Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 006



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عبد الرَّحْمَن بن الْكَامِل وَهُوَ الَّذِي يتَوَجَّه قَاضِيا مَعَ الْمحلة إِلَى السوس إِن شَاءَ الله فأنزله عَلَيْهِ وادفع لَهُ هَذَا الْكَبْش وَهَذَا الْعَسَل فَسَار الْحَاجِب بِالْقَاضِي وبالكبش وَالْعَسَل إِلَى خباء قَاضِي الْعَسْكَر أبي زيد بن الْكَامِل وَأمره أَن يكرم القَاضِي ليلته وَمن الْغَد ارتحل السُّلْطَان قَافِلًا إِلَى مراكش فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَار نزل على وَادي نَفِيس وَضرب لَهُ هُنَالك صيوان الراضة على شاطىء النَّهر ثمَّ استدعى القَاضِي أَبَا زيد وَسَائِر الْكتاب وَلما جَلَسُوا بَين يَدَيْهِ سَأَلَ القَاضِي على وَجه المداعبة وَقَالَ لَهُ بِمَ أجزت ضيفك على كبشه وعسله فتلعثم فِي الْجَواب وَعلم أَن السُّلْطَان قصد اختباره بذلك وَأَنه لم يصنع شَيْئا حَيْثُ أهمل أمره وَلما رأى رَحمَه الله خجلته قَالَ فلعلك لم تجزه فَلَو مدحته على كبشه وعسله لصادفت الْمَقْصُود وَخرجت من الْعهْدَة وَمَا بعثت إِلَيْكُم إِلَّا بِسَبَب هَذَا الْكَبْش وَالْعَسَل فَإِنِّي سهرت لَيْلَتي وَلم أنم وَذكرت مَا اتّفق للمنصور السَّعْدِيّ مَعَ كِتَابه فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة وَعلمت أَنه لم يبْق فِي وقتنا هَذَا كتاب وَلَا أدباء وَلَا أُمَرَاء وسأسمعكم مَا اتّفق للمنصور فِي زيارته هَذِه الْقرْيَة الأغماتية ثمَّ أَمر كَاتبه ابْن الْمُبَارك أَن يقْرَأ عَلَيْهِم مَا حَكَاهُ الفشتالي فِي مناهل الصَّفَا عَن خُرُوج الْمَنْصُور السَّعْدِيّ إِلَى أغمات بِقصد الزِّيَارَة والنزهة وَمَا اتّفق للْقَاضِي أبي مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي مَعَ من أهْدى لَهُ الْكَبْش وَالْعَسَل من الشّعْر وَالَّذِي شايعه عَلَيْهِ جمَاعَة من كتاب الدولة وَقد ألممنا بِخَبَر هَذِه الخرجة للمنصور عِنْد ذكر أخباره حَسْبَمَا مر وَقد ذكر صَاحب النزهة أَبْيَات الْحميدِي وَمن قفا نهجه من الْكتاب فَلْتنْظرْ هُنَالك فَقَرَأَ الْكَاتِب الْمَذْكُور التَّرْجَمَة كلهَا على الْكتاب حَتَّى سمعوها وَعَابَ السُّلْطَان عَلَيْهِم تقصيرهم فِي قضيتهم الْمُوَافقَة لَهَا وَفِي ظَنِّي أَن السُّلْطَان رَحمَه الله أَمرهم بنسخ ذَلِك ومراجعته تحريكا لهمتهم وَالله أعلم
(3/56)

ذكر السَّبَب الَّذِي هاج غضب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله على ابْنه الْمولى يزِيد رَحمَه الله

ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فِيهَا قدم ولد السُّلْطَان الْمولى عبد السَّلَام من الْحجاز فولاه السُّلْطَان رَحمَه الله تارودانت والسوس وَمَا إِلَيْهَا ثمَّ لما حضر زمَان خُرُوج الركب الْحِجَازِي أحضر السُّلْطَان صهره وَابْن عَمه الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس وكاتبيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عُثْمَان المكناسي وَأَبا حَفْص عمر الوزريق وَشَيخ الركب أَبَا مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن يحيى وَحَملهمْ على وَجه الْأَمَانَة مَالا لأشراف مَكَّة وَالْمَدينَة وَسَائِر الْحجاز واليمن وَقدره ثَلَاثمِائَة ألف ريال وَخَمْسُونَ ألف ريال وَبعث مَعَهم صلات أخر لِأُنَاس مُعينين فِي حقاق مختوم عَلَيْهَا مَكْتُوب على كل وَاحِد مِنْهَا اسْم صَاحبه وَأمرهمْ أَن يذهبوا أَولا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى يكون مَسِيرهمْ إِلَى الْحجاز مَعَ أَمِين الصرة الَّذِي يوجهه السُّلْطَان العثماني إِلَى الْحَرَمَيْنِ كل عَام وَإِنَّمَا ارْتكب السُّلْطَان هَذِه الْمَشَقَّة حذرا من ابْنه الْمولى يزِيد أَن يعترضهم فِي الطَّرِيق وينتزع مِنْهُم المَال فبعثهم السُّلْطَان فِي الْبَحْر فِي بعض قراصين السُّلْطَان عبد الحميد وَكتب إِلَيْهِ أَن يَبْعَثهُم مَعَ أَمِين صرته فَلَمَّا وصلوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وجدوا أَمِين الصرة قد سَافر بالركب إِلَى الْحجاز فأقاموا بهَا إِلَى الْعَام الْقَابِل وَحِينَئِذٍ سافروا صُحْبَة الركب وَلما وصلوا إِلَى الْمَدِينَة المنورة فرقوا على أَهلهَا وعَلى سَائِر شرفاء الْحجاز حظهم من المَال
وَلما وصلوا إِلَى مَكَّة وجدوا الْمولى يزِيد بهَا يترصدهم ففرقوا على أهل مَكَّة حظهم وَبَقِي عِنْدهم حَظّ الْيمن والحقاق الَّتِي فِيهَا صلات الذَّهَب فتغفلهم الْمولى يزِيد وَقت القيلولة وهجم عَلَيْهِم فِي جمع من أَصْحَابه وهم بدار شيخ الركب عبد الْكَرِيم بن يحيى فَانْتزع مِنْهُم مَا قدر عَلَيْهِ وَأخذ الحقاق وَذهب فَذهب شيخ الركب وَالْمولى عبد الْملك والكاتبان إِلَى أَمِير
(3/57)

