Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 004



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] أَحْمد بن عبد الله من أعقاب يغمراسن بن زيان
قَالَ فِي الْمرْآة مَا نَصه قَالَ الشَّيْخ الإِمَام قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي رَحمَه الله وَمن خطه نقلت قدم حسن ابْن خير الدّين التركي فاستولى على تلمسان فِي أواسط شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأخرج مِنْهَا الْأَمِير أَحْمد ابْن الْأَمِير عبد الله ووزيره مَنْصُور بن أبي غَانِم ولحقا بدبدو مَعَ من انضاف إِلَيْهِمَا من أُمَرَاء تلمسان وكبرائها فغدر بهم عمر بن يحيى الوطاسي صَاحب دبدو وَأخذ أَمْوَالهم واعتقلهم وسرح منصورا فِي محرم من سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة اه واستمرت تلمسان فِي يَد التّرْك إِلَى أواسط صدر الْمِائَة الثَّالِثَة عشرَة فاستولى عَلَيْهَا الفرنسيس على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَاعْلَم أَنه كَانَ فِي صدر هَذِه الْمِائَة الْعَاشِرَة أُمُور عِظَام
مِنْهَا ظُهُور الفرنج بالديار المغربية واستيلاؤهم على ثغورها بِمَا لم يعْهَد مثله قبل ذَلِك لَا سِيمَا البرتغال والإصبنيول حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَمِنْهَا ظُهُور دولة آل عُثْمَان مُلُوك التركمان بالديار المشرقية وَمَا أضيف لَهَا الظُّهُور الَّذِي لَا كفاء لَهُ وَابْتِدَاء هَذِه الدولة وَإِن كَانَ قبل هَذَا التَّارِيخ بِنَحْوِ مِائَتي سنة لَكِن إِنَّمَا كَانَ عنفوان شبابها وفيضان عبابها فِي هَذِه الْمدَّة لَا سِيمَا فِي دولة سلطانهم الْأَعْظَم وخاقانهم الأفخم سُلَيْمَان بن سُلَيْمَان خَان فَإِنَّهُ ملك أَكثر الْمَعْمُور وَقَامَ بدعوته من الْأُمَم الْجُمْهُور وهجمت عساكره على ديار الأرنا فقاتلوهم فِي أعز بِلَادهمْ واستلبوهم من طارفهم وتلادهم وخضعت مُلُوكهمْ لعزته واستكانوا لصولته وَأَعْطوهُ يَد المقادة وآتوه من الطَّاعَة والخضوع مَا خَالف الْعَادة ثمَّ أوطأ عساكره المغربيين الْأَدْنَى والأوسط فاستولى عَلَيْهِمَا وَكَاد يتَنَاوَل الْأَقْصَى ويضيفه إِلَيْهِمَا على مَا تقف عَلَيْهِ فِي أَخْبَار السعديين إِن شَاءَ الله
وَمِنْهَا ظُهُور الْأَوْلِيَاء وَأهل الصّلاح من الملامتية وأرباب الْأَحْوَال والجذب فِي بِلَاد الشرق والغرب لكنه انْفَتح بِهِ للمستورين على النِّسْبَة
(4/163)

وَأهل الدَّعْوَى بَاب متسع الْخرق متعسر الرتق فاختلط المرعى بالهبل وَادّعى الخصوصية من لَا نَاقَة لَهُ فِيهَا وَلَا جمل وصعب على جلّ النَّاس التَّمْيِيز حَتَّى بَين البهرج والإبريز لَا سِيمَا الْعَاميّ الْغمر الَّذِي لَا يفرق بَين الْحَصْبَاء والدر وَيرْحَم الله الشَّيْخ اليوسي إِذْ قَالَ فِي محاضرته مَا نَصه وَقد طرق أسماع الْقَوْم من قبل الْيَوْم كَلَام أهل الصولة كفحول القادرية والشاذلية رَضِي الله عَنْهُم وَكَلَام أَرْبَاب الْأَحْوَال فِي كل زمَان فتعشقت النُّفُوس ذَلِك وأذعن لَهُ الْجُمْهُور وخاضوا فِي التَّشْبِيه بهم فَمَا شِئْت أَن تلقى جَاهِلا مُسْرِفًا على نَفسه لم يعرف بعد ظَاهر الشَّرِيعَة فضلا عَن أَن يعْمل فضلا عَن أَن يخلص إِلَى الْبَاطِن فضلا عَن أَن يكون صَاحب مقَام إِلَّا وجدته يصول وَيَقُول وينابذ الْمَنْقُول والمعقول وَأكْثر ذَلِك فِي أَبنَاء الْفُقَرَاء يُرِيد الْوَاحِد مِنْهُم أَن يتحلى بحلية أَبِيه ويستتبع أَتْبَاعه بِغَيْر حق وَلَا حَقِيقَة بل لمُجَرّد حطام الدُّنْيَا فَيَقُول خدام أبي وزريبة أبي وَيضْرب عَلَيْهِم المغرم كمغرم السُّلْطَان وَلَا يقبل أَن يُحِبُّوا أحدا فِي الله أَو يعرفوه أَو يقتدوا بِهِ غَيره وَإِذا رأى من خرج يطْلب دينه أَو من يدله على الله تَعَالَى يغْضب عَلَيْهِ ويتوعده بِالْهَلَاكِ فِي نَفسه وَمَاله وَقد يَقع شَيْء من المصائب بِحكم الْقَضَاء والابتلاء فيضيفه إِلَى نَفسه فَيَزْدَاد بذلك هُوَ وَأَتْبَاعه ضلالا ثمَّ يخترق لَهُم من الخرافات والأمور الْمُعْتَادَة مَا يَدعِيهِ سيرة ودينا يستهويهم بِهِ ثمَّ يضمن لَهُم الْجنَّة على مساوئ أَعْمَالهم والشفاعة يَوْم الْمَحْشَر وَيقبض على لحْمَة من ذراعه فَيَقُول للجاهل مثله أَنْت من هَذِه اللحمة فيكتفي جهال الْعَوام بذلك ويبقون فِي خدمته ولدا عَن وَالِد قائلين نَحن خدام الدَّار الْفُلَانِيَّة وَفِي زريبة فلَان فَلَا نخرج عَنْهَا وَكَذَا وجدنَا آبَاءَنَا وَهَذَا هُوَ الضلال الْمُبين وَهَؤُلَاء قطاع الْعباد عَن الله إِلَى آخر كَلَامه فقف عَلَيْهِ فِي الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهَا فَإِنَّهُ نَفِيس وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة توفّي الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عِيسَى الماواسي البطوي الموقت الْمَشْهُور
وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعْدهَا توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن قَاسم
(4/164)

التجِيبِي الْمَعْرُوف بالزقاق فَقِيه فاس وَهُوَ صَاحب الْمَنْظُومَة اللامية فِي علم الْقَضَاء وَغَيرهَا وَفِي سنة أَربع وَتِسْعمِائَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الوانشريسي مؤلف المعيار وَغَيره من التآليف الحسان أَصله من تلمسان واستوطن مَدِينَة فاس إِلَى أَن توفّي بهَا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وفيهَا أَيْضا توفّي الشَّيْخ الْكَبِير أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن عبد الْحق الْحرار الْمَعْرُوف بالتباع دَفِين حومة الفحول من مراكش من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رَضِي الله عَنْهُمَا وَصفه شَيْخه الْمَذْكُور بالكيمياء وَكَانَ يُقَال النظرة فِيهِ تغني أَفَاضَ الله علينا من مدده
وَفِي سنة تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة النظار أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن غَازِي العثماني المكناسي ثمَّ الفاسي وَقد تقدم خَبره مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني رحمهمَا الله
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة انحبس الْمَطَر بفاس وَالْمغْرب واضطر النَّاس إِلَى اسْتِخْرَاج السواقي من الأودية والأنهار لسقي زرعهم وثمارهم
وَفِي سنة سبع وَعشْرين بعْدهَا كَانَ الغلاء والجوع الْكَبِير الَّذِي صَار تَارِيخا فِي النَّاس مُدَّة
وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا كَانَ الوباء بالمغرب سنة الله فِي خلقه وَفِي هَذِه الْمدَّة أَعنِي أَعْوَام الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا فِي الدوحة توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَنْصُور السفياني دَفِين جَزِيرَة البسابس من بِلَاد أَوْلَاد جلون على مسيرَة نصف يَوْم من مصب نهر سبو فِي الْبَحْر من جِهَة الْمشرق وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّيْخ التباع وَالرَّوْضَة الَّتِي عَلَيْهَا بناها الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن المجذوب يُقَال إِنَّه لما أكملها رَآهُ فِي الْمَنَام وَألبسهُ حلَّة خضراء
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة فِي ثَانِي يَوْم من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن عمر الحاجي الْمَعْرُوف بالفلاح ضجيع القَاضِي عِيَاض فِي روضته بحومة بَاب إيلان من مراكش وَهُوَ من أَصْحَاب
(4/165)

الشَّيْخ التباع أَيْضا وَفِي هَذِه الْمدَّة على مَا فِي الدوحة توفّي الشَّيْخ أَبُو يشو مَالك بن خدة الصبيحي من عرب صبيح كَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَالدّين وَدفن على ضفة نهر سبو على نَحْو مرحلة من فاس وقبره مزارة إِلَى الْآن
وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الغزواني رَضِي الله عَنهُ دَفِين حومة الْقُصُور من مراكش وَقد تقدم شَيْء من خَبره
وَفِي أَعْوَام أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْكَامِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى السفياني الْمُخْتَار ثمَّ الفهدي دَفِين مكناسة الزَّيْتُون وَهُوَ شيخ جليل الْقدر شهير الذّكر رَضِي الله عَنهُ ونفعنا بِهِ آمين
تمّ الْجُزْء الرَّابِع ويليه الْجُزْء الْخَامِس
أَوله
الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السعديين من آل زَيْدَانَ
(4/166)

5 -
(5/1)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الدولة السعدية

الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السعديين من آل زَيْدَانَ وَذكر أوليتهم وَتَحْقِيق نسبهم

اعْلَم أَن هَؤُلَاءِ السعديين كَانُوا يَقُولُونَ إِن أصل سلفهم من يَنْبع النّخل من أَرض الْحجاز وَأَنَّهُمْ أَشْرَاف من ولد مُحَمَّد النَّفس الزكية رَضِي الله عَنهُ وَإِلَيْهِ كَانُوا يرفعون نسبهم وَيَقُولُونَ فِي أول مُلُوكهمْ الْقَائِم بِأَمْر الله مثلا هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مخلوف بن زَيْدَانَ بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله بن أبي مُحَمَّد بن عَرَفَة بن الْحسن بن أبي بكر بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن قَاسم ابْن مُحَمَّد النَّفس الزكية ابْن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم فهم بَنو عَم السَّادة العلويين أَشْرَاف سجلماسة يَجْتَمعُونَ مَعَهم فِي مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور فِي النّسَب
قَالُوا وَالسَّبَب فِي قدوم سلفهم من الْحجاز إِلَى الْمغرب أَن أهل درعة كَانَت لَا تصلح ثمارهم وتعتريها العاهات كثيرا فَقيل لَهُم لَو أتيتم بشريف إِلَى بِلَادكُمْ كَمَا أَتَى أهل سجلماسة لصلحت ثماركم كَمَا صلحت ثمارهم وَقد كَانَ أهل سجلماسة جاؤوا بالمولى الْحسن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم من أَرض يَنْبع فِي قصَّة ظريفة تَأتي فِي محلهَا إِن شَاءَ الله قَالُوا فَأتى أهل درعة بالمولى زَيْدَانَ بن أَحْمد مضاهاة لأهل سجلماسة فَعَادَت عَلَيْهِم بركته
وَاعْلَم أَن هَذَا النّسَب الشريف المسرود آنِفا فِيهِ كَمَا قَالَ اليفرني بتر
(5/3)

بَين قَاسم وَمُحَمّد النَّفس الزكية فَإِنَّهُ لَا يعرف فِي أَوْلَاد النَّفس الزكية من اسْمه قَاسم وَإِنَّمَا هُوَ قَاسم بن مُحَمَّد بن عبد الله الأشتر بن مُحَمَّد النَّفس الزكية وَلَعَلَّه سقط عَن ذُهُول من النَّاسِخ وَقيل الصَّوَاب إِنَّه قَاسم بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الله الأشتر بن مُحَمَّد النَّفس الزكية
وَاعْلَم أَيْضا أَن مَا زَعمه هَؤُلَاءِ السعديون من انتسابهم لهَذَا الْبَيْت الْكَرِيم هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الكافة وتلقاه فضلاء عصرهم بِالْقبُولِ وأثبتوه فِي تقريضاتهم ومؤلفاتهم الْمَوْضُوعَة فِي أخبارهم وَمن النَّاس من يطعن فِي ذَلِك وَنَقله بَعضهم عَن الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْمقري صَاحب نفح الطّيب وَأَنه صحّح أَنهم من بني سعد بن بكر بن هوَازن الَّذين مِنْهُم حليمة السعدية ظئر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا النَّقْل ضَعِيف لِأَن الشَّيْخ الْمقري صرح فِي نفح الطّيب بشرف هَؤُلَاءِ السَّادة فِي غير مَوضِع وَهُوَ من آخر مَا ألف
وَمِمَّنْ طعن فِي نسبهم الْمولى مُحَمَّد فتحا بن الشريف السجلماسي أول مُلُوك السَّادة العلويين صرح بذلك فِي بعض الرسائل الَّتِي كَانَت تَدور بَينه وَبَين الشَّيْخ ابْن زَيْدَانَ مِنْهُم قَالَ فِيهَا وَقد اعتمدنا فِي ذَلِك يَعْنِي فِي عدم شرفهم على مَا نَقله الثِّقَات المؤرخون لأخبار النَّاس من عُلَمَاء مراكش وتلمسان وفاس وَلَقَد أمعن الْكل التَّأَمُّل بِالذكر والفكر فَمَا وجدوكم إِلَّا من بني سعد بن بكر اه
ويحكى شَائِعا عَن الْفَقِيه الْوَرع الْمولى أبي مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر السجلماسي وَكَانَ من أهل الصّلاح وَالدّين أَنه كَانَ ذَات يَوْم جَالِسا مَعَ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فِي بعض قصوره من حَضْرَة مراكش وهما مجتمعان على خوان طَعَام فَقَالَ الْمَنْصُور للشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَيْن اجْتَمَعنَا يَا فَقِيه يَعْنِي فِي النّسَب فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد على هَذَا الخوان ويروى فِي هَذَا المشور فأسرها الْمَنْصُور فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُ إِلَى أَن احتال عَلَيْهِ بِمَا كَانَ السَّبَب فِي إِتْلَاف مهجته فَكَانَ الْمَنْصُور بعد ذَلِك يَدْعُو الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد فيجلسه على الرخام فِي زمَان كلب الْبرد وهيجانه من غير حَائِل وَقد اتخذ الْمَنْصُور فِيمَا زَعَمُوا لبدة صوف دَاخل سراويله لَا يحس مَعهَا بالبرد فَإِذا
(5/4)

رَآهُ أَبُو مُحَمَّد جَالِسا مَعَه تجلد واستحيى أَن يقوم عَن السُّلْطَان ويتركه ويستمران على المذاكرة فِي مسَائِل الْعلم فعل ذَلِك بِهِ أَيَّامًا حَتَّى سكنته عِلّة الْبرد فَلم يزل أَبُو مُحَمَّد يشتكي من ذَلِك إِلَى أَن قَضَت عَلَيْهِ
وَأنكر هَذَا صَاحب نشر المثاني ورده بتأخر وَفَاة ابْن طَاهِر عَن وَفَاة الْمَنْصُور بِأَكْثَرَ من ثَلَاثِينَ سنة
وَجَوَاب أبي مُحَمَّد هَذَا من النَّوْع الْبَيَانِي الْمُسَمّى بتلقي المخاطر بِغَيْر مَا يترقب على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الْفَنّ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ الْمَنْصُور لما مر من أَن السعديين يَزْعمُونَ أَن جدهم قدم من يَنْبع أَيْضا كَمَا قدم جد العلويين والعلويون يُنكرُونَ ذَلِك كل الْإِنْكَار وَيَقُولُونَ إِنَّهُم لم يجتمعوا مَعَهم فِي قبيل وَلَا دبير
قَالَ اليفرني لَكِن صحّح لنا غير وَاحِد من أشياخنا أَن الشَّيْخ ابْن طَاهِر رَجَعَ عَن ذَلِك الْإِنْكَار وَأَن الْمَنْصُور أطلعه بعد ذَلِك على ظهير فِيهِ خطّ الإِمَام ابْن عرفه وَشَيْخه ابْن عبد السَّلَام بِثُبُوت نسبهم فاطمأنت نفس ابْن طَاهِر لذَلِك فَكَانَ يُصَرح بِصِحَّة نسبهم بعد ذَلِك ويزجر من يطعن فِيهِ اه
قلت وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب إِذْ مُسْتَند من يطعن فِي نسبهم عدم وضوحه وَلَا يلْزم من عدم وضوحه عدم ثُبُوته فِي نفس الْأَمر وَإِلَّا فيبعد أَن يكون هَؤُلَاءِ المنكرون قد اطلعوا على أَحْوَال عَمُود نسبهم وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْآبَاء والأجداد من لدن مبدئه إِلَى منتهاه مَعَ طول الْمدَّة وتناسخ الأجيال فالتنقير عَن ذَلِك عسير جدا وَلذَا وكل الشَّارِع أَمر الْأَنْسَاب إِلَى أَهلهَا وجعلهم مُصدقين فِيهَا إِذْ لَا تعرف غَالِبا إِلَّا من قبلهم فَهَؤُلَاءِ السَّادة الزيدانيون لَو فَرضنَا أَنهم مَا كَانُوا ملوكا وَلَا بلغُوا من الشُّهْرَة إِلَى حَيْثُ بلغُوا ثمَّ ادعوا هَذَا النّسَب الْكَرِيم فَلَا سَبِيل لأحد أَن يدفعهم عَنهُ إِلَّا بقاطع وَلَا قَاطع كَمَا علمت نعم الْحِكَايَة المسوقة فِي سَبَب دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب يظْهر عَلَيْهَا أثر الصَّنْعَة وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور
وَأما تسميتهم بالسعديين فقد قَالَ اليفرني إِن هَذِه النِّسْبَة لم تكن لَهُم
(5/5)

فِي الْقَدِيم وَلَا وَقعت بهَا تحليتهم فِي ظهائرهم وَلَا فِي سجلاتهم وصدور رسائلهم بل كَانُوا لَا يقبلُونَ ذَلِك وَلَا يجترئ أحد على مواجهتهم بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يصفهم بذلك من يقْدَح فِي نسبهم ويطعن فِي شرفهم وَيَزْعُم أَنهم من بني سعد بن بكر كَمَا قُلْنَا وَكثير من الْعَامَّة وإخوانهم من الطّلبَة يَعْتَقِدُونَ أَنهم إِنَّمَا سموا بذلك لِأَن النَّاس سعدوا بهم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا معنى لَهُ اه
قلت وَإِنَّمَا نصفهم نَحن بذلك لأَنهم اشتهروا عِنْد الْخَاصَّة والعامة بِهِ فَصَارَ كَالْعلمِ الصّرْف المرتجل مَعَ أَنه لَا مَحْذُور بعد تَحْقِيق النّسَب وَثُبُوت الشّرف وَالله تَعَالَى يلهمنا الصَّوَاب بمنه وفضله
الْخَبَر عَن دولة الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله وبيعته وَالسَّبَب فِيهَا

قَالَ ابْن القَاضِي درة السلوك لم يزل أسلاف السعديين مقيمين بدرعة إِلَى أَن نَشأ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله فَنَشَأَ على عفاف وَصَلَاح وَحج الْبَيْت الْحَرَام وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلَقي جمَاعَة من الْعلمَاء الْأَعْلَام والصلحاء الْعِظَام فِي وفادته على الْحَرَمَيْنِ الشريفين أَخْبرنِي بعض الْفُضَلَاء أَنه لَقِي رجلا صَالحا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأَشَارَ لَهُ بِمَا يكون مِنْهُ وَمن ولديه وَكَانَ قد رأى رُؤْيا وَهِي أَن أسدين خرجا من إحليله فتبعهما النَّاس إِلَى أَن دخلا صومعة ووقف هُوَ ببابها فعبرت لَهُ رُؤْيَاهُ بِأَنَّهُ سَيكون لِوَلَدَيْهِ شَأْن وإنهما يملكَانِ النَّاس ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمغرب وَهُوَ معلن بالدعوة فَيَقُول فِي كل محفل إِن ولديه سيملكان الْمغرب وسيكون لَهما شَأْن من غير تردد مِنْهُ ثِقَة بِخَبَر الرجل الصَّالح وبرؤياه الْمَذْكُورَة فَمَا زَالَ إِلَى أَن قَامَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة اه
وَقَالَ صَاحب زهرَة الشماريخ مَا صورته إِن سَبَب قيام أبي عبد الله الْقَائِم أَن أهل السوس أحَاط بهم الْعَدو الْكَافِر وَنزل بجوانبهم من كل جِهَة حَتَّى أظلم الجو واستحكمت شَوْكَة البرتغال وَبَقِي الْمُسلمُونَ فِي أَمر مريج لعدم أَمِير تَجْتَمِع عَلَيْهِ كلمة الْإِسْلَام لِأَن بني وطاس فشلت ريحهم يَوْمئِذٍ
(5/6)

فِي بِلَاد السوس وَإِنَّمَا كَانَ لَهُم الْملك فِي حواضر الْمغرب وَلم يكن لَهُم مِنْهُ بالسوس إِلَّا الِاسْم مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ من قتال الْعَدو بطنجة وآصيلا وَحجر بادس وَغَيرهَا من ثغور بِلَاد الهبط فَلَمَّا رأى قبائل السوس مَا دهمهم من تفاقم الْأَحْوَال وَكَثْرَة الْأَهْوَال وطمع الْعَدو فِي بِلَادهمْ ذَهَبُوا إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الأقاوي نِسْبَة إِلَى آقة من بِلَاد السوس فَذكرُوا لَهُ مَا هم فِيهِ من افْتِرَاق الْكَلِمَة وانتشار الْجَمَاعَة وكلب الْعَدو على مباكرتهم بِالْقِتَالِ ومراوحتهم وطلبوا مِنْهُ أَن يعقدوا لَهُ الْبيعَة وتجتمع كلمتهم عَلَيْهِ فَامْتنعَ من ذَلِك وَقَالَ إِن رجلا من الْأَشْرَاف بتاجمدارت من درعة يَقُول إِنَّه سَيكون لَهُ ولولديه شَأْن فَلَو بعثتم إِلَيْهِ وبايعتموه كَانَ أنسب بكم وأليق بمقصودكم فبعثوا إِلَيْهِ وَكَانَ من أمره مَا كَانَ
وَقَالَ اليفرني رَأَيْت بِخَط الْفَقِيه الْعَلامَة أبي زيد عبد الرَّحْمَن ابْن شيخ الْجَمَاعَة أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي مَا صورته ذكر لنا الْوَالِد عَن سَيِّدي أَحْمد بن عَليّ السُّوسِي البوسعيدي أَن ابْتِدَاء دولة الشرفاء بالسوس أَن بعض السَّادة وَهُوَ سَيِّدي بَرَكَات توَسط فِي فدَاء بعض الْأُسَارَى وَأَرَادَ أَن يكون مَعَ النَّصَارَى اتِّفَاق على أَن لَا يحبسوا أَسِيرًا فَكَلَّمَهُمْ فِي ذَلِك فَقَالُوا لَهُ حَتَّى يكون لكم أَمِير فَإِن ملككم قد ذهب واضمحل قَالَ ثمَّ إِن بعض أهل السوس سَارُوا إِلَى قَبيلَة جسيمة يكتالون الطَّعَام فَأَخَذتهم جسيمة وأكلوا مَتَاعهمْ وبضاعتهم فَذَهَبُوا إِلَى شيخهم وَكَانَ ذَا حزم وتدبير فَرد عَلَيْهِم كل مَا ضَاعَ لَهُم حَتَّى لم يبْق لَهُم شَيْء فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالُوا إِن هَذَا الشَّيْخ الرئيس هُوَ الَّذِي يَلِيق أَن نُبَايِعهُ فَاجْتمعُوا وأتوه وطلبوا مِنْهُ أَن يرأسهم فَامْتنعَ واحتاط لدينِهِ وَاعْتذر بتشويش هَذَا الْأَمر للدّين ودلهم على رجل شرِيف كَانَ مُؤذنًا بدرعة فَقَالَ لَهُم إِن كَانَ وَلَا بُد فاقصدوا الشريف الْفُلَانِيّ
(5/7)

فَإِنَّهُ يذكر أَن ولديه يملكَانِ الْمغرب فقصدوه وَحَمَلُوهُ إِلَى بِلَادهمْ وَبَايَعُوهُ وفرضوا لَهُ من الْمُؤْنَة مَا يَكْفِيهِ وَأَوْلَاده وَبَقِي هُنَالك فِي نحر الْعَدو
ويروى أَنه لما بَايعه أهل السوس وَرَأى قلَّة مَا بِيَدِهِ مَعَ أَن الْملك لَا يقوم إِلَّا بِالْمَالِ احتال بِأَن أَمر أهل السوس أَن يأتوه ببيضة لكل كانون فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك آلَاف من الْبيض لَا تحصى لِأَن النَّاس استهونوا أَمر الْبَيْضَة فَلَمَّا اجْتمع عِنْده الْبيض أَمر أَن كل من أَتَى ببيضة يَأْتِي بدلهَا بدرهم فَفَعَلُوا فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك مَال وافر فَأصْلح بِهِ شَأْنه وقوى بِهِ جَيْشه وَكَانَت تِلْكَ أول نائبة فرضت فِي دولة السعديين وَالله أعلم
وَقَالَ ابْن القَاضِي إِن الْأَمِير أَبَا عبد الله الْقَائِم لما اجْتمع بالشيخ ابْن مبارك بِبَلَدِهِ آفَة وَذَلِكَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة على مَا مر فاوضه فِي شَأْنه ثمَّ عَاد إِلَى مقره من درعة ثمَّ فِي سنة سِتّ عشرَة بعْدهَا بعث إِلَيْهِ فُقَهَاء الصامدة وشيوخ الْقَبَائِل وَدعوهُ إِلَى تَوليته عَلَيْهِم وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَيْهِ فلبى دعوتهم وَجَاء إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا تيدسي قرب تارودانت فَبَايعهُ النَّاس بهَا وَأَصْبحُوا مَعَه بقلوب متفقة وَأَهْوَاء على الْجِهَاد مجتمعة اه
وَقد سَاق منويل أولية هَذِه الدولة مساقا غَرِيبا وَلَا يَخْلُو عَن فَائِدَة فلنذكر مِنْهُ مَا يقرب إِلَى الصِّحَّة وَيكون كالشرح لما مضى أَو يَأْتِي من أَخْبَار هَذِه الدولة قَالَ
لما كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الوطاسي يَعْنِي البرتغالي أَمِيرا بفاس ظهر فِي درعة رجل شرِيف يَعْنِي أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا الْقَائِم بِأَمْر الله قَالَ وَكَانَ هَذَا
(5/8)

الشريف من قراء الْقُرْآن وَمن أهل الْعلم وَالدّين والفقر والخمول وَلم يكن من بَيت الرياسة وَكَانَ لَهُ اطلَاع على تواريخ قطره وعوائد جيله وأخلاقهم وطبائعهم وَرَأى مَا وصل إِلَيْهِ ملك الْمغرب من الانحطاط والضعف وتيقن أَنه لَا يصعب عَلَيْهِ تنَاوله فأعمل فِي ذَلِك فكره ومكره وَصَارَ يحض النَّاس على الْقيام بِأُمُور دينهم والامتعاض لَهَا وَكَانَ قد بعث ثَلَاثَة من أَوْلَاده وهم عبد الْكَبِير وَأحمد وَمُحَمّد إِلَى الْحجاز بِقصد الْحَج وَكَانَت لَهُم فصاحة ورجاحة وَمَعْرِفَة بإدارة الْكَلَام فَظهر لَهُم ناموس فِي تِلْكَ الْبِلَاد وأحبهم النَّاس لَا سِيمَا أَحْمد وَمُحَمّد وَلما رجعا من مَكَّة أَقَامَا بفاس وَهِي يَوْمئِذٍ دَار الْملك وترتب أَحْمد فِي مجْلِس بالقرويين لتدريس الْعلم فاكتسب بذلك جاها وتقرب مُحَمَّد إِلَى السُّلْطَان حَتَّى صَار مؤدبا لأولاده وبقيا على ذَلِك مُدَّة وهما فِي ذَلِك كُله يتحببان إِلَى النَّاس ويسعيان فِي مَذَاهِب الشُّهْرَة والبرتغال فِي أثْنَاء ذَلِك ملح على الثغور واستلابها من أَهلهَا وَلم تكن تقوم للْمُسلمين مَعَه راية فَدَعَا ذَلِك الْأَخَوَيْنِ أَحْمد ومحمدا إِلَى أَن ندبا السُّلْطَان وَهُوَ أَبُو عبد الله البرتغالي إِلَى المناداة فِي النَّاس بِالْجِهَادِ إِظْهَارًا للنصح وهما يسران حسوا فِي ارتغاء وقصدهما تَفْرِقَة الْكَلِمَة على السُّلْطَان لَا غير فاغتر السُّلْطَان بنصحهما وَقَالَ لَهما لَا أحد أولى مِنْكُمَا بِالْقيامِ بِهَذِهِ الْوَظِيفَة فأجاباه إِلَى ذَلِك عَن توفر دَاعِيَة وَكَمَال رَغْبَة فأرسلهما يناديان ويستنفران النَّاس فِي نواحي الْمغرب إِلَى الْجِهَاد ويحضان النَّاس عَلَيْهِ ويخطبان بذلك فِي المحافل ويعظان وتتبعا الحواضر والبوادي وتقريا الْأَحْيَاء والمداشر والقرى إِلَى أَن وصلا إِلَى درعة حَيْثُ أَبوهُمَا وأخوهما عبد الْكَبِير فاجتمعا بهما وذاكراهما فِي أَمرهمَا وأنهما قد أشرفا على المُرَاد وكادا يلجان الْملك من بَابه لِأَن أهل تِلْكَ الْبِلَاد كَانُوا سَامِعين لَهُم من قبل الْيَوْم فَكيف بهم الْيَوْم فَحِينَئِذٍ أَخذ الْأَب وَأَوْلَاده فِي نشر معايب الدولة للعامة ويقررون ذَلِك بفصاحتهم ووجاهتهم وَمَا أوتوه من الْقبُول وعضدهم على ذَلِك شُيُوخ الْبَلَد وتبعهم النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِم من كل جِهَة وَصَارَ حَالهم ينموا شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن استبدوا على السُّلْطَان وَلم يرجِعوا إِلَيْهِ بعد
(5/9)

وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ السَّبَب فِي قيام الشرفاء الزيدانيين واستبدادهم بِملك الْمغرب أَن الْحَرْب نشبت بَين النَّصَارَى وَأهل السوس ودامت وَكَانَ بَنو وطاس يمدون أهل السوس بِالْمَالِ وَالْعدَد فاتفق أَن خرج الشريفان مُحَمَّد الشَّيْخ وَأَخُوهُ أَحْمد الْأَعْرَج للْجِهَاد مَعَ أهل السوس فَظهر مكانهما فِي الْجِهَاد فَلَمَّا وَفْدًا على الوطاسي تلقاهما بالرحب وَأَقْبل عَلَيْهِمَا لأجل قيامهما بِالْجِهَادِ وأعطاهما عدَّة وخيولا كَثِيرَة فَرَجَعَا إِلَى جهادهما ثمَّ عادا إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى فَأَعْطَاهُمَا مثل ذَلِك وَكَانَت لَهما وقائع فِي النَّصَارَى ونكاية وَظُهُور وصارا يكتبان إِلَى الْقَبَائِل فيساعدونهما على ذَلِك حَتَّى اجْتمعت عَلَيْهِم جموع عديدة فَحِينَئِذٍ خلعا طَاعَة الوطاسي ودعوا لأنفسهما اه
قَالَ منويل وَكَانَ أَكثر شهرة أَمرهم بالسوس الْأَقْصَى ودرعة وأعمالهما وصاروا يرفعون إِلَيْهِم زكواتهم وأعشارهم ثمَّ بايعوهم ونهض هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف إِلَى تارودانت فاستولوا عَلَيْهَا وَحَصَّنُوهَا ثمَّ زحفوا إِلَى آكادير لِحَرْب البرتغال فقاتلوه مُدَّة وَلم يفتح لَهُم وَكَانُوا يشيعون أَنهم لَا قصد لَهُم إِلَّا فِي الْجِهَاد ومحاربة عَدو الدّين وَمن هُوَ سلم لَهُ من الْمُسلمين إِذْ لم يتأت لَهُم إِذْ ذَاك التَّصْرِيح بخلع السُّلْطَان
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة تجاوزوا جبل درن إِلَى بِلَاد حاحة والشياظمة ثمَّ دخلُوا بسيطة عَبدة وَكَانَ بآسفي رجل تنصر اسْمه يحيى بن تافوت احتمى بالبرتغال من السُّلْطَان وَكَانَ مَعْرُوفا بالشجاعة واتصل خَبره بطاغية البرتغال منويل فولاه على النَّصَارَى وعَلى أَتْبَاعه من الْمُسلمين تأليفا لَهُ
وَلما زحف الْأَشْرَاف إِلَى بِلَاد عَبدة كَانَ بَينهم وَبَين يحيى الْمَذْكُور ونصاراه معركتان شديدتان كَانَ الظُّهُور فيهمَا ليحيى لَكِن أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج تدارك أمره فَوْرًا وَجمع عسكرا آخر وخطبهم ووعظهم وزحف إِلَى يحيى الْمَذْكُور ففضه وفض نصاراه إِلَى أَن انجحروا بآسفي وأغلقوه عَلَيْهِم وأتيح لِأَحْمَد عَلَيْهِم مَا لم يتَقَدَّم لغيره فيهم فبذلك تأتى لَهُ أَن يتَنَاوَل ملك الْمغرب
(5/10)

وَلما اتَّصل خبر هَذَا الظُّهُور لَهُ بالسلطان الوطاسي لم يُعجبهُ ذَلِك وَظهر لَهُ أَن مَا كَانَ أَحْمد وَأَخُوهُ يحاولانه من أَمر الْجِهَاد لم يكن ظَاهره كباطنه وحقق لَهُ ذَلِك مَا فَعَلُوهُ من تحصين تارودانت مَعَ مَا كَانَ لأبيهم من نُفُوذ الْكَلِمَة بالسوس
وَكَانَ فِي هَذَا التَّارِيخ بمراكش وأعمالها عَامل اسْمه نَاصِر بوشتنوف وَكَانَ مستبدا على الوطاسي ويبذل لَهُ شَيْئا تافها يتقيه بِهِ وَلما مر بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف فِي أول أَمرهم داعين إِلَى الْجِهَاد أحسن إِلَيْهِم غَايَة وَلما أوقعوا وقْعَة آسفي أبرموا أَمرهم مَعَ نَاصِر أبي شتنوف وأظهروا لَهُ الْمحبَّة والموالاة وطلبوا مِنْهُ أَن يظاهرهم على جِهَاد الْعَدو وَأَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة وجندا وَاحِدًا عَلَيْهِ فأسعفهم وَقدمُوا مراكش فَدَخَلُوهَا مرّة ثَانِيَة وَأحسن إِلَيْهِم وَبعد أَيَّام خَرجُوا بِهِ للصَّيْد فَسَموهُ فِي خبز صَغِير يُسمى القريشلات فَهَلَك للحين وَصفا للأشراف مراكش وأعمالها إِذا كَانَ أَهلهَا قد أحبوهم وشرهوا إِلَيْهِم وَلما تمّ لَهُم أَمر درعة والسوس ومراكش تسمى أَحْمد باسم الْأَمِير واستخلف أَخَاهُ مُحَمَّدًا الشَّيْخ
وَلما اتَّصل الْخَبَر بالوطاسي وَأَنَّهُمْ استولوا على مراكش أقلقه ذَلِك وَمن مكر أَحْمد أَنه بعث إِلَيْهِ يَقُول مَا أَنا إِلَّا وَاحِد من أعمالك وَمَا كَانَ يُعْطِيهِ أهل هَذِه الْبِلَاد أبذله لَك مضاعفا وَمَعَ ذَلِك لم يطمئن إِلَيْهِ ثمَّ هلك الوطاسي وَولي مَكَانَهُ ابْنه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد وانقسمت مملكة الْمغرب فَصَارَت فاس للوطاسي ومراكش وأعمالها لأبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وتارودانت والسوس ودرعة لمُحَمد الشَّيْخ وَأما عبد الْكَبِير فَإِنَّهُ كَانَ اسْتشْهد قبل هَذَا فِي حَرْب البرتغال قرب آسفي
وَلما رأى أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي استفحال أَمر الْأَشْرَاف وَأَنَّهُمْ أَمْسكُوا عَنهُ مَا وعدوا بِأَدَائِهِ لِأَبِيهِ عزم على حربهم فَجمع عسكرا عَظِيما وزحف إِلَى مراكش فتحصن أَحْمد الْأَعْرَج بهَا وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ فَظَاهره على عدوه وَفِي أثْنَاء حصاره الوطاسي لمراكش اتَّصل بِهِ الْخَبَر بِأَن أهل فاس قد قَامُوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوا بعض إخْوَته فَرجع إِلَى فاس وَقبض على أَخِيه الثائر عَلَيْهِ ثمَّ كرّ إِلَى
(5/11)

مراكش بعسكر أعظم من الأول وَفِي هَذِه الْمرة برز إِلَيْهِ الْأَشْرَاف خَارج الْبَلَد ثمَّ تقدمُوا إِلَيْهِ فَكَانَ اللِّقَاء على أبي عقبَة من تادلا وَوَقعت بَينهم حَرْب هائلة لِأَن الوطاسيين كَانُوا يرَوْنَ أَن هَذِه الْحَرْب هِيَ الفيصل بَينهم وَبَين عدوهم والأشراف كَذَلِك وَحضر هَذَا الْحَرْب أَبُو عبد الله ابْن الْأَحْمَر سُلْطَان الأندلس المخلوع وأبلى بلَاء حسنا حَتَّى قتل وَكَانَ الظُّهُور للأشراف وَرجع الوطاسي مفلولا إِلَى فاس وَترك محلته بِمَا فِيهَا من مدافع وَغَيرهَا بيد عدوه وَبعد هَذِه الْوَقْعَة استولى الْأَشْرَاف على تافيلالت وملكوا آكادير وآسفي وآزمور لِأَن البرتغال كَانُوا قد تخلوا عَنْهَا ثمَّ عَن قريب حدث بَين الْأَخَوَيْنِ النفرة وحاول رجال دولتهما الْوِفَاق بَينهمَا فَلم يتَّفقَا وَكَانَت الكرة على أَحْمد وفر ابْنه زَيْدَانَ الَّذِي كَانَ عضد أَبِيه فِي الحروب إِلَى تافيلالت فاستولى عَلَيْهَا واقتطعها عَن عَمه مُحَمَّد الشَّيْخ ثمَّ زحف الشَّيْخ إِلَى فاس فحاصرها إِلَى أَن قبض على الوطاسيين وغربهم إِلَى درعة اه كَلَام منويل
ثمَّ نرْجِع إِلَى سِيَاقَة الْخَبَر عَن هَذِه الدولة حَسْبَمَا عِنْد اليفرني وَغَيره
أَخْبَار الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم فِي الْجِهَاد وَمَا هيأ الله لَهُ من النَّصْر فِيهِ

لما استتب أَمر الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم وَاجْتمعت كلمة الْقَبَائِل السوسية عَلَيْهِ ندب النَّاس إِلَى مقارعة البرتغال وجهاده ونفيه عَن ثغور الْمغرب وبلاده وَكَانَت مَعَه يَوْمئِذٍ جموع حافلة من الْمُسلمين فصمدوا مَعَه إِلَى النَّصَارَى وناوشوهم الْحَرْب فأتاح الله للأمير أبي عبد الله الْفَتْح والنصر ونثر أثلاء الْكفَّار بمخالب الظفر وَأخرج حَيَّة الغي من جحرها وَأعَاد كلمة الْإِسْلَام إِلَى مقرها فَلَمَّا رأى الْمُسلمُونَ ذَلِك تيمنوا بطلعته وتفاءلوا بطائره الميمون ونقيبته وَزَادَهُمْ ذَلِك محبَّة فِي جَانِبه وتعظيما فِي مكانته وَلما فصل من جهاده عَاد إِلَى مَحَله الْمَذْكُور من تيدسي فَوَقع بَينه وَبَين بعض الرؤساء هُنَالك منافرة أدَّت إِلَى ارتحاله عَنْهَا وَعوده إِلَى درعة فَلم يزل مُقيما
(5/12)

بهَا إِلَى سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة فَرجع إِلَى مَكَانَهُ من تيدسي واطمأنت بِهِ دارها وأزال الله عَنهُ مَا كَانَ أزعجه عَنْهَا وَالله غَالب على أمره
عقد الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج رَحِمهم الله تَعَالَى

قد تقدم لنا مَا كَانَ من أَمر الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الْأَمِير أَبُو عبد الله الْقَائِم فِي شَأْن ولديه وأنهما يملكَانِ الْمغرب وَفِي معنى ذَلِك أَيْضا مَا يحْكى شَائِعا أَن وَلَدي أبي عبد الله الْمَذْكُور وهما أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَأَبُو عبد الله الشَّيْخ كَانَا يقرآن فِي مكتب وهما صبيان فَدخل ديك فَوَثَبَ على رَأس كل مِنْهُمَا وصرخ فَأول ذَلِك مؤدبهما بِأَنَّهُمَا سَيكون لَهما شَأْن فَمن أجل هَذَا وَنَحْوه كَانَ والدهما يعلن بِأَن أَمر الْمغرب صائر إِلَيْهِمَا فَلَمَّا قضى الله ببيعته واجتماع النَّاس عَلَيْهِ واطمأنت بِهِ فِي الْبِلَاد السوسية الدَّار وطاب لَهُ بهَا الْمقَام والقرار ندب النَّاس إِلَى بيعَة أكبر ولديه وَهُوَ الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَعْرُوف بالأعرج فَبَايعُوهُ وَكَانَ ذَلِك مبدأ ظُهُور أمره على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
انْتِقَال الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم إِلَى أفغال من بِلَاد حاحة ووفاته بهَا رَحمَه الله

ثمَّ إِن أَبَا عبد الله الْقَائِم وَفد عَلَيْهِ أَشْيَاخ حاحة والشياظمة لما بَلغهُمْ من حسن سيرته ونصرة لوائه فشكوا إِلَيْهِ أَمر البرتغال ببلادهم وَشدَّة شوكته واستطالته عَلَيْهِم وطلبوا مِنْهُ أَن ينْتَقل إِلَيْهِم هُوَ وَولده ولي الْعَهْد الْمَذْكُور فأجابهم إِلَى ذَلِك ونهض مَعَهم هُوَ وَابْنه أَبُو الْعَبَّاس إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بآفغال من بِلَاد حاحة وَترك وَلَده الْأَصْغَر أَبَا عبد الله الشَّيْخ بالسوس يرتب
(5/13)

الْأُمُور ويمهد المملكة ويباكر الْعَدو بِالْقِتَالِ ويراوحه وَاسْتمرّ الْأَمِير أَبُو عبد الله الْقَائِم بمكانه من آفغال مسموع الْكَلِمَة متبوع الْعقب إِلَى أَن توفّي بِهِ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن هُنَالك بِإِزَاءِ ضريح الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ رَضِي الله عَنهُ إِلَى أَن نقل إِلَى مراكش بِنَقْل الشَّيْخ الْمَذْكُور على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم رَحمَه الله

كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج فِيمَا حَقَّقَهُ ابْن القَاضِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وبويع بِولَايَة الْعَهْد من أَبِيه سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة كَمَا مر وَلما توفّي أَبوهُ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اجْتمع النَّاس على بيعَته من سَائِر الْآفَاق وآتوه طاعتهم عَن رضَا مِنْهُم وإصفاق فاستقام أمره وَصرف عزمه إِلَى تمهيد الْبِلَاد واقتناء الأجناد وتعبية الجيوش إِلَى الثغور وَشن الغارات على الْعَدو فِي الآصال والبكور فِي أحواز تيلمست وآسفي وَغَيرهمَا وَكَانَ النَّصَارَى قد خيموا بشاطئ الْبَحْر وعاثوا فِي تِلْكَ السواحل فأجلاهم عَنْهَا وطهر تِلْكَ الْبِقَاع من رجسهم وأراح أَهلهَا من شؤمهم ونحسهم وَفِي ذَلِك يَقُول الْبِقَاع مخلوف بن صَالح يمدحه
(فَللَّه هَذَا الْهَاشِمِي وفضله ... فلولاه صال الْكفْر أعظم صولة)
(5/14)

دُخُول السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

لما كَانَ من إِيقَاع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بنصارى السوس وانتصاره عَلَيْهِم مَا ذَكرْنَاهُ بعد صيته وانتشر فِي الْبِلَاد ذكره وأهرع النَّاس إِلَيْهِ من كل جَانب وَدخلت فِي طَاعَته سَائِر الْبِلَاد السوسية فَعِنْدَ ذَلِك كَاتبه أُمَرَاء هنتاتة مُلُوك مراكش يخطبون أمره ويرومون الدُّخُول فِي طَاعَته فَأجَاب داعيهم وانتقل إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ
نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رَضِي الله عَنهُ من مدفنه بآفغال إِلَى مراكش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا فِي أَخْبَار عَمْرو السياف أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ هَذَا وَأَنه لما توفّي الشَّيْخ الْمَذْكُور جعل جثته فِي تَابُوت وَصَارَ يستنصر بِهِ فِي حروبه مُدَّة من عشْرين سنة أَو نَحْوهَا ثمَّ دفن بعد ذَلِك بآفغال وَتقدم لنا أَن الْأَمِير أَبَا عبد الله الْقَائِم لما توفّي دَفنه ابْنه أَبُو الْعَبَّاس بِإِزَاءِ هَذَا الشَّيْخ ثمَّ لما ملك أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور مراكش نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ إِلَيْهَا وَنقل أَبَاهُ مَعَه فدفنه بِقُرْبِهِ أَيْضا
وَاخْتلف فِي سَبَب ذَلِك فَقيل إِن السُّلْطَان الْمَذْكُور خَافَ أَن يثور عَلَيْهِ أحد بِتِلْكَ الْبِلَاد فيستخرج الشَّيْخ من ملحده وينتصر عَلَيْهِ بِهِ فنقله إِلَى مراكش ليأمن من ذَلِك وَقيل إِن الْحَامِل لَهُ على نَقله أَنه ذكر لَهُ أَن تَحْتَهُ كنز فتعلل للنبش عَنهُ بِأَنَّهُ قصد نَقله إِلَى الحضرة تبركا بِهِ وَالله أعلم وَكَانَ ذَلِك كُله فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
(5/15)

مَجِيء السُّلْطَان أبي عبد الله الوطاسي إِلَى مراكش وحصاره للسُّلْطَان الْأَعْرَج بهَا ثمَّ إقلاعه عَنْهَا

لما استولى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج على مراكش وَصفا لَهُ أمرهَا اتَّصل خَبره بِصَاحِب فاس أبي عبد الله الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَأقبل فِي جموع عديدة مَعَ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَيُقَال مَعَ أَخِيه النَّاصِر فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة والمقاتلة وزحف الوطاسي إِلَى الحضرة فنصب الأنفاض عَلَيْهَا ووالى الرَّمْي عَلَيْهَا أَيَّامًا وَاشْتَدَّ الْأَمر على النَّاس فَكَانَ من ذهابهم إِلَى الشَّيْخ الغزواني وَخُرُوجه إِلَى بَاب الْخَمِيس وَقَوله عِنْد إِصَابَة الرصاصة لَهُ أَنَّهَا خَاتِمَة حربهم مَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار الوطاسيين مُسْتَوفى ثمَّ كَانَ اللِّقَاء بعد ذَلِك بَين الْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا يكون فِي تادلا وأعمالها على مَا مر وَالله أعلم
خبر آسفي والثغور

رَأَيْت فِي تواريخ الفرنج أَن البرتغال خَرجُوا من آسفي سنة ألف وَخَمْسمِائة وَثَلَاثِينَ مسيحية وَهَذَا التَّارِيخ يُوَافقهُ من سني الْهِجْرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهِي وسط دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَزعم هَذَا المؤرخ
(5/16)

أَنهم خَرجُوا مِنْهَا من قبل أنفسهم ونقلوا جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من عدَّة وأثاث إِلَى الجديدة بَعْدَمَا خربوها وأفسدوها وأوقدوا فِيهَا النَّار قَالَ وَبقيت اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَهِي مخربة إِلَى أَن أصلحها السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ يَعْنِي السَّعْدِيّ الْآتِي ذكره
وَفِي النزهة مَا يقرب من هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ بعد ذكر إِيقَاع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بنصارى السواحل مَا نَصه وَيُقَال إِن النَّصَارَى لما رَأَوْا مَا فعل بِمن كَانَ مِنْهُم بالسوس من الْقَتْل والسبي أخلوا ثغر آزمور ورباط آسفي وآصيلا من غير قتال ثمَّ نقل هَذَا الْخَبَر فِي مَحل آخر عَن ابْن القَاضِي مَنْسُوبا إِلَى أبي عبد الله الشَّيْخ وَسَيَأْتِي ذكره فِي مَحَله وأظن أَن الإخلاء كَانَ متكررا وَالله أعلم وعَلى كل حَال فَذكر آصيلا هُنَا غير مُنَاسِب إِذْ هِيَ يَوْمئِذٍ فِي جِهَة الوطاسيين وتخومهم فَمَا بَال نصاراها يخرجُون فِرَارًا مِنْهَا خوفًا من السعديين وَلَيْسوا مجاورين لَهُم وَلَا متوقعين هجومهم عَلَيْهِم ثمَّ كَانَ بعد هَذَا بَين أبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ وَأبي الْعَبَّاس الوطاسي من الْحَرْب وَالسّلم مَا تقدم بَيَانه كوقعة آنماي ووقعة أبي عقبَة وَغَيرهمَا مِمَّا لَا فَائِدَة فِي إِعَادَته
حُدُوث النفرة بَين الْأَخَوَيْنِ السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج ووزيره أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس رَحمَه الله من الشهامة والصرامة واستفحال الْأَمر بِالْمحل الَّذِي وصفناه قبل وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عبد الله الشَّيْخ أَصْغَر سنا مِنْهُ وَكَانَ تَحت طَاعَته وَاقِفًا عِنْد إِشَارَته وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس يستشيره فِي أُمُوره ويفاوضه فِي مهماته ويستعين بنجدته فِي الزحوف والمعارك ويستضيء بِرَأْيهِ فِي الْحَوَادِث الحوالك وَكَانَ الشَّيْخ ثاقب الذِّهْن نَافِذ البصيرة مُصِيب الرَّأْي حازما شهما فَكَانَت كلمتهما وَاحِدَة وَأَمرهمَا
(5/17)

جَمِيعًا إِلَى أَن دخل الوشاة بَينهمَا فأفسدوا قلوبهما وأفضى الْحَال إِلَى المصافة والمقاتلة وانقسم الْجند حزبين وانصرفت كل طَائِفَة إِلَى متبوعها وَصَاحب أمرهَا وتقاتلا مُدَّة وَكَانَت جلّ الْقَبَائِل السوسية صاغية إِلَى الشَّيْخ لما كَانَ نَشأ بَين أظهرهم وسبروه من نجابته وكفايته مُنْذُ تَركه أَبوهُ عِنْدهم عِنْد انْتِقَاله إِلَى آفغال حَسْبَمَا مر فاستفحل أمره وَغلب على أَخِيه أبي الْعَبَّاس فَقبض عَلَيْهِ وَاسْتولى على مَا بِيَدِهِ وَاجْتمعت كلمة أهل السوس عَلَيْهِ ثمَّ أودع أَخَاهُ وَأَوْلَاده السجْن ووسع عَلَيْهِم فِي الجرايات والنفقات وَأصْبح ملكا مُسْتقِلّا بعد أَن كَانَ وزيرا وَكَانَ ذَلِك سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة
وَفِي نشر المثاني أَن قبض الشَّيْخ على أَخِيه أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج كَانَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَالْأول أصح وَلم يزل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس وَأَوْلَاده فِي حكم الثقاف إِلَى أَن قتل يَوْم مقتل أَخِيه الشَّيْخ بعد ثَمَان عشرَة سنة أَو نَحْوهَا حَسْبَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله وَكَانَت دولته من يَوْم بُويِعَ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ أَخُوهُ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَ من حجابه مُحَمَّد بن عَليّ الأنكراطي اليملالي وَمُحَمّد بن أبي زيد المنزاري وَمن كِتَابه سعيد بن عَليّ الحامدي رَحِمهم الله
أَمر زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَمَا كَانَ مِنْهُ

قَالَ صَاحب درة الحجال اخْتلف النَّاس هَل بُويِعَ لزيدان بن الْأَعْرَج بعد وَفَاة أَبِيه أم لَا وَقَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ كَانَ زَيْدَانَ بن أبي الْعَبَّاس بسجلماسة وبويع لَهُ بهَا فَلم يتم أمره وَنفي إِلَى أَن توفّي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
(5/18)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمهْدي الْمَعْرُوف بالشيخ ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم بِأَمْر الله

كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ويلقب بالشيخ بآمغار وَهُوَ الشَّيْخ بالبربرية ويلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي لقبه بِهِ غير وَاحِد من أَئِمَّة عصره وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ إِلَى دَرَجَة الرسوخ
فتح حصن فونتي وآسفي وآزمور وَمَا قيل فِي ذَلِك

لما اسْتَقل السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بِأَمْر السوس وَاجْتمعت كَلمته عَلَيْهِ صرف عزمه إِلَى جِهَاد الْعَدو الَّذِي بثغوره وحصونه وأرهف حَده لتطهيرها من بقايا شغبه وزبونه فانتصر عَلَيْهِم واستأصل شأفتهم وَقطع من تِلْكَ النواحي دابرهم وحسم آفتهم
قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ الشَّيْخ رَحمَه الله ماضي الْعَزِيمَة قوي الشكيمة عَظِيم الهيبة كثير الْغَزَوَات ذَا همة عالية وشهامة عالية فعد قَوَاعِد الْملك وَأسسَ مبانيه وأحيى مراسم الْخلَافَة الدارسة ومعالمها الطامسة وَكَانَ لَهُ سعد وبخت عَظِيم فِي الْجِهَاد وَيَد بَيْضَاء فِي الْإِسْلَام فتح حصن النَّصَارَى بالسوس يَعْنِي حصن فونتي بعد أَن أَقَامُوا فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَكَانَ منصورا بِالرُّعْبِ حَتَّى تركُوا لَهُ آسفي وآزمور وآصيلا من غير قتال وَلَا إيجَاف عَلَيْهِم اه وَنَحْوه فِي تَارِيخ البرتغاليين زَاد مؤرخهم أَن ذَلِك كَانَ بِإِذن طاغيتهم صَاحب أشبونة وَقد تقدم نَحْو هَذَا فِي أَخْبَار الْأَعْرَج وَالْجَوَاب عَنهُ وَكَانَ فتح فونتي سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي النزهة وَفتح آسفي سنة
(5/19)

ثَمَان وَأَرْبَعين بعْدهَا كَمَا فِي الْمرْآة وَعند البرتغاليين أَن ذَلِك كَانَ سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين وَأَرْبَعين مسيحية وَهُوَ مُوَافق لهَذَا التَّارِيخ الهجري
وَفِي الدوحة لما أخلى النَّصَارَى آزمور تسارع إِلَيْهَا جمَاعَة من الْفُقَرَاء مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من فاس وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت قرب مراكش فقعدوا بهَا يحرسونها حَتَّى يَأْتِي مدد الْمُسلمين وَمن يعمرها مِنْهُم مَخَافَة أَن يرجع إِلَيْهَا الْعَدو فَإِذا بِهِ قد رَجَعَ واقتحمها عَلَيْهِم وأسرهم إِلَى أَن افتكهم الْمُسلمُونَ
قَالَ منويل كَانَ فداؤهما بألفي ريال ومائتي ريال بالتثنية فيهمَا وَلما افتدى الشَّيْخ الكوش وعزم على الْخُرُوج وَكَانَ أَسِيرًا عِنْد امْرَأَة نَصْرَانِيَّة ناولته كتبا للْمُسلمين وَقَالَت لَهُ هَذِه كتب كَانَت عِنْدِي وَلَا حَاجَة لي بهَا فَخذهَا إِلَيْك فَأَخذهَا وَخرج بهَا فِي قفة على رَأسه فَكَانَ من جُمْلَتهَا كتاب تَنْبِيه الْأَنَام الْمَوْضُوع فِي الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ ذَلِك أول دُخُوله لهَذِهِ الْبِلَاد على يَد الشَّيْخ الْمَذْكُور اه
بِنَاء حصن آكادير

قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي كِتَابه الْمُنْتَقى الْمَقْصُور كَانَت للأمير السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ مآثر حسنه مِنْهَا أَنه أول من اختط مرسى آكادير بالسوس الْأَقْصَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة لما أجلى النَّصَارَى من الْموضع الْمَعْرُوف بفونتي على مقربة من آكادير الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ فِي اختطاطه رَأْي مُصِيب وفراسة تَامَّة اه
(5/20)

اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ على مراكش وتجديد الْبيعَة لَهُ بهَا

كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بعد الْقَبْض على أَخِيه واستقلاله بِالْأَمر قد أَقَامَ بالبلاد السوسية مثابرا على جِهَاد الْعَدو إِلَى أَن قلع عروق مفسدته مِنْهَا وَكَانَت مراكش فِي هَذِه الْمدَّة قد توقفت عَن بيعَته وتربصت عَن الدُّخُول فِي دَعوته اتقاء للوطاسيين وارتياء فِي أمره إِلَى مَاذَا يؤول وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة فانقادت لَهُ حِينَئِذٍ وَبَايَعَهُ أَهلهَا فَقَدمهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وخلص لَهُ جَمِيع مَا كَانَ بيد أَخِيه المخلوع من تادلا إِلَى وَادي نول وَالله غَالب على أمره
نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ لِحَرْب بني وطاس واستيلاؤه على مكناسة وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك

لما استولى السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ على مراكش وصفت لَهُ أَعمالهَا طمحت نَفسه للاستيلاء على بَقِيَّة بِلَاد الْمغرب وأمصاره وَقطع جرثومة الوطاسيين من سَائِر أقطاره فَجمع الجموع وَتقدم بهَا إِلَى أَعمال فاس فَلم يزل يستفتحها بَلَدا بَلَدا ومصرا مصرا إِلَى أَن أَتَى عَلَيْهَا أجمع وَكَانَ أول مَا ملك مِنْهَا مكناسة الزَّيْتُون فَإِنَّهُ افتتحها عقب سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة بعد حِصَار وقتال كَبِير
(5/21)

حِصَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ حَضْرَة فاس ومقتل الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الوانشريسي رَحمَه الله

كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ قد ألح على فاس بِالْقِتَالِ وحاصرها حصارا طَويلا وَلما عسر عَلَيْهِ أمرهَا بحث عَن ذَلِك فَقيل لَهُ لَا سَبِيل لَك إِلَيْهَا وَلَا يُبَايِعك أَهلهَا إِلَّا إِذا بَايَعَك ابْن الوانشريسي يعنون الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي رَحمَه الله فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور سرا ووعده ومناه فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد بيعَة هَذَا السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي فِي رقبتي وَلَا يحل لي خلعها إِلَّا لموجب شَرْعِي وَهُوَ غير مَوْجُود وَزعم بَعضهم أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كتب إِلَى أهل فاس يَقُول لَهُم إِنِّي إِن دخلت فاسا صلحا ملأتها عدلا وَإِن دَخَلتهَا عنْوَة ملأتها قتلا فَأَجَابَهُ ابْن الوانشريسي بِأَبْيَات أغْلظ لَهُ فِيهَا مِنْهَا قَوْله
(كذبت وَبَيت الله مَا تحسن العدلا ... وَلَا خصك الْمولى بِفضل وَلَا أولى)
كَذَا فِي النزهة قلت وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات قديمَة والوانشريسي إِنَّمَا تمثل بِهِ لَا غير فقد ذكر الْعَلامَة ابْن خلدون فِي أَخْبَار بني صَالح بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي أَصْحَاب قلعة نكور لأوّل الْفَتْح أَن عبيد الله الْمهْدي العبيدي صَاحب إفريقية لما تغلب على الْمغرب خَاطب سعيد بن صَالح مِنْهُم يَدعُوهُ إِلَى أمره وَكتب لَهُ فِي أَسْفَل كِتَابه
(فَإِن تستقيموا أستقم لصلاحكم ... وَإِن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا)
(وأعلوا بسيفي قاهرا لسيوفكم ... وأدخلها عنوا وأملأها قتلا)
فَأَجَابَهُ سعيد بن صَالح بِأَبْيَات من نظم شاعره الطليطلي نَصهَا
(5/22)

(كذبت وَبَيت الله مَا تحسن العدلا ... وَلَا علم الرَّحْمَن من قَوْلك الفصلا)
(وَمَا أَنْت إِلَّا جَاهِل ومنافق ... تمثل للجهال فِي السّنة المثلى)
(وهمتنا الْعليا بدين مُحَمَّد ... وَقد جعل الرَّحْمَن همتك السُّفْلى)
فَلَعَلَّ الشَّيْخ كتب لأهل فاس بالبيتين الْأَوَّلين والوانشريسي كَانَ مطلعا على الْقَضِيَّة فَأَجَابَهُ بجوابهما
وَلما بلغ ذَلِك السُّلْطَان الشَّيْخ حقد على الوانشريسي ودس إِلَى جمَاعَة من المتلصصة بِأَن يأخذوه ويأتوا بِهِ إِلَى محلته مَحْبُوسًا من غير قتل وَكَانَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد يقْرَأ صَحِيح البُخَارِيّ بِجَامِع الْقرَوِيين بَين العشاءين وينقل عَلَيْهِ كَلَام ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي ويستوفيه لِأَنَّهُ شَرط الْمحبس فَقَالَ لَهُ ابْنه يَا أَبَت إِنِّي قد سَمِعت أَن اللُّصُوص أَرَادوا الفتك بك فِي هَذِه اللَّيْلَة فَلَو تَأَخَّرت عَن الْقِرَاءَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَيْن وقفنا البارحة قَالَ على كتاب الْقدر قَالَ فَكيف نفر من الْقدر إِذا اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمجْلس فَلَمَّا افترق الْمجْلس خرج الشَّيْخ عبد الْوَاحِد من بَاب الشماعين أحد أَبْوَاب الْمَسْجِد الْمَذْكُور فثار بِهِ اللُّصُوص وَأَرَادُوا حمله فَأخذ بِإِحْدَى عضادتي الْبَاب فَضرب أحدهم يَده فقطعها وأجهز عَلَيْهِ الْبَاقُونَ فَقَتَلُوهُ بِبَاب الْمَسْجِد الْمَذْكُور فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة
قَالَ الشَّيْخ المنجور فِي فهرسته واشتهر عَن الْفَقِيه الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَدْعُو بِأبي شامة أَنه رأى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد فِي الْمَنَام بعد مَقْتَله فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأَنْشَأَ يَقُول
(لقد عمني رضوَان رَبِّي وفضله ... وَلم أر إِلَّا الْخَيْر فِي وَحْشَة الْقَبْر)
(وَإِنِّي أسأَل الْإِلَه بفضله ... ليحفظني يَوْم الْخُرُوج إِلَى الْحَشْر)
(وَمَا بعد ذَاك من أُمُور عسيرة ... كنشر الْكتاب والمرور على الجسر)
(5/23)

اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ على فاس وَقَبضه على الوطاسيين وتغريبهم إِلَى مراكش

ثمَّ إِن السُّلْطَان أَبَا عبد الله الشَّيْخ جد فِي حِصَار فاس وألح عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ إِلَى أَن ملكهَا واحتوى عَلَيْهَا
قَالَ فِي الدوحة لما ألح السُّلْطَان الشَّيْخ بالحصار على فاس جَاءَهُ الشَّيْخ أَبُو الرواين المحجوب وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ مني فاسا بِخَمْسِمِائَة دِينَار فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان مَا أنزل الله بِهَذَا من سُلْطَان هَذَا شَيْء لم تأت بِهِ الشَّرِيعَة فَقَالَ وَالله لَا دَخَلتهَا هَذِه السّنة فَبَقيَ أشهرا وَالْأَمر لَا يزْدَاد إِلَّا شدَّة فَقَالَ ابْن السُّلْطَان وَهُوَ الْأَمِير أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن الشَّيْخ لِأَبِيهِ يَا أَبَت افْعَل مَا قَالَ لَك الشَّيْخ أَبُو الرواين فَإِنَّهُ رجل مبارك من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَلم يزل بِهِ حَتَّى أذن لَهُ فِي الْكَلَام مَعَه فكلمة الْأَمِير عبد الْقَادِر فَقَالَ لَهُ ادْفَعْ المَال فَدفعهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عِنْد تَمام السّنة يقْضِي الله الْحَاجة وأمري بأَمْره سُبْحَانَهُ ثمَّ إِن الشَّيْخ أَبَا الرواين فرق المَال من يَوْمه وَلم يمسك مِنْهُ لنَفسِهِ حَبَّة وَمن ذَلِك الْيَوْم وَالسُّلْطَان الْمَذْكُور فِي الظُّهُور إِلَى أَن انْقَضتْ السّنة فَدخل فاسا كَمَا قَالَ اه
وَقَالَ صَاحب الممتع وَالشَّيْخ أَبُو الرواين هُوَ كَانَ أحد الْأَسْبَاب فِي تمكن السُّلْطَان الْمَذْكُور من الْملك وَإِخْرَاج بني وطاس عَنهُ فَإِنَّهُ لما رأى اضْطِرَاب أَمر النَّاس وهيجان النَّصَارَى على الْمُسلمين جعل يُنَادي يَا حران جئ فَإِنِّي قد أَعطيتك الغرب وَذَلِكَ قبل ظُهُور السعديين وَلم يكن النَّاس يَدْرُونَ مَا يَقُول حَتَّى ظهر الحران وَهُوَ أحد أَوْلَاد السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يتَقَدَّم للحرب وَلم يفتح وَالِده من الْبِلَاد إِلَّا مَا فتح لَهُ على يَده
وَكَانَ دُخُول السُّلْطَان الشَّيْخ إِلَى فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما دَخلهَا تقبض على الوطاسيين أجمع وَبعث بهم مصفدين إِلَى مراكش عدا
(5/24)

أَبَا حسون مِنْهُم فَإِنَّهُ فر إِلَى الجزائر مستجيرا بِتَرْكِهَا حَسْبَمَا مر
وَقَالَ اليفرني لما دخل الشَّيْخ حَضْرَة فاس دَخلهَا وَعَلِيهِ وعَلى أَصْحَابه الدراعات الصفر وسمة البداوة لائحة عَلَيْهِم فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب الْحَاضِرَة والتخلق بأخلاقهم يَعْنِي حَتَّى رسخ فيهم ذَلِك وَالله أعلم
نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا

قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء حسن بن خير الدّين التركي على تلمسان وانقراض دولة بني زيان مِنْهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة فَلَمَّا فتح أَبُو عبد الله الشَّيْخ حَضْرَة فاس فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم تاقت نَفسه إِلَى الِاسْتِيلَاء على الْمغرب الْأَوْسَط وَكَانَ يعز عَلَيْهِ اسْتِيلَاء التّرْك عَلَيْهِ مَعَ أَنهم أجانب من هَذَا الإقليم ودخلاء فِيهِ فيقبح بأَهْله وملوكه أَن يتركوهم يغلبُونَ على بِلَادهمْ لَا سِيمَا وَقد فر إِلَيْهِم عَدو من أعدائه وعيص من أعياص أقتاله وَهُوَ أَبُو حسون الوطاسي فَرَأى الشَّيْخ من الرَّأْي وَإِظْهَار الْقُوَّة فِي الْحَرْب أَن يبدأهم قبل أَن يبدؤوه فَنَهَضَ من فاس قَاصِدا تلمسان فِي جموعه إِلَى أَن نزل عَلَيْهَا وحاصرها تِسْعَة أشهر وَقتل فِي محاصرتها وَلَده الحران وَكَانَ نابا من أنيابه وسيفا من سيوفه ثمَّ استولى الشَّيْخ على تلمسان ودخلها يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَنفى التّرْك عَنْهَا وانتشر حكمه فِي أَعمالهَا إِلَى وَادي شلف واتسعت خطة مَمْلَكَته بالمغرب ودانت لَهُ الْبِلَاد ثمَّ كرت عَلَيْهِ الأتراك وأخرجوه من تلمسان فَعَاد إِلَى مقره من فاس ثمَّ عاود غَزْو تلمسان حِين بلغه قيام رعاياها على التّرْك وانحصار التّرْك بقصبتها فَأَقَامَ مرابطا عَلَيْهَا أَيَّامًا فامتنعت عَلَيْهِ وأقلع عَنْهَا وَلم يعاود غزوها بعد ذَلِك وخلص أمرهَا إِلَى التّرْك على مَا نذكرهُ
(5/25)

امتحان السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَرْبَاب الزوايا والمنتسبين وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة أَمر السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بامتحان أَرْبَاب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفًا على ملكه مِنْهُم لما كَانَ للعامة فيهم من الِاعْتِقَاد والمحبة وَالْوُقُوف عِنْد إشاراتهم والتعبد بِمَا يتأولونه من عباراتهم أَلا ترى أَن بيعَة وَالِده أبي عبد الله الْقَائِم لم تَنْعَقِد إِلَّا بهم وَلَا ولج بَيت الْملك إِلَّا من بابهم فامتحن جمَاعَة مِنْهُم كالشيخ أبي مُحَمَّد الكوش فأخلى زاويته بمراكش وَأمر برحيله إِلَى فاس
وَفِي الدوحة لما امتحن السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ زَوَايَا الْمغرب قيل لأبي عَليّ الْحسن بن عِيسَى المصباحي دَفِين الدعادع الَّتِي على وَادي مُضِيّ من عمل الْقصر أَلا تخشى من هَذَا السُّلْطَان فَقَالَ إِنَّمَا الخشية من الله وَمَعَ هَذَا فالماء والقبلة لَا يقدر أحد على نزعهما وَالْبَاقِي مَتْرُوك لمن طلبه
وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور يُطَالب أَرْبَاب الزوايا بودائع أُمَرَاء بني مرين ويتهمهم بهَا وَبعث خديمه يَوْمًا إِلَى الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد بن أبي بكر المشترائي دَفِين مكناسة يُطَالِبهُ بِشَيْء من ذَلِك فَوَجَدَهُ جَالِسا بِنَاحِيَة زاويته يضفر الدوم وَإِذا بطائر لَعَلَّه اللقلاق سلح أَمَامه فَمَا رفع أَبُو عُثْمَان بَصَره حَتَّى سقط الطَّائِر مَيتا متطاير الريش فَلَمَّا رأى الخديم ذَلِك فزع وَولى هَارِبا قَالَه فِي الممتع وَالله تَعَالَى أعلم
(5/26)

وفادة الإِمَام أبي عبد الله الخروبي من جَانب دولة التّرْك فِي شَأْن قسم الْبِلَاد وتحديدها

لما كَانَ من السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ مَا كَانَ من غَزوه تلمسان مرَّتَيْنِ وَكَانَ يحدث نَفسه بمعاودة غَزْو تِلْكَ الْبِلَاد عينت دولة التّرْك من جَانبهَا الْفَقِيه الصَّالح أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الخروبي الطرابلسي نزيل الجزائر ودفينها للوفادة على السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي شَأْن عقد المهادنة وتحديد الْبِلَاد فَقدم عَلَيْهِ الْفَقِيه الْمَذْكُور وَهُوَ بمراكش سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي هَذَا الْغَرَض فَأكْرم السُّلْطَان أَبُو عبد الله وفادته إِلَّا أَنه لم تظهر ثَمَرَة لمقدمه
وَفِي الْمرْآة أَن أَبَا عبد الله الخروبي قدم الْمغرب الْأَقْصَى مرَّتَيْنِ فِي سَبِيل السفارة بَين مُلُوك الْمغرب الْأَوْسَط وَالْمغْرب الْأَقْصَى فَأخذ عَنهُ كثير من أهل الْمغرب الْأَقْصَى وَأخذ هُوَ عَن الشَّيْخ زَرُّوق رَحمَه الله وَفِي قدمة الخروبي هَذِه إِلَى مراكش أنكر على الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي دَفِين رياض الْعَرُوس من مراكش حلق شعر التائب الَّذِي يُرِيد الدُّخُول فِي طَرِيق الْقَوْم وَقَالَ إِنَّه بِدعَة فَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ الْجُزُولِيّ كَانَ يَفْعَله فَقَالَ لَهُم لَعَلَّه بِإِذن وَالْإِذْن لَهُ لَا يعمكم فَإِن الْإِذْن للنَّبِي يعم أَتْبَاعه وَالْإِذْن للْوَلِيّ لَا يعم أَتْبَاعه وَأنكر عَلَيْهِ مسَائِل كَثِيرَة وَبعث إِلَيْهِ رِسَالَة أقذع لَهُ فِيهَا وَقد وقفت عَلَيْهَا رحم الله الْجَمِيع بمنه وَتُوفِّي الخروبي هَذَا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن خَارج الجزائر وَالله أعلم
(5/27)

قدوم أبي حسون الوطاسي بِجَيْش التراك واستيلاؤه على فاس ونفيه الشَّيْخ عَنْهَا

قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله على فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقَبضه على بني وطاس وفرار أبي حسون إِلَى الجزائر فَلم يزل أَبُو حسون عِنْد تَركهَا إِلَى أَن قدم بهم مَعَ باشاهم صَالح التركماني فاستولى على فاس ثَالِث صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنفى أَبَا عبد الله الشَّيْخ عَنْهَا حَسْبَمَا مر الْخَبَر عَنهُ مُسْتَوفى
عود السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا

لما فر السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ من وقْعَة التّرْك بفاس وَوصل إِلَى مراكش صرف عزمه لقِتَال أبي حسون فاستنفر قبائل السوس وَجمع الجموع وزحف إِلَى فاس فدارت بَينه وَبَين سلطانها أبي حسون حروب شَدِيدَة كَانَ فِي آخرهَا الظفر للشَّيْخ فَقتل أَبَا حسون وَاسْتولى على فاس وَصفا لَهُ أَمر الْمغرب وَقد تقدّمت هَذِه الْأَخْبَار مستوفاة فِي محلهَا وَكَانَ اسْتِيلَاء السُّلْطَان الشَّيْخ على فاس يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
وَفِي الدوحة أَن دُخُول أبي حسون لفاس كَانَ سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وعود السُّلْطَان الشَّيْخ إِلَيْهَا واستيلاؤه عَلَيْهَا كَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتِّينَ أَيْضا وَالله تَعَالَى أعلم
(5/28)

مقتل الفقيهين أبي مُحَمَّد الزقاق وَأبي عَليّ حرزوز وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما استولى السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ على فاس فِي هَذِه الْمرة أَمر بقتل الْفَقِيه الصَّالح قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد ابْن عَليّ الزقاق لِأَنَّهُ اتهمه بالميل إِلَى أبي حسون
ويحكى أَنه لما مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ اختر بِأَيّ شَيْء تَمُوت فَقَالَ لَهُ الْفَقِيه اختر أَنْت لنَفسك فَإِن الْمَرْء مقتول بِمَا قتل بِهِ فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان اقْطَعُوا رَأسه بشاقور فَكَانَ من حِكْمَة الله وعدله فِي خلقه أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور قتل بِهِ أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي
وَفِي كتاب خُلَاصَة الْأَثر أَن الشَّيْخ الزقاق كَانَ يَقُول من قتل سوسيا كَانَ كمن قتل مجوسيا فَلَمَّا قبض عَلَيْهِ الشَّيْخ قَالَ لَهُ أَنْت زق الضلال فَقَالَ لَهُ لَا وَالله بل أَنا زق الْعلم وَالْهِدَايَة ثمَّ قَتله
وَأمر أَيْضا بقتل خطيب مكناسة الزَّيْتُون الشَّيْخ أبي عَليّ حرزور المكناسي لكَلَام بلغه عَنهُ وَأَنه كَانَ يذكرهُ فِي خطبه ويحذر النَّاس من اتِّبَاعه والانقياد إِلَيْهِ وَيَقُول فِي خطبَته جَاءَكُم أهل السوس الْأَقْصَى البعاد ثمَّ يذكر الشَّيْخ وَيَقُول {وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد} فِي كَلَام غير هَذَا وَكَانَ مقتل الفقيهين الْمَذْكُورين فِي ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
(5/29)

تَرْتِيب السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَمر دولته وَمَا قيل فِي ذَلِك

قَالَ اليفرني كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ مُولَعا بتدبير أَمر الرّعية مستيقظا فِي أُمُوره حازما غير مُتَوَقف فِي سفك الدِّمَاء قَالَ ويحكى أَنه لما دخل فاسا دَخلهَا وَعَلِيهِ وعَلى أَصْحَابه سمة البداوة فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب أهل الْحَاضِرَة والتخلق بأخلاقهم وَذكر أَن ملك السعديين إِنَّمَا تأنق على يَد رجل وَامْرَأَة فَأَما الرجل فقاسم الزرهوني فَإِنَّهُ رتب للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ هَيْئَة السلاطين فِي ملابسهم ودخولهم وخروجهم وآداب أَصْحَابهم وَكَيْفِيَّة مثولهم بَين أَيْديهم وَأما الْمَرْأَة فالعريفة بنت خجو فَإِنَّهَا عَلمته سيرة الْمُلُوك فِي مَنَازِلهمْ وحالاتهم فِي الطَّعَام واللباس وعاداتهم مَعَ النِّسَاء وَغير ذَلِك فاكتسى ملك الشَّيْخ بذلك طلاوة وازداد فِي عُيُون الْعَامَّة رونقا وحلاوة بِسَبَب جَرَيَانه على العوائد الحضرية لِأَن أهل الْبَادِيَة مسترذلون فِي عُيُون أهل الْحَاضِرَة قَالُوا وَلم يزل السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ يَدُور على مدن الْمغرب وأمصاره ويطيل الْإِقَامَة بفاس
قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَمن مآثره أَنه بنى جسر وَادي سبو وجسر وَادي أم الرّبيع وَتقدم بِنَاؤُه حصن آكادير وَالله تَعَالَى أعلم
وضع الوظيف الْمُسَمّى فِي لِسَان الْعَامَّة بالنائبة

قد تقدم لنا فِي صدر هَذَا الْكتاب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو غير ذَلِك وعَلى القَوْل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة فَهِيَ خَرَاجِيَّة كَمَا هُوَ مُقَرر فِي كتب الْفِقْه وَتقدم لنا أَيْضا أَن أول من وظف الْخراج على أَرض الْمغرب عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَتَبعهُ بنوه على ذَلِك وَقفا نهجهم بَنو مرين وَفِي الظهير الَّذِي كتبه السُّلْطَان أَبُو زيان المريني لِابْنِ الْخَطِيب أَيَّام مقَامه بسلا شَاهد بذلك وَلما جَاءَ السعديون من بعدهمْ سلكوا هَذَا السَّبِيل أَيْضا وَقَول اليفرني إِن أَبَا عبد الله الشَّيْخ أول من أحدث النائبة
(5/30)

بالمغرب يحمل على أَنه أول من أحدثها على الْوَجْه الْآتِي بَيَانه وَذَلِكَ أَنه لما صفا للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَمر الْمغرب واستأصل جرثومة بني وطاس مِنْهُ الْتفت إِلَى تَرْتِيب ملكه وتهذيب أعطافه وتأسيس أُمُور دولته كَمَا قُلْنَا فَمن ذَلِك أَنه فرض على قبائل الْمغرب الضريبة الْمُسَمَّاة فِي لِسَان الْعَامَّة بالنائبة وَلم ينزه عَنْهَا شريفا وَلَا مشروفا حَتَّى أَرْبَاب الزوايا والمنتسبين وَمِنْهُم أَوْلَاد الشَّيْخ أبي الْبَقَاء خَالِد المصمودي مَعَ مَا كَانَ لأبيهم من الشُّهْرَة بِالْولَايَةِ والصيت فِي بِلَاده وَكَانَ قدر هَذِه النائبة صَحْفَة من الشّعير وَعشْرين مدا من الْقَمْح لكل نائبة وصاعا من السّمن وكبشا لكل أَربع نَوَائِب وَكَانَت تفرض فِي زمَان الشَّيْخ على الكوانين وتوظف على حسب السكان وتدفع بِأَعْيَانِهَا وَجرى على ذَلِك وَلَده الْغَالِب بِاللَّه وَأَخُوهُ المعتصم وَلما جَاءَ الْمَنْصُور من بعدهمْ قوم تِلْكَ الْأَعْيَان بِسعْر الْوَقْت وَصَارَت تدفع دَرَاهِم ثمَّ ازْدَادَ ذَلِك إِلَى أَن خرج الْأَمر عَن الْقيَاس واتسع الْخرق على الراقع وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة
مراسلة السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

قد قدمنَا مَا كَانَ من غص السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ بمَكَان التّرْك من تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَأَنه غزاهم مرَّتَيْنِ وَقدم الإِمَام أَبُو عبد الله الخروبي ساعيا فِي الْهُدْنَة فَلم يرجع بطائل وَكَانَ السُّلْطَان الشَّيْخ يَقُول فِيمَا زَعَمُوا لَا بُد لي أَن أغزو مصر وَأخرج التّرْك من أحجارها وَكَانَ يُطلق لِسَانه فِي السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني ويسميه بسُلْطَان الحواتة يَعْنِي لِأَن التّرْك كَانُوا أَصْحَاب أساطيل وسفر فِي الْبَحْر فأنهى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان فَبعث إِلَيْهِ رسله فَهَذَا سَبَب المراسلة على مَا فِي النزهة
وأشبه مِنْهُ بِالصَّوَابِ مَا حَكَاهُ بَعضهم قَالَ لما بلغ خبر انْقِرَاض الدولة الوطاسية إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني واستيلاء السعديين على ملك الْمغرب الْأَقْصَى كتب إِلَى الشَّيْخ يهنئه بِالْملكِ ويلتمس مِنْهُ الدُّعَاء لَهُ على مَنَابِر
(5/31)

الْمغرب وَبعث إِلَيْهِ بذلك رَسُولا فِي الْبَحْر فَانْتهى إِلَى الجزائر وَمِنْهَا قدم إِلَى مراكش فِي الْبر وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أنزلهُ على كَبِير الأتراك فِي محلته صَالح باي الْمَعْرُوف بالكاهية وَكَانَ هَؤُلَاءِ الأتراك قد انحاشوا إِلَى الشَّيْخ من بقايا القادمين مَعَ أبي حسون فضمهم إِلَيْهِ وجعلهم جندا على حِدة وَسَمَّاهُمْ اليكشارية بِالْيَاءِ ثمَّ الْكَاف ثمَّ الشين وَهُوَ لفظ تركي مَعْنَاهُ الْعَسْكَر الْجَدِيد وَلما قَرَأَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ كتاب السُّلْطَان سُلَيْمَان وَوجد فِيهِ أَنه يَدْعُو لَهُ على مَنَابِر الْمغرب وَيكْتب اسْمه على سكته كَمَا كَانَ بَنو وطاس حمى أَنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرَّسُول وأزعجه فَطلب مِنْهُ الْجَواب فَقَالَ لَا جَوَاب لَك عِنْدِي حَتَّى أكون بِمصْر إِن شَاءَ الله وَحِينَئِذٍ أكتب لسلطان القوارب فَخرج الرَّسُول من عِنْده مذعورا يلْتَفت وَرَاءه إِلَى أَن وصل إِلَى سُلْطَانه وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ
قدوم طَائِفَة التّرْك من عِنْد السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني واغتيالهم للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ رَحمَه الله

لما خرج رَسُول السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني من عِنْد السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَوصل إِلَى الجزائر ركب الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَانْتهى إِلَيْهَا وَاجْتمعَ بالوزير الْمَعْرُوف عِنْدهم بالصدر الْأَعْظَم وَأخْبرهُ بِمَا لَقِي من سُلْطَان الْمغرب فأنهى الْوَزير ذَلِك إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان فَأمره أَن يُهَيِّئ الْعِمَارَة والعساكر لغزو الْمغرب فَاجْتمع أهل الدِّيوَان وكرهوا توجيهها وَاتفقَ رَأْيهمْ على أَن عينوا اثْنَي عشر رجلا من فتاك التّرْك وبذلوا لَهُم اثْنَي عشر ألف دِينَار وَكَتَبُوا لَهُم كتابا إِلَى صَالح الكاهية كَبِير عَسْكَر الشَّيْخ ووعدوه بِالْمَالِ والمنصب إِن هُوَ نصح فِي اغتيال الشَّيْخ وتوجيه رَأسه مَعَ القادمين عَلَيْهِ
وَفِي النزهة أَن صَالحا هَذَا كَانَ من ترك الجزائر جَاءَ فِي جملَة
(5/32)

الطَّائِفَة الموجهين لاغتيال الشَّيْخ وَالله أعلم ثمَّ دخل الْوَزير على السُّلْطَان سُلَيْمَان وَاعْتذر إِلَيْهِ عَن تَوْجِيه الْعِمَارَة وَقَالَ هَذَا أَمر سهل لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى تَقْوِيم عمَارَة وَهَذَا المغربي الَّذِي أَسَاءَ الْأَدَب على السُّلْطَان يَأْتِي رَأسه إِلَى بَين يَديك فاستصوب رَأْيهمْ وشكر سَعْيهمْ وَأمر بتوجيه الْجَمَاعَة الْمعينَة فِي الْبَحْر إِلَى الجزائر وَمِنْهَا يتوجهون إِلَى مراكش فِي الْبر فَفَعَلُوا وَلما وصلوا إِلَى الجزائر هيؤوا أسبابا واشتروا بغالا وَسَارُوا إِلَى فاس فِي هَيْئَة التُّجَّار فباعوا بهَا أسبابهم وتوجهوا إِلَى مراكش وَلما اجْتَمعُوا بِصَالح الكاهية أنزلهم عِنْده ودبر الْحِيلَة فِي أَمرهم إِلَى أَن تَوَجَّهت لَهُ
وَفِي النزهة أَن هَؤُلَاءِ الأتراك خَرجُوا من الجزائر إِلَى مراكش مظهرين أَنهم فروا من سلطانهم وَرَغبُوا فِي خدمَة الشَّيْخ والاستيجار بِهِ ثمَّ إِن صَالحا الكاهية دخل على السُّلْطَان أبي بعد الله الشَّيْخ وَقَالَ يَا مولَايَ إِن جمَاعَة من أَعْيَان جند الجزائر سمعُوا بمقامنا عنْدك ومنزلتنا مِنْك فرغبوا فِي جوارك والتشرف بخدمتك وَلَيْسَ فَوْقهم من جند الجزائر أحد وهم إِن شَاءَ الله السَّبَب فِي تَملكهَا فَأمره بإدخالهم عَلَيْهِ وَلما مثلُوا بَين يَدَيْهِ رأى وُجُوهًا حسانا وأجساما عظاما فأكبرهم ثمَّ ترجع لَهُ صَالح كَلَامهم فأفرغه فِي قالب الْمحبَّة والنصح وَالِاجْتِهَاد فِي الطَّاعَة والخدمة حَتَّى خيل إِلَى الشَّيْخ أَنه قد حصل على ملك الجزائر فَأمره بإكرامهم وَأَن يعطيهم الْخَيل وَالسِّلَاح ويكونوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ مَعَ الكاهية كلما دخل فَكَانُوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ كل صباح لتقبيل يَده على عَادَة التّرْك فِي ذَلِك
وَصَارَ الشَّيْخ يبْعَث بهم إِلَى أَشْيَاخ السوس مناوبة فِي الْأُمُور المهمة ليتبصروا فِي الْبِلَاد ويعرفوا النَّاس وَكَانَ يُوصي الْأَشْيَاخ بإكرام من قدم عَلَيْهِم مِنْهُم وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن أمكنتهم فِيهِ الفرصة وَهُوَ فِي بعض حركاته بجبل درن بِموضع يُقَال لَهُ آكلكال بِظَاهِر تارودانت فولجوا عَلَيْهِ خباءه لَيْلًا على حِين غَفلَة من العسس فَضربُوا عُنُقه بشاقور ضَرْبَة أبانوا بهَا رَأسه وَاحْتَمَلُوهُ فِي مخلاة ملؤوها نخالة وملحا وخاضوا بِهِ أحشاء الظلماء وسلكوا طَرِيق درعة وسجلماسة كَأَنَّهُمْ أرسال تلمسان لِئَلَّا يفْطن بهم أحد من
(5/33)

أهل تِلْكَ الْبِلَاد ثمَّ أدركوا بِبَعْض الطَّرِيق فقاتلت طَائِفَة مِنْهُم حَتَّى قتلوا وَنَجَا الْبَاقُونَ بِالرَّأْسِ وَقتل مَعَ الشَّيْخ تِلْكَ اللَّيْلَة الْفَقِيه مفتي مراكش أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر السكتاني وَالْكَاتِب أَبُو عمرَان الوجاني
وَلما شاع الْخَبَر بِأَن التّرْك قتلوا السُّلْطَان واستراب النَّاس بِجَمِيعِ من بَقِي مِنْهُم بالمغرب أغلق إخْوَانهمْ الَّذين كَانُوا بتارودانت أَبْوَابهَا واقتسموا الْأَمْوَال واستعدوا للحصار وَلما بُويِعَ ابْنه الْغَالِب بِاللَّه وَقدم من فاس نَهَضَ فِي العساكر إِلَى تارودانت للأخذ بثأر أَبِيه من التّرْك الَّذين بهَا فَحَاصَرَهُمْ مُدَّة وَلما لم يقدر مِنْهُم على شَيْء أعمل الْحِيلَة بِأَن أظهر الرحلة عَنْهُم وأشاع أَنه رَاجع إِلَى فاس لثائر قَامَ بهَا وَلما أبعد عَنْهُم مسيرَة يَوْم خَرجُوا فِي اتِّبَاعه لَيْلًا والعيون مَوْضُوعَة عَلَيْهِم بِكُل جِهَة إِلَى أَن شارفوا محلّة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه فعطف عَلَيْهِم وَلما لم يُمكنهُم الرُّجُوع إِلَى تارودانت تحيزوا إِلَى الْجَبَل وبنوا بِهِ قياطنهم وَجعلُوا عَلَيْهَا المتارزات من الْأَحْجَار وتحصنوا بهَا وأحاطت بهم العساكر من كل جِهَة فَقَاتلُوا إِلَى أَن فنوا عَن آخِرهم وَلم يُؤْخَذ مِنْهُم أَسِير وَقتلُوا من محلّة الْغَالِب بِاللَّه ألفا وَمِائَتَيْنِ وَأما الَّذين نَجوا بِالرَّأْسِ فَانْتَهوا إِلَى الجزائر وركبوا الْبَحْر مِنْهَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فأوصلوا الرَّأْس إِلَى الصَّدْر الْأَعْظَم وَأدْخلهُ على السُّلْطَان سُلَيْمَان فَأمر بِهِ أَن يَجْعَل فِي شبكة نُحَاس ويعلق على بَاب القلعة فَبَقيَ هُنَالك إِلَى أَن شفع فِي إنزاله وَدَفنه ابناه عبد الْملك المعتصم وَأحمد الْمَنْصُور حِين قدما الْقُسْطَنْطِينِيَّة على السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان مستعديين لَهُ على ابْن أخيهما المسلوخ كَمَا يَأْتِي وَكَانَ مقتل الشَّيْخ رَحمَه الله يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَلما بلغ خبر مَقْتَله إِلَى خَلِيفَته بمراكش الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن أبي بكر آزناك بَادر بقتل أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج المخلوع وَأَوْلَاده ذُكُورا وإناثا كبارًا وصغارا خشيَة أَن يُخرجهُ أهل مراكش فيبايعوه وَلما قتلوا لم يتجرأ أحد على دفنهم فبقوا مصرعين حَتَّى دفنهم الشَّيْخ أَبُو عَمْرو القسطلي الْوَلِيّ الشهير بمقربة من ضريح الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وَهِي الْقبَّة الَّتِي قرب الضريح الْمَذْكُور تسمى قُبُور الْأَشْرَاف وَأما السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ
(5/34)

فَإِنَّهُم حملُوا جثته إِلَى مراكش فدفنت بهَا قبلي جَامع الْمَنْصُور بروضة السعديين وقبره شهير بهَا إِلَى الْآن وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات
(حَيّ ضريحا تغمدته رحمات ... وظلت لحده مِنْهَا غمامات)
(واستنشقن نفحة التَّقْدِيس مِنْهُ فقد ... هبت من الْخلد لي مِنْهَا نسيمات)
(بَحر بِهِ كورت شمس الْهدى فكست ... من أجلهَا السَّبْعَة الْأَرْضين ظلمات)
(يَا مهجة غالها غول الردى قنصا ... وأثبتت سهمها فِيهَا المنيات)
(دكت لموتك أطواد الْعلَا صعقا ... وَارْتجَّ من بعْدك السَّبع السَّمَوَات)
(وشيعت نَعشك المزجى إِلَى عدن ... من الملائك ألحان وأصوات)
(يَا رَحْمَة الله عاطيه سلاف رضَا ... تَدور مِنْهَا عَلَيْهِ الدَّهْر كاسات)
(قضى فَوَافَقَ فِي التَّارِيخ مِنْهُ حلى ... دَار إِمَام الْهدى الْمهْدي جنَّات)
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ يلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ دَرَجَة الرسوخ حَتَّى كَانَ يُخَالف الْقُضَاة فِي الْأَحْكَام وَيرد عَلَيْهِم فتاويهم فيجدون الصَّوَاب مَعَه وَقع ذَلِك مِنْهُ مرَارًا وَله حواش على التَّفْسِير وَذَلِكَ مِمَّا يدل على غزارة علمه
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقى كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ رَحمَه الله أديبا متفننا حَافِظًا حَدثنِي شَيخنَا أَبُو رَاشد أَنه كَانَ ممتع المجالسة والمذاكرة نقي الشيبة عَظِيم الهيبة مَا رَأَيْت بعد شَيْخي أبي الْحسن عَليّ بن هَارُون أحفظ مِنْهُ للمقطعات الشعرية وَكَثِيرًا مَا ينشد
(النَّاس كالناس وَالْأَيَّام وَاحِدَة ... والدهر كالدهر وَالدُّنْيَا لمن غلب)
وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فهما جدا حَافظ لصحيح البُخَارِيّ ويستحضر مَا للنَّاس عَلَيْهِ وَيَقُول فِي شرح ابْن حجر مَا صنف فِي الْإِسْلَام مثله عَارِفًا بالتفسير وَغَيره وَكَانَ يحفظ ديوَان المتنبي عَن ظهر قلب وَكَانَ يحض على
(5/35)

الْمُشَاورَة وَيَقُول لَا سِيمَا فِي حق الْمُلُوك وينشد قَول المتنبي
(وَمن جهلت نَفسه قدره ... رأى غَيره مِنْهُ مَا لَا يرى)
وَكَانَ يَقُول يَنْبَغِي للْملك أَن يكون طَوِيل الأمل فَإِن طول الأمل وَإِن كَانَ لَا يحسن من غَيره فَهُوَ مِنْهُ صَالح لِأَن الرّعية تصلح بطول أمله وَكَانَ يَقُول من طول أمله أَخذ تلمسان وسبتة وَغَيرهمَا انْتهى
وَقَوله إِنَّه كَانَ يحفظ ديوَان المتنبي سَببه مَا ذكره فِي الدوحة قَالَ أَخْبرنِي الْوَزير الْمُعظم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف قَالَ لما غدرت قَبيلَة المنابهة بجد السُّلْطَان الْمَذْكُور وأنجاه الله من غدرتهم عرف الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله ابْن عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ يَقُول أَيْن أَنْت من قَول أبي الطّيب المتنبي
(غاض الْوَفَاء فَمَا تَلقاهُ فِي عدَّة ... وأعوز الصدْق فِي الْإِخْبَار وَالْقسم)
قَالَ فعكف السُّلْطَان الْمَذْكُور على ديوَان المتنبي حَتَّى حفظه كُله وَلم يعزب عَنهُ بَيت وَاحِد اه وَابْن عمر الْمَذْكُور هُوَ أحد أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر المضغري الْفَقِيه الفرضي الحاسب فَقِيه درعة وعالمها وَكَانَ قد وَفد على السُّلْطَان الْمَذْكُور أَيَّام كَونه بالسوس وَلما عَاد إِلَى درعة سَأَلَهُ فقهاؤنا كَيفَ وجدت أهل السوس فَقَالَ وجدت فقهاءهم على ضَعِيف الفتاوي وفقراءهم على عَظِيم الدعاوي وعامتهم على كثير الْمسَاوِي
وَمن أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور الإِمَام الشهير شيخ الْجَمَاعَة بالصقع السُّوسِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الثاملي ذكره فِي الْمُنْتَقى وَأثْنى عَلَيْهِ وَمن أشياخه عَلامَة فاس ومحققها أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد اليستني أَخذ عَنهُ علوما مِنْهَا التَّفْسِير قَالَ المنجور وَكنت أَنا قارئه بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله الشَّيْخ الْمَذْكُور وَكَانَ شَدِيد الْمحبَّة لَهُ قَالَ وَلما
(5/36)

توفّي الْفَقِيه الْمَذْكُور وَذَهَبت مَعَ وَلَده صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي توفّي بهَا لنخبر السُّلْطَان بوفاته وَجَدْنَاهُ يقْرَأ ورده بحمام المريني فَخرج السُّلْطَان إِلَيْنَا وَهُوَ يبكي بِصَوْت عَال يفزع من سَمعه حَتَّى رَأينَا مِنْهُ الْعجب وَمَا سكت إِلَّا بعد مُدَّة لما كَانَ يعلم مِنْهُ من صِحَة الدّين والنصح لخاصة الْمُسلمين وعامتهم وَحضر جنَازَته وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وللسلطان الْمَذْكُور عدَّة أَشْيَاخ غير هَؤُلَاءِ
وَمن وزرائه الرئيس أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر آصناك الحاحي وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن أبي جمدي الْعمريّ وَغَيرهم
وَمن قُضَاته بفاس أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الخصاصي وبمراكش أبوالحسن عَليّ بن أبي بكر السكتاني رحم الله الْجَمِيع
وَكَانَ للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ عدَّة أَوْلَاد نجباء وَمن أنجبهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحران الْقَتِيل على تلمسان وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه وَأَبُو مَرْوَان عبد الْملك الْغَازِي وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ولوا الْأَمر بعد أَبِيهِم وَمِنْهُم الْوَزير أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة
وَفِي نشر المثاني أَنه قتل مخنوقا بِأَمْر أَخِيه عبد الله الْغَالِب بِاللَّه سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَالله أعلم وَمِنْهُم عُثْمَان وَعبد الْمُؤمن وَعمر وَغَيرهم
قَالَ المنجور فِي فهرسته حضرت يَوْمًا مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عد الله الشَّيْخ وَقد حضر عِنْده أَوْلَاده الصناديد الْأُمَرَاء الْمولى مُحَمَّد الحران وَالْمولى عبد الْقَادِر وَالْمولى عبد الله فَدخل شَيخنَا الإِمَام أَبُو عبد الله اليستني فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم حول أَبِيهِم أنْشد بَيت تَلْخِيص الْمِفْتَاح
(فَقلت عَسى أَن تبصريني كَأَنَّمَا ... بنى حوالي الْأسود الحوارد)
فأعجب ذَلِك السُّلْطَان وَأَوْلَاده رَحْمَة الله عَلَيْهِم
(5/37)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ رَحمَه الله

كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه كَمَا رَأَيْته مرقوما على الرخامة الَّتِي على قَبره فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ رَحمَه الله أدعج الْعَينَيْنِ مستدير الْوَجْه عريضه أسيل الْخَدين مشرف الوجنتين ربعَة للقصر وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ بِطرف صَالح من الْعلم وَكَانَ ولي عهد أَبِيه وَكَانَ يلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالغالب بِاللَّه لقبه بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة وَلما وافته الأنباء بمقتل أَبِيه وَهُوَ بفاس بَايعه أَهلهَا وَلم يتَخَلَّف عَن بيعَته مِنْهُم أحد
وَذكر صَاحب زهرَة الشماريخ أَن الْفَقِيه الميقاتي الْمعدل بمنار الْقرَوِيين أَبَا عبد الله المزوار وَكَانَ بَصيرًا بِعلم الْأَحْكَام والحدثان بَيْنَمَا هُوَ ذَات لَيْلَة يرقب الطالع وَالْغَارِب وَقد ابهار اللَّيْل واسود ديجوره رأى طالع السُّلْطَان الشَّيْخ قد سقط وَكَانَت بَينه وَبَين ابْنه أبي مُحَمَّد عبد الله وصلَة فأسرع فِي الذّهاب إِلَيْهِ ليخبره بِمَا رأى فَلَمَّا بلغ بَاب فاس الْجَدِيد وجده مغلقا فَاسْتَأْذن الموكلين بِهِ فِي فَتحه فَأَبَوا فَقَالَ لَهُم إِنِّي جِئْت إِلَى الْخَلِيفَة يَعْنِي خَليفَة السُّلْطَان فِي أَمر مُهِمّ عِنْده وَإِن لم تعلموه بمكاني السَّاعَة لحقكم مِنْهُ غَدا مَا تَكْرَهُونَ فأنذروا الْخَلِيفَة الْمَذْكُور بِهِ فَحمل إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن قَضيته فَأخْبرهُ بِمَا رأى ونعى إِلَيْهِ أَبَاهُ فَلم يكذب فِي ذَلِك وتهيأ واستعد فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى وافته الأنباء بمقتل أَبِيه فِي تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي قَالَ لَهُ الْمعدل الْمَذْكُور فصادفه الْحَال على أهبة واستعداد وَلما بلغ أهل مراكش مبايعة أهل فاس لَهُ وافقوا عَلَيْهَا فاستوسق لَهُ الْأَمر وتمهد لَهُ ملك أَبِيه وَكَانَ ذَلِك كُله فِي الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
(5/38)

مَجِيء حسن بن خير الدّين التركي إِلَى فاس ورجوعه مُنْهَزِمًا عَنْهَا

قَالَ ابْن القَاضِي لما ولي السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه الْخلَافَة اشْتغل بتأسيس مَا بِيَدِهِ وتحصينه بِالْعدَدِ وَالْعدة وَلم تطمح نَفسه إِلَى الزِّيَادَة على مَا ملك أَبوهُ من قبله
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا غزاه حسن بن خير الدّين باشا التركي صَاحب تلمسان فِي جَيش كثيف من الأتراك فَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه فَالْتَقَيَا بمقربة من وَادي اللَّبن من عمالة فاس فَكَانَت الدبرة على حسن فَرجع مُنْهَزِمًا يطْلب صياصي الْجبَال إِلَى أَن بلغ إِلَى باديس وَكَانَت يَوْمئِذٍ للترك وَرجع الْغَالِب بِاللَّه إِلَى فاس لكنه لم يدخلهَا لوباء كَانَ بهَا يَوْمئِذٍ وَلما رَجَعَ من حركته هَذِه أَمر بقتل أَخِيه عُثْمَان لأمر نقمه عَلَيْهِ فَقتل فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَالله تَعَالَى أعلم
بِنَاء جَامع المواسين بِحَضْرَة مراكش وَالْبركَة الْمُتَّصِلَة بِهِ والمارستان وَغير ذَلِك

قَالَ اليفرني وَفِي عشرَة السّبْعين وَتِسْعمِائَة أنشأ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه جَامع الْأَشْرَاف بحومة المواسين من مراكش والسقاية الْمُتَّصِلَة بِهِ الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْمَدِينَة الْمَذْكُور والمارستان الَّذِي ظهر نَفعه ووقف عَلَيْهِ أوقافا عَظِيمَة قلت وَهَذَا المارستان هُوَ الَّذِي بحومة الطالعة قرب السجْن وَقد اتخذ الْيَوْم سجنا للنِّسَاء قَالَ وَهَذَا السُّلْطَان هُوَ الَّذِي جدد أَيْضا بِنَاء الْمدرسَة الَّتِي بجوار جَامع ابْن يُوسُف اللمتوني وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا كَمَا يَعْتَقِدهُ كثير من النَّاس بل الَّذِي أَنْشَأَهَا أَولا هُوَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني رَحمَه الله حَسْبَمَا ذكره ابْن بطوطة فِي رحلته وشاع على الْأَلْسِنَة أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه توصل إِلَى بنائها بصناعة الكيمياء وَأَن الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي علمه إِيَّاهَا حِين تلمذ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي
قَالَ اليفرني وَهُوَ كذب فَإِن الْمَنْقُول عَن الشَّيْخ الْمَذْكُور إنكارها
(5/39)

وَمَا كَانَ ليفتح على مُسلم بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الْفِتْنَة وسببا بليغا من أَسبَاب المحنة لِأَن هَذِه الحرفة من أعظم أَبْوَاب الْفِتَن وَقد أجمع أَرْبَاب البصائر على التحذير من تعاطيها لوجوه ثَلَاثَة أَولهَا إِنَّهَا من المستحيلات كَمَا ذكره ابْن سيناء مستدلا عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى {لَا تَبْدِيل لخلق الله} وكما أَنه لَيْسَ فِي قدرَة الْمَخْلُوق أَن يحول القرد إنْسَانا وَالذِّئْب غزالا كَذَلِك لَيْسَ فِي قدرته أَن يصير الرصاص فضَّة والنحاس ذَهَبا يَعْنِي لِأَن ذَلِك من بَاب قلب الْحَقَائِق وَهُوَ محَال وَلَقَد تناظر رجلَانِ فِيهَا فَقَالَ مجوزها أتنكر مَا تشاهده فِي الصَّبْغ وتصيير الْجَسَد الْأَحْمَر أصفر والأبيض أسود فَقَالَ مانعها لَا أنكر ذَلِك لِأَن الصَّبْغ لَيست تَغْيِير أصل وَإِنَّمَا أنكر أَن ثوب الصُّوف الْأَبْيَض ترده صناعَة الصَّبْغ قطنا أَو حَرِيرًا أَحْمَر أَو أَخْضَر وَأما الصَّبْغ فَلَا شكّ أَن النّحاس يصير أَبيض وَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن أَصله وَلَا يسلب عَنهُ اسْم النّحاس بل يُقَال فِيهِ نُحَاس أَبيض كَمَا لَا يسلب صبغ الصُّوف عَنهُ اسْم الصُّوف ثَانِيهَا سلمنَا أَنَّهَا جَائِزَة الْوُجُود لَكِنَّهَا مَعْدُومَة فِي الْخَارِج كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ رَحمَه الله إِذْ قَالَ ثَلَاث مُتَّفق على وجودهَا فِي الْغَالِب وَقد اتّفق على عدم رؤيتها أهل الْمَشَارِق والمغارب الكيمياء والعنقاء والغول وأخبارها كلهَا على وَجه السماع والإسنادات وحكايتها كالموضوعات عَن العجماوات والجمادات ثَالِثهَا سلمنَا أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَارِج لكنه يحرم تنَاولهَا وَالْبيع وَالشِّرَاء بهَا
وَقد سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق التّونسِيّ رَحمَه الله فَقيل لَهُ أحلال هِيَ إِذا كَانَت خَالِصَة فَقَالَ لَو دبر النّحاس أَو غَيره من الأجساد حَتَّى صَار ذَهَبا خَالِصا لَا شكّ فِيهِ فَمَتَى لم يقل بَائِعه لمبتاعه هَذَا كَانَ نُحَاسا أَو جسدا من الأجساد فدبرته حَتَّى صَار ذَهَبا كَمَا ترى لَكَانَ غاشا مدلسا قَالَ وَمَتى ذكره لم يشتر أحد مِنْهُ ذَلِك بفلس وَيَقُول فَكَمَا دَبرته حَتَّى صَار ذَهَبا فَكَذَلِك يدبره غَيْرك حَتَّى يرجع إِلَى أَصله فَمن لم يبين فِيهَا فَهُوَ دَاخل
(5/40)

فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَشنَا فَلَيْسَ منا فَتكون صناعتها حَرَامًا وَقيل لبَعض الْفُضَلَاء لم لم تتعلل بِهَذِهِ الصِّنَاعَة فَإِنَّهَا تسلي الخاطر فَقَالَ قيل للحمار لم لم تجتر فَقَالَ أكره مضغ الْبَاطِل وَأنْشد
(فَقلت لِأَصْحَابِي هِيَ الشَّمْس ضوءها ... قريب وَلَكِن فِي تنَاولهَا بعد)
اه مَا نَقله اليفرني مُلَخصا مهذبا وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا عوج فِيهِ وَلَا أمت ثمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا شاع عَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه من ذَلِك لَا أصل لَهُ وَلَقَد كَانَ أهل الْوَرع يجتنبون الصَّلَاة فِي جَامع الْأَشْرَاف بعد مَا بنى مُدَّة وَيُقَال إِن مَوضِع ذَلِك الْجَامِع كَانَ مَقْبرَة للْيَهُود وَالله تَعَالَى أعلم
فتح مَدِينَة شفشاون وانقراض أَمر بني رَاشد مِنْهَا

تقدم أَن مَدِينَة شفشاون حرسها الله بناها بَنو رَاشد من شرفاء الْعلم وَكَانُوا أهل جِهَاد ومرابطة على الْعَدو بِبِلَاد غمارة والهبط وَلما توفّي مختطها الْأَمِير أَبُو الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد بقيت بيد أَوْلَاده يتولون رياستها قَالَ فِي الْمرْآة وَلم يزَالُوا فِيهَا بَين سلم وَحرب إِلَى أَن حَاصَرَهُمْ بهَا الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ بجيوش عَمه السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه وَصَاحب شفشاون يَوْمئِذٍ الْأَمِير الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الْأَمِير أبي الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار خرج فِيمَن إِلَيْهِ من أَهله وَولده وقرابته وصعدوا الْجَبَل المطل على شفشاون فِي مَسْلَك وعر صحبتهم فِيهِ السَّلامَة وَذَلِكَ لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّانِي من صفر سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَسَارُوا إِلَى ترغة فَرَكبُوا مِنْهَا الْبَحْر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع الشَّهْر الْمَذْكُور وَاسْتقر الْأَمِير أَبُو عبد الله بِالْمَدِينَةِ المنورة إِلَى أَن مَاتَ بهَا رَحمَه الله
(5/41)

حِصَار البريجة الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالجديدة

قد قدمنَا مَا كَانَ من بِنَاء البرتغال لمدينة الجديدة وتحصينهم لَهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَكَانَت غارات الْمُسلمين المجاورين لَهُم لَا تَنْقَطِع عَنْهُم وَكَذَلِكَ هم سَائِر مقامهم بهَا وَلما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة جهز إِلَيْهَا السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه جَيْشًا كثيفا واستنفر لَهَا قبائل الْحَوْز وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِهِ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسلوخ قَتِيل وَادي المخازن وَكَانَ يَوْمئِذٍ ابْن عشْرين سنة على مَا قيل واستوزر لَهُ الْقَائِد الْمُجَاهِد الشَّاعِر الْفَاضِل أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن تودة العمراني وَجعل إِلَيْهِ أَمر الْحَرْب وَابْن السُّلْطَان صُورَة فزحف إِلَيْهَا وحاصرها أَرْبَعَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَملك بعض أسوارها وَلم يقْض الله بِفَتْحِهَا
وَفِي النزهة ذكر أَن الْقَائِد ابْن تودة دخل البريجة الَّتِي قرب آزمور وَأخذ أسوارها وعزم على أَن يستأصل فِي الْغَد بقيتها وَلَا يبقي للكفر بهَا أثرا فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ينهاه عَنْهَا فتراجع النَّصَارَى إِلَيْهَا بعد أَن ركبُوا الْبَحْر عازمين على الْجلاء عَنْهَا اه
وَقد وقفت فِي التَّارِيخ البرتغالي الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة وَاسم مُؤَلفه لويز مَارِيَة على أَخْبَار هَذَا الْحصار وَقد استوعبها وبسطها وتتبع الوقائع فصلا فصلا وَيَوْما يَوْمًا وأتى من ذَلِك بِمَا يزِيد على الكراسة فَكَانَ من جملَة مَا قَالَ إِنَّه لما عزم السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه على غزوهم وَأخذ فِي تجهيز الجيوش إِلَيْهِم أَتَاهُم بعض المتنصرة قَالَ وَهُوَ عبد أسود فَأخْبرهُم بِأَن السُّلْطَان مستعد لحربهم وَكَانُوا عازمين على التَّوَثُّق من هَذَا الجاسوس فَأَفلَت مِنْهُم فَعَلمُوا أَن إِظْهَاره للتنصر كَانَ مكيدة ثمَّ أخذُوا فِي الاستعداد واشتروا من عِنْد قَائِد آزمور ألفي سيف هَكَذَا زعم قَالَ وَفِي الْيَوْم الرَّابِع من مارس سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين وَسِتِّينَ مسيحية وصلت جموع الْمُسلمين إِلَى حوز الجديدة وَهَذَا التَّارِيخ مُوَافق للتاريخ الْعَرَبِيّ الَّذِي قدمْنَاهُ قَالَ فَكَانَت خيل الْمُسلمين نَحْو ثَلَاثِينَ ألف وَالرُّمَاة ضعف ذَلِك وَكَانَ فيهم عَسْكَر التّرْك الْمَعْرُوف بالبلدروش وَكَانُوا يَوْمئِذٍ جندا للسعديين وَكَانَ مَعَهم
(5/42)

عشرُون مدفعا عشرَة كَبِيرَة وَعشرَة صَغِيرَة وفيهَا وَاحِد أعظم من الْجَمِيع يُسمى ميمونا وَكَانَ مَعَهم الْعلم الْكَبِير الْأَبْيَض ورايات أخر ملونة وتقدموا إِلَى الجديدة فحاصروها حصارا شَدِيدا وحاربوها حَربًا هائلة وصف هَذَا المؤرخ ذَلِك كُله وَصفا كاشفا وَكَانَت الجديدة يَوْمئِذٍ فِي غَايَة الحصانة والمناعة فَلم يتَمَكَّن الْمُسلمُونَ من النَّصَارَى على مَا يَنْبَغِي وَأرْسل التّرْك عَلَيْهِم أَنْوَاع الحراقيات وملكوا المتارزات الَّتِي كَانَت حول السُّور بعد أَن هَلَكت عَلَيْهَا نفوس من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ صنع النَّصَارَى للْمُسلمين عِنْدهَا مينا البارود مرَّتَيْنِ فَفِي الأولى كَانَت المينا تِسْعَة براميل نفط مِنْهُنَّ سَبْعَة فأهلكت خلقا من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَفِي الثَّانِيَة كَانَت تِسْعَة عشر برميلا أَمَام السُّور فنفطت بِالْمُسْلِمين وأتلفت مِنْهُم عددا فبعضهم طَار فِي الْهَوَاء وَبَعْضهمْ تَحت التُّرَاب
وَكَانَ رُمَاة الْمُسلمين ينالون مِنْهُم نيلا عَظِيما واعترف النَّصَارَى لَهُم بجودة الرَّمْي بِحَيْثُ كَانُوا كلما ظهر مِنْهُم عسكري على السُّور اختطفته رصاصة فِي أخير مَوضِع من بدنه من الرَّأْس أَو الصَّدْر
قَالَ لويز المؤرخ وَلَقَد قدم فِي بعض الْأَيَّام من أشبونة كَبِير من كبراء جندهم فَقَالَ لَهُم أروني كَيفَ قتالكم لهَؤُلَاء الْمُسلمين وَكَيف مصافتكم لَهُم قَالَ فَمَا ظهر بِرَأْسِهِ على السُّور ليرى محلّة الْمُسلمين حَتَّى أَصَابَته رصاصة نثرت دماغه كَأَن صَاحبهَا كَانَ ينتظره وَكَانَ ذَلِك بِنَفس نُزُوله من الْبَحْر قبل أَن يذهب إِلَى منزله فَعوضهُ مِنْهُ الْمُسلمُونَ الْقَبْر قَالَ فَمَا كَانَ النَّصَارَى بعْدهَا يقدرُونَ أَن يظهروا على السُّور إِلَّا فِي النَّادِر وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار ندب كَبِيرهمْ جمَاعَة مِنْهُم لِلْخُرُوجِ إِلَى السواحل الْبَعِيدَة عَن محلّة الْمُسلمين لَعَلَّهُم يظفرون بأسير مِنْهُم يستكشفونه عَن خبر الْجَيْش المحاصر لَهُم هَل هُوَ مرتحل أَو مُقيم وَمَا مُدَّة الْإِقَامَة قَالَ فَخَرجُوا فِي فلك لَهُم لَيْلًا وَسَارُوا حَتَّى بلغُوا سَاحل طيط وَهِي يَوْمئِذٍ خَالِيَة وَكَانَ بقربها محلّة لقائد آسفي فَلَمَّا طلع الْفجْر تقدمُوا إِلَى الْبر وأرسوا فلكهم إِلَى جَانب بعض الْأَحْجَار هُنَالك بِحَيْثُ يخفى على المارين بالسَّاحل ثمَّ كمنوا هُنَالك فَلَمَّا كَانَ وَقت الْإِسْفَار إِذا بِرَجُل من محلّة آسفي أَتَى على فرسه إِلَى
(5/43)

شاطئ الْبَحْر لبَعض حاجاته فَلم يرعه إِلَّا النَّصَارَى قد أَحدقُوا بِهِ وَأخذُوا بلجام فرسه وَجعل بَعضهم فَم مكحلته فِي صَدره فَلم يملك الْمُسلم من نَفسه شَيْئا ثمَّ أنزلوه عَن الْفرس وساقوه إِلَى الْفلك أَسِيرًا ولججوا بِهِ فِي الْبَحْر وَلما بعدوا عَن الْبر شَيْئا مَا رمى أحدهم الْفرس بِرَصَاصٍ فَقتله ثمَّ أَسْرعُوا إِلَى الجديدة فَدَخَلُوهَا وَاجْتمعَ النَّصَارَى على الْمُسلم وَهُوَ كالمبهوت بَينهم ثمَّ سَأَلُوهُ عَن خبر الْجَيْش المحاصر لَهُم فَأخْبرهُم بِأَنَّهُم يناجزونهم بعد هَذَا مرّة أُخْرَى أَو مرَّتَيْنِ فَإِن لم يظفروا بهم ارتحلوا عَنْهُم فَكَانَ كَذَلِك قَالَ وَكَانَ ارتحال الْمُسلمين من الجديدة فِي سَابِع مايه العجمي من السّنة الْمَذْكُورَة فَعمل النَّصَارَى لذَلِك عيدا وأحدثوا فِي كنائسهم صلوَات لم تكن قبل وَذَلِكَ بِإِشَارَة باباهم صَاحب رومة
وَمِمَّا حَكَاهُ هَذَا البرتغالي فِيمَا كَانَ يجْرِي بَين أهل آزمور وَبينهمْ من الْحَرْب وَذَلِكَ بعد هَذَا الْحصار بِمدَّة يسيرَة أَنه كَانَ بآزمور امْرَأَة حسناء وخطبها رجل من أهل الْبَلَد سَمَّاهُ لويز إِلَّا أَنه لم يحسن النُّطْق بِهِ لعجمته وَأَظنهُ اسْمه الميلودي لِأَن الْحُرُوف الَّتِي ذكر تقرب مِنْهُ قَالَ فامتنعت عَلَيْهِ فَرَاوَدَهَا أَيَّامًا وَاشْتَدَّ كلفه بهَا فَلم تَزْدَدْ عَلَيْهِ إِلَّا تمنعا فَبعث إِلَيْهَا ذَات يَوْم يرغبها فِي نَفسه ويدلي عَلَيْهَا بمآثره الَّتِي من جُمْلَتهَا الشجَاعَة حَتَّى قَالَ لَهَا وَإِن شِئْت أَن آتِيك بِرَأْس أعظم نَصْرَانِيّ بالجديدة وأشجعه فعلت ولعلها كَانَت موتورة لَهُم فَقَالَت لَهُ إِن أتيتني بِهِ تَزَوَّجتك فَذهب الرجل الْمَذْكُور إِلَى قَائِد آزمور وَلم يسمه لويز وَعرض عَلَيْهِ أَن يكْتب إِلَى كَبِير نَصَارَى الجديدة وَصَاحب رَأْيهمْ بِأَن يعين من جَانِبه رجلا من شجعانهم
(5/44)

ليبارزه إِن شَاءَ فَأَجَابَهُ الْقَائِد إِلَى مُرَاده وَذهب الرَّسُول بِالْكتاب حَتَّى وقف على نَحْو غلوة من الْمَدِينَة وَهَذَا الْموضع هُوَ الَّذِي كَانَت تقف فِيهِ رسل آزمور إِذا قدمت لغَرَض فَخرج إِلَيْهِ الْبَرِيد من عِنْد صَاحب الجديدة وَحَازَ الْكتاب وَرجع بِهِ إِلَى صَاحبه فَلَمَّا قَرَأَهُ أحضر جمَاعَة من وُجُوه جنده وَعرض عَلَيْهِم مَا فِيهِ فَقَامَ رجل مِنْهُم وَقَالَ أَن صَاحبه وَهَذَا الرجل سَمَّاهُ لوزير وَقَالَ كَانَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة كَامِل الْقَامَة ممتلئ الْأَعْضَاء أسمر اللَّوْن كثير شعر الْبدن أسود اللِّحْيَة وَكَانَ بِرَأْسِهِ جرح لم يندمل من وقْعَة كَانَت بَينهم وَبَين أهل أزمور قبل ذَلِك فَكتب صَاحب الجديدة إِلَى قَائِد آزمور إِنَّا قد أجبناك إِلَى مَا دَعَوْت وَقد أعجبنا ذَلِك وَهَا نَحن قد عينا لصاحبك قرنه فلتعينوا لنا الْيَوْم والساعة الَّتِي تكون فِيهَا الملاقاة فاتفقا على يَوْم مَعْلُوم وَفِي ذَلِك الْيَوْم سَار قَائِد آزمور فِي أَصْحَابه ووجوه أهل بَلَده وَمَعَهُمْ الرجل الْمَذْكُور إِلَى الجديدة فَانْتَهوا إِلَى الْموضع الَّذِي جرت الْعَادة أَن يقف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَخرج قَائِد النَّصَارَى فِي جماعته وشرطوا للمبارزة وكيفتها شُرُوطًا مِنْهَا أَن تبعد كل جمَاعَة من صَاحبهَا بِخَمْسِينَ خطْوَة وَلَا يلتقي إِلَّا المتبارزان وَحدهمَا بمرأى من الْفَرِيقَيْنِ وَمِنْهَا أَن مساحة الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ مجالهما خَمْسُونَ شبْرًا وسطا من الْفَرِيقَيْنِ وَإِن من خرج عَن هَذَا الْمحل مِنْهُمَا وَلَو قيد شبر كَانَ رقا للْآخر وأعطوا خطوطهم بذلك وَلما حَان وَقت البرَاز خرج عَدْلَانِ من جَانب الْمُسلمين حَتَّى انتهيا إِلَى النَّصْرَانِي ففتشاه لينظرا مَا عَلَيْهِ من السِّلَاح وَمَا مَعَه لِأَن من جملَة الشُّرُوط أَن لَا يتبارزا إِلَّا بِالسَّيْفِ وَالرمْح فَقَط فَلم يجدا مَعَ النَّصْرَانِي سواهُمَا قَالَ لويز وَكَانَ صَاحبهمْ الْمَذْكُور يحسن الضَّرْب بكلتا يَدَيْهِ فَشرط عَلَيْهِ العدلان أَن لَا يُقَاتل إِلَّا بِالْيَمِينِ فَرضِي ثمَّ خرج شَاهِدَانِ من جَانب النَّصَارَى حَتَّى انتهيا إِلَى الْمُسلم ففتشاه فَلم يجدا عِنْده سوى السَّيْف وَالرمْح أَيْضا غير أَنه قد علق على ذراعه تمائم كَثِيرَة مخروزة فِي الْجلد فَقَالَ لَهُ الشَّاهِدَانِ لَا بُد أَن تنْزع
(5/45)

هَذِه التمائم لِأَن صاحبنا لَيْسَ عِنْده شَيْء من هَذَا وَأَيْضًا فَيمكن أَن تقيك هَذِه التمائم بعض الْوِقَايَة فَقَالَ لَهُم لَا أَنْزعهَا لِأَن مثل هَذَا لَا يتقى بِهِ فِي الْحَرْب وَلَا يُغني فِي الظَّاهِر من السَّيْف وَالرمْح شَيْئا وَإِنَّمَا فِيهَا أَسمَاء الله وَلَا يحسن بِي أَن أطرحها فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي أَنا مشرف فِيهَا على الْمَوْت فَيكون ذَلِك سوء أدب مني مَعَ اسْم الله تَعَالَى وَرُبمَا يكون سَببا فِي خذلاني فَرجع النصرانيان إِلَى قائدهما وأخبراه بالقضية فَقَالَ لَا بُد من نَزعهَا فعادا إِلَيْهِ وَزعم لويز أَن الْمُسلمين وافقوا على نَزعهَا وَقَالَ لَهُ العدلان إِن الْحق مَعَ النَّصَارَى لأَنا كشفنا صَاحبهمْ كشفا تَاما وراوده الْقَائِد أَيْضا فأصر على الِامْتِنَاع معتذرا بِمَا سلف وَلما لم يحصلوا على طائل رَجَعَ الْمُسلمُونَ إِلَى بلدهم وَلم يكن برَاز قَالَ لويز وعد النَّصَارَى ذَلِك غلبا وَجعلُوا يصيحون وَيخرجُونَ البارود قَالَ وَكَانَ سور الجديدة مكسوا بِالنسَاء وَالصبيان واغتاظ قَائِد آزمور فسجن الْمُسلم الْمَذْكُور لكَونه جر هَذِه المذلة على الْمُسلمين
قلت من تَأمل وأنصف علم أَن الفشل إِنَّمَا هُوَ من جَانب النَّصَارَى لِأَن تِلْكَ التمائم من حَيْثُ الظَّاهِر لَا تغني شَيْئا وَكَون بركتها تقيه من ضربات السَّيْف وطعنات الرمْح فَهَذَا لَا يَعْتَقِدهُ النَّصَارَى بل وَلَا يسلمونه فَلم يبْق إِلَّا الفشل والتعلل بِمَا لَا اعْتِبَار بِهِ عِنْد الْعُقَلَاء ثمَّ قَالَ لويز وَقد كَانَت بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى بعد ذَلِك وقائع فأبلى فِيهَا ذَلِك الْمُسلم الْبلَاء الْحسن وَعرف مَحَله من الشجَاعَة اه وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وَإِنَّمَا أثبت هَذِه الْحِكَايَة بِطُولِهَا لغرابتها وَلما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من خلال الفتوة ومنازع النخوة الإيمانية فنسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن يعلي منار الدّين ويكبت كيد الجاحدين والمعتدين آمين
وَفِي سنة سبعين وَتِسْعمِائَة ولى السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه الْفَقِيه أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي قَضَاء فاس فطالت مدَّته
(5/46)

وفادة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي رَضِي الله عَنهُ

حكى صَاحب الممتع أَن السُّلْطَان أَبَا مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه قَالَ للأستاذ أبي عبد الله الترغي إِنِّي أجد فِي نَفسِي إِرَادَة وطلبا للشَّيْخ فَامْضِ فاطلب لي شَيخا فَذهب يطوف على مَشَايِخ الْمغرب وَكَانُوا إِذْ ذَاك متوافرين حَتَّى أَتَى على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الْجُزُولِيّ ثمَّ السملالي فَوَجَدَهُ شَيخا جَلِيلًا سنيا متواضعا زاهدا ظَاهر الْوَرع حسن الْأَخْلَاق باهر الكرامات وَاضح الطَّرِيقَة جَامعا لمحاسن الْخلال والأوصاف فَرجع إِلَيْهِ وَجعل يصف لَهُ كل من رأى من الْمَشَايِخ بِمَا ظهر لَهُ فِيهِ حَتَّى أَتَى على الشَّيْخ الْمَذْكُور فَقَالَ وَهُوَ ولي ثمَّ ولي ثمَّ ولي ثمَّ ولي سبعا فَقَالَ لَهُ كَأَنَّك تدلني عَلَيْهِ وَأَنه مطلوبي وَأَنه الْمُقدم على غَيره فَقَالَ لَهُ لَا أدلك عَلَيْهِ وَلَا عِنْدِي مَا أعرفهُ بِهِ تَقْدِيمه غير أَن هَذَا الَّذِي ظهر لي فأزمع السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه الرحلة إِلَيْهِ فَلَمَّا بلغ الشَّيْخ الْمَذْكُور مَجِيء السُّلْطَان إِلَيْهِ خرج يتلقاه وَقد هيأ لَهُ النزل وَمَا يصلحه وَأعد لَهُ مَا يُنَاسِبه من الْأَطْعِمَة الرفيعة النفيسة وَقدم إِلَيْهِ الثَّمر الْجيد وَاللَّبن الحليب وَلما خرج للقائه أَتَاهُ بَعضهم بفرس وَكَانَ من عَادَته أَن لَا يركب وَإِذا أَتَاهُ أحد بمركوب لَا يردهُ عَلَيْهِ بل يستصحبه مَعَه ويعلفه لَهُ حَتَّى يرجع فَفعل ذَلِك وَلَقي السُّلْطَان وَرجع بِهِ مَعَه وأنزله عِنْده فَمَكثَ فِي ضيافته ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ طلب مِنْهُ أَن يَتَّخِذهُ وَسِيلَة إِلَى الله تَعَالَى وَسَأَلَهُ مَعَ ذَلِك تمهيد الْملك وَاعْتذر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْعَيْش بِدُونِهِ وَلَا يَأْمَن على نَفسه وَلَا تؤويه أَرض إِذا هُوَ تخلى عَنهُ فَقَالَ الشَّيْخ يَا عرب يَا بربر يَا سهل يَا جبل أطِيعُوا السُّلْطَان مولَايَ عبد الله وَلَا تختلفوا عَلَيْهِ ثمَّ بعد الثَّلَاث انْصَرف السُّلْطَان إِلَى مَحَله فَبَقيَ مُدَّة وَهُوَ مسكن ممهد الْملك فِي عَافِيَة
(5/47)

ثمَّ أَتَى التّرْك إِلَى بوغاز طنجة وسبتة فخافهم وتشوش مِنْهُم كثيرا وَلم يهنأ لَهُ عَيْش فَجعلت حَاشِيَته يهونون عَلَيْهِ أَمرهم فَقَالَ دَعونِي مِنْكُم حَتَّى أستقي من رَأس الْعين ثمَّ أبرد بريدا إِلَى الشَّيْخ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ سَمعه يَقُول يَا ترك ارْجعُوا إِلَى بِلَادكُمْ وَيَا مولَايَ عبد الله هُنَاكَ الله فِي بلادك بالعافية فَتقدم الرَّسُول وَسلم على الشَّيْخ وبلغه سَلام السُّلْطَان ثمَّ انْقَلب من فوره بعد مَا ورخ وَقت سَماع مقَالَته فَلَمَّا بلغ إِلَى السُّلْطَان أخبرهُ بِمَا كَانَ من الشَّيْخ من تِلْكَ الْمقَالة وَمَا كَانَ مِنْهُ من التَّارِيخ وَأَقَامُوا ينتظرون مَا يكون فَإِذا الْخَبَر قد ورد على السُّلْطَان بِأَن التّرْك قد ارتحلوا وَانْصَرفُوا إِلَى بِلَادهمْ وَإِذا ارتحالهم كَانَ وَقت مقَالَة الشَّيْخ الْمَذْكُورَة
ثمَّ إِن الشَّيْخ قدم مراكش فِي بعض الْأَيَّام زَائِرًا من كَانَ بهَا من أهل الله تَعَالَى فَرغب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أَن يدْخل دَاره هُوَ وَأَصْحَابه ويصنع لَهما طَعَاما وَشرط على نَفسه أَن لَا يُطعمهُمْ إِلَّا الْحَلَال وَلَا يُطعمهُمْ مَا فِيهِ شُبْهَة وَحلف للشَّيْخ على ذَلِك فأسعفه وَلما حضر الطَّعَام وضع الشَّيْخ يَده عَلَيْهِ وَلم يصب مِنْهُ فَلَمَّا خرج قيل لَهُ مَالك لَا تتَنَاوَل من طَعَام السُّلْطَان وَقد حلف أَن لَا يطعمكم إِلَّا الْحَلَال فَقَالَ لَهُ من أكل طَعَام السُّلْطَان وَهُوَ حَلَال أظلم قلبه أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمن أكله وَفِيه شُبْهَة مَاتَ قلبه أَرْبَعِينَ سنة اه
وَمِمَّا ينخرط فِي هَذَا السلك أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَ لَهُ اعْتِقَاد فِي الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَكَانَ يعظمه غَايَة وَكَانَت عِنْده مظلة لَهُ من سعف النّخل يَتَّقِي بهَا الْحر تبركا بهَا وَلما توفّي الشَّيْخ أَبُو عَمْرو الْمَذْكُور وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة حضر السُّلْطَان الْمَذْكُور جنَازَته وحثا التُّرَاب على قَبره بِيَدِهِ
وَمن أَخْبَار السُّلْطَان الْمَذْكُور أَن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن المغاري كَانَ ظهر بمراكش وَكَثُرت الجموع عَلَيْهِ وقصده النَّاس من كل جِهَة فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور إِمَّا أَن تخرج عني أَو أخرج عَنْك فَقَالَ
(5/48)

الشَّيْخ ابْن حُسَيْن بل أَنا أخرج وَخرج من فوره إِلَى تامصلوحت فَكَانَ من أمره مَا كَانَ
اسْتِيلَاء النَّصَارَى على حجر باديس وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا فِي أَخْبَار الوطاسيين أَن النَّصَارَى بنوا حجر باديس واستولوا على وهران سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة واستمروا بهما إِلَى أَن انتزعهما التّرْك من أَيْديهم وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وطمع التّرْك فِي الِاسْتِيلَاء على الْمغرب الْأَقْصَى أغرى السُّلْطَان الْمَذْكُور النَّصَارَى بِالِاسْتِيلَاءِ على الثغور الهبطية وسد أنقابها دونه
قَالَ فِي النزهة ذكر بَعضهم أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه لما رأى عمَارَة ترك الجزائر وأساطيلهم لَا يَنْقَطِع ترددها عَن حجر باديس ومرسى طنجة يَعْنِي البوغاز وتخوف مِنْهُم اتّفق مَعَ الطاغية أَن يُعْطِيهِ حجر باديس ويخليها لَهُم من الْمُسلمين فتنقطع بذلك مَادَّة التّرْك عَن الْمغرب وَلَا يَجدوا سَبِيلا إِلَيْهِ فَنزل النَّصَارَى على حجر باديس وأخرجوا الْمُسلمين مِنْهَا ونبشوا قُبُور الْأَمْوَات وحرقوها وأهانوا الْمُسلمين كل الإهانة وَلما بلغ خبر نزولهم عَلَيْهَا لوَلَده مُحَمَّد وَكَانَ خَلِيفَته على فاس خرج بجيوشه لإغاثة الْمُسلمين فَلَمَّا كَانَ بوادي اللَّبن بلغه استيلاؤهم عَلَيْهَا فَرجع وَتركهَا لَهُم اه
وَذكر اليفرني أَنه وجد هَذِه الْأَخْبَار فِي أوراق مَجْهُولَة وَالله تَعَالَى أعلم
(5/49)

فتْنَة الْفَقِيه أَبُو عبد الله الأندلسي ومقتله

كَانَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد الأندلسي نزيل مراكش متظاهرا بالزهد وَالصَّلَاح حَتَّى استهوى كثيرا من الْعَامَّة فتبعوه وَكَانَت تصدر عَنهُ مقالات قبيحة من الطعْن على أَئِمَّة الْمذَاهب رَضِي الله عَنْهُم ينحو فِيهَا منحى ابْن حزم الظَّاهِرِيّ ويتفوه بمقالات شنيعة فِي الدّين فَأمر السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بقتْله فاستغاث بالعامة من أَتْبَاعه واعصوصبوا عَلَيْهِ وَوَقعت فتْنَة عَظِيمَة بمراكش بِسَبَبِهِ إِلَى أَن قتل وصلب على بَاب دَاره برياض الزَّيْتُون من الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة وَكَانَ ذَلِك أواسط ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
ظُهُور بِدعَة الشراقة من الطَّائِفَة اليوسفية وَمَا قيل فيهم

قَالَ فِي الدوحة كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي نزيل مليانة تظهر على يَده الكرامات وأنواع الانفعلات فَبعد صيته وَكَثُرت أَتْبَاعه فغلوا فِي محبته وأفرطوا فِيهَا حَتَّى نسبه بَعضهم إِلَى النُّبُوَّة قَالَ وَفَشَا ذَلِك الغلو على يَد رجل مِمَّن صحب أَصْحَابه يُقَال لَهُ ابْن عبد الله فَإِنَّهُ تزندق وَذهب مَذْهَب الإباضية على مَا حكى عَنهُ واعتقد هَذَا الْمَذْهَب الخسيس كثير من الغوغاء وأجلاف الْعَرَب وَأهل الْأَهْوَاء من الحواضر وتعرف هَذِه الطَّائِفَة باليوسفية قَالَ وَلم يكن الْيَوْم بالمغرب من طوائف المبتدعة سوى هَذِه الطَّائِفَة وَسمعت بعض الْفُضَلَاء يَقُول إِنَّه قد ظهر ذَلِك فِي حَيَاة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْمَذْكُور فَلَمَّا بلغه ذَلِك قَالَ من قَالَ عَنَّا مَا لم نَقله يَبْتَلِيه الله بِالْعِلَّةِ والقلة وَالْمَوْت على غير مِلَّة
(5/50)

قَالَ صَاحب الدوحة وَلَقَد أَشَارَ الْفُقَهَاء على السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بالاعتناء بحسم مَادَّة فَسَاد هَذِه الطَّائِفَة فسجن جمَاعَة مِنْهُم وَقتل آخَرين وَهَؤُلَاء المبتدعة لَيْسُوا من أَحْوَال الشَّيْخ فِي شَيْء وَإِنَّمَا فعلوا كَفعل الروافض والشيعة فِي أئمتهم وَإِنَّمَا أَصْحَاب الشَّيْخ كَأبي مُحَمَّد الْخياط وَالشَّيْخ الشطيبي وَأبي الْحسن عَليّ بن عبد الله دَفِين تافلالت وأنظارهم من أهل الْفضل وَالدّين وَإِلَّا فالأئمة المقتدى بهم كلهم يعظم الشَّيْخ ويعترف لَهُ بِالْولَايَةِ وَالْعلم والمعرفة اه
وَقَالَ فِي الْمرْآة مَا نَصه وَالشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي الملياني من كبار الْمَشَايِخ أهل الْعلم وَالْولَايَة وَعُمُوم البركات وَالْهِدَايَة وَكَانَ كثير التَّلْقِين فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الخروبي أهنت الْحِكْمَة فِي تلقينك الْأَسْمَاء للعامة حَتَّى النِّسَاء فَقَالَ لَهُ قد دَعونَا الْخلق إِلَى الله فَأَبَوا فقنعنا مِنْهُم بِأَن نشغل جارحة من جوارحهم بِالذكر قَالَ الشَّيْخ الخروبي فَوَجَدته أوسع مني دَائِرَة
قَالَ صَاحب الْمرْآة وانتسبت إِلَيْهِ الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بالشراقة بتَشْديد الرَّاء وَهُوَ بَرِيء من بدعتهم فَمَا كَانَ إِلَّا إِمَام سنة وَهدى مقتدى بِهِ فِي الْعلم وَالدّين قد نزهه الله وطهر جَانِبه وَقد أظهرُوا شَيْئا من ذَلِك فِي حَيَاته فتبرأ مِنْهُم وَقَاتلهمْ وَبلغ المجهود فِي تشريدهم قَالَ وحَدثني شَيخنَا أَبُو عبد الله النيجي أَن الشَّيْخ أَبَا الْبَقَاء عبد الْوَارِث اليالصوتي لما ظَهرت بِدعَة الشراقة وانتسابهم إِلَيْهِ وَقع فِي نَفسه من ذَلِك شَيْء فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد الْخياط من أَصْحَابه فَقَالَ أَنا تائب إِلَى الله كفى فِي طَهَارَة جَانِبه أَن يكون الْخياط من أَصْحَابه وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ الملياني سنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة لَكِن مَا كَانَ عنفوان تِلْكَ الْبِدْعَة المدسوسة عَلَيْهِ إِلَّا فِي دولة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا مر وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء
(5/51)

احتيال النَّصَارَى بمكيدة البارود بِجَامِع الْمَنْصُور من مراكش وَمَا وقى الله تَعَالَى من شَرها

كَانَ بقصبة مراكش جمَاعَة من أُسَارَى النَّصَارَى من لدن أَيَّام أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وأخيه أبي عبد الله الشَّيْخ فَرَأَوْا الجم الْغَفِير من أَعْيَان الْمُسلمين وَأهل الدولة يحْضرُون كل جُمُعَة للصَّلَاة مَعَ السُّلْطَان بِجَامِع الْمَنْصُور من القصبة الْمَذْكُورَة فحدثتهم نفسهم الشيطانية بِأَن يصنعوا مكيدة يهْلكُونَ بهَا السُّلْطَان وَمن مَعَه فَحَفَرُوا فِي خُفْيَة تَحت الْجَامِع الْمَذْكُور حُفْرَة ملأؤها من البارود وَوَضَعُوا فِيهَا فتيلا تسري فِيهِ النَّار على مهل كي يَنْقَلِب الْجَامِع بأَهْله وَقت الصَّلَاة فنفطت المينا وانهدت بهَا الْقبَّة الواسعة من الْجَامِع الْمَذْكُور وَانْشَقَّ مناره شقا كَبِيرا وَلَا زَالَ ماثلا بِهِ إِلَى الْآن وَكَانَ ذَلِك مبلغ ضررهم وَكفى الله الْمُسلمين شَرّ تِلْكَ المكيدة وَلم يتَمَكَّن لَهُم الْحَال على وفْق مَا أَرَادوا وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
وَفَاة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه رَحمَه الله

قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي شرح درة السلوك توفّي السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِسَبَب غم كَانَ يَعْتَرِيه اه وَهَذَا الْغم هُوَ الدَّاء الْمُسَمّى عِنْد الْعَامَّة بالضيقة أعاذنا الله مِنْهُ وَذكر غَيره أَنه توفّي فِي شَوَّال بِسَبَب تكلفه للصيام فعدت عَلَيْهِ الْعلَّة الْمَذْكُورَة وشاع على أَلْسِنَة النَّاس أَنه بَات يُصَلِّي لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان فوافته ميتَته وَهُوَ ساجد وَذَلِكَ كذب وَدفن رَحمَه الله عِنْد ضريح أَبِيه بقبور الْأَشْرَاف وقبره مَعْرُوف وَمِمَّا كتب بالنقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات
(أيا زائري هَب لي الدُّعَاء ترحما ... فَإِنِّي إِلَى فضل الدُّعَاء فَقير)
(5/52)

(وَقد كَانَ أَمر الْمُؤمنِينَ وملكهم ... إِلَى وصيتي فِي الْبِلَاد شهير)
(فها أَنا ذَا قد صرت ملقى بحفرة ... وَلم يغن عني قَائِد ووزير)
(تزودت حسن الظَّن بِاللَّه راحمي ... وزادي بِحسن الظَّن فِيهِ كثير)
(وَمن كَانَ مثلي عَالما بحنانه ... فَهُوَ بنيل الْعَفو مِنْهُ جدير)
(وَقد جَاءَ إِن الله قَالَ ترحما ... إِلَى مَا يظنّ العَبْد بِي سيصير)
وَحكى أَنا ابْنه أَبَا عبد الله الْمَعْرُوف بالمسلوخ لما قَرَأَ هَذِه الأبيات عاقب ناظمها وَقَالَ لَهُ إِن فِي قَوْلك ملقى بحفرة دسيسة وتلويحا إِلَى الحَدِيث (الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار) فَهَلا قلت ببلقع أَو نَحوه
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ذَا سياسة وخبرة بأحوال الْملك وتأن فِي الْأُمُور وَلما ولي الْخلَافَة ألان الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَسَار بسيرة حَسَنَة حَتَّى صلحت الرّعية وازدانت الدُّنْيَا وانتعش النَّاس حَتَّى كَانَ يُقَال ثَلَاث عينات هم عُيُون الزَّمَان السُّلْطَان الْمولي عبد الله وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن المغاري وَالشَّيْخ أَبُو السرُور عياد السُّوسِي
قَالَ اليفرني وَرَأَيْت من جملَة سُؤال كتب بِهِ الْفَقِيه الصَّالح خطيب الْجَامِع الْأَعْظَم بتارودانت أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن التلمساني إِلَى قَاضِي الْجَمَاعَة أبي مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني يَقُول فِيهِ وَلَا شكّ أَن مولَايَ عبد الله مجمع على عَدَالَته وبيعته وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجَامِع أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي أَنه قَالَ مولَايَ عبد الله ياقوتة الْأَشْرَاف هُوَ صَالح لَا سُلْطَان وَقد اشْتهر بَين الْأَنَام وعَلى أَلْسِنَة الْخَاص وَالْعَام أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَانَ عدلا صَالحا وَوَقع فِي الرسَالَة
(5/53)

الَّتِي كتب بهَا ابْن أَخِيه السُّلْطَان أَبُو الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن مَنْصُور إِلَى الْفَقِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي مَا ظَاهره يُخَالف ذَلِك وَيُؤذن بِأَنَّهُ كَانَ كَغَيْرِهِ من الْمُلُوك وَنَصّ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من تِلْكَ الرسَالَة مُخَاطبا للفقيه الْمَذْكُور يَقُول وَقد تحققت وَعلمت أَن ولَايَة أَحْمد بن مُوسَى السملالي كَادَت تكون قَطْعِيَّة واشتهر أمره عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى أطبق أهل الْمغرب على ولَايَته وَقد كَانَ على عهد مَوْلَانَا عبد الله برد الله ضريحه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر عَنهُ وَمَا برح الشَّيْخ الْمَذْكُور يَدْعُو لَهُ ولدولته بِالْبَقَاءِ وَيظْهر حبه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يعْزل ويولي وَيقتل وَكَانَ شرد مِنْهُ إِلَى زاويته المرابط الأندلسي وَولد آصناك وأمثالهم وَكَانَ الشَّيْخ يقدم للشفاعة فَيشفع وَلَا يتعقب وَلَا يبْحَث عَمَّا وَرَاء ذَلِك بَاقٍ على عَهده ومودته وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور بعث لِابْنِ حُسَيْن بسد دَاره فَمَا فتحهَا حَتَّى أمره وَلَا استعظم أحد ذَلِك وَلَا أَكثر فِيهِ وَلَا جعله سَببا لفتح الْفِتْنَة وَكَانَ قواد الْمَذْكُور مثل وزيره ابْن شقراء وَبعد الْكَرِيم بن الشَّيْخ وَعبد الْكَرِيم بن مُؤمن العلج والهبطي والزرهوني وَعبد الصَّادِق بن مُلُوك وَغَيرهم مِمَّن لَا يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا فِي شرب الْخُمُور واتخاذ القيان وَبسط الْحَرِير وَغير ذَلِك من آلَات الْفضة وَالذَّهَب وَكَانَ فِي عصره أَحْمد بن مُوسَى الْمَذْكُور وَابْن حُسَيْن والشرقي وَأَبُو عَمْرو القسطلي وَأَبُو مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التامنارتي والشيظمي وَغير هَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ وَأهل الدّين الَّذين لَا يسع من يَدعِي هَذِه الطَّرِيقَة التَّقَدُّم عَلَيْهِم وَلَا اكْتِسَاب الْفَضِيلَة دونهم فَأحْسنُوا السِّيرَة وَلَا تعرضوا للسلطنة وَلَا سمع مِنْهُم مَا يقْدَح فِي وُلَاة الْأَمر وقادة الأجناد مِمَّن ذكر الَّذين كَانَ الْملك يَدُور عَلَيْهِم وَيرجع إِلَيْهِم فِي تَدْبيره اه الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الرسَالَة الْمَذْكُورَة
قَالَ اليفرني وَمثل هَذَا مَا ذكر بَعضهم أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أعْطى حجر باديس للطاغية لتنقطع بذلك مَادَّة التّرْك عَنهُ وَمثله مَا ذكر عَنهُ أَيْضا أَن قائده ابْن تودة أَخذ بعض أسوار الجديدة وعزم على فتحهَا من الْغَد فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور ينهاه عَن ذَلِك وَنَظِيره أَيْضا قَضيته مَعَ أهل غرناطة
(5/54)

وَأطَال فِيهَا هَذَا الْبَعْض الْمَنْقُول عَنهُ بِمَا استنكفت من ذكره هُنَا قَالَ وَهَذِه أُمُور شنيعة إِن صَحَّ أَنه فعلهَا وَلست أَدخل فِي عهدتها لِأَنِّي إِنَّمَا رَأَيْتهَا فِي أوراق مَجْهُولَة الْمُؤلف اشْتَمَلت على ذمّ هَذِه الدولة السعدية وظني أَنَّهَا من وضع بعض أعدائهم لحطة من قدرهم وإخراجه إيَّاهُم من النّسَب الشريف وَوَصفه دولتهم بالدولة الخبيثة فَلِذَا تجنبت مِنْهُم كثيرا من الْأَخْبَار الَّتِي لَا تظن بأولئك السَّادة رَحِمهم الله فقد قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ رَحمَه الله فِي طبقاته إِن المؤرخين على شفا جرف هار لأَنهم يتسلطون على أَعْرَاض النَّاس وَرُبمَا وضعُوا من النَّاس تعصبا أَو جهلا أَو اعْتِمَادًا على نقل من لَا يوثق بِهِ قَالَ فعلى المؤرخ أَن يَتَّقِي الله تَعَالَى اه إِلَّا أَن الْمُلُوك لَا يستغرب فِي حَقهم أَن يهدموا أساس الشَّرِيعَة ليبنوا منار رياستهم ويستهونوا عظائم الْأُمُور لتطيعهم الرّعية سَاعَة كَيفَ لَا وشراع أفئدتهم تلعب بِهِ ريَاح الشَّهَوَات فتلقي سفينة قُلُوبهم على سَاحل بَحر الْقنُوط من رَحْمَة الله تَعَالَى وَالله يسامح الْجَمِيع ويتجاوز عَن كَافَّة عصاة هَذِه الْأمة بمنه وفضله اه كَلَام اليفرني رَحمَه الله
وَمن وزراء السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ابْن أَخِيه الْأَمِير الْأَجَل الأديب الأحفل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ كَانَ من أنبل الوزراء وألطفهم مسلكا وأخفهم روحا وَله عارضة فِي النّظم والنثر
ذكر الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الفاسي فِي كِتَابه الْأَعْلَام بِمن مضى وغبر من أهل الْقرن الْحَادِي عشر مَا صورته قدم الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر السَّعْدِيّ من مراكش إِلَى فاس وَمَعَهُ الْفَقِيه قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي والفقيه الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المنجوز فَلَمَّا تبدت لَهُم معالم فاس الْجَدِيد وتلظى للشوق فِي جوانحهم أوار
(وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار)
وَأنْشد الْوَزير الْمَذْكُور لنَفسِهِ ارتجالا
(أخلائي هَذَا المستقى وربوعه ... وهذي نواعير الْبِلَاد تنوح)
(5/55)

(وَذَاكَ الْمصلى مطرح الشوق والأسى ... وَتلك منَازِل الديار تلوح)
فَقَالَ القَاضِي الْحميدِي ارتجالا
(وَتلك القباب الْخضر شبه زبرجد ... بِهن غوان طرفهن جموح)
(يمسن كأملود من الرَّوْض يَانِع ... شذاهن من حول الديار يفوح)
فَقَالَ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس المنجور ارتجالا أَيْضا
(ويرفلن فِي الحلات يختلن فِي الحلى ... وفيهن أَنْوَاع الْجمال وضوح)
(يبادرن ترقيع الكوى بمحاجر ... لإقبال حب طَال مِنْهُ نزوح)
وَلما بلغت الأبيات إِلَى الْأُسْتَاذ أبي الْعَبَّاس أَحْمد الزموري قَالَ مذيلا
(تَأمل سنا الْحَسْنَاء تَحت قبابها ... كشمس غَدَتْ تَحت السَّحَاب تلوح)
(تحلت ربوع المستقي بجمالها ... وَأَنت إِلَى تِلْكَ القباب تروح)
وَبَعْضهمْ جعل الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين للْمولى الأديب أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف السجلماسي وَكَانَ كَاتبا للوزير الْمَذْكُور وَيجْعَل مَوضِع أخلائي أمولاي والبيتين بعدهمَا للوزير وَالله تَعَالَى أعلم والمستقى بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول اسْم بُسْتَان مَعْرُوف
وَنَظِير هَذَا مَا ذكره الأديب الْمَذْكُور فِي أَعْلَامه الْمَذْكُور قَالَ كَانَ الْوَزير الْمَذْكُور مَعَ كَاتبه الْمولى عبد الْوَاحِد الشريف فِي بعض الْأَسْفَار وَأرْسلت السَّمَاء بغيثها المدرار فَقَالَ الْوَزير الْمَذْكُور
(لله أَشْكُو غَدَاة السفح إِذْ ركضت ... أَيدي المطايا وحادي الرّيح يحدونا)
فَأَجَابَهُ الْكَاتِب الْمَذْكُور
(والغيم فِي الْأُفق قد أرْخى ذوائبه ... بأسهم الودق لَا يَنْفَكّ يرمينا)
فَقَالَ الْوَزير
(حَتَّى اسْتَوَى المَاء والآكام واستترت ... معالم الرشد لَا خريت يهدينا)
(فطلت الْخَيل فِي الأمواج سابحة ... سبح السلاحف نَحْو الدَّار يهوينا)
فَقَالَ الْكَاتِب
(وَالنَّفس فِي قلق لبين مألفها ... والشوق يَحْدُو بِنَا وَالْحَال يقصينا)
(5/56)

فَقَالَ الْوَزير
(كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... حَتَّى غَدا الطير فَوق السَّرْح يفشينا)
وأخبار هَذَا الْوَزير ونوادره كَثِيرَة وَهُوَ الَّذِي أخرج بني رَاشد من مَدِينَة شفشاون حَسْبَمَا مر وَكَانَت وَفَاته فِي الْعشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة
وَمن وزراء السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أَيْضا الْقَائِد عبد الْكَرِيم بن مُؤمن بن يحيى العلج الجنوي وَعبد الرَّحْمَن بن تودة وقاسم الزرهوني وَأحمد الهبطي وَمن وُلَاة مظالمه أَبُو عمرَان مُوسَى بن مخلوف الكنسوسي وَهُوَ وَالِي الشرطة وَكَانَ فَقِيها مشاركا
وَذكر بَعضهم أَن الشَّيْخ الصَّالح أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي كَانَ فِي بعض قدماته على السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه قد انحشر النَّاس لزيارته بزاويته فَوقف أَبُو عمرَان الْمَذْكُور يذود النَّاس عَنهُ وَيَقُول رحمكم الله من زار خرج فَسَمعهُ الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ لَا تقل ذَلِك وَقل من جَار خرج وَمن كتاب السُّلْطَان الْمَذْكُور مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السجلماسي وَمُحَمّد بن أَحْمد بن عِيسَى وَغَيرهمَا وَمن قُضَاته بمراكش الْفَقِيه قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ الشاطبي وبفاس أَبُو عبد الله الْعَوْفِيّ وَأَبُو مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي رَحِمهم الله
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد المتَوَكل على الله ابْن السُّلْطَان عبد الله الْغَالِب بِاللَّه رَحمَه الله

لما توفّي السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِحَضْرَة مراكش كَانَ ابْنه مُحَمَّد هَذَا بفاس وَكَانَ ولي عهد أَبِيه فَاجْتمع أهل العقد والحل بمراكش واستأنفوا لَهُ
(5/57)

الْبيعَة وَكَتَبُوا بهَا إِلَيْهِ فوصلت إِلَيْهِ وَهُوَ بفاس أَوَائِل شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَبَايعهُ أهل فاس وَتمّ أمره
قَالَ ابْن القَاضِي أمه أم ولد وكنيته أَبُو عبد الله ولقبه المتَوَكل على الله وَيعرف عِنْد الْعَامَّة بالمسلوخ لِأَنَّهُ سلخ جلده وَحشِي تبنا كَمَا سَيَأْتِي
وَكَانَ مِمَّا وَقع فِي أَيَّامه أَنه كَانَت بَين الْمُسلمين وَبَين نَصَارَى طنجة وقْعَة بالرملة الْمُسَمَّاة بِأبي غاص من فحص طنجة قرب قنطرة عصماء وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء منتصف جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَفِي هَذِه الْوَقْعَة اسْتشْهد الشَّيْخ أَبُو مهْدي عِيسَى بن الْحسن المصباحي دَفِين الدعادع على وَادي مُضِيّ من عمل الْقصر فَإِنَّهُ حمل بعد استشهاده إِلَى الْموضع الْمَذْكُور فَدفن بِإِزَاءِ قبر أَبِيه فِي الرَّوْضَة الَّتِي هُنَالك
وَاسْتمرّ أَمر أبي عبد الله المتَوَكل منتظما إِلَى أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَقدم عَلَيْهِ عَمه عبد الْملك ابْن الشَّيْخ بِجَيْش التّرْك فنثر سلكه وبدد ملكه على مَا نذكرهُ وَيُقَال إِنَّه كَانَ أضمر الفتك بعميه أَحْمد وَعبد الْملك ففرا مِنْهُ إِلَى نَاحيَة التّرْك على مَا سَيَأْتِي قَالُوا وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور فَقِيها أديبا مشاركا مجيدا قوي الْعَارِضَة فِي النّظم والنثر وَكَانَ مَعَ ذَلِك متكبرا تياها غير مبال بِأحد وَلَا متوقفا فِي الدِّمَاء عسوفا على الرّعية وَمن شعره قَوْله
(فَقُمْ بِنَا نصطبح صهباء صَافِيَة ... فِي وَجههَا عسجد فِي وَجهه نقط)
(وانهض إِلَيْهَا على رغم العدا قلقا ... فَإِن تَأْخِير أَوْقَات الصِّبَا غلط)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(سَارُوا فَسَار فُؤَادِي إِثْر ظعنهم ... وخلفوني نحيل الْجِسْم حيرانا)
(لَا افتر ثغر الثرى من بعد بَينهم ... وَلَا سقى هاطل وردا وريحانا)
وَكَانَ خَلِيفَته بمراكش الْقَائِد ابْن شقراء وحاجبه أَحْمد بن حمو الدرعي وَكتابه يُونُس بن سُلَيْمَان الثاملي وَعلي بن أبي بكر وَغَيرهمَا رَحِمهم الله تَعَالَى
(5/58)

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ وأولية أمره ومآله

كَانَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أبي عبد الله الشَّيْخ السَّعْدِيّ وَأَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَدْعُو بعد بالمنصور مقيمين بسجلماسة سَائِر أَيَّام أَبِيهِمَا فَلَمَّا توفّي وَولي الْأَمر بعده ابْنه الْغَالِب بِاللَّه فر عبد الْملك وَأحمد إِلَى تلمسان خوفًا على أَنفسهمَا مِنْهُ فأقاما عِنْد صَاحبهَا حسن بن خير الدّين مُدَّة وَلحق بهما أخوهما عبد الْمُؤمن فَصَارَ ثَالِثَة الأثافي ثمَّ انتقلوا بعد ذَلِك إِلَى الجزائر وَمِنْهَا ركب عبد الْملك الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة متطارحا على صَاحبهَا السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان العثماني رَحمَه الله فأمده بالجند حَتَّى ملك الْمغرب كَمَا سَيَأْتِي
ولنذكر هُنَا كَيْفيَّة اسْتِيلَاء العساكر العثمانية على تونس وانقراض أَمر الحفصيين مِنْهَا ثمَّ نرْجِع إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان المعتصم بِاللَّه لِأَنَّهَا تنبني على ذَلِك فَنَقُول اعْلَم أَن أَمر بني أبي حَفْص أَصْحَاب تونس كَانَ قد مرج فِي هَذِه الْمدَّة وتداعى إِلَى الاختلال وَكَانَ خير الدّين باشا التركي الْمُقدم ذكره فِي أَخْبَار تلمسان قد استولى على تونس فِي حُدُود الْأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَغلب عَلَيْهَا صَاحبهَا الْحسن بن مُحَمَّد الحفصي ففر الْحسن الْمَذْكُور إِلَى طاغية الإصبنيول صَاحب قشتالة فَأعْطَاهُ العساكر وَجَاء بهَا إِلَى تونس فَنزل عَسْكَر النَّصَارَى ببرج الْعُيُون قرب حلق الْوَادي وتقدموا إِلَى تونس فملكوها وَانْهَزَمَ خير الدّين إِلَى الجزائر وشارك النَّصَارَى الْحسن بن مُحَمَّد فِي إمرة تونس واستباحوا أَهلهَا قتلا وأسرا ونهبا يُقَال إِنَّهُم قتلوا من أهل تونس الثُّلُث وأسروا الثُّلُث وأبقوا الثُّلُث وكل ثلث سِتُّونَ ألفا هَكَذَا عِنْد صَاحب الْخُلَاصَة النقية ثمَّ ملكوا الْموضع الْمُسَمّى بحلق الْوَادي وَلَيْسَ هُنَاكَ وَاد عذب وَإِنَّمَا هُوَ جون دخل من الْبَحْر فِي الْبر وَعَلِيهِ مرسى تونس ثمَّ بنى النَّصَارَى فِي الْحلق الْمَذْكُور حصنا عاديا أَقَامُوا فِي بنائِهِ نَحْو ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة بِحَيْثُ عجز التّرْك عَن هَدمه لما ملكوه بعد
(5/59)

ثمَّ ثار على الْحسن ابْنه أَحْمد الْمَدْعُو حميدة وَملك الحضرة مُدَّة وَقَاتل نَصَارَى حلق الْوَادي فامتنعوا عَلَيْهِ ثمَّ غزاه عَليّ باشا صَاحب الجزائر وَاسْتولى على تونس سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وطرد أَحْمد عَنْهَا فَذهب أَحْمد إِلَى طاغية قشتالة مستغيثا بِهِ شَأْن أَبِيه من قبله هَذَا كُله ونصارى الْحلق لَا زَالُوا متمكنين مِنْهُ أَي تَمْكِين فأمد الطاغية أَحْمد الْمَذْكُور بأسطول عَظِيم وَاشْترط عَلَيْهِ أَدَاء مَال فَالْتَزمهُ
وَلما وصل الأسطول إِلَى ظَاهر تونس اطلع قائده السُّلْطَان أَحْمد على كتاب من الطاغية مضمنه الْمُشَاركَة فِي الحكم فَأنْكر أَحْمد ذَلِك وأنف مِنْهُ وَذهب إِلَى صقلية فَبَقيَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَحمل إِلَى تونس وَكَانَ هُنَالك أَخُوهُ مُحَمَّد بن الْحسن فَرضِي بالمقاسمة وَدخل بالنصارى إِلَى تونس فاستولى عَلَيْهَا وَملك قصبتها وجالسه شَرِيكه النَّصْرَانِي بهَا وانتهبت الْمَدِينَة وأهين الدّين وَعم الخراب وتكدر المشرب وتفرق الْجمع وارتبطت خيل العدا بالجامع الْأَعْظَم وألقيت مَا فِيهِ من نفائس الْكتب بالطرق ونبش قبر الشَّيْخ أبي مَحْفُوظ مُحرز بن خلف فَلم يُوجد فِيهِ إِلَّا الرمل حماية من الله لَهُ وحاشا أَن تعدو الأَرْض على جَسَد مثله وَأرْسل مُحَمَّد بن الْحسن إِلَى النَّاس بالأمان واستمالهم النَّصْرَانِي بعد بكاذب الرِّفْق فأقاموا بدار مذلة وهوان
واتصل ذَلِك كُله بالسلطان سليم بن سُلَيْمَان العثماني فأعظمه وجهز الْعِمَارَة للحين مَعَ الْوَزير سِنَان باشا يُقَال كَانَت أَرْبَعمِائَة وَخمسين قِطْعَة فَخرج بهَا الْوَزير الْمَذْكُور من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَهِي إصطنبول غرَّة ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ووصلوا إِلَى حلق الْوَادي فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَكَانَ حيدر باشا صَاحب القيروان ومصطفى باشا صَاحب طرابلس محاصرين لتونس قبل ذَلِك حَتَّى فتر عزمهم فَلَمَّا قدم عَلَيْهِم سِنَان باشا قويت نُفُوسهم واعصوصبوا عَلَيْهِ وتقدموا إِلَى الْحصن الَّذِي بحلق الْوَادي فحاصروه حَتَّى اقتحموه عنْوَة سادس جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة واستلحموا من بِهِ وغنموا مَا فِيهِ والتجأ مُحَمَّد بن الْحسن الحفصي وأنصاره من النَّصَارَى إِلَى البستيون وَهُوَ حصن آخر كَانُوا قد بنوه خَارج بَاب تونس فَحَاصَرَهُمْ سِنَان باشا بِهِ حَتَّى اقتحمه
(5/60)

عنْوَة وَقتلُوا من بِهِ وامتلأت أَيْديهم من الْمَغَانِم وطهر الله بهم الْبِلَاد وَكَانَت إِحْدَى الوقائع الجليلة الْقدر الْبَاقِيَة الذّكر وظفر الْوَزير بِمُحَمد بن الْحسن فاحتمله مَعَه إِلَى السُّلْطَان سليم فاعتقله فِي يَد قلَّة أحد حصونه حَتَّى هلك وانقرضت بمهلكه دولة بني أبي حَفْص الَّتِي هِيَ بَقِيَّة الْمُوَحِّدين
إِذا علمت هَذَا فَاعْلَم أَن اسْتِيلَاء العساكر العثمانية على تونس كَانَ قبل وَفَاة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِنَحْوِ خَمْسَة أشهر لِأَن وَفَاته كَانَت فِي آخر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا مر وَفتح تونس كَانَ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَوَقع فِي النزهة أَن فتح تونس كَانَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ غير صَوَاب وَالله تَعَالَى أعلم
مَجِيء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك بن الشَّيْخ السَّعْدِيّ بعسكر التّرْك واستيلاؤه على الْمغرب

اعْلَم أَنه وَقع فِي النزهة وَغَيرهَا أَن عبد الْملك بن الشَّيْخ وأخاه أَحْمد كَانَا فِي ابْتِدَاء أَمرهمَا بسجلماسة فَلَمَّا توفّي أَبوهُمَا وَولي أخوهما الْغَالِب بِاللَّه لَحقا بتلمسان فأقاما بهَا مُدَّة ثمَّ انتقلا إِلَى الجزائر فَلَمَّا اتَّصل بهما خبر وَفَاة أخيهما الْغَالِب وَولَايَة ابْنه مُحَمَّد المتَوَكل من بعده ركب عبد الْملك الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وتطارح على ملكهَا العثماني فِي أَن يمده بِجَيْش ليملك الْمغرب فتثاقل عَنهُ العثماني إِلَى أَن بعث بالعمارة لفتح تونس فَشهد عبد الْملك الْفَتْح وَعَاد إِلَيْهِ بالبشارة فأسعفه وَهَذَا غير صَوَاب من جِهَة أَن فتح تونس كَانَ مُتَقَدما على وَفَاة الْغَالِب بِاللَّه كَمَا مر اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ عبد الْملك وَفد على العثماني مستعديا على أَخِيه الْغَالِب بِاللَّه وَفِي أثْنَاء ذَلِك توفّي وَولي ابْنه المتَوَكل فَيكون الْكَلَام صَحِيحا وَأما مَا فِي النزهة مِمَّا يَقْتَضِي تَأَخّر فتح تونس عَن وَفَاة الْغَالِب بِاللَّه فَغير صَوَاب كَمَا مر
ولنذكر مَا حكوه من ذَلِك فَنَقُول لما بُويِعَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد
(5/61)

المتَوَكل على الله كَانَ عبد الْملك بن الشَّيْخ وَأَخُوهُ أَحْمد الْمَدْعُو بعد بالمنصور بالجزائر فركبا الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى قَاصِدين السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان العثماني رَحمَه الله وَمَعَ عبد الْملك أمه سَحَابَة الرحمانية وَزعم بَعضهم أَن الَّتِي كَانَت مَعَهُمَا مسعودة الوزكيتية وَهِي أم أَحْمد مِنْهُمَا فَانْتَهَيَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وتعلقا بكرَاء الدولة حَتَّى أدخلوهما على السُّلْطَان سليم وَدخلت أمهما دَاره وطلبوا مِنْهُ أَن يبْعَث مَعَهم العساكر لتملك الْمغرب ويقوموا فِيهِ بدعوته فتثاقل عَنْهُم مُدَّة إِلَى أَن كَانَ الْغَزْو إِلَى تونس فَكتب السُّلْطَان سليم إِلَى أهل الجزائر وَأهل طرابلس أَن يوجهوا قراصينهم لحصار تونس مَعَ الْعِمَارَة الموجهة من قبله فَطلب عبد الْملك وَأَخُوهُ أَحْمد من الدولاتي وَهُوَ صَاحب الجزائر أَن يَجْعَل لَهما رياسة قرصان مِنْهُمَا يتوجهان فِيهِ للْجِهَاد مَعَه فَأَعْطَاهُمَا غليوطة فِيهَا سِتَّة وَثَلَاثُونَ رجلا فركباها ولحقا بعمارة السُّلْطَان سليم فِي جملَة مراكب الجزائر هَكَذَا وَقع فِي سِيَاقَة هَذَا الْخَبَر وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا كَانَا يَوْمئِذٍ بالجزائر لَا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فلعلهما عادا إِلَيْهَا من عِنْد السُّلْطَان سليم إِلَى أَن سافرا فِي جملَة عَسْكَر الجزائر وَالله تَعَالَى أعلم وَلما فتحُوا تونس واستأصلوا من بهَا من الْكفَّار حَسْبَمَا مر عين رَئِيس الْعِمَارَة العثمانية مركبين يتوجهان بِكِتَاب الْفَتْح إِلَى السُّلْطَان سليم فَطلب مِنْهُ عبد الْملك وَأحمد أَن يَأْذَن لَهما فِي الذّهاب مَعَهُمَا بالغليوطة ليأتيا بأمهما الَّتِي تركاها هُنَالك فَلم يَزَالَا بالرئيس الْمَذْكُور حَتَّى أسعفهما فَكَانَ من قدر الله تَعَالَى أَن هاج الْبَحْر عَلَيْهِم ذَات لَيْلَة فَفرق مراكبهم وَلما أصبح عبد الْملك وَأحمد لم يجدا للمركبين أثرا فوافقهم السعد وساعدتهم الرّيح فوصلوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة قبل المركبين بِثَلَاث
واتصل خبرهما بالصدر الْأَعْظَم فأحضرهما وسألهما عَن الْعِمَارَة وَمَا كَانَ مِنْهَا فَأَخْبَرَاهُ بِفَتْح تونس وقصا عَلَيْهِ الحَدِيث من البدء إِلَى التَّمام فَأعْلم السُّلْطَان سليما بهما فأدخلهما عَلَيْهِ وسألهما كَذَلِك فَأَخْبَرَاهُ وسألهما عَن كتاب الْفَتْح إِن أَمِير الْعِمَارَة قد بعث بِهِ مَعَ مركبين صحبناهما إِلَى أَن فرق بَيْننَا الْبَحْر وَلم ندر مَا كَانَ مِنْهُمَا بعد ذَلِك
(5/62)

وَلما رَأيا من السُّلْطَان سليم تنازلا واهتزازا لكلامهما طلبا مِنْهُ فِي بشارتهما أَن يبْعَث مَعَهم العساكر إِلَى الغرب وشفعا فِي إِنْزَال رَأس والدهما وَدَفنه فَقبل شفاعتهما ثمَّ أَمر بهما إِلَى بعض الْمنَازل فأنزلهما بِهِ وأكرمهما وَبعث إِلَيْهِمَا بِالْأُمِّ الَّتِي كَانَت هُنَالك وأرجأ أَمرهمَا إِلَى قدوم الْخَبَر الْيَقِين وَبعد ثَلَاث قدم المركبان ومعهما كتاب الْفَتْح وَظهر صدق عبد الْملك الْملك وَأحمد فَحِينَئِذٍ أقبل عَلَيْهِمَا السُّلْطَان سليم وأعطاهما مَالا وسلاحا وَزَادا وَكتب لَهما فرمانا للدولاتي صَاحب الجزائر ليَبْعَث مَعَهُمَا خَمْسَة آلَاف من عَسْكَر التّرْك تطَأ مَعَهُمَا أَرض الْمغرب الْأَقْصَى
وَلما قدما على الدولاتي بالفرمان وقرأه على أهل الدِّيوَان قَالُوا علينا الرِّجَال وَعَلَيْهِمَا المَال وَهَذِه عادتنا مَعَ السُّلْطَان وَلما لم يكن عِنْدهمَا مَال يَوْمئِذٍ تطارحا على الخزندار وعَلى الآغا وَالْوَكِيل وأهديا إِلَيْهِم ورغبا مِنْهُم أَن يسلفوهما مَا ينفقانه فِي وجهتهما تِلْكَ إِلَى أَن يبعثا بِهِ إِلَيْهِم من الْمغرب فسهلوا لَهما وَقومُوا الْعَسْكَر بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وفرضوا لَهُ الْمُؤْنَة كل يَوْم بيومه إِلَى أَن يرجع وَأشْهدُوا عَلَيْهِمَا بذلك فِي دفتر فَقبلا وأعطوا خطوطهما بِهِ ثمَّ نَهَضَ عبد الْملك وَأَخُوهُ إِلَى الْمغرب يجران عَسَاكِر التّرْك خلفهمَا وَكتب عبد الْملك إِلَى شيعته بالمغرب يعرفهُمْ قدومه ويعدهم ويمنيهم إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ
وسَاق اليفرني هَذَا الْخَبَر وَفِيه بعض مُخَالفَة لما تقدم قَالَ لما فتحت تونس كَانَ عبد الْملك أول من أرسل الْبشَارَة مَعَ أَصْحَابه إِلَى السُّلْطَان العثماني فبلغت الرسَالَة أمه سَحَابَة الرحمانية فأعطتها السُّلْطَان الْمَذْكُور والتمست مِنْهُ أَن يُعْطِيهَا فِي بشارتها أَمر أهل الجزائر بالذهاب مَعهَا إِلَى الْمغرب فَأَعْطَاهَا ذَلِك فجَاء عبد الْملك مَعَ أمه بِكِتَاب السُّلْطَان إِلَى أهل الجزائر يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ مَعَه لتملك مَا كَانَ بيد آبَائِهِ فطالبه أهل الجزائر بالراتب فَقَالَ لَهُم أسلفوني وَعلي الْقَضَاء فاتفق مَعَهم أَن يعطيهم عشرَة آلَاف لكل مرحلة وَكَانَ عدد جَيش التّرْك أَرْبَعَة آلَاف
وَقَالَ فِي شرح الدرة إِن عبد الْملك طلب من رَئِيس التّرْك أَن يُعينهُ
(5/63)

بِحِصَّة مِنْهُم توصله إِلَى تخم بِلَاده ليدخلها إِذْ الْجند كُله جند أَبِيه لَا يُمكن أَن يقاتلوه ويضربوا فِي وَجهه لتعظيمهم إِيَّاه فأسعفه على مُرَاده وَأرْسل مَعَه عِصَابَة وَحِصَّة قَليلَة فَأقبل بهم حَتَّى انْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالركن من أحواز فاس فَلَمَّا سمع بذلك ابْن أَخِيه مُحَمَّد المتَوَكل خرج للقائه بِنَفسِهِ وَلما التقى الْجَمْعَانِ نزع رَئِيس جند الأندلس سعيد الرغالي إِلَى عبد الْملك وَكَانَ عبد الْملك يُكَاتب حَاشِيَة المتَوَكل وبطانته ورؤوس أجناده ويعد طائعهم ويوعد عاصيهم فَلَمَّا سمع المتَوَكل بِمَا فعله جند الأندلس فت ذَلِك فِي عضده وفشلت رِيحه وأيقن بالنكبة ظنا مِنْهُ أَن جنده كُله سيفعل فعل الرغالي فَكَانَ ذَلِك سَبَب جزعه وفراره من المعركة وَسبب خراب ملكه وَإِقَامَة ملك عَمه وَيُقَال إِن بعض الْجند لما سمع بِأَن الْقَائِد جرمون وَأَوْلَاد عمرَان نزعوا إِلَى عبد الْملك أَيْضا جَاءَ إِلَى المتَوَكل وَقَالَ لَهُ إِن الْقَائِد ابْن شقراء قد غدر وفر إِلَى عبد الْملك وَكَانَ ابْن شقراء هَذَا من أكبر قواده وأصدقهم لَدَيْهِ فارتاع المتَوَكل لذَلِك وانقلب مُنْهَزِمًا وانتهبت خزائنه وأوقد فِيهَا النَّار ونفط مَا كَانَ بهَا من البارود حَتَّى رئي من رُؤُوس الْجبَال
وَلما انهزم المتَوَكل بالركن عطف على فاس الْجَدِيد فَأخذ مِنْهَا مَا يعز عَلَيْهِ من الذَّخِيرَة ثمَّ خرج على وَجهه إِلَى مراكش لَا يلوي على شَيْء فلحق بِهِ الْقَائِد ابْن شقراء بوادي النجَاة على مقربة من فاس وَأَغْلظ لَهُ فِي القَوْل ولامه على عدم التأني والتثبت وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا
اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه على حَضْرَة فاس وَمَا يتبع ذَلِك

لما انهزم المتَوَكل بالركن وأجفل إِلَى مراكش تقدم عَمه أَبُو مَرْوَان إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد سَابِع ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة من بَاب الْفتُوح وَبعد أَن دَخلهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا أَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ طمحت نَفسه إِلَى اتِّبَاع ابْن أَخِيه إِلَى مراكش وَلما عزم على النهوض إِلَيْهِ
(5/64)

طَالبه التّرْك بِأَن يردهم إِلَى بِلَادهمْ وَأَن يعطيهم المَال الَّذِي اتّفق مَعَهم عَلَيْهِ وهم يسمونه بلغتهم البقشيش فبذل لكل وَاحِد مِنْهُم أَرْبَعمِائَة أُوقِيَّة واستسلف المَال من تجار أهل فاس حَتَّى يَتَّسِع حَاله فَكَانَ جملَة مَا أعْطى التّرْك خَمْسمِائَة ألف وَأَعْطَاهُمْ عشرَة من الأنفاض مِنْهَا النفض الْكَبِير الَّذِي لَهُ عشرَة أَفْوَاه وَزَادَهُمْ من تحف الْمغرب وطرفه مَا سلى بِهِ نُفُوسهم وَركب لوداعهم بِنَفسِهِ إِلَى نهر سبو ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس
وَفِي هَذِه الْمدَّة قبض على قاضيها الْفَقِيه أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي لأمر نقمه عَلَيْهِ وأودعه السجْن فَبعث الْفَقِيه الْمَذْكُور أَوْلَاده إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي النَّعيم رضوَان بن عبد الله الجنوي يطْلب مِنْهُ أَن يشفع لَهُ عِنْد السُّلْطَان المعتصم بِاللَّه فَكتب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو النَّعيم يحضه على الاستشفاع بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والاستمساك بحبله لِأَنَّهُ بَاب الله الْأَعْظَم فَقبل القَاضِي إِشَارَته وَتوجه إِلَى ربه بكليته فَأَتَاهُ الْفرج من حِينه رحم الله الْجَمِيع بمنه
نهوض السُّلْطَان أبي مَرْوَان إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار ابْن أَخِيه إِلَى السوس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

ثمَّ إِن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان نَهَضَ من فاس فِي جنده الَّذِي أَقَامَهُ وَكَانَ غرس يَده وَفِيمَا انضاف إِلَيْهِ من جند ابْن أَخِيه وَتقدم إِلَى الْبِلَاد المراكشية قَاصِدا حربه وتشريده عَنْهَا وَلما سمع ابْن أَخِيه بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِ وقصده إِيَّاه تهَيَّأ لملاقاته وَسَار إِلَى منازلته فَالتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُسمى خَنْدَق الريحان على مقربة من وَادي شراط من أحواز سلا فَكَانَت الْهَزِيمَة أَيْضا على المتَوَكل وفر بِرَأْس طمرة ولجام وأجفل كعادته إجفال النعام وَتَبعهُ أَحْمد الْمَنْصُور خَليفَة أَخِيه أبي مَرْوَان يَوْمئِذٍ فَلَمَّا سمع المتَوَكل باتباعه بعد بُلُوغه إِلَى مراكش فر عَنْهَا إِلَى جبل درن وَأسلم لَهُ مراكش فَدَخلَهَا أَحْمد نَائِبا عَن أَخِيه وَأخذ لَهُ الْبيعَة على أَهلهَا ثمَّ لحق بِهِ السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان فَدَخلَهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ
(5/65)

تَاسِع عشر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ خرج فِي طلب ابْن أَخِيه فعميت عَلَيْهِ أنباؤه وَسقط بَين سمع الأَرْض وبصرها فَعَاد أَبُو مَرْوَان إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
اسْتِخْلَاف السُّلْطَان أبي مَرْوَان لِأَخِيهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد على فاس وأعمالها

لما اسْتَقر السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان بمراكش وَانْقطع خبر المتَوَكل عَنهُ بالسوس تقدم إِلَيْهِ أَخُوهُ أَحْمد وَسَأَلَهُ أَن يستخلفه على فاس ليكفيه أمرهَا فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وولاه عَلَيْهَا ظنا مِنْهُ أَن أَمر الْمغرب قد صفا لَهُ وَإِن المتَوَكل لَا يعود إِلَيْهِ وَكَانَ الْوَزير أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي حَاضرا للطلبة والعطية فَأنْكر ذَلِك وَلم يره صَوَابا وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لَكمَا أَن تقعدا حَتَّى يحكم الله بَيْنكُمَا وَبَين ابْن أَخِيكُمَا فغاظ ذَلِك أَحْمد وَظن أَنه من سوء رَأْي عبد الْعَزِيز فِيهِ وبغضه لجانبه فَأَعْرض عَن مقَالَة الْوَزير الْمَذْكُور وَذهب إِلَى فاس خَليفَة عَلَيْهَا وَبَقِي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان بمراكش
وَفِي هَذِه الْمدَّة كتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لِأَخِيهِ أَحْمد برسالة يَقُول فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عبد الله المعتصم بِاللَّه الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي مَرْوَان عبد الْملك ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيده الله وأعز نَصره وأسعد زَمَانه الْمُبَارك وعصره وَأبقى بمنه فخره من إمْلَائِهِ أيده الله وَنَصره إِلَى أخينا الْأَعَز الأحظى بَابا أَحْمد حفظه الله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد فَاعْلَم أَنِّي لَا أحب أحدا بعد نَفسِي كمحبتي لَك ورغبتي فِي انْتِقَال هَذَا الْأَمر بعدِي إِلَيْك لَا لغيرك غير أَنِّي أعتاد مِنْك التَّرَاخِي فِي الْأُمُور حَتَّى أَنَّك لَا تبالي بعظيم الْأَمر وَلَا تعتبره إِلَى أَن يتَطَرَّق إِلَى مَا لَا يتلافى جبره من الْأُمُور الَّتِي تكَاد لَوْلَا لطف الله تذْهب بِهَذَا الْملك وتهد أَرْكَانه ويبلغ الْعَدو مَعهَا مناه وَمرَاده من ذَلِك التَّرَاخِي إهمالك أَمر الْجند الَّذِي
(5/66)

بالعرائش وإغفالك لَهُ مَعَ مَا يترادف عَلَيْك فِي كل سَاعَة من تلقائه من استدعاء مَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ من المؤونة والبارود والرصاص الَّذِي لَا يَسْتَقِيم لَهُم أَمر فِي مقاومة الْعَدو دون ذَلِك وَجعلت تقَابل خطابهم بالإهمال وَعدم المبالاة والآن سَاعَة يرد عَلَيْك كتَابنَا هَذَا قبل وَضعه من يدك ابْعَثْ إِلَيْهِم مُؤنَة عشرَة أَيَّام بَيْنَمَا نصل إِن شَاءَ الله فَيَقَع التَّدْبِير فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ زَائِدا على ذَلِك مَعَ مَا عنْدكُمْ هُنَالك من البارود والرصاص من غير عطلة وَلَا تراخ بِحَيْثُ لَا نقبل مِنْك عذرا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى الإهمال وَلَا بُد وَلَا بُد فقد بلغنَا أَن صَاحب النَّصَارَى بِقرب آصيلا فِي خمس عشرَة مائَة من النَّصَارَى وتمنيت أَن لَو حركتك الهمة للاقتحام عَلَيْهِ فِي مَكَانَهُ بِجَيْش يكسوه أردية الصغار وَيرجع سَاعَة رُؤْيَته إِلَى عَادَته من الذل والفرار فانتبه من الْغَفْلَة وَافْتَحْ عين الانتباه واليقظة فَإِن السَّاعَة لَا تَقْتَضِي إِلَّا الحزم والتشمير عَن ساعد الِاجْتِهَاد والعزم وَالسَّلَام اه
ظُهُور أبي عبد الله المتَوَكل بالسوس ومجيئه إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

كَانَ أَبُو عبد الله المتَوَكل بعد فراره من مراكش يجول فِي جبال السوس ويتنقل فِي قبائلها وأحيائها إِلَى أَن اجْتمعت عَلَيْهِ طَائِفَة من الصعاليك وتأشب عَلَيْهِ مَا يشبه أَن يكون جَيْشًا فاستهوتهم مِنْهُ الأضاليل وقادهم قَود الْملك الضليل وَجَاء بهم إِلَى مراكش فَسمع بِهِ السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان فَخرج للقائه فخالفه المتَوَكل وسلك طَرِيقا غير طَرِيقه وفجا غير فجه وَقصد مراكش فَدَخلَهَا بِاتِّفَاق أَهلهَا ونصروه وَكَتَبُوا لَهُ الْبيعَة إِلَّا أَنه لم يتَمَكَّن من القصبة
(5/67)

لِأَن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان كَانَ قد ترك بهَا أُخْته السِّت مَرْيَم فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف من الرُّمَاة فَتَحَصَّنُوا بهَا وَبلغ الْخَبَر أَبَا مَرْوَان باستيلاء المتَوَكل على مراكش فَرجع عوده على بدئه إِلَى أَن وافى الحضرة فحاصره بهَا وَكتب إِلَى أَخِيه أَحْمد الْخَلِيفَة على فاس أَن يَأْتِيهِ بِجَيْش مِنْهَا فَأَتَاهُ بِهِ أَحْمد مسرعا
وَمَا انْتهى إِلَى مراكش اجْتمع بالوزير أبي فَارس الوزكيتي فَقَالَ لَهُ أوقفت على الرَّأْي أول الفكرة آخر الْعَمَل فَبَانَت لِأَحْمَد نصيحته وَزَالَ مَا كَانَ يختلج بصدره عَلَيْهِ
وَلما جَاءَ أَحْمد بِجَيْش فاس أسلم المتَوَكل شيعته من أهل مراكش وفر إِلَى السوس فَبَقيَ أهل مراكش متمادين على الْحصار إِلَى أَن اتّفق السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان مَعَ أَعْيَان جراوة فأدخلوه من بعض الأسوار والأنقاب وَلما فر المتَوَكل إِلَى السوس تبعه أَحْمد الْمَنْصُور فَكَانَت بَينهمَا هُنَالك حروب عَظِيمَة أتاح الله فِيهَا النَّصْر للمنصور مِنْهَا وقْعَة تينزرت الَّتِي أنْشدهُ فِيهَا وزيره الْكَاتِب أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي الْبَيْتَيْنِ اللَّذين قالهما فِيهِ الْكَاتِب أَبُو عبد الله بن عِيسَى وهما
(هُوَ الْغَيْث وَالْبَحْر الغطمطم فِي الندى ... وَلَيْث إِذا جد الطعان هصور)
(يفوق السِّهَام عزمه وانبعاثه ... وَيقصر عَنهُ فِي الثَّبَات ثبير)
فَأَجَابَهُ أَحْمد الْمَنْصُور ببيتي أبي فراس الحمداني وهما
(وَنحن أنَاس لَا توَسط عندنَا ... لنا الصَّدْر دون الْعَالمين أَو الْقَبْر)
(تهون علينا فِي الْمَعَالِي نفوسنا ... وَمن خطب الْحَسْنَاء لم يغله الْمهْر)
وَمِنْهَا الْوَقْعَة الَّتِي بعْدهَا بأساطين الْمَنْصُور وَهُوَ فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف والمتوكل فِي نَحْو سِتِّينَ ألفا وَمَعَ ذَلِك هَزَمه الْمَنْصُور
قلت كَانَ أَحْمد الْمَنْصُور هَذَا مجدودا محظوظا مسعودا بِحَيْثُ أربت سعادته على شجاعته وَمَا كَانَ أَخُوهُ عبد الْملك يسري إِلَّا فِي ضوء طلعته ويمن نقيبته فَلِذَا كَانَ يقدمهُ فِي الحروب ويستكفي بِهِ فِي نَوَازِل الخطوب وَمن سعادته مَا اتّفق لَهُ فِي ذَهَابه إِلَى العثماني بِخَبَر الْفَتْح وتقدمه
(5/68)

قبل الْكتاب بِثَلَاث حَتَّى تسنى لَهُ من جَانب السُّلْطَان الْمَذْكُور مَا كَانَ سَببا فِي استيلائهما على الْمغرب وستسمع فِي أَخْبَار دولته من أنباء سعاداته مَا تقف بِهِ على حَقِيقَة الْحَال إِن شَاءَ الله وَأما أَمر المتَوَكل فَإِنَّهُ بعد توالي الهزائم عَلَيْهِ فر إِلَى جبل درن وتوغل فِي قننه ثمَّ فر مِنْهُ إِلَى باديس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ ذهب إِلَى سبتة ثمَّ دخل طنجة مستصرخا بعظيم البرتغال وَالله تَعَالَى لَا يهمل من حُقُوق عباده وزن المثقال
الْغَزْوَة الْكُبْرَى بوادي المخازن من بِلَاد الهبط وَالسَّبَب فِيهَا

كَانَ من خبر هَذِه الْغَزْوَة أَن السُّلْطَان المخلوع أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله السَّعْدِيّ لما دخل طنجة قصد طاغية البرتغال واسْمه سبستيان بِكَسْر السِّين وَفتح الْبَاء وَالسِّين وَسُكُون التَّاء الْقَرِيبَة من الطَّاء وَهُوَ طاغيتهم الْأَعْظَم وَلَيْسَ قَائِد الْجَيْش فَقَط على مَا هُوَ الْمُحَقق فِي تواريخهم وتطارح عَلَيْهِ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من عَمه أبي مَرْوَان المعتصم بِاللَّه وَطلب مِنْهُ الْإِعَانَة عَلَيْهِ كي يسترجع ملكه وينتزع مِنْهُ حَقه فأشكاه الطاغية ولبى دَعوته وصادف مِنْهُ شَرها إِلَى تملك سواحل الْمغرب وأمصاره فَشرط عَلَيْهِ أَن يكون لِلنَّصَارَى سَائِر السواحل وَله هُوَ مَا وَرَاء ذَلِك فَقبل أَبُو عبد الله ذَلِك وَالْتَزَمَهُ وللحين جمع الطاغية جموعه واستوعب كبراء جَيْشه ووجوه دولته وعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام
وَمن الْمُتَوَاتر فِي تواريخ الإفرنج أَن كبار دولته حذروه عَاقِبَة هَذَا الْخُرُوج ونهوه عَن التَّغْرِير ببيضة البرتغال وتوريطها فِي بِلَاد الْمغرب وقبائله فَصم عَن سَماع قَوْلهم ولج فِي رَأْيه وَملك الطمع قلبه وأبى إِلَّا الْخُرُوج فأسعفوه وَخرج من طنجة فِي جَيش قَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور عدده مائَة ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن يُقَال إِن مجموعهم كَانَ مائَة ألف وَعشْرين ألفا وَأَقل مَا قيل فِي عَددهمْ ثَمَانُون ألف مقَاتل وَكَانَ مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله نَحْو الثلاثمائة من أَصْحَابه قَالَ بَعضهم وَكَانَ عدد الأنفاض الَّتِي يجرونها مِائَتَيْنِ
(5/69)

وقصدوا هَلَاك الْمغرب وحصد الْمُسلمين وإدارة رحى الهوان على الدّين فَعظم ذَلِك على النَّاس وامتلأت صُدُورهمْ رعْبًا وَقُلُوبهمْ كربا وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر واتقدت بهَا نيران الهواجر وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله الْمَذْكُور قد كتب عِنْد خُرُوجه بِجَيْش البرتغال إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام رِسَالَة بعث بهَا إِلَى أَعْيَان الْمغرب من علمائه وأشرافه وَذَوي رَأْيه يغمض عَلَيْهِم بهَا فِي نكث بيعَته ونقضها ومبايعة عَمه من غير مُوجب شَرْعِي وَقَالَ لَهُم مَا استصرخت بالنصارى حَتَّى عدمت النُّصْرَة من الْمُسلمين وَقد قَالَ الْعلمَاء أَنه يجوز للْإنْسَان أَن يَسْتَعِين على من غصبه حَقه بِكُل مَا أمكنه وتهددهم فِيهَا وأبرق وأرعد وَقَالَ فَإِن لم تَفعلُوا فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله وسمى النَّصَارَى أهل العدوة واستنكف من تسميتهم نَصَارَى فَأَجَابَهُ عُلَمَاء الْإِسْلَام رضوَان الله عَلَيْهِم عَن رسَالَته تِلْكَ برسالة دامغة لجيش أباطيلة وفاضحة لركيك تَأْوِيله وَهَذَا نَص جَوَاب تِلْكَ الرسَالَة حرفا حرفا الْحَمد الله كَمَا يجب لجلاله وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم والرضى عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين هجروا دين الْكفْر فَمَا نصروه وَلَا استنصروا بِهِ حَتَّى أسس الله دين الْإِسْلَام بِشُرُوط صِحَّته وكماله
وَبعد فَهَذَا جَوَاب من كَافَّة الشرفاء وَالْعُلَمَاء والصلحاء والأجناد من أهل الْمغرب وفقهم الله لمولانا مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا عبد الله السَّعْدِيّ عَن كِتَابه الَّذِي استدعاهم فِيهِ لحكم الْكتاب وَالسّنة وَاسْتدلَّ بحججه الْوَاهِيَة المنكبة عَن الصَّوَاب قائلين لَهُ عَن أول حجَّة صدر بهَا الْخطاب لَو رجعت على نَفسك اللوم والعتاب لعَلِمت أَنَّك المحجوج والمصاب فقولك خلعنا بيعتك الَّتِي التزمناها وطوقناها أعناقنا وعقدناها فَلَا وَالله مَا كَانَ ذَلِك منا عَن هوى مُتبع وَلَا على سَبِيل خَارج عَن طَرِيق الشَّرْع مُبْتَدع وَإِنَّمَا ذَلِك منا على مَنْهَج الشَّرْع وَطَرِيقه وعَلى سَبِيل الْحق وتحقيقه وسنشرح لَك ذَلِك ونبينه ونسطره لَك بالأدلة الشَّرْعِيَّة الَّتِي ترقيه وتزينه نعم كنت سُلْطَانا بِمَا عقد لَك والدك من الْبيعَة وَترك لَك من الْأَمْوَال وَالْعدَد والحصون مِمَّا لم يتهيأ مثله لأحد من أسلافكم الْكِرَام رضوَان الله عَلَيْهِم فجاهدوا بِمَا حصل لَهُم من ذَلِك فِي الله حق جهاده حَتَّى استخلصوا من أَيدي الْكفَّار رِقَاب عباد الله وحصون بِلَاده
(5/70)

وأسسوا لدين الله قَوَاعِد وأركانا وملكوا من الْمغرب بلادا مُعْتَبرَة وأوطانا فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَيْك أَلْقَت إِلَيْك الْعباد أعنتها وملكتك أزمتها غير مبدلين وَلَا مغيرين وَلَا باغين وَلَا منكرين إِلَى أَن قَامَ عَلَيْك عمك بحجته الَّتِي لَا يمكنك جَحدهَا حَسْبَمَا ثَبت كَمَا يجب عقدهَا فَخرجت مبادرا لَهُ بدفعها ولقيته بهَا وَأَنت وَاسِطَة عقدهَا وحامل راية عهدها وعمك فِي فِئَة لَا يخْطر على بَال عَاقل أَن يُقَابل جندا من جنودك أَو يدافع مَا تَحت لِوَاء من ألويتك وبنودك فَمَا هُوَ إِلَّا أَن جرى الْقِتَال وَحضر النزال رجعت على عقبك هَارِبا هروب مطرود بقصاص وجنودك تناديك ولات حِين مناص فَتركت عددك ومحلتك بِكُل مَا فِيهَا وخلفتها لعدوك ينهبها ويسبيها وهربت عَن مَدِينَة فاس المحروسة وسكانها يُنَادُونَك لمن تركتنا وَإِلَى من تكلنا فَلم تلْتَفت إِلَيْهِم وَأسْلمت بِلَادهمْ على مَا فِيهَا من خَزَائِن الْأَمْوَال وَالْعدَد الوافرة وَالرِّجَال والأسوار المرتفعة الْمَانِعَة وَالْمَدينَة الْمَشْهُورَة الجامعة فَأصْبح أَهلهَا وَالْيَد العادية من المفسدين تُرِيدُ أَن تمتد إِلَى الْحَرِيم وَالْأَوْلَاد والطارف والتلاد وَلَا دَافع عَن الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين إِلَّا الله تَعَالَى الَّذِي قَالَ فِي مثلهم {وَمن أصدق من الله قيلا} {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} فَمَا أمكنهم بعد هروبك عَنْهُم وإسلامك لَهُم فوضى مهملين إِلَّا النّظر فِي أَمرهم وإعمال الْفِكر فِي التَّدْبِير على أنفسهم فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذا بعمك بجُنُوده على بَاب مدينتهم قَائِما بحجته سالكا فِي ذَلِك سَبِيل أَبِيه رَحمَه الله ومحجته حَسْبَمَا تقرر ذَلِك عنْدكُمْ وَظهر وَلم يخف عَنْكُم مِنْهُ عين وَلَا أثر إِذْ كَانَ مَوْلَانَا مُحَمَّد الْجد الْأَكْبَر عهد لأولاده مَوْلَانَا أَحْمد ومولانا مُحَمَّد الشَّيْخ وإخوانهم لَا يتَوَلَّى الْخلَافَة مِنْهُم وَلَا من أَوْلَادهم إِلَّا الْأَكْبَر فالأكبر فالتزموا ذَلِك إِلَى أَن كبر أَوْلَادهم فَطلب جدك من عمك الْوَفَاء بذلك فَامْتنعَ فقاتله على ذَلِك حَتَّى تمّ لَهُ الْأَمر وانتظم فعهد لوالدك الَّذِي كَانَ أكبر أَوْلَاده فَلم ينازعه أحد فِي ذَلِك إِلَى أَن ألْقى والدك رَحمَه الله ذَلِك وعهد إِلَيْك فَلم ينازعكم أحد فَأبى الله إِلَّا الْحق فَأعْطى ملكه لعمك الَّذِي هُوَ أكبركم بعد أَبِيك فَإِن سلمت هَذَا فَأَي حجَّة تدلي بهَا وَأي طَرِيق
(5/71)

