Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 002



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وبعسكره وَكَانَ الموحدون قد قتلوا قبل ذَلِك الروبرتير قَائِد تاشفين على الرّوم وَقتلُوا عسكره فِي بعض الغارات ثمَّ فتكوا بعسكر ثَالِث من عَسَاكِر تاشفين ونالوا مِنْهُ أعظم النّيل
وَفِي القرطاس زحف المرابطون لقِتَال الْمُوَحِّدين فنهاهم تاشفين فَلم ينْتَهوا وتعلقوا فِي الْجَبَل لقتالهم فهبط عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم هزيمَة شنعاء
وَلما توالت هَذِه الوقائع على تاشفين أجمع الرحلة إِلَى وهران فَبعث ابْنه إِبْرَاهِيم ولي عَهده إِلَى مراكش فِي جمَاعَة من لمتونة وَبعث كَاتبا مَعَه أَحْمد بن عَطِيَّة ورحل هُوَ إِلَى وهران سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا ينْتَظر قَائِد أسطوله مُحَمَّد بن مَيْمُون إِلَى أَن وصل إِلَيْهِ من المرية بِعشْرَة أساطيل فأرسى قَرِيبا من مُعَسْكَره وزحف عبد الْمُؤمن من تلمسان وَبعث فِي مقدمته الشَّيْخ أَبَا حَفْص عمر بن يحيى فقدموا وهران وفضوا جموع المرابطين الَّذين بهَا ولجأ تاشفين إِلَى رابية هُنَاكَ فأحدقوا بهَا وأضرموا النيرَان حولهَا حَتَّى إِذا غشيهم اللَّيْل خرج تاشفين من الْحصن رَاكِبًا على فرسه فتردى من بعض حافات الْجَبَل وَهلك لسبع وَعشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَنَجَا فل الْعَسْكَر إِلَى وهران فانحصروا مَعَ أَهلهَا حَتَّى جهدهمْ الْعَطش ونزلوا جَمِيعًا على حكم عبد الْمُؤمن يَوْم عيد الْفطر من السّنة الْمَذْكُورَة فَأتى عَلَيْهِم الْقَتْل رَحِمهم الله
وَقَالَ فِي القرطاس إِن تاشفين بن عَليّ خرج ذَات لَيْلَة وَهُوَ بوهران ليضْرب فِي محلّة الْمُوَحِّدين فتكاثرت عَلَيْهِ الْخَيل وَالرجل ففر أمامهم وَكَانَ بجبل عَال مشرف على الْبَحْر فَظن أَن الأَرْض مُتَّصِلَة بِهِ فَأَهوى من شَاهِق بِإِزَاءِ رابطة وهران فَمَاتَ رَحمَه الله وَكَانَ ذَلِك فِي لَيْلَة مظْلمَة ممطرة وَهِي لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة آنِفا
(2/71)

فَوجدَ من الْغَد بِإِزَاءِ الْبَحْر مَيتا فاحتز رَأسه وَحمل إِلَى تينملل فعلق على شَجَرَة هُنَاكَ وَذَلِكَ بعد مُلَازمَة الْحَرْب مَعَ الْمُوَحِّدين فِي الْبَيْدَاء لم يأو إِلَى ظلّ قطّ من يَوْم بُويِعَ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنتَيْن وشهرا وَنصف شهر
وَقَالَ ابْن خلكان لما تَيَقّن تاشفين بن عَليّ أَن دولتهم ستزول أَتَى مَدِينَة وهران وَهِي على الْبَحْر وَقصد أَن يَجْعَلهَا مقره فَإِن غلب على الْأَمر ركب مِنْهَا إِلَى الأندلس وَكَانَ فِي ظَاهر وهران ربوة على الْبَحْر تسمى صلب الْكَلْب وبأعلاها رِبَاط يأوي إِلَيْهِ المتعبدون وَفِي لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة صعد تاشفين إِلَى ذَلِك الرِّبَاط ليحضر الْخَتْم فِي جمَاعَة يسيرَة من خواصه وَكَانَ عبد الْمُؤمن بجمعه فِي تاكرارت وَهِي وَطنه وَاتفقَ أَنه أرسل منسرا من الْخَيل إِلَى وهران فوصلوها فِي الْيَوْم السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان ومقدمهم الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى صَاحب الْمهْدي فكمنوا عَشِيَّة وأعلموا بانفراد تاشفين فِي ذَلِك الرِّبَاط فقصدوه وَأَحَاطُوا بِهِ وأحرقوا بَابه فأيقن الَّذين فِيهِ بِالْهَلَاكِ فَخرج رَاكِبًا فرسه وَشد الركض عَلَيْهِ ليثب الْفرس النَّار وينجو فترامى الْفرس نازيا لروعته وَلم يملكهُ اللجام حَتَّى تردى من جرف هُنَالك إِلَى جِهَة الْبَحْر على حِجَارَة فِي مَحل وعر فتكسر الْفرس وَهلك تاشفين فِي الْوَقْت وَقتل الْخَواص الَّذين كَانُوا مَعَه وَكَانَ عسكره فِي نَاحيَة أُخْرَى لَا علم لَهُم بِمَا جرى فِي ذَلِك اللَّيْل وَجَاء الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الْمُؤمن فوصل إِلَى وهران وَسمي ذَلِك الْموضع الَّذِي فِيهِ الرِّبَاط صلب الْفَتْح وَمن ذَلِك الْوَقْت نزل عبد الْمُؤمن من الْجَبَل إِلَى السهل ثمَّ توجه إِلَى تلمسان وَهِي مدينتان قديمَة وحادثة بَينهمَا شوط فرس ثمَّ توجه إِلَى فاس فحاصرها وَاسْتولى عَلَيْهَا سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ قصد مراكش سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بعْدهَا فحاصرها أحد عشر شهرا وفيهَا إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين
(2/72)

وَجَمَاعَة من مَشَايِخ دولتهم فقدموه بعد موت أَبِيه عَليّ بن يُوسُف نَائِبا عَن أَخِيه تاشفين فاستولى عَلَيْهَا وَقد بلغ الْقَحْط من أَهلهَا كل مبلغ وَأخرج إِلَيْهِ إِسْحَاق بن عَليّ وَمَعَهُ سير بن الْحَاج وَكَانَ من الشجعان وَمن خَواص دولتهم وَكَانَا مكتوفين وَإِسْحَاق دون بُلُوغ فعزم عبد الْمُؤمن أَن يعْفُو عَن إِسْحَاق لصِغَر سنه فَلم يُوَافقهُ خواصه وَكَانَ لَا يخالفهم فخلى بَينهم وَبَينهمَا فَقَتَلُوهُمَا ثمَّ نزل عبد الْمُؤمن الْقصر وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
وَقَالَ ابْن خلدون أَقَامَ الموحدون على مراكش تِسْعَة اشهر وأمير الملثمين يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بَايعُوهُ صَبيا صَغِيرا عِنْد بُلُوغ خبر أَخِيه وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار وَجَهْدهمْ الْجُوع برزوا إِلَى مدافعة الْمُوَحِّدين فَانْهَزَمُوا وتتبعهم الموحدون بِالْقَتْلِ واقتحموا عَلَيْهِم الْمَدِينَة فِي أخريات شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقتل عَامَّة الملثمين وَنَجَا إِسْحَاق فِي جملَته وأعيان قومه إِلَى القصبة حَتَّى نزلو اعلى حكم الْمُوَحِّدين وأحضر إِسْحَاق بَين يَدي عبد الْمُؤمن فَقتله الموحدون بِأَيْدِيهِم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو حَفْص عمر بن واكاك مِنْهُم وانمحى أثر الملثمين وَاسْتولى الموحدون على الْبِلَاد وَالله غَالب على أمره
قَالَ ابْن جُنُون كَانَت لمتونة أهل ديانَة وَصدق وَنِيَّة خَالِصَة وَصِحَّة مَذْهَب ملكوا بالأندلس من بِلَاد الإفرنج إِلَى الْبَحْر الغربي الْمُحِيط وَمن بِلَاد العدوة من مَدِينَة بجاية إِلَى جبل الذَّهَب من بِلَاد السودَان وخطب لَهُم على أَزِيد من ألفي مِنْبَر بالتثنية وَكَانَت أيامهم أَيَّام دعة ورفاهية ورخاء مُتَّصِل وعافية وَأمن تناهى الْقَمْح فِي أيامهم إِلَى أَن بيع أَرْبَعَة أوسق بِنصْف مِثْقَال وبيعت الثِّمَار ثَمَانِيَة أوسق بِنصْف مِثْقَال والقطاني لَا تبَاع وَلَا تشترى وَكَانَ ذَلِك مصحوبا بطول أيامهم وَلم يكن فِي عمل من أَعْمَالهم خراج وَلَا مَعُونَة وَلَا تسقيط وَلَا وظيف من الْوَظَائِف المخزونية حاشا الزَّكَاة وَالْعشر وَكَثُرت
(2/73)

الْخيرَات فِي دولتهم وعمرت الْبِلَاد وَوَقعت الْغِبْطَة وَلم يكن فِي أيامهم نفاق وَلَا قطاع طَرِيق وَلَا من يقوم عَلَيْهِم وأحبهم النَّاس إِلَى أَن خرج عَلَيْهِم مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة
وَأما الْأَحْدَاث الْوَاقِعَة فِي أيامهم فَفِي شهر ذِي الْحجَّة من سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ظهر النَّجْم المعكف بالمغرب
وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة كسفت الشَّمْس الْكُسُوف الْكُلِّي الَّذِي لم يعْهَد قبله مثله وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ عِنْد الزَّوَال فِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر
وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَسبعين بعْدهَا كَانَت الزلزلة الْعَظِيمَة الَّتِي لم ير النَّاس مثلهَا بالمغرب انهرمت مِنْهَا الْأَبْنِيَة وَوَقعت الصوامع والمنارات وَمَات فيهاخلق كثير تَحت الْهدم وَلم تزل الزلزلة تتعاقب فِي كل يَوْم وَلَيْلَة من أول يَوْم ربيع الأول إِلَى آخر يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ولد الْفَقِيه القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأَصْبَغ الْمَعْرُوف بِابْن المناصف صَاحب الأرجوزة
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة توفّي الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الطلاع
وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة توفّي أَبُو الْفضل يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن النَّحْوِيّ بقلعة حَمَّاد صحب أَبَا الْحسن اللَّخْمِيّ وَغَيره من الْمَشَايِخ وَكَانَ أَبُو الْفضل من أهل الْعلم وَالدّين على هدي السّلف الصَّالح وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلما أفتى فُقَهَاء الْمغرب بإحراق كتب الشَّيْخ أبي حَامِد الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ وَأمر أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بحرقها انتصر أَبُو الْفضل هَذَا لأبي حَامِد رَحمَه الله وَكتب إِلَى أَمِير الْمُسلمين فِي ذَلِك وَحدث صَاحب التشوف وَهُوَ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يحيى التدالي المراكشي الدَّار عرف بِابْن الزيات بِسَنَدِهِ عَن أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم
(2/74)

قَالَ لما وصل إِلَى فاس كتاب أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بالتحريج على كتاب الْإِحْيَاء وَأَن يحلف النَّاس بالأيمان الْمُغَلَّظَة أَن كتاب الْإِحْيَاء لَيْسَ عِنْدهم ذهبت إِلَى أبي الْفضل أستفتيه فِي تِلْكَ الْأَيْمَان فَأفْتى بِأَنَّهَا لَا تلْزم وَكَانَت إِلَى جنبه أسفار فَقَالَ لي هَذِه الْأَسْفَار من كتاب الْأَحْيَاء وددت أَنِّي لم أنظر فِي عمري سواهَا وَكَانَ أَبُو الْفضل قد انسخ كتاب الْإِحْيَاء فِي ثَلَاثِينَ جُزْءا فَإِذا دخل شهر رَمَضَان قَرَأَ فِي كل يَوْم جُزْءا ومناقبه كَثِيرَة رَحمَه الله
قلت لم يَقع فِي دولة المرابطين أشنع من هَذِه النَّازِلَة وَهِي إحراق كتاب الْإِحْيَاء فَإِنَّهُ لما وصلت نُسْخَة إِلَى بِلَاد الْمغرب تصفحها جمَاعَة من فقهائه مُهِمّ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن حمدين فانتقدوا فِيهَا أَشْيَاء على الشَّيْخ أبي حَامِد رَضِي الله عَنهُ وأعلموا السُّلْطَان بأمرها وأفتوه بِأَنَّهَا يجب إحراقها وَلَا تجوز قرَاءَتهَا بِحَال
وَكَانَ عَليّ بن يُوسُف وَاقِفًا كأبيه عِنْد إِشَارَة الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم قد رد جَمِيع الْأَحْكَام إِلَيْهِم فَلَمَّا أفتوه بإحراق كتاب الْإِحْيَاء كتب إِلَى أهل مَمْلَكَته فِي سَائِر الْأَمْصَار والأقطار بِأَن يبْحَث عَن نسخ الْإِحْيَاء بحثا أكيدا وَيحرق مَا عثر عَلَيْهِ مِنْهَا فَجمع من نسخهَا عدد كثير بِبِلَاد الأندلس وَوضعت بِصَحْنِ جَامع قرطبة وصب عَلَيْهَا الزَّيْت ثمَّ أوقد عَلَيْهَا بالنَّار وَكَذَا فعل بِمَا ألفى من نسخهَا بمراكش وتوالى الإحراق عَلَيْهَا فِي سَائِر بِلَاد الْمغرب وَيُقَال إِن ذَلِك كَانَ فِي حَيَاة الشَّيْخ أبي حَامِد رَحمَه الله وَأَنه دَعَا بِسَبَب ذَلِك على المرابطين أَن يمزق ملكهم فاستجيب لَهُ فيهم فَإِن كَانَ كَذَلِك فتاريخ الإحراق يكون فِيمَا بَين الْخَمْسمِائَةِ وَالْخمس بعْدهَا لِأَن بيعَة عَليّ بن يُوسُف كَانَت على رَأس الْخَمْسمِائَةِ ووفاة الشَّيْخ أبي حَامِد
(2/75)

الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة
وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَطاء الله الصنهاجي الْمَعْرُوف بِابْن العريف كَانَ متناهيا فِي الْفضل وَالدّين والزهد فِي الدُّنْيَا مُنْقَطِعًا إِلَى الْخَيْر يَقْصِدهُ النَّاس ويألفونه فيحمدون صحبته وسعى بِهِ إِلَى أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فَأمر بإشخاصه إِلَى حَضْرَة مراكش فوصلها وَتُوفِّي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة واحتفل النَّاس لجنازته وَنَدم أَمِير الْمُسلمين على مَا كَانَ مِنْهُ لَهُ فِي حَيَاته وَظَهَرت لَهُ كرامات رَحمَه الله وَدفن بِقرب الْجَامِع الْقَدِيم الَّذِي بوسط مراكش فِي رَوْضَة القَاضِي مُوسَى بن أَحْمد الصنهاجي
قلت وقبره الْآن مَشْهُور بسوق العطارين من مراكش عَلَيْهِ بِنَاء حفيل
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أَعنِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة توفّي أَبُو الحكم بن برجان قَالَ ابْن خلكان هُوَ أَبُو الحكم عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن اللَّخْمِيّ عرف بِابْن برجان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَبعدهَا جِيم وَبعد الْألف نون وَكَانَ عبدا صَالحا وَله تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وَأكْثر كَلَامه فِيهِ على طَرِيق أَرْبَاب الْأَحْوَال والمقامات
وَقَالَ فِي التشوف لما أشخص أَبُو الحكم بن برجان من قرطبة إِلَى حَضْرَة مراكش وَكَانَ فُقَهَاء الْعَصْر انتقدوا عَلَيْهِ مسَائِل قَالَ أَبُو الحكم وَالله لَا عِشْت وَلَا عَاشَ الَّذِي أشخصني بعد موتِي يَعْنِي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فَمَاتَ أَبُو الحكم فَأمر أَمِير الْمُسلمين أَن يطْرَح على المزبلة وَلَا
(2/76)

يصلى عَلَيْهِ وَقد فِيهِ من تكلم فِيهِ من الْفُقَهَاء
وَكَانَ أَبُو الْحسن عَليّ بن حرزهم يَوْمئِذٍ بمراكش فَدخل عَلَيْهِ رجل أسود كَانَ يَخْدمه ويحضر مَجْلِسه فَأخْبرهُ بِمَا أَمر بِهِ السُّلْطَان فِي شَأْن أبي الحكم فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحسن إِن كنت تبيع نَفسك من الله فافعل مَا أقوله لَك فَقَالَ لَهُ مرني بِمَا شِئْت أَفعلهُ فَقَالَ لَهُ تنادي فِي طرق مراكش واسواقها يَقُول لكم ابْن حرزهم احضروا جَنَازَة الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الزَّاهِد أبي الحكم بن برجان وَمن قدر على حُضُورهَا وَلم يحضر فَعَلَيهِ لعنة الله فَفعل مَا أمره فَبلغ ذَلِك أَمِير الْمُسلمين فَقَالَ من عرف فَضله وَلم يحضر جنَازَته فَعَلَيهِ لعنة الله
قَالَ ابْن عبد الْملك فِي كتاب الذيل والتكملة أَبُو الحكم بن برجان مدفون بمراكش برحبة الْحِنْطَة مِنْهَا قَالَ وَهُوَ الَّذِي تَقول لَهُ الْعَامَّة سَيِّدي أَبُو الرِّجَال
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو ينور المشترائي مَوْجُودا فِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا أَنِّي لم أَقف على تَارِيخ وَفَاته قَالَ فِي التشوف هُوَ أَبُو ينور عبد الله بن واكريس الدكالي من مشتراية من أَشْيَاخ أبي شُعَيْب أَيُّوب السارية كَبِير الشَّأْن من أهل الزّهْد والورع حدثوا عَنهُ أَنه مَاتَ أَخُوهُ فَتزَوج امْرَأَته فَقدمت إِلَيْهِ طَعَاما يَأْكُلهُ فَوَقع فِي نَفسه أَن فِيهِ نصيب الْأَيْتَام الَّذين هم أَوْلَاد أَخِيه فَأمْسك عَنهُ وَبَات طاويا وجاءه رجل من أَشْيَاخ مشتراية فَقَالَ لَهُ إِن عَامل عَليّ بن يُوسُف تهددني بِالْقَتْلِ والصلب وَقد خرج من مراكش مُتَوَجها إِلَى دكالة فَقَالَ لَهُ أَبُو ينور رده الله عَنْك فَسَار إِلَى أَن بَقِي بَينه وَبَين قَرْيَة يليسكاون وَهِي أمتِي تسميها الْعَامَّة بوسكاون نصف يَوْم فَأصَاب الْعَامِل وجع قضى عَلَيْهِ من حِينه
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثار القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن حمدين بقرطبة مَعَ الْعَامَّة على المرابطين فَقَتلهُمْ وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين
(2/77)

الدولة الموحدية الْخَبَر عَن دولة الْمُوَحِّدين من المصامدة وقيامها على يَد مُحَمَّد بن تومرت الْمَعْرُوف بالمهدي

قَالَ ابْن خلدون كَانَ للمصامدة فِي صدر الْإِسْلَام بجبال درن عدد وَقُوَّة وَطَاعَة للدّين وَمُخَالفَة لإخوانهم برغواطة فِي نحلة كفرهم وَكَانَ مِنْهُم قبل الْإِسْلَام مُلُوك وأمراء وَلَهُم مَعَ لمتونة مُلُوك الْمغرب حروب وَفتن أيامهم حَتَّى كَانَ اجْتِمَاعهم على الْمهْدي وقيامهم بدعوته فَكَانَت لَهُم دولة عَظِيمَة أدالت من لمتونة بالعدوتين وَمن صنهاجة بإفريقية حَسْبَمَا هُوَ مَشْهُور وَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ وأصل الْمهْدي من هرغة من بطُون المصامدة يُسمى أَبوهُ عبد الله وتومرت وَكَانَ يلقب فِي صغره أَيْضا أمغار غَار وَزعم كثير من المؤرخين أَن نسبه فِي أهل الْبَيْت فبعضهم ينْسبهُ سُلَيْمَان بن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر وَكَانَ أهل بَيته أهل نسك ورباط وَكَانَت وِلَادَته على مَا عِنْد ابْن خلكان يَوْم عَاشُورَاء سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وشب الْمهْدي قَارِئًا محبا للْعلم ثمَّ ارتحل فِي طلبه إِلَى الْمشرق على رَأس الْمِائَة الْخَامِسَة وَمر بالأندلس وَدخل قرطبة وَهِي يَوْمئِذٍ دَار علم ثمَّ لحق بالإسكندرية وَحج وَدخل الْعرَاق وَلَقي بِهِ جملَة من الْعلمَاء وفحول النظار وَأفَاد علما وَاسِعًا
وَكَانَ يحدث نَفسه بالدولة لِقَوْمِهِ على يَده وَلَقي أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ وفاوضه بِذَات صَدره فِي ذَلِك فأراده عَلَيْهِ
(2/78)

قَالَ ابْن خلكان اجْتمع مُحَمَّد بن تومرت بِأبي حَامِد الْغَزالِيّ والكيا الهراسي والطرطوشي وَغَيرهم وَحج وَأقَام بِمَكَّة مُدَّة مديدة وَحصل قدرا صَالحا من علم الشَّرِيعَة والْحَدِيث النَّبَوِيّ وأصول الْفِقْه وَالدّين وَكَانَ ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا مخلولقا كثير الإطراق بساما فِي وُجُوه النَّاس مُقبلا على الْعِبَادَة لَا يَصْحَبهُ من مَتَاع الدُّنْيَا إِلَّا عَصا وركوة وَكَانَ شجاعا فصيحا فِي لِسَان الْعَرَب والبربر شَدِيد الْإِنْكَار على النَّاس فِيمَا يُخَالف الشَّرْع لَا يقنع فِي أَمر الله بِغَيْر إِظْهَاره وَكَانَ مطبوعا على الإلذاذ بذلك متحملا للأذى من النَّاس بِسَبَبِهِ وناله بِمَكَّة شرفها الله شَيْء من الْمَكْرُوه من أجل ذَلِك فَخرج مِنْهَا إِلَى مصر وَبَالغ فِي الْإِنْكَار فزادوا فِي أَذَاهُ وطردته الْوُلَاة وَكَانَ إِذا خَافَ من الْبَطْش وإيقاع الْفِعْل بِهِ خلط فِي كَلَامه فينسب إِلَى الْجُنُون فَخرج من مصر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَركب الْبَحْر مُتَوَجها إِلَى بِلَاده
وَكَانَ قد رأى فِي مَنَامه وَهُوَ فِي بِلَاد الْمشرق كَأَنَّهُ شرب مَاء الْبَحْر جَمِيعه كرتين فَلَمَّا ركب السَّفِينَة شرع فِي تَغْيِير الْمُنكر على أهل السَّفِينَة وألزمهم إِقَامَة الصَّلَوَات وَقِرَاءَة أحزاب من الْقُرْآن الْعَظِيم وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى انْتهى إِلَى المهدية من أَرض إفريقية وَكَانَ ملكهَا يَوْمئِذٍ يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس الصنهاجي وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَخَمْسمِائة هَكَذَا ذكره ابْن أَخِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن شَدَّاد بن تَمِيم الصنهاجي فِي كتاب الْجمع وَالْبَيَان فِي أَخْبَار القيروان وَقيل إِن ارتحال مُحَمَّد بن تومرت عَن بِلَاد الْمشرق كَانَ سنة عشر وَخَمْسمِائة واجتيازه بِمصْر كَانَ سنة إِحْدَى عشرَة بعْدهَا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
وَلما انْتهى إِلَى المهدية نزل بِمَسْجِد مغلق وَهُوَ على الطَّرِيق وَجلسَ فِي طاق شَارِع إِلَى المحجة ينظر إِلَى الْمَارَّة فَلَا يرى مُنْكرا من آلَة الملاهي أَو أواني الْخمر إِلَّا نزل إِلَيْهَا وَكسرهَا فتسامع النَّاس بِهِ فِي الْبَلَد فجاؤوا إِلَيْهِ
(2/79)

وقرؤوا عَلَيْهِ كتبا من أصُول الدّين فَبلغ خَبره الْأَمِير يحيى فاستدعاه جمَاعَة من الْفُقَهَاء فَلَمَّا رأى سمته وَسمع كَلَامه أكْرمه وأجله وَسَأَلَهُ الدُّعَاء فَقَالَ لَهُ أصلحك الله لرعيتك وَلم يقم بعد ذَلِك بالمهدية إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ انْتقل إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَهُوَ على حَاله فِي الْإِنْكَار فَأخْرج مِنْهَا إِلَى بعض قراها وَاسْمهَا ملالة فَوجدَ بهَا عبد الْمُؤمن بن عَليّ الْقَيْسِي الكومي
وَقَالَ ابْن خلدون انطوى الْمهْدي رَاجعا إِلَى الْمغرب بحرا متفجرا من الْعلم وشهابا واريا من الدّين وَكَانَ قد لَقِي بالمشرق أَئِمَّة الأشعرية من أهل السّنة وَأخذ عَنْهُم وَاسْتحْسن طريقهم فِي الإنتصار للعقائد السلفية والذب عَنْهَا بالحجج الْعَقْلِيَّة الدافعة فِي صدر أهل الْبِدْعَة وَذهب فِي رَأْيهمْ إِلَى تَأْوِيل الْمُتَشَابه من الْآي وَالْأَحَادِيث بعد أَن كَانَ أهل الْمغرب بعزل عَن اتباعهم فِي التَّأْوِيل وَالْأَخْذ برأيهم فِيهِ اقْتِدَاء بالسلف فِي ترك التَّأْوِيل وَإِقْرَار المتشابهات كَمَا جَاءَت فَبَصر الْمهْدي أهل الْمغرب فِي ذَلِك وَحَملهمْ على القَوْل بالتأويل وَالْأَخْذ بمذاهب الأشعرية فِي كَافَّة العقائد وأعلن بإمامتهم وَوُجُوب تقليدهم وَألف العقائد على رَأْيهمْ مثل المرشدة فِي التَّوْحِيد
وَكَانَ من رَأْيه القَوْل بعصمة الإِمَام عَليّ على رَأْي الإمامية من الشِّيعَة وَلم تحفظ عَنهُ فلتة فِي الْبِدْعَة سواهَا واحتل بطرابلس الغرب معنيا بمذهبه ذَلِك مظْهرا للنكير على عُلَمَاء الْمغرب فِي عدولهم عَنهُ آخِذا نَفسه بتدريس الْعلم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَا اسْتَطَاعَ حَتَّى لَقِي بِسَبَب ذَلِك إذايات فِي نَفسه احتسبها من صَالح عمله
وَلما دخل بجاية وَبهَا يَوْمئِذٍ الْعَزِيز بن الْمَنْصُور بن النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد من أُمَرَاء صنهاجة وَكَانَ من المقترفين فَأَغْلَظ لَهُ ولأتباعه بالنكير وَتعرض يَوْمًا لتغيير بعض الْمُنْكَرَات فِي الطّرق فَوَقَعت بِسَبَبِهَا هيعة نكرها السُّلْطَان والخاصة وائتمروا بِهِ فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب وَلحق بملالة على فَرسَخ مِنْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ بَنو ورياكل من قبائل صنهاجة وَكَانَ لَهُم اعتزاز
(2/80)

ومنعة فآووه وأجاروه وطلبهم السُّلْطَان صَاحب بجاية بِإِسْلَامِهِ إِلَيْهِ فَأَبَوا وأسخطوه وَأقَام بَينهم يدرس الْعلم أَيَّامًا وَكَانَ يجلس إِذا فرغ على صَخْرَة بقارعة الطَّرِيق قَرِيبا من ديار ملالة وَهُنَاكَ لقِيه كَبِير أَصْحَابه عبد الْمُؤمن بن عَليّ حَاجا مَعَ عَمه فأعجب بِعِلْمِهِ وَصرف عزمه إِلَيْهِ فاختص بِهِ وشمر للأخذ عَنهُ
وَفِي كتاب المعرب عَن سيرة مُلُوك الْمغرب أَن الْمهْدي كَانَ قد اطلع على كتاب يُسمى الجفر من عُلُوم أهل الْبَيْت يُقَال إِنَّه عثر عَلَيْهِ عِنْد الشَّيْخ أبي حَامِد الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ وَإنَّهُ رأى فِيهِ صفة رجل يظْهر بالمغرب الْأَقْصَى بمَكَان يُسمى السوس وَهُوَ من ذُرِّيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْعُو إِلَى الله يكون مقَامه ومدفنه بِموضع من الْمغرب يُسمى باسم هجاء حُرُوفه ت ي ن م ل ل وَرَأى فِيهِ أَيْضا أَن استقامة ذَلِك الْأَمر واستيلائه وتمكنه يكون على يَد رجل من أَصْحَابه هجاء اسْمه ع ب د م وم ن ويجاوز وقته الْمِائَة الْخَامِسَة لِلْهِجْرَةِ فأوقع الله سُبْحَانَهُ فِي نَفسه أَنه الْقَائِم بِهَذَا الْأَمر وَأَن أَوَانه قد أزف فَمَا كَانَ مُحَمَّد يمر بِموضع إِلَّا وَيسْأل عَنهُ وَلَا يرى أحدا إِلَّا أَخذ اسْمه وتفقده حليته
وَكَانَت حلية عبد الْمُؤمن مَعَه فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الطَّرِيق رأى شَابًّا قد بلغ أشده على الصّفة الَّتِي مَعَه فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن تومرت وَقد تجاوزه مَا اسْمك يَا شَاب فَقَالَ عبد الْمُؤمن فَرجع إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الله أكبر أَنْت بغيتي وَنظر فِي حليته فَوَافَقت مَا عِنْده فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من كومية قَالَ أَيْن مقصدك فَقَالَ الْمشرق قَالَ مَا تبغي قَالَ
(2/81)

علما وشرفا قَالَ قد وجدت علما وشرفا وذكرا أصحبني تنله فوافقه على ذَلِك فَألْقى إِلَيْهِ مُحَمَّد بأَمْره وأودعه سره
قَالَ ابْن خلدون وارتحل الْمهْدي إِلَى الْمغرب وَعبد الْمُؤمن فِي جملَته وَلحق بوانشريس فصحبه مِنْهَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله الوانشريسي الْمَعْرُوف بالبشير
وَقَالَ ابْن خلكان وَكَانَ جميلا فصيحا فِي لغتي الْعَرَب والبربر ففاوضه الْمهْدي فِيمَا عزم عَلَيْهِ من الْقيام فوافقه على ذَلِك أتم مُوَافقَة وَكَانَ البشير مِمَّن تهذب وَقَرَأَ فقها فتذاكرا يَوْمًا فِي كَيْفيَّة الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب فَقَالَ الْمهْدي للبشير أرى أَن تستر مَا أَنْت عَلَيْهِ من الْعلم والفصاحة عَن النَّاس وَتظهر من الْعَجز واللكن والحصر والتعري عَن الْفَضَائِل مَا تشتهر بِهِ عِنْد النَّاس لنتخذ الْخُرُوج عَن ذَلِك واكتساب الْعلم والفصاحة دفْعَة وَاحِدَة سَبِيلا إِلَى الْمَطْلُوب وَيقوم لنا ذَلِك مقَام المعجزة عِنْد حاجتنا إِلَيْهِ فنصدق فِيمَا نقُول فَفعل البشير ذَلِك
ثمَّ لحق الْمهْدي بتلمسان وَقد تسامع النَّاس بِخَبَرِهِ فَأحْضرهُ القَاضِي بهَا وَهُوَ ابْن صَاحب الصَّلَاة ووبخه على منتحله ذَلِك وعَلى خِلَافه لأهل قطره وَظن القَاضِي أَن من الْعدْل نَزعه عَن ذَلِك فَصم عَن قَوْله وَاسْتمرّ على طَرِيقه إِلَى فاس فَنزل بِمَسْجِد طريانة وَأقَام بهَا يدرس الْعلم إِلَى سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ انْتقل إِلَى مكناسة فَنهى بهَا عَن بعض الْمُنْكَرَات فثار إِلَيْهِ الغوغاء وأوجعوه ضربا ثمَّ لحق بمراكش وَأقَام بهَا آخِذا فِي شَأْنه وَلَقي بهَا أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع عِنْد صَلَاة الْجُمُعَة فوعظه وَأَغْلظ لَهُ فِي القَوْل وَلَقي ذَات يَوْم أُخْت أَمِير الْمُسلمين حَاسِرَة قناعها على عَادَة قَومهَا الملثمين فِي زِيّ نِسَائِهِم فوبخها وَدخلت على أَخِيهَا باكية لما نالها من تقريعه ففاوض أَمِير الْمُسلمين الْفُقَهَاء فِي شَأْنه بِمَا وصل إِلَيْهِ من سيرته وَكَانُوا قد ملئوا مِنْهُ حسدا وحفيظة لما كَانَ ينتحل من مَذْهَب
(2/82)

الأشعرية فِي تَأْوِيل الْمُتَشَابه وينكر عَلَيْهِم جمودهم على مَذْهَب السّلف فِي إِقْرَاره كَمَا جَاءَ وَيرى أَن الْجُمْهُور لقنوه تجسيما وَيذْهب إِلَى تكفيرهم بذلك على أحد قولي الأشعرية فِي التَّكْفِير فأغروا الْأَمِير بِهِ فَأحْضرهُ للمناظرة مَعَهم فَكَانَ لَهُ الفلج والظهور عَلَيْهِم
وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ مُحَمَّد الْمهْدي قد استدنى أشخاصا من أهل الْمغرب جلادا فِي القوى الجسمانية أَغْمَارًا وَكَانَ أميل إِلَى الأغمار من أولي الفطن والإستبصار فَاجْتمع لَهُ مِنْهُم سِتَّة نفر سوى أبي مُحَمَّد البشير ثمَّ أَنه رَحل إِلَى أقْصَى الْمغرب وَتوجه فِي أَصْحَابه إِلَى مراكش وملكها يَوْمئِذٍ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَكَانَ ملكا عَظِيما حَلِيمًا ورعا عادلا متواضعا وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ رجل يُقَال لَهُ مَالك بن وهيب الأندلسي وَكَانَ عَالما صَالحا زَاد ابْن خلدون عَارِفًا بالنجوم فشرع مُحَمَّد الْمهْدي فِي الْإِنْكَار على جري عَادَته حَتَّى أنكر على ابْنة الْملك فَبلغ خَبره الْملك وَأَنه يتحدث فِي تَغْيِير الدولة فَتحدث مَعَ مَالك بن وهيب فِي أمره فَقَالَ مَالك بن وهيب نَخَاف من فتح بَاب يعسر علينا سَده والرأي أَن تحضر هَذَا الشَّخْص وَأَصْحَابه لنسمع كَلَامهم بِحُضُور جمَاعَة من عُلَمَاء الْبِلَاد فَأجَاب الْملك إِلَى ذَلِك
وَكَانَ الْمهْدي وَأَصْحَابه مقيمين فِي مَسْجِد خراب خَارج الْبَلَد فطلبوهم فَلَمَّا ضمهم الْمجْلس قَالَ الْملك لعلماء بَلَده سلوا هَذَا الرجل مَا يَبْغِي منا فَانْتدبَ لَهُ قَاضِي المرية واسْمه مُحَمَّد بن أسود فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك من الْأَقْوَال فِي حق الْملك الْعَادِل الْحَلِيم المنقاد إِلَى الْحق الْمُؤثر طَاعَة الله تَعَالَى على هَوَاهُ فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أما مَا نقل عني فقد
(2/83)

قلته ولي من وَرَائه أَقْوَال وَأما قَوْلك إِنَّه يُؤثر طَاعَة الله على هَوَاهُ وينقاد إِلَى الْحق فقد حضر اعْتِبَار صِحَة هَذَا القَوْل عَنهُ ليعلم بتعرية عَن هَذِه الصّفة إِنَّه مغرور بِمَا تَقولُونَ لَهُ وتضرونه بِهِ مَعَ علمكُم أَن الْحجَّة متوجهة عَلَيْهِ فَهَل بلغك يَا قَاضِي أَن الْخمر تبَاع جهارا وتمشي الْخَنَازِير بَين الْمُسلمين وَتُؤْخَذ أَمْوَال الْيَتَامَى وَعدد من ذَلِك شَيْئا كثيرا فَلَمَّا سمع الْملك كَلَامه ذرفت عَيناهُ وأطرق حَيَاء ففهم الْحَاضِرُونَ من فحوى كَلَامه أَنه طامع فِي المملكة لنَفسِهِ
وَلما رَأَوْا سكُوت الْملك وانخداعه لقَوْله لم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم فَقَالَ مَالك بن وهيب وَكَانَ كثير الإجتراء على الْملك أَيهَا الْملك عِنْدِي لنصيحة إِن قبلتها حمدت عَاقبَتهَا وَإِن تركتهَا لم تأمن غائلتها فَقَالَ الْملك مَا هِيَ فَقَالَ إِنِّي أَخَاف عَلَيْك من هَذَا الرجل وَأرى أَن تعتقله وَأَصْحَابه وتنفق عَلَيْهِم كل يَوْم دِينَارا لتكفي شَره وَإِن لم تفعل فلتنفقن عَلَيْهِ خزائنك كلهَا ثمَّ لَا ينفعك ذَلِك فوافقه الْملك على رَأْيه فَقَالَ لَهُ وزيره يقبح بك أَن تبْكي من موعظة رجل ثمَّ تسيء إِلَيْهِ فِي مجْلِس وَاحِد وَإِن يظْهر مِنْك الْخَوْف مِنْهُ على عظم ملكك وَهُوَ رجل فَقير لَا يملك سد جوعه فَلَمَّا سمع الْملك كَلَامه أَخَذته عزة النَّفس واستهون أمره فَصَرفهُ وَسَأَلَهُ الدُّعَاء
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ مَالك بن وهيب حزاء ينظر فِي النُّجُوم وَكَانَ الْكُهَّان يتحدثون بِأَن ملكا كَائِنا بالمغرب فِي أمة من البربر ويتغير فِيهِ شكل السَّمَكَة لقران بَين الكوكبين العلويين من السيارة يَقْتَضِي ذَلِك فَقَالَ مَالك بن وهيب احتفظوا بالدولة من الرجل فَإِنَّهُ صَاحب الْقرَان وَالدِّرْهَم المربع فَطَلَبه عَليّ بن يُوسُف فَفَقدهُ وسرح الخيالة فِي طلبه ففاتهم
وَحكى صَاحب المعرب إِن الْمهْدي لما خرج من عِنْد أَمِير الْمُسلمين لم يزل وَجهه تِلْقَاء وَجهه إِلَى أَن فَارقه فَقيل لَهُ نرَاك قد تأدبت مَعَ الْملك إِذْ لم توله ظهرك فَقَالَ أردْت أَن لَا يُفَارق وَجْهي الْبَاطِل حَتَّى أغيره مَا اسْتَطَعْت اه كَلَامه
(2/84)

فَلَمَّا خرج الْمهْدي وَأَصْحَابه من عِنْد الْملك قَالَ لَهُم لَا مقَام لكم هُنَا بمراكش مَعَ وجود مَالك بن وهيب فَمَا نَأْمَن أَن يعاود الْملك فِي أمرنَا فينالنا مِنْهُ مَكْرُوه وَإِن لنا بِمَدِينَة أغمات أَخا فِي الله فنقصد الْمُرُور بِهِ فَلَنْ نعدم مِنْهُ رَأيا وَدُعَاء صَالحا وَاسم هَذَا الشَّخْص عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ من فُقَهَاء المصامدة فَخَرجُوا إِلَيْهِ ونزلوا عَلَيْهِ وَأخْبرهُ مُحَمَّد بن تومرت خبرهم وأطلعه على مقصدهم وَمَا جرى لَهُ مَعَ الْملك فَقَالَ عبد الْحق هَذَا الْموضع لَا يحميكم وَإِن أحصن الْمَوَاضِع الْمُجَاورَة لهَذَا الْبَلَد تينملل وبيننا وَبَينهَا مَسَافَة يَوْم فِي هَذَا الْجَبَل فانقطعوا فِيهِ بُرْهَة ريثما يتناسى ذكركُمْ فَلَمَّا سمع الْمهْدي بِهَذَا الإسم تجدّد لَهُ ذكر اسْم الْموضع الَّذِي رَآهُ فِي كتاب الجفر فقصده مَعَ أَصْحَابه
وَقَالَ ابْن خلدون لما لحق الْمهْدي بأغمات غير الْمُنْكَرَات على عَادَته فأغرى بِهِ أهل أغمات عَليّ بن يُوسُف وطيروا إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ فَخرج مِنْهَا هُوَ وتلامذته الَّذين كَانُوا مَعَه فِي صحبته فلحق أَولا بمسفيوة ثمَّ بهنتاتة ولقيه بهَا الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الْمُلُوك الحفصيين أَصْحَاب تونس وإفريقية ثمَّ ارتحل الْمهْدي عَنْهُم إِلَى هرغة فَنزل على قومه وَذَلِكَ سنة خمس عشر وَخَمْسمِائة وَبنى رابطة للعباد فَاجْتمع عَلَيْهِ الطّلبَة من الْقَبَائِل وَأخذ يعلمهُمْ المرشدة لَهُ فِي التَّوْحِيد بِاللِّسَانِ الْبَرْبَرِي وشاع أمره
ثمَّ دَاخل عَامل لمتونة على السوس أُنَاسًا من هرغة فِي قَتله وَنذر بهم إخْوَانهمْ فنقلوا الْمهْدي إِلَى معقل من أشياعهم وَقتلُوا من دَاخل فِي أمره ودعوا المصامدة إِلَى مبايعته على التَّوْحِيد وقتال المجسمة دونه سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فَتقدم إِلَيْهَا رجالاتهم من الْعشْرَة وَغَيرهم وَكَانَ فيهم من هنتاتة أَبُو حَفْص عمر بن يحيى وَأَبُو يحيى بن يكيت ويوسف بن وانودين وَابْن يغمور وَمن تينملل أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ الصناكي
(2/85)

وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان وَعمر بن تافراكين وَغَيرهم وأوعيت قَبيلَة هرغة فَدَخَلُوا فِي أمره كلهم ثمَّ دخل مَعَهم كدميوة وكنفيسة
وَلما كملت بيعَته لقبوه بالمهدي وَكَانَ قبلهَا يلقب بِالْإِمَامِ وَكَانَ يُسمى أَصْحَابه الطّلبَة وَأهل دَعوته الْمُوَحِّدين تعريضا بلمتونة فِي أَخذهم بالعدول على التَّأْوِيل وميلهم إِلَى التجسم
وَلما تمّ لَهُ من أَصْحَابه خَمْسُونَ سماهم آيت الْخمسين ثمَّ زحف إِلَيْهِم عَامل لمتونة على السوس وهم بمكانهم من هرغة فاستجاشوا إخْوَانهمْ من هنتاتة وتينملل فَاجْتمعُوا إِلَيْهِم وأوقعوا بعكسر لمتونة فَكَانَت تِلْكَ باكورة الْفَتْح وَكَانَ الْمهْدي يعدهم بذلك فاستبصروا فِي أمره وتسابقت كافتهم إِلَى الدُّخُول فِي دَعوته وترددت إِلَيْهِم عَسَاكِر لمتونة مرّة بعد أُخْرَى ففضوهم وانتقل لثلاث سِنِين من بيعَته إِلَى جبل تينملل فأوطنه وَبنى دَاره ومسجده بَينهم وحوالي منبع وَادي نَفِيس وَقَاتل من تخلف عَن بيعَته من المصامدة حَتَّى استقاموا لَهُ هَذَا كَلَام ابْن خلدون فِي سِيَاقه هَذَا الْخَبَر جِئْنَا بِهِ مُخْتَصرا
وَاقْتضى كَلَام ابْن خلكان أَن ظُهُور الْمهْدي ومبايعته لم تكن إِلَّا بتينملل فَإِنَّهُ قد عقب مَا سبق لَهُ من أَن الْفَقِيه عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم المصمودي أَشَارَ على الْمهْدي بِالْمَسِيرِ إِلَى تينملل وَأَن الْمهْدي لما سمع هَذَا الإسم تجدّد لَهُ ذكر فِيهِ فقصده مَعَ أَصْحَابه فَلَمَّا أَتَوْهُ رَآهُمْ أَهله على تِلْكَ الصُّورَة فَعَلمُوا أَنهم طلاب علم فَقَامُوا إِلَيْهِم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم فِي أكْرم مَنَازِلهمْ وَسَأَلَ أَمِير الْمُسلمين عَنْهُم بعد خُرُوجهمْ من مَجْلِسه فَقيل لَهُ إِنَّهُم سافروا فسره ذَلِك وَقَالَ تخلصنا من الْإِثْم بحبسهم ثمَّ إِن أهل الْجَبَل تسامعوا بوصول الْمهْدي إِلَيْهِم وَكَانَ قد سَار فيهم ذكره فجاؤوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته وَكَانَ كل من أَتَاهُ استدناه وَعرض عَلَيْهِ مَا فِي نَفسه من الْخُرُوج على السُّلْطَان فَإِن
(2/86)

أَجَابَهُ أَضَافَهُ إِلَى خواصه وَإِن خَالفه أعرض عَنهُ وَكَانَ يستميل الْأَحْدَاث وَذَوي الْغرَّة وَكَانَ ذَوُو الحنكة وَالْعقل والحلم من أَهَالِيهمْ ينهونهم ويحذرونهم من اتِّبَاعه ويخوفونهم سطوة السُّلْطَان فَكَانَ لَا يتم لَهُ مَعَ ذَلِك أَمر وطالت الْمدَّة وَخَافَ الْمهْدي من مفاجأة الْأَجَل قبل بُلُوغ الأمل وخشي أَن يطْرق على أهل الْجَبَل من جِهَة الْملك مَا يحوجهم إِلَى استسلامه إِلَيْهِ والتخلي عَنهُ فشرع فِي إِعْمَال الْحِيلَة فِيمَا يشاركونه فِيهِ ليعصوا على الْملك بِسَبَبِهِ فَرَأى بعض أَوْلَاد الْقَوْم شقرا زرقا وألوان آبَائِهِم السمرَة والكحل فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب ذَلِك فَلم يُجِيبُوهُ فألزمهم الْإِجَابَة فَقَالُوا نَحن من رعية هَذَا الْملك وَله علينا خراج وَفِي كل سنة تصعد مماليكه إِلَيْنَا وينزلون فِي بُيُوتنَا ويخرجوننا عَنْهَا ويختلون بِمن فِيهَا من النِّسَاء فتأتي أَوْلَادنَا على هَذِه الصّفة وَمَا لنا قدرَة على دفع ذَلِك عَنَّا فَقَالَ الْمهْدي وَالله إِن الْمَوْت خير من هَذِه الْحَيَاة وَكَيف رَضِيتُمْ بِهَذَا وَأَنْتُم أضْرب خلق الله بِالسَّيْفِ وأطعنهم بِالرُّمْحِ فَقَالُوا بالرغم لَا بالرضى فَقَالَ أَرَأَيْتُم لَو أَن ناصرا نصركم على أعدائكم مَا كُنْتُم تَصْنَعُونَ قَالُوا كُنَّا نقدم أَنْفُسنَا بَين يَدَيْهِ للْمَوْت ثمَّ قَالُوا من هُوَ قَالَ هُوَ ضيفكم يَعْنِي نَفسه فَقَالُوا السّمع وَالطَّاعَة وَكَانُوا يغالون فِي تَعْظِيمه فَأخذ عَلَيْهِم العهود والمواثيق وَاطْمَأَنَّ قلبه ثمَّ قَالَ لَهُم اسْتَعدوا لحضور هَؤُلَاءِ بِالسِّلَاحِ فَإِذا جاؤوكم فأجروهم على عَادَتهم وخلوا بَينهم وَبَين النِّسَاء وميلوا عَلَيْهِم بالخمور فَإِذا سَكِرُوا فآذنوني بهم
فَلَمَّا حضر المماليك وَفعل بهم أهل الْجَبَل مَا أَشَارَ بِهِ الْمهْدي وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا أعلموه بذلك أَمر بِقَتْلِهِم كلهم فَلم يمض من اللَّيْل سَاعَة حَتَّى أَتَوا على آخِرهم وَلم يفلت مِنْهُم سوى مَمْلُوك وَاحِد كَانَ خَارج الْمنَازل لحَاجَة لَهُ فَسمع التَّكْبِير عَلَيْهِم والإيقاع بهم فهرب على غير الطَّرِيق حَتَّى خلص من الْجَبَل وَلحق بمراكش فَأخْبر الْملك بِمَا جرى فندم على فَوَات
(2/87)

مُحَمَّد بن تومرت من يَده وَعلم أَن الحزم كَانَ مَعَ مَالك بن وهيب فِيمَا أَشَارَ بِهِ فَجهز من وقته خيلا بِمِقْدَار مَا يسع وَادي تينملل فَإِنَّهُ ضيق المسلك
وَعلم الْمهْدي أَنه لَا بُد من عَسْكَر يصل إِلَيْهِم فَأمر أهل الْجَبَل بالقعود على أنقاب الْوَادي ومراصده واستنجد لَهُم بعض المجاورين فَلَمَّا وصلت الْخَيل إِلَيْهِم أَقبلت عَلَيْهِم الْحِجَارَة من جَانِبي الْوَادي مثل الْمَطَر وَكَانَ ذَلِك من أول النَّهَار إِلَى آخِره وَحَال بَينهم اللَّيْل فَرجع الْعَسْكَر إِلَى الْملك وَأَخْبرُوهُ بِمَا تمّ لَهُم فَعلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِأَهْل الْجَبَل لتحصنهم فَأَعْرض عَنْهُم
وَتحقّق الْمهْدي ذَلِك مِنْهُ وصفت لَهُ مَوَدَّة أهل الْجَبَل فَعِنْدَ ذَلِك استدعى أَبَا مُحَمَّد البشير وَقَالَ لَهُ هَذَا أَوَان إِظْهَار فضائلك دفْعَة وَاحِدَة ليقوم لَك مقَام المعجزة لنستميل بذلك قُلُوب من لم يدْخل فِي الطَّاعَة ثمَّ اتفقَا على أَنه يُصَلِّي الصُّبْح وَيَقُول بِلِسَان فصيح بعد اسْتِعْمَال العجمة واللكنة فِي تِلْكَ الْمدَّة إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي أَنه نزل إِلَيّ ملكان من السَّمَاء وشقا فُؤَادِي وغسلاه وحشواه علما وَحِكْمَة وقرآنا فَلَمَّا أصبح فعل ذَلِك وَهُوَ فصل يطول شَرحه فانقاد لَهُ كل صَعب القياد وعجبوا من حَاله وَحفظه الْقُرْآن فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن تومرت فَعجل لنا بالبشرى فِي أَنْفُسنَا وعرفنا أسعداء نَحن أم أشقياء فَقَالَ لَهُ أما أَنْت فَإنَّك الْمهْدي الْقَائِم بِأَمْر الله وَمن تبعك سعد وَمن خالفك هلك ثمَّ قَالَ اعْرِض أَصْحَابك عَليّ حَتَّى أميز أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَعمل فِي ذَلِك حِيلَة قتل بهَا كل من خَالف أَمر مُحَمَّد بن تومرت وَأبقى من أطاعه وَشرح ذَلِك يطول
وَكَانَ غَرَضه أَن لَا يبْقى فِي الْجَبَل مُخَالفا لَهُم فَلَمَّا قتل من قتل علم مُحَمَّد بن تومرت أَن فِي البَاقِينَ من لَهُ أهل وعشيرة قتلوا وَأَنَّهُمْ لَا تطيب
(2/88)

نُفُوسهم بذلك فَجَمعهُمْ وبشرهم بانتقال ملك مراكش إِلَيْهِم واغتنام أَمْوَالهم فسرهم ذَلِك وسلاهم عَن أهلهم وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن تَفْصِيل هَذِه الْوَاقِعَة طَوِيل ولسنا بصدد ذَلِك
وخلاصة الْأَمر أَن مُحَمَّد بن تومرت لم يزل حَتَّى جهز جَيْشًا عدد رِجَاله عشرَة آلَاف بَين فَارس وراجل وَفِيهِمْ عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبُو مُحَمَّد البشير وَأَصْحَابه كلهم وَأقَام هُوَ بِالْجَبَلِ فَنزل الْقَوْم لحصار مراكش وَأَقَامُوا عَلَيْهَا شهرا ثمَّ كسروا كسرة شنيعة وهرب من سلم مِنْهُم من الْقَتْل
وَكَانَ فِيمَن سلم عبد الْمُؤمن وَقتل البشير وَبلغ الْخَبَر الْمهْدي وَهُوَ بِالْجَبَلِ وَقد حَضرته الْوَفَاة قبل عود أَصْحَابه إِلَيْهِ فأوصى من حضر أَن يبلغ الغائبين إِن النَّصْر لَهُم وَإِن الْعَاقِبَة حميدة فَلَا يضجروا وليعاودوا الْقِتَال فَإِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سيفتح على أَيْديهم وَإِن الْحَرْب سِجَال وَإِنَّكُمْ ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون وَأَنْتُم فِي مبدأ أَمر وهم فِي آخِره وَأَشْبَاه هَذِه الْوَصَايَا وَهِي وَصِيَّة طَوِيلَة اه كَلَام ابْن خلكان
وَقَالَ ابْن خلدون لما كَانَ شَأْن أبي مُحَمَّد البشير وميز الموحد من الْمُنَافِق اعتزم الْمهْدي على غَزْو لمتونة فَجمع كَافَّة أهل دَعوته من المصامدة إِلَيْهِم فَلَقوهُ بكبكب وَهَزَمَهُمْ الموحدون وأتبعوهم إِلَى أغمات فلقيتهم هُنَالك زحوف لمتونة مَعَ أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف وَإِبْرَاهِيم بن تاعماشت فَهَزَمَهُمْ الموحدون وفل إِبْرَاهِيم وجنده واتبعوهم إِلَى مراكش فنزلوا الْبحيرَة فِي زهاء أَرْبَعِينَ ألفا كلهم راجل إِلَّا أَرْبَعمِائَة فَارس واحتفل عَليّ بن يُوسُف فِي الاحتشاد وبرز إِلَيْهِم لأربعين من نزولهم خرج عَلَيْهِم من بَاب آيلان فَهَزَمَهُمْ وأثخن فيهم قتلا وسبيا وفقد البشير واستحر الْقَتْل فِي هيلانة وأبلى عبد الْمُؤمن فِي ذَلِك الْيَوْم أحسن الْبلَاء وَقيل للمهدي إِن الْمُوَحِّدين قد هَلَكُوا فَقَالَ لَهُم مَا فعل عبد الْمُؤمن قَالُوا هُوَ على جَوَاده الأدهم قد أحسن الْبلَاء فَقَالَ مَا بَقِي عبد الْمُؤمن فَلم يهْلك أحد
(2/89)

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل كَانَت وقْعَة الْبحيرَة بأحواز مراكش قد استأصلت مُعظم أَصْحَاب الْمهْدي وكادت تَأتي عَلَيْهِم وَمَعَ ذَلِك فَلم تضع مِنْهُ وَلَا وهنت صبره وَكَانَ يَقُول مثل هَذَا الْأَمر كالفجر يتقدمه الْفجْر الْكَاذِب وَبعده ينبلج الصُّبْح ويستعلي الضَّوْء وَيَأْمُرهُمْ باتخاذ مرابط الْخَيل الَّتِي ينالون من فَيْء عدوهم بعْدهَا وَإنَّهُ يُعْطي الرجل على قدر مَا أعد من الرِّبَاط إِلَى غير ذَلِك
فَهَذَا خبر الْمهْدي مُخْتَصرا من ابْن خلدون ممزوجا بِمَا نَقله ابْن خلكان من ذَلِك وَقد سَاق ابْن أبي زرع فِي القرطاس خبر الْمهْدي هَذَا وَفِيه بعض مُخَالفَة لما تقدم فلنأت بِهِ وَإِن أدّى إِلَى بعض التّكْرَار زِيَادَة فِي الإمتاع وتحلية للأسماع فَنَقُول
قَالَ ابْن أبي زرع مَا ملخصه إِن الْمهْدي رَحل إِلَى الْمشرق فِي طلب الْعلم وَلَقي مَشَايِخ وَسمع مِنْهُم وَأخذ عَنْهُم علما كثيرا وَحفظ جملَة من حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونبغ فِي علم الْأُصُول والاعتقادات
وَكَانَ فِي جملَة من لَقِي من الْعلمَاء الشَّيْخ أَحْمد الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ لَازمه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد كثيرا مَا يُشِير إِلَى الْمهْدي وَيَقُول إِنَّه لَا بُد أَن يكون لَهُ شَأْن ونمى الْخَبَر بذلك إِلَى الْمهْدي فَلم يزل يتَقرَّب إِلَى الشَّيْخ بأنواع الْخدمَة حَتَّى أطلعه على مَا عِنْده من الْعلم فِي ذَلِك فَلَمَّا تحققت عِنْده الْحَال استخار الله وعزم على الترحال فَخرج قَاصِدا بِلَاد الْمغرب غرَّة ربيع الأول سنة عشر وَخَمْسمِائة ولازم فِي طَرِيقه درس الْعلم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَى أَن اجْتمع بِهِ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَبَايعهُ على مؤازرته فِي الشدَّة والرخاء والعسر واليسر ثمَّ قدم بِلَاد الْمغرب وَاسْتقر بمراكش وَكَانَت لَهُ فصاحة وَعَلِيهِ مهابة فَأخذ يطعن على المرابطين وينسبهم إِلَى الْكفْر والتجسيم ويشيع عِنْد من يَثِق بِهِ ويسكن إِلَيْهِ أَنه الْمهْدي المنتظر الَّذِي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَجرى مِنْهُ
(2/90)

بمراكش من تَغْيِير الْمُنكر وَنَحْوه مَا تقدم ذكره فاتصل خَبره بعلي بن يُوسُف اللمتوني فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي بلغنَا عَنْك فَقَالَ إِنَّمَا أَنا رجل فَقير أطلب الْآخِرَة وآمر بِالْمَعْرُوفِ وأنهى عَن الْمُنكر وَأَنت أَيهَا الْملك أولى من يفعل ذَلِك فَإنَّك المسؤول عَنهُ وَقد ظَهرت بمملكتك الْمُنْكَرَات وفشت الْبدع وَقد وَجب الله عَلَيْك إحْيَاء السّنة وإماتة الْبِدْعَة وَقد عَابَ الله تَعَالَى أمة تركُوا النَّهْي عَن الْمُنكر فَقَالَ {كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فَلَمَّا سمع أَمِير الْمُسلمين كَلَامه تأثر لَهُ وَأَخذه وأطرق مفكرا ثمَّ أَمر بإحضار الْفُقَهَاء فَحَضَرَ مِنْهُم مَا أغص الْمجْلس ثمَّ قَالَ أَمِير الْمُسلمين اختبروا الرجل فَإِن كَانَ عَالما اتبعناه وَإِلَّا أدبناه وَكَانَ الْمهْدي فصيحا لسنا ذَا معرفَة بالأصول والجدل وَكَانَ الْفُقَهَاء الَّذين حَضَرُوا أَصْحَاب حَدِيث وفروع فدارت بَينهم محاورة ومذاكرة أسكتهم فِيهَا وَبَان عجزهم عَنهُ فعدلوا عَن المذاكرة إِلَّا الممالأة وَأغْروا بِهِ أَمِير الْمُسلمين وَقَالُوا هَذَا رجل خارجي وَإِن بقى بِالْمَدِينَةِ أفسد عقائد أَهلهَا فَأمره أَمِير الْمُسلمين بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَخرج إِلَى الْجَبانَة وَضرب بهَا خيمة جلس فِيهَا وَصَارَ الطّلبَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لأخذ الْعلم عَنهُ فَكثر جمعه وأحبته الْعَامَّة وعظموه
وانْتهى خَبره إِلَى أَمِير الْمُسلمين ثَانِيًا وَنقل إِلَيْهِ أَنه يطعن على الدولة فَأحْضرهُ مرّة أُخْرَى وَقَالَ لَهُ أَيهَا الرجل اتَّقِ الله فِي نَفسك ألم أَنْهَك عَن عقد الجموع والمحازب وأمرتك بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَقَالَ أَيهَا الْملك قد امتثلت أَمرك وَخرجت من الْمَدِينَة إِلَى الْجَبانَة واشتغلت بِمَا يعنيني فَلَا تسمع لأقوال المبطلين فتوعده أَمِير الْمُسلمين وهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ ثمَّ عصمه الله مِنْهُ ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا
وَلما انْفَصل الْمهْدي عَن الْمجْلس أغرى الْحَاضِرُونَ أَمِير الْمُسلمين بِهِ وشرحوا لَهُ جلية أمره وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ فاستدرك أَمِير الْمُسلمين فِيهِ رَأْيه
(2/91)

وَبعث إِلَيْهِ من يَأْتِيهِ بِرَأْسِهِ فَسمع بذلك بعض بطانته فَمر مسرعا حَتَّى إِذا قرب من الْخَيْمَة قَرَأَ قَوْله تَعَالَى {يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك} فَسَمعَهَا الْمهْدي وفطن لَهَا فانسل من حِينه وَخرج حَتَّى أَتَى تينملل فَأَقَامَ بهَا وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ لحق بِهِ أَصْحَابه الْعشْرَة السَّابِقُونَ إِلَى دَعوته والمصدقون بإمامته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ الكومي وَأَبُو مُحَمَّد البشير الوانشريسي وَأَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي وَأَبُو يحيى بن يكيت الهنتاتي وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ آصناك وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الخزرجي وَأَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن تمار وَسليمَان بن خلوف وعاشر فأقاموا بتينملل إِلَى رَمَضَان من سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فَعظم صيته بجبل درن وَكَثُرت أَتْبَاعه فَلَمَّا رأى ذَلِك أظهر دَعوته ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعهُ الْعشْرَة الْبيعَة الْخَاصَّة عقب صَلَاة الْجُمُعَة خَامِس عشر رَمَضَان من السّنة
وَلما كَانَ الْغَد وَهُوَ يَوْم السبت خرج الْمهْدي فِي أَصْحَابه الْعشْرَة متقلدين السيوف وَتقدم إِلَى الْجَامِع فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب النَّاس وأعلمهم أَنه الْمهْدي المنتظر ودعاهم إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ الْبيعَة الْعَامَّة ثمَّ بَث دعاته فِي بِلَاد المصامدة يدعونَ النَّاس إِلَى بيعَته ويزرعون محبته فِي قُلُوبهم بالثناء عَلَيْهِ وَوَصفه بالزهد وتحري الْحق وَإِظْهَار الكرامات فانثال النَّاس عَلَيْهِ من كل جِهَة وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين ولقنهم عقائد التَّوْحِيد بِاللِّسَانِ الْبَرْبَرِي وَجعل لَهُم فِيهِ الأعشار والأحزاب والسور وَقَالَ من لم يحفظ هَذَا التَّوْحِيد فَلَيْسَ بموحد لَا تجوز إِمَامَته وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فاستولت محبته على قُلُوبهم وعظموه ظَاهرا وَبَاطنا حَتَّى كَانُوا يستغيثون بِهِ فِي شدائدهم وينوهون باسمه على منابرهم وَلم تزل الْوُفُود تترادف عَلَيْهِ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ جم غفير فَلَمَّا علم أَن ناموسه قد رسخ وسلطانه قد تمكن قَامَ فيهم خَطِيبًا وندبهم إِلَى جِهَاد المرابطين وأباح لَهُم دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَانْتدبَ النَّاس
(2/92)

لذَلِك وَبَايَعُوهُ على الْمَوْت فانتخب مِنْهُم عشرَة آلَاف من أجناد الْمُوَحِّدين وَقدم عَلَيْهِم أَبَا مُحَمَّد البشير وَعقد لَهُ راية بَيْضَاء ودعا لَهُم وَانْصَرفُوا فصمدوا إِلَى مَدِينَة أغمات
وانْتهى الْخَبَر إِلَى أَمِير الْمُسلمين فَجهز لقتالهم جَيْشًا من الحشم والأجناد فَلَمَّا الْتَقَوْا انتصر عَلَيْهِم الموحدون وهزموهم واتبعوهم حَتَّى أدخلوهم مراكش وحاصروها أَيَّامًا ثمَّ أفرجوا عَنْهَا حِين تكاثرت عَلَيْهِم جيوش لمتونة وَكَانَ ذَلِك ثَالِث شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة وَقسم الْمهْدي الْغَنَائِم الَّتِي غنموها من عَسْكَر المرابطين وتلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى {وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها فَعجل لكم هَذِه} الْآيَة وانتشر ذكر الْمهْدي بِجَمِيعِ أقطار الْمغرب والأندلس وأركب جلّ جَيْشه من خيل المرابطين الَّتِي غنموها ثمَّ غزا مراكش بِنَفسِهِ فعبأ جَيْشه وَسَار حَتَّى نزل بجبل كيليز بِقرب الْمَدِينَة فَأَقَامَ محاصرا لَهَا ثَلَاث سِنِين يباكرها بِالْقِتَالِ ويراوحها من سنة سِتّ عشرَة إِلَى سنة تسع عشرَة
وَلما ضجر من مقَامه هُنَاكَ نَهَضَ إِلَى وَادي نَفِيس وَانْحَدَرَ مَعَ مسيله يَدْعُو النَّاس لطاعته وَيُقَاتل من أَبى مِنْهُم فانقاد لَهُ أهل السهل والجبل وبايعته كدميوة ثمَّ غزا بِلَاد ركراكة فَأَخذهُم بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيد الله وَشَرَائِع دينه وَسَار فِي بِلَاد المصامدة يُقَاتل من أَبى ويسالم من أجَاب فَفتح بلادا كَثِيرَة وَدخل فِي دَعوته عَالم كثير من المصامدة وَرجع إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ريثما استراح النَّاس ثمَّ غزا مَدِينَة أغمات وبلاد هزرجة فِي ثَلَاثِينَ ألفا من الْمُوَحِّدين فَاجْتمع على حربه أهل أغمات وهزرجة وَخلق كثير من الحشم ولمتونة وَغَيرهم فانتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وَقسم الْمهْدي أنفالهم بَين الْمُوَحِّدين ثمَّ غزا أهل درن فَفتح قلاعه وحصونه وطاع لَهُ جَمِيع من فِيهِ من قبائل هرغة وهنتاتة وكنفسية وَغَيرهم
ثمَّ عَاد إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا ريثما استراح النَّاس ثمَّ ندبهم إِلَى غَزْو
(2/93)

مراكش وَجِهَاد المرابطين وَقدم عَلَيْهِم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبا مُحَمَّد البشير وَخص عبد الْمُؤمن بإمامة الصَّلَاة فَسَارُوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى أغمات فَلَقِيَهُمْ بهَا أَبُو بكر بن عَليّ بن يُوسُف فِي جَيش كثيف من لمتونة وقبائل صنهاجة فَاقْتَتلُوا ودامت الْحَرْب بَينهم ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ انتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموا أَبَا بكر وجيشه إِلَى مراكش وقتلوهم فِي كل طَرِيق وحصروا مراكش أَيَّامًا ثمَّ رجعُوا إِلَى تينملل فَخرج الْمهْدي للقائهم فَرَحَّبَ بهم وعرفهم بِمَا يكون لَهُم من النَّصْر وَالْفَتْح وَمَا يملكونه من الْبِلَاد ثمَّ كَانَت وَفَاته عقب ذَلِك على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَهَذَا سِيَاق ابْن أبي زرع لهَذِهِ الْأَخْبَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
بَقِيَّة أَخْبَار الْمهْدي وَبَعض سيرته إِلَى وَفَاته

كَانَ الْمهْدي رجلا ربعَة أسمر عَظِيم الهمة غائر الْعَينَيْنِ حَدِيد النّظر خَفِيف العارضين لَهُ شامة سَوْدَاء على كتفه الْأَيْمن ذَا سياسة ودهاء وناموس عَظِيم وَكَانَ مَعَ ذَلِك عَالما فَقِيها رَاوِيا للْحَدِيث عَارِفًا بالأصول والجدل فصيح اللِّسَان مقداما على الْأُمُور الْعِظَام غير مُتَوَقف فِي سفك الدِّمَاء يهون عَلَيْهِ إِتْلَاف عَالم فِي بُلُوغ غَرَضه وَكَانَ حصورا لَا يَأْتِي النِّسَاء وَكَانَ متيقظا فِي أَحْوَاله ضابطا لما ولي من سُلْطَانه أنْشد صَاحب كتاب الْمغرب ف حَقه
(آثاره تنبيك عَن أخباره ... حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ)
ثمَّ قَالَ
لَهُ قدم فِي الثرى وهمة فِي الثريا وَنَفس ترى إِرَاقَة مَاء الْحَيَاة دون إِرَاقَة مَاء الْمحيا أغفل المرابطون عقله وربطه حَتَّى دب إِلَيْهِم دَبِيب القلق فِي الغسق وَترك فِي الدُّنْيَا دويا أنشأ دولة لَو شَاهدهَا أَبُو مُسلم لَكَانَ لعزمه فِيهَا غير مُسلم وَكَانَ قوته من غزل أُخْت لَهُ فِي كل يَوْم رغيفا بِقَلِيل سمن أَو
(2/94)

زَيْت وَلم ينْتَقل عَن هَذَا حِين كثرت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَرَأى أَصْحَابه يَوْمًا وَقد مَالَتْ نُفُوسهم إِلَى كَثْرَة مَا غنموه فَأمر بِضَم ذَلِك جَمِيعه وإحراقه وَقَالَ من كَانَ يَتبعني لأجل الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا مَا رأى وَمن تَبِعنِي للآخرة فَجَزَاؤُهُ عِنْد الله وَكَانَ على خمول زيه وَبسط وَجهه مهيبا منيع الْحجاب إِلَّا عِنْد مظْلمَة وَله رجل مُخْتَصّ بخدمته وَالْإِذْن عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ شعر فَمن ذَلِك قَوْله
(أخذت بأعضادهم إِذْ نؤوا ... وخلفك الْقَوْم إِذْ ودعو)
(فكم أَنْت تنْهى وَلَا تَنْتَهِي ... وَتسمع وعظا وَلَا تسمع)
(فيا حجر السن حَتَّى مَتى ... تسن الْحَدِيد وَلَا تقطع)
وَكَانَ كثيرا مَا ينشد
(تجرد من الدُّنْيَا فَإنَّك إِنَّمَا ... خرجت إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد)
وَكَانَ يتَمَثَّل أَيْضا بقول أبي الطّيب المتنبي
(إِذا غامرت فِي شرف مروم ... فَلَا تقنع بِمَا دون النُّجُوم)
(فَطَعِمَ الْمَوْت فِي أَمر حقير ... كطعم الْمَوْت فِي أَمر عَظِيم)
وَبقول أَيْضا
(وَمن عرف الْأَيَّام معرفتي بهَا ... وبالناس روى رمحه غير رَاحِم)
(فَلَيْسَ بمرحوم إِذا ظفروا بِهِ ... وَلَا فِي الردى الْجَارِي عَلَيْهِم بآثم)
وَبِقَوْلِهِ أَيْضا
(وَمَا أَنا مِنْهُم بالعيش فيهم ... وَلَكِن مَعْدن الذَّهَب الرغام)
وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل قَالُوا كَانَ مُحَمَّد بن تومرت يزْعم أَنه مَأْمُور بِنَوْع من الْوَحْي والإلهام وينكر كتب الرَّأْي والتقليد وَله بَاعَ فِي علم الْكَلَام وغلبت عَلَيْهِ نزغة خارجية وَكَانَ ينتحل القضايا الإستقبالية وَيُشِير إِلَى الكوائن الْآتِيَة ورتب قومه ترتيبا غَرِيبا فَمنهمْ أهل الدَّار وَأهل الْجَمَاعَة وَأهل السَّاقَة وَأهل خمسين وَأهل سبعين والطلبة والحفاظ
(2/95)

وَأهل الْقَبَائِل فَأهل الدَّار للامتهان والخدمة وَأهل الْجَمَاعَة للتفاوض والمشورة وَأهل السَّاقَة للمباهاة وَأهل سبعين وَخمسين والحفاظ والطلبة لحمل الْعلم والتلقي وَسَائِر الْقَبَائِل لمدافعة الْعَدو وَكَانَ يعلمهُمْ أوجه الْعِبَادَات فِي الْعَادَات
قلت من ذَلِك أَن طَائِفَة من المصامدة عسر عَلَيْهِم حفظ الْفَاتِحَة لشدَّة عجمتهم فعدد كَلِمَات أم الْقُرْآن ولقب بِكُل كلمة مِنْهَا رجلا فصفهم صفا وَقَالَ لأولهم اسْمك الْحَمد لله وَللثَّانِي رب الْعَالمين وَهَكَذَا حَتَّى تمت كَلِمَات الْفَاتِحَة ثمَّ قَالَ لَهُم لَا يقبل الله مِنْكُم صَلَاة حَتَّى تجمعُوا هَذِه الْأَسْمَاء على نسقها فِي كل رَكْعَة فسهل عَلَيْهِم الْأَمر وحفظوا أم الْقُرْآن ذكره صَاحب المعرب
قَالُوا وَهُوَ أول من أحدث أصبح وَللَّه الْحَمد فِي أَذَان الصُّبْح
وَمن جراءته وإقدامه وتهالكه على تَحْصِيل مرامه مَا حَكَاهُ صَاحب القرطاس قَالَ كَانَت بَين الْمُوَحِّدين والمرابطين حَرْب فَقتل من الْمُوَحِّدين خلق كثير فَعظم ذَلِك على عَشَائِرهمْ فاحتال الْمهْدي بِأَن انتخب قوما من أَتْبَاعه ودفنهم أَحيَاء بِموضع المعركة وَجعل لكل وَاحِد مِنْهُم متنفسا فِي قَبره وَقَالَ لَهُم إِذا سئلتم عَن حالكم فَقولُوا قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا وَأَن مَا دَعَا إِلَيْهِ الإِمَام الْمهْدي هُوَ الْحق فجدوا فِي جِهَاد عَدوكُمْ وَقَالَ لَهُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك أخرجتكم وَكَانَت لكم عِنْدِي الْمنزلَة الْعَالِيَة وَقصد بذلك أَن يثبتهم على التَّمَسُّك بدعوته ويهون عَلَيْهِم مَا لاقوا من الْقَتْل والجراحات بِسَبَبِهِ ثمَّ جمع أَصْحَابه عِنْد السحر وَقَالَ لَهُم أَنْتُم يَا معشر الْمُوَحِّدين حزب الله وأنصار دينه وَأَعْوَان الْحق فجدوا فِي قتال عَدوكُمْ فَإِنَّكُم على بَصِيرَة من أَمركُم وَإِن كُنْتُم ترتابون فِيمَا أقوله لكم فَأتوا مَوضِع المعركة وسلوا من اسْتشْهد الْيَوْم من إخْوَانكُمْ يُخْبِرُوكُمْ بِمَا لقوا من الثَّوَاب عِنْد الله ثمَّ أَتَى بهم إِلَى مَوضِع المعركة ونادى يَا معشر الشُّهَدَاء مَاذَا لَقِيتُم
(2/96)

من الله عز وَجل فَقَالُوا قد أَعْطَانَا من الثَّوَاب مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَافْتتنَ النَّاس وظنوا أَن الْمَوْتَى قد كلموهم وحكوا ذَلِك لبَقيَّة إخْوَانهمْ فازدادوا بَصِيرَة فِي أمره وثباتا على رَأْيه وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال
وَفَاة الْمهْدي رَحمَه الله

كَانَت وَفَاة الْمهْدي عقب وقْعَة الْبحيرَة قَالَ ابْن خلدون لأربعة أشهر بعْدهَا وَقَالَ ابْن الْخَطِيب وَغَيره كَانَت وَفَاته يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَقيل غير ذَلِك
وَقَالَ فِي القرطاس لما رَجَعَ الموحدون من غَزْو مراكش إِلَى تينملل خرج إِلَيْهِم الْمهْدي فَسلم عَلَيْهِم ورحب بهم وأعلمهم بِمَا يكون لَهُم من النَّصْر وَالْفَتْح وَمَا يملكونه من الْبِلَاد وبمدة ملكهم وأعلمهم أَنه يَمُوت فِي تِلْكَ السّنة فبكوا وأسفوا ثمَّ مرض مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَقدم عبد الْمُؤمن للصَّلَاة أَيَّام مَرضه ثمَّ توفّي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم
وَذكر بعض المؤرخين أَن الْمهْدي رأى فِي مَنَامه قبل وَفَاته كَأَن آتِيَا أَتَاهُ فأنشده أبياتا نعى لَهُ فِيهِ نَفسه وأعلمه بِالْيَوْمِ الَّذِي يَمُوت فِيهِ فَكَانَ كَذَلِك انْظُر القرطاس
وَقد مر فِي هَذِه الْأَخْبَار ذكر كتاب الجفر وَرُبمَا تتشوق النَّفس لمعْرِفَة حَقِيقَته فقد قَالَ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان وَاعْلَم أَن كتاب الجفر كَانَ أَصله أَن هَارُون بن سعيد الْعجلِيّ وَهُوَ رَأس الزيدية كَانَ لَهُ كتاب يرويهِ عَن جَعْفَر الصَّادِق رَضِي الله عَنهُ وَفِيه علم مَا سيقع لأهل الْبَيْت على الْعُمُوم ولبعض الْأَشْخَاص مِنْهُم على الْخُصُوص وَقع ذَلِك لجَعْفَر ونظائره من رجالاتهم على طَرِيق الْكَرَامَة والكشف الَّذِي يَقع لمثلهم من الْأَوْلِيَاء وَكَانَ مَكْتُوبًا عِنْد جَعْفَر الصَّادِق فِي جلد ثَوْر صَغِير فَرَوَاهُ عَنهُ
(2/97)

هَارُون الْعجلِيّ وَكتبه وَسَماهُ الجفر باسم الْجلد الَّذِي كتب فِيهِ لِأَن الجفر فِي اللُّغَة هُوَ الصَّغِير فَصَارَ هَذَا الإسم علما على هَذَا الْكتاب عِنْدهم وَكَانَ فِيهِ تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وَمَا فِي بَاطِنه من غرائب الْمعَانِي مروية عَن جَعْفَر الصَّادِق رَضِي الله عَنهُ
وَذكره ابْن قُتَيْبَة فِي أَوَائِل كتاب اخْتِلَاف الحَدِيث فَقَالَ بعد كَلَام طَوِيل وأعجب من هَذَا التَّفْسِير تَفْسِير الروافض لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم وَمَا يَدعُونَهُ من علم بَاطِنه بِمَا وَقع إِلَيْهِم من الجفر الَّذِي ذكره الْعجلِيّ ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة
(ألم تَرَ أَن الرافضين تفَرقُوا ... فكلهم فِي جَعْفَر قَالَ مُنْكرا)
(فطائفة قَالُوا إِمَام وَمِنْهُم ... طوائف سمته النَّبِي المطهرا)
(وَمن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بَرِئت إِلَى الرَّحْمَن مِمَّن تجفرا)
فِي أَبْيَات غير هَذِه ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَهُوَ جلد جفر ادعوا أَنه كتب لَهُم فِيهِ الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَكلما يكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة اه وَهَذَا تزييف من ابْن قُتَيْبَة لكتاب الجفر وَخَالف هَذَا الْمَذْهَب أَبُو الْعَلَاء المعري فَقَالَ
(لقد عجبوا لأهل الْبَيْت لما ... أَتَاهُم علمهمْ فِي مسك جفر)
(ومرآة المنجم وَهِي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر)
والمسك بِفَتْح الْمِيم الْجلد والجفر بِفَتْح الْجِيم مَا بلغ أَرْبَعَة أشهر من أَوْلَاد الْمعز وَكَانَت عَادَتهم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنهم يَكْتُبُونَ فِي الْجُلُود وَمَا شاكلها لقلَّة الأوراق يَوْمئِذٍ
وَقَالَ ابْن خلدون كتاب الجفر لم تتصل رِوَايَته عَن جَعْفَر الصَّادِق رَضِي الله عَنهُ وَلَا عرف عينه وَإِنَّمَا يظْهر مِنْهُ شواذ من الْكَلِمَات لَا يصحبها دَلِيل وَلَو صَحَّ النِّسْبَة إِلَى جَعْفَر الصَّادِق لَكَانَ فِيهِ نعم الْمُسْتَند من نَفسه أَو من رجال قومه فهم أهل الكرامات رَضِي الله عَنْهُم
(2/98)

الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن عَليّ الكومي وأوليتها

اعْلَم أَن بني عبد الْمُؤمن لَيْسُوا من المصامدة وَإِنَّمَا هم من كومية ثمَّ من بني عَابِد مِنْهُم وكومية ويعرفون قَدِيما بصطفورة بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضري بن زجيك بن مادغيس الأبتر فهم بَنو عَم زناتة يَجْتَمعُونَ فِي ضري بن زجيك هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَبَعض المؤرخين يرفعون نسب عبد الْمُؤمن إِلَى قيس عيلان بن مُضر وَهُوَ ضَعِيف
قَالَ ابْن خلدون كَانَ عبد الْمُؤمن من بني عَابِد أحد بيوتات كومية وأشرافهم قَالَ وموطنهم بتاكرارت وَهُوَ حصن فِي الْجَبَل المطل على هنين من نَاحيَة الشرق
وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ وَالِد عبد الْمُؤمن وَسِيطًا فِي قومه وَكَانَ صانعا فِي عمل الطين يعْمل مِنْهُ الْآنِية فيبيعها وَكَانَ عَاقِلا من الرِّجَال وقورا
ويحكى أَن عبد الْمُؤمن فِي صباه كَانَ نَائِما تجاه أَبِيه وَأَبوهُ مشتغل بِعَمَلِهِ فِي الطين فَسمع أَبوهُ دويا فِي السَّمَاء فَرفع رَأسه فَرَأى سَحَابَة سَوْدَاء من النَّحْل قد هوت مطبقة على الدَّار فَنزلت كلهَا مجتمعة على عبد الْمُؤمن وَهُوَ نَائِم فغطته وَلم يظْهر من تحتهَا وَلَا اسْتَيْقَظَ لَهَا فرأته أمه على تِلْكَ الْحَال فصاحت خوفًا على وَلَدهَا فسكتها أَبوهُ فَقَالَت أَخَاف عَلَيْهِ فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْهِ بل إِنِّي متعجب مِمَّا يدل عَلَيْهِ ذَلِك ثمَّ إِنَّه غسل يَدَيْهِ من الطين وَلبس ثِيَابه ووقف ينْتَظر مَا يكون من أَمر النَّحْل فطار عَنهُ بأجمعه فَاسْتَيْقَظَ الصَّبِي وَمَا بِهِ من ألم فتفقدت أمه جسده فَلم تَرَ بِهِ أثرا وَلم يشك ألما
وَكَانَ بِالْقربِ مِنْهُم رجل مَعْرُوف بالزجر فَمضى أَبوهُ إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بِمَا
(2/99)

رَآهُ من النَّحْل مَعَ وَلَده فَقَالَ الزاجر يُوشك أَن يكون لَهُ شَأْن يجْتَمع على طَاعَته أهل الْمغرب فَكَانَ من أمره مَا اشْتهر
وَقد تقدم لنا أَن الْمهْدي كَانَ عِنْده كتاب الجفر وَكَانَ فِيهِ أَن أمره لَا يتم إِلَّا على يَد رجل اسْمه كَذَا وحليته كَذَا وَهُوَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَأَقَامَ الْمهْدي يتطلبه مُدَّة إِلَى أَن لقِيه بملالة وَعبد الْمُؤمن إِذْ ذَاك شَاب حدث طَالب علم فلازم الْمهْدي واستمسك بغرره إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ
وَكَانَ الْمهْدي يتفرس فِيهِ النجابة وينشد إِذا أبصره
(تكاملت فِيك أَوْصَاف خصصت بهَا ... فكلنا بك مسرور ومغتبط)
(السن ضاحكة والكف مانحة ... وَالنَّفس وَاسِعَة وَالْوَجْه منبسط)
والبيتان لأبي الشيص الْخُزَاعِيّ وَكَانَ يَقُول لأَصْحَابه صَاحبكُم غلاب الدول وَكَانَ يَقُول عبد الْمُؤمن من صديقي هَذِه الدائرة
وَقَالَ ابْن خلدون آثر الْمهْدي عبد الْمُؤمن بمزيد الخصوصية والقرب بِمَا خصّه الله بِهِ من الْفَهم والوعي للتعليم حَتَّى كَانَ خَالِصَة الْمهْدي وكنز صحابته وَكَانَ مؤمله لخلافته لما أظهره عَلَيْهِ من الشواهد المؤذنة بذلك وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الْخَطِيب
(وَخلف الْأَمر لعبد الْمُؤمن ... فانقادت الدُّنْيَا لَهُ فِي رسن)
(حباه بَين الْقَوْم بالأمارة ... إِذْ وضحت لَهُ فِيهِ الْإِمَارَة)
وَلما اجتاز الْمهْدي فِي طَرِيقه إِلَى الْمغرب بالثعالبة عرب الجزائر أهدوا إِلَيْهِ حمارا فارها يركبه لِأَنَّهُ كَانَ ساعيا على رجلَيْهِ فَكَانَ يُؤثر بِهِ عبد الْمُؤمن وَيَقُول لأَصْحَابه اركبوه الْحمار يركبكم الْخُيُول المسومة وَزعم بَنو عبد الْمُؤمن أَن الْمهْدي كَانَ اسْتَخْلَفَهُ من بعده وَقَالَ ابْن خلكان لم يَصح أَنه اسْتَخْلَفَهُ وَإِنَّمَا رَاعى أَصْحَابه فِي تَقْدِيمه إِشَارَته فتم لَهُ الْأَمر وَالله أعلم
(2/100)

بيعَة عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَالسَّبَب فِيهَا

لما توفّي الْمهْدي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم تولى عبد الْمُؤمن تَجْهِيزه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ دَفنه بمسجده الملاصق لداره من تينملل
وَلما فرغ الموحدون من أمره تشوف كل وَاحِد من الْعشْرَة إِلَى الْخلَافَة بعده وَكَانُوا من قبائل شَتَّى وأحبت كل قَبيلَة أَن يكون الْخَلِيفَة مِنْهَا وَأَن لَا يتَوَلَّى عَلَيْهَا من هُوَ من غَيرهَا فتنافسوا فِي ذَلِك فَاجْتمع الْعشْرَة وَالْخَمْسُونَ وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم وخافوا على أنفسهم النِّفَاق وَأَن تفْسد نياتهم وتفترق جَمَاعَتهمْ فاتفقوا على خلَافَة عبد الْمُؤمن لكَونه كَانَ غَرِيبا بَين أظهرهم لَيْسَ من المصامدة لِأَن المصامدة من البرانس وكومية قَبيلَة عبد الْمُؤمن من البتر فقدموه لذَلِك مَعَ مَا كَانُوا يرَوْنَ من ميل الْمهْدي إِلَيْهِ وإيثاره على غَيره فتم لَهُ الْأَمر
وَقَالَ ابْن خلدون لما مَاتَ الْمهْدي خشِي أَصْحَابه من افْتِرَاق الْكَلِمَة وَمَا يتَوَقَّع من سخط المصامدة لولاية عبد الْمُؤمن لكَونه من غير جلدتهم فأرجؤوا الْأَمر إِلَى أَن تخالط بشاشة الدعْوَة قُلُوبهم وكتموا مَوته لثلاث سِنِين يموهون فِيهَا بمرضه ويقيمون سنته فِي الصَّلَاة والحزب الرَّاتِب وَيدخل أَصْحَابه إِلَى بَيته كَأَنَّهُ اختصهم بعيادته فَيَجْلِسُونَ حوالي قَبره ويتفاوضون فِي شؤونهم ثمَّ يخرجُون لإنفاذ مَا أبرموه ويتولى ذَلِك عبد الْمُؤمن حَتَّى إِذا استحكم أَمرهم وتمكنت الدعْوَة من كافتهم كشفوا القناع عَن حَالهم وتمالأ من بَقِي من الْعشْرَة على تَقْدِيم عبد الْمُؤمن وَتَوَلَّى كبر ذَلِك الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الْمُلُوك الحفصيين أَصْحَاب تونس فأظهروا للنَّاس موت الْمهْدي وَعَهده لصَاحبه وانقاد بَقِيَّة أَصْحَابه لذَلِك وروى لَهُم يحيى بن يغمور أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ أثر صلواته اللَّهُمَّ بَارك فِي الصاحب الْأَفْضَل فَرضِي الكافة وانقادوا لَهُ وَأَجْمعُوا على بيعَته
(2/101)

وَزَعَمُوا أَن عبد الْمُؤمن اسْتعْمل فِي ذَلِك حِيلَة تمّ لَهُ بهَا مَا أَرَادَ وَذَلِكَ أَنه عمد إِلَى طَائِر وَأسد فضراهما حَتَّى أنسا بِهِ وَعلم الطَّائِر أَن يَقُول عِنْد عَلامَة نصبها لَهُ النَّصْر والتمكين لعبد الْمُؤمن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعلم الْأسد أَن يبصبص لَهُ ويتمسح بِهِ كلما رَآهُ ثمَّ جمع عبد الْمُؤمن الْمُوَحِّدين وخطبهم وحضهم على الألفة واجتماع الْكَلِمَة وحذرهم عَاقِبَة الْبَغي وَالْخلاف وبينما هُوَ فِي ذَلِك إِذْ أرسل سائس الْأسد أسده وصفر صَاحب الطَّائِر لطائره فبصبص هَذَا وأعلن بالنصر هَذَا فَعجب الْحَاضِرُونَ من ذَلِك وَرَأَوا أَنَّهَا كَرَامَة لعبد الْمُؤمن فازدادوا بهَا بَصِيرَة فِي أمره وثباتا على بيعَته مَعَ مَا كَانَ من تَقْدِيم الْمهْدي لَهُ فِي الصَّلَاة أَيَّام مَرضه وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم
أنس الشبل ابتهاجا بالأسد ... وَرَأى شبه أَبِيه فقصد)
(ودعا الطَّائِر بالنصر لكم ... فَقضى حقكم حِين وَفد)
وَالله أعلم
وَكَانَت بيعَة عبد الْمُؤمن الْعَامَّة بعد صَلَاة الْجُمُعَة لعشرين يَوْمًا من ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة بِجَامِع تينملل وَأول من بَايعه الْعشْرَة أَصْحَاب الْمهْدي ثمَّ الْخَمْسُونَ من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين ثمَّ كَافَّة الْمُوَحِّدين لم يتَخَلَّف عَن بيعَته مِنْهُم أحد فاستوثق لَهُ الْأَمر وَاسْتولى على الْمغرب بأسره وَفتح بِلَاد إفريقية إِلَى برقة وبلاد الأندلس بأسرها وخطب لَهُ على مَنَابِر
(2/102)

هَذِه الأقاليم كلهَا على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله
وَلما تمت بيعَته غزا من حِينه بِلَاد تادلا فَقتل بهَا وسبى ثمَّ غزا بِلَاد درعة فاستولى عَلَيْهَا ثمَّ غزا بِلَاد غمارة فَافْتتحَ الْبَعْض مِنْهَا وَقتل واليها ثمَّ تسابق النَّاس إِلَى دَعوته أَفْوَاجًا وأنتقضت البربر على المرابطين فِي سَائِر أقطار الْمغرب وَكَانَ مَا نذكرهُ
غَزْوَة عبد الْمُؤمن الطَّوِيلَة الَّتِي استولى فِيهَا على المغربين

ثمَّ صرف عبد الْمُؤمن عزمه لفتح بِلَاد الْمغرب فغزا غزوته الطَّوِيلَة الَّتِي مكث فِيهَا سبع سِنِين وأجلت عَن فتح المغربين مَعًا الْأَقْصَى والأوسط خرج لَهَا ثمَّ تينملل فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَلم يزل يتقرى بِلَاد الْمغرب وَيفتح معاقلها وَيُسْتَنْزَلُ حماتها ويذلل صعابها إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
وَكَانَ خُرُوجه من تينملل على طَرِيق الْجَبَل وَخرج تاشفين بن عَليّ فِي أَتْبَاعه من مراكش على طَرِيق السهل إِلَى أَن وصلا إِلَى تلمسان حَسْبَمَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار المرابطين
قَالَ ابْن خلدون خرج عبد الْمُؤمن فِي هَذِه الْغَزْوَة من تينملل يَعْنِي على طَرِيق الْجَبَل كَمَا قُلْنَا وَخرج تاشفين بن عَليّ يَعْنِي فِي حَيَاة وَالِده بعساكره يحاذيه فِي الْبَسِيط وَالنَّاس يفرون مِنْهُ إِلَى عبد الْمُؤمن وَهُوَ يتنقل فِي الْجبَال فِي سَعَة من الْفَوَاكِه للْأَكْل والحطب للدفء إِلَى أَن وصل إِلَى جبال غمارة واشتعلت نَار الْفِتْنَة والغلاء بالمغرب وأقشعت الرعايا عَن الْبِلَاد وألح الطاغية على الْمُسلمين بالعدوة الأندلسية وَهلك خلال ذَلِك أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَولي بعده ابْنه تاشفين بن عَليّ الْمَذْكُور وَهُوَ فِي غزاته هَذِه
(2/103)

وَفِي القرطاس ارتحل عبد الْمُؤمن إِلَى جبال غمارة وارتحل تاشفين بن عَليّ فِي أَثَره فَنزل بِإِزَاءِ عين الْقَدِيم وَذَلِكَ فِي فصل الشتَاء فَأَقَامَ بذلك المنززل شَهْرَيْن حَتَّى أحرق أهل محلته أوتاد أخبيتهم ورماحهم وهدموا بُيُوتهم وخيامهم انْتهى
ونشأت فتْنَة بَين لمتونة ومسوفة فَنزع جمَاعَة من أُمَرَاء مسوفة مِنْهُم عَامل تلمسان يحيى بن إِسْحَاق الْمَعْرُوف بآنكمار وَلَحِقُوا بِعَبْد الْمُؤمن ودخلوا فِي دَعوته فنبذ إِلَيْهِم المرابطون الْعَهْد وَإِلَى سَائِر مسوفة وَاسْتمرّ عبد الْمُؤمن على حَاله فنازل سبتة فامتنعت عَلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر دفاعه عَنْهَا القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى الشهير الذّكر وَكَانَ رئيسها يَوْمئِذٍ بأبوته ومنصبه وَعلمه وَدينه
قَالَ ابْن خلدون وَلذَلِك سخطته الدولة يَعْنِي دولة الْمُوَحِّدين آخر الْأَيَّام حَتَّى مَاتَ مغربا عَن سبته مُسْتَعْملا فِي خطة الْقَضَاء بالبادية من تادلا رَحمَه الله وَتَمَادَى عبد الْمُؤمن فِي غزاته إِلَى جبال غياثة وبطوية فافتتحها ثمَّ نَازل ملوية فَافْتتحَ حصونها ثمَّ تخطى إِلَى بِلَاد زناتة فأطاعته قبائل مديونة وَكَانَ قد بعث إِلَيْهِم جَيْشًا من الْمُوَحِّدين إِلَى نظر يُوسُف بن وانودين فَخرج إِلَيْهِم مُحَمَّد بن يحيى بن فانوا عَامل تلمسان من قبل المرابطين فِيمَن مَعَه من جيوش لمتونة وزناتة فَهَزَمَهُمْ الموحدون وَقتل ابْن فانوا وانفض جمع زناتة وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ وَولى تاشفين بن عَليّ على تلمسان أَبَا بكر بن مزدلي وَقدم على عبد الْمُؤمن وَهُوَ بمكانه من الرِّيف أَبُو بكر بن ماخوخ ويوسف بن بدر من أُمَرَاء بني ومانوا من زناتة فَبعث مَعَهم يحيى بن يغمور ويوسف بن وانودين فِي عَسْكَر فأثخنوا فِي بِلَاد بني عبد الواد وَبني يلومي من زناتة سبيا وأسرا وَلحق صريخهم بتاشفين بن عَليّ فَأَمَدَّهُمْ بعساكر لمتونة وَمَعَهُمْ الروبرتير قَائِد الرّوم ونزلوا منداس وانضمت إِلَيْهِم قبائل زناتة من بني يلومي وَبني عبد الواد مَعَ شيخهم حمامة بن مطهر وإخوانهم بني توجين وَغَيرهم فأوقعوا بيني ومانوا وَقتلُوا
(2/104)

أَبَا بكر بن ماخوخ فِي سِتّمائَة من قومه واستنفذوا غنائمهم وتحصن الموحدون وفل بني وماتوا بجبل سيرات
وَلحق تاشفين بن ماخوخ صريخا بِعَبْد الْمُؤمن ومستجيشا بِهِ على لمتونة وزناتة فارتحل مَعَه عبد الْمُؤمن إِلَى تلمسان ثمَّ أجَاز إِلَى سيرات
وَقصد محلّة لمتونة وزناتة فأوقع بهم وَرجع إِلَى تلمسان فَنزل مَا بَين الصخرتين من جبل تيطرى وَنزل تاشفين بن عَليّ بالسهل مِمَّا يَلِي الصفصاف ثمَّ وصل مدد صنهاجة من قبل يحيى بن الْعَزِيز صَاحب بجاية لنظر قائده بن كباب أمدوا بِهِ تاشفين بن عَليّ وَقَومه لعصبية الصنهاجية وَفِي يَوْم وُصُوله أشرف على معسكر الْمُوَحِّدين وَكَانَ يدل بإقدام فَعرض بلمتونة وأميرهم تاشفين بن عَليّ لقعودهم عَن مناجزة الْمُوَحِّدين وَقَالَ إِنَّمَا جِئتُكُمْ لأخلصكم من صَاحبكُم عبد الْمُؤمن هَذَا وأرجع إِلَى قومِي فامتعض تاشفين بن عَليّ من كَلمته وَأذن لَهُ فِي المناجزة فَحمل على الْقَوْم فَرَكبُوا وصمموا للقائه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وانفض عسكره وَكَانَ تاشفين بعث من قبل ذَلِك قائده على الرّوم وَهُوَ الروبرتير فِي عَسْكَر ضخم فَأَغَارَ على قوم من زناتة كَانُوا فِي بسيط لَهُم فاكتسحهم وَرجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من عَسْكَر عبد الْمُؤمن فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا الروبرتير فِي جُمْلَتهمْ
ثمَّ بعث تاشفين بن عَليّ بعثا آخر إِلَى جِهَة أُخْرَى فَلَقِيَهُمْ تاشفين بن ماخوخ وَمن كَانَ مَعَه من الْمُوَحِّدين واعترضوا عَسْكَر بجاية عِنْد رجوعهم فنالوا مِنْهُم أعظم النّيل
وتوالت هَذِه الوقائع على تاشفين بن عَليّ اللمتوني فأجمع الرحلة إِلَى وهران وَبعث ابْنه ولي عَهده إِبْرَاهِيم بن تاشفين إِلَى مراكش فِي جمَاعَة من لمتونة وَبعث كَاتبا مَعَه أَحْمد بن عَطِيَّة ورحل هُوَ إِلَى وهران سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا ينْتَظر قَائِد أسطوله مُحَمَّد بن مَيْمُون
(2/105)

إِلَى أَن وَصله من المرية بِعشْرَة أساطيل فأرسى قَرِيبا من مُعَسْكَره وزحف عبد الْمُؤمن من تلمسان وَبعث فِي مقدمته الشَّيْخ أَبَا حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي وَمَعَهُ بَنو ومانوا من زناتة فتقدموا إِلَى بِلَاد زناتة ونزلوا منداس وسط بِلَادهمْ وَجمع لَهُ بَنو يادين كلهم وَبَنُو بلومي وَبَنُو مرين ومغراوة فأثخن فيهم الموحدون حَتَّى أذعنوا للطاعة ودخلوا فِي دعوتهم ووفد على عبد الْمُؤمن جمَاعَة من رُؤَسَائِهِمْ وَكَانَ مِنْهُم سيد النَّاس ابْن أَمِير النَّاس شيخ بني يلومي وحمامة بن مطهر شيخ بني عبد الواد وَغَيرهم فَتَلقاهُمْ بِالْقبُولِ وَسَار بهم فِي جموع الْمُوَحِّدين إِلَى وهران فبيتوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم ولجأ تاشفين إِلَى رابية هُنَاكَ فأحدقوا بهَا وأضرموا النيرَان حولهَا حَتَّى إِذا غشيهم اللَّيْل خرج تاشفين من الْحصن رَاكِبًا فرسه فتردى بِهِ من بعض حافات الْجَبَل وَهلك لسبع وَعشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى تينملل وَنَجَا فل الْعَسْكَر إِلَى وهران فانحصروا بهَا مَعَ أَهلهَا حَتَّى جهدهمْ الْعَطش فنزلوا على حكم عبد الْمُؤمن يَوْم عيد الْفطر من السّنة الْمَذْكُورَة فاستأصلهم الْقَتْل رَحِمهم الله وَبلغ خبر مقتل تاشفين بن عَليّ إِلَى تلمسان مَعَ فل لمتونة الَّذين نَجوا من وقْعَة وهران وَفِيهِمْ سير بن الْحَاج فِي آخَرين من أعيانهم ففر مَعَهم من كَانَ بهَا من لمتونة
وَلما وصل عبد الْمُؤمن إِلَى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كَانَ أَكْثَرهم من الحشم بعد أَن كَانَ بعثوا سِتِّينَ من وُجُوههم فَلَقِيَهُمْ يصليتن من مشيخة بني عبد الواد فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وافتتح عبد الْمُؤمن تلمسان وَعَفا عَن أَهلهَا ورحل عَنْهَا لسبعة أشهر من فتحهَا بعد أَن ولى عَلَيْهَا سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن وانودين وَقيل يُوسُف بن وانودين
(2/106)

