Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 003



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] غَزْو السُّلْطَان أبي ثَابت بِلَاد غمارة وسبتة ومحاصرته لعُثْمَان بن أبي الْعَلَاء

قد تقدم لنا أَن عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء كَانَ قد ورد من الأندلس صُحْبَة الرئيس أبي سعيد بن الْأَحْمَر المتغلب على سبتة أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف وَأَنه ثار بجبال غمارة ودعا لنَفسِهِ واستحوذ عَلَيْهَا وَكَانَ السُّلْطَان يُوسُف بلغه خَبره وأهمه شَأْنه إِلَّا أَنه كَانَ يَرْجُو أَن يفتح تلمسان عَن قريب ثمَّ ينْهض إِلَيْهِ فعاجله الْحمام دون ذَلِك وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي ثَابت وَقدم حَضْرَة فاس شغله عَن عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء مَا كَانَ من ثورة يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي عياد بمراكش كَمَا قدمْنَاهُ فعقد على حَرْب عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء لِابْنِ عَمه عبد الْحق بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الْحق فزحف إِلَيْهِ ونهض عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء الى لِقَائِه منتصف ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسَبْعمائة فَهَزَمَهُ عُثْمَان بن ابي الْعَلَاء واستلحم من كَانَ مَعَه من جند الفرنج وَهلك فِي تِلْكَ الْوَقْعَة عبد الْوَاحِد الفودودي من رجالات الدولة المرشحين للوزارة وَسَار عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء إِلَى قصر كتامة فدخله وَاسْتولى على جهاته وَكَانَ بطلا من الْأَبْطَال وعَلى أثر ذَلِك كَانَ رُجُوع السُّلْطَان أبي ثَابت من غزَاة مراكش وَقد حسم الدَّاء ومحى أثر النِّفَاق فاعتزم على النهوض إِلَى بِلَاد غمارة ليمحو مِنْهَا أثر دَعْوَة ابْن أبي الْعَلَاء الَّتِي كَادَت تلج عَلَيْهِ دَار ملكه ويستخلص سبتة من يَد ابْن الْأَحْمَر المتغلب عَلَيْهَا لِأَنَّهَا صَارَت ركابا لمن يروم الْخُرُوج على السُّلْطَان من الْقَرَابَة المستقرين وَرَاء الْبَحْر غزَاة فِي سَبِيل الله
فَنَهَضَ السُّلْطَان أَبُو ثَابت من فاس عقب عيد الْأَضْحَى من سنة سبع وَسَبْعمائة حَتَّى انْتهى إِلَى قصر كتامة فَتلوم بِهِ ثَلَاثًا حَتَّى تلاحق بِهِ قبائل مرين وَالْعرب وَالرُّمَاة من سَائِر الْبِلَاد فَعرض جَيْشه وارتحل قَاصِدا جبال غمارة وَكَانَ عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء قد فر أَمَامه إِلَى نَاحيَة سبتة فَسَار السُّلْطَان أَبُو ثَابت فِي أَتْبَاعه حَتَّى نَازل حصن علودان واقتحمه عنْوَة واستلحم بِهِ زهاء أَرْبَعمِائَة ثمَّ نَازل بلد الدمنة على شاطئ الْبَحْر فَقتل الرِّجَال وسبى النِّسَاء والذرية
(3/95)

وانتهب الْأَمْوَال وَكَانُوا قد تمسكوا بِطَاعَة ابْن أبي الْعَلَاء وأجازوه إِلَى الْقصر فِي وسط بِلَادهمْ وبالغوا فِي تضييفه وإكرامه ودخلوا مَعَه الْقصر وآصيلا ونهبوا كثيرا من مَال أهلهما ثمَّ ارتحل السُّلْطَان أَبُو ثَابت إِلَى طنجة فَدَخلَهَا فاتح سنة ثَمَان وَسَبْعمائة وتحصن ابْن أبي الْعَلَاء بسبتة مَعَ أوليائه من ابْن الْأَحْمَر وسرح السُّلْطَان أَبُو ثَابت عسكره فتفرقت فِي نواحي سبتة بالغارات واكتساح الْأَمْوَال
بِنَاء مَدِينَة تطاوين

ثمَّ أَمر السُّلْطَان باختطاط مَدِينَة تطاوين لنزول عسكره وللأخذ بمخنق سبتة هَكَذَا عِنْد ابْن أبي زرع وَابْن خلدون وَاعْلَم أَن تطاوين هَذِه هِيَ تطاوين الْقَدِيمَة وَقد تقدم لنا أَن قصبتها بنيت فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَذَلِكَ لأوّل دولة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق ثمَّ بنى السُّلْطَان أَبُو ثَابت هَذِه الْمَدِينَة عَلَيْهَا فِي هَذَا التَّارِيخ الَّذِي هُوَ فاتح سنة ثَمَان وَسَبْعمائة وَكَانَ بناؤها خَفِيفا شبه الْقرْيَة عدا قصبتها فَإِن بناءها كَانَ محكما وثيقا واستمرت هَذِه الْمَدِينَة عامرة إِلَى صدر الْمِائَة التَّاسِعَة فخربت ثمَّ جدد بناؤها بعد نَحْو تسعين سنة حَسْبَمَا يَأْتِي الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالُوا وَلَفظ تطاوين مركب من كَلِمَتَيْنِ تبط وَمَعْنَاهَا فِي لِسَان البربر الْعين ووين وَهِي كِنَايَة عَن الْمُخَاطب نَحْو يَا فلَان وَمَا أشبه ذَلِك قَالُوا وَالسَّبَب فِي تَسْمِيَتهَا بذلك أَنهم فِي وَقت اختطاطهم لَهَا كَانُوا يضعون الحرس على تطاوين أَي يَا فلَان افْتَحْ عَيْنك لِأَن عَادَة الحارس أَن يَقُول ذَلِك فَصَارَ هَذَا بَعضهم تيط مَعْنَاهَا الْعين ووين مَعْنَاهَا المقلة وَمعنى مَجْمُوع الْكَلِمَتَيْنِ مقلة الْعين وَالْإِضَافَة مَقْلُوبَة كَمَا هِيَ فِي لِسَان بعض الْأُمَم العجمية فَإِنَّهُ لَا مُسْتَند لَهُ وَالله تَعَالَى أعلم
(3/96)

وَلما شرع السُّلْطَان أَبُو ثَابت فِي بِنَاء مَدِينَة تطاوين أوفد كَبِير الْفُقَهَاء بمجلسه أَبَا يحيى بن أبي الصَّبْر إِلَى ابْن الْأَحْمَر صَاحب سبتة فِي شَأْن النُّزُول لَهُ عَن الْبَلَد وَأقَام هُوَ بقصبة طنجة ينْتَظر الْجَواب بِمَاذَا يكون وَفِي أثْنَاء ذَلِك مرض مرض مَوته وَتُوفِّي يَوْم الْأَحَد الثَّامِن من شهر صفر سنة ثَمَان وَسَبْعمائة وَدفن بِظَاهِر طنجة ثمَّ حمل شلوه بعد أَيَّام إِلَى مدفن آبَائِهِ بشالة فووري هُنَالك رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن أبي عَامر عبد الله بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

لما هلك السُّلْطَان أَبُو ثَابت تصدى للْقِيَام بِالْأَمر عَمه عَليّ بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن زريقاء وَهِي أمه وعَلى هَذَا هُوَ الَّذِي قتل شُيُوخ المصامدة بِكِتَاب ابْن الملياني كَمَا تقدم وخلص الْمَلأ من بني مرين أهل الْحل وَالْعقد إِلَى أبي الرّبيع الْمَذْكُور أخي أبي ثَابت فَبَايعُوهُ واستتب أمره فتقبض على عَمه عَليّ بن زريقاء وسجنه بطنجة فَبَقيَ مسجونا بهَا إِلَى أَن هلك سنة عشر وَسَبْعمائة وَبث السُّلْطَان أَبُو الرّبيع الْعَطاء فِي النَّاس وأجزل الصلات فأرضى الْخَاصَّة والعامة وَصفا لَهُ الْأَمر ثمَّ ارتحل نَحْو فاس واستدعى من كَانَ بمحلة تطاوين من الْجند فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وأرضاهم بِالْمَالِ كَذَلِك وَلما فصل من طنجة تبعه عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء من سبتة فِي جَيش كثيف ليضْرب فِي محلته لَيْلًا فَنَذر بِهِ عَسْكَر السُّلْطَان أبي الرّبيع فأسهروا ليلتهم وَبَاتُوا على صهوات خيولهم فوافاهم عُثْمَان بِسَاحَة علودان وهم على ذَلِك فناجزهم الْحَرْب فهزموه وتقبض على وَلَده وَكثير من عسكره وَقتل آخَرُونَ وَكَانَ للسُّلْطَان أبي الرّبيع الظُّهُور الَّذِي لَا كفاء لَهُ وَوصل أَبُو يحيى بن أبي الصَّبْر من الأندلس وَقد أحكم عقدَة الصُّلْح مَعَ ابْن الْأَحْمَر صَاحب غرناطة
(3/97)

وَلما رأى عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء ذَلِك سقط فِي يَده وأيس من الْمغرب فَعبر الْبَحْر فِيمَن مَعَه من الْقَرَابَة إِلَى الأندلس وَولي مشيخة الْغُزَاة بهَا فَكَانَت لَهُ فِي جِهَاد الْعَدو الْيَد الْبَيْضَاء وَعلا أمره بالأندلس وزاحم بني الْأَحْمَر مُلُوكهَا فِي رياستهم وجبايتهم حَتَّى كَاد يستولي على الْأَمر من أَيْديهم وشرقوا بدائه ومارسهم ومارسوه مُدَّة طَوِيلَة وَعدلُوا فِي أمره إِلَى المصانعة والمجاملة فِي أَخْبَار لَيْسَ جلبها من غرضنا إِلَى أَن توفّي لَكنا نذْكر من ذَلِك أنموذجا يسْتَدلّ بِهِ الْوَاقِف عَلَيْهِ على مَا وَرَاءه فَنَقُول لما توفّي عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء رَحمَه الله كتب على قَبره مَا صورته هَذَا قبر شيخ الحماة وَصدر الْأَبْطَال والكماة وَاحِد الْجَلالَة لَيْث الْإِقْدَام والبسالة علم الْأَعْلَام حامي ذمار الْإِسْلَام صَاحب الْكَتَائِب المنصورة وَالْأَفْعَال الْمَشْهُورَة والمغازي المسطورة وَإِمَام الصُّفُوف الْقَائِم بِبَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف سيف الْجِهَاد وقاصم الأعاد وَأسد الآساد العالي الهمم الثَّابِت الْقدَم الْهمام الْمَاجِد الأرضى البطل الباسل الأمضى الْمُقَدّس المرحوم أبي سعيد عُثْمَان ابْن الشَّيْخ الْجَلِيل الْهمام الْكَبِير الْأَصِيل الشهير الْمُقَدّس المرحوم أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن عبد الله بن عبد الْحق
كَانَ عمره ثمانيا وَثَمَانِينَ سنة أنفقهُ مَا بَين رَوْحَة فِي سَبِيل الله وغدوة حَتَّى استوفى فِي المشهورر سَبْعمِائة واثنتين وَثَلَاثِينَ غَزْوَة وَقطع عمره مُجَاهدًا مُجْتَهدا فِي طَاعَة الرب محتسبا فِي إدارة الْحَرْب ماضي العزائم فِي جِهَاد الْكفَّار مصادما بَين جموعهم تدفق التيار وصنع الله تَعَالَى لَهُ فيهم من الصَّنَائِع الْكِبَار مَا سَار ذكره فِي الأقطار أشهر من الْمثل السيار حَتَّى توفّي رَحمَه الله وغبار الْجِهَاد طي أثوابه وَهُوَ مراقب لطاغية الْكفَّار وأحزابه فَمَاتَ على مَا عَاشَ عَلَيْهِ وَفِي ملحمة الْجِهَاد قَبضه الله إِلَيْهِ واستأثر بِهِ سعيدا مرتضى وسيفه على رَأس ملك الرّوم منتضى مُقَدّمَة قبُول وإسعاد ونتيجة جِهَاد وجلاد ودليلا على نِيَّته الصَّالِحَة وتجارته الرابحة فارتجت الأندلس لبعده أتحفه الله برحمة من عِنْده توفّي يَوْم الْأَحَد الثَّانِي لذِي الْحجَّة من سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة رَحمَه الله
(3/98)

وَأما السُّلْطَان أَبُو الرّبيع فَإِنَّهُ لما سَار عَن طنجة دخل حَضْرَة فاس حادي عشر ربيع الأول من سنة ثَمَان وَسَبْعمائة فَأَقَامَ بهَا سنة المولد الْكَرِيم وَفرق الْأَمْوَال واستقامت الْأُمُور وتمهد الْملك وَعقد السّلم مَعَ صَاحب تلمسان أبي حمو مُوسَى بن عُثْمَان بن يغمراسن وَأقَام وادعا بِحَضْرَتِهِ مجتنيا ثَمَرَة ملكه وَكَانَ فِي أَيَّامه غلاء إِلَّا أَن النَّاس انفتحت لَهُم فِيهَا أَبْوَاب المعاش والترف حَتَّى تغَالوا فِي أَثمَان الْعقار فبلغت قيمتهَا فَوق الْمُعْتَاد حَتَّى لقد بيع كثير من الدّور بفاس بِأَلف دِينَار من الذَّهَب الْعين وتنافس النَّاس فِي الْبناء فاتخذوا الْقُصُور المشيدة وتأنفوا فِيهَا بالزليج والرخام وأنواع النقوش وتناغو فِي لبس الْحَرِير وركوب الفاره وَأكل الطّيب واقتناء الْحلِيّ من الذَّهَب وَالْفِضَّة واستبحر الْعمرَان وَظَهَرت الزِّينَة والأمور كلهَا بيد الله تَعَالَى
نكبة الْفَقِيه الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين واستئصال بني وقاصة الْيَهُودِيين بعد ذَلِك

كَانَ الْفَقِيه الْكَاتِب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين شُعَيْب بن مخلوف من بني أبي عُثْمَان إِحْدَى قبائل كتامة المجاورين للقصر الْكَبِير وَكَانَ بَيته بَيت الْعلم وَالدّين واتصلوا خدمَة بني مرين أَيَّام دُخُولهمْ الْمغرب واستيلائهم عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا من خَاصَّة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب وَجعل بِيَدِهِ وضع الْعَلامَة على الرسائل وفوض إِلَيْهِ فِي حسبان الْخراج وَالضَّرْب على أَيدي الْعمَّال وتنفيذ الْأَوَامِر بِالْقَبْضِ والبسط فيهم واستخلصه لمناجاته والإفضاء إِلَيْهِ بسره وَلما هلك السُّلْطَان يُوسُف وَولي بعده السُّلْطَان أَبُو ثَابت ضاعف رُتْبَة هَذَا الرجل وشفع لَدَيْهِ حَظه ومنصبه وَرفع على الأقدار قدره ثمَّ ولي بعده أَخُوهُ أَبُو الرّبيع فسلك فِيهِ مَذْهَب سلفه واضطلع أَبُو مُحَمَّد بن أبي مَدين بِأُمُور دولته وَكَانَ بَنو وقاصة الْيَهُود حِين نكبوا أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف يرَوْنَ أَن نكبتهم كَانَت بسعاية أبي مُحَمَّد فيهم وَكَانَ خَليفَة الْأَصْغَر مِنْهُم قد أفلت من تِلْكَ النكبة كَمَا ذَكرْنَاهُ
(3/99)

فَلَمَّا أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي الرّبيع اسْتعْمل خَليفَة هَذَا بداره فِي بعض المهن فباشر الْأُمُور وترقى فِيهَا حَتَّى اتَّصل بالسلطان فَجعل غَايَة قَصده السّعَايَة بِأبي مُحَمَّد بن أبي مَدين وَكَانَ يُؤثر عَن السُّلْطَان أبي الرّبيع أَنه يختلي مَعَ حرم حَاشِيَته وتعرف خَليفَة ذَلِك من مقالات النَّاس فَدس إِلَى السُّلْطَان بِأَن ابْن أبي مَدين يعرض باتهامك فِي ابْنَته وَأَن صَدره قد وغر لذَلِك وَأَنه مترصد بالدولة ومتربص بهَا الدَّوَائِر فتمكنت سعايته من السُّلْطَان وَظن أَنه صَادِق وَكَانَ يخْشَى غائلة ابْن أبي مَدين بِمَا كَانَ لَهُ من الوجاهة فِي الدولة ومداخلة الْقَبِيل فاستعجل السُّلْطَان أَبُو الرّبيع دفع غائلته ودس إِلَى قَائِد جند الفرنج بقتْله فَسَار إِلَيْهِ ولقيه بمقبرة الشَّيْخ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ فرصده وَأَتَاهُ من خَلفه فطعنه طعنة كبته على ذقنه واحتز رَأسه وألقاه بَين يَدي السُّلْطَان أبي الرّبيع وَدخل الْوَزير سُلَيْمَان بن يرزيكن فَوجدَ الرَّأْس بَين يَدَيْهِ فَذَهَبت نَفسه عَلَيْهِ وعَلى مَكَانَهُ من الدولة حسرة وأسفا وَأَيْقَظَ السُّلْطَان لمكر الْيَهُودِيّ وأطلعه على خبثه وَأخرج لَهُ بَرَاءَة كَانَ بعث بهَا ابْن أبي مَدين مَعَه إِلَى السُّلْطَان يتنصل فِيهَا وَيحلف على كذب مَا رمي بِهِ عِنْده فَتنبه السُّلْطَان لمكر الْيَهُودِيّ وَعلم أَنه قد خدعه وَنَدم حَيْثُ لم يَنْفَعهُ النَّدَم وفتك لحينه بخليفة بن وقاصة وحاشيته من الْيَهُود المتصدين للْخدمَة وسطا بهم سطوة الهلكة فَأَصْبحُوا مثلا للآخرين
انْتِقَاض أهل سبتة على بني الْأَحْمَر ومراجعتهم طَاعَة بني مرين

كَانَ أهل سبتة قد سئموا ملكة أهل الأندلس وثقلت عَلَيْهِم ولايتهم لَا سِيمَا حِين رَحل عَنْهُم عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء وَعبر الْبَحْر بِقصد الْجِهَاد كَمَا مر واتصل خبر ذَلِك بالسلطان أبي الرّبيع فانتهز الفرصة فيهم وَعقد لِثِقَتِهِ تاشفين بن يَعْقُوب الوطاسي أخي وزيره عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب على عَسْكَر ضخم من بني مرين وَسَائِر طَبَقَات الْجند وَبَعثه إِلَى سبتة فأغذ السّير إِلَيْهَا وَنزل بساحتها وَلما أحس بِهِ أهل الْبَلَد تمشت رجالاتهم فِيمَا بَينهم وتنادوا
(3/100)

بشعار بني مرين وثاروا على من كَانَ بسبتة من حامية ابْن الْأَحْمَر فأخرجوهم مِنْهَا واقتحم تاشفين بن يَعْقُوب الْبَلَد عَاشر صفر من سنة تسع وَسَبْعمائة وتقبض على قَائِد القصبة أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن مليلة وعَلى قَائِد الْبَحْر أبي الْحسن بن كماشة وعَلى قَائِد الْحَرْب بهَا من الْقَرَابَة عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الْحق وطير تاشفين بالْخبر إِلَى السُّلْطَان أبي الرّبيع فَعم السرُور وَعظم الْفَرح واتصل ذَلِك بِابْن الْأَحْمَر فَضَاقَ ذرعه وخشي عَادِية بني مرين وجيوش الْمغرب حِين انْتَهوا إِلَى الفرضة وملكوها فَقلب رَأْيه وَرَأى أَن يجنح إِلَى السّلم مَعَ السُّلْطَان أبي الرّبيع لشدَّة شوكته ولكلب الطاغية عَلَيْهِ فِي أرضه لَوْلَا أَن غزاه بني مرين يكفون من غربه فبادر السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر وَهُوَ أَبُو الجيوش نصر بن مُحَمَّد أَخُو المخلوع الَّذِي كَانَ قبله وأوفد رسله على السُّلْطَان أبي الرّبيع راغبين فِي السّلم خاطبين للولاية وتبرع بالنزول عَن الجزيرة ورندة وحصونها ترغيبا للسُّلْطَان أبي الرّبيع فِي الْجِهَاد فَقبل مِنْهُ ذَلِك وَعقد لَهُ الصُّلْح على مَا أَرَادَ وخطب مِنْهُ أُخْته فأنكحه ابْن الْأَحْمَر إِيَّاهَا وَبعث السُّلْطَان أَبُو الرّبيع إِلَيْهِ بالمدد للْجِهَاد أَمْوَال وخيولا جنائب مَعَ ثقته عُثْمَان بن عِيسَى اليريناني أخي وزيره إِبْرَاهِيم بن عِيسَى واتصلت بَينهمَا الْولَايَة إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان أَبُو الرّبيع رَحمَه الله
انْتِقَاض الْوَزير عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الوطاسي على السُّلْطَان أبي الرّبيع ومبايعته لعبد الْحق بن عُثْمَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما انْعَقَد الصُّلْح بَين السُّلْطَان أبي الرّبيع وَابْن الْأَحْمَر وحصلت الْمُصَاهَرَة بَينهمَا والمودة كَانَت رسل ابْن الْأَحْمَر لَا تزَال تَتَرَدَّد إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان بفاس فَقدم مِنْهُم ذَات يَوْم بعض المنهمكين فِي اللَّهْو المدمنين للشُّرْب والقصف فكشف صفحة وَجهه فِي معاقرة الْخمر وتجاهر بذلك بَين النَّاس وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الرّبيع قد عزل قَاضِي فاس أَبَا غَالب المغيلي وَولى الْقَضَاء مَكَانَهُ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا الْحسن الزرويلي الْمَعْرُوف بالصغير صَاحب
(3/101)

التَّقْيِيد على الْمُدَوَّنَة وَكَانَ رَحمَه الله قد شدد على أهل الفسوق والمناكر فسيق إِلَيْهِ ذَات يَوْم هَذَا الأندلسي وَهُوَ سَكرَان فَأمر الْعُدُول فاستروحوه واشتموا مِنْهُ رَائِحَة الْخمر وأدوا شَهَادَتهم على ذَلِك فَأمْضى القَاضِي حكم الله فِيهِ وَجلده الْحَد فاضطرم الأندلسي غيظا وَتعرض للوزير عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الوطاسي وَيُقَال لَهُ رحو بِاللِّسَانِ الزناتي فكشف لَهُ عَن ظَهره يرِيه أثر السِّيَاط وينعي عَلَيْهِ سوء هَذَا الْفِعْل مَعَ رسل الدول فضجر الْوَزير من ذَلِك وأخذته الْعِزَّة بالإثم وَلَعَلَّه كَانَ فِي قلبه شَيْء على القَاضِي فَأمر وزعته بإحضاره على أَسْوَأ الْحَالَات وعزم على الْبَطْش بِهِ فتبادروا إِلَيْهِ واعتصم القَاضِي بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع ونادى فِي الْمُسلمين فثارت الْعَامَّة بهم ومرج أَمر النَّاس وَقَامَت الْفِتْنَة على سَاق واتصل الْخَبَر بالسلطان فتلافى الْأَمر وأحضر أَصْحَاب الْوَزير فَضرب أَعْنَاقهم وشرد بهم من خَلفهم جزاه الله خيرا فأسرها الْوَزير فِي نَفسه وداخل الْحسن بن عَليّ بن أبي الطَّلَاق من بني عَسْكَر بن مُحَمَّد وَكَانَ من شُيُوخ بني مرين وَأهل الشورى فيهم وداخل قَائِد الفرنج غنصالوا الْمُنْفَرد برياسة الْعَسْكَر وشوكة الْجند وَكَانَ لهَؤُلَاء الفرنج بالوزير اخْتِصَاص بِحَيْثُ آثروه على السُّلْطَان فَدَعَاهُمْ لخلع طَاعَة السُّلْطَان أبي الرّبيع وبيعة عبد الْحق بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الْحق كَبِير الْقَرَابَة وَأسد الأعياص فَأَجَابُوهُ وَبَايَعُوا لَهُ وَتمّ أَمرهم وَلما كَانَ يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من ربيع الآخر من سنة عشر وَسَبْعمائة فر الْوَزير الْمَذْكُور وقائده الفرنجي وَمن شايعهم على رَأْيهمْ فَخَرجُوا إِلَى ظَاهر الْبَلَد الجديدة وجاهروا بالخلعان وَأَقَامُوا الْآلَة والرسم وَبَايَعُوا سلطانهم عبد الْحق على عُيُون الْمَلأ وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو ثمَّ سَارُوا إِلَى نَاحيَة تازا وَلما استقروا برباطها أخذُوا فِي جمع الجيوش ومكاتبة الْخَاصَّة من بني مرين وَالْعرب يَدعُونَهُمْ إِلَى بيعَة سلطانهم والمشايعة لَهُم على رَأْيهمْ وأوفدوا على أبي حمو مُوسَى بن عُثْمَان بن يغمراسن صَاحب تلمسان يَدعُونَهُ إِلَى المظاهرة على أَمرهم واتصال الْيَد والمدد بالعسكر وَالْمَال فتوقف أَبُو حمو وَلم يقدم وَلم يحجم وَبَقِي ينْتَظر عماذا ينجلي أَمرهم واتصل خبر ذَلِك كُله بالسلطان أبي
(3/102)

الرّبيع فَنَهَضَ إِلَيْهِم وَقدم بَين يَدَيْهِ يُوسُف بن عِيسَى الحشمي وَعمر بن مُوسَى الفودودي فِي جَيش كثيف من بني مرين وَسَار هُوَ فِي ساقتهم واتصل خبر خُرُوجه بِعَبْد الْحق بن عُثْمَان ووزيره فانكشفوا عَن تازا وَلَحِقُوا بتلمسان وَكَانُوا يظنون أَن السُّلْطَان لايخرج إِلَيْهِم وَحمد أَبُو حمو عَاقِبَة توقفه عَن نَصرهم ويئسوا من صريخه إيَّاهُم وَلما ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ أجَاز عبد الْحق بن عُثْمَان ووزيره إِلَى الأندلس وَرجع الْحسن بن عَليّ وَمن مَعَه إِلَى السُّلْطَان أبي الرّبيع بعد أَن أَخذ مِنْهُ الْأمان وَهلك رحو بن يَعْقُوب بالأندلس لمُدَّة قريبَة وَلما احتل السُّلْطَان أَبُو الرّبيع بتازا حسم الدَّاء ومحا أثر الشقاق وأثخن فِي حَاشِيَة الْخَوَارِج وشيعتهم بِالْقَتْلِ والسبي ثمَّ اعتل أَيَّامًا أثْنَاء ذَلِك فَتوفي بتازا بَين العشاءين لَيْلَة الْأَرْبَعَاء منسلخ جُمَادَى الْأَخِيرَة من سنة عشر وَسَبْعمائة وَدفن من ليلته تِلْكَ بِصَحْنِ الْجَامِع الْأَعْظَم من تازا رَحمَه الله
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي سعيد عُثْمَان ابْن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

كَانَ هَذَا السُّلْطَان من أهل الْعلم والحلم والعفاف جوادا متواضعا متوقفا فِي سفك الدِّمَاء لقبه السعيد بِفضل الله وَأمه حرَّة اسْمهَا عَائِشَة بنت الْأَمِير أبي عَطِيَّة مهلهل بن يحيى الخلطي وَلما هلك السُّلْطَان أَبُو الرّبيع بتازا فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم تطاول لِلْأَمْرِ عَمه أَبُو سعيد الْأَصْغَر وَهُوَ عُثْمَان بن السُّلْطَان يُوسُف وخب فِي ذَلِك وَوضع وأسدى وألحم فَلم يحصل على شَيْء
وَاجْتمعَ الوزراء والمشيخة بِالْقصرِ بعد هدأة من اللَّيْل وتفاوضوا فِي أَمرهم حَتَّى وَقع اختيارهم على أبي سعيد الْأَكْبَر وَهُوَ عُثْمَان ابْن السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق فاستدعوه فَحَضَرَ فَبَايعُوهُ ليلتئذ وَتمّ أمره وأنفذ كتبه إِلَى النواحي والجهات باقتضاء الْبيعَة وسرح ابْنه الْأَكْبَر الْأَمِير أَبَا الْحسن عَليّ بن عُثْمَان إِلَى فاس فَدَخلَهَا غرَّة رَجَب من سنة عشر وَسَبْعمائة وَملك قصر الْخلَافَة بالحضرة واحتوى على أَمْوَاله وذخيرته وَفِي غَد ليلته أخذت
(3/103)

الْبيعَة للسُّلْطَان أبي سعيد بِظَاهِر تازا على بني مرين وَسَائِر زناتة وَالْعرب والعسكر والحاشية والموالي والصنائع وَالْعُلَمَاء والصلحاء ونقباء النَّاس وعرفائهم والخاصة والدهماء فَقَامَ بِالْأَمر واستوسق لَهُ الْملك وَفرق الأعطيات وأسنى الجوائز وتفقد الدَّوَاوِين وَرفع الظلامات وَحط المغارم والمكوس وسرح السجون وَرفع عَن أهل فاس مَا كَانَ يلْزم رباعهم من الْوَظَائِف المخزنية فِي كل سنة فصلح حَال النَّاس فِي أَيَّامه
ثمَّ ارتحل لعشرين من رَجَب من السّنة فَدخل حَضْرَة فاس فاستقر بهَا وَقدم عَلَيْهِ وُفُود التهنئة من جَمِيع بِلَاد الْمغرب ثمَّ خرج فِي ذِي الْقعدَة الى رِبَاط الْفَتْح لتفقد الْأَحْوَال وَالنَّظَر فِي أُمُور الرّعية وإنشاء الأساطيل الجهادية فعيد هُنَالك عيد الْأَضْحَى وباشر أُمُور النَّاس وَأمر بإنشاء الأساطيل بدار الصِّنَاعَة من سلا برسم جِهَاد الفرنج ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس فعقد سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة لِأَخِيهِ الْأَمِير أبي الْبَقَاء يعِيش على ثغور الأندلس الجزيرة ورندة وَمَا إِلَيْهِمَا من الْحُصُون ثمَّ نَهَضَ سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة إِلَى نَاحيَة مراكش لما كَانَ بهَا من اختلال الْأَحْوَال وَخُرُوج عدي بن هنو الهسكوري ونقضه للطاعة فنازله السُّلْطَان أَبُو سعيد وحاصره مُدَّة ثمَّ اقتحم عَلَيْهِ حصنه عنْوَة وَقبض عَلَيْهِ وَبَعثه موثقًا فِي الْحَدِيد إِلَى فاس فأودعه المطبق وقفل رَاجعا إِلَى حَضرته فاحتل بهَا مؤيدا منصورا وَالله تَعَالَى أعلم
غَزْو السُّلْطَان أبي سعيد نَاحيَة تلمسان

كَانَ بَنو مرين قد حقدوا على أبي حمو صَاحب تلمسان من أجل توقفه فِي أَمر عبد الْحق بن عُثْمَان ووزيره رحو بن يَعْقُوب الوطاسي وتسهيله الطَّرِيق لَهُم إِلَى الأندلس ومداهنته فِي ذَلِك وَكَانَ مُقْتَضى الصُّلْح المنعقد بَينه وَبَين السُّلْطَان أبي الرّبيع أَن يقبض عَلَيْهِم وَيبْعَث بهم إِلَيْهِ حَالا فحقد بَنو مرين على أبي حمو ووجدوا فِي أنفسهم عَلَيْهِ وَلم أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد واستوسق ملكه ودوخ الْجِهَات المراكشية وَفرغ من شَأْن
(3/104)

الْمغرب اعتزم على غَزْو تلمسان فَنَهَضَ إِلَيْهَا سنة أَربع عشرَة وَلما انْتهى إِلَى وَادي ملوية قدم ابنيه الأميرين أَبَا الْحسن وَأَبا عَليّ فِي عسكرين عظيمين فِي الجناحين وَسَار هُوَ فِي ساقتهما فَدخل بِلَاد بني عبد الواد على هَذِه التعبية فاكتسح نَوَاحِيهَا وَاصْطلمَ نعمتها ثمَّ نَازل وَجدّة فقاتلها قتالا شَدِيدا فمتنعت عَلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ إِلَى تلمسان فَنزل بالملعب من ساحتها وتحصن أَبُو حمو بالأسوار وَغلب السُّلْطَان ابو سعيد على معاقلها وَسَائِر ضواحيها فحطمها حطما ونسفها نسفا ودوخ جبال بني يزناسن وأثخن فيهم وانْتهى فِي قفوله إِلَى وَجدّة ففر أَخُوهُ أَبُو الْبَقَاء يعِيش وَكَانَ فِي مُعَسْكَره من أجل استرابة لحقته من السُّلْطَان وَسَار إِلَى تلمسان فَنزل على أبي حمو وَرجع السُّلْطَان أَبُو سعيد على التعبية فَانْتهى إِلَى تازا فَأَقَامَ بهَا وَبعث ابْنه الْأَمِير أَبَا عَليّ إِلَى فاس فَكَانَ من خُرُوجه عَلَيْهِ مَا نذكرهُ
خُرُوج الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ للسُّلْطَان أبي سعيد ولدان أَحدهمَا وَهُوَ الْأَكْبَر من أمته الحبشية وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان وَثَانِيهمَا وَهُوَ الْأَصْغَر من علجة من سبي الفرنج وَهُوَ أَبُو عَليّ عمر بن عُثْمَان وَكَانَ هَذَا الْأَصْغَر أعلق بقلب السُّلْطَان وأحبهما إِلَيْهِ وَلما استولى على ملك الْمغرب رشحه لولاية الْعَهْد وَهُوَ شَاب لم يطر شَاربه وَوضع لَهُ ألقاب الْإِمَارَة وصير مَعَه الجلساء والخاصة وَالْكتاب وَأمره باتخاذ الْعَلامَة فِي كتبه وَلم يدّخر عَنهُ شَيْئا من مراسم الرياسة وَالْملك وَعقد على وزارته لإِبْرَاهِيم بن عِيسَى اليريناني من كبار الدولة ووجوهها وَكَانَ أَخُوهُ الْأَكْبَر أَبُو الْحسن شَدِيد البرور بِأَبِيهِ فَلَمَّا رأى إقبال أَبِيه على أَخِيه عَليّ انحاش هُوَ أَيْضا إِلَيْهِ وَصَارَ فِي جملَته وخلط نَفسه بحاشيته طَاعَة لِأَبِيهِ ومسارعة فِي هَوَاهُ واستمرت حَال الْأَمِير أبي عَليّ على هَذَا وخاطبه مُلُوك النواحي وخاطبهم وهادوه وهاداهم وَعقد الرَّايَات وَأثبت فِي الدِّيوَان ومحا وَزَاد فِي الْعَطاء وَنقص وَكَاد يستبد بِالْأَمر كُله
(3/105)

وَلما قفل السُّلْطَان أَبُو سعيد من تلمسان أَوَاخِر سنة أَربع عشرَة وَسَبْعمائة أَقَامَ بتازا وَبعث ولديه إِلَى فاس فَلَمَّا اسْتَقر الْأَمِير أَبُو عَليّ بهَا حدثته نَفسه بِالْقيامِ على أَبِيه وخلع طَاعَته فراوده المداخلون لَهُ على التَّرَبُّص حَتَّى يمكر بِأَبِيهِ وَيقبض عَلَيْهِ بِالْيَدِ فابى واستعجل الْأَمر وَركب الْخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنَفسِهِ فأطاعه النَّاس وَلم يتوقفوا عَنهُ لما كَانَ أَبوهُ جعله إِلَيْهِ من أَمرهم وعسكر بِسَاحَة الْبَلَد الْجَدِيد يُرِيد غَزْو أَبِيه فبرز السُّلْطَان أَبُو سعيد من تازا فِي عسكره يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى ثمَّ بدا للأمير أبي عَليّ فِي وزيره إِبْرَاهِيم بن عِيسَى وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بلغه أَنه يُكَاتب أَبَاهُ فَبعث للقبض عَلَيْهِ عمر بن يخلف الفودودي وتفطن الْوَزير لما أَرَادَهُ من الْمَكْر بِهِ فَقبض هُوَ على الفودودي وَنزع إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فتقبله وَرَضي عَنهُ وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن قد لحق بِأَبِيهِ قبل ذَلِك نازعا عَن جملَة أَخِيه فقوي جنَاح السُّلْطَان بهما وارتحل إِلَى لِقَاء ابْنه أبي عَليّ وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ بالمقرمدة مَا بَين فاس وتازا اخْتَلَّ مصَاف السُّلْطَان وَانْهَزَمَ جريحا إِلَى تازا فَتَبِعَهُ ابْنه أَبُو عَليّ وحاصره بهَا وَيُقَال إِن أَبَا الْحسن إِنَّمَا لحق بِأَبِيهِ بعد المحنة ثمَّ سعى الْخَواص بَين السُّلْطَان وَابْنه أبي عَليّ بِالصُّلْحِ على أَن يخرج لَهُ السُّلْطَان عَن الْأَمر ويقتصر على تازا وجهاتها فَقَط فَرضِي السُّلْطَان بذلك وَشهد الْمَلأ من مشيخة الْعَرَب وزناتة وَأهل الْأَمْصَار واستحكم العقد بَينهمَا وانكفأ الْأَمِير أَبُو عَليّ رَاجعا إِلَى حَضْرَة فاس مملكا على الْمغرب وتوافت إِلَيْهِ بيعات الْأَمْصَار ووفودهم واستوسق أمره
ثمَّ تدارك الله السُّلْطَان أَبَا سعيد بِلُطْفِهِ ورد عَلَيْهِ من حَقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَذَلِكَ أَن الْأَمِير أَبَا عَليّ اعتل عقب وُصُوله إِلَى فاس وَاشْتَدَّ وَجَعه حَتَّى أشرف على الْهَلَاك وخشي النَّاس على أنفسهم اختلال الْأَمر بِمَوْتِهِ فتسايلوا إِلَى وَالِده السُّلْطَان أبي سعيد بتازا وَلحق بِهِ سَائِر خَواص الدولة وَحَمَلُوهُ على تلافي الْأَمر وانتهاز الفرصة فَنَهَضَ من تازا وَاجْتمعَ إِلَيْهِ كَافَّة بني مرين والجند وعسكر على الْبَلَد الْجَدِيد وَأقَام محاصرا لَهُ وابتنى دَارا لسكناه وَجعل لِابْنِهِ الْأَمِير أبي الْحسن مَا كَانَ لِأَخِيهِ أبي عَليّ من ولَايَة الْعَهْد
(3/106)

وتفويض الْأَمر وَلما تبين للأمير أبي عَليّ اخْتِلَاف أمره بعث إِلَى أَبِيه فِي الصُّلْح على أَن يعوض سجلماسة وَمَا والاها فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وفى لَهُ السُّلْطَان بِمَا اشْترط وارتحل إِلَى سجلماسة سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة فَأَقَامَ بهَا دولة فخيمة وَاسْتولى على بِلَاد الْقبْلَة وَدون الدَّوَاوِين واستلحق واستركب واستخدم ظواعن الْعَرَب من بني معقل وافتتح معاقل الصَّحرَاء وقصور توات وتيكرارين وتامنطيت وَغير ذَلِك
وَأما السُّلْطَان أَبُو سعيد فَإِنَّهُ دخل إِلَى فاس الْجَدِيد وَنزل بقصره وَأصْلح شؤون ملكه وَأنزل ابْنه الْأَمِير أَبَا الْحسن بِالدَّار الْبَيْضَاء من قصوره وفوض إِلَيْهِ فِي سُلْطَانه تَفْوِيض الِاسْتِقْلَال وَأذن لَهُ فِي اتِّخَاذ الوزراء وَالْكتاب وَوضع الْعَلامَة على كتبه وَسَائِر مَا كَانَ لِأَخِيهِ ووفدت عَلَيْهِ بيعات الْأَمْصَار بالمغرب وَرَجَعُوا إِلَى طَاعَته وَفِي سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان أَبُو سعيد بِبِنَاء الْبَاب أَمَام القنطرة من الجزيرة الخضراء ثمَّ بعد ذَلِك أدَار الستارة بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وفيهَا سَار إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا حَتَّى اصلح شؤونها وَعَاد إِلَى الحضرة
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة نكب السُّلْطَان أَبُو سعيد كَاتبه منديل بن مُحَمَّد الْكِنَانِي وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما ثار الْأَمِير أَبُو عَليّ على ابيه وخلعه انحاش إِلَيْهِ منديل هَذَا ثمَّ لما اخْتَلَّ أَمر أبي على عَاد منديل إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد وترتب فِي مَنْزِلَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قبل وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن يحقد عَلَيْهِ لأجل انحياشه إِلَى أَخِيه لما كَانَ بَينهمَا من المنافسة وَكَانَ هُوَ كثيرا مَا يوغر صدر أبي الْحسن بِإِيجَاب حق أَخِيه عَلَيْهِ وامتهانه فِي خدمته فطوى لَهُ أَبُو الْحسن على البث حَتَّى إِذا فصل أَبُو عَليّ إِلَى سجلماسة وَانْفَرَدَ أَبُو الْحسن بِمَجْلِس أَبِيه وخلاله وَجهه أحكم السّعَايَة فِي منديل عِنْد أَبِيه وَكَانَ منديل كثيرا مَا يغْضب السُّلْطَان فِي المحاورة وَالْخطاب دَالَّة عَلَيْهِ وكبرا فاعتد السُّلْطَان عَلَيْهِ بِشَيْء من ذَلِك مَعَ مَا كَانَ ابْنه أَبُو الْحسن يغريه بِهِ فسخطه سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة وَأذن لِابْنِهِ أبي الْحسن فِي نكبته فاعتقله واستصفى أَمْوَاله وطوى ديوانه وامتحنه أَيَّامًا ثمَّ قَتله بمحبسه
(3/107)

خنقا وَقيل جوعا وَذهب فِي الذاهبين وَأَبوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْكِنَانِي هُوَ الَّذِي بَعثه السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق إِلَى الْمُسْتَنْصر الحفصي عِنْد فتح مراكش وَعَاد إِلَيْهِ مِنْهُ بالهدية صُحْبَة وَفد أهل تونس وتلطف أَبُو عبد الله الْكِنَانِي حَتَّى ذكر الْمُسْتَنْصر فِي الْخطْبَة على مِنْبَر مراكش وَفَرح الْوَفْد بذلك حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَنهُ مُسْتَوفى وَنَشَأ ابْنه منديل هَذَا فِي ظلّ الدولة المرينية فَكَانَ من أمره مَا قصصناه عَلَيْك
وفادة أهل الأندلس على السُّلْطَان أبي سعيد واستصراخهم إِيَّاه على الطاغية وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

كَانَ الْمُلُوك من بني مرين قد انْقَطع غزوهم عَن الأندلس بُرْهَة من الدَّهْر مُنْذُ دولة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب لاشتغاله فِي آخر أمره بحصار تلمسان واشتغال حفدته من بعده بِأَمْر الْمغرب مَعَ قصر مدتهم فتطاول الْعَدو وَرَاء الْبَحْر على الْمُسلمين بِسَبَب هَذِه الفترة وَاشْتَدَّ كَلْبه كَلْبه على ثغورها مَعَ أَن الْقَرَابَة من بني مرين كَانُوا شجى فِي صَدره وقذى فِي عَيْنَيْهِ فِي تِلْكَ الْبِلَاد حَسْبَمَا ألمعنا إِلَيْهِ غير مرّة وَلما أفْضى الْأَمر الى السُّلْطَان أبي سعيد اشْتغل فِي صدر دولته بِأَمْر ابْنه عَليّ وَخُرُوجه عَلَيْهِ فاهتبل الطاغية الْغرَّة فِي الأندلس وزحف فِي جموعه إِلَى غرناطة سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة وَكَانَ من خبر هَذِه الْوَقْعَة أَن الطاغية بطرة بن سانجة وَيُقَال دون بطرة وَقد نبهنا على لَفظه دون فِيمَا سبق ذهب إِلَى طليطلة وَدخل على مرجعهم الَّذِي يُقَال لَهُ البابا وَسجد لَهُ وتضرع بَين يَدَيْهِ وَطلب مِنْهُ استئصال مَا بَقِي من الْمُسلمين بِأَرْض الأندلس وأكد عزمه وتأهب لذَلِك غَايَة الأهبة فوصلت أثقاله ومجانيقه وآلات الْحصار والأقوات فِي المراكب وَتقدم فِي جموعه حَتَّى نزل بأحواز غرناطة وَكَانَ رديفه فِي ذَلِك الْجند علجا آخر يُقَال لَهُ جوان وانضم إِلَيْهِم مُلُوك آخَرُونَ من مُلُوك الْأَطْرَاف قيل سَبْعَة وَقيل أَكثر وامتلأت الأَرْض بهم وعزموا على استئصال بَقِيَّة الْمُسلمين بالأندلس وَكَانَ جيشهم فِيمَا قيل يشْتَمل على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا من الفرسان وعَلى نَحْو مائَة ألف من الرجالة الْمُقَاتلَة
(3/108)

وَلما رأى أهل الأندلس ذَلِك بعثوا صريخهم إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَقدم عَلَيْهِ وفدهم بِحَضْرَتِهِ من فاس وَفِيهِمْ من وُجُوه الأندلس وصلحائها الشَّيْخ أَبُو عبد الله الطنجالي وَالشَّيْخ ابْن الزيات البلشي وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بن أبي الْعَاصِ وَغَيرهم فَاعْتَذر إِلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو سعيد بمَكَان عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء من دولتهم وَمحله من دَار ملكهم وَكَانَ عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء يتَوَلَّى يَوْمئِذٍ مشيخة الْغُزَاة بالأندلس لِأَن وَفَاته تَأَخَّرت إِلَى سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا مر فَشرط عَلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو سعيد أَن يمكنوه مِنْهُ ليتأتى لَهُ العبور إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَجِهَاد الْعَدو بهَا من غير تشويش وَقَالَ ادفعوه إِلَيْنَا برمتِهِ حَتَّى يتم أَمر الْجِهَاد ثمَّ نرده عَلَيْكُم حياطة على الْمُسلمين وخشية من تَفْرِيق كلمتهم فاستصعب أهل الأندلس هَذَا الشَّرْط لما يعلمونه من صرامة عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء وإدلاله ببأسه وبأس عشيرته فأخفق سَعْيهمْ وَرَجَعُوا منكسرين وأطالت الفرنج الْمقَام على غرناطة وطمعوا فِي التهامها
ثمَّ إِن الله تَعَالَى نفس عَن مخنقهم ودافع بقدرته عَنْهُم وهيأ لعُثْمَان بن أبي الْعَلَاء فِي الفرنج وَاقعَة كَانَت من أغرب الوقائع وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ يَوْم المهرجان وَهُوَ الْخَامِس من جُمَادَى الأولى من سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة عمد عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء إِلَى جمَاعَة جنده وَاخْتَارَ من أنجاد بني مرين مِنْهُم نَحْو الْمِائَتَيْنِ وَقيل أَكثر وَتقدم بهم نَحْو جَيش الفرنج فَظن النَّصَارَى أَنهم إِنَّمَا خَرجُوا لأمر غير الْقِتَال من مُفَاوَضَة أَو إبلاغ رِسَالَة أَو نَحْو ذَلِك حَتَّى إِذا سامتوا موقف الطاغية ورديفه جوان صمموا نَحْوهمَا حَتَّى خالطوهما فِي مراكزهما فصرعوهما فِي جملَة من الْحَاشِيَة وَانْهَزَمَ ذَلِك الْجمع من حِينه وولوا الأدبار واعترضهم من ورائهم مسارب المَاء للشُّرْب على نهر شنيل فتطارحوا فِيهَا وَهلك أَكْثَرهم واكتسحت أَمْوَالهم وتبعهم الْمُسلمُونَ يقتلُون وَيَأْسِرُونَ ثَلَاثَة أَيَّام وَخرج أهل غرناطة لجمع الْأَمْوَال وَأخذ الأسرى فاستولوا على أَمْوَال عَظِيمَة مِنْهَا من الذَّهَب فِيمَا قيل ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا وَمن الْفضة مائَة وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا وَمن السَّبي سَبْعَة آلَاف نفس حَسْبَمَا كتب بذلك بعض الغرناطيين إِلَى الديار المصرية وَكَانَ من جملَة الْأُسَارَى امْرَأَة الطاغية وَأَوْلَاده
(3/109)

فبذلت فِي نَفسهَا مَدِينَة طريف وجبل الْفَتْح وَثَمَانِية عشر حصنا فِيمَا حكى بعض المؤرخين فَلم يقبل الْمُسلمُونَ ذَلِك قلت هَذَا خطأ فِي الرَّأْي وَضعف فِي السياسة قَالُوا وزادت عدَّة الْقَتْلَى فِي هَذِه الْغَزْوَة على خمسين ألفا وَيُقَال إِنَّه هلك مِنْهُم بالوادي مثل هَذَا الْعدَد لعدم معرفتهم بِالطَّرِيقِ وَأما الَّذين هَلَكُوا بالجبال والشعاب فَلَا يُحصونَ وَقتل الْمُلُوك السَّبْعَة جَمِيعهم وَقيل خَمْسَة وَعِشْرُونَ وَاسْتمرّ البيع فِي الأسرى والسبي وَالدَّوَاب سِتَّة أشهر ووردت البشائر بِهَذَا النَّصْر الْعَظِيم إِلَى سَائِر الْبِلَاد وَمن الْعجب أَنه لم يقتل من الْمُسلمين سوى ثَلَاثَة عشر نفسا وَقيل عشرَة أنفس وسلخ الطاغية بطرة وحشى جلده قطنا وعلق على بَاب غرناطة وَبَقِي مُعَلّقا سِنِين وَطلبت النَّصَارَى الْهُدْنَة فعقدت لَهُم وَالله تَعَالَى أعلم
انْتِقَاض الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

لما كَانَت سنة عشْرين وَسَبْعمائة انْتقض الْأَمِير أَبُو عَليّ صَاحب سجلماسة والصحراء على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وتغلب على درعة وسما إِلَى طلب مراكش فعقد السُّلْطَان أَبُو سعيد على حربه لِأَخِيهِ الْأَمِير أبي الْحسن واغزاه إِيَّاه ثمَّ نَهَضَ على اثره فاحتل بمراكش وثقف أطرافها وحسم عللها وَعقد عَلَيْهَا لكندوز بن عُثْمَان من صنائع دولتهم وقفل إِلَى الحضرة ثمَّ لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة نَهَضَ الْأَمِير أَبُو عَليّ فِي جموعه من سجلماسة وأغذ السّير إِلَى مراكش فاقتحمها بعساكره قبل أَن يجْتَمع لكندوز أمره وتقبض عَلَيْهِ وَضرب عُنُقه وَرَفعه على القناه وَملك مراكش وَسَائِر ضواحيها
وَبلغ الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَخرج من حَضرته فِي عساكره بعد أَن احتشد وأزاح الْعِلَل وَاسْتوْفى الأعطيات وَقدم بَين يَدَيْهِ ابْنه الْأَمِير أَبَا الْحسن
(3/110)

ولي عَهده وَجَاء هُوَ على ساقته وَسَارُوا على هَذِه التعبية وَلما انْتَهوا إِلَى وَادي ملوية اتَّصل بهم الْخَبَر أَن أَبَا عَليّ يُرِيد أَن يبيتهم فأسهروا ليلتهم وَبَاتُوا على ظُهُور خيلهم وَبعد مُضِيّ جُزْء من اللَّيْل طرقهم أَبُو عَليّ فِي جموعه فَكَانَت الدبرة عَلَيْهِ وفل عسكره وَارْتَحَلُوا من الْغَد فِي أَثَره وَكَانَ قد سلك جبل درن فافترقت جُنُوده فِي أوعاره ولحقهم من المشاق مَا يفوت الْوَصْف حَتَّى ترجل الْأَمِير أَبُو عَليّ عَن فرسه وسعى على قَدَمَيْهِ وخلص من ورطة ذَلِك الْجَبَل بعد عصب الرِّيق وَلحق بسجلماسة ومهد السُّلْطَان أَبُو سعيد نواحي مراكش وَعقد عَلَيْهَا لمُوسَى بن عَليّ الهنتاتي فَعظم غناؤه فِي ذَلِك واضطلاعه وامتدت أَيَّام ولَايَته وارتحل السُّلْطَان إِلَى سجلماسة فدافعه الْأَمِير أَبُو عَليّ بالخضوع وَرغب إِلَيْهِ فِي الصفح وَالرِّضَا وَالْعود إِلَى السّلم فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِلَى ذَلِك لما كَانَ قد شغفه من حبه فقد كَانَ يُؤثر عَنهُ من ذَلِك غرائب وَرجع إِلَى الحضرة وَأقَام الْأَمِير أَبُو عَليّ بمكانه وَمن مملكه الْقبْلَة إِلَى أَن هلك السُّلْطَان أَبُو سعيد وتغلب عَلَيْهِ أَخُوهُ السُّلْطَان أَبُو الْحسن كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
بِنَاء مدارس الْعلم بِحَضْرَة فاس حرسها الله

قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله كَانَ قد بنى مدرسته الَّتِي بفاس مَعَ غَيرهَا مِمَّا سبق التَّنْبِيه عَلَيْهِ ووقف عَلَيْهَا كتب الْعلم الَّتِي بعث بهَا إِلَيْهِ الطاغية سانجة عِنْد عقد الصُّلْح مَعَه ووقف عَلَيْهَا غير ذَلِك واقتفى أَثَره فِي هَذِه المنقبة الشَّرِيفَة بنوه من بعده فاستكثروا من بِنَاء الْمدَارِس العلمية والزوايا والربط ووقفوا عَلَيْهَا الْأَوْقَاف المغلة وأجروا على الطّلبَة بهَا الجرايات الكافية فأمسكوا بِسَبَب ذَلِك من رَمق الْعلم وأحيوا مراسمه وَأخذُوا بضبعيه جزاهم الله عَن نيتهم الصَّالِحَة خيرا
وَلما كَانَت سنة عشْرين وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله بِبِنَاء الْمدرسَة الَّتِي بفاس الْجَدِيد فبنيت أتقن بِنَاء وَأحسنه ورتب فِيهَا الطّلبَة لقِرَاءَة
(3/111)

الْقُرْآن وَالْفُقَهَاء لتدريس الْعلم وأجرى عَلَيْهِم المرتبات والمؤن فِي كل شهر وَحبس عَلَيْهَا الرباع والضياع ابْتِغَاء ثَوَاب الله ورغبة فِيمَا عِنْده
وَفِي سنة إِحْدَى وَعشْرين بعْدهَا بنى ولي عَهده الْأَمِير أَبُو الْحسن الْمدرسَة الَّتِي بغربي جَامع الأندلس من حَضْرَة فاس فَجَاءَت على أكمل الهيئات وأعجبها وَبنى حولهَا سِقَايَة وَدَار الْوضُوء وفندقا لسكنى طلبة الْعلم وجلب المَاء إِلَى ذَلِك كُله من عين خَارج بَاب الْجَدِيد أحد أَبْوَاب فاس وَأنْفق على ذَلِك أَمْوَالًا جليلة تزيد عَن مائَة ألف دِينَار وشحنها بطلبة الْعلم وقراء الْقُرْآن وَحبس عَلَيْهَا رباعا كَثِيرَة ورتب فِيهَا الْفُقَهَاء للتدريس وأجرى عَلَيْهِم الْإِنْفَاق وَالْكِسْوَة نَفعه الله بِقَصْدِهِ
وَفِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة فِي فاتح شعْبَان مِنْهَا أَمر السُّلْطَان أَبُو سعيد أَيْضا بِبِنَاء الْمدرسَة الْعُظْمَى بِإِزَاءِ جَامع الْقرَوِيين بفاس وَهِي الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بمدرسة العطارين فنيت على يَد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن قَاسم المزوار وَحضر السُّلْطَان أَبُو سعيد بِنَفسِهِ فِي جمَاعَة من الْفُقَهَاء وَأهل الْخَيْر حَتَّى أسست وَشرع فِي بنائها بمحضره فَجَاءَت هَذِه الْمدرسَة من أعجب مصانع الدول بِحَيْثُ لم يبن ملك قبله مثلهَا وأجرى بهَا مَاء معينا من بعض الْعُيُون هُنَالك وشحنها بالطلبة ورتب فِيهَا إِمَامًا ومؤذنين وقومة يقومُونَ بأمرها ورتب فِيهَا الْفُقَهَاء لتدريس الْعلم وأجرى على الْكل المرتبات والمؤن فَوق الْكِفَايَة وَاشْترى عدَّة أَمْلَاك ووقفها عَلَيْهَا احتسابا بِاللَّه تَعَالَى وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه على مَا بناه ابْنه أَبُو الْحسن من ذَلِك أَيَّام ولَايَته وحافده أَبُو عنان وَغَيرهمَا إِن شَاءَ الله وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ لبني مرين جنوح إِلَى الْخَيْر ومحبة فِي الْعلم وَأَهله تشهد بذلك آثَارهم الْبَاقِيَة إِلَى الْآن فِي مدارسهم العلمية وَغَيرهَا وَفِي مثل ذَلِك يحسن أَن ينشد
(همم الْمُلُوك إِذا أَرَادوا ذكرهَا ... من بعدهمْ فبألسن الْبُنيان)
(إِن الْبناء إِذا تعاظم شَأْنه ... أضحى يدل على عَظِيم الشان)
(3/112)

أَخْبَار بني العزفي أَصْحَاب سبتة

قد تقدم لنا أَن الرئيس أَبَا سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل بن الْأَحْمَر صَاحب مالقة كَانَ قد غدر بِأَهْل سبتة وَقبض على رؤسائها من بني العزفي وغربهم إِلَى غرناطة سنة خمس وَسَبْعمائة فاستقروا هُنَالك فِي إيالة السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر الْمَعْرُوف بالمخلوع مُدَّة وَلما استولى السُّلْطَان أَبُو الرّبيع المريني على سبتة وَنفى بني الْأَحْمَر عَنْهَا استأذنه بَنو العزفي فِي الرُّجُوع إِلَى الْمغرب والقدوم عَلَيْهِ فَأذن لَهُم واستقروا بفاس وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى وَأَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْنا أبي طَالب عبد الله بن أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس احْمَد العزفي من سرواتهم وَأهل الْمُرُوءَة وَالدّين فيهم وَكَانُوا يغشون مجَالِس الْعلم بِمَسْجِد الْقرَوِيين من فاس لما كَانُوا عَلَيْهِ من انتحاله وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو سعيد أَيَّام ولَايَة بني أَبِيه من قبله يحضر مجْلِس الشَّيْخ الْفَقِيه أبي الْحسن الصَّغِير وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي طَالب يلازمه ويتودد إِلَيْهِ فاتصل بِهِ وَصَارَت لَهُ بذلك وَسِيلَة عِنْده فَلَمَّا أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد رعى لبني العزفي تِلْكَ الْوَسِيلَة فأنعم عَلَيْهِم وَعقد لأبي زَكَرِيَّاء مِنْهُم على سبتة وردهم إِلَى موطن سلفهم ومقر رياستهم فقدموها سنة عشر وَسَبْعمائة وَأَقَامُوا فِيهَا دَعْوَة السُّلْطَان أبي سعيد والتزموا طَاعَته
وَلما فوض السُّلْطَان أَبُو سعيد إِلَى ابْنه ابي عَليّ الْأَمر وَجعل لَهُ الإبرام والنقض عقد أَبُو عَليّ على سبتة لأبي زَكَرِيَّاء حيون بن أبي الْعَلَاء الْقرشِي وعزل أَبَا زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي طَالب مِنْهَا واستقدمه إِلَى فاس فَقَدمهَا هُوَ وَأَبوهُ أَبُو طَالب وَعَمه أَبُو حَاتِم واستقروا فِي جملَة السُّلْطَان وَهلك أَبُو طَالب بفاس أثْنَاء تِلْكَ الْمدَّة ثمَّ كَانَ من خُرُوج الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه وانتقاضه عَلَيْهِ مَا قدمْنَاهُ فلحق أَبُو زَكَرِيَّاء بن أبي طَالب وَأَخُوهُ أَبُو زيد بالسلطان أبي
(3/113)

سعيد نازعين إِلَيْهِ ومفارقين لِابْنِهِ الثائر عَلَيْهِ واستمروا فِي جملَته إِلَى أَن مرض الْأَمِير أَبُو عَليّ وزحف أَبوهُ إِلَيْهِ وحاصره بفاس حَسْبَمَا مر فَحِينَئِذٍ عقد السُّلْطَان أَبُو سعيد لأبي زَكَرِيَّاء على سبتة ثَانِيًا وَبَعثه إِلَيْهَا ليقيم دَعوته فِي تِلْكَ الْجِهَات وَترك ابْنه مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء تَحت يَده رهنا على الطَّاعَة فاستقل أَبُو زَكَرِيَّاء بإمارتها وَأقَام دَعْوَة السُّلْطَان أبي سعيد بهَا واتصل ذَلِك مِنْهُ نَحْو سنتَيْن ثمَّ هلك عَمه أَبُو حَاتِم بسبتة سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة وانتقض أَبُو زَكَرِيَّاء بن أبي طَالب على السُّلْطَان أبي سعيد وَرجع إِلَى حَال سلفه من الاستبداد وَإِقَامَة الشورى بِالْبَلَدِ واستقدم من الأندلس عبد الْحق بن عُثْمَان الَّذِي كَانَ خرج على السُّلْطَان أبي الرّبيع مَعَ الْوَزير عبد الرَّحْمَن الوطاسي فَقدم عَلَيْهِ وَعقد لَهُ على الْحَرْب ليفرق بِهِ كلمة بني مرين بالمغرب ويوهن بأسهم فتخف عَلَيْهِ وطأتهم
واتصل ذَلِك كُله بالسلطان أبي سعيد فَقَامَ وَقعد وجهز إِلَى سبتة العساكر من بني مرين وَعقد على حربها للوزير إِبْرَاهِيم بن عِيسَى اليريناني فزحف إِلَيْهَا وحاصرها فَاعْتَذر إِلَيْهِ أَبُو زَكَرِيَّاء بِحَبْس ابْنه عَنهُ ومفارقته لَهُ وَأَنه إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنه بذل الطَّاعَة وراجع الدعْوَة فَأعْلم الْوَزير السُّلْطَان بذلك فَبعث إِلَيْهِ بِالْوَلَدِ ليسلمه إِلَى أَبِيه بعد أَن يَقْتَضِي مِنْهُ مُوجبَات الطَّاعَة وأسبابها وَجَاء الْخَبَر إِلَى أبي زَكَرِيَّاء بِأَن ابْنه قد قدم وَأَنه كَائِن بفسطاط الْوَزير بساحل الْبَحْر بِحَيْثُ تتأتى الفرصة فِي أَخذه فَبعث أَبُو زَكَرِيَّاء إِلَى عبد الْحق بن عُثْمَان قَائِد الْحَرْب وأعلمه بمَكَان ابْنه فواطأه عبد الْحق على انْتِزَاعه مِنْهُم ثمَّ هجم لَيْلًا فِي جمَاعَة من حَاشِيَته على فسطاط الْوَزير فَاحْتمل الْوَلَد وَأصْبح بِهِ عِنْد أَبِيه وَسمع أهل عَسْكَر الْوَزير بالهيعة فَرَكبُوا وتبعوا الْأَثر فَلم يقفوا على خبر وتفقد الْوَزير الْوَلَد الَّذِي كَانَ عِنْده فَلم يجده واتهم الْجَيْش الْوَزير بِأَنَّهُ مالأ شيعَة أَبِيه على أَخذه وَإِلَّا فَلَا يقدم أحد هَذَا الْإِقْدَام بِدُونِ مداخلة من بعض الْجَيْش فتقبضوا على الْوَزير وَحَمَلُوهُ الى السُّلْطَان إبلاء فِي الطَّاعَة وابلاغا فِي الْعذر فَشكر لَهُم ذَلِك واطلق الْوَزير لعلمه ببراءته ونصحه
ثمَّ رغب أَبُو زَكَرِيَّاء بعْدهَا فِي رضَا السُّلْطَان وطاعته وولايته فَنَهَضَ
(3/114)

السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله سنة سِتّ عشرَة إِلَى طنجة لاختبار طَاعَة أبي زَكَرِيَّاء فَبَان لَهُ صدقه وَعقد لَهُ على سبتة وَاشْترط هُوَ على نَفسه حمل الجباية إِلَى السُّلْطَان وإسناء الْهَدِيَّة فِي كل سنة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن هلك أَبُو زَكَرِيَّاء سنة عشْرين وَسَبْعمائة وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء إِلَى نظر ابْن عَمه مُحَمَّد بن عَليّ بن الْفَقِيه أبي الْقَاسِم شيخ قرابتهم وَكَانَ قَائِد الأساطيل بسبتة ولي النّظر فِيهَا بعد أَن نزع الْقَائِد يحيى الرنداحي إِلَى الأندلس وتغلب مُحَمَّد بن عَليّ هَذَا بسبتة وَاخْتلفت كلمة الغوغاء واضطرب الْأَمر على بني العزفي بهَا
فانتهز السُّلْطَان أَبُو سعيد الفرصة فِيهَا وَأجْمع النهوض إِلَيْهَا فَنَهَضَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة وَنزل عَلَيْهَا فبادر أهل سبتة بإيتاء طاعتهم وَعجز مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء عَن المناهضة وظنها مُحَمَّد بن عَليّ من نَفسه فتعرض لِلْأَمْرِ فِي أوغاد من لفيفها اجْتَمعُوا إِلَيْهِ فدافعهم الْمَلأ من أهل سبتة عَن ذَلِك وحملوهم على الطَّاعَة واقتادوا بني العزفي إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فانقادوا إِلَيْهِ واحتل السُّلْطَان بقصبة سبتة وثقف جهاتها ورم مِثْلَمَا واصلح خللها وَاسْتعْمل كبار رجالاته وخواص مَجْلِسه فِي أَعمالهَا فعقد لحاجبه عَامر بن فتح الله السدراتي على حاميتها وَعقد لأبي الْقَاسِم بن أبي مَدين العثماني على جبايتها وَالنَّظَر فِي مبانيها وَإِخْرَاج الْأَمْوَال للنفقات فِيهَا وأسنى جوائز الْمَلأ من مشيختها ووفر إقطاعاتهم وجراياتهم وأوعز بِبِنَاء الْبَلَد الْمُسَمّى أفراك على سبتة فشرعوا فِي بنائها سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة وانكفأ رَاجعا إِلَى حَضرته وَقد ذكر ابْن الْخَطِيب فِي كتاب الإكليل مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء هَذَا فَقَالَ فِيهِ مَا صورته فرع تأود من الرياسة فِي دوحة وَتردد بَين غدْوَة فِي الْمجد وروحة نَشأ والرياسة العزفية تعله وتنهله والدهر ييسر أمله الْأَقْصَى ويسهله حَتَّى اتسقت اسباب سعده وانتهت إِلَيْهِ رياسة سلفه من بعده فَأَلْقَت إِلَيْهِ رِحَالهَا وحطت ومتعته بقربها بعد مَا شطت ثمَّ كلح لَهُ الدَّهْر بعد مَا تَبَسم وَعَاد زعزعا نسيمه الَّذِي كَانَ تنسم وعاق هلاله عَن تمه مَا كَانَ من تغلب ابْن عَمه وَاسْتقر بِهَذِهِ الْبِلَاد نازح الدَّار بِحكم الأقدار وَإِن كَانَ نبيه المكانة
(3/115)

والمقدار وَجَرت عَلَيْهِ جراية وَاسِعَة ورعاية متتابعة إِلَى آخر كَلَامه وَيَعْنِي بقوله هَذِه الْبِلَاد بِلَاد الأندلس وَالله أعلم
الْمُصَاهَرَة بَين السُّلْطَان أبي سعيد فِي ابْنه أبي الْحسن وَبَين أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ أَبُو تاشفين عبد الرَّحْمَن بن أبي حمو مُوسَى بن عُثْمَان بن يغمراسن صَاحب تلمسان قد ضايق بني أبي حَفْص أَصْحَاب تونس وإفريقية فِي بِلَادهمْ وَاسْتولى على كثير من ثغورهم وردد الْبعُوث والسرايا إِلَى أَطْرَاف ممالكهم وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة جهز ابو تاشفين إِلَيْهِم جَيْشًا كثيفا وَعقد عَلَيْهِ ليحي بن مُوسَى من صنائع دولته وَنصب مَعَ ذَلِك لملك تونس وإفريقية بعض أعقاب الحفصيين وَهُوَ مُحَمَّد بن ابي عمرَان كَانَ لَجأ إِلَيْهِ فِي بعض الْفِتَن الَّتِي كَانَت لَهُ مَعَ بني عَمه وَتقدم هَذَا الْجَيْش إِلَى أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي فهزموه واقتحموا مَدِينَة تونس فاستولوا عَلَيْهَا ونصبوا لملكها وَالْولَايَة عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي عمرَان الْمَذْكُور لَيْسَ لَهُ من الْملك إِلَّا الِاسْم وَالْأَمر كُله بيد يحيى بن مُوسَى قَائِد الْجَيْش وخلص السُّلْطَان أَبُو بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي إِلَى بونة جريحا مطرودا عَن كرْسِي ملكه وَدَار عزه فعزم حِينَئِذٍ على الْوِفَادَة على السُّلْطَان أبي سعيد المريني ليَأْخُذ لَهُ حَقه من آل يغمراسن المتغلبين عَلَيْهِ وَأَرَادَ مَعَ ذَلِك تَجْدِيد الوصلة الَّتِي كَانَت لسلفه مَعَ بني مرين فَأَشَارَ عَلَيْهِ حَاجِبه مُحَمَّد بن سيد النَّاس بإنفاذ ابْنه الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء صَاحب الثغر استنكافا لَهُ عَن مثلهَا فَقبل إِشَارَته وأركب ابْنه الْمَذْكُور الْبَحْر وَبعث مَعَه وزيره أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن تافراجين نافضا أَمَامه طرق الْمَقَاصِد والمحاورات ونزلوا بمرسى غساسة من سَاحل الْمغرب وَقدمُوا على السُّلْطَان أبي سعيد بِحَضْرَتِهِ فأبلغوه رِسَالَة أبي بكر الحفصي فاهتز لذَلِك هُوَ وَابْنه الْأَمِير أَبُو الْحسن وَقَالَ لوفد الحفصيين
وَالله لأبذلن فِي مظاهرتكم مَالِي وقومي وَنَفْسِي ولأسيرن بعساكري إِلَى
(3/116)

تلمسان فأنازلها وَكَانَ فِيمَا شَرط عَلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو سعيد مسير أبي بكر الحفصي بعساكره إِلَى منازلة تلمسان مَعَه فقبلوا وَانْصَرفُوا إِلَى مَنَازِلهمْ مسرورين
ونهض السُّلْطَان أَبُو سعيد إِلَى تلمسان سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَلما انْتهى إِلَى وَادي ملوية وعسكر بصبره جَاءَهُ الْخَبَر الْيَقِين بِعُود أبي بكر الحفصي إِلَى تونس وجلوسه على كرسيه بهَا فاستدعى السُّلْطَان أَبُو سعيد ابْنه أَبَا زَكَرِيَّاء ووزيره أَبَا مُحَمَّد بن تافراجين وأعلمهما الْخَبَر وأسنى جوائزهم وَأمرهمْ بالانصراف إِلَى صَاحبهمْ فَرَكبُوا أساطيلهم من غساسة
وَبعث مَعَهم إِبْرَاهِيم بن أبي حَاتِم العزفي وَالْقَاضِي بِحَضْرَتِهِ أَبَا عبد الله بن عبد الرَّزَّاق يخطبون بنت السُّلْطَان أبي بكر الحفصي لِابْنِهِ الْأَمِير أبي الْحسن فوصلوا إِلَى الحفصي وأدوا الرسَالَة وانعقد الصهر بَينهم فِي ابْنَته فَاطِمَة شَقِيقَة الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء وزفها إِلَيْهِم فِي أساطيله مَعَ مشيخة الْمُوَحِّدين وَكَبِيرهمْ ابي الْقَاسِم بن عتو فوصلوا إِلَى مرسى غساسة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فَقَامَ بَنو مرين لَهَا على أَقْدَام الْبر والكرامة وبعثوا بِالظّهْرِ إِلَى غساسة لركوبها وَحمل أثقالها صنعت حكمات الذَّهَب وَالْفِضَّة ومدت ولايا الْحَرِير المغشاة بِالذَّهَب واحتفل السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله لوفدها وأعراسها بِمَا لم يسمع بِمثلِهِ فِي دولتهم وتحدث النَّاس بِهِ دهرا وَهلك السُّلْطَان أَبُو سعيد بَين يَدي موصلها كَمَا نذْكر
وَفَاة السُّلْطَان أبي سعيد بن يَعْقُوب رَحمَه الله

كَانَ السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله لما بلغه الْخَبَر بوصول الْعَرُوس فَاطِمَة بنت السُّلْطَان أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ارتحل بِنَفسِهِ إِلَى تازا ليشارف أحوالها كَرَامَة لَهَا ولأبيها وسرورا بعرس ابْنه فاعتل هُنَالك وازداد مَرضه حَتَّى إِذا أشفا على الهلكة ارتحل بِهِ ولي الْعَهْد لأمير أَبُو الْحسن إِلَى الحضرة وَحمله فِي فرَاشه على أكتاد الْحَاشِيَة والجند
(3/117)

حَتَّى نزل بواد سبو ثمَّ أدخلهُ كَذَلِك لَيْلًا إِلَى قصره فَأَدْرَكته الْمنية فِي طَرِيقه فَتوفي لَيْلَة الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ مَرضه بعلة النقرس فوضعوه بمكانه من بَيته واستدعى ابْنه أَبُو الْحسن الصَّالِحين لمواراته فَدفن بِبَعْض قبابه رَحمَه الله وَكَانَت أَيَّامه أعيادا ومواسم وَمن أكَابِر كِتَابه الرئيس أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ السبتي
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه أبي الْحسن عَليّ ابْن عُثْمَان بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله

هَذَا السُّلْطَان هُوَ أفخم مُلُوك بني مرين دولة وأضخمهم ملكا وأبعدهم صيتًا وأعظمهم أبهة وَأَكْثَرهم آثارا بالمغربين والأندلس وَيعرف عِنْد الْعَامَّة بالسلطان الأكحل لِأَن لأمه كَانَت حبشية فَكَانَ أسمر اللَّوْن والعامة تسمي الأسمر وَالْأسود أكحل وَإِنَّمَا الأكحل فِي لِسَان الْعَرَب أكحل الْعَينَيْنِ فَقَط وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عَليّ لمملوكة من سبي النَّصَارَى فَكَانَ أَبيض وانضاف لذَلِك أَن كَانَ أَبُو الْحسن ملكا على الحضرة وَأَبُو عَليّ ملكا على بِلَاد الْقبْلَة فَكَانَا أَخَوَيْنِ ملكَيْنِ فِي عصر وَاحِد أَحدهمَا أسمر وَالْآخر أَبيض فَعرف هَذَا بالأكحل وَالْآخر بالأبيض للمقابلة
وَلما هلك السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله اجْتمع الْخَاصَّة من المشيخة ورجالات الدولة على ولي عَهده أبي الْحسن الْمَذْكُور وعقدوا لَهُ على أنفسهم وآتوه طاعتهم فَأمر للحين بِنَقْل مُعَسْكَره من نَاحيَة سبو إِلَى الزَّيْتُون من نَاحيَة فاس وَلما فرغ من دفن أَبِيه خرج إِلَى مُعَسْكَره بِالْمحل الْمَذْكُور وَاجْتمعَ النَّاس إِلَيْهِ على طبقاتهم لأَدَاء الْبيعَة بفسطاطة وَتَوَلَّى أَخذ الْبيعَة لَهُ يَوْمئِذٍ على النَّاس الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن قَاسم المزوار والمزوار فِي لِسَان
(3/118)

زناتة مَعْنَاهُ الرئيس وَكَانَ هَذَا الرجل رَئِيس الوزعة والمتصرفين وحاجب الْبَاب السلطاني قديم الْولَايَة فِي ذَلِك مُنْذُ عهد السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب ثمَّ زفت على السُّلْطَان أبي الْحسن زَوجته الحفصية فَبنى بهَا بمكانه من المعسكر الْمَذْكُور وَأجْمع رَأْيه على الإنتقام لأَبِيهَا من عدوه أبي تاشفين الزياني على مَا نذكرهُ
حُدُوث الْفِتْنَة بَين الْأَخَوَيْنِ أبي الْحسن وَأبي عَليّ ثمَّ مقتل أبي عَليّ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ السُّلْطَان أَبُو سعيد رَحمَه الله لما عهد بِالْأَمر لِابْنِهِ أبي الْحسن وَتحقّق مصيره إِلَيْهِ كثيرا مَا يستوصيه بأَخيه أبي عَليّ لكلفه بِهِ وشفقته عَلَيْهِ فَلَمَّا خلص الْأَمر إِلَى أبي الْحسن وَكَانَ موثرا رضَا أَبِيه جهده اعتزم على الْحَرَكَة إِلَى سجلماسة لمشارفة أَحْوَال أَخِيه وَاخْتِيَار أمره وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من سلم أَو حَرْب ليعْمَل على مُقْتَضى ذَلِك فارتحل من مُعَسْكَره بالزيتون قَاصِدا سجلماسة فَتَلَقَّتْهُ وُفُود أَخِيه أبي عَليّ أثْنَاء الطَّرِيق مُؤديا حَقه وموجبا مبرته ومهنئا لَهُ بِمَا آتَاهُ الله من الْملك ويعمله مَعَ ذَلِك بِأَنَّهُ متجاف عَن الْمُنَازعَة لَهُ قَانِع من تراث أَبِيه بِمَا فِي يَده طَالب مِنْهُ أَن يعْقد لَهُ بذلك فَأَجَابَهُ السُّلْطَان أَبُو الْحسن إِلَى مَا سَأَلَ وَعقد لَهُ على سجلماسة وَمَا والاها من بِلَاد الْقبْلَة كَمَا كَانَ لعهد أَبِيه وَأشْهد على ذَلِك الْمَلأ من بني مرين وَسَائِر زناتة وَالْعرب وانكفأ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَاجعا إِلَى تلمسان عَازِمًا على الإنتقام من أبي تاشفين الزياني فَسَار حَتَّى انْتهى إِلَى تلمسان ثمَّ تجوزها إِلَى جِهَة الشرق حَتَّى نزل بتاسالت منتظرا لقدوم صهره السُّلْطَان أبي بكر الحفصي عَلَيْهِ وَفَاء بالعهد الَّذِي كَانَ انْعَقَد لَهُ مَعَ السُّلْطَان أبي سعيد أَيَّام وفادة ابْنه أبي زَكَرِيَّاء عَلَيْهِ من أَنَّهُمَا يكونَانِ يدا وَاحِدَة على حِصَار تلمسان حَتَّى يحكم الله بَينهمَا وَبَين صَاحبهَا فَعَسْكَرَ أَبُو الْحسن بتاسالت ثمَّ بعث بِحِصَّة من جنده فِي الْبَحْر إِلَى صهره الحفصي مدَدا لَهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ ببجايه يُقَاتل جَيش بن زيان عَلَيْهَا
وَلم اتَّصل الْخَبَر بِأبي تاشفين صَاحب تلمسان فكر فِي أَمر أبي الْحسن
(3/119)

وأعمل الْحِيلَة بِأَن دس الى أَخِيه الْأَمِير أبي عَليّ صَاحب سجلماسة فِي اتِّصَال الْيَد بِهِ والاتفاق مَعَه على أَخِيه أبي الْحسن وَأَن يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بحجزته عَن صَاحبه ويشغله عَنهُ حَتَّى يتمكنا مِنْهُ ووعده أَبُو تاشفين ومناه وَلم يزل بِهِ حَتَّى انْتقض على أَخِيه ونهض من سجلماسة إِلَى درعة فَقتل عاملها وَولى عَلَيْهَا عَاملا من قبله ثمَّ سرح العساكر إِلَى جِهَة مراكش وأجلب عَلَيْهَا بخيله وَرجله
واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْحسن وَهُوَ بمعسكره من تاسالت ينْتَظر قدوم الحفصي عَلَيْهِ فانكفأ رَاجعا إِلَى الحضرة مجمعا الانتقام من أَخِيه وَلما انْتهى فِي طَرِيقه إِلَى حصن تاوريرت شحنه بالعسكر وَعقد عَلَيْهِ لِابْنِهِ تاشفين بن أبي الْحسن ووقف أمره على نظر منديل بن حمامة شيخ بني تيربعين ثمَّ أغذ السّير إِلَى سجلماسة فَنزل عَلَيْهَا وَأخذ بمخنقها وَحشر الفعلة والصناع لصنع الْآلَات وَالْبناء بساحتها وَأقَام عَلَيْهَا يغاديها بِالْقِتَالِ ويراوحها حولا كَامِلا ونهض أَبُو تاشفين فِي عساكره من تلمسان يُرِيد الْغَارة على أَطْرَاف الْمغرب كي يشغل أَبَا الْحسن عَن أَخِيه بذلك فَانْتهى إِلَى تاوريرت فبرز إِلَيْهِ تاشفين بن ابي الْحسن فِي عَسَاكِر مرين فهزموه وردوه على عقبه إِلَى تلمسان ثمَّ بعث بِحِصَّة من جنده مدَدا للأمير أبي عَليّ فتسربوا إِلَى سجلماسة جماعات وأفذاذا حَتَّى تكاملوا لَدَيْهِ فَلم يغنوا شَيْئا وطاولهم السُّلْطَان أَبُو الْحسن الْحصار أنزل بهم أَنْوَاع النكال حَتَّى اقتحم الْبَلَد عنْوَة تَاسِع عشر محرم سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وتقبض على الْأَمِير أبي عَليّ عِنْد بَاب قصره وَجِيء بِهِ إِلَى أَخِيه أبي الْحسن وَقد خامره الْجزع فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ تضرع إِلَيْهِ وَقبل حافر فرسه فَأمر أَبُو الْحسن بتثقيفه وَحمله على بغل إِلَى فاس وانكفأ هُوَ رَاجعا إِلَى الحضرة فَلَمَّا دَخلهَا اعتقل أَخَاهُ بِبَعْض حجر الْقصر أشهرا ثمَّ قَتله فصدا وخنقا وَكَانَت سنّ أبي عَليّ يَوْمئِذٍ سبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَت دولته بسجلماسة تسع عشرَة سنة وأشهرا وَكَانَ رَقِيق الْحَاشِيَة ينتمي إِلَى الْأَدَب وَهُوَ الَّذِي استقدم ابا مُحَمَّد عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ من سبتة واستكتبه أَيَّام أَبِيه وَمن شعر الْأَمِير أبي عَليّ يُخَاطب أَخَاهُ أَبَا الْحسن أَيَّام حصاره لَهُ بسجلماسة وَقد أَيقَن بِزَوَال أمره
(3/120)

(فَلَا يغرنك الدَّهْر الخؤون فكم ... أباد من كَانَ قبلي يَا أَبَا الْحسن)
(الدَّهْر مذ كَانَ لَا يبْقى على صفة ... لابد من فَرح فِيهِ وَمن حزن)
(أَيْن الْمُلُوك الَّتِي كَانَت تهابهم ... أَسد العرين ثووا فِي اللَّحْد والكفن)
(بعد الأسرة والتيجان قد محيت ... رسومها وعفت عَن كل ذِي حسن)
(فاعمل لأخرى وَكن بِاللَّه مؤتمرا ... واستغن بِاللَّه فِي سر وَفِي علن)
(واختر لنَفسك أمرا أَنْت آمره ... كأنني لم أكن يَوْمًا وَلم تكن)
وفادة السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر على السُّلْطَان أبي الْحسن بِحَضْرَة فاس وَفتح جبل طَارق

لما هلك السُّلْطَان أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن الرئيس أبي سعيد فرج بن الْأَحْمَر المتغلب على ملك الأندلس من يَد ابْن عَمه أبي الجيوش قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مُحَمَّد طفْلا صَغِيرا واستبد عَلَيْهِ وزيره مُحَمَّد بن المحروق فَقتله بَعْدَمَا شب وعقل وَكَانَ الطاغية قد استولى على جبل الْفَتْح وَهُوَ جبل طَارق سنة تسع وَسَبْعمائة وزاحم الفرنج بِهِ ثغور الْمُسلمين وَصَارَ شجى فِي صدر الدولتين المرينية والأحمرية وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن بُويِعَ الْأَمِير السُّلْطَان أَبُو الْحسن وَكَانَ لَهُ رَغْبَة فِي الْجِهَاد اقْتِدَاء بِمذهب جده يَعْقُوب بن عبد الْحق فبادر السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن الْأَحْمَر إِلَى الْوِفَادَة عَلَيْهِ لإحكام عقد الْمَوَدَّة مَعَه وللمفاوضة فِي أَمر الْجِهَاد وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ صَلَاح لدولته فَقدم عَلَيْهِ بدار ملكه بفاس سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فأكبر السُّلْطَان أَبُو الْحسن موصله وأركب النَّاس للقائه وأنزله بروض المصارة لصق دَاره واستبلغ فِي إكرامه وفاوضه ابْن الْأَحْمَر فِي شَأْن الْمُسلمين وَرَاء الْبَحْر وَمَا أَهَمَّهُمْ من عدوهم وشكى إِلَيْهِ حَال الْجَبَل واعتراضه شجى فِي صُدُور الثغور قبل وشكى إِلَيْهِ أَمر بني عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء لأَنهم كَانُوا قد استطالوا عَلَيْهِ فِي أرضه فأشكاه أَبُو الْحسن وعامل الله تَعَالَى فِي أَسبَاب الْجِهَاد وَكَانَ يَوْمئِذٍ مَشْغُولًا بفتنة أَخِيه أبي عَليّ وَمَعَ ذَلِك فقد أمده بالجند وَعقد لِابْنِهِ أبي مَالك
(3/121)

على خَمْسَة آلَاف من آنجاد بني مرين وأنفذهم مَعَ ابْن الْأَحْمَر لمنازلة جبل الْفَتْح فاحتل أَبُو مَالك بالجزيرة الخضراء وَتَتَابَعَتْ إِلَيْهِ الأساطيل بالمدد وَأرْسل ابْن الْأَحْمَر فِي الأندلس حاشرين فتسايل النَّاس إِلَيْهِ من كل جِهَة وزحفوا جَمِيعًا إِلَى الْجَبَل وَأَحَاطُوا بِهِ وأبلوا فِي منازلته الْبلَاء الْحسن إِلَى أَن فتحوه سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة واقتحمه الْمُسلمُونَ عنْوَة ونفلهم الله من كَانَ بِهِ من النَّصَارَى بِمَا مَعَهم وَشرع الْمُسلمُونَ فِي شحنه بالأقوات ينقلونها من الجزيرة الخضراء على خيولهم خوفًا من كرة الْعَدو وباشر نقلهَا الأميران أَبُو مَالك وَابْن الْأَحْمَر بأنفسهما ونقلها النَّاس عَامَّة وتحيز الْأَمِير أَبُو مَالك إِلَى الجزيرة الخضراء وَترك بِالْجَبَلِ يحيى بن طَلْحَة بن محلي من وزراء أَبِيه وَوصل الطاغية بعد ثَلَاث من فَتحه فَأَنَاخَ عَلَيْهِ وحاصره وبرز أَبُو مَالك بعساكره من الجزيرة فَنزل بإزائه وزحف ابْن الْأَحْمَر فَنزل بإزائه أَيْضا ثمَّ خَافَ ابْن الْأَحْمَر عَادِية الْعَدو لقرب الْعَهْد بارتجاع الْجَبَل وخفة من بِهِ من الحامية وَالسِّلَاح فبادر إِلَى لِقَاء الطاغية وَسبق النَّاس إِلَى فسطاطة عجلا بَائِعا نَفسه من الله فِي رضَا الْمُسلمين وسد خلتهم فَتَلقاهُ الطاغية رَاجِلا حاسرا إعظاما لَهُ وأجابه إِلَى مَا سَأَلَ من الإفراج عَن هَذَا المعقل وأتحفه بذخائر مِمَّا لَدَيْهِ وارتحل من فوره وَشرع الْأَمِير أَبُو مَالك فِي تحصين ذَلِك الثغر وسد فروجه
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي النفخ ارتجع السطلان أَبُو الْحسن جبل طَارق بعد أَن أنْفق عَلَيْهِ الْأَمْوَال وَصرف إِلَيْهِ الْجنُود والحشود ونازلته جيوشه مَعَ وَلَده وخواصه وضيقوا بِهِ إِلَى أَن استرجعوه ليد الْمُسلمين واهتم ببنائه وتحصينه وَأنْفق عَلَيْهِ أحمال المَال فِي بنائِهِ وحصنه وسوره وَبنى أبراجه وجامعه ودوره ومحاربيه وَلما كَاد يتم ذَلِك نازله الْعَدو برا وبحرا فَصَبر الْمُسلمُونَ وَخيَّب الله سعي الْكَافرين فَأَرَادَ السُّلْطَان الْمَذْكُور أَن يحصن سفح الْجَبَل بسور مُحِيط بِهِ من جَمِيع جهاته حَتَّى لَا يطْمع عَدو فِي منازلته وَلَا يجد سَبِيلا للتضييق عَلَيْهِ بمحاصرته وَرَأى النَّاس ذَلِك من الْمحَال فأنفق الْأَمْوَال وأنصف الْعمَّال فأحاط بمجموعه إحاطة الهالة بالهلال وَكَانَ بَقَاء هَذَا الْجَبَل بيد الْعَدو نيفا وَعشْرين سنة وحاصره السُّلْطَان أَبُو الْحسن سِتَّة
(3/122)

أشهر وَزَاد فِي تحصينه ابْنه السُّلْطَان أَبُو عنان رحمهمَا الله تَعَالَى
وَأما ابْن الْأَحْمَر فَإِن أَوْلَاد عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء شُيُوخ الْغَزْو بالأندلس لما رَأَوْا مَا حصل بَينه وَبَين السُّلْطَان أبي الْحسن من الْوِفَاق واتصال الْيَد خَافُوا أَن تعود موافقتهم بِالضَّرَرِ عَلَيْهِم إِذْ كَانُوا أَعدَاء للدولتين مَعًا أما دولة الْمغرب فبخروجهم عَلَيْهِم ومنابذتهم إيَّاهُم غير مرّة وَأما دولة الأندلس فباستحواذهم على أَهلهَا ومزاحمتهم إيَّاهُم فِي رياستها فتشاوروا فِيمَا بَينهم وفتكوا بِابْن الْأَحْمَر يَوْم رحيله عَن الْجَبَل إِلَى غرناطة فتقاصفوه بِالرِّمَاحِ وَقدمُوا أَخَاهُ ابا الْحجَّاج يُوسُف بن إِسْمَاعِيل مَكَانَهُ فَقَامَ بِالْأَمر بعده وشمر للأخذ بثار أَخِيه فاحتال على بني أبي الْعَلَاء حَتَّى قبض عَلَيْهِم وأودعهم المطبق ثمَّ غربهم إِلَى تونس إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ
فتح تلمسان ومقتل صَاحبهَا أبي تاشفين وانقراض الدولة الأولى لبني زيان بمهلكه

لما استقام ملك الْمغرب للسُّلْطَان أبي الْحسن بمقتل أَخِيه أبي عَليّ صَاحب سجلماسة وَنصر الله جنده على الطاغية بالأندلس تفرغ لشأن تلمسان والانتقام من صَاحبهَا أبي تاشفين الَّذِي ضايق أصهاره من بني أبي حَفْص فِي أَرضهم ونازعهم فِي ملكهم وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن قد بعث لأوّل بيعَته شُفَعَاء إِلَى أبي تاشفين فِي أَن يتخلى عَن عمل الْمُوَحِّدين وَيرجع إِلَى تخوم أَعماله الَّتِي ورثهَا عَن سلفه وَقَالَ لَهُ فِي جملَة ذَلِك كف عَنْهُم وَلَو سنة وَاحِدَة ليسمع النَّاس أَنِّي نافحت عَن صهري ويقدروا قدري فاستنكف أَبُو تاشفين من ذَلِك وَأَغْلظ للرسل فِي القَوْل وأفحش بعض السُّفَهَاء من عبيده فِي الرَّد عَلَيْهِم بمجلسه ونالوا من السُّلْطَان أبي الْحسن بمحضره فَعَادَت الرُّسُل إِلَيْهِ وأعلموه بالقضية على وَجههَا فحمي لذَلِك وَغَضب وتأكد عزمه على النهوض إِلَى تلمسان فَكَانَ من نهوضه أَولا وانتقاض أَخِيه عَلَيْهِ وَعوده إِلَيْهِ من تاسالت مَا قصصناه قبل مُسْتَوفى
(3/123)

ثمَّ عاود السُّلْطَان النهوض إِلَى تلمسان فِي هَذِه الْمرة فَعَسْكَرَ بِظَاهِر فاس الْجَدِيد وَبعث وزراءه ووجوه دولته إِلَى قاصية الْبِلَاد المراكشية لحشد الْقَبَائِل والجموع ثمَّ تعجل وَعرض جُنُوده وأزاح عللهم وعبى مواكبه وَفصل فِي التعبية من فاس أواسط خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فَسَار يجر الشوك والمدر من أُمَم الْمغرب وَجُنُوده وَمر بوجدة فجمر عَلَيْهَا الْكَتَائِب للحصار ثمَّ مر بندرومة فقاتلها بعض يَوْم ثمَّ اقتحمها عنْوَة فاستولى عَلَيْهَا وَقتل حاميتها ثمَّ سَار على التعبية حَتَّى أَنَاخَ على تلمسان ثمَّ بلغه الْخَبَر بتغلب عسكره على وَجدّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فأوعز إِلَيْهِم بتخريب أسوارها فأضرعوها بِالْأَرْضِ وتوافت لَدَيْهِ أَمْدَاد النواحي وحشودها ووفدت عَلَيْهِ قبائل مغراوة وَبنى توجين فَأتوهُ طاعتهم وسرح كتائبه إِلَى القاصية فتغلب على وهران وهنين ثمَّ على مليانة وتنس والجزائر وَغَيرهَا وَاسْتولى على الضواحي وَنزع إِلَيْهِ يحيى بن مُوسَى كَبِير قواد أبي تاشفين وَصَاحب الثغور الشرقية من أَعماله فلقاه مبرة وكرامة وَرفع بساطه ونظمه فِي طَبَقَات وزرائه وجلسائه وَعقد على فتح الْبِلَاد الشرقية ليحيى بن سُلَيْمَان العسكري شيخ بني عَسْكَر بن مُحَمَّد وصهر السُّلْطَان على ابْنَته فَسَار فِي الألوية والجنود فطوع ضاحية الشرق وافتتح أمصاره حَتَّى انْتهى إِلَى لمدية ونظم الْبِلَاد فِي طَاعَة السُّلْطَان أبي الْحسن واحتشد جموعها فَلَحقُوا بمعسكره وَاسْتعْمل السُّلْطَان أَبُو الْحسن عماله على الْجِهَات
واختط بغربي تلمسان الْبَلَد الْجَدِيد لسكناه ونزول عساكره وَأَحْيَا معالم المنصورة الَّتِي كَانَ اختطها عَمه يُوسُف بن يَعْقُوب وخربها بَنو زيان من بعده فأدار عَلَيْهَا سياجا من السُّور ونطاقا من الخَنْدَق وَنصب المجانيق وآلات من وَرَاء خندقه وَجعلت رماته تنضح رُمَاة الْعَدو بِالنَّبلِ ويشغلونهم بِأَنْفسِهِم حَتَّى شيد برجا آخر يقرب مِنْهُم وترتفع شرفاته فَوق خندقهم وتماصع الْمُقَاتلَة بِالسُّيُوفِ من أعاليه ورتب المجانيق لرجمها وَأحكم عَملهَا لدكها فنالت من ذَلِك فَوق الْغَايَة وَعظم أَثَرهَا فِي الْقُصُور الْعَظِيمَة والقباب الرفيعة الَّتِي تأنق أَبُو تاشفين فِي تشييدها وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن يصبح الْمُقَاتلَة كل يَوْم
(3/124)

وَيَطوف على الْبَلَد من جَمِيع جهاته لتفقد رُؤَسَاء الْعَسْكَر فِي مراكزهم وَرُبمَا انْفَرد فِي طَوَافه فَطَافَ فِي بعض الْأَيَّام منتبذا عَن الْحَاشِيَة فاهتبل بَنو عبد الواد غرته حَتَّى إِذا سلك مَا بَين الْجَبَل والبلد فتحُوا أَبْوَابهَا وَأَرْسلُوا عَلَيْهِ عقبان جنودهم يحسبونها فرْصَة كَالَّتِي كَانَت ليغمراسن بن زيان فِي السعيد الموحدي واضطروه إِلَى سفح الْجَبَل حَتَّى لحق بأوعاره وَكَاد ينزل عَن فرسه هُوَ ووليه عريف بن يحيى أَمِير عرب سُوَيْد وأحس أهل المعسكر بذلك فَرَكبُوا زرافات ووحدانا وَركب ابناه الأميران أَبُو عبد الرَّحْمَن وَأَبُو مَالك وهما جنَاحا عسكره وعقابا جحافله وتهاوت إِلَيْهِم صقور بني مرين من كل جو فَانْكَشَفَتْ عَسَاكِر بني عبد الواد وولوا الأدبار منهزمين لَا يلوي أحد مِنْهُم على أحد واعترضهم مهوى الخَنْدَق فتطارحوا فِيهِ وتهافتوا على ردمه فَكَانَ الْهَالِك يَوْمئِذٍ فِيهِ أَكثر من الْهَالِك بِالسِّلَاحِ وَهلك من بني توجين يَوْمئِذٍ عمر بن عُثْمَان كَبِير الحشم وعامل جبل وانشريس وَمُحَمّد بن سَلامَة بن عَليّ كَبِير بني يدللتن وَصَاحب قلعة تاوغروت وهما مَا هما فِي زناتة إِلَى أشباه لَهما استلحموا فِي هَذِه الْوَقْعَة فحص هَذَا الْيَوْم من جناج دولة بني زيان وحطم مِنْهَا واتصل الْحصار مُدَّة من ثَلَاث سِنِين حَتَّى إِذا كَانَ السَّابِع وَالْعشْرُونَ من رَمَضَان من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة اقتحم السُّلْطَان أَبُو الْحسن مَدِينَة تلمسان عنْوَة ووقف أَبُو تاشفين رَحمَه الله عِنْد بَاب قصره فِي جمَاعَة من أَصْحَابه مِنْهُم ولداه عُثْمَان ومسعود ووزيره مُوسَى بن عَليّ ووليه عبد الْحق بن عُثْمَان وَهُوَ الَّذِي كَانَ خرج على السُّلْطَان أبي الرّبيع وَبَايَعَهُ عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الوطاسي حَسْبَمَا مر فَإِنَّهُ لحق بِهِ بعد تِلْكَ الْوَقْعَة بتلمسان ثمَّ مِنْهَا إِلَى الأندلس ثمَّ حضر انْتِقَاض العزفي بسبتة سنة سِتّ عشرَة كَمَا مر ثمَّ لحق بِأبي بكر الحفصي ثمَّ نزع عَنهُ إِلَى أبي تاشفين وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى هَذَا الْيَوْم فشهده فِي جمَاعَة من بنيه وَبني أَخِيه وَكَانُوا أحلاس حَرْب وفتيان كريهة فمانعوا دون الْقصر واستماتوا عَلَيْهِ إِلَى أَن استلحموا وَرفعت رؤوسهم على عَصا الرماح فطيف بهَا وغصت سِكَك الْبَلَد من داخلها وخارجها بالعساكر وكظت أَبْوَابهَا بالزحام حَتَّى لقد كب النَّاس على أذقانهم
(3/125)