تعتمد عَلَيْهَا وَإِن أنْكرت هَذَا فَلَا أثر لخلافة أَبِيك من قبلك وَلَا لجدك من قبله لثبوتها لعمكم مَوْلَانَا أَحْمد إِذْ لَا حجَّة حِينَئِذٍ لجدك فِي الْقيام على عمك فخلافته صَحِيحَة لبيعة جدك لَهُ فَلم يبْق إِلَّا التغلب الَّذِي تدلي بِهِ فِي مَسْأَلَة عمك وَفِي قِيَامه عَلَيْك فَإِن كنت تُرِيدُ أَن تسْقط حجَّته بالتغلب عَلَيْك فحجتك أبين فِي السُّقُوط لعدم ثُبُوت الْخلَافَة لمن عقدهَا لَك إِذْ الْمَعْدُوم شرعا كَالْمَعْدُومِ حسا فَلم يبْق بَيْنكُم إِلَّا وَالْملك بعد أبي ليلى لمن غلبا فيلزمك على هَذَا أَن تثبت مَا عقده مَوْلَانَا الْجد رَحْمَة الله وَعَلِيهِ فالخلافة لعمك الْقَائِم عَلَيْك إِذْ هُوَ أكبركم فِي هَذَا التَّارِيخ
فَإِن قلت إِن مَا عقده الْجد غير صَحِيح قُلْنَا فقد ذكر الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ فِي كتاب الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة لَهُ فِي بَاب عقد الْخلَافَة أَن عبد الْملك بن مَرْوَان رتبها فِي الْأَكْبَر فالأكبر من بنيه فَلم ينازعه أحد فِي ذَلِك
فَإِن قلت فعل عبد الْملك لَيْسَ بِحجَّة قُلْنَا سكُوت الْعلمَاء على ذَلِك وهم مَا هم فِي زَمَانه هُوَ الْحجَّة إِذْ لَا يُمكن أَن يسكتوا على بَاطِل وَإِقْرَار أهل الْعَصْر الْوَاحِد على مَسْأَلَة من الْمسَائِل واتفاقهم عَلَيْهَا يقوم مقَام الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة الله فِي أرضه وَكَانَ أَيْضا من محفوظات عُلَمَاء فاس المحروسة مَا خرجه مُسلم رَضِي الله عَنهُ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْإِمَارَة مَا نَصه قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يرفع لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة عِنْد رَأسه يُقَال هَذِه غدرة فلَان ابْن فلَان أَلا وَلَا غادر أعظم غدرا من أَمِير عَامَّة) قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض رَحمَه الله فِي كتاب إِكْمَال الْمعلم على شرح فَوَائِد مُسلم يَعْنِي لم يحطهم وَلم ينصح لَهُم وَلم يَفِ بِالْعقدِ الَّذِي تقلده من أَمرهم وَفِي الْبَاب نَفسه عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا نَصه (مَا من أَمِير استرعاه الله رعية ثمَّ لم ينصح لَهُم إِلَّا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) وَفِي الْإِكْمَال نَفسه قَالَ القَاضِي وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاس إِن الْقَوْم إِذا بقوا فوضى مهملين لَا إِمَام لَهُم فَلهم أَن يتفقوا على إِمَام يبايعونه ويستخلفونه عَلَيْهِم ينصف بَعضهم من بعض وَيُقِيم لَهُم الْحُدُود
(5/72)

فَلَمَّا أسلمتهم وأضحوا بِغَيْر إِمَام وعمك يُدْلِي بحجته الَّتِي ذكرنَا لَك مَعَ مَا حفظوه من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَلَام السّلف الصَّالح وَأَيِسُوا من رجوعك إِلَيْهِم وبقوا فوضى مهملين لم يسعهم إِلَّا الرُّجُوع إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاس رضوَان الله عَلَيْهِم فاتفقوا على أَن يبايعوا عمك لما ذكرنَا لَك من الْحجَج الَّتِي لَا يسعك جَحدهَا إِلَّا على وَجه المكابرة فاطمأن النَّاس وَسَكنُوا وانفتحت السبل وأقيمت الْحُدُود وَارْتَفَعت الْيَد العادية
فَإِن قلت كَانَ يجب على أهل فاس أَن يقاتلوا على الْبيعَة الَّتِي التزموها لَك قُلْنَا إِنَّمَا يلْزمهُم الْقِتَال أَن لَو أَقمت بَين أظهرهم فَيكون قِتَالهمْ على وَجه شَرْعِي لِأَن الْقِتَال على الْحُدُود الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا يكون بعد نصب إِمَام يصدر النَّاس عَن رَأْيه وَلَا يمكنك أَيْضا جَحدهَا إيه ثمَّ وصلت إِلَى مراكش الغراء الَّتِي تجبى إِلَيْهَا الْأَمْوَال من الْبَوَادِي والأمصار وتشد إِلَيْهَا الرّحال من سَائِر الأقطار فلقيك أَهلهَا بالترحاب وَالسُّرُور وأنواع الْفَرح والحبور فَوجدت خزائنها تتدرج ملئا من كل شَيْء فَأَما أسوارها ورحابها فَهِيَ كَمَا قيل تربة الْوَلِيّ ومدرج الْحلِيّ وحضرة الْملك الأولي والبرج النير الْجَلِيّ فحللتها وتمكنت من أموالها وخزائنها ووافقك أَهلهَا فَمَا نكثوا وَلَا غدروا وَلَا خَرجُوا عَلَيْك فِي سلطانك وَلَا أَنْكَرُوا فطلبت أَيْضا قتال عمك وجندت جُنُودا لَا يجمعها ديوَان حَافظ وَلَا يعهدها لِسَان لافظ فَخرجت إِلَيْهِ تجر أَعِنَّة الْخَيل وَرَاءَك كالسيول وَالرُّمَاة قد مَلَأت الهضاب والتلول فَمَا كَانَ من حَدِيثك إِلَّا أَن وَقع الْقِتَال وَحضر النزال بادرت هَارِبا محكما للْعَادَة تَارِكًا للرؤساء من أجنادك والقادة فَحلت بهم الخطوب والرزايا واختطفتهم أَيدي المنايا فَتركت أَيْضا محلتك بِمَا فِيهَا من حريمك وأموالك وعدتك ثمَّ أسرعت هَارِبا إِلَى مراكش فَمَا صدك عَنْهَا أحد من أَهلهَا وَلَا قَالَ لَك أحد لست ببعلها فعملوا على الْقِتَال مَعَك والتمنع بأسوارها الحصينة والحصار دَاخل الْمَدِينَة فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل غدرتهم وغادرت بناتك وأخواتك وعماتك ونساءك وَخرجت عَنْهُم من القصبة وتركتهم لَا بواب عَلَيْهِم وَلَا حارس وَلَا راجل وَلَا فَارس فيالها من مُصِيبَة مَا أعظمها وَمن داهية مَا أعضلها وَلَوْلَا
(5/73)

فضل الله ولطفه ووعده بتطهير أهل الْبَيْت لامتدت إِلَيْهِم أَيدي السفلة من الفسقة فَأَي حجَّة تبقى لَك بعد هَذَا وَأي كَلَام لَك بَين الرِّجَال يَا هَذَا ثمَّ جَاءَك عمك أَيْضا بِمَا سلف من الْحجَج فَوجدَ أَهلهَا فِي لطف الله سُبْحَانَهُ وهم يَحْرُسُونَ أَوْلَادهم وديارهم من الْيَد العادية فأنقذهم الله بِهِ أَيْضا فَبَايعُوا عمك بِمَا سلف من الْحجَج واطمأنوا وَسَكنُوا ثمَّ هربت للجبل عِنْد صَاحبه فصرتما فِي نهب أَمْوَال الرّعية وَسَفك دِمَائِهِمْ وَأكْثر مَا صفا لَك من ذَلِك أهل الذِّمَّة المصغرون بِحكم الْقُرْآن الداخلون تَحت عهد سيد الثقلَيْن فِي الْأَمْن والأمان فَأَنت وهم فِي استيلائك عَلَيْهِم وظلمك إيَّاهُمَا كَمَا قيل
(إِن هُوَ مستوليا على أحد ... إِلَّا على أَضْعَف المجانين)
وَلم تبال بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنا خصيم من ظلم ذِمِّيا يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ خربَتْ العامر وأفسدت مَا شيدت الأسلاف لِلْإِسْلَامِ من المآثر فَلَمَّا رأى أهل السوس الْأَقْصَى ذَلِك أيقنوا أَنَّك إِنَّمَا قصدت خراب الْإِسْلَام وَأَهله فنكب عَنْك أهل الدّين وَالْعلم مِنْهُم وَبقيت كَمَا قيل فِي خلف كَجلْد الأجرب
فَإِن قلت إِن أُولَئِكَ الْخلف لم يبايعوا عمك فتنقض بهم مَا قَرَّرْنَاهُ قُلْنَا لم يطعن فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ من تخلف عَنْهَا من أهل الشَّام وَفِيهِمْ من قد علمت من النَّاس وَالْإِجْمَاع على صِحَة بيعَته وَسمي من تخلف عَنْهَا بَاغِيا لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقتله أَصْحَاب مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ والْحَدِيث من أَعْلَام نبوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقَاعِدَة أَن مَا اجْتمع عَلَيْهِ من يعْتَبر من أهل الْعَصْر الْوَاحِد هُوَ الْمعول عَلَيْهِ وَلَا يعد خلاف من خَالفه خلافًا وَهَذَا كُله بِالنّظرِ إِلَى مَا كَانَ من حَدِيثك قبل التحزب مَعَ عَدو الدّين وَالْأَخْذ
(5/74)

فِي التَّخْلِيط الْعَظِيم على الْمُسلمين فَإنَّك اتّفقت مَعَهم على دُخُول آصيلا وأعطيتهم بِلَاد الْإِسْلَام فيالله وَيَا لرَسُوله لهَذِهِ الْمُصِيبَة الَّتِي أحدثتها وعَلى الْمُسلمين فتقتها وَلَكِن الله تَعَالَى لَك وَلَهُم بالمرصاد ثمَّ لم تتمالك أَن ألقيت بِنَفْسِك إِلَيْهِم ورضيت بجوارهم وموالاتهم كَأَنَّك مَا طرق سَمعك قَول الله سُبْحَانَهُ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} قَالَ أَبُو حَيَّان رَحمَه الله أَي لَا تنصروهم وَلَا تستنصروا بهم وَفِي كتاب الْقَضَاء من نَوَازِل الإِمَام الْبُرْزُليّ رَحمَه الله أَن أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين اللمتوني رَحمَه الله استفتى عُلَمَاء زَمَانه رَضِي الله عَنْهُم وهم مَا هم فِي استنصار ابْن عباد الأندلسي بِالْكِتَابَةِ إِلَى الإفرنج على أَن يعينوه على الْمُسلمين فَأَجَابَهُ جلهم رَضِي الله عَنْهُم بردته وكفره فَتَأمل هَذَا مَعَ قضيتك تجدها أحروية مُنَاسبَة لقضية ابْن عباد فِي عقدهَا ابْتِدَاء وَأَنه مَتى طَرَأَ الْكفْر وَجب الْعَزْل وناهيك بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَبِمَا أفتى الْعلمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم بردة من استنصر بالنصارى على الْمُسلمين فَهُوَ نَص جلي فِي وجوب خلعك وَسُقُوط بيعتك فَلم يبْق لَك إِلَّا مُنَازعَة الْحق سُبْحَانَهُ فِي حكمه {وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب}
وَأما قَوْلك فِي النَّصَارَى فَإنَّك رجعت إِلَى أهل العدوة واستعظمت أَن تسميهم بالنصارى فَفِيهِ المقت الَّذِي لَا يخفى وقولك رجعت إِلَيْهِم حِين عدمت النُّصْرَة من الْمُسلمين فَفِيهِ محظوران يحضر عِنْدهمَا غضب الرب جلّ جَلَاله أَحدهمَا كونك اعتقدت أَن الْمُسلمين كلهم على ضلال وَأَن الْحق لم يبْق من يقوم بِهِ إِلَّا النَّصَارَى وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَالثَّانِي أَنَّك استعنت بالكفار على الْمُسلمين وَفِي الحَدِيث أَن رجلا من الْمُشْركين مِمَّن عرف بالنجدة والشجاعة جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَجَدَهُ بحرة الْوَبرَة مَوضِع على نَحْو أَرْبَعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد جِئْت لأنصرك فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن كنت تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَقَالَ لَا أفعل فَقَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي لَا أستعين بمشرك وَمَا سمعته من قَول الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم فِي
(5/75)

الِاسْتِعَانَة بهم إِنَّمَا هُوَ على الْمُشْركين بِأَن نجعلهم خدمَة لأزبال الدَّوَابّ لَا مقاتلة فَأَما الِاسْتِعَانَة بهم على الْمُسلمين فَلَا يخْطر إِلَّا على بَال من قلبه وَرَاء لِسَانه وَقد قيل قَدِيما لِسَان الْعَاقِل من وَرَاء قلبه وَفِي قَوْلك يجوز للْإنْسَان أَن يَسْتَعِين على من غصبه حَقه بِكُل مَا أمكنه وَجعلت قَوْلك هَذَا قَضِيَّة أنتجت لَك دَلِيلا على جَوَاز الِاسْتِعَانَة بالكفار على الْمُسلمين وَفِي ذَلِك مصادمة لِلْقُرْآنِ والْحَدِيث وَهُوَ عين الْكفْر أَيْضا وَالْعِيَاذ بِاللَّه
وقولك فَإِن لم تَفعلُوا فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله إيه أَنْت مَعَ الله وَرَسُوله أَو مَعَ حزبه فَتَأمل مَا قلت فِي الحَدِيث يتَكَلَّم أحدكُم بِالْكَلِمَةِ تهوي بِهِ فِي النَّار سبعين خَرِيفًا
وَلما سَمِعت جنود الله وأنصاره وحماة دينه من الْعَرَب والعجم قَوْلك هَذَا حملتهم الْغيرَة الإسلامية وَالْحمية الإيمانية وتجدد لَهُم نور الْإِيمَان وأشرق عَلَيْهِم شُعَاع الإيقان فَمن قَائِل يَقُول لَا دين إِلَّا دين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن قَائِل يَقُول سَتَرَوْنَ مَا أصنع عِنْد اللِّقَاء وَمن قَائِل يَقُول {وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين} وَمن قَائِل يَقُول إِنَّمَا قصد التشفي بِالْمُسْلِمين إِذْ لَو كَانَ يطْلب الصّلاح لما صدرت مِنْهُ هَذِه الْأَفْعَال القبيحة إِلَى غير ذَلِك فجزاهم الله عَن الْإِسْلَام خيرا وَرَضي عَنْهُم وَبَارك فيهم فَللَّه دِرْهَم من رجال وفرسان وأبطال وشجعان فَلَو لم يكن مِنْهُم إِلَّا مَا غير قُلُوبهم على الدّين لَكَانَ كَافِيا فِي صِحَة إِيمَانهم وعظيم إيقانهم فقد بلغ نور غضبهم لله سُبْحَانَهُ سَاق الْعَرْش وَالْحب فِي الله والبغض فِي الله من قَوَاعِد الْإِيمَان
وقولك أَيْضا متبرئا من حول الله وقوته فَإِن لم تَفعلُوا فالسيف فَهُوَ كَلَام هذيان يدل على حَمَاقَة قَائِله فَقَط أنبأ سَيْفك هَذَا وَأَنت مَعَ الْمُسلمين فِي أَربع وَعشْرين معركة لم تثبت لَك فِيهَا راية ثمَّ زَالَ نبوه الْآن بالكفار فَهَذِهِ أضحوكة فتأملها
وَأما مَا نسبته لإِمَام دَار الْهِجْرَة فكفاك عَجزا إِن لم تعين لنا نصا جليا نعتمد عَلَيْهِ فِيمَا تحتج بِهِ إِلَّا أَنَّك كثرت بِهِ سَواد القرطاس مغربا بِذكرِهِ لَا معربا بنصه
(5/76)

وَمَا نسبته للحنفية من أكل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة وتسويغ الغصة بِخَمْر فَهُوَ مَا نَص عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة فِي مختصراتهم الَّتِي ألفوها للصبيان فعدولك عَن ذَلِك إِلَى الْحَنَفِيَّة إِمَّا قُصُور وَإِمَّا إِلْغَاء لمَذْهَب مَالك رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ النَّجْم الثاقب
وَأما قَوْلك أَنْتُم أهل بغي وعناد فَلَا نسلم لَك ذَلِك إِلَّا لَو أَقمت بَين أظهرنَا وقاتلت مَعنا حَتَّى ترى أنسلمك أم لَا فَأَما إِذا هربت عَنَّا وَتَرَكتنَا فالحجة عَلَيْك لَا علينا على انك فِي كتابك تفسق الْكل بذلك وتكفره وَقد قَالَ الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم من يَقُول بتكفير الْعَامَّة فَهُوَ أولى بالتكفير وَذَلِكَ معزو لزعيم الْعلمَاء القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد وَالْقَاضِي أبي الْفضل عِيَاض وَكَيف لَا تنظر لقضايا تلمسان وتونس وَغَيرهمَا من سَائِر الْبلدَانِ وَكَيف وَقع لأمرائهم المستنصرين بالكفار على الْمُسلمين هَل حصلوا على شَيْء مِمَّا قصدوه أَو بلغُوا شَيْئا مِمَّا أَملوهُ على أَن أَكثر الْعلمَاء حكمُوا بردتهم ففاتتهم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه
وَقد افتخرت فِي كتابك بجموع الرّوم وقيامهم مَعَك وعولت على بُلُوغ الْملك بحشودهم وأنى لَك هَذَا مَعَ قَول الله تَعَالَى {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} {ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ} وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لن تغلب هَذِه الْأمة وَلَو اجْتمع عَلَيْهَا من الْكفَّار مَا بَين لابات الدُّنْيَا) وَعنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سيقاتل آخر هَذِه الْأمة الدَّجَّال وَعنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (سَأَلت رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلته أَلا يُهْلِكهُمْ بِسنة عَامَّة فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَلا يَغْلِبهُمْ عدوهم الْكَافِر فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَلا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمَنَعَنِيهَا) وَالْكل عَلَيْك وَإِيَّاك نعني
وَمَا ذكرته عَن عمك فَاعْلَم أَنه لما بلغه خبرك واستنصارك بالكفار عقد ألويته المنصورة بِاللَّه فِي وسط جَامع الْمَنْصُور بعد أَن ختم عَلَيْهَا أهل الله من حَملَة الْقُرْآن مائَة ختمة وصحيح البُخَارِيّ وضجوا عِنْد ذَلِك بالتهليل
(5/77)

وَالتَّكْبِير وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالدُّعَاء لَهُ وللأسلام بالنصر والتمكين وَالْفَتْح الشامخ الْمُبين فَلَو سَمِعت ذَلِك لعَلِمت وتحققت أَن أَبْوَاب السَّمَاء انفتحت لذَلِك وَقضى مَا هُنَالك وبلغه كتابك الَّذِي كَانَ هَذَا جوبا عَنهُ وَهُوَ بوسط تامسنا مَعَه من جنود الله وأنصاره وحماة دينه مَا يَجْعَل الله فِيهِ الْبركَة وَلَوْلَا أَن الشَّرْع الْعَزِيز أَمر بتعظيم جنود الْإِسْلَام والمباهاة بهَا والافتخار بكثرتها لما قَررنَا لكم أمرهَا إِذْ لَا اعْتِمَاد لَهُ أيده الله عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ هم لَا اعْتِمَاد لَهُم إِلَّا على حول الله وقوته وَنَصره وتأييده وَالنَّاس على دين الْملك وَقد قَاتَلت وَأَنت فِي وسط الْمُسلمين فِي بضع عشرَة معركة لم تنصر لَك فِيهَا راية فَأَي نحس وشؤم حلا بديار الرّوم فَإِن جلبتهم فَالله لَك وَلَهُم بالمرصاد ارْجع إِلَى الله أَيهَا الْمِسْكِين وَتب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل التَّوْبَة عَن عباده فِي كل وَقت وَحين ودع عَنْك كَلَام من لَا ينهضك حَاله وَلَا يدلك على الله مقاله وَهَذِه نصيحة إِن قبلتها وموعظة إِن وفقت إِلَيْهَا وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَهُوَ نعم الْمولى وَنعم النصير وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَالسَّلَام انْتَهَت الرسَالَة
وَكَانَ خُرُوج مُحَمَّد بن عبد الله بِجَيْش البرتغال وفصوله بِهِ من طنجة فِي ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي الْمرْآة إِنَّهُم لما خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام ضربوا محلاتهم بالفحص على أقل من مسيرَة يَوْم من مَدِينَة الْقصر وَكَانَت آصيلا قد تصيرت إِلَيْهِم قبل ذَلِك بأشهر يَعْنِي بعد فرارهم عَنْهَا أَيَّام السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ كَمَا تقدم فعاين أهل الْقصر الهلكة لقرب الْعَدو مِنْهُم وقوته الَّتِي لَا طَاقَة لَهُم بهَا وَفَشَا النِّفَاق لأجل السُّلْطَان مُحَمَّد بن عبد الله الَّذِي مَعَهم وَلأَجل بعد صريخ الْمُسلمين فَإِن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان المعتصم بِاللَّه كَانَ إِذْ ذَاك بمراكش فاستبطؤوا وُصُول الْخَبَر إِلَيْهِ ثمَّ مَجِيئه بعد ذَلِك فَلم يبْق لَهُم تَدْبِير إِلَّا الْفِرَار والتحصن بالجبال وَغَيرهَا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو المحاسن يُوسُف الفاسي رَحمَه الله وَكَانَ إِذْ ذَاك بِالْقصرِ لرجل من أَصْحَابه نَاد فِي النَّاس أَن الزموا بِلَادكُمْ ودوركم فَإِن عَظِيم
(5/78)

النَّصَارَى مسجون حَيْثُ هُوَ حَتَّى يَجِيء السُّلْطَان من مراكش وَإِن النَّصَارَى غنيمَة للْمُسلمين وَمن شَاءَ فليعط خمسين أُوقِيَّة فِي النَّصْرَانِي يُشِير إِلَى مبلغ قيمَة النَّصْرَانِي فِي الْغَنِيمَة فَمَا انْتقل النَّصَارَى من مكانهم ذَلِك أَكثر من شهر حَتَّى قدم السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان وَكَانَ مَرِيضا اه
وَقَالَ فِي النزهة إِن النَّصَارَى لما برزوا من طنجة شنوا الْغَارة على السواحل فَأعْلم أَهلهَا السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان وَكَانَ بمراكش وَشَكوا إِلَيْهِ كلب الْعَدو عَلَيْهِم فَكتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان من مراكش إِلَى الطاغية إِن سطوتك قد ظَهرت فِي خُرُوجك من أَرْضك وجوازك العدوة فَإِن ثَبت إِلَى أَن نقدم عَلَيْك فَأَنت نَصْرَانِيّ حَقِيقِيّ شُجَاع وَإِلَّا فَأَنت كلب ابْن كلب فَلَمَّا بلغه الْكتاب غضب وَاسْتَشَارَ أَصْحَابه هَل نُقِيم حَتَّى يلْحق بِنَا من خلفنا من أَصْحَابنَا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عبد الله الرَّأْي أَن نتقدم ونملك تطاوين والعرايش وَالْقصر ونجمع مَا فِيهَا من الْعدة ونتقوى بِمَا فِيهَا من الذَّخَائِر فأعجب ذَلِك الرَّأْي أهل الدِّيوَان وَلم يعجب الطاغية وَكتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لِأَخِيهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ نَائِبه على فاس وأعمالها أَن يخرج بجيوش فاس وأحوازها ويتهيأ لِلْقِتَالِ ثمَّ كتب إِلَيْهِ أَيْضا فِي شَأْن مُؤنَة الْجَيْش كتابا يَقُول فِيهِ من عبد الله المعتصم بِاللَّه الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي مَرْوَان عبد الْملك بن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيد الله أمره وأعز نَصره إِلَى أخينا الْأَعَز الأنجب بَابا أَحْمد ابْن مَوْلَانَا الْوَالِد حرس الله كريم إخائه سَلام كريم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم من محلتنا السعيدة بتامسنا وَلَا زَائِد بِحَمْد الله إِلَّا الْخَيْر والعافية وَالنعَم الضافية هَذَا وَإنَّهُ سَاعَة وُصُوله إِلَيْكُم تخرجُونَ من الخدام لعمالة مكناسة وقبيلة آزمور وَأَوْلَاد جلول من يفْرض عَلَيْهِم علف محلتنا المنصورة ومؤنتها وَيَأْمُرهُمْ بِرَفْعِهِ وإبلاغه إِلَى مَدِينَة سلا وَقدر ذَلِك صَحْفَة شعير وَعِشْرُونَ مدا من الْقَمْح لكل نائبة وَصَاع من سمن وكبش لكل أَربع نَوَائِب ووكد عَلَيْهِم رعاك الله أَن يعتنوا بذلك وبإيصاله إِلَى الْمَكَان الْمَذْكُور من غير عطلة وَهَذَا مَا وَجب بِهِ الْإِعْلَام إِلَيْكُم وَالله يرعاكم بمنه وَالسَّلَام اه
(5/79)

ثمَّ كتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان للطاغية ثَانِيَة وَذَلِكَ بعد مَا وصل إِلَى الْقصر إِنِّي رحلت إِلَيْك سِتّ عشرَة مرحلة أما ترحل إِلَى وَاحِدَة فَرَحل الطاغية من مَوضِع يُقَال لَهُ تاهدارت وَنزل على وَادي المخازن بمقربة من قصر كتامة وَكَانَ ذَلِك من السُّلْطَان أبي مَرْوَان مكيدة ثمَّ إِن الطاغية تقدم بجيوشه وَعبر جسر الْوَادي وَنزل من هَذِه العدوة فَأمر السُّلْطَان بالقنطرة أَن تهدم وَوجه إِلَيْهَا كَتِيبَة من الْخَيل فهدموها وَكَانَ الْوَادي لَا مشرع لَهُ سوى القنطرة ثمَّ زحف السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان إِلَى الْعَدو بجيوش الْمُسلمين وخيل الله المسومة وانضاف إِلَيْهِ من المتطوعة كل من رغب فِي الْأجر وطمع فِي الشَّهَادَة وَأَقْبل النَّاس سرَاعًا من الْآفَاق وابتدروا حُضُور هَذَا المشهد الْجَلِيل فَكَانَ مِمَّن حَضَره من الْأَعْيَان الشَّيْخ أَبُو المحاسن يُوسُف الفاسي وَغَيره
قَالَ فِي الْمرْآة كَانَ الشَّيْخ أَبُو المحاسن فِي ذَلِك الْيَوْم فِي أحد الجناحين وَأَظنهُ الميسرة من عَسْكَر الْمُسلمين فِي مُقَابلَة النَّصَارَى دمرهم الله قَالَ فَوَقع فِي ذَلِك الْجنَاح انكسار تزحزح بِهِ الْمُسلمُونَ عَن مَصَافهمْ وحملت عَلَيْهِم النَّصَارَى دمرهم الله فَثَبت الشَّيْخ وَثَبت من كَانَ مَعَه إِلَى أَن منح الله الْمُسلمين النَّصْر وركبوا أكتاف الْعَدو يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وَالشَّيْخ لم يتزلزل وَلم يلْتَفت مُنْذُ توجه إِلَى قِتَالهمْ حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم اه
وَلما الْتَقت الفئتان وزحف النَّاس بَعضهم إِلَى بعض وَحمى الْوَطِيس واسود الجو بنقع الْجِيَاد ودخان المدافع وَقَامَت الْحَرْب على سَاق توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان رَحمَه الله عِنْد الصدمة الأولى وَكَانَ مَرِيضا يُقَاد بِهِ فِي محفة فَكَانَ من قَضَاء الله السَّابِق ولطفه السابغ أَنه لم يطلع على وَفَاته أحد إِلَّا حَاجِبه مَوْلَاهُ رضوَان العلج فَإِنَّهُ كتم مَوته وَصَارَ يخْتَلف إِلَى الأجناد وَيَقُول السُّلْطَان يَأْمر فلَانا أَن يذهب إِلَى مَوضِع كَذَا وَفُلَانًا أَن يلْزم الرَّايَة وَفُلَانًا يتَقَدَّم وَفُلَانًا يتَأَخَّر
وَقَالَ شَارِح الزهرة لما توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لم يظْهر الَّذِي كَانَ سائس المحفة مَوته فَصَارَ يقدم دَوَاب المحفة نَحْو الْعَدو وَيَقُول للجند السُّلْطَان يَأْمُركُمْ بالتقدم إِلَيْهِم وَعلم أَيْضا بِمَوْتِهِ أَخُوهُ وخليفته أَبُو
(5/80)

الْعَبَّاس أَحْمد بن الشَّيْخ فكتمها وَلم يزل الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس فِي المناضلة والمقاتلة ومعانقة القواضب والاصطلاء بِنَار الطعان واحتساء كؤس الْحمام إِلَى أَن هبت على الْمُسلمين ريح النَّصْر وساعدهم الْقدر وأثمرت أَغْصَان رماحهم زهر الظفر فولى الْمُشْركُونَ الأدبار ودارت عَلَيْهِم دَائِرَة الْبَوَار وحكمت السيوف فِي رِقَاب الْكفَّار فَفرُّوا ولات حِين فرار وَقتل الطاغية سبستيان عَظِيم البرتغال غريقا فِي الْوَادي وَقصد النَّصَارَى القنطرة فَلم يَجدوا إِلَّا آثارها فخشعت نُفُوسهم وتهافتوا فِي النَّهر تهافت الْفراش على النَّار فَكَانَ ذَلِك من أكبر الْأَسْبَاب فِي استئصالهم وَأعظم الحبائل فِي اقتناصهم وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا عدد نزر وشرذمة قَليلَة
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور كَانَت هَذِه الْغَزْوَة من الْغَزَوَات الْعَظِيمَة الوقائع الشهيرة حضرها جم غفير من أهل الله تَعَالَى حَتَّى إِنَّهَا أشبه شَيْء بغزوة بدر حَدثنَا شَيخنَا أَبُو رَاشد يَعْقُوب البدري عَمَّن يَثِق بِهِ أَن الرجل من حاضري ذَلِك المعترك كَانَ يستبق إِلَى النَّصْرَانِي لينتهز فِيهِ الفرصة فَمَا يصله حَتَّى يجده مَيتا اه
وَبحث فِي الْقَتْلَى عَن مُحَمَّد بن عبد الله المستصرخ بهم والقائد لَهُم إِلَى مصَارِعهمْ فَوجدَ غريقا فِي وَادي المخازن وَذَلِكَ أَنه لما رأى الْهَزِيمَة فر ناجيا بِنَفسِهِ واضطر إِلَى عبور النَّهر فتورط فِي غَدِير مِنْهُ وغرق فَمَاتَ فاستخرجه الغواصون وسلخ وَحشِي جلده تبنا وطيف بِهِ فِي مراكش وَغَيرهَا من الْبِلَاد
وَمِمَّنْ وجد صَرِيعًا فِي الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَسْكَر السريفي الشفشاوني صَاحب الدوحة فَإِنَّهُ كَانَ هرب مَعَ المسلوخ وَكَانَ من بطانته فَدخل مَعَه بِلَاد الْعَدو فَوجدَ بَين جيف النَّصَارَى قَتِيلا وَتكلم النَّاس فِي أمره حَتَّى قيل إِنَّه وجد على شِمَاله مستدبر الْقبْلَة وَفِيه يَقُول الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الإِمَام الشهير أبي مُحَمَّد عبد الله الهبطي رَحمَه الله فِي منظومته الَّتِي نظم فِيهَا أَصْحَاب أَبِيه معتذرا عَن ابْن عَسْكَر الْمَذْكُور ومشيرا إِلَى توهين مَا قيل فِيهِ
(وَمِنْهُم الشَّيْخ الَّذِي لَا يُنكر ... مُحَمَّد أَخُو الدهاء عَسْكَر)
(5/81)

(وَإِن يكن أَتَى بذنب ظَاهر ... فعرضه من الشكوك طَاهِر)
(رَأَيْته فِي النّوم ذَا بشاره ... وهيئة حَسَنَة وشارة)
وَكَانَ التقاء الجمعين يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَيُوَافِقهُ من التَّارِيخ المسيحي الْيَوْم الرَّابِع من أغشت سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس عشرَة مائَة
قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَكَانَ مِقْدَار زمَان الْمُقَاتلَة خمْسا وَأَرْبَعين دَرَجَة وَقيل اثْنَتَيْنِ وَخمسين على مَا حَدثنِي بِهِ بعض الميقاتيين
وَقَالَ فِي الْمرْآة وَحصل الْمُسلمُونَ على غنيمَة لم يكن قطّ مثلهَا بالمغرب إِذْ لم يتَقَدَّم لِلنَّصَارَى خُرُوج بِهِ على هَذِه الصُّورَة إِلَّا أَن الْغَنِيمَة لم تقسم وَإِنَّمَا انتهبها النَّاس كَمَا اتّفق لَهُم بِحَسب الْقُوَّة وَالْبخْت الدنيوي وَكَانَ النَّاس يتوقعون مغبتها لاختلاط الْأَمْوَال بالحرام فَظهر ذَلِك من غلاء وَغَيره وَكُنَّا نسْمع أَن الْبركَة رفعت من الْأَمْوَال من يَوْمئِذٍ
وَقد حضر الشَّيْخ أَبُو المحاسن هَذِه الْغَزْوَة وأبلى فِيهَا بلَاء حسنا وتورع عَن الْغَنِيمَة فَلم يتلبس مِنْهَا بِشَيْء وَبَلغت قيمَة النَّصْرَانِي مَا ذكره الشَّيْخ وَكَانَ سَبَب عدم ضبط الْغَنِيمَة وَقسمهَا على الْوَجْه الْمَشْرُوع موت السُّلْطَان أبي مَرْوَان قبل هزيمَة النَّصَارَى وَكَانَ مَرِيضا فاشتغل أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بِجمع الْكَلِمَة وَلم يهتبل بِأَمْر الْغَنِيمَة فتم لَهُ مَا قصد
وَقد سَاق منويل فِي تَارِيخه خبر هَذِه الْوَقْعَة مساقا حسنا فَقَالَ لما استولى عبد الْملك السَّعْدِيّ الْمَدْعُو عِنْد أهل الْمغرب بمولاي مُلُوك على ملك الْمغرب وطرد ابْن أَخِيه مولَايَ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالأكحل يَعْنِي المسلوخ ذهب أَولا إِلَى إصبانيا وتطارح على طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي فِي أَن يُعينهُ على استرجاع ملكه فَامْتنعَ ثمَّ دخل أشبونة وتطارح على طاغية البرتغال سبستيان فَأَجَابَهُ وَذهب إِلَى خَاله طاغية الإصبنيول فيليب الْمَذْكُور آنِفا وَطلب مِنْهُ الْإِعَانَة على مَا هُوَ بصدده فوعده بِأَن يُعْطِيهِ من المراكب والعساكر مَا يملك بِهِ العرائش لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَنَّهَا تعدل سَائِر
(5/82)

مراسي الْمغرب ثمَّ أمده بِعشْرين ألفا من عَسْكَر الإصبنيول وَكَانَ سبستيان قد سَاق مَعَه اثْنَي عشر ألفا من البرتغال وَثَلَاثَة آلَاف من الطليان وَمثلهَا من الألمان وَمن متطوعة الإصبنيول وَغَيرهم عددا كثيرا وَبعث إِلَيْهِ البابا صَاحب رومة بأَرْبعَة آلَاف أُخْرَى وبألف وَخَمْسمِائة من الْخَيل واثني عشر مدفعا وَجمع سبستيان نَحْو ألف مركب وَجَاء إِلَى قادس
وَلما عزم على اقتحام بِلَاد الْمغرب تشفعت إِلَيْهِ جدته وأرباب دولته وشيوخ دينه فِي الرُّجُوع فَصم عَنْهُم وَكَذَلِكَ خَاله فيليب حذره عَاقِبَة التوغل فِي أَرض الْمغرب فَصم على ذَلِك كُله وَجَاء إِلَى قادس وَمِنْهَا خرج إِلَى طنجة
وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله المسلوخ ينتظره هُنَالك فَاجْتمع بِهِ وزحفوا إِلَى بِلَاد الْمغرب وزحف إِلَيْهِم السُّلْطَان عبد الْملك فِي عَسَاكِر الْمُسلمين وَكَانُوا أَرْبَعِينَ ألفا وَزِيَادَة ومدافعهم أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ مدفعا وقواد الْجَيْش أَبُو عَليّ القوري وَالْحُسَيْن العلج الجنوي وَمُحَمّد أَبُو طيبَة وَعلي بن مُوسَى وَأَخُوهُ أَحْمد بن مُوسَى الَّذِي كَانَ عَاملا على العرائش فجَاء فِي جمعه إِلَى السُّلْطَان عبد الْملك وانضم إِلَيْهِ وَلما تقَارب الجيشان جمع السُّلْطَان عبد الْملك النَّاس وخطبهم ثمَّ استدعى النَّصَارَى إِلَى الْقِتَال وَنصب لَهُم علامته فأحجموا وَكَانَ قصدهم المطاولة وَقصد السُّلْطَان عبد الْملك المناجزة وَذَلِكَ لِأَن مُحَمَّد المسلوخ قد دس إِلَيْهِ من سمه
قَالَ منويل وَلما أحس عبد الْملك بذلك وَأَنه لَا محَالة هَالك بذل نَفسه لِلْقِتَالِ ليَمُوت فِي الْجِهَاد وَكَانَ المسلوخ يتربص كي يهْلك عَمه قبل اللِّقَاء فَتَقَع الْفِتْنَة فِي عَسْكَر الْمُسلمين لَكِن جَيش النَّصَارَى لم تكن لَهُم مُؤنَة يطاولون بهَا فألجأهم ذَلِك إِلَى المناجزة وَلما انتشبت الْحَرْب هلك عبد الْملك للحين
قَالَ منويل وَكَانَ أَمر هَذَا الرجل عجبا فِي الحزم والشجاعة حَتَّى أَنه لما مَاتَ مَاتَ وَهُوَ وَاضع سبابته على فَمه كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى جَيْشه أَن يسكتوا عَن الْخَوْض فِي وَفَاته حَتَّى يتم أَمرهم وَلَا يضطربوا وَكَذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُم كتموا مَوته فانتصروا وظفروا بالنصارى ظفرا لَا كفاء لَهُ فَكَانُوا يذبحونهم مثل
(5/83)

الكباش ودهش النَّصَارَى وتكبكبت جموعهم وتراكمت أمتعتهم وصناديقهم وخيلهم وسلاحهم بِلَا تَرْتِيب وَزَادَهُمْ دهشا أَن بعض طوابيرهم كَانَ يُنَادي صَاحب صفارته وراءكم وراءكم قطعكم الْعَدو ووقدت النَّار فِي بارود النَّصَارَى فنفط وانهزموا إِلَى وَادي المخازن فتهافت جلهم فِيهِ فهلكوا وَالْبَاقِي أسره الْمُسلمُونَ
وَزعم أَن سبستيان هلك تَحْتَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعَة أَفْرَاس وَكَانَ شَابًّا حَدثا وَقَالَ لأَصْحَابه إِن تروني تروني أمامكم وَإِن لم تروني فَأَنا فِي وسط الْعَدو أقَاتل عَنْكُم قَالَ وأبدأ وَأعَاد فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى أَن خر قَتِيلا وَبَقِي مَذْكُورا عِنْد البرتغال يسمرون بأخباره وَذكره شعراء الأوربا فِي أشعارهم وَلَا زَالُوا يذكرُونَهُ إِلَى الْآن
وَخَلفه فِي ملكه الطاغية الريكي البرتغالي فَهُوَ الَّذِي ولي بعده وافتدى جنَازَته من الْمُسلمين ونقلها إِلَى سبتة فَبَقيت هُنَالك إِلَى أَن هلك الطاغية الريكي وَتَوَلَّى على البرتغال طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي فَصَارَ ملك الدولتين مَعًا وَهُوَ خَال سبستيان أَخُو أمه فَنقل جنَازَته من سبتة إِلَى أشبونة ثمَّ أرخ منويل الْوَقْعَة بالتاريخ الْعَرَبِيّ والعجمي مُوَافقا لما مر فَهَذَا مَا ذكره فِي هَذِه الْوَقْعَة
قَالَ فِي النزهة توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن الشَّيْخ فِي زَوَال الْيَوْم الْمَذْكُور وَبَايع النَّاس أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
قَالَ فِي درة الحجال فَانْظُر لحكمة الله الْوَاحِد القهار أهلك ثَلَاثَة مُلُوك يَوْم وَاحِد وهم أَبُو مَرْوَان الشَّيْخ وَولد أَخِيه مُحَمَّد بن عبد الله المسلوخ والطاغية سبستيان وَأقَام وَاحِدًا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور اه
قلت وَفِي إهلاك الثَّلَاثَة وَإِقَامَة الْوَاحِد إِشَارَة وَاضِحَة لإهلاك دين التَّثْلِيث وَنصر دين التَّوْحِيد فِي ذَلِك الْيَوْم وَالله تَعَالَى أعلم
وَلما بلغت الْهَزِيمَة إِلَى الطاغية الْأَعْظَم أَعنِي الْقَائِم بِالْأَمر بعد سبستيان لِأَن التَّحْقِيق أَنه كَانَ الْأَعْظَم يَوْمئِذٍ لما مر بعث إِلَى الْمَنْصُور بعد استقلاله
(5/84)

بِالْملكِ وَعوده إِلَى فاس كَمَا سَيَأْتِي يلْتَمس مِنْهُ الْفِدَاء فِيمَن بَقِي بِيَدِهِ من الْأُسَارَى فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَحصل لَهُ بِسَبَبِهِ أَمْوَال طائلة وَذكر بَعضهم أَن الْأُسَارَى لما ذَهَبُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالَ الطاغية لم لم تَأْخُذُوا تطاوين والعرائش وَالْقصر قبل أَن يصل ملكهم فَقَالُوا لَهُ امْتنع من ذَلِك الْأَمِير الَّذِي كَانَ علينا فَأمر بهم فأحرقوا جَمِيعًا
مضحكة قَالَ فِي النزهة ذكر بَعضهم أَن النَّصَارَى لما وَقعت عَلَيْهِم الكائنة الْمَذْكُورَة وفنى من فنى مِنْهُم وَرَأى أساقفتهم قلَّة عَددهمْ وخلاء بِلَادهمْ لِكَثْرَة من مَاتَ مِنْهُم أباحوا للعامة فَاحِشَة الزِّنَى ليكْثر التناسل ويخلف مَا هلك مِنْهُم وَرَأَوا ذَلِك من نصْرَة دينهم وتقويم أود ملتهم أخزاهم الله اه
وَقد وقفت على تَارِيخ لبَعض مؤرخي الفرنج الإنجليزيين من أهل جَزِيرَة مالطة فرأيته قد ألم بِخَبَر هَذِه الْوَقْعَة وَصرح بِأَنَّهَا كَانَت سَبَب هَلَاك البرتغال وتلاشي دولتهم وَبطلَان كرْسِي سلطنتهم حَتَّى استضافهم إِلَيْهِ طاغية الإصبنيول بعد نَحْو سنتَيْن وصيرهم من جملَة رَعيته وَمن فُصُول كَلَامه بعد أَن ذكر أَن أَكثر البرتغال قتلوا فِي ذَلِك الْيَوْم مَا نَصه وَكَانَت يَعْنِي الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة وقْعَة هائلة وَيَوْما مشؤوما وَبِالْجُمْلَةِ فقد قتل فِي ذَلِك الْيَوْم سَائِر أَشْرَاف البرتكيسيين وَلم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد فَلَمَّا بَطل كرْسِي سلطنتهم قَامَ وقتئذ فيليبس الثَّانِي ملك إصبانيا وَتزَوج ملكتهم وَحكم على الْبِلَاد كلهَا اه كَلَامه إِلَّا أَنه ذكر أَن السَّبَب فِي استغاثة السُّلْطَان مُحَمَّد بن عبد الله بالبرتغال هُوَ تغلب الإصبنيوليين على مَمْلَكَته وانتزاعها من يَده وَهُوَ كذب أَو غلط وَلَعَلَّه تصحف عَلَيْهِ لفظ الإصطنبوليين بالإصبنيوليين إِذْ قد تقدم أَن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان إِنَّمَا استولى على الْمغرب بِجَيْش التّرْك المنفذ من قبل السُّلْطَان سليم العثماني وَالله أعلم
وَقد ألم بِهَذِهِ الْوَقْعَة أَيْضا لويز مَارِيَة فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة لكنه لم يبسطها على عَادَته فِي السُّكُوت عَن مَا يكون من الظُّهُور فِي جَانب الْمُسلمين وإشاعة مَا يكون من ذَلِك فِي جَانب النَّصَارَى بل
(5/85)

وَالزِّيَادَة فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ فِي وصفهَا كلَاما هَذِه تَرْجَمته وَقد كَانَ مخبوءا لنا فِي مُسْتَقْبل الْأَعْصَار الْعَصْر الَّذِي لَو وَصفته كَمَا وَصفه غَيْرِي من المؤرخين لَقلت هُوَ الْعَصْر النحس الْبَالِغ فِي النحوسة الَّذِي انْتَهَت فِيهِ مُدَّة الصولة وَالظفر والنجاح وَانْقَضَت فِيهِ أَيَّام الْعِنَايَة من البرتغال وانطفأ مصباحهم بَين الْأَجْنَاس وَزَالَ رونقهم وَذَهَبت النخوة وَالْقُوَّة مِنْهُم وَخَلفهَا الفشل وَانْقطع الرَّجَاء واضمحل إبان الْغنى وَالرِّبْح وَذَلِكَ هُوَ الْعَصْر الَّذِي هلك فِيهِ سبستيان فِي الْقصر الْكَبِير من بِلَاد الْمغرب اه فَهَذَا كَلَام هَذَا البرتغالي قد تحفظت عَلَيْهِ وَأديت تَرْجَمته كَمَا هِيَ ليعتبر بِهِ من يقف عَلَيْهِ وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء
وَلما تمت للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور الْبيعَة بوادي المخازن طَالبه الْجَيْش بأرزاقهم واستنجزوا أعطياتهم حَسْبَمَا جرت بِهِ عَادَة من قبله مَعَهم فطالبهم هُوَ بِخمْس الْغَنِيمَة لأَنهم جعلوها نهبى وَلم يقتسموها على الْوَجْه الشَّرْعِيّ كَمَا سبق فصعب استخراجها مِنْهُم لعدم التَّعْيِين وجرأة النَّاس على الْغلُول فسامحهم فِيهَا وسامحوه فِي عطائهم
ثمَّ أَمر الْمَنْصُور بتوجيه كتب البشارات إِلَى الْآفَاق بِهَذَا الْفَتْح الْمُبين فَكتب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى سَائِر ممالك الْإِسْلَام المجاورين للمغرب يعرفهُمْ بِمَا أنعم الله بِهِ من إِظْهَار الدّين وهلاك عَبدة الصَّلِيب واستئصال شوكتهم ورد كيدهم فِي نحرهم فوردت عَلَيْهِ الأرسال من سَائِر الأقطار مهنئين لَهُ بِمَا فتح الله على يَده حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان وَسيرَته

قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ سَبَب وَفَاة السُّلْطَان أبي مَرْوَان رَحمَه الله أَنه سقِِي سما وَذَلِكَ أَن قَائِد التّرْك الَّذين كَانُوا مَعَه واسْمه رَمَضَان العلج بعث إِلَى بعض قواده أَن يتلقاه بكعك مَسْمُوم هَدِيَّة للسُّلْطَان الْمَذْكُور وَقت مرورهم عَلَيْهِ وَقصد بذلك قَتله وَذَلِكَ بعد أَخذه بِهِ مَدِينَة فاس ليثبت لَهُم الْملك بهَا فَلم يكمل الله مُرَادهم لما شهدوه من عَظِيم جَيش الْمغرب فَهَذَا كَانَ سَبَب فِي مَوته رَحمَه الله اه وَلما توفّي حمل إِلَى مراكش فقبر بهَا وَكَانَت مُدَّة
(5/86)

خِلَافَته أَربع سِنِين وَمن حجابه الْقَائِد رضوَان العلج وَكتابه مُحَمَّد بن عِيسَى وَمُحَمّد بن عمر الشاوي وقضاته قُضَاة ولد أَخِيه
وَكَانَ يتزيا بزِي التّرْك وَيجْرِي مجراهم فِي كثير من شؤونه وَكَانَ يتهم بالميل إِلَى الْأَحْدَاث وَرُبمَا كَانَ يظْهر ذَلِك وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور خَلِيفَته على فاس كَمَا مر وَكَانَت لَهُ فِيهِ محبَّة تَامَّة وَكَانَ يظْهر أَنه ولي عَهده ويرشحه لذَلِك كثيرا حَسْبَمَا أفصحت عَنهُ رسائله الَّتِي كَانَ يبْعَث بهَا إِلَيْهِ
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة كَانَ الوباء بالمغرب كَمَا قدمنَا
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة نزل مطر غزير بمراكش حَتَّى امْتَلَأت مِنْهُ الْآبَار وتهدمت الدّور وَصَارَ النَّاس يؤرخون بعام الْآبَار
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي من أَوْلَاد أبي السبَاع وَدفن بزاويته على ضفة وَادي تانسيفت من أَعمال مراكش وقبره مزارة مَشْهُورَة وَعَلِيهِ بِنَاء حفيل
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن مُحَمَّد الصنهاجي الطنجي الْمَعْرُوف بالهبطي وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ رَحمَه الله من أهل الْوَرع وَالدّين والاتباع للسّنة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمن فَوَائده مَا حَكَاهُ عَنهُ فِي الدوحة قَالَ سَأَلت شَيخنَا الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عبد الله الهبطي عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ من أَصْحَابه فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا لسَائِر الْمَشَايِخ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني كَأبي الْحجَّاج التليدي وَأبي الْبَقَاء اليالصوتي وَأبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان وَغَيرهم يصرحون بقبطانية الشَّيْخ وينسبونك أَنْت إِلَى التَّقْصِير فِي حَقه حَيْثُ لم تقل بِمَا يَقُولُونَهُ فَقَالَ لي رَضِي الله عَنهُ قد علمت معنى الشَّهَادَة فِي الشَّرْع مَا هِيَ فَقلت نعم فَقَالَ لي كَيفَ لي أَن أشهد لأحد بمقام معِين وَأَنا لم أسلكه وَلم أتحققه وَلم يكْشف لي عَنهُ فَإِن فعلت فقد شهِدت شَهَادَة الزُّور فَقلت لَهُ وَأي شَهَادَة تشهد فِي الشَّيْخ
(5/87)

فَقَالَ لي أشهد أَنه من العارفين بِاللَّه تَعَالَى وَأَنه كَانَ يُجيب بِالْحَال أَكثر مِمَّا يُجيب بالمقال انْتهى قلت وَهَذَا شَأْن أهل الدّين والورع المحتاطين لدينهم لَا يقدمُونَ على أَمر وَلَا يتفوهون بِهِ حَتَّى يَكُونُوا مِنْهُ على بَصِيرَة وتجد كثيرا مِمَّن عقله وَرَاء لِسَانه يتقولون على الله فِي غيبه ويخبطون خبط العشواء وينسبون المقامات وَالْأَحْوَال لمن لَيْسَ مِنْهَا فِي قبيل وَلَا دبير نسْأَل الله تَعَالَى أَن يلهمنا رشدنا بمنه
وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان مِنْهَا كسفت الشَّمْس الْكُسُوف الْكُلِّي الْعَظِيم
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ بالمغرب وباء عَظِيم كسا سهله وجباله وأفنى كماته وأبطاله واتصل أمره إِلَى سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعْدهَا
وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الْجُزُولِيّ ثمَّ السملالي الشهير بِبِلَاد السوس أَخذ عَن الشَّيْخ أبي فَارس عبد الْعَزِيز التباع وَالشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي ثمَّ الملياني
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة لَيْلَة عبد الْأَضْحَى مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عياد الصنهاجي ثمَّ الْفَرَجِيِّ الدكالي الْمَعْرُوف بالمجذوب الْوَلِيّ الْمَشْهُور دَفِين مكناسة الزَّيْتُون كَانَ مأوى سلفه بِمَدِينَة تيط قرب آزمور ثمَّ رَحل هُوَ ووالده إِلَى مكناسة فَمَاتَ بهَا
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة بعد صَلَاة الْجُمُعَة من أول يَوْم من الْمحرم مِنْهَا زلزلت الأَرْض زلزالا شَدِيدا وفزع النَّاس لذَلِك وَفِي هَذِه السّنة فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن من شرفاء بني آمغار دَفِين تامصلوحت وَقد تقدم مَا جرى بَينه وَبَين السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَذَلِكَ أَوَاخِر شَوَّال مِنْهَا الْمُوَافق لأواسط مارس العجمي حدث بالمغرب جَراد كثير وَفِي أَيَّام السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ظهر نجم لم يكن معهودا ثمَّ ظَهرت فِي أَيَّام ابْنه مُحَمَّد بن عبد الله أَعْلَام حمر فِي الجو من النَّاحِيَة الشرقية تبعتها فِي الأَرْض أجناد التّرْك الَّتِي
(5/88)

جَاءَ بهَا السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان من الجزائر كَمَا مر وَفِي أَيَّام السُّلْطَان أبي مَرْوَان الْمَذْكُور ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب الْكَبِير فِي برج الْعَقْرَب وطلع أَيَّامًا ثمَّ غَابَ وَظهر بعده كَوْكَب آخر ذُو ذَنْب أَصْغَر مِنْهُ وعَلى أَثَره كَانَ خُرُوج البرتغال من طنجة ووقعة وَادي المخازن كَمَا مر وَالله تَعَالَى أعلم بغيبه
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي وأوليته ونشأته

كَانَت ولادَة السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه ابْن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ بفاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأمه الْحرَّة مسعودة بنت الشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الوزكيتي الوارززاتي وَكَانَت من الصَّالِحَات الْخيرَات وَسَتَأْتِي بَقِيَّة أَخْبَارهَا
وَذكر فِي الْمُنْتَقى قَالَ مرض الْمَنْصُور فِي صغره مَرضا شَدِيدا حَتَّى أيس مِنْهُ فرأت أمه فِي النّوم شخصا يَقُول لَهَا أزيريه الشَّيْخ أَبَا مَيْمُونَة فَإِنَّمَا أَصَابَته عين فأزارته إِيَّاه فَعُوفِيَ وَكَانَ أَبوهُ الْمهْدي يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده
قَالَ فِي مناهل الصَّفَا حَدثنِي الشَّيْخ المسن الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد مُؤمن ابْن الْغَازِي الْعمريّ أَن الْمَنْصُور أقبل يَوْمًا فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ صبي والمجلس غاص بالأكابر فَانْدفع يخترق الصُّفُوف قَالَ فصاح بِي الْمهْدي إِذْ ذَاك وَأَنا أَصْغَر الْقَوْم فَقَالَ يَا مُؤمن ارفعه فيسنفعك أَو ينفع عقبك فابتدرت حمله وَكَانَ كَذَلِك فَإِن الْمَنْصُور لما أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة كَانَ الْقَائِد مُؤمن ابْن الْغَازِي عِنْده بالحظوة الرفيعة والمنزلة الْعَالِيَة
وَنَشَأ الْمَنْصُور رَحمَه الله فِي عفاف وصيانة وتعاط للْعلم ومثافنة لأَهله عَلَيْهِ وَكَانَت مخايل الْخلَافَة لائحة عَلَيْهِ من لدن عقدت عَلَيْهِ التمائم إِلَى أَن تمّ أمره حَدثنَا الْفَقِيه الْعَالم سفير الْخُلَفَاء أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن
(5/89)

مُحَمَّد بن عَليّ الْجُزُولِيّ الدرعي أَنه اجْتمع بِبَعْض أهل المكاشفة بِمصْر فَسَأَلَهُ عَن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَأَوْلَاده قَالَ فسميتهم لَهُ واقتصرت على الْكِبَار مِنْهُم فَلم أذكر الْمَنْصُور لِأَنَّهُ كَانَ أَصْغَرهم سنا يَوْمئِذٍ فَقَالَ لي بَقِي مِنْهُم من لم تذكره فَقلت لَهُ احْمَد فَقَالَ ذَاك وَاسِطَة عقدهم وَوجه صفقتهم فَكَانَ كَذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي لما أَخذ الْمهْدي الْبيعَة لوَلَده السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا تقدم استقدمه من فاس وأوصاه بالمنصور جدا وَقَالَ لَهُ إِن الْفَائِدَة فِيهِ أَو كَمَا قَالَ وَهَكَذَا كَانَ يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده وَكَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله يحدث أَنه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّوم وأنواره تشرق قَالَ فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله عَن نَصِيبي من الْخلَافَة فكاشفني صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا فِي خاطري وأجابني بِمَا حقق لي نيلها ثمَّ أَشَارَ لي بأصابعه الثَّلَاثَة الشَّرِيفَة ضاما الْإِبْهَام مِنْهَا إِلَى السبابَة وَالْوُسْطَى وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ اه
وَقَالَ الإِمَام أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد التامنارتي فِي كِتَابه الْفَوَائِد الجمة بِإِسْنَاد عُلُوم الْأمة أَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الدغوغي صَاحب الْحِسْبَة بتارودانت أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ فِي حَلقَة يسْرد فِيهَا صَحِيح البُخَارِيّ بِموضع من دَار الْخلَافَة بهَا وَأَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ بهَا وَذَلِكَ قبل ولَايَته قَالَ فَرَأَيْت فِي طرة الْكتاب هَذَا اللَّفْظ ورى الزند فَكنت أتأمل مَعْنَاهُ فَالْتَفت فَإِذا بِرَجُل انْعَزل نَاحيَة على طنفسة فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله فَأَتَيْته بِالْكتاب وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا معنى هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي فِي طرة هَذَا الْكتاب فَقَالَ لي قل لمولاك أَحْمد أَنا الَّذِي أوريت زندك مَا دمت على الْحق فَإِن عدلت عَنهُ فَأَنا بَرِيء مِنْك فَقلت لَهُ وَمن أَنْت يَا سَيِّدي فَقَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يمض إِلَّا قَلِيل حَتَّى ولي الْخلَافَة وحمدت سيرته قَالَ أَبُو زيد وناهيك بزند أوراه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا يدل على أَن ولَايَة الْإِسْلَام لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِأَمْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد اشتهرت الْمرَائِي بذلك
(5/90)

وَيقرب من هَذَا مَا ذكره صَاحب ابتهاج الْقُلُوب فِي مَنَاقِب الشَّيْخ المجذوب أَن الشَّيْخ الصَّالح أَبَا عبد الله الملقب بكدار ابْن الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن علال الْمَالِكِي البوخصيبي رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فَشَكا إِلَيْهِ أَوْلَاد مُطَاع لما رَآهُمْ عَلَيْهِ من الْفساد فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِيهم أَحْمد فَكَانَ كَذَلِك أَتَاهُم عقب ذَلِك السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور فَأَخذهُم وفل جمعهم اه وأخبار الْمَنْصُور من هَذَا النمط كَثِيرَة
وَكَانَ رَحمَه الله طَوِيل الْقَامَة ممتلئ الْخَدين وَاسع الْمَنْكِبَيْنِ تعلوه صفرَة رقيقَة أسود الشّعْر أدعج أكحل ضيق البلج براق الثنايا حسن الشكل جميل الْوَجْه ظريف المنزع لطيف الشَّمَائِل
وَكَانَت بيعَته بعد الْفَرَاغ من قتال النَّصَارَى بوادي المخازن يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَاجْتمعَ عَلَيْهَا من حضر هُنَاكَ من أهل الْحل وَالْعقد ثمَّ لما قفل الْمَنْصُور من غزوته تِلْكَ وَدخل حَضْرَة فاس يَوْم الْخَمِيس عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة جددت لَهُ الْبيعَة بهَا وَوَافَقَ عَلَيْهَا من لم يحضرها يَوْم وَادي المخازن ثمَّ بعث إِلَى مراكش وَغَيرهَا من حواضر الْمغرب وبواديه فأذعن الْكل للطاعة وسارعوا إِلَى الدُّخُول فِيمَا دخلت فِيهِ الْجَمَاعَة
قَالَ الفشتالي لما كَانَت وقْعَة وَادي المخازن وَنصر الله دينه وكبت الْكفْر وَأَهله واستوسق الْأَمر للمنصور كتب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَهُوَ يَوْمئِذٍ السُّلْطَان مُرَاد بن سليم العثماني وَإِلَى سَائِر ممالك الْإِسْلَام المجاورين للمغرب يعرفهُمْ بِمَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من إِظْهَار الدّين وهلاك عَبدة الصَّلِيب واستئصال شأفتهم فوردت عَلَيْهِ الأرسال من سَائِر الأقطار مهنئين لَهُ بِمَا فتح الله على يَده وَكَانَ أول من وَفد عَلَيْهِ رَسُول صَاحب الجزائر ثمَّ تلته أرسال طاغية البرتغال وَهُوَ الريكي الْقَائِم بأمرهم بعد هَلَاك سبستيان وَلَيْسَ خَاله وَإِنَّمَا خَاله طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي الَّذِي جمع المملكتين مَعًا بعد هَلَاك الريكي الْمَذْكُور وَبعد وقْعَة وَادي المخازن بِثَلَاث سِنِين فقدموا بهدية عَظِيمَة وضعوها يَوْم دُخُولهمْ إِلَى فاس على الكراريص والعجل فَعجب النَّاس مِنْهَا
(5/91)

عجبا بليغا وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا مشهودا وَكَانَ من جملَة مَا فِيهَا ثَلَاثمِائَة ألف دكات من ريال الْفضة وَأما الطّرف النفيسة والأثاث الرفيع فشيء لَا يُحْصى ثمَّ وَردت أرسال طاغية الإصبنيول صَاحِبَة قشتالة بهدية عَظِيمَة مِنْهَا اليواقيت الْكِبَار الَّتِي انتزعها الطاغية من تَاج آبَائِهِ وصنيديق مَمْلُوء من الدّرّ الفاخر وقضب الزمرد وَغير ذَلِك وَتكلم النَّاس فِيمَا بَين الهديتين أَعنِي هَدِيَّة البرتغالي وهدية الإصبنيولي أَيهمَا أعظم وَلم يهتد أهل الْعقل والمعرفة إِلَى مِقْدَار التَّفَاوُت بَينهمَا ثمَّ قدمت أرسال السُّلْطَان مُرَاد العثماني وَمَعَهُمْ هَدِيَّة وَهِي سيف محلى لم ير مثله مضاء وصفاء متن ثمَّ قدمت أرسال طاغية أفرانسة وَمَعَهُمْ هَدِيَّة عَظِيمَة وَلم تزل الْوُفُود مترادفة بِبَاب الْمَنْصُور والأرسال تصبح وتمسي على أعتاب تِلْكَ الْقُصُور إِلَى أَن لم يبْق أحد مِمَّن تتشوف النُّفُوس إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ اطمأنت بالمنصور الدَّار وطاب الْمقَام وَتمّ الْقَرار
وَفِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة مرض الْمَنْصُور مَرضا مخوفا وَطَالَ بِهِ حَتَّى كَادَت الْأُمُور تختل ثمَّ تَدَارُكه الله على يَد الْحَكِيم الماهر أبي عبد الله مُحَمَّد الطَّبِيب وَلما أبل من مَرضه أحسن إِلَى الطَّبِيب الْمَذْكُور ونثر عَلَيْهِ خُرُوجه من الْخلْع مَا لَا يُحْصى وَكَانَ يَوْم خُرُوجه يَوْمًا مشهودا وَفِي ذَلِك يَقُول الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الهوزالي الْمَعْرُوف بالنابغة
(تردى أَذَى من سقمك الْبر وَالْبَحْر ... وضجت لشكوى جسمك الشَّمْس والبدر)
(وَبَات الْهدى خوفًا عَلَيْك مسهدا ... وَأصْبح مذعور الْفُؤَاد الندى الْغمر)
(فَلَمَّا أعَاد الله صحتك الَّتِي ... أَفَاق بهَا من غمه البدو والحضر)
(تراءت لنا الدُّنْيَا بزينة حسنها ... وَعَاد إِلَى إبانه ذَلِك الْبشر)
(وَصَارَ بك الْإِسْلَام فِي كل بَلْدَة ... يهني وَيَدعِي أَن يطول لَك الْعُمر)
(وَصحت لنا الآمال بعد اعتلالها ... وعادت إِلَى الإيناع أَغْصَانهَا الْخضر)
(وَلَا غرو إِن صَامت على سمط الندى ... إِذا اغبر وَجه الأَرْض وَاحْتبسَ الْقطر)
(لبيت أبي الْعَبَّاس أنضت عجافها ... قَدِيما فخافت أَن يعاودها الضّر)
(لَئِن صدئت بيض الْمَعَالِي لقد غَدَتْ ... تسيء الكماة الْبيض واللدن السمر)
(5/92)

(بقيت لهَذَا الدّين تَحْمِي ذماره ... ويحميك رب الْعَرْش مَا بَقِي الدَّهْر)
عقد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَدْعُو الْمَأْمُون

قَالَ الفشتالي لما أبل الْمَنْصُور من مَرضه الْمَذْكُور وَعَاد إِلَى حَاله من الصِّحَّة أجمع رَأْي أَعْيَان الدولة واتفقت كلمة كبرائها على أَن يطلبوا مِنْهُ تعْيين من يَلِي الْأَمر بعده وَيكون ولي عَهده وَكَانَ الْمَنْصُور مهيبا لَا يقدر أحد على مواجهته بِمثل هَذَا فاتفقوا على أَن يكون البادئ لذَلِك الْقَائِد الْمُؤمن بن الْغَازِي الْعمريّ لما لَهُ من الإدلال على الْمَنْصُور بطول الْخدمَة وسالف التربية فَقَالَ لَهُ الْقَائِد الْمَذْكُور يَا مَوْلَانَا الله تَعَالَى حفظ الْإِسْلَام بإبلالك من هَذَا الْمَرَض وعصم الدّين بإبقائه عَلَيْك وَقد بَقِي النَّاس فِي أَيَّام سقمك فِي حيرة عَظِيمَة ودخلهم من الدهش مَا لَا يخفى عَلَيْك فَلَو عينت لنا من أبنائك القساورة من تَجْتَمِع كلمة الْإِسْلَام عَلَيْهِ ويشار بالخلافة إِ ليه لَكَانَ أولى وأليق بسياسة الْملك وَإِن ابْنك الأبر أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْمَأْمُون حقيق بذلك وجدير بسلوك تِلْكَ المسالك لما فِيهِ من خلال الْخَيْر وخصال السِّيَادَة زِيَادَة على مَا هُوَ عَلَيْهِ من التيقظ فِي أُمُوره والحزم فِي شؤونه وَقد ظَهرت للنَّاس محَاسِن سيرته واطلعوا على جميل سَرِيرَته فَاسْتحْسن الْمَنْصُور ذَلِك وَأَعْجَبهُ مَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ فَقَالَ لَهُ سَوف أستخير الله فِي ذَلِك فَإِن يكن من عِنْد الله يمضه قلت هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الفشتالي على لِسَان الْقَائِد مُؤمن فِي حق الْمَأْمُون الْمَذْكُور هُوَ بِخِلَاف الْوَاقِع كَمَا ستقف عَلَيْهِ من أَحْوَال الْمَأْمُون بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَلَكِن المؤرخين وَالشعرَاء يمدحون ويقدحون بِحَسب أغراضهم لَا بِحَسب الْوَاقِع غَالِبا لَا سِيمَا إِذا كَانَ من يعنونه بذلك مخدوما لَهُم ومنعما عَلَيْهِم فَلَا يَنْبَغِي لمن وقف على كَلَام هَؤُلَاءِ الصِّنْف مِنْهُم أَن يعْتَمد عَلَيْهِ إِلَّا بعد التثبت والتبصر وَالله تَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب بمنه ثمَّ لبث الْمَنْصُور بعد هَذِه الْإِشَارَة أَيَّام يستخير ربه فِي ذَلِك ويستشير من يعلم أَهْلِيَّته للمشورة من أهل الْعلم وَالصَّلَاح فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام الاستخارة وتواطأت الآراء على حسن تِلْكَ الْإِشَارَة جمع الْمَنْصُور أَعْيَان حَاضِرَة مراكش وأعيان مَدِينَة فاس
(5/93)

وَغَيرهم من أَشْيَاخ الْقَبَائِل بِوُجُوه النَّاس من أهل الحواضر والبوادي وَأوصى بالعهد لوَلَده الْمَذْكُور أبي عبد الله مُحَمَّد الْمَأْمُون وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
وَكَانَ الْمَأْمُون إِذْ ذَاك خَليفَة أَبِيه على فاس فَلم يحضر هَذِه الْبيعَة فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور بعد ذَلِك ليقدم من فاس ويبايع بِحَضْرَتِهِ وَلم يقنعه مَا كَانَ عقد لَهُ من الْبيعَة وَهُوَ غَائِب وَلما بعث إِلَيْهِ خرج الْمَنْصُور بعسكره إِلَى تانسيفت خَارج مراكش ثَانِي عشر صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَلم يزل بعسكره هُنَاكَ متلوما ومنتظرا لقدوم الْمَأْمُون إِلَى أَن قدم غرَّة جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَكَانَت ملاقاتهما من عجائب الزَّمَان وَلما اصطف جَيش الْمَنْصُور وجيش الْمَأْمُون ترجل الْمَأْمُون عَن فرسه وَتقدم حافي الْقدَم فعفر وَجهه بَين يَدي وَالِده ثمَّ قبل رجله والمنصور على فرسه وَاقِفًا بَين الصفين فَدَعَا لَهُ بِخَير وَأظْهر الْفَرح بمقدمه وَكَانَ الْمَأْمُون قد عبأ جَيْشه تعبية لم ير مثلهَا ورتبهم ترتيبا حسنا فِي لباسهم وَسَائِر أُمُورهم فسر الْمَنْصُور بذلك وَبعد أَيَّام من بُلُوغه أَمر بِهِ فأجلس فِي سرادقه الْأَعْظَم الَّذِي لم يكن للملوك قبله مثله كَمَا سَيَأْتِي وَأمر أهل الْحل وَالْعقد فازدحموا على تَقْبِيل يَده واقتضيت مِنْهُم الْأَيْمَان بِحَضْرَتِهِ وَقَامَ الشُّعَرَاء فأفصحوا عَن وصف الْحَال وغمر الْمَنْصُور النَّاس بالنوال وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا مشهودا وَبعد أَيَّام مِنْهُ أَمر الْمَنْصُور الْمَأْمُون أَن يرجع إِلَى حَضْرَة فاس فَرجع وَدخل الْمَنْصُور حَضرته وَتمّ غَرَضه الَّذِي قَصده
ثورة دَاوُد بن عبد الْمُؤمن بن مُحَمَّد الشَّيْخ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قَالَ الفشتالي لما وَقعت الْبيعَة لِلْمَأْمُونِ وتكامل أمرهَا ثار الرئيس الْأَجَل أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَهُوَ ابْن أخي الْمَنْصُور وفر إِلَى جبل سكسيوة وشق الْعَصَا ودعا إِلَى نَفسه فانثالت عَلَيْهِ أوشاب من البربر وَغَيرهم وَنجم أمره وأثرت فِي إِذن الرّعية جعجعته فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور قائده الزعيم أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بجة فناوشه
(5/94)

الْقِتَال بجبل سكسيوة فَهَزَمَهُ وفر إِلَى جبل هوزالة فتحزبوا عَلَيْهِ وقويت بهم شوكته وَأخذ يَشن لَهُم الغارات على أهل درعة إِلَى أَن ضاقوا بِهِ ذرعا فشكوا أمره إِلَى الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِ قائده الَّذِي ذكر فَلم يزل فِي مُقَابلَته ومقاتلته إِلَى أَن شرده عَن جبل هوزالة ففر دَاوُد مِنْهُ إِلَى الصَّحرَاء وَاسْتقر بِهِ الرحيل بهَا عِنْد عرب الودايا من بني معقل فَلم يزل عِنْدهم إِلَى أَن هلك سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَكفى الْمَنْصُور أمره
حُدُوث النفرة بَين الْمَنْصُور وَالسُّلْطَان مُرَاد العثماني وتلافي الْمَنْصُور لذَلِك

قد علمت مَا كَانَ من التجاء عبد الْملك المعتصم وَأحمد الْمَنْصُور إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني وتطارحهما عَلَيْهِ حَتَّى أمدهما بالجيش الَّذِي كَانَ سَببا فِي تملكهما الْمغرب وَلما صفا الْأَمر لعبد الْملك أهمل جَانب العثماني وَلم يكاتبه بِشَيْء وَلَا عرج عَن ساحته ثمَّ لما ملك الْمَنْصُور وَكتب إِلَى النواحي بِخَبَر وقْعَة وَادي المخازن كتب إِلَى السُّلْطَان مُرَاد فِي جُمْلَتهمْ فَبعث السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى الْمَنْصُور بالهدية الَّتِي تقدم ذكرهَا وَكَانَ الْمَنْصُور استقلها وأنف مِنْهَا فتشاغل عَن الْوَفْد وتركهم مهملين بِحَضْرَتِهِ وَتَأَخر عَن جَوَاب السُّلْطَان مُرَاد فَكَانَ ذَلِك سَببا للنفرة وَكَانَ وَزِير الْبَحْر للعثماني واسْمه الرئيس عَليّ علوج يبغض الْمَنْصُور فَلم يزل يسْعَى بِهِ عِنْد سُلْطَانه ويذكره مَا كَانَ من أَبِيه الشَّيْخ من الْقدح فِي ولَايَة التّرْك والطعن عَلَيْهِم وَقَالَ لَهُ فِي ذَلِك قد ضَاعَ صنيعك فِي هَذَا الغادر وصنيع والدك من قبلك وَلم يزل يفتل لَهُ فِي الذرْوَة وَالْغَارِب ويهون عَلَيْهِ أَمر الْمغرب حَتَّى أذن لَهُ فِي تَوْجِيه الْعِمَارَة إِلَيْهِ ومنازلته وَالْأَخْذ بآفاقه إِلَى أَن يستأصل أَمر الْمَنْصُور ويخمد جمرته وَيُقَال إِن السُّلْطَان مرَادا أَمر وزيره الْمَذْكُور أَن يذهب بالعمارة إِلَى الجزائر فَتكون هُنَالك ثمَّ يتَقَدَّم بالعساكر فِي الْبر إِلَى الْمغرب فَأخذ الْوَزير فِي التأهب لذَلِك واتصل الْخَبَر بالمنصور على يَد بعض قناصل
(5/95)

النجليز فارتحل إِلَى فاس من حِينه وشحن الثغور وملأ المراسي وَكَانَ على أهبة وَكَمَال استعداد وَبعث أرساله إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور بهدية عَظِيمَة تلافيا لما فرط واعتذارا عَمَّا سلف وَكَانَ من جملَة أرساله الْقَائِد الأنجد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن ودة العمراني وَالْكَاتِب الشهير أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الهوزالي فَرَكبُوا الْبَحْر من مرسى تطاوين قَاصِدين الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وبينما هم فِي أثْنَاء الطَّرِيق على ثبج الْبَحْر لَقِيَهُمْ الْوَزير علوج فِي أسطوله قَاصِدا ديار الْمغرب عَازِمًا على منازلة الْمَنْصُور بِهِ فَلَمَّا رَآهُمْ سقط فِي يَده وأيقن بخيبة مسعاه فرام صدهما عَمَّا قصدا إِلَيْهِ وأيأسهما من تدارك الْأَمر وَقَالَ لَهما إِن الْخرق قد اتَّسع على الراقع وَلَو كَانَ لصاحبكم غَرَض فِي الْمَسْأَلَة مَا بَقِي أَصْحَابنَا بأبوابه كالكلاب والبادي أظلم فَلم يزل الْوَزير علوج بالقائد ابْن ودة إِلَى أَن صرفه عَن رَأْيه ورده مَعَه وَترك الهوزالي يبلغ الرسَالَة والهدية ظنا مِنْهُ أَن صَغِير السن لَا يحسن مُخَاطبَة الْمُلُوك الْعِظَام وَابْن ودة الَّذِي كَانَ عِنْده مَظَنَّة لكَمَال التَّدْبِير ومثافنة الْمُلُوك رده مَعَه فَلَمَّا انْتهى الهوزالي إِلَى السُّلْطَان مُرَاد وَدخل عَلَيْهِ أظهر من نبله ولطف مخاطبته مَا خلب بِهِ قلب السُّلْطَان الْمَذْكُور واستل السخيمة من صَدره وَاعْتذر لَهُ عَن تَأَخّر الْمَنْصُور عَن الْجَواب بِمَا لَا يعود بوهن على مخدومه وَلَا يُفِيد غَلَبَة خَصمه فَقبل السُّلْطَان مُرَاد الِاعْتِذَار وَتقبل الْهَدِيَّة بِقبُول حسن وَكتب مَعَ الهوزالي إِلَى الْوَزير علوج بِالرُّجُوعِ عَن منازلة الْمَنْصُور فَرجع بهَا الهوزالي يطير سُرُورًا وَلم يغب عَن علوج إِلَّا نَحْو الشَّهْر حَتَّى قدم عَلَيْهِ بِأَمْر الْملك فقرع لَهَا علوج سنّ النَّدَم وأسف على تفريطه فِي الهوزالي وَتَركه وَبعث السُّلْطَان مُرَاد رسله مَعَ الهوزالي إِلَى الْمَنْصُور يلومه على التَّرَاخِي فِي أُمُور الْمُلُوك فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ أكْرم وفادتهم وَأحسن نزلهم وردهم مكرمين إِلَى مرسلهم وَبعث مَعَهم الْفَقِيه الإِمَام قَاضِي الْجَمَاعَة بِحَضْرَة مراكش أَبَا الْقَاسِم ابْن عَليّ الشاطبي والقائد الأنجد أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن مَنْصُور الشيظمي المريدي فَلَمَّا وردوا على خاقَان التّرْك فَرح بهم كل الْفَرح ورتب الشاطبي كلَاما بليغا أعرب فِيهِ عَن فضل الدولتين وَقرر فِيهِ حق أهل الْبَيْت وأطرى
(5/96)

الْمَنْصُور وحض فِيهِ على اتِّحَاد كلمة الْإِسْلَام وَقَرَأَ ذَلِك على السُّلْطَان مُرَاد فاهتز لسماعه ثمَّ بعد أَيَّام أحسن إِلَيْهِم وأجزل صلتهم وردهم مكرمين إِلَى مرسلهم
وَقَالَ صَاحب خُلَاصَة الْأَثر كَانَ الْمَنْصُور موادعا لسلاطين آل عُثْمَان فَيُرْسل إِلَيْهِم بالهدايا فِي كل سنة وَكَانُوا هم يرسلون إِلَيْهِ بالمكاتيب وَالْخلْع السّنيَّة حَتَّى إِن السُّلْطَان مُرَاد بن سليم كتب إِلَيْهِ أثْنَاء مكاتيبه ملك عَليّ الْعَهْد أَن لَا أمد يَدي إِلَيْك إِلَّا للمصافحة وَإِن خاطري لَا يَنْوِي لَك إِلَّا الْخَيْر والمسامحة وَكَانَت رسله دَائِما تَأتي إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من جَانب الْبَحْر ويمكثون زَمَانا طَويلا ويتعهدون الوزراء وَمن لَهُ قرب من الدولة من جُمْلَتهمْ الرئيس الأديب مُحَمَّد الْأمين الدفتري فقد ذكر صَاحب خُلَاصَة الْأَثر أَن هَذَا الرئيس كَانَ يجمع نفائس الْكتب وَيبْعَث بهَا إِلَى الْمَنْصُور فبسبب ذَلِك كَانَت المراسلات بَينهمَا غير مُنْقَطِعَة وَقد ذكر صَاحب خُلَاصَة الْأَثر فِي تَرْجَمَة الرئيس الْمَذْكُور بعض تِلْكَ المراسلات فَانْظُرْهُ
وَلما تَكَامل هَذَا الْغَرَض وَصَحَّ جسم الدولة من الْمَرَض وَرجعت الأرسال فِي أحسن الْأَحْوَال عَاد الْمَنْصُور إِلَى مراكش وَفِي يَوْم خُرُوجه من فاس خرج أَعْيَان أَهلهَا ومشيخة الْعلم بهَا وَقُرِئَ البُخَارِيّ بَين يَدَيْهِ سردا على عَادَة الْخُلَفَاء فِي ذَلِك وَكَانَ ذَلِك كُله سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
إِيقَاع الْمَنْصُور بعرب الْخَلْط وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد قدمنَا فِي أَخْبَار الدولة المرينية مَا كَانَ لهَؤُلَاء الْخَلْط من الاعتزاز والدالة عَلَيْهَا بِسَبَب مَا كَانَ لَهُم من الشَّوْكَة والمصاهرة مَعَ مُلُوكهَا وَلما أَدْبَرت دولة بني مرين وَاسْتولى على ملكهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمهْدي انحاشوا إِلَيْهِ وأظهروا الْخدمَة والنصيحة فَلَمَّا جَاءَ أَبُو حسون الوطاسي بِجَيْش التّرْك حَسْبَمَا شرحناه قبل أوقعوا الْهَزِيمَة على الْمهْدي لأبي
(5/97)

حسون كَمَا مر فَلَمَّا غلب الْمهْدي على الْمغرب وَصفا لَهُ أمره خلعهم من الجندية ووظف عَلَيْهِم الْخراج ومحا اسمهم من ديوَان الْخدمَة وَنقل أعيانهم إِلَى مراكش واتخذهم رهائن عِنْده وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور فَرَأى جلادهم يَوْم وَادي المخازن وَحسن بلائهم فَاخْتَارَ النّصْف مِنْهُم ورده إِلَى الجندية وَأبقى نصفهم الآخر فِي غمار الرّعية ونقلهم إِلَى آزغار فاستوطنوه حينا من الدَّهْر ثمَّ عاثوا فِي الْبِلَاد وَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد ومدوا أَيْديهم إِلَى أَوْلَاد مُطَاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إِلَى الْمَنْصُور فَضرب عَلَيْهِم سبعين ألفا غَرَامَة فَلم يزدادوا إِلَّا عتوا وَشدَّة فَأرْسل إِلَيْهِم ليبعثوا طَائِفَة مِنْهُم إِلَى تيكورارين فامتنعوا من ذَلِك فَحِينَئِذٍ بعث إِلَيْهِم الْقَائِد مُوسَى بن أبي جمدي الْعمريّ فَانْتزع مِنْهُم الْخَيل وأبقاهم رجالة ثمَّ حكم السَّيْف فِي رقابهم واستأصل جمهورهم فَمن ثمَّ خضدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم
اسْتِيلَاء الْمَنْصُور على بِلَاد الصَّحرَاء تيكورارين وتوات وَغَيرهمَا

لما اسْتَقر الْمَنْصُور بمراكش مرجعه من فاس وَأمن من هجوم التّرْك على الْمغرب طمحت نَفسه إِلَى التغلب على بِلَاد تيكورارين وتوات من أَرض الصَّحرَاء وَمَا انضاف إِلَى ذَلِك من الْقرى والمداشر إِذْ كَانَ أهل تِلْكَ الْبِلَاد قد انكفت عَنْهُم أَيدي الْمُلُوك وَلم تسسهم الدول مُنْذُ أزمان وَلَا قادهم سُلْطَان قاهر إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُم فسنح للمنصور أَن يجمع بهم الْكَلِمَة ويردهم إِلَى أَمر الله فَبعث إِلَيْهِم الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن بركَة والقائد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْحداد الْعمريّ المعقلي فِي جَيش كثيف فَقطعُوا إِلَيْهِم القفر من مراكش وانتهوا إِلَيْهِم على سبعين مرحلة مِنْهَا فتقدموا إِلَيْهِم أَولا بِالدُّعَاءِ للطاعة والأعذار والأنذار فامتنعوا فنازلوهم وقاتلوهم وطالت الْحَرْب بَينهم ياما ثمَّ كَانَ الظُّهُور لجيش الْمَنْصُور فأوقعوا بهم وأثخنوا فيهم إِلَى أَن أذعنوا للطاعة وصاروا فِي حزب الْجَمَاعَة وأنهى خبر الْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور
(5/98)

فسر بذلك سُرُورًا عَظِيما وَقَالَ الشُّعَرَاء فِي ذَلِك وَعم الْفَرح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ ذَلِك سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَبعد هَذَا تشوفت نفس الْمَنْصُور إِلَى الِاسْتِيلَاء على بِلَاد السودَان فَكَانَ من أمرهَا مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
اعْلَم أَن هَؤُلَاءِ السودَان هم من نسل حام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام بِاتِّفَاق النسابين والمؤرخين ويجاور البربر بِأَرْض الْمغرب مِنْهُم أُمَم كَثِيرَة من أعظمها أهل مملكة غانة وهم المتصلون بالبحر الْمُحِيط من جِهَة الغرب على مصب النّيل السوداني فِيهِ وتتصل بهم من جِهَة الشرق أمة أُخْرَى تعرف بصوصو بصادين أَو سينين مهملتين مضمومتين ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى يُقَال لَهَا مَالِي ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تسمى كوكو وَيُقَال كاغو ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تعرف بتكرور وَيُقَال لَهُم أَيْضا سغاي ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تدعى كانم وهم أهل مملكة برنو الْمُجَاورَة لإفريقية من جِهَة قبلتها ثمَّ بعْدهَا أَرض النّوبَة الْمُجَاورَة لبلاد مصر وَهَكَذَا إِلَى آخر الشرق أُمَم لَا يحصيهم إِلَّا خالقهم
فَأَما أهل مملكة غانة فقد كَانُوا فِي صدر الْإِسْلَام من أعظم أُمَم السودَان أَسْلمُوا قَدِيما وَكَانَ لَهُم ملك ضخم وَكَانَت حَاضِرَة ملكهم هِيَ غانة وَهِي مدينتان على ضفتي النّيل السوداني من أعظم مدن الْعَالم وأكثرها عمرانا ذكرهَا صَاحب نزهة المشتاق وَصَاحب المسالك والممالك وَغَيرهمَا
وَقَالَ الْفَقِيه الأديب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْمُؤمن الْقَيْسِي الشريشي فِي شرح المقامات الحريرية مَا نَصه غانة بلد من بِلَاد السودَان وإليها يَنْتَهِي التُّجَّار يَعْنِي من الْمغرب والمدخل إِلَيْهَا من سجلماسة وَمن سجلماسة إِلَيْهَا ذَهَابًا مسيرَة ثَلَاثَة أشهر وَمن غانة إِلَى سجلماسة إيابا مسيرَة شهر وَنصف وَدون ذَلِك وَسبب ذَلِك أَن الرفاق تتجهز إِلَيْهَا من سجلماسة بالأمتعة والأثقال فتباع فِي غانة بالتبر فَمن سَافر إِلَيْهَا بِثَلَاثِينَ حملا يرجع مِنْهَا بِثَلَاثَة أحمال أَو بحملين وَاحِد لركوبه وثان للْمَاء بِسَبَب الْمَفَازَة الَّتِي فِي طريقها
(5/99)

حَدثنِي غير وَاحِد من تجارها أَنهم يقطعون الْمَفَازَة فِي سِتَّة عشر يَوْمًا لَا يرَوْنَ فِيهَا مَاء إِلَّا على ظُهُور الْإِبِل فأثمان أحمال الثَّلَاثِينَ جملا يجْتَمع فِيهَا من التبر مَا يَجْعَل فِي مزود وَاحِد فيطوون المراحل للخفة قَالَ وغانة بلد مملكة السودَان وانتشر الْإِسْلَام فِي أَهلهَا وَبهَا مدارس للْعلم وَبهَا من تجار الْمغرب كثير يدْخلُونَ للتِّجَارَة فيصيبون الخصب والأمن وَكَثْرَة المتاجر فيشترون بهَا خدما للتسري ويقيمون بهَا عِنْد أميرها فِي غَايَة الْكَرَامَة وَالْإِمَاء فِيهَا قد جعل الله فِيهِنَّ من الْخِصَال الْكَرِيمَة فِي خَلقهنَّ وخلقهن فَوق المُرَاد من ملاسة الْأَبدَان وتفتق السوَاد وَحسن الْعَينَيْنِ واعتدال الأنوف وَبَيَاض الْأَسْنَان وَطيب الروائح اه
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ فِي غانة فِيمَا يُقَال ملك ودولة لقوم من العلويين يعْرفُونَ ببني صَالح
وَقَالَ صَاحب نزهة المشتاق أَنه صَالح بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم قَالَ وَلَا يعرف صَالح هَذَا فِي ولد عبد الله بن حسن وَقد ذهبت هَذِه الدولة لهَذَا الْعَهْد اه
ثمَّ أَن أهل غانة ضعف ملكهم وتلاشى أَمرهم فِي الْمِائَة الْخَامِسَة واستفحل أَمر الملثمين المجاورين لَهُم من جِهَة الشمَال مِمَّا يَلِي البربر وزحف إِلَيْهِم الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر اللمتوني فاتح الْمغرب ومستخلف يُوسُف بن تاشفين عَلَيْهِ حَسْبَمَا مر ذَلِك فِي أخبارهم فَلَمَّا رَجَعَ الْأَمِير أَبُو بكر إِلَى الصَّحرَاء غزا بِلَاد السودَان وَفتح مِنْهَا مسيرَة ثَلَاثَة أشهر وَاقْتضى مِنْهُم الأتاوات وَحمل الْكثير مِنْهُم مِمَّن لم يكن أسلم قبل ذَلِك على الْإِسْلَام فدا نوابه ثمَّ اضمحل ملك أهل غانة بِالْكُلِّيَّةِ وتغلب عَلَيْهِم أهل مملكة صوصو المجاورون لَهُم واستعبدوهم وصيروهم فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ إِن أهل مَالِي كَثُرُوا أُمَم السودَان فِي نواحيهم تِلْكَ واستطالوا على الْأُمَم المجاورين لَهُم فغلبوا على صوصو وملكوا مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم وبأيدي أهل غانة ثمَّ افتتحوا بِلَاد كوكو وأضافوها إِلَى ملكهم وَصَارَت دولة مَالِي مُتَّصِلَة فِيمَا بَين غانة فِي الغرب وَأَرْض التكرور فِي الشرق واعتز سلطانهم وهابتهم أُمَم السودَان وَمن
(5/100)

هَذِه الدولة كَانَ السُّلْطَان منسا مُوسَى بن أبي بكر وَأَخُوهُ منسا سُلَيْمَان اللَّذَان كَانَ بَينهمَا وَبَين السُّلْطَان أبي الْحسن المريني من المهاداة والمواصلة مَا تقدم ذكره وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان منسا مُوسَى الْمَذْكُور الأديب الشَّاعِر أَبُو إِسْحَاق الطوبجن الأندلسي الَّذِي بنى لَهُ الْقبَّة المربعة العجيبة الصَّنْعَة البديعة النقش والتخريم الَّتِي أجَازه عَلَيْهَا بِاثْنَيْ عشر ألف مِثْقَال من التبر وَغير ذَلِك مِمَّا مر ذكره فِي أَخْبَار الدولة المرينية وَكَانَ مِنْهَا أَيْضا السُّلْطَان ماري زاطة الَّذِي هادى السُّلْطَان أَبَا سَالم المريني وَأغْرب عَلَيْهِ بالزرافة حَسْبَمَا تقدم قَالُوا وَكَانَ هَذَا السُّلْطَان مُسْرِفًا مبذرا بِحَيْثُ أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم وَكَاد أَمر سلطانهم يخْتل حَتَّى لقد انْتهى الْحَال بِهِ فِي سرفه وتبذيره أَن بَاعَ حجر الذَّهَب الَّذِي كَانَ من الذَّخَائِر الموروثة عِنْدهم وَهُوَ حجر يزن عشْرين قِنْطَارًا من الذَّهَب الْعين مَنْقُولًا من الْمَعْدن كَذَلِك من غير علاج وَلَا تصفية بالنَّار فَكَانُوا يرونه من أنفس الذَّخَائِر وأكبر الغرائب لندور مثله فِي الْمَعْدن فعرضه منسا زاطة على تجار مصر المترددين إِلَى بَلَده فاشتروه مِنْهُ بأبخس ثمن ثمَّ أَصَابَته عِلّة النّوم وَهُوَ مرض يطْرق أهل ذَلِك الإقليم كثيرا وخصوصا الرؤساء مِنْهُم بِحَيْثُ يعتاده غشي النّوم عَامَّة زَمَانه حَتَّى لَا يكَاد يفِيق وَلَا يَسْتَيْقِظ إِلَّا فِي الْقَلِيل من الْأَوْقَات ويضر بِصَاحِبِهِ غَايَة ويتصل سقمه إِلَى أَن يهْلك ودامت هَذِه الْعلَّة بِهَذَا السُّلْطَان سنتَيْن ثمَّ هلك مِنْهَا سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ توارث بنوه الْملك من بعده فَكَانُوا فِي تراجع وانتقاص إِلَى أَن انقرض أَمرهم شَأْن غَيرهم من الدول وَظَهَرت دولة آل سكية من أهل مملكة كوكو وَيُقَال كاغو
قَالَ الإِمَام التكروري فِي كِتَابه نصيحة أهل السودَان إِن آل سكية أصلهم من صنهاجة وملكوا كثيرا من بِلَاد السودَان وَأول مُلُوكهمْ الْحَاج مُحَمَّد سكية بِضَم السِّين وَسُكُون الْكَاف بعْدهَا يَاء مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء تَأْنِيث وَكَانَ الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور رَحل فِي أَوَاخِر الْمِائَة التَّاسِعَة إِلَى مصر والحجاز
(5/101)

بِقصد حج بَيت الله الْحَرَام وزيارة قبر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلقي بِمصْر الْخَلِيفَة العباسي إِذْ كَانَ رسم الْخلَافَة العباسة لَا زَالَ قَائِما بهَا يَوْمئِذٍ حَتَّى محاه السُّلْطَان سليم العثماني أَيَّام تغلبه على مصر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَلَمَّا اجْتمع الْحَاج مُحَمَّد سكية بالخليفة الْمَذْكُور طلب مِنْهُ أَن يَأْذَن لَهُ فِي إِمَارَة بِلَاد السودَان وَأَن يكون خَلِيفَته هُنَاكَ ففوض إِلَيْهِ الْخَلِيفَة العباسي النّظر فِي أَمر ذَلِك الإقليم وَجعله نَائِبه على من وَرَاءه من الْمُسلمين فَرجع الْحَاج مُحَمَّد سكية إِلَى بِلَاده وَقد بنى أَمر رياسته على قَوَاعِد الشَّرِيعَة وَجرى على منهاج أهل السّنة وَلَقي بِمصْر أَيْضا الإِمَام شيخ الْإِسْلَام حَافظ الْحفاظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ فَأخذ عَنهُ عقائده وَتعلم مِنْهُ الْحَلَال وَالْحرَام وَسمع عَلَيْهِ جملا من آدَاب الشَّرِيعَة وأحكامها وانتفع بوصاياه ومواعظه فَرجع إِلَى السودَان وَنصر السّنة وأحيى طَرِيق الْعدْل وَجرى على منهاج الْخَلِيفَة العباسي فِي مَقْعَده وملبسه وَسَائِر أُمُوره وَمَال إِلَى السِّيرَة الْعَرَبيَّة وَعدل عَن سيرة الْعَجم فصلحت الْأَحْوَال وَبرئ جَسَد الرشاد من الدَّاء العضال وَكَانَ الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور سهل الْحجاب رَقِيق الْقلب خافض الْجنَاح شَدِيد التَّعْظِيم لأئمة الدّين محبا للْعُلَمَاء مكرما لَهُم يفسح لَهُم فِي الْمجْلس ويوسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء وَلم يكن فِي أَيَّامه كلهَا بؤس وَلَا بَأْس بل كَانَت رَعيته فِي خفض عَيْش وَأمن سرب وَفرض عَلَيْهِم شَيْئا خَفِيفا من المغارم وظفه عَلَيْهِم وَزعم أَنه مَا فعل ذَلِك حَتَّى اسْتَشَارَ الإِمَام السُّيُوطِيّ شَيْخه وَلم يزل على سيرته الْمَذْكُورَة إِلَى أَن اخترمته الْمنية فَقَامَ بِالْأَمر بعده وَلَده دَاوُد بن مُحَمَّد فَأحْسن مَا شَاءَ وَتبع طَريقَة أَبِيه إِلَى أَن لحق بربه وَمضى لسبيله فَقَامَ بِالْأَمر بعده وَلَده إِسْحَاق بن دَاوُد فَعدل عَن بعض سيرة أَبِيه وَلم يكن فِي أمره بالذميم وَاسْتمرّ حَاله على الانتظام إِلَى أَن غزته جيوش الْمَنْصُور فنقضت ملكه وَنَثَرت سلكه وانقرض عَلَيْهِ أَمر آل سكية بعد أَن كَانَ تَحت طاعتهم مسيرَة سِتَّة أشهر من بِلَاد السودَان وَسَنذكر كَيْفيَّة ذَلِك
وَأما مملكة التكرور وكانم فَقَالَ ابْن خلكان مَا نَصه كانم بِكَسْر النُّون جنس من السودَان وهم بَنو عَم تكرور وكل وَاحِدَة من هَاتين القبيلتين لَا تنْسب إِلَى أَب وَلَا أم وَإِنَّمَا كانم اسْم بَلْدَة بنواحي غانة فَسُمي هَذَا الْجِنْس
(5/102)

باسم هَذِه الْبَلدة وتكرور اسْم للْأَرْض الَّتِي هم فِيهَا وَسمي جنسهم باسم أَرضهم اه
قلت وَكَانَ من كانم الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الكانمي الْأسود الشَّاعِر وَهُوَ الَّذِي دخل على يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي فأنشده
(أَزَال حجابه عني وعيني ... ترَاهُ من المهابة فِي حجاب)
(وقربني تفضله وَلَكِن ... بَعدت مهابة عِنْد اقترابي)
وَأهل كانم هم أهل مملكة برنو الْمُجَاورَة لإفريقية من جِهَة قبلتها كَمَا قُلْنَا وَكَانَت لَهُم مَعَ الدولة الحفصية فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَمَا بعْدهَا مهاداة ومواصلة كَمَا كَانَ لأهل مَالِي مَعَ بني مرين
قلت وَمن أهل برنو الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو مُحَمَّد عبد الله البرنوي شيخ الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي فَارس عبد الْعَزِيز الدّباغ الْمَوْضُوع فِي مناقبه كتاب الذَّهَب الإبريز
واتصل أَمر أهل برنو على الانتظام إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَعَ الْمَنْصُور مَا نذكرهُ وكل هَؤُلَاءِ الْأُمَم كَانُوا على دين الْإِسْلَام قَدِيما كَمَا رَأَيْت وَكَانَ فيهم الْعلمَاء والصلحاء والأدباء وَالشعرَاء كَمَا عَلمته آنِفا وتعلمه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني فِي تَقْيِيده الْمُسَمّى بمعراج الصعُود أَن أهل السودَان أَسْلمُوا طَوْعًا بِلَا اسْتِيلَاء أحد عَلَيْهِم كَأَهل كنوا وكنتي وبرنو وسغاي مَا سمعنَا قطّ أَن أحدا استولى عَلَيْهِم قبل إسْلَامهمْ وَمِنْهُم من هم قدماء الْإِسْلَام كَأَهل مَالِي أَسْلمُوا فِي الْقرن الْخَامِس أَو قربه وكأهل برنو وسغاي اه وَقد علمت أَن أهل غانة تقدم إسْلَامهمْ على هَذَا التَّارِيخ وَالله تَعَالَى أعلم ولنرجع إِلَى مَا كُنَّا بصدده من أَخْبَار الْمَنْصُور فَنَقُول
(5/103)

وُصُول هَدِيَّة صَاحب برنو إِلَى الْمَنْصُور بِحَضْرَة فاس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من بيعَته لَهُ والتزام طَاعَته

كَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله مسعودا محظوظا كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سَابِقًا وَكَانَ من سعادته مَا هيأ الله لَهُ من مهاداة صَاحب مملكة برنو ومخاطبته لَهُ حَتَّى كَانَ ذَلِك سَببا فِي مبايعته لَهُ وَالدُّخُول فِي طَاعَته وَكَانَ من خبر ذَلِك مَا حَكَاهُ فِي مناهل الصَّفَا قَالَ وَفِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة ورد على الْمَنْصُور الْخَبَر وَهُوَ بِمَدِينَة فاس بقدوم رَسُول صَاحب مملكة برنو من مُلُوك السودَان وجلب فِي هديته مَا جرت عَادَتهم أَن يجلبوه من فتيَان العبيد وَالْإِمَاء وَكسَاء السودَان وطرفه وَكَانَ من ذَلِك عدد كثير يناهز المئين فَوَافى الْمَنْصُور بعسكره على رَأس المَاء من ساحة فاس وَكَانَ يَوْم ملاقاته يَوْمًا مشهودا حسنا وأبهة وجلالة جلس نَصره الله تَعَالَى بالقبتين التوأمين المضروبتين أَمَام السياج الْمُحِيط بقبابه وَهُوَ آفراك واستوقف الموَالِي والمماليك سماطين من التوأمين إِلَى الْقبَّة الْعَرَبيَّة ثمَّ مِنْهَا إِلَى فسطاط الْجُلُوس الْمَعْلُوم بالديوان ثمَّ مِنْهُ إِلَى بَاب المعسكر القبلي وأتى بالرسول يخترق السماطين حَتَّى نزل بالديوان وَكَانَ الْمَلأ من أكَابِر الدولة وصدور المملكة جُلُوسًا وكرسي المملكة وسرير الْخلَافَة مَنْصُوبًا بِهِ والمهابة قد أخرست الألسن وأخشعت الْقُلُوب والأبصار فَجَلَسَ الرَّسُول هُنَالك مَلِيًّا ثمَّ توجه بِهِ على سَبِيل الترقي إِلَى الْقبَّة الْعَرَبيَّة فَجَلَسَ بهَا ثمَّ جَاءَ الْإِذْن الْكَرِيم بإيصاله إِلَى مقرّ أَمِير الْمُؤمنِينَ بالتوأمتين فَوقف بَين يَدَيْهِ وتشرف بِالنّظرِ إِلَى طلعته السعيدة فَأدى الرسَالَة وَقضى فرض التهنئة وَسنة الْهَدِيَّة وأعرب عَن مَقَاصِد مرسله واعترف للمملكة الْعَظِيمَة بِحَقِّهَا وَأظْهر من الخضوع والتملق والاستكانة والخدمة والطواعية مَا أوصاه بِهِ مرسله ثمَّ توجه بِهِ إِلَى معسكر ولي الْعَهْد وتاج الْإِسْلَام وكافل الْأمة بعد وَالِده الْمولى الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون بِاللَّه وَكَانَ لصق معسكر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِرَأْس المَاء فَأَشْرَف الرَّسُول على دنيا أُخْرَى وأبهة مدهشة ومحلة هائلة فَوقف موقف الْحيرَة واستدرج إِلَى أَن وصل لقباب ولي الْعَهْد ومضاربه وَكَانَ قد قعد لَهُ
(5/104)