فتح مَدِينَة فاس

نقل بعض المؤرخين أَن عبد الْمُؤمن لم يزل محاصرا لتلمسان والفتوح ترد عَلَيْهِ وَهُنَاكَ وصلته بيعَة أهل سجلماسة إِلَى أَن اعتزم على الرحيل إِلَى الْمغرب فَترك إبراهم يبن جَامع محاصرا لتلمسان وَقصد مَدِينَة فاس سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقد تحصن بهَا يحيى بن أبي بكر الصحراوي من فل تاشفين بن عَليّ من وهران فنازلها عبد الْمُؤمن وَبعث عسكرا لحصار مكناسة ثمَّ نَهَضَ فِي أَتْبَاعه وَترك عسكرا من الْمُوَحِّدين على فاس وَعَلَيْهِم الشَّيْخ أَبُو حَفْص وَأَبُو إِبْرَاهِيم من صحابة الْمهْدي الْعشْرَة فحاصروها سَبْعَة أشهر ثمَّ داخلهم ابْن الجياني فسرب الْبَلَد وَأدْخل الْمُوَحِّدين لَيْلًا وفر يحيى بن أبي بكر الصحراوي إِلَى طنجة ثمَّ أجاء مِنْهَا إِلَى يحى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية بالأندلس وَكَانَ واليا على قرطبة من قبل المرابطين فَأَقَامَ عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وانْتهى خبر فتح فاس إِلَى عبد الْمُؤمن وَهُوَ بمكانه من حِصَار مكناسة فَرجع إِلَيْهَا ودخلها
وَحكى صَاحب القرطاس فِي فتح فاس خلاف هَذَا الْوَجْه فَقَالَ وَفِي سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فتح عبد الْمُؤمن فاسا بعد حِصَار شَدِيد قطع عَنْهَا مَاء النَّهر الدَّاخِل إِلَيْهَا وسده بِالْبِنَاءِ والخشب حَتَّى انحبس المَاء فَوق بسيط الأَرْض وانْتهى إِلَى مراكزه مِنْهَا ثمَّ خرق السد فانحدر المَاء على الْمَدِينَة دفْعَة وَاحِدَة وَهدم سورها ثمَّ هدم من دورها مايزيد عَن ألفي دَار بالتثنية وَهلك بهَا خلق كثير وَكَانَ المَاء يَأْتِي على أَكْثَرهَا ثمَّ دَخلهَا عبد الْمُؤمن وَأمن أَهلهَا إِلَّا من كَانَ بهَا من المرابطين فَإِنَّهُ أَمر أَن لَا يمْضِي لَهُم أَمَان وقتلهم قتل عَاد ثمَّ أَمر بسور الْمَدِينَة فهدم مِنْهُ ثلم كَثِيرَة أوسعها جدا وَقَالَ إِنَّا لَا نحتاج إِلَى سور وَإِنَّمَا أسوارنا سُيُوفنَا وعدلنا فَم تزل فاس لَا سور لَهَا إِلَى أَن تداركها حافده يَعْقُوب الْمَنْصُور فابتدأ بناءه وَمَات فأتمه ابْنه النَّاصِر سنة سِتّمائَة
(2/107)

وَلما فتح عبد الْمُؤمن فاسا ولى عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم بن جَامع الَّذِي خَلفه على تلمسان فَإِنَّهُ لما فتحهَا ارتحل إِلَى عبد الْمُؤمن فاتصل بِهِ وَهُوَ محاصر لفاس فَفَتحهَا عبد الْمُؤمن وولاه عَلَيْهَا وان قد اعْتَرَضَهُ فِي طَرِيقه المخضب بن عَسْكَر شيخ بني مرين ونالوا مِنْهُ وَمن رفقته وَكَانَت مَعَه أَمْوَال لمتونة وذخيرتهم الَّتِي استولى عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن بوهران وَكَانَ ابْن جَامع ذَاهِبًا بهَا إِلَى تينملل فاعترضه بَنو مرين وانتزعوها مِنْهُ وانْتهى الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الْمُؤمن فَكتب إِلَى عَامله على تلمسان يُوسُف بن وانودين يَأْمُرهُ أَن يُجهز العساكر إِلَى بني مرين فبعثها صُحْبَة عبد الْحق بن منغفاد شيخ بني عبد الواد فأوقعوا ببني مرين وَقتل المخضب شيخهم
فتح مراكش واستئصال بَقِيَّة اللمتونيين

ثمَّ ارتحل عبد الْمُؤمن من فاس عَامِدًا إِلَى مراكش فوافته فِي طَرِيقه بيعَة أهل سبتة فولى عَلَيْهِم يُوسُف بن مخلوف من مشيخة هنتاتة وَمر على مَدِينَة سلا فافتتحها بعد مواقعة قَليلَة وثلم سورها كفاس وَنزل مِنْهَا بدار ابْن عشرَة وَكَانَت هَذِه الدَّار قصرا بديعا بِمَدِينَة سلا بناه الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس بن الْقَاسِم من بَين عشرَة فشيده وأتقنه وَلما فرغ مِنْهُ وَصفته الشُّعَرَاء وهنته بِهِ ودعت لَهُ وَكَانَ بالحضرة يَوْمئِذٍ الأديب ابْن الحمارة وَلم يكف أعد شَيْئا ففكر قَلِيلا ثمَّ قَالَ
(يَا أوحد النَّاس قد شيدت وَاحِدَة ... فَحل فِيهَا حُلُول الشَّمْس فِي الْحمل)
(فَمَا كدارك فِي الدُّنْيَا لذِي أمل ... وَلَا كدارك فِي الْأُخْرَى لذِي عمل)
وَهَذَا الْقصر لم يبْق لَهُ الْيَوْم اسْم وَلَا رسم ثمَّ تَمَادى عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش وسرح الشَّيْخ أَبَا حَفْص لغزو برغواطة فأثخن فيهم وَرجع فَلَقِيَهُ فِي طَرِيقه وانتهوا جَمِيعًا إِلَى مراكش وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا جموع لمطة فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا واكتسحوا أَمْوَالهم وظعائنهم وَأَقَامُوا على
(2/108)

مراكش تِسْعَة أشهر وأميرهم يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَكَانُوا قد بَايعُوا أَولا إِبْرَاهِيم بن تاشفين بن عَليّ فألفوه مضعفا عَاجِزا فخلعوه وَبَايَعُوا عَمه إِسْحَاق بن عَليّ الْمَذْكُور وَهُوَ صبي صَغِير وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار وَجَهْدهمْ الْجُوع برزوا إِلَى مدافعة الْمُوَحِّدين فَانْهَزَمُوا وتبعهم الموحدون بِالْقَتْلِ فاقتحموا عَلَيْهِم الْمَدِينَة فِي أخريات شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقتل عَامَّة الملثمين وَنَجَا إِسْحَاق فِي جملَته وأعيان قومه إِلَى القصبة حَتَّى نزلُوا على حكم الْمُوَحِّدين وأحضر إِسْحَق بَين يَدي عبد الْمُؤمن فَقتله الموحدون بِأَيْدِيهِم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو حَفْص بن واجاج مِنْهُم
وانمحى أثر الملثمين وَاسْتولى الموحدون على جَمِيع الْبِلَاد وَقد قيل فِي تَرْتِيب هَذِه الْأَخْبَار غير هَذَا الْوَجْه
قَالَ ابْن مطروح الْقَيْسِي لما بُويِعَ عبد الْمُؤمن بتينملل ارتحل بجيوش الْمُوَحِّدين نَحْو مراكش فحاصرها أَيَّامًا وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة ثمَّ ارتحل عَنْهَا إِلَى تادلا ثمَّ إِلَى سلا فَتَلقاهُ أَهلهَا سَامِعين مُطِيعِينَ فَدَخلَهَا يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وخطب لَهُ بهَا
وَفِي سنة سبع وَعشْرين بعْدهَا فتح عبد الْمُؤمن بِلَاد تازا
وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا تسمى عبد الْمُؤمن بأمير الْمُؤمنِينَ وَاعْلَم أَن اللقب كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام خَاصّا بالخليفة بالمشرق من بني أُميَّة أَو من بني الْعَبَّاس بعدهمْ وَلما قَامَ عبيد الله الْمهْدي أول مُلُوك العبيديين بإفريقية تسمى بأمير الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَنه أَحَق بالخلافة من بني الْعَبَّاس
(2/109)

المعاصرين لَهُ بالمشرق فَهُوَ أول من زاحم الْخَلِيفَة فِي هَذَا اللقب ثمَّ تبعه على ذَلِك عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي صَاحب الأندلس وَرَأى أَن لَهُ فِي الْخلَافَة حَقًا اقْتِدَاء بسلفه الَّذين كَانُوا خلفاء بالمشرق وَكِلَاهُمَا أَعنِي العبيدي والأموي قرشي من عبد منَاف ثمَّ لم يتجاسر أحد لَا من مُلُوك الْعَجم بالمشرق وَلَا من مُلُوك البربر من الْمغرب على اللقب بأمير الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ لقب الْخَلِيفَة الْأَعْظَم الْقرشِي كَمَا علمت إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين وَكَانَ مِنْهُم يُوسُف بن تاشفين وَاسْتولى على المغربين والأندلس وَعظم سُلْطَانه واتسعت مَمْلَكَته وخاطب الْخَلِيفَة العباسي بالمشرق فولاه على مَا بِيَدِهِ وَتسَمى بأمير الْمُسلمين أدبا مَعَ الْخَلِيفَة حَسْبَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سالفا وَلما جَاءَ عبد الْمُؤمن هَذَا لم يبال بذلك كُله واتسم بالخليفة وتلقب بأمير الْمُؤمنِينَ وَتَبعهُ على ذَلِك بنوه من بعده ولسان الْحَال ينشد
(لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى سامها كل مُفلس)
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة أَمر عبد الْمُؤمن بِبِنَاء رِبَاط مَدِينَة تازا فبنيت وحصن سورها ثمَّ كَانَت محاربته لتاشفين بن عَليّ على نَحْو مَا أسلفناه وَالله تَعَالَى أعلم
ثورة مُحَمَّد بن هود السلاوي الْمَعْرُوف بالماسي

كَانَ مُحَمَّد بن هود بن عبد الله السلاوي رجلا من سوقة أهل سلا وَكَانَ أَبوهُ سمسارا بهَا يَبِيع الكنابيش وَكَانَ هُوَ قصارا بهَا مُدَّة ثمَّ لحق بِعَبْد الْمُؤمن عِنْدَمَا ظهر وَبَايَعَهُ وَشهد مَعَه فتح مراكش ثمَّ فَارقه وَظهر برباط ماسة من نَاحيَة السوس ودعا لنَفسِهِ وَتسَمى بالهادي وَتمكن ناموسه من قُلُوب الْعَامَّة وَكثير من الْخَاصَّة فَأقبل إِلَيْهِ الشراد من كل جَانب وانصرفت إِلَيْهِ وُجُوه الأغمار من أهل الْآفَاق وَأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة ورجراجة وقبائل تامسنا وهوارة وفشت ضلالته فِي جَمِيع الْمغرب
(2/110)

قَالَ فِي القرطاس بَايعه جَمِيع الْقَبَائِل حَتَّى لم يبْق تَحت طَاعَة عبد الْمُؤمن إِلَّا مراكش فسرح إِلَيْهِ عبد الْمُؤمن عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن إِسْحَاق أنكمار النازع إِلَيْهِ من إيالة تاشفين بن عَليّ حَسْبَمَا تقدم فَالتقى بالماسي وقاتله فانتصر الماسي عَلَيْهِ وَعَاد مهزوما إِلَى عبد الْمُؤمن فسرح إِلَيْهِ عبد الْمُؤمن ثَانِيًا الشَّيْخ أَبَا حَفْص الهنتاتي فِي جَيش عَظِيم من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَغَيرهم واحتفل عبد الْمُؤمن فِي الاستعداد ونهض الشَّيْخ أَبُو حَفْص من مراكش فاتح ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وشيعه عبد الْمُؤمن إِلَى وَادي تانسيفت ثمَّ دَعَا لَهُ وودعه وَانْصَرف الشَّيْخ أَبُو حَفْص فِي جيوش الْمُوَحِّدين حَتَّى انْتَهوا إِلَى رابطة ماسة فبرز إِلَيْهِم مُحَمَّد بن هود فِي نَحْو سِتِّينَ ألفا من الرجالة وَسَبْعمائة من الفرسان فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة ثمَّ انتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم وَقتل مُحَمَّد بن هود فِي المعركة مَعَ كثير من أَتْبَاعه وفضت جموعه وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ الَّذِي بَاشر قتل ابْن هود هُوَ الشَّيْخ أَبُو حَفْص رَئِيس الْجَيْش فلقبه الموحدون سيف الله تَشْبِيها لَهُ بِخَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ
وَكتب الشَّيْخ أَبُو حَفْص إِلَى عبد الْمُؤمن برسالة الْفَتْح من إنْشَاء الْفَقِيه أبي جَعْفَر بن عَطِيَّة الْقُضَاعِي الْكَاتِب الْمَشْهُور يَقُول فِيهَا كتَابنَا هَذَا من وَادي ماسة بعد مَا تجدّد من أَمر الله الْكَرِيم وَنَصره تَعَالَى الْمَعْهُود الْقَدِيم وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم فتح بهر الْأَنْوَار إشراقا وأحدق بنفوس الْمُؤمنِينَ إحداقا وَنبهَ للأماني النائمة جفونا وأحداقا واستغرق غَايَة الشُّكْر استغراقا فَلَا تطِيق الألسن لكنه وَصفه إدراكا وَلَا لحَاقًا جمع أشتات الطّلب والأرب وتقلب فِي النعم أكْرم مُنْقَلب وملأ دلاء الأمل إِلَى عقد الكرب
(فتح تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لَهُ ... وتبرز الأَرْض فِي أثوابها القشب)
(2/111)

وَتَقَدَّمت بشارتنا بِهِ جملَة حِين لم تعط الْحَال بشرحه مهلة كَانَ أُولَئِكَ الضالون قد بطروا عُدْوانًا وظلما واقتطعوا الْكفْر معنى واسما وأملى الله تَعَالَى لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَكَانَ مقدمهم الشقي قد استمال النُّفُوس بخزعبلاته واستهوى الْقُلُوب بمهولاته وَنصب لَهُ الشَّيْطَان من حبلاته فَأَتَتْهُ المخاطبات من بعد وكثب وانسلت إِلَيْهِ الرُّسُل من كل حدب واعتقدته الخواطر أعجب عجب وَكَانَ الَّذِي قادهم إِلَى ذَلِك وأوردهم تِلْكَ المهالك وُصُول من كَانَ بِتِلْكَ السواحل مِمَّن ارتسم برسم الإنقطاع عَن النَّاس فِيمَا سلف من الأعوام واشتغل على زَعمه بِالْقيامِ وَالصِّيَام آنَاء اللَّيَالِي وَالْأَيَّام لبسوا الناموس أثوابا وتدرعوا الرِّيَاء جلبابا فَلم يفتح الله تَعَالَى لَهُم للتوفيق بَابا
وَمِنْهَا فِي ذكر صَاحبهمْ الماسي الْمُدَّعِي للهداية فصرع بِحَمْد الله تَعَالَى لحينه وبادرت إِلَيْهِ بَوَادِر منونه وأتته وافدات الْخَطَايَا عَن يسَاره وَيَمِينه وَقد كَانَ يدعى أَنه بشر بِأَن الْمنية فِي هَذِه الأعوام لَا تصيبه والنوائب لَا تنوبه وَيَقُول فِي سواهُ قولا كثيرا ويختلق على الله تَعَالَى إفكا وزورا فَلَمَّا رَأَوْا هَيْئَة اضطجاعه وَمَا خطته الأسنة فِي أَعْضَائِهِ وأضلاعه وَنفذ فِيهِ من أَمر الله تَعَالَى مَا لم يقدروا على استرجاعه هزم من كَانَ لَهُم من الْأَحْزَاب وتساقطوا على وجوهم تساقط الذُّبَاب وأعطوا على بكرَة أَبِيهِم صفحات الرّقاب وَلم تقطر كلومهم إِلَّا على الأعقاب فامتلأت تِلْكَ الْجِهَات بأجسامهم وآذنت الْآجَال بانقراض آمادهم وَأَخذهم الله تَعَالَى بكفرهم وفسادهم فَلم يعاين مِنْهُم إِلَّا من خر صَرِيعًا وَسَقَى الأَرْض نجيعا وَلَقي من أَمر الهنديات فظيعا ودعت الضَّرُورَة باقيهم إِلَى الترامي فِي الْوَادي فَمن كَانَ يؤمل الْفِرَار ويرتجيه ويسبح طامعا فِي الْخُرُوج إِلَى مَا ينجيه اختطفته الأسنة اختطافا وأذاقته موتا ذعافا وَمن لج فِي الترامي على لججه ورام الْبَقَاء فِي ثبجه قضى عَلَيْهِ شرقه وألوى بذقنه غرقه وَدخل
(2/112)

الموحدون إِلَى الْبَقِيَّة الكائنة فِيهِ يتناولون قَتلهمْ طَعنا وَضَربا ويلقونهم بامر الله تَعَالَى هولا عَظِيما وكربا حَتَّى انبسطت مراقات الدِّمَاء على صفحات المَاء وحكت حمرتها على زرقته حمرَة الشَّفق على زرقة السَّمَاء وجزت الْعبْرَة للمعتبر فِي جري ذَلِك الدَّم جري الأبحر
وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ رِسَالَة بليغة وَهِي الَّتِي أورثت منشئها الرُّتْبَة الْعلية والمنزلة السّنيَّة فَإِن عبد الْمُؤمن لما وقف عَلَيْهَا استحسنها وَوَقعت مِنْهُ موقعا كَبِيرا فاستكتبه أَولا ثمَّ استوزره ثَانِيًا ثمَّ نكبه وَقَتله ثَالِثا كَمَا سَيَأْتِي
وَلما انْصَرف الشَّيْخ أَبُو حَفْص من غَزْوَة ماسة أراح بمراكش أَيَّامًا ثمَّ خرج غازيا بِلَاد القائمين بدعوة مُحَمَّد بن هود بجبال درن فأوقع بِأَهْل نَفِيس وهيلانة وأثخن فيهم بِالْقَتْلِ والسبي حَتَّى أذعنوا للطاعة وَرجع
ثمَّ خرج إِلَى هسكورة فأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم
ثمَّ نَهَضَ إِلَى سجلماسة فاستولى عَلَيْهَا وَرجع إِلَى مراكش
ثمَّ خرج ثَالِثَة إِلَى برغواطة فحاربوه مُدَّة ثمَّ هزموه واضطرمت نَار الْفِتْنَة بالمغرب وَكَانَ مَا نذكرهُ
انْتِقَاض أهل سبتة على الْمُوَحِّدين وَخبر القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله مَعَهم

قد تقدم لنا أَن عبد الْمُؤمن كَانَ غزا سبتة فِي غزوته الطَّوِيلَة وَأَن القَاضِي عياضا رَحمَه الله دافعه عَنْهَا وَأَنه لما قتل تاشفين بن عَليّ وَفتحت تلمسان وفاس واستفحل أَمر عبد الْمُؤمن بَايع أهل سبتة فِي جملَة من بَايع من أَمْصَار الْمغرب
قَالُوا وبادر القَاضِي عِيَاض إِلَى لِقَاء عبد الْمُؤمن فَاجْتمع بِهِ بِمَدِينَة سلاحين كَانَ ذَاهِبًا لفتح مراكش فأجزل صلته وَولى على سبتة يُوسُف بن
(2/113)

مخلوف التينمللي وَسَاكن الموحدون أهل سبتة فِي دِيَارهمْ واطمأنوا إِلَيْهِم
فَلَمَّا انْتقض الْمغرب على عبد الْمُؤمن بِسَبَب قيام مُحَمَّد بن هود وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من الْفِتَن انْتقض أهل سبتة أَيْضا وَكَانَ انتقاضهم كَمَا فِي القرطاس بِرَأْي القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله فَقتلُوا عَامل الْمُوَحِّدين وَمن كَانَ مَعَه من أَصْحَابه وحاميته وحرقهم بالنَّار
وَركب القَاضِي عِيَاض الْبَحْر إِلَى يحيى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية وَكَانَ معتصما بقرطبة متمسكا بدعوة المرابطين فَلَقِيَهُ وَأدّى إِلَيْهِ الْبيعَة وَطلب مِنْهُ واليا على سبتة فَبعث مَعَه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الَّذِي كَانَ معتصما بفاس أَيَّام حِصَار عبد الْمُؤمن لَهَا ففر وَلحق بِابْن غانية كَمَا قُلْنَا وَبَقِي فِي جملَته إِلَى أَن بَعثه مَعَ القَاضِي عِيَاض فِي هَذِه الْمرة فَدخل يحيى سبتة وَقَامَ بأمرها
وَلما اتَّصَلت بِعَبْد الْمُؤمن هَذِه الْأَخْبَار مَعَ مَا تقدم من هزيمَة برغواطة للشَّيْخ أبي حَفْص خرج من مراكش قَاصِدا بِلَاد برغواطة أَولا ثمَّ من بعدهمْ ثَانِيًا فَتَسَامَعَتْ برغواطة بِخُرُوج عبد الْمُؤمن إِلَيْهِم فَكَتَبُوا إِلَى يحيى بن أبي بكر بمكانه من سبتة يستنصرونه عَلَيْهِم فَأَتَاهُم وَبَايَعُوهُ واجتمعوا عَلَيْهِ وقاتلوا عبد الْمُؤمن فهزموه ثمَّ كَانَت لَهُ الكرة عَلَيْهِم فَهَزَمَهُمْ وَحكم السَّيْف فيهم واستأصل شأفتهم حَتَّى انقادوا للطاعة وتبرؤوا من يحيى الصحراوي ولمتونة وفر الصحراوي إِلَى منجاته ثمَّ طلب الْأمان من عبد الْمُؤمن وَتشفع إِلَيْهِ بأشياخ الْقَبَائِل فَأَمنهُ ووفد عَلَيْهِ فَبَايعهُ وَحسنت طَاعَته لَدَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
وَلما رأى أهل سبتة ذَلِك كُله سقط فِي أَيْديهم وندموا على صنيعهم وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى عبد الْمُؤمن وَقدم بهَا أَشْيَاخ سبتة وطلبتها تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم وَعَن القَاضِي عِيَاض وَأمره بسكنى مراكش وَالصَّحِيح أَنه ولاه الْقَضَاء بتادلا ثمَّ دخل مراكش قيل دَخلهَا مَرِيضا مرض مَوته وَقيل مَاتَ بِالطَّرِيقِ
(2/114)

وَحمل إِلَيْهَا وَأمر عبد الْمُؤمن مَعَ ذَلِك بهدم سور سبتة فهدم وَكَذَلِكَ فعل بفاس وسلا
وَأعلم أَن مَا صدر من القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله فِي جَانب الْمُوَحِّدين دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن لَا حق لَهُم فِي الْأَمر والإمامة وَإِنَّمَا هم متغلبون وَهَذَا أَمر لَا خَفَاء بِهِ كَمَا هُوَ وَاضح وَلما كَانَت شَوْكَة عبد الْمُؤمن لَا زَالَت ضَعِيفَة وتاشفين بن عَليّ أَمِير الْوَقْت لَا زَالَ قَائِم الْعين امْتنع القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله من مبايعة عبد الْمُؤمن ودافعه عَن سبتة إِذْ لَا مُوجب لذَلِك لِأَن بيعَة تاشفين فِي أَعْنَاقهم وَهُوَ لَا زَالَ حَيا فَلَا يعدل عَن بيعَته إِلَى غَيره بِلَا مُوجب
وَأما مَا غالط بِهِ الْمهْدي رَحمَه الله من أَن المرابطين مجسمة وَأَن جهادهم أوجب من جِهَاد الْكفَّار فضلا عَن أَن تكون طاعتهم وَاجِبَة فسفسطة مِنْهُ عَفا الله عَنَّا وَعنهُ
وَلما قتل تاشفين وَفتحت تلمسان وفاس وقويت شَوْكَة عبد الْمُؤمن بَايعه القَاضِي عِيَاض حِينَئِذٍ وَقبل صلته لِأَن من قويت شوكته وَجَبت طَاعَته
ثمَّ لما ضعف أمره ثَانِيًا بِسَبَب قيام الماسي عَلَيْهِ وَإِجْمَاع قبائل الْمغرب على التَّمَسُّك بدعوته رَجَعَ القَاضِي بِأَهْل سبتة عَن بيعَته إِلَى طَاعَة المرابطين الَّذين لَهُم الْحق فِي الْإِمَامَة بطرِيق الْأَصَالَة وَلم يَأْخُذ بدعوة الماسي لِأَنَّهُ ثَائِر أَيْضا هَذَا مَعَ مَا كَانَ ينْقل عَن الْمهْدي من أَنه غلبت نَزعَة خارجية عَلَيْهِ وَأَنه يَقُول بعصمة الإِمَام وَذَلِكَ بِدعَة كَمَا لَا يخفى فَتكون إِمَامَته وإمامة أَتْبَاعه مقدوحا فِيهَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة لَكِن حَيْثُ حصل التغلب والإستيلاء وَجَبت الطَّاعَة فَالْحَاصِل أَن مَا فعله القَاضِي عِيَاض أَولا وَثَانِيا وثالثا كُله صَوَاب مُوَافق للْحكم الشَّرْعِيّ فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفهم أَحْوَال أَئِمَّة الدّين وأعلام الْمُسلمين رَضِي الله عَنْهُم ونفعنا بعلومهم
(2/115)

وَأما الْقَتْل وَالتَّحْرِيق الَّذِي صدر من أهل سبتة فالظن بِالْقَاضِي عِيَاض رَحمَه الله أَنه لَا يُوَافق على ذَلِك وَلَا يرضاه لَكِن الْعَامَّة تتسرع إِلَى مُجَاوزَة الْحُدُود لَا سِيمَا أَيَّام الْفِتَن وَذَلِكَ مَعْرُوف من حَالهم وَالله الْمُوفق
وَلما دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة مكناسة الْقَدِيمَة بعد حصارهم إِيَّاهَا سبع سِنِين اقتحموها عنْوَة يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة فخربت وَقتل أَكثر رجالها وَسبي حريمهم وخمست أَمْوَالهم ثمَّ بنيت مكناسة تاكرارت الْمَدِينَة الْمَوْجُودَة الْآن
أَخْبَار الأندلس وفتوحها

كَانَ عبد الْمُؤمن لما فتح تلمسان وفاسا بعث إِلَى الأندلس جَيْشًا من عشرَة آلَاف فَارس من أنجاد الْمُوَحِّدين
وَقَالَ ابْن خلدون بعث عبد الْمُؤمن بعد فتح مراكش جَيْشًا من الْمُوَحِّدين لنظر بدران بن مُحَمَّد المسوفي النازع إِلَى عبد الْمُؤمن من جملَة تاشفين بن عَليّ وَعقد لَهُ على حَرْب الأندلس وَمن بهَا من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر مُوسَى بن سعيد وَبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صَالح الصنهاجي
وَلما أَجَازُوا إِلَى الأندلس نزلُوا بِأبي الْغمر بن عزرون صَاحب شريش فَكَانَ أول بلد فتحُوا من الأندلس بلد شريش خرج إِلَيْهِم صَاحبهَا أَبُو الْغمر فِيمَن مَعَه من المرابطين وبايعهم لعبد الْمُؤمن وَدخل فِي طَاعَته فَكَانَ الموحدون يسمون أهل شريش بالسابقين الْأَوَّلين وحررت أملاكهم فَلم تزل محررة سَائِر أيامهم فَلم يكن فِي أملاكهم رباعة وَجَمِيع بِلَاد
(2/116)

الأندلس مربعة وَكَانَ مُلُوك الْمُوَحِّدين إِذا قدم عَلَيْهِم وُفُود الأندلس كَانَ أول من يُنَادي مِنْهُم أهل شريش فَكَانَ يُقَال أَيْن السَّابِقُونَ فَيدْخلُونَ للسلام فَإِذا سلمُوا وقضيت حاجاتهم انصرفوا فَدخل غَيرهم حِينَئِذٍ وَكَانَ فتح شريش فاتح ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة
ثمَّ زحف الموحدون إِلَى لبلة وَكَانَ بهَا من الثوار يُوسُف بن أَحْمد البطروجي فبذل لَهُم الطَّاعَة ثمَّ زحفوا إِلَى شلب ففتحوها ثمَّ نهضوا إِلَى باجة وبطليوس ففتحوهما أَيْضا ثمَّ زحفوا إِلَى إشبيلية فحاصروها برا وبحرا إِلَى أَن فتحوها فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وفر من كَانَ بهَا من المرابطين إِلَى قرمونة وَقتل من أدْركهُ الْقَتْل مِنْهُم وَقتل فِي جُمْلَتهمْ عبد الله ولد القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي الْحَافِظ الْمَشْهُور وَأُصِيب فِي هيعة تِلْكَ الدخلة من غير قصد
وَكتب الموحدون بِالْفَتْح إِلَى عبد الْمُؤمن ثمَّ قدم عَلَيْهِ وفدهم بمراكش مبايعين لَهُ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَرَئِيس الْوَفْد يَوْمئِذٍ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَذْكُور فألفوا عبد الْمُؤمن مَشْغُولًا بِحَرب مُحَمَّد بن هود الماسي فأقاموا بمراكش سنة وَنصفا لم يلقوه فِيهَا حَتَّى كَانَ يَوْم عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَلَقوهُ بالمصلى فَسَلمُوا عَلَيْهِ سَلام الْجَمَاعَة ثمَّ بعد ذَلِك دخلُوا عَلَيْهِ فسملوا عَلَيْهِ السَّلَام الْخَاص وَقبلت بيعتهم
وَسَأَلَ عبد الْمُؤمن القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ عَن الْمهْدي هَل كَانَ لقِيه عِنْد الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فَقَالَ مَا لَقيته وَلَكِن سَمِعت بِهِ فَقَالَ لَهُ فَمَا كَانَ أَبُو حَامِد يَقُول فِيهِ قَالَ كَانَ يَقُول إِن هَذَا الْبَرْبَرِي لَا بُد أَن سَيظْهر ثمَّ صرف عبد الْمُؤمن أهل إشبيلية بعد أَن أجازهم وَكتب لَهُم منشورا بتحرير أملاكهم فانصرفوا عَنهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَلَمَّا قربوا من مَدِينَة فاس توفّي الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ رَحمَه
(2/117)

الله فَحمل وَدفن خَارج بَاب المحروق مِنْهَا بتربة الْقَائِد مظفر وقبره مزارة إِلَى الْآن وَعَلِيهِ قبَّة حَسَنَة
وَفِي هَذِه السّنة ملك الموحدون قرطبة وَكَانَ بهَا يحيى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية مُقيما لدَعْوَة المرابطين فَلَمَّا دخل الموحدون الأندلس واشتعلت نَار الْفِتْنَة بِحَرب المرابطين انتهز الطاغية الفرصة فِي بِلَاد الْإِسْلَام وضايق ابْن غانية بقرطبة وألح على جهاته حَتَّى نزل لَهُ عَن بياسة وأبدة وتغلب على أشبونة وطرطوشة والمرية وماردة وأفراغة وشنترين وشنتمرية وَغَيرهَا من حصون الأندلس وطالب ابْن غانية بِالزِّيَادَةِ على مَا بذل لَهُ أَو الإفراج عَن قرطبة فَأرْسل ابْن غانية إِلَى بدران بن مُحَمَّد أَمِير الْمُوَحِّدين واجتمعا بأستجة وَضمن لَهُ بدران أَمَان الْخَلِيفَة عبد الْمُؤمن على أَن يتخلى لَهُ عَن قرطبة وقرمونة فَفعل ثمَّ لحق بغرناطة وَبهَا مَيْمُون بن بدر اللمتوني فِي جمَاعَة من المرابطين وَأَرَادَ أَن يكلمهُ فِي الدُّخُول فِي طَاعَة الْمُوَحِّدين وَأَن يُمكنهُم من غرناطة كَمَا فعل هُوَ بقرطبة فَتوفي بغرناطة يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَدفن فِي القصبة بِإِزَاءِ قبر باديس بن حبوس الصنهاجي وانتهز الطاغية الفرصة فِي قرطبة فزحف إِلَيْهَا وحاصرها فَجهز إِلَيْهِ الموحدون الَّذين كَانُوا بإشبيلية أَبَا الْغمر بن عزرون لحمايتها وَوصل إِلَيْهِ مدد يُوسُف البطروجي من لبلة وَبلغ الْخَبَر عبد الْمُؤمن فَبعث إِلَيْهَا عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن يغمور وَلما دَخلهَا أفرج عَنْهَا الطاغية لأيام من مدخله وبادر ثوار الأندلس إِلَى يحيى بن يغمور فِي طلب الْأمان من عبد الْمُؤمن ثمَّ تَلَاحَقُوا بِهِ بمراكش فتقلبهم وصفح لَهُم عَمَّا سلف
(2/118)

قدوم عبد الْمُؤمن إِلَى سلا ووفادة أهل الأندلس عَلَيْهِ بهَا

لما كَانَت سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة قدم عبد الْمُؤمن من مراكش إِلَى سلا فَنظر فِي أمرهَا وأجرى إِلَيْهَا مَاء عين غبولة حَتَّى وصل إِلَى رباطها وَلم تكن رِبَاط الْفَتْح يَوْمئِذٍ قد بنيت لِأَن بانيها حافده يَعْقُوب الْمَنْصُور كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَإِنَّمَا كَانَ يُقَال رِبَاط سلا
ثمَّ أذن عبد الْمُؤمن لأهل الأندلس فِي الْوِفَادَة عَلَيْهِ بسلا فقدموا عَلَيْهِ فِي نَحْو خَمْسمِائَة فَارس من الْفُقَهَاء والقضاة والخطباء والأشياخ والقواد فَتَلقاهُمْ الشَّيْخ أَبُو حَفْص الهنتاتي والوزير الْكَاتِب أَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة وأشياخ الْمُوَحِّدين على نَحْو ميلين من الْمَدِينَة فَأمر عبد الْمُؤمن بإنزالهم وأفاض عَلَيْهِم سِجَال الْإِكْرَام وأنواع الضيافات والإنعام وبقوا على ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أذن لَهُم فِي الدُّخُول فَدَخَلُوا عَلَيْهِ أول يَوْم من الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَسَلمُوا عَلَيْهِ
وَأَشَارَ الْوَزير ابْن عَطِيَّة لأهل قرطبة بالتقدم فَتقدم قاضيهم أَبُو الْقَاسِم بن الْحَاج فَأَرَادَ أَن يتَكَلَّم فدهش ثمَّ وصف حَال قرطبة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الفنش لَعنه الله قد أضعفها
فتلافاه أَبُو بكر بن الْجد بالحطبة البليغة فَجلى فِي ذَلِك الْمجْلس وَاسْتحْسن عبد الْمُؤمن خطبَته وَوصل الْجَمِيع كلا على قدره وَقضى مطالبهم وأوصاهم بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَال وَأمرهمْ بالإنصراف إِلَى بِلَادهمْ فانصرفوا فرحين مغتبطين
وَقَالَ ابْن خلدون استدعى عبد الْمُؤمن أهل الأندلس وَهُوَ بسلا فوفدوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ جَمِيعًا وَبَايَعَهُ الرؤساء من الثوار على الإنخلاع من الْأَمر مثل سدراتي ابْن وَزِير صَاحب باجة ويابرة ويوسف البطروجي صَاحب لبلة وَابْن عزرون صَاحب شريش ورندة وَمُحَمّد بن الْحجام
(2/119)

صَاحب بطليوس وعامل بن مهيب صَاحب طلبيرة وتخلف ابْن الْقَيْسِي وَأهل شلب عَن هَذَا الْجمع فَكَانَ سَببا لقَتله من بعد وَانْصَرف أهل الأندلس إِلَى بِلَادهمْ وَرجع عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش واستصحب الثوار فَلم يزَالُوا بِحَضْرَتِهِ وَالله تَعَالَى أعلم
غَزْو إفريقية وَفتح مَدِينَة بجاية

ثمَّ بلغ عبد الْمُؤمن اضْطِرَاب بِلَاد إفريقية بِسَبَب تنَازع مُلُوكهَا من بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين واستطالة الْعَرَب عَلَيْهِم بهَا فاجمع الرحلة إِلَى غزوها بعد أَن شاور الشَّيْخ أَبَا حَفْص وَأَبا إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا من المشيخة فوافقوه فَخرج من مراكش أَوَاخِر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة واستخلف عَلَيْهَا الشَّيْخ أباحفص الهنتاتي وَسَار حَتَّى وصل إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى سبتة مظْهرا أَنه يُرِيد العبور إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد
فَلَمَّا وصل إِلَى سبتة استدعى فُقَهَاء قرطبة وإشبيلية وأعيان الأندلس وقوادها فاستوضح مِنْهُم أَحْوَال الْبِلَاد وأوصاهم بِمَا إِلَيْهِم مِنْهَا وودعهم
ورحل عَن سبتة مظْهرا الْعود إِلَى مراكش وَصَارَ حَتَّى وصل إِلَى الْقصر الْكَبِير وَهُوَ قصر كتامة فميز جيوشه وأزاح عللهم وَفرق فيهم الْأَمْوَال وَأمرهمْ بتجديد الأزواد وَخرج يعتسف الْبِلَاد على غير طَرِيق فَجعل مَدِينَة فاس عَن يَمِينه وجد السّير حَتَّى خرج على وَادي ملوية ثمَّ سَار إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ خرج مِنْهَا وَولى السّير قَاصِدا بجاية فطرق الجزائر على حِين غَفلَة من أَهلهَا فَدَخلَهَا وأمنهم وفر صَاحبهَا الْقَائِم بن يحيى بن الْعَزِيز إِلَى أَبِيه يحيى ببجاية
وَخرج إِلَى عبد الْمُؤمن الْحسن بن عَليّ الصنهاجي صَاحب المهدية وَكَانَ الفرنج قد أَخْرجُوهُ مِنْهَا فقصد ابْن عَمه يحيى بن الْعَزِيز صَاحب
(2/120)

بجاية فَعدل بِهِ إِلَى الجزائر وأنزله بهَا كالمسجون فَلَمَّا طرق عبد الْمُؤمن الجزائر فِي هَذِه الْمرة خرج إِلَيْهِ الْحسن بن عَليّ الْمَذْكُور فصحبه وَوصل يَده بِيَدِهِ حَتَّى كَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
ثمَّ اعترضت جيوش صنهاجة عبد الْمُؤمن بِأم الْعُلُوّ فَهَزَمَهُمْ وصبح بجاية من الْغَد فَدَخلَهَا وفر صَاحبهَا يحيى بن الْعَزِيز الصنهاجي آخر مُلُوك بني حَمَّاد أَصْحَاب القلعة فَركب الْبَحْر فِي أسطولين كَانَ أعدهما لذَلِك وَاحْتمل فيهمَا ذخيرته وأمواله وعزم على الْمسير إِلَى مصر ثمَّ عدل إِلَى بونة فَنزل على أَخِيه الْحَارِث فَأنْكر عَلَيْهِ سوء صَنِيعه وإفراجه عَن الْبَلَد فارتحل عَنهُ إِلَى قسنطينة فَنزل على أَخِيه الْحسن فتخلى لَهُ عَن الْأَمر
وَفِي خلال ذَلِك دخل الموحدون قلعة حَمَّاد عنْوَة وَكَانَ عبد الْمُؤمن وَجه جَيْشًا من الْمُوَحِّدين إِلَيْهَا وَأمر عَلَيْهِم ابْنه أَبَا مُحَمَّد عبد الله فَدَخَلُوهَا وأضرموا النيرَان فِي مساكنها وخربوها وَقتلُوا بهَا نَحْو ثَمَانِيَة عشر ألفا وامتلأت أَيدي الْمُوَحِّدين من الْغَنَائِم والسبي ثمَّ جمع لَهُم الْعَرَب الَّذين هُنَاكَ من الأثبج وزغبة ورياح وَغَيرهم بسطيف فأوقعوا بهم واستلحموهم وَسبوا نِسَاءَهُمْ واكتسحوا أَمْوَالهم
وَأما يحيى بن الْعَزِيز فَإِنَّهُ بَايع لعبد الْمُؤمن سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَنزل لَهُ عَن قسنطينة وَاشْترط لنَفسِهِ فوفى لَهُ عبد الْمُؤمن وَنَقله إِلَى مراكش بأَهْله وخاصته فسكنها وأفاض عَلَيْهِ سِجَال الْإِحْسَان وأنزله منزلَة رفيعة ثمَّ انْتقل إِلَى سلا سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة فسكن بقصر ابْن عشرَة مِنْهَا إِلَى أَن مَاتَ من سنته رَحمَه الله
ووفد على عبد الْمُؤمن بمراكش كبراء الْعَرَب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم وَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ مغتبطين
(2/121)

فتح المرية وبياسة وأبدة

كَانَت هَذِه الْبِلَاد قد استولى عَلَيْهَا الفرنج أَيَّام الْمُوَحِّدين والمرابطين بالأندلس فَلَمَّا كَانَت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة عبر الشَّيْخ أَبُو حَفْص إِلَى الأندلس فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَمَعَهُ السَّيِّد أَبُو سعيد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ برسم الْجِهَاد وَكَانَ بَنو عبد الْمُؤمن يسمون أَبْنَاءَهُم بالسادة فنزلوا المرية وضيقوا عَلَيْهَا بالحصار وَبنى السَّيِّد أَبُو سعيد على محلته سورا واستغاث نَصَارَى المرية بالفنش فأغاثهم بِمُحَمد بن مردنيش وَكَانَ واصلا يَده بِيَدِهِ وَوجه مَعَه السلطين أحد قواد الفرنج فِي جَيش كثيف فَلم يتمكنوا من الْبَلَد وَلَا من محلّة الْمُوَحِّدين لكَونهَا مُحصنَة بالسور فَرجع ابْن مردنيش والسلطين بخفي حنين وافترقا فَلم يجتمعا بعد
ثمَّ عمد السلطين إِلَى بياسة وأبدة فأخلاهما من النَّصَارَى الَّذين كَانُوا بهما خوفًا عَلَيْهِم وَرجع عوده على بدئه وَأما السَّيِّد أَبُو سعيد فَإِنَّهُ شدد الْحصار على المرية حَتَّى نزلُوا على الْأمان بِوَاسِطَة الْوَزير ابْن عَطِيَّة
وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَجه عبد الْمُؤمن على يصليتن قريب الْمهْدي فَأتى بِهِ مكبولا من سبتة فَأمر بقتْله وصلبه بِبَاب مراكش لأمر نقمه عَلَيْهِ
ثمَّ ارتحل عبد الْمُؤمن بعد مقتل يصليتن إِلَى تينملل بِقصد زِيَارَة قبر الْمهْدي فزار وَفرق فِي أَهلهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَأمر بِبِنَاء مَسْجِدهَا وتوسعتها
(2/122)

قدوم عبد الْمُؤمن مَدِينَة سلا وتولية أَوْلَاده على النواحي بهَا

لما قضى عبد الْمُؤمن إربه من تينملل ارتحل مِنْهَا إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين بعْدهَا فَبَايع لِابْنِهِ السَّيِّد أبي عبد الله مُحَمَّد بِولَايَة الْعَهْد وَأمر أَن يذكر فِي الْخطْبَة بعده وَكتب بذلك إِلَى جَمِيع الْآفَاق
ثمَّ عقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ على فاس وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا الْحجَّاج يُوسُف بن سُلَيْمَان وَعقد لانه السَّيِّد أبي حَفْص عمر على تلمسان وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا مُحَمَّد عبد الْحق بن وانودين واستكتب لَهُ أَبَا الْحسن عبد الْملك بن عَيَّاش وَعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي سعيد عُثْمَان على سبتة وطنجة واستوزر لَهُ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيْمَان وَأَبا عُثْمَان سعيد بن مَيْمُون الصنهاجي واستكتب لَهُ أَبَا بكر بن طفيل الْقَيْسِي وَأَبا بكر بن حُبَيْش الْبَاجِيّ وَعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي مُحَمَّد عبد الله على بجاية وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا سعيد يخلف بن الْحسن وَعقد للشَّيْخ أبي زيد بن يكيث على قرطبة وأعمالها وَيُقَال إِن قرطبة كَانَت فِي هَذَا التَّارِيخ بيد يحيى بن يغمور وَالله أعلم
واستقامت الْأَحْوَال لعبد الْمُؤمن وبنيه وَصفا لَهُ المغربان والأندلس وَالله غَالب على أمره
(2/123)

إِيقَاع عبد الْمُؤمن بِعَبْد الْعَزِيز وَعِيسَى أخوي الْمهْدي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ عبد الْعَزِيز وَعِيسَى أخوي الْمهْدي من مشيخة الْعَسْكَر ووجوه الْجَيْش بإشبيلية أَيَّام فتحهَا ووفادة أَهلهَا على عبد الْمُؤمن بمراكش حَسْبَمَا تقدم ثمَّ سَاءَ أثرهما بهَا واستطالت أَيْدِيهِمَا على أَهلهَا واستباحا الدِّمَاء وَالْأَمْوَال ثمَّ اعتزما على الفتك بِيُوسُف البطروجي صَاحب لبلة فلحق بِبَلَدِهِ وَأخرج الْمُوَحِّدين الَّذين بهَا وحول الدعْوَة عَنْهُم إِلَى المرابطين وَنَشَأ عَن ذَلِك فَسَاد كَبِير بالأندلس ثمَّ لحق أخوا الْمهْدي بالعدوة فِي خبر طَوِيل
وَاسْتمرّ حَالهمَا إِلَى أَن بَايع عبد الْمُؤمن لِابْنِهِ مُحَمَّد بِولَايَة الْعَهْد وَعقد لإخوته على العمالات والنواحي ففسدت نِيَّة عبد الْعَزِيز وَعِيسَى بذلك مَعَ مَا كَانَ صدر من عبد الْمُؤمن من قتل ابْن عَمهمَا يصليتن وَكَانَا يَوْمئِذٍ بفاس وَعبد الْمُؤمن بسلا فَخَرَجَا من فاس إِلَى مراكش على طَرِيق الْمَعْدن مضمرين للغدر
واتصل خبر خروجهما بِعَبْد الْمُؤمن فَخرج من سلا فِي أثرهما متلافيا أَمر مراكش وَقدم أَمَامه وزيره أَبَا جَعْفَر بن عَطِيَّة فسبقاه إِلَيْهَا وداخلا بعض الأوباش بهَا فِي شَأْنهمَا فَوَثَبُوا بعاملها أبي حَفْص عمر بن تافراكين فَقَتَلُوهُ بمكانه من القصبة
وَوصل على أثرهما الْوَزير ابْن عَطِيَّة ثمَّ عبد الْمُؤمن على أَثَره فأطفا تِلْكَ النائرة وتقبض عبد الْمُؤمن على عبد الْعَزِيز وَعِيسَى فَقَتَلَهُمَا وصلبهما وتتبع المداخلين لَهما فألحقهم بهما وَانْقطع الشغب وَزَالَ الْفساد
(2/124)

إِيقَاع يحيى بن يغمور بِأَهْل لبلة وإسرافه فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة لبلة وَكَانَ المتولى لفتحها يحيى بن يغمور وَالِي قرطبة وإشبيلية حاصرها مُدَّة ثمَّ اقتحهما عنْوَة وَقبض على أَهلهَا فَخرج بهم إِلَى ظَاهر الْمَدِينَة وَصفهم فِي صَعِيد وَاحِد ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف أَجْمَعِينَ حَتَّى خلص الْقَتْل مِنْهُم إِلَى الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحُكَّام بن بطال والفقيه الصَّالح أبي عَامر بن الْجد
وَكَانَ عدد من قتل من أهل لبلة فِي ذَلِك الصَّعِيد ثَمَانِيَة آلَاف وَقتل بأحوازها نَحْو أَرْبَعَة آلَاف ثمَّ بِيعَتْ نِسَاؤُهُم وأبناؤهم وأمتعتهم وأسلابهم فعل ذَلِك افتياتا على عبد الْمُؤمن وبلغه الْخَبَر وَهُوَ بمراكش فسخطه وَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن سُلَيْمَان فجَاء بِهِ معتقلا إِلَى الحضرة يَوْم عيد الْفطر فألزمه بَيته وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة ثمَّ عَفا عَنهُ وسرحه مَعَ ابْنه السَّيِّد أبي حَفْص إِلَى تلمسان وَلم يصرف إِلَى أهل لبلة شَيْئا مِمَّا أَخذ لَهُم واستقام أَمر الأندلس وَنزل مَيْمُون بن بدر اللمتوني عَن غرناطة للموحدين فملكوها وَأَجَازَ إِلَيْهَا السَّيِّد أَبُو سعيد صَاحب سبتة بِعَهْد أَبِيه عبد الْمُؤمن إِلَيْهِ بذلك وَلحق الملثمون بمراكش
(2/125)

أَمر عبد الْمُؤمن بتحريق كتب الْفُرُوع ورد النَّاس إِلَى الْأُصُول من الْكتاب وَالسّنة

لما كَانَت سنة خمسين وَخَمْسمِائة أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ بإصلاح الْمَسَاجِد وبنائها فِي جَمِيع ممالكه وبتغيير الْمُنْكَرَات مَا كَانَت وَأمر مَعَ ذَلِك بتحريق كتب الْفُرُوع ورد النَّاس إِلَى قِرَاءَة كتب الحَدِيث واستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا وَكتب بذلك إِلَى جَمِيع طلبة الْعلم من بِلَاد الأندلس والعدوة فجزاه الله خيرا
نقل الْمُصحف العثماني من قرطبة إِلَى مراكش وَبِنَاء جَامع الكتبيين بهَا

كَانَ بقرطبة ثمَّ بجامعها الْأَعْظَم الْمَشْهُور مصحف أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ ذكر جمَاعَة من المؤرخين مِنْهُم أبن بشكوال وَغَيره وَكَانَ ذَلِك الْمُصحف الْكَرِيم متداولا عِنْد بني أُميَّة وَأهل الأندلس وَاسْتمرّ بقرطبة إِلَى دولة الْمُوَحِّدين فنقله عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش
قَالَ ابْن بشكوال أخرج الْمُصحف العثماني من قرطبة وَغرب مِنْهَا وَكَانَ بجامعها الْأَعْظَم لَيْلَة السبت الْحَادِي عشر من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة فِي أَيَّام أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن عَليّ وبأمره وَهَذَا
(2/125)

أحد الْمَصَاحِف الْأَرْبَعَة الَّتِي بعث بهَا عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ إِلَى الْأَمْصَار مَكَّة وَالْبَصْرَة والكوفة وَالشَّام وَمَا قيل من أَن فِيهِ دم عُثْمَان بعيد وَإِن يكن أَحدهَا فَلَعَلَّهُ الشَّامي
قَالَ ابْن عبد الْملك قَالَ أَبُو الْقَاسِم التجِيبِي السبتي أما الشَّامي فَهُوَ بَاقٍ بمقصورة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق وعاينته هُنَالك سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة كَمَا عَايَنت الْمَكِّيّ بَقِيَّة الشَّرَاب قَالَ فعله الْكُوفِي أَو الْبَصْرِيّ
قَالَ الْخَطِيب ابْن مَرْزُوق فِي كتاب الْمسند الصَّحِيح الْحسن اختبرت الَّذِي بِالْمَدِينَةِ وَالَّذِي نقل من الأندلس فألفيت خطهما سَوَاء وَمَا توهموه أَنه خطه بِيَمِينِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيح فَلم يخط عُثْمَان وَاحِدًا مِنْهَا وَإِنَّمَا جمع عَلَيْهَا بَعْضًا من الصَّحَابَة كَمَا هُوَ مَكْتُوب على ظهر المتني وَنَصّ مَا على ظَهره هَذَا مَا أجمع عَلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَذكر الْعدَد الَّذِي جمعه عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على كتب الْمُصحف اه
وَكَانَ من خبر نَقله إِلَى مراكش مَا ذكره ابْن رشيد فِي رحلته عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن طفيل الْمَذْكُور قَالَ وصل إِلَى عبد الْمُؤمن ابناه السيدان أَبُو سعيد وَأَبُو يَعْقُوب من الأندلس وَفِي صحبتهما مصحف عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ الإِمَام الَّذِي لم يخْتَلف فِيهِ مُخْتَلف فَتلقى وُصُوله بالإجلال والإعظام وبودر إِلَيْهِ بِمَا يجب من التبجيل وَالْإِكْرَام
وَكَانَ فِي وُصُوله ذَلِك الْوَقْت من عَظِيم الْعِنَايَة وباهر الْكَرَامَة مَا هُوَ مُعْتَبر لأولي الْأَلْبَاب وَذَلِكَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن كَانَ قبل ذَلِك بأيام قد جرى ذكره فِي خاطره وتروى مَعَ نَفسه فِي كَيْفيَّة جلبه من مَدِينَة قرطبة مَحل مثواه الْقَدِيم فتوقع أَن يتَأَذَّى أهل ذَلِك الْقطر بِفِرَاقِهِ ويستوحشوا لفقدان إضاءته وإشراقه فَوقف عَن ذَلِك فأوصله الله إِلَيْهِ تحفة سبنية وهدية
(2/127)

هنيَّة دون أَن يكدرها من الْبشر اكْتِسَاب أَو يتقدمها استدعاء أَو اجتلاب بل أوقع الله تَعَالَى فِي نفوس أهل ذَلِك الْقطر من الْفَرح بإرساله مَا أطلع بِالْمُشَاهَدَةِ على صِحَة صدقه وعضلت مخايل برقه سواكب ودقه وعد ذَلِك من كرامات أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن وسعادته
ثمَّ عزم عبد الْمُؤمن على تَعْظِيم الْمُصحف الْكَرِيم وَشرع فِي انتخاب كسوته وَاخْتِيَار حليته فحشر الصناع المتقنين مِمَّن كَانَ بالحضرة وَسَائِر بِلَاد الْمغرب والأندلس فَاجْتمع لذَلِك حذاق كل صناعَة من المهندسين والصواغين والنظامين والحلائين والنقاشين والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين وَلم يبْق من يُوصف ببراعة أَو ينْسب إِلَى الحذق فِي صناعَة إِلَّا أحضر للْعَمَل فِيهِ والاشتغال بِمَعْنى من مَعَانِيه
وَبِالْجُمْلَةِ فقد صنعت لَهُ أغشية بَعْضهَا من السندس وَبَعضهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة ورصع ذَلِك بأنواع اليواقيت وأصناف الْأَحْجَار الغريبة النَّوْع والتشكل العديمة الْمِثَال وَاتخذ للغشاء محمل بديع مِمَّا يُنَاسب ذَلِك فِي غرابة الصَّنْعَة وبداعة الصبغة
وَاتخذ للمحمل كرْسِي على شاكلته ثمَّ اتخذ للْجَمِيع تَابُوت يصان فِيهِ على ذَلِك المنوال وَوصف ذَلِك يطول
وَفِي خلال هَذِه الْمدَّة أَمر عبد الْمُؤمن بِبِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِحَضْرَة مراكش حرسها الله فبدئ ببنائه وتأسيس قبلته فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة وكمل فِي منتصف شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة على أكمل الْوُجُوه وَأغْرب الصَّنَائِع وأفسح المساحة وَأحكم الْبناء والنجارة وَفِيه من شمسيات الزّجاج ودرجات الْمِنْبَر وسياج الْمَقْصُورَة مَا لَو عمل فِي السنين العديدة لاستغرب تَمَامه فَكيف فِي هَذَا الأمد الْيَسِير الَّذِي لم يتخيل أحد من الصناع أَن يتم فِيهِ تَقْدِيره وتخطيطه فضلا عَن بنائِهِ وَصليت فِيهِ صَلَاة الْجُمُعَة منتصف شعْبَان الْمَذْكُور
ونهض عبد الْمُؤمن عقب ذَلِك لزيارة رَوْضَة الْمهْدي بِمَدِينَة تينملل
(2/128)

فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة شعْبَان ومعظم رَمَضَان وَحمل فِي صحبته الْمُصحف العثماني فِي التابوت الْمَذْكُور وَمَعَهُ مصحف الْمهْدي وَختم الْقُرْآن الْعَزِيز فِي مَسْجِد الْمهْدي وَعند ضريحه ختمات كَثِيرَة وَعَاد إِلَى مراكش
وَلم يزل الموحدون يعتنون بِهَذَا الْمُصحف الْكَرِيم ويحملونه فِي أسفارهم متبركين بِهِ كتابوت بني إِسْرَائِيل إِلَى أَن حمله مِنْهُم السعيد وَهُوَ عَليّ بن إِدْرِيس بن يَعْقُوب الْمَنْصُور الملقب بالمعتضد بِاللَّه حِين توجه إِلَى تلمسان آخر سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَقتل السعيد قَرِيبا من تلمسان وَوَقع النهب فِي الخزائن واستولت الْعَرَب وَغَيرهم على مُعظم الْعَسْكَر وَنهب الْمُصحف فِي جملَة مَا نهب مِنْهُ وعثر عَلَيْهِ مُلُوك بني عبد الواد أَصْحَاب تلمسان فَلم يزل فِي خزانتهم بهَا إِلَى أَن افتتحها السُّلْطَان الْأَعْظَم أَبُو الْحسن المريني أَوَاخِر شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَحصل عِنْده فَكَانَ يتبرك بِهِ ويحمله فِي أَسْفَاره على الْعَادة إِلَى أَن أُصِيب فِي وقْعَة طريف وَحصل فِي بِلَاد البرتغال وأعمل أَبُو الْحسن الْحِيلَة فِي استخلاصه حَتَّى وصل إِلَى فاس سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة على يَد بعض تجار آزمور وَاسْتمرّ فِي خزانته إِلَى أَن سَافر أَبُو الْحسن سفرته الْمَعْلُومَة إِلَى إفريقية فاستولى عَلَيْهَا
وَلما كَانَت سنة خمسين وَسَبْعمائة ركب أَبُو الْحسن الْبَحْر من تونس قَافِلًا إِلَى الْمغرب وَذَلِكَ فِي إبان هيجان الْبَحْر فغرقت مراكبه وَهَلَكت نفوس تجل عَن الْحصْر وضاعت نفائس يعز وجود مثلهَا وَمن جُمْلَتهَا الْمُصحف العثماني فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ
وَمِمَّا يُنَاسب ذكره هُنَا الْمُصحف العقباني وَهُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري فاتح الْمغرب وَكَانَ متداولا عِنْد ملوكه ومتبركا بِهِ وَثَانِي المصحفين فِي الْمنزلَة عِنْد أهل الْمغرب
قَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي كتاب النزهة إِن السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه الْمَعْرُوف بالذهبي لما جدد ولَايَة الْعَهْد لوَلَده الْمَأْمُون
(2/129)

بعث إِلَيْهِ بالقدوم من مَدِينَة فاس فوافاه بتامسنا وباشر الْمَنْصُور أَخذ الْبيعَة لَهُ بِنَفسِهِ وَحضر الْأَعْيَان وَأهل العقد والحل وأحضر الْمُصحف الْكَرِيم الَّذِي هُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري رَضِي الله عَنهُ قَالَ وَهُوَ من ذخائر الْخُلَفَاء وأحضر الصحيحان لِلشَّيْخَيْنِ وَقُرِئَ ظهير الْبيعَة وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَلم يزل الْمُصحف العقباني متداولا بَين الْمُلُوك السعديين إِلَى أَن انقرضت دولتهم وَجَاءَت الدولة الشَّرِيفَة العلوية السجلماسية فانتقل الْمُصحف الْمَذْكُور إِلَيْهَا وتداولته مُلُوكهَا إِلَى أَن جَاءَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل بن الشريف رَحمَه الله فَبعث هَدِيَّة سنية مَعَ ركب الْحَاج للحرم النَّبَوِيّ وَبعث فِي جُمْلَتهَا الْمُصحف الْمَذْكُور
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَلما سَافر الركب النَّبَوِيّ يَعْنِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف وَجه مَعَه السُّلْطَان الْمولى عبد الله ثَلَاثَة وَعشْرين مُصحفا بَين كَبِير وصغير كلهَا محلاة بِالذَّهَب منبتة بالدر والياقوت وَمن جُمْلَتهَا الْمُصحف الْكَبِير العقباني الَّذِي كَانَ الْمُلُوك يتوارثونه بعد الْمُصحف العثماني وَهُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري نسخه بالقيروان من الْمُصحف العثماني فَوَقع هَذَا الْمُصحف بيد الْأَشْرَاف الزيدانيين يتداولونه بَينهم إِلَى أَن بلغ إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله الْمَذْكُور فغربه من الْمغرب إِلَى الْمشرق وَرجع الدّرّ إِلَى صدفه والإبريز إِلَى معدنه
قَالَ الشَّيْخ المسناوي وَقد وقفت عَلَيْهِ حِين أَمر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بتوجيهه إِلَى الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَظهر لي أَن تَارِيخ كثبه بالقيروان فِيهِ نظر لبعد مَا بَينهمَا
وَوجه مَعَه السُّلْطَان الْمَذْكُور ألفي حَصَاة بالتثنية وَسَبْعمائة حَصَاة من الْيَاقُوت الْمُخْتَلفَة الألوان إِلَى الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على الْحَال بهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى السَّلَام
وَهَذِه الْأَخْبَار وَإِن كَانَت متباعدة التَّارِيخ فَهِيَ متناسبة الْمَعْنى جمعناها هُنَا ليقف النَّاظر عَلَيْهَا فِي مَحل وَاحِد وَتحصل فائدتها متناسقة وَالله الْمُوفق
(2/130)

نكبة الْوَزير ابْن عَطِيَّة وَالسَّبَب فِيهَا

كَانَ الْوَزير أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن عَطِيَّة من أهل مراكش وَأَصله الْقَدِيم من طرطوشة ثمَّ بعد من دانية
وَكَانَ أَبوهُ أَبُو أَحْمد بن عَطِيَّة كَاتبا لأمير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف اللمتوني ثمَّ لِابْنِهِ تاشفين من بعده وَتحصل فِي قَبْضَة الْمُوَحِّدين فَعَفَا عَنهُ عبد الْمُؤمن
وَلما حاصر عبد الْمُؤمن فاسا اعتزم أَبُو أَحْمد هَذَا الْفِرَار فتقبض عَلَيْهِ فِي طَرِيقه وسيق إِلَى عبد الْمُؤمن فَاعْتَذر فَلم يقبل عبد الْمُؤمن عذره وسحب إِلَى مصرعه فَقتل رَحمَه الله
وَكَانَ ابْنه أَبُو جَعْفَر صَاحب التَّرْجَمَة كَاتبا لإسحاق بن عَليّ اللمتوني بمراكش فشمله عَفْو أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَن شَمله من ذَلِك الفل
وَخرج فِي جملَة الشَّيْخ أبي حَفْص الهنتاتي حِين نَهَضَ لقِتَال مُحَمَّد بن هود الماسي
فَلَمَّا كَانَ الْفَتْح وَكتب رسَالَته الْمُتَقَدّمَة وقف عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن فاستحسنها واستكتبه لذَلِك ثمَّ ارْتَفَعت مكانته عِنْده فاستوزره فَظهر غناؤه وكفايته وحمدت سيرته وإدارته وقاد العساكر وَجمع الْأَمْوَال وبذلها وَبعد فِي الدولة صيته ونال من الرُّتْبَة عِنْد السُّلْطَان مَا لم ينله أحد فِي دولته وتحبب إِلَى النَّاس بإجمال السَّعْي وَالْإِحْسَان فعمت صنائعه وَفَشَا معروفه وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة مبخت المحاولات ناجح المساعي سعيد المآخذ ميسر المآرب وَكَانَت وزارته زينا للْوَقْت وكمالا للدولة رَحمَه الله
ثمَّ لما كَانَت سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة وَفد أَشْيَاخ إشبيلية على عبد الْمُؤمن وَرَغبُوا مِنْهُ فِي ولَايَة بعض أبنائه عَلَيْهِم فعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي يَعْقُوب عَلَيْهَا وَبعث مَعَه لوزير ابْن عَطِيَّة الْمَذْكُور لمباشرة الْأُمُور وَإِصْلَاح الْأَحْوَال فأغنى فِي ذَلِك الْغناء الْجَمِيل
وَلما غَابَ وَجهه عَن الحضرة وجد حساده السَّبِيل إِلَى التَّدْبِير عَلَيْهِ
(2/131)

وَالسَّعْي بِهِ حَتَّى أوغروا صدر الْخَلِيفَة عَلَيْهِ فاستوزر عبد السَّلَام بن مُحَمَّد الكومي وانبرى لمطالبة ابْن عَطِيَّة وجد فِي التمَاس عوراته وتشنيع سقطاته وطرحت بِمَجْلِس السُّلْطَان أَبْيَات مِنْهَا
(قل للْإِمَام أَطَالَ الله مدَّته ... قولا تبين لذِي لب حقائقه)
(إِن الزراجين قوم قد وترتهم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه)
(وللوزير إِلَى آرائهم ميل ... فَذَاك مَا كثرت فيهم علائقه)
(فبادر الحزم فِي إطفاء نارهم ... فَرُبمَا عَاق من أَمر عوائقه)
(هم الْعَدو وَمن والاهم كهم ... فاحذر عَدوك وَاحْذَرْ من يصادقه)
(الله يعلم أَنِّي نَاصح لكم ... وَالْحق أَبْلَج لَا تخفى طرائقه)
قَالُوا فَلَمَّا وقف عبد الْمُؤمن على هَذِه الأبيات البليغة فِي مَعْنَاهَا وغر صَدره على وزيره أبي جَعْفَر وأضمر لَهُ فِي نَفسه شرا فَكَانَ ذَلِك من أقوى أَسبَاب نكبته وَقيل أفْضى إِلَيْهِ بسر فأفشاه
وانْتهى ذَلِك كُله إِلَى أبي جَعْفَر وَهُوَ بالأندلس فقلق وَعجل الِانْصِرَاف إِلَى مراكش فحجب عِنْده قومه ثمَّ قيد إِلَى الْمَسْجِد فِي الْيَوْم بعده حاسر الْعِمَامَة واستحضر النَّاس على طبقاتهم وقرروا على مَا يعلمُونَ من أمره وَمَا صَار إِلَيْهِ مِنْهُم فَأجَاب كل بِمَا اقْتَضَاهُ هَوَاهُ وَأمر بسجنه ولف مَعَه أَخُوهُ أَبُو عقيل عَطِيَّة وَتوجه فِي أثر ذَلِك عبد الْمُؤمن إِلَى زِيَارَة تربة الْمهْدي فاستصحبهما بِحَال ثقاف
وَصدر عَن أبي جَعْفَر فِي هَذِه الْحَرَكَة من لطائف الْآدَاب نظما ونثرا فِي سَبِيل التوسل بتربة إمَامهمْ الْمهْدي عجائب فَلم تَجِد شَيْئا مَعَ نُفُوذ الله تَعَالَى فِيهِ
وَلما انْصَرف من وجهته أعادهما مَعَه قَافِلًا إِلَى مراكش فَلَمَّا حَاذَى تاكمارت أنفذ الْأَمر بِقَتْلِهِمَا بالشعراء الْمُتَّصِلَة بالحصن على مقربة من الملاحة هُنَالك فمضيا لسبيلهما وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَمِمَّا خَاطب بِهِ الْوَزير الْمَذْكُور عبد الْمُؤمن مستعطفا لَهُ من رِسَالَة تغالى فِيهَا فغالته الْمنية وَلم ينل الأمنية وَهَذِه سنة الله تَعَالَى فِيمَن لَا يحترم
(2/132)

جناب الألوهية وَلم يحرص لِسَانه من الْوُقُوع فِيمَا يخدش فِي وَجه فضل الْأَنْبِيَاء على غَيرهم قَوْله سامحه الله تالله لَو أحاطت بِي كل خطية وَلم تنفك نَفسِي عَن الْخيرَات بطية حَتَّى سخرت بِمن فِي الْوُجُود وأنفت لآدَم من السُّجُود وَقلت إِن الله تَعَالَى لم يوحي فِي الْفلك إِلَى نوح وأبرمت لحطب نَار الْخَلِيل حبلا وبريت لقدار ثَمُود نبْلًا وحططت عَن يُونُس شَجَرَة اليقطين وَأوقدت مَعَ هامان على الطين وقبضت قَبْضَة من أثر الرَّسُول فنبذتها وافتريت على الْعَذْرَاء البتول فقذفتها وكتبت صحيفَة القطيعة بدار الندوة وظاهرت الْأَحْزَاب بالقصوى من العدوة وأبغضت كل قرشي وأكرمت لأجل وَحشِي كل حبشِي وَقلت إِن بيعَة السَّقِيفَة لَا توجب إِمَامَة الْخَلِيفَة وشحذت شفرة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة واعتلقت من حِصَار الدَّار وَقتل أشمطها بشعبة وَقلت تقاتلوا رَغْبَة فِي الْأَبْيَض والأصفر وسفكوا الدِّمَاء على الثَّرِيد الأعفر وغادرت الْوَجْه من الهامة خضيبا وناولت من قرع سنّ الْحُسَيْن قَضِيبًا ثمَّ أتيت حَضْرَة الْمَعْصُوم لائذا ويقبر الإِمَام الْمهْدي عَائِدًا لأذن لمقالتي أَن تسمع وَتغْفر لي هَذِه الخطيئات أجمع مَعَ أَنِّي مقترف وبالذنب معترف
(فعفوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمن لنا ... بِحمْل قُلُوب هدها الخفقان)
وَالسَّلَام على الْمقَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته
وَكتب مَعَ ابْن لَهُ صَغِير آخِرَة
(عطفا علينا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد ... بَان العزاء لفرط البث والحزن)
(قد أغرقتنا ذنُوب كلهَا لجج ... وَرَحْمَة مِنْكُم أنجى من السفن)
(وصادفنا سِهَام كلنا غَرَض ... وعطفة مِنْكُم أوفى من الجنن)
(هَيْهَات للخطب أَن تسطو حوادثه ... بِمن أجارته رحماكم من المحن)
(من جَاءَ عنْدكُمْ يسْعَى على ثِقَة ... بنصره لم يخف بطشا من الزَّمن)
(فالثوب يطهر عِنْد الْغسْل من درن ... والطرف يرهص بعد الركض فِي سنَن)
(أَنْتُم بذلتم حَيَاة الْخلق كلهم ... من دون من عَلَيْهِم لَا وَلَا أثمن)
(وَنحن من بعض من أحيت مكاركم ... كلتا الحياتين من نفس وَمن بدن)
(2/133)

(وصبية كفراخ الْوَرق من صغر ... لم يألفوا النوح فِي فرع وَلَا فنن)
(قد أوجدتهم أياد مِنْك سَابِقَة ... وَالْكل لولاك لم يُوجد وَلم يكن)
فَوَقع عبد الْمُؤمن على هَذِه القصيدة الْآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين
وَمِمَّا كتب بِهِ من السجْن
(أنوح على نَفسِي أم أنْتَظر الصفحا ... فقد آن أَن تنسى الذُّنُوب وَأَن تمحى)
(فها أَنا فِي ليل من السخط حائر ... وَلَا اهتدي حَتَّى أرى للرضا صبحا)
وامتحن عبد الْمُؤمن الشُّعَرَاء بهجو ابْن عَطِيَّة فَلَمَّا أسمعوه مَا قَالُوا أعرض عَنْهُم وَقَالَ ذهب ابْن عَطِيَّة وَذهب الْأَدَب مَعَه
وَكَانَ لأبي جَعْفَر أَخ اسْمه عَطِيَّة قتل مَعَه كَمَا قُلْنَا ولعطية هَذَا ابْن أديب كَاتب وَهُوَ أَبُو طَالب عقيل بن عَطِيَّة وَمن نظمه فِي رجل تعشق قينة كَانَت ورثت مَالا من مَوْلَاهَا فَكَانَت تنْفق عَلَيْهِ مِنْهُ فَلَمَّا فرغ المَال ملها
فَقَالَ أَبُو طَالب
(لَا تلحه إِن مل من حبها ... فَلم يكن ذَلِك عَن ود)
(لما رَآهَا قد صفا مَا لَهَا ... قَالَ صفا الوجد مَعَ الوجد)
ويروى أَن الْوَزير ابْن عَطِيَّة رَحمَه الله مر مَعَ الْخَلِيفَة عبد الْمُؤمن بِبَعْض طرق مراكش فأطلت جَارِيَة بارعة الْجمال من شباك فَقَالَ عبد الْمُؤمن
(قدت فُؤَادِي من الشباك إِذْ نظرت ... )
فَقَالَ الْوَزير مجيزا لَهُ
(حوراء ترنو إِلَى العشاق بالمقل ... )
فَقَالَ عبد الْمُؤمن
(كَأَنَّمَا لحظها فِي قلب عاشقها ... )
فَقَالَ الْوَزير
(سيف الْمُؤَيد عبد الْمُؤمن بن عَليّ ... )
وَلَا خَفَاء أَن هَذِه طبقَة عالية رحم الله الْجَمِيع بمنه
(2/134)

غَزْو إفريقية ثَانِيًا وَفتح المهدية وَغَيرهَا من الثغور

كَانَت بِلَاد إفريقية بيد بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين من لدن الدولة العبيدية بهَا وَفِي هَذَا التَّارِيخ كَانَت دولتهم قد أشرفت على الْهَرم وَكثر التَّنَازُع بَينهم وزاحمتهم الثوار من الْعَرَب وَغَيرهم بِتِلْكَ الأقطار فانتهز الفرنج أَصْحَاب صقلية الفرصة فيهم وملكوا مِنْهُم عدَّة ثغور مثل صفاقس وَسْوَسَة وَغَيرهمَا ثمَّ ملكوا بعد ذَلِك المهدية وَهِي يَوْمئِذٍ دَار ملك الْحسن بن عَليّ الصنهاجي آخر مُلُوك بني زيري بن مُنَاد ففر الْحسن عَنْهَا إِلَى ابْن عَمه يحيى بن الْعَزِيز صَاحب بجاية فأنزله بالجزائر
وَلما طرق عبد الْمُؤمن ثغر الجزائر فِي غزوته الأولى إِلَى إفريقية خرج إِلَيْهِ الْحسن بن عَليّ هَذَا وَصَحبه وَصَارَ فِي جملَته فَكَانَ الْحسن يغريه بغزو إفريقية واستنقاذها من يَد الْعَدو
وَكَانَ عبد الْمُؤمن يحب ذَلِك ويرغب فِيهِ إِلَّا أَنه كَانَ ينْتَظر إبان الفرصة فاتفق أَن فرنج صقلية أوقعوا بِأَهْل زويلة وَهِي مَدِينَة بَينهَا وَبَين المهدية نَحْو ميدان وقْعَة شنيعة حَتَّى أَنهم قتلوا النِّسَاء والأطفال ففر جمَاعَة مِنْهُم إِلَى عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَهُوَ بمراكش يستغيثونه ويستنصرونه على الْعَدو
فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ أكْرمهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا جرى على الْمُسلمين وَأَنه لَيْسَ فِي مُلُوك الْإِسْلَام من يقْصد سواهُ وَلَا يكْشف هَذَا الكرب غَيره فَدَمَعَتْ عَيناهُ وأطرق ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ أَبْشِرُوا لأنصرنكم وَلَو بعد حِين وَأمر بإنزالهم وَأطلق لَهُم ألفي دِينَار
ثمَّ أَمر بِعَمَل الروايا والقرب وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْعَسْكَر فِي السّفر وَكتب إِلَى جَمِيع نوابه فِي الْمغرب وَكَانَ قد ملك العدوتين الأندلس وَالْمغْرب واتسعت خطة مَمْلَكَته إِلَى قرب مَدِينَة تونس فَكتب إِلَى من بطريقه من النواب يَأْمُرهُم بِحِفْظ جَمِيع مَا يتَحَصَّل من الغلات وَأَن يتْرك الزَّرْع فِي سنبله
(2/135)

ويخزن فِي موَاضعه وَأَن يحفروا الْآبَار فِي الطّرق فَفَعَلُوا جَمِيع مَا أَمرهم بِهِ وجمعوا غلات الْحبّ ثَلَاث سِنِين ونقلوها إِلَى الْمنَازل الَّتِي على الطَّرِيق وطينوا عَلَيْهَا فَصَارَت كَأَنَّهَا تلال
فَلَمَّا كَانَ صفر من سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة سَار عبد الْمُؤمن من مراكش يؤم بِلَاد إفريقية
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ عبد الْمُؤمن فِي هَذِه السفرة قد عزم على العبور إِلَى الأندلس لما بلغه من اضْطِرَاب أحوالها واستطالة الطاغية بهَا فَنَهَضَ يُرِيد الْجِهَاد واحتل بسلا فَبَلغهُ انْتِقَاض إفريقية وأهمه شَأْن النَّصَارَى بالمهدية فَلَمَّا توافرت العساكر بسلا اسْتخْلف الشَّيْخ أَبَا حَفْص الهنتاتي على الْمغرب وَعقد ليوسف بن سُلَيْمَان على مَدِينَة فاس ونهض يغد السّير إِلَى إفريقية وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من العساكر مائَة ألف مقَاتل وَمن الأتباع والسوقة أمثالهم وَكَانَ هَذَا الْجند يَمْتَد أميالا
وَبلغ من حفظه وَضَبطه أَنهم كَانُوا يَمْشُونَ بَين الزروع فَلَا تتأذى بهم سنبلة وَإِذا نزلُوا صلوا بِإِمَام وَاحِد بتكبيرة وَاحِدَة لَا يتَخَلَّف مِنْهُم أحد كَائِنا من كَانَ
وَقدم بَين يَدَيْهِ الْحسن بن عَليّ الصنهاجي صَاحب المهدية وَكَانَ قد اتَّصل بِهِ كَمَا قُلْنَا فَلم يزل يسير إِلَى أَن وصل إِلَى مَدِينَة تونس فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وَبهَا صَاحبهَا أَحْمد بن خُرَاسَان وَأَقْبل أسطوله فِي الْبَحْر فِي سبعين شينا وطريدة وشلندا
فَلَمَّا نازلها راسل أَهلهَا يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة فامتنعوا فَقَاتلهُمْ من الْغَد أَشد قتال وَلما جن اللَّيْل نزل سَبْعَة عشر رجلا من أَعْيَان أَهلهَا إِلَى عبد الْمُؤمن يسألونه الْأمان لأهل بلدهم فأجابهم عبد الْمُؤمن بِأَن لَهُم الْأمان فِي أنفسهم وأهليهم وَأَمْوَالهمْ لمبادرتهم إِلَى الطَّاعَة وَأما من عداهم من سَائِر أهل الْبَلَد فيؤمنهم فِي أنفسهم وأهليهم ويقاسمهم على أَمْوَالهم وأملاكهم نِصْفَيْنِ وَأَن يخرج صَاحب الْبَلَد هُوَ وَأَهله فاستقر الْأَمر على
(2/136)

ذَلِك وتسلم الْبَلَد وَبعث إِلَيْهِم من يمْنَع العساكر من الدُّخُول عَلَيْهِم وَبعث أمناءه ليقاسموا النَّاس على أَمْوَالهم وأملاكهم وَأقَام أهل تونس بهَا على أُجْرَة تُؤْخَذ عَن نصف مساكنهم وَعرض عبد الْمُؤمن الْإِسْلَام على من بهَا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمن أسلم سلم وَمن أَبى قتل
وَأقَام عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سَار إِلَى المهدية وأسطوله يحاذيه فِي الْبَحْر فوصل إِلَيْهَا ثامن عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ بالمهدية يَوْمئِذٍ خَواص الفرنج من أَوْلَاد مُلُوكهَا وأبطال فرسانها وَقد أخلوا مَدِينَة زويلة الْمُجَاورَة للمهدية فَدَخلَهَا عبد الْمُؤمن وامتلأت بالعساكر والسوقة فَصَارَت مَدِينَة معمورة فِي سَاعَة وَاحِدَة وَمن لم يكن لَهُ مَوضِع من الْعَسْكَر نزل بظاهرها وانضاف إِلَيْهِ من صنهاجة وَالْعرب وَأهل إفريقية مَا يخرج عَن الإحصاء وَأَقْبلُوا يُقَاتلُون المهدية مُدَّة أَيَّام فَلَا يُؤثر فِيهَا لحصانتها وَقُوَّة سورها وضيق محَال الْقِتَال عَلَيْهَا لِأَن الْبَحْر دائر بأكثرها فَكَأَنَّهَا كف فِي الْبَحْر وزندها مُتَّصِل بِالْبرِّ وَكَانَت الفرنج تخرج شجعانها إِلَى أَطْرَاف الْعَسْكَر فتنال مِنْهُ ويعودون سَرِيعا فَأمر عبد الْمُؤمن بِبِنَاء سور غربي الْمَدِينَة يمنعهُم من الْخُرُوج وأحاط الأسطول بهَا فِي الْبَحْر وَركب عبد الْمُؤمن شينيا وَمَعَهُ الْحسن بن عَليّ الَّذِي كَانَ صَاحبهَا وَتَطوف بهَا فِي الْبَحْر فهاله مَا رأى من حصانتها وَعلم أَنَّهَا لَا تفتح بِقِتَال برا وَلَا بحرا وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا المطاولة وَقَالَ لِلْحسنِ كَيفَ نزلت عَن مثل هَذَا الْحصن فَقَالَ لقلَّة من يوثق بِهِ وَعدم الْقُوت وَحكم الْقدر فَقَالَ صدقت
وَعَاد عبد الْمُؤمن من الْبَحْر وَأمر بِجمع الغلات والأقوات وَترك الْقِتَال فَلم يمض غير قَلِيل حَتَّى صَار فِي المعسكر مثل الجبلين من الْحِنْطَة وَالشعِير فَكَانَ من يصل إِلَى المعسكر من بعيد يَقُول مَتى حدثت هَذِه الْجبَال فَيُقَال هِيَ حِنْطَة وشعيرا فيتعجب من ذَلِك وَتَمَادَى الْحصار
وَفِي مُدَّة هَذَا الْحصار استولى عبد الْمُؤمن على طرابلس وصفاقص وَسْوَسَة وجبل نفوسة وقصور إفريقية وَمَا والاها وَفتح مَدِينَة قابس بِالسَّيْفِ وسير ابْنه السَّيِّد أَبَا مُحَمَّد من مَكَان حصاره للمهدية فِي جَيش فَفتح بلادا أُخْرَى
(2/137)

ثمَّ أطاعه أهل مَدِينَة قفصة وَقدم عَلَيْهِ صَاحبهَا فوصله بِأَلف دِينَار وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ استخلص فِي هَذِه الْمدَّة جَمِيع بِلَاد إفريقية من أَيدي القائمين بهَا
وَلما كَانَ الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة جَاءَ أسطول صَاحب صقلية فِي مائَة وَخمسين شينيا غير الطرائد مُمِدًّا لأهل المهدية وَكَانَ هَذَا الأسطول قد قدم من جَزِيرَة يابسة من بِلَاد الأندلس وَقد سبى أَهلهَا وأسرهم وَحَملهمْ مَعَه فَأرْسل إِلَيْهِم ملك الفرنج يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ إِلَى المهدية ليمدوا إخْوَانهمْ الَّذين بهَا فقدموا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور فَلَمَّا قاربوا الْمَدِينَة حطوا شرعهم ليدخلوا الميناء فَخرج إِلَيْهِم أسطول عبد الْمُؤمن وَركب الْعَسْكَر جَمِيعه ووقفوا على جَانب الْبَحْر فاستعظم الفرنج مَا رَأَوْا من كَثْرَة العساكر وداخل الرعب قُلُوبهم
وَنزل عبد الْمُؤمن إِلَى الأَرْض فَجعل يمرغ وَجهه ويبكي وَيَدْعُو للْمُسلمين بالنصر واقتتلوا فِي الْبَحْر فانهزمت شواني الفرنج وأعادوا القلوع وَسَارُوا وتبعهم الْمُسلمُونَ فَأخذُوا مِنْهُم سبع شواني وَكَانَ أمرا عجيبا وفتحا غَرِيبا
وَعَاد أسطول الْمُسلمين مظفرا منصورا وَفرق فيهم عبد الْمُؤمن الْأَمْوَال ويئس أهل المهدية حِينَئِذٍ من النجَاة وَمَعَ ذَلِك فقد صَبَرُوا على الْحصار أَرْبَعَة أشهر أُخْرَى إِلَى أخر ذِي الْحجَّة من السّنة فَنزل حِينَئِذٍ من فرسَان الفرنج إِلَى عبد الْمُؤمن عشرَة وسألوا الْأمان لمن فِيهَا من الفرنج على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ لِيخْرجُوا مِنْهَا إِلَى بِلَادهمْ وَكَانَ قوتهم قد فنى حَتَّى أكلُوا الْخَيل فَعرض عَلَيْهِم عبد الْمُؤمن الْإِسْلَام ودعاهم إِلَيْهِ فَقَالُوا مَا جِئْنَا لهَذَا وَإِنَّمَا جِئْنَا نطلب فضلك وترددوا إِلَيْهِ أَيَّامًا
وَكَانَ من جملَة مَا استعطفوه بِهِ أَن قَالُوا أَيهَا الْخَلِيفَة مَا عَسى أَن تكون المهدية وَمن بهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملكك الْعَظِيم وأمرك الْكَبِير وَإِن أَنْعَمت علينا كُنَّا أرقاء لَك فِي أَرْضنَا فَعَفَا عَنْهُم وَكَانَ الْفضل شيمته وَأَعْطَاهُمْ سفنا ركبُوا فِيهَا وَسَارُوا وَكَانَ الزَّمن شتاء فغرق أَكْثَرهم وَلم يصل مِنْهُم إِلَى صقلية إِلَّا النَّفر الْيَسِير
(2/138)

وَكَانَ صَاحب صقلية قد قَالَ إِن قتل عبد الْمُؤمن أَصْحَابنَا بالمهدية قتلنَا الْمُسلمين الَّذين عندنَا بِجَزِيرَة صقلية وأخذنا حرمهم وَأَمْوَالهمْ فَأهْلك الله الفرنج غرقا
وَكَانَت مُدَّة استيلائهم على المهدية اثْنَتَيْ عشرَة سنة فَدَخلَهَا عبد الْمُؤمن صَبِيحَة يَوْم عَاشُورَاء من الْمحرم سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة فَكَانَ يُقَال لهَذِهِ السّنة سنة الْأَخْمَاس
وَأقَام عبد الْمُؤمن بالمهدية عشْرين يَوْمًا حَتَّى رتب أحوالها واصلح مَا انثلم من سورها وَنقل إِلَيْهَا الذَّخَائِر والأقوات وَالرِّجَال وَالْعدَد
واستخلف عَلَيْهَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن فرج الكومي وَجعل مَعَه الْحسن بن عَليّ الصنهاجي الَّذِي كَانَ صَاحبهَا وَأمره أَن يَقْتَدِي بِرَأْيهِ فِي أَفعاله وأقطع الْحسن بهَا إقطاعا وَأَعْطَاهُ دورا نفيسة يسكنهَا وَكَذَلِكَ فعل بأولاده
وصفت إفريقية كلهَا لعبد الْمُؤمن وَدخل أَهلهَا فِي طَاعَته من برقة إِلَى تلمسان وَلم يبْق لَهُ بهَا مُنَازع فَفرق فِيهَا عماله وقضاته وَضبط ثغورها وَأصْلح شؤونها
وثنى عنانه إِلَى الْمغرب أول صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وانقطعت عَادِية الفرنج عَن بِلَاد إفريقية مُدَّة مديدة وَالله تَعَالَى أعلم
توظيف عبد الْمُؤمن الْخراج على أَرض الْمغرب

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة أَمر عبد الْمُؤمن بتكسير بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب فَكسر من برقة فِي جِهَة الشرق إِلَى بِلَاد نول من السوس الْأَقْصَى فِي جِهَة الغرب بالفراسخ والأميال طولا وعرضا ثمَّ أسقط فِي التكسير الثُّلُث فِي الْجبَال والغياض والأنهار والسماخ والخزون والطرق وَمَا بَقِي قسط عَلَيْهِ الْخراج وألزم كل قَبيلَة بقسطها من الزَّرْع وَالْوَرق فَهُوَ أول من أحدث ذَلِك فِي الْمغرب عَفا الله عَنهُ
(2/139)

بِنَاء عبد الْمُؤمن جبل طَارق

كَانَ عبد الْمُؤمن رَحمَه الله وَهُوَ بإفريقية قد أَمر بِبِنَاء جبل الْفَتْح وتحصينه وَهُوَ جبل طَارق فَبنِي وشيد حصنه وَكَانَ ابْتِدَاء الْبناء بِهِ فِي تَاسِع ربيع الأول من سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة الْمَذْكُورَة وكمل بِنَاؤُه فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا بِنَاء عبد الْمُؤمن مَدِينَة الْبَطْحَاء

لما كَانَ عبد الْمُؤمن قَافِلًا من بِلَاد إفريقية بنى مَدِينَة الْبَطْحَاء وَسبب بنائِهِ إِيَّاهَا أَنه لما طَالب بالموحدين الْإِقَامَة بالمشرق والتغرب عَن أوطانهم عزمت طَائِفَة مِنْهُم على قتل عبد الْمُؤمن والفتك بِهِ فِي خبائه إِذا نَام فتأتى شيخ من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين مِمَّن اطلع على ذَلِك إِلَى عبد الْمُؤمن فَأخْبرهُ الْخَبَر وَقَالَ لَهُ دَعْنِي أَبَت اللَّيْلَة فِي وضعك وأنم على فراشك فَإِن فعلوا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ كنت قد فديتك بنفسي فِي حق الْمُسلمين وَأجْرِي فِي ذَلِك على الله وَإِن حصلت السَّلامَة فَمن الله تَعَالَى وَيكون أجري على قدر نيتي فَبَاتَ على فرَاشه فاستشهد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَلَمَّا اصبح عبد الْمُؤمن وَصلى الصُّبْح افتقده فَوَجَدَهُ قَتِيلا على فرَاشه فَأَخذه وَحمله بَين يَدَيْهِ على نَاقَة لَا يَقُودهَا أحد فسارت النَّاقة يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى بَركت وَحدهَا فَأمر عبد الْمُؤمن بالشيخ فَأنْزل عَنْهَا وَأخذ بزمام النَّاقة فأزيلت عَن مبركها وحفر قَبره فِيهِ وَدفن وبنيت عَلَيْهِ قبَّة وَبنى بِإِزَاءِ الْقبَّة جَامعا
ثمَّ أَمر بِبِنَاء الْمَدِينَة حول الْمَسْجِد وَترك بهَا عشرَة أهل بَيت من كل قَبيلَة من قبائل الْمغرب فقبر الشَّيْخ هُنَالك مزارة عَن أهل تِلْكَ الْبِلَاد إِلَى الْيَوْم قَالَه فِي القرطاس
(2/140)

وَلما دخل عبد الْمُؤمن إِلَى تلمسان فِي هَذِه الرّجْعَة قبض على وزيره عبد السَّلَام بن مُحَمَّد الكومي فسجنه ثمَّ سمه من جرعة لبن هلك بهَا من ليلته
عبور عبد الْمُؤمن إِلَى جبل طَارق وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ عبد الْمُؤمن وَهُوَ بإفريقية قد بلغه أَن مُحَمَّد بن مردنيش الثائر بشرق الأندلس قد خرج من مرسية ونازل جيان وأطاعه واليها مُحَمَّد بن عَليّ الكومي ثمَّ نَازل بعْدهَا قرطبة ورحل عَنْهَا وغدر بقرمونة وملكها ثمَّ رَجَعَ إِلَى قرطبة وَخرج ابْن يكيت لحربه فَهَزَمَهُ ابْن مردنيش وَقَتله
فَكتب عبد الْمُؤمن إِلَى عماله بالأندلس يُخْبِرهُمْ بِفَتْح إفريقية عَلَيْهِ وَأَنه وَاصل إِلَيْهِم فَلَمَّا نَهَضَ من تلمسان فِي رجعته هَذِه عدل إِلَى طنجة فَدَخلَهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَأقَام بهَا إِلَى أَن دخلت سنة سِتّ وَخمسين بعْدهَا فَعبر مِنْهَا إِلَى الأندلس وَنزل بجبل طَارق فَأَقَامَ بِهِ شَهْرَيْن واستشرف مِنْهُ أَحْوَال الأندلس ووفد عَلَيْهِ قوادها وأشياخها فَأمر بغزو غرب الأندلس فَنَهَضَ إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي حَفْص الهنتاتي من قرطبة فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين فَفتح حصن المرنكش من أحواز بطليوس وَقتل جَمِيع من كَانَ بِهِ من النَّصَارَى وَخرج الفنش من طليطلة لإغاثته فَوَجَدَهُ قد فتح وصمد الموحدون لقتاله فَهَزَمَهُ الله وَقتل من عسكره سِتَّة آلَاف وسَاق الْمُسلمُونَ السَّبي إِلَى قرطبة وإشبيلية
وَفِي هَذِه السّنة ملك الموحدون بطليوس وباجة ويابورة وحصن الْقصر فولى عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحَاج وَعَاد إِلَى مراكش
(2/141)

قدوم كومية قَبيلَة عبد الْمُؤمن عَلَيْهِ بمراكش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

تقدم لنا أَن عبد الْمُؤمن لم يكن من المصامدة وَإِنَّمَا كَانَ من كومية إِحْدَى بطُون بني فاتن من البرابرة البتر وَكَانَت مواطنهم بالمغرب الْأَوْسَط إِلَى أَن استدعاهم عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما هَمت الطَّائِفَة من الْمُوَحِّدين بقتْله وَقتلُوا الشَّيْخ الَّذِي فدَاه بِنَفسِهِ وَتحقّق ذَلِك مِنْهُم وَرَأى أَنه غَرِيب بَين أظهرهم لَيْسَ لَهُ قبيل يسْتَند إِلَيْهِ وَلَا عشير يَثِق بِهِ ويعتمد عَلَيْهِ أرسل فِي خُفْيَة إِلَى أَشْيَاخ كومية الَّذين هم قبيلته وعشيرتهم وَأمرهمْ بالقدوم عَلَيْهِ وَأَن يركبُوا كل من بلغ الْحلم مِنْهُم ويأتوه فِي أحسن زِيّ وأكمل عدَّة وسرب إِلَيْهِم الْأَمْوَال والكسى فَاجْتمع مِنْهُم أَرْبَعُونَ ألف فَارس ثمَّ أَقبلُوا إِلَى عبد الْمُؤمن وَهُوَ بمراكش برسم خدمته وَالْقِيَام بَين يَدَيْهِ
وَلما دخلُوا أَرض الْمغرب تشوش أَهله من قدوم هَذَا الْجَيْش الحفيل من غير أَن يتَقَدَّم لَهُم سَبَب ظَاهر وَتقول النَّاس الْأَقَاوِيل فَسَار جَيش كومية حَتَّى نزلُوا على وَادي أم الرّبيع وتسامع الموحدون بِإِقْبَالِهِمْ فارتابوا مِنْهُم وَعرفُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن بخبرهم فَأمر عبد الْمُؤمن الشَّيْخ أَبَا حَفْص الهنتاتي أَن يخرج إِلَيْهِ فِي جمَاعَة من الْمُوَحِّدين وأشياخهم ليتعرفوا خبرهم فَسَار حَتَّى لَقِيَهُمْ على وَادي أم الرّبيع فَقَالَ لَهُم مَا أَنْتُم أسلم لنا أم حَرْب قَالُوا بل نَحن سلم نَحن قبيل أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحن كومية قصدنا زيارته وَالسَّلَام عَلَيْهِ فَرجع أَبُو حَفْص وَأَصْحَابه وَعرف عبد الْمُؤمن الْخَبَر فَأمر جَمِيع الْمُوَحِّدين أَن يخرجُوا إِلَى لقائهم فَفَعَلُوا واحتفلوا لذَلِك
وَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ مراكش يَوْمًا مشهودا فرتبهم عبد الْمُؤمن فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من أهل الدِّيوَان وجعلهم بَين قَبيلَة تينملل والقبيلة التابعة لَهُم
(2/142)

وجعلهم بطانته يركبون خلف ظَهره ويمشون بَين يَدَيْهِ إِذا خرج ويقومون على رَأسه إِذا جلس فاعتضد بهم عبد الْمُؤمن وَبَنوهُ سَائِر دولتهم إِلَى انقراضها وَالله غَالب على أمره
استعداد عبد الْمُؤمن للْجِهَاد وإنشاؤه الأساطيل بسواحل الْمغرب وَمَا يتبع ذَلِك من وَفَاته رَحمَه الله

لما تمهد لعبد الْمُؤمن ملك المغربين وإفريقية والأندلس وطاعت لَهُ سَائِر الأقطار وخضعت لَهُ الرّقاب فِي الْبَوَادِي والأمصار تفرغ لشأنه وتاقت نَفسه للْجِهَاد فعزم على غَزْو بِلَاد الفرنج برا وبحرا فَأمر رَحمَه الله فِي هَذِه السّنة الَّتِي هِيَ سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة بإنشاء الأساطيل فِي جَمِيع سواحل ممالكه فأنشئ لَهُ مِنْهَا أَرْبَعمِائَة قِطْعَة فَمِنْهَا بحلق المعمورة وَهِي الَّتِي تسمى الْيَوْم المهدية مائَة وَعِشْرُونَ قِطْعَة وَمِنْهَا بطنجة وسبتة وباديس ومراسي الرِّيف مائَة قِطْعَة وَمِنْهَا بِبِلَاد إفريقية ووهران ومرسى هنين مائَة قِطْعَة وَمِنْهَا بِبِلَاد الأندلس ثَمَانُون قِطْعَة
وَنظر فِي استجلاب الْخَيل للْجِهَاد والاستكثار من أَنْوَاع السِّلَاح وَالْعدَد وَأمر بِضَرْب السِّهَام فِي جَمِيع عمله فَكَانَ يضْرب لَهُ مِنْهَا فِي كل يَوْم نَحْو عشرَة قناطير جدية فَجمع لَهُ من ذَلِك مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَفِي خلال هَذَا وفدت عَلَيْهِ قَبيلَة كومية كَمَا مر
ثمَّ لما دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن من مراكش قَاصِدا الأندلس برسم الْجِهَاد وَكَانَ خُرُوجه يَوْم الْخَمِيس خَامِس ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فوصل إِلَى رِبَاط سلا فَكتب إِلَى جَمِيع بِلَاد الْمغرب والقبلة وإفريقية والسوس وَغير ذَلِك يستنفرهم إِلَى الْجِهَاد فَأَجَابَهُ خلق كثير وَاجْتمعَ لَهُ من عَسَاكِر الْمُوَحِّدين والمرتزقة وَمن
(2/143)

قبائل الْعَرَب والبربر وزناتة أَزِيد من ثَلَاثمِائَة ألف فَارس وَمن جيوش المتطوعة ثَمَانُون ألف فَارس وَمِائَة ألف راجل فضاقت بهم الأَرْض وانتشرت المحلات والعساكر فِي أَرض سلا من عين غبولة إِلَى عين خَمِيس إِلَى حلق المعمورة
فَلَمَّا استوفيت لَدَيْهِ الحشود وتكاملت لَدَيْهِ الْجنُود والوفود كَانَ الْمَعْنى الَّذِي أَشَارَ الله الْقَائِل
(إِذْ تمّ أَمر بدا نَقصه ... ترقب زوالا إِذا قيل تمّ)
فابتدأ بِعَبْد الْمُؤمن مَرضه الَّذِي توفّي مِنْهُ وَتَمَادَى بِهِ ألمه فخاف أَن يفجأه الْحمام فَأمر بعزل وَلَده مُحَمَّد عَن ولَايَة الْعَهْد وَإِسْقَاط اسْمه من الْخطْبَة لما ظهر لَهُ من الْعَجز عَن الْقيام بِأَمْر الْخلَافَة
وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكتب بذلك إِلَى جَمِيع طَاعَته وَتَمَادَى بِهِ مَرضه وَاشْتَدَّ ألمه فَتوفي لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّامِن من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَقيل غير ذَلِك وَحمل إِلَى تينملل فَدفن بهَا إِلَى جنب قبر الإِمَام الْمهْدي رَحمَه الله فسبحان من لَا يبيد ملكه وَلَا يَنْقَضِي عزه
وَنقل ابْن خلكان فِي كَيْفيَّة عزل ولي الْعَهْد وَجها آخر قَالَ نَاقِلا من خطّ الْعِمَاد بن جِبْرِيل أَن عبد الْمُؤمن كَانَ فِي حَيَاته عهد إِلَى أكبر أَوْلَاده وَهُوَ مُحَمَّد وَبَايَعَهُ النَّاس بعد تَحْلِيف الْجند لَهُ وَكتب ببيعته إِلَى الْبِلَاد فَلَمَّا مَاتَ عبد الْمُؤمن لم يتم لَهُ الْأَمر لِأَنَّهُ كَانَ على أُمُور لَا يصلح مَعهَا للمملكة من إدمان شرب الْخمر وَاخْتِلَاف الرَّأْي وَكَثْرَة الطيش وَجبن النَّفس وَيُقَال إِنَّه مَعَ هَذَا كُله كَانَ بِهِ ضرب من الجذام واضطرب أمره
(2/144)

وَاخْتلف النَّاس عَلَيْهِ فَخلع وَكَانَت مُدَّة ولَايَته خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَذَلِكَ فِي شعْبَان من سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ الَّذِي سعى فِي خلعه أَخَوَيْهِ أَبَا يَعْقُوب يُوسُف وَأَبا حَفْص عمر ابْني عبد الْمُؤمن وَلما تمّ خلعه دَار الْأَمر بَين الْأَخَوَيْنِ الْمَذْكُورين وهما من نجباء أَوْلَاد عبد الْمُؤمن وَمن ذَوي الرَّأْي فَتَأَخر مِنْهُمَا أَبُو حَفْص عمر وَسلم الْأَمر إِلَى أَخِيه أبي يَعْقُوب يُوسُف فَبَايعُوهُ النَّاس واتفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَالله تَعَالَى أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار عبد الْمُؤمن وَسيرَته