مَكَّة الشريف سرُور وَأَخْبرُوهُ الْخَبَر فَبعث أعوانه إِلَى الْمولى يزِيد فَحَضَرَ عِنْده وألزمه رد المَال وتهدده فَرد الْبَعْض وَجحد الْبَعْض فبسبب هَذَا فِيمَا قيل غضب السُّلْطَان عَلَيْهِ وتبرأ مِنْهُ وَكتب بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ مناشير بعث بهَا إِلَى الْآفَاق فعلق أَحدهَا بِالْكَعْبَةِ وَالْآخر بالحجرة النَّبَوِيَّة وَالثَّالِث بِبَيْت الْمُقَدّس وَالرَّابِع بضريح الْحُسَيْن بِمصْر وَالْخَامِس بضريح الْمولى عَليّ الشريف بتافيلالت وَالسَّادِس بضريح الْمولى إِدْرِيس بزرهون وَالسَّابِع بضريح الْمولى إِدْرِيس بفاس وَكتب إِلَى السُّلْطَان عبد الحميد بِأَن لَا يقبله إِذا أَوَى إِلَيْهِ وَاسْتمرّ الْمولى يزِيد مُقيما بالمشرق وَلم يقدر أَن يواجه أَبَاهُ لسوء صَنِيعه إِلَى سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَألف كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف أسر أهل الجزائر نَصْرَانِيَّة من قرَابَة طاغية الإصبنيول كَانَت متوجهة فِي مركبها من أصبانيا إِلَى نابل لزيارة ابْن عَمها الَّذِي هُوَ صَاحب نابل فَلَمَّا عرف أهل الجزائر محلهَا من قَومهَا امْتَنعُوا من فدائها بِكُل وَجه فَكتب طاغية الإصبنيول إِلَى السُّلْطَان رَحمَه الله يسْأَله أَن يشفع لَهُ فِي فدائها بِكُل مَا يطْلبُونَ فأسعفه وَكتب لصَاحب الجزائر فِي شَأْنهَا فَاعْتَذر إِلَيْهِ بِأَن النَّصْرَانِيَّة فِي سهم الْعَسْكَر وَلَا يُمكنهُ إكراههم على فدائها فَلَمَّا رد صَاحب الجزائر شَفَاعَة السُّلْطَان كتب إِلَى السُّلْطَان عبد الحميد بذلك فَكتب عبد الحميد رَحمَه الله إِلَى أهل الجزائر يوبخهم على رد شَفَاعَة السُّلْطَان وَيَقُول لَهُم إِن الْوَاجِب أَن تسرحوها لَهُ بِدُونِ مَال وَمَا عَسى أَن يبلغ ثمن هَذِه النَّصْرَانِيَّة وَلَو طلب مني سُلْطَان الْمغرب ألف نَصْرَانِيَّة لبعثتها إِلَيْهِ وَحَتَّى الْآن نأمركم أَن تبعثوا إِلَيْهِ بِهَذِهِ النَّصْرَانِيَّة وَلَو كَانَت هِيَ الملكة وَلَا تقبضوا فِيهَا فدَاء أَو مَا رَأَيْتُمْ مَا افتكه ملك الْمغرب من أسرى التّرْك من كل جنس حَتَّى لم يبْق فِي أسر الْكفَّار مُسلم وَأَنْتُم تردون شَفَاعَته فِي نَصْرَانِيَّة لَا بَال لَهَا فَلَا تعودوا لمثل هَذَا فَيكون سَببا لتغير باطننا عَلَيْكُم وَالسَّلَام
(3/58)

وَلما ورد عَلَيْهِم فرمان السُّلْطَان عبد الحميد لم يسعهم إِلَّا إرْسَال النَّصْرَانِيَّة إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان رَحمَه الله وَكَتَبُوا إِلَيْهِ بالاعتذار وَقَالُوا إِنَّمَا امتنعنا من فدائها خوف بُلُوغ خَبَرهَا إِلَى ملكنا فَلم نر أَن نفتأت عَلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب علينا من طَرِيق الْخدمَة وَالطَّاعَة فَنحب من سيدنَا أَن يقبل عذرنا وَلَا يظنّ بِنَا خلاف هَذَا وَالسَّلَام
ذكر مَا كَانَ من السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى أهل زَاوِيَة أبي الْجَعْد حماها الله

هَذِه الزاوية من أشهر زَوَايَا الْمغرب وَلها الْفضل الَّذِي يفصح عَنهُ لِسَان الْكَوْن ويعرب تداولها مُنْذُ أزمان فحول أكَابِر ورثوا مقَام الْولَايَة والرياسة بهَا كَابِرًا عَن كَابر قد عرف لَهُم ذَلِك السوقة والملوك والغني والصعلوك وَلم تزل الْمُلُوك من هَذِه الدولة وَغَيرهَا تعاملهم بالإجلال والإعظام والتوقير والاحترام
وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان الْجَلِيل الْمَاجِد الْأَصِيل نقم على كبيرها لوقته المرابط الْبركَة أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن الشَّيْخ الْأَكْبَر سَيِّدي الْمُعْطِي بن الصَّالح بعض مَا ينقمه الْأَمِير على الْمَأْمُور وَالْإِنْسَان غير مَعْصُوم والمخلوق نَاقص إِلَّا من أكمله الله فاتفق أَن كَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قَافِلًا فِي هَذِه السّنة من رِبَاط الْفَتْح إِلَى مراكش فَجعل طَرِيقه على تادلا وَنزل على زَاوِيَة أبي الْجَعْد فَأمر على مَا قيل بهدمها وطرد الغرباء الملتفين على آل الشَّيْخ بهَا ثمَّ نقل سَيِّدي الْعَرَبِيّ الْمَذْكُور وعشيرته إِلَى مراكش فأسكنهم بهَا واستمروا على ذَلِك إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله وبويع ابْنه الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد بمراكش فَأذن لَهُم فِي الذّهاب إِلَى بِلَادهمْ فعادوا إِلَى زاويتهم واطمأنوا
(3/59)

بهَا بُرْهَة من الدَّهْر
وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد نقم أَيْضا على سَيِّدي الْعَرَبِيّ الْمَذْكُور أمورا نقلهَا إِلَيْهِ الوشاة عَنهُ فَأمر بنقله إِلَى فاس بعد مكاتبات ومعاتبات يطول جلبها فانتقل إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سرحه إِلَى بِلَاده
ثمَّ دخلت سنة مِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله كَاتبه أَبَا الْقَاسِم الصياني باشدورا إِلَى السُّلْطَان عبد الحميد العثماني بهدية عَظِيمَة من جُمْلَتهَا أحمال من سبائك الذَّهَب الْخَالِص مثل بارات الْحَدِيد وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله يقْصد بِمثل ذَلِك الْفَخر على الْمُلُوك وَإِظْهَار الْغنى وَكَمَال الثروة وَذَلِكَ من غَرِيب السياسة لمن أقدره الله عَلَيْهَا فَقدم أَبُو الْقَاسِم الْقُسْطَنْطِينِيَّة وألفى بهَا عبد الْملك بن إِدْرِيس وَشَيخ الركب والكاتبين لَا زَالُوا مقيمين بهَا ينتظرون الْمَوْسِم من الْعَام الْقَابِل قَالَ فأقمت بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ثَلَاثَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وقضيت الْغَرَض وانقلبت إِلَى السُّلْطَان وَبعث معي السُّلْطَان عبد الحميد أحد خُدَّامه بهدية إِلَى السُّلْطَان رَحمَه الله قَالَ وَلما قدمنَا على السُّلْطَان نوه بقدري وَقَالَ لَا أوجه الْهَدَايَا للعثماني إِلَّا مَعَك وَكَانَ الرئيس الطَّاهِر بن عبد الْحق فنيش السلاوي حَاضرا وَقَالَ لَا أوجه القراصين الحربية إِلَّا مَعَ الطَّاهِر يسليه بذلك قَالَ وسألني عَن مِقْدَار راتب عَسْكَر التّرْك الَّذِي يقبضونه فِي كل ثَلَاثَة أشهر فَقلت لَهُ سِتُّونَ أُوقِيَّة لكل وَاحِد فاستقل ذَلِك فَقلت لَهُ إِنَّه لَا يكلفهم فِي أَيَّام الْغَزْو بمؤنة وَلَا علف خيل كل أُمُور السّفر عَلَيْهِ
ثمَّ ذكر الصياني هُنَا كلَاما طَويلا فِي وصف الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَحَال أَهلهَا خَارِجا عَن مَوْضُوع كتَابنَا هَذَا وَالله الْمُوفق
(3/60)

