذَيْفَة لعُثْمَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان فَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام فنسخوها فِي الْمَصَاحِف وَقَالَ عُثْمَان للرهط القرشيين الثَّلَاثَة إِذا اختلفتم أَنْتُم وَزيد بن ثَابت فِي شَيْء من الْقُرْآن فاكتبوه بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل بلسانهم فَفَعَلُوا حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة فَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا وَأمر بِمَا سواهُ من الْقُرْآن فِي كل صحيفَة أَو مصحف أَن يحرق قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي خَارِجَة بن زيد بن ثَابت أَنه سمع أَبَاهُ زيد بن ثَابت قَالَ فقدت آيَة من الْأَحْزَاب حِين نسخنا الْمُصحف قد كنت أسمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ بهَا فالتمسناها فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ {من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا}
(1/95)

عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ) فألحقناها فِي سورتها فِي الْمُصحف
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ تكلم جمَاعَة من أهل الْكُوفَة فِي عُثْمَان بِأَنَّهُ ولى جمَاعَة من أهل بَيته لَا يصلحون للولاية ونقموا عَلَيْهِ أمورا أخر لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا مَعَ أَنه كَانَ فِيهَا مُجْتَهدا وَذَلِكَ أَن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ كَانَ فِيهِ مزِيد حَيَاء ورأفة وبرور بأقاربه وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ مرهوب الْجَانِب عِنْد الْخَاصَّة والعامة لَهُ عين كالئة على الرّعية بَصيرًا بِمَا يأْتونَ ويذرون مُحدثا فِي ذَلِك كَمَا أخبر عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ من الحزم والضبط على مَا وَصفته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا إِذْ قَالَت رحم الله عمر كَانَ أحوذ بِهِ نَسِيج وَحده قد أعد للأمور أقرانها فَكَانَ عُثْمَان أَلين جانبا من عمر فتوسع النَّاس فِي زَمَانه فِي أُمُور الدُّنْيَا أَكثر مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زمَان عمر واستعملوا النفيس من الملبس والمسكن والمطعم واقتنوا الضّيَاع والآثاث
قَالَ المَسْعُودِيّ فِي مروج الذَّهَب وَفِي أَيَّام عُثْمَان اقتنى الصَّحَابَة الضّيَاع وَالْمَال فَكَانَ لَهُ يَوْم قتل عِنْد خازنه خَمْسُونَ وَمِائَة ألف دِينَار وَألف ألف دِرْهَم وَقِيمَة ضيَاعه بوادي الْقرى وحنين وَغَيرهمَا مائَة ألف دِينَار وَخلف إبِلا وخيلا كَثِيرَة وَبلغ الثّمن الْوَاحِد من مَتْرُوك الزبير بعد وَفَاته خمسين ألف دِينَار وَخلف ألف فرس وَألف أمة وَكَانَت غلَّة إِلَى طَلْحَة من الْعرَاق ألف دِينَار كل يَوْم وَمن نَاحيَة السراة أَكثر من ذَلِك وَكَانَ على مربط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ألف فرس وَله ألف بعير وَعشرَة آلَاف من الْغنم وَبلغ الرّبع من متروكه بعد وَفَاته أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ ألفا وَخلف زيد بن ثَابت من الْفضة وَالذَّهَب مَا كَانَ يكسر بالفؤوس غير مَا خلف من الْأَمْوَال والضياع بِمِائَة ألف دِينَار وَبنى الزبير دَاره بِالْبَصْرَةِ وَكَذَلِكَ بنى بِمصْر والإسكندرية والكوفة وَكَذَلِكَ بنى طَلْحَة دَاره بِالْكُوفَةِ وشيد دَاره بِالْمَدِينَةِ وبناها بالجص والآجر والساج وَبنى سعد بن أبي وَقاص دَاره بالعقيق وَرفع سمكها وأوسع فضاءها وَجعل على أَعْلَاهَا شرفات وَبنى الْمِقْدَاد دَاره بِالْمَدِينَةِ وَجعلهَا مجصصة الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَخلف يعلى بن منية خمسين ألف دِينَار وَغير
(1/96)

ذَلِك مِمَّا قِيمَته ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم اه كَلَام المَسْعُودِيّ فاستحالت الْأَحْوَال فِي زمَان عُثْمَان كَمَا ترى وَلما رأى ذَلِك بعض النَّاس مِمَّن لم يكن لَهُ رسوخ فِي الْفِقْه وَالدّين وَلَا هُوَ من أهل السَّابِقَة من فضلاء الصَّحَابَة وَالْمُسْلِمين صَارُوا ينقمون على عُثْمَان بِأَنَّهُ أهمل أَمر الرّعية وَخَالف سيرة العمرين مَعَ مَا أنضاف إِلَى ذَلِك من تَوْلِيَة أَقَاربه وحاشاه من ذَلِك رَضِي الله عَنهُ فَإِن الرجل كَانَ مُجْتَهدا وَهُوَ أهل للِاجْتِهَاد وَمَا تخيلوه من إهماله أَمر الرّعية حَتَّى اسْتَحَالَ أمرهَا إِلَى مَا ذكر تخيل بَاطِل إِذْ لَيْسَ فِي طوقه وَلَا بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا طبيعة الْعمرَان البشري تَقْتَضِي ذَلِك بِسَبَب مَا فتح على الْمُسلمين من الأقاليم والممالك والأقطار والنواحي والأمصار وترادف الجبايات الفائقة الْحصْر وانثيال كنوز كسْرَى وَقَيْصَر وَغَيرهم من مُلُوك الأَرْض عَلَيْهِم فَأنى يبْقى الْأَمر على حَاله مَعَ هَذَا الْفَتْح العجيب والنصر الْغَرِيب وَقد قيل دوَام الْحَال من الْمحَال وَالنَّاس لَيْسُوا على قدم وَاحِد فِي الزّهْد فِي الدُّنْيَا فَالْحق الَّذِي لَا عوج فِيهِ وَلَا أمت أَن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ كَانَ على الْحق حَتَّى لَقِي ربه وَمَا يعتدون بِهِ عَلَيْهِ من مُخَالفَة الشَّيْخَيْنِ رَضِي الله عَنْهُمَا إِن صَحَّ فمحله الِاجْتِهَاد كَمَا قُلْنَا وَمَعْلُوم أَن أَحْكَام الشَّرْع تَدور مَعَ الْمصَالح والمفاسد وتختلف باخْتلَاف الْأَزْمَان وَالْأَحْوَال كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مَسِيس بالفقه
قَالَ ابْن خلدون اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِنَّمَا يَقع فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة وينشأ عَن الِاجْتِهَاد فِي الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة والمدارك الْمُعْتَبرَة والمجتهدون إِذا اخْتلفُوا فَإِن قُلْنَا إِن الْحق فِي الْمسَائِل الاجتهادية فِي وَاحِد من الطَّرفَيْنِ وَمن لم يصادفه فَهُوَ مُخطئ فَإِن جِهَته لَا تتَعَيَّن بِإِجْمَاع فَيبقى الْكل على احْتِمَال الْإِصَابَة والتأثيم مَدْفُوع عَن الْكل إِجْمَاعًا وَإِن قُلْنَا إِن الْكل حق وَإِن كل مُجْتَهد مُصِيب فأحرى بِنَفْي الْخَطَأ والتأثيم ثمَّ اسْتمرّ أُولَئِكَ الناقمون على عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وتمادوا فِي طعنهم وتشغيبهم حَتَّى تفاقم الْأَمر وشرى الدَّاء وأعوز الدَّوَاء وَاخْتَلَطَ المرعى بالهمل
(1/97)

(وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لست أذكرهُ ... فَظن خيرا وَلَا تسْأَل عَن الْخَبَر)
وَآخر الْأَمر أَنه لما كَانَت سنة خمس وَثَلَاثِينَ قدم من مصر جمع قيل ألف وَقيل سَبْعمِائة وَقدم من الْكُوفَة جمع آخر وَمن الْبَصْرَة كَذَلِك وحاصروا عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فِي دَاره وَكَانَت خطوب وَقَطعُوا عَنهُ المَاء وَاسْتمرّ الْحصار نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ تسور عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل مصر دَاره فَقَتَلُوهُ وسال دَمه على الْمُصحف يُقَال أَن الَّذِي تولى قَتله كنَانَة بن بشر التجِيبِي وطعنه عَمْرو بن الْحمق طعنات وَجَاء عُمَيْر بن ضابئ البرجمي وَكَانَ أَبوهُ قد مَاتَ فِي سجن عُثْمَان فَوَثَبَ عَلَيْهِ حَتَّى كسر ضلعا من أضلاعه وَكَانَ قَتله لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثْنَي عشر يَوْمًا وَقيل أَنه قتل صَبِيحَة عيد الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ الَّذِي عِنْد ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل وَابْن بدرون فِي شرح العبدونية وَيُؤَيِّدهُ قَول حسان بن ثَابت يرثيه
(ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحا وقرآنا)
لتسمعن وشيكا فِي دِيَارهمْ ... الله أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا)
وَقَول الفرزدق بعده
(عُثْمَان إِذْ قَتَلُوهُ وانتهكوا ... دَمه صَبِيحَة لَيْلَة النَّحْر)
رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ ونفعنا بِهِ
(1/98)

خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ

هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب واسْمه عبد منَاف بن عبد الْمطلب جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واسْمه شيبَة وَفِيه يجْتَمع مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بُويِعَ بعد مقتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ بِاتِّفَاق من يعْتَبر أهل الْحل وَالْعقد بعد امْتِنَاعه من ذَلِك
قَالَ ابْن خلدون لما قتل عُثْمَان اجْتمع طَلْحَة وَالزُّبَيْر والمهاجرون وَالْأَنْصَار وَأتوا عليا يبايعونه فَأبى وَقَالَ أكون وزيرا لكم خير من أَن أكون أَمِيرا وَمن اخترتم رضيته فألحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لَا نعلم أَحَق مِنْك وَلَا نَخْتَار غَيْرك حَتَّى غلبوه فِي ذَلِك فَخرج إِلَى الْمَسْجِد وَبَايَعُوهُ وَأول من بَايعه طَلْحَة ثمَّ الزبير بعد أَن خيرهما وَيُقَال أَنَّهُمَا ادّعَيَا الْإِكْرَاه بعد ذَلِك بأَرْبعَة أشهر وتخلف عَن بيعَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ نَاس من الصَّحَابَة وَغَيرهم فَلم يبغضهم وَقَالَ أُولَئِكَ قوم قعدوا عَن الْحق وَلم يقومُوا مَعَ الْبَاطِل وَلما ولي الْخلَافَة رَضِي الله عَنهُ أحيى السّنة وأمات الْبِدْعَة وأوضح منار الْحق وأخمد نَار الْبَاطِل وَلم تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم
وَلما دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فرق عماله على النواحي فَبعث إِلَى الْكُوفَة عمَارَة بن شهَاب وَكَانَ من الْمُهَاجِرين وَولى على الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف الْأنْصَارِيّ وعَلى الْيمن عبيد الله بن عَبَّاس وَكَانَ من الأجواد وعَلى مصر قيس بن سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ من أهل الْجُود والشجاعة والرأي وعَلى الشَّام سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ فَلَمَّا وصل سهل إِلَى تَبُوك لَقيته خيل فَقَالُوا من أَنْت قَالَ أَمِير على الشَّام فَقَالُوا إِن كَانَ بَعثك غير عُثْمَان فَارْجِع فَرجع إِلَى عَليّ وَمضى قيس بن سعد إِلَى مصر فوليها واعتزلت عَنهُ فرقة كَانُوا عثمانية وأبوا أَن يدخلُوا فِي طَاعَة عَليّ حَتَّى يقتل قتلة عُثْمَان وَمضى عُثْمَان بن حنيف إِلَى الْبَصْرَة فَدَخلَهَا واتبعته فرقة وخالفته اخرى وَمضى عمَارَة بن شهَاب إِلَى الْكُوفَة فَلَقِيَهُ طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي الَّذِي
(1/99)

كَانَ ادّعى النُّبُوَّة زمَان الرِّدَّة فَقَالَ لَهُ إِن أهل الْكُوفَة لَا يستبدلون بأميرهم أحدا وَكَانَ عَلَيْهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من قبل عُثْمَان رَحمَه الله تَعَالَى فَرجع عمَارَة إِلَى عَليّ وَمضى عبيد الله بن عَبَّاس إِلَى الْيمن فوليها وَكَانَ الْعَامِل بهَا من قبل عُثْمَان يعلى بن منية فَأخذ مَا كَانَ بهَا من المَال وَلحق بِمَكَّة وَمَعَهُ سِتّمائَة بعير وَصَارَ مَعَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَذَلِكَ أَن عَائِشَة كَانَت خرجت إِلَى مَكَّة زمَان حِصَار عُثْمَان فقضت نسكها وانقلبت تُرِيدُ الْمَدِينَة فلقيها الْخَبَر بمقتل عُثْمَان فأعظمت ذَلِك ودعت إِلَى الطّلب بدمه وَلحق بهَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الله بن عمر وَجَمَاعَة من بني أُميَّة وَاتفقَ رَأْيهمْ على الْمُضِيّ إِلَى الْبَصْرَة للاستيلاء عَلَيْهَا وَكَانَ عبد الله بن عمر قد قدم مَكَّة من الْمَدِينَة فَدَعوهُ إِلَى الْمسير مَعَهم فَأبى وَأعْطى يعلى بن منية عَائِشَة الْجمل الْمُسَمّى بعسكر وَكَانَ اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِينَار فركبته وَسَارُوا فَمروا فِي طريقهم بِمَاء يُقَال لَهُ الحوأب فنبحتهم كلابه فَقَالَت عَائِشَة أَي مَاء هَذَا فَقيل مَاء الحوأب فصرخت بِأَعْلَى صَوتهَا وَقَالَت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول وَعِنْده نساؤه لَيْت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثمَّ ضربت عضد الْجمل فأناخته وَقَالَت ردوني أَنا وَالله صَاحِبَة مَاء الحوأب وَقَامَت بهم يَوْمًا وَلَيْلَة إِلَى أَن قيل النَّجَاء فقد أدرككم عَليّ بن أبي طَالب وغلبوها على رأيها فارتحلوا نَحْو الْبَصْرَة فاستولوا عَلَيْهَا بعد قتال مَعَ أميرها عُثْمَان بن حنيف وَلما بلغ عليا رَضِي الله عَنهُ مسير عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى الْبَصْرَة سَار نحوهم فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار وَكَانَت رايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وعَلى ميمنته الْحسن وعَلى ميسرته الْحُسَيْن وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وعَلى مقدمته عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ مسيره فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ
وَلما وصل عَليّ إِلَى ذِي قار لقِيه أَمِير الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف وَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عَليّ إِن النَّاس وليهم قبلي رجلَانِ فعملا بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ
(1/100)

وليهم ثَالِث فَقَالُوا فِي حَقه وفعلوا ثمَّ بايعوني وبايعني طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ نَكثا وَمن الْعجب انقيادهما لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وخلافهما عَليّ وَالله إنَّهُمَا ليعلمان أَنِّي لست بِدُونِ رجل مِمَّن تقدم ثمَّ سَار عَليّ يؤم الْبَصْرَة فِيمَن مَعَه من أهل الْمَدِينَة وَأهل الْكُوفَة وانضم إِلَى عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر جمع آخر والتقوا بمَكَان يُقَال لَهُ الخريبة عِنْد مَوضِع قصر عبيد الله بن زِيَاد يَوْم الْخَمِيس النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ خرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر وجاءهم عَليّ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابهم فَقَالَ عَليّ لقد أعددتما سِلَاحا وخيلا ورجالا إِن كنتما أعددتما عِنْد الله عذرا ألم أكن أخاكما فِي دينكما تحرمان دمي وَأحرم دمكما فَهَل من حدث أحل لَكمَا دمي قَالَ طَلْحَة ألبت على عُثْمَان قَالَ عَليّ {يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق} فلعن الله قتلة عُثْمَان يَا طَلْحَة أما بايعتني قَالَ وَالسيف على عنقِي ثمَّ قَالَ الزبير أَتَذكر يَوْم قَالَ لَك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَتُقَاتِلنَّهُ وَأَنت لَهُ ظَالِم) قَالَ اللَّهُمَّ نعم وَلَو ذكرت ذَلِك قبل مسيري مَا سرت وَوَاللَّه لَا أقاتلنك أبدا وافترقوا وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ قد بعث إِلَيْهِم قبل اللِّقَاء الْقَعْقَاع بن عَمْرو التَّمِيمِي وَأمره أَن يُشِير بِالصُّلْحِ مَا اسْتَطَاعَ فَقدم الْقَعْقَاع على عَائِشَة أَولا وَقَالَ أَي أُمَّاهُ مَا أشخصك قَالَت أُرِيد الْإِصْلَاح بَين النَّاس قَالَ فابعثي إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فاسمعي مني ومنهما فَبعثت إِلَيْهِمَا فجاءا فَقَالَ لَهما القعقعاع إِنِّي سَأَلت أم الْمُؤمنِينَ مَا أقدمها فَقَالَت الْإِصْلَاح فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَذَلِك هُوَ قَالَ الْقَعْقَاع فأخبراني مَا هُوَ قَالَا قتلة عُثْمَان فَإِن تَركهم ترك لِلْقُرْآنِ قَالَ فقد قتلتم مِنْهُم عددا من أهل الْبَصْرَة يَعْنِي حِين قتلوا أميرها عُثْمَان بن حنيف قَالَ وَغَضب لَهُم سِتَّة آلَاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زُهَيْر فَمَنعه سِتَّة آلَاف فَإِن قاتلتم هَؤُلَاءِ كلهم اجْتمع ربيعَة وَمُضر على حربكم فَأَيْنَ الْإِصْلَاح قَالَت عَائِشَة فَمَاذَا تَقول أَنْت قَالَ هَذَا الْأَمر دواؤه التسكين فَإِذا سكن الْأَمر اختلجوا أَي أخذُوا على غرَّة فَقَالُوا قد أصبت وأحسنت فَارْجِع إِلَى عَليّ فَإِن كَانَ على مثل رَأْيك
(1/101)

صلح الْأَمر فَرجع الْقَعْقَاع إِلَى عَليّ فأعجبه وأشرف الْقَوْم على الصُّلْح وَعلم بذلك جمَاعَة مِمَّن كَانَ سعى فِي قتل عُثْمَان أَو رَضِي بِهِ فَقَالُوا إِن يصطلح هَؤُلَاءِ فعلى دمائنا يصطلحون ثمَّ تعاقدوا على أَنهم إِذا الْتَقَوْا بِجَيْش عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أنشبوا الْقِتَال حَتَّى يشْتَغل النَّاس عَمَّا عزموا عَلَيْهِ من الصُّلْح فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لما كَانَت صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي اجْتمع فِيهَا عَليّ بطلحة وَالزُّبَيْر علس أُولَئِكَ المتعاهدون على إنشاب الْحَرْب وَمَا يشْعر بهم أحد وصمدت مِنْهُم مضرإلى مُضر وَرَبِيعَة إِلَى ربيعَة واليمن إِلَى الْيمن فوضعوا فيهم السِّلَاح على حِين غَفلَة فثار النَّاس وتسابقوا إِلَى خيولهم وزحف الْبَعْض إِلَى الْبَعْض واشتبكت الْحَرْب فَكَانَت الْوَقْعَة الْعُظْمَى الْمَعْرُوفَة بوقعة الْجمل يَوْم الْخَمِيس لعشر بَقينَ من الشَّهْر الْمَذْكُور أَعنِي جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقتل طَلْحَة فِي المعركة وَالزُّبَيْر وَهُوَ رَاجع إِلَى الْمَدِينَة وعقر الْجمل الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ عَائِشَة وَأمر عَليّ رَضِي الله عَنهُ بِنَقْل هودجها إِلَى دَار عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ ونادى مُنَادِي عَليّ يَوْم الْجمل وَكَذَا يَوْم صفّين الْآتِي أَن لَا تتبعوا مُدبرا وَلَا تجهزوا على جريح وَلَا تدْخلُوا الدّور ثمَّ صلى على الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ وَأمر بالأطراف فدفنت فِي قبر عَظِيم وَجمع مَا كَانَ فِي الْعَسْكَر من الأثاث وَبعث بِهِ إِلَى مَسْجِد الْبَصْرَة وَقَالَ من عرف شَيْئا فليأخذه إِلَّا سِلَاحا عَلَيْهِ ميسم السُّلْطَان وأحصى الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ فَكَانُوا عشرَة آلَاف مِنْهُم من ضبة ألف رجل وَبلغ عليا أَن بعض الغوغاء عرض لعَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا بالْقَوْل السىء فأحضر الْبَعْض مِنْهُم وأوجعهم ضربا ثمَّ جهزها إِلَى الْمَدِينَة بِمَا احْتَاجَت إِلَيْهِ وَبعث مَعهَا أخاها مُحَمَّد بن أبي بكر فِي أَرْبَعِينَ امْرَأَة من نسَاء الْبَصْرَة اختارهن لمرافقتها وَجَاء يَوْم ارتحالها فودعها واستعتب لَهَا واستعتبت لَهُ وَمَشى مَعهَا أميالا وشيعها بنوه مَسَافَة يَوْم وَذَلِكَ غرَّة رَجَب فَذَهَبت إِلَى مَكَّة وأقامت بهَا حَتَّى حجت تِلْكَ السّنة ثمَّ رجعت إِلَى الْمَدِينَة وَاسْتعْمل عَليّ رَضِي الله عَنهُ على الْبَصْرَة عبد الله بن عَبَّاس وَسَار إِلَى الْكُوفَة فَنزل بهَا وانتظم لَهُ الْأَمر بالعراق ومصر
(1/102)

واليمن والحرمين وَفَارِس وخراسان وَلم يبْق خَارِجا عَن طَاعَته إِلَّا أهل الشَّام وأميرهم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَبعث إِلَيْهِ عَليّ رَضِي الله عَنهُ جرير بن عبد الله البَجلِيّ يَأْمُرهُ بِالدُّخُولِ فِيمَا دخل فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَلَمَّا قدم جرير على مُعَاوِيَة ماطله حَتَّى قدم عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ من فلسطين فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بترك الْبيعَة والطلب بِدَم عُثْمَان وَأَن يُقَاتل مَعَه على أَنه ظفر ولاه مصر فاجابه مُعَاوِيَة إِلَى ذَلِك وَرجع جرير إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ بالْخبر فَسَار عَليّ من الْكُوفَة قَاصِدا مُعَاوِيَة وَمن مَعَه بِالشَّام وَقدم عَلَيْهِ عبد الله بن عَبَّاس وَمن مَعَه من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ
(لأصبحن الْعَاصِ وَابْن الْعَاصِ ... سبعين ألفا عاقدي النواصي)
(مجنبين الْخَيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص)
وَسَار مُعَاوِيَة وَمَعَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ وَأهل الشَّام من دمشق يُرِيد عليا وتأنى مُعَاوِيَة فِي مسيره
(1/103)

حَرْب صفّين

وَخرجت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَدخلت سنة سبع بعْدهَا فَاجْتمع الجيشان بصفين وتراسوا وتداعوا إِلَى الصُّلْح فَلم يقْض الله بذلك وَكَانَت حَرْب يسيرَة بِالنِّسْبَةِ لما بعْدهَا وَلما دخل صفر وَقع بَينهمَا الْقِتَال فَكَانَت وقعات كَثِيرَة بصفين يُقَال إِنَّهَا تسعون وقْعَة وَكَانَت مُدَّة مقامهم على الْحَرْب مائَة يَوْم وَعشرَة أَيَّام وَعدد الْقَتْلَى بصفين من أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا مِنْهُم سِتَّة وَعِشْرُونَ من أهل بدر وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ قد تقدم إِلَى أَصْحَابه أَن لَا يقاتلوهم حَتَّى يبدؤوهم بِالْقِتَالِ وَأَن لَا يقتلُوا مُدبرا وَلَا يكشفوا عَورَة وَلَا يأخذو من أَمْوَالهم شَيْئا وَقَاتل عمار بن يَاسر رَضِي الله عَنهُ مَعَ عَليّ قتالا عَظِيما وَكَانَ عمره قد نَيف على تسعين سنة وَكَانَت الحربة فِي يَده وَيَده ترتعد فَقَالَ هَذِه راية قَاتَلت بهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث مَرَّات وَهَذِه الرَّابِعَة ودعا بقدح من لبن فَشرب مِنْهُ ثمَّ قَالَ صدق الله وَرَسُوله الْيَوْم ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن آخر رِزْقِي من الدُّنْيَا ضيحة لبن وَرُوِيَ أَنه كَانَ يرتجز
(نَحن قتلناكم على تَأْوِيله ... كَمَا قتلناكم على تَنْزِيله)
(ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله)
وَلم يزل عمار يُقَاتل ذَلِك الْيَوْم حَتَّى اسْتشْهد رَضِي الله عَنهُ
وَفِي الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية) وَبعد قتل عمار رَضِي الله عَنهُ انتخب عَليّ اثْنَي عشر ألفا بعد أَن روى لَهُم حَدِيث عمار وَحمل بهم على عَسْكَر مُعَاوِيَة فَلم يبْق لأهل الشَّام صف إِلَّا انتفض ثمَّ نَادَى يَا مُعَاوِيَة على مَا نقْتل النَّاس بَيْننَا هَلُمَّ
(1/104)

أحاكمك إِلَى الله فأينا قتل صَاحبه استقام لَهُ الْأَمر فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ أنصفك فَقَالَ مُعَاوِيَة لكنك مَا أنصفت ثمَّ تقاتلوا لَيْلَة الهرير شبهت بليلة الْقَادِسِيَّة وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى الصَّباح وَكَانَ عَليّ يسير بَين الصُّفُوف ويحرض كل كَتِيبَة على التَّقَدُّم حَتَّى أصبح والمعركة كلهَا خلف ظَهره
وَرُوِيَ أَنه كبر تِلْكَ اللَّيْلَة سَبْعمِائة تَكْبِيرَة وَكَانَت عَادَته أَنه كلما قتل قَتِيلا كبر ودام الْقِتَال إِلَى ضحى يَوْم الْجُمُعَة وَقَاتل الأشتر النَّخعِيّ قتالا عَظِيما حَتَّى انْتهى إِلَى معسكرهم وَقتل صَاحب رايتهم وأمده عَليّ بِالرِّجَالِ فَلَمَّا رأى عَمْرو شدَّة الْأَمر قَالَ لمعاوية مر النَّاس يرفعون الْمَصَاحِف على الرماح وَيَقُولُونَ كتاب الله بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن قبلوا ذَلِك ارْتَفع عَنَّا الْقِتَال وَإِن أَبى بَعضهم وجدنَا فِي افتراقهم رَاحَة فَفَعَلُوا ذَلِك فَقَالَ النَّاس نجيب إِلَى كتاب الله فَقَالَ عَليّ يَا عباد الله امضوا على حقكم فِي قتال عَدوكُمْ فَإِن عمرا وَمُعَاوِيَة وَابْن أبي معيط وَابْن أبي سرح وَالضَّحَّاك بن قيس لَيْسُوا بأصحاب دين وَلَا قُرْآن وَأَنا أعرف بهم مِنْكُم وَيحكم وَالله مَا رفعوها إِلَّا خديعة ومكيدة فَقَالُوا لَا يسعنا أَن ندعى إِلَى كتاب الله فَلَا نقبل فَقَالَ عَليّ إِنَّمَا قاتلناهم ليدينوا بِكِتَاب الله فَإِنَّهُم نبذوه فَقَالَ جمَاعَة من الْقُرَّاء الَّذين صَارُوا خوارج يَا عَليّ أجب إِلَى كتاب الله وَإِلَّا دفعناك برمتك إِلَى الْقَوْم أَو فعلنَا بك مَا فعلنَا بِابْن عَفَّان فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ إِن تطيعوني فَقَاتلُوا وَإِن تعصوني فافعلوا مَا بدا لكم وَآخر الْأَمر إِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن يحكموا رجلَيْنِ من الْجَانِبَيْنِ وَمَا حكما بِهِ عَلَيْهِم صَارُوا إِلَيْهِ فَاخْتَارَ أهل الشَّام عَمْرو بن الْعَاصِ داهية الْعَرَب وَاخْتَارَ أهل الْعرَاق أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بعد مراجعات وَقعت بَين عَليّ وَبينهمْ وَاجْتمعَ الحكمان عِنْد عَليّ لتكتب الْقَضِيَّة بِحُضُورِهِ فَكَتَبُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنَّمَا هُوَ أميركم وَلَيْسَ بأميرنا فَقَالَ الْأَحْنَف لَا تمحوا اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ
(1/105)

الْأَشْعَث امحها فَقَالَ عَليّ الله أكبر سنة بِسنة وَالله إِنِّي لكاتب الْقَضِيَّة يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَكتبت مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت قُرَيْش لست برَسُول الله وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَأمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمحوه فَقلت لَا أَسْتَطِيع قَالَ فأرنيه فأريته فمحاه بِيَدِهِ فَقَالَ لي إِنَّك ستدعى إِلَى مثلهَا فتجيب ثمَّ كتب الْكتاب هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قاضى عَليّ على أهل الْكُوفَة وَمن مَعَهم وقاضى مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن مَعَهم إِنَّا ننزل عِنْد حكم الله وَكتابه وَأَن لَا يجمع بَيْننَا غَيره وَإِن كتاب الله بَيْننَا من فاتحته إِلَى خاتمته نحيي مَا أحيى ونميت مَا أمات فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب الله وهما أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عملا بِهِ وَمَا لم يجدا فِي كتاب الله فَالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وَأخذ الحكمان من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَمن الجندين العهود والمواثيق إنَّهُمَا آمنان على أَنفسهمَا وأهلهما وَالْأمة لَهما أنصار على الَّذِي يتقاضيان عَلَيْهِ وعَلى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عهد الله وميثاقه أَن يحكما بَين هَذِه الْأمة وَلَا يورداها فِي حَرْب وَلَا فرقة وأجلا الْقَضَاء إِلَى رَمَضَان من السّنة وَإِن أحبا أَن يؤخرا ذَلِك أخراه وَإِن مَكَان قضيتهما مَكَان عدل بَين أهل الْكُوفَة وَأهل الشَّام وَشهد رجال من أهل الْعرَاق وَرِجَال من أهل الشَّام وَوَضَعُوا خطوطهم فِي الصَّحِيفَة ودعي الأشتر النَّخعِيّ ليشهد فَقَالَ لَا صحبتني يَمِيني وَلَا نفعتني بعْدهَا شمَالي إِن وضع لي فِيهَا اسْم وَكتب الْكتاب فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وعينوا مَوضِع الحكم بدومة الجندل فَوَقع الِاجْتِمَاع للأجل الْمَذْكُور
وَحَاصِل مَا كَانَ من ذَلِك أَن الْحكمَيْنِ اتفقَا على خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة وَيكون الْأَمر شُورَى بَين النَّاس حَتَّى يختاروا من يقدمونه لِلْأَمْرِ وَقدم عَمْرو بن الْعَاصِ أَبَا مُوسَى على نَفسه فِي الْكَلَام فَتكلم أَبُو مُوسَى على رُؤُوس النَّاس بِمَا اتفقَا عَلَيْهِ من خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة حَتَّى ينظر النَّاس لأَنْفُسِهِمْ فَلَمَّا سكت أَبُو مُوسَى قَامَ عَمْرو فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا قد خلع
(1/106)

صَاحبه وَقد خلعته كَمَا خلعه وَأثبت مُعَاوِيَة فَهُوَ ولي ابْن عَفَّان وأحق النَّاس بمقامه فكذبه أَبُو مُوسَى وتنازعا وتشاتما ومرج أَمر النَّاس وَلم يحصلوا على طائل وانسل أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا وَلم يرجع إِلَى عَليّ حَيَاء مِنْهُ وَمضى عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أهل الشَّام فَسَلمُوا على مُعَاوِيَة بالخلافة وَلَام عَليّ أَصْحَابه فِيمَا كَانَ مِنْهُم من عصيانه أَولا وانخداعهم لأهل الشَّام آخرا وَقَالَ فِيمَا قَالَ كَأَنِّي وَإِيَّاكُم كَمَا قَالَ أَخُو جشم
(أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوا ... فَلم يستبينوا الرشد إِلَّا ضحى الْغَد)
وَقَالَ إِن هذَيْن الْحكمَيْنِ اللَّذين اخترتموهما تركا حكم الله وَحكما بهوى النَّفس وَاخْتلفَا فِي حكمهمَا فَلم يرشدهما الله فتأهبوا للْجِهَاد واستعدوا للسير وَأصْبح عَليّ رَضِي الله عَنهُ غاديا يُرِيد الشَّام فِي ثَمَانِيَة وَسبعين ألفا
وَكَانَت الْخَوَارِج قد خَرجُوا عَلَيْهِ واعتزلوه وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وبلغه أَن الْخَوَارِج قد اجْتَمعُوا بالنهروان وتعاهدوا على حَرْب الْمُسلمين ثمَّ بلغه أَن الْخَوَارِج الْبَصْرَة لقوا عبد الله بن خباب صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرِيبا من النهروان فعرفهم بِنَفسِهِ فَسَأَلُوهُ عَن أبي بكر وَعمر فَأثْنى خيرا ثمَّ عَن عُثْمَان فِي أول خِلَافَته وَآخِرهَا فَقَالَ كَانَ محقا فِي الأول وَالْآخر فَسَأَلُوهُ عَن عَليّ قبل التَّحْكِيم وَبعده فَقَالَ هُوَ أعلم بِاللَّه وَأَشد توقيا على دينه فَقَالُوا إِنَّك توالي الرِّجَال على أسمائها ثمَّ ذبحوه وبقروا بطن امْرَأَته وَقتلُوا مَعَهُمَا ثَلَاث نسْوَة من طَيء وَمن عَجِيب أَمرهم أَنهم لقوا مُسلما ونصرانيا فَقتلُوا الْمُسلم وَقَالُوا احْفَظُوا ذمَّة نَبِيكُم فِي النَّصْرَانِي فَسَار إِلَيْهِم عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَأرْسل إِلَيْهِم أَن ادفعوا قتلة إِخْوَاننَا مِنْكُم فنكف عَنْكُم حَتَّى نلقى أهل الْمغرب فَلَعَلَّ الله يردكم إِلَى خير فأرسلوا إِلَيْهِ كلنا قد قَتلهمْ وكلنَا يسْتَحل دماءكم فَأَتَاهُم عَليّ رَضِي الله عَنهُ
(1/107)

فَقَالَ أيتها الْعصبَة الَّتِي أخرجهَا المراء من الْحق إِلَى الْبَاطِل وأصبحت فِي اللّبْس والخطب الْعَظِيم إِنِّي نَذِير لكم أَن تصبحوا تلقاكم الْأمة غَدا صرعى بأثناء هَذَا النَّهر بِغَيْر بَيِّنَة مِنْكُم وَلَا برهَان ألم تعلمُوا أَنِّي قد نَهَيْتُكُمْ عَن الْحُكُومَة إِلَيّ وأخبرتكم أَن الْقَوْم إِنَّمَا طلبوها خديعة فعصيتموني وحملتموني على أَن حكمت وَلما حكمت شرطت وَأخذت على الْحكمَيْنِ أَن يحيى يَا مَا أَحْيَا الْقُرْآن ويميتا مَا أمات فانقلبا وَحكما بِغَيْر حكم الْكتاب فنبذنا أَمرهمَا وَنحن على أمرنَا الأول فَمَا الَّذِي أَصَابَكُم وَمن أَيْن أتيتم قَالُوا حكمنَا وَكُنَّا بذلك كَافِرين وَقد تبنا فَإِن تبت كَمَا تبنا فَنحْن قَوْمك وَإِلَّا فاعتزلنا وَنحن ننابذك على سَوَاء إِن الله لَا يحب الخائنين فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ صبحكم صَاحب وَلَا بَقِي مِنْكُم وَافد أبعد إيماني برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجهادي فِي سَبِيل الله وهجرتي مَعَ رَسُول الله أشهد على نَفسِي بالْكفْر {قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين} وَرُوِيَ أَنه لما كَلمهمْ وَاحْتج عَلَيْهِم تنادوا لَا تخاطبوهم وَلَا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَخرج عَليّ رَضِي الله عَنهُ فعبأ النَّاس ميمنة وميسرة ووقف هُوَ فِي الْقلب فِي مُضر وَجعل على الْخَيل ابا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وعَلى أهل الْمَدِينَة وَكَانُوا سَبْعمِائة قيس بن سعد بن عبَادَة وعبأت الْخَوَارِج على نَحْو هَذِه التعبية وَرفع عَليّ رَضِي الله عَنهُ مَعَ أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ راية الْأمان فَنَادَى أَبُو أَيُّوب من أَتَى هَذِه الرَّايَة وَلم يُقَاتل وَلم يستعرض فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف إِلَى الْكُوفَة أَو الْمَدَائِن فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف عَن هَذِه الْجَمَاعَة فَهُوَ آمن فاعتزل فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ فِي خَمْسمِائَة وَقَالَ أعتزل حَتَّى يَتَّضِح لي الْأَمر فِي قتال عَليّ فَنزل الدسكرة وَخرج آخَرُونَ إِلَى الْكُوفَة وَرجع آخَرُونَ إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف فَبَقيَ مِنْهُم ألف وَثَمَانمِائَة فَحمل عَلَيْهِم عَليّ وَالنَّاس وزحفوا هم إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ ينادون الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَاسْتَقْبَلَهُمْ الرُّمَاة وعطفت عَلَيْهِم الْخَيل من المجنبتين ونهض إِلَيْهِم الرِّجَال بِالسِّلَاحِ فهلكوا
(1/108)

كلهم فِي سَاعَة وَاحِدَة كَأَنَّمَا قيل لَهُم موتوا فماتوا وَكَانَ جملَة من قتل من أَصْحَاب عَليّ رَضِي الله عَنهُ سَبْعَة نفر فَطلب عَليّ رَضِي الله عَنهُ المخدج فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فَقَامَ رَضِي الله عَنهُ وَعَلِيهِ أثر الْحزن لفقده فَانْتهى إِلَى قَتْلَى بَعضهم فَوق بعض فَقَالَ أفرجوا ففرجوا يَمِينا وَشمَالًا فاستخرجوه فَقَالَ الله أكبر وَالله مَا كذبت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإنَّهُ لناقص الْيَد مَا فِيهَا عظم طرفها مثل ثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا خمس شَعرَات أَو سبع رؤوسها معقفة ثمَّ قَالَ أئتوني بِهِ فَنظر إِلَى مَنْكِبه فَإِذا اللَّحْم مُجْتَمع على مَنْكِبه كثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا شَعرَات سود إِذا مدت اللحمة امتدت حَتَّى تحاذي بطن يَده الْأُخْرَى ثمَّ تتْرك فتعود إِلَى مَنْكِبه فَقَالَ أَصْحَاب عَليّ رَضِي لله عَنهُ قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا حَتَّى تخرج خَارِجَة بَين الْفُرَات ودجلة يُقَال لَهُم الشمط فَيخرج إِلَيْهِم رجل منا أهل الْبَيْت فيقتلهم فَلَا تخرج لَهُم بعْدهَا خَارِجَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الصَّحِيح عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (سيخرج قوم فِي آخر الزَّمَان أَحْدَاث الْأَسْنَان سُفَهَاء الأحلام يَقُولُونَ من خير قَول الْبَريَّة لَا يُجَاوز إِيمَانهم حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا لمن قَتلهمْ
ثمَّ إِن عليا رَضِي الله عَنهُ ندب أَصْحَابه إِلَى غَزْو الشَّام فتثاقلوا عَلَيْهِ وَلما وصلوا إِلَى الْكُوفَة تسللوا إِلَى بُيُوتهم وَتركُوا المعسكر خَالِيا وَلما رأى عَليّ ذَلِك دخل الْكُوفَة ثمَّ ندبهم ثَانِيًا فَلم ينفروا ثمَّ ثَالِثا فَلم ينشط مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل فخطبهم وَأَغْلظ فِي عتابهم وأعلمهم بِمَا لَهُ عَلَيْهِم من الطَّاعَة فِي الْحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن اسْتَأْثر بِهِ ربه وأراحه من
(1/109)

شغبهم وَقَبضه إِلَيْهِ وَنَقله إِلَى كرامته وجنته سَابق مضمار الْإِيمَان وَالْهجْرَة والنصرة والنجدة والصهر والقربى والقناعة وَالْجهَاد وَالْعلم والزهد رَضِي الله عَنهُ
وَكَانَ من خبر وَفَاته أَن ثَلَاثَة من الْخَوَارِج مِمَّن نجا من وقْعَة النهروان وهم عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي وَعَمْرو بن بكر التَّمِيمِي السَّعْدِيّ وَالْحجاج بن عبد الله التَّمِيمِي الصريمي ويلقب بالبرك اجْتَمعُوا بِمَكَّة فَذكرُوا إخْوَانهمْ الَّذين قتلوا بالنهروان وَقَالُوا مَا نصْنَع بِالْبَقَاءِ بعدهمْ فَلَو شرينا أَنْفُسنَا وقتلنا أَئِمَّة الضلال وَأَرِحْنَا مِنْهُم النَّاس فَقَالَ ابْن ملجم وَكَانَ من مصر أَنا أكفيكم عليا وَقَالَ البرك أَنا أكفيكم مُعَاوِيَة وَقَالَ عَمْرو بن بكر أَنا أكفيكم عَمْرو بن الْعَاصِ وتعاهدوا أَن لَا يرجع أحد مِنْهُم عَن صَاحبه حَتَّى يقْتله أَو يَمُوت دونه وتواعدوا سبع عشرَة لَيْلَة تمْضِي من رَمَضَان من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَرْبَعِينَ وَانْطَلَقُوا فلقي ابْن ملجم أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ فطوى خَبره عَنْهُم إِلَّا أَنه جَاءَ إِلَى شبيب بن شَجَرَة الْأَشْجَعِيّ وَدعَاهُ إِلَى الْمُوَافقَة على شَأْنه فَقَالَ شبيب ثكلتك أمك فَكيف تقدر على قَتله فَقَالَ أكمن لَهُ فِي الْمَسْجِد عِنْد صَلَاة الْغَدَاة فَإِن قَتَلْنَاهُ وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَيحك لَا أجدني أنشرح لقَتله مَعَ سابقته وفضله قَالَ ألم يقتل الْعباد الصَّالِحين أَصْحَاب النهروان قَالَ بلَى قَالَ فنقتله بِمن قَتله مِنْهُم فَأَجَابَهُ ثمَّ لَقِي امْرَأَة من تيم الربَاب فائقة الْجمال اسْمهَا قطام قتل أَبوهَا وأخوها يَوْم النهروان فَخَطَبَهَا ابْن ملجم فشرطت عَلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وعبدا وقنية وَأَن يقتل عليا وَقَالَت فَإِن قتلته شفيت النُّفُوس وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَالله مَا جِئْت إِلَّا لذَلِك وَلَك مَا سَأَلت وَفِي ذَلِك قيل
(ثَلَاثَة آلَاف وَعبد وقنية ... وَضرب عَليّ بالحسام المسمم)
(فَلَا مهر أغْلى من عَليّ وَإِن غلا ... وَلَا فتك إِلَّا دون ابْن ملجم)
ثمَّ قَالَت سأبعث مَعَك من يشد ظهرك ويساعدك وَبعثت مَعَه رجلا من قَومهَا اسْمه وردان
(1/110)

فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي وَاعد ابْن ملجم أَصْحَابه فِيهَا وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد وَمَعَهُ شبيب ووردان وجلسوا قبالة السدة الَّتِي يخرج مِنْهَا عَليّ للصَّلَاة فَلَمَّا خرج ونادى للصَّلَاة علاهُ شبيب بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي عضادة الْبَاب وضربه ابْن ملجم على مقدم رَأسه وَقَالَ الحكم لله يَا عَليّ لَا لَك وَلَا لأصحابك وهرب وردان إِلَى منزله وهرب شبيب مغلسا وَنَجَا فِي غمار النَّاس وَقبض على ابْن ملجم فجيء بِهِ مكتوفا إِلَى عَليّ وَقد حمل إِلَى بَيته فَقَالَ أَي عَدو الله مَا حملك على هَذَا ثمَّ قَالَ إِن هَلَكت فَاقْتُلُوهُ كَمَا قتلني وَإِن بقيت رَأَيْت فِيهِ رَأْيِي يَا بني عبد الْمطلب لَا تحرضوا على دِمَاء الْمُسلمين وَتَقولُوا قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقتلُوا إِلَّا قاتلي يَا حسن إِن أَنا مت من ضربتي هَذِه فَاضْرِبْهُ بِسَيْفِهِ وَلَا تمثلن بِالرجلِ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (إيَّاكُمْ الْمثلَة) وَقَالَ لَهُ جُنْدُب بن عبد الله أنبايع الْحسن إِن فقدناك فَقَالَ مَا آمركُم بِهِ وَلَا أنهاكم عَنهُ أَنْتُم أبْصر وَلما حَضرته الْوَفَاة كتب وَصيته الْعَامَّة ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله حَتَّى قبض رَضِي الله عَنهُ
وَلما قبض أخرج عبد الرَّحْمَن بن ملجم من السجْن فَقطع عبد الله بن جَعْفَر يَده ثمَّ رجله ثمَّ لِسَانه وكحلت عَيناهُ بمسمار محمى وأحرق لَعنه الله وَأما البرك فَوَثَبَ على مُعَاوِيَة تِلْكَ اللَّيْلَة وضربه بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي إليته وَأخذ البرك فَقَالَ لمعاوية عِنْدِي بشرى أتنفعني إِن أَنا أَخْبَرتك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِن أَخا لي قتل عليا هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ مُعَاوِيَة لَعَلَّه لم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ بلَى إِن عليا لَيْسَ مَعَه من يحرصه فَقتله مُعَاوِيَة وَقيل قطع يَده وَرجله وَأقَام إِلَى أَيَّام زِيَاد فَقتله بِالْبَصْرَةِ وَأما عَمْرو بن بكر التَّمِيمِي فَإِنَّهُ جلس تِلْكَ اللَّيْلَة لعَمْرو بن الْعَاصِ فَلم يخرج عَمْرو إِلَى الصَّلَاة لمَرض أَصَابَهُ واستناب خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي فِي الصَّلَاة فَشد عَلَيْهِ عَمْرو بن بكر وَهُوَ يظنّ أَنه عَمْرو بن الْعَاصِ فَقتله فَلَمَّا أَخَذُوهُ وأدخلوه على عَمْرو قَالَ فَمن قتلت إِذا قَالُوا قتلت خَارِجَة بن حذافة فَقَالَ أردْت عمرا وَأَرَادَ الله خَارِجَة فأرسلها
(1/111)

مثلا وَأمر بِهِ عَمْرو فَقتل وَيرْحَم الله ابْن عبدون إِذْ يَقُول
(وليتها إِذْ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بِمَا شَاءَت من الْبشر)
وَكَانَت وَفَاة عَليّ رَضِي الله عَنهُ صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ كَمَا ذكرنَا وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة أشهر وَاخْتلف فِي مَوضِع قَبره فَقيل دفن مِمَّا يَلِي قبْلَة الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ وَقيل عِنْد قصر الْإِمَارَة بهَا وَقيل نَقله ابْنه الْحسن إِلَى الْمَدِينَة وَدَفنه بِالبَقِيعِ عِنْد زوجه فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا
قَالَ أَبُو الْفِدَاء وَالأَصَح وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْن الْأَثِير وَغَيره إِن قَبره هُوَ الْمَشْهُور بالنجف وَهُوَ الَّذِي يزار الْيَوْم
وفضائل عَليّ رَضِي الله عَنهُ ومناقبه فِي الْعدْل وَحسن السِّيرَة أجل من أَن يحاط بهَا من ذَلِك مشاهده الْمَشْهُورَة بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومؤاخاته لَهُ وَسبق إِسْلَامه وَقَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم خَيْبَر (لَأَبْعَثَن الرَّايَة غَدا مَعَ رجل يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله) وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ (أما ترْضى ان تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أقضاكم عَليّ) وَالْقَضَاء يَسْتَدْعِي معرفَة أَبْوَاب الْفِقْه كلهَا بِخِلَاف قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام (أفرضكم زيد وأقرأكم أبي) وَلم يضع رَضِي الله عَنهُ لبنة على لبنة حَتَّى لَقِي الله وَكَانَ يقسم مَا فِي بَيت المَال كل جُمُعَة حَتَّى لَا يتْرك فِيهِ شَيْئا وَدخل مرّة بَيت المَال فَوجدَ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَقَالَ يَا صفراء اصفري وَيَا بَيْضَاء ابيضي وغري غَيْرِي لَا حَاجَة لي فِيك
وَرُوِيَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب بِسَنَدِهِ إِلَى مجمع التَّمِيمِي أَن عليا رَضِي الله عَنهُ قسم مَا فِي بَيت المَال بَين الْمُسلمين ثمَّ أَمر بِهِ فكنس ثمَّ صلى فِيهِ رَجَاء أَن يشْهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه قَالَ قدم على عَليّ مَال من أَصْبَهَان فَقَسمهُ سَبْعَة اسباع وَوجد فِيهِ رغيفا فَقَسمهُ سبع كسر وَجعل على
(1/112)

كل جُزْء كسرة ثمَّ أَقرع بَينهم أَيهمْ يُعْطي أَولا قَالَ ابْن عبد الْبر وأخباره رَضِي الله عَنهُ فِي مل هَذَا من سيرته لَا يحيى ط بهَا كتاب وَيرْحَم الله من قَالَ
(أحسن من عود وَمن ضَارب ... وَمن فتاة ناهد كاعب)
(وَمن مدام فِي قواريرها ... يسْعَى بهَا سَاق إِلَى شَارِب)
(وَمن جِيَاد الْخَيل فِي مهمه ... وضارب يَسْطُو على ضَارب)
(أحسن من ذَاك وَهَذَا وَذَا ... حب عَليّ بن أبي طَالب)
(لَو فتشوا قلبِي لألفوا بِهِ ... سطرين قد خطا بِلَا كَاتب)
(الْعلم والتوحيد فِي جَانب ... وَحب آل الْبَيْت فِي جَانب)
(إِن كنت فِيمَا قلته كَاذِبًا ... فلعنه الله على الْكَاذِب)
وَلما توفّي عَليّ رَضِي الله عَنهُ بَايع النَّاس ابْنه الْحسن رَضِي الله عَنهُ وَأول من بَايعه قيس بن سعد بن عبَادَة قَالَ لَهُ ابْسُطْ يدك على كتاب الله وَسنة رَسُوله وقتال الْمُلْحِدِينَ فَقَالَ الْحسن على كتاب الله وَسنة رَسُوله ويأتيان على كل شَرط ثمَّ بعد ذَلِك نزل لمعاوية عَن الْأَمر فِي خبر طَوِيل نذْكر مِنْهُ مَا فِي الصَّحِيح فَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله قَالَ اسْتقْبل وَالله الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بكتائب أَمْثَال الْجبَال فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنِّي لأرى كتائب لَا تولي حَتَّى تقتل أقرانها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة وَكَانَ وَالله خير الرجلَيْن أَي عَمْرو إِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ فَمن لي بِأُمُور النَّاس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فَبعث إِلَيْهِ رجلَيْنِ من قُرَيْش من بني عبد شمس عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَعبد الله بن عَامر بن كريز فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرجل فاعرضا عَلَيْهِ وقولا لَهُ واطلبا إِلَيْهِ فَأتيَاهُ فدخلا عَلَيْهِ فتكلما وَقَالا لَهُ وطلبا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهما الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا إِنَّا بني عبد الْمطلب قد أصبْنَا من هَذَا المَال وَإِن هَذِه الْأمة قد عاثت فِي دمائها قَالَا فَإِنَّهُ يعرض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيطْلب إِلَيْك ويسألك قَالَ فَمن لي بِهَذَا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئا إِلَّا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَصَالحه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله وَلَقَد سَمِعت أَبَا بكرَة يَقُول رَأَيْت
(1/113)

رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمِنْبَر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى جنبه وَهُوَ يقبل على النَّاس مرّة وَعَلِيهِ أُخْرَى وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين)
وَهَا هُنَا فَائِدَتَانِ الأولى هَذِه الحروب الَّتِي وَقعت بَين الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم محملها الإجتهاد كَمَا قدمنَا والذب عَن الدّين وَكَانَ النَّاس من السذاجة فِي الدّين والتمسك بِهِ على مَا عهد مِنْهُم فَكَانُوا إِذا رَأَوْا مَا يَظُنُّونَهُ مُنْكرا غيروه وَلَو بِإِتْلَاف مهجهم إِلَّا أَنهم كَانَ مِنْهُم الْمُجْتَهد الْمُصِيب وَهُوَ ذُو الأجرين كَمَا فِي الحَدِيث وَمِنْهُم الْمُجْتَهد المخطىء وَهُوَ ذُو الْأجر الْوَاحِد كَمَا فِي الحَدِيث أَيْضا وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ مصيبا فِي جَمِيع أمره من أَوله إِلَى آخِره فعلى الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ أَن يظنّ بصحابة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظَّن الْجَمِيل وَيعْمل بوصيته فيهم إِذْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم) الحَدِيث وإياي وإياه أَن يجرح من زكاهم الله تَعَالَى بقوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه} وزكاهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زمرتهم وأمتنا على سنتهمْ وطريقتهم يَا أكْرم الأكرمين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم
الْفَائِدَة الثَّانِيَة أطبق السّلف على أَن تَرْتِيب الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم فِي الْفضل على حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَذهب بعض السّلف إِلَى تَقْدِيم عَليّ على عُثْمَان وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سُفْيَان الثَّوْريّ لَكِن قيل إِنَّه رَجَعَ عَنهُ وَقَالَت الشِّيعَة وَكثير من الْمُعْتَزلَة الْأَفْضَل بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَليّ بن أبي طَالب وَالْحق هُوَ القَوْل الأول وَهل التَّفْضِيل بَين الْخُلَفَاء قَطْعِيّ أَو ظَنِّي فَالَّذِي مَال إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ هُوَ الأول وَالَّذِي مَال إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَاخْتَارَهُ
(1/114)

إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد هُوَ الثَّانِي وَعبارَته لم يقم عندنَا دَلِيل قَاطع على تَفْضِيل بعض الْأَئِمَّة على بعض إِذْ الْعقل لَا يدل على ذَلِك وَالْأَخْبَار الورادة فِي فضائلهم متعارضة وَلَكِن الْغَالِب على الظَّن أَن أَبَا بكر أفضل الْخَلَائق بعد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون فِي عُثْمَان وَعلي
وَهَا هُنَا انْتهى بِنَا القَوْل فِيمَا قصدناه من التَّبَرُّك بِذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر خلفائه الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من ذكر أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى مقدمين القَوْل أَولا فِي نسب البربر وَبَيَان حَالهم قبل الْإِسْلَام وَبعده على الْجُمْلَة لنتخلص بعده للمقصود وَالله تَعَالَى يعصمنا من الزلل بمنه وَكَرمه
(1/115)

القَوْل فِي نسب البربر وَبَيَان أصلهم

أعلم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَحْقِيق نسب البربر وَإِلَى أَي اصل من أصُول الخليقة يرجعُونَ فَذكر صَاحب كتاب الجمان فِي أَخْبَار الزَّمَان وَنَقله عَن أهل الْعلم بالسير أَن بني حام تنازعوا مَعَ بني سَام فَانْهَزَمَ بَنو حام أمامهم إِلَى الْمغرب وتناسلوا بِهِ واتصلت شعوبهم من أَرض مصر إِلَى آخر الْمغرب إِلَى تخوم السودَان وَكَانَ بسواحل الْمغرب الأفارقة والإفرنج فَكَانَت ذُرِّيَّة حام فِي المداشر والخيام والأعاجم الأول فِي الْبلدَانِ وَبَقِي أَكثر أَوْلَاد حام فِي بِلَاد فلسطين من أَرض الشَّام إِلَى زمن دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ ملكهم يُسمى جالوت فَلَمَّا قتل دَاوُد جالوت وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَعلمه مِمَّا يَشَاء أَمر بإجلائهم من بِلَاد كنعان وفلسطين إِلَى أَرض الْمغرب فَسَارُوا نَحْو إفريقية والزاب وانتشروا هُنَالك حَتَّى ضَاقَتْ بهم تِلْكَ الْبِلَاد وامتلأت مِنْهُم الْجبَال والكهوف والرمال وصاروا يتبعُون مواقع الْقطر بِالْإِبِلِ وبيوت الشّعْر وَلم تقدر الفرنج على ردهم ودفاعهم فانحازت الْأَعَاجِم للمدن وَبَقِي البربر فِيمَا عدى المدن وهم مَعَ ذَلِك على أَدْيَان مُخْتَلفَة يدين كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا شَاءَ من الْأَدْيَان الْفَاسِدَة فَمنهمْ من تمجس وَمِنْهُم من تهود وَمِنْهُم من تنصر واستمروا على ذَلِك إِلَى زمَان الْإِسْلَام وَكَانَ فيهم رُؤَسَاء وملوك وكهان وَلَهُم حروب وملاحم عِظَام مَعَ من قارعهم من الْأُمَم
وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره إِن البربر أخلاط من كنعان والعماليق وَغَيرهم فَلَمَّا قتل دَاوُد جالوت تفَرقُوا فِي الْبِلَاد
وَقَالَ الْكَلْبِيّ اخْتلف النَّاس فِيمَن أخرج البربر من الشَّام فَقيل دَاوُد بِالْوَحْي قيل يَا دَاوُد أخرج البربر من الشَّام فَإِنَّهُم جذام الأَرْض وَقيل يُوشَع بن نون عَلَيْهِ السَّلَام وَقيل إفريقش الْحِمْيَرِي وَاخْتلف فِي إفريقش هَذَا فَقَالَ المَسْعُودِيّ هُوَ إفريقش بن أَبْرَهَة ذِي الْمنَار أحد التبابعة الْمَشْهُورين
(1/116)

وَقَالَ ابْن حزم هُوَ إفريقش بن قيس بن صَيْفِي أَخُو الْحَارِث الرائش مِنْهُم وَهُوَ الَّذِي ذهب بقبائل الْعَرَب إِلَى إفريقية وَبِه سميت وسَاق البربر إِلَيْهَا من أَرض كنعان مر بهَا عِنْدَمَا غلبهم يُوشَع بن نون وقتلهم فَاحْتمل الفل مِنْهُم وساقهم إِلَى إفريقية فأنزلهم بهَا وَقتل ملكهَا جرجير وَيُقَال إِنَّه الَّذِي سمى البربر بِهَذَا الإسم لِأَنَّهُ لما فتح الْمغرب وَسمع رطانتهم قَالَ مَا أَكثر بربرتهم فسموا البربر والبربرة فِي لُغَة الْعَرَب اخْتِلَاط أصوات غير مَفْهُومه وَمِنْه بربرة الْأسد وينسبون إِلَيْهِ فِي ذَلِك شعرًا وَهُوَ قَوْله
(بربرت كنعان لما سقتها ... من بِلَاد الضنك للخصب العجيب)
(اي أَرض سكنوها وَلَقَد ... فازت البربر بالعيش الخصيب)
وَلما قفل إفريقش من غَزْو الْمغرب ترك هُنَالك حامية من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهما بهَا إِلَى الْآن وَلَيْسوا نم نسب البربر قَالَه الطَّبَرِيّ والجرجاني والمسعودي وَابْن الْكَلْبِيّ والسهيلي وَجَمِيع النسابين من الْعَرَب
وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كتاب التَّمْهِيد لَهُ اخْتلف النَّاس فِي نسب البربر اخْتِلَافا كثيرا وأنسب مَا قيل فيهم أَنهم من ولد قبط بن حام وَأَنه لما نزل مصر خرج بنوه يُرِيدُونَ الْمغرب فسكنوا من آخر عمالة مصر وَذَلِكَ فِيمَا وَرَاء برقة إِلَى الْبَحْر الْأَخْضَر مَعَ بَحر الأندلس إِلَى مُنْقَطع الرمل متصلين السودَان وَقيل إِن البربر صنفان البرانس والبتر وَأَن البتر مِنْهُم من ولد بر بن قيس بن عيلان بن مُضر وَاخْتلفُوا فِي تَوْجِيه ذَلِك فَقَالَ الطَّبَرِيّ خرج بر بن قيس بن عيلان ينشد ضَالَّة لَهُ بأحياء البربر فَرَأى جَارِيَة مِنْهُم فَخَطَبَهَا من أَبِيهَا وَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ
وَقَالَ فِي كتاب الجمان وَأما تسميتهم بالبربر فَإِنَّهُ لما صَار ملك مُضر لقيس بن عيلان كَانَ لَهُ ولد اسْمه بر فَخرج مغاضبا لِأَبِيهِ وَإِخْوَته إِلَى جِهَة الْمغرب فَقَالَ النَّاس بربر أَي توحش فِي البراري فسموا بربرا وَنقل ابْن
(1/117)

أبي زرع وَابْن خلدون عَن النسابين من البربر وَحَكَاهُ أَيْضا الْبكْرِيّ وَغَيره أَنه كَانَ لمضر بن نزار ولدان إلْيَاس وعيلان أمهما الربَاب بنت حيدة بن عَمْرو بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مُضر وَلدين وهما قيس ودهمان ابْنا عيلان أما دهمان فولده قَلِيل وهم أهل بَيت من قيس يُقَال لَهُم بَنو أُمَامَة وَأما قيس بن عيلان فولد أَرْبَعَة بَنِينَ وَجَارِيَة وهم سعد وَعَمْرو وخصفة أمّهم مزنة بنت أَسد بن ربيعَة بن نزار ثمَّ بر وَأُخْته تماضر أمهما تمريغ بنت يجدول بن غمار بن مصمود الْبَرْبَرِي اليجدولي
وَكَانَت قبائل البربر إِذْ ذَاك يسكنون الشَّام ويجاورون الْعَرَب فِي المساكن والأسواق والمساعي ويشاركونهم فِي الْمِيَاه والمسارح والمراعي ويصاهر بَعضهم بَعْضًا وَكَانَت الْبَهَاء بنت دهمان بن عيلان بن مُضر من أجمل نسَاء زمانها وأكملهن ظرفا وأدبا فَكثر خطابها من سَائِر قبائل الْعَرَب فَقَالَ بَنو عَمها وهم عَمْرو وَسعد وخصفة وبر لَا يتَزَوَّج ابْنة عمنَا إِلَّا أَحَدنَا وَلَا تخرج منا إِلَى غَيرنَا فخيروها فِيمَن شَاءَت مِنْهُم فَاخْتَارَتْ برا وَكَانَ أَصْغَرهم سنا وأكملهم شبَابًا فَتَزَوجهَا دون اخوته فحسدوه عَلَيْهَا وهموا بقتْله من أجلهَا وَكَانَت أمه تمريغ من دهاة النِّسَاء فَبعثت إِلَى أَبِيهَا دهمان وأعلمته الْخَبَر وواطأته على الْخُرُوج بِوَلَدِهَا إِلَى أَرض قَومهَا من البربر حَيْثُ تأمن عَلَيْهِ ثمَّ بعثت إِلَى قَومهَا فأتوها سرا فارتحلت مَعَهم هِيَ وَوَلدهَا بر وكنتها الْبَهَاء بنت دهمان فَلَحقُوا بِبِلَاد البربر وهم يَوْمئِذٍ مستوطنون فلسطين وأكناف الشَّام فَنزل بر على أَخْوَاله واعتز بهم وَبنى بابنة عَمه الْبَهَاء فَولدت لَهُ هُنَاكَ وَلدين علوان ومادغيس ابْني بر بن قيس بن عيلان فَأَما علوان فَمَاتَ صَغِيرا وَلم يعقب وَأما مادغيس فَكَانَ يلقب الأبتر وَهُوَ أَبُو البتر من البربر وَإِلَيْهِ يرفعون أنسابهم وَمن وَلَده جَمِيع زناته كَمَا سَيَأْتِي ويزعمون أَن تماضر أُخْت بر بكته بعد فرقته بِشعر تَقول فِيهِ
(لتبك كل باكية أخاها ... كَمَا أبْكِي على بر بن قيس)
(تحمل عَن عشيرته فأضحى ... وَدون لِقَائِه انضاء عنس)
(1/118)

وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهَا أَيْضا قَوْلهَا
(وشطت ببر دَاره عَن بِلَادنَا ... وطوح بر نَفسه حَيْثُ يمما)
(وأزرت ببر لكنة أَعْجَمِيَّة ... وَمَا كَانَ بر فِي الْحجاز بأعجما)
(كأنا وَبرا لم نقف بجيادنا ... بِنَجْد وَلم نقسم نهابا ومغنما)
وَأنْشد عُلَمَاء البربر لعبيدة بن قيس الْعقيلِيّ
(أَلا أَيهَا السَّاعِي لفرقة بَيْننَا ... توقف هداك الله سبل الأطايب)
(فأقسم أَنا والبرابر إخْوَة ... تناولنا جد كريم الْمُنَاسب)
(أَبونَا أبوهم قيس عيلان فِي الذرى ... لَهُ حومة تشفي غليل الْمُحَارب)
(وبر بن قيس عصبَة مضرية ... وَفِي الْفَرْع من أحسابها والذوائب)
(فَنحْن وهم ركن منيع وإخوة ... على رغم أَعدَاء لئام المناقب)
فِي أَبْيَات غير هَذِه وينشد أَيْضا ليزِيد بن خَالِد يمدح البربر قَوْله
(أَيهَا السَّائِل عَنَّا أصلنَا ... قيس عيلان بَنو الغر الأول)
(نَحن مَا نَحن بَنو بر الندى ... طارد الأزمة نحار الْإِبِل)
(قد بنى الْمجد فأورى زنده ... وكفانا كل خطب ذِي جلل)
(إِن قيسا يعتزي بر لَهُ ... ولبر يعتزي قيس الْأَجَل)
(فلنا الْفَخر بقيس إِنَّه ... جدنا الْأَكْبَر فكاك الكبل)
(إِن قيسا قيس عيلان هم ... مَعْدن الْخَيْر على الْخَيْر دلل)
(حسبي البربر قومِي إِنَّهُم ... ملكوا الأَرْض بأطراف الأسل)
فِي أَبْيَات أخر
وَاعْلَم أَن الْخلاف فِي نسب البربر طَوِيل وَقد تركنَا جله اختصارا وأشبه هَذِه الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ مَا نَقَلْنَاهُ أَولا مِمَّا يدل على أَن جيل البربر من ولد حام وَأَنَّهُمْ جيل قديم قد سكنوا الْمغرب عِنْدَمَا تناسلت ذُرِّيَّة نوح عَلَيْهِ
(1/119)

السَّلَام وانتشرت الخليقة على وَجه الأَرْض ثمَّ تلاحقت بهم بَقِيَّة بني كنعان من الشَّام عِنْدَمَا أجلاهم يُوشَع بن نون عَلَيْهِ السَّلَام أَولا ثمَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام ثَانِيًا
قَالَ ابْن خلدون بعد تزييف القَوْل بِأَن البربر من ولد جالوت بالخصوص أَو من الْعَرَب مَا نَصه وَالْحق الَّذِي لَا يَنْبَغِي التعويل على غَيره فِي شَأْنهمْ أَنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَن اسْم أَبِيهِم مازيغ اه
وَمِمَّا يستملح من النَّوَادِر المقولة فِي نسب البربر قَول خلف بن فرج السميسير من شعراء الأندلس يهجو البربر
(رَأَيْت آدم فِي نومي فَقلت لَهُ ... أَبَا الْبَريَّة إِن النَّاس قد حكمُوا)
(إِن البرابر نسل مِنْك قَالَ إِذا ... حَوَّاء طَالِق إِن كَانَ الَّذِي زَعَمُوا)
وَهَذَا من ملح الشُّعَرَاء وشيطنتهم وَإِلَّا فالبربر جيل مَعْرُوف من أعظم الأجيال وأعزها وَلَهُم الْفَخر الَّذِي لَا يجهل وَالذكر الَّذِي لَا يهمل وَقد تعدّدت فيهم الدول وَكَثُرت فيهم الْمُلُوك الْعِظَام وَكَانَ لَهُم الْقدَم الراسخ فِي الْإِسْلَام وَالْيَد الْبَيْضَاء فِي الْجِهَاد وَمِنْهُم الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء والأولياء وَالشعرَاء وَأهل المزايا والفضائل وستقف على كثير من ذَلِك عَن قريب إِن شَاءَ الله
القَوْل فِي تَقْسِيم شعوب البربر على الْجُمْلَة

اعْلَم أَن أمة البربر أمة عَظِيمَة قد مَلَأت مَا بَين برقة وَالْبَحْر الْمُحِيط شرقا وغربا وَمَا بَين بِلَاد السودَان وَالْبَحْر الرُّومِي جنوبا وَشمَالًا وَمَعَ عظمها فيجمعها شعْبَان عظيمان بِحَيْثُ لَا يخرج بربري عَنْهُمَا
قَالَ ابْن خلدون عُلَمَاء النّسَب متفقون على أَن البربر يجمعهُمْ جدان عظيمان وهما برنس ومادغيس ويلقب مادغيس بالأبتر فَلذَلِك يُقَال لشعوبه البتر وَيُقَال لشعوب برنس البرانس وَبَين النسابين خلاف هَل هما لأَب وَاحِد أم لَا فَعِنْدَ ابْن حزم أَنَّهُمَا لأَب وَاحِد والجميع من نسل كنعان بن
(1/120)

حام وَقَالَ سَابق بن سُلَيْمَان المطماطي وَغَيره من نساب البربر إِن البرانس فَقَط من نسل كنعان وَأما البتر فهم بَنو بر بن قيس بن عيلان بن مُضر وَهَذَا القَوْل قد تقدم مَا فِيهِ فَالْحق أَن الشعبين مَعًا عريقان فِي البربرية وَأَن الْجَمِيع من ولد مزيغ ومازيغ هُوَ من ولد كنعان بن حام كَمَا مر
فَأَما البرانس فتنقسم إِلَى سبع قبائل أوربة وصنهاجة وكامة ومصمودة وعجيسه وأوريغة وأرداجة وَيُقَال ورداجة بِالْوَاو بدل الْهمزَة وَزَاد سَابق المطماطي وَغَيره ثَلَاث قبائل أخر وهم لمطة وهسكورة وجزولة فَتكون عشرا فَأَما أوربة فَكَانَ مِنْهُم كسيلة بن أغز الأوربي قَاتل عقبَة بن نَافِع رَضِي الله عَنهُ زمَان الْفَتْح وَمِنْهُم إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد الأوربي الْقَائِم بدعوة إِدْرِيس بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ وَأما صنهاجة فهم أكبر قبائل البربر حَتَّى زعم كثير من النَّاس أَنهم مِقْدَار الثُّلُث مِنْهُم وَكَانَ مِنْهُم بَنو زيرى بن مُنَاد مُلُوك إفريقية والملثمون مُلُوك مراكش والأندلس وَأما كتامة فهم القائمون بدعوة العبيديين بإفريقية ومصر وَأما المصامدة فَمنهمْ غمارة وَكَانَ مِنْهُم يليان النَّصْرَانِي صَاحب سبتة وطنجة أَيَّام دُخُول عقبَة بن نَافِع للمغرب الْأَقْصَى وهم القائمون أَيْضا بدعوة بني إِدْرِيس فِي دولتهم الثَّانِيَة بعد بني أبي الْعَافِيَة وَمن المصامدة أَيْضا برغواطة أهل تامسنا وَمَا اتَّصل بهَا وَمِنْهُم أهل جبل درن القائمون بدعوة مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين
وَأما بَاقِي قبائل البرانس فَلم يكن لَهُم ملك يذكر وَقد تقدم لنا أَن النسابين من الْعَرَب يَقُولُونَ إِن صنهاجة وكتامة من حمير وَأَن إفريقش الْحِمْيَرِي تَركهم حامية بإفريقية فتناسلوا بهَا واستحال لسانهم إِلَى البربرية لَكِن الْمُحَقِّقُونَ من نساب البربر كسابق المطماطي وَغَيره يُنكرُونَ ذَلِك ويجزمون بِأَنَّهُمَا قبيلتان عريقتان فِي البربر وَأما البتر وهم بَنو مادغيس الأبتر فينقسم شِعْبهمْ إِلَى أَربع قبائل وهم ضريسة ونفوسة وأداسة وَبَنُو لوي وهم لواتة فَأَما ضريسة فَمنهمْ مكناسة وَمن مكناسة بَنو مدرار مُلُوك سجلماسة وَبَنُو أبي الْعَافِيَة مُلُوك فاس وَمن
(1/121)

ضريسة أَيْضا زناتة كلهَا ومبن زناتة جرواة قوم الكاهنة داهيا صَاحِبَة جبل أوراس الَّتِي أوقعت بِحسان بن النُّعْمَان عَامل الْخَلِيفَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَمن زناتة أَيْضا بَنو خزر المغراويون مُلُوك تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَمِنْهُم مغرواة مُلُوك فاس وَبَنُو يفرن مُلُوك سلا وتادلا وَمِنْهُم بَنو زيان مُلُوك تلمسان وَبَنُو مرين مُلُوك فاس أَيْضا فَهَؤُلَاءِ كلهم من زناتة وزناتة هُوَ زانا بن يحيى بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر
وَأما نفوسة وأداسة ولواتة فَلم يكن لَهُم ملك يذكر
وَأعلم أَن كل قَبيلَة من هَذِه الْقَبَائِل الْأَرْبَع عشرَة تشْتَمل على عمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لَا حصر لَهَا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْخَبَر عَن حَال البربر قبل الْإِسْلَام وَذكر بعض أَمْصَار الْمغرب الْقَدِيمَة وَمَا قيل فِي ذَلِك

قد تقدم لنا أَن البربر أمة قديمَة سكنوا أَرض الْمغرب فِي قديم الزَّمَان وَأَنَّهُمْ لما عمروا بِلَاده وملؤوا أكنافه انْحَازَتْ الفرنج عَنْهُم إِلَى السواحل والثغور وَبَقِي البربر فِيمَا سوى ذَلِك من الضواحي وَالْجِبَال والكهوف وهم مَعَ ذَلِك على أَدْيَان مُخْتَلفَة يدين كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا شَاءَ من الْأَدْيَان الْفَاسِدَة إِلَى آخر مَا مر فَهَذَا كَانَ حَالهم على الْجُمْلَة
وَقَالَ ابْن خلدون لم تزل بِلَاد الْمغرب إِلَى طرابلس بل وَإِلَى الْإسْكَنْدَريَّة عامرة بِهَذَا الجيل مَا بَين الْبَحْر الرُّومِي وبلاد السودَان مُنْذُ أزمنة لَا يعرف أَولهَا وَلَا مَا قبلهَا وَكَانَ دينهم دين الْمَجُوسِيَّة شَأْن الْأَعَاجِم كلهَا بالمشرق وَالْمغْرب إِلَّا فِي بعض الْأَحَايِين يدينون بدين من غلب عَلَيْهِم من الْأُمَم فَإِن الْأُمَم أهل الدول الْعَظِيمَة كَانُوا يتغلبون عَلَيْهِم فقد غزتهم مُلُوك الْيمن من قراهم مرَارًا على مَا ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم ذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَن حميرا أَبَا الْقَبَائِل اليمانية ملك الْمغرب مائَة سنة
(1/122)

وانه الَّذِي ابتنى مدائنه مثل إفريقية وصقلية وَاتفقَ المؤرخون من الْعَرَب على غَزْو إفريقش الْحِمْيَرِي من التبابعة أَرض الْمغرب اه وَمَا نَقله عَن ابْن الْكَلْبِيّ من غَزْو حمير أَرض الْمغرب قد نقل أَيْضا إِنْكَاره عَن الحافظين أبي عمر بن عبد الْبر وَأبي مُحَمَّد بن حزم وأنهما قَالَا مَا كَانَ لحمير طَرِيق إِلَى بِلَاد البربر إِلَّا فِي تكاذيب مؤرخي الْيمن ثمَّ ذكر أَن الْبَعْض من البربر كَانُوا قد دانوا بدين الْيَهُودِيَّة وأخذوه عَن بني إِسْرَائِيل عِنْد استفحال ملكهم لقرب الشَّام وسلطانه مِنْهُم كَمَا كَانَ جراوة أهل جبل أوراس قَبيلَة الكاهنة وكما كَانَت نفوسة من برابرة إفريقية وفندلاوة ومديونة وبهلولة وغياثة وَبَنُو فازاز من برابرة الْمغرب الْأَقْصَى حَتَّى محا إِدْرِيس الْأَكْبَر جَمِيع مَا كَانَ فِي نواحيه من بقايا الْأَدْيَان والملل
وَقَالَ غير وَاحِد من المؤرخين كَانَ أهل الْمغرب الْأَقْصَى يضرون بِأَهْل الأندلس لاتصال الأَرْض بَينهم ويلقون مِنْهُم الْجهد الجهيد فِي كل وَقت إِلَى أَن أجتاز بهم الْإِسْكَنْدَر فشكوا حَالهم إِلَيْهِ فأحضر المهندسين وأتى إِلَى الزقاق يَعْنِي زقاق سبتة فَأَمرهمْ بِوَزْن سطح المَاء من الْبَحْر الْمُحِيط وَالْبَحْر الرُّومِي فوجدوا الْمُحِيط يَعْلُو الرُّومِي بِشَيْء يسير فَأمر بِرَفْع الْبِلَاد الَّتِي على سَاحل الْبَحْر الرُّومِي ونقلها من الحضيض إِلَى الْأَعْلَى ثمَّ أَمر بِحَفر مَا بَين طنجة وبلاد الأندلس من الأَرْض فحفرت حَتَّى ظَهرت الْجبَال السفلية وَبنى عَلَيْهَا رصيفا بِالْحجرِ والجيار بِنَاء محكما وَجعل طوله اثنى عشر ميلًا وَهِي الْمسَافَة الَّتِي كَانَت بَين الْبَحْرين وَبنى رصيفا آخر يُقَابله من نَاحيَة طنجة وَجعل بَين الرصيفين سَعَة سِتَّة أَمْيَال فَلَمَّا كمل الرصيفان حفر
(1/123)

من جِهَة الْبَحْر الْأَعْظَم وَأطلق فَم المَاء بَين الرصيفين فَدخل فِي الْبَحْر الرُّومِي ثمَّ ارْتَفع المَاء فأغرق مدنا كَثِيرَة وَأهْلك أمما عَظِيمَة كَانَت على الشطين وطما المَاء على الرصيفين بِإِحْدَى عشرَة قامة فَأَما الرصيف الَّذِي يَلِي بِلَاد الأندلس فَإِنَّهُ يظْهر فِي بعض الْأَوْقَات إِذا نقص المَاء ظهورا بَينا مُسْتَقِيمًا على خطّ وَاحِد وَأهل الجزيرة يسمونه القنظرة وَأما الرصيف الَّذِي يَلِي جِهَة العدوة فَإِن المَاء حمله فِي صَدره واحتفر مَا خَلفه من الأَرْض بِنَحْوِ اثْنَي عشر ميلًا وعَلى طرفه من جِهَة الْمغرب قصر الْمجَاز وسبتة وطنجة وعَلى طرفه من النَّاحِيَة الْأُخْرَى جبل طَارق بن زِيَاد وجزيرة طريف بن مَالك والجزيرة الخضراء وَمَا يين سبتة والخضراء هُوَ عرض الْبَحْر الْمُسَمّى بالزقاق والبوغاز أَيْضا اه
وَمَا ذَكرُوهُ من أَن أَرض الْمغرب كَانَت مُتَّصِلَة بِأَرْض الأندلس نَحوه فِي تواريخ الفرنج الْقَدِيمَة غير أَنهم يسمون الْملك الَّذِي فتح الباغاز هِرقل الْجَبَّار وَعند ابْن سعيد أَنه كَانَ فِيمَا بَين قصر الْمجَاز وطريف قنطرة عَظِيمَة قد وصلت مَا بَين البرين يزْعم النَّاس أَن الْإِسْكَنْدَر بناها ليعبر عَلَيْهَا من بر الأندلس إِلَى بر العدوة وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
وَفِي تواريخ الفرنج الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهَا عِنْدهم أَن مُلُوك الرّوم الأولى حَاربُوا القرطاجنيين من أهل إفريقية وَالْمغْرب وغلبوهم على الْبِلَاد وهدموا فِي بعض تِلْكَ الحروب مَدِينَة قرطاجنة الشهيرة الذّكر قَالَ الشَّيْخ رِفَاعَة فِي بداية القدماء مَا نَصه قرطاجنة مَدِينَة بِأَرْض إفريقية هِيَ إِحْدَى مدن الدُّنْيَا الشهيرة وَقد هدمها الرّوم قبل مِيلَاد الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام بِمِائَة وست وَأَرْبَعين سنة ثمَّ أسست ثَانِيَة وخربها الْعَرَب حَتَّى إِنَّه لَا يرى الْآن شَيْء من آثارها إِلَّا بغاية الْجهد وبقرب موضعهَا مَدِينَة تونس اه
وَقَالَ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان حِين تكلم على قيادة الأساطيل مَا نَصه وَقد كَانَت الرّوم والإفرنجية والقوط بالعدوة الشمالية من هَذَا الْبَحْر الرُّومِي وَكَانَ أَكثر حروبهم ومتاجرهم فِي السفن فَكَانُوا مهرَة
(1/124)

إِيقَاع يحيى بن يغمور بِأَهْل لبلة وإسرافه فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة لبلة
وَكَانَ الْمُتَوَلِي لفتحها بحيى بن يغمور وَالِي قرطبة وإشبيلية حاصرها مُدَّة ثمَّ فتحهَا عنْوَة وَقبض على أَهلهَا فَخرج بهم إِلَى ظَاهر الْمَدِينَة وَصفهم فِي صَعِيد وَاحِد ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف أَجْمَعِينَ حَتَّى خلص الْقَتْل مِنْهُم إِلَى الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحُكَّام بن بطال والفقيه الصَّالح أبي عَامر بن الْجد
وَكَانَ عدد من قتل من أهل لبلة فِي ذَلِك الصَّعِيد ثَمَانِيَة آلَاف وَقتل بأحوازها نَحْو
(1/125)

بِلَادهمْ ورعاياهم وَكَانَ الفرنج مجاورين للبربر فِي الْمغرب الْأَدْنَى والقوط مجاورين لَهُم فِي الْأَقْصَى لَيْسَ بَينهم وَبينهمْ إِلَّا خليج الْبَحْر فحملوا أهل السواحل مِنْهُم على الْأَخْذ بذلك الدّين فدانوا بِهِ أَيْضا وَنظر القياصرة يَوْمئِذٍ منسحب عَن الْجَمِيع وَأمرهمْ نَافِذ فِي الْكل وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وأظهره على الدّين كُله فدانت بِهِ البربر على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَلهَذَا السَّبَب كَانَ كسيلة الأوربي ويليان الغماري وَغَيرهمَا من كبار البربر نَصَارَى
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ للبربر فِي الضواحي وَرَاء ملك الْأَمْصَار المرهوبة الحامية مَا شَاءَ الله من قُوَّة وعدة وَعدد وملوك ورؤساء وأقيال وأمراء لَا يرامون بذل وَلَا تنالهم الرّوم والفرنج فِي ضواحيهم تِلْكَ بمسخطة وَلَا إساءة ثمَّ قَالَ وَكَانُوا يؤدون الجباية لهرقل ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا كَانَ الْمُقَوْقس صَاحب مصر والإسكندرية وبرقة يُؤَدِّي الجباية لَهُ وكما كَانَ صَاحب طرابلس ولبدة وصبرة وَصَاحب صقلية وَصَاحب الأندلس من القوط لما كَانَ الرّوم قد غلبوا على هَؤُلَاءِ الْأُمَم أجمع وعنهم أخذُوا دين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ الفرنجة هم الَّذين ولوا أَمر إفريقية وَلم تكن للروم فِيهَا ولَايَة وَإِنَّمَا كَانَ كل من كَانَ مِنْهُم بهَا جند للفرنج وَمن حشودهم وَمَا يسمع فِي كتب الْفَتْح من ذكر الرّوم فِي فتح أفريقية فَمن بَاب التغليب لِأَن الْعَرَب يَوْمئِذٍ لم يَكُونُوا يعْرفُونَ الفرنج وَمَا قَاتلُوا فِي الشَّام إِلَّا الرّوم فظنوا أَنهم هم الغالبون على أُمَم النَّصْرَانِيَّة فَإِن هِرقل هُوَ ملك النَّصْرَانِيَّة كلهَا فغلبوا اسْم الرّوم على جَمِيع أُمَم النَّصْرَانِيَّة ونقلت الْأَخْبَار عَن الْعَرَب كَمَا هِيَ فجرجير الْمَقْتُول عِنْد الْفَتْح من الفرنج وَلَيْسَ من الرّوم وَكَذَا الْأمة الَّذين مَاتُوا بإفريقية غَالِبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها كَانُوا من الفرنجة اه
(1/126)