قَالَ ابْن خلكان كَانَ عبد الْمُؤمن عِنْد وَفَاته شَيخا نقي الْبيَاض قَالَ ونقلت من تَارِيخ فِيهِ سيرته وحليته فَقَالَ مُؤَلفه رَأَيْته شَيخا معتدل الْقَامَة عَظِيم الهامة أشهل الْعَينَيْنِ كث كث اللِّحْيَة شثن الْكَفَّيْنِ طَوِيل الْقعدَة وَاضح بَيَاض الْأَسْنَان بخده الْأَيْمن خَال
وَكَانَ رَحمَه الله فصيحا فَقِيها عَالما بالأصول والجدل والْحَدِيث مشاركا فِي كثير من الْعُلُوم الدِّينِيَّة والدنيوية ذَا حزم وسياسة وإقدام فِي الْحَرْب ومهمات الْأُمُور سري الهمة مَيْمُون النقيبة لم يقْصد قطّ بَلَدا إِلَّا فَتحه وَلَا جَيْشًا إِلَّا هجمه محبا لأهل الْعلم وَالْأَدب مكرما لوفادتهم منفقا لبضاعتهم ذكر الْعِمَاد الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الخريدة أَن الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس التيفاشي لما أنْشدهُ
(مَا هز عطفيه بَين الْبيض والأسل ... مثل الْخَلِيفَة عبد الْمُؤمن بن عَليّ)
أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يقْتَصر على هَذَا الْبَيْت وَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار
وَقد تقدم مَا دَار بَينه وَبَين وزيره ابْن عَطِيَّة من الشّعْر الَّذِي تجاذباه فِي أَمر الْجَارِيَة الَّتِي أطلت فِي الشباك وَذَلِكَ دَلِيل على سراوة طبعه وخفة روحه رَحمَه الله
(2/145)

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بن عَليّ

قَالَ ابْن خلدون لما هلك عبد الْمُؤمن أَخذ السَّيِّد أَبُو حَفْص بن عبد الْمُؤمن الْبيعَة على النَّاس لِأَخِيهِ أبي يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِاتِّفَاق من الْمُوَحِّدين كَافَّة ورضى من الشَّيْخ أبي حَفْص الهنتاتي خَاصَّة واستقل فِي رُتْبَة وزارته
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن عمر مؤرخ دولتهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بُويِعَ بيعَة الْجَمَاعَة يَوْم الْجُمُعَة ثامن ربيع الأول سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ بعد وَفَاة وَالِده عبد الْمُؤمن بِسنتَيْنِ لِأَنَّهُ لما بُويِعَ بعد وَفَاة وَالِده توقف عَن بيعَته نَاس من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَامْتنع من بيعَته أَخَوَاهُ السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد صَاحب بجاية وَالسَّيِّد أَبُو عبد الله صَاحب قرطبة فَكف عَنْهُم وَلم يطالبهم ببيعته وَتسَمى بالأمير وَلم يتسم بأمير الْمُؤمنِينَ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس
وَذكر ابْن مطروح فِي تَارِيخه أَنه لما مَاتَ عبد الْمُؤمن كَانَ وَلَده يُوسُف بإشبيلية فأخفى أَصْحَابه مَوته وَأَرْسلُوا إِلَى يُوسُف فوصل من إشبيلية إِلَى سلا فِي أقرب وَقت فبويع بهَا وَلم يتَخَلَّف عَن بيعَته إِلَّا نَاس قَلِيلُونَ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِم
وَكَانَ أول شَيْء فعله بعد الْبيعَة أَن سرح الجيوش المجتمعة للْجِهَاد إِلَى بِلَادهمْ وقبائلهم وَكتب إِلَى الْبِلَاد بتسريح المساجين وتفريق الصَّدقَات فِي جَمِيع عمله وَتسَمى بالأمير ثمَّ ارتحل إِلَى مراكش فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا وَكتب إِلَى جَمِيع أهل طَاعَته من الْمُوَحِّدين يطلبهم بالبيعة فَأَتَتْهُ الْبيعَة من جَمِيع بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب والأندلس مَا خلا قرطبة وبجاية فَإِن ولاتهما وهما أَخَوَاهُ توقفا عَن ذَلِك وانتشر خبر أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف فِي أقطار
(2/146)

الْبِلَاد وأدان لَهُ من بالعدوتين من الْعباد وَفرق الْأَمْوَال فِي الْقَبَائِل والأجناد
وَفِي سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة قدم عَلَيْهِ أَخَوَاهُ السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد صَاحب بجاية وَالسَّيِّد أَبُو عبد الله صَاحب قرطبة تَائِبين مبايعين وَقدم مَعَهُمَا أَشْيَاخ بلديهما وفقهائهما فوصلهم أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بالأموال وَالْخلْع وَأحسن إِلَيْهِم
وَفِي هَذِه السّنة ثار مرزدغ الصنهاجي من صنهاجة مِفْتَاح وَضرب السِّكَّة باسمه وَكتب فِيهَا مرزدغ الْغَرِيب نَصره الله عَن قريب وَكَانَت ثورته بِبِلَاد غمارة فَبَايعهُ خلق كثير من غمارة وصنهاجة وأوربة فأفسد تِلْكَ النَّاحِيَة وَدخل مَدِينَة تازا وَقتل بهَا خلقا كثيرا وسبى فَبعث إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف جَيْشًا من الْمُوَحِّدين فَقتل وَحمل رَأسه إِلَى مراكش
وَفِي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة كَانَت وقْعَة الْجلاب بالأندلس بَين السَّيِّد أبي سعيد بن عبد الْمُؤمن وجيوش الفرنج مَعَ ابْن مردنيش وَكَانَت الفرنج ثَلَاثَة عشر ألفا فَهزمَ ابْن مردنيش وَقتل من مَعَه من الفرنج بأجمعهم وَكتب السَّيِّد أَبُو سعيد بِالْفَتْح إِلَى أَخِيه أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة عقد أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف على بجاية لِأَخِيهِ السَّيِّد أبي زَكَرِيَّاء وعَلى إشبيلية للشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ أدال مِنْهُ بأَخيه السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم وَأقر الشَّيْخ أبي عبد الله على وزارته وَعقد على قرطبة لِأَخِيهِ السَّيِّد أبي إِسْحَاق وَأقر السَّيِّد أَبَا سعيد على غرناطة
ثمَّ نظر الموحدون فِي وضع الْعَلامَة الْمَكْتُوبَة بِخَط الْخَلِيفَة فَاخْتَارُوا الْحَمد لله وَحده لما وقفُوا عَلَيْهَا بِخَط الإِمَام الْمهْدي فِي بعض مخاطباته فَكَانَت علامتهم إِلَى آخر دولتهم وَالله أعلم
(2/147)

ثورة سبع بن منغفاد بجبال غمارة

وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ثار سبع بن منغفاد وَسَماهُ ابْن أبي زرع يُوسُف بن منغفاد بجبل تيزيران من بِلَاد غمارة وعظمت الْفِتْنَة فِي قبائلها وجاذبهم فِيهَا جيرانهم من صنهاجة فَبعث إِلَيْهِم أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن عَسَاكِر الْمُوَحِّدين إِلَى نظر الشَّيْخ أبي حَفْص الهنتاتي ثمَّ تعاظمت فتْنَة غمارة وصنهاجة فَخرج إِلَيْهِم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِنَفسِهِ وأوقع بهم واستأصلهم وَقتل سبع بن مغفاد وَحمل رَأسه إِلَى مراكش وانحسم داؤهم وَعقد يُوسُف لِأَخِيهِ السَّيِّد أبي عَليّ الْحسن على سبتة وَسَائِر بِلَادهمْ
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ اجْتمع الموحدون على تَجْدِيد الْبيعَة ليوسف بن عبد الْمُؤمن واللقب بأمير الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وخاطب الْعَرَب بإفريقية يستدعيهم إِلَى الْغَزْو ويحرضهم وَكتب إِلَيْهِم فِي ذَلِك بقصيدة ورسالة مَشْهُورَة بَين النَّاس فَكَانَ من احتفالهم ووفودهم عَلَيْهِ مَا هُوَ مَعْرُوف
وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ بعْدهَا وَفد عَلَيْهِ أهل الْأَمْصَار من إفريقية وَالْمغْرب والأندلس الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء والخطباء وَالشعرَاء والأشياخ والأعيان برسم التهنئة والمطالعة بأحوال بِلَادهمْ فوصلت الْوُفُود إِلَى مراكش فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وهنؤوه بالخلافة وَوصل الْجَمِيع كل على قدره وأوصاهم بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَال وَكتب لَهُم الظهائر بمطالبهم وَإِصْلَاح شؤونهم وَانْصَرفُوا شاكرين
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا بعث أَمِير الْمُؤمنِينَ الشَّيْخ أَبَا حَفْص الهنتاتي فِي جيوش الْمُوَحِّدين إِلَى الأندلس لاستنقاذ بطليوس من حِصَار الْعَدو واحتفل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى إشبيلية بلغه أَن الْمُوَحِّدين وَأهل بطليوس هزموا الْعَدو وأسروا قَائِد جَيْشه فَسَار الشَّيْخ أَبُو حَفْص إِلَى قرطبة
(2/148)

وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ بعْدهَا وَجه يُوسُف بن عبد الْمُؤمن أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا حَفْص إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد فَعبر الْبَحْر من قصر الْمجَاز إِلَى طريف فِي عشْرين ألفا من الْمُوَحِّدين والمتطوعة فَدَخَلُوا بِلَاد الْعَدو وَبعث السَّيِّد أَبُو حَفْص أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا سعيد إِلَى بطليوس فعقد الصُّلْح مَعَ الطاغية ابْن أذفونش وَهُوَ يَوْمئِذٍ أعظم مُلُوك فرنج الجزيرة وَانْصَرف ونهضوا جَمِيعًا إِلَى مرسية وَمَعَهُمْ إِبْرَاهِيم بن همشك كَانَ من قواد ابْن مردنيش فَنزع عَنهُ إِلَى الْمُوَحِّدين فحاصروا ابْن مردنيش الثائر بمرسية وأعمالها واستولوا على أَكثر بِلَاده واتصل الْخَبَر بالخليفة بمراكش وَقد خف إِلَى الْجِهَاد
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِبِنَاء قنظرة تانسيفت وَكَانَ الشُّرُوع فِي بنائها يَوْم الْأَحَد ثَالِث صفر من السّنة الْمَذْكُورَة
الْجَوَاز الأول لأمير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد

لما اتَّصل بأمير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن مَا اتّفق لشقيقه السَّيِّد أبي حَفْص من الِاسْتِيلَاء على غَالب بِلَاد ابْن مردنيش وَظُهُور الْمُسلمين على عدوهم بهَا وَكَانَ بعض مُلُوك الفرنج بهَا لم يزَالُوا يشغبون على الْمُسلمين بالغارات على أَطْرَاف بِلَادهمْ تاقت نَفسه إِلَى العبور إِلَى بِلَاد الأندلس بِقصد إصْلَاح حَالهَا وَجِهَاد الْعَدو بهَا وَقد توافدت لَدَيْهِ وَهُوَ بمراكش جموع الْعَرَب من إفريقية صُحْبَة السَّيِّد أبي زَكَرِيَّا صَاحب بجاية وَالسَّيِّد أبي عمرَان صَاحب تلمسان
وَكَانَ يَوْم قدومهم عَلَيْهِ يَوْمًا مشهودا فاعترضهم وَسَائِر عساكرهم
(2/149)

ونهض إِلَى الأندلس فِي مائَة ألف من الْعَرَب والموحدين واستخلف على مراكش أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا عمرَان فاحتل بقرطبة سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ ارتحل بعْدهَا إِلَى إشبيلية ولقيه السَّيِّد أَبُو حَفْص هُنَالك منصرفا من بعض غَزَوَاته
وَلما نزل أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بإشبيلية خافه مُحَمَّد بن مردنيش وَحمل على قلبه فَمَرض وَمَات وَقيل إِن أمه سمته لِأَنَّهُ كَانَ قد أَسَاءَ إِلَى خواصه وكبراء دولته فنصحته فتهددها وخافت بطشه فَسَمتْهُ وَلما مَاتَ مُحَمَّد بن مردنيش جَاءَ أَوْلَاده وَإِخْوَته إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَهُوَ بإشبيلية فَسَلمُوا إِلَيْهِ جَمِيع بِلَاد شَرق الأندلس الَّتِي كَانَت لأبيهم فَأحْسن إِلَيْهِم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتزَوج أختهم وَأَصْبحُوا عِنْده فِي أعز منزلَة وصنع فِي وليمتها مهرجانا عَظِيما يقصر الْوَصْف عَنهُ
وَلما صفت لأمير الْمُؤمنِينَ يُوسُف الأندلس خرج من إشبيلية غازيا بِلَاد الْعَدو فَنزل على مَدِينَة لَهُ تسمى وبذة فَأَقَامَ محاصرا لَهَا شهورا إِلَى أَن اشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحصار وعطشوا فراسلوه فِي تَسْلِيم الْمَدِينَة وَأَن يعطيهم الْأمان على نُفُوسهم فَامْتنعَ من ذَلِك فَلَمَّا اشْتَدَّ بهم الْعَطش سمع لَهُم فِي بعض اللَّيَالِي لغط عَظِيم وأصوات هائلة وَذَلِكَ أَنهم اجْتَمعُوا بأسرهم ودعوا الله تَعَالَى فَجَاءَهُمْ مطر عَظِيم مَلأ مَا كَانَ عِنْدهم من الصهاريج فارتووا وتقووا على الْمُسلمين فَانْصَرف عَنْهُم إِلَى إشبيلية بعد أَن هادنهم مُدَّة سبع سِنِين
فليعتبر الْوَاقِف على هَذِه الْقَضِيَّة وليعلم أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار جاحدون ينسبون إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بِهِ من التَّثْلِيث وأنواع الْكفْر وَمَعَ ذَلِك لما انْقَطع رجاؤهم وَرَجَعُوا إِلَيْهِ تَعَالَى بالاضطرار الصَّادِق رَحِمهم سُبْحَانَهُ وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي بعد هَذَا لِلْمُؤمنِ الموحد إِذا حصل فِي شدَّة أَن ييأس من رَحْمَة الله فَإِنَّهُ {لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ} والسر فِي الِاضْطِرَار فَإِنَّهُ عِنْد أَرْبَاب البصائر هُوَ اسْم الله الْأَعْظَم الَّذِي
(2/150)

إِذا دعِي بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا يَا مَوْلَانَا عنْدك من المرحومين وَاجعَل كل من يَرْحَمنَا عنْدك من المرحومين فَأَنت أهل ذَلِك والقادر عَلَيْهِ
ثمَّ بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ خُرُوج الْعَدو إِلَى أَرض الْمُسلمين مَعَ القومس الأحدب فَخرج إِلَيْهِم وأوقع بهم بِنَاحِيَة قلعة رَبَاح وأثخن فيهم وَرجع إِلَى إشبيلية
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة شرع أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فِي بِنَاء جَامع إشبيلية فتم وَصليت بِهِ الْجُمُعَة فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا عقد أَمِير الْمُؤمنِينَ الجسر على وَادي إشبيلية بالقوارب وَبنى قصبتها الداخلية وَبنى الزلاليق للسور وَبنى سور بَاب جَوْهَر وَبنى الرصفان المتدرجة بضفتي الْوَادي وجلب المَاء من قلعة جَابر حَتَّى أدخلهُ إشبيلية وَأنْفق فِي ذَلِك أَمْوَالًا لَا تحصى
ثمَّ انْتقض ابْن أذفونش وأغار على بِلَاد الْمُسلمين فاحتشد الْخَلِيفَة وسرح السَّيِّد أَبَا حَفْص إِلَيْهِ فغزاه بعقر دَاره وافتتح قنصرة بِالسَّيْفِ وَهزمَ جموعه فِي كل جِهَة
ثمَّ ارتحل الْخَلِيفَة من إشبيلية رَاجعا إِلَى مراكش سنة إِحْدَى وَسبعين لخمس سِنِين من إِجَازَته إِلَى الأندلس وَعقد على قرطبة لِأَخِيهِ أبي الْحسن وعَلى إشبيلية لِأَخِيهِ أبي عَليّ
وَأصَاب مراكش طاعون فَهَلَك من السَّادة أَبُو عمرَان وَأَبُو سعيد وَأَبُو زَكَرِيَّا وَقدم الشَّيْخ أَبُو حَفْص الهنتاتي من قرطبة فَهَلَك فِي طَرِيقه وَدفن بِمَدِينَة سلا وَهُوَ جد الْمُلُوك الحفصيين أَصْحَاب تونس وإفريقية
واستدعى الْخَلِيفَة أَخَوَيْهِ السيدين أَبَا عَليّ وَأَبا الْحسن فعقد لأبي عَليّ على سجلماسة وَرجع أَبُو الْحسن إِلَى قرطبة وَعقد لِابْني أَخِيه السَّيِّد أبي حَفْص لأبي زيد مِنْهُمَا على غرناطة وَلأبي مُحَمَّد على مالقة
(2/151)

وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين سَطَا بذرية بني جَامع وزرائه وغربهم إِلَى ماردة
وَفِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة عقد لغانم بن مُحَمَّد بن مردنيش على أسطوله وأغزاه مَدِينَة أشبونة فغنم وَرجع
وفيهَا كَانَت وَفَاة أَخِيه الْوَزير السَّيِّد أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن بعد مَا أبلى فِي الْجِهَاد وَبَالغ فِي نكاية الْعَدو وَتقدم ابناه من الأندلس فأخبرا الْخَلِيفَة بانتقاض الطاغية واعتزم على الْجِهَاد وَأخذ فِي استدعاء الْعَرَب من إفريقية وَالله تَعَالَى أعلم
غَزْو أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِلَاد إفريقية وَفتح مَدِينَة قفصة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَت قفصة من بِلَاد إفريقية قد استبد بهَا بَنو الرند أَوَاخِر دولة صنهاجة من بني زيري بن مُنَاد كَانَ جدهم عبد الله بن مُحَمَّد بن الرند عَاملا لَهُم بهَا فتوارثها بنوه من بعده فاستبدوا بهَا آخر الدولة وَلما غزا عبد الْمُؤمن بِلَاد إفريقية اسْتَنْزَلَهُمْ فِي جملَة من استنزل من الثوار بهَا وَلما مَاتَ عبد الْمُؤمن وبويع ابْنه يُوسُف بلغه سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة أَن بعض بني الرند قد عَاد إِلَى قفصة وثار بهَا فاضطربت لأجل ذَلِك أحوالها فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي سنة خمس وَسبعين بعْدهَا فَانْتهى إِلَى إفريقية وَنزل على مَدِينَة قفصة وضيق عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ والحصار حَتَّى دَخلهَا وظفر بِابْن الرند الْقَائِم بهَا فَقتله وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة
ثمَّ عَاد إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي سنة سبع وَسبعين بعْدهَا هَكَذَا فِي القرطاس وَنَحْوه لِابْنِ خلدون فِي أَخْبَار بني عبد الْمُؤمن
وَذكر عِنْد الْكَلَام على بني الرند وَجها آخر فَقَالَ كَانَ عبد الْمُؤمن قد ولى على قفصة عمرَان بن مُوسَى الصنهاجي فأساء إِلَى الرّعية فبعثوا عَن
(2/152)

عَليّ بن الْعَزِيز بن المعتز الرندي من بجاية وَكَانَ بهَا فِي مضيعة يحترف بالخياطة فَقدم عَلَيْهِم وثاروا بعمران بن مُوسَى عَامل الْمُوَحِّدين فَقَتَلُوهُ وَقدمُوا مَكَانَهُ عَليّ بن الْعَزِيز فساس ملكه وحاط رَعيته وأغزاه يُوسُف بن عبد الْمُؤمن سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا زَكَرِيَّاء فحاصره وضيق عَلَيْهِ وَأَخذه وأشخصه إِلَى مراكش بأَهْله وَمَاله وَاسْتَعْملهُ على الأشغال بِمَدِينَة سلا إِلَى أَن هلك بهَا وفنيت دولة بني الرند والبقاء لله وَحده اه كَلَامه فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف من مراكش لبِنَاء حصن أزكندر فبناه على الْمَعْدن الَّذِي ظهر هُنَالك.
الْجَوَاز الثَّانِي لأمير الْمُؤمنِينَ يُوسُف ابْن عبد الْمُؤمن إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد وَمَا يتَّصل بذلك من وَفَاته رَحمَه الله

لما قدم أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن من فتح قفصة سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة قدم عَلَيْهِ وُلَاة الأندلس ورؤساؤها يهنئونه بالإياب فَأكْرم وفادتهم وَانْصَرفُوا
ثمَّ بلغه الْخَبَر بِأَن أذفونش بن سانجة نَازل قرطبة وَشن الغارات على جِهَة مالقة ورندة وغرناطة ثمَّ نزل إستجة وتغلب على حصن شقيلة وأسكن بِهِ النَّصَارَى وَانْصَرف
فاستنفر السَّيِّد أَبُو إِسْحَاق سَائِر النَّاس للغزو ونازل الْحصن نَحوا من أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ بلغه خُرُوج أذفونش من طليطلة بمدده فانكفا رَاجعا وَخرج مُحَمَّد بن يُوسُف بن وانودين من إشبيلية فِي جموع الْمُوَحِّدين ونازل طلبيرة فبرز إِلَيْهِ أَهلهَا فأوقع بهم وَانْصَرف بالغنائم
فاعتزم الْخَلِيفَة يُوسُف بن عبد الْمُؤمن على معاودة الْجِهَاد وَولى على
(2/153)

الأندلس أمناءه وَقَدَّمَهُمْ للإحتشاد فعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي زيد على غرناطة ولابنه السَّيِّد أبي عبد الله على مرسية ونهض سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَفِي القرطاس كَانَ خُرُوجه من مراكش فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور على بَاب دكالة قَالَ برسم غَزْو إفريقية فَلَمَّا وصل إِلَى سلا أَتَاهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن جَامع من إفريقية فَأعلمهُ بهدوئها وسكونها فصرف عزمه إِلَى الأندلس فَنَهَضَ من سلا ضحوة يَوْم الْخَمِيس الموفي ثَلَاثِينَ من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بظاهرها وَبَات هُنَاكَ ثمَّ نَهَضَ يَوْم الْجُمُعَة الموَالِي لَهُ فوصل إِلَى مكناسة يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس من ذِي الْحجَّة فعيد بهَا عيد الْأَضْحَى خَارِجهَا ثمَّ ارتحل إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا بَقِيَّة الشَّهْر
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة فَفِي الْيَوْم الرَّابِع بهَا نَهَضَ من فاس وَسَار حَتَّى انْتهى إِلَى سبتة فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة الشَّهْر الْمحرم وَأمر النَّاس بِالْجَوَازِ إِلَى الأندلس فجازت قبائل الْعَرَب أَولا ثمَّ قبائل زناتة ثمَّ المصامدة ثمَّ مغراوة وصنهاجة وأوربة وأصناف البربر ثمَّ عبرت جيوش الْمُوَحِّدين والأغزاز وَالرُّمَاة فَلَمَّا اسْتكْمل النَّاس الْجَوَاز عبر هُوَ فِي آخِرهم فِي الْحَاشِيَة وَالْعَبِيد
وَكَانَ جَوَازه يَوْم الْخَمِيس خَامِس صفر من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بجبل الْفَتْح ثمَّ ارتحل مِنْهُ إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ سَار إِلَى إشبيلية فَلَمَّا أشرف عَلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر خرج إِلَيْهِ وَلَده السَّيِّد أَبُو إِسْحَاق وَمَعَهُ فُقَهَاء إشبيلية وأشياخها فَبعث إِلَيْهِم يَأْمُرهُم بِالْوُقُوفِ بآخر الْمنية حَتَّى يصل إِلَيْهِم فَلَمَّا صلى الظّهْر وَركب اجتاز بهم فَلَمَّا دنا مِنْهُم نزلُوا عَن دوابهم فَوقف لَهُم حَتَّى سلمُوا عَن آخِرهم وركبوا
ثمَّ نَهَضَ إِلَى غَزْو مَدِينَة شنترين من بِلَاد غرب الأندلس فَانْتهى إِلَيْهَا فِي السَّابِع من ربيع الأول فَنزل عَلَيْهَا وأدار بِهِ الجيوش وشدد عَلَيْهَا فِي
(2/154)

الْحصار والقتال وبذل المجهود إِلَى لَيْلَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الْمَذْكُور فانتقل من مَوضِع نُزُوله بجوفي شنترين إِلَى غربها فَأنْكر الْمُسلمُونَ ذَلِك وَلم يعلمُوا لَهُ سَببا فَلَمَّا جن اللَّيْل وَصلى الْعشَاء الْآخِرَة بعث إِلَى وَلَده السَّيِّد أبي إِسْحَاق صَاحب إشبيلية فَأمره بالرحيل من غَد تِلْكَ اللَّيْلَة لغزو أشبونة وَشن الغارات على أنحائها وَأَن يسير إِلَيْهَا فِي جيوش الأندلس خَاصَّة وَأَن يكون رحيله نَهَارا فأساء الْفَهم وَظن أَنه أمره بالرحيل لَيْلًا وصرخ الشَّيْطَان فِي محلّة الْمُسلمين أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عزم على الرحيل فِي هَذِه اللَّيْلَة وتحدث النَّاس بذلك وتأهبوا لَهُ ورحلت طَائِفَة مِنْهُم بِاللَّيْلِ وَلما كَانَ قرب الْفجْر أقلع السَّيِّد أَبُو اسحاق وأقلع من كَانَ مواليا لَهُ وتتابع النَّاس بالرحيل وتسابقوا لاختيار الْمنَازل وأمير الْمُؤمنِينَ مُقيم فِي مَكَانَهُ لَا علم لَهُ بذلك فَلَمَّا أصبح وَصلى الصُّبْح وأضاء النَّهَار لم يجد حوله من أهل المحلات أحدا إِلَّا يَسِيرا من خاصته وحشمه الَّذين يرحلون لرحيله وينزلون لنزوله وَإِلَّا قواد الأندلس فَإِنَّهُم الَّذين كَانُوا يَسِيرُونَ أَمَام ساقته وَخلف محلته من أجل من يتَخَلَّف عَنْهَا من الضُّعَفَاء فَلَمَّا طلعت الشَّمْس وتطلع النَّصَارَى المحصورون على الْمحلة من سور الْبَلَد وَرَأَوا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُنْفَردا فِي عبيده وحشمه وتحققوا ذَلِك من جواسيسهم فتحُوا الْبَلَد وَخرج جَمِيع من فِيهِ خرجَة مُنكرَة وهم ينادون الرّيّ الرّيّ أَي أقصدوا السُّلْطَان فَضربُوا فِي محلّة العبيد إِلَى أَن وصلوا إِلَى أخبية أَمِير الْمُؤمنِينَ فمزقوها واقتحموها فبرز إِلَيْهِم وَقَاتلهمْ بِسَيْفِهِ حَتَّى قتل سِتَّة مِنْهُم ثمَّ طعنوه طعنة نَافِذَة وَقتل عَلَيْهِ ثَلَاث من جواريه كن قد أكببن عَلَيْهِ وَلما طعن وَقع بِالْأَرْضِ وتصايح العبيد وَنَادَوْا بالفرسان والأجناد فتراجع الْمُسلمُونَ وقاتلوا النَّصَارَى حَتَّى أزاحوهم عَن الأخبية وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَينهم وتواقفوا سَاعَة ثمَّ انهزم الفرنج وركبهم الْمُسلمُونَ بِالسَّيْفِ حَتَّى أدخلوهم الْمَدِينَة وَقتل مِنْهُم خلق كثير يزِيدُونَ على الْعشْرَة آلَاف وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين جمَاعَة وَركب أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف
(2/155)

وَقد أنفذته الطعنة وارتحل النَّاس وَلَا يَدْرُونَ أَيْن ثمَّ اهتدوا بالطبول فقصدوا جِهَة إشبيلية ثمَّ سَار أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد العبور إِلَى الْمغرب فَاشْتَدَّ ألمه وَمَات بِالطَّرِيقِ رَحمَه الله قَالَه ابْن مطروح
وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت الْعَاشِر من شهر ربيع الآخر سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة قرب الجزيرة الخضراء فَحمل إِلَى تينملل فَدفن بهَا إِلَى جنب قبر أَبِيه وَقيل إِنَّه لم يمت حَتَّى وصل إِلَى مراكش وَكَانَ وَلَده يَعْقُوب الْخَلِيفَة بعده هُوَ الَّذِي يدْخل على ابيه وَيخرج وَيصرف الْأُمُور بَين يَدَيْهِ من يَوْم طعن إِلَى أَن مَاتَ قَالُوا وكتم وَلَده مَوته حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة سلا فأفشاه
وَكَانَ قبل مَوته بأشهر كثيرا مَا ينشد قَول الشَّاعِر ويردده
(طوى الجديدان مَا قد كنت أنشره ... وأنكرتني ذَوَات الْأَعْين النجل)
ورثاه الأديب أَبُو بكر يحيى بن مجير بقصيدة طَوِيلَة أَجَاد فِيهَا وأولها
(جلّ الأسى فأسل دم الأجفان ... مَاء الشؤون لغير هَذَا الشان)
بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَسيرَته

قَالَ ابْن خلكان كَانَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن أَبيض تعلوه حمرَة شَدِيد سَواد الشّعْر مستدير الْوَجْه أفوه أعين إِلَى الطول مَا هُوَ فِي صَوته جهارة رَقِيق حَوَاشِي الطَّبْع حُلْو الْأَلْفَاظ حسن الحَدِيث طيب المجالسة أعرف النَّاس كَيفَ تَكَلَّمت الْعَرَب وأحفظهم لأيامها فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام صرف عنايته إِلَى ذَلِك وَلَقي فضلاء إشبيلية أَيَّام ولَايَته بهَا وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا متفننا لِأَن أَبَاهُ هذبه وَقرن بِهِ وبإخواته أكمل رجال الْحَرْب والمعارف فَنَشَأَ فِي ظُهُور الْخَيل بَين أبطال الفرسان وَفِي قِرَاءَة الْعلم بَين أفاضل الْعلمَاء وَكَانَ ميله إِلَى الْحِكْمَة والفلسفة أَكثر من ميله إِلَى الْأَدَب وبقيه الْعُلُوم وَيُقَال إِنَّه كَانَ يحفظ صَحِيح البُخَارِيّ وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن
(2/156)

الْكَرِيم مَعَ جملَة صَالِحَة من الْفِقْه ثمَّ طمح إِلَى علم الْحِكْمَة وَبَدَأَ من ذَلِك بِعلم الطِّبّ وَجمع من كتب الْحِكْمَة شَيْئا كثيرا
وَكَانَ مِمَّن صَحبه من الْعلمَاء بِهَذَا الشَّأْن الْوَزير أَبُو بكر مُحَمَّد بن طفيل كَانَ متحققا بِجَمِيعِ أَجزَاء الْحِكْمَة قَرَأَ على جمَاعَة من أَهلهَا مِنْهُم أَبُو بكر بن الصَّائِغ الْمَعْرُوف بِابْن باجة وَغَيره وَلابْن طفيل هَذَا تصانيف كَثِيرَة
وَكَانَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن حَرِيصًا على الْجمع بَين علم الشَّرِيعَة وَالْحكمَة وَلم يزل يجمع إِلَيْهِ الْعلمَاء من كل فن من جَمِيع الأقطار وَمن جُمْلَتهمْ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن رشد الْمَعْرُوف بالحفيد
وَكَانَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن شَدِيد الملوكية بعيد الهمة جماعا مناعا ضابطا لخراج مَمْلَكَته عَارِفًا بسياسة رَعيته وَكَانَ سخيا جوادا فِي مَحل السخاء والجود قد اسْتغنى النَّاس فِي أَيَّامه وَكَانَ من ضَبطه وسياسته رُبمَا يحضر حَتَّى لَا يكَاد يغيب حَتَّى لَا يكَاد يحضر وَله فِي غيبته نواب وخلفاء وحكام قد فوض الْأُمُور إِلَيْهِم لما علم من صَلَاحهمْ وأهليتهم لذَلِك
قَالَ ابْن خلكان وَالدَّنَانِير اليوسفية المغربية منسوبة إِلَيْهِ
وَمِمَّا يستطرف من أخباره رَحمَه الله أَن الأديب أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد السَّلَام الكرواني وكروان قَبيلَة من البربر مَنَازِلهمْ بضواحي فاس كَانَ نِهَايَة فِي حفظ الْأَشْعَار الْقَدِيمَة والمحدثة وَتقدم فِي هَذَا الشَّأْن وَله فِيهِ تآليف وَكَانَ مَعَ ذَلِك صَاحب نَوَادِر جَالس بهَا عبد الْمُؤمن ثمَّ وَلَده يُوسُف ثمَّ وَلَده يَعْقُوب
فَمن نوادره أَنه حضر يَوْمًا إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف بن عبد الْمُؤمن الْمَذْكُور وَحضر إِلَيْهِ أَيْضا الطَّبِيب سعيد الغماري فَقَالَ أَمِير
(2/157)

الْمُؤمنِينَ لبَعض خدمه انْظُر من بِالْبَابِ من الْأَصْحَاب فَخرج الْخَادِم ثمَّ عَاد إِلَيْهِ فَقَالَ يَا سَيِّدي بهامد الكرواني وَسَعِيد الغماري فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف من عجائب الدُّنْيَا شَاعِر نم كروان وطبيب من غمارة فَبلغ ذَلِك الكرواني وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه أعجب مِنْهُمَا وَالله خَليفَة من كومية فَيُقَال إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف لما بلغه ذَلِك قَالَ أعاقبه بالحلم عَنهُ فَفِيهِ تَكْذِيب لَهُ وَمن شعر الكرواني من جملَة قصيدة يمدح بهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف الْمَذْكُور وَهُوَ بديع
(إِن الإِمَام هُوَ الطَّبِيب وَقد شفا ... علل البرايا ظَاهرا ودخيلا ص)
(حمل البسيطة وَهِي تحمل شخصه ... كالروح يُوجد حَامِلا مَحْمُولا)
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بن عَليّ

قَالَ ابْن خلدون لما توفّي الْخَلِيفَة يُوسُف بن عبد الْمُؤمن على حصن شنترين فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ ابْنه أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَرجع بِالنَّاسِ إِلَى إشبيلية فاستكمل الْبيعَة واشتوزر الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص الهنتاتي واستنفر النَّاس للغزو مَعَ أَخِيه السَّيِّد يحيى فاستولى على بعض الْحُصُون وأثخن فِي بِلَاد الْكَفَّارَة ثمَّ أجَاز الْبَحْر إِلَى الحضرة
ولقيه بقصر مصمودة السَّيِّد أَبَا زَكَرِيَّا ابْن السَّيِّد أبي حَفْص قادما من تلمسان مَعَ مشيخة بني زغبة من عرب هِلَال وَمضى إِلَى مراكش فَغير المناكر وَبسط الْعدْل وَنشر الْحُكَّام اه وَفِيه نوع مُخَالفَة لما قدمْنَاهُ
وَقَالَ ابْن أبي زرع لما تمت لَهُ الْبيعَة وطاعت لَهُ الْأمة كَانَ أول شَيْء فعله أَن أخرج مائَة ألف دِينَار ذَهَبا من بَيت المَال ففرقها فِي الضُّعَفَاء من بيوتات الْمغرب وَكتب إِلَى جَمِيع بِلَاده بستريح السجون ورد الْمَظَالِم الَّتِي
(2/158)

ظلمها الْعمَّال فِي أَيَّام أَبِيه وَأكْرم الْفُقَهَاء وراعى الصلحاء وَأهل الْفضل وأجرى على أَكْثَرهم الْإِنْفَاق من بَيت المَال وَفرق فِي الْمُوَحِّدين وَسَائِر الأجناد أَمْوَالًا جمة وَكَانَ أول شَيْء حدث فِي دولته شَأْن بني غانية المسوفيين أَصْحَاب جَزِيرَة ميورقة وأعمالها فلنأت بِشَيْء من ذَلِك
خُرُوج عَليّ بن إِسْحَاق المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية على يَعْقُوب الْمَنْصُور

قد تقدم لنا فِي أَخْبَار الدولة اللمتونية أَن أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني كَانَ قد اسْتعْمل على الجزائر الشرقية من بِلَاد الأندلس وَهِي ميورقة ومنورقة ويابسة مُحَمَّد بن عَليّ بن يحيى المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية وَهِي أَهَمَّهُمْ فتوارثها بنوه من بعده إِلَى أَيَّام يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فَبعث إِلَيْهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد المسوفي الْمَذْكُور بِالطَّاعَةِ فَقبل ذَلِك يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَبعث إِلَيْهِ قائده عَليّ بن الروبرتير ليختبر أمره ويعقد لَهُ الْبيعَة عَلَيْهِ ويؤكد الْأَمر فِي ذَلِك
وَكَانَ لمُحَمد بن إِسْحَاق الْمَذْكُور عدَّة اخوة يساهمونه فِي الرياسة فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِم ابْن الروبرتير وَعَلمُوا الْأَمر الَّذِي قدم لأَجله أَنْكَرُوا على أخيهم ذَلِك لِأَنَّهُ لم يكن أعلمهم بمكاتبة يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فخلصوا نجيا دونه وتقبضوا عَلَيْهِ وعَلى ابْن الروبرتير وَقدمُوا مَكَانَهُ أَخَاهُم عَليّ بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد ثمَّ بَلغهُمْ خبر وَفَاة يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَولَايَة ابْنه يَعْقُوب الْمَنْصُور فَركب عَليّ بن إِسْحَاق أسطوله وطرق بجاية على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَعَلَيْهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو الرّبيع بن عبد الله بن عبد الْمُؤمن
وَكَانَ خَارِجا فِي بعض مذاهبه فاستولى عَلَيْهَا ابْن غانية فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
(2/159)

وَحكى ابْن أبي زرع فِي اسْتِيلَاء ابْن غانية على بجاية وَجها آخر قَالَ دخل الميورقي وَهُوَ عَليّ بن إِسْحَاق الْمَذْكُور مَدِينَة بجاية يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس من شعْبَان سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة
وَكَانَ أَبْوَاب المدن قبل ذَلِك لَا تغلق وَقت صَلَاة الْجُمُعَة فَارْتَقِبْ ابْن غانية النَّاس حَتَّى أَحْرمُوا بِصَلَاة الْجُمُعَة ثمَّ اقتحم عَلَيْهِم الْمَدِينَة وَعمد إِلَى الْجَامِع الْأَعْظَم وأدار بِهِ الْخَيل وَالرجل فَمن بَايعه خلى سَبيله وَمن توقف عَن بيعَته ضرب عُنُقه قَالَ وَأقَام بهَا سَبْعَة أشهر ثمَّ استرجعت من يَده قَالَ وَمن ذَلِك الْيَوْم اتخذ النَّاس غلق أَبْوَاب المدن يَوْم الْجُمُعَة وَقت الصَّلَاة وَالله أعلم
ثمَّ استولى عَليّ بن إِسْحَاق على الجزائر ثمَّ على مازونة ثمَّ على مليانة ثمَّ على القلعة ثمَّ نَازل قسنطينة فامتنعت عَلَيْهِ
واتصل الْخَبَر بالمنصور فسرح السَّيِّد أَبَا زيد بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن وَعقد لَهُ على حَرْب ابْن غانية وَعقد لمُحَمد بن إِبْرَاهِيم بن جَامع على الأساطيل وَإِلَى نظره أَبُو مُحَمَّد بن عطوش وَأحمد الصّقليّ فوصل السَّيِّد أَبُو زيد إِلَى أفريقية وشرد ابْن غانية عَنْهَا إِلَى الصَّحرَاء فِي أَخْبَار طَوِيلَة
ثمَّ عاود ابْن غانية الإجلاب على بِلَاد إفريقية وَظَاهره على ذَلِك قراقوش الْغَزِّي من موَالِي السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْكرْدِي صَاحب مصر وَكَانَ قد تغلب على طرابلس وَمَا والاها
وَبلغ الْمَنْصُور أَن ابْن غانية قد استولى على قفصة فَنَهَضَ بِنَفسِهِ من حَضْرَة مراكش ثَالِث شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَوصل إِلَى فاس فأراح بهَا ثمَّ سَار إِلَى رِبَاط تازا ثمَّ سَار على التعبية إِلَى تونس
وَجمع ابْن غانية من إِلَيْهِ من الملثمين وَالْعرب وَجَاء مَعَه قراقوش الْغَزِّي صَاحب طرابلس فسرح إِلَيْهِم الْمَنْصُور مُقَدّمَة من جَيْشه لنظر السَّيِّد
(2/160)

أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن السَّيِّد أبي حَفْص عمر بن عبد الْمُؤمن فَلَقِيَهُمْ ابْن غانية فِي جموعه فانتصر عَلَيْهِم وَانْهَزَمَ الموحدون وَقبل جمَاعَة من وُجُوههم وَأسر عَليّ بن الروبرتير فِي آخَرين وامتلأت أَيدي الْعَرَب من أثاثهم وأسلابهم
وَوصل سرعَان النَّاس إِلَى الْمَنْصُور وَهُوَ بتونس فَنَهَضَ إِلَيْهِم فِي الْحَال وَنزل القيروان ثمَّ أغذ السّير إِلَى الحامة فَالتقى الْجَمْعَانِ وأنشبوا الْحَرْب فَكَانَت الْهَزِيمَة على ابْن غانية وأحزابه وأفلت من المعركة بذماء نَفسه وَمَعَهُ خَلِيله قراقوش وأتى الْقَتْل على أَكْثَرهم
ثمَّ صبح الْمَنْصُور مَدِينَة قابس وَكَانَت فِي يَد قراقوش فافتتحها وَنقل من كَانَ بهَا من حرم ابْن غانية وَذَوِيهِ فِي الْبَحْر إِلَى تونس وثنى الْعَنَان إِلَى توزر فافتتحها وَقتل من وجد بهَا ثمَّ إِلَى قفصة فنازلها أَيَّامًا حَتَّى نزلُوا على حكمه فَقتل من كَانَ بهَا من الحشود وَهدم سورها واستبقى أَهلهَا وَجعل أملاكهم بِأَيْدِيهِم على حكم الْمُسَاقَاة
وَلما فرغ من أَمر قفصة نَهَضَ إِلَى عرب إفريقية ففتك بهم واستباح حللهم وَأَمْوَالهمْ وشردهم فِي كل وَجه ثمَّ بعد ذَلِك جاؤوه تَائِبين خاضعين فَنقل أهل الْفِتْنَة وَالْخلاف مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَرجع إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
الْخَبَر عَن انْتِقَال الْعَرَب من جزيرتهم إِلَى ارْض إفريقية ثمَّ مِنْهَا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَالسَّبَب فِي ذَلِك

أعلم أَن أَرض إفريقية وَالْمغْرب لم تكن للْعَرَب بوطن فِي الْأَيَّام السالفة لَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي صدر الْإِسْلَام وَإِنَّمَا كَانَ الْمغرب وطنا لأمة البربر خَاصَّة لَا يشاركهم فِيهِ غَيرهم
وَلما جَاءَت الْملَّة الإسلامية وأظهرها الله على الدّين كُله زحفت جيوش
(2/161)

الْمُسلمين من الْعَرَب إِلَى أَرض الْمغرب فِي جملَة مَا زحف إِلَيْهِ من أقطار الأَرْض لَكِن الْعَرَب الداخلون إِلَى أَرض الْمغرب فِي ذَلِك الْعَصْر إِنَّمَا كَانُوا يدْخلُونَ إِلَيْهِ غزَاة مجاهدين على ظُهُور خيولهم فيقضون الوطر من فتح الأقطار والأمصار ثمَّ يَنْقَلِب جمهورهم إِلَى وطنهم ومقرهم من جَزِيرَة الْعَرَب وَإِن بَقِي الْقَلِيل مِنْهُم بِهِ فَإِنَّمَا كَانُوا يستوطنون مِنْهُ الْأَمْصَار دون الْبَادِيَة ويسكنون الْقُصُور دون الْخيام فَلم تكن الْعَرَب تسكن الْمغرب يَوْمئِذٍ بقبائلهم وخيامهم وَلَا استوطنوه بأحيائهم وحللهم كَمَا هُوَ شَأْنهمْ الْيَوْم لِأَن الْملك الَّذِي حصل لَهُم والغلب الَّذِي مكنهم الله مِنْهُ كَانَ يمنعهُم من سُكْنى الْبَادِيَة ويعدل بهم إِلَى الحضارة وَلَا بُد فَكَانَت الْخَيْمَة بِأَرْض الْمغرب مَعْدُومَة رَأْسا أَو قَليلَة جدا لبَعض البربر مِمَّن كَانَ يتخذها مِنْهُم وهم قَلِيل وَإِنَّمَا كَانَ يسكن الْجُمْهُور مِنْهُم بالمداشر وكهوف الْجبَال وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة فَدخلت الْعَرَب أَرض إفريقية واستوطنها بحللهم وخيامهم
ثمَّ لما كَانَت أَوَاخِر الْمِائَة السَّادِسَة فِي دولة يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله نقل الْكثير مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فاستوطنوه بحللهم وخيامهم كَذَلِك وَصَارَت أَرض الْمغرب منقسمة بَين أمتين أمة الْعَرَب أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَأمة البربر أهل اللِّسَان الْبَرْبَرِي بعد أَن كَانَت بِلَاده خَاصَّة بالبربر لَا يشاركهم فِيهَا غَيرهم كَمَا قُلْنَا
وَاعْلَم أَن أمة الْعَرَب تَنْقَسِم أَولا إِلَى قسمَيْنِ عدنان وقحطان ثمَّ يَنْقَسِم كل من عدنان وقحطان إِلَى شعبين عظيمين فَأَما عدنان وهم الإسماعيلية ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام فينقسمون إِلَى ربيعَة وَمُضر وَأما قحطان وهم اليمانية ذُرِّيَّة قحطان بن عَابِر بن شالح بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام فينقسمون إِلَى حمير وكهلان هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف الْمَشْهُور من نسب الْفَرِيقَيْنِ وَقد يذكر النسابون لكل مِنْهُمَا شعوبا
(2/162)

أخر لَكنا لم نعتبرها إِمَّا لانقراضها أَو لقُوَّة الْخلاف فِيهَا أَو لقلتهَا جدا واندراجها فِيمَن ذَكرْنَاهُ.
ثمَّ يتشعب كل من هَذِه الشعوب الْأَرْبَعَة إِلَى قبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لَا حصر لَهَا لكننا ننبه على الْغَرَض الْمَقْصُود مِنْهَا فَنَقُول من جملَة قبائل مُضر
بَنو سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر
وَمن قبائلها أَيْضا بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوازان بن مَنْصُور الْمَذْكُور فِي النّسَب السَّابِق وَقد نسبت الخنساء جشم هَذَا إِلَى جده فَقَالَت تهجو دُرَيْد بن الصمَّة
(معَاذ الله ينكحني حبركي ... قصير الشبر من جشم بن بكر)
وَمن قبائلها أَيْضا بَنو هِلَال بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر الْمَذْكُور أَيْضا
وَمن جملَة قبائل كهلان القحطانيين بَنو الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن مذْحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وكهلان هُوَ ابْن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان
وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل الْأَرْبَعَة الَّتِي ذَكرنَاهَا هِيَ الَّتِي ذكر المؤرخون أَنَّهَا انْتَقَلت إِلَى أفريقية وَالْمغْرب وَقد يُضَاف إِلَيْهِم غَيرهم من قبائل الْعَرَب لكِنهمْ لَيْسُوا بمشهورين كالأربعة الْمَذْكُورَة
وَأما خبر دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب وَالسَّبَب فِيهِ فقد ذكر المؤرخون أَن بني سليم بن مَنْصُور وَبني هِلَال بن عَامر لم يزَالُوا بِجَزِيرَة الْعَرَب بُرْهَة من الدَّهْر إِلَى أَن مضى الصَّدْر من دولة بني الْعَبَّاس وَكَانُوا أَحيَاء ناجعة بِأَرْض الْحجاز ونجد فبنوا سليم مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة المنورة وَبَنُو هِلَال فِي جبل غَزوَان عِنْد الطَّائِف ثمَّ تحيز بَنو سليم وَالْكثير من هِلَال بن عَامر إِلَى الْبَحْرين وعمان وصاروا جندا للقرامطة ثمَّ غلب القرامطة على بِلَاد الشَّام وظاهرهم على
(2/163)

ذَلِك بَنو سليم وَبَنُو هِلَال ثمَّ انْتَقَلت دولة العبيديين من إفريقية إِلَى مصر وغلبوا القرامطة على الشَّام وانتزعوه مِنْهُم وردوهم على أَعْقَابهم إِلَى الْبَحْرين ونقلوا أشياعهم من بني سليم وَبني هِلَال فأنزلوهم بصعيد مصر فِي العدوة الشرقية من بَحر النّيل فأقاموا هُنَالك وَكَانَ لَهُم أضرار بالبلاد وَلما انْتَقَلت الدولة العبيدية من إفريقية إِلَى مصر كَمَا قُلْنَا استنابوا على إفريقية بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين فملكوها وَكَانُوا يخطبون بملوك العبيديين على منابرهم ويضربون السِّكَّة بِأَسْمَائِهِمْ ويؤدون إِلَيْهِم إتاوة مَعْلُومَة وَطَاعَة مَعْرُوفَة
وَلما انساق ملك إفريقية إِلَى الْمعز بن باديس بن الْمَنْصُور بن بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي كَانَ لَهُ رَغْبَة فِي مَذْهَب أهل السّنة خَالف فِيهِ أسلافه الَّذين كَانُوا على مَذْهَب الشِّيعَة الرافضة وَكَانَ الْخَلِيفَة من العبيديين بِمصْر يَوْمئِذٍ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه معد بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم بن الْعَزِيز بن الْمعز لدين الله والمعز هَذَا هُوَ الَّذِي انْتقل إِلَى مصر وَبنى مَدِينَة الْقَاهِرَة
وَكَانَ الْمعز بن باديس الصنهاجي لَا تزَال المراسلات والهدايا تخْتَلف بَينه وَبَين الْمُسْتَنْصر العبيدي صَاحب مصر كَمَا كَانَت أسلافهما ثمَّ إِن الْمعز بن باديس ركب ذَات يَوْم لبَعض مذاهبه وَذَلِكَ فِي أول ولَايَته فكبا بِهِ فرسه فَنَادَى مستغيثا بالشيخين أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَسَمعته الْعَامَّة وَكَانَ جمهورهم سنيا فثاروا بالرافضة وقتلوهم أَبْرَح قتل وأعلنوا بالمعتقد الْحق وَنَادَوْا بشعار الْإِيمَان وَقَطعُوا من الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل
وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة فِي أَيَّام الظَّاهِر العبيدي وَالِد الْمُسْتَنْصر فكاتب الْمعز بن باديس فِي ذَلِك فَاعْتَذر إِلَيْهِ بالعامة فأغضى عَنهُ
وَاسْتمرّ ابْن باديس على إِقَامَة الدعْوَة لَهُم والمهاداة مَعَهم وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك يُكَاتب وزيرهم الْقَائِم بِأُمُور دولتهم أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد الجرجرائي ويستميله ويعرض ببني عبيد وشيعتهم ويغض مِنْهُم
ثمَّ هلك الْوَزير أَبُو الْقَاسِم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولي الوزارة
(2/164)

بعده أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ اليازوري أَصله من قرى فلسطين وَكَانَ أَبوهُ فلاحا بهَا فَلَمَّا ولي الوزارة خاطبه الْمعز بن باديس دون مَا كَانَ يُخَاطب بِهِ من قبله من الوزراء كَانَ يَقُول فِي كِتَابه إِلَيْهِم عبدكم وَصَارَ يَقُول فِي كتاب اليازوري صنيعتكم فحقد ذَلِك عَلَيْهِ وَصَارَت القوارص تسري من بَعضهم إِلَى بعض إِلَى أَن أظلم الجو بَين الْمعز بن باديس وَبَين الْمُسْتَنْصر العبيدي ووزيره اليازوري فَقطع ابْن باديس الْخطْبَة بهم على منابره سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وأحرق بنود الْمُسْتَنْصر ومحا اسْمه من السبكة والطرز ودعا للقائم العباسي خَليفَة بَغْدَاد وجاءه خطابه وَكتاب عَهده فقرئ بِجَامِع القيروان ونشرت الرَّايَات السود وهدمت دور الإسماعيلية
وَبلغ الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْمُسْتَنْصر بِالْقَاهِرَةِ فَقَامَتْ قِيَامَته ففاوض وزيره أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ اليازوري فِي أَمر ابْن باديس فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يسرح لَهُ الْعَرَب من بني هِلَال وَبني جشم الَّذين بالصعيد وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِم بالاصطناع ويستميل مشايخهم بالعطاء وتولية أَعمال إفريقية وتقليدهم أمرهَا بَدَلا من صنهاجة الَّذين بهَا لينصروا الشِّيعَة ويدافعوا عَنْهُم فَإِن صدقت المخيلة فِي ظفرهم بِابْن باديس وَقَومه صنهاجة كَانُوا أَوْلِيَاء للدولة وعمالا بِتِلْكَ القاصية وارتفع عدوانهم من ساحة الْخلَافَة وَإِن كَانَت الْأُخْرَى فلهَا مَا بعْدهَا وَأمر الْعَرَب على كل حَال أَهْون على الدولة من أَمر صنهاجة الْمُلُوك
فَبعث الْمُسْتَنْصر وزيره إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاء وأرضخ لأمرائهم فِي الْعَطاء وَوصل عامتهم بِبَعِير ودينار لكل وَاحِد مِنْهُم وأباح لَهُم إجَازَة النّيل وَقَالَ لَهُم قد أعطيناكم الْمغرب وَملك ابْن باديس العَبْد الآباق فَلَا تفتقرون بعْدهَا
وَكتب اليازوري إِلَى الْمعز أما بعد فقد أنفذنا إِلَيْكُم خيولا فحولا وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهَا رجَالًا كهولا ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا
فشرهت الْعَرَب إِذْ ذَاك وعبروا النّيل إِلَى برقة فنزلوا بهَا واستباحوها
(2/165)

وافتتحوا أمصارها وأعجبتهم الْبِلَاد فَكَتَبُوا لإخوانهم الَّذين بقوا شَرْقي النّيل يرغبونهم فِي الْبِلَاد فأجازوا إِلَيْهِم بعد أَن أعْطوا للمستنصر لكل رَأس دينارين فَأخذ مِنْهُم أَضْعَاف مَا أَخَذُوهُ وتقارعوا على الْبِلَاد فَحصل لبني سليم شرقها ولبني هِلَال غربها ثمَّ انتشروا فِي أقطار أفريقية مثل الْجَرَاد لَا يؤمرون بِشَيْء إِلَّا أَتَوا عَلَيْهِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَلم تمر إِلَّا مُدَّة يسيرَة حَتَّى استولوا على ضواحي إفريقية ونازلوا أمصارها واقتضوا من أَهلهَا الإتاوة وحضروا ابْن باديس فِي مصره وصاهرهم ببناته تأليفا لَهُم وَمَعَ ذَلِك فَلم يجد شَيْئا والْحَدِيث فِي ذَلِك طَوِيل وَلَيْسَ تتبعه من غرضنا
قَالَ ابْن خلدون ولهؤلاء الهلاليين فِي الْحِكَايَة عَن دُخُولهمْ إِلَى إفريقية طرق يَزْعمُونَ أَن الشريف ابْن هَاشم كَانَ صَاحب الْحجاز وَمَكَّة ويسمونه شكر بن أبي الْفتُوح وَأَنه أصهر إِلَى الْحسن بن سرحان فِي أُخْته جازية فأنكحه إِيَّاهَا وَولدت مِنْهُ ولدا واسْمه مُحَمَّد وَإنَّهُ حدث بَينهم وَبَين الشريف الْمَذْكُور مغاضبة وفتنة فَأَجْمعُوا الرحلة عَن أَرض نجد إِلَى إفريقية وتحيلوا عَلَيْهِ فِي استرجاع أختهم جازية الْمَذْكُورَة فطالبته بزيارة أَبَوَيْهَا فأزارها إيَّاهُم وَخرج بهَا إِلَى حللهم وَأقَام مَعهَا مُدَّة الزِّيَارَة فارتحلوا بِهِ وَبهَا وكتموا رحلتهم عَنهُ وموهوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُم يباكرون بِهِ للصَّيْد والقنص وَيَرُوحُونَ بِهِ إِلَى بُيُوتهم بعد بنائها فَلم يشْعر بالرحلة إِلَى أَن فَارق مَوضِع ملكه وَصَارَ حَيْثُ لَا يملك أمرهَا عَلَيْهِم ففارقوه وَرجع إِلَى مَكَانَهُ من مَكَّة وَبَين جوانحه من حبها دَاء دخيل وَأَنَّهَا من بعد ذَلِك كلفت بِهِ مثل مَا كلف بهَا الى ان مَاتَت من حبه ويتناقلون من أَخْبَارهَا فِي ذَلِك مَا يعفي على خبر قيس وليلى ويروون كثيرا من أشعارها محكمَة المباني مثقفة الْأَطْرَاف وفيهَا المطبوع والمنتحل والمصنوع لم يفقد فِيهَا من البلاغة شَيْء وَإِنَّمَا فقد مِنْهَا الْإِعْرَاب فَقَط وَلَا مدْخل لَهُ فِي البلاغة
وَفِي هَذِه الْأَشْعَار شَيْء كثير دَخلته الصَّنْعَة وفقدت فِيهِ صِحَة الرِّوَايَة
(2/166)

فَلذَلِك لَا يوثق بِهِ وَلَو صحت رِوَايَته لكَانَتْ فِيهِ شَوَاهِد بآياتهم ووقائعهم مَعَ زناتة وحروبهم وَضبط لأسماء رجالاتهم وَكثير من أَحْوَالهم لَكنا لَا نثق بروايتها وَرُبمَا يشْعر الْبَصِير بالبلاغة بالمصنوع مِنْهَا وَغَيره وهم متفقون على الْخَبَر عَن حَال جازية هَذِه والشريف خلفا عَن سلف وجيلا عَن جيل ويكاد القادح فِيهَا والمستريب فِي أمرهَا أَن يرْمى عِنْدهم بالجنون لتواترها بَينهم
وَهَذَا الشريف الَّذِي يشيرون إِلَيْهِ هُوَ من الهواشم وَهُوَ شكر بن أبي الْفتُوح الْحسن بن جَعْفَر بن أبي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد الْأَكْبَر ابْن مُوسَى الثَّانِي ابْن عبد الله أبي الْكِرَام بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ
وَأَبُو الْفتُوح هُوَ الَّذِي خطب لنَفسِهِ بِمَكَّة أَيَّام الْحَاكِم العبيدي وَبَايع لَهُ بَنو الْجراح أُمَرَاء طيىء بِالشَّام وبعثوا عَنهُ فوصل إِلَى أحيائهم وَبَايع لَهُ كَافَّة الْعَرَب ثمَّ غلبتهم عَسَاكِر الْحَاكِم العبيدي وَرجع إِلَى مَكَّة وَهلك سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فولي بعده ابْنه شكر هَذَا وَهلك سنة ثَلَاث وَخمسين وَولي بعده ابْنه مُحَمَّد الَّذِي يزْعم هَؤُلَاءِ الهلاليون أَنه من جازية هَذِه
وَقَالَ ابْن حزم إِن شكر بن أبي الْفتُوح لم يُولد لَهُ قطّ وَإِنَّمَا صَار أَمر مَكَّة من بعده إِلَى عبد كَانَ لَهُ
وَقَالَ ابْن خلدون بل أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ من الهلاليين لهَذَا الْعَهْد أَنه وقف على بِلَاد الشريف شكر بن أبي الْفتُوح وَأَنَّهَا بقْعَة من أَرض نجد مِمَّا يَلِي الْفُرَات وَإِن وَلَده بهَا لهَذَا الْعَهْد وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن جازية بنت سرحان هَذِه كَانَت من بني دُرَيْد بن أثبج بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة فَهِيَ هلالية أثبجية دريدية وَمن مزاعمهم أَنَّهَا لما صَارَت إِلَى إفريقية وَفَارَقت الشريف ابْن هَاشم الْمَذْكُور خَلفه عَلَيْهَا مِنْهُم ماضي بن مقرب من رجالات دُرَيْد فأقامت
(2/167)

عِنْده مُدَّة ثمَّ غاضبته وَلَحِقت بأخيها الْحسن بن سرحان فَمنعهَا مِنْهُ فَقَامَتْ عشيرة ماضي بن مقرب مَعَه وقاتلوا الْحسن بن سرحان وعشيرته وثارت الْفِتْنَة بَينهم وَقتل فِيهَا الْحسن بن سرحان واستمرت الْعَدَاوَة بَينهم إِلَى أَيَّام الْمُوَحِّدين فَهَذَا سَبَب انْتِقَال هَؤُلَاءِ الْعَرَب من الْحجاز ونجد إِلَى إفريقية
وَأما سَبَب انتقالهم من إفريقية إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فقد ذكرنَا أَن بني سليم بن مَنْصُور وَبني هِلَال بن عَامر اقترعوا على بِلَاد إفريقية فَكَانَ لبني سليم شرقها ولبني هِلَال غربها ثمَّ تغلبُوا على ضواحيها وأمصارها وضايقوا مُلُوكهَا بهَا
وانضم إِلَى بني هِلَال بن عَامر بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر فعلت أَيْديهم على الْجَمِيع وَاسْتمرّ أَمرهم على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت دولة يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي رَحمَه الله وثار ابْن غانية بِبِلَاد إفريقية كَمَا تقدم فظاهرته الْعَرَب من جشم وهلال على الْمُوَحِّدين وأوقعوا بمقدمة الْمَنْصُور فَنَهَضَ إِلَيْهِم من تونس وأوقع بالملثمين أَولا ثمَّ بالعرب ثَانِيًا وَقل جمعهم وَاتبع آثَارهم إِلَى أَن شردهم إِلَى صحارى برقة وانتزع تِلْكَ الْبِلَاد من أَيْديهم ثمَّ راجعوا بصائرهم فَأتوهُ طائعين خاضعين حَسْبَمَا قدمنَا الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى
وَكَانَ الَّذين قَاتلُوهُ أَولا ثمَّ راجعوا طَاعَته ثَانِيًا هم قبائل هِلَال بن عَامر وجشم بن مُعَاوِيَة بن بكر كَمَا قُلْنَا وهم أَصْحَاب غرب إفريقية وَأما بَنو سليم بن مَنْصُور فَلم يقاتله مِنْهُم أحد فَلذَلِك بَقِي بَنو سليم بِأَرْض إفريقية
وَنقل الْمَنْصُور رَحمَه الله بني هِلَال وَبني جشم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى حِين أَتَوْهُ طائعين وَكَانَ ذَلِك سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَأنْزل قَبيلَة ريَاح من بني هِلَال بِبِلَاد الهبط فِيمَا بَين قصر كتامة الْمَعْرُوف بِالْقصرِ الْكَبِير إِلَى أزغار الْبَسِيط الأفيح هُنَاكَ إِلَى سَاحل الْبَحْر الْأَخْضَر فاستقروا بهَا وطاب لَهُم الْمقَام وَأنزل قبائل جشم بِلَاد تامسنا الْبَسِيط الأفيح مَا بَين سلا
(2/168)

ومراكش وَهُوَ أَوسط بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وأبعدها عَن الثنايا المفضية إِلَى القفار لإحاطة جبل الدَّرن بهَا فَلم ييمموا بعْدهَا قفرا وَلَا أبعدوا رحْلَة
وَاعْلَم أَن هذَيْن البسيطين يسميان الْيَوْم فِي عرف عَامَّة أهل الْمغرب بالغرب والحوز فالغرب عبارَة عَن بِلَاد الهبط وأزغار وَمَا فِي حكمهَا والحوز عبارَة عَن بِلَاد تامسنا وَمَا اتَّصل بهَا إِلَى مراكش فَكَانَ لرياح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ لجشم بِلَاد الْحَوْز
ثمَّ أعلم أَيْضا أَن قَبيلَة ريَاح هم بَنو ريَاح بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وهم بطُون كَثِيرَة وجلهم قد بَقِي بِأَرْض إفريقية وَالَّذين انتقلوا مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى كَانَ رئيسهم فِي ذَلِك الْعَصْر مَسْعُود بن سُلْطَان بن زِمَام الذوادي من بني ذواد بن مرداس بن ريَاح فَأَقَامَ مَعَهم مُدَّة ثمَّ جمع جمَاعَة من قومه وفر إِلَى إفريقية وَذَلِكَ فِي حُدُود التسعين وَخَمْسمِائة وأبدأ وَأعَاد هُنَالك فِي الإجلاب مَعَ الثوار إِلَى أَن هلك فِي بعض تِلْكَ الْمدَّة
وَأقَام الْبَاقُونَ بعد فرار كَبِيرهمْ مَسْعُود الْمَذْكُور بِبِلَاد الهبط وأزغار إِلَى أَن انقرضت دولة الْمُوَحِّدين وَكَانَ عُثْمَان بن نصر رئيسهم أَيَّام الْمَأْمُون الموحدي وَقَتله سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَلما تغلب بَنو مرين على ضواحي الْمغرب ضرب الموحدون على ريَاح هَؤُلَاءِ الْبَعْث مَعَ عساكرهم فَقَامُوا بحماية ضواحيهم وانضم إِلَيْهِم بَنو عَسْكَر بن مُحَمَّد المرينيون حِين خالفوا إخْوَانهمْ بني حمامة بن مُحَمَّد سلف الْمُلُوك مِنْهُم فَكَانَت بَين الْفَرِيقَيْنِ جَوْلَة قتل فِيهَا عبد الْحق بن محيو بن أبي بكر بن حمامة أَبُو الْمُلُوك المرينيين وَقتل مَعَه ابْنه إِدْرِيس فأوجدت ريَاح السَّبِيل لبني مرين على أنفسهم فِي طلب الثأر فأثخنوا فيهم بعد أَن ملكوا الْمغرب واستلحموهم قتلا وسبيا مرّة بعد أُخْرَى
وَكَانَ آخر من أوقع بهم السُّلْطَان أَبُو ثَابت المريني سنة سبع وَسَبْعمائة تتبعهم بِالْقَتْلِ إِلَى أَن لَحِقُوا برؤوس الهضاب وأسنمه الرِّبَا المتوسطة فِي
(2/169)

المرج المستبحر بأزغار فصاروا إِلَى عدد قَلِيل وَلَحِقُوا بالقبائل الغارمة وَذَهَبت ريَاح أدراج الرِّيَاح هَذَا خبرهم على الْجُمْلَة
وَأما بَنو جشم أَصْحَاب تامسنا فَإِن الْمَنْصُور لما نقلهم إِلَيْهَا نقل مَعَهم قبائل أُخْرَى كَانُوا قد قَاتلُوهُ مَعَهم وَلم يَكُونُوا ن نسبهم وَلَكنهُمْ كَانُوا مندرجين فيهم فَكَانَ يُطلق على الْجَمِيع جشم وَهَؤُلَاء الْقَبَائِل هم الْمُقدم والعاصم من بني هِلَال بن عَامر ثمَّ من الأثبج مِنْهُم وقرة من بني هِلَال أَيْضا والخلط من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر فَهَؤُلَاءِ الْقَبَائِل لَيْسُوا من جشم كَمَا ترى وَلَكنهُمْ لما انغمروا فيهم وانتقلوا إِلَى الْمغرب بانتقالهم أطلق على الْجَمِيع جشم
فَأَما الْمُقدم والعاصم فهما ابْنا مشرف بن أثبج بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَأما قُرَّة فهم بَنو قُرَّة بن عبد منَاف بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال فَهَؤُلَاءِ الْقَبَائِل الثَّلَاثَة أَعنِي الْمُقدم والعاصم وقرة هلاليون وَأما الْخَلْط فهم بطن من بني عقيل بِالتَّصْغِيرِ
قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ الْخَلْط بَنو عَوْف وَبَنُو مُعَاوِيَة ابْني المنتفق بن عَامر بن عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة الْمَذْكُور فِي الْأَنْسَاب الْمُتَقَدّمَة فقد بَان لَك بِهَذَا أَن هَذِه الْقَبَائِل الْأَرْبَع أَعنِي العاصم ومقدما وقرة والخلط لَيْسُوا من بني جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر من حَيْثُ النّسَب وَأَن الثَّلَاث الأول من بني هِلَال بن عَامر وَأَن الرَّابِعَة وَهِي الْخَلْط من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر يجْتَمع الْجَمِيع كَمَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَالله تَعَالَى أعلم
ولنتكلم الْآن على أَخْبَار جشم على الْجُمْلَة فَنَقُول لما نزل بَنو جشم ببسيط تامسنا أَقَامُوا بِهِ بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ تميز جمهورهم إِلَى العاصم ومقدم وَبني جَابر وسُفْيَان والخلط
فَأَما مقدم والعاصم فَكَانُوا مَعَ إخْوَانهمْ ببسيط تامسنا الْمَذْكُور وَكَانَ
(2/170)

للموحدين عَلَيْهِم عسكرة وجباية وَكَانَ شيخ العاصم لعهد الْمُوَحِّدين ثمَّ عهد الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور مِنْهُم حسن بن زيد وَكَانَ لَهُ أثر فِي الْفِتْنَة الَّتِي ثارت بَين الْمَأْمُون وَبَين يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
وَلما هلك يحيى الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَمر الرشيد بن الْمَأْمُون بقتل حسن بن زيد الْمَذْكُور مَعَ قَائِد وقائد ابْني عَامر من شُيُوخ بني جَابر كل مِنْهُمَا اسْمه قَائِد فَقتلُوا جَمِيعًا
ثمَّ صَارَت الرياسة لأبي عياد وبنيه وَكَانَ رئيسهم لعهد بني مرين عياد بن أبي عياد وَكَانَ لَهُ تلون على الدولة فِي النفرة تَارَة والاستقامة أُخْرَى فر إِلَى تلمسان وَرجع مِنْهَا أَعْوَام تسعين وسِتمِائَة وفر إِلَى السوس وَرجع مِنْهُ سنة سبع وَسَبْعمائة وَلم يزل هَذَا دأبه وَكَانَت لَهُ ولَايَة مَعَ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني من قبل ذَلِك ومقاماته فِي الْجِهَاد مَعَه مَذْكُورَة وَبقيت رياسته فِي بنيه إِلَى أَن انقرض أَمرهم وتلاشوا وَالله خير الْوَارِثين
وَأما بَنو جَابر بن جشم فَكَانَت لَهُم شَوْكَة أَيْضا وَكَانَ لَهُم أثر فِي الْفِتْنَة الناشئة بَين الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور وَيحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور فَكَانُوا شيعَة ليحيى وَلما ولي الرشيد بن الْمَأْمُون أَمر بقتل قَائِد وقائد ابْني عَامر وهما يَوْمئِذٍ شَيخا بني جَابر فقتلا وَقتل مَعَهم حسن بن زيد شيخ العاصم كَمَا تقدم وَكَانُوا جَمِيعًا معتقلين عِنْد الرشيد
وَولي أَمر بني جَابر بعدهمَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن قيطون ثمَّ قبض عَلَيْهِ قَائِد الْمُوَحِّدين أَبُو الْحسن بن يَعْلُو وَكَانَ ذَلِك بِأَمْر أبي حَفْص المرتضى الموحدي وَولي رياسة بني جَابر بعده إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب بن قيطون ثمَّ تحيز بَنو جَابر هَؤُلَاءِ عَن أَحيَاء جشم إِلَى سفح الْجَبَل بتادلا وَمَا إِلَيْهَا يجاورون هُنَالك صناكة من البربر الساكنين بقنته وهضابه فيسهلون إِلَى الْبَسِيط تَارَة ويأوون إِلَى الْجَبَل فِي حلف البربر وجوارهم أُخْرَى إِذا دهمتهم مَخَافَة من السُّلْطَان
(2/171)

قَالَ ابْن خلدون والرياسة فيهم لهَذِهِ العصور يَعْنِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّامِنَة فِي ورديغة من بطونهم قَالَ أدْركْت شَيخا عَلَيْهِم لعهد السُّلْطَان أبي عنان حُسَيْن بن عَليّ الورديغي ثمَّ هلك وأقيم مقَامه ابْنه النَّاصِر بن حُسَيْن وَلحق بهم الْوَزير الْحسن بن عمر عِنْد نزوعه عَن السُّلْطَان أبي سَالم المريني سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة ونهضت إِلَيْهِم عَسَاكِر السُّلْطَان فأمكنوا مِنْهُ ثمَّ لحق بهم أَبُو الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم عِنْد فراره من مراكش سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ونازله السُّلْطَان عبد العزيز المريني وأحاط بِهِ وبهم فلحق ببرابرة صناكة ثمَّ أمكنوا مِنْهُ على مَال حمل إِلَيْهِم وَلحق بهم أثْنَاء هَذِه الْفِتَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن المريني على عهد الْوَزير عمر بن عبد الله المتغلب على الْمغرب وَطَلَبه الْوَزير عمر فأخرجوه عَنْهُم وَطَالَ بذلك مراس النَّاصِر هَذَا للفتنة فنكرته الدولة وتقبضت عَلَيْهِ وأودعته السجْن فَمَكثَ فِيهِ سِنِين ثمَّ تجافت عَنهُ الدولة من بعد ذَلِك وأطلقته ثمَّ رَجَعَ من الْمشرق فتقبض عَلَيْهِ الْوَزير أَبُو بكر بن غَازِي المستبد بالمغرب على ولد السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأودعه السجْن ونقلوا الرياسة عَن بَيته إِلَى غَيرهم وَالله تَعَالَى مُقَلِّب الْأُمُور
وَقد يزْعم كثير من النَّاس أَن ورديغة من بني جَابر لَيْسُوا من جشم وَأَنَّهُمْ بطن من بطُون سدراته إِحْدَى شعوب لواتة من البربر ويستدلون على ذَلِك بموطنهم وجوارهم البربر وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك
وَأما سُفْيَان فهم الَّذين كَانَت لَهُم الرياسة والشوكة عِنْد دُخُول الْعَرَب إِلَى الْمغرب كَانَت رياستهم يَوْمئِذٍ فِي أَوْلَاد جرمون على سَائِر بطُون جشم واستمروا على ذَلِك سَائِر أَيَّام الْمُوَحِّدين وَلما ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن استكثروا بهم فِي حروبهم فَكَانَت لَهُم عزة ودالة على الدولة بِسَبَب الْكَثْرَة وَقرب الْعَهْد بالبداوة وخبوا وَوَضَعُوا فِي الْفِتَن مَعَ أعقاب الْمُلُوك من بني عبد الْمُؤمن المتنازعين على الْملك وظاهروا الْبَعْض مِنْهُم على الْبَعْض وَسَاءَتْ آثَارهم بالمغرب وَكَانَ شيخهم الْمَشْهُور على عهد يحيى بن النَّاصِر الموحدي
(2/172)

جرمون بن عِيسَى السفياني وَكَانَت بَينهم وَبَين الْخَلْط عَدَاوَة فَصَارَت الْخَلْط شيعَة لِلْمَأْمُونِ وبنيه وَصَارَت سُفْيَان بِسَبَب ذَلِك شيعَة ليحيى بن النَّاصِر مُنَازعَة فِي الْخلَافَة بمراكش ثمَّ قتل الرشيد ن الْمَأْمُون مَسْعُود بن حمدَان شيخ الْخَلْط رُبمَا نذْكر بعد فصاروا إِلَى يحيى بن النَّاصِر وَصَارَت سُفْيَان إِلَى الرشيد
ثمَّ ظهر بَنو مرين بالمغرب واتصلت حروبهم مَعَ الْمُوَحِّدين وَنزع جرمون سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عَن الرشيد وَلحق بِمُحَمد بن عبد الْحق المريني حَيَاء مِمَّا وَقع لَهُ مَعَ الرشيد وَذَلِكَ أَنه نادمه ذَات لَيْلَة حَتَّى سكر فَقَامَ يرقص طَربا ثمَّ حمل عَلَيْهِ وَهُوَ سَكرَان وعربد وأساء الْأَدَب ثمَّ أَفَاق فندم وفر إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْحق وَهلك سنة تسع وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وَعلا كَعْب ابْنه كانون بن جرمون عِنْد السعيد بن الْمَأْمُون ثمَّ خَالف عَلَيْهِ عِنْد نهوضه إِلَى بني مرين سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَرجع إِلَى آزمور فملكها وفت ذَلِك فِي عضد السعيد فَرجع عَن حركته وَقصد كانون بن جرمون ففر أَمَامه ثمَّ حضر مَعَه بعد ذَلِك حركته إِلَى تلمسان وَقتل بحصن تامزردكت قبل مقتل السعيد بِيَوْم وَاحِد قتلته الْخَلْط فِي فتْنَة وَقعت بَينهم فِي محلّة السعيد وَهِي الَّتِي جرت عَلَيْهَا تِلْكَ الْوَاقِعَة
وَقَامَ بِأَمْر سُفْيَان من بعده أَخُوهُ يَعْقُوب بن جرمون وَقتل ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن كانون وَحضر مَعَ عمر المرتضى الموحدي حَرَكَة أَمَان أيملولين سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَرَحل يَعْقُوب عَن السُّلْطَان واختل عسكره بِسَبَب ذَلِك فَرجع وَاتبعهُ بَنو مرين فَكَانَت الْهَزِيمَة ثمَّ عَفا لَهُ المرتضى عَنْهَا ثمَّ قَتله مَسْعُود وَعلي ابْنا أَخِيه كانون بثأر أخيهما مُحَمَّد سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة ولحقا بِيَعْقُوب بن عبد الْحق المريني وَقدم المرتضى ابْنه عبد الرَّحْمَن فعجز عَن الْقيام بأَمْره فَقدم عَمه عبد الله بن جرمون فعجز أَيْضا فَقدم مَسْعُود بن كانون فَأَقَامَ شَيخا على سُفْيَان واستمرت حَالهم مَعَ الْمُوَحِّدين وَبني مرين على هَذَا النَّحْو من إخلاص الطَّاعَة والنصرة تَارَة والتمريض فيهمَا أُخْرَى
(2/173)

وَقَالَ ابْن خلدون واتصلت الرياسة على سُفْيَان فِي بني جرمون هَؤُلَاءِ إِلَى عهدنا قَالَ وَأدْركت شَيخا عَلَيْهِم لعهد السُّلْطَان أبي عنان يَعْقُوب بن عَليّ بن مَنْصُور بن عِيسَى بن يَعْقُوب بن جرمون بن عِيسَى
وَكَانَت سُفْيَان هَؤُلَاءِ أَحيَاء حلوا بأطراف تامسنا مِمَّا يَلِي آسفي وغلبتهم الْخَلْط على بسائطها الفسيحة وَبَقِي من أحيائهم الْحَارِث والكلابة ينتجعون أَرض السوس وقفاره وَيطْلبُونَ ضواحي بِلَاد حاحة من المصامدة فَبَقيت فيهم لذَلِك شدَّة وبأس ورياستهم فِي أَوْلَاد مُطَاع من الْحَارِث وَطَالَ عيثهم فِي ضواحي مراكش وإفسادهم فَلَمَّا استبد سُلْطَان مراكش الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن المريني سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة كَمَا نذْكر استخلصهم وَرفع مَنْزِلَتهمْ ثمَّ استقدمهم فِي بعض أَيَّامه للعرض بخيلهم ورجلهم على الْعَادة وشيخهم يَوْمئِذٍ مَنْصُور بن يعِيش من أَوْلَاد مُطَاع فتقبض عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقتل من قتل مِنْهُم وأودع الآخرين سجونه فَذَهَبُوا مثلا لآخرين وخضضت شوكتهم وَالله قَادر على مَا يَشَاء
وَأما الْخَلْط فقد كَانُوا ببسيط تامسنا أولي عدد وَقُوَّة وَكَانَ شيخهم هِلَال بن حميدان بن مقدم وَلما ولي الْعَادِل بن الْمَنْصُور الموحدي خالفوا عَلَيْهِ وهزموا عساكره وَبعث هِلَال بيعَته إِلَى الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَتَبعهُ الموحدون على ذَلِك ثمَّ جَاءَ الْمَأْمُون فظاهروه على أمره وتحيزت أعداؤهم إِلَى يحيى بن النَّاصِر منازعه وَلم يزل هِلَال بن حميدان مَعَ الْمَأْمُون الى أَن هلك فِي حركته سنته وَبَايع بعده لِابْنِهِ الرشيد وَجَاء بِهِ إِلَى مراكش وَهزمَ سُفْيَان واستباحهم ثمَّ هلك هِلَال بن حميدان فولي مَكَانَهُ أَخُوهُ مَسْعُود بن حميدان ثمَّ خَالف على الرشيد فاحتال الرشيد عَلَيْهِ حَتَّى وَفد عَلَيْهِ بمراكش فَقتله فِي جمَاعَة من قومه سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَولي أَمر الْخَلْط بعده يحيى بن هِلَال وفر بقَوْمه إِلَى يحيى بن النَّاصِر وحاصروا مراكش ثمَّ استولوا عَلَيْهَا وعاثوا فِيهَا وَخرج
(2/174)

الرشيد إِلَى سجلماسة ثمَّ عَاد إِلَيْهِم سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وغلبهم عَلَيْهَا ثمَّ راجعوا طَاعَة الرشيد وطردوا يحيى بن النَّاصِر إِلَى بني معقل عرب الصَّحرَاء فتقبض الرشيد على وشاح وَعلي ابْني هِلَال وسجنهم بآزمور سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ثمَّ أطلقهُم ثمَّ بعد ذَلِك غدر بمشيختهم بعد الاستدعاء والتأنيس وقتلهم أَجْمَعِينَ ثمَّ بعد ذَلِك حَضَرُوا مَعَ السعيد بن الْمَأْمُون حركته إِلَى بني عبد الواد أَصْحَاب تلمسان وجروا عَلَيْهِ الْوَاقِعَة حَتَّى قتل فِيهَا بِسَبَب فتنتهم مَعَ سُفْيَان يَوْمئِذٍ فَلم يزل المرتضى يعْمل الْحِيلَة فيهم إِلَى أَن تقبض على أَشْيَاخهم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة فَقَتلهُمْ وَلحق عواج بن هِلَال بن حميدان ببني مرين وَقدم المرتضى عَلَيْهِم عَليّ بن أبي عَليّ من بَيت الرياسة فيهم ثمَّ رَجَعَ عواد إِلَى الْمُوَحِّدين سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة فأغزاه عَليّ بن أبي عَليّ فَقتل فِي غزاته تِلْكَ
ثمَّ كَانَت وَاقعَة أم الرجلَيْن لبني مرين على المرتضى سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة فَنزع عَليّ بن أبي عَليّ إِلَى بني مرين ثمَّ صَار الْخَلْط كلهم إِلَى بني مرين وَكَانَت الرياسة فيهم أول دولة بني مرين لأبي عَطِيَّة مهلهل بن يحيى الخلطي وأصهر إِلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق فأنكحه مهلهل ابْنَته عَائِشَة الَّتِي كَانَ مِنْهَا ابْنه السُّلْطَان أَبُو سعيد بن يَعْقُوب وَلم يزل مهلهل كَبِيرا عَلَيْهِم إِلَى أَن هلك سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ بِأَمْر الْخَلْط ابْنه عَطِيَّة وَكَانَ لعهد السُّلْطَان أبي سعيد وَابْنه السُّلْطَان أبي الْحسن وَبَعثه السُّلْطَان أَبُو الْحسن سفيرا عَنهُ إِلَى سُلْطَان مصر الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون
وَلما هلك عَطِيَّة قَامَ بِأَمْر الْخَلْط ابْنه عِيسَى بن عَطِيَّة ثمَّ ابْن أَخِيه رمام بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة وَهُوَ الَّذِي بلغ المبالغ من الْعِزّ والترف والدالة على السُّلْطَان والقرب من مَجْلِسه إِلَى أَن هلك فولي أَمر الْخَلْط بعده أَخُوهُ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ أخوهما سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم ثمَّ أخوهم مبارك بن
(2/175)

إِبْرَاهِيم على مثل حَالهم أَيَّام السُّلْطَان أبي عنان المريني وَمن بعده إِلَى أَن كَانَت الْفِتْنَة بالمغرب بعد مهلك السُّلْطَان أبي سَالم المريني وَاسْتولى على الْمغرب أَخُوهُ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأقطع ابْنه نَاحيَة مراكش فَكَانَ إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة هَذَا مَعَه
وَلما تقبض على أبي الْفضل تقبض على مبارك الْمَذْكُور وأودع السجْن إِلَى أَن غلب السُّلْطَان عبد الْعَزِيز على عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وَقَتله فَقتل مَعَه مبارك بن إِبْرَاهِيم هَذَا لما كَانَ يعرف بِهِ من صحبته ومداخلته فِي الْفِتَن كَمَا يذكر فِي أَخْبَار بني مرين وَولي ابْنه مُحَمَّد بن مبارك على قبيل الْخَلْط
قَالَ ابْن خلدون إِلَّا أَن الْخَلْط الْيَوْم دثرت كَأَن لم تكن بِمَا أَصَابَهُم من الخصب والترف مُنْذُ مِائَتَيْنِ من السنين بذلك الْبَسِيط الأفيح زِيَادَة على الْعِزّ والدعة فأكلتهم السنون وَذهب بهم الترف وَالله غَالب على أمره أه
وَلما انقرضت الدولة المرينية من الْمغرب وَجَاءَت دولة الشرفاء السعديين وَقَامَ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَعْرُوف بالمهدي انحاشت الْخَلْط إِلَيْهِ وأظهروا الْخدمَة والنصيحة وَغلب مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور على فاس وَأخرج أَبَا حسون الوطاسي عَنْهَا فَذهب أَبُو حسون الْمَذْكُور إِلَى دولة التّرْك بالجزائر واستنصر بهم على السعديين فلبوا دَعوته وَقدم مَعَه مِنْهُم عَسْكَر جرار إِلَى فاس فأخرجوا مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ عَنْهَا بعد حروب عَظِيمَة جرت الْخَلْط هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ فِيهَا الْهَزِيمَة فَلَمَّا اسْتَقل بِالْأَمر مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور خلع الْخَلْط من الجندية ووظف عَلَيْهِم الْخراج ومحا اسمهم من ديوَان الْخدمَة وَنقل أعيانهم إِلَى مراكش واتخذهم رهائن عِنْده
وَلم يزل الْأَمر كَذَلِك إِلَى دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور
(2/176)

السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي فَرَأى جلاد الْخَلْط وقتالهم يَوْم وَادي المخازن وإبلاءهم الإبلاء الْحسن فَاخْتَارَ النّصْف مِنْهُم وردهم إِلَى الجندية وَأبقى النّصْف الآخر فِي غمار الرّعية ونقلهم إِلَى أزغار فاستوطنوه فعاثوا فِي تِلْكَ الْبِلَاد وَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد ومدوا أَيْديهم إِلَى أَوْلَاد مُطَاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إِلَى الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فَضرب عَلَيْهِم مغرما سبعين ألفا فَلم يزِيدُوا إِلَّا شدَّة فَضرب عَلَيْهِم بعثا إِلَى تكرارين من أَرض الصَّحرَاء فامتنعوا من ذَلِك فَبعث إِلَيْهِم الْقَائِد مُوسَى بن أبي جمادة الْعمريّ فَانْتزع مِنْهُم الْخَيل وأبقاهم رجالة ثمَّ حكم فيهم السَّيْف فمزقهم كل ممزق وَمن ثمَّ خمدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم ثمَّ ختموا أَعْمَالهم بفعلتهم الشنعاء الَّتِي مَلَأت الأفواه وأسالت من الجفون الأمواه وَهِي قَتلتهمْ ولي الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَبَا عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد اليعاشي الْمَالِكِي رَحمَه الله فَمَا زلنا نسْمع أَن قَبيلَة الْخَلْط إِنَّمَا سلبوا الْعِزّ مُنْذُ قَتلهمْ للْوَلِيّ الْمَذْكُور وَكَانَ ذَلِك فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن بني معقل عرب الصَّحرَاء من أَرض الْمغرب وَتَحْقِيق نسبهم وَبَيَان شعوبهم وبطونهم

قَالَ ابْن خلدون هَذَا الْقَبِيل لهَذَا الْعَهْد من أوفر قبائل الْعَرَب ومواطنهم بقفار الْمغرب الْأَقْصَى مجاورون لني عَامر من زغبة الهلاليين فِي مواطنهم بقبلة تلمسان وينتهون إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط من جِهَة الغرب وَهِي ثَلَاثَة بطُون ذَوي عبيد الله وَذَوي مَنْصُور وَذَوي حسان
فذوي عبيد الله مِنْهُم هم المجاورون لبني عَامر ومواطنهم بَين تلمسان وتاوريرت فِي التل وَمَا يواجهها من الْقبْلَة ومواطن ذَوي مَنْصُور من تاوريرت إِلَى بِلَاد درعة فيستولون على ملوية كلهَا إِلَى سجلماسة وعَلى درعة وَمَا يحاذيها من التل مثل تازا وغساسة ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمعدن
(2/177)

ومواطن ذَوي حسان من درعة إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَينزل شيوخهم بِلَاد بَوْل قَاعِدَة السوس فيستولون على السوس الْأَقْصَى وَمَا إِلَيْهِ وينتجعون كلهم فِي الرمال إِلَى مَوَاطِن الملثمين من كدالة ومسوفة ولمتونة
وَكَانَ دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب مَعَ الهلاليين فِي عدد قَلِيل يُقَال إِنَّهُم لم يبلغُوا الْمِائَتَيْنِ واعترضتهم بَنو سليم فأعجزوهم وتحيزوا إِلَى الهلالين مُنْذُ عهد قديم ونزلوا بآخر مواطنهم مِمَّا يَلِي ملوية ورمال تافيلالت وجاوروا زناتة فِي القفار فعفوا وكثروا وأثروا فِي صحارى الْمغرب الْأَقْصَى فغمروا رماله وتقلبوا فِي فيافيه وَكَانُوا هُنَالك أحلافا لزناتة سَائِر أيامهم وَبَقِي مِنْهُم بإفريقية جمع قَلِيل اندرجوا فِي جملَة بني كَعْب بن سليم وداخلوهم حَتَّى كَانُوا وزراء لَهُم فِي الِاسْتِخْدَام للسُّلْطَان واستئلاف الْعَرَب فَلَمَّا ملكت زناتة بِلَاد الْمغرب ودخلوا إِلَى الْأَمْصَار والمدن أَقَامَ بَنو معقل هَؤُلَاءِ فِي القفار وتفردوا فِي الْبَيْدَاء فنموا نموا لاكفاء لَهُ وملكوا قُصُور الصَّحرَاء الَّتِي اختطها زناتة بالقفر مثل قُصُور السوس غربا ثمَّ توات ثمَّ بودة ثمَّ تمنطيت ثمَّ واركلان ثمَّ تاسبيبت ثمَّ تيكرارين شرقا وكل وَاحِدَة من هَذِه وَطن مُنْفَرد يشْتَمل على قُصُور عديدة ذَات نخيل وأنهار وَأكْثر سكانها من زناتة وَبينهمْ فتن وحروب على رياستها فحازت عرب معقل هَذِه الأوطان فِي مجالاتهم وَوَضَعُوا عَلَيْهَا الإتاوات والضرائب وَصَارَت لَهُم جباية يعتدون فِيهَا ملكا
وَكَانُوا فِي تِلْكَ الْمدَّة السالفة يُعْطون الصَّدقَات لملوك زناتة ويأخذونهم بالدماء والطوائل ويسمونها جمل الرحيل وَكَانَ لَهُم الْخِيَار فِي تَعْيِينهَا وَلم يكن هَؤُلَاءِ الْعَرَب يحْمُونَ من أَطْرَاف الْمغرب وتلوله حمى وَلَا يعرضون لسابلة سجلماسة وَلَا غَيرهَا من بِلَاد الصَّحرَاء بأذية وَلَا مَكْرُوه لما كَانَ بالمغرب من اعتزاز الدّين وسد الثغور وَكَثْرَة الحامية أَيَّام الْمُوَحِّدين وزناتة من بعدهمْ
وَكَانَ لَهُم بِإِزَاءِ ذَلِك أقطاع من الدول يمدون إِلَى أَخذه الْيَد السُّفْلى
(2/178)

وعددهم قَلِيل كَمَا قُلْنَا وَإِنَّمَا كَثُرُوا بِمن اجْتمع إِلَيْهِم من الْقَبَائِل من غير نسبهم فَإِن فيهم من فَزَارَة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر وَفِيهِمْ من أَشْجَع بن ريث بن غطفان أَحيَاء كَبِيرَة يظغنون مَعَ بني معقل بجهات سجلماسة ووادي ملوية وَلَهُم عدد وَذكر وَفِيهِمْ الصَّباح من الْأَخْضَر وَيَقُولُونَ إِنَّهُم من ولد أَخْضَر بن عَامر وعامر هَذَا هُوَ وَالله أعلم من ولد ريَاح الهلاليين وَفِيهِمْ المهاية من عِيَاض إِحْدَى بطُون الأثبج الهلاليين وَفِيهِمْ العمور من الأثبج أَيْضا وَفِيهِمْ بطُون أخر من بني هِلَال وَبني سليم وَغَيرهَا
وَأما أنسابهم عِنْد الْجُمْهُور فخفية ومجهولة والنسابون من عرب هِلَال يعدونهم من بطونهم وَهُوَ غير صَحِيح وهم أَعنِي بني معقل يَزْعمُونَ أَن نسبهم فِي أهل الْبَيْت إِلَى جَعْفَر بن أبي طَالب وَلَيْسَ ذَلِك أَيْضا بِصَحِيح لِأَن الطالبيين والهاشميين لم يَكُونُوا أهل بادية ونجعة
هَكَذَا ذكر ابْن خلدون لكنه لم تكلم على جُهَيْنَة إِحْدَى بطُون قضاعة وَذكر أَنهم نزلُوا بِلَاد الصَّعِيد وملؤوها قَالَ وَنزل مَعَهم فِي تِلْكَ المواطن من أسوان إِلَى قوص بَنو جَعْفَر بن أبي طَالب حِين غلبهم بَنو الْحسن على نواحي الْمَدِينَة وأخرجوهم مِنْهَا فهم يعْرفُونَ بَينهم بالشرفاء الجعافرة ويحترفون فِي غَالب أَحْوَالهم بِالتِّجَارَة اه كَلَامه فعلى هَذَا لَا يبعد أَن تكون طَائِفَة من هَؤُلَاءِ الجعافرة قد انتقلوا من ارْض الصَّعِيد ودخلوا مَعَ بني هِلَال الى بِلَاد الْمغرب وأوطنوا صحراءه وهم بَنو معقل المذكورون وَالنَّاس مصدقون فِي أنسابهم وَالله تَعَالَى أعلم بحقائق الْأُمُور
ثمَّ قَالَ ابْن خلدون وَالصَّحِيح وَالله أعلم من أَمرهم أَنهم من عرب الْيمن فَإِن فِي الْيمن بطنين يُسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا معقل ذكرهمَا ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيره فأحدهما من قضاعة بن مَالك بن حمير وَهُوَ معقل بن
(2/179)

كَعْب بن عليم بن جناب وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى قضاعة وَالْآخر من بني الْحَارِث بن كَعْب أَصْحَاب نَجْرَان الَّذين كَانَ مِنْهُم بَنو عبد المدان مُلُوك نَجْرَان فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَهُوَ معقل بن كَعْب بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى كهلان قَالَ والأنسب أَن يَكُونُوا من هَذَا الْبَطن الآخر وَقد عده الإخباريون فِي بطُون هِلَال الداخلين إِلَى إفريقية لمجاورتهم فِي الوطن قَالَ وَمن إملاء نسابهم أَن معقلا جدهم لَهُ من الْوَلَد سجير وَمُحَمّد فولد سجير عبيد الله وثعلب فَمن عبيد الله ذَوي عبيد الله الْبَطن الْكَبِير مِنْهُم وَمن ثَعْلَب الثعالبة الَّذين كَانُوا ببسيط متيجة من نواحي الجزائر وَولد مُحَمَّد مُخْتَارًا ومنصورا وجلالا وسالما وَعُثْمَان فولد مُخْتَار بن مُحَمَّد حسان وشبانة فَمن حسان ذَوي حسان الْبَطن الْمَذْكُور أهل السوس الْأَقْصَى وَمن شبانة الشبانات جيرانهم هُنَالك وَمن جلال وَسَالم وَعُثْمَان الرقيطات بادية فِي ذَوي حسان ينتجعون مَعَهم وَولد مَنْصُور بن مُحَمَّد حُسَيْنًا وَأَبا الْحُسَيْن وهما شقيقان وَعمْرَان ومنبا وهما شقيقان أَيْضا وهما الأحلاف وَيُقَال لعمران العمرانية ولمنبا المنبات ثمَّ يُقَال لجَمِيع الْبُطُون الْأَرْبَعَة ولد مَنْصُور بن مُحَمَّد ذَوي مَنْصُور وهم إِحْدَى بطونهم الثَّلَاث الْمَذْكُورَة وَالله تَعَالَى أعلم بغيبه
فَهَذِهِ أصُول عرب الْمغرب الْأَقْصَى وَكَيْفِيَّة دُخُولهمْ إِلَيْهِ واستيطانهم إِيَّاه وَبَعض فصولهم قد ذَكرنَاهَا ملخصة من تَارِيخ إِمَام الْفَنّ أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون وَمن جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ حزم وزدنا مَا يحْتَاج مِنْهَا إِلَى الْبَيَان بَيَانا وَالله تَعَالَى الْمُوفق
ولنرجع إِلَى مَا كُنَّا بسبيله من أَخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله فَإِنَّهُ لما رَجَعَ من إفريقية إِلَى مراكش سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة رفع إِلَيْهِ أَن أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا حَفْص صَاحب مرسية الملقب بالرشيد وَعَمه السَّيِّد أَبَا الرّبيع صَاحب تادلا عِنْدَمَا بلغهما خبر الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت على مُقَدّمَة
(2/180)

الْمَنْصُور بإفريقية حَدثا أَنفسهمَا بالتوثب على الْخلَافَة فَلَمَّا قدما عَلَيْهِ بالتهنئة أَمر باعتقالهما خلال مَا استملأ أَمرهمَا ثمَّ قَتلهمَا وَعقد للسَّيِّد أبي الْحسن ابْن السَّيِّد أبي حَفْص على بجاية وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة شرع الْمَنْصُور فِي إِدْخَال ساقية المَاء إِلَى مراكش ثمَّ تاقت نَفسه إِلَى الْجِهَاد فَكَانَ مِنْهُ مَا نذكرهُ
الْجَوَاز الأول ليعقوب الْمَنْصُور رَحمَه الله إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد

قَالَ ابْن أبي زرع وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة تحرّك أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى الأندلس برسم غَزْو بِلَاد غربها وَهِي أولى غَزَوَاته فَعبر من قصر الْمجَاز إِلَى الخضراء يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ نَهَضَ من الخضراء حَتَّى نزل شنترين وَشن الغارات على مَدِينَة أشبونة وأنحائها فَقطع الثِّمَار وَحرق الزروع وَقتل وسبا وأضرم النيرَان فِي الْقرى وأبلغ فِي النكاية وَانْصَرف إِلَى العدوة بِثَلَاثَة عشر ألفا من السَّبي فَدخل فاسا فِي آخر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة
مراسلة السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب صَاحب مصر ليعقوب الْمَنْصُور رحمهمَا الله والتماسه مِنْهُ الأساطيل للْجِهَاد

كَانَت الفرنج قد ملكوا سواحل الشَّام فِي آخر الدولة العبيدية مُنْذُ تسعين سنة قبل هَذَا التَّارِيخ وملكوا مَعهَا بَيت الْمُقَدّس شرفه الله فَلَمَّا استولى السُّلْطَان صَلَاح الدّين رَحمَه الله على ديار مصر وَالشَّام اعتزم على جهادهم وَصَارَ يفتح حصونها وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى أَتَى على جَمِيعهَا
(2/181)

وافتتح بَيت الْمُقَدّس سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَهدم الْكَنِيسَة الَّتِي بنواحيه وَانْقَضَت أُمَم النَّصْرَانِيَّة من كل جِهَة وَتَتَابَعَتْ أساطيلهم الكفرية بالمدد من كل نَاحيَة لتِلْك الثغور الْقَرِيبَة من بَيت الْمُقَدّس واعترضوا أسطول صَلَاح الدّين فِي الْبَحْر وَلم تقاومهم أساطيل الْإسْكَنْدَريَّة لِضعْفِهَا يَوْمئِذٍ عَن ممانعتهم فَبعث صَلَاح الدّين صَرِيحَة إِلَى الْمَنْصُور سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِطَلَب إعانته بالأساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس الشَّام وأوفد عَلَيْهِ أَبَا الْحَارِث عبد الرَّحْمَن بن منقذ من بَيت بني منقذ مُلُوك شيزر من حصون الشَّام وَكَانَ صَلَاح الدّين قد ملكهَا من أَيْديهم وَأبقى عَلَيْهِم فِي دولته فَبعث صَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن هَذَا إِلَى يَعْقُوب الْمَنْصُور طَالبا مدد الأساطيل لتحول فِي الْبَحْر بَين أساطيل الفرنج وَبَين أَمْدَاد النَّصْرَانِيَّة بِالشَّام ولمنازلة الثغور الَّتِي ذكرنَا
وَبعث مَعَه إِلَى الْمَنْصُور بهدية تشْتَمل على مصحفين كريمين منسوبين وَمِائَة دِرْهَم من دهن البلسان وَعشْرين رطلا من الْعود وسِتمِائَة مِثْقَال من الْمسك والعنبر وَخمسين قوسا عَرَبِيَّة بأوتارها وَعشْرين من النصول الْهِنْدِيَّة وسروج عدَّة مثقلة فوصل إِلَى الْمغرب فصادف الْمَنْصُور بالأندلس فانتظره بفاس إِلَى أَن رَجَعَ فَلَقِيَهُ وَأدّى الرسَالَة وَقدم الْهَدِيَّة
وَكَانَ الْكتاب الَّذِي بعث بِهِ صَلَاح الدّين من إنْشَاء الأديب عبد الرَّحِيم البيسني الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ عنوان الْكتاب من صَلَاح الدّين إِلَى أَمِير الْمُسلمين وَفِي أَوله الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى يُوسُف بن أَيُّوب وَبعده الْحَمد لله الَّذِي اسْتعْمل على الْملَّة الحنيفة من استعمر الأَرْض وأغنى من أَهلهَا من سَأَلَهُ الْقَرْض وأجرى من أجْرى على يَده النَّافِلَة وَالْفَرْض وزين سَمَاء الْملَّة بدراري الذَّرَارِي الَّتِي بَعْضهَا من بعض وَهُوَ كتاب طَوِيل
(2/182)