وتواقعوا على مساربهم فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم مَا بَين الْبَابَيْنِ حَتَّى ضَاقَ المسلك مَا بَين السّقف ورحبة الْبَاب وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على الْمنَازل نهبا واكتساحا
وَأما أَبُو تاشفين فَإِنَّهُ قَاتل حَتَّى قتل ابناه عُثْمَان ومسعود أَمَامه وخلصت إِلَيْهِ جراحات فأثخنته وتقبض عَلَيْهِ بعض الفرسان فساقه إِلَى السُّلْطَان فَلَقِيَهُ ابْنه الْأَمِير أَبُو عبد الرَّحْمَن فَأمر بِهِ فَقتل فِي الْحِين واحتز رَأسه وَسخط السُّلْطَان ذَلِك من فعله لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا على توبيخه وتقريعه وَقَالَ ابْن الْخَطِيب وقف أَبُو تاشفين وَبَنوهُ بِإِزَاءِ الْقصر مدافعين عَن أنفسهم وَقَامُوا مقَام الصَّبْر والإستجماع وَصَدقُوا عَن أنفسهم الدفاع إِلَى أَن كوثروا وأعجلتهم ميتَة الْعِزّ عَن شدّ الوثاق وَإِمْكَان الشمات فَكَانَ فِي شَأْنهمْ عِبْرَة رَحِمهم الله
وخلص السُّلْطَان أَبُو الْحسن إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع بحاشيته واستدعى شُيُوخ الْفتيا بتلمسان وهما الإمامان الشهيران أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن وَأَبُو مُوسَى عِيسَى ابْنا الإِمَام فخلصوا إِلَيْهِ بعد الْجهد ووعظوه وذكروه بِمَا نَالَ النَّاس من النهب والعيث فَركب لذَلِك بِنَفسِهِ وَسكن النَّاس وَقبض أَيدي الْجند عَن الْفساد وَعَاد إِلَى مُعَسْكَره بِالْبَلَدِ الْجَدِيد وَقد كمل الْفَتْح وَعز النَّصْر وَاسْتولى السُّلْطَان أَبُو الْحسن على تِلْكَ الْإِمَارَة المؤثلة بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من نَفِيس الحلى وثمين الذَّخِيرَة وفاخر الْمَتَاع وخطير الْعدة وبديعة الْآلَة وصامت المَال وضروب الرَّقِيق وصنوف الأثاث والماعون وَرفع الْقَتْل عَن بني عبد الواد أعدائه وشفا نَفسه بقتل سلطانهم وَعَفا عَنْهُم وأثبتهم فِي الدِّيوَان وَفرض لَهُم الْعَطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم وَجمع كلمة بني واسين من بني مرين وَبني عبد الواد وَبني توجين وَسَائِر زناتة وصاروا عصبا تَحت لوائه وسد بِكُل طَائِفَة مِنْهُم ثغرا من أَعماله فَأنْزل مِنْهُم بقاصية السوس وبلاد غمارة وَأَجَازَ مِنْهُم إِلَى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين واندرجوا فِي جملَته واتسع نطاق مَمْلَكَته وَأصْبح أَبُو الْحسن ملك زناتة بعد أَن كَانَ ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أَن كَانَ سُلْطَان الْمغرب فَقَط {إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين}
(3/126)

مراسلة السُّلْطَان أبي الْحسن لسلطان مصر وَبَعثه الْمَصَاحِف من خطه إِلَى الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة شرفها الله

كَانَ للسُّلْطَان أبي الْحسن مَذْهَب وَرَأى فِي ولَايَة مُلُوك الْمشرق والمكلف بالمعاهد الشَّرِيفَة اقْتِدَاء فِي ذَلِك بِعَمِّهِ يُوسُف بن يَعْقُوب وَغَيره من سلفه وضاعف ذَلِك لَدَيْهِ متين ديانته ورفيع همته وَلما قضى من أَمر تلمسان مَا قضى وَاسْتولى على المغربين خَاطب لحينه صَاحب مصر وَالشَّام والحجاز الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وعرفه بِالْفَتْح وارتفاع الْعَوَائِق عَن ركب الْحَاج فِي سابلتهم وَكَانَ سفيره فِي ذَلِك فَارس بن مَيْمُون بن وردار وَعَاد بِجَوَاب الْكتاب وَتَقْرِير الْمَوَدَّة بَين الْخلف كَمَا كَانَت بَين السّلف فأجمع السُّلْطَان أَبُو الْحسن حِينَئِذٍ على كتب نُسْخَة عتيقة من الْمُصحف الْكَرِيم بِخَط يَده ليوقفها بِالْحرم الشريف حرم مَكَّة قربَة إِلَى الله تَعَالَى وابتغاء للمثوبة فانتسخها بِيَدِهِ وَجمع الوراقين لتنميقها وتذهيبها والقراء لضبطها وتهذيبها وصنع لَهَا وعَاء مؤلفا من الآبنوس والعاج والصندل فائق الصَّنْعَة وَغشيَ بصفائح الذَّهَب ورصع بالجوهر والياقوت وَاتخذ لَهُ أصونة الْجلد المحكمة الصَّنْعَة المرقوم أديمها بخطوط الذَّهَب وَمن فَوْقهَا غلائف الْحَرِير والديباج وأغشية الْكَتَّان وَأخرج من خزائنه أملا عينهَا لشراء الضّيَاع بالمشرق لتَكون وَقفا على الْقُرَّاء فِيهَا وأوفد على الْملك النَّاصِر خَواص مَجْلِسه وكبار أهل دولته مثل عريف بني حيى أَمِير بني زغبة من عرب بني هِلَال وَمثل السَّابِق الْمُقدم فِي بساطه على كل خَالِصَة عَطِيَّة بن مهلهل بن يحيى كَبِير أَخْوَاله من عرب الْخَلْط وَبعث كَاتبه أَبَا الْفضل بن مُحَمَّد بن أبي مَدين وعريف الوزعة بِبَابِهِ الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن قَاسم المزوار
واحتفل فِي الْهَدِيَّة للسُّلْطَان صَاحب مصر احتفالا تحدث النَّاس بِهِ دهرا قَالَ ابْن خلدون وقفت على برنامج الْهَدِيَّة بِخَط أبي الْفضل بن أبي مَدين الرَّسُول الْمَذْكُور ووعيته ثمَّ أنسيته وَذكر لي بعض قهارمة الدَّار أَنه كَانَ فِيهَا خَمْسمِائَة من
(3/127)

عتاق الْخَيل المقربات بسروج الذَّهَب وَالْفِضَّة ولجمها خَالِصا ومغشى ومموها وَخَمْسمِائة حمل من مَتَاع الْمغرب وماعونه وأسلحته وَمن نسج الصُّوف الْمُحكم ثيابًا وأكسية وبرانس وعمائم وإزرا معلمة وَغير معلمة وَمن نسج الْحَرِير الْفَائِق الْمعلم بِالذَّهَب ملونا وَغير ملون وساذجا ومنمقا وَمن الدرق المجلوبة من بِلَاد الصَّحرَاء المحكمة الدبغ المنسوبة إِلَى الملط وَمن خرثي الْمغرب وَمَا عونة مَا تستطرف صناعته بالمشرق حَتَّى لقد كَانَ فِيهَا مَكِيل من حَصى الْجَوْهَر والياقوت واعتزمت حظية من حظايا أَبِيه على الْحَج فِي ذَلِك الركب فَأذن لَهَا واستبلغ فِي تكرمتها واستوصى بهَا وفده وسلطان مصر فِي كِتَابه وفصلوا من تلمسان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ووصلوا إِلَى مصر فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وأدوا رسالتهم إِلَى الْملك النَّاصِر وَقدمُوا هديتهم إِلَيْهِ فقبلها وَحسن موقعها لَدَيْهِ وَكَانَ يَوْم وفادتهم عَلَيْهِ بِمصْر يَوْمًا مشهودا تحدث النَّاس بِهِ دهرا ولقاهم سُلْطَان مصر فِي طريقهم أَنْوَاع الْبر والكرامة حَتَّى قضوا فرضهم وَوَضَعُوا الْمُصحف الْكَرِيم حَيْثُ أَمرهم صَاحبه وأسنى الْملك النَّاصِر هَدِيَّة السُّلْطَان من الفساطيط المشرقية الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب وَمن ثِيَاب الْإسْكَنْدَريَّة البديعة النسج المرقومة بِالذَّهَب ورجعهم بهَا إِلَى مرسلهم وَقد استبلغ فِي تكرمتهم وصلتهم وَبَقِي حَدِيث هَذِه الْهَدِيَّة مَذْكُورا بَين النَّاس لهَذَا الْعَهْد اه كَلَام ابْن خلدون بِبَعْض إِيضَاح
وَقد ذكر الإِمَام الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق فِي كِتَابه الْمسند الصَّحِيح الْحسن من أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن هَذِه الْهَدِيَّة وَفصل مِنْهَا بعض مَا أجمله إِبْنِ خلدون فَقَالَ أرسل السُّلْطَان أَبُو الْحسن للناصر بن قلاوون صَاحب الديار المصرية من أَحْجَار الْيَاقُوت الْعَظِيم الْقدر وَالثمن ثَمَانمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين وَمن الزمرد مائَة وَثَمَانِية وَعشْرين وَمن الزبرجد مائَة وَثَمَانِية وَعشْرين وَمن الْجَوْهَر النفيس الملوكي ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَسِتِّينَ وَأرْسل حللا كَثِيرَة مِنْهَا مذهبَة ثَلَاثَة عشر وَمن الأنان عشْرين مذهبَة وَمن الخلادي سِتَّة وَأَرْبَعين وَمن القنوع سِتَّة وَعشْرين مذهبَة وَمن المحرارت المختمة ثَمَانمِائَة وَمن الرصان عشْرين شقة وَمن الأكسية المحررة أَرْبَعَة وَعشْرين وَمن
(3/128)

البرانس المحررة ثَمَانِيَة عشر وَمن المشقفات مائَة وَخمسين وَمن أحارم الصُّوف المحررة عشْرين وَمن شقق الملف الرفيع سِتَّة عشر وَمن الفضالي المنوعة والفرش والمخاد المنبوق وَالْحلَل ثَمَانمِائَة وَمن أوجه اللحف المذهبة عشْرين وحائطين حلَّة وحنابل مائَة واثني عشر كلهَا حَرِير وفرش جلد مخروز بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَمن السيوف المحلات بِالذَّهَب المنظم بالجوهر عشرَة والسروج عشرَة بركب الذَّهَب كَذَلِك ومهاميز الذَّهَب وَثَلَاثَة ركب فضَّة وَسِتَّة مزججة ومذهبة ومضمتان من ذهب مِمَّا يَلِيق بالملوك وشاشية حَدِيد بِذَهَب مكلل بالجوهر وَمن لزمات الْفضة عشرَة وسروج مخروزة بِالْفِضَّةِ عشرَة وَعشر عَلَامَات مغشاة مذهبَة وَعشر رايات مذهبَة وَعشر براقع مذهبَة وَعشر أَمْثِلَة مرقومة وَثَلَاثُونَ جلدا شرك وَأَرْبَعَة آلَاف درقة لمط مِنْهَا مِائَتَان بنهود الذَّهَب وَثَمَانمِائَة بنهود الْفضة وخباء قبَّة كَبِيرَة من مائَة بنيقة لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب وقبة أُخْرَى مضربة من سِتّ وَثَلَاثِينَ بنيقة مبطنة بحلة مذهبية وَهِي من حَرِير أَبيض ومرابطها حَرِير ملون وعمودها عاج وآبنوس وأكبارها من فضَّة مذهبَة وَمن البزات الْأَحْرَار المنتقات أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ وَمن عتاق الْخَيل العراب ثَلَاثمِائَة وخمسا وَثَلَاثِينَ وَمن البغال الذُّكُور وَالْإِنَاث مائَة وَعشْرين وَمن الْجمال سَبْعمِائة وتوجهت مَعَ هَذِه الْهَدِيَّة أُمَم برسم الْحَج مَعَ الربعة المكرمة يَعْنِي ربعَة الْمُصحف الْكَرِيم وَأعْطى السُّلْطَان الْحرَّة أم أُخْته أم ولد أَبِيه مَرْيَم ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة ذَهَبا ولقاضي الركب ثَلَاثمِائَة وَكِسْوَة ولقائد الركب أَرْبَعمِائَة وكساوى مُتعَدِّدَة وبغلات وَلِلرَّسُولِ الْمعِين للهدية ألفا ولشيخ الركب أَحْمد بن يُوسُف بن أبي مُحَمَّد صَالح خَمْسمِائَة ولجماعة الضُّعَفَاء من الْحجَّاج سِتّمائَة وبرسم الْعَطاء للْعَرَب ثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة ولشراء الرباع سِتَّة عشر ألفا وَخَمْسمِائة ذَهَبا اه وَذكر فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن أهْدى هَدَايَا غير هَذِه لكثير من الْمُلُوك مِنْهَا لصَاحب الأندلس صلَة وَصدقَة وهدية فِي مَرَّات وَمِنْهَا لملوك النَّصَارَى بعد هداياهم وَمِنْهَا لسلاطين السودَان كصاحب مَالِي وَمِنْهَا لصَاحب إفريقية وَمِنْهَا لصَاحب تلمسان اه وَقَالَ الْعَلامَة المقريزي مؤرخ مصر فِي كتاب السلوك مَا نَصه
(3/129)

وَفِي ثَانِي وَعشْرين من رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة قدمت الْحرَّة من عِنْد السُّلْطَان أبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان بن يَعْقُوب المريني صَاحب فاس تُرِيدُ الْحَج وَمَعَهَا هَدِيَّة جليلة إِلَى الْغَايَة نزل لحملها من الأسطول السلطاني ثَلَاثُونَ قطارا من بغال النَّقْل سوى الْجمال وَكَانَ من جُمْلَتهَا أَرْبَعمِائَة فرس مِنْهَا مائَة حجرَة وَمِائَة فَحل وَمِائَتَا بغل وجميعها بسروج ولجم مسقطة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَبَعضهَا سُرُوجهَا وركبها ذهب وَكَذَلِكَ لجمها وعدتها اثْنَان وَأَرْبَعُونَ رَأْسا مِنْهَا سرجان من ذهب مرصع بجوهر وفيهَا اثْنَان وَثَلَاثُونَ بازا وفيهَا سيف قرَابه ذهب مرصع وحياصة ذهب مرصع وفيهَا مائَة كسَاء وَغير ذَلِك من القماش العالي وَكَانَ قد خرج المهمندار إِلَى لقائهم وأنزلهم بالقرافة قريب مَسْجِد الْفَتْح وهم جمع كثير جدا وَكَانَ يَوْم طُلُوع الْهَدِيَّة من الْأَيَّام الْمَذْكُورَة فَفرق السُّلْطَان الْهَدِيَّة على الْأُمَرَاء بأسرهم على قدر مَرَاتِبهمْ حَتَّى نفدت كلهَا سوى الْجَوْهَر واللؤلؤ فَإِنَّهُ اخْتصَّ بِهِ فقدرت قيمَة هَذِه الْهَدِيَّة بِمَا يزِيد على مائَة ألف دِينَار ثمَّ نقلت الْحرَّة إِلَى الميدان بِمن مَعهَا ورتب لَهَا من الْغنم والدجاج وَالسكر والجلواء والفاكهة فِي كل يَوْم بكرَة وَعَشِيَّة مَا عمهم وَفضل عَنْهُم فَكَانَ مرتبهم كل يَوْم عدَّة ثَلَاثِينَ رَأْسا من الْغنم وَنصف أردب أرزا وقنطارا حب رمان وَربع قِنْطَار سكرا وثمان فانوسيات شمعا وتوابل الطَّعَام وَحمل إِلَيْهَا برسم النَّفَقَة مبلغ خَمْسَة وَسبعين ألف دِرْهَم وَأُجْرَة حمل أثقالهم مبلغ سِتِّينَ ألف دِرْهَم ثمَّ خلع على جَمِيع من قدم مَعَ الْحرَّة فَكَانَت عدَّة الْخلْع مِائَتَيْنِ وَعشْرين خلعة على قدر طبقاتهم حَتَّى خلع على الرِّجَال الَّذين قادوا الْخُيُول وَحمل إِلَى الْحرَّة من الْكسْوَة مَا يجل قدره وَقيل لَهَا أَن تملي مَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يعوزها شَيْء وَإِنَّمَا تُرِيدُ عناية السُّلْطَان إكرامها وإكرام من مَعهَا حَيْثُ كَانُوا فَتقدم السُّلْطَان إِلَى النشو وَإِلَى الْأَمِير أَحْمد إِن بغى بتجهيزها اللَّائِق بهَا فقاما بذلك واستخدما لَهَا السقائين والضوئية وهيأ كل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي سفرها من أَصْنَاف الحلاوات وَالسكر والدقيق والبجماط وطلبا الْحمالَة لحمل جهازها وأزودتها وَندب السُّلْطَان للسَّفر مَعهَا جمال الدّين مُتَوَلِّي الجيزة وَأمره أَن يرحل بهَا فِي مركب لَهَا
(3/130)

بمفردها قُدَّام الْمحمل ويمتثل كلما تَأمر بِهِ وَكتب لأميري مَكَّة وَالْمَدينَة بخدمتها أتم خدمَة اه وَفِيه بعض مُخَالفَة لما وَصفه ابْن مَرْزُوق فِي الْهَدِيَّة والخطب سهل
ثمَّ انتسخ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله نُسْخَة أُخْرَى من الْمُصحف الْكَرِيم على القانون الأول ووقفها على الْقُرَّاء بِالْمَدِينَةِ وَبعث بهَا من تخيره لذَلِك الْعَهْد من أهل دولته سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَفعل مثل ذَلِك بحرم بَيت الْمُقَدّس قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني قد كتب ثَلَاثَة مصاحف شريفة بِخَطِّهِ وأرسلها إِلَى الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال ووقف عَلَيْهَا أوقافا جليلة كتب سُلْطَان مصر وَالشَّام توقيعه بمسامحتها من إنْشَاء الأديب الشهير جمال الدّين بن نباتة الْمصْرِيّ وَنَصّ مَا يتَعَلَّق بِهِ الْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله
وَهُوَ الَّذِي مد يَمِينه بِالسَّيْفِ والقلم فَكتب فِي أَصْحَابهَا وسطر الختمات الشَّرِيفَة فأيد الله حزبه بِمَا سطره من أحزابها واتصلت مَلَائِكَة النَّصْر بلوائه تَغْدُو وَتَروح وَكَثُرت فتوحه لأملياء الغرب فَقَالَت أوقاف الشرق لَا بُد للْفُقَرَاء من فتوح ثمَّ وصلت ختمات شريفة كتبهَا بقلمه الْمجِيد المجدي وَخط سطورها بالعربي وطالما خطّ فِي صُفُوف الْأَعْدَاء بالهندي ورتب عَلَيْهَا أوقافا تجْرِي أَقْلَام الْحساب فِي إِطْلَاقهَا وَطَلقهَا وَحبس أملاكا شامية تحدث بنعم الْأَمْلَاك الَّتِي سرت من مغرب الأَرْض إِلَى مشرقها وَالله تَعَالَى يمتع من وقف هَذِه الختمات بِمَا سطر لَهُ فِي أكْرم الصحائف وينفع الْجَالِس من وُلَاة الْأُمُور فِي تقريرها ويتقبل من الْوَاقِف اه قَالَ الْمقري وَقد رَأَيْت أحد الْمَصَاحِف الْمَذْكُورَة وَهُوَ الَّذِي بِبَيْت الْمُقَدّس وربعته فِي غَايَة الصَّنْعَة اه وَالله تَعَالَى أعلم
واتصلت الْولَايَة بَين السُّلْطَان أبي الْحسن وَبَين الْملك النَّاصِر إِلَى أَن هلك سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَولي أَمر مصر من بعده ابْنه أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن قلاوون فخاطبه السُّلْطَان أَبُو الْحسن أَيْضا على مَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
(3/131)

نكبة الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وفرار وزيره زيان بن عمر الوطاسي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله عِنْدَمَا نَهَضَ إِلَى تلمسان أَولا وَثَانِيا ينْتَظر قدوم صهره السُّلْطَان أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي عَلَيْهِ لما كَانَ انْعَقَد بَينه وَبَين أَبِيه أبي سعيد رَحمَه الله من الِاجْتِمَاع على تلمسان والتعاون على حصارها وَلما فتح أَبُو الْحسن تلمسان فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم كَانَ وَزِير الحفصيين الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن تافرجين شَاهدا لذَلِك الْفَتْح قدم رَسُولا من عِنْد مخدومه السُّلْطَان أبي بكر الْمَذْكُور فَأسر إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن بِأَن مخدومه قادم عَلَيْهِ للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه فتشوف السُّلْطَان أَبُو الْحسن إِلَيْهَا لما كَانَ يحب الْفَخر ويعنى بِهِ وارتحل عَن تلمسان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وعسكر بمتيجة منتظرا لوفادة صهره عَلَيْهِ فتكاسل الحفصي عَن الْقدوم بِسَبَب تثبيط مُحَمَّد بن الْحَكِيم من رجال دولته إِيَّاه عَن ذَلِك وَقَالَ لَهُ إِن لِقَاء سلطانين لَا يتَّفق إِلَّا فِي يَوْم على أَحدهمَا فكره الحفصي ذَلِك وتقاعد عَنهُ وَطَالَ مقَام السُّلْطَان أبي الْحسن فِي انْتِظَاره ثمَّ طرقه بفسطاطه مرض ألزمهُ الْفراش حَتَّى تحدث أهل الْعَسْكَر بمهلكه
وَكَانَ ابناه الأميران أَبُو عبد الرَّحْمَن وَأَبُو مَالك متناغيين فِي ولَايَة عهد مُنْذُ أَيَّام جدهما أبي سعيد وَكَانَ أَبوهُمَا قد جعل لَهما لأوّل دولته ألقاب الْإِمَارَة وَأَحْوَالهَا من اتِّخَاذ الوزراء وَالْكتاب وَوضع الْعَلامَة وَتَدْوِين الدَّوَاوِين وَإِثْبَات الْعَطاء واستلحاق الفرسان وانفراد كل بعسكره على حِدة وَجعل لَهما مَعَ ذَلِك الْجُلُوس بمقعد فَصله مناوبة لتنفيذ الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة فَكَانَا لذَلِك رديفين لَهُ فِي سُلْطَانه وَلما اشْتَدَّ وجع السُّلْطَان فِي هَذِه الْمرة تمشت سماسرة الْفِتَن بَينهمَا وتحزب أهل الْعَسْكَر لَهما حزبين وشوشوا بواطنهما فَبَثَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا المَال وَحمل على المقربات وَصَارَ الْجَيْش شيعًا وهم الْأَمِير أَبُو عبد الرَّحْمَن بالتوثب على الْأَمر قبل أَن يتَبَيَّن حَال السُّلْطَان بإغراء
(3/132)

وزرائه وبطانته بذلك وتفطن خَاصَّة السُّلْطَان لما وَقع فأخبروه الْخَبَر وحضوه على الْخُرُوج إِلَى النَّاس قبل أَن يَتَفَاقَم الْأَمر ويتسع الْخرق فبرز السُّلْطَان إِلَى فسطاط جُلُوسه وتسامع أهل المعسكر بِهِ فازدحموا إِلَى بساطة وتقبيل يَده وتقبض على أهل الظنة من الْجَيْش فأودعهم السجْن وَسخط على الأميرين وَأمر برحيل من كَانَ مَعَهُمَا من الْجند فردهم إِلَى مُعَسْكَره ثمَّ رَجَعَ إِلَى فسطاطه وطفئت نَار الْفِتْنَة وَسكن سعي المفسدين وانتبذ النَّاس عَن الأميرين الْمَذْكُورين فبقيا أوحش من وتد بقاع فَاشْتَدَّ جزع الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن وَركب من فسطاطه وخاض اللَّيْل فَأصْبح بحلة أَوْلَاد على أُمَرَاء بني زغبة من هِلَال الموطنين بِأَرْض حَمْزَة فتقبض عَلَيْهِ أَمِيرهمْ مُوسَى بن أبي الْفضل ورده إِلَى أَبِيه فاعتقله بوجدة ورتب الْعُيُون لحراسته وَلحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين أَصْحَاب تونس فأجاروه وَرَضي السُّلْطَان صَبِيحَة فرار أبي عبد الرَّحْمَن عَن أَخِيه أبي مَالك وَعقد لَهُ على ثغور عمله بالأندلس وَصَرفه إِلَيْهَا وانكفأ رَاجعا إِلَى تلمسان وَالله أعلم
ثورة ابْن هيدور الجزار وَمَا كَانَ من أمره

لما تقبض السُّلْطَان أَبُو الْحسن على ابْنه عبد الرَّحْمَن وأودعه السجْن تفرق خدمه وحشمه فِي الْجِهَات وَكَانَ مِنْهُم رجل جزار مُرَتّب فِي مطبخه يعرف بِابْن هيدور وَكَانَ لَهُ شبه فِي الصُّورَة بِأبي عبد الرَّحْمَن فلحق ببني عَامر بن زغبة وَكَانُوا لذَلِك الْعَهْد منحرفين عَن طَاعَة السُّلْطَان أبي الْحسن لاختصاصه عريف بن يحيى أَمِير بني سُوَيْد أعدائهم فَلَمَّا لحق بهم ابْن هيدور هَذَا انتسب لَهُم إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن وَأَنه ابْنه أَبُو عبد الرَّحْمَن فَشبه لَهُم وَبَايَعُوهُ وأجلبوا بِهِ على نواحي لمدية فبرز إِلَيْهِم قائدها فهزموه ثمَّ جمع لَهُم ونزمار بن عريف بن يحيى فَهَزَمَهُمْ وافترق جمعهم ونبذوا للجزار عَهده فلحق ببني يزناتن من زواوة فَنزل على شيختهم شمسي من بني
(3/133)

عبد الصَّمد مِنْهُم وَكَانَت هَذِه الْمَرْأَة قد ملكتهم وغلبت عَلَيْهِم بقومها ورجالها وَكَانَ لَهَا بنُون عشرَة فاستفحل أمرهَا بهم وَلما نزل عَلَيْهَا الجزار الْمَذْكُور وانتسب لَهَا إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن قَامَت بأَمْره وشمرت عزائمها لإجارته وحملت قَومهَا على طَاعَته وشاع فِي النَّاس خَبره فَمن مُصدق وَمن مكذب وسرب السُّلْطَان أَبُو الْحسن الْأَمْوَال فِي قَومهَا وبنيها على إِسْلَامه إِلَيْهِ فَأَبت ثمَّ نمى إِلَيْهَا الْخَبَر بكذبه وتمويهه فنبذت إِلَيْهِ عَهده وَخرج عَنْهَا إِلَى بِلَاد الْعَرَب فلحق بالذواودة أُمَرَاء ريَاح من بني هِلَال وَنزل على سيدهم يَعْقُوب بن عَليّ وانتسب لَهُ فِي مصل ذَلِك فأجاروه إِن صدق نسبه وأوعز السُّلْطَان أَبُو الْحسن إِلَى صهره أبي بكر الحفصي فِي شَأْن الجزار فَبعث الحفصي إِلَى يَعْقُوب بن عَليّ فِي ذَلِك فأشخصه إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن مَعَ بعض حَاشِيَته فلحق بِهِ بمكانه بسبتة يُرِيد الْجِهَاد فامتحنه وقطعه من خلاف وانحسم داؤه وَبَقِي الْمغرب تَحت جراية من الدولة إِلَى أَن هلك فِي بعض السنين وَأما الْأَمِير أَبُو عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهُ لما سجن بوجدة بَقِي هُنَالك إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَوَثَبَ ذَات يَوْم بالسجان فَقتله واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْحسن فأنفذ حَاجِبه عَلان بن مُحَمَّد فَقضى عَلَيْهِ رحم الله الْجَمِيع
أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن فِي الْجِهَاد وَمَا كَانَ من وقْعَة طريف الَّتِي محص الله فِيهَا الْمُسلمين وَغير ذَلِك

لما فرغ السُّلْطَان أَبُو الْحسن من شَأْن عدوه وعلت على الْأَيْدِي يَده وَانْفَسَحَ نطاق ملكه دَعَتْهُ همته إِلَى الْجِهَاد وَكَانَ كلفا بِهِ فأوعز إِلَى ابْنه الْأَمِير أبي مَالك أَمِير الثغور الأندلسية سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة بِالدُّخُولِ إِلَى دَار الْحَرْب وجهز إِلَيْهِ العساكر من حَضرته وأنفذ إِلَيْهِ الوزراء فشخص أَبُو مَالك غازيا وتوغل فِي بِلَاد النَّصْرَانِيَّة واكتسحها وَخرج بِالسَّبْيِ والغنائم إِلَى أدنى صدر من أَرضهم وأناخ بهَا فاتصل بِهِ الْخَبَر أَن النَّصَارَى قد جمعُوا لَهُ وَأَنَّهُمْ
(3/134)

أغذو السّير فِي اتِّبَاعه فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمَلأ بِالْخرُوجِ من أَرضهم وعبور الْوَادي الَّذِي كَانَ تخما بَين أَرض الْمُسلمين وَدَار الْحَرْب ويتحيز إِلَى مدن الْمُسلمين فَيمْتَنع بهَا فلج فِي إبايته وصمم على التَّعْرِيس وَكَانَ قرما ثبتا إِلَّا أَنه غير بَصِير بِالْحَرْبِ لصِغَر سنه فصحبتهم عَسَاكِر النَّصْرَانِيَّة فِي مضاجعهم قبل أَن يركبُوا وخالطوهم فِي بياتهم وأدركوا الْأَمِير أَبَا مَالك بِالْأَرْضِ قبل أَن يَسْتَوِي على فرسه فجدلوه واستلحموا الْكثير من قومه واحتووا على المعسكر بِمَا فِيهِ من أَمْوَال الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ وَرَجَعُوا على اعقابهم واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْحسن فتفجع لهلاك ابْنه واسترحم لَهُ واحتسب عِنْد الله أجره ثمَّ أنفذ وزراءه إِلَى سواحل الْمغرب لتجهيز الأساطيل وَفتح ديوَان الْعَطاء وَعرض الْجنُود وأزاح عللهم واستنفر أهل الْمغرب كَافَّة ثمَّ ارتحل إِلَى سبتة ليباشر أَحْوَال الْجِهَاد وتسامعت بِهِ أُمَم النَّصْرَانِيَّة فَاسْتَعدوا للدفاع وَأخرج الطاغية أسطوله إِلَى الزقاق ليمنع السُّلْطَان من الْإِجَازَة واستحث السُّلْطَان أساطيل الْمُسلمين من مراسي الْمغرب وَبعث إِلَى أصهاره الحفصيين بتجهيز أسطولهم إِلَيْهِ فعقدوا عَلَيْهِ لزيد بن فَرِحُونَ قَائِد أسطول بجاية ووافى سبتة فِي سِتَّة عشر أسطولا من أساطيل إفريقية كَانَ فِيهَا من طرابلس وَقَابِس وجربة وتونس وبونة وبجاية وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز الْمِائَة وَعقد السُّلْطَان عَلَيْهَا لمُحَمد بن عَليّ العزفي الَّذِي كَانَ صَاحب سبتة يَوْم فتحهَا أَيَّام السُّلْطَان أبي سعيد وَأمره بمناجزة أسطول النَّصَارَى بالزقاق وَقد تَكَامل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهروا فِي السِّلَاح وزحفوا إِلَى أسطول النَّصَارَى وتواقفوا مَلِيًّا ثمَّ قربوا الأساطيل بَعْضهَا من بعض وقرنوها للمصاف فَلم يمض إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى هبت ريح النَّصْر وأظفر الله الْمُسلمين
(3/135)

بعدوهم وخالطوهم فِي أساطيلهم واستلحموهم هبرا بِالسُّيُوفِ وطعنا بِالرِّمَاحِ وألقوا أشلاءهم فِي اليم وَقتلُوا قائدهم الملند وَاسْتَاقُوا أساطيلهم مجنوبة إِلَى مرسى سبتة فبرز النَّاس لمشاهدتها وطيف بِكَثِير من رؤوسهم فِي جَوَانِب الْبَلَد ونظمت أصفاد الأسرى بدار الْإِنْشَاء وَعظم الْفَتْح وَجلسَ السُّلْطَان للتهنئة وَأنْشد الشُّعَرَاء بَين يَدَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم السبت سادس شَوَّال سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة فَكَانَ من أعز أَيَّام الْإِسْلَام ثمَّ شرع السُّلْطَان أَبُو الْحسن فِي إجَازَة العساكر من المتطوعة والمرتزقة وانتظمت الأساطيل سلسلة وَاحِدَة من العدوة إِلَى العدوة وَلما تكاملت العساكر بالعبور وَكَانَت نَحْو سِتِّينَ ألفا أجازهو فِي أسطوله مَعَ خاصته وحشمه آخر سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَنزل بِسَاحَة طريف وأناخ عَلَيْهَا ثَالِث محرم من السّنة بعْدهَا وَشرع فِي منازلتها ووافاه سُلْطَان الأندلس أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن الْأَحْمَر فِي عَسْكَر الأندلس من غزَاة بني مرين وحامية الثغور ورجالة البدو فعسكروا حذاء مُعَسْكَره وَأَحَاطُوا بطريف نطاقا وَاحِدًا وأنزلوا بهَا أَنْوَاع الْقِتَال ونصبوا عَلَيْهَا الْآلَات وجهز الطاغية أسطولا آخر اعْترض بِهِ الزقاق لقطع الْمرَافِق عَن المعسكر وَطَالَ مقَام الْمُسلمين بمكانهم حول طريف ففنيت أَزْوَادهم وَقلت العلوفات فوهن الظّهْر واختلت أَحْوَالهم ثمَّ احتشد الطاغية أُمَم النَّصْرَانِيَّة وَظَاهره البرتقال صَاحب أشبونة وَغرب الأندلس وزحفوا إِلَى الْمُسلمين لسِتَّة أشهر من نزولهم على طريف وَلما قرب الطاغية من معسكر الْمُسلمين سرب إِلَى طريف جَيْشًا من النَّصَارَى أكمنه بهَا إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ فَدَخَلُوهَا لَيْلًا على حِين غَفلَة من العسس الَّذين أرصدوا لَهُم وأحسوا بهم آخر اللَّيْل فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أَعْقَابهم قبل دُخُول الْبَلَد فَقتلُوا مِنْهُم عددا وَقد نجا أَكْثَرهم فلبسوا على السُّلْطَان أَنه لم يدْخل الْبَلَد سواهُم حذرا من سطوته ثمَّ زحف الطاغية من الْغَد فِي جموعه إِلَى الْمُسلمين وعبأ السُّلْطَان مواكبه صُفُوفا وتزاحفوا وَلما نشبت الْحَرْب برز الْجَيْش الكمين من الْبَلَد وَهُوَ الَّذِي
(3/136)

دخل لَيْلًا وخالفوا الْمُسلمين إِلَى معسكرهم وعمدوا إِلَى فسطاط السُّلْطَان فدافعهم عَنهُ الناشبة الَّذين كَانُوا على حراسته فاستلحموهم لقلتهم ثمَّ دافعهم النِّسَاء عَن أنفسهم فقتلوهن كَذَلِك وخلصوا إِلَى حظايا السُّلْطَان مِنْهُنَّ عَائِشَة بنت عَمه أبي بكر بن يَعْقُوب بن عبد الْحق وَفَاطِمَة بنت السُّلْطَان أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي وَغَيرهمَا من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن ومثلوا بِهن وانتهبوا سَائِر الْفسْطَاط وأضرموا المعسكر نَارا ثمَّ أحس الْمُسلمُونَ بِمَا وَرَاءَهُمْ فِي معسكرهم فاختل مَصَافهمْ وَارْتَدوا على أَعْقَابهم بعد أَن كَانَ تاشفين ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن صمم فِي طَائِفَة من قومه وحاشيته حَتَّى خالطهم فِي صفوفهم فأحاطوا بِهِ وتقبضوا عَلَيْهِ وَعظم الْمُصَاب بأسره وَكَانَ الْخطب على الْإِسْلَام قَلما فجع بِمثلِهِ وَذَلِكَ ضحوة يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَولى السُّلْطَان أَبُو الْحسن متحيزا إِلَى فِئَة الْمُسلمين وَاسْتشْهدَ كثير من الْغُزَاة وَتقدم الطاغية حَتَّى انْتهى إِلَى فسطاط السُّلْطَان من الْمحلة فَأنْكر قتل النِّسَاء والولدان وَكَانَ ذَلِك مُنْتَهى أَثَره ثمَّ انكفأ رَاجعا إِلَى بِلَاده وَلحق ابْن الْأَحْمَر بغرناطة وخلص السُّلْطَان أَبُو الْحسن إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ مِنْهَا إِلَى جبل الْفَتْح ثمَّ ركب الأسطول إِلَى سبتة فِي لَيْلَة غده ومحص الله الْمُسلمين وأجزل ثوابهم
اسْتِيلَاء الْعَدو على الجزيرة الخضراء

لما رَجَعَ الطاغية من طريف استأسد على الْمُسلمين بالأندلس وطمع فِي التهامهم وَجمع عَسَاكِر النَّصْرَانِيَّة ونازل أَولا قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعَلى مرحلة مِنْهَا وَجمع الْآلَات وَالْأَيْدِي على حصارها وَأخذ بمخنقها فَأَصَابَهُمْ الْجهد من الْعَطش فنزلوا على حِكْمَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وأدال الله الطّيب مِنْهَا بالخبيث وَانْصَرف الطاغية إِلَى بِلَاده وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن لما أجَاز إِلَى سبتة أَخذ نَفسه بِالْعودِ إِلَى الْجِهَاد لرجع الكرة فَأرْسل فِي الْمَدَائِن حاشرين وَأخرج قواده إِلَى سواحل الْمغرب لتجهيز الأساطيل فتكامل
(3/137)

لَهُ مِنْهَا عدد مُعْتَبر ثمَّ ارتحل إِلَى سبتة لمشارفة ثغور الأندلس وَقدم عساكره إِلَيْهَا مَعَ وزيره عَسْكَر بن تاحضريت وَعقد على الجزيرة الخضراء لمُحَمد بن الْعَبَّاس بن تاحضريت من قرَابَة الْوَزير وَبعث إِلَيْهَا مدَدا من الْعَسْكَر مَعَ مُوسَى بن إِبْرَاهِيم اليريناني من المرشحين للوزارة نِيَابَة وَبلغ الطاغية خَبره فَجهز أسطوله وأجراه إِلَى بَحر الزقاق لمدافعته وتلاقت الأساطيل ومحص الله الْمُسلمين وَاسْتشْهدَ مِنْهُم أعداد وتغلب اسطول الطاغية على بَحر الزقاق فملكه دون الْمُسلمين وَأَقْبل الطاغية من إشبيلية فِي عَسَاكِر النَّصْرَانِيَّة حَتَّى أَنَاخَ بهَا على الجزيرة الخضراء مرفأ أساطيل الْمُسلمين وفرضة الْمجَاز وَرَجا أَن ينظمها فِي مَمْلَكَته مَعَ جارتها طريف وَحشر الفعلة والصناع للآلات وَجمع الْأَيْدِي عَلَيْهَا وطاولها الْحصار وَاتخذ أهل المعسكر بُيُوتًا من الْخشب للمطاولة وَجَاء السطلان أبوالحجاج بن الْأَحْمَر بعساكر الأندلس فَنزل قبالة الطاغية بِظَاهِر جبل الْفَتْح فِي سَبِيل الممانعة وَأقَام السُّلْطَان أَبُو الْحسن بمكانه من سبتة يسرب إِلَى أهل الجزيرة المدد من الفرسان وَالْمَال والقوت فِي أَوْقَات الْغَفْلَة من أساطيل الْعَدو تَحت جنَاح اللَّيْل وَأُصِيب كثير من الْمُسلمين فِي ذَلِك وَلم يغن على أهل الجزيرة ذَلِك المدد شَيْئا وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحصار وأصابهم الْجهد وَأَجَازَ السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن يفاوضه فِي شَأْن السّلم مَعَ الطاغية بعد أَن أذن الطاغية لَهُ فِي الْإِجَازَة مكرا بهَا وأصدر لَهُ بعض الأساطيل فِي طَرِيقه فَصَدَّقَهُمْ الْمُسلمُونَ الْقِتَال وخلصوا إِلَى السَّاحِل بعد غص الرِّيق وَضَاقَتْ أَحْوَال أهل الجزيرة وَمن كَانَ بهَا من عَسْكَر السُّلْطَان فسألوا الطاغية الْأمان على أَن ينزلُوا لَهُ عَن الْبَلَد فبذله لَهُم وَخَرجُوا فوفى لَهُم وأجازوا إِلَى الْمغرب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فأنزلهم السُّلْطَان ببلاده على خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة مَا عوضهم بِمَا فاتهم وخلع عَلَيْهِم وَحَملهمْ ووصلهم بِمَا تحدث النَّاس بِهِ وتقبض على وزيره عَسْكَر بن تاحضريت عُقُوبَة لَهُ على تَقْصِيره فِي المدافعة مَعَ تمكنه مِنْهَا وانكفأ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَاجعا إِلَى حَضرته موقنا بِظُهُور أَمر الله وإنجاز وعده وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ
(3/138)

بَقِيَّة أَخْبَار بني أبي الْعَلَاء

قد تقدم لنا أَن عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء كَانَ يَلِي مشيخة الْغُزَاة بالأندلس وَأَنه اسْتشْهد سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَقَامَ بأَمْره ابْنه أَبُو ثَابت فاستحوذ بعصبيته وَقَومه على بني الْأَحْمَر فَقتلُوا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مِنْهُم مرجعه من فتح جبل الْفَتْح ونصبوا لِلْأَمْرِ أَخَاهُ يُوسُف بن إِسْمَاعِيل حَسْبَمَا تقدم الإلماع بذلك ثمَّ إِن السُّلْطَان أَبَا الْحجَّاج هَذَا بَقِي بَين جَنْبَيْهِ دَاء دخيل من بني أبي الْعَلَاء الَّذين فتكوا بأَخيه فَلم يزل يسْعَى فِي أَمرهم حَتَّى قبض عَلَيْهِم وأودعهم المطبق ثمَّ غربهم إِلَى تونس فنزلوا على السُّلْطَان أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّا الحفصي واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْحسن فَكتب إِلَيْهِ باعتقالهم فَفعل ثمَّ بدا لَهُ فَبعث إِلَيْهِ مَعَ عريف الوزعة بِبَابِهِ مَيْمُون بن بكرون فِي إشخاصهم إِلَى حَضرته فتوقف الحفصي عَن ذَلِك وأبى من إخفار ذمتهم فَأَشَارَ عَلَيْهِ وزيره أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين ببعثهم إِلَيْهِ وَأَنه لَا يُرِيد بهم إِلَّا الْخَيْر فبعثهم وَبعث كِتَابه بالشفاعة فيهم فقدموا على السُّلْطَان أبي الْحسن مرجعه من الْجِهَاد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَتَلقاهُمْ بِالْبرِّ والكرامة إِكْرَاما لشفيعهم وأنزلهم بمعسكره وَحَملهمْ على الْخُيُول المسومة بالمراكب الثَّقِيلَة وَضرب لَهُم الفساطيط وأسنى لَهُم الْخلْع والجوائز وَفرض لَهُم فِي أَعلَى رتب الْعَطاء وصاروا فِي جملَته وَلما احتل بسبتة لمشارفة أَحْوَال الجزيرة الخضراء سعى عِنْده فيهم بِأَن كثيرا من المفسدين يداخلونهم فِي الْخُرُوج والتوثب على الْأَمر فتقبض عَلَيْهِم وأودعهم السجْن بمكناسة الزَّيْتُون واستمروا هُنَالك إِلَى أَن قَامَ أَبُو عنان فَأَطْلَقَهُمْ واستعان بهم على أمره حَسْبَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
(3/139)

مراسلة السُّلْطَان أبي الْحسن لصَاحب مصر أبي الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن قلاوون

قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن راسل الْملك النَّاصِر صَاحب مصر وهاداه بِمَا عظم وقعه عِنْد الْخَاصَّة والعامة واتصلت الْولَايَة بَينه وَبَين الْملك النَّاصِر إِلَى أَن هلك سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل فخاطبه السُّلْطَان أَبُو الْحسن أَيْضا وأتحفه وَعَزاهُ عَن أَبِيه وأوفد عَلَيْهِ كَاتبه وَصَاحب ديوَان الْخراج أَبَا الْفضل بن أبي عبد لله بن أبي مَدين وَفِي صحبته الْحرَّة أُخْت السُّلْطَان أبي الْحسن فَقضى من وفادته مَا حمل وأصحبه السُّلْطَان أَبُو الْحسن كتابا إِلَى الْملك الصَّالح أبي الْفِدَاء وَكَانَ وُصُوله إِلَى مصر منتصف شعْبَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
وَنَصّ الْكتاب بعد الْبَسْمَلَة وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عِنْد أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله رب الْعَالمين الْمَنْصُور بِفضل الله المتَوَكل عَلَيْهِ الْمُعْتَمد فِي جَمِيع أُمُوره لَدَيْهِ سُلْطَان البرين حامي العدوتين مُؤثر المرابطة والمثاغرة موازر حزب الْإِسْلَام حق الموازرة نَاصِر الْإِسْلَام مظَاهر دين الْملك العلام ابْن أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين فَخر السلاطين حامي حوزة الدّين ملك البرين إِمَام العدوتين ممهد الْبِلَاد مبدد شَمل الأعاد مجند الْجنُود الْمَنْصُور الرَّايَات والبنود محط الرّحال مبلغ الآمال أبي سعيد ابْن أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين حَسَنَة الْأَيَّام حسام الْإِسْلَام أبي الْأَمْلَاك مشجي أهل العناد والإشراك مَانع الْبِلَاد رَافع علم الْجِهَاد مدوخ أقطار الْكفَّار مصرخ من ناداه للانتصار الْقَائِم لله بإعلاء دين الْحق أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق أخْلص الله لوجهه جهاده وَيسر فِي قهر عداة الدّين مُرَاده إِلَى مَحل ولدنَا الَّذِي طلع فِي أفق الْعلَا بَدْرًا تما وصدع بأنواع الفخار فَجلى ظلاما وظلما وَجمع شَمل المملكة الناصرية فأعلى مِنْهَا علما وأحيى رسما حَائِط الْحَرَمَيْنِ الْقَائِم بِحِفْظ الْقبْلَتَيْنِ باسط الْأمان قَابض كف
(3/140)

الْعدوان الجزيل النوال الْكَفِيل تأمينه بحياطة النُّفُوس وَالْأَمْوَال قطب الْمجد وسماكه حسب الْحَمد وملاكه السُّلْطَان الْجَلِيل الرفيع الْأَصِيل الحافل الْعَادِل الْفَاضِل الْكَامِل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المعان المؤزر الْمُؤَيد المظفر الْملك الصَّالح أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن مَحل أخينا الشهير علاؤة المستطير فِي الْآفَاق ثَنَاؤُهُ زين الْأَيَّام والليال كَمَال عين إناس الْمجد وإنسان عين الْكَمَال وَارِث الدول النافث بِصَحِيح رَأْيه فِي عُقُود أهل الْملَل والنحل حامي الْقبْلَتَيْنِ بعدله وحسامه النامي فِي حفظ الْحَرَمَيْنِ أجر اضطلاعه بذلك وقيامه هازم أحزاب المعاندين وجيوشها هَادِم الْكَنَائِس وَالْبيع فَهِيَ خاوية على عروشها السُّلْطَان الْأَجَل الْهمام الأحفل الأفخم الأضخم الْفَاضِل الْعَادِل الشهير الْكَبِير الرفيع الخطير الْمُجَاهِد المرابط المقسط عدله فِي الجائر والقاسط الْمُؤَيد المظفر الْمُنعم الْمُقَدّس المطهر زين السلاطين نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد بن الْملك الأرضى الْهمام الأمضى وَالِد السلاطين الأخيار عَاقد لِوَاء النَّصْر فِي قهر الأرمن والفرنج والتتار محيي رسوم الْجِهَاد معلي كلمة الْإِسْلَام فِي الْبِلَاد جمال الْأَيَّام ثمال الْأَعْلَام فاتح الأقاليم صَالح مُلُوك عصره المتقادم الإِمَام الْمُؤَيد الْمَنْصُور المسدد قسيم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا تقلد الْملك الْمَنْصُور سيف الدُّنْيَا وَالدّين قلاوون مكن الله لَهُ تَمْكِين أوليائه ونمى دولته الَّتِي أطلعها لَهُ السعد شمسا فِي سمائه وَأحسن إيزاعه للشكر أَن جعله وَارِث آبَائِهِ سَلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه وينافح نسيم الصِّبَا مجْرَاه يَصْحَبهُ رضوَان يَدُوم مَا دَامَت تقل الْفلك حركاته ويتولاه روح وَرَيْحَان تحييه بِهِ رَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد حمد الله مَالك الْملك جَاعل الْعَاقِبَة للتقوى صدعا بِالْيَقِينِ ودفعا للشَّكّ وخاذل من أسر النِّفَاق فِي النَّجْوَى فاصر على الدخن والإفك وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي محى بأنوار الْهدى ظلم الشّرك وَنبيه الَّذِي ختم بِهِ الْأَنْبِيَاء وَهُوَ وَاسِطَة ذَلِك السلك ودعا بِهِ حجَّة الْحق فمادت بالكفرة مَحْمُولَة الأفلاك وَمَاجَتْ بهم حاملة الْفلك وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين سلكوا سَبِيل هداه فسلك فِي قُلُوبهم أجمل السلك وملكوا أعنه هواهم فلزموا من محجة الصَّوَاب أنجح السلك وَصَابِرُوا فِي جِهَاد
(3/141)

الْأَعْدَاء فَزَاد خلوصهم مَعَ الِابْتِلَاء وَالذَّهَب يزِيد خلوصا على السبك وَالدُّعَاء لأولياء الْإِسْلَام وحماته الْأَعْلَام بنصر لمضائه فِي العدي أعظم الفتك وَيسر بِقَضَائِهِ دَرك آمال الظُّهُور وأحفل بذلك الدَّرك فَكَتَبْنَاهُ إِلَيْكُم كتب الله لكم رسوخ الْقدَم وسبوغ النعم من حضرتنا مَدِينَة فاس المحروسة وصنع الله سُبْحَانَهُ يعرف مَذَاهِب الألطاف ويكيف مواهب تلهج الْأَلْسِنَة فِي الْقُصُور عَن شكرها بالاعتراف وَيصرف من أمره الْعَظِيم وقضائه المتلقى بِالتَّسْلِيمِ مَا يتكون بَين النُّون وَالْكَاف ومكانكم العتيد سُلْطَانه وسلطانكم الْمجِيد مَكَانَهُ وولاؤكم الصَّحِيح برهانه وعلاؤكم الفسيح فِي مجَال الْجلَال ميدانه وَإِلَى هَذَا زَاد الله سلطانكم تمكينا وَأفَاد مقامكم تحصينا وتحسينا وسلك بكم من سنَن من خلفتموه سَبِيلا مُبينًا فَلَا خَفَاء بِمَا كَانَت عقدته أَيدي التَّقْوَى ومهدته الرسائل الَّتِي على الصفاء تطوى بَيْننَا وَبَين والدكم نعم الله روحه وقدسه وبقربه مَعَ الْأَبْرَار فِي عليين أنسه من مؤاخاة أحكمت مِنْهَا العهود تالية الْكتب والفاتحة وَحفظ عَلَيْهَا مُحكم الْإِخْلَاص معوذاتها الْمحبَّة وَالنِّيَّة الصَّالِحَة فانعقدت على التَّقْوَى والرضوان واعتضدت بتعارف الْأَرْوَاح عِنْد تنازح الْأَبدَان حَتَّى استحكمت وصلَة الْوَلَاء والتأمت كلحمة النّسَب لحْمَة الإخاء فَمَا كَانَ إِلَّا وشيكا من الزَّمَان وَلَا عجب قصر زمن الوصلة أَن يشكوه الخلان ورد وَارِد أورد رنق المشارب وحقق قَول وَمن يسْأَل الركْبَان عَن كل غَائِب أنبأ باستثارة الله تَعَالَى بِنَفسِهِ الزكية وإكنان درته السّنيَّة وانقلابه إِلَى مَا أعد لَهُ من الْمنَازل الرضوانية بجليل مَا وقر لفقده فِي الصُّدُور وعظيم مَا تأثرت لَهُ النُّفُوس لوُقُوع ذَلِك الْمَقْدُور حنانا لِلْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الأقطار وإشفاقا من أَن يعتور قاصدي بَيت الله الْحَرَام من جراء الْفِتَن عَارض الْإِضْرَار ومساهمة فِي مصاب الْملك الْكَرِيم وَالْوَصِيّ الْحَمِيم ثمَّ عميت الْأَخْبَار وطويت طي السّجل الْآثَار فَلم نر مخبرا صدقا وَلَا معلما بِمن اسْتَقر لَهُ ذَلِكُم الْملك حَقًا وَفِي أثْنَاء ذَلِك حفزنا للحركة عَن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها وتواتر الْأَخْبَار بِأَن النَّصَارَى أَجمعُوا على خراب أوطانها وَنحن أثْنَاء ذَلِك الشَّأْن نستخبر الوراد من تلكم الْبلدَانِ عَمَّا أجلى عَنهُ ليل الْفِتَن بتلكم الأوطان فَبعد لأي
(3/142)

وقعنا مِنْهَا على الْخَبِير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير وتعرفنا أَن الْملك اسْتَقر مِنْكُم فِي نصابه وتداركه الله تَعَالَى مِنْكُم بفاتح الْخَيْر من أبوابه فأطفأ بكم نَار الْفِتْنَة وأخمدها مِنْهُ أدواء النِّفَاق مَا أعل الْبِلَاد وأفسدها فَقَامَ سَبِيل الْحَج سابلا وَعبر طَرِيقه لمن جَاءَ قَاصِدا وقافلا وَلما احتفت بِهَذَا الْخَبَر الْقَرَائِن وتواتر بِنَقْل الْحَاضِر المعاين أثار حفظ الإعتقاد البواعث والود الصَّحِيح تجره حَقًا الموارث فأصدرنا لكم هَذِه المخاطبة المتفننة الأطوار الجامعة بَين الْخَبَر والإستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار وَمثل ذَلِك الْملك رضوَان الله عَلَيْهِ من تجل المصائب لفقدانه وَتحل عرى الإصطبار بِمَوْتِهِ ولات حِين أَوَانه وَلَكِن الصَّبْر اجمل مَا ارتداه ذُو عقل حُصَيْن وَالْأَجْر أولى مَا اقتناه ذُو دين متين ومثلكم من لَا يخف وقاره وَلَا يشف عَن ظُهُور الْجزع الْحَادِث اصطباره وَمن خلفتموه فَمَا مَاتَ ذكره وَمن قُمْتُم بأَمْره فَمَا زَالَ بل زَاد فخره وَقد طَالَتْ وَالْحَمْد لله العيشه الراضية بالحقب وطاب بَين مبداه ومحتضره هَنِيئًا بِمَا من الْأجر اكْتسب وَصَارَ حميدا إِلَى خير مُنْقَلب ووفد من كرم الله على أفضل مَا منح موقنا ووهب فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة وحماية زوار بَيته مقيلة أَو معرسة وَنحن بعد بسط هَذِه التَّعْزِيَة نهنيكم بِمَا خولكم الله أجمل التهنية وَفِي ذَات الله الْإِيرَاد والإصدار وَفِي مرضاته سُبْحَانَهُ الْإِضْمَار والإظهار فَاسْتَقْبلُوا دولة ألْقى الْعِزّ عَلَيْهَا رواقه وَعقد الظُّهُور عَلَيْهَا نطاقه وَأَعْطَاهُ أَمَان الزَّمَان عقده وميثاقه وَنحن على مَا عاهدنا عَلَيْهِ الْملك النَّاصِر رضوَان الله عَلَيْهِ من عهود موثقة وموالاة مُحَققَة وثناء كمائمه عَن أذكى من الزهر غب الْقطر مفتقه وَلم يغب عَنْكُم مَا كَانَ من بعثنَا المصحفين الأكرمين اللَّذين خطتهما منا الْيَمين وآوت بهما الرَّغْبَة من الْحَرَمَيْنِ الشريفين إِلَى قَرَار مكين وَإنَّهُ كَانَ لوالدكم الْملك النَّاصِر تولاة الله برضونه وَأوردهُ موارد إحسانه فِي ذَلِكُم من الْفِعْل الْجَمِيل والصنع الْجَلِيل مَا ناسب مَكَانَهُ الرفيع وشاكل فَضله من الْبر الَّذِي لَا يضيع حَتَّى طبق فعله الْآفَاق ذكرا وطوق أَعْنَاق الوراد والقصاد برا وَكَانَ من أجمل مَا بِهِ تحفى وأتحف وَأعظم مَا بعرفه إِلَى الْملك العلام فِي ذَلِك تعرف إِذْنه
(3/143)

للمتوجهين إِذا ذَاك فِي شِرَاء رباع توقف على المصحفين ورسم المراسم الْمُبَارَكَة بتحرير ذَلِك الْوَقْف مَعَ اخْتِلَاف الجديدين فجرت أَحْوَال الْقُرَّاء فِيهَا بذلك الْخراج السمتفاد ريثما يصلهم من خراج مَا وقفناه عَلَيْهِم بِهَذِهِ الْبِلَاد على مَا رسمه رَحْمَة الله عَلَيْهِ من عناية بِهِ مُتَّصِلَة واحترام فِي تِلْكَ الْأَوْقَاف فوائدها بِهِ متوفرة متحصلة وَقد أمرنَا مؤدي هَذَا لَكمَا لكم وموفده على جلالكم كاتبنا الْأَسْنَى الْفَقِيه الْأَجَل الأحظى الْأَكْمَل أَبَا الْمجد ابْن كاتبنا الشَّيْخ الْفَقِيه الْأَجَل الْحَاج الأتقى الأرضى الْأَفْضَل الأحظى الْأَكْمَل المرحوم أبي عبد الله بن أبي مَدين حفظ الله عَلَيْهِ رتبته وَيسر فِي قصد الْبَيْت الْحَرَام بغيته بِأَن يتفقد أَحْوَال تِلْكَ الْأَوْقَاف ويتعرف تصرف النَّاظر عَلَيْهَا وَمَا فعله من سداد وإسراف وَأَن يتَخَيَّر لَهَا من يرتضي لذَلِك ويحمد تصرفه فِيمَا هُنَالك وخاطبنا سلطانكم فِي هَذَا الشَّأْن جَريا على الود الثَّابِت الْأَركان وإعلاما بِمَا لوالدكم رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذَلِك من الْأَفْعَال الحسان وكما لكم يَقْتَضِي تخليد ذَلِكُم الْبر الْجَمِيل وتجديد علم ذَلِك الْملك الْجَلِيل وتشييد مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الشِّرَاء الْأَصِيل وَالْأَجْر الجزيل والتقدم بِالْإِذْنِ السلطاني فِي إِعَانَة هَذَا الْوَافِد بِهَذَا الْكتاب على مَا يتوخاه فِي ذَلِك الشَّأْن من طرق الصَّوَاب وثناؤنا عَلَيْكُم الثَّنَاء الَّذِي يفاوح زهر الرِّبَا ويطارح نغم حمام الأيك مطربا وبحسب المصافاة وَمُقْتَضى الْمُوَالَاة نشرح لكم المتزايدات بِهَذِهِ الْجِهَات وننبئكم بِمُوجب إبطاء إِنْفَاذ هَذَا الْخطاب على ذَلِكُم الجناب وَذَلِكَ أَنه لما وصلنا من الأندلس الصَّرِيخ ونادى منا للْجِهَاد عزما لمثل ندائه يصيخ أَنبأَنَا أَن الْكفَّار قد جمعُوا أحزابهم من كل صوب وَفرض عَلَيْهِم باباهم اللعين التناصر من كل أَوب وَأَن تقصد طوائفهم الْبِلَاد الأندلسية بإيجافها وتنقص بالمنازلة أرْضهَا من أطرافها ليمحو كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا ويقلصوا ظلّ الْإِيمَان عَنْهَا فقدمنا من يشْتَغل بالأساطيل من القواد وسرنا على اثرهم إِلَى سبتة مُنْتَهى الغرب الْأَقْصَى وَبَاب الْجِهَاد فَمَا وصلناها إِلَّا وَقد أَخذه الْعَدو الكفور وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجَاز العبور وَأتوا من أجفانهم بِمَا لَا يُحْصى عددا وأرصدوها بمجمع الْبَحْرين حَيْثُ الْمجَاز إِلَى دفع العدا وتقلصوا عَن
(3/144)

الانبساط فِي الْبِلَاد واجتمعوا إِلَى الجزيرة الخضراء أَعَادَهَا الله بِكُل من جَمَعُوهُ من الأعاد لَكنا مَعَ انسداد تِلْكَ السَّبِيل وَعدم أُمُور نستعين بهَا فِي ذَلِكُم الْعَمَل الْجَلِيل حاولنا إمداد تلكم الْبِلَاد بِحَسب الْجهد وأصرخناهم بِمَا أمكن من الْجند وجهزنا أجفانا مختلسين فرْصَة الْإِجَازَة تَتَرَدَّد على خطر بِمن جهز للْجِهَاد جهازه وأمرنا لصَاحب الأندلس من المَال بِمَا يُجهز بِهِ حركته لمداناة محلّة حزب الضلال وأجرينا لَهُ ولجيشه الْعَطاء الجزل مشاهرة وأرضخنا لَهُم من النوال مَا نرجو بِهِ ثَوَاب الْآخِرَة وَجعلت أجفاننا تَتَرَدَّد فِي مينا السواحل وتلج أَبْوَاب الْخَوْف العاجل لإحراز الْأَمْن الآجل مشحونة بِالْعدَدِ الموفورة والأبطال الْمَشْهُورَة وَالْخَيْل المسومة والأقوات المقومة فَمن نَاجٍ حَارب دونه الْأَجَل وشهيد مضى لما عِنْد الله عز وَجل وَمَا زَالَت الأجفان تَتَرَدَّد على ذَلِك الْخطر حَتَّى تلف مِنْهَا سبع وَسِتُّونَ قِطْعَة غزوية أجرهَا عِنْد الله يدّخر ثمَّ لم نقنع بِهَذَا الْعَمَل فِي الْإِمْدَاد فَبَعَثنَا أحد أَوْلَادنَا أسعدهم الله مساهمة بِهِ لأهل تِلْكَ الْبِلَاد فلقي من هول الْبَحْر وارتجاجه وإلحاح الْعَدو ولجاجه مَا بِهِ الْأَمْثَال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب وَلما خلص لتِلْك العدوة بِمن أبقته الشدائد نزل بِإِزَاءِ الْكَافِر الجاحد حَتَّى كَانَ مِنْهُ بفرسخين أَو أدنى وَقد ضرب بِعَطَن يصابح الْعَدو ويماسيه بِحَرب بهَا يمنى وَقد كَانَ من مددنا بالجزيرة جَيش شريت شرارته وقويت فِي الْحَرْب إدارته يبلون الْبلَاء الأصدق وَلَا يبالون بالعدو وهم مِنْهُ كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاء فِي الْبَعِير الأورق إِلَّا أَن المطاولة بحصارها فِي الْبَحْر مُدَّة ثَلَاثَة أَعْوَام وَنصف ومنازلتها فِي الْبر نَحْو عَاميْنِ معقودا عَلَيْهَا الصَّفّ بالصف أدّى إِلَى فنَاء الأقوات فِي الْبَلَد حَتَّى لم يبْق لأهليه قوت شهر مَعَ انْقِطَاع المدد وَبِه من الْخلق مَا يربى على عشرَة آلَاف دون الْحرم وَالْولد فَكتب إِلَيْنَا سُلْطَان الأندلس يرغب فِي الْأذن لَهُ فِي عقد الصُّلْح وَوَقع الِاتِّفَاق على أَنه لاستخلاص الْمُسلمين من وُجُوه النجع فأذنا لَهُ فِيهِ الْإِذْن الْعَام إِذْ فِي إصراخه وإصراخ من بقطره من الْمُسلمين توخينا ذَلِك المرام هُنَالك دَعَا النَّصَارَى إِلَى السّلم فاستجابوا وَقد كَانُوا علمُوا فنَاء الْقُوت وَمَا استرابوا فتم الصُّلْح إِلَى عشر سِنِين وَخرج من بهَا من فرسَان
(3/145)

وَرِجَال وَأهل وبنين وَلَا رزئوا مَالا وَلَا عدَّة وَلَا لقوا فِي خُرُوجهمْ غير النزوح عَن أول أَرض مس الْجلد ترابها شدَّة ووصلوا إِلَيْنَا فأجزلنا لَهُم الْعَطاء وأسليناهم عَمَّا جرى بالحباء فَمن خيل تزيد على الْألف عتاقها وخلع تربى على عشرَة آلَاف أطواقها وأموال عَمت الْغَنِيّ وَالْفَقِير ورعاية شملت الْجَمِيع بالعيش النَّضِير كف الله ضرّ الطواغيت عَمَّا عَداهَا وَمَا انقلبوا بِغَيْر مَدَرَة عَفا رسمها وصم صداها وَقد كَانَ من لطف الله حِين قضى بِأخذ هَذَا الثغر أَن قدر لنا فتح جبل طَارق من أَيدي الْكفْر وَهُوَ المطل على هَذِه المدرة والفرصة مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى متيسرة حَتَّى يفرق عقد الْكفَّار ويفرج بِهَذِهِ الْجِهَة مِنْهُم مجاورو هَذِه الأقطار فلولا إجلابهم من كل جَانب وكونهم سدوا مَسْلَك العبور بِمَا لجميعهم من الأجفان والمراكب لما بالينا بأصفاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتِّفَاقهم وَلَكِن للموانع أَحْكَام وَلَا راد لما جرت بِهِ الأقلام وَقد أمرنَا لذَلِك الثغر بمزيد المدد وتخيرنا لَهُ ولسائر تِلْكَ الْبِلَاد الْعدَد وَالْعدَد وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السّفر ونرتبط الْجِيَاد وننتخب الْعدَد لوقت الظُّهُور المنتظر ونكون على أهبة الْجِهَاد وعَلى مرقبة الفرصة عِنْد تمكنها فِي الأعاد وَعند عودنا من تِلْكَ المحاولة نيسر الركب الْحِجَازِي موجها إِلَى هُنَاكُم رواحله فأصدرنا إِلَيْكُم هَذَا الْخطاب إصدار الود الْخَالِص وَالْحب اللّبَاب وَعِنْدنَا لكم مَا عِنْد أحنى الْآبَاء واعتقادنا فِيكُم فِي ذَات الله لَا يخْشَى جديده من الْبلَاء ومالكم من غَرَض بِهَذِهِ الأنحاء موفي قَصده على أكمل الْأَهْوَاء موَالِي تتميمه على أجمل الأراء والبلاد باتحاد الود متحدة والقلوب وَالْأَيْدِي على مَا فِيهِ مرضاة الله عز وَجل منعقدة جعل الله ذَلِكُم خَالِصا لرب الْعباد مدخورا ليَوْم التناد مسطورا فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة يَوْم الْمعَاد بمنه وفضله هُوَ سُبْحَانَهُ يصل إِلَيْكُم سَعْدا تتفاخر بِهِ سعود الْكَوَاكِب وتتضافر على الانقياد لَهُ صُدُور المواكب وتتقاصر عَن نيل مجده متطاولات المناكب وَالسَّلَام الأتم يخصكم كثيرا أثيرا وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَكتب فِي يَوْم الْخَمِيس السَّادِس وَالْعِشْرين لشهر صفر الْمُبَارك من عَام خَمْسَة وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَصُورَة الْعَلامَة وَكتب فِي التَّارِيخ المؤرخ
(3/146)

قَالَ ابْن خلدون فَقضى أَبُو الْفضل بن أبي عبد الله بن ابي مَدين من وفادته مَا حمل وَكَانَ شَأْنه عجبا فِي إِظْهَار أبهة سُلْطَانه والإنفاق على الْمُسْتَضْعَفِينَ من إلحاج فِي طَرِيقه وإتحاف رجال الدولة التركية بِذَات يَده وَالتَّعَفُّف عَمَّا فِي أَيْديهم رَحمَه الله وَقَالَ الْعَلامَة المقريزي وَفِي منتصف شعْبَان من سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قدمت الْحرَّة أُخْت صَاحب الْمغرب فِي جمَاعَة كَثِيرَة وعَلى يَدهَا كتاب السُّلْطَان أبي الْحسن يتَضَمَّن السَّلَام وَأَن يَدْعُو لَهُ الخطباء فِي يَوْم الْجُمُعَة ومشايخ الصّلاح وَأهل الْخَيْر بالنصر على عدوهم وَيكْتب إِلَى أهل الْحَرَمَيْنِ بذلك اه وَلَعَلَّ هَذَا الْكتاب آخر غير الَّذِي سردناه يتَضَمَّن مَا ذكره وَالله أعلم
ونشخة الْجَواب عَن الْكتاب الَّذِي سردناه من إنْشَاء خَلِيل الصَّفَدِي شَارِح لآمية الْعَجم بعد الْبَسْمَلَة فِي قطع النّصْف بقلم الثُّلُث عبد الله ووليه صُورَة الْعَلامَة وَلَده إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد السُّلْطَان الْملك الصَّالح السَّيِّد الْعَالم الْعَادِل الْمُؤَيد الْمُجَاهِد المرابط المظفر الْمَنْصُور عماد الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين محيي الْعدْل فِي الْعَالمين منصف المظلومين من الظَّالِمين وَارِث الْملك ملك الْعَرَب والعجم وَالتّرْك فاتح الأقطار واهب الممالك والأمصار إسكندر الزَّمَان مملك أَصْحَاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان ظلّ الله فِي أرضه الْقَائِم بسنته وفرضه مَالك الْبَحْرين خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشريفين سيد الْمُلُوك والسلاطين جَامع كلمة الْمُوَحِّدين ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن السُّلْطَان الشَّهِيد السعيد الْملك النَّاصِر نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن السُّلْطَان الشَّهِيد السعيد الْملك الْمَنْصُور سيف الدُّنْيَا وَالدّين قلاوون خلد الله تَعَالَى سُلْطَانه وَجعل الْمَلَائِكَة أنصاره واعوانه يخص الْمقَام العالي الْملك الْأَجَل الْكَبِير الْمُجَاهِد الْمُؤَيد المرابط المثاغر الْمُعظم المكرم المظفر المعمر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد السّني السّري الْمَنْصُور أَبَا الْحسن عَليّ بن أَمِير الْمُسلمين أبي سعيد عُثْمَان بن أَمِير الْمُسلمين أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق أمده الله بالظفر وَقرن عزمه بالتأييد فِي الآصال وَالْبكْر سَلام وشت البروق وشائعه وادخرت الْكَوَاكِب ودائعه
(3/147)

واستوعب الزَّمَان ماضيه ومستقبله ومضارعه وثناء اتخذ النفحات المسكية طلائعه وَنبهَ بالتغريد فِي الرَّوْض سواجعه وجلى فِي كأسه من الشَّفق المحمر مدامه وَمن النُّجُوم فواقعه أما بعد حمد الله على نعم أدَّت لنا الْأَمَانَة فِي عود سلطنة والدنا الموروثة وأجلستنا على سَرِير مملكة زرابيها بَين النُّجُوم مبثوثة وأحسنت بِنَا الْخلف عَن سلف عهدوه فِي الْأَعْنَاق غير منكورة وَلَا منكوثة وَصلَاته على سيدنَا مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وعَلى آله وَصَحبه الَّذين بلغ بجهادهم فِي الْكَفَرَة غَايَة أمله وسؤله صَلَاة تحط بالرضوان سيولها وتجر بالغفران ذيولها مَا تراسل أَصْحَاب وتواصل أحباب فيوضح للْعلم الْكَرِيم وُرُود كتابكُمْ الْعَظِيم وخطابكم الْفَائِق على الدّرّ النظيم تفاخر الخمائل سطوره ويصبغ خد الْورْد بالخجل منثوره ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عَلَيْهَا طيوره ويخلع على الْآفَاق حلل الْأَيَّام والليالي فالطرس صباحه والنقس ديجوره لَفظه يطرب وَمَعْنَاهُ يعرب فيغرب وبلاغته تدل على أَنه آيَة لِأَن شمس بَيَانهَا طلعت من الْمغرب فاتخذنا سطوره ريحانا ورجعنا أَلْفَاظه ألحانا ورجعنا إِلَى الْجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح وورقه بصقال الصفاح وحروفه المفرقه بأفواه الْجراح وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة يَوْم الكفاح وانتهينا إِلَى مَا أودعتموه من اللَّفْظ المسجوع وَالْمعْنَى الَّذِي يطرب طَائِره المسموع والبلاغة الَّتِي فَضَح التطبع بَيَانهَا المطبوع فَأَما العزاء بأخيكم الْوَالِد قدس الله روحه وَسَقَى عَهده وَأحسن لسلفه خلفا بعده فلنا برَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة وَلَوْلَا الوثوق بِأَنَّهُ فِي عدَّة الشُّهَدَاء مَا رام الْقلب قراره وَلَا الطّرف وَسنة عَاشَ سعيدا يملك الأَرْض وَمَات شَهِيدا. 000 يفوز بِالْجنَّةِ يَوْم الْعرض قد خلد الله ذكره يسير مسير الشَّمْس فِي الْآفَاق وَيُوقف عِنْد نضارة حدائقه الأحداق وورثنا مِنْهُ حسن الآخاء لكم وَالْوَفَاء بعهود مَوَدَّة تشبه فِي اللطف شمائلكم وَأما الهناء بوراثة ملكه والإنخراط مَعَ الْمُلُوك فِي سلكه فقد شكرنا لكم منحى هَذِه المنحة وقابلناها بثناء يعطر النسيم فِي كل نفحه ووقفنا عَلَيْهَا حمدا جعل الود علينا إِيرَاده وعَلى أنفاس سرحة الرَّوْض شَرحه وتحققنا بِهِ حسن ودكم الْجَمِيل وكريم إخائكم الَّذِي لَا يميد طود رسوخه وَلَا يمِيل
(3/148)

وَأما مَا ذكرتموه من أَمر المصحفين الكريمين الشريفين الَّذين وقفتموهما على الْحَرَمَيْنِ المنيفين وَإِنَّكُمْ جهزتم كاتبكم الْفَقِيه الْأَجَل الْأَسْنَى الأسمى أَبَا الْمجد ابْن كاتبكم أبي عبد الله بن أبي مَدين أعزه الله لتفقد أحوالهما وَالنَّظَر فِي أَمر أوقافهما فقد وصل الْمَذْكُور بِمن مَعَه فِي حرز السَّلامَة وَأَكْرمنَا نزلهم وسهلنا بالترحيب سبلهم وجمعنا على بذل الْإِحْسَان إِلَيْهِم شملهم وَحضر الْمَذْكُور بَين أَيْدِينَا وقربناه وَسَمعنَا كَلَامه وخاطبناه وأمرنا فِي أَمر المصحفين الشريفين بِمَا أشرتم ورسمنا لنوابنا فِي توخي أوقافهما بِمَا ذكرْتُمْ وَهَذَا الْوَقْف المبرور جَار على أحسن عَادَة ألفها وَأثبت قَاعِدَة عرفهَا مرعي الجوانب محمي الْمنَازل وَالْمُضَارب آمن إِزَالَة رسمه أَو إذالة حكمه بدره أبدا فِي مطالع تمه وزهرة دَائِما يرقص فِي كمه لَا يزْدَاد إِلَّا تخليدا وَلَا إِطْلَاق ثُبُوته إِلَّا تقييدا وَلَا عنق اجْتِهَاده إِلَّا تقليدا جَريا على قَاعِدَة أوقاف ممالكنا وَعَادَة تصرفاتنا فِي مسالكنا وَله مزِيد الرِّعَايَة وإفادة الحماية ووفادة الْعِنَايَة وَأما مَا وصفتموه من أَمر الجزيرة الخضراء وَمَا لاقاه أَهلهَا ومني بِهِ من الْكفَّار حزنها وسهلها فَإِنَّهُ شقّ علينا سَمَاعه الَّذِي أنكى أهل الْإِيمَان وَعدد بِهِ نوب الزَّمَان كل قلب بأنامل الخفقان وطالما فزتم بالظفر ورزقتم النَّصْر على عَدوكُمْ فجر ذيل الْهَزِيمَة وفر وَلَكِن الْحَرْب سِجَال وكل زمَان لدوائره دولة ولرجائه رجال وَلَو أمكنت المساعدة لطارت بِنَا إِلَيْكُم عقبان الْجِيَاد المسومة وسالت على عَدوكُمْ أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة وكحلنا عين النُّجُوم بمراود الرماح وَجَعَلنَا ليل العجاج ممزقا ببروق الصفاح واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات وفرجنا مضايق الْحَرْب بتوالي الكرات وعطفنا عَلَيْهِم الأعنة وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة وفلقنا الصخرات بالصرخات وأسلنا العبرات بالرعبات وَلَكِن أَيْن الْغَايَة من هَذَا المدى المتطاول وَأَيْنَ الثريا من يَد المتناول وَمَا لنا غير إمدادكم بِجُنُود الدُّعَاء الَّذِي نرفعه نَحن ورعايانا والتوجه الصَّادِق الَّذِي تعرفه مَلَائِكَة الْقبُول من سجايانا أما مَا فقدتموه من
(3/149)

الأجفان الَّتِي طرقها طيف الْإِتْلَاف وَأم حرم فنائها الفناء وَطَاف بِهِ بعد الألطاف فقد روع هَذَا الْخَبَر قلب الْإِسْلَام وَنَوع لَهُ الْحزن على اخْتِلَاف الإصباح والإظلام وَهَذِه الدَّار لَا يَخْلُو صفوها من كدر الْقدر وطالما انامت بالأمن أول اللَّيْل وخاطبت بالخطب فِي السحر وَلَكِن فِي بقائكم مَا يسلي عَن خطب العطب وَمَعَ سَلامَة نفسكم الْكَرِيمَة فَالْأَمْر هَين لِأَن الدّرّ يفدى بِالذَّهَب وَأما مَا رَأَيْتُمُوهُ من الصُّلْح فَرَأى عقده مبارك وَأمر مَا فِيهِ فارط عزم وَإِن كَانَ فيتدارك وَالْأَمر يَجِيء كَمَا يحب لَا كَمَا نحب والحروب يزورها نصرها تَارَة ويغب مَعَ الْيَوْم غَدا وَقد يرد الله الردى وَيُعِيد الظفر بالعدا وَأما عودكم إِلَى فاس المحروسة طلبا لإراحة من عنْدكُمْ من الْجنُود وتجهيزا لمن يصل من عنْدكُمْ إِلَى الْحجاز الشريف من الْوُفُود فَهَذَا أَمر ضَرُورِيّ التَّدْبِير سروري التثمير لِأَن النُّفُوس تمل وثير المهاد فَكيف مُلَازمَة صهوات الْجِيَاد وتسأم من مجالسة الشّرْب فَكيف بممارسة الْحَرْب وَتعرض عَن دوَام اللَّذَّة فَكيف بِمُبَاشَرَة المنايا الفذة وَهَذَا جبل طَارق الَّذِي فتح الله بِهِ عَلَيْكُم وسَاق هدي هديته إِلَيْكُم لَعَلَّه يكون سَببا إِلَى ارتجاع مَا شرد وحسما لهَذَا الطاغية الَّذِي مرد وردا لهَذَا النَّازِل الَّذِي كدرر ورد الصَّبْر لما ورد فعادة الألطاف بكم مَعْرُوفَة وعزماتكم إِلَى جِهَات الْجِهَاد مصروفة وَقد تفاءلنا لكم من هَذَا الْجَبَل بِأَنَّهُ طَارق خير من الرَّحْمَن يطْرق وجبل يعْصم من سهم يمر من قسي الْكفَّار ويمرق وَأما مَا منحتموه من الْخَيل الْعتاق والملابس الَّتِي تطلع بدور الْوُجُوه من مَشَارِق الأطواق وَالْأَمْوَال الَّتِي زكتْ عِنْد الله تَعَالَى ونمت على الْإِنْفَاق فعلى الله عز وَجل خلفهَا وَلكم فِي منَازِل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة سرفها وشرفها وإليكم تساق هَدَايَا أثنيتها وتحفكم تحفها وَإِذا وصل وفدكم الْحَاج وأنار لَهُ بِوَجْه إقبالنا عَلَيْهِم ليلهم الداج وَكَانُوا مقيمين تَحت ظلّ إكرامنا وشمول إسعافنا لَهُم وإنعامنا يتخولون تحفا أَنْتُم سَببهَا ويتناولون طرفا فِي كؤوس الاعتناء بهم ينضد حببها وَإِذا كَانَ أَوَان الرحيل إِلَى الْحَج فسحنا لَهُم الطَّرِيق وسهلنا لَهُم الرفيق وبلغناهم بحول الله تَعَالَى مُنَاهُمْ من منى وسألهم مِمَّن إِذا
(3/150)

زاروا حجراته الشَّرِيفَة حازوا الشَّرِيفَة حازوا الرَّاحَة من العناء وفازوا بالغنى وَإِذا عَادوا عاملناهم بِكُل جميل ينسبهم مشقة ذَلِك الدَّرْب ويخيل إِلَيْهِم أَن لَا مَسَافَة لمسافر بَين الشرق والغرب وغمرناهم بِالْإِحْسَانِ فِي الْعود إِلَيْكُم وأمرناهم بِمَا ينهونه شفاها لديكم وعناية الله تَعَالَى تحوط ذاتكم وتوفر لأخذ الثار حماتكم وتخصكم بتأييد تَنْزِلُونَ روضه الأنضر وتجنون بِهِ ثَمَر النَّصْر اليانع من ورق الْحَدِيد الْأَخْضَر وتتحفكم بِسَعْد لَا يبْلى قشيبه وَعز لَا يمحو شبابه مشيبة وتحيته الْمُبَارَكَة تغاديكم وترواحكم وتفاوحكم أنفاسها الْمُعْتَبرَة وتنافحكم بمنه وَكَرمه فِي سادس رَمَضَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
قَالَ ابْن خلدون ثمَّ شرع السُّلْطَان أَبُو الْحسن بعد استيلائه على إفريقية كَمَا نذكرهُ فِي كتب نُسْخَة أُخْرَى من الْمُصحف الْكَرِيم ليوقفها بِبَيْت الْمُقَدّس فَلم يقدر إِتْمَامهَا وَهلك قبل فَرَاغه من نسخهَا اه وَهُوَ يَقْتَضِي أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور ماا كتب سوى مصحفين اثْنَيْنِ وَيُؤَيِّدهُ ظَاهر الْكِتَابَيْنِ المسرودين آنِفا مَعَ أَنه تقدم النَّقْل عَن الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْمقري أَنه وقف على النُّسْخَة الْمَوْقُوفَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
هَدِيَّة السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى ملك مَالِي من السودَان المجاورين للمغرب

اعْلَم أَن أَرض السودَان الْمُجَاورَة للمغرب تشْتَمل على ممالك مِنْهَا مملكة غانة وَمِنْهَا مملكة مَالِي وَمِنْهَا مملكة كاغو وَمِنْهَا مملكة برنو وَغير ذَلِك وَكَانَ ملك مَالِي وَهُوَ السُّلْطَان منسى مُوسَى بن أبي بكر من أعظم مُلُوك السودَان فِي عصره وَلما استولى السُّلْطَان أَبُو الْحسن على الْمغرب الْأَوْسَط وَغلب بني زيان على ملكهم عظم قدره وَطَالَ ذكره وشاعت أخباره فِي الْآفَاق فسما هَذَا السُّلْطَان وَهُوَ منسى مُوسَى إِلَى مُخَاطبَة السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ مجاورا لمملكة الْمغرب على نَحْو مائَة مرحلة فِي القفر فأوفد
(3/151)

عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل مَمْلَكَته مَعَ ترجمان من الملثمين المجاورين لبلادهم من صنهاجة فوفدوا على السُّلْطَان أبي الْحسن فِي سَبِيل التهنئة بالظفر فَأكْرم وفادتهم وَأحسن مثواهم ومنقلبهم وَنزع إِلَى مذْهبه فِي الْفَخر فانتخب طرفا من مَتَاع الْمغرب وماعونه وشيئا من ذخيرة دَاره وأسنى الْهَدِيَّة وَعين رجَالًا من أهل دولته كَانَ فيهم كَاتب الدِّيوَان أَبُو طَالب بن مُحَمَّد بن أبي مَدين ومولاه عنبر الْخصي فأوفدهم بهَا على ملك مَالِي منسى سُلَيْمَان لمهلك أَخِيه مُوسَى قبل مرجع وفده وأوعز إِلَى أَعْرَاب الفلاة من بني معقل بالسير مَعَهم ذَاهِبين وجاءين فشمر لذَلِك عَليّ بن غَانِم أَمِير أَوْلَاد جرار من معقل وصحبهم فِي طريقهم امتثالا لأمر لسلطان وتوغل ذَلِك الركب فِي القفر إِلَى بلد مَالِي بعد الْجهد وَطول الشقة فَأحْسن منسى سُلَيْمَان مبرتهم وَأعظم موصلهم وَأكْرم وفادتهم ومنقلبهم وعادوا إِلَى مرسلهم فِي وَفد من كبار مَالِي يعظمون السُّلْطَان أَبَا الْحسن ويوجبون حَقه ويؤدون طَاعَته ويذكرون من خضوع مرسلهم وقيامه بِحَق السُّلْطَان أبي الْحسن واعتماله فِي مرضاته مَا استوصاهم بِهِ
وَاعْلَم أَن منسى مُوسَى الَّذِي ذَكرْنَاهُ كَانَ من كبار الْمُلُوك كَمَا قُلْنَا وَهُوَ الَّذِي صَحبه أَبُو إِسْحَاق الساحلي الْمَعْرُوف بالطويجي من شعراء الأندلس كَانَ قد لقِيه فِي لموسم بِعَرَفَة فحلى بِعَيْنِه وحظيت مَنْزِلَته عِنْده فصحبه إِلَى بِلَاده وَأقَام عِنْده مصحوبا بِالْبرِّ والكرامة وَبنى للسُّلْطَان الْمَذْكُور قبَّة رائعة فازدادت حظوته عِنْده قَالَ ابْن خلدون أطرف أَبُو إِسْحَاق الطويجن السُّلْطَان منسى مُوسَى بِبِنَاء قبَّة مربعة الشكل استفرغ فِيهَا إجادته وَكَانَ صناع الْيَدَيْنِ وأضفى عَلَيْهَا من الكلس ووالى عَلَيْهَا بالأصباغ المشبعة فَجَاءَت من أتقن المباني وَوَقعت من السُّلْطَان منسى مُوسَى موقع الاستغراب لفقدان صَنْعَة الْبناء بأرضهم وَوَصله بِاثْنَيْ عشر ألفا من مَثَاقِيل التبر مثوبة عَلَيْهَا اه وَكَانَت وَفَاة أبي إِسْحَاق بتنبتكوا يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
(3/152)

مصاهرة السُّلْطَان أبي الْحسن ثَانِيًا مَعَ السُّلْطَان أبي بكر الحفصي رحمهمَا الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ من وقْعَة طريف وَإنَّهُ هلك فِيهَا حرم السُّلْطَان أبي الْحسن من جملتهن فَاطِمَة بنت السُّلْطَان أبي بكر الحفصي فَلَمَّا فقدها أَبُو الْحسن بَقِي فِي نَفسه مِنْهَا حنين إِلَى مَا شغفته بِهِ من خلالها ولذادة الْعَيْش فِي عشرتها فسما لَهُ من الإعتياض عَنْهَا بِبَعْض أخواتها فأوفد فِي خطبتها وليه عريف بن يحيى أَمِير عرب سُوَيْد من بني زغبة الهلاليين وَكَاتب الجباية والعسكر بدولته أَبَا الْفضل بن مُحَمَّد بن أبي مَدين وفقيه الْفَتْوَى بمجلسه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السطي ومولاه عنبر الْخصي فوفدوا على السُّلْطَان أبي بكر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فأنزلهم منزل الْبر والكرامة ثمَّ دس إِلَيْهِ حَاجِبه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن تافراجين غَرَض وفادتهم وَأَنَّهُمْ قدمُوا خاطبن بعض كرائمه لسلطانهم فَأبى من ذَلِك صونا لحرمه عَن جَوْلَة الأقطار وتحكم الرِّجَال مثل مَا وَقع فِي ابْنَته الأولى فَلم يزل حَاجِبه الْمَذْكُور يخْفض عَلَيْهِ الشَّأْن ويعظم عَلَيْهِ حق السُّلْطَان أبي الْحسن فِي رد خطبَته مَعَ مَا بَينهمَا من الصهر السَّابِق والمخالصة الْقَدِيمَة والعهود المتأكدة إِلَى أَن أجَاب وأسعف من الصهر السَّابِق والمخالصة الْقَدِيمَة والعهود المتأكدة إِلَى أَن أجَاب وأسعف وَجعل ذَلِك للحاجب الْمَذْكُور فانعقد الصهر بَين السلطانين على ابْنَته عزونه شَقِيقَة ابْنه أبي الْعَبَّاس الْفضل بن أبي بكر صَاحب بونة وَأخذ الْحَاجِب فِي شوار الْعرس وتأنق فِيهِ واحتفل واستكثر وَطَالَ مقَام الرُّسُل بتونس إِلَى أ، اسْتكْمل الجهاز فارتحلوا مِنْهَا فِي ربيع سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وأوعز السُّلْطَان أَبُو بكر إِلَى ابْنه الْفضل شَقِيق الْعَرُوس الْمَذْكُورَة أَن يزفها على السُّلْطَان أبي الْحسن قيَاما بِحقِّهِ وَبعث من بَابه جمَاعَة من مشيخة الْمُوَحِّدين فوفدوا جَمِيعًا على السُّلْطَان أبي الْحسن واتصل بهم الْخَبَر فِي طريقهم بوفاة السُّلْطَان أبي بكر فَجْأَة لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَانِي رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فعزاهم السُّلْطَان أَبُو الْحسن عَنهُ عِنْد مَا وصلوا إِلَيْهِ واستبلغ فِي إكرامهم وأجمل موعد
(3/153)

أَخِيهَا الْفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أَبِيه فاطمأنت بِهِ الدَّار عِنْد السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى أَن سَار فِي جملَته وَتَحْت لوائه إِلَى إفريقية كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
غَزْو السُّلْطَان أبي الْحسن إفريقية واستيلاؤه على تونس وأعمالها

كَانَ السُّلْطَان أَبُو بكر الحفصي رَحمَه الله قد عهد بِالْأَمر بعده لِابْنِهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ أوفد على السُّلْطَان أبي الْحسن حَاجِبه ابا الْقَاسِم بن عتو فِي غَرَض لَهُ وأصحبه كتاب الْعَهْد إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور ليُوَافق عَلَيْهِ فَوقف عَلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو الْحسن وَكتب على حشايته بِخَطِّهِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ رَحمَه الله وَأحكم العقد فِي ذَلِك وَلما مَاتَ السُّلْطَان أَبُو بكر كَانَ ولي الْعَهْد غَائِبا عَن الحضرة فَبَايع أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين لِابْنِهِ عمر
ذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الوانشريسي فِي أقضية المعيار عَن الشَّيْخ ابْن عَرَفَة أَن سُلْطَان إفريقية أَبَا بكر الحفصي كتب الْعَهْد لوَلَده أَحْمد فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان الْمَذْكُور أحضر أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين قاضيي تونس قَاضِي الْجَمَاعَة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد السَّلَام وقاضي الأنكحه أَبَا عبد الله الآجمي وَأَمرهمَا أَن يبايعا ولد الخليفه عمر فَقَالَا كَيفَ نُبَايِعهُ وَنحن شَهِدنَا بيعَة أَخِيه أَحْمد والتزمناها وَكَانَ الْحَاجِب ابْن تافراجين نبيلا فَلَمَّا دخلا أحضر الْحَاجِب الْمَذْكُور أهل العقد والحل وَأمرهمْ أَن يباييعوا عمر فَبَايعُوهُ فَلَمَّا خرج القاضيان وجدا الْبيعَة قد حصلت وَكَانَ فِي انْتِظَار أَحْمد الْمَشْهُود لَهُ بالعهد وَهُوَ غَائِب بقفصة خوف الْفِتْنَة فَبَايع القاضيان وَكَانَ ابْن عَرَفَة يستصوب فعل الْحَاجِب وَامْتِنَاع القاضيين أَولا وبيعتهما ثَانِيًا ثمَّ قدم ولي الْعَهْد وَوَقع بَينه وَبَين أَخِيه قتال وَجَرت خطوب كَانَ فِي آخرهَا قتل ولي الْعَهْد وَقتل وليه أبي الهول بن حَمْزَة أَمِير الكعوب من عرب سليم فِي آخَرين مِنْهُم وَقطع عمر
(3/154)

أَيْضا أَخَوَيْهِ عبد الْعَزِيز وخالدا من خلاف فهلكا وَكَانَ الْحَاجِب أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين قد حس بِالشَّرِّ من جِهَة عمر المتغلب وتوقع النكبة من جَانِبه فتسلل إِلَى قصره وَأخذ مَا خف من ذخيرته وَلحق بالسلطان أبي الْحسن وقص عَلَيْهِ الْخَبَر وأغراه بتملك إفريقية وَأوجب عَلَيْهِ النّظر للْمُسلمين فِيهَا وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن يتَمَنَّى ذَلِك لَوْلَا مَكَان صهره أبي بكر فَأَقَامَ بتحين لَهَا الْأَوْقَات ويترقب لَهَا الفرص حَتَّى كَانَت هَذِه وَإِنَّمَا تنجع الْمقَالة فِي الْمَرْء إِذا صادقت هوى فِي القؤاد فأظهر أَبَوا لحسن الإمتعاض لما فعله عمر بأَخيه ولي الْعَهْد من مَنعه من حَقه أَولا ثمَّ غراقة دَمه ثَانِيًا لَا سِيمَا وَقد كَانَ أعْطى خطّ يَده بالموافقة على الْعَهْد الْمَذْكُور فأجمع الْحَرَكَة إِلَى إفريقية وَلحق بِهِ خَالِد بن حَمْزَة بن عمر أَخُو أبي الهول الْمَقْتُول مَعَ ولي الْعَهْد فاستعداه على عدوه فَفتح السُّلْطَان أبوة الْحسن ديوَان الطعاء ونادى فِي النَّاس بِالْمَسِيرِ إِلَى إفريقية وأزاح عللهم وعسكر بِظَاهِر تلمسان ثمَّ نَهَضَ فِي صفر من سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة يجر الدُّنْيَا بِمَا حملت بعد أَن عقد لِابْنِهِ الْأَمِير أبي عنان على الْمغرب الْأَوْسَط وعهد إِلَيْهِ بِالنّظرِ فِي أُمُوره كَافَّة وَجعل إِلَيْهِ جبايته وقدمت عَلَيْهِ فِي طَرِيقه أَعْرَاب إفريقية وولاة قابس وبلاد الجريد وأطاعته طرابلس والزاب وبجاية وصاحبها يَوْمئِذٍ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء بن أبي بكر وَلما وصل قسنطينة خرج غليه أَبنَاء الْأَمِير أبي عبد الله بن أبي بكر وَلما وصل إِلَى قسنطينة خرج إِلَيْهِ أَبنَاء الْأُمِّي أبي عبد الله بن أبي بكر فَبَايعُوهُ فَأقبل عَلَيْهِم وصرفهم إِلَى الْمغرب وأنزلهم بوحدة وأقطعهم جبايتها وَأنزل بقسنطينة خلفاءه وعماله وَقد كَانَ صرف أَبَا عبد الله صَاحب بجاية إِلَى ندرومة فأنزله بهَا وأقطعه الْكِفَايَة من جبايتها ثمَّ وَفد عَلَيْهِ بَنو حَمْزَة بن عمر أُمَرَاء الكعوب من سليم فأخبروه بإجفال عمر المتغلب بتونس مَعَ ظاعنة أَوْلَاد مهلهل واستحثوه فِي اعتراضهم قبل لحاقهم بالقفر فسرح مَعَهم العساكر فِي طلبه لنظر حمو بن يحيى العسكري
وتلوم السُّلْطَان أَبُو الْحسن بقسنطينة وَعرض جيوشه بسطح الجعاب مِنْهَا ثمَّ ارتحل على أَثَرهم وأغذ حمو بن يحيى السّير مَعَ ناجعة أَوْلَاد أبي اللَّيْل فَلَحقُوا بعمر صَاحب تونس بِأَرْض الحامة من نَاحيَة قابس فدافعوا عَن
(3/155)

أنفسهم بعض الشَّيْء ثمَّ انْهَزمُوا وكبا بعمر جَوَاده فِي نافقاء بعض اليرابيع وانجلى الْغُبَار عَنهُ وَعَن مَوْلَاهُ ظافر راجلين فتقبض عَلَيْهِمَا وأوثقهما قَائِد الْعَسْكَر بِيَدِهِ حَتَّى إِذا جن اللَّيْل ذبحهما خوفًا من أَن تفتكهما الْعَرَب من يَده وَبعث برأسيهما إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن فوصلا إِلَيْهِ بباجية وخلص الفل من تِلْكَ الْوَقْعَة إِلَى قابس فتقبض عبد الْملك بن مكي صَاحبهَا على رجالات من أهل الدولة كَانَ فيهم أَبُو الْقَاسِم بن عتو من مشيخة الْمُوَحِّدين وصخر بن مُوسَى من رجالات سدويكش وَغَيرهمَا من أَعْيَان الدولة فَبعث بهم ابْن مكي إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن ممقرنين فِي الأصفاد فَأَما ابْن عتو وصخر بن مُوسَى وَعلي بن مَنْصُور فقطعهم من خلاق لفتيا الْفُقَهَاء بجرابتهم واعتقل الْبَاقِي
وسرح السُّلْطَان عساكره إِلَى تونس وَعقد عَلَيْهِم لصهره على ابْنَته يحيى بن سُلَيْمَان من بني عَسْكَر فاحتلوا بتونس ثمَّ جَاءَ السُّلْطَان على أَثَرهم فَنزل بظاهرها يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن من جُمَادَى الْآخِرَة من سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وتلقاه وَفد تونس وشيوخها من أهل الْفتيا وأرباب الشورى فآتوه طاعتهم وانقلبوا مسرورين بولايته مغتبطين بملكته وَكَانَت تونس يَوْمئِذٍ مشحونة بالأعلام الأكابر مِنْهُم ابْن عبد السَّلَام وَابْن عَرَفَة وَابْن عبد الرفيع وَابْن رَاشد القفصي وَابْن هَارُون وأعلام آخَرُونَ ثمَّ عبا السُّلْطَان أَبُو الْحسن يَوْم السبت مواكبه لدُخُول الحضرة فَصف جُنُوده سماطين من مُعَسْكَره بسيجوم إِلَى بَاب الْبَلَد نَحْو أَرْبَعَة أَمْيَال وَركبت بَنو مرين من مراكزهم من جموعهم وَتَحْت راياتهم وَركب السُّلْطَان من فسطاطه وَعَن يَمِينه وليه عريف بن يحييى كَبِير سُوَيْد ويليه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن تافراجين وَعَن يسَاره الْأَمِير أ [وَعبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء وَهُوَ أَخُو السُّلْطَان أبي بكر ويليه الْأَمِير أَبُو عبد الله ابْن أَخِيه خَالِد كَانَا معتقلين بقسنطينة فأطلقهما السُّلْطَان أَبُو الْحسن وصحببوه إِلَى تونس فَكَانُوا طراز ذَلِك الموكب فِيمَن لَا يُحْصى من أعياص بني مرين وكبرائهم وهدرت طبوله وخفقت راياته وَكَانَت يَوْمئِذٍ نَحْو الْمِائَة وَجَاء السُّلْطَان والمواكب تَجْتَمِع عَلَيْهِ صفاصفا إِلَى أَن وصل إِلَى الْبَلَد
(3/156)

وَقد ماجت الأَرْض بالجيوش قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ يَوْمًا لم ير مثله فِيمَا عَقَلْنَاهُ قلت كَانَ سنّ أبن خلدون يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة لِأَنَّهُ ولد غرَّة رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
وَكَانَ قدم فِي جملَة السُّلْطَان أبي الْحسن جمَاعَة كَبِيرَة من أَعْلَام الْمغرب كَانَ يلْزمهُم شُهُود مَجْلِسه ويتجمل بمكانهم نيه ثمَّ دخل الْقصر الخلافي وخلع على أبي مُحَمَّد بن تافراجين وَقرب إِلَيْهِ فرسا بسرجه ولجامه وَطعم النَّاس بَين يَدَيْهِ وانتشروا إِلَى مَنَازِلهمْ ثمَّ دخل السُّلْطَان أَبُو الْحسن مَعَ ابْن تافراجين إِلَى حجر الْقصر ومساكن الْخُلَفَاء فَطَافَ عَلَيْهَا وَدخل مِنْهَا الى الرياض الْمُتَّصِلَة بهَا المدعوة بِرَأْس الطابية فَطَافَ على تِلْكَ الْبَسَاتِين وسرح نظره فِيهَا وَاعْتبر بِحَالِهَا ثمَّ أفْضى مِنْهَا إِلَى مُعَسْكَره وَأنزل يحيى بن سُلَيْمَان بقصبة تونس فِي عَسْكَر لحمايتها ثمَّ ارتحل من الْغَد إِلَى القيروان فجال فِي نَوَاحِيهَا ووقف على اثار الْأَوَّلين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين وَالْتمس الْبركَة فِي زِيَارَة الْقُبُور الَّتِي نذْكر للصحابة وَالسَّلَف من التَّابِعين والأولياء فِي ساحتها ثمَّ سَار إِلَى سوسة ثمَّ إِلَى المهدية ووقف على سَاحل الْبَحْر مِنْهَا وَتَطوف فِي معالمها وَنظر فِي عَاقِبَة الَّذين كَانُوا من قبله أَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض وَاعْتبر باحوالهم وَمر فِي طَرِيقه بقصر الأجم ورباط المنستير وانكفأ رَاجعا إِلَى تونس فاحتل بهَا غرَّة رَمَضَان من السّنة وَنزل المسالح على ثغور إفريقية وأقطع بني مرين الْبِلَاد والضواحي وأمضى إقطاعات الْعَرَب الَّتِي كَانَت لَهُم من قبل الحفصيين وَاسْتعْمل على الْجِهَات وخفتت الْأَصْوَات وسكنت الدهماء وانقبضت أَيدي أهل الْفساد وانقرض أَمر الحفصيين فِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا أَنه عقد على بونة لصهره الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي بكر إِكْرَاما لصهره ووفادته عَلَيْهِ واتصلت ممالك السُّلْطَان أبي الْحسن مَا بَين مسراته إِلَى السوس الْأَقْصَى من هَذِه العدوة وَإِلَى رندة من عدوة الأندلس وَدخل الْمغرب بأسره فِي طَاعَته وحذر مُلُوك مصر وَالشَّام مَا شاع من بسطته وانفساخ دولته ونفوذ كَلمته وَالْملك لله يؤتيه من يَشَاء من عبَادَة وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَقد كَانَ الشُّعَرَاء رفعوا إِلَيْهِ قصائد فِي سَبِيل التهنئة بِالْفَتْح وَكَانَ سَابق
(3/157)