القَوْل فِي تَحْدِيد الْمغرب وَذكر حَال البربر بعد الْإِسْلَام

اعْلَم أَن لفظ الْمغرب يُطلق فِي عرف أَهله على نَاحيَة من الأَرْض مَعْرُوفَة بِعَينهَا حَدهَا من جِهَة مغرب الشَّمْس الْبَحْر الْمُحِيط الْمَعْرُوف بالكبير وَمن جِهَة مشرق الشَّمْس بِلَاد برقة وَمَا خلفهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ومصر فبرقة خَارِجَة عَن بِلَاد الْمغرب بِهَذَا الِاعْتِبَار وبلاد طرابلس وَمَا دونهَا إِلَى جِهَة الْبَحْر الْمُحِيط دَاخِلَة فِيهِ وَحدهَا من جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي المفرع عَن الْمُحِيط وَيعرف هَذَا الرُّومِي بالصغير وَمن جِهَة الْجنُوب جبال الرمل الفاصلة بَين بِلَاد السودَان وبلاد البربر وتعرف عِنْد الْعَرَب الرحالة هُنَالك بالعرق
ثمَّ هَذَا الْمغرب يشْتَمل على ثَلَاث ممالك مملكة إفريقية وَهِي الْمغرب الْأَدْنَى وقاعدتها فِي صدر الْإِسْلَام مَدِينَة القيروان وَفِي هَذَا الْعَصْر مَدِينَة تونس وَسمي أدنى لِأَنَّهُ أقرب إِلَى بِلَاد الْعَرَب وَدَار الْخلَافَة بالحجاز ثمَّ بعد إفريقية مملكة الْمغرب الْأَوْسَط وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة وَهَذِه المملكة الْيَوْم فِي يَد فرنج إفرانسة ملكوها فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَأَهْلهَا مُسلمُونَ ثمَّ بعد ذَلِك مملكة الْمغرب الْأَقْصَى وَسمي الْأَقْصَى لِأَنَّهُ أبعد الممالك الثَّلَاث عَن دَار الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام وحد هَذَا الْأَقْصَى من جِهَة الْمغرب الْبَحْر الْمُحِيط وَمن جِهَة الْمشرق وَادي ملوية مَعَ جبال تازا وَمن جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي وَمن جِهَة الْجنُوب جبل درن قَالَه ابْن خلدون
وَفِي تَقْسِيم الفرنج أَن الْمغرب الْأَقْصَى يشْتَمل على خمس عمالات عمالة فاس وعمالة مراكش وعمالة السوس وعمالة درعة وعمالة تافيلالت وَدَار الْملك بِهِ تَارَة فاس وَتارَة مراكش وَهُوَ فِي الْأَغْلَب ديار المصامدة
(1/127)

من البربر ويساكنهم فِيهِ عوالم من صنهاجة ومضغرة وأوربة وَغَيرهم لكِنهمْ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى المصامدة ويساكنهم فِيهِ أَيْضا عَالم من الْعَرَب أهل الْخيام انتقلوا من جَزِيرَة الْعَرَب إِلَى إفريقية ثمَّ من إفريقية إِلَيْهِ أَوَاخِر الْمِائَة السَّادِسَة أَيَّام الْخَلِيفَة يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي وهم الْيَوْم قبائل عديدة يرجعُونَ فِي نسبهم إِلَى ريَاح وجشم فَأَما ريَاح فهم من بني هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَأما جشم فهم بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر وَكلهمْ يَنْتَهِي نسبهم إِلَى مُضر ويضاف إِلَيْهِم قبائل أخر نحقق الْكَلَام فيهم بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
ثمَّ قد علمت أَن كلامنا بِالْقَصْدِ الأول فِي هَذَا الْكتاب إِنَّمَا هُوَ على الْمغرب الْأَقْصَى لَكنا نتكلم أَولا على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر أمراءه الموجهين من قبل الْخُلَفَاء بالمشرق على التَّفْصِيل مَا دَامَ نظرهم منسحبا عَلَيْهِ وظلهم ممتدا إِلَيْهِ إِذْ كَانَ أَمر الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام متحدا وَحكمهَا مجتمعا وكلمتها نَافِذَة فِي جَمِيع ممالك الْإِسْلَام شرقا وغربا بِحَيْثُ لَا يخرج قطر من الأقطار وَلَا مصر من الْأَمْصَار فِيمَا بعد أَو دنا عَن الأَرْض عَن نظر الْخَلِيفَة الْأَعْظَم وَقد كَانَ ذَلِك دينا مُتبعا وَحكما مجمعا عَلَيْهِ وَلَا تصح لأحد إِمَارَة أَو ولَايَة إِلَّا بالإستناد إِلَيْهِ حَتَّى إِذا طَال الْعَهْد وَضعف أَمر الْخلَافَة وتقلص ظلها من القاصية تَفَرَّقت ممالك الْإِسْلَام الْبَعِيدَة عَن دارها وتوزعتها الثوار من بني هَاشم وَغَيرهم واستبد الْأُمَرَاء النازحون عَنْهَا كل بِمَا غلب عَلَيْهِ وَسَار أَمر الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة وَحكم الإجتماع إِلَى الْفرْقَة فَلهَذَا نتكلم الْآن على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر ولاته الموجهين إِلَيْهِ من قبل الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى زمن إِدْرِيس بن عبد الله المستبد بِملك الْمغرب الْأَقْصَى والمقتطع لَهُ عَمَّا عداهُ من الممالك الإسلامية فَحِينَئِذٍ نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ على مَا شرطناه فَأَما الْآن فَلَا يمكننا الْكَلَام عَلَيْهِ وَحده لِأَنَّهُ وَالْحَالة هَذِه مندرج فِي غَيره من ممالك الْمغرب إِذْ الْوَالِي الموجه من قبل الْخَلِيفَة فِي صدر الْإِسْلَام كَانَ يكون واليا على إفريقية وَمَا بعْدهَا من بِلَاد الْمغرب إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَقد تُضَاف إِلَى نظره الأندلس بل كَانَ الْوَالِي
(1/128)

بِمصْر قد يكون نظره شَامِلًا لجَمِيع بِلَاد الْمغرب حَسْبَمَا نقف عَلَيْهِ فاعرف هَذِه الْجُمْلَة ولتكن مِنْك على بَال
وَأما حَال البربر بعد الْإِسْلَام فَيعرف من أَخْبَار الْوُلَاة الَّتِي نسردها الْآن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ولَايَة عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ وفتحه برقة وطرابلس

لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَفتح عَمْرو بن الْعَاصِ مصر والإسكندرية وَفرغ مِنْهَا سَار فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة إِلَى برقة وَكَانَت تسمى فِي الْقَدِيم إنطابلس فَصَالحه أَهلهَا على الْجِزْيَة ثمَّ سَار بعْدهَا إِلَى طرابلس فحاصرها شهرا وَكَانَت مكشوفة السُّور من جَانب الْبَحْر وسفن الرّوم فِي مرْسَاها فحسر المَاء فِي بعض الْأَيَّام وانكشف أمرهَا لبَعض الْمُسلمين المحاصرين لَهَا فاقتحموا الْبَلَد فِيمَا بَين الْبَحْر والبيوت فَلم يكن للروم ملْجأ إِلَّا سفنهم وارتفع الصياح فَأقبل عَمْرو بعساكره فَدخل الْمَدِينَة وَلم يفلت الرّوم إِلَّا بِمَا خف فِي المراكب ثمَّ عطف عَمْرو رَضِي الله عَنهُ على مَدِينَة صبرَة وَكَانُوا قد أمنُوا بمنعة طرابلس واشتغال الْمُسلمين بحصارها فصبحهم فِي جَيش الْمُسلمين واقتحمها عَلَيْهِم عنْوَة وكمل الْفَتْح وَرجع عَمْرو إِلَى برقة فَصَالحه أَهلهَا على ثَلَاثَة عشر ألف دِينَار جِزْيَة وَكَانَ أَكثر أهل برقة لواته وهم بَنو لوي الْأَكْبَر وَأكْثر أهل طرابلس وصبرة نفوسة وكلتا القبيلتين من البتر
وَلما فرغ عَمْرو رَضِي الله عَنهُ من أَمر طرابلس وَمَا مَعهَا اسْتَأْذن عمر بن
(1/129)

الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي التَّقَدُّم إِلَى إفريقية فَمَنعه وَقَالَ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فامتثل وَعَاد إِلَى مصر فَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ أول أَمِير للْمُسلمين وطِئت خيله أَرض الْمغرب لكنه لم يصل إِلَى إفريقية وَلَا كَانَ من البرابر إِسْلَام غير أَن صَاحب كتاب الجمان نقل أَنه لما كَانَت خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ واستفتحت مَدِينَة مصر وَكَانَ عَلَيْهَا عَمْرو بن الْعَاصِ قدم عَلَيْهِ سِتَّة نفر من البربر مُحَلِّقِينَ الرؤوس واللحى فَقَالَ لَهُم عَمْرو من أَنْتُم وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم قَالُوا رغبنا فِي الْإِسْلَام فَجِئْنَا لَهُ لِأَن جدودنا قد أوصونا بذلك فوجههم عَمْرو إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ وَكتب إِلَيْهِ بخبرهم فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ وهم لَا يعْرفُونَ لِسَان الْعَرَب كَلمهمْ الترجمان على لِسَان عمر فَقَالَ لَهُم من أَنْتُم قَالُوا نَحن بَنو مازيغ فَقَالَ عمر لجلسائه هَل سَمِعْتُمْ قطّ بهؤلاء فَقَالَ شيخ من قُرَيْش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ البربر من ذُرِّيَّة بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضبا لِأَبِيهِ وَإِخْوَته فَقَالُوا بر بر أَي أَخذ الْبَريَّة فَقَالَ لَهُم عمر رَضِي الله عَنهُ مَا علامتكم فِي بِلَادكُمْ قَالُوا نكرم الْخَيل ونهين النِّسَاء فَقَالَ لَهُم عمر ألكم مَدَائِن قَالُوا لَا قَالَ ألكم أَعْلَام تهتدون بهَا قَالُوا لَا قَالَ عمر وَالله لقد كنت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض مغازيه فَنَظَرت إِلَى قلَّة الْجَيْش وبكيت فَقَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا عمر لَا تحزن فَإِن الله سيعز هَذَا الدّين بِقوم من الْمغرب لَيْسَ لَهُم مَدَائِن وَلَا حصون وَلَا أسواق وَلَا عَلَامَات يَهْتَدُونَ بهَا فِي الطّرق) ثمَّ قَالَ عمر فَالْحَمْد لله الَّذِي من عَليّ برؤيتهم ثمَّ أكْرمهم ووصلهم وَقَدَّمَهُمْ على من سواهُم من الجيوش القادمة عَلَيْهِ وَكتب إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ أَن يجعلهم على مُقَدّمَة الْمُسلمين وَكَانُوا من أفخاذ شَتَّى اه وَالله أعلم
(1/130)

44
- ولَايَة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وفتحه إفريقية

لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ عزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أَخَاهُ من الرضَاعَة وَأمره بغزو إفريقية سنة خمس وَعشْرين من الْهِجْرَة وَقَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد قيس على جند وَعبد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى إفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن عبد الله بن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَابْن الزبير وَقيل لحقهم مدَدا وَسَارُوا مَعَ عبد الله بن سعد سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا الرّوم عِنْدهَا ثمَّ تجاوزوها إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير الفرنجي يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ لما أَبْطَأت عَلَيْهِ أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت ذَلِك فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل لَهُ إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على
(1/131)

بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ أَشَارَ ابْن الزبير على ابْن أبي سرح أَن يتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وَيُقَاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فيركبهم بالآخرين على غرَّة قَالَ لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وحيزت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة فَفَتحهَا وخربها وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصة فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار
وَأرْسل ابْن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى الْمَدِينَة فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار وَبَعض النَّاس يَقُول أعطَاهُ إِيَّاه عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَلَا يَصح وَإِنَّمَا أعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى وانحاز الفرنجة وَمن مَعَهم من الرّوم بعد الْهَزِيمَة وَالْفَتْح إِلَى حصون إفريقية وانساح الْمُسلمُونَ فِي البسائط بالغارات وَوَقع بَينهم وَبَين أهل الضواحي من البربر زحوف وَقتل وَسبي حَتَّى لقد أَسرُّوا يَوْمئِذٍ من مُلُوك البربر صولات بن وزمار الزناتي ثمَّ المغراوي جد بني خزر مُلُوك تلمسان فَرَفَعُوهُ إِلَى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فَأسلم على يَده فَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وعهد لَهُ على قومه وَيُقَال إِنَّمَا وَصله وافدا فَأكْرم وفادته وَالله أعلم
ثمَّ رغب الفرنج والبربر فِي السّلم وسألوا الصُّلْح وشرطوا لِابْنِ أبي سرح ثَلَاثمِائَة قِنْطَار من الذَّهَب على أَن يرحل عَنْهُم بالعرب وَيخرج من بِلَادهمْ فَفعل وَرجع الْمُسلمُونَ إِلَى الْمشرق بعد مقامهم بإفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَلما بلغ هِرقل ملك الرّوم أَن أهل إفريقية صَالحُوا الْمُسلمين بذلك المَال
(1/132)

الَّذِي أَعْطوهُ غضب عَلَيْهِم وَبعث بطريقا يَأْخُذ مِنْهُم مثل ذَلِك فَنزل قرطاجنة وَأخْبرهمْ بِمَا جَاءَ لَهُ فَأَبَوا وَقَالُوا قد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يسعدنا فِيمَا نزل بِنَا فَقَاتلهُمْ البطريق وَهَزَمَهُمْ وطرد الْملك الَّذِي ولوه عَلَيْهِم بعد جرجير فلحق بِالشَّام وَقد اجْتمع النَّاس على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِي الله عَنهُ فاستجاشه على إفريقية فَبعث مَعَه مُعَاوِيَة بن حديج السكونِي على مَا نذكرهُ
ولَايَة مُعَاوِيَة بن حديج على الْمغرب

هُوَ مُعَاوِيَة بن حديج بِالْحَاء الْمُهْملَة مُصَغرًا الْكِنْدِيّ ثمَّ السكونِي لَهُ صُحْبَة وَمِمَّنْ شهد مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ فتح مصر وَقدم بِخَبَر الْفَتْح على عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَلما قدم علج إفريقية على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِي الله عَنهُ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من صَاحب قَيْصر بعث مَعَه مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِي الله عَنهُ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من صَاحب قَيْصر بعث مَعَه مُعَاوِيَة بن حديج هَذَا فِي عَسْكَر ضخم سنة خمس وَأَرْبَعين فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة هلك العلج وَمضى مُعَاوِيَة فَقدم إفريقية فِي عشرَة آلَاف فَنزل قمونية فسرح إِلَيْهِ البطريق ثَلَاثِينَ ألف مقَاتل كَانَ قَيْصر قد وَجههَا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي الْبَحْر لمدافعة الْعَرَب عَن إفريقية فَلَنْ تغن شَيْئا وَقَاتلهمْ مُعَاوِيَة فَهَزَمَهُمْ عِنْد حصن الأجم ثمَّ بَث السَّرَايَا ودوخ الْبِلَاد فَبعث عبد الله بن الزبير إِلَى سوسة فافتتحها ثمَّ بعث عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى جَلُولَاء فافتتحها كَذَلِك وَقَالَ ابْن خلدون إِن مُعَاوِيَة حاصر حصن جَلُولَاء فَامْتنعَ عَلَيْهِ حَتَّى سقط ذَات يَوْم سوره فملكه الْمُسلمُونَ وغنموا مَا فِيهِ
(1/133)

ثمَّ وَجه جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى صقلية فِي مِائَتي مركب فأثخنوا فِيهَا ثمَّ فتح بنزرت وَظهر الْإِسْلَام فِي البربر ثمَّ عَاد إِلَى مصر بعد أَن خلد آثارا حسية وَبنى بِمحل القيروان آبارا ثمَّ عَزله مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان عَن إفريقية وَأقرهُ على مصر فَقَط ثمَّ عَزله عَنْهَا فِي خبر لَيْسَ ذكره من غرضنا
ولَايَة عقبَة بن نَافِع الفِهري على الْمغرب وبناؤه مَدِينَة القيروان

هُوَ عقبَة بن نَافِع بن عبد الْقَيْس الْقرشِي الفِهري صَحَابِيّ بالمولد وَهُوَ آخر من ولي الْمغرب من الصَّحَابَة وَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ أَمِير على مصر قد اسْتعْمل عقبَة هَذَا وَهُوَ ابْن خَالَته على إفريقية فَانْتهى إِلَى لواتة ومزاتة فأطاعوا ثمَّ كفرُوا فغزاهم وَقتل وسبى ثمَّ افْتتح سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين غدامس من تخوم السودَان وَفِي السّنة بعْدهَا افْتتح ودان وكورا من كور السودَان وأثخن فِي تِلْكَ النواحي وَكَانَ لَهُ فِيهَا جِهَاد وفتوح فَظهر غناؤه وَعرفت نجدته وكفايته فَلَمَّا كَانَت سنة خمسين ولاه مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ على إفريقية اسْتِقْلَالا وَبعث مَعَه عشرَة آلَاف فَارس فَدخل عقبَة إفريقية بعد رُجُوع مُعَاوِيَة بن حديج عَنْهَا وانضاف إِلَيْهِ مسلمة البربر فَكثر جمعه وَوضع السَّيْف فِي أَهلهَا لأَنهم كَانُوا إِذا جَاءَت عَسَاكِر الْمُسلمين أَسْلمُوا فَإِذا رجعُوا عَنْهَا ارْتَدُّوا ثمَّ رأى عقبَة رَحمَه الله أَن يتَّخذ مَدِينَة يعتصم بهَا جَيش الْمُسلمين من البربر وتقام بهَا الْجَمِيع والأعياد فَاسْتَشَارَ من مَعَه فَقَالُوا نَحن أَصْحَاب إبل وَلَا حَاجَة لنا بمجاورة الْبَحْر فتسطو علينا الفرنج فَانْظُر لنا ينظر الله
قَالَ صَاحب الجمان وَكَانَت بقْعَة القيروان غيضة لَا يأوى إِلَيْهَا إِلَّا الوحوش وَالسِّبَاع فصاح بهَا عقبَة أَن اخْرُجِي أيتها الوحوش والهوام بِإِذن الله عز وَجل فَبَقيت أَرض القيروان أَرْبَعِينَ سنة لَا يرى فِيهَا شَيْء من الْهَوَام
(1/134)

المؤذية وَلَا السبَاع العادية ثمَّ شرع فِي بنائها وَقَالَ هَذِه أوسع لأبلكم وآمن عَلَيْكُم من روم الْقُسْطَنْطِينِيَّة وإفرنج الجزيرة وَعَن اللَّيْث بن سعد أَن عقبَة رَحمَه الله غزا إفريقية فَأتى وَادي القيروان فَبَاتَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه حَتَّى إِذا أصبح وقف على رَأس الْوَادي فَقَالَ يَا أهل الْوَادي أظعنوا فَإنَّا نازلون قَالَ ذَلِك ثَلَاثًا فَجعلت الْحَيَّات تنساب والعقارب وَغَيرهَا مِمَّا لَا يعرف من الدَّوَابّ تخرج ذَاهِبَة وهم قيام ينظرُونَ إِلَيْهَا من حِين أَصْبحُوا حَتَّى أوهجتهم الشَّمْس وَحَتَّى لم يرَوا مِنْهَا شَيْئا فنزلوا الْوَادي عِنْد ذَلِك قَالَ اللَّيْث فَحَدثني زِيَاد بن عجلَان أَن أهل إفريقية اقاموا بعد ذَلِك أَرْبَعِينَ سنة وَلَو التمست حَيَّة أَو عقرب بِأَلف دِينَار مَا وجدت اه
وَفِي الجمان لما شرع عقبَة رَحمَه الله فِي بِنَاء جَامعهَا تنازعوا فِي الْقبْلَة فَأتى عقبَة آتٍ فِي النّوم فَوضع لَهُ عَلامَة على سمت الْقبْلَة فَلم انتبه أعلم النَّاس بذلك فَأتوا إِلَى الْموضع فوجدوا الْعَلامَة كَمَا قَالَ فَوقف عقبَة ينظر إِلَى الْقبْلَة فَسمع تَكْبِيرَة فِي الجو من نَاحيَة الْقبْلَة فَنظر فَرَأى الْكَعْبَة عيَانًا وَرَآهَا كل من كَانَ حوله وَقَالَ ابْن خلدون اختط عقبَة رَضِي الله عَنهُ القيروان وَبنى بهَا الْمَسْجِد الْجَامِع وَبنى النَّاس مساكنهم ومساجدهم وَكَانَ دورها ثَلَاثَة آلَاف بَاعَ وسِتمِائَة بَاعَ وكملت فِي خمس سِنِين وَكَانَ يَغْزُو وَيبْعَث السَّرَايَا للإغارة والنهب وَدخل أَكثر البربر فِي الْإِسْلَام واتسعت خطة الْمُسلمين ورسخ الدّين اه
وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة النقية اختط عقبَة بن نَافِع القيروان سنة خمسين وَجعل دور سورها اثْنَي عشر ميلًا وَبنى بهَا الْجَامِع الْأَعْظَم وَقَاتل البربر وشردهم ثمَّ عَزله مُعَاوِيَة عَنْهَا وَالله أعلم
(1/135)

ولَايَة أبي المُهَاجر دِينَار وفتحه الْمغرب الْأَوْسَط

كَانَ مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ قد ولى على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد بِوَزْن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ فَاسْتعْمل مسلمة على إفريقية مَوْلَاهُ أَبَا المُهَاجر الْمَذْكُور وَيُقَال مولى بني مَخْزُوم فَقَدمهَا سنة خمس وَخمسين وأساء عزل عقبَة واستخف بِهِ لشَيْء كَانَ بَينهمَا وَكره نزُول القيروان فَبنى مَدِينَة قربهَا وأخلى قيروان عقبَة فَدَعَا عقبَة الله تَعَالَى أَن يُمكنهُ مِنْهُ وَكَانَ رجلا صَالحا مجاب الدعْوَة فاستجيب لَهُ فِيهِ على مَا نذكرهُ ثمَّ إِن أَبَا المُهَاجر بعث حَنش بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ صنعاء الشَّام إِلَى جَزِيرَة شريك وَهِي الْمَعْرُوفَة الْآن بالجزيرة الْقبلية وإليها يسْلك من بَاب الجزيرة أحد أَبْوَاب تونس فافتتحها
وَكَانَ كسيلة بن أغز البرنسي ثمَّ الأوربي من أهل الْمغرب الْأَقْصَى من عُظَمَاء البربر وَكَانَ نَصْرَانِيّا قد جمع الجموع من البربر والفرنج وزحف إِلَى الْمُسلمين فزحف إِلَيْهِم ابو المُهَاجر فَهَزَمَهُمْ حول تلمسان وَتمكن من الْبِلَاد وظفر بكسيلة فأظهر الْإِسْلَام فاستبقاه أَبُو المُهَاجر واستخلصه قَالَ ابْن خلدون لم أَقف لتلمسان على خبر أقدم من خبر ابْن الرَّقِيق من أَن أَبَا المُهَاجر لما قدم إفريقية توغل فِي ديار الْمغرب وَوصل إِلَى تلمسان وَبِه سميت الْعُيُون الْقَرِيبَة مِنْهَا عُيُون أبي المُهَاجر اه فَهُوَ أول أَمِير الْمُسلمين وطِئت خيله الْمغرب الْأَوْسَط
ثمَّ إِن عقبَة بن نَافِع لما قفل إِلَى الْمشرق شكا إِلَى مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ
(1/136)

مَا ناله من أبي المُهَاجر فَاعْتَذر إِلَيْهِ ووعده برده إِلَى عمله ثمَّ ولاه ابْنه يزِيد على الْمغرب سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ
وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن عقبَة ولي الْمغرب سنة سِتّ وَأَرْبَعين فاختط القيروان ثمَّ عَزله يزِيد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بِأبي المُهَاجر فَحِينَئِذٍ قبض على عقبَة وضيق عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ يزِيد يَأْمُرهُ ببعثه فَبَعثه إِلَيْهِ ثمَّ أَعَادَهُ واليا على إفريقية وَالله أعلم
ولَايَة عقبَة بن نَافِع الثَّانِيَة وفتحه الْمغرب الْأَقْصَى ومقتله

لما توفّي مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِي الله عَنهُ وَولي بعده ابْنه يزِيد بعث عقبَة بن نَافِع واليا على الْمغرب فقدمه فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم واعتقل ابا المُهَاجر وَخرب مدينته وَعمر القيروان وعزم على الْجِهَاد فاستخلف زُهَيْر بن قيس البلوي على القيروان وَيُقَال ولاه على مُقَدّمَة جَيْشه وَخرج فِي جَيش كثيف فَفتح حصن لميس ومدينة باغانة المطل عَلَيْهَا جبل أوراس وَفتح بِلَاد الجريد فتحا ثَانِيًا وَصَالح أهل فزان وَسَار إِلَى الزاب وتاهرت فشتت جموع البربر وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من الفرنج ثمَّ تقدم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فأثخن فِي أَهله إِلَى إِن وصل إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط فَكَانَ عقبَة رَحمَه الله أول أَمِير الْمُسلمين وطِئت خيله الْمغرب الْأَقْصَى
وَقَالَ ابْن خلدون قدم عقبَة بن نَافِع الْمغرب فِي ولَايَته الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فاضطغن على كسيلة صحبته لأبي المُهَاجر ونكبه وَتقدم أَبُو المُهَاجر إِلَى عقبَة فِي اصطناعه فَلم يقبل ثمَّ زحف إِلَى الْمغرب وعَلى مقدمته زُهَيْر بن قيس البلوي فدوخه وَلَقي مُلُوك البربر وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من الفرنجة بالزاب وتاهرت فَهَزَمَهُمْ واستباحهم وأذعن لَهُ يليان أَمِير غمارة ولاطفه وهاداه ودله على عورات البربر وَرَاءه بِمَدِينَة وليلى وبلاد المصامدة والسوس
(1/137)

وَقَالَ صَاحب الجمان افْتتح عقبَة الْمغرب وَنزل على طنجة فحاصرها واستنزل ملكهَا يليان الغماري وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَنزل على حكمه بعد أَن أعطَاهُ أَمْوَالًا جليلة ثمَّ أَرَادَ عقبَة اللحاق بالجزيرة الخضراء من عدوة الأندلس فَقَالَ لَهُ يليان أتترك كفار البربر خَلفك وَتَرْمِي بِنَفْسِك فِي بحبوحة الْهَلَاك مَعَ الفرنج وَيقطع الْبَحْر بَيْنك وَبَين المدد فَقَالَ عقبَة وَأَيْنَ كفار البربر قَالَ بِبِلَاد السوس وهم أهل نجدة وبأس قَالَ عقبَة وَمَا دينهم قَالَ لَيْسَ لَهُم دين وَلَا يعْرفُونَ إِن الله حق وَإِنَّمَا هم كَالْبَهَائِمِ وَكَانُوا على دين الْمَجُوسِيَّة يَوْمئِذٍ فَتوجه عقبَة نحوهم فَنزل على مَدِينَة وليلى بِإِزَاءِ جبل زرهون وَهِي يَوْمئِذٍ من أكبر مدن الْمغرب فِيمَا بَين النهرين العظيمين سبو وورغة وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْمُسَمَّاة الْيَوْم فِي لِسَان الْعَامَّة بقصر فِرْعَوْن فافتتحها عقبَة وغنم وسبى ثمَّ توجه إِلَى بِلَاد درعة والسوس فلقتيه جموع البربر فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ انْهَزَمت البربر بعد حروب صعبة وقتلهم الْمُسلمُونَ قتلا ذريعا وتبعوا آثَارهم إِلَى صحراء لمتونة لَا يلقاهم أحد إِلَّا هزموه
ثمَّ عطف عقبَة على سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط الغربي فَانْتهى إِلَى بِلَاد آسفي وَأدْخل قَوَائِم فرسه فِي الْبَحْر ووقف سَاعَة ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه ارْفَعُوا أَيْدِيكُم فَفَعَلُوا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لم أخرج بطرا وَلَا أشرا وَإنَّك لتعلم إِنَّمَا نطلب السَّبَب الَّذِي طلبه عَبدك ذُو القرنين وَهُوَ أَن تعبد وَلَا يُشْرك بك شَيْء اللَّهُمَّ إِنَّا معاندون لدين الْكفْر ومدافعون عَن دين الْإِسْلَام فَكُن لنا وَلَا تكن علينا يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام ثمَّ انْصَرف رَاجعا
وَقَالَ ابْن خلدون أَيْضا وصل عقبَة إِلَى جبال درن وَقَاتل المصامدة بهَا فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حروب وحاصروه بجبل درن فَنَهَضت إِلَيْهِم جموع زناتة وَكَانُوا خَالِصَة للْمُسلمين مُنْذُ إِسْلَام مغراوة فأفرجت المصامدة عَن عقبَة وأثخن فيهم حَتَّى حملهمْ على طَاعَة الْإِسْلَام ودوخ بِلَادهمْ ثمَّ أجَاز إِلَى بِلَاد السوس لقِتَال من بهَا من صنهاجة أهل اللثام وهم يَوْمئِذٍ على دين
(1/138)

الْمَجُوسِيَّة وَلم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم وانْتهى إِلَى تارودانت وَهزمَ جموع البربر وَقَاتل مسوقة من وَرَاء السوس ودوخهم وقفل رَاجعا
وَكَانَ كسيلة الأوربي فِي جَيش عقبَة قد استصحبه فِي غَزَوَاته هَذِه وَكَانَ يستهين بِهِ ويمتهنه فَأمره يَوْمًا بسلخ شَاة بَين يَدَيْهِ فَدَفعهَا كسيلة إِلَى غلمانه فأراده عقبَة على أَن يتولاها بِنَفسِهِ وانتهره فَقَامَ إِلَيْهَا كسيلة مغضبا وَجعل كلما دس يَده فِي الشَّاة مسح بلحيته وَالْعرب يَقُولُونَ مَا هَذَا يَا بربري فَيَقُول هُوَ أجِير فَيَقُول لَهُم شيخ مِنْهُم إِن الْبَرْبَرِي يتوعدكم وَبلغ ذَاك أَبَا المُهَاجر وَهُوَ معتقل عِنْد عقبَة فَبعث إِلَيْهِ ينهاه وَيَقُول كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَأْنف جبابرة الْعَرَب وَأَنت تعمد إِلَى رجل جَبَّار فِي قومه وبدار عزه حَدِيث عهد بالشرك فستفسده وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يتوثق مِنْهُ وخوفه غائلته فتهاون عقبَة بقوله فَلَمَّا قفل من غزاته هَذِه وانْتهى إِلَى طبنة من أَرض الزاب وكسيلة أثْنَاء هَذَا كُله فِي صحبته صرف العساكر إِلَى القيروان أَفْوَاجًا ثِقَة بِمَا دوخ من الْبِلَاد وأذل من البربر حَتَّى بَقِي فِي قَلِيل من الْجند فَلَمَّا وصل إل تهودة وَأَرَادَ أَن ينزل بهَا الحامية نظر إِلَيْهِ الفرنجة وطمعوا فِيهِ فراسلوا كسيلة ودلوه على الفرصة فِيهِ فانتهزوها وراسل بني عَمه وَمن تَبِعَهُمْ من البربر فاتبعوا أثر عقبَة وَأَصْحَابه حَتَّى إِذا غشوهم بتهودة ترجل الْقَوْم وكسروا أجفان سيوفهم وَنزل الصَّبْر واستلحم عقبَة وَأَصْحَابه فَلم يفلت مِنْهُم أحد وَكَانُوا زهاء ثَلَاثمِائَة من كبار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اسْتشْهدُوا فِي مسرع وَاحِد وَفِيهِمْ أَبُو المُهَاجر كَانَ عقبَة قد استصحبه فِي اعتقاله كَمَا قُلْنَا فأبلى رَضِي الله عَنهُ فِي ذَلِك الْيَوْم الْبلَاء الْحسن
قَالَ ابْن خلدون واجداث الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أُولَئِكَ الشُّهَدَاء أَعنِي عقبَة وَأَصْحَابه بمكانهم من أَرض الزاب لهَذَا الْعَهْد وَقد جعل على قُبُورهم أسنمة ثمَّ جصصت وَاتخذ على الْمَكَان مَسْجِد عرف باسم عقبَة وَهُوَ فِي عداد المزارات ومظان البركات بل هُوَ أشرف مزور من الأجداث فِي بقاع الأَرْض لما توفر فيهه من عدد الشُّهَدَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين لَا
(1/139)

يبلغ أحد مد أحدهم وَلَا نصيفه
وَأسر من الصَّحَابَة يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن أَوْس الْأنْصَارِيّ وَيزِيد بن خلف الْعَبْسِي وَنَفر مَعَهُمَا ففداهم ابْن مصاد صَاحب قفصة وَبعث بهم إِلَى القيروان
ثمَّ زحف كسيلة بعد الْوَقْعَة إِلَى جِهَة القيروان إِذْ هِيَ دَار الْإِمَارَة بالمغرب يَوْمئِذٍ وَبهَا جُمْهُور الْعَرَب ووجوده الْإِسْلَام فَبَلغهُمْ الْخَبَر وَعظم عَلَيْهِم الْأَمر فَقَامَ زهر بن قيس البلوي فيهم خَطِيبًا وَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين إِن أصحابكم قد دخلُوا الْجنَّة فاسلكوا سبيلهم أَو يفتح الله عَلَيْكُم فَخَالف حَنش بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ لما علم أَنه لَا طَاقَة للْمُسلمين بِمَا دهمهم من أَمر البربر وَرَأى أَن النجَاة بِمن مَعَه من الْمُسلمين أولى ونادى فِي النَّاس بالرحيل إِلَى مشرقهم فَاتَّبعُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَبَقِي زُهَيْر فِي أهل بَيته فاضطر إِلَى الْخُرُوج وَسَار إِلَى برقة فَأَقَامَ بهَا مطلا على الْمغرب ومنتظرا للمدد من الْخُلَفَاء
وَاجْتمعَ إِلَى كسيلة جَمِيع أهل الْمغرب من البربر والفرنجة وَعظم أمره وَتقدم إِلَى القيروان فاستولى عَلَيْهَا فِي الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وفر مِنْهَا بَقِيَّة الْعَرَب فَلَحقُوا بزهير وَلم يقم بهَا إِلَّا أَصْحَاب الذَّرَارِي والأثقال فَأَمنَهُمْ كسيلة وَثبتت قدمه بالقيروان وَاسْتمرّ أَمِيرا على البربر وَمن بَقِي بهَا من الْعَرَب خمس سِنِين
وقارن ذَلِك مهلك يزِيد بن مُعَاوِيَة وفتنة الضَّحَّاك بن قيس مَعَ مَرْوَان ابْن الحكم بمرج راهط من أَرض الشَّام وحروب آل الزبير فاضطرب أَمر الْخلَافَة بالمشرق واضطرم الْمغرب نَارا وفشت الرِّدَّة فِي زناتة والبرانس إِلَى أَن اسْتَقل عبد الْملك بن مَرْوَان بالخلافة وأذهب آثَار الْفِتْنَة من الْمشرق فَالْتَفت إِلَى الْمغرب وتلافى أمره على مَا نذكرهُ
(1/140)

ذكر من دخل الْمغرب من الصَّحَابَة مرتبَة أَسمَاؤُهُم على حُرُوف المعجم

فَمنهمْ بِلَال بن حَارِث بن عَاصِم الْمُزنِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن من أهل الْمَدِينَة أقطعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العقيق وَكَانَ صَاحب لِوَاء مزينة يَوْم الْفَتْح ذكره صَاحب الْخُلَاصَة النقية فِيمَن دخل الْمغرب
وَمِنْهُم جرهد بن خويلد الْأَسدي أَو الْأَسْلَمِيّ ذكر صَاحب الْإِشْرَاق أَنه من جملَة من دخل إفريقية من أَرض الْمغرب
وَمِنْهُم جبلة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن أسيرة الْأنْصَارِيّ أَخُو أبي مَسْعُود البدري قَالَ فِي التَّجْرِيد شهد أحدا وَشهد فتح مصر وصفين مَعَ عَليّ وغزا إفريقية مَعَ مُعَاوِيَة بن حديج سنة خمسين وَكَانَ فَاضلا من فُقَهَاء الصَّحَابَة روى ابْن مَنْدَه وَمُحَمّد بن الرّبيع من طَرِيق مَالك بن أبي عمرَان عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَنه سُئِلَ عَن النَّفْل فِي الْغَزْو فَقَالَ لم أر أحدا يُعْطِيهِ غير أَن ابْن حديج نفلنا من إفريقية الثُّلُث بعد الْخمس ومعنا من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين نَاس كثير فَأبى جبلة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا
وَمِنْهُم الحسنان رَضِي الله عَنْهُمَا على مَا ذكره ابْن خلدون وهما سيدا شباب أهل الْجنَّة وريحانتا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشهر من أَن يعرف بهما
وَمِنْهُم الْحَارِث بن حبيب بن خُزَيْمَة الْقرشِي العامري ذكره خَليفَة بن خياط فِيمَن نزل مصر من الصَّحَابَة قَالَ وَقتل بإفريقية مَعَ معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب
وَمِنْهُم حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ ذكره فِي الْإِشْرَاق
وَمِنْهُم حبَان بِالْكَسْرِ وموحده ابْن أبي جبلة قَالَ فِي الْإِصَابَة لَهُ إِدْرَاك قَالَ ابْن يُونُس بَعثه عمر بن الْخطاب إِلَى أهل مصر يفقههم وَذكره
(1/141)

ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين وَقَالَ غَيره مَاتَ بإفريقية
وَمِنْهُم خَالِد بن ثَابت الْعجْلَاني الفهمي قَالَ ابْن يُونُس شهد فتح مصر وَولي بَحر مصر سنة إِحْدَى وَخمسين وأغزاه مسلمة بن مخلد إفريقية سنة أَربع وَخمسين قَالَ فِي الْإِصَابَة ذكرته اعْتِمَادًا على أَنهم كَانُوا لَا يؤمرون فِي الْفتُوح إِلَّا الصَّحَابَة
وَمِنْهُم ربيعَة بن عباد الديلِي ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر من الصَّحَابَة لغزو الْمغرب قَالَ مَالك وَأَبوهُ بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة على الصَّوَاب وَيُقَال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد ذكر خَليفَة وَابْن سعد أَنه مَاتَ فِي خلَافَة الْوَلِيد
وَمِنْهُم رويفع بن ثَابت بن السكن الْأنْصَارِيّ ثمَّ النجاري ولاه مُعَاوِيَة على طرابلس سنة سِتّ وَأَرْبَعين فغزا إفريقية قَالَ ابْن يُونُس توفّي ببرقة وَهُوَ أَمِير عَلَيْهَا من قبل مسلمة بن مخلد سنة سِتّ وَخمسين
وَمِنْهُم زُهَيْر بن قيس البلوي أَبُو شَدَّاد الْآتِي ذكره بعد قَالَ ابْن يُونُس يُقَال لَهُ صُحْبَة
وَمِنْهُم سُفْيَان بن وهب الْخَولَانِيّ أَبُو أَيمن لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة شهد حجَّة الْوَدَاع وَفتح مصر وإفريقية وَسكن الْمغرب مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين
وَمِنْهُم سلكان بن مَالك قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم سَلمَة بن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر من الصَّحَابَة لغزو الْمغرب مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سبع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة وَكَانَ شجاعا راميا سَابِقًا يسْبق الْفرس شدا على قَدَمَيْهِ
وَمِنْهُم العبادلة الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم
فَمنهمْ عبد الله بن عَبَّاس ترجمان الْقُرْآن أشهر من أَن يعرف بِهِ وَهُوَ الَّذِي قسم غَنَائِم إفريقية يَوْم الْفَتْح
(1/142)

وَمِنْهُم عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا من أَعْلَام الصَّحَابَة وعبادهم وزهادهم والمتمسكين بِالسنةِ مِنْهُم رَضِي الله عَنهُ
وَمِنْهُم عبد الله بن الزبير بن الْعَوام الشجاع الْمَشْهُور والبطل الْمَذْكُور وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بعد الْهِجْرَة وَهُوَ قَاتل جرجير يَوْم الْفَتْح كَمَا مر
وَمِنْهُم عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب أحد أجواد الدُّنْيَا وأبطالها ذكر ابْن خلدون إِنَّه مِمَّن دخل إفريقية غازيا فَهَؤُلَاءِ العبادلة الْأَرْبَعَة
وَمِنْهُم عبد الله بن سعد بن ابي سرح الْأَمِير الْمَعْرُوف وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهُم عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور أسلم قبل أَبِيه وَهُوَ أَكثر النَّاس حَدِيثا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّوَاب أَن يَجْعَل أحد العبادلة بدل ابْن جَعْفَر وَالله أعلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ مَا كَانَ أحد أَكثر مني حَدِيثا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب عده ابْن نَاجِي فِيمَن دخل الْمغرب مَعَ ابْن أبي سرح
وَمِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقتل بإفريقية
وَمِنْهُم عبيد الله بن عمر بن الْخطاب ذكره فِي الْخُلَاصَة النقية وَكَانَ صحابيا بالمولد قتل يَوْم صفّين مَعَ مُعَاوِيَة
وَمِنْهُم أَخُوهُ عَاصِم بن عمر وصحبته بالمولد ذكره صَاحب الْخُلَاصَة أَيْضا
وَمِنْهُم عبد الله بن نَافِع بن الْحصين وَجهه عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ مَعَ ابْن أبي سرح لشدَّة بطشه وإصابة رَأْيه
وَمِنْهُم عقبَة بن نَافِع الفِهري الْأَمِير الْمَشْهُور فاتح الْمغرب الْأَقْصَى وَهُوَ صَاحب التَّرْجَمَة
(1/143)

وَمِنْهُم عُثْمَان بن عَوْف الْمُزنِيّ على خلاف فِيهِ
وَأما عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ فقد تقدم أَنه انْتهى إِلَى طرابلس وَلم يصل إِلَى إفريقية
وَمِنْهُم مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي ولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَلم تحصل لَهُ رِوَايَة لِأَنَّهُ خرج مَعَ أَبِيه إِلَى الطَّائِف فَأَقَامَ بِهِ ذكره صَاحب الْخُلَاصَة فِيمَن دخل الْمغرب
وَمِنْهُم مَسْعُود بن الْأسود البلوي وَقيل الْعَدوي قَالَ الذَّهَبِيّ بَايع تَحت الشَّجَرَة يعد فِي المصريين وغزا إفريقية
وَمِنْهُم الْمسور بن مخرمَة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ لَهُ ولأبيه صُحْبَة قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع دخل مصر لغزو الْمغرب مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ
وَمِنْهُم الْمسيب بن حزن بن أبي وهب المَخْزُومِي وَالِد سعيد بن الْمسيب لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَرِوَايَة ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم الْمطلب بن أبي ودَاعَة الْقرشِي السَّهْمِي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وهما من مسلمة الْفَتْح قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع دخل مصر لغزو الْمغرب فِيمَا ذكره الْوَاقِدِيّ
وَمِنْهُم مُعَاوِيَة بن حديج السكونِي أحد الْأُمَرَاء وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهُم معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الذَّهَبِيّ ولد على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاسْتشْهدَ بإفريقية شَابًّا فِي زمن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَحكى المؤروخون أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أغزى سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان خُرَاسَان وَمَعَهُ قثم بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَعبر سعيد النَّهر إِلَى سَمَرْقَنْد فاستشهد قثم بهَا وَكَانَ أَخُوهُ الْفضل بن عَبَّاس قد مَاتَ بأجنادين من أَرض الشَّام وَعبد الله الترجمان مَاتَ بِالطَّائِف وَعبيد الله الْأَصْغَر مَاتَ بِالْيمن ومعبد بإفريقية فَقَالَ النَّاس لم ير مثل بني أم وَاحِدَة أبعد قبورا من بني الْعَبَّاس
(1/144)

وَمِنْهُم الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ وَلَيْسَ الْأسود أبه وَإِنَّمَا تبناه الْأسود بعد عبد يَغُوث وَهُوَ صَغِير فَعرف بِهِ وَإِنَّمَا اسْم أَبِيه عَمْرو بن ثَعْلَبَة الْكِنْدِيّ كَانَ الْمِقْدَاد أحد السَّابِقين شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا وَلم يثبت أَن أحدا شهد بَدْرًا فَارِسًا سواهُ غزا إفريقية مَعَ ابْن أبي سرح فَلَمَّا رجعُوا إِلَى مصر قَالَ لَهُ ابْن أبي سرح فِي دَار بناها كَيفَ ترى فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَاد إِن كَانَ من مَال الله فقد أفسدت وَإِن كَانَ من مَالك فقد أسرفت فَقَالَ ابْن أبي سرح لَوْلَا أَن يُقَال أفسدت مرَّتَيْنِ لهدمتها
وَمِنْهُم المنيذر الْأَسْلَمِيّ قَالَ ابْن يُونُس لَهُ صُحْبَة وَكَانَ بإفريقية وَقَالَ عبد الْملك بن حبيب لم يدْخل الأندلس من الصَّحَابَة إِلَّا المنيذر الإفْرِيقِي
وَأما المشتهرون بكنيتهم فَمنهمْ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور واسْمه خويلد بن خَالِد أسلم على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره وَقدم الْمَدِينَة يَوْم وَفَاته فَشهد السَّقِيفَة وبيعة أبي بكر وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَدَفنه قَالَ ابْن كثير توفّي غازيا بإفريقية فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ
قلت وَهلك لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد بِمصْر بالطاعون فَقَالَ قصيدته العينية يرثيهم وَهِي مَشْهُورَة
وَمِنْهُم أَبُو رمثة البلوي قيل اسْمه رِفَاعَة بن يثربي وَقيل بِالْعَكْسِ لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة قَالَ الذَّهَبِيّ سكن بِمصْر وَمَات بإفريقية
وَمِنْهُم أَبُو زَمعَة البلوي قَالَ الذَّهَبِيّ اسْمه عبد وَقيل عبيد بن أَرقم بَايع تَحت الشَّجَرَة وَنزل مصر وغزا إفريقية مَعَ ابْن حديج روى حَدِيث الَّذِي قتل تِسْعَة وَتِسْعين نفسا وَسَأَلَ هَل من تَوْبَة مَاتَ بإفريقية ودفنت مَعَه شَعرَات من شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَسْبَمَا هُوَ مَشْهُور وَهُوَ صَاحب الْمقَام خَارج القيروان
وَمِنْهُم أَبُو ضبيس البلوي قَالَ الذَّهَبِيّ لَهُ صُحْبَة وَقَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم أَبُو المبتذل خلف لَهُ صُحْبَة وَنزل إفريقية وَقيل أَبُو المنيذر كَذَا
(1/145)

فِي التَّجْرِيد وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يحضرنا ذكرهم
أخرج ابْن عبد الحكم عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ غزونا إفريقية مَعَ ابْن حديج ومعنا بشر كثير من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار اه رَضِي الله عَنْهُم ونفعنا بهم وحشرنا فِي زمرتهم آمين
ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو غير ذَلِك

قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ رَحمَه الله فِي شرح الْمُوَطَّأ فِي كتاب الْجِهَاد مِنْهُ اخْتلف النَّاس فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو مختلطة اي الْبَعْض عنْوَة وَالْبَعْض صلحا على ثَلَاثَة اقوال الأول وَهُوَ الَّذِي يظْهر من روايتة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنَّهَا فتحت بِالسَّيْفِ عنْوَة لِأَنَّهُ جعل النّظر فِي معادنها للْإِمَام وَلَو صَحَّ ذَلِك لم يجز لأحد بيع شَيْء مِنْهَا كأرض مصر لِأَنَّهَا فتحت بِالسَّيْفِ الثَّانِي إِنَّهَا فتحت صلحا صَالح أَهلهَا عَلَيْهَا فَإِن كَانَ كَذَلِك جَازَ بيع بَعضهم من بعض الثَّالِث إِنَّهَا مختلطة هرب بَعضهم عَن بعض وتركوها فَمن بَقِي بِيَدِهِ شَيْء كَانَ لَهُ وَهُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم
ويحكى أَن أحد عُمَّال الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس حِين تغلب على أَرض فاس قَالَ لَهُم أخبروني عَن أَرْضكُم أصلح هِيَ أم عنْوَة فَقَالُوا لَهُ لَا جَوَاب لنا حَتَّى يَأْتِي الْفَقِيه يعنون الشَّيْخ أَبَا جَيِّدَة فجَاء الشَّيْخ الْمَذْكُور فَسَأَلَهُ الْعَامِل فَقَالَ لَيست بصلح وَلَا عنْوَة إِنَّمَا أسلم أَهلهَا عَلَيْهَا فَقَالَ خلصكم الرجل وَأَبُو جَيِّدَة هَذَا هُوَ دَفِين بَاب بني مُسَافر أحد أَبْوَاب فاس المحروسة رَحمَه الله
(1/146)

ولَايَة زُهَيْر بن قيس البلوي على الْمغرب ومقتل كسيلة وَمَا يتبع ذَلِك

لما اسْتَقل عبد الْملك بن مَرْوَان بالخلافة كَانَ زُهَيْر مُقيما ببرقة مُنْذُ مهلك عقبَة بن نَافِع كَمَا مر فَبعث إِلَيْهِ عبد الْملك بالمدد وولاه حَرْب البربر وَأمره بإستنقاذ القيروان وَمن بهَا من الْمُسلمين من يَد كسيلة المتغلب عَلَيْهَا وحضه على الطّلب بِدَم عقبَة فَرَاجعه زُهَيْر يُعلمهُ بِكَثْرَة الفرنج والبربر فأمده بِالْمَالِ ووجوه الْعَرَب وفرسانها فزحف زُهَيْر إِلَى الْمغرب سنة تسع وَسِتِّينَ فِي آلَاف من الْمُقَاتلَة وَجمع لَهُ كسيلة البرانس وَسَائِر البربر ولقيه بممس من نواحي القيروان وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انْهَزَمت البربر بعد حروب صعبة وَقتل كسيلة ووجوه من مَعَه من البربر وَمن لَا يُحْصى من عامتهم واتبعهم الْعَرَب إِلَى مرماجنة ثمَّ إِلَى وَادي ملوية وَفِي هَذِه الْوَقْعَة ذل البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضدت شوكتهم واضمحل أَمر الفرنجة فَلم يعد وَخَافَ البربر من زُهَيْر وَالْعرب خوفًا شَدِيدا فلجؤوا إِلَى القلاع والحصون وَكسرت شَوْكَة أوربة من بَينهم وَاسْتقر جمهورهم بديار الْمغرب الْأَقْصَى وملكوا مَدِينَة وليلى وَكَانَت فِيمَا بَين مَوضِع فاس ومكناسة بِجَانِب جبل زرهون وَلم يكن لَهُم بعد هَذِه الْوَقْعَة ذكر إِلَى أَن قدم عَلَيْهِم إِدْرِيس بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ فَقَامُوا بدعوته على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَأما زُهَيْر فَإِنَّهُ لما رأى مَا منحه الله من الظفر والنصر وسَاق إِلَيْهِ من الْعِزّ وَالْملك خشِي على نَفسه الْفِتْنَة وَكَانَ من الْعباد المخبتين فَترك القيروان آمن مَا كَانَت وارتحل إِلَى الْمشرق وَقَالَ إِنَّمَا جِئْت للْجِهَاد فِي سَبِيل الله وأخاف على نَفسِي أَن تميل إِلَى الدُّنْيَا فَلَمَّا وصل إِلَى برقة وجد
(1/147)

أسطول الرّوم على قتالها فِي جموع عَظِيمَة من قبل قَيْصر وبأيديهم أسرى من الْمُسلمين فاستغاثوا بِهِ وَهُوَ فِي خف من أَصْحَابه فصمد إِلَيْهِم فِيمَن مَعَه وَقَاتل الرّوم حَتَّى قتل وَقتل مَعَه جمَاعَة من أَشْرَاف أَصْحَابه وَنَجَا الْبَاقُونَ إِلَى دمشق فَأخْبرُوا الْخَلِيفَة عبدا لملك بِمَا وَقع فآسفه ذَلِك
ولَايَة حسان بن النُّعْمَان على الْمغرب وتخريبه قرطاجنة

لما رَحل زُهَيْر بن قيس إِلَى الْمشرق وَاسْتشْهدَ ببرقة كَمَا قدمنَا واضطرمت بِلَاد الْمغرب بعده واضطربت نَار الْفِتَن وافترق أَمر البربر وتعدد سلطانهم فِي رُؤَسَائِهِمْ وَكَانَ من أعظمهم هم شَوْكَة يَوْمئِذٍ الكاهنة داهيا الزناتية ثمَّ الجراوية صَاحِبَة جبل أوراس وكبيرة قَومهَا جراوة والبتر فَبعث عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى عَامله على مصر حسان بن النُّعْمَان الغساني وَكَانَ يُقَال لَهُ الشَّيْخ الْأمين يَأْمُرهُ أَن يخرج إِلَى جِهَاد البربر وَبعث إِلَيْهِ بالمدد فزحف إِلَيْهِم سنة تسع وَسِتِّينَ فِي أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَلما دخل القيروان سَأَلَ الأفارقة عَن أعظم مُلُوكهمْ فَقَالُوا صَاحب قرطاجنة وَهِي الْمَدِينَة الْعُظْمَى قريعة رومة وضرتها وَإِحْدَى عجائب الدُّنْيَا وَكَانَ با يَوْمئِذٍ من جموع الفرنج أُمَم لَا تحصى فصمد إِلَيْهَا حسان وافتتحها وَقتل أَكثر من بهَا وَنَجَا فَلهم فِي المراكب إِلَى صقلية والأندلس وَلما انْصَرف حسان عَنْهَا دَخلهَا أَقوام من أهل الضواحي والبادية وتحصنوا بهَا فَرجع إِلَيْهِم وَقَاتلهمْ أَشد قتال فافتتحها عنْوَة وَأمر بتخريبها وإعفاء رسمها وَكسر قنواتها فَذَهَبت كأمس الدابر وَلم يبْق بهَا الْآن إِلَّا آثَار خَفِيفَة تدل على مَا كَانَ بهَا من عَجِيب الصَّنْعَة وإحكام الْعَمَل وبأنقاضها عمرت مَدِينَة تونس كَمَا فِي الْقَامُوس
ثمَّ بلغ حسان أَن البربر والفرنج قد عسكروا فِي جموع عَظِيمَة بِبِلَاد صطفورة وبنزرت فصمد إِلَيْهِم وَهَزَمَهُمْ وشرد بهم من خَلفهم وانحاز فَلهم إِلَى باجة وبونة وَرجع حسان إِلَى القيروان فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَأَلَ عَن بَقِيَّة الْمُلُوك الْمُخَالفَة فدلوه على الكاهنة داهيا وقومها جراوة وهم ولد جراو بن
(1/148)

الديديت بن زانا وزانا هُوَ أَبُو زناتة وَكَانَ لهَذِهِ الكاهنة بنُون ثَلَاثَة ورثوا رياسة قَومهمْ عَن سلفهم وربوا فِي حجرها فاستبدت عَلَيْهِم واعتزت على قَومهَا بهم وَبِمَا كَانَ لَهَا من الكهانة والمعرفة بِغَيْب أَحْوَالهم وعواقب أُمُورهم فانتهت إِلَيْهَا رياستهم ووقفوا عِنْد إشارتها قَالَ هانىء بن بكور الضريسي ملكت عَلَيْهِم خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وَعَاشَتْ مائَة وَسبعا وَعشْرين سنة وَكَانَ قتل عقبَة بن نَافِع وَأَصْحَابه فِي الْبَسِيط قبْلَة جبل أوراس بإغرائها برابرة الزاب عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُسلمُونَ يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهَا فَلَمَّا قتل كسيلة وانفضت جموع البربر رجعُوا إِلَى هَذِه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا بَنو يفرن وَمن كَانَ بإفريقية من قبائل زناتة وَسَائِر البتر فَسَار إِلَيْهَا حسان حَتَّى نزل وَادي مليانة وزحفت هِيَ إِلَيْهِ فَاقْتَتلُوا بالبسيط أَمَام جبلها قتالا شَدِيدا ثمَّ انهزم الْمُسلمُونَ وَقتل مِنْهُم خلق كثير وَأسر خَالِد بن يزِيد الْقَيْسِي فِي ثَمَانِينَ رجلا من وُجُوه الْعَرَب وَلم تزل الكاهنة والبربر فِي إتباع حسان وَالْعرب حَتَّى أخرجوهم من عمل قابس وَلحق حسان بِعَمَل طرابلس فَلَقِيَهُ هُنَاكَ كتاب عبد الْملك يَأْمُرهُ بالْمقَام حَيْثُ يصله كِتَابه فَأَقَامَ ببرقة وَبنى قصوره الْمَعْرُوفَة لهَذَا الْعَهْد بقصور حسان ثمَّ رجعت الكاهنة إِلَى مَكَانهَا من الْجَبَل وأطلقت أسرى الْمُسلمين سوى خَالِد فَإِنَّهَا اتَّخذت عِنْده عهدا بإرضاعه مَعَ ولديها وصيرته أَخا لَهما وأقامت فِي سُلْطَان إفريقية والبربر خمس سِنِين بعد هزيمَة حسان ونفت الْعَرَب عَن بِلَاد الْمغرب وَقَالَت لقومها إِنَّمَا تطلب الْعَرَب من الْمغرب مدنه وَمَا فِيهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَنحن إِنَّمَا نُرِيد الْمزَارِع والمراعي فَالرَّأْي أَن نخرب هَذِه المدن والحصون ونقطع أطماع الْعَرَب عَنْهَا
قَالَ ابْن خلدون وَكَانَت المدن والضياع من طرابلس إِلَى طنجة ظلا وَاحِدًا فِي قرى مُتَّصِلَة فخربت الكاهنة ديار الْمغرب وعضدت أشجاره ومحت جماله وجاست بِالْفَسَادِ خلاله فشق ذَلِك على البربر واستأمنوا إِلَى حسان وَكَانَ عبد الْملك قد بعث إِلَيْهِ بالمدد فَأَمنَهُمْ وَوجد السَّبِيل إِلَى تَفْرِيق أمرهَا ثمَّ دس إِلَى خَالِد بن يزِيد يستعلمه أمرهَا فأطلعه على كنه خَبَرهَا واستحثه
(1/149)

فزحف إِلَى الْمغرب سنة أَربع وَسبعين وبرزت إِلَيْهِ فأوقع بهَا وبجموعها وقتلها واحتز رَأسهَا عِنْد الْبِئْر الْمَعْرُوفَة بهَا لهَذَا الْعَهْد من جبل أوراس ثمَّ اقتحم الْجَبَل عنْوَة واستلحم فِيهِ زهاء مائَة ألف من البربر وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ باقيهم على الْإِسْلَام وَالطَّاعَة وَشرط عَلَيْهِم حسان أَن يكون مَعَه مِنْهُم اثْنَا عشر ألفا لَا يفارقونه فِي مَوَاطِن جهاده فَأَجَابُوا وَأَسْلمُوا وَحسن إسْلَامهمْ وَعقد للأكبر من وَلَدي الكاهنة على قومه من جراوة وعَلى جبل أوراس فَقَالُوا قد لزمتنا لَهُ الطَّاعَة وسبقنا إِلَيْهَا وبايعناه عَلَيْهَا وَكَانَ ذَلِك بِإِشَارَة من الكاهنة لإثارة من علم كَانَت لَدَيْهَا بذلك من شياطينها
وَانْصَرف حسان إِلَى القيروان مؤيدا منصورا وَثَبت ملكه واستقام أمره فدون الدَّوَاوِين وَكتب الْخراج على عجم إفريقية وَمن أَقَامَ مَعَهم على النَّصْرَانِيَّة من البربر ثمَّ أوعز إِلَيْهِ الْخَلِيفَة عبد الْملك باتخاذ دَار الصِّنَاعَة بتونس لإنشاء الْآلَات البحرية حرصا على مراسم الْجِهَاد وَمِنْهَا كَانَ فتح صقلية أَيَّام زِيَادَة الله الأول من بني الْأَغْلَب على يَد أَسد بن الْفُرَات شيخ الْفتيا وَصَاحب الإِمَام ابْن الْقَاسِم بعد أَن كَانَ مُعَاوِيَة بن حديج أغزى صقلية أَيَّام ولَايَته على الْمغرب فَلم يفتح الله عَلَيْهِ وَفتحت على يَد ابْن الْأَغْلَب وقائده ابْن الْفُرَات كَمَا قُلْنَا وَاسْتمرّ حسان واليا على الْمغرب إِلَى أَن عَزله عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان صَاحب مصر وَكَانَ أَمر الْمغرب إِذْ ذَاك إِلَيْهِ فاستخلف حسان على الْمغرب رجلا من جنده اسْمه صَالح وارتحل إِلَى الْمشرق بِمَا جمعه من ذريع المَال ورائع السَّبي ونفيس الذَّخِيرَة فَلَمَّا انْتهى إِلَى مصر أهْدى إِلَى عبد الله مِائَتي جَارِيَة من بَنَات مُلُوك الفرنج والبربر فَلم يقنعه ذَلِك وانتزع كثيرا مِمَّا بِيَدِهِ وَلما قدم على الْخَلِيفَة بِدِمَشْق وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْوَلِيد بن عبد الْملك شكا إِلَيْهِ مَا صنع بِهِ عَمه عبد الْعَزِيز فَغَاظَهُ ذَلِك وَأنْكرهُ ثمَّ أهْدى إِلَيْهِ حسان من غَرِيب النفائس الَّتِي أخفاها عَن عبد الله مَا استعظمه الْوَلِيد وشكره عَلَيْهِ ووعده برده إِلَى عمله فَحلف حسان أَن لَا يَلِي لبني أُميَّة عملا أبدا
وَذكر الْبكْرِيّ أَن حسان بن النُّعْمَان هَذَا هُوَ فاتح تونس وَقَالَ غَيره بل
(1/150)

فاتحها زُهَيْر بن قيس البلوي وَلم تتوفر الدَّوَاعِي على تَحْقِيق ذَلِك لِأَنَّهَا لم تكن يَوْمئِذٍ قَاعِدَة ملك وَإِنَّمَا عظم أمرهَا فِي دولة الحفصيين فَمن بعدهمْ وَالله تَعَالَى أعلم
ولَايَة مُوسَى بن نصير على الْمغرب وفتحه الأندلس

لما أرتحل حسان بن النُّعْمَان إِلَى الْمشرق اخْتلفت أَيدي البربر فِيمَا بَينهم على إفريقية وَالْمغْرب فكثرت الْفِتَن وخلت أَكثر الْبِلَاد حَتَّى قدم مُوسَى بن نصير فتلافى أمرهَا وَلم شعثها
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحميدِي فِي جذوة المقتبس ولي مُوسَى بن نصير إفريقية وَالْمغْرب سنة سبع وَسبعين وَقَالَ غَيره سنة سبع وَثَمَانِينَ
وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ مُوسَى بن نصير من التَّابِعين وَرُوِيَ عَن تَمِيم الدَّارِيّ رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ عَاقِلا كَرِيمًا شجاعا ورعا متقيا لله تَعَالَى لم يهْزم لَهُ جَيش قطّ وَلما قدم الْمغرب وجد أَكثر مدنه خَالِيَة لاخْتِلَاف أَيدي البربر عَلَيْهَا وَكَانَت الْبِلَاد فِي قحط شَدِيد فَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَإِصْلَاح ذَات الْبَين وَخرج بهم إِلَى الصَّحرَاء وَمَعَهُ سَائِر الْحَيَوَانَات فَفرق بَينهَا وَبَين أَوْلَادهَا فَوَقع الْبكاء والصراخ وَأقَام على ذَلِك إِلَى منتصف النَّهَار ثمَّ صلى وخطب النَّاس وَلم يذكر الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقيل لَهُ أَلا تَدْعُو لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ هَذَا مقَام لَا يدعى فِيهِ غير الله عز وَجل فسقوا حَتَّى رووا
(1/151)

وَقَالَ ابْن خلدون كتب الْخَلِيفَة الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى عَمه عبد الله بن مَرْوَان وَهُوَ على مصر وَيُقَال عبد الْعَزِيز أَن يبْعَث بمُوسَى بن نصير إِلَى إفريقية وَكَانَ أَبوهُ نصير من حرس مُعَاوِيَة فَبَعثه عبد الله فَقدم القيروان وَبهَا صَالح خَليفَة حسان فَعَزله وَرَأى أَن البربر قد طمعت فِي الْبِلَاد فَوجه الْبعُوث فِي النواحي وَبعث ابْنه عبد الله فِي الْبَحْر إِلَى جَزِيرَة ميورقة فغنم وسبى وَعَاد ثمَّ بَعثه إِلَى نَاحيَة أُخْرَى وَبعث ابْنه مَرْوَان كَذَلِك وَتوجه هُوَ إِلَى نَاحيَة فغنموا وَسبوا وعادوا وَبلغ الْخمس من الْمغنم سبعين ألف رَأس من السَّبي
قَالَ أَبُو شُعَيْب الصَّدَفِي لم يسمع فِي الْإِسْلَام بِمثل سَبَايَا مُوسَى بن نصير وَنقل الْكَاتِب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْقَرَوِي الْمَعْرُوف بِابْن الرفيق أَن مُوسَى بن نصير لما فتح سقوما كتب إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك أَنه صَار لَك من سبي سقوما مائَة ألف رَأس فَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد وَيحك إِنِّي أظنها من بعض كذباتك فَإِن كنت صَادِقا فَهَذَا محشر الْأمة
ثمَّ خرج مُوسَى غازيا أَيْضا وتتبع البربر وَقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عَظِيما وتوغل فِي جِهَات الْمغرب حَتَّى انْتهى إِلَى السوس الْأَدْنَى ثمَّ تقدم إِلَى سبتة فصانعه صَاحبهَا يليان الغماري بالهدايا وأذعن للجزية وَكَانَ نَصْرَانِيّا فأقره عَلَيْهَا واسترهن ابْنه وَأَبْنَاء قومه على على الطَّاعَة فَلَمَّا رأى بَقِيَّة البربر مَا نزل بهم استأمنوا لمُوسَى وبذلوا لَهُ الطَّاعَة فَقبل مِنْهُم وَولى عَلَيْهِم
وَقَالَ ابْن خلدون أَيْضا غزا مُوسَى بن نصير طنجة وافتتح درعة وصحراء تافيلالت وَأرْسل ابْنه إِلَى السوس فأذعن البربر لسلطانه وَأخذ رهائن المصامدة فأنزلهم بطنجة وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَولى عَلَيْهَا طَارق بن زِيَاد اللَّيْثِيّ قَالَ وَأنزل مَعَه سَبْعَة وَعشْرين ألفا من الْعَرَب واثني عشر ألفا من البربر وَأمرهمْ ان يعلمُوا البربر الْقُرْآن وَالْفِقْه قَالَ ثمَّ أسلم بَقِيَّة البربرعلى يَد إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر سنة إِحْدَى وَمِائَة أَيَّام عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ اه
(1/152)

وَلما اسْتَقَرَّتْ الْقَوَاعِد لمُوسَى بالمغرب كتب إِلَى طَارق وَهُوَ بطنجة يَأْمُرهُ بغزو الأندلس فَغَزَاهَا فِي اثْنَي عشر ألفا من البربر وَخلق يسير من الْعَرَب وَعبر الْبَحْر من سبتة إِلَى الجزيرة الخضراء وَصعد الْجَبَل الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف الْيَوْم بجبل طَارق يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس خلون من رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَذكر عَن طَارق أَنه كَانَ نَائِما وَقت العبور فِي الْمركب فَرَأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة يَمْشُونَ على المَاء حَتَّى مروا بِهِ فبشره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْفَتْح وَأمره بالرفق بِالْمُسْلِمين وَالْوَفَاء بالعهد ذكر ذَلِك ابْن بشكوال
وَقَالَ ابْن خلدون فِي أَخْبَار الأندلس إِن أمة القوط ملكوا جَزِيرَة الأندلس نَحْو أَرْبَعمِائَة سنة إِلَى أَن جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَالْفَتْح وَكَانَ ملكهم لذَلِك الْعَهْد يُسمى لذريق وَهُوَ سمة مُلُوكهمْ كجرجير سمة مُلُوك صقلية وَكَانَت لَهُم خطْوَة وَرَاء الْبَحْر فِي هَذِه العدوة الجنوبية خطوها من زقاق الْبَحْر إِلَى بِلَاد البربر واستعبدوهم وَكَانَ ملك البربر بذلك الْقطر الَّذِي هُوَ الْيَوْم جبال غمارة يُسمى يليان وَكَانَ يدين بطاعتهم وبملتهم ومُوسَى بن نصير أَمِير الْعَرَب إِذْ ذَاك عَامل بإفريقية من قبل الْوَلِيد بن عبد الْملك ومنزله بالقيروان وَكَانَ قد أغزا لذَلِك الْعَهْد عَسَاكِر الْمُسلمين بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى ودوخ أقطاره وأوغل فِي جبال طنجة حَتَّى وصل إِلَى خليج الزقاق واستنزل يليان لطاعة الْإِسْلَام وَخلف مَوْلَاهُ طَارق بن زِيَاد واليا بطنجة وَكَانَ يليان ينقم على لذريق ملك القوط بالأندلس فعلة فعلهَا زَعَمُوا بابنته الناشئة فِي دَاره على عَادَتهم فِي بَنَات بطارقتهم فَغَضب لذَلِك وَأَجَازَ إِلَى لذريق فَأخذ ابْنَته مِنْهُ
(1/153)

شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وفراره ثَانِيَة إِلَى البربر

لما كَانَ شهر ربيع الأول من سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع بِهِ فنذرت بذلك أمه الْحرَّة خناثى بنت بكار ففرت من مكناسة إِلَى فاس الْجَدِيد وَمن الْغَد تبعها ابْنهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَنزل بِرَأْس المَاء فَخرج إِلَيْهِ الودايا وَأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا لَهُ فاستعطفهم السُّلْطَان وَقَالَ لَهُم أَنْتُم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وَأُرِيد مِنْكُم أَن تَكُونُوا معي على كلمة وَاحِدَة وعاهدهم وَعَاهَدُوهُ وَرَجَعُوا وَفِي أثْنَاء ذَلِك بلغه أَن أَحْمد بن عَليّ الريفي قد كَاتب عبيد مشرع الرملة وكاتبوه وَاتفقَ مَعَهم على خلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله وبيعة أَخِيه الْمولى زين العابدين وَكَانَ يَوْمئِذٍ عِنْده بطنجة وَأَنَّهُمْ وافقوه فَوَجَمَ لَهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله ثمَّ استعجل أَمر الْمولى زين العابدين ففر الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد البربر كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ زين العابدين بن إِسْمَاعِيل رَحمَه الله

كَانَ ابْتِدَاء أَمر السُّلْطَان الْمولى زين العابدين أَنه قدم مكناسة فِي أَيَّام أَخِيه الْمولى المستضيء فَلَمَّا سمع بِهِ أَمر بسجنه قبل أَن يجْتَمع بِهِ فسجن مُدَّة ثمَّ أَمر يَوْمًا بِإِخْرَاجِهِ وضربه فَضرب وَهُوَ فِي قَيده ضربا وجيعا أشرف مِنْهُ على الْمَوْت كَمَا مر وَمَعَ ذَلِك فَلم ينْطق بِكَلِمَة ثمَّ رده إِلَى السجْن ثمَّ أَمر ببعثه مُقَيّدا إِلَى سجلماسة كي يسجن بهَا مَعَ بعض الْأَشْرَاف المسجونين هُنَالك فَلَمَّا سمع بذلك قواد رؤوسهم من العبيد بعثوا من رده من صفرو إِلَى فاس وَمن هُنَالك بعثوا بِهِ إِلَى الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الكعيدي ببني يازغة وأمروه أَن يحْتَفظ بِهِ مكرما مبجلا
(1/154)

ألفا فَالْتَقوا بفحص شريش فَهَزَمَهُ الله ونفلهم أَمْوَال أهل الْكفْر ورقابهم وَكتب طَارق إِلَى مُوسَى بِالْفَتْح والغنائم فحركته الْغيرَة وَكتب إِلَى طَارق يتوعده إِن توغل بِغَيْر إِذْنه ويأمره أَن لَا يتَجَاوَز مَكَانَهُ حَتَّى يلْحق بِهِ واستخلف على القيروان وَلَده عبد الله وَخرج مَعَه حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري ونهض من القيروان سنة ثَلَاث وَتِسْعين فِي عَسْكَر ضخم من وُجُوه الْعَرَب والموالي وعرفاء البربر فَوَافى خليج الزقاق مَا بَين طنجة والجزيرة الخضراء فَأجَاز إِلَى الأندلس وتلقاه طَارق فانقاد وَاتبع وَيُقَال إِن مُوسَى لما سَار إِلَى الأندلس عبر الْبَحْر إِلَيْهَا من نَاحيَة الْجَبَل الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف الْيَوْم بجبل مُوسَى وتنكب النُّزُول على جبل طَارق وتمم الْفَتْح وتوغل فِي الأندلس إِلَى برشلونة فِي جِهَة الشرق وأربونة فِي الْجوف وَضم قادس فِي الغرب ودوخ أقطارها وَجمع غنائمها وَأجْمع أَن يَأْتِي الْمشرق من نَاحيَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة ويتجاوز إِلَى الشَّام دروب الأندلس ودروبه ويخوض إِلَيْهِ مَا بَينهمَا من بِلَاد الْأَعَاجِم وأمم النَّصْرَانِيَّة مُجَاهدًا فيهم ومستلحما لَهُم إِلَى أَن يلْحق بدار الْخلَافَة من دمشق ونمى الْخَبَر إِلَى الْخَلِيفَة الْوَلِيد فَاشْتَدَّ قلقه بمَكَان الْمُسلمين من دَار الْحَرْب وَرَأى أَن مَا هم بِهِ مُوسَى تغرير بِالْمُسْلِمين فَبعث إِلَيْهِ بالتوبيخ والانصراف وَأسر إِلَى سفيره أَن يرجع بِالْمُسْلِمين إِن لم يرجع هُوَ وَكتب لَهُ بذلك عَهده ففت ذَلِك فِي عزم مُوسَى وقفل عَن الأندلس بعد أَن أنزل الرابطة والحامية بثغورها وَاسْتعْمل ابْنه عبد الْعَزِيز لسدها وَجِهَاد غدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دَار إِمَارَة واحتل مُوسَى بالقيروان سنة خمس وَتِسْعين وارتحل إِلَى الْمشرق سنة سِتّ بعْدهَا بِمَا كَانَ مَعَه من الْغَنَائِم والذخائر وَالْأَمْوَال على الْعجل وَالظّهْر يُقَال إِن من جُمْلَتهَا ثَلَاثِينَ ألف رَأس من السَّبي وَولى على إفريقية ابْنه عبد الله واندرجت ولَايَة الأندلس يَوْمئِذٍ فِي ولَايَة الْمغرب فَكَانَ صَاحب القيروان نَاظرا فِي الْجَمِيع وَقدم مُوسَى على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَقد ولي الْخلَافَة بعد الْوَلِيد فسخطه ونكبه وثارت عَسَاكِر الأندلس بِابْنِهِ عبد الْعَزِيز
(1/155)

فَقَتَلُوهُ لِسنتَيْنِ من ولَايَته بإغراء الْخَلِيفَة سُلَيْمَان وَكَانَ خيرا فَاضلا وافتتح فِي ولَايَته مَدَائِن كَثِيرَة وَكَانَ الَّذِي تولى قَتله حبيب بن أبي عُبَيْدَة الفِهري وَكَانَ سَبَب غضب سُلَيْمَان على مُوسَى أَنه لما توجه إِلَى الْمشرق وانْتهى إِلَى مصر وصل أَشْرَافهَا وفقهاءها وبلغة الْخَبَر بِمَرَض الْوَلِيد ووافاه كِتَابه يستحثه على الْقدوم ووافاه كتاب آخر من أَخِيه سُلَيْمَان يثبطه فأسرع مُوسَى اللحاق بالوليد فَقدم عَلَيْهِ قبل وَفَاته بِثَلَاثَة أَيَّام وَدفع إِلَيْهِ مَا مَعَه من الذَّخَائِر وَالْأَمْوَال فغاظ ذَلِك سُلَيْمَان وأساء مكافأته حِين أفْضى الْأَمر إِلَيْهِ فنكبه ونكب آل بَيته أجمع وَكَانَت وَفَاة مُوسَى رَحمَه الله بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَقيل غير ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني ارْتَدَّت البربر اثْنَتَيْ عشرَة مرّة من طرابلس إِلَى طنجة وَلم يسْتَقرّ إسْلَامهمْ حَتَّى عبر مُوسَى بن نصير الْبَحْر إِلَى الأندلس وَأَجَازَ مَعَه كثيرا من رجالات البربر برسم الْجِهَاد فاستقروا هُنَالك فَحِينَئِذٍ اسْتَقر الْإِسْلَام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه وتناسوا الرِّدَّة ثمَّ نبضت فيهم عروق الخارجية بعد على مَا نذكرهُ
ولَايَة مُحَمَّد بن يزِيد على الْمغرب

لما ارتحل مُوسَى بن نصير إِلَى الْمشرق ونكبه الْخَلِيفَة سُلَيْمَان كَمَا قُلْنَا عزل ابْنه عبد الله عَن الْمغرب وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن يزِيد مولى قُرَيْش وَيُقَال مولى الْأَنْصَار فَقدم القيروان سنة سبع وَتِسْعين وَكَانَ سُلَيْمَان قد أمره باستئصال آل مُوسَى بن نصير واصطلام نعمتهم فَأتى على ذَلِك ثمَّ لما قتل أهل الأندلس أَمِيرهمْ عبد الْعَزِيز بن مُوسَى ولوا عَلَيْهِم أَيُّوب بن حبيب اللَّخْمِيّ وَهُوَ ابْن أُخْت مُوسَى فَوجه مُحَمَّد بن يزِيد الْحر بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الثَّقَفِيّ واليا من قبله على الأندلس فَقَدمهَا وَاسْتقر أَمِيرا بهَا سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر قَالُوا وَكَانَ مُحَمَّد بن يزِيد هَذَا عادلا حسن السِّيرَة قَاتل الْمُخَالفين بثغور الْمغرب وغنم وسبى وَلم يزل واليا عَلَيْهِ حَتَّى
(1/156)

مَاتَ سُلَيْمَان فَكَانَت ولَايَته سنتَيْن وأشهرا وَالله أعلم
ولَايَة إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر على الْمغرب

لما توفّي سُلَيْمَان بن عبد الْملك رَحمَه الله وَولي الْخلَافَة بعده عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ اسْتعْمل على الْمغرب إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر مولى بني مَخْزُوم فَقدم القيروان سنة مائَة وَكَانَ خير أَمِير وَخير وَال وَلم يزل حَرِيصًا على دُعَاء البربر إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى تمّ إسْلَامهمْ على يَده وَبث فيهم من فقههم فِي دينهم
وَذكر أَبُو الْعَرَب مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم فِي تَارِيخ إفريقية أَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ أرسل عشرَة من التَّابِعين يفقهُونَ أهل الْمغرب فِي الدّين مِنْهُم حبَان بن أبي جبلة
وَلما توفّي عمر بن عبد الْعَزِيز سنة إِحْدَى وَمِائَة وبويع يزِيد بن عبد الْملك وَجه يزِيد بن أبي مُسلم الثَّقَفِيّ واليا على الْمغرب على مَا نذكرهُ
(1/157)

ولَايَة يزِيد بن أبي مُسلم على الْمغرب

هُوَ يزِيد بن أبي مُسلم دِينَار مولى الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ الظَّالِم الْمَشْهُور وَكَانَ يزِيد هَذَا كَاتبه وَصَاحب شرطته قَالَ ابْن خلكان كَانَت فِيهِ كِفَايَة ونهضة قدمه الْحجَّاج بسببهما
وَكَانَ من خَبره أَن الْحجَّاج لما حَضرته الْوَفَاة اسْتخْلف يزِيد هَذَا على خراج الْعرَاق فأقره الْوَلِيد بن عبد الْملك واغتبط بِهِ وَقَالَ مَا مثلي وَمثل الْحجَّاج وَابْن أبي مُسلم بعده إِلَّا كَرجل ضَاعَ مِنْهُ دِرْهَم فَوجدَ دِينَارا
وَلما مَاتَ الْوَلِيد وَولي بعده أَخُوهُ سُلَيْمَان عزل ابْن أبي مُسلم وَأمر بِهِ فأحضر بَين يَدَيْهِ فِي جَامِعَة وَكَانَ رجلا قَصِيرا دميما قَبِيح الْوَجْه عَظِيم الْبَطن تحتقره الْعين فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ سُلَيْمَان قَالَ أَنْت يزِيد بن أبي مُسلم قَالَ نعم اصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لعن الله من أشركك فِي أَمَانَته وحكمك فِي دينه قَالَ لَا تفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإنَّك رايتني وَالْأَمر عني مُدبر وَلَو رَأَيْتنِي وَالْأَمر عَليّ مقبل لاستعظمت مَا استصغرت ولاستجللت مَا احتقرت فَقَالَ سُلَيْمَان قَاتله الله فَمَا أربط جاشه وأعضب لِسَانه ودارت بَينه وَبَين سُلَيْمَان محاورات غير هَذِه ثمَّ كشف عَنهُ فَلم يجد عَلَيْهِ خِيَانَة فهم باستكتابه فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز أنْشدك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تحيي ذكر الْحجَّاج باستكتاب كَاتبه فَقَالَ إِنِّي كشفت عَنهُ فَلم أجد عَلَيْهِ خِيَانَة يَا أَبَا حَفْص فَقَالَ عمر أَنا أوجدك من هُوَ أعف عَن الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ فَقَالَ سُلَيْمَان من هُوَ قَالَ إِبْلِيس مَا مس دِينَارا وَلَا درهما قطّ وَقد أهلك هَذَا الْخلق فَتَركه سُلَيْمَان
وَحدث جوَيْرِية بن أَسمَاء أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة بلغه أَن يزِيد بن أبي مُسلم خرج فِي جَيش من جيوش الْمُسلمين فَكتب إِلَى عَامل الْجَيْش برده وَقَالَ إِنِّي لأكْره أَن أستنصر بِجَيْش هُوَ فيهم فَلَمَّا توفّي عمر رَضِي الله عَنهُ وأفضت الْخلَافَة إِلَى يزِيد بن عبد الْملك عزل
(1/158)

إِسْمَاعِيل بن عبيد الله عَن الْمغرب وَولى مَكَانَهُ يزِيد بن أبي مُسلم فأساء السِّيرَة قَالُوا وَوجه عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ واليا من قبله على الأندلس فاستقام على يَده أمرهَا ثمَّ ثار أهل الْمغرب بِابْن أبي مُسلم فَقَتَلُوهُ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَة لشهر من ولَايَته
قَالَ الطَّبَرِيّ وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ قد عزم أَن يسير فِي أهل الْمغرب بسيرة الْحجَّاج فِي أهل الْعرَاق فَإِن الْحجَّاج كَانَ وضع الْجِزْيَة على رِقَاب الَّذين أَسْلمُوا من أهل السوَاد وَأمر بردهمْ إِلَى قراهم ورساتيقهم على الْحَالة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قبل الْإِسْلَام فَلَمَّا عزم يزِيد على ذَلِك تآمر البربر فِيهِ وَأَجْمعُوا على قَتله فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مُحَمَّد بن يزِيد الَّذِي كَانَ قبله فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ وَكَانَ غازيا بصقلية فَلَمَّا قدم بمغانمه ولوه أَمرهم
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر ولوا بعده إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَالله أعلم
ثمَّ كتب أهل الْمغرب إِلَى الْخَلِيفَة يزِيد إِنَّا لم نخلع يدا من طَاعَة وَلَكِن يزِيد بن أبي مُسلم سامنا مَا لَا يرضى بِهِ الله وَرَسُوله فقتلناه وأعدنا عاملك فَكتب إِلَيْهِم يزِيد إِنِّي لم أَرض مَا صنع ابْن أبي مُسلم وَأقر مُحَمَّد بن يزِيد على الْمغرب وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة كَمَا قُلْنَا
وَحدث الوضاح بن أبي خَيْثَمَة وَكَانَ حَاجِب عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ أَمرنِي عمر بن الْعَزِيز يَعْنِي فِي مرض مَوته بِإِخْرَاج قوم من السجْن وَفِيهِمْ يزِيد بن أبي مُسلم فأخرجتهم وَتركته فحقد عَليّ فَلَمَّا مَاتَ عمر هربت إِلَى أفريقية خوفًا مِنْهُ قَالَ فَبينا أَنا بإفريقية إِذْ قيل قدم ابْن ابي مُسلم واليا فاختفيت فَأعْلم بمكاني وَأمر بِي فَحملت إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ طالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك فَقلت وَأَنا وَالله لطالما سَأَلت الله أَن يعيذني مِنْك فَقَالَ مَا أَعَاذَك الله وَالله لأَقْتُلَنك وَلَو سابقني فِيك ملك الْمَوْت لسبقته ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع فَأتي بهما وَأمر بالوضاح فأقيم عَلَيْهِ مكتوفا وَقَامَ السياف وَرَاءه ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَتقدم يزِيد إِلَيْهَا فَلَمَّا سجد أَخَذته السيوف وَدخل على الوضاح من قطع كِتَافِهِ وَأطْلقهُ فسبحان اللَّطِيف الْخَبِير
(1/159)