وَلما وقف عَلَيْهِ الْمَنْصُور وَرَأى تجافيهم فِيهِ عَن خطابه بأمير الْمُؤمنِينَ لم يُعجبهُ ذَلِك وأسرها فِي نَفسه وَحمل الرَّسُول على مناهج الْبر والكرامة ورده إِلَى مرسله وَلم يجبهُ إِلَى حَاجته وَيُقَال إِنَّه جهز لَهُ بعد ذَلِك مائَة وَثَمَانِينَ أسطولا وَمنع النَّصَارَى من سواحل الشَّام وَالله تَعَالَى أعلم
قَالَ ابْن خلدون وَفِي هَذَا دَلِيل على اخْتِصَاص مُلُوك الْمغرب يَوْمئِذٍ بالأساطيل الجهادية وَعدم عناية الدول بِمصْر وَالشَّام لذَلِك الْعَهْد بهَا وَكَانَ ابْن منقذ الْمَذْكُور قد مدح الْمَنْصُور بقصيدة يَقُول فِيهَا
(سأشكر بحرا ذَا عباب قطعته ... إِلَى بَحر جود مَا لأخراه سَاحل)
(إِلَى مَعْدن التَّقْوَى إِلَى كعبة الندى ... إِلَى من سمت بِالذكر مِنْهُ الْأَوَائِل)
(إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم تزل ... إِلَى بابك المأمول تزجي الرَّوَاحِل)
(قطعت إِلَيْك الْبر وَالْبَحْر موقنا ... بِأَن نداك الْغمر بالنجح كافل)
(وحزت بقصديك العلى فبلغتها ... وَأدنى عطاياك العلى والفواضل)
(فَلَا زلت للعلياء والجود بانيا ... تبلغك الآمال مَا أَنْت آمل)
وعدتها أَرْبَعُونَ بَيْتا فَأعْطَاهُ بِكُل بَيت ألفا وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا أعطيناك لفضلك ولبيتك يَعْنِي لَا لأجل صَلَاح الدّين
عود الْمَنْصُور إِلَى إفريقية وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما قدم الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى فاس وَفرغ من شَأْن ابْن منقذ تَوَاتَرَتْ إِلَيْهِ الْأَخْبَار بِأَن ابْن غانية قد ظهر بإفريقية فَنَهَضَ إِلَيْهَا من فاس فِي ثامن شعْبَان من تِلْكَ السّنة فَدخل تونس فِي أول ذِي الْقعدَة مِنْهَا فَألْقى بِلَاد
(2/183)

إفريقية سَاكِنة وَقد فر ابْن غانية عَنْهَا إِلَى الصَّحرَاء حِين سمع بقدومه
وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة استولى الفرنج على مَدِينَة شلب وباجة ويابورة من غرب الأندلس وَذَلِكَ لما علمُوا أَن الْمَنْصُور قد أبعد عَنْهُم واشتغل بِأَمْر إفريقية فاغتنموا الفرصة فِيهَا واتصل الْخَبَر بالمنصور فَغَاظَهُ ذَلِك وأعظمه وَكتب إِلَى قواد الأندلس يوبخهم وَيَأْمُرهُمْ بغزو بِلَاد الفرنج وَيُعلمهُم أَنه قادم عَلَيْهِم فِي أثر كِتَابه فَاجْتمع قواد الأندلس إِلَى مُحَمَّد بن يُوسُف وَالِي قرطبة فَخرج بهم فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَالْعرب وَأهل الأندلس حَتَّى نزل على شلب فَشدد عَلَيْهَا الْحصار وتابع عَلَيْهَا الْقِتَال حَتَّى فتحهَا وَفتح قصر أبي دانس ومدينة باجة ويابورة وَرجع إِلَى قرطبة فَدَخلَهَا بِخَمْسَة عشر ألفا من السَّبي وَثَلَاثَة آلَاف أَسِير قدمهم بَين يَدَيْهِ فِي القطائن خَمْسُونَ علجا فِي كل قطينة وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وَفِي هَذَا الشَّهْر رَجَعَ الْمَنْصُور من إفريقية فَانْتهى إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي فاتح محرم من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَهِي سنة آكرواو خرج الْمَنْصُور من تلمسان إِلَى فاس وَهُوَ مَرِيض فَكَانَ يركب فِي آكرواو فَدخل فاسا وَأقَام بهَا مَرِيضا سَبْعَة أشهر حَتَّى أبل من علته ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد وَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
(2/184)

الْغَزْوَة الْكُبْرَى بالأرك من بِلَاد الأندلس

قَالَ ابْن خلكان كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله قد خافه الفنش صَاحب طليطلة وَسَأَلَهُ الصُّلْح فَصَالحه إِلَى خمس سِنِين فَلَمَّا انْقَضتْ مُدَّة الْهُدْنَة وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل خرجت طَائِفَة من الفرنج فِي جَيش كثيف إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فنهبوا وَسبوا وعاثوا عيثا فظيعا فَانْتهى الْخَبَر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَهُوَ بمراكش فتجهز لقصدهم فِي جَيش عَرَمْرَم من قبائل الْمُوَحِّدين وَالْعرب واحتفل فِي ذَلِك وَعبر الْبَحْر إِلَى الأندلس سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة واتصل بالفرنج عبوره إِلَيْهِم فَجمعُوا خلقا كثيرا من أقْصَى بِلَادهمْ وأدانيها وَأَقْبلُوا نَحوه
قَالَ ابْن خلكان وَقد رَأَيْت بِدِمَشْق جُزْء بِخَط الشَّيْخ الْحَافِظ تَاج الدّين عبد الله بن حموية السَّرخسِيّ وَكَانَ قد سَافر إِلَى مراكش وَأقَام بهَا مُدَّة وَكتب فصولا تتَعَلَّق بِتِلْكَ الدولة فَمن ذَلِك فصل يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْوَقْعَة فَيَنْبَغِي ذكره هَهُنَا
قَالَ لما انْقَضتْ الْهُدْنَة بَين أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَبَين الأذفونش الفرنجي صَاحب غرب جَزِيرَة الأندلس وَقَاعِدَة مَمْلَكَته يَوْمئِذٍ طليطلة وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة تسعين وَخَمْسمِائة عزم يَعْقُوب الْمَنْصُور وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمراكش على التَّوَجُّه إِلَى جَزِيرَة الأندلس لمحاربة الفرنج وَكتب إِلَى وُلَاة الْأَطْرَاف وقواد الجيوش بالحضور وَخرج إِلَى مَدِينَة سلا ليَكُون اجْتِمَاع العساكر بظاهرها فاتفق أَنه مرض مَرضا شَدِيدا حَتَّى يئس مِنْهُ أطباؤه فتوقف الْحَال عَن تَدْبِير تِلْكَ الجيوش وَحمل يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى مراكش وَهُوَ مَرِيض فطمع المجاورون لَهُ من الْعَرَب وَغَيرهم فِي الْبِلَاد وعاثوا فِيهَا وأغاروا على النواحي والأطراف وَكَذَلِكَ فعل الأذفونش فِيمَا يَلِيهِ من بِلَاد الْمُسلمين بالأندلس وَاقْتضى الْحَال تَفْرِقَة الجيوش الَّتِي جمعهَا يَعْقُوب الْمَنْصُور شرقا وغربا وَاشْتَغلُوا بالمدافعة والممانعة فَكثر طمع الأذفونش
(2/185)

فِي الْبِلَاد وَبعث رَسُولا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور يهدد ويتوعد وَيطْلب بعض الْحُصُون المتاخمة لَهُ من بِلَاد الأندلس وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة من إنْشَاء وَزِير لَهُ من ضعفاء الْمُسلمين يعرف بِابْن الفخار وَهِي بِاسْمِك اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض وَصلى الله على السَّيِّد الْمَسِيح روح الله وكلمته الرَّسُول الفصيح أما بعد فَإِنَّهُ لَا يخفى على ذِي ذهن ثاقب وَلَا ذِي عقل لازب إِنَّك أَمِير الْملَّة الحنيفية كَمَا أَنِّي أَمِير الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وَقد علمت الْآن مَا عَلَيْهِ رُؤَسَاء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال أَمر الرّعية وإخلادهم إِلَى الرَّاحَة وَأَنا أسومهم بِحكم الْقَهْر وخلاء الديار وأسبي الذَّرَارِي وأمثل بِالرِّجَالِ وَلَا عذر لَك فِي التَّخَلُّف عَن نَصرهم إِذا أمكنتك يَد الْقُدْرَة وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الله فرض عَلَيْكُم قتال عشرَة منا بِوَاحِد مِنْكُم فَالْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا وَنحن الْآن نُقَاتِل عشرَة مِنْكُم بِوَاحِد منا لَا تَسْتَطِيعُونَ دفاعا وَلَا تَمْلِكُونَ امتناعا وَقد حُكيَ لي عَنْك أَنَّك أخذت فِي الاحتفال وأشرفت على ربوة الْقِتَال وتماطل نَفسك عَاما بعد عَام تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى فَلَا أَدْرِي أَكَانَ الْجُبْن قد أَبْطَأَ بك أم التَّكْذِيب بِمَا وعد رَبك ثمَّ قيل لي إِنَّك لَا تَجِد إِلَى جَوَاز الْبَحْر سَبِيلا لعِلَّة لَا يسوغ لَك التقحم مَعهَا وَهَا أَنا أَقُول لَك مَا فِيهِ الرَّاحَة لَك وأعتذر لَك وعنك على أَن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرِّهَان وَترسل إِلَيّ جملَة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات وأجوز بجملتي إِلَيْك فأقاتلك فِي أعز الْأَمَاكِن لديك فَإِن كَانَت لَك فغنيمة كَبِيرَة جلبت إِلَيْك وهدية عَظِيمَة مثلت بَين يَديك وَإِن كَانَت لي كَانَت يَدي الْعليا عَلَيْك واستحققت إِمَارَة الملتين وَالْحكم على البرين وَالله تَعَالَى يوفق للسعادة ويسهل الْإِرَادَة لَا رب غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره
فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور مزقه وَكتب على ظهر قِطْعَة مِنْهُ وَكَانَ الْمَنْصُور يضْرب بِهِ الْمثل فِي حسن التوقيع كَمَا يَأْتِي فِي بَقِيَّة أخباره {ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة}
(2/186)

وهم صاغرون) ثمَّ كتب الْجَواب مَا ترى لَا مَا تسمع فَهُوَ أول من تكلم بِهِ فَأرْسلهُ مثلا وَأنْشد متمثلا
(وَلَا كتب إِلَّا المشرفية والقنى ... وَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرمرم)
ثمَّ أَمر بالإستنفار واستدعاء الجيوش من الْأَمْصَار وَضرب السرادقات بِظَاهِر الْبَلَد من يَوْمه وَجمع العساكر وَسَار إِلَى الْبَحْر الْمَعْرُوف بزقاق سبتة يُرِيد الأندلس
وَقَالَ ابْن أبي زرع خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور من حَضْرَة مراكش يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة يولي السّير ويطوي المناهل وَلَا يلوي على فَارس وَلَا راجل والجيوش تتَابع فِي أَثَره من سَائِر الأقطار فَلَمَّا انْتهى إِلَى قصر الْمجَاز أَخذ فِي إجَازَة الجيوش الْوَارِدَة عَلَيْهِ لَا يفرغ من طَائِفَة إِلَّا وَقد لحقت بهَا أُخْرَى فَأجَاز أَولا قبائل الْعَرَب ثمَّ زناتة ثمَّ المصامدة ثمَّ غمارة ثمَّ المتطوعة من قبائل الْمغرب ثمَّ الأغزاز وَالرُّمَاة ثمَّ الموحدون ثمَّ العبيد ثمَّ أجَاز أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَثَرهم فِي موكب عَظِيم من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَأهل النجدة والزعامة وَمَعَهُ فُقَهَاء الْمغرب وصلحاؤه وَاسْتقر بالجزيرة الخضراء بعد صَلَاة الْجُمُعَة الموفي عشْرين من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا
ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْعَدو قبل أَن تخمد قرائح الْمُجَاهدين وتضعيف نياتهم فَسَار حَتَّى بَقِي بَينه وَبَين حصن الأرك الَّذِي كَانَ الْعَدو نازلا بإزائه نَحْو مرحلَتَيْنِ فَنزل هُنَالك وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثَالِث شعْبَان من السّنة فَجمع النَّاس ذَلِك الْيَوْم وفاوضهم ووعظهم ثمَّ اخْتصَّ أهل الأندلس بمزيد المشورة وَقَالَ لَهُم إِن جَمِيع من استشرته وَإِن كَانُوا أولي بَأْس وَمَعْرِفَة بِالْحَرْبِ لكِنهمْ لَا يعْرفُونَ من قتال الفرنج مَا تعرفونه أَنْتُم لتمرسكم بهم وتمرسهم بكم فأحالوه فِي الرَّأْي على الْقَائِد أبي عبد الله بن صَنَادِيد فعول الْمَنْصُور رَحمَه الله فِي ذَلِك على رَأْيه
(2/187)

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور رَحمَه الله عرض جَيْشه وَأخذ فِي تقريب الْقرب الى الله تَعَالَى بَين يَدي جهاده فسرح السجون وأدر الأرزاق وَعين الصَّدقَات ورحل فَنزل الأرك وَقد خيمت بأحوازه محلات الْعَدو يضيق عَنْهَا المتسع وَقَامَ الْمَنْصُور بعد أَن اجْتمع النَّاس فتحلل من الْمُسلمين وَقَالَ أَيهَا النَّاس اغفروا لي فِيمَا عَسى أَن يكون صدر مني فبكي النَّاس وَقَالُوا مِنْكُم يطْلب الرضى والغفران وخطب الخطباء بَين يَدَيْهِ محرضين ومذكرين فنشط النَّاس وَطَابَتْ النُّفُوس وَمن الْغَد صدع الْمَنْصُور بالنداء وَأمر بِأخذ السِّلَاح والبروز إِلَى اللِّقَاء فَكَانَت التعبئة تَحت الْغَلَس
وَحكى ابْن أبي زرع أَن الْمَنْصُور بَات تِلْكَ اللَّيْلَة عاكفا بمصلاه على الرُّكُوع وَالسُّجُود وَإنَّهُ أغفى إغفاءه فَرَأى ملكا نزل من السَّمَاء فِي صُورَة بشر وَبِيَدِهِ راية خضراء وبشره بِالْفَتْح وأنشده فِي ذَلِك أبياتا بقيت على ذكر الْمَنْصُور إِلَى أَن اسْتَيْقَظَ وقص رُؤْيَاهُ على وُجُوه الْجند فازداد النَّاس طمأنينة وبصيرة
فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت خَامِس شعْبَان جلس الْمَنْصُور فِي قُبَّته الْحَمْرَاء الْمعدة للْجِهَاد ثمَّ دَعَا بكبير وزرائه الشَّيْخ أبي يحيى بن أبي حَفْص وَقدمه على ذَلِك الْجَيْش وَعقد لَهُ رايته وَقدمه بَين يَدَيْهِ فرفرفت على رَأسه الرَّايَات وقرعت بَين يَدَيْهِ الطبول وَسَار فِي قبيل هنتاتة وَبَين يَدَيْهِ الْقَائِد ابْن صَنَادِيد فِي جَيش الأندلس ثمَّ عقد الْمَنْصُور لجرمون بن ريَاح على قبائل الْعَرَب ولمنديل بن عبد الرَّحْمَن المغراوي على قبائل مغراوة ولمحيو بن أبي بكر بن حمامة المريني جد الْمُلُوك المرينيين على قبائل بني مرين ولجابر بن يُوسُف العَبْد الْوَادي على قبائل بني عبد الواد ولعباس بن عَطِيَّة التوجيني على قبائل بني توجين ولتلجين بن عَليّ على قبائل هسكورة وَسَائِر المصامدة ولمحمد بن منغفاد على قبائل غمارة وَعقد للفقيه الصَّالح أبي خزر يخلف بن خزر الأوربي على المتطوعة
(2/188)

وَقَالَ ابْن خلدون إِن الَّذِي كَانَ على المتطوعة يَوْمئِذٍ هُوَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وَالْكل إِلَى نظر الشَّيْخ أبي يحيى بن أبي حَفْص وَبَقِي الْمَنْصُور رَحمَه الله فِي جَيش الْمُوَحِّدين وَالْعَبِيد وَأمر الشَّيْخ أَبَا يحيى بالرحيل والتقدم أَمَامه إِلَى جِهَة الْعَدو
وَكَانَ الْمَنْصُور قد ضفر مَعَ ابْن صَنَادِيد من الرَّأْي أَن يبْقى هُوَ مُتَأَخِّرًا فِي الْمُوَحِّدين وَالْعَبِيد والجشم على مَسَافَة يخفى بهَا عَن أعين الْعَدو وَيقدم الشَّيْخ أَبَا يحيى بِبَعْض الرَّايَات والطبول فِي هَيْئَة السُّلْطَان فَيلقى الْعَدو فَإِن كَانَت للْمُسلمين فَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِن كَانَت عَلَيْهِم كَانَ الْمَنْصُور ردأ لَهُم ثمَّ يسْتَأْنف الْقِتَال مَعَ الْعَدو وَقد انفل حَده ولانت شوكته
فَسَار الشَّيْخ أَبُو يحيى على هَذَا التَّرْتِيب وَابْن صَنَادِيد أَمَامه فِي فرسَان الأندلس وحماتها فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو يحيى إِذا أقلع بجيشه عَن مَوضِع صباحا خَلفه الْمَنْصُور فِيهِ بجيشه مسَاء حَتَّى أشرف الشَّيْخ أَبُو يحيى على جموع الفرنج وَهِي يَوْمئِذٍ إِلَى جنب حصن الأرك وَيُقَال الأركو بِزِيَادَة الْوَاو فِي آخِرَة قد ضربت أخبيتها على ربوة عالية ذَات مهاو وأحجار كبار قد مَلَأت السهل والوعر وَنزل الشَّيْخ أَبُو يحيى بجيشه فِي الْبَسِيط ضحوة يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع من شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَعند ابْن خلكان أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس قَالَ واقتفى الْمَنْصُور فِي ذَلِك طَريقَة أَبِيه وجده فَإِنَّهُم أَكثر مَا كَانُوا يصافون يَوْم الْخَمِيس ومعظم حركاتهم فِي صفر فعبأ الشَّيْخ أَبُو يحيى عساكره تعبئة الْحَرْب وَعقد الرَّايَات لأمراء الْقَبَائِل وأوقف كل قَبيلَة فِي مركزها الَّذِي عين لَهَا فَجعل عَسْكَر الأندلس فِي الميمنة وَجعل زناتة والمصامدة وَالْعرب وَسَائِر قبائل الْمغرب فِي المسيرة وَجعل المتطوعة والأغزاز وَالرُّمَاة فِي الْمُقدمَة وَبَقِي هُوَ فِي الْقلب فِي قَبيلَة هنتاتة
وَلما أَخذ النَّاس مراكزهم من حومة الْقِتَال خرج جرمون بن ريَاح يمشي فِي صُفُوف الْمُسلمين ويحضهم على الثَّبَات وَالصَّبْر وبينما النَّاس
(2/189)

على ذَلِك إِذْ انفصلت من جيوش الْعَدو كَتِيبَة عَظِيمَة من نَحْو عشرَة آلَاف فَارس كلهم مدجج فِي الْحَدِيد وَكَانَت هَذِه الكتيبة هِيَ شَوْكَة ذَلِك الْجَيْش وَحده كَانَ الفنش لَعنه الله قد انتخبهم وصلت أقسته عَلَيْهِم صَلَاة النَّصْر ورشوهم بِمَاء المعمودية وتحالفوا عِنْد الصلبان أَن لَا يبرحوا حَتَّى يقتلُوا الْمُسلمين أَو يهْلكُوا دونهم فَلَمَّا برزت هَذِه الكتيبة نَادَى مُنَادِي الشَّيْخ أبي يحيى معشر الْمُسلمين اثبتوا فِي مَصَافكُمْ وَأَخْلصُوا لله تَعَالَى ينتكم وأذكروا الله عز وَجل فِي قُلُوبكُمْ وبرز عَامر الزعيم من أُمَرَاء الْعَرَب فحض النَّاس على الصَّبْر وثبتهم وحملت كَتِيبَة الْعَدو حَتَّى اندقت رماح الْمُسلمين فِي صُدُور خيلها أَو كَادَت ثمَّ تقهقرت قَلِيلا ثمَّ عاودت الحملة فَكَانَت كالأولى ثمَّ تهيأت للحملة الثَّالِثَة فَدفعت حَتَّى خالطت صُفُوف الْمُسلمين وخلص الْبَعْض مِنْهَا إِلَى الشَّيْخ أبي يحيى يطنونه الْمَنْصُور فاستشهد رَحمَه الله بعد مَا أحسن الْبلَاء وَقَاتل قتالا شَدِيدا وَاسْتشْهدَ مَعَه جمَاعَة من الْمُسلمين من هنتاتة والمتطوعة وَغَيرهم وَسمي بَنو الشَّيْخ أبي يحيى ببني الشَّهِيد وَعرفُوا بِهِ من يَوْمئِذٍ وأظلم الجو بالغبار واختلطت الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَانْفَرَدَ كل قرن بقرنه وَأَقْبَلت الْعَرَب والمتطوعة فأحاطوا بالكتيبة الَّتِي دفعت إِلَى الشَّيْخ أبي يحيى وزحفت زناتة والمصامدة وغمارة إِلَى الربوة الَّتِي فِيهَا الفنش وجموعه وَكَانَت على مَا قيل تنيف على ثَلَاثمِائَة ألف بَين فَارس وراجل فتوغل الْمُسلمُونَ فِي تِلْكَ الأوعار إِلَيْهِم وخالطوهم بهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَال واستحر الْقَتْل فِي الكتيبة الَّتِي دفعت أَولا وَانْقَضَت عَلَيْهِم الْعَرَب والمتطوعة وهنتاتة فطحنوهم طحنا وانكسرت شَوْكَة الفنش بهلاكهم إِذْ كَانَ اعْتِمَاده ومعوله عَلَيْهِم
وأسرعت خيل من الْعَرَب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور فأعلموه بِأَن الله تَعَالَى قد فل شَوْكَة الْعَدو وأشرف على الإنهزام فَعندهَا أَمر الْمَنْصُور بالرايات فَرفعت وبالطبول فقرعت وَرفع الْمُسلمُونَ أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ وتسابقوا لقِتَال الْعَدو وخفقت البنود وزحف أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحْو المعركة
(2/190)

فَلم يرع الفنش اللعين إِلَّا الرَّايَات قد أَقبلت تخفق من كل جِهَة وزعقات الطبول والأبواق وأصوات الْمُجَاهدين بِالتَّكْبِيرِ قد زلزلت الأَرْض فَقَالَ مَا هَذَا فَقيل هَذَا الْمَنْصُور قد أقبل فِي جَيْشه وَمَا قَاتلك سَائِر الْيَوْم إِلَّا طلائعه ومقدماته فقذف الله الرعب فِي قلبه وخشعت نفوس جموعه وزلزلت بهم الأَرْض زِلْزَالهَا فَوَلوا الأدبار لَا يلوون على شَيْء وأسعدهم يَوْمئِذٍ من وجد فِي فرسه بَقِيَّة تنجيه وأتبعهم الْمُسلمُونَ يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وأحاط بَعضهم بحصن الْأَرَاك يظنون أَن الفنش قد تحصن بِهِ وَكَانَ عَدو الله قد دخل على بَاب وَخرج على آخر من النَّاحِيَة الْأُخْرَى واقتحم الْمُسلمُونَ الْحصن عنْوَة وأضرموا النيرَان فِي أبوابه واحتووا على جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ وَفِي محلّة الْعَدو من الْأَمْوَال والذخائر وأنواع السِّلَاح الَّتِي تفوت الْحصْر
وقلا ابْن خلدون كَانَ مُلُوك الفرنج الَّذين قَاتلُوا الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة ابْن أذفونش وَابْن الرند والبيبوج قَالَ واعتصم فَلهم بحصن الأرك وَكَانُوا خَمْسَة آلَاف من زعمائهم فاستنزلهم الْمَنْصُور على حكمه حَتَّى فودي بهم عَددهمْ من الْمُسلمين
وَفِي القرطاس أَن عدد أُسَارَى الأرك كَانُوا أَرْبَعَة وَعشْرين ألفا فَمن عَلَيْهِم الْمَنْصُور وأطلقهم قَالَ فعز ذَلِك على جَمِيع الْمُوَحِّدين وَسَائِر الْمُسلمين وعدت للمنصور سقطة من سقطات الْمُلُوك
وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَت الدائرة يَوْم الأرك أَولا على الْمُسلمين ثمَّ عَادَتْ على الفرنج وانهزموا أقبح هزيمَة وَكَانَ عدد من قتل من الفرنج أَزِيد من مائَة ألف وغنم الْمُسلمُونَ مِنْهُم شَيْئا كثيرا فَمن الْخيام مائَة ألف وَثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن الْخَيل سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَقيل ثَمَانُون ألفا وَمن البغال مائَة ألف وَمن الْحمير أَرْبَعمِائَة ألف
قَالَ فِي نفح الطّيب جَاءَ بهَا الْكفَّار لحمل أثقالهم لأَنهم لَا إبل لَهُم قَالَ وَأما الْجَوَاهِر وَالْأَمْوَال فَلَا تحصى وَبيع الْأَسير بدرهم وَالسيف
(2/191)

بِنصْف دِرْهَم وَالْفرس بِخَمْسَة دَرَاهِم وَالْحمار بدرهم وَقسم الْمَنْصُور الْغَنَائِم بَين الْمُسلمين بِمُقْتَضى الشَّرْع كَذَا فِي نفح الطّيب
وَفِي كَامِل ابْن الْأَثِير أَن يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله نَادَى فِي عسكره من غنم شَيْئا فَهُوَ لَهُ سوى السِّلَاح وأحصى مَا حمل إِلَيْهِ مِنْهُ فَكَانَ زِيَادَة على سبعين ألف لبس وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو عشْرين ألفا
ثمَّ تقدم الْمَنْصُور بجيوشه إِلَى بِلَاد الفرنج وَأخذ يخرب المدن والقرى وَيفتح الْحُصُون والمعاقل وَيقتل وَيَسْبِي ويأسر حَتَّى وصل إِلَى جبل سُلَيْمَان ثمَّ ثنى عنانة رَاجعا وَقد أمتلأت أَيدي الْمُسلمين من الْغَنَائِم وَلم يُعَارضهُ من الفرنج معَارض حَتَّى وصل الى إشبيلية فاستقر بهَا
وَأما الفنش فَإِنَّهُ لما انهزم وصل إِلَى طليطلة فِي أَسْوَأ حَال فحلق رَأسه ولحيته ونكس صليبه وَركب حمارا وَأقسم أَن لَا يركب فرسا وَلَا بغلا وَلَا ينَام على فرَاش وَلَا يقرب النِّسَاء حَتَّى تنصر النَّصْرَانِيَّة فَجمع جموعا عَظِيمَة وَبلغ الْخَبَر بذلك الى الْمَنْصُور فَبعث الى بِلَاد الْمغرب مراكش وَغَيرهَا يستنفر النَّاس من غير إِكْرَاه فَأَتَاهُ من المتطوعة والمرتزقة جمع عَظِيم ثمَّ نَهَضَ إِلَى الفنش فَالْتَقوا فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَانْهَزَمَ الفرنج هزيمَة قبيحة وغنم الْمُسلمُونَ مَا مَعَهم من الْأَمْوَال وَالسِّلَاح وَالدَّوَاب وَغَيرهَا
ثمَّ تقدم الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة طليطلة فحاصرها وقاتلها قتالا شَدِيدا وَقطع أشجارها وَشن الغارات على مَا حولهَا من الْبِلَاد وَفتح فِيهَا عدَّة حصون مثل قلعة رَبَاح ووادي الْحِجَارَة ومجريط وجبل سُلَيْمَان وأفليج وَكثير من أحواز طليطلة
ثمَّ ارتحل عَن طليطلة إِلَى مَدِينَة طلمنكة فَدَخلَهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ فَقتل الْمُقَاتلَة وسبا النِّسَاء والذرية وغنم أموالها وَهدم أسوارها وأضرم النيرَان فِي جوانبها وَتركهَا قاعا صفصفا
وثنى عنانه إِلَى إشبيلية فَدَخلَهَا غرَّة صفر سنة ثَلَاث وَتِسْعين
(2/192)

وَخَمْسمِائة فَرفع إِلَيْهِ فِي القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد الْمَعْرُوف بالحفيد مقالات نسب فِيهَا إِلَى الْمَرَض فِي دينه ومعتقده وَكَانَ أحد فلاسفة الْإِسْلَام وَرُبمَا ألفى بَعْضهَا بِخَط يَده فحبس ثمَّ أطلق وأشخص إِلَى مراكش وَبهَا كَانَت وَفَاته رَحمَه الله
ثمَّ خرج الْمَنْصُور من إشبيلة غازيا بِلَاد ابْن أذفونش فَسَار حَتَّى احتل بِسَاحَة طليطلة وبغله أَن صَاحب برشلونة قد أمد ابْن أذفونش بعساكره وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا بحصن مجريط فَنَهَضَ إِلَيْهِم وَلما أطل عَلَيْهِم انفضت جموع ابْن أذفونش من قبل الْقِتَال ثمَّ انكفأ الْمَنْصُور رَاجعا إِلَى إشبيلية
ثمَّ اجْتمع مُلُوك الفرنج وَأَرْسلُوا يطْلبُونَ الصُّلْح فأجابهم إِلَيْهِ وصالحهم على مُدَّة خمس سِنِين بعد أَن كَانَ عَازِمًا على الِامْتِنَاع مرِيدا لملازمة الْجِهَاد إِلَى أَن يفرغ مِنْهُم فَأَتَاهُ خبر عَليّ بن إِسْحَاق المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية وَأَنه دخل إفريقية وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا ففت ذَلِك فِي عزمه وصالحهم على الْمدَّة الَّتِي ذكرنَا
وَعقد على إشبيلية للسَّيِّد أبي زيد بن الْخَلِيفَة وعَلى مَدِينَة بطليوس للسَّيِّد أبي الرّبيع ابْن السَّيِّد أبي حَفْص وعَلى الْمغرب للسَّيِّد أبي عبد الله بن السَّيِّد أبي حَفْص ثمَّ عبر الْبَحْر إِلَى الْمغرب فوصل إِلَى مراكش فِي شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَفِي نفح الطّيب أَن يَعْقُوب الْمَنْصُور لما حاصر طليطلة وضيق عَلَيْهَا وَلم يبْق إِلَّا فتحهَا خرجت إِلَيْهِ وَالِدَة الأذفونش وَبنَاته ونساؤه وبكين بَين يَدَيْهِ وسألنه إبْقَاء الْبَلَد عَلَيْهِنَّ فرق لَهُنَّ وَمن عَلَيْهِنَّ بِهِ ووهب لَهُنَّ من الْأَمْوَال والجواهر مَا جلّ وردهن مكرمات وَعَفا بعد الْقُدْرَة وَالله تَعَالَى أعلم
لَطِيفَة قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ الْحَاتِمِي رَحمَه الله فِي كتاب الفتوحات المكية مَا نَصه وَلَقَد كنت بِمَدِينَة فاس سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وعساكر الْمُوَحِّدين قد عبرت إِلَى الأندلس لقِتَال الْعَدو حِين
(2/193)

استفحل أمره على الْإِسْلَام فَلَقِيت رجلا من رجال الله وَلَا أزكى على الله أحدا وَكَانَ من أخص أودائي فَسَأَلَنِي مَا تَقول فِي هَذَا الْجَيْش هَل يفتح لَهُ وينصر فِي هَذِه السّنة أم لَا فَقلت لَهُ مَا عنْدك فِي ذَلِك فَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد ذكره فِي كِتَابه ووعد نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْفَتْح فِي هَذِه السّنة وَبشر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك فِي كِتَابه الَّذِي أنزلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله {إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا} فموضع الْبُشْرَى فتحا مُبينًا من غير تكْرَار الْألف فَإِنَّهَا لإِطْلَاق الْوُقُوف فِي تَمام الْآيَة فَانْظُر أعدادها بِحِسَاب الْجمل فَنَظَرت فَوجدت الْفَتْح يكون فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ثمَّ جزت إِلَى الأندلس وَقد نصر الله جَيش الْمُسلمين وَفتح الله بِهِ قلعة رَبَاح والأركو وكركرا وَمَا انضاف إِلَى هَذِه القلاع من الولايات هَذَا عاينته من الْفَتْح مِمَّن هَذِه صفته فَأخذت للفاء ثَمَانِينَ وللتاء أَرْبَعمِائَة وللحاء الْمُهْملَة ثَمَانِيَة وللألف وَاحِد وللميم أَرْبَعِينَ وللباء اثْنَيْنِ وللياء عشرَة وللنون خمسين وَأما الْألف فقد أَخذ عَددهَا وَكَانَ الْمَجْمُوع إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَهِي سنو الْهِجْرَة إِلَى هَذِه السّنة فَهَذَا من الْفَتْح الإلهي لهَذَا الشَّخْص انْتهى
ذكر مَا شيده الْمَنْصُور رَحمَه الله من الْآثَار بالمغرب والأندلس

كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله لما عزم عى الْمسير إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد أوصى إِلَى نوابه ووكلائه بِبِنَاء قَصَبَة مراكش والاعتناء بتشييد قُصُورهَا فَمن آثاره الْبَاقِيَة بهَا إِلَى الْآن بَابهَا الْمَعْرُوف بِبَاب أكناور وَلَا مزِيد على ضخامته وارتفاعه وَأمرهمْ بِبِنَاء الْجَامِع الْأَعْظَم بهَا الْمَنْسُوب إِلَيْهِ إِلَى الْيَوْم وتشييد مناره الماثل بِهِ ومنار جَامع الكتبيين الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الِارْتفَاع وَعظم الهيكل قَالَ ابْن سعيد طول صومعة الكتبيين بمراكش مائَة ذِرَاع وَعشر أَذْرع
(2/194)

وَلما اجتاز الْمَنْصُور فِي سَفَره هَذَا بِأَرْض سلا أَمر أَيْضا بِبِنَاء مَدِينَة رِبَاط الْفَتْح فأسست سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وأكمل سورها وَركبت أَبْوَابهَا وَأمر بِبِنَاء الْمَسْجِد الْأَعْظَم بطالعة سلا ومدرسة الجوفية مِنْهُ قَالَ صَاحب الرَّوْض المعطار كَانَ يعْمل فِي بنائِهِ وَنقل حجارته وترابه سَبْعمِائة أَسِير من أُسَارَى الفرنج فِي قيودها وَأمر بِبِنَاء جَامع حسان ومناره الْأَعْظَم الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الضخامة وَحسن الصَّنْعَة قَالُوا وَلم يتم بِنَاؤُه
وَلما فرغ الْمَنْصُور من وقْعَة الأرك واحتل بِمَدِينَة إشبيلية أَخذ فِي إتْمَام بِنَاء جَامعهَا الْأَعْظَم وتشييد مناره المشاكل للمنارين الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ ثَالِثَة الأثافي بِالنِّسْبَةِ لَهما بل قيل إِنَّه لَيْسَ فِي بِلَاد الْإِسْلَام منار أعظم مِنْهُ وَعمل لهَذَا الْمنَار تفافيح من أَمْلَح مَا يكون قَالَ فِي القرطاس بلغت من الْعظم إِلَى مَا لَا يعرف قدره إِلَّا أَن الْوُسْطَى مِنْهَا لم تدخل على بَاب الْمنَار حَتَّى قلعت الرخامة من أَسْفَله وزنة العمود الَّذِي ركبت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ ربعا من الْحَدِيد وَكَانَ الَّذِي صنعها ورفعها فِي أَعلَى الْمنَار الْمَذْكُور الْمعلم أَبُو اللَّيْث الصّقليّ وموهت تِلْكَ التفافيح بِمِائَة ألف دِينَار ذَهَبا
وَلما كمل جَامع إشبيلية وَصلى فِيهِ أَمر بِبِنَاء حصن البرج على وَادي إشبيلية وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار عبد الْمُؤمن أَنه هدم أسوار مَدِينَة فاس وَأَن حافده الْمَنْصُور هَذَا شرع فِي بنائها ثمَّ أتمهَا ابْنه النَّاصِر من بعده
وَلما رَجَعَ الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى مراكش وجد كل مَا أَمر بِهِ من البناءات قد تمّ على أكمل حَال واحسنه مثل القصبة والقصور وَالْجَامِع والصوامع وَأنْفق على ذَلِك كُله من أَخْمَاس الْغَنَائِم وَكَانَ قد تغير على الوكلاء والصناع الَّذين توَلّوا بِنَاء ذَلِك لِأَنَّهُ سعى إِلَيْهِ بِأَنَّهُم احتجنوا الْأَمْوَال وصنعوا للجامع سَبْعَة أَبْوَاب على عدد أَبْوَاب جَهَنَّم فَلَمَّا دخله الْمَنْصُور وَتَطوف بِهِ أعجبه فَسَأَلَ عَن عدد أبوابه فَقيل إِنَّهَا سَبْعَة أَبْوَاب وَالثَّامِن هُوَ الَّذِي دخل مِنْهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْمَنْصُور عِنْد ذَلِك لَا بَأْس بالغالي إِذا قيل حسن
(2/195)

وَاتخذ الْمَنْصُور رَحمَه الله فِي جَامعه هَذَا لمصلاه بِهِ مَقْصُورَة عَجِيبَة كَانَت مُدبرَة بحيل هندسية بِحَيْثُ تنصب إِذا اسْتَقر الْمَنْصُور ووزراؤه بمصلاه مِنْهَا وتختفي إِذا انفصلوا عَنْهَا
حكى الشريف الغرناطي شَارِح الحازمين عَن الْكَاتِب البارع أبي الْحسن عبد الْملك بن عَيَّاش أحد كتاب الْمَنْصُور قَالَ كَانَت لأبي بكر يحيى بن مجير الشَّاعِر الْمَشْهُور وفادة على الْمَنْصُور فِي كل سنة فصادف فِي إِحْدَى وفاداته فَرَاغه من إِحْدَاث الْمَقْصُورَة الَّتِي كَانَ أحدثها بجامعه الْمُتَّصِل بقصره فِي حَضْرَة مراكش وَكَانَت قد وضعت على حركات هندسية ترْتَفع بهَا لِخُرُوجِهِ وتنخفض لدُخُوله وَكَانَ جَمِيع من بِبَاب الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ من الشُّعَرَاء والأدباء قد نظموا أشعارا أنشدوه إِيَّاهَا فِي ذَلِك فَلم يزِيدُوا على شكره وتجزيته الْخَيْر فِيمَا جدد من معالم الدّين وآثاره وَلم يكن فيهم من تصدى لوصف الْحَال حَتَّى قدم أَبُو بكر بن مجير فَأَنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا
(أعلمتني ألقِي عَصا التسيار ... فِي بَلْدَة لَيست بدار قَرَار)
وَاسْتمرّ فِيهَا حَتَّى ألم بِذكر الْمَقْصُورَة فَقَالَ يصفها
(طورا تكون بِمن حوته مُحِيطَة ... فَكَأَنَّهَا سور من الأسوار)
(وَتَكون حينا عَنْهُم مخبوءة ... فَكَأَنَّهَا سر من الْأَسْرَار)
(وَكَأَنَّهَا علمت مقادير الورى ... فتصرفت لَهُم على مِقْدَار)
(فَإِذا أحست بِالْإِمَامِ يزورها ... فِي قومه قَامَت إِلَى الزوار)
(يَبْدُو فتبدو ثمَّ تخفى بعده ... كتكون الهلالات للأقمار)
فطرب الْمَنْصُور لسماعها وارتاح لاختراعها
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب وَقد بطلت حركات هَذِه
(2/196)

الْمَقْصُورَة الْآن وَبقيت آثارهما حَسْبَمَا شاهدته سنة عشر وَألف وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا
وَمن شعر ابْن مجير يصف خيل الْمَنْصُور من قصيدة مدحه بهَا قَوْله
(لَهُ حلبة الْخَيل الْعتاق كَأَنَّهَا ... نشاوى تهادت تطلب العزف والقصفا)
(عرائس أغنتها الحجول عَن الحلى ... فَلم تَبْغِ خلخالا وَلَا التسمت وَقفا)
(فَمن يقق كالطرس تحسب أَنه ... وَإِن جردوه فِي ملاءته التقا)
(وأبلق أعْطى اللَّيْل نصف إهابه ... وغار عَلَيْهِ الصُّبْح فاحتبس النصفا)
(وَورد تغشى جلده شفق الدجا ... فَإذْ حازه دلى لَهُ الذيل والعرفا)
(وأشقر مج الراح صرفا أديمه ... وأصفر لم يمسح بهَا جلده صرفا)
(وَأَشْهَب قضى الْأَدِيم مدثر ... عَلَيْهِ خطوط غير مفهمة حرفا)
(كَمَا خطخط الراهي بمهرق كَاتب ... فجر عَلَيْهِ ذيله وَهُوَ مَا جَفا)
(تهب على الْأَعْدَاء مِنْهَا عواصف ... ستنسف أَرض الْمُشْركين بهَا نسفا)
(ترى كل طرف كالغزال فتمتري ... أظبيا ترى تَحت الْعَجَاجَة أم طرفا)
(وَقد كَانَ فِي الْبَيْدَاء يألف سربه ... فربته مهْرا وَهِي تحسبه خشفا)
(تنَاوله لفظ الْجواد لِأَنَّهُ ... إِذا مَا أردْت الجري أعطاكه ضعفا)
وَمِمَّا مدح بِهِ الْمَنْصُور رَحمَه الله قَول بعض شعراء عصره حِين طلب مِنْهُ الفنش الصُّلْح فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ
(أهل بَان يسْعَى إِلَيْهِ ويرتجى ... ويزار من أقْصَى الْبِلَاد على الرجا)
(من قد غَدا بالمكرمات مُقَلدًا ... وموشحا ومختما ومتوجا)
(عمرت مقامات الْمُلُوك بِذكرِهِ ... وتعطرت مِنْهُ الرِّيَاح تأرجا)
وَدخل عَلَيْهِ الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الكانمي الْأسود الشَّاعِر فأنشده
(أَزَال حجابه عني وعيني ... ترَاهُ من المهابة فِي حجاب)
(وقربني تفضله وَلَكِن ... بَعدت مهابة عِنْد اقترابي)
وكانم بِكَسْر النُّون جنس من السودَان وهم بَنو عَم تكروره وَلَيْسَ
(2/197)

اسمهما للانتساب لأَب أَو أم وَإِنَّمَا كانم اسْم بَلْدَة بنواحي غانة فَسُمي هَذَا الْجِنْس بهَا وَكَذَلِكَ تكرور اسْم للْأَرْض الَّتِي هم بهَا فسموا بهَا وَالله أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار الْمَنْصُور وَسيرَته

قَالَ ابْن أبي زرع كَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله ذَا رَأْي وحزم وَدين وسياسة قَالَ وَهُوَ أول من كتب الْعَلامَة بِيَدِهِ مُلُوك الْمُوَحِّدين الْحَمد لله وَحده فَجرى عَمَلهم على ذَلِك وَقد تقدم لنا أَن ذَلِك كَانَ فِي دولة أَبِيه فَالله أعلم
وَهُوَ وَاسِطَة عقد مُلُوك الْمُوَحِّدين الَّذِي ضخم الدولة وشرفها وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام دعة وَأمن ورخاء ورفاهية وبهجة صنع الله عز وَجل فِي أَيَّامه الْأَمْن بالمشرق وَالْمغْرب والأندلس فَكَانَت الظعينة تخرج من بِلَاد نول فتنتهي إِلَى برقة وَحدهَا لَا ترى من يعرض لَهَا وَلَا من يسومها بِسوء ضبط الثغور وحصن الْبِلَاد وَبنى الْمَسَاجِد والمدارس فِي بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب والأندلس وَبنى الموستانات للمرضى والمجانين وأجرى عَلَيْهِم الْإِنْفَاق فِي جَمِيع أَعماله وأجرى المرتبات على الْفُقَهَاء وطلبة الْعلم كل على قدر مرتبته وَبنى الصوامع والقناطر وحفر الْآبَار للْمَاء فِي الْبَريَّة وَاتخذ عَلَيْهَا الْمنَازل من السوس الْأَقْصَى إِلَى سويقة بن مصكوك فَكَانَت أَيَّامه زِينَة للدهر وشرفا لِلْإِسْلَامِ وَأَهله
وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله صافي السمرَة جدا إِلَى الطول مَا هُوَ جميل الْوَجْه أفوه أعين شَدِيد الْكحل ضخم الْأَعْضَاء جوهري الصَّوْت جزيل الْأَلْفَاظ من أصدق النَّاس لهجة وَأَحْسَنهمْ حَدِيثا وَأَكْثَرهم إِصَابَة بِالظَّنِّ مجريا للأمور ولي وزارة أَبِيه فبحث عَن الْأَحْوَال بحثا شافيا وطالع مَقَاصِد الْعمَّال والولاة وَغَيرهم مطالعة أفادته معرفَة جزئيات الْأُمُور فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ اجْتمع رَأْي أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين
(2/198)

على تَقْدِيمه فَقَامَ بِالْأَمر أحسن قيام وَرفع راية الْجِهَاد وَنصب ميزَان الْعدْل وَبسط أَحْكَام النَّاس على حَقِيقَة الشَّرْع وَنظر فِي أُمُور الدّين والورع وَأقَام الْحُدُود حَتَّى فِي أَهله وعشيرته الْأَقْرَبين كَمَا أَقَامَهَا فِي سَائِر النَّاس أَجْمَعِينَ فاستقامت الْأَحْوَال فِي أَيَّامه وعظمت الفتوحات وَكَانَ قد أَمر لأوّل دولته بِقِرَاءَة الْبَسْمَلَة فِي أول الْفَاتِحَة فِي الصَّلَوَات وَأرْسل بذلك إِلَى سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام الَّتِي فِي ملكه فَأجَاب قوم وَامْتنع آخَرُونَ وَكَانَ ملكا جوادا عادلا متمسكا بِالشَّرْعِ المطهر يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر كَمَا يَنْبَغِي من غير مُحَابَاة وَيُصلي بِالنَّاسِ الصَّلَوَات الْخمس ويلبس الصُّوف وَيقف للْمَرْأَة والضعيف وَيَأْخُذ لَهُم بِالْحَقِّ
قَالَ ابْن خلكان وَسمعت عَنهُ حِكَايَة يَلِيق أَن نذكرها هُنَا وَهِي أَن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن عَاشر أبي حَفْص كَانَ قد تزوج أُخْت يَعْقُوب الْمَنْصُور فأقامت عِنْده ثمَّ جرت بَينهمَا منافرة فَجَاءَت إِلَى بَيت أَخِيهَا يَعْقُوب الْمَنْصُور فسير الشَّيْخ عبد الْوَاحِد فِي طلبَهَا فامتنعت عَلَيْهِ فَشكى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد ذَلِك إِلَى قَاضِي الْجَمَاعَة بمراكش وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن مَرْوَان فَاجْتمع القَاضِي الْمَذْكُور بأمير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَقَالَ لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد يطْلب أَهله فَسكت عَنهُ الْمَنْصُور وَمَضَت أَيَّام ثمَّ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد اجْتمع بِالْقَاضِي الْمَذْكُور فِي قصر الْمَنْصُور بمراكش وَقَالَ لَهُ أَنْت قَاضِي الْمُسلمين وَقد طلبت أَهلِي فَمَا جاؤوني فَاجْتمع القَاضِي بالمنصور وَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد قد طلب أَهله مرّة وَهَذِه الثَّانِيَة فَسكت الْمَنْصُور ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة لَقِي الشَّيْخ عبد الْوَاحِد القَاضِي بِالْقصرِ الْمَذْكُور فَقَالَ لَهُ يَا قَاضِي الْمُسلمين قد قلت لَك مرَّتَيْنِ وَهَذِه الثَّالِثَة أَنا أطلب أَهلِي وَقد مَنَعُونِي مِنْهُم فَاجْتمع القَاضِي بالمنصور وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن الشَّيْخ عبد الْوَاحِد قد تكَرر طلبه لأَهله فَأَما أَن تسير إِلَيْهِ أَهله وَإِمَّا أَن تعزلني عَن الْقَضَاء فَسكت
(2/199)

الْمَنْصُور وَقيل أَنه قَالَ لَهُ يَا عبد الله مَا هَذَا إِلَّا جد كَبِير ثمَّ استدعى خَادِمًا وَأمره سرا بِأَن تحمل أهل الشَّيْخ عبد الْوَاحِد إِلَيْهِ فَحملت إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يتَغَيَّر على القَاضِي وَلَا قَالَ لَهُ شَيْئا يكرههُ وَتبع فِي ذَلِك حكم الشَّرْع المطهر وانقاد لأَمره وَهَذِه حَسَنَة تعد لَهُ وللقاضي أَيْضا فَإِنَّهُ بَالغ فِي إِقَامَة منار الشَّرْع وَالْعدْل
وَكَانَ الْمَنْصُور يشدد فِي إِلْزَام الرّعية بِإِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس وَقتل فِي بعض الأحيان على شرب الْخمر وَقتل الْعمَّال الَّذين تشكوهم الرعايا أَمر برفض فروع الْفِقْه وإحراق كتب الْمذَاهب وَأَن الْفُقَهَاء لَا يفتون إِلَّا من الْكتاب وَالسّنة النَّبَوِيَّة وَلَا يقلدون أحدا من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين بل تكون أحكامهم بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الْكتاب والْحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس
قَالَ ابْن خلكان وَلَقَد أدركنا جمَاعَة من مَشَايِخ الْمغرب وصلوا إِلَيْنَا وهم على ذَلِك الطَّرِيق مثل أبي الْخطاب بن دحْيَة وأخيه أبي عَمْرو ومحيي الدّين بن عَرَبِيّ نزيل دمشق وَغَيرهم وَكَانَ يُعَاقب على ترك الصَّلَوَات وَيَأْمُر بالنداء فِي الْأَسْوَاق بالمبادرة إِلَيْهَا فَمن غفل عَنْهَا أَو اشْتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا
وَكَانَ قد عظم ملكه واتسعت دَائِرَة سلطنته حَتَّى أَنه لم يبْق بِجَمِيعِ أقطار بِلَاد الْمغرب من الْبَحْر الْمُحِيط إِلَى برقة إِلَّا من هُوَ فِي طَاعَته وداخل فِي ولَايَته إِلَى غير ذَلِك من جَزِيرَة الأندلس وَكَانَ محسنا محبا للْعُلَمَاء مقربا للأدباء مصغيا إِلَى الْمَدْح مثيبا عَلَيْهِ وَله ألف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد السَّلَام الجراوي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ صفوة الْأَدَب وديوان الْعَرَب فِي مُخْتَار الشّعْر وَهُوَ مَجْمُوع مليح أحسن فِي اخْتِيَاره كل الْإِحْسَان
وَكَانَ الْمَنْصُور يضْرب بِهِ الْمثل فِي حسن التوقيع وإجادته وَقد تقدم لنا مَا وَقع بِهِ على كتاب الفنش
(2/200)

وَحكى ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل أَن الْمَنْصُور طلب يَوْمًا من قاضيه أَن يخْتَار لَهُ رجلَيْنِ لغرضين من تَعْلِيم ولد وَضبط أَمر فَعرفهُ برجلَيْن قَالَ فِي أَحدهمَا وَهُوَ بَحر فِي علمه وَقَالَ فِي الآخر وَهُوَ بر فِي دينه وَلما خرج الْمَنْصُور أحضرهما واختبرهما فقصرا بَين يَدَيْهِ وأكذبا الدَّعْوَى فَوَقع الْمَنْصُور على رقْعَة القَاضِي أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر قَالَ ابْن الْخَطِيب وَهَذَا من التوقيع العريق فِي الإجادة والصنعة
وَكَانَ مجْلِس الْمَنْصُور رَحمَه الله مجْلِس الْفُضَلَاء والأدباء وأرباب المعارف والفنون حكى أَبُو الْفضل التيفاشي قَالَ جرت مناظرة بَين يَدي ملك الْمغرب يَعْقُوب الْمَنْصُور وَكَانَت بَين الْفَقِيه أبي الْوَلِيد بن رشد الْمَعْرُوف بالحفيد والرئيس الْوَزير أبي بكر بن زهر بِضَم الزَّاي وَكَانَ الأول قرطبيا وَالثَّانِي إشبيليا فَقَالَ ابْن رشد لِابْنِ زهر فِي تَفْضِيل قرطبة مَا أَدْرِي مَا تَقول غير أَنه إِذا مَاتَ عَالم بإشبيلية فَأُرِيد بيع كتبه حملت إِلَى قرطبة حَتَّى تبَاع فِيهَا وَإِن مَاتَ مطرب بقرطبة فَأُرِيد بيع آلاته حملت إِلَى إشبيلية
وَهَذَا الْوَزير ابْن زهر هُوَ أحد أَعْيَان وزراء الدولة الموحدية وَزِير للمنصور ولأبيه من قبله
قَالَ ابْن خلكان كَانَ ابْن زهر من أهل بَيت كلهم عُلَمَاء رُؤَسَاء حكماء وزراء نالوا الْمَرَاتِب وتقدموا عِنْد الْمُلُوك ونفذت أوامرهم وَكَانَ يتَكَرَّر وُرُوده على الحضرة بمراكش فيقيم بهَا وَيرجع إِلَى الأندلس وَمِمَّا قَالَه بمراكش يتشوق إِلَى ولد لَهُ صَغِير تَركه بإشبيلية
(ولى وَاحِد مثل فرخ القطا ... صَغِير تخلف قلبِي لَدَيْهِ)
(نأت عَنهُ دَاري فيا وحشتي ... لذاك الشخيص وَذَاكَ الْوَجِيه)
(تشوقني وتشوقته ... فيبكي عَليّ وأبكي عَلَيْهِ)
(2/201)

(لقد تَعب الشوق مَا بَيْننَا ... فَمِنْهُ إِلَيّ ومني إِلَيْهِ)
قَالَ الْعَلامَة الأديب أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب أَخْبرنِي الطَّبِيب الماهر الثِّقَة الصَّالح الْعَلامَة سَيِّدي أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْوَزير الغساني الأندلسي الأَصْل الفاسي المولد والنشأة حَكِيم حَضْرَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور بِاللَّه السَّعْدِيّ أَن ابْن زهر لما قَالَ هَذِه الأبيات وسمعها يَعْقُوب الْمَنْصُور أرسل المهندسين إِلَى إشبيلية يَعْنِي من غير علم من ابْن زهر وَأمرهمْ أَن يحيطوا علما ببيوت ابْن زهر وحارته ثمَّ يبنوا مثلهَا بِحَضْرَة مراكش فَفَعَلُوا مَا أَمرهم بِهِ فِي أقرب مُدَّة وفرشها بِمثل فرشه وَجعل فِيهَا مثل آلاته ثمَّ أَمر بِنَقْل عِيَال ابْن زهر وَأَوْلَاده وحشمه وأسبابه إِلَى تِلْكَ الدَّار ثمَّ احتال عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ إِلَى ذَلِك الْموضع فَرَآهُ أشبه شَيْء ببيوته وحارته فاحتار لذَلِك وَظن أَنه نَائِم وَأَن ذَلِك أَحْلَام فَقيل لَهُ ادخل الْبَيْت الَّذِي يشبه بَيْتك فدخله فَإِذا وَلَده الَّذِي يتشوق إِلَيْهِ يلْعَب فِي الْبَيْت فَحصل لَهُ من السرُور مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَلَا يعبر عَنهُ هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا
وَمن أطباء الْمَنْصُور الْوَزير الطَّبِيب الشهير أَبُو بكر بن طفيل من أهل وَادي آش كَانَ حاذقا بصناعة الطِّبّ والجراحات وَمن أطبائه أَيْضا الْحَفِيد بن رشد الْمُتَقَدّم الذّكر وَمن كِتَابه الْكَاتِب البارع أَبُو الْحسن عبد الْملك بن عَيَّاش الْقُرْطُبِيّ النشأة اليابوري الأَصْل والفقيه البارع أَبُو الْفضل بن طَاهِر من أهل بجاية وَمن الْفُقَهَاء الَّذين كَانُوا يجالسونه ويسامرونه الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْجد والفقيه القَاضِي أَبُو عبد الله بن الصَّقْر وَغَيرهم رحم الله الْجَمِيع
(2/202)

وَفَاة يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحمَه الله

قَالَ ابْن أبي زرع لما رَجَعَ الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى مراكش أَخذ الْبيعَة لوَلَده أبي عبد الله مُحَمَّد الملقب بالناصر لدين الله فَبَايعهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وَسَائِر أهل الْأَمْصَار والأقطار فَلَمَّا تمت الْبيعَة للناصر الْمَذْكُور وَجلسَ فِي مَحل الْخلَافَة وَجَرت الْأَحْكَام والأوامر باسمه وعَلى يَدَيْهِ فِي حَيَاة أَبِيه دخل الْمَنْصُور قصره فَلَزِمَهُ
وَقَالَ ابْن خلكان لما وصل الْمَنْصُور إِلَى مراكش يَعْنِي بعد قدومه من الأندلس أَمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السّفر للتوجه إِلَى بِلَاد إفريقية فَاجْتمع إِلَيْهِ مَشَايِخ الْمُوَحِّدين وَقَالُوا لَهُ يَا سيدنَا قد طَالَتْ غيبتنا بالأندلس فمنا من لَهُ خمس سِنِين وَغير ذَلِك فتنعم علينا بالمهلة هَذَا الْعَام وَتَكون الْحَرَكَة فِي أول سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فأجابهم إِلَى سُؤَالهمْ وانتقل إِلَى مَدِينَة سلا وَشَاهد مَا فِيهَا من المنتزهات الْمعدة لَهُ
وَكَانَ قد بنى بِالْقربِ من الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة مَدِينَة عَظِيمَة سَمَّاهَا رِبَاط الْفَتْح على هَيْئَة الْإسْكَنْدَريَّة فِي الإتساع وَحسن التَّقْسِيم وإتقان الْبناء وتحصينه وتحسينه وبناها على الْبَحْر الْمُحِيط الَّذِي هُنَاكَ وَهِي على نهر سلا مُقَابلَة لَهَا من الْبر القبلي واطاف تِلْكَ الْبِلَاد وتنزه فِيهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مراكش
قَالَ ابْن خلكان وَبعد هَذَا اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أمره فَمن النَّاس من يَقُول إِنَّه ترك مَا كَانَ فِيهِ وتجرد وساح فِي الأَرْض حَتَّى انْتهى إِلَى بِلَاد الشرق وَهُوَ مستخف لَا يعرف وَمَات خاملا وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه لما رَجَعَ إِلَى مراكش كَمَا ذَكرْنَاهُ توفّي فِي غرَّة جُمَادَى الأولى وَقيل فِي ربيع الْآخِرَة فِي سَابِع عشرَة وَقيل فِي غرَّة صفر وَلم ينْقل شَيْء من أَحْوَاله بعد ذَلِك إِلَى حِين وَفَاته وَقيل توفى بِمَدِينَة سلا
قَالَ ابْن خلكان ثمَّ حكى لي جمع كثير بِدِمَشْق أَن بِالْقربِ من
(2/203)

المجدل البليدة الَّتِي من أَعمال الْبِقَاع العزيزي قَرْيَة يُقَال لَهُ حمارة وَإِلَى جَانبهَا مشْهد يعرف بِقَبْر الْأَمِير يَعْقُوب ملك الْمغرب وكل أهل تِلْكَ النواحي متفقون على ذَلِك وَلَيْسَ عِنْدهم فِيهِ خلاف وَهَذَا الْقَبْر بَينه وَبَين المجدل مِقْدَار فرسخين من جِهَتهَا الْقبلية بغرب قَالَ وَكَانَ أوصى أَن يدْفن على قَارِعَة الطَّرِيق ليترحم عَلَيْهِ من يمر بِهِ
قَالَ الْمقري فِي نفخ الطّيب هَذِه عامية لَا يتبتها عُلَمَاء الْمغرب وَسبب هَذِه الْمقَالة تولع الْعَامَّة بِهِ فكذبوا فِي مَوته وَقَالُوا إِنَّه ترك الْملك وحكوا مَا شاع إِلَى الْآن وذاع مِمَّا لَيْسَ لَهُ أصل ثمَّ نقل عَن الشريف الغرناطي مثل ذَلِك فَانْظُرْهُ
قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَعِنْدِي أَن إِنْكَار مَا حَكَاهُ ابْن خلكان لَيْسَ بجيد وهب أَن أهل الْمغرب قَالُوا ذَلِك تولعا بِهِ فَمَا بَال أهل الْمشرق يتولعون بِهِ ويتخذون لَهُ المشهد ثمَّ يتَّفق كَبِيرهمْ وصغيرهم على أَنه قبر يَعْقُوب ملك الْمغرب من غير اصل وَلَا مُسْتَند هَذَا بعيد فِي الْعَادة بل لَا بُد أَن يكون لذَلِك أصل وَالله أعلم بحقيقته نعم مَا تزعمه عَامَّة الْمغرب فِي حمة أبي يَعْقُوب الَّتِي بِقرب مَدِينَة فاس أَنَّهَا منسوبة ليعقوب الْمَنْصُور هَذَا وَأَنه رصد لَهَا عفريتين يوقدان عَلَيْهَا إِلَى الْأَبَد وَأَن حرارة مَائِهَا بِسَبَب ذَلِك الإيقاد وَأَن الشِّفَاء الَّذِي حصل للمستحمين إِنَّمَا هُوَ ببركة يَعْقُوب الْمَنْصُور
(2/204)

وَجعلُوا لَهُ زَوْجَة أَو بِنْتا اسْمهَا شافية اشتقاقا من لفظ الشِّفَاء الْحَاصِل بِتِلْكَ الْعين كُله بَاطِل وَإِنَّمَا حرارة الْعين لخاصية أودعها الله فِي أَصْلهَا ومنبعها وَكَذَا الشِّفَاء الْحَاصِل بهَا إِنَّمَا هُوَ بخاصية فِي ذَلِك المَاء ولعلها مَا فِيهِ من الكريتية فَإنَّا نرى أَصْحَاب الجرب يتلطخون بالكبريت المعالج فيشفون وَكم من عين على وَجه الأَرْض فِي الْمشرق وَالْمغْرب وبلاد الْمُسلمين وَالْكفَّار على هَذِه الْحَالة كَمَا أخبر بذلك غير وَاحِد
وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح الْحمة الْعين الحارة يستشفي بهَا الأعلاء والمرضى وَفِي الحَدِيث الْعَالم كالحمة اه وَمثله فِي الْقَامُوس بل ذكر فِيهِ مَدِينَة تفليس وَهِي قَصَبَة كرجستان عَلَيْهَا سوران قَالَ وحمامتها تنبع مَاء حارا بِغَيْر نَار
وَقد ذكر ابْن أبي زرع فِي القرطاس حمة أبي يَعْقُوب هَذِه وَذكر مَعهَا حمتين أُخْرَيَيْنِ فَقَالَ وبالقرب أَيْضا من مَدِينَة فاس على ميسرَة أَرْبَعَة أَمْيَال مِنْهَا حمة عَظِيمَة تعرف بحمة خولان مَاؤُهَا فِي أَشد مَا يكون من السخونة وبالقرب أَيْضا مِنْهَا حمة وشنانة وحمة أبي يَعْقُوب وَهِي من الحمات الْمَشْهُورَة بالمغرب اه كَلَامه فقد ذكر أَبَا يَعْقُوب بِلَفْظ الكنية فَهُوَ غير يَعْقُوب الْمَنْصُور قطعا وَلَعَلَّه أَبُو يَعْقُوب الْأَشْقَر الْآتِي ذكره فِي أَحْدَاث الْمِائَة السَّابِعَة
ولنرجع إِلَى الْكَلَام على وَفَاة الْمَنْصُور عِنْد عُلَمَاء الْمغرب فَنَقُول قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل توفّي يَعْقُوب الْمَنْصُور رَحْمَة الله فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَدفن بِمَجْلِس سكناهُ من مراكش وَكذب الْعَامَّة بِمَوْتِهِ ولوعا وتمسكا بِهِ فَادعوا أَنه ساح فِي الأَرْض اه
وَقَالَ ابْن أبي زرع لما حضرت الْمَنْصُور الْوَفَاة قَالَ مَا نَدِمت على شَيْء فعلته فِي خلافتي إِلَّا على ثَلَاث وددت أَنِّي لم أَفعَلهَا الأولى إِدْخَال الْعَرَب من إفريقية إِلَى الْمغرب مَعَ إِنِّي أعلم أَنهم أهل فَسَاد وَالثَّانيَِة بِنَاء
(2/205)

رِبَاط الْفَتْح أنفقت فِيهِ بَيت المَال وَهُوَ بعد لَا يعمر وَالثَّالِثَة إطلاقي أُسَارَى الأرك وَلَا بُد لَهُم أَن يطلبوا بثأرهم
قلت مَا ذكره رَحمَه الله فِي رِبَاط الْفَتْح من أَنه لَا يعمر قد تخلف ظَنّه فِيهِ فَهُوَ الْيَوْم من أعمر أَمْصَار الْمغرب وأحضرها حرسه الله وحرس سَائِر أَمْصَار الْمُسلمين من آفَاق النُّقْصَان وطوارق الْحدثَان
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَنَقُول فِي سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة هدم عَليّ بن عِيسَى بن مَيْمُون وَكَانَ من رُؤَسَاء الْبَحْر فِي دولة اللمتونيين صنم قادس وقادس هَذِه هِيَ الجزيرة الْمُسَمَّاة فِي لِسَان الْعَامَّة الْيَوْم بقالص وَكَانَ بهَا صنم عظميم على صُورَة رجل وَبِيَدِهِ مِفْتَاح يُقَال إِن حكماء اليونان انخذوه طلسما هُنَاكَ كَانَ من خاصيته أَن يمْنَع هبوب الرّيح فِيمَا جاوره من الْبَحْر الْمُحِيط فَكَانَت السفن لَا تجْرِي هُنَاكَ على مَا قيل فَلَمَّا ثار ابْن مَيْمُون الْمَذْكُور بالجزيرة الْمَذْكُورَة ظن أَن تَحت الصَّنَم مَالا فهدمه فَلم يجد شَيْئا
وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة توفّي أَبُو عَليّ مَنْصُور بن إِبْرَاهِيم المساطسي دَفِين آزمور وَكَانَ كَبِير الشَّأْن من أهل الْعلم وَالْعَمَل وَمن اشياخ أبي شُعَيْب السارية
وَفِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة توفّي الإِمَام الْهمام الْحَافِظ البارع أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى الْيحصبِي قَالَ ابْن خلكان توفّي بمراكش يَوْم الْجُمُعَة سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وَقيل فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بِبَاب آيلان دَاخل الْمَدِينَة وَذَلِكَ فِي دولة عبد الْمُؤمن بن عَليّ
وَفِي سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبد الله بن حرزهم يَنْتَهِي نسبه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ من أهل مَدِينَة فاس وَبهَا توفّي أخريات شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ فَقِيها زاهدا صوفيا قَالَ أَبُو الْحسن
(2/206)

الْمَذْكُور اعتكفت على قِرَاءَة الْإِحْيَاء سنة فجردت الْمسَائِل الَّتِي تنتقد عَلَيْهِ وعزمت على إحراق الْكتاب فَنمت فَرَأَيْت قَائِلا يَقُول جردوه واضربوه حد الْفِرْيَة فَضربت ثَمَانِينَ سَوْطًا فَلَمَّا استيقظت جعلت أقلب ظَهْري وَوجدت الْأَلَم الشَّديد من ذَلِك فتبت إِلَى الله ثمَّ تَأَمَّلت تِلْكَ الْمسَائِل فَوَجَدتهَا مُوَافقَة للْكتاب وَالسّنة وَقد تقدم لنا مَا اتّفق لَهُ مَعَ السُّلْطَان فِي جَنَازَة أبي الْحَكِيم بن برجان
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ أَبُو شُعَيْب أَيُّوب بن سعيد الصنهاجي الملقب بِسَارِيَة من أهل مَدِينَة آزمور وَبهَا توفّي يَوْم الثُّلَاثَاء عَاشر ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ شَدِيد المراقبة والورع وَالْخَوْف من الله تَعَالَى وَكَانَ إِذا وقف فِي صلَاته يُطِيل الْقيام فَلذَلِك لقب بالسارية ونقلت عَنهُ فِي الْوَرع وَالْخَوْف حكايات انْظُر التشوف
قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ كنت زرت ضريح هَذَا الشَّيْخ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف ومدحته بقصيدة سلكت فِيهَا مَسْلَك الأدباء من النّسَب وَغَيره وأنشدتها عِنْد ضريحه فَرَأَيْت لَهَا بركَة وَالْحَمْد لله فَأَحْبَبْت أَن أذكرها هُنَا وَهِي هَذِه
(لله يَا ربع مَا هيجت من شجن ... على الْفُؤَاد وَمن ضنى على الْبدن)
(وقفت فِيك ركابا طالما وقفت ... على الْقُصُور على الأطلال والدمن)
(أَيَّام فِيك حسان مَا أشبههَا ... بالشمس حسنا وَلَا فِي اللين بالغصن)
(وفيك أَسد من الْمُلُوك عَادَتهَا ... بذل النضار وصون الْبيض والحصن)
(يحْمُونَ مِنْك عراصا كنت أعهدها ... مأوى السرُور فَعَادَت موقف الْحزن)
(عاثت يَد الدَّهْر فيهم مُنْذُ أزمنة ... كَأَن بأسهم الْمَحْذُور لم يكن)
(قوم عرفت نداهم قبل معرفتي ... نَفسِي وفاجأني فِي المهد بِالْمَتْنِ)
(ومذ ترعرعت لم أعلق بغيرهم ... حَتَّى كَأَنِّي رضعت الْحبّ فِي اللَّبن)
(قضيت حق الشَّبَاب فِي مَنَازِلهمْ ... أَيَّام عَيْش لنا أحلى من الوسن)
(2/207)

(من ظن بالدهر خيرا فَهُوَ منخدع ... فوده هدنة تبنى على دخن)
(لَا أنتحي منهلا إِلَّا شرفت بِهِ ... وَلَا احل مَكَانا لَيْسَ بالخشن)
(وَلَا أصَاحب من هَذَا الورى بشرا ... إِلَّا حصلت على رزق من الإحن)
(حَتَّى توهمت أنني جنيت لَهُم ... حَرْب البسوس وأنني أَبُو الْفِتَن)
(وَمَا لذِي الْفضل من ذَنْب يلام بِهِ ... سوى فضيلته فِي دهره الزَّمن)
(فعد يَا قلب عَن شكوى أضيق بهَا ... ذرعا فشكواك لي ضرب من الوهن)
(وَلست أَحسب هَذَا الدَّهْر مرعويا ... وَلَو تعلّقت مِنْهُ بِابْن ذِي يزن)
(حلا لقد علقت يَدي بِمن علقت ... أَيدي العفاة بِهِ فِي الشَّام واليمن)
(بأعظم النَّاس منزلا ومنزلة ... وأسمح النَّاس كفا بالندى الهتن)
(وأشمخ النَّاس قدرا فِي الورى وَعلا ... وَأحكم النَّاس للفروض وَالسّنَن)
(ذَاك الْوَلِيّ الَّذِي كل الْأَنَام غَدا ... يَتْلُو مناقبه فِي السِّرّ والعلن)
(أَبُو شُعَيْب الَّذِي من بحره انشعبت ... جداول الْيمن فِي الْأَحْيَاء والمدن)
(بدر غَدا فِي سَمَاء الْمجد مكتملا ... بِهِ علا ذكر آزمور فِي الوطن)
(أَرض إِذا الضَّرع المحروم يممها ... ألفى بهَا بدل الأهلين والسكن)
(أود من أجل ثاويها حجارتها ... وَاجعَل الترب لي مسكا بِلَا ثمن)
(كَيفَ لَا تطبي قلبِي منَازِل من ... بِهِ أكون من الْأَحْدَاث فِي جنن)
(مجلي الغياهب مبذول الْمَوَاهِب مقفو ... الْمَذْهَب بالجنيد والقرني)
(بَحر الْحَقِيقَة والغوث الَّذِي لهجت ... بِهِ الْقَبَائِل فِي الْمقَام والظعن)
(مَا زَالَ يرقى الذرى من كل صَالِحَة ... حَتَّى اكتسى شهرة النيرَان فِي القنن)
(يَا خير من أمه الْعَافِي ولاذ بِهِ ... أهل الجرائم والأوزار والمحن)
(إِنِّي خدمتك فِي شعر عنيت بِهِ ... وَلَيْسَ لَوْلَا حلاك الزهر بالْحسنِ)
(أَشْكُو إِلَيْك سقاما أَنْت مبرئه ... وَلست أَرْجُو سواك مِنْهُ ينعشني)
(وَشد أزري فَإِنِّي كنت مُعْتَقدًا ... إِذا بلغتك قدت الدَّهْر بالرسن)
(وَانْظُر بِفَضْلِك من وافك معتفيا ... فَإِن نظرت فَكل الْخَيْر يشملني)
(وَأعظم السُّؤَال مِنْك النَّفس تصلحها ... وطهر الْقلب مَا لأمراض والدرن)
(وامنحه نورا وتوفيقا وَمَعْرِفَة ... أرى بهَا علمي وَالْبر فِي قرن)
(2/208)

(فجد بِمَا رمت من جداوك يَا أملي ... فبحر جودك عذب لَيْسَ بالأجن)
(سقى ضريحك غيث مَا يزَال بِهِ ... بُسْتَان أنسك وَهُوَ مُورق الفنن)
(بجاه أفضل خلق الله كلهم ... مُحَمَّد ذِي المزايا الغر والمنن)
(عَلَيْهِ أزكى صَلَاة الله مَا تليت ... صحف وَمَا نسج القريض ذُو لسن)
(والآل والصحب والأزواج قاطبة ... وَمن قفا نهجهم فِي كل مَا زمن)
وَاعْلَم أَن التَّعَلُّق بأولياء الله رَضِي الله عَنْهُم يجب أَن يكون مَعَ استحضار أَن الله تَعَالَى هُوَ الْمَطْلُوب على الْحَقِيقَة وَالْفَاعِل للأشياء كلهَا لَا معبود غَيره وَلَا مرجو سواهُ وَإِنَّمَا التَّمَسُّك بِأَهْل الله لأجل التَّبَرُّك بهم والاستشفاع بهم إِلَى الله تَعَالَى لأَنهم أَبْوَاب الله والدالون عَلَيْهِ نفعنا الله بهم وأفاض علينا من مددهم آمين
وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن قرقول صَاحب كتاب مطالع الْأَنْوَار الَّذِي وَضعه على مِثَال كتاب مَشَارِق الْأَنْوَار للْقَاضِي عِيَاض كَانَ من الأفاضل وَصَحب جمَاعَة من عُلَمَاء الأندلس وَتُوفِّي بِمَدِينَة فاس يَوْم الْجُمُعَة أول وَقت الْعَصْر سادس شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ قد صلى الْجُمُعَة فِي الْجَامِع ذَلِك الْيَوْم فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة تلى سُورَة الْإِخْلَاص وَجعل يكررها بِسُرْعَة ثمَّ تشهد ثَلَاث مَرَّات وَسقط على وَجهه سَاجِدا فَوَقع مَيتا رَحمَه الله
وَفِي سنة سبعين بعْدهَا توفّي الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بالمتيطي ومتيطية قَرْيَة بأحواز الجزيرة الخضراء وَهُوَ الموثق الْمَشْهُور لَازم بِمَدِينَة فاس خَاله أَبَا الْحجَّاج المتيطي وَبَين يَدَيْهِ تعلم عقد الشُّرُوط وَله كتاب كَبِير فِي الوثائق سَمَّاهُ النِّهَايَة والتمام فِي معرفَة الوثائق وَالْأَحْكَام ثمَّ انْتقل إِلَى سبتة فاستوطنها ولازم مجَالِس علمائها بالمناظرة والتفقه وَمهر فِي كِتَابه الشُّرُوط واشتغل بهَا حَتَّى لم يكن فِي وقته أقدر مِنْهُ عَلَيْهَا وَكَانَ لَهُ فِي السجلات الْيَد الطُّولى وطبع
(2/209)

عَلَيْهَا حَتَّى كَاد طبعه لَا يواتيه فِي سواهَا بل كَانَ طبعه فِي ذَلِك أَكثر من فقهه ثمَّ ولي الْقَضَاء بشريش وأصابه خضر لَازمه نَحْو السنتين ثمَّ توفّي مستهل شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة توفّي وحيد عصره وأعجوبة دهره الْوَلِيّ الْعَارِف الشَّيْخ أَبُو يعزى يلنور بن مَيْمُون قَالَ قوم إِنَّه من هزميرة إيرجان وَقيل من بني صبيح من هسكورة مَاتَ وَقد نَيف على الْمِائَة بِنَحْوِ الثَّلَاثِينَ سنة وَدفن بجبل إيرجان فِي أَوَائِل شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ الشَّيْخ أَبُو مَدين رَضِي الله عَنهُ يَقُول رَأَيْت أَخْبَار الصَّالِحين من زمن أويس الْقَرنِي إِلَى زَمَاننَا هَذَا فَمَا رَأَيْت أعجب من أَخْبَار أبي يعزى قَالَ وَنظرت فِي كتب التصوف فَمَا رَأَيْت مثل الْإِحْيَاء للغزالي وَكَانَ لِبَاس الشَّيْخ أبي يعزى برنسا أسود مرقوعا إِلَى أَسْفَل من رُكْبَتَيْهِ وجبة من تليس مطرف وشاشية من عزف وَكَانَ يتعيش من نَبَات الأَرْض وَلَا يُشَارك النَّاس فِي مَعَايشهمْ وَكَانَ طَويلا رَقِيقا أسود اللَّوْن وَكَانَ إِذا جنه اللَّيْل دخل غيضة كَثِيرَة السبَاع يتعبد فِيهَا فَإِذا قرب الْفجْر أعلم أَصْحَابه بِهِ وأحواله رَضِي الله عَنهُ وكراماته كَثِيرَة
وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين بعْدهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف أَبُو الْحسن عَليّ بن خلف بن غَالب الْقرشِي دَفِين قصر كتامة نَشأ بشلب من بِلَاد الأندلس وَقَرَأَ بقرطبة وَاسْتقر آخرا بقصر كتامة وَبِه توفّي فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَقيل إِن وَفَاته كَانَت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ قبل هَذَا التَّارِيخ وَالله أعلم وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ مُتَمَكنًا فِي عُلُوم الْقَوْم وَكَانَ الْأَوْلِيَاء يحْضرُون مَجْلِسه وَهُوَ من تلامذة أبي الْعَبَّاس بن العريف الْمُتَقَدّم الذّكر
وَفِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله التاودي الْعلم من أهل مَدِينَة فاس وَمن أَصْحَاب الشَّيْخ أبي يعزى وَكَانَ يعلم الصّبيان فَيَأْخُذ الْأجر من أَوْلَاد الْأَغْنِيَاء فَيردهُ على أَوْلَاد الْفُقَرَاء وَمَات بفاس فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَهَذِه النِّسْبَة إِلَى بني تاودي وَهِي قَبيلَة بِقرب فاس
(2/210)

وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بعْدهَا توفّي الإِمَام الْمَشْهُور أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن الْخَطِيب أبي مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد السُّهيْلي الْخَثْعَمِي صَاحب كتاب الرَّوْض الْأنف وَغَيره من التآليف الحسان وَصَاحب الأبيات الْمَشْهُورَة فِي الدُّعَاء وَهِي
(يَا من يرى مَا فِي الضَّمِير وَيسمع ... أَنْت الْمعد لكل مَا يتَوَقَّع)
(يَا من يُرْجَى للشدائد كلهَا ... يَا من إِلَيْهِ المشتكى والمفزع)
(يَا من خَزَائِن رزقه فِي قَول كن ... أمنن فَإِن الْخَيْر عنْدك أجمع)
(مَا لي سوى فقري إِلَيْك وَسِيلَة ... فبالافتقار إِلَيْك فقري أدفَع)
(مَا لي سوى قرعي لبابك حِيلَة ... فلئن رددت فَأَي بَاب أَقرع)
(وَمن الَّذِي أَدْعُو وأهتف باسمه ... إِن كَانَ فضلك عَن فقيرك يمْنَع)
(حاشى لجودك أَن تقنط عَاصِيا ... الْفضل أجزل والمواهب أوسع)
كَانَ ببلدته سُهَيْل وَهِي قَرْيَة بِالْقربِ من مالقة يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حَتَّى نمى خَبره إِلَى السُّلْطَان بمراكش فَطَلَبه إِلَيْهِ وَأحسن إِلَيْهِ وَأَقْبل بِوَجْهِهِ غَايَة الإقبال عَلَيْهِ فَأَقَامَ بهَا نَحْو ثَلَاث سِنِين ثمَّ توفّي بهَا يَوْم الْخَمِيس السَّادِس وَالْعِشْرين من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن وَقت الظّهْر خَارج بَاب الرب أحد أَبْوَاب مراكش وَكَانَ رَحمَه الله ضريرا نفعنا الله تَعَالَى بِهِ
وَفِي سنة تسعين وَخَمْسمِائة توفّي ولي الله تَعَالَى أَبُو مُحَمَّد عبد الْحَلِيم بن عبد الله المراسي الْمَعْرُوف بالغماد من صلحاء سلا كَانَ رَحمَه الله عبدا صَالحا يَدُور على الْمكَاتب ويستوهب الدُّعَاء من الصّبيان ويبكي على نَفسه وَله كرامات وَتُوفِّي بِبَلَدِهِ الْمَذْكُور وقبره مَعْرُوف ملاصق لِلْمَسْجِدِ الْأَعْظَم قرب بَابه الْكَبِير من جِهَة الْقبْلَة
وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عَليّ الْمُبْتَلى الْمَعْدُود فِي سَبْعَة رجال من صلحاء مراكش كَانَ رَضِي الله
(2/211)

عَنهُ كَبِير الشَّأْن فَاضلا صَابِرًا رَاضِيا على ربه فِيمَا ابتلاه بِهِ من دَاء الجذم سقط بعد جسده ذَات يَوْم فَصنعَ طَعَاما كثيرا للْفُقَرَاء شكرا لله تَعَالَى على ذَلِك وَكَانَ يسكن بحارة الجذمي العتيقة قبلي مراكش وَبهَا مَاتَ فِي شهر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب أغمات عِنْد رابطة الْغَار واحتفل النَّاس لجنازته رَضِي الله عَنهُ
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين بعْدهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو مَدين شُعَيْب بن الْحسن الْأنْصَارِيّ الْوَلِيّ الْكَبِير الْمَشْهُور أَصله من حصن قطنيانة من عمل إشبيلية ثمَّ انْتقل إِلَى العدوة فَأخذ عَن الشَّيْخ أبي الْحسن بن حزرهم وَعَن الشَّيْخ أبي يعزى وَبِه انْتفع وَعَلِيهِ تخرج وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو مَدين رَضِي الله عَنهُ من العارفين الراسخين قد خَاضَ من الْأَحْوَال بحارا وَمن المعارف أسرارا وجال فِي حَدَاثَة سنه فِي بِلَاد الْمغرب من سبتة ومراكش وفاس ولازم بفاس الشَّيْخ ابْن حرزهم كَمَا قُلْنَا ثمَّ سمع بِخَبَر الشَّيْخ أبي يعزى فقصده وَأخذ عَنهُ وَظَهَرت عَلَيْهِ بركته
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَدين لما قدمت فاسا لقِيت بهَا الْأَشْيَاخ فَسمِعت رِعَايَة المحاسبي على أبي الْحسن بن حرزهم وَكتاب السّنَن لِلتِّرْمِذِي على أبي الْحسن بن غَالب وَأخذت طَريقَة التصوف على أبي عبد الله الدقاق وَأبي الْحسن السلاوي قَالَ وَكنت أَزور الشَّيْخ أبي يعزى مرَارًا فَقَالَ لي جمَاعَة من الْفُقَهَاء المجاورين لأبي يعزى قد ثبتَتْ عندنَا ولَايَة أبي يعزى وَلَكنَّا نشاهده يلمس بطُون النِّسَاء وصدورهن ويتفل عَلَيْهِنَّ فيبرأن وَنحن نرى أَن لمسهن حرَام فَإِن تكلمنا فِي هَذَا هلكنا وَإِن سكتنا حرنا فَقلت لَهُم أَرَأَيْتُم لَو أَن ابْنة أحدكُم أَو أُخْته أَصَابَهَا دَاء لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الزَّوْج وَلم يُوجد من يعانيه إِلَّا طَبِيب يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ ألستم تجيزون ذَلِك مَعَ أَن دواءه مظنون ودواء أبي يعزى أَنْتُم على يَقِين مِنْهُ فَبلغ كَلَامي أبي يعزى فَاسْتَحْسَنَهُ
(2/212)

قَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ خرج الشَّيْخ أَبُو مَدين ألف تلميذ وجاءه رجل ليعترض عَلَيْهِ فَجَلَسَ فِي الْحلقَة فَقَالَ لَهُ أَبُو مَدين لم جِئْت قَالَ لأقتبس من نورك فَقَالَ لَهُ مَا الَّذِي فِي كمك فَقَالَ لَهُ مصحف فَقَالَ لَهُ افتحه واقرأ أول سطر يخرج لَك فَفعل فَخرج لَهُ قَوْله تَعَالَى {الَّذين كذبُوا شعيبا كَانُوا هم الخاسرين} فَقَالَ لَهُ ابو مَدين أما يَكْفِيك هَذَا فاعترف الرجل وَتَابَ وكراماته رَضِي الله عَنهُ كَثِيرَة
وَكَانَ استوطن فِي آخر عمره بجاية وَكثر عَلَيْهِ النَّاس وَظَهَرت على يَده كرامات فوشى بِهِ بعض عُلَمَاء الظَّاهِر عِنْد يَعْقُوب الْمَنْصُور وَقَالَ لَهُ إِنَّا نَخَاف مِنْهُ على دولتكم فَإِن لَهُ شبها بِالْإِمَامِ الْمهْدي وَأَتْبَاعه كَثِيرُونَ بِكُل بلد فَوَقع مِنْهُ ذَلِك فَكتب لصَاحب بجاية يَبْعَثهُ إِلَيْهِ وأوصاه بالاعتناء بِهِ وَأَن يحملهُ إِلَيْهِ خير محمل فَفعل
وَلما كَانَ الشَّيْخ أَبُو مَدين رَضِي الله عَنهُ بِالطَّرِيقِ مرض مرض مَوته فَلَمَّا وصل وَادي يسر قرب تلمسان اشْتَدَّ بِهِ مَرضه فنزلوا بِهِ هُنَالك فَكَانَ آخر كَلَامه الله الْحق فَتوفي وَدفن برابطة الْعباد قرب تلمسان وَسمع أهل تلمسان بجنازته فحضروها وَكَانَت من الْمشَاهد الْعَظِيمَة
وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَهْدَوِيّ صَاحب كتاب الْهِدَايَة أَقَامَ نَحْو أَرْبَعِينَ سنة لم تفته صَلَاة فِي جمَاعَة إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا لعذر عاقه عَن ذَلِك دخل مَدِينَة فاس وَمَعَهُ نَحْو من أَرْبَعِينَ ألفا من المَال فَمَا زَالَ ينفقها فِي سَبِيل الْخَيْر حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا دَار سكناهُ فَبَاعَهَا من بعض أهل فاس وأعمره المُشْتَرِي لَهَا فَلَمَّا خرجت مِنْهَا جنَازَته حازها المُشْتَرِي الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة
وَاعْلَم أَنا قد قدمنَا أَن الشَّيْخ أَبَا مَدين كَانَ تلميذا للشَّيْخ أبي يعزى وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو يعزى تلميذا للشَّيْخ أبي شُعَيْب السارية وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو
(2/213)

شُعَيْب تلميذا للشَّيْخ ابي ينور الدكالي نفعنا الله بجميعهم وأفاض علينا من مددهم آمين
ولنرجع إِلَى أَخْبَار الدولة الموحدية فَنَقُول
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بِاللَّه

بُويِعَ لأبي عبد الله مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله فِي حَيَاة وَالِده يَعْقُوب الْمَنْصُور ثمَّ جددت لَهُ الْبيعَة بعد وَفَاته وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ أَبوهُ فَأَقَامَ بمراكش بَقِيَّة ربيع الأول وربيع الثَّانِي ثمَّ نَهَضَ فِي فاتح جُمَادَى الأولى إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة السّنة الْمَذْكُورَة
ثمَّ غزا جبال غمارة من أجل علودان الغماري الثائر بهَا فَفَتحهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس فَأَتمَّ بِنَاء سورها الَّذِي كَانَ خربه عبد الْمُؤمن وَبنى قصبتها ورتب امورها وَأقَام بهَا إِلَى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَعَاد إِلَى مراكش وَأقَام بهَا إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
غَزْو النَّاصِر بِلَاد إفريقية وَولَايَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن أبي حَفْص عَلَيْهَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما هلك الْمَنْصُور رَحمَه الله قوي أَمر يحيى بن إِسْحَاق الْمَعْرُوف بِابْن غانية بإفريقية وَاسْتولى على أَعمال قراقوش الْغَزِّي صَاحب طرابلس وعَلى المهدية وتغلب على بِلَاد الجريد ثمَّ نَازل تونس سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وافتتحها عنْوَة لأربعة أشهر من حصارها فِي ختام الْمِائَة السَّادِسَة وَقبض على السَّيِّد أبي زيد وَابْنه وَمن كَانَ مَعَه من الْمُوَحِّدين
(2/214)

وطالب أهل تونس بِالنَّفَقَةِ الَّتِي أنْفق وَبسط عَلَيْهِم الْعَذَاب حَتَّى هلك فِي الامتحان كثير من بيوتاتهم ثمَّ دخل فِي دَعوته أهل القيروان وَغَيرهَا من الْبِلَاد وانتظمت لَهُ أَعمال إفريقية وَفرق الْعمَّال وخطب للخليفة العباسي
واتصل بالناصر وَهُوَ بمراكش هَذَا كُله فامتعض لذَلِك وشاور الْمُوَحِّدين فِي أَمر إفريقية فأشاروا عَلَيْهِ بمسالمة ابْن غانية وَأَشَارَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص بالنهوض إِلَيْهَا والمدافعة عَنْهَا فَعمل على رَأْيه ونهض إِلَيْهَا سنة سِتّمائَة وَبعث الأسطول فِي الْبَحْر لنظر يحيى بن ابي زَكَرِيَّا الهزرجي
واتصل ذَلِك بِابْن غانية فَبعث ذخائره وَحرمه إِلَى المهدية مَعَ عَليّ بن الغاني من قرَابَته وولاه عَلَيْهَا
وَلما قرب النَّاصِر من إفريقية خرج ابْن غانية من تونس إِلَى القيروان ثمَّ إِلَى قفصة وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْعَرَب وَأَعْطوهُ الرهائن على المظاهرة والدفاع وَسَار إِلَى حمامة مطماطة ثمَّ إِلَى جبل بني دمر فتحصن بِهِ
وَوصل النَّاصِر إِلَى تونس ثمَّ سَار فِي اتِّبَاع ابْن غانية إِلَى قفصة ثمَّ إِلَى قابس ثمَّ عَاد إِلَى المهدية فَعَسْكَرَ عَلَيْهَا وَاتخذ الْآلَة لحصارها وسرح الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد لقِتَال ابْن غانية فِي أَرْبَعَة آلَاف من الْمُوَحِّدين سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة فَلَقِيَهُ بجبل تاجورة من نواحي قابس وأوقع بِهِ وَقتل أَخَاهُ جبارَة بن إِسْحَاق واستنفذ السَّيِّد أَبَا زيد من معتقله
وَأما النَّاصِر فَإِنَّهُ اسْتمرّ محاصرا للمهدية وَبهَا يَوْمئِذٍ عَليّ بن الغاني وَكَانَ يدعى بالحاج وَكَانَ شهما مُحَاربًا فَامْتنعَ على النَّاصِر وَأبْدى من مكايد الْحَرْب وخداعه مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف وأشجى الْمُوَحِّدين وَبَالغ فِي نكايتهم فَكَانُوا يسمونه الْحَاج الْكَافِر ثمَّ نزل على الْأمان وَأحسن إِلَيْهِ النَّاصِر إحسانا تَاما وَسَماهُ بالحاج الْكَافِي بِالْيَاءِ بدل الرَّاء لما رأى من مُرَاعَاة
(2/215)

لصَاحبه وَحسن عَهده مَعَه وَاسْتشْهدَ الْحَاج الْكَافِي هَذَا فِي وقْعَة الْعقَاب الْآتِيَة
وَكَانَ فتح المهدية فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَولى النَّاصِر عَلَيْهَا مُحَمَّد بن يغمور الهرغي وارتحل عَنْهَا فِي عشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة فَدخل تونس غرَّة رَجَب وَأقَام بهَا بَقِيَّة السّنة وَأكْثر الَّذِي بعْدهَا
وَلما كَانَ رَمَضَان من سنة ثَلَاث وسِتمِائَة أشاع النَّاصِر الْحَرَكَة إِلَى الْمغرب واستخلف على إفريقية ثقته ووزيره الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ابْن الشَّيْخ أبي حَفْص الهنتاني جد الْمُلُوك الحفصيين بعد مُرَاجعَة وَامْتِنَاع
قَالَ ابْن خلدون امْتنع الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد إِلَى أَن بعث إِلَيْهِ النَّاصِر فِي ذَلِك بِابْنِهِ يُوسُف فأكبر مَجِيئه وأذعن وَيُقَال إِن النَّاصِر قَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد أَنْت تعلم مَا تجشمناه من المشاق والصوائر فِي استنقاذ هَذَا الْقطر وَلَا آمن عَلَيْهِ من عَدو متوثب وَلَا يقوم بحمايته إِلَّا أَنا أَو أَنْت فَامْضِ إِلَى حفظ ممالكنا المغربية وأقيم أَنا أَو قُم أَنْت وارجع أَنا فقنعه الْحيَاء حِينَئِذٍ وأذعن للإقامة وَاشْترط شُرُوطه الْمَعْرُوفَة وَهِي أَن يُقيم ثَلَاث سِنِين ريثما تترتب الْأَحْوَال ثمَّ يعود إِلَى وَطنه وَأَن يحكمه النَّاصِر فِيمَن يحْبسهُ مَعَه من الْجند ويرضاه من أهل الْكِفَايَة وَأَن لَا يتعقب أمره فِي ولَايَة وَلَا عزل فَقبل النَّاصِر شُرُوطه
وَلما عزم النَّاصِر على النهوض إِلَى الْمغرب خرج إِلَيْهِ أهل تونس رافعي أَصْوَاتهم بَين يَدَيْهِ إشفاقا من عود ابْن غانية إِلَيْهِم فاستدعى وُجُوههم وكلمهم بِنَفسِهِ وَقَالَ إِنَّا قد اخترنا لكم من يقوم مقامنا فِيكُم وآثرناكم بِهِ على شدَّة حاجتنا إِلَيْهِ وَهُوَ فلَان فيباشر النَّاس بولايته وشيع النَّاصِر إِلَى باجة وَرجع واليا على جَمِيع بِلَاد إفريقية واستقل بأمرها ونهيها
فَمن هُنَا ورثت الْمُلُوك الحفصيون سلطنة تونس وإفريقية وقفل النَّاصِر
(2/216)

إِلَى الْمغرب فَدخل مراكش فِي ربيع سنة أَربع وسِتمِائَة وَلما اسْتَقر بالحضرة وفدت عَلَيْهِ الْوُفُود وهنأته الشُّعَرَاء بِالْفَتْح فَكَانَ من ذَلِك مَا أنْشدهُ ابْن مرج الْكحل وَهُوَ قَوْله
(وَلما توالى الْفَتْح من كل وجهة ... وَلم تبلغ الأوهام فِي الْوَصْف حَده)
(تركنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لشكره ... بِمَا أودع السِّرّ الإلهي عِنْده) (فَلَا نعْمَة إِلَّا تُؤَدّى حُقُوقهَا ... علامته بِالْحَمْد لله وَحده)
فَاسْتحْسن الْكتاب مِنْهُ ذَلِك وَوَقع أحسن موقع وَأَشَارَ بذلك إِلَى الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة عِنْد الْمُوَحِّدين فَإِنَّهَا كَانَت أَن يكْتب السُّلْطَان بِيَدِهِ بِخَط غليظ فِي رَأس المنشور الْحَمد لله وَحده وَقد تقدم ذَلِك وَالله أعلم
فتح جَزِيرَة ميورقة

كَانَت جَزِيرَة ميورقة لبني غانية المسوفيين من عهد عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني وَكَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور قد بعث إِلَيْهَا أسطوله مرَارًا فامتنعت عَلَيْهِ وَلما ولي ابْنه النَّاصِر وغزا إفريقية وَجه إِلَيْهَا من ثغر الجزائر أسطولا مَعَ عَمه السَّيِّد أبي الْعَلَاء وَالشَّيْخ أبي سعيد بن أبي حَفْص فنازلوها ثمَّ اقتحموها عنْوَة وَقتلُوا صَاحبهَا عبد الله بن إِسْحَاق المسوفي
وَانْصَرف السَّيِّد إِلَى مراكش بعد أَن ولي عبد الله بن طاع الله الكومي ووفد أَهلهَا على النَّاصِر فَأكْرم وفادتهم وَولي الْقَضَاء عَلَيْهِم الْفَقِيه الْجَلِيل الْمُحدث أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيْمَان الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن حوط الله ذكره ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة فَقَالَ كَانَ مَشْهُورا بِالْعقلِ وَالْفضل مُعظما عِنْد الْمُلُوك مَعْلُوم الْقدر لديهم يخْطب فِي مجَالِس الْأُمَرَاء والمحافل الجمهورية مقدما فِي ذَلِك ذَا بلاغة وفصاحة إِلَى أبعد مضمار ولي قَضَاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسلا وميورقة فتظاهر بِالْعَدْلِ
(2/217)

وَعرف بِمَا أبطن من الدّين وَالْفضل وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين مجانبا لأهل الْبدع والأهواء بارع الْخط حسن التَّقْيِيد إِلَى غير ذَلِك
ثمَّ ولى النَّاصِر على ميورقة عَمه السَّيِّد أَبَا زيد وَجعل ابْن طاع الله على قيادة الْبَحْر وَبعد السَّيِّد أبي زيد وَليهَا السَّيِّد أَبُو عبد الله بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن ثمَّ أَبُو يحيى بن عَليّ بن أبي عمرَان التينمللي وَمن يَده أَخذهَا النَّصَارَى سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما
ثورة ابْن الْفرس وَمَا كَانَ من أمره

كَانَ عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن الْفرس من طبقَة الْعلمَاء بالأندلس وَيعرف بِالْمهْرِ وَحضر مجْلِس يَعْقُوب الْمَنْصُور فِي بعض الْأَيَّام وَتكلم بِمَا خشِي عاقبته فِي عقده فَخرج من الْمجْلس واختفى مُدَّة ثمَّ القحطاني المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج رجل من قحطان يَسُوق النَّاس بعصاه يملأها عدلا كَمَا ملئت جورا الحَدِيث وَكَانَ مِمَّا نسب إِلَيْهِ من الشّعْر قَوْله
(قولا لأبناء الْمُؤمن بن عَليّ ... تأهبوا لوُقُوع الْحَادِث الجلل)
(قد جَاءَ سيد قحطان وعالمها ... ومنتهى القَوْل والغلاب للدول)
(وَالنَّاس طوع عَصَاهُ وَهُوَ سائقهم ... بِالْأَمر وَالنَّهْي بَحر الْعلم وَالْعَمَل)
(وَبَادرُوا أمره فَالله ناصره ... وَالله خَادع أهل الزيغ والميل)
فَبعث النَّاصِر إِلَيْهِ الجيوش فهزموه وَقتل وسيق رَأسه إِلَى مراكش فنصب بهَا وسكنت الْفِتْنَة
وَقد ثار أَيْضا فِي سنة سِتّمائَة رجل من آل الْبَيْت من العبيديين واسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن العاضد وَهَذَا العاضد هُوَ آخر خلفاء الشِّيعَة بِمصْر فثار حافده مُحَمَّد بن عبد الله الْمَذْكُور بجبال ورغة من أحواز فاس فظفر بِهِ
(2/218)