الحلبة يَوْمئِذٍ أَبُو الْقَاسِم الرحوي فِي قصيدة يَقُول فِي مطْلعهَا
(أجابك شَرق إِذْ دَعَوْت ومغرب ... فمكة هشت للقاء وَيشْرب) وَهِي طَوِيلَة تخطيناها اختصارا وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق بمنه
انْتِقَاض عرب سليم بإفريقية على السُّلْطَان أبي الْحسن وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على الْعَرَب الداخلين إِلَى الْمغرب أَن جمهورهم كَانَ من بني جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر وَبني هِلَال بن عَامر بن صعصعه وَبني سليم بن مَنْصُور وَإِن الَّذين بقوا مِنْهُم بإفريقية هم بَنو سليم وَبَعض هِلَال وَكَانَ لَهُم استطالة على الدول واعتزاز عَلَيْهَا فَكَانَ مُلُوك الحفصيين يتألفونهم بالولايات والإقطاعات وَنَحْو ذَلِك وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني حَاله مَعَ عرب الْمغرب الْأَقْصَى غير حَال الحفصين مَعَ عرب إفريقية وملكته لأهل باديته غير ملكتهم لأهل باديتهم فَلَمَّا ورد إفريقية وَاسْتولى عَلَيْهَا رَأْي من اعتزاز الْعَرَب بهَا على الدولة وَكَثْرَة إقطاعاتهم من الضواحي والأمصار مَا تجَاوز الْحَد الْمُعْتَاد عِنْده فَأنْكر ذَلِك وَضرب على أَيْديهم وعوضهم عَنهُ بأعطيات فَرضهَا لَهُم فِي الدِّيوَان من جملَة الْجند واستكثر جبايتهم فنقصهم الْكثير مِنْهَا ثمَّ شكا إِلَيْهِ الرّعية من أُولَئِكَ الْعَرَب وَمَا ينالونهم بِهِ من الظلامات وَضرب الإتاوة الَّتِي يسمونها الخفارة فَقبض أَيْديهم عَن ذَلِك كُله وَتقدم إِلَى الرعايا بمنعهم مِنْهَا فارتابت الْعَرَب لذَلِك وفسدت ضمائرهم وثقلت وَطْأَة الدولة المرينية عَلَيْهِم فتربصوا بهَا وتحزبوا لَهَا وتعاوت ذئابهم فِي بواديهم فَاجْتمعُوا وأغاروا على قياطين بني مرين ومسالحهم فِي ثغور إفريقية حَتَّى أَنهم أَغَارُوا على ضواحي تونس فَاسْتَاقُوا الظّهْر الَّذِي كَانَ فِي مرعاها وَالسُّلْطَان يَوْمئِذٍ بهَا فَعظم عَلَيْهِ ذَلِك وحقد على كبرائهم وأظلم الجو بَينه وَبينهمْ ثمَّ وَفد عَلَيْهِ أَيَّام الْفطر من رجالاتهم خَالِد بن حَمْزَة أَمِير بني كَعْب وَأَخُوهُ أَحْمد وَخَلِيفَة بن عبد الله من بني مِسْكين وَابْن عَمه خَليفَة بن
(3/158)

أبي زيد أَوْلَاد الْقوس فأنزلهم السُّلْطَان أَبُو الْحسن وأجمل لقاءهم مغضبا عَمَّا صدر من غوغاتهم ثمَّ رفع إِلَيْهِ عبد الْوَاحِد بن اللحياني من أَوْلَاد الْمُلُوك الحفصيين أَنهم بعثوا إِلَيْهِ مَعَ بعض حَاشِيَته يطْلبُونَ مِنْهُ الْخُرُوج مَعَهم لينصبوه لِلْأَمْرِ بإفريقية وَأَنه خشِي على نَفسه بادرة السُّلْطَان فتبرأ إِلَيْهِ من ذَلِك فَقَامَتْ قِيَامَة السُّلْطَان أبي الْحسن عِنْد سَمَاعه ذَلِك فأحضرهم وأحضر الحفصي مَعَهم وَقَررهُ بِمَا دَار بَينه وَبينهمْ فَبُهِتُوا وأنكروا فوبخهم وَأمر بهم فسحبوا إِلَى السجْن ثمَّ فتح ديوَان الْعَطاء وَعرض الْجند لغزوهم وعسكر بسيجوم من ظَاهر تونس وَذَلِكَ بعد قَضَاء نسك الْفطر من سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
واتصل الْخَبَر بأولاد أبي اللَّيْل وَأَوْلَاد الْقوس باعتقال وفدهم وَجمع السُّلْطَان لغزوهم فضاقت عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَانْطَلَقُوا فِي إحيائهم يحزبون الْأَحْزَاب ويستشيرون الثوار وعطفوا على أعدائهم من أَوْلَاد مهلهل فوصلوهم بعد القطيعة وَكَانُوا بعد مقتل سلطانهم عمر بن أبي بكر قد لَحِقُوا بالقفر خوفًا من أبي الْحسن لأَنهم كَانُوا شيعَة لعمر الْمَذْكُور فَلَمَّا وَقع بَين أبي الْحسن وَبَين أَوْلَاد أبي اللَّيْل مَا وَقع ركب قُتَيْبَة بن حَمْزَة إِلَيْهِم وَمَعَهُ أمه وَنسَاء أَوْلَادهَا فتطارحوا عَلَيْهِم وَرَغبُوا إِلَيْهِم فِي الإجتماع مَعَهم على الْخُرُوج على السُّلْطَان ومنابذته فَكَانَ أَوْلَاد مهلهل إِلَيْهَا مُسْرِعين فارتحلوا مَعَهم وتوافت أَحيَاء سليم من بني كَعْب وَبني حَكِيم بتوزر من بِلَاد الجريد فتذامروا وتصافوا وأهدروا الدِّمَاء بَينهم وتبايعوا على الْمَوْت وصاروا نفسا وَاحِدَة على تبَاين أغراضهم وَفَسَاد ذَات بَينهم والتمسوا من أعياص الْملك من ينصبونه لِلْأَمْرِ فدلهم بعض سماسرة الْفِتَن على رجل من ببني عبد الْمُؤمن وَهُوَ أَحْمد بن عُثْمَان بن أبي دبوس آخر مُلُوك بني عبد الْمُؤمن وَكَانَ يحترف بالخياطة فِي توزر بعد مَا طوحت بِهِ الطوائح فَانْطَلقُوا إِلَيْهِ وجاؤوا بِهِ ونصبوه لِلْأَمْرِ وجمعوا لَهُ شَيْئا من الفساطيط وَالْخَيْل والآلات وَالْكِسْوَة وَأَقَامُوا لَهُ رسم السُّلْطَان وعسكروا عَلَيْهِ بقياطينهم وحللهم وتحالفوا على نَصره
وَلما قضى السُّلْطَان ابو الْحسن نسك عيد الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة
(3/159)

ارتحل من ساحة تونس يُرِيد الْعَرَب فوافاهم بالموضع الْمَعْرُوف بالتينة بَين بسيط تونس وبسيط القيروان فأجفلوا أَمَامه فأتبعهم وألح عَلَيْهِم إِلَى أَن وصلوا إِلَى القيروان فَلَمَّا رَأَوْا أَن لَا ملْجأ لَهُم مِنْهُ عزموا على الثَّبَات لَهُ وتحالفوا على الإستماتة وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان أبي الْحسن يَوْمئِذٍ مشحونا بأعدائه من بني عبد الواد المغلوبين على ملكهم ومغراوة وَبني توجين وَغَيرهم فدسوا إِلَى الْعَرَب أثْنَاء هَذِه المناوشة بِأَن يناجزوا السُّلْطَان غَدا حَتَّى يتميزوا إِلَيْهِم ويجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة فأجابوهم إِلَى ذَلِك وصبحوا معسكر السُّلْطَان من الْغَد فَركب إِلَيْهِم فِي التعبية وَلما تقابلوا تحيز إِلَيْهِم الْكثير مِمَّن كَانَ مَعَه واختل مصافه فَانْهَزَمَ هزيمَة شنعاء وبادر الى القيروان فَدَخلَهَا فِيمَن مَعَه من الفل مستجيرا بهَا ودافع عَنهُ أَهلهَا وتسابقت الْعَرَب إِلَى مُعَسْكَره فانتهبوه بِمَا فِيهِ من الْمضَارب وَالْعدَد والآلات ودخلوا فسطاط السُّلْطَان فاستولوا على ذخيرته وَالْكثير من حرمه وَأَحَاطُوا بالقيروان وزحفت إِلَيْهَا حللهم فدارت بهَا سياجا وَاحِدًا وتعاوت ذئابهم بأطراف الْبِقَاع وأجلب ناعق الْفِتْنَة مِنْهُم بِكُل قاع واضطرمت إفريقية نَارا وَكَانَت الْهَزِيمَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع محرم من سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَبلغ الْخَبَر إِلَى تونس وَكَانَ السُّلْطَان قد خلف بهَا عِنْد رحيله الْكثير من أبنائه وَحرمه ووجوه قومه وأمناء بَيت مَاله وَبَعض الْحَاشِيَة من جنده فَتَحَصَّنُوا بالقصبة وأحاط بهم الغوغاء كي يستنزلوهم عَنْهَا فامتنعوا عَلَيْهِم وَكَانُوا بهَا أملك مِنْهُم وَكَانَ الْأَمِير أَبُو سَالم إِبْرَاهِيم بن السُّلْطَان أبي الْحسن قد جَاءَ من الْمغرب فِي هَذَا التَّارِيخ فوافاه الْخَبَر قرب القيروان فانفض مُعَسْكَره وَرجع إِلَى تونس فَكَانَ مَعَهم فِي القصبة ثمَّ نزع أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين عَن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ محصورا مَعَه بالقيروان وَكَانَ قد سئم صحبته ومل خدمته لِأَنَّهُ كَانَ أَيَّام حجابته للسُّلْطَان الحفصي مستبدا عَلَيْهِ مفوضا إِلَيْهِ فِي جَمِيع أُمُوره فَلَمَّا استوزره السُّلْطَان أَبُو الْحسن لم يجره على تِلْكَ الْعَادة لِأَنَّهُ كَانَ قَائِما على أُمُوره بِنَفسِهِ وَلَيْسَ التَّفْوِيض للوزراء من شَأْنه وَكَانَ ابْن تافراجين يظنّ أَنه سيوكل إِلَيْهِ أَمر إفريقية وَينصب مَعَه لملكها الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي بكر شَقِيق زَوجته وَرُبمَا زَعَمُوا أَنه عاهده على ذَلِك
(3/160)

فَكَانَ فِي قلبه من الدولة المرينية مرض وَكَانَ الْعَرَب أَيَّام عزمهم على الْخُرُوج يفاوضونه بِذَات صُدُورهمْ فَلَمَّا حصلوا على البغية من الظُّهُور على السُّلْطَان وحصاره بالقيروان احْتَالُوا فِي أَمر ابْن تافراجين فبعثوا إِلَى السُّلْطَان يطْلبُونَ مِنْهُ بَعثه إِلَيْهِم ليفاوضوه فِي الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة والانخراط فِي سلك الْجَمَاعَة فَأذن لَهُ فَخرج إِلَيْهِم وَوصل يَده بيدهم وَلم يرجع الى السُّلْطَان أبي الْحسن فقلدوه حجابة سلطانهم ابْن أبي دبوس ثمَّ سرحوه إِلَى حِصَار من بالقصبة من بني مرين وطمعوا فِي الإستيلاء عَلَيْهَا وفض ختامها فَسَار ابْن تافراجين إِلَيْهَا وانضم إِلَيْهِ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين فِي زعانف من الغوغاء وَأَحَاطُوا بالقصبة ثمَّ لحق بهم ابْن أبي دبوس فعاودوها الْقِتَال ونصبوا عَلَيْهَا المجانيق فامتنعت عَلَيْهِم وَلم يغنوا شَيْئا وَابْن تافرجين فِي أثْنَاء ذَلِك يحاول الْفِرَار بِنَفسِهِ لاضطراب الْأُمُور واختلال الرسوم إِلَى أَن بلغه خلوص السُّلْطَان أبي الْحسن من القيروان إِلَى سوسة
وَكَانَ من خَبره أَن الْعَرَب بعد حصارهم إِيَّاه بالقيروان اخْتلفت كلمتهم لَدَيْهِ وَكَانَ قد دخل أَوْلَاد مهلهل فِي الإفراج عَنهُ وَاشْترط لَهُم على ذَلِك أَمْوَالًا وَنذر بَنو أبي اللَّيْل بذلك فاضربت كلمتهم وَدخل عَلَيْهِ قُتَيْبَة بن حَمْزَة مِنْهُم بمكانه من القيروان زعيما بِالطَّاعَةِ فتقبله وَأطلق أَخَوَيْهِ خَالِدا وَأحمد وَمَعَ ذَلِك فَلم يطمئن إِلَيْهِم ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن طَالب من أَوْلَاد مهلهل وَخَلِيفَة بن أبي زيد وَأَبُو الهول بن يَعْقُوب من أَوْلَاد الْقوس وَعَاهَدُوهُ على الإفراج عَنهُ وَالْقِيَام مَعَه حَتَّى يصل إِلَى مأمنه فَخرج مَعَهم لَيْلًا على التعبية وذؤبان الْعَرَب تطَأ أذياله وضباعها تنوشه إِلَى أَن اسْتَقر بسوسة وَأمن على نَفسه وَقد أَتَى النهب على جلّ مَا كَانَ مَعَه وَلما سمع ابْن تافراجين وَهُوَ محاصر للقصبة بوصول السُّلْطَان إِلَى سوسة تسلل من أَصْحَابه وَركب الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَأَصْبحُوا وَقد فقدوه فاضطرب أَمرهم وارتاب سلطانهم ابْن أبي دبوس لما علم بِخَبَرِهِ فانفض جمعهم عَن القصبة وأفرجوا عَنْهَا وَخرج بَنو مرين فملكوا الْبَلَد وخربوا منَازِل الْحَاشِيَة بهَا ثمَّ ركب السُّلْطَان أَبُو الْحسن من سوسة الْبَحْر فاحتل بتونس فِي ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين
(3/161)

وَسَبْعمائة فَاجْتمع شَمله واستتب أمره وَكتب إِلَى صَاحب مصر فِي التقبض على ابْن تافراجين فأجاره بعض الْأُمَرَاء وَانْصَرف لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج واعتمل السُّلْطَان أَبُو الْحسن فِي إصْلَاح أسوار تونس وإدارة الخَنْدَق عَلَيْهَا وَأقَام لَهَا من الصيانة والحصانة رسما دفع بِهِ فِي نحر عدوه وَبَقِي لَهُ ذكره من بعده ثمَّ أجلب الْعَرَب وسلطانهم ابْن أبي دبوس على تونس ونازلوا أَبَا الْحسن بهَا واستبلغوا فِي حصاره وخلصت ولَايَة أَوْلَاد مهلهل للسُّلْطَان فعول عَلَيْهِم ثمَّ رَاجع بَنو حَمْزَة بصائرهم وصاروا إِلَى مهادنته فعقد لَهُم السّلم وَدخل عَلَيْهِ عمر بن حَمْزَة وافدا فحبسه حَتَّى قبض إخوانه على أَمِيرهمْ ابْن أبي دبوس وقادوه إِلَيْهِ استبلاغا فِي الطَّاعَة وإمحاضا للولاية فَتقبل فئتهم وأودع ابْن أبي دبوس السجْن وَعقد الصهر بَينه وَبَين عمر بن حَمْزَة فزوج ابْنه عمر بِابْنِهِ أبي الْفضل وَاخْتلفت أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْعَرَب على السُّلْطَان أبي الْحسن فِي الطَّاعَة تَارَة والانحراف أُخْرَى مُدَّة إِقَامَته بتونس إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ وَالله غَالب على أمره
انْتِقَاض الْأَطْرَاف وثورة أبي عنان ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن واستيلاؤه على الْمغرب

قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان أَبَا بكر الحفصي رَحمَه الله لما زوج ابْنَته من السُّلْطَان أبي الْحسن بعث مَعَهُمَا فِي زفافها شقيقها أَبَا الْعَبَّاس الْفضل بن أبي بكر وَأَن خبر وَفَاة وَالِده أدْركهُ وَهُوَ بِالطَّرِيقِ وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن عزاهُ عَن مصاب أَبِيه ووعده بالمظاهرة على ملكه فَبَقيَ عِنْده بتلمسان إِلَى أَن نَهَضَ فِي صحبته إِلَى إفريقية فَلَمَّا غلب السُّلْطَان أَبُو الْحسن على بجاية وقسنطينة وارتحل إِلَى تونس عقد لَهُ على بونة الَّتِي كَانَ يَلِي عَملهَا أَيَّام أَبِيه فَانْقَطع أمله وَفَسَد ضَمِيره وطوى على البث حَتَّى إِذا كَانَت نكبة القيروان سما إِلَى التوثب على ملك سلفه وَكَانَ أهل قسنطينة وبجاية قد سئموا ملكة بني مرين وبرموا بولايتهم لمخالفتهم بعض العوائد الَّتِي كَانَت لَهُم مَعَ الْمُلُوك
(3/162)

الحفصيين وَلِأَن الصبغة الحفصية كَانَت قد رسخت فِي نُفُوسهم جيلا بعد جيل فصعب عَلَيْهِم نَزعهَا
(نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ إِلَّا للحبيب الأول)
(كم منزل فِي الأَرْض يألفه الْفَتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل)
فأشرأبوا إِلَى الثورة على المرينيين لما سمعُوا بنكبة القيروان وَاتفقَ أَن قدم قسنطينة ركب من أهل الْمغرب قَاصِدين إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ فيهم عُمَّال الجباية قدمُوا بجبايتهم عِنْد راس الْحول كَمَا جرت بِهِ عَادَتهم فِي ذَلِك وَمَعَهُمْ ابْن صَغِير للسُّلْطَان اسْمه عبد الله وَفِيهِمْ وَفد من رُؤَسَاء الفرنج بَعثهمْ طاغيتهم بِقصد التهنئة بِفَتْح إفريقية وَمَعَهُمْ تاشفين ابْن السُّلْطَان الَّذِي أسر يَوْم طريف أطلقهُ الطاغية بعد أَن أَصَابَهُ خبال فِي عقله وَأرْسل مَعَه بهدية نفيسة وَفِيهِمْ وَفد من أهل مَالِي بَعثهمْ السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان بِقصد التهنئة أَيْضا فتوافت هَؤُلَاءِ الْوُفُود بقسنطينة وَقد طم عباب الْفِتْنَة على إفريقية فَأَرَادَ غوغاؤها وانتهاب مَا مَعَهم ثمَّ تخلصوا مِنْهُم فِي خبر طَوِيل
وَفِي أثْنَاء ذَلِك ثار الْفضل بن السُّلْطَان أبي بكر صَاحب بونة فراسله أهل قسنطينة فِي الْقدوم عَلَيْهِم وَالْقِيَام بأمرهم فَقَدمهَا وَجَرت خطوب واتصل بِأَهْل بجاية مَا فعله أهل قسنطينة فتبعوهم على رَأْيهمْ من الانتقاض ووثبوا على من كَانَ عِنْدهم من حامية بني مرين فاستلبوهم وأخرجوهم عُرَاة واستدعوا الْفضل بن أبي بكر من قسنطينة فبادر إِلَيْهِم وَاسْتولى على بجاية واستتب أمره بهَا وَأعَاد ألقاب الْخلَافَة وبينما هُوَ يحدث نَفسه بغزو تونس ثار عَلَيْهِ أَبنَاء أَخِيه أبي عبد الله بن أبي بكر فانتزعوا مِنْهُ بجاية وردوه إِلَى عمله الأول وانتقض على السُّلْطَان أبي الْحسن أَيْضا سَائِر زناتة من بني عبد الواد ومغراوة وَبني توجين وَبَايع بَنو عبد الواد لعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان وَسَارُوا إِلَى تلمسان فاستجدوا بهَا ملك سلفهم فِي أَخْبَار طَوِيلَة
وَجَرت هَذِه الخطوب وَالسُّلْطَان أَبُو الْحسن مُقيم بتونس تغاديه الْعَرَب
(3/163)

بِالْقِتَالِ وترواحه وتعوج عَلَيْهِ تَارَة وتستقيم أُخْرَى وَطَالَ مقَامه بهَا وعميت أنباؤه على أهل الْمغرب وَحدث فِي الْخلق الوباء الْعَظِيم الَّذِي عَم الْمشرق وَالْمغْرب فَأَرْجَفَ بِمَوْتِهِ واضطربت الْأَحْوَال بالمغارب الثَّلَاثَة الْأَدْنَى والأوسط والأقصى واتصل ذَلِك بالأمير أبي عنان وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتلمسان كَانَ أَبوهُ قد ولاه عَلَيْهَا عِنْد ذَهَابه إِلَى إفريقية حَسْبَمَا مر فَلَمَّا أرجف بمهلك أَبِيه وتساقط إِلَيْهِ الفل من عسكره عُرَاة زرافات ووحدانا تطاول إِلَى الاستئثار بِملك أَبِيه دون سَائِر إخْوَته وَكَانَ مرشحا عِنْده لذَلِك لمزيد فَضله عَلَيْهِ فِي غير وصف وَاتفقَ أَن كَانَ عِنْده رجل من بني عبد الواد اسْمه عُثْمَان بن يحيى بن مُحَمَّد بن جرار وَكَانَ ينْسب إِلَى علم الْحدثَان وَلما سَافر السُّلْطَان إِلَى إفريقية كَانَ هَذَا الرجل أول المرجفين بِهِ وَأَنه لَا يرجع من سفرته وَأَن الْأَمر صائر إِلَى أبي عنان ونجع ذَلِك فِي أبي عنان لموافقته هَوَاهُ فَاشْتَمَلَ على ابْن جرار وخلطه بِنَفسِهِ فَلَمَّا ورد الْخَبَر بنكبة السُّلْطَان وانحصاره أَولا بالقيروان ثمَّ بتونس لم يستزب أَبُو عنان فِي صدق ابْن جرار وَأَنه على بَصِيرَة من أمره فتحفز للوثبة وصمم على الثورة ثمَّ أكد عزمه على ذَلِك مَا اتَّصل بِهِ من خبر ابْن أَخِيه مَنْصُور بن أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أبي الْحسن بفاس الْجَدِيد وَأَنه ثار بهَا وَفتح ديوَان الْعَطاء واستلحق واستركب ورام التغلب على الْمغرب واحتياز الْأَمر لنَفسِهِ دون غَيره وروى فِي ذَلِك بِأَنَّهُ إِنَّمَا عزم على الذّهاب إِلَى إفريقية لاستنفاذ السُّلْطَان من هوة الْحصار يسر من ذَلِك حسوا فِي ارتغاء وتفطن لشأنه الْحسن بن سُلَيْمَان بن يزريكن عَامل القصبة بفاس وَصَاحب الشرطة بالضواحي فاستأذنه فِي اللحاق بالسلطان فَأذن لَهُ رَاحَة مِنْهُ فلحق بِأبي عنان على حِين أمضى عزيمته على التوثب فَأخْرج مَا كَانَ بقصر السُّلْطَان بالمنصورة من المَال والذخيرة وجاهر بِالدُّعَاءِ لنَفسِهِ وَجلسَ لِلْبيعَةِ بِمَجْلِس السُّلْطَان من قصره فِي ربيع الثَّانِي من سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَبَايعهُ الْمَلأ وَقَرَأَ كتاب بيعتهم على الأشهاد ثمَّ بَايعه الْعَامَّة وانفض الْمجْلس وَقد استتب سُلْطَانه ورست قَوَاعِد ملكه وَركب فِي التعبية والآلة حَتَّى نزل بقبة الملعب وَطعم النَّاس وانتشروا وَعقد على وزارته لِلْحسنِ بن سُلَيْمَان بن
(3/164)

يرزيكن القادم عَلَيْهِ ثمَّ لفارس بن مَيْمُون بن وردار وَجعله رديفا لَهُ وَرفع مَكَان ابْن جرار عَلَيْهِم كلهم واختص لمناجاته كَاتبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو ثمَّ فتح الدِّيوَان وَجعل يستركب كل من تساقط إِلَيْهِ من قبل أَبِيه ويخلع عَلَيْهِم وارتحل إِلَى الْمغرب وَعقد على تلمسان لِابْنِ جرار وأنزله بِالْقصرِ الْقَدِيم مِنْهَا فاستمر بهَا واستبد إِلَى أَن قدم عَلَيْهِ بَنو عبد الواد مُجْتَمعين على سلطانهم عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن فَقَتَلُوهُ غرقا فِي خبر طَوِيل وَلما انْتهى الْأَمِير أَبُو عنان إِلَى وَادي الزَّيْتُون وشى إِلَيْهِ بالوزير الْحسن بن سُلَيْمَان وَأَنه عازم على الفتك بِهِ بتازا تقربا إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن ووفاء بِطَاعَتِهِ وَأَنه قد دَاخل فِي ذَلِك حافده مَنْصُور بن أبي مَالك الثائر بفاس وأطلعه هَذَا الواشي على كتاب الْوَزير فِي ذَلِك فَلَمَّا قَرَأَهُ تقبض عَلَيْهِ ثمَّ قَتله خنقا فِي مسَاء ذَلِك الْيَوْم وأغذ السّير إِلَى الْمغرب
وانْتهى الْخَبَر إِلَى مَنْصُور صَاحب فاس فزحف للقائه والتقى الْجَمْعَانِ بوادي أبي الأجراف من نَاحيَة تازا فاختل مصَاف مَنْصُور وانهزمت جموعه وَلحق بفاس الْجَدِيد فتحصن بهَا وَتَبعهُ أَبُو عنان فَأَنَاخَ عَلَيْهِ خَارِجهَا وَقد تسايل النَّاس على طبقاتهم إِلَيْهِ وآتوه طاعتهم وَكَانَ قد سلك مَعَ الرّعية والجند من الْبَذْل والاستيلاف طَرِيقا لم يسْبق إِلَيْهِ وَكَانَت منازلته لفاس الْجَدِيد فِي ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة فَأخذ بمخنقها وَأجْمع الْأَيْدِي والفعلة على الْآلَات لحصارها ثمَّ أرسل إِلَى مكناسة بِإِطْلَاق أَوْلَاد أبي الْعَلَاء المعتقلين بالقصبة مِنْهَا فأطلقوا وَلَحِقُوا بِهِ وحاصروا مَعَه فاس الْجَدِيد وضيقوا عَلَيْهَا إِلَى أَن ضَاقَتْ أَحْوَال أَهلهَا وَاخْتلفت أهواؤهم وَنزع إِلَى أبي عنان أهل الشَّوْكَة مِنْهُم ثمَّ إِن إِدْرِيس بن عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء احتال فِي فتح الْبَلَد بِأَن أظهر النُّزُوع عَن أبي عنان إِلَى مَنْصُور المحصور فَدخل الْبَلَد وَتمكن مِنْهُ وثار بِهِ فِيمَن مَعَه من حَاشِيَته واقتحمه الْأَمِير أَبُو عنان عَلَيْهِم وَنزل مَنْصُور على حكمه فاعتقله إِلَى أَن قَتله بمحبسه وَاسْتولى على ذَلِك الْملك وتسابقت إِلَيْهِ وُفُود الْأَمْصَار للتهنئة بالبيعة وَتمسك أهل سبتة بِطَاعَة السُّلْطَان
(3/165)

أبي الْحسن ثمَّ رجعُوا عَن ذَلِك وثاروا على عاملهم عبد الله بن عَليّ بن سعيد من طبقَة الوزراء فقبضوا عَلَيْهِ وقادوه إِلَى أبي عنان مبايعين لَهُ متقربين بِهِ إِلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر ذَلِك فيهم زعيمهم الشريف أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن رَافع الصّقليّ من آل الْحُسَيْن السبط رَضِي الله عَنهُ كَانَ سلفه قد انتقلوا من صقلية إِلَى سبتة فاستوطنوها ثمَّ استوطنوا بعْدهَا حَضْرَة فاس واستوسق للأمير أبي عنان ملك الْمغرب وَاجْتمعَ إِلَيْهِ قومه من بني مرين إِلَّا من أَقَامَ مَعَ أَبِيه بتونس وَفَاء بِحقِّهِ وحص جنَاح أَبِيه عَن الكرة على بني كَعْب النَّاكِثِينَ لعهده الناكبين عَن طَاعَته فَأَقَامَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله بتونس يَرْجُو الْأَيَّام ويأمل الكرة والأطراف تنْتَقض والخوارج تتجدد وَقَنطَ من كَانَ مَعَه من حَاشِيَته وسئموا الْمقَام بِأَرْض لَيست لَهُم بدار مقَام فحسنوا لَهُ النهوض إِلَى الْمغرب فأسعفهم وعزم على الرحلة كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَفِي هَذِه الْمدَّة كتب إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الْأَحْمَر كتابا من إنْشَاء وزيره لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب يسائله عَن أَحْوَاله ويعزيه عَن مصابه ويتأسف لَهُ وَنَصّ الْكتاب الْمقَام الَّذِي أقمار أسعده فِي انتظام واتساق وجياد عزه الى الْغَايَة القصوى ذَات استباق والقلوب على حبه ذَات اتِّفَاق وعناية الله تَعَالَى عَلَيْهِ مديدة الرواق وأياديه الجمة فِي الْأَعْنَاق ألزم من الأطواق وَأَحَادِيث مجده سمر النوادي وَحَدِيث الرفاق مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي شَأْن قُلُوبنَا الاهتمام بِشَأْنِهِ وَأعظم مطلوبنا من الله تَعَالَى سَعَادَة سُلْطَانه السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا إِبْنِ السُّلْطَان الكذا أبقاه الله تَعَالَى والصنائع الإلهية تحط بِبَابِهِ والألطاف الْخفية تعرس فِي جنابه والنصر الْعَزِيز يحف بركابه وَأَسْبَاب التَّوْفِيق مُتَّصِلَة بأسبابه والقلوب الشجية لفراقه مسرورة باقترابه مُعظم سُلْطَانه الَّذِي لَهُ الْحُقُوق المحتومة والفواضل الْمَشْهُورَة الْمَعْلُومَة والمكارم المسطورة المرسومة والمفاخر المنسوقة الْمَنْظُومَة الدَّاعِي إِلَى الله تَعَالَى فِي وقاية ذَاته المعصومة وحفظها على هَذِه الْأمة المرحومة الْأَمِير عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر سَلام كريم طيب عميم
(3/166)

كَمَا سطعت فِي غياهب الشدَّة أنوار الْفرج وهبت نواسم ألطاف الله عاطة الأرج يخص مقامكم الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد حمد اله جالي الظُّلم بعد اعتكارها ومقيل الْأَيَّام من عثارها ومزين سَمَاء الْملك بشموسها المحتجبة وأقمارها ومريح الْقُلُوب من وَحْشَة أفكارها ومنشئ سَحَاب الرَّحْمَة على هَذِه الْأمة بعد افتقارها وَشدَّة اضطرابها ومتداكها باللطف الْكَفِيل بتمهيد أوطانها وتيسير أوطارها وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله صفوة النُّبُوَّة ومختارها ولباب مجدها السَّامِي ونجارها نَبِي الْمَلَاحِم وخائض تيارها وَمذهب رسوم الْفِتَن ومطفئ نارها الَّذِي لم ترعه الشدائد باضطراب بحارها حَتَّى بلغت كلمة الله مَا شَاءَت من سطوع أنوارها ووضوح أثارها وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين تمسكوا بعهده على إجلاء الْحَوَادِث وإمرارها وَبَاعُوا نُفُوسهم فِي إعلاء دَعوته الحنيفية وإظهارها وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال السَّعَادَة واستمرارها وانسحاب الْعِنَايَة الإلهية وإسدال أستارها حَتَّى تقف الْأَيَّام بباكم موقف اعتذارها وَتعرض على مثابتكم ذنوبها راغبة فِي اغتفارها فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله تَعَالَى لكم أوفى مَا كتب لصالحي الْمُلُوك من مواهب السَّعَادَة وعرفكم عوارف الآلاء فِي إصدار أَمركُم الرفيع وإيراده وأجرى الْفلك الدوار بِحكم مُرَاده وَجعل لكم الْعَاقِبَة الْحسنى كَمَا وعد بِهِ فِي مُحكم كِتَابه الْمُبين للصالحين من عباده من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله تَعَالَى وَلَيْسَ بِفضل الله الَّذِي عَلَيْهِ فِي الشدائد الِاعْتِمَاد وَإِلَى كنف فَضله الِاسْتِنَاد ثمَّ ببركة جاه نَبينَا الَّذِي وضح بهدايته سَبِيل الرشاد إِلَّا الصَّنَائِع الَّتِي تشام بوراق اللطف من خلالها وتخبر سيماها بِطُلُوع السُّعُود واستقبالها وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها لله الْحَمد على نعمه الَّتِي نرغب فِي كمالها ونستدر عذب زلالها وَعِنْدنَا من الاستبشار باتساق أَمركُم وانتظامه وَالسُّرُور بسعادة أَيَّامه وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره وإتمامه مَا لَا تفي الْعبارَة بأحكامه وَلَا تتعاطى حصر أَحْكَامه وَإِلَى هَذَا أيد الله تَعَالَى أَمركُم وعلاه وصان سلطانكم وتولاه فقد علم
(3/167)

الْحَاضِر وَالْغَائِب وخلص الخلوص الَّذِي لَا تغيره الشوائب مَا عندنَا من الْحبّ الَّذِي وضحت مِنْهُ الْمذَاهب وَإنَّهُ لما اتَّصل بِنَا مَا جرت بِهِ الْأَحْكَام من الْأُمُور الَّتِي صَحِبت مقامكم فِيهَا الْعِنَايَة من الله والعصمة وَجعل على الْعباد والبلاد الْوِقَايَة وَالنعْمَة لَا يسْتَقرّ بقلوبنا الْقَرار وَلَا تتأتى بأوطاننا الأوطار تشوفا لما تتيحه لكم الأقدار ويبرزه من سعادتكم اللَّيْل وَالنَّهَار ورجاؤنا فِي اسْتِئْنَاف سعادتكم يشْتَد على الْأَوْقَات وَيُقَوِّي علما بِأَن الْعَاقِبَة للتقوى وَفِي هَذِه الْأَيَّام عميت الأنباء وتكالبت فِي الْبر وَالْبَحْر الْأَعْدَاء وَاخْتلفت الْفُصُول والأهواء وعاقت الْوَارِد الأنواء وعَلى ذَلِك من فضل الله الرَّجَاء وَلَو كُنَّا نجد للاتصال بكم سَببا أَو نلقي لإعانتكم مذهبا لما شغلنا الْبعد الَّذِي بَيْننَا اعْترض والعدو بساحتنا فِي هَذِه الْأَيَّام ربض وَكَانَ خديمكم الَّذِي رفع من الْوَفَاء راية خافقة واقتنى مِنْهُ فِي سوق الكساد بضَاعَة نافقة الشَّيْخ الْأَجَل الأوفى الأود الأخلص الأصفى على أَبُو مُحَمَّد بن آجانا سنى الله مأموله وبلغه من سَعَادَة أَمركُم سؤله وَقد ورد على بابنا وتحيز إِلَى اللحاق بجانبنا ليتيسر لَهُ من جهتنا الْقدوم ويتأتى لَهُ بإعانتنا الْغَرَض المروم فَبَيْنَمَا نَحن نَنْظُر فِي تتميم غَرَضه وإعانته على الْوَفَاء الَّذِي قَامَ بمفترضه إِذا اتَّصل بِنَا خبر قرقورتين من الأجفان الَّتِي استعنتم بهَا على الْحَرَكَة والعزمة المقترنة بِالْبركَةِ حطت إِحْدَاهمَا بمرسى الْمنْكب وَالْأُخْرَى بمرسى المرية فِي كنف الْعِنَايَة الإلهية فتلقينا من الواصلين فِيهَا الأنباء المحققة بعد التباسها وَالْأَخْبَار الَّتِي يُغني نَصهَا عَن قياسها وتعرفنا مَا كَانَ من عزمكم على السّفر وحركتكم المقرونة بِالْيمن وَالظفر وَإِنَّكُمْ استخرتم الله تَعَالَى فِي اللحاق بالأوطان الَّتِي يُؤمن قدومكم خائفها ويؤلف طوائفها ويسكن راجفها وَيصْلح أحوالها وَيذْهب أهوالها وَإِنَّكُمْ سبقتم حركتها بِعشْرَة أَيَّام مستظهرين بالعزم المبرور والسعد الموفور واليمن الرَّائِق السفور والأسطول الْمَنْصُور فَلَا تسألوا عَن انبعاث الآمال بعد سكونها ونهوض طيور الرَّجَاء من وَكَونهَا واستبشار الْأمة المحمدية مِنْكُم بقرة عيونها وَتحقّق ظنونها وارتياح الْبِلَاد إِلَى دعوتكم الَّتِي ألبستها ملابس الْعدْل وَالْإِحْسَان وقلدتها
(3/168)

قلائد السّير الحسان وَمَا مِنْهَا إِلَّا من باح بِمَا يخفيه من وجده وجهر بشكر الله تَعَالَى وحمده وابتهل إِلَيْهِ فِي تيسير غَرَض مقامكم الشهير وتتميم قَصده واستئناس نور سعده وَكم مطل الِانْتِظَار بديون آمالها والمطاولة من اعتلالها وَأما نَحن فَلَا تسألوا عَمَّن استشعر دنو حَبِيبه بعد طول مغيبه إِنَّمَا هُوَ صدر رَاجعه فُؤَاده وطرف أَلفه رقاده وفكر ساعده مُرَاده فَلَمَّا بلغنَا هَذَا الْخَبَر بادرنا إِلَى إنجاز مَا بذلنا لخديمكم الْمَذْكُور من الْوَعْد واغتنمنا مِيقَات هَذَا السعد ليصل سَببه بأسبابكم ويسرع لحاقه بجنابكم فَعنده خدم نرجو أَن ييسر الله تَعَالَى بحوله أَسبَابهَا وَيفتح بنيتكم الصَّالِحَة أَبْوَابهَا وَقد شَاهد من امتعاضنا لذَلِك الْمقَام الَّذِي ندين لَهُ بالتشيع الْكَرِيم الوداد ونصل لَهُ على بعد المزار ونزوح الأقطار سَبَب الِاعْتِدَاد مَا يُغني عَن الْقَلَم والمداد وَقد القينا إِلَيْهِ من ذَلِك كُله مَا يلقيه إِلَى مقامكم الرفيع الْعِمَاد وكتبنا إِلَى من بالسواحل من ولاتنا نحد لَهُم مَا يكون عَلَيْهِ عَمَلهم فِي بر من يرد عَلَيْهِم من جِهَة أبوتكم الكرمية ذَات الْحُقُوق الْعَظِيمَة والأيادي الحديثة والقديمة وهم يعْملُونَ فِي ذَلِك بِحَسب المُرَاد وعَلى شاكلة جميل الِاعْتِقَاد وَيعلم الله تَعَالَى أننا لَو لم تعق الْعَوَائِق الْكَبِيرَة والموانع الْكَثِيرَة والأعداء الَّذين غصت بهم فِي الْوَقْت هَذِه الجزيرة مَا قدمنَا عملا على اللحاق لكم والاتصال بسببكم حَتَّى نوفي لأبوتكم الْكَرِيمَة حَقّهَا ونوضح من المسرة طرقها لَكِن الْأَعْذَار وَاضِحَة وضوح الْمثل السائر وَإِلَى الله تَعَالَى نبتهل فِي أَن يُوضح لكم من التَّيْسِير طَرِيقا وَيجْعَل لكم السعد مصباحا ورفيقا وَلَا يعدمكم عناية مِنْهُ وتوفيقا وَيتم سرورنا عَن قريب بتعريف أنبائكم السارة وسعودكم الدارة فَذَلِك مِنْهُ سُبْحَانَهُ غَايَة آمالنا وَفِيه أَعمال ضراعتنا وابتهالنا هَذَا مَا عندنَا بادرنا لإعلامكم بِهِ أسْرع البدار وَالله تَعَالَى يوفد علينا أكْرم الْأَخْبَار بسعادة ملككم السَّامِي الْمِقْدَار وييسر مَا لَهُ من الأوطار ويصل سعدكم ويحرس مجدكم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته اه
(3/169)

ركُوب السُّلْطَان أبي الْحسن الْبَحْر من تونس إِلَى الْمغرب وَمَا جرى عَلَيْهِ من المحن فِي ذَلِك

كَانَ الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس الْفضل أَبُو السُّلْطَان أبي بكر الحفصي بعد أَن لحق بِعَمَلِهِ الْقَدِيم من بونة قد وَفد عَلَيْهِ مشيخة الْعَرَب من اولاد أبي اللَّيْل وأغروه بِملك إفريقية والنهوض إِلَى تونس ومحاصرة السُّلْطَان أبي الْحسن بهَا فأجابهم إِلَى ذَلِك ونهض إِلَيْهَا بعد عيد الْفطر سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فحاصرها مُدَّة ثمَّ انفض عَنْهَا ثمَّ عاود حصارها ثمَّ انفض عَنْهَا وَدخل الْفقر مَعَ أَوْلَاد أبي اللَّيْل إِلَى أَن بَايعه أهل بِلَاد الجريد بِإِشَارَة أبي الْقَاسِم بن عتو الْمَقْطُوع وَدخل فِي طَاعَته توزر وقفصة ونفطة والحامة وَقَابِس وجربة وانْتهى الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن باستيلاء الْفضل على هَذِه الْأَمْصَار واستفحال أمره بهَا وَأَنه ناهض إِلَى تونس فأهمه شَأْنه وخشي على الْأَمر وَكَانَت بطانته توسوس إِلَيْهِ بالرحلة إِلَى الْمغرب لاسترجاع نعمتهم باسترجاع ملكه مَعَ مَا أَصَابَهُم بتونس من الغلاء وَالْمَوْت الذريع فاجابهم إِلَى ذَلِك وشحن أساطيله بالأقوات وأزاح علل الْمُسَافِرين وَلما قضى نسك عيد الْفطر من سنة خمسين وَسَبْعمائة ركب الْبَحْر فِي فصل الشتَاء وهيجان الْبَحْر وكلب الْبرد بعد أَن عقد لِابْنِهِ أبي الْفضل على تونس ثِقَة بِمَا بَينه وَبَين عمر بن حَمْزَة من الْمُصَاهَرَة وتفاديا بمكانه من معرة الغوغاء وثورتهم بِهِ وَكَانَت مُدَّة محاصرة السُّلْطَان أبي الْحسن بتونس سنة وَنصفا واتصل خبر رحيله بِالْفَضْلِ بن أبي بكر وَهُوَ بِبِلَاد الجريد فأغذ السّير إِلَى تونس وَنزل بهَا على أبي الْفضل المريني وَمن كَانَ مَعَه من حَاشِيَته وَأهل دولته ثمَّ اقتحمها واتصلت يَده بيد أهد الْبَلَد ثمَّ أحاطوا بالقصبة يَوْم منى حَتَّى استنزلوا أَبَا الْفضل على الْأمان فَخرج إِلَى دَار أصهاره من بني حَمْزَة فَبَقيَ عِنْدهم حَتَّى أنفذوا مَعَه من أوصله إِلَى أَبِيه فلحق بِهِ بثغر الجزائر
وَأما السُّلْطَان أَبُو الْحسن وجيشه الرَّاكِب الْبَحْر مَعَه فَإِنَّهُم لما لججوا احتاجوا إِلَى المَاء فَدَخَلُوا مرسى بجاية لخمس لَيَال من إقلاعهم عَن تونس فَمَنعهُمْ صَاحب بجاية الحفصي من الْوُرُود وأوعز إِلَى سَائِر سواحله بمنعهم
(3/170)

فزحفوا إِلَى السَّاحِل وقاتلوا من صدهم عَن المَاء إِلَى أَن غلبوهم واستقوا وأقلعوا ثمَّ عصفت بهم الرّيح فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وجاءهم الموج من كل مَكَان وتكسرت الأجفان وغرق الْكثير من بطانة السُّلْطَان وَعَامة النَّاس وَقذف الموج بالسلطان فَأَلْقَاهُ على حجر قرب السَّاحِل من بِلَاد زواوة عاري الْجَسَد مباشرا للْمَوْت وَقد هلك من كَانَ مَعَه من الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء وَالْكتاب والأشراف والخاصة وَهُوَ يُشَاهد مصَارِعهمْ واختطاف الموج لَهُم من فَوق الصخور الَّتِي تعلقوا بهَا فَمَكَثُوا ليلتهم على ذَلِك وصبحهم جفن من بقيه الأساطيل كَانَ قد سلم من ذَلِك العاصف فبادر أهل الجفن إِلَيْهِ حِين رَأَوْهُ فاحتملوه وَقد تصايح بِهِ البربر من الْجبَال وتواثبوا إِلَيْهِ حِين وضح النَّهَار وأبصروه فَتَدَاركهُ الله بِهَذَا الجفن فاحتملوه وقذفوا بِهِ فِي مَدِينَة الجزائر
وَفِي نفح الطّيب أَن أساطيل السُّلْطَان أبي الْحسن كَانَت نَحْو الستمائة فغرقت كلهَا وَنَجَا هُوَ على لوح وَهلك من كَانَ مَعَه من أَعْلَام الْمغرب وهم نَحْو أَرْبَعمِائَة عَالم مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السطي شَارِح الحوفي وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الصّباغ المكناسي الَّذِي أمْلى فِي مجْلِس درسه بمكناسة على حَدِيث يَا ابا عُمَيْر مَا فعل النغير أَرْبَعمِائَة فَائِدَة والأستاذ الزواوي أَبُو الْعَبَّاس وَغير وَاحِد وَكَانَ غرق الأسطول على سَاحل تدلس وَذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الله الأبي فِي شرح مُسلم كَلَامه على أَحَادِيث الْعين مَا مَعْنَاهُ أَن رجلا كَانَ بِتِلْكَ الديار مَعْرُوفا بِإِصَابَة الْعين فَسَأَلَ مِنْهُ بعض الموتورين للسُّلْطَان أبي الْحسن أَن يُصِيب أساطيله بِالْعينِ وَكَانَت كَثِيرَة نَحْو الستمائة فَنظر إِلَيْهَا الرجل العائن فَكَانَ غرقها بقدرة الله الَّذِي يفعل مَا يَشَاء ونجى السُّلْطَان بِنَفسِهِ وَجَرت عَلَيْهِ محن اه
وَلما احتل بالجزائر وَقد تمسك أَهلهَا بِطَاعَتِهِ استنشق ريح الْحَيَاة ولأم الصدع وَأقَام الرَّسْم وخلع على من وصل إِلَيْهِ من قل الأساطيل واستلحق واستركب وَلحق بِهِ ابْنه النَّاصِر من بسكرة والتف عَلَيْهِ بعض الْعَرَب من أحواز الجزائر ووفد عَلَيْهِ أولياؤه من عرب سُوَيْد فَنَهَضَ إِلَى جِهَة تلمسان وَقد استولى عَلَيْهَا بَنو زيان وسلطانهم عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن فبرز إِلَيْهِ أَبُو ثَابت
(3/171)

أَخُو عُثْمَان الْمَذْكُور وَلما التقى الْجَمْعَانِ اخْتَلَّ مصَاف السُّلْطَان أبي الْحسن واستبيح مُعَسْكَره وانتبهت فساطيطه وَقتل ابْنه النَّاصِر وَظهر يَوْمئِذٍ من بسالته وَصدق دفاعه وَشدَّة حملاته حَتَّى أَنه أركب ظعائنه وخلص محاميا عَنْهَا وَاحْتمل وَلَده جريحا فَتوفي بِالطَّرِيقِ فواراه فِي التُّرَاب وأخفى قَبره ثمَّ خلص إِلَى الصَّحرَاء مَعَ وليه ونزمار بن عريف بن يحيى السويدي وَلحق بحلل قومه قبْلَة جبل وانشريس وَأجْمع أمره على قصد الْمغرب موطن قومه ومنبت عزه وَدَار ملكه فارتحل مَعَه وليه ونزمار بالناجعة من قومه وَخَرجُوا إِلَى جبل رَاشد ثمَّ قطعُوا المفاوز إِلَى سجلماسة فِي القفر فَلَمَّا أطلوا عَلَيْهَا وعاين أَهلهَا السُّلْطَان تهافتوا عَلَيْهِ تهافت الْفراش على ضوء السراج حَتَّى خرج إِلَيْهِ العذارى من ستورهن ميلًا إِلَيْهِ ورغبة فِي ولَايَته وفر الْعَامِل بسجلماسة إِلَى منجاته
وَكَانَ الْأَمِير أَبُو عنان لما بلغه الْخَبَر بِقصد أَبِيه سجلماسة نَهَضَ إِلَيْهِ فِي قومه وجموعه بعد أَن أزاح عللهم وأفاض عطاءه فيهم وَكَانَت بَنو مرين نافرة عَن السُّلْطَان أبي الْحسن حاذرة من عُقُوبَته لجنايتهم بالتخاذل فِي المواقف والفرار عَنهُ فِي الشدائد وَلما كَانَ يبعد بهم فِي الْأَسْفَار ويتجشم بهم المهالك والأخطار فَكَانُوا لذَلِك مُجْمِعِينَ على منابذته ومخلصين فِي طَاعَة ابْنه وَلما اتَّصل خبر قدومهم بالسلطان أبي الْحسن علم من حَاله أَنه لَا يُطيق دفاعهم وَكَانَ ونزمار قد أجفل عَنهُ فِي قومه سُوَيْد لِأَن أَبَاهُ عريف بن يحيى كَانَ قد نزع إِلَى أبي عنان قبل قدوم السُّلْطَان من تونس فَأكْرم مَحَله وَرفع مَنْزِلَته فَكتب إِلَى ابْنه ونزمار ينهاه عَن ولَايَة السُّلْطَان أبي الْحسن ومظاهرته لَهُ وَأقسم لَهُ لَئِن لم يُفَارق السُّلْطَان ليوقعن بِابْنِهِ عنتر وَكَانَ مَعَه فِي جملَة الْأَمِير أبي عنان فآثر ونزمار رضَا أَبِيه وَعلم أَن غناءه عَن السُّلْطَان فِي وَطن الْمغرب قَلِيل فأجفل عَنهُ وَلحق بسكرة فَكَانَ بهَا إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى أبي عنان بعد هَذَا وَلما قرب أَبُو عنان من سجلماسة أجفل السُّلْطَان عَنْهَا إِلَى نَاحيَة مراكش وَدخل أَبُو عنان سجلماسة فثقف أطرافها وسد فروجها وَعقد عَلَيْهَا ليحتاتن بن عمر بن عبد الْمُؤمن كَبِير بني ونكاسن وبلغه أَن أَبَاهُ قد سَار إِلَى مراكش فاعتزم على اتِّبَاعه إِلَيْهَا فَلم تطاوعه بَنو مرين فَرجع بهم إِلَى فاس إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
(3/172)

اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي الْحسن على مراكش ثمَّ انهزامه عَنْهَا إِلَى هنتاته أهل جبل درن ووفاته هُنَاكَ

لما أجفل السُّلْطَان أَبُو الْحسن عَن سجلماسة سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة قصد مراكش وَركب إِلَيْهَا الأوعار من جبال المصامدة وَلما شارفها تسارع إِلَيْهِ أهل جهاتها بِالطَّاعَةِ من كل أَوب ونسلوا إِلَيْهِ من كل حدب وفر عَامل مراكش إِلَى أبي عنان وَنزع إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن صَاحب ديوَان الجباية أَبُو الْمجد بن مُحَمَّد بن أبي مَدين بِمَا كَانَ فِي الخزانة من مَال الجباية فاختصه واستكتبه وَجعل إِلَيْهِ علامته واستركب واستلحق وجبى الْأَمْوَال وَبث الْعَطاء وَدخل فِي طَاعَته قبائل الْعَرَب من جشم وَسَائِر المصامدة وثاب لَهُ بمراكش ملك رجى مَعَه أَن يستولي على سُلْطَانه ويرتجع فارط أمره
وَكَانَ أَبُو عنان لما رَجَعَ إِلَى فاس عَسْكَر بساحتها وَشرع فِي الْعَطاء وإزاحة الْعِلَل ثمَّ ارتحل فِي جموع بني مرين إِلَى مراكش وبرز السُّلْطَان أَبُو الْحسن للقائه وانْتهى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى وَادي أم الرّبيع وتربص كل وَاحِد بِصَاحِبِهِ عبور الْوَادي فعبره أَبُو الْحسن وَكَانَ اللِّقَاء بتامد غوست فِي آخر صفر من سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة فاختل مصَاف السُّلْطَان وَانْهَزَمَ عسكره وَلحق بِهِ أبطال بني مرين ثمَّ راجعوا عَنهُ حَيَاء وهيبة وكبى بِهِ فرسه يَوْمئِذٍ فِي مفره فَسقط إِلَى الأَرْض والفرسان تحوم حوله فاعترضهم دونه أَبُو دِينَار سُلَيْمَان بن عَليّ بن أَحْمد أَمِير الذواودة من عرب ريَاح ورديف أَخِيه يَعْقُوب كَانَ هَاجر مَعَ السُّلْطَان من الجزائر وَلم يزل فِي جملَته إِلَى هَذَا الْيَوْم فدافع عَنهُ حَتَّى ركب وَسَار من وَرَائه ردا لَهُ وَأسر حَاجِبه علال بن مُحَمَّد فأودعه أَبُو عنان السجْن ثمَّ امتن عَلَيْهِ بعد وَفَاة أَبِيه
وخلص السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله إِلَى جبل هنتانة من جبال درن وَمَعَهُ كَبِيرهمْ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عَليّ الهنتاني فَنزل عَلَيْهِ وَأَجَارَهُ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمَلأ من قومه هنتانة وَمن انضاف إِلَيْهِم من المصامدة وَتَآمَرُوا
(3/173)

وتعاهدوا على المدافعة عَنهُ وَبَايَعُوهُ على الْمَوْت وَجَاء أَبُو عنان على أَثَره حَتَّى احتل بمراكش وَأنزل عساكره على جبل هنتانة ورتب المسالح لحصاره وحربه وَطَالَ عَلَيْهِ ثواؤه حَتَّى طلب السُّلْطَان من ابْنه الْإِبْقَاء عَلَيْهِ وَأَن يبْعَث إِلَيْهِ حَاجِبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عمر فَحَضَرَ عِنْده وَأحسن الْعذر عَن الْأَمِير أبي عنان وَالْتمس لَهُ الرِّضَا مِنْهُ فَرضِي عَنهُ وَكتب لَهُ بِولَايَة عَهده وأوعز إِلَيْهِ بِأَن يبْعَث لَهُ مَالا وكسى فسرح الْحَاجِب ابْن أبي عمر بإخراجها من الْمُودع بدار ملكهم واعتل السُّلْطَان خلال ذَلِك فمرضه أولياؤه وخاصته وافتصد لإِخْرَاج الدَّم ثمَّ بَاشر المَاء للطَّهَارَة فورم مَحل الفصادة وَمَات رَحمَه الله فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة هَكَذَا عِنْد ابْن خلدون وَابْن الْخَطِيب وَغَيرهمَا وَالَّذِي رَأَيْته مَكْتُوبًا بالنقش على رخامة قَبره بشالة أَن وَفَاته كَانَت لَيْلَة الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَبعث أَوْلِيَاء السُّلْطَان بالْخبر إِلَى ابْنه وَهُوَ بمعسكره من ساحة مراكش ورفعوه على أَعْوَاد نعشه إِلَيْهِ فَتَلقاهُ حافيا حاسرا وَقبل أعواده وَبكى واسترجع ورضني عَن أوليائه وخاصته وأنزلهم بِالْمحل الَّذِي رضوه من دولته ثمَّ دفن أَبَاهُ بمراكش قبلي جَامع الْمَنْصُور من القصبة بالموضع الَّذِي بِهِ الْيَوْم قُبُور الْمُلُوك الْأَشْرَاف السعديين ثمَّ لما نَهَضَ أَبُو عنان إِلَى فاس احْتمل شلو أَبِيه مَعَه حَتَّى دَفنه بشالة مَقْبرَة سلفهم وَلَا زَالَ ضريحه قَائِم الْعين والأثر إِلَى الْآن رَحمَه الله تَعَالَى
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله أسمر طَوِيل الْقَامَة عَظِيم الهيكل معتدل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه وَكَانَ عَفا مائلا إِلَى التَّقْوَى مُولَعا بالطيب لم يشرب الْخمر قطّ لَا فِي صغره وَلَا فِي كبره محبا للصالحين عدلا فِي رَعيته
(3/174)

يحب الْفَخر ويعنى بِهِ وَقَالَ بعض المشارقة فِي حَقه مَا صورته ملك أَضَاء الْمغرب بأنوار هلاله وَجَرت إِلَى الْمشرق أنواء نواله وَطَابَتْ نسماته واشتهرت عزماته كَانَ حسن الْكِتَابَة كثير الْإِنَابَة ذَا بلاغة وبراعة وشهامة وشجاعة اه وَبنى رَحمَه الله عدَّة مدارس مِنْهَا الْمدرسَة الْعُظْمَى بمراكش قبلي جَامع ابْن يُوسُف قَالَ الْعَلامَة اليفرني فِي النزهة إِن الَّذِي بناها هُوَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن الْمَذْكُور قلت وَمن وقف على هَذِه الْمدرسَة وَتَأمل تنجيدها وتنميقها قدر هَذَا السُّلْطَان وَعلم عظم أهميته ومحبته للْعلم وَأَهله وَمِنْهَا الْمدرسَة الْعُظْمَى بطالعه سلا قبلي الْمَسْجِد الْأَعْظَم مِنْهَا بناها رَحمَه الله على هَيْئَة بديعة وصنعة رفيعة وأودع جوانبها من أَنْوَاع النقش وضروب التخريم مَا يحير الْبَصَر ويدهش الْفِكر ووقف عَلَيْهَا عدَّة أوقاف رصع أسماءها بالنقش والأصباغ على رخامة عَظِيمَة ثمَّ نصب الرخامة بِالْحَائِطِ الجوفي مِنْهَا كل ذَلِك مُحَافظَة على تِلْكَ الْأَوْقَاف أَن تغير وَأما الْمَسْجِد الْأَعْظَم ومدرسته الجوفية فهما من بِنَاء يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي حَسْبَمَا تقدم ذَلِك فِي أخباره وَعِنْدِي أَن السُّور الْمَحْمُول عَلَيْهِ المَاء الدَّاخِل إِلَى سلا الْمَعْرُوف عِنْدهم بسور الأقواس من بِنَاء السُّلْطَان أبي الْحسن رَحمَه الله ولي فِي ذَلِك مُسْتَند غَرِيب وَهُوَ أَنِّي كنت ذَات يَوْم أفاوض بعض القناقنة بسلا مِمَّن كَانَ يُبَاشر أَمر الْمِيَاه بهَا وَيصْلح مَا احْتَاجَ إِلَى الْإِصْلَاح مِنْهَا فَقلت كالمستفهم لنَفْسي من غير قصد تَوْجِيه الْخطاب إِلَيْهِ يَا ترى من الَّذِي بنى سور المَاء الدَّاخِل إِلَى الْبَلَد فَقَالَ على البديهة الَّذِي بنى الْمدرسَة هُوَ الَّذِي بنى سور المَاء فَقلت لَهُ وَكنت متشوفا يَوْمئِذٍ لتحقيق ذَلِك وَمَا علمك بِهَذَا فَقَالَ إِن بيلة الْمدرسَة بنيت يَوْم بنيت الْمدرسَة بِدَلِيل الزليج المرصوف حولهَا بِالْعَمَلِ الْكَبِير الْمَوْجُود نَظِيره فِي سَائِر حيطان الْمدرسَة وسواريها وَهَذِه البيلة لم تَتَغَيَّر عَن حَالهَا إِلَى أَن باشرت إصلاحها فِي هَذِه الْأَيَّام فحفرت عَن قنواتها وتتبعت مَادَّة المَاء الْوَاصِل إِلَيْهَا فَإِذا عمل تِلْكَ القوادس وصنعة بنائها حَتَّى الكلس المفرغ عَلَيْهَا الْجَامِع بَينهَا مماثل لعمل قنوات مَبْنِيَّة بالسور الْمَذْكُور دَاخِلَة فِيهِ بِحَيْثُ بنى عَلَيْهَا يَوْم تأسيسه من غير
(3/175)

فَوق بَين هَذِه وَتلك فِي جَمِيع عملهما وَلَيْسَ بِشَيْء من القنوات الْحَادِثَة بعدهمَا يشبههما فَعلمت أَن الَّذِي بناهما وَاحِد فَأَعْجَبَنِي كَلَامه وباحثته فِي ذَلِك فصمم على معتقده وحاولت تشكيكه بِكُل وَجه فَلم يتشكك فَظهر لي صدق دَلِيله وَغلب على ظَنِّي مَا جزم بِهِ وَعند الله علم حَقِيقَة الْأَمر
وَاعْلَم أَن هَذَا السُّور من المباني العادية والهياكل الْعَظِيمَة الَّتِي تدل على فخامة الدولة وَكَمَال قوتها مثل مَا يُقَال عَن حنايا قرطاجنة وَنَحْوهَا وَهَذَا السُّور مسوق من عُيُون الْبركَة خَارج مَدِينَة سلا على أَمْيَال كَثِيرَة ممتدا من الْقبْلَة إِلَى الْجوف على أضخم بِنَاء وأحكمه مَوْزُون سطحه بالميزان الهندسي ليَأْتِي جَرَيَان المَاء فَوْقه على اسْتِوَاء وَلذَلِك ينخفض إِلَى الأَرْض مَتى ارْتَفَعت ويعلو عَنْهَا إِذا انخفضت وَيجْرِي على مَتنه من المَاء مِقْدَار النَّهر الصَّغِير فِي سَاقيه قد اتَّخذت لَهُ وَلما شَارف الْبَلَد عظم ارتفاعه جدا لأجل انخفاض الأَرْض عَنهُ وَكلما مر فِي سيره بطرِيق مسلوك فتحت لَهُ فِيهِ أقواس فَسُمي لذَلِك سور الأقواس وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شَاهد لبانية بضخامة الدولة وَعظم الهمة
وللسلطان أبي الْحسن رَحمَه الله بفاس ومكناسة وَغَيرهمَا من بِلَاد الْمغرب آثَار كَثِيرَة فَمن آثاره بفاس بيلة الرخام الْأَبْيَض المجلوبة من المرية زنتها مائَة قِنْطَار وَثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا سيقت من المرية الى مُوسَى العرائش ثمَّ طلعت فِي وَادي قصر كتامة ثمَّ حملت على عجل الْخشب تجرها الْقَبَائِل إِلَى منزل أَوْلَاد مَحْبُوب الَّذين على ضفة وَادي سبو فوسقت فِيهِ إِلَى أَن وصلت إِلَى ملتقاه مَعَ وَادي فاس ثمَّ حملت على عجل الْخشب أَيْضا يجرها النَّاس إِلَى أَن وصلت إِلَى مدرسة الصهريج الَّتِي بعدوة الأندلس ثمَّ نقلت مِنْهَا بعد ذَلِك بأعوام إِلَى مدرسة الرخام الَّتِي أَمر رَحمَه الله ببنائها جَوف جَامع الْقرَوِيين الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بمدرسة مِصْبَاح ومصباح هَذَا هُوَ أَبُو الضياء مِصْبَاح بن عبد الله الياصلوتي الْفَقِيه الْمَشْهُور وَإِنَّمَا نسبت إِلَيْهِ لِأَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن لما بناها كَانَ أَبُو الضياء أول من تصدى للدرس بهَا فنسبت إِلَيْهِ وَقد تقدم لنا خبر الْمدرسَة الَّتِي بناها غربي جَامع الأندلس أَيَّام أَبِيه وَأنْفق عَلَيْهَا أَكثر من مائَة ألف دِينَار وَمن آثاره بمكناسة الزَّيْتُون الزاويتان القدمى والجديدة وَكَانَ بنى القدمى
(3/176)

فِي زمَان أَبِيه والجديدة حِين ولي الْخلَافَة وَله فِي هَذِه الْمَدِينَة عدَّة آثَار سوى الزاويتين من القناطر والسقايات وَغَيرهَا وَمن أجل ذَلِك الْمدرسَة الجديدة بهَا وَكَانَ قدم للنَّظَر على بنائها قاضيه على الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة وَلما تمّ بناؤها جَاءَ إِلَيْهَا من فاس ليقف عَلَيْهَا وَيرى عَملهَا وصنعتها فَقعدَ على كرْسِي من كراسي الْوضُوء حول صهريجها وَجِيء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللَّازِمَة فِيهَا فغرقها من الصهريج قبل أَن يطالع مَا فِيهَا وَأنْشد
(لَا بَأْس بالغالي إِذا قيل حسن ... لَيْسَ لما قرت بِهِ الْعين ثمن)
وَكَانَ لَهُ معرفَة بالشعر فَمن شعره قَوْله
(أرضي الله فِي سر وجهر ... وأحمي الْعرض عَن دنس ارتياب)
(وَأعْطِي الوفر من مَالِي اخْتِيَارا ... وأضرب بِالسَّيْفِ طلي الرّقاب)
وأخباره كَثِيرَة وَمن أَرَادَ الْوُقُوف على تفاصيلها فَعَلَيهِ بِكِتَاب الْخَطِيب بن مَرْزُوق الَّذِي أَلفه فِي دولته وَسيرَته وَسَماهُ الْمسند الصَّحِيح الْحسن من أَحَادِيث السُّلْطَان أبي الْحسن وَلما ذكر الْوَزير ابْن الْخَطِيب فِي كِتَابه رقم الْحلَل هَذَا السُّلْطَان وَصفه بقوله
(الْملك الْمَعْدُود من خير سلف ... ومجموع القَوْل إِذا القَوْل اخْتلف)
(الدّين والعفاف وَالْجَلالَة ... والعز وَالْقُدْرَة والجزالة)
(وَالْعلم والحلم وَفضل الدّين ... وصفوه الصفوة من مرين)
(ممهد الْملك ومسدي المنن ... وَوَاحِد الدَّهْر وفخر الزَّمن)
(باني المباني النخبة الشَّرِيفَة ... بِمُقْتَضى همته المنيفة)
(وتارك الْمدَارِس الظريفة ... شاهدة بِأَنَّهُ الْخَلِيفَة)
(وقاطع الدَّهْر بِغَيْر لَهو ... فِي مجْلِس مُعظم أَو بهو)
(أما لتدريس وَعلم يدرس ... أَو لبلاد من عَدو تحرس)
(أَو لأياد فِي عباد ثغرس ... أَو لثواب ورضا يلْتَمس)
(أَو نسخ قُرْآن وَعرض حزب ... أَو عدَّة معدة لِحَرْب)
وَمن أَعْيَان وزرائه عَامر بن فتح الله السدراتي وَعبد الله بن إِبْرَاهِيم
(3/177)

الفودودي وَمن أَعْيَان كِتَابه أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي مَدين العثماني وَأَبُو الْحسن عَليّ بن القبايلي التينمللي رحم الله الْجَمِيع بمنه
ولنذكر مَا كَانَ من الْأَحْدَاث فِي هَذِه الْمدَّة
فَفِي سنة سَبْعمِائة أسس السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق تلمسان الجديدة الْمُسَمَّاة بالمنصورة حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَنْهَا مُسْتَوفى
وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة كَانَ الْقَحْط بالمغرب فَاسْتَسْقَى النَّاس وَخرج السُّلْطَان أَبُو سعيد مَاشِيا على قَدَمَيْهِ لإِقَامَة سنة الاسْتِسْقَاء وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُور وَتَقَدَّمت أَمَامه الصلحاء وَالْفُقَهَاء والقراء يدعونَ الله تَعَالَى وَقدم بَين يَدي نَجوَاهُ صدقَات وَفرق أَمْوَالًا وَفِي يَوْم السبت بعده خرج فِي جنده إِلَى قبر الشَّيْخ أبي يَعْقُوب الْأَشْقَر بجبل الكندرتين فَدَعَا هُنَالك ورحم الله تَعَالَى عباده وغاث أرضه وبلاده
وَفِي سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الْحق الزرويلي الْمَعْرُوف بالصغير بِضَم الصَّاد وَفتح الْغَيْن وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة وَكَانَ ربعَة آدم اللَّوْن خَفِيف العارضين يلبس أحسن زِيّ ويدرس بِجَامِع الأجدع من فاس يقْعد على كرْسِي عَال ليسمع الْقَرِيب والبعيد على انخفاض كَانَ فِي صَوته وَكَانَ حسن الإقراء وقورا صبورا ثبتا وَكَانَ أحد الأقطاب الَّذين تَدور عَلَيْهِم الْفتيا بالمغرب فَيحسن
(3/178)

التوقيع عَلَيْهَا على طَرِيق الِاخْتِصَار وَترك فضول القَوْل ولاه السُّلْطَان أَبُو الرّبيع الْقَضَاء بفاس وَشد عضده فَجرى فِي الْعدْل على صِرَاط مُسْتَقِيم
وَفِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْأَزْدِيّ المراكشي الْمَعْرُوف بِابْن الْبناء الإِمَام الْمَشْهُور فِي علم التعاليم والهيئة والنجوم والأزياج وَغير ذَلِك وَكَانَ رَحمَه الله عز وَجل مَعْرُوفا بِاتِّبَاع السّنة موسوما بِطَهَارَة الِاعْتِقَاد منعوتا بالصلاح وَكَانَ انتفاعه بِصُحْبَة الشَّيْخ أبي زيد الهزميري رَضِي الله عَنهُ
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا هبت ريح شَدِيدَة بفاس ومكناسة وأحوازهما وَاسْتمرّ هبوبها يَوْمَيْنِ وليلتين فعاقت عَن الْأَسْفَار وهدمت الدّور وقلعت الْأَشْجَار
وَفِي سنة ثَلَاث وَعشْرين بعْدهَا فِي الْمحرم مِنْهَا جرت الْعين الموالية للمشرق من عُيُون صنهاجة بأحواز فاس بِدَم عبيط من وَقت الْعَصْر إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ عَادَتْ إِلَى حَالهَا وفيهَا كَانَ الْمَطَر الْعَظِيم والثلج الْكثير بالمغرب وَعدم الفحم والحطب حَتَّى بيع الفحم بفاس بِدِرْهَمَيْنِ للرطل وَفِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا احْتَرَقَ سوق العطارين الْكُبْرَى بفاس فجدده السُّلْطَان أَبُو سعيد من بَاب مدرسة العطارين إِلَى رَأس عقبَة الجزارين وَعقد عَلَيْهِ هُنَالك بَابا ضخما وأفرده للعطارين دون غَيرهم
وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة كَانَت المجاعة بالمغرب وَارْتَفَعت الأسعار فِي جَمِيع الْبِلَاد فَبلغ الْمَدّ من الْقَمْح بفاس خَمْسَة عشر درهما والصحفة مِنْهُ تسعين دِينَارا وغلا الإدام وعدمت الْخضر بأسرها وكسى السُّلْطَان أَبُو سعيد وَأطْعم فِي هَذِه المسغبة شَيْئا كثيرا ودام ذَلِك إِلَى قرب منتصف السّنة بعْدهَا وفيهَا فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر رَمَضَان مِنْهَا نَشأ خَارج فاس من جِهَة جوفيها سَحَاب عَظِيم وظلمة شَدِيدَة ورياح عَاصِفَة أعقب ذَلِك برد كثير عَظِيم الجرم تزن الْوَاحِدَة مِنْهُ ربع رَطْل وَأَقل وَأكْثر وَنزل فِي خلاله مطر وابل جَاءَت مِنْهُ السُّيُول طامية حملت النَّاس وَالدَّوَاب وأهلكت جَمِيع مَا بجبل زالغ من الكروم وَالزَّيْتُون وَسَائِر الشّجر
(3/179)

وَفِي سنة خمس وَعشْرين بعْدهَا لَيْلَة الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى مِنْهَا دخل السَّيْل الْعَظِيم مَدِينَة فاس وَكَاد يَأْتِي عَلَيْهَا بِحَيْثُ هدم الدّور والمساجد والأسواق وَأهْلك آلافا من الْخلق حَتَّى خيف على الْبَلَد التّلف
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة انْتهى تَارِيخ ابْن أبي زرع الْمُسَمّى بالأنيس الْمغرب القرطاس فِي أَخْبَار مُلُوك الْمغرب وتاريخ مَدِينَة فاس وَمِمَّا هُوَ الْغَايَة فِي بَاب الأغراب مَا ذكره ابْن خلدون قَالَ حضر أشياخنا بِمَجْلِس السُّلْطَان أبي الْحسن وَقد رفع إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أَنفسهمَا عَن الْأكل جملَة مُنْذُ سِنِين وشاع أَمرهمَا وَوَقع اختبارهما فصح شَأْنهمَا واتصل على ذَلِك حَالهمَا إِلَى أَن ماتتا وذكرهما أَيْضا الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمقري فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالمحاضرات قَالَ وَردت على تلمسان فِي الْعشْرَة الْخَامِسَة من الْمِائَة الثَّامِنَة امْرَأَة من رندة لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وَلَا تبول وَلَا تتغوط وتحيض فَلَمَّا اشْتهر هَذَا من أمرهَا أنكرهُ الْفَقِيه أَبُو مُوسَى ابْن الإِمَام وتلى كَانَا يأكلان الطَّعَام فَأخذ النَّاس يبثون ثِقَات نِسَائِهِم ودهاتهن إِلَيْهَا فكشفوا عَنْهَا بِكُل وَجه يمكنهن فَلم يَقِفن على غير مَا ذكر وسئلت هَل تشتهين الطَّعَام فَقَالَت هَل تشتهون التِّبْن بَين يَدي الدَّوَابّ وسئلت هَل يَأْتِيهَا شَيْء فَأخْبرت أَنَّهَا صَامت ذَات يَوْم فأدركها الْجُوع والعطش فنامت فَأَتَاهَا آتٍ فِي النّوم بِطَعَام وشراب فَأكلت وشربت فَلَمَّا أفاقت وجدت نَفسهَا قد استغنت فَهِيَ على تِلْكَ الْحَال تُؤْتى فِي الْمَنَام بِالطَّعَامِ وَالشرَاب إِلَى الْآن وَلَقَد جعلهَا السُّلْطَان فِي مَوضِع بقصره وحفظها بالعدول وَمن يكْشف عَمَّا عَسى تَجِيء أمهَا بهَا إِذا أَتَت إِلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلم يُوقف لَهَا على أَمر قَالَ بيد أَنِّي أردْت أَن يُزَاد فِي عدد الْعُدُول وَيضم إِلَيْهِم الْأَطِبَّاء وَمن يَخُوض فِي المعقولات من عُلَمَاء الْملَل الْمُسلمين وَغَيرهم ويوكل من نسَاء الْفرق من يُبَالغ فِي كشف من يدْخل إِلَيْهَا وَلَا يتْرك أحدا يَخْلُو بهَا وَبِالْجُمْلَةِ يُبَالغ فِي ذَلِك ويستدام رعيها عَلَيْهِ سنة لاحْتِمَال أَن يغلب عَلَيْهَا طبع فتستغني فِي فصل دون فصل ثمَّ يكْتب هَذَا فِي الْعُقُود ويشاع أمره فِي الْعَالم وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يهدم حكم الطبيعة الَّذِي
(3/180)

هُوَ أضرّ الْأَحْكَام على الشَّرِيعَة وَيبين كَيْفيَّة غذَاء أهل الْجنَّة وَأَن الْحيض لَيْسَ من فضلات الْغذَاء وَيبْطل التَّأْثِير والتولد وَيُوجب ان الاقترانات بالعادات لَا باللزوم وَعند الْأَسْبَاب لَا بهَا إِلَى غير ذَلِك إِلَّا إِنِّي لما أَشرت بِهَذَا انقسم من أَشرت عَلَيْهِ بتبليغه إِلَى من لم يفهم مَا قلت وَمن لم يرفع بِهِ رَأْسا لإيثار الدُّنْيَا على الدّين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
قَالَ الْمقري وَقد ذكر أَن امْرَأَة أُخْرَى كَانَت مَعهَا على تِلْكَ الْحَالة وحَدثني غير وَاحِد من الثِّقَات مِمَّن أدْرك عَائِشَة الجزرية أَنَّهَا كَانَت كَذَلِك وَإِن عَائِشَة بنت أبي بكر يَعْنِي زَوْجَة السُّلْطَان أبي الْحسن الَّتِي استشهدت فِي طريف اختبرتها أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَيْضا وَكم من آيَة أضيعت وَحجَّة نسيت مِمَّا لم يعرف مثله قبل الْمِائَة الثَّامِنَة وَكَذَلِكَ الوباء الْعَام الْقَرِيب فروطه يُوشك أَن يطول أمره فينسى ذكره ويكذب الْمُحدث بِهِ اذا انْقَضى عصره وَكم فِيهِ من أَدِلَّة على أصُول الْملَّة اه كَلَام الشَّيْخ أبي عبد الله الْمقري رَحمَه الله وَيَعْنِي بالوباء الْقَرِيب فروطه وباء منتصف الْمِائَة الثَّامِنَة أَيَّام كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن بتونس فَإِنَّهُ كَانَ وباء عَظِيما لم يعْهَد مثله قد عَم أقطار الأَرْض وتحيف الْعمرَان جملَة حَتَّى كَاد يَأْتِي على الخليقة أجمع والأمور كلهَا بيد الله لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي عنان فَارس بن أبي الْحسن رَحمَه الله

كَانَ هَذَا السُّلْطَان محبوبا فِي قومه وعشيرته أثيرا عِنْد وَالِده متميزا بذلك عَن سَائِر اخوته لفضله وَعَمله وصيانته وعفافه واستظهار الْقُرْآن الْكَرِيم وَغير ذَلِك من الْأَوْصَاف الْحَسَنَة أمه أم ولد رُومِية اسْمهَا شمس الضُّحَى وقبرها بشالة مَعْرُوف إِلَى الْآن رَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بالنقش أَنَّهَا توفيت لَيْلَة السبت رَابِع رَجَب الْفَرد سنة خمسين وَسَبْعمائة ودفنت إِثْر صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور وَحضر لدفنها أَعْيَان الْمشرق
(3/181)

وَالْمغْرب اه وَكَانَ مولد السُّلْطَان أبي عنان بفاس الْجَدِيد فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة وبويع فِي حَيَاة وَالِده يَوْم ثار عَلَيْهِ بتلمسان حَسْبَمَا فدمنا الْخَبَر عَنهُ وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء منسلخ ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَلما هلك وَالِده أَبُو الْحسن بجبل هنتانة وانقضى شَأْن الْحصار ارتحل السُّلْطَان أَبُو عنان إِلَى فاس وَنقل شلو أَبِيه إِلَى شالة فدفنه بهَا وأغذ السّير إِلَى فاس وَقد استتب أمره وخلا لَهُ الجو فاحتل بدار ملكه وَأجْمع أمره على غَزْو بني عبد الواد لارتجاع مَا بِأَيْدِيهِم من الْملك الَّذِي تطاولوا إِلَيْهِ وَلما دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة نَادَى بالعطاء وأزاح الْعِلَل وعسكر بِسَاحَة الْبَلَد الْجَدِيد وَعرض جَيْشه ثمَّ نَهَضَ يُرِيد تلمسان
واتصل خَبره بسلطانها أبي سعيد عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الزياني فَجمع لَهُ قومه وَمن شايعهم من زناتة وَالْعرب ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَخُوهُ ووزيره أَبُو ثَابت فَكَانَ اللِّقَاء ببسيط أَن كَاد آخر ربيع الثَّانِي من السّنة المكذورة وَأجْمع بَنو عبد الواد على صدمة المرينيين وَقت القائلة وَعند ضرب الْأَبْنِيَة وسقاء الركاب وافتراق أهل المعسكر فِي حاجاتهم فحملوا عَلَيْهِم وأعجلوهم عَن تَرْتِيب المصاف وَركب السُّلْطَان أَبُو عنان لتلافي الْأَمر وخاض بَحر الْقِتَال وَقد أظلم الجو بالغبار حَتَّى إِذا خلص إِلَيْهِم وخالطم فِي صفوفهم ولوا الأدبار وَاتبع بَنو مرين آثَارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوهم قتلا وسبيا وصفدوهم أسرى وَلم يزَالُوا فِي اتباعهم إِلَى اللَّيْل وتقبضوا على سلطانهم أبي سيعد فساقوه إِلَى السُّلْطَان أبي عنان فاعتقله وَتقدم على التعبية إِلَى تلمسان فَدَخلَهَا فِي ربيع الْمَذْكُور واستوت فِي ملكهَا قدمه وأحضر أَبَا سعيد فوبخه وَأرَاهُ أَعماله حسرات عَلَيْهِ ثمَّ أحضر الْفُقَهَاء وأرباب الْفتيا
(3/182)

فافتوا بحرابته وَقَتله فَأمْضى حكم الله فِيهِ فذبح فيمحبسه لتاسعة من أعتقاله
وفر أَخُوهُ الزعيم أَبُو ثَابت إِلَى قاصية الشرق بعد أَن احْتمل مَعَه حرمه وَحرم أَخِيه ومتخلفهم واحتل بوادي شلف من بِلَاد مغرواة فَعَسْكَرَ هُنَالك وَاجْتمعَ عَلَيْهِ أَو شَاب من زناتة وَحدث نَفسه باللقاء ووعدها بِالصبرِ والثبات واتصل خَبره بالسلطان أبي عنان فسرح إِلَيْهِ وزيره فَارس بن مَيْمُون فِي عَسَاكِر بني مرين والجند فأغذ السّير إِلَيْهِم ثمَّ ارتحل السُّلْطَان أَبُو عنان من تلمسان على أَثَره وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ تَصَادقا الحملة وخاض النَّهر بَعضهم إِلَى بعض ثمَّ صدق بَنو مرين الحملة فاجتازوا النَّهر وانكشفت بَنو عبد الواد وَاتبع بنومرين آثَارهم فاستلحموهم ثَانِيَة واستباحوا معسركهم وَاسْتَاقُوا نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ ودوابهم وَكتب الْوَزير بالتفح إِلَى السُّلْطَان أبي عنان وفر أَبُو ثَابت إِلَى قاصية الشرق فِي نفر من عشيرته وَبني أَبِيه فاعترضتهم قبائل زواوة فانتهبوا أسلابهم وأرجلوهم عَن خيولهم ومروا على وجوهم حُفَاة عُرَاة لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا وَكتب الْوَزير إِلَى أُمَرَاء الثغور فِي شَأْن أبي ثَابت وَأَصْحَابه فأذكوا الْعُيُون عَلَيْهِم وقعدوا لَهُم بالمراصد حَتَّى عثر عَلَيْهِم بعض الحشم فقبضوا على أبي ثَابت وَابْن أَخِيه أبي زيان بن أبي سعيد الْمَقْتُول ووزيرهم يحيى بن دَاوُد فرفعوهم إِلَى أَمِير بجاية أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء بن أبي بكر الحفصي وَكَانَ خَالِصَة للسُّلْطَان أبي عنان مُنْذُ أَيَّام وَالِده فاعتقلهم عِنْده حَتَّى وَفد بهم عَلَيْهِ بالمدية فَأكْرم السُّلْطَان أَبُو عنان وفادته وَركب للقائه لما تراءيا نزل الحفصي عَن فرسه إعظاما للسُّلْطَان فَنزل السُّلْطَان مُكَافَأَة لَهُ ولقاه مبرة وكرامة وأودع أَبَا ثَابت السجْن وتوافت إِلَيْهِ وُفُود الذواودة بمكانه من لمدية فَأكْرم وفادتهم وأسنى عطاياهم من الْخلْع والحملان وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وانقلبوا خير مُنْقَلب ووافته بمكانه ذَلِك بيعَة ابْن مزني عَامل بسكرة والزاب مَعَ وفدهم فأكرمهم ووصلهم وَفرغ السُّلْطَان أَبُو عنان من شَأْن الْمغرب الْأَوْسَط وَبث عماله فِي نواحيه وثقف أَطْرَافه وسمى إِلَى تملك إفريقية على مَا نذكرهُ إنْشَاء الله
(3/183)

تملك السُّلْطَان أبي عنان بجاية وتولية عمر بن عَليّ الوطاسي عَلَيْهَا

لما وَفد أَبُو عبد الله الحفصي على السُّلْطَان أبي عنان بلمدية فِي شعْبَان من سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة وَبَالغ فِي إكرامه ناجاه بِذَات صَدره وشكا إِلَيْهِ مَا يلقاه من رَعيته من الِامْتِنَاع من الجباية وَالسَّعْي فِي الْفساد وَمَا يتبع ذَلِك من شقَاق الحامية واستبداد البطانة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان متشوفا لمثلهَا فَأَشَارَ عَلَيْهِ بالنزول عَنْهَا وَأَن يعوضه عَنْهَا مَا شَاءَ من بِلَاده فسارع إِلَى قبُول ذَلِك ودس إِلَيْهِ السُّلْطَان مَعَ حَاجِبه مُحَمَّد بن أبي عَمْرو أَن يشْهد بذلك على رُؤُوس الْمَلأ فَفعل وعوضه عَنْهَا مكناسة الزَّيْتُون ونقم بطانة الحفصي عَلَيْهِ وَنزع بَعضهم عَنهُ إِلَى إفريقية وَأمره السُّلْطَان أَبُو عنان أَن يكْتب بِخَطِّهِ إِلَى عَامله على بجاية بالنزول عَنْهَا وتمكين عُمَّال السُّلْطَان مِنْهَا فَفعل وَعقد أَبُو عنان عَلَيْهَا لعمر بن عَليّ الوطاسي من بني الْوَزير الَّذين قدمنَا خبر ثورتهم بحصن تازوطا أَيَّام يُوسُف بن يَعْقُوب وَلما قضى السُّلْطَان أَبُو عنان حَاجته من الْمغرب الْأَوْسَط وَاسْتولى على بجاية ثغر إفريقية انكفأ رَاجعا إِلَى تلمسان لشهود عيد الْفطر بهَا ودخلها فِي يَوْم مشهود حمل أَبَا ثَابت الزياني ووزيره يحيى بن دَاوُد على جملين وَدخل بهما تلمسان يخطوان بهما فِي ذَلِك المحفل بَين السماطين فَكَانَا عِبْرَة لمن حضر ثمَّ جنبا من الْغَد إِلَى مصارعهما فقتلا قعصا بِالرِّمَاحِ وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور
ثورة أهل بجاية ومقتل عمر بن الوطاسي بهَا

لما قدم عمر بن عَليّ الوطاسي بجاية وَاسْتقر بهَا ثقل أمره على نفوس أَهلهَا لألفهم ملكة الحفصيين وانصباغهم بالميل إِلَيْهِم فتربصوا بالوطاسي الدَّوَائِر وَكَانَ أَبُو عبد الله الحفصي قد استصحب مَعَه فِي وفادته على السُّلْطَان أبي عنان حَاجِبه فارحا مولى ابْن سيد النَّاس فَلَمَّا نزل
(3/184)

للسُّلْطَان عَن بجاية نقم فارح عَلَيْهِ ذَلِك وأسرها فِي نَفسه إِلَى أَن بَعثه الحفصي الْمَذْكُور مَعَ الوطاسي لينقل حرمه ومتاعه وماعون دَاره إِلَى الْمغرب فَانْتهى إِلَى بجاية وبينما هُوَ يحاول مَا أرسل فِي شَأْنه شكا إِلَيْهِ الصنهاجيون سوء ملكة بني مرين فنجع كَلَامهم فِيهِ وَنَفث لَهُم بِمَا عِنْده من الضغن ودعاهم إِلَى الثورة بالمرينيين وَالْقِيَام بدعوة الحفصيين فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وتواعدوا للفتك بعلي بن عمر الوطاسي بمجلسه من القصبة وَتَوَلَّى كبرها مَنْصُور بن إِبْرَاهِيم بن الْحَاج من مشيختهم وباكره فِي دَاره على عَادَة الْأُمَرَاء وَلما أكب عَلَيْهِ ليلثم أَطْرَافه طعنه بخنجره ثمَّ ولج عَلَيْهِ الْبَاقُونَ فاستلحموه وَذَلِكَ فِي ذِي الْحجَّة من سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة وثارت الغوغاء بِالْبَلَدِ وهتف الْهَاتِف بدعوة أبي زيد بن مُحَمَّد بن أبي بكر الحفصي صَاحب قسنطينة وطيروا إِلَيْهِ بالْخبر واستدعوه فتثاقل عَنْهُم وَبلغ الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أبي عنان فاتهم أَبَا عبد الله الحفصي بمداخلة حَاجِبه فارح فِي ذَلِك فاعتقله بداره واعتقل وَفْدًا من أَشْرَاف بجاية كَانُوا بِبَابِهِ ثمَّ رَاجع شُيُوخ بجاية بصائرهم وتداركوا أَمرهم فِي الرُّجُوع إِلَى طَاعَة السُّلْطَان أبي عنان وَاتفقَ رَأْيهمْ على أَن يرقعوا هَذَا الْخرق ويسدوا هَذِه الثلمة براس الْحَاجِب فارح وصنهاجة الثائرين مَعَه وداخلهم فِي ذَلِك الْقَائِد هِلَال مولى ابْن سيد النَّاس وَلما عزموا على أَمرهم دعوا الْحَاجِب فارحا إِلَى الْمَسْجِد ليفاوضوه فِيمَا نزل بهم فأحس بِالشَّرِّ ولجأ إِلَى دَار الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن إِدْرِيس البجائي إِمَام بجاية ومفتيها فاقتحموا عَلَيْهِ الدَّار وباشره مَوْلَاهُ مُحَمَّد بن سيد النَّاس بطعنة فأنفذه وَرمى بشلوه من أَعلَى الدَّار فاحتزوا رَأسه وبعثوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي عنان وفر مَنْصُور بن إِبْرَاهِيم بن الْحَاج وَقَومه صنهاجة عَن الْبَلَد وسرح السُّلْطَان أَبُو عنان إِلَيْهَا حَاجِبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أبي عَمْرو فِي الْكَتَائِب فَدَخلَهَا فاتح سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وَذَهَبت صنهاجة فِي كل وَجه وَلحق أَصْحَاب الفعلة مِنْهُم بتونس وتقبض الْحَاجِب ابْن أبي عَمْرو على جمَاعَة من غوغاء بجاية
(3/185)

المتهمين بالخوض فِي الْفِتْنَة يناهزون الْمِائَتَيْنِ فاعتقلهم وأركبهم الأسطول إِلَى الْمغرب فاطمأن النَّاس وَسَكنُوا وتوافت لَدَيْهِ وُفُود الذواودة من كل جِهَة فأجزل صلَاتهم ووفد عَلَيْهِ عَامل الزاب يُوسُف بن مزني فَأكْرم وفادته ثمَّ ارتحل إِلَى تلمسان غرَّة جمدى الأولى من السّنة وَمَعَهُ شُيُوخ الذواودة ووجوه بجاية
قَالَ ابْن خلدون وَكنت يَوْمئِذٍ فِي جُمْلَتهمْ فَجَلَسَ السُّلْطَان للوفد وَعرض مَا جنب إِلَيْهِ من الْجِيَاد والهدايا وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَانْصَرفُوا إِلَى مواطنهم فاتح شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة قَالَ وانقلبت مَعَ الْحَاجِب بعد إسناء الْجَائِزَة وَالْخلْع والحملان من السُّلْطَان والوعد الْجَمِيل بتجديد مَا إِلَى قومِي ببلدي من الإقطاعات وَلما احتل الْحَاجِب ابْن أبي عَمْرو ببجاية ضبط أمرهَا وَأقَام أودها وألح على قسنطينة بترديد الْبعُوث وتجهيز الْكَتَائِب إِلَى أَن أذعنوا للطاعة ومكنوه من تاشفين ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن الْمَنْصُوب هُنَاكَ للفتنة وأوفد أَبُو زيد الحفصي صَاحب قسنطينة ابْنه على السُّلْطَان أبي عنان فَقبل وفادته وشكر سَعْيه وانكفأ الْحَاجِب ابْن أبي عَمْرو إِلَى بجاية وَأقَام بهَا إِلَى أَن هلك فِي الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة فَذهب حميد السِّيرَة عِنْد أهل الْبَلَد وَعقد السُّلْطَان أَبُو عنان على بجاية لعبد الله بن عَليّ بن سعيد أحد وزرائه فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي ربيع من سنة سِتّ وَخمسين الْمَذْكُورَة فاستقر بهَا وسلك سنَن الْحَاجِب قبله وَسيرَته وجهز العساكر إِلَى حِصَار قسنطينة إِلَى أَن كَانَ من فتحهَا مَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
خُرُوج أبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن بِبِلَاد السوس ثمَّ مَقْتَله عقب ذَلِك

قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن لما ركب الْبَحْر من تونس إِلَى الْمغرب عقد على تونس لِابْنِهِ أبي الْفضل هَذَا وَأَنه لما أقلع عَنْهَا ثار أهل الْبَلَد وشيعة الحفصيين عَلَيْهِ فأخرجوه عَنْهَا وَلحق بِأَبِيهِ فَكَانَ مَعَه إِلَى أَن هلك وخلص الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي عنان فلحق بِهِ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو سَالم ففكر أَبُو
(3/186)

عنان فِي أَمرهمَا وخشي عَاقِبَة ترشيحهما فأشخصهما إِلَى الأندلس ليكونا مَعَ الْغُزَاة والقرابة فِي إيالة السُّلْطَان أبي الْحجَّاج يُوسُف بن الْأَحْمَر ثمَّ نَدم على ذَلِك وَلما استولى على تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَرَأى أَن قد استفحل أمره واعتز سُلْطَانه أنفذ الرُّسُل إِلَى أبي الْحجَّاج فِي أَن يشخصهما إِلَيْهِ لِأَن مقامهما عِنْده أحوط لجمع الْكَلِمَة بِخِلَاف مَا إِذا غابا عَن حَضرته وخشي أَبُو الْحجَّاج غائلته عَلَيْهِمَا فَأبى من إسلامهما الْيَد وَأجَاب الرُّسُل بِأَنَّهُ لَا يخفر ذمَّته وَلَا يسيء جوَار الْمُسلمين الْمُجَاهدين لَدَيْهِ فَغَضب السُّلْطَان أَبُو عنان لذَلِك وَقَامَ وَقعد وَأمر حَاجِبه ابْن أبي عَمْرو أَن يكْتب إِلَه ويبالغ فِي التوبيخ واللوم فَفعل الْحَاجِب الْمَذْكُور
قَالَ ابْن خلدون وَقد أوقفني الْحَاجِب على ذَلِك الْكتاب ببجاية فَقضيت عجبا من فصوله وأغراضه وَلما قَرَأَهُ أَبُو الْحجَّاج ابْن الْأَحْمَر دس إِلَى أبي الْفضل وَكَانَ أكبر الْأَخَوَيْنِ باللحاق بالطاغية وَكَانَت بَينهمَا ولَايَة ومخالصة فَنزع إِلَيْهِ أَبُو الْفضل وجهز الطاغية لَهُ أسطولا أركبه فِيهِ وأنزله بساحل السوس من أَرض الْمغرب وَنذر السُّلْطَان أَبُو عنان بذلك فأوعز إِلَى قَائِد أسطوله باعتراض أسطول الطاغية فاعترضه وأوقع بِهِ وَكتب ابْن الْأَحْمَر أثْنَاء ذَلِك كتابا إِلَى السُّلْطَان أبي عنان يعْتَذر عَن أَمر أبي الْفضل من إنْشَاء وزيره لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب وَنَصه
الْمقَام الَّذِي شهد اللَّيْل وَالنَّهَار بأصالة سعادته وَجرى الْفلك الدوار بِحكم إِرَادَته وتعود الظفر بِمن يناويه فاطرد وَالْحَمْد لله جَرَيَان عَادَته فَوَلِيه مُتَحَقق لإفادته وعدوه مرتقب لإبادته وحلل الصَّنَائِع الإلهية تضفو على أعطاف مجادته مقَام مَحل أخينا الَّذِي سهم سعده صائب وأمل من كاده خاسر خائب وسير الْفلك الْمدَار فِي مرضاته دائب وصنائع الله تَعَالَى لَهُ تصحبها الألطاف الْعَجَائِب فسيان شَاهد مِنْهُ فِي عصمَة وغائب السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا أبقاه الله تَعَالَى مُسَددًا لسهم ماضي الْعَزْم تجل سعوده عَن تصور الْوَهم وَلَا زَالَ مرهوب الْحَد ممتثل الرَّسْم موفور الْحَظ من نعْمَة الله تَعَالَى عِنْد تعدد الْقسم فائزا بفلج الْخِصَام عِنْد لد الْخصم مُعظم قدره
(3/187)

وملتزم بره مبتهج بِمَا يسببه الله تَعَالَى لَهُ من إعزاز نَصره وَإِظْهَار أمره فلَان سَلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى ومثابتكم الفضلى الَّتِي حازت فِي الْفَخر الأمد الْبعيد وفازت من التأييد والنصر بالحظ السعيد وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته أما بعد حمد الله الَّذِي فسح لملككم الرفيع فِي الْعِزّ مدى وعرفه عوارف آلائه وعوائد النَّصْر على أعدائه يَوْمًا وَغدا وحرس سَمَاء علائه بشهب من قدره وقضائه فَمن يستمع الْآن يجد لَهُ شهابا رصدا وَجعل نجح آماله وَحسن مآله قِيَاسا مطردا فَرب مُرِيد ضره ضرّ نَفسه وهاد إِلَيْهِ الْجَيْش أهْدى وَمَا هدي وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد نبيه وَرَسُوله الَّذِي مَلأ الْكَوْن نورا وَهدى وَأَحْيَا مراسم الْحق وَقد صَارَت طرائق قددا أَعلَى الْأَنَام يدا وأشرفهم محتدا الَّذِي بجاهه نلبس أَثوَاب السَّعَادَة جددا ونظفر بالنعيم الَّذِي لَا يَنْقَطِع أبدا وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين رفعوا لسماء سنته عمدا وأوضحوا لسبيل اتِّبَاعه مقصدا وتقبلوا شيمه الطاهرة ركعا وَسجدا سيوفا على من اعْتدى ونجوما لمن اهْتَدَى حَتَّى علت فروع مِلَّته صعدا وَأصْبح بناؤها مديدا مخلدا وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر الَّذِي يتوالى مثنى وموحدا كَمَا جمع لملككم مَا تفرق من الألقاب على توالي الأحقاب فَجعل سيفكم سِفَاحًا وعلمكم منصورا ورأيكم رشيدا وعزمكم مؤيدا فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله تَعَالَى لكم صنعا يشْرَح لِلْإِسْلَامِ خلدا ونصرا يُقيم للدّين الحنيفي أوادا وعزما يمْلَأ أَفْئِدَة الْكفْر كمدا وجعلكم مِمَّن هيأ لَهُ من أمره رشدا وَيسر لكم الْعَاقِبَة الْحسنى كَمَا وعد بِهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز وَالله أصدق موعدا من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله وَلَا زَائِد بِفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا استطلاع سعودكم فِي آفَاق الْعِنَايَة واعتقاد جميل صنع الله فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة وَالْعلم بِأَن ملككم تحدى من الظُّهُور على أعدائه بِآيَة وأجرى جِيَاد السعد فِي ميدان لَا يحد بغاية وخرق حجاب الْمُعْتَاد بِمَا لم يظْهر إِلَّا لأَصْحَاب الْكَرَامَة وَالْولَايَة وَنحن على مَا علمْتُم من السرُور بِمَا يهز لملككم الْمَنْصُور عطفا ويسدل عَلَيْهِ من الْعِصْمَة سجفا فقاسمه الارتياح لمواقع نعم الله تَعَالَى نصفا وَنصفا ونعقد بَين أنباء مسرته وَبَين الشُّكْر لله حلفا ونعد التَّشَيُّع لَهُ مِمَّا يقربنا إِلَى الله زلفى
(3/188)