ولَايَة بشر بن صَفْوَان على الْمغرب

لما كتب أهل الْمغرب إِلَى الْخَلِيفَة يزِيد بن عبد الْملك بِمَا كَانَ مِنْهُم إِلَى ابْن أبي مُسلم وَمَا اعتذروا بِهِ فِي شَأْنه أقرّ عَلَيْهِم مُحَمَّد بن يزِيد أَو إِسْمَاعِيل بن عبيد الله على الْخلاف الْمُتَقَدّم مَا شَاءَ الله ثمَّ ولى عَلَيْهِم بشر بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ وَكَانَ واليا على مصر فَقدم القيروان سنة ثَلَاث وَمِائَة فمهد الْمغرب وَسكن أرجاءه واستصفى بقايا آل مُوسَى بن نصير ثمَّ وَفد على يزِيد بن عبد الْملك فَوَجَدَهُ قد مَاتَ وبويع هِشَام بن عبد الْملك فَرده هِشَام إِلَى عمله من الْمغرب فاستقر بالقيروان واستدعى مِنْهُ أهل الأندلس واليا يقوم بأمرهم وَذَلِكَ بعد مقتل عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ شَهِيدا فِي بعض غزوات الفرنج فولى عَلَيْهِم يحيى بن سَلمَة الْكَلْبِيّ فَقدم الأندلس آخر سنة سبع وَمِائَة فَأصْلح شَأْنهَا ثمَّ غزا بشر بن صَفْوَان صقلية بِنَفسِهِ سنة تسع وَمِائَة فَأصَاب سبيا كثيرا وَرجع إِلَى القيروان منصورا فَكَانَت منيته عقب ذَلِك
ولَايَة عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن على الْمغرب

لما توفّي بشر بن صَفْوَان وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك ولى على الْمغرب عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَهُوَ ابْن أخي أبي الْأَعْوَر السّلمِيّ وَقيل ابْن ابْنه فَقدم القيروان سنة عشر وَمِائَة وَنظر فِي أَمر الْمغرب والأندلس مَعًا وَولى من قبله على الأندلس وُلَاة أَرْبَعَة وَاحِدًا بعد وَاحِد وهم عُثْمَان بن أبي نسعة الخثعي وَحُذَيْفَة بن الْأَحْوَص الْقَيْسِي والهيثم بن عبيد الْكلابِي وَمُحَمّد بن عبد الله الْأَشْجَعِيّ وَكَانَ عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن قد أَخذ عُمَّال بشر بن صَفْوَان قبله وعذبهم فَكتب بَعضهم بذلك إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام فَعَزله لأَرْبَع سِنِين وَسِتَّة أشهر من ولَايَته
(1/160)

ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب على الْمغرب

عبيد الله هَذَا هُوَ مولى بني سلول وَكَانَ رَئِيسا نبيلا وأميرا جَلِيلًا وخطيبا مصقعا ولاه هِشَام بن عبد الْملك على الْمغرب بعد عزل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ وَأمره أَن يمْضِي إِلَيْهِ من مصر فاستخلف عبيد الله على مصر ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَسَار إِلَى الْمغرب فَقدم القيروان فِي ربيع الآخر سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَاسْتعْمل عمر بن عبيد الله الْمرَادِي على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مَعَه على السوس وَمَا وَرَاءه وَاسْتعْمل على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي فَكَانَت لَهُ فِي الفرنجة وقائع وَأُصِيب جَيْشه فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فِي مَوضِع يعرف ببلاط لشهداء وَبِه عرفت الْغَزْوَة
(1/161)

ثمَّ ولى عبيد الله على الأندلس عبد الْملك بن قطن الفِهري ثمَّ بعده عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي فَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة وَتمكن سُلْطَان عبيد الله بالمغرب وَبنى جَامع الزيتونة بتونس لَكِن صحّح صَاحب المؤنس أَن أول مختط للجامع الْمَذْكُور حسان بن النُّعْمَان وتممه عبيد الله هَذَا وَاتخذ بهَا دَار صناعَة لإنشاء المراكب البحرية ثمَّ بعث حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري غازيا أَرض الْمغرب فَانْتهى إِلَى السوس الْأَقْصَى وَقَاتل مسوفة ثمَّ تخطاهم إِلَى تخوم السودَان وَأصَاب من مَغَانِم الذَّهَب وَالْفِضَّة والسبي شَيْئا كثيرا ودوخ بِلَاد البربر وقبائلها وَرجع ثمَّ أغزاه ثَانِيَة جَزِيرَة صقلية فَركب الْبَحْر إِلَيْهِم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَمَعَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدن صقلية وَضرب على أَهلهَا الْجِزْيَة وأثخن فِي سَائِر الجزيرة
وَكَانَ عمر بن عبيد الله فِي هَذِه الْمدَّة بطنجة قد أَسَاءَ السِّيرَة فِي برابرة الْمغرب الْأَقْصَى وَأَرَادَ أَن يُخَمّس من أسلم مِنْهُم وَزعم أَنه الْفَيْء فنفرت قُلُوب البربر عَنهُ وأحسوا بِأَنَّهُم طعمة للْعَرَب وثقلت عَلَيْهِم وَطْأَة عُمَّال ابْن الحبحاب جملَة بِمَا كَانُوا يطالبونهم بِهِ من الْوَظَائِف البربرية مثل الإدم العسلية الألوان وأنواع طرف الْمغرب فَكَانُوا يتغالون فِي جمع ذَلِك وانتخابه حَتَّى كَانَت الصرمة من الْغنم تهْلك ذبحا لاتخاذ الْجُلُود العسلية من سخالها وَلَا يُوجد فِيهَا مَعَ ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد وَمَا قرب مِنْهُ فَكثر عيثهم بذلك فِي أَمْوَال البربر فَأَجْمعُوا الانتقاض وبلغهم مسير العساكر مَعَ حبيب بن أبي عُبَيْدَة إِلَى صقلية فجرأهم ذَلِك على مُرَادهم وثار ميسرَة المضغري بأحواز طنجة على مَا نذكرهُ
وَكَانَت بِدعَة الخارجية يَوْمئِذٍ قد سرت فِي البربر وتلقنها رؤوسهم عَن عرب الْعرَاق الساقطين إِلَى الْمغرب نزعوا بهَا إِلَى الْأَطْرَاف داعين أغمار
(1/162)

الْأُمَم إِلَيْهَا عَسى أَن تكون لَهُم دولة فاستحكمت صبغتها فِي طغام البربر ووشجت فيهم عروقها فَكَانَ ذَلِك من أقوى البواعث والأسباب فِي خرق حجاب الهيبة على الْخُلَفَاء وانتقاض البربر على الْعَرَب ومزاحمتهم لَهُم فِي سلطانهم
ولنذكر هُنَا أصل الْخَوَارِج وفرقهم على الْجُمْلَة ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول قد تقدم لنا فِي خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ مَا كَانَ من أَمر التَّحْكِيم وَمَا نَشأ عَنهُ من خُرُوج طَائِفَة من الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وَأَن عليا رَضِي الله عَنهُ استأصلهم بالنهروان فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا فَصدق الله قَول عَليّ ونبغت مِنْهُم طوائف بالعراق وَغَيره وتكرر خُرُوجهمْ على الْخُلَفَاء وشرى داؤهم وأعيى دواؤهم وتعددت فرقهم ومذاهبهم
قَالَ ابْن خلدون افْتَرَقت الْخَوَارِج على أَربع فرق
الأولى الْأزَارِقَة أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ وَكَانَ رَأْيه الْبَرَاءَة من سَائِر الْمُسلمين وتكفيرهم والاستعراض يَعْنِي الْقَتْل من غير سُؤال عَن حَال أحد وَقتل الْأَطْفَال وَاسْتِحْلَال الْأَمَانَة لِأَنَّهُ يراهم كفَّارًا
الثَّانِيَة النجدية وَيُقَال لَهُم النجدات أَصْحَاب نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ وَهُوَ بِخِلَاف الْأزَارِقَة فِي ذَلِك كُله
الثَّالِثَة الإباضية أَصْحَاب عبد الله بن أباض التَّمِيمِي ثمَّ الصريمي وهم يرَوْنَ أَن الْمُسلمين كلهم يحكم لَهُم بِحكم الْمُنَافِقين فَلَا ينتهون إِلَى الرَّأْي الأول وَلَا يقفون عِنْد الثَّانِي وَلَا يحرمُونَ مناكحة الْمُسلمين وَلَا موارثتهم وهم عِنْدهم كالمنافقين وَمن هَؤُلَاءِ البيهسية أَصْحَاب أبي بيهس هَيْصَم بن جَابر الضبعِي
(1/163)

الرَّابِعَة الصفرية وهم موافقون للإباضية إِلَّا فِي الْقعدَة يَعْنِي الَّذين يَقْعُدُونَ عَن الْقِتَال مَعَهم فَإِن الإباضية أَشد على الْقعدَة مِنْهُم وَرُبمَا تشعبت هَذِه الآراء بعد ذَلِك
وَاخْتلف فِي تَسْمِيَة الصفرية فَقيل نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار الصريمي وَقيل اصفروا بِمَا نهكتهم الْعِبَادَة وَفِي الْقَامُوس الصفرية بِالضَّمِّ وبكسر قوم من الحرورية نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار بن ككتان أَو إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر أَو إِلَى صفرَة ألوانهم أَو لخلوهم من الدّين اه
وَقد كَانَت الْخَوَارِج من قبل هَذَا الِافْتِرَاق على رَأْي وَاحِد لَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا فِي الشاذ من الْفُرُوع وَفِي أصل افتراقهم مكاتبات بَين نَافِع بن الْأَزْرَق وَأبي بيهس وَعبد الله بن أباض ذكرهَا الْمبرد فِي الْكَامِل فَلْتنْظرْ هُنَالك
وَكَانَت خوارج الْمغرب إباضية وصفرية فَلَمَّا كَانَت ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب ونال عماله من البربر مَا نالوا من الْجور والعسف انتقضوا عَلَيْهِ وثار ميسرَة المضغري الْمَعْرُوف بالخفير بأحواز طنجة ومضغرة بطن من بني فاتن بن تامضيت بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وَكَانُوا على رَأْي الصفرية وَكَانَ شيخهم ميسرَة الْمَذْكُور مقدما فِي ذَلِك الْمَذْهَب فَحمل البربر على الْخُرُوج عَن الطَّاعَة وزحف إِلَى عمر بن عبيد الله بطنجة فَقتله سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَولى عَلَيْهَا من قبله عبد الْأَعْلَى بن جريج الإفْرِيقِي رومي الأَصْل وَمولى للْعَرَب كَانَ إِمَام الصفرية فِي انتحال مَذْهَبهم فَقَامَ بأمرهم مُدَّة ثمَّ تقدم إِلَى السوس فَقتله عاملها إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَكَانَ ميسرَة لما استولى على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى قد بَايعه البربر بالخلافة وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ إِذْ الْخَوَارِج لَا يشترطون فِي الإِمَام الْأَعْظَم القريشية محتجين بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي كَأَن
(1/164)

رَأسه زبيبة) وَهُوَ مؤول واضطرم الْمغرب نَارا وفشت نحلة الخارجية فِي جَمِيع قبائله وانتقض أمره على خلفاء الْمشرق فَلم يُرَاجع طاعتهم بعد
ثمَّ إِن ابْن الحبحاب بعث إِلَى ميسرَة خَالِد بن حبيب الفِهري فِيمَن كَانَ قد بَقِي عِنْده من الْجَيْش واستقدم أَبَاهُ حبيب بن أبي عُبَيْدَة من صقلية فَقدم فِيمَن مَعَه من عَسَاكِر الْمُسلمين وَبَعثه فِي أثر خَالِد ونهض إِلَيْهِم ميسرَة فِي جموع البربر فَلَقِيَهُمْ بأحواز طنجة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ تحاجزوا وَرجع ميسرَة إِلَى طنجة فَسَاءَتْ سيرته فِي البربر ونقموا عَلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مَكَانَهُ خَالِد بن حميد الزناتي
قَالَ ابْن عبد الحكم هُوَ من هتورة إِحْدَى بطُون زناتة فَقَامَ بأمرهم وَاجْتمعَ إِلَيْهِ البربر فزحف إِلَى الْعَرَب وسرح إِلَيْهِ ابْن الحبحاب عَسَاكِر الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك وعَلى مقدمتها خَالِد بن حبيب الفِهري فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي شلف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَقتل خَالِد بن حبيب ووجوه من مَعَه من الْعَرَب فسميت الْوَقْعَة وقْعَة الْأَشْرَاف وانتقض الْمغرب على ابْن الحبحاب من سَائِر جهاته وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الأندلس فعزلوا عَامله عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي وولوا عَلَيْهِم عبد الْملك بن قطن الفِهري ومرج أَمر النَّاس وانْتهى الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بِدِمَشْق فعزل ابْن الحبحاب عَن الْمغرب
وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة لما اختلت الْأُمُور على ابْن الحبحاب اجْتمع النَّاس وعزلوه فَبلغ ذَلِك هشاما فَغَضب وَكتب إِلَى ابْن الحبحاب بالقدوم فَخرج فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَالله أعلم
(1/165)

ولَايَة كُلْثُوم بن عِيَاض على الْمغرب ومقتله

لما انْتهى إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام مَا كَانَ من أَمر خوارج البربر بالمغرب والأندلس وخلعهم للطاعة شقّ ذَلِك عَلَيْهِ واستضعف ابْن الحبحاب فَكتب إِلَيْهِ يستقدمه وَولى على الْمغرب كُلْثُوم بن عِيَاض الْقشيرِي وَوجه مَعَه جَيْشًا كثيفا لقتالهم كَانَ فِيهِ مَعَ مَا انضاف إِلَيْهِ من مَجْمُوع الْبِلَاد الَّتِي مر بهَا سَبْعُونَ ألفا على مَا قيل
وَلما انْتهى كُلْثُوم إِلَى القيروان أَسَاءَ السِّيرَة فِي أَهلهَا فَكَتَبُوا إِلَى حبيب بن أبي عُبَيْدَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتلمسان مَوَاقِف للبربر يَشكونَ مِنْهُ إِلَيْهِ وَكَانَ لآل عقبَة بالمغرب وجاهة لم تكن لغَيرهم فَكتب إِلَيْهِ حبيب ينهاه ويتوعده فَاعْتَذر كُلْثُوم وأغضى لَهُ عَلَيْهَا ثمَّ اسْتخْلف على القيروان عبد الرَّحْمَن بن عقبَة وَسَار يؤم الْمغرب فِي جموعه وعَلى مقدمته ابْن أَخِيه بلج بن بشر الْقشيرِي فَمر على طَرِيق سبتة وانْتهى إِلَى تلمسان فلقي حبيب بن أبي عُبَيْدَة فاقتتلا ثمَّ اصطلحا وزحفا جَمِيعًا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فَنَهَضت إِلَيْهِم البربر وَكَانَ اللِّقَاء على وَادي سبو من أَعمال طنجة
وَقَالَ ابْن خلدون فِي أَخْبَار البربر إِن الْخَلِيفَة هِشَام ولى كُلْثُوم بن عِيَاض على الْمغرب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة سرحه فِي اثْنَي عشر ألفا من أهل الشَّام وَكتب إِلَى ثغور مصر وبرقة وطرابلس أَن يمدوه فزحف إِلَى إفريقية ثمَّ إِلَى الْمغرب حَتَّى بلغ وَادي سبو فبرز إِلَيْهِ خَالِد بن حميد الزناتي فِيمَن مَعَه من البربر وَكَانُوا خلقا لَا يُحصونَ فَلَقوا كُلْثُوم بن عِيَاض بعد أَن هزموا مقدمته فَاشْتَدَّ الْقِتَال بَينهم وَقتل كُلْثُوم وحبِيب بن أبي عُبَيْدَة وَكثير
(1/166)

من الْجند وافترقت العساكر فَمضى أهل الشَّام إِلَى الأندلس مَعَ بلج بن بشر وَمضى أهل مصر وإفريقية إِلَى القيروان
وَمَا ذكره أَن خَالِد بن حميد هُوَ الَّذِي هزم جيوش كُلْثُوم فِي هَذِه الْوَقْعَة هُوَ مُقْتَضى مَا سبق من أَن ميسرَة قتل فِي ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب وَجزم ابْن حَيَّان بِأَن الَّذِي هزم جيوش كُلْثُوم هُوَ ميسرَة الخفير وَاقْتصر عَلَيْهِ ابْن خلدون فِي أَخْبَار بني فاتن قَالَ انْتَهَت مُقَدّمَة كُلْثُوم بن عِيَاض إِلَى سبو من أَعمال طنجة فَلَقِيَهُ البربر هُنَالك مَعَ ميسرَة وَقد فحصوا عَن أوساط رؤوسهم وتنادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثمَّ هزموه وقتلوه وَكَانَ كيدهم فِي لقائهم إِيَّاه أَن ملؤوا الشنان بِالْحِجَارَةِ وربطوها فِي أَذْنَاب الْخَيل ثمَّ أرسلوها فِي جَيش الْعَرَب فَكَانَت الْحِجَارَة تقَعْقع فِي شنانها وخيل الْعَرَب تنفر حَتَّى اخْتَلَّ مَصَافهمْ وتمت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم فافترقوا وَذهب بلج مَعَ الطَّلَائِع من أهل الشَّام إِلَى سبتة وَرجع أهل مصر وإفريقية إِلَى القيروان وَظَهَرت الْخَوَارِج فِي كل جِهَة واقتطع الْمغرب عَن طَاعَة الْخُلَفَاء إِلَى أَن هلك ميسرَة وَقَامَ برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حَارِث مِنْهُم اه كَلَام ابْن خلدون فاضطرب النَّقْل فِي هَذِه الْوَاقِعَة كَمَا ترى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
قَالَ ابْن حَيَّان إِن كُلْثُوم بن عِيَاض لما انْهَزَمت جيوشه نجا جريحا إِلَى سبتة فِي أهل الشَّام وَمَعَهُ ابْن أَخِيه بلج بن بشر بن عِيَاض وحاصرهم البربر بهَا وَلما اشْتَدَّ حصارهم بسبتة وانقطعت عَنْهُم الأقوات وبلغوا من الْجهد الْغَايَة اسْتَغَاثُوا بإخوانهم من عرب الأندلس فتثاقل عَنْهُم صَاحبهَا عبد الْملك بن قطن لخوفه على سُلْطَانه مِنْهُم فَلَمَّا شاع خبر ضررهم عِنْد رجالات الْعَرَب اشفقوا عَلَيْهِم فأغاثهم زِيَاد بن عَمْرو اللَّخْمِيّ بمركبين مشحونين ميرة أَمْسَكت من أرماقهم فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبد الْملك بن قطن ضربه سَبْعمِائة سَوط ثمَّ اتهمه بعد ذَلِك بتضريب الْجند عَلَيْهِ فسمل عَيْنَيْهِ ثمَّ ضرب عُنُقه وصلب عَن يسَاره كَلْبا وَاتفقَ فِي هَذَا الْوَقْت أَن برابرة الأندلس لما بَلغهُمْ مَا كَانَ من ظُهُور برابرة العدوة على الْعَرَب انتقضوا على عرب الأندلس
(1/167)

وَاقْتَدوا بِمَا فعله إخْوَانهمْ بالمغرب وتفطنوا لما كَانُوا غافلين عَنهُ قبل ذَلِك من الْخلاف على الْعَرَب ومزاحمتهم فِي سلطانهم وأصل ذَلِك كُله النزعة الخارجية فاستفحل أَمرهم بالأندلس وَكثر إيقاعهم بجيوش ابْن قطن فخاف أَن يلقى مِنْهُم مَا لقِيه الْعَرَب بالمغرب من إخْوَانهمْ وبلغه أَنهم قد عزموا على قَصده فَلم ير أجدى لَهُ من الإستعداد بصعاليك عرب الشَّام أَصْحَاب بلج الموتورين بسبتة فَكتب إِلَى بلج وَقد مَاتَ عَمه كُلْثُوم فَأَسْرعُوا إِلَى إجَابَته وَكَانَت تِلْكَ أمنيتهم فَأحْسن إِلَيْهِم وأسبغ النِّعْمَة عَلَيْهِم وَشرط عَلَيْهِم أَن يقيموا عِنْده سنة وَاحِدَة حَتَّى إِذا فرغوا لَهُ من البربر انصرفوا إِلَى مغربهم وَخَرجُوا لَهُ عَن أندلسه فرضوا بذلك وَعَاهَدُوهُ وَأخذ مِنْهُم الرهائن عَلَيْهِ ثمَّ قدم عَلَيْهِم ابنيه قطنا وَأُميَّة والبربر فِي جموع لَا يحصيها غير رازقها فَاقْتَتلُوا قتالا صَعب فِيهِ الْمقَام إِلَى أَن كَانَت الدبرة على البربر فَقَتلهُمْ الْعَرَب بأقطار الأندلس حَتَّى ألْحقُوا فَلهم بالثغور وخفوا عَن الْعُيُون فكر الشاميون وَقد امْتَلَأت أَيْديهم من الْغَنَائِم فاشتدت شوكتهم وثابت همتهم وبطروا ونسوا العهود وطالبهم ابْن قطن بِالْخرُوجِ عَن الأندلس فتعللوا عَلَيْهِ وَذكروا صَنِيعه بهم أَيَّام انحصارهم بسبتة وَقَتله الرجل الَّذِي أغاثهم بالميرة فخلعوه وَقدمُوا على أنفسهم أَمِيرهمْ بلج بن بشر وَتَبعهُ جند بن قطن وأغروه بقتْله فَأبى فثارت اليمانية وَقَالُوا قد حميت لمضرك وَالله لَا نطيعك فَلَمَّا خَافَ تفرق الْكَلِمَة أَمر بِابْن قطن فَأخْرج إِلَيْهِم وَهُوَ شيخ كَبِير كفرخ نعَامَة قد شهد وقْعَة الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ فَجعلُوا يَسُبُّونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ أفلت من سُيُوفنَا يَوْم الْحرَّة ثمَّ طالبتنا بِتِلْكَ الترة فعرضتنا لأكل الْكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حَتَّى أمتنَا جوعا فَقَتَلُوهُ وصلبوه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وصلبوا عَن يَمِينه خنزيرا وَعَن يسَاره كَلْبا وَاسْتولى بلج على الأندلس وَكَانَت خطوب يطول ذكرهَا وَالله ولي العون والتوفيق
(1/168)

ولَايَة حَنْظَلَة بن صَفْوَان على الْمغرب

لما سمع الْخَلِيفَة هِشَام بِمَا جرى على كُلْثُوم وَأَصْحَابه قَامَت قِيَامَته فَوجه حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ وَهُوَ أَخُو بشر بن صَفْوَان الْمُتَقَدّم واليا على الْمغرب فَقدم القيروان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة فَوجدَ هوارة وهم ولد هوار بن أوريغ بن برنس خوارج على الدولة ورئيساهم عكاشة بن أَيُّوب الْفَزارِيّ وَعبد الْوَاحِد بن يزِيد الهواري وَكَانَا على مَذْهَب الصفرية
فَلَمَّا اسْتَقر حَنْظَلَة بالقيروان لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى زحف إِلَيْهِ عكاشة وَعبد الْوَاحِد فِي هوارة وَمن تَبِعَهُمْ من البربر فَخرج إِلَيْهِم حَنْظَلَة والتقوا على الْقرن من ظَاهر القيروان فَهَزَمَهُمْ بعد قتال صَعب واستلحمهم وَقتل عبد الْوَاحِد وَأخذ عكاشة أَسِيرًا وَلما جِيءَ إِلَيْهِ بعكاشة فِي رمته وبرأس عبد الْوَاحِد سجد شكرا لله تَعَالَى على مَا منحه من الْفَتْح وَأمر بعكاشة فَقتل وأحصيت الْقَتْلَى فِي ذَلِك الْيَوْم فَكَانُوا مائَة وَثَمَانِينَ ألفا وَكتب حَنْظَلَة بذلك إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام وسمعها اللَّيْث بن سعد فَقَالَ مَا غَزْوَة كنت أحب أَن أشهدها بعد غَزْوَة بدر أحب إِلَيّ من غَزْوَة الْقرن والأصنام
ثمَّ وَجه حَنْظَلَة أَبَا الخطار حسام بن ضرار الْكَلْبِيّ واليا من قبله على الأندلس فَركب إِلَيْهَا الْبَحْر من تونس سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة فدان لَهُ أهل الأندلس واستقام أمره بهَا حينا من الدَّهْر ثمَّ ثار عَلَيْهِ الصميل بن حَاتِم الْكَلْبِيّ وخلعه فِي خبر طَوِيل
(1/169)

وَلم يزل حَنْظَلَة على الْمغرب فِي أحسن حَال إِلَى أَن طرق الْخلَل الْخلَافَة بالمشرق وَخفت صَوتهَا لما حدث فِي بني أُميَّة من فتْنَة الْوَلِيد الْفَاسِق وَمَا كَانَ من أَمر الشِّيعَة والخوارج مَعَ مَرْوَان الْحمار آخر خلفائهم وأفضى الْأَمر إِلَى الإدالة مِنْهُم ببني الْعَبَّاس فَأجَاز عبد الرَّحْمَن بن حبيب الفِهري من الأندلس إِلَى الْمغرب وَغلب حَنْظَلَة عَلَيْهِ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة على مَا نذكرهُ
ذكر صَالح بن طريف البرغواطي المتنبي ومخرقته

وَفِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ ظُهُور صَالح بن طريف البرغواطي الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة بتامسنا من بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى على سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فِيمَا بَين سلا وآسفي وبرغواطة بطن من المصامدة على مَا حَقَّقَهُ ابْن خلدون وَكَانَ أَبوهُ طريف يكنى أَبَا صبيح وَكَانَ من قواد ميسرَة الخفير الْقَائِم بدعوة الصفرية وَلما انقرض أَمر ميسرَة بَقِي طريف قَائِما بِأَمْر برغواطة بتامسنا وَيُقَال إِنَّه تنبأ أَيْضا وَشرع لَهُم الشَّرَائِع ثمَّ هلك وَولى مَكَانَهُ ابْنه صَالح هَذَا وَقد كَانَ شهد مَعَ أَبِيه حروب ميسرَة
قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْخَيْر ثمَّ انْسَلَخَ من آيَات الله وَانْتَحَلَ دَعْوَى النُّبُوَّة وَشرع لَهُم الدّيانَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من بعده وَهِي مَعْرُوفَة فِي كتب المؤرخين
قَالَ فِي القرطاس كَانَ الضلال الَّذِي شرع لَهُم أَنهم يقرونَ بنبوته وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَ شهر رَجَب ويأكلون شهر رَمَضَان وَفرض عَلَيْهِم عشر صلوَات خمْسا بِاللَّيْلِ وخمسا بِالنَّهَارِ وَأَن الْأُضْحِية وَاجِبَة على كل شخص فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من الْمحرم وَشرع لَهُم فِي الْوضُوء غسل السُّرَّة والخاصرتين وَأمرهمْ أَن لَا يغتسلوا من جَنَابَة إِلَّا من حرَام وصلاتهم إِيمَاء لَا سُجُود فِيهَا لكِنهمْ يَسْجُدُونَ فِي آخر رَكْعَة خمس سَجدَات وَيَقُولُونَ عِنْد تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب بِاسْمِك يَا كساي وَزعم أَن تَفْسِيره بِسم الله
(1/170)

وَأمرهمْ أَن يخرجُوا الْعشْر من جَمِيع الثِّمَار وأباح لَهُم أَن يتَزَوَّج الرجل من النِّسَاء مَا شَاءَ وَلَا يتَزَوَّج من بَنَات عَمه ويطلقون ويراجعون ألف مرّة فِي الْيَوْم فَلَا تحرم عَلَيْهِم الْمَرْأَة بِشَيْء من ذَلِك وَأمرهمْ بقتل السَّارِق حَيْثُ وجد وَزعم أَنه لَا يطهره من ذَنبه إِلَّا السَّيْف وَأَن الدِّيَة تكون من الْبَقر وَحرم عَلَيْهِم رَأس كل حَيَوَان والدجاجة مَكْرُوه أكلهَا وقدوتهم فِي الْأَوْقَات الديكة وَحرم عَلَيْهِم ذَبحهَا وأكلها وَمن ذبح ديكا أَو أكله أعتق رَقَبَة وَأمرهمْ أَن يلحسوا بصاق ولاتهم على سَبِيل التَّبَرُّك فَكَانَ يبصق فِي أكفهم فيلحسونه ويحملونه إِلَى مرضاهم يستشفون بِهِ وَوضع لَهُم قُرْآنًا يقرؤونه فِي صلواتهم ويتلونه فِي مَسَاجِدهمْ وَزعم أَنه نزل عَلَيْهِ وَأَنه وَحي من الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَمن شكّ فِي ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَالْقُرْآن الَّذِي شرع لَهُم ثَمَانُون سُورَة سَمَّاهَا لَهُم بأسماء النَّبِيين وَغَيرهم مِنْهَا سُورَة آدم وَسورَة نوح وَسورَة فِرْعَوْن وَسورَة مُوسَى وَسورَة هَارُون وَسورَة بني إِسْرَائِيل وَسورَة الأسباط وَسورَة أَيُّوب وَسورَة يُونُس وَسورَة الْجمل وَسورَة الديك وَسورَة الحجل وَسورَة الْجَرَاد وَسورَة هاروت وماروت وَسورَة إِبْلِيس وَسورَة الْحَشْر وَسورَة غرائب الدُّنْيَا وفيهَا الْعلم الْعَظِيم بزعمهم حرم فِيهَا وحلل وَشرع وَفصل وَتسَمى فيهم بِصَالح الْمُؤمنِينَ وَقَالَ أَنا صَالح الْمُؤمنِينَ الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه الَّذِي أنزلهُ على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا حَكَاهُ الْبكْرِيّ عَن زمور بن صَالح الْوَافِد مِنْهُم على الحكم الْمُسْتَنْصر الْخَلِيفَة بقرطبة من قبل ملكهم يَوْمئِذٍ أبي مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة وَكَانَ يترجم عَنهُ بِجَمِيعِ خَبره دَاوُد بن عمر المسطاسي قَالَ وَكَانَ ظُهُور صَالح هَذَا فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة
وَقد قيل إِن ظُهُوره كَانَ لأوّل الْهِجْرَة وَأَنه انتحل ذَلِك عنادا ومحاكاة لما بلغه من شَأْن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْأول أصح ثمَّ زعم أَنه الْمهْدي الْأَكْبَر الَّذِي يخرج
(1/171)

فِي آخر الزَّمَان وَأَن عِيسَى يكون صَاحبه وَيُصلي خَلفه وَأَن اسْمه فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ صَالح وَفِي السرياني مَالك وَفِي العجمي عَالم وَفِي العبراني روبيل وَفِي الْبَرْبَرِي واربا وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَيْسَ بعده نَبِي
ثمَّ خرج إِلَى الْمشرق بعد أَن ملكهم سبعا وَأَرْبَعين سنة وَوَعدهمْ أَنه يرجع إِلَيْهِم فِي دَوَاة السَّابِع مِنْهُم وَأوصى بنيه بالتمسك بِدِينِهِ فتوارثوا ضلاله من بعده إِلَى أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة وَكَانَ للدول فيهم ملاحم إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين فمحوا أثر بدعتهم وسنعيد القَوْل فيهم بأبسط من هَذَا عِنْد الْوُصُول إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن تغلب آل عقبَة بن نَافِع على الْمغرب وَولَايَة عبد الرَّحْمَن بن حبيب مِنْهُم

كَانَ عقبَة بن نَافِع الفِهري رَضِي الله عَنهُ واليا على الْمغرب كَمَا مر وَهُوَ الَّذِي افْتتح الْأَقْصَى مِنْهُ وَلما اسْتشْهد بالزاب بَقِي بنوه بِهِ فَكَانَت لَهُم وجاهة مَعْرُوفَة بَين أَهله لمَكَان أَبِيهِم عقبَة من جِهَاد الْعَدو وَمَا فتح الله على يَده من الأقطار واختطاطه مَدِينَة القيروان إِلَى هِيَ كرْسِي الْإِمَارَة فَكَانَ مَا منح الله أهل الْمغرب من الْإِسْلَام وَالدّين كُله فِي صَحِيفَته فنالوا بذلك شرفا خَاصّا زِيَادَة على شرف القرشية وَعز الفهرية فَكَانَ يكون لَهُم الشفوف فِي بعض الأحيان حَتَّى على الْوُلَاة فضلا عَن غَيرهم
وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار مُوسَى بن نصير أَنه اسْتعْمل ابْنه عبد الْعَزِيز على الأندلس فثار عَلَيْهِ حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع وَقَتله بإغراء سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَتقدم أَيْضا مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى كُلْثُوم بن عِيَاض عِنْد قدومه القيروان من التوعد حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى مقاتلتهما
وَلما قتل حبيب هَذَا فِي وقْعَة كُلْثُوم الْمُتَقَدّمَة كَانَ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب صَاحب التَّرْجَمَة فِي جملَة أَصْحَاب بلج الناجين إِلَى سبتة وَلما قتل أَصْحَاب بلج عبد الْملك بن قطن الفِهري وصلبوه كَمَا مر فارقهم
(1/172)

عبد الرَّحْمَن هَذَا لما صَنَعُوا بِابْن عَنهُ وعزم على الطّلب بدمه فَاجْتمع إِلَيْهِ نَحْو مائَة ألف من عرب الأندلس وبربرها وَعمد إِلَى بلج فَقتله فِي خبر طَوِيل
ثمَّ حاول عبد الرَّحْمَن التغلب على الأندلس فَلَمَّا قدم أَبُو الخطار واليا عَلَيْهَا من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان أيس مِنْهَا وَركب الْبَحْر إِلَى الْمغرب فاحتل بتونس فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَقد توفّي هِشَام وَولي الْخلَافَة بعده الْوَلِيد بن يزِيد الْفَاسِق فَدَعَا عبد الرَّحْمَن أهل تونس إِلَى نَفسه فَأَجَابُوهُ وَبلغ ذَلِك حَنْظَلَة صَاحب القيروان فكره قتال الْمُسلمين وَسَفك دِمَائِهِمْ فَبعث إِلَيْهِ جمَاعَة من وُجُوه الْجند يَدعُونَهُ إِلَى الطَّاعَة فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ انتهز الفرصة وأوثقهم فِي الْحَدِيد وَأَقْبل بهم إِلَى القيروان فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ يُحَذرهُمْ قِتَاله وَيَقُول إِن رميتم وَلَو بحجرة قتلت من فِي يَدي فأحجموا عَنهُ ضنا بأشرافهم عَن الْقَتْل وَعلم بذلك حَنْظَلَة فارتحل إِلَى الْمشرق سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَدخل عبد الرَّحْمَن القيروان فَتمكن مِنْهَا وَاسْتولى على الْمغرب وَهُوَ أول متغلب عَلَيْهِ قَالُوا وَلما ولي مَرْوَان بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحمار الْخلَافَة بعث إِلَيْهِ بعهده وَكَانَ أَمر البربر يَوْمئِذٍ قد تفاقم وداء الخارجية قد أعضل ورؤوسها قد نبغت فِي كل جِهَة فانتقضوا من أَطْرَاف الْبِقَاع وتواثبوا على الْأَمر بِكُل مَكَان داعين إِلَى بدعتهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك مِنْهُم صنهاجة فَإِنَّهُم التفوا على كَبِيرهمْ ثَابت الصنهاجي وتغلبوا على باجة وثارت هوارة بطرابلس ملتفين على رئيسهم عبد الْجَبَّار والْحَارث وَغير هَؤُلَاءِ وَكَانُوا على مَذْهَب الإباضية فَقتلُوا عَامل طرابلس بكر بن عِيسَى الْقَيْسِي لما خرج يَدعُوهُم إِلَى السّلم وَعظم الْخطب فزحف إِلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن حبيب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فظفر بالصنهاجي والهواري وقتلهما وَقل جموعهما ثمَّ زحف إِلَى عُرْوَة بن الْوَلِيد الصفري وَكَانَ قد ثار بتونس فَقتله واستأصل الثوار وَانْقطع أَمر الْخَوَارِج من
(1/173)

إفريقية ثمَّ زحف سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة إِلَى جموع من البربر وَكَانُوا قد تجمعُوا بنواحي تلمسان فظفر بهم وفل جمعهم وَرجع ثمَّ أغزى جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى صقلية وَآخر إِلَى سردانية فأثخنوا فِي أُمَم الفرنج حَتَّى أذعنوا للجزية ودوخ عبد الرَّحْمَن أَرض الْمغرب وأذل المعاندين إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
وَأما أهل الأندلس فَإِنَّهُم كَانُوا قد خلعوا أَبَا الخطار وولوا عَلَيْهِم ثوبة بن سَلامَة الجذامي قَالَ ابْن بشكوال لما اتَّفقُوا عَلَيْهِ خاطبوا بذلك عبد الرَّحْمَن بن حبيب فَكتب إِلَيْهِ بعهده وَذَلِكَ سلخ رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة فضبط الْبِلَاد وَاسْتمرّ واليا سنتَيْن أَو نَحْوهمَا ثمَّ هلك وَولى أهل الأندلس عَلَيْهِم يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن حبيب وَهُوَ ابْن صَاحب التَّرْجَمَة ذكر الرَّازِيّ أَن مولده كَانَ بالقيروان وَأَنه لما استولى أَبوهُ على الْمغرب خرج يُوسُف هَذَا مغاضبا لَهُ لأمر اقْتضى ذَلِك فَقدم الأندلس واستوطنها وساد بهَا فأقامه أَهلهَا واليا عَلَيْهِم بعد أَمِيرهمْ ثوابة وَقد مَكَثُوا فوضى أَرْبَعَة أشهر وَكَانَ اجْتِمَاعهم عَلَيْهِ بِإِشَارَة الصميل بن حَاتِم الْكلابِي فاستبد يُوسُف بالأندلس وضبطها إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي الْمَعْرُوف بالداخل فانتزعها مِنْهُ وأورثها بنيه كَمَا سَيَأْتِي
دُخُول عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي إِلَى إفريقية وجوازه إِلَى الأندلس وتأسيسه للدولة الأموية بهَا

وَلما اسْتَقر قدم الدولة العباسية بالمشرق وانقرض أَمر بني أُميَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وذهبوا فِي كل وَجه أفلت عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة هَذَا وَقصد
(1/174)

الْمغرب فاجتاز بالقيروان وَبهَا عبد الرَّحْمَن بن حبيب صَاحب التَّرْجَمَة فارتاب بِهِ وعزم على قَتله فنجا الْأمَوِي إِلَى الأندلس وَكَانَ من أمره مَا كَانَ
ذكر ابْن حَيَّان أَن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي سَار حَتَّى أَتَى إفريقية فنزلها وَقد سبقه إِلَيْهَا جمَاعَة من فل بني أُميَّة وَكَانَ عِنْد صَاحبهَا عبد الرَّحْمَن بن حبيب يَهُودِيّ حدثاني قد صحب مسلمة بن عبد الْملك فَكَانَ يتكهن لَهُ ويخبره بتغلب الْقرشِي وَملكه الأندلس ويرثها عقبه من بعده وَأَن اسْمه عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ذُو ضفيرتين وَمن بَيت الْملك فَاتخذ الفِهري ضفيرتين أرسلهما رَجَاء أَن تناله الرِّوَايَة فَلَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ بِعَبْد الرَّحْمَن الْأمَوِي وَرَأى ضفيرتيه قَالَ لِلْيَهُودِيِّ هُوَ هَذَا وَأَنا قَاتله فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ إِن قتلته فَمَا هُوَ بِهِ وَإِن غلبت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَهو
وَثقل فل بني أُميَّة على ابْن حبيب فطرد كثيرا مِنْهُم خوفًا على ملكه ثمَّ تجنى على ابْنَيْنِ للوليد بن يزِيد كَانَ قد استجار بِهِ فَقَتَلَهُمَا وَأخذ مَالا كَانَ مَعَ إِسْمَاعِيل بن أبان بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وغلبه على أُخْته فَتَزَوجهَا غصبا وَطلب عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل فاختفى كَذَا لِابْنِ حَيَّان
وَعند ابْن خلدون أَن الْأُخْت الْمَذْكُورَة زَوجهَا عبد الرَّحْمَن من أَخِيه إلْيَاس بن حبيب وَلما قتل ابْني عَمها امتعضت لذَلِك وأغرت زَوجهَا واستفسدته على أَخِيه حَتَّى قَتله كَمَا نذْكر وَذَلِكَ أَنه لما انتظم أَمر الدولة العباسية بالمشرق وبويع السفاح ثمَّ الْمَنْصُور بعده كتب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن حبيب يَدعُوهُ إِلَى الطَّاعَة والبيعة فَأَجَابَهُ ودعا لَهُ وَبعث إِلَيْهِ بهدية فِيهَا بزاة وكلاب وَذهب قَلِيل وَذكر أَن إفريقية الْيَوْم إسلامية وَقد انْقَطع السَّبي فَغَضب الْمَنْصُور وَكتب إِلَيْهِ يتوعده وَبعث إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك بخلعه الْإِمَارَة فَنزع عبد الرَّحْمَن يَده من الطَّاعَة ومزق الخلعة على الْمِنْبَر فَوجدَ أَخُوهُ إلْيَاس بذلك السَّبِيل إِلَى مَا كَانَ يحاوله عَلَيْهِ وداخل وُجُوه الْجند فِي الفتك بِهِ وإعادة الدعْوَة للخليفة الْمَنْصُور ومالأه على ذَلِك أَخُوهُ عبد الْوَارِث بن حبيب وأحس عبد الرَّحْمَن مِنْهُمَا بِالشَّرِّ فَأمر إلْيَاس بِالْمَسِيرِ إِلَى تونس
(1/175)

فأظهر الِامْتِثَال ثمَّ جَاءَ ليودعه وَمَعَهُ عبد الْوَارِث وَكَانَ عبد الرَّحْمَن مَرِيضا فدخلا عَلَيْهِ وَقَتله على فرَاشه آخر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة لعشر سِنِين وَسَبْعَة أشهر من تغلبه على الْمغرب
اسْتِيلَاء إلْيَاس بن حبيب على الْمغرب

لما فتك إلْيَاس بأَخيه عبد الرَّحْمَن معتدا عَلَيْهِ بخلعه طَاعَة الْخَلِيفَة فر ابْنه حبيب بن عبد الرَّحْمَن إِلَى تونس بعد أَن طلبوه وضبطوا أَبْوَاب الْقصر ليأخذوه فَلم يظفروا بِهِ وَكَانَ عَمه عمرَان بن حبيب واليا بتونس من قبل أَبِيه فلحق بِهِ وَتمّ الْأَمر لإلياس وَاسْتولى على القيروان ثمَّ زحف إِلَيْهِ عمرَان وحبِيب فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِمَا وَخرج إلْيَاس للقائهم فَالْتَقوا واقتتلوا مَلِيًّا ثمَّ اصْطَلحُوا على أَن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة وَسَائِر بِلَاد الجريد ولعمران تونس وسطفورة والجزيرة ولإلياس القيروان وَسَائِر إفريقية وَالْمغْرب وَتمّ هَذَا الصُّلْح سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَسَار حبيب إِلَى عمله من بِلَاد الجريد وارتحل إلْيَاس مَعَ أَخِيه عمرَان إِلَى تونس وَلما وصلا إِلَيْهَا غدر إلْيَاس بعمران فَقتله وَقتل جمَاعَة من الْأَشْرَاف مَعَه وَقيل غربه إِلَى الأندلس وَعَاد هُوَ إِلَى القيروان فَبعث بِطَاعَتِهِ إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ قَاضِي إفريقية عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم وَصفا لَهُ أَمر الْمغرب وَثقل عَلَيْهِ مَكَان حبيب فاحتال عَلَيْهِ حَتَّى أركبه الْبَحْر إِلَى الأندلس وأركب مَعَه أَخَاهُ عبد الْوَارِث فردهم قاصف من الرّيح إِلَى طبرقة وَكَتَبُوا بخبرهم إِلَى إلْيَاس
(1/176)

فلج فِي طردهم
وتسامعت موَالِي عبد الرَّحْمَن وشيعته بِابْن مَوْلَاهُم فتسارعوا إِلَيْهِ وأنزلوه من السفين والتفوا عَلَيْهِ وزحفوا بِهِ إِلَى تونس فملكوها وَخرج إلْيَاس لقتالهم فخالفوه إِلَى القيروان وملكوها عَلَيْهِ وفتقوا السجون فَرجع إلْيَاس لقتالهم وَقد فر أَكثر من مَعَه إِلَى حبيب وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ حول القيروان برز حبيب فَنَادَى يَا عَم لم نقْتل أولياءنا وضائعنا وهم جنتنا فَهَلُمَّ للبراز فأينا غلب ملك فصاح الجيشان بتصويب رَأْيه فبرزا وتضاربا حَتَّى عجب النَّاس من صبرهما ثمَّ قتل حبيب إلْيَاس وَدخل القيروان فملكها آخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَكَانَت ولَايَة إلْيَاس نَحْو سنة وَنصف
وَفِي هَذِه السّنة استولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي على جَزِيرَة الأندلس انتزعها من يَد أميرها يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري وَهُوَ أَخُو حبيب الْمَذْكُور آنِفا
قَالَ ابْن حَيَّان كَانَ تغلب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة المرواني على سَرِير الْملك بقرطبة يَوْم الْأَضْحَى لعشر خلون من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة واستقام أمره بالأندلس وَبنى الْمَسْجِد الْجَامِع وَالْقصر بقرطبة وَأنْفق فِيهِ ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَمَات قبل تَمَامه ووفد عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل بَيته من الْمشرق وَكَانَ يَدْعُو للمنصور العباسي ثمَّ قطع دَعوته ومهد الدولة بالأندلس وأثل بهَا الْملك الْعَظِيم لبني مَرْوَان وَخرجت الأندلس من يَوْمئِذٍ عَن نظر صَاحب القيروان بل وَعَن نظر الْخَلِيفَة بالمشرق وَالله غَالب على أمره
(1/177)

اسْتِيلَاء حبيب بن عبد الرَّحْمَن على الْمغرب وفتنة عَاصِم بن جميل المتنبئ ومقتله
لما قتل حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَمه إلْيَاس وَتمكن من القيروان طلب عَمه عبد الْوَارِث لمشاركته فِي دم أَبِيه كَمَا مر ففر عبد الْوَارِث إِلَى ورفجومة إِحْدَى بطُون نفزاو بن لوي من البرابرة البتر فَنزل على كَبِيرهمْ عَاصِم بن جميل وَكَانَ كَاهِنًا يَدعِي النُّبُوَّة فأجاره ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِم حبيب فأوقعوا بِهِ وهزموه إِلَى قابس
واستفحل أَمر عَاصِم وشايعه على شَأْنه من رجالات نفزاوة عبد الْملك بن أبي الْجَعْد الورفجومي وَيزِيد بن سكوم الولهاصي وَكَانَا على رَأْي الإباضية وانضمت إِلَيْهِم سَائِر نفزاوة واشتدت شوكتهم وَكَانَ قيامهم أَولا بدعوة الْخَلِيفَة الْمَنْصُور
وَلما بَقِي أهل القيروان فوضى بِسَبَب فرار أَمِيرهمْ إِلَى قابس كتب من بهَا من الْعَرَب إِلَى عَاصِم هَذَا يَدعُونَهُ للقدوم عَلَيْهِم وَالْقِيَام بأمرهم بِشَرْط الدُّعَاء للمنصور فَأتى وَقَاتلهمْ فَهَزَمَهُمْ وَدخل القيروان عنْوَة واستباح أَهلهَا وَخرب مساجدها وأهانها ثمَّ سَار إِلَى حبيب بقابس بعد أَن اسْتخْلف على القيروان وَمن بَقِي بهَا من نفزاوة عبد الْملك ابْن أبي الْجَعْد فقاتل حبيبا وهزمه فلحق حبيب بجبل أورابن وَأَجَارَهُ أَهله ثمَّ زحف إِلَيْهِم عَاصِم فهزموه وقتلوه واستلحموا جمَاعَة من أَصْحَابه وَقَامَ بِأَمْر ورفجومة والقيروان من بعده عبد الْملك بن أبي الْجَعْد وَأهل القيروان أثْنَاء هَذَا كُله فِي غَايَة المذلة والهوان مَعَ البربر ثمَّ زحف حبيب إِلَى القيروان فبرز إِلَيْهِ عبد الْملك وَهزمَ حبيبا وَقَتله فِي الْمحرم سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة فَكَانَت ولَايَته نَحْو ثَلَاث سِنِين وانقرض بمقتله أَمر آل عقبَة من الْمغرب والبقاء لله وَحده
(1/178)

اسْتِيلَاء عبد الْملك بن أبي الْجَعْد على الْمغرب

لما قتل عبد الْملك بن أبي الْجَعْد الورنجومي حبيب بن عبد الرَّحْمَن الفِهري رَجَعَ فِي جموع البربر إِلَى القيروان فملكها وَأمر أَمر ورفجومة واستطالوا على أهل القيروان وَقتلُوا من بهَا من قُرَيْش وَسَائِر الْعَرَب حَيْثُ وجدوا وعاملوهم مُعَاملَة المكناسيين لآل إِدْرِيس وَاسْتَحَلُّوا من الحرمات مَا لم يستحله عَاصِم بن جميل قبلهم حَتَّى لقد ربطوا دوابهم بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع وَاشْتَدَّ الْبلَاء على أهل القيروان وافترقوا فِي النواحي فِرَارًا بِأَنْفسِهِم وشاع خبرهم فِي الْآفَاق فَحِينَئِذٍ قَامَ أَبُو الْخطاب عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح الغافري من رجالات الْعَرَب وَكَانَ على رَأْي الإباضية بأحواز طرابلس مُنْكرا لفعل ورفجومة ومغيرا عَلَيْهِم حَسْبَمَا نذْكر
اسْتِيلَاء عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح على الْمغرب وَظُهُور الصفرية من آل مدرار المكناسيين وبناؤهم مَدِينَة سجلماسة

كَانَ أَبُو الْخطاب عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح الْمعَافِرِي من وُجُوه الْعَرَب وَكَانَ على رَأْي الإباضية كَمَا قنلا وَلما بلغه مَا ارتكبته ورفجومة من أهل القيروان امتعض لذَلِك وَقَامَ محتسبا عَلَيْهِم وشايعه على ذَلِك برابرة طرابلس
وَتَوَلَّى كبر ذَلِك هوارة مِنْهُم وهوارة إِحْدَى بطُون أوريغة من البرانس فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وَتقدم بهم إِلَى طرابلس فملكها ثمَّ زحف إِلَى القيروان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة فَخرج إِلَيْهِ عبد الْملك بن أبي الْجَعْد فِي جموعة فانخزل عَنهُ أهل القيروان لما نالهم من عسفه وعسف قومه فَانْهَزَمَ وَقتل
وَاسْتولى أَبُو الْخطاب على القيروان وأثخن فِي جموع عبد الْملك من
(1/179)

ورفجومة وَسَائِر نفزاوة ثمَّ ولى على القيروان عبد الرَّحْمَن بن رستم الْفَارِسِي وَهُوَ من أَبنَاء رستم أَمِير الْفرس يَوْم الْقَادِسِيَّة كَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا من موَالِي الْعَرَب وَمن رُؤُوس هَذِه الْبِدْعَة فاستخلفه أَبُو الْخطاب على القيروان وَرجع هُوَ إِلَى طرابلس للقاء العساكر القادمة من جِهَة الْخَلِيفَة الْمَنْصُور على مَا نذكرهُ
وَلما حصل هَذَا الِاضْطِرَاب بالمغرب اجْتمعت الصفرية من مكناسة بِنَاحِيَة الْمغرب الْأَقْصَى فنقضوا طَاعَة الْعَرَب وولوا عَلَيْهِم عِيسَى بن يزِيد الْأسود من موَالِي الْعَرَب ورؤوس الْخَوَارِج واختطوا مَدِينَة سجلماسة سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة وَدخل سَائِر مكناسة من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة فيدينهم واقتطعوا سجلماسة وأعمالها عَن نظر الْوُلَاة بالقيروان
وَمن هَذَا الِاجْتِمَاع نشأت دولة بني مدرار مُلُوك سجلماسة فَإِن صفرية مكناسة لما بَايعُوا عِيسَى بن يزِيد أَقَامَ أَمِيرا عَلَيْهِم نَحْو خمس عشرَة سنة ثمَّ سخطوا إمرته ونقموا عَلَيْهِ بعض أَحْوَاله فعمدوا إِلَيْهِ وأوثقوه كتافا ووضعوه على قنة حَبل إِلَى أَن هلك سنة خمس وَخمسين وَمِائَة واجتمعوا بعده على كَبِيرهمْ أبي الْقَاسِم بن سمكو بن واسول المكناسي الصفري كَانَ أَبوهُ سمكو من حَملَة الْعلم ارتحل إِلَى الْمَدِينَة فَأدْرك التَّابِعين وَأخذ عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس قَالَه عريب بن حميد الْقُرْطُبِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَ عِكْرِمَة بربري الأَصْل كَمَا عِنْد ابْن خلكان قَالَ وَقد تكلم النَّاس فِيهِ لِأَنَّهُ
(1/180)

كَانَ يرى رَأْي الْخَوَارِج وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم الْمَذْكُور صَاحب ماسية وَهُوَ الَّذِي بَايع لعيسى بن يزِيد وَحمل قومه على طَاعَته فَلَمَّا خلعوا عِيسَى بَايعُوا أَبَا الْقَاسِم من بعده وَقَامَ بأمرهم إِلَى أَن هلك سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة
وَكَانَ يخْطب فِي عمله للمنصور ثمَّ للمهدي من بني الْعَبَّاس وَلما هلك ولوا عَلَيْهِم ابْنه إلْيَاس بن أبي الْقَاسِم وَكَانَ يدعى بالوزير ثمَّ انتفضوا عَلَيْهِ سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة فخلعوه وولوا مَكَانَهُ أَخَاهُ اليسع بن أبي الْقَاسِم وكنيته أَبُو مَنْصُور وَكَانَ صفريا وعَلى عَهده استفحل ملكهم بسجلماسة وَهُوَ الَّذِي أدَار سورها وَأتم بناءها واختط بهَا المصانع والقصور وانتقل إِلَيْهَا آخر الْمِائَة الثَّانِيَة وَهلك سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَولى بعده ابْنه مدرار ولقبه الْمُنْتَصر وطالت مدَّته وَكَانَ لَهُ ولدان كل مِنْهُمَا اسْمه مَيْمُون أَحدهمَا لأروى بنت عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت وَالْآخر لبغي وَكَانَ يعرف بالأمير فتنازعا وتداولا الْأَمر بَينهمَا استبدادا على أَبِيهِمَا ودامت الْحَرْب بَينهمَا ثَلَاث سِنِين وَهلك أَبوهُمَا مدرار سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فِي نوبَة مَيْمُون الْأَمِير وَاسْتمرّ مَيْمُون هَذَا فِي استبداده إِلَى أَن هلك سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَولي ابْنه مُحَمَّد بن مَيْمُون وَكَانَ إباضيا وَتُوفِّي سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ فولي اليسع بن الْمُنْتَصر
وَفِي أَيَّامه قدم عبيد الله الْمهْدي أول خلفاء العبديين من الشِّيعَة وَابْنه أَبُو الْقَاسِم من الْمشرق فدخلا سجلماسة متنكرين وَكَانَ الْخَلِيفَة المعتضد بِاللَّه العباسي قد أوعز إِلَى اليسع هَذَا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا فَنقبَ عَنْهُمَا وَقبض عَلَيْهِمَا وأودعهما السجْن إِلَى أَن افتكهما مُقيم دولتهما أَبُو عبد الله الشيعي الْمَعْرُوف بالمحتسب فَإِنَّهُ اقتحم سجلماسة فِي خبر مَعْرُوف وَأخرج عبيد الله وَابْنه من السجْن وَقتل اليسع سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
(1/181)

ثمَّ بَايع أهل سجلماسة من بعده الْفَتْح بن مَيْمُون الْأَمِير وَكَانَ أباضيا وَهلك على رَأس الْمِائَة الرَّابِعَة فولي أَخُوهُ أَحْمد بن مَيْمُون الْأَمِير واستقام أمره إِلَى أَن زحف مصالة بن حبوس الكتامي قَائِد الشِّيعَة العبديين فِي جموع كتامة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة تسع وثلاثمائة فدوخه وَأخذ أَهله بدعوة صَاحبه عبيد الله الْمهْدي وافتتح سجلماسة وتقبض على صَاحبهَا أَحْمد بن مَيْمُون الْأَمِير ثمَّ ولى عَلَيْهَا من قبله مُحَمَّد بن بسادر بن مدرار فَلم يلبث أَن استبد على الشِّيعَة وتلقب بالمعتز وَهلك سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَولي ابْنه الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن المعتز فَمَكثَ عشرا وَهلك وَولي ابْنه الْمُنْتَصر سمكو شَهْرَيْن وَكَانَت جدته تدبر أمره لصغره
ثمَّ ثار عَلَيْهِ ابْن عَمه مُحَمَّد بن الْفَتْح بن مَيْمُون الْأَمِير ورفض الخارجية ونادى بالدعوة العباسية وَأخذ بِمذهب أهل السّنة وتلقب بالشاكر لله وَاتخذ السِّكَّة باسمه فَكَانَت تسمى بِالدَّرَاهِمِ الشاكرية
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ فِي غَايَة الْعدْل وَكَانَت سكته فِي غَايَة الطّيب وَاسْتمرّ إِلَى أَن زحف جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد الْمعز العبيدي فِي جموع صنهاجة وكتامة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فغلب على سجلماسة وفر عَنْهَا مُحَمَّد بن الْفَتْح إِلَى حصن تسكرات على أَمْيَال مِنْهَا ثمَّ دخل سجلماسة متنكرا فَعرفهُ رجل من مضغرة وَأعلم بِهِ جوهرا فتقبض عَلَيْهِ وَسَاقه أَسِيرًا مَعَ أَحْمد بن أبي بكر الزناتي صَاحب فاس إِلَى المهدية كَمَا نذكرهُ
ثمَّ لما انْتقض الْمغرب على الشِّيعَة وَأخذ زناته بِطَاعَة الحكم الْمُسْتَنْصر صَاحب الأندلس ثار بسجلماسة قَائِم من ولد الشاكر لله وتلقب بالمنتصر
(1/182)

بِاللَّه ثمَّ وثب عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو مُحَمَّد سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة فَقتله وَقَامَ بِالْأَمر مَكَانَهُ وتلقب بالمعتز بِاللَّه وَأقَام على ذَلِك مُدَّة وَأمر مكناسة يَوْمئِذٍ قد تداعى إِلَى الانحلال وَأمر زناتة قد استفحل بالمغرب إِلَى أَن زحف خزرون بن فلول الزناتي ثمَّ المغرواي إِلَى سجلماسة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فبرز إِلَيْهِ ابو مُحَمَّد المعتز فَهزمَ خزرون وَقَتله وَاسْتولى على بَلَده وذخيرته وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ ذَلِك لأوّل حجابة الْمَنْصُور بن أبي عَامر المستبد على بني أُميَّة بالأندلس وانقرض أَمر بني مدرار والبقاء لله
وَقد لخصنا هَذِه الدولة المدرارية من كتاب العبر وسردناها هُنَا اسْتِطْرَادًا ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ولَايَة مُحَمَّد بن الْأَشْعَث على الْمغرب

لما ارتكبت ورفجومة من أهل القيروان مَا ارتكبته وَفد جمَاعَة من رجالات الْعَرَب بهَا على الْخَلِيفَة الْمَنْصُور واستصرخوه على الْخَوَارِج وَشَكوا إِلَيْهِ تسلقهم على كرْسِي الْإِمَارَة بالقيروان فَوجه الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْخُزَاعِيّ واليا على مصر وَأمره باستنقاذ إفريقية من البربر فَوجه مُحَمَّد بن الْأَشْعَث أَبَا الْأَحْوَص عَمْرو بن الْأَحْوَص الْعجلِيّ سنة اثْنَتَيْنِ واربعين وَمِائَة فَخرج إِلَيْهِ أَبُو الْخطاب الْمعَافِرِي وهزمه بسرت قَرِيبا من طرابلس وَاسْتولى على عسكره
وَرجع أَبُو الْأَحْوَص مفلولا إِلَى مصر فَكتب الْمَنْصُور إِلَى ابْن الْأَشْعَث
(1/183)

يَأْمُرهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمغرب بِنَفسِهِ فَسَار إِلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَمَعَهُ الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي فَلَقِيَهُمْ أَبُو الْخطاب بسرت أَيْضا فأوقع بِهِ ابْن الْأَشْعَث وَقَتله واستلحم جموعه
وطار الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الرَّحْمَن بن رستم بمكانه من القيروان فَاحْتمل أَهله وَولده وَلحق بإباضية الْمغرب الْأَوْسَط وَنزل على لماية بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضرى من البتر لحلف كَانَ بَينه وَبينهمْ فالتفوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوا لَهُ بالخلافة وتفاوضوا فِي بِنَاء مَدِينَة تكون كرسيا لإمارتهم شَأْن الصفرية من بني مدرار فشرعوا فِي بِنَاء مَدِينَة تاهرت سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة فعمرت واتسعت خطتها وتوارثها بَنو رستم واقتطعوها عَن نظر وُلَاة الْمغرب
وَكَانَ يسلم عَلَيْهِم بالخلافة على مَا هُوَ الْمَعْرُوف منذهب الْخَوَارِج إِلَى أَن انقرضت دولتهم على يَد العبيديين أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة
وَأما ابْن الْأَشْعَث فَإِنَّهُ اسْتَقر بالقيروان غرَّة جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَشرع فِي بِنَاء سورها فِي ذِي الْقعدَة من السّنة وَتمّ فِي رَجَب سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَضبط الْمغرب أحسن ضبط وافتتح طرابلس وَاسْتعْمل عَلَيْهَا الْمخَارِق بن غفار الطَّائِي وعَلى طبنة والزاب الْأَغْلَب بن سَالم وخافه البربر
ثمَّ ثار عَلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بن عجلَان الْخُرَاسَانِي أحد الْجند فِي جمَاعَة من قواد مُضر ونفوه عَن القيروان فقفل إِلَى الْمشرق ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة فَكَانَت ولَايَته نَحْو أَربع سِنِين
(1/184)

ولَايَة الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي على الْمغرب

لما قفل ابْن الْأَشْعَث إِلَى الْمشرق ولى جند مُضر عَلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى الْخُرَاسَانِي واتصل بالمنصور مَا فعله قواد مُضر من ذَلِك فَبعث إِلَى الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي ثمَّ السَّعْدِيّ بعهده على الْمغرب والأغلب هَذَا هُوَ جد الأغالبة مُلُوك أفريقية من بعده على الْمغرب وَكَانَ من ذَوي الشجَاعَة والرأي وَمن صِحَاب أبي مُسلم بخراسان فَدخل الْمغرب مَعَ ابْن الْأَشْعَث وَاسْتَعْملهُ على طبنة كَمَا مر فَلَمَّا وافاه عهد الْخَلِيفَة أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة انْتقل إِلَى القيروان وأمنها واستقام أمره
ثمَّ خرج عَلَيْهِ أَبُو قُرَّة ين دوناس اليفرني وَيُقَال المغيلي من الصفرية والتفت عَلَيْهِ زناتة بِجِهَة تلمسان وَبَايَعُوا لَهُ بالخلافة واستفحل أمره فزحف إِلَيْهِ الْأَغْلَب فَلَمَّا دنا مِنْهُ فر أَبُو قُرَّة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فَلم يقف إِلَّا بطنجة وانْتهى الْأَغْلَب إِلَى الزاب ثمَّ عَاد إِلَى القيروان فَعَاد أَبُو قُرَّة إِلَى وَطنه من تلمسان
وَفِي سنة خمسين وَمِائَة خرج الْأَغْلَب لقِتَال الصفرية فتثاقل عَنهُ طَائِفَة من الْجند وَلما أوغل فِي طلب الصفرية ثار عَلَيْهِ الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ وَكَانَ بتونس وَلحق بِهِ المتثاقلون من الْجند وَكَانَ تثاقلهم عَن الْأَغْلَب بمكاتبة الْحسن إيَّاهُم فِي ذَلِك فَأقبل بهم إِلَى القيروان وَاسْتولى عَلَيْهَا وَلحق الْأَغْلَب بقابس وَكَاتب الْحسن يرغبه فِي الطَّاعَة فَلم يقبل ثمَّ وافى كتاب الْمَنْصُور يَدْعُو الْحسن إِلَى الطَّاعَة فَأبى فصمد إِلَيْهِ الْأَغْلَب واقتتلا فَانْهَزَمَ الْحسن وفر إِلَى تونس وَجمع الجموع وَرجع فَخرج إِلَيْهِ الْأَغْلَب فاصابه سهم فَقتله فَقدم أَصْحَابه عَلَيْهِم الْمخَارِق بن غفار الطَّائِي الَّذِي كَانَ على طرابلس وحملوا على الْحسن فَانْهَزَمَ أمامهم إِلَى تونس ثمَّ لحق بكتامة وخيل الْمخَارِق فِي اتِّبَاعه ثمَّ رَجَعَ إِلَى تونس بعد شَهْرَيْن فَقتله الْجند
(1/185)

وَقيل إِن أَصْحَاب الْأَغْلَب قَتَلُوهُ فِي الْوَقْت الَّذِي قتل فِيهِ الْأَغْلَب وَكَانَ مقتل الْأَغْلَب فِي شعْبَان سنة خمسين وَمِائَة
وَقَامَ بِأَمْر إفريقية الْمخَارِق بن غفار إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
ولَايَة عمر بن حَفْص هزارمرد على الْمغرب

لما بلغ الْخَلِيفَة الْمَنْصُور مقتل الْأَغْلَب بن سَالم وَجه مَكَانَهُ عمر بن حَفْص من ولد قبيصَة بن أبي صفرَة أخي الْمُهلب بن أبي صفرَة فَقدم القيروان فِي خَمْسمِائَة فَارس سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة فاستقامت أُمُوره ثَلَاث سِنِين ثمَّ خرج إِلَى طبنة لإدارة السُّور عَلَيْهَا واستخلف على القيروان حبيب بن حبيب المهلبي فثار البربر بإفريقية لما علمُوا من بعد الحامية عَنْهَا وغلبوا على من كَانَ بهَا وزحفوا إِلَى القيروان فَخرج إِلَيْهِم حبيب فهزموه وقتلوه وثار البربر الإباضية بطرابلس وولوا عَلَيْهِم أَبَا حَاتِم يَعْقُوب بن لَبِيب المغيلي مولى كِنْدَة
وتسامعت بِهِ خوارج الْمغرب فانقضوا من كل نَاحيَة ونبغت رُؤُوس الْفِتْنَة من كل وَجه وعادت هيف إِلَى أديانها وَكَانَت هَذِه الْفِتْنَة هِيَ زبدة الْفِتَن الَّتِي مخضتها الْخَوَارِج بالمغرب من لدن ميسرَة الخفير إِلَى الْآن فَإِنَّهُم زحفوا إِلَى عمر بن حَفْص وَهُوَ بطبنة من أَرض الزاب فِي اثْنَي عشر عسكرا فَكَانَ مِنْهُم أَبُو قُرَّة اليفرني من أَرْبَعِينَ ألفا من الصفرية وَعبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت فِي خَمْسَة عشر ألفا من الإباضية والمسور بن هَانِئ الزناتي فِي عشرَة آلَاف من الإباضية أَيْضا وَعبد الْملك بن سكرديد الصنهاجي فِي الفين من صنهاجة الصفرية وَجَرِير بن مَسْعُود المديوني فِيمَن تبعه من مديونة وانضم إِلَيْهِم غير هَؤُلَاءِ من خوارج هوارة وزناتة مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة
وَلما اشْتَدَّ الْحصار على عمر بن حَفْص أعمل الْحِيلَة فِي إِيقَاع الْخلاف
(1/186)

بَينهم ودافعهم بالأموال وَأرْسل إِلَى أبي قُرَّة على يَد ابْنه أبي نور أَن يُعْطِيهِ أَرْبَعِينَ ألفا ولابنه أَرْبَعَة آلَاف على أَن يرتحل عَنهُ فَقبل وارتحل بقَوْمه وانفض البربر عَن طبنه
ثمَّ سَار أَبُو حَاتِم يَعْقُوب بن لَبِيب إِلَى القيروان وحاصرها ثَمَانِيَة أشهر حَتَّى أكل أَهلهَا الْميتَة وَلما اشْتَدَّ الْحصار على أهل القيروان خرج عمر بن حَفْص من طبنة يُرِيد أَبَا حَاتِم الإباضية الَّذين مَعَه وَبلغ أَبَا حَاتِم وَأَصْحَابه وهم محاصرون للقيروان مسير عمر بن حَفْص إِلَيْهِم فَسَارُوا للقائه فَمَال هُوَ من الأربس إِلَى تونس ثمَّ جَاءَ إِلَى القيروان فَدَخلَهَا واستعد للحصار وشحنها بالأقوات وَالرِّجَال وَأتبعهُ أَبُو حَاتِم والبربر وَأَبُو قُرَّة مَعَهم فِي قومه وَكَانُوا فِي ثَلَاثمِائَة وَخمسين ألفا الْخَيل مِنْهُم خَمْسَة وَثَمَانُونَ ألفا وَالْبَاقِي رجالة وَأَحَاطُوا بالقيروان وَعمر بن حَفْص داخلها وَطَالَ الْحصار ثمَّ بلغه الْخَبَر أَن الْمَنْصُور وَجه لاستنقاذه ابْن عَمه يزِيد بن حَاتِم المهلبي فَأَنف من ذَلِك وَقَالَ لَا خير فِي الْحَيَاة بعد أَن يُقَال يزِيد أخرجه من الْحصار إِنَّمَا هِيَ رقدة ثمَّ ابْعَثْ إِلَى الْحساب وَخرج عمر فقاتل حَتَّى قتل أواسط حجَّة سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة
وَكَانَ عمر هَذَا بطلا سَمحا يلقب هزارمرد وَهُوَ لفظ فَارسي مَعْنَاهُ ألف رجل
ثمَّ ولى النَّاس عَلَيْهِم أَخَاهُ لأمه حميد بن صَخْر وانقضى الْحصار وأحرق أَبُو حَاتِم أَبْوَاب القيروان وثلم سورها وَخرج أَكثر الْجند إِلَى طبنة وَدخل أَبُو حَاتِم القيروان فاستولى عَلَيْهَا وَيُقَال إِن ابْن صَخْر وادعه على مَا أحب وَالله تَعَالَى أعلم
(1/187)

ولَايَة يزِيد بن حَاتِم على الْمغرب

لما بلغ الْمَنْصُور انْتِقَاض إفريقية على عمر بن حَفْص وحصاره بطبنة أَولا ثمَّ بالقيروان ثَانِيًا بعث إِلَيْهِ يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة فِي سِتِّينَ ألفا وَبلغ خَبره عمر بن حَفْص فَحَمله ذَلِك على الاستماتة كَمَا تقدم
وَبلغ أَبَا حَاتِم وَهُوَ بالقيروان مسير يزِيد بن حَاتِم إِلَيْهِ فَخرج للقائه فَلَقِيَهُ يزِيد بن حَاتِم بنواحي طرابلس واقتتلوا قتالا شَدِيدا فَانْهَزَمَ البربر وَقتل أَبُو حَاتِم فِي ثَلَاثِينَ ألفا من أَصْحَابه وتتبعهم يزِيد بِالْقَتْلِ طلبا بِدَم عمر بن حَفْص
ثمَّ ارتحل إِلَى القيروان فَدَخلَهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر مَضَت من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَخمسين وَمِائَة فمهدها ورتب أسواقها وأفرد لكل صناعَة مَكَانا وجدد بِنَاء جَامعهَا وَضبط الْأُمُور أحسن ضبط
وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن عبد الرَّحْمَن الفِهري مَعَ أبي حَاتِم فلحق بكتامة فَبعث يزِيد فِي طلبه الْمخَارِق بن غفار فحاصره ثَمَانِيَة أشهر ثمَّ غلب عَلَيْهِ فَقتل جمَاعَة مِمَّن مَعَه وهرب الْبَاقُونَ فِي كل نَاحيَة وَنَجَا هُوَ إِلَى الأندلس
وَبعث يزِيد الْمخَارِق أَيْضا على الزاب فَنزل طبنة وأثخن فِي البربر وأوقع بهم وقائع عَظِيمَة
وَكَانَت حروب الْخَوَارِج مَعَ الْعَرَب مُنْذُ انتفضوا على عمر بن حَفْص إِلَى انْقِضَائِهَا ثَلَاثمِائَة وخمسا وَسبعين حَربًا قَالَه ابْن خلدون
ثمَّ انتقضت ورفجومة سنة سبع وَخمسين وولوا عَلَيْهِم رجلا اسْمه أَبُو زرجونة فسرح إِلَيْهِم يزِيد بن حَاتِم من عشيرته يزِيد بن مجزأَة المهلبي فهزموه واستأذنه ابْنه الْمُهلب وَكَانَ على الزاب وطبنة فِي الزَّحْف إِلَى
(1/188)

ورفجومة فَأذن لَهُ وأمده بِالْعَلَاءِ بن سعيد بن مَرْوَان المهلبي من عشيرتهم أَيْضا فأوقع بهم وقتلهم أَبْرَح قتل
وانتقضت نفزاوة من بعد ذَلِك فِي سلطنة ابْنه دَاوُد بن يزِيد فاستأصلهم قتلا أَيْضا فركدت ريح الْخَوَارِج من البربر وتداعت بدعتهم إِلَى الاضمحلال
قَالَ ابْن خلدون لم يزل أَمر الْخَوَارِج بالمغرب يَعْنِي أَيَّام يزِيد هَذَا فِي تنَاقض إِلَى أَن اضمحلت ديانتهم وافترقت جَمَاعَتهمْ وَبقيت آثَار نحلتهم فِي أعقاب البربر الَّذين دانوا بهَا فِي صدر الْإِسْلَام فَفِي بِلَاد زناتة بالصحراء مِنْهَا أثر بَاقٍ لهَذَا الْعَهْد وَكَذَلِكَ فِي جبال طرابلس أثر بَاقٍ من تِلْكَ النحلة وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَاسْتمرّ يزِيد بن حَاتِم ضابطا لأمر إفريقية وَالْمغْرب إِلَى أَن توفّي بهَا يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة فِي خلَافَة هَارُون الرشيد العباسي فَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَولى النَّاس عَلَيْهِم ابْنه دَاوُد إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
وَكَانَ يزِيد رَحمَه الله من السمحاء الأمجاد والفضلاء الأنجاد وكل بني الْمُهلب كَذَلِك وبهم ضرب الْمثل أَبُو مُحَمَّد الحريري فِي المقامات إِذْ قَالَ وَصَارَ الْأَدَب أعلق بِي من الْهوى ببني عذرة والشجاعة بآل أبي صفرَة وَقَالَ الشَّاعِر الحماسي
(نزلت على آل الْمُهلب شاتيا ... بَعيدا عَن الأوطان فِي الزَّمن الْمحل)
(فَمَا زَالَ بِي معروفهم وافتقادهم ... وبرهم حَتَّى حسبتهم أَهلِي)
فَأَما يزِيد هَذَا من بَينهم فحاله فِي الشجَاعَة وجودة الرَّأْي كَمَا رَأَيْت وَأما الْجُود والسخاء فَهُوَ فيهمَا الْمثل السائر كَانَ ربيع بن ثَابت الرقي الشَّاعِر مدح يزِيد بن أسيد بِالتَّصْغِيرِ السّلمِيّ وَهُوَ وَال على أرمينية فقصر فِي حَقه ثمَّ مدح يزِيد بن حَاتِم فَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَقَالَ ربيعَة من قصيدة
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليم والأغر بن حَاتِم)
(يزِيد سليم سَالم المَال والفتى ... فَتى الأزد للأموال غير مسالم)
(1/189)

(فهم الْفَتى الْأَزْدِيّ إِتْلَاف مَاله ... وهم الْفَتى الْقَيْسِي جمع الدَّرَاهِم)
ولَايَة روح بن حَاتِم على الْمغرب

وَلما بلغ الرشيد وَفَاة يزِيد بن حَاتِم وَكَانَ أَخُوهُ روح واليا على فلسطين وَكَانَ أسن من يزِيد استقدمه وَعَزاهُ فِي أَخِيه وولاه على الْمغرب فَقدم القيروان منتصف سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ يزِيد قبْلَة قد أذلّ الْخَوَارِج ومهد الْبِلَاد كَمَا قُلْنَا فَكَانَت أَرض الْمغرب سَاكِنة ايام روح وَرغب فِي موادعته عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت فوادعه
قَالَ ابْن خلدون وَفِي أَيَّام روح انخضذت شَوْكَة البربر واستكانوا للغلب وطاعوا للدّين فَضرب الْإِسْلَام بجرانه وَأَلْقَتْ الدولة المضرية على البربر بكلكلها اه كَلَام ابْن خلدون
وَفِي أَيَّام روح أَيْضا اجتاز الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله بِبِلَاد مصر وإفريقية ناجيا من وقْعَة فخ الَّتِي كَانَت بِمَكَّة لآل الْعَبَّاس على آل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم وَدخل مَدِينَة وليلى من الْمغرب الْأَقْصَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
قَالَ ابْن خلكان كَانَ روح بن حَاتِم من الكرماء الأجواد ولي لخمسة من الْخُلَفَاء السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد وَيُقَال إِنَّه لم يتَّفق مثل هَذَا إِلَّا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ ولي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وللخلفاء الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم قَالَ وَكَانَ روح واليا على السَّنَد ولاه عَلَيْهَا الْمهْدي بن الْمَنْصُور فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يزِيد بالقيروان وَدفن بِبَاب سلم قَالَ أهل إفريقية مَا أبعد مَا يكون بَين قَبْرِي هذَيْن الْأَخَوَيْنِ فَإِن أَخَاهُ بالسند وَهَذَا
(1/190)

هُنَا فاتفق أَن الرشيد عزل روحا عَن السَّنَد وسيره إِلَى مَوضِع أَخِيه يزِيد فَدخل إفريقية أول رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَلم يزل واليا بهَا إِلَى أَن توفّي بهَا لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَدفن مَعَ أَخِيه يزِيد فِي قبر وَاحِد فَعجب النَّاس من هَذَا الِاتِّفَاق بعد ذَلِك التباعد رحمهمَا الله
ثمَّ ولي الْمغرب من قبل الرشيد حبيب بن نصر المهلبي ثمَّ عَزله سنة سبع وَسبعين وَمِائَة
وَولي على الْمغرب الْفضل روح بن حَاتِم وَقَتله عبد الله بن الْجَارُود منتصف سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وانقرضت بانقراضه دولة آل الْمُهلب من الْمغرب
ثمَّ ولى الرشيد على الْمغرب هرثمة بن أعين فَبنى الْقصر الْكَبِير بالمنستير وَبنى السُّور على طرابلس من جِهَة الْبَحْر وَلما رأى هرثمة مَا بالمغرب من كَثْرَة الثوار وَالْخلاف استعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه لِسنتَيْنِ وَنصف من ولَايَته
ثمَّ ولى الرشيد على إفريقية مُحَمَّد بن مقَاتل العكي وَكَانَ رضيعا لَهُ فاضطربت عَلَيْهِ إفريقية وَبلغ الرشيد ذَلِك
وَطلب أهل إفريقية من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ من عُمَّال مُحَمَّد بن مقَاتل أَن يكْتب إِلَى الرشيد فِي الْولَايَة عَلَيْهِم فَكتب إِلَى الرشيد فِي ذَلِك على أَن يتْرك الْمِائَة ألف دِينَار الَّتِي كَانَت تحمل من مصر إِلَى إفريقية إِعَانَة
(1/191)

للولاة بهَا وعَلى أَن يحمل هُوَ من إفريقية إِلَى الْخَلِيفَة أَرْبَعِينَ ألفا وَبلغ الرشيد غناؤه وكفايته فَاسْتَشَارَ فِيهِ أَصْحَابه فَأَشَارَ هرثمة بن أعين بولايته فَكتب لَهُ بالعهد على إفريقية منتصف أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة فَقَامَ إِبْرَاهِيم بِالْأَمر وَضبط الْبِلَاد فسكنت واستراحت من الْفِتَن وابتنى مَدِينَة العباسية قرب القيروان وانتقل إِلَيْهَا بجملته وأورث بإفريقية ملكا لِبَنِيهِ من بعده
وَفِي هَذِه الْمدَّة انقسم الْمغرب إِلَى ثَلَاث ممالك فَكَانَ بَنو الْأَغْلَب بإفريقية والقيروان وَبَنُو خزر المغراويون بالمغرب الْأَوْسَط وتلمسان وَبَنُو إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى
وَقبل أَن نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ نذْكر فصلا نشِير فِيهِ إِلَى مَذَاهِب أهل الْمغرب ونحلهم على الْجُمْلَة وَالله الْمُوفق
القَوْل فِي مَذَاهِب أهل الْمغرب أصولا وفروعا وَمَا يتبع ذَلِك

قد تقدم لنا مَا قَالَه الشَّيْخ ابْن أبي زيد رَحمَه الله من أَن البربر ارْتَدُّوا اثْنَتَيْ عشرَة مرّة وَأَنه لم تَسْتَقِر كلمة الْإِسْلَام فيهم إِلَّا لعهد مُوسَى بن نصير وَبعد فَتحه الأندلس ثمَّ كمل إسْلَامهمْ على يَد إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر وَتقدم أَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ أرسل عشرَة من التَّابِعين يفقهُونَ أهل الْمغرب فِي دينهم فَكَانَ المغاربة فِي صدر الْإِسْلَام لذَلِك على مَذْهَب جُمْهُور السّلف من الْأمة واعتقادهم وَهُوَ الْمَذْهَب الْحق إِلَى أَن حدثت فيهم بِدعَة الخارجية لأوّل الْمِائَة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة نزع إِلَيْهِم بهَا بعض أهل النِّفَاق من خوارج الْعرَاق وبثوها فيهم فتلقوها مِنْهُم بِالْقبُولِ وَحسن موقعها لديهم بِسَبَب مَا كَانُوا يعانونه من ثقل وَطْأَة الْخلَافَة القريشية وجور بعض عمالها حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فلقنهم أهل الْبدع أَن الْخلَافَة لَا تشْتَرط فِيهَا القريشية بل وَلَا الْعَرَبيَّة وَأَن كل من كَانَ أتقى لله كَانَ أَحَق بهَا وَلَو عبدا حَبَشِيًّا على ظَاهر الحَدِيث ودسوا إِلَيْهِم مَعَ ذَلِك بعض
(1/192)