وَقتل وعلق رَأسه بِبَاب الشَّرِيعَة أحد أَبْوَاب فاس وأحرق جسده فِي وسط الْبَاب الْمَذْكُور وَركبت مصارعه فَسُمي الْبَاب بَاب المحروق بعد أَن كَانَ يُسمى بَاب الشَّرِيعَة
ثمَّ فِي سنة عشر وسِتمِائَة ثار ولد هَذَا المحروق بجبال غمارة وَادّعى أَنه الفاطمي وَتَبعهُ خلق كثير من أهل الْجَبَل والبادية فَبعث إِلَيْهِ النَّاصِر جَيْشًا فظفر بِهِ وَقتل
وَفِي سنة إِحْدَى وسِتمِائَة بنى عَامل الرِّيف من قبل النَّاصِر واسْمه يعِيش سور بادس ولمديه ومليلية حياطة وتحصينا من فَجْأَة الْعَدو
وَفِي سنة أَربع وسِتمِائَة أَمر النَّاصِر بتجديد سور مَدِينَة وَجدّة وإصلاحها فشرع فِي ذَلِك فِي فاتح رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة
وفيهَا أَيْضا أَمر النَّاصِر بِبِنَاء دَار الْوضُوء والسقاية بِإِزَاءِ جَامع الأندلس بفاس فبنيت وجلب إِلَيْهَا المَاء من الْعين الَّتِي خَارج بَاب الْحَدِيد وَأمر بِبِنَاء الْبَاب الْكَبِير المدرج الَّذِي بحصن الْجَامِع الْمَذْكُور وَأنْفق فِي ذَلِك كُله من بَيت المَال
وفيهَا أَيْضا أَمر بِبِنَاء مصلى الْقرَوِيين وَأمر أَن لَا يصلى بمصلى الأندلس فَأَقَامَ النَّاس يصلونَ بعدوة الْقرَوِيين ثَلَاث سِنِين ثمَّ عَادوا يصلونَ بالأندلس والقرويين مَعًا كَمَا كَانُوا أَولا بعد أَن شهد أَنَّهَا قديمَة
وَفِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة نَهَضَ النَّاصِر من فاس إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
(2/219)

غَزْوَة الْعقَاب الَّتِي محص الله فِيهَا الْمُسلمين

ثمَّ اتَّصَلت الْأَخْبَار بالناصر وَهُوَ بمراكش أَن الفنش لَعنه الله قد استطال على ثغور الْمُسلمين بالأندلس وَأَنه يُغير على قراها وينهب الْأَمْوَال وَيَسْبِي النِّسَاء والذرية فأهمه ذَلِك وأقلقه وَكتب إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص صَاحب إفريقية يستشيره فِي الْغَزْو فَأبى عَلَيْهِ فخالفه وَأخذ فِي الْحَرَكَة للْجِهَاد
وَكَانَ النَّاصِر معجبا بِرَأْيهِ مستبدا بأموره فَفرق الْأَمْوَال على القواد والأجناد وَكتب إِلَى جَمِيع بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب وبلاد الْقبْلَة يستنفر الْمُسلمين لغزو الْكفَّار فَأَجَابَهُ خلق كثير وألزم كل قَبيلَة من قبائل الْعَرَب بِحِصَّة من الْخَيل وَالرجل تخرج للْجِهَاد فتقدمت عَلَيْهِ الجيوش من سَائِر الأقطار وتسارع النَّاس إِلَيْهِ خفافا وثقالا من الْبَوَادِي والأمصار
فَلَمَّا تكاملت لَدَيْهِ الحشود وتوافت بِحَضْرَتِهِ الْجنُود خرج من مراكش فِي تَاسِع عشر شعْبَان سنة سبع وسِتمِائَة فَانْتهى إِلَى قصر الْمجَاز فَأَقَامَ بِهِ وَشرع فِي إجَازَة الجيوش من أَوَائِل شَوَّال إِلَى أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَتَلقاهُ هُنَالك قواد الأندلس وفقهاؤها ورؤساؤها وَأقَام بطريف ثَلَاثًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى إشبيلية فِي أُمَم لَا تحصى وجيوش لَا تستقصى قد مَلَأت السهل والوعر
حكى بعض الثِّقَات من مؤرخي الْمغرب أَنه اجْتمع مَعَ النَّاصِر فِي هَذِه الْغَزْوَة من أهل الْمغرب والأندلس سِتّمائَة ألف مقَاتل وَكَانَ النَّاصِر رَحمَه الله قد أعجبه مَا رأى من كَثْرَة جُنُوده وأيقن بالظفر فقسم النَّاس على خمس فرق فَجعل الْعَرَب فرقة وزناتة وصنهاجة والمصامدة وغمارة وَسَائِر أَصْنَاف قبائل الْمغرب فرقة وَجعل المتطوعة فرقة وَجعل جند الأندلس فرقة والموحدين فرقة وَأمر كل فرقة أَن تنزل نَاحيَة واهتزت جَمِيع بِلَاد
(2/220)

الفرنج لجوازه وَتمكن رعبه فِي قُلُوبهم فَأخذُوا فِي تحصين بِلَادهمْ وإخلاء مَا قرب من الْمُسلمين من قراهم وحصونهم وَكتب إِلَيْهِ أَكثر أمرائهم يسألونه السّلم وَيطْلبُونَ مِنْهُ الْعَفو ووفد عَلَيْهِ مِنْهُم ملك ينبلونة مستسلما خاضعا طَالبا للصلح فَيُقَال إِنَّه قدم بَين يَدَيْهِ كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كتبه إِلَى هِرقل ملك الرّوم يستشفع بِهِ وَقد كَانَ هَذَا الْكتاب وَقع إِلَيْهِ وراثة من بعض سلفه فاحتفل النَّاصِر لقدومه وصف لَهُ الجيوش من بَاب مَدِينَة قرمونة إِلَى بَاب إشبيلية أَرْبَعِينَ ميلًا ثمَّ عقد لَهُ الصُّلْح مَا دَامَت دولة الْمُوَحِّدين وَصَرفه إِلَى بِلَاده مكرما مسعفا بِجَمِيعِ مطالبه
وَعند ابْن خلدون أَن الَّذِي وَفد على النَّاصِر فِي هَذِه الْغَزْوَة هُوَ البيبوج أحد الْمُلُوك الثَّلَاثَة الَّذين شهدُوا وقْعَة الْأَرَاك قَالَ وَهُوَ الَّذِي مكر بالناصر يَوْم الْعقَاب قدم عَلَيْهِ وَأظْهر لَهُ التنصح وبذل لَهُ أَمْوَالًا ثمَّ غدر بِهِ وجر عَلَيْهِ الْهَزِيمَة وَالله أعلم
ثمَّ خرج النَّاصِر من إشبيلية غازيا بِلَاد قشتالة فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وسِتمِائَة فَسَار حَتَّى نزل حصن سلبطرة وَهُوَ حصن منيع وضع على قمة جبل وَقد تعلق بِأَكْنَافِ السَّحَاب لَيْسَ لَهُ مَسْلَك إِلَّا من طَرِيق وَاحِد فِي مضائق وأوعار فَنزل عَلَيْهِ لناصر وأدار بِهِ الجيوش وَنصب عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ منجنيقا فهتك أرباضه وَلم يقدر مِنْهُ على شَيْء
قَالُوا وَكَانَ وزيره أَبُو سعيد بن جَامع قد تمكن من النَّاصِر فأقصى شُيُوخ الْمُوَحِّدين وأعيانهم وَذَوي الحنكة والرأي مِنْهُم عَن بساطه وَانْفَرَدَ هُوَ بِهِ فَكَانَ يُشِير على النَّاصِر فِي غزوته هَذِه بآراء كَانَت سَبَب الضعْف والوهن وجلبت الكرة على الْمُسلمين من ذَلِك أَن النَّاصِر لما أعياه أَمر الْحصن عزم على النهوض عَنهُ إِلَى غَيره فَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْن جَامع بِأَن لَا يتجاوزه حَتَّى يَفْتَحهُ فَيُقَال إِنَّه أَقَامَ على ذَلِك الْحصن ثَمَانِيَة اشهر فنيت فِيهَا أزواد النَّاس وَقلت علوفاتهم وكلت عزائمهم وفسدت نياتهم وانقطعت الأمداد عَن
(2/221)

الْمحلة فغلت بهَا الأسعار وَدخل فصل الشتَاء فَاشْتَدَّ الْبرد وَأصَاب الْمُسلمين كل ضرّ وَيُقَال إِنَّه من طول مقَام النَّاصِر على ذَلِك الْحصن عشش الخطاف فِي جَانب خبائه وباض وأفرخ وطارت فِرَاخه وَهُوَ مُقيم على حَاله
واتصل بالفنش لَعنه الله مَا آل إِلَيْهِ أَمر الْمُسلمين من الضجر وَقلة الْمَادَّة وتشوش البواطن وَاخْتِلَاف الرَّأْي فاغتنم الفرصة وَبعث الحاشرين فِي مدائنه ودعا كل من قدر على حمل السِّلَاح من رَعيته فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك مَا لَا حصر لَهُ
ثمَّ خَالف النَّاصِر إِلَى قلعة ريَاح فنازلها وَبهَا يَوْمئِذٍ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن قادس من قواد الأندلس وزعمائها كَانَ قد ترَتّب فِي ذَلِك الْحصن فِي جمَاعَة من الْخَيل لحمايته وَضَبطه فحاصره الفنش وَبَالغ فِي التَّضْيِيق عَلَيْهِ فَكَانَ ابْن قادس يكْتب لأمير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر يُعلمهُ بِحَالهِ ويستمده على عدوه وَهُوَ على حصن سلبطرة فَكَانَ الْوَزير ابْن جَامع إِذا وصلت إِلَيْهِ كتب ابْن قادس أخفاها عَن النَّاصِر لِئَلَّا يرحل عَن الْحصن قبل فَتحه فَلَمَّا طَال الْحصار على ابْن قادس وفنى مَا عِنْده من الأقوات وَالسِّلَاح ويئس من إمداد النَّاصِر إِيَّاه وخشي على من فِي الْحصن من النِّسَاء والذرية صَالح الفنش على تَسْلِيم الْحصن لَهُ وَخُرُوج الْمُسلمين آمِنين على أنفسهم فَفعل وَاسْتولى الفنش على قلعة رَبَاح
وَسَار ابْن قادس إِلَى النَّاصِر ليجتمع بِهِ ويعلمه بِالْأَمر على وَجهه وَسَار مَعَه صهر لَهُ بعد أَن عزم ابْن قادس عَلَيْهِ أَن يرجع فَأبى وَقَالَ إِن قتلت قتلت مَعَك وَلما وصل إِلَى الْوَزير ابْن جَامع أَمر بحبسه وَحبس صهره مَعَه ثمَّ دخل على النَّاصِر فَقَالَ لَهُ إِن ابْن قادس قد دفع الْحصن إِلَى الْعَدو ثمَّ قدم عَلَيْك وَأَرَادَ الدُّخُول عَلَيْك
وَكَانَ النَّاصِر قد تغير بَاطِنه على أهل الأندلس واتهمهم بكتمان أَمر الْعَدو عَنهُ حِين كَانَ بمراكش فَلَمَّا قدم ابْن قادس فِي هَذِه الْمرة وَقَالَ لَهُ ابْن
(2/222)

جَامع مَا قَالَ أَمر بقتْله هُوَ وصهره قطعا بِالرِّمَاحِ رحمهمَا الله
فحقدت جيوش الأندلس على ابْن جَامع وفسدت نياتهم على النَّاصِر وأحس ابْن جَامع بذلك فَأمر بإحضار قوادهم فَحَضَرُوا بَين يَدَيْهِ فَقَالَ اعتزلوا جَيش الْمُوَحِّدين فَلَا حَاجَة لنا بكم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا} وسننظر بعد هَذَا فِي أَمر كل فَاجر
وَلما علم النَّاصِر بِحَال الفنش وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الْقُوَّة وَكَثْرَة الجموع واستيلائه على قلعة ريَاح الَّتِي هِيَ أمنع ثغور الْمُسلمين شقّ ذَلِك عَلَيْهِ وَامْتنع من الطَّعَام وَالشرَاب حَتَّى مرض من شدَّة الوجد ثمَّ شدد فِي قتال سلبطرة وبذل الْأَمْوَال الجليلة حَتَّى فتحهَا صلحا وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَان وسِتمِائَة ثمَّ زحف الفنش إِلَى النَّاصِر ونهض النَّاصِر إِلَيْهِ فَالتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يعرف بحصن العقبان فَضرب المصاف وَضرب للناصر قُبَّته الْحَمْرَاء الْمعدة لِلْقِتَالِ على رَأس ربوة وَقعد أمامها على درقته وفرسه قَائِم بإزائه ودارت العبيد بالقبة من كل نَاحيَة وَمَعَهُمْ السِّلَاح التَّام ووقفت الساقات والبنود والطبول أَمَام العبيد مَعَ الْوَزير ابْن جَامع وَأَقْبَلت جموع الفرنج على مصافها كَأَنَّهَا الْجَرَاد المنشر فتقدمت إِلَيْهِم المتطوعة وحملوا عَلَيْهِم أَجْمَعُونَ وَكَانُوا مائَة وَسِتِّينَ ألفا فغابوا فِي صفوفهم وانطبقت عَلَيْهِم الفرنج فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا فاستشهد المتطوعة عَن آخِرهم هَذَا وعساكر الْمُوَحِّدين وَالْعرب والأندلس ينظرُونَ إِلَيْهِم لم يُحَرك إِلَيْهِم مِنْهُم أحد
وَلما فرغ الفرنج من المتطوعة حملُوا بأجمعهم على عَسَاكِر الْمُوَحِّدين وَالْعرب حَملَة مُنكرَة فَلَمَّا انتشب الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ فرقت قواد الأندلس وجيوشها لما كَانُوا قد حقدوه على ابْن جَامع فِي قتل ابْن قادس أَولا وتهديدهم وطرده لَهُم ثَانِيًا فجروا الْهَزِيمَة على الْمُسلمين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وتبعهم قبائل البربر والموحدون الْعَرَب وركبتهم الفرنج بِالسَّيْفِ وكشفوهم عَن النَّاصِر حَتَّى انْتَهوا إِلَى الدائرة الَّتِي دارت عَلَيْهِ من العبيد
(2/223)

والحشم فألفوها كالبنيان المرصوص لم يقدروا مِنْهَا على شَيْء وَدفع الفرنج بخيلهم المدرعة على رماح العبيد وَهِي مشرعة إِلَيْهِم فَدَخَلُوا فِيهَا والناصر قَاعد على درقته أَمَام خبائه يَقُول صدق الرَّحْمَن وَكذب الشَّيْطَان حَتَّى كَانَت الفرنج تصل إِلَيْهِ وَحَتَّى قتل حوله من عبيد الدائرة نَحْو عشرَة آلَاف ثمَّ أقبل إِلَيْهِ بعض فرسَان الْعَرَب على فرس لَهُ أُنْثَى فَقَالَ لَهُ إِلَى مَتى قعودك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد نفذ حكم الله وَتمّ أمره وفنى الْمُسلمُونَ فَعِنْدَ ذَلِك قَامَ النَّاصِر إِلَى جواد لَهُ سَابق كَانَ إِمَامه فَأَرَادَ أَن يركبه فترجل الْعَرَبِيّ عَن فرسه وَقَالَ لَهُ اركب هَذِه الْحرَّة فَإِنَّهَا لَا ترْضى بِعَارٍ فَلَعَلَّ الله ينجيك عَلَيْهَا فَإِن فِي سلامتك الْخَيْر كُله فركبها النَّاصِر وَركب الْعَرَبِيّ جَوَاده وَتقدم أَمَامه فِي كوكبة عَظِيمَة من العبيد مُحِيطَة بهم والفرنج فِي أَعْقَابهم تقتلهم ونادى مُنَادِي الفنش يَوْمئِذٍ أَلا لَا أسر إِلَّا الْقَتْل وَمن أَتَى بأسير قتل هُوَ وأسيره فحكمت سيوف الفرنج فِي الْمُسلمين إِلَى اللَّيْل
وَكَانَت هَذِه الرزية الْعَظِيمَة يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر صفر سنة تسع وسِتمِائَة فَذَهَبت قُوَّة الْمُسلمين بالمغرب ولأندلس من يَوْمئِذٍ وَلم تنصر لَهُم بعْدهَا راية مَعَ الفرنج إِلَى أَن تدارك الله رَمق الأندلس بالسلطان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني رَحمَه الله كَمَا سنقص خبر ذَلِك مُسْتَوفى عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله
قَالَ ابْن الْخَطِيب لما لحق النَّاصِر بإشبيلية حمل السَّيْف على طَائِفَة كَبِيرَة مِمَّن تَوَجَّهت إِلَيْهِم الظنة وَقَالَ ابْن خلدون ثمَّ رجعت الفرنج إِلَى ألأندلس بعد الكائنة للإغارة على بِلَاد الْمُسلمين فَلَقِيَهُمْ السَّيِّد أَبُو زَكَرِيَّا بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن قَرِيبا من إشبيلية فَهَزَمَهُمْ وانتعش الْمُسلمُونَ بهَا واتصلت الْحَال على ذَلِك
(2/224)

وَفَاة النَّاصِر رَحمَه الله

قَالَ ابْن أبي زرع لما قدم النَّاصِر إِلَى مراكش منصرفا من وقْعَة الْعقَاب أَخذ الْبيعَة لوَلَده يُوسُف الملقب بالمنتصر فَبَايعهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب والأندلس فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من ذِي الْحجَّة سنة تسع وسِتمِائَة
وَلما تمت لَهُ الْبيعَة دخل النَّاصِر قصره واحتجب فِيهِ عَن النَّاس وانغمس فِي لذاته مصطحبا ومغتبقا إِلَى شعْبَان من سنة عشر وسِتمِائَة فَمَاتَ مسموما بتدبير وزرائه عَلَيْهِ فِي ذَلِك قَالَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي عشر من شعْبَان الْمَذْكُور
وَقَالَ ابْن خلكان تَقول المغاربة إِن النَّاصِر رَحمَه الله كَانَ قد أوصى إِلَى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أَن كل من ظهر لَهُم بِاللَّيْلِ فَهُوَ مُبَاح الدَّم لَهُم ثمَّ أَرَادَ أَن يختبر قدر أمره عِنْدهم فتنكد وَجعل يمشي فِي الْبُسْتَان لَيْلًا فعندما رَأَوْهُ جَعَلُوهُ غَرضا لرماحهم فَجعل يَقُول أَنا الْخَلِيفَة أَنا الْخَلِيفَة فَمَا تحققوه حَتَّى فرغوا مِنْهُ وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك
قلت الصَّحِيح فِي وَفَاة النَّاصِر مَا ذكره الْوَزير ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل قَالَ ثمَّ صرف النَّاصِر وَجهه إِلَى غَزْو الأندلس فِي عزم لم يبلغ إِلَيْهِ ملك قبله وَلما احتل رِبَاط الْفَتْح من سلا نزل بِهِ الْمَوْت فَتوفي لَيْلَة الثُّلَاثَاء عَاشر شعْبَان سنة عشر وسِتمِائَة فانحل الْعَزْم وَتَفَرَّقَتْ الجموع والبقاء لَهُ وَحده
(2/225)

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ يُوسُف الْمُنْتَصر بِاللَّه ابْن النَّاصِر بن الْمَنْصُور رَحمَه الله

لما هلك مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله بُويِعَ ابْنه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْمَنْصُور وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة ولقب بالمنتصر بِاللَّه وَغلب عَلَيْهِ الْوَزير أَبُو سعيد بن جَامع ومشيخة الْمُوَحِّدين فَقَامُوا بأَمْره واستبدوا عَلَيْهِ وتأخرت بيعَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص من إفريقية لصِغَر سنّ الْمُنْتَصر ثمَّ وَقعت المحاولة من الْوَزير ابْن جَامع وَصَاحب الأشغال عبد الْعَزِيز بن أبي زيد فوصلت بيعَته حِينَئِذٍ واشتغل الْمُنْتَصر عَن تَدْبِير الْأَمر وَالْجهَاد بِمَا يَقْتَضِيهِ الشَّبَاب
وَعقد للسادات على عمالات ملكه فعقد للسَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم إِسْحَاق بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن ويلقب بِالظَّاهِرِ على فاس وأعمالها وَهُوَ أَخُو الْمَنْصُور ووالد عمر المرتضى الْآتِي ذكره وَعقد لِعَمِّهِ السَّيِّد أبي إِسْحَاق بن الْمَنْصُور على إشبيلية وَمَا اضيف إِلَيْهَا ولعمه أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْمَنْصُور على بلنسية وشاطبة وأعمالها ولعمه أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْمَنْصُور على مرسية ودانية وأعمالها وَبعث مَعَه الشَّيْخ أَبَا زيد بن يرجان وَكَانَ من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين ودهاتهم
وَفِي دولة الْمُنْتَصر هَذَا فشل أَمر الْمُوَحِّدين وَذَهَبت ريحهم وأشرفت دولتهم على الْهَرم وَاسْتولى الفنش على المعاقل الَّتِي أَخذهَا الْمُسلمُونَ وَهزمَ حامية الأندلس فِي كل جِهَة واستبدت السَّادة بالأطراف والتاثت الْأُمُور بالأندلس وَالْمغْرب أجمع أما الأندلس فبتكالب الْعَدو عَلَيْهَا وفناء حماتها وَأما الْمغرب فبخلاء كثير من قراه وأمصاره من وقْعَة الْعقَاب
ثمَّ ظَهرت بَنو مرين بِجِهَة فاس سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَكَانُوا موطنين بصحراء فيجيج وَمَا والاها فاقتحموا الْمغرب فِي هَذِه السنين لخلائه
(2/226)

من الحامية واكتسحوا بسائطه بالغارت وانحازت رعاياه إِلَى المعاقل والحصون وَكَثُرت الشكايات بهم إِلَى الْمُنْتَصر وَهُوَ مُقيم بمراكش فَكتب إِلَى السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم صَاحب فاس يَأْمُرهُ بغزوهم فَخرج إِلَيْهِم وَهُوَ بِبِلَاد الرِّيف فأوقعوا بِهِ وقْعَة شنعاء كَانَت باكورة فتحهم وَعَاد السَّيِّد مفلولا إِلَى فاس وَأَصْحَابه عُرَاة بَين يَدَيْهِ يخصفون عَلَيْهِم من ورق النَّبَات الْمَعْرُوف بالمشعلة فسميت السّنة سنة المشعلة وَكَانُوا قد أَسرُّوا السَّيِّد أَبَا إِبْرَاهِيم ثمَّ عرفوه فأطلقوه ثمَّ صمدت بَنو مرين بعْدهَا إِلَى تازا ففلوا حاميتها وعظمت شوكتهم بالمغرب على مَا نذكرهُ بعد أَن شَاءَ الله
وَفِي سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة هزم الْمُسلمُونَ بقصر أبي دانس من الأندلس وَهِي من الهزائم الْكِبَار الَّتِي تقرب من هزيمَة الْعقَاب لِأَن الْعَدو كَانَ قد نزل قصر أبي دانس وحاصره فَخرج إِلَيْهِ جَيش إشبيلية وجيش قرطبة وجيش جيان وحشود بِلَاد غرب الأندلس لاستنقاذ قصر أبي دانس وَكَانَ ذَلِك بِأَمْر الْمُنْتَصر فَسَارُوا يؤمُّونَ الْعَدو فَلم تقع عينهم على عينه إِلَّا وَقد خامر قُلُوب الْمُسلمين الرعب وولوا الأدبار لما كَانَ قد رسخ فِي نُفُوسهم من بأسه يَوْم الْعقَاب فتكالب الْعَدو بعْدهَا على الْمُسلمين وتمرس بهم وَهَان عَلَيْهِ أَمرهم وخشعت نُفُوسهم لَهُ وَلما فروا مِنْهُ فِي هَذِه الخرجة ركبهمْ بِالسَّيْفِ وقتلهم عَن آخِرهم وَرجع الفنش إِلَى قصر أبي دانس فحاصره حَتَّى اقتحمه عنْوَة وَقتل جَمِيع من بِهِ من الْمُسلمين
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة توفّي صَاحب إفريقية الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص فَبَايع الموحدون بإفريقية ابْنه ابا زيد عبد الرَّحْمَن فَقَامَ بِالْأَمر وأطفأ النائرة وافاض الْعَطاء ومهد النواحي ورتب الْأُمُور حَتَّى ورد كتاب الْمُنْتَصر من مراكش لثَلَاثَة أشهر من ولَايَته بِتَأْخِيرِهِ وتولية السَّيِّد أبي الْعَلَاء الْأَكْبَر مَكَانَهُ وَهُوَ إِدْرِيس بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فَقدم إفريقية فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة ووالى
(2/227)

الهزائم على ابْن غانية الثائر بإفريقية حَتَّى شرد إِلَى الصَّحرَاء وَأَبُو الْعَلَاء هَذَا هُوَ الَّذِي بنى البرجين اللَّذين على بَاب المهدية وحصنها وَهُوَ الَّذِي بنى برج الذَّهَب بإشبيلية أَيَّام ولَايَته عَلَيْهَا فِي دولة أَبِيه وَأقَام أَبُو الْعَلَاء بإفريقية إِلَى أَن توفّي بتونس مِنْهَا فِي شعْبَان سنة عشْرين وسِتمِائَة
وَاسْتولى على إفريقية بعده ابْنه أَبُو زيد بن إِدْرِيس وَسَاءَتْ سيرته فِي النَّاس وَأقَام على ذَلِك إِلَى دولة الْعَادِل عبد الله بن الْمَنْصُور صَاحب مراكش فَعَزله وَولى مَكَانَهُ عبد الله بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص
ثمَّ غلب عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وتداول ملك إفريقية بنوه من بعده واستبدوا بهَا واقتطعوها عَن نظر بني عبد الْمُؤمن أَصْحَاب مراكش فَلم تعد إِلَيْهِم بعد
وَأما يُوسُف الْمُنْتَصر فَإِنَّهُ اسْتمرّ مُقيما بمراكش على لذاته إِلَى أَن توفّي وَكَانَ من خبر وَفَاته أَنه كَانَ مُولَعا باتخاذ الْحَيَوَان واستنتاجه فَكَانَ يُؤْتى إِلَيْهِ بأصناف الْبَقر من الأندلس فيرسلها فِي بستانه الْكَبِير من حَضْرَة مراكش وَيحمل بَعْضهَا على بعض للتناسل فَخرج ذَات يَوْم للتطوف على تِلْكَ الْبَقر وَالنَّظَر إِلَيْهَا فتوسط قطيعا مِنْهَا وَقد ركب فنشيا فأنكرته بقرة شرود كَانَت فِي ذَلِك القطيع فطعنته فِي صَدره طعنة أَتَت عَلَيْهِ من حِينه وَذَلِكَ فِي عشي يَوْم السبت الثَّانِي عشرَة من ذِي الْحجَّة سنة عشْرين وسِتمِائَة وَلم يخلف إِلَّا حملا من جَارِيَة لَهُ
قَالَ ابْن خلكان لم يكن فِي بني عبد الْمُؤمن أحسن وَجها من الْمُنْتَصر وَلَا أبلغ فِي المخاطبة إِلَّا أَنه كَانَ مشغوفا براحته فَلم يبرح عَن حَضرته فضعفت الدولة فِي أَيَّامه وَالله تَعَالَى أعلم
(2/228)

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْوَاحِد المخلوع ابْن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن رَحمَه الله

لما هلك الْمُنْتَصر فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اجْتمع الْوَزير ابْن جَامع والموحدون وَبَايَعُوا للسَّيِّد أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن يُوسُف وَهُوَ أَخُو الْمَنْصُور
قَالَ ابْن أبي زرع بَايعُوهُ على كره مِنْهُ بقبة الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي سنّ الشيخوخة وَكَانَ عَالما فَاضلا متورعا فاستقام لَهُ الْأَمر نَحْو شَهْرَيْن وخطب لَهُ فِي جَمِيع أَعمال الْمُوَحِّدين مَا عدا مرسية فَإِن ابْن أَخِيه السَّيِّد أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْمَنْصُور الملقب بالعادل كَانَ واليا عَلَيْهَا وَكَانَ وزيره بهَا الشَّيْخ أَبَا زيد بن يرجان الْمَعْرُوف بالأصفر وَكَانَ من دهاة الْمُوَحِّدين وَكَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله إِذا رَآهُ يستعيذ بِاللَّه من شَره وَيَقُول مَاذَا يجْرِي على يَديك من الْفِتَن يَا اصفر وَكَانَ من خَبره أَنه لما بُويِعَ المخلوع أَمر بِإِطْلَاق ابْن يجارن لِأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا على مَا عِنْد ابْن خلدون فَأطلق ثمَّ صده ابْن جَامع عَن ذَلِك وأنفذ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاق فِي الأسطول ليغربه إِلَى ميورقة فلاذ ابْن يرجان حِينَئِذٍ بِعَبْد الله بن الْمَنْصُور صَاحب مرسية وَنزل مِنْهُ منزلَة الْوَزير وأغراه بالتوثب على الْأَمر وَشهد لَهُ أَنه سمع من الْمَنْصُور رَحْمَة الله الْعَهْد لَهُ بالخلافة من بعد النَّاصِر وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ إِنَّك أَحَق بالخلافة من عبد الْوَاحِد أَنْت ولد الْمَنْصُور وأخو النَّاصِر وَعم الْمُنْتَصر وَلَك الرَّأْي وَحسن السياسة والحزم وَلَو دَعَوْت الْمُوَحِّدين إِلَى بيعتك لم يخْتَلف عَلَيْك اثْنَان
وَكَانَ النَّاس على كره من ابْن جَامع وولاة الأندلس يَوْمئِذٍ كلهم بَنو الْمَنْصُور فأصغى إِلَيْهِ عبد الله هَذَا وَكَانَ مترددا فِي بيعَة عَمه فبرز إِلَى مجْلِس حكمه واستدعى من بمرسية وأعمالها من الْمُوَحِّدين وَالْفُقَهَاء والأشياخ فَدَعَاهُمْ إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ وَتسَمى بالعادل وَكَانَ إخْوَته أَبُو الْعَلَاء
(2/229)

الْأَصْغَر صَاحب قرطبة وَأَبُو الْحسن صَاحب غرناطة وَأَبُو مُوسَى صَاحب مالقة فَبَايعُوهُ سرا وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي عبد الله بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن الْمَعْرُوف بالبياسي صَاحب جيان وَقد عَزله المخلوع بِعَمِّهِ أبي الرّبيع بن أبي حَفْص فَانْتقضَ وَبَايع للعادل وزحف مَعَ ابي الْعَلَاء صَاحب قرطبة وَهُوَ أَخُو الْعَادِل إِلَى إشبيلية وَبهَا عبد الْعَزِيز أَخُو الْمَنْصُور والمخلوع فَدخل فِي دعوتهم وَامْتنع السَّيِّد أَبُو زيد بن أبي عبد الله أَخُو البياسي عَن بيعَة الْعَادِل وَتمسك بِطَاعَة المخلوع وَخرج الْعَادِل من مرسية إِلَى إشبيلية فَدَخلَهَا مَعَ أبي زيد بن يرجان وَبلغ الْخَبَر إِلَى مراكش فَاخْتلف الموحدون على المخلوع وَبَادرُوا بعزل ابْن جَامع وتغريبه إِلَى هسكورة لكراهيتهم لَهُ وَجَرت خطوب أفضت إِلَى خلع عبد الْوَاحِد وَقَتله
وَفِي القرطاس أَن عبد الْوَاحِد الْعَادِل كتب إِلَى أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين الَّذين بِحَضْرَة مراكش يَدعُوهُم إِلَى بيعَته وخلع عبد الْوَاحِد وَوَعدهمْ على ذَلِك الْأَمْوَال الجزيلة والمنازل الرفيعة والولايات الجليلة فسارعوا إِلَى ذَلِك ودخلوا على عبد الْوَاحِد وتهددوه بِالْقَتْلِ إِلَّا أَن يخلع نَفسه ويبايع للعادل فأجابهم إِلَى ذَلِك فَخَرجُوا عَنهُ ووكلوا بِالْقصرِ من يحفظه وَكَانَ ذَلِك يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد بعده دخلُوا على عبد الْوَاحِد الْقصر وأحضروا القَاضِي وَالْفُقَهَاء والأشياخ فَأشْهد على نَفسه بِالْخلْعِ وَبَايع للعادل ثمَّ دخلُوا عَلَيْهِ بعد مُضِيّ ثَلَاث عشرَة لَيْلَة من خلعه فخنقوه حَتَّى مَاتَ وانتهبوا قصره واستولوا على أَمْوَاله وحريمه فَكَانَ عبد الْوَاحِد هَذَا أول من خلع وَقتل من بني عبد الْمُؤمن وَصَارَ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين لخلفائهم كالأتراك لبني الْعَبَّاس فَكَانَ فعلهم ذَلِك سَببا لذهاب ملكهم وانقراض دولتهم وَالله تَعَالَى لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَكَانَت وَفَاة عبد الْوَاحِد المخلوع خَامِس رَمَضَان الْمُعظم سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة
(2/230)

الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الله الْعَادِل ابْن الْمَنْصُور رَحمَه الله

بُويِعَ لَهُ الْبيعَة الأولى بمرسية من بِلَاد الأندلس منتصف صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة وتلقب بالعادل فِي أَحْكَام الله ثمَّ خلص لَهُ الْأَمر وَبَايَعَهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وخطب لَهُ بِحَضْرَة مراكش أَوَاخِر شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة
وَتوقف عَن بيعَته السَّيِّد أَبُو زيد بن أبي عبد الله أَخُو البياسي كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَكَانَ واليا على بلنسية وشاطبة ودانية وَلما رأى السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد البياسي أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا زيد توقف عَن بيعَة الْعَادِل وَضبط بِلَاده ثار هُوَ ببياسة وَمَا انضاف إِلَيْهَا من قرطبة وجيان وقيجاطة وحصون الثغر الْأَوْسَط وتلقب بالظافر وَإِنَّمَا دعِي البياسي لقِيَامه من بياسة فوصلت بيعَة الْمُوَحِّدين من مراكش إِلَى الْعَادِل وَمَعَهَا كتاب أبي زَكَرِيَّا يحيى ابْن الشَّهِيد شيخ هنتانة بِقصَّة المخلوع وَمَا كَانَ من أمره فصادف وصولها هيجان هَذِه الْفِتْنَة فشغل الْعَادِل بهَا عَن مراكش وَبعث أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا الْعَلَاء الْأَصْغَر وَهُوَ إِدْرِيس بن الْمَنْصُور فِي جَيش كثيف إِلَى البياسي فحاصره ببياسة وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار أظهر الطَّاعَة والانقياد وَبَايع للعادل حَتَّى إِذا أفرج عَنهُ أَبُو الْعَلَاء عَاد إِلَى النكث وَبعث إِلَى الفنش يستنصره على الْعَادِل وَضمن لَهُ أَن ينزل لَهُ عَن بياسة وقيجاطة فَكَانَ أول من سنّ إِعْطَاء الْحُصُون والبلاد للفرنج فَوجه إِلَيْهِ الفنش بِجَيْش من عشْرين ألفا وَلما توافت لَدَيْهِ جموع الفرنج نَهَضَ من قرطبة يُرِيد إشبيلية حَتَّى إِذا دنا مِنْهَا خرج إِلَيْهِ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء الْأَصْغَر وَهُوَ الَّذِي دعِي بعد بالمأمون فَالْتَقوا واقتتلوا قتالا شَدِيدا فَانْهَزَمَ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء وَاسْتولى البياسي والفرنج على محلته بِمَا فِيهَا من أثاث وَسلَاح ودواب وَغير ذَلِك
(2/231)

وَلما رأى الْعَادِل مَا وَقع بأَخيه وجنده خشِي أَن يَتَفَاقَم دَاء البياسي ويمتد عباب فتنته إِلَى مراكش فَترك أَخَاهُ أَبَا الْعَلَاء قبالته وَعبر الْبَحْر إِلَى العدوة وَلما احتل بقصر الْمجَاز دخل عَلَيْهِ عبد الله بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص الْمَدْعُو بعبو فَقَالَ لَهُ الْعَادِل كَيفَ حالك فأنشده
(حَال مَتى علم ابْن الْمَنْصُور بهَا ... جَاءَ الزَّمَان إِلَيّ مِنْهَا تَائِبًا)
فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ وولاه إفريقية وَهَذَا الْبَيْت لأبي الطّيب المتنبي وَإِنَّمَا تمثل بِهِ عبو لموافقة اسْم مَنْصُور فِيهِ لاسم وَالِد الْعَادِل فَحسن التَّمْثِيل بِهِ
وانْتهى الْعَادِل فِي سيره إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا وَبعث عَن شُيُوخ جشم عرب تامسنا وَكَانَ لِابْنِ يرجان عناية واختصاص بِهِلَال بن حميدان أَمِير الْخَلْط فتثاقل جرمون بن عِيسَى أَمِير سُفْيَان عَن الْوُصُول إِلَى الْعَادِل ثمَّ بَادر الْعَادِل إِلَى مراكش وقاسى فِي طَرِيقه إِلَيْهَا من الْعَرَب شَدَائِد ثمَّ دَخلهَا واستوزر أَبَا زيد بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وَتغَير لِابْنِ يرجان ففسد بَاطِنه وسعى فِي إِفْسَاد الدولة وَغلب أَبُو زَكَرِيَّا بن الشَّهِيد شيخ هنتاتة ويوسف بن عَليّ شيخ تينملل على أَمر الْعَادِل ثمَّ خَالَفت عَلَيْهِ عرب الْخَلْط وهسكورة وعاثوا فِي نواحي مراكش وخربوا بِلَاد دكالة فَخرج إِلَيْهِم ابْن يرجان فَلم يغن شَيْئا فأنفذ إِلَيْهِم الْعَادِل عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ابْن الشَّيْخ أبي حَفْص فَانْهَزَمَ وَقتل واضطربت الْأَحْوَال على الْعَادِل وَخرج ابْن الشَّهِيد ويوسف بن عَليّ إِلَى قبائلهما للحشد ومدافعة هسكورة وَالْعرب فاتفقا أَيْضا على خلع الْعَادِل واضطربت الْأُمُور
وَلما انْتهى إِلَى أبي الْعَلَاء صَاحب الأندلس خبر أَخِيه الْعَادِل وَمَا هُوَ فِيهِ بمراكش من الِاضْطِرَاب دَعَا لنَفسِهِ بإشبيلية فبويع بهَا وأجابه أَكثر أهل الأندلس وتلقب بالمأمون وَبَايع لَهُ السَّيِّد أَبُو زيد صَاحب بلنسية وَهُوَ أَخُو البياسي وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة
(2/232)

وَلما تمت بيعَته كتب إِلَى الْمُوَحِّدين الَّذين بمراكش يَدعُوهُم إِلَى بيعَته وَيُعلمهُم باجتماع أهل الأندلس والموحدين الَّذين بهَا عَلَيْهِ وَوَعدهمْ فِي ذَلِك ومناهم فَكَانَ مِنْهُم بعض توقف ثمَّ أجمع رَأْيهمْ على مبايعته وخلع أَخِيه الْعَادِل فَدَخَلُوا عَلَيْهِ قصره وسألوه أَن يخلع نَفسه فَامْتنعَ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ودسوا رَأسه فِي خصة مَاء كَانَت هُنَاكَ وَقَالُوا لَهُ لَا نُفَارِقك أَو تشهد على نَفسك بِالْخلْعِ فَقَالَ اصنعوا مَا بدا لكم وَالله لَا أَمُوت إِلَّا أَمِير الْمُؤمنِينَ فوضعوا عمَامَته فِي عُنُقه وخنقوه وَرَأسه فِي الخصة حَتَّى فاظ وَكَانَ خيرا فَاضلا رَحمَه الله وَكَانَت وَفَاته فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى أبي الْعَلَاء الْمَأْمُون وبعثوا بهَا إِلَيْهِ مَعَ الْبَرِيد ثمَّ بدا لَهُم فِي بيعَة الْمَأْمُون بعد انْفِصَال الْبَرِيد عَنْهُم فنكثوها وَبَايَعُوا يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور واضطربت الْأَحْوَال بالمغرب والأندلس وطما عباب الْفِتَن وَكَانَ مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور ومزاحمة يحيى بن النَّاصِر لَهُ

كَانَ الْمَأْمُون وَهُوَ أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس بن يَعْقُوب الْمَنْصُور لما بلغه انْتِقَاض الْمُوَحِّدين وَالْعرب بالحضرة على أَخِيه وتلاشي أمره دَعَا لنَفسِهِ بإشبيلية وَبَايَعَهُ أهل الأندلس والموحدون بالحضرة كَمَا قُلْنَا ثمَّ لما انْفَصل الْبَرِيد ببيعته من الحضرة نَدم الموحدون على ذَلِك لما يعلموه من شهامته وصرامته وتخلقه بأخلاق الْحجَّاج بن يُوسُف وتخوفوا أَن يَأْخُذهُمْ بِدَم عَمه عبد المخلوع ثمَّ أَخِيه عبد الله الْعَادِل فاتفق رَأْيهمْ على مبايعة يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور وَهُوَ شَاب غر كَمَا يقل عذاره وَإِنَّمَا وَقع اختيارهم عَلَيْهِ ليَكُون أطوع لَهُم فَإِن سنه يَوْمئِذٍ كَانَت سِتَّة عشر سنة
(2/233)

فَبَايعُوهُ بِجَامِع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَامْتنع عرب الْخَلْط وقبائل هسكورة من بيعَته وَقَالُوا قد بَايعنَا الْمَأْمُون فَلَا ننكث بيعَته وَتَأَخر قدوم الْمَأْمُون إِلَى مراكش وَبَقِي بالأندلس لأسباب يَأْتِي شرحها وَأقَام يحيى بمراكش واستتب أمره بهَا بعض الشَّيْء وجهز جَيْشًا من الْمُوَحِّدين والجند إِلَى قتال الْخَلْط وهسكورة وهم يَوْمئِذٍ فِي طَاعَة الْمَأْمُون فَانْهَزَمَ جَيش يحيى وَقتل مِنْهُ خلق كثير وَعَاد مفلولا إِلَى مراكش ثمَّ اطلع يحيى على مداخلة أبي زيد بن يرجان للْعَرَب وهسكورة فِي الْغَارة على مراكش واطلع على ذَلِك أَيْضا أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن الشَّهِيد فَقتل ابا زيد بن يرجان وَابْنه عبد الله وَنصب رؤوسهما على بَاب الْكحل وطوف أجسادهما بأسواق الْمَدِينَة ثمَّ اضْطَرَبَتْ الْأَحْوَال على يحيى وانتقضت الْبِلَاد وغلت الأسعار وَعم الخراب وَالْفساد بِلَاد الْمغرب واستحوذ بَنو مرين على ضواحيه وضايقوا الْمُوَحِّدين فِي كثير فِي أمصاره واقتضوا جبايته ونبغت الثوار فِي الأقطار على مَا نذكرهُ
ثورة مُحَمَّد بن أبي الطواجين الكتامي بجبال غمارة

وَلما كَانَت سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة ثار بجبال غمارة مُحَمَّد بن أبي الطواجين الكتامي المتنبي وَكَانَ أَبوهُ من قصر كتامة منقبضا عَن النَّاس وَكَانَ ينتحل صناعَة الكيمياء فَكَانَ يلقب بِأبي الطواجين لِكَثْرَة الظروف الَّتِي كَانَ يستعملها فِي ذَلِك بِزَعْمِهِ وتلقن ذَلِك عَنهُ ابْنه هَذَا ثمَّ ارتحل إِلَى سبتة وَنزل على بني سعيد بأحوازها وَادّعى صناعَة الكيمياء فَتَبِعَهُ الغوغاء ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة وَشرع الشَّرَائِع وَأظْهر أنواعا من الشعبذة فَكثر تابعوه ثمَّ اطلعوا على خبثه فنبذوا إِلَيْهِ عَهده وزحفت إِلَيْهِ عَسَاكِر سبتة ففر عَنْهُم ثمَّ قَتله
(2/234)

بعض البرابرة غيلَة بوادي لاو بَين بِلَاد بني سعيد وبلاد بني زيات وَابْن أبي الطواجين هَذَا هُوَ الَّذِي تسبب فِي قتل الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ على مَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
أَخْبَار الثوار وَمَا آل إِلَيْهِ أَمر الْمُوَحِّدين بهَا

لما ضعف أَمر الْمُوَحِّدين بالمغرب وَكَثُرت الْفِتَن فِي أقطاره ونواحيه وانتزى السادات مِنْهُم بنواحي الأندلس كل فِي عمله وَاسْتظْهر كل وَاحِد مِنْهُم على أمره بالطاغية ونزلوا لَهُ عَن كثير من الْحُصُون فَسدتْ من أجل ذَلِك ضمائر أهل الأندلس عَلَيْهِم وتصدى للثورة على الْمُوَحِّدين مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الجذاميين مُلُوك الطوائف بسرقسطة وَكَانَ يؤمل لَهَا وَرُبمَا امتحنه الْمُوَحِّدين لذَلِك مَرَّات فَخرج فِي نفر من الأجناد سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وجهز إِلَيْهِ وَالِي مرسية يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو الْعَبَّاس بن أبي عمرَان مُوسَى بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن عسكرا فَهَزَمَهُمْ وزحف إِلَى مرسية فَدَخلَهَا واعتقل السَّيِّد بهَا وخطب للخليفة الْمُسْتَنْصر العباسي صَاحب بَغْدَاد وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل عِنْد ذكره لبني هود هَؤُلَاءِ
(وَكَانَ من أعقابه الْأَمِير ... مُحَمَّد بن يُوسُف الْأَخير)
(وَكَانَ باسلا شَدِيد الْبَأْس ... وَبَايع الْمُسْتَنْصر العباسي)
ثمَّ زحف إِلَيْهِ السَّيِّد أَبُو زيد بن مُحَمَّد بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن وَهُوَ أَخُو البياسي الْمُتَقَدّم ذكره من شاطبة وَكَانَ واليا بهَا كَمَا مر فَهَزَمَهُ ابْن هود وَرجع إِلَى شاطبة واستجاش بالمأمون وَهُوَ يَوْمئِذٍ بإشبيلية فَخرج فِي العساكر ولقيه ابْن هود فَانْهَزَمَ وَاتبعهُ الْمَأْمُون إِلَى مرسية فحاصره مُدَّة وامتنعت عَلَيْهِ فأقلع عَنهُ وَرجع إِلَى إشبيلية ثمَّ انْتقض على السَّيِّد أبي زيد ببلنسية زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الْحجَّاج يُوسُف بن سعيد بن
(2/235)

مردنيش وَخرج عَنهُ إِلَى أبدة سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ بني مردنيش هَؤُلَاءِ أهل عِصَابَة وأولي باس وقوه فتوقع أَبُو زيد اختلال أمره وَبعث إِلَيْهِ ولاطفه فِي الرُّجُوع فَأبى فَخرج أَبُو زيد من بلنسية وَلحق بطاغية برشلونة وَدخل فِي دين النَّصْرَانِيَّة وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَبَايع أهل شاطبة لِابْنِ هود ثمَّ تَتَابَعَت بِلَاد الأندلس على بيعَته وَدخل فِي طَاعَته أهل قرطبة وإشبيلية بعد رحيل الْمَأْمُون عَنهُ إِلَى مراكش وَلم يبْق للموحدين بالأندلس سُلْطَان
ثمَّ فِي سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة ثار مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر بحصن أرجونة من أَعمال قرطبة ودعا لأبي زَكَرِيَّاء الحفصي صَاحب إفريقية ثمَّ دخل فِي طَاعَته أهل قرطبة وتنازع ابْن الْأَحْمَر وَابْن هود رئاسة الأندلس وتجاذبا حَبل الْملك بهَا وَكَانَت خطوب استولى لطاغية فِيهَا على كثير من حصون الأندلس ثمَّ اسْتَقر قدم ابْن الْأَحْمَر فِي الْملك وأورثه بنيه من بعده وَالله غَالب على أمره
قدوم أبي الْعَلَاء الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى مراكش وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك

قد تقدم لنا أَن الْمُوَحِّدين بمراكش خنقوا الْعَادِل وَبَايَعُوا أَخَاهُ الْمَأْمُون وَبعد انْفِصَال الْبَرِيد بالبيعة ندموا وَبَايَعُوا ابْن أَخِيه يحيى بن النَّاصِر فوصلت بيعَة الْمُوَحِّدين إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ يَوْمئِذٍ بإشبيلية فسر بهَا وَأمر بإقرائها على مَنَابِر الأندلس ثمَّ أَخذ فِي التَّجْهِيز وَالْحَرَكَة إِلَى مراكش دَار ملكهم فَسَار حَتَّى إِذا وصل إِلَى الجزيرة الخضراء اتَّصل بِهِ الْخَبَر أَن الْمُوَحِّدين قد نكثوا بيعَته وَبَايَعُوا ابْن أَخِيه يحيى فَوَجَمَ لذَلِك وأطرق مَلِيًّا ثمَّ أنْشد متمثلا بقول حسان رَضِي الله عَنهُ
(لتسمعن وشيكا فِي دِيَارهمْ ... الله أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا)
(2/236)

ثمَّ كتب من حِينه إِلَى ملك قشتالة يستنصره على الْمُوَحِّدين ويسأله أَن يبْعَث لَهُ جَيْشًا من الفرنج يجوز بهم إِلَى العدوة لقِتَال يحيى وَمن مَعَه من الْمُوَحِّدين فَشرط عَلَيْهِ صَاحب قتشالة أَن يُعْطِيهِ عشرَة حصون مِمَّا يَلِي بِلَاده يختارها هُوَ وَأَن يَبْنِي بمراكش إِذا دَخلهَا لجيش النَّصَارَى الَّذين مَعَه كَنِيسَة يظهرون بهَا دينهم ويضربون فِيهَا نواقيسهم لصلواتهم وَأَن من اسْلَمْ مِنْهُم لَا يقبل مِنْهُ إِسْلَامه وَيرد إِلَى إخوانه فيحكمون فِيهِ بأحكامهم إِلَى غير ذَلِك فأسعفه الْمَأْمُون فِي جَمِيع مَا طلبه مِنْهُ
وَكَانَ يحيى بن النَّاصِر صَاحب مراكش لما رأى اخْتِلَاف أَحْوَاله بهَا كَمَا قُلْنَا ومبايعته أَكثر أهل الْمغرب لِعَمِّهِ الْمَأْمُون خرج فَارًّا بِنَفسِهِ إِلَى تيمنلل وَكَانَ ذَلِك فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَلما فر يحيى عَن الحضرة قدم اشياخ الْمُوَحِّدين الَّذين بهَا واليا يضبطها لِلْمَأْمُونِ ريثما يقدم عَلَيْهِم وجددوا لَهُ الْبيعَة وَكَتَبُوا إِلَيْهِ يخبروه بفرار يحيى إِلَى الْجَبَل ويرغبون إِلَيْهِ فِي الْقدوم عَلَيْهِم وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا هِلَال بن حميدان أَمِير الْخَلْط وَاسْتمرّ يحيى معتصما بِالْجَبَلِ أَرْبَعَة اشهر ثمَّ بدا لَهُ فَعَاد إِلَى مراكش وَقتل عَامل الْمَأْمُون الَّذِي قدمه الْمُوَحِّدين بهَا وَاسْتمرّ بهَا نَحْو سَبْعَة أَيَّام ثمَّ خرج إِلَى جبل جليز وعسكر بِهِ وَأقَام منتظرا لقدوم الْمَأْمُون ودفاعه عَن مراكش ثمَّ بعث صَاحب قشتالة إِلَى الْمَأْمُون جَيْشًا من اثْنَي عشر ألفا برسم الْخدمَة مَعَه والمقاتلة دونه على الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة وَكَانَ وصولهم إِلَيْهِ فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة ثمَّ عبر بهم من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ أول من أَدخل عَسْكَر الفرنج أَرض الْمغرب واستخدمهم بهَا فأراح بسبتة أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش حَتَّى إِذا دنى مِنْهَا لقِيه يحيى بجيوش الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ عشي يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول من السّنة الدَّاخِلَة فَانْهَزَمَ يحيى
(2/237)

وفر إِلَى الْجَبَل وَقتل كثير من جَيْشه
وَدخل الْمَأْمُون حَضْرَة مراكش وَبَايَعَهُ الموحدون وَصعد الْمِنْبَر بِجَامِع الْمَنْصُور وَكَانَ عَلامَة أديبا بليغا فَخَطب النَّاس وَلعن الْمهْدي على الْمِنْبَر وَقَالَ لَا تَدعُوهُ بالمهدي الْمَعْصُوم وادعوه بالغوي المذموم أَلا لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى وَإِنَّا قد نَبَذْنَا أمره النحس وَلما انْتهى إِلَى آخر خطْبَة قَالَ معشر الْمُوَحِّدين لَا تظنوا أَنِّي أَنا إِدْرِيس الَّذِي تندرس دولتكم على يَده كلا إِنَّه سَيَأْتِي بعدِي إِن شَاءَ الله
ثمَّ نزل وَأمر بالكتب إِلَى جَمِيع الْبِلَاد بمحو اسْم الْمهْدي من السِّكَّة وَالْخطْبَة وتغيير سنَنه الَّتِي ابتدعها للموحدين وَجرى عَلَيْهَا سلفهم ونعى عَلَيْهَا النداء للصَّلَاة باللغة البربرية وزيادته فِي أَذَان الصُّبْح وَللَّه الْحَمد وَغير ذَلِك من السّنَن الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْمهْدي وَأمر بتدوير الدَّرَاهِم الَّتِي ضربهَا الْمهْدي مربعة وَقَالَ كل مَا فعله الْمهْدي وَتَابعه عَلَيْهِ أسلافنا فَهُوَ بِدعَة وَلَا سَبِيل إِلَى إبقائه وأبدا فِي ذَلِك وَأعَاد
ثمَّ دخل قصره فاحتجب عَن النَّاس ثَلَاثًا ثمَّ خرج فِي الْيَوْم الرَّابِع فَأمر بأشياخ الْمُوَحِّدين وأعيانهم فَحَضَرُوا بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُم يَا معشر الْمُوَحِّدين إِنَّكُم قد أظهرتم علينا العناد وأكثرتم فِي الأَرْض الْفساد ونقضتم العهود وبذلتم فِي حربنا المجهود وقتلتم الإخوان والأعمام وَلم ترقبوا فيهم إِلَّا وَلَا ذمام ثمَّ أخرج كتاب بيعتهم الَّذِي بعثوا بِهِ إِلَيْهِ وَاحْتج عَلَيْهِم بنكثهم الَّذِي نكثوا بعده فَقَامَتْ الْحجَّة عَلَيْهِم فَبُهِتُوا وَسقط فِي أَيْديهم والتفت إِلَى قَضِيَّة المكيدي وَكَانَ بإزائه قد قدم مَعَه من إشبيلية فَقَالَ لَهُ مَا ترى ايها القَاضِي فِي أَمر هَؤُلَاءِ النَّاكِثِينَ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى يَقُول {فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه} فَقَالَ الْمَأْمُون صدق الله الْعَظِيم فَإنَّا نحكم فيهم بِحكم الله {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ} ثمَّ أَمر بِجَمِيعِ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وأشرافهم فسحبوا إِلَى مصَارِعهمْ وَقتلُوا من عِنْد آخِرهم وَلم يبْق على كَبِيرهمْ وَلَا صَغِيرهمْ حَتَّى أَنه أُتِي بِابْن أُخْت لَهُ صَغِير يُقَال إِن سنه كَانَ ثَلَاث عشرَة
(2/238)

سنة وَكَانَ قد حفظ الْقُرْآن فَلَمَّا قدم للْقَتْل قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اعْفُ عني لثلاث قَالَ مَا هن قَالَ صغر سني وَقرب رحمي وحفظي لكتاب الله الْعَزِيز فَيُقَال إِن الْمَأْمُون نظر إِلَى القَاضِي كالمستشير لَهُ وَقَالَ لَهُ كَيفَ ترى قُوَّة جأش هَذَا الْغُلَام وإقدامه على الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام فَقَالَ القَاضِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِن تذرهم يضلوا عِبَادك وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا فَأمر بِهِ فَقتل رَحمَه الله ثمَّ أَمر بالرؤوس فعلقت بدائر سور الْمَدِينَة
ذكر ابْن أبي زرع أَنَّهَا كَانَت تنيف على أَرْبَعَة آلَاف رَأس وَكَانَ الزَّمَان زمن قيظ فنتنت بهَا الْمَدِينَة وتأذى النَّاس بريحها فَرفع إِلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ إِن هَهُنَا مجانين وَأَن تِلْكَ الرؤوس حروز لَهُم لَا يصلح حَالهم إِلَّا بهَا وَإِنَّهَا لعطرة عِنْد المحبين ونتنة عِنْد المبغظين ثمَّ أنْشد
(أهل الْحِرَابَة وَالْفساد من الورى ... بِالْقطعِ وَالتَّعْلِيق فِي الْأَشْجَار)
(ففساده فِيهِ الصّلاح لغيره ... يعزون فِي التَّشْبِيه للذكار)
(فرؤوسهم ذكرى إِذا مَا أَبْصرت ... فَوق الْجُذُوع وَفِي ذرى الأسوار)
(وَكَذَا الْقصاص حَيَاة أَرْبَاب النهى ... وَالْعدْل مألوف بِكُل جوَار)
(لَو عَم حلم الله سَائِر خلقه ... مَا كَانَ أَكْثَرهم من أهل النَّار)
وَهَذِه الفتكة الَّتِي ارتكبها الْمَأْمُون من الْمُوَحِّدين أنست فتكة الْحَارِث بن ظَالِم والبراض الْكِنَانِي والحجاف بن حَكِيم وَهِي الَّتِي استأصلت جمهورهم وأماتت نخوتهم وَإِذن الْمَأْمُون لِلنَّصَارَى القادمين مَعَه فِي بِنَاء الْكَنِيسَة وسط مراكش على شرطهم الْمُتَقَدّم فَضربُوا بهَا نواقيسهم وَكَانَت الْكَنِيسَة فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالسجينة
وَقبض على قَاضِي الْجَمَاعَة بمراكش وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن عبد الْحق فقيده وَدفعه إِلَى هِلَال بن حميدان الخلطي فحبسه حَتَّى أفتدي مِنْهُ بِسِتَّة آلَاف دِينَار
وَأقَام الْمَأْمُون بمراكش خَمْسَة أشهر ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْجَبَل لقِتَال
(2/239)

يحيى بن النَّاصِر وَمن مَعَه من الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة فَالتقى مَعَه على الْموضع الْمَعْرُوف بالكاعة فَانْهَزَمَ يحيى وَقتل من عسكره وَمن أهل الْجَبَل خلق كثير سيق من رؤوسهم إِلَى مراكش أَرْبَعَة آلَاف رَأس
وَفِي هَذِه السّنة استبد الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا ابْن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن حَفْص الهنتاتي بإفريقية وخلع طَاعَة الْمُوَحِّدين
وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا نفذت كتب الْمَأْمُون إِلَى سَائِر الْبِلَاد بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وفيهَا خرجت بِلَاد الأندلس كلهَا من ملك الْمُوَحِّدين ونفاهم عَنْهَا ابْن هود لثائر بهَا وقتلتهم الْعَامَّة فِي كل وَجه
وَفِي سنة تسع وَعشْرين بعْدهَا خرج على الْمَأْمُون أَخُوهُ السَّيِّد أَبُو مُوسَى عمرَان بن الْمَنْصُور بِمَدِينَة سبتة وَتسَمى بالمؤيد فاتصل الْخَبَر بالمأمون فَخرج إِلَيْهِ وبلغه فِي طَرِيقه أَن قبائل بني فازاز ومكلاثه قد حاصروا مكناسة وعاثوا فِي نَوَاحِيهَا فَسَار إِلَيْهِم وحسم مَادَّة فسادهم وَعَاد إِلَى سبتة فحاصر بهَا أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا مُوسَى مُدَّة فَلم يقدر مِنْهُ على شَيْء وَكَانَت سبتة من أحصن مدن الْمغرب وَلما طَالَتْ غيبَة الْمَأْمُون عَن الحضرة اغتنم يحيى بن النَّاصِر الفرصة فَنزل من الْجَبَل واقتحمها مَعَ عرب سُفْيَان وشيخهم جرمون بن عِيسَى وَمَعَهُمْ أَبُو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة وعاثوا فِيهَا وهدموا كَنِيسَة النَّصَارَى الَّتِي بنيت بهَا وَقتلُوا كثيرا من يهودها وَسبوا أَمْوَالهم وَدخل يحيى الْقصر فَحمل مِنْهُ جَمِيع مَا وجده بِهِ إِلَى الْجَبَل
واتصل الْخَبَر بالمأمون وَهُوَ على حِصَار سبتة فارتحل عَنْهَا مسرعا إِلَى مراكش وَذَلِكَ فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما أبعد عَن سبتة عبر أَبُو مُوسَى صَاحبهَا إِلَى الأندلس فَبَايعهُ ابْن هود وَأَعْطَاهُ سبتة فَعوضهُ ابْن هود عَنْهَا بالمرية فَكَانَ السَّيِّد أَبُو مُوسَى بهَا إِلَى أَن مَاتَ
وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ فِي طَرِيقه بِأَن ابْن هود قد ملك سبتة فتوالت عَلَيْهِ الفجائع فَمَرض أسفا وَمَات بوادي العبيد وَهُوَ قافل من حِصَار
(2/240)

سبتة وَكَانَت وَفَاته فِي آخر يَوْم من سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة
وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام شقاء وعناء ومنازعة افْتَرَقت دولة الْمُوَحِّدين فِيهَا فرْقَتَيْن فرقة مَعَه وَفرْقَة مَعَ يحيى بن النَّاصِر
وَكَانَ محق دولة الْمُوَحِّدين واستئصال أَرْكَانهَا وَذَهَاب نخوتها على يَده قَالُوا وَلَوْلَا أَن الْأُمُور قد استحالت إِلَى مَا ذكر لَكَانَ الْمَأْمُون مُوَافقا لِأَبِيهِ الْمَنْصُور فِي كثير من الْخلَل ومتبعا سنَنه فِي الْأَحْوَال
وَكَانَ الْمَأْمُون فصيح اللِّسَان فَقِيها حَافِظًا للْحَدِيث ضابطا للرواية عَارِفًا بالقراءات حسن الصَّوْت والتلاوة مقدما فِي علم اللُّغَة والعربية وَالْأَدب وَأَيَّام النَّاس كَاتبا بليغا حسن التوقيع لم يزل سَائِر أَيَّام خِلَافَته يسْرد كتب الحَدِيث مثل البُخَارِيّ والموطأ وَسنَن أبي دَاوُد وَكَانَ مَعَ ذَلِك شهما حازما مقداما على عظائم الْأُمُور ولي الْخلَافَة والبلاد تضطرم نَارا والممالك قد توزعتها الثوار فَكَانَ الْمَأْمُون إِذا فكر فِي حَال الثوار وَمَا آل إِلَيْهِ حَال الدولة مَعَهم وَمَا دهاه من كثرتهم ينشد متمثلا
(تكاثرت الظبا على خِدَاش ... فَمَا يدْرِي خِدَاش مَا يصيد)
يُشِير إِلَى حَاله مَعَهم وَأَنه لم يدْرِي مَا يتلافى من ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الرشيد ابْن الْمَأْمُون ابْن الْمَنْصُور رَحمَه الله

لما هلك الْمَأْمُون بُويِعَ ابْنه عبد الْوَاحِد ولقب بالرشيد
قَالَ ابْن أبي زرع بُويِعَ لَهُ بالخلافة بوادي العبيد ثَانِي يَوْم من وَفَاة أَبِيه وَهُوَ الْأَحَد فاتح محرم سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وسنه يَوْمئِذٍ أَربع عشرَة سنة وَكَانَ الَّذين أخذُوا لَهُ الْبيعَة كانون بن جرمون السفياني وَشُعَيْب بن أوقاليط الهسكوري وفرنسيل قَائِد جَيش الفرنج فَإِنَّهُ لما مَاتَ الْمَأْمُون كتمت جَارِيَته بعد مَوته وَاسْمهَا حباب وَكَانَت فرنجية الأَصْل وَمن دهاة النِّسَاء
(2/241)

وعقلائهن وَهِي أم الرشيد فاستدعت هَؤُلَاءِ النَّفر الثَّلَاثَة وَكَانُوا عُمْدَة جَيش الْمَأْمُون يركب كل وَاحِد مِنْهُم فِي أَزِيد من عشرَة آلَاف من قومه وأعوانه وَلِأَن أهل الْحل وَالْعقد من الْمُوَحِّدين قد أَتَت عَلَيْهِم فتكت الْمَأْمُون فجاؤوا إِلَيْهِ فأعلمتهم بِمَوْت الْخَلِيفَة ورغبت إِلَيْهِم فِي بيعَة ابْنهَا الرشيد وَالْقِيَام مَعَه وبذلت لَهُم على ذَلِك أَمْوَالًا جمة ووعدتهم مَعَ ذَلِك أَنهم إِذا فتحُوا الحضرة وَكَانَ يحيى قد استولى عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَا تجعلها لَهُم فَيْئا فَبَايعُوهُ وَأخذُوا الْبيعَة لَهُ على سواهُم فَبَايع النَّاس طَوْعًا وَكرها خوفًا من سيوفهم
وَلما تمّ أمره جعل أَبَاهُ فِي تَابُوت وَقدمه أَمَامه وَسَار إِلَى مراكش وَسمع يحيى واهل مراكش بِمَا شرطته حباب للقواد الثَّلَاثَة من جعل مدينتهم فَيْئا فَخَرجُوا لقِتَال الرشيد بأجمعهم
واستخلف يحيى على مراكش أَبَا سعيد بن وانودين والتقى الْجَمْعَانِ فَاقْتَتلُوا فَانْهَزَمَ يحيى وَقتل أَكثر من مَعَه وصبح الرشيد مراكش فتحصن مِنْهُ أَهلهَا فَأَمنَهُمْ وَصَالح قَائِد الفرنج وَأَصْحَابه على فَيْئهَا بِخَمْسَة آلَاف دِينَار
وَدخل الرشيد مراكش وَاسْتقر بهَا وَكَانَ قد وصل فِي صُحْبَة عَمه السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد سعد بن الْمَنْصُور فَحل من تِلْكَ الدولة بمَكَان وَكَانَ إِلَيْهِ التَّدْبِير والحل وَالْعقد وَبعد اسْتِقْرَار الرشيد بمراكش قدم عَلَيْهِ عمر بن أوقاريط الهسكوري صُحْبَة أَوْلَاد الْمَأْمُون الَّذين كَانُوا بإشبيلية ونفاهم ابْن هود عَنْهَا وَكَانَ ابْن أوقاريط هَذَا منحرفا عَن الْمَأْمُون ايام حَيَاته فتذمم بِصُحْبَة هَؤُلَاءِ الْأَوْلَاد وَقدم على الرشيد فتقبله واتصل بالسيد أبي مُحَمَّد وَحسنت مَنْزِلَته لَدَيْهِ
ثمَّ لما هلك السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد لحق ابْن أوقاريط بقَوْمه ومعتصمه وكشف وَجه الْخلاف وَأخذ بدعوة يحيى بن النَّاصِر واستنفر لَهُ قبائل الْمُوَحِّدين ونهض إِلَيْهِم الرشيد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة واستخلف على الحضرة صهره أَبَا الْعَلَاء إِدْرِيس وَصعد إِلَيْهِم الْجَبَل فأوقع بِيَحْيَى وجموعه بمكانهم من هزرجة وَاسْتولى على معسكرهم وَلحق يحيى بِبِلَاد سجلماسة
(2/242)

وانكفأ الرشيد رَاجعا إِلَى حَضرته وَاسْتَأْمَنَ لَهُ كثير من الْمُوَحِّدين الَّذين كَانُوا مَعَ يحيى فَأَمنَهُمْ وَلَحِقُوا بِحَضْرَتِهِ وَكَانَ كَبِيرهمْ أَبُو عُثْمَان سعيد بن زَكَرِيَّا القدميوي وَجَاء الْبَاقُونَ على أَثَره بعد أَن شرطُوا عَلَيْهِ إِعَادَة مَا كَانَ أزاله الْمَأْمُون من رسوم الْمهْدي وسننه فأعيدت واطمأنوا لإعادة رسوم الدعْوَة المهدية واستقامت الْأَحْوَال فِي هَذِه الْأَيَّام إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
فتْنَة الْخَلْط مَعَ الرشيد واستيلاؤهم على حَضْرَة مراكش

كَانَ مَسْعُود بن حميدان كَبِير الْخَلْط قد أغراه عمر بن أوقاريط بِالْخِلَافِ لصحبة بَينهمَا وَكَانَ مدلا ببأسه وَكَثْرَة جموعه يُقَال إِن الْخَلْط كَانُوا يَوْمئِذٍ يناهزون اثْنَي عشرَة ألف فَارس سوى الرجل والأتباع والحشود فَمَرض مَسْعُود فِي الطَّاعَة وتثاقل عَن الْوِفَادَة إِلَى الحضرة
وَلما علم بِعقد الْمُوَحِّدين واجتماع كلمتهم على الرشيد غاظه ذَلِك وَأخذ فِي السَّعْي للفرقة والشتات بَينهم فأعمل الرشيد الْحِيلَة فِي استدعائه وَصرف عساكره إِلَى بعض الْجِهَات حَتَّى خلا لمسعود الجو وَذهب عَنهُ الريب واستقدمه الرشيد فأسرع اللحاق بالحضرة وَقدم مَعَه مُعَاوِيَة عَم عمر بن أوقاريط فَقبض على مُعَاوِيَة وَقتل لحينه واستدعى الرشيد ابْن حميدان إِلَى الْمجْلس الخلافي للْحَدِيث فتقبض عَلَيْهِ وعَلى خَمْسَة وَعشْرين من أَصْحَابه من كبار الْخَلْط وَقتلُوا ساعتئذ بعد جَوْلَة وهيعة وَقضى الرشيد حَاجَة فِي نَفسه مِنْهُم
وَلما بلغ خبر مقتلهم إِلَى قَومهمْ قدمُوا عَلَيْهِم يحيى بن هِلَال بن حميدان وأجلبوا على سَائِر النواحي وأعلنوا بدعوة يحيى بن النَّاصِر واستقدموه من مَكَانَهُ بقاصية الصَّحرَاء وداخلهم فِي ذَلِك عمر بن أوقاريط وزحفوا لحصار مراكش وَخرجت العساكر لقتالهم وَمَعَهُمْ عبد الصَّمد بن يلولان فدافع ابْن أوقاريط بجموعه فِي تِلْكَ العساكر فَانْهَزَمُوا وأحيط بجند النَّصَارَى فَقتلُوا وتفاقم الْأَمر بالحضرة وعدمت الأقوات واعتزم الرشيد
(2/243)

على الْخُرُوج إِلَى جبل الْمُوَحِّدين فَخرج إِلَيْهَا وَسَار مِنْهَا إِلَى سجلماسة فملكها وَاشْتَدَّ الْحصار على مراكش واقتحمها يحيى بن النَّاصِر وأنصاره من الْخَلْط وهسكورة فنهبوها وساء أَثَرهم فِيهَا واضطربت أَحْوَال الْخلَافَة بهَا وتغلب على السُّلْطَان السَّيِّد أَبُو إِبْرَاهِيم بن أبي حَفْص الملقب بِأبي حافة وَهَذِه الْفِتَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
هجوم نَصَارَى جنوة على مَدِينَة سبتة وحصارهم إِيَّاهَا

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة نَازل الفرنج الجنويون سبتة بأجفان لَا تحصى ونصبوا عَلَيْهَا المنجنيقات والآلات الْمعدة للحصار واستمروا على ذَلِك إِلَى أَن دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا فَلم يقدروا مِنْهَا على شَيْء وَلما اشْتَدَّ الْحصار على أهل سبتة صَالحُوا الفرنج فِي الإفراج عَنْهُم بأربعمائة ألف دِينَار فقبلوا وأقلعوا عَنْهُم بعد الْحصار الشَّديد والتضييق الْعَظِيم
عود الرشيد إِلَى مراكش وفرار يحيى عَنْهَا إِلَى بني معقل ومقتله بهم

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة خرج الرشيد من سجلماسة يقْصد مراكش وخاطب جرمون بن عِيسَى وَقَومه من سُفْيَان فَأَجَابُوهُ وعبروا وَادي أم الرّبيع وبرز إِلَيْهِ يحيى فِي جموعه والتقى الْفَرِيقَانِ فانهزمت جموع يحيى واستحر الْقَتْل فيهم وَدخل الرشيد إِلَى الحضرة ظافرا وَأَشَارَ ابْن أوقاريط على الْخَلْط بالاستصراخ بِابْن هود صَاحب الأندلس وَالْأَخْذ بدعوته بدعوته فَنَكَثُوا بيعَة يحيى وبعثوا وفدهم إِلَى ابْن هود صُحْبَة ابْن أوقاريط فاستقر هُنَاكَ وَلم يرجع إِلَيْهِم قولا فَعلم الْخَلْط أَنَّهَا حِيلَة من ابْن أوقاريط وَأَنه تخلص من الورطة
(2/244)

وَخرج الرشيد من مراكش وفر الْخَلْط أَمَامه وَسَار إِلَى فاس وَأقَام بهَا أَيَّامًا وَفرق فِي فقهائها وصلحائها أَمْوَالًا ورباعا مغلة وسرح الْوَزير السَّيِّد أَبَا مُحَمَّد إِلَى غمارة وفازاز لجباية أموالهما
وَكَانَ يحيى بن النَّاصِر لما نكث الْخَلْط بيعَته لحق بعرب معقل فأجاروه ووعدوه النُّصْرَة واشتطوا عَلَيْهِ فِي المطالب فأسف بَعضهم بِالْمَنْعِ فاغتاله فِي جِهَة تازا وسيق رَأسه إِلَى الرشيد بفاس فَبَعثه إِلَى مراكش وأوعز إِلَى نَائِبه بهَا أبي عَليّ بن عبد الْعَزِيز بقتل الْعَرَب الَّذين كَانُوا فِي اعتقاله وهم حسن بن زيد شيخ العاصم وقائد ابْنا عَامر شَيخا بنى جَابر فَقَتلهُمْ وانكفأ الرشيد رَاجعا إِلَى حَضرته سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَكَانَ ابْن أوقاريط لما فصل ابْن هود صَاحب الأندلس أَقَامَ عِنْده إِلَى هَذِه السّنة فَركب الْبَحْر فِي أسطول من أساطيل ابْن هود وَقصد مَدِينَة سلا وَبهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء صهر الرشيد فنازلها وَكَاد يغلب عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ عَنْهَا بِلَا طائل
وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ بعْدهَا بَايع أهل إشبيلية للرشيد وَنَقَضُوا طَاعَة ابْن هود وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو عمر بن الْجد وَوصل وفدهم إِلَى الحضرة ومروا فِي طريقهم بسبتة فَافْتدى أَهلهَا بهم فِي بيعَة الرشيد وَقدمُوا على الحضرة وَولى عَلَيْهِم الرشيد أَبَا عَليّ بن خلاص مِنْهُم وَانْصَرف وَفد إشبيلية وسبتة راضين
واستقدم الرشيد رُؤَسَاء الْخَلْط وَكَانُوا راجعوا طَاعَته بعد مقتل يحيى فقدموا عَلَيْهِ وتقبض عَلَيْهِم وَبعث عساكره فاستباحوا حللهم وأحيائهم ثمَّ أَمر بقتل مشيختهم وَقتل مَعَهم ابْن أوقاريط وَكَانَ أهل إشبيلية قد بعثوا بِهِ إِلَيْهِ فَقطع دابرهم
وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وصلت بيعَة مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر الثائر بالأندلس على ابْن هود وَكَانَ قد بَايع أَولا أَبَا زَكَرِيَّا الحفصي صَاحب إفريقية ثمَّ بدا لَهُ فَرد الْبيعَة إِلَى الرشيد
(2/245)

اسْتِيلَاء الْعَدو على قرطبة

وَفِي هَذِه السّنة كَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو دمره الله على مَدِينَة قرطبة قَاعِدَة بِلَاد الأندلس وَدَار مملكتها وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ بعْدهَا انْتَشَر بَنو مرين بِبِلَاد الْمغرب واشتدت شوكتهم بِهِ وزحف إِلَيْهِم الرشيد فهزموه ثمَّ زحف ثَانِيَة وثالثة فهزموه وَأقَام فِي محاربتهم سنتَيْن وَرجع عَنْهُم إِلَى الحضرة فَاشْتَدَّ عدوانهم بالمغرب وألحوا على مكناسة حَتَّى أعْطوا الإتاوة لبني حمامة مِنْهُم واتصل أغلبهم فِي نَوَاحِيهَا
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة قتل الرشيد كَاتبه ابْن المومياني لمداخلة لَهُ مَعَ بعض السَّادة وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووقف الرشيد على كتب بِخَطِّهِ غلط الرَّسُول بهَا فَدَفعهَا بدار الْخلَافَة فَوَقَعت إِلَى الرشيد فَقتله
وَفَاة الرشيد رَحمَه الله

مَاتَ الرشيد رَحمَه الله غريقا فِي بعض صهاريج بستانه بِحَضْرَة مراكش وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَيُقَال إِنَّه أخرج من المَاء حَيا فَحم لوقته وَمَات
وَذكر أَبُو عبد الله أكنسوس أَن غرق الرشيد كَانَ فِي الْبركَة الْكُبْرَى الَّتِي بدار الهناء من أجدال الْيَوْم قَالَ وَكَانَ يُقَال لَهَا الْبَحْر الْأَصْغَر لِأَن مُلُوك بني عبد الْمُؤمن الَّذين أنشؤوها كَانُوا يرسلون فِيهَا الزوارق والفلك الصغار بِقصد النزهة والفرجة وَالله تَعَالَى أعلم
(2/246)

الْخَبَر عَن دولة أبي الْحسن السعيد عَليّ بن الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور رَحمَه الله

لما هلك الرشيد بُويِعَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ أَبُو الْحسن على الْمَدْعُو السعيد بِتَعْيِين أبي مُحَمَّد بن وانودين وتلقب بالمعتضد بِاللَّه واستوزر السَّيِّد أَبَا إِسْحَاق ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن ويحي بن عطوش وتقبض على جملَة من مشيخة الْمُوَحِّدين واستصفى أَمْوَالهم واصطنع لنَفسِهِ رُؤَسَاء الْعَرَب من جشم وَاسْتظْهر بجموعهم على أمره وَكَانَ شيخ سُفْيَان كانون بن جرمون كَبِير مَجْلِسه وَكَانَ ضَرَر بني مرين قد تفاقم بالمغرب وداؤهم قد أعضل فَخرج السعيد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة لتمهيد بِلَاد الْمغرب فَانْتهى إِلَى سجلماسة وَكَانَ صَاحبهَا عبد الله بن زَكَرِيَّا الهزرجي قد انْتقض عَلَيْهِ فَقتله وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ حَتَّى نزل المقرمدة من أَرض فاس
وَعقد المهادنة مَعَ بني مرين وقفل إِلَى مراكش فَكَانَت هدنة على دخن فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى عاود النهوض إِلَيْهِم سنة ثَلَاثَة وَأَرْبَعين بعْدهَا واستخلف السَّيِّد أَبَا زيد ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم أَخا الْوَزير الْمَذْكُور آنِفا على مراكش وَاسْتعْمل أخاهما السَّيِّد أَبَا حَفْص وَهُوَ المرتضى على سلا وَسَار نَحْو بني مرين فَجمع لَهُ أَمِيرهمْ أَبُو بكر بن عبد الْحق جموع زناتة وصمد نَحوه حَتَّى إِذا ترَاءى الْجَمْعَانِ وتهيأ الْقَوْم للقاء خَالف كانون بن جرمون إِلَى آزمور فاستولى عَلَيْهَا وَغلب الْمُوَحِّدين عَلَيْهَا فَرجع السعيد أدراجه فِي أَتْبَاعه ففر كانون عَنْهَا فاعترضه السعيد فأوقع بِهِ واستلحم كثير من قومه سُفْيَان وَاسْتولى على مَا كَانَ لَهُم من مَال وماشية وَلحق كانون ببني مرين وَرجع السعيد إِلَى الحضرة
ثمَّ تقدم الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق المريني إِلَى مكناسة فضايقها وخطب طَاعَة أَهلهَا فثارت الْعَامَّة بمكناسة على واليها من قبل السعيد فَقَتَلُوهُ
(2/247)

وحذر شيوخها وكبراؤها من سطوته فحولوا الدعْوَة إِلَى الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا الحفصي صَاحب إفريقية وَكَانَ استبد على بني عبد الْمُؤمن ورام التغلب حَتَّى على كرسيهم بمراكش فَبَايعهُ أهل مكناسة بمواطأة الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ فِي أول أمره وَكَذَا أَخُوهُ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق من بعده ثمَّ اسْتَقل بِنَفسِهِ واستبد بأَمْره عِنْدَمَا تمّ لَهُ ملك الْمغرب حَسْبَمَا نَقصه بعد إِن شَاءَ الله
وَفِي هَذِه السّنة بعث أهل إشبيلية وَأهل سبتة بطاعتهم للأمير أبي زَكَرِيَّا الحفصي أَيْضا وَبعث أَبُو عَليّ بن خلاص صَاحب سبتة إِلَيْهِ بهدية مَعَ ابْنه فِي أسطول أنشأه لذَلِك فغرق عِنْد إقلاعه من المرسى وَقبل هَذِه الْمدَّة بِيَسِير كَانَ الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا الحفصي قد تغلب على تلمسان وَبَايَعَهُ صَاحبهَا يغمراسن بن زيان العَبْد الْوَادي وَهُوَ جد ملك بني زيان أَصْحَاب تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط فَعظم قدر أبي زَكَرِيَّا بِسَبَب هَذِه البيعات الَّتِي انثالت عَلَيْهِ من سَائِر الْجِهَات وحدثته نَفسه بالتوثب على كرْسِي الْخلَافَة بمراكش وغص بَنو عبد الْمُؤمن بمكانه وَعظم عَلَيْهِم استبداده ثمَّ طمعه فِي كرسيهم وقرارة عزهم مَعَ أَنه مَا كَانَ إِلَّا جدولا من بحرهم وفرعا من دوحتهم وَالْأَمر كُله لله
نهوض السعيد من مراكش إِلَى غَزْو الثوار بالمغربين ومحاصرته يغمراسن بن زيان وَمَا آل إِلَيْهِ الْأَمر من مَقْتَله رَحمَه الله

لما بلغ السعيد وَهُوَ بمراكش استبداد الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا بن أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص الهنتاتي بإفريقية ومبايعة أُمَرَاء الْجِهَات لَهُ أعمل نظره فِي الْحَرَكَة إِلَى هَؤُلَاءِ الثوار والنهوض لتدويخ هَذِه الأقطار
وَكَانَ السعيد شهما حازما يقظا بعيد الهمة فَنظر فِي أعطاف دولته وفاوض الْمَلأ من الْمُوَحِّدين فِي تثقيف أطرافها وتقويم أودها وحرك
(2/248)

هممهم وأثار حفائظهم وأراهم كَيفَ اقتطع عَنْهُم الْأَمر شَيْئا فَشَيْئًا فَابْن أبي حَفْص اقتطع إفريقية ويغمراسن بن زيان اقتطع الْمغرب الْأَوْسَط ثمَّ أَقَامَ فِيهِ الدعْوَة الحفصية وَابْن هود اقتطع الأندلس وَأقَام فِيهَا دَعْوَة بني الْعَبَّاس وَابْن الْأَحْمَر بالجانب الآخر مِنْهَا مُقيم للدعوة الحفصية أَيْضا وَهَؤُلَاء بَنو مرين قد تغلبُوا على ضواحي الْمغرب ثمَّ سموا إِلَى تملك أمصاره وَإِن سكتنا على هَذَا فيوشك أَن يخْتل الْأَمر وتنقرض الدولة فتذامروا وتداعوا إِلَى النهوض إِلَيْهِم فحشد السعيد الْجنُود وجهز العساكر وأزاح عللهم واستنفر عرب الْمغرب وَمَا يَلِيهِ واحتشد كَافَّة المصامدة
ونهض من مراكش آخر سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة يُرِيد مكناسة وَبني مرين أَولا ثمَّ تلمسان ويغمراسن ثَانِيًا ثمَّ إفريقية وَابْن أبي حَفْص ثَالِثا
وَلما نزل بوادي بهت أَخذ فِي عرض عساكره وتمييزها فَخرج الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق من مكناسة لَيْلًا وَحده يتجسس الْأَخْبَار فَأَشْرَف على جموع السعيد فَرَأى مَا لَا قبل لَهُ بِهِ فَعَاد إِلَى قومه وَأَفْرج للسعيد عَن الْبِلَاد وتلاحقت بِهِ بَنو مرين من أماكنها الَّتِي كَانَ الْأَمِير أَبُو بكر أنزلهم بهَا واجتمعوا عَلَيْهِ بحصن تازا وطامن بِلَاد الرِّيف
وَتقدم السعيد إِلَى مكناسة فَخرج إِلَيْهِ أَهلهَا يطْلبُونَ مِنْهُ الْعَفو وَقدمُوا بَين أَيْديهم الشَّيْخ الصَّالح أَبَا عَليّ مَنْصُور بن حرزوز وتلقوه بالصبيان من الْمكَاتب على رؤوسهم الألواح وَبَين أَيْديهم الْمَصَاحِف وَخرج النِّسَاء حاسرات يطلبن الْعَفو فَعَفَا عَنْهُم
ثمَّ ارتحل إِلَى تازا فِي أَتبَاع بني مرين وانتقل أَبُو بكر بن عبد الْحق إِلَى بني يزناسن ثمَّ رَاجع نظره فِي مسالمة الْمُوَحِّدين وَالدُّخُول فِي أَمرهم فَبعث ببيعته إِلَى السعيد وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتازا مَعَ جمَاعَة من وُجُوه بني مرين فقبلها السعيد وَعَفا لَهُم عَمَّا سلف فَسَأَلَهُ وفدهم أَن يستكفي بالأمير أبي بكر فِي أَمر تلمسان وصاحبها يغمراسن بن زيان وَقد كتب إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر أَيْضا
(2/249)

بذلك يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ارْجع إِلَى حضرتك وقوني بالجيش وَأَنا أكفيك أَمر يغمراسن وَافْتَحْ لَك تلمسان فَاسْتَشَارَ السعيد وزراءه فَقَالُوا لَا تفعل فَإِن الزناتي أَخُو الزناتي لَا يَخْذُلهُ وَلَا يُسلمهُ فَكتب إِلَيْهِ السعيد بِأَن يبْعَث إِلَيْهِ جمَاعَة من قومه يعسكرون مَعَه فأمده الْأَمِير أَبُو بكر بِخَمْسِمِائَة من قبائل بني مرين وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه أبي عياد بن ابي يحيى بن حمامة وَخَرجُوا تَحت رايات السعيد ونهض من تازا يُرِيد تلمسان
وَعند ابْن أبي زرع أَن السعيد لما فرغ من أَمر مكناسة عَسْكَر بِظَاهِر فاس وهنالك أَتَتْهُ بيعَة بني مرين قَالَ ثمَّ ارتحل السعيد عَن فاس فِي الرَّابِع عشر من محرم سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَخسف الْقَمَر تِلْكَ اللَّيْلَة خسوفا كليا وَأصْبح السعيد غاديا يُرِيد تلمسان فَلَمَّا ركب فرسه انْكَسَرت لؤلؤة المنصوري فتطير وَنزل وَلم يرتحل إِلَّا فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور
وَلما سمع يغمراسن بإقبال السعيد إِلَيْهِ خرج من تلمسان فِي عشيرته وَقَومه من سَائِر بني عبد الواد وتحملوا بأهليهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى قلعة تامزردكت قبْلَة وَجدّة فَاعْتَصمُوا بهَا ووفد على السعيد الْفَقِيه عبدون وَزِير يغراسن مُؤديا للطاعة وساعيا فِي مَذَاهِب الْخدمَة ومتوليا من حاجات الْخَلِيفَة بتلمسان مَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ ويصرفه فِي سَبيله ومعتذرا تخلف يغمراسن عَن الْوُصُول إِلَى حَضْرَة السعيد فلج السعيد فِي شَأْنه وَلم يعذرهُ وأبى إِلَّا مُبَاشرَة طَاعَته بِنَفسِهِ وساعده فِي ذَلِك كانون بن جرمون السفياني صَاحب الشورى بمجلسه وَمن حضر من الْمَلأ وردوا الْفَقِيه عبدون إِلَى يغمراسن ليستقدمه فتثاقل يغمراسن عَن الْقدوم خشيَة على نَفسه
وَاعْتمد السعيد الْجَبَل فِي عساكره حَتَّى أَنَاخَ بهَا فِي ساحة القلعة وَأخذ بمخنقهم ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الْيَوْم الرَّابِع ركب مهجرا فِي وَقت القيلولة على حِين غَفلَة من النَّاس ليتطوف بالقلعة ويتقرى مكامنها فَبَصر بِهِ فَارس من بني عبد الواد يعرف بِيُوسُف الشَّيْطَان كَانَ أَسْفَل الْجَبَل بِقصد الحراسة وَاتفقَ أَن يغمراسن بن زيان وَابْن عَمه يَعْقُوب بن جَابر كَانَا قريبين مِنْهُ
(2/250)

فعرفوا السعيد فَانْفَضُّوا عَلَيْهِ من بعض الشعاب أَمْثَال العقبان وطعنه يُوسُف الشَّيْطَان فكبه عَن فرسه وَعمد يَعْقُوب بن جَابر إِلَى وزيره يحيى بن عطوش فَقتله ثمَّ استحلموا لوقتهم موَالِيه ناصحا من العلوج وعنبرا من الخصيان وقائد جند النَّصَارَى وَهُوَ أَخُو القمط ووليدا يافعا من ولد السعيد وَيُقَال إِنَّمَا كَانَ ذَلِك يَوْم عبى السعيد العساكر وَصعد الْجَبَل لِلْقِتَالِ وَتقدم أَمَام النَّاس فاقتطعه بعض الشعاب المتوعرة فِي طَرِيقه فتواثب عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الفرسان وَكَانَ مَا ذَكرْنَاهُ وَذَلِكَ منسلخ صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْمحلة فارتجت وَمَاجَتْ وَأخذ أَهلهَا فِي الْفِرَار وبادر يغمراسن إِلَى السعيد فَنزل إِلَيْهِ وَهُوَ صريع على الأَرْض فحياه وفداه وَأقسم لَهُ على الْبَرَاءَة من دَمه والسعيد رَحمَه الله واجم بمصرعه يجود بِنَفسِهِ إِلَى أَن فاظ وانتهب المعسكر بجملته
وَاسْتولى بَنو عبد الواد على مَا كَانَ بِهِ من الأخبية الْحَسَنَة والفازات الرفيعة واختص يغمراسن بفسطاط السُّلْطَان فَكَانَ لَهُ خَالِصَة دون قومه وَاسْتولى على الدخيرة الَّتِي كَانَت فِيهِ مِنْهَا مصحف عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ يَزْعمُونَ أَنه أحد الْمَصَاحِف الَّتِي انتسخت لعهد خِلَافَته وَإنَّهُ كَانَ فِي خَزَائِن قرطبة عِنْد ولد عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل ثمَّ صَار فِي ذخائر لمتونة فِيمَا صَار إِلَيْهِم من ذخائر مُلُوك الطوائف بالأندلس ثمَّ صَار إِلَى خَزَائِن الْمُوَحِّدين من يَد لمتونة
قَالَ ابْن خلدون وَهُوَ لهَذَا الْعَهْد فِي خَزَائِن بني مرين فِيمَا استولوا عَلَيْهِ من ذخيرة آل زيان وَذَلِكَ عِنْد غلب السُّلْطَان أبي الْحسن المريني على تلمسان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة كَمَا نذكرهُ اه
وَقد تقدم لنا الْخَبَر عَن هَذَا الْمُصحف العثماني وَفِيه مُخَالفَة لبَعض مَا هُنَا وَسَيَأْتِي لنا فِي دولة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني مَا يُخَالف ذَلِك كُله وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
وَمن الذَّخَائِر الَّتِي صَارَت ليغمراسن من فسطاط السعيد العقد المنتظم
(2/251)

من خَرَزَات الْيَاقُوت الفاخر والدر النفيس الْمُشْتَمل على مئين مُتعَدِّدَة من حصبائه وَكَانَ يُسمى بالثعبان
ثمَّ صَار إِلَى بني مرين أَيْضا إِلَى أَن تلف فِي الْبَحْر عِنْد غرق الأسطول بالسلطان أبي الْحسن بمرسى بجاية مرجعة من تونس حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِلَى ذخائر من أَمْثَاله وطرف من أشباهه مِمَّا يستخلصه الْمُلُوك لأَنْفُسِهِمْ ويعتدونه من ذخائرهم
وَلما سكنت الْفِتْنَة وركد عاصف تِلْكَ الهيعة نظر يغمراسن فِي شَأْن مواراة الْخَلِيفَة فجهزه وَرَفعه على أعواده فدفنه بالعباد بمقبرة الشَّيْخ أبي مَدين رَضِي الله عَنهُ ثمَّ نظر فِي شَأْن حرمه وَأُخْته تاعزونت الشهيرة الذّكر بعد أَن جاءها وَاعْتذر إِلَيْهَا مِمَّا وَقع وأصحبهن جملَة من مشيخة بني عبد الواد إِلَى مأمنهن فألحقوهن بدرعة من تخوم طاعتهم فَكَانَ ليغمراسن بذلك حَدِيث جميل فِي الْإِبْقَاء على الْحرم ورعي حُقُوق الْملك وَأما أهل محلّة السعيد فَإِنَّهُم بعد نهوضهم تداعوا واجتمعوا إِلَى عبد الله بن السعيد وقفلوا قَاصِدين مراكش
واتصل الْخَبَر بالأمير أبي بكر بن عبد الْحق وَهُوَ يَوْمئِذٍ ببني يزنسن وقدمت عَلَيْهِ الْحصَّة الَّتِي كَانَ وَجههَا مَعَ السعيد فتحقق الْخَبَر وانتهز الفرصة فِي الْمُوَحِّدين فَاعْترضَ عَسْكَرهمْ بجهات تازا فَقتل عبد الله بن السعيد واستلبهم وَاسْتولى على مَا بَقِي من أثاثهم ثمَّ جد السّير إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا وملكها وَلحق فل الْمُوَحِّدين بمراكش فَبَايعُوا عمر المرتضى كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دولة أبي حَفْص عمر المرتضى ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن رَحمَه الله

لما توفّي أَبُو الْحسن السعيد كَانَ عمر المرتضى واليا من قبله بقصبة رِبَاط الْفَتْح من سلا كَمَا قدمنَا فَاجْتمع الموحدون بِجَامِع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش
(2/252)

وعقدوا لَهُ الْبيعَة وبعثوا بهَا إِلَيْهِ ونهض هُوَ مُتَوَجها إِلَى مراكش فَلَقِيَهُ وفدهم أثْنَاء طَرِيقه بتامسنا وَاجْتمعَ عَلَيْهِ أَشْيَاخ الْعَرَب فَبَايعُوهُ أَيْضا واستقام أمره وتلقب بالمرتضى وَعقد ليعقوب بن كانون على بني جَابر ولعمه يَعْقُوب بن جرمون على عرب سُفْيَان بعد أَن كَانَ قومه قدموه عَلَيْهِم وَدخل الحضرة واستوزر أَبَا مُحَمَّد بن يُونُس من قرَابَته وَقبض على حَاشِيَة السعيد ثمَّ وصل أَخُوهُ السَّيِّد أَبُو إِسْحَاق الَّذِي كَانَ وزيرا للسعيد من قبل ناجيا من وقْعَة تامزردكت آخِذا على طَرِيق سجلماسة فاستوزره أَيْضا وَأسْندَ إِلَيْهِ أمره وَاسْتولى أَبُو بكر بن عبد الْحق أَمِير بني مرين بعد مهلك السعيد على رِبَاط تازا ومكناسة ثمَّ استولى سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة على فاس وأعمالها فاقتطع عَن المرتضى بِلَاد الغرب كلهَا وَلم يبْق لَهُ إِلَّا بِلَاد الْحَوْز من سلا إِلَى السوس
ولأول دولة المرتضى كَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو على إشبيلية إِحْدَى قَوَاعِد الأندلس فَإِن طاغية قشتالة وَهُوَ الإصبنيول خذله الله حاصرها سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس من شعْبَان من السّنة بعْدهَا ملكهَا صلحا بعد منازلتها حولا كَامِلا وَخَمْسَة أشهر وانتقل كرْسِي المملكة الإسلامية بالأندلس إِلَى غرناطة وَذَلِكَ فِي دولة بني الْأَحْمَر
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ملك الْأَمِير أَبُو بكر المريني سلا ورباط الْفَتْح ووفد على المرتضى بمراكش مُوسَى بن زيان الونكاسي وَأَخُوهُ عَليّ بن زيان من قبيل بني مرين وأغروه بِقِتَال بني عبد الْحق فأسعفهم وَلما انْتهى إِلَى أَمَان إيملولين أشاع يَعْقُوب بن جرمون السفياني قَضِيَّة الصُّلْح بَينهمَا وَأصْبح راحلا وَقد استولى الْجزع على قُلُوب الْجَيْش فَانْفَضُّوا وَوَقعت الْهَزِيمَة من غير قتال وَوصل المرتضى إِلَى الحضرة وأغضى ليعقوب عَمَّا صدر مِنْهُ
وَفِي سنة خمسين وسِتمِائَة اسْترْجع المرتضى سلا ورباط الْفَتْح من يَد بني مرين
وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين بعْدهَا فر من حَاشِيَة المرتضى عَليّ بن يدر
(2/253)

من بني باداسن وَلحق بِبِلَاد السوس وتحصن بِبَعْض جبالها ثمَّ حاصر تارودانت قَاعِدَة بِلَاد السوس فاستولى عَلَيْهَا واستخدم الشبانات وَذَوي حسان من عرب معقل وأطاعته قبائل جزولة واستفحل أمره وَاسْتولى على بسائط السوس فَوجه إِلَيْهِ المرتضى عدَّة جيوش فَهزمَ الْبَعْض وَقتل الْبَعْض ثمَّ جَاءَ ابو دبوس من بعد المرتضى فَنَهَضَ إِلَيْهِ وحاصره بِبَعْض حصونه قرب تارودانت
وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار رغب فِي الْإِقَالَة ومعاودة الطَّاعَة فَقبل ذَلِك مِنْهُ أَبُو دبوس وأقلع عَن حصاره وَعَاد إِلَى الحضرة وَلما استولى بَنو مرين على مراكش سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة استبد على بني يدر هَذَا عَلَيْهِم وتملك قطر السوس وَاسْتولى على تارودانت وَسَائِر قراه ومعاقله وأرهف حَده للْعَرَب وسامهم الهضيمة فزحفوا إِلَيْهِ وقتلوه فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ توارث قطر السوس من بعده جمَاعَة من عشيرته وَاسْتمرّ ملكهم عَلَيْهِ إِلَى زمَان السُّلْطَان أبي الْحسن المريني فَغَلَبَهُمْ عَلَيْهِ وانقرض أَمرهم
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار عمر المرتضى

وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة خرج أَبُو الْحسن بن يَعْلُو قَائِد المرتضى فِي جَيش من الْمُوَحِّدين إِلَى تامسنا ليكشف أَحْوَال الْعَرَب وَمَعَهُ يَعْقُوب بن شيخ بني جَابر قبض عَلَيْهِ وعَلى وزيره ابْن مُسلم وطير بهما إِلَى الحضرة معتقلين
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين بعْدهَا خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس وأعمالها من يَد بني مرين المتغلبين عَلَيْهَا واحتفل فِي الاحتشاد وَبَالغ فِي الاستعداد فَكَانَ جَيْشه ثَمَانِينَ ألف فَارس من الْمُوَحِّدين وَالْعرب والأغزاز وَأهل الأندلس والفرنج فَسَار حَتَّى نزل جبل بني بهْلُول قبْلَة فاس وَكَانَت هَيْبَة بني مرين وناموسهم قد تمكن من قُلُوب جَيش المرتضى فَكَانُوا مُنْذُ قربوا من أحواز فاس لَا ينامون إِلَّا غرارا فَانْطَلق ذَات لَيْلَة فرس لبَعض
(2/254)