ونؤمل من إمداده ونرتقب من جهاده وقتا يكفل بِهِ الدّين ويكفى وتروى غلل النُّفُوس وتشفى وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم ووالى نصركم وعضدكم فَإنَّا من لدن صدر عَن أخيكم أبي الْفضل مَا صدر من الانقياد لخدع الآمال والاغترار بموارد الْآل وَقَالَ رَأْيه فِي اقتحام الْأَهْوَال وتورط فِي هفوة حَار فِيهَا حيرة أهل الْكَلَام فِي الْأَحْوَال وناصب من أَمركُم السعيد جبلا قضى الله لَهُ بالاستقرار والاستقلال وَمن ذَا يزاحم الأطواد ويزحزح الْجبَال وأخلف الظَّن منا فِي وفائه وأضمر عملا اسْتَأْثر عَنَّا بإخفائه واستعان من عَدو الدّين بِمعين فَلَا ورى لمن استنصر بِهِ زند وَلَا خَفق لمن تولاه بالنصر بند وَإِن الطاغية أَعَانَهُ وأنجده وَرَأى أَنه سهم على الْمُسلمين سدده وعضب للفتنة جرده فَسخرَ لَهُ الْفلك وأمل أَن يستخدمه بِسَبَب ذَلِك الْملك فَأوردهُ الهلك وَالظُّلم الحلك علمنَا أَن طرف سعادته كاب وسحائب آماله غير ذَات انسكاب وَقدم عزته لم يسْتَقرّ من السداد فِي غرز ركاب فَإِن نجاح أَعمال النُّفُوس مُرْتَبِط بنياتها وغايات الْأُمُور تظهر فِي بداياتها وعوائد الله تَعَالَى فِيمَن نَازع قدرته لَا تجْهَل وَمن غَالب أَمر الله خَابَ مِنْهُ الْمعول فَبَيْنَمَا نَحن ترنقب خسار تِلْكَ الصَّفْقَة المعقودة وخمود تِلْكَ الشعلة الموقودة وصلنا كتابكُمْ يشْرَح الصُّدُور ويشرح الْأَخْبَار وَيهْدِي طرف المسرات على أكف الاستبشار ويعرب بِلِسَان حَال المسارعة والابتدار عَن الود الْوَاضِح وضوح النَّهَار والتحقق بخلوصنا الَّذِي يُعلمهُ عَالم الْأَسْرَار فَأَعَادَ فِي الإفادة وأبدأ وأسدى من الْفَضَائِل الجلائل مَا أسدى فَعلم مِنْهُ مآل من رام يقْدَح زند الشتات من بعد الالتئام ويثير عجاجة الْمُنَازعَة من بعد ركُوب القتام هَيْهَات تِلْكَ قلادة الله تَعَالَى الَّتِي مَا كَانَ ليتركها بِغَيْر نظام وَلم يدر أَنكُمْ نصبتم لَهُ من الحزم حبالة لَا يفلتها قنيص سددتم لَهُ من السعد سَهْما مَا لَهُ عَنهُ من محيص بِمَا كَانَ من إرْسَال جوارح الأسطول السعيد فِي مطاره حَائِلا بَينه وَبَين أوطاره فَمَا كَانَ إِلَّا التَّسْمِيَة والإرسال ثمَّ الْإِمْسَاك والقتال ثمَّ الاقتيات والاستعمال فيا لَهُ من زجر استنطق لِسَان الْوُجُود مجدله واستنصر الْبَحْر فخذله وصارع الْقدر فجدله لما جد لَهُ وَإِن خدامكم استولوا على مَا كَانَ فِيهِ من مُؤَمل غَايَة بعيدَة ومنتسب إِلَى نِسْبَة غير سعيدة
(3/189)

وشانئ غمرته من الْكفَّار خدام المَاء وأولياء النَّار تحكمت فيهم أَطْرَاف العوالي وصدور الشفار وَتحصل مِنْهُم من تخطاه الْحمام فِي قَبْضَة الأسار فعجبنا من تيسير هَذَا المرام وإخماد الله لهَذَا الضرام وَقُلْنَا تكييف لَا يحصل فِي الأوهام وتسديد لَا تَسْتَطِيع إِصَابَته السِّهَام كلما قدح الْخلاف زندا أطفأ سعدكم شعلته أَو أظهر الشتات ألما أَبْرَأ يمن طائركم علته مَا ذَاك إِلَّا لنِيَّة صدقت معاملتها فِي جنب الله تَعَالَى وَصحت واسترسلت بركتها وسحت وَجِهَاد نذرتموه إِذا فرغت شواغلكم وتمت واهتمام بِالْإِسْلَامِ يَكْفِيهِ الخطوب الَّتِي أهمت فَنحْن نهنيكم بمنح الله ومننه ونسأله أَن يلْبِسكُمْ من إعانته أوقى جننه فأملنا أَن تطرد آمالكم وتنجح فِي مرضات الله أَعمالكُم فمقامكم هُوَ الْعُمْدَة الَّتِي يدافع الْعَدو بسلاحها وتنبلج ظلماته بصفاحها وَكَيف لانهنئكم بصنع على جهتنا يعود وبشابقنا تطلع مِنْهُ السُّعُود فتيقنوا مَا عندنَا من الِاعْتِقَاد الَّذِي رسومه قد اسْتَقَلت وكتفت وديمه بِسَاحَة الود قد وكفت وَالله عز وَجل يَجْعَل لكم الْفتُوح عَادَة وَلَا يعدمكم عناية وسعادة وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلي مقامكم وينصر أعلامكم ويهني الْإِسْلَام أيامكم وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته اه
وَلما نزل أَبُو الْفضل بساحل السوس لحق بِعَبْد الله السكسيوي صَاحب الْجَبَل الْمَنْسُوب إِلَيْهِ ودعا لنَفسِهِ وَكَانَ ذَلِك إِثْر مقدم الْحَاجِب ابْن أبي عَمْرو من فتح بجاية سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة فَجهز السُّلْطَان أَبُو عنان إِلَيْهِ عسكره من تلمسان وَعقد على حَرْب السكسيوي وابي الْفضل لوزيره فَارس بن مَيْمُون بن وردار فَسَار حَتَّى نزل على جبل السكسيوي وأحاط بِهِ وَأخذ بمخنقه واختط مَدِينَة لمعسكره وتجمير كتائبه بسفح ذَلِك الْجَبَل سَمَّاهَا الْقَاهِرَة وَلما اشْتَدَّ الْحصار على السكسيوي بعث إِلَى الْوَزير يسْأَله الرُّجُوع إِلَى طَاعَته الْمَعْرُوفَة وَأَن ينْبذ الْعَهْد إِلَى أبي الْفضل ففارقه وانتقل إِلَى جبال المصامدة وَدخل الْوَزير فَارس أَرض السوس فدوخ أقطارها ومهد أكنافها وسارت الألوية والجيوش فِي جهاتها ورتب المسالح فِي ثغورها وأمصارها
وَسَار أَبُو الْفضل ينْتَقل فِي جبال المصامدة إِلَى أَن انْتهى إِلَى صناكة
(3/190)

وَألقى بِنَفسِهِ على ابْن الْحميدِي مِنْهُم مِمَّا يَلِي بِلَاد درعة فأجاره وَقَامَ بأَمْره ونازله عَامل درعة يَوْمئِذٍ عبد الله بن مُسلم الزردالي من مشيخة بني عبد الواد كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله قد اصطنعه أَيَّام فَتحه لتلمسان فاستقر فِي دولتهم واندرج فِي صنائعهم فَأخذ بمخنق ابْن الْحميدِي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إِلَيْهِ وداخله فِي التقبض على أبي الْفضل وَأَن يبْذل لَهُ من المَال فِي ذَلِك مَا أحب فَأجَاب ولاطف عبد الله بن مُسلم الْأَمِير أَبَا الْفضل ووعده من نَفسه الدُّخُول فِي الْأَمر وَطلب لقاءه فَركب إِلَيْهِ أَبُو الْفضل وَلما استمكن مِنْهُ ابْن مُسلم تقبض عَلَيْهِ وَدفع لِابْنِ الْحميدِي مَا اشْترط لَهُ من المَال وأشخصه معتقلا إِلَى أَخِيه السُّلْطَان أبي عنان سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة فأودعه السجْن وَكتب بِالْفَتْح إِلَى القاصية ثمَّ قَتله لليال يسيرَة من اعتقاله خنقا بمحبسه وانقضى أَمر الْخَوَارِج وتمهدت الدولة إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وفادة الْوَزير ابْن الْخَطِيب من قبل سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه على السُّلْطَان أبي عنان رَحِمهم الله

كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الْأَحْمَر قد أوفد وزيره لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب على السُّلْطَان أبي عنان إِثْر مهلك السُّلْطَان أبي الْحسن معزيا لَهُ بمصابه فَقدم ابْن الْخَطِيب وَأدّى الرسَالَة وجلى فِي اغراض تِلْكَ السفارة وَعَاد إِلَى غرناطة ثمَّ هلك السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة بمصلى عيد الْفطر وَهُوَ ساجد طعنه بعض الزعانف فأصماه لوقته وَبَايع النَّاس ابْنه مُحَمَّد بن يُوسُف الْغَنِيّ بِاللَّه وَقَامَ بِأَمْر دولته مَوْلَاهُ رضوَان الراسخ الْقدَم فِي قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من مُلُوكهمْ واستبد بِالْأَمر وَانْفَرَدَ ابْن الْخَطِيب بوزارته كَمَا كَانَ لِأَبِيهِ من قبل وَاتخذ لكتابته غَيره وَجعل ابْن الْخَطِيب رديفا لرضوان فِي أمره وتشاركا فِي الاستبداد
(3/191)

مَعًا فجرت الدولة على أحسن حَال ثمَّ إِن السُّلْطَان الْغَنِيّ بِاللَّه بعث وزيره ابْن الْخَطِيب سفيرا عَنهُ إِلَى السُّلْطَان أبي عنان مستمدا لَهُ على عدوه الطاغية على عَادَة سلفه فِي ذَلِك قَالَ ابْن الْخَطِيب لما أشرفت على مَدِينَة فاس فِي غَرَض هَذِه الرسَالَة خاطبني الْخَطِيب الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق التلمساني بمنزل الشاطبي على مرحلة مِنْهَا بِمَا نَصه
(
(يَا قادما وافي بِكُل نجاح ... أبشر بِمَا تَلقاهُ من أفراح)
(هذي ذرى ملك الْمُلُوك فلذ بهَا ... تنَلْ المنى وتفز بِكُل سماح)
(مغنى الإِمَام أبي عنان يممن ... تظفر ببحر بالندا طفاح)
(من قَاس جود أبي عنان فِي الندا ... بسواه قَاس الْبَحْر بالضحضاح)
(ملك يفِيض على العفاة نواله ... قبل السُّؤَال وَقبل بسطة رَاح)
(فلجود كَعْب وَابْن سعد فِي الندا ... ذكر محاه عَن نداه ماح)
(مَا أَن سَمِعت وَلَا رَأَيْت بِمثلِهِ ... من أريحي للندا مرتاح)
(بسط الْأمان على الْأَنَام فَأَصْبحُوا ... قد ألحفوا مِنْهُ بِظِل جنَاح)
(وهم على العافين سيب نواله ... حَتَّى حكى سح الْغَمَام الساح)
(فنواله وجلاله وفعاله ... فاقت وأعيت السن المداح)
(وَبِه الدنا أضحت تروق وأصبحت ... كل المنى تنقاد بعد جماح)
(من كَانَ ذَا ترح فرؤية وَجهه ... متلافة الأحزان والأتراح)
(فانهض أَبَا عبد الْإِلَه تفز بِمَا ... تبغيه من أمل ونيل نجاح)
(لَا زلت ترتشف الْأَمَانِي رَاحَة ... من رَاحَة الْمولى بِكُل صباح)
فَالْحَمْد لله يَا سَيِّدي وَأخي على نعمه الَّتِي لَا تحصى حمد يؤم بِهِ جميعنا الْمَقْصد الْأَسْنَى فَيبلغ الأمد الْأَقْصَى فطالما كَانَ مُعظم سَيِّدي للأسى فِي خبال وللأسف بَين اشْتِغَال بَال واشتعال بلبال ولقدومكم على هَذَا الْمحل المولوي فِي ارتقاب ولمواعيدكم بذلك فِي تحقق وُقُوعه من غير شكّ وَلَا ارتياب فها أَنْت تجتني من هَذَا الْمقَام الْعلي بتشيعك وُجُوه المسرة صباحا وتتلقى أَحَادِيث مكارمه ومواهبه مُسندَة صحاحا بحول الله تَعَالَى ولسيدي
(3/192)

الْفضل فِي قبُول مركوبة الْوَاصِل إِلَيْهِ بسرجه ولجامه فَهُوَ من بعض مَا لَدَى الْمُعظم من إِحْسَان مَوْلَاهُ وإنعامه ولعمري لقد كَانَ وافدا على سَيِّدي فِي مستقره مَعَ غير فَالْحَمْد لله الَّذِي يسر فِي إيصاله على أفضل أَحْوَاله قَالَ ابْن الْخَطِيب فراجعته بِمَا نَصه
(راحت تذكرني كؤوس الراح ... والقرب يخْفض للجنوح جنَاح)
(وسرت تدل على الْقبُول كَأَنَّمَا ... دلّ النسيم على انبلاج صباح)
(حسناء قد غنيت بِحسن صفاتها ... عَن دملج وقلادة ووشاح)
(أمست تَحض على اللياد بِمن جرت ... بسعوده الأقلام فِي الألواح)
(بخليفة الله الْمُؤَيد فَارس ... شمس الْمَعَالِي الْأَزْهَر الوضاح)
(مَا شِئْت من شيم وَمن همم غَدَتْ ... كالزهر أَو كالزهر فِي الأوداح)
(فضل الْمُلُوك فَلَيْسَ يدْرك شأوه ... أَنى يُقَاس الْغمر بالضحضاح)
(أَسْنَى بني عباسهم بلوائه ... الْمَنْصُور أَو بحسامه السفاح)
(وغدت مغاني الْملك لما حلهَا ... تزري ببدر هدى وبحر سماح)
(وحياة من أهداك تحفة قادم ... فِي الْعرف مِنْهَا رَاحَة الْأَرْوَاح)
(مَا زلت أجعَل ذكره وثناءه ... روح وريحاني الأريح وَرَاح)
(وَلَقَد تمازج حبه بجوارحي ... كتمازج الْأَجْسَام بالأرواح)
(وَلَو أنني أَبْصرت يَوْمًا فِي يَدي ... أَمْرِي لطرت إِلَيْهِ دون جنَاح)
(فَالْآن ساعدني الزَّمَان وأيقنت ... من قربه نَفسِي بفوز قداح)
(إيه أَبَا عبد الْإِلَه وَإنَّهُ ... لنداء ود فِي علاك صراح)
(أما إِذا استنجدتني من بعد مَا ... ركدت لما جنت الخطوب ريَاح)
(فإليكها مَهْزُولَة وَأَنا امْرُؤ ... قررت عجزي وأطرحت سلَاح)
سَيِّدي أبقاك الله لعهد تحفظه وَوَلَاء بِعَين الْوَفَاء تلحظه وصلتني رقعتك الَّتِي ابتدعت وبالحق من مولى الْخَلِيفَة صدعت والفتنى وَقد سطت بِي الأوحال حَتَّى كَادَت تتْلف الرّحال وَالْحَاجة إِلَى الْغَدَاء قد شمرت عَن كشح البطين وثانية العجماوين قد توقع فَوَات وَقتهَا وَإِن كَانَت صلَاتهَا صَلَاة الطين
(3/193)

والفكر قد غاض مُعينَة وَضعف وعَلى الله جَزَاء الْمولى الَّذِي يُعينهُ فغزتني بكتيبتي بَيَان أسدها هسور وَعلمهَا مَنْصُور وألفاظها لَيْسَ فِيهَا قُصُور ومعانيها عَلَيْهَا الْحسن مَقْصُور واعتراف مثلي بِالْعَجزِ فِي المضايق حول وَمِنْه وَقَول لَا أَدْرِي للْعَالم فَكيف بِغَيْرِهِ جنَّة لَكِنَّهَا بشرتني بِمَا يقل لمؤديه بذل النُّفُوس وَإِن جلت وأطلعتني من السَّرَّاء على وَجه تحسده الشَّمْس إِذا تجلت بِمَا أعلمتني بِهِ من جميل اعْتِقَاد مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله فِي عَبده وَصدق المخيلة فِي كرم مجده وَهَذَا هُوَ الْجُود الْمَحْض وَالْفضل الَّذِي شكره هُوَ الْفَرْض وَتلك الْخلَافَة المولوية تتصف بِصِفَات من يبْدَأ بالنوال من قبل الضراعة وَالسُّؤَال من غير اعْتِبَار للأسباب وَلَا مجازات للأعمال نسْأَل الله تَعَالَى أَن يبقي مِنْهَا على الْإِسْلَام أَو فِي الظلال ويبلغها من فَضله أقْصَى الآمال وَوصل مَا بَعثه سَيِّدي صحبتهَا من الْهَدِيَّة والتحفة الودية وقبلتها امتثالا واستجليت مِنْهَا عتقا وجمالا وسيدي فِي الْوَقْت أنسب باتخاذ ذَلِك الْجِنْس وأقدر على الاستكثار من إناث البهم وَالْإِنْس وَأَنا ضَعِيف الْقُدْرَة غير مستطيع لذَلِك إِلَّا فِي الندرة فَلَو رأى سَيِّدي ورايه سداد وقصده فضل ووداد أَن ينْقل الْقَضِيَّة إِلَى بَاب الْعَارِية من بَاب الْهِبَة مَعَ وجود الْحُقُوق المترتبة لبسط خاطري وَجمعه وَعمل فِي رفع الْمُؤْنَة على شاكلة حَالي مَعَه وَقد استصحبت مركوبا يشق عَليّ هجره ويناسب مقَامي شكله ونجره وسيدي فِي الْإِسْعَاف على الله أجره وَهَذَا أَمر عرض وَفرض فرض وعَلى نظره الْمعول واعتماد إغضائه هُوَ الْمَعْقُول الأول وَالسَّلَام على سَيِّدي من مُعظم قدره وملتزم بره ابْن الْخَطِيب فِي لَيْلَة الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين لذِي الْقعدَة سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَالسَّمَاء قد جَادَتْ بمطر سهرت مِنْهُ الأجفان وَظن أَنه طوفان واللحاق فِي غدها بِالْبَابِ المولوي مُؤَمل بحول الله اه
وَلما قدم الْوَزير الْمَذْكُور على السُّلْطَان الْمَذْكُور تقدم الْوَفْد الَّذين مَعَه من وزراء الأندلس وفقهائها وممثل بَين يَدَيْهِ واستأذنه فِي إنشاد شَيْء من الشّعْر يقدمهُ بَين يَدي نَجوَاهُ فَأذن لَهُ وَأنْشد وَهُوَ قَائِم
(3/194)

(خَليفَة الله ساعد الْقدر ... علاك مَا لَاحَ فِي الدجى قمر)
(ودافعت عَنْك كف قدرته ... مَا لَيْسَ يَسْتَطِيع دَفعه الْبشر)
(وَجهك فِي النائبات بدر دجى ... لنا وَفِي الْمحل كفك الْمَطَر)
(وَالنَّاس طرا بِأَرْض أندلس ... لولاك مَا أوطنوا وَلَا عمروا)
(وَمن بِهِ مذ وصلت حبلهم ... مَا جَحَدُوا نعْمَة وَلَا كفرُوا)
(وَجُمْلَة الْأَمر أَنه وَطن ... فِي غير علياك مَا لَهُ وطر)
(وَقد أهمتهم نُفُوسهم ... فوجهوني إِلَيْك وَانْتَظرُوا)
فاهتز السُّلْطَان أَبُو عنان لهَذِهِ الأبيات وَأذن لَهُ فِي الْجُلُوس وَقَالَ لَهُ قبل أَن يجلس مَا ترجع إِلَيْهِم إِلَّا بِجَمِيعِ طلباتهم ثمَّ أدّى الرسَالَة وَدفع الْكتاب وَلما عزموا على الِانْصِرَاف أثقل كاهلهم بِالْإِحْسَانِ وردهم بِجَمِيعِ مَا طلبوه
قَالَ ابْن خلدون قَالَ شَيخنَا القَاضِي أَبُو الْقَاسِم الشريف وَكَانَ مَعَه فِي ذَلِك الْوَفْد لم نسْمع بسفير قضى سفارته قبل أَن يسلم على السُّلْطَان إِلَّا هَذَا
وَنَصّ الْكتاب الَّذِي قدم بِهِ ابْن الْخَطِيب الْمقَام الَّذِي يُغني عَن كل مَفْقُود بِوُجُودِهِ ويهز إِلَى جميل العوائد أعطاف بأسه وجوده ونستضيء عِنْد إظلام الخطوب بِنور سعوده ونرث من الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ أَسْنَى ذخر يَرِثهُ الْوَلَد عَن آبَائِهِ وجدوده مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي رعى الأذمة شَأْنه وصلَة الرَّاعِي سجية انْفَرد بهَا سُلْطَان ومواعد النَّصْر ينجزها زَمَانه وَالْقَوْل وَالْفِعْل فِي ذَات الله تَعَالَى تكفلت بهما يَده الْكَرِيمَة وَلسَانه وتطابق فيهمَا إسراره وإعلانه السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا أبقاه الله تَعَالَى محروسا من غير الْأَيَّام جنابه مَوْصُولَة بالوقاية الإلهية أَسبَابه مسدولا على ذَاته الْكَرِيمَة ستر الله تَعَالَى وحجابه مصروفا عَنهُ من صروف الْقدر مَا يعجز عَن رده بوابه وَلَا زَالَ ملْجأ تنْفق لَدَيْهِ الْوَسَائِل الَّتِي تدخرها لأولادها أولياؤه وأحبابه ويسطر فِي صحف الْفَخر ثَوَابه وتشتمل على مَكَارِم الدّين وَالدُّنْيَا أثوابه وتتكفل بنصر الْإِسْلَام وجبر الْقُلُوب عِنْد طوارق الْأَيَّام كتائبه وَكتابه مُعظم مَا عظم من حَقه
(3/195)

السائر من إجلاله وشكر خلاله على لاحب طرقه المستضيء فِي ظلمَة الْخطب بِنور أفقه الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر سَلام كريم بر عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته أما بعد حمد الله الَّذِي لاراد لأَمره وَلَا معَارض لفعله مصرف الْأَمر بقدرته وحكمته وعدله الْملك الْحق الَّذِي بِيَدِهِ ملاك الْأَمر كُله مُقَدّر الْآجَال والأعمار فَلَا يتَأَخَّر شَيْء عَن مِيقَاته وَلَا يبرح عَن مَحَله جَاعل الدُّنْيَا مناخ نَقله لَا يغتبط الْعَاقِل بِمِائَة وَلَا بظله وسبيل رحْلَة فَمَا أكثب ظعنه من حلّه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد صفوة خلقه وخيرة أنبيائه وَسيد رسله الَّذِي نعتصم بِسَبَبِهِ الْأَقْوَى ونتمسك بحبله ونمد يَد الافتقار إِلَى فَضله ونجاهد فِي سَبيله من كذب بِهِ أَو حاد عَن سبله ونصل إِلَيْهِ ابْتِغَاء مرضاته وَمن أَجله وَالرِّضَا عَن آله وأحزابه وأنصاره وَأَهله المستولين من ميدان الْكَمَال على خصله وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بعز نَصره ومضاء فَضله فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله تَعَالَى لكم وقاية لَا تطرق الخطوب حماها وعصمة ترجع عَنْهَا سِهَام النوائب كلما فَوْقهَا الدَّهْر ورماها وعناية لَا تغير الْحَوَادِث اسْمهَا وَلَا مسماها وَعزا يزاحم أجرام الْكَوَاكِب منتماها من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله تَعَالَى وَنعم الله سُبْحَانَهُ تتواتر لدينا دفعا ونفعا وألطافه نتعرفها وترا وشفعا ومقامكم الأبوي هُوَ الْمُسْتَند الْأَقْوَى والمورد الَّذِي ترده آمال الْإِسْلَام فتروي وتهوي إِلَيْهِ أفئدتهم فتجد مَا تهوى ومثابتكم الْعدة الَّتِي تأسست مبانيها على الْبر وَالتَّقوى وَإِلَى هَذَا وصل الله تَعَالَى سعدكم وَأبقى مجدكم فَإنَّا لما نعلم من مساهمة مجدكم الَّتِي يقتضيها كرم الطباع وطباع الْكَرم وَتَدْعُو إِلَيْهَا ذمم الرَّعْي ورعي الذمم نعرفكم بعد الدُّعَاء لملككم بدفاع الله تَعَالَى عَن إرتقائه وامتاع الْمُسلمين بِبَقَائِهِ بِمَا كَانَ من وَفَاة مَوْلَانَا الْوَالِد نَفعه تَعَالَى بالسعادة الَّتِي ألبسهُ حلتها وَالشَّهَادَة الَّتِي فِي أَعمالهَا الزكية كتبهَا والدرجة الْعَالِيَة الَّتِي حتمها لَهُ وأوجبها وَبِمَا تصير لنا من أمره وَضم بِنَا من نشره وسدل على من خَلفه من ستره وَإِنَّهَا لعبرة لمن ألْقى السّمع وموعظة تهز الْجمع وَترسل الدمع وحادثة أجمل الله تَعَالَى فِيهَا
(3/196)

الدّفع وَشرح مجملها وَإِن اخرس اللِّسَان هولها وَأسلم الْعبارَة قوتها وحولها إِنَّه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما برز لإِقَامَة سنة هَذَا الْعِيد مستشعرا شعار كلمة التَّوْحِيد مظْهرا سمة الخضوع للْمولى الَّذِي تضرع بَين يَدَيْهِ رِقَاب العبيد آمنا بَين قومه وَأَهله متسربلا فِي حلل نعم الله تَعَالَى وفضله قرير الْعين باكتمال عزه واجتماع شَمله قد احترس بأقصى استطاعته وَاسْتظْهر بخلصان طَاعَته وَالْأَجَل الْمَكْتُوب قد حضر والإرادة الإلهية قد أنفذت الْقَضَاء وَالْقدر وَسجد بعد الرَّكْعَة الثَّانِيَة من صلَاته أَتَاهُ أمرالله لميقاته على حِين الشَّبَاب غض جلبابه وَالسِّلَاح زاخر عبابه وَالدّين بِهَذَا الْقطر قد أينع بالأمن جنابه وَأمر من يَقُول للشَّيْء كن فَيكون قد بلغ كِتَابه وَلم يرعه وَقد اطمأنت بِذكر الله تَعَالَى الْقُلُوب وخلصت الرغبات إِلَى فَضله الْمَطْلُوب إِلَّا شقي قيضه الله تَعَالَى لسعادته غير مَعْرُوف وَلَا مَنْسُوب وخبيث لم يكن بمعتبر وَلَا مَحْسُوب تخَلّل الصُّفُوف المعقودة وَتجَاوز الْأَبْوَاب المسدودة وخاض الجموع المشهودة والأمم المحشورة إِلَى طَاعَة الله المحشودة لَا تدل الْعين عَلَيْهِ شارة وَلَا بزَّة وَلَا تحمل على الحذر من مثله أَنفه وَلَا عزة وَإِنَّمَا هُوَ خَبِيث ممرور وكلب عقور وحية سمها وَحي مَحْذُور وَآلَة مصرفة لينفذ بهَا قدر مَقْدُور فَلَمَّا طعنه وأثبته وأعلق بِهِ شرك الْحِين فَمَا أفلته قبض عَلَيْهِ من الخلصان الْأَوْلِيَاء من خبر ضَمِيره وَأحكم تَقْرِيره فَلم يجب عِنْد الِاسْتِفْهَام جَوَابا يعقل وَلَا عثر على شَيْء عَنهُ ينْقل لطفا من الله أَفَادَ بَرَاءَة الذمم وتعاورته للحين أَيدي التمزيق وَاتبع شلوه بالتحريق وَاحْتمل مَوْلَانَا الْوَالِد رَحمَه الله إِلَى الْقصر وَبِه ذماء لم يلبث بعد الفتكة العمرية إِلَّا أيسر من الْيَسِير وتخلف الْملك ينظر من الطّرف الحسير وينهض بالجناح الكسير وَقد عَاد جمع السَّلامَة إِلَى جمع التكسير إِلَّا أَن الله تَعَالَى تدارك هَذَا الْقطر الْغَرِيب أَن أقامنا مقَامه لوقته وحينه وَرفع عماد بِنَاء ملكه وَلم شعث دينه وَكَانَ جَمِيع من حضر المشهد من شرِيف النَّاس ومشروفهم وأعلامهم ولفيفهم قد جمعه ذَلِك الْمِيقَات وَحضر الْأَوْلِيَاء الثِّقَات فَلم تخْتَلف علينا كلمة وَلَا شذت مِنْهُم عَن بيعتنا نفس مسلمة وَلَا أخيف بري وَلَا حذر جري وَلَا فرى فري وَلَا وَقع لبس وَلَا استوحشت
(3/197)

نفس وَلَا نبض للفتنة وَلَا أغفل للدّين حق فاستند النَّقْل إِلَى نَصه وَلم يعْدم من فقيدنا غير شخصه وبادرنا إِلَى مُخَاطبَة الْبِلَاد نمهدها ونسكنها ونقرر الطَّاعَة فِي النُّفُوس ونمكنها وأمرنا النَّاس بهَا بكف الْأَيْدِي وَرفع التَّعَدِّي وَالْعَمَل من حفظ شُرُوط المسالمة المعقودة بِمَا يجدي من شَره مِنْهُم للفرارا عاجلناه بالإنكار وصرفنا على النَّصَارَى مَا أوصاه مصحبا بالإعتذار وخاطبنا صَاحب قشتالة نرى مَا عِنْده فِي صلَة السّلم إِلَى أمدها من الْأَخْبَار واتصلت بِنَا البيعات من جَمِيع الأقطار وَعفى على حزن الْمُسلمين بوالدنا مَا ظهر عَلَيْهِم بولايتنا من الإستبشار واستبقوا تطير بهم أَجْنِحَة الإبتدار جعلنَا الله تَعَالَى مِمَّن قَابل الْحَوَادِث بالإعتبار وَكَانَ على حذر من تصاريف الأقدار وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وأعاننا على إِقَامَة دينه فِي هَذَا الوطن الْغَرِيب الْمُنْقَطع بَين الْعَدو الطاغي وَالْبَحْر الزخار وألهمنا من شكره مَا يتكفل بالمزيد من نعمه وَلَا قطع عَنَّا عوائد كرمه وَإِن فَقدنَا والدنا فَأَتمَّ لنا من بعده الْوَالِد والذخر الَّذِي تكرم مِنْهُ العوائد وَالْحب يتوارث كَمَا ورد فِي الْأَخْبَار الَّتِي صحت مِنْهَا الشواهد وَمن أعد مثلكُمْ لِبَنِيهِ فقد تيسرت من بعد الْمَمَات أمانيه وتأسست قَوَاعِد ملكه وتشيدت مبانيه فالإعتقاد الْجَمِيل مَوْصُول وَالْفُرُوع لَهَا فِي التَّشَيُّع إِلَيْكُم أصُول وَفِي تَقْرِير فخركم محصول وَأَنْتُم ردء الْمُسلمين بِهَذِهِ الْبِلَاد الْمسلمَة الَّذِي يعينهم بإرفاده وَيَنْصُرهُمْ بإنجاده ويعامل الله تَعَالَى فِيهَا بِصدق جهاده وعندما اسْتَقر هَذَا الْأَمر الَّذِي تبِعت المحنة فِيهِ المنحة وراقت من فضل الله تَعَالَى ولطفه فِيهِ الصفحة وأخذنا الْبيعَة من أهل حضرتنا بعد استدعاء خواصهم وأعيانهم وتزاحمت على رقها المنشور خطوط أَيْمَانهم وتأصلت قَوَاعِد ألفاظها ومعانيها فِي قُلُوبهم وآذانهم وضمنوا الْوَفَاء بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَقد خبر سلفنا وَالْحَمْد لله وَفَاء ضمانهم بادرنا تَعْرِيف مقامكم الَّذِي نعلم مساهمته فِيمَا سَاءَ وسر أحلى وَأمر عملا بِمُقْتَضى الخلوص الَّذِي ثَبت وَاسْتقر وَالْحب الَّذِي مَا مَال يَوْمًا وَلَا أَزور وَمَا أَحَق تَعْرِيف مقامكم بِوُقُوع هَذَا الْأَمر الْمَحْذُور وانجلاء ليله عَن صبح الصنع البادي السفور وَإِن كُنَّا قد خاطبنا من خدامكم من يُبَادر إعلامكم بالأمور إِلَّا
(3/198)

أَنه أَمر لَهُ مَا بعده وحادث يَأْخُذ حَده ونبعث إِلَى بَابَكُمْ من شَاهد الْحَال مَا بَين وُقُوعهَا إِلَى استقرارها رَأْي العيان وَتَوَلَّى تسديد الْأُمُور بِأَعْمَالِهِ الْكَرِيمَة ومقاصده الحسان ليَكُون أبلغ فِي الْبر وأشرح للصدر وأوعب للْبَيَان فوجهنا إِلَيْكُم وَزِير أمرنَا وَكَاتب سرنا الْفَقِيه الْأَجَل أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْخَطِيب وألقينا إِلَيْهِ من تَقْرِير تعويلنا على ذَلِك الْمقَام الْأَسْنَى واستنادنا من التَّشَيُّع إِلَيْهِ إِلَى الرُّكْن الوثيق الْمَبْنِيّ مَا نرجو أَن يكون لَهُ فِيهِ الْمقَام الأغنى وَالثَّمَرَة العذبة الْمَجْنِي فلاهتمامه بِهَذَا الْغَرَض الأكيد الَّذِي هُوَ أساس بنائنا وقامع أَعْدَائِنَا آثرنا تَوْجِيهه على توفر الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ ومدار الْحَال عَلَيْهِ والمرغوب من أبوتكم المؤملة أَن يتلقاه قبُولهَا بِمَا يَلِيق بِالْملكِ العالي والخلافة السامية الْمَعَالِي وَالله عز وَجل يديم أيامكم لصلة الْفضل المتوالي ويحفظ مجدكم من غير الْأَيَّام والليالي وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم ويحرس مجدكم ويوالي نصركم وعضدكم وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته اه
وللسلطان الْغَنِيّ بِاللَّه هَذَا مَعَ السُّلْطَان أبي عنان رحمهمَا الله مراسلات عديدة ومكاتبات مديدة قد ذكر صَاحب نفح الطّيب مِنْهَا جملَة وافرة مَعَ التَّنْبِيه على أَسبَابهَا فانظرها فِيهِ إِن شِئْت وَأكْرم السُّلْطَان أَبُو عنان الْوَزير ابْن الْخَطِيب فِي هَذِه الْوِفَادَة وَغَيرهَا إِكْرَاما بليغا وَلما انْصَرف عَنهُ مدحه بقصيدة طَوِيلَة طنانة يَقُول فِي أَولهَا
(أبدى لداعي الْفَوْز وَجه منيب ... وأفاق من عذل وَمن تأنيب)
وَيَقُول فِي أَثْنَائِهَا
(يَا نَاصِر الدّين الحنيف وَأَهله ... إنضاء مسغبة وفل خطول)
(حقق ظنون بنيه فِيك فَإِنَّهُم ... يتعللون بوعدك المرقوب)
(ضَاقَتْ مَذَاهِب نَصرهم فتعلقوا ... بجناب عز من علاك رحيب)
(ودجا ظلام الْكفْر فِي آفاقهم ... أَو لَيْسَ صبحك مِنْهُم بقريب)
(فَانْظُر بِعَين الْعِزّ من ثغر غَدا ... حذر العدا يرنو بِطرف مريب)
(نادتك أندلس ومجدك ضَامِن ... أَلا يخيب لديك ذُو مَطْلُوب) وَهِي طَوِيلَة
(3/199)

وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة انْتقض على السُّلْطَان أبي عنان وزيره وَصَاحب شواره عِيسَى بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي الطَّلَاق من شُيُوخ بني مرين ووجوها وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان قد اسْتَعْملهُ على جبل طَارق فتمكنت رياسته بِهِ وانتقض على السُّلْطَان لأسباب يطول شرحها ثمَّ التاثت حَاله وَضَاقَتْ مذاهبه فَقبض عَلَيْهِ وأحضر بَين يَدي السُّلْطَان أبي عنان هُوَ وَابْنه يَوْم منى من سنة سِتّ وَخمسين الْمَذْكُورَة فتنصلا واعتذرا فَلم يقبل مِنْهُمَا وأودعهما السجْن وضيق عَلَيْهِمَا وَلما كَانَ آخر السّنة أَمر بهما فجنبا إِلَى مصارعهما وَقتل عِيسَى قعصا بِالرِّمَاحِ وَقطع ابْنه أَبُو يحيى من خلاف وأبى من مداواة قطعه فَلم يزل يتخبط فِي دَمه إِلَى أَن هلك بعد ثَلَاثَة أَيَّام من قطعه وَعقد السُّلْطَان على جبل طَارق وَسَائِر ثغور الأندلس لِسُلَيْمَان بن دَاوُد ثمَّ عقد بعده لوَلَده أبي بكر السعيد وَهُوَ الَّذِي تولى الْملك بعده وَالله أعلم
رحْلَة السُّلْطَان أبي عنان الى سلا وتطارحه على وَليهَا الْأَكْبَر أبي الْعَبَّاس بن عَاشر رَضِي الله عَنهُ

كَانَ لبني مرين عُمُوما وللسلطان أبي عنان خُصُوصا جنوح إِلَى الْخَيْر ومحبة فِي أَهله وَتعرض لمن يشار إِلَيْهِ بالصلاح واستمطار لطله ووبله وَكَانَ الشَّيْخ الْأَشْهر أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر الأندلس رَضِي الله عَنهُ قد استوطن فِي هَذَا التَّارِيخ مَدِينَة سلا وَكَانَ من الْأَفْرَاد الجامعين بَين الْعلم وَالْعَمَل المتمسكين بِالْكتاب وَالسّنة الناهجين سنَن السّلف الصَّالح فِي الزّهْد والورع والإنقطاع عَن الْخلق جملَة بِحَيْثُ طَار ذكره وَعظم لَدَى الْخَاص وَالْعَام
(3/200)

قدره فتحركت همة السُّلْطَان أبي عنان لزيارته والإقتباس مِمَّا يفتح الله بِهِ من وعظه وإشارته فارتحل سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة إِلَى سلا فَقَدمهَا وحرص على الإجتماع بالشيخ الْمَذْكُور ووقف بِبَابِهِ مرَارًا فَلم يَأْذَن لَهُ وترصده يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة وَلما انفض النَّاس تبعه على قَدَمَيْهِ وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يرَاهُ فَقَالَ السُّلْطَان عِنْد ذَلِك لقد منعنَا من هَذَا الْوَلِيّ ثمَّ أرسل إِلَيْهِ وَلَده رَاغِبًا ومستعطفا فَأَجَابَهُ بِمَا قطع رَجَاءَهُ من لِقَائِه غير أَنه كتب إِلَيْهِ كتابا وعظه فِيهِ وَذكره فسر السُّلْطَان أَبُو عنان بذلك الْكتاب وحزن لما فَاتَهُ من الإجتماع بالشيخ وَقد ذكر الْفَقِيه الْعَلامَة الْبركَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر بن عبد الرَّحْمَن السلاوي الْمَدْعُو بالحافي فِي كِتَابه تحفة الزائر فِي مَنَاقِب الشَّيْخ ابْن عَاشر نَص هَذَا الْكتاب وَلم يحضرني الْآن فَانْظُرْهُ فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
غَزْوَة السُّلْطَان أبي عنان إفريقية وَفتح قسنطينة ثمَّ فتح تونس بعْدهَا

لما كَانَ أَيَّام التَّشْرِيق من سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة اعتزم السُّلْطَان أَبُو عنان على النهوض إِلَى إفريقية واضطرب مُعَسْكَره بِسَاحَة فاس الْجَدِيد وَبعث فِي الحشد إِلَى مراكش وأوعز إِلَى بني مرين بِأخذ الأهبه للسَّفر وَجلسَ للعطاء وَعرض الْجنُود من لدن عزمه على النهوض إِلَى شهر ربيع الأول من سنة ثَمَان وَخمسين بعْدهَا ثمَّ ارتحل من فاس وسرح فِي مقدمته وزيره فَارس بن مَيْمُون فِي العساكر وَسَار هُوَ فِي ساقته على التعبية إِلَى أَن احتل ببجاية وتلوم لإزاحة الْعِلَل ثمَّ نَازل الْوَزير قسنطينة وَجَاء السُّلْطَان على أَثَره وَلما أطلت راياته وَمَاجَتْ الأَرْض بجُنُوده ذعر أهل الْبَلَد وألقوا بِأَيْدِيهِم إِلَى الأذعان وانفضوا من حول سلطانهم أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر الحفصي وجاؤوا مهطعين إِلَى السُّلْطَان أبي عنان وتحيز الحفصي فِي خاصته إِلَى القصبة ثمَّ طلبُوا الْأمان من السُّلْطَان أبي عنان فبذله لَهُم وَخَرجُوا وأنزلهم بمعسكره أَيَّامًا ثمَّ بعث بِأبي الْعَبَّاس فِي
(3/201)

الأسطول إِلَى سبتة فاعتقله بهَا وَعقد على قسنطينة لمنصور بن الْحَاج خلوف الياباني من شُيُوخ بني مرين وَأهل الشورى مِنْهُم وأنزله بالقصبة فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة ووصلت إِلَيْهِ بيعات أُمَرَاء الْأَطْرَاف من توزر ونفطة وَقَابِس وَغَيرهَا ووفد عَلَيْهِ أَوْلَاد مهلهل أُمَرَاء بني كَعْب من سليم وأقبال بني أبي اللَّيْل مِنْهُم يستحثونه لملك تونس فسرح مَعَهم العساكر وَعقد عَلَيْهَا ليحيى بن عبد الرَّحْمَن بن تاشفين وَبعث أسطوله فِي الْبَحْر مدَدا لَهُم وَعقد عَلَيْهِ للرئيس مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَعْرُوف بالأبكم من أُمَرَاء بني الْأَحْمَر
وَكَانَ سُلْطَان تونس يَوْمئِذٍ أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أبي بكر الحفصي وَلما اتَّصل بِهِ خبر بني مرين أخرج حَاجِبه أَبَا مُحَمَّد بن تافراجين لقتالهم فزحفت الجيوش إِلَى تونس وَوصل الأسطول إِلَى مرْسَاها فَقَاتلهُمْ ابْن تافارجين يَوْمًا أَو بعض يَوْم ثمَّ ركب اللَّيْل إِلَى المهدية فتحصن بهَا وَدخل أَوْلِيَاء السُّلْطَان إِلَى تونس فِي رَمَضَان من سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة وَأَقَامُوا بهَا الدعْوَة المرينية واحتل يحيى بن عبد الرَّحْمَن بالقصبة وأنفذ الْأَوَامِر وَكتب إِلَى السُّلْطَان أبي عنان بِالْفَتْح فَعظم سروره وَنظر بعد ذَلِك فِي أَحْوَال ذَلِك الْقطر وَقبض أَيدي الْعَرَب من ريَاح عَن الإتاوة الَّتِي يسمونها الخفارة فارتابوا وطالبهم بِالرَّهْنِ عَن الطَّاعَة فَأَجْمعُوا الْخلاف والتفوا على أَمِيرهمْ يَعْقُوب بن عَليّ وَلَحِقُوا بالزاب وارتحل السُّلْطَان فِي اثرهم فأجفلوا أَمَامه إِلَى القفر فخرب حصونهم الَّتِي بالزاب وَرجع عَنْهُم وَحمل لَهُ ابْن مزني عَامل بسكرة والزاب جبايته وَأطلق الْمُؤَن للعسكر من الإدام وَالْحِنْطَة والحملان والعلوفة ثَلَاثَة أَيَّام وكافأه السُّلْطَان على صَنِيعه فَخلع عَلَيْهِ وعَلى أَهله وَولده وأسنى جوائزهم
وَرجع إِلَى قسنطينة واعتزم على الرحلة إِلَى تونس وَضَاقَتْ العساكر ذرعا بشأن النَّفَقَات والإبعاد فِي الرحلة وارتكاب الْخطر فِي دُخُول إفريقية
(3/202)

فتمشت رجالاتهم فِي الانفضاض عَن السُّلْطَان وداخلو الْوَزير فَارس بن مَيْمُون فِي ذَلِك فوفقهم ثمَّ أذن شُيُوخ الْعَسْكَر ونقباؤه لمن تَحت أَيْديهم من الْقَبَائِل فِي اللحاق بالمغرب حَتَّى يبقو منفردين وأنهى إِلَى السُّلْطَان أبي عنان أَن شُيُوخ الْعَسْكَر قد عزموا على قَتله وَنصب إِدْرِيس بن عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء لِلْأَمْرِ فأسرها فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم وَرَأى قلَّة من مَعَه من الْجند فارتاب وكر رَاجعا إِلَى الْمغرب بعد أَن كَانَ ارتحل عَن قسنطينة إِلَى جِهَة تونس مرحلَتَيْنِ فانكفأ وأغذ السّير إِلَى فاس فاحتل بهَا غرَّة ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَان وَخمسين الْمَذْكُورَة وتقبض يَوْم دُخُوله على وزيره فَارس بن مَيْمُون لِأَنَّهُ اتهمه بمداخلة بني مرين فِي شَأْنه وَقَتله رَابِع أَيَّام التَّشْرِيق قعصا بِالرِّمَاحِ وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع طَائِفَة مِنْهُم السجْن
وَلما رَجَعَ السُّلْطَان أَبُو عنان من إفريقية بلغ خَبره إِلَى الْجِهَات فارتحل أَبُو مُحَمَّد بن تافرجين من المهدية إِلَى تونس وَلما أطل عيها ثارت شيعَة الحفصيين على من كَانَ بهَا من جَيش بني مرين فنجوا إِلَى السفن وركبوا الْبَحْر إِلَى الْمغرب وَجَاء على أَثَرهم يحيى بن عبد الرَّحْمَن فِيمَن كَانَ مَعَه من العساكر وَأَوْلَاد مهلهل وَكَانَ يَوْم الهيعة بِنَاحِيَة الجريد لاقْتِضَاء جبايته فصوب إِلَى الْمغرب واجتمعوا كلهم بِبَاب السُّلْطَان أبي عنان فأرجأ حركته إِلَى الْعَام لقابل وَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وزارة سُلَيْمَان بن دَاوُد ونهوضه بالعساكر إِلَى إفريقية

لما رَجَعَ السُّلْطَان أَبُو عنان من إفريقية وَلم يستتم فتحهَا بَقِي فِي نَفسه مِنْهَا شَيْء وخشي على ضواحي قسنطينة من يَعْقُوب بن عَليّ وَمن مَعَه من الذواودة الْمُخَالفين فأهمه شَأْنهمْ واستدعى سُلَيْمَان بن دَاوُد من مَكَانَهُ بجبل طَارق وَعقد لَهُ على وزارته وسرحه فِي العساكر إِلَى إفريقية فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي ربيع من سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان لما خَالف عَلَيْهِ يَعْقُوب بن عَليّ وفر إِلَى القفر أَقَامَ مَكَانَهُ أَخَاهُ المنازع لَهُ فِي رياسة ريَاح
(3/203)

مَيْمُون بن عَليّ وَقدمه على أَوْلَاد مُحَمَّد من الذواودة وأحله بمكانه من رياسة البدو فَنزع إِلَيْهِ عَن أَخِيه يَعْقُوب الْكثير من قومه وَتمسك بِطَاعَة السُّلْطَان أَيْضا طوائف من أَوْلَاد سِبَاع بن يحيى فانحاشوا جَمِيعًا للوزير ونزلوا بحللهم على مُعَسْكَره
ثمَّ ارتحل السُّلْطَان ابو عنان من فاس حَتَّى احتل بتلمسان فَأَقَامَ بهَا لمشارفة أَحْوَال الْوَزير الْمَذْكُور واحتل الْوَزير بوطن قسنطينة وَبعث إِلَى عَامل بسكرة والزاب يُوسُف بن مزني بِأَن تكون يَده مَعَه وَأَن يفاوضه فِي أَحْوَال الذواودة لرسوخه فِي مَعْرفَتهَا فارتحل إِلَيْهِ من بسكرة ونازلوا جبل أوراين واقتضوا جبايته ومغارمه وشردوا الْمُخَالفين من الذواودة عَن العيث فِي الوطن فتم غرضهم من ذَلِك وانْتهى الْوَزير وعساكر السُّلْطَان إِلَى أول أوطان إفريقية من آخر مجالات ريَاح وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب فَوَافى السُّلْطَان أَبَا عنان بتلمسان ووصلت مَعَه وُفُود الْعَرَب الَّذين أبلوا فِي الْخدمَة فوصلهم السُّلْطَان وخلع عَلَيْهِم وَحَملهمْ وَفرض لَهُم فِي الْعَطاء بالزاب وَكتب لَهُم بذلك وانقلبوا إِلَى أَهْليهمْ فرحين مغتبطين ووفد على اثرهم أَحْمد بن يُوسُف بن مزني اوفده أَبوهُ بهدية إِلَى السُّلْطَان من الْخَيل وَالرَّقِيق والدرق فتقبلها السُّلْطَان وَأكْرم وفادته ثمَّ استصحبه إِلَى فاس ليريه أَحْوَال كرامته وليستبلغ فِي الاحتفاء بِهِ واحتل بدار ملكه منتصف ذِي الْقعدَة من سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة
وَفَاة السُّلْطَان أبي عنان رَحمَه الله

لما وصل السُّلْطَان أَبُو عنان إِلَى دَار ملكه بفاس احتل بهَا بَين يَدي الْعِيد الْأَكْبَر حَتَّى إِذا قضى الصَّلَاة من يَوْم الْأَضْحَى أدْركهُ الْمَرَض بالمصلى وأعجله طائف الوجع عَن الْجُلُوس للنَّاس يَوْم الْعِيد على الْعَادة فَدخل قصره وَلزِمَ فرَاشه
(3/204)

وَذكر ابْن خلدون مَا حَاصله إِنَّه كَانَت بَين الْوَزير حسن بن عمر الفودودي وَبَين ولي الْعَهْد أبي زيان مُحَمَّد بن السُّلْطَان أبي عنان نفرة مستحكمة لسوء طويته وَشر ملكته فاتفق الْوَزير الْمَذْكُور مَعَ من كَانَ على رَأْيه من أهل مجْلِس السُّلْطَان على تَحْويل الْأَمر عَنهُ إِلَى غَيره من أَبنَاء السُّلْطَان فَأَجْمعُوا الفتك بِهِ والبيعة لِأَخِيهِ أبي بكر السعيد طفْلا خماسيا ثمَّ أغروا الْوَزير مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي بتطلب أبي زيان ولي الْعَهْد فِي نواحي الْقصر والتقبض عَلَيْهِ فَدخل إِلَيْهِ وتلطف فِي إِخْرَاجه من بَين الْحرم وقاده إِلَى أَخِيه السعيد فَبَايع وثل إِلَى بعض حجر الْقصر فاتلفت فِيهَا مهجته واستقل الْحسن بن عمر بِالْأَمر يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَالسُّلْطَان أَبُو عنان أثْنَاء ذَلِك يجود بِنَفسِهِ وارتقب النَّاس دَفنه يَوْم الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس بعده فَلم يدْفن فارتابوا وفشى الْكَلَام فَدخل الْوَزير زَعَمُوا إِلَيْهِ بمكانه من قصره ثمَّ غطه حَتَّى أتْلفه وَدفن يَوْم السبت وحجب الْحسن بن عمر الْوَلَد الْمَنْصُوب لِلْأَمْرِ وأغلق عَلَيْهِ بَابه وَتفرد بِالْأَمر وَالنَّهْي دونه انْتهى وَهَذَا أول مرض نزل بالدولة المرينية
وَقَالَ فِي الجذوة توفّي السُّلْطَان أَبُو عنان قَتِيلا خنقه وزيره الْحسن بن عمر الفودودي يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة متم سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة وَسنة يَوْم توفّي ثَلَاثُونَ سنة
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عنان وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان رَحمَه الله أَبيض اللَّوْن تعلوه صفرَة طَوِيل الْقَامَة يشرف على النَّاس بِطُولِهِ نحيف الْبدن عالي الْأنف حسنه أعين أدعج جَهورِي الصَّوْت فِي كَلَامه عجلة حَتَّى لَا يكَاد السَّامع يفهم مَا يَقُول عَظِيم اللِّحْيَة تملأ صَدره أسودها وَإِذا مرت بهَا الرّيح تَفَرَّقت نِصْفَيْنِ حَتَّى يستبين مَوضِع الذقن وَكَانَ فَارِسًا شجاعا يقوم فِي الْحَرْب مقَام جنده وَكَانَ فَقِيها
(3/205)

يناظر الْعلمَاء الجلة عَارِفًا بالْمَنْطق وأصول الدّين وَله حَظّ صَالح من علمي الْعَرَبيَّة والحساب وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ عَارِفًا بناسخه ومنسوخه حَافِظًا للْحَدِيث عَارِفًا بِرِجَالِهِ فصيح الْقَلَم كَاتبا بليغا حسن التوقيع شَاعِرًا أنْشد لَهُ صَاحب الجذوة اشعارا حَسَنَة من ذَلِك فِي الْحِكْمَة قَوْله
(وَإِذا تصدر للرياسة خامل ... جرت الْأُمُور على الطَّرِيق الأعوج)
وَقَالَ ابْن الْأَحْمَر كنت يَوْمًا جَالِسا مَعَه بمقعد ملكه من الْمَدِينَة الْبَيْضَاء بفاس فَدخل عَلَيْهِ رجل يتصلح فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ بديهة
تراهم فِي ظواهرهم كراما ... ويخفون المكيدة والخداعا)
وللسلطان أبي عنان رَحمَه الله آثَار دينية من بِنَاء الْمدَارِس والزوايا وَغير ذَلِك ومدرسته العنانية بفاس مَشْهُورَة إِلَى الْآن وَمن مدارسه الْمدرسَة العجيبة بحومة بَاب حُسَيْن من سلا وَقد صَارَت الْيَوْم فندقا يعرف بفندق أسكور وَمِمَّا قَالَه أَبُو بكر بن جزي فِي بعض مَا أنشأه السُّلْطَان الْمَذْكُور من الزوايا قَوْله
(هَذَا مَحل الْفضل والإيثار ... والرفق بالسكان وَالزُّوَّارِ)
(دَار على الْإِحْسَان شيدت والتقى ... فجزاؤها الْحسنى وعقبى الدَّار)
(هِيَ ملْجأ للواردين ومورد ... لِابْنِ السَّبِيل وكل ركب ساري)
(آثَار مَوْلَانَا الْخَلِيفَة فَارس ... أكْرم بهَا فِي الْمجد من آثَار)
(لَا زَالَ مَنْصُور اللِّوَاء مظفرا ... ماضي العزائم سامي الْمِقْدَار)
(بنيت على يَد عبدهم وخديم ... بابهم الْعلي مُحَمَّد بن حدار)
(فِي عَام أَرْبَعَة وَخمسين انْقَضتْ ... من بعد سبعمئين فِي الْأَعْصَار)
وَقَالَ صَاحب الجذوة حَدثنِي شَيخنَا أَبُو رَاشد اليدري أَن السُّلْطَان أَبَا عنان هُوَ الَّذِي أحدث بفاس الْعلم الْأَزْرَق فِي الصومعة يَوْم الْجُمُعَة
وَقَالَ فِي مَوْضُوع آخر مِنْهَا حُكيَ أَن السُّلْطَان ابا عنان المريني صعد الصومعة يَعْنِي بالقرويين ليعتبر الْمَدِينَة وترتيبها ووقف على المنجانة وَمَا اتَّصل بهَا فَاسْتحْسن ذَلِك وأنعم على النَّاظر فِيهَا بمرتب وسع عَلَيْهِ فِيهِ
(3/206)

ليستعين بِهِ على الْقيام بشعائر الْإِسْلَام وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَالَ وَأمر بإثر ذَلِك بِأَن ينصب بِأَعْلَى الصومعة صاري من خشب وينشر فِيهِ علم فِي الْأَوْقَات الَّتِي يصلى فِيهَا وفنار فِيهِ سراج مزهر فِي أَوْقَات صَلَاة اللَّيْل ليستدل بذلك من بعد وَمن لم يسمع النداء وَفِي ذَلِك اعتناء بِأُمُور الْأَوْقَاف وَمَا يتَعَلَّق بهَا من وجوب الصَّلَوَات وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا من وُجُوه الْحُقُوق فِي الْعَادَات والعبادات وَمِمَّا قيل فِي ذَلِك
(نور بِهِ علم الْإِيمَان مُرْتَفع ... للمهتدين بِهِ للحق إرشاد)
(يأْتونَ من كل صوب نَحوه فَلهم ... لَدَيْهِ للرشد إصدار وإيراد)
وَقد لخص ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله فِي رقم الْحلَل سيرة السُّلْطَان أبي عنان فَقَالَ
(وخلص الْأَمر لكف فَارس ... باني الزوايا الكثر والمدارس)
(الْأسد المفترس الْمَصْنُوع لَهُ ... من نَالَ من كل المساعي أمله)
(وَاحِد آحَاد الْمُلُوك العظما ... ومطلع النَّصْر إِذا مَا أقدما)
(ومخجل الْغَيْث إِذا الْغَيْث هما ... الْملك وَملك العلما)
(أوجب حق الشّعْر وَالْكِتَابَة ... فَأَمْلَتْ أعلامها جنابه)
(واستجلب الأماثل الكبارا ... النبهاء الْعلية الأخيارا)
(يجبرهم على حُضُور الدولة ... فهم بدور وشموس حوله)
(وَكَانَ جبارا على خُدَّامه ... ينالهم فِي القسر فِي أَحْكَامه)
(مذْهبه أَلا يقيل عثره ... حَتَّى لأرباب التقى والثرة)
(فطْرَة السَّيْف تناغي الدرة ... إِذْ غلبت على المزاج الْمرة)
(وَمَات فِيمَا قيل شَرّ ميتَة ... بغيلة لنَفسِهِ مفيته)
(لم يغن عَنهُ الْبَأْس والبسالة ... وأصبحت مهجته مسالة)
(وألقيت أزمة التَّدْبِير ... من بعده فِي رَاحَة الْوَزير)
وَمن أَعْيَان كِتَابه أَبُو الْقَاسِم بن رضوَان وَأَبُو الْقَاسِم الْبُرْجِي
وَمن أَعْيَان قُضَاته أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمقري وَهُوَ
(3/207)

جد أبي الْعَبَّاس الْمقري صَاحب نفح الطّيب وَغَيره من التآليف الحسان وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الفشتالي وَغَيرهمَا رحم الله الْجَمِيع
(3/208)

4 -
(4/1)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الدولة المرينية

الْقسم الثَّانِي

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان السعيد بِاللَّه أبي بكر بن أبي عنان بن أبي الْحسن المريني

هَذَا السُّلْطَان أول من استبد عَلَيْهِ من مُلُوك بني مرين أمه أم ولد اسْمهَا الياسمين كنيته أَبُو يحيى وَهِي كنية كل من اسْمه أَبُو بكر لقبه السعيد بِاللَّه صفته دري اللَّوْن مستدير الْوَجْه حسن الْأنف ألعس الشفتين براق الثنايا جعد الشّعْر بُويِعَ وَأَبوهُ مَرِيض فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ محجوبا بوزيره حسن بن عمر الفودودي لَا يملك مَعَه ضرا وَلَا نفعا وَلما بُويِعَ لحق أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي عنان بجبل الكاي وَكَانَ أسن مِنْهُ وَإِنَّمَا آثروه لمَكَان ابْن عَمه مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي من وزارته فبعثوا إِلَيْهِ من لاطفه واستنزله على الْأمان وَجَاء بِهِ إِلَى أَخِيه فاعتقله الْحسن ابْن عمر بقصبته من فاس وَبعث على أَبنَاء السُّلْطَان الأصاغر الْأُمَرَاء بالثغور فجَاء المعتصم من سجلماسة وَامْتنع الْمُعْتَمد بمراكش وَكَانَ بهَا فِي كَفَالَة عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وَكَانَ عَامر هَذَا من بيوتات هنتاتة وَأهل الرياسة والشرف فيهم وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان قد أوصى إِلَيْهِ بولده الْمَذْكُور وَجعله هُنَالك لنظره فَلَمَّا بعثوا عَلَيْهِ مَنعه من الْوُصُول إِلَيْهِم وَخرج بِهِ من
(4/3)

مراكش إِلَى حصنه من جبل هنتاتة فَجهز إِلَيْهِ الْوَزير حسن بن عمر الجيوش لنظر الْوَزير سُلَيْمَان بن دَاوُد مُشَاركَة فِي الاستبداد وسرحه فِي الْمحرم سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فَسَار إِلَى مراكش فاستولى عَلَيْهَا ثمَّ تخطى إِلَى الْجَبَل فأحاط بِهِ وضيق على عَامر حَتَّى أشرف على اقتحام الْحصن إِلَى أَن بلغه خبر افْتِرَاق بني مرين بفاس وَظُهُور مَنْصُور بن سُلَيْمَان بهَا على مَا نذكرهُ فانفض الْعَسْكَر من حوله وتسابقوا إِلَى مَنْصُور فَلَحقُوا بِهِ وَلحق بِهِ سُلَيْمَان ابْن دَاوُد أَيْضا وتنفس الْحصار عَن عَامر ومكفوله وَالله غَالب على أمره
ظُهُور أبي حمو مُوسَى بن يُوسُف الزياني واستيلاؤه على تلمسان ونهوض مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن إِلَيْهِ وطرده عَنْهَا

كَانَ بَنو عَامر بن زغبة من عرب هِلَال خَارِجين على السُّلْطَان أبي عنان مُنْذُ استيلائه على تلمسان وَكَانَت رياستهم إِلَى صَغِير بن عَامر بن إِبْرَاهِيم وَلما رَجَعَ أَبُو عنان إِلَى فاس اعتزم صَغِير على الرحلة بقَوْمه إِلَى وطنهم من صحراء الْمغرب لأَنهم كَانُوا منتبذين عَنْهَا بأطراف إفريقية فدعوا أَبَا حمو مُوسَى بن يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان إِلَى الرحلة مَعَهم لينصبوه لِلْأَمْرِ ويجلبوا بِهِ على تلمسان فأجابهم إِلَى ذَلِك وأغذوا السّير إِلَى الْمغرب للعيث فِي نوا حيه فَجمع لَهُم أعداؤهم من سُوَيْد وَكَانُوا خَالِصَة لبني مرين فَالْتَقوا بقبلة تلمسان فانهزمت سُوَيْد وَهلك كَبِيرهمْ عُثْمَان بن ونزمار واتصل بهم فِي أثْنَاء ذَلِك خبر وَفَاة السُّلْطَان أبي عنان بفاس فأغذوا السّير إِلَى تلمسان وقاتلوا علهيا حامية بني مرين ثمَّ اقتحموها عَلَيْهِم لليال خلون من ربيع الأول سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة واستباحوا من كَانَ بهَا مِنْهُم وامتلأت أَيْديهم من أسلابهم وَاسْتولى أَبُو حمو على ملك تلمسان واستأثر بِمَا ألفاه بهَا من مَتَاع بني مرين وَمن جملَته هَدِيَّة كَانَ السُّلْطَان أَبُو عنان أعدهَا هُنَالك ليَبْعَث بهَا إِلَى طاغية برشلونة وفيهَا فرس أدهم من مقرباته بمركب ولجام مذهبين ثقيلين فَاتخذ أَبُو حمو الْفرس لركوبه وَصرف بَاقِي الْهَدِيَّة فِي وُجُوه مقاصده وَلما انْتهى إِلَى
(4/4)

الْوَزير حسن بن عمر خبر تلمسان واستيلاء أبي حمو عَلَيْهَا جمع شُيُوخ بني مرين وَأخْبرهمْ بالنهوض إِلَيْهَا فَأَبَوا عَلَيْهِ من النهوض بِنَفسِهِ وأشاروا بتجهيز العساكر ووعدوه من أنفسهم الْمسير كَافَّة فَفتح ديوَان الْعَطاء وَفرق الْأَمْوَال وأسنى الصلات وأزاح الْعِلَل وعسكر بِسَاحَة الْبَلَد الْجَدِيد ثمَّ عقد عَلَيْهِم لمسعود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَحمل مَعَه المَال وَأَعْطَاهُ الْآلَة وَسَار فِي العساكر والألوية وَلما اتَّصل خبر مسيره بِأبي حمو أفرج لَهُ عَن تلمسان ودخلها مَسْعُود فِي ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة فاستولى عَلَيْهَا وَخرج أَبُو حمو إِلَى الصَّحرَاء إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
ظُهُور مَنْصُور بن سُلَيْمَان وبيعة مَسْعُود ابْن عبد الرَّحْمَن لَهُ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

مَنْصُور هَذَا هُوَ مَنْصُور بن سُلَيْمَان بن مَنْصُور بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب ابْن عبد الْحق وَكَانَ النَّاس يرجفون بِأَن ملك الْمغرب سَائِر إِلَيْهِ بعد وَفَاة أبي عنان وشاع ذَلِك على أَلْسِنَة النَّاس حَتَّى تحدث بِهِ السمر والندمان وخشي مَنْصُور على نَفسه من ذَلِك فجَاء إِلَى الْوَزير حسن بن عمر وشكا إِلَيْهِ ذَلِك فَنَهَاهُ أَن يختلج بفكرة هَذَا الوسواس وانتهره انتهارا خلا عَن وَجه السياسة فانزجر واستكان قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد شهِدت هَذَا الموطن فرحمت ذلة انكساره وخضوعه فِي موقفه ثمَّ لما نَهَضَ مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن إِلَى تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا كَانَ مَنْصُور هَذَا فِي جملَته وَلما فر أَبُو حمو إِلَى الصَّحرَاء اجْتمعت عَلَيْهِ جموع الْعَرَب من بني زغبة وَبني معقل ثمَّ خالفوا بني مرين إِلَى الْمغرب واحتلوا بانكاد بحللهم وظواعنهم فَجهز إِلَيْهِم مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن عسكرا من جُنُوده انتقى فِيهِ مشيخة بني مرين وأمراءهم وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه عَامر بن عبد الله بن ماساي وسرحه فزحف إِلَى الْعَرَب بِسَاحَة وَجدّة فَصدقهُ الْعَرَب الْقِتَال فَانْكَشَفَتْ بَنو مرين واستبيح معسكرهم واستلبت مشيختهم وأرجلوا عَن خيولهم ودخلوا إِلَى وَجدّة عُرَاة وَبلغ الْخَبَر
(4/5)

إِلَى بني مرين الَّذين بتلمسان وَكَانَ فِي قُلُوبهم مرض من استبداد حسن بن عمر عَلَيْهِم وحجره لسلطانهم فَكَانُوا يتربصون بالدولة الدَّوَائِر فَلَمَّا بَلغهُمْ هَذَا الْخَبَر حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وخلصوا نجيا بِسَاحَة الْبَلَد فاتفقوا على الْبيعَة ليعيش بن عَليّ بن أبي زيان بن يُوسُف بن يَعْقُوب فَبَايعُوهُ وانْتهى الْخَبَر إِلَى مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ فِي جملَته مَنْصُور بن سُلَيْمَان كَمَا قُلْنَا فأكرهه على الْبيعَة وَبَايَعَهُ مَعَه الرئيس الأبكم من بني الْأَحْمَر وقائد النَّصَارَى والقهردور وتسايل إِلَيْهِ النَّاس من كل جَانب وتسامع الْمَلأ من بني مرين بالْخبر فتهاروا إِلَيْهِ وَذهب يعِيش بن عَليّ لوجهه فَركب الْبَحْر إِلَى الأندلس واستتب أَمر مَنْصُور بن سُلَيْمَان وَاجْتمعَ بَنو مرين على كَلمته فارتحل بهم من تلمسان يُرِيد الْمغرب واعترضتهم جموع الْعَرَب فِي طريقهم فأوقعت بهم بَنو مرين وامتلأت أَيْديهم من أسلابهم وظعنهم ثمَّ أغذوا السّير إِلَى الْمغرب فاحتلوا بوادي سبو فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَبلغ الْخَبَر إِلَى الْحسن بن عمر فبرز واضطرب مُعَسْكَره بِسَاحَة الْبَلَد وَأخرج السُّلْطَان السعيد فِي الْآلَة والتعبية إِلَى أَن أنزلهُ بفسطاطه وَلما غشيهم اللَّيْل انفض عَنهُ الْمَلأ إِلَى مَنْصُور فَأوقد الْوَزير الشموع وأذكى النيرَان وَجمع الموَالِي والجند حول الْفسْطَاط حَتَّى أركب السُّلْطَان وَعَاد بِهِ إِلَى قصره وتحصن بِالْبَلَدِ الْجَدِيد وَأصْبح مَنْصُور بن سُلَيْمَان فارتحل فِي التعبية حَتَّى نزل بكدية العرائس فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَغدا على فاس الْجَدِيد بِالْقِتَالِ وَجمع الْأَيْدِي على اتِّخَاذ الْآلَات للحصار وانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْأَمْصَار بالمغرب لِلْبيعَةِ وَلَحِقت بِهِ كتائب بني مرين الَّتِي كَانَت مجمرة على حصن عَامر بن مُحَمَّد الهنتاني وَلحق بِهِ أَيْضا قائدها سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَاد أمره يتم وَأقَام على فاس الْجَدِيد يغاديها الْقِتَال ويراوحها ثمَّ بدا الْخلَل فِي عسكره وَنزع عَنهُ إِلَى الْوَزير حسن بن عمر طَائِفَة من بني مرين وَلحق آخَرُونَ ببلادهم ووقفوا ينتظرون مآل أمره وَاسْتمرّ هَذَا الْحَال إِلَى غرَّة شعْبَان فَبَيْنَمَا النَّاس فِي ذَلِك إِذْ ظهر السُّلْطَان أَبُو سَالم بجبال غمارة فَانْصَرَفت إِلَيْهِ وُجُوه أهل الْمغرب وَبَطل أَمر السلطانين
(4/6)

أبي بكر السعيد وَمَنْصُور بن سُلَيْمَان مَعًا وذابا كَمَا يذوب الْملح فَأَما مَنْصُور بن سُلَيْمَان فَإِنَّهُ فر إِلَى بادس فَقبض عَلَيْهِ وَجِيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَقتله وَأما السعيد فَإِن وزيره الْحسن بن عمر لما سمع بِظُهُور السُّلْطَان أبي سَالم واستفحال أمره نبذ دَعْوَة سُلْطَانه الْمَذْكُور وَبعث بِطَاعَتِهِ إِلَى أبي سَالم ووعده بالتمكين من دَار الْملك إِن قدم عَلَيْهِ فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وخلع السعيد يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي عشر من شعْبَان سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ قتل بعد ذَلِك غرقا فِي الْبَحْر فَإِن السُّلْطَان أَبَا سَالم بَعثه فِي جملَة الْأَبْنَاء المرشحين من بني أبي الْحسن إِلَى الأندلس ووكل بهم من يحرسهم ثمَّ بعد ذَلِك بعث إِلَى الْمُوكل بهم فحملهم فِي سفينة كَأَنَّهُ يُرِيد بهم الْمشرق ثمَّ غرقهم فِي الْبَحْر وَالْأَمر لله وَحده
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المستعين بِاللَّه أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن المريني

كَانَ هَذَا السُّلْطَان جوادا جم الْعَطاء مَعْرُوفا بِالْوَفَاءِ كثير الْحيَاء كنيته أَبُو سَالم لقبه المستعين بِاللَّه أمه أم ولد رُومِية اسْمهَا قمر صفته آدم اللَّوْن معتدل الْقَامَة رحب الْوَجْه وَاسع الجبين بادن الْجِسْم أعين أدعج معتدل اللِّحْيَة أسودها وَكَانَ بعد مهلك وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن رَحمَه الله قد اسْتَقر بالأندلس بَعثه إِلَيْهَا أَخُوهُ أَبُو عنان كَمَا مر وَلما مَاتَ أَبُو عنان الْمَذْكُور وَولي ابْنه الصَّبِي طمع أَبُو سَالم هَذَا فِي الْملك فَاسْتَأْذن الْحَاجِب رضوَان مُدبر دولة ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فِي اللحاق ببلاده فَأبى عَلَيْهِ فغاضه ذَلِك وَنزع عَنهُ إِلَى طاغية قشتالة وتطارح عَلَيْهِ فِي أَن يحملهُ إِلَى بر العدوة يطْلب ملك أَبِيه فأسعفه وَأمر بِهِ فَحمل فِي مركب وَألقى بِهِ ملاحه فِي سَاحل بِلَاد غمارة بعد أَن تردد فِي أَي السواحل يلقيه وَوَافَقَ
(4/7)

ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة بفاس ومحاصرة مَنْصُور بن سُلَيْمَان للمدينة الْبَيْضَاء فتسامع النَّاس بِخُرُوجِهِ بِبِلَاد غمارة أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ فتسايلوا إِلَيْهِ من كل وَجه وانفض النَّاس من حول مَنْصُور وَمَشى أهل مُعَسْكَره بأجمعهم على التعبية فَلَحقُوا بالسلطان أبي سَالم واستغذوه إِلَى دَار ملكه فأغذ السّير إِلَيْهَا وخلع الْحسن بن عمر سُلْطَانه السعيد من الْأَمر لتسعة أشهر من خِلَافَته وأسلمه إِلَى عَمه فَخرج إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ وَدخل السُّلْطَان أَبُو سَالم الْبَلَد الْجَدِيد يَوْم الْجُمُعَة منتصف شعْبَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَاسْتولى على ملك الْمغرب وتوافت وُفُود النواحي بالبيعات وَعقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وجهزه إِلَيْهَا بالعساكر تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَالْحسن بن يُوسُف الورتاجني وَاصْطفى من خواصه خطيب أَبِيه الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق وَجعل إِلَى أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ توقيعه وَكِتَابَة سره قَالَ وَكنت نزعت إِلَيْهِ من معسكر مَنْصُور بن سُلَيْمَان بكدية العرائس لما رَأَيْت من اخْتِلَاف أَحْوَاله ومصير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَأقبل عَليّ وأنزلني بِمحل التنويه واستخلصني لكتابته أه
قدوم الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب مخلوعين على السُّلْطَان أبي سَالم وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحجَّاج قتل يَوْم عيد الْفطر بالمصلى سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه إِسْمَاعِيل فَجعله الْغَنِيّ بِاللَّه فِي بعض الْقُصُور من حَمْرَاء غرناطة احتفاظا بِهِ إِلَى أَن كَانَ رَمَضَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فَخرج الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى بعض منتزهاته خَارج القصبة وَلما كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور أَو ثَمَان وَعشْرين مِنْهُ تسور جمَاعَة من شيعَة إِسْمَاعِيل
(4/8)

الْمَحْبُوس عَلَيْهِ القصبة لَيْلًا وأخرجوه من محبسه وأعلنوا بدعوته ثمَّ اقتحموا على حَاجِبه رضوَان دَاره فَقَتَلُوهُ على فرَاشه وَبَين نِسَائِهِ وضبطوا القصبة وأعلنوا بالدعوة وَلم يرع الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَّا قرع الطبول بالقصبة فِي جَوف اللَّيْل فاستكشف الْخَبَر وَتسمع فَعلم بِمَا تمّ عَلَيْهِ من خلعه وتولية أَخِيه فَركب فرسه وخاض اللَّيْل إِلَى وَادي آش فاستولى عَلَيْهَا وضبطها وَبَايَعَهُ أَهلهَا على الْمَوْت ثمَّ عمد شيعَة إِسْمَاعِيل الثائر إِلَى الْوَزير ابْن الْخَطِيب فأودعوه السجْن بعد أَن أغروا بِهِ ثائرهم واكتسحوا دَاره واصطلموا نعْمَته وأتلفوا موجوده وَكَانَ شَيْئا يجل عَن الْحصْر واتصل ذَلِك كُله بالسلطان أبي سَالم وَكَانَت لَهُ مصافاة مَعَ ابْن الْأَحْمَر من لدن كَانَ عِنْده بالأندلس فَكتب إِسْمَاعِيل الثائر وشيعته يَأْمُرهُم بتخلية طَرِيق الْغَنِيّ بِاللَّه للقدوم عَلَيْهِ ويشفع فِي تَسْرِيح ابْن الْخَطِيب وتخلية سَبيله فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك وَقدم الْغَنِيّ بِاللَّه بن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب على السُّلْطَان أبي سَالم فِي السَّادِس من محرم فاتح سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فأجل السُّلْطَان أَبُو سَالم قدومه وَركب للقائه وَدخل بِهِ إِلَى مجْلِس ملكه وَقد احتفل فِي ترتيبه وَقد غص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابْن الْخَطِيب على قَدَمَيْهِ فَأَنْشد السُّلْطَان أَبَا سَالم قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بِمَا أبكى النَّاس شَفَقَة لَهُ ورحمه وَنَصّ القصيدة
(سلا هَل لَدَيْهَا من مخبرة ذكر ... وَهل أعشب الْوَادي ونم بِهِ الزهر)
(وَهل باكر الوسمي دَارا على اللوا ... عفت آيها إِلَّا التَّوَهُّم وَالذكر)
(بلادي الَّتِي عاطيت مشمولة الْهوى ... بِأَكْنَافِهَا والعيش فينان مخضر)
(وجوى الَّذِي ربى جناحي وَكره ... فها أَنا ذَا مَا لي جنَاح وَلَا وكر)
(نبت بِي لَا عَن جفوة وملالة ... وَلَا نسخ الْوَصْل الهني بهَا هجر)
(وَلكنهَا الدُّنْيَا قَلِيل متاعها ... ولذاتها دأبا تزور وتزور)
(فَمن لي بِقرب الْعَهْد مِنْهَا ودوننا ... مدى طَال حَتَّى يَوْمه عندنَا شهر)
(وَللَّه عينا من رآنا وللأسى ... ضرام لَهُ فِي كل جانحة جمر)
(4/9)

(وَقد بددت در الدُّمُوع يَد النَّوَى ... وللشوق أشجان يضيق لَهَا الصَّدْر)
(بكينا على النَّهر الشروب عشيه ... فَعَاد أجاجا بَعدنَا ذَلِك النَّهر)
(أَقُول لأظعاني وَقد غالها السرى ... وآنسها الْحَادِي وأوحشها الزّجر)
(رويدك بعد الْعسر يسران أَبْشِرِي ... بإنجاز وعد الله قد ذهب الْعسر)
(وَللَّه فِينَا علم غيب وَرُبمَا ... أَتَى النَّفْع من حَال أُرِيد بهَا الضّر)
(وَإِن تخن الْأَيَّام لم تخن النهى ... وَأَن يخذل الأقوام لم يخذل الصَّبْر)
(وَإِن عركت مني الخطوب مجربا ... نقابا تساوى عِنْده الحلو والمر)
(فقد عجمت عودا صليبا على الردى ... وعزما كَمَا تمْضِي المهندة البتر)
(إِذا أَنْت بالبيضاء قررت منزلي ... فَلَا اللَّحْم حل مَا حييت وَلَا الظّهْر)
(زجرنا بإبراهيم برْء همومنا ... فَلَمَّا رَأينَا وَجهه صدق الزّجر)
(بمنتخب من آل يَعْقُوب كلما ... دجا الْخَطِيب لم يكذب لعزمته فجر)
(تناقلت الركْبَان طيب حَدِيثه ... فَلَمَّا رَأَتْهُ صدق الْخَبَر الْخَبَر)
(ندى لَو حواه الْبَحْر لذ مذاقه ... وَلم يتعقب مده أبدا جزر)
(وبأس غَدا يرتاع من خَوفه الردى ... وترفل فِي أذياله الفتكة الْبكر)
(أَطَاعَته حَتَّى العصم فِي قنن الرِّبَا ... وهشت إِلَى تأميله الأنجم الزهر)
(قصدناك يَا خير الْمُلُوك على النَّوَى ... لتنصفنا مِمَّا جنى عَبدك الدَّهْر)
(كففنا بك الْأَيَّام عَن غلوائها ... وَقد رابنا مِنْهَا التعسف وَالْكبر)
(وعدنا بذلك الْمجد فانصرم الردى ... ولدنَا بِذَاكَ الْعَزْم فَانْهَزَمَ الذعر)
(وَلما أَتَيْنَا الْبَحْر يرهب موجه ... ذكرنَا نداك الْعُمر فاحتقر الْبَحْر)
(خلافتك الْعُظْمَى وَمن لم يدن بهَا ... فإيمانه لَغْو وعرفانه نكر)
(ووصفك يهدي الْمَدْح قصد صَوَابه ... إِذا ظلّ فِي أَوْصَاف من دُونك الشّعْر)
(دعتك قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأخلصت ... وَقد طَابَ مِنْهَا السِّرّ لله والجهر)
(ومدت إِلَى الله الأكف ضراعة ... فَقَالَ لَهُنَّ الله قد قضى الْأَمر)
(وألبسها النعمى ببيعتك الَّتِي ... لَهَا الطَّائِر الميمون والمحتد الْحر)
(فَأصْبح ثغر الثغر يبسم ضَاحِكا ... وَقد كَانَ مِمَّا نابه لَيْسَ يفتر)
(وَآمَنت بالسلم الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... فَلَا ظبة تعرى وَلَا روعة تعرو)
(4/10)

(وَقد كَانَ مَوْلَانَا أَبوك مُصَرحًا ... بأنك فِي أَوْلَاده الْوَلَد الْبر)
(وَكنت حَقِيقا بالخلافة بعده ... على الْفَوْر لَكِن كل شَيْء لَهُ قدر)
(فأوحشت من دَار الْخلَافَة هَالة ... أَقَامَت زَمَانا لَا يلوح بهَا الْبَدْر)
(فَرد عَلَيْك الله حَقك إِذْ قضى ... بِأَن تَشْمَل النعمى وينسدل السّتْر)
(وقاد إِلَيْك الْملك رفقا بخلقه ... وَقد عدموا ركن الْإِمَامَة واضطروا)
(وزادك بالتمحيص عزا ورفعة ... وَأَجرا وَلَوْلَا السبك مَا عرف التبر)
(وَأَنت الَّذِي يدعى إِذا دهم الردى ... وَأَنت الَّذِي يُرْجَى إِذا أخلف الْقطر)
(وَأَنت إِذا جَار الزَّمَان مُحكم ... لَك النَّقْض والإبرام وَالنَّهْي وَالْأَمر)
(وَهَذَا ابْن نصر قد أَتَى وجناحه ... مهيض وَمن علياك يلْتَمس الْجَبْر)
(غَرِيب يرجي مِنْك مَا أَنْت أَهله ... فَإِن كنت تبغي الْفَخر قد جَاءَك الْفَخر)
(ففز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببيعة ... موثقة قد حل عروتها الْغدر)
(وَمثلك من يرْعَى الدخيل وَمن دَعَا ... بيا لمرين جَاءَهُ الْعِزّ والنصر)
(وَخذ يَا إِمَام الْحق ثاره ... فَفِي ضمن مَا تَأتي بِهِ الْعِزّ وَالْأَجْر)
(وَأَنت لَهَا يَا نَاصِر الْحق فلتقم ... بِحَق فَمَا زيد يُرْجَى وَلَا عَمْرو)
(فَإِن قيل مَال مَالك الدثر وافر ... وَإِن قيل جَيش عنْدك الْعَسْكَر المجر)
(يكف بك العادي ويحيا بك الْهدى ... وَيَبْنِي بك الْإِسْلَام مَا هدم الْكفْر)
(أعده إِلَى أوطانه عَنْك رَاضِيا ... وطوقه نعماك الَّتِي مَا لَهَا حصر)
(وعاجل قُلُوب النَّاس فِيهِ بجبرها ... فقد صدهم عَنهُ التغلب والقهر)
(وهم يرقبون الْفِعْل مِنْك وصفقة ... تحاولها يمناك مَا بعْدهَا خسر)
(مرامك سهل لَا يؤودك كلفة ... سوى عرض مَا إِن لَهُ فِي الْعلَا خطر)
(وَمَا الْعُمر إِلَّا زِينَة مستعارة ... ترد وَلَكِن الثَّنَاء هُوَ الْعُمر)
(وَمن بَاعَ مَا يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح الْمَسْعَى وَقد ربح التَّجر)
(وَمن دون مَا تبغيه يَا ملك الْهدى ... جِيَاد المذاكي والمحجلة الغر)
(وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأرجلها در)
(وشهب إِذا مَا ضمرت يَوْم غَارة ... مصممة غارت بهَا الأنجم الزهر)
(وَأسد رجال من مرين أعزة ... عمائمها بيض وآسالها سمر)
(4/11)

(عَلَيْهَا من المأذي كل مفاضة ... تدافع فِي أعطافها اللجج الْخضر)
(هم الْقَوْم إِن هبوا لكشف ملمة ... فَلَا الْمُلْتَقى صَعب وَلَا المرتقى وعر)
(إِذا سئلوا أعْطوا وَإِن نوزعوا سطوا ... وَإِن واعدوا وفوا وَإِن عَاهَدُوا بروا)
(وَإِن مدحوا اهتزوا ارتياحا كَأَنَّهُمْ ... نشاوى تمشت فِي معاطفهم خمر)
(وَإِن سمعُوا العوراء فروا بأنفس ... حرَام على هاماتها فِي الوغى الفر)
(وَتَبَسم مَا بَين الوشيج ثغورهم ... وَمَا بَين قضب الدوح يبتسم الزهر)
(أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت ... طباعي فَلَا طبع يعين وَلَا فكر)
(وَلَوْلَا حنان مِنْك داركتني بِهِ ... وأحييتني لم يبْق عين وَلَا أثر)
(فأوجدت مني فائتا أَي فَائت ... وأنشرت مَيتا ضم أشلاءه قبر)
(بدأت بِفضل لم أكن لعظيمه ... بِأَهْل فجل اللطف وانشرح الصَّدْر)
(وطوقتني النعمى المضاعفة الَّتِي ... يقبل عَلَيْهَا مني الْحَمد وَالشُّكْر)
(وَأَنت بتتميم الصَّنَائِع كافل ... إِلَى أَن يعود الجاه والعز والوفر)
(جَزَاك الَّذِي أَسْنَى مقامك رَحْمَة ... يفك بهَا عان وينعش مُضْطَر)
(إِذا نَحن أثنينا عَلَيْك بمدحة ... فهيهات يُحْصى الرمل أَو يحصر الْقطر)
(ولكننا نأتي بِمَا نستطيعه ... وَمن بذل المجهود حق لَهُ الْعذر)
ثمَّ انفض الْمجْلس وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر إِلَى منزله الْمعد لَهُ وَقد فرشت الْقُصُور وَقربت لَهُ الْجِيَاد بالمراكب المذهبة وَبعث إِلَيْهِ بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات لَهُ ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصَّنَائِع وانحفظ عَلَيْهِ رسم سُلْطَانه فِي الرَّاكِب والراجل وَلم يفقد من ألقاب ملكه إِلَّا الأداة أدبا مَعَ السُّلْطَان وَاسْتقر فِي جملَته إِلَى أَن لحق بعد بالأندلس وَعَاد لَهُ ملكه سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأرغد السُّلْطَان أَبُو سَالم عَيْش ابْن الْخَطِيب وأفاض عَلَيْهِ الجرايات ورتب لَهُ الإقطاعات غير أَنه كَانَ مضمرا لمفارقة السُّلْطَان والتخلي عَن خدمته والانفراد بِنَفسِهِ لاغتنام مَا بَقِي من عمره فِي طَاعَة الله تَعَالَى فَكَانَ من أمره فِي ذَلِك مَا نذكرهُ
(4/12)

سفر ابْن الْخَطِيب إِلَى مراكش وأعمالها وزيارته لأوليائها ورجالها وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله عِنْدَمَا حصلت لَهُ هَذِه النكبة وخلصه الله مِنْهَا بانتقاله إِلَى بِلَاد العدوة قد عَن لَهُ رَأْي فِي التزهد والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى واغتنام بَقِيَّة الْعُمر فِيمَا يعود نَفعه فِي العاجل والآجل ورفض السُّلْطَان وأسبابه وَترك مَا يلجئه للوقوف بِبَابِهِ فتلطف فِي اسْتِئْذَان السُّلْطَان أبي سَالم رَحمَه الله وَطلب مِنْهُ الْإِذْن فِي الذّهاب إِلَى جِهَات مراكش وَالْوُقُوف على آثَار الأقدمين بهَا والتطارح على أوليائها والمثول بأعتابها والتعلق بأذيالها والتمسك بأسبابها جاعلا ذَلِك مِفْتَاح الْعُزْلَة والتخلي عَن الدولة فَأذن لَهُ وَكتب إِلَى الْعمَّال بإتحافه والاعتناء بِهِ فتباروا فِي ذَلِك كَمَا يفصح عَنهُ بعض شعره الْآتِي وَجعل طَرِيقه على مَدِينَة سلا فَتَأمل أحوالها وَرَآهَا أوفق لمراده فِي الْعُزْلَة فأضمر الاستيطان بهَا عِنْد عوده من وجهته وَلما دخل مَدِينَة أنفى وَهِي الدَّار الْبَيْضَاء مر بهَا على دَار عَظِيمَة تنْسب إِلَى وَالِي جبايتها عبو من بني الترجمان قَارون قومه وغني صنفه وَكَانَ قد هلك قبل ذَلِك فَقَالَ ابْن الْخَطِيب
(قد مَرَرْنَا بدار عبو الْوَالِي ... وَهِي ثَكْلَى تَشْكُو صروف اللَّيَالِي)
(أقصدت رَبهَا الْحَوَادِث لما ... رشقته بصائبات النبال)
(كَانَ بالْأَمْس واليا مستطيلا ... وَهُوَ الْيَوْم مَا لَهُ من وَالِي)
وَأَظنهُ فِي هَذِه الوجهة خَاطب شيخ الْعَرَب مبارك بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة ابْن مهلهل الخلطي وَنَصّ مَا خاطبه بِهِ
(ساحات دَارك للضياف مبارك ... وبضوء نَار قراك يهدي السالك)
(ونوالك المبذول قد شَمل الورى ... طرا وفضلك لَيْسَ فِيهِ مشارك)
(قل للَّذي قَالَ الْوُجُود قد انطوى ... والبأس لَيْسَ لَهُ حسام فاتك)
(والجود لَيْسَ لَهُ غمام هاطل ... وَالْمجد لَيْسَ همام باتك)
(جمع الشجَاعَة والرجاحة والندى ... والبأس والرأي الْأَصِيل مبارك)
(للدّين وَالدُّنْيَا وللشيم الْعلَا ... والجود إِن شح الْغَمَام السافك)
(4/13)

(عِنْد الْهياج ربيعَة بن مكدم ... وَالْفضل وَالتَّقوى الفضيل وَمَالك)
(ورث الْجَلالَة عَن أَبِيه وجده ... فكأنهم مَا غَابَ مِنْهُم هَالك)
(فجياده للآملين مراكب ... وخيامه للقاصدين أرائك)
(فَإِذا الْمَعَالِي أَصبَحت مَمْلُوكَة ... أعناقها بِالْحَقِّ فَهُوَ الْمَالِك)
(يَا فَارس الْعَرَب الَّذِي من بَيته ... حرم لَهَا حج بِهِ ومناسك)
(يَا من يبشر باسمه قصاده ... فَلهم إِلَيْهِ مسارب ومسالك)
(أَنْت الَّذِي استأثرت فِيك بغبطتي ... وَسوَاك فِيهِ مآخذ ومتارك)
(لَا زلت نورا يَهْتَدِي بضيائه ... من جنه للروع ليل حالك)
(ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كالمسك صاك بِهِ الغوالي صائك)
الْحَمد لله تَعَالَى الَّذِي جعل بَيْتك شهيرا وجعلك للْعَرَب أَمِيرا وَجعل اسْمك فالا ووجهك جمالا وقربك جاها ومالا وَآل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آلا أسلم عَلَيْك يَا أَمِير الْعَرَب وَابْن أمرائها وقطب سادتها وكبرائها وأهنيك بِمَا منحك الله تَعَالَى من شهرة تبقى ومكرمة لَا يضل المتصف بهَا وَلَا يشقى إِذْ جعل خيمتك فِي هَذَا الْمغرب على اتساعه وَاخْتِلَاف أشياعه مأمنا للخائف على كَثْرَة الْمذَاهب والطوائف وَصرف الْأَلْسِنَة إِلَى مدحك وَالْخُلُود إِلَى حبك وَمَا ذَلِك إِلَّا لسريرة لَك عِنْد رَبك وَلَقَد كنت أَيَّام تجمعني وَإِيَّاك الْمجَالِس السُّلْطَانِيَّة على معرفتك متهالكا وطوع الأمل سالكا لما يلوح لي على وَجهك من سِيمَا الْمجد وَالْحيَاء والشيم الدَّالَّة على العلياء وزكاء الْأُصُول وكرم الأباء وَكَانَ وَالِدي رَحمَه الله قد عين للقاء خَال السُّلْطَان قريبكم لما توجه فِي الرسَالَة إِلَى الأندلس نَائِبا فِي تأنيسه عَن مخدومه ومنوها حَيْثُ حل بقدومه واتصلت بعد ذَلِك بَينهمَا المهاداة والمعرفة والرسائل الْمُخْتَلفَة فَعظم لأجل هَذِه الْوَسَائِل شوقي إِلَى التشرف بزيارة ذَلِك الجناب الَّذِي حُلُوله شرف وفخر ومعرفته كنز وَذخر فَلَمَّا ظهر الْآن لمحل الْأَخ الْقَائِد فلَان اللحاق بك والتعلق بسببك رَأَيْت أَنه قد اتَّصل بِهَذَا الْغَرَض المؤمل بَعْضِي وَالله تَعَالَى ييسر فِي الْبَعْض عِنْد تَقْرِير الْأَمر وهدنة الأَرْض وَهَذَا الْفَاضِل بركَة حَيْثُ حل لكَونه من بَيت أَصَالَة وَجِهَاد
(4/14)

وماجدا وَابْن أمجاد وَمثلك لَا يوصى بِحسن جواره وَلَا يُنَبه على إيثاره وقبيلك من الْعَرَب فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم وَهُوَ الَّذِي أوجب لَهَا مزية التَّقْدِيم لم تفتخر قطّ بِذَهَب يجمع وَلَا ذخر يرفع وَلَا قصر يبْنى وَلَا غرس يجنى إِنَّمَا فخرها عَدو يغلب وثناء يجلب وجزر تنحر وَحَدِيث يذكر وجود على الْفَاقَة وسماحة بِحَسب الطَّاقَة فَلَقَد ذهب الذَّهَب وفنى النشب وتمزقت الأثواب وَهَلَكت الْخَيل العراب وكل الَّذِي فَوق التُّرَاب تُرَاب وَبقيت المحاسن تروى وتنقل والأعراض تجلى وتصقل وَللَّه در الشَّاعِر إِذْ يَقُول
(إِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث بعده ... فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعى)
(هَذِه مُقَدّمَة إِن يسر الله بعد لِقَاء ... الْأَمِير فيجلى اللِّسَان عَمَّا فِي الضَّمِير)
(ومدحي على الْأَمْلَاك وقف وَإِنَّمَا ... رَايَتك مِنْهَا فامتدحت على وَسمي)
(وَمَا كنت بالمهدي لغيرك مدحتي ... وَلَو أَنه قد حل فِي مفرق النَّجْم)
وَقَالَ فِي الشَّيْخ ابْن بطان الصنهاجي صنهاجة آزمور
(لله دَرك يَا ابْن بطان فَمَا ... لشهير جودك فِي البسيطة جَاحد)
(إِن كَانَ فِي الدُّنْيَا كريم وَاحِد ... يزن الْجَمِيع فَأَنت ذَاك الْوَاحِد)
(أجريت فضلك جعفرا يحيى بِهِ ... مَا كَانَ من مجد فذكرك خَالِد)
(فالقوم مِنْك تجمعُوا فِي مُفْرد ... ولد كَمَا شَاءَ الْعَلَاء ووالد)
(وَهِي اللَّيَالِي لَا تزَال صروفها ... يشقى بموقعها الْكَرِيم الْمَاجِد)
(وبمستعين الله يصلح مِنْك مَا ... قد كَانَ أفْسدهُ الزَّمَان الْفَاسِد)
وَقَالَ رَحمَه الله عِنْدَمَا توَسط بسيط تامسنا
(كأنا بتامسنا نجوس خلالها ... وممدودها فِي سيرنا لَيْسَ يقصر)
(مراكب فِي الْبَحْر الْمُحِيط تخبطت ... وَلَا جِهَة تَدْرِي وَلَا الْبر يبصر)
وَقَالَ رَحمَه الله يُخَاطب أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف حفيد الْمولى الصَّالح سَيِّدي أبي مُحَمَّد صَالح النَّائِم فِي ظلّ صيته رَضِي الله عَنهُ
(يَا حفيد الْوَلِيّ يَا وَارِث الْفَخر ... الَّذِي نَالَ فِي مقَام وَحَال)
(لَك يَا أَحْمد بن يُوسُف جبنا ... كل قطر يعي أكف الرّحال)
(4/15)

وَقَالَ فِي نفاضة الجراب لما خرجت من آسفي سرت إِلَى منزل ينْسب إِلَى أبي حدو وَفِيه رجل من بني الْمَنْسُوب إِلَيْهِ اسْمه يَعْقُوب فألطف وأجزل وآنس فِي اللَّيْل وطلبني بتذكرة تثبت عِنْدِي معرفَة فَكتبت لَهُ
(نزلنَا على يَعْقُوب نجل أبي حدو ... فَعرفنَا الْفضل الَّذِي مَا لَهُ حد)
(وقابلنا بالبشر واحتفل الْقرى ... فَلم يبْق لحم لم ننله وَلَا زبد)
(يحِق علينا أَن نقوم بِحقِّهِ ... ويلقاه منا الْبر وَالشُّكْر وَالْحَمْد)
وَقَالَ رَحمَه الله وَقد انتابه البرغوث
(زحفت إِلَيّ ركائب البرغوث ... نم الظلام بركبها المحثوث)
(بالحبة السَّوْدَاء قَابل مقدمي ... لله أَي قرى أعد خَبِيث)
(كسحت بِهن ذُبَاب سرح تجلدي ... لَيْلًا فحبل الصَّبْر جد رثيث)
(إِن صابرت نَفسِي أَذَاهُ تعبدت ... أَو صحت مِنْهُ أنفت من تحنيثي)
(جيشان من ليل وبرغوث فَهَل ... جَيش الصَّباح لصرختي بمغيث)
وَقَالَ رَحمَه الله وَقد أشرف على الحضرة المراكشية حاطها الله تَعَالَى
(مَاذَا أحدث عَن بَحر سبحت بِهِ ... من الْبحار فَلَا إِثْم وَلَا حرج)
(دَعَاهُ مُبْتَدع الْأَشْيَاء مستويا ... مَا إِن بِهِ دَرك كلا وَلَا درج)
(حَتَّى إِذا مَا الْمنَار الْفَرد لَاحَ لنا ... صحت أَبْشِرِي يَا مطايا جَاءَك الْفرج)
(قربت من عَامر دَارا ومنزلة ... وَالشَّاهِد الْعدْل هَذَا الطّيب والأرج)
وَلما وقف على مصانع مراكش وقصورها وقصبتها وَاعْتبر مَا صَار إِلَيْهِ حَالهَا بعد الْمُوَحِّدين قَالَ
(بلد قد غزاه صرف اللَّيَالِي ... وأباح المصون مِنْهُ مُبِيح)
(فَالَّذِي خر من بناة قَتِيل ... وَالَّذِي خر مِنْهُ بعض جريح)
(وَكَأن الَّذِي يزور طَبِيب ... قد تَأتي لَهُ بهَا التشريح)
(أعجمت مِنْهُ أَربع ورسوم ... كَانَ قدما بهَا اللِّسَان الفصيح)
(كم معَان غَابَتْ بِتِلْكَ المغاني ... وجمال أخفاه ذَاك الضريح)
(وملوك تعبدوا الدَّهْر لما ... أصبح الدَّهْر وَهُوَ عبد صَرِيح)
(4/16)

2 - 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 وأصبحت
(4/17)