بفسطاط جُلُوسه أفخم قعُود وَلما استؤذن عَلَيْهِ ووقف بَين يَدَيْهِ هَنأ وحيى وفدى وَانْصَرف عَنهُ إِلَى مَحل نُزُوله بالقصبة من فاس وأدر عَلَيْهِ من الإنعام وَالْإِكْرَام مَا لم يكن لَهُ فِي حِسَاب
وَكَانَ من أغراض الرسَالَة الَّتِي أنفذه بهَا سُلْطَانه طلب المدد من أَمِير الْمُؤمنِينَ بالعساكر والأجناد وعدة البنادق ومدافع النَّار لمجاهدة من يليهم بقاصية السودَان من الْكفَّار وَكَانَ هَذَا الرَّسُول قد وَفد قبل على سُلْطَان التّرْك بالإصطنبول السُّلْطَان مُرَاد العثماني يطْلب مِنْهُ المدد لجهاز كفار السودَان فأخفق سَعْيه وَلم يحصل على طائل فوجهه فِي هَذِه النّوبَة إِلَى ملك الْمغرب يطْلب مِنْهُ المدد وَلما قرئَ كِتَابه على أَمِير الْمُؤمنِينَ اتّفق أَن وَقع بَينه وَبَين كَلَام الرَّسُول اخْتِلَاف بَين وتباين وَاضح فَكَانَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام الرَّسُول جر إِلَيْهِم ذَلِك توغلهم فِي الْجَهْل والغباوة وَعدم من يحسن الْإِعْرَاب عَن مقاصدهم من فرسَان الْإِنْشَاء وَالْكِتَابَة لطموس معالم الْعُلُوم عِنْدهم على الْجُمْلَة وقارن ذَلِك مَا كَانَ من تَوْجِيه أَمِير الْمُؤمنِينَ عساكره لتدويخ قطري توات وتيكورارين وأمل أَن يجعلهما ركابا لبلاد السودَان والاستيلاء على ممالكها الَّتِي وَجه إِلَيْهَا عساكره بعد ذَلِك فبلغت مملكة مَالِي عَظِيم السودَان إِلَى أَن وَردت من نيلها على مَائه مرحلة من ثغور الْمغرب فاغتنم الْمَنْصُور لذَلِك اخْتِلَاف الرَّسُول والرسالة وَبنى عَلَيْهِ مَا اعْتد بِهِ على صَاحب برنو وَرجع الرَّسُول إِلَى مرسله بعد مكافأته وتوجيه هَدِيَّة من عتاق الْخَيل وأشرافها بكسي من ملابس الْخلَافَة وَأَسْبَاب أخر وَلما بلغ الرَّسُول وَألقى المعذرة إِلَى سُلْطَانه اسْتَأْنف الْهَدِيَّة وأعرب إِذْ ذَاك عَن مُرَاده ورد الرَّسُول ثَانِيَة إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فوافاه بِحَضْرَتِهِ وَدَار خِلَافَته من مراكش فأزال اللّبْس وَبَين الْغَرَض وَصرح بِالْمَقْصُودِ فَلَمَّا تحقق الْمَنْصُور بِقَصْدِهِ صدع لَهُ بِالْحَقِّ وَالدُّعَاء إِلَى الَّتِي هِيَ أقوم وطالبهم بالبيعة لَهُ وَالدُّخُول فِي دَعوته النَّبَوِيَّة الَّتِي أوجب الله عَلَيْهِم وعَلى جَمِيع الْعباد فِي أقطار الْبِلَاد الانقياد إِلَيْهَا وَقرر لَهُم بِلِسَان السّنة النَّاطِق وَالْكتاب الْمنزل على جده الصَّادِق أَن الْجِهَاد الَّذِي ينتحلونه ويظهرون الْميل إِلَيْهِ وَالرَّغْبَة فِيهِ لَا يتم لَهُم
(5/105)

فَرْضه وَلَا يكْتب لَهُم علمه مَا لم يستندوا فِي أَمرهم إِلَى إِذن من إِمَام الْجَمَاعَة الَّذِي اخْتصَّ الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بوصفه إِذْ هُوَ الكافل لهَذِهِ الْأمة ووارث تراث النُّبُوَّة وقيضه الله لحماية بَيْضَة الْإِسْلَام وَخَصه بالشرف الْقرشِي الَّذِي هُوَ شَرط فِي الْخلَافَة بِإِجْمَاع من عُلَمَاء الْإِسْلَام وأئمة السّنة الْأَعْلَام وألزمهم الْقيام فِي أقطارهم بدعوته ومجاهدة أعدائهم الْكفَّار بكلمته وعلق لَهُم أيده الله الْإِمْدَاد على الْبيعَة وَالْوَفَاء بِهَذَا الشَّرْط فَالْتَزمهُ بالرسول وَزعم أَيْضا عَن سُلْطَانه بِالْقبُولِ والإجابة وَطلب من السُّلْطَان نُسْخَة يتَوَجَّه بهَا من صُورَة الْبيعَة إِذْ لَيْسَ ببلدهم من يحسن الْإِنْشَاء ويوفي الْغَرَض لِئَلَّا يَخْلُو بِشَيْء من الشُّرُوط الَّتِي شارطتهم عَلَيْهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأنشأها كَاتب الدولة أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي وَنَصهَا الْحَمد الله الَّذِي أَعلَى لكلمة الْحق منارا يسامي فِي مطالعها النُّجُوم وأزاح بهَا عَن شمس الْهِدَايَة المنيرة غياهب الغباوة المدلهمة وسحائب الغواية المركوم وَحي على الْفَلاح بهَا دَاعِي التَّوْفِيق الَّذِي نشر للنجاح كِتَابه الموقوت واستنجز للسعادة أجلهَا الْمَعْلُوم وَشرف هَذَا الْمَوْجُود والعالم الْمَوْجُود بالخلافة النَّبَوِيَّة والإمامة الحسنية العلوية الَّتِي صرفت الْوُجُوه إِلَى قبلتها الْمَشْرُوعَة واستبان الْحق بتبلج الصَّباح فِي مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة وَنسخ بدولتها الغراء دوَل الحيف الَّتِي هِيَ بِسيف النُّبُوَّة المصلت مقطوعه وبلسان السّنة مدفوعه وقوض بهَا مباني الادعاء الَّتِي هِيَ على غير أساس الشَّرْع الصَّحِيح مدفوعه وَفرق بكلمتها الْمَجْمُوعَة على التَّوْحِيد فرق التَّثْلِيث الَّتِي هِيَ على مشاقة الله وَرَسُوله تَابِعَة ومتبوعة وخلع بظهورها على أعطاف الحنيفية السمحة رِدَاء الْعِزّ الفضفاض واستل بتأييدها للدّين المحمدي سيف الأنفة والامتعاض وَأَشَارَ للأعادي من بأسها المروع بِلِسَان الْحَيَّة النضناض وفجر للْمُؤْمِنين ينبوع رحمتها الْجَارِي على حصا عدلها الرضراض ومهد بسيوفها المنتضاة الْآفَاق والأقطار تمهيدا أَزَال عَن حكمه الِاعْتِرَاض وجلا بأنوارها المتألقة سدف الْجَهَالَة الَّتِي ادلهم جوها وغيم وأسعد الْوُجُود بيمنها الَّذِي لبث فِي أكناف مجدها وخيم وَقضى لهاب بتراحم الأَرْض وَمن عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله إِلَى عِيسَى ابْن مَرْيَم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(5/106)

الَّذِي تعاضدت الْبَرَاهِين القاطعة على صدق رسَالَته البارعة ونهج الدّين القويم طَريقَة الْحق المثلى ومادته الشارعة وسوغ لمن آمن بِهِ مناهل الْهدى النميرة الزلَال وموارده العذبة ومشارعه نَبِي الرَّحْمَة وشفيع الْأمة وعَلى آله وَأَصْحَابه الْكِرَام أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الظلام وَالدُّعَاء لمولانا الإِمَام الْعلوِي الْهمام أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ نجل سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين وسليل الْوَصِيّ والسبطين وَبعد فَإِنَّهُ لما أذن الله فِي ليل الْجَهَالَة أَن ينجاب وَفِي شمس الْحق الوهاجة أَن يرْتَفع عَنْهَا الْحجاب وَفِي الْعِزّ الْخلق الجلباب أَن يعود إِلَى الشَّبَاب وَفِي النجاح والاستقامة أَن يفتح لَهما الْبَاب وَفِي الْإِمَارَة أَن تستند إِلَى السّنة وَالْكتاب وتتعلق من الشَّرْع بِأَسْبَاب تدارك الله سُبْحَانَهُ الْوُجُود وأعز الْعَالم الْمَوْجُود واستطارت الْأَنْوَار المضيئة للأغوار والنجود بِطُلُوع شمس الْخلَافَة النَّبَوِيَّة والإمامة الهاشمية العلوية فَفَاضَتْ على أَدِيم البسيطة أنوارها وارتفع إِلَى حَيْثُ السها والفرقدين منارها وتبلج بالأصباح نَهَارهَا ولاحت فِي سَمَاء الْمجد بدورها وأقمارها وكادت تنهب نُجُوم السَّمَاء أتباعها وأنصارها وانتشرت فِي الْآفَاق والأقطار على الْبعد والقرب آثارها وهزت عطف الزَّمَان انتشاء مناقبها وأخبارها وفاض ببركتها على أكناف الْمَعْمُور يمها الزاخر وتيارها خلَافَة ينتمي إِلَى النُّبُوَّة عنصرها وتستنبط من رِسَالَة الْوَحْي أسطرها ويناط بعروتها الوثقى خنصرها وإمامة عَليّ وَليهَا وَالله نصيرها والسبط بدرها الَّذِي حَيَّاهُ منبرها وسريرها وَالْحَمْد لله الَّذِي اصْطفى من هَذِه الدوحة النَّبَوِيَّة الشماء والشجرة الطّيبَة الهاشمية الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء إِمَامًا ألْقى الله لَهُ فِي الْقُلُوب حبا جميلا وَمولى جعله الله على مرضاته سُبْحَانَهُ عَلامَة ودليلا وَخَلِيفَة استرعاه فَكَانَ بِحسن الرَّعْي لخلقه وعباده كَفِيلا وانتضى من بأسه وبسالته لحماية حمى الشَّرِيعَة حساما صقيلا مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَلِيفَة الله فِي الْأَرْضين وسليل خَاتم النَّبِيين ووارث الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ المفترضة طَاعَته على الْخلق أَجْمَعِينَ والممنون بإمامته المقدسة على الْعَالمين بَحر الندى والباس وعصمة الله للنَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه مَوْلَانَا أَبَا الْعَبَّاس صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلوَات الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة
(5/107)

الطيبين الطاهرين وَطيب بِأَنْفَاسِ الْمَغْفِرَة لحودهم أَجْمَعِينَ إِمَام تهتز لذكره أعطاف المنابر وتتقلد من شرِيف دَعوته أبهى من نَفِيس الْجَوَاهِر وتستضيء الْبِلَاد بإكليل شرفه الزَّاهِر وتسكن الْعباد تَحت ظلّ رَحمته الوارف الوافر أبقى الله أَيَّامه الغر بَقَاء يصحب النَّصْر دَوَامه وخلد لَهُ ولأعقابه هَذَا الْأَمر الْكَرِيم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلما طلعت أيده الله على هَذِه الأصقاع الزنجية طلائع إِمَامَته النَّبَوِيَّة وخلافته ولاحت فِي سمائها شهب مناقبه المنيفة الدَّالَّة على فخامة شرفه وأنافته وتليت لمجده الْآيَات الْبَينَات الَّتِي تشهد لَهُ بتراث الرسَالَة وتقضي لَهُ على الْإِسْلَام وعَلى الْأَنَام بِحكم الْوَلَاء وَالْكَفَالَة وأوضح الله سُبْحَانَهُ للنَّاس من اعْتِقَاد وجوب طَاعَته والاقتداء بإمامته والانقياد لدعوته وتقليد بيعَته مَا جَاءَ بِهِ كِتَابه الْحَكِيم ووردت بِهِ سنة نبيه الْكَرِيم كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تزَال الْخلَافَة فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان) وكما ورد فِي صَحِيح الْخَبَر (إِن الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَالْقَضَاء فِي الْأَنْصَار وَفِي الْحَبَشَة الْأَذَان) وَيدل على هَذَا تعاضد الْخَبَر والعيان فَلَا ناكر أَن لَيْسَ فِي الْمَعْمُور على هَذَا الشَّرْط غَيره أيده الله من ثَان فَنَهَضَ بِدَلِيل الشَّرْع أَنه إِمَام الْجَمَاعَة حَقًا المستوفي شُرُوطهَا وَالْوَارِث للخلافة النَّبَوِيَّة والحريص على بَيْضَة الْإِسْلَام أَن يحوطها وَأَن الْقَائِم بِهَذَا الْأَمر على الْإِطْلَاق غَيره دعِي ومحاوله دون إِذْنه الْمَشْرُوع بدعي فَتعين لذَلِك أَن الرُّجُوع إِلَى الْحق فَرِيضَة واستبان بِمَا تقرر وَعلم أَن إِمَارَة لَا تلاقي فِي الشُّرُوع محلهَا الْمَشْرُوع منبوذة مرفوضة وعروتها لذَلِك مفصومة ومنقوضة فَانْتدبَ لهَذِهِ الْآثَار صَحِيح الْأَخْبَار وَصرف إِلَى رضى الله الْعِنَايَة ووقف من الشَّرَائِع الْمَشْرُوعَة حَيْثُ مَرْكَز الرَّايَة ومنتهى الغية الرئيس أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس أكْرمه الله انتداب من وقفت بِهِ مَطِيَّة التَّوْفِيق على حَضْرَة الْإِخْلَاص والتصديق وَأخذت بزمامه السَّعَادَة إِلَى حَيْثُ الْفَوْز بِرِضا الله ورضا رَسُوله حقيق والتأييد صَاحب ورفيق وَروض الآمال أنيق وَرَاح الرَّاحَة والاطمئنان عَتيق إِلَى تقلد إِمَام بيعَة الْجَمَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه زَاده الله تقديسا وتشريفا الَّتِي تؤسس إِن شَاءَ الله على تقوى من الله ورضوان وَتشهد عقدهَا الْكَرِيم مَلَائِكَة الرَّحْمَن وآثر أسعده الله أَن يُؤَدِّي
(5/108)

فَرضهَا الْمَعْدُود من فروض الْأَعْيَان وَحكمهَا الَّذِي توجه بِهِ خطاب الشَّرْع الْعَام إِلَى القاصي والدان وينشر سنتها الْمَشْرُوعَة فِي صقعه وَمَا يَلِيهِ من الأصقاع وَالْبِقَاع بالسودان تقلدا يستضيء إِن شَاءَ الله بأنواره ويستشرف بِهِ للعز المكين على مناره ويخمد بِهِ للْجَهْل جذوة ناره وتنتظم بِهِ فِي اتِّبَاع الْحق زمر أنصاره ويجتلي بِهِ صُورَة إنسانه ويستوجب من الله عوارف صنعه وإحسانه ويرهف بِهِ لِلْعَدو على العزمات حد سَيْفه وسنانه ويقرع بِهِ لرضا الله بَاب الْقبُول ويتضاعف لَهُ ببركته الْعَمَل المقبول ويستنشق بمشهد عقده الْكَرِيم نواسم النُّبُوَّة وَيعود لَهُ بِهِ الزَّمَان للشباب والفتوة وَيرْفَع بِهِ منار الْإِمَارَة على قَوَاعِد الشَّرْع الْوَثِيقَة ويعدل بِهِ فِي كل الْأَحْوَال عَن الْمجَاز إِلَى الْحَقِيقَة وتتسنى لَهُ بِهِ وَهِي الْمَقْصد الْأَسْنَى والخاتمة الْحسنى الأسوة الْحَسَنَة بإمامي بني الْعَبَّاس السفاح والمنصور وَيحيى سنتهما الَّتِي نقلهَا ثِقَات الْأَعْلَام والصدور فِي مبايعتهما الإِمَام الْخَلِيفَة الْمهْدي الْأَكْبَر سليل سيد الْمُرْسلين وجد مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي رأى إِمَام دَار الْهِجْرَة أَنه بتراث الْخلَافَة النَّبَوِيَّة أولى وأحق وَفِي منصب الْإِمَامَة على شَرطهَا أعرق وبسريرها ومنبرها أليق فتأكد للمنتدب أكْرمه الله بِهَذِهِ الْآثَار الشَّرِيفَة والمناقب المنيفة الْعَزْم وَالْقَصْد وأنجز لَهُ فِيمَا أَرَادَهُ صَادِق الْوَعْد وساعد نِيَّته الصَّالِحَة فِيهِ السعد فَبَايعهُ أَعلَى الله يَده على الْأَمْن وَالْأَمَانَة والعفاف والديانة وَالْعدْل الَّذِي يشيد للمجد أَرْكَانه مبايعة شايعه على عقدهَا الْكَرِيم أكْرمه الله أَتْبَاعه وجموعه وأشياعه بِحكم الْوِفَاق والاتفاق والمواثيق الشَّدِيدَة الوثاق وبجميع الْأَيْمَان الصادقة الْأَيْمَان أعْطوا بهَا صَفْقَة أَيْديهم وَرفع بهَا العقيرة مناديهم عارفين أَن يَد الله فِيهَا فَوق أَيْديهم وأمضوها على السّمع وَالطَّاعَة والانتظام فِي سلك الْجَمَاعَة إِمْضَاء يدينون بِهِ فِي السِّرّ والجهر واليسر والعسر والرخاء والشدة والأزمان المشتدة والتزموا شُرُوطهَا طَوْعًا واستوعبوها جِنْسا ونوعا بنيات مِنْهُم خَالِصَة صَادِقَة وعدة من الله لَهُم بِالْخَيرِ سَابِقَة وسعادة بِالْحُسْنَى لاحقة أبرموا عقدهَا وأحكموا وعدها وعهدها على حكم الْكتاب وَالسّنة وَالْجَمَاعَة وَالْأَخْذ بسنتها أعقابا من أعقاب وأحقابا أثر أحقاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
(5/109)

واقتراب السَّاعَة لَا يلْحق عقدهَا الْكَرِيم فسخ وَلَا يعقبه بحول الله نسخ وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ نقض وَلَا نكث وَلَا يشوبه بشوائب الشُّبُهَات بحث وَأجْمع على هَذَا أسعده الله بالمواثيق المستفيضة والأيمان اللَّازِمَة الْمُغَلَّظَة هُوَ وَأَتْبَاعه إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا وحتموه على أنفسهم حتما مقضيا واعتقده اعتقادا أبديا وعرضوا على الْتِزَامه بمشهد عقده الْمُبَارك أفرادا وأزواجا وحدانا وأفواجا وَأشْهدُوا على الْوَفَاء بِهِ بأيمانهم الصادقة البرور ومواثيقهم المثلجة للصدور قائلين بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس الْعَلِيم بالخفيات والخبير بالآجال والوفيات وبجميع الرُّسُل الْكِرَام والأنبياء وملائكة الرَّحْمَن فِي الأَرْض وَالسَّمَاء وعَلى أَنهم إِن حادوا عَن هَذَا السَّبِيل وانقادوا لدعاء دَاعِي التَّغْيِير والتبديل أَو انحرفوا عَن هَذَا الْمِنْهَاج وسنته فهم برَاء من حول الله وقوته وَمن دينه وعصمته ومستوجبون لعذابه وغضبه وَسخطه ونقمته وبعداء من رَحمته وَمن شَفَاعَة نبيه الْكَرِيم يَوْم الْقِيَامَة لأمته وَأَنَّهُمْ خالعون لربقة الْإِسْلَام وخارجون عَن سنة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْلنُوا بِهَذَا إعلانا تعضده النَّجْوَى وأدوه بِشُرُوطِهِ الْجَارِيَة على مَذَاهِب الْفَتْوَى وَأَحْكَامه اللَّازِمَة لكلمة التَّقْوَى استرضاء لله وللخلافة النَّبَوِيَّة والإمامة العلوية ورياضة للنفوس على بيعتها الْمُبَارَكَة الميمونة النقيبة وَاسْتِيفَاء لشروطها وأقسامها الْوَاجِبَة والمستحبة والمندوبة مستسلمين إِلَى الله بالقلوب الخاشعة ومتضرعين إِلَى بَابه الْكَرِيم بالأدعية النافعة فِي أَن يعرفهُمْ خير هَذَا العقد الْكَرِيم والعهد الصميم بَدَأَ وختاما وَأَن يمنحهم بركته الَّتِي تصحبهم حَالا ودواما لَا رب غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره أشهد على نَفسه بِمَا فِيهِ وعَلى رَعيته الرئيس أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس أسعده الله وأكرمه وبتاريخ الْمحرم الْحَرَام من عَام تسعين وَتِسْعمِائَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة انْتهى
وَلما كتبت هَذِه الْبيعَة دفعت للرسول وَأكْرم وكافأه أَمِير الْمُؤمنِينَ على هَدِيَّة سُلْطَانه وَتوجه إِلَى بِلَاده بِجَوَاب مرسله وَلم يلبث أَن رجعه سُلْطَانه ثَالِثَة وَوجه مَعَه هَدِيَّة ورسالة وخاض القفر إِلَى دَار الْخلَافَة فوصل إِلَى بِلَاد تيكورارين وَهُنَاكَ اعترضته منيته فاعتل وَهلك فأشخص أولو الْأَمر
(5/110)

الَّذين بتيكورارين الْهَدِيَّة مَعَ رفقائه القادمين مَعَه من عِنْد سُلْطَانه فوصلوا بهَا إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ بمراكش وَقدمُوا إِلَيْهِ رسالتهم وهديتهم فتقبلها بِقبُول حسن وَتمّ السرُور وَعظم الحبور واستقامت للمنصور الْأُمُور
بعث الْمَنْصُور وَرَسُوله بالدعوة إِلَى آل سكية وَكَيْفِيَّة ذَلِك

لما أدّى الْوَفْد الواردون على الْمَنْصُور من السُّلْطَان أبي الْعَلَاء صَاحب مملكة برنو مَا قدمُوا لأَجله ردهم الْمَنْصُور إِلَى صَاحبهمْ مكرمين وانتخب رَسُولا عَارِفًا مجربا مِمَّن لَهُم بَصِيرَة بأحوال السودَان فَبَعثه مَعَهم عينا يَأْتِيهِ بأخبار الْبِلَاد حَتَّى كَأَنَّهُ يشاهدها وَبعث مَعَه رِسَالَة إِلَى السُّلْطَان إِسْحَاق بن دَاوُد من آل سكية صَاحب مملكة كاغو من أَرض السودَان يَأْمُرهُ فِيهَا أَن يرتب على مَعْدن الْملح الَّذِي بتغازي بَين الْمغرب والسودان وَمِنْه يحمل الْملح إِلَى أقطار السودَان وظيفا بِأَن يَجْعَل كل من يحمل مِنْهُ شَيْئا من الواردين عَلَيْهِ مِثْقَالا من الذَّهَب الْعين لكل حمل تستعين بذلك الْخراج عَسَاكِر الْمُسلمين على جِهَاد الْكفَّار لِأَن ذَلِك بَحر لَا سَاحل لَهُ
وَكَانَ الْمَنْصُور لم يكاتبه فِي ذَلِك حَتَّى أستفتى عُلَمَاء إيالته وأشياخ الْفتيا بهَا فأفتوه بِمَا هُوَ الْمَنْصُوص للْعُلَمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم من أَن النّظر فِي الْمَعَادِن مُطلقًا إِنَّمَا هُوَ للْإِمَام لَا لغيره وَأَنه لَيْسَ لأحد أَن يتَصَرَّف فِي ذَلِك إِلَّا عَن إِذن السُّلْطَان أَو نَائِبه وَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور بِتِلْكَ الْفَتَاوَى مَعَ الرسَالَة الموجه بهَا مَعَ الرَّسُول وَكَانَت من إنْشَاء الْعَلامَة الأديب مفتي الحضرة المراكشية الْمولى أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف السجلماسي لِأَن كَاتب الْإِنْشَاء أَبَا فَارس عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الفشتالي كَانَ مَرِيضا يَوْمئِذٍ وَلما فرغ الشريف الْمَذْكُور من إنشائها بَقِي عَلَيْهِ الصَّدْر فَلم يدر كَيفَ يَقُول فِي مُخَاطبَة إِسْحَاق سكية وَلَا كَيفَ يمدحه وَهل يتوغل فِي الْمَدْح أَو يتوسط فَكتب أَبُو مَالك حِين تحير فِي ذَلِك إِلَى الْمَنْصُور بِمَا نَصه أيدكم الله وَنصر
(5/111)

أعلامكم إِن مُخَاطبَة هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة مماليك الحضرة المولوية أَمر تلعثم فِيهِ لساني ووقف عَن خوض لجته بناني لِأَن النأي عَن هَذِه المحجة قد مد بيني وَبَينهَا حِجَابا وأغلق فِي وَجْهي بَابا فَلَا آمن من أَن أقتحم الْوُقُوع فِي تَفْرِيط أَو إفراط وَخير الْأُمُور لَو عَلمته الأوساط لَكِن لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بعد علم الطَّرفَيْنِ وَالْعَبْد مَحْجُوب عَن ذَلِك دون مين فَتركت أيدكم الله الصَّدْر لمن هُوَ بِهِ مني أقعد وتحاميت عقده لمن هُوَ لَهُ أعقد أبي فَارس عبد الْعَزِيز الَّذِي فاضت عَلَيْهِ أنواركم وأضاءت لَهُ سبل هَذَا الْمخبر أقماركم وَإِلَّا قرعت هواتف لِسَان الْحَال سَمْعِي بقول الْقَائِل
(يَا باري الْقوس بريا لَيْسَ يُحسنهُ ... لَا تظلم الْقوس أعْط الْقوس باريها)
وَلما بلغت رِسَالَة الْمَنْصُور إِلَى السُّلْطَان إِسْحَاق سكية واطلع عَلَيْهَا شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وماطل فِي الْجَواب وَحَيْثُ أَبْطَأَ الرَّسُول فطن الْمَنْصُور لما انطوى عَلَيْهِ سكية من عدم إجَابَته لما طلب من الوظيف على الملاحة فَاشْتَدَّ غَضَبه وعزم على تَوْجِيه العساكر إِلَى السودَان فَهَذَا هُوَ الْحَامِل لَهُ على قصد تِلْكَ الْبِلَاد وتدويخها وَلما فتح تيكورارين وتوات قوي عزمه على ذَلِك وطمحت نَفسه للاستيلاء على مَا هُنَالك على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
مفاوضات الْمَنْصُور الْمَلأ من أَصْحَابه فِي غَزْو آل سكية وَمَا دَار بَينهم فِي ذَلِك

قَالَ الفشتالي رَحمَه الله لما رجعت أرسال الْمَنْصُور إِلَيْهِ من عِنْد إِسْحَاق سكية وأعلموه بمقالته وامتناعه واحتجاجه بِأَنَّهُ أَمِير نَاحيَة والمنصور أَمِير نَاحيَة وَأَنه لَا تجب طَاعَته عَلَيْهِ شاور الْمَنْصُور أَصْحَابه وَجمع أَعْيَان دولته والتقى أهل الرَّأْي والمشورة فَاجْتمعُوا وَكَانَ يَوْم اجْتِمَاعهم يَوْمًا مشهودا فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور إِنِّي عزمت على منازلة أَمِير السودَان صَاحب كاغو
(5/112)

وَبعث الجيوش إِلَيْهِم لتجتمع كلمة الْمُسلمين وتتحد الرّعية وَلِأَن بِلَاد السودَان وافرة الْخراج كَثِيرَة المَال يتقوى بهَا جَيش الْإِسْلَام ويشتد ساعد كتيبته مَعَ أَن صَاحب أَمرهم وَالْمُتوَلِّيّ لسلطنتهم الْيَوْم مَعْزُول عَن الْإِمَارَة شرعا إِذْ لَيْسَ بقرشي وَلَا اجْتمعت شُرُوط السلطنة فِيهِ الْعُظْمَى فَلم نثل الْمَنْصُور مَا فِي كِنَانَته وَأبْدى مَا فِي خبيئته وَعرض مَا فِي عيبته سكت الْحَاضِرُونَ وَلم يراجعوا بِشَيْء فَقَالَ لَهُم أسكتم استصوابا لرأيي أَو ظهر لكم خلاف مَا ظهر لي فَأجَاب كلهم بِلِسَان وَاحِد ورأي مُتَّفق إِن ذَلِك رَأْي عَن الصَّوَاب منحرف وَأَنه بمهامه عَن الآراء السديدة وَلَا يخْطر ببال السوقة فَكيف بالملوك وَذَلِكَ لِأَن بَيْننَا وَبَين السودَان مهامه فيحا تقصر فِيهَا الخطا وتحار فِيهَا لقطا وَلَيْسَ فِيهَا مَاء وَلَا كلأ فَلَا يَتَأَتَّى السّفر فِيهَا وَلَا اعتساف شَيْء من طريقها مَعَ كَونهَا مخوفة مَمْلُوءَة الجوانب ذعرا وَأَيْضًا فَإِن دولة المرابطين على ضخامتها ودولة الْمُوَحِّدين على عظمها ودولة المرينيين على قوتها لم تطمح همة وَاحِد مِنْهُم لشَيْء من ذَلِك وَلَا تعرضوا لما هُنَالك وَمَا ذَاك إِلَّا لما رَأَوْا من صعوبة مسالكها وَتعذر مداركها وحسبنا أَن نقتفي أثر تِلْكَ الدول فَإِن الْمُتَأَخر لَا يكون أَعقل من الأول فَلَمَّا قضى أُولَئِكَ الأقوام كَلَامهم وأبدوا لَهُ رَأْيهمْ وملامهم قَالَ لَهُم الْمَنْصُور إِن كَانَ هَذَا غَايَة مَا استضعفتم بِهِ أَمْرِي وفيلتم بِهِ رَأْيِي فَلَيْسَ فِيهِ حجَّة وَلَا مَا يخدش فِيمَا عِنْدِي أما قَوْلكُم بَيْننَا وَبَينهَا صحار مخوفة ومفاوز مهلكة لجدوبتها وعطشها فَنحْن نرى التُّجَّار على ضعفهم وَقلة استعدادهم يشقون تِلْكَ الطّرق فِي كل وَقت ويخوضون فِي أحشائها مشَاة وركبانا وَجَمَاعَة ووحدانا وَلم تَنْقَطِع قطّ ركاب التُّجَّار عَنْهَا وَأَنا أقوى أهبة مِنْهُم وللجيش همة لَيست للقوافل وَأما قَوْلكُم إِن من كَانَ قبلنَا من الدول الطنانة لم تطمح أَبْصَارهم لذَلِك فاعلموا أَن المرابطين صرفُوا عنايتهم لغزو الأندلس ومقابلة الإفرنج وَمن بذلك السَّاحِل من الأروام والموحدون اقتفوا سبيلهم فِي ذَلِك وَزَادُوا بِحَرب ابْن غانية والمرينيون كَانَت غَالب وقائعهم مَعَ بني عبد الواد بتلمسان وَنحن الْيَوْم قد انسد عَنَّا بَاب الأندلس باستيلاء الْعَدو الْكَافِر عَلَيْهَا
(5/113)

جملَة وانقطعت عَنَّا حروب تلمسان باستيلاء التّرْك عَلَيْهَا ثمَّ إِن أهل تِلْكَ الدول لَو أَرَادوا مَا أردنَا لصعب عَلَيْهِم لِأَن جيوشهم كَانَت فُرْسَانًا رامحة ورماة ناشبة وَلم يكن عِنْدهم هَذَا البارود وعساكر النَّار المرهبة الصَّوَاعِق وَأهل السودَان لَيْسَ عِنْدهم الْآن إِلَّا الرماح وَالسُّيُوف وَهِي لَا تقاوم هَذِه المدافع المستحدثة فمقاتلتهم سهلة وحربهم أيسر من كل شَيْء وَأَيْضًا فَإِن بِلَاد السودَان أَنْفَع من إفريقية فالاشتغال بهَا أولى من منازلة التّرْك لِأَنَّهُ تَعب كثير فِي نفع قَلِيل فَهَذَا جَوَاب مَا عرض لكم وَلَا يحملنكم ترك الْمُلُوك الأول ذَلِك على استبعاد الْقَرِيب واستصعاب السهل فَإِنَّهُ كم ترك الأول للْآخر وَقد يفتح على الْمُتَأَخر بِمَا لم يفتح بِهِ على الْمُتَقَدّم فَلَمَّا فرغ الْمَنْصُور من خطابه وَأبْدى مَا فِي وطابه اسْتحْسنَ الْحَاضِرُونَ جَوَابه واستملحوا إِشَارَته واستجادوا رَأْيه وَقَالُوا لَهُ قد طبقت الْمفضل وألهمت الصَّوَاب وَلم تبْق لأحد مَا يَقُول وَصدق من قَالَ عقول الْمُلُوك مُلُوك الْعُقُول فانفصل الْجمع على الْبَعْث إِلَى السودَان ومناهضة أَهله ومتابعة الْمَنْصُور فِي رَأْيه عَلَيْهِ قلت وَفِي كَلَام الْمَنْصُور أَمْرَانِ يحتاجان إِلَى مزِيد بَيَان الأول مَا قَالَه من أَن الملثمين لم تكن لَهُم سلطنة على السودَان يَعْنِي بهم الَّذين أَقَامُوا بِأَرْض الْمغرب ودبروا أمره مثل يُوسُف بن تاشفين وبنيه فَلَا يرد عَلَيْهِ أَن الْأَمِير أَبَا بكر بن عمر غزا السودَان وَفتح مِنْهُ مسيرَة ثَلَاثَة أشهر لِأَن ذَلِك كَانَ بعد رُجُوعه إِلَى الصَّحرَاء واستقراره بهَا وإعراضه عَن ملك الْمغرب بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا مر الثَّانِي مَا قَالَه من أَن البارود لم يكن فِي تِلْكَ الدول الفارطة يَعْنِي بِهِ لم يكن مَوْجُودا فِيهَا بِكَثْرَة بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِهِ الْجَيْش عَن غَيره سَاعَة الْقِتَال فَلَا يرد عَلَيْهِ أَن ظُهُوره كَانَ فِي أَوَائِل الْمِائَة السَّابِعَة لأوّل دولة بني مرين كَمَا مر إِذْ ظُهُوره فِي تِلْكَ الْمدَّة كلا ظُهُور وَالله تَعَالَى أعلم بحقائق الْأُمُور
(5/114)

استجازة الْمَنْصُور لعلماء مصر رَضِي الله عَنْهُم وتلمذه لَهُم

قَالُوا وَمن اعتناء الْمَنْصُور رَحمَه الله أَنه بعث إِلَى عُلَمَاء مصر يستجيزهم رَغْبَة فِي اتِّصَال حَبل السَّنَد واقتفاء لاحب ذَلِك الطَّرِيق الْأسد وَمِمَّنْ أجَازه الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ رَضِي الله عَنهُ وَمن بعض فُصُول إِجَازَته لَهُ قَوْله يمدح كتاب الْمَنْصُور إِلَيْهِ ويثني عَلَيْهِ بالفصاحة والبلاغة مَا نَصه وَلَقَد وصل إِلَى الْمثل العديم الْمِثَال المزري نظامه بعقود اللآل فَإِذا بِهِ السحر إِلَّا أَنه الْحَلَال وَلَو ادّعى أحد أَن من معجزات أَحْمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يمد الله كراما كاتبين فِي زمَان نجله أَمِير الْمُؤمنِينَ أَحْمد بِكِتَاب كريم على أسلوب قويم يُرْسِلهُ إِلَى محب قديم من النبعة والصميم لم تكذب دَعْوَاهُ فَمَا من خارق فِي الْأمة إِلَّا وَهُوَ من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَال على علاهُ وَأما مَا شرفني بِهِ من طلب الْإِجَازَة فالبيت والْحَدِيث لَهُ وَلَكِن رب أَب أرسل إِلَى ابْنه على يَد عَبده عَطاء فَقبله وَإِلَيْهِ بأَمْره حمله وَحَيْثُ وَقع الْأَمر فَأمر مَوْلَانَا حتم وطاعته غنم فمولانا مجَاز من هَذَا الْعَهْد من جَمِيع مَا يجوز لهَذَا العَبْد بِجَمِيعِ مَا يجوز لَهُ وَعند رِوَايَته بِشَرْطِهِ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأَمر وَكَذَلِكَ مجَاز أهل الْعَصْر إجَازَة عَام بعام ليَكُون أَبنَاء الْوَقْت جَمِيعًا على مائدة فضل مَوْلَانَا وَتَحْت ظلال ذَلِك الإنعام فَإِنَّهُ هُوَ السَّبَب فِي تَحْصِيل ذَلِك المرام وَكتب تحريرا فِي رَابِع عشْرين ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مُحَمَّد بن أبي الْحسن الصديقي سبط آل الْحسن اه
وَمِمَّنْ استجازه الْمَنْصُور أَيْضا من عُلَمَاء مصر الإِمَام الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى الْمصْرِيّ الشهير ببدر الدّين الْقَرَافِيّ صَاحب ذيل الديباج فَأَجَازَهُ إجَازَة عَامَّة بسط فِيهَا القَوْل ثمَّ خَتمهَا بقوله
(أجزت لمن تفضل واستجازا ... وبادر لاقتنا خير وحازا)
(وأبرز فِي سلوك الْعلم حَالا ... بِهِ من فضل مَوْلَانَا يجازى)
(إِمَام كَامِل غوث البرايا ... أَمِير الْمُؤمنِينَ حوى مجَازًا)
(5/115)

(وَذَلِكَ بعد تشريفي بِأَمْر ... وَقصد للإجازة فاستجازا)
(فبادرت امتثالا قدر وسعي ... ومقتفيا مناهج من أجازا)
(وَقد أبديت حَقًا لَا محالا ... بِمَا صَار الإِمَام بِهِ مجَازًا)
(بِفَاتِحَة وَسنة خير هدى ... وسلسلة لمن حَاز امتيازا)
(بدار الْهِجْرَة الْعليا إِمَام ... بِمَا أبداه من فضل مجَازًا)
(وَأَرْجُو مِنْهُ يهدي لي دُعَاء ... لما أرجوه من خير مجَازًا)
(بخاتمة تبلغني مراما ... بجنات أَرَاهَا لي مفازا)
(وأشياخي يبلغهم رِضَاء ... ويواصلهم إِلَى خير يجازا)
تَجْدِيد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ الْمَأْمُون وَمَا وَقع فِي ذَلِك

قَالُوا وَفِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة جدد الْمَنْصُور الْبيعَة لوَلَده مُحَمَّد الشَّيْخ الملقب بالمأمون وَأَخذهَا لَهُ على إخْوَته خُصُوصا لأَنهم كَانُوا فِي الْبيعَة الأولى قبل الْبلُوغ فَأَرَادَ أَن يستوثق لَهُ مِنْهُم بعد الْبلُوغ حسما لمادة النزاع بَينهم فارتحل الْمَنْصُور من مراكش إِلَى تامسنا وَبعث الباشا عزوز بن سعيد الوزكيتي ليَأْتِيه بولِي عَهده الْمَذْكُور من فاس فتوافى القصدان بتامسنا وباشر الْمَنْصُور أَخذ الْبيعَة لَهُ بِنَفسِهِ وَحضر الْأَعْيَان وَأهل الْحل وَالْعقد وأحضر الْمُصحف الْكَرِيم الَّذِي هُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ من ذخائر الْخُلَفَاء وأحضر الصحيحان لِلشَّيْخَيْنِ وَقُرِئَ ظهير الْبيعَة فَتَوَلّى قِرَاءَته الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي وبجنبه القَاضِي أَبُو الْقَاسِم الشاطبي يُفَسر مَا أشكل من لفظ الظهير
وَلما أَخذ الْبيعَة أخر أَوْلَاده إِلَى غَد يَوْمهَا فَكَتَبُوا خطوطهم عَقبهَا بالموافقة على ذَلِك والالتزام لَهُ وَوَقع فِي رِسَالَة السُّلْطَان زَيْدَانَ لأبي زَكَرِيَّاء ابْن عبد الْمُنعم الإِمَام بِذكر هَذِه الْبيعَة فَقَالَ إِنِّي حضرت بيعَة مُحَمَّد الشَّيْخ صَاحب الْمغرب سامحه الله وَحضر أَوْلَاد السُّلْطَان فاستحلفهم لَهُ إِلَّا أَنا فَإِنَّهُ رَضِي الله عَنهُ قَالَ فلَان لَا يحلف لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا نأمره بِهِ ونفعله وَعظم
(5/116)

ذَلِك على إخوتي وَظَهَرت فِي وُجُوههم لأَجله الْكَرَاهِيَة اه
وَلما فرغ الْمَنْصُور من تَجْدِيد الْبيعَة رأى أَن يرشح كلا من أَوْلَاده للإمارة وَيقسم بَينهم الْبِلَاد حَتَّى لَا تبقى فِي نُفُوسهم إحن وَلَا تنطوي قُلُوبهم على ضغائن فعقد لأبي فَارس شَقِيق الْمَأْمُون على السوس وَسَائِر عمائره وَعقد لأبي الْحسن على مكناسة وَمَا والاها وَعقد لزيدان على تادلا ثمَّ عكس ذَلِك لأمر اقْتَضَاهُ الْحَال فَنقل زَيْدَانَ إِلَى مكناسة وَنقل أَبَا الْحسن إِلَى تادلا وَلم يزَالُوا على ذَلِك إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ فِي مَحَله إِن شَاءَ الله
ثورة الْحَاج قرقوش بِبِلَاد غمارة ومقتله

قَالُوا وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثار رجل يُقَال لَهُ الْحَاج قرقوش بجبال غمارة وبلاد الهبط وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره حائكا فتلبس بالزهد وَالصَّلَاح واعتقدته الْعَامَّة ثمَّ اسْتَحَالَ أمره إِلَى مَا ذكرنَا فَأخذ وَقتل وَحمل رَأسه إِلَى مراكش وانقطعت مَادَّة فَسَاده فَلم تبكه أَرض وَلَا سَمَاء
بِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِبَاب دكالة من حَضْرَة مراكش حرسها الله

كَانَت الْحرَّة مسعودة أم الْمَنْصُور وَهِي بنت الشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الوزكيتي الورززاتي من الصَّالِحَات حريصة على اقتناء المفاخر راغبة فِي فعل الْخَيْر قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَهِي الَّتِي أنشأت الْمَسْجِد الْجَامِع بحومة بَاب دكالة دَاخل مَدِينَة مراكش ووقفت عَلَيْهِ أوقافا عَظِيمَة وَكَانَ ذَلِك سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة قَالَ وَهِي الَّتِي بنت جسر وَادي أم الرّبيع وَغير ذَلِك اه
(5/117)

قلت المرقوم على رخامة قبرها أَنَّهَا بنت جسرين بِلَفْظ التَّثْنِيَة وتزعم الْعَامَّة أَنَّهَا بنت الْمَسْجِد الْمَذْكُور كَفَّارَة لما انتهكته من حُرْمَة رَمَضَان وَذَلِكَ أَنَّهَا دخلت بستانا من بساتين قُصُورهَا وَهِي فِي حَال الوحم فرأت بِهِ خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت مِنْهُمَا فِي نَهَار رَمَضَان ثمَّ نَدِمت على مَا صدر مِنْهَا وَفعلت أفعالا كَثِيرَة من بَاب الْبر رَجَاء أَن يتَجَاوَز الله عَنْهَا وَمِنْهَا الْجَامِع الْمَذْكُور وَلَا زَالَ النِّسَاء وَالصبيان يسجعون بقضيتها إِلَى الْآن فَيَقُولُونَ عودة أكلت رَمَضَان بالخوخ وَالرُّمَّان فِي أسجاع غير هَذِه وَلَفظ عودة مخفف من مسعودة على طَريقَة البربر فِي مثل هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم
بعث الْمَنْصُور ببيلة الرخام إِلَى جَامع الْقرَوِيين من فاس حرسها الله

قَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور إِن الْمَنْصُور رَحمَه الله بعث الخصة الْعَظِيمَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة إِلَى جَامع الْقرَوِيين من فاس مَعَ كرْسِي من المرمر تُوضَع عَلَيْهِ وزنهما مَعًا مائَة قِنْطَار قَالَ وَهِي الخصة الَّتِي تَحت منار الْجَامِع الْمَذْكُور وَقَالَ ابْن القَاضِي الْمَذْكُور فِيهَا نقش برقبتها
(إِمَام دَار الْهدى الْمَنْصُور شيدني ... بَحر المكارم من أَبنَاء عدنان)
(حزت المفاخر بالمنصور أجمعها ... وَمن علاهُ سَنَام الْمجد أرساني)
(من جَاءَ يشكو الظما يَوْمًا وقبلني ... أغناه مَا قد همى من صوب أجفاني)
(لَا تنكرن وجود الدمع من فَرح ... فالعين تَدْمَع من أفراط سلوان)
(واشرب هَنِيئًا من السلسال لَا حرج ... معِين دمع جرى من فيض خلجاني)
(فَخر السلاطين من أَبنَاء فَاطِمَة ... أشاع صيتي إِلَى أَطْرَاف عمان)
(وَقد جرت مقلتي تحكي سحائبها ... كف الْخَلِيفَة من أَبنَاء زَيْدَانَ)
(لَا زَالَ للدّين وَالدُّنْيَا يسوسهما ... مَا هيجت عَاشِقًا ورق بأفنان)
(إنشائي فِي زمن التَّارِيخ وَافقه ... للدّين وَالْأَجْر بَحر الْجُود سواني)
(5/118)

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا سَافر الْمَنْصُور إِلَى فاس وبينما هُوَ فِي الطَّرِيق وافته الْبُشْرَى بِالْفَتْكِ بنصارى سبتة وَأَن زعيم الفئة الجهادية وَهُوَ الْمُقدم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس التطواني كمن لَهُم مَعَ جمَاعَة من الفرسان فِي مَوضِع فَخرج النَّصَارَى بأولادهم وحشمهم فحال النقسيس بَينهم وَبَين سبتة وأوقع بهم وَكَاد يفتحها وسر الْمَنْصُور بِهَذَا الْخَبَر وأنشده فِي ذَلِك الْكَاتِب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي بَيْتَيْنِ زجر لَهُ مِنْهُمَا الفال باستيلائه عَلَيْهَا وهما
(هَذِه سبتة تزف عروسا ... نَحْو ناديك فِي شباب قشيب)
(وَهِي بشرى وَأَنت كفؤ اللواتي ... كافأت بَعْلهَا بِفَتْح قريب)
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فِي الْيَوْم الثَّانِي من ذِي الْقعدَة مِنْهَا أخلى النَّصَارَى مَدِينَة آصيلا حملهمْ الْخَوْف من كَتِيبَة الْمُسلمين المرابطة هُنَالك على الْفِرَار بِأَنْفسِهِم فتركوها يبابا وذهبوا وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي
(يَا أَيهَا الْمَنْصُور أبشر بالعلا ... فَالله أبلغ فِي العدا المأمولا)
(أنضاكم سَيْفا لحتف عداته ... وبكم غَدا سيف الردى مفلولا)
(وهزمتم الشّرك المتين بعزمكم ... من غير سيف لم يرى مسلولا)
(وأذيتم كيد الْخَبيث بهمة ... وفتحتم دَار العدا آصيلا)
(أكْرم بِهِ من مَالك بل صَالح ... أضحى لبارود العداة خَلِيلًا)
(لَا زَالَ فِي أنف الْهدى شمما وَفِي ... عين الْعَلَاء يشاكل التكحيلا)
وَأَشَارَ بقوله لبارود العداة خَلِيلًا إِلَى مَا صنعه النَّصَارَى دمرهم الله حِين أَرَادوا الْخُرُوج من آصيلا فَإِنَّهُم حفروا تَحت قصبتها وملؤوا الحفرة بالبارود وأوقدوا فتيلا تبلغه ناره عِنْد دُخُول الْمُسلمين فيهلكون ففر نَصْرَانِيّ مِنْهُم وَأخْبر الْمُسلمين بذلك فنجاهم الله تَعَالَى من مكيدة الوبال وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَقَالَ فِي ذَلِك أَيْضا الْكَاتِب البارع أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي شعرًا ذكره صَاحب نشر المثاني فَانْظُرْهُ
وَكَانَ فِي زمن الْمَنْصُور رجال من بيوتات الْمغرب معروفون بالشجاعة
(5/119)

والنجدة فِي قتال الْعَدو وَمِنْهُم أَوْلَاد النقسيس التطوانيون وَمِنْهُم أَوْلَاد أبي الليف من أهل بِلَاد الهبط قَالَ فِي الْمرْآة لما كَانَ الْمُقدم الْمُجَاهِد الشَّهِيد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو الليف من الشهامة والصرامة على مَا كَانَ عَلَيْهِ وَمن شدَّة نكايته فِي الْعَدو الْكَافِر الطنجي وَبعد أَثَره فيهم جرت أُمُور بَينه وَبَين صَاحب عمل الْقصر فسعى بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فَأمر برحيله إِلَى فاس هُوَ وعشيرته مغربين عَن وطنهم كَأَنَّهُمْ فِي سجن فأقاموا بفاس مُدَّة لَا أَدْرِي هَل هِيَ سنة أم أَكثر إِلَّا أَنِّي كنت أرَاهُ عِنْد الشَّيْخ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأَنا إِذْ ذَاك صَغِير وَيَعْنِي بالشيخ وَالِده أَبَا المحاسن رَحمَه الله قَالَ فضاقت عَلَيْهِم أنفسهم من الاغتراب فَقَالَ يَوْمًا الْمُقدم عمر لِأَخِيهِ كبيره الْمُقدم مُحَمَّد لَو زرنا الشَّيْخ الْيَوْم وتبركنا بِهِ لَعَلَّ الله يفرج عَنَّا فَإِن النَّاس كثيرا مَا يقصدونه فِي الْمُهِمَّات فَقَالَ لَهُ لَا أتحرك فقد غلب الْيَأْس فَسَار الْمُقدم عمر وَحده فَلَمَّا وصل إِلَى الشَّيْخ قَالَ لَهُ قنطتم قَالَ نعم يَا سَيِّدي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ غَدا يخلي سبيلكم إِن شَاءَ الله فَرجع إِلَى أَخِيه وَأخْبرهُ فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث إِلَيْهِم القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الْحميدِي فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالَ لَهُم أَبْشِرُوا بالسراح وَالرُّجُوع إِلَى الوطن إِن شَاءَ الله فَإِنَّهُ قد قرئَ الْآن بَين يَدي السُّلْطَان بعض الْغَزَوَات الَّتِي ذكرهَا ابْن النّحاس وغناء أبطال الْمُسلمين فِيهَا فَقَالَ السُّلْطَان أَو غَيره ترى هَل بَقِي فِي هَذَا الزَّمَان من يماثلهم فَقَالُوا قد بَقِي من يفعل فعلهم وَهَا هم أَوْلَاد أبي الليف المغربون هُنَا يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك فَقَالَ السُّلْطَان سرحوهم إِلَى بِلَادهمْ ليحموا ثغورهم ويجاهدوا فِي سَبِيل الله فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ وفعلوا الأفاعيل فِي عَدو الدّين إِلَى أَن اسْتشْهد الْمُقدم مُحَمَّد فِي ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَألف اه
(5/120)

غَزْو السودَان وَفتح مَدِينَة كاغو ومقتل سلطانها إِسْحَاق سكية رَحمَه الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ من مُفَاوَضَة الْمَنْصُور لحاشيته فِي غَزْو السودَان واستقرار رَأْيهمْ على ذَلِك فَبَقيَ الْمَنْصُور يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فقوي عزمه واشتغل بتجهيز آلَة الْحَرْب وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجَيْش من آلَة السّفر ومهماته وَأمر القواد أَن يقومُوا حصص الْقَبَائِل وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من إبل وخيل وبغال وَإِن من أَتَى بجمل ضَعِيف يُعَاقب واشتغل هُوَ بتقويم آلَة الْحَرْب من المدافع والعجلات الَّتِي تحملهَا والبارود والرصاص والكور وتقويم الْخشب واللوح وَالْحَدِيد للغلائط والسفن والفلك والمجاذيف والقلوع والبراميل والروايا لحمل المَاء وَألف النجارون ذَلِك فِي الْبر إِلَى أَن تألف ثمَّ خلعوه وشدوه أحمالا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن استوفى الْمَنْصُور أَمر الْغَزْو فِي ثَلَاث سِنِين ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج الْمضَارب والمباني لوادي تانسيفت فَخرجت الْأَحْمَال والأثقال من مراكش فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَنزلت العساكر وَضربت أبنيتها خيلا ورجلا وجملتها عشرُون ألفا وَمَعَهُمْ من المعلمين البحرية والطبجية أَلفَانِ فالمجموع اثْنَان وَعِشْرُونَ ألفا وَعقد الْمَنْصُور على ذَلِك الْجَيْش لمَوْلَاهُ الباشا جؤذر وَشد أزره بِجَمَاعَة من أَعْيَان الدولة فَاخْتَارَ مِنْهُم من يعلم نجدته وَيعرف كِفَايَته وتخير من الْإِبِل كل بازل وكوماء وَمن الْخَيل كل عَتيق وجرداء ثمَّ نهضوا فِي زِيّ عَظِيم وهيئة لم ير مثلهَا وَذَلِكَ فِي محرم فاتح سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكتب الْمَنْصُور إِلَى قَاضِي تنبكتو الْفَقِيه الْعَلامَة أبي حَفْص عمر ابْن الشَّيْخ مَحْمُود ابْن عمراء قيت الصنهاجي يَأْمُرهُ بحض النَّاس على الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة
وَلما نهضوا من تانسيفت جعلُوا طريقهم على ثنية الكلاوي ثمَّ على درعة ودخلوا القفر والفيافي فقطعوها فِي مائَة مرحلة وَلم يضع لَهُم عقال بعير وَلَا نقص مِنْهُم أحد فنزلوا على مَدِينَة تنبكتو ثغر السودَان فأراحوا بهَا أَيَّامًا
(5/121)

ثمَّ صَارُوا قَاصِدين دَار إِسْحَاق سكية وَلما سمع بقدومهم احتشد أُمَم السودَان وقبائلها وقبائل الملثمين المهادنين لَهُم وَخرج من مَدِينَة كاغو يجر الشوك والمدر يُقَال إِنَّه جمع مائَة ألف مقَاتل وَأَرْبَعَة آلَاف مقَاتل
وَقَالَ الفشتالي وَلم يقنع بالجيوش الَّتِي جمع حَتَّى أضَاف إِلَيْهَا أَشْيَاخ السَّحَرَة وَأهل النفث فِي العقد وأرباب العزائم والسيمياء ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك يُغْنِيه شَيْئا وهيهات وَيرْحَم الله أَبَا تَمام إِذْ قَالَ فِيمَا يقرب من هَذَا الْحَال
(السَّيْف أصدق إنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب)
(بيض الصفائح لَا سود الصحائف فِي ... متونهن جلاء الشَّك والريب)
(وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الخميسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب)
(أَيْن الرِّوَايَة بل أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف فِيهَا وَمن كذب)
(تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب)
وَلما تقَارب الْجَمْعَانِ عبأ الباشا جؤذر عساكره وَتقدم للحرب فدارت بهم عَسَاكِر السودَان من كل جِهَة وعقلوا أَرجُلهم مَعَ الْإِبِل وصبروا مَعَ الضُّحَى إِلَى الْعَصْر وَكَانَت سِلَاحهمْ إِنَّمَا هِيَ الحرشان الصغار والرماح وَالسُّيُوف وَلم تكن عِنْدهم هَذِه المدافع فَلم تغن حرشانهم ورماحهم مَعَ البارود شَيْئا وَلما كَانَ آخر النَّهَار هبت ريح النَّصْر وَانْهَزَمَ السودَان فَوَلوا الأدبار وَحقّ عَلَيْهِم الْبَوَار وحكمت فِي رقابهم سيوف جؤذر وجنده حَتَّى كَانَ السودَان ينادون نَحن مُسلمُونَ نَحن إخْوَانكُمْ فِي الدّين وَالسُّيُوف عاملة فيهم وجند جؤذر يقتلُون ويسلبون فِي كل وَجه وفر إِسْحَاق فِي شرذمة من قومه وَلم يدْخل قلعة ملكه وَتقدم جؤذر فَدَخلَهَا واحتوى على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالْمَتَاع وَكَانَ ذَلِك منتصف جُمَادَى الأولى من سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَيُقَال إِن جؤذرا لم يدْخل مَدِينَة كاغو وَإِنَّمَا تحصن بهَا إِسْحَاق فحاصره جؤذر فِيهَا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور بِخَبَر الْفَتْح وَبعث إِلَيْهِ بهدية فِيهَا عشرَة آلَاف مِثْقَال ذَهَبا ومائتان من خِيَار الرَّقِيق وَغير ذَلِك وامتدت العساكر المنصورة فِي بِلَاد آل سكية تعيث وتفسد وَتَسْبِي وتغنم إِلَى أَن راسل إِسْحَاق الباشا جؤذرا فِي تَقْرِير الصُّلْح على مَال معِين يَدْفَعهُ الْآن وضريبة يُؤَدِّيهَا كل سنة
(5/122)

فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك على مشورة الْمَنْصُور وإمضائه إِيَّاه ثمَّ كتب إِلَى الْمَنْصُور بذلك وَكَانَت العساكر قد أصابتها الْحمى ووخامة تِلْكَ الأَرْض فاتفق رَأْي الْأُمَرَاء على الرُّجُوع وَالْإِقَامَة بتنبكتو إِلَى أَن يَأْتِي جَوَاب الْمَنْصُور فَرَجَعُوا وَأخذ جؤذر فِي إنْشَاء الغلائط والسفن وتركيبها وَلما أكملها دَفعهَا فِي النّيل وَلما بلغ الْمَنْصُور خبر الصُّلْح قَامَ وَقعد وَقوم عسكرا خَفِيفا وَبعث بِهِ مَعَ مَمْلُوكه الآخر مَحْمُود باشا وَهُوَ أَخُو جؤذر وقلده أَمر العساكر كلهَا وعزل جؤذرا عَنْهَا وَأمر مَحْمُودًا أَن يبقيه مَعَه وَكتب إِلَى أُمَرَاء الْعَسْكَر يعاتبهم يوبخهم على مَا فَعَلُوهُ مَعَ إِسْحَاق من الصُّلْح ويؤكد عَلَيْهِم فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَاده واتباعه حَيْثُمَا توجه وَلَو عبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَخرج مَحْمُود باشا فِيمَن عين لَهُ من الْعَسْكَر فِي زمَان الْحر فِي وَقت لَا يقدر على الْحَرَكَة فِيهِ إِلَّا القطا الكدري وَقطع القفر فِي خمسين مرحلة أَمر لم يسمع بِمثلِهِ وَنزل بالعساكر على ظَاهر تنبكتو على رَأس سنة الْألف فأراح بهَا ثَلَاثًا ثمَّ شحن الغلائط والسفن والفلك بالرؤساء والملاحين ووجوه الْجند فَسَارُوا فِي النّيل وَسَار السوَاد الْأَعْظَم فِي الْبر إِلَى أَن نزلُوا على مَدِينَة كاغو قَاعِدَة ملك إِسْحَاق سكية وَكَانَ إِسْحَاق لما رجعت عَنهُ العساكر إِلَى تنبكتو احتشد أُمَم السودَان المجاورين لَهُ وتذامروا وأصفقوا مَعَه على الْمَوْت فَلَمَّا بلغه رُجُوع العساكر إِلَى كاغو قصدهم فِي جموعه وَلما التقى الْجَمْعَانِ لم يكن إِلَّا مِقْدَار فوَاق نَاقَة حَتَّى انهزم السودَان من سَماع رعد المدافع والمهاريس وارتفاع القنابل فِي الجو وهدير الطبول وتبعتهم العساكر يقتلُون وَيَأْسِرُونَ إِلَى أَن غشيهم ظلم اللَّيْل وَرَجَعُوا بالغنائم والسبي فاستراحوا ثَلَاثًا ثمَّ أَمر مَحْمُود أَخَاهُ جؤذرا أَن يُقيم بِمَدِينَة كاغو عَامِرًا لَهَا وَيتْرك مَعَه عددا من الْعَسْكَر يكون ردْءًا لَهُم وَسَار هُوَ فِي اتِّبَاع إِسْحَاق إِلَى أَن لحقه بِبَعْض الْجِهَات فأوقع بِهِ وقْعَة شنعاء وفر فِي فل من قومه فَعبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَتَبعهُ مَحْمُود فَعبر النّيل بعساكره فِي السفن وَسَار خَلفه إِلَى أَن لحقه فأوقع بِهِ وقْعَة ثَالِثَة احتوى فِيهَا على مَا مَعَه من المَال والحريم وَدخل إِسْحَاق القفر فَهَلَك فِيهِ ثمَّ كَانَت لمحمود وقْعَة أُخْرَى مَعَ أَخِيه الَّذِي كَانَ ينازعه فِي
(5/123)

الْملك فَإِنَّهُ قَامَ بعد مهلك أَخِيه وَجمع الجموع وزحف إِلَى مَحْمُود باشا فَنَهَضَ إِلَيْهِ مَحْمُود فَهَزَمَهُ وَقَتله فِيمَن مَعَه من جنده وَأَتْبَاعه وتمهدت لَهُ الْبِلَاد وَاسْتولى عَلَيْهَا اسْتِيلَاء كليا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور
وَلما بلغه هَذَا الْفَتْح وَصورته كَانَ عِنْده ذَلِك الْيَوْم عيدا من الأعياد أخرج فِيهِ الصَّدقَات وَأعْتق الرّقاب وَأقَام مهرجانا عَظِيما بِظَاهِر الحضرة خرج لَهُ عَامَّة النَّاس للفرجة والنزهة وزينت الْأَسْوَاق وأخرجت المدافع بالنفط وتسابقت الْخُيُول وَأطْعم الْمَنْصُور النَّاس عدَّة أَيَّام ونظم الشُّعَرَاء قصائدهم وَرفعُوا أمداحهم وَأَجَازَهُمْ بِمَا تحدث النَّاس بِهِ دهرا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح وَصورته نسخ وجهت إِلَى جَمِيع الْآفَاق وَكَانَ مِمَّا قيل فِي ذَلِك من الشّعْر مَا أنْشدهُ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي فَقَالَ
(جَيش الصَّباح على الدجا متدفق ... فبياض ذَا السوَاد ذَلِك يمحق)
(وَكَأَنَّهُ رايات عسكرك الَّتِي ... طلعت على السودَان بيضًا تخفق)
(لاحت وأفقهم لَيَال كُله ... كعمود صبح فِي الدجا يتألق)
(نشرت لتطوي مِنْهُ لَيْلًا دامسا ... أضحى بسيفك ذِي الفقار يمزق)
(أرسلتهن جوائحا وجوارحا ... فِي كل مخلبها غراب ينعق)
(وسرت فَكَانَ دليلهن إِلَيْهِم ... مشحوذ عزمك والسنان الْأَزْرَق)
(لهي اللَّيَالِي قد جلى أحلاكها ... نور النُّبُوَّة من جبينك يشرق)
(صعِقَتْ بِهن رعود نارك صعقة ... رجت لصيحتها الْعرَاق وجلق)
(سحقا لإسحاق الشقي وَحزبه ... فَلَقَد غَدا بِالسَّيْفِ وَهُوَ مطوق)
(رام النجَاة وَكَيف ذَاك وَخَلفه ... من جَيش جؤذرك الغضنفر فيلق)
(جَيش أواخره ببابك سيله ... عرم وأوله بكاغو محدق)
(لم يشعروا إِلَّا وأسوار الردى ... ضربت عَلَيْهِم من قناك وَخَنْدَق)
(كتب الْإِلَه على عداتك أَنهم ... قنص لسهمك غربوا أَو شرقوا)
(ضلت مُلُوك ساجلوك على الْعلَا ... سفها وشأوك فِي الْعلَا لَا يلْحق)
(أَن يشبهوك وَلَا شَبيه يرى لكم ... فِي الْخلق أَيْن من اللجين الزئبق)
(بشر مُلُوك الأَرْض أَنَّك فاتح ... بالمشرفي على الولا مَا غلقوا)
(5/124)

(وبقاصل لَك ذِي الفقار مفرق ... مَا جَمَعُوهُ وجامع مَا فرقوا)
(دَامَت طيور السعد وَهِي غوارد ... بالمشتهى لَك والمسرة تنطق)
(مَا دَامَ أصل علاك فِي صحف الثنا ... أصل الفخار وكل غَيْرك مُلْحق)
والمشتهى والمسرة بستانان للمنصور ورى بهما هَذَا الشَّاعِر وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا وَكَانَ مَحْمُود باشا لما استوسق لَهُ الْأَمر هُنَالك بعث بِنصْف جَيْشه إِلَى الْمَنْصُور مَعَ هَدِيَّة عَظِيم فِيهَا من الذَّخَائِر مَا لَا يُحْصى من ذَلِك ألف ومائتان من متخير الرَّقِيق الْجَوَارِي والغلمان وَأَرْبَعُونَ حملا من التبر وَأَرْبَعَة سروج ذَهَبا خَالِصا وأحمال كَثِيرَة من اليانبور وقطوط الغالية وَغير ذَلِك وَلما وافت الْمَنْصُور سر بذلك سُرُورًا عَظِيما وَأمر بِعَمَل المفرحات فِي بِلَاد الْمغرب وبتزيين الْأَسْوَاق غدْوَة وَعَشِيَّة ثَلَاثَة أَيَّام ووفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من كل نَاحيَة مهنئين لَهُ بِمَا منحه الله من الظفر والنصر وانتظمت الممالك السودانية فِي سلك طَاعَته مَا بَين الْبَحْر الْمُحِيط من أقْصَى الْمغرب إِلَى بِلَاد برنو المتاخمة لبلاد النّوبَة المتاخمة لصعيد مصر قَالَ الفشتالي فكلمة الْمَنْصُور نافدة فِيمَا بَين بِلَاد النّوبَة إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط من نَاحيَة الْمغرب وَهَذَا ملك ضخم وسلطان فخم لم يكن لمن قبله وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَلما فتح الله عَلَيْهِ ممالك الْبِلَاد السودانية حمل إِلَيْهِ من التبر مَا يعيى الحاسبين ويحير الناظرين حَتَّى كَانَ الْمَنْصُور لَا يُعْطي فِي الرَّوَاتِب إِلَّا النضار الصافي وَالدِّينَار الوافي وَكَانَ بِبَابِهِ كل يَوْم أَربع عشرَة مائَة مطرقة لضرب الدِّينَار الوافي دون مَا هُوَ معد لغير ذَلِك من صوغ الأقراط والحلى وَشبه ذَلِك وَلأَجل هَذَا لقب بالذهبي لفيضان الذَّهَب فِي أَيَّامه والأمور كلهَا بيد الله
(5/125)

وَفَاة أم الْمَنْصُور الْحرَّة مسعودة الوزكيتية رَحمهَا الله

كَانَت الْحرَّة مسعودة هَذِه من الْخيرَات الصَّالِحَات وَتقدم بعض مآثرها من بِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِبَاب دكالة وَغَيره وَكَانَت وفاتها سحر يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم فاتح سنة ألف وَمن المستفيض أَنَّهَا ريئت بعد مَوتهَا فَسُئِلت مَا فعل الله بهَا فَقَالَت غفر لي بِسَبَب أَنِّي كنت ذَات يَوْم جالسة لقَضَاء الْحَاجة فَسمِعت الْمُؤَذّن شرع فِي الآذان فَرددت على ثِيَابِي إعظاما لذكر الله تَعَالَى حَتَّى فرغ الْمُؤَذّن من آذانه فَشكر الله لي ذَلِك فغفر لي
وَفِي سنة إِحْدَى وَألف أُتِي بالفيلة من بِلَاد السودَان إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يَوْم دُخُولهَا لمراكش يَوْمًا مشهودا برز لرؤيتها كل من بِالْمَدِينَةِ من رجال وَنسَاء وشيوخ وصبيان ثمَّ حملت إِلَى فاس فِي رَمَضَان سنة سبع وَألف قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ دُخُول الْفِيل إِلَى فاس يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشر رَمَضَان سنة سبع وَألف وَبعث الْمَنْصُور مَعَ الْفِيل إِلَى وَلَده الْمَأْمُون بهدية سنية فِيهَا تحف وأموال عريضة وَخرج أهل فاس فِي ذَلِك الْيَوْم للقاء الْفِيل بِنَحْوِ مائَة ألف نفس
قَالَ بَعضهم وبسبب دُخُول هَذِه الفيلة إِلَى الْمغرب ظَهرت هَذِه العشبة الخبيثة الْمُسَمَّاة بتابغ لِأَن أهل السودَان الَّذين قدمُوا بالفيلة يسوسونها قدمُوا بهَا مَعَهم يشربونها ويزعمون أَن فِيهَا مَنَافِع فشاعت مِنْهُم فِي بِلَاد درعة ومراكش وَغَيرهمَا من بقاع الْمغرب وتعارضت فِيهَا فَتَاوَى الْعلمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم فَمن قَائِل بِالتَّحْرِيمِ وَمن قَائِل بالتحليل ومتوقف وَالْعلم فِيهَا عِنْد الله سُبْحَانَهُ قَالَ اليفرني
قلت من تَأمل أدنى تَأمل فِي قَوَاعِد الشَّرِيعَة وآدابها علم يَقِينا أَن تنَاول هَذِه العشبة حرَام لِأَنَّهَا من الْخَبَائِث الَّتِي حرمهَا الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة المطهرة وَبِذَلِك وصفهَا فِي الْكتب السالفة إِذْ قَالَ تَعَالَى {الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث}
(5/126)

وَبسط هَذَا الْمقَام إِن تعلم أَن الله تَعَالَى اخْتَار هَذِه الْأمة من بَين سَائِر الْأُمَم قَالَ تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَاخْتَارَ لَهَا من الطَّاعَات وأنواع الْعِبَادَات مَا هُوَ أفضلهَا قَالَ تَعَالَى {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} وَأفضل تِلْكَ الْعِبَادَات كلهَا الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من الدّين بِمَنْزِلَة الرَّأْس من سَائِر الْجَسَد ثمَّ إِذا أمعنت النّظر رَأَيْت الشَّارِع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد بَالغ فِي الِاحْتِيَاط لهَذِهِ الْعِبَادَة الشَّرِيفَة والاستعداد لَهَا بِاسْتِعْمَال كل طيب أمكن وَاجْتنَاب كل خَبِيث أمكن فشرع أَولا الطَّهَارَة الْكُبْرَى الشاملة لسَائِر الْبدن وحظر من مقاربة الصَّلَاة وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا حَال الْخُلُو عَنْهَا ثمَّ شرع ثَانِيًا الطَّهَارَة الصُّغْرَى الْمُتَعَلّقَة بأطراف الْبدن زِيَادَة فِي الاعتناء بهَا لِأَنَّهَا تبرز فِي غَالب الْأَحْوَال فيعلق بهَا من الأقذار مَا لَا يعلق بغَيْرهَا وألزم الْمُكَلف اسْتِعْمَال هَذِه الطَّهَارَة عِنْد عرُوض كل حدث مستقذر حَتَّى الرّيح وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى خُرُوجه ثمَّ نَدبه إِلَى اسْتِعْمَالهَا عِنْد الْقيام إِلَى كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس
ثمَّ إِنَّا إِذا تأملنا أَفعَال هَذِه الطَّهَارَة وجدناها تشْتَمل على مبالغات كَثِيرَة تستدعي غَايَة النَّظَافَة وتنفي كل قذر وَإِن قل فشرع الْغسْل فِي أَعْضَاء الْوضُوء مكررا وَشرع مسح شعر الرَّأْس بِالْمَاءِ دفعا لما يعلق بِهِ من الْغُبَار وَشرع تتبع مسام الْوَجْه بِالْغسْلِ والتنظيم كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق ثَلَاثًا تطييبا للنكهة وَشرع مسح الْأُذُنَيْنِ من ظاهرهما وباطنهما حَتَّى الصماخين إِزَالَة لما بداخلهما من تِلْكَ الفضلة مَعَ أَن الْحَيّ ودمعه وعرقه ولعابه ومخاطه كلهَا طَاهِرَة أَو لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل وَاضح على أَن الْحِكْمَة فِي هَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ الْمُبَالغَة فِي النَّظَافَة وتطييب الرَّائِحَة والنكهة إِذْ بذلك يسْتَحق العَبْد أَن يتلبس بِالْعبَادَة وَيدخل حَضْرَة الرب وَشرط للدخول فِيهَا طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان من سَائِر المستقذرات حَتَّى يكون على أكمل الْحَالَات بَعيدا عَن القذر بِكُل وَجه ثمَّ لم يكتف الشَّارِع بِهَذَا حَتَّى شرع السِّوَاك عِنْد الْقيام إِلَى كل صَلَاة وَقَالَ (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) كل ذَلِك الْمَقْصُود مِنْهُ طيب النكهة فَانْظُر وَتَأمل اعتناء الشَّارِع بتطييب رَائِحَة
(5/127)

فَم الْمُؤمن ونكهته حَتَّى فِي حق الصَّائِم الَّذِي (خلوف فَمه أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) هَذَا كُله فِي حَال الصَّلَاة
وَأما خَارِجهَا فقد علم من الشَّرْع علما ضَرُورِيًّا أَن العَبْد مَطْلُوب بالمحافظة على هَذِه الْحَال والبقاء عَلَيْهَا سَائِر أوقاته مَتى قدر على ذَلِك وتيسر لَهُ وَمن هَذَا الْمَعْنى مَا حرم الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة من تنَاول المستقذرات كالميتة وَالدَّم وَسَائِر النَّجَاسَات إِذْ عِلّة حُرْمَة الْأَشْيَاء وتناولها إِمَّا كَونهَا مستقذرة كالنجاسات إِجْمَاعًا وكالحشرات وَمَا تعافه النُّفُوس على مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَو مضرَّة كالسم والطين وَنَحْوهمَا مِمَّا يضر بِالْبدنِ أَو بِبَعْض الْأَعْضَاء مِنْهُ أَو مُحْتَرمَة إِمَّا لذاتها كالأدمي أَو لكَونهَا ملكا للْغَيْر وَهُوَ ظَاهر فالشارع لَهُ غَرَض أكيد فِي اجتلاب الطَّيِّبَات وَاجْتنَاب مَا يضادها من المستخبثات وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانُوا يعْملُونَ فِي حوائطهم فَإِذا حضرت الْجُمُعَة أَتَوا إِلَى الْمَسْجِد وأبدانهم سهكة فَأَمرهمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالاغتسال عِنْد كل جُمُعَة ثمَّ منع كل من تلبس برائحة كريهة كالثوم والبصل والكراث من حُضُورهَا وحبب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من دُنْيَانَا النِّسَاء وَالطّيب وَندب أمته إِلَى اسْتِعْمَاله فِي الْمشَاهد الْعَامَّة مثل الْجمع والأعياد وَنَحْوهَا وخصال الْفطْرَة إِنَّمَا شرعت لهَذَا الْمَعْنى فَفِيهَا كِفَايَة لمن تأملها قَوَّال صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إزرة الْمُؤمن إِلَى أَنْصَاف سَاقيه) دفعا للسرف وَالْخُيَلَاء وَلِئَلَّا يعلق بِهِ شَيْء من النَّجَاسَات والأقذار إِلَى غير هَذَا مِمَّا لَو استقصي لطال وَدلّ دلَالَة قَطْعِيَّة على أَن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يكون نظيفا طيب الرَّائِحَة حسن البزة طَاهِر الْبدن وَالثَّوْب مجانبا لكل خَبِيث مستقذر وَهَذِه حَالَة أهل الْجنَّة وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ وَأَنت لَا تَجِد أَخبث وَلَا أقذر من رَائِحَة أَفْوَاه شربة الدُّخان وَلَا أنتن وَلَا أعفن من نكهات المستفين لغبار تابغ وَهَذَا النتن من أقبح الْعُيُوب فِي نظر الشَّرْع حَتَّى أَنه جعل الْخِيَار لأحد الزَّوْجَيْنِ إِذا كَانَ صَاحبه أبخر فَإِذا لَا نشك أَن اسْتِعْمَال هَذِه العشبة الخبيثة فِي الْفَم أَو الْأنف من أعظم الْمَحْظُورَات لِأَنَّهَا تصدم غَرضا كَبِيرا من أغراض الشَّارِع وتضاده وتنفيه
(5/128)

وَأَقُول لَو كَانَ نتنها يعلق بعضو من الْأَعْضَاء غير الْوَجْه لَكَانَ هَين لكنه يعلق بالفم وَالْأنف اللَّذين وضعهما الْحَكِيم الْعلي فِي وسط الْوَجْه الَّذِي هُوَ أشرف الْأَعْضَاء فَأَي مضمضة وَأي استنشاق وَأي سواك يزِيل ذَلِك النتن الَّذِي يرسخ فِي أنفاس أَهلهَا وأفواههم وخياشيمهم رسوخا لَا يماثله شَيْء
وَلَقَد أفْصح الْعَامَّة عَن شدَّة نَتن هَذِه العشبة وصادفوا الصَّوَاب حَيْثُ قَالُوا إِن فضلَة الدُّخان الْمُسَمَّاة بالقير تنجس النَّجَاسَة هَذَا إِلَى مَا يتبع ذَلِك من الْمَفَاسِد المتعددة من تَغْيِير عقل متعاطيها حَتَّى أَنه إِذا انْقَطَعت عَنهُ صَار كَالْمَجْنُونِ لَا يُبَالِي بِمَا يصدر مِنْهُ وَمن دُخُول الشَّك فِي صِيَامه لِأَن بقايا ذَلِك الدُّخان أَو ذَلِك الْغُبَار قد يمْكث فِي حلقه إِلَى طُلُوع الْفجْر وَمَا بعده لِأَن جلهم إِذا قرب الْفجْر والوا اسْتِعْمَاله حَتَّى يكون هُوَ خَاتِمَة سحورهم وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يسْتَعْمل ذَلِك إِلَّا من لَا خلاق لَهُ وَلَا يكترث بمروءه وَلَا دين وَهُوَ قَادِح فِي الشَّهَادَة والإمامة وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
نكبة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني وعشيرته من آل آقيت وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ بَنو آقيت التكروريون من أهل مَدِينَة تنبكتو وَمِمَّنْ لَهُم الوجاهة الْكَبِيرَة والرياسة الشهيرة بِبِلَاد السودَان دينا وَدُنْيا بِحَيْثُ تعدّدت فيهم الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وتوارثوا رياسة الْعلم مُدَّة طَوِيلَة تقرب من مِائَتي سنة وَكَانُوا من أهل الْيَسَار والسؤدد وَالدّين لَا يبالون بالسلطان فَمن دونه وَلما فتح جَيش الْمَنْصُور بِلَاد السودَان أبقاهم الباشا مَحْمُود على حَالهم إِلَى أَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَألف فَكَانَ أهل السودَان قد سئموا ملكة المغاربة وآنسوا مِنْهُم خلاف مَا كَانُوا يعهدونه من سلطانهم الأول وَكَانَت أذنهم مَعَ ذَلِك صاغية لآل آقيت فتخوف الْمَنْصُور مِنْهُم وَرُبمَا وشي إِلَيْهِ بهم فَكتب إِلَى عَامله مَحْمُود بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم وتغريبهم إِلَى مراكش فَقبض على جمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم كَانَ فِيهَا الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد ثَلَاثَة أحامد ابْن
(5/129)

عمر بن مُحَمَّد آقيت الْمَدْعُو بَابا صَاحب تَكْمِيل الديباج وَغَيره من التآليف وَكَانَ فِيهَا أَيْضا الْفَقِيه القَاضِي أَبُو حَفْص عمر بن مَحْمُود بن عمر ابْن مُحَمَّد آقيت وَغَيرهمَا وحملوا مصفدين فِي الْحَدِيد إِلَى مراكش وَمَعَهُمْ حريمهم وانتهبت ذخائرهم وكتبهم
قَالَ فِي بذل المناصحة سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بَابا يَقُول أَنا أقل عشيرتي كتبا وَقد نهب لي سِتّ عشرَة مائَة مُجَلد وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِم فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَألف ووصلوا إِلَى مراكش فِي أول رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة واستقروا مَعَ عِيَالهمْ فِي حكم الثقاف إِلَى أَن انصرم أمد المحنة فسرحوا يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة أَربع وَألف فَفَرِحت قُلُوب الْمُؤمنِينَ بذلك
وَلما دخل الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس على الْمَنْصُور بعد تسريحه من السجْن وجده يكلم النَّاس من وَرَاء حجاب وَبَينه وَبينهمْ كلة مسدولة على طَريقَة خلفاء بني الْعَبَّاس وَمن يتشبه بهم فَقَالَ الشَّيْخ إِن الله تَعَالَى يَقُول {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب} وَأَنت قد تشبهت بِرَبّ الأرباب فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فِي الْكَلَام فَانْزِل إِلَيْنَا وارفع عَنَّا الْحجاب فَنزل الْمَنْصُور وَرفعت الأستار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَي حَاجَة لَك فِي نهب متاعي وتضييع كتبي وتصفيدي من تنبكتو إِلَى هُنَا حَتَّى سَقَطت عَن ظهر الْجمل واندقت ساقي فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور أردنَا أَن تَجْتَمِع الْكَلِمَة وَأَنْتُم فِي بِلَادكُمْ من أعيانها فَإِن أذعنتم أذعن غَيْركُمْ فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس فَهَلا جمعت الْكَلِمَة بترك تلمسان فَإِنَّهُم أقرب إِلَيْك منا فَقَالَ الْمَنْصُور قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم فامتثلنا الحَدِيث فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ذَاك زمَان وَبعده قَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتركوا التّرْك وَإِن تركوكم فَسكت الْمَنْصُور وانفض الْمجْلس
وَلما سرح الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس تصدر لنشر الْعلم وأهرع النَّاس إِلَيْهِ للأخذ عَنهُ وَلم يزل بمراكش إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور لِأَنَّهُ مَا سرحهم حَتَّى شَرط عَلَيْهِم السُّكْنَى بمراكش وَلما توفّي أذن ابْنه زَيْدَانَ لآل آقيت فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ بعد أَن مَاتَ جمَاعَة مِنْهُم بمراكش وَقد كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس يتشوق إِلَى
(5/130)

رُؤْيَة بلدته ويسكب العبرات عِنْد ذكرهَا وَلم ييأس من روح الله فِي الْعود إِلَيْهَا وَله فِي ذَلِك شعر على طَريقَة الْفُقَهَاء وَلما خرج من مراكش قَاصِدا بَلَده شيعه أَعْيَان طلبتها فَأخذ بَعضهم بِيَدِهِ عِنْد الْوَدَاع وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى {إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد} على مَا جرت بِهِ الْعَادة من قرَاءَتهَا عِنْد وداع الْمُسَافِر فَيرجع سالما فَانْتزع الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس يَده بِسُرْعَة وَقَالَ لَا ردني الله إِلَى هَذَا الْمعَاد وَلَا رجعني إِلَى هَذِه الْبِلَاد ثمَّ لحق بتنبكتو فاستقر بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله
تَتِمَّة
قد تبين لَك بِمَا قصصناه عَلَيْك من أَخْبَار السودَان مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل تِلْكَ الْبِلَاد من الْأَخْذ بدين الْإِسْلَام من لدن قديم وَأَنَّهُمْ من أحسن الْأُمَم إسلاما وأقومهم دينا وَأَكْثَرهم للْعلم وَأَهله تحصيلا ومحبة وَهَذَا الْأَمر شَائِع فِي جلّ ممالكهم الموالية للمغرب كَمَا علمت وَبِهَذَا يظْهر لَك شناعة مَا عَمت بِهِ الْبلوى بِبِلَاد الْمغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودَان مُطلقًا وجلب القطائع الْكَثِيرَة مِنْهُم فِي كل سنة وبيعهم فِي أسواق الْمغرب حَاضِرَة وبادية يسمسرون بهَا كَمَا تسمسر الدَّوَابّ بل أفحش قد تمالأ النَّاس على ذَلِك وتوالت عَلَيْهِ أجيالهم حَتَّى صَار كثير من الْعَامَّة يفهمون أَن مُوجب الاسترقاق شرعا هُوَ اسوداد اللَّوْن وَكَونه مجلوبا من تِلْكَ النَّاحِيَة وَهَذَا لعمر الله من أفحش المناكر وَأَعْظَمهَا فِي الدّين إِذْ أهل السودَان قوم مُسلمُونَ فَلهم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا وَلَو فَرضنَا أَن فيهم من هُوَ مُشْرك أَو متدين بدين آخر غير الْإِسْلَام فالغالب عَلَيْهِم الْيَوْم وَقبل الْيَوْم بِكَثِير إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَام وَالْحكم للْغَالِب وَلَو فَرضنَا أَن لَا غَالب وَإِنَّمَا الْكفْر وَالْإِسْلَام هُنَالك متساويان فَمن لنا بِأَن المجلوب مِنْهُم هُوَ من صنف الْكفَّار لَا الْمُسلمين وَالْأَصْل فِي نوع الْإِنْسَان هُوَ الْحُرِّيَّة والخلو عَن مُوجب الاسترقاق ومدعي خلاف الْحُرِّيَّة مُدع لخلاف الأَصْل وَلَا ثِقَة بِخَبَر الجالبين لَهُم والبائعين لَهُم لما تقرر وَعلم فِي الباعة مُطلقًا من الْكَذِب عِنْد بيع سلعهم وإطرائها بِمَا لَيْسَ فِيهَا وَفِي باعة
(5/131)

الرَّقِيق خُصُوصا مِمَّا هُوَ أَكثر من ذَلِك كَيفَ وَنحن نرى أَن الَّذين يجلبونهم أَو يتجرون فيهم إِنَّمَا هم من لَا خلاق لَهُم وَلَا مُرُوءَة وَلَا دين وَالزَّمَان كَمَا علمت وَأَهله كَمَا ترى وَلَا يعْتَمد أَيْضا على قَول ذَلِك العَبْد نَفسه أَو الْأمة نَفسهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ الْفُقَهَاء لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض وَالْأَحْوَال فِي ذَلِك فَإِن البَائِع لَهُم قد يَضْرِبهُمْ حَتَّى لَا يقرونَ إِلَّا بِمَا لَا يقْدَح فِي صِحَة بيعهم وَقد يكون للْعَبد أَو الْأمة غَرَض فِي الْخُرُوج من ملك من هُوَ بِيَدِهِ بِأَيّ وَجه كَانَ فيهون عَلَيْهِ أَن يقر على نَفسه بالرقية كي ينفذ بَيْعه عَاجلا إِلَى غير ذَلِك من الْأَغْرَاض وَقد استفاض عَن أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن أهل السودَان الْيَوْم وَقبل الْيَوْم يُغير بَعضهم على بعض ويختطف بَعضهم أَبنَاء بعض ويسرقونهم من الْأَمَاكِن النائية عَن مداشرهم وعمرانهم وَإِن فعلهم ذَلِك كَفعل أَعْرَاب الْمغرب فِي إغارة بَعضهم على بعض واختطاف دوابهم ومواشيهم أَو سرقتها وَالْكل مُسلمُونَ وَإِنَّمَا الْحَامِل لَهُم على ذَلِك قلَّة الدّيانَة وَعدم الْوَازِع فَكيف يسوغ للمحتاط لدينِهِ أَن يقدم على شِرَاء مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَكَيف يجوز لَهُ التَّسَرِّي بإناثهم وَفِي ذَلِك مَا فِيهِ من الْإِقْدَام على فرج مَشْكُوك
وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ فِي كتاب الْحَلَال وَالْحرَام من إحْيَاء عُلُوم الدّين مَا نَصه اعْلَم أَن كل من قدم إِلَيْك طَعَاما أَو هَدِيَّة أَو أردْت أَن تشتري مِنْهُ أَو تتهب فَلَيْسَ لَك أَن تفتش عَنهُ وتسأل وَتقول هَذَا مِمَّا لَا أتحقق حلّه فَلَا آخذه بل أفتش عَنهُ وَلَيْسَ لَك أَيْضا أَن تتْرك الْبَحْث فتأخذ كل مَا لَا تتيقن تَحْرِيمه بالسؤال وَاجِب مرّة وَحرَام مرّة ومندوب مرّة ومكروه مرّة فَلَا بُد من تَفْصِيله وَالْقَوْل الشافي فِيهِ هُوَ أَن مَظَنَّة السُّؤَال مواقع الرِّيبَة ثمَّ أَطَالَ رَضِي الله عَنهُ فِي تَقْرِير ذَلِك وَصرح بِأَن البَائِع إِذا كَانَ مُتَّهمًا على ترويج سلْعَته لَا يعْتَمد على قَوْله فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْأَمْوَال فَكيف باسترقاق الرّقاب وَملك الأبضاع الَّذين للشارع بهما مزِيد اعتناء كَمَا هُوَ مَعْلُوم من الشَّرْع وأصوله
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بَابا فِي تَقْيِيده الْمَوْضُوع فِي هَذِه
(5/132)

الْمَسْأَلَة الْمُسَمّى بمعراج الصعُود تَفْصِيلًا ختم بِهِ كَلَامه وَذكر قبائل من كفار السودَان مثل موشى وَبَعض فلَان وَغَيرهم وَقَالَ إِن كل من كَانَ من هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل فَيجوز استرقاقه وَكَذَلِكَ ذكر ولي الدّين ابْن خلدون إِن وَرَاء النّيل قوما من السودَان يُقَال لَهُم لملم قَالَ وهم كفار ويكتوون فِي وُجُوههم وأصداغهم قَالَ وَأهل غانة والتكرور يغيرون عَلَيْهِم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إِلَى الْمغرب وهم عَامَّة رقيقهم وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ فِي الْجنُوب عمرَان يعْتَبر إِلَى آخر كَلَامه لَكِن هَذَا التَّفْصِيل الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس إِنَّمَا ينفع أهل تِلْكَ الْبِلَاد المجاورين لَهُم والمطلعين على المجلوب مِنْهُم وَمن غَيرهم فَأَما أهل الْمغرب الَّذين هم من وَرَاء وَرَاء وَبينهمْ وَبَين أَرض السودَان مهامه فيح وقفار لَا يعمرها إِلَّا الرّيح فَمن الَّذِي يُحَقّق لَهُم ذَلِك وَقد قُلْنَا إِنَّه لَا يجوز الِاعْتِمَاد على قَول الجالبين لَهُم وَأَيْضًا فَمن لنا بِأَن أُولَئِكَ الْقَبَائِل لَا زَالُوا على كفرهم إِلَى الْآن على أَن النَّاس الْيَوْم لَا يلتفتون إِلَى ذَلِك أصلا وَمهما رأى أحدهم العَبْد أَو الْأمة يسمسر فِي السُّوق إِلَّا وَيقدم على شِرَائِهِ غافلا عَن هَذَا كُله لَا يسْأَل إِلَّا عَن عُيُوب بدنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين أسود أَو أَبيض وَغَيرهمَا بل صَار الفسقة الْيَوْم وَأهل الجراءة على الله يختطفون أَوْلَاد الْأَحْرَار من قبائل الْمغرب وقراه وأمصاره ويبيعونهم فِي الْأَسْوَاق جهارا من غير نَكِير وَلَا امتعاض للدّين وَصَارَ النَّصَارَى وَالْيَهُود يشترونهم ويسترقونهم بمرأى منا ومسمع وَذَلِكَ عُقُوبَة من الله لنا لَو اعْتبرنَا فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على مَا دهينا بِهِ فِي ديننَا
فَالْحَاصِل أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي النَّاس هُوَ الْحُرِّيَّة كَمَا قُلْنَا وَعلم تواترا أَن أهل بِلَاد السودَان الموالية لنا جلهم أَو كلهم مُسلمُونَ واستفاض عَن أهل الْعدْل وَغَيرهم أَنهم يُغير بَعضهم على بعض ويختطف بَعضهم أَبنَاء بعض ويبيعونهم ظلما وعدوانا ورأينا بِالْمُشَاهَدَةِ أَن الجالبين لَهُم والمتجرين فيهم إِنَّمَا هم من لَا خلاق لَهُم وَلَا دين لَهُم لم يبْق لنا توقف فِي أَن الْإِقْدَام على شِرَاء هَذَا الصِّنْف مَحْظُور فِي الشَّرْع والمقدم عَلَيْهِ مخاطر فِي دينه وَأما
(5/133)

وضع يَد الجالبين لَهُم عَلَيْهِم فَلَا تَكْفِي شرعا فِي جَوَاز الْإِقْدَام على شرائهم مِنْهُم لضعف هَذِه الْعَلامَة بِمَا أحتف بهَا من الْقَرَائِن المكذبة لَهَا وليستفت الْمَرْء قلبه فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استفت قَلْبك وَإِن أفتوك فَإِنَّهُ مَتى رَجَعَ إِلَى قلبه فِي هَذِه المعضلة إِلَّا وَلَا يقدر أَن يحوم حول هَذَا الْحمى بِحَال ثمَّ تنزل عَن هَذَا كُله ونقول لَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا الشُّبْهَة القوية وَفَسَاد الزَّمَان ورقة ديانَة أَهله لَكَانَ فِي هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة مَعَ مُلَاحظَة سد الذريعة الَّذِي هُوَ أحد أصُول الشَّرِيعَة لَا سِيمَا عِنْد الإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ مَا يَقْتَضِي وجوب التخلي عَن مُلَابسَة هَذِه الْمفْسدَة المزرية بِالْعرضِ وَالدّين فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يوفق من ولاه أَمر الْعباد لحسم مَادَّة هَذِه الْفساد فَإِن سَبَب الاسترقاق الشَّرْعِيّ الَّذِي كَانَ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالسَّلَف الصَّالح مَفْقُود الْيَوْم وَهُوَ السَّبي النَّاشِئ عَن الْجِهَاد الْمَقْصُود بِهِ إعلاء كلمة الله تَعَالَى وسوق النَّاس إِلَى دينه الَّذِي اصطفاه لِعِبَادِهِ هَذَا هُوَ ديننَا الَّذِي شَرعه لنا نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخلافه خلاف الدّين وَغَيره غير الْمَشْرُوع والتوفيق إِنَّمَا هُوَ بيد الله {رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}
بِنَاء قصر البديع بِحَضْرَة مراكش مرسها الله

قَالَ فِي مناهل الصَّفَا كَانَ السَّبَب الْحَامِل للمنصور على بِنَاء البديع وإنفاقه فِيهِ جلائل الْأَمْوَال ونفائس الذَّخَائِر هُوَ أَنه أَرَادَ أَن تكون لأهل الْبَيْت بِهِ مأثرة وشفوف على دولة البرابر من المرابطين والموحدين وَمن بعدهمْ فَإِن كلا من أهل تِلْكَ الدول أبقى بِنَاء يحيا بِهِ ذكره وَلم يكن لأهل الْبَيْت فِي ذَلِك الْمَعْنى شَيْء تزداد بِهِ حظوتهم مَعَ أَنهم أَحَق النَّاس بالمجد والسؤدد الأثيل فتصدى لبنائه بِقصد تشريف أهل الْبَيْت لِأَن الْبناء كَمَا قيل
(همم الْمُلُوك إِذا أَرَادوا ذكرهَا ... من بعدهمْ فبألسن الْبُنيان)
(إِن الْبناء إِذا تعاظم شَأْنه ... أضحى يدل على عَظِيم الشَّأْن)
قلت هَذَا اعتذار بَارِد كَمَا لَا يخفى
(5/134)

وَلما أَرَادَ الْمَنْصُور أَن يشرع فِيهِ أحضر أهل الْعلم وَمن يتسم بالصلاح فتحينوا أَوَان الِابْتِدَاء وَوقت الشُّرُوع فِيهِ فَكَانَ ابْتِدَاء الشُّرُوع فِي تأسيسه فِي شَوَّال خَامِس الْأَشْهر من خِلَافَته سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة واتصل الْعَمَل فِيهِ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَلم يَتَخَلَّل ذَلِك فَتْرَة وحشد لَهُ الصناع حَتَّى من بِلَاد الإفرنجية فَكَانَ يجْتَمع كل يَوْم فِيهِ من أَرْبَاب الصَّنَائِع ومهرة الْحُكَمَاء خلق عَظِيم حَتَّى كَانَ بِبَابِهِ سوق عَظِيم يَقْصِدهُ التُّجَّار ببضائعهم ونفائس أعلاقهم وجلب لَهُ الرخام من بِلَاد الرّوم فَكَانَ يَشْتَرِيهِ مِنْهُم بالسكر وزنا بِوَزْن على مَا قيل
وَكَانَ الْمَنْصُور قد اتخذ معاصر السكر بِبِلَاد حاحة وشوشاوة وَغَيرهمَا حَسْبَمَا ذكره الفشتالي رَحمَه الله فِي المناهل
وَأما جبصه وجيره وَبَاقِي أنقاضه فَإِنَّهَا جمعت من كل جِهَة وحملت من كل نَاحيَة حَتَّى أَنه وجدت بطاقة فِيهَا أَن فلَانا دفع صَاعا من جير حمله من تنبكتو وظف عَلَيْهِ فِي غمار النَّاس
وَكَانَ الْمَنْصُور مَعَ ذَلِك يحسن إِلَى الأجراء غَايَة الْإِحْسَان ويجزل صلَة العارفين بِالْبِنَاءِ ويوسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء وَيقوم بمؤن أَوْلَادهم كي لَا تتشوف نُفُوسهم وتتشعب أفكارهم
وَهَذَا البديع دَار مربعة الشكل وَفِي كل جِهَة مِنْهَا قبَّة رائقة الْهَيْئَة وأحتف بهَا مصانع أخر من قباب وقصور ودور فَعظم بذلك بِنَاؤُه وطالت مسافته وَلَا شكّ أَن هَذَا البديع من أحسن المباني وأعجب المصانع يقصر عَنهُ شعب بوان وينسى ذكر غمدان ويبخس الزهراء والزاهره ويزري بقباب الشَّام وأهرام الْقَاهِرَة وَفِيه من الرخام المجزع والمرمر الْأَبْيَض وَالْأسود مَا يحير الْفِكر ويدهش النّظر وكل رخامة طلي رَأسهَا بِالذَّهَب الذائب وموه بالنضار الصافي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي الْبشرَة وَجعل فِي أَضْعَاف ذَلِك الزليج المتنوع التلوين حَتَّى كَأَنَّهُ خمائل الزهر أَو برد موشى من عمل صنعاء وتستر وَأما سقوفه فتجسم فِيهَا الذَّهَب وطليت الجدرات بِهِ مَعَ بديع النقش ورائق الرقم بخالص الجبص فتكاملت فِيهِ المحاسن وأجرى بَين قبابه
(5/135)