ذكر عدد عَسْكَر الثغور فِي دولة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا كَانَ يقبضهُ من الرَّاتِب

كَانَ بثغر الصويرة أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله مَا بَين جَيش وطبجية وبحرية أَلفَانِ وَخَمْسمِائة وبآسفي مِائَتَان من الطبجية ومائتان من البحرية وبتيط خَمْسمِائَة من العبيد وبآزمور خَمْسمِائَة مِنْهُم كَذَلِك وبآنفي أَلفَانِ من العبيد وبالعدوتين أَلفَانِ من الطبجية والبحرية وبالمهدية أَلفَانِ وَخَمْسمِائة من العبيد وبالعرائش ألف وَخَمْسمِائة مَا بَين جَيش وطبجية وبحرية وبآصيلا والساحل مِائَتَان مَا بَين طبجية وبحرية وبطنجة ثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة من أهل الرِّيف وبتطاوين ثَمَانمِائَة مَا بَين جَيش وطبجية وبحرية فَكَانَت جملَة عَسَاكِر الثغور سِتَّة عشر ألفا وَخَمْسمِائة وراتبهم ثَلَاثِينَ أُوقِيَّة لكل وَاحِد فِي كل ثَلَاثَة أشهر من حِسَاب مِثْقَال للرأس فِي كل شهر وَكَانُوا فِي ابْتِدَاء الْأَمر يقبضون راتب كل شهر عِنْد انتهائه
فَلَمَّا كَانَت هَذِه السّنة أَعنِي سنة مِائَتَيْنِ وَألف أنعم السُّلْطَان رَحمَه الله على عَسَاكِر الثغور بتعجيل راتب خمس عشرَة سنة بِحِسَاب مِثْقَال للرأس فِي كل شهر وَهَذَا مَال لَهُ بَال فَإِنَّهُ يُقَارب ثَلَاثَة ملايين فعل ذَلِك رَحمَه الله إِعَانَة لَهُم وتوسعة عَلَيْهِم ثمَّ أَمر أَن يَجْعَل فِي كل مرسى من مراسي الْمغرب بَيت مَال وَعند تَمام كل ثَلَاثَة أشهر يفتح بَيت المَال وَيُعْطِي لعسكر ذَلِك الثغر ثَلَاثُونَ أُوقِيَّة للرأس حَضَرُوا أم غَابُوا إِعَانَة لَهُم على عِيَالهمْ وَأما عَطاء الْغَزْو وَعَطَاء عَاشُورَاء والصلات وَالصَّدقَات فَكَانَ يبْعَث بذلك كُله من عِنْده لَا من بيُوت الْأَمْوَال وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله فَوَثَبَ عبيد الثغور على بيُوت أموالها وفتحوها واكتسحوها ثمَّ سَارُوا إِلَى مكناسة مسْقط رَأْسهمْ وَكَانَ ذَلِك بِإِشَارَة الْمولى يزِيد رَحمَه الله
(3/61)

ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان قَبيلَة شراقة بأحواز فاس فنهبهم وشردهم فلجؤوا إِلَى ضريح الشَّيْخ أبي الشتَاء بفشتالة فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ سَار إِلَى الحياينة فَأطلق الْجَيْش فِي زُرُوعهمْ فحصدوها ودرسوها واستصفوها عَن آخرهَا ثمَّ جرد الْخَيل فِي طَلَبهمْ فاكتسحوا حللهم وأثاثهم
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَكنت يَوْمئِذٍ قد تَوَجَّهت بِجَيْش إِلَى عَامل وَجدّة أبلغه إِيَّاه فَلَمَّا رجعت أدْركْت السُّلْطَان بِبِلَاد الحياينة فقلدني ولَايَة تازا وأعمالها فسرت إِلَيْهَا وأقمت بهَا سنة كَامِلَة وَفِي هَذِه السّنة قدم ولد السُّلْطَان الْمولى مسلمه بن مُحَمَّد من الْمشرق مفارقا لِأَخِيهِ الْمولى يزِيد
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا أرسل السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَى آيت عطة يَأْمُرهُم أَن يبعثوا بستمائة رجل مِنْهُم وبأربعمائة من عبيد تافيلالت فالمجموع ألف ليكسوهم ويسلحهم ويستعملهم فِي خدمَة الْبَحْر وجنديته فبعثوا بهم إِلَيْهِ
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَلما قدمُوا عَلَيْهِ بمكناسة استدعاني من تازا فَقدمت عَلَيْهِ فَأمرنِي أَن أتوجه بهم إِلَى تطاوين كي يقبضوا السِّلَاح وَالْكِسْوَة بهَا ثمَّ أَسِير بهم إِلَى طنجة يكونُونَ بهَا وَأَمرَنِي أَن أكون أتعاهدهم بركوب الغلائظ الْعشْرين الَّتِي بمرساها وَالْخُرُوج بهَا إِلَى البوغاز وسواحل أسبانبا والتردد فِيهَا بَينهمَا ليتدربوا على الْبَحْر ويتمرنوا بِهِ قَالَ فَذَهَبت بهم إِلَى تطاوين على مَا رسم السُّلْطَان رَحمَه الله فَأخذُوا السِّلَاح وَالْكِسْوَة ونفذنا إِلَى طنجة فَأَقَمْنَا بهَا شَهْرَيْن وكل يَوْم يركبون السفن ويتطاردون بهَا فِيمَا بَينهم فَتَارَة يخرجُون إِلَى البوغاز وَتارَة يطرقون سواحل أصبانيا وَتارَة يرجعُونَ إِلَى أَن زَالَت عَنْهُم دهشة الْبَحْر وفارقهم ميده وألفوه وَلما أقبل فصل الشتَاء كتب إِلَى السُّلْطَان بالقدوم بهم فَلَمَّا حللنا مكناسة أَمر رَحمَه الله بعمارة
(3/62)