ديار الأندلس وَهِي البلاقع وَحسنت من استدعائك إيَّايَ المواقع وَقَوي الْعَزْم وَإِن لم يكن ضَعِيفا وَعرضت على نَفسِي السّفر بسببك فَأَلْفَيْته خَفِيفا والتمست الْإِذْن حَتَّى لَا نرى فِي قبْلَة السداد تحريفا واستقبلتك بصدر مشروح وزند للعزم مقدوح وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحَقّق السول ويسهل بمثوى الأمائل المثول ويهيئ من قبيل هنتاتة الْقبُول بفضله انْتهى
وَلما ذهب إِلَى عَامر بن مُحَمَّد الْمَذْكُور ورقي الْجَبَل زار الْموضع الَّذِي توفّي بِهِ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله وَقد ألم بِذكر ذَلِك فِي نفاضة الجراب إِذْ قَالَ وشاهدت بجبل هنتاتة مَحل وَفَاة السُّلْطَان الْمُقَدّس أَمِير الْمُسلمين أبي الْحسن رَحمَه الله حَيْثُ أَصَابَهُ طَارق الْأَجَل الَّذِي فصل الخطة وأصمت الدعْوَة وَرفع الْمُنَازعَة وعاينته مرفعا عَن الابتذال بِالسُّكْنَى مفروشا بالحصباء مَقْصُودا بالابتهال وَالدُّعَاء فَلم أَبْرَح يَوْم زيارته أَن قلت
(يَا حسنها من أَربع وديار ... أضحت لباغي الْأَمْن دَار قَرَار)
(وجبال عز لَا تذل أنوفها ... إِلَّا لعز الْوَاحِد القهار)
(ومقر تَوْحِيد واس خلَافَة ... آثارها تبنى عَن الْأَخْبَار)
(مَا كنت أَحسب أَن أَنهَار الندى ... تجْرِي بهَا فِي جملَة الْأَنْهَار)
(مَا كنت أَحسب أَن أنوار الحجا ... تلتاح فِي قنن وَفِي أَحْجَار)
(مجت جوانبها البرود وَإِن تكن ... شبت بهَا الْأَعْدَاء جذوة نَار)
(هدت بناها فِي سَبِيل وفائها ... فَكَأَنَّهَا صرعى بِغَيْر عقار)
(لما توعدها على الْمجد العدا ... رضيت بعيث النَّار لَا بالعار)
(عمرت بحلة عَامر وأعزها ... عبد الْعَزِيز بمرهف بتار)
(فرسا رهان أحرزا قصب الندى ... والباس فِي طلق وَفِي مضمار)
(ورثا عَن النّدب الْكَبِير أَبِيهِمَا ... مَحْض الْوَفَاء ورفعة الْمِقْدَار)
(وَكَذَا الْفُرُوع تطول وَهِي شَبيهَة ... بِالْأَصْلِ فِي ورق وَفِي أثمار)
(أزرت وُجُوه الصَّيْد من هنتاتة ... فِي جوها بمطالع الأقمار)
(لله أَي قَبيلَة تركت لَهَا النظراء ... دَعْوَى الْفَخر يَوْم فخار)
(نصرت أَمِير الْمُسلمين وَملكه ... قد أسلمته عزائم الْأَنْصَار)
(4/18)

(وارت عليا عِنْد مَا عظم الردى ... والروع بالأسماع والأبصار)
(وتخاذل الْجَيْش اللهام وَأصْبح ... الْأَبْطَال بَين تقاعد وفرار)
(كفرت صنائعه فيمم دارها ... مستظهرا مِنْهَا بعز جوَار)
(وَأقَام بَين ظُهُورهَا لَا يَتَّقِي ... وَقع الردى وَقد ارتمى بشرار)
(فَكَأَنَّهَا الْأَنْصَار لما أَن سمت ... فِيمَا تقدم غربَة الْمُخْتَار)
(لما غَدا لحظا وهم أجفانه ... نابت شفارهم عَن الأشفار)
(حَتَّى دَعَاهُ الله بَين بُيُوتهم ... فَأجَاب ممتثلا لأمر الْبَارِي)
(لَو كَانَ يمْنَع من قَضَاء الله مَا ... خلصت إِلَيْهِ نوافذ الأقدار)
(قد كَانَ يأمل أَن يُكَافِئ بعض مَا ... أولوه لَوْلَا قَاطع الْأَعْمَار)
(مَا كَانَ يقنعه لَو امْتَدَّ المدى ... إِلَّا الْقيام بِحَقِّهَا من دَار)
(فَيُعِيد ذَاك المَاء ذائب فضَّة ... وَيُعِيد ذَاك الترب ذوب نضار)
(حَتَّى تفوز على النَّوَى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار)
(حَتَّى يلوح على وُجُوه وُجُوههم ... أثر الْعِنَايَة سَاطِع الْأَنْوَار)
(ويسوغ الأمل القصي كرامها ... من غير مَا ثنيا وَلَا استعصار)
(مَا كَانَ يرضى الشَّمْس أَو بدر الدجا ... عَن دِرْهَم فيهم وَلَا دِينَار)
(أَو أَن يتوج أَو يُقَلّد هامها ... ونحورها بأهلة ودراري)
(حق على الْمولى ابْنه إِيثَار مَا ... بذلوه من نصر وَمن إِيثَار)
(فلمثلها ذخر الْجَزَاء وَمثله ... من لَا يضيع صنائع الْأَحْرَار)
(وَهُوَ الَّذِي يقْضِي الدُّيُون وبره ... يرضيه فِي علن وَفِي أسرار)
(حَتَّى تحج محلّة رفعوا بهَا ... علم الْوَفَاء لأعين النظار)
(فَيصير مِنْهَا الْبَيْت بَيْتا ثَانِيًا ... للطائفين إِلَيْهِ أَي بدار)
(تغني قُلُوب الْقَوْم عَن هدى بِهِ ... ودموعهم تَكْفِي لرمي جمار)
(حييت من دَار تكفل سعيها الْمَحْمُود ... بالزلفى وعقبى الدَّار)
(وضفت عَلَيْك من الْإِلَه عناية ... مَا كرّ ليل فِيك أثر نَهَار)
وَيَعْنِي بالمولى ابْنه السُّلْطَان أَبَا سَالم بن أبي الْحسن ثمَّ سَار ابْن الْخَطِيب إِلَى أغمات فزار مشاهدها وَشَاهد معاهدها فَحكى عَن نَفسه رَحمَه الله
(4/19)

قَالَ وقفت على قبر الْمُعْتَمد بن عباد فِي مَدِينَة أغمات فِي حَرَكَة أعملتها إِلَى الْجِهَات المراكشية باعثها لِقَاء الصَّالِحين ومشاهدة الْآثَار سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ بمقبرة أغمات فِي نشز من الأَرْض وَقد حفت بِهِ سِدْرَة وَإِلَى جنبه قبر اعْتِمَاد حظيته مولاة رميك وَعَلَيْهِمَا أثر التغرب ومعاناة الخمول من بعد الْملك فَلم تملك الْعين دمعها عِنْد رُؤْيَتهمَا فأنشدت فِي الْحَال
(قد زرت قبرك عَن طوع بأغمات ... رَأَيْت ذَلِك من أولى الْمُهِمَّات)
(لم لَا أزورك يَا أندى الْمُلُوك يدا ... وَيَا سراج اللَّيَالِي المدلهمات)
(وَأَنت من لَو تخطى الدَّهْر مصرعه ... إِلَى حَياتِي لجادت فِيهِ أَبْيَات)
(أناف قبرك من هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التَّحِيَّات)
(كرمت حَيا وَمَيتًا واشتهرت علا ... فَأَنت سُلْطَان أَحيَاء وأموات)
(مارئي مثلك فِي مَاض ومعتقدي ... أَلا يرى الدَّهْر فِي حَال وَلَا آتٍ)
وَلما انكفأ ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله رَاجعا من سفرته هَذِه وانْتهى إِلَى سلا أَقَامَ بهَا منتبذا عَن سُلْطَانه رافضا للْملك وأسبابه طول مقَامه بالمغرب على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب بسلا حرسها الله

قد قدمنَا أَن ابْن الْخَطِيب كَانَ قد عزم على التخلي عَن الدُّنْيَا والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه اخْتَار أَن يكون مقَامه بسلا لكَونهَا يَوْمئِذٍ أعون لَهُ على مُرَاده من غَيرهَا حَسْبَمَا يُؤْخَذ ذَلِك من مَوَاضِع من كَلَامه من ذَلِك أَنه لما وصف أَمْصَار الأندلس وَالْمغْرب فِي مقاماته الْمَشْهُورَة وصف مَدِينَة سلا بقوله العقيلة المفضله والبطيحة المخضله وَالْقَاعِدَة المؤصله وَالسورَة المفصله ذَات الوسامة والنضارة والجامعة بَين البداوة والحضارة مَعْدن الْقطن وَالْكتاب والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان والوادي المتعدد الأجفان الْقطر الْأمين عِنْد الرجفان والعصير الْعَظِيم الشَّأْن والأسواق السارة حَتَّى برقيق الحبشان اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا
(4/20)

يبرح وَالْبَحْر الَّذِي يأسو ويجرح وشقها الْوَادي الَّذِي يتمم محاسنها ويشرح وقابلها الرِّبَاط الَّذِي ظهر بِهِ من الْمَنْصُور الِاغْتِبَاط حَيْثُ القصبة والساباط ثمَّ يَقع الانحطاط إِلَى شالة مرعى الذمم ونتيجة الهمم ومشمخ الأنوف ذَوَات الشمم وعنوان الرمم حَيْثُ الْحَسَنَات المكتتبة والأوقاف الْمرتبَة والقباب كالأزهار مجودة بِذكر الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وطلل حسان الْمثل فِي الاشتهار وَهِي على الْجُمْلَة من غَيرهَا أوفق ومغارمها لاحترام الْمُلُوك الْكِرَام أرْفق ومقبرتها المنضدة عجب فِي الانتظام مَعْدُودَة فِي المواقف الْعِظَام ويتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة وتوجد عِنْدهَا للهموم السلوة كَمَا قَالَ ابْن الْخَطِيب
(وصلت حثيث السّير فِيمَن فلى الفلا ... فَلَا خاطري لما نأى وانجلا انجلا)
(وَلَا نسخت كربي بقلبي سلوة ... فَلَمَّا سوى فِيهِ نسيم سلا سلا)
وَكفى بالشابل رزقا طريا وسمكا بالتفضيل حريا يبرز عدد قطر الديم وَيُبَاع ببخس الْقيم ويعم المجاشر النائية والخيم أه
وَمَا قَالَه فِي حق سلا من كَونهَا تتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة هُوَ كَذَلِك مَعْرُوف عِنْد صلحاء الْمغرب وعباده من لدن قديم وَلذَا لما قدم أَبُو الْعَبَّاس بن عَاشر رَضِي الله عَنهُ من الأندلس وتنقل فِي بِلَاد الْمغرب مثل فاس ومكناسة لم يطب لَهُ الْقَرار إِلَّا بسلا وَقد صرح رَضِي الله عَنهُ بذلك حَيْثُ قَالَ
(سلا كل قلب غير قلبِي مَا سلا ... أيسلو بفاس والأحبة فِي سلا)
(بهَا خيموا فالقلب خيم عِنْدهم ... فأجروا دموعي مُرْسلا ومسلسلا)
وَلما ذكر أَبُو الْعَبَّاس الصومعي رَحمَه الله فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى رَضِي الله عَنهُ اسْتِحْبَاب زِيَارَة الْأَوْلِيَاء قَالَ مَا نَصه وَلَا سِيمَا فِي مشَاهد الأخيار إِذا اجْتَمعُوا فِي مَكَان من الْأَمْكِنَة المشرفة كَمَا كَانُوا يَجْتَمعُونَ قبل هَذَا برباط شَاكر وبساحل دكالة وبسلا وبجبل الْعلم وَعند
(4/21)

الشَّيْخ أبي يعزى فِي أَيَّام الرّبيع وَغير ذَلِك أه
وَأَقُول على ذكر سلا فقد كتب إِلَيّ وَأَنا بمراكش حرسها الله الْأَخ فِي الله الْفَقِيه الأديب المحاضر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عزوز الرباطي أصلا المراكشي دَارا بطاقة يَقُول فِيهَا مَا نَصه الْحَمد لله وَحده السَّيِّد الْأَخ الَّذِي ثوب إخائه مَا اتسخ الْفَقِيه الْعَلامَة اللابس من أسلحة الْعُلُوم الدرْع واللامة أَبَا الْعَبَّاس السَّيِّد أَحْمد الناصري سَلام عَلَيْك سَلاما ذكي الْعرف رائج الصّرْف وَبعد فقد اشتقنا إِلَى لذيذ مذكراتكم وحلو فكاهتكم والآن نحب من السِّيَادَة أَن تشرفونا بِنَقْل قدمكم وتكرمونا بطلعتكم السعيدة بكرَة غَد إِن شَاءَ الله وعَلى الْمحبَّة وَالسَّلَام فِي فاتح رَجَب الْفَرد سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَألْحق بأسفلها مَا نَصه
(سلا الْبَحْر مَا بَحر بنيت بشطه ... كبحر عُلُوم فِيك أنشئ صَالحا)
(فَهَذَا هُوَ الْفَيَّاض بِالْعلمِ والتقى ... وَذَاكَ هُوَ الْفَيَّاض بِالْمَاءِ مالحا)
وَلم ندر هَل البيتان لَهُ أَو تمثل بهما وعَلى كل حَال فَمَا قَالَه حفظه الله إِنَّمَا حمله عَلَيْهِ حسن نِيَّته وصفاء طويته وَأما الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بهما فَلَا وَالله لَا علم وَلَا تقى إِلَّا أَن يتغمدنا الله برحمته ثمَّ إِنِّي أَجَبْته بنثر تركته للاختصار ووصلته بِأَبْيَات أَقُول فِيهَا مَا نَصه
(بعثت أَبَا عبد الْإِلَه مدائحا ... هُوَ الدّرّ حسنا والشذور لوائحا)
(فنبهت فكرا طالما بَات نَائِما ... وروضت ذهنا طالما ظلّ جامحا)
(وشيدت من ذكري وَقد كَانَ خاملا ... وهيجت من قلبِي الشجي القرائحا)
(وطوقتني النعمى بتقريضك الَّذِي ... بِهِ ظلّ مجدي للنجوم مصافحا)
(وَإِلَّا فَمَا قدري وَإِن جد جده ... وَمَا قيمتي لَو لم تكن لي مادحا)
(فَأَنت أديب الْعَصْر حَقًا وَمن غذا ... لعمري لأبواب المعارف فاتحا)
(فَخذ من أَخِيك العي واستر عيوبه ... وسامح فظني أَن تكون مسامحا)
(فوصفك يعيي كل أشدق بارع ... وَلَو ظلّ فِي بَحر البلاغة سابحا)
(فَلَقِيت من ذِي الْعَرْش كل كَرَامَة ... ووقيت من هَذَا الزَّمَان الطوائحا)
(4/22)

4
- (وَلَا زَالَ هَذَا الدَّهْر طوعك خَادِمًا ... علاك وطرف السعد نَحْوك طامحا)
وَمِمَّا مدح بِهِ سلا وَأَهْلهَا قَول الإِمَام الْعَلامَة الْهمام أبي عَليّ الْحسن بن مَسْعُود اليوسي رَضِي الله عَنهُ
(مرسى سلا مأوى الشمم ... وَالْمجد عَن طول الْأُمَم)
(بلد بحسبك منظر مِنْهُ ومخبره أتم ... مسري الهموم ومسرح الْأَبْصَار مسلاة الغمم)
(مترفلا فِي حلَّة من حسنه جنب الْعلم ... كَالْحرَّةِ الْحَسْنَاء فِي كنف الْهمام الْمُحْتَرَم)
(وتراه من جناته متلألئا بَين الأجم ... كالدر بَين زمرد فِي قرط مَارِيَة انتظم)
(وكوجه خود حفه السوالف فِي دلم ... {وكغرة فِي أدهم وَالصُّبْح فِي حنج الإحم)
(والثغر من زنجية ترنو إِلَيْهِ وَقد بِسم ... والبدر مَا بَين الدجى والشيب فِي سود اللمم)
(يَعْلُو فويق جنبه علم تدلى من أُمَم ... فَكَأَنَّهُ تَاج اللجين على جبيني ذِي عظم)
(أَو كالكبير مزملا أودى بنهضته الْهَرم ... فِي رَأسه صلع وَفِيمَا تَحت جَبهته غمم)
(أَو كالجواد بِأَنْفِهِ من ذَلِك الْقصر الرثم ... يَكْفِيك مِنْهُ هواؤه لَا خبث فِيهِ وَلَا وخم)
(عجبا صَحِيح والهوى أبدا عليل ذُو سقم ... وزلاله العذب الَّذِي يشفي الْفُؤَاد من الضرم)
(حاكى الْعقار وفاقها بصفاء لون الشيم ... أَبنَاء مجد فِي الألى كَانُوا يراعون الذمم)
(من نبلهم دون العويص ونبلهم خلف الْحرم ... ونفيسهم فقع الفلا ونفوسهم بيض الرخم)
(من كل أَبيض وَجهه تجلى بِهِ سدف الظُّلم ... فِي الْخطب بدر لامع ولدى الندى بَحر خضم)
(وأحبة كَانُوا لنا كَالْمَاءِ بِالرَّاحِ التأم ... لم يعد بَين بَيْننَا وَلَو الْفِرَاق بِنَا ألم)
(الْبَين بَين جسومنا لَا بَين أَنْفُسنَا يحم ... والعهد حَبل مَا انفصا عَنهُ الوداد وَلَا انفصم)
(والصدق نهج قد علا فِي كل أوجهه علم ... وَالْبر مرعاة قرى من فِيهِ للحسنى قرم)
(وَالنَّفس أَرض قد كرا الْمعِين ذَوُو الْكَرم ... وَالدّين روض قد رعى فِيهِ من العقبى رعم)
(وَالْعلم ورد مَا حلا إِلَّا لمن نزع الْحلم ... والسر برق مَا أضا إِلَّا لمن غسل الإضم)
(والدهر دولاب شما فِيهِ سوى أهل الشمم ... من ذاق مورده الصري يَوْمًا فللدنيا صرم)
ولنرجع إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب
وَلما اسْتَقر بسلا وَاطْمَأَنَّ جنبه بهَا قَالَ
(يَا أهل هَذَا الْقطر ساعده الْقطر ... بليت فدلوني لمن يرفع الْأَمر)
(4/23)

(تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا ... وَفِي شغلي أَو نومتي سرق الْعُمر)
ثمَّ حرص على لِقَاء الشَّيْخ ابْن عَاشر رَضِي الله عَنهُ حَتَّى ظفر بِهِ فَعظم سروره بذلك وتبجح بِهِ إِذْ قَالَ فِي نفاضة الجراب وَلَقِيت من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بسلا الْوَلِيّ الزَّاهِد الْكَبِير الْمُنْقَطع القرين فِرَارًا عَن زهرَة الدُّنْيَا وعزوفا عَنْهَا وإغراقا فِي الْوَرع وشهرة بالكشف وَإجَابَة الدعْوَة وَظُهُور الكرامات أَبَا الْعَبَّاس بن عَاشر يسر الله تَعَالَى لقاءه على تعذره لصعوبة تَأتيه وكثافة هيبته قَاعِدا بَين الْقُبُور فِي الْخَلَاء رث الهيثة مطرق اللحظ كثير الصمت مفرط الانقباض وَالْعُزْلَة قد ضرسه أهل الدُّنْيَا وتطارحهم فَهُوَ شَدِيد الاشمئزاز من قاصده مجرمز للوثبة من طارقه نفع الله تَعَالَى بِهِ أه كَلَامه فِي النفاضة وَقَالَ رَحمَه الله من قصيدته العينية السلاوية الَّتِي وَجههَا إِلَى سلا أَيَّام خلف بهَا أَهله وَولده
(بولِي الله فابدأ وابتدر ... وَاحِدًا الأحاد فِي بَاب الْوَرع)
وَمرَاده بولِي الله ابْن عَاشر الْمَذْكُور
ثمَّ إِن ابْن الْخَطِيب بعد رُجُوعه من مراكش جعل ينتاب رِبَاط شالة مدفن الْمُلُوك من بني مرين وَمِنْهُم السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله للدُّعَاء وَقِرَاءَة الْقُرْآن بهَا وتعاهدها وَقد كتب بذلك إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم وَطلب مِنْهُ أَن يشفع لَهُ عِنْد أهل الأندلس فِي رد مَتَاعه الَّذِي أتلفوه عَلَيْهِ أَيَّام النكبة وَنَصّ الْكتاب مولَايَ المرجو لإتمام الصنيعة وصلَة النِّعْمَة وإحراز الْفَخر أبقاكم الله تَعَالَى تضرب بكم الْأَمْثَال فِي الْبر وَالرِّضَا وعلو الهمة ورعي الْوَسِيلَة مقبل موطئ قدمكم الْمُنْقَطع إِلَى تربة الْمولى والدكم ابْن الْخَطِيب من الضريح الْمُقَدّس بشالة وَقد حط رَحل الرَّجَاء فِي الْقبَّة المقدسة وَتيَمّم بالتربة الزكية وَقعد بِإِزَاءِ لحد الْمولى أبيكم سَاعَة إيابه من الوجهة الْمُبَارَكَة وزيارة الرَّبْط الْمَقْصُودَة والترب المعظمة وَقد عزم أَن لَا يبرح طَوْعًا من هَذَا الْجوَار الْكَرِيم والدخيل المرعى حَتَّى يصله من مقامكم مَا
(4/24)

يُنَاسب هَذَا التطارح على قبر هَذَا الْمولى الْعَزِيز على أهل الأَرْض ثمَّ عَلَيْكُم والتماس شَفَاعَته فِي أَمر سهل عَلَيْكُم لَا يجر إنفاد مَال وَلَا اقتحام خطر إِنَّمَا هُوَ إِعْمَال لِسَان وَخط بنان وَصرف عزم وإحراز فَخر وإطابة ذكر وَأجر وَذَلِكَ أَن العَبْد عرفكم يَوْم وداعكم أَنه ينْقل عَنْكُم إِلَى الْمولى الْمُقَدّس بِلِسَان الْمقَال مَا يحضر مِمَّا يفتح الله تَعَالَى فِيهِ ثمَّ ينْقل عَنهُ لكم بِلِسَان الْحَال مَا يتلَقَّى عَنهُ من الْجَواب وَقَالَ لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة الْمولى والدكم سَيِّدي الْخَطِيب يَعْنِي ابْن مَرْزُوق سنى الله تَعَالَى أمله من سَعَادَة مقامكم وَطول عمركم أَنْت يَا فلَان وَالْحَمْد لله مِمَّن لَا يُنكر عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهَذَيْنِ الفرضين وَصدر عَنْكُم من الْبشر وَالْقَبُول والإنعام مَا صدر جزاكم الله تَعَالَى جَزَاء الْمُحْسِنِينَ وَقد تقدم تَعْرِيف مولَايَ بِمَا كَانَ من قيام العَبْد بِمَا نَقله إِلَى التربة الزكية عَنْكُم حَسْبَمَا أَدَّاهُ من حضر ذَلِك المشهد من خدامكم وَالْعَبْد الْآن يعرض عَلَيْكُم الْجَواب وَهُوَ أَنِّي لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الْمَلأ الْكَبِير والجم الْغَفِير أكببت على اللَّحْد الْكَرِيم دَاعيا ومخاطبا وأصغيت بإذني نَحْو قَبره وَجعل فُؤَادِي يتلَقَّى مَا يوحيه إِلَيْهِ لِسَان حَاله فَكَأَنِّي بِهِ يَقُول لي قل لمولاك يَا وَلَدي وقرة عَيْني الْمَخْصُوص برضاي وبري وَستر حريمي ورد ملكي وصان أَهلِي وَأكْرم صنائعي وَوصل عَمَلي أسلم عَلَيْك وأسأل الله تَعَالَى أَن يرضى عَنْك وَيقبل عَلَيْك الدُّنْيَا دَار غرور {وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى} وَمَا النَّاس إِلَّا هَالك وَابْن هَالك وَلَا تَجِد إِلَّا مَا قدمت من عمل يَقْتَضِي الْعَفو وَالْمَغْفِرَة أَو ثَنَاء يجلب الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ وَمثلك من ذكر فَتذكر وَعرف فَمَا أنكر وَهَذَا ابْن الْخَطِيب قد وقف على قَبْرِي وتهمم بِي وَسبق النَّاس إِلَى رثائي وأنشدني ومجدني وَبكى لي ودعا لي وَهَنأَنِي بمصير أَمْرِي إِلَيْك وعفر وَجهه فِي تربتي وأملني لما انْقَطَعت مني آمال النَّاس فَلَو كنت يَا وَلَدي حَيا لما وسعني أَن أعمل مَعَه إِلَّا مَا يَلِيق بِي وَأَن أستقل فِيهِ الْكثير وأحتقرن الْعَظِيم لَكِن لما
(4/25)

عجزت عَن جَزَائِهِ وكلته إِلَيْك وأحلته يَا حبيب قلبِي عَلَيْك وَقد أَخْبرنِي أَنه سليب المَال كثير الْعِيَال ضَعِيف الْجِسْم قد ظهر فِي عدم نشاطه أثر السن وأمل أَن يَنْقَطِع بِجوَارِي ويستتر بدخيلي وخدمتي وَيرد عَلَيْهِ حَقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تَعَالَى تَحت حرمتك وحرمتي وَقد كنت تشوفت إِلَى استخدامه فِي الْحَيَاة حَسْبَمَا يُعلمهُ حبيبنا الْخَاص الْمحبَّة وَخَطِيبِنَا الْعَظِيم المزية الْقَدِيم الْقرْبَة أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق فَاسْأَلْهُ يذكرك واستخبره يُخْبِرك فَأَنا الْيَوْم أُرِيد أَن يكون هَذَا الرجل خديمي بعد الْمَمَات إِلَى أَن نلحق جَمِيعًا برضوان الله تَعَالَى وَرَحمته الَّتِي وسعت كل شَيْء وَله يَا وَلَدي ولد نجيب يخْدم ببابك وينوب عَنهُ فِي مُلَازمَة بَيت كتابك وَقد اسْتَقر ببابك قراره وَتعين بِأَمْرك مرتبه ودثاره فَيكون الشَّيْخ خديم الشَّيْخ والشاب خديم الشَّاب هَذِه رغبتي مِنْك وحاجتي إِلَيْك وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث لَا بُد أَن يذكر ويتحدث فِي الدُّنْيَا وَبَين أَيدي الْمُلُوك والكبراء فاعمل مَا يبْقى لَك فخره ويتخلد ذكره وَقد أَقَامَ مجاورا ضريحي تاليا كتاب الله تَعَالَى على منتظرا مَا يصله مِنْك ويقرأه على من السَّعْي فِي خلاص مَاله والاحتجاج بِهَذِهِ الْوَسِيلَة فِي جبره وإجراء مَا يَلِيق بك من الْحُرْمَة والكرامة وَالنعْمَة فَالله الله يَا إِبْرَاهِيم اعْمَلْ مَا يسمع عني وعنك فِيهِ ولسان الْحَال أبلغ من لِسَان الْمقَال أه وَالْعَبْد يَا مولَايَ مُقيم تَحت حرمته وَحُرْمَة سلفه منتظر مِنْكُم قَضَاء حَاجته ولتعلموا وتتحقوا أنني لَو ارتكبت الجرائم ورزأت الْأَمْوَال وسفكت الدِّمَاء وَأخذت خسائف الْمُلُوك الأعزة مِمَّن وَرَاء النَّهر من التتار وَخلف الْبَحْر من الرّوم ووراء الصَّحرَاء من الْحَبَشَة وأمكنهم الله تَعَالَى مني من غير عهد بعد أَن بَلغهُمْ تذلمي بِهَذَا الدخيل ومقامي بَين هَذِه الْقُبُور الْكَرِيمَة مَا وسع أحد مِنْهُم من حَيْثُ الْحيَاء والحشمة من الْأَحْيَاء والأموات وَإِيجَاب الْحُقُوق الَّتِي لَا يغفلها الْكِبَار للكبار إِلَّا الْجُود الَّذِي لَا يتعقبه الْبُخْل وَالْعَفو الَّذِي لَا تفسده الْمُؤَاخَذَة
(4/26)

فضلا عَن سُلْطَان الأندلس أسعده الله تَعَالَى وَعلا بموالاتكم فَهُوَ فَاضل وَابْن مُلُوك أفاضل وَحَوله أكياس مَا فيهم من يجهل قدركم وَقدر سلفكم لَا سِيمَا مولَايَ والدكم الَّذِي أتوسل بِهِ إِلَيْكُم وإليهم فقد كَانَ يتبنى مولَايَ أَبَا الْحجَّاج ويشمله بنظره وصارخه بِنَفسِهِ وأمده بأمواله ثمَّ صير الله تَعَالَى ملكه إِلَيْكُم وَأَنْتُم من أَنْتُم ذاتا وقبيلا فقد قرت يَا مولَايَ عين العَبْد بِمَا رَأَتْ فِي هَذَا الوطن المراكشي من وفور حشودكم وَكَثْرَة جنودكم وترادف أَمْوَالكُم وعددكم زادكم الله تَعَالَى من فَضله وَلَا شكّ عِنْد عَاقل أَنكُمْ إِن انْحَلَّت عُرْوَة تأميلكم وأعرضت عَن ذَلِك الوطن الأندلسي اسْتَوَت عَلَيْهِ يَد عدوه وَقد علم تطارحي بَين الْمُلُوك الْكِرَام الَّذين خضعت لَهُم التيجان وتعلقي بِثَوْب الْملك الصَّالح وَالِد الْمُلُوك الْكِرَام مولَايَ والدكم وشهرة حُرْمَة شالة مَعْرُوفَة حاش الله أَن يضيعها أهل الأندلس وَمَا توسل إِلَيْهِم قطّ بهَا إِلَّا الْآن وَمَا يجهلون اغتنام هَذِه الْفَضِيلَة الغريبة وأملي مِنْكُم أَن يتَعَيَّن من بَين يديكم خديم بِكِتَاب كريم يتَضَمَّن الشَّفَاعَة فِي رد مَا أَخذ لي ويخبر بمثواي متراميا على قبر والدكم ويقرر مَا ألزمتكم بِسَبَب هَذَا الترامي من الضَّرُورَة المهمة والوظيفة الْكَبِيرَة عَلَيْكُم وعَلى قبيلكم حَيْثُ كَانُوا وتطلبون مِنْهُ عَادَة المكارمة بِحل هَذِه الْعقْدَة وَمن الْمَعْلُوم أَنِّي لَو طلبت بِهَذِهِ الْوَسَائِل من صلب مَا وسعهم بِالنّظرِ الْعقلِيّ إِلَّا حفظ الْوَجْه مَعَ هَذَا الْقَبِيل وَهَذَا الوطن فالحياء والحشمة يأبيان الْعذر عَن هَذَا فِي كل مِلَّة ونحلة وَإِذا تمّ هَذَا الْغَرَض وَلَا شكّ فِي إِتْمَامه بِاللَّه تَعَالَى تقع صدقتكم على الْقَبْر الْكَرِيم بِي وتعينوني لخدمة هَذَا الْمولى وزيارته وتفقده ومدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة المولد فِي جواره وَبَين يَدَيْهِ وَهُوَ غَرِيب مُنَاسِب لبركم بِهِ إِلَى أَن أحج بَيت الله بعناية مقامكم وأعود دَاعيا مثنيا مستدعيا للشكر وَالثنَاء من أهل الْمشرق وَالْمغْرب وأتعوض من ذِمَّتِي بالأندلس ذمَّة بِهَذَا الرِّبَاط الْمُبَارك يَرِثهَا ذريتي وَقد ساومت فِي شَيْء من ذَلِك منتظرا ثمنه مِمَّا يُبَاع بالأندلس بشفاعتكم وَلَو ظَنَنْت أَنهم
(4/27)

يتوقفون لكم فِي مثل هَذَا أَو يتَوَقَّع فِيهِ وَحْشَة أَو جفَاء وَالله مَا طلبته لكِنهمْ أسرى وَأفضل وانقطاعي أَيْضا لوالدكم مِمَّا لَا يسع مجدكم إِلَّا عمل مَا يَلِيق بكم فِيهِ وَهَا أَنا أترقب جوابكم بِمَا لي عنْدكُمْ من الْقبُول ويسعني مجدكم فِي الطّلب وَخُرُوج الرَّسُول لاقْتِضَاء هَذَا الْغَرَض وَالله سُبْحَانَهُ يطلع من مولَايَ على مَا يَلِيق بِهِ وَالسَّلَام وَكتب فِي الْحَادِي عشر من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَفِي مدرج الْكتاب بعد نثر هَذِه القصيدة
(مولَايَ هَا أَنا فِي جوَار أبيكا ... فابذل من الْبر الْمُقدر فيكا)
(أسمعهُ مَا يرضيه من تَحت الثرى ... وَالله يسمعك الَّذِي يرضيكا)
(وَاجعَل رِضَاهُ إِذا نهدت كَتِيبَة ... تهدي إِلَيْك النَّصْر أَو تهديكا)
(واجبر بجبري قلبه تنَلْ المنا ... وتطالع الْفَتْح الْمُبين وشيكا)
(فَهُوَ الَّذِي سنّ البرور بِأُمِّهِ ... وَأَبِيهِ فاشرع شَرعه لبنيكا)
(وَابعث رَسُولك منذرا ومحذرا ... وَبِمَا تؤمل نيله يأتيكا)
(قد هز عزمك كل قطر نازح ... وأخاف مَمْلُوكا بِهِ ومليكا)
(فَإِذا سموت إِلَى مرام شاسع ... فغصونه ثَمَر المنا تجنيكا)
(ضمنت رجال الله مِنْك مطالبي ... لما جعلتك فِي الثَّوَاب شَرِيكا)
(فلئن كفيت وجوهها فِي مقصدي ... ورعيتها بركاتها تكفيكا)
(وَإِذا قضيت حوائجي وأريتني ... أملا فربك مَا أردْت يريكا)
(وَاشْدُدْ على قولي يدا فَهُوَ الَّذِي ... برهانه لَا يقبل التشكيكا)
(مولَايَ مَا استأثرت عَنْك بمهجتي ... إِنِّي ومهجتي الَّتِي تفديكا)
(لَكِن رَأَيْت جناب شالة مغنما ... يضفي على الْعِزّ فِي ناديكا)
(وفروض حَقك لَا تفوت فوقتها ... بَاقٍ إِذا استجزيته يجزيكا)
(ووعدتني وتكرر الْوَعْد الَّذِي ... أَبَت المكارم أَن يكون أفيكا)
(أضفى عَلَيْك الله ستر عناية ... من كل مَحْذُور الطَّرِيق يقيكا)
(ببقائك الدُّنْيَا تحاط وَأَهْلهَا ... فَالله جلّ جَلَاله يبقيكا)
وَقَالَ أَيْضا فِي الْغَرَض الْمَذْكُور
(4/28)

(عَن بَاب والدك الرضي لَا أَبْرَح ... يأسو الزَّمَان لأجل ذَا أَو يجرح)
(ضربت خيامي فِي حماه فصبيتي ... تجني الْحَمِيم بِهِ وبهمي بشرح)
(حَتَّى يُرَاعِي وَجهه فِي وجهتي ... بعناية تشفي الصُّدُور وتشرح)
(أيسوغ عَن مثواه سيري خائبا ... ومنابر الدُّنْيَا بذكرك تصدح)
(أَنا فِي حماه وَأَنت أبْصر بِالَّذِي ... يرضيه مِنْك فوزن عقلك أرجح)
(فِي مثلهَا سيف الحمية ينتضى ... فِي مثلهَا زند الحفيظة يقْدَح)
(وَعَسَى الَّذِي بَدَأَ الْجَمِيل يُعِيدهُ ... وَعَسَى الَّذِي سدا الْمذَاهب يفتح)
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان أَبُو سَالم رَحمَه الله بِمَا صورته من عبد الله المستعين بِاللَّه إِبْرَاهِيم أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين أبي الْحسن ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين أبي سعيد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق أيد الله أمره وأعز نَصره إِلَى الشَّيْخ الْفَقِيه الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأحظى الْأَوْجه الأنوه الصَّدْر الأحفل المُصَنّف البليغ الأعرف الْأَكْمَل أبي عبد الله ابْن الشَّيْخ الْأَجَل الْأَعَز الْأَسْنَى الْوَزير الأرفع الأنجد الْأَصِيل الْأَكْمَل المرحوم المبرور أبي مُحَمَّد بن الْخَطِيب وصل الله عزته ووالى رفعته سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد حمد الله تَعَالَى وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالرِّضَا على آله وَصَحبه أَعْلَام الْإِسْلَام وأئمة الرشد وَالْهدى وصلَة الدُّعَاء لهَذَا الْأَمر الْعلي الْعَزِيز الْمَنْصُور المستعيني بالنصر الْأَعَز وَالْفَتْح الْأَسْنَى فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله تَعَالَى لكم بُلُوغ الْأَمر ونجح القَوْل وَالْعَمَل من منزلنا الأسعد بضفة وَادي ملوية يمنه الله وصنع الله جميل وَمِنْه جزيل وَالْحَمْد لله وَلكم عندنَا المكانة الْوَاضِحَة الدَّلَائِل والعناية المتكفلة برعي الْوَسَائِل ذَلِك بِمَا تميزتم بِهِ من التَّمَسُّك بالجناب الْعلي المولوي الْعلوِي جدد الله تَعَالَى عَلَيْهِ ملابس غفرانه وسقاه غيوث رَحمته وحنانه وَبِمَا أهديتم إِلَيْنَا من التَّقَرُّب لدينا بِخِدْمَة ثراه الطَّاهِر والاشتمال بمطارف حرمته السامية الْمظَاهر وَإِلَى هَذَا وصل الله حظوتكم
(4/29)

ووالى رفعتكم فَإِنَّهُ ورد علينا خطابكم الْحسن عندنَا قَصده الْمُقَابل بالإسعاف المستعذب ورده فوقفنا على مَا نَصه واستوفينا مَا شَرحه وقصه فآثرنا حسن تلطفكم فِي التوسل بأكبر الْوَسَائِل إِلَيْنَا ورعينا أكمل الرِّعَايَة حق ذَلِكُم الجناب الْعَزِيز علينا وَفِي الْحِين عينا لكَمَال مطلبكم وَتَمام مأربكم والتوجه بخطابنا فِي حقكم والاعتمال بوفقكم خديمينا أَبَا الْبَقَاء بن تاشكورت وَأَبا زَكَرِيَّاء بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما وأمس تَارِيخه انفصلا مودعين إِلَى الْغَرَض الْمَعْلُوم بعد التَّأْكِيد عَلَيْهِمَا فِيهِ وَشرح الْعَمَل الَّذِي يُوفيه فكونوا على علم من ذَلِكُم وابسطوا لَهُ جملَة آمالكم وَإِنَّا لنَرْجُو ثَوَاب الله فِي جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم وَالله سُبْحَانَهُ يصل مبرتكم ويتولى تكرمتكم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته كتب فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ فَرَاجعه ابْن الْخَطِيب بِمَا نَصه مولَايَ خَليفَة الله بِحَق وكبير مُلُوك الأَرْض عَن حجَّة ومعدن الشَّفَقَة وَالْحكمَة ببرهان وَحِكْمَة أبقاكم الله تَعَالَى على الدرجَة فِي المنعمين وافري الْحَظ عِنْد جَزَاء الْمُحْسِنِينَ وأراكم ثَمَرَة بر أبيكم فِي الْبَنِينَ وصنع لكم فِي عَدوكُمْ الصنع الَّذِي لَا يقف عِنْد مُعْتَاد وأذاق الْعَذَاب الْأَلِيم من أَرَادَ فِي مثابتكم بإلحاد عبدكم الَّذِي ملكتم رقّه وآويتم غربته وسترتم أَهله وَولده وأسنيتم رزقه وجبرتم قلبه وَيقبل موطئ الأخمص الْكَرِيم من رجلكم الطاهرة المستوجبة بِفضل الله تَعَالَى لموقف النَّصْر الفارغة هضبة الْعِزّ المعملة الخطوة فِي مجَال السعد ومسير الْحَظ ابْن الْخَطِيب من شالة الَّتِي تَأَكد بملككم الرضى احترامها وتجدد برعيتكم عهدها واستبشر بملككم دفينها وأشرق بحسناتكم نورها وَقد ورد على العَبْد الْجَواب المولوي الْبر الرَّحِيم الْمُنعم المحسن بِمَا يَلِيق بِالْملكِ الْأَصِيل وَالْقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الْأَب الْكَرِيم فَثَابَ الرَّجَاء وانبعث الأمل وَقَوي الْعَضُد وزار اللطف فَالْحَمْد لله الَّذِي أجْرى الْخَيْر على يدكم الْكَرِيمَة وأعانكم على رعي ذمام الصَّالِحين المتوسل إِلَيْكُم أَولا بقبورهم ومتعبداتهم وتراب
(4/30)

أجداثهم ثمَّ بِقَبْر مولَايَ ومولاكم وَمولى الْخلق أَجْمَعِينَ الَّذِي تسبب فِي وجودكم واختصكم بحبه وغمركم بِلُطْفِهِ وحنانه وعلمكم آدَاب الشَّرِيعَة وأورثكم ملك الدُّنْيَا وهيأتكم دَعْوَاهُ بالاستقامة إِلَى ملك الْآخِرَة بعد طول المدى وانفساخ الْبَقَاء وَفِي علومكم المقدسة مَا تَضَمَّنت الحكايات عَن الْعَرَب من النُّصْرَة عَن طَائِر داست أفراخه نَاقَة فِي جوَار رَئِيس مِنْهُم وَمَا انْتهى إِلَيْهِ الامتعاض لذَلِك مِمَّا أهينت فِيهِ الْأَنْفس وَهَلَكت الْأَمْوَال وقصارى من امتعض لذَلِك أَن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فَمَا الظَّن بكم وَأَنْتُم الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم فِيمَن لَجأ أَولا إِلَى حماكم بالأهل وَالْولد عَن حَسَنَة تبرعتم بهَا وَصدقَة حملتكم الْحُرِّيَّة على بذلها ثمَّ فِيمَن حط رَحل الاستجارة بضريح أكْرم الْخلق عَلَيْكُم دامع الْعين خافق الْقلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عَلَيْهِم فِي الْحَيَاة أَمَام الذعر يذهل الْعقل ويحجب عَن التميز بقصر دَاره ومضجع رقاده مَا من يَوْم إِلَّا وأجهر بعد التِّلَاوَة ياليعقوب يالمرين نسْأَل الله تَعَالَى أَن لَا يقطع عني معروفكم وَلَا يسلبني عنايتكم ويستعملني مَا بقيت فِي خدمتكم ويتقبل دعائي فِيكُم ولحين وُصُول الْجَواب الْكَرِيم نهضت إِلَى الْقَبْر الْمُقَدّس وَوَضَعته بإزائه وَقلت يَا مولَايَ يَا كَبِير الْمُلُوك وَخَلِيفَة الله وبركة بني مرين صَاحب الشُّهْرَة وَالذكر فِي الْمشرق وَالْمغْرب عَبدك الْمُنْقَطع إِلَيْك المترامي بَين يَدي قبرك المتوسل إِلَى الله ثمَّ ولدك بك ابْن الْخَطِيب وَصله من مَوْلَاهُ ولدك مَا يَلِيق بمقامه من رعي وَجهك والتقرب إِلَى الله برعيك والاشتهار فِي مشرق الدُّنْيَا وَمَغْرِبهَا ببرك وَأَنْتُم من أَنْتُم من إِذا صنع صَنِيعه كملها وَإِذا من منَّة تممها وَإِذا أسدى يدا أبرزها طَاهِرَة بَيْضَاء غير مَعِيبَة وَلَا ممنونة وَلَا منتقصة وَأَنا بعد تَحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حَتَّى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نِعْمَتك بِي ويطمئن إِلَى مأمنك قلبِي ثمَّ قلت للطلبة أَيهَا السَّادة بيني وَبَيْنكُم تِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى مُنْذُ أَيَّام ومناسبة النحلة وأخوة التَّأْلِيف بِهَذَا الرِّبَاط الْمُقَدّس وَالسُّكْنَى بَين أظْهركُم فَأمنُوا على دعائي بإخلاص من قُلُوبكُمْ واندفعت فِي الدُّعَاء
(4/31)

والتوسل الَّذِي أَرْجُو أَن يتقبله الله تَعَالَى وَلَا يضيعه وخاطب العَبْد مَوْلَاهُ شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته ومسرورا بقبوله وشأنه من التَّعَلُّق والتطارح شَأْنه حَتَّى يكمل الْقَصْد وَيتم الْغَرَض معمور الْوَقْت بِخِدْمَة يرفعها وَدُعَاء يردده وَالله الْمُسْتَعَان أه
وَلما وصل كتاب السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى أهل الأندلس أعظموا وسيلته وقبلوا شَفَاعَته وردوا إِلَى ابْن الْخَطِيب مَا تأتى رده مِمَّا كَانَ ضَاعَ لَهُ وأتلف عَلَيْهِ وَاسْتمرّ مُقيما بسلا سنتَيْن وَزِيَادَة ثمَّ استدعاه سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى الأندلس بعد رُجُوعه إِلَيْهَا واحتوائه على ملكهَا فَأجَاب حَيَاء لَا رَغْبَة ومكرها لَا بطلا إِلَى كَانَ مَا نذكرهُ من شَأْنه بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله ونوادره بسلا وَمَا جرياته كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة
انْتِقَاض الْحسن بن عمر الفودودي وَخُرُوجه بتادلا ثمَّ مَقْتَله عقب ذَلِك

قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا سَالم لما استولى على ملك فاس وَالْمغْرب عقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وَوَجهه إِلَيْهَا تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة فاستقر بهَا وتأثلت لَهُ بهَا رياسة نَفسهَا عَلَيْهِ أهل مجْلِس السُّلْطَان وَسعوا فِيهِ عِنْده حَتَّى تنكر لَهُ وأظلم الجو بَينهمَا وأحس الْحسن بن عمر بذلك فخشي على نَفسه وَخرج من مراكش فِي صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فلحق بتادلا منحرفا عَن السُّلْطَان ومرتكبا للْخلاف فَتَلقاهُ بَنو جَابر من عرب جشم وأجاروه واعصوصبوا عَلَيْهِ فسرح إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو سَالم وزيره الْحسن بن يُوسُف الورتاجني فاحتل بتادلا وانشمر الْحسن بن عمر إِلَى الْجَبَل بهَا فاعتصم بِهِ وَمَعَهُ كَبِير بني جَابر الْحسن بن عَليّ الورديغي فأحاطت بهم العساكر وَأخذُوا بمخنقهم وداخل الْوَزير بعض أهل الْجَبَل من برابرة صناكة فِي الثورة بهم وسرب إِلَيْهِم المَال فثاروا بهم وانفض جمعهم وتقبضوا على الْحسن بن عمر وقادوه برمتِهِ إِلَى الْحسن بن يُوسُف فاعتقله وانكفأ رَاجعا بِهِ إِلَى الحضرة فَدَخلَهَا فِي يَوْم مشهود استركب السُّلْطَان فِيهِ الْجند
(4/32)

وَجلسَ ببرج الذَّهَب مَقْعَده من ساحة الْبَلَد وَحمل الْحسن بن عمر على جمل فطيف بِهِ بَين تِلْكَ الجموع وَلما قرب من مجْلِس السُّلْطَان أَوْمَأ إِلَى تَقْبِيل الأَرْض من فَوق جمله ثمَّ ركب السُّلْطَان إِلَى قصره وانفض الْجمع وَقد شهر الْحسن بن عمر وَأَصْحَابه فصاروا عِبْرَة لمن اعْتبر
وَلما دخل السُّلْطَان قصره جلس على كرسيه واستدعى خاصته وجلساءه وأحضر ابْن عمر فوبخه وَقرر عَلَيْهِ ذنُوبه فتلوى بالمعاذير وفزع إِلَى الْإِنْكَار قَالَ ابْن خلدون وَحَضَرت هَذَا الْمجْلس يَوْمئِذٍ فِيمَن حَضَره من الْخَاصَّة فَكَانَ مقَاما تسيل فِيهِ الْعُيُون رَحْمَة وعبرة ثمَّ أَمر بِهِ السُّلْطَان فسحب على وَجهه ونتفت لحيته وَضرب بالعصى وثل إِلَى محبسه ثمَّ قتل بعد لَيَال قعصا بِالرِّمَاحِ خَارج الْبَلَد وَنصب شلوه بِبَاب المحروق رَحمَه الله تَعَالَى
نهوض السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا

لما استوسق للسُّلْطَان أبي سَالم ملك الْمغرب ومحا أثر الْخَوَارِج مِنْهُ سمت همته إِلَى تملك تلمسان كَمَا كَانَ لِأَبِيهِ وأخيه من قبل وأكد عزمه على ذَلِك مَا كَانَ من فرار عبد الله بن مُسلم الزرد إِلَى عاملهم على درعة إِلَيْهَا فأجمع السُّلْطَان أَبُو سَالم النهوض إِلَيْهَا وعسكر بِظَاهِر فاس الْجَدِيد منتصف سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما توافت لَدَيْهِ الحشود وتكاملت بسدته الْجنُود ارتحل إِلَى تلمسان
واتصل خبر نهوضه بسلطانها أبي حمو بن يُوسُف الزياني ووزيره عبد الله بن مُسلم الزردالي فَنَادوا فِي الْعَرَب من بني عَامر بن زغبة وَبني معقل فأجابوهم كَافَّة الأشرذمة قَليلَة من الأحلاف ثمَّ خرج أَبُو حمو وشيعته عَن تلمسان إِلَى الصَّحرَاء والتفت عَلَيْهِ الْعَرَب بحللها
وَلما دخل السُّلْطَان أَبُو سَالم تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا خَالفه أَبُو حمو فِي عربه إِلَى الْمغرب فنزلوا آكرسيف ووطاط وبلاد ملوية وحطموا زروعها وانتسفوا بركتها وخربوا عمرانها وَبلغ السُّلْطَان أَبَا سَالم مَا كَانَ من إفسادهم فأهمه أَمر الْمغرب وَكَانَ فِي جملَته من بني زيان مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن
(4/33)

السُّلْطَان أبي تاشفين ويكنى أَبَا زيان فعقد لَهُ على تلمسان وَأَعْطَاهُ الْآلَة وَجمع لَهُ جَيْشًا من مغراوة وَبني توجين وَدفع لَهُم أعطياتهم وانكفأ رَاجعا إِلَى فاس فأجفل أَبُو حمو وَالْعرب أَمَامه ثمَّ خالفوه إِلَى تلمسان فطردوا عَنْهَا أَبَا زيان واستولوا عَلَيْهَا وَثَبت قدم أبي حمو بهَا وَعَاد أَبُو زيان إِلَى الْمغرب لاحقا بالسلطان أبي سَالم قبله وَعقد المهادنة مَعَ أبي حمو وَاسْتقر الْأَمر على ذَلِك وَقد كَانَ ابْن الْخَطِيب عِنْدَمَا بلغه اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي سَالم على تلمسان هنأه بقصيدة طَوِيلَة يَقُول فِي مطْلعهَا
(أطَاع لساني فِي مديحك إحساني ... وَقد لهجت نَفسِي بِفَتْح تلمسان)
وَيَقُول فِي أَثْنَائِهَا وَقد ألم بِشَيْء من علم الْأَحْكَام النجومية لميل السُّلْطَان إِلَيْهِ
(وَللَّه من ملك سعيد ونصبة ... قضى المُشْتَرِي فِيهَا بعزلة كيوان)
(وسجل حكم الْعدْل من بيوتها ... وقوفا مَعَ الْمَشْهُور من رَأْي يونان)
(فَلم تخشى سهم الْقوس صفحة بدرها ... وَلم تشك فِيهَا الشَّمْس من بخس ميزَان)
(وَلم يعْتَرض مبتزها قطع قَاطع ... وَلَا نازعت نوبهرها كف عدوان)
(تولى اخْتِيَار الله حسن اخْتِيَارهَا ... فَلم يحْتَج الفرغان فِيهَا لفرغان)
(وَلَا صرفت فِيهَا دقائق نِسْبَة ... وَلَا حققت فِيهَا طوالع بلدان)
وفادة السودَان من أهل مَالِي على السُّلْطَان أبي سَالم وإغرابهم فِي هديتهم بالزرافة الْحَيَوَان الْمَعْرُوف

قد تقدم لنا مَا جرى من المواصلة بَين السُّلْطَان أبي الْحسن وَالسُّلْطَان منسا مُوسَى وأخيه أَو ابْنه من بعده منسا سُلَيْمَان وَتردد الْوُفُود وإسناء الْهَدَايَا بَينهم وَقد كَانَ السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان قد هيأ هَدِيَّة نفيسة بِقصد أَن يبعثها إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن مُكَافَأَة لَهُ على هديته فَهَلَك السُّلْطَان أَبُو الْحسن خلال ذَلِك ثمَّ هلك السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان بعده وَاخْتلف أهل مَالِي وافترق أَمرهم وتقاتلوا على الْملك إِلَى أَن جمع الله كلمتهم على السُّلْطَان منسا زاطة واستوسق لَهُ الْأَمر ثمَّ نظر فِي أعطاف ملكه وَأخْبر بشأن الْهَدِيَّة الَّتِي كَانَ منسا
(4/34)

سُلَيْمَان قد هيأها لملك الْمغرب فَأمر بإنفاذها إِلَيْهِ وَضم إِلَيْهَا الزرافة الْحَيَوَان الْغَرِيب الشكل الْعَظِيم الهيكل الْمُخْتَلف الشّبَه بالحيوانات وفصلوا بهَا من بِلَادهمْ فوصلوا إِلَى حَضْرَة فاس فِي صفر من سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ يَوْم وفادتهم يَوْمًا مشهودا جلس لَهُم السُّلْطَان ببرج الذَّهَب بمجلسه الْمعد لعرض الْجنُود وَنُودِيَ فِي النَّاس بالبروز إِلَى الصَّحرَاء فبرزوا يَنْسلونَ من كل حدب حَتَّى غص بهم الفضاء وَركب بَعضهم بَعْضًا فِي الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقتها وَحضر الْوَفْد بَين يَدي السُّلْطَان وأدوا رسالتهم بتأكيد الود والمخالصة والعذر عَن إبطاء الْهَدِيَّة بِمَا كَانَ من اخْتِلَاف أهل مَالِي وتواثبهم على الْأَمر وتعظيم سلطانهم وَمَا صَار إِلَيْهِ والترجمان يترجم عَنْهُم وهم يصدقونه بالنزع فِي أوتار قسيهم عَادَة مَعْرُوفَة لَهُم وحيوا السُّلْطَان بِأَن جعلُوا يحثون التُّرَاب على رؤوسهم على سنة مُلُوك الْعَجم وَأنْشد الشُّعَرَاء فِي معرض الْمَدْح والتهنئة وَوصف الْحَال ثمَّ ركب السُّلْطَان إِلَى قصره وانفض ذَلِك الْجمع وَقد طَار بِهِ طَائِر الاشتهار وَاسْتقر الْوَفْد تَحت جراية السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى أَن هلك قبل انصرافهم فوصلهم الْقَائِم بِالْأَمر من بعده وَانْصَرفُوا إِلَى مراكش ثمَّ مِنْهَا إِلَى ذَوي حسان عرب السوس الْأَقْصَى من بني معقل المتصلين ببلادهم وَمن هُنَاكَ لَحِقُوا بسلطانهم وَالْأَمر كُله لله
وَكَانَ مِمَّا قيل من الشّعْر فِي ذَلِك الْيَوْم قَول ابْن خلدون من قصيدة يَقُول فِي مطْلعهَا
(قدحت يَد الأشواق من زند ... وهفت بقلبي زفرَة الوجد)
إِلَى أَن قَالَ فِي وصف الزرافة
(ورقيمة الأعطاف حَالية ... موشية بوشائع الْبرد)
(وحشية الْأَنْسَاب مَا أنست ... فِي موحش الْبَيْدَاء بالقرد)
(تسمو بجيد بَالغ صعدا ... شرف الصروح بِغَيْر مَا جهد)
(طَالَتْ رُؤُوس الشامخات بِهِ ... ولربما قصرت عَن الوهد)
(4/35)

(قطعت إِلَيْك تنائفا وصل ... أسئادها بِالنَّصِّ والوخد)
(تحدى على استصعابها ذللا ... وتبيت طوع الْقِنّ وَالْقد)
(بسعودك اللائي ضمن لنا ... طول الْحَيَاة بعيشة رغد)
(جاءتك فِي وَفد الأحابش لَا ... يرجون غَيْرك مكرم الْوَفْد)
(وافوك أنضاء تقليبهم ... أَيدي السرى بالغور والنجد)
(كالطيف يستقري مضاجعه ... أَو كالحسام يسل من غمد)
(يثنون بِالْحُسْنَى الَّتِي سبقت ... من غير إِنْكَار وَلَا جحد)
(ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند)
(يَا مستعينا جلّ فِي شرف ... عَن رُتْبَة الْمَنْصُور وَالْمهْدِي)
(جازاك رَبك عَن خليقته ... خير الْجَزَاء فَنعم مَا تسدى)
(وَبقيت للدنيا وساكنها ... فِي عزة أبدا وَفِي سعد)
وَقَول الْكَاتِب البارع أبي عبد الله بن زمرك الأندلسي من قصيدة يَقُول فِي مطْلعهَا
(لَوْلَا تألق بارق التذْكَار ... مَا صاب واكف دمعي المدرار)
(لكنه مهما تعرض خافقا ... قدحت يَد الأشواق زند أواري)
إِلَى أَن قَالَ فِي الْغَرَض الْمَذْكُور
(وغريبة قطعت إِلَيْك على الونى ... بيدا تبيد بهَا هموم الساري)
(تنسيه طيته الَّتِي قد أمهَا ... والركب فِيهَا ميت الْأَخْبَار)
(يقتادها من كل مُشْتَمل الدجى ... فَكَأَنَّمَا عَيناهُ جذوة نَار)
(تشدو بِحَمْد المستعين حداتها ... يتعللون بِهِ على الأكوار)
(إِن مسهم لفح الهجير أبلهم ... مِنْهُ نسيم ثنائك المعطار)
(خَاضُوا بهَا لجج الفلا فتخلصت ... مِنْهَا خلوص الْبَدْر بعد سرار)
(سلمت بسعدك من غوائل مثلهَا ... وَكفى بسعدك حاميا لذمار)
(وأتتك يَا ملك الزَّمَان غَرِيبَة ... قيد النواظر نزهة الْأَبْصَار)
(موشية الأعطاف رائقة الحلى ... رقمت بدائعها يَد الأقدار)
(راق الْعُيُون أديمها فَكَأَنَّهُ ... روض تفتح عَن شَقِيق بهار)
(4/36)

(مَا بَين مبيض وأصفر فَاقِع ... سَالَ اللجين بِهِ خلال نضار)
(يَحْكِي حدائق نرجس فِي شَاهِق ... تنساب فِيهِ أراقم الْأَنْهَار)
(تحدو قَوَائِم كالجذوع وفوقها ... جبل أَشمّ بنوره متواري)
(وسمت بجيد مثل جذع مائل ... سهل التعطف لين خوار)
(تستشرف الجدرات مِنْهُ ترائبا ... فَكَأَنَّمَا هُوَ قَائِم بمنار)
(تاهت بكلكلها وأتلع جيدها ... وَمَشى بهَا الْإِعْجَاب مشي وقار)
(خَرجُوا لَهَا الجم الْغَفِير وَكلهمْ ... متعجب من لطف صنع الْبَارِي)
(كل يَقُول لصحبه قومُوا انْظُرُوا ... كَيفَ الْجبَال تقاد بالأسيار)
(أَلْقَت ببابك رَحلهَا ولطالما ... ألْقى الْغَرِيب بِهِ عَصا التسيار)
(علمت مُلُوك الأَرْض أَنَّك فخرها ... فتسابقت لرضاك فِي مضمار)
(يتبوؤون بِهِ وَإِن بعد المدى ... من جاهك الْأَعْلَى أعز جوَار)
(فارفع لِوَاء الْفَخر غير مدافع ... واسحب ذيول الْعَسْكَر الجرار)
(واهنأ بأعياد الْفتُوح مخولا ... مَا شِئْت من نصر وَمن أنصار)
(وإليكها من روض فكري نفحة ... شف الثَّنَاء بهَا على الأزهار)
(فِي فصل منطقها ورائق رسمها ... مستمتع الأسماع والأبصار)
(وتميل من أصغى لَهَا فكأنني ... عاطيته مِنْهَا كؤوس عقار)
مقتل السُّلْطَان أبي سَالم رَحمَه الله وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم رَحمَه الله قد غلب على هَوَاهُ الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق وَألقى زِمَام الدولة بِيَدِهِ فنقم خَاصَّة السُّلْطَان وحاشيته ذَلِك عَلَيْهِ وسخطوا الدولة من أَجله ومرضت قُلُوب أهل الْحل وَالْعقد من تقدمه فتربصوا بالدولة الدَّوَائِر إِلَى أَن كَانَت أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فتحول السُّلْطَان أَبُو سَالم عَن دَار الْملك من فاس الْجَدِيد إِلَى القصبة من فاس الْقَدِيم واختط بهَا إيوانا فخما لجلوسه فَلَمَّا استولى عمر بن عبد الله ابْن عَليّ بن سعيد الفودودي أحد كبراء الدولة ووزرائها على دَار الْملك إِذْ كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم قد خَلفه أَمينا عَلَيْهَا حدثته نَفسه بالتوثب وَسَهل
(4/37)

ذَلِك عَلَيْهِ مَا كَانَ قد عرفه من مرض الْقُلُوب على السُّلْطَان لمَكَان ابْن مَرْزُوق فداخل قَائِد جند النَّصَارَى غرسية بن أنطول واتعدوا لذَلِك لَيْلَة الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فعمدوا إِلَى تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن فخلعوا عَلَيْهِ وألبسوه شارة الْملك وقربوا لَهُ مركبا وأجلسوه مجْلِس السُّلْطَان وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة مُحَمَّد بن الزَّرْقَاء على الْبيعَة وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إِلَى بَيت المَال ففرضوا الْعَطاء من غير تَقْدِير وَلَا حِسَاب وماج الْجند بفاس الْجَدِيد بَعضهم فِي بعض واختطفوا مَا وصلوا إِلَيْهِ من الْعَطاء ثمَّ انتهبوا مَا كَانَ بالمخازن الخارجية من السِّلَاح وَالْعدة وأضرموا النيرَان فِي بيوتها سترا على مَا ضَاعَ مِنْهَا وَأصْبح السُّلْطَان أَبُو سَالم بمكانه من قَصَبَة فاس الْقَدِيم وَكَانَ قد تحول إِلَيْهَا فِرَارًا من قَاطع فلكي خَوفه إِيَّاه بعض منجميه فَكَانَ الْبلَاء فِيهِ موكلا بالْمَنْطق فَلَمَّا علم بالكائنة ركب وَاجْتمعَ إِلَيْهِ من حضر من أوليائه وَغدا على فاس الْجَدِيد وَطَاف بهَا يروم اقتحامها فامتنعت عَلَيْهِ ثمَّ اضْطربَ مُعَسْكَره بكدية العرائس لحصارها ونادى فِي النَّاس بالاجتماع إِلَيْهِ وَلما كَانَ وَقت الهاجرة دخل فسطاطة للقيلولة فتسايل النَّاس عَنهُ إِلَى فاس الْجَدِيد فوجا بعد فَوْج بمرأى مِنْهُ إِلَى أَن انفض عَنهُ خاصته وَأَهله مَجْلِسه فَطلب النَّجَاء بِنَفسِهِ وَركب فِي لمة من الفرسان وَفِيهِمْ وزيراه سُلَيْمَان بن دَاوُد ومسعود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي ومقدم الموَالِي والجند بِبَابِهِ سُلَيْمَان بن ونصار وَأذن لِابْنِ مَرْزُوق فِي الدُّخُول إِلَى دَاره وَمضى هُوَ على وَجهه فِيمَن مَعَه وَلما غشيهم اللَّيْل انْفَضُّوا عَنهُ حَتَّى بَقِي وَحده وَرجع الوزيران إِلَى دَار الْملك فتقبض عَلَيْهِمَا رَئِيس الثورة عمر بن عبد الله الفودودي ومشاركه فِيهَا غرسية بن أنطول النَّصْرَانِي واعتقلاهما مُتَفَرّقين وَبعث عمر بن عبد الله الطّلب فِي أثر السُّلْطَان أبي سَالم فعثروا عَلَيْهِ نَائِما من الْغَد فِي بعض المجاشر بوادي ورغة وَقد غير لِبَاسه اختفاء بشخصه وتواريا عَن الْعُيُون بمكانه فتقبضوا عَلَيْهِ وَحَمَلُوهُ على بغل وطيروا بالْخبر إِلَى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شُعَيْب بن مَيْمُون بن دَاوُد وَفتح الله بن عَامر بن فتح الله
(4/38)

السدراتي وَأَمرهمَا بقتْله وإنفاذ رَأسه فلقياه بخندق الْقصب إزاء كدية العرائس فأمرا بعض جند النَّصَارَى أَن يتَوَلَّى ذبحه فَفعل وحملوا رَأسه فِي مخلاة ووضعوه بَين يَدي الْوَزير الثائر ومشيخته وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَدفن بالقلة خَارج بَاب الجيسة بِأَعْلَى جبل الْعرض الْمَعْرُوف بجبل الزَّعْفَرَان
قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم رَحمَه الله بَقِيَّة الْبَيْت وَآخر الْقَوْم دماثه وحياء وبعدا عَن الشرور وركونا للعافية قَالَ وأنشدت على قَبره الَّذِي ووريت بِهِ جثته قصيدة أدّيت فِيهَا بعض حَقه
(بنى الدُّنْيَا بني لمع السراب ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب)
وَمن أَعْيَان وزرائه أَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق العجيسي الْخَطِيب الْمَشْهُور الَّذِي مر ذكره آنِفا
وَمن قُضَاة عسكره أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن يحيى الأندلسي الْبُرْجِي
وَمن أَعْيَان كِتَابه الرئيس أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ
وَأَبُو الْقَاسِم عبد الله بن يُوسُف بن رضوَان النجاري من أهل مالقة صَاحب كتاب السياسة وَغَيره وَمِمَّا نظمه هَذَا الْفَاضِل عَن إِذن السُّلْطَان أبي سَالم رَحمَه الله ليكتب فِي طرة قبَّة رياض الغزلان من حَضرته قَوْله
(4/39)

(هَذَا مَحل المنى بالأمن مغمور ... من حلّه فَهُوَ بالأمان محبور)
(مأوى النَّعيم بِهِ مَا شِئْت من ترف ... تهوى محاسنه الْولدَان والحور)
(ويطلع الرَّوْض مِنْهُ مصنعا عجبا ... يضاحك النُّور من لألائه النُّور)
(ويسطع الزهر من أرجائه أرجا ... ينافح الندى نشر مِنْهُ منشور)
(مغنى السرُور سقَاهُ الله مَا حملت ... غر الْغَمَام وحلته الأزاهير)
(انْظُر إِلَى الرَّوْض تنظر كل معجبة ... مِمَّا ارْتَضَاهُ لرأي الْعين تحبير)
(مر النسيم بِهِ يَبْغِي القرا فقرا ... دَرَاهِم النُّور تبديد وتنثير)
(وهامت الشَّمْس فِي حسن الظلال بِهِ ... ففرقت فَوْقه مِنْهَا دَنَانِير)
(كَأَنَّمَا الطير فِي أفنائها صدحت ... بشكر مَالِكهَا وَالْفضل مشكور)
(والدوح ناعمة تهتز من طرب ... همسا وَصَوت غناء الطير مجهور)
(وَالنّهر شقّ بِسَاط الأَرْض تحسبه ... سَيْفا وَلكنه فِي السّلم مَشْهُور)
(ينساب للجنة الخضراء أزرقه ... كالأيم جد انسياب وَهُوَ مذعور)
(هذي مصانع مَوْلَانَا الَّتِي جمعت ... شَمل السرُور وَأمر السعد مَأْمُور)
(وَهَذِه الْقبَّة الغراء مَا نظرت ... لشكلها الْعين إِلَّا عز تنظير)
(وَلَا يصورها فِي الْفَهم ذُو فكر ... إِلَّا وَمِنْه لكل الْحسن تَصْوِير)
(وَلَا يرام بحصر وصف مَا جمعت ... من المحاسن إِلَّا صد تَقْصِير)
(فِيهَا المقاصير تحميها مهابته ... لله مَا جمعت تِلْكَ المقاصير)
(كَأَنَّهَا الْأُفق تبدو النيرات بِهِ ... ويستقيم بهَا فِي السعد تسيير)
(وينشأ المزن فِي أرجائه وَله ... من عنبر الشحر إنْشَاء وتسخير)
(وينهمي الْقطر مِنْهُ وَهُوَ منسكب ... مَاء من الْورْد يذكو مِنْهُ تعطير)
(وتخفق الرّيح مِنْهُ وَهِي ناسمة ... مِمَّا أهب بِهِ مسك وكافور)
(ويشرق الصُّبْح مِنْهُ وَهُوَ من غرر ... غر تلألأ مِنْهُنَّ الأسارير)
(وتطلع الشَّمْس فِيهِ من سنا ملك ... تَبَسم الدَّهْر مِنْهُ وَهُوَ مسرور)
وَمضى فِي مدح السُّلْطَان وَالله تَعَالَى يتغمد الْجَمِيع برحمته بمنه وَكَرمه
(4/40)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عمر تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن المريني

هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا لوزيره عمر بن عبد الله الفودودي لَا يملك مَعَه ضرا وَلَا نفعا أمه أم ولد اسْمهَا مَيْمُونَة صفته طَوِيل الْقَامَة عَظِيم الهيكل بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ أعين أدعج وَكَانَ فَارِسًا بطلا قوي الساعد إِلَّا أَنه كَانَ نَاقص الْعقل
وَلما ثار عمر بن عبد الله بالسلطان أبي سَالم وسعى فِي هَلَاكه إِلَى أَن قتل كَمَا مر استبد بِأَمْر الدولة وَنصب هَذَا الموسوس يموه بِهِ على النَّاس فبويع لَيْلَة الثُّلَاثَاء التَّاسِع عشر من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا سبق وَكَانَ نُقْصَان عقل تاشفين من أجل الْأسر الَّذِي أَصَابَهُ بوقعة طريف أَيَّام وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى أَن افتدي وَبَقِي نَاقص الْعقل مختل المزاج إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ
الفتك بغرسية بن أنطول قَائِد النَّصَارَى ومقتل جنده مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما قبض عمر بن عبد الله على الوزيرين مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَسليمَان بن دَاوُد سجنهما مُتَفَرّقين فَأخذ إِلَيْهِ ابْن ماساي لمَكَان صهره مِنْهُ وَدفع لغرسية سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَانَ سُلَيْمَان بن ونصار قد فر مَعَ السُّلْطَان أبي سَالم كَمَا مر وَلما رَجَعَ عَنهُ فِيمَن رَجَعَ نزل على غرسية فَقبله وأكرمه وَكَانَ يعاقره الْخمر ففاوضه ذَات لَيْلَة فِي الثورة بعمر بن عبد الله واعتقاله وَإِقَامَة سُلَيْمَان بن دَاوُد المسجون بداره مقَامه لما هُوَ عَلَيْهِ من السن ورسوخ الْقدَم فِي الْأَمر ونما الْخَبَر بذلك إِلَى عمر بن عبد الله فارتاب
(4/41)

وَكَانَ خلوا من العصبية فَفَزعَ إِلَى قَائِد الْمركب السلطاني من ناشبة الأندلس ورماتها وَهُوَ يَوْمئِذٍ إِبْرَاهِيم البطروجي فعاقده على أمره وَبَايَعَهُ على الاستماتة دونه ثمَّ رأى أَن ذَلِك لَا يَكْفِيهِ فَفَزعَ ثَانِيًا إِلَى يحيى بن عبد الرَّحْمَن شيخ بني مرين وَصَاحب شوارهم فَشَكا إِلَيْهِ فأشكاه ووعده الفتك بِابْن أنطول وَأَصْحَابه وانبرم عقد ابْن أنطول وَسليمَان بن ونصار أَيْضا على عمر بن عبد الله وغدوا إِلَى الْقصر وداخل ابْن أنطول طَائِفَة من النَّصَارَى استظهارا بهم وتوافت بَنو مرين بِمَجْلِس السُّلْطَان على عَادَتهم وَحضر ابْن أنطول والبطروجي وَيحيى بن عبد الرَّحْمَن وَغير هَؤُلَاءِ من الْوُجُوه فَسَأَلَ عمر بن عبد الله من ابْن أنطول تَحْويل سُلَيْمَان بن دَاوُد من دَاره إِلَى السجْن فَأبى وضن بِهِ عَن الإهانة حَتَّى سَأَلَ مثلهَا من ابْن ماساي صَاحبه فَأمر عمر بالتقبض عَلَيْهِ فكشر فِي وُجُوه الرِّجَال وَاخْتَرَطَ سكينه للمدافعة فتواثبت بَنو مرين عَلَيْهِ وقتلوه لحينه واستلحموا من وجدوا بِالدَّار من جنده النَّصَارَى عِنْد دُخُولهمْ مَعَ قائدهم وفر بَعضهم إِلَى معسكرهم وَيعرف بالملاح جوَار فاس الْجَدِيد وأرجف الغوغاء بِالْمَدِينَةِ أَن ابْن أنطول قد غدر بالوزير فَقتلُوا جند النَّصَارَى حَيْثُ وجدوهم من سِكَك الْمَدِينَة وتزاحفوا إِلَى الملاح لاستلحام من بَقِي بِهِ مِنْهُم وَركبت بَنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء وانتهب يَوْمئِذٍ الْكثير من أَمْوَالهم وآنيتهم وأمتعتهم وَقتل النَّصَارَى أَيْضا كثيرا من مجان الْمُسلمين كَانُوا يعاقرون الْخمر بالملاح ثمَّ سكنت الهيعة وَمَا كَادَت
واستبد عمر بن عبد الله بدار الْملك واعتقل سُلَيْمَان بن ونصار إِلَى اللَّيْل ثمَّ بعث من قَتله بمحبسه وحول سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى بعض الدّور من دَار الْملك فاعتقله بهَا وَاسْتولى على أمره ثمَّ خَاطب عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي فِي اتِّصَال الْيَد بِهِ واقتسام ملك الْمغرب بَينه وَبَينه وَبعث إِلَيْهِ بِأبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم اعتده عِنْده ليَوْم مَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين مشيخة بني مرين فَاجْتمعُوا على كَبِيرهمْ يحيى بن عبد الرَّحْمَن وعسكروا بِبَاب الْفتُوح واستدعوا عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ ابْن السُّلْطَان أبي سعيد من تلمسان على مَا نذكرهُ
(4/42)

ظُهُور عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد ومحاصرته لفاس الْجَدِيد ثمَّ فراره عَنْهَا

قد قدمنَا فِي أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن أَن أَخَاهُ أَبَا عَليّ صَاحب سجلماسة كَانَ قد انْتقض عَلَيْهِ فأمكنه الله مِنْهُ فَقتله وكفل أَوْلَاده فَلم يُمَيّز بَينهم وَبَين أَوْلَاده فِي شَيْء من الْأَشْيَاء وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى أبي عنان بعث جمَاعَة من إخْوَته وقرابته إِلَى الأندلس تَحت حياطة ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ فيهم أَوْلَاد أبي عَليّ هَؤُلَاءِ ثمَّ بعد حِين سرحوا وَقدمُوا تلمسان على سلطانها أبي حمو بن يُوسُف فَكَانُوا عِنْده إِلَى هَذَا التَّارِيخ فَلَمَّا فسد مَا بَين عمر بن عبد الله وشيوخ بني مرين بعثوا إِلَى تلمسان جملَة مِنْهُم لاستقدام عبد الْحَلِيم الْمَذْكُور فسرحه أَبُو حمود وأعانه بِشَيْء من الْآلَة وَجمع عَلَيْهِ من رغب فِي طَاعَته وزحف إِلَى فاس فَتَلَقَّتْهُ جمَاعَة بني مرين بسبو ونزلوا على فاس الْجَدِيد يَوْم السبت سَابِع محرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واضطربوا معسكرهم بكدية العرائس وحاصروا دَار الْملك سَبْعَة أَيَّام وَتَتَابَعَتْ وفودهم وحشودهم ثمَّ إِن عمر بن عبد الله برز يَوْم السبت الْقَابِل فِي مُقَدّمَة السُّلْطَان تاشفين بِمن مَعَه من جند الْمُسلمين وَالنَّصَارَى رامحة وناشبة ووكل بالسلطان من جَاءَ بِهِ فِي السَّاقَة على التعبية المحكمة وناوشهم الْحَرْب فزحفوا إِلَيْهِ فاستطرد لَهُم ليتَمَكَّن الناشبة من عقرهم من الأسوار حَتَّى فَشَتْ فيهم الْجِرَاحَات ثمَّ صمم نحوهم فانفرج الْقلب وانفضت الجموع ثمَّ زحف السُّلْطَان تاشفين فِي السَّاقَة فابذعروا فِي الْجِهَات وافترق بَنو مرين إِلَى مواطنهم وَلحق يحيى بن عبد الرَّحْمَن بمراكش مَعَ مبارك بن إِبْرَاهِيم شيخ الْخَلْط وَلحق عبد الْحَلِيم وَإِخْوَته بتازا بعد أَن شهد لَهُم رجال الدولة بِصدق الجلاد وَحسن الْبلَاء فِي ذَلِك الْمقَام
(4/43)

ثمَّ إِن الْوَزير عمر بن عبد الله رَاجع بصيرته فِي تَقْدِيم الْمَعْتُوه لِلْأَمْرِ وَعلم أَن الْأَمر لَا يَسْتَقِيم لَهُ بذلك فبادر باستقدام أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ عِنْد الطاغية بدار الْحَرْب فَقدم وخلع الْوَزير الْمَذْكُور سُلْطَانه الموسوس يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَكَانَت دولته ثَلَاثَة أشهر ويومين وَمَات وسنه سِتُّونَ سنة وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن أبي الْحسن المريني

هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا للوزير عمر بن عبد الله أَيْضا كنيته أَبُو زيان لقبه المتَوَكل على الله أمه أم ولد اسْمهَا فضَّة صفته آدم اللَّوْن شَدِيد الأدمة معتدل الْقَامَة منفرج الْأنف دَقِيق الْعَينَيْنِ
وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة حَاله فَاضل سُكُون منقاد مشتغل بِخَاصَّة نَفسه قَلِيل الْكَلَام حسن الشكل درب بركض الْخَيل مفوض للوزراء عَظِيم التأني لأغراضهم وَكَانَ قبل ولَايَته عِنْد الطاغية بالأندلس فر إِلَيْهِ خوفًا على نَفسه وَلما التبست الْأُمُور على عمر بن عبد الله طلبه إِلَى الطاغية فسمح بِهِ بعد اشْتِرَاط واشتطاط وَفصل من إشبيلية فِي الْمحرم فاتح سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنزل بسبته وَبهَا سعيد بن عُثْمَان من قرَابَة الْوَزير عمر بن عبد الله أرصده لِقَوْمِهِ فطير إِلَيْهِ بالْخبر فَحِينَئِذٍ خلع عمر تاشفين الموسوس وَبعث إِلَى السُّلْطَان أبي زيان بالبيعة والآلة والفساطيط ثمَّ جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة وأغذ السّير إِلَى الحضرة فَنزل منتصف
(4/44)

صفر بكدية العرائس واضطرب مُعَسْكَره بهَا وتلقاه يَوْمئِذٍ الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني وَبَايَعَهُ وَأخرج فسطاطه فاضطرب بمعسكره وتلوم السُّلْطَان أَبُو زيان هُنَالك ثَلَاثًا ثمَّ دخل فِي الْيَوْم الرَّابِع إِلَى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه
وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة كَانَ دُخُوله دَاره مغرب لَيْلَة الْجُمُعَة بطالع الثَّامِن من السرطان وَبِه السعد الْأَعْظَم كَوْكَب المُشْتَرِي من السيارة السَّبْعَة أه وَلما تمّ لَهُ الْأَمر خاطبه ابْن الْخَطِيب من سلا مهنئا لَهُ بقوله
(يَا ابْن الخلائف يَا سمي مُحَمَّد ... يَا من علاهُ لَيْسَ يحصر حاصر)
(أبشر فَأَنت مُجَدد الْملك الَّذِي ... لولاك أصبح وَهُوَ رسم داثر)
(من ذَا يعاند مِنْك وَارثه الَّذِي ... بسعوده فلك الْمَشِيئَة دائر)
(أَلْقَت إِلَيْك يَد الْخلَافَة أمرهَا ... إِذْ كنت أَنْت لَهَا الْوَلِيّ النَّاصِر)
(هَذَا وَبَيْنك للصريخ وَبَينهَا ... حَرْب مضرسة وبحر زاخر)
(من كَانَ هَذَا الصنع أول أمره ... حسنت لَهُ العقبى وَعز الآخر)
(مولَايَ عِنْدِي فِي علاك محبَّة ... وَالله يعلم مَا تكن ضمائر)
(قلبِي يحدثني بأنك جَابر ... كسْرَى وحظي مِنْك حَظّ وافر)
(بثرى جدودك قد حططت حقيبتي ... فوسيلتي لعلاك نور باهر)
(وبذلت وسعي واجتهادي مثل مَا ... يلقى لملكك سيف أَمرك عَامر)
(فَهُوَ الْوَلِيّ لَك الَّذِي اقتحم الردى ... وَقضى الْعَزِيمَة وَهُوَ سيف باتر)
(وَولي جدك فِي الشدائد عِنْدَمَا ... خذلت علاهُ قبائل وعشائر)
(فاستهد مِنْهُ النصح وَاعْلَم أَنه ... فِي كل معضلة طَبِيب ماهر)
(إِن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فَهِيَ الرياض وللرياض بواكر)
ثمَّ أتبعهَا بنثر أضربنا عَنهُ اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق
(4/45)

وفادة ابْن الْخَطِيب من سلا على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله

قَالَ فِي الْإِحَاطَة وفدت على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن ابْن أبي الْحسن من مَحل الِانْقِطَاع بسلا وأنشدته قولي
(لمن علم فِي هضبة الْملك خفاق ... أفاقت بِهِ من غشية الْهَرج آفَاق)
(تقل ريَاح النَّصْر عَنهُ غمامة ... تمد لَهَا أيد وتخضع أَعْنَاق)
(وبيعة شُورَى أحكم السعد عقدهَا ... وأعمل إِجْمَاع عَلَيْهَا وإصفاق)
(قضى عمر فِيهَا بِحَق مُحَمَّد ... فسجل عهد للوفاء وميثاق)
(أحلما ترى عَيْنَايَ أم هِيَ فَتْرَة ... أعندكما فِي مُشكل الْأَمر مصداق)
(وفاض لفضل الله فِي الأَرْض تبتغي ... ومجتمعات لَا تريب وأسواق)
(وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا ... وفلح لسقي الْغَيْث قَامَ لَهُ سَاق)
(وَقد كَانَ طيف الْحلم لَا يعْمل الخطا ... وللفتنة العمياء فِي الأَرْض إطباق)
(وللغيث إمْسَاك وَفِي الأَرْض رجة ... وللدين وَالدُّنْيَا وجوم وإطراق)
(فَكل فريق فِيهِ للبغي راية ... وكل طَرِيق فِيهِ للعيث طراق)
(أجل إِنَّه من آل يَعْقُوب وَارِث ... يحن لَهُ الْبَيْت الْعَتِيق ويشتاق)
(لَهُ من جنَاح الرّوح ظلّ مسجف ... وَمن رَفْرَف الْعِزّ الإلهي رستاق)
(أطل على الدُّنْيَا وَقد عَاد ضوءها ... ودجى وعَلى الأحداق للذعر إحداق)
(فأشرقت الأرجاء من نور رَبهَا ... وساح بهَا لله لطف وإشفاق)
(فَمن ألسن بالشكر لله أعلنت ... وَكَانَ لَهَا من قبل هَمس وإطباق)
(وَلَيْسَ لأمر أبرم الله نَاقض ... وَلَيْسَ لمسعى النجح فِي الله إخفاق)
(مُحَمَّد قد أَحييت دين مُحَمَّد ... وللخلق أدماء تفيض وأرماق)
(وَلَو لم تثبت غطى على شفق الضحا ... دم لسيوف الْبَغي فِي الأَرْض مهراق)
(فأيمن بمشحون من الْفلك سابح ... لَهُ بِاخْتِيَار الله حط وإيساق)
(أقلك والدأماء تظهر طَاعَة ... إِلَيْك صفح المَاء أَزْرَق رقراق)
(إِلَى هدف السعد انبرى مِنْهُ والدجا ... تضل الحجى سهم من السعد رشاق)
(4/46)

(فخطت لتقويم القوام جداول ... وَصحت من التَّوْفِيق واليمن أوفاق)
(تبَارك من أهداك لِلْخلقِ رَحْمَة ... ومستبعد أَن يهمل الْخلق خلاق)
(هُوَ الله يبلو النَّاس بِالْخَيرِ فتْنَة ... وبالشر وَالْأَيَّام سم وترياق)
(سمت مِنْك أَعْنَاق الورى لخليفة ... لَهُ فِي مجَال السعد عَدو وأعناق)
(وَقَالُوا بنان مَا اسْتَقل بكفه ... تفيض على العافين أم هِيَ أرزاق)
(وَأَطْنَبَ فِيك المادحون وأغرقوا ... فَلم يجد إطناب وَلم يغن إغراق)
(أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين أكفهم ... غمام ندى إِن أخلف الْغَيْث غيداق)
(أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين وُجُوههم ... بدور لَهَا فِي ظلمَة الروع إشراق)
(رياض إِذا الْعَافِي استظل ظلالها ... فَفِيهَا جنى ملْء الأكف وإيراق)
(أَبوك ولي الْعَهْد لَو سَالم الردى ... وَجدك قد فاق الْمُلُوك وَإِن فاقوا)
(فَمن ذَا لَهُ جد كجدك أَو أَب ... لآلئ وَالْمجد المؤثل نساق)
(وَحسب الْعلَا فِي آل يَعْقُوب أَنهم ... هم الأَصْل فِي العلياء وَالنَّاس إِلْحَاق)
(أسود سروج أَو بدور أسرة ... فَإِن حَاربُوا راعوا وَإِن سالموا راقوا)
(يطول لتَحْصِيل الْكَمَال سهادهم ... فهم للمعالي والمكارم عشاق)
وَمِنْهَا
(لقد نسيت إِحْسَان جدك فرقة ... تزر على أَعْنَاقهم مِنْهُ أطواق)
(أجازت خُرُوج ابْن ابْنه عَن تراثه ... وَلم تدر مَا ضمت من الذّكر أوراق)
(وَمن دون مَا راموه لله قدرَة ... وَمن دون مَا أموه لِلْفَتْحِ إغلاق)
(خُذ الْعَفو وابذل فيهم الْعرف ولتسع ... جريرة من أبدى لَك الْعذر أَخْلَاق)
(فَرُبمَا تنبو مهندة الظبي ... وتهفو حلوم الْقَوْم وَالْقَوْم حذاق)
(وَمَا النَّاس إِلَّا مذنب وَابْن مذنب ... وَللَّه إرفاد عَلَيْهِم وإرفاق)
(وَلَا ترج فِي كل الْأُمُور سوى الَّذِي ... خزائنه مَا ضرها قطّ إِنْفَاق)
(إِذا هُوَ أعْطى لم يضر منع مَانع ... وَإِن حشدت طسم وَعَاد وعملاق)
(عرفت الردى واستأثرت بك للعدا ... تخوم لمختط الصَّلِيب وأعماق)
(فيسر لليسرى وأحيى بك الورى ... وللروع إرعاد عَلَيْك وإبراق)
(4/47)

(فَجَاز صَنِيع الله وازدد بشكره ... مواهب جود غيثها الدَّهْر دفاق)
(وأوف لمن أوفى وكاف الَّذِي كفى ... فَأَنت كريم طهرت مِنْك أعراق)
(وتهنيك يَا مولى الْمُلُوك خلَافَة ... شجتها تباريح إِلَيْك وأشواق)
(فقد بلغت أقْصَى المنى بك نَفسهَا ... وَكم فَازَ بالوصل المهنا مشتاق)
(فَلَا رَاع مِنْهَا السرب للدهر رائع ... وَلَا نَالَ مِنْهَا جدة السعد أَخْلَاق)
(أمولاي رَاع الدَّهْر سربي وغالني ... فطرفي مذعور وقلبي خفاق)
(وَلَيْسَ لكسرى غَيْرك الْيَوْم جَابر ... وَلَا ليدي إِلَّا بمجدك أعلاق)
(ولي فِيك ود واعتداد غرسته ... فراقت بِهِ من يَانِع الْحَمد أوراق)
(وَقد عيل صبري فِي ارتقابي خَليفَة ... تحل بِهِ للضر عني أوهاق)
(وَأَنت حسام الله وَالله نَاصِر ... وَأَنت أَمِين الله وَالله رزاق)
(وَأَنت الْأمان المستجار من الردى ... إِذا رَاع خطب أَو توقع إملاق)
(وأهون مَا يُرْجَى لديك شَفَاعَة ... إِذا لم يكن عزم حثيث وإرهاق)
(ودونكها من ذائع الْحَمد مخلص ... لَهُ فِيك تَقْيِيد يروق وَإِطْلَاق)
(إِذا قَالَ أما كل سمع لقَوْله ... فمصغ وَأما كل أنف فنشاق)
(وَدم خافق الْأَعْلَام بالنصر كلما ... ذهبت لمسعى لم يكن فِيهِ إخفاق)
قَالَ وعدت مِنْهُ ببر كَبِير واحترام شهير يُشِير بذلك إِلَى مَا أكْرمه بِهِ وَكتب لَهُ من الظهير الَّذِي يتَضَمَّن كَمَال الاحترام والتوقير وَنَصه هَذَا ظهير كريم من أَمِير الْمُسلمين فلَان أيده الله وَنَصره وسنى لَهُ الْفَتْح الْمُبين ويسره للشَّيْخ الْفَقِيه الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنور الأرقى الْعَالم الْعلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المُصَنّف الْمُفِيد الصَّدْر الأحفل الْأَفْضَل الْأَكْمَل أبي عبد الله ابْن الشَّيْخ الْفَقِيه الْوَزير الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأرفع الأمجد الْوَجِيه الأنوه الأحفل الْأَفْضَل الحسيب الأَصْل الْأَكْمَل المبرور المرحوم أبي مُحَمَّد ابْن الْخَطِيب قابله أيده الله بِوَجْه الْقبُول والإقبال وأضفى عَلَيْهِ ملابس الإنعام والإفضال ورعى لَهُ خدمَة السّلف الرفيع الْجلَال وَمَا تقرر من
(4/48)

مقاصده الْحَسَنَة فِي خدمَة أمرنَا العال وَأمر فِي جملَة مَا سوغه من الآلاء الوارفة الظلال الفسيحة المجال بِأَن يجدد لَهُ حكم مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر الْمُتَقَدّم تاريخها المتضمنة تمشية خَمْسمِائَة دِينَار من الْفضة العشرية فِي كل شهر عَن مُرَتّب لَهُ ولولده الَّذِي لنظره من مجبي مَدِينَة سلا حرسها الله وَمن حَيْثُ جرت الْعَادة أَن تمشي لَهُ وَرفع الِاعْتِرَاض ببابها فِيمَا يجلب من الْأدم والأقوات على اختلافها من حَيَوَان وسواه وَفِيمَا يستفيده خُدَّامه بخارجها وأحوازها من عِنَب وقطن وكتان وَفَاكِهَة وخضر وَغير ذَلِك فَلَا يطْلب فِي شَيْء من ذَلِك بمغرم وَلَا وظيف وَلَا يتَوَجَّه فِيهِ إِلَيْهِ بتكليف يتَّصل لَهُ حكم جَمِيع مَا ذكر فِي كل عَام تجديدا تَاما واحتراما عَاما أعلن بتجديد الحظوة واتصالها وإتمام النِّعْمَة وإكمالها من تواريخ الْأَوَامِر الْمَذْكُورَة إِلَى الْآن وَمن الْآن إِلَى مَا يَأْتِي على الدَّوَام واتصال الْأَيَّام وَأَن يحمل جَانِبه فِيمَن يشركهُ أَو يَخْدمه محمل الرَّعْي والمحاشاة فِي السخر مهما عرضت والوظائف إِذا افترضت حَتَّى يتَّصل لَهُ تالد الْعِنَايَة بالطارف وتتضاعف أَسبَاب المنن والعوارف بِفضل الله وتحرر لَهُ الْأزْوَاج الَّتِي يحرثها بتالماغت من كل وجيبة وتحاشى من كل مغرم أَو ضريبة بالتحرير التَّام بحول الله وعونه وَمن وقف على هَذَا الظهير الْكَرِيم فليعمل بِمُقْتَضَاهُ وليمض مَا أَمْضَاهُ إِن شَاءَ الله وَكتب فِي الْعَاشِر من شهر ربيع الْآخِرَة من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكتب فِي التَّارِيخ أهـ وَقَوله وَكتب فِي التَّارِيخ هُوَ الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة فِي ذَلِك الزَّمَان يكْتب بقلم غليظ وَبَعض مُلُوك الْمغرب يكْتب عِنْد الْعَلامَة صَحَّ فِي التَّارِيخ
(4/49)

وفادة ابْن مُحَمَّد الهنتاتي على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله

كَانَ الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني مَوَدَّة ومصافاة مَعَ الرئيس الشهير أبي ثَابت عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي كَبِير جبل درن والبلاد المراكشية وَكَانَ الْوَزير عمر الْمَذْكُور قد بعث إِلَيْهِ بصهره وظهيره على الْملك مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن ابْن ماساي يكون عِنْده عدَّة وعتادا ليَوْم مَا فَلَمَّا بُويِعَ السُّلْطَان أَبُو زيان استقدم عمر بن عبد الله صهره الْمَذْكُور لوزارته وَكَانَ عَامر بن مُحَمَّد مجمعا الْقدوم على السُّلْطَان الْمَذْكُور فَقدم فِي صحبته مَسْعُود وَنزلا من الدولة بِخَير منزل
وَعقد السُّلْطَان أَبُو زيان لمسعود الْمَذْكُور على وزارته بِإِشَارَة الْوَزير عمر بن عبد الله فاضطلع بهَا وَدفعه عمر إِلَيْهَا استمالة الْيَد وثقة بمكانه واستظهارا بعصبيته وَعقد مَعَ عَامر بن مُحَمَّد الْحلف على مقاسمة الْمغرب شقّ الأبلمة وَجعل إِمَارَة مراكش لأبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم إسعافا لغَرَض عَامر بن مُحَمَّد فِي ذَلِك
وخطب إِلَيْهِم عَامر بنت السُّلْطَان أبي بكر الحفصي الَّتِي توفى عَنْهَا السُّلْطَان أَبُو عنان فَأَجَابُوهُ وحملوا أولياءها على العقد عَلَيْهَا وانكفأ رَاجعا إِلَى مَكَان عمله بمراكش يجر الدُّنْيَا وَرَاءه عزا وثروة وتابعا وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فاستقل بِأَمْر النَّاحِيَة الغربية من مراكش وجبال المصامدة وَمَا إِلَيْهَا من الْأَعْمَال واستبد بهَا وَنصب أَبَا الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم صُورَة واستوزر لَهُ وَتمكن سُلْطَانه وَعلا ذكره وَصَارَت كَأَنَّهَا دولة مُسْتَقلَّة فصرف إِلَيْهِ النازعون من بني مرين عَن
(4/50)

الدولة وُجُوه مفرهم ولجؤوا إِلَيْهِ فأجارهم على السُّلْطَان وَاجْتمعَ إِلَيْهِ مِنْهُم مَلأ واتسع الْخرق على الرافع واضطربت الْأَحْوَال بالمغرب وَخرج على السُّلْطَان أبي زيان الْأَمِير عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد وتغلب على سجلماسة وأعمالها ثمَّ غلب عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الْمُؤمن بن أبي عَليّ فَخرج عبد الْحَلِيم إِلَى الْمشرق لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج وَاسْتمرّ عبد الْمُؤمن بسجلماسة وَأقَام بهَا دولة كَمَا كَانَ لوالده من قبل إِلَى أَن فتحهَا الْوَزير مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وأضافها إِلَى مملكة فاس ثمَّ انْتقض الْوَزير مَسْعُود أَيْضا وَبَايع الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن بن أبي عَليّ ونصبه لِلْأَمْرِ وَصَارَ يشوش بِهِ على الدولة وشرق عمر بن عبد الله بدائه فِي أَخْبَار طَوِيلَة وَلما لم يتم لَهُ أَمر عبر هُوَ وسلطانه الْبَحْر من مرسى غساسة إِلَى الأندلس فاتح سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأقبلا على الْجِهَاد واستراح الْوَزير عمر وسلطانه أَبُو زيان من شغبهما وَالله غَالب على أمره
مقتل السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله

لما طَال استبداد الْوَزير عمر بن عبد الله على السُّلْطَان أبي زيان وحجره أَبَاهُ إِذْ كَانَ وضع عَلَيْهِ الرقباء والعيون حَتَّى من حرمه وَأهل قصره عزم على الفتك بالوزير الْمَذْكُور وتناجى بذلك مَعَ بعض ندمائه وَأعد لَهُ طَائِفَة من العبيد كَانُوا يختصون بِهِ فنما ذَلِك إِلَى الْوَزير بِوَاسِطَة بعض الْحرم كَانَت عينا لَهُ عَلَيْهِ فعاجله وَكَانَ قد بلغ من الاستبداد عَلَيْهِ أَن كَانَ الْحجاب مَرْفُوعا لَهُ عَن خلوات السُّلْطَان وَحرمه فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ فِي وسط حشمه فطردهم عَنهُ ثمَّ غطه حَتَّى فاظ وَأمر بِهِ فألقي فِي بِئْر بروض الغزلان واستدعى الْخَاصَّة فَأَرَاهُم مَكَانَهُ بهَا وَأَنه سقط عَن دَابَّته وَهُوَ سَكرَان وَذَلِكَ فِي محرم فاتح سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة كَذَا عِنْد ابْن خلدون وَقَالَ فِي الجذوة توفّي يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة وَدفن بِجَامِع
(4/51)

قصره فَكَانَت دولته أَربع سِنِين وَعشرَة أشهر وَيَوْما وَاحِدًا وَالله أعلم
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي فَارس عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن رَحمَه الله

هَذَا السُّلْطَان هُوَ الَّذِي أنعش دولة بني مرين بعد تلاشيها وَأعَاد إِلَيْهَا شبابها بعد هرمها وتقاضيها وأزال عَنْهَا وصمة الْحجر والاستبداد وأعادها من الْعِزّ إِلَى حَالهَا الْمُعْتَاد وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن خلدون فِي أول تَارِيخه الْكَبِير وألفه برسمه وحلى ديباجته باسمه أمه مولدة اسْمهَا مَرْيَم صفته أَدَم اللَّوْن شَدِيد الأدمة طَوِيل الْقَامَة يشرف على النَّاس بِطُولِهِ نحيف الْجِسْم أعين أدعج أخنس فِي وَجهه أثر جدري وَكَانَ عَفا متمسكا بِالدّينِ محبا فِي الْخَيْر وَأَهله لم يشرب خمرًا وَلَا وَقع فِي فَاحِشَة قطّ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من صالحي الْمُلُوك رَحمَه الله
وَلما كَانَ من الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني إِلَى السُّلْطَان أبي زيان رَحمَه الله مَا كَانَ من الخنق وَالْإِلْقَاء فِي الْبِئْر استدعى عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن هَذَا وَكَانَ فِي بعض الدّور من القصبة بفاس محتاطا عَلَيْهِ من قبل الْوَزير الْمَذْكُور فَأحْضرهُ بِالْقصرِ وَأَجْلسهُ على سَرِير الْملك وَبَايَعَهُ وَفتحت الْأَبْوَاب لبني مرين وَسَائِر الْخَاصَّة والعامة فازدحموا على تَقْبِيل يَده معطين الصَّفْقَة بِطَاعَتِهِ فتم أمره وَثَبت ملكه وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ إِن الْوَزير عمر جرى مَعَه على عَادَته من الاستبداد وَمنع التَّصَرُّف فِي شَيْء من أُمُور الْملك فَأَنف السُّلْطَان عبد الْعَزِيز من ذَلِك وتأفف مِنْهُ ودارت بَينه وَبَين الْوَزير أُمُور إِلَى أَن عمل السُّلْطَان على الفتك بِهِ فأعد لَهُ جمَاعَة من الخصيان بزوايا دَاره ثمَّ أحضرهُ ووبخه وثار بِهِ أُولَئِكَ الخصيان فتناولوه هبرا بِالسُّيُوفِ وَصَاح الْوَزير الْمَذْكُور صَيْحَة أسمع بهَا بطانته خَارج الدَّار فَوَثَبُوا على الْأَبْوَاب فكسروها
(4/52)