الجنديين وَجرى بَين الأخبية وَجرى النَّاس خَلفه ليأخذوه فَظن أهل الْمحلة أَن بني مرين قد أَغَارُوا عَلَيْهِم فَرَكبُوا خيولهم وماج بَعضهم فِي بعض وانقلبوا منهزمين لَا يلوون على شَيْء
واتصل الْخَبَر بِأبي بكر بن عبد الْحق وَهُوَ بفاس فَخرج للْوَقْت واحتوى على جَمِيع مَا فِي محلّة الْمُوَحِّدين من الأخبية والأثاث وَالسِّلَاح وَالْمَال وَمر المرتضى على وَجهه فَدخل مراكش فِي جمع قَلِيل من الْأَشْيَاخ والإفرنج وَأقَام بهَا وَأعْرض عَن بني مرين وتسلى عَنْهُم سَائِر أَيَّامه وازدادت شَوْكَة الْمُوَحِّدين ضعفا
واستبد أَبُو الْقَاسِم العزفي بسبتة واستتب أمره بهَا وتوارث الرياسة بهَا عشيرته من بعده زَمَانا إِلَى أَن غلبهم عَلَيْهَا بَنو مرين
وَفِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة استولى أَبُو بكر بن عبد الْحق على سجلماسة وتقبض على واليها عبد الْحق بن أصكوا بمداخلة خديم لَهُ يعرف بِمُحَمد القطراني وَشرط على الْأَمِير أبي بكر أَن يكون هُوَ الْوَالِي عَلَيْهَا فَأمْضى لَهُ شَرطه وَأنزل مَعَه بهَا جمَاعَة من رجالات بني مرين حَتَّى إِذا هلك أَبُو بكر بن عبد الْحق أخرجهم مُحَمَّد القطراني واستبد بِأَمْر سجلماسة وراجع دَعْوَة المرتضى وَاعْتذر إِلَيْهِ وَاشْترط عَلَيْهِ الاستبداد فَأمْضى لَهُ شَرطه إِلَّا فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة وَبعث أَبَا عمر بن حجاج قَاضِيا من الحضرة وَبَعض السَّادة للنَّظَر فِي الْقَضِيَّة وَقَائِدًا من النَّصَارَى بعسكر للحماية فأعمل القَاضِي ابْن حجاج الْحِيلَة فِي قتل القطراني وَتَوَلَّى الفتك بِهِ قَائِد النَّصَارَى واستبد السَّيِّد بِأَمْر سجلماسة بدعوة المرتضى
واستفحل أَمر بني مرين أثْنَاء ذَلِك وَنزل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق بسائط تامسنا فسرح إِلَيْهِم المرتضى عَسَاكِر الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن عبد الله بن وانودين فأجفلوا إِلَى وَادي أم الرّبيع واتبعهم الموحدون وألحوا عَلَيْهِم فعطف عَلَيْهِم بَنو مرين واقتتلوا بِبَطن الْوَادي فانهزمت عَسَاكِر الْمُوَحِّدين وغدر بهم بَنو جَابر وَكَانَ فِي مسيل الْوَادي كدى يحسر عَنْهَا
(2/255)

المَاء فتبدو كَأَنَّهَا أرجل فسميت الْوَاقِعَة من أجل ذَلِك بِأم الرجلَيْن وَذَلِكَ فِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة وَبَقِي المرتضى يعالج أَمر عَليّ بن بدر الثائر بالسوس إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَأقبل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق فِي جموع بني مرين حَتَّى نزل على مراكش واتصل الْحَرْب بَينه وَبَين الْمُوَحِّدين بظاهرها أَيَّامًا هلك فِيهَا عبد الله بن يَعْقُوب بن عبد الْحق فَبعث المرتضى إِلَى أَبِيه يَعْقُوب بالتعزية ولاطفه وَضرب إتاوة يبْعَث بهَا إِلَيْهِ فِي كل سنة فَرضِي يَعْقُوب وارتحل عَنْهَا وَقيل إِن مقتل عبد الله بن يَعْقُوب كَانَ سنة سِتِّينَ قبل وقْعَة أم الرجلَيْن وَالله تَعَالَى أعلم
انْتِقَاض أبي دبوس على المرتضى واستيلاؤه على مراكش ومقتل المرتضى عقب ذَلِك

لما ارتحل بني مرين عَن مراكش بعد مهلك عبد الله بن يَعْقُوب فر من الحضرة قَائِد حروب المرتضى وَابْن عَمه وَهُوَ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس الملقب بِأبي دبوس ابْن السَّيِّد أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن السَّيِّد أبي حَفْص عمر بن عبد الْمُؤمن لسعاية تمكنت فِيهِ عِنْد المرتضى وَأَنه يطْلب الْأَمر لنَفسِهِ فاحس أَبُو دبوس بِالشَّرِّ وَلحق بِيَعْقُوب بن عبد الْحق فأدركه عِنْد مقدمه إِلَى فاس قَافِلًا من مَنَازِله مراكش فَأقبل عَلَيْهِ الْأَمِير يَعْقُوب وَبَالغ فِي إكرامه فَطلب مِنْهُ أَبُو دبوس الْإِعَانَة على حَرْب المرتضى وَكَانَ بطلا محربا وَضمن لَهُ فتح مراكش وَاشْترط لَهُ الْمُقَاسَمَة فِيمَا يغلب عَلَيْهِ من السُّلْطَان وَمَا يستفيده من الذَّخِيرَة وَالْمَال فأمده الْأَمِير يَعْقُوب بِخَمْسَة آلَاف من بني مرين وبالكفاية من المَال وبالمستجاد من آلَة الْحَرْب من طبول وبنود وَنَحْو ذَلِك وَكتب لَهُ مَعَ ذَلِك إِلَى عرب جشم وأميرهم يَوْمئِذٍ عَليّ بن أبي الخلطي أَن يَكُونُوا مَعَه يدا وَاحِدَة فَسَار أَبُو دبوس حَتَّى وصل إِلَى سلا فَكتب مِنْهَا إِلَى الْعَرَب وأشياخ الْمُوَحِّدين والمصامدة الَّذين فِي طَاعَة المرتضى يَدعُوهُم
(2/256)

إِلَى بيعَته ويعدهم ويمنيهم فَتَلَقَّتْهُ وُفُود الْعَرَب والهساكرة وصنهاجة آزمور بِبَعْض الطَّرِيق فَبَايعُوهُ وَسَارُوا مَعَه حَتَّى نزل بِلَاد هسكورة ثمَّ كتب إِلَى خاصته من وزراء المرتضى أَن يعلموه بِحَال الْبَلَد والدولة فراجعوه أَن أسْرع السّير وَأَقْبل وَلَا تخشن شَيْئا فَإنَّا قد فرقنا الْجند فِي أَطْرَاف الْبِلَاد وَهَذَا وَقت انتهاز الفرصة فزحف أَبُو دبوس إِلَى مراكش حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى أغمات وجد بهَا الْوَزير أَبَا زيد بن يكيت فِي جَيش من حاميتها فناجزه الْحَرْب فَانْهَزَمَ ابْن يكيت وَقتل عَامَّة أَصْحَابه
وَسَار أَبُو دبوس يؤم مراكش وَمَعَهُ سُفْيَان وَبنى جَابر وَكَبِيرهمْ يَوْمئِذٍ علوش بن كانون السفياني فَلَمَّا دنوا من مراكش أغار علوش على بَاب الشَّرِيعَة مِنْهَا وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى ركز رمحه بمصراع الْبَاب وَدخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة والمرتضى بمراكش غافل عَن شَأْن أبي دبوس والأسوار خَالِيَة من الحامية والحراص فقصد أَبُو دبوس بَاب أغمات وتسور الْبَلَد من هُنَالك وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وصمد إِلَى القصبة فاقتحمها من بَاب الطبول وَاسْتولى عَلَيْهَا
وَقَالَ ابْن أبي زرع إِن دُخُول أبي دبوس مراكش كَانَ من بَاب الصَّالِحَة وَذَلِكَ ضحى يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة والصالحة الَّتِي اضيف إِلَيْهَا هَذَا الْبَاب هِيَ بُسْتَان كَبِير من جملَة بساتين أجدال دَار الْخلَافَة بمراكش وَلَا زَالَ هَذَا الْبُسْتَان مَشْهُور بِهَذَا الإسم إِلَى الْآن وَهُوَ من إنْشَاء عبد الْمُؤمن بن عَليّ رَحمَه الله فقد ذ كرّ الشَّيْخ أَبُو عبد الله بن مُحَمَّد عذارى الأندلسي فِي كتاب الْبَيَان المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن بُسْتَان المسرة الَّذِي بِظَاهِر جنان الصَّالِحَة أنشأه عبد الْمُؤمن بن عَليّ كَبِير الْمُوَحِّدين قَالَ وَهُوَ بُسْتَان طوله ثَلَاثَة أَمْيَال وَعرضه قريب مِنْهَا فِيهِ كل فَاكِهَة تشْتَهى وجلب إِلَيْهِ المَاء من أغمات واستنبط لَهُ عيُونا كَثِيرَة
قَالَ ابْن اليسع وَمَا خرجت أَنا من مراكش فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين
(2/257)

وَخَمْسمِائة إِلَّا وَهَذَا الْبُسْتَان الَّذِي غرسه عبد الْمُؤمن يبلغ مَبِيع زيتونه وفواكهه ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مؤمنية على رخص الْفَاكِهَة بمراكش اه
قلت ولشهرة هَذَا الْبُسْتَان وموقعه من النَّاس لهجت بِهِ صبيانهم وسجعوا بِهِ فَيَقُولُونَ يَا جردة مالحة أَيْن بت سارحة فِي جنان الصَّالِحَة فِي أسجاع غير هَذِه تجْرِي على أَلْسِنَة الصّبيان وَالله أعلم
رَجَعَ إِلَى خبر أبي دبوس

قَالَ ابْن أبي زرع لما اقتحم أَبُو دبوس مراكش سَار حَتَّى وقف بِبَاب البنود من القصبة فغلقت الْأَبْوَاب دونه وَقَامَ عبيد المخزن عَلَيْهَا يقاتلونه
وَلما رأى المرتضى أَن أَبَا دبوس قد التحف مَعَه كسَاء دَار الْملك خرج من الْقصر ناجيا بِنَفسِهِ من بَاب الْفَاتِحَة وَمَعَهُ الْوَزير أَبُو زيد بن يَعْلُو الكومي وَأَبُو مُوسَى بن عزوز الهنتاتي ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى كدميوة ثمَّ إِلَى شفشاوة ثمَّ لحق آخرا بآزمور وَنزل على صهر لَهُ من بني عطوش كَانَ واليا عَلَيْهَا من قبله وَكَانَ ابْن عطوش هَذَا قد أسره الْعَدو فافتكه المرتضى بِمَال جسيم وزوجه ابْنَته وولاه آزمور فَلَمَّا وَقعت عَلَيْهِ الكائنة بمراكش ذهب إِلَيْهِ مستجيرا بِهِ ومطمئنا إِلَيْهِ فَكَانَ من جَزَائِهِ لَهُ أَن قبض عَلَيْهِ وَقَيده وَكتب إِلَيْهِ أبي دبوس يُعلمهُ بِشَأْنِهِ فَكتب أَبُو دبوس إِلَيْهِ يستكشفه فِي شَأْن الذَّخِيرَة فَأنْكر المرتضى أَن يكون قد أذخر شَيْئا وَحلف على ذَلِك ومت إِلَيْهِ بالرحم حَتَّى كَاد أَبُو دبوس يعْطف عَلَيْهِ ثمَّ أغراه خاصته بِهِ فَوجه إِلَيْهِ من قَتله فِي الطَّرِيق وأتى إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ وَسَار ابْن عطوش بفعلته هَذِه أظلم من الخيفقان
وَكَانَ مقتل المرتضى فِي الْعشْر الآواخر من شهر ربيع الْأُخَر سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَكَانَ رَحمَه الله ينتمي إِلَى التصوف والزهد والورع وَتسَمى بثالث العمرين وَكَانَ مُولَعا بِالسَّمَاعِ لَا يكَاد يَخْلُو مِنْهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَ فِي أَيَّامه رخاء مفرط لم ير أهل مراكش مثله
(2/258)

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ المرتضى فَاضلا خيرا عفيفا مغمد السَّيْف مائلا إِلَى الْهُدْنَة رَحمَه الله
الْخَبَر عَن دولة أبي الْعَلَاء إِدْرِيس الواثق بِاللَّه الْمَعْرُوف بِأبي دبوس

لما تقدم أَبُو دبوس حَضْرَة الْخلَافَة على المرتضى وفر المرتضى عَنْهَا ملكهَا أَبُو دبوس واستتب أمره بهَا وَبَايَعَهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وَأهل العقد والحل من الوزراء وَالْفُقَهَاء والأشياخ وَكَانَ ذَلِك بِجَامِع الْمَنْصُور يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واستقل أَبُو دبوس بمملكة مراكش وأعمالها وتلقب بالواثق بِاللَّه وَالْمُعْتَمد على الله وبذل الْعَطاء وَنظر فِي الولايات وَرفع المكوس عَن الرّعية
وَلما اتَّصل بالأمير يَعْقُوب بن عبد الْحق مَا كَانَ من أبي دبوس واستيلائه على المملكة كتب إِلَيْهِ يهنئه بِالْفَتْح وَيطْلب مِنْهُ أَن يُمكنهُ من الشَّرْط الَّذِي شَرط لَهُ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْكتاب أَدْرَكته النخوة وَغلب عَلَيْهِ الْكبر وَقَالَ للرسول قل ليعقوب بن عبد الْحق يغتنم سَلَامَته وَيبْعَث إِلَيّ ببيعته حَتَّى أقره على مَا بِيَدِهِ وَإِلَّا غزوته بِجُنُود لَا قبل لَهُ بهَا فَعَاد الرَّسُول إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب وأبلغه الْخَبَر وَدفع إِلَيْهِ كتاب أبي دبوس فَإِذا هُوَ يخاطبه مُخَاطبَة الْخُلَفَاء لعمالهم والرؤساء لخدمهم فتحقق الْأَمِير نكثه وغدره فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جموع بني مرين وعساكر الْمغرب
فَلَمَّا اشرف على مراكش خام أَبُو دبوس عَن اللِّقَاء وتحصن بداره ولجأ إِلَى أسواره فَتقدم الْأَمِير يَعْقُوب حَتَّى نزل على مراكش وحاصرها أَيَّامًا وعادت فِي نَوَاحِيهَا وانتسف مَا حولهَا
وَلما رأى أَبُو دبوس مَا نزل بِهِ مِنْهُ كتب إِلَى قريعه يغمراسن بن زيان صَاحب تلمسان يطْلب مِنْهُ أَن يشغل عَنهُ الْأَمِير يَعْقُوب بِمَا وَرَاءه من أَعمال
(2/259)

فاس وَالْمغْرب وأسنى لَهُ الْهَدِيَّة فِي ذَلِك وأكد الْعَهْد فِي الْمُوَالَاة والمناصرة فَأَجَابَهُ يغمراسن إِلَى ذَلِك نَهَضَ من حِينه فشن الغارات على ثغور الْمغرب واضرم نَار الْفِتْنَة بهَا
واتصل ذَلِك بالأمير يَعْقُوب وَهُوَ محاصر لمراكش فَرجع عوده على بدنه وَسَار إِلَى يغمراسن فناجزه الْحَرْب وانتصف مِنْهُ على مَا يَنْبَغِي وحسم مَادَّة فَسَاده
ثمَّ كرّ رَاجعا إِلَى مراكش فِي شعْبَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما عبر وَادي أم الرّبيع شن الغارات على النواحي وَبث السَّرَايَا فِي الْجِهَات وَطَالَ عيثه فِي الْبِلَاد وأبدأ فِي ذَلِك وَأعَاد حَتَّى ضَاقَتْ صُدُور بني عبد الْمُؤمن بمراكش وتكدر عيشهم فحرضهم أولياؤهم من عرب جشم وأغروهم باستنهاض أبي دبوس لمدافعة عدوه ووعدوهم النَّصْر من أنفسهم فَتحَرك أَبُو دبوس لذَلِك واشرأبت نَفسه إِلَى الْقِتَال فحشد وأبلغ وبرز من الحضرة فِي جيوش ضخمة وجموع وافرة
وَلما علم الْأَمِير يَعْقُوب بِخُرُوجِهِ ودنوه مِنْهُ أظهر من نَفسه الْعَجز عَن لِقَائِه وكر رَاجعا إِلَى جِهَة بِلَاده يستجره بذلك ليبعد عَن الحضرة ومددها وَتَمَادَى أَبُو دبوس فِي اتِّبَاعه حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي ودغفو فكر عَلَيْهِ الْأَمِير يَعْقُوب والتحم الْقِتَال وَقَامَت الْحَرْب على سَاق فَلم تمض إِلَّا سَاعَة حَتَّى انهزم الْمُوَحِّدين وَأطلق أَبُو دبوس عنانه للفرار يُرِيد مراكش فَأَدْرَكته خيل بني مرين وتناولته رماحهم وخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ واحتز رَأسه وَجِيء بِهِ إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى ثمَّ بعث بِهِ إِلَى فاس وَتقدم هُوَ إِلَى مراكش فاستولى عَلَيْهَا فِي أَوَائِل محرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وفر الموحدون الَّذين كَانُوا بمراكش إِلَى جبل تينملل فَبَايعُوا إِسْحَاق بن أبي إِبْرَاهِيم أَخا المرتضى فَبَقيَ ذبالة هُنَالك إِلَى سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة فَقبض عَلَيْهِ وَجِيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق هُوَ وَابْن عَمه السَّيِّد أَبُو سعيد بن أبي الرّبيع ووزيره القبائلي وَأَوْلَاده فَقتلُوا جَمِيعًا وانقرضت دولة بني عبد الْمُؤمن من الأَرْض وَذَهَبت محَاسِن مراكش يَوْمئِذٍ
(2/260)

بذهاب دولتهم والبقاء لله وَحده لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة إِحْدَى وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن جَعْفَر الخزرجي الْمَعْرُوف بالسبتي دَفِين مراكش وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب تاغزوت وَكَانَ شَيْخه أَبُو عبد الله الفخار من أَصْحَاب القَاضِي أبي الْفضل عِيَاض
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ جميل الصُّورَة أَبيض اللَّوْن حسن الثِّيَاب فصيح اللِّسَان قَادِرًا على الْكَلَام لَا يناظره أحد إِلَّا أَفْحَمَهُ حَتَّى كَأَن مواقع الْحجَج من الْكتاب وَالسّنة مَوْضُوعَة على طرف لِسَانه وَكَانَ مَعَ ذَلِك حَلِيمًا صبورا عطوفا يحسن إِلَى من يُؤْذِيه ويحلم عَمَّن يسفه عَلَيْهِ برا باليتامى وَالْمَسَاكِين رحِيما بهم يجلس حَيْثُ أمكنه الْجُلُوس من الْأَسْوَاق والطرقات ويحض النَّاس على الصَّدَقَة وَيَأْتِي بِمَا جَاءَ فِي فَضلهَا من الْآيَات والْآثَار فتنثال عَلَيْهِ من كل جَانب فيفرقها على الْمَسَاكِين وينصرف وَكَانَ لَهُ مَعَ الله تَعَالَى فِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ عقد أكيد ومقام حميد قد ظهر أَثَره على روضته الْمُبَارَكَة بعد وَفَاته
حدث أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الخزرجي قَالَ بَعَثَنِي أَبُو الْوَلِيد بن رشد من قرطبة وَقَالَ لي إِذا رَأَيْت أَبَا الْعَبَّاس السبتي بمراكش فَانْظُر مذْهبه واعلمني بِهِ قَالَ فَجَلَست مَعَ السبتي كثيرا إِلَى أَن حصلت على مذْهبه فأعلمته بذلك فَقَالَ لي أَبُو الْوَلِيد هَذَا رجل مذْهبه أَن الْوُجُود ينفعل بالجود
وَقَالَ الْوَزير ابْن الْخَطِيب كَانَ سَيِّدي أَبُو الْعَبَّاس السبتي رَضِي الله عَنهُ مَقْصُودا فِي حَيَاته مستغاثا بِهِ فِي الأزمات وحاله من أعظم الْآيَات الخارقة للْعَادَة ومبنى أمره على انفعال الْعَالم عَن الْجُود وَكَونه حِكْمَة فِي تأثر الْوُجُود لَهُ فِي ذَلِك أَخْبَار ذائعة وأمثال باهرة
(2/261)

وَلما توفّي ظهر هَذَا الْأَثر على تربته وانسحبت على مَكَانَهُ عَادَة حَيَاته وَوَقع الْإِجْمَاع على تَسْلِيم هَذِه الدَّعْوَى وتخطى النَّاس مُبَاشرَة قَبره بِالصَّدَقَةِ إِلَى بعثها لَهُ من أماكنهم على بعد المدى وَانْقِطَاع الْأَمَاكِن القصى تحملهم أَجْنِحَة نياتهم فَتَهْوِي إِلَيْهِ بمقاصدهم من كل فج عميق فيجدون الثَّمَرَة الْمَعْرُوفَة والكرامة الْمَشْهُورَة
وَفِي سنة عشر وسِتمِائَة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب والأندلس
وَفِي سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السّلمِيّ البلفيقي يَنْتَهِي نسبه إِلَى الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله من كبار الْعلمَاء العاملين والزهد الْمُحَقِّقين مثابرا على الِاجْتِهَاد والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى وَظَهَرت عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ المرية من عدوة الأندلس كرامات وَاجْتمعَ عَلَيْهِ خلق كثير وشاع ذكره هُنَالك فوشوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَة صَاحب مراكش وَهُوَ يُوسُف الْمُنْتَصر الموحدي فَكتب إِلَى عَامله على المرية يَأْمُرهُ بتوجيهه الشَّيْخ أبي إِسْحَاق مكرما غير مروع
وَلما عزم الْعَامِل على تَوْجِيهه قَامَ الْعَامَّة والأتباع دون الشَّيْخ وَأَرَادُوا أَن يحولوا بَينه وَبَين الْعَامِل فَقَالَ لَهُم الشَّيْخ طَاعَة السُّلْطَان وَاجِبَة وَلما انْتهى إِلَى مراكش وَدخل على الْمُنْتَصر هابه وجله وَنَدم على مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ ثمَّ بَالغ فِي إكرامه وَبعد ذَلِك مرض الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَتُوفِّي فِي السّنة الْمَذْكُورَة واحتفل النَّاس لجنازته وحضرها الْأُمَرَاء والكبراء وَكسر الْعَامَّة نعشه واقتسموا أعواده تبركا بِهِ وقبره مَشْهُور بمراكش بسوق الدَّقِيق مِنْهَا وبقرب ضريحه مَسْجِد جَامع ينْسب إِلَيْهِ والعامة تَقول جَامع سَيِّدي إِسْحَاق بِدُونِ لفظ الكنية وَلَيْسَ كَذَلِك
وَفِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة كَانَ الْجَرَاد والقحط والغلاء الشَّديد بالمغرب وفيهَا ألف الْفَقِيه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يحيى التادلي المراكشي الدَّار عرف بِابْن الزيات كِتَابه الْمُسَمّى بالتشوف إِلَى رجال التصوف وَذكر
(2/262)

فِيهِ أَنه لم يتَعَرَّض لذكر أحد من أَوْلِيَاء زَمَانه الْأَحْيَاء غير أَنه ذكر أَن من جملَة أَوْلِيَاء زَمَانه الَّذين كَانُوا قيد الْحَيَاة الشَّيْخ الصَّالح الصُّوفِي أَبَا مُحَمَّد صَالح بن ينضارن بن عفيان الدكالي ثمَّ الماجري نزيل ربط آسفي قَالَ وَهُوَ الْآن يفتر من الْجِهَاد والمحافظة على المواصلة والأوراد وَمن كَلَامه الْفَقِير لَيْسَ لَهُ نِهَايَة إِلَّا الْمَوْت قَالَ وحَدثني عَنهُ تلامذته بعجائب من الكرامات وَالْكَلَام على الخواطر وَهُوَ على سنَن الْمَشَايِخ الأول رَضِي الله عَنهُ
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ وَقيل فِيمَا بعد إِلَى سنة خمس وَعشْرين وَتُوفِّي رَضِي الله عَنهُ شَهِيدا بجبل الْعلم من جبال غمارة وقبره هُنَاكَ مَشْهُور من أعظم مزارات الْمغرب
وَكَانَ سَبَب شَهَادَته أَن مُحَمَّدًا بن أبي الطواجين الكتامي كَانَ قد ثار بِتِلْكَ الْبِلَاد وَانْتَحَلَ صناعَة الكيمياء ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة حَسْبَمَا سلف وَتَبعهُ على ضلالته طغاة غمارة والبربر فَكَانَ عَدو الله يغص بمَكَان الشَّيْخ رَضِي الله عَنهُ لما آتَاهُ الله من شرف التَّقْوَى والاستقامة الْمُؤَيد بشرف النّسَب الصميم والعنصر الْكَرِيم فسول لَهُ الشَّيْطَان أَنه لَا يتم أَمر مخرقته فِي تِلْكَ النَّاحِيَة إِلَّا بقتل الشَّيْخ فَدس لَهُ جمَاعَة من أَتْبَاعه وأشياعه فرصدوا الشَّيْخ حَتَّى نزل من خلوته فِي سحر من الأسحار إِلَى عين هُنَالك قرب الْجَبَل الْمَذْكُور فَتَوَضَّأ مِنْهَا وَولى رَاجعا إِلَى مَحل عِبَادَته وارتقاب فجره فعدوا عَلَيْهِ وقتلوه وَمن الشَّائِع أَنه ألقِي عَلَيْهِم ضباب كثيف أضلهم عَن الطَّرِيق ودفعوا إِلَى شَوَاهِق تردوا مِنْهَا فِي مهاوي سحيقة تمزقت فِيهَا أشلاؤهم وَلم يرجع مِنْهُم خبر
وَالشَّيْخ عبد السَّلَام هَذَا هُوَ ابْن مشيش بن أبي بكر بن عَليّ بن حُرْمَة بن عِيسَى بن سَلام بتَشْديد اللَّام بن مزوار بِفَتْح الْمِيم وبالراء الْمُهْملَة أخيرا ابْن حيدرة واسْمه عَليّ بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم
(2/263)

وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا استأسد الْعَدو الْكَافِر على الْمُسلمين بالأندلس وتوالت لَهُ عَلَيْهِم الهزائم بمواضع مُتعَدِّدَة وَاسْتولى على كثير من الْحُصُون واستلحم مِنْهُم عدَّة أُلُوف حَتَّى خلت الْمَسَاجِد والأسواق
وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة اشْتَدَّ الغلاء بالمغرب والأندلس حَتَّى بيع القفيز من الْقَمْح بِخَمْسَة عشرَة دِينَارا وَعم الْجَرَاد بِلَاد الْمغرب
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة كَانَ السَّيْل الْعَظِيم بفاس هدم من سورها القبلي نَحْو مسافتين وَهدم من جَامع الأندلس ثَلَاثَة بلاطات وَهدم دورا كَثِيرَة وفنادق مُتعَدِّدَة من عدوة الأندلس
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة كَانَ الغلاء بِبِلَاد الْمغرب وَكثر بهَا الْجُوع والوباء حَتَّى بلغ القفيز من الْقَمْح ثَمَانِينَ دِينَارا وخلت الْأَمْصَار من أَهلهَا
وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عاود الغلاء والوباء أَرض الْمغرب فَأكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ يدْفن فِي الحفير الْوَاحِد الْمِائَة من النَّاس
وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقع الْحَرِيق بأسواق فاس فاحترقت حارة بَاب السلسلة بأسرها إِلَى حمام الرحبة وَبِاللَّهِ تَعَالَى الْعِصْمَة والتوفيق
(2/264)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الدولة المرينية

الْخَبَر عَن دولة بني مرين مُلُوك فاس وَالْمغْرب وَذكر أوليتهم وأصلهم

اعْلَم أَن الْعَلامَة الرئيس أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون رَحمَه الله قسم جبل زناتة إِلَى طبقتين الطَّبَقَة الأولى هِيَ الَّتِي كَانَ مِنْهَا مغراوة مُلُوك فاس وَبَنُو يفرن مُلُوك سلا وَقد تقدم الْكَلَام على دولتهم مُسْتَوفى والطبقة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي كَانَ مِنْهُم بَنو عبد الواد مُلُوك تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَبَنُو مرين مُلُوك فاس وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَهَؤُلَاء هم الَّذين تعلق الْغَرَض الْآن بذكرهم
فَاعْلَم أَن جبل زناتة فِي الْمغرب كَمَا قَالَ الرئيس الْمَذْكُور جبل قديم مَعْرُوف الْعين والأثر وهم لهَذَا الْعَهْد آخذون من شعار الْعَرَب فِي سُكْنى الْخيام واتخاذ الْإِبِل وركوب الْخَيل والتقلب فِي الأَرْض وإيلاف الرحلتين وتخطف النَّاس من الْعمرَان والإباية من الانقياد إِلَى النصفة وشعارهم من بَين البربر اللُّغَة الَّتِي يتراطنون بهَا وَهِي مشتهرة بنوعها عَن سَائِر رطانة البربر ومواطنهم فِي سَائِر مَوَاطِن البربر بإفريقية وَالْمغْرب
فَمنهمْ بِبِلَاد النخيل مَا بَين غدامس والسوس الْأَقْصَى حَتَّى أَن عَامَّة تِلْكَ الْقرى الجريدية بالصحراء مِنْهُم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي إفريقية وبجبل أوراس بقايا مِنْهُم سكنوا مَعَ الْعَرَب الهلاليين لهَذَا الْعَهْد وأذعنوا لحكمهم وَالْأَكْثَر مِنْهُم بالمغرب الْأَوْسَط حَتَّى أَنه ينْسب إِلَيْهِم وَيعرف بهم فَيُقَال وَطن زناته وَمِنْهُم بالمغرب الْأَقْصَى أُمَم أخر وَكَانَ بَنو مرين مِنْهُم قبل استيلائهم على ملك الْمغرب أَحيَاء ظواعن بمجالات الْفقر من فيجج إِلَى
(3/3)

سجلماسة إِلَى ملوية وَرُبمَا يخطون فِي ظعنهم إِلَى بِلَاد الزاب وَيذكر نسابتهم أَن الرياسة كَانَت فيهم فِي تِلْكَ العصور لمُحَمد بن ورزيز بن فكوس بن كرماط بن مرين ومرين يتَّصل نسبه بزانا بن يحيى أبي الجيل
وَكَانَ لمُحَمد الْمَذْكُور سَبْعَة من الْوَلَد اثْنَان مِنْهُم شقيقان وهم حمامة وعسكر وَخَمْسَة أَبنَاء علات وَكَانَ يُقَال لَهُم بِلِسَان زناتة تيربعين وَمَعْنَاهُ الْجَمَاعَة
ويزعمون أَن مُحَمَّد بن ورزيز لما هلك قَامَ بأَمْره من قومه ابْنه حمامة بن مُحَمَّد وَكَانَ الْأَكْبَر من وَلَده ثمَّ من بعده شقيقه عَسْكَر بن مُحَمَّد ثمَّ من بعده ابْنه المخضب بن عَسْكَر وَهلك سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فِي بعض الحروب الَّتِي كَانَت بَين عبد الْمُؤمن والمرابطين
ثمَّ قَامَ بِأَمْر بني مرين بعد المخضب ابْن عَمه أَبُو بكر بن حَمَاقَة بن مُحَمَّد إِلَى أَن هلك فَقَامَ بأمرهم ابْنه أَبُو خَالِد محيو بن أبي بكر وَلم يزل مُطَاعًا فيهم إِلَى أَن استنفرهم يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى غَزْوَة الأرك بالأندلس فشهدوها وأبلوا فِيهَا الْبلَاء الْحسن وأصابت محيو بن أبي بكر يَوْمئِذٍ جراحات هلك مِنْهَا بصحراء الزاب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من رياسة عبد الْحق ابْنه من بعده وبقائها فِي عقبَة مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دُخُول بني مرين أَرض الْمغرب الْأَقْصَى واستيلائهم عَلَيْهِ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ السَّبَب فِي دُخُول بني مرين لهَذَا الْقطر المغربي أَنه لما كَانَت وقْعَة الْعقَاب بالأندلس سنة تسع وسِتمِائَة وَهزمَ النَّاصِر وَهلك الْجُمْهُور من حامية الْمغرب ورعاياه حَتَّى خلت الْبِلَاد من أَهلهَا ثمَّ حدث عقب ذَلِك الوباء الْعَظِيم الَّذِي تحيف النَّاس إِلَّا قَلِيلا وَهلك النَّاصِر سنة عشر بعْدهَا فَبَايع
(3/4)

الموحدون ابْنه يُوسُف الْمُنْتَصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ صبي حدث لَا يحسن التَّدْبِير وشغلته مَعَ ذَلِك أَحْوَال الصِّبَا ولذات الْملك عَن الْقيام بِأَمْر الرّعية فتضافرت هَذِه الْأَسْبَاب على الدولة الموحدية فأضعفتها لحينها وأمرضتها الْمَرَض الَّذِي كَانَ سَببا لحينها وَكَانَ بَنو مرين يَوْمئِذٍ موطنين بِبِلَاد الْقبْلَة من زاب إفريقية إِلَى سجلماسة يتنقلون فِي تِلْكَ القفار والصحارى لَا يدْخلُونَ تَحت حكم سُلْطَان وَلَا تنالهم الدولة بهضيمة وَلَا يؤدون إِلَيْهَا ضريبة كَثِيرَة وَلَا قَليلَة وَلَا يعْرفُونَ تِجَارَة وَلَا حرثا إِنَّمَا شغلهمْ الصَّيْد وطراد الْخَيل والغارات على أَطْرَاف الْبِلَاد
وَكَانَت طَائِفَة مِنْهُم ينتجعون تخوم الْمغرب وتلوله زمَان الرّبيع والصيف فيكتالون من أَطْرَاف الْبِلَاد مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْميرَة ويرعون فِيهَا تِلْكَ الْمدَّة أنعامهم وشاءهم حَتَّى إِذا أقبل فصل الشتَاء اجْتمع نجعهم بأكرسيف ثمَّ شدوا الرحلة إِلَى بِلَادهمْ فَكَانَ ذَلِك دأبهم على مر السنين
فَلَمَّا كَانَت سنة عشر وسِتمِائَة أقبل نجعهم على عَادَته للارتفاق والمبرة حَتَّى إِذا أطلوا على الْمغرب من ثناياه ألفوه قد تبدلت أَحْوَاله وبادت خيله وَرِجَاله وفنيت حماته وأبطاله وعريت من أَهله أوطانه وخف مِنْهَا سكانه وقطانه ووجدوا الْبِلَاد مَعَ ذَلِك طيبَة المنبت خصيبة المرعى غزيرة المَاء وَاسِعَة الأكناف فسيحة الْمزَارِع متوفرة العشب لقلَّة راعيها مخضرة التلول والربى لعدم غاشيها فأقاموا بمكانهم وبعثوا إِلَى إخْوَانهمْ فَأَخْبرُوهُمْ بِحَال الْبِلَاد وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الخصب والأمن وَعدم المحامي والمدافع فاغتنموا الفرصة وَأَقْبلُوا مُسْرِعين بنجعهم وحللهم وانتشروا فِي نواحي الْمغرب وأوجفوا عَلَيْهَا بخيلهم وركابهم واكتسحوا بالغارات والنهب بسيطها ولجأت الرعايا إِلَى حصونها ومعاقلها وَتمّ لَهُم مَا أَرَادوا من الِاسْتِيلَاء على بسيط الْمغرب وسهله وانتجاع مواقع طله ووبله
الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن محيو المريني رَحمَه الله

لما دخل بَنو مرين الْمغرب كَانَ الْأَمِير عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ عبد الْحق بن
(3/5)

محبو بن أبي بكر بن حمامة بن مُحَمَّد المريني فَكثر عيثهم وضررهم بالمغرب وأعضل داؤهم وتضاعف على الرّعية بلاؤهم فَرفعت الشكايات بهم إِلَى الْخَلِيفَة بمراكش وَهُوَ يَوْمئِذٍ يُوسُف الْمُنْتَصر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور فَجهز لَهُم جَيْشًا كثيفا من عشْرين ألفا وَعقد عَلَيْهِ لأبي عَليّ بن وانودين وَكتب لَهُ إِلَى صَاحب فاس السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ مَعَه لغزو بني مرين والإثخان فيهم وَعدم الْإِبْقَاء عَلَيْهِم مهما قدر على ذَلِك
واتصل الْخَبَر ببني مرين وهم فِي جِهَات الرِّيف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم وعيالهم بحصن تازوطا من أَرض الرِّيف وصمدوا إِلَى الْمُوَحِّدين فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي نكور فَكَانَ الظُّهُور لبني مرين على الْمُوَحِّدين فهزموهم وقتلوهم وامتلأت الْأَيْدِي من أسلابهم وأمتعتهم وَرجع الموحدون إِلَى فاس يخصفون عَلَيْهِم من ورق النَّبَات الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْمغرب بالمشعلة لِكَثْرَة الخصب يَوْمئِذٍ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلي فسميت تِلْكَ السّنة يَوْمئِذٍ بعام المشعلة وَهِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة ثمَّ زحف الْأَمِير عبد الْحق فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة بجموع بني مرين إِلَى رِبَاط تازة حَتَّى وقف بِإِزَاءِ زيتونها فَخرج عاملها لحربه فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَالْعرب والحشد من قبائل تسول ومكناسة وَغَيرهم فقتلت بَنو مرين الْعَامِل الْمَذْكُور وهزموا جيوشه
وَجمع عبد الْحق الأسلاب وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَقسم ذَلِك كُله فِي قبائل بني مرين وَلم يمسك مِنْهَا لنَفسِهِ شَيْئا وَقَالَ لِبَنِيهِ إيَّاكُمْ أَن تَأْخُذُوا من هَذِه الْغَنَائِم شَيْئا فَإِنَّهُ يكفيكم مِنْهَا الثَّنَاء والظهور على أعدائكم
(3/6)

حَرْب بني مرين مَعَ عرب ريَاح ومقتل الْأَمِير عبد الْحق رَحمَه الله

لما انتصر بَنو مرين على أعدائهم الْمُوَحِّدين حصل فِي نفوس بني عَسْكَر بن مُحَمَّد من عشيرتهم نفاسة عَلَيْهِم وَضَاقَتْ صُدُورهمْ من اسْتِقْلَال بني عمهم حمامة بن مُحَمَّد بالرياسة دونهم فخالفوا الْأَمِير عبد الْحق وعشيرته إِلَى مُظَاهرَة الْمُوَحِّدين وأوليائهم من عرب ريَاح وَكَانَت ريَاح يَوْمئِذٍ أَشد قبائل الْمغرب قُوَّة وَأَقْوَاهُمْ شَوْكَة وَأَكْثَرهم خيلا ورجالا لحدوث عَهدهم بالعز والبداوة فأغراهم الموحدون يَوْمئِذٍ ببني مرين لينتصفوا لَهُم مِنْهُم واتفقت كلمتهم عَلَيْهِم وَسمعت بَنو مرين بإقبال الْعَرَب والموحدين وَبني عَسْكَر إِلَيْهِم فَاجْتمعُوا إِلَى أَمِيرهمْ عبد الْحق فَقَالُوا لَهُ مَا ترى فِي أَمر هَؤُلَاءِ الْعَرَب المقبلين إِلَيْنَا فَقَالَ يَا معشر مرين أما مَا دمتم فِي أَمركُم مُجْتَمعين وَفِي آرائكم متفقين وكنتم على حَرْب عَدوكُمْ أعوانا وَفِي ذَات الله إخْوَانًا فَلَا أخْشَى أَن ألْقى بكم جَمِيع أهل الْمغرب وَإِن اخْتلفت أهواؤكم وتشتت آراؤكم ظفر بكم عَدوكُمْ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا نجدد لَك الْآن بيعَة على السّمع وَالطَّاعَة وَأَن لَا نَخْتَلِف عَلَيْك وَلَا نفر عَنْك أَو نموت دُونك فانهض بِنَا إِلَيْهِم على بركَة الله فَنَهَضَ الْأَمِير عبد الْحق فِي جموع بني مرين فَكَانَ اللِّقَاء بمقربة من وَادي سبو على أَمْيَال من تافرطاست فَكَانَت بَينهم حَرْب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا وَقتل فِيهَا الْأَمِير عبد الْحق وكبير أَوْلَاده إِدْرِيس
وَلما رَأَيْت بَنو مرين مَا وَقع بأميرها وَابْنه حميت وغضبت وَأَقْسَمت بأيمانها أَن لَا يدْفن حَتَّى يَأْخُذُوا بثاره فصمموا الْعَزْم لقِتَال ريَاح واستأنفوا الْجد لقراعهم وصبروا صبرا جميلا فنصرهم الله على عدوهم فهزموا رياحا وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وشردوهم فِي الشعاب والأودية ورؤوس الهضاب واحتووا على مَا كَانَ فِي محلتهم من السِّلَاح وَالْخَيْل والأثاث وَقَامَ بِأَمْر بني مرين بعد هَلَاك عبد الْحق ابْنه عُثْمَان على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
(3/7)

بَقِيَّة أَخْبَار الْأَمِير عبد الْحق وَسيرَته

قَالُوا كَانَ الْأَمِير عبد الْحق المريني مَشْهُورا فِي قومه بالتقى وَالْفضل وَالدّين موسوما بالصلاح وَصِحَّة الْيَقِين مَعْرُوفا بالورع والعفاف مَوْصُوفا فِي سيرته بِالْعَدْلِ والإنصاف يطعم الطَّعَام ويكفل الْأَيْتَام ويؤثر الْمَسَاكِين ويحنو على الْمُسْتَضْعَفِينَ وَكَانَت لَهُ بركَة مَعْرُوفَة ودعوة مستجابة مَوْصُوفَة وَكَانَت قلنسوته وسراويله يتبرك بهما فِي جَمِيع أَحيَاء زناتة وَكَانُوا يحملون فضلَة وضوئِهِ فيستشفون بهَا لمرضاهم وَكَانَ يسْرد الصَّوْم فَلَا يزَال صَائِما طول عمره فِي الْحر وَالْبرد لَا يرى مُفطرا إِلَّا فِي أَيَّام الأعياد كثير الذّكر والأوراد لَا يفتر عَنْهَا فِي سَائِر الْحَالَات متحريا لأكل الْحَلَال لَا يقتات إِلَّا من لُحُوم إبِله وَأَلْبَانهَا أَو مَا يعانيه من الصَّيْد مُعظما فِي بني مرين مُطَاعًا فيهم يقفون عِنْد أمره وَلَا يصدرون إِلَّا عَن رَأْيه
حكى ابْن أبي زرع عَمَّن حَدثهُ من الثِّقَات أَنه قدم على أَمِير الْمُسلمين يَعْقُوب بن عبد الْحق فِي وَفد من أَعْيَان فاس وفقهائها وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة والأمير يَعْقُوب يَوْمئِذٍ برباط الْفَتْح يُرِيد العبور إِلَى ألأندلس برسم الْجِهَاد قَالَ فَجرى فِي مَجْلِسه ذكر وَالِده الْأَمِير عبد الْحق فَقَالَ الْأَمِير يَعْقُوب كَانَ الْأَمِير عبد الْحق رَحمَه الله صَادِق القَوْل إِذا قَالَ فعل وَإِذا عَاهَدَ وفى لم يحلف بِاللَّه قطّ بارا وَلَا حانثا وَلم يشرب مُسكرا قطّ وَلَا ارْتكب فَاحِشَة تضع الْحَوَامِل ببركة إزَاره مَتى عسرت عَلَيْهِنَّ الْولادَة وَكَانَ يسْرد الصَّوْم وَيقوم أَكثر اللَّيْل وَإِذا سمع بِخَبَر صَالح أَو عَابِد قصد لزيارته واستوهب مِنْهُ الدُّعَاء شَدِيد الْخَوْف من الصَّالِحين متواضعا لَهُم وَكَانَ مَعَ ذَلِك سما لأعدائه قاهرا لَهُم وَمَا وجدنَا إِلَّا بركته وبركة من دَعَا لَهُ من الصَّالِحين
قَالُوا وَكَانَ الْأَمِير عبد الْحق فِي ابْتِدَاء أمره قَلِيل الْأَوْلَاد فَرَأى ذَات لَيْلَة فِي مَنَامه كَانَ شعلا أَرْبعا من نَار خرجن مِنْهُ فعلون فِي جو الْمغرب ثمَّ احتوين على جَمِيع أقطاره فَكَانَ تَأْوِيلهَا تمْلِيك بنيه الْأَرْبَعَة من بعده وَهَذَا
(3/8)

مثل الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا عبد الْملك بن مَرْوَان من يوله فِي الْمِحْرَاب أَربع مَرَّات فَكَانَ تَأْوِيلهَا أَن ولي الْخلَافَة أَرْبَعَة من بنيه الْوَلِيد وَسليمَان وَيزِيد وَهِشَام
وَكَانَ للأمير عبد الْحق تِسْعَة من الْوَلَد إِدْرِيس وَهُوَ أكبرهم وَقتل مَعَه فِي حَرْب ريَاح وَعُثْمَان وَمُحَمّد وَأَبُو بكر وَيَعْقُوب وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة هم الَّذين ولوا الْأَمر بعده وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَيُقَال لَهُ بلسانهم رحو وزيان وَأَبُو عياد وَبنت هِيَ الْعَاشِرَة وَالله أعلم
الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي سعيد عُثْمَان بن عبد الْحق رَحمَه الله

لما فرغ بَنو مرين من حَرْب ريَاح وَرَجَعُوا من اتباعهم اجْتَمعُوا إِلَى الْأَمِير أبي سعيد عُثْمَان بن عبد الْحق وَكَانَ أكبر بني أَبِيه بعد إِدْرِيس فعزوه بمصاب أَبِيه وأخيه وَبَايَعُوهُ عَن رضى مِنْهُم فاجتمعت عَلَيْهِ كلمتهم وَلما فرغ الْأَمِير أَبُو سعيد من تجهيز أَبِيه وأخيه ودفنهما أقسم أَن لَا يرجع عَن حَرْب ريَاح حَتَّى يثأر بِمِائَة شيخ مِنْهُم فَسَار إِلَيْهِم وأثخن فيهم حَتَّى شفى نَفسه وأذعنوا إِلَى الطَّاعَة ولاذوا بالسلم فسالمهم على إتاوة يؤدونها إِلَيْهِ كل سنة
ثمَّ ضعفت شَوْكَة الْمُوَحِّدين وتداعى أَمرهم إِلَى الاختلال واشرف ملكهم على ربوة الاضمحلال وتقلص ظلّ حكامهم عَن البدو جملَة وفسدت السابلة وَاخْتَلَطَ المرعى بالهمل
فَلَمَّا رأى الْأَمِير أَبُو سعيد مَا عَلَيْهِ أَمر الْمُوَحِّدين من الضعْف وَمَا نزل برغايا الْمغرب من الْجور والعسف جمع أَشْيَاخ مرين وندبهم إِلَى الْقيام بِأَمْر الدّين وَالنَّظَر فِي مصَالح الْمُسلمين فَأَسْرعُوا إِلَى إجَابَته وَبَادرُوا لتلبية دَعوته
فَسَار بهم أَبُو سعيد فِي نواحي الْمغرب يتقرى مسالكه وشعوبه ويتتبع تلوله ودروبه وَيَدْعُو النَّاس إِلَى طَاعَته وَالدُّخُول فِي عَهده وحمايته فَمن أَجَابَهُ مِنْهُم أَمنه وَوضع عَلَيْهِ قدرا مَعْلُوما من الْخراج وَمن أَبى عَلَيْهِ نابذه وأوقع بِهِ فَبَايعهُ من قبائل الْمغرب هوارة وزكارة ثمَّ تسول ومكناسة ثمَّ بطوية وفشتالة ثمَّ
(3/9)

سدرانة وبهلولة ومديونة فَفرض عَلَيْهِم الْخراج وَفرق فيهم الْعمَّال ثمَّ فرض على أَمْصَار الْمغرب مثل فاس ومكناسة وتازا وَقصر كتامة ضريبة مَعْلُومَة يؤدونها على رَأس كل حول على أَن يكف الْغَارة عَنْهُم وَيصْلح سابلتهم
ثمَّ لما كَانَت سنة عشْرين وسِتمِائَة غزا بِلَاد فازاز وَمن بهَا من ظواعن زناتة فأثخن فيهم حَتَّى أذعنوا للطاعة وَقبض أَيْديهم عَن إذابة النَّاس بالغارات والنهب فِي الطرقات
ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين بعْدهَا غزا عرب ريَاح أهل أزغار وبلاد الهبط فأثخن فيهم حَتَّى كَاد يَأْتِي عَلَيْهِم وَلم يزل دأبه ذَلِك من تدويخ بِلَاد الْمغرب وأقطاره حَتَّى هلك باغتيال علج لَهُ كَانَ رباه صَغِيرا فشب وسول لَهُ الشَّيْطَان الفتك بِهِ فترصد غرته وطعنه بِحَرْبَة فِي منحره فَمَاتَ لوقته سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ
وَكَانَ ذَا نجدة وشجاعة وعزم وكرم وإيثار مكرما للفقهاء وَأهل الصّلاح سالكا فِي ذَلِك سنَن أَبِيه رَحمَه الله
الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي معرف مُحَمَّد بن عبد الْحق رَحمَه الله

لما هلك الْأَمِير أَبُو سعيد قَامَ بِالْأَمر بعده أَخُوهُ أَبُو معرف مُحَمَّد بن عبد الْحق فاقتفى سنَن أخبه فِي تدويخ بِلَاد الْمغرب وَأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم من باديته وَبعث الرشيد بن الْمَأْمُون صَاحب مراكش قائده أَبَا مُحَمَّد بن وانودين لِحَرْب بني مرين وَعقد لَهُ على مكناسة فأجحف بِأَهْلِهَا فِي المغارم ثمَّ نزل بَنو مرين فِي بعض الأحيان بنواحيها وأجلبوا عَلَيْهَا فَنَادَى أَبُو مُحَمَّد فِي عسكره وَخرج إِلَيْهِم فدارت بَينهم حَرْب شَدِيدَة هلك فِيهَا خلق من الْجَانِبَيْنِ وبارز مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عبد الْحق قائدا من قواد الفرنج فاختلفا ضربتين هلك العلج بِإِحْدَاهُمَا وجرح مُحَمَّد بِالْأُخْرَى فاندمل جرحه وَصَارَ أثرا فِي وَجهه لقب من أَجله بِأبي ضَرْبَة ثمَّ شدّ بَنو مرين على الْمُوَحِّدين فانكشفوا وَرجع بن وانودين إِلَى مكناسة مفلولا
(3/10)

وَبَقِي بَنو عبد الْمُؤمن من أثْنَاء ذَلِك فِي مرض من الْأَيَّام وتثاقل عَن الحماية ثمَّ أَوْمَضْت دولتهم إيماضة الخمود وَذَلِكَ أَنه لما هلك الرشيد بن الْمَأْمُون سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَولي أَخُوهُ عَليّ وتلقب بالسعيد وَبَايَعَهُ أهل الْمغرب انصرفت عَزَائِمه إِلَى غَزْو بني مرين وَقطع أطماعهم عَمَّا سمت إِلَيْهِ من تملك المواطن فَجهز عَسَاكِر الْمُوَحِّدين لقتالهم وَمَعَهُمْ قبائل الْعَرَب والمصامدة وجموع الفرنج فنهضوا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فِي جَيش كثيف يناهز عشْرين ألفا فَسمع الْأَمِير أَبُو مَعْرُوف بِإِقْبَالِهِمْ فاستعد لقتالهم وزحف إِلَيْهِم فَكَانَ اللِّقَاء بِموضع يعرف بصخرة أبي بياش من أحواز فاس فدارت بَينهم حَرْب شَدِيدَة وصبر الْفَرِيقَانِ وَلما كَانَ عشي النَّهَار قتل الْأَمِير أَبُو معرف بن عبد الْحق فِي الجولة بيد زعيم من زعماء الفرنج تحاملا فعثر فرس أبي معرف بِهِ وأمكنت العلج فِيهِ الفرصة فاغتنمها وطعنه فَمَاتَ فانهزمت بَنو مرين وتبعهم الموحدون فاتخذوا اللَّيْل جملا وأسروا طول ليلتهم بحللهم وعيالاتهم وَأَمْوَالهمْ فَأَصْبحُوا بجبال غياثة من نواحي تازا فَاعْتَصمُوا بهَا أَيَّامًا ثمَّ خَرجُوا إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء وولوا عَلَيْهِم أَبَا بكر بن عبد الْحق على مَا نذكرهُ وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة وهلاك الْأَمِير أبي معرف عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
الْخَبَر عَن دولة الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق رَحمَه الله

هَذَا الْأَمِير هُوَ الَّذِي رفع من راية بني مرين وسما بهَا إِلَى مرتبَة الْملك وكنيته أَبُو يحيى وَهُوَ أول من جند الْجنُود مِنْهُم وَضرب الطبول وَنشر البنود وَملك الْحُصُون والبلاد واكتسب الطارف والتلاد بَايعه بَنو مرين بعد مهلك أَخِيه أبي معرف فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم فَكَانَ أول مَا ذهب إِلَيْهِ وَرَآهُ من النّظر لِقَوْمِهِ أَن قسم بِلَاد الْمغرب وقبائل جبايته بَين بني مرين وَأنزل كلا مِنْهُم يناحية مِنْهُ سوغهم إِيَّاهَا سَائِر الْأَيَّام طعمة لَهُم وَأمر كل وَاحِد من أَشْيَاخ بني مرين أَن يستركب الرجل ويستلحق الأتباع فحسنت حَالهم وَكَثُرت غاشيتهم وتوفرت جموعهم
(3/11)

اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مكناسة وبيعة أَهلهَا لِابْنِ أبي حَفْص بواسطته

ثمَّ سَار الْأَمِير أَبُو بكر بمحلته فَنزل جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إِلَى بيعَة الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء بن أبي حَفْص صَاحب إفريقية لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ على دَعوته وَفِي ولَايَته وحاصرها وضيق عَلَيْهَا بِمَنْع الْمرَافِق وترديد الغارات إِلَى أَن أذعنوا لطاعته فافتتحها صلحا بمداخلة أَخِيه يَعْقُوب بن عبد الْحق لزعيمها أبي الْحسن بن أبي الْعَافِيَة وبعثوا ببيعتهم إِلَى الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الحفصي وَكَانَت الْبيعَة من إنْشَاء أبي الْمطرف بن عميرَة المَخْزُومِي وَكَانَ من أَعْلَام ذَلِك الْعَصْر ومشاهيره ولي الْقَضَاء لبني عبد الْمُؤمن بِمَدِينَة سلا ثمَّ استقضوه بعْدهَا بمكناسة فَشهد هَذِه الْقَضِيَّة وَكتب الْبيعَة
وَلما فتح الْأَمِير أَبُو بكر مكناسة أقطع أَخَاهُ يَعْقُوب ثلث جبايتها جَزَاء لَهُ على وساطته وَكَانَ فتح مكناسة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ آنس الْأَمِير أَبُو بكر من نَفسه الاستبداد وَمن قبيله الِاسْتِيلَاء فَاتخذ الْآلَة لذَلِك وسما بِنَفسِهِ إِلَى مرتبَة الْملك وَأعد لَهُ عدته وانْتهى الْخَبَر إِلَى السعيد صَاحب مراكش بتغلب الْأَمِير أبي بكر على مكناسة وصرفها لِابْنِ أبي حَفْص فَوَجَمَ لَهَا وفاوض الْمَلأ من أهل دولته فِي أمره وأراهم كَيفَ اقتطع الْأَمر عَنْهُم شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى لم يبْق بيدهم إِلَّا قرارة مراكش وَمَا حولهَا بعد امتداد ظلّ ملكهم على المغربين وإفريقية والأندلس
ثمَّ نَهَضَ السعيد من مراكش سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة يُرِيد مكناسة وَبني مرين أَولا ثمَّ تلمسان ويغمراسن بن زيان ثَانِيًا ثمَّ إفريقية وَابْن أبي حَفْص آخرا
وَلما وصل إِلَى وَادي بهت عرض جيوشه وميزها واتصل الْخَبَر بالأمير أبي بكر وَهُوَ بمكناسة فَخرج وَحده لَيْلًا يتجسس الْأَخْبَار ويستطلع أَحْوَال السعيد وجموعه فَتقدم حَتَّى أشرف على محلّة السعيد من كثب وَلَا علم
(3/12)

لأحد بِهِ فَرَأى مَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ وَرَأى من الرَّأْي أَن يتخلى للسعيد عَن الْبِلَاد وَلَا يناجزه الْحَرْب فلحق بمكناسة واستدعى بني مرين من أماكنهم الَّتِي عين لَهُم فتلاحقوا بِهِ وَسَارُوا إِلَى قلعة تازوطا من بِلَاد الرِّيف فَتَحَصَّنُوا بهَا
وَتقدم السعيد إِلَى مكناسة فَتَلقاهُ أَهلهَا خاضعين مستشفعين إِلَيْهِ بشيوخهم وصبيانهم فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ سَار إِلَى فاس فَنزل بظاهرها من نَاحيَة الْقبْلَة وَخرج إِلَيْهِ أشياخها فَسَلمُوا عَلَيْهِ وسألوه الدُّخُول إِلَى الْبَلَد فتكرم عَنْهُم وَأبي ثمَّ ارتحل إِلَى رِبَاط تازا فَنزل بظاهرها وَهُنَاكَ بعث إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر ببيعته فقبلها وَكتب لَهُ ولقومه بالأمان وَكَانَ فِيمَا خاطبه بِهِ الْأَمِير أَبُو بكر أَن قَالَ لَهُ ارْجع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى حضرتك وَأَنا أكفيك أَمر يغمراسن وَافْتَحْ لَك تلمسان فَشَاور السعيد خاصته فِي ذَلِك فَقَالُوا لَا تفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الزناتي أَخُو الزناتي لَا يُسلمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَإِنَّا نَخَاف أَن يصطلحا على حربك فاسعفهم وَكتب إِلَى الْأَمِير أبي بكر يَقُول لَهُ أقِم بموضعك وَابعث إِلَيّ بِحِصَّة من قَوْمك فأمده بِخَمْسِمِائَة من بني مرين وَعقد عَلَيْهَا لِابْنِ عَمه أبي عياد بن أبي يحيى بن حمامة
وَتقدم السعيد إِلَى تلمسان فَكَانَ من هَلَاكه على قلعة تامذردكت مَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار دولته وَكَانَ الْأَمِير أَبُو بكر لما نزل حصن تازوطا وَأهل ذَلِك الْحصن يَوْمئِذٍ هم بَنو وطاس بطن من بني مرين أَجمعُوا الفتك بِهِ غَيره ونفاسة عَلَيْهِ فَدس إِلَيْهِ بذلك بعض شيوخهم وأعلمه بِمَا تواطؤوا عَلَيْهِ من غدره فارتحل الْأَمِير أَبُو بكر عَنْهُم إِلَى بني بزناسن وَكَانُوا نازلين يَوْمئِذٍ بِعَين الصَّفَا فَأَقَامَ هُنَالك مَعَهم حَتَّى رجعت إِلَيْهِ الْحصَّة الَّتِي كَانَت مَعَ السعيد وأعلموه بمقتله وافتراق جموعه فانتهز الْأَمِير أَبُو بكر الفرصة فِي فل الْمُوَحِّدين واعترضهم بأكرسيف فاستلبهم وانتزع الْآلَة من أَيْديهم وأدار إِلَيْهِ كَتِيبَة الفرنج والناشبة من الأغزاز وَاتخذ الْمركب الملوكي من يَوْمئِذٍ ثمَّ أغذ السّير إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى أَعمال وطاط وحصون ملوية فافتتحها ودوخ جبالها وَذَلِكَ أَوَاخِر صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
(3/13)

اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على فاس وبيعة أَهلهَا لَهَا

لما فرغ الْأَمِير أَبُو بكر من فتح حصون ملوية صرف عزمه إِلَى فتح فاس وانتزاعها من يَد بني عبد الْمُؤمن وَكَانَ الْعَامِل بهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبَا الْعَبَّاس من بني عبد الْمُؤمن فَأَنَاخَ عَلَيْهَا الْأَمِير أَبُو بكر بخيله وَرجله وتلطف فِي مداخلة أَهلهَا وَضمن لَهُم جميل النّظر وَحميد السِّيرَة وكف الْأَذَى عَنْهُم فَأَجَابُوهُ ووثقوا بعهده وغنائه وأووا إِلَى ظله وركنوا إِلَى طَاعَته وانتحال الدعْوَة الحفصية بأَمْره ونبذوا طَاعَة بني عبد الْمُؤمن بَأْسا من صريخهم فَبَايعُوهُ بالرابطة خَارج بَاب الشَّرِيعَة وَحضر هَذِه الْبيعَة الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الفشتالي ونشده الله على الْوَفَاء بِمَا اشْترط على نَفسه من النّظر لَهُم والذب عَنْهُم وسلوك طَرِيق الْعدْل فيهم فَكَانَ حُضُوره ملاك تِلْكَ الْعقْدَة وَالْبركَة الَّتِي يتعرف أَثَرهَا خَلفهم فِي تِلْكَ الْبيعَة
وَدخل الْأَمِير أَبُو بكر مَدِينَة فاس زَوَال يَوْم الْخَمِيس السَّادِس وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بعد موت السعيد صَاحب مراكش بشهرين وَلما دخل الْأَمِير أَبُو بكر قَصَبَة فاس أَمن السَّيِّد أَبَا الْعَبَّاس عَامل الْمُوَحِّدين بهَا وَأخرجه من القصبة بعياله وَأَوْلَاده وَبعث مَعَه سبعين فَارِسًا يبلغونه إِلَى مأمنه فأجازوه وَادي أم الرّبيع وَرَجَعُوا
ثمَّ نَهَضَ الْأَمِير أَبُو بكر إِلَى منازلة تازا وَبهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو عَليّ بن مُحَمَّد أَخُو أبي دبوس فنازلها أَرْبَعَة أشهر حَتَّى نزلُوا على حكمه فَقتل بَعضهم وَمن على آخَرين مِنْهُم وسد ثغورها وأقطع أَخَاهُ يَعْقُوب بن عبد الْحق رِبَاط تازا وحصون ملوية وَرجع إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا نَحْو سنة واستقامت لَهُ الْأُمُور وقدمت عَلَيْهِ الْوُفُود وَأمر الْقَبَائِل بالنزول فِي البسائط وَعمارَة الْقرى والمداشر وَأمنت الطرقات وتحركت التُّجَّار ورخصت الأسعار وَصلح أَمر النَّاس واغتبطوا بولايته
(3/14)

انْتِقَاض أهل فاس على الْأَمِير أبي بكر ومحاصرته إيَّاهُم

لما استولى الْأَمِير أَبُو بكر على الْمغرب وَملك مَدِينَة فاس كَمَا ذكرنَا نَهَضَ فِي ربيع الأول سنة سبع واربعين وسِتمِائَة إِلَى مَعْدن الْعَوام من بِلَاد فازاز لفتح بِلَاد زناتة وتدويخ نَوَاحِيهَا واستخلف على فاس مَوْلَاهُ السُّعُود بن خرباش من جمَاعَة الحشم أحلاف بني مرين وَكَانَ الْأَمِير أَبُو بكر لما فتح فاسا استبقى من كَانَ فِيهَا من عَسْكَر بني عبد الْمُؤمن من غير نسبهم على الْوَجْه الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ من الْخدمَة مَعَ الْمُوَحِّدين وَكَانَ من جُمْلَتهمْ طَائِفَة من النَّصَارَى نَحْو الْمِائَتَيْنِ وَعَلَيْهِم قَائِد مِنْهُم يُقَال لَهُ شريد الفرنجي فَكَانُوا من حِصَّة السُّعُود هُنَالك فَوَقَعت بَينهم وَبَين شيعَة الْمُوَحِّدين من أهل فاس مداخلة وعزم الفاسيون على الفتك بالسعود وتحويل الدعْوَة إِلَى المرتضى فَاجْتمعُوا إِلَى القَاضِي أبي عبد الرَّحْمَن المغيلي وفاوضوه فِي ذَلِك فوافقهم على رَأْيهمْ فاستدعوا شَرِيدًا وَقَالُوا لَهُ تقتل هَذَا الْأسود وتضبط الْبَلَد حَتَّى نكتب إِلَى المرتضى فيبعث إِلَيْنَا من يقوم بأمرنا فأجابهم إِلَى ذَلِك وَكَانَ ميله إِلَى الْمُوَحِّدين وهواه مَعَهم لكَونه صنيعتهم وَكَانَ الَّذِي مَشى فِي هَذِه الثورة وَتَوَلَّى كبرها المشرف ولد القَاضِي الْمَذْكُور وَابْن جشار وَأَخُوهُ وَابْن أبي طاط وَولده
فَلَمَّا كَانَت صَبِيحَة الثُّلَاثَاء الموفي عشْرين من شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة طلع الْأَشْيَاخ المذكورون إِلَى القصبة للسلام على السُّعُود على عَادَتهم فِي ذَلِك فَدَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَجْلِس حكمه وهاجوه بِبَعْض المحاورات فَغَضب وانتهرهم فَوَثَبُوا بِهِ وَنَادَوْا بشعارهم وَكَانَ شريد الفرنجي وَاقِفًا فِي عسكره أَمَام القصبة قد وأطأهم على ذَلِك فاقتحم على السُّعُود فَقتله وَقتل مَعَه أَرْبَعِينَ من رِجَاله واحتز الْعَامَّة رَأسه ورفعوه على عَصا وطافوا بِهِ فِي أسواق الْبَلَد وسككها واقتحموا الْقصر فانتهبوه وَسبوا الْحرم ونصبوا النَّصْرَانِي لضبط الْبَلَد وبعثوا ببيعتهم إِلَى المرتضى صَاحب مراكش واتصل الْخَبَر بالأمير أبي بكر وَهُوَ منَازِل بِلَاد فازاز فأفرج عَنْهَا وَأخذ السّير إِلَى فاس فَأَنَاخَ عَلَيْهَا بعساكره وشمر لحصارها وَقطع الْمَادَّة عَنْهَا
(3/15)

وَبعث أهل فاس إِلَى المرتضى بالصريخ فَلم يرجع إِلَيْهِم قولا وَلَا ملك لَهُ ضرا وَلَا نفعا وَلَا وجد لكشف مَا نزل بهم حِيلَة وَلَا وَجها سوى أَنه استجاش على الْأَمِير أبي بكر بيغمراسن بن زيان صَاحب تلمسان وأمله لكشف هَذِه النَّازِلَة عَمَّن انحاش إِلَى طَاعَته فَأَجَابَهُ يغمراسن إِلَى ذَلِك وطمع أَن يكون ذَلِك سَببا لَهُ فِي تملك الْمغرب وسلما للصعود إِلَى ذرْوَة ملكه فاحتشد لحركته ونهض من تلمسان للأخذ بحجزة الْأَمِير أبي بكر عَن فاس وَأَهْلهَا
واتصل بالأمير أبي بكر خبر نهوضه إِلَيْهِ لتسعة أشهر من منازلته فاسا فجمر الْكَتَائِب عَلَيْهَا وصمد إِلَيْهِ قبل فصوله عَن تخوم بِلَاده فَلَقِيَهُ بوادي أيسلي من بسيط وَجدّة فتزاحف الْقَوْم وَكَانَت ملحمة عَظِيمَة هلك فِيهَا عبد الْحق بن مُحَمَّد بن عبد الْحق بيد إِبْرَاهِيم بن هِشَام من بني عبد الواد
ثمَّ انكشفت بَنو عبد الواد وَنَجَا يغمراسن بن زيان إِلَى تلمسان بِرَأْس طمرة ولجام وَترك محلته بِمَا فِيهَا فاحتوى عَلَيْهَا الْأَمِير أَبُو بكر وانكفأ رَاجعا إِلَى فاس للأخذ بمخنقها فوصل إِلَيْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وأناخ عَلَيْهَا بكلكله واستأنف الْجد وأرهف الْحَد وشدد فِي الْحصار وأيس أهل فاس من إغاثة المرتضى وَسقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا وَلم يَجدوا وليجة من دون مُرَاجعَة طَاعَة بني مرين فسألوا الْأَمِير أَبَا بكر الْأمان فبذله لَهُم على غرم مَا أتلفوا لَهُ بِالْقصرِ من المَال يَوْم الثورة وَقدره مائَة ألف دِينَار فتحملوها وأمكنوه من قياد الْبَلَد فَدَخلَهَا فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور فَأَقَامَ بهَا إِلَى رَجَب الموَالِي لَهُ وطالبهم بِالْمَالِ فسوفوه وتلووا فِي الْمقَال
فَلَمَّا رأى ذَلِك مِنْهُم قبض على جمَاعَة من أشياخها وأمنائها وأثقلهم بالحديد وطالبهم بِالْمَالِ والأثاث الَّذِي انتهبوه من الْقصر فَقَالَ لَهُ شيخ يعرف بِابْن الخبا إِنَّمَا فعل الذَّنب منا سِتَّة فَكيف تُهْلِكنَا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا وَلَو فعل الْأَمِير مَا أُشير بِهِ عَلَيْهِ لَكَانَ صَوَابا من الرَّأْي فَقَالَ وَمَا ذَلِك قَالَ تعمد إِلَى هَؤُلَاءِ النَّفر السِّتَّة وَالَّذين سعوا فِي الْفِتْنَة فتأخذ رؤوسهم وتشرد بهم من خَلفهم ثمَّ تأخذنا نَحن بغرم المَال فَقَالَ لعمري لقد أصبت
(3/16)

ثمَّ أَمر بِالْقَاضِي المغيلي وَابْنه وَابْن أبي طاط وَابْنه وَابْن جشار وأخيه فَقتلُوا وَرفعت على الشرفات رؤوسهم وَأخذ البَاقِينَ بغرم المَال طَوْعًا وَكرها قَالَ ابْن خلدون فَكَانَ ذَلِك مِمَّا عبد رعية فاس وقادها لأحكام بني مرين وَضرب الرهب على قُلُوبهم فخشعت مِنْهُم الْأَصْوَات وانقادت مِنْهُم الهمم وَلم يحدثوا بعْدهَا أنفسهم بغمس يَد فِي فتْنَة وَكَانَ مقتل النَّفر الْمَذْكُورين خَارج بَاب الشَّرِيعَة يَوْم الْأَحَد الثَّامِن من رَجَب الْمَذْكُور
اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مَدِينَة سلا ثمَّ ارتجاعها مِنْهُ وهزيمة المرتضى بعد ذَلِك

لما أكمل الله للأمير أبي بكر فتح مَدِينَة فاس واستوسق أَمر بني مرين بهَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ من منازلة بِلَاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة وَاقْتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين بهَا ثمَّ تخطى ذَلِك إِلَى مَدِينَة سلا ورباط الْفَتْح سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فملكها وتاخم الْمُوَحِّدين بثغرها وَاسْتعْمل عَلَيْهَا ابْن أَخِيه يَعْقُوب بن عبد الله بن عبد الْحق وَعقد لَهُ على ذَلِك الثغر وَضم الْأَعْمَال إِلَيْهِ
وَبلغ الْخَبَر بذلك إِلَى المرتضى بمراكش فأهمه الشَّأْن وأحضر الْمَلأ من الْمُوَحِّدين وفاوضهم واعتزم على حَرْب بني مرين وسرح العساكر سنة خمسين وسِتمِائَة فأحاطت بسلا ثمَّ افتتحوها وعادت إِلَى طَاعَة المرتضى وَعقد عَلَيْهَا لأبي عبد الله بن يَعْلُو من مشيخة الْمُوَحِّدين ثمَّ اجْمَعْ المرتضى النهوض بِنَفسِهِ إِلَى بني مرين فَبعث فِي الْمَدَائِن والقبائل حاشرين فأهرعت إِلَيْهِ أُمَم الْمُوَحِّدين وَالْعرب والمصامدة وَغَيرهم وَفصل من مراكش سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة فِي نَحْو الثَّمَانِينَ ألفا وَولى السّير حَتَّى انْتهى إِلَى جبال بهلولة من نواحي فاس وصمد إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر فِي عَسَاكِر بني مرين وَمن اجْتمع إِلَيْهِم من ذويهم
(3/17)

والتقى الْجَمْعَانِ هُنَالك وَصدقهمْ بَنو مرين الجلاد فاختل مصَاف الْمُوَحِّدين وانهزمت عَسَاكِر المرتضى وأسلمه قومه وَرجع إِلَى مراكش مفلولا وَاسْتولى بَنو مرين على مُعَسْكَره واستباحوا سرادقة وانتهبوا فساطيطه وغنموا جَمِيع مَا وجدوا لَهَا من المَال والذخيرة وَاسْتَاقُوا سَائِر الكراع وَالظّهْر وامتلأت أَيْديهم من الْغَنَائِم واعتز أَمرهم وانبسط سلطانهم وَكَانَ يَوْمًا لَهُ مَا بعده وَفِي القرطاس أَن انهزام جَيش المرتضى فِي هَذِه الْمرة كَانَ عَن جولان فرس بَين أخبيتهم لَيْلًا فَحَسبُوا أَن بني مرين قد أَغَارُوا عَلَيْهِم فَانْهَزَمُوا لَا يلوون على شَيْء وَالله أعلم
ثمَّ غزا الْأَمِير أَبُو بكر بعد هَذَا بِلَاد تادلا فاستباح حاميتها من بني جَابر عرب جشم واستلحم أبطالهم والآن من جدهم وخضد من شوكتهم وَفِي خلال هَذِه الحروب كَانَ مقتل عَليّ بن عُثْمَان بن عبد الْحق وَهُوَ ابْن أخي الْأَمِير أبي بكر شعر مِنْهُ بِفساد الدخيلة وَالْإِجْمَاع للتوثب على الْأَمر فَدس لِابْنِهِ أبي حَدِيد مِفْتَاح بن أبي بكر بقتْله فَقتله فِي جِهَات مكناسة سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم
اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على سجلماسة وَدِرْعه وَسَائِر بِلَاد الْقبْلَة

لما كَانَت سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة نَهَضَ الْأَمِير أَبُو بكر إِلَى محاربة يغمراسن بن زيان وَسمع بِهِ يغمراسن فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَيْضا فَكَانَ اللِّقَاء بِأبي سليط فَاقْتَتلُوا وَانْهَزَمَ يغمراسن واعتزم الْأَمِير أَبُو بكر على اتِّبَاعه فثناه عَن رَأْيه فِي ذَلِك أَخُوهُ يَعْقُوب بن عبد الْحق لعهد تَأَكد بَينه وَبَين يغمراسن فَرجع
وَلما انْتهى إِلَى المقرمدة من أحواز فاس بلغه أَن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة كَانَت لَهُ من بعض أَهلهَا وعورة أطمعته فِي ملكهَا فأسرع الْأَمِير أَبُو بكر السّير بجموعه إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا قبل وُصُول يغمراسن إِلَيْهَا بِيَوْم ثمَّ جَاءَ يغمراسن حَتَّى نزل خَارِجهَا بِبَاب تاحسنت وَسقط فِي يَده ويئس من غَلَبَة الْأَمِير أبي بكر عَلَيْهَا ودارت بَينهمَا حَرْب تكافأ
(3/18)

الْفَرِيقَانِ فِيهَا وَهلك سُلَيْمَان بن عُثْمَان بن عبد الْحق ابْن أخي الْأَمِير أبي بكر وانقلب يغمراسن إِلَى بَلَده وَعقد الْأَمِير أَبُو بكر على سجلماسة ودرعة وَسَائِر بِلَاد الْقبْلَة ليوسف بن يزكاسن وَاسْتعْمل على الجباية عبد السَّلَام الأوربي وَجعل مسلحة الْجند بهَا لنظر أبي يحيى القطراني وَملكه قيادتهم وانكفأ رَاجعا إِلَى فاس وَالله تَعَالَى أعلم
وَفَاة الْأَمِير أبي بكر رَحمَه الله

لما رَجَعَ الْأَمِير أَبُو بكر من حَرْب يغمراسن على سجلماسة أَقَامَ بفاس أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى سجلماسة أَيْضا متفقدا لثغورها فَانْقَلَبَ مِنْهَا عليلا وَوصل إِلَى فاس فَتوفي بقصره من قصبتها أواسط رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَدفن دَاخل بَاب الجيزيين من أَبْوَاب عدوة الأندلس بِإِزَاءِ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الفشتالي حَسْبَمَا أوصى بذلك وتصدى للْقِيَام بِالْأَمر بعده ابْنه عمر على مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أبي حَفْص الْأَمِير عمر بن أبي بكر بن عبد الْحق رَحمَه الله

لما مَاتَ الْأَمِير أَبُو بكر رَحمَه الله اشْتَمَل الْعَامَّة من بني مرين على ابْنه أبي حَفْص عمر فَبَايعُوهُ ونصبوه لِلْأَمْرِ وتباروا فِي خدمته ومالت المشيخة وَأهل العقد والحل إِلَى عَمه يَعْقُوب بن عبد الْحق وَكَانَ غَائِبا عِنْد مهلك أَخِيه بتازا فَلَمَّا بلغه الْخَبَر أسْرع اللحاق بفاس وتوجهت إِلَيْهِ وُجُوه الأكابر وأحس عمر بميل النَّاس إِلَى عَمه يَعْقُوب فقلق لذَلِك وأغراه أَتْبَاعه بِالْفَتْكِ بِعَمِّهِ فاعتصم بالقصبة ثمَّ سعى النَّاس فِي الْإِصْلَاح بَينهمَا فتفادى يَعْقُوب من الْأَمر وَدفعه إِلَى ابْن أَخِيه على أَن تكون لَهُ بِلَاد تازا وبطوية وملوية الَّتِي كَانَ أقطعه إِيَّاهَا أَخُوهُ من قبل فانفصلوا على ذَلِك وخلص الْأَمر لعمر وَاسْتمرّ بفاس أشهرا إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ عَمه الْمَذْكُور حَسْبَمَا نقص عَلَيْك
(3/19)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

هَذَا السُّلْطَان جليل الْقدر عَظِيم الشان وَهُوَ سيد بني مرين على الْإِطْلَاق وستسمع من أخباره الْحَسَنَة مَا يسْتَغْرق الْوَصْف ويستوقف السّمع والطرف وَهُوَ رَابِع الْإِخْوَة الْأَرْبَعَة الَّذين ولوا الْأَمر بالمغرب من بني عبد الْحق وَكَانَت أمه وَاسْمهَا أم الْيمن بنت عَليّ البطوي رَأَتْ وَهِي بكر كَأَن الْقَمَر خرج من قبلهَا حَتَّى صعد إِلَى السَّمَاء وأشرق نوره على الأَرْض فقصت رؤياها على أَبِيهَا فَسَار إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عُثْمَان الورياكلي فَقَصَّهَا عَلَيْهِ فَقَالَ إِن صدقت رؤياها فستلد ملكا عَظِيما فَكَانَ كَذَلِك وَلما انْفَصل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق عَن ابْن أَخِيه عمر بِولَايَة تازا وَمَا أضيف إِلَيْهَا اجْتمع إِلَيْهِ كَافَّة بني مرين وعذلوه فِيمَا كَانَ مِنْهُ من التخلي عَن الْملك وَحَمَلُوهُ على الْعود فِي الْأَمر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والنصر إِلَى أَن يتم أمره فَأجَاب وَبَايَعُوهُ وصمد الى فاس فبرز الْأَمِير عمر للقائه
وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ خذل عمر جُنُوده وأسلموه فَرجع إِلَى فاس مفلولا وَوجه الرَّغْبَة إِلَى عَمه أَن يقطعهُ مكناسة وَينزل لَهُ عَن الْأَمر فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَدخل السُّلْطَان يَعْقُوب مَدِينَة فاس فملكها سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة ونفذت كَلمته فِي بِلَاد الْمغرب مَا بَين ملوية وَأم الرّبيع وَمَا بَين سجلماسة وَقصر كتامة وَاقْتصر عمر على إِمَارَة مكناسة فتولاها اياما ثمَّ اغتاله بعض عشيرته فَقَتَلُوهُ لنَحْو سنة من إمارته فَكفى الْأَمِير يَعْقُوب أمره واستقام سُلْطَانه وَذهب التَّنَازُع والشقاق عَن ملكه
وَكَانَ يغمراسن بن زيان لما سمع بِمَوْت قرنه الْأَمِير أبي بكر سما لَهُ أمل فِي الإجلاب على الْمغرب فَجمع لذَلِك قومه من بني عبد الواد وَاسْتظْهر ببني توجين ومغراوة وَوَعدهمْ ومناهم وأطمعهم فِي غيل الْأسد ثمَّ نَهَضَ بهم الى الْمغرب حَتَّى إِذا انْتَهوا إِلَى كلدمان صَمد إِلَيْهِم الْأَمِير يَعْقُوب ففلهم وردهم على أَعْقَابهم وَمر يغمراسن فِي طَرِيقه بتافرسيت من بِلَاد بطوية فَأحرق
(3/20)

وانتسف واستباح وَأعظم النكاية وَرجع الْأَمِير يَعْقُوب إِلَى فاس واقتفى مَذْهَب أَخِيه الْأَمِير أبي بكر فِي فتح أَمْصَار الْمغرب وتدويخ أقطاره وَكَانَ مِمَّا أكْرمه الله بِهِ أَن فتح أمره باستنقاذ مَدِينَة سلا من أَيدي نَصَارَى الإصبنيول فَكَانَ لَهُ بهَا أثر جميل وَذكر خَالِد رَحمَه الله
اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على مَدِينَة سلا وإيقاع السُّلْطَان يَعْقُوب بهم وطردهم عَنْهَا

كَانَ يَعْقُوب بن عبد الله بن عبد الْحق قد اسْتَعْملهُ عَمه الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق على مَدِينَة سلا لما ملكهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلما استرجعها الموحدون من يَده أَقَامَ يتقلب فِي جهاتها مترصدا للفرصة وإمكانها فِيهَا وَلما بُويِعَ عَمه السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق آسفته بعض الْأَحْوَال مِنْهُ فَذهب مغاضبا حَتَّى نزل عين غبولة وألطف الْحِيلَة فِي تملك رِبَاط الْفَتْح وسلا ليعتدهما ذَرِيعَة لما اسر فِي نَفسه من التوثب على الْأَمر فتمت لَهُ الْحِيلَة وَملك سلا وَركب عاملها أَبُو عبد الله بن يَعْلُو الْبَحْر فَارًّا إِلَى آزمور وَخلف أَمْوَاله وَحرمه فتملك يَعْقُوب بن عبد الله ذَلِك وَتمكن من الْبَلَد وجاهر بِالْخلْعِ وَصرف إِلَى مُنَازعَة عَمه السُّلْطَان يَعْقُوب وُجُوه الْعَزْم وتمكنت الوحشة بَين اليعقوبين
وداخل يَعْقُوب سلا تجار الْحَرْب من الإصبنيول فِي الْإِمْدَاد بِالسِّلَاحِ فتباروا فِي ذَلِك وَكَثُرت سفن المترددين مِنْهُم إِلَيْهَا حَتَّى كَثُرُوا أَهلهَا وَزَاد عَددهمْ فعزموا على الثورة بهَا واهتبلوا فِيهَا غرَّة عيد الْفطر من سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة عِنْد اشْتِغَال النَّاس بعيدهم وثاروا بسلا فِي الْيَوْم الثَّانِي من شَوَّال فوضعوا السَّيْف فِي أَهلهَا وَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا الْحرم وانتهبوا الْأَمْوَال وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما وضبطوا الْبَلَد وتحصن يَعْقُوب بن عبد الله برباط الْفَتْح
وطار الصَّرِيخ إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَدِينَة تازا
(3/21)

دَخلهَا أَوَائِل شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة لاستشراف أَحْوَال يغمراسن بن زيان فوصل إِلَيْهِ الْخَبَر فِي الْيَوْم الرَّابِع من شَوَّال الْمَذْكُور فَنَهَضَ السُّلْطَان يَعْقُوب من فوره بعد أَن صلى الْعَصْر بتازا من ذَلِك الْيَوْم فَأسْرى ليلته تِلْكَ فِي نَحْو الْخمسين فَارِسًا وَمن الْغَد صلى الْعَصْر بِظَاهِر سلا فَكَانَ قطعه مَسَافَة مَا بَينهمَا فِي يَوْم وَلَيْلَة وَهَذَا أَمر خارق للْعَادَة بِلَا شكّ أظهره الله على يَد هَذَا السُّلْطَان لصدق عزمه وَحسن نِيَّته وَإِلَّا فالمسافة مَا بَين تازا وسلاست مراحل أَو أَكثر ثمَّ تلاحقت بِهِ جيوش الْمُسلمين من الْقَبَائِل المتطوعة من جَمِيع آفَاق الْمغرب فحاصر النَّصَارَى بهَا وضيق عَلَيْهِم ووالى الْقِتَال عَلَيْهِم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار حَتَّى اقتحمها عَلَيْهِم عنْوَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة من حصارها وأثخن فيهم بِالْقَتْلِ وَنَجَا من نجا مِنْهُم إِلَى سفنهم فنشروا قلوعهم وذهبوا يلتفتون وَرَاءَهُمْ ثمَّ شرع السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله فِي بِنَاء السُّور الغربي من سلا الَّذِي يُقَابل الْوَادي مِنْهَا فَإِنَّهَا كَانَ لَا سور لَهَا من تِلْكَ الْجِهَة من أَيَّام عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَإِنَّهُ كَانَ قد هدم أسوار قَوَاعِد الْمغرب مثل فاس وسبتة وسلا حَسْبَمَا قدمنَا الْخَبَر عَنهُ فِي دولته وَمن هَذِه التلمة كَانَ دُخُول النَّصَارَى الى سلا فشرع السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله فِي بنائِهِ فبناه من أول دَار الصِّنَاعَة قبْلَة إِلَى الْبَحْر جوفا وَكَانَ رَحمَه الله يقف على بنائِهِ بِنَفسِهِ ويناول الْحجر بِيَدِهِ ابْتِغَاء ثَوَاب الله وتواضعا وسعيا فِي صَلَاح الْمُسلمين حَتَّى تمّ السُّور الْمَذْكُور على أحصن وَجه وأكمله
وَدَار الصِّنَاعَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْخَبَر هِيَ الدَّار الَّتِي كَانَت تصنع بهَا الأساطيل البحرية والمراكب الجهادية يجلب إِلَيْهَا الْعود من غابة المعمورة فتصنع هُنَالك ثمَّ ترسل فِي الْوَادي وَكَانَ ذَلِك من الْأَمر المهم فِي دولة الْمُوَحِّدين حَسْبَمَا سلف قَالَ فِي الجذوة دَار الصِّنَاعَة بسلا بناها الْمعلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَاج من أهل إشبيلية وَكَانَ من العارفين بالحيل الهندسية وَمن أهل المهارة فِي نقل الأجرام وَرفع الأثقال بَصيرًا باتخاذ الْآلَات الحربية الجافية اه
وَأما يَعْقُوب بن عبد الله الثائر فَإِنَّهُ خشِي بادرة السُّلْطَان يَعْقُوب بن
(3/22)

عبد الْحق فَخرج من رِبَاط الْفَتْح وأسلمه فضبطه السُّلْطَان وثقفه ثمَّ نَهَضَ إِلَى بِلَاد تأمسنا فاستولى عَلَيْهَا وَملك مَدِينَة آنفى وَهِي الْمُسَمَّاة الْآن بِالدَّار الْبَيْضَاء فضبطها وَلحق يَعْقُوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة فَامْتنعَ بِهِ وسرح السُّلْطَان ابْنه أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد وَعلي بن زيان لمنازلته وَسَار هُوَ إِلَى لِقَاء يغمراسن فَلَقِيَهُ وَعقد مَعَه المهادنة وافترقا على السّلم وَوضع أوزار الْحَرْب وَرجع السُّلْطَان إِلَى الْمغرب فَخرج عَلَيْهِ بَنو أَخِيه إِدْرِيس على مَا نذكرهُ
خُرُوج بني إِدْرِيس بن عبد الْحق على عمهم السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

قد تقدم لنا أَن الْأَمِير عبد الْحق المريني كَانَ لَهُ تِسْعَة من الْوَلَد أكبرهم إِدْرِيس وَقتل مَعَ وَالِده فِي حَرْب ريَاح وَكَانَ لإدريس هَذَا عدَّة أَوْلَاد بقوا فِي كَفَالَة أعمامهم وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب وَكَانَ أَوْلَاد إِدْرِيس قد ملكوا أَمر أنفسهم واشتدت شكيمتهم فنفسوا عَلَيْهِ مَا أَتَاهُ الله من الْملك وَرَأَوا أَنهم أَحَق بِهِ مِنْهُ لِأَن أباهم هُوَ الْأَكْبَر من ولد عبد الْحق كَمَا مر فَخَرجُوا على عمهم يَعْقُوب وَلَحِقُوا بقصر كتامة وتابعوا ابْن عمهم يَعْقُوب بن عبد الله على رأية واجتمعوا الى كَبِيرهمْ مُحَمَّد بن ادريس بن عبد الْحق وانضم اليه من كَانَ على رَأْيهمْ من عشيرتهم ومواليهم واعتصموا بجبال غمارة فَنَهَضَ إِلَيْهِم السُّلْطَان يَعْقُوب وتلطف بهم حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ واسترضاهم وَعقد لعامر بن إِدْرِيس مِنْهُم سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة على عَسْكَر من ثَلَاثَة آلَاف فَارس أَو يزِيدُونَ من المتطوعة من بني مرين وأغزاهم الأندلس لجهاد الْعَدو بهَا وَحَملهمْ وَفرض لَهُم فِي الْعَطاء وشفع بِهَذِهِ الفعلة الْحَسَنَة عمله فِي وَاقعَة سلا وَهُوَ أول جَيش عبر الْبَحْر إِلَى الأندلس من بني مرين فَكَانَ لَهُم فِي الْجِهَاد والمرابطة مَوَاقِف مَذْكُورَة ومقامات محمودة تبع الْخلف فِيهَا السّلف ودام ذَلِك فيهم بُرْهَة من الدَّهْر وَقَامُوا عَن أهل الْمغرب والأندلس بِهَذَا الْوَاجِب الْعَظِيم رَحِمهم الله وجزاهم عَن الْمُسلمين خيرا
(3/23)

وَأما يَعْقُوب بن عبد الله صَاحب سلا فَإِنَّهُ أَقَامَ خَارِجا بالنواحي متنقلا فِي الْجِهَات إِلَى أَن قَتله طَلْحَة بن محلي من أَوْلِيَاء السُّلْطَان يَعْقُوب على سَاقيه غبولة من نَاحيَة رِبَاط الْفَتْح سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَكفى السُّلْطَان يَعْقُوب أمره
حِصَار السُّلْطَان يَعْقُوب حَضْرَة مراكش ونزوع أبي دبوس مِنْهَا إِلَيْهِ وهلاك المرتضى بعد ذَلِك

لما فرغ السُّلْطَان يَعْقُوب من شَأْن الخارجين عَلَيْهِ من عشيرته أجمع رَأْيه لمنازلة المرتضى والموحدين فِي دَارهم وحضرتهم وَرَأى أَنه أوهن لشوكتهم وَأقوى لأَمره عَلَيْهِم فَبعث فِي قومه وحشد أهل مَمْلَكَته واستكمل التعبئة وَسَار سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة حَتَّى انْتهى إِلَى جبل جيليز فشارف دَار الْخلَافَة وَنزل بعقرها وَأخذ بمخنقها وخفقت ألويته على جنباتها وَعقد المرتضى على حربه لأبي دبوس إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن فعبأ كتائبه ورتب مصافه وبرز لمدافعتهم ظَاهر الحضرة فَكَانَت بَينهم حَرْب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا هلك فِيهَا الْأَمِير عبد الله بن يَعْقُوب بن عبد الْحق ففت مهلكه فِي عضدهم وَارْتَحَلُوا عَنْهَا إِلَى أَعْمَالهم واعترضتهم عَسَاكِر الْمُوَحِّدين بوادي أم الرّبيع وَعَلَيْهِم يحيى بن عبد الله بن وانودين فَاقْتَتلُوا فِي بطن الْوَادي وانهزمت عَسَاكِر الْمُوَحِّدين هزيمَة شنعاء وَتركُوا الْأَمْوَال والأثاث فاحتوى بَنو مرين على ذَلِك كُله وَهِي وَاقعَة أم الرجلَيْن
ثمَّ سعى سماسرة الْفِتَن عِنْد الْخَلِيفَة المرتضى فِي ابْن عَمه وقائد حربه أبي دبوس بِأَنَّهُ يطْلب الْأَمر لنَفسِهِ وَشعر هُوَ بالسعاية فِي جَانِبه فخشي بادرة المرتضى وَلحق بالسلطان يَعْقُوب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة عِنْد دُخُوله إِلَى فاس من محاصرته مراكش فَأَقَامَ عِنْده مَلِيًّا ثمَّ سَأَلَهُ الْإِعَانَة على أمره بعسكر يمده بِهِ وَآلَة يتخذها لملكه وَمَال يصرفهُ فِي ضرورياته على أَن يشركهُ فِي
(3/24)

الْفَتْح وَالْغنيمَة وَالسُّلْطَان فأمده السُّلْطَان يَعْقُوب بِخَمْسَة آلَاف من بني مرين وبالمستجاد من الْآلَة والكفاية من المَال وأهاب لَهُ بالعرب والقبائل من أهل مَمْلَكَته وَغَيرهم أَن يَكُونُوا مَعَه يدا وَاحِدَة حَتَّى يبلغ مُرَاده فِي فتح مراكش وَسَار أَبُو دبوس فِي الْكَتَائِب حَتَّى شَارف الحضرة ودس إِلَى أشياعه من الْمُوَحِّدين بأَمْره فثاروا بالمرتضى فَكَانَ من فراره إِلَى آزمور ونزوله على صهره ابْن عطوش ومقتله على يَده مَا قدمنَا ذكره فِي دولته واستتب أَمر أبي دبوس بمراكش وَثَبت قدمه بهَا فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان فِي الْوَفَاء بالمشارطة فاستنكف واستكبر وَنقض الْعَهْد وأساء الرَّد فَنَهَضَ إِلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب فِي جموع بني مرين وعساكر الْمغرب فخام عَن اللِّقَاء واعتصم بالأسوار فزحف إِلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب وحاصره أَيَّامًا ثمَّ سَار فِي الْجِهَات والنواحي يحطم الزروع وينسف الأقوات وَعجز أَبُو دبوس عَن مدافعته فاستجاش عَلَيْهِ بيغمراسن بن زيان ليفت فِي عضده ويشغله عَمَّا أَمَامه بِمَا وَرَاءه فَكَانَ مَا نذكرهُ
وقْعَة تلاغ بَين يَعْقُوب بن عبد الْحق ويغمراسن بن زيان

لما نزل السُّلْطَان يَعْقُوب حَضْرَة مراكش وربض على ترائبه للتوثب عَلَيْهَا لم يجد أَبُو دبوس ملْجأ من دون الِاسْتِظْهَار عَلَيْهِ بيغمراسن بن زيان ليَأْخُذ بحجزته عَنْهَا فَبعث إِلَيْهِ بالصريخ فِي ذَلِك وأكد الْعَهْد وأسنى الْهَدِيَّة فشمر يغمراسن لاستنفاذه وجذب السُّلْطَان يَعْقُوب عَنهُ من خَلفه بشن الغارات على ثغور الْمغرب وَإِيقَاد نَار الْفِتْنَة بهَا فهاج عَلَيْهِ من السُّلْطَان يَعْقُوب لَيْث عاديا وأرهف مِنْهُ حدا مَاضِيا فأفرج للْوَقْت عَن مراكش وَرجع عوده على بدئه يُرِيد تلمسان وصاحبها يغمراسن بن زيان فَنزل فاسا وتلوم بهَا أَيَّامًا حَتَّى أَخذ أهبة الْحَرْب وعدة النزال ثمَّ نَهَضَ إِلَى تلمسان منتصف محرم سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وسلك على أكرسيف ثمَّ على تافرطاست
(3/25)

وتزاحف الْفَرِيقَانِ بوادي تلاغ وعبأ كل مِنْهُمَا كتائبه ورتب مصافه وبرز النِّسَاء فِي القباب سافرات على سَبِيل التحريش والتحريض والتحم الْقِتَال وَطَالَ القراع والنزال وَلما فَاء الْفَيْء وَمَال النَّهَار وَكَثُرت حشود بني مرين جموع بني عبد الواد وَمن إِلَيْهِم انكشفوا ومنحوا الْعَدو أكتافهم وَهلك فِي الحومة أَبُو حَفْص عمر بن يغمراسن بن زيان وَكَانَ كَبِير أَوْلَاده وَولي عَهده وَهلك مَعَه جمَاعَة من عشيرته وَلما انهزم بَنو عبد الواد بَقِي يغمراسن فِي ساقتهم حاميا لَهُم من بني مرين أَن تركبهم من خَلفهم فَكَانَ ردْءًا لَهُم إِلَى أَن وصلوا إِلَى بِلَادهمْ وَكَانَت وقْعَة تلاغ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من جُمَادَى الْأَخِيرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَرجع السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى مَكَانَهُ من حِصَار مراكش وَالله غَالب على أمره
فتح حَضْرَة مراكش ومقتل أبي دبوس وانقراض دولة الْمُوَحِّدين بهَا

لما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من حَرْب يغمراسن صرف عزمه إِلَى غَزْو مراكش وَالْعود إِلَى حصارها كَمَا كَانَ أول مرّة فَنَهَضَ إِلَيْهَا من فاس فِي شعْبَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما عبروا وَادي أم الرّبيع بَث السَّرَايَا وَشن الغارات وَأطلق الأعنة وَالْأَيْدِي للنهب والعيث فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها وتقرى نَوَاحِيهَا كَذَلِك بَقِيَّة عَامه ثمَّ غزا عرب الْخَلْط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم ثمَّ نزل وَادي العبيد فَأَقَامَ هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ غزا بِلَاد صنهاجة فاستباحها وَلم يزل ينْقل ركابه فِي أحواز مراكش ويجوس خلالها إِلَى آخر ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَاجْتمع أَشْيَاخ الْقَبَائِل من الْعَرَب والمصامدة عِنْد أبي دبوس وَقَالُوا لَهُ يَا مَوْلَانَا كم تقعد عَن حَرْب بني مرين وَقد ترى مَا نزل بِنَا فِي حريمنا وَأَمْوَالنَا مِنْهُم فَاخْرُج بِنَا إِلَيْهِم لَعَلَّ الله يَجعله سَبَب الْفَتْح فَإِنَّهُم قَلِيلُونَ وجمهورهم وذوو الشَّوْكَة مِنْهُم قد بقوا
(3/26)

برباط تازا لحراسة ذَلِك الثغر من بني عبد الواد وَلم يزَالُوا يفتلون لَهُ فِي الذرْوَة وَالْغَارِب حَتَّى أجابهم إِلَى رَأْيهمْ فاستعد للحرب وبرز من حَضْرَة مراكش فِي جيوش ضخمة وجموع وافرة فاستجره السُّلْطَان يَعْقُوب بالفرار أَمَامه ليبعد عَن مدد الصَّرِيخ فيستمكن مِنْهُ فَلم يزل أَبُو دبوس يسْعَى خَلفه حَتَّى نزل ودغفوا فَحِينَئِذٍ كرّ عَلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب فالتحمت الْحَرْب واختل مصَاف أبي دبوس وفر يسابق إِلَى مراكش وَأَيْنَ مِنْهُ مراكش فَأَدْرَكته الْخُيُول وحطمته الرماح فَخر صَرِيعًا واحتز رَأسه وَجِيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد ثَانِي محرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة ثمَّ تقدم السُّلْطَان يَعْقُوب نَحْو مراكش وفر من كَانَ بهَا من الْمُوَحِّدين إِلَى تينملل وَبَايَعُوا إِسْحَاق أَخا المرتضى فَبَقيَ ذبالة هُنَالك إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَجِيء بِهِ فِي جمَاعَة من قومه إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب فَقتلُوا جَمِيعًا وانقرض أَمر بني عبد الْمُؤمن وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين ثمَّ خرج الْمَلأ وَأهل الشورى من الحضرة إِلَى لِقَاء السُّلْطَان يَعْقُوب ففرح بهم وأمنهم ووصلهم وَدخل مراكش فِي عَسْكَر ضخم وموكب فخم يَوْم الْأَحَد التَّاسِع من محرم الْمَذْكُور وَورث ملك آل عبد الْمُؤمن وتملاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن النَّاس لِبَأْسِهِ وَسَكنُوا لظل سُلْطَانه وَأقَام بمراكش إِلَى رَمَضَان من سنته ثمَّ أغزا ابْنه الْأَمِير أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب بِلَاد السوس فافتتحها وأوغل فِي ديارها ودوخ أقطارها وَرجع إِلَى أَبِيه وَاسْتمرّ السُّلْطَان يَعْقُوب بمراكش يصلح شؤونها إِلَى رَمَضَان من سنة تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَخرج بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد درعة فأوقع بعربها الوقيعة الْمَشْهُورَة الَّتِي خضدت من شوكتهم وَرجع لشهرين من غزاته ثمَّ أجمع الرحلة إِلَى دَار ملكه بفاس فعقد على مراكش لمُحَمد بن عَليّ بن يحيى من كبار أَوْلِيَائِهِمْ وَمن أهل خؤلته وَكَانَ من طبقَة الوزراء وأنزله بقصبة مراكش وَجعل المسالح فِي أَعمالهَا لنظره وعهد إِلَيْهِ بتدويخ الأقطار ومحو آثَار بني عبد الْمُؤمن وَفصل من مراكش قَاصِدا حَضْرَة فاس فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَالله تَعَالَى أعلم
(3/27)

مراسلة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الحفصي للسُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمهمَا الله