المشور لدخولنا عَلَيْهِ فَلَمَّا مثلنَا بَين يَدَيْهِ دنا منا إِلَى أَن كَانَ فِي وَسطنَا وكلم البربر بلسانهم وسألهم عَن حَالهم فِي سفرهم فَذكرُوا خيرا فسره ذَلِك مِنْهُم ونشط ثمَّ قَالَ لَهُم هَذَا كاتبي وصاحبي قد وليته عَلَيْكُم وعَلى أَوْلَادِي وَبني عمي وَسَائِر أهل الصَّحرَاء فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا قَالَ فَفَزِعت وخرس لساني وَفهم السُّلْطَان عني الْكَرَاهِيَة لذَلِك ثمَّ دخل بستانه وَبعث إِلَى فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي طب نفسا وَلَوْلَا أَنِّي أحبك مَا وليتك على أَوْلَادِي وَأهل بَيْتِي وَإِنِّي لَا أستغني عَنْك وَهَذَا ابْن حميدة الَّذِي وليناه بسجلماسة لم تظهر لَهُ ثَمَرَة وكل يَوْم يأتيني بشكوى بولدي الْحُسَيْن وتطاوله على النَّاس وَلَا يمنعهُ من ذَلِك وَمَا وليتك عَلَيْهِم إِلَّا لهَذَا الْغَرَض فَإِنَّهُم يهابونك لمحلك مني ثمَّ كتب إِلَى جَمِيع أَوْلَاده وأعيان سجلماسة وَأمر لي بِمَال الصائر وَالْبناء وعينه ثمَّ ودعته وانفصلت فَخرجت من مكناسة إِلَى فاس ثمَّ مِنْهَا إِلَى سجلماسة فدخلتها واستوطنتها وَجَاء الْعَامِل الَّذِي كَانَ بهَا قبلي حَتَّى قدم على السُّلْطَان فَقبض عَلَيْهِ ونكبه
قدوم الْمولى يزِيد من الْمشرق واحترامه بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام ابْن مشيش رَضِي الله عَنهُ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَألف قدم ولد السُّلْطَان الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد من الْمشرق فِي ركب الْحَاج الفيلالي وَقصد سجلماسة فَلَمَّا كَانَ بقرية أبي صمغون لقِيه رفْقَة من أهل سجلماسة فَسَأَلَهُمْ عَن الْبِلَاد وَأَهْلهَا وَمن الْمُتَوَلِي عَلَيْهَا قَالُوا أَبُو الْقَاسِم الصياني فَلَمَّا سمع الْمولى يزِيد ذَلِك سقط فِي يَده ووجم ثمَّ الْتفت إِلَى شيخ الركب الشريف الْمولى عبد الله بن عَليّ وَالِي الْأَشْرَاف الَّذين مَعَه فَقَالَ لَهُم إِنِّي كنت عَازِمًا على الْوُصُول مَعكُمْ إِلَى بلدكم والاستيجار بضريح جدي الْمولي عَليّ الشريف وأبعث مَعَ أَعْيَان بني
(3/63)

عمي وَذَوي أسنانهم من يشفع لي عِنْد أبي والآن حَيْثُ كَانَ الْوَالِي بِهَذِهِ الْبَلدة هُوَ الصياني فَلَا يَسْتَقِيم لي مَعَه أَمر وَلَا يخيط بيني وَبَين وَالِدي بخيط أَبيض وَهَؤُلَاء عيالي فخذوهم بَارك الله فِيكُم واذهبوا بهم مَعَ أَصْحَابِي ينزلون بدار أخي الْمولى سُلَيْمَان وَيَكُونُونَ بهَا وَأما أَنا فسأسير إِلَى ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش أكون بِهِ حَتَّى يقْضِي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا ثمَّ قدم عِيَاله مَعَ أَصْحَابه فِي جملَة الركب وَكتب إِلَى أَخِيه الْمولى سُلَيْمَان يوصيه بعياله خيرا وَكتب أَيْضا إِلَى شقيقته المولاة حَبِيبَة بالرتب وَإِلَى بني عَمه الَّذين هُنَالك وَبعث بالمكاتيب مَعَ أَصْحَابه وَلما وصل الركب إِلَى بِلَاد القنادسة تقدم أحد أَصْحَابه بالمكاتيب إِلَى الْمولى سُلَيْمَان وَلما قَرَأَهَا توقف وَلم يدر مَا يصنع ثمَّ جَاءَ بهَا إِلَى أبي الْقَاسِم الصياني وَأخْبرهُ الْخَبَر وَقَالَ إِن وَالِدي غاضب عَلَيْهِ وَإِن أَنا قابلت عِيَاله فَرُبمَا ألحقني بِهِ فَمَا الْعَمَل فَكتب أَبُو الْقَاسِم إِلَى شيخ الركب ينهاه عَن اسْتِصْحَاب عِيَال الْمولى يزِيد مَعَه وحذره غضب السُّلْطَان عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِن أردْت السَّلامَة لنَفسك فَابْعَثْ بالعيال إِلَى المولاة حَبِيبَة بالرتب وَالسَّلَام وَلما وصل كِتَابه إِلَى شيخ الركب وَكَانَت فِيهِ غَفلَة نجع فِيهِ كَلَامه فحبس الركب إِلَى أَن وصل أَصْحَاب الْمولى يزِيد بعياله فَبعث مَعَهم من يدلهم على طَرِيق الرتب فسلكوا على وَادي كثير ونزلوا عِنْد المولاة حَبِيبَة وَكتب أَبُو الْقَاسِم الصياني بالْخبر إِلَى السُّلْطَان فَزعم أَنه اسْتحْسنَ فعله ثمَّ أمره أَن يهيىء الظّهْر والزاد وَيبْعَث بهما إِلَى عِيَال الْمولى يزِيد مَعَ ثَلَاثِينَ من العبيد ليأتوا بهم إِلَى دَار الدبيبغ يكونُونَ بهَا مَعَ أمه وَكَانَ السُّلْطَان قد أخرجهَا من الدَّار وأسكنها بدار الدبيبغ فَفعل الزياني ذَلِك كُله وبهذه الْقَضِيَّة كَانَ الْمولى يزِيد يعْتد على الصياني حَتَّى أَنه لما أفْضى إِلَيْهِ الْأَمر قبض عَلَيْهِ وضربه وامتحنه
وَلما وصل الْمولى يزِيد إِلَى ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام رَضِي الله عَنهُ بعث جمَاعَة من أَشْرَاف الْعلم للشفاعة فِيهِ فَأَمرهمْ السُّلْطَان أَن يَأْتُوا بِهِ
(3/64)