واقتحموا الدَّار فَإِذا صَاحبهمْ مضرج بدمائه قد فرغ مِنْهُ فَوَلوا الأدبار هاربين ثمَّ تتبع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز حَاشِيَة الْوَزير بالاعتقال وَالْقَتْل حَتَّى أَتَى على الْجَمِيع فِي خبر طَوِيل واستبد بِملكه واضطلع بِهِ وأدار الْأُمُور فِيهِ على مَا يَنْبَغِي وَالله تَعَالَى أعلم
انْتِقَاض أبي الْفضل بن أبي سَالم ثمَّ مَقْتَله بعد ذَلِك

قد قدمنَا أَن أَبَا الْفضل بن أبي سَالم كَانَ قد عقد لَهُ الْوَزير عمر بن عبد الله على مراكش إسعافا لكافله عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي فَلَمَّا فتك السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بالوزير الْمَذْكُور سَوَّلت لأبي الْفضل نَفسه مثلهَا فِي عَامر بن مُحَمَّد لاستبداده عَلَيْهِ وأغراه بذلك بطانته فأحس عَامر بِالشَّرِّ فتمارض بداره من مراكش ثمَّ استأذنه فِي الصعُود إِلَى معتصمه من الْجَبَل ليمرضه هُنَالك حرمه وأقاربه فارتحل بجملته واحتل بحصنه وَكَانَ أعز من الأبلق الْفَرد فيئس أَبُو الْفضل من الاستمكان مِنْهُ ثمَّ أغرته بطانته إِذْ فاتهم عَامر بِالْفَتْكِ بِعَبْد الْمُؤمن بن أبي عَليّ وَكَانَ قد انضاف إِلَيْهِ بعد إجفاله عَن سجلماسة فَسَكِرَ أَبُو الْفضل ذَات لَيْلَة وَبعث عَن قَائِد الْجند من النَّصَارَى فَأمره بقتل عبد الْمُؤمن بمَكَان معتقله من قَصَبَة مراكش فجَاء بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ وطار الْخَبَر بذلك إِلَى عَامر فارتاع وَحمد الله إِذْ خلصه من غائلته وَبعث ببيعته إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأغراه بِأبي الْفضل ورغبه فِي ملك مراكش ووعده بالمظاهرة فأجمع السُّلْطَان أمره على النهوض إِلَيْهَا ونادى فِي النَّاس بالعطاء وَقضى أَسبَاب حركته وارتحل من فاس سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَقد استبد أَبُو الْفضل بمراكش وأعملها
وَأقَام بهَا رسم الْملك واستوزر واستلحق وَجعل شوراه لمبارك بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة الخلطي
وَلما نَهَضَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز من فاس اتَّصل خَبره بِأبي الْفضل وَهُوَ
(4/53)

منَازِل لعامر بن مُحَمَّد فانفض مُعَسْكَره وَلحق بتادلا ليعتصم بجبل بني جَابر مِنْهَا فَتَبِعَهُ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَيْهَا ونازله وَأخذ بمخنقه وقاتله ففل عسكره ثمَّ دَاخل بعض بني جَابر فِي جر الْهَزِيمَة عَلَيْهِ على مَال يُعْطِيهِ لَهُم فَفَعَلُوا وانهزمت جيوشه وتقبض على أشياعه وسيق مبارك بن إِبْرَاهِيم إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فاعتقله إِلَى أَن قَتله مَعَ عَامر بن مُحَمَّد كَمَا نذْكر
وَلحق أَبُو الْفضل بقبائل صناكة وَرَاء بني جَابر فداخل بَنو جَابر فِي شَأْنه وبذلوا لَهُم عَن السُّلْطَان مَالا دثرا فِي إِسْلَامه فأسلموه وَبعث السُّلْطَان إِلَيْهِم وزيره يحيى بن مَيْمُون فجَاء بِهِ أَسِيرًا وأحضره أَمَام السُّلْطَان فوبخه ثمَّ اعتقله بفسطاط مجاور لَهُ ثمَّ غط من اللَّيْل فَكَانَ مهلكه فِي رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة لمضي ثَمَان سِنِين من إمارته على مراكش وَبعث السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَى عَامر بن مُحَمَّد يختبر طَاعَته فَأبى عَلَيْهِ وجاهر بِالْخِلَافِ إِلَى أَن كَانَ من شَأْنه مَا نذكرهُ
انْتِقَاض عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وحصار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِيَّاه وظفره بِهِ

كَانَ عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي مجير السُّلْطَان أبي الْحسن من ابْنه أبي عنان على مَا وَصفنَا من بُلُوغ الْغَايَة فِي الرياسة والاعتزاز على الدولة وَطول الاستبداد بمراكش وأحوازها وَكَانَ قد حصل فِي مُدَّة رياسته على ثروة عَظِيمَة وجاه كَبِير وَكَانَ لَهُ معتصم بجبل درن أعز من بيض الأنوق قد حصن فِيهِ مَاله وسلاحه وذخيرته وَكَانَ كلما هاجه هائج صعد إِلَيْهِ وَأمن على نَفسه فَلَمَّا صفا الْأَمر للسُّلْطَان عبد الْعَزِيز جعل عَامِرًا هَذَا من أهم أمره فنصب لَهُ واستعد لقتاله وَعقد على وزارته لأبي بكر بن غَازِي بن يحيى بن الكاس ونهض إِلَيْهِ من فاس سنة سبعين وَسَبْعمائة فحاصره فِي جبله سنة كَامِلَة وَلما طَال الْحصار على عَامر وشيعته اخْتلفت كلمتهم عَلَيْهِ وَفَسَد مَا
(4/54)

بَينه وَبَين ابْن أَخِيه فَارس بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد فَبعث إِلَى السُّلْطَان وَسَهل لَهُ الطَّرِيق لاقتحام الْجَبَل فزحفت العساكر والجنود وشارفت المعتصم وَلما استيقن عَامر أَن قد أحيط بِهِ بعث إِلَى ابْنه أبي بكر أَن يلْحق بالسلطان مُخْتَارًا لَهُ ومشيرا عَلَيْهِ بِالَّتِي هِيَ أحسن وَأسلم فَألْقى الْوَلَد بِنَفسِهِ إِلَى السُّلْطَان فَقبله وبذل لَهُ الْأمان وألحقه بجملته وانتبذ عَامر عَن النَّاس وَذهب لوجهه ليخلص إِلَى السوس فَرده الثَّلج وَقد كَانَت السَّمَاء أرْسلت بِهِ مُنْذُ أَيَّام حَتَّى تراكم بِالْجَبَلِ بعضه على بعض وسد المسالك فاقتحمه عَامر حَتَّى هلك فِيهِ بعض حرمه ونفق مركوبه وعاين الهلكة العاجلة فَرجع أدراجه مختفيا حَتَّى آوى إِلَى غَار مَعَ أدلاء كَانَ قد استخلصهم وبذل لَهُم مَالا على أَن يسلكوا بِهِ ظهر الْجَبَل إِلَى صحراء السوس فأقاموا ينتظرون إمْسَاك الثَّلج وَقد شدد السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فِي التنقير عَنهُ والبحث فعثر عَلَيْهِ بعض البربر بِالْغَارِ الْمَذْكُور فسيق إِلَى السُّلْطَان فَأحْضرهُ بَين يَدَيْهِ ووبخه فَاعْتَذر واعترف بالذنب وَرغب فِي الْإِقَالَة فَحمل إِلَى مضرب بني لَهُ بِإِزَاءِ فسطاط السُّلْطَان واعتقل هُنَالك وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على معاقل عَامر ودياره فانتهب من الْأَمْوَال وَالسِّلَاح والذخيرة وَالزَّرْع والأقوات مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت
وَاسْتولى السُّلْطَان على الْجَبَل ومعاقله فِي رَمَضَان من سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة لحول من يَوْم حصاره وَعقد على هنتاتة لِابْنِ أخي عَامر وَهُوَ فَارس بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عَليّ الهنتاتي وارتحل إِلَى فاس فاحتل بهَا آخر رَمَضَان الْمَذْكُور ودخلها فِي يَوْم مشهود برز فِيهِ النَّاس وَحمل عَامر وسلطانه تاشفين من بني عبد الْحق كَانَ نَصبه لِلْأَمْرِ مموها بِهِ على عَادَته فحملا مَعًا على جملين وَقد أفرغ عَلَيْهِمَا لِبَاس رث وعبثت بهما أَيدي الإهانة فَكَانَ ذَلِك عِبْرَة لمن رَآهُ
وَلما قضى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز نسك عيد الْفطر أحضر عَامِرًا فقرعه بذنوبه وأتى بِكِتَاب بِخَطِّهِ يُخَاطب فِيهِ أَبَا حمو بن يُوسُف الزياني ويستنجده على
(4/55)

السُّلْطَان فَشهد عَلَيْهِ بِهِ وَأمر السُّلْطَان بامتحانه فَلم يزل يجلد حَتَّى انْتَشَر لَحْمه وَضرب بالعصى حَتَّى ورمت أعضاؤه وَهلك بَين يَدي الوزعة وجنب تاشفين سُلْطَانه إِلَى مصرعه فَقتل قعصا بِالرِّمَاحِ وجنب مبارك بن إِبْرَاهِيم الخلطي من محبسه بعد الاعتقال فَألْحق بهم وَلكُل أجل كتاب وَصفا الجو للسُّلْطَان عبد الْعَزِيز من المنازعين وتفرغ لغزو تلمسان على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
ارتجاع الجزيرة الخضراء من يَد الإسبانيول

قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الطاغية على الجزيرة الخضراء أَيَّام السُّلْطَان أبي الْحسن رَحمَه الله فاستمرت فِي ملكتهم إِلَى هَذَا التَّارِيخ فَنَشَأَتْ بَينهم فتْنَة وتقاتلوا على الْملك وأعروا ثغورهم الموالية للْمُسلمين من الحامية والجند فَبَقيت عَورَة وتشوف الْمُسلمُونَ إِلَى ارتجاع الجزيرة الخضراء الَّتِي قرب عَهدهم بانتظامها فِي ملكة الْمُسلمين
وَكَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فِي شغل عَن ذَلِك بفتنة أبي الْفضل بن أبي سَالم وعامر بن مُحَمَّد وانتقاضهما فَبعث إِلَى ابْن الْأَحْمَر صَاحب الأندلس أَن يزحف إِلَيْهَا بعساكره وَعَلِيهِ عطاؤهم وإمدادهم بِالْمَالِ والأساطيل على أَن تكون مثوبة جهاده خَالِصَة لَهُ فَأجَاب ابْن الْأَحْمَر إِلَى ذَلِك وَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بأحمال المَال وأوعز إِلَى أساطيله بسبتة فانعمرت وأقلعت حَتَّى احتلت بمرسى الجزيرة الخضراء لحصارها وزحف ابْن الْأَحْمَر بعساكر الْمُسلمين على أَثَرهَا بعد أَن قسم فيهم الْعَطاء وأزاح الْعدَد وَأعد الْآلَات للحصار فنازلها أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ أَيقَن النَّصَارَى بالهلكة لبعدهم عَن الصَّرِيخ ويأسهم من مدد مُلُوكهمْ فَألْقوا بِالْيَدِ وسألوا النُّزُول على الصُّلْح فأجابهم ابْن الْأَحْمَر إِلَيْهِ ونزلوا عَن الْبَلَد وأقيمت فِيهِ شَعَائِر الْإِسْلَام ومحيت مِنْهُ كلمة الْكفْر وَكتب الله أجرهَا لمن أخْلص فِي مُعَامَلَته
(4/56)

وَكَانَ ذَلِك سنة سبعين وَسَبْعمائة وَولي ابْن الْأَحْمَر عَلَيْهَا من قبله وَلم تزل إِلَى نظره إِلَى أَن وَقع الِاخْتِيَار على هدمها خشيَة اسْتِيلَاء النَّصْرَانِيَّة عَلَيْهَا مرّة أُخْرَى فهدمت أَعْوَام الثَّمَانِينَ وَسَبْعمائة وأصبحت خاوية كَأَن لم تغن بالْأَمْس
نهوض السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار سلطانها أبي حمو بن يُوسُف عَنْهَا

كَانَ أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني قد فسد مَا بَينه وَبَين عرب سُوَيْد وَقبض على بعض رُؤَسَائِهِمْ مُحَمَّد بن عريف فاستصرخوا عَلَيْهِ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَكَانَت القوارص لَا تزَال تسري إِلَيْهِ من أبي حمو الْمَذْكُور فصادفوا مِنْهُ صاغية إِلَى مَا التمسوا مِنْهُ واعتزم على النهوض إِلَى تلمسان وَبعث الحاشرين إِلَى الْجِهَات المراكشية فتوافى النَّاس إِلَيْهِ على طبقاتهم واجتمعوا عِنْده أَيَّام منى سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة فَأَفَاضَ الْعَطاء وأزاح الْعِلَل وَلما قضى نسك عيد الْأَضْحَى عرض الْجند ونهض إِلَى تلمسان فاحتل بتازا
واتصل خَبره بِأبي حمو فَجمع الجموع وهم باللقاء ثمَّ اخْتلفت كلمة أَصْحَابه وتفرق عَنهُ الْعَرَب من بني معقل فأجفل هُوَ وأشياعه من بني عَامر بن زغبة فَدَخَلُوا القفر
وَتقدم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فاحتل بتلمسان يَوْم عَاشُورَاء من سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة فَدَخلَهَا فِي يَوْم مشهود وَاسْتولى عَلَيْهَا وَعقد لوزيره أبي بكر بن غَازِي بن الكاس على عَسَاكِر مرين وَالْعرب وسرحه فِي اتِّبَاع أبي حمو فأدركه بِبَعْض بِلَاد زناتة الشرق فأجهضوه عَن مَاله ومعسكره فانتهب بأسره واكتسحت أَمْوَال الْعَرَب الَّذين مَعَه وَنَجَا بذمائه إِلَى مصاب وتلاحق بِهِ وَلَده وَقَومه مُتَفَرّقين على كل مفازة ثمَّ دخلُوا القفر بعد ذَلِك ودوخ الْوَزير الْمَذْكُور بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وشرد عصاته واستنزل ثواره فِي أَخْبَار طَوِيلَة
(4/57)

وَاسْتولى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز على سَائِر الوطن من الْأَمْصَار والأعمال وَعقد عَلَيْهَا للولاة والعمال واستوسق لَهُ ملك الْمغرب الْأَوْسَط كَمَا كَانَ لسلفه وَاسْتمرّ مُقيما بتلمسان إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
نزوع الْوَزير ابْن الْخَطِيب عَن سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتلمسان

قد قدمنَا مَا كَانَ من رُجُوع الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر إِلَى ملكه بالأندلس سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما استولى على غرناطة وَثَبت قدمه بهَا بعث عَن مخلفه بفاس من الْأَهْل وَالْولد والقائم بالدولة يَوْمئِذٍ عمر بن عبد الله فاستقدم عمر ابْن الْخَطِيب من سلا وبعثهم إِلَى نظره فسر السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر بمقدمه ورده إِلَى مَنْزِلَته وَدفع إِلَيْهِ تَدْبِير المملكة وخلط بَينه بندمائه وَأهل خلوته وَانْفَرَدَ ابْن الْخَطِيب بِالْحلِّ وَالْعقد وانصرفت إِلَيْهِ الْوُجُوه وعلقت بِهِ الآمال وغشى بَابه الْخَاصَّة والكافة وغصت بِهِ بطانة السُّلْطَان وحاشيته فتوافقوا على السّعَايَة فِيهِ وَقد صم السُّلْطَان عَن قبُولهَا ونما بذلك الْخَبَر إِلَى ابْن الْخَطِيب فشمر عَن ساعده للرحلة عَن الأندلس واللحاق بالمغرب وَكَانَ لَهُ حنين إِلَيْهِ ورغبة فِي الإيالة المرينية من قبل ذَلِك فَقدم الْوَسَائِل إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأوعز إِلَيْهِ بِمَا عزم عَلَيْهِ من اللحاق بِحَضْرَتِهِ فوعده السُّلْطَان بالجميل وَبسط أمله فَحِينَئِذٍ اسْتَأْذن السُّلْطَان الْغَنِيّ بِاللَّه فِي تفقد الثغور الغربية من أَرض الأندلس فَأذن لَهُ وَسَار إِلَيْهَا فِي جمَاعَة من فرسانه وَمَعَهُ ابْنه عَليّ فَلَمَّا حَاذَى جبل طَارق مَال إِلَيْهِ فَخرج قَائِد الْجَبَل لتلقيه وَقد كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز أوعز إِلَيْهِ بذلك وجهز إِلَيْهِ الأسطول من حِينه فاحتل بسبتة ثمَّ سَار مِنْهَا فَقدم على السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتلمسان سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة فاهتزت لَهُ الدولة وأركب السُّلْطَان خاصته لتلقيه وأحله بمجلسه مَحل الْأَمْن وَالْغِبْطَة وَمن دولته بمَكَان الشّرف والعزة
(4/58)

وَأخرج لوقته كَاتبه أَبَا يحيى بن أبي مَدين سفيرا إِلَى الأندلس فِي مطلب أَهله وَولده فجَاء بهم على أكمل الْحَالَات من الْأَمْن والتكرمة ثمَّ نزل بعد ذَلِك مَدِينَة فاس الْقَدِيمَة فَاسْتَكْثر بهَا من شِرَاء الضّيَاع وتأنق فِي بِنَاء المساكن واغتراس الجنات وحفظت عَلَيْهِ رسومه السُّلْطَانِيَّة وتوقيراته وَأقَام مطمئنا بِخَير دَار عِنْد أعز جَار
وَفَاة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن رَحمَه الله

كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز قد أَصَابَهُ مرض النحول فِي صغره وَلأَجل ذَلِك تجافى السُّلْطَان أَبُو سَالم عَن بَعثه مَعَ الْأَبْنَاء إِلَى الأندلس فَأَقَامَ بالمغرب وَلما شب أَفَاق من مَرضه وَصلح بدنه ثمَّ عاوده وَجَعه فِي مثواه بتلمسان وتزايد نحوله وَلما كمل الْفَتْح واستفحل الْملك اشْتَدَّ بِهِ الوجع فصابره وكتمه عَن النَّاس خشيَة الإرجاف ثمَّ عَسْكَر خَارج تلمسان للحاق بالمغرب
وَلما كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة قضى نحبه رَحمَه الله بِظَاهِر تلمسان بَين أَهله وَولده وسيق إِلَى فاس فَدفن بِجَامِع قصره وسنه يَوْمئِذٍ أَربع وَعشْرين سنة وَكَانَت دولته سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر
وَمن نظمه مَا ذكره ابْن الْأَحْمَر فِي نثير الجمان مذيلا بَيْتِي وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن اللَّذين هما قَوْله
(أرضي الله فِي سر وجهر ... وأحمي الْعرض من دنس ارتياب)
(وَأعْطِي الوفر من مَالِي اخْتِيَارا ... وأضرب بِالسُّيُوفِ طلي الرّقاب)
فَقَالَ هُوَ وَأحسن
(وأرغب خالقي فِي الْعَفو عني ... وأطلب حلمه يَوْم الْحساب)
(وَأَرْجُو عونه فِي عز نصر ... على الْأَعْدَاء محروس الجناب)
(4/59)

(وَعَبْدك وَاقِف بِالْبَابِ فَارْحَمْ ... عبيدا خَائفًا ألم الْعقَاب)
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان السعيد بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن

هَذَا السُّلْطَان مِمَّن ولي الْأَمر وَهُوَ صبي وَفِيه ألف ابْن الْخَطِيب كِتَابه الْمُسَمّى بأعلام الْأَعْلَام بِمن بُويِعَ من مُلُوك الْإِسْلَام قبل الِاحْتِلَام كنيته أَبُو زيان أمه عَائِشَة بنت الْقَائِد فارح العلج صفته آدم اللَّوْن شَدِيد الأدمة
وَلما مَاتَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز رَحمَه الله بِظَاهِر تلمسان خرج الْوَزير أَبُو بكر بن غَازِي بن الكاس على النَّاس وَقد احْتمل أَبَا زيان ابْن السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فعزاهم عَن سلطانهم ثمَّ طرح ابْنه بَين أَيْديهم فازدحموا عَلَيْهِ بَاكِينَ متفجعين يعطونه الصَّفْقَة ويقبلون يَدَيْهِ لِلْبيعَةِ ثمَّ أَخْرجُوهُ للمعسكر وأنزلوه بفساطيط أَبِيه وَتمّ أمره وكفله الْوَزير الْمَذْكُور فَكَانَ إِلَيْهِ الإبرام والنقض وَالصَّبِيّ كَالْعدمِ إِذْ لم يكن فِي سنّ التَّصَرُّف
ثمَّ إِن الْوَزير ارتحل بِالنَّاسِ وجد السّير فَدخل حَضْرَة فاس وأجلس الصَّبِي لبيعة الْعَامَّة فَبَايعُوا ثمَّ توافت لَدَيْهِ وُفُود الْأَمْصَار على الْعَادة واستبد الْوَزير أَبُو بكر وَاسْتعْمل على الْجِهَات وَجلسَ بِمَجْلِس الْفَصْل واشتغل بِأَمْر الْمغرب إبراما ونقضا
وَلما فصل بَنو مرين عَن تلمسان عَاد إِلَيْهَا سلطانها أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني والتفت عَلَيْهِ بَنو عبد الواد من كل جَانب ومحا دَعْوَة بني مرين من ضواحي الْمغرب الْأَوْسَط وأمصاره واتصل الْخَبَر بالوزير أبي بكر بن غَازِي فهم بالنهوض إِلَيْهِ ثمَّ ثنى عزمه مَا كَانَ من خُرُوج الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن بن أبي عَليّ بن أبي سعيد بِنَاحِيَة بطوية فَإِن السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر كَانَ قد سرحه من الأندلس صُحْبَة وزيره مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي
(4/60)

لطلب ملك الْمغرب تشغيبا على الْوَزير أبي بكر بن غَازِي ثمَّ أتبعه بالأمير أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن السُّلْطَان أبي سَالم الَّذِي كَانَ محتاطا عَلَيْهِ بطنجة فزحف الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور إِلَى فاس وَظَاهره ابْن عَمه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن فحاصروا الْوَزير أَبَا بكر بن غَازِي وسلطانه أَبَا زيان ابْن عبد الْعَزِيز وضربوا على فاس الْجَدِيد سياجا بِالْبِنَاءِ للحصار وأنزلوا بِهِ أَنْوَاع الْقِتَال بعد أَن بعث ابْن الْأَحْمَر رسله إِلَى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن باتصال الْيَد بِابْن عَمه الْأَمِير أبي الْعَبَّاس ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتها وَعقد بَينهمَا الِاتِّفَاق والمواصلة وَأَن يخْتَص عبد الرَّحْمَن بِملك سلفه من سجلماسة وأعمالها فتراضيا وزحفا إِلَى فاس كَمَا قُلْنَا وأمدهم ابْن الْأَحْمَر بِجمع من جنده فاستمر الْحَال على حِصَار فاس إِلَى أَن أذعن الْوَزير أَبُو بكر لخلع سُلْطَانه أبي زيان ومبايعة الْأَمِير أبي الْعَبَّاس فخلعه يَوْم الْأَحَد السَّادِس من محرم فاتح سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَغرب إِلَى الأندلس فَكَانَت دولته سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَالله غَالب على أمره
الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم بن أبي الْحسن

هَذَا السُّلْطَان يُقَال لَهُ ذُو الدولتين لِأَنَّهُ ولي الْملك مرَّتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي أمه حرَّة بنت أبي مُحَمَّد السبائي كنيته أَبُو الْعَبَّاس لقبه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه صفته أَبيض اللَّوْن ربعَة تعلوه صفرَة رقيقَة أدعج أسود الشّعْر أكحل الحاجبين ضيق البلج أسيل الْخَدين براق الثنايا جميل الْوَجْه مليح الصُّورَة ظريف المنزع لطيف الشَّمَائِل حسن الشكل إِذا ركب بُويِعَ أَولا بطنجة فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ بُويِعَ الْبيعَة الْعَامَّة بِالْمَدِينَةِ الْبَيْضَاء بعد استيلائه عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد السَّادِس من محرم سنة سِتّ وَسبعين
(4/61)

وَسَبْعمائة وَكَانَ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن عِنْدَمَا أشرفوا على فتح فاس شَرط عَلَيْهِم ولَايَة مراكش عوضا عَن سجلماسة فعقدوا لَهُ على كره مَخَافَة أَن تفترق كلمتهم وَلَا يتم أَمرهم فَفَعَلُوا وطووا لَهُ على النكث فارتحل إِلَى مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ فَارقه وزيره مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن وَأَجَازَ الْبَحْر إِلَى الأندلس فاستقر بهَا فِي إيالة ابْن الْأَحْمَر
واستقل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم بِملك فاس وأعمالها واستوزر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وفوض إِلَيْهِ أُمُوره فغلب على هَوَاهُ وَجعل أَمر الشورى إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد فاستقل بهَا وَحَازَ رياسة المشيخة واستحكمت الْمَوَدَّة بَينه وَبَين ابْن الْأَحْمَر وَجعلُوا إِ ليه الْمرجع فِي نقضهم وإبرامهم فَصَارَ لَهُ بذلك تحكم فِي الدولة المرينية وَأصْبح الْمغرب كَأَنَّهُ من بعض أَعمال الأندلس وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لِابْنِ الْأَحْمَر من إِعَانَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس على ملك الْمغرب حَتَّى تمّ لَهُ وَبِمَا كَانَ تَحت يَده من أَبنَاء الْمُلُوك المرشحين لِلْأَمْرِ فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس وحاشيته يصانعونه لأجل ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم
محنة الْوَزير ابْن الْخَطِيب ومقتله رَحمَه الله

لما لَجأ ابْن الْخَطِيب إِلَى بني مرين وَأصَاب عِنْدهم دَارا وقرارا عز ذَلِك على ابْن الْأَحْمَر وسعى بطانته عِنْده فِي ابْن الْخَطِيب لعداوتهم لَهُ ثمَّ بلغه أَنه يغري السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتملك أَرض الأندلس وَقطع دَعْوَة بني الْأَحْمَر مِنْهَا فَعظم عَلَيْهِ ذَلِك ودبر الْحِيلَة فِي قتل ابْن الْخَطِيب وتتبع أعداؤه كَلِمَات زَعَمُوا أَنَّهَا صدرت مِنْهُ فِي بعض تآليفه فأحصوها عَلَيْهِ ورفعوها إِلَى قَاضِي غرناطة أبي الْحسن النباهي فاسترعاها وسجل عَلَيْهِ بالزندقة وَبعث ابْن الْأَحْمَر برسم الشَّهَادَة مَعَ هَدِيَّة لم يسمع بِمِثْلِهَا إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَطلب مِنْهُ إِقَامَة الْحَد على ابْن الْخَطِيب أَو إِ سَلَامه إِلَيْهِ فَصم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز عَن ذَلِك وأنف لذمته أَن تخفر ولجواره أَن يُؤْذى وَقَالَ للوفد هلا
(4/62)

انتقمتم مِنْهُ وَهُوَ عنْدكُمْ وَأَنْتُم عالمون بِمَا كَانَ عَلَيْهِ وَأما أَنا فَلَا يخلص إِلَيْهِ بذلك أحد مَا كَانَ فِي جواري ثمَّ وفر الجراية والإقطاع لَهُ ولبنيه وَلمن جَاءَ من فرسَان الأندلس فِي جملَته
ثمَّ لما مَاتَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز رَحمَه الله وَولي ابْنه أَبُو زيان وَقَامَ بأَمْره الْوَزير أَبُو بكر ابْن غَازِي عاود ابْن الْأَحْمَر الْكَلَام فِي شَأْن ابْن الْخَطِيب وَبعث بهدية أُخْرَى إِلَى الْوَزير الْمَذْكُور وَطلب مِنْهُ إِسْلَامه إِلَيْهِ فَأبى الْوَزير وأساء الرَّد وعادت رسل ابْن الْأَحْمَر إِلَيْهِ مخفقين وَقد رهبوا سطوته فَعِنْدَ ذَلِك عمد ابْن الْأَحْمَر إِلَى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن وَكَانَ عِنْده بالأندلس فأطمعه فِي ملك الْمغرب وأركبه الْبَحْر فقذف بِهِ بساحل بطوية من بِلَاد الرِّيف تشغيبا على الْوَزير أبي بكر بن غَازِي كَمَا مر ثمَّ ثاب لَهُ رَأْي آخر فأغرى مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وَهُوَ ابْن عَم أبي بكر بن غَازِي الْمَذْكُور وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسبتة قَائِما على ثغرها فداخله فِي الْبيعَة لأبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسبتة محتاطا عَلَيْهِ فِي جملَة من الْقَرَابَة وَالْتزم أَن يمده بِالْمَالِ وَالرِّجَال حَتَّى يتم أمره لَكِن بِشَرْط أَن ينزل لَهُ عَن جبل طَارق وَيبْعَث لَهُ بِالْقَرَابَةِ الَّذين هم بطنجة ليكونوا تَحت يَده وَيسلم إِلَيْهِ ابْن الْخَطِيب مَتى قدر عَلَيْهِ فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس لما استولى على الْأَمر نزل لِابْنِ الْأَحْمَر عَن جبل طَارق فمحا دَعْوَة بني مرين من وَرَاء الْبَحْر ثمَّ ملك بعد ذَلِك سبتة فاستولى عَلَيْهَا وَبعث إِلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ الْمَذْكُورين فأوسع لَهُم جنابه بغرناطة ثمَّ قبض السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس ووزيره مُحَمَّد بن عُثْمَان على ابْن الْخَطِيب وطيروا بالأعلام لِابْنِ الْأَحْمَر فَحِينَئِذٍ بعث وزيره أَبَا عبد الله بن زمرك وَكَانَ من تلاميذه ابْن الْخَطِيب وَبِه تخرج فَقدم على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وأحضروا ابْن الْخَطِيب بالمشور فِي مجْلِس الْخَاصَّة وَأهل الشورى من الْفُقَهَاء وعرضوا عَلَيْهِ بعض كَلِمَات وَقعت لَهُ فِي بعض كتبه فَعظم عَلَيْهِ النكير فِيهَا فوبخ وَنكل وامتحن بِالْعَذَابِ بمشهد ذَلِك
(4/63)

الْمَلأ ثمَّ ثل إِلَى محبسه وتفاوضوا فِي قَتله بِمُقْتَضى تِلْكَ المقالات المسجلة عَلَيْهِ فَأفْتى بعض الْفُقَهَاء بقتْله فَدس سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَيْهِ بعض الأوغاد حَاشِيَته من حَاشِيَته فطرقوا السجْن لَيْلًا وَمَعَهُمْ زعانفة من أهل الأندلس جاؤوا فِي لفيف ذَلِك الْوَفْد فَقَتَلُوهُ خنقا فِي محبسه وأخرجوا شلوه من الْغَد فَدفن فِي مَقْبرَة بَاب المحروق ثمَّ أصبح من الْغَد طريحا على شافة قَبره وَقد جمعُوا لَهُ أعوادا فأضرموها عَلَيْهِ نَارا فَاحْتَرَقَ شعره واسود بشره وأعيد إِلَى حفرته وَكَانَ فِي ذَلِك انْتِهَاء محنته وَعجب النَّاس من هَذِه السفاهة الَّتِي جَاءَ بهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد واعتدوها من هنتاته وَعظم النكير فِيهَا عَلَيْهِ وعَلى قومه وَأهل دولته
وَكَانَ ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله أَيَّام مقَامه بالسجن يتَوَقَّع مُصِيبَة الْمَوْت فتجيش هواتفه بالشعر يبكي نَفسه فمما قَالَ فِي ذَلِك
(بَعدنَا وَإِن جاورتنا الْبيُوت ... وَجِئْنَا بوعظ وَنحن صموت)
(وأنفسنا سكنت دفْعَة ... كجهر الصَّلَاة تلاه الْقُنُوت)
(وَكُنَّا عظاما فصرنا عظاما ... وَكُنَّا نقوت فها نَحن قوت)
(وَكُنَّا شموس سَمَاء الْعلَا ... غربنا فناحت عَلَيْهَا السموت)
(فكم جدلت ذَا الحسام الظبي ... وَذُو البخت كم جدلته البخوت)
(وَكم سيق للقبر فِي خرقَة ... فَتى ملئت من كَسَاه التخوت)
(فَقل للعدا ذهب ابْن الْخَطِيب ... وَفَاتَ وَمن ذَا الَّذِي لَا يفوت)
(فَمن كَانَ يفرح مِنْكُم لَهُ ... فَقل يفرح الْيَوْم من لَا يَمُوت)
وَكَانَت نكبته رَحمَه الله أَوَائِل سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم
(4/64)

بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير مراكش عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن رَحمَه الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ من معاقدة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس والأمير عبد الرَّحْمَن ابْن أبي يفلوسن على ولَايَة سجلماسة أَولا ثمَّ التعويض عَنْهَا بمراكش ثَانِيًا فَلَمَّا فتح السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فاسا وفى للأمير عبد الرَّحْمَن بعقده فَسَار إِلَى مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وعَلى أَعمالهَا واقتسمت مملكة الْمغرب الْأَقْصَى يَوْمئِذٍ بنصفين
وَكَانَ الْحَد بَين الدولتين ثغر آزمور فَكَانَت فِي إيالة صَاحب فاس وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى مراكش فِي إيالة صَاحب مراكش ثمَّ كَانَت بَينهمَا بعد ذَلِك مواصلات ومناقضات ومسالمات ومحاربات يطول جلبها واتصل ذَلِك إِلَى منتصف سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فظفر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بِعَبْد الرَّحْمَن بعد محاصرته بقصبة مراكش تِسْعَة أشهر وَلما أشرف السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس على فتحهَا وانفض النَّاس من حول الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ونزلوا من الأسوار ناجين إِلَى السُّلْطَان وَبَقِي هُوَ فِي قصبته مُنْفَردا بَات ليلته يُرَاوِد ولديه على الاستماتة وهما سليم وَأَبُو عَامر وَركب السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من الْغَد فِي التعبية إِلَى القصبة فاقتحمها بمقدمته ولقيه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن وولداه مسابقين إِلَى الميدان ومباشرين الْقِتَال بَين أَبْوَاب دُورهمْ فجالوا مَعَهم جَوْلَة قتل فِيهَا الْولدَان قَتلهمْ عَليّ بن إِدْرِيس وزيان بن عمر الوطاسي
قَالَ ابْن خلدون وطالما كَانَ زيان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خُيَلَاء فِي جاههم فَذهب مثلا فِي كفران النِّعْمَة وَسُوء الْجَزَاء وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَكَانَ ذَلِك خَاتم جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة لمضي عشر سِنِين من إِمَارَة عبد الرَّحْمَن على مراكش ثمَّ رَحل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس منقلبا إِلَى فاس وَقد استولى على سَائِر أَعمال الْمغرب وظفر بعدوه وَدفع النازعين عَن ملكه وَالله غَالب على أمره
(4/65)

ذكر الشاوية وَبَيَان نسبهم وأوليتهم وَشرح لقبهم وتسميتهم

ذكر ابْن خلدون أَن الشاوية من ولد حسان بن أبي سعيد الصبيحي نِسْبَة إِلَى صبيح بِالتَّصْغِيرِ بطن من سُوَيْد وسُويد إِحْدَى قبائل بني مَالك بن زغبة الهلاليين وَكَانَ دُخُول حسان وأخيه مُوسَى ابْني أبي سعيد إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى أَيَّام السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله قدمُوا فِي صُحْبَة عبد الله بن كندوز العَبْد الْوَادي ثمَّ الكمي وَكَانَ عبد الله هَذَا قد نزع عَن يغمراسن بن زيان إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب الْمَذْكُور فَقدم عَلَيْهِ قبل فتح مراكش فاهتز السُّلْطَان يَعْقُوب لقدومه وأحله بِالْمَكَانِ الرفيع من دولته وَأنزل قومه بجهات مراكش وأقطعهم الْبِلَاد الَّتِي كفتهم مهماتهم وَجعل انتجاع إبِله ورواحله وَسَائِر ظَهره فِي إحيائهم فَقدم عبد الله بن كندوز على رعايتها حسان وأخاه مُوسَى الصبيحيين وَكَانَا عارفين برعاية الْإِبِل وَالْقِيَام عَلَيْهَا فأقاموا يَتَقَلَّبُونَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد ويتعدون فِي نجعتها إِلَى أَرض سوس وَكَانَت مَاشِيَة السُّلْطَان يَعْقُوب مُتَفَرِّقَة فِي سَائِر الْمغرب فجمعها لعبد الله بن كندوز وَجَمعهَا عبد الله لحسان الصبيحي الْمَذْكُور فَكَانَ حسان يُبَاشر أُمُور السُّلْطَان فِي شَأْن تِلْكَ الْمَاشِيَة ويطالعه بمهماته فحصلت لَهُ مداخلة مَعَه جلبت إِلَيْهِ الْحَظ حَتَّى ارْتَفع قدره وَنَشَأ بنوه فِي ظلّ الدولة وعزها وتصرفوا فِي الولايات مِنْهَا وانفردوا بخطة الشاوية فَلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بَينهم لهَذَا الْعَهْد إِلَى مَا كَانُوا يتصرفون فِيهِ من غير ذَلِك من الولايات وَكَانَ لحسان من الْوَلَد عَليّ وَيَعْقُوب وَطَلْحَة وَغَيرهم وَمن حسان هَذَا تفرعت شعوبهم فِي وَلَده
قَالَ ابْن خلدون وهم لهَذَا الْعَهْد يتصرفون فِي الدولة على مَا كَانَ لسلفهم من ولَايَة الشاوية وَالنَّظَر فِي رواحل السُّلْطَان وَالظّهْر الَّذِي يحمل من الْإِبِل وَلَهُم عدد وَكَثْرَة ونباهة فِي الدولة أه قلت وَلَفظ الشاوية نِسْبَة إِلَى الشَّاء الَّتِي هِيَ جمَاعَة الْغنم مثلا قَالَ الصِّحَاح وَالنِّسْبَة إِلَى الشَّاء شاوي قَالَ الراجز
(4/66)

(لَا ينفع الشاوي فِيهَا شاته ... وَلَا حماراه وَلَا علاته)
وَإِن سميت بِهِ رجلا قلت شائي وَإِن شِئْت شاوي اه
وَاعْلَم أَن الشاوية الْيَوْم يطلقون على سكان تامسنا من قبائل شَتَّى بَعْضهَا عرب وَبَعضهَا زناتة وبربر غير أَن لِسَان الْجَمِيع عَرَبِيّ وَكَانَ أصل جمهورهم من هَؤُلَاءِ الَّذين ذكر ابْن خلدون ثمَّ انضافت إِلَيْهِم قبائل أخر واختلطوا بهم فَأطلق على الْجَمِيع شاوية تَغْلِيبًا وَهَكَذَا وَقع فِي سَائِر عرب الْمغرب الْأَقْصَى المواطنين بتلوله فَإِنَّهُم وَقع فيهم اخْتِلَاط كَبِير حَتَّى نسوا أنسابهم وأصولهم الأولى إِلَّا فِي النَّادِر وَذَلِكَ بِسَبَب تعاقب الْأَعْصَار وتناسخ الأجيال وتوالي المجاعات والانتجاعات ووقعات الْمُلُوك بهم فِي كثير من الأحيان وتفريق بَعضهم من بعض وَنقل بَعضهم إِلَى بِلَاد بعض وَمَعَ ذَلِك فأسماؤهم الأولى لَا زَالَت قَائِمَة فيهم لن تَتَغَيَّر إِلَى الْآن فَمِنْهَا يَهْتَدِي الفطن إِلَى التنقير عَن أنسابهم وإلحاق فروعهم بأصولهم مَتى احْتَاجَ إِلَى ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم
نهوض السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس إِلَى تلمسان وَفتحهَا وتخريبها

لما نَهَضَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى مراكش وحاصر بهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن خَالفه إِلَى الْمغرب أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني فِي جمع من أَوْلَاد حُسَيْن عرب معقل وَذَلِكَ بإغراء عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَدَخَلُوا إِلَى أحواز مكناسة وعاثوا فِيهَا ثمَّ عَمدُوا إِلَى مَدِينَة تازا فحاصروها سبعا وخربوا قصر الْملك هُنَالك ومسجده الْمَعْرُوف بقصر تازروت وبينما هم على ذَلِك بَلغهُمْ الْخَبَر الْيَقِين بِفَتْح مراكش وَقتل الْأَمِير عبد الرَّحْمَن فأجفلوا من كل نَاحيَة وَمر أَبُو حمو فِي طَرِيقه إِلَى تلمسان بقصر ونزمار بن عريف السويدي فِي نواحي بطوية الْمُسَمّى بمرادة فهدمه
وَوصل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى فاس فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ أجمع النهوض إِلَى تلمسان فَانْتهى إِلَى تاوريرت وَبلغ الْخَبَر إِلَى أبي حمو فاضطرب رَأْيه
(4/67)

واعتزم على الْحصار وَجمع أهل الْبَلَد عَلَيْهِ فَاسْتَعدوا لَهُ ثمَّ بدا لَهُ فَخرج فِي بعض تِلْكَ اللَّيَالِي بولده وَأَهله وخاصته وَأصْبح مخيما بالصفيصف فأهرع أهل الْبَلَد إِلَيْهِ بعيالهم وَأَوْلَادهمْ مُتَعَلقين بِهِ تفاديا من معرة هجوم الْعَسْكَر عَلَيْهِم فَلم يزعه ذَلِك عَن قَصده وارتحل ذَاهِبًا إِلَى الْبَطْحَاء ثمَّ قصد بِلَاد مغراوة فَنزل فِي بني بو سعيد قَرِيبا من شلف وَأنزل أَوْلَاده الأصاغرة وَأَهله بحصن تاجحمومت وَجَاء السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى تلمسان فملكها وَاسْتقر بهَا أَيَّامًا ثمَّ هدم أسوارها وقصور الْملك بهَا بإغراء وليه ونزمار جَزَاء بِمَا فعله أَبُو حمو فِي تخريب قصر تازروت وحصن مُرَادة ثمَّ خرج من تلسمان فِي اتِّبَاع أبي حمو وَنزل على مرحلة مِنْهَا وهنالك بلغه الْخَبَر بِإِجَازَة مُوسَى بن أبي عنان من الأندلس إِلَى الْمغرب وَأَنه خَالفه إِلَى دَار الْملك فانكفأ رَاجعا عوده على بدئه وَرجع أَبُو حمو إِلَى تلمسان فاستقر ملكه بهَا إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
خلع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم وتغريبه إِلَى الأندلس وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد قدمنَا مَا كَانَ من تحكم ابْن الْأَحْمَر فِي مملكة الْمغرب ودالته على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِمَا أَنه كَانَ السَّبَب فِي ولَايَته وَبِمَا تَحت يَده من الْقَرَابَة المرشحين الَّذين أرصدهم للتشغيب على دَار الْملك بالمغرب مَتى رأى من أحدهم مَا لَا يُوَافق هَوَاهُ وَكَانَ مَعَ كَثْرَة تحكمه فيهم يتجنى عَلَيْهِم فِي بعض الْأَوْقَات بِمَا يأتونه من تَقْصِير فِي شَفَاعَة أَو مُخَالفَة فِي أَمر لَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا فيضطغن ذَلِك عَلَيْهِم وَكَانَ يعْتد على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِشَيْء من هَذِه الهنات
فَلَمَّا نَهَضَ إِلَى تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة اتَّصل بِابْن الْأَحْمَر أَن دَار الْملك بفاس قد بقيت عَورَة من الْجند والحامية فانتهز الفرصة وبادر بتسريح مُوسَى ابْن السُّلْطَان أَبى عنان إِلَى الْمغرب
(4/68)

واستوزر لَهُ مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي رَئِيس الْفِتْنَة وقطب رحاها وَكَانَ عِنْده بالأندلس بعد مُفَارقَة عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن فَنزل مُوسَى ابْن أبي عنان سبتة فاستولى عَلَيْهَا وَسلمهَا لِابْنِ الْأَحْمَر فَدخلت فِي طَاعَته ثمَّ تقدم إِلَى فاس فَدَخلَهَا من يَوْمه وَاسْتقر قدمه بهَا
واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْعَبَّاس وَهُوَ بتلمسان فجَاء مبادرا وَنزل بتازا فَأَقَامَ بهَا أَرْبعا ثمَّ تقدم إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالركن فَانْتقضَ عَلَيْهِ رُؤَسَاء جَيْشه وتسللوا إِلَى مُوسَى طوائف وأفرادا وَلما رأى مَا نزل بِهِ رَجَعَ إِلَى تازا بعد أَن انتهب مُعَسْكَره وأضرمت النَّار فِي خيامه وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الموفي ثَلَاثِينَ من ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة
ثمَّ بعث مُوسَى بن أبي عنان من أَتَاهُ بالسلطان أبي الْعَبَّاس فِي الْأمان فَقدم عَلَيْهِ وَقَيده وَبعث بِهِ إِلَى ابْن الْأَحْمَر فَبَقيَ عِنْده محتاطا عَلَيْهِ إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَكَانَت دولته هَذِه عشر سِنِين وشهرين وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَمن وزرائه فِي هَذِه الدولة مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس المجذولي وَمن كِتَابه عبد الْمُهَيْمِن ابْن أبي سعيد بن عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ تغمد الله الْجَمِيع برحمته
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي فَارس مُوسَى ابْن أبي عنان بن أبي الْحسن

أمه مولدة اسْمهَا تاملالت صفته أسمر مائل إِلَى السوَاد قصير الْقَامَة جاحظ الْعَينَيْنِ عَظِيم اللِّحْيَة تملأ صَدره قَائِم الْأنف وَإِذا تكلم يمْلَأ لِسَانه فَمه فَيخرج من بَين شَفَتَيْه ويتحرك فيقبح كَلَامه بُويِعَ يَوْم الْخَمِيس الموفي عشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَقَامَ بِأَمْر دولته وزيره مَسْعُود بن ماساي مستبدا عَلَيْهِ وَلما اسْتَقر أمره بالحضرة وَجه إِلَيْهِ ابْن الْأَحْمَر أمه وَعِيَاله وَكَانُوا عِنْده وهناه وزيره أَبُو عبد الله بن زمرك بتوشيح يَقُول فِي مطلعه
(4/69)

(قد نظم الشمل أتم انتظام ... ولاحت الأقمار بعد المغيب)
(وضاحك الرَّوْض ثغور الْغَمَام ... عَن مبسم الزهر البرود الشيب)
إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره
(مولَايَ يهنيك وَحقّ الهنا ... قد نظم الشمل كنظم السُّعُود)
(قد فزت بالفخر ونيل المنى ... وأنجز السعد جَمِيع الوعود)
(وقرت الْعين وَزَالَ العنا ... وَكلما مر صَنِيع يعود)
(وَلم يزل ملكك حلف الدَّوَام ... يحوز فِي التخليد أوفى نصيب)
(يَتْلُو عَلَيْك الدَّهْر بعد السَّلَام ... نصر من الله وَفتح قريب)
خُرُوج الْحسن بن النَّاصِر بغمارة ونهوض الْوَزير ابْن ماساي إِلَيْهِ

كَانَ الْحسن بن النَّاصِر بن أبي عَليّ بن أبي سعيد قد لحق من مقره بالأندلس بِحَضْرَة تونس فِي سَبِيل طلب الْملك وَكَانَ الْوَزير مَسْعُود بن ماساي قد قتل مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وافترقت حَاشِيَته فِي الْجِهَات فطلبوا بطن الأَرْض دون ظهرهَا وَلحق مِنْهُم ابْن أَخِيه الْعَبَّاس بن الْمِقْدَاد بتونس فعثر على الْحسن بن النَّاصِر بهَا فَثَابَ لَهُ رَأْي فِي الرُّجُوع بِهِ إِلَى الْمغرب لطلب الْأَمر فَخرج بِهِ من تونس وَقطع المفاوز إِلَى أَن انْتهى إِلَى جبال غمارة وَنزل على أهل الصفيحة مِنْهُم فأكرموا مثواه ومنقلبه وأعلنوا بِالْقيامِ بدعوته واستوزر الْعَبَّاس بن الْمِقْدَاد
وَبلغ الْخَبَر إِلَى مَسْعُود الْوَزير فَجهز العساكر مَعَ أَخِيه مهْدي بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي فحاصره بجبل الصَّحِيفَة أَيَّامًا فَامْتنعَ عَلَيْهِ فَنَهَضَ إِلَيْهِ مَسْعُود بِنَفسِهِ على مَا نذكرهُ
(4/70)

وَفَاة السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان رَحمَه الله

لما كَانَ من استبداد ابْن ماساي على السُّلْطَان مُوسَى مَا قدمْنَاهُ استنكف من ذَلِك وداخل بطانته فِي الفتك بِهِ فنما ذَلِك إِلَيْهِ وحصلت لَهُ نفرة من السُّلْطَان طلب لأَجلهَا الْبعد عَنهُ وبادر إِلَى الْخُرُوج لدافعة الْحسن بن النَّاصِر الْقَائِم بغمارة واستخلف على دَار الْملك أَخَاهُ يعِيش بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي فَلَمَّا انْتهى إِلَى قصر كتامة بلغه الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان مُوسَى وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة طرقه الْمَرَض فَهَلَك ليَوْم وَلَيْلَة من مَرضه وَكَانَ النَّاس يرْمونَ يعِيش أَخا الْوَزير بِأَنَّهُ سمه قَالَه ابْن خلدون
وَقَالَ ابْن القَاضِي فِي الجذوة توفّي السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان مسموما يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَله إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة فَكَانَت دولته سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر وَولي بعده مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي سَالم اه
وَمن كِتَابه أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو التَّمِيمِي وَأَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن سَوْدَة المري وَمن قُضَاته أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد المغيلي وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن دولة الْمُنْتَصر بِاللَّه السُّلْطَان أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم بن أبي الْحسن

أمه حرَّة وَهِي رقية بنت السُّلْطَان أبي عنان صفته أَبيض اللَّوْن قَائِم الْأنف أسيل الْخَدين بُويِعَ بعد خَاله مُوسَى بن أبي عنان يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وسنه يَوْم بُويِعَ خمس سِنِين وخلع يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَغرب إِلَى الأندلس مَعَ أَبِيه فَكَانَت دولته ثَلَاثَة وَأَرْبَعين يَوْمًا تَحت استبداد الْوَزير مَسْعُود عَفا الله عَنهُ
(4/71)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الواثق بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْفضل بن أبي الْحسن
أمه أم ولد اسْمهَا عسيلة صفته أسود اللَّوْن عَظِيم الْخلق رحب الْوَجْه طَوِيل الْقَامَة والساقين ممتلئ الْأنف عَظِيم الساعدين وَكَانَ قبل ولَايَته عِنْد ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فِي جملَة الْقَرَابَة وَلما استوحش الْوَزير مَسْعُود من السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان بعث ابْنه يحيى إِلَى ابْن الْأَحْمَر يسْأَل مِنْهُ إِعَادَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس إِلَى ملكه فَأخْرجهُ ابْن الْأَحْمَر من الاعتقال وَجَاء بِهِ إِلَى جبل الْفَتْح يروم إِجَازَته إِلَى العدوة فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان مُوسَى بدا للوزير مَسْعُود فِي أمره ودس لِابْنِ الْأَحْمَر فِي رده وَأَن يبْعَث إِلَيْهِ بالواثق هَذَا وَرَآهُ أليق بالاستبداد وَالْحجر فأسعفه ابْن الْأَحْمَر فِي ذَلِك ورد السُّلْطَان أَحْمد إِلَى مَكَانَهُ بالحمراء وَجِيء بالواثق فَحَضَرَ بجبل الْفَتْح عِنْده فَأَجَازَهُ إِلَى سبتة وَاتفقَ أَن جمَاعَة من الْحَاشِيَة انتقضوا على الْوَزير مَسْعُود وَلَحِقُوا بسبتة فَقدم عَلَيْهِم الواثق بهَا وَرَجَعُوا بِهِ إِلَى الْمغرب وتقلبوا فِي نواحيه إِلَى أَن وصلوا إِلَى جبل مغيلة قرب فاس فبرز الْوَزير مَسْعُود فِي العساكر وَنزل قبالتهم وَقَاتلهمْ هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن يُبَايع مَسْعُود للواثق بِشَرْط الاستبداد فتم العقد على ذَلِك
قَالَ فِي الجذوة بُويِعَ السُّلْطَان الواثق بِاللَّه أَبُو زيان مُحَمَّد بن أبي الْفضل يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَقَامَ بأَمْره الْوَزير مَسْعُود بن ماساي ثمَّ حدثت الْفِتْنَة بَين الْوَزير الْمَذْكُور وَابْن الْأَحْمَر بِسَبَب أَن الْوَزير طلب مِنْهُ إِعَادَة سبتة إِلَى الإيالة المرينية وَكَانَ مُوسَى ابْن أبي عنان قد نزل لَهُ عَنْهَا كَمَا مر وَكَانَ طلبه على سَبِيل الملاطفة فاستشاط ابْن الْأَحْمَر غَضبا وأساء الرَّد فَجهز ابْن ماساي العساكر لحصار سبتة مَعَ الْعَبَّاس بن عمر بن عُثْمَان الوسنافي وَيحيى بن علال بن آمصمود والرئيس مُحَمَّد بن أَحْمد الأبكم من بني الْأَحْمَر فاستولى عَلَيْهَا
(4/72)

ثمَّ سرح ابْن الْأَحْمَر السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من اعتقاله وَبَعثه إِلَى الْمغرب لطلب ملكه وللتشغيب على ابْن ماساي الجاحد لإحسانه فَعبر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْبَحْر إِلَى الْمغرب فاحتل سبتة وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ تقدم إِلَى فاس فحاصرها وضيق على ابْن ماساي وسلطانه الواثق بِاللَّه وأهرع النَّاس إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته حَتَّى من مراكش فاستمر الْحصار على فاس الْجَدِيد ثَلَاثَة أشهر ثمَّ أذعن الْوَزير مَسْعُود للطاعة على شَرط أَن يبْقى وزيرا ويغرب سُلْطَانه إِلَى الأندلس فَأُجِيب وخلع الواثق بِاللَّه ثمَّ خرج إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَبَايعهُ وَتقدم أَمَامه فَدخل دَاخل ملكه يَوْم الْخَمِيس خَامِس رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ولحين دُخُوله قبض على الواثق بِاللَّه فقيده وَبعث بِهِ إِلَى طنجة فَقتل بهَا بعد ذَلِك وسنه يَوْم قتل ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَبهَا قبر
وَمن وزرائه يعِيش بن عَليّ بن فَارس الياباني ومسعود بن رحو بن ماساي وَمن كِتَابه مَنْصُور بن أَحْمد بن مُحَمَّد التَّمِيمِي وَأَبُو يحيى مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن أبي مَدين وَمن قُضَاته أَبُو يحيى مُحَمَّد بن مُحَمَّد السكاك رَحِمهم الله تَعَالَى بمنه
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم بن أبي الْحسن

لما دخل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس حَضْرَة فاس الْجَدِيد فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ الْبيعَة الْعَامَّة فِي الْيَوْم الثَّالِث من دُخُوله وَهُوَ يَوْم السبت السَّابِع من رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة لمضي ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام من خلعه
وَلما ملك أَمر نَفسه قبض على الْوَزير ابْن ماساي وعَلى إخْوَته وحاشيته وامتحنهم امتحانا بليغا فهلكوا من الْعَذَاب ثمَّ سلط على مَسْعُود من الْعَذَاب
(4/73)

والانتقام مَا لَا يعبر عَنهُ واعتد عَلَيْهِ بِمَا كَانَ يَفْعَله فِي دور بني مرين النازعين عَنهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ مَتى هرب مِنْهُم أحد عمد إِلَى بيوته فنهبها فَأمر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بعقابه فِي أطلالها فَكَانَ يُؤْتى بِهِ إِلَى كل بَيت فِيهَا فَيضْرب عشْرين سَوْطًا إِلَى أَن برح بِهِ الْعَذَاب وَتجَاوز الْحَد ثمَّ أَمر بِهِ فَقطعت أربعته فَهَلَك عِنْد قطع الثَّانِيَة وَذهب مثلا للآخرين
ظُهُور مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بسجلماسة ثمَّ اضمحلاله بعد ذَلِك

قد قدمنَا أَن الْأَمِير عبد الْحَلِيم بن أبي سعيد كَانَ تغلب على سجلماسة ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَخُوهُ عبد الْمُؤمن وسافر عبد الْحَلِيم إِلَى الْمشرق فَهَلَك فِي سفرته تِلْكَ وَكَانَ قد ترك ابْنه مُحَمَّدًا هَذَا رضيعا فشب متقلبا بَين الدول من ملك إِلَى آخر على أَن أَكثر مقَامه إِنَّمَا كَانَ عِنْد أبي حمو صَاحب تلمسان وَلما حاصر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فاس الْجَدِيد كَانَ مُحَمَّد هَذَا عِنْد الْعَرَب الأحلاف فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحصار على مَسْعُود بن ماساي دس إِلَى الأحلاف أَن ينصبوا مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم لِلْأَمْرِ ويجلبوا بِهِ على الْمغرب ليَأْخُذ بحجزة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَنهُ فَفَعَلُوا وَدخل مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم سجلماسة فملكها حَتَّى إِذا استولى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس على فاس الْجَدِيد وأوقع بمسعود ابْن ماساي وَإِخْوَته خرج مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم عَن سجلماسة وَلحق بأحياء الْعَرَب فسارت طَائِفَة مِنْهُم مَعَه إِلَى أَن أبلغوه مأمنه وَنزل على أبي حموا بتلمسان إِلَى أَن هلك فَسَار إِلَى تونس وَنزل على صَاحبهَا أبي الْعَبَّاس الحفصي ثمَّ ارتحل بعد وَفَاته إِلَى الْمشرق لحج الْفَرِيضَة وَالله تَعَالَى أعلم
(4/74)

نكبة الْكَاتِب ابْن أبي عَمْرو وحركات بن حسون ومقتلهما

كَانَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو التَّمِيمِي وَقد تقدم ذكر وَالِده فِي دولة السُّلْطَان أبي عنان كَاتبا عِنْد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فِي دولته الأولى فَلَمَّا خلع وَولي مُوسَى بن أبي عنان تقرب إِلَيْهِ بسالف المخالصة لِأَبِيهِ من أبي عنان فقد كَانَ أعز بطانته كَمَا مر فاستخلصه السُّلْطَان مُوسَى للشورى وَرفع مَنْزِلَته على منَازِل أهل الدولة وَجعل إِلَيْهِ كِتَابَة علامته على المراسم السُّلْطَانِيَّة كَمَا كَانَ لِأَبِيهِ وَكَانَ يفاوضه فِي مهماته وَيرجع إِلَيْهِ فِي أُمُوره حَتَّى غص بِهِ أهل الدولة وسعى هُوَ عِنْد السُّلْطَان مُوسَى فِي جمَاعَة من بطانة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَأتى عَلَيْهِم النكال وَالْقَتْل لكلمات كَانَت تجْرِي بَينهم وَبَينه فِي مجَالِس المنادمة عِنْد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس حقدها عَلَيْهِم فَلَمَّا ظفر بالحظ من السُّلْطَان مُوسَى سعى بهم عِنْده فَقَتلهُمْ وَكَانَ القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم اليزناسني من بطانة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَكَانَ يحضر مَعَ ندمائه فحقد عَلَيْهِ ابْن أبي عَمْرو وأغرى بِهِ السُّلْطَان مُوسَى فَضَربهُ وأطافه وَجَاء بهَا شنعاء غَرِيبَة فِي الْقبْح ثمَّ سفر ابْن أبي عَمْرو عَن سُلْطَانه مُوسَى إِلَى الأندلس فَكَانَ يمر بِمَجْلِس السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من مَحل اعتقاله فَلَا يلم بِهِ وَرُبمَا يلقاه فَلَا يحييه وَلَا يُوجب لَهُ حَقًا فأحفظ ذَلِك السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس فَلَمَّا رد الله عَلَيْهِ ملكه وَفرغ من ابْن ماساي قبض على ابْن أبي عَمْرو هَذَا وأودعه السجْن ثمَّ امتحنه بعد ذَلِك إِلَى أَن هلك تَحت السِّيَاط وَحمل إِلَى دَاره وبينما أَهله يحضرونه إِلَى قَبره إِذا بالسلطان قد أَمر بِأَن يسحب فِي نواحي الْمَدِينَة إبلاغا فِي النكال فَحمل من نعشه وَقد ربط فِي رجله حَبل وسحب فِي سِكَك الْمَدِينَة ثمَّ ألقِي على بعض الْمَزَابِل
ثمَّ قبض السُّلْطَان على حركات بن حسون شيخ الْعَرَب وَكَانَ مجلبا فِي الْفِتْنَة وَكَانَ الْعَرَب المخالفون من معقل لما أجَاز السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى
(4/75)

سبتة وحركات هَذَا بتادلا راودوه على طَاعَة السُّلْطَان فَامْتنعَ أَولا ثمَّ أكرهوه وجاؤوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان فطوى على ذَلِك حَتَّى إِذا استقام أمره وَملك حَضْرَة فاس الْجَدِيد قبض عَلَيْهِ وامتحنه إِلَى أَن هلك وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور
أَخْبَار تلمسان واستيلاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَلَيْهَا

كَانَ السُّلْطَان أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني قد عَاد إِلَى تلمسان وَثَبت قدمه بهَا كَمَا قُلْنَا إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ ابْنه أَبُو تاشفين آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وشرق أَبوهُ بدائه ثمَّ عَادَتْ لَهُ الكرة عَلَيْهِ فِي أَخْبَار طَوِيلَة فاستمد أَبُو تاشفين السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس فأمده بِابْنِهِ الْأَمِير أبي فَارس ووزيره مُحَمَّد بن يُوسُف بن علال عقد لَهما على جَيش كثيف من بني مرين وَغَيرهم فانتصر أَبُو تاشفين على أَبِيه فَقتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس ثمَّ تقدم فَدخل تلمسان آخر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ بهَا مُقيما لدَعْوَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَكَانَ يخْطب لَهُ على مَنَابِر تلمسان وَيبْعَث إِلَيْهِ بالضريبة كل سنة كَمَا شَرط على نَفسه عِنْد تَوْجِيه العساكر مَعَه وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة فتغلب على تلمسان أَخُوهُ الْأَخير يُوسُف بن أبي حمو
وَلما اتَّصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْعَبَّاس خرج من الحضرة إِلَى تازا وَمن
(4/76)

هُنَالك بعث ابْنه الْأَمِير أَبَا فَارس فِي العساكر إِلَى تلمسان فاستولى عَلَيْهَا وَأقَام فِيهَا دَعْوَة وَالِده وفر يُوسُف بن أبي حمو إِلَى بعض الْحُصُون فاعتصم بِهِ إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
وُصُول هَدِيَّة صَاحب مصر السُّلْطَان الظَّاهِر برقوق إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بتازا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ الْعَلامَة الرئيس ولي الدّين ابْن خلدون قد استوطن فِي آخر عمره مصر الْقَاهِرَة وَنزل من سلطانها بالمنزلة الرفيعة قَالَ رَحمَه الله وَكَانَ يُوسُف ابْن عَليّ بن غَانِم أَمِير أَوْلَاد حُسَيْن من معقل ثمَّ من أَوْلَاد جرار مِنْهُم قد حج سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة واتصل بِصَاحِب مصر الْملك الظَّاهِر برقوق أول مُلُوك الجراكسة من التّرْك قَالَ فتقدمت إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور فِيهِ وأخبرته بمحله من قومه فَأكْرم تلقيه وَحمله بعد قَضَاء حجه هَدِيَّة إِلَى صَاحب الْمغرب يطرفه فِيهَا بتحف من بضائع بَلَده على عَادَة الْمُلُوك فَلَمَّا قدم يُوسُف بهَا على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أعظم موقعها وَجلسَ فِي مجْلِس حفل لعرضها والمباهاة بهَا وَشرع فِي الْمُكَافَأَة عَلَيْهَا بمتخير الْجِيَاد والبضائع وَالثيَاب حَتَّى إِذا اسْتكْمل من ذَلِك مَا رضيه وعزم على بعثها مَعَ يُوسُف بن عَليّ حاملها الأول وَإنَّهُ يَبْعَثهُ بهَا من مَوضِع مقَامه بتازا اخترمته الْمنية دون ذَلِك
(4/77)

وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله ...
كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِمحل مقَامه من تازا وَهُوَ يشارف أَحْوَال ابْنه أبي فَارس ووزيره صَالح بن حمو الياباني وَكَانَ قد قدمهما لفتح تلمسان والبلاد الشرقية فَأَصَابَهُ حمامه هُنَالك لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع من محرم فاتح سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالقلة وسنه يَوْمئِذٍ تسع وَثَلَاثُونَ سنة فَكَانَت دولته الثَّانِيَة سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَمن وزرائه فِي هَذِه الدولة صَالح بن حمو الياباني وَمُحَمّد بن يُوسُف بن علال الصنهاجي وَمن حجابه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي وَمن كِتَابه الشريف أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله الحسني السبتي والقائد مُحَمَّد بن مُوسَى بن مَحْمُود الْكرْدِي وَيحيى بن الْحسن بن أبي دلامة التسولي وَمن قُضَاته القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم اليزناسني قَالَ فِي الجذوة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس شَاعِرًا مفلقا بديع التَّشْبِيه فَمن نظمه قَوْله
(أما الْهوى يَا صَاحِبي فألقته ... وعهدته من عهد أَيَّام الصِّبَا)
(ورأيته قوت النُّفُوس وحليها ... فتخذته دينا إِلَيّ ومذهبا)
(ولبست دون النَّاس مِنْهُ حلَّة ... كَانَ الْوَفَاء لَهَا طرازا مذهبا)
(لَكِن رَأَيْت لَهُ الْفِرَاق منغصا ... لَا بفراقنا لَا مرْحَبًا)
وَمن أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس مَا حَكَاهُ فِي نفح الطّيب أَن الأديب الْكَاتِب أَبَا الْحسن عَليّ ابْن الْوَزير لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب كَانَ مصاحبا للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس هَذَا فَحَضَرَ مَعَه ذَات يَوْم فِي بُسْتَان سح فِيهِ مَاء المذاكرة الهتان وَقد أبدى الْأَصِيل شَوَاهِد الاصفرار وأزمع النَّهَار لما قدم اللَّيْل على الْفِرَار فَقَالَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس لما لَان جَانِبه وَسَأَلت بَين سرحات الْبُسْتَان جداوله ومذانبه
(يَا فاس أَنِّي وأيم الله ذُو شغف ... بِكُل ربع بِهِ مغناه يسبيني)
(وَقد أنست بقربك مِنْك يَا آملي ... ونظرة فِيكُم بالأنس تحييني)
(4/78)

فَأَجَابَهُ أَبُو الْحسن ابْن الْخَطِيب بقوله الْمُصِيب
(لَا أوحش الله ربعا أَنْت زَائِره ... يَا بهجة الْملك وَالدُّنْيَا مَعَ الدّين)
(يَا أَحْمد الْحَمد أبقاك الْإِلَه لنا ... فَخر الْمُلُوك وسلطان السلاطين)
وَمن أخباره أَيْضا أَن كَاتبه أَبَا زَكَرِيَّاء يحيى بن أَحْمد بن عبد المنان دخل عَلَيْهِ عشَاء فَقَالَ لَهُ أنعم الله صباح مَوْلَانَا فَأنْكر السُّلْطَان ذَلِك وَظن أَنه ثمل فتفطن أَبُو زَكَرِيَّاء لما صدر مِنْهُ وتدارك ذَلِك فَأَنْشد مرتجلا
(صبحته عِنْد الْمسَاء فَقَالَ لي ... مَاذَا الْكَلَام وَظن ذَلِك مزاحا)
(فأجبته إشراق وَجهك غرني ... حَتَّى توهمت الْمسَاء صباحا)
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله

من الِاتِّفَاق الْغَرِيب أَن سُلْطَان فاس وَالْمغْرب فِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وسلطان تونس وإفريقية كَانَ اسْمه أَيْضا عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وَكَانَت ولايتهما فِي سنة وَاحِدَة إِلَّا أَن مُدَّة الحفصي طَالَتْ جدا
أم هَذَا السُّلْطَان أم ولد اسْمهَا جَوْهَر صفته شَاب السن ربعَة من الْقَوْم أدعج الْعَينَيْنِ جميل الْوَجْه
لما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله بتازا كَانَ ابْنه أَبُو فَارس هَذَا بتلمسان فاستدعاه رجال الدولة مِنْهَا فَقدم عَلَيْهِم بتازا وَبَايَعُوهُ بهَا يَوْم السبت التَّاسِع من محرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَلما تمّ أمره أطلق أَبَا زيان بن أبي حمو الزياني وَكَانَ معتقلا عِنْده بفاس لالتجائه إِلَى أَبِيه من قبل فِي خبر لَيْسَ تَفْصِيله من غرضنا وَبَعثه إِلَى تلمسان أَمِيرا عَلَيْهَا من قبله فَسَار إِلَيْهَا أَبُو زيان وملكها وَأقَام فِيهَا دَعْوَة السُّلْطَان أبي فَارس ثمَّ
(4/79)

خرج عَلَيْهِ أَخُوهُ يُوسُف بن أبي حمو واتصل بأحياء بني عَامر بن زغبة وعزم على الإجلاب عَلَيْهِ بهم فسرب أَبُو زيان فيهم الْأَمْوَال فَقَتَلُوهُ وبعثوا إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ فسكنت أَحْوَال تلمسان وَذَهَبت الْفِتْنَة بذهاب يُوسُف واستقامت أُمُور دولة السُّلْطَان أبي فَارس قَالَه ابْن خلدون وَهُوَ آخر مَا ورخه عَن دولة الْمغرب
وَاعْلَم أَن مَا نسوقه بعد هَذَا من الْأَخْبَار عَن هَذِه الدولة المرينية لم يسمح لنا الْوَقْت بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي تأليف يَخُصهَا أَو مَوْضُوع يقص أَخْبَارهَا نسقا وينصها وَإِنَّمَا تتبعنا مَا أَثْبَتْنَاهُ من ذَلِك فِي مَوَاضِع ذكرت فِيهَا بِحَسب التبع لَا بِالْقَصْدِ الأول وعَلى الله تَعَالَى فِي الْهِدَايَة إِلَى الصَّوَاب الْمعول
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ووفاته

قَالُوا كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْعَبَّاس رَحمَه الله كثير الشَّفَقَة رَقِيق الْقلب منقبضا عَن الْغدر متوقفا فِي سفك الدِّمَاء وَكَانَ فَارِسًا عَارِفًا بركض الْخَيل وَيحسن قرض الشّعْر وَيُحب سَمَاعه فَمن نظمه وَقد نزل الْمَطَر يشْكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ قَوْله
(الله يلطف بالعباد فَوَاجِب ... أَن يشكروا فِي كل حَال نعْمَته)
(فَهُوَ الَّذِي فيهم ينزل غيثه ... من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته)
توفّي رَحمَه الله يَوْم السبت ثامن صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَدفن مَعَ أَبِيه بالقلة فَكَانَت دولته ثَلَاث سِنِين وشهرا وَمن وزرائه صَالح بن حمو الياباني وَيحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وَمن كِتَابه يحيى بن الْحسن ابْن أبي دلامة وَمن قُضَاته عبد الْحَلِيم بن أبي إِسْحَاق اليزناسني رَحِمهم الله تَعَالَى بمنه
(4/80)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عَامر عبد الله ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله تَعَالَى

هَذَا السُّلْطَان شَقِيق الَّذِي قبله أمه الْجَوْهَر الْمُتَقَدّمَة صفته أدعج الْعَينَيْنِ حسن الْأنف لامي العذار بُويِعَ بعد أَخِيه عبد الْعَزِيز يَوْم السبت الثَّامِن من صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَكَانَ التَّصَرُّف والنقض والإبرام فِي هَذِه الْمدَّة كلهَا للوزراء وَتُوفِّي السُّلْطَان الْمَذْكُور بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الثُّلَاثَاء الموفي ثَلَاثِينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانمِائَة فَكَانَت دولته سنة وَخَمْسَة أشهر سوى أَيَّام وَمن وزرائه صَالح بن حمو وَيحيى بن علال وَمن قُضَاته عبد الرَّحِيم اليزناسني وَمن حجابه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي وفارح بن مهْدي العلج وَالله تَعَالَى أعلم
وَأما أَخْبَار الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فَإِنَّهُ كَانَ أسقط رياسة الْجِهَاد من بني مرين بهَا ومحا رسمها من مَمْلَكَته أَيَّام أجَاز عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن للتشغيب على أبي بكر بن غَازِي بن الكاس حَسْبَمَا تقدم وَصَارَ أَمر الْغُزَاة والمجاهدين إِلَيْهِ وباشر أَحْوَالهم بِنَفسِهِ وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن هلك سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة فولي مَكَانَهُ ابْنه أَبُو الْحجَّاج يُوسُف وَبَايَعَهُ النَّاس وَقَامَ بأَمْره خَالِد مولى أَبِيه وتقبض على إخْوَته سعد وَمُحَمّد وَنصر فَكَانَ آخر الْعَهْد بهم وَلم يُوقف لَهُم بعد على خبر ثمَّ سعى عِنْده فِي خَالِد الْقَائِم بدولته وَأَنه أعد السم لقَتله وَأَن يحيى بن الصَّائِغ الْيَهُودِيّ طَبِيب دَارهم قد دَاخله فِي ذَلِك ففتك بِخَالِد وتناوشته السيوف بَين يَدَيْهِ لسنة أَو نَحْوهَا من ملكه ثمَّ حبس الطَّبِيب الْمَذْكُور فذبح فِي محبسه ثمَّ هلك سنة أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة لِسنتَيْنِ أَو نَحْوهَا من ولَايَته
وَقد وقفت لبَعض الإصبنيوليين واسْمه منويل باولو القشتيلي على كتاب مَوْضُوع فِي أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى فنقلت مِنْهُ بعض أَخْبَار لم أَجدهَا إِلَّا عِنْده وَهُوَ وَإِن كَانَ ينْقل الغث والسمين والرخيص والثمين إِلَّا أَن النَّاقِد
(4/81)

الْبَصِير يُمَيّز حصباءه من دره وَيفرق بَين حشفه وثمره فَمن ذَلِك أَنه حكى عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج الْمَذْكُور مَا صورته قَالَ كَانَت مراسلات السُّلْطَان المريني يَعْنِي السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس مَعَ السُّلْطَان يُوسُف بن الْغَنِيّ بِاللَّه صَاحب غرناطة حَسَنَة فِي الظَّاهِر تدل على الْمُوَافقَة والمحبة وَكَانَ المريني فِي الْبَاطِن يحب الِاسْتِيلَاء على مملكة غرناطة وَلما لم يُمكنهُ ذَلِك بِالسَّيْفِ عدل إِلَى أَعمال الْحِيلَة فأهدى إِلَى السُّلْطَان أبي الْحجَّاج كسى رفيعة أَحدهَا مَسْمُومَة فلبسها فَهَلَك لحينه وَمَعَ ذَلِك فَلم يدْرك المريني غَرَضه فَإِنَّهُ لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى توفّي أَيْضا اه وَلم توفّي أَبُو الْحجَّاج بُويِعَ ابْنه مُحَمَّد بن يُوسُف وَقَامَ بأَمْره الْقَائِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد الخصاصي من صنائع أَبِيه قَالَ ابْن خلدون وَالْحَال على ذَلِك لهَذَا الْعَهْد ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة خمسين وَسَبْعمائة كَانَ الوباء الَّذِي عَم المسكونة شرقا وغربا على مَا نبهنا عَلَيْهِ فِيمَا مضى
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة توفّي الْوَلِيّ الزَّاهِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن عمر بن مُحَمَّد بن عَاشر الأندلسي نزيل سلا الْعَارِف الْمَشْهُور قَالَ أَبُو عبد الله بن سعد التلمساني فِي كِتَابه النَّجْم الثاقب فِيمَا لأولياء الله من المناقب كَانَ ابْن عَاشر أحد الْأَوْلِيَاء الأبدال معدودا فِي كبار الْعلمَاء مَشْهُورا بإجابة الدُّعَاء مَعْرُوفا بالكرامات مقدما فِي صُدُور الزهاد مُنْقَطِعًا عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَلَو كَانُوا من صالحي الْعباد ملازما للقبور فِي الْخَلَاء الْمُتَّصِل ببحر مَدِينَة سلا مُنْفَردا عَن الْخلق لَا يفكر فِي أَمر الرزق وَله أَخْبَار جليلة وكرامات عَجِيبَة مَشْهُورَة مِمَّن جمع الله لَهُ الْعلم وَالْعَمَل وَألقى عَلَيْهِ الْقبُول من الْخلق شَدِيد الهيبة عَظِيم الْوَقار كثير الخشية طَوِيل التفكير وَالِاعْتِبَار قَصده أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو عنان وارتحل إِلَيْهِ سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة فَوقف بِبَابِهِ طَويلا فَلم يَأْذَن لَهُ وَانْصَرف وَقد امْتَلَأَ قلبه من حبه وإجلاله ثمَّ عاود
(4/82)

الْوُقُوف بِبَابِهِ مرَارًا فَمَا وصل إِلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ بعض أَوْلَاده بِكِتَاب كتبه إِلَيْهِ يستعطفه لزيارته ورؤيته فَأَجَابَهُ بِمَا قطع رَجَاءَهُ مِنْهُ وأيأسه من لِقَائِه فَاشْتَدَّ حزنه وَقَالَ هَذَا ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى حجبه الله عَنَّا اه ومناقب الشَّيْخ ابْن عَاشر وكراماته كَثِيرَة وَقد ألف فِيهَا أَبُو الْعَبَّاس بن عَاشر الحافي من عُلَمَاء سلا كِتَابه الْمُسَمّى بتحفة الزائر فِي مَنَاقِب الشَّيْخ ابْن عَاشر فَانْظُرْهُ
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَهِي السّنة الَّتِي قتل فِيهَا ابْن الْخَطِيب كَانَ الْجُوع بالمغرب قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْخَطِيب القسنطيني الْمَعْرُوف بِابْن قنفذ فِي كِتَابه أنس الْفَقِير مَا حَاصله أَنه رَجَعَ من هجرته بالمغرب الْأَقْصَى فِي السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى بَلَده قسنطينة فاجتاز فِي طَرِيقه بتلمسان قَالَ وَفِي هَذِه السّنة كَانَت المجاعة الْعَظِيمَة وَعم الخراب الْمغرب فأقمت بتلمسان نَحْو شهر أنْتَظر تيَسّر سلوك الطَّرِيق فالتجأت إِلَى قبر الشَّيْخ أبي مَدين ودعوت الله عِنْده فَوَقع مَا أملته وَارْتَحَلت بعد أَيَّام يسيرَة فَرَأَيْت فِي الطَّرِيق من الْخَيْر مَا كَانَ يتعجب مِنْهُ من شَاهده وَكَانَ أَمر الطَّرِيق فِي الْخَوْف والجوع بِحَيْثُ أَن كل من نقدم عَلَيْهِ يتعجب من وصولنا سَالِمين ثمَّ عِنْد ارتحالنا من عِنْده يتأسف علينا حَتَّى أَن مِنْهُم من يسمعنا ضرب الأكف خلفنا تحسرا علينا حَتَّى انْتهى سفرنا على وفْق اختيارنا وَالْحَمْد لله
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمرَان الفنزاري السلاوي الْمَعْرُوف بِابْن المجراد صَاحب لامية الْجمل وَشرح الدُّرَر وَغَيرهمَا من التآليف الحسان قَالَ صَاحب بلغَة الأمنية ومقصد الْبَيْت فِيمَن كَانَ بسبتة فِي الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب فِي حق الشَّيْخ الْمَذْكُور كَانَ مُحدثا حَافِظًا راوية لَهُ معرفَة بِالرِّجَالِ والمغازي وَالسير وَكَانَ رجلا صَالحا حسن السِّيرَة صَادِق اللهجة انْتفع بِهِ النَّاس وَظَهَرت بركته على كل من عرفه أَو لَازم مَجْلِسه أَو قَرَأَ عَلَيْهِ من صَغِير أَو كَبِير قَالَ وَذَلِكَ عندنَا مَعْرُوف بسبتة
(4/83)

مَشْهُور بَين أَهلهَا وانتقل إِلَى بَلَده سلا وَتُوفِّي بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة قلت وقبره مَشْهُور بهَا إِلَى الْآن وَعَلِيهِ قبَّة صَغِيرَة وَهُوَ من مزارات سلا خَارج بَاب الْمُعَلقَة مِنْهَا عَن يَمِين الْخَارِج على نَحْو غلوة وَأهل سلا يسمونه سَيِّدي الإِمَام السلاوي رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف الْمُحَقق الرباني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم النفزي الْمَعْرُوف بِابْن عباد شَارِح الحكم العطائية وَأحد تلامذة الشَّيْخ ابْن عَاشر الْمَذْكُور آنِفا قَالَ صَاحبه وَأَخُوهُ فِي الله الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء السراج فِي حَقه مَا نَصه كَانَ حسن السمت طَوِيل الصمت كثير الْوَقار وَالْحيَاء جميل اللِّقَاء حسن الْخلق والخلق على الهمة متواضعا مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة نَشأ ببلدة رندة على أكمل طَهَارَة وعفاف وصيانة وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين ثمَّ اشْتغل بعد بِطَلَب الْعُلُوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية حَتَّى رَأس فِيهَا وَحصل مَعَانِيهَا ثمَّ أَخذ فِي طَرِيق الصُّوفِيَّة والمباحثة عَن الْأَسْرَار الإلهية حَتَّى أُشير إِلَيْهِ وَتكلم فِي عُلُوم الْأَحْوَال والمقامات والعلل والآفات وَألف فِيهَا تآليف عَجِيبَة وتصانيف بديعة غَرِيبَة وَله أجوبة كَبِيرَة فِي مسَائِل الْعُلُوم نَحْو مجلدين ودرس كتبا وحفظها كلهَا أَو جلها إِلَى أَن قَالَ وَلَقي بسلا الشَّيْخ الْحَاج الصَّالح السّني الزَّاهِد الْوَرع أَحْمد بن عَاشر وَأقَام مَعَه وَمَعَ أَصْحَابه سِنِين عديدة قَالَ رَحمَه الله قصدتهم لوجدان السَّلامَة مَعَهم وَتُوفِّي رَحمَه الله بفاس بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَحضر جنَازَته السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم فَمن دونه وهمت الْعَامَّة بِكَسْر نعشه تبركا بِهِ رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
وَمن فَوَائده الَّتِي نقلهَا عَن شَيْخه ابْن عَامر مَا ذكره فِي رسائله قَالَ كنت قد مَا خرجت فِي يَوْم مولد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَائِما إِلَى سَاحل الْبَحْر فَوجدت هُنَالك سَيِّدي الْحَاج أَحْمد بن عَاشر رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ وَجَمَاعَة من
(4/84)

أَصْحَابه وَمَعَهُمْ طَعَام يَأْكُلُونَهُ فأرادوا مني الْأكل فَقلت إِنِّي صَائِم فَنظر إِلَيّ سَيِّدي الْحَاج نظرة مُنكرَة وَقَالَ لي هَذَا يَوْم فَرح وسرور يستقبح فِي مثله الصَّوْم كالعيد فتأملت قَوْله فَوَجَدته حَقًا وَكَأَنَّهُ أيقظني من النّوم اه
وَاعْلَم أَنه فِي آخر هَذَا الْقرن الثَّامِن تبدلت أَحْوَال الْمغرب بل وأحوال الْمشرق وَنسخ الْكثير من عوائد النَّاس ومألوفاتهم وأزيائهم قَالَ ابْن خلدون فِي مُقَدّمَة تَارِيخه بعد أَن ذكر أَن الْأَحْوَال الْعَامَّة للآفاق والأجيال والأعصار هِيَ أس المؤرخ الَّذِي تنبني عَلَيْهِ أَكثر مقاصده مَا نَصه وَأما لهَذَا الْعَهْد وَهُوَ آخر الْمِائَة الثَّامِنَة فقد انقلبت أَحْوَال الْمغرب الَّذِي نَحن شاهدوه وتبدلت بِالْجُمْلَةِ واعتاض من أجيال البربر أَهله على الْقدَم بِمن طَرَأَ فِيهِ من لدن الْمِائَة الْخَامِسَة من أجيال الْعَرَب بِمَا كثروهم وغلبوهم وانتزعوا مِنْهُم عَامَّة الأوطان وشاركوهم فِيمَا بَقِي من الْبلدَانِ بملكتهم وبأسهم هَذَا إِلَى مَا نزل بالعمران شرقا وغربا فِي منتصف هَذِه الْمِائَة الثَّامِنَة من الطَّاعُون الجارف الَّذِي تحيف الْأُمَم وَذهب بِأَهْل الجيل وطوى كثيرا من محَاسِن الْعمرَان ومحاها وَجَاء للدول على حِين هرمها وبلوغ الْغَايَة من مداها فقلص من ظلالها وفل من حَدهَا وأوهن من سلطانها وتداعت إِلَى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمرَان الأَرْض بانتقاص الْبشر فخربت الْأَمْصَار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل السَّاكِن وَكَأَنِّي بالمشرق قد نزل بِهِ مثل مَا نزل بالمغرب لَكِن على نسبته وَمِقْدَار عمرانه وكأنما نَادَى لِسَان الْكَوْن فِي الْعَالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَإِذا تبدلت الْأَحْوَال جملَة فَكَأَنَّمَا تبدل الْخلق من أَصله وتحول الْعَالم بأسره وَكَأَنَّهُ خلق جَدِيد ونشأة مستأنفة وعالم مُحدث إِلَى آخر كَلَامه رَحمَه الله فَافْهَم هَذِه الْجُمْلَة وتفطن لأحوال الدول الَّتِي سردنا أَخْبَارهَا فِيمَا مضى وأحوال الَّتِي نسرد أَخْبَارهَا فِيمَا بعد وَتَأمل الْفرق بَين ذَلِك وَالسَّبَب فِيهِ وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب بمنه
(4/85)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم

هَذَا السُّلْطَان هُوَ ثَالِث الْإِخْوَة الأشقاء من بني أبي الْعَبَّاس الَّذين ولوا الْأَمر من بعد وَلَاء أمه الْجَوَاهِر أم أَخَوَيْهِ قبله بُويِعَ بعد صَلَاة الْعَصْر لَهُ من يَوْم الثُّلَاثَاء الموفي ثَلَاثِينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانمِائَة وسنه يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة وَكَانَ النَّقْض والإبرام وَسَائِر التَّصَرُّفَات فِي دولته للوزراء والحجاب وَالسُّلْطَان متفرغ لِاسْتِيفَاء لذاته وَمن أكبر حجابه أَبُو الْعَبَّاس القبائلي الَّذِي نذْكر خَبره الْآن
حجابة أبي الْعَبَّاس القبائلي ونكبته ومقتله وَالسَّبَب فِي ذَلِك

بَيت بني القبائلي بَيت مَشْهُور فِي الوزارة والحجابة وَالْكِتَابَة من لدن الدولة الموحدية بمراكش إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَكَانَ الرئيس الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي كَاتبا مَشْهُورا وحاجبا مَذْكُورا وَكَانَ قد بذ الأقران وتصدر الْأَعْيَان وَبلغ من الجاه ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا عَظِيما وَكَانَ يحابي بالخطط السُّلْطَانِيَّة الْأَقَارِب والأرحام لَا يعدل بهَا عَمَّن سواهُم فاضطغنت عَلَيْهِ الْقُلُوب وَكَثُرت فِيهِ السعايات إِلَى أَن نفذ أَمر الله فأوقع بِهِ السُّلْطَان أَبُو سعيد وقْعَة شنعاء كَانَ من خَبَرهَا أَنه كَانَ للحاجب الْمَذْكُور ولد اسْمه عبد الرَّحْمَن وَكَانَ من فضلاء وقته وَكَانَ لعبد الرَّحْمَن هَذَا ولد اسْمه عَليّ وَكَانَ من نجباء الْأَبْنَاء فَكَانَ لجده أبي الْعَبَّاس لذَلِك ميل إِلَيْهِ ومحبة وافتتان بِهِ فاتفق أَن مرض هَذَا الحافد ذَات يَوْم فَنزل جده أَبُو الْعَبَّاس من الحضرة بفاس الْجَدِيد لعيادته بدار وَلَده عبد الرَّحْمَن من عدوة الْقرَوِيين من فاس الْقَدِيم
(4/86)

وَكَانَت الدَّار بزنقة الجيلة من الطالعة فَبَاتَ الشَّيْخ عِنْد حافده تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ مُنْذُ ولي خطة الحجابة لم يغب عَن دَار الْملك لَيْلَة وَاحِدَة بل كَانَ يَأْخُذ فِي ذَلِك بالحزم بِحَيْثُ يسد أَبْوَاب الحضرة ويفتحها ويباشر سَائِر الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة بِنَفسِهِ فَلَمَّا أَرَادَ الله إِنْفَاذ قدره غطى على عقله وبصره فتساهل فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَبعث وَلَده أَبَا الْقَاسِم ليقوم مقَامه فِي غلق الْأَبْوَاب وَفتحهَا مَعَ صَاحب السقيف ومساهمه فِي الْقيام بالأمور السُّلْطَانِيَّة أبي مُحَمَّد عبد الله الطريفي الْآتِي ذكره فغلقا الْأَبْوَاب على الْعَادة وَلما كَانَ الصَّباح من الْغَد تقدم الْوَلَد أَبُو الْقَاسِم لأخذ المفاتيح من دَار الْخلَافَة فأخرجت إِلَيْهِ وَتَوَلَّى فتح الْأَبْوَاب وَحده دون أَن يحضر الطريفي المشارك لَهُ فِي ولَايَة السقيف فَلَمَّا جَاءَ أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور وَرَأى الْأَبْوَاب مفتحة بِدُونِ حُضُوره أَخذه من ذَلِك مَا قدم وَمَا حدث وأسرها فِي نَفسه حَتَّى إِذا كَانَ الْمسَاء وَحضر الْوَقْت الْمَعْهُود لغلق الْأَبْوَاب طلع للحضرة ولد آخر من ولد الْحَاجِب القبائلي يعرف بِأبي سعيد فبادر أَبُو مُحَمَّد فسد الْأَبْوَاب فِي وَجهه قبل أَن يصل إِلَيْهِ وَأمْسك المفاتيح عِنْده واستبد بهَا فَطلب مِنْهُ أَبُو سعيد أَن يفتح لَهُ الْبَاب فتجهمه وَامْتنع وَكَأَنَّهُ أَمر دبر بلَيْل ثمَّ تقدم الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَأعلمهُ بِمَا اتّفق لَهُ مَعَ أَوْلَاد الْحَاجِب فأوعز إِلَيْهِ السُّلْطَان أَن لَا يفتح الْبَاب بعد غلقه إِلَّا وَقت فَتحه الْمُعْتَاد وَزَاد فِي الْوَصِيَّة بِأَن لَا يفتح وَلَا يغلق إِلَّا بِمحضر السعيد ابْن السُّلْطَان أبي عَامر رَحمَه الله وَلما رَجَعَ أَبُو سعيد إِلَى وَالِده بعدوة الْقرَوِيين من فاس أعلمهُ بِمَا اتّفق لَهُ مَعَ الْقَائِد الطريفي فَامْتَلَأَ غيظا وَقَامَت قِيَامَته وَكَانَت فِيهِ دَالَّة على السُّلْطَان فَتخلف عَن الْحُضُور وَلم يذكر مَا قالته الْحُكَمَاء إِذا عاديت من يملك فَلَا تلمه إِنَّه يهلكك ثمَّ استعطفه السُّلْطَان فَأبى أَن يعْطف ثمَّ بعث إِلَيْهِ بِبَرَاءَة بِخَطِّهِ ليزيل مَا بصدره من الموجدة فَكتب الْحَاجِب جوابها وَأقسم أَن لَا يطَأ بساطا فِيهِ فارح بن مهْدي العلج وَكَانَ فارح هَذَا بِعَين التجلة من السُّلْطَان فَلَمَّا وقف السُّلْطَان أَبُو سعيد على جَوَاب الْحَاجِب حمى أَنفه وأظلمت الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْهِ وَأمر بالإيقاع بالحاجب فِي الْحِين فذبح هُوَ وَولده عبد الرَّحْمَن يَوْم الْخَمِيس الموفي ثَلَاثِينَ
(4/87)

من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانمِائَة وَكَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا فَاضلا شَاعِرًا فَمن شعره فِي الْغَزل قَوْله
(اتسمع فِي الْهوى قَول اللواحي ... وَقد أَبْصرت خشف بني ريَاح)
(غزال خلف الصب المعني ... من الوجد المبرح غير صَاح)
(وَقد قتلت وَلَا إِثْم عَلَيْهَا ... مراض جفونه كل الصِّحَاح)
(يَقُول ولحظه بِالْعقلِ يزري ... علام تطيل وصفي وامتداحي)
(فَقلت فنون سحر فِيك راقت ... قَضَت للقلب بالعشق الصراح)
(جبينك والمقلد والثنايا ... صباح فِي صباح فِي صباح)
وَبَقِي الحافد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور مُرَتبا فِي جملَة الْكتاب وَكَانَ فَاضلا شَاعِرًا أَيْضا وَلما مرض السُّلْطَان أَبُو سعيد فِي شعْبَان سنة سبع وَثَمَانمِائَة وَصَحَّ من مَرضه وهنأته الشُّعَرَاء بقصائد كَثِيرَة فَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَبُو الْحسن الْمَذْكُور فَقَالَ
(هَنِيئًا لنا وَلكُل الْأَنَام ... براحة فَخر الْمُلُوك الْهمام)
(إِمَام أَقَامَ رسوم الْعلَا ... وَحل من الْمجد أَعلَى السنام)
(بِهِ قرت الْعين لما بدا ... صَحِيحا وَمَا إِن بِهِ من سقام)
(وَهل هُوَ إِلَّا كبدر الدجا ... يواري قَلِيلا وَرَاء الْغَمَام)
(وَيظْهر طورا فيجلو بِهِ ... عَن النَّاس يَا صَاح ساجي الظلام)
(أَو اللَّيْث يعكف فِي غيله ... فتحذر مِنْهُ السباح اهتجام)
(أمولاي عُثْمَان بَحر الندى ... ومردي العداة ونجل الْكِرَام)
(لقد رفع الله مقداركم ... فنفسي الْفِدَاء لكم من إِمَام)
(أمولاي عَبدك قد ضره ... أفول رضاكم وَبعد المرام)
(وأضحى كئيبا لإبعادكم ... مشوقا لتقبيل ذَاك الْمقَام)
(فَكُن راحما يَا إِمَام الورى ... عطوفا بمملوكك المستهام)
(لَعَلَّ الَّذِي ناله يَنْقَضِي ... وتشمل مِنْك هبات جسام)
(فأيدك الله بالنصر مَا ... ترنم فَوق الغصون حمام)
(4/88)

حجابة فارح بن مهْدي وأوليته وَسيرَته

قَالَ ابْن خلدون يَا فراح بن مهْدي من معلوجي السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس وَأَصله من موَالِي بني زيان مُلُوك تلمسان اه وَقَالَ فِي الجذوة هُوَ من موَالِي السُّلْطَان أبي سعيد بن أبي الْعَبَّاس وَلَا مُنَافَاة بَين الْكَلَامَيْنِ وَالله أعلم وَلما قتل أَبُو الْعَبَّاس القبائلي ولي الحجابة من بعده فارح بن مهْدي هَذَا قَالَ فِي الجذوة وَلم يكن من أهل الْعلم لكنه كَانَ شَيخا مجربا للأمور عَارِفًا مجيدا فِي التَّدْبِير قد أعْطى الرياسة حَقّهَا والخطط مستحقها وَكَانَ ممسكا عنانه فَلَا يمِيل مَعَ نَفسه وَلَا يسحب أردانه وَلَا يوحش سُلْطَانه موسوما عِنْد الْخلَافَة بالأمانة ملحوظا لَدَيْهَا بِعَين الْمَرْوَة والصيانة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو سعيد يعتني بِهِ لأجل كبر سنه وتربيته الْحرَّة آمنهُ بنت السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس كَانَت تبدي لَهُ وَجههَا فِي حَالي صغرها وكبرها فَكَانَت لَهُ بذلك مزية لم تكن لغيره بِهَذَا ذكره التاورتي وَلَعَلَّ فِيهِ تعريضا بالحاجب قبله وَلما تكلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي كِتَابه مرْآة المحاسن على مَدِينَة تيجساس وصفهَا بقوله إِنَّهَا فِي شَرْقي تطاوين على مسيرَة يَوْم مِنْهَا فِي مَوضِع كثير الْحِجَارَة والصخر فِي سفح جبل من غربيها وتحتها من شمالها جرف كثير الصخر عَظِيمَة على مكسر موج الْبَحْر وَلها نهر نفاع يجلب إِلَيْهَا مِنْهُ جدول وَلها بسيط تركبه الجداول من كل جِهَة فتسقي الزَّرْع والكتان وَالثِّمَار فأهلها فِي أَمن من الْقَحْط إِلَى أَن قَالَ وَلم تزل عامرة إِلَى حُدُود ثَمَانمِائَة فجلا عَنْهَا أَهلهَا بِسَبَب جور فارح بن مهْدي الْوَالِي عَلَيْهَا من قبل بني مرين فخلت من سكانها وانتقلوا إِلَى الْقَبَائِل وَغَيرهَا وَلم يزل سورها ماثلا إِلَى الْآن اه قلت وَفِي هَذِه الْمدَّة خربَتْ تطاوين الْقَدِيمَة أَيْضا فَزعم منويل فِي تَارِيخه أَن قراصين الْمُسلمين من أهل تطاوين وَغَيرهم
(4/89)

كَانَت تغير على سواحل أصبانيا وتغنم مراكبها وَلما كَانَت سنة ألف وَأَرْبَعمِائَة مسيحية الْمُوَافقَة لسنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة هجرية بعث الطاغية الريكي الثَّالِث شكوادرة لغزو تطاوين ومراكبها فانتهت إِلَى وَادي مرتيل وأفسدت قراصين الْمُسلمين الَّتِي بِهِ ثمَّ نزلت عَسَاكِر الإصبنيول للبر فَاقْتَحَمت مَدِينَة تطاوين بعد أَن جلا أَهلهَا عَنْهَا وخربتها وعاثت فِيهَا وَبقيت خربة نَحْو تسعين سنة ثمَّ جدد بناؤها على يَد الرئيس أبي الْحسن عَليّ المنظري الغرناطي كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَت وَفَاة فارح بن مهْدي فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم
حجابة أبي مُحَمَّد الطريفي وَسيرَته

لما توفّي الْحَاجِب فارح بن مهْدي ولي الحجابة من بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الله الطريفي وَكَانَ من فضلاء الْحجاب وَهُوَ الَّذِي بنى مَسْجِد السُّوق الْكَبِير بفاس الْجَدِيد وَحبس عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة فَكَانَ ذَلِك من حَسَنَاته الْبَاقِيَة نَفعه الله بِقَصْدِهِ
حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان أبي سعيد وَالسُّلْطَان أبي فَارس الحفصي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الحفصي صَاحب تونس ولي الْأَمر من بعده ابْنه أَبُو فَارس الْمَذْكُور فوزع الْوَظَائِف من الْإِمَارَة والوزارة وَولَايَة الْأَعْمَال على إخْوَته فاعتضد بهم وَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَخُوهُ أَبُو بكر بن أبي الْعَبَّاس بقسنطينة فنازعه بهَا ابْن عَمه الْأَمِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي صَاحب بونة وألح عَلَيْهِ فِي الْحصار فصمد إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو فَارس الحفصي وأوقع بِهِ على سيبوس وقْعَة شنعاء انْتَهَت بِهِ هزيمتها إِلَى فاس مستصرخا صَاحبهَا وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَبُو فَارس المريني فَأَقَامَ أَبُو عبد الله بفاس
(4/90)