كَانَت دولة بني أبي حَفْص أَصْحَاب تونس وإفريقية فرعا من دولة بني عبد الْمُؤمن وَشعْبَة مِنْهَا حَسْبَمَا نبهنا عَلَيْهِ غير مرّة وَلما ضعفت دولة بني عبد الْمُؤمن بمراكش وَالْمغْرب كَانَ صَاحب إفريقية أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْوَاحِد الهنتاني يأمل الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا والتملك لَهَا ويتمنى ذَلِك لَو ساعده الْقدر لِأَنَّهُ كَانَ يرى انه اولى بِتِلْكَ الحضرة من غَيره حَتَّى من بني عبد الْمُؤمن لِأَنَّهَا أَرض سلفه وموطن أَصله وعشيرته لِأَن عمالة مراكش لم تعرف إِلَّا للمصامدة من قديم الزَّمَان وقبيلة هنتانة هِيَ صميمها وذؤابتها فَبِهَذَا وَنَحْوه كَانَ بَنو أبي حَفْص يتطاولون إِلَى ملك مراكش وَلما نبغ بَنو مرين بالمغرب وغلبوا على الْكثير من ضواحيه كَانُوا يدعونَ إِلَى أبي زَكَرِيَّاء الحفصي تأليفا لأهل الْمغرب واستجلابا لمرضاتهم وإتيانا لَهُم من نَاحيَة أهوائهم إِذْ كَانَت صبغة الدعْوَة الموحدية قد رسخت فِي قُلُوبهم فَلَو دعوا إِلَى غَيرهَا من أول الْأَمر لحاصوا عَنْهَا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَلما لم يُمكن بني مرين أَن يدعوا إِلَى بني عبد الْمُؤمن لأَنهم أقتالهم وإياهم ينازعون وَلَهُم يُحَاربُونَ ويجالدون دعوا إِلَى طَاعَة الحفصيين الَّذين هم فرع مِنْهُم والدعوة إِلَى الْفَرْع كالدعوة إِلَى أَصله فَلم تنفر نفوس أهل الْمغرب عَنْهَا وَإِنَّمَا كَانَ بَنو مرين يسرون من ذَلِك حسوا فِي ارتغاء وَلِهَذَا لما اسْتَقل السُّلْطَان يَعْقُوب بِالْأَمر وَتمكن لَهُ السُّلْطَان بالمغرب قطع دَعْوَة الحفصيين حَالا بعد أَن كَانَ أَولا يَدْعُو إِلَيْهَا هُوَ وَإِخْوَته من قبله وَكَانَ بَنو أبي حَفْص ينشطون لذَلِك ويهادون بني مرين ويمدونهم بِالْمَالِ وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك وَلما عزم السُّلْطَان يَعْقُوب على منازلة مراكش كتب إِلَى أبي عبد الله مُحَمَّد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص يُخبرهُ بذلك ويستمده حَتَّى
(3/28)

كَأَنَّهُ نَائِب عَنهُ لَا غير وَأرْسل بكتابه مَعَ ابْن أَخِيه عَامر بن إِدْرِيس بن عبد لحق فِي جمَاعَة من وُجُوه دولته فَأكْرم الْمُسْتَنْصر وفادتهم ثمَّ لما فتح السُّلْطَان يَعْقُوب مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا بعث إِلَيْهِ الْمُسْتَنْصر بهدية فِيهَا من أَصْنَاف الْخَيل الْجِيَاد وَالسِّلَاح وَالثيَاب الرفيعة مَا اخْتَارَهُ وَاسْتَحْسنهُ وَبعث بذلك مَعَ جمَاعَة من وُجُوه دولته أَيْضا وَفِيهِمْ الْكَاتِب أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْكِنَانِي فتلطف الْكَاتِب الْمَذْكُور فِي ذكر الْمُسْتَنْصر على مِنْبَر مراكش حَتَّى تمّ لَهُ ذَلِك بِمحضر وَفد الْمُوَحِّدين فَعظم سرورهم وانقلبوا إِلَى صَاحبهمْ بالْخبر واتصلت الْمَوَدَّة والمهاداة بَين الْمُسْتَنْصر وَالسُّلْطَان يَعْقُوب سَائِر أيامهم وَلما هلك الْمُسْتَنْصر وبويع ابْنه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى الْمَدْعُو بالواثق اقتفى سنَن أَبِيه فِي ذَلِك فَبعث إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بهدية حافلة مَعَ قَاضِي بجاية أبي الْعَبَّاس الغماري سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة فَعظم موقعها من السُّلْطَان يَعْقُوب وَكَانَ لأبي الْعَبَّاس الغماري هَذَا بالمغرب ذكر تحدث النَّاس بِهِ ذهرا وَقطع السُّلْطَان يَعْقُوب لأوّل أمره الدعْوَة إِلَى الحفصيين كَمَا قُلْنَا وَالله تَعَالَى أعلم
عقد السُّلْطَان يَعْقُوب ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ أبي مَالك بسلا وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من خُرُوج قرَابَته عَلَيْهِ
كَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب حِين خرج من مراكش بعد فتحهَا قَاصِدا حَضْرَة فاس دَار ملك بني مرين اجتاز بِمَدِينَة سلا فأراح بهَا أَيَّامًا فطرقه مرض وعك مِنْهُ وعكا شَدِيدا فَلَمَّا أبل من مَرضه جمع قومه وَعقد الْعَهْد لأكبر أَوْلَاده أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب لما علم من أَهْلِيَّته لذَلِك وَأخذ لَهُ الْبيعَة عليم جَمِيعًا فأعطوها طواعية وَعز ذَلِك على الْقَرَابَة من بني عبد الْحق وهم أَوْلَاد سَوط النِّسَاء بَنو إِدْرِيس بن عبد الْحق وَبَنُو عبد الله بن عبد الْحق وَبَنُو رحو بن عبد الْحق وَإِنَّمَا قيل لَهُم أَوْلَاد سَوط النِّسَاء لِأَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من بني عبد الْحق كَانُوا أشقاء أمّهم اسْمهَا سَوط النِّسَاء فَلَمَّا بَايع السُّلْطَان
(3/29)

يَعْقُوب لِابْنِهِ أبي مَالك بِولَايَة الْعَهْد آسفهم ذَلِك لأَنهم كَانُوا يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِالْأَمر حَسْبَمَا سلف فَارْتَدُّوا على أَعْقَابهم وقلبوا لعمهم ظهر الْمِجَن وعادت هيف إِلَى أديانها وأسروا من ليلتهم من سلا وَلم يصبحوا إِلَّا بجبل علودان من بِلَاد غمارة عش خلافهم ومدرج فتنتهم وَكَانَ ذَلِك فِي عيد الْفطر من سنة تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وانضم إِلَيْهِم بَنو أبي عياد بن عبد الْحق وشايعوهم على رَأْيهمْ فَخرج السُّلْطَان يَعْقُوب فِي أَثَرهم وَقدم بَين يَدَيْهِ ابْنه لاأمير يُوسُف بن يَعْقُوب فِي خَمْسَة آلَاف فأحاط بهم وَأخذ بمخنقهم وَلحق بِهِ أَخُوهُ أَبُو مَالك فِي عسكره وَمَعَهُ مَسْعُود بن كانون شيخ سُفْيَان ثمَّ لحق بهم السُّلْطَان يَعْقُوب فِي عساكره فحاصروهم ثَلَاثَة وَلما رَأَوْا أَن قد أحيط بهم سَأَلُوا الْأمان فبذله لَهُم وأنزلهم وَمسح صُدُورهمْ واسترضاهم واستل سخائمهم وَوصل بهم إِلَى حَضرته فسألوا مِنْهُ الْأذن فِي اللحاق بتلمسان حَيَاء مِمَّا ارتكبوه من الْخلاف فَأذن لَهُم فأجازوا الْبَحْر إِلَى الأندلس وَخَالفهُم عَامر بن إِدْرِيس لما آنس من ميل عَمه إِلَيْهِ فَبَقيَ بتلمسان حَتَّى توثق لنَفسِهِ بالعهد وَعَاد إِلَى قومه بعد منازلة السُّلْطَان يَعْقُوب لتلمسان حَسْبَمَا نذكرهُ عَن قريب
قَالَ ابْن خلدون واحتل هَؤُلَاءِ الْقَرَابَة من بني عبد الْحق بِأَرْض الأندلس على حِين أقفر من الحامية جوها واستأسد الْعَدو على ثغورها وتحلبت شفاهه لالتهامها فتبوءوها أسودا ضارية وسيوفا مَاضِيا معودين لِقَاء الْأَبْطَال وقراع الحتوف والنزال مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة الْعِزّ وبساله التوحش فعظمت نكايتهم فِي الْعَدو واعترضوا فِي صَدره سجى دون الوطن الَّذِي كَانَ طعمة لَهُ فِي ظَنّه وارتدوه على عقبه ونشطوا من همم الْمُسلمين الْمُسْتَضْعَفِينَ وَرَاء الْبَحْر وبسطوا من آمالهم لمدافعة طاغيتهم وزاحموا أَمِير الأندلس قي رياستها بمنكب قوي فتجافى لَهُم عَن خطة الْحَرْب ورياسة الْغُزَاة من أهل العدوة من أعياصهم وَغَيرهم من أُمَم البربر وثافنوه فِي مُسْتَقر عزه وساهموه فِي الجباية بِفَرْض الْعَطاء والديوان فبذله لَهُم واستعدوا على الْعَدو وَحسن أَثَرهم فِيهِ حَسْبَمَا تلمع بِالْبَعْضِ من ذَلِك إِن شَاءَ الله
(3/30)

هجوم النَّصَارَى على العرائش وتيشمس من ثغور الْمغرب

لما كَانَ الْمحرم من سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة هجم النَّصَارَى على مَدِينَة العرائش وتيشمس من ثغور العدوة المغربية فَقتلُوا رجالها وَسبوا نساءها وانتهبوا أموالها وأضرموها نَارا وَرَجَعُوا عودهم على بدءهم فَرَكبُوا أجفانهم وَلَحِقُوا ببلادهم وَلم تنلهم شَوْكَة السُّلْطَان يَعْقُوب لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِفَتْح مراكش فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَلم يبين فِي القرطاس هَؤُلَاءِ النَّصَارَى من هم
وقْعَة إيسلي بَين السُّلْطَان يَعْقُوب ابْن عبد الْحق ويغمراسن بن زيان

لما أنعم الله على السُّلْطَان يَعْقُوب بامتداد ظلّ ملكه فِي أقطار الْمغرب ونواحيه ونفوذ كَلمته فِي حواضره وبواديه وتمم لَهُ الصنع بِفَتْح مراكش ووراثة كرْسِي بني عبد الْمُؤمن بهَا وَعَاد إِلَى فاس كَمَا قُلْنَا تحرّك مَا كَانَ فِي نَفسه من ضغائن يغمراسن بن زيان وَمَا آسفه بِهِ من تخذيل عَزَائِمه ومجاذبته عَن قَصده وَرَأى أَن وقْعَة تلاغ لم تشف صَدره وَلَا أطفأت نَار موجدته فأجمع أمره لغزوة ونشطه لذَلِك مَا صَار إِلَيْهِ من الْملك وسعة السُّلْطَان فحشد جَمِيع أهل الْمغرب وعزم على استئصاله وَقطع دابره فَعَسْكَرَ بفاس وَبعث وَلَده أَبَا مَالك إِلَى مراكش فِي جمَاعَة من خواصة حاشرين فِي مدائنها وضواحيها فَاجْتمع عَلَيْهِ من قبائل الْعَرَب والمصامدة وصنهاجة وبقايا عَسَاكِر الْمُوَحِّدين بالحضرة وحامية الْأَمْصَار من جند الفرنج وناشبة الْغَزْو استكثر من ذَلِك كُله واحتفل السُّلْطَان يَعْقُوب بفاس كَذَلِك ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا غرَّة صفر سنة سبعين وسِتمِائَة فَسَار حَتَّى نزل وَادي ملوية فَأَقَامَ عَلَيْهِ أَيَّامًا حَتَّى لحقه ابْنه أَبُو مَالك فِي جموعه وتوافت لَدَيْهِ أَمْدَاد الْعَرَب من قبائل جشم أهل تامسنا الَّذين هم سُفْيَان والخلط والعاصم وَبَنُو جَابر وَمن مَعَهم من الأثبج وقبائل ذَوي حسان والشبانات من معقل أهل السوس الْأَقْصَى وقبائل ريَاح أهل أزغار وبلاد الهبط فَعرض هُنَالك عساكره وميزها ورتبها فَيُقَال إِنَّهَا بلغت ثَلَاثِينَ ألفا
(3/31)

وارتحل يُرِيد تلمسان
وَلما انْتهى إِلَى أنكاد قدمت عَلَيْهِ رسل ابْن الْأَحْمَر ووفد أهل الأندلس يستصرخونه على الْعَدو ويسألونه الْإِعَانَة والنصر ويخبرونه بِأَنَّهُ قد كلب عَلَيْهِم وشره لالتهام بِلَادهمْ فتحركت همته رَحمَه الله للْجِهَاد وَنصر الْمُسلمين وإغاثة الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُم وَنظر فِي صرف الشواغل عَن ذَلِك وجنح للسلم مَعَ يغمراسن وعزم عَلَيْهَا وَاسْتَشَارَ الْمَلأ من أَشْيَاخ الْعَرَب وَبني مرين فِي ذَلِك فصوبوا رَأْيه لما كَانُوا عَلَيْهِ أَيْضا من إِيثَار الْجِهَاد ومحبته فَبعث السُّلْطَان يَعْقُوب جمَاعَة من أَشْيَاخ الْقَبَائِل إِلَى يغمراسن يَدعُونَهُ إِلَى الصُّلْح واجتماع الْكَلِمَة وَقَالَ لَهُم فِي جملَة قَوْله إِن الصُّلْح خير كُله فَإِن جنح يغمراسن إِلَيْهِ وأناب فَذَاك وَإِلَّا فَأَسْرعُوا إِلَيّ بالْخبر فَسَار الْأَشْيَاخ إِلَى يغمراسن فوافوه بِظَاهِر تلمسان وَقد أَخذ أهبته واستعد للقاء وحشد قبائل زناتة المجاورين لَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَاد من بني عبد الواد وَبني رَاشد وأحلافهم ومغراوة من عرب بني زغبة فبلغوه الرسَالَة وعرضوا عَلَيْهِ مقَالَة السُّلْطَان يَعْقُوب فَأبى واستكبر وصم عَن سَماع قَوْلهم وموعظتهم وَقَالَ أبعد مقتل وَلَدي أصالحه وَالله لَا كَانَ ذَلِك أبدا حَتَّى أثأر بِهِ وأذيق أهل الْمغرب النكال من أَجله فَرَجَعت الرُّسُل إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بالْخبر وتزاحف الْفَرِيقَانِ فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي ايسلي من بسيط وَجدّة وعبأ السُّلْطَان يَعْقُوب كتائبه ورتب مصافه وَجعل ابْنه عبد الْوَاحِد فِي الميمنة وَابْنه يُوسُف فِي الميسرة ووقف هُوَ فِي الْقلب ودارت بَينهم رحى الْحَرْب وركدت مَلِيًّا وَهلك فِي الحومة أَبُو عنان فَارس بن يغمراسن بن زيان فِي جمَاعَة من بني عبد الواد وَهلك عَامَّة عَسْكَر الفرنج الَّذين كَانُوا مَعَهم لثباتهم بثبات يغمراسن فطحنتهم رحى الْحَرْب وتقبض على قائدهم برنيس وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَنَجَا يغمراسن فِي فَلهُ حاميا لَهُم ومدافعا عَنْهُم من خَلفهم وَمر فِي هزيمته بفساطيطه فأضرمها نَارا تفاديا من حصرة اسْتِيلَاء الْعَدو عَلَيْهَا وانتهبت بَنو مرين بَاقِي مُعَسْكَره واستبيحت حرمه وارتحل السُّلْطَان يَعْقُوب من الْغَد فِي أَثَره حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى وَجدّة وقف عَلَيْهَا فَأمر بهدمها فتسارعت أَيدي الْجند إِلَيْهَا وَجعلُوا عاليها
(3/32)

سافلها وألصقوا بالرغام جدرانها وتركوها قاعا صفصفا وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة منتصف رَجَب من سنة سبعين وسِتمِائَة
ثمَّ تقدم إِلَى تلمسان فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها أَيَّامًا وَأطلق الْأَيْدِي فِي ساحتها بالنهب والعيث ثمَّ شن الغارات على البسائط فاكتسحها سَببا ونسفها نسفا وَهلك فِي طَرِيقه إِلَى تلمسان وزيره عِيسَى بن ماساي وَكَانَ من عَلَيْهِ وزرائه وحماة ميدانه وَله فِي ذَلِك أَخْبَار مَذْكُورَة وَكَانَ مهلكه فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَقدم عَلَيْهِ وَهُوَ محاصر لتلمسان الْأَمِير أَبُو زيان مُحَمَّد بن عبد الْقوي بن الْعَبَّاس بن عَطِيَّة كَبِير بني توجين من زناتة فِي جَيش كثيف من قومه مباهيا ببنوده وطبوله وَآلَة حربه وَكَانَ قدومه هَذَا بِقصد مُظَاهرَة السُّلْطَان يَعْقُوب على يغمراسن وتلمسان لعداوة كَانَت بَينهمَا فَأكْرم السُّلْطَان يَعْقُوب وفادته واستركب النَّاس للقائه وَاتخذ رُتْبَة السِّلَاح لمباهاته وَاسْتمرّ الْحصار على تلمسان وعظمت نكاية بني توجين فِيهَا بتخريب الرباع وانتساف الجنات وَقطع الثِّمَار وإفساد الزَّرْع وتحريق الْقرى والضياع لما كَانَ يغمراسن يعاملهم فِي بِلَادهمْ بِمثل ذَلِك أَو أَكثر وَلما امْتنعت تلمسان على السُّلْطَان يَعْقُوب وأيس من فتحهَا لحصانتها واشتداد شَوْكَة حاميتها عزم على الإفراج عَنْهَا وَأَشَارَ على الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الْقوي بالقفول إِلَى مأمنه قبل أَن ينْهض هُوَ عَن تلمسان وَوَصله وَقَومه وملأ حقائبهم من التحف وجنب لَهُم مائَة من الْخَيل المقربات الْجِيَاد بمراكبها وأراح عَلَيْهِم ألف نَاقَة حَلُوب وعمهم بِالْخلْعِ الفاخرة والصلات الوافرة واستكثر لَهُم من السِّلَاح والفازات والفساطيط وَحَملهمْ على الظّهْر وَارْتَحَلُوا إِلَى منجاتهم ومقرهم من جبل وانشريس وتلوم السُّلْطَان يَعْقُوب عَلَيْهِم أَيَّامًا ريثما وصلوا حذرا عَلَيْهِم من يغمراسن أَن ينتهز الفرصة فِي اتباعهم ثمَّ أقلع السُّلْطَان عَن تلمسان وثنى عنانه إِلَى الْمغرب فوصل إِلَى رِبَاط تازا فِي أول يَوْم من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة فعيد بهَا عيد النَّحْر ثمَّ ارتحل إِلَى فاس فَدَخلَهَا فاتح سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى الْيَوْم الْحَادِي عشر من صفر فَتوفي وَلَده وَولي عَهده الْأَمِير أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فأسف لفقده ثمَّ
(3/33)

صَبر واحتسب ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش فَدَخلَهَا أَوَائِل ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بهَا شهرا حَتَّى أصلح من شَأْنهَا ثمَّ نَهَضَ إِلَى طنجة وسبتة على مَا نذكرهُ
فتح طنجة وسبتة وَمَا كَانَ من أَمر العزفي بهما

قد تقدم لنا فِي دولة أبي حَفْص عمر المرتضي أَن الْفَقِيه أَبَا الْقَاسِم العزفي استبد عَلَيْهِ بسبتة وتوارث ذَلِك بنوه من بعده وَكَانَ هَؤُلَاءِ العزفيون من بيوتات سبتة وَأهل الرياسة وَالْعلم وَالدّين فيهم وَلما ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن بالمغرب اسْتَقل الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْعَبَّاس العزفي برياستها وضبطها وانتظم فِي طَاعَته سَائِر أَعمالهَا وَلما كَانَت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بعث الْفَقِيه الْمَذْكُورَة أجفانه إِلَى مَدِينَة أصيلا فهدموا أسوارها وَنَقَضُوا قصبتها لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهَا من خلائها أَن يملكهَا الْعَدو ويتمنع بهَا واستمرت أُمُوره فِي سبتة ونواحيها على الشداد وَكَانَت طنجة تالية لسبتة فِي سَائِر أحوالها وكانتا مَعًا من أحصن بِلَاد الْمغرب فَدخل صَاحب طنجة وَهُوَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي الْمَعْرُوف بِابْن الْأَمِير فِي طَاعَة أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور ثمَّ انتفض عَلَيْهِ لمضي سنة من طَاعَته واستبد وخطب لِابْنِ أبي حَفْص صَاحب إفريقية ثمَّ للخليفة العباسي صَاحب بَغْدَاد ثمَّ لنَفسِهِ وسلك فِي طنجة مَسْلَك العزفي فِي سبتة وَلَبِثُوا على ذَلِك مَا شَاءَ الله حَتَّى إِذا ملك بَنو مرين الْمغرب وافتتحوا معاقله وحصونه وَهلك الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق وَابْنه أَبُو حَفْص عمر من بعده فتحيز بنوه فِي أتباعهم وحشمهم إِلَى نَاحيَة طنجة وَأَصِيلا فأوطنوا
(3/34)

ضاحيتها وعاثوا فِي نَوَاحِيهَا وضيقوا على أهل طنجة حَتَّى شارطهم ابْن الأميرعلى خراج مَعْلُوم على أَن يكفوا الأذية ويحموا الْحَوْزَة ويصلحوا السابلة فاتصلت يَده بيدهم وترددوا إِلَى الْبَلَد لاقْتِضَاء حاجاتهم ثمَّ مكروا وأضمروا الْغدر فَدَخَلُوا فِي بعض الْأَيَّام متأبطين السِّلَاح وفتكوا بِابْن الْأَمِير غيلَة فثارت بهم عَامَّة أهل طنجة واستلحموهم لحينهم فِي مصرع وَاحِد سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واجتمعوا على وَلَده فَبَايعُوهُ وَبقيت فِي ملكته خَمْسَة أشهر ثمَّ استولى عَلَيْهَا أَبُو الْقَاسِم العزفي فَنَهَضَ إِلَيْهَا بعساكره من الرجل برا وبحرا وملكها وفر ابْن الْأَمِير فلحق بتونس وَنزل على الْمُسْتَنْصر الحفصي واستقرت طنجة فِي إيالة العزفي فضبطها وَقَامَ بأمرها وَولي عَلَيْهَا من قبله وأشرك الْمَلأ من أَشْرَافهَا فِي الشورى
وَلما استولى السُّلْطَان يَعْقُوب على حَضْرَة مراكش ومحا دولة آل عبد الْمُؤمن مِنْهَا وَفرغ من أَمر عدوه يغمراسن هم بِتِلْكَ النَّاحِيَة وَأحب أَن يضيفها إِلَى مَا بِيَدِهِ ليصفوا لَهُ أَمر الْمغرب الْأَقْصَى كُله فَنَهَضَ إِلَى طنجة ونازلها مفتتح اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة لِأَنَّهَا كَانَت فِي الْبَسِيط دون سبتة فَكَانَ أمرهَا أسهل فحاصرها نَحْو ثَلَاثَة أشهر فامتنعت عَلَيْهِ ويئس مِنْهَا وعزم على الإفراج عَنْهَا فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتل فِي عشي الْيَوْم الَّذِي عزم على النهوض فِي غده إِذا بِجَمَاعَة من رماتها قَامُوا على برج وَرفعُوا لِوَاء أَبيض وَنَادَوْا بشعار بني مرين وَذَلِكَ لخلاف وَقع بَينهم دَاخل الْبَلَد فَتسَارع الْجند إِلَيْهِم فملكوهم البرج فتسوروا إِلَيْهِ الْحِيطَان وقاتلوا عَلَيْهِ سَائِر ليلتهم إِلَى الصَّباح ثمَّ تكاثرت جيوش بني مرين واقتحموا الْبَلَد عنْوَة ونادى مُنَادِي السُّلْطَان يَعْقُوب بالأمان فَلم يهْلك من أَهلهَا إِلَّا نفر يسير مِمَّن رفع يَده لِلْقِتَالِ وَشهر السِّلَاح سَاعَة الدُّخُول وَكَانَ ذَلِك فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَلما فرغ السُّلْطَان يَعْقُوب من طنجة بعث وَلَده الْأَمِير يُوسُف إِلَى سبتة فحاصر بهَا العزفي أَيَّامًا ثمَّ لَاذَ بِالطَّاعَةِ على أَن يبْقى مُمْتَنعا بحصنه وَيُؤَدِّي للسُّلْطَان خراجا مَعْلُوما كل سنة فَقبل السُّلْطَان مِنْهُ ذَلِك وأفرجت عَنهُ عساكره وَعَاد إِلَى فاس وَالله غَالب على أمره
(3/35)

فتح سجلماسة وَمَا كَانَ من أمرهَا

قد ذكرنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق على سجلماسة ودرعة وَأَنه عقد على مسلحتها لأبي يحيى الفطراني الَّذِي كَانَ السَّبَب فِي غَلبه عَلَيْهَا المرتضى وَقتل القطراني بِوَاسِطَة القَاضِي ابْن حجاج حَسْبَمَا تقدم ذَلِك كُله ثمَّ غلب عَلَيْهَا بعد حِين يغمراسن بن زيان بِوَاسِطَة عرب المنبات من بني معقل أهل الصَّحرَاء وَعقد عَلَيْهَا لعبد الْملك بن مُحَمَّد العَبْد الْوَادي الْمَعْرُوف بِابْن حنينة نِسْبَة إِلَى أمه وَهِي أُخْت يغمراسن بن زيان وَلما فتح السُّلْطَان يَعْقُوب بِلَاد الْمغرب وانتظمها فِي ملكته وَجه عزمه إِلَى افْتِتَاح سجلماسة وانتزاعها من أَيدي بني عبد الواد المتغلبين عَلَيْهَا فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة فِي جموع بني مرين وقبائل الْمغرب من الْعَرَب والبربر ونازلها وَنصب عَلَيْهَا آلَات الْحصار من المجانيق والعرادات وَغير ذَلِك
قَالَ ابْن خلدون وَنصب عَلَيْهَا هندام النفط الْقَاذِف بحصى الْحَدِيد ينبعث من خزانَة أَمَام النَّار الموقدة فِي البارود بطبيعة غَرِيبَة ترد الْأَفْعَال إِلَى قدرَة بارئها اه كَلَامه قلت وَفِيه فَائِدَة أَن البارود كَانَ مَوْجُودا فِي ذَلِك التَّارِيخ وَأَن النَّاس كَانُوا يُقَاتلُون بِهِ ويستعملونه فِي محاصراتهم وحروبهم يَوْمئِذٍ وَفِيه رد لما نَقله أَبُو زيد الفاسي فِي شرج منظومته الْمَوْضُوعَة فِي الْعَمَل الْجَارِي بفاس قَالَ كَانَ حُدُوث البارود سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا ذكره بَعضهم فِي تأليف لَهُ فِي الْجِهَاد وَأَنه استخرجه حَكِيم كَانَ يعْمل الكيمياء ففرقع لَهُ فَأَعَادَهُ فأعجبه فاستخرج مِنْهُ هَذَا البارود اه وصرخ الشَّيْخ أَبُو عبد الله بناني فِي حَاشِيَته على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل بِأَن حُدُوثه كَانَ فِي وسط الْمِائَة الثَّامِنَة وَهُوَ غير صَوَاب لما علمت من كَلَام ابْن خلدون أَنه كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك بِنَحْوِ مائَة سنة ويغلب على ظَنِّي أَن لفظ الستمائة تصحف بالسبعمائة فسرى الْغَلَط من ذَلِك وَالله أعلم
(3/36)

وَأقَام السُّلْطَان يَعْقُوب على حِصَار سجلماسة حولا كَامِلا وَكَانَ سفهاؤها يصعدون فَوق الأسوار ويعلنون بالسب وَالْفُحْش إِلَى أَن هتك المنجنيق ذَات يَوْم طَائِفَة من سورها فَدخلت من هُنَالك عنْوَة بِالسَّيْفِ وعاث الْجند فِي أَهلهَا فَقتلُوا الْمُقَاتلَة وَسبوا الذُّرِّيَّة وأتى الْقَتْل على عاملها عبد الْملك بن حنينة وَمن كَانَ بهَا من أَشْيَاخ بني عبد الواد وعرب المنبات وَكَانَ فتحهَا آخر صفر وَقيل يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وكمل بِفَتْحِهَا للسُّلْطَان يَعْقُوب فتح بِلَاد الْمغرب وتمشت طَاعَته فِي أقطاره فَلم يبْق فِيهِ أهل حصن يدينون بِغَيْر دَعوته وَلَا جمَاعَة تتحيز إِلَى غير فئته
أَخْبَار السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فِي الْجِهَاد وَمَا كَانَ لَهُ بالأندلس من الذّكر الْجَمِيل وَالْفَخْر الجزيل رَحمَه الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ لِلْعَدو الْكَافِر على الْمُسلمين فِي وقْعَة الْعقَاب من الظُّهُور وَالْغَلَبَة وَأَن تِلْكَ الْوَقْعَة كَانَت سَبَب ضعف الْمُسلمين بالمغرب والأندلس واستيلاء الْعَدو الْكَافِر على جلّ ثغورها وحصونها وَلما ضعف أَمر الْمُوَحِّدين بالمغرب استبد السَّادة مِنْهُم بالأندلس وصاروا إِلَى المنافسة فِيمَا بَينهم واستظهار بَعضهم على بعض بالطاغية وَإِسْلَام حصون الْمُسلمين إِلَيْهِ فِي سَبِيل تِلْكَ الْفِتْنَة فمشت رجالات الأندلس بَعضهم إِلَى بعض وَأَجْمعُوا على إِخْرَاج الْمُوَحِّدين من أَرضهم فثاروا بهم لوقت وَاحِد وأخرجوهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الجذامي ثمَّ من بعده مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر وَنَازع ابْن هود الرياسة بالأندلس وَلَا الشهيرة الَّتِي مِنْهَا قرطبة وإشبيلية قاعدتا أَرض الأندلس كَانَ كل وَاحِد من هذَيْن الثائرين يتَقرَّب إِلَى الطاغية بِمَا غلب عَلَيْهِ من ذَلِك ليعينه على صَاحبه
(3/37)

وَالْأَمر لله وَحده وانقرض أَمر ابْن هود عَن أمد قريب واستمرت دولة ابْن الْأَحْمَر فِي عقبه إِلَى آخر الْمِائَة التَّاسِعَة وَلما استتب أَمر ابْن الْأَحْمَر بالأندلس عقد السّلم مَعَ الطاغية على أَن ينزل لَهُ عَن جَمِيع بسائط عرب الأندلس فَنزل لَهُ عَنْهَا أجمع ولجأ بِالْمُسْلِمين إِلَى سيف الْبَحْر معتصمين بأوعاره ومتشبثين بمعاقله وحصونه وَاخْتَارَ ابْن الْأَحْمَر لنزوله مَدِينَة غرناطة واتخذها كرْسِي مَمْلَكَته وابتنى بهَا لسكناه حصن الْحَمْرَاء
وَكَانَ ابْن الْأَحْمَر هَذَا يدعى بالشيخ وَكَانَ قد عهد إِلَى وَلَده الْقَائِم من بعده مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالفقيه لانتحاله طلب الْعلم فِي صغره وأوصاه إِذا نابه أَمر من الْعَدو أَو وصل إِلَيْهِ مَكْرُوه أَن يستنصر عَلَيْهِ ببني مرين ويدرا بهم فِي نَحره ويجعلهم وقاية بَين الْعَدو وَبَين الْمُسلمين فَلَمَّا تكالب الطاغية على بِلَاد الأندلس بَادر مُحَمَّد الْفَقِيه إِلَى الْعَمَل بِإِشَارَة وَالِده وأوفد مشيخة الأندلس كَافَّة على السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله فَلَقِيَهُ وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة فتبادروا للسلام عَلَيْهِ وألقوا إِلَيْهِ كنه الْخَبَر عَن كلب الْعَدو على الْمُسلمين وَثقل وطأته فَحَيَّا وفدهم واستبشر بمقدمهم وبادر لإجابة دَاعِي الله وإيثار الْجنَّة وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله مُنْذُ أول أمره مؤثرا عمل الْجِهَاد كلفا بِهِ مُخْتَارًا لَهُ لَو أعطي الْخِيَار على سَائِر أَعماله حَتَّى لقد كَانَ اعتزم على الْغَزْو إِلَى الأندلس أَيَّام أَخِيه الْأَمِير أبي بكر وَطلب إِذْنه فِي ذَلِك فَلم يَأْذَن لَهُ فَكَانَ فِي نَفسه من ذَلِك شغل وَله إِلَيْهِ صاغية فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ هَذَا الْوَفْد نبهوا عزيمته وأيقظوا همته فأعمل فِي الاحتشاد وَبعث فِي النفير ونهض من فاس فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة فوصل إِلَى طنجة وَأقَام هُنَالك وجهز خَمْسَة آلَاف من قومه أزاح عللهم وأجزل أعطياتهم وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِهِ أبي
(3/38)

زيان وَأَعْطَاهُ الرَّايَة واستدعى من العزفي صَاحب سبتة السفن لإجازتهم فوافاه بقصر الْمجَاز مِنْهُ عشرُون أسطولا فَأجَاز الْعَسْكَر الْمَذْكُور وَنزل بطريف فِي السَّادِس عشر من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فأراح الْأَمِير أَبُو زيان بطريف ثَلَاثًا ثمَّ دخل دَار الْحَرْب وتوغل فِيهَا وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلات أَيْديهم من الْمَغَانِم وأثخنوا بِالْقَتْلِ والأسر وتخريب الْعمرَان ونسف الْآثَار حَتَّى نزل بِسَاحَة شريش فخام حاميتها عَن اللِّقَاء وتحصنوا بالأسوار وقفل الْأَمِير أَبُو زيان الجزيرة الخضراء وَقد أمتلأت أَيدي عسكره من الْأَمْوَال وحقائبهم من السَّبي وركائبهم من السِّلَاح والأثاث وَرَأى أهل الأندلس أَن قد ثأروا بعام الْعقَاب بعد أَن لم تنصر لَهُم راية من ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْآن وَالله غَالب على أمره
الْجَوَاز الأول للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

ثمَّ اتَّصل الْخَبَر بالسلطان يَعْقُوب رَحمَه الله أَن الْعَدو قد أَخذ فِي الاستعداد وعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فاعتزم على الْغَزْو بِنَفسِهِ وخشي على ثغور بِلَاده من عَادِية يغمراسن صَاحب تلمسان فَبعث حافده تاشفين بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فِي وَفد من بني مرين لعقد السّلم مَعَ يغمراسن وَالرُّجُوع للاتفاق وَالْمُوَادَعَة وَوضع أوزار الْحَرْب بَين الْمُسلمين للْقِيَام بوظيفة الْجِهَاد فَأكْرم موصله وموصل قومه وبادر إِلَى الْإِجَابَة والألفة وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السُّلْطَان يَعْقُوب لعقد السّلم وَبعث مَعَهم الرُّسُل وأسني الْهَدِيَّة وَجمع الله كلمة الْإِسْلَام وَعظم موقع هَذَا السّلم من السُّلْطَان يَعْقُوب لما كَانَ فِي نَفسه من الْميل الى الْجِهَاد وإيثار مبرورات الْأَعْمَال فَبَثَّ الصَّدقَات شكرا لله تَعَالَى على مَا منحه من التفرغ لذَلِك ثمَّ اسْتنْفرَ الكافة واحتشد الْقَبَائِل والجموع ودعا الْمُسلمين إِلَى جِهَاد عدوهم وخاطب فِي ذَلِك سَائِر أهل الْمغرب من زناتة وَالْعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأروبة ومكناسة وَجَمِيع قبائل البربر من المرتزقة والمتطوعة وأهاب بهم وَشرع فِي عبور الْبَحْر فأجازهم من فرضة قصر الْمجَاز فِي صفر
(3/39)

سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة واحتل بساحل طريف وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب حِين استصرخه ابْن الْأَحْمَر وأوفد عَلَيْهِ مَشَايِخ الأندلس اشْترط عَلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب النُّزُول عَن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره بهَا فتجافى لَهُ عَن رندة وطريف
وَلما أحس الرئيس أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة بِإِجَازَة السُّلْطَان يَعْقُوب قدم إِلَيْهِ الْوَفْد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة وَأَخُوهُ أَبُو إِسْحَاق من أَصْهَار ابْن الْأَحْمَر وَكَانَا مستوليين على مالقة ووادي آش وقمارش وَوَقعت بَينهمَا وَبَين ابْن الْأَحْمَر مُنَافَسَة فَخَرَجَا عَن طَاعَته وَلما عبر السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس بَادر أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة إِلَيْهِ واتصل بِهِ وأمحضه الود والنصح وسابق ابْن الْأَحْمَر فِي ذَلِك ونازعه فِي برور مقدمه والإذعان لَهُ وَرُبمَا صدرت من ابْن أشقيلولة فِي حق ابْن الْأَحْمَر جفوة بِمحضر السُّلْطَان يَعْقُوب أدَّت إِلَى بعض الْفساد وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر مغاضبا للسُّلْطَان من أجل ذَلِك
وَلما احتل السُّلْطَان بِنَاحِيَة طريف مَلَأت كتائبه ساحة الأَرْض مَا بَينهَا وَبَين الجزيرة الخضراء ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْعَدو قبل أَن يسْبق إِلَيْهِم الْخَبَر فَدخل دَار الْحَرْب وانْتهى إِلَى الْوَادي الْكَبِير فعقد هُنَالك لوَلَده الْأَمِير يُوسُف على خَمْسَة آلَاف من عسكره قدمهَا بَين يَدَيْهِ ثمَّ تبعه على أَثَره وسرح كتائبه فِي البسائط وخلال المعاقل تنسف الزروع وتخطم الغروس وتخرب الْعمرَان وتنتهب الْأَمْوَال وتكتسح السَّرْح وَتقتل الْمُقَاتلَة وَتَسْبِي النِّسَاء والذرية حَتَّى انْتهى إِلَى حصن المدور وبياسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنْوَة وأتى على سَائِر الْحُصُون فِي طَرِيقه فطمس معالمها واكتسح أموالها
وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله وَالْأَرْض تموج سبيا إِلَى أَن عرس بأستجه من تخوم دَار الْحَرْب وجاءه النذير بِاتِّبَاع الْعَدو آثاره لاستنقاذ أسراه واسترجاع أَمْوَاله وَأَن زعيم الفرنج وعظيمهم نونه خرج فِي طَلَبهمْ فِي أُمَم النَّصْرَانِيَّة من المحتلم إِلَى الشَّيْخ فَقدم السُّلْطَان الْغَنَائِم بَين يَدَيْهِ وسرح ألفا من الفرسان أمامها وَسَار يقتفيها من خلفهَا حَتَّى إِذا أطلت رايات الْعَدو مر ورائهم كَانَ
(3/40)

الزَّحْف ورتب المصاف وجرد السَّيْف وَذكر اسْم الله وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها وأبلت فِي طَاعَة رَبهَا والذب عَن دينهَا وَجَاءَت بِمَا يعرف من بأسها وبلائها فِي مقاماتها ومواقفها فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى هبت ريح النَّصْر وَظهر أَمر الله وانكشفت جموع النَّصْرَانِيَّة وَقتل الزعيم نونه وَكَانَ هَذَا اللعين زعيم النَّصْرَانِيَّة بالأندلس قد قدمه الفنش على جيوشه وَاسْتَعْملهُ على حروبه وفوض لَهُ فِي جَمِيع أُمُوره وَكَانَ النَّصَارَى قد سعدوا بطائرة وتيمنوا بنقيبته لِأَنَّهُ لم تهزم لَهُ قطّ راية وَكَانَ وبالا على بِلَاد الْإِسْلَام كثير الغارات عَلَيْهَا حَتَّى جمع الله بَينه وَبَين السُّلْطَان يَعْقُوب فأراحه من تَعب الْحَرْب وكد الغارات وألحقه بِأُمِّهِ الهاوية ومنح الْمُسلمين رِقَاب الفرنج واستحر فيهم الْقَتْل حَتَّى بلغت قتلاهم عدد الألوف وجمعوا من رؤوسهم مآذن أذنوا عَلَيْهَا لصلاتي الظّهْر وَالْعصر وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين مَا يناهز الثَّلَاثِينَ أكْرمهم الله تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ وآثرهم بِمَا عِنْده وَنصر الله حزبه وأعز أوليائه وَأظْهر دينه وبدا لِلْعَدو مَا لم يكن يحتسبه بمحاماة هَذِه الْعِصَابَة عَن الْملَّة وقيامها بنصر الْكَلِمَة وَبعث السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله بِرَأْس الزعيم نونه إِلَى ابْن الْأَحْمَر فَيُقَال إِنَّه بَعثه سرا إِلَى قومه بعد أَن طيبه وأكرمه ولَايَة أخلصها لَهُم ومداراة وانحرافا عَن السُّلْطَان يَعْقُوب ظَهرت شَوَاهِد ذَلِك عَلَيْهِ بعد حِين
وَاعْلَم أَن هَذَا الزعيم يُسَمِّيه كثير من المؤرخين دون نونه وَلَفظه دون مَعْنَاهَا فِي لسانهم السَّيِّد أَو الْعَظِيم أَو مَا أشبه ذَلِك فَلِذَا أسقطناها
وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزاته هَذِه إِلَى الجزيرة الخضراء منتصف ربيع من السّنة الْمَذْكُورَة فقسم فِي الْمُجَاهدين الْغَنَائِم وَمَا نفلوه من أَمْوَال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم بعد الاستئثار بالخمس لبيت المَال على مُوجب الْكتاب وَالسّنة ليصرفه فِي مصارفه وَيُقَال كَانَ مبلغ الْغَنَائِم فِي هَذِه الْغُزَاة مائَة ألف من الْبَقر وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا من السَّبي وَمن الْأُسَارَى سَبْعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَثَلَاثُونَ وَمن الكراع أَرْبَعَة عشر ألفا وسِتمِائَة وَأما الْغنم فاتسعت عَن الْحصْر
(3/41)

كَثْرَة حَتَّى لقد زَعَمُوا أَنه قد بِيعَتْ الشَّاة الْوَاحِدَة بدرهم وَكَذَلِكَ السِّلَاح
وَأقَام السُّلْطَان يَعْقُوب بالجزيرة أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة غازيا إشبيليه فجاس خلالها وتقرى نَوَاحِيهَا وأقطارها وأثخن بِالْقَتْلِ والنهب فِي جهاتها وعاث فِي عمرانها وأوغل فِي مسيره حَتَّى وقف على بَابهَا وزعقت طبوله فِي جوها وخفقت ألويته على جنباتها ولجأت الفرنج إِلَى الأسوار واعتمدوا على الْحصار وَلم يخرج إِلَيْهِ مِنْهُم أحد ثمَّ ارتحل إِلَى شريش فأذاقها من وبال العيث والاكتساح مثل ذَلِك أَو أَكثر وَرجع إِلَى الجزيرة لشهرين من غزاته فبيعت الفرنجية من سبيه بهَا بمثقال وَنصف لِكَثْرَة السَّبي حِينَئِذٍ
وَدخل فصل الشتَاء فَنظر السُّلْطَان يَعْقُوب فِي اختطاط مَدِينَة بفرضة الْمجَاز من العدوة لنزول عسكره منتبذا عَن الرّعية لما يلحقهم من ضَرَر الْعَسْكَر وجفائهم وتخير لَهَا مَكَانا ملاصقا للجزيرة فأوعز بِبِنَاء الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة بالبنية ثمَّ أجَاز الْبَحْر إِلَى الْمغرب فِي رَجَب من سنته أَعنِي سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة فَكَانَ مغيبه وَرَاء الْبَحْر سِتَّة أشهر واحتل بقصر مصمودة وَأمر بِبِنَاء السُّور على باديس مرفأ السفن وَمحل العبور من بِلَاد غمارة ثمَّ رَحل إِلَى فاس فَدَخلَهَا فِي النّصْف من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة
فتح جبل تينملل ونبش قُبُور بني عبد الْمُؤمن على يَد الملياني عَفا الله عَنهُ
قد تقدم لنا أَن جبل تينملل كَانَ حصنا للموحدين وملجأ لَهُم إِذا نابهم مَكْرُوه وَكَانَ مَسْجده مزارا عَظِيما لَهُم لِأَنَّهُ مدفن إمَامهمْ وملحد خلفائهم فَكَانُوا يعكفون عَلَيْهِ ويلتمسون بركَة زيارته ويقدمون ذَلِك بَين يَدي غزواتهم
(3/42)

قربَة يَتَقَرَّبُون بهَا إِلَى الله تَعَالَى وَلما استولى السُّلْطَان يَعْقُوب على مراكش فر من كَانَ بهَا من الْمُوَحِّدين إِلَى الْجَبَل الْمَذْكُور واعتصموا بِهِ وَبَايَعُوا إِسْحَاق أَخا المرتضى وأملوا مِنْهُ رَجَعَ الكرة وإدالة الدولة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى هَذِه السّنة فَنَهَضَ عَامل مراكش من قبل السُّلْطَان يَعْقُوب وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن محلي أحد خؤلته ونازل الْجَبَل الْمَذْكُور وحاصره مُدَّة ثمَّ اقتحمه عنْوَة وافتض عذرته وَفك ختامه وتقبض عل خَليفَة الْمُوَحِّدين إِسْحَاق وَابْن عَمه السَّيِّد أبي سعيد بن أبي الرّبيع وَمن مَعَهُمَا من الْأَوْلِيَاء وجنبوا إِلَى مصَارِعهمْ بِبَاب الشَّرِيعَة من مراكش فَضربت أَعْنَاقهم وصلبت أشلاؤهم وَكَانَ فِيمَن قتل مِنْهُم الْكَاتِب القبائلي وَأَوْلَاده
وعاثت عَسَاكِر بني مرين فِي جبل تينملل واكتسحوا أَمْوَاله ونبشوا قُبُور خلفاء بني عبد الْمُؤمن وَاسْتَخْرَجُوا أشلاءهم وَكَانَ فِيهَا شلو يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَابْنه يَعْقُوب الْمَنْصُور فَقطعت رؤوسهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو عَليّ أَحْمد الملياني كَانَ أَبُو عَليّ هَذَا ثار على الحفصيين بِمَدِينَة مليانة فجهزوا إِلَيْهِ عساكره وأجهضوه عَنْهَا ففر إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب فَقبله وآواه وأقطعه بلد أغمات إِكْرَاما لَهُ فَحَضَرَ هَذِه الْوَقْعَة فِي جملَة الْعَسْكَر وارتكب هَذَا الْفِعْل الشنيع وَرَأى أَنه قد شفى نَفسه باستخراج هَؤُلَاءِ الْخَلَائق من أرماسهم والعبث بأشلائهم وَقد أنكر النَّاس عَامَّة وَالسُّلْطَان يَعْقُوب خَاصَّة هَذِه الفعلة مِنْهُ وَلم يرضوها وَمَعَ ذَلِك فقد تجَاوز لَهُ السُّلْطَان يَعْقُوب عَنْهَا تأنيسا لغربته ورعيا لجواره وَلما توفّي السُّلْطَان يَعْقُوب وَولي بعده ابْنه يُوسُف سعى إِلَيْهِ فِي الملياني هَذَا فنبكه على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَلما وصل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزوته إِلَى فاس انْتقض عَلَيْهِ طَلْحَة بن محلي أحد أَخْوَاله وتمنع بجبل آصروا من بِلَاد فازاز فَسَار إِلَيْهِ لسلطان يَعْقُوب وحاصره بِهِ فأناب إِلَى الطَّاعَة وَنزل على الْأمان وَذَلِكَ فِي منتصف
(3/43)

رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَفِي ثَانِي يَوْم من شَوَّال من هَذِه السّنة ثارت الْعَامَّة باليهود بفاس بِسَبَب حدث أحدثوه فَقتلُوا مِنْهُم أَرْبَعَة عشر يَهُودِيّا وَلَوْلَا أَن السُّلْطَان ركب بِنَفسِهِ ورد الْعَامَّة عَنْهُم لكَانَتْ إِيَّاهَا
بِنَاء الْمَدِينَة الْبَيْضَاء الْمُسَمَّاة الْيَوْم بفاس الْجَدِيد

لما فتح جبل تينملل ومحيت مِنْهُ بَقِيَّة آل عبد الْمُؤمن وتمهد ملك الْمغرب للسُّلْطَان يَعْقُوب واستفحل أمره وَكَثُرت غاشيته رأى أَن يختط بَلَدا ينْسب إِلَيْهِ ويتميز بسكناه وَينزل فِيهِ بحاشيته وأوليائه الحاملين لسرير ملكه فَأمر بِبِنَاء الْمَدِينَة الْبَيْضَاء ملاصقة لمدينة فاس على ضفة واديها المخترق لَهَا من جِهَة أَعْلَاهُ وَشرع فِي تأسيسها ثَالِث شَوَّال من سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَركب السُّلْطَان بِنَفسِهِ فَوقف عَلَيْهَا حَتَّى خطت مساحتها وأسست جدرانها وَجمع الْأَيْدِي عَلَيْهَا وَحشر الصناع والعملة لبنائها وأحضر لَهَا أهل النجامة والمعدلين لحركات الْكَوَاكِب فَاخْتَارُوا لَهَا من الطوالع مَا يرضون أَثَره ويحمدون سيره وأسست فِيهِ وَكَانَ فِي أولائك االمعدلين إمامان شهيران أَبُو الْحسن بن الْقطَّان وَأَبُو عبد الله بن الحباك المقدمان فِي الصِّنَاعَة فكمل تشييد هَذِه الْمَدِينَة على مَا رسم رَحمَه الله وكما رَضِي ونزلها بحاشيته وَذَوِيهِ سنة أَربع وَسبعين الْمَذْكُورَة واختط النَّاس بهَا الدّور والمنازل وأجريت فِيهَا الْمِيَاه إِلَى الْقُصُور وَكَانَت من أعظم آثَار هَذِه الدولة وأبقاها على الْأَيَّام
قَالَ ابْن أبي زرع وَمن سَعَادَة طالعها أَنه لَا يَمُوت فِيهَا خَليفَة وَلم يخرج مِنْهَا لِوَاء قطّ إِلَّا كَانَ منصورا وَلَا جَيش إِلَّا كَانَ ظافرا
ثمَّ أَمر رَحمَه الله بِبِنَاء قَصَبَة مكناسة فشرع فِي بنائها وَبِنَاء جَامعهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ استوزر صنيعته أَبَا سَالم فتح الله السدراتي وأجرى لَهُ رزق الوزارة على عَادَتهم
ثمَّ كافأ يغمراسن بن زيان على هديته الَّتِي كَانَ بعث بهَا إِلَيْهِ قبل إِجَازَته
(3/44)

إِلَى الأندلس فَبعث إِلَيْهِ فسطاطا رائقا كَانَ صنع لَهُ بمراكش وَثَلَاثِينَ من البغال الفارهة ذكرانا وإناثا وَغير ذَلِك مِمَّا يباهي بِهِ مُلُوك الْمغرب
وَفِي سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة أهْدى إِلَيْهِ الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الْقوي التوجيني صَاحب جبل وانشريس أَرْبَعَة من الْجِيَاد انتقاها من خيل الْمغرب كَافَّة وَرَأى أَنَّهَا على قلَّة عَددهَا أحفل هَدِيَّة وَفِي نَفسه أثْنَاء هَذَا كُله من أَمر الْجِهَاد شغل شاغل يتخطى إِلَيْهِ سَائِر أَعماله حَسْبَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
الْجَوَاز الثَّانِي للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

لما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزوته الأولى واستنزل الْخَوَارِج وثقف الثغور وهادى الْمُلُوك واختط الْمَدِينَة الْبَيْضَاء لنزوله كَمَا ذكرنَا خرج فاتح سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة إِلَى جِهَة مراكش لسد ثغورها وتثقيف أطرافها وتوغل فِي أَرض السوس وَبعث وزيره فتح الله السدراتي فِي العساكر فجاس خلالها ثمَّ انكفأ رَاجعا وَهُنَاكَ خَاطب السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله قبائل الْمغرب كَافَّة بالنفير إِلَى الْجِهَاد فتثاقلوا عَلَيْهِ فَلم يزل يحرضهم وهم يسوفون إِلَى أَن دخلت سنة سِتّ وَسبعين بعْدهَا وَلما رأى تثاقل النَّاس عَلَيْهِ نَهَضَ إِلَى رِبَاط الْفَتْح وتلوم بِهِ أَيَّامًا فِي انْتِظَار الْغُزَاة فأبطؤوا عَلَيْهِ فخف فِي خاصته وَتقدم فِي حَاشِيَته حَتَّى انْتهى إِلَى قصر الْمجَاز وَقد تلاحق بِهِ النَّاس من كل جِهَة لما رَأَوْا من عزمه وتصميمه فَأجَاز بهم الْبَحْر واحتل بطريف آخر محرم من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ ارتحل إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ إِلَى رندة فوافاه بهَا الرئيسان أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْحسن عَليّ بن أشقيلولة صَاحب مالقة وَأَخُوهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن برسم الْجِهَاد مَعَه
ثمَّ ارتحل السُّلْطَان من رندة فاتح ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة حَتَّى انْتهى إِلَى إشبيلية فعرس عَلَيْهَا يَوْم المولد النَّبَوِيّ وَكَانَ بهَا يَوْمئِذٍ ملك الجلالقة أَن أذفونش فَلم يجد بدا من الْخُرُوج إِلَيْهِ بعد أَن خام عَن اللِّقَاء أَولا فبرز فِي جموعه وصفهَا على ضفة الْوَادي الْكَبِير من نَاحيَة السُّلْطَان وَأظْهر من أبهة الْحَرْب مَا قدر عَلَيْهِ فَكَانَت جيوشه كلهَا فِي الدروع السوابغ وَالْبيض اللوامع
(3/45)

وَالسُّيُوف البواتر وَغير ذَلِك من آلَات الْحَرْب الَّتِي يكَاد شعاعها يدهش الْبَصَر وزحف إِلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله بعد أَن صلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى وَوعظ النَّاس وَذكرهمْ فرتب مصافه وَجعل وَلَده الْأَمِير يُوسُف فِي الْمُقدمَة وزحف على التعبية فَاقْتَتلُوا مَلِيًّا ثمَّ انْهَزَمت الفرنج فتساقط بَعضهم فِي الْوَادي وَانْحَدَرَ آخَرُونَ مَعَ ضفته وتصاعد آخَرُونَ كَذَلِك واقتحم الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وسط المَاء وقتلوهم فِي لجته حَتَّى صَار المَاء أَحْمَر وطفت جيفهم من الْغَد عَلَيْهِ فَكَانَ فيهم عِبْرَة لمن اعْتبر وَبَات السُّلْطَان والمسلمون تِلْكَ اللَّيْلَة على صهوات خيولهم يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وأضرموا النيرَان بِسَاحَة إشبيلية حَتَّى صَار اللَّيْل نَهَارا وباتت الفرنج على الأسوار ينفخون فِي الْقُرُون ويحترسون طول ليلتهم
ثمَّ ارتحل السُّلْطَان من الْغَد إِلَى جبل الشّرف وَبث السَّرَايَا فِي نواحيه فَلم يزل يتقرى تِلْكَ الْجِهَات حَتَّى أباد عمرانها وطمس معالمها وَدخل حصن قطنيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنْوَة وأثخن فِي الْقَتْل والسبي ثمَّ ارتحل بالغنائم والأثقال إِلَى الجزيرة الخضراء فَدَخلَهَا فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من ربيع الأول الْمَذْكُور فأراح بهَا وَقسم الْغَنَائِم فِي الْمُجَاهدين ثمَّ خرج غازيا مَدِينَة شريش منتصف ربيع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الْحَرْب ووبال الْحصار وَقطع الزياتين وَالْأَعْنَاب وَسَائِر الْأَشْجَار وأباد خضراءها وَحرق ديارها وأثخن فِيهَا بِالْقَتْلِ والأسر وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب يُبَاشر قطع الشّجر وَالثَّمَر بِيَدِهِ وسرح وَلَده الْأَمِير يُوسُف من مُعَسْكَره فِي سَرِيَّة للغارة على إشبيلية وحصون الْوَادي الْكَبِير فَبَالغ فِي النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطر ثمَّ صبح إشبيلية فاكتسحها وانكفأ رَاجعا بالمغانم والسبي إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب فسر بمقدمه وقفلوا جَمِيعًا إِلَى الجزيرة الخضراء فأراح السُّلْطَان بهَا أَيَّامًا وَقسم فِي الْمُجَاهدين غنائمهم ثمَّ جمع أَشْيَاخ الْقَبَائِل وندبهم إِلَى غَزْو قرطبة وَقَالَ يَا معشر الْمُجَاهدين إِن إشبيلية وشريش وأحوازهما قد ضعفت وبادت وَلم يبْق لكم بهَا كَبِير نفع وَلَا نكاية وَإِن قرطبة وأعمالها بِلَاد حَصِينَة عامرة وَعَلَيْهَا اعْتِمَاد الفرنج وَمِنْهَا معاشهم ومادتهم فَإِن عزوتموها واستأصلتم خضراءها مثل مَا فَعلْتُمْ بإشبيلية وشريش كَانَ ذَلِك سَبَب ضعف النَّصْرَانِيَّة بِهَذَا الْقطر فَأَجَابُوا
(3/46)

بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فَدَعَا لَهُم وَفرق فيهم الْأَمْوَال وَالْخلْع وخاطب ابْن الْأَحْمَر يستنفره للْجِهَاد مَعَه وَقَالَ إِن خُرُوجك معي إِلَى قرطبة يكون لَك مهابة فِي قُلُوب الفرنج مَا عِشْت سوى مَا تستوجبه من الله تَعَالَى من الثَّوَاب فِي ذَلِك
ونهض السُّلْطَان إِلَى قرطبة فاتح جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَسبعين الْمَذْكُورَة فوافاه ابْن الْأَحْمَر بِنَاحِيَة شدونه فَأكْرم موصله وشكر خفوفه إِلَى الْجِهَاد وَبِدَارِهِ إِلَيْهِ ونازلوا حصن بني بشير فدخلوه عنْوَة وَقتلت الْمُقَاتلَة وسبيت النِّسَاء ونفلت الْأَمْوَال وَهدم الْحصن حَتَّى لم يبْق لَهُ أثر ثمَّ بَث السُّلْطَان رَحمَه الله السَّرَايَا والغارات فِي البسائط فاكتسحها وامتلأت الْأَيْدِي وأثرى الْعَسْكَر وفاض عَلَيْهِم من الْغنم وَالْبَقر والمعز وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير والقمح وَالشعِير وَالزَّيْت وَالْعَسَل مَا لَا يُوصف ثمَّ سَارُوا يتقترون الْمنَازل والعمران فِي طريقهم حَتَّى احتلوا بِسَاحَة قرطبة فنازلوها وخفقت ألوية السُّلْطَان فِي نَوَاحِيهَا وزعقت طبوله فِي فضائها وَتقدم فِي أبطاله وحماته حَتَّى وقف على بَابهَا ثمَّ داربأسوارها ينظر كَيفَ الْحِيلَة فِي قتالها ووقف ابْن الاحمر بعساكر الأندلس أَمَام محلّة الْمُسلمين يحرسونها خوفًا من كرة الْعَدو وخنس الفرنج وَرَاء الأسوار وانبثت بعوث الْمُسلمين وسراياهم فِي نواحي قرطبة وقراها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها وترددوا على جهاتها ودخلوا حصن الزهراء بِالسَّيْفِ وَأقَام السُّلْطَان على قرطبة ثَلَاثًا ثمَّ ارتحل عَنْهَا إِلَى حصن بركونة فدخله عنْوَة ثمَّ أرجونة كَذَلِك ثمَّ قدم بعثا إِلَى مَدِينَة جيان فقاسمها حظها من الْخَسْف والدمار وخام الطاغية عَن اللِّقَاء وأيقن بخراب عمرانه وَإِتْلَاف بِلَاده فجنح إِلَى السّلم وخطبه من السُّلْطَان يَعْقُوب وَرغب فِيهِ إِلَيْهِ وَبعث الأقسة والرهبان للوساطة فِي ذَلِك فرفعهم السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى ابْن الْأَحْمَر وَجعل الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ تكرمة لمشهده ووفاء بِحقِّهِ وَقَالَ لوفد الفرنج إِنَّمَا أَنا ضيف والضيف لَا يُصَالح على رب الْمنزل فَسَارُوا إِلَى ابْن الْأَحْمَر وَقَالُوا لَهُ إِن السُّلْطَان يَعْقُوب قد رد الْأَمر إِلَيْك وَنحن قد جئْنَاك لنعقد مَعَك صلحا مُؤَبَّدًا لَا يعقبه غدر وَلَا حَرْب وأقسموا لَهُ بصلبانهم إِن لم يرضه الفنش ليخلعنه لِأَنَّهُ لم ينصر الصَّلِيب وَلَا حمى الْحَوْزَة فأجابهم ابْن
(3/47)

الْأَحْمَر إِلَيْهِ بعد عرضه على أَمِير الْمُسلمين والتماس إِذْنه فِيهِ لما فِيهِ من الْمصلحَة وجنوح أهل الأندلس إِلَيْهِ مُنْذُ المدد الطَّوِيلَة فانعقد السّلم فِي آخر شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزاته هَذِه وَجعل طَرِيقه على غرناطة احتفاء بالسلطان وَخرج لَهُ عَن الْغَنَائِم كلهَا فاحتوى عَلَيْهَا ابْن الْأَحْمَر وساقها إِلَى غرناطة وَقَالَ لَهُ السُّلْطَان يَعْقُوب يكون حَظّ بني مرين من هذَيْن الْغُزَاة الْأجر وَالثَّوَاب مثل مَا فعل يُوسُف بن تاشفين رَحمَه الله مَعَ أهل الأندلس يَوْم الزلاقة
وَلما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من هَذِه الْغَزْوَة اعتل الرئيس أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة ثمَّ هلك غرَّة جُمَادَى من السّنة الْمَذْكُورَة فلحق ابْنه مُحَمَّد بالسلطان يَعْقُوب آخر شهر رَمَضَان وَهُوَ متلوم بالجزيرة الخضراء منصرفة من الْغَزْو كَمَا ذَكرْنَاهُ فَنزل لَهُ عَن مالقة وَدعَاهُ إِلَى حوزها مِنْهُ وَقَالَ لَهُ إِن لم تحزها أعطيتهَا للفرنج وَلَا يتملكها ابْن الْأَحْمَر فحازها السُّلْطَان يَعْقُوب مِنْهُ وَعقد عَلَيْهَا لِابْنِهِ أبي زيان منديل بن يَعْقُوب فَسَار إِلَيْهَا وتملكها وَعز ذَلِك على ابْن الْأَحْمَر غَايَة لِأَنَّهُ لما بلغه وَفَاة أبي مُحَمَّد بن أشقيلولة سما أمله إِلَيْهَا وَأَن ابْن أُخْته وَهُوَ مُحَمَّد الْوَافِد على السُّلْطَان يَعْقُوب شيعَة لَهُ لَا يَبْغِي بِهِ بَدَلا فَأَخْطَأَ ظَنّه وَخرج الْأَمر بِخِلَاف مَا كَانَ يرتقب وَلما قضى السُّلْطَان يَعْقُوب بالجزيرة الخضراء صَوْمه ونسكه خرج إِلَى مالقة فَدَخلَهَا سادس شَوَّال من السّنة ويرز إِلَيْهِ أَهلهَا فِي يَوْم مشهود واحتفلوا لَهُ احتفال أَيَّام الزِّينَة سُرُورًا بِمقدم السُّلْطَان واغتباطا بدخولهم فِي دَعوته وانخراطهم فِي سلك رَعيته وَأقَام فيهم إِلَى خَاتم سنته ثمَّ عقد عَلَيْهَا لعمر بن يحيى بن محلي من صنائع دولتهم وَأنزل مَعَه المسالح وَترك عِنْده زيان بن أبي عياد بن عبد الْحق فِي طَائِفَة لنظره من أبطال بني مرين واستوصاه بِمُحَمد بن اشقيلولة وارتحل إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ أجَاز مِنْهَا إِلَى الْمغرب فاتح سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة وَقد اهتزت الدُّنْيَا لمقدمه وامتلأت الْقُلُوب سُرُورًا بِمَا هيأه الله من نصر الْمُسلمين بالأندلس وعلو راية الْإِسْلَام على كل راية وعظمت بذلك كُله موجدة ابْن الْأَحْمَر ونشأت الْفِتْنَة كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
(3/48)

حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من حِصَار الجزيرة الخضراء وَغير ذَلِك

قد تقدم لنا أَن بَنو اشقيلولة كَانُوا أصهارا لِابْنِ الْأَحْمَر وانهم لما قدمُوا على السُّلْطَان يَعْقُوب بالجزيرة الخضراء فِي جَوَازه الأول صدرت من ابْن اشقيلولة كَلِمَات أحفظت ابْن الْأَحْمَر وغاظته فَذهب لأَجلهَا مغاضبا وانحرف عَن السُّلْطَان يَعْقُوب وَلم يشْهد مَعَه الْغَزْو وَلَا عرج على الْجِهَاد وَلما نصر الله السُّلْطَان يَعْقُوب على عدوه وَقتل العلج وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى ابْن الْأَحْمَر طيبه وَبَعثه إِلَى قومه انحرافا عَن السُّلْطَان وموالاة لِلْعَدو وَلما جَازَ السُّلْطَان يَعْقُوب الْجَوَاز الثَّانِي انقض عَنهُ ابْن الْأَحْمَر وَلم يلقه حَتَّى خاطبه السُّلْطَان واستنفره إِلَى الْجِهَاد فَلحقه بشدونة كَمَا مر وَلما صنع الله للسُّلْطَان مَا صنع من الظُّهُور والعز الَّذِي الَّذِي لَا كفاء لَهُ وَاسْتولى على مالقة من يَد ابْن اشقيلولة ارتاب ابْن الْأَحْمَر بمكانه وَظن بِهِ الظنون وتخوف مِنْهُ مَا كَانَ من يُوسُف بن تاشفين للمعتمد بن عباد وَغَيره من مُلُوك الطوائف فغص بمكانه وأظلم الجو بَينهمَا ودارت بَينهمَا مخاطبات شعرية على أَلْسِنَة الْكتاب فِي معنى العتاب وَلم تزل القوارص بَين السلطانين تجْرِي وعقارب السّعَايَة تدب وتسري وَخَوف ابْن الْأَحْمَر على ملكه يشْتَد وَيزِيد وأواصر الْأُخوة الإسلامية تتلاشى وتبيد إِلَى أَن استحكمت الْبغضَاء وضاق بَينهمَا رحب الفضاء فَفَزعَ ابْن الْأَحْمَر إِلَى مداخلة الطاغية فِي شَأْنه واتصال يَده بِيَدِهِ وحبله بحبله وَأَن يعود إِلَى منزله أَبِيه مَعَه من ولَايَته ليدافع بِهِ السُّلْطَان يَعْقُوب وَقَومه عَن أرضه ويأمن مَعَه من زَوَال سُلْطَانه فاغتنم الطاغية هَذِه الفرصة ونكث عهد السُّلْطَان يَعْقُوب وَنقض السّلم واعلن بِالْحَرْبِ وأغزا أساطيله الجزيرة الخضراء حَيْثُ كَانَت مسالح السُّلْطَان يَعْقُوب وَجُنُوده وأرست بالزقاق حَيْثُ فراض الْمجَاز وانقطعت عَسَاكِر السُّلْطَان وَرَاء الْبَحْر وَحَال الْعَدو بَينهم وَبَين إغاثته إيَّاهُم واتصلت يَد ابْن الْأَحْمَر بيد الطاغية واتفقا على منع السُّلْطَان يَعْقُوب من عبور
(3/49)

الْبَحْر وداخل ابْن الْأَحْمَر عمر بن يحيى بن محلى صَاحب مالقة فِي النُّزُول لَهُ عَنْهَا بعوض فَفعل وَاسْتولى ابْن الْأَحْمَر عَلَيْهَا ثمَّ راسل هُوَ والطاغية يغمراسن بن زيان من وَرَاء الْبَحْر وراسلهم هُوَ فِي مشاقة السُّلْطَان وإفساد ثغوره وإنزال الْعَوَائِق الْمَانِعَة لَهُ من حركته وَالْأَخْذ بأذياله عَن النهوض إِلَى الْغَزْو وأسنوا فِيمَا بَينهمَا الْهَدَايَا والتحف وجنب يغمراسن إِلَى ابْن الْأَحْمَر ثَلَاثِينَ من عتاق الْخَيل مَعَ ثِيَاب من عمل الصُّوف وَبعث إِلَيْهِ ابْن الْأَحْمَر مُكَافَأَة على ذَلِك عشرَة آلَاف دِينَار فَلم يرض بِالْمَالِ ورده وأصفقت آراؤهم جَمِيعًا على السُّلْطَان يَعْقُوب وَرَأَوا أَن قد أبلغوا فِي أَحْكَام أَمرهم وسد مذاهبه إِلَيْهِم
واتصل خبر هَذَا كُله بالسلطان وَهُوَ بمراكش كَانَ خرج إِلَيْهَا مرجعه من الْغَزْو فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة لما كَانَ من عيث عرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة فثقف أطرافها وحسم مَادَّة فَسَادهَا ثمَّ اتَّصل بِهِ خبر ابْن محلي ونزوله عَن مالقة لِابْنِ الْأَحْمَر ومنازلة الطاغية بأساطيله للجزيرة الخضراء وتضييقه على الْمُسلمين بهَا فَبلغ ذَلِك مِنْهُ كل مبلغ ونهض من مراكش ثَالِث شَوَّال من السّنة يُرِيد طنجة فوصل إِلَى قَرْيَة مكول من بِلَاد تامسنا فتوالت عَلَيْهِ بهَا الأمطار والسيول وعاقته عَن النهوض وبينما هُوَ فِي ذَلِك ورد عَلَيْهِ الْخَبَر أَيْضا بنزول الطاغية على الجزيرة الخضراء برا وإحاطة عسكره بهَا بعد أَن كَانَت أساطيله منازلة لَهَا فِي الْبَحْر مُنْذُ سِتَّة أشهر أَو سَبْعَة وَأَنه مشرف على التهامها وبعثوا إِلَيْهِ يستصرخونه ويخبرونه بِالْحَال فاعتزم على الرحيل
ثمَّ اتَّصل بِهِ الْخَبَر ثَالِثا بِخُرُوج مَسْعُود بن كانون السفياني بِبِلَاد نَفِيس من أَرض المصامدة خَامِس ذِي الْقعدَة من السّنة وَأَن النَّاس اجْتَمعُوا إِلَيْهِ من قومه وَغَيرهم فانخرقت على السُّلْطَان الفتوق وتوالت عَلَيْهِ الخطوب وَلم يدر مَا يصنع إِلَّا أَنه رأى أَن يقدم أَمر ابْن كانون وَالْعرب فكر رَاجعا إِلَيْهِ وَقدم بَين
(3/50)

يَدَيْهِ حافده تاشفين بن أبي مَالك ووزيره يحيى بن حَازِم الْعلوِي وَجَاء هُوَ على ساقتهم وفر مَسْعُود بن كانون وجموعه أَمَام السُّلْطَان فانتهب معسكرهم وحللهم واستباح عرب الْحَارِث من سُفْيَان وَلحق مَسْعُود بجبل سكسيوة فاعتصم بِهِ وشايع عبد الْوَاحِد السكسيوي الْقَائِم بِهِ على خِلَافه ونازله السُّلْطَان يَعْقُوب بعساكره أَيَّامًا وسرح ابْنه الْأَمِير أَبَا زيان منديل إِلَى بِلَاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل فِي ديارها وقفل إِلَى أَبِيه فِي آخر يَوْم من السّنة الْمَذْكُورَة
واتصل بالسلطان مَا تضَاعف على أهل الجزيرة من ضيق الْحصار وَشدَّة الْقِتَال وإعواز الأقوات وَأَنَّهُمْ ختنوا الأصاغر من أَوْلَادهم خشيَة عَلَيْهِم من معرة الْكفْر فأهمه ذَلِك
وَكَانَ أقسم أَن لَا يرتحل عَن ابْن كانون حَتَّى ينزل على حكمه أَو يهْلك دون ذَلِك فأعمل النّظر فِيمَا يكون بِهِ خلاص أهل الجزيرة فعقد لوَلِيّ عَهده ابْنه الْأَمِير يُوسُف وَكَانَ بمراكش عل الْغَزْو إِلَيْهَا وَكَانَ أهل الجزيرة كَمَا قُلْنَا قد أحَاط بهم الْعَدو برا وبحرا وانقطعت عَنْهُم الْموَاد وعميت عَلَيْهِم الأنباء إِلَّا مَا يَأْتِيهم بِهِ الْحمام من جبل طَارق وفني أَكْثَرهم بِالْقَتْلِ والجوع وسهر اللَّيْل على الأسوار وَشدَّة الْحصار حَتَّى أشرف بَقِيَّتهمْ على الْهَلَاك وَأَيِسُوا من الْحَيَاة فَحِينَئِذٍ جمعُوا صبيانهم وختنوهم كَمَا مر وبينما هم على ذَلِك قدم الْأَمِير يُوسُف بجيوشه إِلَى طنجة وَكَانَ قدومه فِي أَوَائِل صفر من سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة
وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب لما بعث ابْنه الْأَمِير يُوسُف إِلَى طنجة قد كتب إِلَى الثغور بإعداد الأساطيل وعمارتها وتوجيهها إِلَيْهِ وَقسم الإعطاءات وحض النَّاس على النهوض فتوفرت همم الْمُسلمين على الْجِهَاد وَأَجَابُوا من كل نَاحيَة وأبلى الْفَقِيه أَبُو خَاتم العزفي صَاحب سبتة لما بلغه الْخطاب من السُّلْطَان فِي شَأْن الأساطيل الْبلَاء الْحسن وَقَامَ فِيهِ الْمقَام الْمَحْمُود فَهَيَّأَ
(3/51)

خَمْسَة وَأَرْبَعين أسطولا واستنفر كَافَّة أهل بَلَده من المحتلم إِلَى الشَّيْخ فَرَكبُوا الْبَحْر أَجْمَعُونَ وَلم يبْق بسبتة إِلَّا النِّسَاء والشيوخ وَالصبيان وَرَأى ابْن الْأَحْمَر مَا نزل بِأَهْل الجزيرة وإشراف الطاغية على أَخذهَا فندم على ممالاته إِيَّاه وَأعد أساطيل سواحله من الْمنْكب والمرية ومالقة فَكَانَت اثْنَي عشر أسطولا فبعثها مدَدا للْمُسلمين وَقدم من بادس وسلا وآنفى خَمْسَة عشر أسطولا فَنَهَضَ فِي الْوَقْت اثْنَان وَسَبْعُونَ أسطولا وَاجْتمعت كلهَا بمرفأ سبتة وَقد أخذت بطرفي الزقاق فِي أحفل زِيّ وأكمل استعداد ثمَّ تقدّمت إِلَى طنجة ليراها الْأَمِير يُوسُف فشاهدها وسر بهَا وَعقد لَهُم رايته مَعَ جمَاعَة من أبطال بني مرين رَغِبُوا فِي الْجِهَاد
ثمَّ أقلعت الأساطيل عَن طنجة ثامن ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة وانتشرت قلوعهم فِي الْبَحْر فأجازوه وَبَاتُوا لَيْلَة المولد الْكَرِيم بمرفأ جبل الْفَتْح وصبحوا الْعَدو وأساطيله يَوْمئِذٍ تناهز أَرْبَعمِائَة فتظاهر الْمُسلمُونَ فِي دروعهم وأسبغوا من شكتهم وَأَخْلصُوا لله عزائمهم وتنادوا بِالْجنَّةِ وشعارها وَوعظ خطباؤهم وَذكر صلحاؤهم والتحم الْقِتَال وَنزل الصَّبْر فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى نضحوا الْعَدو بِالنَّبلِ ففسدت أفروطتهم واختل مَصَافهمْ وانكشفوا وتساقطوا فِي عباب الْبَحْر فاستلحمهم السَّيْف وغشيهم اليم وَاسْتولى الْمُسلمُونَ على أساطيلهم فملكوها وأسروا قائدها الملند فِي جمَاعَة من حَاشِيَته وَاسْتمرّ مثقفا بفاس حَتَّى فر بعد ذَلِك وسر الْمُسلمُونَ الَّذين بداخل الجزيرة بِفساد أفروطة الْعَدو وهلاكها
وَلما رأى عَسْكَر الطاغية الَّذِي فِي الْبر مَا أصَاب أهل الْبَحْر مِنْهُم من الْقَتْل والأسر داخلهم الرعب وخافوا من هجوم الْأَمِير يُوسُف عَلَيْهِم إِذْ كَانَ مُقيما بساحل طنجة مستعدا للعبور فقوضوا أبنيتهم وأفرجوا عَن الْبَلَد لحينهم وانتشر الْمُسلمُونَ وَالنِّسَاء وَالصبيان بِسَاحَة الْبَلَد كَأَنَّمَا نشرُوا من قبر وغلبت مُقَاتلَتهمْ كثيرا من عَسْكَر الْعَدو على مَتَاعهمْ فغنموا من الْحِنْطَة والإدام
(3/52)

والفواكه مَا مَلأ أسواق الْبَلَد أَيَّامًا حَتَّى وصلتها الْميرَة من النواحي
وَأَجَازَ الْأَمِير يُوسُف الْبَحْر من حِينه فاحتل بساحل الجزيرة وأرهب الْعَدو فِي كل نَاحيَة لكنه صده عَن الْغَزْو شَأْن الْفِتْنَة مَعَ ابْن الْأَحْمَر فَرَأى أَن يعْقد مَعَ الطاغية سلما ويصل يَده بِيَدِهِ لمنازلة غرناطة دَار ابْن الْأَحْمَر فَأَجَابَهُ الطاغية إِلَى ذَلِك رهبة من بأسه وموجدة على ابْن الْأَحْمَر فِي مدد أهل الجزيرة وَبعث أساقفته لعقد ذَلِك وإحكامه فأجازهم الْأَمِير يُوسُف إِلَى أَبِيه وَهُوَ بِنَاحِيَة مراكش فَغَضب لَهَا وَأنكر على ابْنه وزوى عَنهُ وَجه رِضَاهُ وَأقسم أَن لَا يرى أسقفا مِنْهُم إِلَّا أَن يرَاهُ بأرضه ورجعهم إِلَى طاغيتهم مخفقي السَّعْي كاسفي البال
ووصلت فِي هَذِه السّنة هَدِيَّة السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّاء يحيى الواثق الحفصي مَعَ أبي الْعَبَّاس الغماري حَسْبَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ قبل هَذَا
ثمَّ إِن السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله رَجَعَ إِلَى فاس وَبعث خطابه إِلَى الْآفَاق مستنفرا للْجِهَاد وَفصل عَنْهَا غرَّة رَجَب من سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة حَتَّى انْتهى إِلَى طنجة وعاين مَا اخْتَلَّ من أَحْوَال الْمُسلمين فِي تِلْكَ الفترة وَمَا جرت إِلَيْهِ فتْنَة ابْن الْأَحْمَر من اعتزاز الطاغية وَمَا حدثته نَفسه من التهام الجزيرة الأندلسية وَمن فِيهَا وَكَانَ قد أَمر أمره فِي هَذِه الْمدَّة وَظَاهره أَعدَاء ابْن الْأَحْمَر من بني اشقيلولة وَغَيرهم عَلَيْهِ حَتَّى حاصروا غرناطة ومرج أَمر الأندلس ونغلت أطرافها وأشفق السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله على الْمُسلمين الَّذين بهَا وعَلى ابْن الْأَحْمَر مِمَّا ناله من خسف الطاغية فراسله فِي الْمُوَادَعَة واتفاق الْكَلِمَة على أَن ينزل لَهُ عَن مالقة الَّتِي خَادع عَنْهَا ابْن محلي كَمَا تقدم فَامْتنعَ ابْن الْأَحْمَر وأساء الرَّد فِي ذَلِك فَرجع السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى إِزَالَة الْعَوَائِق عَن شَأْنه فِي الْجِهَاد وَكَانَ من أعظمها فتْنَة يغمراسن واستيقن مَا دَار بَينه وَبَين ابْن الْأَحْمَر والطاغية ابْن أذفونش من الِاتِّصَال والإصفاق على تعويقه عَن الْغَزْو فَبعث إِلَى يغمراسن يسْأَله عَن الَّذِي بلغه عَنهُ وَيطْلب مِنْهُ تَجْدِيد الصُّلْح وَجمع الْكَلِمَة فلج فِي الْخلاف وكشف وَجه العناد وأعلن بِمَا
(3/53)

وَقع بَينه وَبَين أهل العدوة الأندلسية مسلمهم وكافرهم من الوصلة وَأَنه معتزم على وَطْء بِلَاد الْمغرب فصرف السُّلْطَان يَعْقُوب عزمه إِلَى غَزْو يغمراسن وقفل إِلَى فاس لثَلَاثَة أشهر من حُلُوله بطنجة فَدَخلَهَا آخر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَأعَاد الرُّسُل إِلَى يغمراسن لإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ فِيمَا خاطبه بِهِ إِلَى مَتى يَا يغمراسن هَذَا النفور والتمادي فِي الْغرُور أما آن أَن تَنْشَرِح الصُّدُور وتنقضي هَذِه الشرور فِي كَلَام غير هَذَا فَصم يغمراسن عَن ذَلِك كُله وَلم يرفع بِهِ رَأْسا وَلما أيس السُّلْطَان يَعْقُوب من إقلاعه ورجوعه نَهَضَ إِلَيْهِ من فاس آخر سنة تسع وَسبعين وسِتمِائَة وَقدم ابْنه الْأَمِير يُوسُف فِي العساكر وَتَبعهُ فأدركه بتازا وَلما انْتهى إِلَى ملوية تلوم أَيَّامًا فِي انْتِظَار العساكر ثمَّ ارتحل حَتَّى نزل وَادي تافنا وصمد إِلَيْهِ يغمراسن بجموع زناتة وَالْعرب بحللهم ونجعهم وشائهم ونعمهم والتقت طوالع الْقَوْم أَولا فَكَانَت بَينهمَا حَرْب ثمَّ ركب على آثارهما العسكران والتحم الْقِتَال سَائِر النَّهَار وَكَانَ الزَّحْف بالموضع الْمَعْرُوف بالملعب من أحواز تلمسان ثمَّ انْكَشَفَ بَنو عبد الواد عِنْدَمَا أراح الْقَوْم وانتهب معسكرهم بِمَا فِيهِ من الكراع وَالسِّلَاح والفساطيط وَالْمَتَاع وَبَات عَسْكَر السُّلْطَان يَعْقُوب تِلْكَ اللَّيْلَة على متون جيادهم وَاتبعُوا من الْغَد آثَار عدوهم واكتسحت أَمْوَال الْعَرَب الناجعة الَّذين كَانُوا مَعَ يغمراسن وامتلأت أَيدي بني مرين من شائهم ونعمهم وتوغلوا فِي أَرض يغمراسن ووافاه هُنَالك مُحَمَّد بن عبد الْقوي أَمِير بني توجين لقِيه بِنَاحِيَة القصبات وعاثوا جَمِيعًا فِي بِلَاده تخريبا ونهبا ثمَّ أذن السُّلْطَان يَعْقُوب لبني توجين فِي اللحاق ببلادهم وَأخذ هُوَ بمخنق تلمسان محاصرا لَهَا حَتَّى يصل مُحَمَّد بن عبد الْقوي إِلَى مأمنه من جبل وانشريس خوفًا عَلَيْهِ من غائله يغمراسن واتباعه إِيَّاه ثمَّ أفرج عَنْهَا وقفل إِلَى الْمغرب فَدخل حَضْرَة فاس فِي رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة ثمَّ نَهَضَ الى مراكش فَدَخلَهَا فاتح سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بعْدهَا فَبنى بهَا بِامْرَأَة مَسْعُود بن كانون السفياني لِأَنَّهُ كَانَ قد هلك قبل هَذِه السّنة وسرح ابْنه الْأَمِير يُوسُف إِلَى السوس لتدويخ أقطاره ثمَّ وافاه وَهُوَ بمراكش صريخ الطاغية على مَا نذكرهُ الْآن
(3/54)

الْجَوَاز الثَّالِث للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس مغيثا للطاغية ومغتنما فرْصَة الْجِهَاد

لما كَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله بمراكش سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة قدم عَلَيْهِ كتاب طاغية الإضبنيول واسْمه هراندة مَعَ وَفد من بطارقته وزعماء دولته مستصرخا لَهُ على ابْنه سانجة الْخَارِج عَلَيْهِ فِي طَائِفَة من النَّصَارَى وَأَنَّهُمْ غلبوه على أمره زاعمين بِأَنَّهُ شاخ وَضعف عَن تدبيرهم وَلم يقدر على الْقيام بنصرتهم فاستنصره عَلَيْهِم وَدعَاهُ لحربهم وأمله لاسترجاع ملكه من يدهم فاغتنم السُّلْطَان يَعْقُوب هَذِه الفرصة فِي الْحَال وَجعل جَوَابه نفس النهوض والارتحال فَسَار مَعَهم لم يعرج على شَيْء حَتَّى أَتَى قصر الْمجَاز وَهُوَ قصر مصمودة فَعبر مِنْهُ واحتل لوقته بالجزيرة الخضراء فِي ربيع الثَّانِي من سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة وأوعز الى النَّاس بالنفير إِلَى الْجِهَاد وَاجْتمعت عَلَيْهِ مسالح الثغور بالأندلس وَسَار حَتَّى نزل صَخْرَة عباد وَهُنَاكَ قدم عَلَيْهِ الطاغية هراندة ذليلا لعزة الْإِسْلَام مؤملا صريخ السُّلْطَان فَأكْرم موصله وَأكْرم وفادته
وَذكر ابْن خلدون وَابْن الْخَطِيب وَغَيرهمَا من الْأَثْبَات أَن هَذَا الطاغية لما اجْتمع بالسلطان يَعْقُوب قبل يَده إعظاما لقدره وخضوعا لعزه فَدَعَا السُّلْطَان رَحمَه الله بِمَاء فَغسل يَده من تِلْكَ الْقبْلَة بِمحضر من كَانَ هُنَاكَ من جموع الْمُسلمين والفرنج ثمَّ التمس الطاغية من السُّلْطَان أَن يمده بِشَيْء من المَال ليستعين بِهِ على حربه ونفقاته فأسلفه السُّلْطَان مائَة ألف دِينَار من بَيت مَال الْمُسلمين رهنة الطاغية فِيهَا تاجه الْمَوْرُوث عَن سلفه قَالَ ابْن خلدون وَبَقِي هَذَا التَّاج بدار بني يَعْقُوب بن عبد الْحق فخرا لِلْأَعْقَابِ لهَذَا الْعَهْد قلت وَمَا أبعد حَال هَذَا الطاغية المهين من حَال عُطَارِد بن حَاجِب التَّمِيمِي الَّذِي لم يسلم قَوس أَبِيه على تطاول السنين والقصة مَشْهُورَة فَانْظُر مَا بَين الهمم الْعَرَبيَّة والعجمية من البون وَحَال الْفَرِيقَيْنِ فِي الابتذال والصون
ثمَّ إِن السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله تقدم مَعَ الطاغية وَدخل دَار الْحَرْب غازيا حَتَّى نَازل قرطبة وَبهَا يَوْمئِذٍ سانجة ابْن الطاغية الْخَارِج عَلَيْهِ مَعَ طائفته
(3/55)

فقاتلها أَيَّامًا ثمَّ أفرج عَنْهَا وتنقل فِي جهاتها وَبعث سراياه إِلَى جيان فأفسدوا زروعها ثمَّ ارتحل إِلَى طليطلة فعاث فِي جهاتها وَخرب عمرانها حَتَّى انْتهى إِلَى حصن مجريط من أقْصَى الثغر فامتلأت أَيدي الْمُسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم الَّتِي استاقوها فقفل السُّلْطَان من أجل ذَلِك إِلَى الجزيرة فاحتل بهَا فِي شعْبَان وَأقَام بهَا إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت غَزْوَة لم يسمح الدَّهْر بِمِثْلِهَا وَفِي هَذِه السّنة توفّي يغمراسن بن زيان على مَا فِي القرطاس وَذكر ابْن خلدون أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أوصى ابْنه عُثْمَان وَقَالَ لَهُ يَا بني إِن بني مرين بعد استفحال ملكهم واستيلائهم على حَضْرَة الْخلَافَة بمراكش لَا طَاقَة لنا بلقائهم فإياك أَن تحاربهم فَإِن مددهم موفور ومددك مَحْصُور وَلَا يغرنك أَنِّي كنت أحاربهم وَلَا أنكص عَن لقائهم لِأَنِّي كنت أخْشَى معرة الْجُبْن عَنْهُم بعد التمرس بهم والاجتراء عَلَيْهِم وَأَنت لَا يَضرك ذَلِك لِأَنَّك لم تحاربهم وَلم تتمرس بهم فَعَلَيْك بالتحصن ببلدك مَتى زحفوا إِلَيْك وحاول مَا اسْتَطَعْت الِاسْتِيلَاء على مَا جاورك من عمالات الْمُوَحِّدين أَصْحَاب تونس يستفحل بهَا ملكك وتكافئ حشد الْعَدو بحشدك قَالَ فَعمل ابْنه عُثْمَان على وَصيته وأوفد أَخَاهُ مُحَمَّد بن يغمراسن على السُّلْطَان يَعْقُوب وَهُوَ بالأندلس فِي جَوَازه الرَّابِع فعقد مَعَه السّلم على مَا أحب وانكفأ رَاجعا إِلَى أَخِيه فطابت نَفسه وتفرغ لافتتاح الْبِلَاد الشرقية
انْعِقَاد الصُّلْح بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما اتَّصَلت يَد السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله بيد الطاغية وَقَامَ مَعَه فِي ارتجاع ملكه خشِي ابْن الْأَحْمَر عاديته فجنح إِلَى مُوالَاة ابْنه سانجة الْخَارِج عَلَيْهِ وَوصل يَده بِيَدِهِ وأكد لَهُ العقد واضطرمت الأندلس نَارا وفتنة بِسَبَب هَذَا الْخلاف وَلما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزوته مَعَ الطاغية وَقد ظهر على ابْنه أجمع على منازلة مالقة الَّتِى استحوذ عَلَيْهَا ابْن الْأَحْمَر وخدع عَنْهَا ابْن محلي فَنَهَضَ السُّلْطَان إِلَيْهَا من الجزيرة الخضراء فاتح سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
(3/56)

فغلب أَولا على الْحُصُون الغربية كلهَا ثمَّ أَسف إِلَى مالقة فَأَنَاخَ عَلَيْهَا بعساكره وضاق على ابْن الْأَحْمَر النطاق وَلم تغن عَنهُ مُوالَاة سانجة شَيْئا وبدا لَهُ سوء المغبة فِي شَأْن مالقة وَنَدم على تنَاولهَا فأعمل نظره فِي الْخَلَاص من ورطتها وَلم ير لَهَا إِلَّا الْأَمِير يُوسُف ابْن السُّلْطَان يَعْقُوب فخاطبه بمكانه من الْمغرب مستصرخا لَهُ لرقع هَذَا الْخرق ورتق هَذَا الفتق وَجمع كلمة الْمُسلمين على عدوهم فَأَجَابَهُ واغتنم المثوبة فِي مسعاه وَعبر الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة فَوَافى أَبَاهُ بمعسكره على مالقة وَرغب مِنْهُ السّلم لِابْنِ الْأَحْمَر فِي شَأْنهَا والتجافي لَهُ عَنْهَا فأسعف رَغْبَة ابْنه لما يؤمل فِي ذَلِك من رضى الله عز وَجل فِي جِهَاد عدوه وإعلاء كَلمته وانعقد السّلم وانبسط أمل ابْن الْأَحْمَر وتجددت عزائم الْمُسلمين للْجِهَاد وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب الى الجزيرة الخضراء فَبَثَّ السَّرَايَا فِي دَار الْحَرْب فأوغلوا وأثخنوا ثمَّ أستأنف الْغَزْو بِنَفسِهِ الى طليطلة فَخرج من الجزيرة غازيا غرَّة ربيع الثَّانِي من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة حَتَّى انْتهى إِلَى قرطبة فأثخن وغنم وَخرب الْعمرَان وافتتح الْحُصُون ثمَّ ارتحل نَحْو البرت وَترك محلته على بياسة بالمغانم والأثقال وَترك مَعهَا خَمْسَة آلَاف فَارس يحمونها من كرة الْعَدو ثمَّ أغذ السّير فِي أَرض قفرة لَيْلَتَيْنِ حَتَّى انْتهى إِلَى البرت من نواحي طليطلة فسرح الْخَيل فِي البسائط وجالت فِي أكنافها وَلم تَنْتَهِ إِلَى طليطلة لتثاقل النَّاس بِكَثْرَة الْغَنَائِم وأثخن فِي الْقَتْل وقفل على غير طَريقَة فأثخن وَخرب
وانْتهى إِلَى أبذة فَوقف بساحتها وقاتلها سَاعَة من نَهَار فَرَمَاهُ علج من خلف السُّور بِسَهْم أصَاب فرسه فارتحل عَنْهَا إِلَى مُعَسْكَره ببياسة فأراح بهَا ثَلَاثًا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها وقفل إِلَى الجزيرة وَبَين يَدَيْهِ من السَّبي والغنائم مَا يعجز عَنهُ الْوَصْف فَدَخلَهَا فِي شهر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فقسم الْغَنَائِم وَنفل من الْخمس وَولى على الجزيرة حافده عِيسَى بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فَهَلَك شَهِيدا على شريش بِسَهْم مَسْمُوم لشهرين من ولَايَته
ثمَّ عبر السُّلْطَان إِلَى الْمغرب فاتح شعْبَان وَمَعَهُ ابْنه أَبُو زيان منديل فأراح
(3/57)

بطنجة ثَلَاثًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى فاس فَدَخلَهَا آخر شعْبَان وَلما قضى صِيَامه ونسك عيده ارتحل إِلَى مراكش لتمهيدها وتفقد أحوالها وَقسم من نظره لنواحي سلا حظا فَأَقَامَ برباط الْفَتْح شَهْرَيْن اثْنَيْنِ وَتوفيت فِي هَذِه الْمدَّة الْحرَّة أم الْعِزّ بنت مُحَمَّد بن حَازِم الْعلوِي وَهِي أم الْأَمِير يُوسُف وَكَانَت وفاتها برباط الْفَتْح فدفنت بشالة ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فاتح ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وبلغه مهلك الطاغية هراندة بن أذفونش واجتماع النَّصْرَانِيَّة على ابْنه سانجة الْخَارِج عَلَيْهِ فحركت همته إِلَى الْجِهَاد ثمَّ سرح ابْنه الْأَمِير يُوسُف ولي عَهده بالعسكر إِلَى بِلَاد السوس لغزو الْعَرَب الَّذين بهَا وكف عاديتهم ومحو آثَار الْخَوَارِج المنتزين على الدولة فأجفلوا أَمَامه وَاتبع آثَارهم إِلَى الساقية الْحَمْرَاء آخر الْعمرَان من بِلَاد السوس فَهَلَك أَكثر الْعَرَب فِي تِلْكَ القفار جوعا وعطشا وقفل رَاجعا لما بلغه من اعتلال وَالِده السُّلْطَان يَعْقُوب فوصل إِلَى مراكش وَقد أبل من مَرضه وعزم على الْجِهَاد شكرا لله تَعَالَى على نعْمَة الْعَافِيَة وَفِي هَذِه السّنة وصل مَاء عين غبولة إِلَى قَصَبَة رِبَاط الْفَتْح بِأَمْر السُّلْطَان يَعْقُوب وَكَانَ ذَلِك على يَد الْمعلم المهندس أبي الْحسن عَليّ بن الْحَاج وَالله تَعَالَى أعلم
الْجَوَاز الرَّابِع للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

لما اعتزم السُّلْطَان يَعْقُوب على العبور إِلَى الأندلس عرض جُنُوده وحاشيته وأزاح عللهم وَبعث فِي قبائل الْمغرب بالنفير ونهض من مراكش فِي جُمَادَى الْآخِرَة لثلاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة واحتل برباط الْفَتْح منتصف شعْبَان فَقضى بِهِ صَوْمه ونسكه ثمَّ ارتحل إِلَى قصر الْمجَاز وَشرع فِي إجَازَة العساكر والحشود من المرتزقة والمتطوعة خَاتم سنته ثمَّ أجَاز الْبَحْر بِنَفسِهِ غرَّة صفر من سنة أَربع وَثَمَانِينَ بعْدهَا واحتل بِظَاهِر طريف ثمَّ سَار إِلَى الجزيرة الخضراء فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ خرج غازيا حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي لَك وسرح الْخُيُول فِي بِلَاد الْعَدو وبسائطه يحرق وينسف فَلَمَّا خرب بِلَاد النَّصْرَانِيَّة
(3/58)

وَدَمرَ أَرضهم قصد مَدِينَة شريش فَنزل بساحتها وأناخ عَلَيْهَا فِي الْعشْرين من صفر سنة أَربع وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة وَبث السَّرَايَا والغارات فِي جَمِيع نَوَاحِيهَا وَبعث عَن المسالح الَّتِي كَانَت بالثغور فتوافت لَدَيْهِ ولحقه حافده عمر بن عبد الْوَاحِد بِجمع وافر من الْمُجَاهدين من أهل الْمغرب فُرْسَانًا ورجالا ووافته حِصَّة العزفي صَاحب سبتة غزاه ناشبة تناهز خَمْسمِائَة وأوعز إِلَى ولي عَهده الْأَمِير يُوسُف باستنفار من بَقِي من أهل العدوة
وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله لما أَنَاخَ على شريش بعث وزيره مُحَمَّد بن عطوا وَمُحَمّد بن عمرَان عيُونا فوافوا حصن القناطر وروطة واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور وعادوا إِلَى السُّلْطَان فأخبروه ثمَّ عقد السُّلْطَان لحافده مَنْصُور بن عبد الْوَاحِد على ألف فَارس من بني مرين والغز وعرب العاصم والخلط والأثبج وَأَعْطَاهُ الرَّايَة وَبَعثه لغزو إشبيلية وَذَلِكَ فِي يَوْم الْأَحَد التَّاسِع وَالْعِشْرين من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة فغنموا ومروا بقرمونة فِي منصرفهم فاستباحوها وأثخنوا بِالْقَتْلِ والأسر وَرَجَعُوا وَقد امْتَلَأت أَيْديهم من الْغَنَائِم ثمَّ عقد ثَانِيَة لحافده عمر بن عبد الْوَاحِد على مثلهَا من الفرسان فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من شهر ربيع الأول من السّنة وَأَعْطَاهُ الرَّايَة وسرحه إِلَى بسائط وَادي لَك فَرَجَعُوا من الْغَنَائِم بِمَا مَلأ العساكر بعد أَن أثخنوا فِيهَا بِالْقَتْلِ والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثِّمَار وأبادوا عمرانها
ثمَّ سرح ثامن ربيع الْمَذْكُور عسكرا من خَمْسمِائَة فَارس للإغارة على حصن ركش فوافوه على غرَّة فاكتسحوا أَمْوَالهم وَسبوا ثمَّ عقد تَاسِع ربيع أَيْضا لِابْنِهِ أبي معرف على ألف من الفرسان وسرحه لغزو إشبيلية فَسَارُوا حَتَّى هجموا عَلَيْهَا يَوْم المولد الْكَرِيم وتحصنت مِنْهُ حاميتها بالأسوار فخرب عمرانها وَقطع أشجارها وامتلأت أَيدي عسكره سبيا وأموالا وَرجع إِلَى محلّة السُّلْطَان وَهِي نازلة على شريش كَمَا قدمنَا مَمْلُوء الحقائب
ثمَّ عقد ثَالِثَة لحافده عمر منتصف ربيع الْمَذْكُور لغزو حصن كَانَ بِالْقربِ
(3/59)

من مُعَسْكَره كَانَ أَهله يقطعون الطَّرِيق على من خرج من المحله مُفردا أَو فِي قلَّة وسرح مَعَه الرجل من الناشبة والفعلة بآلات من الْمساحِي والفؤوس وأمده بِالرجلِ من المصامدة وغزاة سبتة فاقتحموه عنْوَة على أَهله وَقتلُوا الْمُقَاتلَة وَسبوا النِّسَاء والذرية وألصقوا خَدّه بِالتُّرَابِ ونسفوا آثاره نسفا ولسبعة عشر من الشَّهْر ركب السُّلْطَان إِلَى حصن مرتقوط قَرِيبا من مُعَسْكَره فخربه وَحَرقه بالنَّار واستباحه وَقتل الْمُقَاتلَة وسبى الْأَهْل ولعشرين من شهره الْمَذْكُور وصل ولي عَهده الْأَمِير يُوسُف من العدوة المغربية بنفير أهل الْمغرب وكافة الْقَبَائِل فِي جيوش ضخمة وعساكر موفورة وَركب السُّلْطَان للقائهم وبرور مقدمهم وَعرض العساكر القادمة مَعَه يَوْمئِذٍ فَكَانَت ثَلَاثَة عشر ألفا من المصامدة وَثَمَانِية آلَاف من برابرة الْمغرب كلهم مُتَطَوّع بِالْجِهَادِ فعقد السُّلْطَان لوَلِيّ الْعَهْد على خَمْسَة آلَاف من المرتزقة وألفين من المتطوعة وَثَلَاثَة عشر ألفا من الرجل وألفين من الناشبة وَذَلِكَ فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول الْمَذْكُور وسرحه لغزو إشبيلية والإثخان فِي نَوَاحِيهَا فعبأ كتائبه ونهض لوجهه وَبث الغارات بَين يَدَيْهِ فأثخنوا وَسبوا وَقتلُوا واقتحموا الْحُصُون واكتسحوا الْأَمْوَال وعاج ولي الْعَهْد على الشّرف والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم بعض حصونها وقفل إِلَى معسكر السُّلْطَان وَهُوَ بمكانه من حِصَار شريش وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس من ربيع الثَّانِي قدم أَبُو زيان منديل ابْن السُّلْطَان يَعْقُوب من الْمغرب فِي جَيش كثيف فيهم خَمْسمِائَة فَارس من عرب بني جَابر أهل تادلا مَعَ كَبِيرهمْ يُوسُف بن قيطون وَفِيهِمْ من المتطوعة والناشبة عدد كثير فعقد لَهُ السُّلْطَان غَدَاة وُصُوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادي الْكَبِير فَأَغَارَ على قرمونة وطمعت حاميتها فِي المدافعة فبرزوا لَهُ وَصدقهمْ الْقِتَال فانكشفوا حَتَّى أدخلوهم الْبَلَد ثمَّ أحاطوا ببرج كَانَ قَرِيبا من الْبَلَد فقاتلوه سَاعَة من نَهَار واقتحموه عنْوَة وَلم يزل يتقرى الْمنَازل والعمران حَتَّى وقف بِسَاحَة إشبيلية فَأَغَارَ واقتحم برجا
(3/60)