تشديدات الْخَوَارِج وتعمقاتهم وأروهم مَا هم عَلَيْهِ من التصلب فِي دينهم فَظهر للبربر ببادئ الرَّأْي أَن تعمقهم ذَلِك إِنَّمَا هُوَ أثر من آثَار الخشية لله وَالْخَوْف مِنْهُ وَأَن ذَلِك هُوَ عين التَّقْوَى الْمَأْمُور بهَا شرعا وَغَابَ عَنْهُم أَن الدّين يسر كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن مِلَّة الْإِسْلَام عرفت من بَين الْملَل بالحنيفية السمحة لذَلِك وَالله تَعَالَى يَقُول {وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج} وَمن أمعن نظره فِي نُصُوص الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة علم يَقِينا أَن طَرِيق النجَاة إِنَّمَا هِيَ سلوك الْوسط وَإِن كلا من التعمق والانحلال ضلال وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى {وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله} الْآيَة وَقد قرر جمع من الْأَئِمَّة المقتدى بهم كالغزالي فِي الْإِحْيَاء وَغَيره أَن الْمَحْمُود فِي أُمُور الديانَات كلهَا إِنَّمَا هُوَ سلوك الْوسط بَين الإفراط والتفريط وَبِه يتم مُرَاد الله من خلقه وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَهَذَا مَبْحَث طَوِيل نَفِيس وَقد رمزنا إِلَيْهِ بِهَذِهِ النبذة الْيَسِيرَة والتوفيق بيد الله
وَقد رسخت هَذِه الْبِدْعَة الخارجية فِي البربر زَمَانا طَويلا إِلَى أَن اضمحلت فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَمَا بعْدهَا وَمَعَ ذَلِك فقد بقيت مِنْهَا آثَار فِي أَعْقَابهم من أَصْحَاب الْأَطْرَاف كَمَا ذكره ابْن خلدون والناقد بَصِير
وَلما طهر الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس الْمغرب من هَذِه النزعة الشيطانية أَخذ أَهله بعْدهَا بمذاهب أهل الْعرَاق فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لِأَن ذَلِك الْمَذْهَب يَوْمئِذٍ هُوَ مَذْهَب الْخُلَفَاء بالمشرق وَالنَّاس على قدم إمَامهمْ
قَالَ عِيَاض فِي المدارك ظهر مَذْهَب أبي حنيفَة بإفريقية ظهورا كَبِيرا إِلَى قرب أَرْبَعمِائَة سنة فَانْقَطع مِنْهَا وَدخل مِنْهُ شَيْء إِلَى مَا وَرَاءَهَا من الْمغرب قَدِيما بِمَدِينَة فاس وبالأندلس وَكَذَا ظهر بالأندلس أَيْضا مَذْهَب عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ من أهل الشَّام
وَاخْتلف النَّاس فِي السَّبَب الَّذِي انْتقل بِهِ أهل الْمغرب عَن مَذْهَب أبي حنيفَة وَغَيره إِلَى مَذْهَب الإِمَام مَالك بن أنس الَّذِي هُوَ مَذْهَب السّلف من
(1/193)

أهل الْحجاز فَقَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة الْمعز بن باديس الصنهاجي الْمُتَوفَّى فِي أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة مَا نَصه كَانَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ بإفريقية أظهر الْمذَاهب فَحمل الْمعز الْمَذْكُور جَمِيع أهل الْمغرب على التَّمَسُّك بِمذهب الإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ وحسم مَادَّة الْخلاف فِي الْمذَاهب وَاسْتمرّ الْحَال من ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْآن اه
قلت كَانَ الْمعز هَذَا وأسلافه من صنهاجة بإفريقية على مَذْهَب الرافضة من الشِّيعَة أَخَذُوهُ عَن خلفائهم العبيديين أَيَّام استيلائهم على الْمغرب فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة وحملوا النَّاس عَلَيْهِ وامتحنوهم وطارت بدعتهم فِي أقطار الْمغرب كُله فَلَمَّا أفْضى الْأَمر إِلَى الْمعز بن باديس الْمَذْكُور قطع دَعْوَة الشِّيعَة من إفريقية ودعا لبني الْعَبَّاس وَحمل النَّاس على التَّمَسُّك بِمذهب مَالك عَالم الْمَدِينَة وَإِمَام دَار الْهِجْرَة
هَذَا وَالْمَعْرُوف أَن مَذْهَب مَالك ظهر أَولا بالأندلس ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى أَيَّام الأدارسة وَكَذَا ظهر بإفريقية ظهورا بَينا قبل وجود الْمغرب بِكَثِير بل قبل اسْتِيلَاء صنهاجة والعبيديين على الْمغرب وَذَلِكَ على يَد أَسد بن الْفُرَات وَعبد السَّلَام بن سعيد التنوخي الْمَعْرُوف بسحنون وَغَيرهمَا من أَئِمَّة المغاربة ثمَّ لما ظَهرت دولة الشِّيعَة بإفريقية حاولوا محوه فَلم يَتَيَسَّر لَهُم ذَلِك وَكَانَ فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة فِي ذَلِك الْعَصْر مَعَهم فِي محنة عَظِيمَة مِنْهُم ابْن أبي زيد والقابسي وَأَبُو عمرَان الفاسي وطبقتهم وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن نَصره الْمعز الْمَذْكُور جزاه الله خيرا قَالُوا وَكَانَ ظُهُوره بالأندلس على يَد الْفَقِيه زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بشبطون فَهُوَ أول من أدخلهُ الأندلس وَكَانُوا قبل ذَلِك يتفقهون على مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ إِمَام أهل الشَّام لمَكَان الدولة الأموية مِنْهُ فَلَمَّا ظهر مَالك رَضِي الله عَنهُ بِالْمَدِينَةِ وَعظم صيته وانتشرت فَتَاوِيهِ بأقطار الأَرْض رَحل إِلَيْهِ جمَاعَة من أهل الأندلس وَالْمغْرب كَانَ من أمثلهم وأسبقهم شبطون الْمَذْكُور وقرعوس بن الْعَبَّاس وَعِيسَى بن دِينَار وسيعد بن ابي هِنْد وَغَيرهم أَيَّام هِشَام بن
(1/194)

عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل فَلَمَّا رجعُوا وصفوا من فضل مَالك وسعة علمه وجلالة قدره مَا عظم بِهِ ذكره بالأندلس فانتشر يَوْمئِذٍ علمه ورأيه بهَا
وَكَانَ رائد الْجَمَاعَة فِي ذَلِك هُوَ شبطون كَمَا قُلْنَا وَهُوَ أول من أَدخل كتاب الْمُوَطَّأ الْمغرب أَتَى بِهِ مكملا متقنا فَأَخذه عَنهُ يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ ثمَّ دخل بعد ذَلِك إِلَى مَالك فقرأه عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى الأندلس فتمم مَا كَانَ قد بَقِي من شهرة الْمَذْهَب الْمَالِكِي
قَالَ ابْن حزم مذهبان انتشرا فِي بَدْء أَمرهمَا بالرئاسة وَالسُّلْطَان مَذْهَب أبي حنيفَة فَإِنَّهُ لما ولى الرشيد أَبَا يُوسُف خطة الْقَضَاء كَانَت الْقُضَاة من قبله من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى عمل إفريقية وَمذهب مَالك عندنَا بالأندلس فَإِن يحيى بن يحيى كَانَ مكينا عِنْد السُّلْطَان مَقْبُول القَوْل فِي الْقُضَاة وَكَانَ لَا يَلِي قَاض فِي أقطار الأندلس إِلَّا بمشورته واختياره وَلَا يُشِير إِلَّا بِأَصْحَابِهِ وَمن كَانَ على مذْهبه وَالنَّاس سراع إِلَى الدُّنْيَا فَأَقْبَلُوا على مَا يرجون بِهِ بُلُوغ أغراضهم على أَن يحيى لم يل قَضَاء قطّ وَلَا أجَاب إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك زَائِدا فِي جلالته عِنْدهم وداعيا إِلَى قبُول رَأْيه لديهم اه
وَرَأَيْت فِي بعض التآليف فِي سَبَب ظُهُور مَذْهَب مَالك بالأندلس وَالْمغْرب أَن حَاج الْمغرب والأندلس قدمُوا على مَالك رَضِي الله عَنهُ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُمْ عَن سيرة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْمَعْرُوف بالداخل فَقيل لَهُ إِنَّه يَأْكُل الشّعير ويلبس الصُّوف ويجاهد فِي سَبِيل الله فَقَالَ مَالك لَيْت الله زين حرمنا بِمثلِهِ فنقم عَلَيْهِ بَنو الْعَبَّاس هَذِه الْمقَالة وَكَانَ ذَلِك سَبَب توصلهم إِلَى ضربه فِي مَسْأَلَة الْإِكْرَاه كَمَا هُوَ مَشْهُور وَبَلغت مقَالَته صَاحب الأندلس فسر بهَا وَجمع النَّاس على مذْهبه فانتشر فِي أقطار الْمغرب من يَوْمئِذٍ وَالله أعلم
وَمِمَّا يُنَاسب هُنَا مَا نَقله المؤرخون أَن أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن خيرون الأندلسي الأَصْل القيرواني الدَّار رَحل إِلَى الْمشرق فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة
(1/195)

فَأخذ عَن علمائه وقرائه وَعَاد إِلَى إفريقية بِقِرَاءَة نَافِع بن أبي نعيم وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم الْقِرَاءَة بِحرف حَمْزَة فشاع حرف نَافِع من يَوْمئِذٍ فِي أقطار الْمغرب بعد أَن كَانَ لَا يقْرَأ بِهِ إِلَّا الْخَواص وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى الْيَوْم فَهَذَا حَال أهل الْمغرب فِي الْفُرُوع
وَأما حَالهم فِي الْأُصُول والإعتقادات فَبعد أَن طهرهم الله تَعَالَى من نَزعَة الخارجية أَولا والرافضية ثَانِيًا أَقَامُوا على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مقلدين لِلْجُمْهُورِ من السّلف رَضِي الله عَنْهُم فِي الْإِيمَان بالمتشابه وَعدم التَّعَرُّض لَهُ بالتأويل مَعَ التَّنْزِيه عَن الظَّاهِر وَهُوَ وَالله أحسن الْمذَاهب وأسلمها وَللَّه در الْقَائِل
( ... عقيدتنا أَن لَيْسَ مثل صِفَاته ... وَلَا ذَاته شَيْء عقيدة صائب)
(سلم آيَات الصِّفَات بأسرها ... وأخبارها للظَّاهِر المتقارب)
(ونؤيس عَنْهَا كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المراقب)
(ونركب للتسليم سفنا فَإِنَّهَا ... لتسليم دين الْمَرْء خير المراكب)
وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك مُدَّة إِلَى أَن ظهر مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين فِي صدر الْمِائَة السَّادِسَة فَرَحل إِلَى الْمشرق وَأخذ عَن علمائه مَذْهَب الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ومتأخري أَصْحَابه من الْجَزْم بعقيدة السّلف مَعَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه من الْكتاب وَالسّنة وتخريجه على مَا عرف فِي كَلَام الْعَرَب من فنون مجازاتها وضروب بلاغاتها مِمَّا يُوَافق عَلَيْهِ النَّقْل وَالشَّرْع ويسلمه الْعقل والطبع ثمَّ عَاد مُحَمَّد بن تومرت إِلَى الْمغرب ودعا النَّاس إِلَى سلوك هَذِه الطَّرِيقَة وَجزم بتضليل من خالفها بل بتكفيره وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بِأَن من خَالف طَرِيقَته لَيْسَ بموحد وَجعل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الإنتزاء على ملك الْمغرب حَسْبَمَا تقف عَلَيْهِ مفصلا بعد إِن شَاءَ
(1/196)

الله لكنه مَا أَتَى بطريقة الْأَشْعَرِيّ خَالِصَة بل مزجها بِشَيْء من الخارجية والشيعية حَسْبَمَا يعلم ذَلِك بإمعان النّظر فِي أَقْوَاله وأحواله وأحوال خلفائه من بعده وَمن ذَلِك الْوَقْت أقبل عُلَمَاء الْمغرب على تعَاطِي مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَتَقْرِيره وتحريره درسا وتأليفا إِلَى آلان وَإِن كَانَ قد ظهر بالمغرب قبل ابْن تومرت فظهورا مَا وَالله أعلم
وَقد كَانَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَبَنوهُ من بعده منعُوا النَّاس من التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع وحملوا الْأَئِمَّة على أَخذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة مُبَاشرَة على طَريقَة الإجتهاد الْمُطلق وحرقوا شَيْئا كثيرا من كتب الْفُرُوع الحديثة التصنيف وَوَقع ذَلِك من بعض عُلَمَاء عصرهم موقع الإستحسان مِنْهُم الإِمَام الْحَافِظ أبوبكر بن الْعَرَبِيّ فقد ذكر فِي كتاب القواصم والعواصم لَهُ مَا يشْعر بذلك قَالَ بعد ذكره مَا وَقع بالمغرب من الْفِتَن مَا نَصه عطفنا عنان القَوْل إِلَى مصائب نزلت بالعلماء فِي طَرِيق الْفَتْوَى لما كثرت الْبدع وَذهب الْعلمَاء وتعاطت المبتدعة منصب الْفُقَهَاء وتعلقت أطماع الْجُهَّال بِهِ فنالوه بِفساد الزَّمَان ونفوذ وعد الصَّادِق صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله (اتخذ النَّاس رؤوساء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا) وَبقيت الْحَال هَكَذَا فَمَاتَتْ الْعُلُوم إِلَّا عِنْد آحَاد النَّاس واستمرت الْقُرُون على موت الْعلم وَظُهُور الْجَهْل وَذَلِكَ بقدرة الله تَعَالَى وَجعل الْخلف مِنْهُم يتبع السّلف حَتَّى آلت الْحَال إِلَى أَن لَا ينظر فِي قَول مَالك وكبراء أَصْحَابه وَيُقَال قد قَالَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أهل قرطبة وَأهل طلمنكة وَأهل طليطلة وَصَارَ الصَّبِي إِذا عقل وسلكوا بِهِ أمثل طَريقَة لَهُم علموه كتاب الله تَعَالَى ثمَّ نقلوه إِلَى الْأَدَب ثمَّ إِلَى الْمُوَطَّأ ثمَّ إِلَى الْمُدَوَّنَة ثمَّ إِلَى وثائق ابْن الْعَطَّار ثمَّ يختمون لَهُ بِأَحْكَام ابْن سهل ثمَّ يُقَال قَالَ فلَان الطليطي وَفُلَان المجريطي وَابْن مغيث لَا أغاث الله ثراه فَيرجع
(1/197)

الْقَهْقَرَى وَلَا يزَال يمشي إِلَى وَرَاء وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من بطَائفَة تَفَرَّقت فِي ديار الْعلم وَجَاءَت بلباب مِنْهُ كَالْقَاضِي أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَأبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ فرشوا من مَاء الْعلم على هَذِه الْقُلُوب الْميتَة وعطروا أنفاس الْأمة الذفرة لَكَانَ الدّين قد ذهب وَلَكِن تدارك الْبَارِي تَعَالَى بقدرته ضَرَر هَؤُلَاءِ ينفع هَؤُلَاءِ وَرُبمَا سكنت الْحَال قَلِيلا وَالْحَمْد لله اه وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق
تَتِمَّة مهمة

قد ظهر بِبِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا مُنْذُ أعصار متطاولة لَا سِيمَا فِي الْمِائَة الْعَاشِرَة وَمَا بعْدهَا بدعوة قبيحة وَهِي اجْتِمَاع طَائِفَة من الْعَامَّة على شيخ من الشُّيُوخ الَّذين عاصروهم أَو تقدموهم مِمَّن يشار إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والخصوصية ويخصونه بمزيد الْمحبَّة والتعظيم ويتمسكون بخدمته والتقرب إِلَيْهِ قدرا زَائِدا على غَيره من الشُّيُوخ بِحَيْثُ يرتسم فِي خيال جلهم أَن كل الْمَشَايِخ أَو جلهم أَن دونه فِي الْمنزلَة عِنْد الله تَعَالَى وَيَقُولُونَ نَحن أَتبَاع سَيِّدي فلَان وخدام الدَّار
(1/198)

الْفُلَانِيَّة لَا يحولون عَن ذَلِك وَلَا يزولون خلفا عَن سلف وينادون باسمه ويتسغيثون بِهِ ويفزعون فِي مهماتهم إِلَيْهِ معتقدين أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ نَافِع والإنحراف عَنهُ قيد شبر ضار مَعَ أَن النافع والضار هُوَ الله وَحده وَإِذا ذكر لَهُم شيخ آخر أَو دعوا إِلَيّ حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش من غير تبصر فِي أَحْوَاله هَل يسْتَحق ذَلِك التَّعْظِيم أم لَا فَصَارَ الْأَمر عصبيا وَصَارَت الْأمة بذلك طرائق قددا فَفِي كل بلد أَو قَرْيَة عدَّة طوائف وَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي سلف الْأمة الَّذين هم الْقدْوَة لمن بعدهمْ وغرض الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ فِي الإجتماع وَتَمام الألفة واتحاد الوجهة وَقد قَالَ تَعَالَى لأهل الْكتاب {تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم} الْآيَة وَقد ذمّ قوما فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي أهل الخصوصية وَالدّين أَن يَكُونُوا عِنْد الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ كأسنان الْمشْط بِحَيْثُ يُحِبهُمْ لله وَفِي الله ويستشفع بهم إِلَى الله ويسأله تَعَالَى أَن يُكرمهُ بِمَا أكْرمهم بِهِ من الْخَيْر وَالْهدى وَالدّين وليحبهم حب التشرع لَا حب التَّشَيُّع وليتأدب مَعَهم وَلَا يقدم على مفاضلتهم بالهوى وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فَإِن ذَلِك مُتَوَقف على الإطلاع على مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله وَذَلِكَ مَحْجُوب عَنَّا وَإِذا نزلت بِهِ حَاجَة فليفرغ فِي قَضَائهَا إِلَى مَوْلَاهُ الَّذِي خلقه ورزقه مستشفعا إِلَيْهِ بِنَبِيِّهِ الَّذِي هداه للْإيمَان على يَده ثمَّ بخواص الْأمة الَّذين هم آبَاؤُنَا فِي الدّين فَإِن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يصرف وجهته وقصده فِي جَمِيع أُمُوره وَيتَعَلَّق فِيهَا بِاللَّه بِحَيْثُ لَا يطْلبهَا إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتكل فِيهَا إِلَّا عَلَيْهِ قَاطعا للنَّظَر عَن كل مَا سواهُ اللَّهُمَّ إِلَّا على سَبِيل التوسل والإستشفاع كَمَا قُلْنَا هَذَا هُوَ التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَيْهِ دَعَا وَعَلِيهِ قَاتل وسواه شرك ومنابذا لما جَاءَ بِهِ {إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق وَمَا من إِلَه إِلَّا الله}
ثمَّ استرسل هَؤُلَاءِ الطغام فِي ضلالهم حَتَّى صَارَت كل طَائِفَة تَجْتَمِع فِي أَوْقَات مَعْلُومَة من مَكَان مَخْصُوص أَو غَيره على بدعتهم الَّتِي يسمونها الحضرة فَمَا شِئْت من طست وطار وطبل ومزمار وغناء ورقص وخيط
(1/199)

وفحص وَرُبمَا أضافوا إِلَى ذَلِك نَارا أَو غَيرهَا يستعملونه على سَبِيل الْكَرَامَة بزعمهم ويستغرقون فِي ذَلِك الزَّمن الطَّوِيل حَتَّى يمْضِي الْوَقْت والوقتان من أَوْقَات الصَّلَوَات وداعي الْفَلاح يُنَادي على رؤوسهم وهم فِي حيرتهم يعمهون لَا يرفعون بِهِ رَأْسا وَلَا يرَوْنَ بِمَا هم فِيهِ من الضلال بَأْسا بل يَعْتَقِدُونَ أَن مَا هم فِيهِ من أفضل الْقرب إِلَى الله تَعَالَى الله عَن جهالتهم علوا كَبِيرا
وَلَا تَجِد فِي هَذِه المجامع الشيطانية غَالِبا إِلَّا من بلغ الْغَايَة فِي الْجفَاء وَالْجهل من لَا يحسن الْفَاتِحَة فضلا عَن غَيرهَا مَعَ ترك الصَّلَاة طول عمره أَو من فِي مَعْنَاهُ من معتوه نَاقص الْعقل وَالدّين فَمَا أحْوج هَؤُلَاءِ الفسقة إِلَى محتسب يُغير عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من الْمُنكر الْعَظِيم واللبس الْمُقِيم وَأعظم من هَذَا كُله أَنهم يَفْعَلُونَ تِلْكَ الحضرة غَالِبا فِي الْمَسَاجِد فَإِنَّهُم يتخذون الزاوية باسم الشَّيْخ ويجعلونها مَسْجِدا للصَّلَاة بالمحراب والمنار وَغير ذَلِك ثمَّ يعمرونها بِهَذِهِ الْبِدْعَة الشنيعة فكم رَأينَا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيأت فِي محاريب الصَّلَوَات
وَمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشُّيُوخ لبيت الله الْحَرَام من جعل الْكسْوَة لَهَا وتحديد الْحرم على مَسَافَة مَعْلُومَة بِحَيْثُ يكون من دخل تِلْكَ الْبقْعَة من أهل الجرائم آمنا وسوق الذَّبَائِح إِلَيْهَا على هَيْئَة الْهَدْي واتخاذ الْمَوْسِم كل عَام وَهَذَا وَأَمْثَاله لم يشرع إِلَّا فِي حق الْكَعْبَة ثمَّ يَقع فِي ذَلِك الْمَوْسِم وَلَا سِيمَا مواسم الْبَادِيَة من المناكر والمفاسد الْعِظَام واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء باديات متبرجات شَأْن أهل الْإِبَاحَة وشأن قوم نوح فِي جاهليتهم مَا تصم عَنهُ الآذان وَلَا مُنكر وَلَا مغير وَلَا ممتعض للدّين لَا بل للحسب فَأَما الدّين عِنْد هَؤُلَاءِ فَلَا دين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على ضَيْعَة الدّين وغفلة أَهله عَنهُ وَبِاللَّهِ وَيَا للْمُسلمين لهَؤُلَاء الهمج الرعاع الَّذين سلبوا الْمُرُوءَة وَالْحيَاء والغيرة وَالْعقل وَالدّين والإنسانية جملَة فليسوا فِي فطنة الشَّيَاطِين وَلَا فِي سَلامَة صُدُور الْبَهَائِم وَلَا فِي نخوة السبَاع فيغضبوا لديهم ومروءتهم
(1/200)

وَمن جهالاتهم الفظيعة جمعهم بَين اسْم الله تَعَالَى وَاسم الْوَلِيّ فِي مقامات التَّعْظِيم كالقسم والإستعطاف وَغَيرهمَا فَإِذا أَقْسمُوا قَالُوا وَحقّ الله وَحقّ سَيِّدي فلَان وَإِذا عزموا على أحد قَالُوا دخلت عَلَيْك بِاللَّه وسيدي فلَان وَإِذا سَأَلُوا قَالُوا من يُعْطِينَا على الله وعَلى سَيِّدي فلَان فيعطفون اسْم العَبْد على اسْم مَوْلَاهُ بِالْوَاو الْمُقْتَضِيَة للتشريك والتسوية التَّامَّة فِي مقَام قد حظر الشَّارِع أَن يتَجَاوَز فِيهِ اسْم الله إِلَى غَيره وَهَذَا هُوَ صَرِيح الشّرك
وَمن مناكرهم الجديرة بالتغيير اجْتِمَاعهم كل سنة للوقوف يَوْم عَرَفَة بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ ويسمون ذَلِك حج الْمِسْكِين فَانْظُر إِلَى هَذِه الطامة الَّتِي اخترعها هَؤُلَاءِ الْعَامَّة
وَمن اختراعاتهم تسميتهم لبدعتهم بالحضرة كَمَا قُلْنَا أخذا من اسْم حَضْرَة الله تَعَالَى فِي إصْلَاح الْأَئِمَّة العارفين من الصُّوفِيَّة كَأَهل رِسَالَة الْقشيرِي وَمن فِي معناهم فأوهم هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِين بِهَذِهِ التَّسْمِيَة أَنهم يكونُونَ فِي حَال اشتغالهم بِتِلْكَ الْبِدْعَة فِي حَضْرَة الله تَعَالَى ثمَّ يذهبون فيسمون جنونهم وتخبطهم على تِلْكَ الطبول والمزامير بِالْحَال أخذا من الْحَال الَّتِي تعتري السالك إِلَى الله تَعَالَى فِي حَال ترقيه فِي دَرَجَات الْمعرفَة والوصول وَهَذَا لعمر الله من أقبح الضلالات واشنع الجهالات إِلَى غير هَذَا مِمَّا أُغني فِيهِ العيان عَن الْخَبَر وعرفه الْخَاص وَالْعَام فِي حالتي الْورْد والصدر
ولسنا ننكر على أَوْلِيَاء الله وَأهل الخصوصية مِنْهُم أَو على من يسْلك سبيلهم على الْوَجْه الْمُقَرّر فِي كتب الْأَئِمَّة المقتدى بهم مِنْهُم وَإِنَّمَا نشرح حَال هَؤُلَاءِ الجهلة الَّذين لم يَأْتُوا الْأَمر من بَابه وَلَا أَخَذُوهُ عَن أربابه وَإِنَّمَا حَالهم مَا رَأَيْت وَعلمت وَهَذِه نفثة مصدور صَاحبهَا عِنْد الْمنصف مَعْذُور فنسأل الله الْعَظِيم الْمولى الْكَرِيم أَن يُحَرك همة من لَهُ الْقُدْرَة وَالتَّصَرُّف إِلَى حسم هَذِه الضلالات وقطعها عَسى أَن يَرْحَمنَا رَبنَا وَيجْبر كسرنا ويكبت
(1/201)

عدونا إِذا نَحن راجعنا ديننَا وَسنة نَبينَا {إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال}
وَقد آن أَن نفرد الْكَلَام على الْمغرب الْأَقْصَى عِنْد مَا استولى عَلَيْهِ الْمولى إِدْرِيس بن عبد الله وَبَنوهُ من بعده واقتطعوه عَن نظر الْخُلَفَاء بالمشرق وصيروه مملكة مُسْتَقلَّة إِذْ كَانَ ذَلِك من شَرط كتَابنَا هَذَا حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ مقدمين لذَلِك مَا يجب تَقْدِيمه من الْإِشَارَة إِلَى أَمر الْخلَافَة وتنازع أهل الصَّدْر الأول فِي اسْتِحْقَاقهَا وَمن هُوَ أولى بهَا ثمَّ نتخلص مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ وَالله الْمُوفق
(1/202)

الدولة الإدريسية

الْخَبَر عَن دولة آل إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى وَذكر السَّبَب فِي أوليتها

أعلم أَنه قد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش لَا يعاديهم أحد إِلَّا كَبه الله على وَجهه مَا أَقَامُوا الدّين) وَفِيه أَيْضا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان)
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر لَو فقد قرشي فكناني ثمَّ رجل من بني إِسْمَاعِيل ثمَّ عجمي على مَا فِي التَّهْذِيب أَو جرهمي على مَا فِي التَّتِمَّة ثمَّ رجل من بني إِسْحَاق وَأَن يكون شجاعا ليغزو بِنَفسِهِ ويعالج الجيوش ويقوى على فتح الْبِلَاد ويحمي الْبَيْضَة وَأَن يكون أَهلا للْقَضَاء بِأَن يكون مُسلما مُكَلّفا حرا عدلا ذكرا مُجْتَهدا ذَا رَأْي وَسمع وبصر ونطق
وتنعقد الْإِمَامَة ببيعة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء ووجوه النَّاس المتيسر اجْتِمَاعهم وباستخلاف الإِمَام من يُعينهُ فِي حَيَاته وَيشْتَرط الْقبُول فِي حَيَاته ليَكُون خَليفَة بعد مَوته وباستيلاء متغلب على الْإِمَامَة وَلَو غير أهل لَهَا كصبي وَامْرَأَة إِن قهر النَّاس بشوكته وجنده وَذَلِكَ لينظم أَمر الْمُسلمين اه
ثمَّ نقُول قد تقدم لنا أَمر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَضِي الله عَنْهُم بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن السّلف أطبقوا على أَن ترتيبهم فِي الْفضل عل حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَتقدم لنا أَيْضا مَا كَانَ من عَليّ وَمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُمَا وَأَن مَا صدر مِنْهُمَا كَانَ اجْتِهَادًا مَحْضا وطلبا للحق وَأَن الصَّوَاب كَانَ مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَالْكل مأجور
ثمَّ لما قتل عَليّ رَضِي الله عَنهُ بَايع أهل الْعرَاق ابْنه الْحسن رَضِي الله عَنهُ وزحف إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي أهل الشَّام وَرَأى الْحسن مَا فِي حقن دِمَاء الْمُسلمين وَجمع كلمتهم من الثَّوَاب عِنْد الله والكرامة لَدَيْهِ فَاخْتَارَ الْأُخْرَى على الدُّنْيَا
(1/203)

وَقدم الآجل على العاجل وَسلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة على شُرُوط مَعْرُوفَة وَأصْلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين كَمَا قَالَ جده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَحَازَ مُعَاوِيَة الْخلَافَة وصفت لَهُ وتوارثها بنوا أُميَّة من بعده بعد مقاتلات ومنازعات كَانَت من بني هَاشم وَغَيرهم لَهُم يطول جلبها
وَكَانَ السوَاد الْأَعْظَم من الْمُسلمين يرَوْنَ أَن بني هَاشم أَحَق بِالْأَمر من بني أُميَّة لِأَن بني هَاشم هم آل بَيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعشيرته الأقربون وهم أهل الْعلم وَالدّين والخصوصية الَّذين اجتباهم الله وأذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا فهم أَحَق بِمنْصب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَيرهم وَهَذَا الرَّأْي صَوَاب غير أَن ذَلِك لَيْسَ بطرِيق الْوُجُوب عِنْد أهل السّنة بل بطرِيق الأحقية والأولوية إِذا توفرت الشُّرُوط فيهم وَفِي غَيرهم من سَائِر بطُون قُرَيْش وَإِلَّا فَمن انْفَرَدت بِهِ الشُّرُوط وَجب الْمصير إِلَيْهِ
وَكَانَ شيعَة عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ يوجبون الْخلَافَة لِبَنِيهِ دون من عداهم ويزعمون أَن ذَلِك كَانَ بِوَصِيَّة من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَلي رَضِي الله عَنهُ وَهَذِه الْوَصِيَّة لم تثبت عِنْد أهل السّنة من طَرِيق صَحِيح ومذاهب هَؤُلَاءِ الشِّيعَة فِي كَيْفيَّة سوق الْخلَافَة فِي عقب عَليّ رَضِي الله عَنهُ مُتعَدِّدَة لَا حَاجَة لنا بذكرها
وَكَانَ بَنو عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي الصَّدْر الأول كثيرا مَا يثورون فِي النواحي شرقا وغربا طَالِبين حَقهم فِي الْخلَافَة منازعين فِيهَا لبني أُميَّة أَولا ثمَّ لبني الْعَبَّاس من بعدهمْ ثَانِيًا وخبرهم فِي ذَلِك مَعْرُوف وجلبه يطول إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم عبد الله بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم وَكَانَ من سادة أهل الْبَيْت يَوْمئِذٍ وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِالنَّفسِ الزكية وَإِبْرَاهِيم ويحي وَسليمَان وَإِدْرِيس وَغَيرهم
وَلما صَار أَمر بني أُميَّة إِلَى الاختلال أَيَّام مَرْوَان الْحمار آخر خلفائهم اجْتمع أهل الْبَيْت بِالْمَدِينَةِ وَتَشَاوَرُوا فِيمَن يقدمونه للخلافة فَوَقع اختيارهم
(1/204)

على مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية فَبَايعُوا لَهُ بالخلافة وسلموا لَهُ الْأَمر بأجمعهم وَحضر هَذَا العقد أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ الْمَنْصُور وَذَلِكَ قبل أَن تنْتَقل الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس فَبَايع للنَّفس الزكية فِيمَن بَايع لَهُ من أهل الْبَيْت وَأَجْمعُوا على ذَلِك لتقدمه فيهم لما علمُوا لَهُ من الْفضل عَلَيْهِم
قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا كَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة رحمهمَا الله يحتجان لَهُ حِين خرج بالحجاز ويريان أَن إِمَامَته أصح من إِمَامَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور لانعقاد هَذِه الْبيعَة أَولا وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول بفضله ويحتج لحقه فتأدت إِلَى الْإِمَامَيْنِ المحنة بِسَبَب ذَلِك أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور حَتَّى ضرب مَالك رَضِي الله عَنهُ على الْفتيا فِي طَلَاق الْمُكْره وَحبس أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ على الْقَضَاء
وَلما انقرضت دولة بني أُميَّة وَجَاءَت دولة بني الْعَبَّاس وَصَارَ الْأَمر إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور مِنْهُم سعى عِنْده بآل الْبَيْت وَأَن مُحَمَّد بن عبد الله يروم الْخُرُوج عَلَيْهِ وَأَن دعاته قد ظَهَرُوا بخراسان فَأمر الْمَنْصُور عَامله على الْمَدِينَة رَبَاح بن عُثْمَان المري بِحَبْس عبد الله بن حسن وَمن إِلَيْهِ من آل الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فحبسه جمَاعَة من بنيه وَإِخْوَته وَبني عَمه قَالَ ابْن خلدون فِي خَمْسَة وَأَرْبَعين من أكابرهم وَقدم الْمَنْصُور الْمَدِينَة فِي حجَّة حَجهَا فساقهم مَعَه إِلَى الْعرَاق وحبسهم بقصر ابْن هُبَيْرَة من ظَاهر الْكُوفَة حَتَّى هَلَكُوا فِي حَبسهم وجد الْمَنْصُور فِي طلب مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية وأخيه إِبْرَاهِيم لِكَوْنِهِمَا تغيبا فَلم يحبسا فِي جملَة من حبس من عشيرتهم
ثمَّ لما كَانَت سنة خمس واربعين وَمِائَة وأرهق مُحَمَّد بن عبد الله الطّلب وأعيت عَلَيْهِ الْمذَاهب ظهر بِالْمَدِينَةِ المنورة ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ
واستفتى أهل الْمَدِينَة الإِمَام مَالِكًا رَضِي الله عَنهُ فِي الْخُرُوج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله وَقَالُوا فِي أعناقنا بيعَة للمنصور فَقَالَ إِنَّمَا بايعتم
(1/205)

مكرهين فَتسَارع النَّاس إِلَى مُحَمَّد وَأَجَابُوا دَعوته وَلزِمَ الإِمَام ملك بَيته وخطب مُحَمَّد بن عبد الله على مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر الْمَنْصُور بِمَا نقمه عَلَيْهِ ووعد النَّاس واستنصر بهم وَتسَمى بالمهدي وَلم يتَخَلَّف عَن بيعَته من وُجُوه النَّاس إِلَّا الْقَلِيل
وَبلغ الْمَنْصُور خبر مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا كَانَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ فأشفق من ذَلِك غَايَة الإشفاق وَكتب إِلَى مُحَمَّد كتاب أَمَان ويعده الْجَمِيل إِن هُوَ رَاجع الطَّاعَة فَأَجَابَهُ مُحَمَّد بِعَدَمِ قبُول ذَلِك مِنْهُ ودارت بَينهمَا مكاتبات ومحاورات فِي الْأَفْضَلِيَّة وَاسْتِحْقَاق الْخلَافَة وَقد ذكر مكاتبتهما الْمبرد فِي كَامِله وَابْن خلدون فِي تَارِيخه
وَآخر الْأَمر أَن الْمَنْصُور بعث لِحَرْب مُحَمَّد الْمهْدي ابْن عَمه عِيسَى بن مُوسَى العباسي فاستعد الْمهْدي لِلْقِتَالِ وأدار على الْمَدِينَة الخَنْدَق الَّذِي حفره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحْزَاب وقدمت جيوش العباسيين ونزلوا على الْمَدِينَة
وَخرج إِلَيْهِم مُحَمَّد بن عبد الله فِيمَن بَايعه واقتتل النَّاس قتالا شَدِيدا وأبلى مُحَمَّد الْمهْدي فِي ذَلِك الْيَوْم بلَاء عَظِيما وَقتل بِيَدِهِ سبعين رجلا
وَلما اشْتَدَّ الْقِتَال وعاين مخايل الاختلال انْصَرف فاغتسل وتحنط وَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَمضى فَأحرق الدِّيوَان الَّذِي كَانَ فِيهِ أَسمَاء من بَايعه وَجَاء إِلَى السجْن فَقتل رَبَاح بن عُثْمَان عَامل الْمَنْصُور على الْمَدِينَة وَقتل مَعَه جمَاعَة كَانُوا مسجونين عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى المعركة وَقد تفرق عَنهُ جلّ أَصْحَابه وَلم يبْق مَعَه إِلَّا نَحْو ثَلَاثمِائَة فَقَالَ لَهُ بَعضهم نَحن الْيَوْم فِي عدَّة أهل بدر ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل ضرب فَسقط لِرُكْبَتَيْهِ وطعنه حميد بن قَحْطَبَةَ فِي صَدره ثمَّ احْتَرز رَأسه وأتى بِهِ عِيسَى بن مُوسَى فَبعث بِهِ إِلَى الْمَنْصُور
وَكَانَ مقتل مُحَمَّد الْمهْدي رَحمَه الله فِي منتصف رَمَضَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقتل مَعَه جمَاعَة من أهل بَيته وَأَصْحَابه وَلحق ابْنه عَليّ بن
(1/206)

مُحَمَّد بالسند إِلَى أَن هلك هُنَاكَ واختفى ابْنه الآخر عبد الله الأشتر إِلَى أَن هلك أَيْضا فِي خبر طَوِيل
ثمَّ خرج إِبْرَاهِيم بن عبد الله أَخُو الْمهْدي الْمَذْكُور بِالْبَصْرَةِ عقب ذَلِك فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور عِيسَى بن مُوسَى الْمَذْكُور آنِفا فقاتله آخر ذِي الْقعدَة من السّنة فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيم وَقتل رَحمَه الله بعد أَن بَايعه أَكثر من مائَة ألف
ثمَّ لما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة فِي أَيَّام مُوسَى الْهَادِي بن مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور خرج بِالْمَدِينَةِ الْحُسَيْن بِالتَّصْغِيرِ بن عَليّ بن الْحسن المثلث بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من أهل بَيته مِنْهُم إِدْرِيس وَيحيى وَسليمَان بَنو عبد الله بن الْحسن الْمثنى وهم إخْوَة مُحَمَّد النَّفس الزكية فَاشْتَدَّ أَمر الْحُسَيْن الْمَذْكُور بِالْمَدِينَةِ وَجرى بَينه وَبَين عَامل الْهَادِي على الْمَدِينَة وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب قتال فَانْهَزَمَ عمر الْمَذْكُور وَبَايع النَّاس الْحُسَيْن الْمَذْكُور على كتاب الله وَسنة نبيه للمرتضى من آل مُحَمَّد وَكَانُوا يكنون بذلك عَن الإِمَام المستور إِلَى أَن يقدر على إِظْهَار أمره وَأقَام الْحُسَيْن وَأَصْحَابه بِالْمَدِينَةِ يَتَجَهَّزُونَ أَيَّامًا ثمَّ خَرجُوا إِلَى مَكَّة يَوْم السبت لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة فَانْتهى الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة وانضم إِلَيْهِ جمَاعَة من عبيدها
وَكَانَ قد حج تِلْكَ السّنة جمَاعَة من وُجُوه بني الْعَبَّاس وشيعتهم فَمنهمْ سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ وانضم إِلَيْهِم من حج من قوادهم ومواليهم واقتتلوا مَعَ الْحُسَيْن الْمَذْكُور يَوْم التَّرويَة الثَّامِن من ذِي الْحجَّة فَانْهَزَمَ الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَقتل فاحتزوا رَأسه وأحضروه أَمَام بني الْعَبَّاس وَهُوَ مَضْرُوب على قَفاهُ وجبهته ثمَّ جمعت رُؤُوس أَصْحَابه فَكَانَت مائَة ونيفا وَكَانَ فِيهَا رَأس سُلَيْمَان بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى فِي قَول وَاخْتَلَطَ المنهزمون بالحاج فَذَهَبُوا فِي كل وَجه
(1/207)

وَكَانَ مقتلهم بِموضع يُقَال لَهُ فخ على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة كَمَا قُلْنَا وَفِي ذَلِك يَقُول بعض شعراء ذَلِك الْعَصْر
(فلأبكين على الْحُسَيْن ... بعولة وعَلى الْحسن)
(وعَلى ابْن عَاتِكَة الَّذِي ... واروه لَيْسَ لَهُ كفن)
(تركُوا بفخ غدْوَة ... فِي غير منزلَة الوطن)
فِي أَبْيَات وَالْحسن الَّذِي ذكره فِي هَذِه الأبيات هُوَ الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ أسر فِي ذَلِك الْيَوْم فَضربت عُنُقه صبرا وَابْن عَاتِكَة الَّذِي ذكره هُوَ عبد الله بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ حمل رَأس الْحُسَيْن وَمَعَهُ بَاقِي الرؤوس إِلَى الْهَادِي فَأنْكر عَلَيْهِم حمل رَأس الْحُسَيْن وَلم يعطهم جوائزهم غَضبا عَلَيْهِم
دُخُول إِدْرِيس بن عبد الله أَرض الْمغرب الْأَقْصَى

قد تقدم لنا أَن يحيى وَإِدْرِيس ابْني عبد الله حضرا وقْعَة فخ مَعَ الْحُسَيْن بن عَليّ الْمَذْكُور آنِفا فَأَما يحيى فَإِنَّهُ فر من الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة إِلَى بِلَاد الديلم فِي جِهَة الشرق ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ واشتدت شوكته ثمَّ إِن الرشيد جهز إِلَيْهِ الْفضل بن يحيى الْبَرْمَكِي فِي جَيش كثيف فكاتبه الْفضل وبذل لَهُ الْأمان وَمَا يختاره فَأَجَابَهُ يحيى بن عبد الله إِلَى ذَلِك وَطلب يَمِين الرشيد وَأَن يكون بِخَطِّهِ وَيشْهد فِيهِ الأكابر فَفعل ذَلِك وَحضر يحيى بن عبد الله إِلَى بَغْدَاد فَأكْرمه الرشيد وَأَعْطَاهُ مَالا كثيرا ثمَّ حَبسه حَتَّى مَاتَ فِي السجْن
وَأما إِدْرِيس فَإِنَّهُ فر من الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة وَلحق بِمصْر وعَلى بريدها يَوْمئِذٍ وَاضح مولى صَالح بن الْمَنْصُور وَيعرف بالمسكين وَكَانَ وَاضح يتشيع لآل الْبَيْت فَعلم شَأْن إِدْرِيس وَأَتَاهُ إِلَى الْموضع الَّذِي كَانَ مستخفيا
(1/208)

بِهِ وَلم ير شَيْئا أخْلص لَهُ من أَن يحملهُ على الْبَرِيد إِلَى الْمغرب فَفعل وَلحق إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى هُوَ ومولاه رَاشد فَنزل بِمَدِينَة وليلى سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَبهَا يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد أَمِير أوربة من البربر البرانس فأجاره وأكرمه وَجمع البربر على الْقيام بدعوته وخلع الطَّاعَة العباسية وكشف القناع فِي ذَلِك وانْتهى الْخَبَر إِلَى الرشيد بِمَا فعله وَاضح فِي شَأْن إِدْرِيس فَقتله وصلبه
وَقَالَ ابْن أبي زرع فِي كتاب القرطاس إِن إِدْرِيس بن عبد الله لما قتلت عشيرته بفخ فر بِنَفسِهِ متسترا فِي الْبِلَاد يُرِيد الْمغرب فَسَار من مَكَّة حَتَّى وصل إِلَى مصر وَمَعَهُ مولى لَهُ اسْمه رَاشد فَدَخلَهَا وَالْعَامِل عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ لبني الْعَبَّاس هُوَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي فَبَيْنَمَا إِدْرِيس وَرَاشِد يمشيان فِي شوارع مصر إِذا مرا بدار حَسَنَة الْبناء فوقفا يتأملانها وَإِذا بِصَاحِب الدَّار قد خرج فَسلم عَلَيْهِمَا وَقَالَ مَا الَّذِي تنظرانه من هَذِه الدَّار فَقَالَ رَاشد أعجبنا حسن بنائها قَالَ وأظنكما غريبين ليسَا من هَذِه الْبِلَاد فَقَالَ رَاشد جعلت فدَاك إِن الْأَمر كَمَا ذكرت قَالَ فَمن اي الأقاليم أَنْتُمَا قَالَا من الْحجاز قَالَ فَمن أَي بِلَاده قَالَا من مَكَّة قَالَ وأخالكما من شيعَة الحسنين الفارين من وقْعَة فخ فهما بالإنكار ثمَّ توسما فِيهِ الْخَيْر فَقَالَ رَاشد يَا سَيِّدي أرى لَك صُورَة حَسَنَة وَقد توسمت فِيك الْخَيْر أَرَأَيْت إِن أخبرناك من نَحن أَكنت تستر علينا قَالَ نعم وَرب الْكَعْبَة وأبذل الْجهد فِي صَلَاح حالكما فَقَالَ رَاشد هَذَا إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن وَأَنا مَوْلَاهُ رَاشد فَرَرْت بِهِ خوفًا عَلَيْهِ من الْقَتْل وَنحن قاصدون بِلَاد الْمغرب فَقَالَ الرجل لتطمئن نفوسكما فَإِنِّي من شيعَة آل الْبَيْت وَأول من كتم سرهم فأنتما من الْآمنينَ ثمَّ أدخلهما منزله وَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا فاتصل خبرهما بعلي بن سُلَيْمَان صَاحب مصر فَبعث إِلَى الرجل الَّذِي هما عِنْده فَقَالَ لَهُ إِنَّه قد رفع إِلَيّ خبر الرجلَيْن الَّذين عنْدك وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كتب إِلَيّ فِي طلب الحسينين والبحث عَنْهُم وَقد بَث عيونه على الطرقات وَجعل الرصاد
(1/209)

على أَطْرَاف الْبِلَاد فَلَا يمر بهم أحد حَتَّى يعرف نسبه وحاله وَإِنِّي أكره أَن أتعرض لدماء آل الْبَيْت فلك وَلَهُم الْأمان فَاذْهَبْ إِلَيْهِمَا وأعلمهما بمقالي وَأَمرهمَا بِالْخرُوجِ من عَمَلي وَقد أجلتهما ثَلَاثًا فَسَار الرجل فَاشْترى راحلتين لإدريس ومولاه وَاشْترى لنَفسِهِ أُخْرَى وَوضع زادا يبلغهما إِلَى إفريقية وَقَالَ لراشد اخْرُج أَنْت مَعَ الرّفْقَة على الجادة وَأخرج أَنا وَإِدْرِيس على طَرِيق غامض لَا تسلكه الرفاق وموعدنا مَدِينَة برقة فَخرج رَاشد مَعَ الرّفْقَة فِي زِيّ التُّجَّار وَخرج إِدْرِيس مَعَ الْمصْرِيّ فسلكا الْبَريَّة حَتَّى وصلا إِلَى برقة وَأَقَامَا بهَا حَتَّى لحق بهما رَاشد ثمَّ جدد الْمصْرِيّ لَهما زادا وودعهما وَانْصَرف
وَسَار إِدْرِيس وَرَاشِد يجدان السّير حَتَّى وصلا إِلَى القيروان فأقاما بهَا مُدَّة ثمَّ خرجا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى
وَكَانَ رَاشد من أهل النجدة والحزم وَالدّين والنصيحة لآل الْبَيْت فَعمد إِلَى إِدْرِيس حِين خرجا من القيروان فألبسه مدرعة صوف خشينة وعمامة كَذَلِك وصيره كالخادم لَهُ يَأْمُرهُ وينهاه كل ذَلِك خوفًا عَلَيْهِ وحياطة لَهُ ثمَّ وصلا إِلَى مَدِينَة تلمسان فأراحا بهَا أَيَّامًا ثمَّ ارتحلا نَحْو بِلَاد طنجة فسارا حَتَّى عبرا وَادي ملوية ودخلا بِلَاد السوس الْأَدْنَى وتقدما إِلَى مَدِينَة طنجة وَهِي يَوْمئِذٍ قَاعِدَة بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وَأم مدنه فأقاما بهَا أَيَّامًا فَلَمَّا لم يجد إِدْرِيس بهَا مُرَاده خرج مَعَ مَوْلَاهُ رَاشد حَتَّى انتهيا إِلَى مَدِينَة وليلى قَاعِدَة جبل زرهون
وَكَانَت مَدِينَة متوسطة حَصِينَة كَثِيرَة الْمِيَاه والغروس وَالزَّيْتُون وَكَانَ لَهَا سور عَظِيم من بُنيان الْأَوَائِل يُقَال إِنَّهَا الْمُسَمَّاة الْيَوْم بقصر فِرْعَوْن فَنزل بهَا إِدْرِيس على صَاحبهَا ابْن عبد الحميد الأوربي فَأقبل عَلَيْهِ ابْن عبد الحميد وَبَالغ فِي إكرامه وبره فَعرفهُ إِدْرِيس بِنَفسِهِ وأفضى إِلَيْهِ بسره فوافقه على مُرَاده وأنزله مَعَه فِي دَاره وَتَوَلَّى خدمته وَالْقِيَام بشؤونه
وَكَانَ دُخُول إِدْرِيس الْمغرب ونزوله على ابْن عبد الحميد بِمَدِينَة وليلى
(1/210)

غرَّة ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة
بيعَة الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ

لما اسْتَقر إِدْرِيس بن عبد الله بِمَدِينَة وليلى عِنْد كبيرها إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد الأوربي أَقَامَ عِنْده سِتَّة أشهر فَلَمَّا دخل شهر رَمَضَان من السّنة جمع ابْن عبد الحميد عشيرته من أوربة وعرفهم بِنسَب إِدْرِيس وقرابته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقرر لَهُم فَضله وَدينه وَعلمه واجتماع خِصَال الْخَيْر فِيهِ فَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أكرمنا بِهِ وشرفنا بجواره وَهُوَ سيدنَا وَنحن العبيد فَمَا تُرِيدُ منا قَالَ تبايعونه قَالُوا مَا منا من يتَوَقَّف عَن بيعَته فَبَايعُوهُ بِمَدِينَة وليلى يَوْم الْجُمُعَة رَابِع رَمَضَان الْمُعظم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة
وَكَانَ أول من بَايعه قَبيلَة أوربة على السّمع وَالطَّاعَة وَالْقِيَام بأَمْره والاقتداء بِهِ فِي صلواتهم وغزواتهم وَسَائِر أحكامهم
وَكَانَت أوربة يَوْمئِذٍ من أعظم قبائل البربر بالمغرب الْأَقْصَى وأكثرها عددا وتلتها فِي نصْرَة إِدْرِيس وَالْقِيَام بأَمْره مغيلة وصدينة وهما مَعًا من ولد تامزيت بن ضرى
وَلما بُويِعَ إِدْرِيس رَحمَه الله خطب النَّاس فَقَالَ بعد حمد الله وَالصَّلَاة على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيهَا النَّاس لَا تَمُدَّن الْأَعْنَاق إِلَى غَيرنَا فَإِن الَّذِي تجدونه من الْحق عندنَا لَا تجدونه عِنْد غَيرنَا
ثمَّ بعد ذَلِك وفدت عَلَيْهِ قبائل زناتة والبربر مثل زواغة وزواوة وسدراتة وغياثة ومكناسة وغمارة وكافة البربر بالمغرب الْأَقْصَى فَبَايعُوهُ أَيْضا ودخلوا فِي طَاعَته فاستتب أمره وَتمكن سُلْطَانه وقويت شوكته
وَلحق بِهِ من اخوته سُلَيْمَان بن عبد الله وَنزل بِأَرْض زتاتة من تلمسان ونواحيها كَذَا عِنْد ابْن خلدون فِي أَخْبَار الأدارسة وَالَّذِي عِنْده فِي أَخْبَار بني الْعَبَّاس وَكَذَا عِنْد أبي الْفِدَاء أَن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حسن قتل بوقعة فخ وَجمع رَأسه مَعَ رُؤُوس الْقَتْلَى فَالله أعلم
(1/211)

غَزْو إِدْرِيس بن عبد الله بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وفتحه إِيَّاهَا

ثمَّ إِن إِدْرِيس بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ اتخذ جَيْشًا كثيفا من وُجُوه زناتة وأوربة وصنهاجة وهوارة وَغَيرهم وَخرج غازيا بِلَاد تامسنا ثمَّ زحف إِلَى بِلَاد تادلا فَفتح معاقلها وحصونها وَكَانَ أَكثر أهل هَذِه الْبِلَاد لَا زَالُوا على دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَإِنَّمَا الْإِسْلَام بهَا قَلِيل فَأسلم جَمِيعهم على يَده
وقفل إِلَى مَدِينَة وليلى مؤيدا منصورا فَدَخلَهَا أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَيْنِ وَسبعين وَمِائَة فَأَقَامَ بهَا شهر محرم فاتح سنة ثَلَاث وَسبعين ريثما استراح النَّاس ثمَّ خرج برسم غَزْو من كَانَ بَقِي من قبائل البربر بالمغرب على دين الْمَجُوسِيَّة واليهودية والنصرانية وَكَانَ قد بَقِي مِنْهُم بَقِيَّة متحصنون فِي المعاقل وَالْجِبَال والحصون المنيعة فَلم يزل إِدْرِيس رَحمَه الله يجاهدهم فِي حصونهم ويستنزلهم من معاقلهم حَتَّى دخلُوا فِي الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها وَمن أَبى الْإِسْلَام مِنْهُم أباده قتلا وسبيا
وَكَانَت الْبِلَاد الَّتِى غَزَاهَا فِي هَذِه الْمرة حصون فندلاوة وحصون مديونة وبهلولة وقلاع غياثة وبلاد فازاز ثمَّ عَاد إِلَى مَدِينَة وليلى فَدَخلَهَا فِي النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة
(1/212)

غَزْو إِدْرِيس بن عبد الله أَرض الْمغرب الْأَوْسَط وَفتح مَدِينَة تلمسان

لما قفل إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ من غَزْو بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة أَقَامَ بو ليلى بَقِيَّة جُمَادَى الْآخِرَة وَنصف رَجَب التَّالِي لَهَا ريثما استراح جَيْشه ثمَّ خرج منتصف رَجَب الْمَذْكُور برسم غَزْو مَدِينَة تلمسان وَمن بهَا من قبائل مغراوة وَبني يفرن فَانْتهى إِلَيْهَا وَنزل خَارِجهَا فَخرج إِلَيْهِ صَاحبهَا مُحَمَّد بن خزر من ولد صولات المغراوي مستأمنا ومبايعا لَهُ فَأَمنهُ إِدْرِيس وَقبل بيعَته
وَدخل مَدِينَة تلمسان فأمن أَهلهَا ثمَّ أَمن سَائِر زناتة وَبنى مَسْجِد تلمسان وأتقنه وَأمر بِعَمَل مِنْبَر نَصبه فِيهِ وَكتب عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا أَمر بِهِ الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُم وَذَلِكَ فِي شهر صفر سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة قَالَ ابْن خلدون وَاسم إِدْرِيس مخطوط فِي صفحة الْمِنْبَر لهَذَا الْعَهْد اه ثمَّ رَجَعَ إِدْرِيس رَحمَه الله إِلَى مَدِينَة وليلى فَدَخلَهَا مؤيدا منصورا
وَفَاة إِدْرِيس بن عبد الله وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما حصل لإدريس رَحمَه الله مَا حصل من التَّمَكُّن والظهور اتَّصل خبر ذَلِك بالخليفة بِبَغْدَاد وَهُوَ هَارُون الرشيد العباسي وبلغه أَن إِدْرِيس قد استقام لَهُ أَمر الْمغرب وَأَنه قد استفحل أمره وَكَثُرت جُنُوده وَقد فتح مَدِينَة تلمسان وَبنى مَسْجِدهَا وَأَنه عازم على غَزْو إفريقية فخاف الرشيد عَاقِبَة ذَلِك وَأَنه إِن لم يتدارك أمره الْآن رُبمَا عجز عَنهُ فِي الْمُسْتَقْبل مَعَ مَا يعلم من فضل إِدْرِيس خُصُوصا ومحبة النَّاس فِي آل الْبَيْت عُمُوما فقلق الرشيد من ذَلِك وَاسْتَشَارَ وزيره يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وَقَالَ إِن الرجل قد فتح تلمسان وَهِي بَاب
(1/213)

إفريقية وَمن ملك الْبَاب يُوشك أَن يدْخل الدَّار وَقد هَمَمْت أَن أبْعث إِلَيْهِ جَيْشًا ثمَّ فَكرت فِي بعد الشقة وَعظم الْمَشَقَّة فَرَجَعت عَن ذَلِك فَقَالَ يحيى الرَّأْي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تبْعَث إِلَيْهِ بِرَجُل داهية يحتال عَلَيْهِ ويغتاله وتستريح مِنْهُ فأعجب الرشيد ذَلِك فَوَقع اختيارهما على رجل من موَالِي الْمهْدي وَالِد الرشيد وَاسم الرجل سُلَيْمَان بن جرير وَيعرف بالشماخ فَأحْضرهُ يحيى وأعلمه بِمَا يُرِيد مِنْهُ ووعده على قتل إِدْرِيس الرّفْعَة والمنزلة الْعَالِيَة عِنْد الرشيد وزوده مَالا وطرفا يَسْتَعِين بهَا على أمره وأصحبه الرشيد كتابا مِنْهُ إِلَى واليه على إفريقية إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب كَذَا عِنْد ابْن خلدون وَابْن الْخَطِيب وَفِيه أَن ابْن الْأَغْلَب لم يكن واليا على إفريقية فِي هَذَا التَّارِيخ وَإِنَّمَا وَليهَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة حَسْبَمَا سبق فوصل الشماخ إِلَى وَالِي إفريقية بِكِتَاب الرشيد فَأَجَازَهُ إِلَى الْمغرب
وَقدم الشماخ على إِدْرِيس بن عبد الله مظْهرا النُّزُوع إِلَيْهِ فِيمَن نزع إِلَيْهِ من وحدان الْعَرَب متبرئا من الدعْوَة العباسية منتحلا للدعوة الطالبية فاختصه إِدْرِيس رَحمَه الله وحلا بِعَيْنيهِ وعظمت مَنْزِلَته لَدَيْهِ
وَكَانَ الشماخ ممتلئا من الْأَدَب والظرف والبلاغة عَارِفًا بصناعة الجدل فَكَانَ إِذا جلس الإِمَام إِدْرِيس إِلَى رُؤَسَاء البربر ووجوه الْقَبَائِل تكلم الشماخ فَذكر فضل أهل الْبَيْت وعظيم بركتهم على الْأمة ويقرر ذَلِك ويحتج لإمامة إِدْرِيس وَأَنه الإِمَام الْحق دون غَيره فَكَانَ يعجب إِدْرِيس وَيَقَع مِنْهُ الْموقع فاستولى الشماخ عَلَيْهِ حَتَّى صَار من ملازميه وَلَا يَأْكُل إِلَّا مَعَه
وَكَانَ رَاشد كالئا لإدريس ملازما لَهُ أَيْضا قَلما ينْفَرد عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يخَاف عَلَيْهِ من مثل مَا وَقع فِيهِ لِكَثْرَة أَعدَاء آل الْبَيْت يَوْمئِذٍ وَكَانَ الشماخ يترصد الْغرَّة من رَاشد ويترقب الفرصة فِي إِدْرِيس إِلَى أَن غلب رَاشد ذَات يَوْم فِي بعض حاجاته فَدخل الشماخ على إِدْرِيس فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ على الْعَادة وتحدث مَلِيًّا
وَلما لم ير الشماخ راشدا بالحضرة انتهز الفرصة فِي إِدْرِيس فَقيل إِنَّه
(1/214)

كَانَت مَعَ الشماخ قَارُورَة من طيب مَسْمُوم فأخرجها وَقَالَ لإدريس هَذَا طيب كنت استصحبته معي وَهُوَ من جيد الطّيب فَرَأَيْت أَن الإِمَام أولى بِهِ مني وَذَلِكَ من بعض مَا يجب لَهُ عَليّ ثمَّ وضع القارورة بَين يَدَيْهِ فشكره إِدْرِيس وَتَنَاول القارورة فَفَتحهَا واشتم مَا فِيهَا فَصَعدَ السم إِلَى خياشيمه وانْتهى إِلَى دماغه فَغشيَ عَلَيْهِ وَقَامَ الشماخ للحين كَأَنَّهُ يُرِيد حَاجَة الْإِنْسَان فَخرج وأتى منزله فَركب فرسا لَهُ عتيقا كَانَ قد أعده لذَلِك وَذهب لوجهه يُرِيد الْمشرق وافتقد النَّاس الإِمَام إِدْرِيس فَإِذا هُوَ مغشي عَلَيْهِ لَا يتَكَلَّم وَلَا يعلم أحد مَا بِهِ وَقيل إِن الشماخ سمه فِي سنُون والسنون بِوَزْن صبور مَا يستاك بِهِ وَكَانَ إِدْرِيس يشتكي وجع الْأَسْنَان واللثة وَقيل سمه فِي الْحُوت الشابل وَقيل فِي عِنَب أهداه إِلَيْهِ فِي غير إبانة وَالله أعلم
وَلما اتَّصل خبر إِدْرِيس بمولاه رَاشد أقبل مسرعا فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ يُحَرك شَفَتَيْه لَا يبين كلَاما قد أشرف على الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه متحيرا لَا يدْرِي مَا دهاه وَاسْتمرّ إِدْرِيس على حَالَته تِلْكَ إِلَى عشي النَّهَار فَتوفي فِي مهل ربيع الآخر سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وتفقد رَاشد الشماخ فَلم يره فَعلم أَنه الَّذِي اغتال إِدْرِيس
ثمَّ جَاءَ الْخَبَر بِأَن الشماخ قد لَقِي على أَمْيَال من الْبَلَد فَركب رَاشد فِي جمع من البربر واتبعوه وتقطعت الْخَيل فِي النواحي وطلبوه ليلتهم إِلَى الصَّباح فَلحقه رَاشد بوادي ملوية عابرا فَشد عَلَيْهِ رَاشد بِالسَّيْفِ وضربه ضربات قطع فِي بَعْضهَا يمناه وَشَجه فِي رَأسه شجاجا وَنَجَا الشماخ بجربعاء الذقن وأعيى فرس رَاشد عَن اللحاق بِهِ فَرجع عَنهُ وَيُقَال أَن الشماخ رئي بعد ذَلِك بِبَغْدَاد وَهُوَ مَقْطُوع الْيَد
وَلما رَجَعَ رَاشد إِلَى منزله أَخذ فِي تجهيز الإِمَام رَضِي الله عَنهُ وَصلى عَلَيْهِ وَدَفنه بِصَحْنِ رابطة عِنْد بَاب وليلى ليتبرك النَّاس بتربته رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
(1/215)

أَمر البربر بعد وَفَاة إِدْرِيس بن عبد الله رَحمَه الله

قَالُوا إِن الإِمَام إِدْرِيس لما توفّي لم يتْرك ولدا إِلَّا حملا من أمة لَهُ بربرية اسْمهَا كنزة فَلَمَّا فرغ رَاشد من جهازه وَدَفنه جمع رُؤَسَاء البربر ووجوه النَّاس فَقَالَ لَهُم إِن إِدْرِيس لم يتْرك ولدا إِلَّا حملا من أمته كنزة وَهِي الْآن فِي الشَّهْر السَّابِع من حملهَا فَإِن رَأَيْتُمْ أَن تصبروا حَتَّى تضع هَذِه الْجَارِيَة حملهَا فَإِن كَانَ ذكرا أحسنا تَرْبِيَته حَتَّى إِذا بلغ مبلغ الرِّجَال بَايَعْنَاهُ تمسكا بدعوة آل الْبَيْت وتبركا بذرية رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانَ جَارِيَة نظرتم لأنفسكم فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الشَّيْخ الْمُبَارك مَا لنا رَأْي إِلَّا مَا رَأَيْت فَإنَّك عندنَا عوض من إِدْرِيس تقوم بأمورنا كَمَا كَانَ إِدْرِيس يقوم بهَا وَتصلي بِنَا وتقضي بَيْننَا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَصْبِر حَتَّى تضع الْجَارِيَة حملهَا وَيكون مَا أَشرت بِهِ على أَنَّهَا إِن وضعت جَارِيَة كنت أَحَق النَّاس بِهَذَا الْأَمر لفضلك وَدينك وعلمك فشكرهم رَاشد على ذَلِك ودعا لَهُم وَانْصَرفُوا فَقَامَ رَاشد بِأَمْر البربر تِلْكَ الْمدَّة
وَلما تمت لِلْجَارِيَةِ أشهر حملهَا وضعت غُلَاما أشبه النَّاس بِأَبِيهِ إِدْرِيس فَأخْرجهُ رَاشد إِلَى رُؤَسَاء البربر حَتَّى نظرُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا هَذَا إِدْرِيس بِعَيْنيهِ كَأَنَّهُ لم يمت فَسَماهُ رَاشد إِدْرِيس وَنَشَأ الصَّبِي نشأة حَسَنَة إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
(1/216)

الْخَبَر عَن دولة إِدْرِيس بن إِدْرِيس رَحمَه الله

كَانَت ولادَة إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث رَجَب سنة سبع وَسبعين وَمِائَة فَكَفَلَهُ رَاشد مولى أَبِيه وَقَامَ بأَمْره أحسن قيام فَأَقْرَأهُ الْقُرْآن حَتَّى حفظه وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين ثمَّ علمه الحَدِيث وَالسّنة وَالْفِقْه فِي الدّين والعربية وَرَوَاهُ الشّعْر وأمثال الْعَرَب وَحكمهَا وأطلعه على سير الْمُلُوك وعرفه أَيَّام النَّاس ودربه على ركُوب الْخَيل وَالرَّمْي بِالسِّهَامِ وَغير ذَلِك من مكايد الْحَرْب فَلم يمض لَهُ من الْعُمر مِقْدَار إِحْدَى عشرَة سنة إِلَّا وَقد اضطلع بِمَا حمل وترشح لِلْأَمْرِ وَاسْتحق لِأَن يُبَايع فَبَايعهُ البربر وآتوه صفقتهم عَن طَاعَة مِنْهُم وإخلاص
قَالَ ابْن خلدون بَايع البربر إِدْرِيس الْأَصْغَر حملا ثمَّ رضيعا ثمَّ فصيلا إِلَى أَن شب فَبَايعُوهُ بِجَامِع مَدِينَة وليلى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب صَاحب إفريقية قد دس إِلَى بعض البربر الْأَمْوَال واستمالهم حَتَّى قتلوا راشدا مَوْلَاهُ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وحملوا إِلَيْهِ رَأسه وَقَامَ بكفالة إِدْرِيس من بعده أَبُو خَالِد يزِيد بن إلْيَاس الْعَبْدي وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن بَايعُوا لإدريس فَقَامُوا بأَمْره وجددوا لأَنْفُسِهِمْ رسوم الْملك بتجديد طَاعَته وَفِي القرطاس أَن مقتل رَاشد كَانَ فِي السّنة الَّتِي بُويِعَ فِيهَا إِدْرِيس بن إِدْرِيس قَالَ وَكَانَت بيعَة إِدْرِيس يَوْم الْجُمُعَة غرَّة ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة بعد مقتل رَاشد بِعشْرين يَوْمًا وَإِدْرِيس يَوْمئِذٍ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر قَالَه عبد الْملك الْوراق فِي تَارِيخه وَفِيه بعض مُخَالفَة لتاريخ الْولادَة الْمُتَقَدّم
وَفِي قتل رَاشد يَقُول إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فِي بعض مَا كتب بِهِ إِلَى الرشيد يعرفهُ بنصحه وَكَمَال خدمته
(ألم ترن بالكيد أرديت راشدا ... وَإِنِّي بِأُخْرَى لِابْنِ إِدْرِيس راصد)
(1/217)

(تنَاوله عزمي على بعد دَاره ... بمحتومة يحظى بهَا من يكايد)
(ففاه أَخُو عك بمقتل رَاشد ... وَقد كنت فِيهِ شَاهدا وَهُوَ رَاقِد)
يُرِيد بأخي عك مُحَمَّد بن مقَاتل العكي وَالِي إفريقية فَإِنَّهُ لما حاول ابْن الْأَغْلَب قتل رَاشد وَتمّ لَهُ ذَلِك كتب العكي إِلَى الرشيد يُعلمهُ أَنه هُوَ الَّذِي فعل ذَلِك فَكتب صَاحب الْبَرِيد إِلَى الرشيد بِحَقِيقَة الْأَمر وَأَن ابْن الْأَغْلَب هُوَ الْفَاعِل لذَلِك وَالْمُتوَلِّيّ لَهُ فَثَبت عِنْد الرشيد كذب العكي وَصدق ابْن الْأَغْلَب فعزل الرشيد العكي عَن إفريقيا وَولى ابْن الْأَغْلَب عَلَيْهَا وَإِنَّمَا كَانَ قبل ذَلِك عَاملا للعكي على بعض كورها هَكَذَا حكى صَاحب القرطاس هَذَا الْخَبَر وَفِيه أَن عزل العكي عَن إفريقية وتولية ابْن الْأَغْلَب عَلَيْهَا كَانَ فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ قبل وَفَاة رَاشد بِسنتَيْنِ أَو بِأَرْبَع سِنِين على الْخلاف الْمُتَقَدّم
وَقَالَ الْبكْرِيّ والبرنسي إِن راشدا لم يمت حَتَّى أَخذ الْبيعَة لإدريس بالمغرب وَإِن إِدْرِيس لما تمّ لَهُ من الْعُمر إِحْدَى عشرَة سنة ظهر من وفور عقله ونباهته وفصاحته مَا أذهل عقول الْخَاصَّة والعامة فَأخذ لَهُ رَاشد الْبيعَة على البربر يَوْم الْجُمُعَة سَابِع ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَصَعدَ إِدْرِيس الْمِنْبَر وخطب النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله أَحْمَده وأستغفره وأستعين بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ وَأَعُوذ بِهِ من شَرّ نَفسِي وَمن شَرّ كل ذِي شَرّ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث إِلَى الثقلَيْن بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آل بَيته الطاهرين الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا أَيهَا النَّاس إِنَّا قد ولينا هَذَا الْأَمر الَّذِي يُضَاعف فِيهِ للمحسن الْأجر وعَلى الْمُسِيء الْوزر وَنحن وَالْحَمْد لله على قصد فَلَا تمدوا الْأَعْنَاق إِلَى غَيرنَا فَإِن الَّذِي تطلبونه من إِقَامَة الْحق إِنَّمَا تجدونه عندنَا ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى بيعَته وحضهم على التَّمَسُّك بِطَاعَتِهِ فَعجب النَّاس من فَصَاحَته وَقُوَّة جأشه على صغر سنه ثمَّ نزل فَتسَارع النَّاس إِلَى بيعَته وازدحموا عَلَيْهِ يقبلُونَ يَده فَبَايعهُ كَافَّة قبائل الْمغرب من زناتة وأوربة وصنهاجة وغمارة وَسَائِر قبائل البربر فتمت لَهُ الْبيعَة وَبعد بيعَته بِقَلِيل توفّي مَوْلَاهُ رَاشد وَالله أعلم
(1/218)

وُفُود الْعَرَب على إِدْرِيس بن إِدْرِيس رَحمَه الله

لما استقام أَمر الْمغرب لإدريس بن إِدْرِيس وتوطد ملكه وَعظم سُلْطَانه وَكَثُرت جيوشه وَأَتْبَاعه وفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من الْبلدَانِ وَقصد النَّاس حَضرته من كل صقع وَمَكَان فاستمر بَقِيَّة سنة ثَمَان وثنانين يصل الْوُفُود ويبذل الْأَمْوَال ويستميل الرؤساء والأقيال
وَلما دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وفدت عَلَيْهِ وفدت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب من إفريقية والأندلس نازعين إِلَيْهِ وملتفين عَلَيْهِ فَاجْتمع لَدَيْهِ مِنْهُم نَحْو خَمْسمِائَة فَارس من قيس والأزد ومذحج ويحصب والصدف وَغَيرهم فسر إِدْرِيس بوفادتهم وأجزل صلتهم وَأدنى مَنْزِلَتهمْ وجعلهم بطانة دون البربر فاعتز بهم وَأنس بقربهم فَإِنَّهُ كَانَ غَرِيبا بَين البربر فاستوزر مِنْهُم عُمَيْر بن مُصعب الْأَزْدِيّ الْمَعْرُوف بالملجوم من ضَرْبَة ضربهَا فِي بعض حربهم وسمته على الخرطوم
وَكَانَ عُمَيْر من فرسَان الْعَرَب وسادتها ولأبيه مُصعب مآثر بإفريقية والأندلس ومواقف فِي غَزْو الفرنج واستقضى مِنْهُم عَامر بن مُحَمَّد بن سعيد القيشي وَكَانَ من أهل الْوَرع وَالْفِقْه وَالدّين سمع من مَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وروى عَنْهُمَا كثيرا وَكَانَ قد خرج إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد ثمَّ أجَاز إِلَى العدوة فوفد بهَا على إِدْرِيس فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من الْعَرَب فاستقضاه واستكتب مِنْهُم أَبَا الْحسن عبد الله بن مَالك الخزرجي
وَلم تزل الْوُفُود تقدم عَلَيْهِ من الْعَرَب والبربر حَتَّى كثر النَّاس لَدَيْهِ وَضَاقَتْ بهم مَدِينَة وليلى
(1/219)

وانْتهى إِلَى ابْن الْأَغْلَب مَا عَلَيْهِ إِدْرِيس من الإستفحال فأرهف عزمه للتضريب بَين البربر واستفسادهم على إِدْرِيس فَكَانَ مِنْهُم بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المضغري من خَاصَّة إِدْرِيس وَمن أَرْكَان دولته فكاتبه ابْن الْأَغْلَب واستهواه بِالْمَالِ حَتَّى بَايع الرشيد وانحرف عَن إِدْرِيس واعتزله فِي قومه فَصَالحه إِدْرِيس وَكتب إِلَيْهِ يستعطفه بقرابته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكف عَنهُ وَكَانَ فِيمَا كتب بِهِ إِدْرِيس إِلَى بهْلُول الْمَذْكُور قَوْله
(أبهلول قد حملت نَفسك خطة ... تبدلت مِنْهَا ضلة برشاد)
(أضلك إِبْرَاهِيم مَعَ بعد دَاره ... فَأَصْبَحت منقادا بِغَيْر قياد)
(كَأَنَّك لم تسمع بمكر ابْن أغلب ... وقدما رمى بالكيد كل بِلَاد)
(وَمن دون مَا منتك نَفسك خَالِيا ... ومناك إِبْرَاهِيم شوك قتاد)
ثمَّ أحس إِدْرِيس من إِسْحَاق بن مُحَمَّد الأوربي بانحراف عَنهُ وموالاة لِابْنِ الْأَغْلَب فَقتله سنة ثِنْتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَصفا لَهُ الْمغرب وَتمكن سُلْطَانه بِهِ وَالله غَالب على أمره
بِنَاء مَدِينَة فاس

لما كثرت الْوُفُود من الْعَرَب وَغَيرهم على إِدْرِيس رَحمَه الله وَضَاقَتْ بهم مَدِينَة وليلى اراد أَن يَبْنِي لنَفسِهِ مَدِينَة يسكنهَا هُوَ وخاصته ووجوه دولته فَركب يَوْمًا فِي جمَاعَة من حَاشِيَته وَخرج يتَخَيَّر الْبِقَاع فوصل إِلَى جبل زالغ فأعجبه ارتفاعه وطبب هوائه وتربته فاختط بِسَنَدِهِ مَدِينَة مِمَّا يَلِي الْجوف وَشرع فِي بنائها فَبنى بَعْضًا من الدّور وَنَحْو الثُّلُث من السُّور فَأتى السَّيْل من أَعلَى الْجَبَل فِي بعض اللَّيَالِي فهدم السُّور والدور وَحمل مَا حول ذَلِك من الْخيام والزروع وَأَلْقَاهَا فِي نهر سبو فَكف إِدْرِيس عَن الْبناء وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك مُدَّة يسيرَة ثمَّ خرج ثَانِيَة يتصيد ويرتاد لنَفسِهِ موضعا يَبْنِي فِيهِ مَا قد عزم عَلَيْهِ فَانْتهى إِلَى نهر سبو حَيْثُ هِيَ الْيَوْم حمة خولان فأعجبه الْموضع
(1/220)

لقُرْبه من المَاء وَلأَجل الْحمة الَّتِي هُنَاكَ والحمة كَمَا فِي الْقَامُوس كل عين فِيهَا مَا حَار يَنْبع مِنْهَا ويستشفى بِهِ فعزم إِدْرِيس على أَن يَبْنِي هُنَاكَ مَدِينَة وَشرع فِي حفر الأساس وَعمل الجيار وَقطع الْخشب وابتدأ بِالْبِنَاءِ ثمَّ فكر فِي نهر سبو وَمَا يَأْتِي بِهِ من الْمَمْدُود والسيول زمَان الشتَاء وَمَا يحصل بذلك من الضَّرَر الْعَظِيم للنَّاس فَكف عَن الْبناء وَرجع إِلَى وليلى
ثمَّ بعث وزيره عُمَيْر بن مُصعب الْأَزْدِيّ يرتاد لَهُ موضعا يَبْنِي فِيهِ الْمَدِينَة الَّتِي عزم عَلَيْهَا فَسَار عُمَيْر فِي جمَاعَة يقص الْجِهَات وَيتَخَيَّر الْبِقَاع والترب والمياه حَتَّى انْتهى إِلَى فحص سايس فأعجبه الْمحل فَنزل هُنَاكَ على عين مَاء تطرد فِي مرج أَخْضَر فَتَوَضَّأ وَصلى الظّهْر هُوَ وَجَمَاعَة الْقَوْم الَّذين مَعَه ثمَّ دَعَا الله تَعَالَى أَن ييسر عَلَيْهِ مطلبه ثمَّ ركب وَحده وَأمر الْجَمَاعَة أَن ينتظروه حَتَّى يعود إِلَيْهِم فنسبت الْعين إِلَيْهِ من يَوْمئِذٍ ودعيت عين عُمَيْر إِلَى الْآن وَعُمَيْر هَذَا هُوَ جد بني الملجوم من بيوتات فاس وكبرائهم فأوغل عُمَيْر فِي فحص سايس حَتَّى انْتهى إِلَى الْعُيُون الَّتِي يَنْبع مِنْهَا وَادي فاس فَرَأى بهَا من عناصر المَاء مَا ينيف على السِّتين عنصرا وَرَأى مياهها تطرد فِي فسيح من الأَرْض وحول الْعُيُون شعراء من شجر الطرفاء والطخش والعرعار والكلخ وَغير ذَلِك فَشرب من المَاء فاستطابه وَنظر إِلَى مَا حوله من الْمزَارِع الَّتِي لَيست على نهر سبو فَأَعْجَبتهُ فانحدر مَعَ مسيل الْوَادي حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مَدِينَة فاس الْيَوْم فَنظر فَإِذا مَا بَين الجبلين غيضة ملتفة الْأَشْجَار مطردَة الْعُيُون والأنهار وَفِي جَانب مِنْهَا خيام من شعر يسكنهَا قوم من زواغة يعْرفُونَ ببني الْخَيْر وَقوم من زناتة يعْرفُونَ ببني يرغش وَكَانَ بَنو يرغش على دين الْمَجُوسِيَّة وَكَانَ بَيت نارهم بالموضع الْمَعْرُوف بشيبوبة وَكَانَ الْبَعْض مِنْهُم على دين الْيَهُودِيَّة وَالْبَعْض على دين النَّصْرَانِيَّة
وَكَانَ بَنو الْخَيْر ينزلون بعدوة الْقرَوِيين وَبَنُو يرغش ينزلون بعدوة الأندلس وَكَانُوا قَلما يفترون عَن الْقِتَال لاخْتِلَاف أهوائهم وتباين أديانهم
(1/221)

فَرجع عُمَيْر إِلَى إِدْرِيس وأعلمه بِمَا رأى من الغيضة وساكنيها وَمَا وَقع عَلَيْهِ اخْتِيَاره فِيهَا فجَاء إِدْرِيس لينْظر إِلَى الْبقْعَة فألفى بني الْخَيْر وَبني يرغش يقتتلون فَأصْلح بَينهم وَأَسْلمُوا على يَده
وَاشْترى مِنْهُم الغيضة بِسِتَّة آلَاف دِرْهَم هم فرضوا بذلك وَدفع لَهُم الثّمن وَأشْهد عَلَيْهِم بذلك على يَد كَاتبه أبي الْحسن عبد الله بن مَالك الخزرجي
ثمَّ ضرب أبنتيه بكرواوة وَشرع فِي بِنَاء الْمَدِينَة فاختط عدوة الأندلس غرَّة ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة
وَفِي سنة ثَلَاث بعْدهَا اختط عدوة الْقرَوِيين وَبنى مساكنه بهَا وانتقل إِلَيْهَا وَقد كَانَ أَولا أدَار السُّور على عدوة الأندلس وَبنى بهَا الْجَامِع الْمَعْرُوف بِجَامِع الْأَشْيَاخ وَأقَام فِيهِ الْخطْبَة ثمَّ انْتقل ثَانِيًا إِلَى عدوة الْقرَوِيين كَمَا قُلْنَا وَنزل بالموضع الْمَعْرُوف بالمقرمدة وَضرب فِيهِ قيطونة وَأخذ فِي بِنَاء جَامع الشرفاء وَأقَام فِيهِ الْخطْبَة أَيْضا ثمَّ شرع فِي بِنَاء دَاره الْمَعْرُوفَة الْآن بدار القيطون الَّتِي يسكنهَا الشرفاء الجوطيون من وَلَده ثمَّ بنى القيسارية إِلَى جَانب الْمَسْجِد الْجَامِع وأدار الْأَسْوَاق حوله وَأمر النَّاس بِالْبِنَاءِ وَقَالَ لَهُم من بنى موضعا أَو اغترسه قبل تَمام السُّور فَهُوَ لَهُ فَبنى النَّاس من ذَلِك شَيْئا كثيرا واغترسوا ووفد عَلَيْهِ جمَاعَة من الْفرس من أَرض الْعرَاق فأنزلهم بغيضة هُنَاكَ كَانَت على الْعين الْمَعْرُوفَة بِعَين علون
وَكَانَ علون عبدا أسود يأوي إِلَى تِلْكَ الغيضة وَيقطع الطَّرِيق بهَا على الْمَارَّة فتحامى النَّاس غيضته وتناذروها فَأعْلم إِدْرِيس رَحمَه الله بِشَأْنِهِ فَبعث فِي طلبه خيلا قبضوا عَلَيْهِ وجاؤوا بِهِ إِلَيْهِ فَأمر بقتْله وصلبه على شَجَرَة كَانَت على الْعين فأضيفت إِلَيْهِ الْعين من يَوْمئِذٍ وَقيل عين علون
ثمَّ أدَار إِدْرِيس السُّور على عدوة الْقرَوِيين وَكَانَت من لدن بَاب السلسلة إِلَى غَدِير الجوزاء
قَالَ عبد الْملك الْوراق كَانَت مَدِينَة فاس فِي الْقَدِيم بلدين لكل بلد مِنْهُمَا سور يحيى ط بِهِ وأبواب تخْتَص بِهِ وَالنّهر فاصل بَينهمَا وَسميت
(1/222)