إِلَى سنة عشر وَثَمَانمِائَة فِي دولة السُّلْطَان أبي سعيد فاتفق أَن فسد مَا بَين السُّلْطَان أبي فَارس الحفصي وَبَين أَعْرَاب إفريقية من سليم فَقدمت طَائِفَة مِنْهُم حَضْرَة فاس مستنجدين السُّلْطَان أَبَا سعيد على صَاحبهمْ أبي فَارس فألفوا عِنْده الْأَمِير أَبَا عبد الله المنهزم بسيبوس كَمَا مر فعقد لَهُ السُّلْطَان أَبُو سعيد على جَيش من بني مرين وَغَيرهم وَبَعثه مَعَ الْعَرَب فَلَمَّا انْتهى إِلَى بجاية تَلَقَّتْهُ أَعْرَاب إفريقية طَائِعَة وهون عَلَيْهِ المرابط شيخ حَكِيم مِنْهَا أَمر تونس فَرد الْجَيْش المريني وقصدها بِمن انْضَمَّ إِلَيْهِ من الحشود فَأخذ بجاية من أبي يحيى وفر فِي الْبَحْر وَعقد أَبُو عبد الله عَلَيْهَا لِابْنِهِ الْمَنْصُور ثمَّ زحف إِلَى السُّلْطَان أبي فَارس فخالفه إِلَى بجاية فَافْتَكَّهَا من يَد ابْنه الْمَنْصُور وَوجه بِهِ مَعَ جمَاعَة من كبار أَهلهَا معتقلين إِلَى الحضرة وَعقد عَلَيْهَا لِأَحْمَد ابْن أَخِيه ونهض لقِتَال ابْن عَمه أبي عبد الله الْمَذْكُور فَنزع المرابط عَنهُ إِلَى السُّلْطَان أبي فَارس لعهد كَانَ بَينهمَا فانفض جمع أبي عبد الله وَقتل واحتز رَأسه وَوَجهه السُّلْطَان أَبُو فَارس مَعَ من علقه بِبَاب المحروق أحد أَبْوَاب فاس إغاظة للسُّلْطَان أبي سعيد وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَثَمَانمِائَة ثمَّ تحرّك السُّلْطَان أَبُو فَارس إِلَى جِهَة الْمغرب قَاصِدا أَخذ الثار من السُّلْطَان أبي سعيد فاستولى على تلمسان ثمَّ قصد حَضْرَة فاس فَلَمَّا شارفها جنح السُّلْطَان أَبُو سعيد إِلَى السّلم فَوجه إِلَيْهِ بِهَدَايَا جليلة فَقبل ذَلِك أَبُو فَارس وكافأ عَلَيْهِ وانكفأ رَاجعا إِلَى حَضرته وَلَحِقتهُ فِي طَرِيقه بيعَة أهل فاس وانتظم لَهُ ملك الْمغرب وَبَايَعَهُ صَاحب الأندلس أَيْضا قَالَه صَاحب الْخُلَاصَة النقية وَهُوَ الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْبَاجِيّ أحد كتاب الدولة التركية بتونس
(4/91)

//
اسيتلاء البرتغال على مَدِينَة سبتة أَعَادَهَا الله

كَانَ جنس البرتغال وَهُوَ البردقيز فِي هَذِه السنين قد كثر بعد الْقلَّة واعتز بعد الذلة وَظهر بعد الخمول وانتعش بعد الذبول فانتشر فِي الأقطار وسما إِلَى تملك الْأَمْصَار فَانْتهى إِلَى أَطْرَاف السودَان بل وأطراف الصين على مَا قيل وألح على سواحل الْمغرب الْأَقْصَى فاستولى فِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة على مَدِينَة سبتة أَعَادَهَا الله بعد محاصرته لَهَا حصارا طَويلا وسلطان الْمغرب يَوْمئِذٍ أَبُو سعيد بن أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وسلطان البرتغال يَوْمئِذٍ خوان الأول
وَذكر منويل فِي تَارِيخه أَن سُلْطَان الْمغرب يَوْمئِذٍ عبد الله بن أَحْمد أَخُو أبي سعيد الْمَذْكُور وَسَيَأْتِي كَلَامه بِتَمَامِهِ
وَذكر صَاحب نشر المثاني فِي كَيْفيَّة اسْتِيلَاء البرتغال على سبتة قصَّة تشبه قصَّة قصير مَعَ الزباء قَالَ رَأَيْت بِخَط من يظنّ بِهِ التثبت والصدق أَن النَّصَارَى جاؤوا بصناديق مقفلة يوهمون أَن بهَا سلعا وأنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين وَذَلِكَ صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة من بعض شهور سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة وَكَانَت تِلْكَ الصناديق مَمْلُوءَة رجَالًا عَددهمْ أَرْبَعَة آلَاف من الشَّبَاب الْمُقَاتلَة فَخَرجُوا على حِين غَفلَة من الْمُسلمين واستولوا على الْبَلَد وَجَاء أَهله إِلَى سُلْطَان فاس مستصرخين لَهُ وَعَلَيْهِم المسوح وَالشعر والوبر وَالنعال السود رجَالًا وَنسَاء وولدانا فأنزلهم بملاح الْمُسلمين ثمَّ ردهم إِلَى الفحص قرب بِلَادهمْ لعَجزه عَن نصرتهم حَتَّى تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَالْأَمر لله وَحده قَالَ وَسمعت من بَعضهم أَن الَّذِي جرأ النَّصَارَى على ارْتِكَاب تِلْكَ المكيدة هُوَ أَنهم كَانُوا قد قاطعوا أَمِير سبتة على أَن يُفَوض إِلَيْهِم التَّصَرُّف فِي المرسى والاستبداد بغلتها ويبذلوا لَهُ خراجا مَعْلُوما فِي كل سنة فَكَانَ حكم المرسى حِينَئِذٍ لَهُم دون الْمُسلمين وَلَو كَانَ الْمُسلمُونَ هم الَّذين يلون حكم المرسى مَا تركوهم ينزلون ذَلِك الْعدَد من الصناديق مقفلة لَا يعلمُونَ مَا فِيهَا وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
(4/92)

وَلما استولى البرتغال على سبتة اعتنى بهَا وحصنها واستمرت فِي ملكتهم مُدَّة تزيد على مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة ثمَّ ملكهَا مِنْهُم طاغية الإصبنيول فِي سَبِيل مهادنة وشروط انْعَقَدت بَينهم بمدنية أشبونة فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وَألف وأخبار السُّلْطَان أبي سعيد كَثِيرَة وَقد أرخ دولته وَسيرَته الْكَاتِب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد التاورتي رَحمَه الله وَتُوفِّي السُّلْطَان الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه عبد الْحق الْأَخير كَذَا ذكره فِي جذوة الاقتباس وَقد ذكر منويل فِي أَمر أبي سعيد ووفاته مَا يُخَالف هَذَا قَالَ لما كَانَت دولة السُّلْطَان أبي سعيد المريني كَانَ الْمُسلمُونَ أهل جبل طَارق قد سئموا ملكة ابْن الْأَحْمَر صَاحب غرناطة وتحققوا بِأَن المريني أقوى مِنْهُ شَوْكَة وأقدر على تخليصهم مِمَّا عَسى أَن ينالهم بِهِ الإصبنيول من حِصَار وَنَحْوه فبعثوه إِلَيْهِ يخطبون ولَايَته ويعرضون عَلَيْهِ الدُّخُول فِي طَاعَته إِن هُوَ أمدهم بِمَا يدْفَعُونَ بِهِ فِي نحر ابْن الْأَحْمَر فأعجب أَبَا سعيد ذَلِك وللحين بعث إِلَيْهِم أَخَاهُ عبد الله بن أَحْمد الْمَعْرُوف بسيدي عبو وَمَعَهُ طَائِفَة من الْجَيْش إمدادا لَهُم وَكَانَ قصد أبي سعيد ببعث أَخِيه عبد الله الْحُصُول على إِحْدَى الفائدتين أما فتح جبل طَارق إِن كَانَ الظُّهُور لَهُ أَو الاسْتِرَاحَة مِنْهُ إِن كَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يشوش عَلَيْهِ فجَاء الْأَخ الْمَذْكُور حَتَّى نزل بِإِزَاءِ جبل طَارق فَفتح أهل الْبَلَد الْبَاب وأدخلوه وأدخلوا جنده وتحصن قَائِد الغرناطي وَعَسْكَره بقلعة الْجَبَل وطير الْأَعْلَام بذلك إِلَى صَاحبه فَبعث إِلَيْهِ جَيْشًا قويت بِهِ نَفسه فَنزل من القلعة وانضم إِلَيْهِ مدده وقاتلوا جَيش المريني فهزموه وقبضوا على عبد الله بِالْيَدِ وعَلى جمَاعَة من أَصْحَابه وبعثوا بهم أسرى إِلَى صَاحب غرناطة فَعمد صَاحب غرناطة إِلَى عبد الله وأنزله فِي مَحل مُعْتَبر وَأحسن إِلَيْهِ فَتخلف ظن السُّلْطَان أبي سعيد فِيمَا كَانَ يحب لِأَخِيهِ من التّلف وغاظه فعل ابْن الْأَحْمَر مَعَه من الْإِحْسَان والإبقاء عَلَيْهِ ثمَّ أَن أَبَا سعيد دبر حِيلَة بِأَن بعث من قبله رجلا إِلَى أَخِيه ليسقيه السم ويستريح
(4/93)

مِنْهُ مَعَ أَن غوغاء أهل الْمغرب وقبائله المنحرفة عَن السُّلْطَان كَانُوا قد تشوقوا لقدومه عَلَيْهِم وقيامهم مَعَه فبطلت حِيلَة أبي سعيد فِي السم وَلم يحصل على طائل ثمَّ إِن ابْن الْأَحْمَر اتّفق مَعَ عبد الله على أَن يمده بالعسكر وَالْمَال ويسرحه إِلَى الْمغرب ليستولي على ملكه وَيَأْخُذ لَهُ بالثأر من أَخِيه فَقبل عبد الله ذَلِك وأمده ابْن الْأَحْمَر وسرحه إِلَى الْمغرب فَلَمَّا احتل بِهِ تبعه عدد وافر من قبائله الَّذين كَانُوا مستثقلين لوطأة أبي سعيد فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَبُو سعيد فَكَانَت الكرة عَلَيْهِ وَرجع مفلولا فِي يسير من الْجند إِلَى فاس فتقبض عَلَيْهِ أَهلهَا وسجنوه وأعلنوا بنصر أَخِيه عبد الله وفتحوا الْبَاب فَدخل الحضرة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَتمّ أمره وسجن أَخَاهُ أَبَا سعيد إِلَى أَن مَاتَ قَالَ وَلما اسْتَقل عبد الله بِأَمْر الْمغرب كُله هدأت الرّعية واستقامت الْأَحْوَال إِلَّا أَنه تكدر عيشه بذهاب سبتة الَّتِي استولى عَلَيْهَا طاغية البرتغال خوان الأول بعد مَا حاصرها أَشد الْحصار وَكَانَ ذَلِك على السُّلْطَان من أعظم النحوس وتكدر الْمُسلمُونَ غَايَة لفَوَات هَذِه الْمَدِينَة الْعَظِيمَة مِنْهُم ثمَّ ثَارُوا على السُّلْطَان عبد الله واعتورته رماحهم حَتَّى فاظ وَلما قتل تنَازع الْملك بعده اثْنَان من اخوته وَبعد قتال شَدِيد وَلم ينتصف أحد مِنْهُمَا من صَاحبه اتّفق أهل الْحل وَالْعقد على أَن يولوا عبد الْحق بن أبي سعيد اه كَلَام منويل وَهَذَا السُّلْطَان عبد الله الَّذِي زَاده منويل بَين أبي سعيد وَعبد الْحق لم يذكرهُ صَاحب جذوة الاقتباس وَيبعد أَن يكون هَذَا الْخَبَر الَّذِي سَاقه منويل لَا أصل لَهُ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
وَمن جملَة حجاب السُّلْطَان أبي سعيد الرئيس أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الملياني قَالَ فِي الجذوة أَصله من زرهون وَتَوَلَّى حجابة السُّلْطَان الْمَذْكُور قَالَ فغدر مَوْلَاهُ ومخدومه وهتك ستره وَخرب دَاره وعبث بحريمه وَقتل أَوْلَاده وإخوانه وَرفع الأذناب وَحط الرؤساء وَكَانَ فَسَاد الْمغرب على يَده وَقد ذكره التاورتي فَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ فِي الجذوة
(4/94)

وَوجدت فِي طرة ذمه وتنقيصه وَالله أعلم
وَمن وزراء السُّلْطَان أبي سعيد صَالح بن حمو الياباني وَيحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وَقد تقدم ذكرهمَا وَمن كِتَابه الْفَقِيه الأديب أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي الْحسن بن أبي دلامة وَكَانَ صَاحب الْعَلامَة عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور وَمِمَّنْ شهد لَهُ أهل عصره بالتبريز فِي النّظم الْفَائِق ثمَّ ابْنه مُحَمَّد من بعده وَمن قُضَاته الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم اليزناسني وَقد تقدم ذكره وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم المريني رَحمَه الله

هَذَا السُّلْطَان هُوَ آخر مُلُوك بني عبد الْحق من بني مرين وَهُوَ أطولهم مُدَّة وأعظمهم محنة وَشدَّة وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن أبي سعيد عُثْمَان ابْن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن عَليّ بن أبي سعيد عُثْمَان بن أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق الزناتي المريني أمه علجة إصبنيولية على مَا ذكره منويل وَفِي أَيَّامه ضعف أَمر بني مرين جدا وتداعى إِلَى الانحلال وَكَانَ التَّصَرُّف للوزراء والحجاب شَأْن دولة أَبِيه من قبله على نذكرهُ
زحف البرتغال إِلَى طنجة ورجوعهم عَنْهَا بالخيبة

قَالَ منويل كَانَ لطاغية البرتغال خَمْسَة إخْوَة شجعان فأرادوا أَن يدركوا فخرا باستيلائهم على ثغر من ثغور الْمغرب يضيفونه إِلَى سبتة ويوسعون بِهِ مَا ملكوه من أَعمالهَا فَرَكبُوا قراصينهم فِي سِتَّة آلَاف عسكري ونزلوا بسبتة ثمَّ زحفوا إِلَى طنجة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وحاصروها وضيقوا على أَهلهَا ثمَّ عاجلهم سُلْطَان فاس وسلطان مراكش وأرهقوهم عَن
(4/95)

فتحهَا وأوقعوا بهم وقبضوا على كَبِير عَسْكَرهمْ فرناندو وَجَمَاعَة من أَصْحَابه وعادوا بهم أسرى إِلَى فاس فَلَمَّا صَارَت عُظَمَاء البرتغال فِي يَد الْمُسلمين وأسرهم جنحوا إِلَى السّلم فسالمهم الْمُسلمُونَ على أَن يردوا لَهُم سبتة ويسرحوا لَهُم كَبِيرهمْ وَأَصْحَابه الَّذين مَعَه فَرضِي البرتغال بذلك وانعقد الصُّلْح عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ من قدر الله أَن هلك كَبِير البرتغال الَّذِي وَقع الشَّرْط عَلَيْهِ فِي سجن فاس واستمرت سبتة فِي يَد الْعَدو وعد ذَلِك من سوء بخت الْمُسلمين وَالْأَمر لله وَحده
وَقد ذكر صَاحب الْمرْآة أَن البرتغال استولى على طنجة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَهُوَ غير صَوَاب وَإِنَّمَا كَانَ الْحصار فَقَط وَالله تَعَالَى أعلم
أَخْبَار الوزراء والحجاب وتصرفاتهم

كَانَ من جملَة وزراء السُّلْطَان عبد الْحق الْوَزير صَالح بن صَالح بن حمو الياباني قَالُوا وَهُوَ الَّذِي أوقع بالفقيه القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الرَّحِيم ابْن إِبْرَاهِيم اليزناسني قَتله ذبحا سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَمن وزراء السُّلْطَان الْمَذْكُور الْوَزير أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان الوطاسي قَالُوا وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة غزا الْوَزير الْمَذْكُور الشاوية وَكَانُوا قد تمردوا على الدولة وأعضل داؤهم ففل الْوَزير الْمَذْكُور جمعهم وَخرب مَنَازِلهمْ ثمَّ كَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَمَانمِائَة قَتله عرب أنكاد على سَبِيل الْغدر قعصا بِالرِّمَاحِ وَحمل قَتِيلا إِلَى فاس فَدفن بالقلة خَارج بَاب الحبيسة وَولي الوزارة بعده عَليّ بن يُوسُف الوطاسي قَالُوا فَكَانَت أَيَّامه مواسم لديانته وصيانته وَحفظه أُمُور الْملك ورفقه بالرعية مَعَ الْعدْل وَحسن الإدارة ثمَّ توفّي بتامسنا خَامِس رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالقلة أَيْضا وَفِي هَذِه السّنة أَو الَّتِي قبلهَا استولى البرتغال على
(4/96)

قصر الْمجَاز وَهُوَ الْمَعْرُوف بقصر مصمودة وَالْقصر الصَّغِير وَهُوَ الْآن خراب وَالله أعلم
وزارة يحيى بن يحيى الوطاسي ومقتله ومقتل الوطاسيين مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما توفّي الْوَزير عَليّ بن يُوسُف رَحمَه الله قدم للوزارة بعده أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن يحيى بن عمر بن زيان الوطاسي قَالُوا فَكَانَت ولَايَة هَذَا الْوَزير هِيَ مبدأ الشَّرّ ومنشأ الْفِتْنَة وَذَلِكَ أَنه لما اسْتَقل بالحجابة أَخذ فِي تَغْيِير مراسم الْملك وعوائد الدولة وَزَاد وَنقص فِي الْجند وَنقض جلّ مَا أبرمه قبله الوزراء وعامل الرّعية بالعسف وَمن جملَة مَا نقم عَلَيْهِ أَنه عزل قَاضِي فاس الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن علال المصمودي وَقدم مَكَانَهُ الْفَقِيه يَعْقُوب التسولي وَكَانَ المصمودي من الدّين وتحرى المعدلة بمَكَان فَلَمَّا رأى السُّلْطَان عبد الْحق فعل الْوَزير واستحواذه على أُمُور الدولة وَتبين لَهُ أَن الوطاسيين قد التحقوا مَعَه رِدَاء الْملك وشاركوه فِي بِسَاط الْعِزّ وكادوا يغلبونه على أمره سَطَا بهم سطوة استأصلت جمهورهم إِلَّا من حماه الْأَجَل مِنْهُم فتقبض على الْوَزير يحيى وعَلى أَخَوَيْهِ أبي بكر وَأبي شامة وعَلى عمهم فَارس بن زيان وقريبهم مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف وأتى الذّبْح على جَمِيعهم وَاسْتمرّ الْبَحْث عَن مُحَمَّد الشَّيْخ وَمُحَمّد الحلو أخوي الْوَزير الْمَذْكُور فَلم يوجدا لذهاب الشَّيْخ فِي ذَلِك الْيَوْم للصَّيْد واختفاء الحلو عِنْد قيام الهيعة فَكَانَ ذَلِك من لطف الله بهما واتصل بهما مَا جرى على عشيرتهم وَبني أَبِيهِم فذهبا إِلَى منجاتهما وَكَانَ من أَمرهمَا مَا نذكرهُ وَكَانَت هَذِه الْحَادِثَة الصماء بعد مُضِيّ سبعين يَوْمًا من وزارة يحيى بن يحيى
(4/97)

الْمَذْكُور وَصفا للسُّلْطَان عبد الْحق أمره وَرَأى أَن قد شفا نَفسه من الوطاسيين ونقى بِسَاط حَضرته من قضضهم وَأَبْرَأ جسم ملكه من مرضهم وَالله غَالب على أمره
رياسة الْيَهُودِيين هَارُون وشاويل وَمَا نَشأ عَن استبدادهما من المحنة والفتنة

قَالُوا كَانَ السُّلْطَان عبد الْحق مُنْذُ أوقع ببني وطاس لم تسمح نَفسه بِإِعْطَاء منصب الوزارة لأحد ثمَّ نما إِلَيْهِ أَن الْعَامَّة وَكَثِيرًا من الْخَاصَّة قد نقموا عَلَيْهِ إِيقَاعه بالوطاسيين وَأَن أذنهم صاغية إِلَى مُحَمَّد الشَّيْخ صَاحب آصيلا وَكَانَ قد استولى عَلَيْهَا بعد فراره حَسْبَمَا نذْكر وَرُبمَا شافهه الْبَعْض مِنْهُم بذلك فولى عَلَيْهِم الْيَهُودِيين الْمَذْكُورين تأديبا لَهُم وتشفيا مِنْهُم زَعَمُوا فشرع اليهوديان فِي أَخذ أهل فاس بِالضَّرْبِ والمصادرة على الْأَمْوَال واعتز الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ وتحكموا فِي الْأَشْرَاف وَالْفُقَهَاء فَمن دونهم وَكَانَ الْيَهُودِيّ هَارُون قد ولى على شرطته رجلا يُقَال لَهُ الْحُسَيْن لَا يألو جهدا فِي العسف واستلاب الْأَمْوَال وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس فِي شدَّة
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة انتزع الإصبنيول جبل طَارق من يَد ابْن الْأَحْمَر
اسْتِيلَاء البرتغال على طنجة

ثمَّ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة استولى البرتغال على طنجة زحفوا إِلَيْهَا من سبتة فِي أُلُوف من العساكر واستولوا عَلَيْهَا واستمرت بِأَيْدِيهِم أَكثر من مِائَتَيْنِ وَخمْس سِنِين ثمَّ بذلوها لطاغية النجليز سنة أَربع وَسبعين وَألف فِي سَبِيل المهاداة والصهر الَّذِي انْعَقَد بَينهمَا كَمَا سَيَأْتِي
(4/98)

مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

ثمَّ إِن الْيَهُودِيّ عمد إِلَى امْرَأَة شريفة من أهل حومة البليدة فَقبض عَلَيْهَا والبليدة حومة بفاس قَالُوا وَكَانَت بدار الكومى قرب درب جنيارة فأنحى عَلَيْهَا بِالضَّرْبِ وَلما ألهبتها السِّيَاط جعلت تتوسل برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فحمى الْيَهُودِيّ وَكَاد يتَمَيَّز غيظا من سَماع ذكر الرَّسُول وَأمره بالإبلاغ فِي عقابها وَسمع النَّاس ذَلِك فأعظموه وتمشت رجالات فاس بَعضهم إِلَى بعض فَاجْتمعُوا عِنْد خطيب الْقرَوِيين الْفَقِيه أبي فَارس عبد الْعَزِيز بن مُوسَى الورياكلي وَكَانَت لَهُ صلابة فِي الْحق وجلادة عَلَيْهِ بِحَيْثُ يلقِي نَفسه فِي العظائم وَلَا يُبَالِي وَقَالُوا لَهُ أَلا ترى إِلَى مَا نَحن فِيهِ من الذلة وَالصغَار وتحكم الْيَهُود فِي الْمُسلمين والعبث بهم حَتَّى بلغ حَالهم إِلَى مَا سَمِعت فنجع كَلَامهم فِيهِ وللحين أغراهم بِالْفَتْكِ باليهود وخلع طَاعَة السُّلْطَان عبد الْحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك واستدعوا الشريف الْمَذْكُور فَبَايعُوهُ والتفت عَلَيْهِ خاصتهم وعامتهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أهل حومة القلقليين مِنْهُم ثمَّ تقدم الورياكلي بهم إِلَى فاس الْجَدِيد فصمدوا إِلَى حارة الْيَهُود فَقَتَلُوهُمْ واستلبوهم واصطلموا نعمتهم واقتسموا أَمْوَالهم وَكَانَ السُّلْطَان عبد الْحق يَوْمئِذٍ غَائِبا فِي حَرَكَة لَهُ بِبَعْض النواحي قَالَ فِي نشر المثاني خرج السُّلْطَان عبد الْحق بجيشه إِلَى جِهَة الْقَبَائِل الهبطية وَترك الْيَهُودِيّ يقبض من أهل فاس المغارم فَشد عَلَيْهِم حَتَّى قبض على امْرَأَة شريفة وأوجعها ضربا وَحكى مَا تقدم فاتصل ببعد الْحق الْخَبَر وانفض مسرعا إِلَى فاس واضطرب عَلَيْهِ أَمر الْجند ففسدت نياتهم وتنكرت وُجُوههم وَصَارَ فِي كل منزلَة تنفض عَنهُ طَائِفَة مِنْهُم فأيقن عبد الْحق بالنكبة وعاين أَسبَاب الْمنية وَلما قرب من فاس اسْتَشَارَ هَارُون الْيَهُودِيّ فِيمَا نزل بِهِ فَقَالَ الْيَهُودِيّ لَهُ لَا تقدم على فاس لغليان قدر الْفِتْنَة بهَا وَإِنَّمَا يكون قدومنا على مكناسة الزَّيْتُون لِأَنَّهَا بلدنا
(4/99)

وَبهَا قوادنا وشيعتنا وَحِينَئِذٍ يظْهر لنا مَا يكون فَمَا استتم الْيَهُودِيّ كَلَامه حَتَّى انتظمه بِالرُّمْحِ رجل من بني مرين يُقَال لَهُ تيان وَعبد الْحق ينظر وَقَالَ وَمَا زلنا فِي تحكم الْيَهُود وَاتِّبَاع رَأْيهمْ وَالْعَمَل بإشارتهم ثمَّ تعاورته الرماح من كل جَانب وخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ والفم ثمَّ قَالُوا للسُّلْطَان عبد الْحق تقدم أمامنا إِلَى فاس فَلَيْسَ لَك الْيَوْم اخْتِيَار فِي نَفسك فَأسلم نَفسه وانتهبت محلته وفيئت أَمْوَاله وحلت بِهِ الإهانة وَجَاءُوا بِهِ إِلَى أَن بلغُوا عين القوادس خَارج فاس الْجَدِيد فاتصل الْخَبَر بِأَهْل فاس وسلطانهم الْحَفِيد فَخرج إِلَى عبد الْحق وأركبه على بغل بالبردعة وانتزع مِنْهُ خَاتم الْملك وَأدْخلهُ الْبَلَد فِي يَوْم مشهود حَضَره جمع كَبِير من أهل الْمغرب وَأَجْمعُوا على ذمه وشكروا الله على أَخذه ثمَّ جنب إِلَى مصرعه فَضربت عُنُقه صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَدفن بِبَعْض مَسَاجِد الْبَلَد الْجَدِيد ثمَّ أخرج بعد سنة وَنقل إِلَى الْقلَّة فَدفن بهَا وانقرضت بمهلكه دولة بني عبد الْحق من الْمغرب والبقاء لله وَحده
وَنقل الثِّقَات أَن الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد زَرُّوق رَحمَه الله كَانَ قد ترك الصَّلَاة خلف الْفَقِيه أبي فَارس الورياكلي لما صدر مِنْهُ فِي حق السُّلْطَان عبد الْحق وَكَانَ يَقُول لَا آمن الغندور على صَلَاتي يعِيبهُ بذلك والغندور فِي لِسَان المغاربة ذُو النخوة والإباية وَمَا أشبه ذَلِك وَالله يتغمدنا وَالْمُسْلِمين برحمته آمين
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَنَقُول
فِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن صَالح المكودي عَالم فاس وأديبها ونحويها صَاحب الْمَقْصُورَة وَشرح
(4/100)

الْخُلَاصَة وَغير ذَلِك من التآليف قيل هُوَ آخر من درس كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي النَّحْو بفاس
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر ابْن الْفتُوح التلمساني ثمَّ المكناسي يُقَال إِن سَبَب انْتِقَاله من تلمسان أَنه كَانَ شَابًّا حسن الصُّورَة جميل الشارة فمرت بِهِ امْرَأَة جميلَة فَجعل ينظر إِلَيْهَا من طرف خَفِي فَقَالَت اتَّقِ الله يَا ابْن الْفتُوح يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فتأثر لقولها واتعظ وَتَابَ إِلَى الله تَعَالَى وَجعل من تَمام تَوْبَته أَن يُهَاجر من الأَرْض الَّتِي قارف الذَّنب فِيهَا فارتحل إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وانتفع النَّاس بِهِ ثمَّ انْتقل بعْدهَا إِلَى مكناسة فَتوفي بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة قَالُوا وَهُوَ أول من أَدخل مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل مَدِينَة فاس وَالْمغْرب
وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب هلك فِيهِ جمع من كبار الْعلمَاء والأعيان وَيُسمى هَذَا الوباء عِنْد أهل فاس بوباء عزونة
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله العبدوسي مفتي فاس وعالمها الْكَبِير ومحدثها الشهير وَكَانَ من أهل الصّلاح وَالْخَيْر والإيثار
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي إِمَام الْجَمَاعَة بفاس الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الأندلسي الأَصْل الْمَعْرُوف بالقوري وَدفن بِبَاب الْحَمْرَاء مِنْهَا
وَفِي سنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِي أَوَاخِر صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه المحق أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد البرنسي الشهير بزروق وَكَانَت وَفَاته بمسراته من أَعمال طرابلس وَالله أعلم
(4/101)

بَقِيَّة أَخْبَار بني الْأَحْمَر واستيلاء الْعَدو على غرناطة وَسَائِر الأندلس مِنْهَا وانقراض كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا

كَانَت دولة بني الْأَحْمَر فِي هَذِه الْمدَّة متماسكة والفتنة بَين أعياصها متشابكة والعدو فِيمَا بَين ذَلِك يخادعهم عَمَّا بِأَيْدِيهِم ويراوغهم ويسالمهم تَارَة ويحاربهم إِلَى أَن كَانَت دولة السُّلْطَان أبي الْحسن عَليّ ابْن السُّلْطَان سعد ابْن الْأَمِير عَليّ ابْن السُّلْطَان يُوسُف ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الْغَنِيّ بِاللَّه فنازعه أَخُوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعد الْمَدْعُو بالزغل قدم من بِلَاد النَّصَارَى وبويع بمالقة وَبَقِي بهَا مُدَّة وَعظم الْخطب واشتدت الْفِتَن وشرق الْمُسلمُونَ بداء الْخلاف الْوَاقِع بَين هذَيْن الْأَخَوَيْنِ وتكالب الْعَدو عَلَيْهِم وَوجد السَّبِيل إِلَى تَفْرِيق كلمتهم والتمكن من فسخ عَهدهم وذمتهم وَذَلِكَ أَعْوَام الثَّمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ انْقَادَ أَبُو عبد الله لأبي السحن فسكنت أَحْوَال الأندلس بعض الشَّيْء ثمَّ خرج عَلَيْهِ وَلَده أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن وأسره النَّصَارَى فِي بعض الوقعات فراجع النَّاس طَاعَة أبي الْحسن ثمَّ نزل لِأَخِيهِ أبي عبد الله الزغل عَن الْأَمر لآفة أَصَابَته فِي بَصَره ثمَّ إِن الْعَدو عمد لأسيره أبي عبد الله ابْن الْحسن فوعده ومناه وَأظْهر لَهُ من أكاذيبه وخدعه غَايَة مناه وَبَعثه للتشغيب على عَمه طلبا لتفريق كلمة الْمُسلمين وَعكس مُرَادهم وتوصلا إِلَى مَا بَقِي عَلَيْهِ من حصون الْمُسلمين وبلادهم وطالت الْفِتْنَة بَين الْعم وَابْن الْأَخ وكل عقد كَانَ بَين الْعَدو وَبَينه انحل وانفسخ وخبت الْعَامَّة الَّذين هم أَتبَاع كل ناعق فِي ذَلِك وَوضعت وَكَانَ ذَلِك من أعظم الْأَسْبَاب الْمعينَة لِلْعَدو على التَّمَكُّن من أَرض الأندلس والتهامها واستئصال كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا ثمَّ إِن ابْن الْأَخ استولى على غرناطة بعد خُرُوج الْعم عَنْهَا إِلَى الْجِهَاد ففت ذَلِك فِي عضده وَعطف إِلَى وَادي آش فاعتصم بهَا وحاصر الْعَدو مالقة فقاتله أَهلهَا بِكُل مَا أمكنهم حَتَّى إِذا لم يَجدوا لِلْقِتَالِ مساغا نزلُوا على الْأمان فاستولى الْعَدو عَلَيْهَا أَوَاخِر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ثمَّ استولى بعد ذَلِك على وَادي آش وأعمالها صلحا وَدخل فِي طَاعَته صَاحبهَا أَبُو عبد الله الْعم بعد
(4/102)

أَن استهوى الْعَدو قواده بالأموال الجزيلة ثمَّ إِن الْعَدو خذله الله وَأرْسل أَبَا عبد الله بن أبي الْحسن صَاحب غرناطة وَعرض عَلَيْهِ الدُّخُول فِي الخطة الَّتِي دخل فِيهَا عَمه من النُّزُول لَهُ عَن الْبِلَاد على أَمْوَال جزيلة يبذلها لَهُ وَيكون تَحت حكمه مُخَيّرا فِي أَي بِلَاد الأندلس شَاءَ فَشَاور رَعيته فاتفق النَّاس على الِامْتِنَاع والقتال فَعِنْدَ ذَلِك أرهف الْعَدو حَده وَجعل غرناطة وَأَهْلهَا من شَأْنه بعد أَن استولى أثْنَاء هَذِه الْفِتَن والتضريبات على حصون كَثِيرَة لم نتعرض لذكرها حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا غرناطة وأعمالها وَقد اختصرنا مُعظم هَذِه الْأَخْبَار إِذْ لم تكن من مَوْضُوع الْكتاب وَإِنَّمَا ألممنا بِهَذِهِ النبذة تتميما للفائدة وَزِيَادَة فِي الإمتاع وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة خرج الْعَدو بمحلاته إِلَى مرج غرناطة وأفسد الزَّرْع ودوخ الأَرْض وَهدم الْقرى وَأمر بِبِنَاء مَوضِع بالسور والحفير فأحكمه وَكَانَ النَّاس يظنون أَنه عازم على الِانْصِرَاف فَإِذا بِهِ قد صرف عزمه إِلَى الْحصار وَالْإِقَامَة وَصَارَ يضيق على غرناطة كل يَوْم ودام الْقِتَال سَبْعَة أشهر وَاشْتَدَّ الْحصار بِالْمُسْلِمين غير أَن النَّصَارَى على بعد الطّرق بَين غرناطة والبشرات مُتَّصِلَة بالمرافق وَالطَّعَام يَأْتِي من نَاحيَة جبل شلير إِلَى أَن تمكن فصل الشتَاء وكلب الْبرد وَنزل الثَّلج فانسد بَاب الْمرَافِق وَانْقطع الجالب وَقل الطَّعَام وَاشْتَدَّ الغلاء وَعظم الْبلَاء وَاسْتولى الْعَدو على أَكثر الْأَمَاكِن خَارج الْبَلَد وَمنع الْمُسلمين من الْحَرْث وَالسَّبَب وضاق الْحَال وَبَان الاختلال وَعظم الْخطب وَذَلِكَ أول سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وطمع الْعَدو فِي الِاسْتِيلَاء على غرناطة بِسَبَب الْجُوع والغلاء دون الْحَرْب والقتال ففر نَاس كَثِيرُونَ من الْجُوع إِلَى البشرات ثمَّ اشْتَدَّ الْأَمر فِي شهر صفر من السّنة وَقل الطَّعَام وتفاقم الْخطب فَاجْتمع نَاس مَعَ من يشار إِلَيْهِ من أهل الْعلم كَأبي عبد الله الْمُوَافق شَارِح الْمُخْتَصر وَغَيره وَقَالُوا انْظُرُوا لأنفسكم وَتَكَلَّمُوا مَعَ سلطانكم فأحضر السُّلْطَان أَبُو عبد الله بن أبي الْحسن أهل دولته وأرباب مشورته وَتَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْأَمر وَأَن الْعَدو يزْدَاد مدده كل يَوْم وَنحن لَا مدد لنا وَكُنَّا نظن أَنه يقْلع عَنَّا فِي فصل الشتَاء فخاب الظَّن وَبنى وَأسسَ وَأقَام وَقرب
(4/103)

منا فانظروا لأنفسكم وَأَوْلَادكُمْ فاتفق الرَّأْي على ارْتِكَاب أخف الضررين وشاع أَن الْكَلَام وَقع بَين النَّصَارَى ورؤساء الأجناد قبل ذَلِك فِي إِسْلَام الْبَلَد خوفًا على نُفُوسهم وعَلى النَّاس ثمَّ عددوا مطَالب وشروطا أداروها وَزَادُوا أَشْيَاء على مَا كَانَ فِي صلح وَادي آش مِنْهَا أَن صَاحب رومة يُوَافق على الِالْتِزَام وَالْوَفَاء بِالشّرطِ إِذا مكنوه من حَمْرَاء غرناطة والمعاقل والحصون وَيحلف على عَادَة النَّصَارَى فِي العهود وَتكلم النَّاس فِي ذَلِك وَذكروا أَن رُؤَسَاء أجناد الْمُسلمين لما خَرجُوا للْكَلَام فِي ذَلِك امتن عَلَيْهِم النَّصَارَى بِمَال جزيل وذخائر ثمَّ عقدت بَينهم الوثائق على شُرُوط قُرِئت على أهل غرناطة فانقادوا إِلَيْهَا ووافقوا عَلَيْهَا وَكَتَبُوا الْبيعَة لصَاحب قشتالة فقبلها مِنْهُم وَنزل سُلْطَان غرناطة أَبُو عبد الله عَن الْحَمْرَاء وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَفِي ثَانِي ربيع الأول من السّنة أَعنِي سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استولى النَّصَارَى على الْحَمْرَاء ودخلوها بعد أَن استوثقوا من أهل غرناطة بِنَحْوِ خَمْسمِائَة من الْأَعْيَان رهنا خوف الْغدر وَكَانَت الشُّرُوط سَبْعَة وَسِتِّينَ شرطا مِنْهَا تَأْمِين الصَّغِير وَالْكَبِير فِي النَّفس والأهل وَالْمَال وإبقاء النَّاس فِي أماكنهم ودورهم ورباعتهم وعقارهم وَمِنْهَا إِقَامَة شريعتهم على مَا كَانَت وَلَا يحكم على أحد مِنْهُم إِلَّا بِشَرِيعَتِهِ وَأَن تبقى الْمَسَاجِد كَمَا كَانَت والأوقاف كَذَلِك وَأَن لَا يدْخل النَّصَارَى دَار مُسلم وَلَا يغصبوا أحدا وَأَن لَا يولي على الْمُسلمين نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ مِمَّن يتَوَلَّى عَلَيْهِم من قبل سلطانهم وَأَن يفتك جَمِيع من أسر فِي غرناطة حَيْثُ كَانُوا وخصوصا أعيانا نَص عَلَيْهِم وَمن هرب من أُسَارَى الْمُسلمين وَدخل غرناطة لَا سَبِيل عَلَيْهِ لمَالِكه وَلَا لغيره وَالسُّلْطَان يدْفع ثمنه لمَالِكه وَمن أَرَادَ الْجَوَاز إِلَى العدوة لَا يمْنَع ويجوزون فِي مُدَّة عينت فِي مراكب السُّلْطَان لَا يلْزمهُم إِلَّا الْكِرَاء ثمَّ بعد تِلْكَ الْمدَّة يُعْطون عشر مَالهم والكراء وَأَن لَا يُؤْخَذ أحد بذنب غَيره وَأَن لَا يجْبر من أسلم على الرُّجُوع لِلنَّصَارَى وَدينهمْ وَأَن من تنصر من الْمُسلمين يُوقف أَيَّامًا حَتَّى يظْهر حَاله ويحضر لَهُ حَاكم من الْمُسلمين وَآخر من النَّصَارَى فَإِن أَبى الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام تَمَادى على مَا أَرَادَ وَلَا يُعَاتب
(4/104)

على من قتل نَصْرَانِيّا أَيَّام الْحَرْب وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ مَا سلب من النَّصَارَى أَيَّام الْعَدَاوَة وَلَا يُكَلف الْمُسلم بضيافة أجناد النَّصَارَى وَلَا يسفر لجِهَة من الْجِهَات وَلَا يزِيدُونَ على المغارم الْمُعْتَادَة وترفع عَنْهُم جَمِيع الْمَظَالِم والمغارم المحدثة وَلَا يطلع نَصْرَانِيّ للسور وَلَا يتطلع على دور الْمُسلمين وَلَا يدْخل مَسْجِدا من مَسَاجِدهمْ ويسير الْمُسلم فِي بِلَاد النَّصَارَى آمنا فِي نَفسه وَمَاله وَلَا يَجْعَل عَلامَة كَمَا يَجْعَل الْيَهُود وَأهل الدجن وَلَا يمْنَع مُؤذن وَلَا صَائِم وَلَا مصل وَلَا غَيره من أُمُور دينه وَمن ضحك مِنْهُم يُعَاقب ويتركون من المغارم سِنِين مَعْلُومَة وَأَن يُوَافق على كل الشُّرُوط صَاحب رومة وَيَضَع خطّ يَده وأمثال هَذَا مِمَّا تركنَا ذكره
وَبعد انبرام ذَلِك وَدخُول النَّصَارَى للحمراء وَالْمَدينَة جعلُوا قائدا بالحمراء وحكاما ومقدمين بِالْبَلَدِ وَلما علم بذلك أهل البشرات دخلُوا فِي هَذَا الصُّلْح وشملهم حكمه على هَذَا الْوَجْه ثمَّ أَمر الْعَدو بِبِنَاء مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَمْرَاء وتحصينها وتجديد بِنَاء قُصُورهَا وَإِصْلَاح سورها وَصَارَ الطاغية يخْتَلف إِلَى الْحَمْرَاء نَهَارا ويبيت بمحلته لَيْلًا إِلَى أَن اطْمَأَن من خوف الْغدر فَدخل الْمَدِينَة وَتَطوف بهَا وأحاط خَبرا بِمَا يرومه مِنْهَا ثمَّ أَمر سُلْطَان الْمُسلمين أَن ينْتَقل لسكنى البشرات وَأَنَّهَا تكون لَهُ فِي سكناهُ بأندرش فَانْصَرف إِلَيْهَا وَأخرج الأجناد مِنْهَا ثمَّ احتال عَدو الله فِي نَفْيه لبر العدوة وَأظْهر أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور طلب مِنْهُ ذَلِك ثمَّ كتب لصَاحب المرية أَنه سَاعَة وُصُول كتابي هَذَا لَا سَبِيل لأحد أَن يمْنَع مولَايَ أَبَا عبد الله من السّفر حَيْثُ أَرَادَ من بر العدوة وَمن وقف على هَذَا الْكتاب فليصرفه وليقف مَعَه وَفَاء بِمَا عهد لَهُ فَانْصَرف السُّلْطَان أَبُو عبد الله فِي الْحِين بِنَصّ هَذَا الْكتاب وَركب الْبَحْر فَنزل بمليلة واستوطن فاسا وَكَانَ قبل ذَلِك قد طلب الْجَوَاز لناحية مراكش فَلم يسعف بذلك وَحين جَوَازه لبر العدوة لَقِي شدَّة وَغَلَاء وبلاء ثمَّ إِن النَّصَارَى نكثوا الْعَهْد وَنَقَضُوا الشُّرُوط عُرْوَة عُرْوَة إِلَى أَن آل الْحَال لحملهم الْمُسلمين على التنصر سنة أَربع وَتِسْعمِائَة بعد أُمُور وَأَسْبَاب أعظمها عَلَيْهِم أَنهم قَالُوا إِن القسيسين كتبُوا على جَمِيع من أسلم من النَّصَارَى أَن
(4/105)

يرجع مهرعا لدينِهِ فَفَعَلُوا ذَلِك وَتكلم النَّاس وَلَا جهد لَهُم وَلَا قُوَّة ثمَّ تعدوا ذَلِك إِلَى أَمر آخر وَهُوَ أَن يَقُولُوا للرجل الْمُسلم إِن جدك كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم فترجع أَنْت نَصْرَانِيّا وَلما تفاحش هَذَا الْأَمر قَالَ أهل البيازين على الْحُكَّام فَقَتَلُوهُمْ وَهَذَا كَانَ السَّبَب الْأَعْظَم فِي التنصر قَالُوا لِأَن الحكم خرج من عِنْد السُّلْطَان أَن من قَامَ على الْحَاكِم فَلَيْسَ إِلَّا الْمَوْت إِلَّا أَن يتنصر فينجو من الْمَوْت وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُم تنصرُوا عَن آخِرهم بادية وحاضرة وَامْتنع قوم من التنصر واعتزلوا النَّصَارَى فَلم يَنْفَعهُمْ ذَلِك وامتنعت قرى وأماكن كَذَلِك مِنْهَا بلفيق وأندرش وَغَيرهمَا فَجمع لَهُم الْعَدو الجموع واستأصلهم عَن آخِرهم قتلا وسبيا إِلَّا مَا كَانَ من جبل بللنقة فَإِن الله تَعَالَى أعانهم على عدوهم وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة مَاتَ فِيهَا صَاحب قرطبة وأخرجوا على الْأمان إِلَى فاس بعيالهم وَمَا خف من أَمْوَالهم دون الذَّخَائِر
ثمَّ بعد هَذَا كُله كَانَ من أظهر التنصر من الْمُسلمين يعبد الله فِي خُفْيَة وَيُصلي فَشدد النَّصَارَى فِي الْبَحْث عَنْهُم حَتَّى إِنَّهُم أحرقوا كثيرا مِنْهُم بِسَبَب ذَلِك ومنعوهم من حمل السكين الصَّغِيرَة فضلا عَن غَيرهَا من الْحَدِيد وَقَامُوا فِي بعض الْجبَال على النَّصَارَى مرَارًا فَلم يقيض الله تَعَالَى لَهُم ناصرا إِلَى أَن كَانَ إِخْرَاج النَّصَارَى إيَّاهُم جملَة أَعْوَام سَبْعَة عشر وَألف بعد أَن ساكنوهم بغرناطة وأعمالها نَحوا من مائَة وَعشْرين سنة كَانُوا فِيهَا تَحت ذمَّة النَّصَارَى كَمَا رَأَيْت وَالْأَمر لله وَحده وَلما أجلاهم الْعَدو عَن جَزِيرَة الأندلس خرجت أُلُوف مِنْهُم بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وَخرج جمهورهم بتونس فتسلط عَلَيْهِم فِي الطرقات الْأَعْرَاب وَمن لَا يخْشَى الله تَعَالَى من الأوباش ونهبوا أَمْوَالهم وَهَذَا بِبِلَاد تلمسان وفاس وَنَجَا الْقَلِيل من هَذِه الْمضرَّة وَأما الَّذين خَرجُوا بنواحي تونس فَسلم أَكْثَرهم وَكَذَلِكَ بتطاوين وسلا وبيجة الجزائر وَلما استخدم سُلْطَان الْمغرب الْأَقْصَى وَهُوَ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ مِنْهُم عسكرا جرارا وَسَكنُوا سلا كَانَ مِنْهُم من الْجِهَاد فِي الْبَحْر مَا هُوَ مَشْهُور وحصنوا قلعة سلا وَهِي رِبَاط الْفَتْح وبنوا بهَا الْقُصُور والحمامات والدور
(4/106)

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب وهم الْآن يَعْنِي فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَألف بِهَذَا الْحَال وَوصل جمَاعَة مِنْهُم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى مصر وَالشَّام وَغَيرهَا من بِلَاد الْإِسْلَام وانقضى أَمر الأندلس وعادت نَصْرَانِيَّة كَمَا كَانَت أول مرّة وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين
وَفِي السّنة الَّتِي استولى الإصبنيول على غرناطة انكشفت لَهُم أَرض ماركان الَّتِي كَانَت مَجْهُولَة قبل هَذَا التَّارِيخ لسَائِر الْأُمَم وَذَلِكَ أَن الْحُكَمَاء الأقدمين من اليونان وَغَيرهم أَجمعُوا على أَن شكل الأَرْض كرة وَأَن المَاء قد غمر أحد جانبيها كُله بِحَيْثُ صَارَت الأَرْض فِيهِ كَأَنَّهَا بَيْضَة مغرقة فِي طست مَاء قد رسب فِيهِ أَكْثَرهَا وبرز أقلهَا وَأَجْمعُوا على أَن هَذَا البارز مِنْهَا هُوَ المسكون ببني آدم وَغَيرهم من الْحَيَوَانَات وَهُوَ الْمقسم إِلَى سَبْعَة أَقسَام تسمى الأقاليم وَلم يهتدوا إِلَى أَن الْجَانِب الآخر منكشف عَنهُ المَاء وَلَا أَنه مسكون كَهَذا الْجَانِب بل جزموا بِأَنَّهُ مَاء صرف يُسمى الْبَحْر الْمُحِيط وَاسْتمرّ هَذَا الِاعْتِقَاد عِنْدهم وَنَقله الْخلف عَن السّلف وَوَضَعُوا فِيهِ التآليف العديدة إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَهِي السّنة الَّتِي استولى فِيهَا الإصبنيول على غرناطة وَسَائِر الأندلس فاتفق أَن ظهر فِي تِلْكَ الْمدَّة رجل من فرنج جنوة اسْمه كلنب بِضَم الْكَاف وَاللَّام كَانَت حرفته الملاحة وَالسّفر فِي الْبَحْر وَكَانَ بعيد الهمة مُولَعا بالشهرة مغرى بِالذكر وَحسن الصيت فخطر بِبَالِهِ أَن جَانب الأَرْض الَّذِي أغفل الْحُكَمَاء الْأَولونَ ذكره وَزَعَمُوا أَنه بَحر صرف رُبمَا يكون مسكونا كَهَذا الْجَانِب
وَكَانَ جنس البرتغال فِي هَذِه الْمدَّة قد كثرت أسفارهم فِي الْبَحْر وملكوا عدَّة محَال من جزائره الخالدات فَحصل لكلنب الجنويزي بعض غيرَة ونفاسة مِنْهُم وَأَرَادَ أَن يَأْتِي بأعظم مِمَّا فعلوا فعزم على التلجيج فِي الْبَحْر الْمُحِيط والإبعاد فِيهِ عَسى أَن يظفر بمراده فتطارح على ملك البرتغال واسْمه يَوْمئِذٍ يوحنا الثَّانِي فِي أَن يُعينهُ على مَا هُوَ بصدده ويمده بِمَا يكون سَببا فِي نيل مقْصده فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْله وَلَا عرج على رَأْيه وَمن قبل مَا كَانَ أهل
(4/107)

جنوة يحمقونه وينسبونه إِلَى التهور بِمثل هَذِه الآراء فَلَمَّا لم يجد عِنْد ملك البرتغال مُرَاده تطارح على ملكة الإصبنيول وَهِي يَوْمئِذٍ إيسابيلا الشهيرة الذّكر عِنْدهم فأسعفته وَهَيَّأْت لَهُ ثَلَاث سفائن وشحنتها بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح والزاد وَالْمَال وَدفعت ذَلِك إِلَيْهِ فسافر بهَا كلنب فِي الْبَحْر الْمُحِيط على سمت الْمغرب حَتَّى أرسى بِبَعْض الجزائر الخالدات فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَافر على السمت الْمَذْكُور ملججا مُدَّة من شَهْرَيْن وَلما طَال السّفر على أَصْحَابه الَّذين مَعَه أَرَادوا قَتله وبينما هم فِي ذَلِك ظَهرت لَهُ أَرض ماركان فَسَار حَتَّى أرسى بأجفانه على ساحلها فِي الْيَوْم الثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة الْمَذْكُورَة فعثر مِنْهَا على أَرض وَاسِعَة ذَات أقطار ونواحي وجبال وأنهار تفوت الْحصْر حَتَّى قيل إِنَّهَا تَسَاوِي نصف هَذَا المسكون من الأَرْض أَو تزيد وَإِذا فِيهَا خلق كثير من بني آدم كهذه إِلَّا أَنهم لم يفقهوا قَوْله وَلَا فقه قَوْلهم فَعَاد كلنب إِلَى ملكة الإصبنيول بعد أَن بنى هُنَالك حصنا وَترك بِهِ بعض الْجند وسَاق من تِلْكَ الأَرْض بعض الغرائب من حَيَوَان وَغَيره إِثْبَاتًا لمدعاه فَلَمَّا قدم على الملكة بعد مغيبه سَبْعَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا أعظمت قدره ونوهت باسمه وسرت بِمَا أَتَى بِهِ من ذَلِك كُله وعدت ذَلِك من سعادتها إِلَى مَا تسنى لَهَا من الظفر بِجَزِيرَة الأندلس والاستيلاء عَلَيْهَا وَتبين للفرنج حِينَئِذٍ أَن الأَرْض معمورة من كلا الْجَانِبَيْنِ لَا من جَانب وَاحِد كَمَا اعتقده الأقدمون فَحِينَئِذٍ تسارعت أجناسهم إِلَى أَرض ماركان واقتسموها واعتنوا بعمرانها وسموها الدُّنْيَا الجديدة فَكَانَت من أعظم الْأَسْبَاب فِي انتعاشهم وتقويتهم وضخامة دولهم واتساع خطط ممالكهم والأمور كلهَا بيد الله
وَمن جملَة مَا كَانَ مفقودا بِأَرْض ماركان نوع الْخَيل وَكَذَا غَيرهَا من الْحَيَوَانَات الْأَهْلِيَّة وَلما رَأَوْا الأدمِيّ رَاكِبًا على الْفرس مسرجا ظنوه قِطْعَة وَاحِدَة وَأَن الْفَارِس وفرسه حَيَوَان وَاحِد خلق على تِلْكَ الْكَيْفِيَّة إِلَى غير ذَلِك وأخبار أَرض ماركان وَكَيْفِيَّة العثور عَلَيْهَا ثمَّ التَّرَدُّد إِلَيْهَا واعتمارها بعد ذَلِك طَوِيلَة وملخصها مَا ذَكرْنَاهُ وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
(4/108)

وَهَذَا آخر النّصْف الأول من كتاب الاستقصا لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى قد شرعنا فِي إمْلَائِهِ منتصف رَجَب الْفَرد الْحَرَام من سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وفرغنا مِنْهُ فِي منتصف ذِي الْحجَّة الْحَرَام فِي السّنة الْمَذْكُورَة ونشرع بعون الله تَعَالَى فِي الْجُزْء الثَّانِي مِنْهُ مفتتحا بِمَا يكون كالتوطئة لدولة بني وطاس من أَخْبَار البرتغال على الْجُمْلَة وعَلى الله تَعَالَى الْكَمَال بمنه وفضله
أَخْبَار البرتغال بالمغرب الْأَقْصَى على الْجُمْلَة

اعْلَم أَن هَذَا الْمغرب الْأَقْصَى حرسه الله وكلأه بِعَين حفظه لم يزل بِجَمِيعِ ثغوره وسواحله وأقطاره مُنْذُ الْفَتْح الإسلامي إِلَى الْمِائَة التَّاسِعَة مَحْفُوظًا الجوانب من طروق أُمَم الفرنج وَغَيرهم من أَعدَاء الدّين محفوف الأكتاف بالحامية من جنود الْمُسلمين مرهوبة شَوْكَة ملوكه عِنْد أُمَم النَّصْرَانِيَّة جيلا بعد جيل وَأمة بعد أمة ودولة بعد دولة لم تكن الفرنج تحدث نَفسهَا بغزو شَيْء من بِلَاده أَو طرق ثغر من ثغوره أَو الِاسْتِيلَاء على شَيْء من سواحله وَلم يكن أَهله أَيْضا يتوقعون ذَلِك مِنْهُم وَلَا يخشونه بل هم الَّذين كَانُوا يغزون الفرنج فِي عقر دِيَارهمْ وأعز بِلَادهمْ ويحامون عَن بِلَاد الأندلس وسواحل إفريقية وَغَيرهَا مَتى هاج أَهلهَا هيج من ذَلِك حَسْبَمَا تقدّمت الْأَخْبَار المفصحة عَن ذَلِك وَلم يبلغنَا أَن جِنْسا من أَجنَاس الفرنج فِيمَا قبل الْمِائَة التَّاسِعَة غزا شَيْئا من أَطْرَاف الْمغرب الْأَقْصَى أَو ثغرا من ثغوره بِقصد الِاسْتِيلَاء والتملك إِلَّا مَا كَانَ من مَدِينَة سلا الَّتِي دَخلهَا الإصبنيول غدرا أَيَّام الْفِتْنَة بَين اليعقوبين ثمَّ خَرجُوا عَنْهَا لمُدَّة يسيرَة حَسْبَمَا مر وَإِلَّا مَا كَانَ من محاصرة أهل جنوة لسبتة ثمَّ الإقلاع عَنْهَا كَذَلِك وَنَحْو هَذَا مِمَّا لَا يعْتَبر فَلَمَّا دخلت الْمِائَة التَّاسِعَة وَمضى صدرها وتداعت دوَل الْمغرب من بني أبي حَفْص بإفريقية وَبني زيان بالمغرب الْأَوْسَط وَبني مرين بالمغرب الْأَقْصَى
(4/109)

وَبني الْأَحْمَر بالأندلس وأشرفت على الْهَرم وَحدثت الْفِتَن بَين الْمُسلمين ودامت فيهم وَاشْتَغلُوا بِأَنْفسِهِم دون الِالْتِفَات إِلَى جِهَاد الْعَدو ومطالبته فِي أرضه وبلاده على مَا كَانَ لَهُم من الْعَادة قبل ذَلِك وَافق ذَلِك ابْتِدَاء ظُهُور الجلالقة وهم الإصبنيول والبرتغال وهم البرطقيز بِجَزِيرَة الأندلس واستفحال أَمرهم فكثرت أسفار البرتغال فِي الْبَحْر الْمُحِيط ودام تقلبهم فِيهِ ومرنوا عَلَيْهِ حَتَّى حصلوا على عدَّة جزائر مِنْهُ واكتشفوا بعض الرؤوس الساحلية من أَرض السودَان وَغَيرهَا ثمَّ شرهوا لتملك سواحل الْمغرب الْأَقْصَى فَهَجَمُوا عَلَيْهَا وجالدوا أَهلهَا دونهَا حَتَّى تمكنوا مِنْهَا ونشبوا فِيهَا فَقَوِيت شوكتهم وَعظم ضررهم على الْإِسْلَام وطمحت نُفُوسهم للاستيلاء على مَا وَرَاء ذَلِك حَسْبَمَا تقف عَلَيْهِ مُبينًا فِي موَاضعه إِن شَاءَ الله
فاستولوا فِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة على مَدِينَة سبتة بعد محاصرتهم لَهَا سِتّ سِنِين على مَا فِي بعض تواريخ الإفرنج ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة استولوا على قصر الْمجَاز ثمَّ استولوا فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة على طنجة ثمَّ فِي حُدُود سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة ملكوا آصيلا وَفِي هَذَا التَّارِيخ نَفسه أَو قبله بِيَسِير استولوا على مَدِينَة آنِفا وَبَعض سواحل السوس ثمَّ فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعمِائَة نزلُوا بِأَرْض الجديدة فِيمَا بَين آزمور وتيط وبنوا بهَا حصن البريجة وَطَالَ مقامهم بهَا ثمَّ فِي سنة عشر وَتِسْعمِائَة استولوا على مَدِينَة العرائش ثمَّ بعد ذَلِك بِيَسِير فِي حُدُود الْعشْر وَتِسْعمِائَة على مَا تَقْتَضِيه تواريخ الفرنج ملكوا حصن آكادير وَمَا اتَّصل بِهِ من سواحل السوس الْأَقْصَى ثمَّ ملكوا فِي حُدُود اثْنَتَيْ عشرَة وَتِسْعمِائَة رِبَاط آسفي ثمَّ عطفوا على ثغر آزمور فاستولوا عَلَيْهِ فِي سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة ثمَّ المعمورة وَهِي المهدية ملكوها أَيْضا فِي حُدُود سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وَفِي هَذَا التَّارِيخ نَفسه رجعُوا إِلَى مَدِينَة آنِفا بعد هدمها فبنوها وسكنوها وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق من ثغور الْمغرب الْأَقْصَى بيد الْمُسلمين إِلَّا الْقَلِيل مثل سلا ورباط الْفَتْح وفجئ الْمُسلمُونَ من هَذَا البرتغال بِالْأَمر الْعَظِيم ودهوا مِنْهُ بالخطب الجسيم واستحوذ عَدو الله على بِلَاد الهبط وضايقهم بهَا حَتَّى
(4/110)

انحازوا إِلَى الْأَمْصَار المنزوية عَن الْأَطْرَاف والقرى النائية عَن السواحل وَكَانَ ذَلِك كُله فِيمَا بَين انْقِرَاض دولة بني وطاس وَظُهُور دولة الشرفاء السعديين وَلَقَد ذكر فِي مرْآة المحاسن أَن قصر كتامة كَانَ فِي صدر الْمِائَة الْعَاشِرَة مقصدا للتجار وسوقا تجلب إِلَيْهِ بضائع العدوتين وسلعها قَالَ إِذْ كَانَ الْقصر الْمَذْكُور ثغرا بَين بِلَاد الْمُسلمين وَبَين بِلَاد النَّصَارَى تحط بِهِ رحال تجار الْمُسلمين من آفَاق الْمغرب وتجار الْحَرْبِيين من أصيلا وطنجة وَقصر الْمجَاز وسبتة وَلِأَنَّهُ كَانَ مَحل عناية سُلْطَان الْمغرب إِذْ ذَاك مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي فَإِن الْقصر قَاعِدَة بِلَاد الهبط الَّتِي كَانَت موقد شرارة السُّلْطَان الْمَذْكُور ومشب ناره وموشج عصبيته مَعَ مجاورته لبلاد الْحَرْب فَكَانَ نظره مصروفا إِلَيْهِ واختصاصه مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَتقبل بنوه من بعده مذْهبه فِيهِ اه كَلَامه فَهَذَا يدلك على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَدو خذله الله من المضايقة للْمُسلمين فِي ثغورهم وبلادهم وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد
وَلما نزل بِأَهْل الْمغرب الْأَقْصَى مَا نزل من غَلَبَة عَدو الدّين واستيلائه على ثغور الْمُسلمين تباروا فِي جهاده وقتاله وأعملوا الْخَيل وَالرجل فِي مقارعته ونزاله وتوفرت دواعي الْخَاصَّة مِنْهُم والعامة على ذَلِك وصرفوا وُجُوه الْعَزْم لتَحْصِيل الثَّوَاب فِيمَا هُنَالك فكم من رَئِيس قوم قَامَ لنصرة الدّين غيرَة واحتسابا وَكم من ولي عصر أَو عَالم مصر بَاعَ نَفسه من الله وَرَأى ذَلِك صَوَابا حَتَّى لقد اسْتشْهد مِنْهُم أَقوام وَأسر آخَرُونَ وَبلغ الله تَعَالَى جَمِيعهم من الثَّوَاب مَا يرجون فَمن اسْتشْهد مِنْهُم فِي سَبِيل الله سَيِّدي عِيسَى ابْن الْحسن المصباحي دَفِين الدعداعة بِأَرْض البروزي من بِلَاد طليق وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الشاوي من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَأَبُو الْفضل فرج الأندلسي ثمَّ المكناسي وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد القصري الْمَعْرُوف بسقين قَتله النَّصَارَى عِنْد ضريح الشَّيْخ أبي سلهام وَكَانَ قد قَصده للزيارة ففتكوا بِهِ هُنَالك وكل هَؤُلَاءِ مَعْدُود فِي أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَمِمَّنْ أسر مِنْهُم ثمَّ خلصه الله الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت من أحواز مراكش وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من أحواز
(4/111)

فاس ووالد صَاحب دوحة الناشر وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مِصْبَاح الحسني عرف بِابْن عَسْكَر وَالشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن القَاضِي المكناسي أحد قُضَاة سلا وَهُوَ صَاحب جذوة الاقتباس والمنتقى الْمَقْصُور وَغَيرهمَا من التآليف الحسان أسر وَهُوَ ذَاهِب إِلَى الْحَج وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل التّونسِيّ الْمَعْرُوف بخروف نزيل فاس وَشَيخ الْجَمَاعَة بهَا هَؤُلَاءِ كلهم أَصَابَهُ الْأسر ثمَّ خلصه الله بعد حِين وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يحضرنا ذكرهم أجزل الله ثوابهم وَيسر بمنه حسابهم وَلَقَد ألف النَّاس فِي ذَلِك الْعَصْر التآليف فِي الحض على الْجِهَاد وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَقَالَ الخطباء والوعاظ فِي ذَلِك فَأَكْثرُوا ونظم الشُّعَرَاء والأدباء فِيهِ ونثروا فَمِمَّنْ ألف فِي ذَلِك الْبَاب فَأفَاد الشَّيْخ المتفنن البارع الصُّوفِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم ابْن يَجِيش التازي قَالَ فِي الدوحة وقفت لَهُ على تأليف أَلفه فِي الحض على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَكَانَ مِمَّا يَنْبَغِي أَن يتَنَاوَل باليدين وَيكْتب دون المداد باللجين أودعهُ نظما ونثرا وَمِمَّنْ نظم فِي ذَلِك فأجاد الشَّيْخ الصَّالح المتصوف الْمُجَاهِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي قَالَ فِي الدوحة كَانَ هَذَا الشَّيْخ مِمَّن لَازم بَاب الْجِهَاد وَفتح لَهُ فِيهِ وَله فِي ذَلِك أشعار وقصائد زجليات وَغَيرهَا وَكَانَ معاصرا للسُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك وَلما توفّي السُّلْطَان الْمَذْكُور ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المجاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله الْمَذْكُور فآلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وضرورياته فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو ونادى بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شرح لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ
(4/112)

فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك وَلِهَذَا الشَّيْخ زجليات ومقطعات حسان فِي الحض على الْجِهَاد مِنْهَا اللامية الْمَشْهُورَة الَّتِي خَاطب بهَا السُّلْطَان أَبَا عبد الله الْمَذْكُور ومطلعها
(قل للأمير مُحَمَّد ... يَا طلعة الْهلَال)
(لويلة فِي السواحل ... من أفضل الليال)
وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي مطْلعهَا
(ظهر الرمل مرادي ... والعسكر يَا كرام)
(نَفسِي على الْجِهَاد ... سبلت وَالسَّلَام)
وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي أَولهَا
(قُم للْجِهَاد رعاك الله منتهجا ... نهج الرشاد إِلَى الأقوام لَو فَهموا)
(من بعد أندلس مَا زلت محتدما ... لَو كَانَ يمكنني فِي اللَّيْل أحتزم)
إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره قَالَ صَاحب الدوحة حَدثنِي الْفَقِيه الْعدْل أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الدغموري القصري قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله يَقُول مَا غزونا غَزْوَة قطّ إِلَّا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا ويخبرني بِجَمِيعِ مَا يتَّفق لي ولأصحابي فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَله رَضِي الله عَنهُ فِي شَأْن الْجِهَاد والرجولية حِكَايَة ظريفة وَهِي أَنه غز مرّة غَزْوَة إِلَى الثغور الهبطية ثمَّ قدم مِنْهَا مَعَ أَصْحَابه فَوجدَ زَوجته فُلَانَة بنت الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار قد توفيت وَصلى النَّاس عَلَيْهَا بِجَامِع الْقرَوِيين وإمامهم الشَّيْخ غَازِي ابْن الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي الإِمَام الْمَشْهُور فوصل الشَّيْخ أَبُو عبد الله وَوجد جنازتها على شَفير الْقَبْر وَالنَّاس يحاولون دَفنهَا فَقَالَ لَهُم مهلا ثمَّ تقدم وَأعَاد الصَّلَاة عَلَيْهَا مَعَ أَصْحَابه الَّذين قدمُوا مَعَه فبادر النَّاس إِلَيْهِ بالإنكار فِي تَكْرِير الصَّلَاة فِي الْجِنَازَة بِالْجَمَاعَة مرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُم على البديهة صَلَاتكُمْ الَّتِي صليتم عَلَيْهَا فَاسِدَة لكَونهَا بِغَيْر إِمَام فَقَالُوا لَهُ كَيفَ ذَلِك يَا سَيِّدي قَالَ لِأَن شَرط الإِمَام الذكورية وَهِي مفقودة فِي صَاحبكُم لِأَن الَّذِي لم يتقلد سَيْفا فِي سَبِيل الله قطّ وَلم يضْرب بِهِ وَلَا عرف الْحَرْب كَمَا كَانَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتعبد بالسيرة النَّبَوِيَّة فَكيف يعد إِمَامًا ذكرا بل
(4/113)

إمامكم وَالله من جملَة النِّسَاء اه وَحكى أَيْضا فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله الورياكلي الَّذِي قَالَ لَهُ الْعَلامَة ابْن مَرْزُوق وَقد عزم على الرحلة إِلَى بِلَاد الْمشرق فِي طلب الْعلم لَيْسَ أمامك أحد أعلم مِنْك قَالَ فَرجع من هُنَالك فَوجدَ النَّصَارَى قد تغلبُوا على طنجة وآصيلا فلازم الثغور الهبطية لأجل الرِّبَاط وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله وَبث الْعلم ونشره قَالَ وَكَانَ من عَادَته أَن يشْتَغل بالتدريس فِي فَصلي الشتَاء وَالربيع وَيخرج فِي الصَّيف والخريف فيربط فِي ثغور الْقَبَائِل الهبطية إِلَى آخر كَلَامه وأمثال هَذَا كثير ذكرنَا مِنْهُ هَذِه النبذة الْيَسِيرَة لتقف بهَا على أَحْوَال الْقَوْم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الرَّغْبَة فِي الْجِهَاد والمثابرة عَلَيْهِ قدس الله أَرْوَاحهم وَجعل فِي دَار النَّعيم غدوهم ورواحهم
وَقد آن أَن نشرع فِي الْأَخْبَار عَن دولة بني وطاس بعد أَن نذْكر دولة الشريف العمراني الَّذِي بَايعه أهل فاس يَوْم مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعد رَحمَه الله
الْخَبَر عَن دولة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد وأوليته

هَذَا الشريف هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الإدريسي الجوطي العمراني من بَيت بني عمرَان فرقة من أدارسة فاس وهم وَاسِطَة عقد الْبَيْت الإدريسي وأوضحهم نسبا وَأَعْلَاهُمْ حسبا قَالَ ابْن خلدون لَيْسَ فِي الْمغرب فِيمَا نعلمهُ من أهل الْبَيْت الْكَرِيم من يبلغ فِي صَرَاحَة نسبه ووضوحه مبلغ أعقاب إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ قَالَ وكبراؤهم لهَذَا الْعَهْد بَنو عمرَان بفاس من ولد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس وهم نقباء أهل الْبَيْت هُنَاكَ والساكنون بِبَيْت جدهم إِدْرِيس وَلَهُم السِّيَادَة على أهل الْمغرب كَافَّة اه والجوطي قَالَ فِي الْمرْآة نِسْبَة إِلَى جوطة بجيم مضموم وواو مد وطاء مَفْتُوحَة وهاء تَأْنِيث وَهِي قَرْيَة عَظِيمَة على نهر سبو فِي العدوة الجنوبية خربَتْ وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا أثار وَلها مسيل شتوي يعرف بمخروط جوطة نزلها السَّيِّد يحيى فنسب إِلَيْهَا وقبره هُنَالك مَعْرُوف اه
(4/114)

بيعَة السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وَالسَّبَب فِيهَا

كَانَ بَنو مرين أَيَّام ولايتهم على الْمغرب يعظمون هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف الأدارسة ويوجبون حَقهم ويتقربون إِلَى الله تَعَالَى بِرَفْع مَنْزِلَتهمْ وجبر خواطرهم لما فاتهم من رُتْبَة الْخلَافَة الَّتِي كَانَت تكون لَهُم بطرِيق الِاسْتِحْقَاق الشَّرْعِيّ فَكَانَ بَنو مرين لما جبلوا عَلَيْهِ من الجنوح إِلَى مراسم الدّين وانتحالها يرَوْنَ فِي أنفسهم كَأَنَّهُمْ متغلبون مَعَ وجود هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف فَلِذَا كَانُوا يخضعون لَهُم ويتأدبون مَعَهم مَا أمكن وَلَقَد حكى أَبُو عبد الله بن الْأَزْرَق أَن الشَّيْخ الْكَبِير أَبَا عبد الله الْمقري كَانَ يحضر مجْلِس السُّلْطَان أَبَا عنان لَيْث الْعلم وَكَانَ نقيب الشرفاء بفاس إِذا دخل مجْلِس السُّلْطَان يقوم لَهُ السُّلْطَان وَجَمِيع من فِي الْمجْلس إجلالا لَهُ إِلَّا الشَّيْخ الْمقري فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقوم لَهُ فجرت بَين الشريف والفقيه الْمَذْكُور معاتبة ومراجعة فِي حِكَايَة مَشْهُورَة تركناها لعدم تعلق الْغَرَض بهَا إِذْ الْغَرَض هُوَ الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم من التجلة والتعظيم لأهل هَذَا الْبَيْت الْكَرِيم فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ أَحْوَال الدولة المرينية بفاس وَاجْتمعَ رُؤَسَاء فاس إِلَى الْفَقِيه أبي فَارس الورياكلي فِي شَأْن الْيَهُودِيين اللَّذين كَانَا يحتكمان فِي الْمَدِينَة ويعتسفان أَهلهَا أجمع رَأْيهمْ على مبايعة هَذَا الشريف الْحَفِيد وَكَانَ يَوْمئِذٍ على نقابة الْأَشْرَاف بفاس فاستدعوه فَحَضَرَ وَبَايَعُوهُ فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَتمّ أمره وَكَانَ من قَتله للسُّلْطَان عبد الْحق مَا تقدم ذكره وَالله أعلم
(4/115)

فتْنَة الشاوية ووصولهم إِلَى بِلَاد الغرب

قد قدمنَا مَا كَانَ من أَمر الشاوية وفتنتهم فِي أَيَّام السُّلْطَان عبد الْحق وَلما كَانَت أَيَّام الْحَفِيد هَذَا تزايد ضررهم واستطال شرهم فزحفوا إِلَى بِلَاد الغرب من أحواز مكناسة وفاس وعاثوا وأفسدوا وَلما تكلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن على الشَّيْخ عبد الْوَارِث اليالصوتي وَأَنه أَخذ من جمَاعَة مِنْهُم أَبُو النَّجَاء سَالم الروداني الشاوي وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله الصَّغِير السهلي وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الغزواني قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو النَّجَاء أَولا يقْرَأ بِالْمَدْرَسَةِ العنانية فَلَمَّا نزل الشاوية الغرب خرج من فاس خَائفًا يترقب وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْحَفِيد اه وبلاد الغرب تطلق فِي عرف أَهله على خُصُوص بسيط أزغار وَمَا اتَّصل بِهِ إِلَى سَاحل الْبَحْر وَالله أعلم
اسْتِيلَاء البرتغال على مَدِينَة آنفي وآصيلا

رَأَيْت فِي بعض تواريخ الفرنج أَن اسْتِيلَاء البرتغال على آنفي كَانَ فِي حُدُود أَربع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَأَنَّهُمْ هدموها وَبقيت كَذَلِك مُدَّة تزيد على أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ شرعوا فِي تحصينها وَالْبناء بهَا وَلم يزَالُوا مقيمين بهَا إِلَى حُدُود أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف فِي سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة استولوا على آصيلا وظفروا فِيهَا بِبَيْت مَال الوطاسي وأسروا وَلَده مُحَمَّدًا الْمَدْعُو بالبرتغالي وَابْنَته وزوجتيه وَجَمَاعَة من الْأَعْيَان وَكَانَ الْخطب عَظِيما وَبَقِي ولد الوطاسي عِنْد البرتغال سبع سِنِين ثمَّ افتكه وَالِده بعد وَكَانَ يَوْم أسر صَبيا صَغِيرا وَأما مَدِينَة فضَالة فَلم يَقع عَلَيْهَا اسْتِيلَاء وَإِنَّمَا كَانَت بهَا كمبانية خَمْسَة نفر من تجار مادريد قَاعِدَة قشتالة نزلوها بِقصد التِّجَارَة بِإِذن سُلْطَان الْوَقْت وَكَانَت سلعهم توسق وتوضع من مرْسَاها وبنوا بهَا الْبناء الْمَوْجُود
(4/116)

الْيَوْم وَالله تَعَالَى أعلم
خلع السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وانقراض أمره

قَالَ فِي الجذوة لما قَامَت عَامَّة فاس على السُّلْطَان عبد الْحق وَأَقَامُوا هَذَا النَّقِيب من أهل مَدِينَة فاس إِمَامًا اسْتمرّ بهَا وَابْنه وَزِير لَهُ إِلَى سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة فعزل عَن الْإِمَامَة وَكَانَ الَّذِي خلعه أَبَا الْحجَّاج يُوسُف بن مَنْصُور بن زيان الوطاسي وَكَانَ ذَلِك سَبَب ذهَاب الشريف الْمَذْكُور إِلَى تونس لمُدَّة يسيرَة من خلعه وَبقيت حَضْرَة فاس الْجَدِيد فِي يَد أُخْت أبي الْحجَّاج الْمَذْكُور وَهِي الزهراء المدعوة بزهور مَعَ قائده السجيري إِلَى أَن تولى الْأَمر أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي وَالله غَالب على أمره
(4/117)

الْخَبَر عَن دولة بني وطاس وَذكر نسبهم وأوليتهم

اعْلَم أَن بني وطاس فرقة من بني مرين غير أَنهم لَيْسُوا من بني عبد الْحق وَلما دخل بَنو مرين الْمغرب واقتسموا أَعماله حَسْبَمَا تقدم كَانَ لبني وطاس هَؤُلَاءِ بِلَاد الرِّيف فَكَانَت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وَكَانَ بَنو الْوَزير مِنْهُم يسمون إِلَى الرياسة ويروسون الْخُرُوج على بني عبد الْحق وَقد تكَرر ذَلِك مِنْهُم حَسْبَمَا مر ثمَّ أذعنوا إِلَى الطَّاعَة وراضوا أنفسهم على الْخدمَة فاستعملهم بَنو عبد الْحق فِي وُجُوه الولايات والأعمال واستظهروا بهم على أُمُور دولتهم فَحسن أَثَرهم لَدَيْهَا وتعدد الوزراء مِنْهُم فِيهَا وَذكر ابْن خلدون أَن بني الْوَزير هَؤُلَاءِ يرَوْنَ أَن نسبهم دخيل فِي بني مرين وَأَنَّهُمْ من أعقاب يُوسُف بن تاشفين اللمتوني لَحِقُوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ووشجت فيهم عروقهم حَتَّى لبسوا جلدتهم وَلم يزل السرو متربعا بَين أَعينهم لذَلِك والرياسة شامخة بأنوفهم اه وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان أبي عنان وَاسْتولى على بجابة عقد عَلَيْهَا لعمر بن عَليّ الوطاسي من بني الْوَزير هَؤُلَاءِ فثار عَلَيْهِ أَهلهَا واستلحموه فِي خبر مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ
ثمَّ لما كَانَت الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم وخلص ملك مراكش وأعمالها إِلَى ابْن عَمه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن كَانَ من جملَة من تحيز إِلَيْهِ وَصَارَ فِي جملَته زيان بن عمر بن عَليّ الْمَذْكُور فَكَانَت لَهُ فِي دولته الوجاهة الْكَبِيرَة والمنزلة الرفيعة ثمَّ لما فسد مَا بَين السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس والأمير عبد الرَّحْمَن كَانَ زيان بن عمر فِي جملَة النازعين إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فاتصل بِهِ وَصَارَ فِي جملَته إِلَى أَن حاصر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس قَصَبَة مراكش وَبهَا يَوْمئِذٍ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن فأبلى
(4/118)

زيان بن عمر فِي ذَلِك الْحصار وَكَانَ أحد الَّذين باشروا قتل وَلَدي الْأَمِير عبد الرَّحْمَن
قَالَ ابْن خلدون وطالما كَانَ زيان هَذَا يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خُيَلَاء فِي جاههم فَذهب مثلا فِي كفران النِّعْمَة وَسُوء الْجَزَاء وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة ثمَّ جَاءَ بعده ابْنه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان فولي الوزارة للسُّلْطَان عبد الْحق كَمَا مر ثمَّ بعده ابْنه يحيى أَيْضا وَهُوَ الَّذِي قَتله السُّلْطَان عبد الْحق فِي جمَاعَة من عشيرته وفر أَخُوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ إِلَى الصَّحرَاء وَبَقِي متنقلا فِي الْبِلَاد إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي رَحمَه الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ من إِيقَاع السُّلْطَان عبد الْحق ببني وطاس وإفلات مُحَمَّد الشَّيْخ وَمُحَمّد الحلو من النكبة وَأَن الشَّيْخ كَانَ قد خرج للصَّيْد فاتصل بِهِ الْخَبَر فَذهب على وَجهه لَا يلوي على شَيْء وَأَن الحلو اختفى حَتَّى إِذا سكنت الهيعة تسلل وَلحق بالشيخ فسارا إِلَى جِهَة الصَّحرَاء وَجعلا يترددان فِيمَا بَينهَا وَبَين الْبِلَاد الهبطية حَتَّى ملكا آصيلا وَذَلِكَ قبل اسْتِيلَاء البرتغال عَلَيْهَا وَلما ملك الشَّيْخ آصيلا واستفحل أمره بهَا تشوفت إِلَيْهِ الْأَعْيَان من أهل فاس والرؤساء من أهل دولة السُّلْطَان عبد الْحق وصاروا يكاتبونه ويقدمون إِلَيْهِ الْوَسَائِل سرا وَرُبمَا دَعوه إِلَى الْقدوم على أَن يبذلوا لَهُ من الطَّاعَة والنصرة مَا شَاءَ فاستمر الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن قتل عبد الْحق وبويع الْحَفِيد فَحِينَئِذٍ أرهف الشَّيْخ حَده واستفرغ فِي الْمُطَالبَة جهده إِلَى أَن استولى على الحضرة وَصفا لَهُ ملك الْمغرب
قَالَ فِي الْمرْآة لما بَايع أهل فاس أَبَا عبد الله الْحَفِيد قَامَ مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي فِي آصيلا واستتبع الْقَبَائِل واستفحل أمره وحاصر فاسا وقتا
(4/119)

بعد وَقت إِلَى أَن دخلت فِي طَاعَته فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَخرج عَنْهَا الْحَفِيد ودخلها مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور فِي أَوَائِل شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ مورث الْملك لِبَنِيهِ بهَا اه وَقد تقدم لنا أَن الَّذِي خلع الشريف من الْملك هُوَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مَنْصُور الوطاسي وَأَن حَضْرَة فاس الْجَدِيد قد بقيت بعد ذهَاب الشريف إِلَى تونس فِي يَد زهور الوطاسية والقائد السجيري إِلَى أَن قدم السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَالله تَعَالَى أعلم
وَقَالَ منويل فِي أَخْبَار مُحَمَّد الشَّيْخ هَذَا مَا صورته كَانَت مملكة الْمغرب الْأَقْصَى فِي غَايَة الِاضْطِرَاب والانتكاس حَتَّى طمع فِي ملكهَا كل من كَانَت توسوس لَهُ نَفسه بذلك وَاسْتولى ابْن الْأَحْمَر على جَمِيع الثغور الَّتِي كَانَت لبني مرين بِأَرْض الأندلس وَلم يتْرك لَهُم قيد شبر واشرأبت أَجنَاس الفرنج للتغلب على الْمغرب وَفِي تِلْكَ الْمدَّة كَانَ بآصيلا مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي وَكَانَ شجاعا مقداما وأحس من نَفسه بِالْقُدْرَةِ على الِاسْتِيلَاء على كرْسِي فاس وتنحية الشريف عَنهُ لَا سِيمَا مَعَ مَا كَانَ النَّاس فِيهِ من افْتِرَاق الْكَلِمَة فَجمع جندا صالحها وزحف إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ الشريف والتقوا بأحواز مكناسة فَوَقَعت بَينهمَا حَرْب عَظِيمَة كَانَت الكرة فِيهَا على الوطاسي ثمَّ جمع عسكرا آخر وزحف بِهِ إِلَى فاس وحاصرها نَحْو سنتَيْن والشريف فِيهَا مَعَ أَرْبَاب دولته وَفِي أثْنَاء الْحصار ورد عَلَيْهِ الْخَبَر باستيلاء البرتغال على آصيلا وعَلى بَيت مَاله الَّذِي كَانَ بهَا وعَلى حظاياه وَأَوْلَاده فأفرج عَن فاس وَرجع مبادرا إِلَى آصيلا فحاصرها وَلما امْتنعت عَلَيْهِ عقد مَعَ البرتغال هدنة وَعَاد سَرِيعا إِلَى فاس فحاصرها وضيق على الشريف بهَا حَتَّى خرج فَارًّا بِنَفسِهِ وأسلمها إِلَيْهِ فَدَخلَهَا مُحَمَّد الشَّيْخ وتمت بيعَته وتفرغ لتدويخ الْقَبَائِل الَّتِي بأحواز فاس وَغَيرهَا فَدَخَلُوا فِي طَاعَته واغتبطوا بِهِ اه كَلَامه
(4/120)

رياسة بني رَاشد من شرفاء الْعَالم بغمارة وبناؤهم مَدِينَة شفشاون وَمَا يتبع ذَلِك

قَالَ فِي نشر المثاني اختط بعض شرفاء الْعلم مَدِينَة شفشاون بِقصد تحصين الْمُسلمين من نَصَارَى سبتة إِذْ كَانُوا بعد استيلائهم عَلَيْهَا يتطاولون على أهل تِلْكَ المداشر فِي أَوَاخِر دولة بني وطاس
وَقَالَ فِي الْمرْآة كَانَ ابْتِدَاء اختطاط مَدِينَة شفشاون فِي الْجِهَة الْمَعْرُوفَة عِنْدهم بالعدوة وَهِي عدوة وَادي شفشاون فِي حُدُود سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة على يَد الشريف الْفَقِيه الصَّالح الناصح الْمُجَاهِد أبي الْحسن بن أبي مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي جُمُعَة العلمي واسْمه الْحسن بن مُحَمَّد ابْن الْحسن بن عُثْمَان بن سعيد بن عبد الْوَهَّاب بن علال بن القطب أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش وَمَات شَهِيدا قبل إتْمَام مَا شرع فِيهِ بتدبير النَّصَارَى دمرهم الله مَعَ أهل النِّفَاق إِذْ ذَاك من أهل الخروب وَقد جَاءَهُم فِي سَبِيل الْجِهَاد وبينما هُوَ يتهجد من اللَّيْل فِي مَسْجِد هُنَالك إِذْ أضرموا عَلَيْهِ نَارا فَمَاتَ رضوَان الله عَلَيْهِ وَقَامَ مقَامه فِيمَا كَانَ بسبيله من الْجِهَاد والاستنفار لَهُ وتجييش الجيوش ابْن عَمه الْأَمِير الْجَلِيل الْفَاضِل الْأَصِيل أَبُو الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد بن عَليّ بن سعيد بن عبد الْوَهَّاب إِلَى آخر النّسَب الْمُتَقَدّم فشرع فِي اختطاط مَدِينَة شفشاون فِي العدوة الْأُخْرَى فَبنى قصبتها وشيدها وأوطنها بأَهْله وعشيرته وَزَل النَّاس بهَا فبنوا وَصَارَت فِي عداد المدن إِلَى أَن توفّي سنة سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة وورثها بنوه من بعده وَلم يزَالُوا فِيهَا بَين سلم وَحرب إِلَى أَن أخرجهم مِنْهَا الشرفاء السعديون عِنْد استيلائهم على بِلَاد الْمغرب وَالله تَعَالَى أعلم
(4/121)

ثورة عَمْرو بن سُلَيْمَان السياف بِبِلَاد السوس وَشَيْء من أخباره
هَذَا الرجل هُوَ عَمْرو بن سُلَيْمَان الشيظمي المغيطي الْمَعْرُوف بالسياف وَيُقَال لَهُ المريدي بِضَم الْمِيم وَكَانَ ابْتِدَاء أمره أَنه كَانَ من تلامذة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ صَاحب دَلَائِل الْخيرَات نقل الثِّقَات أَنه كَانَ يتَرَدَّد إِلَى الشَّيْخ الْمَذْكُور أَيَّام حَيَاته ويأتيه بألواح فِيهَا كَلَام كثير مَنْسُوب إِلَى الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام فَلَا يَقُول لَهُ فِي ذَلِك شَيْئا غير انه أثنى عَلَيْهِ مَرَّات كَثِيرَة ثمَّ لما مَاتَ الشَّيْخ الْمَذْكُور رَحمَه الله سنة سبعين وَثَمَانمِائَة ثار عَمْرو الْمَذْكُور مظْهرا الطّلب بثأر الشَّيْخ والانتقام من الَّذين سموهُ إِذْ كَانَ سمه بعض فُقَهَاء عصره فتتبعهم حَتَّى قَتلهمْ ثمَّ صَار يَدْعُو النَّاس إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة ويقاتلهم عَلَيْهَا فانتصر عَلَيْهِم وشاع ذكره وَتمكن ناموسه ثمَّ تجَاوز ذَلِك إِلَى أَن صَار يَدْعُو النَّاس إِلَى نَفسه وَيقتل المنكرين عَلَيْهِ وعَلى شَيْخه وَأَصْحَابه وسمى أَصْحَابه المريدين بِضَم الْمِيم قَالَ زَرُّوق وَمَا أحقها بِالْفَتْح وسمى الْمُخَالفين لَهُ الجاحدين ثمَّ جعل يتفوه بالمغيبات وَيَزْعُم أَنه مَأْذُون وَرُبمَا ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ قد أخرج شلو الشَّيْخ الْجُزُولِيّ من قَبره وَجعله فِي تَابُوت وَصَارَ يقدمهُ بَين يَدَيْهِ فِي حروبه كتابوت بني إِسْرَائِيل فينتصر على من خَالفه وَقيل إِنَّه لم يدفنه وَإِنَّمَا أَخذه بعد مَوته فَكَفنهُ وَجعله فِي التابوت وَجمع الجموع وقاد الجيوش وَسَفك الدِّمَاء واستمرت فتْنَة فِي النَّاس عشْرين سنة
قَالَ الشَّيْخ زَرُّوق رَحمَه الله بَلغنِي أَن شَيخنَا الْفَقِيه أَبَا عبد الله القوري ورد عَلَيْهِ سُؤال فِي شَأْن عَمْرو بن سُلَيْمَان السياف فبادرت إِلَيْهِ كي أرَاهُ فَقَالَ لي قد خرج من يَدي فَقلت لَهُ فَمَا مُقْتَضَاهُ قَالَ مُقْتَضَاهُ أَنه يَقُول إِن أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة ارْتَفَعت وَلم يبْق إِلَّا مَا يَقُول لَهُ قلبه قَالَ زَرُّوق وشاع من أمره أَنه يَقُول إِنَّه وَارِث النُّبُوَّة وَأَن لَهُ أحكاما تخصه كَمَا فِي قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأَن الْخضر حَيّ وَنَبِي مُرْسل وَأَنه يلقاه وَيَأْخُذ عَنهُ بل يَدعِي ذَلِك من هُوَ دونه من تلامذته
(4/122)

وَحكى بَعضهم أَن عمرا الْمَذْكُور لما جعل شلو الشَّيْخ فِي التابوت كَانَ إِذا رَجَعَ بِهِ من حربه وَضعه فِي رَوْضَة عِنْده يسميها الرِّبَاط فَإِذا جنه اللَّيْل أطاف الحرس بالروضة يَحْرُسُونَ التابوت من السراق ويوقد عَلَيْهِ كل لَيْلَة فَتِيلَة عَظِيمَة فِي مِقْدَار الثَّوْب مغموسة فِي نَحْو مَدين من الزَّيْت ليقوى الضَّوْء وينتشر ويبلغ من كل الْجِهَات إِلَى مَسَافَة بعيدَة فتنكشف الطّرق عَمَّن يَأْتِي عَلَيْهَا كل ذَلِك مَخَافَة أَن يُؤْخَذ مِنْهُ شلو الشَّيْخ فينتصر بِهِ عَلَيْهِ
وَيُقَال إِن ثورة عَمْرو الْمَذْكُورَة وفتنته كَانَت أثرا من آثَار دعوات الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رَحمَه الله فقد ذكر تلامذته كالشيخ التباع وَغَيره أَن الشَّيْخ الْجُزُولِيّ خرج عَلَيْهِم من آخر اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِي صبيحتها فَقَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك الفاطمي المنتظر فَقَالَ مَا يبحثون إِلَّا عَمَّن يقطع رقابهم الله يُسَلط عَلَيْهِم من يقطع رقابهم وَكرر ذَلِك مرَارًا فَكَانُوا يرَوْنَ أَن أثر دَعوته ظهر فِي عَمْرو السياف وَالله أعلم
وَقتل عَمْرو الْمَذْكُور سنة تسعين وَثَمَانمِائَة وَاخْتلف فِيمَن قَتله فَقيل كَانَ عَمْرو قد تزوج زَوْجَة الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وبنته فَلَمَّا رأتا مَا هُوَ عَلَيْهِ من الزندقة وَالْفساد فِي الأَرْض قتلتاه امتعاضا للدّين ترصدتاه حَتَّى إِذا نَام عدتا عَلَيْهِ فقتلتاه ثمَّ رمت إِحْدَاهمَا وَهِي بنت الشَّيْخ بِنَفسِهَا من كوَّة هُنَالك فِي الْبَيْت الَّذِي كَانُوا بِهِ فوصلت إِلَى الأَرْض سَالِمَة ونجت وَبقيت الْأُخْرَى وَهِي الزَّوْجَة بِالْبَيْتِ فَدَخَلُوا عَلَيْهَا فَقَتَلُوهَا وَقيل إِنَّمَا قتلته زَوجته وربيبته وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم
وَلما هلك عَمْرو السياف دفن النَّاس الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وَقيل هُوَ دَفنه بِموضع يعرف بتاصروت ثمَّ نقل بعد إِلَى مراكش على مَا نذْكر إنْشَاء الله وَلما ذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الصومعي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى قصَّة نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ إِلَى مراكش وَأَنه وجد طريا لم يتَغَيَّر بعد وَفَاته بِنَحْوِ سبعين سنة قَالَ وأعجب من هَذَا أَن عمرا المغيطي السياف زَعَمُوا أَنه وجد كَذَلِك وَلَعَلَّه أَدْرَكته بركَة هَذَا الشَّيْخ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالْفضل بيد الله اه
(4/123)

وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استدعى السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الإِمَام أَبَا عبد الله بن غَازِي من مكناسة إِلَى فاس فولي الخطابة أَولا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع من فاس الْجَدِيد ثمَّ ولي الْإِمَامَة والخطابة ثَانِيًا بِمَسْجِد الْقرَوِيين من فاس وَصَارَ شيخ الْجَمَاعَة بهَا واستوطنها إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله
وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة تحرّك السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ إِلَى دبدو ثمَّ عَاد إِلَى حَضرته وفيهَا أَيْضا فِي يَوْم الْخَمِيس السَّابِع من ذِي الْقعدَة توفّي الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد الحلو الوطاسي وَدفن بالقلة خَارج بَاب الحبيسة
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استولت الرينة إيسابيلا صَاحِبَة مادريد قَاعِدَة بِلَاد قشتالة على حَمْرَاء غرناطة ومحت دولة بني الْأَحْمَر من جَزِيرَة الأندلس وَلم يبْق للْمُسلمين بهَا سُلْطَان وتفرق أَهلهَا فِي بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا أيادي سبا وَقد تقدم الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى
بِنَاء مَدِينَة تطاوين

قَالَ منويل لما استولى الإصبنيول على غرناطة خرج جمَاعَة كَبِيرَة من أَهلهَا إِلَى الْمغرب فنزلوا فِي مرتيل قرب تطاوين وَلما نزلُوا بِهِ لم يقدموا شَيْئا على الْوِفَادَة على سُلْطَان فاس مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي فأجل مقدمهم ورحب بهم فَقَالُوا إِن ضيافتنا عنْدك أَن تعين لنا موضعا نَبْنِي فِيهِ بَلَدا يكننا ونحفظ فِيهِ عيالنا من أهل الرِّيف فأجابهم إِلَى مُرَادهم وَعين لَهُم مَدِينَة تطاوين الخربة مُنْذُ تسعين سنة وَولى عَلَيْهِم كَبِيرهمْ أَبَا الْحسن عليا المنظري وَكَانَ رجلا شجاعا من كبار جند ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ قد أبلى مَعَه فِي حَرْب غرناطة الْبلَاء الْحسن ثمَّ انْتقل إِلَى الْمغرب كَمَا قُلْنَا وَلما عقد لَهُ الشَّيْخ الوطاسي على أَصْحَابه رَجَعَ بهم إِلَى تطاوين وَشرع فِي بِنَاء أسوار الْبَلَد الْقَدِيم فجدده وَبنى الْمَسْجِد الْجَامِع بِهِ واستوطنه هُوَ وجماعته ثمَّ أَخذ فِي جِهَاد البرتغال بسبتة وبلاد الهبط إِلَى أَن أسر مِنْهُم ثَلَاثَة آلَاف فاستخدمهم فِي إتْمَام مَا بَقِي
(4/124)

عَلَيْهِ من بِنَاء تطاوين واتصلت الْحَرْب بَينهم وَبَين برتقال سبتة كاتصالها بَين أهل آزمور وبرتقال الجديدة اه
وَقَوله إِن بِنَاء تطاوين كَانَ عقب أَخذ غرناطة مُخَالف لما يَقُول أهل تطاوين من أَن تَارِيخ بنائها رمز تفاحة وَأَن ذَلِك كَانَ بإعانة الشريف أبي الْحسن عَليّ بن رَاشد فَيظْهر وَالله أعلم أَن أَبَا الْحسن المنظري كَانَ قد قدم من الأندلس قبل أَخذ غرناطة بسنين يسيرَة مُوَافق الرَّمْز الْمَذْكُور وَالله أعلم
قدوم أبي عبد الله بن الْأَحْمَر مخلوعا على السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي رحمهمَا الله

لما استولى طاغية الإصبنيول على حَضْرَة غرناطة وَسَائِر الأندلس انْتقل سلطانها أَبُو عبد الله بن الْأَحْمَر إِلَى حَضْرَة فاس فاستوطنها تَحت كنف السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بعد أَن خاطبه من إنْشَاء وزيره أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الْعقيلِيّ بقصيدة بارعة يَقُول فِي صدرها
(مولى الْمُلُوك مُلُوك الْعَرَب والعجم ... رعيا لما مثله يرْعَى من الذمم)
(بك استجرنا وَنعم الْجَار أَنْت لمن ... جَار الزَّمَان عَلَيْهِ جور منتقم)
(حَتَّى غَدا ملكه بالرغم مستلبا ... وأفظع الْخطب مَا يَأْتِي على الرغم)
(حكم من الله حتم لَا مرد لَهُ ... وَهل مردا لحكم مِنْهُ منحتم)
وَهِي طَوِيلَة ثمَّ وَصلهَا برسالة يَقُول فِيهَا بعد الْحَمد لله وَالصَّلَاة على نبيه مَا نَصه
أما بعد فيا مَوْلَانَا الَّذِي أولانا من النعم مَا أولانا لَا حط الله لكم من الْعِزَّة أرواقا وَلَا أذوى لدوحة دولتكم أغصانا وَلَا أوراقا وَلَا زَالَت مخضرة الْعود مبتسمة عَن زهرات البشائر متحفة بثمرات السُّعُود ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق وَلَا رعود هَذَا مقَام العائذ بمقامكم الْمُتَعَلّق بِأَسْبَاب ذمامكم المرتجي لعواطف قُلُوبكُمْ وعوارف أنعامكم
(4/125)

الْمقبل الأَرْض تَحت أقدامكم المتلجلج اللِّسَان عِنْد محاولة مفاتحة كلامكم وماذا الَّذِي يَقُول من وَجهه خجل وفؤاد وَجل وَقَضيته المقضية عَن التنصل والاعتذار تجل بيد أَنِّي أَقُول لكم مَا أَقُول لرَبي واجترائي عَلَيْهِ أَكثر واحترامي إِلَيْهِ أكبر اللَّهُمَّ لَا بَرِيء فَاعْتَذر وَلَا قوي فأنتصر لكني مستقيل مستعتب مُسْتَغْفِر وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء هَذَا على طَرِيق التنازل والاتصاف بِمَا تَقْتَضِيه الْحَال مِمَّن يتحيز إِلَى حيّز الْإِنْصَاف وَأما على جِهَة التَّحْقِيق فَأَقُول مَا قالته الْأُم ابْنة الصّديق وَالله إِنِّي لأعْلم أَنِّي إِن أَقرَرت بِمَا يَقُوله النَّاس وَالله يعلم أَنِّي مِنْهُ بريئة لَا قَول مَا لم يكن وَلَئِن أنْكرت مَا تَقولُونَ لَا تصدقوني فَأَقُول مَا قَالَه أَبُو يُوسُف فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون على أَنِّي لَا أنكر عيوبي فَأَنا مَعْدن الْعُيُوب وَلَا أجحد ذُنُوبِي فَأَنا جبل الذُّنُوب إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي نعم كل شَيْء وَلَا مَا يَقُوله المتقول المشنع المهول النَّاطِق بِفَم الشَّيْطَان المسول وَمن أمثالهم سبني واصدق وَلَا تفتر وَلَا تخلق أفمثلي كَانَ يفعل أَمْثَالهَا وَيحْتَمل من الأوزار المضاعفة أحمالها وَيهْلك نَفسه ويحبط أَعمالهَا عياذا بِاللَّه من خسران الدّين وإيثار الجاحدين والمعتدين {قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين} وَايْم الله لَو علمت شَعْرَة فِي فودي تميل إِلَى تِلْكَ الْجِهَة لقطعتها بل لقطفت مَا تَحت عمامتي من هامتي وقطفتها غير أَن الرعاع فِي كل أَوَان أَعدَاء للْملك وَعَلِيهِ أحزاب وَأَعْوَان كَانَ أَحمَق أَو أَجْهَل من أبي ثروان أَو أَعقل أَو أعلم من أشج بني مَرْوَان رب مُتَّهم بَرِيء ومسربل بسربال وَهُوَ مِنْهُ عري وَفِي الْأَحَادِيث صَحِيح وَسَقِيم وَمن التراكيب المنطقية منتج وعقيم وَلَكِن ثمَّ ميزَان عقل تعْتَبر بِهِ أوزان النَّقْل وعَلى الرَّاجِح الِاعْتِمَاد ثمَّ إساغة الأحماد الْمُتَّصِل المتماد وللمرجوح الإطراح ثمَّ الْتِزَام الصراح بعد النفض من الراح وَأكْثر مَا تسمعه الْكَذِب وطبع جُمْهُور الْخلق إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى إِلَيْهِ منجذب وَلَقَد قذفنا من الأباطيل بأحجار ورمينا بِمَا لَا يرْمى بِهِ الْكفَّار فضلا عَن الْفجار وَجرى من الْأَمر الْمَنْقُول على لِسَان زيد وَعَمْرو مَا
(4/126)