كَانَ هُنَالك عينا على الْمُسلمين وأضرمه نَارا وامتلأت أَيدي عساكره وقفل إِلَى معسكر السُّلْطَان على شريش ولثلاث عشرَة لَيْلَة من ربيع الثَّانِي عقد السُّلْطَان لوَلِيّ الْعَهْد الْأَمِير يُوسُف لمنازلة جَزِيرَة كبتور فصمد إِلَيْهَا وقاتلها واقتحمها عنْوَة وَفِي ثَانِي جُمَادَى الأولى عقد السُّلْطَان للْحَاج أبي الزبير طَلْحَة بن يحيى بن محلى وَكَانَ بعد مداخلته أَخَاهُ عمر فِي شَأْن مالقة سنة خمس وَسبعين خرج إِلَى الْحَج فَقضى فَرْضه وَرجع وَمر فِي طَرِيقه بتونس فاتهمه الدعي ابْن أبي عمَارَة كَانَ بهَا يَوْمئِذٍ فاعتقله سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ثمَّ سرحه وَلحق بقَوْمه بالمغرب ثمَّ عبر إِلَى الأندلس غازيا مَعَ السُّلْطَان يَعْقُوب فعقد لَهُ فِي هَذَا الْيَوْم على مِائَتَيْنِ من الفرسان وسرحه إِلَى إشبيلية ليَكُون ربيئة للمعسكر وَبعث مَعَه لذَلِك عيُونا من الْيَهُود والمعاهدين من النَّصَارَى يتعرفون أَخْبَار الطاغية سانجة وَالسُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله أثْنَاء هَذَا كُله يغادي شريش ويراوحها بِالْقَتْلِ والتخريب ونسف الْآثَار وَبث السَّرَايَا كل يَوْم وَلَيْلَة فِي بِلَاد الْعَدو فَلَا يَخْلُو يَوْم من تجهيز عَسْكَر أَو إغزاء جَيش أَو عقد راية أَو بعث سَرِيَّة حَتَّى انتسف الْعمرَان فِي جَمِيع بِلَاد النَّصْرَانِيَّة وَخرب بسائط إشبيلية ولبلة وقرمونة وإستجة وجبال الشّرف وَجَمِيع بسائط الفرنتيرة
وأبلى فِي هَذِه الْغَزَوَات عياد بن أبي عياد العاصمي من شُيُوخ جشم وَالْخضر الْغَزِّي من أُمَرَاء الأكراد بلَاء عَظِيما وَكَانَ لَهُم فِيهَا ذكر وصيت وَكَذَلِكَ غزَاة سبتة وَكَذَا سَائِر الْمُجَاهدين من عرب جشم وَغَيرهم مثل مهلهل بن يحيى الخلطي صهر السُّلْطَان ويوسف بن قيطون الجابري وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن يطول ذكرهم
فَلَمَّا دمرها تدميرا وأوسعها تخريبا ونسفها نسفا واكتسحها غَارة ونهبا وهجم فصل الشتَاء وانقطعت الْميرَة عَن الْعَسْكَر اعتزم السُّلْطَان على القفول وَأَفْرج عَن شريش لآخر جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة بعد أَن حاصرها نَحوا من ثَلَاثَة أشهر وَعشرَة أَيَّام واتصل بِهِ أَن الْعَدو أوعز إِلَى أساطيله
(3/61)

باحتلال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز السُّلْطَان إِلَى جَمِيع سواحله من سبتة وطنجة وبلاد الرِّيف ورباط الْفَتْح والمنكب والجزيرة وطريف بتوجيه أساطيلهم فتوافت مِنْهَا سِتَّة وَثَلَاثُونَ أسطولا متكاملة فِي عدتهَا فأحجمت اساطيل الْعَدو عَنْهَا وارتدت على أعقابها واحتل السُّلْطَان يَعْقُوب بالجزيرة الخضراء وَهِي الْمُسَمَّاة الْيَوْم بخوزيرت غرَّة رَمَضَان من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَنزل بقصره من الْمَدِينَة الجديدة الَّتِي بناها بإزائها فبرزت أساطيل الْمُسلمين أَمَامه بالمرسى وَهُوَ جَالس بمشور قصره فلعبوا بمرأى مِنْهُ فِي الْبَحْر وتجاولوا وتناطحوا وتطاردوا كفعلهم سَاعَة الْحَرْب فسر بذلك وَأحسن إِلَيْهِم وصرفهم إِلَى حَال سبيلهم
وفادة الطاغية على السُّلْطَان يَعْقُوب بأحواز الجزيرة الخضراء وَعقد الصُّلْح بَينهمَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قَالَ ابْن خلدون رَحمَه الله لما نزل بِبِلَاد النَّصْرَانِيَّة من السُّلْطَان يَعْقُوب مَا نزل من تدمير قراهم واكتساح أَمْوَالهم وَسبي نِسَائِهِم وإبادة مفاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم زاغت مِنْهُم الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر واستيقنوا أَن لَا عَاصِم لَهُم من أَمِير الْمُسلمين فَاجْتمعُوا إِلَى طاغيتهم سانجة خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة متوجعين مِمَّا أذاقهم جنود الله من سوء الْعَذَاب وأليم النكال وَحَمَلُوهُ على الضراعة لأمير الْمُسلمين فِي السّلم وإيفاد الْمَلأ من كبار النَّصْرَانِيَّة عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَإِلَّا فَلَا تزَال تصيبهم مِنْهُ قَارِعَة أَو تحل قَرِيبا من دَارهم فَأجَاب إِلَى مَا دَعوه إِلَيْهِ من الْخَسْف والهضيمة لدينِهِ وأوفد على أَمِير الْمُسلمين وَهُوَ بالجزيرة الخضراء وَفْدًا من بطارقتهم وشمامستهم يخطبون السّلم ويضرعون فِي المهادنة والإبقاء وَوضع أوزار الْحَرْب فردهم أَمِير الْمُسلمين اعتزازا عَلَيْهِم ثمَّ أعادهم الطاغية بترديد الرَّغْبَة على أَن يشْتَرط مَا شَاءَ من عز دينه وَقَومه فأسعفهم أَمِير الْمُسلمين وجنح إِلَى السّلم لما تَيَقّن من صاغيتهم إِلَيْهِ وذلهم لعز الْإِسْلَام وأجابهم إِلَى مَا سَأَلُوهُ
(3/62)

وَاشْترط عَلَيْهِم مَا تقبلوه من مسالمة الْمُسلمين كَافَّة من قومه وَغير قومه وَالْوُقُوف عِنْد مرضاته فِي ولَايَة جِيرَانه من الْمُلُوك أَو عدواتهم وَرفع الضريبة عَن تجار الْمُسلمين بدار الْحَرْب من بِلَاده وَترك التضريب بَين مُلُوك الْمُسلمين وَالدُّخُول بَينهم فِي فتْنَة واستدعى السُّلْطَان الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْحق الترجمان وَبَعثه لاشْتِرَاط ذَلِك وإحكام عقده فَسَار عبد الْحق إِلَى الطاغية سانجة وَهُوَ بإشبيلية فعقد مَعَه الصُّلْح واستبلغ وأكد فِي الْوَفَاء بِهَذِهِ الشُّرُوط ووفدت رسل ابْن الْأَحْمَر على الطاغية وَهُوَ عِنْده لعقد السّلم مَعَه على قومه وبلاده دون أَمِير الْمُسلمين وَأَن يكون مَعَه يدا وَاحِدَة عَلَيْهِ فأحضرهم الطاغية بمشهد عبد الْحق وأسمعهم مَا عقد مَعَ أَمِير الْمُسلمين على قومه وَأهل مِلَّته كَافَّة وَقَالَ لَهُم إِنَّمَا أَنْتُم عبيد آبَائِي فلستم معي فِي مقَام السّلم وَالْحَرب وَهَذَا أَمِير الْمُسلمين على الْحَقِيقَة وَلست أُطِيق مقاومته وَلَا دفاعه عَن نَفسِي فَكيف عَنْكُم فانصرفوا وَلما رأى عبد الْحق ميله إِلَى رضَا السُّلْطَان وسوس إِلَيْهِ بالوفادة عَلَيْهِ لتتمكن الألفة وتستحكم الْعقْدَة وَأرَاهُ مغبة ذَلِك فِي سل السخيمة وتسكين الحفيظة فَمَال إِلَى مُوَافَقَته وَسَأَلَهُ لَقِي الْأَمِير يُوسُف ولي عهد السُّلْطَان أَولا لِيَطمَئِن قلبه فوصل إِلَيْهِ ولقيه على فراسخ من شريش وباتا بمعسكر الْمُسلمين هُنَالك ثمَّ ارتحلا من الْغَد للقاء السُّلْطَان يَعْقُوب وَكَانَ قد أَمر النَّاس بالاحتفال للقاء الطاغية وَقَومه وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وأبهته وَأَن لَا يلبسوا إِلَّا الْبيَاض فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الْملَّة وَشدَّة الشَّوْكَة ووفور الحامية
وَقدم الطاغية فِي جماعته سود اللبَاس خاضعين ذليلين فَاجْتمعُوا بالأمير بحصن الصخرات على مقرب من وَادي لَك وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الْعشْرين من شعْبَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَتقدم الطاغية فَلَقِيَهُ أَمِير الْمُسلمين بِأَحْسَن مبرة وَأتم كَرَامَة يلقى بهَا مثله من عُظَمَاء الْملَل وَقدم الطاغية بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة من طرف بِلَاده أتحف بهَا السُّلْطَان وَولي عَهده كَانَ فِيهَا زوج من الْخُيُول
(3/63)

الوحشي الْمُسَمّى بالفيل وحمارة من حمر الْوَحْش إِلَى غير ذَلِك من الطّرف فقبلها السُّلْطَان وَابْنه وأضعفوا لَهُ الْمُكَافَأَة وكمل عقد السّلم وَقبل الطاغية سَائِر الشُّرُوط وَرَضي بعز الْإِسْلَام عَلَيْهِ وانقلب إِلَى قومه بملء صَدره من الرضى والمسرة وَسَأَلَ مِنْهُ السُّلْطَان أَن يبْعَث إِلَيْهِ بكتب الْعلم الَّتِي بأيدي النَّصَارَى مُنْذُ استيلائهم على مدن الْإِسْلَام فَبعث إِلَيْهِ مِنْهَا ثَلَاثَة عشر حملا فِيهَا جملَة من مصاحف الْقُرْآن الْكَرِيم وتفاسيره كَابْن عَطِيَّة والثعلبي وَمن كتب الحَدِيث وشروحاتها كالتهذيب والاستذكار وَمن كتب الْأُصُول وَالْفُرُوع واللغة والعربية وَالْأَدب وَغير ذَلِك فَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله بحملها إِلَى فاس وتحبيسها على الْمدرسَة الَّتِي أسسها بهَا لطلبة الْعلم وقفل السُّلْطَان فاحتل بقصره من الجزيرة لليلتبن بَقِيَتَا من شعْبَان فَقضى صَوْمه ونسك عيده وَجعل من قيام لَيْلَة جزأ لمحاضرة أهل الْعلم وَأعد الشُّعَرَاء كَلِمَات أنشدوها يَوْم عيد الْفطر بمشهد الْمَلأ فِي مجْلِس السُّلْطَان وَكَانَ من أسبقهم فِي ذَلِك الميدان شَاعِر الدولة أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الملزوزي الأَصْل المكناسي الدَّار وَيعرف بعزوز أَتَى بقصيدة طَوِيلَة من بَحر الوافر على رُوِيَ الْبَاء الْمَفْتُوحَة المردوفة بِالْألف ذكر فِيهَا سيرة السُّلْطَان وغزواته وغزوات بنيه وحفدته وامتدح قبائل مرين ورتبهم على مَنَازِلهمْ وَذكر فَضلهمْ وقيامهم بِالْجِهَادِ وَذكر قبائل الْعَرَب على اختلافها وأنشدت بِمحضر السُّلْطَان والحاشية فَأمر لمنشئها بِأَلف دِينَار وخلعة ولمنشدها بِمِائَتي دِينَار ثمَّ أعمل السُّلْطَان نظره فِي الثغور فرتب بهَا المسالح وَبعث وَلَده الْأَمر أَبَا زيان منديلا ليقف على الْحَد بَين أرضه وَأَرْض ابْن الْأَحْمَر وَعقد لَهُ على تِلْكَ النَّاحِيَة وأنزله بحصن ذكْوَان قرب مالقة وأوصاه أَن لَا يحدث فِي بِلَاد ابْن الْأَحْمَر حَدثا وَعقد لعياد بن أبي عياد العاصمي على مسلحة أُخْرَى وأنزله بأسطبونة وَأَجَازَ ابْنه الْأَمِير يُوسُف إِلَى الْمغرب لتفقد أَحْوَاله ومباشرة أُمُوره وَأمره أَن يَبْنِي على قبر وَالِده أبي الْمُلُوك عبد الْحق بتافر طاست زَاوِيَة فاختط هُنَالك رِبَاطًا حفيلا وَبنى على قبر الْأَمِير
(3/64)

عبد الْحق إِدْرِيس أسنمة من الرخام ونقشها بِالْكِتَابَةِ ورتب عَلَيْهَا قراء لتلاوة الْقُرْآن ووقف على ذَلِك ضيَاعًا وأرضا تسع حرث أَرْبَعِينَ زوجا رحم الله الْجَمِيع بمنه
وَفَاة السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

وَفِي آخر ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة مرض السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق مَرضه الَّذِي توفّي مِنْهُ فَلم يزل ألمه يشْتَد وحاله يضعف إِلَى أَن توفّي بقصره من الجزيرة الخضراء من ارْض الأندلس فِي ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم فاتح سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَحمل إِلَى رِبَاط الْفَتْح من بِلَاد العدوة فَدفن بِمَسْجِد شالة وقبره الْيَوْم طامس الْأَعْلَام رَحمَه الله
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله أَبيض اللَّوْن تَامّ الْقد معتدل الْجِسْم حسن الْوَجْه وَاسع الْمَنْكِبَيْنِ كَامِل اللِّحْيَة معتدلها أشيب نقي الْبيَاض حَلِيمًا متواضعا جوادا مظفرا مَنْصُور الرَّايَة مَيْمُون النقيبة لم يقْصد جَيْشًا إِلَّا هَزَمه وَلَا عدوا إِلَّا قهره وَلَا بَلَدا إِلَّا فَتحه صواما قواما دَائِم الذّكر كثير الْبر لَا تزَال سبحته فِي يَده مقربا للْعُلَمَاء مكرما للصلحاء صادرا فِي أَكثر أُمُوره عَن رَأْيهمْ وَلما استقام لَهُ الْأَمر بنى المرستانات للمرضى والمجانين ورتب لَهُم الْأَطِبَّاء لتفقد أَحْوَالهم وأجرى على الْكل المرتبات والنفقات من بَيت المَال وَكَذَا فعل بالجذمى والعمي والفقراء رتب لَهُم مَالا مَعْلُوما يقبضونه فِي كل شهر من جِزْيَة الْيَهُود وَبنى الْمدَارِس لطلبة الْعلم ووقف عَلَيْهَا الْأَوْقَاف وأجرى عَلَيْهِم بهَا المرتبات كل ذَلِك ابْتِغَاء ثَوَاب الله تَعَالَى نَفعه الله بِقَصْدِهِ
(3/65)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان النَّاصِر لدين الله يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله تَعَالَى

لما مرض السُّلْطَان يَعْقُوب بقصره من الجزيرة الخضراء مَرضه نساؤه وطيرن بالْخبر الى ولي عَهده الْأَمِير يُوسُف وَكَانَ يَوْمئِذٍ بالمغرب فاتصل بِهِ الْخَبَر وَهُوَ بأحواز فاس فأسرع السّير إِلَى طنجة وَقد مَاتَ أَبوهُ قبل وُصُوله فَأخذ الْبيعَة لَهُ الوزراء والأشياخ وَلما عبر إِلَيْهِم الْبَحْر واحتل بالجزيرة جددوا لَهُ الْبيعَة غرَّة صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وأخذوها لَهُ على الكافة فاستتب ملكه واستقام أمره فَفرق الْأَمْوَال وأجزل الصلات وسرح السجون وَرفع عَن النَّاس الْأَخْذ بِزَكَاة الْفطر ووكلهم فِيهَا إِلَى أمانتهم وكف أَيدي الظلمَة والعمال عَن النَّاس وأزال المكوس وَرفع الأنزال عَن دور الرّعية وَصرف اعتناءه إِلَى إصْلَاح السابلة فأزال أَكثر الرتب والقبالات الَّتِي كَانَت بالمغرب إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا فِي الأقطار الخالية والمفازات المخوفة فخضعت مرين تَحت قهره وَصلح أَمر النَّاس فِي أَيَّامه وَكَانَ أول شَيْء أحدث من أمره أَن بعث إِلَى ابْن الْأَحْمَر وَضرب لَهُ موعدا للإجتماع بِهِ فبادر إِلَيْهِ ولقيه بِظَاهِر مربالة فِي الْعشْر الأول من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فلقاه السُّلْطَان مبرة وتكريما وتجافى لَهُ عَن جَمِيع الثغور الأندلسية الَّتِي كَانَت فِي مكلة أَبِيه وَنزل لَهُ عَنْهَا مَا عدى الجزيرة ورندة وطريف وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة وَرجع السُّلْطَان يُوسُف إِلَى الجزيرة فَقدم عَلَيْهِ بهَا وَفد الطاغية سانجة مجددين عقد السّلم الَّذِي عقده لَهُم السُّلْطَان يَعْقُوب رَحمَه الله
وَلما تمهد للسُّلْطَان يُوسُف أَمر الأندلس عقد لِأَخِيهِ أبي عَطِيَّة الْعَبَّاس بن يَعْقُوب على الثغور الغربية وأوصاه بضبطها وَعقد للشَّيْخ الْمُجَاهِد أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن يزكاتن على مسلحتها وَجعل إِلَيْهِ أَمر الْحَرْب وأعنة الْخَيل وأمده بِثَلَاثَة آلَاف من بني مرين وَالْعرب ثمَّ عبر الْبَحْر إِلَى الْمغرب يَوْم
(3/66)

الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بقصر الْمجَاز ثمَّ سَار إِلَى حَضْرَة فاس فَدَخلَهَا ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى مِنْهَا ولحين استقراره بهَا خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عبد الْحق فِي بنيه وَإِخْوَته وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِ وَلحق بجبال ورغة ودعا لنَفسِهِ فسرح إِلَيْهِ السُّلْطَان يُوسُف أَخَاهُ أَبَا معرف مُحَمَّد بن يَعْقُوب فَبَدَا لَهُ فِي النُّزُوع إِلَيْهِم فلحق بهم وشايعهم على رَأْيهمْ من الْخلاف فأغزاهم السُّلْطَان يُوسُف عساكره وردد إِلَيْهِم الْبعُوث والكتائب ثمَّ تلطف فِي استنزال أَخِيه حَتَّى نزل على الْأمان وفر بَنو إِدْرِيس إِلَى تلمسان فَقبض عَلَيْهِم اثناء طريقهم وَجِيء بهم فِي الْحَدِيد إِلَى تازا فَبعث السُّلْطَان يُوسُف أَخَاهُ أَبَا زيان فَقَتلهُمْ خَارج بَاب الشَّرِيعَة مِنْهَا فِي رَجَب من السّنة ورهب الأعياص من بني عبد الْحق يَوْمئِذٍ وخافوا بادرة السُّلْطَان يُوسُف فَلَحقُوا بغرناطة ملتفين على بني إِدْرِيس مِنْهُم ثمَّ ارتحل السُّلْطَان فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى مراكش لتمهيد نَوَاحِيهَا وتثقيف أطرافها فَدَخلَهَا فِي شَوَّال وَأقَام بهَا إِلَى رَمَضَان الْقَابِل من سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فَنَهَضَ من مراكش لغزو عرب معقل بصحراء درعة لأَنهم كَانُوا قد اضروا بالرعايا وأفسدوا السابلة فَسَار إِلَيْهِم فِي اثْنَي عشر الْفَا من الْخَيل وَمر على بِلَاد هسكورة مُعْتَرضًا جبل درن وأدركهم نواجع بالقفر فأثخن فيهم بِالْقَتْلِ والسبي واستكثر من رؤوسهم فعلقت بشرفات مراكش وسجلماسة وفاس وقفل من غَزوه آخر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة الى مراكش فنكب مُحَمَّد بن عَليّ بن محلى عاملها الْقَدِيم الْولَايَة بهَا من لدن انْقِرَاض الدولة الموحدية لما وَقع من الإرتياب بأولاد محلى بِكَثْرَة خُرُوجهمْ على الدولة وَكَانَت نكبته غرَّة محرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَهلك فِي السجْن فِي صفر الموَالِي لَهُ وَعقد السُّلْطَان يُوسُف على مراكش وأعمالها لمُحَمد بن عطوا الجاناتي من موَالِي دولتهم وَلَاء حلف وَترك مَعَه ابْنه أَبَا عَامر عبد بن يُوسُف ثمَّ ارتحل السُّلْطَان يُوسُف إِلَى فاس فَدَخلَهَا منتصف ربيع من السّنة الْمَذْكُورَة
(3/67)

قدوم بني اشقيلولة على السُّلْطَان يُوسُف بسلا وإقطاعه إيَّاهُم قصر كتامة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا أَن بني اشقيلولة كَانُوا من وُجُوه الأندلس وَأهل الرياسة بهَا حَتَّى صاهرهم ابْن الْأَحْمَر بابنته وَأُخْته وَقَامُوا مَعَه فِي إِثْبَات قَوَاعِد ملكه ثمَّ انحرفوا عَنهُ إِلَى مُوالَاة بني مرين وَنزل مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي الْحسن مِنْهُم إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب عَن مالقة وَكَانَ عَمه أَبُو إِسْحَاق بن أبي الْحسن صَاحب وَادي آش وأعمالها واتصل ذَلِك فِي بنيه إِلَى أَن بُويِعَ السُّلْطَان يُوسُف فَقَامُوا بدعوته فِيهَا ثمَّ حصلت المصافاة وتأكدت الْمَوَدَّة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر على مَا أسلفناه آنِفا فَطلب ابْن الْأَحْمَر من السُّلْطَان يُوسُف أَن ينزل لَهُ عَن وَاد آش الَّتِي هِيَ لبني اشقيلولة المتمسكين بدعوته كَمَا نزل لَهُ عَن غَيرهَا من الثغور فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِلَى ذَلِك وَكتب إِلَى أبي الْحسن بن إِسْحَاق بن اشقيلولة يَأْمُرهُ بالتخلي لَهُ عَنْهَا فَتَركهَا لَهُ وَعبر هُوَ وحاشيته الْبَحْر إِلَى السُّلْطَان يُوسُف سنة سبع وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة فَلَقِيَهُ بِمَدِينَة سلا فَأعْطَاهُ السُّلْطَان يُوسُف الْقصر الْكَبِير وأعماله طعمه سوغه إِيَّاهَا فَلم تزل ولَايَته متوارثة فِي بنيه حَتَّى انقرضوا آخر دولة بني مرين واستمكن ابْن الْأَحْمَر من وَادي آش وحصونها وَلم يبْق لَهُ بالأندلس مُنَازع من قرَابَته وَالله أعلم
حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَعُثْمَان بن يغمراسن بن زيان صَاحب تلمسان

قد تقدم لنا أَن يغمراسن لما حَضرته الْوَفَاة أوصى ابْنه عُثْمَان أَن لَا يحدث مَعَ بني مرين حَربًا وَلَا يوافقهم فِي زحف مَا اسْتَطَاعَ لاستغلاظ أَمرهم عَلَيْهِ بملكهم الْمغرب الْأَقْصَى وأعماله وَأَن عُثْمَان قد عمل على ذَلِك فأوفد أَخَاهُ مُحَمَّد بن يغمراسن على السُّلْطَان يَعْقُوب بالأندلس وَعقد مَعَه السّلم
(3/68)

وَرجع إِلَى أَخِيه كَمَا تقدم وَلما ولي السُّلْطَان يُوسُف وقفل من مراكش إِلَى فاس فِي هَذِه الْمرة بعد أَن ترك ابْنه أَبَا عَامر عبد الله مَعَ مُحَمَّد بن عطوا عَامل مراكش ثار أَبُو عَامر الْمَذْكُور بهَا وخلع طَاعَة أَبِيه ودعا إِلَى نَفسه وشايعه ابْن عطوا على ذَلِك واتصل الْخَبَر بالسلطان يُوسُف وَهُوَ بفاس فأسرع السّير إِلَى مراكش وبرز إِلَيْهِ ابْنه أَبُو عَامر فَاقْتَتلُوا ثمَّ انهزم أَبُو عَامر فَعَاد إِلَى مراكش واكتسح بَيت المَال بهَا وفر إِلَى تلمسان وَمَعَهُ ابْن عطوا الْمَذْكُور فقدماها سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فآواهم عُثْمَان بن يغمراسن ومهد لَهُم الْمَكَان فلبثوا عِنْده مَلِيًّا
ثمَّ عطف السُّلْطَان على ابْنه الرَّحِم فَرضِي عَنهُ وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانَهُ وطالب عُثْمَان بن يغمراسن أَن يسلم إِلَيْهِ ابْن عطوا الناجم فِي النِّفَاق مَعَ ابْنه فَأبى من إِضَاعَة جواره وإخفار ذمَّته وَأَغْلظ لَهُ الرَّسُول فِي القَوْل فسطا بِهِ عُثْمَان واعتقله فثارت من السُّلْطَان يُوسُف الحفائظ الكامنة وتحركت مِنْهُ إلاحن الْقَدِيمَة والنزغات المتوارثة فاعتزم على غَزْو تلمسان ونهض إِلَيْهَا من مراكش فِي صفر من سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بعد أَن عقد عَلَيْهَا لِابْنِهِ الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن يُوسُف ثمَّ نَهَضَ من فاس إِلَيْهَا آخر ربيع الآخر من سنته فِي عساكره وَجُنُوده وحشد الْقَبَائِل وكافة أهل الْمغرب وَسَار حَتَّى نَازل تلمسان فتحصن مِنْهُ عُثْمَان وَقَومه بأسوارها فحاصره السُّلْطَان يُوسُف وضيق عَلَيْهِ وَنصب عَلَيْهِ المجانيق وَكَانَ حصاره إِيَّاهَا فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ سَار فِي نَوَاحِيهَا ينسف الْآثَار وَيخرب الْقرى ويحطم الزروع ثمَّ نزل بِذِرَاع الصابون من ناحيتها ثمَّ انْتقل مِنْهُ إِلَى تامت وحاصرها أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقطع أشجارها وأباد خضراءها وَلما امْتنعت عَلَيْهِ أفرج عَنْهَا وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب وَقضى نسك الْفطر بِعَين الصَّفَا من بِلَاد بني يزناسن ونسك الْأَضْحَى وقربانه بتازا وتلبث بهَا أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد على مَا نذكرهُ
(3/69)

انْتِقَاض الطاغية سانجة وإجازة السُّلْطَان يُوسُف إِلَيْهِ

لما رَجَعَ السُّلْطَان يسف من غَزْو تلمسان وافاه الْخَبَر وَهُوَ بتازا أَن الطاغية سانحة قد انْتقض ونبذ الْعَهْد وَتجَاوز التخوم وأغار على الثغور فأوعز السُّلْطَان إِلَى قَائِد المسالح بالأندلس عَليّ بن يُوسُف بن يزكاتن بِالدُّخُولِ إِلَى دَار الْحَرْب ومنازلة شريش وَشن الغارات على بِلَاد الطاغية فَنَهَضَ لذَلِك فِي ربيع الآخر من سنة تسعين وسِتمِائَة وجاس خلالها وتوغل فِي أقطارها وابلغ فِي النكاية
ثمَّ فصل السُّلْطَان يُوسُف من تازا غازيا أَثَره فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة واحتل قصر مصمودة وَهُوَ قصر الْمجَاز واستنفر أهل الْمغرب وقبائله فنفروا وَشرع فِي إجازتهم الْبَحْر فَبعث الطاغية أساطيله إِلَى الزقاق حجزا لَهُم دون الْإِجَازَة فأوعز السُّلْطَان يُوسُف إِلَى قواد أساطيله بالسواحل بمعمارتها لمقابلة أساطيل الْعَدو فَفَعَلُوا وقدمت فالتقت مَعَ أساطيل الْعَدو ببحر الزقاق فِي شعْبَان من السّنة فَاقْتَتلُوا وانكشف الْمُسلمُونَ ومحصهم الله وَقتل قواد الأساطيل فَأمر السُّلْطَان يُوسُف باستئناف الْعِمَارَة ثمَّ أغزاهم ثَانِيَة فخامت أساطيل الْعَدو عَن اللِّقَاء وصاعدوا عَن الزقاق فملكته أساطيل السُّلْطَان فَأجَاز أخريات رَمَضَان من السّنة واحتل بطريف ثمَّ دخل دَار الْحَرْب غازيا فنازل حصن بجير ثَلَاثَة أشهر وضيق عَلَيْهِم وَبث السَّرَايَا فِي أَرض الْعَدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيها إِلَى أَن بلغ فِي النكاية والإثخان غَرَضه وَقضى من الْجِهَاد وطره وهجم عَلَيْهِ فصل الشتَاء وانقطعت الْميرَة عَن الْعَسْكَر فأفرج عَن الْحصن وَرجع إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ عبر إِلَى الْمغرب فاتح سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة فتظاهر ابْن الْأَحْمَر والطاغية على مَنعه من الْجَوَاز مرّة أُخْرَى كَمَا نذكرهُ الْآن
(3/70)

حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر واستيلاء الطاغية على طريف بمظاهرة ابْن الْأَحْمَر لَهُ عَلَيْهَا

لما قفل السُّلْطَان يُوسُف من الأندلس وَقد أبلغ فِي نكاية الْعَدو كَمَا قُلْنَا عظم على الطاغية أمره وثقلت عَلَيْهِ وطأته فشرع فِي إِعْمَال الْحِيلَة فِي الْإِفْسَاد بَينه وَبَين ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ ابْن الْأَحْمَر يتخوف من السُّلْطَان يُوسُف أَن يغلبه على بِلَاده فخلص مَعَ الطاغية نجيا وتفاوضا فِي أَمر السُّلْطَان يُوسُف وَأَن تمكنه من الْإِجَازَة إِلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ لقرب مَسَافَة بَحر الزقاق وانتظام ثغور الْمُسلمين حفافيه وَتصرف شوانيهم وسفنهم فِيهِ مَتى أَرَادوا فضلا عَن الأساطيل الجهادية وَأَن أم تِلْكَ الثغور هِيَ طريف وَأَنَّهُمْ إِذا استمكنوا مِنْهَا منعُوا السُّلْطَان من العبور وَكَانَت عينا لَهُم على الزقاق وَكَانَ أسطولهم بمرفئها رصدا لأساطيل صَاحب الْمغرب الخائضة لجة ذَلِك الْبَحْر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف وَبهَا يَوْمئِذٍ مسلحة بني مرين وتكفل لَهُ ابْن الْأَحْمَر بمظاهرته على ذَلِك وَالْتزم لَهُ بالمدد والميرة للعسكر أَيَّام منازلتها على أَن تكون لَهُ إِن خلصت للطاغية وتعاهدوا على ذَلِك وأناخ الطاغية بعساكر النَّصْرَانِيَّة على طريف وألح عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ وَنصب الْآلَات من المجانيق والعرادات وأحاط بهَا برا وبحرا وَانْقطع المدد والميرة عَن أَهلهَا وحالت أساطيل الْعَدو بَينهم وَبَين صريخ السُّلْطَان واضطرب ابْن الْأَحْمَر مُعَسْكَره بمالقة قَرِيبا من عَسْكَر الطاغية وسرب إِلَيْهِ المدد من الرِّجَال وَالسِّلَاح والميرة وأصناف الأقوات وَبعث عسكرا لمنازلة حصن إسطبونة فتغلب عَلَيْهِ بعد مُدَّة من الْحصار واتصلت هَذِه الْحَال أَرْبَعَة أشهر حَتَّى أصَاب أهل طريف الْجهد ونال مِنْهُم الْحصار فراسلوا الطاغية فِي الصُّلْح وَالنُّزُول عَن الْبَلَد فَصَالحهُمْ واستنزلهم وتملكها آخر يَوْم من شَوَّال سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة ووفى لَهُم بِمَا عاهدهم عَلَيْهِ واستشرف ابْن الْأَحْمَر إِلَى تجافي الطاغية لَهُ عَنْهَا حَسْبَمَا تعاهدا عَلَيْهِ فَأَعْرض عَن ذَلِك واستأثر بهَا بعد أَن كَانَ نزل لَهُ عَن سِتَّة من الْحُصُون عوضا عَنْهَا فَخرج من يَده الْجَمِيع وَلم
(3/71)

يحصل على طائل فَكَانَت حَاله فِي ذَلِك كَحال صَاحِبَة النعامة الْمَضْرُوب بهَا الْمثل عِنْد الْعَرَب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
ثورة عمر بن يحيى بن الْوَزير الوطاسي بحصن تازوطا

اعْلَم أَن بني وطاس فَخذ من بني مرين لكِنهمْ لَيْسُوا من بني عبد الْحق وَكَانَت الرياسة فيهم لبني الْوَزير مِنْهُم وَبَنُو الْوَزير يَزْعمُونَ أَن نسبهم دخيل فِي مرين وَأَنَّهُمْ من أعقاب يُوسُف بن تاشفين اللمتوني لَحِقُوا بالبادية ونزلوا على بني وطاس فالتحموا بهم ولبسوا جلدتهم وحازوا رياستهم وَلما دخل بَنو مرين الْمغرب واقتسموا أَعماله كَمَا قدمنَا بقيت بِلَاد الرِّيف خَالِصَة لبني وطاس هَؤُلَاءِ فَكَانَت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وَكَانَ حصن تازوطا بهَا من أمنع معاقل الْمغرب وَلما غلب الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق على مكناسة وَأقَام فِيهَا دَعْوَة الحفصيين ونهض السعيد بن الْمَأْمُون الموحدي من مراكش لغزوه فر أَمَامه إِلَى حصن تازوطا هَذَا وَنزل بِهِ على بني الْوَزير هَؤُلَاءِ لاجئا إِلَيْهِم ومستجيرا بهم فأرادوا الفتك بِهِ غيرَة مِنْهُ وحسدا لَهُ فشعر بهم وتحول عَنْهُم إِلَى عين الصَّفَا من بِلَاد بني يزناسن حَسْبَمَا تقدم ذَلِك كُله
وَلما انقرض أَمر بني عبد الْمُؤمن واستقام ملك الْمغرب لبني مرين صرفُوا عنايتهم إِلَى هَذَا الْحصن فَكَانُوا ينزلون بِهِ من الحامية من يثقون بغنائه واضطلاعه ليَكُون آخِذا بناصية هَؤُلَاءِ الرَّهْط من بني وطاس لما يعلمُونَ من سموهم إِلَى الرياسة وتطلعهم إِلَيْهَا وَكَانَ السُّلْطَان يُوسُف رَحمَه الله قد عقد على هَذَا الْحصن لِابْنِ أَخِيه مَنْصُور بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب وَكَانَ عمر وعامر ابْنا يحيى ابْن الْوَزير رئيسين على بني وطاس لذَلِك الْعَهْد فاستهونوا أَمر السُّلْطَان يُوسُف بعد موت وَالِده وَحَدثُوا أنفسهم بالثورة فِي ذَلِك الْحصن والاستبداد بِتِلْكَ النَّاحِيَة فَوَثَبَ عمر بن يحيى مِنْهُم بمنصور بن عبد الْوَاحِد فِي شعْبَان من سنة إِحْدَى وَتِسْعين
(3/72)

وسِتمِائَة وفتك بحاشيته وَرِجَاله وأزعجه عَن الْحصن وغلبه على مَا كَانَ بقصره من مَال وَسلَاح ومتاع وأعشار للروم كَانَت مختزنة هُنَالك وَضبط الْحصن وشحنه بِرِجَالِهِ ووجوه قومه وَلحق مَنْصُور بن عبد الْوَاحِد بِعَمِّهِ السُّلْطَان يُوسُف فَهَلَك لليال أسفا على مَا أَصَابَهُ
وسرح السُّلْطَان يُوسُف وزيره الناصح أَبَا عمر بن السُّعُود بن خرباش الحشمي بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي العساكر لمنازلة حصن تازوطا فَأَنَاخَ عَلَيْهِ بكلكله ثمَّ تبعه السُّلْطَان يُوسُف على أَثَره وَفِي صحبته عَامر بن يحيى بن الْوَزير أَخُو عمر الثائر فَإِنَّهُ كَانَ قد نزع إِلَيْهِ فأحاط السُّلْطَان بالحصن وضيق عَلَيْهِ حَتَّى اشفق عمر لشدَّة الْحصار ويئس من الْخَلَاص وَظن أَنه قد أحبط بِهِ فَدس إِلَى أَخِيه عَامر فِي كشف مَا نزل بِهِ فضمن عَامر للسُّلْطَان يُوسُف نزُول أَخِيه إِن هُوَ تَركه يصعد إِلَيْهِ حَتَّى يجْتَمع بِهِ فَأذن لَهُ السُّلْطَان يُوسُف فِي ذَلِك فَصَعدَ إِلَيْهِ وتفاوضا فِي أَمرهمَا وَآخر الْأَمر أَن عمر احْتمل الذَّخِيرَة وفر لَيْلًا الى تلمسان وبدا لعامر فِي النُّزُول عِنْدَمَا صَار فِي الْحصن فَامْتنعَ بِهِ قيل لِأَنَّهُ بلغه أَن السُّلْطَان يُوسُف عزم على قَتله أخذا بثار ابْن أَخِيه مَنْصُور ولإفلاته أَخَاهُ من يَده
وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن قدم على السُّلْطَان يُوسُف وَفد الأندلس وَفِيهِمْ الرئيس أَبُو سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل بن الْأَحْمَر صَاحب مالقة رَاغِبًا فِي الصُّلْح مَعَ ابْن عَمه ومعتذرا عَنهُ فأرسى أساطيله بمرسى غساسة وَنزل إِلَى السُّلْطَان وَقدم بَين يَده هَدِيَّة تناسب الْحَال فَسمع بهم عَامر الوطاسي وَهُوَ فِي الْحصن فَبعث إِلَيْهِم يسألهم الشَّفَاعَة لَهُ عِنْد السُّلْطَان يُوسُف لوجاهتهم لَدَيْهِ فشفع لَهُ الرئيس أَبُو سعيد فَقبل السُّلْطَان يُوسُف شَفَاعَته بِشَرْط أَن ينْتَقل بحاشيته إِلَى المرسى وَركب أَكْثَرهم الأسطول وَتَأَخر عَامر إِلَى جَوف اللَّيْل فَنزل من الْحصن وخاض الفلاة إِلَى تلمسان فتبعت الْخَيل أَثَره ففاتهم وأدركوا وَلَده أَبَا الْخَيل فجيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان يُوسُف فَبعث بِهِ إِلَى فاس فَضربت عُنُقه وصلب
(3/73)

هُنَالك وَأنزل السُّلْطَان يُوسُف بَقِيَّة الْحَاشِيَة من الأسطول فَأمر بهم فاستلحموا مَعَ من كَانَ من بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم وتملك السُّلْطَان يُوسُف حصن تازوطا وَأنزل بِهِ عماله ومسلحته وقفل إِلَى حَضرته بفاس أخر جُمَادَى الأولى من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَلما كَانَ السُّلْطَان نازلا على تازوطا قدم عَلَيْهِ رجل من فرنج جنوة بهدية جليلة فِيهَا شَجَرَة مموهة بِالذَّهَب عَلَيْهَا أطيار تصوت بحركات هندسية مثل مَا صنع للمتوكل العباسي وَفِي هَذِه الْمدَّة سعي عِنْد السُّلْطَان يُوسُف بأولاد الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق وَأَنَّهُمْ أَرَادوا الْخُرُوج عَلَيْهِ فحقد عَلَيْهِم لذَلِك وأحسوا بِالشَّرِّ فَفرُّوا إِلَى تلمسان وَأَقَامُوا هُنَالك إِلَى أَن بعث السُّلْطَان يُوسُف إِلَيْهِم بالأمان فَأَقْبَلُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بصبرة من نَاحيَة ملوية اعْتَرَضَهُمْ الْأَمِير أَبُو عَامر عبد الله ابْن السُّلْطَان يُوسُف فاستلحمهم أَجْمَعِينَ وَهُوَ يرى أَنه قد أرْضى أَبَاهُ بذلك الْفِعْل واتصل الْخَبَر بالسلطان يُوسُف فسخطه وأقصاه وتبرأ مِنْهُ فَلم يزل طريدا بِبِلَاد الرِّيف وجبال غمارة إِلَى أَن هلك ببني سعيد مِنْهُم آخر سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالزاوية الَّتِي دَاخل بَاب الْفتُوح وَخلف ثَلَاثَة أَوْلَاد عَامر وَسليمَان وَدَاوُد فكفلهم جدهم السُّلْطَان يُوسُف إِلَى أَن هلك فولي الْأَمر بعده حافده عَامر وَبعد عَامر سُلَيْمَان وَسَيَأْتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله
انْعِقَاد الصُّلْح بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر ووفادته عَلَيْهِ بطنجة

لما استولى الطاغية على طريف بمظاهرة ابْن الْأَحْمَر لَهُ عَلَيْهَا وَنقض الطاغية عهد ابْن الْأَحْمَر فِي النُّزُول لَهُ عَنْهَا سقط فِي يَد ابْن الْأَحْمَر وَنَدم على فعله وَرجع إِلَى التَّمَسُّك بالسلطان يُوسُف فأوفد عَلَيْهِ ابْن عَمه الرئيس أَبَا سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل ووزيره أَبَا سُلْطَان عَزِيز الداني فِي وَفد من أهل حَضرته لتجديد الْعَهْد وتأكيد الْمَوَدَّة وَتَقْرِير المعذرة عَن شَأْن طريف فوافوه
(3/74)

بمكانه من حِصَار تازوطا كَمَا قدمنَا فأبرموا العقد وأحكموا الصُّلْح وَانْصَرفُوا إِلَى ابْن الْأَحْمَر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة بإسعاف غَرَضه من المؤاخاة واتصال الْيَد فَوَقع ذَلِك مِنْهُ أجمل موقع وطار سُرُورًا من أعواده وَأجْمع الرحلة إِلَى السُّلْطَان لإحكام العقد والاستبلاغ فِي الْعذر عَن وَاقعَة طريف وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فِي نَصره بِلَاد الأندلس وإغاثة الْمُسلمين الَّذين بهَا فتهيأ لذَلِك وَعبر الْبَحْر فِي ذِي الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة واحتل بجبل بيونش من نَاحيَة سبتة ثمَّ ارتحل إِلَى طنجة فَلَقِيَهُ بهَا الأميران أَبُو عَامر عبد الله وَأَبُو عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْنا السُّلْطَان يُوسُف وَكَانَ أَبُو عَامر لَا زَالَ يَوْمئِذٍ من أَبِيه بِعَين الرِّضَا
وَلما علم السُّلْطَان يُوسُف بقدومه خرج من فاس للقائه وبرور مقدمه فوافاه بطنجة فَقدم ابْن الْأَحْمَر بَين يَدي نَجوَاهُ هَدِيَّة أتحف بهَا السُّلْطَان يُوسُف كَانَ من أحْسنهَا موقعا لَدَيْهِ الْمُصحف الْكَبِير الَّذِي يُقَال إِنَّه مصحف أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ كَانَ بَنو أُميَّة يتوارثونه بقرطبة ثمَّ خلص إِلَى ابْن الْأَحْمَر فأتحف بِهِ السُّلْطَان يُوسُف فِي هَذِه الْمرة فَقبل السُّلْطَان ذَلِك وكافأه بأضعافه وَبَالغ فِي تكرمته وأسعفه بِجَمِيعِ مطالبه وَأَرَادَ ابْن الْأَحْمَر أَن يبسط الْعذر عَن شَأْن طريف فتجافى السُّلْطَان يُوسُف عَن سَماع ذَلِك وأضرب عَن ذكره صفحا وبر وأحفى وَوصل وأجزل وَنزل لِابْنِ الْأَحْمَر عَن الجزيرة ورندة والغربية وَعشْرين حصنا من ثغور الأندلس كَانَت قبل فِي ملكته وملكة أَبِيه وَعَاد ابْن الْأَحْمَر إِلَى أندلسه آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة محبوا محبورا وعبرت مَعَه عَسَاكِر السُّلْطَان يُوسُف لحصار طريف ومنازلته وَعقد على حربها لوزيره الشهير الذّكر عمر بن السُّعُود بن خرباش الحشمي فنازلها مُدَّة فامتنعت عَلَيْهِ وَأَفْرج عَنْهَا
وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين بعْدهَا فرغ السُّلْطَان يُوسُف من بِنَاء جَامع تازا
(3/75)

وعلقت بِهِ الثريا الْكُبْرَى من النّحاس الْخَالِص وَزنهَا اثْنَان وَثَلَاثُونَ قِنْطَارًا وَعدد كؤوسها خَمْسمِائَة كأس وَأَرْبَعَة عشر كأسا وَأنْفق السُّلْطَان فِي بِنَاء الْجَامِع وَعمل الثريا الْمَذْكُورَة ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار ذَهَبا
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين بعْدهَا خرج السُّلْطَان يُوسُف لغزو تلمسان فوصل إِلَى تاوريرت وَكَانَت تخما لعمل بني مرين وَبني عبد الْوَاحِد فنصفها للسُّلْطَان يُوسُف وَنِصْفهَا لعُثْمَان بن يغمراسن وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا بهَا عَامل من ناحيته فطرد السُّلْطَان يُوسُف عَامل ابْن يغمراسن وَشرع فِي بِنَاء الْحصن الَّذِي هُنَالك فأدار سوره وشيده وَركب أبوابه مصفحة بالجديد وَكَانَ يقف على بنائِهِ بِنَفسِهِ من صَلَاة الْغَدَاة إِلَى الْمسَاء لَا يغيب عَن العملة إِلَّا فِي أَوْقَات الضَّرُورَة وَفرغ من بنائِهِ وتحصينه فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما تمّ شحنه بالعسكر وَالسِّلَاح وَعقد عَلَيْهِ لِأَخِيهِ أبي بكر بن يَعْقُوب ويكنى أَبَا يحيى وانكفأ رَاجعا إِلَى الحضرة ثمَّ خرج من فاس سنة خمس وَتِسْعين بعْدهَا بِقصد تلمسان فَسَار حَتَّى نزل على ندرومة فحاصرها وشدد فِي قتالها ورماها بالمنجنيق أَرْبَعِينَ يَوْمًا فامتنعت عَلَيْهِ فأفرج عَنهُ ثَانِي عيد الْفطر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة فَسَار إِلَى تلمسان وبرز عُثْمَان بن يغمراسن لمدافعته فَانْهَزَمَ وتحصن بالأسوار وَتقدم السُّلْطَان يُوسُف حَتَّى نزل على تلمسان وَقتل من أَهلهَا خلقا ثمَّ أقلع عَنْهَا وَرجع إِلَى الْمغرب فَقضى نسك الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة برباط تازا وَأمر بِبِنَاء الْقصر بهَا وَسَار إِلَى فاس فَدَخلَهَا فاتح سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ ارتحل إِلَى مكناسة فَقضى بهَا بعض الوطر ثمَّ عَاد إِلَى فاس ثمَّ خرج مِنْهَا فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة غازيا تلمسان وَمر فِي طَرِيقه بِمَدِينَة وَجدّة فَأمر ببنائها وَكَانَ أَبوهُ السُّلْطَان يَعْقُوب قد هدمها كَمَا مر فبناها السُّلْطَان يُوسُف فِي هَذِه الْمرة وحصن أسوارها وَبنى بهَا قَصَبَة ودارا لسكناه وحماما ومسجدا ثمَّ سَار إِلَى تلمسان فَنزل بساحتها وأحاطت عساكره بهَا إحاطة الهالة بالقمر وَنصب عَلَيْهَا الْقوس الْبَعِيدَة النزع الْعَظِيمَة الهيكل الْمُسَمَّاة بقوس الزيار اخترعها المهندسون والصناع وتقربوا إِلَى السُّلْطَان
(3/76)

بعملها فَأَعْجَبتهُ وَكَانَت تحمل على أحد عشر بغلا وَلما امْتنعت تلمسان عَلَيْهِ أفرج عَنْهَا فاتح سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَمر فِي عوده إِلَى الْمغرب بوجدة فَأنْزل بهَا الحامية من بني عَسْكَر بن مُحَمَّد لنظر أَخِيه الْأَمِير أبي بكر بن يَعْقُوب كَمَا كَانُوا بتاوريرت وَأمرهمْ بشن الغارات على أَعمال تلمسان مَعَ السَّاعَات والأحيان فَفَعَلُوا وَاسْتولى الْأَمِير أَبُو بكر بذلك على أَكثر تِلْكَ الْجِهَات وَالله تَعَالَى أعلم
فتكة ابْن الملياني بشيوخ المصامدة وتزويره الْكتاب بهم وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على فتح جبل تنيملل أَن أَبَا عَليّ الملياني كَانَ قد سعى فِي نبش قُبُور بني عبد الْمُؤمن والعبث بأشلائهم وَأَن النَّاس قد غاظهم ذَلِك لَا سِيمَا المصامدة مِنْهُم وَلما هلك السُّلْطَان يَعْقُوب وَولي بعده ابْنه يُوسُف اسْتعْمل أَبَا عَليّ الملياني على جباية المصامدة فباشرها مُدَّة ثمَّ سعى بِهِ شُيُوخ المصامدة عِنْد السُّلْطَان بِأَنَّهُ احتجن المَال لنَفسِهِ فَأمر السُّلْطَان بمحاسبته فحوسب وَظَهَرت مخايل صدقهم عَلَيْهِ فنكبه السُّلْطَان يُوسُف أَولا ثمَّ قَتله ثَانِيًا واصطنع ابْن أَخِيه أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الملياني وَاسْتَعْملهُ فِي كِتَابَته وأقامه بِبَابِهِ فِي جملَة كِتَابه وَكَانَ السُّلْطَان يُوسُف قد سخط على بعض شُيُوخ المصامدة مِنْهُم عَليّ بن مُحَمَّد كَبِير هنتانة وَعبد الْكَرِيم بن عِيسَى كَبِير قدميوة وأوعز إِلَى ابْنه الْأَمِير عَليّ بن يُوسُف بمراكش باعتقالهما فاعتقلهما فِيمَن لَهما من الْوَلَد والحاشية وأحس بذلك أَحْمد بن الملياني فاستعجل الثأر الَّذِي كَانَ يعتده عَلَيْهِم فِي عَمه أبي عَليّ
وَكَانَت الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة يَوْمئِذٍ موكولة إِلَى كتاب الدولة لم تخْتَص بِوَاحِد مِنْهُم لما كَانُوا كلهم ثِقَات أُمَنَاء وَكَانُوا عِنْد السُّلْطَان كأسنان الْمشْط فَكتب أَحْمد بن الملياني إِلَى الْأَمِير أبي عَليّ كتابا على لِسَان وَالِده يَأْمُرهُ فِيهِ أمرا جزما
(3/77)

بقتل مشيخة المصامدة وَلَا يمهلهم طرفَة عين وَوضع عَلَيْهِ الْعَلامَة الَّتِي تنفذ بهَا الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة وَختم الْكتاب وَبعث بِهِ مَعَ الْبَرِيد قَالَ ابْن الْخَطِيب وَلما أكد على حامله فِي الْعجل وضايقه فِي تَقْدِير الْأَجَل تأنى حَتَّى إِذا علم أَنه قد وصل وَأَن غَرَضه قد حصل فر الى تلمسان وَهِي بِحَال حصارها فاتصل بأنصارها حَالا بَين أنوفها وأبصارها وتعجب النَّاس من فراره وَسُوء اغتراره ورجمت الظنون فِي آثاره ثمَّ وصلت الْأَخْبَار بِتمَام الْحِيلَة واستيلاء الْقَتْل على أَعْلَام تِلْكَ الْقَبِيلَة فَتَركهَا شنعاء على الْأَيَّام وعارا فِي الأقاليم على حَملَة الأقلام اه وَلما وصل الْكتاب إِلَى ولد السُّلْطَان أخرج أُولَئِكَ الرَّهْط المعتقلين إِلَى مصَارِعهمْ وَحكم السَّيْف فِي رِقَاب جَمِيعهم فَقتل عَليّ بن مُحَمَّد الهنتاني وَولده وَعبد الْكَرِيم بن عِيسَى القدميوي وَبَنوهُ الثَّلَاثَة عِيسَى وَعلي مَنْصُور وَابْن أَخِيه عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وطير الْأَمِير عَليّ بالأعلام إِلَى وَالِده مَعَ بعض وزرائه وَهُوَ يرى أَنه قد امتثل الْأَمر واستوجب الشُّكْر
فَلَمَّا وصل الرَّسُول بالْخبر إِلَى السُّلْطَان يُوسُف بَطش بِهِ فَقتله غيظا عَلَيْهِ وأنفذ الْبَرِيد فِي الْحَال باعتقال وَلَده وَقَامَ وَقعد لذك وَمن ذَلِك الْوَقْت قصر السُّلْطَان علامته على من يختاره من ثِقَات الْكتاب وعدولهم وَجعلهَا يَوْمئِذٍ للفقيه الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين وَكَانَ من الكفاة المضطلعين بِأُمُور الدولة المتحملين للكثير من أعبائها وَأما ابْن الملياني فَإِنَّهُ فر إِلَى تلمسان وَالسُّلْطَان يُوسُف محاصر لَهَا وَلما وَقع الإفراج عَنْهَا بعد حِين انْتقل إِلَى الأندلس فَبَقيَ هُنَالك إِلَى أَن توفّي بغرناطة سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة وَمن شعره يفخر بِهَذِهِ الفعلة وَغَيرهَا قَوْله
(الْعِزّ مَا ضربت عَلَيْهِ قبابي ... وَالْفضل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ ثِيَابِي)
(والزهر مَا أهداه غُصْن يراعتي ... والمسك مَا أبداه نقس كتابي)
فالمجد يمْنَع أَن يزاحم موردي ... والعزم يَأْبَى أَن يضام جنابي)
(فَإِذا بلوت صَنِيعَة جَازَيْتهَا ... بجميل شكري أَو جزيل ثوابي)
(وَإِذا عقدت مَوَدَّة أجريتها ... مجْرى طَعَامي من دمي وشرابي)
(وَإِذا طلبت من الفراقد والسهى ... ثارا فَأوشك أَن أنال طلابي)
(3/78)

الْحصار الطَّوِيل وَمَا تخَلّل ذَلِك من الْأَحْدَاث على تلمسان

تقدم لنا أَن السُّلْطَان يُوسُف لما رَجَعَ من محاصرة تلمسان فاتح سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة مر فِي طَرِيقه بوجدة فَأنْزل بهَا الحامية من بني عَسْكَر إِلَى نظر أَخِيه الْأَمِير أبي بكر وَأمره بشن الغارات على أَعمال بني زيان فامتثل الْأَمِير أَبُو بكر أمره وألح على النواحي بالغارات وإفساد السابلة فَضَاقَ أهل ندرومة بذلك ذرعا وأوفدوا وَفْدًا مِنْهُم على الْأَمِير أبي بكر يسألونه الْأمان لَهُم وَلمن وَرَاءَهُمْ من قَومهمْ على أَن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بِطَاعَة السُّلْطَان يُوسُف فبذل لَهُم من ذَلِك مَا ارضاهم ونهض الى الْبَلَد فدخله بعسكره وتبعهم على ذَلِك أهل تاونت فأوفد الْأَمِير أَبُو بكر جمَاعَة من أهل البلدين على أَخِيه السُّلْطَان يُوسُف فقدموا عَلَيْهِ منتصف رَجَب من سنة ثَمَان وَتِسْعين الْمَذْكُورَة فادوا طاعتهم فقبلها وَرَغبُوا إِلَيْهِ فِي الْحَرَكَة إِلَى بِلَادهمْ ليريحهم من ملكة عدوه وعدوهم عُثْمَان بن يغمراسن ووصفوا لَهُ من عسفه وجورة وَضَعفه عَن الحماية مَا أكد عزمه على النهوض فَنَهَضَ لحينه من فاس فِي رَجَب الْمَذْكُور بعد أَن اسْتكْمل حشده ونادى فِي قومه وَعرض عسكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم وَسَار فِي التعبية حَتَّى نزل بِسَاحَة تلمسان ثَانِي شعْبَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة فَأَنَاخَ عَلَيْهَا بككله وربض قبالتها على ترائبه وَأنزل محلته بفنائها وأحاط بِجَمِيعِ جهاتها وتحصن يغمراسن وَقَومه بالجدران وعولوا على الْحصار
وَلما رأى السُّلْطَان يُوسُف ذَلِك أدَار سورا عَظِيما جعله سياجا على تلمسان وَمَا اتَّصل بهَا من الْعمرَان وصيرها فِي وَسطه ثمَّ أرْدف ذَلِك السُّور من وَرَائه بحفير بعيد المهوى وَفتح فِيهِ مدَاخِل لحربها ورتب على ابواب تِلْكَ المداخل مسالح تحرسه وأوعد بالعقاب من يخْتَلف إِلَى تلمسان بِرِفْق أَو يتسلل إِلَيْهَا بقوت وَأخذ بمخنقها من بَين يَديهَا وَمن خلفهَا حَتَّى لم يخلص
(3/79)

إِلَيْهَا الطير لَا بل الطيف وَاسْتمرّ مُقيما عَلَيْهَا كَذَلِك مائَة شهر وَلما دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة اختط إِلَى جَانب ذَلِك السُّور بمَكَان فسطاطه وقبابه قصرا لسكانه وَاتخذ بِهِ مَسْجِدا لصلاته وأدار عَلَيْهِمَا سورا يحرزهما ثمَّ أَمر النَّاس بِالْبِنَاءِ حول ذَلِك فبنوا الدّور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة وَاتَّخذُوا الْبَسَاتِين وأجروا الْمِيَاه وَأمر السُّلْطَان باتخاذ الحمامات والفنادق والمارستان وابتنى مَسْجِدا جَامعا أَقَامَهُ على الصهريج الْكَبِير وشيد لَهُ منارا رفيعا وَجعل على رَأسه تفافيح من ذهب صير عَلَيْهَا سَبْعمِائة دِينَار ثمَّ أدَار السُّور على ذَلِك كُله فَصَارَت مَدِينَة عَظِيمَة استبحر عمرانها ونفقت أسواقها ورحل إِلَيْهَا التُّجَّار بالبضائع من جَمِيع الْآفَاق وسماها المنصورة فَكَانَت من أعظم أَمْصَار الْمغرب وأحفلها إِلَى أَن خربها آل يغمراسن عِنْد مهلك السُّلْطَان يُوسُف وارتحال جيوشه عَنْهَا وَلما تمكن السُّلْطَان يُوسُف من حِصَار تلمسان سرح كتائبه وسراياه فِي أَعمالهَا وحصونها فاستولى فِي مُدَّة قريبَة على ندرومة وهنين ووهران وتالموت وتامزردكت ومستغانم وتنس وشرشال وبرشك والبطحاء ومازونة ووانشريس ومليانة والقصبات ولمدية وتافرجينت وَجَمِيع بِلَاد بني عبد الواد وبلاد بني توجين وبلاد مغراوة وَبَايَعَهُ ابْن عَلان صَاحب الجزائر وَأخذ رعبه بملوك الناحي وَكَانَت دولة بني أبي حَفْص يَوْمئِذٍ قد انقسمت بقسمين فَصَارَ كرْسِي مِنْهَا بتونس وَآخر ببجاية فتنافس صَاحب تونس وَصَاحب بجاية فِي مصانعة السُّلْطَان يُوسُف والتقرب إِلَيْهِ بالهدايا والتحف وَصَارَ السُّلْطَان يُوسُف فِي ذَلِك الْوَقْت ملك الْمغرب على الْحَقِيقَة وَالْإِطْلَاق وَالله غَالب على أمره
نكبة بَين وقاصة من يهود فاس

كَانَ بَنو وقاصة هَؤُلَاءِ من يهود ملاح فاس وَكَانُوا مداخلين للسُّلْطَان يُوسُف من صغره إِلَى كبره وَكَانُوا يتولون قهرمة دَاره ويقضون أُمُوره الْخَاصَّة
(3/80)

بِهِ ويخلصون إِلَى الْكثير من بَاطِن أمره قد التحموا بِهِ التحاما وامتزجوا بِهِ امتزاجا يجالسونه فِي خلواته وينادمونه فِي أنسه فَعظم جاههم عِنْد الْحَاشِيَة لإقبال السُّلْطَان عَلَيْهِم واستتبعوا الوزراء فَمن دونهم من رجال الدولة وتعددت فيهم الرؤساء والقهارمة فَكَانَ مِنْهُم خَليفَة بن وقاصة وَأَخُوهُ إبراهم وصهره مُوسَى بن السبتي وَابْن عَمه خَليفَة الْأَصْغَر وَغَيرهم واستمروا على ذَلِك بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ إِن السُّلْطَان يُوسُف استفاق استفاقة والتفت إِلَيْهِم التفاتة وراجع بصيرته فِي شَأْنهمْ فأهمه أَمرهم وَشعر كَاتبه بذلك الْقَائِم بِأُمُور دولته أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ابي مَدين فسعى عِنْده فيهم وأوجده السَّبِيل عَلَيْهِم فسطا بهم سطوة مُنكرَة واعتقلوا فِي شعْبَان من سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة بمعسكره من حِصَار تلمسان وَقتل خليفه الْكَبِير وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن السبتي وَإِخْوَته بعد أَن امتحنوا وَمثل بهم وَأَتَتْ النكبة على حاشيتهم وأقاربهم فَلم تبْق مِنْهُم بَاقِيَة إِلَّا أَن السُّلْطَان استبقى مُهِمّ خَليفَة الْأَصْغَر احتقارا لشأنه حَتَّى كَانَ من قَتله بعد مَا نذكرهُ وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيل مِنْهَا معرة رياستهم والأمور بيد الله سُبْحَانَهُ
ثمَّ لما كَانَت سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة توفّي عُثْمَان بن يغمراسن فِي الْحصار عقب شربة لبن يُقَال إِنَّه جعل فِيهَا سما وشربه فعل ذَلِك بِنَفسِهِ تفاديا من معرة غَلبه عدوه عَلَيْهِ فَاجْتمع بَنو عبد الواد لحينهم وَبَايَعُوا ابْنه مُحَمَّد بن عُثْمَان واجتمعوا عَلَيْهِ ثمَّ برزوا إِلَى قتال عدوهم على الْعَادة حَتَّى كَأَن عُثْمَان لم يمت وَبلغ الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان يُوسُف فتفجع على عُثْمَان وَعجب من صرامة قومه من بعده
(3/81)

انْتِقَاض ابْن الْأَحْمَر واستيلاء الرئيس أبي سعيد على سبتة

كَانَ مُحَمَّد بن الْأَحْمَر الْمَعْرُوف بالفقيه قد هلك سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر بعده ابْنه مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمخلوع واستبد عَلَيْهِ كَاتبه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحَكِيم الرندي وَكَانَ من أول مَا فعله مُحَمَّد المخلوع بعد استقلاله بِالْأَمر الْمُبَادرَة إِلَى أَحْكَام عقد الْمُوَالَاة بَينه وَبَين السُّلْطَان يُوسُف فأوفد عَلَيْهِ وَزِير أَبِيه أَبَا سُلْطَان عبد الْعَزِيز بن سُلْطَان الداني ووزيره الْكَاتِب أَبَا عبد الله بن الْحَكِيم فوصلا إِلَى السُّلْطَان يُوسُف بمعسكره من حِصَار تلمسان فتلقاهما بِالْقبُولِ والمبرة وجددت لَهما أَحْكَام الود وَالْولَايَة وانقلبا إِلَى مرساهما خير مُنْقَلب وَطلب السُّلْطَان مِنْهُمَا أَن يمدوه بِالرجلِ من عَسْكَر الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الْحُصُون والمثاغرة بالرباط فأسعفوه ثمَّ فسد مَا بَينهمَا لمنافسات جرت إِلَى ذَلِك فَانْتقضَ ابْن الْأَحْمَر وَعَاد لسنة سلفه من مُوالَاة الطاغية وممالاته على الْمُسلمين أهل الْمغرب وَأحكم الْعَهْد مَعَ هراندة بن سانجة من بني أذفونش مُلُوك قشتالة خذلهم الله
ثمَّ أوعز ابْن الْأَحْمَر الى ابْن عَمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل صَاحب مالقة فِي إِعْمَال الْحِيلَة فِي الْغدر بِأَهْل سبتة فَفعل وداخل فِي ذَلِك بعض عُمَّال بني العزفي بهَا فأمكنه من الْبَلَد فاقتحمها بأساطيله وجنده على حِين غَفلَة من أَهلهَا وتقبض على بني العزفي ولى حاشيتهم وأركبهم الأسطول وَبعث بهم إِلَى مالقة ثمَّ مِنْهَا إِلَى غرناطة فَتَلقاهُمْ ابْن الْأَحْمَر واحتفل لَهُم وأنزلهم بقصوره وأجرى عَلَيْهِم النَّفَقَة واستقروا بالأندلس بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ عَادوا إِلَى الْمغرب كَمَا نذْكر وَأسْندَ الرئيس أَبُو سعيد بِأَمْر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وَبلغ الْخَبَر بذلك إل السُّلْطَان يُوسُف فحمى أَنفه وَعظم عَلَيْهِ الْأَمر فَبعث وَلَده الْأَمِير أَبَا سَالم إِبْرَاهِيم فِي جَيش كثيف إِلَى حصارها وحشد إِلَيْهَا قبائل الرِّيف وقيائل تازا فَلم يغن شَيْئا وَرجع مهزوما فسخطه السُّلْطَان لذَلِك وَأَهْمَلَهُ وَبَقِي على ذَلِك الى وَفَاة السُّلْطَان رَحمَه الله وَكَانَ انْتِقَاض ابْن الْأَحْمَر سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة
(3/82)

ثورة عُثْمَان بن ابي الْعَلَاء بجبال غمارة

كَانَ عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن عبد الْحق من أعياص الْملك المريني وَكَانَ قد قدم من الأندلس فِي صُحْبَة الرئيس أبي سعيد عِنْد استيلائه على سبتة ثمَّ ثار بعد ذَلِك بِبِلَاد غمارة ودعا لنَفسِهِ وَبَقِي متنقلا هُنَالك مُدَّة فتغلب على تكساس وآصيلا والعرايش وانْتهى إِلَى قصر كتامة وخب فِي الْفِتْنَة وَوضع إِلَى أَن لحق بالأندلس لأوّل دولة السُّلْطَان أبي الرّبيع فولي بهَا مشيخة الْغُزَاة وَكَانَت لَهُ فِي جِهَاد الْعَدو الْيَد الْبَيْضَاء كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَفِي سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة بعث السُّلْطَان يُوسُف وَهُوَ محاصر لتلمسان ركب الْحَاج المغربي إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين واعتنى بشأن هَذَا الركب فَبعث مَعَهم حامية من زناتة تناهز خَمْسمِائَة فَارس من الْأَبْطَال وخاطب صَاحب الديار المصرية لعهده وهوالملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون الصَّالِحِي من مماليك بني أَيُّوب المعروفين بالبحرية واستوصاه بحاج أهل الْمغرب وأتحفه بهدية استكثر فِيهَا من الْخَيل العراب والمطايا الفارهة يُقَال كَانَ عدد الْخَيل والمطايا أَرْبَعمِائَة إِلَى غير ذَلِك مَا يُنَاسب من طرف الْمغرب وماعونه وَبعث مَعَهم إِلَى حرم مَكَّة مُصحفا ضخما اعتنى بِهِ واستكتبه وَجعل لَهُ غشاء مكللا بنفيس الدّرّ وشريف الْيَاقُوت ورفيع الْأَحْجَار ونهج السُّلْطَان يُوسُف رَحمَه الله بِهَذَا الركب والهدية السَّبِيل لحاج الْمغرب فَأَجْمعُوا الْحَج سنة أَربع بعْدهَا فَاجْتمع مِنْهُم عدد وافر وَركب ضخم فعقد السُّلْطَان يُوسُف على دلالتهم لأبي زيد الْغِفَارِيّ وفصلوا من تلمسان فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي شهر ربيع الآخر بعده قدم حَاج الركب الأول الَّذين حملُوا الْمُصحف والهدية ووفد مَعَهم على السُّلْطَان يُوسُف شرِيف مَكَّة السَّيِّد لبيدة بن أبي نمي نازعا عَن سُلْطَان التّرْك صَاحب مصر لما كَانَ قد قبض
(3/83)

على أَخَوَيْهِ حميضة ورميثة بعد مهلك أَبِيهِم أبي نمي صاب مَكَّة فاستبلغ السُّلْطَان يُوسُف من إكرامه والتنويه بِقَدرِهِ وسرحه إِلَى الْمغرب ليجول فِي أقطاره وَيَطوف على معالم الْملك وقصوره وأوعز إِلَى الْعمَّال بالبرور بِهِ وإتحافه على مَا يُنَاسب قدره وَرجع هَذَا الشريف إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان من تلمسان سنة خمس وَسَبْعمائة ثمَّ فصل مِنْهَا إِلَى مشرقه وَفِي شعْبَان من هَذِه السّنة قدم أَبُو زيد الْغِفَارِيّ دَلِيل ركب الْحَاج الثَّانِي وَمَعَهُ بيعَة الشرفاء أهل مَكَّة للسُّلْطَان يُوسُف لما كَانَ صَاحب مصر قد آسفهم بالتقبض على إخْوَانهمْ وَكَانَ ذَلِك شَأْنهمْ مَتى غاظهم السُّلْطَان وأهدوا إِلَى السُّلْطَان يُوسُف ثوبا من كسْوَة الْكَعْبَة أعجب بِهِ فَاتخذ مِنْهُ ثوبا للبوسه فِي الْجمع والأعياد كَانَ يتبطنه بَين ثِيَابه تبركا بِهِ
وَأما الْملك النَّاصِر صَاحب مصر فَإِنَّهُ كافأ السُّلْطَان يُوسُف على هديته بِأَن جمع من طرف بِلَاد الْمشرق مَا يستغرب جنسه وشكله من الثِّيَاب والحيوانات وَنَحْو ذَلِك مثل الْفِيل والزرافة وَنَحْوهمَا وأوفد بِهِ مَعَ عُظَمَاء دولته وفصلوا من الْقَاهِرَة آخر سنة خمس وَسَبْعمائة فوصلوا إِلَى السُّلْطَان يُوسُف وَهُوَ بالمنصورة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ بعْدهَا واهتز لقدومهم وأركب النَّاس للقيهم وَأكْرم وفادتهم وبعثهم إِلَى الْمغرب للتطوف بِهِ على الْعَادة فِي مبرة أمثالهم وَهلك السُّلْطَان يُوسُف أثْنَاء ذَلِك وأفضى الْأَمر إِلَى حافده أبي ثَابت فَأحْسن منقلبهم مَلأ حقائبهم وفصلوا من الْمغرب إِلَى بِلَادهمْ فِي ذِي الْحجَّة من سنة سبع وَسَبْعمائة وَلما انْتَهوا إِلَى بِلَاد بني حسن فِي ربيع من سنة ثَمَان بعْدهَا اعْتَرَضَهُمْ الْأَعْرَاب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إِلَى مصر بجريعة الذقن فَلم يعاودوا بعْدهَا إِلَى الْمغرب سفرا وَلَا لفتوا إِلَيْهِ وَجها وطالما أوفد عَلَيْهِم مُلُوك الْمغرب بعْدهَا من رجال دولتهم من يوبه لَهُ ويهادونهم ويكافئون وَلَا يزِيدُونَ فِي ذَلِك كُله على الْخطاب شَيْئا
(3/84)

وَفَاة السُّلْطَان يُوسُف رَحمَه الله
كَانَ السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله قد اتخذ فِي جملَة حَاشِيَته ومماليكه خَصيا اسْمه سَعَادَة وَكَانَ هَذَا الْخصي قد تصير إِلَيْهِ من جِهَة أبي عَليّ الملياني أَيَّام كَانَ عَاملا لَهُ على مراكش وَكَانَ السُّلْطَان يُوسُف فِي ابْتِدَاء أمره يخلط الخصيان بأَهْله وَلَا يحجبهم عَن حرمه وَعِيَاله ثمَّ حدثت للسُّلْطَان رِيبَة فِي بعض الخصيان فَأعتق جملَة مِنْهُم كَانَ فيهم عنبر الْكَبِير عريفهم وحجب سَائِرهمْ فارتاعوا لذَلِك وفسدت نياتهم فسولت لهَذَا الْخصي الْخَبيث نَفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فَعمد إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بعض حجر قصره فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فَأذن لَهُ فألفاه مُسْتَلْقِيا على فرَاشه مختضبا بحناء فَوَثَبَ عَلَيْهِ وطعنه طعنات قطع بهَا أمعاءه وَخرج هَارِبا وَانْطَلق بعض الْأَوْلِيَاء فِي أَثَره فأدركه من الْعشي بِنَاحِيَة تاسلت فَقبض عَلَيْهِ وَجِيء بِهِ إِلَى الْقصر فَقتلته العبيد والحاشية وصابر السُّلْطَان يُوسُف منيته إِلَى آخر النَّهَار ثمَّ قضى رَحمَه الله يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع ذِي الْقعدَة من سنة سِتّ وَسَبْعمائة وقبر هُنَالك ثمَّ نقل بعد مَا سكنت الهيعة إِلَى مقبرتهم بشالة فَدفن بهَا مَعَ سلفه وأطلال ضريحه لَا زَالَت مائلة إِلَى الْآن
وبموت السُّلْطَان يُوسُف انْقَضتْ مُدَّة الْحصار عَن آل يغمراسن وقومهم من بني عبد الواد وَسَائِر أهل تلمسان وَكَانَت الْمدَّة فِي ذَلِك مائَة شهر كَمَا قُلْنَا نالهم فِيهَا من الْجهد والشدة مَا لم ينل أمة من الْأُمَم واضطروا إِلَى أكل الْجِيَف والقطوط والفيران حَتَّى أَنهم أكلُوا فِيهَا أشلاء الْمَوْتَى من النَّاس وخربوا السقوف للوفود وغلت أسعار الأقوات والحبوب وَسَائِر الْمرَافِق بِمَا
(3/85)

تجَاوز حد الْعَادة وَعجز وجدهم عَنْهَا فَكَانَ ثمن مكيال الْقَمْح ومقداره اثْنَا عشر رطلا وَنصف مثقالين وَنصفا من الذَّهَب الْعين وَثمن الشَّخْص الْوَاحِد من الْبَقر سِتِّينَ مِثْقَالا وَمن الضَّأْن سَبْعَة مَثَاقِيل وَنصفا وأثمان اللَّحْم من الْجِيَف الرطل من لحم البغال وَالْحمير بِثمن المثقال وَمن الْخَيل بِعشر المثقال والرطل من الْجلد البقري ميتَة أَو مذكى بِثَلَاثِينَ درهما والهر الداجي بمثقال وَنصف وَالْكَلب بِمثلِهِ والفأر بِعشْرَة دَرَاهِم والحية بِمثل ذَلِك والدجاجة بِثَلَاثِينَ درهما وَالْبيض وَاحِدَة بِسِتَّة دَرَاهِم والعصافير كَذَلِك وَالْأُوقِية من الزَّيْت بِاثْنَيْ عشر درهما وَمن السّمن بِمِثْلِهَا وَمن الشَّحْم بِعشْرين درهما وَمن الْملح بِعشْرَة دَرَاهِم وَمن الْحَطب كَذَلِك وَالْأَصْل الْوَاحِد من الكرنب بِثَلَاثَة أَثمَان المثقال وَمن الخس بِعشْرين درهما وَمن اللفت بِخَمْسَة عشر درهما والواحدة من القثاء والفقوس بِأَرْبَعِينَ درهما وَالْخيَار بِثَلَاثَة أَثمَان الدِّينَار والبطيخ بِثَلَاثِينَ ردهما والحبة من التِّين والإجاص بِدِرْهَمَيْنِ واستهلك النَّاس أَمْوَالهم وموجودهم وَضَاقَتْ أَحْوَالهم وَهَلَكت حاميتهم فاعتزموا على الْإِلْقَاء بِالْيَدِ وَالْخُرُوج للاستماتة فَهَيَّأَ الله لَهُم الصنع الْغَرِيب وَنَفس عَن مخنقهم بمهلك السُّلْطَان يُوسُف على يَد الْخصي الْمُرِيب وأذهب الله العناء عَن آل زيان وقومهم وَخَرجُوا كَأَنَّمَا نشرُوا من الْقُبُور وَكَتَبُوا بعد هَذِه الْحَادِثَة فِي سكنهم مَا أقرب فرج الله استغرابا لَهَا
قَالَ ابْن خلدون حَدثنِي شَيخنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الابلي قَالَ جلس السُّلْطَان أَبُو زيان بن عُثْمَان بن يغمراسن صَبِيحَة يَوْم الْفرج وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع ذِي الْقعدَة فِي زَاوِيَة من زَوَايَا قصره يفكر واستدعى ابْن جحاف خَازِن الزَّرْع فَسَأَلَهُ كم بَقِي من الأهراء والمطامير المختومة فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا بَقِي عولة الْيَوْم وغد فاستوصاه بكتمان ذَلِك وبينما هم يتذاكرون فِي ذَلِك دخل عَلَيْهِم أَخُوهُ أَبُو حمو فأخبروه بذلك فَوَجَمَ وجلسوا سكُوتًا لَا ينطقون
(3/86)

وَإِذا بدعد قهرمانة الْقصر وَكَانَت وصيفة من وصائف بنت السُّلْطَان أبي إِسْحَاق حظية أَبِيهِم قد خرجت من الْقصر إِلَيْهِم وحيتهم وَقَالَت لَهُم تَقول لكم خَطَايَا قصركم وَبَنَات زيان حرمكم مَا لنا وللبقاء وَقد أحيط بكم وأسف عَدوكُمْ لالتهامكم وَلم يبْق الأفواق نَاقَة لمصارعكم فأريحونا من معرة السَّبي وقربونا إِلَى مصارعنا وأريحوا أَنفسكُم فِينَا فالحياة فِي الذل عَذَاب والوجود بعدكم عدم فَالْتَفت أَبُو حمو إِلَى أَخِيه أبي زيان وَكَانَ من الشَّفَقَة بمَكَان فَقَالَ قد صدقتك الْخَبَر فَمَا تنْتَظر بِهن فَقَالَ يَا مُوسَى أرجئني ثَلَاثًا لَعَلَّ الله يَجْعَل بعد عسر يسرا وَلَا تشاورني بعْدهَا فِيهِنَّ بل سرح الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِلَى قتلهن وَتَعَالَى إِلَيّ نخرج مَعَ قَومنَا إِلَى عدونا فنستميت وَيَقْضِي الله مَا شَاءَ فَغَضب أَبُو حمو وَأنكر عَلَيْهِ التَّأْخِير فِي ذَلِك وَقَالَ إِنَّمَا نَحن وَالله نتربص المعرة بِهن وبأنفسنا وَقَامَ عَنهُ مغضبا وجهش السُّلْطَان أَبُو زيان بالبكاء قَالَ أَيْن جحاف وَأَنا بمكاني بَين يَدَيْهِ لَا أملك مُتَأَخِّرًا وَلَا مُتَقَدما إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ النّوم فَمَا راعني إِلَّا حرسي يالباب يُشِير إِلَيّ أَن أعلم السُّلْطَان بمَكَان رَسُول جَاءَ من محلّة بني مرين وَهَا هُوَ بسدة الْقصر قَالَ ابْن جحاف فَلم أطق رد جَوَابه إِلَّا بِالْإِشَارَةِ وانتبه السُّلْطَان من همسنا فَزعًا فأعلمته فاستدعاه للحين فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ قَالَ إِن السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب هلك السَّاعَة وَأَنا رَسُول حافده أبي ثَابت إِلَيْكُم فَاسْتَبْشَرَ السُّلْطَان أَبُو زيان واستدعى أَخَاهُ وَقَومه حَتَّى بلغ الرَّسُول الْمَذْكُور رسَالَته بمسمع مِنْهُم فَكَانَت إِحْدَى المغربات فِي الْأَيَّام وَكَانَ من خبر هَذِه الرسَالَة أَن السُّلْطَان يُوسُف لما هلك تطاول لِلْأَمْرِ بعده القربابه من إخْوَته وَولده وحفدته وتحيز حافده أَبُو ثَابت إِلَى بني ورتاجن لخؤلة كَانَت لَهُ فيهم فاستجاش بهم واعصوصبوا عَلَيْهِ وَبعث إِلَى بني زيان أَن يعطوه آلَة الْحَرْب ويكونوا مفزعا لَهُ إِن أخفق مسعاه على أَنه إِن تمّ أمره قوض عَنْهُم معسكر بني مرين وَأَفْرج عَنْهُم فعاقدوه على ذَلِك فوفى لَهُم لما تمّ أمره وَنزل لَهُم عَن جَمِيع الْأَعْمَال الَّتِي كَانَ السُّلْطَان يُوسُف غلب عَلَيْهَا من بِلَادهمْ ورحلوا إِلَى مغربهم وَالله غَالب على أمره
(3/87)

بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان يُوسُف وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان يُوسُف رَحمَه الله أَبيض حسن الْقد مليح الْوَجْه أقنى الْأنف مهيبا لَا يكَاد أحد يبدأه بالْكلَام جوادا مشفقا على الرّعية متفقدا لأحوالها شجاعا شهما ذَا عَزِيمَة
(إِذا هم ألْقى بَين عَيْنَيْهِ همه ... ونكب عَن ذكر العواقب جانبا)
وَهُوَ أول من هذب ملك بني مرين وأكسبه رون لحضارة وبهاء الْملك وَكَانَ غليظ الْحجاب لَا يكَاد يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بعد الْجهد وَمن أَعْيَان كِتَابه الْكَاتِب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين العثماني وَمن أَعْيَان شعرائه أَبُو الحكم مَالك بن المرحل السبتي وَأَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الملزوزي المكناسي وَغَيرهمَا وَالله تَعَالَى أعلم
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَفِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَهِي السّنة الَّتِي بُويِعَ فِيهَا السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق كَانَ الرخَاء المفرط بالمغرب بِحَيْثُ كَانَ الدَّقِيق يُبَاع بفاس وَغَيرهَا ربع مِنْهُ بدرهم والقمح سِتَّة دَرَاهِم للصحفة وَالشعِير ثَلَاثَة دَرَاهِم للصحفة وَأما القطاني فَلم يكن لَهَا ثمن وَالْعَسَل ثَلَاثَة أَرْطَال بدرهم وَالزَّيْت أَرْبَعُونَ أُوقِيَّة بدرهم وَالزَّبِيب دِرْهَم وَنصف للربع وَالثَّمَر ثَمَانِيَة أَرْطَال بدرهم واللوز صَاع بدرهم والشابل الطري فردة بقيراط وَالْملح حمل بدرهم وَلحم الْبَقر مائَة أُوقِيَّة بدرهم وَلحم الضَّأْن سَبْعُونَ أُوقِيَّة بدرهم والكبش بِخَمْسَة دَرَاهِم وَهَكَذَا
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وستمائه ظهر النَّجْم أَبُو الذوائب وَكَانَ ابْتِدَاء ظُهُوره لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثَّانِي عشر من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَبَقِي يطلع كل لَيْلَة وَقت السحر نَحوا من عشْرين يَوْمًا
وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة كَانَ دُخُول الشريف الْمولى حسن بن قَاسم الحسني من أَرض يَنْبع الْحجاز إِلَى سجلماسة وَهَذَا الشريف هُوَ جد الْأَشْرَاف العلويين السجلماسيين مُلُوك الْمغرب الْأَقْصَى فِي عصرنا هَذَا أَعلَى
(3/88)

الله تَعَالَى قدرهم وخلد مجدهم وفخرهم وَعند الْكَلَام على دولتهم السعيدة نذْكر كَيْفيَّة دُخُول هَذَا الشريف إِلَى الْمغرب وَالسَّبَب فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة سرق من بَيت المَال بقصبة فاس اثْنَا عشر ألف دِينَار وَثَلَاث قلائد يساوين أَكثر من ذَلِك
وَفِي حُدُود السّبْعين وسِتمِائَة كَانَ ظُهُور البارود على مَا مر من أَن السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق فتح بِهِ سجلماسة فِي هَذِه الْمدَّة وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة بنى الْمَسْجِد الْجَامِع بفاس الْجَدِيد وَفِي سنة تسع وَسبعين وسِتمِائَة علقت بِهِ ثرياه وَذَلِكَ يَوْم السبت السَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول مِنْهَا وَوزن هَذِه الثريا سَبْعَة قناطير وَخَمْسَة عشر رطلا وَعدد كؤوسها مِائَتَا كأس بالتثنية وَسبع وَثَمَانُونَ كأسا وفيهَا كَانَ الْجَرَاد الْعَام بالمغرب أكل الجسر وَالزَّرْع وَلم يتْرك خضراء على وَجه الأَرْض وَبلغ الْقَمْح عشرَة دَرَاهِم للصاع
وَفِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة بنيت قنطرة وَادي النجَاة وقنطرة ماريج
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة كَانَ بالمغرب قحط شَدِيد لم ير النَّاس قَطْرَة مَاء حَتَّى كَانَ الْيَوْم السَّابِع وَالْعشْرُونَ من رَمَضَان وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي توفيت فِيهِ الْحرَّة أم الْعِزّ بنت مُحَمَّد بن حَازِم العلوية من بني عَليّ بن عَسْكَر وَهِي أم السُّلْطَان يُوسُف فغاث الله الْعباد وأحيى برحمته الْبِلَاد
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بنيت قَصَبَة تطاوين وفيهَا ركبت الناعورة الْكُبْرَى على وَاد فاس شرع فِي عَملهَا فِي رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة ودارت فِي صفر من السّنة بعْدهَا
وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بني سور قصر الْمجَاز وَركبت أبوابه وفيهَا غرس بُسْتَان المصارة بفاس الْجَدِيد وبنيت الدَّار الْبَيْضَاء بهَا أَيْضا
وَفِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة كَانَت الرّيح الشرقية المتوالية الهبوب وَنَشَأ عَنْهَا الْقَحْط الشَّديد وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى آخر سنة تسعين بعْدهَا فرحم الله
(3/89)

بِلَاده وعباده وفيهَا توفّي الشَّيْخ الصَّالح أَبُو يَعْقُوب الْأَشْقَر بالكندرتين من بِلَاد بني بهْلُول من أحواز فاس وَلَعَلَّ أَبَا يَعْقُوب هَذَا هُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْحمة الَّتِي قدمنَا الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أَخْبَار الْمَنْصُور الموحدي وَالله أعلم وفيهَا بني الْمَسْجِد الْجَامِع بِمَدِينَة تازا وبنيت قبَّة مكناسة الزَّيْتُون ورباعها
وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة أَمر السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق بِعَمَل المولد النَّبَوِيّ وتعظيمه والاحتفال لَهُ وصيره عيدا من الأعياد فِي جَمِيع بِلَاده وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ الْأَمر بِهِ قد صدر عَنهُ وَهُوَ بصبره من بِلَاد الرِّيف فِي آخر صفر من السّنة فوصل برسم إِقَامَته بِحَضْرَة فاس الْفَقِيه ابو يحيى بن أبي الصَّبْر وَاعْلَم أَنه قد كَانَ سبق السُّلْطَان يُوسُف إِلَى هَذِه المنقبة المولدية بَنو العزفي أَصْحَاب سبتة فهم أول من أحدث عمل المولد الْكَرِيم بالمغرب وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة كَانَ كسوف الشَّمْس وَذَلِكَ قرب زَوَال يَوْم الْأَحَد التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة كسف مِنْهَا نَحْو الثُّلثَيْنِ وَصلى بِالنَّاسِ صَلَاة الْكُسُوف بِجَامِع الْقرَوِيين من فاس الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن أبي الصَّبْر حَتَّى انجلت فَخرج من الْمِحْرَاب ووقف بإزائه فوعظ النَّاس وَذكرهمْ فِي هَذِه السّنة رفعت أَيدي الموثقين من الشَّهَادَة بفاس وَلم يبْق بهَا مِنْهُم سوى خَمْسَة عشر رجلا من أهل الْعَدَالَة والمعرفة وَكَانُوا قيل ذَلِك أَرْبَعَة وَتِسْعين وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وفيهَا كَانَت الْجَمَاعَة الشَّدِيدَة والوباء الْعَظِيم عَم ذَلِك بِلَاد الْمغرب وإفريقية ومصر فَكَانَت الْمَوْتَى تحمل اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة على المغتسل وَبلغ الْقَمْح عشرَة دَرَاهِم للمد والدقيق سِتّ أَوَاقٍ بدرهم وَأمر السُّلْطَان يُوسُف
(3/90)

بتبديل الصيعان وَجعلهَا على مد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ذَلِك بالحضرة على يَد الْفَقِيه ابي فَارس عبد الْعَزِيز الملزوزي الشَّاعِر الْمَشْهُور
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة فِيهَا صلح أَمر النَّاس وانجبرت أَحْوَالهم ورخصت الأسعار فِي جَمِيع الْأَمْصَار فَبيع الْقَمْح بِعشْرين درهما للصحفة وَفِي هَذِه السّنة كسفت الشَّمْس أَيْضا الْكُسُوف الْكُلِّي بِحَيْثُ غَابَ قرص الشَّمْس كُله وَصَارَ النَّهَار لَيْلًا كالحالة الَّتِي تكون مَا بَين العشاءين وَظَهَرت النُّجُوم وماج النَّاس وَضَاقَتْ نُفُوسهم وَلَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ تداركهم بِسُرْعَة انجلائها لهلكوا جزعا وَكَانَ ذَلِك بعد صَلَاة ظهر الثُّلَاثَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة من سنة أَربع وَتِسْعين الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة سَبْعمِائة أسس السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب مدينته المنصورة بِإِزَاءِ تلمسان وَهُوَ محاصر لَهَا الْحصار الطَّوِيل حَسْبَمَا مر الْخَبَر على ذَلِك مُسْتَوفى وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي ثَابت عَامر بن عبد الله ابْن يُوسُف ابْن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

قد تقدم لنا أَن أَبَا عَامر عبد الله ابْن السُّلْطَان يُوسُف كَانَ قد انتبذ عَن أَبِيه وَبَقِي متنقلا فِي جِهَات الرِّيف وبلاد غمارة إِلَى أَن هلك فِي بِلَاد بني سعيد مِنْهُم وَأَنه خلف ثَلَاثَة أَوْلَاد أحدهم أَبُو ثَابت عَامر بن عبد الله هَذَا الَّذِي ولي الْأَمر بعد جده وَذَلِكَ أَنه لما هلك السُّلْطَان يُوسُف رَحمَه الله بالمنصورة كَمَا تقدم كَانَ حافده أَبُو ثَابت هَذَا فِي جملَته وَكَانَ لَهُ فِي بني ورتاجن من أهل تِلْكَ الْبِلَاد خؤلة فلحق بهم ودعا لنَفسِهِ فَبَايعُوهُ وَقَامُوا مَعَه فِي أمره وَبَايَعَهُ مَعَهم أَشْيَاخ بني مرين وَالْعرب بِظَاهِر المنصورة يَوْم الْخَمِيس ثَانِي يَوْم وَفَاة جده يُوسُف وبادر الْحَاشِيَة والوزراء وَمن شايعهم بداخل المنصورة إِلَى بيعَة الْأَمِير أبي سَالم بن السُّلْطَان يُوسُف وَكَاد أَمر بني
(3/91)

مرين يفْسد وكلمتهم تتفرق فَبعث السُّلْطَان أَبُو ثَابت لحينه وَكَانَ شهما مقداما إِلَى صَاحِبي تلمسان أبي زيان وَأبي حمو ابْني عُثْمَان بن يغمراسن فعقد لَهما عهدا على أَن يرحل عَنْهُم بجموعه وَأَن يمدوه بالآلة ويرفعوا لَهُ كسر بَيتهمْ ويضموه إِلَيْهِم إِن خَابَ أمله وَلم يتم لَهُ أَمر فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَحضر العقد أَبُو حمو فأحكمه وَشرط عَلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو ثَابت أَن لَا يتَعَرَّضُوا لمدينة جده المنصورة بِسوء وَأَن يتعاهدوا مساجدها وقصورها بالإصلاح وَأَن من أَرَادَ الْإِقَامَة بهَا من أَهلهَا فَمَا لأحد عَلَيْهِ من سَبِيل لِأَن النَّاس كَانُوا قد استوطنوها وألفوها وطاب مقامهم بهَا وتأثلوا بهَا الأثاث وَالْمَتَاع والخرثي وَسَائِر الماعون مِمَّا يثبط المرتحل ويثقل جنَاح الناهض فَقبل أَبُو حمو ذَلِك كُله
وتفرغ السُّلْطَان أَبُو ثَابت لشأنه وَجمع كلمة قومه واختل أَمر أبي سَالم فَلم يتم وَكتب السُّلْطَان أَبُو ثَابت إِلَى حامية بني مرين وحصصها الَّتِي كَانَت مُتَفَرِّقَة فِي الثغور الشرقية الَّتِي استولى عَلَيْهَا السُّلْطَان يُوسُف أَيَّام حَيَاته فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَنْسلونَ من كل حدث وَأَسْلمُوا الْبِلَاد إِلَى أَهلهَا من بني عبد الواد وَقتل السُّلْطَان أَبُو ثَابت عَمه أَبَا سَالم بن يُوسُف ثمَّ أتبعه بعم أَبِيه أبي بكر بن يَعْقُوب فِي آخَرين من الْقَرَابَة وَغَيرهم مِمَّن يتَوَقَّع مِنْهُ الشَّرّ وفر بَقِيَّة الْقَرَابَة خشيَة على أنفسهم من سطوة أبي ثَابت فَلَحقُوا بعثمان بن أبي الْعَلَاء الثائر بجبال غمارة من عهد السُّلْطَان يُوسُف فشايعوه على أمره وتقوى بهم على مَا نذكرهُ ثمَّ ارتحل السُّلْطَان أَبُو ثَابت قَاصِدا حَضْرَة فاس فِي جموع لاتحصى وأمم لَا تستقصى فعيد عيد الْأَضْحَى من سنة سِتّ وَسَبْعمائة فِي طَرِيقه بن تلمسان ووجدة ثمَّ نَهَضَ إِلَى فاس فَدَخلَهَا فاتح سنة سبع وَسَبْعمائة ثمَّ نَهَضَ بعد ذَلِك إِلَى مراكش على مَا نذكرهُ وَلما علم بَنو يغمراسن أَن أَبَا ثَابت قد أبعد عَنْهُم وَأَنه توغل فِي الْبِلَاد المراكشية واشتغل بحروب الثائرين بهَا عَمدُوا إِلَى المنصورة فَجعلُوا عاليها سافلها وطمسوا معالمها ومحوا آثارها فَأَصْبَحت كَأَن لم تغن بالْأَمْس
(3/92)

ثورة يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي عياد ابْن عبد الْحق وَمَا كَانَ من أمره

كَانَ السُّلْطَان أَبُو ثَابت لما فصل من تلمسان قدم بَين يَدَيْهِ ابْن عَمه الْحسن بن عَامر بن عبد الله بن يَعْقُوب وَأمره بِالنّظرِ فِي أَحْوَال فاس وَالْمغْرب وَأمره بضبطها وتسريح سجونها ورد مظالمها وتفريق الْأَمْوَال على الْخَاصَّة والعامة فَفعل وَلما قدم حَضْرَة فاس عقد لِابْنِ عَمه يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي عياد بن عبد الْحق على مراكش ونواحيها وعهد إِلَيْهِ بِالنّظرِ فِي أحوالها وضبطها صَمد إِلَيْهَا واحتل بهَا وَتمكن مِنْهَا ثمَّ حدثته نَفسه بالإنتزاء فاستلحق واستركب وَاتخذ الْآلَة وجاهر بالخلعان وتقبض على الْوَالِي بمراكش الْحَاج المسعود فَقتله من تَحت السِّيَاط فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَسَبْعمائة ودعا لنَفسِهِ واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي ثَابت وَهُوَ بفاس فسرح إِلَيْهِ وزيره يُوسُف بن عِيسَى بن السُّعُود بن خرباش الحشمي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَيَعْقُوب بن آصناك فِي خَمْسَة آلَاف فَارس فَسَارُوا إِلَى مراكش وبرز يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي عياد إِلَى حربهم وَعبر إِلَيْهِم وَادي أم الرّبيع فَالْتَقوا مَعَه على ضفته الشرقية فهزموه وَعَاد إِلَى مراكش وَاتبعهُ الْوَزير وَدخل ابْن أبي عياد مراكش فَقتل جمَاعَة من جند الفرنج الَّذين بهَا وسبى ذَرَارِيهمْ وَخرج مِنْهَا إِلَى أغمات فَلم يسْتَقرّ بهَا ثمَّ إِلَى جبال هسكورة فَنزل على كبيرها مخلوف بن هنو الهسكوري وَلحق بِهِ مُوسَى بن سعيد الصبيحي من أغمات تدلى من سورها فلحق بِهِ
وَدخل السُّلْطَان أَبُو ثَابت مراكش منتصف رَجَب من سنة سبع وَسَبْعمائة وَأمر بقتل أوربة المداخلين لِابْنِ أبي عياد فِي انتزائه فاستلحموا جَمِيعًا وَلما لحق ابْن أبي عياد بمخلوف بن هنو الهسكوري واستجار بِهِ فَلم يجره على السُّلْطَان أبي ثَابت بل قبض عَلَيْهِ مَعَ ثَمَانِيَة من كبار أَصْحَابه وبعثهم فِي
(3/93)

الْحَدِيد إِلَيْهِ وَهُوَ بمراكش فَقتلُوا فِي مصرع وَاحِد بعد أَن مثل بهم بالسياط وَبعث بِرَأْس ابْن أبي عياد إِلَى فاس فطيف بِهِ وَنصب على سورها ثمَّ أثخن أَبُو ثَابت فِي كل من كَانَ على رَأْي ابْن أبي عياد وخاض مَعَه فِي الْفِتْنَة فاستلحم مِنْهُم بمراكش مَا ينيف على الستمائة وصلبهم على سورها من بَاب الرب أحد أَبْوَاب مراكش إِلَى برج دَار الْحرَّة عزونه وَقتل فِي أغمات مِنْهُم مثل ذَلِك وَخرج منتصف شعْبَان إِلَى منازلة السكسيوي وتدويخ جِهَات مراكش فَنزل بتامزوارت وتلقاه السكسيوي بالبيعة والهدية والضيافة فَقبل السُّلْطَان أَبُو ثَابت ذَلِك مِنْهُ ثمَّ بعث قائده يَعْقُوب بن آصناك فِي جَيش من ثَلَاثَة آلَاف فَارس إِلَى بِلَاد حاحة برسم غَزْو قبائل زكنة فَفرُّوا بَين يَدَيْهِ حَتَّى دخلُوا بِلَاد الْقبْلَة وَانْقطع أَثَرهم وَرجع إِلَى معسكر السُّلْطَان بتامزوارت وَأخْبرهُ بِسُكُون الْبِلَاد وأمنها فانكفأ السُّلْطَان أَبُو ثَابت رَاجعا إِلَى مراكش فَدَخلَهَا غرَّة رَمَضَان من سنة سبع وَسَبْعمائة ثمَّ خرج مِنْهَا فِي منتصفه قَاصِدا رِبَاط الْفَتْح فاجتاز على بِلَاد صنهاجة وَعبر وَادي أم الرّبيع من مشرع كتامة فِي القوارب لزِيَادَة المَاء يَوْمئِذٍ ثمَّ ارتحل فاجتاز بِبِلَاد تامسنا فَتَلقاهُ بهَا عرب جشم من قبائل الْخَلْط وسُفْيَان وَبني جَابر والعاصم فاستصحبهم مَعَه إِلَى مَدِينَة آنفي بعد أَن استأذنوه فِي الرُّجُوع فَلم يَأْذَن لَهُم وَلما أحتل بآنفي دَعَا بأشياخهم فَحَضَرُوا عِنْده فَقبض على سِتِّينَ مِنْهُم أودعهم سجن آنفى وَضرب أَعْنَاق عشْرين من فسادهم القاطعين للسبل وصلبهم على سور آنفى ثمَّ نَهَضَ إِلَى رِبَاط الْفَتْح فدخله فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان فعيد هُنَالك عيد الْفطر وَقتل بِهِ ثَلَاثِينَ من فتاك لعرب المتهمين بالحرابة وَقطع الطَّرِيق وصلبهم على أسوار العدوتين ثمَّ ارتحل منتصف شَوَّال لغزو عرب ريَاح الموطنين بِأبي طَوِيل وفحص آزغار وبلاد الهبط فغزاهم وَأَخذهم بالإجن الْقَدِيمَة فَقتل مِنْهُم خلقا وسبى ذَرَارِيهمْ وانتهب أَمْوَالهم ونهض إِلَى فاس فاحتل بهَا منتصف ذِي الْقعدَة وَعِيد بهَا عيد الْأَضْحَى ثمَّ نَهَضَ إِلَى سبتة على مَا نذكرهُ
(3/94)