إِحْدَى العدوتين عدوة الْقرَوِيين لنزول الْعَرَب الوافدين من القيروان بهَا وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة أهل بَيت وَسميت الْأُخْرَى عدوة الأندلس لنزول الْعَرَب الوافدين من الأندلس بهَا وَكَانُوا جما غفيرا يُقَال أَرْبَعَة آلَاف أهل بَيت
وَكَانَ الحكم بن هِشَام الْأمَوِي صَاحب الأندلس صدرت مِنْهُ لأوّل إمارته هَنَات أوجبت قيام جمَاعَة من أهل الْوَرع عَلَيْهِ فيهم يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ صَاحب مَالك وراوي الْمُوَطَّأ عَنهُ وطالوت الْفَقِيه وَغَيرهمَا فخلعوا الحكم وَبَايَعُوا بعض قرَابَته وَكَانُوا بالربض الغربي من قرطبة فَقَاتلهُمْ الحكم وكثروه وكادوا يأْتونَ عَلَيْهِ ثمَّ أظفره الله بهم وَوضع فيهم السَّيْف ثَلَاثَة أَيَّام وَهدم دُورهمْ ومساجدهم وفر الْبَاقُونَ مِنْهُم فَلَحقُوا بفاس الْمغرب الْأَقْصَى وبالإسكندرية من أَرض مصر فَأَما اللاحقون بفاس فأنزلهم إِدْرِيس رَحمَه الله بعدوة الأندلس فأضيفت إِلَيْهِم وَأما اللاحقون بالإسكندية فثاروا بهَا بعد حِين فزحف إِلَيْهِم عبد الله بن طَاهِر الْخُزَاعِيّ صَاحب مصر من قبل الْمَأْمُون بن الرشيد فَقَاتلهُمْ ونفاهم إِلَى جَزِيرَة إقريطش فَلم يزَالُوا بهَا إِلَى أَن ملكهَا الفرنج من أَيْديهم بعد مُدَّة
وَذكر ابْن غَالب فِي تَارِيخه أَن الإِمَام إِدْرِيس لما فرغ من بِنَاء مَدِينَة فاس وَحَضَرت الْجُمُعَة الأولى صعد الْمِنْبَر وخطب النَّاس ثمَّ رفع يَدَيْهِ فِي آخر الْخطْبَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي مَا أردْت بِبِنَاء هَذِه الْمَدِينَة مباهاة وَلَا مفاخرة وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَلَا مُكَابَرَة وَإِنَّمَا أردْت أَن تعبد بهَا ويتلى بهَا كتابك وتقام بهَا حدودك وَشَرَائِع دينك وَسنة نبيك مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بقيت الدُّنْيَا اللَّهُمَّ وفْق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عَلَيْهِ واكفهم مُؤنَة أعدائهم وأدر عَلَيْهِم الأرزاق وأغمد عَنْهُم سيف الْفِتْنَة والشقاق إِنَّك على كل شَيْء قدير
(1/223)

فأمن النَّاس على دُعَائِهِ فكثرت الْخيرَات بِالْمَدِينَةِ وَظَهَرت بهَا البركات
وَمن محَاسِن فاس أَن نهرها يشقها بنصفين وتتشعب جداوله فِي دورها وحماماتها وشوارعها وأسواقها وتطحن بِهِ أرحاؤها ثمَّ يخرج مِنْهَا وَقد حمل أقذارها وازبالها إِلَى غير ذَلِك من عُيُون المَاء الَّتِي تنبع بداخلها وتتفجر من بيوتها تجَاوز الْحصْر كَثْرَة وَقد مدحها الْفَقِيه الزَّاهِد أَبُو الْفضل ابْن النَّحْوِيّ بقوله
(يَا فاس جَمِيع الْحسن مسترق ... وساكنوك ليهنهم بِمَا رزقوا)
(هَذَا نسميك أم روح لراحتنا ... وماؤك السلسل الصافي أم الْوَرق)
(أَرض تخللها الْأَنْهَار داخلها ... حَتَّى الْمجَالِس والأسواق والطرق)
وَقَالَ الْفَقِيه الْكَاتِب أَبُو عبد الله المغيلي يتشوق إِلَى فاس وَكَانَ يَلِي خطة الْقَضَاء بِمَدِينَة آزمور
(يَا فاس حَيا الله أَرْضك من ثرى ... وسقاك من صوب الْغَمَام المسبل)
(يَا جنَّة الدُّنْيَا الَّتِي أربت على ... حمص بمنظرها الْبَهِي الأجمل)
(غرف على غرف وَيجْرِي تحتهَا ... مَاء ألذ من الرَّحِيق السلسل)
(وبساتن من سندس قد زخرفت ... بجداول كالأيم أَو كالمقصل)
وبجامع القروين شرف ذكره ... أنس بذكراه يهيج تململ)
(وبصحنه زمن المصيف محَاسِن ... فَمَعَ الْعشي الغرب مِنْهُ اسْتقْبل)
(واجلس إزاء الخصة الحسنا بِهِ ... واكرع بهَا عني فديتك وانهل)
(1/224)

غَزْو إِدْرِيس بن إِدْرِيس المغربين واستيلاؤه عَلَيْهِمَا

لما فرغ إِدْرِيس من بِنَاء مَدِينَة فاس وانتقل إِلَيْهَا بمحلته واستوطنها بحاشيته وأرباب دولته واتخذها دَار ملكه أَقَامَ بهَا إِلَى سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة فَخرج غازيا بِلَاد المصامدة فَانْتهى إِلَيْهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وَدخل مَدِينَة نَفِيس ومدينة أغمات وَفتح سَائِر بِلَاد المصامدة وَعَاد إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة فَخرج فِي الْمحرم برسم غَزْو قبائل نفزة من أهل الْمغرب الْأَوْسَط وَمن بَقِي هُنَاكَ على دين الخارجية من البربر فَسَار حَتَّى غلب عَلَيْهِم وَدخل مَدِينَة تلمسان فَنظر فِي أحوالها وَأصْلح سورها وجامعها وصنع فِيهَا منبرا قَالَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك الْوراق دخلت مَدِينَة تلمسان سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة فَرَأَيْت فِي رَأس منبرها لوحا من بَقِيَّة مِنْبَر قديم قد سمر عَلَيْهِ هُنَالك مَكْتُوبًا فِيهِ هَذَا مَا أَمر بِهِ الإِمَام إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُم فِي شهر الْمحرم سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة اه وَقد تقدم لنا مَا يُخَالف هَذَا وَالله أعلم
وَأقَام إِدْرِيس بِمَدِينَة تلمسان وأحوازها يدبر أمرهَا وَيصْلح أحوالها ثَلَاث سِنِين ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة فاس
قَالَ دَاوُد بن الْقَاسِم الأوربي شهِدت مَعَ إِدْرِيس بن إِدْرِيس بعض
(1/225)

غَزَوَاته مَعَ الْخَوَارِج الصفرية من البربر فلقيناهم وهم ثَلَاثَة أضعافنا فَلَمَّا تقَارب الْجَمْعَانِ نزل إِدْرِيس فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى ثمَّ ركب فرسه وَتقدم لِلْقِتَالِ قَالَ فقاتلناهم قتالا شَدِيد فَكَانَ إِدْرِيس يضْرب فِي هَذَا الْجَانِب مرّة ويكر فِي هَذَا الْجَانِب الآخر مرّة وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى ارْتَفع النَّهَار ثمَّ رَجَعَ إِلَى رايته فَوقف بإزائها وَالنَّاس يُقَاتلُون بَين يَدَيْهِ فطفقت أتأمله وأديم النّظر إِلَيْهِ وَهُوَ تَحت ظلال البنود يحرض النَّاس ويشجعهم فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من ثباته وَقُوَّة جأشه فَالْتَفت نحوي وَقَالَ يَا دَاوُد مَا لي أَرَاك تديم النّظر إِلَيّ قلت أَيهَا الإِمَام إِنَّه قد أعجبني مِنْك خِصَال لم أرها الْيَوْم فِي غَيْرك قَالَ وَمَا هِيَ قلت أولاها مَا أرَاهُ من ثبات قَلْبك وطلاقة وَجهك عِنْد لِقَاء الْعَدو قَالَ ذَاك ببركة جدنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعائه لنا وَصلَاته علينا ووراثة من أَبينَا عَليّ بن أبي طَالب قلت وأراك تبصق بصاقا مجتمعا وَأَنا أطلب قَلِيل الرِّيق فِي فمي فَلَا أجد قَالَ يَا دَاوُد ذَاك لقُوَّة جأشي واجتماع لبي عِنْد الْحَرْب وَعدم ريقك لطيش عقلك وافتراق لبك قلت وَأَنا أَيْضا أتعجب من كَثْرَة تقلبك فِي سرجك وَقلة قرارك عَلَيْهِ قَالَ ذَاك مني زمع إِلَى الْقِتَال وصرامة فِيهِ فَلَا تظنه رعْبًا وَأَنْشَأَ يَقُول
(أَلَيْسَ أَبونَا هَاشم شدّ أزره ... وَأوصى بنيه بالطعان وبالضرب)
(فلسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملنا ... وَلَا نشتكي مِمَّا يؤول من النصب)
(1/226)

وَفَاة إِدْرِيس بن إِدْرِيس رَحمَه الله

قَالَ ابْن خلدون انتظمت لإدريس بن إِدْرِيس كلمة البربر كلمة البربر ومحى دَعْوَة الْخَوَارِج مِنْهُم واقتطع المغربين عَن دَعْوَة العباسيين من لدن السوس الْأَقْصَى غلى وَادي شلف ودافع إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَن حماه بعد مَا ضايقه بالمكايد واستفساد الْأَوْلِيَاء حَتَّى قتلوا رَاشد مَوْلَاهُ وارتاب إِدْرِيس بالبربر فَصَالح بن الْأَغْلَب وَسكن من غربه وَضرب السِّكَّة باسمه
وَعجز الأغالبة بعد ذَلِك عَن مدافعة هَؤُلَاءِ الأدارسة ودافعوا خلفاء بَين الْعَبَّاس بالمعاذير الْبَاطِلَة وَصفا ملك الْمغرب لإدريس وَاسْتمرّ بدار ملكه من فاس سَاكِنا وادعا مقتعدا أريكته مجتنيا ثَمَرَته إِلَى أَن توفاه الله ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وعمره نَحْو سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة وَدفن بمسجده بِإِزَاءِ الْحَائِط الشَّرْقِي مِنْهُ وَقَالَ البرنسي إِنَّه توفّي بِمَدِينَة وليلى وَدفن إِلَى جنب أَبِيه
وَكَانَ سَبَب وَفَاته أَنه أكل عنبا فشرق بِحَبَّة مِنْهُ فَمَاتَ لحينه وَخلف من الْوَلَد اثْنَي عشر ذكرا أَوَّلهمْ مُحَمَّد وَعبد الله وَعِيسَى وَإِدْرِيس وَأحمد وجعفر وَيحيى وَالقَاسِم وَعمر وَعلي وَدَاوُد وَحَمْزَة كَذَا فِي القرطاس وَزَاد ابْن حزم الْحسن وَالْحُسَيْن وَولي الْأَمر مِنْهُم بعده مُحَمَّد وَهُوَ أكبرهم
(1/227)

الْخَبَر عَن دولة مُحَمَّد بن إِدْرِيس رَحمَه الله

لما توفّي إِدْرِيس بن إِدْرِيس رَحمَه الله قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مُحَمَّد بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ وَلما ولي قسم بِلَاد الْمغرب بَين اخوته وَذَلِكَ بِإِشَارَة جدته كنزة أم إِدْرِيس فاختص الْقَاسِم مِنْهَا بطنجة وسبتة وَقصر مصمودة وقلعة حجر النسْر وتطوان وَمَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك من الْقَبَائِل والبلاد واختص عمر مِنْهَا بتيكساس وترغة وَمَا بَينهمَا من قبائل صنهاجة وغمارة واختص دَاوُد بِبِلَاد هوارة وتسول وتازا وَمَا بَين ذَلِك من قبائل مكناسة وغياثة واختص يحيى بآصيلا والعرايش وَالْبَصْرَة وبلاد ورغة وَمَا والى ذَلِك واختص عِيسَى بسلا وشالة وآزمور وتامسنا وَمَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك من الْقَبَائِل واختص حَمْزَة بِمَدِينَة وليلى وأعمالها واختص أَحْمد بِمَدِينَة مكناسة ومدينة تادلا وَمَا بَينهمَا من بِلَاد فازاز واختص عبد الله بأغمات وبلد نَفِيس وجبال المصامدة وبلاد لمطة والسوس الْأَقْصَى وَأبقى الآخرين فِي كفَالَته وكفالة جدتهم كنزة لصغرهم
وَبقيت تلمسان لولد عَمه سُلَيْمَان بن عبد الله فَإِن إِدْرِيس بن إِدْرِيس لما غزا تلمسان وَأقَام بهَا ثَلَاث سِنِين كَمَا سبق ودوخ بِلَاد زناتة واستوسقت لَهُ طاعتهم عقد عَلَيْهَا لبني عَمه سُلَيْمَان بن عبد الله فَلَمَّا توفّي إِدْرِيس واقتسم بنوه أَعمال الْمغرب كَانَت تلمسان فِي سهم عِيسَى بن إِدْرِيس بن
(1/228)

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله واستمرت بِأَيْدِيهِم إِلَى أَن تلاشى أَمرهم بِدُخُول العبيدين عَلَيْهِم قَالَه ابْن خلدون
وَأقَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس بدار مَكَّة من فاس مقتعدا على أريكته واخوته وُلَاة على بِلَاد الْمغرب قد ضبطوا أَعمالهَا وسدوا ثغورها وأمنوا سبلها وَحسنت سيرتهم فِي ذَلِك إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ

حُدُوث الْفِتْنَة بَين بني إِدْرِيس
ثمَّ خرج على مُحَمَّد بن إِدْرِيس أَخُوهُ عِيسَى بِمَدِينَة آزمور ونبذ طَاعَته وَطلب الْأَمر لنَفسِهِ فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه الْقَاسِم صَاحب طنجة يَأْمُرهُ بِحَرب عِيسَى فَامْتنعَ من ذَلِك فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه عمر صَاحب تيكساس بِمثل مَا كتب بِهِ إِلَى الْقَاسِم فامتثل أمره وزحف إِلَى عِيسَى فِي قبائل البربر وأمده مُحَمَّد بِأَلف فَارس من زناتة فأوقع عمر بِعِيسَى وهزمه وطرده عَن عمله وَكتب إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد بِالْفَتْح فشكره على ذَلِك وولاه على مَا فَتحه من عمل عِيسَى وَأمره مَعَ ذَلِك بِالْمَسِيرِ إِلَى قتال الْقَاسِم الَّذِي عصى أمره أَولا فزحف عمر إِلَى الْقَاسِم وَنزل عَلَيْهِ بِظَاهِر طنجة فَخرج إِلَيْهِ الْقَاسِم ودارت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة هزم فِيهَا الْقَاسِم وَاسْتولى عمر على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد فَصَارَ الرِّيف البحري كُله فِي عمل عمر من تيكيساس وبلاد غمارة إِلَى سبتة ثمَّ إِلَى طنجة وَهَذَا سَاحل الْبَحْر الرُّومِي ثمَّ يَنْعَطِف إِلَى آصيلا والعرايش ثمَّ إِلَى سلا ثمَّ آزمور وبلاد تامسنا وَهَذَا سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط وتزهد الْقَاسِم بعد هَذِه الْحَرْب فَبنى مَسْجِدا بساحل الْبَحْر قرب آصيلا بِموضع يعرف بتاهدرات على ضفة النَّهر هُنَاكَ وَأعْرض عَن الدُّنْيَا وَأقَام يعبد الله إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله
واتسعت ولَايَة عمر بن إِدْرِيس وخلصت طويته لِأَخِيهِ مُحَمَّد الْأَمِير إِلَى أَن توفّي عمر بِموضع يعرف بفج الْفرس من بِلَاد صنهاجة فِي دولة أَخِيه مُحَمَّد
(1/229)

سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ فَحمل إِلَى فاس وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير مُحَمَّد وَدفن مَعَ أَبِيه وَعمر هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الحموديين المالكين للأندلس بعد بني أُميَّة
وَعقد الْأَمِير مُحَمَّد على عمله لوَلَده عَليّ بن عمر إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وَأما عِيسَى فَيُقَال إِنَّه توفّي بآيت عتاب وَله بهَا ذُرِّيَّة وَالله أعلم
وَفَاة مُحَمَّد بن إِدْرِيس رَحمَه الله

وَأقَام الْأَمِير مُحَمَّد بن إِدْرِيس بعد وَفَاة أَخِيه عمر سَبْعَة أشهر وَتُوفِّي بِمَدِينَة فاس فِي ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَدفن بشرقي جَامعهَا مَعَ أَبِيه وأخيه بعد أَن عهد بِالْأَمر لِابْنِهِ عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بحيدرة على مَا سَيَأْتِي
الْخَبَر عَن دولة عَليّ بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس

لما توفّي مُحَمَّد بن إِدْرِيس بَايع النَّاس لِابْنِهِ عَليّ بن مُحَمَّد بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ ويلقب عَليّ هَذَا بحيدرة على لقب عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ جد الْأَشْرَاف العلميين أهل جبل الْعلم وَمِنْهُم المشيشيون أَوْلَاد مَوْلَانَا عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ والوزانيون أَوْلَاد مَوْلَانَا عبد الله الشريف وَيَنْتَهِي نسب هَؤُلَاءِ إِلَى الْمولى يملح بن مشيش أخي الْمولى عبد السَّلَام بن مشيش
وَكَانَ سنّ عَليّ حيدرة يَوْم بُويِعَ تسع سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر فَقَامَ بأَمْره الْأَوْلِيَاء والحاشية من الْعَرَب والبربر وأحسنوا كفَالَته وطاعته وَكَانَت أَيَّامه خير أَيَّام
وَقَالَ ابْن أبي زرع ظهر لعَلي هَذَا من الذكاء وَالْفضل مَا يَقْتَضِيهِ شرفه
(1/230)

وَسَار بسيرة أَبِيه وجده فِي الْعدْل فَكَانَ النَّاس فِي أَيَّامه فِي أَمن ودعة إِلَى أَن توفّي فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وعهد بِالْأَمر لِأَخِيهِ يحيى بن مُحَمَّد على مَا سَيَأْتِي
الْخَبَر عَن دولة يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس

قَالَ ابْن خلدون قَامَ يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بِالْأَمر وامتد سُلْطَانه وعظمت دولته وَحسنت آثَار أَيَّامه واستبحر عمرَان فاس وبنيت بهَا الحمامات والفنادق للتجار وبنيت خَارِجهَا الأرباض ورحل إِلَيْهَا النَّاس من الثغور القاصية
وَقَالَ ابْن أبي زرع قصد إِلَيْهَا النَّاس من الأندلس وإفريقية وَجَمِيع بِلَاد الْمغرب
بِنَاء مَسْجِد الْقرَوِيين بفاس

قَالَ ابْن أبي زرع كَانَ مَوضِع مسج الْقرَوِيين أَرضًا بَيْضَاء لرجل من هوارة كَانَ وَالِده قد حازها أَيَّام بِنَاء فاس وَلما قدم وَفد القيروان على إِدْرِيس الْأَصْغَر حَسْبَمَا تقدم كَانَ فيهم امْرَأَة اسْمهَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد الفِهري وتكنى أم الْبَنِينَ فَنزلت فِي أهل بَيتهَا بِالْقربِ من مَوضِع الْمَسْجِد الْمَذْكُور ثمَّ مَاتَ زَوجهَا وإخوتها فورثت مِنْهُم مَالا جسيما وَكَانَ من حَلَال فَأَرَادَتْ أَن تنفقه فِي وُجُوه الْخَيْر وَكَانَت لَهَا نِيَّة صَالِحَة فعزمت على بِنَاء مَسْجِد تَجِد ثَوَابه عِنْد الله فاشترت الْبقْعَة من رَبهَا وشرعت فِي حفر أساس الْمَسْجِد وَبِنَاء جدرانه وَذَلِكَ يَوْم السبت فاتح رَمَضَان الْمُعظم سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فبنته بالطابية والكدان
(1/231)

وَكَانَت الطَّرِيقَة الَّتِي سلكتها فِي بنائِهِ أَنَّهَا التزمت أَن تَأْخُذ التُّرَاب وَغَيره من مَادَّة الْبناء من نفس الْبقْعَة دون غَيرهَا مِمَّا هُوَ خَارج عَن مساحتها فحفرت فِي أعماقها كهوفا وَجعلت تستخرج مِنْهَا التُّرَاب الْجيد وَالْحجر الكدان وتبني بِهِ وأنبطت بهَا بِئْرا يستقى مِنْهَا المَاء للْبِنَاء وَالشرب وَغير ذَلِك وَكَانَ ذَلِك كُله تحريا مِنْهَا أَن لَا تدخل فِي بِنَاء الْمَسْجِد شُبْهَة فَعَادَت بركَة نِيَّتهَا وورعها على الْمَسْجِد الْمَذْكُور حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا ترى
قَالُوا وَلم تزل فَاطِمَة الْمَذْكُورَة صَائِمَة من يَوْم شرع فِي بنائِهِ إِلَى أَن تمّ وصلت فِيهِ شكرا لله تَعَالَى
وَكَانَت مساحة الْمَسْجِد يَوْم بني أَربع بلاطات وصحنا صَغِيرا وَجعلت محرابه فِي مَوضِع الثريا الْكُبْرَى وَجعلت طوله من الغرب إِلَى الشرق مائَة وَخمسين شبْرًا وَبنت بِهِ صومعة غير مُرْتَفعَة بِموضع الْقبَّة الَّتِي على رَأس العنزة الْيَوْم
وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن انقرضت دولة الأدارسة وَجَاءَت دولة زناتة من بعْدهَا وأداروا السُّور على العدوتين مَعًا الْقرَوِيين والأندلس وَزَادُوا فِي مسجديهما زِيَادَة كَثِيرَة فنقلوا الْخطْبَة من مَسْجِد الشرفاء إِلَى مَسْجِد الْقرَوِيين وَمن مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد الأندلس وَذَلِكَ صدر الْمِائَة الرَّابِعَة
ثمَّ لما استولى عبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس على فاس وبلاد العدوة اسْتعْمل على فاس عَاملا لَهُ اسْمه أَحْمد بن أبي بكر الزناتي ثمَّ اليفرني فَاسْتَأْذن النَّاصِر فِي إصْلَاح مَسْجِد الْقرَوِيين وَالزِّيَادَة فِيهِ فَأذن لَهُ وَبعث إِلَيْهِ بِمَال من خمس الْغَنَائِم فَزَاد فِيهِ زِيَادَة بَيِّنَة وأزال الصومعة الْقَدِيمَة عَن موضعهَا وَبنى الصومعة الْمَوْجُودَة الْآن وَكتب على بَابهَا فِي مربعة بالجص واللازورد هَذَا مَا أَمر بِهِ أَحْمد بن أبي بكر الزناتي هداه
(1/232)

الله ووفقه ابْتِغَاء ثَوَاب الله وجزيل إحسانه
وابتدأ الْعَمَل فِي هَذِه الصومعة يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَفرغ من بنائها فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة
وَركب فِي أَعلَى المنارة سيف الإِمَام إِدْرِيس بن إِدْرِيس تبركا بِهِ وَذَلِكَ أَن بعض حفدة إِدْرِيس رَحمَه الله تنازعوا فِي السَّيْف الْمَذْكُور وَأَرَادَ كل أَن يحوزه لنَفسِهِ فَقَالَ لَهُم الْأَمِير أَحْمد بن أبي بكر هَل لكم فِي أَن تبيعوني هَذَا السَّيْف قَالُوا وَمَا تصنع بِهِ قَالَ أجعله فِي أَعلَى المنارة فَقَالُوا أما إِذا أردْت هَذَا فَنحْن نهبه لَك مجَّانا فوهبوه لَهُ فَرَكبهُ فِي أَعلَى المنارة
وَكَانَت مَبْنِيَّة من الْحجر المنجور وفيهَا ثقب يعشش فِيهَا الطير من الْحمام والزرزور وَغَيرهمَا ويتأذى الْمَسْجِد وَالنَّاس بهَا وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فَاسْتَأْذن القَاضِي أَبُو عبد الله بن أبي الصَّبْر السُّلْطَان يُوسُف الْمَذْكُور فِي تلبيس المنارة وتبييضها فَأذن لَهُ فلبسها وبيضها ودلكها حَتَّى صَارَت كالمرآة الصقلية
وَقَالَ ابْن خلدون ثمَّ أوسع فِي خطه الْمَسْجِد الْمَذْكُور الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس وَأعد لَهُ السِّقَايَة والسلسلة بِبَاب الحفاة ثمَّ أوسع فِي خطته عَليّ بن يُوسُف اللمتوني ثمَّ مُلُوك الْمُوَحِّدين وَبني مرين واستمرت الْعِمَارَة بِهِ وانصرفت هممهم إِلَى تشييده والمنافسة فِي الاهتبال بِهِ فَبلغ الاحتفال فِيهِ مَا شَاءَ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُور فِي تواريخ الْمغرب أه
وَفِي أَيَّام يحيى بن مُحَمَّد صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَامَ رجل مُؤذن بِنَاحِيَة تلمسان يَدعِي النُّبُوَّة وَتَأَول الْقُرْآن على غير وَجهه فَاتبعهُ خلق كثير من الغوغاء
وَكَانَ من بعض شرائعه أَنه ينْهَى عَن قصّ الشّعْر وتقليم الْأَظْفَار ونتف الإبطين والاستحداد وَأخذ الزِّينَة وَيَقُول لَا تَغْيِير لخلق الله فَأمر أَمِير
(1/233)

تلمسان بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فهرب وَركب الْبَحْر من مرسى هنين إِلَى الأندلس فشاع بهَا أَيْضا خَبره وَتَبعهُ من سُفَهَاء النَّاس أمة عَظِيمَة فَبعث إِلَيْهِ ملك الأندلس فاستتابه فَلم يتب فَقتله وصلبه وَهُوَ يَقُول أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله
الخبرعن دولة يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس

لما توفّي يحيى بن مُحَمَّد الَّذِي بنى مَسْجِد الْقرَوِيين فِي أَيَّامه ولي الْأَمر من بعده ابْنه يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس فاساء السِّيرَة وَكثر عيثه فِي الْحرم وَدخل على جَارِيَة من بَنَات الْيَهُود فِي الْحمام وَكَانَت بارعة فِي الْجمال فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فاستغاثت وبادر النَّاس إِلَيْهَا بالإنكار وثابت الْعَامَّة عَلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل الجذامي وَكَانَت زَوْجَة يحيى الْمَذْكُور وَهِي عَاتِكَة بنت عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف والسواحل أشارت عَلَيْهِ بالاختفاء بعدوة الأندلس ريثما تسكن الْفِتْنَة فتوارى بهَا فَمَاتَ من ليلته أسفا على مَا صنع بِنَفسِهِ وَمَا وَقع فِيهِ من الْعَار
وَاسْتولى عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل على فاس وَقَامَ بأمرها فَكتبت عَاتِكَة بنت عَليّ إِلَى أَبِيهَا تعلمه بالْخبر واستدعاه مَعَ ذَلِك أهل الدولة من الْعَرَب والبربر والموالي فَجمع حشمه وجيشه وَجَاء إِلَى فاس فاستولى عَلَيْهَا
وَانْقطع الْملك من عقب مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَصَارَ بعد هَذَا تَارَة يكون فِي عقب عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف وَتارَة يكون فِي عقب الْقَاسِم بن إِدْرِيس الزَّاهِد على مَا نذكرهُ
(1/234)

الْخَبَر عَن دولة عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس

لما دخل عَليّ بن عمر مَدِينَة فاس وَاسْتقر بهَا بَايعه النَّاس وَدخلت الكافة فِي طَاعَته وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب واستقام لَهُ الْأَمر إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق الفِهري وَكَانَ من الْخَوَارِج الصفرية وَأَصله من وشقة بلد بالأندلس فَقَامَ بجبال مديونة من أَعمال فاس على مسيرَة يَوْم وَنصف مِنْهَا فَتَبِعَهُ خلق كثير من البربر من مديونة وغياثة وَغَيرهم فَبنى قلعة منيعة بِبَعْض جبال مديونة وسماها وَشقه باسم بَلَده قَالَ ابْن أبي زرع وَهِي بَاقِيَة بِتِلْكَ النَّاحِيَة حَتَّى الْآن
ثمَّ زحف إِلَى قَرْيَة صفرون فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ كَافَّة البربر الصفرونية ثمَّ زحف بهم إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس فِي عَسْكَر ضخم فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة كَانَ الظفر فِي آخرهَا لعبد الرَّزَّاق فَانْهَزَمَ عَليّ بن عمر وَقتل خلق كثير من جنده وفر بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد أوربة فَدخل عبد الرَّزَّاق مَدِينَة فاس وَملك عدوة الأندلس وخطب لَهُ بهَا وَامْتنع مِنْهُ أهل عدوة الْقرَوِيين وبعثوا إِلَى يحيى بن الْقَاسِم الزَّاهِد وَكَانَ مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس

لما فر عَليّ بن عمر عَن فاس وَاسْتولى عبد الرَّزَّاق الصفري على عدوة الأندلس بعث أهل فاس إِلَى يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَيعرف يحيى هَذَا بالعدام فوصل إِلَيْهِم فَبَايعُوهُ وولوه على أنفسهم وَيحيى العدام هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الجوطيين بفاس فَإِنَّهُم أَوْلَاد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام وَإِنَّمَا قيل لَهُ الجوطي نِسْبَة إِلَى جوطة بِضَم الْجِيم وبالطاء
(1/235)

الْمُهْملَة قَرْيَة كَانَت على نهر سبو بالعدوة الجنوبية مِنْهُ نزلها بِيَحْيَى بن مُحَمَّد فنسب إِلَيْهَا وقبره مَعْرُوف بهَا إِلَى الْآن
وَلما اسْتَقل بِيَحْيَى بن الْقَاسِم بِالْأَمر قَاتل عبد الرَّزَّاق حَتَّى أخرجه من عدوة الأندلس فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا وَجَمِيع من نزل بهَا من أهل الأندلس الربضيين ربض قرطبة وَاسْتعْمل يحيى بن الْقَاسِم عَلَيْهِم ثَعْلَبَة بن محَارب بن عبد الله الْأَزْدِيّ من ولد الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ ربضي أَيْضا فَلم يزل واليا على عدوة الأندلس إِلَى أَن توفّي فَاسْتعْمل يحيى مَكَانَهُ وَلَده عبد الله بن ثَعْلَبَة الْمَعْرُوف بعبود إِلَى أَن توفّي أَيْضا فَاسْتعْمل الْأَمِير يحيى مَكَانَهُ وَلَده محَارب بن عبود بن ثَعْلَبَة
وَخرج الْأَمِير يحيى بن الْقَاسِم إِلَى قتال الصفرية فَكَانَت لَهُ مَعَهم حروب ووقائع كَثِيرَة وَلم يزل أَمِيرا على فاس وأعمالها إِلَى أَن اغتاله الرّبيع بن سُلَيْمَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت فِي أَيَّام هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء أَحْدَاث نذكرها
فَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ كَانَ بِبِلَاد العدوة والأندلس قحط شَدِيد نضبت مِنْهُ الْمِيَاه وَاسْتمرّ إِلَى سنة سِتِّينَ
وَفِي سنة أَربع وَخمسين كسف الْقَمَر كُله من أول اللَّيْل حَتَّى أصبح وَلم ينجل
وَفِي سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ عَم الْقَحْط والغلاء جَمِيع بِلَاد الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية ومصر والحجاز حَتَّى رَحل النَّاس عَن مَكَّة إِلَى الشَّام وَلم يبْق بهَا إِلَّا نفر يسير مَعَ سدنة الْكَعْبَة ثمَّ كَانَ بالمغرب والأندلس وباء عَظِيم مَعَ غلاء فِي الأسعار وعدمت الأقوات فَهَلَك خلق كثير
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت بالسماء حمرَة شَدِيدَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره لم يعْهَد قبلهَا مثلهَا وَذَلِكَ لَيْلَة السبت لتسْع بَقينَ من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من
(1/236)

شَوَّال مِنْهَا كَانَت زَلْزَلَة عَظِيمَة لم يسمع بِمِثْلِهَا تهدمت مِنْهَا الْقُصُور وانحطت مِنْهَا الصخور من الْجبَال وفر النَّاس من المدن إِلَى الْبَريَّة من شدَّة اضْطِرَاب الأَرْض وتساقطت السقوف والحيطان وفرت الطُّيُور عَن أوكارها وَمَاجَتْ فِي السَّمَاء زَمَانا حَتَّى سكنت الزلزلة وعمت هَذِه الرجفة جَمِيع بِلَاد الأندلس سهلها وجبالها وَجَمِيع بِلَاد العدوة من تلمسان إِلَى طنجة وَمن الْبَحْر الرُّومِي إِلَى أقْصَى الْمغرب إِلَّا أَنَّهَا لم يمت فِيهَا أحد لطفا من الله تَعَالَى بخلقه
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ طبقت الْفِتْنَة جَمِيع آفَاق الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت المجاعة الشَّدِيدَة الَّتِي عَمت جَمِيع بِلَاد الأندلس وبلاد العدوة حَتَّى أكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا ثمَّ عقب ذَلِك وباء وَمرض وَمَوْت كَبِير هلك فِيهِ من الْخلق مَا لَا يُحْصى فَكَانَ يدْفن فِي الْقَبْر الْوَاحِد عدد من النَّاس لِكَثْرَة الْمَوْتَى وَقلة من يقوم بهم وَكَانُوا يدفنون من غير غسل وَلَا صَلَاة وَالْأَمر لله وَحده
الْخَبَر عَن دولة يحيى بن إِدْرِيس بن عمر بن إِدْرِيس

لما قتل يحيى العدام فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولي الْأَمر من بعده يحيى بن إِدْرِيس بن عمر بن إِدْرِيس فَبَايعهُ أهل عدوة فاس وخطب لَهُ بهما وامتد ملكه على جَمِيع أَعمال الْمغرب وخطب لَهُ على سَائِر منابره
وَكَانَ يحيى هَذَا وَاسِطَة عقد الْبَيْت الإدريسي أعلاهم قدرا وأبعدهم ذكرا وَأَكْثَرهم عدلا وأغزرهم فضلا وأوسعهم ملكا وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا للْحَدِيث ذَا فصاحة وَبَيَان بطلا شجاعا حازما ذَا صَلَاح وَدين وورع
قَالَ ابْن خلدون لم يبلغ أحد من الأدراسة مبلغه فِي الدولة وَالسُّلْطَان إِلَى أَن طما على ملكه عباب العبيديين القائمين بإفريقية فأغرقه
(1/237)

اسْتِيلَاء العبيديين من الشِّيعَة على الْمغرب الْأَقْصَى وقدوم قائدهم مصالة بن حبوس إِلَى فاس

قد قدمنَا عِنْد ذكر وُلَاة الْمغرب أَن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب كَانَ آخِرهم وَأَنه أورث بإفريقية ملكا لِبَنِيهِ فاستمرت دولتهم بهَا إِلَى أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة وانقرضت على يَد أبي عبد الله الْمُحْتَسب دَاعِيَة العبيديين من الشِّيعَة فَإِن الْمُحْتَسب حج فِي بعض السنين وَاجْتمعَ بِمَكَّة بِحجاج كتامة من أهل الْمغرب فتعرف إِلَيْهِم وَوَعدهمْ بِظُهُور الْمهْدي من آل الْبَيْت على يدهم وَيكون لَهُم بِهِ الْملك وَالسُّلْطَان فتبعوه على رَأْيه وصحبهم إِلَى بِلَادهمْ وَرَأس فيهم رئاسة دينية وَقرر لَهُم مَذْهَب الشِّيعَة فَاتَّبعُوهُ وتمسكوا بِهِ ثمَّ بَايعُوا مَوْلَاهُ عبيد الله الْمهْدي أول خلفاء العبيديين فاستولى على إفريقية فِي خبر طَوِيل
ثمَّ سمت همته إِلَى تملك الْمغرب الْأَقْصَى فأغزاه قائده مصالة بن حبوس المكناسي صَاحب تاهرت وَالْمغْرب الْأَوْسَط فزحف مصالة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة خمس وثلاثمائة وانْتهى إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ يحيى بن إِدْرِيس لمدافعته فِي جموع الْعَرَب والبربر والموالي والتقوا بِقرب مكناسة فَانْهَزَمَ يحيى وَعَاد مفلولا إِلَى فاس ثمَّ تقدم مصالة إِلَى فاس وحاصرها إِلَى أَن صَالحه يحيى على مَال يُؤَدِّيه إِلَيْهِ وعَلى الْبيعَة لِعبيد الله الْمهْدي فَقبل يحيى الشَّرْط وَخرج عَن الْأَمر وأنفذ بيعَته إِلَى الْمهْدي وَأبقى عَلَيْهِ مصالة فِي سُكْنى فاس وَعقد لَهُ على عَملهَا خَاصَّة وَعقد لِابْنِ عَمه مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة المكناسي على مَا سوى ذَلِك من بِلَاد الْمغرب
وَكَانَ مُوسَى هَذَا صَاحب تسول وبلاد تازا وَكَانَ كَبِير مكناسة بالمغرب الْأَقْصَى على الْإِطْلَاق وَكَانَ قد خدم مصالة حِين قدم الْمغرب وتعرف إِلَيْهِ وهاداه وَقَاتل مَعَه فِي جَمِيع حروبه بالمغرب فحسنت مَنْزِلَته لَدَيْهِ وولاه بِلَاد الْمغرب كلهَا عدى فاسا وأعمالها فَإِنَّهُ تَركهَا للأمير يحيى كَمَا قُلْنَا
(1/238)

وَصَارَ الْمغرب الْأَقْصَى فِي ملكه العبيديين واندرجت دولة الأدراسة فِي دولتهم فَكَانَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة بعد ذهَاب مصالة كلما أَرَادَ الظُّهُور بالمغرب والاستبداد بِهِ غمره يحيى بن إِدْرِيس بِحَسبِهِ وَنسبه وفضله وَدينه فَقطع بِهِ كلما كَانَ يُريدهُ فَكَانَ على قلب مُوسَى مِنْهُ حمل ثقيل فَلَمَّا قدم مصالة الْمغرب فِي كرته الثَّانِيَة وَذَلِكَ سنة تسع وثلاثمائة سعى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عِنْده بِيَحْيَى للقائه وَالسَّلَام عَلَيْهِ فِي جمَاعَة من وُجُوه دولته فَقبض مصالة عَلَيْهِم وَقيد بِيَحْيَى بالحديد وَتقدم إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَيحيى بَين يَدَيْهِ موثقًا على جمل ثمَّ عذبه بأنواع الْعَذَاب حَتَّى استصفى أَمْوَاله وذخائره ثمَّ نَفَاهُ إِلَى نواحي آصيلا وَقد ساءت حَاله وانفض جمعه فَأَقَامَ عِنْد بني عَمه بِبِلَاد الرِّيف مُدَّة فَأَعْطوهُ مَالا ووصلوه بِمَا يُقيم بِهِ أوده ويستعين بِهِ على أمره فَلم يرض ذَلِك وارتحل عَنْهُم يُرِيد إفريقية فَعرض لَهُ مُوسَى بن ابي الْعَافِيَة فِي طَريقَة فَقبض عَلَيْهِ وسجنه بِمَدِينَة آلكاي قَرِيبا من عشْرين سنة ثمَّ اطلقه بعد ذَلِك قَالُوا وَكَانَ أَبوهُ إِدْرِيس بن عمر قد دَعَا عَلَيْهِ أَن يميته الله جائعا غَرِيبا فاستجيب لَهُ فِيهِ فَخرج يحيى من سجن ابْن أبي الْعَافِيَة إِلَى إفريقية وَهُوَ فِي فقر وذلة قد بلغ سوء الْحَال مِنْهُ كل مبلغ فوصل إِلَى المهدية على تِلْكَ الْحَال فَوَافَقَ بهَا فتْنَة أبي يزِيد مخلد بن كيداد اليفرني وحصاره إِيَّاهَا فَمَاتَ بهَا جائعا غَرِيبا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة رَحمَه الله
(1/239)

عود الْمغرب الْأَقْصَى إِلَى الأدارسة وَظُهُور الْحسن الْحجام بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس

لما قبض مصالة على يحيى بن إِدْرِيس واستصفى أَمْوَاله كَمَا قُلْنَا اسْتعْمل على فاس ريحَان الكتامي وَعَاد إِلَى القيروان فَأَقَامَ ريحَان عَاملا على فاس وأحوازها نَحْو ثَلَاثَة أشهر وثار عَلَيْهِ الْحسن بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس الْمَعْرُوف بالحجام وَعرف بذلك لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين عَمه أَحْمد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس حَرْب فَحمل الْحسن على فَارس من أَصْحَاب عَمه فطعنه فِي مَوضِع المحاجم ثمَّ فعل ذَلِك بثان وثالث لَا يطعنهم إِلَّا فِي مَوضِع المحاجم فَقَالَ عَمه أَحْمد إِن ابْن أخي الْحجام فَلَزِمَهُ ذَلِك اللقب وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم
(وَسميت حجاما وَلست بحاجم ... وَلَكِن لطعن فِي مَكَان المحاجم)
وَكَانَت ثورة الْحجام على ريحَان سنة عشر وثلاثمائة أَتَى إِلَى فاس فِي جمع من شيعته وأنصاره وَكَانَ مقداما شجاعا فَدَخلَهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا فاستولى عَلَيْهَا وَقتل ريحَان وَقيل نَفَاهُ عَنْهَا وَاجْتمعَ النَّاس على بيعَته وَدخل فِي طَاعَته أَكثر قبائل البربر بالمغرب وَملك عدَّة مدن مثل مَدِينَة لواتة وصفرون ومدين وَمَدَائِن مكناسة وَالْبَصْرَة واستقام لَهُ الْأَمر بالمغرب إِلَى أَن كَانَ مِنْهُ مَعَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة مَا نذكرهُ
(1/240)

خُرُوج الْحسن الْحجام إِلَى قتال مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة

قَالَ فِي القرطاس وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة خرج الْأَمِير الْحسن الْحجام إِلَى قتال مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة فَالتقى مَعَه بفحص الزَّاد على مقربة من وَادي المطاحن مَا بَين فاس وتازا فأوقع الْحجام بِابْن أبي الْعَافِيَة وقْعَة عَظِيمَة لم يَقع فِي دولة الأدارسة مثلهَا قتل فِيهَا من عَسْكَر ابْن أبي الْعَافِيَة نَحْو أَلفَيْنِ وثلاثمائة من جُمْلَتهمْ ابْنه منهال بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وَقتل من عَسْكَر الْحجام نَحْو السبعمائة ثمَّ كَانَت الْعَاقِبَة لمُوسَى على الْحجام فانفض عَسْكَر الْحجام وَعَاد مفلولا إِلَى فاس فَعجل الْحجام وَدخل فاسا وَحده وَترك عسكره خَارج الْمَدِينَة فغدر بِهِ عَامله عَلَيْهَا حَامِد بن حمدَان الْهَمدَانِي وَيُقَال الأوربي من قرى إفريقية دخل عَلَيْهِ لَيْلًا فِي دَاره فقيده وَأَخذه إِلَيْهِ وأغلق الْمَدِينَة فِي وَجه الْجند وطير إِلَى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة يستدعيه إِلَى فاس وَكَانَ مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة آل أبي الْعَافِيَة المكناسيين الناسخة لدولة آل إِدْرِيس بفاس وأعمالها

كَانَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة متمسكا فِي هَذِه الْمدَّة بدعوة العبيديين من الشِّيعَة فَلَمَّا قبض حَامِد بن حمدَان على الْحسن الْحجام واستوعى ابْن أبي الْعَافِيَة بَادر نَحوه فَدخل عدوة الْقرَوِيين وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ قَاتل أهل عدوة الأندلس حَتَّى ملكهَا فَلَمَّا ملك المدينتين مَعًا طَالب حَامِد بن حمدَان بإحضار الْحسن الْحجام وَقَالَ أَقتلهُ بولدي منهال
وَكَانَ حَامِد قد نَدم على فعلته تِلْكَ فدافع مُوسَى وسوفه وَكره المجاهرة بسفك دِمَاء آل الْبَيْت وَلما جن اللَّيْل خَالف حَامِد إِلَى الْحسن ففك عَنهُ قَيده
(1/241)

وأرسله فَتَدَلَّى الْحسن من السُّور فَسقط وانكسرت سَاقه فتحامل حَتَّى انْتهى إِلَى عدوة الأندلس فاختفى بهَا إِلَى أَن مَاتَ لمضي ثَلَاث من سقطته رَحمَه الله وَذَلِكَ سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة وَأَرَادَ ابْن أبي الْعَافِيَة قتل حَامِد بن حمدَان لعدم تَمْكِينه إِيَّاه من الْحجام ففر إِلَى المهدية وَكَانَت دولة الْحسن الْحجام بفاس نَحْو سنتَيْن
وانقرضت دولة آل إِدْرِيس من فاس وأعمالها وتداول الْمغرب الْأَقْصَى العبيديون أَصْحَاب إفريقية والمروانيون أَصْحَاب الأندلس مرّة لهَؤُلَاء وَمرَّة لهَؤُلَاء وتجددت للأدارسة دولة أُخْرَى بِبِلَاد الرِّيف نذكرها عَن قريب إِن شَاءَ الله
وصفت فاس وأعمالها لِابْنِ أبي الْعَافِيَة وَملك مَعهَا كثيرا من أَعمال الْمغرب وبايعته الْقَبَائِل والأشياخ وَهُوَ فِي ذَلِك كُله متمسك بدعوة الشِّيعَة كَمَا قُلْنَا فَكَانَ كالنائب عَنْهُم بالمغرب وَالله غَالب على أمره
طرد مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة آل إِدْرِيس من أَعمال الْمغرب وحصره إيَّاهُم بِحجر النسْر

لما استولى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على فاس وَالْمغْرب شمر لطرد الأدارسة عَنهُ فَأخْرجهُمْ من دِيَارهمْ وأجلاهم عَن بِلَادهمْ من شالة وآصيلا وَغَيرهمَا من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت فِي أَيْديهم ولجؤوا بأجمعهم إِلَى قلعة حجر النسْر مغلوبين على ملكهم مطرودين عَن دَار عزهم الَّتِي أسسها سلفهم
وَكَانَت قلعة حجر النسْر حصنا منيعا بناه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس شامخا فِي عنان السَّحَاب فَنزل عَلَيْهِم
(1/242)

مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وشدد عَلَيْهِم الْحصار وَأَرَادَ استئصالهم وَقطع دابرهم فعذله على ذَلِك أكَابِر دولته وَقَالُوا لَهُ أَتُرِيدُ أَن تقطع دابر أهل الْبَيْت من الْمغرب وتخليه مِنْهُم هَذَا الشَّيْء لَا نوافقك عَلَيْهِ وَلَا نَتْرُكك لَهُ فاستحيا عِنْد ذَلِك وارتحل عَنْهُم إِلَى فاس وَخلف على حصارهم قائده أَبَا الْفَتْح التسولي فِي ألف فَارس يمنعهُم من التَّصَرُّف وَكَانَ ذَلِك سنة سبع عشرَة وثلاثمائة
اسْتِيلَاء مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على تلمسان وأعمالها

لما ارتحل مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عَن حجر النسْر سَار إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا وَقتل عَامله على عدوة الأندلس عبد الله بن ثَعْلَبه بن محَارب بن عبود الْأَزْدِيّ وَولى مَكَانَهُ أَخَاهُ مُحَمَّد بن ثَعْلَبَة ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ طوال بن أبي يزِيد فَلم يزل عَاملا عَلَيْهَا إِلَى أَن خرجت فاس عَن يَد أبن أبي الْعَافِيَة
وَاسْتعْمل مُوسَى على الْمغرب الْأَقْصَى وَلَده مَدين بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وأنزله بعدوة الْقرَوِيين ثمَّ نَهَضَ إِلَى تلمسان سنة تسع عشرَة وثلاثمائة فملكها وأعمالها وَكَانَت بيد الْحسن بن أبي الْعَيْش من أعقاب سُلَيْمَان بن عبد الله أخي إِدْرِيس الْأَكْبَر وفر الْحسن إِلَى مَدِينَة مليلة من جزائر ملوية وَبنى هُنَاكَ حصنا وتحصن بِهِ ثمَّ زحف ابْن أبي الْعَافِيَة إِلَى مَدِينَة نكور فملكها أَيْضا وحاصر الْحسن فِي حصنه مُدَّة ثمَّ عقد لَهُ سلما على حصنه وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة عشْرين وثلاثمائة ثمَّ عَاد إِلَى فاس وَقد دوخ الْبِلَاد والأقطار وانتظم المغربان الْأَقْصَى والأوسط فِي ملكه
(1/243)

انحراف مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عَن الشِّيعَة إِلَى بني مَرْوَان وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

كَانَ عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي صَاحب الأندلس قد سما لَهُ أمل فِي التَّمَلُّك على الْمغرب الْأَقْصَى لما بلغه من تراجع أَمر بني إِدْرِيس بِهِ وإشراف دولتهم على الْهَرم فَملك سبتة من يَد بني عِصَام القائمين بهَا بالدعوة الإدريسية
وَلما استولى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على الْمغرب خاطبه النَّاصِر فِي الْقيام بدعوته ووعده الْجَمِيل على ذَلِك وَأَتَاهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى مُرَاده وَنقض طَاعَة الشِّيعَة وخطب للناصر على مَنَابِر عمله فاتصل الْخَبَر بعبيد الله الْمهْدي صَاحب إفريقية فسرح إِلَيْهِ قائده حميد بن يصليتن المكناسي صَاحب تاهرت فِي عشرَة آلَاف فَارس وَهُوَ ابْن أخي مصالة بن حبوس الْمُقدم الذّكر فَالتقى حميد ومُوسَى بفحص مسون فَكَانَت بَينهم حَرْب سِجَال ثمَّ إِن حميدا بَيت مُوسَى لَيْلَة فَضرب فِي عسكره فَانْهَزَمَ مُوسَى وَأَصْحَابه وَمضى إِلَى عين إِسْحَاق من بِلَاد تسول فتحصن بهَا
وَتقدم حميد إِلَى فاس فَلَمَّا شارفها فرعنها مَدين بن مُوسَى وَلحق بِأَبِيهِ فَدَخلَهَا حميد وَاسْتعْمل عَلَيْهَا حَامِد بن حمدَان الْهَمدَانِي وَكَانَ فِي جملَته ثمَّ عَاد إِلَى إفريقية وَقد قضى إربه من الْمغرب وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة
وَلما اتَّصل ببني إِدْرِيس المحصورين بِحجر النسْر خبر هزيمَة مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وفرار ابْنه عَن فاس وَولَايَة حَامِد بن حمدَان عَلَيْهَا قويت نُفُوسهم
(1/244)

وتظاهروا على أبي الْفَتْح التسولي فنزلوا إِلَيْهِ وقاتلوه وهزموه ونهبوا مُعَسْكَره وَخَرجُوا إِلَى الفضاء بعد انحصارهم بالقلعة الْمَذْكُورَة أَربع سِنِين
ثورة أَحْمد بن بكر الجذامي بدعوة المروانيين بفاس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

وَأقَام حَامِد بن حمدَان واليا على فاس من قبل الشِّيعَة إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ أَحْمد بن بكر بن عبد الرَّحْمَن بن سهل الجذامي وَذَلِكَ عقب وَفَاة عبيد الله الْمهْدي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة فَقتل حَامِد بن حمدَان وَبعث بِرَأْسِهِ وبولده إِلَى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة فَبعث بِهِ مُوسَى إِلَى عبد الرَّحْمَن النَّاصِر بقرطبة وَاسْتولى على الْمغرب وعادت الدعْوَة بِهِ إِلَى بني مَرْوَان
وَلما اتَّصل الْخَبَر بِصَاحِب إفريقية أبي الْقَاسِم بن عبيد الله الْمهْدي الْمُتَوَلِي بعد أَبِيه سرح قائده ميسورا الْخصي إِلَى الْمغرب فقدمه ميسور سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة وخام ابْن أبي الْعَافِيَة عَن لِقَائِه واعتصم بحصن آلكاي
وَتقدم ميسور إِلَى فاس فحاصرها أَيَّامًا إِلَى أَن خرج إِلَيْهِ أَحْمد بن بكر مبايعا وَقدم بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة نفيسة ومالا جَلِيلًا فَقبض ميسور الْهَدِيَّة وَالْمَال ثمَّ تقبض على أَحْمد بن بكر وَقَيده وَبعث بِهِ إِلَى المهدية
وَلما نذر أهل فاس بغدره امْتَنعُوا عَلَيْهِ وَأَغْلقُوا أَبْوَابهم دونه وَقدمُوا على أنفسهم حسن بن قَاسم اللواتي فَحَاصَرَهُمْ ميسور سَبْعَة أشهر وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار رَغِبُوا فِي السّلم فَصَالحهُمْ على أَن أَعْطوهُ سِتَّة آلَاف دِينَار وأنطاعا ولبودا وقربا للْمَاء وأثاثا وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى أبي الْقَاسِم الشيعي وَكَتَبُوا اسْمه فِي سكتهم وخطبوا لَهُ على منابرهم فَقبل ميسور ذَلِك مِنْهُم وَأقر عَلَيْهِم حسن بن قَاسم اللواتي وارتحل عَنْهُم وَاسْتمرّ حسن عَاملا على فاس إِلَى أَن قدم أَحْمد بن بكر من المهدية مُطلقًا مكرما فتخلى لَهُ عَن مَا
(1/245)

كَانَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَكَانَت ولَايَة حسن بن الْقَاسِم على فاس ثَمَان عشرَة سنة قَالَه فِي القرطاس وَقَالَ ابْن خلدون إِن أَحْمد بن بكر الجذامي قدم من إفريقية سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَسَار إِلَى فاس وَأقَام بهَا متنكرا إِلَى أَن وثب بعاملها حسن بن قَاسم اللواتي فتخلى لَهُ عَن الْعَمَل وَالله أعلم
حَرْب ميسور مَعَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة

لما صَالح ميسور أهل فاس نَهَضَ إِلَى حَرْب ابْن أبي الْعَافِيَة فدارت بَينهم حروب كَانَ الظُّهُور فِي آخرهَا لميسور وَأسر البوري بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وغربه إِلَى المهدية وطرد مُوسَى على أَعمال الْمغرب إِلَى نواحي ملوية ووطاط وَمَا وَرَاءَهَا من بِلَاد الصَّحرَاء ثمَّ قفل إِلَى القيروان
وَقَالَ ابْن أبي زرع فِي كتاب القرطاس إِن بني إِدْرِيس توَلّوا مُعظم الحروب الَّتِي دارت بَين ميسور وَبَين ابْن أبي الْعَافِيَة وَإِنَّهُم قَاتلُوا ابْن أبي الْعَافِيَة حَتَّى فر أمامهم إِلَى الصَّحرَاء قَالَ وتملك الأدارسة أَكثر مَا كَانَ بيد ابْن أبي الْعَافِيَة قَائِمين بدعوة الشِّيعَة فَلم يزل ابْن أبي الْعَافِيَة شَرِيدًا فِي الصَّحرَاء وأطراف الْبِلَاد الَّتِي بقيت بِيَدِهِ وَذَلِكَ من مَدِينَة آكرسيف إِلَى مَدِينَة نكور إِلَى أَن قتل بِبَعْض بِلَاد ملوية وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَقيل إِنَّه قتل سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة قَالَه البرنسي اه كَلَام ابْن أبي زرع
وَقَالَ ابْن خلدون إِن مُوسَى ابْن أبي الْعَافِيَة رَجَعَ من الصَّحرَاء إِلَى أَعماله بالمغرب فملكها وَولى على عدوة الأندلس أَبَا يُوسُف بن محَارب الْأَزْدِيّ قَالَ وَهُوَ الَّذِي مدن عدوة الأندلس وَكَانَت حصونا ثمَّ زحف إِلَى تلمسان سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة فاستولى عَلَيْهَا قَالَ واستفحل أَمر ابْن أبي الْعَافِيَة بالمغرب الْأَقْصَى واتصل عمله بِعَمَل مُحَمَّد بن خرز ملك
(1/246)

مغراوة وَصَاحب الْمغرب الْأَوْسَط وبثوا دَعْوَة الأموية فِي أَعمالهَا وَالله أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار آل أبي الْعَافِيَة بالمغرب

قَالَ ابْن أبي زرع لما هلك مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة ولي بعده ابْنه ابراهيم إِلَى أَن توفّي سنة خمسين وثلاثمائة فولي بعده ابْنه عبد الله وَيُقَال عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن ابي الْعَافِيَة إِلَى أَن توفّي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة فولي عمله من بعده ابْنه مُحَمَّد وَعَلِيهِ انقرضت دولة آل أبي الْعَافِيَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَذكر بعض المؤرخين لأيامهم أَنه لما توفّي مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة ولي بعده ابْنه الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمُحَارب للمتونة فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حروب إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ يُوسُف بن تاشفين فَقتله واستأصل شافة ذُرِّيَّة مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة بالمغرب وَكَانَت دولتهم مائَة وَأَرْبَعين سنة من سنة خمس وَثَلَاثِينَ إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة اه وَلَكِن دولتهم بفاس انْتَهَت إِلَى قدوم ميسور الْخصي كَمَا مر وَبقيت رياستهم بالأطراف إِلَى دولة اللمتونيين وَالله أعلم وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث مَا نذكرهُ
فَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ كسفت الشَّمْس كسوفا كليا وَكَانَ ذَلِك بعد صَلَاة الْعَصْر فَغَاب القرص كُله وَظَهَرت النُّجُوم وَأذن أَكثر النَّاس بالمساجد للمغرب ثمَّ تجلت مضيئة بعد ذَلِك وَمَكَثت مِقْدَار ثلث سَاعَة ثمَّ غربت
وَفِي سنة ثَلَاث وثلاثمائة كَانَ بإفريقية وَالْمغْرب والأندلس فتن كَثِيرَة ومجاعة عَظِيمَة أشبهت مجاعَة سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَقع الْمَوْت فِي النَّاس حَتَّى عجزوا عَن دفن موتاهم
وَفِي سنة خمس وثلاثمائة أحرقت النَّار أسواق مَدِينَة فاس وأسواق
(1/247)

تاهرت قَاعِدَة زناتة وأحرقت أسواق قرطبة وأرباض مكناسة من بِلَاد جَوف الأندلس وَكَانَ ذَلِك فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فسميت سنة النَّار
وَفِي سنة سبع وثلاثمائة كَانَ بإفريقية وَالْمغْرب والأندلس رخاء مفرط وطاعون ووباء كثير وفيهَا كَانَت الرّيح السَّوْدَاء الشَّدِيدَة الهبوب الَّتِي قلعت الْأَشْجَار وهدمت الدّور بفاس فَتَابَ النَّاس ولزموا الْمَسَاجِد وارتدعوا عَن كثير من الْفَوَاحِش
وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة ظهر حَامِيم المتنبئ بجبال غمارة قَالَ ابْن خلدون كَانَت غمارة غريقة فِي الْجَهَالَة والبعد عَن الشَّرَائِع بِسَبَب البداوة والانتباذ عَن مَوَاطِن الْخَيْر وتنبأ فيهم من قَبيلَة يُقَال لَهَا محسكة حَامِيم بن من الله يكنى أَبَا مُحَمَّد ويكنى أَبوهُ من الله أَبَا يخلف وَكَانَ ظُهُوره بجبل حَامِيم المشتهر بِهِ قَرِيبا من تطوان وَاجْتمعَ إِلَيْهِ كثير من غمارة وأقروا بنبوته وَشرع لَهُم شرائع وعبادات وصنع لَهُم قُرْآنًا كَانَ يتلوه عَلَيْهِم بِلِسَانِهِ فمما شرع لَهُم صلاتان فِي كل يَوْم وَاحِدَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَالْأُخْرَى عِنْد غُرُوبهَا ثَلَاث رَكْعَات فِي كل صَلَاة ويسجدون وبطون أَيْديهم تَحت وُجُوههم وَمن قرآنهم الَّذِي كَانُوا يقرؤونه بعد تهليل يهللون بِهِ بلسانهم خَلِّنِي من الذُّنُوب يَا من خلى النّظر ينظر فِي الدُّنْيَا أخرجني من الذُّنُوب يَا من أخرج يُونُس من بطن الْحُوت ومُوسَى من الْبَحْر ثمَّ يَقُول فِي رُكُوعه آمَنت بحاميم وبأبيه أبي يخلف من الله وآمن رَأْسِي وعقلي وَمَا يكنه صَدْرِي وَمَا أحَاط بِهِ دمي ولحمي وَآمَنت بتالية عمَّة حَامِيم أُخْت أبي يخلف من الله ثمَّ يسْجد وَكَانَت تالية هَذِه امْرَأَة كاهنة سَاحِرَة وَكَانَ حَامِيم يلقب المفتري وَكَانَت أُخْته دبو كاهنة سَاحِرَة أَيْضا وَكَانُوا يستغيثون بهَا فِي الْحُوب والقحوط وَفرض عَلَيْهِم صَوْم الِاثْنَيْنِ وَصَوْم الْخَمِيس إِلَى الظّهْر وَصَوْم الْجُمُعَة وَصَوْم عشرَة أَيَّام من رَمَضَان ويومين من شَوَّال وَمن أفطر فِي يَوْم الْخَمِيس عمدا فكفارته أَن يتَصَدَّق بِثَلَاثَة أثوار وَمن أفطر فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ فكفارته أَن يتَصَدَّق بثورين وَفرض عَلَيْهِم فِي الزَّكَاة الْعشْر فِي كل
(1/248)

شَيْء وَأسْقط عَنْهُم الْحَج وَالْوُضُوء وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَأحل لَهُم أكل الْأُنْثَى من الْخِنْزِير وَقَالَ إِنَّمَا حرم قُرْآن مُحَمَّد الْخِنْزِير الذّكر وَأمر أَن لَا يُؤْكَل الْحُوت إِلَّا بِذَكَاة وَحرم عَلَيْهِم أكل الْبيض وَأكل الرَّأْس من كل حَيَوَان فَبعث إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس عسكرا فَالْتَقوا بقصر مصمودة من أحواز طنجة فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا أَتْبَاعه وصلبوا شلوه بِالْقصرِ الْمَذْكُور وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَى النَّاصِر بقرطبة وَرجع من بَقِي من أَتْبَاعه إِلَى الْإِسْلَام وَذَلِكَ سنة خمس عشر وثلاثمائة قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ لِابْنِهِ عِيسَى بن حَامِيم من بعده قدر جليل فِي غمارة
وَفِي سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة ظهر بِبِلَاد الْمغرب غمام كثيف دَامَ خَمْسَة أَيَّام لم ير النَّاس فِيهَا شمسا وَكَانَ الشَّخْص لَا يرى من الأَرْض فِيهِ إِلَّا مَوضِع قَدَمَيْهِ فَتَابَ النَّاس وأخرجوا الصَّدقَات فكشف الله عَنْهُم مَا بهم وَسميت سنة الْغَمَام
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة نزل برد عَظِيم الْوَاحِدَة مِنْهُ تزن رطلا وَأكْثر قتل الطير والوحش والبهائم وَكَثِيرًا من النَّاس وَكسر الْأَشْجَار وأفسد الثِّمَار كَانَ ذَلِك بأثر قحط شَدِيد وَغَلَاء عَام
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة نزل أَيْضا برد كثير لم يعْهَد مثله كَثْرَة قتل الْمَوَاشِي وأفسد الثِّمَار وَجَاءَت السُّيُول الْعَظِيمَة بِجَمِيعِ بِلَاد الْمغرب وَكَانَ بهَا رعود قاصفة وبروق خاطفة ودام ذَلِك أَيَّامًا واستسقى النَّاس واستصحوا فِي هَذِه السّنة وفيهَا أَيْضا كَانَت ريح شَدِيدَة هدمت المباني
وَفِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب والأندلس هلك فِيهِ أَكثر الْخلق
وَفِي هَذِه الْمدَّة كَانَ الشَّيْخ أَبُو سعيد الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِأبي سلهامة مَوْجُودا وَهُوَ من كبار صلحاء الْمغرب وقبره شهير قرب مشرع الْحَضَر على سَاحل الْبَحْر وَعَلِيهِ قبَّة عَجِيبَة الصَّنْعَة محكمَة الْعَمَل بالنقش والأصباغ والزليج الملون قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن كَانَ على
(1/249)

رَأس قبر الشَّيْخ أبي سلهامة لوح مَذْهَب مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذِه الْقُبُور الثَّلَاثَة الَّتِي أخْفى الله تَعَالَى فِيهَا قبر الشَّيْخ أبي سعيد المكنى أبي سلهامة وَكَانَت وَفَاته سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة قَالَ أَبُو عبد الله الْمَذْكُور ثمَّ إِن النَّصَارَى نزلُوا مرّة هُنَاكَ فاقتلعوا اللَّوْح وذهبوا بِهِ قَالَ وَكَانَ النيف الزَّائِد على الْأَرْبَعين مُسَمّى فِي اللَّوْح وَلَكِنِّي أنسيته وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا يزِيد على السَّبع وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للأدارسة بِبِلَاد الرِّيف

هَذِه الدولة الَّتِي كَانَت للأدارسة بِبِلَاد الرِّيف لم تكن لَهُم على سَبِيل الِاسْتِقْلَال والاستبداد كَمَا كَانَت لَهُم أَولا بفاس وَالْمغْرب إِنَّمَا كَانُوا فِيهَا تَحت نظر المتغلب على بِلَاد الْمغرب إِمَّا من الشِّيعَة أَصْحَاب إفريقية وَإِمَّا من المروانيين أَصْحَاب الأندلس كَمَا ستقف عَلَيْهِ
وَاعْلَم أَنا قد قدمنَا أَن بني إِدْرِيس كَانُوا قد اقتسموا أَعمال الْمغرب بعد وَفَاة أَبِيهِم إِدْرِيس رَحمَه الله وَذَلِكَ بِإِشَارَة جدتهم كنزة وَأَن بِلَاد الرِّيف مِنْهَا كَانَت فِي سهم عمر بن إِدْرِيس وَأَنه قَاتل اخويه عِيسَى وَالقَاسِم وأضاف أعمالهما إِلَى عمله فَبَقيت بِلَاد الرِّيف بيد بني عمر بن إِدْرِيس يتوارثونها خلفا عَن سلف فَلَمَّا انقرضت دولة آل إِدْرِيس بفاس على يَد مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة انحازوا إِلَى بني عمهم وعشيرتهم بِبِلَاد الرِّيف وتحصنوا بقلعة حجر النسْر كَمَا سبق
وَلما قدم ميسور الْخصي من إفريقية وَأجلى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة إِلَى الصَّحرَاء أَقَامَ بَنو إِدْرِيس بريفهم يتداولون رياسته تَحت نظر الشِّيعَة تَارَة وَتَحْت نظر المروانيين أُخْرَى إِلَى أَن انقرضت دولتهم وَذَهَبت رياستهم من الْمغرب بِالْكُلِّيَّةِ وَالله غَالب على أمره
(1/250)

الْخَبَر عَن رياسة الْقَاسِم كنون بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس

لما فر مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة أَمَام الْقَائِد ميسور إِلَى الصَّحرَاء صَارَت الرياسة فِي الْمغرب بعده لأبني مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وهما الْقَاسِم الملقب بكنون وشقيقه إِبْرَاهِيم وهما مَعًا أَخَوان لِلْحسنِ الْحجام الَّذِي تقدم ذكره فَاجْتمع بَنو إِدْرِيس وَبَايَعُوا الْقَاسِم الْمَذْكُور فَملك أَكثر بِلَاد الْمغرب إِلَّا فاسا فَإِنَّهُ لم يملكهَا وَكَانَ سكناهُ بقلعة حجر النسْر وَاسْتمرّ على إمارته مُقيما لدَعْوَة الشِّيعَة إِلَى أَن توفّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فولي بعده ابْنه أَبُو الْعَيْش
الْخَبَر عَن دولة أبي الْعَيْش احْمَد بن الْقَاسِم كنون

كَانَ أَبُو الْعَيْش هَذَا فَقِيها ورعا حَافِظًا للسير عَارِفًا بأخبار الْمُلُوك وَأَيَّام النَّاس وأنساب قبائل الْعَرَب والبربر شجاعا جوادا وَكَانَ يعرف فِي بني إِدْرِيس بِأَحْمَد الْفَاضِل وَكَانَ مائلا إِلَى بني مَرْوَان
وَلما ولي بعد أَبِيه قطع دَعْوَة العبيديين فِي جَمِيع عمله وَبَايع لعبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر عمله وَبَايع أَبَا الْعَيْش كَافَّة أهل الْمغرب إِلَى سجلماسة وَكَانَ السوَاد الْأَعْظَم من أهل الْمغرب الْأَقْصَى لَهُم محبَّة من جَانب آل إِدْرِيس وإيثار لَهُم لَا يَبْغُونَ بهم بَدَلا مهما وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا
(1/251)

تغلب عبد الرَّحْمَن النَّاصِر على بِلَاد الْمغرب ومضايقته لأبي الْعَيْش بهَا

لما بَايع أَبُو الْعَيْش لعبد الرَّحْمَن النَّاصِر وخطب لَهُ اقترح عَلَيْهِ أَن ينزل لَهُ عَن طنجة ليضيفها إِلَى سبتة الَّتِي كَانَ استولى عَلَيْهَا من قبل فَامْتنعَ أَبُو الْعَيْش من ذَلِك فَبعث إِلَيْهِ النَّاصِر بالأسطول والمقاتلة فحاصره وضيق عَلَيْهِ وَلما رأى أَبُو الْعَيْش أَنه لَا طَاقَة لَهُ بحربه أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ وَنزل لَهُ عَن طنجة
وَبَقِي أَبُو الْعَيْش مَعَ إخْوَته وَبني عَمه من الأدارسة بِمَدِينَة الْبَصْرَة وآصيلا تَحت بيعَة النَّاصِر وَفِي كنفه مُتَمَسِّكِينَ بدعوته وَكَانَت قواد النَّاصِر وجيوشه تجيز من الأندلس إِلَى العدوة يُقَاتلُون من خَالف الأدارسة من البربر ويستألفونهم والناصر ممد لمن عجز مِنْهُم بِرِجَالِهِ مقو لمن ضعف بِمَالِه حَتَّى ملك أَكثر بِلَاد الْمغرب وبايعته قبائله من زناتة والبربر وخطب لَهُ على منابره من تاهرت إِلَى طنجة مَا عدا سجلماسة فَإِنَّهُ قَامَ بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت منادر الْبَرْبَرِي
وَبَايع النَّاصِر أهل فاس فِيمَن بَايعه من بِلَاد العدوة فولى عَلَيْهِم مُحَمَّد بن الْخَيْر المغراوي وَكَانَ من أبسط مُلُوك زناتة يدا وأعظمهم شَأْنًا وَأَحْسَنهمْ إِلَى مُلُوك بني أُميَّة انحياشا وأخلصهم طوية
وَكَانَ لبني يفرن ومغراوة من زناتة ولَايَة للأمويين وتشيع لَهُم وَذَلِكَ بِولَايَة عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ لجدهم صولات بن وزمار المغراوي الَّذِي وَفد عَلَيْهِ وَأسلم على يَده كَمَا سبق فِي اخبار الْفَتْح وَالله أعلم فسرت تِلْكَ الْولَايَة فِي عقب زناتة للأمويين عُمُوما كَمَا كَانَ لصنهاجة من البربر ولَايَة آل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فَأَقَامَ مُحَمَّد بن الْخَيْر واليا على
(1/252)

مدينتي فاس نَحْو سنة وارتحل عَنْهَا إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد واستخلف عَلَيْهَا ابْن عَمه أَحْمد بن أبي بكر بن أَحْمد بن عُثْمَان بن سعيد الزناتي وَهُوَ الَّذِي بنى صومعة مَسْجِد الْقرَوِيين سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة كَمَا سبق
وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة ولي النَّاصِر على مَدِينَة طنجة وأحوازها يعلى بن مُحَمَّد اليفرني فنزلها فِي قبائل يفرن وأمضى أمره وَنَهْيه فِيهَا
هِجْرَة أبي الْعَيْش إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد

لما رأى أَبُو الْعَيْش غَلَبَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة هَانَتْ عَلَيْهِ رياستها فَكتب إِلَيْهِ بقرطبة يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد فَأذن لَهُ وَأمر أَن يَبْنِي لَهُ فِي كل منزل ينزله قصرا وَذَلِكَ من الجزيرة الخضراء إِلَى الثغر وَأَن يجْرِي لَهُ فِيهَا ألف دِينَار فِي كل يَوْم ضِيَافَة لَهُ وَمن الْفرش والأثاث وَالطَّعَام وَالشرَاب مَا يقوم بِالْقصرِ فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى وصل إِلَى الثغر فَكَانَت مَنَازِله من الجزيرة إِلَى الثغر ثَلَاثِينَ منزلا وَمَات أَبُو الْعَيْش رَحمَه الله شَهِيدا فِي جِهَاد الفرنج سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة
الْخَبَر عَن دولة الْحسن بن كنون

لما خرج أَبُو الْعَيْش من الأندلس برسم الْجِهَاد اسْتخْلف على عمله أَخَاهُ الْحسن بن كنون وَهُوَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَهُوَ آخر مُلُوك الأدراسة بالمغرب وَلم يزل مواليا للمروانيين متمسكا بدعوتهم إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
(1/253)

قدوم الْقَائِد جَوْهَر الشيعي من إفريقيا إِلَى الْمغرب واستيلاؤه عَلَيْهِ

لما اتَّصل بخليفة الشِّيعَة وَهُوَ الْمعز لدين الله معد بن إِسْمَاعِيل العبيدي غَلَبَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة وَأَن جَمِيع من بهَا من قبائل زناتة والبربر رفضوا دعوتهم ودخلوا فِي دَعْوَة بني أُميَّة عظم الْأَمر عَلَيْهِ وَبعث قائده جَوْهَر بن عبد الله الرُّومِي الْمَعْرُوف بالكاتب فِي جَيش كثيف يشْتَمل على عشْرين ألف فَارس من قبائل كتامة وصنهاجة وَغَيرهم وَأمره أَن يطَأ بِلَاد الْمغرب ويذللها وَيُسْتَنْزَلُ من بهَا من الثوار ويشد وطأته عَلَيْهِم
فَخرج جَوْهَر من القيروان سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة يؤم بِلَاد الْمغرب فاتصل خَبره بيعلى بن مُحَمَّد اليفرني صَاحب طنجة وَخَلِيفَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة فحشد قبائل زناتة ونهض إِلَى الْقَائِد جَوْهَر فَكَانَ اللِّقَاء على تاهرت فالتحمت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ فَأخْرج الْقَائِد جَوْهَر الْأَمْوَال وبذلها فِي قواد كتامة فضمنوا لَهُ قتل أَمِير زناتة يعلى بن مُحَمَّد فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَال صممت عِصَابَة من قواد كتامة وأنجادها وقصدوا إِلَى يعلى بن مُحَمَّد فَقَتَلُوهُ واحتزوا رَأسه وَأتوا بِهِ إِلَى جَوْهَر فبذل لَهُم مَالا جَلِيلًا بِشَارَة عَلَيْهِ وَبعث بِالرَّأْسِ إِلَى مَوْلَاهُ الْمعز فطيف بِهِ بالقيروان
وَذكر ابْن خلدون أَن يعلى بن مُحَمَّد بَادر إِلَى لِقَاء جَوْهَر عِنْد قدومه وأذعن لَهُ وَبَايَعَهُ فأظهر جَوْهَر الْقبُول ثمَّ دس إِلَيْهِ من اغتاله وتفرق بَنو يفرن وزناتة بعد مقتل أَمِيرهمْ وَبعد مُدَّة التأم ملكهم على وَلَده يدو بن يعلى بن مُحَمَّد اليفرني
ثمَّ تقدم جَوْهَر إِلَى سجلماسة وَكَانَ قد قَامَ بهَا مُحَمَّد بن الْفَتْح بن مَيْمُون بن مدرار الْمَعْرُوف بالشاكر لله وَقد تقدم لنا أَنه ادّعى الْخلَافَة وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ وَضرب السِّكَّة باسمه وَكتب عَلَيْهَا تقدست عزة الله وَكَانَت سكته تعرف بالشاكرية وَكَانَت فِي غَايَة الطّيب وَكَانَ سنيا مالكي
(1/254)

الْمَذْهَب قد خَالف سلفه فِي مَذْهَب الصفرية فَنزل عَلَيْهِ جَوْهَر وحاصره بسجلماسة ثمَّ اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ وأفلت الشاكر ثمَّ عَاد بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَدخل سجلماسة متنكرا فَعرف وَقبض عَلَيْهِ وَأتي بِهِ إِلَى جَوْهَر فأوثقه فِي الْحَدِيد وَسَاقه أَسِيرًا بَين يَدَيْهِ حَتَّى نزل على فاس بعد أَن أفنى حماة الصفرية ورجالها بِالسَّيْفِ
وَكَانَ نُزُوله على فاس سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فحاصرها وأدار بهَا الْقِتَال من كل جِهَة قَرِيبا من نصف شهر ثمَّ اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ على يَد زيري بن مُنَاد الصنهاجي فَإِنَّهُ تُسنم أسوارها لَيْلًا ودخلها فَقتل بهَا خلقا كثيرا وَقبض على أميرها أَحْمد بن أبي بكر الزناتي الَّذِي ولاه النَّاصِر عَلَيْهَا وَنهب الْمَدِينَة وَقتل حماتها وشيوخها وسبى أَهلهَا وَهدم أسوارها وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما وَكَانَ دُخُول جَوْهَر إِيَّاهَا ضحوة يَوْم الْخَمِيس الموفي عشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة
ثمَّ سَار جَوْهَر فِي بِلَاد الْمغرب يقتل أَوْلِيَاء المروانيين وَيَسْبِي وَيفتح الْبِلَاد والمعاقل وخافته البربر وفرت أَمَامه قبائلها فأنفذ الْأَمر فِي الْمغرب الْأَقْصَى ثَلَاثِينَ شهرا وانْتهى إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وصاد من سمكه وَجعله فِي قلال المَاء وأرسله إِلَى مَوْلَاهُ الْمعز ثمَّ انْصَرف رَاجعا بعد أَن دوخ الْبِلَاد وأثخن فِيهَا وَقتل حماتها وَقطع دَعْوَة المروانيين مِنْهَا وردهَا إِلَى العبيديين فَخَطب لَهُم على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب وانْتهى الْقَائِد جَوْهَر إِلَى المهدية دَار الْمعز لدين الله وَقد حمل مَعَه أَحْمد بن أبي بكر اليفرني أَمِير فاس وَخَمْسَة عشر رجلا من أشياخها وَحمل أَيْضا مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح أَمِير سجلماسة وَدخل بهم أُسَارَى بَين يَدَيْهِ فِي أقفاص من خشب على ظُهُور الْجمال وَجعل على رؤوسهم قلانس من لبد مستطيلة منبتة بالقرون فطيف بهم فِي بِلَاد إفريقية وأسواق القيروان ثمَّ ردوا إِلَى المهدية وحبسوا بهَا حَتَّى مَاتُوا فِي سجنها
(1/255)

قدوم بلكين بن زيزي بن مُنَاد الصنهاجي الشيعي من إفريقيا إِلَى الْمغرب

كَانَ الْأَمِير الْحسن بن كنون قد بَايع العبيديين فِيمَن بايعهم عِنْد غَلَبَة جَوْهَر على الْمغرب فَلَمَّا انْصَرف جَوْهَر إِلَى إفريقية أَوَاخِر سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة نكث الْحسن بن كنون بيعَة العبيديين وَعَاد إِلَى المروانيين فتمسك بدعوة النَّاصِر ثمَّ بدعوة ابْنه الحكم الْمُسْتَنْصر خوفًا مِنْهُم لَا محبَّة فيهم لقرب بِلَاده من بِلَادهمْ وَأقَام على ذَلِك إِلَى أَن قدم الْأَمِير بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي من إفريقية إِلَى الْمغرب لأخذ ثار أَبِيه فَقتل زناتة واستأصلهم وَملك الْمغرب بأسره وَقطع أَيْضا مِنْهُ دَعْوَة الأمويين وَقتل أولياءهم وَأخذ الْبيعَة على جَمِيع أهل الْمغرب للمعز معد بن إِسْمَاعِيل كَمَا فعل جَوْهَر قبله فَكَانَ أول من سارع إِلَى بيعَته ونصرته وقتال أَوْلِيَاء المروانيين مَعَه الْحسن بن كنون صَاحب مَدِينَة الْبَصْرَة وكشف وَجهه فِي ذَلِك وأعمل فِيهِ جهده فاتصل خَبره بالحكم الْمُسْتَنْصر فحقد عَلَيْهِ لذَلِك
فَلَمَّا انْصَرف بلكين بن زيري إِلَى إفريقية بعث الحكم الْمُسْتَنْصر صَاحب الأندلس قائده مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن طملس فِي جَيش كثيف إِلَى قتال الْحسن ابْن كنون فَأجَاز إِلَيْهِ من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة فِي عدد كثير وعدة كَامِلَة وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فزحف الْحسن إِلَى قِتَاله فِي قبائل البربر فَكَانَ اللِّقَاء بأحواز طنجة بِموضع يعرف بحفص بني مصرخ فَكَانَت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة قتل فِيهَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم قَائِد الحكم الْمُسْتَنْصر وَقتل مَعَه خلق كثير من أَصْحَابه وفر الْبَاقُونَ فَدَخَلُوا سبتة
(1/256)

وتحصنوا بهَا وَكَتَبُوا إِلَى الحكم يستغيثون بِهِ فَبعث إِلَيْهِم صَاحب حروبه غَالِبا مَوْلَاهُ الْبعيد الصيت الْمَعْرُوف بالشهامة والنجدة والدهاء وَأَعْطَاهُ الحكم أَمْوَالًا جليلة وجيوشا كَثِيرَة وعددا وافرة وَأمره بِقِتَال آل إِدْرِيس واستنزالهم من معاقلهم وَقَالَ لَهُ عِنْد وداعه يَا غَالب سر مسير من لَا إِذن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَّا حَيا منصورا أَو مَيتا مَعْذُورًا وَلَا تشح بِالْمَالِ وابسط يدك بِهِ يتبعك النَّاس
قدوم غَالب الْأمَوِي إِلَى الْمغرب وتغريب آل إِدْرِيس إِلَى الأندلس

ثمَّ خرج غَالب من قرطبة فِي آخر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فاتصل خبر قدومه بالْحسنِ بن كنون فخاف مِنْهُ وأخلى مَدِينَة الْبَصْرَة وَحمل مِنْهَا حرمه وأمواله وذخائره إِلَى قلعة حجر النسْر الْقَرِيبَة من سبتة واتخذها معقلا يتحصن بهَا وَأَجَازَ غَالب الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى قصر مصمودة فَلَقِيَهُ الْحسن بن كنون هُنَاكَ فِي جموع البربر وقاتله أَيَّامًا وسرب غَالب الْأَمْوَال إِلَى رُؤَسَاء البربر الَّذين مَعَ الْحسن بن كنون وَوَعدهمْ ومناهم فَانْفَضُّوا عَن الْحسن حَتَّى لم يبْق مَعَه إِلَّا خاصته وَرِجَاله فَلَمَّا رأى ذَلِك سَار إِلَى حجر النسْر فتحصن بِهِ وَاتبعهُ غَالب فحاصره بِهِ وَنزل عَلَيْهِ بِجَمِيعِ جيوشه وَقطع عَنهُ الْموَاد وأمده الحكم بعرب الدولة الَّذين بالأندلس وَرِجَال الثغور فوصل المدد إِلَى غَالب غرَّة الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَاشْتَدَّ الْحصار على الْحسن بن كنون فَطلب من غَالب الْأمان على نَفسه وَأَهله وَمَاله وَرِجَاله وَينزل إِلَيْهِ فيسير مَعَه إِلَى قرطبة فَيكون بهَا فَأَجَابَهُ غَالب إِلَى ذَلِك وعاهده عَلَيْهِ فَنزل الْحسن بأَهْله وَمَاله وَرِجَاله وَأسلم الْحصن إِلَى غَالب فملكه واستنزل غَالب جَمِيع العلويين الَّذين بِأَرْض العدوة من معاقلهم وأخرجهم عَن أوطانهم وَلم يتْرك بالعدوة رَئِيسا مِنْهُم
وَسَار إِلَى مَدِينَة فاس فملكها وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن
(1/257)

قشوش بعدوة الْقرَوِيين وَعبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة بعدوة الأندلس فَلم تزل فاس بيد بني أُميَّة إِلَى أَن غلب عَلَيْهَا زيري بن عَطِيَّة المغراوي
وَانْصَرف غَالب إِلَى الأندلس وسَاق مَعَه الْحسن بن كنون وَجَمِيع مُلُوك الأدارسة وَقد وطأ جَمِيع بِلَاد الْمغرب وَفرق الْعمَّال فِي نواحيه وَقطع دَعْوَة بني عبيد من جَمِيع آفاقه ورد الدعْوَة إِلَى الأموية فَخرج بهم غَالب من فاس آخر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَوصل إِلَى سبتة فَركب الْبَحْر مِنْهَا وَاسْتقر بالخضراء
وَكتب إِلَى مَوْلَاهُ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يُعلمهُ بقدومه وبمن قدم مَعَه من العلويين فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى الحكم أَمر النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى لقائهم وَركب هُوَ فِي جمع عَظِيم من وُجُوه دولته فَتَلقاهُمْ فَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ قرطبة يَوْمًا مشهودا وَذَلِكَ أول يَوْم من الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَسلم الْحسن بن كنون على الحكم فَأقبل عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ ووفى لَهُ بعهده وأوسع لَهُ ولرجاله فِي الْعَطاء وأجرى عَلَيْهِم الجرايات الْكَثِيرَة وخلع عَلَيْهِم الْخلْع الرفيعة وَأثبت جَمِيع أَهله وَرِجَاله فِي ديوَان الْعَطاء وَكَانُوا سَبْعمِائة رجل أنجاد يعدون بسبعة آلَاف واسكنه قرطبة وَأقَام الْحسن وعشيرته فِي كنف الحكم فِي أَمن وغبطة إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
حُدُوث النفرة بَين الحكم وَالْحسن وَالسَّبَب فِي ذَلِك