لديكم مِنْهُ حفظ الْجَار وَإِذا عظم الإلكاء فعلى تكأة التجلد والاتكاء أَكثر المكثرون وَجهد فِي تعثيرنا المتعثرون ورمونا عَن قَوس وَاحِدَة ونظمونا فِي سلك الْمَلَاحِدَة أكفرا أَيْضا كفرا غفرا اللَّهُمَّ غفرا أعد نظرا يَا عبد قيس فَلَيْسَ الْأَمر على مَا خيل لَك لَيْسَ وَهل زِدْنَا على أَن طلبنا حَقنا مِمَّن رام محقه ومحقنا فطاردنا فِي سَبيله عداة كَانُوا لنا غائظين فانفتق علينا فتق لم يمكنا لَهُ رتق {وَمَا كُنَّا للغيب حافظين} وَبعد فاسأل أهل الْحل وَالْعقد والتمييز والنقد فَعِنْدَ جهينتهم تلقى الْخَبَر يَقِينا وَقد رَضِينَا بحكمهم يوثمنا فيوبقنا أَو يبرئنا فيقينا إيه يَا من اشرأب إِلَى ملامنا وقدح حَتَّى فِي إسْلَامنَا رويدا رويدا فقد وجدت قُوَّة وأيدا وَيحك إِنَّمَا طَال لسَانك علينا وامتد بالسوء إِلَيْنَا لِأَن الزَّمَان لنا مصغر وَلَك مكبر وَالْأَمر عَلَيْك مقبل وعنا مُدبر كَمَا قَالَه كَاتب الْحجَّاج المتبر وعَلى الْجُمْلَة فَهُنَا صرنا إِلَى تَسْلِيم مقالك جدلا وذهبنا فأقررنا بالْخَطَأ فِي كل ورد وَصدر فَللَّه در الْقَائِل
إِن كنت أَخْطَأت فَمَا أَخطَأ الْقدر وكأنا بمعتسف إِذا وصل إِلَى هُنَا وَعدم إنصافا يُعلمهُ الهنا قد أَزور متجانفا ثمَّ أفتر متهانفا وَجعل يتَمَثَّل بقَوْلهمْ إِذا عيروا قَالُوا مقادير قدرت وبقولهم الْمَرْء يعجزه الْمحَال فيعارض الْحق بِالْبَاطِلِ والحالي بالعاطل وَينْزع بقول الْقَائِل رب مسمع هائل وَلَيْسَ تَحْتَهُ طائل وَقد فَرغْنَا أول أمس من جَوَابه وَتَركنَا الضغن يلصق حرارة الجوى بِهِ وسنلم الْآن بِمَا يوسعه تبكيتا ويقطعه تسكيتا فَنَقُول لَهُ ناشدناك الله تَعَالَى هَل اتّفق لَك قطّ وَعرض خُرُوج أَمر مَا عَن الْقَصْد مِنْك فِيهِ وَالْغَرَض مَعَ اجتهادك أثناءه فِي إصدارك وإيرادك فِي وُقُوعه على وفْق اقتراحك ومرادك أَو جَمِيع مَا تزاوله بإدارتك لَا يَقع إِلَّا مطابقا لإرادتك أَو كل مَا تقصده وتنويه تحرزه كَمَا تشَاء وتحويه فَلَا بُد أَن يقر اضطرارا بِأَن مَطْلُوبه يشذ عَنهُ مرَارًا بل كثيرا مَا يفلت صَيْده من أشراكه ويطلبه فيعجز عَن إِدْرَاكه فَنَقُول ومسألتنا من هَذَا الْقَبِيل أَيهَا النبيه النَّبِيل ثمَّ نسرد لَهُ من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة مَا شِئْنَا مِمَّا يسايرنا فِي غرضنا مِنْهُ ويماشينا كَقَوْلِه
(4/127)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر حَتَّى الْعَجز والكيس) وَقَوله أَيْضا (لَو اجْتمع أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض على أَن ينفعوك بِشَيْء لم يقضه الله لَك لم يقدروا عَلَيْهِ وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يقضه الله عَلَيْك لم يقدروا عَلَيْهِ) أَو كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخلق بِهِ أَن يلوذ بِأَكْنَافِ الأحجام ويزم على نفث فِيهِ كَأَنَّمَا الجم بلجام حِينَئِذٍ نقُول لَهُ وَالْحق قد أبان وَجهه وجلاه وقهره بحجته وعلاه (لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْئا) (قل إِن الْأَمر كُله لله) وَفِي مُحَاجَّة آدم ومُوسَى مَا يقطع لِسَان الْخصم ويرخص عَن أَثوَاب أعراضنا مَا عَسى أَن يعلق بهَا من دون الوصم وكيفما كَانَت الْحَال وَإِن سَاءَ الرَّأْي والانتحال ووقعنا فِي أوجال وأوحال فثل عرشنا وطويت فرشنا ونكس لوانا ومللت مثوانا فَنحْن أمثل من سوانا وَمَا فِي الشَّرّ خِيَار وَيَد الألطاف تكسر من صولة الأغيار فحتى الْآن لم نفقد من اللَّطِيف تَعَالَى لطفا وَلَا عدمنا أدوات أدعية تعطف بِلَا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا وَإِلَّا فَتلك بَغْدَاد دَار السَّلَام ومتبوأ الْإِسْلَام المحفوف بفرسان السيوف والأقلام مثابة الْخلَافَة العباسية ومقر الْعلمَاء والفضلاء أولي السّير الأويسية والعقول الأياسية قد نوزلت بالجيوش وَنزلت وزوزلت بالزحوف وزلزلت وتحيف جوانبها الحيف ودخلها كفار التتار عنْوَة بِالسَّيْفِ وَلَا تسل إِذْ ذَاك عَن كَيفَ أَيَّام تجلت عروس الْمنية كاشفة عَن سَاقهَا مبدية وَجَرت الدِّمَاء فِي الشوارع والطرق كالأنهار والأودية وَقيد الْأَئِمَّة والقضاة تَحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم فِي رقابهم والأردية وللنجيع سيول تخوضها الْخُيُول فتخضبها إِلَى أرساغها وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عَن تجرعها ومساغها فطاح عاصمها ومستعصمها وَرَاح وَلم يغد ظالمها ومتظلمها وَخَربَتْ مساجدها وديارها وَاصْطلمَ بالحسام أشرارها وخيارها فَلم يبْق من جُمْهُور أَهلهَا عين تطرف حَسْبَمَا عرفت أَو حَسْبَمَا تعرف فلاتك متشككا متوقفا فَحَدِيث تِلْكَ الْوَاقِعَة الشنعاء أشهر عِنْد المؤرخين من قفا فَأَيْنَ تِلْكَ الجحافل والآراء المدارة فِي المحافل حِين أَرَادَ الله تَعَالَى بإدالة الْكفْر لم تَجِد وَلَا قلامة ظفر إِذن من سلمت لَهُ نَفسه
(4/128)

الَّتِي هِيَ رَأس مَاله وَعِيَاله وأطفاله اللَّذَان هما من أعظم آماله وكل أوجل أَو قل رياشه وَأَسْبَاب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ثمَّ وجد مَعَ ذَلِك سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص فِي حَال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص بعد مَا ظن كل الظَّن أَن لَا محيد وَلَا مناص فَمَا أحقه حِينَئِذٍ وأولاه أَن يحمد خالقه ورازقه ومولاه على مَا أسداه إِلَيْهِ من رفده وخيره ومعافاته مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ كثير من غَيره ويرضى بِكُل إِيرَاد وإصدار تتصرف فيهمَا الْأَحْكَام الإلهية والأقدار فالدهر غدار وَالدُّنْيَا دَار مشحونة بالأكدار وَالْقَضَاء لَا يرد وَلَا يصد وَلَا يغالب وَلَا يُطَالب والدائرات تَدور وَلَا بُد من نقص وَكَمَال للبدور وَالْعَبْد مُطِيع لَا مُطَاع وَلَيْسَ يطاع إِلَّا المستطاع وللخالق الْقَدِير جلت قدرته فِي خليقته علم غيب للأذهان عَن مداه انْقِطَاع وَمَالِي والتكلف لما لَا أحتاج إِلَيْهِ من هَذَا القَوْل بَين يَدي ذِي الْجَلالَة والمجادة وَالْفضل والطول فَلهُ من الْعقل الْأَرْجَح وَمن الْخلق الأسجح مَا لَا تلتاط مَعَه تهمتي بصفره وَلَا تنْفق عِنْده وشاية الواشي لَا عد من نفره وَلَا فَازَ قدحه بظفره وَالْمولى يعلم أَن الدُّنْيَا تلعب باللاعب وتجر براحتها إِلَى المتاعب وقديما للأكياس من النَّاس خدعت وانحرفت عَن وصالهم أَعقل مَا كَانُوا وَقطعت وَفعلت بهم مَا فعلت بيسار الكواعب الَّذِي جبت وجدعت وَلَئِن رهصت وهصرت فقد نبهت وبصرت وَلَئِن قرعت ومعضت وَلَقَد أرشدت ووعظت وَيَا ويلنا من تنكرهَا لنا بِمرَّة ورميها لنا فِي غمرة أَي غمرة أَيَّام قلبت لنا ظهر الْمِجَن وغيم أفقها المصمي وأدجن فسرعان مَا عاينا حبالها منبته ورأينا مِنْهَا مَا لم نحتسب كَمَا تقوم السَّاعَة بغته فَمن استعاذ من شَيْء فليستعذ مِمَّا صرنا إِلَيْهِ من الْحور بعد الكور والانحطاط من النجد إِلَى الْغَوْر
(فَبينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة نتنصف) (فتبا لدينا لَا يَدُوم نعيمها ... تقلب تارات بِنَا وَتصرف)
وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقا وجرعتنا من صاب الأوصاب كأسا دهاقا وَلم نفزع إِلَى غير بَابَكُمْ المنيع الجناب المنفتح حِين سدت الْأَبْوَاب وَلم نلبس
(4/129)

غير لِبَاس نعمائكم وَحين خلعنا مَا ألبسنا الْملك من الأثواب وَإِلَى أمه يلجأ الطِّفْل لَجأ اللهفان وَعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان وَوجه الله تَعَالَى يبْقى وكل من عَلَيْهَا فان وَإِلَى هُنَا يَنْتَهِي الْقَائِل ثمَّ يَقُول حسبي هَذَا وكفان وَلَا ريب فِي اشْتِمَال الْعلم الْكَرِيم على مَا تعارفته الْمُلُوك بَينهَا فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم من الْأَخْذ بِالْيَدِ عِنْد زلَّة الْقدَم وقرع الْإِنْسَان وعض البنان من النَّدَم دينا تدينته مَعَ اخْتِلَاف الْأَدْيَان وَعَادَة أطردت على تعاقب الْأَزْمَان والأحيان وَلَقَد عرض علينا صَاحب قشتالة مَوَاضِع مُعْتَبرَة خير فِيهَا وَأعْطى من أَمَانَة الْمُؤَكّد فِيهِ خطه بأيمانه مَا يقنع النُّفُوس ويكفيها فَلم نر وَنحن من سلالة الْأَحْمَر مجاورة الصفر وَلَا سوغ لنا الْإِيمَان الْإِقَامَة بَين ظهراني الْكفْر مَا وجدنَا عَن ذَلِك مندوحة وَلَو شاسعة وَأمنا المطالب المشاغب حمة شَرّ لنا لَا سَعَة وادكرنا أَي ادكار قَول الله تَعَالَى الْمُنكر لذَلِك غَايَة الْإِنْكَار {ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة} وَقَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المبالغ فِي ذَلِك بأبلغ الْكَلَام (أَنا بَرِيء من مُؤمن مَعَ كَافِر تتراءى ناراهما) وَقَول الشَّاعِر الحاث على حث المطية المتثاقلة عَن السّير فِي طَرِيق منجاتها البطية
(وَمَا أَنا والتلذذ نَحْو نجد ... وَقد غصت تهَامَة بِالرِّجَالِ)
ووصلت أَيْضا من الشرق إِلَيْنَا كتب كَرِيمَة الْمَقَاصِد لدينا تستدعي الانحياز إِلَى تِلْكَ الجنبات وتتضمن مَالا مزِيد عَلَيْهِ من الرغبات فَلم نختر إِلَّا دَارنَا الَّتِي كَانَت دَار آبَائِنَا من قبلنَا وَلم نرتض الانضواء إِلَّا لمن بحبله وصل حبلنا وبريش نبله ريش نبلنا إدلالا على مَحل إخاء متوارث لَا عَن كَلَالَة وامتثالا لوصاة أجداد لَا نظارهم وأقدارهم أَصَالَة وجلالة إِذْ قد روينَا عَن سلف من أسلافنا فِي الْإِيصَاء لمن يخلف بعدهمْ من أخلافنا أَن لَا يَبْتَغُوا إِذا دهمهم أَمر بالحضرة المرينية بَدَلا وَلَا يَجدوا عَن طريقها فِي التَّوَجُّه إِلَى فريقها معدلا فاخترقنا إِلَى الرياض الأريضة الفجاج وركبنا إِلَى الْبَحْر الْفُرَات ظهر الْبَحْر الأجاج فَلَا غرو أَن نرد مِنْهُ على مَا يقر الْعين ويشفي النَّفس الشاكية من ألم الْبَين وَمن توصل هَذَا التَّوَصُّل وتوسل بِمثل
(4/130)

ذَلِك التوسل تطارحا على سدة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُحَارب للمحاربين وَالْمُؤمن للمستأمنين فَهُوَ الخليق الْحقيق بِأَن يسوغ أصفى مشاربه ويبلغ أوفى مآربه على توالي الْأَيَّام والشهور والسنين ويخلص من الثبور إِلَى الحبور وَيخرج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور خُرُوج الْجَنِين وَلَعَلَّ شُعَاع سعادته يفِيض علينا ونفحة قبُول إقباله تسري إِلَيْنَا فتخامرنا أريحية تحملنا على أَن نبادر لإنشاد قَول الشريف الرضي فِي الْخَلِيفَة الْقَادِر
(عطفا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإننا ... فِي دوحة العلياء لَا نتفرق)
(مَا بَيْننَا يَوْم الفخار تفَاوت ... أبدا كِلَانَا فِي الْمَعَالِي معرق)
(إِلَّا الْخلَافَة ميزتك فإنني ... أَنا عاطل مِنْهَا وَأَنت مطوق)
لَا بل الأحرى بِنَا والأحجى والأنجح لسعينا والأرجى أَن نعدل عَن هَذَا الْمِنْهَاج وَيقوم وافدنا بَين يَدي علاهُ مقَام الخاضع المتواضع الضَّعِيف الْمُحْتَاج وينشد مَا قَالَ فِي الشِّيرَازِيّ ابْن حجاج
(النَّاس يفدونك اضطرارا ... مِنْهُم وأفديك باختياري)
(وَبَعْضهمْ فِي جوَار بعض ... وَأَنت حَتَّى أَمُوت جاري)
(فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وَأهل دَاري)
ونستوهب من الْوَهَّاب تَعَالَى جلت أسماؤه وتعاظمت نعماؤه رَحْمَة تجْعَل فِي يَد الْهِدَايَة أعنتنا وعصمة تكون فِي مَوَاقِف المخاوف جنتنا وقبولا يعْطف علينا نوافر الْقُلُوب وصنعا يسني لنا كل مَرْغُوب ومطلوب ونسأله وطالما بلغ السَّائِل سؤلا ومأمولا متابا صَادِقا على مَوْضُوع النَّدَم مَحْمُولا ثمَّ عزاء حسنا وصبرا جميلا عَن أَرض أورثها من شَاءَ من عباده معقبا لَهُم ومديلا وسادلا عَلَيْهِم من ستور الْإِمْلَاء الطَّوِيلَة سدولا {سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا} فليطر طَائِر الوسواس المرفرف مطيرا {كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا} لم نستطع عَن مورده صدورا {وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} إِلَّا وَإِن لله سُبْحَانَهُ فِي مقامكم العالي الَّذِي أيده وأعانه سرا من النَّصْر يترجم عَنهُ لِسَان من النصل وَترجع فروع البشائر الصادقة بالفتوحات المتلاحقة من قَاعِدَته
(4/131)

المتأصلة إِلَى أصل فبمثله يجب اللياد وَالْعِيَاذ ولشبهه يحِق الالتجاء والارتجاء ولأمر مَا آثرناه واخترناه بعد أَن استرشدنا الله سُبْحَانَهُ واستخرناه وَمِنْه جلّ جَلَاله نرغب أَن يُخَيّر لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين ويأوب بِنَا من حمايته ووقايته إِلَى معقل منيع وجناب رفيع آمين آمين آمين وَنَرْجُو أَن يكون رَبنَا الَّذِي هُوَ فِي جَمِيع الْأُمُور حَسبنَا قد خار لنا حَيْثُ أرشدنا وهدانا وساقنا توفيقه وحدانا إِلَى الاستجارة بِملك حفي كريم وَفِي أعز جارا من أبي دَاوُد وأحمى أنفًا من الْحَارِث بن عباد وَيشْهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد إِن أغاث ملهوفا فَمَا الْأسود بن قنان يذكر وَإِن أنعش حشاشة هَالك فَمَا كَعْب بن مامة على فعله وَحده يشْكر جليسه كجليس الْقَعْقَاع بن شور ومذاكره كمذاكر سُفْيَان المنتسب من الربَاب إِلَى ثَوْر إِلَى التحلي بأمهات الْفَضَائِل الَّتِي أضدادها أُمَّهَات الرذائل وَهِي الثَّلَاث الْحِكْمَة وَالْعدْل والعفة الَّتِي تشملها الثَّلَاثَة الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَالشَّمَائِل وينشأ عَنْهَا مَا شِئْت من عزم وحزم وَعلم وحلم وتيقظ وَتحفظ واتقاء وارتقاء وُصُول وَطول وسماح نائل فبنور حلاه الْمشرق يفتخر الْمغرب على الْمشرق وبمجده السَّامِي خطره فِي الأخطار وبيته الَّذِي ذكره فِي النباهة والنجابة قد طَار يباهي جَمِيع مُلُوك الْجِهَات والأقطار وَكَيف لَا وَهُوَ الرفيع المنتمي والنجار الراضع من الطَّهَارَة صفو البان النَّاشِئ من السراوة وسط أَحْجَار فِي ضئضئ الْمجد وبحبوح الْكَرم وسرواة أسرة المملكة الَّتِي أكنافها حرم وذؤابة الشّرف الَّتِي مجادتها لم ترم من معشر أَي معشر بخلوا أَن وهبوا مَا دون أعمارهم وجبنوا إِن لم يحموا سوى دمارهم بَنو مرين وَمَا أَدْرَاك مَا بَنو مرين سم العداة وَآفَة الجزر النازلون بِكُل معترك والطيبون معاقد الأزر لَهُم عَن الهفوات انْتِفَاء وَعِنْدهم من السّير النَّبَوِيَّة اكْتِفَاء انتسبوا إِلَى بر بن قيس فَخَرجُوا فِي الْبر عَن الْقَيْس مَا لَهُم الْقَدِيم الْمَعْرُوف قد نفد فِي سَبِيل الْمَعْرُوف وحديثهم الَّذِي نقلته رجال الزحوف من طَرِيق القنا وَالسُّيُوف على الْحسن من الْمَقَاصِد مَوْقُوف تحمد من صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ ذابلهم ولدنهم فَللَّه آبَاء أنجبوهم وَأُمَّهَات ولدنهم شم
(4/132)

الأنوف من الطّراز الأول إِلَيْهِم فِي الشدائد والاستناد وَعَلَيْهِم فِي الأزمات الْمعول وَلَهُم فِي الْوَفَاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية وَالرِّعَايَة الخطو الْوَاسِع والباع الأطول كَأَنَّمَا عناهم بقوله جَرْوَل
(أُولَئِكَ قوم إِن بَنو أَحْسنُوا الْبَنَّا ... وَإِن عَاهَدُوا وفوا وَإِن عقدوا شدوا)
(وَإِن كَانَت النعماء فيهم جزوا بهَا ... وَإِن أنعموا لَا كدروها وَلَا كدوا)
(وتعذلني أَبنَاء سعد عَلَيْهِم ... وَمَا قلت إِلَّا بِالَّذِي علمت سعد)
وَبقول الوثيق مبناه البليغ مَعْنَاهُ
(قوم إِذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فَوْقه الكربا)
يزيحون عَن النزيل كل نازح قاصم وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُم عائب وَلَا واصم فَهُوَ أَحَق بِمَا قَالَه فِي منقر قيس بن عَاصِم
(لَا يَفْطنُون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن)
حلاهم هَذِه الغريزة الَّتِي لَيست باستكراه وَلَا جعل وأمير الْمُؤمنِينَ دَامَ نَصره قسيمهم فِيهَا حَذْو النَّعْل بالنعل ثمَّ هُوَ عَلَيْهِم وعَلى من سواهُم بالأوصاف الملوكية مستعل ارْفض مزنهم مِنْهُ عَن غيث ملث يمحو آثَار اللزبة وَانْشَقَّ عيلهم مِنْهُ عَن لَيْث ضار منقبض على براثنه للوثبة فَقل لسكان الفلا لَا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم فَلَا يُبَالِي السرحان الْمَوَاشِي سَوَاء مشي إِلَيْهَا النقرا أَو الجفلى بل يصدمهم صدمة تحطم مِنْهُم كل عرنين ثمَّ يبتلع بعد أشلاءهم المعفرة ابتلاع التنين فَهُوَ هُوَ كَمَا عرفوه وعهدوه وألفوه وأخو المنايا وَابْن جلا وطلاع الثنايا مُجْتَمع أشده قد احتنكت سنه وَبَان رشده جاد مجد محتزم بحزام الحزم مشمر عَن ساعد الْجد
(لَا يشرب المَاء إِلَّا من قليب دم ... وَلَا يبيت لَهُ جَار على وَجل)
(أسدى الْقلب آدَمِيّ الروا لابس ... جلد النمر يَزْنِي العناد والنوى)
(وَلَيْسَ بشاري عَلَيْهِ دمامة ... إِذا مَا سعى يسْعَى بقوس وأسهم)
(وَلكنه يسْعَى عَلَيْهِ مفاضة ... دلاص كأعيان الْجَرَاد المنظم)
فالنجاء النَّجَاء سَامِعين لَهُ طائعين والوجل الوجل لاحقين بِهِ خاضعين
(4/133)

قبل أَن تساقوا إِلَيْهِ مُقرنين فِي الأصفاد ويعيي الْفِدَاء بنفائس النُّفُوس وَالْأَمْوَال على الفاد حِينَئِذٍ يعَض ذُو الْجَهْل والفدامة على يَدَيْهِ حسرة وندامة إِذا رأى أبطال الْجنُود تَحت خوافق الرَّايَات والبنود قد لفحتهم نَار لَيست بِذَات خمود وأخذتهم صَاعِقَة مثل صَاعِقَة الَّذين من قبلهم عَاد وَثَمُود زعقات تؤز الْكَتَائِب أزا وهمزا محققا للخيل بعد الْمَدّ المشبع للأعنة همزا وسلا للهندية سلا وهزا للخطية هزا حَتَّى يَقُول النسْر للذئب هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا ثق خَليفَة الله بِذَاكَ فِي كل من رام أَذَى رعيتك أَو أذاك فَتلك عَادَة الله سُبْحَانَهُ فِي ذَوي الشقاق والنفاق الَّذين يشقون عَصا الْمُسلمين ويقطعون طَرِيق الرفاق وينصبون حبائل الْبَغي وَالْفساد فِي جَمِيع النواحي والآفاق فَلَنْ يجعلهم الله عز وَجل من الْآمنينَ أَنى وَكَيف وَقد أفسدوا وخانوا وَهُوَ سُبْحَانَهُ {لَا يصلح عمل المفسدين} و {لَا يهدي كيد الخائنين} وَهَا نَحن قد وجهنا إِلَى كعبة مجدكم وُجُوه صلوَات التَّقْدِيس والتعظيم بعد مَا زينا معاظفها باستعطافكم بدر ثَنَاء أبهى من در العقد النظيم منتظمين فِي سلك أوليائكم متشرفين بِخِدْمَة عليائكم وَلَا فقد عزة وَلَا عدمهَا من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها وَأَن المترامي على سنائكم لجدير بحرمتكم واعتنائكم وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا عَاشَ بَقِيَّة عمره محروسا من الضيم مصونا وَقد قيل فِي بعض الْكَلَام من قعدت بِهِ نكاية الْأَيَّام أقامته إغاثة الْكِرَام ومولانا أيده الله تَعَالَى ولي مَا يزفه إِلَيْنَا من مكرمَة بكر ويصنعه لنا من صَنِيع حافل يخلد فِي صَحَائِف حسن الذّكر ويروي مُعَنْعَن حَدِيث حَمده وشكره طرس عَن قلم عَن بنان عَن لِسَان عَن فكر وَغَيره من ينَام عَن ذَلِك فيوقظ ويسترسل مَعَ الْغَفْلَة حَتَّى يذكر ويوعظ وَمَا عهد مُنْذُ وجد إِلَّا سَرِيعا إِلَى دَاعِي الندى والتكرم بَرِيئًا من الضجر بالمطالبة والتبرم حَافِظًا للْجَار الَّذِي أوصى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحفظه مستفرغا وَسعه فِي رعيه المستمر ولحظه آخِذا من حسن الثَّنَاء فِي جَمِيع الْأَوْقَات والآناء بحظه
(فَهُوَ من دوحة السنا فرع عز ... لَيْسَ يحْتَاج مجتنيه لهز)
(4/134)

(كَفه فِي الأمحال أغزر ويل ... وذراه فِي الْجوف أمنع حرز)
(حلمه يسفر اسْمه لَك عَنهُ ... فتفهم يَا مدعي الْفَهم لغزي)
(لَا تسله شَيْئا وَلَا تستلنه ... نظرة مِنْهُ فِيك تغني وتجزي)
(فنداه هُوَ الْفُرَات الَّذِي قد ... عَام فِيهِ الْأَنَام عوم الأوز)
(وحماه هُوَ المنيع الَّذِي ترجع ... عَنهُ الخطوب مرجع عجز)
(فدعوا ذهنه يزاول قولي ... فَهُوَ أدرى بِمَا تضمن رمزي)
(دَامَ يحيى بِكُل صنع وَمن ... وَيُعَافى من كل بوس ورجز)
وكأنا بِهِ قد عمل على شاكلة جَلَاله من مد ظلاله وتمهيد خلاله وتلقى ورودنا بتهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبُوله وإقباله وإيرادنا على حَوْض كوثره المترع بزلاله وَالله سُبْحَانَهُ يسْعد مقَامه الْعلي ويسعدنا بِهِ فِي حلّه وارتحاله ومآله وحاله وَيُؤَيّد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المسؤول أَن يرِيه قُرَّة الْعين فِي نَفسه وَأَهله وخدامه وأمواله وأنظاره وأعماله وكافة شؤونه وأحواله وأحق مَا نصل بِالسَّلَامِ وَأولى على الْمقَام الْجَلِيل مقَام الْخَلِيفَة الْمولى وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة وَسلَامًا دائمين أبدا موصولين بدوام الْأَبَد واتصاله ضامنين لمجددهما ومرددهما صَلَاح فَسَاد أَعماله وبلوغ غَايَة آماله وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وإذنه وفضله وأفضاله انْتَهَت الرسَالَة وَمَا كَادَت
وَوصل السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر المخلوع بعد نُزُوله بمليلية إِلَى مَدِينَة فاس بأَهْله وَأَوْلَاده معتذرا عَمَّا أسلفه متلهفا على مَا خَلفه وَبنى بفاس بعض قُصُور على طَرِيق بُنيان الأندلس وَتُوفِّي بهَا سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بِإِزَاءِ الْمصلى خَارج بَاب الشَّرِيعَة وَخلف ذُرِّيَّة من بعده قَالَ فِي نشر المثاني انقرضوا وَلم يبْق مِنْهُم أحد وَزعم منويل أَنه هلك فِي وقْعَة أبي عقبَة فِي حَرْب الوطاسيين مَعَ السعديين قَالَ وَلم يحسن هَذَا الرجل أَن يدْفع عَن ملكه فَدفع عَن ملك غَيره
(4/135)

اسْتِيلَاء البرتغال على سَاحل البريجه وبناؤهم مَدِينَة الجديدة صانها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بمنه

قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ قد وقفت لبَعض البرتغاليين واسْمه لويز مَارِيَة على تأليف فِي أَخْبَار الجديدة من لدن بنوها إِلَى أَن انتزعها الْمُسلمُونَ مِنْهُم فاقتطفت مِنْهُ مَا أثْبته فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَالَ هَذَا الْمُؤلف لما كَانَت سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين مسيحية قلت ويوافقها من تَارِيخ الْهِجْرَة سنة سبع وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا بعث سُلْطَان البرتغال واسْمه منويل من دَار ملكه أشبونة عمَارَة فِي الْبَحْر للاستيلاء على بعض ثغور الْمغرب فألجأهم هيجان الْبَحْر وموجه إِلَى سَاحل البريجة فِيمَا بَين آزمور وتيط وَكَانَت البريجة على مَا يفهم من كَلَامه بِنَاء متخذا هُنَالك للحراسة وَنَحْوهَا كَانَ يُسمى برج الشَّيْخ وَلَا زَالَ مُسَمّى بِهَذَا الِاسْم إِلَى الْآن فأرسى البرتغاليون على السَّاحِل الْمَذْكُور وَنزلت طَائِفَة مِنْهُم إِلَى الْبر فتطوفوا بالبريجة وَمَا حولهَا وأعجبهم الْمَكَان فعزموا على الْمقَام بِهِ وَاتفقَ رَأْيهمْ أَن يتْركُوا جمَاعَة هُنَالك يحفظون الْمحل وَيرجع باقيهم إِلَى ملكهم يستأذنوه فِيمَا عزموا عَلَيْهِ فتركوا اثْنَي عشر رجلا بالبريجة بعد أَن حصنوها وشحنوها بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من عدَّة وقوت وَنَحْوهمَا وَرجع الْبَاقُونَ إِلَى الْملك فأخبروه بشأنهم فَأذن لَهُم وَبعث مَعَهم جمَاعَة من البنائين والعملة ليبنوا لَهُم مَا يتحصنون بِهِ فقدموا على إخْوَانهمْ وشرعوا فِي إدارة السُّور على قِطْعَة من الأَرْض فَنَذر بهم أهل تِلْكَ الْبِلَاد من الْمُسلمين وتسابقوا إِلَيْهِم على الصعب والذلول ففر النَّصَارَى إِلَى البريجة وتحصنوا بهَا وأفسد الْمُسلمُونَ كل مَا كَانُوا عملوه فِي تِلْكَ الْأَيَّام وأحجروهم بحصنهم وَوَضَعُوا عَلَيْهِم الرصد إِلَى أَن فتر عزمهم وَأَيِسُوا من نجاح سَعْيهمْ فَعَاد جلهم أَو كلهم إِلَى أشبونة وأعادوا الْكَلَام على ملكهم منويل فِي شَأْن البريجة ووصفوا لَهُ حسن الْبقْعَة وَصِحَّة هوائها ومنزلتها من الْبَحْر وَمن قبائل أهل الْمغرب من أهل تامسنا ودكالة وَغَيرهم وَأَنَّهَا عَسى أَن تكون سلما للاستيلاء
(4/136)

على غَيرهَا من بِلَاد الْمغرب لَا سِيمَا ودولة الْمُسلمين بِهِ يَوْمئِذٍ قد تلاشت وملكهم قد ضعف فوقر ذَلِك فِي نفس الْملك واستأنف الْعَزْم وَبعث مَعَهم حِصَّة من الْعَسْكَر تحصل بهَا الْكِفَايَة وتتأتى بهَا المدافعة والممانعة مَعَ جمَاعَة وافرة من البنائين والمهندسين وَحَملهمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من آلَة وَغَيرهَا فَانْتَهوا إِلَى الْموضع الْمَذْكُور بعد سبع سِنِين من مقدمهم الأول وتحينوا غَفلَة أهل الْبِلَاد وشرعوا فِي بِنَاء حصن مربع على كل ربع مِنْهُ برج وثيق ودأبوا فِي الْعَمَل لَيْلًا وَنَهَارًا فَلم تمض مُدَّة يسيرَة حَتَّى فرغوا مِنْهُ وامتنعوا على الْمُسلمين بِهِ وَكَانَ إنشاؤهم لهَذَا الْحصن على البريجة الْقَدِيمَة بِأَن جعلوها أحد أَرْبَاعه وأضافوا إِلَيْهَا ثَلَاثَة أَربَاع أخر وأداروا السُّور على الْجَمِيع وَاتَّخذُوا فِي دَاخل هَذَا الْحصن ماجلا عَظِيما لخزن المَاء وَهُوَ النطفية فِي لِسَان الجيل بنوه مربعًا بتربيع الْحصن مساحة كل ربع مِنْهُ مائَة وَثَلَاثُونَ شبْرًا وجوانبه وقبوه من حجر النّصْف العجيب النحت الْمُحكم الْوَضع والالتئام مَحْمُولا ذَلِك القبو على سِتَّة أقواس فِي كل ربع قَالَ هَذَا الْمُؤلف وامتلاء نَحْو بلكاظة من هَذَا الماجن يسع عشْرين بوطة من المَاء ثمَّ شيدوا على أحد أَربَاع هَذَا الْحصن طريا عَظِيما مرتفعا جدا لَيْسَ صَادِق التربيع وَلَا الاستدارة غير مهندس الشكل ثمَّ بنوا فِي أَعْلَاهُ على أحد جوانبه بِنَاء آخر لطيفا مستديرا صاعدا فِي الجويرقي إِلَيْهِ على مدارج لَطِيفَة وَجعلُوا فِي أَعْلَاهُ صاريا خَارِجا من جَوْفه وناقوسا للحراسة يشرف الحارس مِنْهُ على نَحْو خَمْسَة وَعشْرين ميلًا من سَائِر جهاته وَجَمِيع هَذِه البناءات الَّتِي ذكرهَا الْمُؤلف من الْحصن وَمَا مَعَه لَا زَالَت قَائِمَة الْعين والأثر إِلَى الْآن إِلَّا الطري فَإِنَّهُ قد اتخذ فِي هَذِه الْأَيَّام الَّتِي هِيَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف منارا لِلْمَسْجِدِ الْجَامِع وَذَلِكَ أَن عَامل الجديدة فِي هَذَا الْعَصْر وَهُوَ الرئيس الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري حفظه الله اسْتَأْذن الْخَلِيفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى الشريف أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الْعلوِي نَصره
(4/137)

الله فِي جعله منارا لكَون الْمنَار الْقَدِيم قَصِيرا لَا يسمع النَّاس الْأَذَان فَأذن أعزه الله فِي ذَلِك وَهَذَا الْعَامِل الْيَوْم جاد فِي إِصْلَاحه وَالزِّيَادَة فِيهِ وَقد أشرف على التَّمام وَكَذَلِكَ اسْتَأْذن هَذَا الْعَامِل حَضْرَة السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي إدارة جِدَار من دَاخل سور الْمَدِينَة يكون ستْرَة على منَازِل أَهلهَا وَبُيُوتهمْ لِأَن السُّور الْمَذْكُور كَانَ مرتفعا على الْبَلَد بِحَيْثُ يكون الصاعد عَلَيْهِ متكشفا على الْبيُوت واستأذنه فِي إصْلَاح الْقبَّة المشرفة على الْبَحْر الْمَعْرُوفَة بقبة الخياطين وَكَانَت قد تلاشت وباتخاذ سجن متسع مُحكم عَن يَمِين الدَّاخِل من بَاب الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة لِأَنَّهُ لم يكن بهَا سجن مُعْتَبر فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة الْمَذْكُور إِلَى ذَلِك كُله أدام الله علاهُ وَقد تمّ جلّ ذَلِك وعادت الْقبَّة إِلَى أحسن حالاتها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا أَيَّام البرتغال وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا
ولنرجع إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول ثمَّ شرع نَصَارَى البرتغال بعد الْفَرَاغ من الْحصن الْمَذْكُور فِي إدارة سور الْمَدِينَة على أوثق وَجه وأحكمه وَذَلِكَ أَنهم عَمدُوا إِلَى بقْعَة مربعة من الأَرْض مساحة كل ربع مِنْهَا ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسَبْعُونَ خطْوَة وَجعلُوا مركزها الْحصن الْمَذْكُور ثمَّ أداروا بهَا سورين عاديين ثخن الْخَارِج مِنْهُمَا نَحْو خَمْسَة عشر شبْرًا والداخل على نَحْو الثُّلثَيْنِ مِنْهُ وَبَينهمَا فضاء مردوم بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَة الصَّغِيرَة فَصَارَ السوران بذلك سورا وَاحِد سعته خَمْسُونَ شبْرًا وَهَذَا فِي غير الرّبع الموَالِي للبحر أما هُوَ فَلَيْسَ فِيهِ ردم وَإِنَّمَا هُوَ سور وَاحِد مصمت أضيق مِمَّا عداهُ يَسِيرا وارتفاع هَذِه الأسوار من دَاخل الْبَلَد نَحْو سِتِّينَ شبْرًا وَمن خَارجه نَحْو السّبْعين ثمَّ أداروا خَارج السُّور خَنْدَقًا فسيحا وَجعلُوا عمقه أَرْبَعَة عشر شبْرًا بِحَيْثُ بلغُوا بِهِ المَاء وَإِذا فاض الْبَحْر مَلأ مَا بَين جوانبه وَاتَّخذُوا للمدينة ثَلَاثَة أَبْوَاب أَحدهَا للبحر وَهُوَ بَاب المرسى وَقد سد بِالْبِنَاءِ فِي هَذِه السنين وَاثْنَانِ للبر وَجعلُوا أمامهما قنطرتين بِالْعَمَلِ الهندسي بِحَيْثُ ترفعان وتوضعان وَقت الْحَاجة إِلَى ذَلِك فَصَارَت الْمَدِينَة بِهَذَا كُله فِي غَايَة المناعة
(4/138)

وَكَانَ بَنو وطاس فِي هَذِه الْمدَّة أشغل من ذَات النحيين مَعَ برتقال سبتة وطنجة وَسَائِر بِلَاد الهبط فَلِذَا تَأتي لهَؤُلَاء النَّصَارَى أَن يَفْعَلُوا مَا فَعَلُوهُ فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة وَجعلُوا دَاخل الْمَدِينَة خمس حارات وَسموا كل حارة باسم كَبِير من قدمائهم على عَادَتهم فِي ذَلِك وَاتَّخذُوا بهَا أَربع كنائس وَاتَّخذُوا المخازن والأهراء للاختزان وَسَائِر الْمرَافِق وَمن جُمْلَتهَا هرى كَانَ يسع سِتّمائَة فنيكة من الْحبّ وأوطنوها بأهلهم وعيالهم وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من أَشْرَافهم وَذَوي بيوتاتهم من أهل أشبونه وَغَيرهَا وَكَانُوا يعدون فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف نفس مَا بَين الْمُقَاتلَة والعيال والذرية وَكَانُوا يأملون الِاسْتِيلَاء مِنْهَا على مراكش فخيب الله رجاءهم ثمَّ ذكر هَذَا الْمُؤلف مَا كَانَ يَقع بَين الْمُسلمين ونصارى الجديدة من الحروب والغارات مِمَّا لَعَلَّنَا نشِير إِلَى بعضه فِي مَحَله إِن شَاءَ الله
اسْتِيلَاء البرتغال على سواحل السوس وبناؤهم حصن فونتي قرب أكادير وَمَا قيل فِي ذَلِك

ذكر بعض المؤرخين من الفرنج أَن اسْتِيلَاء البرتغال على آكادير كَانَ فِي مُدَّة ملكهم منويل الْمَذْكُور آنِفا وَإِن ذَلِك كَانَ على حِين غَفلَة من أهل تِلْكَ الْبِلَاد
قَالَ منويل لما علم طاغية البرتغال منويل أَن مرسى آكادير جَيِّدَة لمناعتها وَكَثْرَة تجارتها بِسَبَب مجاورتها لقبائل السوس أَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وَكَانَ يظنّ أَن ذَلِك لَا يَتَأَتَّى لَهُ لحصانتها وَكَثْرَة الْقَبَائِل المجاورين لَهَا ثمَّ خاطر وَبعث إِلَيْهَا جَيْشًا فاستولوا عَلَيْهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَحَصَّنُوهَا وبنوا بهَا دورا وبرجا جيدا وَأخذُوا فِي التِّجَارَة بهَا مَعَ أهل السوس وَكَثُرت أرباحهم ثمَّ لما ضعفت شوكتهم خَرجُوا عَنْهَا وَعَن آسفي وآزمور قلت مُرَاده بآكادير حصن فونتي الْقَرِيب مِنْهُ وَإِلَّا فآكادير إِنَّمَا بني بعد هَذَا التَّارِيخ
(4/139)

بِكَثِير كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ مُقْتَضى مَا ذكره أَن يكون زمَان استيلائهم عَلَيْهِ مُوَافقا أَو قَرِيبا لزمان استيلائهم على البريجة وَمُقْتَضى مَا نَقله فِي النزهة عَن ابْن القَاضِي أَن يكون استيلاؤهم عَلَيْهِ فِي حُدُود سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة فَإِنَّهُ لما وصف حَال السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله قَالَ وَكَانَ لَهُ بخت عَظِيم فِي الْجِهَاد فتح حصن النَّصَارَى بسوس بعد أَن أَقَامُوا بِهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة اه وَكَانَ فَتحه إِيَّاه فِي حُدُود سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَالظَّاهِر أَنهم استولوا على بعض حصون السوس فِي التَّارِيخ الأول وعَلى بَعْضهَا فِي الثَّانِي وَالله أعلم
وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي رَحمَه الله

ذكر ابْن القَاضِي فِي الجذوة أَن وَفَاة السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَت سنة عشر وَتِسْعمِائَة قَالَ وَمن حَملَة وزرائه أَخُوهُ النَّاصِر بن أبي زَكَرِيَّاء وَالله أعلم وَولي الْأَمر من بعده ابْنه مُحَمَّد البرتغالي على مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي رَحمَه الله

لما توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بُويِعَ ابْنه مُحَمَّد البرتغالي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ نَصَارَى سبتة وطنجة وآصيلا قد استحوذوا على بِلَاد الهبط وضايقوا الْمُسلمين بهَا حَتَّى ألجأوهم إِلَى قصر كتامة فَكَانَ هُوَ الثغر يَوْمئِذٍ بَين بِلَاد الْمُسلمين وبلاد النَّصَارَى كَمَا مر وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد هَذَا قد عني بجهادهم وترديد الْغَزْو إِلَيْهِم والإجلاب عَلَيْهِم حَتَّى شغل بذلك عَن الْبِلَاد المراكشية وسواحلها فَكَانَ ذَلِك سَببا لظُهُور الدولة السعدية بهَا سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
(4/140)

اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آسفي حرسه الله

قَالَ منويل كَانَ البرتغال قد تشوفوا للاستيلاء على آسفي وَكَانَ أَهلهَا فيهم شجاعة أَكثر من غَيرهم من أهل الثغور فزحفوا إِلَيْهَا وَجرى بَينهم وَبَين أَهلهَا قتال شَدِيد هلك فِيهِ عدد كَبِير من البرتغال وَعظم عَلَيْهِم أَن تمْتَنع مِنْهُم بَلْدَة صَغِيرَة لَيْسَ لَهَا حامية سوى أَهلهَا ثمَّ طاولوها بالحصار حَتَّى قل الْقُوت عِنْد أهل آسفي وأشرفوا على الْهَلَاك فَحِينَئِذٍ شارطوا البرتغال وأسلموها إِلَيْهِم على الْأمان فاستولوا عَلَيْهَا وَحَصَّنُوهَا غَايَة لتوقعهم كرة الْمُسلمين عَلَيْهِم فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُم زحفوا إِلَيْهِم بعد ثَلَاث سِنِين من أَخذهَا وَوَقع بَينهم وَبَين البرتغال حَرْب شَدِيدَة كَانَت صُفُوف الْمُسلمين تترادف فِيهَا كأمواج الْبَحْر وَقتل قواد عَسْكَر البرتغال وكبارهم ثمَّ قدمت عَلَيْهِم شكوادره من مادرة بالعسكر والزاد فَقَوِيت نفوس البرتغال وارتحل الْمُسلمُونَ عَنْهَا بعد أَن أشرفوا على الْفَتْح وتبعهم البرتغال لينتهزوا فيهم الفرصة فكر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم واستلبوهم وَهَذَا أول حِصَار كَانَ على آسفي
ثمَّ بعد سِنِين قَلَائِل زحف الْمُسلمُونَ إِلَيْهَا أَيْضا وَمَعَهُمْ عدد من المدافع وقاتلوا قتالا صعبا وزحفوا إِلَى السُّور فهدموا مِنْهُ ثلمة كَبِير وَاشْتَدَّ الْقِتَال عَلَيْهَا بِمَا خرج عَن الْعَادة ثمَّ رَحل الْمُسلمُونَ من غير فتح وأعرضوا عَنْهَا مُدَّة لم يحدثوا أنفسهم بِالْقِتَالِ وعمرت آسفي بالنصارى وانتقل إِلَيْهَا التُّجَّار وبنوا بهَا الدّور وَكَانُوا يسقون مِنْهَا الْحبّ ويحملونه فِي السفن إِلَى بِلَادهمْ وَلَعَلَّ ذَلِك لهدنة كَانَت لَهُم مَعَ الْمُسلمين
ثمَّ عَادَتْ للْمُسلمين بعد نَحْو ثَلَاث وَعشْرين سنة وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن مَا نَصه قَرَأت بِخَط شَيخنَا أبي عبد الله الْقصار أَن صَاحب آسفي أخرج الشَّيْخ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ مِنْهَا فَدَعَا عَلَيْهِم فَسئلَ مِنْهُ الْعَفو فَقَالَ أَرْبَعِينَ سنة فَأَخذهَا النَّصَارَى بعْدهَا اه وَهَذَا يَقْتَضِي أَن استيلاءهم عَلَيْهَا كَانَ فِي حُدُود
(4/141)

عشر وَتِسْعمِائَة لِأَن وَفَاة الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رَحمَه الله كَانَت فِي سنة سبعين وَثَمَانمِائَة كَمَا مر وَعند الفرنج مَا يَقْتَضِي أَن استيلاءهم عَلَيْهَا كَانَ بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَالله أعلم
زحف السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى آصيلا

قَالَ منويل لما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي أَرَادَ أَن يَأْخُذ بثأره من البرتغال الَّذين أسروه لسبع سِنِين فزحف إِلَى آصيلا فِي حُدُود أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة وحاصرها وَطَالَ قِتَاله عَلَيْهَا ثمَّ اقتحمها الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم اقتحاما واقتتلوا فِي وسط الْأَزِقَّة والأسواق يَوْمَيْنِ ثمَّ جَاءَ المدد إِلَى البرتغال من طنجة وجبل طَارق فَقَوِيت نُفُوسهم وَخرج الْمُسلمُونَ عَنْهُم لَكِن مَا خَرجُوا حَتَّى هدموها وأحرقوها وَلم يتْركُوا لَهُم بهَا إِلَّا الخربات ثمَّ جد البرتغال فِي إصلاحها وَأَقَامُوا بهَا بُرْهَة من الدَّهْر إِلَى أَن رجعت للْمُسلمين
اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آزمور حرسه الله

قَالَ منويل بعث طاغية البرتغال أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة إِلَى ثغر آزمور شكوادره فِيهَا أَلفَانِ من الْعَسْكَر وَأَرْبَعمِائَة خيالة فدافعهم زيار الوطاسي ابْن عَم السُّلْطَان ونشبت مراكب البرتغال فِي السَّاحِل وتكسر جلها وعاث فِيهَا الْمُسلمُونَ وَرجع الْبَاقِي مفلولا ثمَّ بعد أَربع سِنِين بعث إِلَيْهَا الطاغية منويل شكوادره فِيهَا عشرُون ألفا من الْعَسْكَر وَأَلْفَانِ وَسَبْعمائة خيالة فَانْتَهوا إِلَى آزمور وحاصروها بحرا وزحفوا إِلَيْهَا من الجديدة برا وَوَقع حَرْب شَدِيدَة بَينهم وَبَين أهل آزمور وَأهل الْبَادِيَة ثمَّ انهزم الْمُسلمُونَ وَخَرجُوا من بَاب تَركه لَهُم البرتغال قصدا قَالَ لِأَنَّهُ يُقَال فِي الْمثل الفار مِنْك فِي الْحَرْب
(4/142)

اجْعَل لَهُ قنطرة من فضَّة يعبر عَلَيْهَا
وَقَالَ فِي النزهة كَانَ نزُول النَّصَارَى بآزمور سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ وَفِي هَذِه السّنة بنى النَّصَارَى حجر باديس وَفِي أَوَاخِر الْمحرم مِنْهَا أَخذ النَّصَارَى يَعْنِي الإصبنيول مَدِينَة وهران ونكبوا أَهلهَا فَمَا مِنْهُم إِلَّا أَسِير أَو قَتِيل إِلَى أَن أَعَادَهَا الله لِلْإِسْلَامِ على يَد الأتراك فِي حُدُود الْعشْرين وَمِائَة وَألف اه
قلت أهل آزمور يَزْعمُونَ أَن اسْتِيلَاء البرتغال على مدينتهم كَانَ متكررا وَسَيَأْتِي مَا يفهم مِنْهُ ذَلِك وَالله أعلم
وَمن أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله مَا وقفت عَلَيْهِ فِي تَارِيخ البرتغاليين من أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كتب لطاغيتهم منويل يطْلب مِنْهُ أَن يتَقَدَّم بالوصاة لأَصْحَاب قراصينه البحرية أَن لَا يتَعَرَّضُوا لمركبين لَهُ كَانَ قد عزم على بعثهما إِلَى الجزائر ثمَّ مِنْهَا إِلَى تونس وَكَانَ الطاغية لم يجبهُ أَو أَبْطَأَ بِالْجَوَابِ فكرر إِلَيْهِ الْكتاب ثَانِيًا فِي الْقَضِيَّة الْمَذْكُورَة وسرد هَذَا المؤرخ نَص الْكِتَابَيْنِ مَعًا مترجمين بلغته وَذكر أَن تَارِيخ الأول مِنْهُمَا الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من جُمَادَى سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وتاريخ الثَّانِي الثَّامِن وَالْعشْرُونَ من ذِي الْقعدَة من السّنة اه
اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر المعمورة حرسه الله

قَالَ فِي نشر المثاني إِن الَّذِي اختط حصن المعمورة هُوَ الْمهْدي الشيعي على يَد بعض عماله وَزعم بعض الفرنج أَن المعمورة من بِنَاء يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي قَالَ وَلما كَانَ زمن منويل البرتغالي بلغه أَن مينا المعمورة جَيِّدَة وبلادها نفاعة فَبعث إِلَيْهَا طَائِفَة من جنده فوصلوا إِلَى ساحلها ونزلوا فِي الْبر الْمُقَابل لَهَا وبنوا هُنَالك برجا لحصارها ثمَّ أردفهم ملكهم الْمَذْكُور بعمارة تشْتَمل على مِائَتي مركب مشحونة بِثمَانِيَة آلَاف
(4/143)

من الْمُقَاتلَة قَالَ وَكَانَ خُرُوج هَذِه الْعِمَارَة من مَدِينَة أشبونة فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من يونيه العجمي سنة ألف وَخَمْسمِائة وَخمْس عشرَة مسيحية قلت يُوَافِقهَا من تَارِيخ الْهِجْرَة تَقْرِيبًا سنة إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فوافت مينا المعمورة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من يوينه الْمَذْكُور وحاصروها وألحوا عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ أَيَّامًا وَبلغ الْخَبَر بذلك إِلَى السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي فَبعث أَخَاهُ النَّاصِر صريخا فِي جَيش كثيف فوصل سادس أغشت من السّنة الْمَذْكُورَة وَقَاتل البرتغال قتالا شَدِيدا وَهَزَمَهُمْ هزيمَة قبيحة ثمَّ كَانَت لَهُم الكرة على الْمُسلمين فهزموهم واستولوا على المعمورة وَثَبت قدمهم بهَا وَحَصَّنُوهَا بالسور الْمَوْجُود بهَا الْآن واستمروا بهَا نَحْو خمس سِنِين ثمَّ استرجعها الْمُسلمُونَ مِنْهُم فِي دولة السُّلْطَان الْمَذْكُور وَالله تَعَالَى أعلم وَفِي السّنة الَّتِي استولوا على المعمورة رجعُوا إِلَى مَوضِع مَدِينَة آنفي فشرعوا فِي بنائها وَمن يَوْمئِذٍ سميت الدَّار الْبَيْضَاء وبقوا بهَا مُدَّة طَوِيلَة إِلَى زمن السُّلْطَان الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل على مَا زعم منويل
أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني رَضِي الله عَنهُ

أصل الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله الغزواني دَفِين حومة الْقُصُور من مراكش من غَزوَان قَبيلَة من عرب تامسنا وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره يقْرَأ الْعلم بمدرسة الْوَادي من عدوة الأندلس بفاس فحصلت لَهُ إِرَادَة فسافر إِلَى مراكش ولازم الشَّيْخ التباع وَتخرج بِهِ ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد الهبط فَنزل بهَا على قَبيلَة يُقَال لَهُم بَنو فزنكار وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس واشتهر أمره وَعظم صيته فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان أَبَا عبد الله وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِبِلَاد الهبط قد خرج إِلَيْهَا بِقصد الْغَارة على نَصَارَى آصيلا وَكَانَ مَعَه فِي هَذِه الْحَرَكَة الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي الإِمَام الْمَشْهُور فَتوهم السُّلْطَان الْمَذْكُور من أَمر الشَّيْخ الغزواني وخشي
(4/144)

على الدولة عَاقِبَة أمره وأغراه بِهِ مَعَ ذَلِك الْفَقِيه ابْن عبد الْكَبِير البادسي السفياني الأَصْل وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه يصحب الْوُلَاة والعمال وَيخرج فِي بعوثهم قَاضِيا فكثرت سعايته بالشيخ حَتَّى وقر ذَلِك فِي نفس السُّلْطَان فَبعث إِ ليه فَحَضَرَ وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ بالموضع الْمَعْرُوف بتاجناوت وَجعله فِي سلسلة وَبعث بِهِ إِلَى فاس وَتقدم فِي شَأْنه إِلَى ابْن شقرون صَاحب شرطته بقصبة فاس الْقَدِيم وَكَانَ الشَّيْخ ابْن غَازِي قد مرض فِي هَذِه الْغَزْوَة وَأمر السُّلْطَان بِحمْلِهِ إِلَى منزله من فاس فَلَمَّا وصل إِلَى قرب عقبَة المساجين اشْتَدَّ بِهِ الْحَال وَأمر أَصْحَابه أَن يريحوا بِهِ هُنَالك فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ مر بِهِ الشَّيْخ الغزواني فِي سلسلته فَسَأَلَ الموكلين بِهِ أَن يعوجوا بِهِ على الشَّيْخ ابْن غَازِي كي يعودهُ وَيُؤَدِّي حَقه فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ طلب ابْن غَازِي مِنْهُ الدُّعَاء فَدَعَا لَهُ بِخَير وَانْصَرف فَلَمَّا غَابَ عَنهُ قَالَ ابْن غَازِي لأَصْحَابه احْفَظُوا وصيتي فَإِنِّي راحل عَنْكُم إِلَى الله تَعَالَى بِلَا شكّ قَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي مَا عنْدك باس فَقَالَ إِن الله وَعَدَني أَن لَا يقبض روحي حَتَّى يريني وليا من أوليائه وَقد أرانيه السَّاعَة فدلني ذَلِك على انْقِضَاء الْأَجَل فَحَمَلُوهُ من حِينه إِلَى منزله فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ هَكَذَا سَاق هَذَا الْخَبَر صَاحب الدوحة فِي ترجمتي الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين
وَكَانَت وَفَاة ابْن غَازِي أَوَاخِر جُمَادَى الأولى سنة تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَقَالَ صَاحب الْمرْآة عَن بعض شُيُوخه بعد أَن ذكر سِعَايَة ابْن عبد الْكَبِير بالشيخ الغزواني مَا نَصه فَتحَرك الشَّيْخ الغزواني لزيارة ضريح الشَّيْخ أبي سلهام فَعرض لَهُ العروسي قَائِد الْقصر الْكَبِير وناوله كتاب السُّلْطَان يَأْمُرهُ فِيهِ بقدوم الشَّيْخ إِلَى فاس دَار الْملك إِذْ ذَاك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ طَاعَة السُّلْطَان وَاجِبَة وَقَالَ للزائرين مَعَه بلغت النِّيَّة فَتوجه الشَّيْخ إِلَى فاس من ذَلِك الْمَكَان وَكلما بَات فِي منزل ذهبت جمَاعَة من الَّذين مَعَه فَلم يصل مَعَه إِلَّا الْقَلِيل وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْبَقَاء عبد الْوَارِث اليالصوتي إِذْ ذَاك سَاكِنا بفاس
(4/145)

وَلم يكن صحب الشَّيْخ قبل ذَلِك فَلَمَّا دخل الشَّيْخ حَضْرَة فاس لقِيه أَبُو الْبَقَاء الْمَذْكُور فَسلم عَلَيْهِ فَشد الشَّيْخ يَده على يَده فَلم يرسلها حَتَّى عاهده على الرُّجُوع فَلَمَّا انْفَصل عَنهُ اشْترى خبْزًا وَعِنَبًا وَحمل ذَلِك إِلَى الشَّيْخ وَأَصْحَابه فَوَجَدَهُمْ عِنْد القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله اليفرني المكناسي وَهُوَ مؤلف الْمجَالِس المكناسية فَوَجَدَهُمْ فِي الْمَسْجِد الْقَرِيب من دَار القَاضِي الْمَذْكُور بدرب السُّعُود فناولهم مَا مَعَه وَوجد الشَّيْخ موكلا بِهِ وَأَصْحَابه يدْخلُونَ وَيخرجُونَ ثمَّ دخل القَاضِي على الشَّيْخ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك قَالَ أَبُو الْبَقَاء فتكلمت أَنا وَقلت إِن هَذَا الرجل قد نزل بَلَدا عَظِيمَة المناكر وَأخذت أعدد مناكرها وَصَارَ هَذَا السَّيِّد ينهاهم عَن ذَلِك فهدى الله على يَده من هدى وشنئه من أَبى فَقَامَ القَاضِي وَركب إِلَى دَار السُّلْطَان ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فَبَاتَ وَمن الْغدر ركب إِلَى دَار السُّلْطَان أَيْضا وَمَعَهُ الشَّيْخ الغزواني فَلَمَّا اطْمَأَن بهم مجْلِس السُّلْطَان وَكَانَ فِيهِ صَاحب تازا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الشَّيْخ أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور سكت الْجَمِيع وَتكلم كَاتب السُّلْطَان وَإِمَام صلَاته قَالَ صَاحب الْمرْآة وَلم يسم لنا فَقَالَ للشَّيْخ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَنْت لَا تَتَكَلَّم حَتَّى تَغْتَسِل من جنابتك فاستشاط الْكَاتِب غَضبا فَقَالَ لَهُ أَخُو السُّلْطَان هَؤُلَاءِ الْقَوْم يعنون الْجَنَابَة غير مَا تعنيه الْعَامَّة يُشِير إِلَى مَا فِي الحكم فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان وَمن أَيْن تعرف هَذَا فَقَالَ لَهُ من سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن يَجِيش ففرح السُّلْطَان بِمَعْرِِفَة أَخِيه ذَلِك وَقَالَ للشَّيْخ نَحن نُرِيد قربك وَأَن تكون مَعنا فِي هَذِه الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ على بركَة الله فانتقل إِلَى فاس الْقَدِيم وَبنى خَارج بَاب القليعة دَاخل بَاب الْفتُوح وَأقَام هُنَالك مَا شَاءَ الله قيل سبع سِنِين إِلَى أَن كَانَت سنة تعذر فِيهَا الْمَطَر وَأخذ النَّاس فِي اسْتِخْرَاج السواقي للحرث فَأخْرج الشَّيْخ من وَادي اللَّبن ساقية لم يكن
(4/146)

فِي سواقي السُّلْطَان وَغَيره مثلهَا فَبعث إِلَيْهِ أَخُوهُ السُّلْطَان وَهُوَ النَّاصِر الملقب بالكديد بِالْكَاف المعقودة وَالدَّال الْمُشَدّدَة على لُغَة الْعَامَّة وَقَالَ لَهُ نَحن أَحَق بِتِلْكَ الساقية فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ خُذْهَا وَأخذ فِي الرحيل إِلَى مراكش وَلما توجه تلقاءها أَخذ خنيفه فِي يَده وَجعل يُشِير بِهِ من جِهَة فاس إِلَى جِهَة مراكش وَيَقُول أيا يَا سلطنة إِلَى مراكش قَالَ صَاحب الْمرْآة هَذَا حَدِيث شَيخنَا أبي عبد الله النيجي قَالَ وآخنيف مَعْرُوف وَهُوَ نوع من البرانس السود وَمعنى أيا بلغَة عَامَّة الْمغرب سيري معي وَمَوْضِع بني فزنكار أَظُنهُ تاصروت فَإِن بهَا رسما مَنْسُوبا إِلَيْهِ إِلَى الْآن وَأَنه منزله الَّذِي كَانَ يأوي إِلَيْهِ وَمَا زَالَت آثاره هُنَالك وَالدَّار الَّتِي بنى بِبَاب القليعة هِيَ المتصيرة إِلَى تِلْمِيذه الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْهَرَوِيّ الْمَعْرُوف بالطالب وَلَعَلَّ سنة إِخْرَاج السواقي هِيَ سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَإِنَّهُ قد تعذر فِيهَا الْمَطَر وَحدث الغلاء الْكَبِير المؤرخ بِسنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى انْتِقَال السلطنة عَن بني وطاس مُلُوك فاس إِلَى الشرفاء السعديين مُلُوك مراكش يَوْمئِذٍ وَالله أعلم
نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى مراكش ومحاصرته أَبَا الْعَبَّاس الْأَعْرَج السَّعْدِيّ بهَا

قد تقدم لنا أَن ظُهُور الدولة السعدية بِبِلَاد السوس كَانَ فِي سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَا زَالَ أَمرهم فِي الزِّيَادَة إِلَى أَن كَانَت دولة أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مِنْهُم فاستفحل أمره وَبعد صيته وفتك بنصارى السوس فكاتبه أُمَرَاء هنتاتة أَصْحَاب مراكش ودخلوا فِي طَاعَته فانتقل إِلَيْهَا وملكها فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان أبي عبد الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس قَامَت قِيَامَته وَأَقْبل فِي جموع عديدة وَمَعَهُ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر كَذَا فِي النزهة وَالَّذِي عِنْد غَيره أَن الْوَزير الَّذِي جَاءَ مَعَه هُوَ النَّاصِر
(4/147)

أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلما رأى أَبُو الْعَبَّاس السَّعْدِيّ مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة فَتقدم السُّلْطَان أَبُو عبد الله وَنصب الأنفاض على مراكش ودام الْحصار عَلَيْهَا أَيَّامًا فيحكى أَنه قيل للشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ قد استوطن مراكش يَوْمئِذٍ أَن أهل مراكش سئموا الْحصار فَركب الشَّيْخ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وَخرج من بَاب فاس الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب الْخَمِيس فَوجدَ رُمَاة السُّلْطَان أبي عبد الله يرْمونَ من علا الأسوار من أهل الْبَلَد فَوقف الشَّيْخ ينظر فَجَاءَت رصاصة ضربت صَدره وخرقت الْجُبَّة الَّتِي عَلَيْهِ والتصقت بِلَحْمِهِ كَأَنَّهَا وَقعت فِي صَخْرَة صماء فَقبض عَلَيْهَا بِيَدِهِ وَقَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فوردت الأنباء على السُّلْطَان أبي عبد الله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بِأَن بني عَمه قد قَامُوا عَلَيْهِ بفاس ونبذوا دَعوته فَأصْبح من الْغَد راحلا إِلَى فاس وَظهر مصداق مَا قَالَ الشَّيْخ الغزواني وَلم يعد لبني وطاس وُصُول بعْدهَا إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أَعمالهَا وَالله تَعَالَى أعلم
ذكر وزراء السُّلْطَان أبي عبد الله وَمَا قيل فيهم

كَانَ من جملَة وزرائه ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَهُوَ الَّذِي زحف مَعَه إِلَى مراكش على مَا فِي النزهة وَكَانَ من جملَة وزرائه القائمين بأَمْره أَخُوهُ النَّاصِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة فاس بِأبي علاقَة وبالكديد على مَا مر قَالَ فِي الجذوة لقب بذلك لِكَثْرَة سفكه الدِّمَاء وإقدامه عَلَيْهِ فَكَانَ يقتل النَّاس ويجزرهم كثيرا وَكَذَا بمكناسة أَيَّام وزارته بهَا كَذَا حدث غير وَاحِد مِمَّن أدْركهُ وَرَآهُ وَتُوفِّي الْوَزير الْمَذْكُور سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله رَحمَه الله

كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا فِي الجذوة وَيُؤْخَذ من النزهة أَنَّهَا كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وَالله أعلم وَولي الْأَمر من بعده أَخُوهُ أَبُو حسون بِولَايَة عَهده إِلَيْهِ
(4/148)

الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي حسون بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي

هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيار الوطاسي وَيعرف بِأبي حسون البادسي قَالَ فِي النزهة بُويِعَ بفاس سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ قبض عَلَيْهِ ولد أَخِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد البرتغال وخلعه وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ آخر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة انْتهى
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الوطاسي رَحمَه الله تَعَالَى

هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد البرتغالي ابْن أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان الوطاسي بُويِعَ يَوْم خلع عَمه أبي حسون آخر ذِي الْحجَّة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ ابْن القَاضِي وَقد رَأَيْت الْبيعَة الَّتِي كتبت لَهُ بِخَط الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ابْن أَحْمد الوانشريسي من إنشائه وَعَلَيْهَا خطوط جمَاعَة من فُقَهَاء فاس كَأبي الْعَبَّاس الحباك والفقيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الماواسي وَغَيرهمَا اه
قَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي النزهة وَانْظُر مَا وَجه كتب الْبيعَة لِأَحْمَد مَعَ أَن خلع أبي حسون لم يكن لموجب والوانشريسي من أهل الْوَرع وَقَالَ وَلَعَلَّه لأمر لم يظْهر لنا وَالله أعلم اه وَقَالَ ابْن عَسْكَر فِي الدوحة لما توفّي السُّلْطَان أَبُو عبد الله البرتغالي ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس وزوحم بهم عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المحاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي وَكَانَ لَهُ رَغْبَة فِي الْجِهَاد وَمِمَّنْ لَهُ وصلَة بالسلطان أبي عبد الله فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو
(4/149)

فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك فَلَمَّا بلغ الشَّيْخ الْمَذْكُور مَا عقده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من الصُّلْح آلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وقوت عِيَاله فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو وَأمر بالنداء بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شَره لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك اه
وقْعَة آنماي بَين الوطاسيين والسعديين

قد تقدم لنا فِي خبر السُّلْطَان أبي عبد الله أَنه لما حاصر مراكش وأصابت الرصاصة الشَّيْخ الغزواني قَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم وَلم يعد لبني وطاس وُصُول إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أحوازها قَالَ فِي النزهة فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج يتلاقى مَعَ أبي الْعَبَّاس الوطاسي بتادلا وأحوازها قَالَ وَكَانَت بَينهمَا معركة بِموضع يُقَال لَهُ آنماي وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة فَافْتَرقَا على اصْطِلَاح اه وآنماي مَوضِع قرب مراكش بِهِ زَاوِيَة الشَّيْخ أبي الْعَزْم رحال الكوش
(4/150)

عقد الصُّلْح بَين السلطانين أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَأبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى

لما رأى أهل الْمغرب مَا وَقع بَين السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي صَاحب فاس وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالأعرج صَاحب مراكش من التقاتل على الْملك والتهالك عَلَيْهِ وفناء الْخلق بَينهم دخلُوا فِي الصُّلْح بَينهم والتراضي على قسْمَة الْبِلَاد وَحضر لذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء والصلحاء مِنْهُم أَبُو حَفْص عمر الْخطاب دَفِين جبل زرهون وَأَبُو الرواين المحجوب دَفِين مكناسة الزَّيْتُون وَكَانَ صَاحب حَال وجذب فَجعل النَّاس يوصونه بِالسُّكُوتِ مَخَافَة أَن يفْسد عَلَيْهِم أَمرهم فَلَمَّا دخلُوا على أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وأخيه وزيره مُحَمَّد الشَّيْخ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ جَاءُوا لأَجله وجدوا فيهمَا شدَّة وغلظة وامتناعا من مساعدتهم على مَا أَرَادوا فَحلف أَبُو حَفْص الْخطاب لَا دخلوها يَعْنِي فاسا مَا دمت على وَجه الأَرْض فَمَا دخلوها حَتَّى مَاتَ بعد مُدَّة فَكَانَ بَعضهم يَقُول لَو كَانَ بَنو وطاس يعْرفُونَ شَيْئا مَا دفنُوا أَبَا حَفْص الْخطاب يَعْنِي لتركوه فِي تَابُوت على وَجه الأَرْض لِأَنَّهُ حلف لَا دخلوها مَا دَامَ على وَجه الأَرْض حَكَاهُ صَاحب ممتع الأسماع وَذكر فِي شرح زهرَة الشماريخ أَن الصُّلْح انبرم بَين الطَّائِفَتَيْنِ على أَن للأشراف من تادلا إِلَى السوس ولبني وطاس من تادلا إِلَى الْمغرب الْأَوْسَط وَإِن مِمَّن حضر الصُّلْح الْمَذْكُور قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أَبَا الْحسن عَليّ بن هَارُون المطغري بِالطَّاءِ الْمُهْملَة مطغرة تلمسان وَالْإِمَام الشهير أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي وَغَيرهمَا من مَشَايِخ فاس وَيذكر أَنه لما تواطأت كلمة الْحَاضِرين على الصُّلْح وعقدوا شُرُوطه وهدأت الْأَصْوَات وَسكن اللجاج أَتَى بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس ليكتب الصُّلْح فَمَا وضعت الدواة بَين يَدي أحد الْفُقَهَاء الْحَاضِرين إِلَّا وجم وانقبض وَدفعهَا عَن نَفسه استحياء فِي ذَلِك المحفل أَن يكْتب مَا لَا يُنَاسب الْجِهَتَيْنِ فَقَامَ قَاضِي الْجَمَاعَة الْمَذْكُور وَأخذ الدواة وأساودها ووضعها بَين يَدي أبي مَالك
(4/151)

الْمَذْكُور فَأَنْشَأَ أَبُو مَالك فِي الْحِين خطْبَة بليغة ونسج الصُّلْح على منوال عَجِيب واخترع أسلوبا غَرِيبا تحير فِيهِ الْحَاضِرُونَ وعجبوا من ثبات جأشه وجموم قريحته فِي مثل ذَلِك المشهد الْعَظِيم الَّذِي تخرس فِيهِ ألسن الفصحاء هَيْبَة وإكبارا فَقَامَ قَاضِي الْجَمَاعَة وَقَبله بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ جَزَاك الله عَن الْمُسلمين خيرا وَمَا هِيَ بِأول بركتكم يَا آل أبي بكر وَكَانَ ذَلِك كُله فِي حُدُود أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة اه
غَزْوَة الْحمر قرب آصيلا حرسها الله

ذكر صَاحب الدوحة فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الشاوي رَحمَه الله أَنه اسْتشْهد فِي وقْعَة الْحمر الَّتِي كَانَت فِي حُدُود أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة بَين النَّصَارَى والقائد عبد الْوَاحِد بن طَلْحَة العروسي على مقربة من آصيلا قَالَ حَدثنِي غير وَاحِد مِمَّن يوثق بِهِ مِمَّن حضر الْوَقْعَة وَبَعْضهمْ يصدق بَعْضًا قَالُوا لما انهزم النَّاس اسْتقْبل الشَّيْخ أَبُو الْحسن النَّصَارَى وسيفه فِي يَده وَهُوَ يَتْلُو بردة البوصيري فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ وَلما رَجَعَ النَّاس من الْغَد ليحملوا قتلاهم لم يُوقف لَهُ على عين وَلَا أثر وَإِنَّمَا وجد غنباز من لِبَاسه عِنْد النَّصَارَى وَفِيه أثر طعنة فِي صَدره اه كَلَام الدوحة
وَفِي الْمرْآة أَن الشَّيْخ الْمَذْكُور مَاتَ فِي حَيَاة شَيْخه الغزواني شَهِيدا فِي الْجِهَاد سنة خمس وَعشْرين وَتِسْعمِائَة اه وَلَعَلَّه الصَّوَاب
والعروسي الْمَذْكُور هُوَ من أُمَرَاء بني عبد الحميد العروسيين أَصْحَاب قصر كتامة وَكَانَت لَهُم رياسة وسياسة وَجِهَاد فِي الْعَدو إِلَى أَن انقرض أَمرهم أَعْوَام الْخمسين وَتِسْعمِائَة
قَالَ فِي الدوحة أخبر غير وَاحِد من فُقَهَاء قصر كتامة أَن الشَّيْخ أَبَا الرواين جَاءَ إِلَى الْقصر وَصَاحبه يَوْمئِذٍ الْقَائِد عبد الْوَاحِد العروسي فِي عصبَة من أَقَاربه أَوْلَاد عبد الحميد فَصَعدَ أَبُو الرواين صومعة الْمَسْجِد ثمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا بني عبد الحميد اشْتَروا مني الْقصر وَإِلَّا خَرجْتُمْ مِنْهُ
(4/152)

فِي هَذِه السّنة فَسمع الْقَائِد عبد الْوَاحِد ذَلِك فَقَالَ إِن كَانَ الْقصر لَهُ أَو بِيَدِهِ فلينزعه منا مَا بَقِي لنا إِلَّا كَلَام الحمقى نلتفت إِلَيْهِ وَمن الْغَد خرج الشَّيْخ أَبُو الرواين من الْبَلَد وَهُوَ يَقُول الْقَائِد عبد الْوَاحِد وَأَهله يخرجُون من الْقصر وَلَا يعودون إِلَيْهِ أبدا فَكَانَ كَذَلِك بقدرة الله تَعَالَى
وقْعَة أبي عقبَة بوادي العبيد وَمَا كَانَ فِيهَا بَين الوطاسيين والسعديين من الْقِتَال الشَّديد

هَذِه الْوَقْعَة من أعظم الوقعات الَّتِي كَانَت تكون بَين الوطاسيين والسعديين وَمَا زَالَت الْعَامَّة تَتَحَدَّث بهَا فِي أنديتها إِلَى الْآن ويبالغون فِي وصفهَا وَالْأَخْبَار عَنْهَا وَقد ذكرهَا شعراؤهم فِي أزجالهم الملحونة وَهِي مَحْفُوظَة فِيمَا بَينهم وَذَلِكَ أَنه لما طمى عباب السعديين على بِلَاد الْحَوْز وكادوا يلجون على الوطاسيين دَار ملكهم من فاس نَهَضَ إِلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة يجر الشوك والمدر فِي جمع كثيف من الْجند وقبائل الْعَرَب فِي حللها وظعنها وَجَاء أَبُو الْعَبَّاس السَّعْدِيّ فِي قبائل الْحَوْز بحللها وظعنها كَذَلِك فَكَانَ اللِّقَاء بمشروع أبي عقبَة أحد مشارع وَادي العبيد من تادلا فنشبت الْحَرْب وتقاتل النَّاس وبرز أهل الحفائظ مِنْهُم والتراث وَقَاتل النَّاس على حرمهم وأحسابهم وعزهم فأفنى بَعضهم بَعْضًا إِلَّا قَلِيلا ودامت الْحَرْب أَيَّامًا على مَا قيل إِلَى أَن كَانَت الْهَزِيمَة على الوطاسيين عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة ثامن صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي الجذوة فَرجع السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي إِلَى فاس وَبقيت محلته وقصبة تادلا بَين الشريف السعيد قَالَ وَتسَمى هَذِه السّنة سنة أبي عقبَة
وَقَالَ فِي الْمرْآة وَمِمَّا اشْتهر من كرامات الشَّيْخ أبي طَلْحَة مُحَمَّد المصباحي الشاوي الزناتي أَنه لما التقى مقاتلة فاس وسلطانهم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي ومقاتلة مراكش وسلطانهم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج وَمَعَهُ
(4/153)

أَخُوهُ الْمُتَوَلِي بعده أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة على مشرع أبي عقبَة من وَادي العبيد انهزم السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي وَتَفَرَّقَتْ جموعه وتبعته الْخَيل فكادوا يقبضون عَلَيْهِ فَحَضَرَ هُنَالك رجل على فرس أُنْثَى فَجعل يحول بَينه وَبينهمْ وَيَقُول لَهُ سر يَا أَحْمد وَلَا تخف وَلم يزل مَعَه إِلَى أَن رجعُوا عَنهُ وَأمن الطّلب وَقد عرف السُّلْطَان صفته وتحققها وَلم يزل يسْأَل عَن صَاحب تِلْكَ الصّفة حَتَّى قيل لَهُ هَذِه صفة أبي طَلْحَة المصباحي وَتحقّق ذَلِك وَلما كَانَ خُرُوج السُّلْطَان الْمَذْكُور الَّذِي وصل فِيهِ تطاوين وَتزَوج بهَا الْحرَّة بنت الْأَمِير السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ بن مُوسَى ابْن رَاشد الشريف وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وبتطاوين بنى بهَا وَقصد أَبَا طَلْحَة الْمَذْكُور وَنزل عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ عرفه وأيقن أَنه الرجل الَّذِي أغاثه فأكب عَلَيْهِ السُّلْطَان وَذكر مَا وَقع لَهُ مَعَه فَقَالَ الشَّيْخ يَا رب كَيفَ الْعَيْش مَعَ هَذِه الشُّهْرَة فاقبضني إِلَيْك فَمَاتَ عقب ذَلِك من سنته قَالَ فِي الْمرْآة سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة من غير وَاحِد وَسَأَلت شَيخنَا أَبَا الْقَاسِم بن أبي طَلْحَة الْمَذْكُور فَقَالَ لي أَعقل مَجِيء السُّلْطَان وَأَنا صَغِير جدا أقعد فِي حجر أبي وَعند ركبته اه قلت والأمير أَبُو الْحسن بن رَاشد الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة شفشاون كَمَا مر وَذكر فِي الْمرْآة أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة فَيكون السُّلْطَان الْمَذْكُور إِنَّمَا تزوج ابْنَته بعد وَفَاته وَلَعَلَّه خطبهَا من أَخِيهَا الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن مَا سلكناه هُنَا من تَقْدِيم قَضِيَّة الصُّلْح على وقْعَة أبي عقبَة هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّارِيخ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ وَسَيَأْتِي بعد هَذَا مَا رُبمَا يفهم مِنْهُ أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالْجَوَاب أَن قَضِيَّة الصُّلْح تَكَرَّرت حَسْبَمَا يُؤْخَذ مِمَّا مر وَالله أعلم وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا عقد السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي مَعَ برتقال آسفي صلحا على ثَلَاث سِنِين وَدخل فِي هَذَا العقد آسفي والجديدة وآزمور وَكتب البرتغال بذلك إِلَى ملكهم وَوَقعت المحادة فِي الْبِلَاد وتفرغ الوطاسي لقِتَال السعديين
(4/154)

بِنَاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي قنطرة الرصيف بفاس حرسها الله

كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي قد جدد بِنَاء قنطرة الرصيف بِحَضْرَة فاس وَذَلِكَ منتصف سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَفِي ذَلِك يَقُول الْفَقِيه أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي مُشِيرا إِلَى التَّارِيخ الْمَذْكُور
(جسر الرصيف أَبُو الْعَبَّاس جدده ... فَخر السلاطين من أَبنَاء وطاس)
(فجَاء فِي غَايَة الإتقان مرتفقا ... لمن يمر بِهِ من عدوتي فاس)
(وَكَانَ تجديده فِي نصف عَام غنا ... من هِجْرَة الْمُصْطَفى الْمَبْعُوث للنَّاس)
وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو مَالك أَيْضا
(أيا أهل فاس سدد الله سدكم ... بِرَأْي أبي الْعَبَّاس حامي حمى فاس)
(وأحيى بِهِ أشجاركم وثماركم ... على رغم قوم منكرين من النَّاس)
(فدام ودام السعد يخْدم مجده ... وفاز من الشُّكْر الْجَمِيل بأجناس)
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى السراج
(أَلا سدد الله رَأْي الَّذِي ... بتسديده سديدا حصينا)
(وخلد فِي عزه ملكه ... وأولاه فتحا ونصرا مُبينًا)
(إِمَام الْهدى أَحْمد المرتضى ... مبيد العدا عدَّة المسلمينا)
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن هَارُون
(لقد سدد الله رَأْي الْعِمَاد ... وأبطل فِي السد رَأْي الجهول)
(وَقرب مَا رامه من بعاد ... بمولاي أَحْمد مدحي يطول)
(فطردا وعكسا لساني يناد ... عقول الْمُلُوك مُلُوك الْعُقُول)
(4/155)

وقْعَة وَادي درنة بتادلا وَأسر الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي ومهلكه رَحمَه الله

ذكر فِي الْمرْآة عِنْد الْكَلَام على أبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف الفاسي وَهُوَ وَالِد الشَّيْخ أبي المحاسن رَضِي الله عَنهُ أَن أَبَا عبد الله الْمَذْكُور كَانَت لَهُ وجاهة كَبِيرَة عِنْد أَمِير الْقصر أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي عبد الله البرتغالي وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَخُو السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي قَالَ فَانْتَفع بوجاهة أبي عبد الله الفاسي خلق كثير وَلم يسامح هُوَ نَفسه فِي نيل شَيْء من الدُّنْيَا بِسَبَب ذَلِك الجاه إِلَى أَن أسر الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّاء الْمَذْكُور فِي وقْعَة وَادي درنة من تادلا للشرفاء على بني وطاس فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَمَات فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْقَرِيبَة غما وأسفا رَحمَه الله قلت وَكَانَ سُلْطَان السعديين يَوْمئِذٍ مُحَمَّد الشَّيْخ الملقب بالمهدي فَإِنَّهُ تغلب على أَخِيه الْأَعْرَج وانتزع مِنْهُ الْملك وسجنه كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
اسْتِيلَاء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ على فاس وَقَبضه على بني وطاس ومهلك سلطانهم أبي الْعَبَّاس رَحمَه الله تَعَالَى بفضله

لما غلب السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ على أَخِيه أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَاسْتولى على مراكش طمحت نَفسه للتوغل فِي بِلَاد الغرب وقراه فتفرغ لِحَرْب بني وطاس ونكث مَا كَانَ بَينه وَبينهمْ من الصُّلْح ورموا مِنْهُ بِحجر الأَرْض وردد إِلَيْهِم الْبعُوث والسرايا وَأكْثر فيهم من شن الغارات وَصَارَ يستلبهم الْبِلَاد شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن استولى عَلَيْهَا وَكَانَ أول مَا ملك من أَمْصَار الغرب مكناسة الزَّيْتُون افتتحها عقب سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة بعد حِصَار ومقاتلة ثمَّ تقدم إِلَى فاس فألح عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ وضايقها بالحصار مُدَّة قريبَة من السّنة ثمَّ استولى عَلَيْهَا بعد أَن أسر سلطانها أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي وَصَارَ فِي قَبضته وَكَانَ دُخُوله إِيَّاهَا أَوَائِل سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما
(4/156)

4 - دَخلهَا تقبض على الوطاسيين أجمع وَبعث بهم مصفدين إِلَى مراكش عدا أَبَا حسون المخلوع فَإِنَّهُ فر إِلَى الجزائر إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ ثمَّ إِن الشَّيْخ السَّعْدِيّ غدر ببني وطاس فِيمَا قيل بعد أَن أظهر الْعَفو عَنْهُم وسرح سلطانهم أَبَا الْعَبَّاس من ثقافة وَالله أعلم وَفِي الجذوة كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي بمراكش قرب سنة السِّتين وَتِسْعمِائَة اه
وَزعم منويل أَنه قتل مذبوحا بدرعة قَالَ زحف أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ أَبُو حسون الوطاسي وَكَانَ قَائِد جَيش ابْن أَخِيه وَوَقع بَينهمَا قتال عَظِيم انهزم فِيهِ أَبُو حسون إِلَى فاس وحاصره السَّعْدِيّ بهَا سنتَيْن وَلما قلت الأقوات وَعجز الوطاسيون عَن الدفاع نزلُوا على حكم السَّعْدِيّ فَقبض على أبي الْعَبَّاس الوطاسي وفر أَبُو حسون إِلَى الجزائر واستقل مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ بِأَمْر الْمغرب وَغرب الوطاسيين إِلَى درعة فَقتل أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي الَّذِي كَانَ تلميذا لَهُ ذبحا اه كَلَامه
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَسيرَته

كَانَ من جملَة وزراء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَذْكُور ابْنه مُحَمَّد وَمن أخباره مَا ذكره فِي الدوحة فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد بن أبي بكر المشترائي دَفِين مكناسة الزَّيْتُون قَالَ من كراماته الشائعة مَا اتّفق لَهُ مَعَ الْوَزير أبي عبد الله مُحَمَّد بن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي لما استوزره أَبوهُ وولاه على مكناسة فَكَانَ بهَا فَغَضب ذَات يَوْم على أحد المشاورية فهرب المشاوري إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان فَبعث الْوَزير إِلَى الشَّيْخ بِأَن عَلَيْهِ الْأمان ويبعثه إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ إِن شِئْت أَن تذْهب إِلَى سيدك فافعل فَقَالَ المشاوري يَا سَيِّدي أَخَاف أَن يقتلني فَقَالَ الشَّيْخ إِن قَتلك فَالله يقْتله فَذهب المشاوري إِلَى الْوَزير وَبَقِي عِنْده لَيْلَتَيْنِ وَفِي الثَّالِثَة قَتله وَلم يظْهر لَهُ فَجَاءَت أمه إِلَى الشَّيْخ وَقَالَت يَا سَيِّدي إِن وَلَدي قد
(4/157)

قَتله الْوَزير فَقَالَ لَهَا سبق ذَلِك فِي علم الله وَإِن الآخر سيلحقه الْآن يَعْنِي الْوَزير فوعك الْوَزير تِلْكَ اللَّيْلَة وسلط عَلَيْهِ آكال فِي جِسْمه فتمزق لَحْمه وتقطع شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن هلك لليال قَلَائِل من مَرضه فَاعْتبر النَّاس وَالسُّلْطَان بذلك وَمن ذَلِك الْوَقْت زَاد الْأُمَرَاء وَغَيرهم فِي احترام حرم زَاوِيَة الشَّيْخ الْمَذْكُور اه
وَكَانَ للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس اعْتِقَاد فِي المتصلحين وأرباب الْأَحْوَال فَمن فَوْقهم من أهل الْعلم وَالدّين من ذَلِك مَا حَكَاهُ فِي الدوحة أَيْضا فِي تَرْجَمَة أبي الْحسن عَليّ الصنهاجي الْمَعْرُوف بالدوار قَالَ كَانَ أَبُو الْحسن الْمَذْكُور من الملامتية وَكَانَ يدْخل دور الْمُلُوك من بني وطاس فيتلقاه النِّسَاء وَالصبيان يقبلُونَ يَدَيْهِ وقدميه فَلَا يلْتَفت إِلَى أحد ويعطونه الثِّيَاب الرفيعة والذخائر النفيسة ويلبسه السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس من أشرف لِبَاسه فَإِذا خرج تصدق بِجَمِيعِ ذَلِك ويمر على حوانيت الزياتين فيغمس أكمام الْحلَّة الَّتِي تكون عَلَيْهِ ويبرقعها بالزيت أَو بالسمن وَلَا يزَال يَدُور فِي الْأَمَاكِن ويصرخ باسم الْجَلالَة اه قَالُوا وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور وَاقِفًا عِنْد إِشَارَة الْفَقِيه أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي وَهُوَ ابْن صَاحب المعيار لَا يتَعَدَّى أمره وَلَا يُخَالف رَأْيه كَمَا وَقع لَهُ فِي مَسْأَلَة رجل إسلامي يعرف بِعَبْد الرَّحْمَن المنجور وَكَانَ تَاجِرًا جَامعا لِلْمَالِ فَشهد عَلَيْهِ فِي حِكَايَة طَوِيلَة أَرْبَعُونَ رجلا من الْعُدُول باستغراق ذمَّته فَأَخذه السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي وَقَتله وصير أملاكه لبيت مَال الْمُسلمين فَرغب أَوْلَاد المنجور من السُّلْطَان أَن يؤدوا لَهُ عشْرين ألف دِينَار وَيرد إِلَيْهِم أملاكهم وَيسْقط عَنْهُم بَيِّنَة الِاسْتِغْرَاق فَقَالَ السُّلْطَان لحاجبه اذْهَبْ إِلَى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الوانشريسي وشاوره فِي ذَلِك وعرفه بِأَنِّي فِي الْحَاجة إِلَى هَذَا المَال لأجل هَذِه الْحَرَكَة الَّتِي عرضت لي فَذهب الْحَاجِب إِلَيْهِ وَأخْبرهُ بمقالة السُّلْطَان ورغبته فِي قبُول ذَلِك فَقَالَ الشَّيْخ
(4/158)

وَالله لَا ألْقى الله بِشَهَادَة أَرْبَعِينَ رجلا من عدُول الْمُسلمين لأجل سلطانك اذْهَبْ وَقل لَهُ إِنِّي لَا أوافق على ذَلِك وَلَا أرضاه فَرجع الْحَاجِب إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا قَالَ الشَّيْخ فَرجع السُّلْطَان عَمَّا عزم إِلَيْهِ
وَنَظِير هَذَا مَا اتّفق لَهُ مَعَه أَيْضا وَهُوَ أَن النَّاس خَرجُوا يَوْم الْعِيد للصَّلَاة فانتظروا السُّلْطَان فَأَبْطَأَ عَلَيْهِم وَلم يَأْتِ إِلَى خُرُوج وَقت الصَّلَاة وَحِينَئِذٍ أقبل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فِي أبهته فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْمصلى نظر الشَّيْخ أَبُو مَالك فَرَأى أَن الْوَقْت قد فَاتَ فرقي الْمِنْبَر وَقَالَ معشر الْمُسلمين أعظم الله أجركُم فِي صَلَاة الْعِيد فقد عَادَتْ ظهرا ثمَّ أَمر الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام الصَّلَاة فَتقدم الشَّيْخ أَبُو مَالك وَصلى النَّاس الظّهْر فَخَجِلَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس واعترف بخطيئته رحم الله الْجَمِيع
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي حسون الوطاسي رَحمَه الله

لما دخل السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقبض على بني وطاس بهَا حَسْبَمَا تقدم فر أَبُو حسون هَذَا إِلَى ثغر الجزائر حَقنا لدمه ومستجيشا لتركها ومستجيشا على السَّعْدِيّ وَكَانَ التّرْك قد استولوا على الْمغرب الْأَوْسَط وانتزعوه من يَد بني زيان كَمَا سَيَأْتِي
(4/159)

فَلم يزل أَبُو حسون عِنْدهم يفتل لَهُم فِي الغارات والسنام وَيحسن لَهُم بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى ويعظمها فِي أَعينهم وَيَقُول إِن المتغلب عَلَيْهَا قد سلبني ملكي وَملك آبَائِي وغلبني على تراث أجدادي فَلَو ذهبتم معي لقتاله لَكنا نرجو الله تَعَالَى أَن يتيح لنا النَّصْر عَلَيْهِ ويرزقنا الظفر بِهِ وَلَا تعدمون أَنْتُم مَعَ ذَلِك مَنْفَعَة من ملْء أَيْدِيكُم غَنَائِم وذخائر وَوَعدهمْ بِمَال جزيل فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا طلب وَأَقْبلُوا مَعَه فِي جَيش كثيف تَحت راية باشاهم صَالح التركماني الْمَعْرُوف بِصَالح رَئِيس إِلَى أَن اقتحموا حَضْرَة فاس بعد حروب عَظِيمَة ومعارك شَدِيدَة وفر عَنْهَا مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى منجاته
وَكَانَ دُخُول السُّلْطَان أبي حسون إِلَى فاس ثَالِث صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَلما دَخلهَا فَرح بِهِ أَهلهَا فَرحا شَدِيدا وترجل هُوَ عَن فرسه وَصَارَ يعانق النَّاس كَبِيرا وصغيرا شريفا ووضيعا ويبكي على مَا دهمه وَأهل بَيته من أَمر السعديين واستبشر النَّاس بمقدمه وتيمنوا بطلعته وَقبض على كَبِير فاس يَوْمئِذٍ الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد بن رَاشد الشريف الإدريسي واطمأنت بِهِ الدَّار ثمَّ لم يلبث السُّلْطَان أَبُو حسون إِلَّا يَسِيرا حَتَّى كثرت شكاية النَّاس إِلَيْهِ بِالتّرْكِ وَأَنَّهُمْ مدوا أَيْديهم إِلَى الْحَرِيم وعاثوا فِي الْبِلَاد فبادر بِدفع مَا اتّفق مَعَهم عَلَيْهِ من المَال وأخرجهم عَن فاس وتخلف بهَا مِنْهُم نفر يسير
(4/160)

مَجِيء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ومقتل السُّلْطَان أبي حسون رَحمَه الله

لما فر السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ من وقْعَة الأتراك بفاس وصل إِلَى مراكش فاستقر بهَا وَصرف عزمه لقِتَال أبي حسون فَأخذ فِي استنفار الْقَبَائِل وانتخاب الْأَبْطَال وتعبية العساكر والأجناد فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك مَا اشْتَدَّ بِهِ أزره وَقَوي بِهِ عضده ثمَّ نَهَضَ بهم إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو حسون فِي رُمَاة فاس وَمَا انضاف إِلَيْهِم من جَيش الْعَرَب فَكَانَت الْهَزِيمَة على أبي حسون فَرجع إِلَى فاس وتحصن بهَا فَتقدم الشَّيْخ السَّعْدِيّ وحاصره إِلَى أَن ظفر بِهِ فِي وقْعَة كَانَت بَينهمَا بالموضع الْمَعْرُوف بِمسلمَة فَقتله وَاسْتولى على حَضْرَة فاس وَصفا لَهُ أمرهَا وَكَانَ استيلاؤه عَلَيْهَا يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة على الصَّوَاب خلاف مَا وَقع فِي الدوحة وَالله أعلم وبمقتل السُّلْطَان أبي حسون رَحمَه الله انقرضت الدولة المرينية بالمغرب وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين
وَبَقِي علينا الإلماع بأواخر دولة بني زيان مُلُوك تلمسان وَكَيف كَانَ انْقِرَاض أَمرهم فلنشر إِلَى ذَلِك فَنَقُول كَانَت دولة بني زيان على مَا علمت من الِاضْطِرَاب سَائِر أَيَّام بني مرين وَكَانَ مِنْهُم فِي صدر الْمِائَة التَّاسِعَة السُّلْطَان الواثق بِاللَّه من أمثل مُلُوكهمْ وغلبهم على تلمسان فِي تِلْكَ الْمدَّة السُّلْطَان أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الحفصي فَأخذُوا بِطَاعَتِهِ ثمَّ بعد مَوته سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة اعتزوا بعض الشَّيْء إِلَى أَن كَانَت دولة السُّلْطَان أبي عَمْرو عُثْمَان بن مُحَمَّد الحفصي فغزا تلمسان أَعْوَام السّبْعين وَثَمَانمِائَة مرَّتَيْنِ وَفِي الثَّانِيَة هدم أسوارها وعزم على استئصال أَهلهَا إِلَى أَن تشفع إِلَيْهِ علماؤها وصلحاؤها فَعَفَا عَنْهُم وَكَانَ الْبَاعِث لَهُ على غزوها أَولا مَا بلغه من أَن الْأَمِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي ثَابت استولى عَلَيْهَا فَفعل مَا فعل وصاهرهم بِبَعْض حفدته
وَقَالَ صَاحب بَدَائِع السلك شاهدت بتلمسان وَبَعض أَعمالهَا تَصْرِيح
(4/161)

الْخَطِيب باسم السُّلْطَان أبي عَمْرو عُثْمَان صَاحب تونس مقدما فِي الذّكر على اسْم صَاحب تلمسان أبي عبد الله من أعقاب بني زيان لما بَينهمَا من الشَّرْط فِي ذَلِك وَبقيت حَال بني زيان متماسكة إِلَى أَن ظهر جنس الإصبنيول فِي صدر الْمِائَة الْعَاشِرَة بعد مَا تمّ لَهُ ملك الأندلس وعظمت شوكته فطمح للتغلب على ثغور المغربين الْأَدْنَى والأوسط فاستولى على بجاية سنة عشر وَتِسْعمِائَة ثمَّ على وهران سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَفعل بِأَهْلِهَا الأفاعيل ثمَّ سما لتملك الجزائر وشره لالتهامها وضايق الْمُسلمين فِي ثغورهم وَضعف بَنو زيان عَن مقاومته وَكَانَ الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن القَاضِي الزواوي مِمَّن لَهُ الشُّهْرَة والوجاهة الْكَبِيرَة فِي بسائط الْمغرب الْأَوْسَط وجباله وَكَانَت دولة العثامنة من التّرْك فِي هَذِه الْمدَّة قد زخر عبابهم وملكت أَكثر المسكونة وَظهر من قواد عساكرهم البحرية قائدان عظيمان وهما خير الدّين باشا وَأَخُوهُ عروج باشا وَكَانَا قد تَابعا الْغَزْو على بِلَاد الْكفْر برا وبحرا وأوقعا بِأَهْل دوَل الأوروبا وقائع شهيرة وَصَارَ لَهُم ذكر فِي أقطار الْبِلَاد وَتمكن ناموسهم من قُلُوب الْعباد فكاتبهم الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور وعرفهم بِمَا الْمُسلمُونَ فِيهِ من مضايقة الْعَدو الْكَافِر وَقَالَ إِن بِلَادنَا بقيت لَك أَو لأخيك أَو للذئب فَأقبل التّرْك نَحوه مُسْرِعين وَاسْتولى عروج على ثغر الجزائر بعد مَا كَاد الْعَدو يملكهُ فتخلصه مِنْهُ ثمَّ استولى على تلمسان وَغلب بني زيان على أَمرهم وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة على مَا فِي النزهة ثمَّ إِن أهل تلمسان أَنْكَرُوا سيرة التّرْك وسئموا ملكتهم وَيُقَال إِن التّرْك عسفوهم وصادروهم على أَمْوَالهم وَكَانَ عروج قد أغرى بالفقيه أبي الْعَبَّاس المستدعي لَهُ فَقتل شَهِيدا بعد الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَرَأى عروج أَن أَمر الْمغرب الْأَوْسَط لَا يصفو لَهُ مَعَ وجود الْفَقِيه الْمَذْكُور فَدس عَلَيْهِ من قَتله ثمَّ نَهَضَ عروج إِلَى بني يزناسن فَكَانَ الكرة عَلَيْهِ وَقتل هُنَالك مَعَ جمَاعَة من وُجُوه عسكره وَتَفَرَّقَتْ جموعه
وعادت تلمسان إِلَى بني زيان فجددوا بهَا رياستهم وأحيوا رَمق دولتهم إِلَى أَن عاود التّرْك غزوها بعد حِين وانتزعوها من يَد صَاحبهَا أبي الْعَبَّاس
(4/162)