فراودوه على الْإِتْيَان فَامْتنعَ ثمَّ بعث إِلَيْهِ ثَانِيًا فَأبى ثمَّ ثَالِثا فَأبى فَكتب إِلَيْهِ بِالْعَفو مرَارًا فَلم يقبل وتصدى للْخلاف وكشف وَجه الْعِصْيَان وَصَارَ يكْتب لوالده بِمَا يحفظه هَكَذَا زعم الصياني وَلَا يخفى أَن الرجل كَانَ مناوئا لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَن نسْمع مِنْهُ جَمِيع مَا ينْسبهُ إِلَيْهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
ثمَّ إِن السُّلْطَان بعث إِلَيْهِ شقيقه الْمولى مسلمة فِي عَسْكَر وَأمره أَن ينزل بِقُرْبِهِ ويضيق عَلَيْهِ ويمنعه النُّزُول من الْحرم ثمَّ بعث إِلَيْهِ عسكرا آخر مَعَ الْقَائِد الْعَبَّاس البُخَارِيّ فنزلوا بِقرب الْحرم من النَّاحِيَة الْأُخْرَى وضيقوا عَلَيْهِ حَتَّى منعُوهُ التصوف بِكُل حَال وَفِي مُدَّة مقَامه هُنَالك أَخذ فِي تأسيس دَاره وَبِنَاء مَسْجده وَلَا زَالَت جدرانها قَائِمَة أَسْفَل الْجَبَل إِلَى الْآن وَاسْتمرّ الْمولى يزِيد محصورا هُنَالك إِلَى أَن بلغه خبر وَفَاة أَبِيه رَحمَه الله فَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله

لما اعْتصمَ الْمولى يزِيد بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ وراوده السُّلْطَان على النُّزُول مرَارًا فَأبى نَهَضَ إِلَيْهِ من مراكش وَأَرَادَ أَن يحضر عِنْده بِنَفسِهِ لَعَلَّه تسكن نَفسه وَيذْهب مَا بصدره من الْجزع والنفرة وَكَانَ عِنْد خُرُوجه من مراكش بِهِ مرض خَفِيف فَتحمل الْمَشَقَّة وجد السّير فتزايد بِهِ الْمَرَض فِي الطَّرِيق فوصل إِلَى أَعمال رِبَاط الْفَتْح فِي سِتَّة أَيَّام فَأَدْرَكته منيته رَحمَه الله وَهُوَ فِي محفته على نَحْو نصف يَوْم أَو أقل من رِبَاط الْفَتْح فَأَسْرعُوا بِهِ إِلَى دَاره من يَوْمه ذَلِك وَهُوَ يَوْم الْأَحَد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من رَجَب سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَألف وَمن الْغَد اجْتمع النَّاس لجنازته وانحشروا من كل وَجه فَجهز وَدفن بقبة من قباب دَاره وتأسف النَّاس لفقده خَاصَّة وَعَامة رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
(3/65)

بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد ابْن عبد الله ومآثره وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله محبا للْعُلَمَاء وَأهل الْخَيْر مقربا لَهُم لَا يغيبون عَن مَجْلِسه فِي أَكثر الْأَوْقَات وَكَانَ يحضر عِنْده جمَاعَة من أَعْلَام الْوَقْت وأئمته مِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة المشارك أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الإِمَام سَيِّدي عبد الله الغربي الرباطي والفقيه الْعَلامَة الْمُحَقق أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد المير السلاوي والفقيه الدراكة أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْكَامِل الرَّشِيدِيّ والفقيه السَّيِّد أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن الْمَدْعُو بِأبي خريص هَؤُلَاءِ هم أهل مَجْلِسه الَّذين كَانُوا يسردون لَهُ كتب الحَدِيث ويخوضون فِي مَعَانِيهَا ويؤلفون لَهُ مَا يَسْتَخْرِجهُ مِنْهَا على مُقْتَضى إِشَارَته وَكَانَت لَهُ عناية كَبِيرَة بذلك وجلب من بِلَاد الْمشرق كتبا نفيسة من كتب الحَدِيث لم تكن بالمغرب مثل مُسْند الإِمَام أَحْمد ومسند أبي حنيفَة وَغَيرهمَا وَألف رَحمَه الله فِي الحَدِيث تآليف بإعانة الْفُقَهَاء الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ آنِفا مِنْهَا كتاب مساند الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي مُجَلد ضخم الْتزم فِيهِ أَن يخرج من الْأَحَادِيث مَا اتّفق على رِوَايَته الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَو ثَلَاثَة مِنْهُم أَو اثْنَان فَإِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ إِمَام وَاحِد أَو رَوَاهُ غَيرهم لم يُخرجهُ وَهَذَا المنوال لم يسْبق إِلَيْهِ رَحمَه الله وَكَانَ كثيرا مَا يجلس بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي مَقْصُورَة الْجَامِع بمراكش مَعَ فقهائها وَمن يحضرهُ من عُلَمَاء فاس وَغَيرهمَا للمذاكرة فِي الحَدِيث الشريف وتفهمه وَيحصل لَهُ بذلك النشاط التَّام وَكَانَ كثيرا مَا يتأسف أثْنَاء ذَلِك وَيَقُول وَالله لقد ضيعنا عمرنا فِي البطالة ويتحسر على مَا فَاتَهُ من قِرَاءَة الْعلم أَيَّام الشَّبَاب وَلما فَاتَهُ الِاشْتِغَال بفنون الْعلم فِي حَال الصغر اعْتكف أَولا على سرد كتب التَّارِيخ وأخبار النَّاس وَأَيَّام الْعَرَب ووقائعها إِلَى أَن تملى من ذَلِك وَبلغ فِيهِ الْغَايَة القصوى وَكَاد يحفظ مَا فِي كتاب الأغاني لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ من كَلَام الْعَرَب وشعراء الْجَاهِلِيَّة
(3/66)