مَاء غير آسن وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هَذَا البديع كَانَ من المباني المتناهية الْبَهَاء وَالْإِشْرَاق المباهية لزوراء الْعرَاق وَمن المصانع الَّتِي هِيَ جنَّة الدُّنْيَا وفتنة الْمحيا ومنتهى الْوَصْف وموقف السرُور والقصف
(كل قصر بعد البديع يذم ... فِيهِ طَابَ المجنى وطاب المشم)
(منظر رائق وَمَاء نمير ... وثرى عاطر وقصم أَشمّ)
(إِن مراكشا بِهِ قد تباهت ... مفخرا فَهِيَ للعلا الدَّهْر تسمو)
وَبِه من الْأَشْعَار المرقومة فِي الأستار والأبيات المنقوشة فِي الْجِهَات على الْخشب والزليج والجبص مَا يسر النَّاظر ويروق المتأمل ويبهر الْعُقُول وعَلى كل قبَّة مَا يُنَاسِبهَا وَفِي بعض القباب مفاخرة على لسانها لمقابلتها وتتبع ذَلِك يطول لَكِن لَا بَأْس أَن نلم هُنَا بثمالة من ذَلِك الْحَوْض ونخوض فِي بحار تِلْكَ الْبَدَائِع بعض الْخَوْض إِذْ فِي ذَلِك عِبْرَة لمن اعْتبر وترويح للقلوب بكيفية فعل الدَّهْر بِمن غبر فَمن ذَلِك مَا نقش خَارج الْقبَّة الخمسينية لِأَن فِيهَا خمسين ذِرَاعا بِالْعَمَلِ من إنْشَاء الْكَاتِب البليغ أبي فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي على لِسَان الْقبَّة الْمَذْكُورَة
(سموت فَخر الْبَدْر دوني وانحطا ... وَأصْبح قرص الشَّمْس فِي أُذُنِي قرطا)
(وصغت من الإكليل تاجا لمفرقي ... ونيطت بِي الجوزاء فِي عنقِي سمطا)
(ولاحت بأطواقي الثريا كَأَنَّهَا ... نثير جمان قد تتبعته لقطا)
(وعديت عَن زهر النُّجُوم لأنني ... جعلت على كيوان رحلي منحطا)
(وأجريت من فيض السماحة والندى ... خليجا على نهر المجرة قد غطا)
(عقدت عَلَيْهِ الجسر للفخر فارتمت ... إِلَيْهِ وُفُود الْبَحْر تغرف مَا أنطا)
(ينضنض مَا بَين الغروس كَأَنَّهُ ... وَقد رقرقت حصباؤه حَيَّة رقطا)
(حواليه من دوح الرياض خرائد ... وغيد تجر من خمائلها مِرْطًا)
(إِذا أرْسلت لدن الْفُرُوع وَفتحت ... جنى الزهر لَاحَ فِي ذوائبها وخطا)
(يرنحها مر النسيم إِذا سرى ... كَمَا مَال نشوان تشرب اسفنطا)
(يشق رياضا جادها الْجُود والندى ... سَوَاء لَدَيْهَا الْغَيْث أسكب أم أَبْطَا)
(وسالت بسلسال اللجين حياضه ... بحارا غَدا عرض الْبَسِيط لَهَا شطا)
(5/136)

(تطلع مِنْهَا وسط وسطاه دمية ... هِيَ الشَّمْس لَا تخشى كسوفا وَلَا غمطا)
(حكت وحباب المَاء فِي جنباتها ... سنا الْبَدْر حل من نُجُوم السما وسطا)
(إِذا غازلتها الشَّمْس ألْقى شعاعها ... على جسمها الفضي نَهرا بهَا لطا)
(توسمت فِيهَا من صفاء أديمها ... نقوشا كَأَن الْمسك ينقطها نقطا)
(إِذا اتسقت بيض القباب قلادة ... فَأنى لَهَا فِي الْحسن درتها الوسطا)
(تكنفني بيض الدمى فَكَأَنَّهَا ... عذارى نضت عَنْهَا القلائد والريطا)
(قدود وَلَكِن زَادهَا الْحسن عريها ... وأجمل فِي تنعيمها النحت والخرطا)
(سمت صعدا تيجانها فَكسرت ... فوارير أفلاك السَّمَاء بهَا ضغطا)
(فيالك شأوا بالسعادة آهلا ... بأكنافه رَحل الْعلَا وَالْهدى حطا)
(وكعة مجد شادها الْعِزّ فانبرت ... تَطوف بمعناها أماني الورى شوطا)
(ومسرح غزلان الصريم كناسها ... حنايا قباب لَا الْكتب وَلَا السقطا)
(فلكن بِهِ مَا طَابَ لَا الإثل والخمطا ... ووسدن فِيهِ الوشي لَا السدر والأرطا)
(ثراه من الْمسك الفتيت مُدبر ... إِذا مازجته السحب عَاد بهَا خلطا)
(وَإِن باكرته نسمَة ينسري بهَا ... إِلَى كل أنف عرف عنبره قسطا)
(أقرَّت لَهُ الزهراء والخلد وانثنت ... أواوين كسْرَى الْفرس تغبطه غبطا)
(جناب رواق الْمجد فِيهِ مطنب ... على خير من يعزى لخير الورى سبطا)
(إِمَام يسير الدَّهْر تَحت لوائه ... وترسي سفائن الْعلَا حَيْثُمَا حطا)
(وفتاح أقطار الْبِلَاد بفيلق ... يفلق هامات العدا بالظبي خبطا)
(تطلع من خرصاته الشهب فانثنت ... ذوائب أَرض الزنج من ضوءها شُمْطًا)
(كتائب نصران جرت لملمة ... جرت قبلهَا الأقدار تسبقها فرطا)
(إِذا مَا عقدن راية علوِيَّة ... جعلن ضَمَان الْفَتْح فِي عقدهَا شرطا)
(فَمَا للسما تِلْكَ الْأَهِلّة إِنَّمَا ... سنابكها أبقت مِثَالا بهَا خطا)
(يطاوع أَيدي المعلوات عنانها ... فيعتاض من قبض الزَّمَان بهَا بسطا)
(يَد لأمير الْمُؤمنِينَ بكفها ... زِمَام يَقُود الرّوم وَالْفرس والقبطا)
(أدَار جدارا للعلا وسرادقا ... يحوط جِهَات الأَرْض من رعيه حوطا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب بداخل الْقبَّة الْمَذْكُورَة
(5/137)

(جمال بدائعي سحر العيونا ... ورونق منظري بهر الجفونا)
(وَقد حسنت بقوسي واستطارت ... سنا يغشى عُيُون الناظرينا)
(وأطلع سمكي الْأَعْلَى نجوما ... ثواقب لَا تغور الدَّهْر حينا)
(وجوى من دُخان الند ألْقى ... على أرضي الغياهب والدجونا)
(عَلَوْت دوائر الأفلاك سبعا ... لذاك الدَّهْر مَا ألفت سكونا)
(فصغت من الْأَهِلّة والحنايا ... أساور والخلاخل والبرينا)
(تكنفني حِيَاض مائحات ... أَمَامِي وَالشَّمَائِل واليمينا)
(يُقيد حسنها الطّرف انفساحا ... وَيجْرِي الْفلك فِيهَا والسفينا)
(تدافع نهرها نحوي فَلَمَّا ... علاهُ الْبَحْر فِي غَدا دَفِينا)
(وَقد نشر الْحباب على سَمَّاهَا ... لآلي تزدري العقد الثمينا)
(فخرت وَحقّ لي لما اجتباني ... لمجلسه أَمِير المؤمنينا)
(هُوَ الْمَنْصُور حائز فصل سبق ... وباني الْمجد بنيانا مكينا)
(وَلَيْث وغى إِذا زأر امتعاضا ... يروع زئيره هندا وصينا)
(إِذا أمت كتائبه الأعادي ... بعثن برعبه جَيْشًا كمينا)
(يُدِير عَلَيْهِم من كل حَرْب ... تدقهم رحى أَو منجنونا)
(إِمَام بالمغارب لَاحَ شمسا ... بهَا الشرق اكتسى نورا مُبينًا)
(بقيت بِذِي الْقُصُور الغر بَدْرًا ... تلوح بأفقهن مدى السنينا)
(تحف بكم عواكف عِنْد بَابي ... مَلَائِكَة كرام كاتبينا)
(لَك الْبُشْرَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ادخلوها ... مَعَ سَلام آمنينا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب فِي بهوها بمرمر أسود فِي أَبيض
(لله بهو عز مِنْهُ نَظِير ... لما غَدا كالروض وَهُوَ نضير)
(رصفت نقوش حلاه رصف قلائد ... قد نضدتها فِي النحور الْحور)
(فَكَأَنَّهَا والتبر سَالَ خلالها ... وشي وَفِضة تربها كافور)
(وَكَأن أَرض قراره ديباجة ... قد زَان حسن طرازها تشجير)
(وَإِذا تصاعد نده نوأ فَفِي ... أنماطه نور بِهِ مَمْطُور)
(شأو الْقُصُور قُصُورهَا عَن وَصفه ... سيان فِيهِ خورنق وسدير)
(5/138)

(فَإِذا أجلت اللحظ فِي جنباته ... يرْتَد وَهُوَ بحسنه محسور)
(وَكَأن موج البركتين أَمَامه ... حركات سحب صافحته دبور)
(صفت بضفتها تماثل فضَّة ... ملك النُّفُوس بحسنها تَصْوِير)
(فتدير من صفو الزلَال مُعَللا ... يسري إِلَى الْأَرْوَاح مِنْهُ سرُور)
(مَا بَين آساد يهيج زئيرها ... وأساود يَعْلُو لَهُنَّ صفير)
(ودحت من الْأَنْهَار أَرض زجاجة ... وأضلها فلك يضيء مُنِير)
(راقت فَمن حصبائها وفواقع ... يطفو عَلَيْهَا اللُّؤْلُؤ المنثور)
(يَا حسنه من مصنع فبهاؤه ... باهى نُجُوم الْأُفق وَهِي تنور)
(وكأنما زهر الرياض بجنبه ... حَيْثُ الْتفت كواكب وبدور)
(ولدسته الأسمى تخير رصفه ... فَخر الورى وإمامها الْمَنْصُور)
(ملك أناف على الفراقد رُتْبَة ... وَأقله فَوق السماك سَرِير)
(قطب الْخلَافَة تَاج مفرق دولة ... رميت بجحفلها اللهام الكور)
(وَجرى إِلَى أقْصَى الْعرَاق لرعبها ... جَيش على جسر الْفُرَات عبور)
(نجل النَّبِي ابْن الْوَصِيّ سليل من ... حقن الدِّمَاء وعف وَهُوَ قدير)
(بَحر الندى لكنه متموج ... سيف الْعلَا لكنه مطرور)
(طود يخف لحلمه ووقاره ... ولجيشه يَوْم النزال ثبير)
(دَامَت معاليه ودام ومجده ... طوق على جيد الْعلَا مزرور)
(وتعاهدته من الْفتُوح بشائر ... يَغْدُو عَلَيْهِ بهَا مسا وبكور)
(مَا زَالَ منزل سعده يرتاده ... نصر يرف لِوَاؤُهُ المنشور)
(وَجَرت بِهِ مرحا جِيَاد مَسَرَّة ... وأدار كأس الْأنس فِيهِ سمير)
وَقَالَ بعض الْكتاب مِمَّا نقش فِي عضادتي بَاب الْقبَّة الخمسينية الْمَذْكُورَة
(يَا نَاظرا بِاللَّه قف وَتَأمل ... وَانْظُر إِلَى الْحسن البديع الْأَكْمَل)
(وَإِذا نظرت إِلَى الْحَقِيقَة فَلْتَقُلْ ... السِّرّ فِي السكان لَا فِي الْمنزل)
وَقَالَ بعض الْكتاب أَيْضا مَا طرزت بِهِ الأستار المذهبة المحكمة الصَّنْعَة لتستر بهَا النواحي الْأَرْبَعَة من الْقبَّة الخمسينية وَتسَمى هَذِه الأستار عِنْد أهل
(5/139)

الْمغرب بالحائطي فَفِي الْجِهَة الأولى
(متع جفونك فِي بديع لباسي ... وأدر على حسني حميا الكاس)
(هذي الرِّبَا وَالرَّوْض من جرعائها ... لم تغتذي بالعارض البجاس)
(أَنى لروض أَن يروق بهاؤه ... مثلي وَأَن يجْرِي على مقياسي)
(فالروض تغشاه السوام وَإِنَّمَا ... تأوي إِلَى كنفي ظباء كناس)
وَفِي الْجِهَة الثَّانِيَة
(من كل حسنا كالقضيب إِذا انثنى ... تزري بِغُصْن البانة المياس)
(وَلَقَد نشرت على السماك ذوائبي ... وَنظرت من شرز إِلَى الكناس)
(وجررت ذيلي بالمجرة عابثا ... فخرا بمخترعي أبي الْعَبَّاس)
(مَا نيط مثلي فِي القباب وَلَا ازدهت ... بفتى سواهُ مَرَاتِب وكراس)
وَفِي الْجِهَة الثَّالِثَة
(ملك تقاصرت الْمُلُوك لعزه ... وَرَمَاهُمْ بالذل والإتعاس)
(غيث الْمَوَاهِب بَحر كل فَضِيلَة ... لَيْث الحروب مسعر الأوطاس)
(فَرد المحاسن والمفاخر كلهَا ... قطب الْجمال أَخُو الندى والباس)
(ملك إِذا وافى الْبِلَاد تأرجت ... مِنْهُ الوهاد بعاطر الأنفاس)
وَفِي الْجِهَة الرَّابِعَة
(وَإِذا تطلع بدره من هَالة ... يعشى سناه نواظر الْجلاس)
(أَيَّامه غرر تجلت كلهَا ... أبهى من الأعياد والأعراس)
(لَا زَالَ للمجد السّني يشده ... وَيُقِيم مبناه على الأساس)
(مَا مَال بالغصن النسيم وكللت ... دُرَر الندى فِي جيده المياس)
وَقَالَ أَبُو فَارس الفشتالي مِمَّا كتب على المصرية المطلة على الرياض المرتفعة على الْقبَّة الخضراء من بديع الْمَنْصُور وَكَانَ أَنْشَأَهَا فِي جُمَادَى الأولى من سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة
(باكر لدي من السرُور كؤوسا ... وَأَرْض النديم أَهله وشموسا)
(وأعرج على غرفي المنيف سماؤها ... تلق الفراقد فِي حماي جُلُوسًا)
(5/140)

(وَإِذا طلعت بأوجها قمر الْعلَا ... لَا تَرْتَضِي غير النُّجُوم جَلِيسا)
(شَرق الْقُصُور بريقها لما اجتلت ... مني على بسط الرياض عروسا)
(واعتضت بالمنصور أَحْمد ضيغما ... وردا تخير من بديعي خيسا)
(ملك أرى كل الْمُلُوك ممالكا ... لعلاه وَالدُّنْيَا عَلَيْهِ حَبِيسًا)
(وَهُنَاكَ يَا شرف الْخلَافَة دولة ... تلقى برايتها طلائع عيسا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب فِي بعض المباني البديعية
(مَعَاني الْحسن تظهر فِي المغاني ... ظُهُور السحر فِي حدق الحسان)
(مشابه فِي صِفَات الْحسن أضحت ... تمت بهَا المغاني للغواني)
(بِكُل عَمُود صبح من لجين ... تكون فِي استقامة خوط بَان)
(مفصلة القدود مثلثات ... مُوَاصلَة العناق من التدان)
(تردت سابري الْحسن يزري ... بِحسن السابري الخسرواني)
(وتعطو الخيزرانة من حماها ... بسالفة القطيع البرهماني)
(لمجدك تنتمي لَكِن نماها ... إِلَى صنعاء مَا صنع اليدان)
(يدين لَك ابْن ذِي يزن ويعنو ... لَهما غمدان فِي أَرض الْيَمَانِيّ)
(غَدَتْ حرما وَلَكِن حل فِيهَا ... لوفدكم الْأمان مَعَ الْأَمَانِي)
(مبان بالخلافة آهلات ... بهَا يَتْلُو الْهدى السَّبع المثاني)
(هِيَ الدُّنْيَا وساكنها إِمَام ... لأهل الأَرْض من قاص وداني)
(قُصُور مَا لَهَا فِي الأَرْض شبه ... وَمَا فِي الْمجد للمنصور ثَانِي)
وَقَالَ مِمَّا نقش فِي بعض الْأَبْوَاب
(هذي وُفُود السعد نحوي ترتمي ... وطلائع الْبُشْرَى لبابي تنتمي)
(وسمت إِلَيّ عفاة عرفك مثل مَا ... يسمو الحجيج إِلَى سِقَايَة زَمْزَم)
(حطت بمصراعي السُّعُود بشائرا ... لاحت على الشرفات مثل الأنجم)
(وَأَوَان صنعي أَن تَقول وَلَا تبل ... ببديع أَحْمد جنَّة المتنعم)
وَقَالَ الفشتالي لما عرضت عَلَيْهِ هَذِه الأبيات استحسنها إِلَّا أَنه كره لَفْظَة جنَّة وَتغَير مِنْهَا كثيرا وَقَالَ الْوَزير الأديب أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي مِمَّا كتب على مُبَاح قبَّة الزّجاج
(5/141)

(إِن شِئْت تَارِيخ إِكْمَال البديع فَقل ... إيوَان أَحْمد إيوَان السعادات)
وَقَالَ الْوَزير الْمَذْكُور مِمَّا نقش على أحد أَبْوَاب البديع
(بَاب أَتَى كبراعة استهلال ... وكأنما الْقصر القصيد التَّالِي)
(ولذاك سمي بالبديع وَجَاء بَال ... إغراق والتجنيس والإيفال)
(وأتى التَّمام فَقلت فِي تَارِيخه ... بَيْتا بِلَا عقد وَلَا إِشْكَال)
(صرح على تقوى من الله انبنى ... فِي طالع للسعد والإقبال)
وَقَالَ أَيْضا فِي تَمام البديع مهنئا
(يَا مليكا ملكه فِيمَن ملك ... كطلوع الْفجْر من بعد الحلك)
(تمّ هَذَا الْقصر فاسكنه على ... حسن حَال بدوام الْملك لَك)
وَكَانَ الْفَرَاغ من تَمام البديع سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَفِي تَارِيخه يَقُول الْوَزير الْمَذْكُور وَهُوَ مِمَّا نقش بِبَاب الرخام أحد أَبْوَاب البديع
(الْحسن لفظ وَهَذَا الْقصر مَعْنَاهُ ... ياما أميلح مرآه وَأَبْهَاهُ)
(فَهُوَ البديع الَّذِي راقت بدائعه ... وطابق اسْم لَهُ فِيهِ مُسَمَّاهُ)
(صرح أُقِيمَت على التَّقْوَى قَوَاعِده ... وَدلّ مِنْهُ على التَّارِيخ مَعْنَاهُ)
(ولاح أَيْضا وَعين الْحِفْظ تكلاه ... تَارِيخه من تَمام قل هُوَ الله)
قَالَ فِي نفح الطّيب اخترع الْمَنْصُور من المصانع ثَلَاثَة أَشْيَاء فَجَاءَت غَرِيبَة الشكل بديعة الْحسن وَهِي البديع والسمرة والمشتهى وَفِيهِمَا يَقُول الْمَنْصُور موريا
(بُسْتَان حسنك أبدعت زهراته ... وَلكم نهيت الْقلب عَنهُ فَمَا انْتهى)
(وقوام غصنك بالمسرة ينثني ... يَا حسن رمان بِهِ للمشتهى) اه
قَالَ اليفرني وَالَّذِي ذكره صَاحب كتاب الْبَيَان الْمغرب عَن أَخْبَار الْمغرب وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِذَارَيْ الأندلسي حَسْبَمَا رَأَيْته فِي السّفر الثَّانِي مِنْهُ أَن أول من أنشأ المسرة الَّتِي بِظَاهِر جنان الصَّالِحَة عبد الْمُؤمن بن عَليّ كَبِير الْمُوَحِّدين قَالَ وَهُوَ بُسْتَان طوله ثَلَاثَة أَمْيَال وَعرضه قريب مِنْهَا فِيهِ كل فَاكِهَة تشْتَهى وجلب إِلَيْهِ المَاء من أغمات واستنبط لَهُ عيُونا كَثِيرَة
(5/142)

قَالَ ابْن اليسع وَمَا خرجت أَنا من مراكش فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة إِلَّا وَهَذَا الْبُسْتَان الَّذِي غرسه عبد الْمُؤمن يبلغ مَبِيع زيتونه وفواكهه ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مؤمنية على رخص الْفَاكِهَة بمراكش اه وَلَعَلَّ الْمَنْصُور جدد معالم المسرة بعد اندراسها وأفاض سِجَال الْحَيَاة على ميت غراسها وَكَانَ الْمَنْصُور يفتخر بالبديع كثيرا وينوه بِقَدرِهِ وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو فَارس الفشتالي
(هَذَا البديع يعز شبه بَدَائِع ... أبدعتهن بِهِ فجَاء غَرِيبا)
(أضنى الغزالة حسنه حسدا لَهُ ... أبدى عَلَيْهَا للأصيل شحوبا)
(وَانْقَضَت الزهر المنيرة إِذْ رَأَتْ ... زهر الرياض بِهِ ينور عجيبا)
(شيدتهن مصانعا وصنائعا ... أنجزن وَعدك للعلا المرقوبا)
(وجريت فِي كل الفخار لغاية ... أدركتهن وَمَا مسست لغوبا)
(فانعم بملكك دَامَ فِيهِ مُؤَبَّدًا ... تجني بِهِ فنن النَّعيم رطيبا)
وَلما أكمل الْمَنْصُور البديع وَفرغ من تنميق بردته وتطريز حلته صنع مهرجانا عَظِيما ودعا الْأَعْيَان والأكابر فَقدم لَهُم من ضروب الْأَطْعِمَة وصنوف الموائد وأفرغ عَلَيْهِم من العطايا ومنحهم من الجوائز مَا لم يعْهَد مِنْهُ قبل ذَلِك وَكَانَ مِمَّن دخل فِي غمار النَّاس رجل من البهاليل مِمَّن كَانَت لَهُ شهرة بالصلاح فِي الْوَقْت فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مباسطا كَيفَ رَأَيْت دَارنَا هَذِه يَا فلَان فَقَالَ لَهُ إِذا هدمت كَانَت كدية كَبِيرَة من التُّرَاب فَوَجَمَ لَهَا الْمَنْصُور وَتَطير مِنْهَا وتحكى هَذِه الْحِكَايَة عَن غير الْمَنْصُور فَالله أعلم
قَالَ اليفرني وَقد ظهر مصداق ذَلِك على يَد السُّلْطَان المظفر الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف فَإِنَّهُ أَمر بهدمه سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف لموجب يطول شَرحه فهدمت معالمه ومحيت مراسمه وَفرق مَا كَانَ بِهِ من جموع الْإِنْس وَعَاد حصيدا كَأَن لم يغن بالْأَمْس حَتَّى صَار مرعى للكلاب والمواشي ووكرا للصدى والبوم وَحقّ على الله أَن لَا يرفع شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وَمن الْعَجَائِب أَنه لم يبْق بلد من بِلَاد الْمغرب إِلَّا ودخله شَيْء من أنقاض البديع وَلَقَد تذكرت بِهَذَا مَا حَكَاهُ بعض مؤرخي الأندلس أَن
(5/143)

الزاهرة الَّتِي بناها الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَهِي من عجائب الدُّنْيَا مر عَلَيْهَا فِي أَيَّام الْمَنْصُور بعض أهل البصائر وَهِي فِي نِهَايَة الْعمرَان والازدهاء بسكانها فَقَالَ يَا دَار فِيك من كل دَار فَجعل الله مِنْك فِي كل دَار قَالَ فَضرب الدَّهْر ضرباته وسلط عَلَيْهَا أَيدي الْعدوان فهدمت وَخَربَتْ وَتَفَرَّقَتْ محاسنها حَتَّى نقل بعض أنقاضها إِلَى الْعرَاق
قَالَ اليفرني وَلما دخلت البديع مقفلي من الرحلة وَرَأَيْت مَا هالني أنشدت أبياتا أنشدها الشَّيْخ محيى الدّين بن عَرَبِيّ فِي كتاب المسامرة لما دخل الزاهرة فَوَجَدَهَا متهدمة وَهِي
(ديار بِأَكْنَافِ الملاعب تلمع ... وَمَا أَن بهَا من سَاكن فَهِيَ بلقع)
(ينوح عَلَيْهَا الطير من كل جَانب ... فتصمت أَحْيَانًا وحينا ترجع)
(فخاطبت مِنْهَا طائرا متفردا ... لَهُ شجن فِي الْقلب وَهُوَ مروع)
(فَقلت على مَاذَا تنوح وتشتكي ... فَقَالَ على دهر مضى لَيْسَ يرجع)
وأنشدت مَا أنْشدهُ ابْن الْآبَار فِي تحفة القادم
(قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا ... أَيْن سكانك الْكِرَام علينا)
(فأجابت هُنَا أَقَامُوا قَلِيلا ... ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا)
ثمَّ قَالَ اليفرني رَحمَه الله
لَطِيفَة تَأَمَّلت لفظ البديع فَوجدت عدد نقط حُرُوفه بِحِسَاب الْجمل مائَة وَسَبْعَة عشر وَهَذَا الْقدر هُوَ الَّذِي بَقِي فِيهِ البديع قَائِما فَإِنَّهُ فرغ مِنْهُ سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَشرع فِي هَدمه سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف فمدة عمره مائَة وَسبع عشرَة سنة على عدد اسْمه وَذَلِكَ من غَرِيب الِاتِّفَاق فسبحان من دقَّتْ حكمته وجلت قدرته وعمت رَحمته لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم
(5/144)

ثورة النَّاصِر ابْن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِبِلَاد الرِّيف ومقتله

كَانَ النَّاصِر هَذَا فِي حَيَاة أَبِيه عبد الله الْغَالِب بِاللَّه خَلِيفَته على تادلا ونواحيها وَلما توفّي أَبوهُ الْمَذْكُور وَقَامَ بِالْأَمر أَخُوهُ المتَوَكل كَمَا اسْتَوْفَيْنَا خَبره قبض على النَّاصِر فاعتقله فَلم يزل معتقلا عِنْده سَائِر أَيَّامه إِلَى أَن قدم المعتصم بِجَيْش التّرْك وانتزع الْملك من يَد المتَوَكل كَمَا مر فسرح النَّاصِر من اعتقاله وَأحسن إِلَيْهِ فَلم يزل عِنْده فِي أرغد عَيْش إِلَى أَن توفّي المعتصم يَوْم وَادي المخازن وأفضى الْأَمر إِلَى الْمَنْصُور ففر النَّاصِر إِلَى آصيلا وَكَانَت لِلنَّصَارَى يَوْمئِذٍ ثمَّ عبر الْبَحْر مِنْهَا إِلَى الأندلس فَكَانَ عِنْد طاغية قشتالة مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن سرحه الطاغية إِلَى الْمغرب بِقصد تَفْرِيق كلمة الْمُسلمين وإحداث الشقاق بَينهم فَخرج النَّاصِر بمليلية وَنزل بهَا لثلاث مَضَت من شعْبَان سنة ثَلَاث وَألف وتسامعت بِهِ الغوغاء والطغام من أهل تِلْكَ الْبِلَاد فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون فكثرت جموعه وتوفرت جيوشه واهتز الْمغرب بأسره لذَلِك
وَذكر اليفرني فِي الصفوة أَن الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار كتب كتابا إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن ريسون من أهل بِلَاد غمارة وَكَانَ مسموع الْكَلِمَة بهَا يحضه على الاستمساك بدعوة الْمَنْصُور وَأَن يلْزم الطاغية لَهُ فَوَقع الْكتاب فِي يَد الْمَنْصُور فَعرف للشَّيْخ الْقصار حَقه وَلما وَفد عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَصله وولاه الْفَتْوَى وَالْخطْبَة بِجَامِع الْقرَوِيين وتفرقة صَدَقَة الْمَسَاكِين
ثمَّ إِن النَّاصِر خرج من مليلية قَاصِدا تازا فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا ونزعت إِلَيْهِ الْقَبَائِل الْمُجَاورَة لَهَا كالبرانس وَغَيرهم فتألبوا عَلَيْهِ وتمالؤوا على إعزازه وَنَصره وَلما دخل تازا طَالب أَهلهَا بالمكس وَقَالَ لَهُم إِن النَّصَارَى يغرمون حَتَّى على الْبيض وَلما سمع الْمَنْصُور بِخَبَرِهِ أقلقه ذَلِك وتخوف مِنْهُ غَايَة لِأَن النَّاصِر اهتز الْمغرب لقِيَامه وتشوفت النُّفُوس إِلَيْهِ لميل الْقُلُوب عَن الْمَنْصُور لشدَّة وطأته واعتسافه للرعية
قَالَ فِي ابتهاج الْقُلُوب فِي تَرْجَمَة الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْحسن عَليّ بن
(5/145)

مَنْصُور البوزيدي الْمَعْرُوف بِأبي الشكاوي دَفِين شالة إِنَّه كَانَ سائرا يَوْمًا على بغلة وَمَعَهُ أَصْحَابه فَقَالَ لَهُم يَا فُقَرَاء أتسمعون مَا تَقول بغلتي إِنَّهَا تصيح بالنصر لمولاي النَّاصِر وَكَذَلِكَ الشّجر وَالْحجر وَإِنِّي أرى غير ذَلِك فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ اهتز لقِيَام النَّاصِر كل شَيْء ثمَّ قتل عَن قريب وَلم يتم لَهُ أَمر اه
ثمَّ إِن الْمَنْصُور بعث إِلَيْهِ جَيْشًا وافرا فَهَزَمَهُمْ النَّاصِر واستفحل أمره وَتمكن ناموسه من الْقُلُوب فَأمر الْمَنْصُور ولي عَهده الْمَأْمُون بمنازلته فَخرج إِلَيْهِ من فاس فِي تعبية حَسَنَة وهيئة تَامَّة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ كَانَت الدبرة على النَّاصِر بالموضع الْمَعْرُوف بالحاجب وَمر على وَجهه فاحتل بالجاية بَلْدَة من عمل بِلَاد الزَّبِيب فلحق بِهِ ولي الْعَهْد فَلم يزل فِي مقاتلته إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ فأزال رَأسه وَبعث بِهِ إِلَى مراكش وَكَانَ ذَلِك سنة خمس وَألف وَقيل سنة أَربع وَألف
قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ مقتل النَّاصِر وإدخاله مَقْطُوع الرَّأْس إِلَى فاس يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة أَربع وَألف وَهُوَ الْأَصَح
وَذكر الشَّيْخ أَبُو عَليّ اليوسي فِي المحاضرات مَا نَصه حدثوا عَن صلحاء تادلا أَنه لما قَامَ على السُّلْطَان أَحْمد الْمَنْصُور ابْن أَخِيه النَّاصِر قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الصومعي إِن النَّاصِر يدْخل تادلا يَعْنِي دُخُول الْملك فَلَمَّا بلغ الْخَبَر إِلَى الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّرْقِي التادلي قَالَ مِسْكين بَابا أَحْمد رأى رَأس النَّاصِر قد دخل تادلا فَظَنهُ النَّاصِر يدخلهَا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ هزم فِي نواحي تازا ثمَّ قطع رَأسه وَحمل إِلَى مراكش فَدخل تادلا فِي طَرِيقه اه
وَلما قتل النَّاصِر سر الْمَنْصُور بذلك وأتته الْوُفُود للتهنئة وَقَالَ الشُّعَرَاء فِي ذَلِك مِنْهُم الْكَاتِب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الشاوي قَالَ
(تهنأ أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد جرت ... بسطوتك الأقدار جري السوابق)
(أَضَاءَت لَك الْأَيَّام واحلولكت على ... عَدوك وارتجت رُؤُوس الشواهق)
(وَذَاكَ الَّذِي قد خيب الله سعده ... تردى فَلم تَنْفَعهُ نصْرَة مارق)
(فَكَانَ كَمَا قد قيل لَكِن رَأسه ... أَتَى سَابِقًا وَالرجل لَيست بسابق)
(5/146)

ضمن قَول بَعضهم فِي الْوَزير ابْن الْفرس وَقد رَآهُ مصلوبا منكوس الرَّأْس
(لقد طمح الْمهْر الجموح لغاية ... تقطع أَعْنَاق الْجِيَاد السوابق)
(جرى فجرت رِجْلَاهُ لَكِن رَأسه ... أَتَى سَابِقًا وَالرجل لَيست بسابق)
وَكتب الْمَنْصُور بِخَبَر هَذَا الْفَتْح إِلَى الْآفَاق
فمما كتبه لِلشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أبي عبد الله مُحَمَّد زين العابدين الْبكْرِيّ وَأبي عبد الله مُحَمَّد بدر الدّين الْقَرَافِيّ رِسَالَة يَقُول فِيهَا مَا نَصه
من عبد ربه الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ الحسني إِلَى الْفَاضِل الَّذِي اعتجر بالتقوى وَهُوَ زين العابدين وتحلى بحلى المعارف الربانية وَتلك حلى العارفين والسالك الَّذِي برز فِي الطَّرِيقَة وسلك على الْمجَاز الْوَاضِح إِلَى الْحَقِيقَة ففات شأو السَّابِقين والعارف الَّذِي تجرد عَن رعونة الْأَهْوَاء النفسانية فَكَانَ سلوكه على التَّجْرِيد إِلَى حَضْرَة الواصلين الشَّيْخ الْعَالم الْحجَّة الوافي السَّيِّد بدر الدّين الْقَرَافِيّ وَالشَّيْخ الْعَارِف الْوَاصِل السِّرّ الْكَامِل سلالة الْعلمَاء سبط الْفُضَلَاء أبي عبد الله زين العابدين ابْن الشَّيْخ السَّامِي الْمقَام قطب الْمَشَايِخ الْأَعْلَام فَخر عُلَمَاء الْإِسْلَام الشهير الْبركَة فِي الْأَنَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن الصديقي أبقاكما الله وأرواحكما تتعطر برياحين الْإِنْس فِي حَضْرَة الْقُدس وتتنسم النفحات الهابة من رياض الْمُشَاهدَة إِلَى مدارج الْإِنْس ومعارج النَّفس وَسَلام عَلَيْكُمَا وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته
وَبعد حمد الله مفيض أنوار عناية أَحْمد على صَاحبه الصّديق مظهر كنوز المعارف الربانية جيلا بعد جيل من بَيت عَتيق وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي اخْتَار لمرافقته صَاحبه فِي الْغَار والعريش وَالطَّرِيق وَالرِّضَا عَن آله أَئِمَّة الْخلق وسيوف الْحق وَأَصْحَابه الَّذين فاضت أنوار هدايتهم على الغرب والشرق وببركتهم انتسق لنا الْفَتْح انتساق الأسلاك وبفضلهم يَعْلُو سعدنا على الْكفْر علو القطب على دَائِرَة الأفلاك فكتبنا هَذَا إِلَيْكُم من حضرتنا مراكش حاطها الله وصنع الله لَهَا مفعم السجال وواسع المجال
(5/147)

وعزمتها الْمَاضِيَة تبْعَث إِلَى العدا رسل الأوجال وَالْأَيَّام بعز صولتها ويمن دولتها بِهَذِهِ المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرهَا الْعَزِيز بحول الله إِلَى أَن تطوى ملاءة الدَّهْر هَذَا وَأَنه اتَّصل بعلي مقامنا كتابكما الَّذِي صدحت على أفنان البلاغة سواجعه وعذبت فِي موارد الْمحبَّة الصديقية مناهله ومشارعه ولطفت فِي كل معنى من الْمعَانِي أفانينه ومنازعه وتألفت على الإجادة فِي كل مقصد من الْمَقَاصِد مواصله العذبة ومقاطعه وأينعت بأزهار الْعِنَايَة الربانية أباطحه الفيح وأجارعه وَمَعَهُ المنظومات الَّتِي سحت بالحكم ديمها ورسا فِي البلاغة قدمهَا وَربا فِي منبت الْمَوَاهِب الربانية يراعها الفصيح وقلمها وَحل من نفوسنا موقعها العجيب محلا من دونه الثريا فِي مطْلعهَا والبدر لَيْلَة تَمَامه إعجابا بهَا وتنويها بمهديها وابتهاجا بالخوارق الَّتِي أطلق الله على لِسَان مبديها وَإِلَى هَذَا فليحط علمكما بِأَن مقامنا تنْفق فِيهِ على الدَّوَام إِن شَاءَ الله نفائس بضائعكم وتنمو فِيهِ مَعَ الْأَيَّام سعود مطالعكم وتسمو فِيهِ على كل مقَام مقاماتكم وتستوضح فِيهِ على الْمحبَّة الصميمة أماراتكم الْوَاضِحَة وعلاماتكم فعلى هَذَا تَنْعَقِد مِنْكُم الخناصر وتشتد الأواخي والأواصر بعز الله وَمِنْه ثمَّ مِمَّا نستطرد لكم ذكره على جِهَة الْبُشْرَى وإهداء المسرة الْكُبْرَى إعلامكم أَن عَدو الدّين طاغية قشتالة الَّذِي هُوَ الْيَوْم الْعَدو الْكَبِير لِلْإِسْلَامِ وعميد ملل التَّثْلِيث وَعَبدَة الْأَصْنَام لما انس من تِلْقَاء جنابنا نَار الْعَزْم تلتهب منا التهابا وبحر الاحتفال تضطرب أمواجه الزاخرة بِكُل عدد وعدة اضطرابا وهممنا قد هَمت بتجديد الأسطول والاستكثار من المراكب المتكفلة للْجِهَاد إِن شَاءَ الله بِقَضَاء كل دين ممطول وَعلم أَن الحَدِيث إِلَيْهِ يساق وَإِلَى أرضه بالخسف والتدمير بحول الله يهفو كل لِوَاء خفاق رام خذله الله مكافاتنا على ذَلِك بِمَا أمل أَن يفت بِهِ فِي عضدنا الْأَقْوَى وعزمنا الَّذِي بعناية الله يزْدَاد ويقوى فَرمى بمخذول من أَبنَاء أخينا عبد الله كَانَ ربى لَدَيْهِ وطوحت بِهِ الطوائح مُنْذُ ثَمَانِيَة عشر عَاما إِلَيْهِ إِلَى مليلية إِحْدَى الثغور المصاقبة لغرب ممالكنا الشَّرِيفَة الَّتِي إِلَى كَفَالَة ولدنَا وَولي عهدنا كافل الْأمة من بَعدنَا الْأَمِير الْأَجَل الأرضى صارم الْعَزْم
(5/148)

المنتضى وحسام الدّين الأمضى أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون بِاللَّه وصل الله لرايته التأييد والظهور والعز الَّذِي يستخدم الْأَيَّام والدهور فالتف عَلَيْهِ من اغْترَّ بأباطيله الْوَاهِيَة الْبناء من أوباش الْعَامَّة والغوغاء وَمن قضى لَهُ من أجناد تِلْكَ النَّاحِيَة بالشقاء جموع تكاثر الرمل وتفوت الْحَصَا والنمل لَاحَ بهَا للشقي خلب بارق أكذبته أمْنِيته إِذْ صدقته منيته فصمم نَحوه ولدنَا أعزه الله بِجُنُود الله الَّتِي إِلَيْهِ وبعساكر تِلْكَ الممالك الَّتِي ألقينا زِمَام تدبيرها فِي يَدَيْهِ فَمَا رَاع الشقي إِلَّا انقضاضه عَلَيْهِ من الجو انقضاض الأجدل وتصميمه إِلَيْهِ بعزائم تدك الطود وتفلق الصخر والجندل فاستولى عَلَيْهِ بِحَمْد الله للحين وعَلى جموعه الأشقياء فِي يَوْم أغر محجل وَسَاعَة أنزل الله فِيهَا على الْخَوَارِج المارقين الْعَذَاب الْمُعَجل فاستأصلتهم الشفار وحصدت هشيمهم المصوح أَلْسِنَة النَّار وَقبض على الشقي فِي يَوْم كَانَ شِفَاء للصدور ومنتزها لحملة السيوف وربات الْخُدُور وأحرز الله تَعَالَى فَخر هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والمن الجسيم لولدنا أعزه الله عز وَجل فِي خَاصَّة أجناده ونهض وَحده بأعبائه وَنحن على سَرِير ملكنا وادعون مطمئنون وأجنادنا فِي أوطارنا لاهون ومفتنون فَلم يحْتَج إِلَى أنجاده من قبلنَا وَلَا إمداده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَالْحَمْد لله حمد الشَّاكِرِينَ وعرفناكم لِتَأْخُذُوا بحظكم من السرُور بِهَذِهِ الْبُشْرَى الَّتِي سرت الْإِسْلَام وَسَاءَتْ بِحَمْد الله عَبدة الْأَوْثَان والأصنام وتعلموا مَعَ ذَلِك مَا عَلَيْهِ الْأَحْوَال الْيَوْم بحول الله لدينا من خَفق رايات الْعَزْم وشحذ آراء الْجَزْم وأعمال عوامل الْجَزْم إِلَى مجازاة عَدو الدّين إِن شَاءَ الله على فعلته الَّتِي عَادَتْ عَلَيْهِ أسفا ولهفا وإعادة مَا كَانَ أسلف من ذَلِك إِن شَاءَ الله بالمكيال الأوفى وَقدمنَا إِلَيْكُم التَّعْرِيف لتمدونا إِن شَاءَ الله بأدعيتكم الصَّالِحَة فِي أَوْقَات الْإِجَابَة وتحرصوا على التماسها هُنَالك وبالحرمين الشريفين من كل ذِي خضوع وإنابة أَن يؤيدنا الله على عَدو الدّين بفضله وينجز لنا وعده الصَّادِق فِي إِظْهَار دين الْحق على الدّين كُله ويسهل علينا بفضله ومعونته أَسبَاب فتح الأندلس وتجديد رسوم الْإِيمَان بهَا وإحياء أطلاله الدَّرْس حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِي أرْضهَا بِكَلِمَة
(5/149)

الله الَّتِي طالما سكت عَنْهَا نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فبيده الْحول وَالْقُوَّة وعنايته الْعِنَايَة المرجوة ثمَّ نوصيكم بِحسن الْوُقُوف مَعَ أَصْحَابنَا فِيمَا يشترى من الْكتب العلمية برسم خزانتنا الْكَرِيمَة الإمامية الْعلية ثمَّ الإتحاف بديوان الشَّيْخ والدكم التماسا لجميل بركاته وتمسكا بِمَا سبق من الْإِجَازَة الْعَامَّة فِي سَائِر منظوماته وموضوعاته ومروياته وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالسَّلَام الأتم معاد عَلَيْكُم ورحمه الله وَبَرَكَاته فِي ربيع النَّبَوِيّ سنة خمس وَألف اه وَهَذِه الرسَالَة من إملاء الْمَنْصُور على مَا قيل
وَمِمَّا كتب بِهِ أَيْضا بِخَط يَده إِلَى سُلْطَان مَكَّة وَالْمَدينَة والحجاز الشريف أبي المحاسن حسن بن أبي نمي بن بَرَكَات مَا نَصه
من عبد الله الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف الحسني إِلَى الْأَصَالَة الَّتِي تبحبحت من ذؤابة هَاشم فِي صميمها وتوغلت من غرفات حُرْمَة الله بَين زمزمها وحطيمها وتمتعت من عرارة نجد بانتشاق نفحاتها الأريجة وشميمها أَصَالَة السُّلْطَان الأثيل الْأَثِير الْأَسْنَى الأسمى الأزكى السُّلْطَان حسن بن أبي نمي أبقاكم الله وَالْبَيْت ذُو الأستار تتفيؤون ظلاله وتلثمون من الْحجر الْأسود الأسعد خَاله وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
أما بعد حمد الله الَّذِي أعز هَذِه المثابة العلوية الإمامية النَّبَوِيَّة العزيزة الْأَنْصَار السامية المحتد والنجار الساحبة أذيال عزها الوريف الظلال على أهل الْبَيْت السَّامِي الْمِقْدَار سكان الْحمى وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي أطلع شموس الْهِدَايَة الساطعة الْأَنْوَار وَالرِّضَا عَن آله الَّذين تتضاءل لمجدهم السَّامِي الْمنَار الشموس والأقمار وَعَن أَصْحَابه الَّذين استأصلوا شأفة الْكفْر بمواضي الشفار وصلَة الدُّعَاء لهَذَا الْمقَام الْعلي الإمامي المنصوري الحسني بنصر تجني الْفتُوح من قضب رماحه وتجري الأقدار على وفْق اقتراحه فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حَضْرَة مراكش حاطها الله ووسع لَهَا المجال فِي ميادين السجال وَالْأَيَّام بعز صولتها ويمن دولتها بِهَذِهِ المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرهَا الْعَزِيز بحول الله إِلَى أَن تطوى
(5/150)

ملاءة الدهور بعز الله وعنايته هَذَا وَإِن شيخ الركب المغربي وَهُوَ المرابط الْخَيْر الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر لما أزمع إِلَى الْمعَاهد الشَّرِيفَة الرحيل لتجديد رسم الطَّاعَة الَّذِي لَيْسَ بعاف وَلَا محيل وهب لَهُ من محارم الله نسيم يمِيل وآن للمطايا أَن تعْمل الوخد والذميل مد إِلَى عَليّ مقامنا أكف الرَّغْبَة فِي كتاب كريم يتشرف بِحمْلِهِ ويتعرف مِنْهُ السَّعَادَة بحول الله فِي مرتحله وحله يتَضَمَّن الْإِيصَاء بِهِ إِلَيْكُم فِي المورد والمصدر وَمُدَّة مقَامه من جواركم بحرم الله تجاه الْبَيْت والمشعر فحملناه هَذِه العجالة لترعوا لَهُ إِن شَاءَ الله عَنْهَا الْحق الْمُعْتَبر وتولوه من جانبكم بِمَا يصدق بِهِ الْخَبَر وتدنوا لَهُ من آماله قطوف كل فنن مهتصر وَمِمَّا نكلفكم النهوض لأجل حُقُوق الْأُخوة بأعبائه ونطالبكم لوشائج الرَّحِم بالاعتناء بِأَدَائِهِ التمَاس الدُّعَاء مَعَ الأحيان تجاه الْبَيْت الْحَرَام وَعند الْمُلْتَزم وَالْمقَام أَن يؤيدنا الله على عَدو الدّين بفضله وينجز لنا وعده الصَّادِق فِي إِظْهَار دينه على الدّين كُله ويسهل علينا بفضله ومعونته أَسبَاب فتح الأندلس وتجديد رسوم الْإِيمَان بهَا وإحياء أطلاله الدَّرْس حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِيهَا بِكَلِمَات الله الَّتِي طالما سكت عَنْهَا نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فَذَلِك دُعَاء لَا يرد لِأَنَّهُ جرى من أَهله فِي مَحَله ومعاد السَّلَام الأثم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته انْتهى
وَقَوله حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِيهِ تورية بِابْن الْخَطِيب رَحمَه الله
قَالَ الفشتالي كَانَ تَرْتِيب الْمَنْصُور فِي الاحتفال بالمولد النَّبَوِيّ الْكَرِيم أَنه إِذا طلعت طلائع شهر ربيع الأول صرف الرّقاع إِلَى الْفُقَرَاء أَرْبَاب الذّكر على رسم الصُّوفِيَّة والمؤذنين النعارين فِي الأسحار فَيَأْتُونَ من كل جِهَة ويحشرون من سَائِر حواضر الْمغرب ثمَّ يَأْمر الشماعين بتطريز الشموع وإتقان صنعتها فيتبارى فِي ذَلِك مهرَة الشماعين من كل مَا يباري النَّحْل فِي نسج أشكالها لطفا وإدماجا فيصوغون أنواعا من الشمع الَّتِي تحير النواظر وَلَا تذبل زهورها النواضر فَإِذا كَانَ لَيْلَة المولد تهَيَّأ لحملها وزفاف كواعبها
(5/151)

الصحافون المحترفون بِحمْل خدور العرائس عِنْد الزفاف فيتزينون لذَلِك وَيَكُونُونَ فِي أجمل شارة وَأحسن منظر ويجتمع النَّاس من أَطْرَاف الْمَدِينَة كلهَا لرؤيتها فيمكثون إِلَى حِين يسكن حر الظهيرة وتجنح الشَّمْس للغروب فَيخْرجُونَ بهَا على رؤوسهم كالعذارى يرفلن فِي حلل الْحسن وَهِي عدد كثير كالنحل فيتسابق النَّاس لرؤيتها وتمتد لَهَا الْأَعْنَاق وتبرز ذَوَات الْخُدُور ويتبعها الأطبال والأبواق وَأَصْحَاب المعازف والملاهي حَتَّى تستوي على منصات معدة لَهَا بالإيوان الشريف فتصطف هُنَالك فَإِذا طلع الْفجْر خرج السُّلْطَان فصلى بِالنَّاسِ وَقعد على أريكته وَعَلِيهِ حلَّة الْبيَاض شعار الدولة وأمامه تِلْكَ الشموع الْمُخْتَلفَة الألوان من بيض كالدمى وحمر جليت فِي ملابس أرجوان وخضر سندسية واستحضر من أَنْوَاع الحسك والمباخر مَا يلهي المحزون ويدهش النَّاظر ثمَّ دخل النَّاس أَفْوَاجًا على طبقاتهم فَإِذا اسْتَقر بهم الْمجْلس تقدم الْوَاعِظ فسرد جملَة من فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعجزاته وَذكر مولده ورضاعه وَمَا وَقع فِي ذَلِك بِاخْتِصَار فَإِذا فرغ انْدفع الْقَوْم فِي الْأَشْعَار المولديات فَإِذا فرغوا تقدم أهل الذّكر المزمزمون بِكَلَام الششتري وأشعار الصُّوفِيَّة ويتخلل ذَلِك نوبَة المنشدين للبيتين فَإِذا فرغوا من ذَلِك كُله قَامَ شعراء الدولة فيتقدم قَاضِي الْجَمَاعَة الشاطبي بلبل مَنَابِر الْجمع والأعياد فينشد قصيدة يفتتحها بالتغزل والنسيب فَإِذا تمّ تخلص لمدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يخْتم بمدح الْمَنْصُور وَالدُّعَاء لَهُ ولولي عَهده فَإِذا قضى نشيده تقدم الإِمَام الْمُفْتِي الْمولى أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد الشريف فينشد قصيدته على ذَلِك المنوال فَإِذا فرغ تلاه الْوَزير أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي ثمَّ تلاه الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي ويليه الْكَاتِب مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي ويليه الأديب مُحَمَّد بن عَليّ الهوزالي النَّابِغَة ويليه الأديب الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد المسفيوي فَإِذا طوى بِسَاط القصائد نشر خوان الْأَطْعِمَة والموائد فَيبْدَأ بالأعيان على مَرَاتِبهمْ ثمَّ يُؤذن للْمَسَاكِين فَيدْخلُونَ جملَة فَإِذا انْقَضتْ أَيَّام المولد الشريف برزت صلات الشُّعَرَاء على أقدارهم هَكَذَا كَانَ دأبه فِي جَمِيع الموالد وَلَا يُحْصى مَا يفرغ فِيهِ من أَنْوَاع الْإِحْسَان
(5/152)

على النَّاس اه من كتاب مناهل الصفاء
وَقَالَ صَاحب النفحة المسكية فِي السفارة التركية وَهُوَ الْعَلامَة المشارك أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد التامجروتي حضرت المولد الشريف بعد القفول من بِلَاد التّرْك فاستدعى الْمَنْصُور النَّاس لإيوانه السعيد واستدخلهم لقصره البديع المشيد المحتوي على قباب متقابلة عالية وَقد مد فِيهَا من فرش الْحَرِير وصفت النمارق وتدلت الأستار والكلل والحجال المخوصة بِالذَّهَب على كل بَاب قبَّة وحنية سَرِير وَدَار على الْحِيطَان حائطيات الْحَرِير الَّتِي هِيَ كأزهار الخمائل مَا رئيت قطّ فِي عهد الْأَوَائِل وَتلك القباب مَرْفُوعَة الجوانب على قَوَاعِد وأساطين من رُخَام مجزع مطلية الرؤوس بِالذَّهَب الذائب مفروش جلها بالمرمر الْأَبْيَض مخططا بِالسَّوَادِ يَتَخَلَّل ذَلِك مَاء عذب فَيدْخل النَّاس على طبقاتهم وَيَأْخُذ كل مرتبته من قُضَاة وعلماء وصلحاء ووزراء وقواد وَكتاب وأصناف الأجناد فيخيل لكل مِنْهُم أَنه فِي جنَّة النَّعيم وَالسُّلْطَان جَالس فِي فاخر ملابسه تعلوه الهيبة وَالْوَقار وترمقه الْأَبْصَار بالتعظيم والإكبار وَيجْلس من عَادَته الْجُلُوس وَيقف على رَأس السُّلْطَان الوصفان والعلوج وَعَلَيْهِم الأقبية المخوصة والمناطق المرصعة والحزم المذهبة مِمَّا يدهش النَّاظر وركز أمامهم الشمع الملون وَأذن لعامة النَّاس فَدَخَلُوا من أَصْنَاف الْقَبَائِل على أجناسها من الأجناد والطلبة وسكنت بعد حِين الجلبة وأوتي بأنواع الطَّعَام فِي القصاع المالقية والبلنسية المذهبة والأواني التركية والهندية وأوتي بالطسوس والأباريق وصب المَاء على أَيدي النَّاس ونصبت مباخر العنبر وَالْعود وأبرزت صَحَائِف الْفضة وَالذَّهَب وأغصان الريحان الغض فرش بهَا الْبسَاط ورش من مَاء الْورْد والزهر وأنشدوا قصائد وَتكلم المنشدون وَأحسن إِلَيْهِم السُّلْطَان ثمَّ ختموا الْمجْلس بِالدُّعَاءِ للأمير وَإِذا كَانَ يَوْم السَّابِع يكون تَرْتِيب أبدع من الأول وَهَذِه سيرته دَائِما اه
وَهَكَذَا كَانَت سيرته فِي شهر رَمَضَان عِنْد ختم صَحِيح البُخَارِيّ وَذَلِكَ أَنه كَانَ إِذا دخل رَمَضَان سرد القَاضِي وأعيان الْفُقَهَاء كل يَوْم سفرا من نُسْخَة
(5/153)

البُخَارِيّ وَهِي عِنْدهم مجزأَة على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ سفرا فِي كل يَوْم سفرا إِلَّا يَوْم الْعِيد وتاليه فَإِذا كَانَ يَوْم سَابِع الْعِيد ختم فِيهِ صَحِيح البُخَارِيّ وتهيأ لَهُ السُّلْطَان أحسن تهيؤ إِلَّا أَن الْعَادة الْجَارِيَة عِنْدهم فِي ذَلِك أَن القَاضِي يتَوَلَّى السرد بِنَفسِهِ فيسرد نَحْو الورقتين من أول السّفر ويتفاوض مَعَ الْحَاضِرين فِي الْمسَائِل ويلقى من ظهر لَهُ بحث أَو تَوْجِيه مَا ظهر لَهُ وَلَا يزالون فِي المذاكرة فَإِذا تَعَالَى النَّهَار ختم الْمجْلس وَذهب القَاضِي بِالسَّفرِ فيكمله سردا فِي بَيته وَمن الْغَد يَبْتَدِئ سفرا آخر وَهَكَذَا وَالسُّلْطَان فِي جَمِيع ذَلِك جَالس قريب من حَاشِيَة الْحلقَة قد عين لجلوسه مَوضِع
قَالَ الفشتالي وَكَانَ الْمَنْصُور يُعْطي أَمْوَال لِذَوي الْحَاجَات عِنْد انْقِضَاء رَمَضَان وَيُقِيم مهرجانا يَوْم عَاشُورَاء لختان أَوْلَاد الضُّعَفَاء وكل من ختن مِنْهُم أعطي أذرعا من كتَّان وَحِصَّة من الدِّرْهَم وَسَهْما من اللَّحْم اه
وَأما تَرْتِيب جَيش الْمَنْصُور وعادته فِي أَسْفَاره فسنذكرها فِي الْفَصْل بعد هَذَا إِن شَاءَ الله ولنذكر بعض القصائد الميلادية الَّتِي أنشدت بمجالس الْمَنْصُور حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَمن ذَلِك قَول القَاضِي أبي الْقَاسِم بن على الشاطبي رَحمَه الله
(مَا بَال طيفك لَا يزور لماما ... وبمنحنى الأحشا ضربت خياما)
(أيعيش فِيك عواذلي لسلوهم ... وأموت فِيك صبَابَة وغراما)
(وتبيح نهرك سَائِلًا من أدمعي ... أَو لَيْسَ نهر السَّائِلين حَرَامًا)
(مَا ذقت مَاء لماك فِي سنة الْكرَى ... إِلَّا انْتَبَهت فَكَانَ لي أحلاما)
(عرض إِذا حدثت عَن بَان الْحمى ... فَحَدِيث قلبِي بالأوجاع هاما)
(أروى حَدِيث الرقمتين مسلسلا ... عَن دمع باكية الْغَمَام سجاما)
(وتلق من جيب النسيم تَحِيَّة ... أضحى الْهوى بردا لَهَا وَسلَامًا)
(يَا جيرة العلمين دَعْوَة شيق ... للذيذ عَيْش بالغضا لَو داما)
(فَخُذُوا بجرعاء الْحمى قلبِي فقد ... ألف الْإِقَامَة بالحمى فأقاما)
(وخذوا بثار أهل نجدانهم ... سلبوا الْفُؤَاد وأدنفوا الأجساما)
(فِي كل غرب دموع عَيْني مشرق ... لكواكب فِيهَا أثرن ظلاما)
(5/154)

(صليت بِنَار الشوق ثمَّ رثت إِلَى ... إنسانها فِي لجة قد عَاما)
(وتسلسلت عبراتها شوقا لمن ... وقفت عَلَيْهِ صلَاتهَا وَسلَامًا)
(خير الْأَنَام مُحَمَّد الْهَادِي الَّذِي ... أردى الضلال وَجب مِنْهُ سناما)
(كنز العوالم سر طِينَة آدم ... ولحفظ ذَاك السِّرّ جَاءَ ختاما)
(وَأجل أرسال الْإِلَه وَمن بِهِ ... قد لَاذَ يُونُس حِين خَاضَ ظلاما)
(وتقاصرت عَن فَرده أعدادهم ... فَلِذَا تقدم فِي الْحساب إِمَامًا)
(أسرى إِلَى السَّبع الطباق فَأَقْبَلت ... زمر الملائك وفده إعظاما)
(فِي لَيْلَة غصت بأملاك السما ... فتسير خلف ركابه وإماما)
(يَا خير من بهر المعاند شَأْنه ... عَجزا فغص بريقه إفحاما)
(أعيى جلالك أَن يُحِيط بوصفه ... وصف البليغ وأخرس الأقلاما)
(صلى عَلَيْك الله مَا زار الحيا ... روضا فَفتح زهره الأكماما)
(مَا لذتي فِي مدح غير مخلصا ... إِلَّا بمدحي من بَيْنك إِمَامًا)
(خير الورى وإمامها الْمَنْصُور من ... فِي ظلّ دولته الْأَنَام أناما)
(أضفى على الْأَرْضين ظلّ مهابة ... فحمى بهَا حام الْعباد وساما)
(وسما على الدُّنْيَا عِقَاب تنوفة ... فانقض يفترس الْأسود بهاما)
(قل للملوك هبوا لمالككم فدى ... وخذوا لأنفسكم لَدَيْهِ ذماما)
(هَذَا الَّذِي يحيى الْبِلَاد بعدله ... وَيُعِيدهَا نشرا وَكن رماما)
(هَذَا الَّذِي وعد الْإِلَه بِأَنَّهُ ... يطوي الْبِلَاد وَيفتح الأهراما)
(يَا مشبه الْمهْدي فِي آرائه ... حزما وَفِي عزماته إقداما)
(أَنْت الَّذِي ببنيه أَبنَاء الْعلَا ... أرسى الْبِلَاد ووطد الإسلاما)
(فَكَأَنَّهَا من حولك الأشبال فِي ... غَابَ الوشيج تبوأت آجاما)
(وأمينها الْمَأْمُون عضب سمامها ... علم أناف على الهضاب سناما)
(وَأجل مضطلع تخيره الورى ... بعد الإِمَام فقدموه إِمَامًا)
(وحباه أَحْمد عهد أمة أَحْمد ... فوفى فَكَانَ لرعيه المعتاما)
(لَا يعدون النَّصْر سَيْفك أَنه ... سيف يحوط الدّين والإسلاما)
(خُذْهَا ينم على العبير مديحها ... ويفض عَن مسك الختام ختاما)
وَقَالَ الْعَلامَة مفتي الحضرة أَبُو مَالك الْمولى عبد الْوَاحِد بن أَحْمد
(5/155)

الشريف الفيلالي
(أرقت وشاقتني البروق اللوامع ... وذكرى خليط هيجتها المرابع)
(مرابع عفتها الروامس والسما ... تراق من الأشواق فِيهَا المدامع)
(كَأَن لم تكن من قبل قدما أَو أَهلا ... إِذْ السلك منظوم وشملي جَامع)
(تذكرني عهد الأجازع واللوى ... وَأَيْنَ اللوى مني وَأَيْنَ الأجازع)
(سحبنا بهَا ذيل الصبابة بُرْهَة ... وجفن الردى عَنَّا وحاشاك هاجع)
(وقفت بهَا بالبزل وَاللَّيْل دامس ... أنازعها الشكوى بهَا وتنازع)
(أسائلها عَن جيرة بَان حيهم ... وضمت هواهم بعد ذَاك الأضالع)
(فَهَل قدمُوا نَحْو العقيق صُدُورهمْ ... ولاح لَهُم برق من الْغَوْر لامع)
(يخبر عَن دَار الرَّسُول وقربها ... عراص بهَا للوحي فاضت ينابع)
(ديار بهَا حل الْحمى سيد الورى ... وهبت على الأشراك مِنْهَا زعازع)
(عَلَيْك صَلَاة الله يَا خير مُرْسل ... وَيَا خير من تثني عَلَيْهِ الْأَصَابِع)
(فلولاك هَذَا الْكَوْن مَا زَالَ معدما ... وَأَنت الَّذِي يرجوه عَاص وطائع)
(لَك الْفَخر فِي الدَّاريْنِ والموقف الَّذِي ... لأهواله كل النَّبِيين جازع)
(فآدمهم وَالْكل تَحت لوائكم ... وَلَيْسَ لنا وَالله غَيْرك شَافِع)
(فجازاك رب الْعَرْش مَا أَنْت أَهله ... جَزَاء بِهِ يشجي الْمَنَاوِيّ المخادع)
(وجازى إِمَامًا قد نمته إِلَيْكُم ... أصُول وآباء كرام فوارع)
(سميك وَابْن السبط حَقًا وَمن لَهُ ... عوارف فِي أعناقنا وصنائع)
(فدم للعلا يَا ابْن الخلائف مُفردا ... إِلَيْك اشتراؤها وَغَيْرك بَائِع)
(ودام ولي الْعَهْد بعْدك صَارِمًا ... يخب إِلَى نيل الْعلَا ويسارع)
(هُوَ الآمن الْمَأْمُون من كل فتْنَة ... لفيض الندى من راحتيه يدافع)
(ففيك أَقُول والنصوص شَوَاهِد ... أَحَادِيث صحت لَيْسَ فِيهَا مُنَازع)
(بكم رَأس هَذَا الْقرن جدد ديننَا ... وفاضت بحور للعلوم هوامع)
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (إِن الله يبْعَث على رَأس كل قرن من يجدد لهَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا)
وَحمله بعض الْأَئِمَّة على أَن المجدد من الْمُلُوك وَقيل من الْعلمَاء
(5/156)

وَقيل من الْأَوْلِيَاء وَالصَّوَاب الْإِطْلَاق
وَقَالَ الْوَزير الْقَائِد أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي رَحمَه الله تَعَالَى
(من بعد أهل قبا وَأهل كداء ... شوقي يزِيد وَعز ذَاك عزائي)
(ولي الشِّفَاء بقربهم وهم جلا ... مَا فِي الخواطر من صدى وصداء)
(لكنه بعد المزار فَأَيْنَ من ... تِلْكَ الْمعَاهد سَاكن الْحَمْرَاء)
(بانوا وهاج الشوق ذكر ربوعهم ... ذَات السنا والرند والأضواء)
(وشدا بهم حادي الركاب فكاد أَن ... تدع الْقُلُوب جسومها بفضاء)
(يَا سعد لَو أَن الزَّمَان مساعدي ... ومجيب دَاعِي الْبعد بعد ندائي)
(لركبت حرفا كالهلال منافرا ... للهمز إِلَّا فِي الْمُنَادِي النائي)
(ولجبت أَحيَاء الفلا وطوبتها ... طي الملا بنجيبة فوداء)
(تختاض فِي جَوف الظلام كَأَنَّهَا ... سري تولج فِي ضمير حجاء)
(وتخال فِي لجج السراب سفينة ... تجْرِي القلوع بهَا برِيح رخاء)
(هَل أنزلن بهَا المخصب من منى ... وأزور بعد معاهد الزَّوْرَاء)
(فأحط عَنْهَا الرحل ثمَّ مخيما ... فِي ظلّ احْمَد بغيتي ومنائي)
(وامرغ الْخَدين ملتثما ترى ... وطئته رجلا خَاتم النبئاء)
(محيى الْهدى ماحي الضَّلَالَة والردا ... بالبيض والخطية السمراء)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا نسخ السخا ... لؤما وَمَا أجلى الدجا ابْن ذكاء)
(وعَلى صحابته الْكِرَام وَآله ... أكْرم بهم من سادة فضلاء)
(أكْرم بوارث مجده وعلائه ... سبط الرسَالَة غرَّة الْأَبْنَاء)
(خير الخلائف أَحْمد الْمَنْصُور من ... حَاز الْكَمَال وَشرط كل عَلَاء)
(الصارم الْهِنْدِيّ فِي يمنى الْهدى ... والكوكب الْوَقَّاد فِي الظلماء)
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي بسيوفه ... حاط الْهدى وبرأيه الوضاء)
(ذخر الْإِلَه لَك الْفتُوح وصانها ... كالزهر فِي الأكمام والأوعاء)
(لَا بُد من فتح يروقك وَاضح ... كالصبح يدْرَأ فِي نحور عداء)
(وستملك الْحرم الشريف وينتمي ... للوائك الْمَنْصُور دون مراء)
(5/157)

(وَترى الْجِهَات وَقد أَتَت منقادة ... بِظَبْيٍ بنيك السَّادة النجباء)
(وتقر عينا بالخليفة مِنْهُم ... وزر الْبَريَّة عدَّة الْأُمَرَاء)
(بِمُحَمد الْمَأْمُون خير من ارْتقى ... درج الْكَمَال ودب للعلياء)
(فرع سيحكي أَصله وَلَقَد حكى ... بمقاصد قد سددت ودهاء)
وَقَالَ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الفشتالي رَحمَه الله تَعَالَى
(هم سلبوني الصَّبْر وَالصَّبْر من شأني ... وهم حرمُوا من لَذَّة الغمض أجفاني)
(وهم أخفروا فِي مهجتي ذمم الْهوى ... فَلم يثنهم عَن سفكها حبي الْجَانِي)
(لَئِن أترعوا من قهوة الْبَين أكؤسي ... فشوقهم أضحى سميري وندماني)
(وَإِن غادرتني بالعراء حمولهم ... كفى أَن قلبِي جَاهد أثر أظعاني)
(قف العيس واسأل ربعهم أَيَّة مضوا ... أللجزع سَارُوا مدلجين أم البان)
(وَهل باكروا بالسفح من جَانب اللوا ... ملاعب آرام هُنَاكَ وغزلان)
(وَأَيْنَ استقلوا هَل بهضب تهَامَة ... أناخوا المطايا أم على كثب نعْمَان)
(وَهل سَالَ فِي بطن المسيل تشوقا ... نفوس ترامت للحمى قبل جثمان)
(وَإِذا زجروها بالْعَشي فَهَل ثنى ... أزمتها الْحَادِي إِلَى شعب بوان)
(وَهل عرسوا فِي دير عبدون أم سروا ... يؤم بهم رهبانهم دير نَجْرَان)
(سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ... بأحداجهم شَتَّى صِفَات وألوان)
(وأدلج فِي الأسحار بيض قبابهم ... فلحن نجوما فِي معارج كُثْبَان)
(لَك الله من ركب يرى الأَرْض خطْوَة ... إِذا زمها بدنا نواعم أبدان)
(أرحها مطايا قد تمشي بهَا الْهوى ... تمشي الحميا فِي مفاصل نشوان)
(ويمم بهَا الْوَادي الْمُقَدّس بالحمى ... بِهِ المَاء صدا والكلا نبت سَعْدَان)
(واهد حُلُول الْحجر مِنْهُ تَحِيَّة ... تفاوح عرفا ذاكي الرند والبان)
(لقد نفحت من شيخ يثرب نفحة ... فهاجت مَعَ الأسحار شوقي وأشجاني)
(وفتت مِنْهَا الشرق فِي الغرب مسكة ... سحبت بهَا فِي أَرض دارين أرداني)
(وأذكرني نجدا وَطيب عراره ... نسيم الصِّبَا من نَحْو طيبَة حياني)
(أحن إِلَى تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَا ... معاهد راحاتي وروحي وريحاني)
(5/158)

(وأهفو مَعَ الأشواق للوطن الَّذِي ... بِهِ صَحَّ لي أنسي الهني وسلواني)
(وأصبوا إِلَى أَعْلَام مَكَّة شائقا ... إِذا لَاحَ برق من شمام وشهلان)
(أهيل الْحمى ديني على الدَّهْر زورة ... أحث بهَا شوقا لكم عزمي الواني)
(مَتى يشتفي جفني القريح بنظرة ... يَزُجّ بهَا فِي نوركم عين إنساني)
(وَمن لي بِأَن يدنوا لقاكم تعطفا ... ودهري عني دَائِما عطفه ثَانِي)
(سقى عَهدهم بالخيف عهد تمده ... سوافح دمع من شؤوني هتان)
(وأنعم فِي شط العقيق أراكة ... بأفيائها ظلّ المنى والهوى داني)
(وَحيا ربوعا بَين مروة والصفا ... تَحِيَّة مشتاق لَهَا الدَّهْر حيران)
(ربوعا بهَا تتلو الْمَلَائِكَة الْعلَا ... أفانين وَحي بَين ذكر وَقُرْآن)
(وَأول أَرض باكرت عرصاتها ... وطرزت البطحا سحائب إِيمَان)
(وعرس فِيهَا للنبوة موكب ... هُوَ الْبَحْر طام فَوق هضب وغيطان)
(وَأدّى بهَا الرّوح الْأمين رِسَالَة ... أفادت بهَا الْبُشْرَى مدائح عنوان)
(هُنَالك فض خَتمهَا أشرف الورى ... وفخر نزار من معد بن عدنان)
(مُحَمَّد خير الْعَالمين بأسرها ... وَسيد أهل الأَرْض الْإِنْس والجان)
(وَمن بشرت بِالْبَعْثِ من قبل كَونه ... نوامس كهان وأخبار رُهْبَان)
(وَحِكْمَة هَذَا الْكَوْن لولاه مَا سمت ... سَمَاء وَلَا غاضت طوافح طوفان)
(وَلَا زخرفت من جنَّة الْخلد أَربع ... تسبح فِيهَا أَدَم حور وولدان)
(وَلَا طلعت شمس الْهدى غب دجية ... تجهم من ديجورها ليل كفران)
(وَلَا لحقت بالمذنبين شَفَاعَة ... يذود بهَا عَنْهُم زباني نيران)
(لَهُ معجزات أخرست كل جَاحد ... وسلت على المرتاب صارم برهَان)
(لَهُ انْشَقَّ قرص الْبَدْر شقين وارتوى ... بِمَاء همي من كَفه كل ظمآن)
(وأنطقت الْأَوْثَان نطقا تبرأت ... إِلَى الله فِيهِ من زخارف ميان)
(دَعَا سرحة عجما فلبت وَأَقْبَلت ... تجر ذيول الزهر مَا بَين أفنان)
(وضاءت قُصُور الشَّام من نوره الَّذِي ... على كل أفق نازح الْقطر أوداني)
(وَقد بهج الْأَنْوَار بدعوته الَّتِي ... كست أوجه الغبراء بهجة نيسان)
(وَأَن كتاب الله أعظم آيَة ... بهَا افتضح المرتاب وابتأس الشاني)
(5/159)

(وعدى على شأو البليغ بَيَانه ... فهيهات مِنْهُ سجع قس وسحبان)
(نَبِي الْهدى من أطلع الْحق أنجما ... محا نورها أسداف إفْك وبهتان)
(بعزتها ذل الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانها آل ساسان)
(وأحرز للدّين الحنيفي بالظبا ... تراث الْمُلُوك الصَّيْد من عهد يونان)
(ونقع من سمر القنا السم قيصرا ... فجرعه مِنْهُ مجاجة ثعبان)
(وأضحت ربوع الْكفْر والشرك بلقعا ... يناغي الصدا فِيهِنَّ هَاتِف شَيْطَان)
(وأصبحت السمحا تروق نضارة ... وَوجه الْهدى بَادِي الصباحة للراني)
(أيا خير أهل الأَرْض بَيْتا ومحتدا ... وَأكْرم كل الْخلق عجم وعربان)
(فَمن للقوافي أَن تحيط بوصفكم ... وَلَو سجلت سبقا مدائح حسان)
(إِلَيْك بعثناها أماني أجدبت ... لتسقى بمزن من أياديك هتان)
(أجرني إِذا أبدى الْحساب جرائمي ... وأنقلت الأوزار كفة ميزاني)
(فَأَنت الَّذِي لَوْلَا وَسَائِل عزه ... لما فتحت أَبْوَاب عَفْو وغفران)
(عَلَيْك سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وماست على كثبانها ملد قضبان)
(وَحمل فِي جيب الْجنُوب تَحِيَّة ... يفوح بمسراها شذا كل تربان)
(إِلَى العمرين صاحبيك كليهمَا ... وتلوهما فِي الْفضل صهرك عُثْمَان)
(وحيي عليا عرفهَا وأريجها ... ووالي على سبطيك أوفر رضوَان)
(إِلَيْك رَسُول الله صممت عَزمَة ... إِذا أزمعت فالشحط والقرب سيان)
(وخاطبت مني الْقلب وَهُوَ مُقَلِّب ... على جَمْرَة الأشواق فِيك فلباني)
(فيا لَيْت شعري هَل أزم قلائصي ... إِلَيْك بدارا أَو أقلقل كيراني)
(وأطوي أَدِيم الأَرْض نَحْوك راحلا ... نواجي المهاري فِي صحاصح فيعان)
(يرنحها فرط الحنين إِلَى الْحمى ... إِذا غرد الْحَادِي بِهن وغناني)
(وَهل تمحون عني خَطَايَا اقترفتها ... خطى لي فِي تِلْكَ الْبِقَاع وأوطان)
(وماذا عَسى يثني عناني وَإِن لي ... بآلك جاها صهوة الْعِزّ أمطاني)
(إِذا صد عَن زوارك الباس والعنا ... فجود ابْنك الْمَنْصُور أَحْمد أغناني)
(عمادي الَّذِي أوطا السماكين أخمصي ... وأوفى على السَّبع الطباق فأدناني)
(متوج أَمْلَاك الزَّمَان وَإِن سَطَا ... أحل سيوفا فِي معاقد تيجاني)
(5/160)

(وقاري أسود الغاب بالصيد مثلهَا ... إِذا أضْرب الخطى من فَوق جدران)
(هز بر إِذا زرا الْبِلَاد زئيره ... تضاءل فِي أخياسها أَسد خفان)
(وَإِن اطَّلَعت غيم القتام جيوشه ... وارزم فِي مركومه رعد نيران)
(صببن على أَرض العداة صواعقا ... أسلن عَلَيْهِم بَحر خسف ورجفان)
(كتائب لَو يعلون رضوى لصدعت ... صفاه الْجِيَاد الجرد تعدو بعقبان)
(عديد الْحَصَا من كل أروع معلم ... وكل كمي بالرديني طعان)
(إِذا جن ليل الْحَرْب عَنْهُم طلى العدا ... هدتهم إِلَى أوداجها شهب خرصان)
(من اللاء جرعن العدا غصص الردى ... وعفرن فِي وَجه الثرى وَجه بُسْتَان)
(وفتحن أقطار الْبِلَاد فَأَصْبَحت ... تُؤدِّي الْخراج الجزل أَمْلَاك سودان)
(إِمَام البرايا من على نجاره ... وَمن عترة سادوا الورى آل زَيْدَانَ)
(دعائم إِيمَان وأركان سؤدد ... ذووهم قد عرست فَوق كيوان)
(هم العلويون الَّذين وُجُوههم ... بدور إِذا مَا احلولكت شهب أزمان)
(وهم آل بَيت شيد الله ملكه ... على هضبة العلياء ثَابت أَرْكَان)
(وَفِيهِمْ أَتَى الذّكر الْحَكِيم وصرحت ... بفضلهم آيَات ذكر وَقُرْآن)
(فروع ابْن عَم الْمُصْطَفى ووصيه ... فناهيك من فخرين قربى وقربان)
(ودوحة مجد معشب الرَّوْض بالعلا ... يجاد بأمواه الرسَالَة رَيَّان)
(بمجدهم الْأَعْلَى الصَّرِيح تشرفت ... معد على العرباء عَاد وقحطان)
(أُولَئِكَ فخري إِن فخرت على الورى ... ونافس بَيْتِي فِي الولا بَيت سلمَان)
(إِذا اقتسم المداح فضل فخارهم ... فقسمي بالمنصور ظَاهر رُجْحَان)
(إِمَام لَهُ فِي جبهة الدَّهْر ميسم ... وَمن عزه فِي مفرق الْملك تاجان)
(سما فَوق هامات النُّجُوم بهمة ... يحوم بهَا فَوق السَّمَوَات نسران)
(وأطلع فِي أفق الْمَعَالِي خلَافَة ... عَلَيْهَا وشاح من علاهُ وسمطان)
(إِذا مَا احتبى فَوق الأسرة وارتدى ... على كبرياء الْملك نخوة سُلْطَان)
(توسمت لُقْمَان الحجا وَهُوَ نَاطِق ... وشاهدت كسْرَى الْعدْل فِي صدر إيوَان)
(5/161)

(وَإِن هزه حر الثَّنَاء تدفقت ... أنامله عرفا تدفق خلجان)
(أيا نَاظر الْإِسْلَام شم بارق المنا ... وباكر لروض فِي ذرا الْمجد فينان)
(قضى الله فِي علياك أَن تملك الدنا ... وتفتحها مَا بَين سوس وسودان)
(وَإنَّك تطوي الأَرْض غير مدافع ... فَمن أَرض سودان إِلَى أَرض بغدان)
(وتملأها عدلا يرف لِوَاؤُهُ ... على الْحَرَمَيْنِ أَو على رَأس غمدان)
(فكم هنأت أَرض الْعرَاق بك الْعلَا ... ووافت بك الْبُشْرَى لأطراف عمان)
(فَلَو شارفت شَرق الْبِلَاد سُيُوفكُمْ ... أَتَاك استلابا تَاج كسْرَى وخاقان)
(وَلَو نشر الْأَمْلَاك دهرك أَصبَحت ... عيالا على علياك أَبنَاء مَرْوَان)
(وشايعك السفاح يقتاد طَائِعا ... برايته السَّوْدَاء أهل خرسان)
(فَمَا الْمجد إِلَّا مَا رفعت سماكه ... على عمدي سمر الطوَال ومران)
(وهاتيك أبكار القوافي جلوتها ... تغازلهن الْحور فِي دَار رضوَان)
(أتتك أَمِير الْمُؤمنِينَ كَأَنَّهَا ... لطائم مسك أَو خمائل بُسْتَان)
(تعاظمن حسنا أَن يُقَال شبيهها ... فرائد در أَو قلائد عقيان)
(فَلَا زلت للدنيا تحوط جهاتها ... وللدين تحميه بِملك سُلَيْمَان)
(وَلَا زلت بالنصر الْعَزِيز مؤزرا ... تقاد لَك الْأَمْلَاك فِي زِيّ عَبْدَانِ)
انْتَهَت القصيدة الفريدة
قَالَ فِي نفح الطّيب أَخْبرنِي ناظمها أَنه أَرَادَ بقوله ونافس بَيْتِي فِي الولا بَيت سلمَان قَبيلَة سلمَان الَّتِي مِنْهَا لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب إِشَارَة إِلَى وَلَاء الْكِتَابَة للخلافة كَمَا كَانَ لِسَان الدّين رَحمَه الله وَفِيه مَعَ ذَلِك تورية بسلمان الْفَارِسِي رَضِي الله عَنهُ انْتهى
وَهَذِه القصيدة على طولهَا من غرر القصائد وَلذَا لم يذكر فِي الْمُنْتَقى من الأمداح المنصورية غَيرهَا وَقد أثنى عَلَيْهَا فِي نفح الطّيب جدا وتتبع مَا قيل فِي هَذَا الاحتفال وَإِقَامَة المولد العديم الْمِثَال من الأمداح يُفْضِي إِلَى الطول وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
(5/162)

ذكر سيرة الْمَنْصُور فِي تَرْتِيب جيوشه وحالات أَسْفَاره

قَالَ الفشتالي كَانَت السِّيرَة على عهد أبي عبد الله الْمهْدي وَولده الْغَالِب بِاللَّه وَابْنه المتَوَكل سيرة الْعَرَب فِي الْجَيْش والمأكل والملبس وَغير ذَلِك وَلما ولي المعتصم حمل النَّاس على السِّيرَة العجمية وجنح إِلَيْهَا فِي سَائِر شؤونه لما رأى مِنْهَا فِي بِلَاد التّرْك حَيْثُ كَانَ بهَا فكره النَّاس ذَلِك وأنفوا مِنْهُ وقوفا مَعَ العوائد فَلَمَّا جَاءَ الله بالمنصور ألف بَين سيرتي الْعَرَب والعجم وَاصْطفى من الْعَجم موَالِي رباهم بنعمته وأشملهم درور إحسانه مِنْهُم مصطفى باي وَمَعْنَاهُ بلغَة التّرْك قَائِد القواد وَيخْتَص بِهِ قَائِد الإصباحية وَكَانَ برسم حراسة الْبَاب العالي وَمِنْهُم الباشا مَحْمُود وَهُوَ صَاحب خَزَائِن الدَّار بِيَدِهِ مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال وَمِنْهُم الْقَائِد علوج قَائِد جَيش العلوج والباشا جؤذر فاتح السودَان وَهُوَ قَائِد جَيش الأندلس وَكَانَ لأهل الأندلس جَيش عَظِيم رُمَاة وعمار قَائِد جَيش السوس فَهَؤُلَاءِ أكَابِر العلوج وتليهم طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا بختيار وبغا ثمَّ إِن جَيش الْعَجم من الأتراك والعلوج قسمه إِلَى أَقسَام مِنْهَا البياك وهم أهل القلانس الصفرية المذهبة ذَوَات الْأَعْرَاف من ريش النعام الملون يقفون سماطين أَمَام قُبَّته أَو فسطاطه والسلاق أهل القلانس الطَّوِيلَة الْبيض الْمُرْسلَة على المناكب ويناط بهَا من أَعلَى الجباه جعاب صفر مذهبَة ويضيفون إِلَيْهَا وَقت الحزام أَجْنِحَة طوَالًا يؤلفونها أَيْضا من ريش النعام الْبَاقِي على أصل خلقته ويركزونها فِي الجعاب المنوطة بالقلانس من أَعلَى الجباه ويرسلونها إِلَى وَرَاء وَيقف هَؤُلَاءِ خلف البياك وبلبدروش وهم أهل اللقاقيف وَهِي رماح قَصِيرَة غَلِيظَة العصى مغشاة بالحديد ومرصعة بالمسامير الْبيض ركبت عَلَيْهَا أسنة عِظَام وزجاج هائلة ينْبت من ريشتي كل سِنَان مِنْهَا أضلاع مُسْتَقِيمَة وَيقف هَؤُلَاءِ خلف السلاق والشنشرية وهم أهل الطَّعَام وضعا ورفعا لَا غير وَقَائِدهمْ بختيار من سبي وَادي المخازن والقبجية وهم أهل حفظ الْأَبْوَاب وغلقها وَفتحهَا وَقَائِدهمْ مَوْلُود المشاوري وَطَائِفَة من هَؤُلَاءِ تحرس لَيْلًا
(5/163)

وَتَطوف على مسايف السُّور الْمُحِيط بِالدَّار وَمن وَظِيفَة هَؤُلَاءِ خدمَة الْكُرْسِيّ والسرير اللَّذين يجلس عَلَيْهِمَا السُّلْطَان بالإيوان وتعاهد أنماط الْجُلُوس وكنسها والشواش وهم الَّذين يتولون ضبط الجيوش فِي المصاف فِي حَرْب أَو سلم وإنهاء الْكتب والرسائل للجهات بِخَير أَو شَرّ
قَالَ الفشتالي وَهَذَا مِمَّا زَادَت بِهِ دولته على سَائِر الدول فَإِذا خرج فِي يَوْم عيد أَو ملاقاة أَو تهنئة خَرجُوا متزينين وكل قَائِد يقف عِنْد مبدأ انبعاث حَبل جَيْشه تَحت ألوية محفوفا بِجَيْش من رُؤَسَاء جنده أهل الْخَيل وهم الَّذين يدعونَ عِنْدهم بالبكباشات فاصلا بذلك بَين جَيْشه وجيش من يردفه خَلفه وَهَكَذَا يَمْتَد إِلَى انبعاث الْجَيْش من تِلْقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وكل يعرف مركزه ورتبته لَا يتعداه إِلَى غَيره بتقدم أَو تَأَخّر وَلَا يجد السَّبِيل إِلَى ذَلِك لَو أَرَادَهُ
قَالَ الفشتالي وَالتَّرْتِيب الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل فِي عَسَاكِر النَّار أَن يتَقَدَّم أَولا جَيش السوس ثمَّ يردفه جَيش شراكة وكل مِنْهُمَا يَنْقَسِم حبلين ثمَّ يردفهما العسكران العظيمان عَسْكَر الموَالِي من المعلوجي وَمن انضاف إِلَيْهِم وعسكرك الأندلس وَمن لبس جلدتهم وَدخل فِي زمرتهم وَهَذَانِ يسيران صفّين متساويين لِاسْتِوَاء مرتبتهما وَعند الْعَطاء تَارَة يتَقَدَّم هَؤُلَاءِ وَتارَة هَؤُلَاءِ غير أَن الموَالِي يكونُونَ فِي الميمنة لمزية الْوَلَاء وَكِلَاهُمَا يحظى بموالاة ركاب السُّلْطَان ويتقدم قائدهما مَحْمُود قَائِد الموالى وجؤذر قَائِد الأندلس وترفع على رَأس كل مِنْهُمَا الرَّايَات ويحفه عَسْكَر من بكباشات ثمَّ يتَّصل بِهَذَيْنِ العسكرين الدخلة الْعَظِيمَة الْمُؤَلّفَة من البياك والسلاق وبلبدروش فتسير الْفرق الثَّلَاث أَمَام الْمَنْصُور صُفُوفا مُتَسَاوِيَة فَأَما البياك فيلون ركابه يحفونَ بِهِ يَمِينا وَشمَالًا وَيرْفَع بِالْبَعْضِ رماحه اليزنية المنصوبة أَمَامه وَمِنْهُم صَاحب المظل الْمَرْفُوع على رَأسه كالغمامة يحملهُ حَالَة ركُوبه أقربهم دَرَجَة لقائدهم أبرويز وَإِذا مَشى الْمَنْصُور إِلَى جَامع الْمَنْصُور من جِهَة قُبُور الْأَشْرَاف أَو للمشتهى وَهُوَ الرَّوْض الْمُتَّصِل بقصر البديع على رجلَيْهِ حمله أبرويز بِنَفسِهِ ثمَّ يسير عَن يمينهم وشمالهم السلاق ويسير عَن
(5/164)

يَمِين هَؤُلَاءِ وشمالهم بلبدروش أهل اللقاقيف وتتكيف من الْجَمِيع صُورَة تزرع الرعب فِي الْقُلُوب وتسير الجنائب فِيمَا بَين سماطي هَذِه الدخلة مجنوبة صفا صفا إِلَى ألوية عَسَاكِر النَّار ومنبعث حبالها الممدودة يَقُودهَا صنف يدعونَ السراجة ركبانا وَكَانَت جنائب الْخُلَفَاء يَقُودهَا الرجل من الوزعة وَهَذَا أكمل مزية وجيش الإصباحية الَّذِي إِلَى نظر بيلارباي يَنْقَسِم كتيبتين عظيمتين تسير إِحْدَاهمَا ذَات الْيَمين وَالْأُخْرَى ذَات الشمَال أَمَام الموكب الَّذِي يرفع اللِّوَاء الْعَظِيم الْأَبْيَض الْمَدْعُو باللواء الْمَنْصُور عَلامَة على شعار الدولة على رَأس الْمَنْصُور يسامته من خَلفه وَهُنَاكَ ألوية كَثِيرَة ذَات ألوان مُخْتَلفَة وأمامه الطبل الْعَظِيم الَّذِي يسمع دويه من مَسَافَة بعيدَة وَمن خَلفه الطبول الْأُخَر مَعهَا الغيطات واحدتها غيطة يتَوَلَّى النفخ فِيهَا قوم من الْعَجم أساتيذ يتعلمونها فينفخون فِيهَا فتنبعث مِنْهَا أصوات وتلاحين لَا تحرّك الطباع وَلَا تبعثها على شَيْء دون الْحَرْب فَإِنَّهَا تشجع الجبان وتقوي جأش الْخَائِف حِكْمَة فيلسوفية وَهُنَاكَ مَزَامِير أخر وجعاب طوال صفرية على مِقْدَار النفير تسمى الطرنباط مِمَّا أحدثه أَيْضا فِي دولته وزادت بِهِ دولته فخامة وضخامة ثمَّ يردف هَذِه الألوية والآلات من خلف أَمِير الْمُؤمنِينَ موكبه الْعَظِيم فَهَذَا تَرْتِيب جَيش الْمَنْصُور انْتهى بِاخْتِصَار من كتاب مناهل الصَّفَا وَلَيْسَ اتِّخَاذ المظل مِمَّا أحدثته الدولة السعدية كَمَا زعم بَعضهم بل كَانَ ذَلِك مَوْجُودا فِي الدول الْقَدِيمَة شرقا وغربا
قَالَ اليفرني وَمَا ذكره الإِمَام الفشتالي من توافر أجناد الْمَنْصُور وتكاثر جيوشه هُوَ كَذَلِك وَقد أولعت الْعَامَّة فِي ذَلِك بأخبار واهية وَزَعَمُوا أَن الْمَنْصُور خرج مرّة إِلَى الرميلة بِظَاهِر مراكش وَلم تعلم أَصْحَابه بِخُرُوجِهِ فحين علمُوا بِخُرُوجِهِ تبعوه خفافا وثقالا فَأمر بعد مَا مَعَه هُنَالك من الْجَيْش فَوجدَ ثَمَانِينَ ألفا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله قد خاطرنا بِأَنْفُسِنَا حَيْثُ ركبنَا فِي هَذَا الْعدَد يستقله وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الإفراط وَالَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد أفقاي الأندلسي فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب رحْلَة الشَّبَاب إِلَى لِقَاء الأحباب مَا مَعْنَاهُ قَالَ إِن جَزِيرَة الأندلس الَّتِي استردادها من أَيدي
(5/165)

الْكفَّار سهل واسترجاعها مِنْهُم قريب لما دخلت مراكش فِي أَيَّام الْمَنْصُور وجدت عِنْده من الْخَيل نَحوا من سِتَّة وَعشْرين ألفا فَلَو تحركت همته لفتحها لاستولى عَلَيْهَا فِي الْحِين اه بِالْمَعْنَى اه كَلَام اليفرني
وَأما بَيَان حَالَة الْمَنْصُور فِي السّفر فقد قَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ إِن الْمَنْصُور كَانَ قَلِيل الْأَسْفَار وَإِنَّمَا سَافر إِلَى فاس مرَّتَيْنِ لَا غير وَإِنَّمَا كَانَ متفرغا للذاته وَاسْتِيفَاء شهواته مُدَّة خِلَافَته قَالَ اليفرني وَبِه يعلم أَن مَا شاع على الْأَلْسِنَة من أَنه كَانَ يمْكث بفاس سِتَّة أشهر وبمراكش مثلهَا لَيْسَ بِصَحِيح وَالله أعلم
وَكَانَ الْمَنْصُور إِذا سَافر استعد غَايَة الاستعداد وَأحسن فِي التهيئة مَا شَاءَ قَالَ صَاحب النفحة المسكية كَانَ لَهُ قصر من عود مسمر بمسامير ومخاطيف وَحلق وصفائح مفضضة على هَيْئَة عَظِيمَة وَقد أحدق بذلك كُله سرادق كالسور من نَسِيج الْكَتَّان كَأَنَّهُ حديقة بُسْتَان وزخرفة بُنيان وَفِي دَاخل الْقصر الْمَذْكُور القباب الملونة بيضًا وسودا وحمرا وخضرا كَأَنَّهَا أزاهير الرياض قد نقش ذَلِك أحسن النقش ومليء بأبهى الْفرش وللسرادق الَّذِي هُوَ كالسور أَبْوَاب كَأَنَّهَا أَبْوَاب الْقُصُور المشيدة يدْخل مِنْهَا إِلَى دهاليز وتعاريج ثمَّ يَنْتَهِي مِنْهَا إِلَى الْقصر الَّذِي فِيهِ القباب وَهَذَا الْقصر كَأَنَّهُ مَدِينَة تنْتَقل بانتقاله وَهُوَ من الأبهات الملوكية الَّتِي لم يُوجد مثلهَا عِنْد الْمُلُوك الماضين اه
وَمِمَّا يتَعَلَّق بِهِ مَا حَكَاهُ أَبُو فَارس الفشتالي فِي المناهل قَالَ خرج الْمَنْصُور يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة لزيارة أضرحة الصَّالِحين بأغمات قَالَ فتأخرت وَرَاءه فلحقني الْمولى عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف وَأَنا فِي أخريات النَّاس فأنشده
(أَبَا فَارس بَان الخليط وودعوا ... )
فَقلت
(وولوا وَحسن الصَّبْر مني شيعوا ... )
فَقَالَ
(وغرد حادي الْبَين وانشقت الْعَصَا ... وَكَاد فُؤَادِي للنوى يتقطع)
(5/166)

فَقلت
(إِلَى الله أَشْكُو فرقة مِنْهُم وَقد ... تجرعت من كأس النَّوَى مَا تجرعوا)
ثمَّ زِدْت
(لَئِن شرد السلوان عني بعدهمْ ... فَفِي صُحْبَة الْمَنْصُور أنسي أجمع)
ثمَّ قَالَ
(تَدور عَلَيْهِ هَالة لقبابه ... ومركزها قصر الْخلَافَة يلمع)
فَقلت
(سياج بِهِ بَحر الندى متموج ... وَمن أفقه شمس الْإِمَامَة تطلع)
وَكَانَ الْمَنْصُور خرج لزيارة أغمات فِي شارة حَسَنَة فَلَمَّا بلغ أغمات مكث فِيهِ يَوْمَيْنِ وَفِي الثَّالِث نَهَضَ إِلَى زِيَارَة الإِمَام أبي عبد الله الهزميري وعاج على ضريح الشَّيْخ سَيِّدي عبد الْجَلِيل ووقف عِنْد الْجَبانَة الْكُبْرَى فَدَعَا مَا تيَسّر وَفرق أمولا على ذَوي الْحَاجَات على يَد القَاضِي الشابطي والفقيه الْأمين أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الثاملي وَكَانَ مَعَه الْفَقِيه القَاضِي أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي كَانَ قد استقدمه من فاس برسم الْقِرَاءَة مَعَه وَكَانَ الْحميدِي لوذعيا خَفِيف الرّوح وَفِي هَذِه السفرة صدرت مِنْهُ الأبيات الَّتِي تبارى فِي معارضتها شعراء الدولة وَقد ذكرهَا فِي النزهة فَلْتنْظرْ هُنَالك
وَمِمَّا يتَعَلَّق بأخبار الْحميدِي الْمَذْكُور أَن الْمَنْصُور سَافر مرّة إِلَى تارودانت وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأَعْيَان كَالْقَاضِي الْحميدِي وَأبي الْعَبَّاس المنجور وَغَيرهمَا فخيم الْمَنْصُور بِبَاب تارودانت وَضرب النَّاس أخبيتهم فَمر رجل عَلَيْهِ أطمار بالية وهيئة رثَّة وَيُقَال إِن هَذَا الرجل هُوَ أَبُو عُثْمَان الْهِلَالِي الروداني فوطئ على طُنب من أطناب خباء القَاضِي الْحميدِي فصاح القَاضِي من هَذِه الْبَقَرَة الَّتِي قوضت على خَيْمَتي متهكما بِالرجلِ فَألْقى إِلَيْهِ الرجل قرطاسا فِيهِ أَبْيَات وَقَالَ الْبَقَرَة من لَا يُجيب عَن هَذِه وَنَصّ الأبيات
(إِلَى بابك العالي مسَائِل ترتقي ... تفطن لَهُنَّ يَا حميدي واصدق)
(فَمَا الحكم فِي الأوزاغ هَل سَاغَ أكلهَا ... وَمَا الحكم فِي موتى المجانين فانطق)
(5/167)

(وَهل جَازَ للمسبوق بعد تشهد ... دُعَاء إِذا مَا رام إِكْمَال مَا بَقِي)
(وَمَا وزن لَيْسَ يَا أديب وَأَصله ... وَمَا جمع قلَّة لصاع فحقق)
(وَمَا وَزنه شمر ولاتن وائتنا ... بِجمع سَوَاء والمقيد أطلق)
(وَبَين لنا من فِي أعوذ بربنا ... من إِبْلِيس والتخمين فِي الْكل فَاتق)
فَبَدَا للحميدي مَا لم يكن يحْتَسب وَتوقف عَن الْجَواب فَرفعت الْقَضِيَّة إِلَى الْمَنْصُور فاستغربها وَقَالَ هَذَا رجل من أهل الْبَادِيَة فَضَح قَاضِي قُضَاة الحواضر وَأمر المنجور فَأجَاب عَنْهَا يُقَال بعد أَربع سِنِين وَبعد موت السَّائِل وَنَصّ الْجَواب
(جوابك فِي الأولى إِبَاحَة أكلهَا ... بمذهبنا فأجزم بِذَاكَ وَصدق)
(كَذَا ابْن حبيب فِي الخشاش أَبَاحَهُ ... لمحتاجه مثل العقارب فاسبق)
(وَقد قيل فِي الأوزاغ يحرم أكلهَا ... وَذَلِكَ فِي الْكَافِي ليوسف فَاتق)
(ومستقذر يَحْكِي الْمُخَالف مَنعه ... وَأنْكرهُ التَّنْبِيه فَافْهَم ودقق)
(وَرجح مَا يَحْكِي الْمُخَالف بعض من ... لَهُ الْعزو للتحقيق لَا للتشدق)
(وميت مَجْنُون جرى خلف حكمه ... بِعلم كَلَام لَا تكن غير متق)
(وتحقيقها إِن الْجُنُون الَّذِي طرا ... يصير كموت فصل الْحق يعبق)
(فآونة بعد الْبلُوغ طروه ... وحينا يرى قبل الْبلُوغ فطبق)
(وآونة إِثْر الصّلاح وُقُوعه ... وحينا بعصيان الْكَبِيرَة يلتقي)
(وحينا يَدُوم للممات وَتارَة ... يفِيق فَخذ حكم الْجَمِيع ووثق)
(وَينْدب للمسبوق دَعْوَى تشهد ... وفَاق إِمَام فِي الْمُنَاجَاة فارتق)
(وَلَيْسَ لَهُ فعل كقال وَأَصله ... بِكَسْر لياء فاكسر الْعين ترتق)
(وجمعك صَاعا فِي الْقَلِيل بأصوع ... وأصؤع بهمز الْوَاو فانهج ونمق)
(وَإِن شِئْت فاقلبه فَيرجع آصعا ... لضابط تصريف فللعلم شوق)
(وَصَاع كعام عينه فرع ضمة ... وتحريكه فتح فزنه وحقق)
(وَجمع سَوَاء فَالَّذِي مِنْهُ جامد ... يأسوية علم يُقَاس فَفرق)
(ومشتقه وزن الْخَطَايَا قِيَاسه ... سواسية ثقل فبالحق فانطق)
(ومقصد من فِي العوذ بَدْء لغاية ... فإبليس مبدأ العوذ عِنْد الْمُوفق)
(5/168)

انْتِقَاض ولي الْعَهْد مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون على أَبِيه الْمَنْصُور وَمَا آل إِلَيْهِ أمره فِي ذَلِك

كَانَ الْمَأْمُون كَمَا تقدم ولي عهد أَبِيه الْمَنْصُور وَكَانَ خَلِيفَته على فاس وأعمالها سَائِر مُدَّة أَبِيه وَكَانَ للمنصور اعتناء تَامّ بِهِ واهتمام بِشَأْنِهِ حَتَّى قيل إِن الْمَنْصُور كَانَ لَا يخْتم على صندوق من صناديق المَال إِلَّا قَالَ جعل الله فَتحه على يَد الشَّيْخ رَجَاء أَن يقوم بِالْأَمر بعده فَلم يساعد الْقدر وَخرج الْأَمر كَمَا قَالَ الْقَائِل
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن)
فأساء الْمَأْمُون السِّيرَة وأضر بالرعية
قَالَ اليفرني وَكَانَ فسيقا خَبِيث الطوية مُولَعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بِأُمُور الدّين من الصَّلَاة وشرائطها وَلما ظهر فَسَاده وَبَان للنَّاس عواره نَهَاهُ وَزِير أَبِيه الْقَائِد أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم السفياني عَن سوء فعله فَلم ينْتَه وَاسْتمرّ على قبح سيرته فَأَعَادَ عَلَيْهِ اللوم فلح فِي مذْهبه وَلما أَكثر عَلَيْهِ من التقريع سقَاهُ السم فَكَانَ فِيهِ حتف الْقَائِد الْمَذْكُور وَمِمَّا أنكر عَلَيْهِ أَنه قبض على كَاتب أَبِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ مؤلف كتاب الْمَمْدُود وَالْمَقْصُود من سناء السُّلْطَان الْمَنْصُور ووظف عَلَيْهِ أَمْوَالًا وابتزه ذخائره حَتَّى كَانَ مِمَّا أَخذ مِنْهُ ثَمَانُون حسكة مذهبَة وَمِائَة تخت من الملف الْمُخْتَلف الألوان فَلَمَّا كثرت قبائحه وترددت الشكايات لِأَبِيهِ كتب إِلَيْهِ لينكف عَن غيه وينزجر عَن خبثه فَمَا زَاده التحذير إِلَّا إغراء فَلَمَّا رأى الْمَنْصُور أَنه لم يكترث بأَمْره وَلم ينزجر عَن قبائحه عزم على التَّوَجُّه إِلَى فاس بِقصد أَن يمكر بِهِ ويؤدبه بِمَا يكون رادعا لَهُ فَسمع الشَّيْخ بذلك فَجمع عساكره وهيأ جنده وَدفع الْمُرَتّب لأَصْحَابه وَكَانَ عدد جَيْشه فِيمَا قيل اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا كلهم بكساوى الملف وَالْحَرِير
(5/169)