وَلما اسْتَقر الْحسن بن كنون وعشيرته بقرطبة تَحت كنف الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْأمَوِي على مَا وصفناه اسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَكَانَ لِلْحسنِ قِطْعَة عنبر غَرِيبَة الشكل كَبِيرَة الحجم ظفر بهَا فِي بعض سواحله من بِلَاد العدوة أَيَّام ملكه بهَا فسواها منشورة يتوسدها ويرتفق بهَا فَبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ الحكم خَبَرهَا فَسَأَلَهُ حملهَا إِلَيْهِ وَضمّهَا إِلَى ذخائره على أَن لَهُ حكمه مسمطا فَامْتنعَ الْحسن من ذَلِك وأبى أَن يُسَلِّمهَا إِلَيْهِ فنكبه
(1/258)

عَلَيْهَا وسلبه جَمِيع أَمْوَاله وسلبه الْقطعَة أَيْضا فَبَقيت فِي خزانَة الأمويين إِلَى أَن غلب ابْن حمود الإدريسي على ملك الأندلس وَدخل قرطبة وَاسْتقر بِالْقصرِ مِنْهَا فألفى تِلْكَ العنبر لَا زَالَت قَائِمَة الْعين قد عقبتها الْأَيَّام حَتَّى صَارَت إِلَى أَيدي العلوية أَرْبَابهَا
وَلما نكب الحكم الْحسن أَمر بِإِخْرَاجِهِ وَإِخْرَاج عشيرته من قرطبة وإجلائهم إِلَى الْمشرق فَرَكبُوا الْبَحْر من المرية إِلَى تونس سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ قصد الحكم بتغريبهم التخفف مِنْهُم والراحة من نفقاتهم مَعَ مَا كَانَ قومه يعذلونه عَلَيْهِم فَسَار الْحسن بن كنون وعشيرته إِلَى مصر فنزلوا بهَا على خَليفَة الشِّيعَة وَهُوَ الْعَزِيز بِاللَّه نزار بن الْمعز العبيدي وَكَانَ العبيديون قد ملكوا مصر يَوْمئِذٍ ونقلوا كرْسِي خلافتهم إِلَيْهَا فَأقبل الْعَزِيز نزار على الأدارسة وَبَالغ فِي إكرامهم ووعد الْحسن النَّصْر وَالْأَخْذ بثأره مِمَّن غَلبه على ملك سلفه
عود الْحسن بن كنون إِلَى الْمغرب وَمَا كَانَ من أمره إِلَى مَقْتَله وانقراض دولته

لما اسْتَقر الْحسن بن كنون بِمصْر عِنْد الْعَزِيز نزار أَقَامَ عِنْده مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة فِي أَيَّام هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه الْأمَوِي فَكتب نزار لِلْحسنِ بعهده على الْمغرب وَأمر عَامله على إفريقية بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي أَن يقويه بالجيوش فَسَار الْحسن إِلَى بلكين فَأعْطَاهُ عسكرا يشْتَمل على ثَلَاثَة آلَاف فَارس فاقتحم بهم بِلَاد الْمغرب فسارعت إِلَيْهِ قبائل البربر بِالطَّاعَةِ فشرع فِي إِظْهَار دَعوته
واتصل خَبره بالمنصور بن أبي عَامر حَاجِب هِشَام الْمُؤَيد والقائم بِملكه فَبعث إِلَيْهِ ابْن عَمه الْوَزير أَبَا الحكم عَمْرو بن عبد الله بن أبي عَامر الْمَعْرُوف بعسكلاجة فِي جَيش كثيف وقلده أَمر الْمغرب وَسَائِر أَعماله وَأمره
(1/259)

بِقِتَال الْحسن بن كنون فنفذ لوجهه وَركب الْبَحْر إِلَى سبتة وَخرج إِلَى حَرْب الْحسن فأحاط بِهِ وحاصره أَيَّامًا ثمَّ أجَاز الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَلَده عبد الْملك فِي أثر الْوَزير أبي الحكم فِي جَيش كثيف مُمِدًّا لَهُ
فَلَمَّا رأى ذَلِك الْحسن بن كنون سقط فِي يَده وَلم يجد حِيلَة فَطلب الْأمان على نَفسه على أَن يسير إِلَى الأندلس كَمثل حَالَته الأولى فَأعْطَاهُ الْوَزير أَبُو الحكم من ذَلِك مَا وثق بِهِ وَكتب إِلَى ابْن عَمه الْمَنْصُور يُخبرهُ بذلك فَأمر بتعجيله إِلَى قرطبة موكلا بِهِ فَبعث بِهِ إِلَيْهِ
وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى الْمَنْصُور بقدوم الْحسن لم يمض أَمَان ابْن عَمه وأنفذ إِلَيْهِ من قَتله من طَرِيقه وَأَتَاهُ بِرَأْسِهِ وَدفن شلوه بمَكَان مَقْتَله وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وركدت ريح العلوية بالمغرب وتفرق جمعهم وانقرضت دولتهم وَتَفَرَّقَتْ الأدارسة فِي قبائل الْمغرب ولاذوا بالاختفاء إِلَى أَن خلعوا شارة ذَلِك النّسَب الشريف واستحالت صبغتهم مِنْهُ إِلَى البداوة
وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن أشرفت دولة بني أُميَّة بالأندلس على الانقراض وَكَانَ بالأندلس رجلَانِ من آل إِدْرِيس دخلوها فِي جملَة البربر الَّذين كَانُوا هُنَاكَ وهم عَليّ وَالقَاسِم ابْنا حمود بن مَيْمُون بن أَحْمد بن عَليّ بن عبيد الله بن عمر بن إِدْرِيس فطار لَهما ذكر فِي الشجَاعَة والإقدام ثمَّ ترقت بهم الْأَحْوَال إِلَى أَن ورثوا خلَافَة الأندلس من يَد الأمويين بهَا فِي خبر طَوِيل
وَلما قتل الْحسن بن كنون هبت ريح عاصف احتملت رداءة فَلم يُوجد بعد قَالُوا وَكَانَ الْحسن هَذَا فظا غليظا قاسي الْقلب كَانَ إِذا ظفر بعدو أَو
(1/260)

سَارِق أَو قَاطع طَرِيق أَمر بِهِ فَطرح من ذرْوَة قلعته الْمُسَمَّاة بِحجر النسْر فَيهْوِي مِنْهَا إِلَى الأَرْض مد الْبَصَر يدْفع الرجل بخشبة تمد إِلَيْهِ فَلَا يصل إِلَى الأَرْض إِلَّا وَقد تقطع
قَالَ ابْن أبي زرع كَانَت مُدَّة ملك الأدارسة بالمغرب من يَوْم بُويِعَ إِدْرِيس بن عبد الله وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس السَّابِع من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة إِلَى أَن قتل الْحسن بن كنون وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة مِائَتي سنة وَثَلَاث سِنِين سوى شَهْرَيْن تَقْرِيبًا وَكَانَ عَمَلهم بالمغرب من السوس الْأَقْصَى إِلَى مَدِينَة وهران وَقَاعِدَة ملكهم مَدِينَة فاس ثمَّ الْبَصْرَة وَكَانُوا يكابدون دولتين عظيمتين دولة العبيديين بأفريقة ودولة بني أُميَّة بالأندلس وَكَانُوا يزاحمون الْخُلَفَاء إِلَى ذرْوَة الْخلَافَة وَيقْعد بهم عَنْهَا ضعف سلطانهم وَقلة مَالهم فَكَانَ سلطانهم إِذا امْتَدَّ وَقَوي يَنْتَهِي إِلَى مَدِينَة تلمسان وَإِذا اضْطربَ الْحَال عَلَيْهِم وضعفوا لَا يُجَاوز سلطانهم الْبَصْرَة وَأَصِيلا وحجز النسْر إِلَى أَن انْقَضتْ أيامهم وانقرضت مدتهم والبقاء لله وَحده
وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث أَنه فِي سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة كَانَت ريح شَدِيدَة قلعت الْأَشْجَار وهدمت الديار وَقتلت الرِّجَال
وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثَّامِن عشر من رَجَب مِنْهَا ظهر فِي الْبَحْر شهَاب ثاقب ماثل كالعمود الْعَظِيم أَضَاء اللَّيْل لسطوع نوره وأشبهت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر وقارب ضوءها ضوء النَّهَار
وَفِي هَذَا الشَّهْر أَيْضا كسف النيرَان فَخسفَ الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة مِنْهُ وطلعت الشَّمْس كاسفة فِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين مِنْهُ
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة كَانَ الْجَرَاد بالمغرب
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بعْدهَا دخل مغراوة الْمغرب وملكوه وتعرف هَذِه السّنة بِسنة لُقْمَان المغراوي وفيهَا توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الْفَاضِل أَبُو مَيْمُونَة دراس بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ أول من أَدخل مدونة سَحْنُون مَدِينَة فاس
(1/261)

وَذكر الرشاطي أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة وَلَعَلَّه أصح وَفِي سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة عَم الْجَرَاد بِلَاد الْمغرب كلهَا
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين بعْدهَا كَانَ الْفَيْض الَّذِي فاضت مِنْهُ جَمِيع أَوديَة الْمغرب
وَفِي سنة تسع وَسبعين بعْدهَا كَانَت الرّيح الشرقية بالمغرب ودامت سِتَّة أشهر فأعقبت وباء عَظِيما وأمراضا كَثِيرَة
وَفِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة تدارك الله عباده وَكَانَ الرخَاء المفرط بالمغرب فَكَانَ الزَّرْع لَا يُوجد من يَشْتَرِيهِ لكثرته وَكَانَ الفلاحون وَأَصْحَاب الْحَرْث يتركونه قَائِما فِي محاقلهم لَا يحصدونه لرخصه
الْخَبَر عَن دولة زناتة من مغراوة وَبني يفرن بفاس وَالْمغْرب

يَنْبَغِي أَن نقدم هُنَا كلَاما يكون كالتوطئة لأخبار هَذِه الدولة المغراوية فَنَقُول إِن هَذِه الدولة لم يكن لَهَا اسْتِقْلَال بالمغرب وفاس وَإِنَّمَا كَانَت رياستها تَحت نظر الأمويين بالأندلس ثمَّ إِن مغراوة وَبني يفرن قبيلتان من أَعْيَان قبائل زناتة وَكَانَ مغراو ويفرن أَخَوَيْنِ شقيقين وهما ابْنا يصليتن بن مسري بن زاكيا بن ورسيك بن الدبديت بن زانا وَهُوَ أَبُو زناتة
وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار الْفَتْح أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَسرُّوا صولات بن وزمارا كَبِير مغراوة لذَلِك الْعَهْد وبعثوا بِهِ إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ فَأسلم على يَده وولاه على قومه وَقيل إِن صولات هَاجر إِلَى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ طَائِعا من غير أسر فَأكْرمه وولاه فَكَانَ بَيت صولات بِسَبَب هَذِه المزية نبيها فِي قومه مغراوة وَسَائِر زناتة
وَلما مَاتَ صولات ورث رياسته من بعده ابْنه حَفْص بن صولات ثمَّ من بعده خزر بن حَفْص بن صولات ثمَّ ابْنه مُحَمَّد بن خزر وَهُوَ الَّذِي غزاه إِدْرِيس بن عبد الله بِمَدِينَة تلمسان وانقاد لَهُ وَأجَاب دَعوته وَدخل إِدْرِيس مَعَه تلمسان وَأصْلح شَأْنهَا وَبنى مَسْجِدهَا حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى ثمَّ
(1/262)

لم تزل ذُرِّيَّة مُحَمَّد بن خزر هَذَا تتوارث رياسة سلفهم من بعدهمْ إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة أَرْبَعَة اخوة وهم مُحَمَّد بن خزر وَعبد الله بن خزر ومعبد بن خزر وفلفل بن خزر وَكلهمْ رَئِيس شرِيف فِي قومه وَلَهُم أَخْبَار مَعَ خلفاء الشِّيعَة بإفريقية والمروانيين بالأندلس يطول ذكرهَا مَعَ أَنَّهَا لَيست من موضوعنا
وَلما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة زحف بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي صَاحب إفريقية بعد العبيديين إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وأناخ على مدينتي فاس وَقتل عامليها مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن قشوش صَاحب عدوة الْقرَوِيين وَعبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة صَاحب عدوة الأندلس وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بن عَامر المكناسي وأجفلت مُلُوك زناتة من بني خزر المغراويين وَبني مُحَمَّد بن صَالح اليفرنيين أَمَامه وانحازوا جَمِيعًا إِلَى سبتة
وَعبر مُحَمَّد بن الْخَيْر من آل خزر الْبَحْر إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر صريخا فَخرج الْمَنْصُور فِي عساكره إِلَى الجزيرة الخضراء مُمِدًّا لَهُم بِنَفسِهِ وَعقد لجَعْفَر بن عَليّ بن حمدون على حَرْب بلكين الصنهاجي وَأَجَازَهُ الْبَحْر وأمده بِمِائَة حمل من المَال فاجتمعت إِلَيْك مُلُوك زناتة وضربوا مَصَافهمْ بِسَاحَة سبتة وَجَاء بلكين الصنهاجي حَتَّى صعد جبال تطوان وتنسم هضابها وأطل على عَسَاكِر زناتة وَأهل الأندلس بِسَاحَة سبتة فَرَأى مَا لَا قبل لَهُ بِهِ وَيُقَال إِنَّه لما عاين ذَلِك قَالَ هَذِه أَفْعَى فغرت إِلَيْنَا فاها وكر رَاجعا على عقبَة فاجتاز على مَدِينَة الْبَصْرَة وَكَانَ بهَا حامية أهل الأندلس وَبهَا يَوْمئِذٍ عمَارَة عَظِيمَة فَهَدمهَا ثمَّ صَمد إِلَى برغواطة بِبِلَاد تامسنا فجاهدهم وَقتل ملكهم عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَاسْتولى على الْمغرب
(1/263)

أجمع ومحى دَعْوَة بني أُميَّة من نواحيه
ثمَّ لما كَانَت سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة وَقدم الْحسن بن كنون الإدريسي من مصر إِلَى الْمغرب يطْلب ملك سلفة انْضَمَّ إِلَيْهِ يدو بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني فِي قومه وشايعه على مُرَاده وسرح الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس إِلَيْهِ ابْن عَمه أَبَا الحكم الملقب بعسكلاجة وانضم إِلَيْهِ آل خزر المغراويون وهم مُحَمَّد بن الْخَيْر الْأَصْغَر وخزرون بن فلفل بن خزر وَمُقَاتِل وزيري ابْنا عَطِيَّة بن عبد الله بن خزر وانضم إِلَيْهِم سَائِر مغراوة وظاهروا أَبَا الحكم عسكلاجة على شَأْنه فِي حِصَار الْحسن بن كنون حَتَّى طلب الْأمان لنَفسِهِ حَسْبَمَا اسْتَوْفَيْنَا خَبره آنِفا ثمَّ تقدم عسكلاجة إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى على عدوة الأندلس سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وخطب بهَا لبني أُميَّة وَبَقِي مُحَمَّد بن عَامر المكناسي عَامل الشِّيعَة بعدوة الْقرَوِيين إِلَى سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة فَأتى أَبُو بياش فَدخل عدوة الْقرَوِيين بِالسَّيْفِ وَقبض على مُحَمَّد بن عَامر المكناسي فَقتله وخطب بهَا لبني أُميَّة أَيْضا هَكَذَا فِي القرطاس
وَقَالَ ابْن خلدون إِن الْمَنْصُور بن أبي عَامر عقد على الْمغرب بعد انصراف عسكلاجة عَنهُ للوزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود السّلمِيّ وَأطلق يَده فِي الْأَمْوَال وَالرِّجَال وأرسله إِلَيْهِ سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة وأوصاه بِالْإِحْسَانِ إِلَى مغراوة وَلَا سِيمَا مقَاتل وزيري ابْنا عَطِيَّة لحسن انحياشهم إِلَى المروانيين وَصدق طاعتهم لَهُم وأغراه بيدو بن يعلى اليفرني لتمريضه فِي الطَّاعَة وقيامه مَعَ الْحسن بن كنون فنفذ الْوَزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود لعمله وَنزل بفاس وَضبط الْمغرب أحسن ضبط وَاجْتمعت عَلَيْهِ مغراوة
ثمَّ هلك مقَاتل بن عَطِيَّة سنة ثَمَان وَسبعين وَورث رياسته على بادية قومه أَخُوهُ زيري بن عَطِيَّة وَحسنت صحبته للوزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود ومعاملته لَهُ
(1/264)

ثمَّ إِن الْمَنْصُور بن أبي عَامر استدعى زيري بن عَطِيَّة للوفادة عَلَيْهِ بقرطبة فوفد عَلَيْهِ وَأحسن الْمَنْصُور إِلَيْهِ وَرفع مَنْزِلَته ثمَّ عَاد إِلَى الْمغرب وَأمره بِقِتَال يدو بن يعلى اليفرني فَاجْتمع عَلَيْهِ هُوَ والوزير ابْن عبد الْوَدُود فقاتلوه فانتصر عَلَيْهِم يدو بن يعلى وَقتل الْوَزير ابْن عبد الْوَدُود
ثمَّ عقد الْمَنْصُور بن أبي عَامر لزيري بن عَطِيَّة م بعده على الْمغرب وفاس وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة هَذَا ملخص مَا عِنْد ابْن خلدون فِي هَذَا الْخَبَر ثمَّ حكى بعده مَا يُخَالِفهُ مِمَّا نذكرهُ مَبْسُوطا عَن قريب وَتوقف فِي أَيهمَا الصَّوَاب وَالله أعلم
الْخَبَر عَن دولة زيري بن عَطِيَّة المغراوي بفاس وَالْمغْرب

هُوَ زيري بن عَطِيَّة بن عبد الله بن خزر المغراوي وَعبد الله الْمَذْكُور هُوَ أحد الْإِخْوَة الْأَرْبَعَة من بني خزر قَالَ فِي القرطاس ملك على زناتة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَقَامَ فِي الْمغرب بدعوة هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه وحاجبه الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَذَلِكَ بعد انْقِرَاض دولة الأدارسة مِنْهُ وَبني أبي الْعَافِيَة المكناسيين فغلب زيري أَولا على جَمِيع بوادي الْمغرب ثمَّ ملك مدينتي فاس بعد عسكلاجة وَأبي بياش دَخلهَا سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة فاستوطنها وصيرها دَار ملكه واستقام لَهُ أَمر الْمغرب فعلا قدره وَقَوي سُلْطَانه وارتفع شَأْنه وَهُوَ فِي ذَلِك متمسك بدعوة بني مَرْوَان أَصْحَاب الأندلس وَالله غَالب على أمره
(1/265)

حَدِيث أبي البهار الصنهاجي مَعَ الْمَنْصُور ابْن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

كَانَ أَبُو البهار بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي قد خَالف على ابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين ابْن زيري بن مُنَاد الصنهاجي أَمِير إفريقية وَظُهُور الدولة العبيدية وخلع دَعْوَة الشِّيعَة وَمَال إِلَى دَعْوَة المروانيين وَغلب على المهدية وتونس وشلشال وتلمسان ووهران وشلف وَكثير من بِلَاد الزاب وخطب للمؤيد وحاجبه الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث ببيعته إِلَيْهِم وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة فَلَمَّا وصلت بيعَته إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بعث إِلَيْهِ بعهده على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد وبهدية وخلع وبأربعين ألف دِينَار فَلَمَّا قبض أَبُو البهار المَال والهدية أَقَامَ على بيعتهم نَحْو الشَّهْرَيْنِ ثمَّ خلعهم وَعَاد إِلَى العبيديين فَبلغ ذَلِك الْمَنْصُور فَغَاظَهُ وَكتب إِلَى زيري بن عَطِيَّة بعهده على بِلَاد أبي البهار وَأمره بقتاله عَلَيْهَا فَسَار إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة من فاس فِي جيوش لَا تحصى من قبائل زناتة وَغَيرهم ففر أَبُو البهار أَمَامه وَلحق بِابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين وَترك لَهُ الْبِلَاد فَملك زيري بن عَطِيَّة تلمسان وَسَائِر أَعمال أبي البهار فانبسط سُلْطَانه بالمغرب من السوس الْأَقْصَى إِلَى الزاب وَكتب بِالْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث لَهُ بهدية عَظِيمَة فِيهَا مِائَتَا فرس من عتاق الْخَيل وَخَمْسُونَ جملا مهريا سَابِقَة وَألف درقة من جُلُود اللمط وأحمال كَثِيرَة من قسي الزان وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وَغَيره وَألف حمل من التَّمْر الْجيد فِي جنسه وأحمال كَثِيرَة من ثِيَاب الصُّوف الرقيقة فسر بهَا الْمَنْصُور وكافأه عَلَيْهَا وَكتب لَهُ بتجديد عَهده على الْمغرب وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة واقام زيري بن عَطِيَّة بفاس وأسكن قبيله بأنحائها وبالقرب مِنْهَا فِي قياطينهم وَدفع بني يفرن عَن فاس وأحوازها إِلَى نواحي سلا فاستولوا عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي
(1/266)

وفادة زيري بن عَطِيَّة على الْمَنْصُور بن أبي عَامر بالأندلس

لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة أَن يقدم عَلَيْهِ بقرطبة فاستخلف على الْمغرب وَلَده الْمعز بن زيري وَأمره بسكنى تلمسان واستخلف على عدوة الأندلس من فاس عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة وعَلى عدوة الْقرَوِيين مِنْهَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن قشوش وَولى قَضَاء المدينتين الْفَقِيه الْفَاضِل أَبَا مُحَمَّد قَاسم بن عَامر الْأَزْدِيّ وَسَار إِلَى الأندلس وَقدم بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة عَظِيمَة من جُمْلَتهَا طَائِر فصيح يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ والبربرية ودابة من دَوَاب الْمسك ومهاة وحشية تشبه الْفرس وحيوانات غَرِيبَة وأسدان عظيمان فِي قفصين من حَدِيد وَشَيْء كثير من التَّمْر فِي غَايَة الْكبر الْوَاحِدَة مِنْهُ تشبه الخيارة عظما وَحمل مَعَه من قومه وَعبيدَة ثَلَاثمِائَة فَارس وثلاثمائة راجل فاحتفل الْمَنْصُور لقدومه احتفالا عَظِيما وبرز الْخَاصَّة والعامة للقائه وأنزله بقصر جَعْفَر الْحَاجِب وَتوسع لَهُ فِي الجرايات وَالْإِكْرَام ولقبه باسم الْوَزير وأفاض عَلَيْهِ أَمْوَالًا جسيمة وخلعا نفيسة وَعجل بسراحه إِلَى عمله بعد أَن جدد لَهُ عَهده على الْمغرب وعَلى جَمِيع مَا غلب عَلَيْهِ مِنْهُ فَعبر الْبَحْر واحتل بِمَدِينَة طنجة فَلَمَّا اسْتَقر بهَا وضع يَده على رَأسه وَقَالَ الْآن علمت أَنَّك لي فاستقل مَا وَصله بِهِ الْمَنْصُور واستقبح اسْم الوزارة الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ وَلَقَد خاطبه بِهِ بعض رِجَاله فَنَهَاهُ عَن ذَلِك وَقَالَ وَزِير من يالكع لَا وَالله إِلَّا أَمِير ابْن أَمِير وَاعجَبا لِابْنِ أبي عَامر ومخرقته لِأَن تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ وَالله لَو كَانَ بالأندلس رجل مَا تَركه على حَاله وَإِن لَهُ منا ليوما وَبَلغت مقَالَته الْمَنْصُور فصر عَلَيْهَا أُذُنه وَزَاد فِي اصطناعه إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
(1/267)

اسْتِيلَاء يدو بن يعلى اليفرني على فاس ومقتله

تقدم لنا أَن بني يفرن من أَعْيَان قبائل زناتة وَكَانَ يدو بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني قد قَامَ بِأَمْر بني يفرن بعد مقتل أَبِيه يعلى بن مُحَمَّد حِين قَتله جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد الشِّيعَة سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَملك يدو كثيرا من بوادي الْمغرب واتصلت رياسته إِلَى هَذَا التَّارِيخ
وَتقدم لنا أَن مغراوة دفعُوا بني يفرن إِلَى سلا وأحوازها فاستولوا عَلَيْهَا وَكَانَ الْأَمِير يدو بن يعلى مضاهيا لزيري بن عَطِيَّة فِي الْحسب وَالْفضل وَالْمَال
وَلما استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة للوفادة الْمُتَقَدّمَة أَرَادَ أَن يفعل بيدو بن يعلى مثل ذَلِك وَكَانَ قَصده أَن يمكر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يطمئن إِلَيْهِ اطمئنان زيري بن عَطِيَّة فاساء يدو بن يعلى إِجَابَة الْمَنْصُور وَقَالَ مَتى عهد الْمَنْصُور حمر الْوَحْش تنقاد للبياطرة فأقصر عَنهُ الْمَنْصُور
وَكَانَت بَين زيري ويدو بن يعلى منافسات ومنازعات على الرياسة بالمغرب فَكَانَ يدو بن يعلى إِذا غلب على زيري دخل مَدِينَة فاس وَاسْتولى عَلَيْهَا وَإِذا غلب عَلَيْهِ زيري أخرجه عَنْهَا وملكها وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا سجالا وسئمت الرّعية بفاس كَثْرَة تعاقبهم عَلَيْهَا
ثمَّ لما سَافر زيري بن عَطِيَّة إِلَى الأندلس انتهز يدو بن يعلى الفرصة فِي غيبته فزحف إِلَى فاس وَدخل مِنْهَا عدوة الأندلس بِالسَّيْفِ فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقتل بهَا خلقا كثيرا من مغراوة فَلَمَّا نزل زيري بن عَطِيَّة بطنجة اتَّصل بِهِ خبر يدو بن يعلى واستيلاؤه على فاس فأسرع السّير نَحوه حَتَّى نزل قَرِيبا من فاس فَكَانَت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة هلك فِيهَا خلق كثير من القبيلتين مغراوة وَبني يفرن إِلَى أَن هَزَمه زيري واقتحم عَلَيْهِ فاسا عنْوَة فَقتله وَمثل بِهِ وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بقرطبة وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
(1/268)

بِنَاء مَدِينَة وَجدّة

لما قتل زيري بن عَطِيَّة يدو بن يعلى صفا لَهُ أَمر الْمغرب وَلم يبْق لَهُ بِهِ مُنَازع وهابته الْمُلُوك وَبَقِي الْأَمر مُسْتَقِيمًا بَينه وَبَين الْمَنْصُور فِي الظَّاهِر فَسَمت همته إِلَى بِنَاء مَدِينَة تكون خَاصَّة بِهِ ويقومه وأرباب دولته فَبنى مَدِينَة وَجدّة وشيد أسوارها وَأحكم قصبتها وَركب أَبْوَابهَا وسكنها بأَهْله وحشمه وَنقل إِلَيْهَا أَمْوَاله وذخائره وَجعلهَا قَاعِدَة ملكه لكَونهَا وَاسِطَة الْبِلَاد وثغرا للعمالتين الْمغرب الْأَقْصَى والأوسط وَكَانَ اختطاطه إِيَّاهَا فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَلم يزل زيري بن عَطِيَّة فِي علو سُلْطَان وارتفاع شَأْن إِلَى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ثمَّ حدث مَا نذكرهُ
حُدُوث النفرة بَين زيري بن عَطِيَّة والمنصور بن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

ثمَّ فسد مَا بَين الْمَنْصُور وَبَين زيري بن عَطِيَّة واتصل بالمنصور أَن زيري ينتقصه ويعرض فِي شَأْنه وحجره على الْمُؤَيد وَيتَكَلَّم فِيهِ بالقبيح فَقطع الْمَنْصُور عَنهُ رزق الوزارة الَّذِي كَانَ يجريه عَلَيْهِ فِي كل سنة ومحى اسْمه من ديوانه ونادى بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فعزم زيري على خلَافَة فَقطع ذكره من الْخطْبَة وَاقْتصر على ذكر هِشَام الْمُؤَيد وطرد عماله من الْمغرب وألجأهم إِلَى سبتة فأنفذ إِلَيْهِ الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَوْلَاهُ وَاضحا الْفَتى فِي جَيش عَظِيم وأمده بِالْحُمَاةِ من سَائِر الطَّبَقَات وأزاح عللهم وأفاض عَلَيْهِم الْأَمْوَال للنفقات
(1/269)

وأنواع السِّلَاح والكسى فَعبر وَاضح الْبَحْر وَاسْتقر بِمَدِينَة طنجة فانضم إِلَيْهِ بعض قبائل البربر من غمارة وصنهاجة وَغَيرهم وَبَايَعُوهُ على قتال زيري بن عَطِيَّة وَمن مَعَه من قبائل زناتة فَأَفَاضَ عَلَيْهِم الْخلْع وَالْأَمْوَال
ثمَّ أمد الْمَنْصُور بِمن كَانَ مَعَه بالأندلس من مُلُوك البربر النازعين عَن زيري بن عَطِيَّة إِلَيْهِ فتكاملت جيوشه وَخرج بهم وَاضح من طنجة يؤم فاسا فاتصل خَبره بزيري بن عَطِيَّة فَخرج إِلَيْهِ من فاس فِي عَسَاكِر زناتة فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي زادات فَكَانَت بَينهمَا حروب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا مُدَّة من ثَلَاثَة أشهر إِلَى أَن انهزم وَاضح وَقتل أَكثر جَيْشه وفر وَاضح إِلَى طنجة فَدَخلَهَا مُنْهَزِمًا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور يطْلب مِنْهُ المدد
وَقَالَ ابْن خلدون إِن وَاضحا حِين برز من طنجة وزحف إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة تواقفا ثَلَاثَة أشهر ثمَّ تنَاول وَاضح آصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بَينه وَبَين زيري ثمَّ بَيت وَاضح معسكر زيري بنواحي آصيلا وهم غَارونَ فأوقع بهم
وَخرج الْمَنْصُور من قرطبة فوصل إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ أجَاز ابْنه عبد الْملك المظفر بِجَمِيعِ عَسْكَر الأندلس وقوادها حَتَّى بَقِي الْمَنْصُور وَحده وَأمره بِحَرب زيري بن عَطِيَّة فَركب المظفر الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة
واتصل خبر المظفر بزيري بن عَطِيَّة فخافه وَأخذ فِي الاستعداد لملاقاته وَكتب إِلَى جَمِيع قبائل زناتة يستصرخهم فَأَتَتْهُ الْوُفُود من بِلَاد ملوية وتلمسان والزاب وَسَائِر بوادي وناتة فَنَهَضَ بهم إِلَى قتال عبد الْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر وبرز عبد الْملك من طنجة وَمَعَهُ وَاضح الْفَتى فِي جيوش لَا تحصى والتقى الْجَمْعَانِ بوادي منى من أحواز طنجة فَكَانَت بَينهم
(1/270)

حَرْب أعظم من الأولى ودام الْقِتَال بَينهم يَوْمًا إِلَى اللَّيْل
وَكَانَ فِي عَسْكَر زيري بن عَطِيَّة غُلَام أسود اسْمه سَلام كَانَ زيري قد قتل أَخَاهُ فَوجدَ الفرصة إِلَيْهِ فانتهزها وضربه بسكين فِي نَحره ثَلَاث ضربات فأشواه أَي لم يصب مَقْتَله وَمر الْأسود يشْتَد نَحْو المظفر وبشره بقتل زيري فاستكذبه ثمَّ سقط إِلَيْهِ الْخَبَر الصَّحِيح بِأَن زيري قد أثبت فَشد عَلَيْهِم عبد الْملك وهم فِي حَال دهشة من جرح أَمِيرهمْ فَهَزَمَهُمْ واستمرت الْهَزِيمَة على زيري وَأَصْحَابه واثخن فيهم عبد الْملك بِالْقَتْلِ وَملك محلّة زيري بأسرها واحتوى على جَمِيع مَا فِيهَا من المَال وَالسِّلَاح والكراع وَالْإِبِل وَالْعدة فاستولى من ذَلِك على مَا لَا يَأْخُذهُ الْحصْر
وَمضى زيري على وَجهه حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع يعرف بمضيق الْحَيَّة بِالْقربِ من مكناسة فَعَسْكَرَ بِهِ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الفل من قومه وعزم على الرُّجُوع لمناجزة المظفر فاتصل الْخَبَر بالمظفر فانتخب من عسكره خَمْسَة آلَاف فَارس وَقدم عَلَيْهِم وَاضحا الْفَتى ونهضوا إِلَى زيري بن عَطِيَّة فَضربُوا فِي محلته لَيْلًا بمضيق الْحَيَّة وهم آمنون فأوقعوا بهم وقْعَة عَظِيمَة أسر فِيهَا من اشراف مغراوة نَحْو ألفي رجل وَذَلِكَ فِي منتصف رَمَضَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فامتن عَلَيْهِم عبد الْملك المظفر وأركبهم مَعَه فَكَانُوا من جنده وفر زيري بن عَطِيَّة فِي شرذمة من أَصْحَابه وَبني عَمه فَانْتهى إِلَى فاس فأغلق أَهلهَا الْأَبْوَاب دونه فَسَأَلَهُمْ أَن يخرجُوا إِلَيْهِ عِيَاله وَأَوْلَاده فأخرجوهم إِلَيْهِ وَأَعْطوهُ مَعَ ذَلِك الزَّاد وَالدَّوَاب فَأَخذهُم وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء فَنزل بِلَاد صنهاجة وَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(1/271)

قدوم عبد الْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَدِينَة فاس وَمَا كَانَ من شَأْنه بهَا

لما انهزم زيري بن عَطِيَّة من مضيق الْحَيَّة إِلَى الصَّحرَاء نَهَضَ عبد الْملك المظفر من مُعَسْكَره يؤم فاسا فَدَخلَهَا يَوْم السبت منسلخ شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَاسْتَقْبلهُ أَهلهَا مستبشرين بِهِ فَأحْسن لقاءهم وَكتب إِلَى أَبِيه الْمَنْصُور بِالْفَتْح فَقَرَأَ الْكتاب على مِنْبَر جَامع الزهراء من قرطبة وعَلى مَنَابِر مَسَاجِد الأندلس كلهَا شرقا وغربا وَأعْتق الْمَنْصُور ألفا وَخَمْسمِائة مَمْلُوك وثلاثمائة مَمْلُوكَة شكرا لله تَعَالَى وَفرق أَمْوَالًا كَثِيرَة على الْفُقَرَاء وَذَوي الْحَاجَات وَكتب إِلَى وَلَده المظفر بعهده على الْمغرب وأوصاه بِحسن السِّيرَة وَالْعدْل فَقَرَأَ كِتَابه على مِنْبَر مَسْجِد الْقرَوِيين وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة آخر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
وَانْصَرف وَاضح إِلَى الأندلس واستوطن عبد الْملك مَدِينَة فاس وَعدل فِيهَا عدلا لم يعهدوه من أحد قبله وَأقَام بهَا سِتَّة أشهر ثمَّ صرفه وَالِده عَنْهَا إِلَى الأندلس وَبعث إِلَيْهَا عوضا عَنهُ عِيسَى بن سعيد صَاحب الشرطة فَأَقَامَ واليا عَلَيْهَا إِلَى صفرَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَعَزله الْمَنْصُور عَنْهَا وَعَما كَانَ ولاه من بِلَاد العدوة وَولى عَلَيْهَا وَاضحا الْفَتى وَانْصَرف عِيسَى بن سعيد إِلَى الأندلس من السّنة الْمَذْكُورَة بَقِيَّة أَخْبَار زيري بن عَطِيَّة

لما نزل زيري بن عَطِيَّة بِبِلَاد صنهاجة وجدهم قد اخْتلفُوا على ملكهم باديس بن مَنْصُور بن بلكين بن زيري بن مُنَاد صَاحب إفريقية فَأرْسل زيري بن عَطِيَّة فِي قبائل زناتة حاشرين فَأتى مِنْهُم خلق كثير من مغراوة
(1/272)

وَغَيرهم فاغتنم زيري تِلْكَ الفرصة من صنهاجة فزحف إِلَيْهِم وأوغل فِي بِلَادهمْ وَهزمَ جيوشهم وَدخل مَدِينَة تاهرت وَجُمْلَة من بِلَاد الزاب وَملك مَعَ ذَلِك تلمسان وشلف والمسيلة وَأقَام بهَا الدعْوَة للمؤيد وحاصر مَدِينَة آشير قَاعِدَة بِلَاد صنهاجة وَكتب إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بذلك يسترضيه وَيشْتَرط على نَفسه الرَّهْن والاستقامة إِن أُعِيد إِلَى ولَايَته وبينما هُوَ محاصر لآشير يباكرها ويراوحها بِالْقِتَالِ انْقَضتْ عَلَيْهِ جراحاته الَّتِي كَانَ جرحه الْأسود فَمَاتَ مِنْهَا سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة
الْخَبَر عَن دولة الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة المغراوي
لما هلك زيري بن عَطِيَّة اجْتمع آل خزر وكافة مغراوة من بعده على ابْنه الْمعز بن زيري فَبَايعُوهُ وَضبط أَمرهم وأقصر عَن محاربة صنهاجة وَصَالح الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَقَامَ بدعوته وَرجع إِلَى طَاعَته وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي الْمَنْصُور وَولي ابْنه بعده عبد الْملك المظفر فيايعه الْمعز أَيْضا ودعا لَهُ على منابره فعزل المظفر وَاضحا الْفَتى عَن فاس وَسَائِر بِلَاد الْمغرب وَصَرفه إِلَى الأندلس وَكتب إِلَى الْمعز بن زيري بعهده على فاس وَسَائِر أَعمال الْمغرب حواضره وبواديه وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَشرط لَهُ الْمعز أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِي كل سنة مَالا مَعْلُوما وخيلا ودرقا يُوصل ذَلِك إِلَى قرطبة وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِك وَلَده معنصر بن الْمعز رهنا وَكَانَت نُسْخَة كتاب الْعَهْد
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله
من الْحَاجِب المظفر سيف الدولة دولة الإِمَام الْخَلِيفَة هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ عبد الْملك بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر إِلَى كَافَّة أهل مدينتي فاس وكافة أهل الْمغرب سلمهم الله أما بعد أصلح الله
(1/273)

شَأْنكُمْ وَسلم أَنفسكُم وأديانكم فَالْحَمْد لله علام الغيوب وغفار الذُّنُوب ومقلب الْقُلُوب ذِي الْبَطْش الشَّديد المبدئ المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لأَمره وَلَا معقب لحكمه بل لَهُ الْملك وَالْأَمر وَبِيَدِهِ الْخَيْر وَالشَّر إِيَّاه نعْبد وإياه نستعين وَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وعَلى آله الطيبين وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالسَّلَام عَلَيْكُم أَجْمَعِينَ وَإِن الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة أكْرمه الله تَابع رسله لدينا وَكتبه متنصلا من هَنَات دَفعته إِلَيْهَا ضرورات ومستغفرا من سيئات حطتها من تَوْبَته حَسَنَات وَالتَّوْبَة ممحاة الذَّنب وَالِاسْتِغْفَار منقذ من العتب وَإِذا أذن الله بِشَيْء يسره وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَلكم فِيهِ خَيره وَقد وعد من نَفسه استشعار الطَّاعَة وَلُزُوم الجادة واعتقاد الاسْتقَامَة وَحسن المعونة وخفة الْمُؤْنَة فوليناه مَا قبلكُمْ وعهدنا إِلَيْهِ أَن يعْمل بِالْعَدْلِ فِيكُم وَأَن يرفع أَعمال الْجور عَنْكُم وَأَن يعمر سبلكم وَأَن يقبل من محسنكم ويتجاوز عَن مسيئكم إِلَّا فِي حُدُود الله تبَارك وَتَعَالَى وأشهدنا الله عَلَيْهِ بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَقد وجهنا الْوَزير أَبَا عَليّ بن حذيم أكْرمه الله وَهُوَ من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليَأْخُذ بِشَأْنِهِ ويؤكد الْعَهْد فِيهِ عَلَيْهِ بذلك وأمرناه بإشراككم فِيهِ وَنحن بأمركم معتنون ولأحوالكم مطلعون وَأَن يقْضِي على الْأَعْلَى للأدنى وَلَا يرضى فِيكُم بِشَيْء من الْأَدْنَى فثقوا بذلك واسكنوا إِلَيْهِ وليمض القَاضِي أَبُو عبد الله أَحْكَامه مشدودا ظَهره بِنَا معقودا سُلْطَانه بسلطاننا وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم فَذَلِك ظننا بِهِ إِذْ وليناه وأملنا فِيهِ إِذا قلدناه وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ولتبلغوا منا سَلاما طيبا جزيلا وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
(1/274)

وَلما وصل إِلَى الْمعز بن زيري الْعَهْد بولايته على الْمغرب مَا عدا كورة سجلماسة فَإِنَّهَا كَانَت لبني خزرون بن فلفل ضم نشره وثاب إِلَيْهِ نشاطه وَبث عماله فِي جَمِيع كور الْمغرب وجبا خراجها لم تزل ولَايَته متسقة وَطَاعَة رعاياه منتظمة إل إِلَى افترق أَمر الْجَمَاعَة بالأندلس واختل رسم الْخلَافَة بهَا فاضطرب أَمر الْمغرب على الْمعز وَأقَام على ذَلِك إِلَى أَن هلك سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة كَذَا عِنْد ابْن خلدون
وَفِي القرطاس لم تزل بِلَاد الْمغرب أَيَّام الْمعز فِي غَايَة الْهُدْنَة والعافية والرخاء والأمن إِلَى أَن توفّي فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم
وَأما ابْنه معنصر فَإِنَّهُ أَقَامَ بقرطبة إِلَى أَن قَامَت الْفِتْنَة بالأندلس وانقرضت الدولة العامرية فَانْصَرف معنصر إِلَى أَبِيه وعشيرته بفاس
وَحكي فِي القرطاس أَنه لما كَانَت سنة تسع وَتِسْعين وثلاثمائة وَتُوفِّي عبد الْملك المظفر وَولي بعده أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر بعث إِلَيْهِ الْمعز بن زيري بهدية نفيسة فِيهَا خَمْسُونَ فرسا وَكَانَ وَلَده معنصر مرتهنا عِنْده بقرطبة كَمَا قُلْنَا فأحضر الْحَاجِب عبد الرَّحْمَن معنصر بن الْمعز حِين وصلت إِلَيْهِ هَدِيَّة أَبِيه فَخلع عَلَيْهِ وعَلى الرُّسُل الَّذين قدمُوا عَلَيْهِ بالهدية وَبعث بِهِ إِلَى أَبِيه مكرما فَجمع الْمعز كل فرس كَانَ عِنْده وَبعث بِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ مبلغ عدد الْخَيل تِسْعمائَة فرس وَلم تصل من الْمغرب إِلَى الأندلس هَدِيَّة أعظم مِنْهَا
(1/275)

الْخَبَر عَن دولة حمامة بن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي

لما توفّي الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة ولي بعده ابْن عَمه حمامة بن الْمعز بن عَطِيَّة وَلَيْسَ بِابْن لَهُ كَمَا زعم بعض المؤرخين وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عَمه وَقع الِاتِّفَاق فِي بعض الْأَسْمَاء فَنَشَأَ الْغَلَط وَاسْتولى حمامة على عمل فاس وَالْمغْرب واستفحل ملكه وقصده الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء وأتته الْوُفُود ومدحه الشُّعَرَاء
وَكَانَت الدولة بالأندلس قد تداعت إِلَى الاختلال فَكَانَ ذَلِك من أَسبَاب استفحال الدولة المغراوية بفاس وَالْمغْرب واستقلال بِالْأَمر فَكَانَ لحمامة من الظُّهُور مَا ذَكرْنَاهُ إِلَى أَن أَصَابَته عين الْكَمَال بمنازعة أبي الْكَمَال على مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أبي الْكَمَال تَمِيم بن زيري اليفرني واستيلائه على فاس وأعمالها

قد تقدم لنا أَن بني يفرن كَانُوا قد تحيزوا إِلَى النواحي سلا فاستولوا عليهاوعلى مَدِينَة شالة ثمَّ ملكوا تادلا وَمَا والاها من الْبِلَاد
ثمَّ لما كَانَت سنة أَربع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ الْأَمِير على بني يفرن أَبَا الْكَمَال تَمِيم بن زيري بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني فزحف من سلا إِلَى فاس فِي قبائل بني يفرن وَمن انضاف إِلَيْهِم من زتاته وبرز إِلَيْهِ حمامة فِي جموع مغراوة وَمن إِلَيْهِم فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة أجلت عَن هزيمَة حمامة وَمَات من مغراوة أُمَم وَاسْتولى تَمِيم على فاس وأعمال الْمغرب ودخلها فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة واستباح يهود فاس فَقتل مِنْهُم أَكثر من سِتَّة آلَاف يَهُودِيّ وسبى حرمهم وَاصْطلمَ نعمتهم بالمرة وَلحق حمامة بوجدة فاستمد من كَانَ هُنَالك من قبائل مغراوة وزناتة
(1/276)

وأنجاد قبائل ملوية وانْتهى إِلَى تنس فاستنفر من هُنَالك من زناتة وَبعث الحاشدين فِي قياطينهم إِلَى جَمِيع بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وَكَاتب من بعد عَنهُ من رجالاتهم فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك جم غفير ثمَّ زحف إِلَى فاس سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فأفرج عَنْهَا أَبُو الْكَمَال وَلحق بِبَلَدِهِ ومقر ملكه من شالة وَأقَام بهَا إِلَى أَن هلك سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَت مُدَّة استيلائه على فاس وأعمالها خمس سِنِين وَقيل سبع سِنِين
وَكَانَ أَبُو الْكَمَال اليفرني يغلب عَلَيْهِ الْجفَاء وَالْجهل وَمَعَ ذَلِك فقد كَانَ صلبا فِي دينه مُسْتَقِيمًا فِيهِ مُولَعا بجهاد برغواطة كَانَ يغزوهم مرَّتَيْنِ فِي السّنة إِلَى أَن توفّي وَلما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقتل ابْنه فِي حَرْب لمتونة جاؤوا بِهِ ليدفنوه إِلَى جَانب قبر أَبِيه أبي الْكَمَال فَسَمِعُوا من قَبره تَكْبِيرا وتشهدا كثيرا فنبشوا قَبره فألفوه لم يتَغَيَّر مِنْهُ شَيْء ثمَّ رَآهُ بعض قرَابَته فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا التَّكْبِير وَالتَّشَهُّد الَّذِي سمعناه من قبرك قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَة وَكلهمْ الله بقبري يكبرُونَ ويهللون ويسبحون وَيكون ثَوَاب ذَلِك لي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وَبِمَ نلْت ذَلِك قَالَ بجهادي برغواطة حُكيَ هَذَا الْخَبَر فِي القرطاس وَالله على كل شَيْء قدير وَأقَام حمامة فِي سُلْطَان فاس وَالْمغْرب إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقيل غير ذَلِك
(1/277)

الْخَبَر عَن دولة دوناس بن حمامة ابْن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي

لما توفّي حمامة بن الْمعز ولي بعده ابْنه دوناس بن حمامة ويكنى ابا العطاف وَاسْتولى على فاس وَسَائِر مَا كَانَ لِأَبِيهِ من مدن الْمغرب وأعماله وَخرج عَلَيْهِ لأوّل دولته ابْن عَمه حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة فجرت لَهُ مَعَه حروب وخطوب وَكَثُرت جموع حَمَّاد وَغلب على ضواحي فاس وحاصرها حصارا شَدِيدا وَقطع عَن عدوة الْقرَوِيين جرية الْوَادي واحتفر السياج الْمَعْرُوف بسياج حَمَّاد وَيُقَال إِن دوناس خَنْدَق بِهِ على نَفسه وَاسْتمرّ حَمَّاد محاصرا لفاس إِلَى أَن هلك سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أَيَّامه وَصَارَ النَّاس فِي هدنة ودعة ورخاء كثير
وَفِي أَيَّامه عظمت فاس وعمرت وَكَثُرت أرباضها وقصدها النَّاس والتجار من جَمِيع النواحي فأدار دوناس السُّور على أرباضها وَبنى بهَا الْمَسَاجِد والحمامات والفنادق واستبحر عمرانها فَصَارَت حَاضِرَة الْمغرب من يَوْمئِذٍ وَلم يشْتَغل دوناس من يَوْم ولي إِلَى ان توفّي إِلَّا بِالْبِنَاءِ والتشييد وَكَانَت وَفَاته فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
الْخَبَر عَن دولة فتوح بن دوناس المغراوي

لما توفّي دوناس بن حمامة ولي بعده ابْنه الْفتُوح بن دوناس وَنزل بعدوة الأندلس ونازعه اللأمر أَخُوهُ الْأَصْغَر واسْمه عجيسة وَكَانَ شهما محربا
(1/278)

فاستولى على عدوة الْقرَوِيين واستبد على أَخِيه وافترق أَمر فاس وأعمالها بافتراقهما وَقَامَت الْحَرْب بَينهمَا على سَاق وَبنى الْفتُوح بعدوة الأندلس قَصَبَة منيعة بالموضع الْمَعْرُوف بالكدان وَبنى عجيسة أَيْضا قَصَبَة مثلهَا بِرَأْس عقبَة السعتر من عدوة الْقرَوِيين وَكَثُرت الْعَدَاوَة بَينهمَا واستحكمت فَكَانَا لَا يفتران عَن الْقِتَال لَيْلًا وَنَهَارًا وَعظم الْخَوْف بالمغرب وَكثر الْهَرج وغلت الأسعار واشتدت المجاعة وَظَهَرت لمتونة على أَطْرَاف الْبِلَاد فملكوها وَالْأَمر لَا زَالَ وَالْحَال مَا حَال وَلَيْسَ لأهل فاس شغل إِلَّا الْقِتَال وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَلِك ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن بَيت الْفتُوح عجيسة فاقتحم عَلَيْهِ عدوة الْقرَوِيين لَيْلًا فَقتله وَاسْتولى على العدوتين مَعًا
والفتوح بن دوناس هَذَا هُوَ الَّذِي بنى بَاب الْفتُوح من مَدِينَة فاس بسورها القبلي وَبِه عرف إِلَى الْآن وَأَخُوهُ عجيسة هُوَ الَّذِي بنى بَاب عجيسة بِرَأْس عقبَة السعتر من عدوة الْقرَوِيين من نَاحيَة الْجوف وَبِه عرف أَيْضا إِلَى ألآن فَلَمَّا ظفر الْفتُوح بعجيسة وَقَتله أَمر بتغيير اسْم الْبَاب الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فأسقط النَّاس الْعين من عجيسة وعوضوا عَنْهَا الْألف وَاللَّام فَقَالُوا بَاب الجيسة قَالَه فِي القرطاس وَقَالَ ابْن خلدون خففوه لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال
وَلم يزل الْفتُوح مستوليا على فاس إِلَى أَن دهم الْمغرب مَا دهمه من أَمر المرابطين من لمتونة وخشي الْفتُوح مغبة ذَلِك فأفرج عَن فاس وتخلى عَنْهَا وزحف صَاحب القلعة بلكين بن مُحَمَّد بن حَمَّاد الصنهاجي إِلَى الْمغرب سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَدخل فاسا وَاحْتمل من أكابرها وأشرافها عددا رهنا على الطَّاعَة وقفل إِلَى قلعته
الْخَبَر عَن دولة معنصر بن حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي

لما تخلى الْفتُوح بن دوناس عَن ملك فاس وأعمالها قَامَ بِالْأَمر بعده
(1/279)

قريبَة معنصر بن حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة فَبَايَعته قبائل مغراوة الَّذين بفاس وأحوازها وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ معنصر ذَا حزم ورأي وشجاعة وإقدام وشغل بِحَرب لمتونة وَكَانَت لَهُ عَلَيْهِم الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة
ثمَّ غلب يُوسُف بن ناشفين على فاس وَخلف عَلَيْهَا عَامله وارتحل إِلَى عمَارَة وَفتح الْكثير من بلادها حَتَّى أشرف على طنجة ثمَّ رَجَعَ إِلَى حِصَار قلعة فازاز فخالفه معنصر إِلَى فاس وملكها وَقتل الْعَامِل وَمن مَعَه من لمتونة وَمثل بهم بالحرق والصلب واتصل الْخَبَر بِيُوسُف بن تاشفين وَهُوَ محاصر لقلعة فازاز فاستدعى مهْدي بن يُوسُف الكزنائي صَاحب مكناسة ليستجيش بِهِ على فاس فاستعرضه معنصر فِي طَرِيقه قبل أَن تتصل أَيْدِيهِمَا وناجزه الْحَرْب ففض جموعه وَقَتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى وليه الْحَاجِب سكُوت البرغواطي صَاحب سبتة
واستصرخ أهل مكناسة بِيُوسُف بن تاشفين فسرح عَسَاكِر لمتونة إِلَى حِصَار فاس فَأخذُوا بمخنقها وَقَطعُوا الْمرَافِق عَنْهَا وألحوا بِالْقِتَالِ عَلَيْهَا حَتَّى اشْتَدَّ بِأَهْلِهَا الْحصار ومسهم الْجد وبرز معنصر لإحدى الراحتين فَكَانَت الدائرة عَلَيْهِ وفقد فِي الملحمة ذَلِك الْيَوْم سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَلم يدر مَا فعل الله بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
الْخَبَر عَن دولة تَمِيم بن معنصر المغراوي

لما فقد معنصر بن حَمَّاد فِي الملحمة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين اللمتونيين بَايع أهل فاس من بعده لِابْنِهِ تَمِيم بن معنصر فَكَانَت أَيَّامه أَيَّام حِصَار وفتنة وَجهد وَغَلَاء
وشغل يُوسُف بن تاشفين عَنْهُم بِفَتْح بِلَاد غمارة حَتَّى إِذا كَانَت سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَفرغ من فتح غمارة صعد إِلَى فاس فحاصرها أَيَّامًا ثمَّ اقتحمها عنْوَة وَقتل بهَا زهاء ثَلَاثَة آلَاف من مغراوة وَبني يفرن ومكناسة وَغَيرهم
(1/280)

وَهلك تَمِيم بن معنصر فِي جُمْلَتهمْ حَتَّى عجز النَّاس عَن مواراتهم فُرَادَى فاتخذوا لَهُم الأخاديد وقبروا جماعات وخلص من نجا من الْقَتْل مِنْهُم إِلَى تلمسان قَالَه ابْن خلدون
وَقَالَ فِي القرطاس دخل يُوسُف بن تاشفين مَدِينَة فاس الدخلة الثَّانِيَة الْكُبْرَى فَقتل بهَا من مغراوة وَبني يفرن فِي أزقتها وجوامعها مَا يزِيد على الْعشْرين ألف رجل وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وانقرضت دولة مغراوة من الْمغرب والبقاء لله وَحده
وَكَانَت مُدَّة دولتهم نَحْو مائَة سنة وَفِي دولتهم عظم شَأْن فاس وبنيت الأسوار على أرباضها وحصنت أَبْوَابهَا وَزيد فِي مسجديها الْقرَوِيين والأندلس زِيَادَة كَثِيرَة واتسع النَّاس فِي أَيَّام مغراوة فِي الْبناء فعظمت فاس واستبحر عمرانها وَكَثُرت خيراتها واتصل الْأَمْن والرخاء جلّ أيامهم إِلَى أَن ضعفت أَحْوَالهم وجاروا على رعيتهم بِأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَائِهِمْ والتعرض لحرمهم فَانْقَطَعت عَنْهُم الْموَاد وَكثر الْخَوْف فِي الْبِلَاد وغلت الأسعار وبلى الله عباده بِشَيْء من الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات وَذَلِكَ فِي دولة الْفتُوح بن دوناس وَمن بعده فَكَانَ رُؤَسَاء مغراوة وَبني يفرن يلجون على النَّاس دُورهمْ فَيَأْخُذُونَ مَا يَجدونَ بهَا من الطَّعَام ويتعرضون لنسائهم وصبيانهم وَيَأْخُذُونَ أَمْوَال التُّجَّار فَلَا يقدر أحد أَن يصدهم عَن ذَلِك
وَكَانَ سفهاؤهم وعبيدهم يصعدون على قنة جبل الْعرض فَيَنْظُرُونَ إِلَى الدّور الَّتِي بِالْمَدِينَةِ فَإِذا رَأَوْا دَارا بهَا دُخان قصدوها وَأخذُوا مَا وجدوا بهَا من طَعَام أَو غَيره وَمن تعرض لَهُم فِي ذَلِك قَتَلُوهُ فَلَمَّا ارتكبوا هَذِه العظائم سلبهم الله ملكه وَغير مَا بهم من نعْمَة {الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم} فَسلط عَلَيْهِم المرابطين فمحوا آثَارهم من الْمغرب ونفوهم عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ وطهروه من جَوْرهمْ
وَفِي أيامهم اتخذ أهل فاس المطامير فِي بُيُوتهم للطحن والطبخ لِئَلَّا
(1/281)

يسمع دوِي الرَّحَى فتقصدهم سُفَهَاء مغراوة وفيهَا أَيْضا اتَّخذُوا غرفا لَا مراقي لَهَا حَتَّى إِذا كَانَ عشى النَّهَار صعد الرجل بأَهْله وَعِيَاله إِلَيْهَا بسلم ثمَّ يرفع السّلم مَعَه لِئَلَّا يدْخل عَلَيْهِ فَجْأَة وَكَانَ من هَذَا شَيْء كثير
وَكَانَ من الْأَحْدَاث فِي هَذِه الْمدَّة أَنه فِي لَيْلَة الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَجَب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ظهر نجم فِي السَّمَاء كَانَ فِي رَأْي الْعين مثل الصومعة الْعَظِيمَة طلع من جِهَة الْمشرق وتهافت جَريا فِيمَا بَين الْمغرب والجوف وتطاير مِنْهُ شرر عَظِيم فزع النَّاس مِنْهُ واستغاثوا رَبهم فِي صرف مَكْرُوهَة عَنْهُم
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بعْدهَا كَانَ الْكُسُوف الْكُلِّي الَّذِي أذهب جَمِيع الفرص
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة كَانَت الرّيح الهائلة الَّتِي نظر النَّاس فِيهَا إِلَى الْبَهَائِم تمر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض نَعُوذ بِاللَّه من سخطه
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وثلاثمائة طلع الْكَوْكَب الْوَقَّاد وَهُوَ نجم عَظِيم ضخم الجرم كثير الضياء
وَفِي سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة طلع نجم عَظِيم من ذَوَات الأذناب شَدِيد الارتعاد
وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة انقرضت دولة بني أُميَّة بالأندلس وَقَامَت بهَا دولة بني حمود فَكَانَت مدَّتهَا نَحْو سبع سِنِين وانقرضت أَيْضا وافترق أَمر الْجَمَاعَة بالأندلس وَصَارَ الْملك بهَا طوائف إِلَى أَن نسخ ذَلِك يُوسُف بن تاشفين
وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة اشْتَدَّ الْقَحْط بِبِلَاد الْمغرب كلهَا من تاهرت إِلَى سجلماسة وَكثر الفناء فِي النَّاس نسْأَل الله الْعَافِيَة
وَفِي سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة كَانَت الزلزلة الْعَظِيمَة بالأندلس اضْطَرَبَتْ لَهَا الأَرْض وانهدت الْجبَال
(1/282)

وَفِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة توفّي الْفَقِيه ابْن الْعَجُوز بفاس
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو عمرَان الفاسي قَالَ فِي التشوف أَبُو عمرَان مُوسَى بن عِيسَى بن أبي حَاج الفاسي أَصله من مَدِينَة فاس وَنزل بالقيروان فَأخذ عَن ابي الْحسن الْقَابِسِيّ ثمَّ رَحل إِلَى بَغْدَاد فَحَضَرَ مجْلِس القَاضِي أبي بكر بن الطّيب ثمَّ عَاد إِلَى القيروان وَبهَا مَاتَ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شهر رَمَضَان سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ مقدما فِي الْفضل وَالْأَمَانَة اه
(1/283)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الدولة المرابطية

الْخَبَر عَن الدولة الصنهاجية اللمتونية المرابطية وأوليتها

قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على نسب البربر وشعوبها أَن صنهاجة إِحْدَى قبائل البرانس من البربر وَأَنَّهُمْ أعظم قبائلها بالمغرب لَا يكَاد قطر من أقطاره يَخْلُو من بطن من بطونهم فِي جبل أَو بسيط حَتَّى زعم كثير من النَّاس أَنهم ثلث البربر
وَتقدم لنا أَن النسابين من الْعَرَب زَعَمُوا أَن صنهاجة وكتامة من حمير خَلفهم الْملك إفريقيش بالمغرب فاستحالت لغتهم إِلَى البربرية وَالتَّحْقِيق خلاف ذَلِك وَأَنَّهُمْ من كنعان بن حام كَسَائِر البربر وَتَحْت صنهاجة قبائل كَثِيرَة تَنْتَهِي إِلَى السّبْعين مِنْهُم لمتونة وكدالة ومسوفة ومسراته ومداسة وَبَنُو وَارِث وَبَنُو دحير وَبَنُو زِيَاد وَبَنُو مُوسَى وَبَنُو فشتال وَغير ذَلِك وَتَحْت هَذِه الْقَبَائِل بطُون وأفخاذ تفوت الْحصْر
وَكَانَت لَهُم بالمغرب دولتان عظيمتان إِحْدَاهمَا دولة بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين بإفريقية ورثوا ملكهَا من يَد الشِّيعَة العبيديين وَالْأُخْرَى دولة الملثمين بالمغرب الْأَقْصَى والأوسط والأندلس كَمَا سَيَأْتِي
وموطن هَؤُلَاءِ الملثمين أَرض الصَّحرَاء والرمال الجنوبية فِيمَا بَين بِلَاد البربر وبلاد السودَان ومساحة أَرضهم نَحْو سَبْعَة أشهر طولا فِي أَرْبَعَة عرضا وَفِيهِمْ قوما لَا يعْرفُونَ حرثا وَلَا زرعا وَلَا فَاكِهَة وَإِنَّمَا أَمْوَالهم الْأَنْعَام وعيشهم اللَّحْم وَاللَّبن يُقيم أحدهم عمره لَا يَأْكُل خبْزًا إِلَّا أَن يمر ببلادهم التُّجَّار فيتحفونهم بالخبز والدقيق وَإِنَّمَا قيل لَهُم الملثمون لأَنهم
(2/3)

يتلثمون وَلَا يكشفون وُجُوههم أصلا
قَالَ ابْن خلكان اللثام سنة لَهُم يتوارثونها خلفا عَن سلف وَسبب ذَلِك على مَا قيل إِن حمير كَانَت تتلثم لشدَّة الْحر وَالْبرد تَفْعَلهُ الْخَواص مِنْهُم فَكثر ذَلِك حَتَّى صَار تَفْعَلهُ عامتهم وَقيل كَانَ سَببه أَن قوما من أعدائهم كَانُوا يقصدون غفلتهم إِذا غَابُوا عَن بُيُوتهم فيطرقون الْحَيّ فَيَأْخُذُونَ المَال والحريم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بعض مشايخهم أَن يبعثوا النِّسَاء فِي زِيّ الرِّجَال إِلَى نَاحيَة ويقعدوا هم فِي الْبيُوت مُتَلَثِّمِينَ فِي زِيّ النِّسَاء فَإِذا أَتَاهُم الْعَدو وظنوهم نسَاء خَرجُوا عَلَيْهِم فَفَعَلُوا ذَلِك وثاروا عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُمْ فلزموا اللثام تبركا بِهِ بِمَا حصل لَهُم من الظفر بالعدو
وَقَالَ عز الدّين ابْن الْأَثِير فِي كَامِله مَا مِثَاله وَقيل إِن سَبَب تلثمهم أَن طَائِفَة من لمتونة خَرجُوا مغيرين على عَدو لَهُم فخالفهم الْعَدو إِلَى بُيُوتهم وَلم يكن بهَا إِلَّا الْمَشَايِخ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَلَمَّا تحقق الْمَشَايِخ أَنه الْعَدو أمروا النِّسَاء أَن يلبسن ثِيَاب الرجل ويتلثمن ويضيقنه حَتَّى لَا يعرفن ويلبسن السِّلَاح ففعلن ذَلِك وَتقدم الْمَشَايِخ وَالصبيان أمامهن واستدار النِّسَاء بِالْبُيُوتِ فَلَمَّا أشرف الْعَدو رأى جمعا عَظِيما فَظَنهُ رجَالًا وَقَالُوا هَؤُلَاءِ عِنْد حريمهم يُقَاتلُون عَنْهُن قتال الْمَوْت والرأي أَن نسوق النعم ونمضي فَإِن اتبعونا قاتلناهم خَارِجا عَن حريمهم فَبَيْنَمَا هم فِي جمع النعم من المراعي إِذْ أقبل رجال إِلَى الْحَيّ فَبَقيَ الْعَدو بَينهم وَبَين النِّسَاء فَقتلُوا من الْعَدو خلقا كثيرا وَكَانَ من قتل النِّسَاء أَكثر فَمن ذَلِك الْوَقْت جعلُوا اللثام سنة يلازمونه فَلَا يعرف الشَّيْخ من الشَّاب وَلَا يزيلونه لَيْلًا وَلَا نَهَارا
وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو مُحَمَّد بن حَامِد الْكَاتِب
(قوم لَهُم شرف الْعلَا من حمير ... وَإِذا انتموا صنهاجة فهم هم)
(لما حووا أحراز كل فَضِيلَة ... غلب الْحيَاء عَلَيْهِم فتلثموا)
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ دين صنهاجة أهل اللثام الْمَجُوسِيَّة شَأْن برابرة
(2/4)

الْمغرب وَلم يزَالُوا مستقرين بِتِلْكَ المفالات الصحراوية حَتَّى كَانَ إسْلَامهمْ بعد فتح الأندلس وَكَانَت الرياسة فيهم للمتونة واستوسق لَهُم ملك ضخم عِنْد دُخُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة إِلَى الأندلس توارثه مُلُوك مِنْهُم من بني ورتنطيو وطالت أعمارهم فِيهِ إِلَى الثَّمَانِينَ وَنَحْوهَا ودوخوا تِلْكَ الْبِلَاد الصحراوية وَجَاهدُوا من بهَا من أُمَم السودَان وحملوهم على الْإِسْلَام فدان بِهِ كثير مِنْهُم واتقاهم آخَرُونَ بالجزية فقبلوهم مِنْهُم ثمَّ افترق أَمرهم من بعد ذَلِك وَصَارَ ملكهم طوائف ورياستهم شيعًا واستمروا على ذَلِك مائَة وَعشْرين سنة إِلَى أَن قَامَ فيهم الْأَمِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن تيفاوت الْمَعْرُوف بتاسرت اللمتوني فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وأحبوه وَبَايَعُوهُ وَكَانَ من أهل الْفضل وَالدّين وَالْجهَاد وَالْحج فَلبث فيهم ثَلَاث سِنِين ثمَّ اسْتشْهد فِي بعض غَزَوَاته
الْخَبَر عَن رياسة يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي وَمَا كَانَ من أمره مَعَ الشَّيْخ أبي عمرَان الفاسي رحمهمَا الله
لما توفّي أَبُو عبد الله بن تيفاوت قَامَ بِأَمْر صنهاجة من بعده يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي وكدالة ولمتونة أَخَوان يَجْتَمِعَانِ فِي أَب وَاحِد وكل مِنْهُمَا قبيل كَبِير يسكنون الصَّحرَاء الَّتِي تلِي بِلَاد السودَان ويليهم من جِهَة الْمغرب الْبَحْر الْمُحِيط فاستمر الْأَمِير يحيى بن إِبْرَاهِيم على رياسة صنهاجة
(2/5)

وحربهم لأعدائهم إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فاستخلف على صنهاجة ابْنه إِبْرَاهِيم بن يحيى وارتحل إِلَى الْمشرق برسم الْحَج فَلَمَّا قضى حجه وزريارته قفل إِلَى بِلَاده فَمر فِي عوده بالقيروان فلقي بهَا الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا عمرَان الفاسي وَحضر مجْلِس درسه وتأثر بوعظه فَرَآهُ الشَّيْخ أَبُو عمرَان محبا فِي الْخَيْر فأعجبه حَاله وَسَأَلَهُ عَن اسْمه وَنسبه وبلده فَأخْبرهُ بذلك كُله وأعلمه بسعة بِلَاده وَمَا فِيهَا من كَثْرَة الْخلق فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا ينتحلون من الْمذَاهب قَالَ إِنَّهُم قوم غلب عَلَيْهِم الْجَهْل وَلَيْسَ لَهُم كَبِير علم فاختبره الشَّيْخ وَسَأَلَهُ عَن فروض دينه فَلم يجده يعرف مِنْهَا شَيْئا إِلَّا أَنه حَرِيص على التَّعَلُّم صَحِيح النِّيَّة والعقيدة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا يمنعك من تعلم الْعلم فَقَالَ يَا سَيِّدي عدم وجود عَالم بأرضي وَلَيْسَ فِي بلادي من يقْرَأ الْقُرْآن فضلا عَن الْعلم وَمَعَ ذَلِك فَأهل أرضي يحبونَ الْخَيْر ويرغبون فِيهِ لَو وجدوا من يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويدرس لَهُم الْعلم ويفقههم فِي دينهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالسّنة وَشَرَائِع الْإِسْلَام فَلَو رغبت فِي الثَّوَاب من الله تعال لبعثت معي بعض طلبتك يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين فينتفعون بِهِ وَيكون لَك وَله الْأجر الْعَظِيم عِنْد الله تَعَالَى إِذْ كنت سَبَب هدايتهم فندب الشَّيْخ أبوعمران تلامذته إِلَى ذَلِك فاستصعبوا دُخُول أَرض الصَّحرَاء وَأَشْفَقُوا مِنْهَا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عمرَان ليحيى بن إِبْرَاهِيم إِنِّي أعرف بِبَلَد نَفِيس من أَرض المصامدة فَقِيها حاذقا ورعا أَخذ عني علما كثيرا واسْمه وأجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الْأَقْصَى أكتب إِلَيْهِ كتابا لينْظر فِي تلامذته من يَبْعَثهُ مَعَك فسر إِلَيْهِ لَعَلَّك تَجِد حَاجَتك عِنْده فَكتب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو عمرَان كتابا يَقُول فِيهِ أما بعد إِذا وصلك حَامِل كتابي هَذَا وَهُوَ يحيى بن إِبْرَاهِيم
(2/6)

الكداني فَابْعَثْ مَعَه من طلبتك من تثق بِعِلْمِهِ وَدينه وورعه وَحسن سياسته ليقرئهم الْقُرْآن وَيُعلمهُم شرائع الْإِسْلَام ويفقههم فِي دين الله وَلَك وَله فِي ذَلِك الثَّوَاب وَالْأَجْر الْعَظِيم وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا
وَأَبُو مُحَمَّد واجاج هَذَا من رجال التشوف قَالَ فِيهِ وَمِنْهُم واجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الْأَقْصَى رَحل إِلَى القيروان وَأخذ عَن أبي عمرَان الفاسي ثمَّ عَاد إِلَى السوس فَبنى دَارا سَمَّاهَا بدار المرابطين لطلبة الْعلم وقراء الْقُرْآن وَكَانَ المصامدة يزورونه ويتبركون بدعائه وَإِذا أَصَابَهُم قحط استسقوا بِهِ اه
فَسَار يحيى بن إِبْرَاهِيم بِكِتَاب الشَّيْخ أبي عمرَان حَتَّى وصل إِلَى الْفَقِيه واجاج بِمَدِينَة نَفِيس فَسلم عَلَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ الْكتاب وَكَانَ ذَلِك فِي رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَنظر الْفَقِيه واجاج فِي الْكتاب ثمَّ جمع تلامذته فقرأه عَلَيْهِم وندبهم لما أَمر بِهِ الشَّيْخ أَبُو عمرَان فَانْتدبَ لذَلِك رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ وَكَانَ من حذاق الطّلبَة وَمن أهل الْفضل وَالدّين والورع والسياسة مشاركا فِي الْعُلُوم فَخرج مَعَ يحيى بن إِبْرَاهِيم إِلَى الصَّحرَاء وَكَانَ من أمره مَا نَقصه عَلَيْك
الْخَبَر عَن دُخُول عبد الله بن ياسين أَرض الصَّحرَاء وَابْتِدَاء أمره بهَا

لما انْتهى يحيى بن إِبْرَاهِيم إِلَى بِلَاده وَمَعَهُ الْفَقِيه عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ تَلقاهُ قبائل كدالة ولمتونة وفرحوا بمقدمهما وتيمنوا بالفقيه وبالغوا فِي إكرامه وبره فشرع يعلمهُمْ الْقُرْآن وَيُقِيم لَهُم رسم الدّين ويسوسهم بآداب الشَّرْع وألفاهم يَتَزَوَّجُونَ بِأَكْثَرَ من أَربع حرائر فَقَالَ لَهُم لَيْسَ هَذَا من السّنة وَإِنَّمَا سنة الْإِسْلَام أَن يجمع الرجل بَين أَربع نسْوَة حرائر فَقَط وَله فِيمَا شَاءَ من ملك الْيَمين سَعَة
(2/7)

وَجعل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وكبحهم عَن كثير من مألوفاتهم الْفَاسِدَة وشدد فِي ذَلِك فأطرحوه واستصعبوا علمه وَتركُوا الْأَخْذ عَنهُ لما جشمهم من مشاق التَّكْلِيف
فَلَمَّا رأى عبد الله بن ياسين إعراضهم عَنهُ واتباعهم لأهوائهم عزم على الرحيل عَنْهُم إِلَى بِلَاد السودَان الَّذين دخلُوا فِي دين الْإِسْلَام يَوْمئِذٍ فَلم يتْركهُ يحيى بن إِبْرَاهِيم لذَلِك وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا أتيت بك لأنتفع بعلمك فِي خَاصَّة نَفسِي وَمَا عَليّ فِيمَن ضل من قومِي وَكَانَ قومه لَيْسَ عِنْدهم من الْإِسْلَام إِلَّا الشَّهَادَة دون مَا عَداهَا من أَرْكَان الْإِسْلَام وشرائعه
ثمَّ قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم لعبد الله بن ياسين هَل لَك فِي رَأْي أُشير بِهِ عَلَيْك إِن كنت تُرِيدُ الْآخِرَة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِن هَهُنَا جَزِيرَة فِي الْبَحْر قَالَ ابْن خلدون هُوَ بَحر النّيل يُحِيط بهَا من جهاتها يكون ضحضاحا فِي المصيف يخاض بالأقدام وغمرا فِي الشتَاء يعبر الزوارق قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم وفيهَا الْحَلَال الْمَحْض من شجر الْبَريَّة وصيد الْبر وَالْبَحْر ندخل فِيهَا ونقتات من حلالها ونعبد الله تَعَالَى حَتَّى نموت فَقَالَ عبد الله بن ياسين إِن هَذَا الرَّأْي حسن فَهَلُمَّ بِنَا فلندخلها على اسْم الله فَدَخلَهَا وَدخل مَعَهُمَا سَبْعَة نفر من كدالة وابتنى عبد الله رابطة هُنَاكَ وَأقَام فِي أَصْحَابه يعْبدُونَ الله تَعَالَى مُدَّة فِي ثَلَاثَة أشهر فتسامع النَّاس بهم وَأَنَّهُمْ اعتزلوا بدينهم يطْلبُونَ الْجنَّة والنجاة من النَّار فَكثر الواردون عَلَيْهِم والتوابون لديهم فَأخذ عبد الله بن ياسين يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويستميلهم إِلَى الْخَيْر ويرغبهم فِي ثَوَاب الله ويحذرهم ألم عِقَابه حَتَّى تمكن حبه من قُلُوبهم فَلم تمر عَلَيْهِ إِلَّا مُدَّة يسيرَة حَتَّى اجْتمع لَهُ من التلامذة نَحْو ألف رجل وَكَانَ من أَمرهم مَا تسمعه عَن قريب
(2/8)

شُرُوع عبد الله بن ياسين فِي الْجِهَاد وإعلانه بالدعوة وَمَا كَانَ من أمره فِي ذَلِك

لما اجْتمع إِلَى عبد الله بن ياسين من أَشْرَاف صنهاجة نَحْو ألف رجل سماهم المرابطين للزومهم رابطته
وَلما تفقهوا ورسخ فيهم الدّين قَامَ فيهم خَطِيبًا فوعظهم وشوقهم إِلَى الْجنَّة وخوفهم من النَّار وَأمرهمْ بتقوى الله وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَأخْبرهمْ بِمَا فِي ذَلِك من ثَوَاب الله تَعَالَى وعظيم جَزَائِهِ ثمَّ ندبهم إِلَى جِهَاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وَقَالَ لَهُم معشر المرابطين إِنَّكُم الْيَوْم جمع كثير نَحْو ألف رجل وَلنْ يغلب ألف من قلَّة وَأَنْتُم وُجُوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وَقد أصلحكم الله تَعَالَى وهداكم إِلَى صراطه الْمُسْتَقيم فَوَجَبَ عَلَيْكُم أَن تشكروا نعْمَته عَلَيْكُم بِأَن تأمروا بِالْمَعْرُوفِ وتنهوا عَن الْمُنكر وتجاهدوا فِي الله حق جهاده فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الشَّيْخ الْمُبَارك أمرنَا بِمَا شِئْت تجدنا سَامِعين لَك مُطِيعِينَ وَلَو أمرتنا بقتل آبَاءَنَا لفعلنَا فَقَالَ لَهُم اخْرُجُوا على بركَة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عِقَاب الله وأبلغوهم حجَّته فَإِن تَابُوا فَخلوا سبيلهم وَإِن أَبَوا من ذَلِك وتمادوا فِي غيهم ولجوا فِي طغيانهم استعنا بِاللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم وجاهدناهم حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَهُوَ خير الْحَاكِمين فَسَار كل رجل مِنْهُم إِلَى قومه وعشيرته فوعظهم وَأَنْذرهُمْ ودعاهم إِلَى الإقلاع عَمَّا هم بسبيله فَلم يرفعوا بذلك رَأْسا
فَخرج إِلَيْهِم عبد الله بن ياسين بِنَفسِهِ وَجمع أَشْيَاخ قبائلهم ووجوهها وَقَرَأَ عَلَيْهِم حجَّة الله ودعاهم إِلَى التَّوْبَة ورغبهم فِي الْجنَّة وخوفهم من النَّار وَأقَام ينذرهم سَبْعَة أَيَّام وهم فِي ذَلِك كُله لَا يلتفتون إِلَى قَوْله وَلَا يزدادون إِلَّا فَسَادًا فَلَمَّا يئس مِنْهُم قَالَ لأَصْحَابه قد أبلغنا فِي الْحجَّة
(2/9)

وأنذرنا وأعذرنا وَقد وَجب علينا الْآن جهادهم فاغزوهم على بركَة الله فَبَدَأَ أَولا بقبيلة كدالة فغزاهم فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل من المرابطين فَانْهَزَمُوا بَين يَدَيْهِ وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وَأسلم الْبَاقُونَ إسلاما جَدِيدا وَحسنت حَالهم وأدوا مَا يلْزمهُم من كل مَا فرض الله عَلَيْهِم وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
ثمَّ سَار إِلَى قَبيلَة لمتونة فَنزل عَلَيْهَا وَقَاتلهمْ حَتَّى أظهره الله عَلَيْهِم وأذعنوا إِلَى الطَّاعَة وَبَايَعُوهُ على إِقَامَة الْكتاب وَالسّنة
ثمَّ سَار إِلَى قَبيلَة مسوفة فَقَاتلهُمْ حَتَّى أذعنوا لَهُ وَبَايَعُوهُ على مَا بايعته لمتونة وكدالة
فَلَمَّا رأى ذَلِك سَائِر صنهاجة سارعوا إِلَى التَّوْبَة والمبايعة وأقروا لَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فَكَانَ كل من أَتَاهُ تَائِبًا مِنْهُم يطهره بِأَن يضْربهُ مائَة سَوط ثمَّ يُعلمهُ الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام وَكَانَ يَأْمُرهُم بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَأَدَاء الْعشْر وَاتخذ لذَلِك بَيت مَال يجمع فِيهِ مَا يرفع إِلَيْهِ من ذَلِك
ثمَّ أَخذ فِي اشْتِرَاء السِّلَاح وأركاب الجيوش من ذَلِك المَال وَجعل يَغْزُو الْقَبَائِل حَتَّى ملك جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وذلل قبائلها
ثمَّ جمع أسلاب الْقَتْلَى فِي تِلْكَ الْمَغَازِي وَجعلهَا فَيْئا للمرابطين وَبعث بِمَال دثر مِمَّا اجْتمع لَدَيْهِ من الزكوات والأعشار والأخماس إِلَى طلبة الْعلم بِبِلَاد المصامدة فاشتهر أمره فِي جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وَمَا والاها من بِلَاد السودَان وبلاد الْقبْلَة وبلاد المصامدة وَسَائِر أقطار الْمغرب وَأَنه قَامَ رجل بكدالة يَدْعُو إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَيحكم بِمَا أنزل الله وَأَنه متواضع زاهد فِي الدُّنْيَا وطار لَهُ ذكر فِي الْعَالم وَتمكن ناموسه من الْقُلُوب وأحبته النَّاس
ثمَّ توفّي يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي على أثر ذَلِك وَحكى ابْن خلدون أَن وَفَاة يحيى بن إِبْرَاهِيم كَانَت قبل اعتزال عبد الله بن ياسين وَأَصْحَابه فِي الجزيرة وَالله أعلم
(2/10)

الْخَبَر عَن رياسة يحيى بن عَمْرو بن تكلاكين اللمتوني

لما توفّي يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي عزم عبد الله بن ياسين على تَقْدِيم رجل يقوم بِأَمْر المرابطين فِي حربهم وجهادهم لعدوهم
وَكَانَت قَبيلَة لمتونة من بَين قبائل صنهاجة أَكثر طَاعَة لله تَعَالَى ودينا وصلاحا فَكَانَ عبد الله بن ياسين يكرمهم ويقدمهم على غَيرهم وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من ظُهُور أَمرهم وتملكهم على الْخلق فَجمع عبد الله بن ياسين رُؤُوس الْقَبَائِل من صنهاجة وَولى عَلَيْهِم يحيى بن عمر اللمتوني وَعبد الله بن ياسين هُوَ الْأَمِير على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْمر وَينْهى وَيُعْطِي وَيمْنَع وَعَن رَأْيه يصدرون فَكَانَ يحيى بن عمر يتَوَلَّى النّظر فِي أَمر الْحَرْب وَعبد الله بن ياسين ينظر فِي أَمر الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع وَيَأْخُذ الزكوات والأعشار
وَكَانَ يحيى شَدِيد الانقياد لعبد الله بن ياسين وَاقِفًا عِنْد أمره وَنَهْيه فَمن حسن طَاعَته لَهُ أَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا قد وَجب عَلَيْك أدب قَالَ يحيى فيماذا يَا سَيِّدي قَالَ لَا أعرفك بِهِ حَتَّى آخذه مِنْك فكشف لَهُ يحيى عَن بَشرته فَضَربهُ عشْرين سَوْطًا ثمَّ قَالَ لَهُ إِنَّمَا ضربتك لِأَنَّك باشرت الْقِتَال واصطليت بِنَار الْحَرْب بِنَفْسِك وَذَلِكَ خطأ مِنْك فَإِن الْأَمِير لَا يُقَاتل وَإِنَّمَا يقف ويحرض النَّاس وَيُقَوِّي نُفُوسهم فَإِن حَيَاة الْجند بحياة أميره وهلاكه بهلاكه
واستقام الْأَمر ليحيى بن عمر وَملك جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وغزا بِلَاد السودَان فَفتح كثيرا مِنْهَا وَكَانَ من أهل الزّهْد وَالدّين وَالصَّلَاح
(2/11)