وَالْإِسْلَام وَلما ولاه الله أَمر الْمُسلمين بعد وَفَاة وَالِده زهد فِي التَّارِيخ وَالْأَدب بعد التضلع مِنْهُمَا وَأَقْبل على سرد كتب الحَدِيث والبحث عَن غريبها وجلبها من أماكنها ومجالسة الْعلمَاء والمذاكرة مَعَهم فِيهَا ورتب رَحمَه الله لذَلِك أوقاتا مضبوطة لَا تنخرم حذا بهَا حَذْو الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فِي أوقاته المرسومة عِنْد الفشتالي فِي مناهل الصَّفَا حَتَّى أَنه كَانَ إِذا خرج لزيارة أَو صيد أَو نزهة أَيَّام الرّبيع وَأقَام الْأُسْبُوع وَنَحْوه فَإِذا حانت الْجُمُعَة وَدخل تحرى النُّزُول بمنازل الْمَنْصُور الَّتِي كَانَ ينزل بهَا وَقت خُرُوجه لزيارة أغمات وَنَحْوهَا ورجوعه وَيَقُول هَذِه منَازِل الْمَنْصُور رَحمَه الله وَهُوَ أستاذنا فِي مثل هَذِه الْأُمُور وَمن عَجِيب سيرته رَحمَه الله أَنه كَانَ يرى اشْتِغَال طلبة الْعلم بِقِرَاءَة المختصرات فِي فن الْفِقْه وَغَيره وإعراضهم عَن الْأُمَّهَات المبسوطة الْوَاضِحَة تَضْييع للأعمار فِي غير طائل وَكَانَ ينْهَى عَن ذَلِك غَايَة وَلَا يتْرك من يقْرَأ مُخْتَصر خَلِيل ومختصر ابْن عَرَفَة وأمثالهما ويبالغ فِي التشنيع على من اشْتغل بِشَيْء من ذَلِك حَتَّى كَاد النَّاس يتركون قِرَاءَة مُخْتَصر خَلِيل وَإِنَّمَا كَانَ يحض على كتاب الرسَالَة والتهذيب وأمثالهما حَتَّى وضع فِي ذَلِك كتابا مَبْسُوطا أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَبُو عبد الله الغربي وَأَبُو عبد الله المير وَغَيرهمَا من أهل مَجْلِسه
وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان الْعَادِل الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله صَار يحض النَّاس على التَّمَسُّك بالمختصر ويبذل على حفظه وتعاطيه الْأَمْوَال الطائلة وَالْكل مأجور على نِيَّته وقصده غير أَنا نقُول الرَّأْي مَا رأى السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله وَقد نَص جمَاعَة من أكَابِر الْأَعْلَام النقاد مثل الإِمَام الْحَافِظ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ وَالشَّيْخ النظار أبي إِسْحَاق الشاطبي والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون وَغَيرهم أَن سَبَب نضوب مَاء الْعلم فِي الْإِسْلَام ونقصان ملكة أَهله فِيهِ إكباب النَّاس على تعَاطِي المختصرات الصعبة الْفَهم وإعراضهم عَن كتب الأقدمين المبسوطة الْمعَانِي الْوَاضِحَة الْأَدِلَّة الَّتِي تحصل لمطالعها الملكة فِي أقرب مُدَّة ولعمري لَا يعلم هَذَا يَقِينا
(3/67)

إِلَّا من جربه وذاقه وَقد تقدم لنا فِي صدر هَذَا الْكتاب أَن مُلُوك بني عبد الْمُؤمن كَانُوا يحملون النَّاس على الرُّجُوع فِي الْأَحْكَام إِلَى الْكتاب وَالسّنة كل ذَلِك اعتناء بِالْعلمِ الْقَدِيم ومحافظة على أُصُوله وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله ينْهَى عَن قِرَاءَة كتب التَّوْحِيد المؤسسة على الْقَوَاعِد الكلامية المحررة على مَذْهَب الأشعرية رَضِي الله عَنْهُم وَكَانَ يحض النَّاس على مَذْهَب السّلف من الِاكْتِفَاء بالاعتقاد الْمَأْخُوذ من ظَاهر الْكتاب وَالسّنة بِلَا تَأْوِيل وَكَانَ يَقُول عَن نَفسه حَسْبَمَا صرح بِهِ فِي آخر كِتَابه الْمَوْضُوع فِي الْأَحَادِيث المخرجة من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا يَعْنِي أَنه لَا يرى الْخَوْض فِي علم الْكَلَام على طَريقَة الْمُتَأَخِّرين وَله فِي ذَلِك أَخْبَار ومجريات
قلت وَهُوَ مُصِيب أَيْضا فِي هَذَا فقد ذكر الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ فِي كتاب الْإِحْيَاء إِن علم الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الدَّوَاء لَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد حُدُوث الْمَرَض فَكَذَلِك علم الْكَلَام لَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد حُدُوث الْبِدْعَة فِي قطر وَقد حرر النَّاس الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي حق الْعَامَّة وَغَيرهم والمبتدئين والمنتهين والأغبياء والأذكياء بِمَا لَيْسَ هَذَا مَحل بَسطه وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله عالي الهمة يحب الْفَخر ويركب سنامه ويخاطب مُلُوك التّرْك مُخَاطبَة الْأَكفاء ويخاطبونه مُخَاطبَة السَّادة ويمدهم بالأموال والهدايا حَتَّى علا صيته عِنْدهم وحسبوه أَكثر مِنْهُم مَالا ورجالا وَكَانَ يُعْطي عَطاء من لَا يخَاف الْفقر وَيَضَع الْأَشْيَاء موَاضعهَا وَيعرف مقادير الرِّجَال وَيُؤَدِّي حُقُوقهم ويتجاوز عَن هفواتهم ويراعي لأهل السوابق سوابقهم ويتفقد أَحْوَال خُدَّامه فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض وَلَا يغْفل عَمَّن كَانَ يعرفهُ قبل الْملك وَكَانَ من الشجعان الْمَذْكُورين فِي وقته يُبَاشر الحروب بِنَفسِهِ ويهزم الجيوش بهيبته وَكَانَ يقتني الرِّجَال
(3/68)

ويصطنعهم ويعدهم لأيام الكريهة وينادي كل وَاحِد باسمه وَقت اللِّقَاء والحضور عِنْده وَيُوجه كل بَطل مِنْهُم مَعَ قَبيلَة أَو كَتِيبَة من كتائب الْجند وَيعْمل بقواعد السياسة فِي الحروب وَكَانَ إِذا وَجه أحدا مِمَّن يعرف نجدته وكفايته ينشد قَول ابْن دُرَيْد
(وَالنَّاس ألف مِنْهُم كواحد ... وَوَاحِد كالألف إِن أَمر عَنَّا)
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ رَحمَه الله من عُظَمَاء الْمُلُوك وخلد آثارا كَثِيرَة بالمغرب فَمن ذَلِك بمراكش تَجْدِيد ضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي ومسجده ومدرسته وضريح الشَّيْخ التباع ومسجده وضريح الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ومسجده وضريح الشَّيْخ الغزواني ومسجده وضريح الشَّيْخ ابْن صَالح ومسجده وضريح الْمولى عَليّ الشريف ومسجده الْأَعْظَم وضريح الشَّيْخ مَيْمُون الصحراوي وَمَسْجِد الْمُلُوك ببريمة ومدرستاه وتجديد جَامع الْمَنْصُور وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بِبَاب دكالة وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بِبَاب هيلانة وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بالرحبة ومساجد القصبة ومدارسها السِّت وَمَسْجِد زَاوِيَة الشرادي وَمَسْجِد رِبَاط شَاكر ومدينة الصويرة بمساجدها ومدارسها وصقائلها وأبراجها وكل مَا فِيهَا وَمَسْجِد آسفي ومدرسته وَمَسْجِد مَدِينَة تيط ومدينة آنِفا ومسجدها ومدرستها وحمامها وصقائلها وأبراجها ومدينة فضَالة ومسجدها ومدرستها والمصورية ومسجدها وجامع السّنة برباط الْفَتْح ومساجد أجدال السِّتَّة وأبراجه والصقالتين الكبيرتين بسلا ورباط الْفَتْح وَمَسْجِد العرائش ومدرسته وصقائلها وأبراجها وسوقها وصقائل طنجة وأبراجها وَالْمَسْجِد الْأَزْهَر ومدرسته بإصطبل مكناسة وَمَسْجِد البردعيين بهَا وضريح الشَّيْخ ابْن عِيسَى وضريح الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد ومسجده ومدرسة الصهريج ومدرسة الدَّار الْبَيْضَاء وَمَسْجِد بريمة ومدرسته وَمَسْجِد هدراش وَمَسْجِد بَاب مراح وَثَلَاثَة أقواس بقنطرة وَادي سبو خَارج فاس وضريح الشَّيْخ عَليّ بن حرزهم وضريح الشَّيْخ دراس بن إِسْمَاعِيل
(3/69)