على أحسن شارة وأكمل زِيّ وعزم أَنه إِن بلغه خُرُوج أَبِيه من مراكش أَن يتَوَجَّه فِي أَصْحَابه إِلَى تلمسان ويستجير بِالتّرْكِ فَلَمَّا بلغ الْمَنْصُور مَا عزم عَلَيْهِ الشَّيْخ من الذّهاب إِلَى تلمسان تخلف عَن الْخُرُوج من مراكش وَكتب إِلَى الشَّيْخ يلاطفه ويأمره أَن لَا يفعل وولاه سجلماسة ودرعة وتخلى لَهُ عَن خراجهما وَقَالَ لَهُ قد سوغتكه وَلَا أطالبك فِيهِ وَمرَاده بذلك أَن تسكن نفرته وَيرجع إِلَيْهِ عقله فأظهر الشَّيْخ امْتِثَال الْأَمر وَخرج يؤم سجلماسة فَمَا انْفَصل عَن فاس بِشَيْء يسير حَتَّى نَدم وَرجع إِلَيْهَا وَعَاد لما كَانَ عاكفا عَلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور أَعْيَان مراكش وعلمائها فنصحوه ووعظوه وخوفوه سخط وَالِده وَحَذرُوهُ عَاقِبَة العقوق وَلم يألوا جهدا فِي نصحه فوجوده مَشْغُول الْقلب عَن نصيحتهم مغمور الذِّهْن بِخِلَاف قَوْلهم إِلَّا أَنه أظهر الرُّجُوع عَمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ من الْفِرَار عَن أَبِيه وأقصر فِي الظَّاهِر عَن بعض تِلْكَ الْمسَاوِي فَرجع الْوَفْد إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه قد تَابَ وَحسنت حَاله واطمأنت نَفسه وَأَنه وَاقِف عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي فَلم يطمئن الْمَنْصُور لقَولهم وَقَالَ لَهُم لَعَلَّ هَذَا إطفاء لنار الشحناء وَكذب لإِصْلَاح الْبَاطِن وصمم على الْمَكْر بالشيخ فَكتب إِلَيْهِ كتابا طَويلا يلومه فِيهِ على بعض الْأَشْيَاء وَفِي ضمن ذَلِك تسكين خاطره حَتَّى يبغته على حِين غَفلَة وَنَصّ الْكتاب
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيد الله أوامره وظفر عساكره إِلَى ولدنَا وَولي عهدنا الْأَمِير الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز بَابا الشَّيْخ وصل الله كمالكم وسنى من خير الدَّاريْنِ آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حَضْرَة مراكش حاطها الله وَلَا جَدِيد إِلَّا مَا عوده مَوْلَانَا من الْخَيْر لله الْحَمد وَله الْمِنَّة هَذَا وَالَّذِي أوجبه أسعدكم الله وكلاكم أَنه بلغنَا أَنكُمْ قد استخدمتم هُنَاكُم جمَاعَة من أَوْلَاد طَلْحَة كأولاد أخي عَليّ بن مُحَمَّد وَأخي عَليّ بن مُلُوك وَغير هَؤُلَاءِ وَأَنَّك قد فرضت لَهُم فِي أعطياتهم نَحْو خَمْسَة آلَاف وَإِلَى هَذَا أَي مصلحَة ظَهرت لَك فِي اسْتِخْدَام هَؤُلَاءِ الْقَوْم حَتَّى تتحمل كلفة فرض هَذِه الْفُرُوض بل مَا
(5/170)

فِي ذَلِك إِلَّا الْفساد الْبَين لِأَن هَذَا الَّذِي تعرضتم لَهُ لَا يَفِي بِهِ الْمغرب وَلَا يقوم مَعَه بكم شَيْء وَمَسْأَلَة هَؤُلَاءِ أَوْلَاد طَلْحَة إِن كنت رَأَيْت استخدامنا وَأَرَدْت تقليدنا فِي ذَلِك واقتفاء سيرتنا فِيهِ فَاعْلَم أَن بَيْننَا وَبَيْنكُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فرقا من وُجُوه مِنْهَا إِن مراكش لَيست كفاس وَإِن خدمتهم هُنَا لبعدهم عَن بِلَادهمْ لَيست كخدمتهم هُنَاكَ وَأَيْضًا هَؤُلَاءِ النَّاس أَنا أعرفهم وَكنت فِي بِلَادهمْ وَهَذِه الْخدمَة كَانُوا قد طلبوها مني وَأَنا هُنَاكَ فوعدتهم إِذْ لَا يمكنني وَأَنا ببلادهم إِلَّا مساعفتهم فَلَمَّا جاؤوا الْيَوْم وطالبونا بالوعد لم يُمكن إِلَّا الْوَفَاء لَهُم بِهِ فَعَلَيهِ شرطنا عَلَيْهِم مراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمناهم وَمَعَ هَذِه الْوُجُوه كلهَا والاعتبارات فقد نَدِمت وَالله على استخدامهم غَايَة الندامة وَكنت فِي ذَلِك على خطأ إِذا كَانَ الأولى إِن كُنَّا حاسناهم وتركناهم فِي الْخدمَة وَأما أَنْت فَفِي مندوحة عَن هَذَا كُله لِأَنَّهُ لَا وعد لَك سَابق حَتَّى يلزمك الْوَفَاء بِهِ ويمكنك أَن تحيلهم على إذننا ومشورتنا فنكفهم عَنْك بِالشّرطِ الَّذِي شرطنا عَلَيْهِم من الْخدمَة هُنَا بمراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمنا مِنْهُم من استخدمنا وَإِلَى هَذَا فَالَّذِي نؤكد بِهِ عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تستخدم مِنْهُم حَتَّى فَارِسًا وَاحِدًا أصلا من الَّذين ذكرنَا لَك وَمن غَيرهم من كَافَّة أَوْلَاد طَلْحَة وأمرناك أَن تتنصل لَهُم فِينَا وَتقول لَهُم إِن السُّلْطَان مَنَعَنِي من استخدامكم هُنَا وتقرأ عَلَيْهِم كتَابنَا الْوَاصِل إِلَيْكُم صُحْبَة هَذَا لتتفادى مِنْهُم وَلَكِن الْجفَاء مَعَ هَذَا كُله لَا تظهره بل تحسن اللِّقَاء بهم وتواليهم بِإِظْهَار الْبشر وَالْقَبُول وَبَاب الطمع تسده دونهم
وَالَّذِي شقّ علينا أعظم من هَذَا كُله واستنكرناه وَلم نجد صبرا عَلَيْهِ هُوَ مَا وجدناهم قد اطلعوا عَلَيْهِ أَعنِي أَوْلَاد طَلْحَة عَليّ بن مُحَمَّد وَغَيره من أحوالكم وأخباركم وألفيناهم قد توصلوا من ذَلِك إِلَى مَا لم يتَوَصَّل إِلَيْهِ أحد من كبار خدامكم أهل بِلَادنَا وخواص أهل بساطنا لِأَن أهل بِلَادنَا أحباء مَا لَهُم بحث إِلَّا فِي مصَالح أنفسهم هَؤُلَاءِ إِنَّمَا ينتقدون ويبحثون عَن الْغرَّة وعورات المملكة فَإِذا بكم تتخذونهم بطانة وأصدقاء وتطالعونهم بأحوالكم
(5/171)

وأموركم مَعَ أَن الْقَوْم لَا زَالُوا بِبِلَاد الْعَدو وَبَين أظهرهم وَمَا يطلعون عَلَيْهِ تحْتَاج تقطع وتجزم بِأَن التّرْك قد اطلعوا عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ شاهدوه ووقفوا بِأَنْفسِهِم عَلَيْهِ وَأَيْضًا لَو كَانُوا أصدقاء وَلَا يُرِيدُونَ بِنَا إِلَّا خيرا فالقوم عرب لَا يتحفظون على مَا يطلعون عَلَيْهِ وَلَا يفهمون مَا يحسن إخفاؤه وَلَا إبداؤه وَلَا يتمالكون قولا وَلَا نطقا وَبِالْجُمْلَةِ فقد أَحْرَقَتْنَا هَذِه الْمَسْأَلَة وتفطرت لَهَا أكبادنا وَصَارَت قُلُوبنَا مِنْهَا مطعونة وَمَا عنْدكُمْ علم بِأَن النَّاس كَانُوا يتحفظون فِي أقل الْأُمُور أَن يطلع عَلَيْهَا الْأَجَانِب وَإِن كَانُوا أحب من كل محب وَأقرب من كل قريب وَهل مَا عنْدكُمْ علم بِأَنا أخانا بَابا مَنْصُور كَانَ عرض لَهُ غَرَض ضَعِيف جدا أَرَادَ أَن يَطْلُبهُ من أخينا بَابا عبد الله وَحضر فِي الْمجْلس مَنْصُور بن المزوار فَلم يرد بَابا مَنْصُور لفطنته أَن يذكر ذَلِك حَتَّى يشاور من بإزائه لِئَلَّا يكون عيب فِي ذكر ذَلِك بمحضره فَعَلَيهِ شاور الْقَائِد دحو بن فرج كَانَ بإزائه فَقَالَ لَهُ هَذَا رجل براني فَلَا تطلب شَيْئا قدامه على أَن مَنْصُور بن المزوار هَذَا كَانَ مَعَ أسلافنا من أقرب مَا إِلَيْهِم من خَواص الخدام أهل بساطنا محبَّة وقربا لِأَنَّهُ أسلف مَعَهم خدمَة عَظِيمَة فقد كَانَ عدوا للترك وَبَينه وَبينهمْ أَرْوَاح وَحضر مَعَ أخينا بَاب حمو الحران جَمِيع مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد أَيَّام استيلائه على الْمغرب الْأَوْسَط ثمَّ مَعَ بَابا عبد الْقَادِر كَذَلِك وَشرب مَعَهم الحلوة والمرة وَلما جَاءَ من تلمسان جَاءَ بأولاده مِنْهَا راحلا كَمَا جَاءَ مِنْهَا بَابا عبد الله بأولاده وكما جَاءَ مَعَهم خدامنا أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَمَا زَالَ على الْخدمَة وَالْوَفَاء حَتَّى حصلت لَهُ يَد عَظِيمَة مَعَ أسلافنا وناهيك بِمن بلغ إِلَى أَن قلدوه حَاضِرَة تازا ثمَّ بِلَاد الفحص الَّتِي لَا تُعْطى كلتاهما إِلَّا لأَقْرَب الخدام الموثوق بمحبتهم وَخدمَتهمْ وقربهم وَمَعَ بُلُوغه إِلَى هَذَا الْمبلغ كُله محبَّة وصداقة وهجرة وانقطاعا حَتَّى انه فِي دُخُول صَالح رَئِيس مَدِينَة فاس رَحل بأولاده مَعَ السُّلْطَان إِلَى هُنَا كَمَا فعل أهل هَذِه الْبِلَاد وَحين دَخَلنَا نَحن من جِهَة الشرق لفاس رحلوا أَيْضا مَعَ صَاحب الْجَبَل إِلَى مراكش وَلَا يعدوا أنفسهم من هَذَا الْجَانِب أبدا فِي الحَدِيث الْقَدِيم ثمَّ إِن النَّاس استبعدوا أَن يطلبوا أقل الْمسَائِل بمحضره وَقَالُوا إِنَّه
(5/172)

براني فضلا عَن هَؤُلَاءِ الَّذين مَا زَالُوا إِلَى الْيَوْم فِي بِلَاد الْعَدو يباكرونه ويراوحونه فَإِذا بكم تَنْزِلُونَ مَعَهم إِلَى أَن تطالعوهم على أُمُوركُم ويتوصلوا إِلَى الْمعرفَة بأحوالكم فَمَا تمالكنا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا وجدنَا عَلَيْهَا صبرا وَمن جملَة الْأُمُور الَّتِي غاظتنا وَقُلْنَا كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور أَن عَليّ بن مُحَمَّد كَانَ يتَكَلَّم يَوْمًا مَعنا وَأخذ يثني عَلَيْكُم فِي نجدتكم وصبركم عِنْد الشدَّة وسخائكم عِنْد الْحَاجة ثمَّ قَالَ إِلَّا أَن الْخَيل لَيست عِنْده لَا فِي الْحَرَكَة الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة لِأَن الْقَبَائِل أهل الْخَيل امْتَنعُوا من الْحَرَكَة مَعَه وَهِي الَّتِي غاظتني وَقلت كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور حَتَّى أننا مَا وجدنَا إِلَّا الرَّد عَلَيْهِ وَعكس مَا عرفنَا أَنهم اعتقدوه وَقُلْنَا اللَّهُمَّ نِسْبَة التَّقْصِير إِلَيْكُم وَلَا اعْتِقَادهم خلو الْبِلَاد من الْخَيل لأننا فهمنا مِنْهُم ذَلِك وَلِهَذَا أَجَبْته وَقلت لَهُ إِن ولدنَا لم يعطهم شَيْئا وَأعْطى من لَا يسْتَحق من ضعفاء القواد المعروفين بِأَكْل المَال وَعدم المخزنية وَلَو أعْطى تِلْكَ الْقَبَائِل لحشرها عَلَيْهِ لِأَن أَوْلَاد مُطَاع عِنْدهم من الْخَيل نَحْو الثَّلَاثَة آلَاف وَعند أَوْلَاد أبي عَزِيز نَحْو ألف وَنصف وَعند الغربية وَعند أَوْلَاد عمرَان وَعند عَبدة وَعند الشياظمة وَعند أَوْلَاد أبي رَأس وَعند أَحْمَر وَعند المنابهة أهل سايس وَعند المنابهة أَصْحَاب عمر بن مُحَمَّد عبو وَجعلت أعدد لَهُ قبائل السوس وقبائل مراكش وأحصي لَهُ خيلهم بِمَا بَهته وَقلت لَهُ لَو أنصفهم لحرك مِنْهُم مَعَه سِتَّة عشر ألفا أَو أَكثر وَيكون قد مَلأ بهم تِلْكَ الْبِلَاد وسال عَلَيْهَا من سيل العرم لَا فِي الْحَرَكَة لأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة وَلَو وَجه إِلَيْهِم المحركين وَالرُّمَاة لأتوه أَيْضا بِلَا خلاص وَإِلَى هَذَا نوصيكم على الْمُحَافظَة من أُولَئِكَ النَّاس وَمن رفع الْحجاب لَهُم عَن أُمُوركُم والاطلاع على أحوالكم وَعدم الْغَفْلَة عَن أَمْثَال هَذَا وَاعْلَم أَن من جملَة مَا بلغنَا أَيْضا أَن الْخَلْط رجعُوا كلهم رُمَاة على يَد مصطفى باشا مَعَ حَدِيث عَهدهم بِالْفَسَادِ وَالْخلاف وَكُنَّا انتشبنا مَعَهم بالعودات فَإِذا بهم الْيَوْم بالمدافع وعدة النَّار وَهل هَذَا يجوز عَلَيْكُم حَتَّى تسمحوا فِيهِ مَعَ أَن هَذِه الْمسَائِل لَيست بغائبة عَنْكُم سمعتموها بِالسَّمَاعِ فَقَط وَلَا طَوِيلَة عهد حَتَّى
(5/173)

تنساها بالْأَمْس شاهدت وباشرت وَرَأَيْت فَمَا الَّذِي أنساك فعلهم وَمَا زَالَ جرحهم الْآن لم يبرأ لِأَن خُرُوج الْقَائِد مُؤمن الْخَارِج الْآن مَا كَانَ إِلَّا إِلَيْهِم والآن نؤكد عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تسمع لمصطفى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقد سمعنَا أَيْضا أَن قواد الْفساد الَّذين عنْدكُمْ من أَوْلَاد حُسَيْن قد صَارَت جُمْلَتهمْ من بَاب الْخَمِيس إِلَى دَار الدبيبغ وكأنكم نسيتم أَيْضا مَا عمل أَوْلَاد حُسَيْن بالْأَمْس دون بعد من النهب وأضرموا من الْفساد فِي الْبِلَاد حَتَّى ينزلُوا تِلْكَ الْمنَازل وَإِلَى هَذَا فساعة وَصله إِلَيْكُم تقبض على قواد الْفساد هَؤُلَاءِ خُصُوصا أَحْمد بن عبد الْحق من أَوْلَاد يحيى بن غَانِم الَّذِي كَانَ أَبوهُ حاجبا عِنْد المريني فَهُوَ أصل الْفساد ثمَّ لَا تتْرك لقبائلهم جنَاحا وَاحِدًا وزد للقائد مُؤمن بن مُلُوك ألف رام ليستوفي لكم الْغَرَض فِي هَؤُلَاءِ وأمثالهم من كل مَا تَأمره بِهِ لِأَن بَقَاء الرُّمَاة هُنَالك مَا فِيهِ إِلَّا الِاشْتِغَال بِالْفَسَادِ فِي الْمَدِينَة فتحتاج أَن تتولاهم بِالْقَتْلِ كل يَوْم بَاطِلا فَكَانَ خُرُوجهمْ إِذْ ذَاك دفعا لمضرتهم وجلبا للْمصَالح بهم وَحَتَّى الْكَاتِب اللَّائِق بأمثالكم ورسائلكم لم يكن عنْدكُمْ لِأَن كتبكم تَأتي بِخَط سَالم وَهُوَ غير عَارِف بالإنشاء وَتارَة بِخَط الكريني وَهُوَ جَاهِل مَعَ أَنَّك لما كنت خليفتنا وَولي عهدنا كنت بصدد أَن يكْتب لَك كل أحد لَا صَاحب الجزائر وَلَا صَاحب تونس وَحَتَّى صَاحب التّرْك وَصَاحب النَّصَارَى وكل من يكْتب لنا من مُلُوك الأَرْض بصدد أَن يكْتب لَك فتحتاج حِينَئِذٍ إِلَى من يحسن الْجَواب عَنْك لكل من يكْتب إِلَيْك وَيكون أَيْضا مِمَّن يوثق بِهِ فِي الْمُحَافظَة على أسراركم وَإِلَى هَذَا فَلَا بُد من تعْيين قَائِد الْمحلة وحاجب وَكَاتب سرك وَصَاحب مشورك وَصَاحب الْمَظَالِم كَمَا هُنَا هُوَ عندنَا السَّيِّد عَليّ بن سُلَيْمَان وَاعْلَم أَن مِمَّا تحْتَاج أَن ننبهك عَلَيْهِ مَسْأَلَة القواد الَّذين يُرِيدُونَ أَن يحملوك أثقال أَوْلَادهم مثل مَا فعلت فِي أَوْلَاد الْقَائِد بركَة وإخوتهم الَّذين استخدمتهم وَجعلت لَهُم خَمْسمِائَة أُوقِيَّة فنؤكد عَلَيْك أَن لَا تستخدم مِنْهُم أحدا فَمَا أعطيناه سلا إِلَّا ليرْفَع فِيهَا أَوْلَاده وَإِخْوَته وَكَذَلِكَ
(5/174)

الحكم فِي أَمْثَاله مِمَّن أعطيناه عملا وقلدناه قيادة وَمن جملَة من نحذرك من استخدامهم فِي الرماية أهل الْجبَال من أهل الصحفة وَالدِّينَار فَلَا تستخدموا مِنْهُم أحدا وَإِلَّا فاعلموا أَنكُمْ مَا أردتم حِينَئِذٍ أَن يغرموا لكم وَلَا يعطوكم شَيْئا وَإِن أردتم الْخدمَة فهاهم أهل هَذِه الْبِلَاد مثل أهل السوس وَأهل درعة وَأهل مراكش فَكل مَا تستخدمون من هَؤُلَاءِ فَلَا عَلَيْكُم وَإِذا لم يكن من هَؤُلَاءِ وَكَانَ ولابد من غَيرهم فَمن أهل فاس سكان الْحَاضِرَة وَأما من عداهم فَلَا على أَن الرُّمَاة أهل السوس هَا هِيَ عندنَا كَثِيرَة فَكل مَا تُرِيدُ مِنْهُم عرفنَا نبعثهم إِلَيْك ونضيفهم إِلَى خدمتك ونؤكد عَلَيْك أَن تكْتب بِجَوَاب هَذِه الْأُمُور كلهَا فصلا فصلا مَعَ الْمَمْلُوك الْحَامِل لهَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله ولابد ولابد وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يحرس بمنه علاكم وَالسَّلَام وَفِي مهل جُمَادَى الأولى من عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ لم يلبث الْمَنْصُور أَن بعث إِلَى وَلَده زَيْدَانَ وَكَانَ خَلِيفَته على تادلا يَأْمُرهُ أَن يُرْسل مائَة من الفرسان على طَرِيق تاقبلات وكل من وجوده قَاصِدا للغرب من نَاحيَة مراكش يردونه وَأرْسل مَوْلَاهُ مَسْعُود الدوري على طَرِيق سلا يفعل مثل ذَلِك وَخرج الْمَنْصُور من مراكش فِي اثْنَي عشر ألفا أَوَائِل جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وجد السّير فَلم يمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى نزل بالدوح مَوضِع قريب من فاس وَالشَّيْخ فِي جَمِيع ذَلِك لَا شُعُور لَهُ بِخُرُوج أَبِيه وَلَا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَبعث يَوْمًا عيونه يرصدون لَهُ من قدم من مراكش ويكشفون عَن الْخَبَر فَمَا راعهم إِلَّا الأباطح تسيل بأعناق الْجِيَاد وأفواه الشعاب تقذف بالجيوش من بطُون الأودية والوهاد لأَنهم كَانُوا قد عميت عَلَيْهِم الأنباء بِقطع الْمَنْصُور للسابلة فَرَجَعُوا إِلَى الشَّيْخ مُسْرِعين والرعب يفت فِي أعضادهم ويطفئ جذوة عزائمهم فقصوا عَلَيْهِ مَا دهمهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا رَأَوْا فَعلم أَنه محاط بِهِ فَلم يُمكنهُ إِلَّا الْفِرَار فَركب من حِينه وفر إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ الصَّالح أبي الشتَاء من بِلَاد فشتالة قرب نهر ورغة وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الشتَاء قد توفّي قبل ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي
(5/175)

الْمرْآة فَنزل بالزاوية وَمَعَهُ بطانته وَأَصْحَاب دَخلته من الْأَحْدَاث وقرناء السوء فَبلغ خَبره الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِ الباشا جؤذرا مَعَ الْقَائِد مَنْصُور النبيلي وَحلف لَهما بأغلظ الْأَيْمَان إِن لم يأتياه بِهِ ليمكرن بهما ويجعلهما عِبْرَة فذهبا إِلَيْهِ فَامْتنعَ من الدُّخُول فِي يدهما وانعزل فِي أَصْحَابه حَتَّى ناوشوه الْقِتَال وتراموا بالنبال ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فِي خبر طَوِيل فَأمر بِهِ إِلَى مكناسة فسجن بهَا
وَدخل الْمَنْصُور دَار الْملك من حَضْرَة فاس الْجَدِيد وشكر الله على مَا أولاه من الظفر والنصر من غير إِرَاقَة دم وَتصدق فِي ذَلِك بأموال عَظِيمَة وَكتب بذلك إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش يُعلمهُ بِمَا كَيفَ الله لَهُ من الظفر والنصر وَنَصّ الْكتاب
إِلَى ولدنَا الْأَجَل الأرضى الْأَكْمَل الأسعد الأصعد الأمجد الأسمى الْأَسْنَى بَابا أبي فَارس وصل الله كمالكم وسنى بمنه آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم أسعدكم الله من محلتنا السعيدة بالمستقى وَلَا شَيْء إِلَّا مَا جرت بِهِ الأقدار وَحكم بِهِ الْفَاعِل الْمُخْتَار وَمَا جَاءَ بِهِ من عجائب الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار وَهِي قَضِيَّة أخيكم الَّتِي ثارت إِلَيّ بهَا صروف الدَّهْر من مكمني وطلعت عَليّ من مأمني إِلَّا أَن الله تَعَالَى بصنعه الْجَمِيل كفانا أَولا ثمَّ شفانا آخرا لله الْحَمد دَائِما وَالشُّكْر واظبا وَشرح ذَلِك أسعدكم الله ووقاكم السوء إِن الْحَال كَانَ انْتهى فِي معالجة أمره الَّذِي تجاوزنا فِي وُجُوه الْخَيْر إِلَيْهِ حد الاستقصا وأتينا فِي محاولة استصلاحه من أَحْوَال السياسة المرجوة النجح بِمَا لَا يُحْصى إِلَى مَا كُنَّا سوغناه من ولَايَة سجلماسة بخراجها وخراج درعة وأبحنا لَهُ التَّوَجُّه إِلَيْهَا بجملته وَجمعه رَجَاء أَن تسكن بالانتباذ إِلَيْهِمَا نفرته وتطمئن نَفسه ويثوب إِلَيْهِ قلبه الطَّائِر ويراجعه أنسه الحائر فأظهر أَولا التَّوَجُّه إِلَيْهِمَا ونهض مرتحلا عَن فاس موريا بالقدوم عَلَيْهِمَا ثمَّ بدا لَهُ على الْحِين فكر رَاجعا إِلَى فاس ورجونا أَن يكون قد ذهب عَنهُ النفار والشماس وثاب لنَفسِهِ السّكُون والاستئناس فَإِذا بِهِ قد انطوى بِرُجُوعِهِ على خلاف مَا أظهر فأبدى مَا أضمر فَمَا كَانَ إِلَّا أَن
(5/176)

طَرَأَ عَلَيْهِ خبر نزولنا بالدوح فَلم يَتَمَالَك أَن أقلع لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس عشر شهر تَارِيخه إقلاعا أزعجه من الدَّار فريدا وطارت بِهِ النفرة إِلَى أَن حل بزاوية الشَّيْخ أبي الشتَاء وحيدا فتلاحق بِهِ من جَيش رماته اليكشارية ومتفرقة سماسرة الْفِتَن وطلائع الشؤم والمحن جمع عَظِيم وَعدد من كثرته لَا يريم فبادرت حِينَئِذٍ بتجهيز جؤذر باشا من غير إغفال فِي خَمْسمِائَة صبائحية وَمَعَهُ الْقَائِد مُؤمن بن مُلُوك فِي خَمْسمِائَة فَارس ثمَّ أردفناه ببعوث أخر تألبت إِلَيْهِ وتناثلت عَلَيْهِ تناهز الْأَلفَيْنِ ورماة بَابا زَيْدَانَ حفظه الله فأحدقت بِهِ من كل الْجِهَات وملكوا عَلَيْهِ الفجاج والثنيات وَنحن مَعَ ذَلِك خلال هَذِه الْأَحْوَال لم نهمل مُقَابلَة نفرته بالتسكين وَمَا يخشن من أَحْوَاله بالتليين بإرسال المرابطين تجاهه بمواثيق تهنيه وعهود تؤنسه وتقرب أمانيه رَجَاء أَن يثوب إِلَيْهِ ثائب استبصار أَو يخْطر لَهُ خاطر إقلاع عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وإقصار وقرناء السوء المتلاحقون بِهِ من جَيْشه يقدحون للشر نَارا ويزينون لَهُ عقوقا ونفارا فدهمتهم حِينَئِذٍ عساكرنا المظفرة بِاللَّه فِي مَصَافهمْ دونه ودارت بَين الْفَرِيقَيْنِ حَرْب عَظِيمَة فخمدت النَّار من وَقت الظّهْر إِلَى الْعَصْر فأظهر الله تَعَالَى فِئَة الْحق على فِئَة الْبَاطِل وَقضى بِمَا جرى بِهِ الْقَضَاء المحتوم الحكم الْعَادِل وكتبناه إِلَيْكُم وَقد حصل فِي القبضة كَمَا سبق بِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَجعل بمَكَان الِاحْتِيَاط عَلَيْهِ من مكناسة فَكَانَت مَشِيئَة الله فِي ذَلِك من إِحْدَى الْعَجَائِب العبر وعرفناكم أسعدكم الله لتستشعروا صنع الله فِي هَذِه الداهية الَّتِي فَجئْت بهَا الْأَيَّام ودهمت والغاشية الَّتِي اعتكرت وادلهمت وتقدروا مَا صنع الله فِي ذَلِك من حسن الْعَاقِبَة حق قدره وتشكروه فَهُوَ الجدير بجميل حمد كل لِسَان وشكره ونسأله تَعَالَى أَن يجعلكم فِي حيّز الْكِفَايَة وجانب الْوِقَايَة حَتَّى لَا تساؤوا بقريب مَأْمُون وَلَا بِبَعِيد مظنون وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الموفي عشْرين من جُمَادَى الأولى عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ إِن أم الشَّيْخ وَاسْمهَا الخيزران بعثت إِلَى أَعْيَان مراكش الَّذين قدمُوا مَعَ الْمَنْصُور ترغب إِلَيْهِم فِي أَن يشفعوا لولدها عِنْد أَبِيه ويعتذروا عَنهُ بِمَا يزِيل مَا فِي بَاطِنه عَلَيْهِ فتقدموا إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ قد
(5/177)

صلحت حَالَته وَتَابَ مِمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ وَأَنه نَدم على مَا فرط مِنْهُ فَقَالَ لَهُم اذْهَبُوا إِلَى مكناسة واختبروا أمره كَافِيا وانظروا هَل رَجَعَ عَن أباطيله وتنصل من أضاليله فَلَمَّا أَتَوْهُ وجدوه أَخبث مِمَّا تَرَكُوهُ وعاينوا مِنْهُ من القبائح مَا يقصر عَن وَصفه اللِّسَان فَلَمَّا جَلَسُوا إِلَيْهِ فِي محبسه لم يسألهم إِلَّا عَن أَصْحَاب بطانته وقرناء السوء من أهل غيه وَلم يظْهر الأسف إِلَّا على تِلْكَ الْعِصَابَة ورآهم أهل الْإِصَابَة
وَكَانَ من الْأَعْيَان الَّذين وجههم الْمَنْصُور أَولا وآخرا أَوْلَاد الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن ساسي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار وَغَيرهم فَلَمَّا رجعُوا إِلَى الْمَنْصُور من مكناسة سَأَلَهُمْ عَن الْخَبَر فَنَافَقَ بَعضهم وَقَالَ وَجَدْنَاهُ تَائِبًا نَادِما على مَا صدر مِنْهُ وَتكلم بعض أَولا د الشَّيْخ ابْن ساسي فَقَالَ لَا وَالله لَا داهنت فِي حق الله وَلَا واجهت الْأَمِير بالخديعة إِن ولدك لَا نَأْذَن لَك أَن تؤمره على اثْنَيْنِ وَلَا تحكمه على عِيَال الله فَإنَّا وَجَدْنَاهُ خَبِيث الطوية قَبِيح السريرة لم ينْدَم على مَا فرط مِنْهُ فَسكت الْحَاضِرُونَ وَلم يتَكَلَّم أحد فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور افتوني فِي أَمر هَذَا الْوَلَد فَلم يجبهُ أحد إِلَّا باشاه عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ الرَّأْي أَن تقتله فَإِنَّهُ لَا ينجبر أمره وَلَا يُرْجَى صَلَاحه وَقد رَأَيْت مَا صنع فَلم يعجب الْمَنْصُور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ أقتل وَلَدي ثمَّ بعث إِلَى مكناسة يَأْمر بالتضييق على الشَّيْخ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ فِي ذَلِك ثمَّ خرج الْمَنْصُور فَنزل بمحلته فِي ظهر الزاوية قَاصِدا مراكش بعد أَن اسْتخْلف ابْنه زَيْدَانَ على فاس وأعمالها وَقد كَانَ كتب إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش برسالة أَجَابَهُ فِيهَا عَمَّا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي شَأْن الوباء الَّذِي ظهر بالسوس ومراكش هَل يفر مِنْهُ أم لَا وَنَصهَا
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْخَلِيفَة الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف الحسني أيد الله بعزيز نَصره أوامره وظفر عساكره وأسعد بمنه موارده ومصادره إِلَى ولدنَا الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز الأبر الأسعد الأمجد الأرضى بَابا أبي فَارس وصل الله تَعَالَى عنايتكم
(5/178)

ووالى بمنه رعايتكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه الْمَدِينَة الْبَيْضَاء حاطها الله عَن الْخَيْر والعافية وَنعم الله المتوافية لله الْحَمد وَله الْمِنَّة وَأَنه اتَّصل بعلي مقامنا كتابكُمْ الْأَعَز عَشِيَّة يَوْم الثُّلَاثَاء فكتبنا إِلَيْكُم صَبِيحَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلَوْلَا أَنه وصل يَوْم الدِّيوَان مَا كُنَّا نؤخر كتب الْجَواب لكم عَن سَاعَة وُصُوله فِي الْيَوْم بِنَفسِهِ حرصا منا بذلك على الْمُبَادرَة بوصوله إِلَيْكُم فِي الْحِين وَإِلَى هَذَا أسعدكم الله أَن أول مَا تبادرون بِهِ قبل كل شَيْء هُوَ خروجكم إِذا لَاحَ لكم شَيْء من عَلَامَات الوباء وَلَو أقل الْقَلِيل حَتَّى بشخص وَاحِد وَيبقى فِي القصبة وصيفنا مَسْعُود مَعَ الْقَائِد مُحَمَّد بن مُوسَى بن أبي بكر وتتركوا مائَة رام تثقون بهَا من رماتكم مَعَ أَصْحَاب السقيف وتتكلون على الله وتخرجون بالسلامة ثمَّ لَا تعملوا كعملنا فِي الِاقْتِصَار على الرميلة والتقلب بهَا بل لَا تَزِيدُوا إِذا خَرجْتُمْ على الْمقَام أَكثر من يَوْمَيْنِ ثمَّ اطووا المراحل إِلَى أَن تنزلوا بسلا وتدخلوها دُخُول هناء وعافية إِن شَاءَ الله وَهُنَاكَ يكون لقاؤنا بكم لِقَاء يمن وسعادة إِن شَاءَ الله ثمَّ لَا تغفلوا عَن اسْتِعْمَال الترياق أسعدكم الله فلازموه وَإِذا استشعرتم مِنْهُ حرارة وتخوفتموها فاستعملوا من الْوَزْن الْوَصْف الْمَعْرُوف مِنْهُ وَلَا تهملوه وَأما ولدك حفظه الله فَلَمَّا كَانَ من سنّ الشبيبة بِحَيْثُ مَنعه الْحَال من المداومة على الترياق فها هِيَ الشربة الْمَعْرُوفَة النافعة لذَلِك قد تركناها كَثِيرَة هُنَاكُم عِنْد التّونسِيّ فَيكون يستعملها هُوَ وَالْأَبْنَاء الصغار المحفوظون بِاللَّه حَتَّى إِذا أحس بِبرد الْمعدة من أجلهَا تعطوه الترياق الْمرة والمرتين على قدر الْحَاجة فَيَعُود إِلَيْهَا وَالله تَعَالَى بمنه وبحرمة صفوة خلقه خير الْبشر مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَلَّى حمايتكم جَمِيعًا ويحلكم من جميل كلاءته ورعايته حصنا منيعا وَأَن يعافي الْبِلَاد والعباد بمنه وفضله والسلعة أسعدكم الله تبادرون بإرسالها إِلَيْنَا وَكَذَلِكَ الْقَائِد مَسْعُود النبيلي تعزمون بإرساله إِلَى حَيْثُ أمرناه بالْمقَام من خنق الْوَادي بالسوس وَطَرِيق تاحظيشت وَاعْلَم أسعدكم الله مَا قطّ أرضانا أَن أمرهَا يتم وَقبل عقلنا الْكَرِيم إِن أهل درن يتجرون بِسَبَبِهَا وَلَكِن هَذَا سَبَب يكون حجَّة عَلَيْهِم إِن شَاءَ الله وَأَنْتُم
(5/179)

تحاولون أسعدكم الله سلوك النَّاس على بويباون على الْعَادة وتجهدوا فِي أَن تكون إِن شَاءَ الله سابلة وأولائكم أَعنِي أهل طَرِيق تاحظيشت يسكت عَنْهُم حَتَّى نصل بِخَير وعافية لتلكم الْبِلَاد إِن شَاءَ الله وَمَسْأَلَة أيسي الَّتِي كتبت لكم من خنق الْوَادي على الزَّرْع وَأَنه مَا عِنْدهم مَا يكفيهم مِنْهُ سوى شهر فَلَقَد كُنَّا كتبنَا لكم أسعدكم الله على حمل الزَّرْع إِلَيْهِم على الْبَحْر فَإِن كَانَ قد تيَسّر ذَلِك فَيكون قد بلغ إِلَيْهِم وَإِن لم يكن ذَلِك قد تيَسّر فلتأمر أيسي هَذَا بِالتَّدْبِيرِ على الزَّرْع وَلَو بِالشِّرَاءِ وألزموه عهدته وشددوا عَلَيْهِ فِي أمره وخالنا الْقَائِد حمو بن مُحَمَّد الَّذِي استأذنكم فِي الْخُرُوج عَن ذَلِكُم الْمَرَض من المحمدية فَإِذا تفاحش فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج ويلتحق بِأَهْل تِلْكَ الْمحلة بخنق الْوَادي وَيتْرك فِي القصبة أهل الأندلس مَعَ قائدهم وَمَسْأَلَة مُؤمن بن مَنْصُور مَعَ هكسيمة الَّتِي ذكرْتُمْ أسعدكم الله إِن مُؤمنا قد تثاقل بدمنات بِسَبَب مرض ألم بِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ شاوش وَإِن أَخَاهُ ذَلِكُم المفسود بعث إِلَيْهِ يلتقي مَعَه بتامصلوحت فعلى بركَة الله والحاضر بَصِيرَة وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يصل بمنه رعايتكم وَالسَّلَام وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر رَمَضَان الْمُعظم عَام أحد عشر وَألف عرفنَا الله خَيره وبركته وَبعد أَن كتبنَا لكم هَذَا بلغنَا كتابكُمْ وَنحن نجيبكم عَمَّا تحتاجون إِلَى الْجَواب عَنهُ والبطاقة الَّتِي ترد عَلَيْكُم من السوس من عِنْد الْحَاكِم أَو ولد خالكم أَو غَيرهمَا لَا تقْرَأ وَلَا تدخل دَارا بل تُعْطى لكاتبكم هُوَ يتَوَلَّى قرَاءَتهَا ويعرفكم مضمنها وَلأَجل إِن كاتبكم يدْخل مجلسكم ويلابس مقامكم حَتَّى هُوَ لَا يفتحها إِلَّا بعد أَن تغمس فِي خل ثَقِيف وتنشر حَتَّى تيبس وَحِينَئِذٍ يقْرؤهَا ويعرفكم بمضمنها إِذْ لَيْسَ يأتيكم من السوس وَالله سُبْحَانَهُ أعلم مَا يُوجب الكتمان عَن مثل كتابكُمْ وَقد طالعنا كتاب ولد خالكم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّغِير وَصَحَّ عندنَا من فحوى كَلَامه مَا ذكرْتُمْ عَنهُ من أَنه أَكثر من خبر الوباء ليجده ذَرِيعَة لِلْخُرُوجِ من السوس
(5/180)

وَالَّذِي تأمرونه بِهِ أَنكُمْ تحذرونه من الْقدوم عَلَيْكُم بمراكش وَإِن ذَلِك لَا يرضينا مِنْهُ وَكَيف يروم الْخُرُوج من مَوضِع عَيناهُ لَهُ من غير أمرنَا لَا سِيمَا مَعَ غيبتنا عَن الْبِلَاد وَأَنه إِن فعل ذَلِك لَا محَالة تسْقط مَنْزِلَته عندنَا ثمَّ لَا يعود أبدا إِلَيْهَا إِلَّا أَن تفاحش الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج والتنقل قرب الْبِلَاد أَو يلْتَحق بمحلة أَصْحَابه الَّذين بخنق الْوَادي وَأما مَا ذكرْتُمْ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الوردي فقد طالعنا الجريدة الَّتِي جرد لكم وتصفحناها ورأينا أَن جلّ مَا يَطْلُبهُ بهَا لَا يُمكن مَعَ غيبتنا وَالَّذِي نأمركم بِهِ فِي مَسْأَلته أَنكُمْ تحاولون فِي رده لموضعه فَإِنَّهُ بذلك الْموضع أليق من أَخِيه بِكَثِير وكل مَا يمكنكم من أغراضه المسطرة فاقضوه لَهُ وَمَا لَا يُمكن عدوه بِهِ عِنْد قدومنا إِن شَاءَ الله وَأما أَمر أخي أَحْمد بن الْحسن الَّذِي عَيناهُ لجباية درعة وذكرتم أَنه غير لَائِق بهَا وأنكم استصغرتموه عَن تِلْكَ العمالة فَلَا شكّ أَنه كَمَا ذكرْتُمْ وَلَكِن إِنَّمَا وَقع الِاخْتِيَار عَلَيْهِ لأمرين الأول الذِّمَّة لِأَنَّهُ بِمَالِه وَلَا نخشى إِن شَاءَ الله على مالنا الثَّانِي إِن خراج درعة سهل مَعْلُوم وَلَعَلَّه يكره هَذِه الْولَايَة وَيُحب الْجُلُوس بداره ويغري من يتَكَلَّم فِيهِ عنْدكُمْ فَإِن كَانَ من ذكره لكم مثل مَسْعُود أوتاودي فاتهمه وَقد طالعنا فِي جريدتكم أَنكُمْ وجهتم مَعَ زرع المعاصر مائَة رام وَهَذَا الَّذِي ذكرْتُمْ مَا نعلم أَنا كتبنَا لكم عَلَيْهِ قطّ وَإِنَّمَا كتبنَا لكم على الزَّرْع تحملونه فِي الْبَحْر برسم الْمحلة الَّتِي هُنَاكُم بخنق الْوَادي فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَنحْن أردناه للمحلة وَإِن كَانَ غَيره فَعرفنَا بقضيته فَإِن زرع المعاصر إِنَّمَا يلْزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى المكثرين للمعاصر وفيهَا أَيْضا مَا أخْبركُم بِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بِخَبَر مَا سقط من القنطرة وَإِنَّكُمْ عنفتموه على عدم الْمُبَادرَة وَقد أشكل علينا الْأَمر لأنكم لم تعرفوا مقامنا بالساقط هَل هُوَ من الْقَدِيم أَو من هَذَا الْإِصْلَاح الَّذِي أمرنَا بِهِ فَعرفنَا لنكون على بَصِيرَة من ذَلِك وفيهَا أَيْضا مَسْأَلَة أَوْلَاد طَلْحَة فدبروا عَلَيْهِم إِمَّا من عِنْد أيسي أَو غَيره حَتَّى لَا يرجعُونَ إِلَيْنَا شاكين وَولد إِبْرَاهِيم بن الْحداد إِلَى الْآن لم يصل وزمام الأسرى وصل وَأما الدراقة الَّتِي ذكرْتُمْ فها السلتة الْمعدة لَهَا عِنْد صَاحب بَيت ثيابنا فَوجه ليوسف العَبْد حَتَّى تكَلمه
(5/181)

ومره يُخرجهَا من عِنْده وركبها فِي موضعهَا وَلَا تركب الَّتِي عنْدكُمْ بل تمسكونها لأنفسكم وَاعْلَم أَنِّي تركت عِنْد أُولَئِكَ المعلمين أَعنِي معلمي بركاضو سلاتي برسم ابنتنا العزيزة طَاهِرَة صانها الله وكلاها وَحَيْثُ يفرغون من الدراقة اجمعهم عَلَيْهَا كي نجد ذَلِك طالعا إِن شَاءَ الله فَإنَّا قد أمرنَا بنسج درارق تلكم السلاتي هَذَا وَالْمرَاد أَن تَجِد السلاتي قد فرغ مِنْهَا إِن شَاءَ الله وَقصر الْخَيل مَعَ الْحمام حرض المعلمين على الْمُبَادرَة باشتغالهما بهما وحاول أَن تسقفوا ذَلِك البلاط الَّذِي يوالي سور القصبة من قصر الْخَيل والقبة الَّتِي فِيهِ لنجده كَامِلا إِن شَاءَ الله عِنْد قدومنا عَلَيْكُم وَحَتَّى سواري الرخام رَكبُوهَا فِي تِلْكَ الْجِهَة إِذا سقفتم وَلَا تزالوا تعرفونا بِمَا تزايد من الأشغال فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين وأوصيكم أعزكم الله أَن تتفقدوا فرسنا الْأَحْمَر الصَّغِير وَلَا تتركوهم يعطونه القصيل لِئَلَّا يكثر لَحْمه ويزداد ألمه بل انْظُر لَهُ من يركبه كل يَوْم بل لَا تنْزع السرج بِالْكُلِّيَّةِ عَن ظَهره بَيَاض النَّهَار كُله أَو أَعْطوهُ لصَاحب المسرة يركبه فِي ذَهَابه وإيابه لداره والمسرة وأوصوه أَن لَا يركبه غَيره وَلَا ينزل عَن ظَهره النَّهَار كُله وأوصيكم أَيْضا إِذا ظهر الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة وخرجتم خُرُوج يمن وسلامة بحول الله وقوته أَن لَا تتركوا وراءكم بنت عمكم وَالِدَة ولدنَا الْعَزِيز بَابا عبد الْملك حفظه الله وامر يُوسُف العَبْد أَن يخرج لكم من عِنْد صَاحب بَيت الثِّيَاب الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الترياق الْجَدِيد الَّذِي كَانَ بقبة المشور وَيدخل على أَيْدِيكُم لدارنا واستدعوا أم المَال قهرمانة الدَّار وأعطها إِيَّاه برسم أهل دَارنَا وأمرها أَن تعطيهم إِيَّاه فِي كل رَابِع من الْيَوْم الَّذِي يَأْكُلُونَهُ فِيهِ وَهِي أَيْضا تَأْكُل مِنْهُ وَالْعَبْد يُوسُف أَيْضا يَأْكُل مِنْهُ وَحَتَّى صَاحب السقيف أَعْطوهُ مِنْهُ أَعنِي مَسْعُود بن مبارك وَالله سُبْحَانَهُ يرعاكم ويتولى حفظكم أَنْتُم وَأَوْلَادكُمْ وَقد استودعناكم الله الَّذِي لَا تضيع لَدَيْهِ الودائع وَأَنْتُم فِي أَمَان الله وَحفظه وَالله سُبْحَانَهُ خليفتي عَلَيْكُم أَنْتُم فِي يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين وَالسَّلَام الأتم
(5/182)

عَائِد عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته ونسلم على ولدنَا الْأَعَز الأرضى بَابا عبد الْملك وعَلى ابنتنا الرضية سيدة الْملك وَنحن فِي غَايَة الاشتياق والتوحش لَهَا جمع الله بكم الشمل جَمِيعًا آمين بِحرْمَة سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله خير آل وَالسَّلَام اه
قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ قد وَقع فِي كَلَام الْمَنْصُور رَحمَه الله أَمْرَانِ يحتاجان إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا الأول إِذْنه لوَلَده أبي فَارس فِي الْخُرُوج من مراكش إِذا ظهر بهَا أثر الوباء وَلَو شَيْئا يَسِيرا وَهَذَا الْأَمر مَحْظُور فِي الشَّرْع كَمَا هُوَ مَعْلُوم ومصرح بِهِ فِي الْأَحَادِيث وَالثَّانِي أمره إِيَّاه أَن لَا يقْرَأ البطائق الْوَارِدَة عَلَيْهِ من السوس وَإِنَّمَا يتَوَلَّى قرَاءَتهَا كَاتبه بعد أَن تغمس فِي الْحل وَهَذَا عمل من أَعمال الفرنج وَمن يسْلك طريقهم فِي تحفظهم من الوباء الْمُسَمّى عِنْدهم بالكرنتينة وَقد اتّفق لي فِيهَا كَلَام أذكرهُ هُنَا تتميما للفائدة وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف عرض لنا سفر إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان الْمولى أبي عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الشريف أيده الله عز وَجل بمراكش المحروسة بِاللَّه فخرجنا من سلا أَوَاخِر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ومررنا فِي طريقنا على الْمُحب الْقَائِد الأنبل أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري بثغر الجديدة وَهُوَ يَوْمئِذٍ متول لعملها فأجل قدومنا على عَادَته حفظه الله فِي محبَّة الْعلم وَمن ينتمي إِلَيْهِ وَحضر مَعنا عِنْده بعض فُقَهَاء الْوَقْت وَكَانَت السّنة سنة وباء فجرت المذاكرة فِيمَا يَسْتَعْمِلهُ النَّصَارَى فِي أَمر الكرنتينة من حبس الْمُسَافِرين وشذاذ الْآفَاق عَن الْمُرُور بالسبل وَالدُّخُول إِلَى الْأَمْصَار والقرى وَمنع النَّاس من مرافقهم وَأَسْبَاب معاشهم وَحصل التَّوَقُّف تِلْكَ السَّاعَة فِي حكمهَا الشَّرْعِيّ مَاذَا يكون لَو أجريت على قَوَاعِد الْفِقْه ثمَّ بعد ذَلِك بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر وقفت على رحْلَة الْعَلامَة الشَّيْخ رِفَاعَة الطهطاوي الْمصْرِيّ فِي أَخْبَار باريز فرأيته ذكر فِي صدرها أَنه وَقعت المحاورة بَين الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد المناعي التّونسِيّ الْمَالِكِي الْمدرس بِجَامِع الزيتونة ومفتي الْحَنَفِيَّة بهَا الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد البيرم فِي إِبَاحَة الكرنتينة وحظرها فَقَالَ الْمَالِكِي بحرمتها وَألف فِي ذَلِك
(5/183)

رِسَالَة واعتماده فِي الِاسْتِدْلَال فِيهَا على أَن الكرنتينة من جملَة الْفِرَار من الْقَضَاء وَقَالَ الْحَنَفِيّ بإباحتها وَاسْتدلَّ على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة أَيْضا فَلَمَّا وقفت على هَذَا الْكَلَام تجدّد لي النّظر فِي حكم هَذِه الكرنتينة وَظهر لي أَن القَوْل بإباحتها أَو حرمتهَا مَنْظُور فِيهِ إِلَى مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من مصلحَة ومفسدة وَلَو مُرْسلَة على مَا هُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك رَحمَه الله ثمَّ يوازن بَينهمَا وأيتهما رجحت على الْأُخْرَى عمل عَلَيْهَا فَإِن استوتا كَانَ دَرْء الْمفْسدَة مقدما على جلب الْمصلحَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي أصُول الْفِقْه وَنحن إِذا أمعنا النّظر فِي هَذِه الكرنتينة وجدناها تشْتَمل على مصلحَة وعَلى مفْسدَة أما الْمصلحَة فَهِيَ سَلامَة أهل الْبَلَد المستعملين لَهَا من ضَرَر الوباء وَهَذِه الْمصلحَة كَمَا ترى غير مُحَققَة بل وَلَا مظنونة لِأَنَّهُ لَيست السَّلامَة مقرونة بهَا كَمَا يَزْعمُونَ وَأَنه مهما استعملها أهل قطر أَو بلد إِلَّا ويسلمون لَا دَائِما وَلَا غَالِبا بل الْكثير أَو الْأَكْثَر أَنهم يستعملونها ويبالغون فِي إِقَامَة قوانينها ثمَّ يصيبهم مَا فروا مِنْهُ كَمَا هُوَ مشَاهد وَمن زعم أَن السَّلامَة مقرونة بِهَذَا دَائِما أَو غَالِبا فَعَلَيهِ الْبَيَان إِذْ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي فنتج من هَذَا أَن مصلحَة الكرنتينة مشكوكة أَو مَعْدُومَة وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا شرعا بل وَلَا طبعا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ من قبيل الْعَبَث وَأما الْمفْسدَة فَهِيَ دنيوية ودينية أما الدُّنْيَوِيَّة فَهِيَ الْإِضْرَار بالتجار وَسَائِر الْمُسَافِرين إِلَى الأقطار بحبسهم وتسويقهم عَن أغراضهم وتعطيل مرافقهم على أبلغ الْوُجُوه وأقبحها كَمَا هُوَ مَعْلُوم وَأما الدِّينِيَّة فَهِيَ تشويش عقائد عوام الْمُؤمنِينَ والقدح فِي توكلهم وإيهام أَن ذَلِك دَافع لقَضَاء الله تَعَالَى وَعَاصِم مِنْهُ وناهيك بهما مفسدتين محققتين ترتكبان لشَيْء يكون أَو لَا يكون فَإِن الْعَامَّة لقُصُور أفهامهم قد تذْهب أوهامهم مَعَ هَذِه الظَّوَاهِر فيقفون مَعهَا ويقعون فِي ورطة ضعف الْإِيمَان عياذا بِاللَّه فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بالعامة وهم جُمْهُور الْأمة قلت لَيْسَ فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بهم وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِير الْخَوْف عَلَيْهِم وَالِاحْتِيَاط لَهُم حَتَّى لَا نتركهم هملا يَفْعَلُونَ مَا شاؤوا أَو يفعل بهم مَا يضرهم فِي دينهم ودنياهم مَعَ أَن سد الذريعة قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع لَا سِيمَا فِي الْمَذْهَب
(5/184)

الْمَالِكِي ولأمر مَا جَاءَت الشَّرِيعَة المطهرة ممتلئة من التحذيرات من مكامن هَذِه الْمَفَاسِد وَنَحْوهَا ورد الْأَسْبَاب والمسببات كلهَا إِلَى الله تَعَالَى مَعَ مَا فِي اسْتِعْمَال هَذِه الكرنتينة مَعَ الِاقْتِدَاء بالأعاجم والتزيي بزِي الْكَفَرَة الضلال ورمقهم بِعَين التَّعْظِيم ونسبتهم إِلَى الْإِصَابَة وَالْحكمَة كَمَا قد يُصَرح بِهِ الحمقى من الْعَوام فَأَما إِذا وَافق قدر بالسلامة عِنْد اسْتِعْمَالهَا فَهِيَ الْفِتْنَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَأَي مفْسدَة أقبح من هَذِه فَالْحَاصِل أَن الكرنتينة اشْتَمَلت على مفاسد كل مِنْهَا مُحَقّق فَتعين القَوْل بحرمتها وجلب النُّصُوص الشاهدة لذَلِك من الشَّرِيعَة لَا تعوز الْبَصِير وَقد ذكر الْعَلامَة الْحَافِظ الْقُسْطَلَانِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء من الْجَامِع الصَّحِيح عِنْد قَوْله تَعَالَى {وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ} مَا نَصه دلّ على وجوب الحذر من جَمِيع المضار المظنونة وَمن ثمَّ علم أَن العلاج بالدواء والاحتراز عَن الوباء والتحرز عَن الْجُلُوس تَحت الْجِدَار المائل وَاجِب اه وَهُوَ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن الِاحْتِرَاز عَن الوباء وَاجِب بِأَيّ وَجه كَانَ وَلَا يخفى أَنه يتَعَيَّن تَقْيِيده بِالْوَجْهِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مفْسدَة شَرْعِيَّة كَعَدم الْقدوم على الأَرْض الَّتِي بهَا الوباء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ السّنة وَلَا تأباه قَوَاعِده الشَّرِيعَة كبعض العلاجات المستعملة فِي إبانة المنقولة عَن أَئِمَّة الطِّبّ أما بِالْوَجْهِ الَّذِي يشْتَمل على مفْسدَة أَو مفاسد كهذه الكرنتينة فَلَا هَذَا مَا تحرر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالله أعلم
وَلما وقف على هَذَا الْكَلَام أخونا فِي الله الْعَلامَة الْأُسْتَاذ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي ابْن خضراء السلاوي وَهُوَ الْيَوْم قَاضِي حَضْرَة مراكش كتب إِلَيّ مَا نَصه وَأما حكم الكرنتينه فَهُوَ مَا ذكرْتُمْ من الْحَظْر وَبِه أَقُول لما فِيهِ من الْفِرَار من الْقَضَاء مَعَ الْمَفَاسِد الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تفي بهَا مصلحتها على فرض تحققها أَو غَلَبَة ظن حُصُولهَا سِيمَا وَقد انتفيا بعد التجربة المتكررة فِي الْجِهَات المتعددة وَلَا يُخَالف فِي هَذَا الحكم إِلَّا مكابر مُتبع للهوى فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال ثمَّ جلب حفظه الله من النُّصُوص مَا يشْهد لذَلِك تركناها اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
(5/185)

وَفَاة الْمَنْصُور رَحمَه الله

كَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله بعد فَرَاغه من قَضِيَّة ابْنه الْمَأْمُون قد عزم على الرُّجُوع إِلَى مراكش فَلَمَّا بلغه ظُهُور الوباء بِتِلْكَ النَّاحِيَة تربص إِلَى أَن دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف فانتشر الوباء فِي بِلَاد الغرب أَيْضا فَكَانَ مصاب الْمَنْصُور بِهِ على مَا نذكرهُ
قَالَ صَاحب الأصليت وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله السجلماسي الْمَعْرُوف بِأبي محلي كُنَّا نسْمع أَن السُّلْطَان الْمَنْصُور إِذا خرج من مراكش قَاصِدا مَدِينَة فاس لَا يرجع إِلَى مراكش وذاع هَذَا الْخَبَر فِي النَّاس قبل نُزُوله فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ لَا أَدْرِي من أَيْن للنَّاس بذلك هَل أنطقهم الله بِهِ أَو عَن علم تلقوهُ عَن أربابه وَكَأَنَّهُ الْأَشْبَه وَالله أعلم قَالَ وَمن هَذَا مَا ذكره بَعضهم أَيْضا لَكِن بعد الْوُقُوع وَالنُّزُول أَن دُخُول رايات أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور فِي حَيَاته للسودان واستيلاءه على سلطانها سكية فِي دَار إمارته كاغو مَعَ تنبكتو وأعمالها كل ذَلِك من أَمَارَات خُرُوج الإِمَام الْمهْدي الفاطمي وَكَذَلِكَ الوباء الْمُنْتَشِر فِي هَذِه الأعوام وَكَثْرَة الْهَرج والغلاء فِي سَائِر الْبِلَاد حَتَّى الْآن وَبَقِي من إمارات خُرُوجه فِيمَا نسْمع فتح وهران إِمَّا على يَده أَو بِإِذْنِهِ فِيمَا يَقُوله من لَا علم عِنْده بِحَقِيقَة الْأَمر اه
وَكَانَ ابْتِدَاء مرض الْمَنْصُور بمحلته خَارج فاس الْجَدِيد قرب سَيِّدي عميرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشر ربيع النَّبَوِيّ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَدخل إِلَى دَاره بِالْمَدِينَةِ الْبَيْضَاء عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم واحتل بهَا بعد الْغُرُوب وَتُوفِّي هُنَالك لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الموَالِي لتاريخه وَدفن بِإِزَاءِ مَقْصُورَة الْجَامِع الْأَعْظَم هُنَالك ضحوة يَوْم الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُور وَحضر جنَازَته وَلَده زَيْدَانَ وَقدم للصَّلَاة مفتي فاس وخطيب جَامع الْقرَوِيين بهَا الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار
قَالَ اليفرني كَانَت وَفَاة الْمَنْصُور بالوباء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد
(5/186)

الله بن يَعْقُوب السملالي فِي شَرحه لجامع شَامِل بهْرَام كَانَ بالمغرب وباء استطال بِهِ من سنة سبع إِلَى سنة سِتّ عشرَة وَألف وَعم سهل الْمغرب وجبله حَتَّى أفنى أَكثر الْخلق وَمَات بِهِ جمع من الْأَعْيَان وَبِه مَاتَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله وَنَحْوه ذكره صَاحب الْفَوَائِد وَغَيره قَالَ اليفرني وَبِه تعلم مَا شاع على الْأَلْسِنَة من أَن الْمَنْصُور سمه وَلَده زَيْدَانَ بِإِشَارَة من أمه الشبانية فِي باكور أَوَائِل ظُهُوره وَقطع عَنهُ الْأَطِبَّاء إِلَى أَن هلك وَأَن الْمَنْصُور لما أحس بذلك قَالَ استعجلتها يَا زَيْدَانَ لَا هُنَاكَ الله بهَا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ قَالُوا وبسبب ذَلِك لم تنصر لزيدان راية فَإِنَّهُ انهزم فِي زهاء سبع وَعشْرين معركة كُله كذب لَا أصل لَهُ لِأَن الْمَنْصُور طعن بالوباء وَلم يذكر أحد مِمَّن يوثق بِهِ مَا شاع على أَلْسِنَة الْعَامَّة وأضرابهم من الطّلبَة اه ثمَّ نقل الْمَنْصُور رَحمَه الله بعد دَفنه إِلَى مراكش فَدفن بهَا فِي قُبُور الْأَشْرَاف قبلي جَامع الْمَنْصُور من القصبة وقبره هُنَالك شهير عَلَيْهِ بِنَاء حفيل وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات
(هَذَا ضريح من غَدَتْ ... بِهِ الْمَعَالِي تفتخر)
(أَحْمد مَنْصُور اللوا ... لكل مجد مبتكر)
(يَا رَحْمَة الله اسرعي ... بِكُل نعمى تستمر)
(وباكري الرمس بِمَاء ... من رِضَاهُ منهمر)
(وطيبي ثراه من ... ندى كذكره الْعطر)
(وَافق تَارِيخ الْوَفَاة ... دون تفنيد ذكر)
(مقْعد صدق دَاره ... عِنْد مليك مقتدر)
(5/187)

بَقِيَّة أَخْبَار الْمَنْصُور وَبَعض سيرته

كَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله حسن السياسة حازما يقظا مشاورا فِي مهمات الْأُمُور وَكَانَ قد اتخذ يَوْم الْأَرْبَعَاء للمشورة وَسَماهُ يَوْم الدِّيوَان تَجْتَمِع فِيهِ وُجُوه الدولة ويتطارحون فِيهِ وُجُوه الرَّأْي فِيمَا يَنُوب من جلائل الْأُمُور وعظيم النَّوَازِل وهنالك يظْهر شكايته من لم يجد سَبِيلا للوصول إِلَى السُّلْطَان قَالُوا وَمن حزمه انه كَانَ متطلعا لأخبار النواحي بحاثا عَنْهَا غير متراخ فِي قِرَاءَة مَا يرد عَلَيْهِ من رسائل عماله وَلَا يبطئ بِالْجَوَابِ وَيَقُول كل شَيْء يقبل التَّأْخِير إِلَّا مجاوبة الْعمَّال عَن رسائلهم وَكَانَ الْكتاب لَا يفارقون مراكزهم إِلَّا فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة
قَالَ الفشتالي وَلَقَد كُنَّا بِالْبَابِ يَوْمًا يَعْنِي معشر الْكتاب قبل أَن يخرج الْمَنْصُور فورد النذير على الْكَاتِب أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي بِأَن ولدا لَهُ فِي النزع فَلم يملك نَفسه أَن ذهب إِلَى دَاره فَخرج الْمَنْصُور على أَثَره فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه ذهب إِلَى دَاره فاستشاط غَضبا وَبعث إِلَيْهِ فجيء بِهِ مزعجا وَمَا شككنا فِي عُقُوبَته فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَا الَّذِي ذهب بك فَذكر لَهُ أَمر وَلَده وَأَنه اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَلم ينجع فِيهِ دَوَاء طَبِيب فرق لَهُ وَقَالَ إِن أمراض الصّبيان قَلما ينجع فِيهَا إِلَّا طب الْعَجَائِز وَلَا كعجائز دَارنَا فَابْعَثْ من يسألهن
وَمن حزمه أَنه اخترع أشكالا من الْخط على عدد حُرُوف المعجم وَكَانَ يكْتب بهَا فِيمَا يُرِيد أَن لَا يطلع عَلَيْهِ أحد يمزج فِيهَا الْخط الْمُتَعَارف فَيصير الْكتاب مغلقا فَإِذا سقط وَوَقع فِي يَد عَدو أَو غَيره لَا يدْرِي مَا فِيهِ وَلَا يعرف معنى مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فَكَانَ إِذا جهز أحد أَوْلَاده نَاوَلَهُ خطا من تِلْكَ الخطوط يفك بهَا رسائله إِلَيْهِ وَيكْتب عنوانه كَذَلِك
وَمن ضَبطه أَنه تعلم الْخط المشرقي فَكَانَ يُكَاتب بِهِ عُلَمَاء الْمشرق كِتَابَة كأحسن مَا يُوجد فِي خطّ المشارقة وَمِمَّا وَقع لَهُ فِي ذَلِك أَنه بعث بطاقة
(5/188)

بِخَط يَده على طَريقَة أهل الْمشرق لكَاتبه أبي عبد الله بن عِيسَى يَسْتَدْعِي مِنْهُ كتابا فَبَعثه ابْن عِيسَى إِلَيْهِ وَبعث مَعَه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(سقتني كؤس السرُور دهاقا ... خطوط أَتَتْنِي فِي مهرق)
(رَأَتْ كف أَحْمد فِي الغرب بحرا ... فَجَاءَت إِلَيْهِ من الْمشرق)
وَكَانَ الْمَنْصُور على مَا هُوَ عَلَيْهِ من ضخامة الْملك وسعة الْخراج يوظف على الرّعية أَمْوَالًا طائلة يلْزمهُم بأدائها وَزَاد الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد أَبِيه حَسْبَمَا مر وَكَانَت الرّعية تَشْتَكِي ذَلِك مِنْهُ ونالها إجحاف مِنْهُ وَمن عماله وَكَانَ غير مُتَوَقف فِي الدِّمَاء وَلَا هياب للوقيعة فِيهَا قَالَ اليفرني وتتبع مَا وَقع فِي ذَلِك يُنَاقض الْمَقْصُود من الإغضاء عَن العورات والستر على الفضائح وَقد ألمعنا لَك بِمَا يكون دَالا على مَا وَرَاءه وَذكر أَن بعض عُمَّال الْمَنْصُور عدا على امْرَأَة من دكالة فَأخذ مِنْهَا أَمْوَالًا فَقدمت الْمَرْأَة على الْمَنْصُور بمراكش تَشْكُو لَهُ مَا نالها من عَامله فَلم يشكها وَلَا كشف ظلامتها فَخرجت إِلَى أَوْلَادهَا بِالْبَابِ وَقَالَت لَهُم انصرفوا فَإِنِّي كنت أَظن أَن رَأس الْعين صَافِيَة فَإِذا بهَا مكدرة فَلِذَا تكدرت مصارفها
ويحكى أَن الْفَقِيه القَاضِي أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي قد سَافر فِي جمع من فُقَهَاء فاس وأعيانها إِلَى مراكش بِقصد الْعِيد مَعَ الْمَنْصُور كَمَا هِيَ الْعَادة فَمروا فِي طريقهم على جمَاعَة رجال وَنسَاء قد سلكوا فِي سلسلة وَاحِدَة وَفِيهِمْ امْرَأَة أَخذهَا الطلق وَهِي فِي كرب الْمَخَاض فَرَأَوْا من ذَلِك مَا أَهَمَّهُمْ وأحزنهم فَبَقيَ ذَلِك فِي نفس القَاضِي فَلَمَّا جلس إِلَى الْمَنْصُور ذكره لَهُ وَأظْهر الشكاية مِنْهُ فَسكت الْمَنْصُور عَن جَوَابه وهجره على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ إِن القَاضِي تلطف فِي القَوْل وَأظْهر التَّوْبَة مِمَّا صدر مِنْهُ وعدها بادرة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور لَوْلَا مَا رَأَيْت مَا أمكنك أَن تَجِيء مَعَ أَصْحَابك مسيرَة عشرَة أَيَّام فِي أَمن ودعة فَإِن أهل الْمغرب مجانين مارستانهم هِيَ السلَاسِل والأغلال
وَلَقَد وَفد القَاضِي الْمَذْكُور على الْمَنْصُور فِي بعض المواسم مَعَ الْفُقَهَاء فَلَمَّا انصرفوا من الحضرة جمعتهم الطَّرِيق بأرباب الموسيقى وَأَصْحَاب
(5/189)

الأغاني من أهل فاس وَقد كَانُوا وفدوا أَيْضا على الْمَنْصُور على سَبِيل الْعَادة فَأخْرج بَعضهم شَبابَة من الإبريز مرصعة أعطَاهُ إِيَّاهَا الْمَنْصُور وَبَعْضهمْ قَالَ أَعْطَانِي كَذَا وَقَالَ الآخر أجازني بِكَذَا مِمَّا لم يُعْط مثله للْقَاضِي وشيعته من الْفُقَهَاء فَقَالَ القَاضِي لَئِن بلغت فاسا لأردن أَوْلَادِي إِلَى صَنْعَة الموسيقى فَإِن صَنْعَة الْعلم كاسدة وَلَوْلَا أَن الموسيقى هِيَ الْعلم الْعَزِيز مَا رَجعْنَا مخفقين وَرجع الْمُغنِي بشبابة الإبريز فَنقل إِلَى الْمَنْصُور هَذَا الْكَلَام فلذعه عَلَيْهِ بِيَسِير من الملام
وَذكر أَبُو زيد فِي الْفَوَائِد مَا صورته عدا مُحَمَّد الْكَبِير خَال الْمَنْصُور على رجل بدرعة فِي ضَيْعَة لَهُ فَشَكَاهُ إِلَى الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ كم تَسَاوِي ضيعتك قَالَ سَبْعمِائة أُوقِيَّة قَالَ خُذْهَا وَقل لخالي الْموعد بيني وَبَيْنك الْموقف الَّذِي لَا أكون أَنا فِيهِ سُلْطَان وَلَا أَنْت خَال السُّلْطَان فَرجع صَاحب الضَّيْعَة وأبلغ إِلَى الْعَامِل كَلَام الْمَنْصُور فَأمْسك بِرَأْسِهِ سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ الْحق بضيعتك وَغرم لَهُ كل مَا أكل مِنْهَا اه
وَقَالَ فِي المناهل كَانَ للمنصور مصانع اخترعها ومآثر خلفهَا مِنْهَا المعقلان الكبيران اللَّذَان أنشأهما بفاس أَحدهمَا خَارج بَاب عجيسة والأخر قبالته بِبَاب الْفتُوح وَهَذَانِ المعقلان يعرفان عِنْد الْعَامَّة بالبستيون وهما من الإتقان بِحَيْثُ لَا يعرف قدرهما إِلَّا من وقف عَلَيْهِمَا وَكَانَ الشُّرُوع فِي بنائهما يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَمن ذَلِك الحصنان اللَّذَان بناهما بثغر العرائش أَحدهمَا يعرف بحصن الْفَتْح وهما أَيْضا فِي نِهَايَة الوتاقة وَالْحسن وَمن ذَلِك معاصر السكر فَإِنَّهُ أحدثها بمراكش وبلاد حاحة وشوشاوة قَالَ الفشتالي وَكَانَ ابْتَدَأَ ذَلِك وَالِده أَبُو عبد الله الشَّيْخ فَكثر السكر فِي أَيَّامه بالبلاد المغربية حَتَّى لم تكن لَهُ قيمَة وَقد تقدم أَنه كَانَ يَشْتَرِي الرخام من النَّصَارَى بالسكر وَمن مآثره النبيلة العظمي مَعَ كرسيها من المرمر بِجَامِع الْقرَوِيين تَحت منار الْجَامِع الْمَذْكُور وَقد تقدم الْخَبَر عَنْهَا وَقَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور إِن اللبَاس الْمُسَمّى بالمنصورية وَهُوَ لِبَاس من الملف لم يكن مُسْتَعْملا قبله وَهُوَ
(5/190)

أول من اخترعه وأضيف إِلَيْهِ فَقيل المنصورية
وَكَانَ فِي مُدَّة الْمَنْصُور من الْأَحْدَاث أَنه
فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقع غلاء عَظِيم بالمغرب حَتَّى عرف ذَلِك الْعَام بعام الْبُقُول قَالَ فِي الْمرْآة لما انتهب النَّاس غنيمَة وَادي المخازن كَانَ النَّاس يتوقعون مغبتها لاختلاط الْأَمْوَال بالحرام فَظهر أثر ذَلِك من غلاء وَغَيره وَكُنَّا نسْمع أَن الْبركَة رفعت من الْأَمْوَال من يَوْمئِذٍ وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أصَاب النَّاس فِي بعض فصولها سعال كثير قل من سلم مِنْهُ وَكَانَ الرجل لَا يزَال يسعل إِلَى أَن تفيض نَفسه فَسمى الْعَامَّة تِلْكَ السّنة سنة كحيكحة
وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْكَبِير الشَّأْن أَبُو النَّعيم رضوَان بن عبد الله الجنوي نِسْبَة إِلَى جنوة من بِلَاد الفرنج كَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا وَأمه يَهُودِيَّة وَسبب إِسْلَام وَالِده مَا حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاس الأندلسي فِي رحلته أَنه كَانَ لَهُ فرس بِبَلَدِهِ جنوة فَانْطَلق لَيْلًا وَدخل الْكَنِيسَة الْعُظْمَى وراث فِيهَا من غير أَن يشْعر بذلك أحد من السَّدَنَة وَلَا غَيرهم ثمَّ بَادر بِإِخْرَاج الْفرس وَلما أصبح أهل الْكَنِيسَة وَرَأَوا الروث قَالُوا إِن الْمَسِيح جَاءَ البارحة على فرسه إِلَى الْكَنِيسَة وراث فِيهَا فاهتز الْبَلَد لذَلِك وتنافس النَّصَارَى فِي شِرَاء ذَلِك الروث حَتَّى بيع قدر الذّرة مِنْهُ بِمَال جزيل فَعلم أَن النَّصَارَى على ضلال وَهَاجَر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَنزل برباط الْفَتْح من أَرض سلا فَوجدَ هُنَالك امْرَأَة يَهُودِيَّة فَتزَوج بهَا وَولدت لَهُ الشَّيْخ أَبَا النَّعيم فَنَشَأَ مثلا فِي الْعلم وَالْولَايَة ومحبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ يَقُول خرجت من بَين فرث وَدم أَخذ الطَّرِيقَة عَن أبي مُحَمَّد الغزواني وَقدم عَلَيْهِ مراكش ثمَّ عَاد إِلَى فاس فَمَاتَ بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب الْفتُوح
وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور كَانَ متبحرا فِي الْعُلُوم خُصُوصا أصُول الْفِقْه أَخذ عَن اليسيتني وَأبي زيد سقين العاصمي وَأبي الْحسن بن هَارُون وَأبي مَالك الوانشريسي وَغَيرهم
(5/191)

وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الشتَاء الشباوي دَفِين جبل آمركو من بِلَاد فشتالة وَيُقَال اسْمه مُحَمَّد بن مُوسَى وكني بِأبي الشتَاء لِأَن النَّاس قحطوا ولجؤوا إِلَيْهِ فسقوا فِي الْحِين وَهُوَ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني وَيُقَال مَا لقِيه إِلَّا مرّة بقبيلتهما الشاوية فعينه ومكنه فهام على وَجهه وَكَانَ من أمره مَا كَانَ
وَفِي ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَألف توفّي القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَدفن بروضة الشَّيْخ أبي زيد الهزميري خَارج بَاب مصمودة من عدوة فاس الأندلس وَقد تقدّمت بعض أخباره
وَفِي سنة أَربع وَألف توفّي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور البوزيدي الْمَعْرُوف بِأبي الشكاوي دَفِين شالة وَبهَا كَانَ سكناهُ أَخذ عَن الشَّيْخ المجذوب وَأبي الرواين المحجوب وَغَيرهمَا وَأَوْلَاده ينتسبون إِلَى عِيسَى بن إِدْرِيس الحسني دَفِين آيت عتاب وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي سنة سِتّ وَألف توفّي الشَّيْخ الرباني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الزعري دَفِين تاستاوت من مشاهير الْأَوْلِيَاء كَانَ أول نشأته بمكناسة الزَّيْتُون ثمَّ خرج إِلَى الْبَادِيَة بعد أَن صعبت عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَرَأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ إِنَّك لن تقْرَأ وَلَكِنَّك شيخ فَخرج إِلَى الْبَادِيَة وَكَانَ يظنّ أَنه يكون من أَشْيَاخ الْقَبَائِل حَتَّى هبت عَلَيْهِ نفحة رحمانية فَقدم مراكش وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَرجع إِلَى باديته فَبنى مَسْجِدا فِي الْموضع الَّذِي عين لَهُ شَيْخه لسكناه فَيُقَال إِنَّه لما قيل لَهُ جعلت محرابه منحرفا عَن الْقبْلَة أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى جِهَة مَكَّة فتزحزحت الْجبَال حَتَّى شَاهد الْحَاضِرُونَ مَكَّة وَالله على كل شَيْء قدير وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّرْقِي معاصرا لَهُ فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ ابْن مبارك قَالَ أهل زَمَاننَا محسوبون علينا فَقَالَ اشْهَدُوا أَنا من أهل زمَان ابْن مبارك وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا كَانَ الطَّاعُون الْعَظِيم بمراكش وَغَيرهَا بِحَيْثُ عَم تلول الْمغرب واستطال فِيهَا وَمَات بِهِ جمع من الْأَعْيَان مِنْهُم الشَّيْخ ابْن مبارك الْمَذْكُور
وَفِي سنة تسع وَألف فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا كَانَ سيل عَظِيم بفاس ثمَّ
(5/192)

فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ سيل أعظم من الأول تهدمت مِنْهُ الدّور والحوانيت وتهدم سد الْوَادي بفاس على وثاقته وإحكامه وَهَذَا السد هُوَ الَّذِي كَانَ جدده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي ثمَّ جدده الْمَنْصُور فِي هَذِه الْمرة من أحباس الْقرَوِيين
وَفِي سنة عشر وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الرباني أَبُو عبد الله وَيُقَال أَبُو عبد الله مُحَمَّد فتحا الشَّرْقِي ابْن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْقَاسِم الزعري الجابري ثمَّ الرثمي هَكَذَا نسبه صَاحب الْمرْآة وَغَيره وَرفع أَبُو عَليّ المعداني فِي كِتَابه الرَّوْض الفائح نسبه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ ثمَّ نقل عَن حفيده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّالح بن الْمُعْطِي مَا نَصه إِن الشَّيْخ سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي لم تُوجد هَذِه النِّسْبَة العمرية بِخَطِّهِ فِيمَا عثرنا عَلَيْهِ أما بَنو أَخِيه وَبَنوهُ وحفدته فقد وجدت بِخَط الثِّقَة مِنْهُم وتواتر نقلهَا عَنْهُم وكتبت فِي إجازاتهم وَكَذَا فِي تمليكاتهم اه وَهَذَا الشَّيْخ أَعنِي أَبَا عبد الله الشَّرْقِي كَانَ من أكَابِر أهل وقته يُقَال إِنَّه بلغ دَرَجَة القطبانية وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء وَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور جمَاعَة يختبرونه فظهرت لَهُم كراماته واتفقت لَهُ مَعَ الشَّيْخ المنجور كَرَامَة حَملته على أَن وَفد عَلَيْهِ زَائِرًا ومدحه بقصيدة ذكر بَعْضهَا اليفرني فِي الصفوة وَله مَعَ أبي المحاسن الفاسي مراسلات ومواصلات وَوَقع بَينهمَا كَلَام طَوِيل انْظُر ابتهاج الْقُلُوب أَخذ رَضِي الله عَنهُ عَن وَالِده عَن الشَّيْخ التباع وَاعْتمد على الشَّيْخ الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَمْرو المختاري من أحواز مكناسة وَأخذ أَيْضا عَن ابْن مبارك الزعري
(5/193)

وَأبي مُحَمَّد بن ساسي وَتُوفِّي أَوَائِل الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بجعيدان وقبره شهير نفعنا الله بِهِ وبسائر أهل الله
تمّ الْجُزْء الْخَامِس ويليه الْجُزْء السَّادِس
وأوله
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى
(5/194)

6 -
(6/1)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الدولة السعدية

الْقسم الثَّانِي

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى

لما توفّي الْمَنْصُور رَحمَه الله وَفرغ النَّاس من دَفنه اجْتمع أهل الْحل وَالْعقد من أَعْيَان فاس وكبرائها وَالْجُمْهُور من جَيش الْمَنْصُور على بيعَة وَلَده زَيْدَانَ وَقَالُوا إِن الْمَنْصُور اسْتَخْلَفَهُ فِي حَيَاته وَمَات فِي حجره وَكَانَ مِمَّن تصدى لذَلِك القاضيان قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أَبُو الْقَاسِم بن أبي النَّعيم وَالْقَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي والأستاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشاوي وَالشَّيْخ النظار أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار وَغَيرهم ويحكى أَن القَاضِي ابْن أبي النَّعيم قَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا وَقَالَ أما بعد السَّلَام عَلَيْكُم فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما مَاتَ اجْتمع النَّاس على أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَنحن قد مَاتَ مَوْلَانَا أَحْمد وَهَذَا وَلَده مَوْلَانَا زَيْدَانَ أولى بِالْملكِ من إخْوَته فَبَايعهُ الْحَاضِرُونَ يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس عشر من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف قَالُوا وَكَانَ زَيْدَانَ لما توفّي وَالِده كتم مَوته وَبعث
(6/3)

جمَاعَة للقبض على أَخِيه الشَّيْخ المسجون بمكناسة فَمَنعهُمْ من ذَلِك الباشا جؤذر كَبِير جَيش الأندلس وَحمل الشَّيْخ موثقًا إِلَى مراكش حَتَّى دَفعه إِلَى أَخِيه أبي فَارس وَكَانَ شقيقا لَهُ فَلم يزل مسجونا عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا يَأْتِي كَذَا قَالَ بَعضهم وَقَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ إِن زَيْدَانَ لما اشْتغل بدفن وَالِده احتال الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مَنْصُور العلج فَذهب بِنصْف الْمحلة إِلَى مراكش نازعا عَن زَيْدَانَ إِلَى أبي فَارس وَمر فِي طَرِيقه بمكناسة فَأخْرج الشَّيْخ من اعتقاله واحتمله مَعَه إِلَى أبي فَارس فسجنه فَلم يزل مسجونا عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وَالله تَعَالَى أعلم
انحراف أهل مراكش عَن طَاعَة زَيْدَانَ وبيعتهم لأبي فَارس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من الْفِتْنَة

كَانَ الْمَنْصُور رَحمَه الله قد فرق عمالات الْمغرب على أَوْلَاده كَمَا مر فَاسْتعْمل الشَّيْخ على فاس والغرب وولاه عَهده وَاسْتعْمل زَيْدَانَ على تادلا وأعمالها واستخلف عِنْد نهوضه إِلَى فاس ابْنه أَبَا فَارس على مراكش وأعمالها وَكَانَ يكاتبه بِمَا مر بعضه من الرسائل فَلَمَّا اتَّصل بِأَهْل مراكش وَفَاة الْمَنْصُور وَكتب إِلَيْهِم أهل فاس بمبايعتهم لزيدان امْتَنعُوا وَبَايَعُوا أَبَا فَارس لكَونه خَليفَة أَبِيه بدار ملكه الَّتِي هِيَ مراكش وَلِأَن جلّ الْخَاصَّة من حَاشِيَة أَبِيه كَانَ يمِيل إِلَى أبي فَارس لِأَن زَيْدَانَ كَانَ منتبذا عَنْهُم بتادلا سَائِر أَيَّام أَبِيه فَلم يكن لَهُم بِهِ كثير إِلْمَام وَلَا مزِيد استئناس مَعَ أَنه كَانَ جَدِيرًا بِالْأَمر لعلمه وأدبه وَكَمَال مروءته رَحمَه الله إِلَّا أَن السعد لم يساعده وَقد قيل فِي الْمثل قَدِيما قَاتل بِسَعْد وَإِلَّا فدع وَلما شقّ أهل مراكش الْعَصَا على زَيْدَانَ كثر فِي ذَلِك القيل والقال حَتَّى صدرت فَتْوَى من قَاضِي فاس ابْن أبي النَّعيم ومفتيها أبي عبد الله الْقصار تَتَضَمَّن التَّصْرِيح بِحَدِيث (إِذا بُويِعَ خليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُمَا) وَكَانَت بيعَة أبي فَارس
(6/4)

بمراكش يَوْم الْجُمُعَة أَوَاخِر ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَهُوَ شَقِيق الشَّيْخ الْمَأْمُون أمهما أم ولد اسْمهَا الْجَوْهَر وَيُقَال الخيزران وَاسم أبي فَارس هَذَا عبد الله وتلقب بالواثق بِاللَّه وَكَانَ أكولا عَظِيم الْبَطن مصابا بِمَسّ الْجِنّ وَيُقَال إِنَّه لذَلِك ابتنى الْمَسْجِد الْجَامِع بجوار ضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي وشيد مَنَارَة وشحن الخزانة الَّتِي بقبلي الْجَامِع الْمَذْكُور بمنتخب الْكتب ونفيس الدفاتر كل ذَلِك رَجَاء أَن تعود عَلَيْهِ بركَة ذَلِك الشَّيْخ بالبرء من تِلْكَ الْعلَّة وَكَانَ مَعَ ذَلِك يمِيل إِلَى الْمُرُوءَة والرفق وَحسن السِّيرَة رَحمَه الله
نهوض السُّلْطَان زَيْدَانَ لِحَرْب أبي فَارس وانهزامه بِأم الرّبيع ثمَّ فراره إِلَى تلمسان

لما بَايع أهل مراكش أَبَا فَارس بن الْمَنْصُور عزم زَيْدَانَ على النهوض إِلَيْهِ فَخرج من فاس يؤم بِلَاد الْحَوْز واتصل الْخَبَر بِأبي فَارس فَجهز لقتاله جَيْشًا كثيفا وَأمر عَلَيْهِم وَلَده عبد الْملك إِلَى نظر الباشا جؤذر فَقيل لَهُ إِن زَيْدَانَ رجل شُجَاع عَارِف بمكايد الْحَرْب وخدعه وولدك عبد الْملك لَا يقدر على مقاومته فَلَو سرحت أَخَاك الشَّيْخ لقتاله كَانَ أقرب للرأي لِأَن أهل الغرب لَا يقاتلونه لِأَنَّهُ كَانَ خَليفَة عَلَيْهِم مُدَّة فهم آنس بِهِ من زَيْدَانَ فَأطلق أَبُو فَارس أَخَاهُ الْمَأْمُون من ثقاف السجْن وَأخذ عَلَيْهِ العهود والمواثيق على النصح وَالطَّاعَة وَعدم شقّ الْعَصَا ثمَّ سرحه فِي سِتّمائَة من جَيش المتفرقة الَّذين كَانَ الْمَنْصُور جمعهم ليَبْعَث بهم إِلَى كاغو من أَعمال السودَان وَقَالَ لَهُ ولأصحابه جدوا السّير اللَّيْلَة كي تصبحوا بمحلة جؤذر على وَادي أم الرّبيع فَلَمَّا انْتهى الشَّيْخ إِلَى الْمحلة الْمَذْكُورَة وَعلم النَّاس بِهِ أهرعوا إِلَيْهِ وَاسْتَبْشَرُوا بمقدمه ثمَّ كَانَت الملاقاة بَينه وَبَين السُّلْطَان زَيْدَانَ بِموضع يُقَال لَهُ حواتة عِنْد أم الرّبيع ففر عَن زَيْدَانَ أَكثر جَيْشه إِلَى الْمَأْمُون وحنوا إِلَى
(6/5)

سالف عَهده وقديم صحبته فَانْهَزَمَ زَيْدَانَ لذَلِك وَرجع أدراجه إِلَى فاس فتحصن بهَا
وَكَانَ أَبُو فَارس قد تقدم إِلَى أَصْحَابه فِي الْقَبْض على الشَّيْخ مَتى وَقعت الْهَزِيمَة على زَيْدَانَ فَلَمَّا فر زَيْدَانَ انْعَزل الشَّيْخ فِيمَن انْضَمَّ إِلَيْهِ من جَيش أهل الغرب وَامْتنع على أَصْحَاب أبي فَارس فَلم يقدروا مِنْهُ على شَيْء وانتعش أمره واشتدت شوكته ثمَّ سَار إِلَى فاس يقفو أثر السُّلْطَان زَيْدَانَ
وَلما اتَّصل بزيدان خبر مَجِيئه إِلَيْهِ راود أهل فاس على الْقيام مَعَه فِي الْحصار والذب عَنهُ وَالْوَفَاء بِطَاعَتِهِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضى بيعتهم الَّتِي أعْطوا بهَا صفقتهم عَن رضى مِنْهُم فامتنعوا عَلَيْهِ وقلبوا لَهُ ظهر الْمِجَن وأعلنوا بنصر الشَّيْخ وبيعته لقديم صحبتهم لَهُ وَلما آيس زَيْدَانَ من نَصرهم وَقد أرهقه الشَّيْخ فِي جموعه خرج من فاس بحشمه وَثقله ناجيا بِنَفسِهِ وَتَبعهُ جمع عَظِيم من أَصْحَاب الشَّيْخ فَلم يقدروا مِنْهُ على شَيْء وَذهب إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
وَأما الشَّيْخ فَإِنَّهُ لما وصل إِلَى فاس تَلقاهُ أَهلهَا ذُكُورا وإناثا وأظهروا الْفَرح بمقدمه فَدَخلَهَا ودعا لنَفسِهِ فَأُجِيب واستبد بملكها ثمَّ أَمر جَيش أهل مراكش أَن يرجِعوا إِلَى بِلَادهمْ فانقلبوا إِلَى صَاحبهمْ مخفقين
وَكَانَ الشَّيْخ لما تمّ غَرَضه من الاستبداد بِالْأَمر والانفراد بالسلطنة دَعَا بالشيخين الفقيهين قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم ومفتيها أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار فلامهما على مبايعة زَيْدَانَ وقولهما فِيهِ وَفِي أَخِيه أبي فَارس إِن أَوْلَاد الْإِمَاء لَا يتقدمون فِي الْأَمر على أَوْلَاد الْحَرَائِر وَكَانَ أَبُو فَارس وَالشَّيْخ وَلَدي أمه اسْمهَا الخيزران كَمَا مر وزيدان أمه حرَّة من الشبانات وعزم أَن ينكل بهما ثمَّ بعث بهما مَعَ جَيش مراكش إِلَى أَخِيه أبي فَارس ليرى فيهمَا رَأْيه فَأَما الشَّيْخ الْقصار فَتوفي رَحمَه الله على مقربة من مراكش بزاوية الشَّيْخ ابْن ساسي وَحمل إِلَى مراكش فَدفن بقبة القَاضِي عِيَاض
(6/6)

وَذَلِكَ فِي أواسط سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَأما القَاضِي أَبُو الْقَاسِم فَاجْتمع بِأبي فَارس فَقبل عذره وصفح عَنهُ ورده مكرما إِلَى فاس هَكَذَا ذكره بَعضهم وَقيل إِن الَّذِي بعث بالشيخ الْقصار إِلَى مراكش هُوَ السُّلْطَان زَيْدَانَ على وَجه يُخَالف هَذَا وَالله أعلم
نهوض عبد الله بن الشَّيْخ لِحَرْب عَمه أبي فَارس واستيلاؤه على مراكش

ثمَّ إِن الشَّيْخ المتغلب على فاس دَعَا بتجار أَهلهَا فاستسلف مِنْهُم مَالا كثيرا وَأظْهر من الظُّلم وَسُوء السِّيرَة وخبث السريرة مَا هُوَ شهير بِهِ ثمَّ تتبع قواد أَبِيه فنهب ذخائرهم واستصفى أَمْوَالهم وعذب من أخْفى من ذَلِك شَيْئا مِنْهُم ثمَّ جهز جَيْشًا لقِتَال أَخِيه أبي فَارس بمراكش وَكَانَ عدد الْجَيْش نَحْو الثَّمَانِية آلَاف وَأمر عَلَيْهِ وَلَده عبد الله فَسَار بجيوشه فَوجدَ أَبَا فَارس بمحلته فِي مَوضِع يُقَال لَهُ إكلميم وَيُقَال فِي مرس الرماد فَوَقَعت الْهَزِيمَة على أبي فَارس وَقتل نَحْو الْمِائَة من أَصْحَابه ونهبت محلته وفر هُوَ بِنَفسِهِ إِلَى مسفيوة وَدخل عبد الله بن الشَّيْخ مراكش فأباحها لجيشه فنهبت دورها واستبيحت محارمها وَا شتغل هُوَ بِالْفَسَادِ وَمن يشابه أَبَاهُ فَمَا ظلم حَتَّى حُكيَ أَنه زنى بِجوَارِي جده الْمَنْصُور واستمتع بحظاياه وَأكل رَمَضَان وَشرب الْخمر فِيهِ جهارا وَعَكَفَ على اللَّذَّات وَألقى جِلْبَاب الْحيَاء عَن وَجهه وَكَانَ دُخُوله مراكش فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة خمس عشرَة وَألف
(6/7)

مَجِيء السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى الْمغرب واستيلاؤه على مراكش وطرده عبد الله بن الشَّيْخ عَنْهَا

كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ لما فر من فاس إِلَى تلمسان كَمَا مر أَقَامَ بهَا مُدَّة وَكَانَ قد بعث إِلَى ترك الجزائر يستمدهم ويستعديهم على أَخَوَيْهِ فأبطؤوا عَلَيْهِ وَطَالَ عَلَيْهِ انتظارهم فَلَمَّا يئس مِنْهُم توجه إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا من غير قتال وَلَا محاربة ثمَّ انْتقل عَنْهَا إِلَى درعة وَمِنْهَا إِلَى السوس فَكتب إِلَيْهِ أهل مراكش وَقد ندموا على مَا فرطوا فِيهِ من أمره وَالدُّخُول فِي طَاعَته أَن يَأْتِيهم وَلَو وَحده فَتوجه إِلَيْهِم وَدخل عَلَيْهِم لَيْلًا فَلم يفجأ عبد الله بن الشَّيْخ إِلَّا نِدَاء أهل مراكش بنصر السُّلْطَان زَيْدَانَ وتحزبوا مَعَه وتقدموا إِلَى قائدهم عبد الله آعراس الَّذِي ولاه عَلَيْهِم الشَّيْخ فَقَتَلُوهُ وَخرج عبد الله فَارًّا بجموعه من أهل فاس والغرب فَحَاصَرَهُمْ أهل مراكش بَين الأسوار والجنات وَقتلُوا من أَصْحَاب عبد الله بِموضع يعرف بجنان بكار نَحْو الْخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَأمر زَيْدَانَ بقتل كل من تخلف عَن عبد الله من جَيْشه فَأتى الْقَتْل على جَمِيع من وجد بمراكش من جَيش أهل فاس وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة خمس عشرَة وَألف وفر عبد الله بن الشَّيْخ ناجيا بِنَفسِهِ حَتَّى قدم على أَبِيه بفاس فِي أَسْوَأ الْحَالَات مفلول العساكر مهزوم الجموع معتاضا عَن جَيش النَّصْر بِجَيْش الدُّمُوع
(6/8)

عودة عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا وطرده زَيْدَانَ عَنْهَا

لما قدم عبد الله بن الشَّيْخ على أَبِيه بفاس سليبا مهزوما قَامَت قِيَامَته وَرَأى أَن يُهَيِّئ عسكرا آخر ويجدد جمعا ثَانِيًا فَلم يجد لذَلِك طَاقَة لفراغ يَده من المَال وَقلة جبايته واستحيى أَن يستسلف من التُّجَّار لِأَنَّهُ كَانَ استسلف مِنْهُم فَلم يرد لَهُم شَيْئا وَلما أعيته الْحِيلَة رَجَعَ على قواده فَقلب لَهُم ظهر الْمِجَن وَنهب أَمْوَالهم واستلب ذخائرهم وَصَارَ يفرقها على التُّجَّار فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك أَمْوَال عريضة فرقها فِي جَيْشه وتهيأ عبد الله للمسير إِلَى مراكش وَكَانَ أهل فاس قد غضبوا لمن قتل من إخْوَانهمْ بهَا وَنَادَوْا بِأخذ ثأرهم حَتَّى إِن بَعضهم خرج مَعَ عبد الله من غير أَخذ مُرَتّب وَلَا جامكية فَخرج عبد الله بجموع عديدة وجيوش حفيلة وَلما بلغ خَبره للسُّلْطَان زَيْدَانَ بعث إِلَيْهِ العلج مصطفى باشا فِي جيوش كَثِيرَة قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ كَانَ بعث مصطفى باشا وَخُرُوجه من مراكش فِي شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُقَال لَهُ تافلفلت على طَرِيق سلا فَهزمَ مصطفى باشا وَقتل من جَيش مراكش نَحْو التِّسْعَة آلَاف وَبعث الشَّيْخ جمَاعَة من عدُول فاس إِلَى مَوضِع المعركة حَتَّى أحصوا الْقَتْلَى ثمَّ توجه عبد الله إِلَى مراكش فبرز إِلَيْهِ أَهلهَا فِي سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف مقَاتل والتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُقَال لَهُ رَأس الْعين فَانْهَزَمَ أهل مراكش وَتقدم عبد الله بن الشَّيْخ فاقتحمها بجيشه وفر زَيْدَانَ إِلَى المعاقل المنيعة وَالْجِبَال الشامخة فَبَقيَ منتقلا هُنَالك إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
(6/9)

ثورة مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وانقراض أمره وعود زَيْدَانَ إِلَى مراكش

لما دخل عبد الله بن الشَّيْخ مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا فعل فِيهَا أعظم من فعلته الأولى وهربت شرذمة من أهل مراكش إِلَى جبل جيليز وَاجْتمعَ هُنَالك مِنْهُم عِصَابَة من أهل النجدة وَالْحمية وَاتفقَ رَأْيهمْ على أَن يقدموا للخلافة مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَكَانَ رجلا خيرا دينا صينا وقورا فَبَايعهُ أهل مراكش هُنَالك والتفوا عَلَيْهِ فَخرج عبد الله بن الشَّيْخ لقِتَال من بجبل جيليز وَالْقَبْض على أَمِيرهمْ الْمَذْكُور وَلما التقى الْجَمْعَانِ انهزم عبد الله وَولى أَصْحَابه الأدبار فَخرج من مراكش مهزوما سادس شَوَّال سنة سِتّ عشرَة وَألف وَترك محلته وأنفاضه وعدته وَجل الْجَيْش وَأخذ على طَرِيق تامسنا وامتحن أَصْحَابه فِي ذهابهم حَتَّى كَانَ مد الْقَمْح عِنْدهم بِثَلَاثِينَ أُوقِيَّة والخبزة من نصف رَطْل بِربع مِثْقَال وَلم يزل أَصْحَابه ينتهبون مَا مروا عَلَيْهِ من الْخيام والعمود ويسبون الْبَنَات إِلَى أَن وصلوا إِلَى فاس فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة
وَأما مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن فَإِنَّهُ لما دخل مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا صفح عَن الَّذين تخلفوا بهَا من أهل الغرب من جَيش عبد الله بن الشَّيْخ وَأَعْطَاهُمْ الرَّاتِب فَلم يعجب ذَلِك أهل مراكش ونقموا عَلَيْهِ إبقاءه عَلَيْهِم وَكَانُوا نَحْو الْألف وَنصف فَكَتَبُوا سرا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ بِالْجَبَلِ فَأَتَاهُم وخيم نازلا بِظَاهِر الْبَلَد فَخرج مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن إِلَى لِقَائِه فَانْهَزَمَ ابْن عبد الْمُؤمن وَدخل السُّلْطَان زَيْدَانَ مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وصفح هُوَ أَيْضا عَن الفئة المتخلفة عَن عبد الله بن الشَّيْخ وَذكر فِي شرح زهرَة الشماريخ إِن هَذَا الثائر بجبل جيليز اسْمه أَبُو حسون من أَوْلَاد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَالله أعلم وَلَعَلَّ هَذَا الصَّوَاب بِدَلِيل مَا يَأْتِي فِي رِسَالَة زَيْدَانَ إِن شَاءَ الله
(6/10)

خُرُوج جالية الأندلس من غرناطة وأعمالها إِلَى بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا

قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الطاغية صَاحب قشتالة على غرناطة وأعمالها سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَإِن أهل غرناطة التزموا طَاعَته والبقاء تَحت حكمه على شُرُوط اشترطوها عَلَيْهِ قد ذكرنَا بَعْضهَا فِيمَا سلف وَأَن عَدو الدّين قد نقض تِلْكَ الشُّرُوط عُرْوَة عُرْوَة وَكَانَ أهل الأندلس من أجل ذَلِك كثيرا مَا يهاجرون من بِلَاد الْكفْر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام أثْنَاء هَذِه الْمدَّة السالفة غير أَن عامتهم كَانُوا قد تخلقوا بأخلاق الْعَجم وَأثر فيهم ذَلِك أثرا ظَاهرا لطول صحبتهم لَهُم ونشأة أَعْقَابهم بَين أظهرهم فَكَانَت تصدر مِنْهُم فِي بعض الأحيان مقالات قبيحة فِي حق وُلَاة الْمُسلمين من أهل الْمغرب وعامتهم لَا سِيمَا إِذا نالهم مِنْهُم بعض الظُّلم وَلَقَد رَأَيْت فِي كتاب المعيار وَغَيره سُؤَالَات وفتاوى صدرت عَن عُلَمَاء الْمغرب فِي حق هَؤُلَاءِ الصِّنْف مِنْهُم وَكَانَ الْمُلُوك السعديون قد جمعُوا مِنْهُم جندا كَبِيرا وبهم فتح الْمَنْصُور إقليم السودَان وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت سنة سِتّ عشرَة وَألف فَهَاجَرَ جَمِيع من لم يتنصر مِنْهُم إِلَى بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا
قَالَ فِي نفح الطّيب كَانَ النَّصَارَى بالأندلس قد شَدَّدُوا على الْمُسلمين بهَا فِي التنصر حَتَّى أَنهم أحرقوا مِنْهُم كثيرا بِسَبَب ذَلِك ومنعوهم من حمل السكين الصَّغِير فضلا عَن غَيرهَا من الْحَدِيد وَقَامُوا فِي بعض الْجبَال على النَّصَارَى مرَارًا وَلم يقيض الله لَهُم ناصرا إِلَى أَن كَانَ إِخْرَاج النَّصَارَى إيَّاهُم أَعْوَام سَبْعَة عشرَة وَألف فَخرجت أُلُوف بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وَخرج جمهورهم بتونس فتسلط عَلَيْهِم الْأَعْرَاب وَمن لَا يخْشَى الله تَعَالَى فِي الطرقات ونهبوا أَمْوَالهم وَهَكَذَا كَانَ بِبِلَاد تلمسان وفاس وَنَجَا الْقَلِيل مِنْهُم من هَذِه الْمضرَّة وَأما الَّذين خَرجُوا بنواحي تونس فَسلم أَكْثَرهم وهم لهَذَا الْعَهْد قد عمروا قراها الخالية وبلادها اه
(6/11)

وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة النقية فِي أُمَرَاء إفريقية مَا نَصه وَفِي سنة سِتّ عشرَة وَألف قدمت الْأُمَم الجالية من جَزِيرَة الأندلس فأوسع لَهُم صَاحب تونس عُثْمَان داي كنفه وأباح لَهُم بِنَاء الْقرى فِي مَمْلَكَته فبنوا نَحْو الْعشْرين قَرْيَة واغتبط بهم أهل الحضرة وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم اه ثمَّ قَالَ فِي نفح الطّيب وَكَذَلِكَ خرج طوائف مِنْهُم بتطاوين وسلا والجزائر وَلما استخدم سُلْطَان الْمغرب الْأَقْصَى مِنْهُم عسكرا جرارا وَسَكنُوا سلا كَانَ مِنْهُم من الْجِهَاد فِي الْبَحْر مَا هُوَ مَشْهُور الْآن وحصنوا قلعة سلا وبنوا بهَا الْقُصُور والحمامات والدور وهم الْآن بِهَذَا الْحَال وَوصل جمَاعَة مِنْهُم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى مصر وَالشَّام وَغَيرهَا من بِلَاد الْإِسْلَام اه كَلَام نفح الطّيب وَقَوله وحصنوا قلعة سلا يَعْنِي بهَا رِبَاط الْفَتْح إِذْ هِيَ يَوْمئِذٍ مُضَافَة إِلَى سلا ومعدودة مِنْهَا وَالله تَعَالَى أعلم
اسْتِيلَاء السُّلْطَان زَيْدَانَ على فاس وفرار الشَّيْخ بن الْمَنْصُور عَنْهَا إِلَى العرائش ثمَّ إِلَى طاغية الإصبنيول

كَانَ الشَّيْخ بن الْمَنْصُور عَفا الله عَنهُ على مَا تقدم من قبح السِّيرَة والإساءة إِلَى الْخَاصَّة والعامة حَتَّى مِلَّته النُّفُوس ورفضته الْقُلُوب وضاق أهل فاس بشؤمه ذرعا وَكَانَ قد بعث ابْنه عبد الله مرّة ثَالِثَة إِلَى حَرْب السُّلْطَان زَيْدَانَ بمراكش وأعمالها فَخرج عبد الله من فاس آخر ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي بوركراك فَكَانَت الْهَزِيمَة على عبد الله وفر فِي رَهْط من أَصْحَابه وَترك محلته بِمَا فِيهَا بيد السُّلْطَان زَيْدَانَ فاستولى عَلَيْهَا وانضم إِلَيْهِ جَيش عبد الله من أهل فاس وَغَيرهم ميلًا إِلَيْهِ ورغبة فِي صحبته فَعَفَا عَنْهُم وتألفهم واستفحل أَمر السُّلْطَان زَيْدَانَ وَتكلم بِهِ أهل فاس وَسَائِر بِلَاد الغرب واتصل الْخَبَر بالشيخ وَعرف أَن قُلُوب النَّاس عَلَيْهِ فخاف الفضيحة وَأصْبح غاديا فِي أَهله وحشمه إِلَى نَاحيَة العرائش فاحتل
(6/12)

بِالْقصرِ الْكَبِير وَهُنَاكَ لحق بِهِ ابْنه عبد الله مهزوما من وقْعَة بوركراك وانضم إِلَيْهِمَا أَبُو فَارس بن الْمَنْصُور فَإِنَّهُ بعد فراره من مرس الرماد إِلَى مسفيوة أَقَامَ بهَا مُدَّة وَلما استولى السُّلْطَان زَيْدَانَ على مراكش كَمَا مر شدد فِي طلبه ففر إِلَى السوس وَلما أعيت عَلَيْهِ الْمذَاهب وزيدان فِي طلبه لحق بشقيقه الشَّيْخ فَكَانَ مَعَه إِلَى هَذَا التَّارِيخ
ثمَّ إِن السُّلْطَان زَيْدَانَ بعث كَبِير جَيْشه مصطفى باشا إِلَى فاس فَانْتهى إِلَيْهَا وَنزل مخيما بِظهْر الزاوية وَوجد لأَصْحَاب الشَّيْخ زروعا كَثِيرَة فَأرْسل مصطفى باشا عَلَيْهَا جَيْشه فانتسفوها وَدخلت فاس فِي طَاعَته ثمَّ نَهَضَ إِلَى نَاحيَة الْقصر الْكَبِير نَاوِيا الْقَبْض على الشَّيْخ وَحزبه واتصل بالشيخ خَبره ففر إِلَى العرائش وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى طاغية الإصبنيول مستصرخا بِهِ على السُّلْطَان زَيْدَانَ وَحمل مَعَه أمه الخيزران وَبَعض عِيَاله وَجَمَاعَة من قواده وبطانته وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع عشرَة وَألف
وانْتهى مصطفى باشا إِلَى الْقصر الْكَبِير فَقبض على من وجد بِهِ من أَصْحَاب الشَّيْخ وفر عبد الله وَأَبُو فَارس فَنزلَا بِموضع يُقَال لَهُ سطح بني وارتين فَبلغ خبرهما إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ فجَاء حَتَّى نزل قبالتهما بِموضع يُقَال لَهُ آرورات ففر من كَانَ مَعَهُمَا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ وَلما بقيا أوحش من وتد بقاع فرا إِلَى دَار الْيَهُودِيّ ابْن مشعل من بِلَاد بني يزناسن فأقاما بهَا
وَاخْتصرَ صَاحب الْمرْآة هَذَا الْخَبَر فَقَالَ كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن الْمَنْصُور التقى مَعَ ابْن أَخِيه عبد الله بن الشَّيْخ صَاحب فاس برؤوس الشعاب يَوْم الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سبع عشرَة وَألف فَانْهَزَمَ عبد الله بن الشَّيْخ وفر إِلَى محلّة أَبِيه بالعرائش ثمَّ رَجَعَ إِلَى جِهَة فاس وانْتهى إِلَى دَار ابْن مشعل وَاسْتولى عَمه السُّلْطَان زَيْدَانَ على محلته وَسَار إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا اه
وَفِي دخلة السُّلْطَان زَيْدَانَ هَذِه إِلَى فاس قبض على الْفَقِيه القَاضِي أبي
(6/13)

الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي رَحمَه الله قَالَ اليفرني فِي الصفوة كَانَ القَاضِي الْمَذْكُور مِمَّن أَخذ عَن الشَّيْخ الْقصار وَكَانَ مَعَ ذَلِك لما ولي الْقصار الْفَتْوَى والخطابة بِجَامِع الْقرَوِيين يسْعَى عِنْد السُّلْطَان فِي تَأْخِيره حَتَّى أخر وَولي هُوَ مَكَانَهُ مُدَّة يسيرَة ثمَّ أُعِيد الْقصار وَكَانَت بَينهمَا شَحْنَاء عَظِيمَة بِسَبَب فَتْوَى تنَازعا فِيهَا ثمَّ أفضت الْحَال بِالْقَاضِي أبي الْحسن إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ السُّلْطَان زَيْدَانَ بِسَبَب أَنه عثر لَهُ على كتاب كتبه إِلَى بعض إخْوَته ينتقصه فِيهِ ويوهن أمره فأوغر ذَلِك قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ فسطا بِهِ وسجنه وَنهب دَاره وأثاثه ثمَّ سقَاهُ سما على مَا قيل فَكَانَ فِيهِ حتفه وَقد حُكيَ هَذَا الْخَبَر فِي مَوضِع آخر من الصفوة مطولا فَقَالَ كَانَ القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي شَدِيد الانحراف عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الفاسي سيئ الِاعْتِقَاد فِيهِ وَلم يزل يسْعَى بِهِ ويكيده فاتفق أَن اجْتمع بالشيخ فِي بعض اللَّيَالِي بعض من يتعاطى الْعلم فتكلموا فِي مسَائِل من صِفَات الله فَنقل كَلَام الشَّيْخ إِلَى القَاضِي على غير وَجهه فَأنْكر ذَلِك وَركب من حِينه إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس منتهزا للفرصة فَقَالَ إِن هَهُنَا رجلا يعلم النَّاس الْبدع ويلقنهم آراء الْفرق الضَّالة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان من هُوَ قَالَ فلَان قَالَ أَخُو سَيِّدي يُوسُف قَالَ نعم قَالَ سمعنَا أَنه أعلم من أَخِيه ثمَّ بعث السُّلْطَان إِلَيْهِ وَهُوَ مستشيط غَضبا لخَبر بلغه من ثورة بعض أَقَاربه عَلَيْهِ فجَاء الشَّيْخ أَبُو زيد وَلم يخلع نَعله حَتَّى بلغ بِسَاط السُّلْطَان فَسلم عَلَيْهِ وَمد يَده فصافحه ثمَّ تكلمُوا فِي الْمَسْأَلَة فَانْقَطع القَاضِي وَلم يجد مَا يَقُول إِلَّا أَن النَّاقِل لم يحسن نقلهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فَهَلا تثبت وَكَانَ بعض عُلَمَاء مراكش حَاضرا فَبَالغ فِي عتاب القَاضِي وَقيل للشَّيْخ مَا سَبَب الوحشة بَيْنك وَبَين هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَا شَيْء إِلَّا الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم فَقَالُوا يَا سَيِّدي هَذَا وصف يُوجب الْحبّ فَمَا انْفَصل الشَّيْخ عَن السُّلْطَان حَتَّى اطلع على مَا يُوجب الْقَبْض على القَاضِي فَقبض عَلَيْهِ وَنهب دَاره فِي الْحِين فَنزل الشَّيْخ من فاس الْجَدِيد فلقي أثاث القَاضِي فِي الطَّرِيق جِيءَ بِهِ منهوبا وَبَقِي فِي السجْن إِلَى أَن مَاتَ مسموما رَحمَه الله وَكَانَ
(6/14)

الأديب الْكَاتِب أَبُو عبد الله المكلاثي قد كتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات يَقُول فِيهَا مَا نَصه
(أما لهِلَال غَابَ عَنَّا سفور ... فيجلى بِهِ خطب دجاه تثور)
(فصبرا لدهر رام يمنحك الأسى ... فَأَنت عَظِيم والعظيم صبور)
(سَيظْهر مَا عهدته من جمالكم ... فللبدر من بعد الْكُسُوف ظُهُور)
(وتحيى رسوم للمعالي تَغَيَّرت ... فللميت من بعد الْمَمَات نشور)
(أَبَا حسن إِنِّي على الْحبّ لم أزل ... مُقيما عَلَيْهِ مَا أَقَامَ ثبير)
(فَفِي الْفَم مَاء من بقايا ودادكم ... وَذَلِكَ عِنْدِي سَائِغ ونمير)
(عَلَيْكُم سَلام الله مَا هطل الحيا ... وغنت بأغصان الرياض طيور)
قَالَ منشئها وَقد أنشدتها بَين يَدَيْهِ بمحبسه فَبكى حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيهلك ثمَّ أَفَاق وَقَالَ {لله الْأَمر من قبل وَمن بعد} الرّوم 4 فراجعني رَضِي الله عَنهُ بِأَبْيَات يَقُول فِيهَا
(تفتق عَن زهر الرّبيع سطور ... فَمَا هِيَ إِلَّا رَوْضَة وغدير)
(هزمت من الصَّدْر الجريح همومه ... فَأَنت على جند الْكَلَام أَمِير)
(مُحَمَّد هَل فِي الْعَصْر غَيْرك شَاعِر ... لَهُ مَعكُمْ فِي الْخَافِقين ظُهُور)
(فَإِنِّي على صفو الوداد وإنني ... سأشدوا وقلبي بالهموم كسير)
(مَتى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بنهضة جد وَالزَّمَان عثور)
(فتدرك آمال وتقضي مآرب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور)
(عَلَيْك سَلام الله مني فإنني ... غَرِيب بأقصى المغربين أَسِير)
وَكَانَت وَفَاة القَاضِي الْمَذْكُور رَحمَه الله فِي جَامع المشور فِي مهل ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف
(6/15)

عود عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ومقتل مصطفى باشا رَحمَه الله

لما دخل السُّلْطَان زَيْدَانَ حَضْرَة فاس وَاسْتولى عَلَيْهَا أَقَامَ بهَا إِلَى أَن دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَألف فاتصل بِهِ خبر قيام بعض الثوار عَلَيْهِ بِنَاحِيَة مراكش فَنَهَضَ إِلَيْهَا مزعجا واستخلف على فاس مَوْلَاهُ مصطفى باشا وَلما اتَّصل خبر نهوضه بِعَبْد الله بن الشَّيْخ وَهُوَ بدار ابْن مشعل زحف إِلَى فاس فِيمَن انْضَمَّ إِلَيْهِ فبرز إِلَيْهِ مصطفى باشا وَضرب محلته بِظَاهِر فاس من نَاحيَة بَاب الْفتُوح قَالَ فِي الْمرْآة وَعرض لأبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف الأندلسي الْمَعْرُوف بالبيطار غَرَض من أُمُور الْعَامَّة كَانَ يتَرَدَّد فِيهِ إِلَى الْمحلة فَركب إِلَيْهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع عشر من ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ يَوْمئِذٍ بَين الظهرين فأجلت الْحَرْب عَن مقتل مصطفى باشا وفقد أَبُو الْحسن ابْن البيطار وَقَالَ فِي النزهة لما رَحل زَيْدَانَ إِلَى مراكش بِسَبَب مَا بلغه من قيام بعض الثوار عَلَيْهِ هُنَالك قدم عبد الله بن الشَّيْخ وَعَمه أَبُو فَارس إِلَى فاس فَخرج مصطفى باشا لمقاتلتهما فعثر بِهِ فرسه وَقتل وَأخذت محلته بأسرها وَهلك مَا لَا يُحْصى من النَّاس وَوَقع النهب حَتَّى انتهب من الْبَقر الَّتِي تحلب نَحْو سِتَّة آلَاف وَدخل عبد الله بن الشَّيْخ فاسا مَعَ عَمه أبي فَارس وَذَلِكَ سَابِع عشر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف
(6/16)

تَلْخِيص خبر أبي فَارس ومقتله رَحمَه الله تَعَالَى

تقدم لنا أَن أَبَا فَارس بن الْمَنْصُور بُويِعَ بمراكش وَبعث أَخَاهُ الشَّيْخ لقِتَال السُّلْطَان زَيْدَانَ فنكث الشَّيْخ عَهده واستبد عَلَيْهِ ثمَّ بعث إِلَيْهِ ابْنه عبد الله فَهَزَمَهُ إِلَى مسفيوة ثمَّ فر مِنْهَا إِلَى السوس فَأَقَامَ عِنْد حَاجِب أَبِيه عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي ثمَّ لما بَالغ زَيْدَانَ فِي طلبه فر إِلَى أَخِيه الشَّيْخ فَلم يزل مَعَ ابْنه عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى أَن قتل مصطفى باشا وَدخل عبد الله فاسا فاستولى عَلَيْهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا فاتفق رَأْي قواد شراكة على قتل عبد الله وتولية عَمه أبي فَارس فَبلغ ذَلِك عبد الله فَدخل على عَمه أبي فَارس لَيْلًا مَعَ حَاجِبه حمو بن عمر فَوَجَدَهُ على سجادته وجواريه حوله فأخرجهن وَأمر بِعَمِّهِ فخنق وَهُوَ يضْرب برجليه إِلَى أَن مَاتَ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان عشرَة وَألف هَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا مَا فِي نشر المثاني على اضطرابه فأسف النَّاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يردهُ عَن المناكر ويزجره عَن كثير من القبائح وَذكر فِي الْمُنْتَقى أبياتا من إنْشَاء الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن الْقَاسِم الفشتالي مِمَّا كتب تطريزا على نجاد الواثق بِاللَّه أبي فَارس الْمَذْكُور وَهِي
(أتيه وأزرى بِكُل نجاد ... يروق على حلَّة اللابس)
(إِذا كنت يَوْم الوغى محملًا ... لعضب حكى شعلة القابس)
(على عاتق الْملك المرتضى ... سليل الْوَصِيّ أبي فَارس)
(6/17)

عودة السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ثمَّ إعراضه عَنْهَا سَائِر أَيَّامه

لما سمع السُّلْطَان زَيْدَانَ وَهُوَ بمراكش بمقتل مصطفى باشا نَهَضَ إِلَى فاس وَجَاء على طَرِيق الْجَبَل وَكَانَ نَصَارَى الإصبنيول يَوْمئِذٍ قد نزلُوا على العرائش وحاولوا الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِإِذن الشَّيْخ كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ بفاس فَسمع بنزول النَّصَارَى على العرائش فاستنفر النَّاس وحضهم على الْجِهَاد فتهيؤوا لذَلِك وعزموا على النهوض إِلَيْهَا فَمَا راعهم إِلَّا السُّلْطَان زَيْدَانَ قد أقبل من نَاحيَة أدخسان وَقد أنزل بِهِ محتله وَتقدم إِلَى جِهَة فاس وَضرب بأنفاضه فأنهزم النَّاس عَن عبد الله وَدخل شراكة فاسا فَبعث زَيْدَانَ قائده عبد الصَّمد لتسكين روعة أهل الْبَلَد وَأمر الْمُنَادِي أَن يُنَادي بنصره فَنزل الْمُنَادِي إِلَى أَن بلغ بَاب السلسلة فَقَامَ فِي وَجهه بعض السياب من أهل العدوة وضربه فجرحه وَرجع الْمُنَادِي وَبَطل الْأَمر فَبلغ الْخَبَر السُّلْطَان زَيْدَانَ فَأمر بِإِطْلَاق السَّبِيل فِي أهل فاس وتحكيم السَّيْف فيهم ثمَّ نَدم فَأَمنَهُمْ وَسكن روعتهم وَنزل زَيْدَانَ بوادي فاس فَخرج النَّاس للقائه وَهُوَ غَضْبَان عَلَيْهِم وَقد استولى على فاس وَتمكن مِنْهَا فَأخذ يسب أعيانهم وهم بِقَتْلِهِم وَلَكِن الله سلم
ثمَّ إِن الْعَرَب اجْتَمعُوا عِنْد قنطرة المهدومة فِي نَحْو ثَمَانِيَة آلَاف فَخرج إِلَيْهِم زَيْدَانَ وَمَعَهُ عرب الشرق فَانْهَزَمُوا عَنهُ وَلم يبْق مَعَه إِلَّا رَهْط يسير فَرَأى زَيْدَانَ أَمَامه خيلا قَليلَة فقصدها فَإِذا فِيهَا عبد الله بن الشَّيْخ وَقد رأى زَيْدَانَ مُقبلا إِلَيْهِ ففر مَعَ أَن زَيْدَانَ إِنَّمَا قصد الْفِرَار إِلَيْهِ من غير علم لَهُ بِهِ فاستتب أَمر زَيْدَانَ وتراجع إِلَيْهِ أَصْحَابه وَمن الْغَد رَجَعَ إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ أهل فاس يهنئونه كبارًا وصغارا فَاتَّهمهُمْ بِأَنَّهُم يستهزئون بِهِ فَأمر بهم فسلبوا رجَالًا وَنسَاء فَكَانَ بَعضهم ينظر إِلَى عَورَة بعض وَكَانَ عدد السَّلب نَحْو عشرَة
(6/18)

آلَاف كسْوَة وَدخل أَصْحَاب زَيْدَانَ فاسا فنهبوها وفعلوا فِيهَا الأفاعيل ثمَّ أَمر زَيْدَانَ بتسكين الروعة والأمان وَكَانَ ذَلِك كُله سادس رَجَب سنة تسع عشرَة وَألف فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الْحَادِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور نزل عبد الله بن الشَّيْخ بِرَأْس المَاء فَخرج إِلَيْهِ زَيْدَانَ واقتتلوا فَانْهَزَمَ زَيْدَانَ وَقتل من أَصْحَابه نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وفر إِلَى محلته الَّتِي ترك بأدخسان وَكَانَ ذَلِك آخر رُجُوع زَيْدَانَ إِلَى فاس فَإِنَّهُ لما أعياه أَمر الغرب أعرض عَنهُ وَصرف عنايته إِلَى ضبط مَا خلف وَادي أم الرّبيع إِلَى مراكش وأعمالها وتوارث بنوه سلطنته على ذَلِك النَّحْو من بعده وَبَقِي عبد الله بن الشَّيْخ يقطع الْأَيَّام بفاس إِلَى أَن هلك وَقَامَ بِأَمْر فاس من بعده ثوارها وسيابها على مَا نذْكر وَفِي كتاب ابتهاج الْقُلُوب فِي أَخْبَار الشَّيْخ المجذوب مَا صورته تكلم الشَّيْخ سَيِّدي كدار يَوْمًا فِي مُلُوك وقته فَقَالَ أما الشَّيْخ معطي العرائش فَإِن أهل الله قد دقوا أوتاده هُنَالك حَتَّى يَمُوت فَلم يتَجَاوَز مَحَله إِلَى أَن قتل بِهِ حوز تطاوين كَمَا سَيَأْتِي وَأما زَيْدَانَ فَإِنَّهُ لما أطلق السَّبِيل فِي أهل فاس ضربه مولَايَ إِدْرِيس بركلة صيرته وَرَاء أم الرّبيع فَلم يتجاوزه بعد ذَلِك اه
(6/19)

اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على العرائش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا مَا كَانَ من خبر الشَّيْخ الْمَأْمُون من أَنه فر إِلَى العرائش وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى طاغية الإصبنيول مستصرخا بِهِ على أَخِيه السُّلْطَان زَيْدَانَ فَأبى الطاغية أَن يمده فراوده الشَّيْخ على أَن يتْرك عِنْده أَوْلَاده وحشمه رهنا ويعينه بِالْمَالِ وَالرِّجَال حَتَّى إِذا ملك أمره بذل لَهُ مَا شارطه عَلَيْهِ وَلم يزل بِهِ إِلَى أَن شَرط عَلَيْهِ الطاغية أَن يخلي لَهُ العرائش من الْمُسلمين ويملكه إِيَّاهَا فَقبل الشَّيْخ ذَلِك وَالْتَزَمَهُ وَخرج حَتَّى نزل حجر باديس فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان عشرَة وَألف ثمَّ تقدم فَنزل بِبِلَاد الرِّيف
وَلما سمع ذَلِك أهل فاس خَافُوا من شوكته وَذهب جمع من عُلَمَائهمْ وأعيانهم كَالْقَاضِي أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم والشريف أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الصّقليّ الْحُسَيْنِي وَغَيرهمَا لملاقاته وتهنئته بالقدوم فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ فَرح بهم وَأمر قبطان النَّصَارَى أَن يخرج مدافعه وأنفاضه إرهابا وإظهارا لقُوَّة النَّصَارَى الَّذين استنصر بهم فَفعل حَتَّى اصطكت الآذان وارتجت الْجبَال وَنزل القبطان من السَّفِينَة للسلام على الْأَعْيَان فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقبلا أَمرهم الشَّيْخ بِالْقيامِ لَهُ فَقَامُوا إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ وجازوه خيرا على مَا فعل مَعَ الشَّيْخ من الْإِحْسَان والنصرة وَسلم هُوَ عَلَيْهِم بِنَزْع قلنسوته على عَادَة النَّصَارَى وَأنكر النَّاس على أُولَئِكَ الْأَعْيَان قيامهم للْكَافِرِ وضربوا بعصى الذل حَتَّى أَنهم فِي رجوعهم إِلَى فاس تعرض لَهُم عرب الحياينة فسلبوهم وَأخذُوا مَا مَعَهم وجردوهم من ملابسهم جَمِيعًا مَا عدا القَاضِي ابْن أبي النَّعيم فَإِنَّهُ عرف بزِي الْقَضَاء فاحترموه
ثمَّ إِن الشَّيْخ انْتقل إِلَى الْقصر الْكَبِير وَهُوَ قصر كتامة وَقصر عبد الْكَرِيم فَأَقَامَ بِهِ مُدَّة وراود قواده ورؤساء جَيْشه أَن يقفوا مَعَه فِي تَمْكِين النَّصَارَى من العرائش ليفي لَهُ الطاغية بِمَا وعده من النُّصْرَة فَامْتنعَ النَّاس من إسعافه فِي
(6/20)

ذَلِك وَلم يُوَافقهُ على غَرَضه إِلَّا قائده الكرني فَإِنَّهُ ساعده على ذَلِك فَبَعثه الشَّيْخ إِلَيْهَا وَأمره أَن يخليها وَلَا يدع بهَا أحدا من الْمُسلمين فَذهب الكرني الْمَذْكُور وكلم أَهلهَا فِي ذَلِك فامتنعوا من الْجلاء عَنْهَا فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وَخرج الْبَاقُونَ وهم يَبْكُونَ تخفق على رؤوسهم ألوية الصغار
وَلما خرج مِنْهَا الْمُسلمُونَ أَقَامَ بهَا الْقَائِد الكرني إِلَى أَن دَخلهَا النَّصَارَى واستولوا عَلَيْهَا فِي رَابِع رَمَضَان سنة تسع عشرَة وَألف وَوَقع فِي قُلُوب الْمُسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أَمر عَظِيم وأنكروا ذَلِك أَشد الْإِنْكَار وَقَامَ الشريف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِدْرِيس العمراني وَدَار على مجَالِس الْعلم بفاس ونادى بِالْجِهَادِ وَالْخُرُوج لإغاثة الْمُسلمين بالعرائش فانضاف إِلَيْهِ أَقوام وعزموا على التَّوَجُّه لذَلِك ففت فِي عضدهم قائدهم حمو الْمَعْرُوف بِأبي دبيرة وَصرف وجوهم عَمَّا قصدوه فِي حِكَايَة طَوِيلَة
وَكَانَ الشَّيْخ لما خَافَ الفضيحة وأنكار الْخَاصَّة والعامة عَلَيْهِ إعطاءه بَلَدا من بِلَاد الْإِسْلَام للْكفَّار احتال فِي ذَلِك وَكتب سؤالا إِلَى عُلَمَاء فاس وَغَيرهَا يذكر لَهُم فِيهِ أَنه لما وغل فِي بِلَاد الْعَدو الْكَافِر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه مَنعه النَّصَارَى من الْخُرُوج من بِلَادهمْ حَتَّى يعطيهم ثغر العرائش وَأَنَّهُمْ مَا تَرَكُوهُ خرج بِنَفسِهِ حَتَّى ترك لَهُم أَوْلَاده رهنا على ذَلِك فَهَل يجوز لَهُ أَن يفْدي أَوْلَاده من أَيدي الْكفَّار بِهَذَا الثغر أم لَا فَأَجَابُوهُ بِأَن فدَاء الْمُسلمين سِيمَا أَوْلَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ سِيمَا أَوْلَاد سيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(6/21)

من يَد الْعَدو الْكَافِر بِإِعْطَاء بلد من بِلَاد الْإِسْلَام لَهُ جَائِز وَإِنَّا موافقون على ذَلِك وَوَقع هَذَا الاستفتاء بعد أَن وَقع مَا وَقع وَمَا أجَاب من أجَاب من الْعلمَاء عَن ذَلِك إِلَّا خوفًا على نَفسه وَقد فر جمَاعَة من تِلْكَ الْفَتْوَى كَالْإِمَامِ أبي عبد الله مُحَمَّد الْجنان صَاحب الطرر على الْمُخْتَصر وكالإمام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري مؤلف نفح الطّيب فاختفيا مُدَّة اسْتِبْرَاء لدينهما حَتَّى صدرت الْفَتْوَى من غَيرهمَا وبسبب هَذِه الْفَتْوَى أَيْضا فر جمَاعَة من عُلَمَاء فاس إِلَى الْبَادِيَة كالشيخ أبي عَليّ الْحسن الزياتي شَارِح جمل ابْن المجراد والحافظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الفاسي وَغَيرهمَا
بَقِيَّة أَخْبَار الشَّيْخ ومقتله رَحمَه الله وَتجَاوز عَنهُ

ثمَّ إِن الشَّيْخ ابْن الْمَنْصُور نزل بالفحص وَاجْتمعت عَلَيْهِ لمة من أهل الذعارة وَالْفساد على شاكلته فَنَهَضَ بهم إِلَى تطاوين فاستولى عَلَيْهَا وَأخرج مِنْهَا كبيرها الْمُقدم الْمُجَاهِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس وَلم يزل الشَّيْخ يجول فِي بِلَاد الفحص ويعسف أَهلهَا إِلَى أَن مِلَّته الْقُلُوب وتمالأ أَشْيَاخ الفحص على قَتله لما رَأَوْا من انحلال عقيدته ورقة ديانته وتمليكه ثغر الْإِسْلَام للْكفَّار ففتك بِهِ الْمُقدم أَبُو الليف فِي وسط محلته بِموضع يعرف بفج الْفرس وَبَقِي صَرِيعًا مَكْشُوف الْعَوْرَة أَيَّامًا حَتَّى خرج جمَاعَة من أهل تطاوين فَحَمَلُوهُ مَعَ من قتل مَعَه من أَصْحَابه كالدبيريين وَبَعض أَوْلَاده ودفنوهم خَارج تطاوين إِلَى حمل الشَّيْخ إِلَى فاس الْجَدِيد مَعَ أمه الخيزران فدفنا بِهِ وَكَانَ مَقْتَله خَامِس رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف
(6/22)

وَقَالَ منويل إِنَّه وصل إِلَى قرب تطاوين وَبنى هُنَالك أفراكا وَأقَام ينْتَظر اجْتِمَاع الجيوش عَلَيْهِ ثمَّ سكر ذَات يَوْم على عَادَته وَخرج إِلَى عين مَاء هُنَالك فاستلقى قربهَا فِي نَبَات أَخْضَر أَعْجَبته خضرته فَجَاءَهُ أنَاس من أهل تِلْكَ الْبَلدة فعرفوه وشدخوا رَأسه بصخرة فَقَتَلُوهُ وَيُقَال إِن قَتله كَانَ بِإِشَارَة الثائر أبي محلي الْآتِي ذكره وَإنَّهُ كتب إِلَى المقدمين النقسيس وَأبي الليف يحضهما على قَتله فَقَتَلُوهُ وانتهبوا مَاله وَكَانَ شَيْئا كثيرا وَمن جملَة مَا نهب مِنْهُ نَحْو الْمَدّ من الْيَاقُوت وَبَقِي من أثاثه نَحْو وسق سفينة كَانَ قد تَركه بطنجة فاستولى عَلَيْهِ نصاراها من البرتغال لما قتل وَكَانَ للشَّيْخ عَفا الله عَنهُ مُشَاركَة فِي الْعلم وَيَد فِي مبادئ الطِّبّ أَخذ عَن أَشْيَاخ الحضرتين وَله شعر مُتَقَارب وَمن كِتَابه الأديب المتفنن أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الغرديس التغلبي وَكَانَ من أهل الإجادة والتبريز فِي صناعَة الْإِنْشَاء قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي شَرحه لدلائل الْخيرَات عِنْد قَوْله وَكَانَ لي جَار نساخ مَا نَصه وَقد كَانَ الشَّيْخ الْكَاتِب الرئيس أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الغرديس شيخ كتاب الْإِنْشَاء بِحَضْرَة فاس رَحمَه الله اسْتعَار مني كتاب الأنباء فِي شرح الْأَسْمَاء للإقليشي ثمَّ مرض مرض مَوته فعدته فَوجدت الْكتاب عِنْد رَأسه وَمَعَهُ كراريس مَنْسُوخَة وَأُخْرَى معدة للنسخ فَقَالَ لي إِنِّي إِذا وجدت رَاحَة كتبت مِنْهُ مَا قدرت عَلَيْهِ فَإِذا غلبني مَا بِي أَمْسَكت فَقَالَ لَهُ وَلم تتكلف هَذَا فَقَالَ إِنِّي عصيت الله بِهَذِهِ الْأَصَابِع مَا لَا أحصيه فرجوت أَن يكون مَا أعانيه على هَذِه الْحَال من نسخ هَذَا الْكتاب خَاتِمَة عَمَلي وَكَفَّارَة لذَلِك فكمل الله قَصده وَأتم الْكتاب وَتُوفِّي من مَرضه ذَلِك وَقد طَال بِهِ سنة عشْرين والف اه وَلِهَذَا الْكَاتِب يَقُول الشَّاعِر
(تمتعت يَا غرديس والدهر رَاقِد ... وَأَنت بفاس وَابْن حيون وَاجِد)
(بسعدك راحت خيزران لقبرها ... مصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد)
(6/23)

رياسة ولي الله تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد العياشي على الْجِهَاد ومبدأ أمره فِي ذَلِك

هَذَا الرجل هُوَ ولي الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَبُو عبد الله مُحَمَّد فتحا ابْن أَحْمد الْمَالِكِي الزياني الْمَعْرُوف بالعياشي ونسبته إِلَى بني مَالك ابْن زغبة الهلاليين وهم الْيَوْم قَبيلَة من عرب الغرب كَانَ رَحمَه الله مستوطنا مَدِينَة سلا وَكَانَ من تلامذة الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي مُحَمَّد عبد الله بن حسون السلاسي دَفِين سلا
وَكَانَ ابْتِدَاء أَمر أبي عبد الله أَنه كَانَ ملازما لشيخه الْمَذْكُور من أقرب التلامذة إِلَيْهِ وأسرعهم إِلَى خدمته وأولهم دُخُولا عَلَيْهِ وَآخرهمْ خُرُوجًا عَنهُ وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير الْوَرع قَلِيل الْكَلَام مديما للصيام وَقِرَاءَة الْقُرْآن فَكَانَ الشَّيْخ ابْن حسون ملتفتا إِلَيْهِ وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن شاعت مَنَاقِب الشَّيْخ وَكثر غاشيه فأهدى لَهُ يَوْمًا بعض أَشْيَاخ الْقَبَائِل فرسا فَأمر الشَّيْخ بإسراجه وَقَالَ أَيْن مُحَمَّد العياشي فَقَالَ هَا أَنا ذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ الشَّيْخ اركب بحول الله فرسك ودنياك وآخرتك فتفهقر تأدبا فَحلف عَلَيْهِ ليركبن وَحبس لَهُ الركاب بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ارتحل عني إِلَى آزمور وَانْزِلْ على أَوْلَاد أبي عَزِيز وَلَا بُد لَك من الرُّجُوع إِلَى هَذِه الْبِلَاد وسيكون لَك شَأْن عَظِيم فودعه أَبُو عبد الله وَوضع الشَّيْخ يَده على رَأسه وَبكى ودعا لَهُ بِخَير فقصد نَاحيَة آزمور وَنزل حَيْثُ عين لَهُ شَيْخه الْمَذْكُور وَذَلِكَ لأوّل دولة السُّلْطَان زَيْدَانَ سنة ثَلَاث عشرَة وَألف فَلم يزل أَبُو عبد الله العياشي مثابرا على الْجِهَاد شَدِيد الشكيمة على الْعَدو عَارِفًا بِوُجُوه المكايد الحربية بطلا شهما مقداما فِي مَوَاطِن الإحجام وقورا صموتا عَن الْكَلَام فطار بذلك فِي الْبِلَاد صيته وشاع بَين النَّاس ذكره لما هُوَ عَلَيْهِ من
(6/24)

التَّضْيِيق على نَصَارَى الجديدة وَكَانُوا يَوْمئِذٍ قد أَمر أَمرهم ففرح بذلك قَائِد آزمور وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن توفّي قَائِد الفحص والبلاد الآزمورية فَسَأَلَ السُّلْطَان زَيْدَانَ عَمَّن يَلِيق بتولية ذَلِك الثغر فَقيل لَهُ سَيِّدي مُحَمَّد العياشي فَكتب إِلَيْهِ بالتولية فَقبل ونهض بأعباء مَا حمل من ولَايَة الفحص وجهاده
وَكَانَت لَهُ مَعَ نَصَارَى الجديدة وقائع وضيق عَلَيْهِم حَتَّى مَنعهم من الْحَرْث والرعي فَبعث النَّصَارَى إِلَى حَاشِيَة السُّلْطَان زَيْدَانَ بالتحف ونفائس الْهَدَايَا ليعزلوا عَنْهُم أَبَا عبد الله الْمَذْكُور لمضايقته لَهُم فخوفوا السُّلْطَان زَيْدَانَ عاقبته وحضوه على عَزله وأظهروا لَهُ أَنه مسموع الْكَلِمَة فِي تِلْكَ النواحي وَأَنه يخْشَى على الدولة مِنْهُ وَكَانَ أَبُو عبد الله العياشي كلما بعث بالغنائم وَمَا يفتح الله بِهِ عَلَيْهِ من الْأُسَارَى إِلَى مراكش ازدادت شهرته وتناقل النَّاس حَدِيثه فوغر بذلك قلب زَيْدَانَ وحنق عَلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ قائده مُحَمَّد السنوسي فِي أَرْبَعمِائَة فَارس وَأمره بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَقَتله وَألقى الله فِي قلب الْقَائِد الْمَذْكُور الشَّفَقَة عَلَيْهِ لما يعلم من بَرَاءَته مِمَّا قذف بِهِ فَبعث إِلَيْهِ خُفْيَة أَن أَنْج بِنَفْسِك فَإنَّك مغدور فَخرج أَبُو عبد الله العياشي فِي أَرْبَعِينَ رجلا فُرْسَانًا وَمُشَاة قَاصِدين سلا فاستقر بهَا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَلما انْتهى السنوسي إِلَى آزمور وَلم يجد لَهُ أثرا أظهر الْعِنَايَة بالبحث عَنهُ وعاقب شرذمة من أهل الفحص على إفلاته تعمية على السُّلْطَان وَإِقَامَة لعذره عِنْده فَقبل السُّلْطَان زَيْدَانَ ذَلِك وَالله غَالب على أمره
(6/25)

ثورة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله السجلماسي الْمَعْرُوف بِأبي محلي

قَالَ فِي كِتَابه أصليت الخريت مَا ملخصه كَانَت ولادتي سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة بسجلماسة وَالَّذِي تلقيته من أبي وكافة عمومتي أَن أَوْلَاد أبي محلي من ذُرِّيَّة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رَضِي الله عَنهُ وَأما جدنا الْأَشْهر المكنى بِأبي محلي فتح الْمِيم والحاء وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة بعْدهَا يَاء تحتية سَاكِنة مَعَ كَبِير شهرته لَا علم لي الْآن بِسَبَب تكنيته بذلك وَلَا بتفاصيل أَحْوَاله بعد الْبَحْث عَنهُ قَالَ وبخطة الْقَضَاء اشْتهر نسبنا فنعرف بأولاد القَاضِي وزاويتنا بزاوية القَاضِي وَلم تزل بَقِيَّة الْعلم فِي دُورنَا وخصوصا دَار أبي اه
وَقَالَ صَاحب الْبُسْتَان أَبُو محلي هَذَا اسْمه أَحْمد بن عبد الله وينتسب إِلَى بني الْعَبَّاس ويعرفون فِي سجلماسة بأولاد ابْن اليسع أهل زَاوِيَة القَاضِي انْتهى قلت أما الانتساب إِلَى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رَضِي الله عَنهُ فقد أنكر ابْن خلدون وجود النِّسْبَة العباسية فِي الْمغرب قَالَ فِي فصل اخْتِلَاط الْأَنْسَاب وَمَا بعده مَا نَصه وَلم يعلم دُخُول أحد من العباسيين إِلَى الْمغرب لِأَنَّهُ كَانَ مُنْذُ أول دولتهم على دَعْوَة العلويين أعدائهم من الأدارسة والعبيديين فَكيف يسْقط العباسي إِلَى أحد من شيعَة العلويين اه ثمَّ قَالَ أَبُو محلي فِي الْكتاب الْمَذْكُور فَلَمَّا نشأت فِي حجر وَالِدي بذل مجهوده فِي تعليمي وَقد كَانَت أُمِّي رَأَتْ وَهِي حَامِل بِي وليا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى أحد شُيُوخ التربية ببلدنا وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله السجلماسي قد سَقَاهَا قدحا من لبن وَأَرْجُو الله صدق تَأْوِيلهَا بِالْعلمِ وَالدّين وَحقّ الْيَقِين قَالَ وَكَانَ خروجي لطلب الْعلم بفاس فِي حُدُود
(6/26)

الثَّمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأَنا يَوْمئِذٍ مراهق أَو بَالغ الْحلم لَا همة لي إِلَّا فِي الْعلم فأقمت بفاس نَحْو خمس سِنِين إِلَى أَن جَاءَ النَّصَارَى إِلَى وَادي المخازن فدهش النَّاس واستشرت أَخا من الطّلبَة فدلني على الْخُرُوج إِلَى الْبَادِيَة حَتَّى ينجلي نَهَار الْأَمْن فَخرجت إِلَى كريكرة فَحفِظت فِيهَا الرسَالَة وَقد كنت مَا حصلت بفاس إِلَى النَّحْو ثمَّ رجعت إِلَى فاس بعد أَن زَالَ الدهش بهزيمة النَّصَارَى وَولَايَة الْمَنْصُور والنحو صنعتي وَفِي الْفِقْه رغبتي
وَقد كنت فِي الخرجة الأولى إِلَى الْبَادِيَة زرت قبر الشَّيْخ أبي يعزى رَضِي الله عَنهُ فطلبت الله عِنْده أَن أكون من الراسخين فِي الْعُلُوم بأسرها وتوبة يتقبلها فَمَا دَار عَليّ الْحول إِلَّا وَأَنا بزاوية الشَّيْخ أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد بن مبارك الزعري لَا عَن قصد لكوني إِذْ ذَاك مُولَعا بِالْعلمِ أما طَرِيق الْفقر فَلَا تخطر لي ببال لِأَن الْمُعْتَمد يَوْمئِذٍ فِي فُقَرَاء الْوَقْت أَخْلَاق الضلال فَكنت أَشد النَّاس حذرا مِنْهُم إِلَى أَن انْكَشَفَ السّتْر فَرَأَيْت مَا رَأَيْت ووعيت فصاحبت شَيْخي الَّذِي لولاه مَعَ فضل الله لهلكت وَلَوْلَا هدايته بِإِذن الله لضللت أَعنِي أَبَا عبد الله مولَايَ مُحَمَّد بن مبارك الزعري الْقَبِيل الجراري السَّبِيل وَهُوَ رَضِي الله عَنهُ من قَبيلَة عرب بالمغرب يُقَال لَهُم زعير بِصِيغَة التصغير وَالنّسب إِلَيْهَا زعرى على التَّكْبِير وَهِي قَبيلَة من عرب السوس بالمغرب الْأَقْصَى قَالَ فَبَقيت فِي صُحْبَة شَيْخي الْمَذْكُور نَحوا من ثَمَان عشرَة سنة وَمَا فارقته إِلَّا عَن أمره إِذْ هُوَ الَّذِي وجهني إِلَى بلدي سجلماسة من غير اخْتِيَار قَائِلا لي صَلَاحهمْ فِيك ثمَّ ناولني عَصَاهُ وبرنسه وَنَعله من غير طلب مني لشَيْء من ذَلِك وَجعل فِي رَأْسِي قلنسوة كالخرقة بِيَدِهِ الْيُمْنَى عِنْد الْوَدَاع فَلَمَّا استوطنت بلدي عَن إِذْنه زرته مِنْهُ إِحْدَى عشرَة مرّة وَفِي الْأَخِيرَة مِنْهَا وَذَلِكَ بعد مقفلي من الْحجَّة الأولى الَّتِي كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف دَعَا لي بقوله بلاك الله أَكثر مِمَّا بلاني فتأولتها بإقبال الْخلق كَمَا ترى وَقد صَاح عِنْدهَا صَيْحَة عَظِيمَة لم أر مثلهَا مِنْهُ مُنْذُ
(6/27)

صحبته إِذْ عَادَته كَانَت الطُّمَأْنِينَة وَلما توفّي رَحمَه الله بقيت نَحوا من ثَلَاث سِنِين عاطلا ثمَّ تحلى النَّحْر بدرر لطائفه الْمَوْعُود بهَا فَلهُ الْحَمد على مَا أسدى وَله الشُّكْر فِيمَا أولى ثمَّ ذكر بَقِيَّة أشياخه كالشيخ أبي الْعَبَّاس المنجور وَالشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السوداني وَالشَّيْخ سَالم السنهوري وَغَيرهم مِمَّن يطول ذكرهم قَالَ ثمَّ كملت الْفَائِدَة بعد المقفل من الْحَج فَرَجَعت إِلَى الديار المغربية وَنزلت بوادي الساورة ثمَّ تحولت بِجَمِيعِ عيالي إِلَى الْوَادي الْمَذْكُور هَذَا ملخص أوليته مَنْقُولًا من كِتَابه الْمَذْكُور
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التواتي رَحمَه الله تَعَالَى فِي رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا مقامة التحلي والتخلي من صُحْبَة الشَّيْخ أبي محلي وَهِي رِسَالَة طَوِيلَة مسجعة قَالَ كَانَ الْفَقِيه أَبُو محلي فِي أول أمره فَقِيها صرفا ثمَّ انتحل طَريقَة التصوف مُدَّة حَتَّى وَقع على بعض الْأَحْوَال الربانية ولاحت لَهُ مخايل الْولَايَة فانحشر النَّاس لزيارته أَفْوَاجًا وقصدوه فُرَادَى وأزواجا وَبعد صيته وَكَثُرت أَتْبَاعه قَالَ فَلَمَّا سَمِعت بذلك ذهبت إِلَيْهِ وَجَلَست عِنْده إِلَى أَن وجدته يُشِير إِلَى نَفسه بِأَنَّهُ الْمهْدي الْمَعْلُوم المبشر بِهِ فِي صَحِيح الْأَحَادِيث فتركته وَرَاء ونبذته بالعراء اه
وَقَالَ الشَّيْخ اليوسي فِي محاضراته وَقد تكلم على الدَّعْوَى الفاطمية مَا نَصه وَمِمَّنْ ابْتُلِيَ بهَا قَرِيبا أَحْمد بن عبد الله بن أبي محلي التستاوتي خَاضَ فِي الطَّرِيق حَتَّى حصل لَهُ نصيب من الذَّوْق وَألف فِيهَا كتابا يدل على ذَلِك ثمَّ نزغت بِهِ هَذِه النزغة فحدثونا أَنه كَانَ فِي أول أمره معاشرا لمُحَمد بن أبي بكر الدلائي وَكَانَ الْبَلَد إِذْ ذَاك قد كثرت فِيهِ المناكر وشاعت فَقَالَ ابْن أبي محلي لِابْنِ أبي بكر ذَات لَيْلَة هَل لَك فِي أَن نخرج غَدا إِلَى النَّاس فنأمر بِالْمَعْرُوفِ وننهى عَن الْمُنكر فَلم يساعفه لما رأى من تعذر ذَلِك لفساد الْوَقْت وتفاقم الشَّرّ فَلَمَّا أصبحا خرجا فَأَما ابْن أبي بكر فَانْطَلق إِلَى نَاحيَة النَّهر فَغسل ثِيَابه وازال شعثه بِالْحلقِ وَأقَام صلَاته وأوراده فِي أَوْقَاتهَا
(6/28)

وَأما ابْن أبي محلي فَتقدم لما هم بِهِ من الْحِسْبَة فَوَقع فِي شَرّ وخصام أَدَّاهُ إِلَى فَوَات الصَّلَاة عَن الْوَقْت وَلم يحصل على طائل فَلَمَّا اجْتمعَا بِاللَّيْلِ قَالَ لَهُ ابْن أبي بكر أما أَنا فقد قضيت مآربي وحفظت ديني وانقلبت فِي سَلامَة وصفاء وَمن أَتَى مُنْكرا فَالله حسيبه أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام وَأما أَنْت فَانْظُر مَا الَّذِي وَقعت فِيهِ ثمَّ لم ينْتَه إِلَى أَن ذهب إِلَى بِلَاد الْقبْلَة ودعا لنَفسِهِ وَادّعى أَنه الْمهْدي المنتظر وَأَنه بصدد الْجِهَاد فاستخف قُلُوب الْعَوام واتبعوه اه
وَصَارَ ابْن أبي محلي يُكَاتب رُؤَسَاء الْقَبَائِل وَعُظَمَاء الْبلدَانِ يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ ويحضهم على الاستمساك بِالسنةِ ويشيع أَنه الفاطمي المنتظر وَأَن من تبعه فَهُوَ الفائز وَمن تخلف عَنهُ فموبق وَرُبمَا كَانَ يَقُول لأَصْحَابه محرضا لَهُم على نصرته أَنْتُم أفضل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأنكم قُمْتُم بنصر الْحق فِي زمن الْبَاطِل وهم قَامُوا بِهِ فِي زمن الْحق وَنَحْو هَذَا من زخارف كَلَامه وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي فِي بعض قصائده معرضًا بِأبي محلي الْمَذْكُور فَقَالَ
(يَا أمة الْمُصْطَفى الْهَادِي أَلَيْسَ لكم ... فِيمَن مضى أُسْوَة من سَائِر العلما)
(نسيتم دين خير الْخلق وافترقت ... آراؤكم فغدا الْإِسْلَام منقسما)
(أتحسبون بِأَن الله تارككم ... سدى وخلقكم قد تعلمُونَ لما)
(ناشدتكم بِالَّذِي فِي الْعرض يجمعنا ... أما فطنتم ومالاه كمن فهما)
(بِأَن مغربكم قد عَمه سخط ... من الْمُهَيْمِن يَا لله معتصما)
(إِن قيل للنَّاس إِن الْهَرج يوبقكم ... قَالُوا الْفَقِيه فلَان قبلنَا اعتزما)
(لَو لم يكن جَازَ مَا أفتى الإِمَام بِهِ ... وَلَا أَتَاهُ أَلا تبنوا الَّذِي انهدما)
(وَمن يقل قَالَ خير الْخلق قيل لَهُ ... هَا صَاحب الْوَقْت يكفينا الَّذِي علما)
(وَنحن أفضل من صحب الرَّسُول لنا ... أجر يُضَاعف فِي أجفارنا نظما)
(وزخرفوا ترهات القَوْل فانفعلت ... لَهُم نفوس عوام رشدها عدما)
(6/29)

نهوض ابْن أبي محلي إِلَى سجلماسة ودرعة واستيلاؤه عَلَيْهَا ثمَّ على مراكش بعدهمَا

كَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن أبي محلي عَفا الله عَنهُ لما كثرت جموعه وانثال النَّاس عَلَيْهِ يُصَرح بِوُجُوب الْقيام بتغيير الْمُنكر الَّذِي شاع فِي النَّاس وَيَقُول إِن أَوْلَاد الْمَنْصُور قد تهالكوا فِي طلب الْملك حَتَّى فنى النَّاس فِيمَا بَينهم وانتهبت الْأَمْوَال وانتهكت الْمَحَارِم فَيجب الضَّرْب على أَيْديهم وَكسر شوكتهم وَلما بلغه مَا فعل الشَّيْخ من إجلاء الْمُسلمين عَن العرائش وَبَيْعهَا لِلْعَدو الْكَافِر استشاط غَضبا وَأظْهر انه غضب لله لَا لشَيْء سواهُ فَخرج يؤم سجلماسة وَكَانَ خَليفَة زَيْدَانَ عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ يُسمى الْحَاج المير فَخرج عَامل زَيْدَانَ لمصادمته وَهُوَ فِي نَحْو أَرْبَعَة آلَاف وَابْن أبي محلي فِي نَحْو أَرْبَعمِائَة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ كَانَت الدبرة على جَيش زَيْدَانَ وأشاع النَّاس أَن الرصاص يَقع على أَصْحَاب أبي محلي بَارِدًا لَا يضرهم وَنفخ الشَّيْطَان فِي هَذِه الْفِرْيَة فسكنت هيبته فِي الْقُلُوب وَتمكن ناموسه مِنْهُ وَلما دخل سجلماسة أظهر الْعدْل وَغير المناكر فأحبته الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ وُفُود أهل تلمسان والراشدية يهنئونه وَفِيهِمْ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عُثْمَان سعيد الجزائري الْمَعْرُوف بقدورة شَارِح السّلم وَهُوَ من تلامذة ابْن أبي محلي كَمَا ذكره فِي الأصليت وَلما بلغ خبر الْهَزِيمَة إِلَى زَيْدَانَ وانْتهى إِلَيْهِ فلهَا جهز إِلَيْهِ من مراكش جَيْشًا وَأمر عَلَيْهِ أَخَاهُ عبد الله بن الْمَنْصُور الْمَعْرُوف بالزبدة فَسمع بِهِ أَبُو محلي فَسَار إِلَيْهِ فَكَانَ اللِّقَاء بَينهمَا بدرعة فَوَقَعت الْهَزِيمَة على عبد الله بن الْمَنْصُور وَمَات من أَصْحَابه نَحْو الثَّلَاثَة آلَاف فقوي أَمر ابْن أبي محلي واشتدت شوكته وَجمع بَين سجلماسة ودرعة وَكَانَ الْقَائِد يُونُس الأيسي قد هرب من زَيْدَانَ لأمر نقمه عَلَيْهِ وَقصد إِلَى أبي محلي فجَاء مَعَه يَقُودهُ ويطلعه على عورات زَيْدَانَ ويهون عَلَيْهِ أمره وَمَا زَالَ بِهِ إِلَى أَن أَتَى بِهِ
(6/30)

إِلَى مراكش فَبعث إِلَيْهِ زَيْدَانَ جَيْشًا كثيفا فَهَزَمَهُ أَبُو محلي وَتقدم فَدخل مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وفر زَيْدَانَ إِلَى ثغر آسفي وهم بركوب الْبَحْر إِلَى بر العدوة هَكَذَا فِي النزهة
وَذكر الْوَزير البرتغالي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة إِن نَصَارَى الجديدة بعثوا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ بمائتين من مُقَاتلَتهمْ إِعَانَة لَهُ على عدوه من غير أَن يطْلب مِنْهُم ذَلِك فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ أنف من الِاسْتِعَانَة بهم على الْمُسلمين لكنه أحسن إِلَيْهِم وَأطلق لَهُم بعض أَسْرَاهُم وردهم مكرمين هَذَا كَلَامه وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وَذَلِكَ هُوَ الظَّن بزيدان رَحمَه الله
وَلما دخل أَبُو محلي قصر الْخلَافَة بمراكش فعل فِيهِ مَا شَاءَ وَولد لَهُ هُنَالك مَوْلُود سَمَّاهُ زَيْدَانَ وَيُقَال إِنَّه تزوج أم زَيْدَانَ وَبنى بهَا ودبت فِي رَأسه نشوة الْملك وَنسي مَا بنى عَلَيْهِ أمره من الْحِسْبَة والنسك
وَفِي المحاضرات للشَّيْخ اليوسي رَحمَه الله مَا صورته وَزَعَمُوا أَن إخوانه من الْفُقَرَاء ذَهَبُوا إِلَيْهِ حِين استولى على مراكش برسم زيارته وتهنئته فَلَمَّا كَانُوا بَين يَدَيْهِ أخذُوا يهنئونه ويفرحون لَهُ بِمَا حَاز من الْملك وَفِيهِمْ رجل سَاكِت لَا يتَكَلَّم فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنك لَا تَتَكَلَّم وألح عَلَيْهِ فِي الْكَلَام فَقَالَ الرجل أَنْت الْيَوْم سُلْطَان فَإِن أمنتني على أَن أَقُول الْحق قلته قَالَ لَهُ أَنْت آمن فَقل فَقَالَ إِن الكرة الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان يتبعهَا المائتان وَأكْثر من خلفهَا وينكسر النَّاس وينجرحون وَقد يموتون وَيكثر الصياح والهول فَإِذا فتشت لم يُوجد فِيهَا إِلَّا شراويط أَي خرق باليه ملفوفة فَلَمَّا سمع ابْن أبي محلي هَذَا الْمثل وفهمه بَكَى وَقَالَ رمنا أَن نجبر الدّين فأتلفناه انْتهى
(6/31)

استصراخ السُّلْطَان زَيْدَانَ بِأبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي ومقتل أبي محلي رَحمَه الله

لما التف الرعاع من الْعَامَّة على أبي محلي وَكَثُرت جموعه وَعلم زَيْدَانَ ضعفه عَن مقاومته كتب إِلَى الْفَقِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي ثمَّ الدَّاودِيّ مستغيثا بِهِ ثمَّ وَفد عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وَكَانَ يحيى بزاوية أَبِيه من جبل درن وَله شهرة عَظِيمَة بالصقع السُّوسِي وَله أَتبَاع فَأَتَاهُ السُّلْطَان زَيْدَانَ وَقَالَ لَهُ إِن بيعتي فِي أَعْنَاقكُم وَأَنا بَين أظْهركُم فَيجب عَلَيْكُم الذب عني ومقاتلة من ناوأني فلبي أَبُو زَكَرِيَّاء دَعوته وَحشر الجيوش من كل جِهَة وَخرج يؤم مراكش فِي ثامن رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف
وَلما انْتهى إِلَى فَم تانوت مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مراكش كتب إِلَيْهِ أَبُو محلي بِمَا نَصه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من أَحْمد بن عبد الله إِلَى يحيى بن عبد الله أما بعد فقد بَلغنِي أَنَّك جندت وبندت وَفِي فَم تانوت نزلت اهبط إِلَى الوطاء ينْكَشف بَيْننَا الغطاء فالذئب ختال والأسد صوال وَالْأَيَّام لَا تستقيم إِلَّا بطعن القنا وَضرب الحسام وَالسَّلَام فَأَجَابَهُ يحيي بِمَا نَصه من يحيى بن عبد الله إِلَى أَحْمد بن عبد الله أما بعد فَلَيْسَتْ الْأَيَّام لي وَلَا لَك إِنَّمَا هِيَ للْملك العلام وَقد أَتَيْتُك بِأَهْل البنادق الْأَحْرَار من الشبانة وَمن انْتَمَى إِلَيْهِم من بني جرار وَمن أهل الشرور والبؤس من هشتوكة إِلَى بني كنسوس فالموعد بيني وَبَيْنك جيليز هُنَالك ينْتَقم الله من الظَّالِم ويعز الْعَزِيز
ثمَّ زحف يحيى إِلَى مراكش فِي جموعه فَنزل بِقرب جيليز جبل مطل على مراكش وبرز إِلَيْهِ أَبُو محلي والتحم الْقِتَال بَينهمَا فَكَانَت أول رصاصة فِي نحر أبي محلي فَهَلَك مَكَانَهُ وانذعرت جموعه ونهبت محلته واحتز
(6/32)

رَأسه وعلق على سور مراكس فَبَقيَ مُعَلّقا هُنَالك مَعَ رُؤُوس جمَاعَة من أَصْحَابه نَحوا من اثْنَتَيْ عشرَة سنة وحملت جثته فدفنت بروضة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي تَحت الْمكتب الْمُعَلق هُنَالك عِنْد الْمَسْجِد الْجَامِع وَزعم أَصْحَابه أَنه لم يمت وَلكنه تغيب
قَالَ اليفرني وحَدثني من أَثِق بِهِ من أهل وَادي الساورة أَن فيهم إِلَى الْآن من هُوَ على هَذَا الِاعْتِقَاد
وَذكر الشَّيْخ اليوسي فِي المحاضرات أَن أَبَا محلي كَانَ ذَات يَوْم عِنْد أستاذه ابْن مبارك فورد عَلَيْهِ وَارِد حَال فَتحَرك وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ يَا أَحْمد هَب أَنَّك تكون سُلْطَانا إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا وَوَقع فِي يَوْم آخر للْفُقَرَاء سَماع فَتحَرك أَبُو محلي وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَتحَرك فَقِيرا آخر وَجعل يَقُول ثَلَاث سِنِين غير ربع ثَلَاث سِنِين غير ربع قَالَ وَهَذِه هِيَ مُدَّة ملكه اه
وَيذكر انه لما طَاف بِالْبَيْتِ فِي وجهته الحجازية سمع وَهُوَ يَقُول يَا رب إِنَّك قلت وقولك الْحق {وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس} آل عمرَان 140 فَاجْعَلْ لي يَا رب دولة بَينهم قَالُوا وَلم يسْأَل حسن الْعَاقِبَة فرزق الدولة وَآل بِهِ الْأَمر إِلَى مَا أبرمته يَد الْقُدْرَة وَكَانَ أَبُو محلي رَحمَه الله فَقِيها محصلا لَهُ قلم بليغ وَنَفس عَال وَله تآليف مِنْهَا الوضاح والقسطاس والأصليت والهودج ومنجنيق الصخور فِي الرَّد على أهل الْفُجُور وَجَوَاب الخروبي عَن رسَالَته الشهيرة لأبي عَمْرو القسطلي وَغير ذَلِك وَقد وَقعت بَينه وَبَين يحيى بن عبد الله مراسلات ومهاجيات نظما ونثرا كَقَوْلِه
(أيحيى الخسيس النذل مَالك تَدعِي ... بزور شعارا للفحول الْأَوَائِل)
(كدعواك فِي بَيت النُّبُوَّة نِسْبَة ... وَأَنت دنيء من أخس الْقَبَائِل)
(ووجهك وَجه القرد قبح صُورَة ... ورأسك رَأس الديك بَين الْمَزَابِل)
(6/33)

ويزعمون أَن يحيى كَانَ معاشرا لأبي محلي أَيَّام الطّلب بِالْمَدْرَسَةِ بفاس قَالَ اليفرني وحَدثني صاحبنا القَاضِي أَبُو زيد السكتاني أَنه وقف على تأليف كَبِير مُشْتَمل على مَا وَقع بَين يحيى وَأبي محلي من الشّعْر فِي غَرَض الهجاء وَغَيره
وَقد رمز تَارِيخ ثورة أبي محلي ووفاته الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المريدي المراكشي فَقَالَ قَامَ طيشا وَمَات كَبْشًا وَلَا يخفى مَا فِيهِ بعد إِفَادَة التَّارِيخ من حسن التلميح وبديع التورية وَلما قتل ابْن أبي محلي دخل يحيى مراكش وَاسْتقر بدار الْخلَافَة مِنْهَا وَألقى بهَا عَصا تسياره ورام أَن يتخذها دَار قراره فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان زَيْدَانَ يَقُول أما بعد فَإنَّا كنت إِنَّمَا جِئْت لنصرتي وكف يَد ذَلِك الثائر عني فقد أبلغت المُرَاد وشفيت الْفُؤَاد وَإِن كنت إِنَّمَا رمت أَن تجر النَّار لقرصك وَتجْعَل الْملك من قنصك فَأقر الله عَيْنك بِهِ وَالسَّلَام فتجهز يحيى للعود إِلَى وَطنه وَأظْهر الْعِفَّة عَن الْملك وَأَنه إِنَّمَا جَاءَ ليدافع عَن السُّلْطَان الَّذِي بيعَته فِي عُنُقه وانقلب إِلَى بِلَاده وَرجع زَيْدَانَ إِلَى مراكش فاستقر بدار ملكه وَقد قيل إِن يحيى رام الْملك وَأَن أجناده من البربر لم يساعدوه فِي قصَّة طَوِيلَة وَالله أعلم
(6/34)

بَقِيَّة أَخْبَار أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي وَمَا دَار بَينه وَبَين السُّلْطَان زَيْدَانَ رَحمَه الله

هُوَ يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي الدَّاودِيّ المناني وَكَانَ جده سعيد وَاحِد وقته علما ودينا وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الله بِهِ السّنة بالسوس وانتعش بِهِ الْإِسْلَام فِيهِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة فخلفه وَلَده أَبُو مُحَمَّد عبد الله وَجرى على نهجه وسبيله بل كَانَ بعض النَّاس يفضله على أَبِيه وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَدفن بزداغة من جبل درن حَيْثُ كَانَت زاويته وَلما مَاتَ جلس وَلَده أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى مَوْضِعه وانتهج سَبيله وَكَانَ فَقِيها مشاركا رَحل إِلَى فاس وَأخذ عَن شيوخها كالمنجور وَغَيره وَعَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الحسني على مَا وجد بِخَطِّهِ السوساني الشهير بأدفال دَفِين درعة وَهُوَ معتمده أَخذ عَنهُ كثيرا من الْفُنُون وَأَجَازَهُ فِي عُلُوم الحَدِيث إجَازَة عَامَّة وَكَانَ يحيى شَاعِرًا محسنا وَكَانَت لَهُ شهرة عَظِيمَة بالصلاح وَله أَتبَاع كوالده وجده وتوجهت إِلَى زيارته الهمم وَركبت إِلَيْهِ النجائب إِلَّا أَنه وَقع لَهُ قريب مِمَّا وَقع لأبي محلي فتصدى للْملك وخاض فِي أُمُور السلطنة فتكدر مشربه وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء إِن الرياسة إِذا دخلت قلب رجل لَا تقصر عَن إذهاب رَأسه وَلذَلِك قَالَ صَاحب الْفَوَائِد فِي حَقه إِنَّه قَامَ لجمع
(6/35)

الْكَلِمَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْأمة فاستمر بِهِ علاج ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَلم يتم لَهُ أَمر وَكَانَ يراسل السُّلْطَان زَيْدَانَ وَيكثر عَلَيْهِ وَيُجِير عَلَيْهِ من استجار بِهِ ويروم إِلَى مناصحته ابْتِغَاء ويحسو من ذَلِك حسوا فِي ارتغاء وَكَانَ زَيْدَانَ يتَحَمَّل مِنْهُ أمرا عَظِيما فمما كتب بِهِ يحيى إِلَيْهِ مَا نَصه من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم كَانَ الله لَهُ بجميل لطفه آمين اللَّهُمَّ إِنَّا نحمدك على كل حَال ونشكرك يَا ولي الْمُؤمنِينَ على دفع اللاواء والمحال وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونستوهبك يَا مَوْلَانَا جميل لطفك وجزيل فضلك فِي الْمقَام والترحال عائذين بِوَجْهِك الْكَرِيم من مؤاخذتنا بِسوء أَعمالنَا يَا شَدِيد الْمحَال هَذَا وَسَلام الله الأتم ورضوانه الْأَعَمّ وَرَحمته وَبَرَكَاته على الْمولى الإِمَام الْعلم الْمِقْدَام الْعلوِي الْهمام كَيفَ أَنْتُم وَكَيف أحوالكم مَعَ هَذَا الزَّمَان الَّذِي شمر عَن سَاقه لسلب الْأَدْيَان وألح فِي اقْتِضَاء هَوَاهُ على كل مديان فَإنَّا لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَبعد فالباعث بِهِ إِلَيْكُم فِي هَذِه البطاقة أُمُور ثَلَاثَة مدارها على قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولخاصة الْمُسلمين وعامتهم) فَالْأول بَيَان سَبَب الركون إِلَى جانبكم وَالثَّانِي الْحَامِل على دفع مناويكم وَالثَّالِث مُلَازمَة نصحكم وتذكيركم والضجر مِمَّا يصدر مِنْكُم وَمن أعوانكم للرعية أما الأول فَلهُ أَسبَاب كَثِيرَة مِنْهَا مُرَاعَاة الجناب النَّبَوِيّ الْكَرِيم فِي أهل بَيته وَرَضي الله عَن أبي بكر الصّديق الْقَائِل ارقبوا مُحَمَّدًا فِي أهل بَيته وَالْقَائِل لقرابة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي
(يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ)
(يكفيكم من عَظِيم الْمجد أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ)
وَمِنْهَا نصح خَاصَّة الْمُسلمين الَّذِي هُوَ الدُّعَاء بالهداية لَهُم ورد الْقُلُوب النافرة إِلَيْهِم ونصحهم بِقدر الْإِمْكَان مشافهة ومراسلة ومكاتبة وَقد
(6/36)

بذلنا الْجهد فِي الْجَمِيع أخْلص الله الْقَصْد فِي الْجَمِيع وَأما الثَّانِي فَلَمَّا جرى الْقدر بتغلب ذَلِك الْإِنْسَان المتسلط على النَّفس والحريم وَالْأَمْوَال وَأدْخل بتأويلاته الْبَعِيدَة عَن الصَّوَاب مَا لَيْسَ فِي الْمَذْهَب وتعدى خُصُوص الْوُلَاة إِلَى سَائِر الرّعية فاضلها ومفضولها وَمد مَعَ ذَلِك يَد الْوَعيد الْمُؤَكّد بِالْإِيمَان إِلَيْنَا فِي الْأَنْفس وَالْأَمْوَال فناشدناه كَمَا تقرر فِي فَتَاوَى الْأَئِمَّة رَضِي الله عَنْهُم حَيْثُ توفرت فِيهِ فُصُول الصَّائِل كلهَا بِشَاهِد العيان فَكَانَ الْأَمر كَمَا قدر الله تَعَالَى {لله الْأَمر من قبل وَمن بعد} الرّوم 4 وَأما الثَّالِث فالكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أما الْكتاب فسورة وَالْعصر قَائِمَة الْبُرْهَان فِي كل أَوَان وعصر وَقَالَ تَعَالَى فِي قَضِيَّة كليمه {رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين} الْقَصَص 17 وَقد اسْتشْهد بِهِ بعض الْعلمَاء فِي بري قلم لكاتب بعض الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَوله جلّ من قَائِل {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان} الْمَائِدَة 2 وَأما السّنة فَالْحَدِيث الأول قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْمعِين شريك) وَقَوله (من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يقدر فبلسانه فَإِن لم يقدر فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) وَقد كُنَّا مقتصرين على التَّغْيِير بِاللِّسَانِ والقلم لكَون التَّغْيِير العملي إِلَيْكُم حَتَّى جذبتمونا إِلَيْهِ ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عَلَيْهِ وَقَوله (من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله) وَقد قَالَ الْمواق فِي شَرحه على الْمُخْتَصر من أعَان على عزل إِنْسَان وتولية غَيره وَلم يَأْمَن سفك دم مُسلم فَهُوَ شريك فِي دَمه إِن سفك ثمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم استعظاما لذَلِك الْأَمر الفظيع فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على أَنا اِنْخَدَعْنَا بِاللَّه حَتَّى كُنَّا نَأْمَن بِالْقطعِ سفك الدِّمَاء إِذْ ذَاك حَيْثُ كتبت إِلَيْنَا مرَارًا وَأمنت وَأرْسلت وَكنت أَتَخَوَّف من هَذَا الْوَاقِع الْيَوْم بآزمور وآسفي ومراكش والغرب وَلذَلِك كنت ألححت عَلَيْكُم فِي تَقْرِير الْعَهْد حَتَّى أَتَانِي الْقَائِد عبد الصَّادِق بمصحف ذكر انه لسلطان تلمسان فِي جرم صَغِير وَقَالَ لي أَمرنِي السُّلْطَان أَن أَحْلف لَك فِيهِ نِيَابَة عَنهُ على بَقَائِهِ
(6/37)

على الْعَهْد فِيمَا بَيْنك وَبَينه من تَأْمِين كل من أمنته وإمضاء كل مَا رَأَيْته صلاحا للْأمة ثمَّ لم أكتف حَتَّى أَتَى القَاضِي فَكتبت إِلَيّ مَعَه إِن كل مَا رَأَيْت فِيهِ الصّلاح للْأمة أمضيته وَأَنَّك آمَنت كل من أمنته ثمَّ بعد استقرارك فِي دَارك كتبت إِلَيّ كتابا إِنَّك بَاقٍ على مَا تعاهدنا مَعَك عَلَيْهِ من الْأُمُور كلهَا على معيار الشَّرِيعَة فَمَا راعني إِلَّا وَقد أخفرت فِي ذمَّة الله وأماني الَّذِي عقدته للنَّاس فَمن مأسور ومقيد ومطلوب بِمَال ومطرود عَن بلد وأخبار آخر ترد علينا من جِهَة السواحل وَأَن النَّاس تبَاع فِيهَا لِلْعَدو دمره الله وَلم نر من اهتبل بذلك مِمَّن قلدتموه أُمُور الثغور فَلم ندر هَل بلغك ذَلِك فَتسقط عَنَّا ملامة الشَّرْع أَو لم يبلغك فأعلمنا الله لتطمئن قُلُوبنَا فَإِنِّي أكاتبك فِي ذَلِك فَلَا أرى جَوَابا فَقضيت وَالله من الْأَمر عجبا فَإِن عددت مَا من الله بِهِ عَلَيْك من رجوعك إِلَى سَرِير ملكك واجتماعك بسربك آمنا من قبيل النعم فقيده بِمَا تقيد بِهِ كَمَا فِي كريم علمك وَإِن رَأَيْته بِنَظَر آخر فَإِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَأما الْإِجْمَاع فَلم نر من الْعلمَاء من نهى عَن نصح خَاصَّة الْمُسلمين وتنبيههم على مَا يصلح بهم وبالرعية بل عدوه من الدّين للْحَدِيث الأول وَغَيره وَأما استشعرناه من امتعاضكم من عدم الأنة القَوْل فِي مكاتبتنا لكم فَمَا خاطبناكم قطّ رعيا لذَلِك وَلَو بِنصْف مَا خَاطب بِهِ الْأَئِمَّة الأول أهل زمانهم اتكالا على مطالعتكم لكتبهم وعلمكم بِمَا لم نعلمهُ من ذَلِك وَلم نروه ويكفيكم نصح الفضيل وسُفْيَان وإمامنا مَالك رَضِي الله عَنْهُم لمعاصريهم من الْوُلَاة وَمِنْهُم من بَكَى وانتفع وَمِنْهُم من غشي عَلَيْهِ وتوجع وَمِنْهُم من نَدم واسترجع إِلَى غير مَا ذكرنَا على اخْتِلَاف الْأَعْصَار وتنوع الدول والأقطار فبذلك اقتدينا وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أشياخنا وأسلافنا لكم ولأسلافكم عَملنَا كالفقيه شيخ والدنا رَحمَه الله سَيِّدي عبد الله الهبطي لجدكم المرحوم بكرم الله فطمعت بنجح النصح ونفعه دنيا وَأُخْرَى فَهَذَا أصل قَضِيَّتنَا مَعكُمْ وهلم جرا والذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ على كل الْأَحْوَال وَالْحَمْد لله على كل حَال وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبتاريخ أَوَاخِر ربيع النَّبَوِيّ الأنور كتبه عَن إِذْنه رَضِي الله عَنهُ
(6/38)

عبد ربه مُحَمَّد بن الْحسن بن أبي الْقَاسِم لطف الله بِهِ بمنه اه فَأَجَابَهُ السُّلْطَان زَيْدَانَ رَحمَه الله بِمَا نَصه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
من عبد ربه تَعَالَى المقترف الْمُعْتَرف زَيْدَانَ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد إِلَى السَّيِّد أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن السَّيِّد أبي مُحَمَّد عبد الله ابْن سعيد أعاننا الله وَإِيَّاكُم على اتِّبَاع الْحق ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فقد ورد علينا كتابكُمْ ففضضنا ختامه ووقفنا على سَائِر فصوله ثمَّ إننا إِن جاوبناكم على مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام الْخطابِيّ رُبمَا غَيْركُمْ ذَلِك وَأدّى إِلَى المباغضة والمشاحنة فيحكى عَن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَنه بعث إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ وأحضره عِنْده وَألقى إِلَيْهِ مَا كَانَ يجده من أَوْلَاد الصَّحَابَة الَّذين اعصوصبوا بِأَهْل الرِّدَّة الَّذين كَانَ رجوعهم إِلَى الْإِسْلَام على يَد الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ فِي كل ذَلِك لَا يجِيبه فَقَالَ لَهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ مَا أسكتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن تَكَلَّمت فَلَا أَقُول إِلَّا مَا تكره وَإِن سكت فَلَيْسَ لَك عِنْدِي إِلَّا مَا تحب وَلَكِن لما لم أجد بدا من الْجَواب أرى أَن أقدم لَك مُقَدّمَة قبل الْجَواب فلتعلم أَن الْحجَّاج لما ولاه عبد الْملك الْعرَاق وَكَانَ من سيرته مَا يُغني اشتهاره عَن تسطيره هُنَا فتأول ابْن الْأَشْعَث الْخُرُوج عَلَيْهِ وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة من التَّابِعين كسعيد بن جُبَير وَأَمْثَاله من أَوْلَاد الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَلما قوي عزمهم على ذَلِك استدعوا الْحسن الْبَصْرِيّ لذَلِك فَقَالَ لَا أفعل فإنني أرى الْحجَّاج عُقُوبَة من الله فنفزع إِلَى الدُّعَاء أولى قَالَ بعض فضلاء الْعَجم يُؤْخَذ من هَذَا أَن الْخُرُوج على السُّلْطَان من الْكَبَائِر وَجَوَاز الْمقَام تَحت ولَايَة الظُّلم والجور وَقد علمت مَا كَانَ من أَمر عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث وَسَعِيد وَأَمْثَاله وَعلمت قَضِيَّة أهل الْحرَّة لما أوقع بهم جند يزِيد بن مُعَاوِيَة بِالْحرم الشريف وَلما بلغه الْخَبَر أنْشد
(6/39)

(لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ... جزع الْخَزْرَج من وَقع الأسل)
وشاع ذَلِك عَنهُ وذاع وَكَانَ على عهد أكَابِر الصَّحَابَة وَأَوْلَادهمْ وَلَا تعرض أحد مِنْهُم لنكير عَلَيْهِ وَلَا تصدى لقِيَام وَلَا خاطبه بملام وَأما مَا يرجع إِلَى جَوَاب الْكتاب فَأَما مَا حكيت عَن الصّديق رَضِي الله عَنهُ فِي أهل الْبَيْت وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فيهم وَأَنه يجب تعظيمهم واحترامهم وتبجيلهم لأجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن كَانَ يجب عَلَيْكُم تعظيمهم فَإِن تعظيمهم يجب على أولى وَأولى عملا بقوله تَعَالَى {قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} الشورى 23 وأجرى الله تَعَالَى عَادَته أَنه مَا تصدى أحد لعداوة هَذَا الْبَيْت النَّبَوِيّ إِلَّا كَبه الله لوجهه وَأما مَا أوردتم من الْأَحَادِيث فِي النصح فَإِنِّي وَالله أحب أَن تنصحني سرا وَعَلَانِيَة مَعَ زِيَادَة شكري عَلَيْهِ وأراها مِنْك مَوَدَّة وأعدها محبَّة وَلَكِنِّي أفعل مَا أقدر عَلَيْهِ لِأَن الله سُبْحَانَهُ يَقُول {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} الْبَقَرَة 286 وَلِهَذَا قَالَ أَكثر الْعلمَاء فِي صُدُور تصانيفهم وَلم آل جهدا فِي كَذَا لِأَن النُّفُوس الشَّرِيفَة الْعَالِيَة لَا تتْرك من فعل الْخَيْر وَالْجد فِي اكتسابه إِلَّا مَا عز تنَاوله عَلَيْهَا وصعب اكتسابه
وَأما مَا ذكرْتُمْ من أَمر أبي محلي وَسيرَته وَمَا كَانَ تسلط عَلَيْهِ أما مَا كَانَ من استنهاضكم إِلَيْهِ الْمرة بعد الْمرة وتكررت فِي ذَلِك إِلَيْكُم الرُّسُل حَتَّى أجبْت إِلَيْهِ فَلَا نحتاج فِيهِ إِلَى إِقَامَة حجَّة غير كَونه خرج عَن الْجَمَاعَة وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من أَرَادَ أَن يشق عصاكم فَاقْتُلُوهُ كَائِنا من كَانَ) وَإِلَّا فَلَو دخل الْملك من بَابه وَبَايَعَهُ أهل الْحل وَالْعقد وَأخذ ذَلِك بوسائط مثل بيعَة جدنا المرحوم الَّتِي تضافرت عَلَيْهَا عُلَمَاء الْمغرب وَأهل الدّين الْمَشَاهِير فَلَو كَانَ وصل إِلَى ذَلِك بِمثل هَذِه الوسائط لم يجب حربه وَلَا الْقيام عَلَيْهِ بِمَا ذكرْتُمْ لِأَن السُّلْطَان لَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ والجور وَإِلَّا فَإِن الصَّحَابَة فِي زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة لَا يُحْصى عَددهمْ وَمَا تصدى أحد للْقِيَام عَلَيْهِ وَلَا قَالَ بعزله وَإِلَّا فَإِنَّهُم لَا يُقِيمُونَ على الضَّلَالَة وَلَو نشرُوا بالمناشير وَأما أَبُو محلي فبمجرد قِيَامه يجب عَلَيْك وعَلى غَيْرك إعانتنا عَلَيْهِ لِأَنَّك فِي بيعتنا وَهِي لَازِمَة لَك فالطاعة وَاجِبَة عَلَيْك وَاعْلَم أَيْضا أَن والدك أفضل مِنْك بِدَلِيل {آباؤكم وأبناؤكم}
(6/40)

من أَبْنَائِكُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) وَكَانَ عمنَا مولَايَ عبد الْملك رَحمَه الله وسامحه على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر بِهِ إعلانا وَكَانَ والدك فِي دولته وبيعته ووفد عَلَيْهِ وَلم يستنكف من ذَلِك وَلَا ظهر مِنْهُ مَا يُخَالف السلطنة وَلَا أنكر وَلَا عرض بِمَا يسوء سُلْطَان الْوَقْت وَلَا سمع ذَلِك مِنْهُ فَإِن كَانَ رَاضِيا بِفِعْلِهِ فَهُوَ مثله وَإِن لم يرض فَمَا وَجه سُكُوته والوفادة عَلَيْهِ وَقد تحققت وَعلمت أَن ولَايَة أَحْمد ابْن مُوسَى الْجُزُولِيّ كَادَت تكون قَطْعِيَّة واشتهر أمره عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى أطبق أهل الْمغرب على ولَايَته وَقد كَانَ على عهد مولَايَ عبد الله برد الله صَرِيحه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر عَنهُ وَمَا برح الشَّيْخ الْمَذْكُور يَدْعُو لَهُ ولدولته بِالْبَقَاءِ وَيظْهر حبه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يعْزل ويولي وَيقتل وَكَانَ قد شرد مِنْهُ إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ الْمَذْكُور المرابط الأندلسي وَولد آضاك وأمثالهم وَكَانَ الشَّيْخ الْمَذْكُور يقدم للشفاعة فَيشفع وَلَا يتعقب وَلَا يبْحَث عَمَّا وَرَاء ذَلِك بَاقٍ على عَهده ومودته وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور بعث لِابْنِ حُسَيْن بسد دَاره فَمَا فتحهَا حَتَّى أمره وَلَا استعظم أحد ذَلِك وَلَا أَكثر فِيهِ وَلَا جعله سَببا لفتح الْفِتْنَة وَكَانَ قواد الْمَذْكُور مثل وزيره ابْن شقراء وَعبد الْكَرِيم بن الشَّيْخ وَعبد الْكَرِيم بن مُؤمن العلج والهبطي والزرهوني وَعبد الصَّادِق بن مُلُوك وَغَيرهم مِمَّن لم يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا فِي شرب الْخُمُور واتخاذ القيان وَبسط الْحَرِير وَغير ذَلِك من آلَات الْفضة وَالذَّهَب وَكَانَ فِي عصره أَحْمد بن مُوسَى الْمَذْكُور وَابْن حُسَيْن وَمُحَمّد الشَّرْقِي وَأَبُو عَمْرو القسطلي وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التامنارتي والشيظمي وَغير هَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ وَأهل الدّين الَّذين لَا يسع من يَدعِي هَذِه الطَّرِيقَة التَّقَدُّم عَلَيْهِم وَلَا اكْتِسَاب الْفَضِيلَة دونهم فَأحْسنُوا السِّيرَة وَلَا تعرضوا للسلطنة وَلَا سمع مِنْهُم مَا يقْدَح فِي ولادَة الْأَمر وقادة الأجناد مِمَّن ذكر الَّذين كَانَ الْملك يَدُور عَلَيْهِم وَيرجع فِي تَدْبيره إِلَيْهِم وَمثل من ذكر من الْأَوْلِيَاء كَانَ عَلامَة الزَّمَان وَوَاحِد وقته شيخ مَشَايِخ إفريقية وَبَعض أهل الْمغرب عبد الْعَزِيز القسنطيني الشَّيْخ الْمُتَكَلّم الصُّوفِي صَاحب الْآيَات الْبَينَات قد كَانَ من سكان تونس وَكَانَ مُلُوك تونس وَمن انضاف إِلَيْهِم على الْفساد الَّذِي لَا ينْحَصر
(6/41)

واشتهر أَمرهم حَتَّى عرفُوا بِهِ فِي الْمَشَارِق والمغارب وَلم يبرح الشَّيْخ الْمَذْكُور من بَينهم وَلَا تصدى لتغيير الْمُنكر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ
وَأما مَا ذكرْتُمْ من أَن من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله هَذِه حجَّة عَلَيْك لَا علينا لِأَنِّي مَا سعيت فِي قتل أحد يعلم الله وَلَا قتل من قتل إِلَّا بِأَمْر الْقُضَاة وَأهل الْعلم إِن كَانَ وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ هَذَا يكون وعيدا فِي قتل الْوَاحِد فَمَا بالك بِمن يُرِيد فتح بَاب الْفِتْنَة حَتَّى لَا يقف الْقَتْل على المئين والآلاف وَنهب الْأَمْوَال وكشف الْحَرِيم إِلَى غير ذَلِك أما تعلم أَن فتْنَة أبي محلي قد هلك بِسَبَبِهَا من النُّفُوس وَالْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى عدده وَلَا يسْتَوْفى نهايته كَاتب وَكَانَ كل ذَلِك على رقبته لِأَنَّهُ هُوَ المتسبب الأول الفاتح أَبْوَاب الْفِتْنَة لِأَنَّهُ كَانَ يقتل كل من انْتَمَى إِلَيْنَا حَتَّى قتل بِسَبَبِهِ فِي يَوْم وَاحِد بمَكَان وَاحِد خَمْسمِائَة قَتِيل وَلَوْلَا أَبُو محلي مَا قتلوا وَأعظم فِي حُرْمَة النُّفُوس من هَذَا الَّذِي قلت قَوْله تَعَالَى {كتبنَا على بني إِسْرَائِيل أَنه من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا} الْمَائِدَة 32
وَلَيْسَ فِي قَول الْمواق مَا يحْتَج بِهِ على السُّلْطَان وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَصْحَاب الخطط على التَّرْتِيب الَّذِي كَانَ على عَهده مثل أَصْحَاب الشَّرْط كصاحب الشرطة الَّذِي ينفذ أَحْكَام القَاضِي وَصَاحب شرطة السُّوق الَّذِي ينفذ الْأَحْكَام عَن قَاضِي الحضرة وَغير ذَلِك من الولايات
وَولَايَة أبي محلي لَا تعد ولَايَة حَتَّى يعْتَبر عَزله وَمَا عِنْد الْمواق وَغَيره وقفنا عَلَيْهِ وعرفناه وتلقيناه عَن الْأَشْيَاخ الجلة وعرفنا مَا عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة ودرسناه الْمرة بعد الْمرة وَلست مِمَّن ينطبق عَلَيْهِ قَوْله (أَشْقَى النَّاس عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ) وَلَكِن لماذا تحتج بقول الْمواق لغرضك وتجعله حجَّة وَلم تجبنا نَحن فِيمَا كتبنَا إِلَيْك بِهِ فِي يُونُس اليوسي وَقُلْنَا لَك
(6/42)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْحرم لَا يجير عَاصِيا) قَالَ الأبي وَهَذَا يحْتَج بِهِ على أهل الزوايا وأضربت عَن الْجَواب وَلَيْسَ ذَلِك من أدب الجدل وَلَكِن أخبرنَا عَن الْوَجْه الَّذِي منعت بِهِ يُونُس اليوسي من الشَّرْع فَإِن متاعنا عِنْده وإماء أهلنا فِي دَاره إِلَى يَوْم الْوَقْعَة وترتب فِي ذمَّته للْمُسلمين من الْأَمْوَال والدماء مَا علمت فَإِن كنت مِمَّن يُرِيد الْعدْل فَهَلا عدلت فِيهِ فَحِينَئِذٍ نعلم أَنَّك لَا تريح جِهَته وَلَا تذْهب بك النَّفس مذهبها لَا جرم حِينَئِذٍ نَكُون عِنْد مَا تُرِيدُ وَمَعَ هَذَا لما أمسكنا زَوجته وكتبت لنا فِيهَا سرحناها سَاعَة وُصُول خطابك من غير توقف فَلَو كنت عناديا لعبثت بهَا عبثه هُوَ بإماء أَهلِي وَأهل دَاري على أَنِّي مَا رددت شفاعتك مُنْذُ عرفتك بعثت لي إِبْرَاهِيم بن يعزى فسرحناه لغرضك على أَنه ترَتّب فِي ذمَّته مَا ينيف على خمسين ألف أُوقِيَّة وَذَلِكَ المَال إِنَّمَا يُقَال لَهُ بَيت مَال الْمُسلمين وَإِنَّمَا كَانَ يجب تخليده فِي السجْن وَأهل الْحصن أخرجناهم مِنْهُ عَن آخِرهم وأنفذتم كتابكُمْ بردهمْ فَأمرنَا بردهمْ عَن آخِرهم وَابْن يَعْقُوب أوزال حَاكم الْبَلَد وَشبه الْخَلِيفَة تَرَكْنَاهُ على دَارنَا وحرك من غير إذننا وَلَا مشورتنا وبعثنا مَكَانَهُ فأنفذت الْكتاب فِيهِ فَرد لمكانه مَا هُوَ الْأَمر الَّذِي سَافَرت كتبك فِيهِ وَلَا أَسْرَعنَا فِيهِ خفافا وَأما مَسْأَلَة أهل آزمور فَلَمَّا جَاءَ كتابكُمْ عزلنا صَاحبه وسرحنا من كَانَ عِنْده ورددنا الْخَيل وَقَضِيَّة الحناشة النَّاس فِي شَأْنهمْ بِالِاجْتِهَادِ وَقَضِيَّة الْعَرَب اعْلَم أَن الْعَرَب قد أفسدوا الأَرْض واستطالوا سَوَاء هَذِه الْبِلَاد والغرب وَالَّذِي يَلِيق بهم مَا أفتى بِهِ سَحْنُون فِي عرب إفريقية وَالْمغْرب وَلَو طالبناهم بِمُجَرَّد الْعشْر مُدَّة هَذِه الْفِتْنَة فِي الْمغرب لأتى ذَلِك على أَمْوَالهم وَالنَّاس قد خَرجُوا عَن أطوارهم وأحبوا الْفِتَن طلبا للراحة وَانْظُر كتاب الإفادة كَذَا للْقَاضِي واستطالتهم فِيهِ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّة شَرْعِيَّة مشروحة فِي رسمها الْقَدِيم على أَنهم أَضْعَف النَّاس قلوبا انْظُر مَا صدر مِنْهُم فَمَا بالك بالعرب الَّذين خَرجُوا عَن الطَّاعَة وتساوى الشَّيْخ وَالصَّغِير فِي ذَلِك فَإِن كنت تصغي لمقالاتهم وإسعاف شهواتهم والتعرض للسُّلْطَان دونهم فَهَذَا نفس خراب الْعَالم وطالع كتاب صاحبنا من عِنْد الرحامنة وَمَا صدر مِنْهُم لخديمكم وَرَأَيْت أَن أقدم
(6/43)

لَك مُقَدّمَة أَمَام هَذَا وَإِن كَانَت أدبية قيل لِابْنِ الرُّومِي وَهُوَ عَليّ بن الْعَبَّاس لم لم تقل كَقَوْل ابْن المعتز
(كَانَ آذريوننا وَالشَّمْس فِيهِ عاليه ... مداهن من ذهب فِيهَا بقايا غاليه)
فَأجَاب بِأَن قَالَ لَا يقدر أَن يَقُول هُوَ فِي مثل قولي فِي وصف الرقاقة
(مَا أنس لَا أنس خبازا مَرَرْت بِهِ ... يدحو الرقاقة وَشك اللمح بالبصر)
(مَا بَين رؤيتها فِي كَفه كرة ... وَبَين رؤيتها فوراء كَالْقَمَرِ)
(إِلَّا بِمِقْدَار مَا تنداح دَائِرَة ... فِي صفحة المَاء يرْمى فِيهِ بِالْحجرِ)
وَقَالَ كل منا وصف أواني بَيته وَرب الْبَيْت أعلم بِمَا فِيهِ وَأهل مَكَّة أدرى بشعابها والصيرفي أعرف بِنَقْد الدِّينَار وقصة الْخضر والكليم صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم فِيهَا كِفَايَة لمن يعْتَبر فِي خرقه السَّفِينَة وَقَتله الْغُلَام وإقامته الْجِدَار والكليم يرد عَلَيْهِ فِي كل ذَلِك حَتَّى أنبأه الله بسر مَا لم يعلم على أَن علم الْخضر فِي علم مُوسَى كحلقة ملقاة فِي فلاة هَكَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء وَقَالَ بَعضهم كل مِنْهُم على علم خصّه الله تَعَالَى بِهِ وَمن هُنَا جوز ابْن عَرَبِيّ الْحَاتِمِي فِي بعض كتبه وأحسب أَن ذَلِك فِي الفصوص أَن الْوَلِيّ الَّذِي يَتَّخِذهُ الله ويصطفيه بمحبته يطلعه على علم لم يطلع عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فَقَالَ مُشِيرا إِلَى نَفسه أطلعني الله على علم لم يطلع عَلَيْهِ آدم فَمن دونه
وَاعْلَم أَن السلطنة لَهَا أسرار لَا بُد مِنْهَا وسياسة يُنكر ظَاهرهَا وَلَكِن نرْجِع إِلَى غرضك ومرادك أخبرنَا كَيفَ تحب أَن يسْلك النَّاس فِي الْعَرَب فَإِن كنت تحب أَن يسْلك النَّاس فيهم مَسْلَك مولَايَ عبد الله فالزمان غير الزَّمَان والأسعار قد طلعت وَبَلغت النِّهَايَة وَالله تَعَالَى قد بعث أنبياءه وَأنزل كتبه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الزَّمَان وَهَذَا يعرفهُ من خالط الشَّرَائِع والكتب الْمنزلَة وَأخذ الْعلم من أَفْوَاه الرِّجَال وأدبته مجَالِس الْعلم وَنحن نلخص لكم الْكَلَام
(6/44)

على بعض مَا أورد النَّاس فِي الْخَارِج أما مَا بنوا عَلَيْهِ فَرْضه فِي صدر الْإِسْلَام والدول الْعِظَام فَلَا نطيل بِذكرِهِ لشهرته وَأما فِي الْمغرب خُصُوصا فَأول من فَرْضه عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَجعله على أقطاع الأَرْض بِنَاء على أَن الْمغرب فتح عنْوَة وَإِلَيْهِ ذهب بعض الْعلمَاء وَمِنْهُم من يَقُول إِن السهل فتح عنْوَة والجبل فتح صلحا فَإِذا تقرر هَذَا وَعلمت أَن أهل ذَلِك الْعَصْر قد بادوا واندثروا وَبَقِي السهل كُله إِرْثا لبيت المَال تعين أَن يكون الْخراج فِيهِ على مَا يُرْضِي صَاحب الأَرْض وَهُوَ السُّلْطَان والجبل تتعذر معرفَة مَا كَانَ الصُّلْح عَلَيْهِ وَلَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهِ فَيرجع فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَاد وَقد اجْتهد سلفنا الْكِرَام رضوَان الله عَلَيْهِم فِي فَرْضه لأوّل الدولة الشَّرِيفَة على حسب وفْق أَئِمَّة السّنة ومشايخ أهل الْعلم وَالدّين فِي ذَلِك الْعَهْد فَجرى الْأَمر على السّنَن القويم إِلَى أَن هبت عواصف الْفِتْنَة لأيام ابْن عمنَا صَاحب الْجَبَل وإدالة مَوْلَانَا الإِمَام وصنوه المرحوم على حواضر الْمغرب وسهله عِنْد الزَّحْف بالأتراك وامتدت بِهِ الْفِتْنَة فِي الْجَبَل إِلَى أَن هلك مَعَ النَّصَارَى فِي الْغَزْوَة الشهيرة وَجَاء الله من مَوْلَانَا الْمُقَدّس بِالْجَبَلِ العاصم لِلْإِسْلَامِ من طوفان الْأَهْوَال فَقدر رَضِي الله عَنهُ الْأَشْيَاء حق قدرهَا وَرَأى أَن الْمغرب غب تِلْكَ الْفِتَن قد فغر فَمه لالتهامه عدوان عظيمان التّرْك وعدو الدّين الطاغية فاضطر رَحمَه الله إِلَى الاستكثار من الأجناد لمقاومة الْعَدو والذب عَن الدّين وحماية ثغور الْإِسْلَام فَدَعَا تضَاعف الأجناد إِلَى تضَاعف الْعَطاء وتضاعف الْعَطاء إِلَى تضَاعف الْخراج وتضاعف الْخراج إِلَى الإجحاف بالرعية والإجحاف بالرعية أَمر يستنكف رَضِي الله عَنهُ من ارتكابه وَلَا يرضاه فِي سيرة عدله طول أَيَّامه فَلم يُمكن لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا أَن أمعن النّظر رَحمَه الله فِي أصل الْخراج فَوجدَ بَين السّعر الَّذِي بنى عَلَيْهِ فِي قيمَة الزَّرْع وَالسمن والكبش الَّذِي تعطيه الرّعية مُنْذُ زمن الْفَرْض وَبَين سعر الْوَقْت أضعافا فَحِينَئِذٍ تحرى رَحمَه الله الْعدْل فَخير الرّعية بَين دفع كل شَيْء بِوَجْهِهِ وَدفع مَا يُسَاوِيه بِسعْر الْوَقْت فَاخْتَارُوا السّعر مَخَافَة أَن يطلع إِلَى مَا هُوَ أَكثر
(6/45)