الْخَبَر عَن غَزْو عبد الله بن ياسين وَيحيى بن عمر سجلماسة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على بني مدرار المكناسيين أَصْحَاب سجلماسة أَن انْقِرَاض دولتهم كَانَ على يَد خزرون بن فلفل بن خزر المغراوي وَأَنه زحف إِلَى سجلماسة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وبرز إِلَيْهِ صَاحبهَا أَبُو مُحَمَّد المعتز بِاللَّه آخر مُلُوك بني مدرار الصفرية فَهَزَمَهُ خزرون وَقَتله وَاسْتولى على بَلَده وذخيرته وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ ذَلِك لأوّل حجابة الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَاسْتمرّ خزرون بن فلفل واليا على سجلماسة إِلَى أَن هلك وَولي بعده ابْنه وانودين بن خزرون إِلَى أَن هلك أَيْضا وَولي ابْنه مَسْعُود بن وانودين
وَلما انقرضت الدولة الأموية بالأندلس وافترق أَمر الْجَمَاعَة بهَا وَصَارَ الْملك طوائف استبد أُمَرَاء الْأَطْرَاف وملوك زناتة بالمغرب كل بِمَا فِي يَده وَعدم الْوَازِع وتصرفوا فِي الرعايا بِمُقْتَضى أغراضهم وشهواتهم فنال فاسا وأعمالها من جور بني عَطِيَّة المغراويين مَا حكينا بعضه قبل ونال أهل سجلماسة ودرعة من بني خزرون بن فلفل المغراويين مثل ذَلِك أَو أَكثر
فَلَمَّا كَانَت سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد انْتَشَر ذكر عبد الله بن ياسين وَأَصْحَابه المرابطين فِي الْعَالم اجْتمع فُقَهَاء سجلماسة ودرعة وَكَتَبُوا إِلَى عبد الله بن ياسين وَيحيى بن عمر وأشياخ المرابطين كتابا يرغبون إِلَيْهِم فِي الْوُصُول إِلَى بِلَادهمْ ليطهروها مِمَّا هِيَ فِي من الْمُنْكَرَات وَشدَّة العسف من الْأُمَرَاء وعرفوهم بِمَا هم فِيهِ أهل الْعلم وَالدّين وَسَائِر الْمُسلمين من الذل وَالصغَار مَعَ أَمِيرهمْ مَسْعُود بن وانودين المغراوي
فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى عبد الله بن ياسين جمع رُؤَسَاء المرابطين وقرأه عَلَيْهِم وشاورهم فِي الْأَمر فَقَالُوا أَيهَا الْفَقِيه هَذَا مِمَّا يلْزمنَا ويلزمك فسر بِنَا على بركَة الله فَدَعَا لَهُم بِخَير وحضهم على الْجِهَاد
(2/12)

وَخرج بهم فِي عشْرين من صفر سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فِي جَيش كثيف من المرابطين وَقيل كَانَ خُرُوجه سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فَسَار حَتَّى وصل إِلَى بِلَاد درعة فَوجدَ بهَا عَامل مَسْعُود بن وانودين فنفاه عَنْهَا وَوجد بهَا خمسين ألف نَاقَة لمسعود الْمَذْكُور وَكَانَت ترعى فِي حمى حماه لَهَا هُنَالك فاكتسحها عبد الله بن ياسين واتصل الْخَبَر بمسعود فَجمع جيوشه وَخرج نَحوه فَالتقى الْجَمْعَانِ فِيمَا بَين درعة وسجلماسة فَكَانَت بَينهمَا حَرْب فظيعة منح الله فِيهَا المرابطين النَّصْر على مغراوة فَقتل أَمِيرهمْ مَسْعُود وَأكْثر جَيْشه وفر الْبَاقُونَ
وَاسْتولى عبد الله بن ياسين على دوابهم وأسلحتهم وَأَمْوَالهمْ مَعَ الْإِبِل الَّتِي كَانَ اكتسحها فِي درعة فَأخْرج الْخمس من ذَلِك كُله وفرقه على فُقَهَاء سجلماسة ودرعة وصلحائهم وَقسم الْأَرْبَعَة أَخْمَاس على المرابطين
واتحل من فوره إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا وَقتل من وجد بهَا من مغراوة وَأقَام بهَا حَتَّى أصلح شَأْنهَا وَغير مَا وجد بهَا من الْمُنْكَرَات وَقطع المزامير وَآلَة اللَّهْو وأحرق الدّور الَّتِي كَانَت تبَاع بهَا الْخُمُور وأزال المكوس وَأسْقط المغارم المخزنية ومحا مَا أوجب الْكتاب وَالسّنة محوه وَاسْتعْمل على سجلماسة عَاملا من لمتونة وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء
ثمَّ توفّي الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عمر فِي بعض غَزَوَاته بِبِلَاد السودَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
الْخَبَر عَن رياسة أبي بكر بن عمر اللمتوني وَفتح بِلَاد السوس

لما توفّي الْأَمِير يحيى بن عمر اللمتوني ولى عبد الله بن ياسين مَكَانَهُ أَخَاهُ أَبَا بكر بن عمر وَذَلِكَ فِي محرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وقلده أَمر الْحَرْب وَالْجهَاد ثمَّ ندب المرابطين إِلَى غَزْو بِلَاد السوس والمصامدة فزحف إِلَيْهَا فِي جَيش عَظِيم فِي ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة
(2/13)

وَكَانَ أَبُو بكر بن عمر رجلا صَالحا ورعا فَجعل على مقدمته ابْن عَمه يُوسُف بن تاشفين اللمتوني ثمَّ سَار حَتَّى انْتهى إِلَى بِلَاد السوس فغزا جزولة من قبائلها وَفتح مَدِينَة ماسة وتارودانت قَاعِدَة بِلَاد السوس وَكَانَ بهَا قوم من الرافضة يُقَال لَهُم البجلية نِسْبَة إِلَى عَليّ بن عبد الله البَجلِيّ الرافضي كَانَ سقط إِلَى بِلَاد السوس أَيَّام قيام عبيد الله الشيعي بإفريقية فأشاع هُنَالك مَذْهَب الرافضة فتوارثوه عَنهُ جيلا بعد جيل وعضوا عَلَيْهِ فَكَانُوا لَا يرَوْنَ الْحق إِلَّا مَا فِي يدهم فَقَاتلهُمْ عبد الله بن ياسين وَأَبُو بكر بن عمر حَتَّى فتحُوا مَدِينَة تارودانت عنْوَة وَقتلُوا بهَا خلقا كثيرا وَرجع من بَقِي مِنْهُم إِلَى مَذْهَب السّنة وَالْجَمَاعَة
وَحَازَ عبد الله بن ياسين أسلاب الْقَتْلَى مِنْهُم فَجَعلهَا فَيْئا وَأظْهر الله المرابطين على من عداهم ففتحوا معاقل السوس وخضعت لَهُم قبائله وَفرق عبد الله بن ياسين عماله بنواحيه وَأمرهمْ بِإِقَامَة الْعدْل وَإِظْهَار السّنة واخذ الزكوات والأعشار وَإِسْقَاط مَا سوى ذَلِك من المغارم المحدثة
فتح بِلَاد المصامدة وَمَا يتبع ذَلِك من جِهَاد برغواطة وَفتح بِلَادهمْ وَذكر نسبهم

ثمَّ ارتحل عبد الله بن ياسين إِلَى بِلَاد المصامدة فَفتح جبل درن وبلاد رودة ومدينة شفشاوة بِالسَّيْفِ ثمَّ فتح مَدِينَة نَفِيس وَسَائِر بِلَاد كدميوه ووفدت عَلَيْهِ قبائل رجراجة وحاحة فَبَايعُوهُ ثمَّ ارتحل إِلَى مَدِينَة أغمات
(2/14)

وَبهَا يَوْمئِذٍ أميرها لقوط بن يُوسُف بن عَليّ المغراوي فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها حصارا شَدِيدا
وَلما رأى لقوط مَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ أسلمها وفر عَنْهَا لَيْلًا هُوَ وَجَمِيع حشمه إِلَى تادلا فَاسْتَجَارَ ببني يفرن مُلُوك سلا وتادلا
وَدخل المرابطون مَدِينَة أغمات سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فَأَقَامَ بهَا عبد الله بن ياسين نَحْو الشَّهْرَيْنِ ريثما استراح الْجند ثمَّ خرج إِلَى تادلا فَفَتحهَا وَقتل من وجد بهَا من بني يفرن مُلُوكهَا وظفر بلقوط المغراوي فَقتله
وَكَانَ للقوط هَذَا امْرَأَة اسْمهَا زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية قَالَ ابْن خلدون وَكَانَت من إِحْدَى نسَاء الْعَالم المشهورات بالجمال والرياسة وَكَانَت قبل لقوط عِنْد يُوسُف بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن وطاس شيخ وريكة فَلَمَّا قتل المرابطون لقوط بن يُوسُف المغراوي خَلفه أَبُو بكر بن عمر على امْرَأَته زَيْنَب بنت إِسْحَاق الْمَذْكُورَة إِلَى أَن كَانَ من أمرهَا مَا نذكرهُ
ثمَّ تقدم عبد الله بن ياسين إِلَى بِلَاد تامسنا فَفَتحهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ أخبر بِأَن بساحل تامسنا قبائل برغواطة فِي عدد كثير وَجمع عَظِيم
ولنذكر هُنَا كلَاما مُلَخصا فِي برغواطة ودولتهم ثمَّ نرْجِع إِلَى مَا نَحن بصدده فَنَقُول اخْتلف النَّاس فِي نسب برغواطة هَؤُلَاءِ إِلَى أَي شَيْء يرجع فبعضهم يلحقهم بزناتة وَبَعْضهمْ يَقُول فِي متنبئهم صَالح بن طريف البرغواطي إِنَّه يَهُودِيّ الأَصْل من سبط شَمْعُون بن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام نَشأ ببرباط حصن من عمل شدونة من بِلَاد الأندلس ثمَّ رَحل إِلَى الْمشرق وَقَرَأَ على عبيد الله المعتزلي واشتغل بِالسحرِ وَجمع مِنْهُ فنونا وَقدم الْمغرب فَنزل بِلَاد تامسنا فَوجدَ بهَا قبائل جُهَّالًا من البربر فاظهر لَهُم الصّلاح والزهد وموه عَلَيْهِم وخلبهم بِلِسَانِهِ وسحرهم بنير نجاته فصدقوه واتبعوه فَادّعى النُّبُوَّة وَشرع لَهُم شرائع وَوضع لَهُم قُرْآنًا حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَنهُ مُسْتَوفى فَكَانَ يُقَال لمن تبعه وَدخل فِي دينه برباطي ثمَّ عربته الْعَرَب فَقَالُوا برغواطي فسموا برغواطة
(2/15)

قَالَ ابْن خلدون وَهَذَا من الأغاليط الْبَيِّنَة وَصحح أَن الْقَوْم من المصامدة بِشَهَادَة الموطن والجوار وَغير ذَلِك وَالتَّحْقِيق أَن برغواطة قبائل شَتَّى لَيْسَ يجمعهُمْ أَب وَاحِد وَإِنَّمَا هم أخلاط من البربر اجْتَمعُوا إِلَى صَالح بن طريف الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة بتامسنا سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة من الْهِجْرَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَتسَمى بِصَالح الْمُؤمنِينَ وَشرع لأتباعه الدّيانَة الَّتِي أخذوها عَنهُ وَكَانَ صَالح قد شهد مَعَ أَبِيه طريف حروب ميسرَة المضغري كَبِير الصفرية لعهده وَكَانَ طريف يكنى أَبَا صبيح وَمن كبار أَصْحَاب ميسرَة الْمَذْكُور وَيُقَال إِنَّه ادّعى النُّبُوَّة أَيْضا وَشرع لِقَوْمِهِ الشَّرَائِع ثمَّ هلك سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَقَامَ بأَمْره ابْنه صَالح بن طريف الْمَذْكُور فعفت مخارقه على مُخَارق أَبِيه وَكَانَ أَولا من أهل الْعلم وَالدّين ثمَّ انْسَلَخَ من آيَات الله وَانْتَحَلَ دَعْوَى النُّبُوَّة وأتى من الْبُهْتَان بِمَا أوضحناه قبل فِي ولَايَة حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ على الْمغرب
ثمَّ خرج صَالح بن طريف إِلَى الْمشرق سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة بعد أَن ملك أَمرهم سبعا وَأَرْبَعين سنة وَوَعدهمْ أَنه يرجع إِلَيْهِم فِي دولة السَّابِع مِنْهُم وَأوصى بِشَرِيعَتِهِ إِلَى ابْنه إلْيَاس بن صَالح وَلم يزل إلْيَاس مظْهرا لِلْإِسْلَامِ مصرا على مَا أوصاه بِهِ أَبوهُ من كلمة كفرهم وَكَانَ متظاهرا بالعفاف والزهد إِلَى أَن هلك سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ لمضي خمسين سنة من ولَايَته ثمَّ ولي من بعده ابْنه يُونُس بن إلْيَاس فأظهر دينهم ودعا إِلَى كفرهم وَقتل من لم يدْخل فِي أمره حَتَّى حرق مَدَائِن تامسنا وَمَا والاها يُقَال إِنَّه حرق مِنْهَا ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِينَ مَدِينَة واستلحم أَهلهَا بِالسَّيْفِ لمخالفتهم إِيَّاه وَقتل مِنْهُم بِموضع يُقَال لَهُ تاملوكالات وَهُوَ حجر عَال نابت وسط الطَّرِيق سَبْعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَسبعين نفسا
قَالَ زمور بن صَالح ثمَّ رَحل يُونُس بن إلْيَاس إِلَى الْمشرق وَحج
(2/16)

وَلم يحجّ أحد من أهل بَيته قبله وَلَا بعده وَهلك سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ لأَرْبَع وَأَرْبَعين سنة من ملكه وانتقل الْأَمر عَن بنيه إِلَى غَيرهم من قرَابَته فولي أَمرهم أَبُو غفير مُحَمَّد بن معَاذ بن اليسع بن صَالح بن طريف فاستولى على ملك برغواطة وَأخذ بدين آبَائِهِ واشتدت شوكته وَعظم أمره وَكَانَت لَهُ فِي البربر وقائع مَشْهُورَة وَأَيَّام مَذْكُورَة أَشَارَ إِلَى شَيْء مِنْهَا سعيد بن هِشَام المصمودي فِي أَبْيَات مِنْهَا قَوْله
(وهذي أمة هَلَكُوا وَضَلُّوا ... وعاروا لَا سقوا مَاء معينا)
(يَقُولُونَ النَّبِي أَبُو غفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا)
(سَيعْلَمُ أهل تامسنا إِذا مَا ... أَتَوا يَوْم الْقِيَامَة مفظعينا)
(هُنَالك يُونُس وَبَنُو أَبِيه ... يقودون البرابر حائرينا)
وَاتخذ أَبُو غفير من الزَّوْجَات أَرْبعا وَأَرْبَعين لأَنهم يبيحون فِي ديانتهم الخسيسة أَن يتَزَوَّج الرجل من النِّسَاء مَا شَاءَ وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد مثل ذَلِك أَو أَكثر وَهلك أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة لتسْع وَعشْرين سنة من ملكه
ثمَّ ولي بعده ابْنه أَبُو الْأَنْصَار عبد الله بن أبي غفير فاقتفى سنَنه وَكَانَ كَبِير الدعْوَة مهيبا عِنْد مُلُوك عصره يهاودنه ويدافعونه بالمواصلة وَكَانَ يلبس الملحفة والسراويل ويلبس الْمخيط من الثِّيَاب وَلَا يعتم أحد فِي بِلَاده إِلَّا الغرباء وَكَانَ حَافِظًا للْجَار وافيا للْعهد وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة لأَرْبَع وَأَرْبَعين سنة من ملكه وَدفن بتاسلاخت وَبهَا قَبره
وَولي بعده ابْنه أَبُو مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة فَسَار سيرة آبَائِهِ وَادّعى النُّبُوَّة وَاشْتَدَّ أمره وَعلا سُلْطَانه ودانت لَهُ قبائل الْمغرب قَالَ زمور بن صَالح كَانَ عسكره يناهز الثَّلَاثَة آلَاف من برغواطة وَعشرَة آلَاف من سواهُم
وَقد كَانَ لملوك العدوتين فِي غَزْو برغواطة هَؤُلَاءِ وجهادهم آثَار عَظِيمَة من الأدارسة والأموية والشيعة وَغَيرهم
وَلما زحف بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي إِلَى الْمغرب زحفه
(2/17)

الْمَشْهُور وأجفلت قبائل زناتة وملوكها بَين يَدَيْهِ وانحازوا إِلَى سبتة وأطل عَلَيْهِم من جبل تطوان وعاين جمعهم الكثيف عَنْهُم إِلَى جِهَاد برغواطة فأوقع بهم وَقتل أَمِيرهمْ ابا مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَبعث بسبيهم إِلَى القيروان وَذَلِكَ سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة
ثمَّ حاربتهم أَيْضا جنود الْمَنْصُور بن ابي عَامر لما عقد ابْنه عبد الْملك المظفر لمَوْلَاهُ وَاضح على جِهَاد برغواطة فَعظم أَثَره فيهم بِالْقَتْلِ والسبي
ثمَّ حاربهم أَيْضا بَنو يفرن لما اسْتَقل بَنو يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح مِنْهُم بِنَاحِيَة سلا واقتطعوها عَن عمل زيري بن عَطِيَّة المغراوي صَاحب فاس
وَكَانَ لأبي الْكَمَال تَمِيم بن زيري اليفرني فيهم جِهَاد كَبِير حَسْبَمَا تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَعْوَام الْعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَغَلَبَهُمْ على تامسنا وَولى عَلَيْهَا من قبله بعد أَن أثخن فيهم سبيا وقتلا
ثمَّ تراجعوا من بعده إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين ودخلوا أَرض الْمغرب دخلتهم الثَّانِيَة وفتحوا بِلَاد المصامدة وبلاد تادلا وتامسنا فَأخْبر عبد الله بن ياسين بِأَن بساحلها قبائل برغواطة فِي عدد كثير وَجمع عَظِيم وَأَنَّهُمْ مجوس أهل ضَلَالَة وَكفر وَأخْبر بِمَا تمسكوا بِهِ من ديانتهم الخبيثة وَقيل لَهُ إِن برغواطة قبائل كَثِيرَة وأخلاط شَتَّى اجْتَمعُوا فِي أول أَمرهم على صَالح بن طريف المتنبئ الْكذَّاب وَاسْتمرّ حَالهم على الضَّلَالَة وَالْكفْر إِلَى الْآن فَلَمَّا سمع عبد الله بن ياسين بِحَال برغواطة وَمَا هم عَلَيْهِ من الْكفْر رأى أَن الْوَاجِب تَقْدِيم جهادهم على جِهَاد غَيرهم فَسَار إِلَيْهِم فِي جيوش المرابطين والأمير يَوْمئِذٍ على برغواطة هُوَ أَبُو حَفْص عبد الله من ذُرِّيَّة أبي مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار عبد الله بن أبي غفير مُحَمَّد بن معَاذ بن اليسع بن صَالح بن طريف فَكَانَت بَينه وَبَين عبد الله بن ياسين ملاحم عِظَام مَاتَ فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ خلق كثير وَأُصِيب فِيهَا عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ مهْدي المرابطين فَكَانَ فِيهَا شَهَادَته رَحمَه الله
وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لَهُم يَا معشر المرابطين إِنِّي ميت من يومي
(2/18)

هَذَا لَا محَالة وَإِنَّكُمْ فِي بِلَاد عَدوكُمْ فإياكم أَن تجبنوا أَو تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم وَكُونُوا أعوانا على الْحق وإخوانا فِي ذَات الله وَإِيَّاكُم والتحاسد على الرياسة فَإِن الله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء من خلقه ويستخلف فِي أرضه من أَرَادَ من عباده فِي كَلَام غير هَذَا
وَتُوفِّي عبد الله بن ياسين عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ يَوْم الْأَحَد الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بِموضع يعرف بكريفلة وَبني على قَبره مَسْجِد وَهُوَ مَشْهُور بهَا إِلَى الْآن
وَكَانَ عبد الله بن ياسين رَحمَه الله شَدِيد الْوَرع فِي الْمطعم وَالْمشْرَب إِنَّمَا يتعيش من لُحُوم الصَّيْد وَنَحْوهَا لم يَأْكُل شَيْئا من لُحُوم صنهاجة وَلَا من أَلْبَانهَا مُدَّة إِقَامَته فيهم
وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير النِّكَاح يتَزَوَّج فِي كل شهر عددا من النِّسَاء ثمَّ يُطَلِّقهُنَّ وَلَا يسمع بِامْرَأَة جميلَة إِلَّا خطبهَا وَمن حسن سياسته أَنه أَقَامَ فِي صنهاجة السّنة وَالْجَمَاعَة حَتَّى أَنه ألزمهم أَن من فَاتَتْهُ صَلَاة فِي جمَاعَة ضرب عشْرين سَوْطًا وَمن فَاتَتْهُ رَكْعَة مِنْهَا ضرب خَمْسَة أسواط
وَمن كراماته أَن المرابطين خَرجُوا مَعَه فِي بعض غَزَوَاته بِبِلَاد السودَان فنفذ مَا مَعَهم من المَاء حَتَّى أشرفوا على الْهَلَاك فَقَامَ عبد الله فَتَيَمم وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى وَأمن المرابطون على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ من الدُّعَاء قَالَ لَهُم احفروا تَحت مصلاي هَذَا فَحَفَرُوا فصادفوا المَاء على نَحْو شبر من الأَرْض عذبا بادرا فَشَرِبُوا واستقوا وملؤوا أوعيتهم وَمن تقواه وورعه أَنه لم يزل صَائِما من يَوْم دخل بِلَاد صنهاجة إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله
وَاسْتمرّ الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر على رياسته وجددت لَهُ الْبيعَة بعد وَفَاة عبد الله بن ياسين فَكَانَ أول مَا فعله بعد تَجْهِيزه إِيَّاه وَدَفنه أَن زحف إِلَى برغواطة مصمما فِي حربهم متوكلا على الله فِي جهادهم فأثخن فيهم قتلا وسبيا حَتَّى تفَرقُوا فِي المكامن والغياض واستأصل شأفتهم وَأسلم الْبَاقُونَ إسلاما جَدِيدا ومحا أَبُو بكر بن عمر أثر دعوتهم من الْمغرب وَجمع غنائمهم وَقسمهَا بَين المرابطين وَعَاد إِلَى مَدِينَة أغمات
(2/19)

غَزْوَة أبي بكر بن عمر بِلَاد الْمغرب سوى مَا تقدم وفتحه إِيَّاهَا

لما اسْتَقر الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر بأغمات أَقَامَ بهَا إِلَى صفر من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَخرج غازيا بِلَاد الْمغرب فِي أُمَم لَا تحصى من صنهاجة وجزولة والمصامدة فَفتح جبال فازاز وَسَائِر بِلَاد زناتة وَفتح مَدَائِن مكناسة ثمَّ نزل على مَدِينَة لواتة فحاصرها حَتَّى اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ وَقتل بهَا خلقا كثيرا من بني يفرن وخربها فَلم تعمر بعد إِلَى الْآن
وَكَانَ تخريبه إِيَّاهَا فِي آخر يَوْم من ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة أغمات
عود أبي بكر بن عمر إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر اللمتوني قد تزوج زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية وَكَانَت بارعة الْجمال وَالْحسن كَمَا قُلْنَا وَكَانَت مَعَ ذَلِك حازمة لَبِيبَة ذَات عقل رصين ورأي متين وَمَعْرِفَة بإدارة الْأُمُور حَتَّى كَانَ يُقَال لَهَا الساحرة فَأَقَامَ الْأَمِير أَبُو بكر عِنْدهَا بأغمات نَحْو ثَلَاثَة أشهر ثمَّ ورد عَلَيْهِ رَسُول من بِلَاد الْقبْلَة فَأخْبرهُ باختلال أَمر الصَّحرَاء وَوُقُوع الْخلاف بَين أَهلهَا
وَكَانَ الْأَمِير أَبُو بكر رجلا متورعا فَعظم عَلَيْهِ أَن يقتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا وَهُوَ قَادر على كفهم وَلم ير أَنه فِي سَعَة من ذَلِك وَهُوَ متوالي أَمرهم ومسؤول عَنْهُم فعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء ليصلح أمرهَا وَيُقِيم رسم الْجِهَاد بهَا
وَلما عزم على السّفر طلق امْرَأَته زَيْنَب وَقَالَ لَهَا عِنْد فِرَاقه إِيَّاهَا يَا
(2/20)

زَيْنَب إِنِّي ذَاهِب إِلَى الصَّحرَاء وَأَنت امْرَأَة جميلَة بضة لَا طَاقَة لَك على حَرَارَتهَا وَإِنِّي مطلقك فَإِذا انْقَضتْ عدتك فَانْكِحِي ابْن عمي يُوسُف بن تاشفين فَهُوَ خليفتي على بِلَاد الْمغرب فَطلقهَا ثمَّ سَافر عَن أغمات وَجعل طَرِيقه على بِلَاد تادلا حَتَّى أَتَى سجلماسة فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا حَتَّى أصلح أحوالها ثمَّ سَافر إِلَى الصَّحرَاء
وَنقل ابْن خلكان عَن كتاب المعرب عَن سيرة مُلُوك الْمغرب فِي سَبَب رُجُوع الْأَمِير أبي بكر بن عمر إِلَى الصَّحرَاء مَا مِثَاله قَالَ كَانَ أَبُو بكر بن عمر رجلا ساذجا خير الطباع مؤثرا لبلاده على بِلَاد الْمغرب غير ميال إِلَى الرَّفَاهِيَة وَكَانَت وُلَاة الْمغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فَأخذُوا الْبِلَاد من أَيْديهم من بَاب تلمسان إِلَى سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فَلَمَّا حصلت الْبِلَاد لأبي بكر بن عمر سمع أَن عجوزا فِي الصَّحرَاء ذهبت لَهَا نَاقَة فِي غَدَاة فَبَكَتْ وَقَالَت ضيعنا أَبُو بكر بن عمر بِدُخُولِهِ إِلَى بِلَاد الْمغرب فَحَمله ذَلِك على أَن اسْتخْلف على بِلَاد الْمغرب رجلا من أَصْحَابه اسْمه يُوسُف بن تاشفين وَرجع إِلَى بِلَاده الجنوبية اه
وَكَانَ سفر أبي بكر بن عمر إِلَى الصَّحرَاء فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَلما وصل إِلَيْهَا أصلح شَأْنهَا ورتب أحوالها وَجمع جَيْشًا كثيفا وغزا بِهِ بِلَاد السودَان فاستولى مِنْهَا على نَحْو تسعين مرحلة
وَكَانَ يُوسُف بن تاشفين قد استفحل أمره أَيْضا بالمغرب وَاسْتولى على أَكثر بِلَاده فَلَمَّا سمع الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر بِمَا آل إِلَيْهِ أَمر يُوسُف بن تاشفين وَمَا منحه الله من النَّصْر أقبل من الصَّحرَاء ليختبر أَحْوَاله وَيُقَال إِنَّه كَانَ مضمرا لعزله وتولية غَيره فأحس يُوسُف بذلك فَشَاور زَوجته زَيْنَب بنت إِسْحَاق وَكَانَ قد تزَوجهَا بعد أبي بكربن عمر فَقَالَت لَهُ إِن ابْن عمك متورع عَن سفك الدِّمَاء فَإِذا لَقيته فاترك مَا كَانَ يعهده مِنْك من الْأَدَب والتواضع مَعَه وَأظْهر أثر الترفع والاستبداد حَتَّى كَأَنَّك مسَاوٍ لَهُ ثمَّ لاطفه مَعَ ذَلِك بالهدايا من الْأَمْوَال وَالْخلْع وَسَائِر طرف الْمغرب واستكثر من ذَلِك
(2/21)

فَإِنَّهُ بِأَرْض صحراء كل مَا جلب إِلَيْهِ من هُنَا فَهُوَ مستطرف لَدَيْهِ
فَلَمَّا قرب أَبُو بكر بن عمر من أَعمال الْمغرب خرج إِلَيْهِ يُوسُف بن تاشفين فَلَقِيَهُ على بعد وَسلم عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب سَلاما مُخْتَصرا وَلم ينزل لَهُ وَلَا تأدب مَعَه الْأَدَب الْمُعْتَاد فَنظر أَبُو بكر إِلَى كَثْرَة جيوشه فَقَالَ لَهُ يَا يُوسُف مَا تصنع بِهَذِهِ الجيوش قَالَ أستعين بهَا على من خالفني فارتاب أَبُو بكر بِهِ ثمَّ نظر إِلَى ألف بعير قد أَقبلت موقرة فَقَالَ مَا هَذِه الْإِبِل الموقرة قَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي قد جئْتُك بِكُل مَا معي من مَال وأثاث وَطَعَام وإدام لتستعين بِهِ على بِلَاد الصَّحرَاء فازداد أَبُو بكر تعرفا من حَاله وَعلم أَنه لَا يتخلى لَهُ عَن الْأَمر فَقَالَ لَهُ يَا بن عَم انْزِلْ أوصيك فَنزلَا مَعًا وجلسا فَقَالَ أَبُو بكر إِنِّي قد وليتك هَذَا الْأَمر وَإِنِّي مسؤول عَنهُ فَاتق الله تَعَالَى فِي الْمُسلمين وأعتقني وَأعْتق نَفسك من النَّار وَلَا تضيع من أُمُور رعيتك شَيْئا فَإنَّك مسؤول عَنهُ وَالله تَعَالَى يصلحك ويمدك ويوقفك للْعَمَل الصَّالح وَالْعدْل فِي رعيتك وَهُوَ خليفتي عَلَيْك وَعَلَيْهِم ثمَّ ودعه وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء فَأَقَامَ بهَا مواظبا على الْجِهَاد فِي كفار السودَان إِلَى أَن اسْتشْهد من سهم مَسْمُوم أَصَابَهُ فِي شعْبَان سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة بعد أَن استقام لَهُ أَمر الصَّحرَاء كَافَّة إِلَى جبال الذَّهَب من بِلَاد السودَان وَالله غَالب على أمره
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين اللمتوني

لما عزم الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر على السّفر إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء دَعَا ابْن عَمه يُوسُف بن تاشفين بن إِبْرَاهِيم اللمتوني فعقد لَهُ على بِلَاد الْمغرب وفوض إِلَيْهِ أمره وَأمره بِالرُّجُوعِ إِلَى قتال من بِهِ من مغراوة وَبني يفرن وَسَائِر زناتة والبربر وَاتفقَ على تَقْدِيمه أَشْيَاخ المرابطين لما يعلمُونَ من فَضله وَدينه
(2/22)

وشجاعته ونجدته وعدله وورعه وسداد رَأْيه ويمن نقيبته فَعَاد يُوسُف من سجلماسة بِنصْف جَيش المرابطين بعد ارتحال أبي بكر بن عمر بِالنِّصْفِ الآخر وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَلما انْتهى يُوسُف بن تاشفين إِلَى ملوية ميز جيوشه فَوَجَدَهَا أَرْبَعِينَ ألفا من المرابطين فَاخْتَارَ مِنْهُم أَرْبَعَة من القواد وهم سير بن أبي بكر اللمتوني وَمُحَمّد بن تَمِيم الكدالي وَعمر بن سُلَيْمَان المسوفي ومدرك التلكاني وَعقد لكل قَائِد مِنْهُم على خَمْسَة آلَاف من قبيلته وجعلهم مُقَدّمَة بَين يَدَيْهِ لقِتَال من بالمغرب من مغراوة وَبني يفرن وَسَائِر قبائل البربر القائمين بِهِ ثمَّ سَار هُوَ فِي أَثَرهم يتقرى الْمغرب بَلَدا بَلَدا ويتتبع أَهله قَبيلَة قَبيلَة فقوم يقاتلونه ثمَّ يظفر بهم وَقوم يفرون بَين يَدَيْهِ وَقوم يلقون إِلَيْهِ السّلم ويبذلون الطَّاعَة حَتَّى دوخ بِلَاد الْمغرب ثمَّ سَار حَتَّى دخل مَدِينَة أغمات وَلما اسْتَقر بهَا تزوج زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية الَّتِي كَانَت تَحت أبي بكر بن عمر فَكَانَت عنوان سعده والقائمة بِملكه والمدبرة لأَمره والفاتحة عَلَيْهِ بِحسن سياستها لأكْثر بِلَاد الْمغرب وَمن ذَلِك إشارتها عَلَيْهِ فِي أَمر أبي بكر بن عمر وَكَيْفِيَّة ملاقاته حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَهَكَذَا كَانَ أمرهَا فِي كل مَا تحاوله رَحمهَا الله
وَمِمَّا يستطاب من حَدِيثهَا مَا حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي كَامِله وَقد تكلم على يُوسُف بن تاشفين هَذَا فَقَالَ كَانَ حسن السِّيرَة خيرا عادلا يمِيل إِلَى أهل الْعلم وَالدّين يكرمهم ويحكمهم فِي بِلَاده ويصدر عَن رَأْيهمْ وَكَانَ يحب الْعَفو والصفح عَن الذُّنُوب الْعِظَام من ذَلِك أَن ثَلَاثَة نَفرا اجْتَمعُوا فتمنى أحدهم ألف دِينَار يتجر بهَا وَتمنى الآخر عملا يعْمل فِيهِ لأمير الْمُسلمين وَتمنى الآخر زَوجته وَكَانَت من أحسن النِّسَاء وَلها الحكم فِي بِلَاده فَبَلغهُ الْخَبَر فأحضرهم وَأعْطى متمني المَال ألف دِينَار وَاسْتعْمل الآخر وَقَالَ للَّذي تمنى زَوجته يَا جَاهِل مَا حملك على هَذَا الَّذِي لَا
(2/23)

تصل إِلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَى زَوجته فتركته فِي خيمة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أمرت بِأَن يحمل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم طَعَام وَاحِد ثمَّ أحضرته وَقَالَت لَهُ مَا أكلت فِي هَذِه الثَّلَاثَة الْأَيَّام قَالَ طَعَاما وَاحِدًا فَقَالَت لَهُ كل النِّسَاء شَيْء وَاحِد وَأمرت لَهُ بِمَال وَكِسْوَة وسرحته إِلَى حَال سَبيله وَكَانَت وفاتها سنة أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
بِنَاء مَدِينَة مراكش

لما دخلت سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ أَمر يُوسُف بن تاشفين قد استفحل بالمغرب جدا ورسخت قدمه فِي الْملك وَعظم صيته فَسَمت همته إِلَى بِنَاء مَدِينَة يأوي إِلَيْهَا بحشمه وجنده وَتَكون حصنا لَهُ ولأرباب دولته فَاشْترى مَوضِع مَدِينَة مراكش مِمَّن كَانَ يملكهُ من المصامدة وَقَالَ صَاحب المعرب كَانَ ملكا لعجوز مِنْهُم ثمَّ نزل الْموضع الْمَذْكُور بخيام الشّعْر وَبنى مَسْجِدا لصلاته وقصبة صَغِيرَة لاختزان مَاله وسلاحه وَلم يبن على ذَلِك سورا وَقَالَ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة فِي كتاب النبراس إِن مَوضِع مَدِينَة مراكش كَانَ مزرعة لأهل نَفِيس فَاشْتَرَاهُ يُوسُف مِنْهُم بِمَالِه الَّذِي خرج بِهِ من الصَّحرَاء وَفِي كتاب المعرب إِن يُوسُف بن تاشفين اختط مَدِينَة مراكش بِموضع كَانَ يُسمى بذلك الِاسْم وَمَعْنَاهُ بلغَة المصامدة امش مسرعا وَكَانَ ذَلِك الْموضع مكمنا للصوص فَكَانَ المارون فِيهِ يَقُولُونَ لرفقائهم تِلْكَ الْكَلِمَة فَعرف الْموضع بهَا وَضبط هَذِه الْكَلِمَة بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء الْمُشَدّدَة بعْدهَا ألف وَبعد ألف كَاف مَكْسُورَة ثمَّ شين مُعْجمَة وَيُقَال كَانَ فِي موضعهَا قَرْيَة صَغِيرَة فِي غابة من الشّجر وَبهَا قوم من البربر فاختطها يُوسُف وَبنى بهَا الْقُصُور والمساكن الأنيقة وَهِي فِي مرج فسيح وحولها جبال على فراسخ
(2/24)

مِنْهَا وبالقرب مِنْهَا جبل لَا يزَال عَلَيْهِ الثَّلج وَهُوَ الَّذِي يعدل مزاجها وحرها
وَقَالَ ابْن خلدون اتخذ يُوسُف بن تاشفين مَدِينَة مراكش لنزوله ونزول عسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المقيمة بمواطنهم مِنْهَا فِي جبل درن إِذْ لم يكن فِي قبائل الْمغرب أَشد مِنْهُم قُوَّة وَلَا أَكثر جمعا وَفِي القرطاس لما شرع يُوسُف بن تاشفين فِي بِنَاء مَسْجِد مراكش كَانَ يحتزم وَيعْمل فِي الطين وَالْبناء بِيَدِهِ مَعَ الْخدمَة تواضعا مِنْهُ لله تَعَالَى قَالَ وَالَّذِي بناه يُوسُف من ذَلِك هُوَ الْموضع الْمَعْرُوف الْآن بسور الْحجر من مَدِينَة مراكش جوفا من جَامع الكتبيين مِنْهَا وَيعرف الْيَوْم بالسجينة وَلم يكن بالموضع مَاء فحفر النَّاس آبارا فَظهر لَهُم المَاء على قرب فاستوطنوها وَبَنُو بهَا قَالُوا وَلم تزل مَدِينَة مراكش لَا سور لَهَا إِلَى أَن توفّي يُوسُف بن تاشفين رَحمَه الله وَولي بعده ابْنه عَليّ بن يُوسُف وَمضى مُعظم دولته فأدار عَلَيْهَا السُّور سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة يُقَال كَانَ ذَلِك بِإِشَارَة القَاضِي أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن رشد الْفَقِيه الْمَشْهُور فَإِنَّهُ كَانَ قد قدم على السُّلْطَان بمراكش فَأَشَارَ عَلَيْهِ بذلك عِنْدَمَا نبغ مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين بجبال المصامدة
وَكَانَت مُدَّة الْبناء ثَمَانِيَة أشهر وَكَانَ الْإِنْفَاق على السُّور سبعين ألف دِينَار وَبنى عَليّ بن يُوسُف أَيْضا الْجَامِع الْأَعْظَم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْيَوْم والمنار الَّذِي عَلَيْهِ وَأنْفق عَلَيْهِ سِتِّينَ ألف دِينَار أُخْرَى
وَرَأَيْت فِي كتاب ابْن عبد الْعَظِيم الأزموري الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب بني أمغار رَضِي الله عَنْهُم أَن أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف اللمتوني لما عزم على إدارة السُّور على مراكش شاور الْفُقَهَاء وَأهل الْخَيْر فِي ذَلِك فَمنهمْ من ثبطه وَمِنْهُم من نَدبه إِلَيْهِ وَكَانَ من جملَة من نَدبه القَاضِي أَبُو الْوَلِيد بن رشد ثمَّ شاور أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَعْرُوف بأمغار صَاحب عين
(2/25)

الْفطر فَأَشَارَ ببنائه وَبعث لَهُ من مَاله الْحَلَال وَأمره أَن يَجعله فِي صندوق صائر الْبناء ويتولى الْإِنْفَاق فِي ذَلِك رجل فَاضل فَقبل السُّلْطَان إِشَارَته وَعمل بِرَأْيهِ فسهل الله أَمر الْبناء
ثمَّ لما جَاءَت دولة الْمُوَحِّدين وَكَانَ مِنْهُم يَعْقُوب الْمَنْصُور الشهير الذّكر اعتنى بِمَدِينَة مراكش واحتفل فِي تشييدها وَبَالغ فِي تنميق مساجدها وتنجيد مصانعها ومعاهدها على مَا نذْكر الْبَعْض مِنْهُ فِي مَحَله إِن شَاءَ الله
وَلم تزل مراكش دَار مملكة المرابطين ثمَّ الْمُوَحِّدين من بعدهمْ سَائِر أيامهم
ثمَّ لما جَاءَت دولة بني مرين من بعدهمْ اتَّخذُوا كرْسِي مملكتهم بِمَدِينَة فاس وبنوا بهَا الْمَدِينَة الْبَيْضَاء
ثمَّ جَاءَت الدولة السعدية من بعدهمْ فنقلوا الْكُرْسِيّ إِلَى مراكش وَبَنُو بهَا قصر البديع الْمَشْهُور
ثمَّ جَاءَت الدولة الشَّرِيفَة العلوية فَاتخذ الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف كرْسِي ملكه بمكناسة الزَّيْتُون واحتفل فِي بنائها احتفالا عَظِيما على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
ثمَّ لما كَانَت دولة الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله رد كرْسِي الْملك إِلَى مراكش وَبنى بهَا قصوره ومصانعه واستمرت كرسيا لمملكتهم إِلَى الْآن
وَفضل مراكش أشهر من أَن يذكر لَا سِيمَا مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من مزارات الْأَوْلِيَاء ومدافن الصلحاء الْكِبَار وَالْأَئِمَّة الأخيار حَتَّى قَالَ الْوَزير ابْن الْخَطِيب فِي مقامات الْبلدَانِ عِنْد ذكره مَدِينَة مراكش هِيَ تربة الْوَلِيّ وحضرة الْملك الأولى وَعبر عَنْهَا أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفخ الطّيب بِبَغْدَاد الْمغرب حرسها الله وصانها من ريب الزَّمَان وطوارق الْحدثَان
(2/26)

فتح مَدِينَة فاس وَغَيرهَا من سَائِر بِلَاد الْمغرب

وَفِي سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة الْمَذْكُورَة جند يُوسُف بن تاشفين الأجناد واستكثر القواد وَفتح كثيرا من الْبِلَاد وَاتخذ الطبول والبنود ورتب الْعمَّال وَكتب العهود وَجعل فِي جَيْشه الأغزاز وَالرُّمَاة كل ذَلِك إرهابا لقبائل الْمغرب فكمل لَهُ من الْجَيْش فِي تِلْكَ السّنة أَكثر من مائَة ألف فَارس من قبائل صنهاجة وجزولة والمصامدة وزناتة والأغزاز وَالرُّمَاة فَخرج بهم من حَضْرَة مراكش قَاصِدا مَدِينَة فاس فَتَلَقَّتْهُ قبائلها من زواغة ولماية ولواتة وصدينه وسدراته ومغيلة وبهلوله ومديونة وَغَيرهم فِي خلق عَظِيم فقاتلوه فَكَانَت بَينه وَبينهمْ ملاحم عِظَام انْهَزمُوا فِيهَا من بَين يَدَيْهِ وانحصروا بِمَدِينَة صدينة فَدَخلَهَا عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ عنْوَة فهدم أسوارها وَقتل بهَا مَا يزِيد على أَرْبَعَة آلَاف
ثمَّ رَحل إِلَى فاس فنازلها بعد أَن فتح جَمِيع أحوازها وَذَلِكَ فِي آخر سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ ابْن خلدون إِن يُوسُف بن تاشفين نَازل أَولا قلعة فازاز وَبهَا مهْدي بن تولي اليحفشي وَبَنُو يحفش بطن من زناتة وَكَانَ أَبوهُ تولي صَاحب تِلْكَ القلعة ووليها هُوَ من بعده فنازله يُوسُف بن تاشفين ثمَّ استجاش بِهِ على فاس مهْدي بن يُوسُف الكزنائي صَاحب مكناسة لِأَنَّهُ كَانَ عَدو المعنصر المغراوي صَاحب فاس فزحف فِي عَسَاكِر المرابطين إِلَى فاس وَجمع إِلَيْهِ معنصر ففض جموعه اه وَالله أعلم
ثمَّ أَقَامَ يُوسُف على فاس أَيَّامًا فظفر بعاملها بكار بن إِبْرَاهِيم فَقتله وارتحل عَنْهَا إِلَى مَدِينَة صفرو فَدَخلَهَا من يَوْمه عنْوَة وَقتل مُلُوكهَا أَوْلَاد
(2/27)

مَسْعُود بن وانودين المغراوي صَاحب سجلماسة وَكَانُوا قد استولوا عَلَيْهَا
ثمَّ رَجَعَ يُوسُف إِلَى فاس فحاصرها حَتَّى فتحهَا وَهُوَ الْفَتْح الأول وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا وَاسْتعْمل عَلَيْهَا عَاملا من لمتونة وَخرج إِلَى بِلَاد غمارة فَفتح الْكثير مِنْهَا حَتَّى أشرف على طنجة وَبهَا يَوْمئِذٍ الْحَاجِب سكُوت البرغواطي من موَالِي بني حمود
ثمَّ رَجَعَ إِلَى منازلة قلعة فازاز فخالفه بَنو معنصر بن حَمَّاد المغراوي إِلَى فاس فَدَخَلُوهَا وَقتلُوا عَامل يُوسُف الَّذِي كَانَ بهَا
وَكَانَ مهْدي بن يُوسُف الكزنائي صَاحب بِلَاد مكناسة قد بَايع يُوسُف بن تاشفين وَدخل فِي طَاعَة المرابطين فأقره يُوسُف على عمله وَأمره أَن يخرج بَين يَدَيْهِ بجيشه لفتح بِلَاد الْمغرب فَجمع مهْدي بن يُوسُف جَيْشه وَخرج من مَدِينَة عَوْسَجَة يُرِيد الِاجْتِمَاع بِيُوسُف بن تاشفين وَهُوَ محاصر لقلعة فازاز فَسمع بذلك تَمِيم بن معنصر المغراوي صَاحب فاس فعاجله فِي أنجاد مغراوة وقبائل زناتة وأدركه بِبَعْض الطَّرِيق وناجزه الْحَرْب ففض جموعه وَقَتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَاجِب سكُوت صَاحب سبتة وطنجة
وَلما قتل مهْدي بن يُوسُف بعث أهل مَدَائِن مكناسة إِلَى ابْن تاشفين بِالْخَيرِ وبذلوا لَهُ الطَّاعَة فَملك بِلَادهمْ
ثمَّ توالت عَسَاكِر المرابطين على تَمِيم بن معنصر بالغارات والنهب وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار وعدمت الأقوات بفاس فَلَمَّا رأى مَا نزل بِهِ من المرابطين جمع مغراوة وَبنى يفرن وَخرج إِلَيْهِم لإحدى الراحتين فَكَانَت عَلَيْهِ الْهَزِيمَة فَقتل تَمِيم وَجَمَاعَة من عشيرته وَتقدم مَكَانَهُ بفاس الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة المكناسي فَجمع قبائل زناتة وَخرج بهم إِلَى المرابطين فَالتقى مَعَهم على وَادي صيفير فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة انهزم فِيهَا المرابطون وَقتل جمَاعَة من فرسانهم
واتصل الْخَبَر بِيُوسُف بن تاشفين وَهُوَ على قلعة فازاز فارتحل عَنْهَا
(2/28)

وَخلف جَيْشًا من المرابطين لحصارها فأقاموا عَلَيْهَا تسع سِنِين ثمَّ دخلوها صلحا سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَلما رَحل يُوسُف عَن قلعة فازاز وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين سَار إِلَى بني مراسن وأميرهم يَوْمئِذٍ يعلى بن يُوسُف فعزاهم وَقتل مِنْهُم خلق وَفتح بِلَادهمْ ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد فندلاوة فَغَزَاهَا وَفتح جَمِيع تِلْكَ الْجِهَات ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى بِلَاد ورغة فَفَتحهَا وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَفِي سنة سِتِّينَ فتح جَمِيع بِلَاد غمارة وجبالها من الرِّيف إِلَى طنجة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ أقبل إِلَى فاس فَنزل عَلَيْهَا بِجَمِيعِ جيوشه بعد أَن فرغ من جَمِيع بِلَاد الْمغرب سوى سبتة وشدد الْحصار على فاس حَتَّى دَخلهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ فَقتل بهَا من مغراوة وَبني يفرن ومكناسة وَغَيرهم خلقا كثيرا حَتَّى امْتَلَأت أسواق الْمَدِينَة وشوارعها بالقتلى وَقتل مِنْهُم بِجَامِع الْقرَوِيين وجامع الأندلس مَا يزِيد على ثَلَاثَة آلَاف وفر من بَقِي مِنْهُم إِلَى أحواز تلمسان وَهَذَا هُوَ الْفَتْح الثَّانِي لمدينة فاس وَكَانَ يَوْم الْخَمِيس ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَفِي هَذَا الْخَبَر بعض مُخَالفَة لما قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار مغراوة وَذَلِكَ نَقَلْنَاهُ عَن ابْن خلدون وَهَذَا عَن ابْن أبي زرع {فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا}
فَلَمَّا دخل يُوسُف بن تاشفين مَدِينَة فاس أَمر بهدم الأسوار الَّتِي كَانَت فاصلة بَين المدينتين عدوة الْقرَوِيين وعدوة الأندلس وصيرهما مصرا وَاحِدًا وحصنهما وَأمر ببنيان الْمَسَاجِد فِي شوارعها وأزقتها وَأي زقاق لم يجد فِيهِ مَسْجِدا عاقب أَهله وَأمر بِبِنَاء الحمامات والفنادق والأرحاء وَأصْلح بناءها ورتب أسواقها وَأقَام بهَا إِلَى صفر من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ خرج إِلَى بِلَاد ملوية فَفتح حصون وطاط
وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ بعْدهَا استدعى يُوسُف أُمَرَاء الْمغرب وأشياخ الْقَبَائِل من زناتة وغمارة والمصامدة وَسَائِر قبائل البربر فقدموا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ
(2/29)

وكساهم ووصلهم بالأموال ثمَّ خرج للطَّواف على أَعمال الْمغرب وتفقد أَحْوَال الرّعية وَالنَّظَر فِي سيرة ولاته وعماله فِيهَا وهم فِي صحبته فصلح على يَده الْكثير من أُمُور النَّاس
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ بعْدهَا غزا يُوسُف مَدِينَة الدمنة من بِلَاد طنجة فَدَخلَهَا عنْوَة وَفتح جبل علودان
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فتح يُوسُف جبال غياثة وَبني مكود وَبني رهينة وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وفيهَا فرق عماله على بِلَاد الْمغرب فولى سير بن أبي بكر على مَدَائِن مكناسة وبلاد مكلاثة وفازاز وَولى عمر بن سُلَيْمَان على فاس وأحوازها وَدَاوُد بن عَائِشَة على سجلماسة ودرعة وَولى ابْنه تَمِيم بن يُوسُف على مَدِينَة مراكش واغمات وبلاد السوس والمصامدة وتادلا وتامسنا وَصفا ملك الْمغرب ليوسف بن تاشفين سوى سبتة وطنجة وَكَانَ من خبرهما مَا نذكرهُ
فتح سبتة وطنجة وَمَا ترَتّب عَلَيْهِ من جِهَاد بالأندلس

كَانَت سبتة وطنجة لبني حمود الإدريسيين من لدن دولة الأمويين وَلما انقرضت دولتهم وخلفهم بَنو حمود المذكورون بهَا استنابوا على سبتة وطنجة من وثقوا بِهِ من مواليهم الصقالبة وَلم يزل أَمر المدينتين إِلَى نظر هَؤُلَاءِ النواب وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن اسْتَقل بهما الْحَاجِب سكُوت البرغواطي
وَكَانَ عبدا لشيخ حداد من موَالِي الحموديين اشْتَرَاهُ من سبي برغواطة فِي بعض أَيَّام جهادهم ثمَّ صَار إِلَى عَليّ بن حمود فَأخذت النجابة بضبعيه إِلَى أَن اسْتَقل بِالْأَمر واقتعد كرْسِي عَمَلهم بطنجة وسبتة وأطاعته قبائل غمارة واتصلت أَيَّام ولَايَته إِلَى أَن كَانَت دولة المرابطين وتغلب يُوسُف بن
(2/30)

تاشفين على بِلَاد الْمغرب ونازل بِلَاد غمارة فَدَعَا الْحَاجِب سكُوت إِلَى مظاهرته عَلَيْهِم فهم بألأجلاب مَعَه ومظاهرته على عدوه ثمَّ ثناه عَن ذَلِك ابْنه الفائل الرَّأْي
فَلَمَّا فرغ يُوسُف بن تاشفين من أهل الدمنة وانقاد الْمغرب لطاعته صرف عزمه إِلَى الْحَاجِب سكُوت
وَكَانَ الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية قد كتب إِلَى يُوسُف بن تاشفين يستدعيه للحوز برسم الْجِهَاد وَنصر الْبِلَاد فَأَجَابَهُ يُوسُف بقوله لَا يمكنني ذَلِك إِلَّا إِذا ملكت طنجة وسبتة فَرَاجعه ابْن عباد يُشِير عَلَيْهِ بِأَن يسير هُوَ إِلَيْهَا بعساكره فِي الْبر فينازلها وَيبْعَث ابْن عباد قطائعه فِي الْبَحْر فينازلوها أَيْضا حَتَّى يتملكها فَأخذ يُوسُف فِي محاولة ذَلِك وَصرف عزمه إِلَيْهِ ثمَّ دخلت سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة فَجهز إِلَيْهَا قائده صَالح بن عمرَان فِي اثْنَي عشر ألف فَارس من المرابطين وَعشْرين ألفا من سَائِر قبائل الْمغرب فَلَمَّا قربوا من طنجة برز إِلَيْهِم الْحَاجِب سكُوت بجموعه وَهُوَ شيخ كَبِير قد ناهز التسعين سنة وَقَالَ وَالله لَا يسمع أهل سبتة طبول اللمتوني وَأَنا حَيّ أبدا فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي منى من أحواز طنجة والتحم الْقِتَال فَقتل سكُوت وفضت جموعه وَسَار المرابطون إِلَى طنجة فَدَخَلُوهَا واستولوا عَلَيْهَا
وَلحق ضِيَاء الدولة يحيى بن سكُوت بسبتة فاعتصم بهَا وَكتب الْقَائِد صَالح بن عمرَان بِالْفَتْح إِلَى يُوسُف
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة بعث يُوسُف بن تاشفين قائده مزدلي بن تيلكان اللمتوني لغزو تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط فَسَار إِلَيْهَا فِي عشْرين ألفا من المرابطين وَكَانَ بتلمسان يَوْمئِذٍ الْعَبَّاس بن بخْتِي من ولد
(2/31)

يعلى بن مُحَمَّد بن الْخَيْر بن مُحَمَّد بن خزر المغراوي فَدَخَلُوا الْمغرب الْأَوْسَط وتقروا بِلَاد زناتة وظفروا بيعلى ابْن الْأَمِير الْعَبَّاس بن بختى فَقَتَلُوهُ وانكفؤوا رَاجِعين إِلَى يُوسُف بن تاشفين فألفوه بمراكش ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين فِيهَا غير يُوسُف بن تاشفين السِّكَّة فِي جَمِيع عمله وَكتب عَلَيْهَا اسْمه
وفيهَا فتح مَدِينَة آكرسيف ومدينة مليلية وَجَمِيع بِلَاد الرِّيف وَفتح مَدِينَة نكور وخربها فَلم تعمر بعد
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا زحف يُوسُف بن تاشفين إِلَى مَدِينَة وَجدّة فَفَتحهَا وَفتح بِلَاد بني يزناسن وَمَا والاها ثمَّ سَار إِلَى تلمسان فَفَتحهَا واستلحم من كَانَ بهَا من مغراوة وَقتل أميرها الْعَبَّاس بن بخْتِي المغراوي وَأنزل بهَا عَامله مُحَمَّد بن تينغمر المسوفي فِي عَسَاكِر المرابطين فَصَارَت ثغرا لمملكته واختط بهَا مَدِينَة تاكرارت بمَكَان محلته وَهُوَ اسْم الْمحلة بِلِسَان البربر ثمَّ افْتتح مَدِينَة تنس ووهران وجبل وانشريس وَجَمِيع أَعمال شلف إِلَى الجزائر وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب فَدخل مراكش فِي ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
ثمَّ ورد عَلَيْهِ بهَا كتاب الْمُعْتَمد بن عباد يُعلمهُ بِحَال بِلَاد الأندلس وَمَا آل إِلَيْهِ أمرهَا من تغلب الْعَدو على أَكثر ثغورها ويسأله النَّصْر والإعانة فَأَجَابَهُ يُوسُف بقوله إِذا فتح الله على سبتة اتَّصَلت بكم وبذلت جهدي فِي جِهَاد الْعَدو وَكَانَ الفنش قد تحرّك فِي هَذِه السّنة فِي جيوش لَا تحصى من الإفرنج والبشكنس والجلالقة وَغَيرهم فشق بِلَاد الأندلس شقا يقف على كل مَدِينَة مِنْهَا فَيفْسد وَيخرب وَيقتل وَيَسْبِي ثمَّ يرتحل إِلَى غَيرهَا وَنزل على إشبيلية فَأَقَامَ عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام فأفسد وَخرب وَكَذَلِكَ فعل فِي شدونة وأحوازها وَخرب بشرق الأندلس قرى كَثِيرَة ثمَّ صَار حَتَّى وصل جَزِيرَة طريف فَأدْخل قَوَائِم فرسه فِي الْبَحْر وَقَالَ هَذَا آخر بِلَاد الأندلس قد وطئته ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة سرقسطة فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها وَحلف أَن لَا
(2/32)

يرتحل عَنْهَا حَتَّى يدخلهَا أَو يحول الْمَوْت دونهَا وَأَرَادَ أَن يقدمهَا بِالْفَتْح على غَيرهَا فبذل إِلَيْهِ أميرها المستعين بن هود مَالا عَظِيما فَلم يقبله مِنْهُ وَقَالَ المَال والبلاد لي وَبعث إِلَى كل قَاعِدَة من قَوَاعِد الأندلس جَيْشًا لحصارها والتضييق عَلَيْهَا ثمَّ ملك مَدِينَة طليطلة من يَد صَاحبهَا الْقَادِر بن ذِي النُّون سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ ذَلِك من أقوى الْأَسْبَاب المحركة لعزائم الْمُسلمين بالأندلس وَالْمغْرب على الْجِهَاد
الْخَبَر عَن الْغَزْوَة الْكُبْرَى بالزلاقة من أَرض الأندلس

لما انقرضت دولة بني أُميَّة بالأندلس صدر الْمِائَة الْخَامِسَة بعد نزاع بَين أعياصها شَدِيد وقتال مِنْهُم عريض مديد وخلفتها الدولة الحمودية فَلم يطلّ أمدها حَتَّى اقتسمت رُؤَسَاء الأندلس مملكتها وتوزعوا أَعمالهَا وَصَارَت الْحَال إِلَى مَا قَالَ ابْن الْخَطِيب
(حَتَّى إِذا سلك الْخلَافَة انْتَشَر ... وَذهب الْعين جَمِيعًا والأثر)
(قَامَ بِكُل بقْعَة مليك ... وَصَاح فَوق كل غُصْن ديك)
فَوجدَ الْعَدو السَّبِيل إِلَى الِاسْتِيلَاء على ثغور الْمُسلمين وانتهاز الفرصة فِيهَا بالتضريب بَين مُلُوكهَا وإغراء بَعضهم بعض وَكَانَ مِنْهُم ابْن عباد بإشبيلية وَابْن الْأَفْطَس ببطليوس وَابْن ذِي النُّون بطليطلة وَابْن هود بسرقسطة وَمُجاهد العامري بدانية وَغير هَؤُلَاءِ وَكلهمْ يُدَارِي الطاغية ويتقيه بالجزية إِلَى أَن كَانَ من أَمر الأذفونش مَا كَانَ من تخريب بِلَاد الْمُسلمين واستيلائه على طليطلة بعد حصاره إِيَّاهَا سبع سِنِين ثمَّ حصاره سرقسطة
فَلَمَّا رأى رُؤَسَاء الأندلس مَا نزل بهم من مضايقة عَدو الدّين واستطالته على ثغور الْمُسلمين أجمع رَأْيهمْ على إجَازَة يُوسُف بن تاشفين فكاتبه أهل الأندلس كَافَّة من الْخَاصَّة وَالْعُلَمَاء يستصرخونه فِي تَنْفِيس الْعَدو عَن مخنقهم ويكونوا مَعَه يدا وَاحِدَة عَلَيْهِ
(2/33)

فَلَمَّا تَوَاتَرَتْ رسلهم وكتبهم عَلَيْهِ بعث ابْنه الْمعز بن يُوسُف فِي عَسَاكِر المرابطين إِلَى سبتة فَرْضه الْمجَاز فنازلها برا وأحاطت بهَا أساطيل ابْن عباد بحرا فاقتحموها عنْوَة فِي ربيع الآخر سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَقبض على صَاحبهَا ضِيَاء الدولة يحيى بن سكُوت البرغواطي وَجِيء بِهِ إِلَى الْمعز أَسِيرًا فَقتله صبرا وَبعث بِكِتَاب الْفَتْح إِلَى أَبِيه وَهُوَ بفاس ينظر فِي أَمر الْجِهَاد ويستعد لَهُ ففرح يُوسُف بِفَتْح سبتة وَخرج من حِينه قَاصِدا نَحْوهَا ليعبر مِنْهَا إِلَى الأندلس
وَلما سمع الْمُعْتَمد ابْن عباد بِفَتْح سبتة ركب الْبَحْر إِلَى الْمغرب لاستنفار يُوسُف إِلَى الْجِهَاد فَلَقِيَهُ مُقبلا بِبِلَاد طنجة بِموضع يعرف ببليطة على ثَلَاث مراحل من سبتة وَقَالَ ابْن خلدون لقِيه بفاس فَأخْبرهُ بِحَال الأندلس وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الضعْف وَشدَّة الْخَوْف وَالِاضْطِرَاب وَمَا يلقاه الْمُسلمُونَ من عدوهم من الْقَتْل والأسر والحصار كل يَوْم فَقَالَ لَهُ يُوسُف ارْجع إِلَى بلادك وَخذ فِي أَمرك فَإِنِّي على أثرك فَرجع ابْن عباد إِلَى الأندلس وَنزل ليوسف عَن الجزيرة الخضراء لتَكون رِبَاطًا لجهاده وَدخل يُوسُف سبتة فَنظر فِي أمرهَا وَأصْلح سفنها وقدمت عَلَيْهِ بهَا جنود الله من الْمغرب والصحراء والقبلة والزاب فشرع فِي إجازتها إِلَى الأندلس
وَلما تكاملت بساحل الخضراء عبر هُوَ فِي أَثَرهَا فِي موكب عَظِيم من قواد المرابطين وأنجادهم وصلحائهم فَلَمَّا اسْتَوَى على ظهر السَّفِينَة رفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن فِي جوازنا هَذَا صلاحا للْمُسلمين فسهل علينا هَذَا الْبَحْر حَتَّى نعبره وَإِن كَانَ غير ذَلِك فصعبه حَتَّى لَا نعبره فسهل الله عَلَيْهِم العبور فِي أسْرع وَقت وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس عِنْد الزَّوَال منتصف ربيع الأول سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَنزل بالخضراء فصلى بهَا الظّهْر من يَوْمه ذَلِك ولقيه الْمُعْتَمد ابْن عباد صَاحب إشبيلية وَابْن الْأَفْطَس صَاحب بطليوس وَغَيرهمَا من مُلُوك الأندلس
(2/34)

واتصل الْخَبَر بالأذفونش وَهُوَ محاصر لسرقسطة فارتحل عَنْهَا وَقصد نَحْو أَمِير الْمُسلمين وَبعث إِلَى ابْن ردمير والبرهانس وَغَيرهمَا من كبار النَّصْرَانِيَّة واستنفر أهل قشتالة وجليقية وَسَائِر المجاورين لَهُ من أُمَم النَّصْرَانِيَّة فَاجْتمع لَهُ مِنْهُم مَا يفوت الْحصْر وصمد إِلَى ابْن تاشفين وَالْمُسْلِمين هَكَذَا وَقع مساق هَذِه الْغَزْوَة عِنْد ابْن خلدون وَابْن أبي زرع وَغَيرهمَا
وساقها ابْن الْأَثِير وَابْن خلكان وَابْن عبد الْمُنعم الْحِمْيَرِي مساقا غير هَذَا ولنذكر بعض مَا نقلوه من ذَلِك فَنَقُول لما ملك يُوسُف بن تاشفين الْمغرب وَبنى مراكش وتلمسان الجديدة وأطاعته البربر مَعَ شكيمتها الشَّدِيدَة وتمهدت لَهُ الأقطار العريضة المديدة تاقت نَفسه إِلَى العبور لجزيرة الأندلس فهم بذلك وَأخذ فِي إنْشَاء السفن والمراكب ليعبر فِيهَا فَلَمَّا علم بذلك مُلُوك الأندلس كَرهُوا إلمامه بجزيرتهم وَأَعدُّوا لَهُ الْعدة وَالْعدَد إِلَّا أَنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أَن يصبحوا بَين عدوين الفرنج عَن شمالهم والملثمين عَن جنُوبهم وَكَانَت الفرنج قد اشتدت وطأتها عَلَيْهِم فَتغير وتنهب وَرُبمَا يَقع بَينهم صلح على شَيْء مَعْلُوم كل سنة يأخذونه من الْمُسلمين والفرنج مَعَ ذَلِك ترهب جَانب ملك الْمغرب يُوسُف بن تاشفين إِذْ كَانَ لَهُ اسْم كَبِير وصيت عَظِيم لنفاذ أمره وَنَقله دولة زناتة وَملك الْمغرب إِلَيْهِ فِي أسْرع وَقت مَعَ مَا ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة فِي المعارك من ضربات السيوف الَّتِي تقد الْفَارِس والطعنات الَّتِي تنظم الكلى فَكَانَ لَهُم بذلك ناموس ورعب فِي قُلُوب المنتدبين لقتالهم
وَكَانَ مُلُوك الأندلس يفيئون إِلَى ظلم يُوسُف ويحذرونه خوفًا على ملكهم مهما عبر إِلَيْهِم وعاين بِلَادهمْ فَلَمَّا رَأَوْا عزيمته متوفرة على العبور راسل بَعضهم بَعْضًا يستنجدون آراءهم فِي أمره وَكَانَ فزعهم فِي ذَلِك إِلَى الْمُعْتَمد ابْن عباد لِأَنَّهُ أَشْجَع الْقَوْم وأكبرهم مملكة فَوَقع اتِّفَاقهم على مُكَاتبَته وَقد تحققوا أَنه يقصدهم يسألونه الْإِعْرَاض عَنْهُم وَأَنَّهُمْ تَحت
(2/35)

طَاعَته فَكتب عَنْهُم كَاتب من أهل الأندلس يَقُول
أما بعد فَإنَّك إِن أَعرَضت عَنَّا نسبت إِلَى كرم وَلم تنْسب إِلَى عجز وَإِن أجبنا داعيك نسبنا إِلَى عقل وَلم تنْسب إِلَى وَهن وَقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنَفسك أكْرم نسبتيك فَإنَّك بِالْمحل الَّذِي لَا يجوز أَن نسبق فِيهِ إِلَى مكرمَة وَإِن فِي أستبقائك ذَوي الْبيُوت مَا شِئْت من دوَام لأمرك وَثُبُوت وَالسَّلَام فوصله الْكتاب مَعَ تحف وهدايا وَكَانَ يُوسُف لَا يعرف اللِّسَان الْعَرَبِيّ لكنه كَانَ ذكي الطَّبْع يجيد فهم الْمَقَاصِد وَكَانَ لَهُ كَاتب يعرف اللغتين الْعَرَبيَّة والمرابطية فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك هَذَا الْكتاب من مُلُوك الأندلس يعظمونك فِيهِ ويعرفونك أَنهم أهل دعوتك وَتَحْت طَاعَتك ويلتمسون مِنْك أَن لَا تجعلهم فِي منزلَة الأعادي فَإِنَّهُم مُسلمُونَ وهم من ذَوي البيوتات فَلَا تغير بهم وكف بهم من ورائهم من الْأَعْدَاء الْكفَّار وبلدهم ضيق لَا يحْتَمل العساكر فَأَعْرض عَنْهُم إعراضك عَمَّن أطاعك من أهل الْمغرب فَقَالَ يُوسُف بن تاشفين لكَاتبه فَمَا ترى أَنْت فَقَالَ أَيهَا الْملك أعلم أَن تَاج الْملك وبهجته وَشَاهده الَّذِي لَا يرد بِأَنَّهُ خليق بِمَا حصل فِي يَده من الْملك أَن يعْفُو إِذا استعفى وَأَن يهب إِذا استوهب وَكلما وهب جزيلا كَانَ أعظم لقدره فَإِذا عظم قدره تأصل ملكه وَإِذا تأصل ملكة تشرف النَّاس بِطَاعَتِهِ وَإِذا كَانَت طَاعَته شرفا جَاءَهُ النَّاس وَلم يتجشم الْمَشَقَّة إِلَيْهِم وَكَانَ وَارِث الْملك من غير إهلاك لآخرته وَاعْلَم أَن بعض الْمُلُوك الأكابر والحكماء البصراء بطرِيق تَحْصِيل الْملك قَالَ من جاد سَاد وَمن سَاد قاد وَمن قاد ملك الْبِلَاد فَلَمَّا ألْقى الْكَاتِب هَذَا الْكَلَام على السُّلْطَان يُوسُف فهمه وَعلم صِحَّته فَقَالَ لِلْكَاتِبِ أجب الْقَوْم واكتب بِمَا يجب فِي ذَلِك واقرأ عَليّ كتابك فَكتب الْكَاتِب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يُوسُف بن تاشفين سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته تَحِيَّة من سالمكم وَسلم إِلَيْكُم وَحكمه التأييد والنصر فِيمَن حكم عَلَيْكُم وَإِنَّكُمْ مِمَّا بِأَيْدِيكُمْ من الْملك فِي أوسع إِبَاحَة مخصوصون منا بأكرم إِيثَار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا آخاءنا بإصلاح آخائكم وَالله ولي التَّوْفِيق لنا لكم
(2/36)

وَالسَّلَام فَلَمَّا فرغ من كِتَابه قَرَأَ على يُوسُف بن تاشفين بِلِسَانِهِ فَاسْتَحْسَنَهُ وَقرن بِهِ مَا يصلح لَهُم من التحف ودرق اللمط مِمَّا لَا يكون إِلَّا فِي بِلَاده وأنفذ ذَلِك إِلَيْهِم فَلَمَّا وصلهم ذَلِك وقرؤوا كِتَابه فرحوا بِهِ وعظموه واعتزوا بولايته وتقوت نُفُوسهم على دفع الفرنج وأزمعوا إِن رَأَوْا من الفرنج مَا يريبهم أَن يجيزوا إِلَيْهِ يُوسُف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه عَلَيْهِ فتأتى ليوسف بن تاشفين بِرَأْي وزيره مَا أَرَادَ من محبَّة أهل الأندلس لَهُ وَكَفاهُ حربهم
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل كَانَ الْمُعْتَمد ابْن عباد أعظم مُلُوك الأندلس وممتلكا لأكبر بلادها مثل قرطبة وإشبيلية وَكَانَ مَعَ ذَلِك يُؤَدِّي الضريبة إِلَى الأذفونش كل سنة فَلَمَّا تملك الأذفونش طليطلة أرسل إِلَيْهِ الْمُعْتَمد الضريبة على عَادَته فَردهَا عَلَيْهِ وَلم يقبلهَا مِنْهُ ثمَّ أرسل إِلَيْهِ يتهدده ويتوعده بِالْمَسِيرِ إِلَى قرطبة وتملكها من يَده إِلَّا أَن يسلم إِلَيْهِ جَمِيع الْحُصُون الَّتِي فِي الْجَبَل ويبقي السهل للْمُسلمين وَكَانَ الرَّسُول فِي جمع كثير نَحْو خَمْسمِائَة فَارس فأنزله الْمُعْتَمد وَفرق أَصْحَابه على قواد عسكره ثمَّ أَمر القواد أَن يقتل كل مِنْهُم من عِنْده وأحضر الرَّسُول فصفعه حَتَّى برزت عَيناهُ وَسلم من الْجَمَاعَة ثَلَاثَة نفر فعادوا إِلَى الأذفونش وَأَخْبرُوهُ الْخَبَر وَكَانَ مُتَوَجها إِلَى قرطبة ليحاصرها فَلَمَّا بلغه هَذَا الْخَبَر رَجَعَ إِلَى طليطلة ليجمع آلَات الْحصار ويستعد اسْتِعْدَادًا غير الَّذِي سبق وَعَاد الْمُعْتَمد إِلَى إشبيلية وَأقَام بهَا وَترك قرطبة بِدُونِ مدافع يدافع عَنْهَا
وَقَالَ ابْن عبد الْمُنعم الْحِمْيَرِي فِي كِتَابه الرَّوْض المعطار مَا ملخصه إِن الْمُعْتَمد ابْن عباد أخر فِي سنة من السنين الضريبة الَّتِي كَانَ يَدْفَعهَا للأذفونش عَن وَقتهَا ثمَّ أرسلها إِلَيْهِ بعد فَغَضب الأذفونش واشتط وَطلب بعض الْحُصُون زِيَادَة على الضريبة وأمعن فِي التجني حَتَّى طلب أَن تَأتي زَوجته إِلَى الْجَامِع الْأَعْظَم بقرطبة فتلد فِيهِ إِذْ كَانَت حَامِلا وَكَانَ بالجانب الغربي من الْمَسْجِد الْمَذْكُور مَوضِع كَنِيسَة قديمَة بنى الْمُسلمُونَ عَلَيْهَا الْمَسْجِد فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاء والقسيسون أَن تكون زَوجته سَاكِنة قرب وِلَادَتهَا
(2/37)

بِمَدِينَة الزهراء الَّتِي بناها عبد الرَّحْمَن النَّاصِر لدين الله وأبدع فِي تشييدها وتنجيدها وتتردد الْمَرْأَة مَعَ ذَلِك إِلَى الْجَامِع الْمَذْكُور حَتَّى تكون وِلَادَتهَا بَين طيب نسيم الزهراء وفضيلة مَوضِع الْكَنِيسَة وَكَانَ الرَّسُول فِي ذَلِك يَهُودِيّا وَكَانَ وزيرا للأذفونش فَامْتنعَ ابْن عباد من ذَلِك فَرَاجعه الْيَهُودِيّ وَأَغْلظ لَهُ فِي القَوْل ولسعه بِكَلِمَة آسفته فَأخذ ابْن عباد محبرة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَضرب بهَا رَأس الْيَهُودِيّ فَأنْزل دماغه فِي حلقه وَأمر بِهِ فصلب منكوسا بقرطبة
وَلما سكن غَضَبه استفتى الْفُقَهَاء عَن حكم مَا فعله باليهودي فبادره الْفَقِيه مُحَمَّد بن الطلاع بِالرُّخْصَةِ فِي ذَلِك لتعدي الرَّسُول حُدُود الرسَالَة إِلَى مَا اسْتوْجبَ بِهِ الْقَتْل إِذْ لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَقَالَ للفقهاء إِنَّمَا بادرت بالفتوى خوفًا أَن يكسل الرجل عَمَّا عزم عَلَيْهِ من منابذة الْعَدو وَعَسَى الله أَن يَجْعَل فِي عزيمته للْمُسلمين خيرا
وَبلغ الأذفونش مَا صنعه ابْن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية وليحاصرنه فِي قصره ثمَّ زحف فِي عسكرين أَحدهمَا عَلَيْهِ وَالْآخر على بعض قواده حَتَّى نزل على ضفة النَّهر الْأَعْظَم بإشبيلية قبالة قصر ابْن عباد وَفِي أَيَّام مقَامه هُنَالك كتب إِلَى ابْن عباد زاريا عَلَيْهِ كثر بطول مقَامي فِي مجلسي هَذَا عَليّ الذُّبَاب وَاشْتَدَّ الْحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بهَا على نَفسِي وَأطْرد بهَا الذُّبَاب عَن وَجْهي فَوَقع لَهُ ابْن عباد بِخَط يَده فِي ظهر الرقعة قَرَأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لَك فِي مراوح من جُلُود اللمط تروح مِنْك لَا عَلَيْك إِن شَاءَ الله فَلَمَّا وصلت رِسَالَة ابْن عباد الأذفونش وقرئت عَلَيْهِ وَفهم مقتضاها أطرق إطراق من لم يخْطر لَهُ ذَلِك ببال وَفَشَا فِي الأندلس توقيع ابْن عباد وَمَا أظهر من الْعَزِيمَة على إجَازَة يُوسُف بن تاشفين والاستظهار بِهِ على الْعَدو فَاسْتَبْشَرَ النَّاس وفرحوا بذلك وانفتحت لَهُم أَبْوَاب الآمال
وَأما مُلُوك طوائف الأندلس فَلَمَّا تحققوا عزم ابْن عباد وانفراده بِرَأْيهِ فِي ذَلِك اهتموا مِنْهُ فَمنهمْ من كَاتبه وَمِنْهُم من شافهه وَحَذرُوهُ عَاقِبَة ذَلِك وَقَالُوا لَهُ الْملك الْعَقِيم والسيفان لَا يَجْتَمِعَانِ فِي غمد فأجابهم ابْن عباد بكلمته
(2/38)

الَّتِي صَارَت مثلا رعي الْجمال خير من رعي الْخَنَازِير وَمَعْنَاهُ أَن كَونه مَأْكُولا ليوسف بن تاشفين أَسِيرًا يرْعَى جماله فِي الصَّحرَاء خير من كَونه ممزقا للأذفونش أَسِيرًا لَهُ يرْعَى خنازيره وَقَالَ لمن لامه يَا قوم إِنِّي من أَمْرِي على حالتين حَالَة يَقِين وَحَالَة شكّ وَلَا بُد لي من إِحْدَاهمَا أما حَالَة الشَّك فَإِنِّي استندت إِلَى ابْن تاشفين أَو إِلَى الأذفونش فَفِي الْمُمكن أَن يَفِي لي وَيبقى على وفائه وَيُمكن أَن لَا يفعل فَهَذِهِ حَالَة شكّ وَأما حَالَة الْيَقِين فَإِنِّي إِن استندت إِلَى ابْن تاشفين فَإِنِّي أرضي الله وَإِن استندت إِلَى الأذفونش أسخطت الله فَإِذا كَانَت حَالَة الشَّك فيهمَا عارضة فلأي شَيْء أدع مَا يُرْضِي الله وَآتِي مَا يسخطه فَحِينَئِذٍ أقصر أَصْحَابه عَن لومه
وَلما عزم ابْن عباد على رَأْيه أَمر صَاحب بطليوس المتَوَكل على الله عمر بن الْأَفْطَس وَصَاحب غرناطة عبد الله بن حبوس الصنهاجي أَن يبْعَث إِلَيْهِ كل مِنْهُمَا قَاضِي حَضرته ففعلا واستحضر قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة عبد الله بن مُحَمَّد بن أدهم وَكَانَ أَعقل أهل زَمَانه فَلَمَّا اجْتمع عِنْد ابْن عباد الْقُضَاة بإشبيلية أضَاف إِلَيْهِم وزيره أَبَا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أَنهم رسله إِلَى يُوسُف بن تاشفين وَأسْندَ إِلَى الْقُضَاة مَا يَلِيق بهم من وعظ يُوسُف وترغيبه فِي الْجِهَاد وَأسْندَ إِلَى الْوَزير مَا لَا بُد مِنْهُ من إبرام الْعُقُود السُّلْطَانِيَّة
وَكَانَ يُوسُف بن تاشفين لَا تزَال تفد عَلَيْهِ وُفُود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين بِاللَّه وَالْإِسْلَام مستنجدين بفقهاء حَضرته ووزراء دولته فَيسمع إِلَيْهِم ويصغي لقَولهم وترق نَفسه لَهُم
وَلما انْتَهَت الرُّسُل إِلَى ابْن تاشفين أقبل عَلَيْهِم وَأكْرم مثواهم وَجَرت بَينه وَبينهمْ مراوضات ثمَّ انصرفوا إِلَى مرسلهم
ثمَّ عبر يُوسُف الْبَحْر عبورا سهلا حَتَّى أَتَى الجزيرة الخضراء فَخرج إِلَيْهِ أَهلهَا بِمَا عِنْدهم من الأقوات والضيافات وَأَقَامُوا لَهُ سوقا جلبوا إِلَيْهِ مَا عِنْدهم من سَائِر الْمرَافِق وأذنوا للغزاة فِي دُخُول الْبَلَد وَالتَّصَرُّف فِيهَا
(2/39)

فامتلأت الْمَسَاجِد والرحاب بالمطوعة وَتَوَاصَوْا بهم خيرا هَذَا مساق صَاحب الرَّوْض المعطار
وَقَالَ ابْن الْأَثِير لما رَجَعَ الْمُعْتَمد ابْن عباد إِلَى إشبيلية وَترك قرطبة بِدُونِ مدافع وَسمع مشايخها بِمَا جرى من قتل ابْن عباد لِلْيَهُودِيِّ وَرَأَوا قُوَّة الفرنج وَضعف الْمُسلمين واستعانة بعض مُلُوكهمْ بالفرنج على بعض اجْتَمعُوا وَقَالُوا هَذِه بِلَاد الأندلس قد غلب عَلَيْهَا الفرنج وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل وَإِن استمرت الْأَحْوَال على مَا نرى عَادَتْ نَصْرَانِيَّة كَمَا كَانَت وَسَارُوا إِلَى القَاضِي أبي بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أدهم فَقَالُوا لَهُ أَلا تنظر إِلَى مَا فِيهِ الْمُسلمُونَ من الصغار والذلة وإعطائهم الْجِزْيَة بعد أَن كَانُوا يأخذونها وَقد رَأينَا رَأيا نعرضه عَلَيْك قَالَ مَا هُوَ قَالُوا نكتب إِلَى عرب إفريقية ونشترط لَهُم إِذا وصلوا إِلَيْنَا قاسمناهم أَمْوَالنَا وَخَرجْنَا مَعَهم مجاهدين فِي سَبِيل الله وَقَالَ أَخَاف إِذا وصلوا إِلَيْنَا أَن يخربوا بِلَادنَا كَمَا فعلوا بإفريقية ويتركوا الفرنج ويبدؤوا بِنَا والمرابطون أصلح مِنْهُم واقرب إِلَيْنَا قَالُوا لَهُ فكاتب يُوسُف بن تاشفين وراغب إِلَيْهِ فِي العبور إِلَيْنَا أَو يُرْسل بعض قواده
وبينما هم يتفاوضون إِذْ قدم عَلَيْهِم ابْن عباد وهم فِي ذَلِك فَعرض عَلَيْهِ القَاضِي ابْن أدهم مَا كَانُوا فِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْن عباد أَنْت رَسُولي إِلَيْهِ فِي ذَلِك فَامْتنعَ القَاضِي وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يبرىء نَفسه من تُهْمَة تلْحقهُ فألح عَلَيْهِ الْمُعْتَمد فَعبر القَاضِي الْبَحْر إِلَى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فأبلغه الرسَالَة وأعلمه مَا فِيهِ الْمُسلمُونَ من الْخَوْف من الأذفونش وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين يَوْمئِذٍ بِمَدِينَة سبتة فَفِي الْحَال أَمر بعبور العساكر إِلَى الأندلس وَأرْسل إِلَى مراكش فِي طلب من بَقِي من عساكره فَأَقْبَلت إِلَيْهِ يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا فَلَمَّا تكاملت عِنْده عبر الْبَحْر وَسَار فَاجْتمع بالمعتمد ابْن عباد بإشبيلية
وَكَانَ الْمُعْتَمد قد جمع عساكره أَيْضا وَخرج من أهل قرطبة عَسْكَر كَبِير وقصده المطوعة من سَائِر بِلَاد الأندلس ووصلت الْأَخْبَار إِلَى الأذفونش فَجمع عساكره وحشد جُنُوده وَسَار من طليطلة وَكتب إِلَى أَمِير
(2/40)

الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين كتابا كتبه لَهُ بعض غواة أدباء الْمُسلمين يغلظ لَهُ فِي القَوْل ويصف مَا مَعَه من الْقُوَّة وَالْعدَد وَبَالغ فِي ذَلِك فَلَمَّا وصل وقرأه يُوسُف أَمر كَاتبه أَبَا بكر بن القصيرة أَن يجِيبه وَكَانَ كَاتبا مفلقا فَكتب وأجاد فَلَمَّا قَرَأَهُ على أَمِير الْمُسلمين قَالَ هَذَا كتاب طَوِيل وأحضر كتاب الأذفونش وَكتب على ظَهره الَّذِي يكون ستراه وأرسله إِلَيْهِ فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ الأذفونش ارتاع لَهُ وَعلم أَنه بلي بِرَجُل لَهُ دهاء وعزم
وَذكر ابْن خلكان أَن يُوسُف بن تاشفين أَمر بعبور الْجمال فَعبر مِنْهَا مَا أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إِلَى عنان السَّمَاء وَلم يكن أهل الجزيرة رَأَوْا جملا قطّ وَلَا خيلهم رأتها قطّ فَصَارَت الْخَيل تجمح من رُؤْيَة الْجمال ورغائها وَكَانَ ليوسف فِي عبورها رَأْي مُصِيب فَكَانَ يحدق بهَا عسكره ويحضرها الْحَرْب فَكَانَت خيل الفرنج تجمح مِنْهَا
وَقدم يُوسُف بن تاشفين بن يَدَيْهِ كتابا للأذفونش يعرض عَلَيْهِ فِيهِ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة أَو الْحَرْب كَمَا هِيَ السّنة وَمن جملَة مَا فِي الْكتاب بلغنَا يَا أذفونش أَنَّك دَعَوْت الله فِي الإجتماع بِنَا وتمنيت أَن تكون لَك سفن تعبر عَلَيْهَا الْبَحْر إِلَيْنَا فقد عبرناه إِلَيْك وَقد جمع الله تَعَالَى فِي هَذِه الْعَرَصَة بَيْننَا وَبَيْنك وسترى عَاقِبَة دعائك وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال فَلَمَّا سمع الأذفونش مَا كتب إِلَيْهِ يُوسُف جاش بَحر غيظه وَزَاد فِي طغيانه واقسم أَن لَا يبرح من مَوْضِعه حَتَّى يلقاه
ولنرجع إِلَى كَلَام صَاحب الرَّوْض والمعطار قَالَ رَحمَه الله فَلَمَّا عبر يُوسُف وَجَمِيع جيوشه الْبَحْر إِلَى الخضراء نَهَضَ إِلَى إشبيلية على أحسن الهيئات جَيْشًا بعد جَيش وأميرا بعد أَمِير وقبيلا بعد قبيل وَبعث الْمُعْتَمد ابْنه إِلَى لِقَاء يُوسُف وَأمر عُمَّال الْبِلَاد بجلب الأقوات والضيافات وَرَأى يُوسُف مَا سره من ذَلِك ونشطه وتواردت الجيوش مَعَ أمرائها على إشبيلية
وَخرج الْمُعْتَمد إِلَى لِقَاء يُوسُف من إشبيلية فِي مائَة فَارس من وُجُوه أَصْحَابه فَلَمَّا أَتَى محلّة يُوسُف ركض نحوهم وركضوا نَحوه ثمَّ برز إِلَيْهِ
(2/41)

يُوسُف وَحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا وَأظْهر كل مِنْهُمَا لصَاحبه الْمَوَدَّة والخلوص وشكرا نعم الله وتواصيا بِالصبرِ وَالرَّحْمَة وبشرا أَنفسهمَا بِمَا استقبلاه من غَزْو أهل الْكفْر وتضرعا إِلَى الله فِي أَن يَجْعَل ذَلِك خَالِصا لوجهه مقربا إِلَيْهِ وافترقا فَعَاد يُوسُف لمحلته وَابْن عباد إِلَى جِهَته وَألْحق ابْن عباد مَا كَانَ أعده من هَدَايَا وتحف وضيافات أوسع بهَا على محلّة يُوسُف بن تاشفين
وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة فَلَمَّا أَصْبحُوا وصلوا الصُّبْح ركب الْجَمِيع وَأَشَارَ ابْن عباد على يُوسُف بالتقدم نَحْو إشبيلية فَفعل وَرَأى النَّاس من عزة سلطانهم مَا سرهم وَلم يبْق من مُلُوك الطوائف بالأندلس إِلَّا من بَادر أَو أعَان وَكَذَلِكَ فعل الصحراويون مَعَ يُوسُف أهل كل صقع من أصقاعه رابطوا وكابدوا
وَكَانَ الأذفونش لما رأى اجْتِمَاع العزائم على مناجزته علم أَنه عَام نطاح فاستنفر الفرنجة لِلْخُرُوجِ وَرفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أَنَاجِيلهمْ فَاجْتمع لَهُ من الجلالقة والإفرنج مَا لَا يُحْصى عدده وجواسيس كل فريق تَتَرَدَّد من الْجَمِيع وَبعث الأذفونش إِلَى ابْن عباد إِن صَاحبكُم يُوسُف قد تعنى بالمجيء من بِلَاده وخوض الْبَحْر وَأَنا أكفيه العناء فِيمَا بَقِي وَلَا أكلفكم تعبا أمضي إِلَيْكُم وألقاكم فِي بِلَادكُمْ رفقا بكم وتوفيرا عَلَيْكُم وَقَالَ لخاصته وَأهل مشورته إِنِّي رَأَيْت أَنِّي إِن أمكنتهم من الدُّخُول إِلَى بلادي فناجزوني فِيهَا وَبَين جدرها وَرُبمَا كَانَت الدائرة عَليّ يستحكمون الْبِلَاد ويحصدون من فِيهَا غَدَاة وَاحِدَة وَلَكِنِّي أجعَل يومهم معي فِي حوز بِلَادهمْ فَإِن كَانَت عَليّ اكتفوا بِمَا نالوه وَلم يجْعَلُوا الدروب وَرَاءَهُمْ إِلَّا بعد أهبة أُخْرَى فَيكون فِي ذَلِك صون لبلادي وجبر لمكاسري وَإِن كَانَت الدائرة عَلَيْهِم كَانَ مني فيهم وَفِي بِلَادهمْ مَا خفت أَن يكون فِي وَفِي بلادي إِذا ناجزوني فِي وَسطهَا
ثمَّ برز بالمختار من جُنُوده وأنجاد جموعه على بَاب دربه وَترك بَقِيَّة جموعه خَلفه وَقَالَ حِين نظر إِلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْهُم بهؤلاء أقَاتل الْجِنّ وَالْإِنْس وملائكة السَّمَاء فالمقلل يَقُول المختارون أَرْبَعُونَ ألف دارع
(2/42)

وَلكُل وَاحِد أَتبَاع وَأما النَّصَارَى فيعجبون مِمَّن يزْعم ذَلِك ويرون أَنهم أَكثر من ذَلِك كُله
وَاتفقَ الْكل أَن عدد الْمُسلمين كَانَ أقل من عدد الْكفَّار وَرَأى الأذفونش فِي نَومه كَأَنَّهُ رَاكب فيلا وَبَين يَدَيْهِ طبل صَغِير وَهُوَ ينقر فِيهِ فَقص رُؤْيَاهُ على القسيسين فَلم يعرفوا تَأْوِيلهَا فأحضر رجلا مُسلما عَالما بتفسير الرُّؤْيَا فَقَصَّهَا عَلَيْهِ فاستعفاه من تعبيرها فَلم يعفه فَقَالَ تَأْوِيل هَذِه الرُّؤْيَا من كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} إِلَى آخر السُّورَة وَقَوله تَعَالَى {فَإِذا نقر فِي الناقور فَذَلِك يَوْمئِذٍ يَوْم عسير على الْكَافرين غير يسير} وَذَلِكَ يَقْتَضِي هَلَاك هَذَا الْجَيْش الَّذِي تجمعه فَلَمَّا اجْتمع جَيْشه وَرَأى كثرته أعجبه فأحضر ذَلِك الْمعبر وَقَالَ لَهُ بِهَذَا الْجَيْش ألْقى إِلَه مُحَمَّد صَاحب كتابكُمْ فَانْصَرف الْمعبر وَقَالَ لبَعض الْمُسلمين هَذَا الْملك هَالك وكل من مَعَه وَذكر الحَدِيث ثَلَاث مهلكات وَفِيه وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ
ثمَّ خرج الأذفونش إِلَى بِلَاد الأندلس وَتقدم السُّلْطَان يُوسُف نَحوه أَيْضا وَتَأَخر ابْن عباد لبَعض مهماته ثمَّ انزعج يقفو أَثَره بِجَيْش فِيهِ حماة الثغور ورؤساء الأندلس وَجعل ابْنه عبد الله على مقدمته وَسَار وَهُوَ ينشد متفائلا بِبَيْت سَائِر مجيزا لَهُ بِأَبْيَات من شعره
(لَا بُد من فرج قريب ... يَأْتِيك بالعجب العجيب)
(غَزْو عَلَيْك مبارك ... سيعود بِالْفَتْح الْقَرِيب)
(لله سعدك إِنَّه ... نكس على دين الصَّلِيب)
(لَا بُد من يَوْم يكون ... لَهُ أَخا يَوْم القليب)
ووافت الجيوش كلهَا بطليوس فأناخوا بظاهرها وَخرج إِلَيْهِم صَاحبهَا المتَوَكل عمر بن مُحَمَّد بن الْأَفْطَس فَلَقِيَهُمْ بِمَا يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود ثمَّ جَاءَهُم الْخَبَر بشخوص الأذفونش إِلَيْهِم
وَقَالَ ابْن أبي زرع ارتحل يُوسُف بن تاشفين من الخضراء قَاصِدا
(2/43)

نَحْو الأذفونش وَقدم بَين يَدَيْهِ قائده أَبَا سُلَيْمَان دَاوُد بن عَائِشَة وَكَانَ بطلا من الْأَبْطَال فِي عشرَة آلَاف فَارس من المرابطين بعد أَن قدم أَمَامه الْمُعْتَمد ابْن عباد مَعَ أُمَرَاء الأندلس وجيوشهم مِنْهُم ابْن صمادح صَاحب المرية وَابْن حبوس صَاحب غرناطة وَابْن مسلمة صَاحب الثغر الْأَعْلَى وَابْن ذِي النُّون وَابْن الْأَفْطَس وَغَيرهم فَأَمرهمْ يُوسُف أَن يَكُونُوا مَعَ الْمُعْتَمد فَتكون محلّة مُلُوك الأندلس وَاحِدَة ومحلة المرابطين أُخْرَى فَتقدم بهم ابْن عباد فَكَانُوا إِذا ارتحل ابْن عباد من مَوضِع نزله يُوسُف بمحلته فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى نزلُوا مَدِينَة طرطوشة فأقاموا بهَا ثَلَاثًا وَكتب مِنْهَا يُوسُف إِلَى الأذفونش يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة أَو الْحَرْب وَكَانَ جَوَاب الأذفونش مَا تقدم ثمَّ ارتحل يُوسُف وارتحل الأذفونش حَتَّى نزلا مَعًا بِالْقربِ من بطليوس وَكَانَ نزُول يُوسُف بِموضع يعرف بالزلاقة وَتقدم الْمُعْتَمد فَنزل نَاحيَة أُخْرَى تحجز بَينه وَبَين يُوسُف ربوة وَبَين الْمُسلمين والفرنج نهر بطليوس حاجزا يشرب مِنْهُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فأقاموا ثَلَاثَة أَيَّام وَالرسل تخْتَلف بَينهم إِلَى أَن وَقع اللِّقَاء على مَا نذكرهُ
وَلما ازدلف بَعضهم إِلَى بعض أذكى الْمُعْتَمد عيونه فِي محلات الصحراويين خوفًا عَلَيْهِم من مكايد الأذفونش إِذْ هم غرباء لَا علم لَهُم بالبلاد وَجعل يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ حَتَّى قيل إِن الرجل من الصحراويين كَانَ لَا يخرج إِلَى طرف الْمحلة لقَضَاء أَمر أَو حَاجَة إِلَّا ويجد ابْن عباد بِنَفسِهِ مطيفا بالمحلة بعد تَرْتِيب الْخَيل وَالرِّجَال على أَبْوَاب المحلات ثمَّ قَامَت الأساقفة والرهبان وَرفعُوا صلبانهم ونشروا أَنَاجِيلهمْ وتبايعوا على الْمَوْت
وَوعظ يُوسُف وَابْن عباد أصحابهما وَقَامَ الْفُقَهَاء والصالحون فِي النَّاس مقَام الْوَعْظ وحضوهم على الصَّبْر والثبات وحذروهم من الفشل والفرار
وَجَاءَت الطَّلَائِع تخبر أَن الْعَدو مشرف عَلَيْهِم صَبِيحَة يومهم وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء فَأصْبح الْمُسلمُونَ وَقد أخدوا مَصَافهمْ فكع الأذفونش وَرجع إِلَى
(2/44)

أَعمال الْمَكْر والخديعة فَعَاد النَّاس إِلَى محلاتهم وَبَاتُوا ليلتهم ثمَّ أصبح يَوْم الْخَمِيس فَبعث الأذفونش إِلَى ابْن عباد يَقُول غَدا يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ عيدكم والأحد عيدنا فَلْيَكُن لقاؤنا بَينهمَا وَهُوَ يَوْم السبت فَعرف الْمُعْتَمد بذلك السُّلْطَان يُوسُف وأعلمه أَنَّهَا حِيلَة مِنْهُ وخديعة وَإِنَّمَا قَصده الفتك بِنَا يَوْم الْجُمُعَة فَلْيَكُن النَّاس على استعداد لَهُ يَوْم الْجُمُعَة كل النَّهَار وَيُقَال إِن الأذفونش واعدهم ليَوْم الْإِثْنَيْنِ وَبَات النَّاس ليلتهم على أهبة واحتراس كَمَا أَشَارَ ابْن عباد
وَبعد مُضِيّ جُزْء من اللَّيْل انتبه الْفَقِيه الناسك أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن رميلة الْقُرْطُبِيّ وَكَانَ فِي مَحَله ابْن عباد فَرحا مَسْرُورا يَقُول إِنَّه رآى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تِلْكَ اللَّيْلَة فِي النّوم فبشره بِالْفَتْح وَالْمَوْت على الشَّهَادَة فِي صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة فتأهب ودعا وتضرع ودهن رَأسه وتطيب وانْتهى ذَلِك إِلَى ابْن عباد فَبعث إِلَى يُوسُف يُخبرهُ بهَا تَحْقِيقا لما توقعه من غدر الْعَدو الْكَافِر ثمَّ جَاءَ بِاللَّيْلِ فارسان من طلائع الْمُعْتَمد يخبران أَنَّهُمَا أشرفا على محلّة الأذفونش وسمعا ضوضاء الْجَيْش وخشخشة السِّلَاح ثمَّ تلاحق بَقِيَّة الطَّلَائِع محققين لتحرك الأذفونش ثمَّ جَاءَت الجواسيس من دَاخل محلتهم تَقول استرقنا السّمع فسمعنا الأذفونش يَقُول لأَصْحَابه ابْن عباد مسعر هَذِه الحروب وَهَؤُلَاء الصحراويون وَإِن كَانُوا أهل حفاظ وَذَوي بصائر فِي الْحَرْب فهم غير عارفين بِهَذِهِ الْبِلَاد وَإِنَّمَا قادهم ابْن عباد فاهجموا عَلَيْهِ واصبروا لَهُ فَإِن انْكَشَفَ لكم هان عَلَيْكُم الصحراويون بعده وَلَا أرَاهُ يصبر لكم إِن صدقتموه الحملة فَعِنْدَ ذَلِك بعث ابْن عباد الْكَاتِب أَبَا بكر بن القصيرة إِلَى السُّلْطَان يُوسُف يعرفهُ بإقبال الأذفونش ويستحث نصرته فَمضى ابْن القصيرة يطوي المحلات حَتَّى جَاءَ يُوسُف بن تاشفين فَعرفهُ بجلية الْأَمر فَقَالَ لَهُ قل لَهُ إِنِّي سَائِر إِلَيْك إِن شَاءَ الله وَأمر يُوسُف بعض قواده أَن يمْضِي بكتيبة رسمها لَهُ حَتَّى يدْخل محلّة النَّصَارَى فيضرمها نَارا مَا دَامَ الأذفونش مشتغلا مَعَ ابْن عباد
(2/45)

وَانْصَرف ابْن القصيرة إِلَى الْمُعْتَمد فَلم يصله إِلَّا وَقد غَشيته جنود الطاغية فصدم ابْن عباد صدمة قطعت آماله وَمَال الأذفونش عَلَيْهِ بجموعه وَأَحَاطُوا بِهِ من كل جِهَة فهاجت الْحَرْب وحمي الْوَطِيس واستحر الْقَتْل فِي أَصْحَاب ابْن عباد وصبر صبرا لم يعْهَد مثله واستبطأ السُّلْطَان يُوسُف وَهُوَ يُلَاحظ طَرِيقه وعضته الْحَرْب وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه الْبلَاء وَسَاءَتْ الظنون وانكشف الْبَعْض مِنْهُم وَفِيهِمْ ابْنه عبد الله بن الْمُعْتَمد وأثخن هُوَ جراحات فِي رَأسه وبدنه وعقرت تَحْتَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم ثَلَاث أَفْرَاس كلما هلك وَاحِد قدم لَهُ آخر وتذكر فِي تِلْكَ الْحَالة ابْنا لَهُ صَغِيرا يكنى أَبَا هَاشم وَكَانَ قد تَركه بإشبيلية عليلا فَقَالَ
(أَبَا هَاشم هشمتني الشفار ... فَللَّه صبري لذَلِك الأوار)
(ذكرت شخيصك تَحت العجاج ... فَلم يثنني ذكره للفرار)
ثمَّ كَانَ أول من وافى ابْن عباد من قواد يُوسُف بن تاشفين دَاوُد بن عَائِشَة وَكَانَ بطلا شهما فَنَفْس بمجيئه على ابْن عباد ثمَّ أقبل يُوسُف بعد ذَلِك وطبوله قد مَلَأت أصواتها الجو فَلَمَّا أبصره الأذفونش وَجه حَملته إِلَيْهِ وقصده بمعظم جُنُوده فبادر إِلَيْهِم السُّلْطَان يُوسُف وصدمهم صدمة ردتهم إِلَى مركزهم وانتظم بِهِ شَمل ابْن عباد واستنشق النَّاس ريح الظفر وتباشروا بالنصر ثمَّ صدقُوا جَمِيعًا الحملة فزلزلت الأَرْض من حوافر الْخَيل وأظلم النَّهَار بالعجاج وخاضت الْخَيل فِي الدِّمَاء وصبر الْفَرِيقَانِ صبرا عَظِيما
ثمَّ تراجع ابْن عباد إِلَى يُوسُف وَحمل مَعَه حَملَة مَعهَا النَّصْر وتراجع المنهزمون من أَصْحَاب ابْن عباد حِين علمُوا بالتحام الفئتين وَصَدقُوا الحملة فانكشف الطاغية وَمر هَارِبا مُنْهَزِمًا وَقد طعن فِي إِحْدَى رُكْبَتَيْهِ طعنة بَقِي يخمع بهَا بَقِيَّة عمره قَالُوا وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين على فرس يَوْمئِذٍ أُنْثَى يمر بَين ساقات الْمُسلمين وصفوفهم يحرضهم وَيُقَوِّي نُفُوسهم على الْجِهَاد ويحضهم على الصَّبْر فقاتل النَّاس ذَلِك الْيَوْم قتال من يطْلب الشَّهَادَة ويرغب فِي الْمَوْت
(2/46)

وعَلى سِيَاق ابْن خلكان إِن ابْن تاشفين نزل على أقل من فَرسَخ من عَسْكَر الْعَدو فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء وَكَانَ الْموعد بالمناجزة يَوْم السبت فغدر الأذفونش ومكر فَلَمَّا كَانَ سحر يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب أَقبلت طلائع ابْن عباد وَالروم فِي أَثَرهَا وَالنَّاس على طمأنينة فبادر ابْن عباد للرُّكُوب وانبث الْخَبَر فِي العساكر فماجت بِأَهْلِهَا ورجفت الأَرْض وَصَارَت النَّاس فوضى على غير تعبئة وَلَا أهبة ودهمتهم خيل الْعَدو فغمرت ابْن عباد وحطمت مَا تعرض لَهَا وَتركت الأَرْض حصيدا خلفهَا وصرع ابْن عباد وأصابه جرح اشواه وفر رُؤَسَاء الأندلس وَأَسْلمُوا محلاتهم وظنوا أَنه وَهِي لَا يرقع ونازلة لَا تدفع وَظن الأذفونش أَن أَمِير الْمُسلمين فِي المنهزمين وَلم يعلم أَن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين فَتقدم أَمِير الْمُسلمين وَأَحْدَقَتْ بِهِ أنجاد خيله وَرِجَاله من صنهاجة ورؤساء الْقَبَائِل وقصدوا محلّة الأذفونش فاقتحموها وَقتلُوا حاميتها وَضربت الطبول وزعقت البوقات الأَرْض وتجاوبت الْجبَال والآفاق وتراجع الرّوم إِلَى محلتهم بعد أَن علمُوا أَن أَمِير الْمُسلمين فِيهَا فقصدوه فأفرج لَهُم عَنْهَا ثمَّ كرّ عَلَيْهِم فَأخْرجهُمْ مِنْهَا ثمَّ كروا عَلَيْهِ فأفرج لَهُم عَنْهَا وَلم تزل الكرات بَينهم تتوالى إِلَى أَن أَمر أَمِير الْمُسلمين حشمه السودَان فترجل مِنْهُم زهاء أَرْبَعَة آلَاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الْهِنْد ومزاريق الزان فخالطوا الْخَيل وطعنوها فرمحت بفرسانها وأحجمت عَن أقرانها وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه فَأَهوى ليضربه بِالسَّيْفِ فلصق بِهِ الْأسود وَقبض على عنانه وانتضى خنجرا كَانَ متمنطقا بِهِ فأثبته فِي فَخذه فهتك حلق درعه وَشك فَخذه مَعَ بداد سَرْجه وَكَانَ وَقت الزَّوَال يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وهبت ريح النَّصْر فَأنْزل الله سكينته على الْمُسلمين وَنصر دينه القويم وَصَدقُوا الحملة على الأذفونش وَأَصْحَابه فأخرجوهم عَن محلتهم فَوَلوا ظُهُورهمْ وأعطوا أقفاءهم وَالسُّيُوف تصفعهم والرماح تطعنهم إِلَى أَن لَحِقُوا بِرَبْوَةٍ لجؤوا إِلَيْهَا واعتصموا بهَا وَأَحْدَقَتْ بهم الْخَيل فَلَمَّا أظلم اللَّيْل انساب الأذفونش وَأَصْحَابه من الربوة وأفلتوا من بعد مَا نشبت فيهم أظفار الْمنية وَاسْتولى
(2/47)

الْمُسلمُونَ على مَا كَانَ فِي محلتهم من الأثاث والآنية وَالْمُضَارب والأسلحة وَغير ذَلِك وَأمر ابْن عباد بِضَم رُؤُوس قَتْلَى الْمُشْركين فأجتمع من ذَلِك تل عَظِيم
وَقَالَ صَاحب الرَّوْض المعطار لَجأ الأذفوش إِلَى تل كَانَ يَلِي محلته فِي نَحْو خَمْسمِائَة فَارس مَا مِنْهُم إِلَّا مكلوم وأباد الْقَتْل والأسر من عداهم من أَصْحَابه وَعمل الْمُسلمُونَ من رؤوسهم مآذن يُؤذنُونَ عَلَيْهَا والمخذول ينظر إِلَى مَوضِع الوقيعة وَمَكَان الْهَزِيمَة فَلَا يرى إِلَّا نكالا محيطا بِهِ وبأصحابه
وَأَقْبل ابْن عباد على السُّلْطَان يُوسُف وَصَافحهُ وهنأه وشكره وَأثْنى عَلَيْهِ وشكر يُوسُف صَبر ابْن عباد ومقامه وَحسن بلائه وَسَأَلَهُ عَن حَاله عِنْدَمَا أسملته رِجَاله بانهزامهم عَنهُ فَقَالَ لَهُ هَا هم هَؤُلَاءِ قد حَضَرُوا بَين يَديك فليخبروك
وَكتب ابْن عباد إِلَى ابْنه بإشبيلية كتابا مضمونه كتابي هَذَا إِلَيْك من الْمحلة المنصورة يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب وَقد أعز الله الدّين وَنصر الْمُسلمين وَفتح لَهُم الْفَتْح الْمُبين وَهزمَ الْكَفَرَة الْمُشْركين وأذاقهم الْعَذَاب الْأَلِيم والخطب الجسيم فَالْحَمْد لله على مَا يسره وسناه من هَذِه المسرة الْعَظِيمَة وَالنعْمَة الجسيمة فِي تشتيت شَمل الأذفونش والإحتواء على جَمِيع عساكره أصلاه الله نكال الْجَحِيم وَلَا أعدمه الوبال الْعَظِيم بعد إتْيَان النهب على محلاته واستئصال الْقَتْل بِجَمِيعِ أبطاله وحماته حَتَّى اتخذ الْمُسلمُونَ من هاماتهم صوامع يُؤذنُونَ عَلَيْهَا فَللَّه الْحَمد على جميل صنعه وَلم يُصِبْنِي وَالْحَمْد لله إِلَّا جراحات يسيرَة آلمت لَكِنَّهَا قرحت بعد ذَلِك فَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَالسَّلَام
وَاسْتشْهدَ فِي ذَلِك الْيَوْم جمَاعَة من الْفُضَلَاء وَالْعُلَمَاء مثل ابْن رميلة صَاحب الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة وقاضي مراكش أبي مَرْوَان عبد الْملك المصمودي وَغَيرهمَا رحم الله الْجَمِيع
(2/48)

وَحكي أَن مَوضِع المعترك كَانَ على اتساعه مَا فِيهِ مَوضِع قدم إِلَّا على ميت أَو دم وأقامت العساكر بالموضع أَرْبَعَة أَيَّام حَتَّى جمعت الْغَنَائِم واستؤذن فِي ذَلِك السُّلْطَان يُوسُف فعف عَنْهَا وآثر بهَا مُلُوك الأندلس وعرفهم أَن مَقْصُوده الْجِهَاد وَالْأَجْر الْعَظِيم وَمَا عِنْد الله فِي ذَلِك من الثَّوَاب الْمُقِيم فَلَمَّا رَأَتْ مُلُوك الأندلس إِيثَار يُوسُف لَهُم بالغنائم استكرموه وأحبوه وشكروا لَهُ صنعه وَأمر أَمِير الْمُسلمين بِقطع رُؤُوس الْقَتْلَى وَجَمعهَا فَقطعت وَجمع بَين يَدَيْهِ مِنْهَا أَمْثَال الْجبَال فَبعث مِنْهَا إِلَى إشبيلية عشرَة آلَاف رَأس وَإِلَى قرطبة مثل ذَلِك وَإِلَى بلنسية مثلهَا وَإِلَى سرقسطة ومرسية مثلهَا وَبعث إِلَى بِلَاد العدوة أَرْبَعِينَ ألف رَأس فقسمت على مدن العدوة ليراها النَّاس فيشكروا الله على مَا منحهم من النَّصْر وَالظفر الْعَظِيم
قَالَ ابْن أبي زرع وَفِي هَذَا الْيَوْم تسمى يُوسُف بن تاشفين بأمير الْمُسلمين وَلم يكن يدعى بِهِ قبل ذَلِك وَأظْهر الله تَعَالَى الْإِسْلَام وأعز أَهله وَكتب أَمِير الْمُسلمين بِالْفَتْح إِلَى بِلَاد العدوة وَإِلَى تَمِيم بن الْمعز الصنهاجي صَاحب إفريقية فعمت المفرحات فِي جَمِيع بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب والأندلس وَاجْتمعت كلمة الْإِسْلَام وَأخرج النَّاس الصَّدقَات وأعتقوا الرّقاب شكرا لله تَعَالَى
وَلما بلغ الأذفونش إِلَى بِلَاده وَسَأَلَ عَن أَصْحَابه وأبطاله ففقدهم وَلم يسمع إِلَّا نواح الثكالى عَلَيْهِم اغتم وَلم يَأْكُل وَلم يشرب حَتَّى هلك أسفا وغما وَرَاح إِلَى أمه الهاوية وَلم يخلف إِلَّا بِنْتا وَاحِدَة جعل الْأَمر إِلَيْهَا فتحصنت بطليطلة
ورحل الْمُعْتَمد إِلَى إشبيلية وَمَعَهُ السُّلْطَان يُوسُف بن تاشفين فَأَقَامَ يُوسُف بِظَاهِر إشبيلية ثَلَاثَة أَيَّام وَورد عَلَيْهِ الْخَبَر بوفاة وَلَده ابي بكر بن يُوسُف وَكَانَ قد تَركه مَرِيضا بسبتة فَاغْتَمَّ لذَلِك وَانْصَرف رَاجعا إِلَى العدوة وَذهب مَعَه ابْن عباد يَوْمًا وَلَيْلَة فعزم عَلَيْهِ يُوسُف فِي الرُّجُوع إِلَى منزله وَكَانَت جراحاته قد تورمت عَلَيْهِ فسير مَعَه وَلَده عبد الله إِلَى أَن وصل الْبَحْر وَعبر إِلَى الْمغرب
(2/49)

وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين عِنْد مَجِيئه إِلَى بِلَاد الأندلس وقصده ملاقاة الأذفونش قد تحرى الْمسير بالعراء من غير أَن يمر بِمَدِينَة أَو رستاق حَتَّى نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وَهُنَاكَ اجْتمع بعساكر الأندلس قَالَه ابْن خلكان
وَلما فرغ من الْوَقْعَة رَجَعَ عوده على بدئه كل ذَلِك تورع مِنْهُ وتكرم وَتَخْفِيف عَن الرعايا رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
وَلما رَجَعَ ابْن عباد إِلَى إشبيلية جلس للنَّاس وهنىء بِالْفَتْح وقرأت الْقُرَّاء وَقَامَت على رَأسه الشُّعَرَاء فأنشدوه قَالَ عبد الْجَلِيل بن وهبون حضرت ذَلِك الْيَوْم وأعددت قصيدة أنشدها بَين يَدَيْهِ فَقَرَأَ قارىء {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله} فَقلت بعدا لي ولشعري وَالله مَا أبقت لي هَذِه الْآيَة معنى أحضرهُ وأقوم بِهِ اه
وَمن هُنَا اخْتلفت أَقْوَال المؤرخين فِي حَال أَمِير الْمُسلمين فِي الْجِهَاد فَقيل إِنَّه لم يرجع إِلَى بِلَاد الأندلس بعد هَذِه الْمرة لكنه ترك قواده فِيهَا ورسم لَهُم بِالْجِهَادِ وَشن الغارات على بِلَاد الْعَدو وَقيل إِنَّه عَاد إِلَيْهَا ثَانِيًا وثالثا وعَلى هَذَا القَوْل فَاخْتَلَفُوا فِي زمَان ذَلِك الْعود وتاريخه وَالله تَعَالَى أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُسلمين فِي الْجِهَاد وَمَا اتّفق لَهُ مَعَ مُلُوك الأندلس وَكَبِيرهمْ ابْن عباد

أعلم أَن أَقْوَال المؤرخين اخْتلفت فِي أَمر يُوسُف بن تاشفين بعد غَزْوَة الزلاقة فَحكى ابْن خلكان وَغَيره أَن أَمِير الْمُسلمين لما عزم على النهوض إِلَى بِلَاد الْمغرب ترك قائده سير بن أبي بكر اللمتوني بِأَرْض الأندلس وَخلف مَعَه جَيْشًا برسم غَزْو الفرنج فاستراح سير بن أبي بكر أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ دخل بِلَاد الأذفونش وَشن الغارات فنهب وَقتل وسبى وَفتح الْحُصُون المنيعة والمعاقل الصعبة وتوغل فِي بِلَاد الْعَدو وَحصل على أَمْوَال جليلة وذخائر عَظِيمَة ورتب رجَالًا وفرسانا فِي جَمِيع مَا استولى عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى السُّلْطَان يُوسُف
(2/50)

بِجَمِيعِ مَا حصله وَكتب إِلَيْهِ يعرفهُ أَن الجيوش بالثغور مُقِيمَة على مكابدة الْعَدو وملازمة الْحَرْب والقتال فِي أضيق عَيْش وأنكده وملوك الأندلس فِي بِلَادهمْ وأهليهم فِي أرغد عَيْش وأطيبه وَسَأَلَهُ مرسومه فَكتب إِلَيْهِ أَن يَأْمُرهُم بالنقلة والرحيل إِلَى أَرض العدوة فَمن فعل فَذَاك وَمن أَبى فحاصره وقاتله وَلَا تنفس عَلَيْهِ ولتبدأ بِمن والى الثغور مِنْهُم وَلَا تتعرض لِابْنِ عباد إِلَّا بعد استيلائك على الْبِلَاد وكل بلد أَخَذته فول عَلَيْهِ أَمِيرا من عسكرك فامتثل سير بن أبي بكر أمره واستنزلهم وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى كَانَ آخِرهم ابْن عباد فألحقه بهم ونظمه فِي سلكهم على مَا نذكرهُ
وَقَالَ ابْن أبي زرع لما كَانَت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة جَازَ أَمِير الْمُسلمين إِلَى الأندلس الْجَوَاز الثَّانِي برسم الْجِهَاد قَالَ وَسبب جَوَازه أَن الأذفونش لَعنه الله لما هزم وجرح وَقتلت جموعه عمد إِلَى حصن لبيط الموَالِي لعمل ابْن عباد فشحنه بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال وَالرُّمَاة وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا ينزلون من الْحصن الْمَذْكُور فيغيرون فِي أَطْرَاف بِلَاد ابْن عباد دون سَائِر بِلَاد الأندلس إِذْ كَانَ السَّبَب فِي جَوَاز أَمِير الْمُسلمين إِلَى الأندلس فَكَانُوا ينزلون من الْحصن فِي الْخَيل وَالرجل فيغيرون وَيقْتلُونَ وَيَأْسِرُونَ قد جعلُوا ذَلِك وَظِيفَة عَلَيْهِم فِي كل يَوْم فسَاء ابْن عباد ذَلِك وضاق بِهِ ذرعا ثمَّ عبر الْبَحْر إِلَى العدوة مستنفرا لأمير الْمُسلمين فَلَقِيَهُ بالمعمورة من حلق وَادي سبو وَهَذِه المعمورة هِيَ الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالمهدية من أحواز سلا فَشَكا إِلَيْهِ حصن لبيط وَمن يلقاه الْمُسلمُونَ من أَهله فوعده الْجَوَاز إِلَيْهِ فَرجع الْمُعْتَمد
وَسَار يُوسُف فِي أَثَره فَركب الْبَحْر من قصر الْمجَاز إِلَى الخضراء فَتَلقاهُ ابْن عباد بهَا بِأَلف دَابَّة تحمل الْميرَة والضيافة فَلَمَّا نزل يُوسُف بالخضراء كتب مِنْهَا إِلَى أُمَرَاء الأندلس يَدعُوهُم إِلَى الْجِهَاد وَقَالَ لَهُم الْموعد بَيْننَا وَبَيْنكُم حصن لبيط ثمَّ تحرّك يُوسُف من الخضراء وَذَلِكَ فِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل على حصن لبيط وَفِي الْقَامُوس لبطيط
(2/51)

كزنبيل بلد بالجزيرة الخضراء الأندلسية وَلَعَلَّه هُوَ هَذَا فَلَمَّا نزله أَمِير الْمُسلمين لم يَأْته مِمَّن كتب إِلَيْهِ من أُمَرَاء الأندلس غير ابْن عبد الْعَزِيز صَاحب مرسية وَابْن عباد صَاحب إشبيلية فنازلا مَعَه الْحصن وشرعوا فِي الْقِتَال والتضييق عَلَيْهِ
وَكَانَ يُوسُف رَحمَه الله يَشن الغارات على بِلَاد الفرنج كل يَوْم ودام الْحصار على الْحصن أَرْبَعَة أشهر لم يَنْقَطِع الْقِتَال فِيهَا يَوْمًا وَاحِدًا إِلَى أَن دخل فصل الشتَاء وَوَقع بَين ابْن عبد الْعَزِيز وَابْن عباد نزاع وَشَنَآن فَشَكا الْمُعْتَمد إِلَى أَمِير الْمُسلمين ابْن عبد الْعَزِيز فَقبض عَلَيْهِ أَمِير الْمُسلمين وأسلمه إِلَى ابْن عباد فاختل أَمر الْمحلة بِسَبَب ذَلِك وفر جَيش ابْن عبد الْعَزِيز وقواده عَنْهَا وَقَطعُوا الْميرَة عَن الْمحلة وَوَقع بهَا الغلاء
وَلما علم الأذفونش بذلك حشد أُمَم النَّصْرَانِيَّة وَقصد إِلَى حماية الْحصن فِي أُمَم لَا تحصى فَلَمَّا قرب من الْحصن انحرف لَهُ يُوسُف عَنهُ إِلَى نَاحيَة لورقة ثمَّ إِلَى المرية ثمَّ جَازَ إِلَى العدوة وَقد تغير على أُمَرَاء الأندلس لكَونه لم يَأْته مِنْهُم أحد عِنْدَمَا دعاهم إِلَى الْجِهَاد ومنازلة الْحصن
وَلما أفرج أَمِير الْمُسلمين عَن الْحصن الْمَذْكُور أقبل الأذفونش حَتَّى نزل عَلَيْهِ فأخلاه مِمَّا كَانَ فِيهِ من آلَة الْحصار ومادته وَأخرج من كَانَ فِيهِ من بَقِيَّة النَّصَارَى المنفلتين من مخالب الْمنية وَعَاد إِلَى طليطلة فاستولى ابْن عباد عَلَيْهِ بعد خلائه وفناء جَمِيع حماته بِالْقَتْلِ والجوع سوى تِلْكَ الصبابة المنفلتة
وَكَانَ فِيهِ عِنْدَمَا نازله أَمِير الْمُسلمين اثْنَا عشر ألف مقَاتل دون الْعِيَال والذرية فَأتى عَلَيْهِم الْقَتْل والجوع حَتَّى لم يبْق فِيهِ سوى نَحْو الْمِائَة وهم المنفلتون مِنْهُ عِنْد إخلائه
ثمَّ لما كَانَت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة جَازَ أَمِير الْمُسلمين إِلَى الأندلس الْجَوَاز الثَّالِث برسم الْجِهَاد فَسَار حَتَّى نزل على طليطلة وحاصر بهَا الأذفونش وَشن الغارات بأطرافها فاكتسحها وانتسف ثمارها وزروعها
(2/52)

وَخرب عمرانها وَقتل وسبى وَلم يَأْته من مُلُوك الأندلس أحد وَلَا عرج عَلَيْهِ مِنْهُم معرج فَغَاظَهُ ذَلِك
وَلما قفل من غَزْو طليطلة عمد إِلَى غرناطة فنازلها وَكَانَ صَاحبهَا عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس قد صَالح الأذفونش وَظَاهره على أَمِير الْمُسلمين وَبعث إِلَيْهِ بِمَال واشتغل بتحصين بَلَده وَفِي ذَلِك يَقُول بعض شعراء عصره
(يَبْنِي على نَفسه سفاها ... كَأَنَّهُ دودة الْحَرِير)
(دَعوه يَبْنِي فَسَوف يدْرِي ... إِذا أَتَت قدرَة الْقَدِير)
وَلما انْتهى أَمِير الْمُسلمين إِلَى غرناطة تحصن مِنْهُ صَاحبهَا عبد الله بن بلكين وأغلق أَبْوَابهَا دونه فحاصره أَمِير الْمُسلمين نَحْو شَهْرَيْن وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار أرسل يطْلب الْأمان فَأَمنهُ أَمِير الْمُسلمين وتسلم مِنْهُ الْبِلَاد فملكها وَبعث بِعَبْد الله وأخيه تَمِيم بن بلكين صَاحب مالقة إِلَى مراكش مَعَ حريمهما وأولادهما فأقاما بهَا وأجرى عَلَيْهِمَا الْإِنْفَاق إِلَى أَن مَاتَا بهَا
وَلما خلع أَمِير الْمُسلمين بني باديس وَملك غرناطة ومالقة وَمَا أضيف إِلَيْهِمَا خَافَ مِنْهُ الْمُعْتَمد ابْن عباد وانقبض عَنهُ وَيُقَال إِن ابْن عباد طمع فِي غرناطة وَأَن أَمِير الْمُسلمين يُعْطِيهِ إِيَّاهَا فَعرض لَهُ بذلك فَأَعْرض عَنهُ أَمِير الْمُسلمين فخاف ابْن عباد مِنْهُ وَعمل على الْخُرُوج عَلَيْهِ ثمَّ سعى بَينهمَا الوشاة فَتغير عَلَيْهِ أَمِير الْمُسلمين وَعبر إِلَى العدوة فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة
وَلما انْتهى إِلَى مراكش ولى على الأندلس قائده سير بن أبي بكر اللمتوني وفوض إِلَيْهِ جَمِيع أمورها كلهَا وَلم يَأْمُرهُ فِي ابْن عباد بِشَيْء فَسَار سير بن أبي بكر نَحْو إشبيلية وَهُوَ يظنّ أَن ابْن عباد إِذا سمع بِهِ يخرج إِلَيْهِ ويتلقاه على بعد وَيحمل إِلَيْهِ الضيافات على الْعَادة فَلم يفعل وتحصن مِنْهُ وَلم يتلفت إِلَيْهِ فراسله سير بن أبي بكر أَن يسلم إِلَيْهِ الْبِلَاد وَيدخل فِي طَاعَة
(2/53)

أَمِير الْمُسلمين فَامْتنعَ ابْن عباد فَعِنْدَ ذَلِك تقدم سير إِلَى حصاره وقتاله وَبعث بعض قواده إِلَى قرطبة ليحاصرها وَبهَا يَوْمئِذٍ الْمَأْمُون بن الْمُعْتَمد ابْن عباد فنازلها فِي عَسَاكِر المرابطين حَتَّى فتحهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث صفر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقتل صَاحبهَا الْمَأْمُون بن الْمُعْتَمد ثمَّ فتح بياسة وأبدة وحصن البلاط والمدور والصخيرة وشقورة وَلم ينْقض شهر صفر الْمَذْكُور حَتَّى لم يبْق لِابْنِ عباد بلد إِلَّا وَقد ملكه المرابطون مَا عدا قرمونة وإشبيلية ثمَّ ارتحل سير بن أبي بكر إِلَى قرمونة فنازلها حَتَّى دَخلهَا عنْوَة زَوَال يَوْم السبت السَّابِع عشر من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَاشْتَدَّ الْأَمر على ابْن عباد وَطَالَ عَلَيْهِ الْحصار فَبعث إِلَى الأذفونش لَعنه الله يستغيث بِهِ على لمتونة ويعده بِإِعْطَاء الْبِلَاد ويذل الطارف والتلاد إِنَّه هُوَ كشف عَنهُ مَا هُوَ فِيهِ من الْحصار فَبعث إِلَيْهِ الأذفونش قائده القومس فِي جَيش من عشْرين ألف فَارس وَأَرْبَعين ألف راجل
فَلَمَّا علم سير بقدوم الفرنج إِلَيْهِ انتخب من جَيْشه عشرَة آلَاف فَارس من أهل الشجَاعَة والنجدة وَقدم عَلَيْهِم إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق اللمتوني وَبَعثه للقاء الفرنج فَالتقى الْجَمْعَانِ بِالْقربِ من حصن المدور فَكَانَت بَينهم حروب شَدِيدَة مَاتَ فِيهَا خلق كثير من المرابطين ومنحهم الله النَّصْر فهزموا الفرنج وقتلوهم حَتَّى لم يفلت مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل
ثمَّ شدّ سير بن أبي بكر فِي الْحصار والتضييق على إشبيلية حَتَّى اقتحمها عنْوَة وَقبض على الْمُعْتَمد وَجَمَاعَة من أهل بَيته فقيدهم وَحَملهمْ فِي السفين بنهر إشبيلية وَبعث بهم إِلَى أَمِير الْمُسلمين بمراكش فَأمر أَمِير الْمُسلمين بإرسال الْمُعْتَمد إِلَى مَدِينَة أغمات فسجن بهَا وَاسْتمرّ فِي السجْن إِلَى أَن مَاتَ بِهِ لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ دُخُول سير بن أبي بكر مَدِينَة إشبيلية يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
(2/54)

ثمَّ ملك المرابطون بعد ذَلِك مَا بَقِي من بِلَاد الأندلس إِلَى أَن خلصت لَهُم وَلم يبْق لملوك الطوائف بهَا ذكر وَهَذِه الْأَخْبَار نقلناها عَن ابْن أبي زرع ممزوجة باليسير من كَلَام غَيره واعتمدنا كَلَامه لِأَنَّهُ مَوْضُوع بِالْقَصْدِ الأول لأحبار الْمغرب فَيكون أعنى بِهِ من غَيره
وَفِي تَارِيخ ابْن خلدون بعض مُخَالفَة لما مر قَالَ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْبَحْر إِلَى الأندلس الْجَوَاز الثَّانِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وتثاقل أُمَرَاء الطوائف عَن لِقَائِه لما أحسوا من نكيره عَلَيْهِم لما يسمون بِهِ رعاياهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم فَوجدَ عَلَيْهِم وعهد بِرَفْع المكوس وتحرى المعدلة وَقَالَ أَيْضا إِن الْفُقَهَاء بالأندلس طلبُوا من يُوسُف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عَنْهُم فَتقدم بذلك إِلَى مُلُوك الطوائف فَأَجَابُوهُ بالامتثال حَتَّى إِذا رَجَعَ عَن بِلَادهمْ رجعُوا إِلَى حَالهم فَلَمَّا أجَاز ثَانِيَة انقبضوا عَنهُ إِلَّا ابْن عباد فَإِنَّهُ بَادر إِلَى لِقَائِه وأغراه بالكثير مِنْهُم فتقبض على ابْن رَشِيق الْبناء وَأمكن ابْن عباد مِنْهُ للعداوة الَّتِي بَينهمَا وَبعث جَيْشًا إِلَى المرية ففر عَنْهَا صَاحبهَا ابْن صمادح وَنزل بجاية من أَرض إفريقية وتوافق مُلُوك الطوائف على قطع المدد عَن عَسَاكِر أَمِير الْمُسلمين ومحلاته فسَاء نظره وَأَفْتَاهُ الْفُقَهَاء وَأهل الشورى من الْمغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الْأَمر من أَيْديهم وسارت إِلَيْهِ بذلك فَتَاوَى أهل الْمشرق الْأَعْلَام مثل الْغَزالِيّ والطرطوشي وَغَيرهمَا
فَعمد إِلَى غرناطة واستنزل صَاحبهَا عبد الله بن بلكين وأخاه تميما عَن مالقة بعد أَن كَانَ مِنْهُمَا مداخلة للطاغية فِي عَدَاوَة يُوسُف بن تاشفين وَبعث بهما إِلَى الْمغرب فخاف ابْن عباد عِنْد ذَلِك مِنْهُ وانقبض عَن لِقَائِه وفشت السعايات بَينهم ونهض أَمِير الْمُسلمين إِلَى سبتة فاستقر بهَا وَعقد للأمير سير بن أبي بكر على الأندلس وَأَجَازَهُ فَانْتهى إِلَيْهَا وَقعد ابْن عباد عَن تلقيه وميرته فأحفظه ذَلِك وطالبه بِالطَّاعَةِ لأمير الْمُسلمين وَالنُّزُول عَن الْأَمر ففسد ذَات بَينهمَا ثمَّ غَلبه على جَمِيع عمله ثمَّ صَمد إِلَى إشبيلية فحاصره بهَا واستنجد الطاغية فَعمد إِلَى استنقاذه من هَذَا الْحصار فَلم يغن
(2/55)

عَنهُ شَيْئا وَكَانَ دفاع لمتونة مِمَّا فت فِي عضده واقتحم المرابطون إشبيلية عنْوَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وتقبض سير على الْمُعْتَمد وقاده أَسِيرًا إِلَى مراكش فَلم يزل فِي اعتقال يُوسُف بن تاشفين إِلَى أَن هلك فِي محبسه من أغمات سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة
ثمَّ عمد إِلَى بطليوس وتقبض على صَاحبهَا عمر بن الْأَفْطَس فَقتله وابنيه يَوْم الْأَضْحَى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة بِمَا صَحَّ عِنْده من مداخلتهم الطاغية وَأَن يملكهُ مَدِينَة بطليوس
ورثاهم ألأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الْمجِيد بن عبدون بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي يَقُول فِي أَولهَا
(الدَّهْر يفجع بعد الْعين بالأثر ... فَمَا الْبكاء على الأشباح والصور)
وَهِي قصيدة غَرِيبَة فِي منوالها وموضوعها عدد فِيهَا أهل النكبات وَمن عثر بِهِ الزَّمَان بِمَا يبكي مِنْهُ الجماد وتستشرف لسماعه الأنجاد والوهاد
ثمَّ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْجَوَاز الثَّالِث إِلَى الأندلس سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة وزحف إِلَيْهِ الطاغية فَبعث أَمِير الْمُسلمين عَسَاكِر المرابطين لنظر مُحَمَّد بن الْحَاج اللمتوني فَانْهَزَمَ النَّصَارَى أَمَامه وَكَانَ الظُّهُور للْمُسلمين
ثمَّ أجَاز الْأَمِير يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف بن تاشفين سنة ثَلَاث وَتِسْعين وانضم إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَاج وسير بن أبي بكر فافتتحوا عَامَّة الأندلس من أَيدي مُلُوك الطوائف وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا سرقسطة فِي يَد المستعين بن هود معتصما بالنصارى وأغزى الْأَمِير مزدلي صَاحب بلنسية إِلَى بِلَاد برشلونة فأثخن فِيهَا وَبلغ إِلَى حَيْثُ لم يبلغ أحد قبله وَرجع وانتظمت بِلَاد الأندلس فِي ملكة يُوسُف بن تاشفين وانقرض ملك الطوائف مِنْهَا أجمع كَانَ لم يكن وَاسْتولى أَمِير الْمُسلمين على العدوتين مَعًا واتصلت هزائم المرابطين على الفرنج مرَارًا وَالله غَالب على أمره فَهَذَا كَلَام ابْن خلدون فِي سِيَاقه هَذِه الْأَخْبَار
(2/56)

وَاعْلَم أَنه قد يُوجد هُنَا لبَعض المؤرخين حط من رُتْبَة أَمِير الْمُسلمين وغض عَلَيْهِ إِمَّا فِي كَونه كَانَ بربريا من أهل الصَّحرَاء بَعيدا عَن مناحي الْملك وَالْأَدب ورقة الْحَاشِيَة وَإِمَّا فِي كَونه تحامل على مُلُوك الأندلس حَتَّى فعل بهم مَا فعل وَذَلِكَ حِين عاين حسن بِلَادهمْ ورفاهية عيشهم
وَاعْلَم أَن هَذَا الْكَلَام جدير بِالرَّدِّ وَأَصله من بعض أدباء الأندلس الَّذين كَانُوا ينادمون مُلُوكهَا ويستظلون بظلهم ويغدون وَيَرُوحُونَ فِي نعمتهم فحين فعل أَمِير الْمُسلمين بسادتهم وَرُؤَسَائِهِمْ مَا فعل أَخذهم من ذَلِك مَا يَأْخُذ النُّفُوس البشرية من الذب عَن الصّديق والمحاماة عَن الْقَرِيب حَتَّى بِاللِّسَانِ وَإِلَّا فقد كَانَ أَمِير الْمُسلمين رَحمَه الله من الدّين والورع على مَا قد علمت وَمن ركُوب الجادة وتحري طَرِيق الْحق على الْوَصْف الَّذِي سَمِعت
وَهَذَا ابْن خلدون إِمَام الْفَنّ ومتحري الصدْق قد نقل أَن مُلُوك الأندلس كَانُوا يظْلمُونَ رعاياهم بِضَرْب المكوس وَغَيرهَا ثمَّ وصلوا أَيْديهم بالطاغية وبذلوا لَهُ الْأَمْوَال فِي مظاهرته إيَّاهُم على أَمِير الْمُسلمين ثمَّ لم يقدم على قِتَالهمْ واستنزالهم عَن سَرِير ملكهم حَتَّى تعدّدت لَدَيْهِ فَتَاوَى الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل الْمشرق وَالْمغْرب بذلك فَافْهَم هَذَا واعرفه وَالله تَعَالَى يُقَابل الْجَمِيع بِالْعَفو والصفح الْجَمِيل بمنه وَكَرمه
بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين سوى مَا تقدم
قَالَ ابْن خلكان كَانَ أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين حازما سائسا للأمور ضابطا لمصَالح مَمْلَكَته مؤثرا لأهل الْعلم وَالدّين كثير المشورة لَهُم قَالَ وَبَلغنِي أَن الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ رَحمَه الله لما سمع مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْأَوْصَاف الحميدة وميله إِلَى أهل الْعلم عزم إِلَى
(2/57)

التَّوَجُّه إِلَيْهِ فوصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَشرع فِي تجهيز مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فجَاء إِلَيْهِ الْخَبَر بوفاته فَرجع عَن ذَلِك الْعَزْم قَالَ وَكنت وقفت على هَذَا الْفَصْل فِي بعض الْكتب وَقد ذهب عني فِي هَذَا الْوَقْت من أَيْن وجدته
وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين يُوسُف معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن نحيف الْجِسْم خَفِيف العارضين دَقِيق الصَّوْت
وَكَانَ يخْطب لبني الْعَبَّاس وَهُوَ أول من تسمى بأمير الْمُسلمين وَلم يزل على حَاله وعزه وسلطانه إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث خلون من الْمحرم سنة خَمْسمِائَة وعاش سبعين سنة ملك مِنْهَا مُدَّة خمسين سنة رَحمَه الله
وَقَالَ ابْن خلدون تسمى يُوسُف بن تاشفين بأمير الْمُسلمين وخاطب الْخَلِيفَة لعهده بِبَغْدَاد وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه العباسي وَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي الإشبيلي وَولده القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ الإِمَام الْمَشْهُور فتلطفا فِي القَوْل وأحسنا فِي الإبلاغ وطلبا من الْخَلِيفَة أَن يعْقد لأمير الْمُسلمين بالمغرب والأندلس فعقد لَهُ وتضمن ذَلِك مَكْتُوب من الْخَلِيفَة مَنْقُول فِي أَيدي النَّاس وانقلبا إِلَيْهِ بتقليد الْخَلِيفَة وَعَهده على مَا إِلَى نظره من الأقطار والأقاليم وخاطبه الإِمَام الْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر الطرطوشي يحضانه على الْعدْل والتمسك بِالْخَيرِ ثمَّ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْجَوَاز الرَّابِع إِلَى الأندلس سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة اه كَلَام ابْن خلدون
وَإِنَّمَا احْتَاجَ أَمِير الْمُسلمين إِلَى التَّقْلِيد من الْخَلِيفَة المستظهر بِاللَّه مَعَ أَنه كَانَ بَعيدا عَنهُ وَأقوى شوكته مِنْهُ لتَكون ولَايَته مستندة إِلَى الشَّرْع وَهَذَا من ورعه رَحمَه الله
وَإِنَّمَا تسمى بأمير الْمُسلمين دون أَمِير الْمُؤمنِينَ أدبا مَعَ الْخَلِيفَة حَتَّى لَا يُشَارِكهُ فِي لقبه لِأَن لقب أَمِير الْمُؤمنِينَ خَاص بالخليفة والخليفة من قُرَيْش كَمَا فِي الحَدِيث فَافْهَم
(2/58)

وَمن أَخْبَار يُوسُف بن تاشفين أَيْضا مَا نَقله غير وَاحِد من الْأَئِمَّة أَن أَمِير الْمُسلمين طلب من أهل الْبِلَاد المغربية والأندلسية المعاونة بِشَيْء من المَال على مَا هُوَ بصدده من الْجِهَاد وَأَنه كَاتب إِلَى قَاضِي المرية أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى عرف بِابْن الْبَراء يَأْمُرهُ بِفَرْض مَعُونَة المرية وَيُرْسل بهَا إِلَيْهِ فَامْتنعَ مُحَمَّد بن يحيى من فَرضهَا وَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ بِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك فَأَجَابَهُ أَمِير الْمُسلمين بِأَن الْقُضَاة عِنْدِي وَالْفُقَهَاء قد أباحوا فَرضهَا وَأَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قد فَرضهَا فِي زَمَانه فَرَاجعه القَاضِي عَن ذَلِك بِكِتَاب يَقُول فِيهِ الْحَمد لله الَّذِي إِلَيْهِ مآبنا وَعَلِيهِ حسابنا وَبعد فقد بَلغنِي مَا ذكره أَمِير الْمُسلمين من اقْتِضَاء المعونة وتأخري عَن ذَلِك وَإِن أَبَا الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَجَمِيع الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء بالعدوة والأندلس أفتوه بِأَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ اقتضاها فالقضاة وَالْفُقَهَاء إِلَى النَّار دون زَبَانِيَة فَإِن كَانَ عمر اقتضاها فقد كَانَ صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ووزيره وضجيعه فِي قَبره وَلَا يشك فِي عدله وَلَيْسَ أَمِير الْمُسلمين بِصَاحِب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بوزيره وَلَا بضجيعه فِي قَبره وَلَا مِمَّن لَا يشك فِي عدله فَإِن كَانَ الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء أنزلوك مَنْزِلَته فِي الْعدْل فَالله تَعَالَى سائلهم وحسيبهم عَن تقلدهم فِيك وَمَا اقتضاها عمر رَضِي الله عَنهُ حَتَّى دخل مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحضر من كَانَ مَعَه من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَحلف أَن لَيْسَ عِنْده فِي بَيت مَال الْمُسلمين دِرْهَم وَاحِد يُنْفِقهُ عَلَيْهِم فَلْيدْخلْ أَمِير الْمُسلمين الْمَسْجِد الْجَامِع بِحَضْرَة من هُنَاكَ من أهل الْعلم وليحلف أَن لَيْسَ عِنْده فِي بَيت مَال الْمُسلمين دِرْهَم يُنْفِقهُ عَلَيْهِم وَحِينَئِذٍ تجب معونته وَالله تَعَالَى على ذَلِك كُله وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته فَلَمَّا بلغ كِتَابه إِلَى أَمِير الْمُسلمين وعظه الله بقوله وَلم يعد عَلَيْهِ فِي ذَلِك قولا والأعمال بِالنِّيَّاتِ
وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين حِين ورد عَلَيْهِ التَّقْلِيد من الْخَلِيفَة ضرب السِّكَّة
(2/59)

باسمه وَنقش على الدِّينَار لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَتَحْت ذَلِك أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين وَكتب على الدائرة {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين} وَكتب على الصفحة الْأُخْرَى عبد الله أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ العباسي وعَلى الدائرة تَارِيخ ضربه وَمَوْضِع سكته
وَكَانَ ملكه قد انْتهى إِلَى مَدِينَة أفراغه من قاصية شَرق الأندلس وَإِلَى مَدِينَة أشبونة على الْبَحْر الْمُحِيط من بَحر الأندلس وَذَلِكَ مسيرَة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا طولا وَفِي الْعرض مَا يقرب من ذَلِك
وَملك بعدوة الْمغرب من جزائر بني مذغنة إِلَى طنجة إِلَى آخر السوس الْأَقْصَى إِلَى جبال الذَّهَب من بِلَاد السودَان
وَلم ير فِي بلد من بِلَاده وَلَا عمل من أَعماله على طول أَيَّامه رسم مكس وَلَا خراج لَا فِي حَاضِرَة وَلَا فِي بادية إِلَّا مَا أَمر الله بِهِ وأوجبه حكم الْكتاب وَالسّنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذِّمَّة وأخماس الْغَنَائِم
وَقد جبى فِي ذَلِك من الْأَمْوَال على وَجههَا مَا لم يجِيبه أحد قبله يُقَال إِنَّه وجد فِي بَيت مَاله بعد وَفَاته ثَلَاثَة عشر ألف ربع من الْوَرق وَخَمْسَة آلَاف وَأَرْبَعُونَ ربعا من مطبوع الذَّهَب
وَكَانَ رَحمَه الله زاهدا فِي زِينَة الدُّنْيَا وزهرتها ورعا متقشفا لِبَاسه الصُّوف لم يلبس قطّ غَيره ومأكله الشّعير وَلُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا مُقْتَصرا على ذَلِك لم ينْقل عَنهُ مُدَّة عمره على مَا منحه الله من سَعَة الْملك وخوله من نعْمَة الدُّنْيَا وَقد رد أَحْكَام الْبِلَاد إِلَى الْقُضَاة وَأسْقط مَا دون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَكَانَ يسير فِي أَعماله بِنَفسِهِ فيتفقد أَحْوَال الرّعية فِي كل سنة وَكَانَ محبا للفقهاء وَأهل الْعلم وَالْفضل مكرما لَهُم صادرا عَن رَأْيهمْ يجْرِي عَلَيْهِم أَرْزَاقهم من بَيت المَال وَكَانَ مَعَ ذَلِك حسن الْأَخْلَاق متواضعا كثير الْحيَاء جَامعا لخصال الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
(2/60)

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُسلمين أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني

لما توفى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بَايع النَّاس ابْنه عَليّ بن يُوسُف الْمَذْكُور بمراكش بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ وَتسَمى بأمير الْمُسلمين
وَكَانَ سنه يَوْم بُويِعَ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَملك من الْبِلَاد مَا لم يملكهُ أَبوهُ لِأَنَّهُ صَادف الْبِلَاد سَاكِنة وَالْأَمْوَال وافرة والرعايا آمِنَة بِانْقِطَاع الثوار واجتماع الْكَلِمَة وسلك طَرِيقه أَبِيه فِي جَمِيع أُمُوره واهتدى بهديه
خُرُوج يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف بن تاشفين على عَمه أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين

لما توفّي أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين سجاه ابْنه عَليّ بن يُوسُف بِثَوْبِهِ وَخرج إِلَى المرابطين وَيَده فِي يَد أَخِيه أبي الطَّاهِر تَمِيم بن يُوسُف فَبَايعهُ ثمَّ قَالَ للمرابطين قومُوا فَبَايعُوا أَمِير الْمُسلمين فَبَايعهُ جَمِيع من حضر من لمتونة وَسَائِر قبائل صنهاجة وَبَايَعَهُ الْفُقَهَاء وأشياخ الْقَبَائِل فتمت لَهُ الْبيعَة بمراكش
ثمَّ كتب إِلَى سَائِر بِلَاد الْمغرب والأندلس وبلاد الْقبْلَة يعلمهُمْ بوفاة أَبِيه واستخلافه من بعده وَيَأْمُرهُمْ بالبيعة فَأَتَتْهُ الْبيعَة من جَمِيع الْبِلَاد وَأَقْبَلت نَحوه الْوُفُود للتعزية والتهنئة إِلَّا أهل مَدِينَة فاس فَإِن ابْن أَخِيه يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا من قبل جده يُوسُف فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر بِمَوْت جده وَولَايَة عَمه عظم عَلَيْهِ ذَلِك وأنف من مبايعة عَمه فَخرج عَلَيْهِ وَوَافَقَهُ على ذَلِك جمَاعَة من قواد لمتونة فزحف إِلَيْهِ عَليّ بن يُوسُف من
(2/61)

مراكش حَتَّى إِذا دنا من فاس خَافَ يحيى بن أبي بكر على نَفسه وَعلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِحَرب عَمه فَأسلم فاسا لِعَمِّهِ وَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب فَدَخلَهَا عَليّ بن يُوسُف يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن من ربيع الآخر سنة خَمْسمِائَة واستقام لَهُ الْأَمر
وَقيل إِن عَليّ بن يُوسُف لما دنا من فاس نزل بِمَدِينَة مغيلة من أحوازها ثمَّ كتب إِلَى ابْن أَخِيه يعاتبه على مَا ارْتَكَبهُ من الْخلاف ويدعوه إِلَى الدُّخُول فِي الطَّاعَة كَمَا دخل النَّاس وَكتب كتابا آخر إِلَى أَشْيَاخ الْبَلَد يَدعُوهُم فِيهِ إِلَى بيعَته ويتوعدهم فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى يحيى وقرأه جمع أهل الْبَلَد واستشارهم فِي الْمُقَاتلَة والحصار فَلم يوافقوه فَلَمَّا يئس مِنْهُم خرج فَارًّا إِلَى مزدلي بن تيلكان وَكَانَ عَاملا على تلمسان فَلَقِيَهُ مزدلي بوادي ملوية مُقبلا برسم الْبيعَة لعَلي بن يُوسُف فَأعلمهُ يحيى بِمَا كَانَ من شَأْنه فضمن لَهُ مزدلي عَن عَمه الْعَفو والصفح فَرجع مَعَه حَتَّى إِذا وصلا إِلَى فاس دخل مزدلي على أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف وَنزل يحيى مستخفيا بحومة وَادي شردوع
وَلما اجْتمع مزدلي بأمير الْمُسلمين وَسلم عَلَيْهِ وَرَأى مِنْهُ إِكْرَاما وقبولا أعلمهُ بِخَبَر يحيى وَمَا ضمن لَهُ من الْعَفو فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَفا عَنهُ وأمنه ثمَّ جَاءَ يحيى فَبَايعهُ وخيره أَمِير الْمُسلمين بَين أَن يسكن بِجَزِيرَة ميروقة بشرق الأندلس أَو ينْصَرف إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء فَاخْتَارَ الصَّحرَاء فَانْصَرف إِلَيْهَا ثمَّ سَافر مِنْهَا إِلَى الْحجاز فحج الْبَيْت وَرجع إِلَى عَمه فاستأذنه أَن يكون فِي جملَته وَيكون سكناهُ مَعَه بِحَضْرَة مراكش فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فسكنها مُدَّة ثمَّ اتهمه عَمه بالتشغيب عَلَيْهِ فثقفه وَبعث بِهِ إِلَى الجزيرة الخضراء فاستمر بهَا إِلَى أَن مَاتَ
(2/62)

أَخْبَار الْوُلَاة بالمغرب والأندلس

لما بُويِعَ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف عزل عَن قرطبة الْأَمِير أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْحَاج اللمتوني وَولى مَكَانَهُ الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أبي زلفى فغزا طليطلة وأوقع بالنصارى فَقَتلهُمْ قتلا ذريعا بِبَاب القنطرة أَخذهم على غرَّة
وَفِي سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة عزل أَمِير الْمُسلمين أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف بن تاشفين عَن بِلَاد الْمغرب وَولى مَكَانَهُ أَبَا عبد الله بن الْحَاج فَأَقَامَ واليا على فاس وَسَائِر أَعمال الْمغرب نَحْو سِتَّة أشهر ثمَّ عَزله وولاه بلنسية وأعمالها من بِلَاد شَرق الأندلس
وَلما عزل أَمِير الْمُسلمين أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف عَن بِلَاد الْمغرب ولاه غرناطة وأعمالها من بِلَاد الأندلس فَكَانَت لَهُ على النَّصَارَى وقْعَة أفليج وَذَلِكَ أَنه خرج غازيا بِلَاد الفرنج سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة فَنزل حصن أفليج وَبِه جمع عَظِيم من الفرنج فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى اقتحم عَلَيْهِم الْحصن فأرز النَّصَارَى إِلَى القصبة فَتَحَصَّنُوا بهَا وانْتهى خبرهم إِلَى الفنش فاستعد لِلْخُرُوجِ لإغاثتهم فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ زَوجته أَن يبْعَث وَلَده عوضا مِنْهُ لِأَن تَمِيم بن يُوسُف ابْن ملك الْمُسلمين وسانجة ابْن ملك النَّصَارَى فامتثل إشارتها وَبعث وَلَده سانجة فِي جَيش كثيف من زعماء الفرنج وأنجادهم فَسَار حَتَّى إِذا دنا من أفليج أخبر تَمِيم بن يُوسُف بمقدمه فعزم على الإفراج عَن الْحصن وَأَن لَا يلقى الفرنج فَأَشَارَ عَلَيْهِ قواد لمتونة مِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد ابْن فَاطِمَة وَمُحَمّد بن عَائِشَة وَغَيرهم بالْمقَام وشجعوه وهونوا عَلَيْهِ أَمرهم فَقَالُوا إِنَّمَا قدمُوا فِي ثَلَاثَة آلَاف فَارس وبيننا وَبينهمْ مَسَافَة فَرجع إِلَى رَأْيهمْ فَلم يكن إِلَّا عشي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى وافتهم جيوش الفرنج فِي أُلُوف
(2/63)

كَثِيرَة فهم تَمِيم بالفرار فَلم يجد لَهُ سَبِيلا ثمَّ صمم قواد لمتونة على مناجزة الْعَدو وصمدوا إِلَيْهِ فَكَانَت بَينهم حَرْب عَظِيمَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا فَهزمَ الله تَعَالَى الْعَدو وَنصر الْمُسلمين وَقتل ولد الفنش وَقتل مَعَه من الرّوم ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ألفا ونيف وَدخل الْمُسلمُونَ أفليج بِالسَّيْفِ عنْوَة وَاسْتشْهدَ فِي هَذِه الْوَقْعَة جمَاعَة من الْمُسلمين رَحِمهم الله واتصل الْخَبَر بالفنش فَاغْتَمَّ لقتل وَلَده وَأخذ بَلَده وهلاك جنده فَمَرض وَمَات أسفا لعشرين يَوْمًا من الْوَقْعَة وَكتب تَمِيم بن يُوسُف إِلَى أَمِير الْمُسلمين بِالْفَتْح
وَاعْلَم أَنه يُقَال فِي مُلُوك الجلالقة الَّذين نسميهم الْيَوْم الإصبنيول الأذفونش وَيُقَال الفنش فَقَالَ ابْن خلكان الأذفونش بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا نون ثمَّ شين مُعْجمَة هُوَ اسْم لأكبر مُلُوك الإفرنج وَهُوَ صَاحب طليطلة وَقَالَ ابْن خلدون بَنو أذفونش هم ولد أذفونش بن بطرة أول مُلُوك الجلالقة اه وَأما قَوْلهم الفنش فَهُوَ اسْم علم لبَعض مُلُوكهمْ وَلَيْسَ لقبا لجميعهم
وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحَاج رَحمَه الله مُدَّة مقَامه ببلنسية قد ضيق على النَّصَارَى تضييقا فَاحِشا بالغارات والنهب فَخرج فِي غزَاة لَهُ ذَات مرّة فَأخذ على طَرِيق الْبَريَّة فغنم وسبى وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من قواد لمتونة فَبعث بالمغنم على الطَّرِيق الْكَبِير وَأخذ هُوَ على بَريَّة تقرب من بِلَاد الْمُسلمين وَكَانَ أَكثر النَّاس مَعَ الْمغنم وَكَانَ طَرِيق الْبَريَّة الَّذِي أَخذ عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَاج لَا يسْلك إِلَّا على سرب وَاحِد لصعوبته وَشدَّة وعورته فَلَمَّا توسطه مُحَمَّد بن الْحَاج وأخذته الأوعار والمضايق من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وجد النَّصَارَى قد كمنوا لَهُ فِي جِهَة من تِلْكَ الْجِهَات فَقَاتلهُمْ قتال من أَيقَن بِالْمَوْتِ واغتنم الشَّهَادَة إِذْ لم يجد منفذا يخلص مِنْهُ فاستشهد رَحمَه الله وَاسْتشْهدَ مَعَه جمَاعَة من المتطوعة وتخلص مِنْهُم الْقَائِد مُحَمَّد بن عَائِشَة فِي نفر يسير بحيلة أعملها
(2/64)

واتصل خبر الْوَقْعَة بأمير الْمُسلمين فآسفه موت أبي عبد الله بن الْحَاج وَولى مَكَانَهُ أَبَا بكر بن إِبْرَاهِيم بن تافلوت وَهُوَ ممدوح بن خفاجة ومخدوم أبي بكر بن باجة الْحَكِيم الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ وَكَانَ عَاملا على مرسية فوصل إِلَيْهِ الْعَهْد بِالْولَايَةِ على بلنسية وطرطوشة وَمَا والاهما وَهُوَ بمرسية ثمَّ خرج بِجَيْش مرسية الى بلنسية فَاجْتمع إِلَيْهِ من كَانَ بهَا من الْجند ثمَّ زحف بهم إِلَى برشلونة فنازلها وَأقَام عَلَيْهَا عشْرين يَوْمًا فانتسف مَا حولهَا وَقطع ثمارها وَخرب قراها فَأَتَاهُ ابْن رذمير من قرَابَة الأذفونش فِي جيوش كَثِيرَة من حشود بسيط برشلونة وبلاد أربونة فَكَانَت بَينهم حَرْب عَظِيمَة مَاتَ فِيهَا خلق كثير من الفرنج وَاسْتشْهدَ فِيهَا من الْمُسلمين نَحْو السبعمائة رَحِمهم الله تَعَالَى
أَخْبَار أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فِي الْجِهَاد وجوازه الأول إِلَى بِلَاد الأندلس

لما دخلت سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة جَازَ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد فَعبر الْبَحْر من سبتة منتصف الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة فِي جيوش عَظِيمَة تزيد على مائَة ألف فَارس فَانْتهى إِلَى قرطبة فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ خرج مِنْهَا غازيا إِلَى مَدِينَة طلايوت فَفَتحهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ وَفتح من أَعمال طليطلة سَبْعَة وَعشْرين حصنا وَفتح مجريط ووادي الْحِجَارَة وانْتهى إِلَى طليطلة فحاصرها شهرا وانتسف مَا حولهَا وَبَالغ فِي النكاية ثمَّ قفل إِلَى قرطبة بعد أَن دوخ الْبِلَاد
وَفِي سنة أَربع وَخَمْسمِائة فتح الْأَمِير سير بن أبي بكر شنترين
(2/65)

وبطليوس ويابورة وبرتغال وأشبونة وَغير ذَلِك من بِلَاد غرب الأندلس وَكَانَ ذَلِك فِي شهر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكتب بِالْفَتْح إِلَى أَمِير الْمُسلمين
وَفِي سنة سبع وَخَمْسمِائة توفّي الْأَمِير سير بن أبي بكر بإشبيلية وَدفن بهَا وَولي إشبيلية عوضا مِنْهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن فَاطِمَة فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي سنة عشر وَخَمْسمِائة
وَفِي سنة سبع الْمَذْكُورَة غزا الْأَمِير مزدلي طليطلة وأعمالها فدوخها وَفتح حصن أرجنة عنْوَة فَقتل الْمُقَاتلَة وسبى النِّسَاء والذرية واتصل الْخَبَر بالبرهانس كَبِير الفرنج فَأقبل لنصرتهم واستنقاذهم فصمد الْقَائِد مزدلي للقائه ففر أَمَامه لَيْلًا وَعَاد مزدلي إِلَى قرطبة ظافرا غانما
ثمَّ كَانَت لَهُ فِي الفرنج وقائع أُخْرَى إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله غازيا بِبِلَاد الفرنج سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة فولى أَمِير الْمُسلمين مَكَانَهُ على قرطبة ابْنه مُحَمَّد بن مزدلي فَأَقَامَ واليا عَلَيْهَا ثَلَاثَة أشهر ثمَّ توفّي شَهِيدا فِي بعض غَزَوَاته أَيْضا
اسْتِيلَاء الْعَدو على سرقسطة

كَانَت سرقسطة وأعمالها من شَرق الأندلس بيد بني هود الجذاميين تغلبُوا عَلَيْهَا فِي صدر الْمِائَة الْخَامِسَة أَيَّام الطوائف وتوارثوها إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم أَحْمد بن يُوسُف الملقب بالمستعين بِاللَّه فزحف إِلَيْهِ ابْن رذمير سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة فَخرج إِلَيْهِ المستعين فَالْتَقوا بِظَاهِر سرقسطة فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَاسْتشْهدَ مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم المستعين بن هود
ثمَّ لما كَانَت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَصَاحب سرقسطة يَوْمئِذٍ عبد الْملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة زحف ابْن رذمير
(2/66)

إِلَيْهَا وزحف الفنش أَيْضا فِي أُمَم من النَّصْرَانِيَّة إِلَى لاردة من بِلَاد الْجوف فنازلها واتصل الْخَبَر بأمير الْمُسلمين فَكتب إِلَى أُمَرَاء غرب الأندلس يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ إِلَى أَخِيه تَمِيم بن يُوسُف وَكَانَ يَوْمئِذٍ واليا على شَرق الأندلس فيسيرون مَعَه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة فَقدم على تَمِيم عبد الله بن مزدلي وَأَبُو يحيى بن تاشفين صَاحب قرطبة بعساكرهما فَخرج تَمِيم بن يُوسُف من بلنسية مَعَ أُمَرَاء الأندلس فصمد نَحْو لاردة وَكَانَ بَينه وَبَين الفنش قتال عَظِيم أزعجه عَن لاردة خاسئا صاغرا بعد أَن بذل جهده فِي حصارها وأفقد من جيوشه عَلَيْهَا مَا يزِيد على الْعشْرَة آلَاف فَارس وَرجع تَمِيم إِلَى بلنسية
وَلما رأى ابْن رذمير ذَلِك بعث إِلَى طوائف الإفرنج يستصرخهم على سرقسطة فَأتوا فِي أُمَم كالنمل حَتَّى نازلها مَعَه وشرعوا فِي الْقِتَال وصنعوا أبراجا من خشب تجْرِي على بَرَكَات وقربوها مِنْهَا ونصبوا فِيهَا الرعادات ونصبوا عَلَيْهَا عشْرين منجنيقا وَقَوي طمعهم فِيهَا فَاشْتَدَّ الْحصار وَاسْتمرّ حَتَّى فنيت الأقوات وَهلك أَكثر النَّاس جوعا فراسل الْمُسلمُونَ الَّذين بهَا ابْن رذمير على أَن يرفع عَنْهُم الْقِتَال إِلَى أجل فَإِن لم يَأْتِيهم من ينصرهم أخلوا لَهُ الْبَلَد وأسلموه إِلَيْهِ فعاهدهم على ذَلِك فتم الْأَجَل وَلم يَأْتهمْ أحد فدفعوا إِلَيْهِ الْمَدِينَة وَخَرجُوا إِلَى مرسية وبلنسية وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة وَبعد اسْتِيلَاء النَّصَارَى عَلَيْهَا وصل من بر العدوة جَيش فِيهِ عشرَة آلَاف فَارس بَعثه أَمِير الْمُسلمين لاستنقاذها فوجدوها قد فرغ مِنْهُ وَنفذ حكم الله فِيهَا
وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة تغلب ابْن رذمير على بِلَاد شَرق الأندلس وَملك قلعة أَيُّوب الَّتِي لَيْسَ فِي بِلَاد شَرق الأندلس أمنع مِنْهَا وألح بالغارات على بِلَاد الْجوف فاتصلت هَذِه الْأَخْبَار بأمير الْمُسلمين وَهُوَ بمراكش فَجَاز إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد وَضبط الثغور وَهُوَ جَوَازه الثَّانِي
(2/67)

فَجَاز مَعَه خلق كثير من المرابطين والمتطوعة من الْعَرَب وزناتة والمصامدة وَسَائِر قبائل البربر فوصل بجيوشه إِلَى قرطبة وَنزل خَارِجهَا وأتته وُفُود الأندلس للسلام عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَن أَحْوَال بِلَادهمْ وثغورهم بَلَدا بَلَدا فعرفوه بِمَا كَانَ
وعزل القَاضِي أَبَا الْوَلِيد بن رشد عَن قَضَاء قرطبة وَولى مَكَانَهُ أَبَا الْقَاسِم بن حمدين وَيُقَال إِنَّمَا عزل ابْن رشد لِأَنَّهُ استعفاه وَكَانَ قد اشْتغل بتأليف الْبَيَان والتحصيل
ثمَّ سَار أَمِير الْمُسلمين حَتَّى نزل على مَدِينَة شنتمرية فَفَتحهَا عنْوَة وَسَار فِي بِلَاد الفرنج يقتل وَيَسْبِي وَيقطع الثِّمَار وَيخرب الْقرى والديار حَتَّى دوخ بِلَاد غرب الأندلس وفر أَمَامه الفرنج وتحصنوا بالمعاقل المنيعة
وَفِي سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة عَاد أَمِير الْمُسلمين إِلَى بِلَاد العدوة بعد أَن ولى أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف على جَمِيع بِلَاد الأندلس فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة
ولَايَة الْأَمِير تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف على بِلَاد الأندلس وأخباره فِي الْجِهَاد

لما توفّي الْأَمِير تَمِيم بن يُوسُف فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولى أَمِير الْمُسلمين على بِلَاد الأندلس ابْنه تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف مَا عدا الجزائر الشرقية فَإِنَّهُ قد عقد عَلَيْهَا لمُحَمد بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية فَعبر الْأَمِير تاشفين الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي خَمْسَة آلَاف من الْجند وَبعث إِلَى أجناد الْبِلَاد فَأتوهُ فَخرج بهم غازيا طليطلة فَفتح بعض حصونها بِالسَّيْفِ وانتسف مَا حولهَا
وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة هزم الْأَمِير تاشفين
(2/68)

النَّصَارَى بفحص الصباب وقتلهم قتلا ذريعا وَفتح ثَلَاثِينَ حصنا من حصون غرب الأندلس وَكتب بِالْفَتْح إِلَى أَبِيه
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة هزم الْأَمِير تاشفين جموع الفرنج بفحص عَطِيَّة وأفنى مِنْهُم خلقا كثيرا بِالسَّيْفِ
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بعْدهَا دخل الْأَمِير تاشفين مَدِينَة كركى بِالسَّيْفِ فَلم يبْق بهَا بشرا
وَفِي سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ بعْدهَا جَازَ الْأَمِير تاشفين من الأندلس إِلَى الْمغرب بعد أَن غزا مَدِينَة أشكونية فَفَتحهَا عنْوَة وَحمل مَعَه من سبيهَا إِلَى العدوة سِتَّة آلَاف سبية فَانْتهى إِلَى مراكش وَخرج أَمِير الْمُسلمين للقائه فِي زِيّ عَظِيم وسرور كَبِير
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا أَخذ أَمِير الْمُسلمين الْبيعَة لوَلَده تاشفين
وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة كَانَت وَفَاة أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني رَحمَه الله وَذَلِكَ لسبع خلون من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة قَالَ ابْن خلكان كَانَ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين رجلا حَلِيمًا وقورا صَالحا عادلا منقادا إِلَى الْحق وَالْعُلَمَاء تجبى إِلَيْهِ الْأَمْوَال من الْبِلَاد وَلم يزعزعه عَن سَرِيره قطّ حَادث وَلَا طَاف بِهِ مَكْرُوه
قلت قد طَاف بِهِ فِي آخر دولته أعظم مَكْرُوه وَذَلِكَ مُحَمَّد بن تومرت النابغ تَحت إبطه بحبال المصامدة كَمَا يَأْتِي خَبره إِن شَاءَ الله
(2/69)

الْخَبَر عَن دولة أبي الْمعز تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف ابْن تاشفين اللمتوني
لما توفّي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولي بعده ابْنه أَبُو الْمعز تاشفين بن عَليّ بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ وَأخذ بِطَاعَتِهِ وبيعته أهل العدوتين مَعًا كَمَا كَانُوا فِي عهد أَبِيه
وَكَانَ أَمر عبد الْمُؤمن بن عَليّ يَوْمئِذٍ قد استفحل بتينملل وَسَائِر بِلَاد المصامدة أهل جبل درن قَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ تاشفين بن عَليّ قد اسْتَخْلَفَهُ أَبوهُ على بِلَاد الأندلس ثمَّ استقدمه لمدافعة أَصْحَاب مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين فَلم ينجح أمره بِخِلَاف مَا عوده الله فِي بِلَاد الأندلس من النَّصْر لما قَضَاهُ الله من الإدبار على دولتهم
وَلما خرج عبد الْمُؤمن بن عَليّ من تينملل يُرِيد فتح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ مسيره على طَرِيق الْجبَال سير أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف ابْنه تاشفين الْمَذْكُور مُعَارضا لَهُ على طَرِيق السهل وَأَقَامُوا على ذَلِك مُدَّة توفّي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فِي أَثْنَائِهَا وأفضى الْأَمر إِلَى ابْنه تاشفين وَهُوَ فِي الْحَرْب
وَقدم أهل مراكش إِسْحَاق بن عَليّ بن تاشفين نَائِبا عَن أَخِيه تاشفين بمراكش وأعمالها وَمضى تاشفين بعد الْبيعَة لَهُ مُتبعا لعبد الْمُؤمن حَتَّى انتهيا تلمسان فَنزل عبد الْمُؤمن بكهف الضَّحَّاك بَين الصخرتين من جبل تيطرى المطل عَلَيْهَا وَنزل تاشفين بالبسيط مِمَّا يَلِي الصفصاف وَوَصله هُنَاكَ مدد صنهاجة من قبل يحيى بن الْعَزِيز صَاحب بجاية مَعَ قائده طَاهِر بن كباب لعصبية الصنهاجية وَفِي يَوْم وُصُوله أشرف على عَسْكَر الْمُوَحِّدين وَكَانَ يدل بإقدام وشجاعة فَقَالَ لجيش لمتونة إِنَّمَا جِئتُكُمْ لأخلصكم من صَاحبكُم عبد الْمُؤمن هَذَا وأرجع إِلَى قومِي فامتعض تاشفين لكلمته وَأذن لَهُ فِي المناجزة فَحمل على الْقَوْم فَرَكبُوا وصمموا للقائه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ
(2/70)