وضريح أبي عبد الله التاودي ومدرسة بَاب الجيسة وَمَسْجِد تازا ومدرسته وضريح الْمولى عَليّ الشريف بسجلماسة وقصبة الدَّار الْبَيْضَاء بهَا ومسجدها ومدرستها وَمَسْجِد الريصاني ومدرسته وأوقافه على المارستان بفاس ومراكش
فَهَذِهِ الْآثَار كلهَا مِمَّا سمت إِلَى تخليد همته الشَّرِيفَة بَعْضهَا أَنْشَأَهَا وَبَعضهَا أصلحه وجدده ورتب للأشراف بتافيلالت فِي كل سنة مائَة ألف مِثْقَال سوى مَا ينعم بِهِ عَلَيْهِم فِي أَيَّام السّنة مُتَفَرقًا ورتب لأهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين وشرفاء الْحجاز واليمن مائَة ألف مِثْقَال أَيْضا فِي السّنة ولشرفاء الْمغرب مائَة ألف مِثْقَال كَذَلِك وَأما الطّلبَة والمؤذنون والقراء وأئمة الْمَسَاجِد كَانَت تأتيهم صلَاتهم فِي كل عيد وَأما مَا كَانَ يُنْفِقهُ فِي الْجِهَاد على رُؤَسَاء الْبَحْر وطبجيته وَمَا يضيره على المراكب الجهادية والآلات الحربية الَّتِي مَلأ بهَا بِلَاد الْمغرب فشيء لَا يُحْصِيه الْحصْر وَأما مَا أنفقهُ من الْأَمْوَال فِي فكاك أسرى الْمُسلمين فَأكْثر من ذَلِك كُله حَتَّى لم يبْق بِبِلَاد الْكفْر أَسِير لَا من الْمغرب وَلَا من الْمشرق وَلَقَد بلغ عَددهمْ فِي سنة مِائَتَيْنِ وَألف ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ألف أَسِير وَزِيَادَة وأوقافه بالحرمين الشريفين وَكتبه العلمية المحبسة بهما لَا زَالَت قَائِمَة الْعين والأثر إِلَى الْآن وَأما اعتناؤه بالمراكب القرصانية فقد بلغ عَددهَا فِي دولته عشْرين كبارًا من المربع وَثَلَاثِينَ من الفراكط والغلائط وَبلغ رُؤَسَاء الْبَحْر عِنْده سِتِّينَ رَئِيسا كلهَا بمراكبها وبحريتها وَبلغ عَسْكَر البحرية ألفا من المشارقة وَثَلَاثَة آلَاف من المغاربة وَمن الطبجية أَلفَيْنِ وَبلغ عسكره من العبيد خَمْسَة عشر ألفا وَمن الْأَحْرَار سَبْعَة آلَاف وَأما عَسْكَر الْقَبَائِل الَّذِي كَانَ يَغْزُو من الْجند فَمن الْحَوْز ثَمَانِيَة آلَاف وَمن الغرب سَبْعَة آلَاف
وَكَانَت لَهُ هَيْبَة عَظِيمَة فِي مشوره وموكبه يتحدث النَّاس بهَا وهابته مُلُوك الفرنج وطواغيتهم ووفدت عَلَيْهِ رسلهم بالهدايا والتحف يطْلبُونَ مسالمته فِي الْبَحْر بلغ ذَلِك رَحمَه الله بسياسته وعلو همته حَتَّى عَمت
(3/70)

مسالمته أَجنَاس النَّصَارَى كلهم إِلَّا المسكوب فَإِنَّهُ لم يسالمه لمحاربته للسُّلْطَان العثماني وَلَقَد وَجه رسله وهديته إِلَى طنجة فَردهَا السُّلْطَان رَحمَه الله وأبى من مسالمته ووظف على الْأَجْنَاس الْوَظَائِف فالتزموها وَكَانُوا يؤدونها كل سنة وَاسْتمرّ ذَلِك من بعده إِلَى أَن انْقَطع فِي هَذِه السنين الْمُتَأَخِّرَة وَكَانُوا يستجلبون مرضاته بالهدايا والألطاف وكل مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ وَمهما كتب إِلَى طاغية فِي أَمر سارع إِلَيْهِ وَلَو كَانَ محرما فِي دينه ويحتال فِي قَضَاء الْأَغْرَاض مِنْهُم بِكُل وَجه أَحبُّوا أم كَرهُوا وَكَانَ أعظم طواغيتهم طاغية النجليز وطاغية الفرنسيس فَكَانَا يأنفون من أَدَاء الضريبة عَلَانيَة مثل غَيرهم من الْأَجْنَاس فَكَانَ رَحمَه الله يستخرجها مِنْهُم وَأكْثر مِنْهَا بِوَجْه لطيف وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد أكبرهم أَبُو الْحسن عَليّ والمأمون وَهِشَام وَعبد السَّلَام هَؤُلَاءِ لربة الدَّار المولاة فَاطِمَة بنت عَمه سُلَيْمَان بن إِسْمَاعِيل ثمَّ عبد الرَّحْمَن أمه حره هوارية من هوارة السوس ثمَّ يزِيد ومسلمة أمهما علجة من سبي الإصبنيول ثمَّ الْحسن وَعمر أمهما حرَّة من الأحلاف ثمَّ عبد الْوَاحِد أمه حرَّة من أهل رِبَاط الْفَتْح ثمَّ سُلَيْمَان وَالطّيب ومُوسَى لحرة من الأحلاف أَيْضا ثمَّ الْحسن وَعبد الْقَادِر لحرة من الأحلاف أَيْضا ثمَّ عبد الله لحرة من عرب بني حسن ثمَّ إِبْرَاهِيم لعلجة رُومِية
وَمِمَّا مدح بِهِ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله من الشّعْر أرجوزة الأديب البليغ أبي الْعَبَّاس أَحْمد الونان الْمَعْرُوفَة بالشمقمقبية الَّتِي يَقُول فِي مطْلعهَا
(مهلا على رسلك حادي الأينق ... وَلَا تكلفها بِمَا لم تطق)
وَهَذِه الأرجوزة مَشْهُورَة بَين النَّاس وَهِي من الشّعْر الْفَائِق وَالنّظم البديع الرَّائِق أبان منشئها عَن بَاعَ كَبِير وإطلاع غزير على أَخْبَار الْعَرَب وأيامها وَحكمهَا وأمثالها بِحَيْثُ أَن من حفظهَا وَعرف مقاصدها أغنته عَن غَيرهَا من كتب الْأَدَب وَقد كنت فِي أَيَّام التعاطي اعتنيت بتصحيح ألفاظها والتتبع لأخبارها وأمثالها والتنقير عَن تلميحاتها وتلويحاتها حَتَّى فضضت ختامها واستوعبت مبدأها وتمامها ثمَّ شرعت فِي كِتَابَة شرح عَلَيْهَا يُحِيط بمعانيها
(3/71)