فأجابهم إِلَيْهِ رَضِي الله عَنهُ وَعرف النَّاس الْحق فَلم يُنكره أحد من أهل الدّين وَلَا من أهل السياسة لَيْت شعري لَو طلبنا نَحن الرّعية بِسعْر الْوَقْت الَّذِي طلع الْيَوْم إِلَى أَضْعَاف مضاعفة مَاذَا تَقولُونَ وَقد انتقدتم علينا مَا هُوَ أخف من ذَلِك وَالْحَاصِل راجعوا رَضِي الله عَنْكُم مَا عِنْد الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِي ضرب الْخراج فقد استوفى الْكَلَام فِي ذَلِك
وَأما مَا تقضيه من الْعجب لتعطل أجوبتنا عَنْك فَنحْن نراجع أقل مِنْك وَلَكِن كتابك آكِد مبناه على قصَّة أهل آزمور فأنفذنا من أخرج الَّذِي كَانَ بِهِ وأقصاه عَنهُ وشرد من كَانَ عِنْده فتوقف الْجَواب حَتَّى رَجَعَ الخديم فَحِينَئِذٍ أجبناكم بِمَا وصلكم وتعجيل الْأَجْوِبَة وبطؤها فَاعْلَم أَن الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِك أُمُور مِنْهَا أَن يكون الْأَمر الَّذِي ورد الْخطاب فِيهِ مِنْكُم مَا سَمِعت بِهِ وَلَا بَلغنِي فنتوجه للبحث عَنهُ والفحص عَن أَسبَابه فَرُبمَا أوجب ذَلِك البطء بِحَسب الْأَمَاكِن والبلدان فَيكون جَوَابنَا على أساس وَبَيَان وَإِن كَانَ عندنَا خبر مَا ورد فِيهِ خطابكم فَالْجَوَاب لَا يتَأَخَّر وَقد وَقع هَذَا منا غير مرّة وَكَون تعطيله منشأه مَا من الله بِهِ علينا من رجوعنا إِلَى سَرِير ملكنا واجتماعنا بسربنا آمِنين اعْلَم أَن أهل هَذَا الْمغرب لما تمالؤوا عَليّ وَخرجت إِلَى الْمشرق والتقيت بِالتّرْكِ والأروام وجالسوني وجالستهم وخاطبوني وخاطبتهم فَمنهمْ مشافهة وَمِنْهُم مراسلة وَكنت أَيَّام مقَامي فِي أَرضهم كمقامي على سَرِير ملكي لِأَن كَبِيرهمْ وصغيرهم وَرَئِيسهمْ ومرؤوسهم كَانَ ينتجع فضلي ويمد كَفه رَغْبَة فِي نعمتي وواسيت الْجَمِيع عَطاء مترفا مَعَ قلَّة الزَّاد والذخيرة وترفعت عَن مواساة الأماثل والأكابر من الْعَجم وَالْعرب وَلَا ركنت لأحد بل تجودت بِمَا قدرت عَلَيْهِ من الأخبية حَتَّى جعلت محلّة برماتها وخيلها فترامت عَليّ الْعَجم بالرغبة وبسطوا أكف الضراعة فِي الْمقَام عِنْدهم وَالدُّخُول فِي جُمْلَتهمْ وعرضوا عَليّ الإقطاعات السّنيَّة والبلادات الملوكية بلطف مقَال وأدب خطاب حَتَّى قَالَ لي القبطان مُرَاد رَئِيس الْمُجَاهدين وَمَا مثلك يكون مَعَ الْعَرَب هَا نَحن نخدمك بِأَمْوَالِنَا وأنفسنا وبمالنا من السفن حَيْثُ أردْت وأحببت وَمَا انفصلت عَنْهُم حَتَّى
(6/46)

كتبت لَهُم بخطي إِنِّي احْمِلْ أَهلِي وحاشيتي وأرجع إِلَيْهِم إِلَّا إِن تمكن لي الدُّخُول فِي الْملك وَالْغَلَبَة على الْبِلَاد أَو بَعْضهَا وقفلت من عِنْدهم وَلم يتَعَلَّق بِثَوْب عفافي مَا يشينه مَعَهم وَلَا مَعَ الْعَرَب وَلَا كَانَ لأحد عَليّ منَّة وَلَا نعْمَة إِلَّا فضل الله سُبْحَانَهُ وَكَانَ فضل الله علينا عَظِيما
ثمَّ إِنِّي دخلت سجلماسة على رغم أنف أَهلهَا وواليها وَمِنْهَا دخلت السوس وَجعلت ولي الله الْعَارِف بِهِ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْمُبَارك وَاسِطَة بيني وَبَين أخي حَتَّى اجْتمعت بأهلي وَمَالِي ثمَّ بعث إِلَيّ التّرْك بِأحد بلكباشات اسْمه مصطفى صولجي إِلَى السوس راغبين فِي إنجاز الْوَعْد وجنحت للمسير إِلَيْهِم فَرَأَيْت الْأَهْل والأتباع قد عظم الْأَمر عَلَيْهِم واستعظموا الْخُرُوج فأسعفت رغبتهم فِي الْمقَام بالمغرب وشيعت الرَّسُول قَافِلًا إِلَى قومه من سجلماسة عِنْد الدُّخُول الثَّانِي لَهَا ومغالبة أَهلهَا عَلَيْهَا وعززته برَسُول من عِنْدِي إِلَيْهِم بتحف وأموال ورد بهَا عَلَيْهِم مَعَ رسولهم ثمَّ إِنِّي اقتحمت مراكش على أهل فاس على كَثْرَة عَددهمْ وعددهم وقلتي فَفتح الله ثمَّ خرجت إِلَى السوس مرّة أُخْرَى وأوقعت بِولد مولَايَ أَحْمد الشريف وجموع مراكش وَقد تعصبوا عَلَيْهِ لأَنهم شيعَة جده ففضضته على رغمهم ونازلته بالسهل والحزن حَتَّى أمكن الله مِنْهُ وَحكم بيني وَبَينه ثمَّ نجم الغوى أَبُو محلي وغلبت على الرَّأْي وَقد قَالَ من هُوَ أفضل مني مَوْلَانَا عَليّ كرم الله وَجهه لَا رَأْي لمن لَا يطاع وَدخل هَذِه الْبِلَاد وَخرجت أَنا إِلَى السوس ريثما تَجْتَمِع قبائلنا فِي الْمَكَان الَّذِي كَانَ اجْتِمَاعهم فِيهِ إِلَى أَن بلغتهم وَقصد إِلَيْهِم أَبُو محلي فقاتلوه ورحل عَنْهُم بعد أَن أثخنوا فِيهِ بِالْقَتْلِ ثمَّ وافيتهم فَكَانَ الْحَرْب بَيْننَا سجالا فَهَل سَمِعْتُمْ خلال هَذِه الْأَحْوَال أَنِّي احتجت إِلَى أحد فِيمَا قل أَو جلّ وَهَذَا كُله بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْك اللَّهُمَّ أَن تعدوا الْوِفَادَة الَّتِي وفدنا عَلَيْك من قبيل الِاضْطِرَار والاحتياج فَلَا أَدْرِي على أَنِّي مَا قصدتك لطلب دنيا لِأَنِّي كنت أسمع مَا أَنْت عَلَيْهِ من متانة الدّين وَالصَّلَاح والإقبال على طَاعَة الله والتمسك بِسنة رَسُول الله
(6/47)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غرو أَن من كَانَ هَذَا وَصفه كَانَ جَدِيرًا بِأَن يقْصد للدُّعَاء ولإصلاح الْقلب وَلَا شكّ أننا نزلنَا دَارك وحللنا بمكانك وَلما وَقع الِاجْتِمَاع بك جرت المذاكرة فِي أبي محلي وَغَيره حَتَّى كتبت الْكتاب الَّذِي علمنَا عَلَيْهِ وَهَا هُوَ بِخَط يدك فَإِن نَسِينَا بعض مَا فِيهِ وَلَا فعلنَا فَأخْبرنَا بِهِ نستدركه وَهَذِه مراكش الَّتِي ذكرْتُمْ قد كنت فِيهَا مَا ذكرْتُمْ ووقفت على عبد الْمُؤمن بن ساسي وعدته مرّة أُخْرَى فِي مَرضه وَهل قصدته لطلب دنيا أَو عَرفته لأَجلهَا وَمُحَمّد بن أبي عَمْرو لما وقفت على الْمدرسَة الَّتِي من بِنَاء مولَايَ عبد الله وقفت عَلَيْهِ فِي دَاره وكل ذَلِك إِنَّمَا نفعله تَأْكِيدًا للمحبة وَزِيَادَة فِي الْمعرفَة بِاللَّه وَلَو علمت أَن ذَلِك يعد عَيْبا ويظن أَنه نوع من الِاحْتِيَاج مَا كنت وَالله لأقف على أحد وَلَو أَنه يملكني الدُّنْيَا بحذافيرها لِأَن الْخَيْر وَالشَّر بيد الْفَاعِل الْمُخْتَار فَهُوَ أولى بالاضطرار إِلَيْهِ وَأما سربي فَمَا تروع قطّ حَتَّى يَأْمَن وَأما من كَانَ بِالدَّار الَّتِي ذكرْتُمْ فَإِنَّمَا هم أَهلِي ومتروك أعمامي وَهَذِه الدَّار الَّتِي ذكرْتُمْ فها نَحن ننتقل عَنْهَا إِلَى بعض الْبِلَاد الغربية البحرية كَمَا قلت لَك ذَلِك مشافهة سَاعَة قلت لي يَنْبَغِي للأشراف بِنَاء بِالْجَبَلِ لوقت مَا وحكيت ذَلِك عَن والدك وَأما مَا أخْبركُم بِهِ القَاضِي أَيَّام ورودي إِلَى السوس وَقت بَلغنِي كتابكُمْ الَّذِي نَصه قد اجْتمعت أنَاس وفسدت النيات وتعينت المطامع وأردنا تدبيركم لِأَن الْمُلُوك أهل التَّدْبِير وَالْمرَاد رجوعنا لأوكارنا من غير وصمة تلْحق الْجَانِبَيْنِ فَكلما حمل فَهُوَ عني والتزمته إِلَى الْآن إِلَّا مَا طَرَأَ علينا فِيهِ النسْيَان فذكرونا بِهِ فَإنَّا لَا نخرج عَنهُ وَأما يَمِين الْمُصحف وَأَنِّي حَلَفت فِيهِ للقائد عبد الصَّادِق فَلَا وَالله مَا حَلَفت فِيهِ وَلَا أَحْلف لأحد إِلَى لِقَاء الله أما علمت أَنِّي حضرت بيعَة الشَّيْخ الْمَأْمُون صَاحب الغرب سامحه الله وَحضر أَوْلَاد السُّلْطَان واستحلفهم لَهُ إِلَّا أَنا رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ قَالَ فلَان لَا يحلف لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا نأمره بِهِ ونفعله وَعظم ذَلِك على إخوتي وَظَهَرت فِي وُجُوههم لأَجله الْكَرَاهِيَة وَلَكِن الَّذِي قلت لعبد الصَّادِق أَحْلف للمرابط فَإِنِّي أوفى لَك بِهِ وَلَا زلت على ذَلِك لِأَن
(6/48)

الَّذِي كنت تَقول فِي ذَلِك الْوَقْت أَخَاف أَن تقع فِي أهل مراكش والأكابر وَنَحْوهم مثل حُكُومَة عبد الْقَادِر وَنَحْوهَا أما أهل مراكش فَمَا تعرضنا لأحد مِنْهُم حَتَّى تركنَا متاعنا لأجلكم كَوَلَد المولوع وَغَيره وَهَذَا الميدان والشقراء فَابْعَثْ من رضيت يُنَادي فيهم من لَهُ حق علينا ننصفه مِنْهُ وَمن خدامي أَيْضا وَإِن كنت سَمِعت قَضِيَّة مَنْصُور العكاري فالعكاري نزل أهلنا فِي خيمته عِنْد وقْعَة رَأس الْعين فَلَمَّا أَرَادوا الطُّلُوع إِلَى الْجَبَل تركُوا أَكثر مَالهم فِي خيمته مَعَ بعض الخدم خوفًا من غائلة البربر لما كَانَ وَقع مِنْهُم لأهل بَابا أبي فَارس فَأخذ سماطا من ذهب يزِيد على سِتِّينَ ألف أُوقِيَّة وَكَانَ أَيَّام أبي حسون مَعَه وَفِي جملَته حَتَّى مَاتَ الْقَائِم فبذل حجَّته بإنجازه عشْرين ألفا وَالْبَاقِي حَتَّى يُؤَدِّيه على سَعَة وَطلب منا أَن يتعمل ويتولى بعض الخطط لينْتَفع وَيجمع بعض ذَلِك فصرفناه حَتَّى إِذا جَاءَ أَبُو محلي وَوَقع مَا وَقع طالبناه بمتاعنا وَهُوَ لَا يَسعهُ إِنْكَاره وَهَكَذَا عبد الْكَرِيم الَّذِي فِي زاويتك بِنَفسِهِ يعلم أَن إخْوَته أخذُوا لي سلْعَة فِي وسط حلتهم وَأَنا بَين بُيُوتهم تزيد على خمسين ألفا وَأخذُوا الْإِبِل وَهَا نَحن سكتنا عَنْهُم وَلَا طالبناهم بهَا وَأَيْضًا قَالَ لَك انْظُر مَا فعل بإخوتي وصرت تكاتبنا وَأَنت لَا علم عنْدك بِأَصْل الْمَسْأَلَة وَأما الْأَمْوَال فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد وسع علينا من فَضله وَعِنْدنَا مَا يَكْفِي الْخَامِس وَالسَّادِس من الْوَلَد وعرفنا النَّاس وعرفونا وعاملناهم وعاملونا وَلَو أردْت خَمْسمِائَة ألف مِثْقَال من أَصْحَاب أَفلا مِنْك أَو من أَصْحَاب الإنجليز وكتبت إِلَيْهِم فِي ذَلِك مَا تأنوا فِي بَعثه وَلَا لاذوا فِيهِ بمعذرة وَقد كفانا الله بِهِ وَالْحَمْد لله على ذَلِك
وَاعْلَم أَن الظَّن فِيك جميل وَلَوْلَا ذَلِك مَا أَعطيتك خَمْسَة آلَاف مِثْقَال وسمحت بِالْمَالِ الَّذِي حمل إِلَيْكُم ابْن عبد الْوَاسِع أَولا وسلعة السفن أخيرا وَبِهَذَا كُله تستدل على صفاء السريرة وَصَالح النِّيَّة وَالله سُبْحَانَهُ يعلم ذَلِك وَأما الامتعاض من عدم الأنة القَوْل وَحسن الْخطاب فَكَمَا قَالَ تَعَالَى {وَقُولُوا للنَّاس حسنا} الْبَقَرَة 83 وَإنَّك لم تبلغ وَلَو نصف مَا خَاطب بِهِ
(6/49)

الْأَئِمَّة رضوَان الله عَلَيْهِم أهل زمانهم اتكالا على علمنَا بِهِ وحسبي نصح الفضيل ابْن عِيَاض وسُفْيَان وَمَالك رضوَان الله عَلَيْهِم فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة حسبي فِي الْجَواب مِنْك انْتهى مَا وقفنا عَلَيْهِ من هَذِه الرسَالَة وَهِي دَالَّة على براعة الرجل فقها وأدبا وَكَمَال مُرُوءَة وعلو همة رَحمَه الله وَغفر ذنُوبه
اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على المعمورة ونهوض أبي عبد الله العياشي لجهادهم وانتفاض أندلس سلا على السُّلْطَان زَيْدَانَ رَحمَه الله

قد قدمنَا فِي أَخْبَار الوطاسيين مَا كَانَ من اسْتِيلَاء البرتغال على المعمورة الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالمهدية ومقامهم بهَا سِنِين قَلَائِل ثمَّ جلائهم عَنْهَا ثمَّ لما استولى الإصبنيول خذله الله فِي هَذِه الْمدَّة على العرائش كَمَا مر طمحت نَفسه إِلَى الِاسْتِيلَاء على غَيرهَا وتعزيزها بأختها فَرَأى أَن المهدية أقرب إِلَيْهَا فَبعث إِلَيْهَا الطاغية فيليبس الثَّالِث من جَزِيرَة قادس تسعين مركبا حربية فَانْتَهوا إِلَيْهَا واستولوا عَلَيْهَا من غير قتال لفرار الْمُسلمين الَّذين كَانُوا بهَا عَنْهَا هَكَذَا فِي تواريخ الفرنج
وَقَالَ شَارِح الزهرة كَانَ نزُول النَّصَارَى بمرسى الْحلق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَقيل سنة ثَلَاث وَعشْرين بعْدهَا وَقيل غير ذَلِك وَكَانَ عَدو الله الإصبنيول أَرَادَ أَن يضمها إِلَى العرائش لينضبط لَهُ مَا بَينهمَا من السواحل وتتقوى عساكره بهما فخيب الله ظَنّه وَلَقي من أهل الْإِسْلَام عرق الْقرْبَة وَكَانَ أَبُو عبد الله العياشي بعد رُجُوعه من آزمور وسلامته من اغتيال قَائِد زَيْدَانَ دخل سلا فِي نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا وزار ضريح شَيْخه أبي مُحَمَّد بن حسون وَبَات عِنْده فَجَاءَهُ أهل سلا وَذكروا لَهُ مَا هم فِيهِ من الْخَوْف من نَصَارَى المعمورة وَأَن مسارحهم قد امتدت إِلَى الغابة وَأَن النَّصَارَى أَلفَانِ من الرُّمَاة سوى الفرسان فَأَمرهمْ بالتهيؤ إِلَيْهِم
وَفِي نشر المثاني مَا نَصه وَفِي أَوَاخِر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ثَلَاث
(6/50)

وَعشْرين وَألف أَخذ النَّصَارَى المهدية فَكتب أهل سلا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ فَبعث إِلَيْهِم أَبَا عبد الله العياشي الَّذِي كَانَ مقدما بوكالته على الْجِهَاد بدكالة وَهُوَ يَقْتَضِي أَن مَجِيء العياشي إِلَى سلا كَانَ بِإِذن السُّلْطَان لَا فِرَارًا مِنْهُ وَالْأول أصح اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَجِيئه فَارًّا كَانَ بعد هَذَا التَّارِيخ وَالله أعلم
وَأمر أَبُو عبد الله العياشي أهل سلا بالتهيؤ للغزو واتخاذ الْعدة فَلم يجد عِنْدهم إِلَّا نَحْو الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا وَكَانَت السنون والفتن قد أضعفتها فحضهم على الزِّيَادَة والاستكثار مِنْهَا فَكَانَ مبلغ عدتهمْ بِمَا زادوه زهاء أَرْبَعمِائَة ثمَّ نَهَضَ بهم إِلَى المعمورة فصادف بهَا من النَّصَارَى غرَّة فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حَرْب قربهَا إِلَى أَن غربت الشَّمْس فَقتل من النَّصَارَى زهاء أَرْبَعمِائَة وَمن الْمُسلمين مِائَتَان وَسَبْعُونَ وَهَذِه أول غَزْوَة أوقعهَا فِي أَرض الغرب بعد صدوره من ثغر آزمور وَمِنْهَا أقصرت النَّصَارَى عَن الْخُرُوج إِلَى الغابة وضاق بهم الْحَال
ثمَّ إِن السُّلْطَان زَيْدَانَ لما بلغه اجْتِمَاع النَّاس على سَيِّدي مُحَمَّد العياشي بسلا وسلامته من غدرة قائده السنوسي بعث إِلَى قائده على عَسْكَر الأندلس بقصبة سلا الْمَعْرُوف بالزعروري وَأمره باغتياله وَالْقَبْض عَلَيْهِ ففاوض الزعروري أَشْيَاخ الأندلس فِي ذَلِك فاتفق رَأْيهمْ على أَن يكون مَعَ العياشي جمَاعَة مِنْهُم عينا عَلَيْهِ وطليعة على نِيَّته واستخبارا لما هُوَ عازم عَلَيْهِ وَمَا هُوَ طَالب لَهُ فلازمه بَعضهم وَشعر العياشي بذلك فانقبض عَن الْجِهَاد وَلزِمَ بَيته
ثمَّ إِن الله أوقع النفرة بَين السُّلْطَان زَيْدَانَ وَبَين أهل الأندلس وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَ قد بعث قبل ذَلِك إِلَى الْقَائِد الزعروري أَن يُجهز إِلَى درعة أَرْبَعمِائَة من أندلس سلا فجهزهم إِلَيْهَا وطالت غيبتهم بهَا ففر أَكْثَرهم ونفرت قُلُوبهم عَن الزعروري وسلطانه فَكَانَ زَيْدَانَ يبْعَث إِلَى أهل الأندلس بسلا بتجديد الْبَعْث إِلَى درعة فيأبون الانقياد إِلَيْهِ فِي ذَلِك وكرهوه وأزمعوا على خلع طَاعَته ثمَّ وشوا إِلَيْهِ بقائده الزعروري فَبعث زَيْدَانَ
(6/51)

بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ وَنهب أهل الأندلس دَاره وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَان بذلك مظهرين طَاعَته مكيدة ونفاقا فَبعث إِلَيْهِم مَوْلَاهُ وقائده الْمَمْلُوك عجيبا فَمَكثَ بَين أظهرهم مُدَّة فَلم يعبؤوا بِهِ وصاروا يهزؤون بِهِ ثمَّ عدوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فَظهر مِنْهُم شقّ الْعَصَا على السُّلْطَان زَيْدَانَ وأظلم الجو بَينه وَبينهمْ وَبَقِي أهل سلا فوضى لَا وَالِي عَلَيْهِم وَكثر النهب وامتدت أَيدي اللُّصُوص إِلَى المَال والحريم وسيدي مُحَمَّد العياشي سَاكِت لَا يتَكَلَّم وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
انعطاف إِلَى خبر عبد الله بن الشَّيْخ بفاس والثوار القائمين بهَا وَمَا تخَلّل ذَلِك

قد قدمنَا مَا كَانَ من قدوم السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى فاس أواسط سنة تسع عشرَة وَألف واستيلائه عَلَيْهَا ثمَّ خُرُوجه عَنْهَا وإعراضه عَنْهَا وَعَن أَعمالهَا إِلَى آخر دولته وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ حَيَاة أَبِيه الشَّيْخ تَحت أمره يصغي إِلَيْهِ وَلَا يقطع أمرا دونه وَقيل إِنَّه خرج عَن طَاعَته سنة عشْرين وَألف وَلما قتل أَبوهُ بِبِلَاد الهبط كَمَا مر استبد عبد الله هَذَا بفاس وَمَا انضاف إِلَيْهَا على وَهن وفشل ريح وَكَانَ غَالب جنده من شراقة وشراقة هَؤُلَاءِ هم عرب بادية تلمسان وَمَا انضاف إِلَيْهَا وَسموا بذلك لأَنهم فِي نَاحيَة الشرق من الْمغرب الْأَقْصَى فَأهل تلمسان وأعمالها يسمون أهل الْمغرب الْأَقْصَى مغاربة وَأهل الْمغرب الْأَقْصَى يسمون أهل تلمسان وأعمالها مشارقة لَكِن الْعَامَّة يلحنون فِي هَذِه النِّسْبَة فَيَقُولُونَ شراقة فَكَانَ غَالب جند عبد الله من هَؤُلَاءِ الْعَرَب وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم فهم حماته وأنصاره وبهم كَانَ يعتصم حَتَّى أَعْطَاهُم أجنة النَّاس ودورهم فَكَانَ الرجل من أهل فاس يَأْتِي بستانه فيجد الْأَعرَابِي بخيمته فِي وَسطه فَيَقُول لَهُ أعطانيه السُّلْطَان
ومدوا أَيْديهم إِلَى حَرِيم النَّاس ونهبوا الْأَسْوَاق وجاهروا بِالْفَسَادِ وأظهروا السكر فِي الطرقات واقتحموا على النَّاس دُورهمْ حَتَّى أَن امْرَأَة كَانَت تطبخ خليعا وَوَلدهَا رَضِيع عِنْدهَا فاقتحم عَلَيْهَا الدَّار أحد شراقة فهربت
(6/52)

الْمَرْأَة وأغلقت عَلَيْهَا مشربَة لَهَا فَلم يقدر لَهَا على شَيْء فَرَاوَدَهَا على النُّزُول فَأَبت فَقَالَ لَهَا إِن لم تنزلي رميت الْوَلَد فِي الطنجير فتمادت على الِامْتِنَاع فَرمى بِهِ فِيهِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَتْ وَلَدهَا فِي وسط الطنجير صاحت وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا عَلَيْهِ فاندقت رقبَتهَا وَمَاتَتْ فغاظ النَّاس ذَلِك وأعظموه
وَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الشريف الزرهوني محتسبا على شراقة واعصوصب عَلَيْهِ كثير من الْعَامَّة وَقَامُوا بنصرته فَقتل شراقة والتلمسانيين بفاس حَيْثُ وجدوا وَحكم السَّيْف فِي رقابهم ونفاهم عَن فاس وحماها من إذايتهم وطهرها من رجسهم فَاسْتحْسن النَّاس أمره وأذعنوا إِلَيْهِ
قَالَ فِي الْمرْآة وَفِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول يَعْنِي سنة عشْرين وَألف ثار بفاس الشريف أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الزرهوني وعضده الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد اللمطي الْمَعْرُوف بالمربوع وتبعهما أهل فاس بأجمعهم وأخرجوا من كَانَ بهَا من جَيش السُّلْطَان وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وَجَرت فِي ذَلِك خطوب آلت بعد سِنِين إِلَى انْقِطَاع الْملك بفاس وَبَقِي النَّاس فوضى إِلَى الْآن اه كَلَام الْمرْآة
وَكَانَ ابْتِدَاء أَمر شراقة واشتداد شوكتهم سنة سِتّ عشرَة وَألف كَانُوا إدالة على أهل فاس نازلين بقصبة الطالعة وبقصبة أُخْرَى وببعض الفنادق وَقرب بَاب الْمُسَافِرين إِلَى أَن قَامَ عَلَيْهِم الشريف أَبُو الرّبيع فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ يَوْم ثورة أبي الرّبيع وفتكه بشراقة غَائِبا فِي سلا فَلَمَّا بلغه الْخَبَر قدم ورام أَن يصلح بَين أهل فاس وَبَين شراقة وراودهم على ذَلِك فَقَالُوا لَا لَا فسميت تِلْكَ السّنة سنة لَا لَا ثمَّ أَمر أَبُو الرّبيع أهل فاس بشرَاء الْعدة والتهيؤ لقِتَال شراقة وَخرج إِلَيْهِم فَاقْتَتلُوا خَارج بَاب الجيسة فانهزمت شراقة واستتب أَمر أبي الرّبيع وسكنت أَحْوَال الْمَدِينَة وَأمن النَّاس أَمَانًا لم يعْهَد من زمَان السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة عشْرين وَألف كَانَت
(6/53)

وقْعَة المترب مَوضِع خَارج بَاب الْفتُوح وسببها أَن أهل فاس اسْتَغَاثَ بهم الملالقة واستصرخوهم على شراقة مكيدة وحيلة فَخَرجُوا فِي يَوْم شَدِيد الرّيح وَكَمن لَهُم شراقة بخولان وأغاروا عَلَيْهِم بَغْتَة فَانْهَزَمَ النَّاس وَقتل من أهل فاس نَحْو الْأَلفَيْنِ
وَفِي نشر المثاني سَبْعمِائة فَقَط قَالَ وجلهم هلك بالعطش وغلقت الْأَبْوَاب واضطربت الْمَدِينَة وهاج الشَّرّ بِسَبَب ذَلِك مُدَّة ثمَّ خرج أهل فاس مرّة أُخْرَى لقِتَال عبد الله بن الشَّيْخ فهزموه وأسروه وَبَقِي فِي أَيْديهم فعفوا عَن قَتله وأطلقوه وذهبوا خَلفه حَتَّى دخل دَاره من فاس الْجَدِيد
وَلما قتل أَبوهُ الشَّيْخ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين كَمَا مر واتصل خبر مَقْتَله بِابْنِهِ عبد الله عزم على الْأَخْذ بثأره من قاتليه أَوْلَاد أبي الليف وأزمع الْمسير إِلَيْهِم وَوَافَقَهُ على ذَلِك الشريف أَبُو الرّبيع والفقيه المربوع وأصحابهما وامتنعت الْعَامَّة من الذّهاب مَعَهم لِأَن الشَّيْخ لم تبْق لَهُ فِي نفوس الْمُسلمين مَوَدَّة حَيْثُ بَاعَ العرائش لِلنَّصَارَى فاجتمعت الْعَامَّة بِجَامِع الْقرَوِيين وَقَالُوا لَا نقبل سُلَيْمَان وَلَا المربوع وحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَاتَّخذُوا رُؤَسَاء آخَرين فَوَقع بِسَبَب ذَلِك شَرّ عَظِيم أدّى إِلَى قتل الشريف مولَايَ إِدْرِيس بن أَحْمد الجوطي العمراني التّونسِيّ وَسبب ذَلِك أَن مُنَادِي أبي الرّبيع مر يُنَادي فِي السُّوق باستنفار النَّاس مَعَ عبد الله بن الشَّيْخ فَقَامَ إِلَيْهِ الشريف مولَايَ إِدْرِيس وضربه بعصا وسبه فَأقبل أَبُو الرّبيع وَمن مَعَه واقتحموا على مولَايَ إِدْرِيس دَار القيطون وقتلوه على خصتها وَلما كَانَ صباح الْقَبْر من الْغَد قَامَ ولد مولَايَ إِدْرِيس وشكا هضيمته لعلماء فاس فأمروه بِالصبرِ ثمَّ التف عَلَيْهِ أهل العدوة وقصدوا دَار أبي الرّبيع وناوشوه الْحَرْب فَرَجَعُوا مفلولين وَقتل بَعضهم وَالْأَمر لله وَحده وَوَقع الغلاء حَتَّى بيع الْقَمْح بأوقيتين وَربع للمد وَكَثُرت الْأَمْوَات حَتَّى أَن صَاحب المارستان أحصى من الْأَمْوَات من عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف إِلَى ربيع النَّبَوِيّ من السّنة بعْدهَا أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة وَخَربَتْ أَطْرَاف الْمَدِينَة وخلت المداسر وَلم
(6/54)

يبْق بلمطة إِلَّا الوحوش وَكثر النهب فِي القوافل
وَلما كَانَ الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَعشْرين وَألف قبض الشريف أَبُو الرّبيع على أَرْبَعَة من كبار شراقة ثمَّ قَتلهمْ فَوَجَمَ لَهَا اللمطيون وَخَافَ النَّاس على الْمَدِينَة وتوقعوا الشَّرّ وَعظم الرعب فِي الْقُلُوب حَتَّى وَقعت بِسَبَب ذَلِك الْهَزِيمَة فِي كل مَسْجِد من مَسَاجِد الْخطْبَة بفاس وَذَلِكَ أَنه كَانَ إِمَام جَامع الْقرَوِيين ذَات يَوْم يخْطب وَالنَّاس فِي صحن الْمَسْجِد فَوَقع شؤبوب من الْمَطَر غزير فابتدر من فِي الصحن الدُّخُول إِلَى تَحت السّقف فَظن النَّاس أَن أَبَا الرّبيع قد قَصده شراقة فَانْهَزَمُوا وَخَرجُوا من الْمَسْجِد لَا يلوي أحد على أحد فَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل جَامع الأندلس فاقتدوا بهم وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الطالعة فَكَانَ كَذَلِك وَتَتَابَعَتْ الهزائم بالمساجد
وَفِي يَوْم السبت الْخَامِس من صفر سنة سِتّ وَعشْرين وَألف قتل الشريف أَبُو الرّبيع غدرا فِي جَنَازَة رجل لمطي خرج إِلَيْهَا فَقتله الْفَقِيه المربوع وَقتل أَبَاهُ وَأَبْنَاء عَمه وَسِتَّة من أَصْحَابه وَدفن مَعَ وَالِده بِمَسْجِد الجرف وَلما قتل أَبُو الرّبيع بقيت فاس فِي يَد المربوع واعصوصب عَلَيْهِ اللمطيون واشتدت شوكته ثمَّ قدم جمع من عشيرة أبي الرّبيع من زرهون وحاولوا الفتك بالمربوع فَفطن بهم وَوَقع بَينه وَبينهمْ قتال هلك فِيهِ نَحْو مائَة وَثَلَاثِينَ رجلا وَسلم المربوع مِنْهَا
وَقَالَ صَاحب مُعْتَمد الرَّاوِي لما قتل أَبُو الرّبيع الزرهوني قَامَ أَخُوهُ مولَايَ أَحْمد يطْلب بثأره وسَاق مَعَه نَحْو أَرْبَعمِائَة من الزراهنة واقتحم بهم فاس وقاتلوا الْفَقِيه المربوع وشيعته من اللمطيين فالتف أهل فاس على المربوع وقاتلوا مَعَه الشريف يدا وَاحِدَة فَانْهَزَمَ الشريف وَقتل جلّ من مَعَه وَكَاد يقبض عَلَيْهِ بِالْيَدِ ففر إِلَى رَوْضَة سَيِّدي أَحْمد الشاوي وَمَعَهُ نَحْو الثَّمَانِينَ من أَصْحَابه فَتَبِعهُمْ الْفَقِيه المربوع فِي جمع عَظِيم من اللمطيين واقتحم عَلَيْهِم الرَّوْضَة ففر الزراهنة إِلَى بيُوت دَار الشَّيْخ فهجم عَلَيْهِم المربوع بجنده وقتلهم أَجْمَعِينَ ثمَّ إِن المربوع واللمطيين جاؤوا بِرَجُل يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن الخنادقي كَانَ يتعبد بزرهون فاستقدموه فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع
(6/55)

وَعشْرين وَألف وراموا أَن يملكوه ويجتمعوا عَلَيْهِ فأنزلوه مَعَ أَصْحَابه فِي رَوْضَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم واتصل الْخَبَر بالقائد أَحْمد بن عميرَة وَزِير عبد الله بن الشَّيْخ فَأتى وفتك بأصحاب الرجل الْمَذْكُور ولجأ هُوَ إِلَى ضريح الشَّيْخ ابْن حرزهم فَرَمَوْهُ من طاق هُنَالك فَقَتَلُوهُ وَسقط مَيتا على الْقَبْر وَبَطل أمره
وَلما سئم أهل فاس من الْفِتَن وَكَثْرَة الْحصار وضاق بهم الْحَال من غارات الْأَعْرَاب ذَهَبُوا إِلَى عبد الله بن الشَّيْخ بفاس الْجَدِيد ونصروه وأظهروا الْمحبَّة لَهُ ففرح بهم غَايَة وتحالفت الْعَامَّة والخاصة على نَصره والإذعان إِلَيْهِ فصفح عَنْهُم وَعَفا لَهُم عَمَّا سلف وَبعث وزيره إِلَى المربوع بالأمان فَلم يَأْمَن وَخَافَ على نَفسه وصمم مَعَ اللمطيين على قتال عبد الله وتهيؤوا لَهُ حَتَّى لم تصل الصَّلَوَات الْخمس بالقرويين ثمَّ إِن الْقَائِد حمو بن عَمْرو وَزِير عبد الله أَمر بِأَن يُنَادى بِأَمَان اللمطيين ففر اللمطيون عَن المربوع حِينَئِذٍ حَتَّى لم يبْق مَعَه إِلَّا قَلِيل ثمَّ بعث إِلَيْهِ عبد الله بسبحته وخاتمه أَمَانًا فَلم يَأْمَن وفر لَيْلًا إِلَى بني حسن فَأَخذه شيخهم سرحان وأتى بِهِ إِلَى عبد الله فَعَفَا عَنهُ وعادت دولة عبد الله إِلَى شبابها واستتب أمره وتمهدت لَهُ الْبِلَاد وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَعشْرين وَألف فَجمع الجيوش وَبعث بعض جنده لحصار تطاوين وَبَعْضهمْ لقبض الأعشار وَبعث وزيره حمو بن عَمْرو مَعَ المربوع لأرجين مَوضِع من جبال الزَّبِيب فغدر المربوع بالوزير وَقَتله اعْتِمَادًا على كَلَام سَمعه من عبد الله فَغَضب عبد الله وأسرها فِي نَفسه ثمَّ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ربيع النَّبَوِيّ سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف قتل المربوع اللمطي ونهبت دَاره
وَقَالَ فِي نشر المثاني قَتله عبد الله بن الشَّيْخ وعلقه على البرج الْجَدِيد خَارج بَاب السَّبع ثمَّ أنزلهُ ولعبت عَلَيْهِ خيله ثمَّ بعد أَيَّام وظف عبد الله على اللطميين ثَمَانِينَ ألفا فثقل عَلَيْهِم أمرهَا فَهَرَبُوا فِي كل وَجه فأسقط عَنْهُم نصفهَا وَالله تَعَالَى أعلم
(6/56)

ثورة مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على أَخِيه عبد الله بن الشَّيْخ وَمَا وَقع فِي ذَلِك

قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ لما رأى أهل بِلَاد الهبط مَا وَقع من افْتِرَاق الْكَلِمَة وتوقد الْفِتَن بَايعُوا مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ الَّذِي قَامَ بدعوته الشريف أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الإدريسي المحمدي اليونسي الْمَعْرُوف بِابْن ريسون وَهِي أم جده عَليّ نزيل تاصروت وَبَايَعُوهُ على الْكتاب وَالسّنة وعَلى إحْيَاء الْحق وإماتة الْبَاطِل فَلَمَّا بلغ خَبره أَخَاهُ عبد الله خرج لقتاله فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي الطين واقتتلوا فَانْهَزَمَ عبد الله وَتقدم مُحَمَّد إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَقبض على بعض عُمَّال عبد الله فَقَتلهُمْ واستصفى أَمْوَالهم
وَفِي آخر شعْبَان الْمَذْكُور وَقعت الْحَرْب بَينهمَا بمكناسة فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وَدخل عبد الله فاسا فِي مهل رَمَضَان من السّنة وَأظْهر الْعَفو عَن الْخَاص وَالْعَام ثمَّ قتل أهل فاس قائده ابْن شُعَيْب وَأخذُوا حذرهم من عبد الله ثمَّ وَقع قتال بَين أهل الطالعة وَأهل فاس الْجَدِيد ودام أَيَّامًا عديدة حَتَّى اصْطَلحُوا لتاسع رَجَب من سنة تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ إِن عبد الله خرج لقِتَال أَخِيه مُحَمَّد فَوَقَعت المعركة بَينهمَا بوادي بهت فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وفر شَرِيدًا إِلَى أَن قَتله ابْن عَمه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس ذِي الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف قتل الْفَقِيه الْعَالم القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن أبي النَّعيم بعد أَن نزل من صَلَاة الْجُمُعَة
(6/57)

بفاس الْجَدِيد فَقتلته اللُّصُوص بِبَاب الْمدرسَة العنانية وَفِي نشر المثاني قَتله اللمطيون بالزربطانة لأَنهم اتَّهَمُوهُ بالميل إِلَى عبد الله بن الشَّيْخ فَوَقع بِسَبَب قَتله شَرّ عَظِيم بَين أهل العدوتين من فاس
وَلم يزل عبد الله فِي معالجة أهل فاس فَتَارَة يميلون إِلَيْهِ وَتارَة ينحرفون عَنهُ لفساد سيرته وقبح طويته حَتَّى كَانَ قائده مامي العلج ينهب الدّور جهارا وَيُعْطِي عبد الله كل يَوْم على ذَلِك عشرَة آلَاف مِمَّا ينهب من النَّاس من غير جريمة وَلَا ذَنْب
وَقَامَ عَلَيْهِ بمكناسة أَيْضا رجل يُقَال لَهُ الشريف آمغار وَقَامَ عَلَيْهِ بتطاوين الْمُقدم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا فاس الْجَدِيد وَأما فاس الْقَدِيم فَتَارَة وَتارَة كَمَا ذكرنَا آنِفا لِأَنَّهُ استولى عَلَيْهَا الشريف أَبُو الرّبيع والفقيه المربوع وَلما قتلا كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا قَامَ بفاس مُحَمَّد بن سُلَيْمَان اللمطي الْمَدْعُو الْأَقْرَع وَعلي بن عبد الرَّحْمَن فَقتل ابْن سُلَيْمَان
وَقَامَ أَحْمد بن الْأَشْهب مَعَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَوَقَعت فتن وحروب ثمَّ قَامَ الْحَاج على سوسان وَابْن يعلى وَتَوَلَّى أَيْضا يزرور ومسعود ابْن عبد الله وَغَيرهم من الثوار
وَكَانَت فاس أَيَّام هَؤُلَاءِ على فرق وشيع لَا يَأْمَن التَّاجِر على نَفسه إِلَّا إِن استجار بِأحد من هَؤُلَاءِ وَوَقع من الْفِتَن مَا أظلم بِهِ جو فاس ونتن أفقها العاطر الأنفاس وخلا أَكثر الْمَدِينَة وَاسْتولى عَلَيْهَا الخراب ودام الشَّرّ بَين أهل العدوتين حَتَّى كَادَت فاس تضمحل وَيَعْفُو رسمها
وَحدث غير وَاحِد من الثِّقَات أَنه لما دَامَت الْحَرْب بَين أهل العدوتين وَلم يكن لأهل الأندلس غَلَبَة على اللمطيين قَالَ الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الفاسي لَا يغلب أحد اللمطيين مَا داموا مواظبين على قِرَاءَة الحزب الْكَبِير للْإِمَام الشاذلي رَضِي الله عَنهُ وَكَانَت طَائِفَة من اللمطيين يقرؤونه كل صباح بزاوية سَيِّدي رضوَان الجنوي من عدوة اللمطيين فَسمع ذَلِك أهل عدوة الأندلس فاحتالوا على إبِْطَال قِرَاءَة ذَلِك الحزب بِأَن بعثوا
(6/58)

أحدا فاحتال على أُولَئِكَ الَّذين يقرؤونه فاستضافهم فَبَاتُوا عِنْده جَمِيعًا فِي منزله فَلَمَّا طلع الْفجْر أَو كَاد زعم أَن مِفْتَاح الدَّار قد سقط مِنْهُ وَتلف وَلم يزل يعاني فتحهَا إِلَى أَن طلعت الشَّمْس فَخَرجُوا وَلم يقرأوا الحزب ذَلِك الْيَوْم وَأخْبر أهل الأندلس بذلك فحملوا على أهل عدوة اللمطيين فهزموهم وتحكموا فيهم مَعَ أَنهم كَانُوا لم يَجدوا إِلَيْهِم سَبِيلا قبل ذَلِك ببركة حزب الشاذلي رَضِي الله عَنهُ
وَذكر بَعضهم أَن سَبَب هَذِه الفترة مَا حُكيَ أَن عبد الله بن الشَّيْخ عزم على التنكيل بِأَهْل فاس فِي بعض غلباته عَلَيْهِم أَيَّام خُرُوجهمْ عَلَيْهِ فاستشفعوا إِلَيْهِ بالصالحين المجذوبين سَيِّدي جلول بن الْحَاج وسيدي مَسْعُود الشراط وَكَانَ من الملامتية فَلَمَّا وَقفا بَين يَدَيْهِ قَالَ أما وجد أهل فاس شَفِيعًا غير هَؤُلَاءِ الخراءين فِي ثيابهما فَغَضب سَيِّدي جلول وَقَالَ وَالله لَا تصرف فِيهَا يَعْنِي فاسا أحد أَرْبَعِينَ سنة وانصرفا فَيُقَال إِن عبد الله بن الشَّيْخ انقلبت معدته فَخرج غائطه من فَمه أَيَّامًا إِلَى أَن أَتَى بالشيخين فاسترضاهما فَكَانَ أَمر فاس كَمَا قَالَ سَيِّدي جلول لم يُطَأْطِئ رُؤُوس أعيانها سُلْطَان إِلَى أَن جَاءَ الله بالمولى الرشيد بن الشريف السجلماسي رَحمَه الله كَمَا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا كَانَ يتَصَرَّف فِيهَا رُؤَسَاء أهل فاس الَّذين يسمونهم السياب قَالَ اليفرني وَهَذِه حِكَايَة صَحِيحَة سَمعتهَا من غير وَاحِد بفاس ملخصها مَا ذكرنَا
وَلم يزل عبد الله فِي محاربة أهل فاس الْقَدِيم من سنة عشْرين وَألف إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بِسَبَب مرض اعتراه من إسرافه فِي الْخمر وإدمانه عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا ويتعاطاه سرا وجهارا
قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ وَلما توفّي عبد الله ولي بعده أَخُوهُ عبد الْملك فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يزل مُقْتَصرا على مَا كَانَ قد صفا لِأَخِيهِ إِلَى أَن توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف
(6/59)

وَمن آثَار عبد الله بن الشَّيْخ الْقبَّة الَّتِي على الخصة الكائنة أَسْفَل المنارة الَّتِي بوسط صحن جَامع الْقرَوِيين فَإِنَّهُ لم يكن فِي الْقَدِيم إِلَّا الخصة الْمُقَابلَة لَهَا شَرْقي الْجَامِع الْمَذْكُور
غَرِيبَة

قَالَ اليفرني حَدثنِي شَيخنَا الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد قَالَ كَانَ شيخ شُيُوخنَا الْفَقِيه الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ميارة يَقُول إِن أَحْمد ابْن الْأَشْهب الَّذِي تقدم ذكره قبل فِي الثوار أخبر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ والْحَدِيث بذلك مَذْكُور فِي كتاب الْجَامِع الْكَبِير لِلْحَافِظِ جلال الدّين السُّيُوطِيّ رَحمَه الله اه وَقتل ولد ابْن الْأَشْهب رَابِع جُمَادَى الأولى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف فتك بِهِ عَليّ بن سعد فِي جَامع الْقرَوِيين وَهُوَ فِي صَلَاة الْعَصْر وَقَامَت بِسَبَب ذَلِك حَرْب بَين أهل الأندلس واللمطيين وانتهبت السّلع الَّتِي بسوق القيسارية وسوق العطارين وَبنى اللمطيون الدَّرْب الَّذِي بِبَاب العطارين واستمرت الْحَرْب نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ اصْطَلحُوا
ثورة أبي زَكَرِيَّاء بن عبد الْمُنعم بالسوس ومغالبته لأبي حسون السملالي الْمَعْرُوف بِأبي دميعة على تارودانت

كَانَ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي لما رَجَعَ من مراكش إِلَى السوس حَسْبَمَا مر بدا لَهُ فِي طلب الْملك وَجمع الْكَلِمَة لما رأى من افتراقها فِي حواضر الْمغرب وبواديه
وَكَانَ المرابط أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي وَيُقَال لَهُ أَيْضا أَبُو حسون قد ظهر بالصقع السُّوسِي عِنْد فشل ريح السُّلْطَان زَيْدَانَ بِهِ وَاسْتولى على تارودانت وأعمالها
فَلَمَّا ثار الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء سَار إِلَى تارودانت فتغلب عَلَيْهَا وملكها من يَد أبي حسون الْمَذْكُور وَبعد أَن وَقع بَينه وَبَينه معارك ومقاتلات كَبِيرَة وَكَانَ
(6/60)

القَاضِي بتارودانت يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الْعَالم أَبُو مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّا قد استشاره فِيمَا عزم عَلَيْهِ فَلم يُوَافقهُ على ذَلِك وَلم يساعده على مُرَاده لما فِيهِ من الْخُرُوج على السُّلْطَان بِلَا مُوجب فَغَضب عَلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء حَتَّى أَمر بقتْله غيله فِيمَا قيل فَخرج القَاضِي من الْمَدِينَة خَائفًا يترقب وَذهب إِلَى مراكش فاستقر بهَا وَعَصَمَهُ الله مِنْهُ وَكتب إِلَى أبي زَكَرِيَّاء برسالة يعظه فِيهَا وينهاه عَن الْخُرُوج على السُّلْطَان وَنَصهَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
يَقُول الْفَقِير الشَّديد الْحَاجة إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ الْغَنِيّ بِهِ عَمَّن سواهُ السَّائِل مِنْهُ التَّوْفِيق واللطف فِي ظعنه ومأواه كَاتبه عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني عَفا الله عَنهُ وسمح لَهُ الْحَمد لله الَّذِي جعل الصدع بِالْحَقِّ وَظِيفَة الْأَنْبِيَاء وأورثه بعدهمْ من خلقه فريق الْعلمَاء وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم على من أكد أَمر الصُّلْح وَقَالَ (الدّين النَّصِيحَة) فَقيل لمن يَا رَسُول الله فَقَالَ (لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم) وَالرِّضَا على آله وَصَحبه الَّذين سلكوا سَبيله وانتهجوا من المناهج طَرِيقه وَعَن التَّابِعين وتابع التَّابِعين لَهُم إِلَى وُقُوع الْقصاص بَين الخليقة وَبعد فَإِنِّي لما قفلت بِحَمْد الله بسلامة وعافية إِلَى جبلي وجدت أَهلِي وأولادي مستوحشين من الْبَادِيَة وَإِن كَانَت مَحل سلفي ومقر تلادي بعد أَن ألفوا الحواضر وطبعوا على طباعها فَكَانُوا أَحَق بهَا وَكنت فِي غَايَة الضّيق والتأسف لما حل بالأولاد فتذكرت قَول بعض فُقَهَاء الأندلس مِمَّن نابه مثل مَا نابني وأصابه مثل مَا أصابني
(أَلَيْسَ من الْقَبِيح مقَام مثلي ... بدار الْخَسْف منكسف الْجمال)
(أخالط أهل سَائِمَة وسرح ... وأرتع بَين راعية الْجمال)
فأجلت فكري وَإِن كَانَ الْكل بِقدر الله وإرادته فَرَأَيْت أَن ذَلِك وَفِي الْقَضَاء لطف أَمر أنتجه كَمَا لَا يخفى على ذِي بَصِيرَة مَا حل بالمغرب من
(6/61)

افْتِرَاق الْكَلِمَة وتلاعب شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ بذوي الْعُقُول مِنْهُم فصاروا أحزابا وفرقا فاتبعت كل طَائِفَة من هَواهَا مَا كَانَت تعبد حَتَّى إِذا عرض لعاقل أَو عرض عَلَيْهِ مِنْهُم الإقلاع بادره الشَّيَاطِين فسدوا عَلَيْهِ بَابه وأروه بإغوائهم وزينوا لَهُ أَن ذَلِك يشينه لَدَى الْعَامَّة وَيُوجب لَهُ السُّقُوط من أعين النَّاس مَعَ أَنه لَا يعده من السُّقُوط إِلَّا {الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس} النَّاس 6 - 4 وَأَيْنَ يغيب عَن الْمُوفق أَن السُّقُوط من عين الله هُوَ الطامة الْكُبْرَى وَأَيْنَ غَابَ عَنهُ أَن الْعبْرَة بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا بِكَلَام الهمج الرعاع مِمَّن لَا يزَال الشَّيْطَان يلْعَب بِهِ آخِذا بزمامه سَاكِنا على قلبه وَلسَانه وَأَيْنَ يغيب عَنهُ من كتاب الله {فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى} النازعات 37 - 41 فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون هَذِه مُصِيبَة عَظِيمَة نزلت بمغربنا فافترق ملأهم وَقتلت سرواتهم وانتهبت أَمْوَالهم وهتكت حرمهم ومزقت أعراضهم وفسدت أديانهم واختلت وبدت عَن التَّوْفِيق آراؤهم وكادت تطمع بل طمعت فيهم أعداؤهم اللَّهُمَّ يَا ذَا الطول والامتنان يَا حنان يَا منان يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام تداركنا بألطافك الْخفية فِي ديننَا ودنيانا يَا خَالق الأَرْض وَالسَّمَاء
فَإِن قلت مَا ذكرته من أَن خُرُوجك من الحواضر إِلَى الْبَوَادِي هُوَ نتيجة افْتِرَاق الْكَلِمَة كَمَا فعله من يَقْتَدِي بِهِ من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فتبدى صَحِيح وَمَا دليلك على التلاعب قلت مَا خرجه أَئِمَّة الصِّحَاح من منع الْخُرُوج على الْأَئِمَّة وَأَن الْوَاجِب فِي حق من رأى مِنْهُم مَا يكره الصَّبْر والاحتساب إِذْ غائلة الْجور وَإِن تفاحش أقل بِكَثِير من غائلة الْخُرُوج الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد المهج وَالْأَمْوَال والأعراض والأديان وهتك الْحرم وَلِهَذَا صَبر على الْحجَّاج من عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من صَبر حَتَّى لقوا الله تَعَالَى سالمي الْأَدْيَان وبعبادته مغتنمي الزَّمَان وتذكر فَمَا بالعهد من قدم بالمرابط أبي محلي كَانَ فِي قطره عالي الصيت يقْصد ويتبرك بِهِ ويعتقد فِيهِ أَنه من قطب زَمَانه وَبلغ بِهِ الْحَال إِلَى أَن سَوَّلت لَهُ نَفسه أَو سَوَّلَ لَهَا أَنه يصلح بِهِ
(6/62)

مَا لم يصلح بِغَيْرِهِ من أهل الزَّمَان فَقَامَ وأعانه عَلَيْهِ قوم آخَرُونَ حَتَّى مَلأ الدُّنْيَا صياحا ودعاوى وعياطا وأكاذيب لَا يشْهد لَهَا عقل وَلَا نقل فتمرد على الْمُسلمين حَتَّى لم يسلمُوا من لِسَانه وَيَده فَقتل وَنهب وَسَب واغتاب وَحمل نَفسه مَا لَا تُطِيقهُ فاستهوته شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ وَالنَّفس والهوى ثمَّ بعد ذَلِك كُله لم يحصل من سَعْيه على طائل وآفته الْغَفْلَة عَن الْكتاب وَالسّنة وَالرِّضَا عَن النَّفس حَتَّى أَنه حكمهَا فَصَارَت تلعب بِهِ إِلَى أَن فَاه وَادّعى بدعاوى استبيح بهَا مَا كَانَ مَعْصُوما من دَمه وَهَلَكت بِسَبَبِهِ بعده نفوس وأموال وَغير ذَلِك أيشك من ارتاض بِالْكتاب وَالسّنة وَنظر بِعَين الشَّرِيعَة إِن فعله ذَلِك مِمَّا حمله عَلَيْهِ من تجب مُخَالفَته من الشَّيْطَان وَالنَّفس والهوى وَرُبمَا اسحسن فعله ذَلِك من شيعته من ابْتُلِيَ بِهِ أَو قَلّدهُ تقليدا رديا فِي فعله فَإِن توليت فَإِنَّمَا عَلَيْك إِثْم الأريسيين وَإِلَى الْآن كَانُوا يستصوبون فعله ويستحسنون قَوْله مَعَ أَنه بمعزل عَن الْكتاب وَالسّنة
فَإِن قلت وَهَذِه طَائِفَة الْفُقَرَاء مَا بَين متعصب متحزب ومتحيل متصيد ومتسور على مَا اسْتَأْثر بِهِ الْبَارِي من الغيوب مرتكب للآثام مصر على الْعُيُوب قلت وَهَذِه طَائِفَة الْفُقَرَاء فِيهَا جلّ مَا تقدم وزيادات تضيق عَن الْإِحَاطَة بهَا السطور والطروس قد بددتها وَالْعِيَاذ بِاللَّه الْفِتَن وشردها مَا تخوفته من المحن بَانَتْ الْعُلُوم واضمحلت الفهوم وتعطلت الرسوم فَلَا مَنْطُوق يذكر وَلَا مَفْهُوم
(هَذَا الزَّمَان الَّذِي كُنَّا نحاذره ... فِي قَول كَعْب وَفِي قَول ابْن مَسْعُود)
وَقلت وَهَذَا الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء وَهُوَ الَّذِي يساق إِلَى نصحه الحَدِيث كُنَّا نستسقي بِهِ ونستشفي وَكَانَت تشد إِلَيْهِ الرّحال وَلَا يأنف من إِتْيَانه النِّسَاء وَالرِّجَال قد أَتَتْهُ من أقطار مغربنا الْوُفُود ودانت لَهُ الذئاب وَالْأسود وَكَانَ يعلم الْجُهَّال وَيهْدِي الضلال وَيطْعم الجائع ويكسو الْعُرْيَان ويعين ذَا الْحَاجة ويغيث اللهفان وَهِي سَبِيل يَا لَهَا من سَبِيل وَطَرِيقَة مَا أحْسنهَا من طَريقَة ثمَّ صَارَت تِلْكَ الجموع وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا أَيدي سبا
(6/63)

وتلاشت شذر مدر مَا لَهَا من نبا
أَيهَا الشَّيْخ أكرمك الله بتسديده أَو تَجِد فِي الْوُجُود ملكا أعظم من ذَلِك الْملك فتطلبه أَو سُلْطَانا يوازيه أَو يُقَارِبه فتحاوله أَيْن خَفِي عَلَيْك الشَّيْء وَهُوَ ضَرُورِيّ أم أَيْن ضلت عَنْك النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة وَأَنت منقولي معقولي {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق} الْحَدِيد 16 {لمقت الله أكبر من مقتكم أَنفسكُم} غَافِر 10 و (إِن أبْغض الْكَلَام إِلَى الله أَن يَقُول الرجل للرجل اتَّقِ الله فَيَقُول عَلَيْك نَفسك) وَهُوَ طرف من حَدِيث خرجه النَّسَائِيّ وَقد وعظتك وذكرتك إِن نَفَعت الذكرى قَالَ جلّ من قَائِل {وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ} الذرايات 55
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعري ... أأيقاظ أُميَّة أم نيام)
فَإِن قَالَ شَيْطَان من شياطين الْإِنْس أَو الْجِنّ هَذَا مَا أُرِيد بِهِ وَجه الله قلت الله الْموعد إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وستلقون ربكُم فيسألكم عَن أَعمالكُم وَإِن خطر هَذَا وهجس بقلب الشَّيْخ أكْرمه الله والشيطان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم قلت أدل دَلِيل على أَنِّي قصدت مَحْض النَّصِيحَة هُوَ أَنه استنصحني على دفاع أبي محلي فنصحته وَقلت لَهُ إِن هَذَا لَا تستقيم مَعَه الدّيانَة فَكَأَنَّهُ مَا قبل فانفصلت عَنهُ وَهُوَ يَقُول استخر لي الله فكاتبته بِأَن لَا يفعل ثمَّ لما نزل وَكَانَ على بَاب الْغَزْو من تارودانت خلوت بِهِ فَقلت لَهُ إِذْ ذَاك إِن النَّاس يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وعرفته إِذْ ذَاك بِمَا عَرفته من أَبنَاء الزَّمَان فجمعنا فِي رَملَة إِلَى الْآن أتخيل حرهَا وتبرأ من كل مَا يُقَال وَمَا زلت على الْمَنْع إِلَى أَن جَاءَت كراريس من قبل أبي محلي فتأملتها فَوَجَدتهَا مُشْتَمِلَة على كفريات فِي جزئيات فيحنئذ شرح الله صَدْرِي لإباحة دفاعه
ثمَّ وَإِن قلت ذَلِك فنفسي آمرة وَلَا أَقُول فِي نَفسِي مَا كَانَ يَقُوله سَحْنُون فِي قَضِيَّة ابْن أبي الْجواد مَالِي وَله الشَّرْع قَتله وَلَو قلت أَو غششت لغششت فِي قَضِيَّة ذَلِك الرجل وزينت لَك قِتَاله أَولا لِأَن ذَلِك هُوَ مُقْتَضى التعصب للأمير وَإِذا لم أتعصب إِذْ ذَاك فَكيف أستسهله الْآن فَتعين
(6/64)

أَنِّي نصحت لكم أَن قبلتم وَإِلَّا فَكَمَا قَالَ تَعَالَى عَن نَبِي من أنبيائه {وَلَكِن لَا تحبون الناصحين} الْأَعْرَاف 79 أنْشدك الله الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاوَات وَالْأَرْض أما قلت لَك بعد رجوعي الْعَام الأول من مراكش بل الَّذِي قبله إِن الْعذر لَا يحسن وصرحت ولوحت بِأَن شقّ الْعَصَا لَا يحل غيرَة مرّة وَمَا كفاني القَوْل الدَّال على ذَلِك إِلَى أَن زِدْت الْفِعْل بِالْخرُوجِ من مَدِينَة لَا أبغضها كَمَا قَالَ
(فوَاللَّه مَا فارقتها عَن قلي لَهَا ... وَإِنِّي بشطي جانبيها لعارف)
ورضيت بالبادية مَعَ جفائها فِرَارًا من الْفِتَن وَعَملا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يُوشك أَن يكون خير مَال الرجل غنما يتبع بِهِ سعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) ثمَّ بعد فعلى هَذَا كُله نصحت فَلم أَفْلح وخانوا فأفلحوا وعدوا عَليّ من القبائح طَاعَتي للأئمة مَعَ أَنَّك يَوْم جَاءَ إِلَى دَارك قلت لَهُم هَذَا أميركم وَنحن لَا نشك أَنَّك من المعتبرين فِي مغربنا وَأَن بيعتك لأحد لَازِمَة لنا وَكَذَلِكَ حِين ذهبت إِلَى مراكش فِي وقْعَة أبي محلي قد أَرَادَ أهل مراكش فأبيت وأبحت الْبِلَاد لخدم الْأَمِير وَقلت لَهُم إِنَّه الْأَمِير وفهمه النَّاس عَنْك بِلِسَان الْحَال وبلسان الْمقَال ونصروه بمرأى مِنْك ومسمع أفتشك بعد أَن كَانَ مِنْك هَذَا أَنَّك مبايع وَأَنت قدوة وَإِذا كَانَ هَذَا فَأَي حجَّة لَك على الْأَمِير وَلَا على المأمورين فَمن زين لَك قِتَاله فقد غشك إِذْ هُوَ مُسلم وَابْن مُسلمين
فَإِن قلت موافقتي مَشْرُوطَة بِشُرُوط لم يوف لي بهَا قلت هَب أَنه لم يوف لَك أفتستبيح قِتَاله لأجل ذَلِك وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (إِذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار) الحَدِيث فبالله أَيهَا الشَّيْخ مَا تَقول فِي هَذَا الحَدِيث وأنظاره وَمَا تَقول فِيمَا انتهب أَو عَسى أَن ينتهب من أَمْوَال النَّاس وَأخذ بِغَيْر حق وَأنْفق فِي سَبِيل الطاغوت وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس) أَو مَا تَسْتَحي من رَبك يَوْم تسْأَل عَن النقير والقطمير وَلست مِمَّن خَفِي عَلَيْهِ ذَلِك كُله فَتعذر عِنْد
(6/65)

المخلوقين أَو مَا علمت أَن كثيرا من الْعَوام يعْتَقد جَوَاز ذَلِك إِذْ رآك ارتكبته فَتكون قد سننت هَذِه السّنة وضل بِسَبَب ذَلِك كثير من النَّاس أَو مَا خشيت دَعْوَة الْمَظْلُوم الَّتِي مَا بَينهَا وَبَين الله حجاب أَو مَا كنت تعير من يرتكب مثل ذَلِك من الْوُلَاة وتتأسف عَلَيْهِ (لَا تعير أَخَاك الْمُؤمن) الحَدِيث
(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم)
أما انْتَبَهت لما وَقع لأهل درعة من النهب وَالسَّلب واسترقاق الْأَحْرَار وهتك الْحرم (إِن دماءكم وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام) الحَدِيث وَقد أَتَانَا السُّؤَال من قبل الشَّيْخ عَن صَنِيع سكتانة ذَلِك وَلم يسْتَطع إِذْ ذَاك من نظر بِنور الْعلم أَن يَقُول لَهُم فِي وزر نظرا إِلَى مَا آل إِلَيْهِ الْحَال فِي أهل درعة مَعَ أَن جلهم حَملَة الْقُرْآن وعامتهم بله (وَأكْثر أهل الْجنَّة البله) أفيليق بِحَق الصلحاء أَن يُسَلط عَلَيْهِم من لَا يرحمهم (وَلَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من قلب شقي) (إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء) (من لَا يرحم لَا يرحم) (ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء) أَو نسيت أَنه يقْتَصّ للجماء من القرناء وَأَن الظُّلم الَّذِي لَا يتْركهُ الله ظلم النَّاس بَعضهم لبَعض أَفِي علمك أَن حَسَنَاتك تفي بِمَا عَلَيْك من التَّبعَات أَو أَنه لَا تباعة لأحد عَلَيْك وَلَو كنت بَدْرِيًّا لاحتمل أَن يُقَال فِي شَأْنك مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر (وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر) فَقَالَ (اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم) أَو كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَالظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة) أَو تَسْتَطِيع أَن تقتحم ظلمات الصِّرَاط وَأَنت مسؤول عَن القيراط وَحَتَّى أهل تارودانت بلغنَا أَنه لم يغن فِي شَأْنهمْ الترويع بل بلغ بهم الْحَال والجور إِلَى التقريع فَاتق الله أَيهَا الشَّيْخ وَلَا تكن كمن إِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم هَذَا مَا يتَعَلَّق بِبَعْض حُقُوق النَّاس على الْعُمُوم وَيتَعَلَّق بِحَق كَاتبه على الْخُصُوص إِنَّك أخذت عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي الطَّاعَة للأمير ويرعى مَا هُوَ من شيم الْمُؤمنِينَ من حسن الْعَهْد والتبري من الْغدر وشق الْعَصَا بعد أَن بذل وَسعه فِي نصحك ونصح الْأَمِير وحاول بكليته على جمع الْكَلِمَة وتعب فِي ذَلِك
(6/66)

واقتحم فِيهِ عقبات لَا يقطعهَا إِلَّا بازل وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا لمن يكون فِي دينه وَعَمله مثلي مِمَّن هُوَ نَازل
(لعمر أَبِيك مَا نسب الْمُعَلَّى ... إِلَى كرم وَفِي الدُّنْيَا كريم)
(وَلَكِن الْبِلَاد إِذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعى الهشيم)
(إِذا غَابَ ملاح السَّفِينَة فارتمت ... بهَا الرّيح هوجا دبرتها الضفادع)
وَلَكِن لَيْسَ من شَرط النَّصِيحَة كَمَال الناصح كَمَا أَنه لَيْسَ من شَرط تَغْيِير الْمُنكر عدم ارْتِكَاب المغير مَا غير لِأَن هَذِه طَاعَة وَتلك أُخْرَى والتوفيق بيد الله سُبْحَانَهُ نعم بَلغنِي مَعَ ذَلِك وَجزم لي بِهِ أَنَّك مَعَ بذل النصح لَك وللأمير أصلح الله الْجَمِيع وَأصْلح ذَات بَينهم أخذت عَليّ بالرصد فِي قفولي لصبيتي وَالرُّجُوع إِلَيْهِم رِعَايَة لما يجب وَينْدب من حُقُوقهم وَهل هَذَا إِلَّا حكم الْهوى والشيطان أعندك مَا تستبيح بِهِ ذَلِك مَعَ أَنِّي وَالْحَمْد لله أَيْنَمَا كنت لَا أسعى إِلَّا فِي مصلحَة جهد الِاسْتِطَاعَة أَو بَث نصيحة حِين لَا أرى من يبثها أَو إغاثة ملهوف حِين تجب إغاثته {لَئِن بسطت إِلَيّ يدك لتقتلني} المائده 28 الْآيَة وَلَكِن الله عز وَجل يَقُول {وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله} فاطر 43 وَفِي التَّوْرَاة من حفر حُفْرَة فليوسعها وَلَا تحفرن بِئْرا تُرِيدُ بهَا أَخا فَأَيْنَ وجدت مَا يسوغ لَك ارْتِكَاب مثل هَذَا قولا أَو فعل أَو إِشَارَة أَو تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا وَأي جريمة توازي هَذِه الجريمة أَو كَبِيرَة من الآثام أكبر مِنْهَا وَالله الْموعد {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} الشُّعَرَاء 227 هَذَا والسعاية المصحوبة بسؤالي عَن دفاع سكتانه أَيْن تَجِدُونَ مَا يُوجب إباحتها أَيْن غَابَ عَنْكُم إِنَّهَا من الْكَبَائِر وَأَيْنَ غَابَ عَنْكُم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِكَلِمَة يهوي بهَا فِي النَّار سبعين خَرِيفًا) أَهَذا من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ وَالصَّالِحِينَ وَأَنت من بَيت الصّلاح مَا كَانَ جدك يرضى مثل هَذَا {مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء} مَرْيَم 28 وَهَذَا وَالله أعلم نتيجة قرناء السوء وَلَا تصْحَب من لَا ينهضك حَاله وَلَا يدلك على الله مقاله وَإِلَى هَذَا يَنْتَهِي حق الصُّحْبَة أَعنِي بذل النصح إِن الله يسْأَل عَن صُحْبَة سَاعَة
(6/67)

وَنحن صحبناك واعتقدناك ونصحناك ووعظناك (انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما) فَنَصَرْنَاك بِالرَّدِّ إِلَى الجادة أَيْن أَنْت من مَوْلَانَا الْحسن بن عَليّ إِذْ تخلى عَن الْأَمر لِابْنِ عَمه مُعَاوِيَة مَعَ أَنه هاشمي علوي فاطمي إِحْدَى ريحانتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمُعَاوِيَة أموي يجمعهما عبد منَاف فتخلى عَن الْإِمَارَة مَعَ أَنه إِمَام وَابْن إِمَام وَأصْلح الله بِهِ وَهُوَ سيد بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين بعد أَن كَانَ يلقب بأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه إِذْ سلم عَلَيْهِ يَا عَار الْمُؤمنِينَ فَلم يكترث بذلك وَقَالَ النَّار أَشد من الْعَار ألهمنا الله وَإِيَّاكُم رشد أَنْفُسنَا وَجَعَلنَا وَإِيَّاكُم من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه انْتهى
وَلم يزل الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء مصمما على طلب جمع الْكَلِمَة إِلَى أَن اخترمته الْمنية قَالَ صَاحب الْفَوَائِد مَا صورته قَامَ الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء بِجمع الْكَلِمَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْأمة وَاسْتمرّ بِهِ علاج ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَلم يتم لَهُ أَمر انْتهى وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس سادس جُمَادَى الثَّانِيَة من سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف بقصبة تارودانت وَحمل من الْغَد إِلَى رِبَاط وَالِده فَدفن بجنبه رَحمَه الله
(6/68)

بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان زَيْدَانَ وَذكر وَفَاته رَحمَه الله

قد ذكر المؤرخ لويز البرتغالي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة شَيْئا من أَخْبَار السُّلْطَان زَيْدَانَ رَحمَه الله فَقَالَ كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ صَاحب مراكش مسالما لنا كافا عَن حربنا وَكَانَت الْقَبَائِل تفتات عَلَيْهِ فِي غزونا فَكَانَت غاراتهم لَا تَنْقَطِع عَنَّا وَكَانَ هُوَ أَيْضا مَعَهم فِي شدَّة ومكابدة من أجل اعوجاجهم عَلَيْهِ ثمَّ ذكر أَن من جملَة من غزاهم فِي دولته السَّيِّد سعيد الدكالي قلت وَأَظنهُ وَالِد السَّيِّد إِسْمَاعِيل صَاحب الزاوية الْمَشْهُورَة بِبِلَاد دكالة قَالَ فَنَهَضَ سعيد بِحَال وغيرة وامتعاض لِلْإِسْلَامِ وَسَار إِلَى الْجَبَل الْأَخْضَر وَغَيره فَجمع الجموع نَحْو اثْنَي عشر ألفا وزحف بهم إِلَى الجديدة وَوَافَقَهُ على ذَلِك قَائِد آزمور وَبَعض أَشْيَاخ الشاوية وَكَانُوا فِي نَحْو مِائَتَيْنِ وَخمسين من الْخَيل وارتاع النَّصَارَى مِنْهُم وخافوا خوفًا شَدِيدا وَأمرهمْ قائدهم بالجد فِي حراسة الأسوار والأنقاب وَأَن يسدوا بَاب الجديدة وَلَا يفتحوا مِنْهُ إِلَّا خوخته وحاصرهم الْمُسلمُونَ ثَلَاثًا ثمَّ قضى الله بوفاة السَّيِّد سعيد فافترق ذَلِك الْجمع قَالَ لويز مَاتَ أسفا على مَا فَاتَهُ من الفتك بالنصارى كَمَا يحب
وَفِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف خرج السُّلْطَان زَيْدَانَ من مراكش وَقصد نَاحيَة آزمور وَلما انْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِأم كرس من بِلَاد دكالة حمل إِلَيْهِ نَصَارَى الجديدة هَدِيَّة نفيسة ثمَّ قدم ثغر آزمور فِي نَحْو أَرْبَعِينَ ألفا من الْخَيل على مَا زعم لويز وَدخل الْبَلَد وَأخرج أهل آزمور عدَّة مدافع من البارود فَرحا بِهِ وَلما سمع نَصَارَى الجديدة بذلك أخرجُوا مدافعهم أَيْضا فَرحا بالسلطان وأدبا مَعَه
(6/69)

وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف ثار على السُّلْطَان زَيْدَانَ الْفَقِير إِبْرَاهِيم كانوت هَكَذَا سَمَّاهُ لويز وَلم أدر من هُوَ قَالَ وَفِي خَامِس عشر من دجنبر من السّنة تواقف جَيش الثائر الْمَذْكُور مَعَ جَيش السُّلْطَان للحرب بِبِلَاد دكالة وَكَانَ جَيش السُّلْطَان يَوْمئِذٍ ألفا وَخَمْسمِائة فَقَط وَجعل على مقدمته ابْنه عبد الْملك فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيم وَقتل وَقتل جمَاعَة كَثِيرَة من أَصْحَابه وَقبض على وَلَده فَبَعثه السُّلْطَان مَعَ عدد وافر من رُؤُوس أَصْحَابه إِلَى مراكش وَأخرج نَصَارَى الجديدة المدافع أَيْضا فَرحا بِهَذَا الْخَبَر فَبعث إِلَيْهِم السُّلْطَان زَيْدَانَ بفرس أَحْمَر لقائدهم إِكْرَاما لَهُ وَكتب إِلَيْهِم بِكِتَاب تَارِيخه سادس رَمَضَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف مُكَافَأَة لَهُم على أدبهم مَعَه انْتهى كَلَام لويز وَقَالَ اليفرني رَحمَه الله كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ من لدن مَاتَ أَبوهُ الْمَنْصُور وبويع هُوَ بفاس فِي محاربة مَعَ إخْوَته وَأَبْنَائِهِمْ ومقاتلة مَعَ القائمين عَلَيْهِ من الثوار الَّذين تقدم ذكر بَعضهم وَلم يخل قطّ فِي سنة من سني دولته من هزيمَة عَلَيْهِ أَو وقيعة بِأَصْحَابِهِ وَوَقعت بَينه وَبَين إخْوَته معارك يشيب لَهَا الْوَلِيد وَكَانَ ذَلِك سَبَب خلاء الْمغرب وخصوصا مَدِينَة مراكش وَمِمَّا عد عَن نحس زَيْدَانَ وَاسْتدلَّ بِهِ على فشل رِيحه أَنه فِي بعض الوقائع بعث كَاتبه عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد التغلبي بِعشْرَة قناطير من الذَّهَب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَطلب مِنْهُ أَن يمده بِبَعْض أجناده كَمَا فعل مَعَ عَمه عبد الْملك الْغَازِي فَجهز لَهُ السُّلْطَان العثماني اثْنَي عشر ألفا من جَيش التّرْك وركبوا الْبَحْر فَلَمَّا توسطوه غرقوا جَمِيعًا وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا غراب وَاحِد فِيهِ شرذمة قَليلَة
وَقَالَ منويل إِن قراصين الإصبنيول غنمت فِي بعض الْأَيَّام مركبا للسُّلْطَان زَيْدَانَ فِيهِ أثاث نفيسة من جُمْلَتهَا ثَلَاثَة آلَاف سفر من كتب الدّين وَالْأَدب والفلسفة وَغير ذَلِك
قَالَ اليفرني وَكَانَ زَيْدَانَ غير مُتَوَقف فِي الدِّمَاء وَلَا مبال بالعظائم قلت وَهُوَ مُخَالف لما ذكره زَيْدَانَ فِي رسَالَته الَّتِي خَاطب بهَا أَبَا زَكَرِيَّاء
(6/70)

الْمُتَقَدّمَة من أَنه مَا سعى فِي قتل أحد إِلَّا بفتوى أهل الْعلم وَالظَّن بزيدان أَنه مَا قَالَ ذَلِك إِلَّا عَن صدق وَإِلَّا فَمن الْبعيد أَن يفخر على خَصمه ويدلي بِشَيْء هُوَ متصف بضده
وَكَانَ زَيْدَانَ فَقِيها مشاركا متضلعا فِي الْعُلُوم وَله تَفْسِير على الْقُرْآن الْعَظِيم اعْتمد فِيهِ على ابْن عَطِيَّة والزمخشري
قَالَ اليفرني وَكَانَ كثير المراء والجدال كَمَا وَقع لَهُ مَعَ الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الصومعي قلت الَّذِي وَقع لَهُ مَعَ الصومعي هُوَ أَنه لما ألف كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى رَضِي الله عَنهُ وَسَماهُ المعزى بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول من الرباعي عَارضه زَيْدَانَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتادلا واليا عَلَيْهَا من قبل أَبِيه بِأَنَّهُ لم يسمع الرباعي من هَذِه الْمَادَّة وَإِنَّمَا قَالَت الْعَرَب عزاهُ يعزوه ثلاثيا فأصر أَبُو الْعَبَّاس رَحمَه الله على رَأْيه إِلَى أَن لطمه زَيْدَانَ على وَجهه بالنعل فَشَكَاهُ إِلَى الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ لَو لطمك وَهُوَ الْمُخطئ لعاقبته أما إِذا كَانَ الصَّوَاب مَعَه فَلَا
قلت كَانَ زَيْدَانَ يَوْمئِذٍ فِي عنفوان الشبيبة فصدر مِنْهُ مَا صدر
(فَإِن يَك عَامر قد قَالَ جهلا ... فَإِن منظمة الْجَهْل الشَّبَاب)
وَمَعَ ذَلِك فَمَا كَانَ من حَقه أَن يفعل وأظن أَن انتكاس رايته سَائِر أَيَّامه إِنَّمَا هُوَ أثر من آثَار تِلْكَ اللَّطْمَة فَإِن لله تَعَالَى غيرَة على المنتسبين إِلَى جنابه الْعَظِيم وَإِن كَانُوا مقصرين فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يجنبنا موارد الشَّقَاء ويسلك بِنَا مسالك الرِّفْق فِي الْقَضَاء وللسلطان زَيْدَانَ شعر لَا بَأْس بِهِ مِنْهُ قَوْله
(فتنتنا سوالف وخدود ... وعيون مدعجات رقود)
(ووجوه تبَارك الله فِيهَا ... وشعور على المناكب سود)
(أهلكتنا الملاح وَهِي ظباء ... وخضعنا لَهَا وَنحن أسود)
وَقَوله
(مَرَرْت بِقَبْر هامد وسط رَوْضَة ... عَلَيْهِ من النوار مثل النمارق)
(6/71)

(فَقلت لمن هَذَا فَقَالُوا بذلة ... ترحم عَلَيْهِ إِنَّه قبر عاشق)
وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله فِي الْمحرم فاتح سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِجَانِب قبر أَبِيه من قُبُور الْأَشْرَاف قبلي جَامع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره قَول الْقَائِل
(هَذَا ضريح من بِهِ ... تفتخر المفاخر)
(حامي حمى الدّين ... بِكُل ذابل وباتر)
(لَا زَالَ صوب رَحْمَة ... الله عَلَيْهِ ماطر)
(أرخ وَفَاة من غَدا ... جارا لرب غَافِر)
(زَيْدَانَ سبط أَحْمد ... مبتكر المآثر)
(أجل من خَاضَ الوغا ... وللأعادي قاهر)
(وَمن شذا رضوانه ... نفحة كل عاطر)
(بمقعد الصدْق علا ... أَبُو الْمَعَالِي النَّاصِر)
ووزراؤه الباشا مَحْمُود وَيحيى آجانا الوريكي وَغَيرهمَا وَكتابه عبد الْعَزِيز الفشتالي كَاتب أَبِيه وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد التغلبي وَغَيرهمَا وقضاته أَبُو عبد الله الرجراجي وَغَيره وَترك عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم عبد الْملك والوليد وَمُحَمّد الشَّيْخ وَهَؤُلَاء ولوا الْأَمر بعده وَأحمد وَغَيرهم رحم الله الْجَمِيع
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك بن زَيْدَانَ رَحمَه الله

لما توفّي السُّلْطَان زَيْدَانَ رَحمَه الله فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ بعده ابْنه عبد الْملك وَلما تمت لَهُ الْبيعَة ثار عَلَيْهِ أَخَوَاهُ الْوَلِيد وَأحمد فَوَقَعت بَينه وَبَينهمَا معارك وحروب إِلَى أَن هزمهما وَاسْتولى على مَا كَانَ بيدهما من الْعدة والذخيرة وفر أَحْمد إِلَى بِلَاد الغرب فَدخل حَضْرَة فاس يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من صفر بعد وَفَاة أَبِيه بِسِتَّة وَأَرْبَعين يَوْمًا فاتسم بسمة
(6/72)

السُّلْطَان وَضرب سكته وَفِي ثَالِث عشر شَوَّال من السّنة عدا على ابْن عَمه مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة فَقتله غدرا بالقصبة وَلما كَانَ الْحَادِي عشر من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف أَخذ أَحْمد الْمَذْكُور وسجن بفاس الْجَدِيد على يَد قائدهم عبو وباها وَبَقِي مسجونا سبع سِنِين ثمَّ خرج من السجْن مستخفيا بَين نسَاء فِي سَابِع رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وأعلن الْعَامَّة بنصره وَلم يتم لَهُ أَمر ثمَّ توفّي قَتِيلا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف رمي برصاصة من بعض الْعَامَّة فَكَانَ مِنْهَا حتفه وَذَلِكَ بفاس الْجَدِيد وَلم يتم لَهُ أَمر
ظُهُور أبي عبد الله العياشي بسلا ومبايعة أكَابِر عصره لَهُ على الْجِهَاد وَالْقِيَام بِالْحَقِّ

قد تقدم لنا انْتِقَاض أندلس سلا على السُّلْطَان زَيْدَانَ وقتلهم مَوْلَاهُ عجيبا فَبَقيت سلا فوضى لَا وَالِي بهَا فَكثر النهب وامتدت أَيدي اللُّصُوص إِلَى المَال والحريم وسيدي مُحَمَّد العياشي سَاكِت لَا يتَكَلَّم وَكَثُرت الشكايات من التُّجَّار والمسافرين بمخافة السبل وَقطع الطرقات فأهرع النَّاس إِلَى أبي عبد الله الْمَذْكُور من كل جَانب وَكَثُرت وفوده وأشرقت فِي الجو السلاوي أنواره فشمر عَن ساعد الْجد وَأظْهر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
وَلما طَالبه النَّاس بالتقدم عَلَيْهِم وَالنَّظَر فِي مصَالح الْمُسلمين وَأُمُور جهادهم مَعَ عدوهم أَمر أَشْيَاخ الْقَبَائِل وأعيانها من عرب وبربر ورؤساء الْأَمْصَار أَن يضعوا خطوطهم فِي ظهير بِأَنَّهُم رضوه وقدموه على أنفسهم والتزموا طَاعَته وَأَن أَي قَبيلَة خرجت عَن أمره كَانُوا مَعَه يدا وَاحِدَة على مقاتلتها حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فأعطوا بذلك خطوطهم فِي ظهير وَأَنَّهُمْ رضوه وقدموه على أنفسهم وَوَافَقَ على ذَلِك قُضَاة الْوَقْت وفقهاؤه من تامسنا إِلَى تازا
(6/73)

وَكَانَ الْحَامِل لَهُ على طلب ذَلِك مِنْهُم أَنه بلغه عَن بعض طلبة الْوَقْت أَنه قَالَ لَا يحل الْجِهَاد إِلَّا مَعَ الْأَمِير فَفعل ذَلِك خُرُوجًا من تِلْكَ الدَّعْوَى الْوَاهِيَة وَإِلَّا فقد كتب لَهُ عُلَمَاء الْوَقْت كَالْإِمَامِ أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن عَاشر وَالْإِمَام أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الكلالي بِضَم الْكَاف المعقودة وَالْإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي وَغَيرهم بِأَن مقاتلة الْعَدو الْكَافِر لَا تتَوَقَّف على وجود السُّلْطَان وَإِنَّمَا جمَاعَة الْمُسلمين تقوم مقَامه وَلما كمل أمره وَبَايَعَهُ النَّاس على إعلاء كلمة الله ورد الظُّلم عَن ضعفاء الْأمة ضَاقَ الْأَمر على عرب الْمغرب لاعتيادهم الْفساد وَعدم الْوَازِع ومحبتهم الْخلاف والفتنة فنكث بيعَته جمَاعَة مِنْهُم
وَكَانَ من نكث النَّاصِر بن الزبير فِي لمة من شراقة فَقَاتلهُمْ أَبُو عبد الله حَتَّى ظفر بهم ثمَّ عَفا عَنْهُم ونكث أَيْضا الطاغي بِالتَّاءِ بدل الطَّاء فِي لسانهم مَعَ جموعه أَوْلَاد سجير فَغَلَبَهُمْ وَعَفا عَنْهُم وَكَذَلِكَ عرب الحياينة طغوا على أهل فاس وعاثوا خلال تِلْكَ الْبِلَاد بإغراء ولد السُّلْطَان زَيْدَانَ فَقَاتلهُمْ أَبُو عبد الله فَكَانَت الدبرة عَلَيْهِم وَتَابَ على يَده جمَاعَة من رُؤَسَاء شراقة الَّذين كَانُوا مَعَ الحياينة وَكَانَت عَاقِبَة كل من بغى عَلَيْهِ خسرا
وَكَانَ أهل سلا قد لقوا من نَصَارَى المعمورة مضرَّة وَشدَّة فَلَمَّا اجْتمعت الْكَلِمَة على أبي عبد الله العياشي ورد الله كيد من نكث فِي نَحره كَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ أَنه تهَيَّأ لِلْخُرُوجِ إِلَى حلق المعمورة واستعد لقتاله ومنازلة من فِيهِ من النَّصَارَى طَمَعا فِي فَتحه فيتقوى الْمُسلمُونَ بذخائره وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد حاصروه قبل ذَلِك فَلم يقدروا مِنْهُ على شَيْء وصعب عَلَيْهِم أمره وَكَانَ أَبُو عبد الله إِذا أَرَادَ الله أَن يظفره بغنيمة رأى فِي مَنَامه أَنه يَسُوق خنازير أَو نَحْوهَا وَلما سَار بجموعه إِلَى الْحلق وَنزل عَلَيْهِ رأى قطعتين من
(6/74)

الْخَنَازِير مَعهَا عنوز فَكَانَ من قَضَاء الله وصنعه أَنه فِي صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة قدمت أغربة من سفن النَّصَارَى بِقصد الدُّخُول إِلَى الْحلق فضيق عَلَيْهِم رُمَاة الْمُسلمين الَّذين بالخندق فأرادوا أَن ينحرفوا إِلَى الْبَحْر فردهم الْبَحْر إِلَى سَاحل الرمل هُنَالك فَتمكن الْمُسلمُونَ مِنْهُم وَقتلُوا وَسبوا ووجدوا فِي الأغربة زهاء ثَلَاثمِائَة أَسِير من الْمُسلمين فَأعْتقهُمْ الله وَأسر يَوْمئِذٍ من النَّصَارَى أَكثر من ثَلَاثمِائَة وَقتل مِنْهُم أَكثر من مِائَتَيْنِ وظفر الْمُسلمُونَ بقبطان من عظمائهم ففدى بِهِ الرئيس طابق رَئِيس أهل الجزائر وَكَانَ عِنْدهم مَحْبُوسًا فِي قفص من حَدِيد
واستقامت الْأُمُور لأبي عبد الله العياشي بسلا وَبنى دَاره دَاخل بَاب الْمُعَلقَة مِنْهَا وَبنى برجين على سَاحل مرسي العدوتين من نَاحيَة سلا وهما المعروفان الْيَوْم بالبساتين
ثمَّ كَانَت غَزْوَة الْحلق الْكُبْرَى وَكَانَ من خَبَرهَا أَن جَيش أهل فاس خَرجُوا بِقصد الْجِهَاد فنزلوا بِموضع يعرف بِعَين السَّبع وكمنوا فِيهِ ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الْيَوْم الرَّابِع خرج النَّصَارَى إِلَى تِلْكَ الْجِهَات على غرَّة فظفر بهم الْمُسلمُونَ وَكَانَ النَّصَارَى لما خرج جَيش أهل فاس أعلمهم بذلك مُسلم عِنْدهم مُرْتَد فَأَعْطوهُ سلعا وَجَاء بهَا إِلَى سلا بِقصد بيعهَا والتجسس لَهُم على الْخَبَر فَأخذ وَقتل وعميت عَلَيْهِم الأنباء إِذْ كَانُوا ينتظرون من يرد عَلَيْهِم فيخبرهم وَلما أَبْطَأَ عَلَيْهِم خَرجُوا فَلم يشعروا إِلَّا بِالْخَيْلِ قد أحاطت بهم وَقتل مِنْهُم نَحْو الستمائة وَلم ينج إِلَّا الْقَلِيل حَتَّى لم يبت فِي الْحلق تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا مِنْهُم وغنم الْمُسلمُونَ مِنْهُم أَرْبَعمِائَة من الْعدة وَلم يحضر أَبُو عبد الله العياشي فِي هَذِه الْوَقْعَة لِأَنَّهُ كَانَ قد ذهب إِلَى طنجة حنقا على يَوْم المسامير لِأَن النَّصَارَى خذلهم الله كَانُوا قد صَنَعُوا نوعا من المسمار بِثَلَاثَة رُؤُوس تنزل على الأَرْض وَالرَّابِع يبْقى مَرْفُوعا وَثبُوا ذَلِك فِي مجالات الْقِتَال مكيدة عَظِيمَة تتضرر مِنْهَا الفرسان والرجالة فَلَمَّا رَجَعَ وَأعلم بِضعْف من بَقِي بِالْحلقِ بعث إِلَى أهل الأندلس بسلا يصنعون لَهُ السلالم كي يصعد بهَا إِلَى من بَقِي فِي الْحلق فيستأصلهم فتثاقلوا عَن صنعها غشا
(6/75)

لِلْإِسْلَامِ ومناواة لأبي عبد الله حَتَّى جَاءَ المدد لأهل الْحلق وَكَانَت تِلْكَ الرابطة بَين أهل الأندلس وَالنَّصَارَى متوارثة من لدن كَانُوا بأرضهم فَكَانُوا آنس بهم من أهل الْمغرب فَلَمَّا أَتَى أَبُو عبد الله بالسلالم لم تغن بعد شَيْئا وَمن هُنَالك استحكمت الْبغضَاء بَينه وَبَين أهل الأندلس وَكَانَ أهل الأندلس قد أعلمُوا النَّصَارَى بِأَن محلّة أبي عبد الله النَّازِلَة لمحاصرة الْحلق لَيست لَهَا إِقَامَة فَبلغ ذَلِك أَبَا عبد الله فَأَقَامَ عَلَيْهِم الْحجَّة وشاور الْعلمَاء فِي قِتَالهمْ فَأفْتى أَبُو عبد الله الْعَرَبِيّ الفاسي وَغَيره بِجَوَاز مُقَاتلَتهمْ لأَنهم حادوا الله وَرَسُوله ووالوا الْكفَّار ونصحوهم وَلِأَنَّهُم تصرفوا فِي مَال الْمُسلمين ومنعوهم من الرَّاتِب وَقَطعُوا البيع وَالشِّرَاء عَن النَّاس وخصوا بِهِ أنفسهم وصادقوا النَّصَارَى وأمدوهم بِالطَّعَامِ وَالسِّلَاح وَكَانَ سَيِّدي عبد الْوَاحِد بن عَاشر لم يجب عَن هَذِه الْقَضِيَّة حَتَّى رأى بِعَيْنِه حِين قدم إِلَى سلا بِقصد المرابطة فَرَأى أهل الأندلس يحملون الطَّعَام إِلَى النَّصَارَى ويعلمونهم بِعَوْرَة الْمُسلمين فَأفْتى حِينَئِذٍ بِجَوَاز مُقَاتلَتهمْ فَقَاتلهُمْ أَبُو عبد الله وَحكم السَّيْف فِي رِقَاب هم أَيَّامًا إِلَى أَن أخمد بدعتهم وَجمع الْكَلِمَة بهم
وَلما وَقعت غَزْوَة الْحلق الْكُبْرَى قدمت الْوُفُود على أبي عبد الله بِقصد التهنئة بِمَا منحه الله من الظفر فحض النَّاس على استئصال شافة من بَقِي بِالْحلقِ من النَّصَارَى وعير الْعَرَب بترك الْكفَّار فِي بِلَادهمْ وَكَانَ مِمَّن حضر من الْعَرَب جمَاعَة من الْخَلْط وَبني مَالك والتاغي والدخيسي وَغَيرهم فَقَالَ لَهُم أَبُو عبد الله وَالله وَالله وَالله إِن لم تأخذكم النَّصَارَى لتأخذنكم البربر فَقَالُوا يَا سَيِّدي كَيفَ يكون هَذَا وَأَنت فِينَا فَقَالَ لَهُم اسْكُتُوا أَنْتُم الَّذين تقطعون رَأْسِي فَكَانَ كَذَلِك وَهَذَا من كراماته رَضِي الله عَنهُ ثمَّ صرف عزمه إِلَى التَّضْيِيق على نَصَارَى العرائش وَشن الغارات عَلَيْهِم فَتقدم فِي جمع من الْمُسلمين وَكَمن بِالْغَابَةِ نَحوا من سَبْعَة أَيَّام فَخَرجُوا على حِين غَفلَة فمكن الله من رقابهم وَكَانَ فِي مُدَّة كمونه بِالْغَابَةِ أَخذ حناشا من عرب طليق يُقَال لَهُ ابْن عبود والحناش فِي لِسَان عَامَّة أهل الْمغرب هُوَ الجاسوس فَأَرَادَ عبد الله قَتله فَقَالَ لَهُ اسبقني وَأَنا تائب إِلَى الله وَأَنا أَنْفَع الْمُسلمين
(6/76)

إِن شَاءَ الله فَتَركه فَذهب إِلَى النَّصَارَى وَكَانَ موثوقا بِهِ عِنْدهم حَتَّى كَانُوا يؤدون إِلَيْهِ الرَّاتِب فَقَالَ لَهُم إِن أَحيَاء الْعَرَب وحللها قد نزلُوا بوادي العرائش فَلَو أَغَرْتُم عَلَيْهِم لغنمتموهم فَخَرجُوا فمكن الله مِنْهُم وطحنهم الْمُسلمُونَ فِي سَاعَة وَاحِدَة طحت الحصيد وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا الشريد وَكَانَ ابْن عبود قد بَقِي بِأَيْدِيهِم فَأَخَذُوهُ ومثلوا بِهِ ونزعوا أَسْنَانه وَأَرَادُوا قَتله لَوْلَا أَنه رفعهم إِلَى شرعهم وَكَانَ عدد من قتل من النَّصَارَى نَحْو ألف وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة سنة أَرْبَعِينَ وَألف
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان عبد الْملك بن زَيْدَانَ ووفاته

قَالَ اليفرني كَانَ عبد الْملك بن زَيْدَانَ فَاسد السِّيرَة مطموس البصيرة وَبلغ من قلَّة ديانته أَنه تزايد لَهُ مَوْلُود فأظهر أَنه أَرَادَ أَن يحتفل لسابعه فَبعث إِلَى نسَاء أَعْيَان مراكش وَنسَاء خُدَّامه أَن يحضرن وَصعد هُوَ إِلَى مَنَارَة فِي دَاره فَنظر إِلَى النِّسَاء وَهن منتشرات قد وضعن ثيابهن فأيتهن أَعْجَبته بعث إِلَيْهَا وَكَانَ مدمنا على شرب الْخمر إِلَى أَن قَتله العلوج بمراكش وَهُوَ سَكرَان يَوْم الْأَحَد سادس عشر شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَدفن إِلَى جَانب قبر أَبِيه
وَبسط منويل خبر مَقْتَله فَقَالَ لما ثار الْوَلِيد على أَخِيه عبد الْملك وعادت الكرة عَلَيْهِ بَقِي متنقلا فِي الْبِلَاد ثمَّ رغب إِلَى أَخِيه حَتَّى رده إِلَى مراكش فَأخذ الْوَلِيد يستميل رُؤَسَاء الدولة ووجوهها وتجارها ويعدهم بِالْإِحْسَانِ حَتَّى وافقوه على الفتك بأَخيه فترصدوه حَتَّى غفل البوابون ودخلوا عَلَيْهِ قُبَّته وَهُوَ متكئ على طنفسة فَرَمَوْهُ برصاصة وتناولوه بالخناجر الْمُسَمَّاة عِنْد المغاربة بالكميات وَقَامَت الهيعة بالمشور والقصبة فخاف الْوَلِيد على نَفسه من بعض قواد الْجند فَأخْرج جَنَازَة أَخِيه إِلَى المشور حَتَّى شَاهده النَّاس مَيتا فسكنوا وَانْقطع أملهم وَبَايَعُوهُ انْتهى قَالَ اليفرني وَمِمَّا رَأَيْته مَنْقُوشًا على رخامة قَبره هَذَانِ البيتان
(6/77)

(لَا تقنطن فَإِن الله منان ... وَعِنْده للورى عَفْو وغفران)
(إِن كَانَ عنْدك إهمال ومعصية ... فَعِنْدَ رَبك أفضال وإحسان)
وَمن وزرائه مُحَمَّد باشا العلج وَيحيى آجانا الوريكي وجؤذر وَغَيرهم وقاضيه الْفَقِيه أَبُو مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني قَاضِي مراكش ومفتيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد السملالي رحم الله الْجَمِيع
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي يزِيد الْوَلِيد بن زَيْدَانَ رَحمَه الله

لما قتل السُّلْطَان عبد الْملك بن زَيْدَانَ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ أَخُوهُ الْوَلِيد بن زَيْدَانَ فَلم يزل مُقْتَصرا على مَا كَانَ لِأَخِيهِ وَأَبِيهِ من قبله لم يُجَاوز سُلْطَانه مراكش وأعمالها وعظمت الْفِتَن بفاس حَتَّى عطلت الْجُمُعَة والتراويح من جَامع الْقرَوِيين مُدَّة وَلم يصل بِهِ لَيْلَة الْقدر إِلَّا رجل وَاحِد من شدَّة الهول والحروب الَّتِي كَانَت بَين أهل الْمَدِينَة
واقتسم الْمغرب فِي أَيَّام أَوْلَاد زَيْدَانَ طوائف فَكَانَ حَاله كَحال الأندلس أَيَّام طوائفها كَمَا ذكرنَا وَنَذْكُر بعد إِن شَاءَ الله
ظُهُور أبي حسون السملالي الْمَعْرُوف بِأبي دميعة بالسوس ثمَّ استيلاؤه على درعة وسجلماسة وأعمالها

هَذَا الرجل هُوَ أَبُو الْحسن وَيُقَال أَبُو حسون عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي وَكَانَ بَدْء أمره أَنه لما ضعف أَمر السُّلْطَان زَيْدَانَ بالصقع السُّوسِي وفشل رِيحه فِيهِ نبغ هُوَ فَدَعَا لنَفسِهِ وجر نَار الرياسة إِلَى قرصه وتألبت عَلَيْهِ البرابرة من بسائط جزولة وجبالها والتفت عَلَيْهِ غَالب الْقَبَائِل السوسية فاستولى على تارودانت وأعمالها إِلَى أَن أخرجه عَنْهَا الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء بن عبد الْمُنعم بعد حروب
(6/78)

وَفتن عَظِيمَة حَسْبَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ
وَلما توفّي أَبُو زَكَرِيَّاء فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم صفا لأبي حسون قطر السوس وَنفذ فِيهِ أمره وَسمعت كَلمته ثمَّ بعد مهلك زَيْدَانَ مد يَده إِلَى درعة فاستولى عَلَيْهَا ثمَّ استولى سجلماسة ونواحيها فاستحكم أمره وتقوى عضده
وَلم يزل أمره نَافِذا فِي سجلماسة إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ الْأسد الهصور الْمولى مُحَمَّد بن الشريف فَأخْرجهُ من سجلماسة بعد حروب يشيب لَهَا الْوَلِيد ثمَّ أخرجه من درعة أَيْضا على مَا نذكرهُ بعد وَقد وقفت على سُؤال رفع من جَانب أبي حسون إِلَى القَاضِي أبي مهْدي السكتاني فِي شَأْن مَدِينَة إيليغ دَار رياسته ومقر عزه يستفتيه فِي إِحْدَاث كَنِيسَة الْيَهُود بهَا هَل يجوز أم لَا وَفِيه مَعَ ذَلِك بعض الْكَشْف عَن حَال هَذِه الْمَدِينَة فلنذكره وَنَصه
الْحَمد لله الَّذِي ارتضى لِلْإِسْلَامِ دينا وَأنزل بِهِ على خيرة خلقه كتابا مُبينًا الْفَقِيه الْأَجَل الْعَلامَة الأحفل القَاضِي الأعدل خَاتِمَة الْمُحَقِّقين ومعتمد الموثقين أَبَا مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني وَفقه الله لما يرضيه وأعانه على مَا هُوَ متوليه السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فقد تقرر عِنْد سيدنَا أَمر هَذِه الحضرة الْعلية العلوية إيليغ أَدَم بهجتها كَمَا رفع كَغَيْرِهَا من الحواضر درجتها وَأَنَّهَا محدثة فتوفرت ببركة بانيها عمارتها ومبانيها فاتخذها مسكنا أهل السهول والحزون وجمعت لطيب تربَتهَا بَين الضَّب وَالنُّون فنزلها برسم الاستيطان أَو شَاب من أهل الذِّمَّة بِإِذن مختطها
(6/79)