ويستوعب دقائق مبانيها فَكتبت مِنْهُ نَحْو أَرْبَعَة كراريس ثمَّ عاقت الأقدار عَن إِتْمَامه نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن يصرف عَنَّا الْعَوَائِق فِيمَا ينفعنا فِي ديننَا ودنيانا ويحفنا بالسعادة الدُّنْيَوِيَّة والأخروية فِي متقلبنا ومثوانا إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ
وَمن وزراء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله الْوَزير الشهير أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ قادوس الْمَدْعُو أفاندي كَانَ من موَالِي السُّلْطَان وغرس نعْمَته وربي دولته وَأَصله من أعلاج الإصبنيول وَكَانَ شعلة من الذكاء والفطنة وركنا شَدِيدا من أَرْكَان الدولة المحمدية فِي حسن التَّدْبِير والحزم الَّذِي لَا يعزب عَنهُ من أُمُور الحضرة قَلِيل وَلَا كثير وَقد أدْرك من فخامة الجاه وضخامة الرياسة غَايَة تفرد بهَا فِي وقته بِحَيْثُ كَانَت الأعاظم من وُجُوه الدولة تقف بِبَابِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَلَا يَتَيَسَّر لَهُم لقاؤه
وَلما توفّي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله امتحن الْمولى يزِيد هماما الْوَزير فِي جملَة من امتحنه من أهل مراكش كَمَا سَيَأْتِي
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد وأوليته ونشأته رَحمَه الله

كَانَ الْمولى يزِيد هَذَا عِنْد وَالِده رَحمَه الله بِعَين الْعِنَايَة ملحوظا وَمن النقائص محروسا ومحفوظا وَكَانَ عَامَّة أهل الْمغرب وخاصتهم من الْجند والرعية متشوفين لَهُ ومغتبطين بِهِ يهتفون باسمه ويلهجون بِذكرِهِ لما كَانَ عَلَيْهِ من الْكَرم والشجاعة والتمسك بمذاهب الفتوة وَالدّين والاعتناء بجوائز أهل الْبَيْت ومحبة أهل الْخَيْر وإكرامهم وَإِقَامَة الصَّلَوَات لأوقاتها حضرا وسفرا لَا يشْغلهُ عَن ذَلِك شاغل فأصابته عين الْكَمَال وَصَارَ ينْتَقل من حَال إِلَى حَال حَتَّى خالطته جمَاعَة من الأغمار كَانُوا فِي خدمته فلزموه وحسنوا لَهُ الاستبداد على وَالِده وَالْخُرُوج عَلَيْهِ وأتوه من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه حَتَّى وقر ذَلِك فِي صَدره وارتسم فِيهِ وَكَانَ ذَلِك على حِين أَوَان الشبيبة وَأَخذهَا
(3/72)

مِنْهُ مأخذها وَكَانَت همته طماحة لَا تقف بِهِ عِنْد غَايَة فاستعجل الْأَمر قبل أَوَانه وَخرج على وَالِده بجبش العبيد حَسْبَمَا مر ولسان حَاله ينشد
(فَإِن يَك عَامر قد قَالَ جهلا ... فَإِن مَظَنَّة الْجَهْل الشَّبَاب)
فَسَقَطت مَنْزِلَته عِنْد أَبِيه بعد أَن بلغ من الحظوة لَدَيْهِ مَا بلغ وَكَانَ يرشحه للخلافة ويقمه على كبار إخْوَته لما ظهر لَهُ من نجدته واقتداره وجوده فِي مَحل الْجُود ورغبته فِي الْجِهَاد وولوعه بصناعة الرَّمْي بالمهراس فأسند إِلَيْهِ أَمر الطبجية والبحرية وَصَارَ يوجهه مَعَ الرؤساء والطبجية إِلَى الثغور كل سنة ليقف على الملازمين لصقائلها وأبراجها وَيُعلمهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تعلمه وَلما رَآهُ وَالِده مغتبطا بذلك وتوسم فِيهِ النجابة أقبل عَلَيْهِ بالعطاء ثمَّ ولاه الْكَلَام مَعَ قناصل الْأَجْنَاس الَّذين بالمراسي واستنابة فِي ذَلِك
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف ولاه السُّلْطَان على قَبيلَة كروان وهم يَوْمئِذٍ أعظم قبائل البربر خيلا ورجالا فأسند إِلَيْهِ أَمرهم وَتقدم إِلَيْهِ فِي أَن يَكفهمْ عَن الْحَرْب مَعَ آيت أدراسن فَسَار إِلَيْهِم واغتبطوا بِهِ واغتبط بهم وَصَارَ أحداثهم وَأَبْنَاء أعيانهم يركبون مَعَه للصَّيْد فغمرهم بالعطاء وأنعم عَلَيْهِم بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح والكسي ولزموا مَجْلِسه حَتَّى أفسدوا قلبه وحسنوا لَهُ الانتزاء على الْملك وَقَالُوا هَذَا بَيت المَال الَّذِي بقبة الخياطين هُوَ فِي يدك وَلَيْسَ دونه مَانع وَبِه يقوم ملكك وَمَتى استدعيت إِخْوَاننَا آيت ومالو لم يتوقفوا عَنْك طرفَة عين وَلَا يقوم لَهُم شَيْء من الْجند وَغَيره وَلم يزَالُوا يفتلون لَهُ فِي الذرْوَة وَالْغَارِب حَتَّى شرهت نَفسه وَصَارَ لَا حَدِيث لَهُ إِلَّا فِي ذَلِك واطلع على ذَلِك قَائِد الودايا أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن الْخضر وَكَانَ محبا فِي جَانب السُّلْطَان صَادِق الْخدمَة وَالطَّاعَة لَهُ فَكتب إِلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ وَلَده مَعَ جروان وَأَنَّهُمْ يأْتونَ إِلَيْهِ بِالْمِائَةِ والمائتين ويبيتون عِنْده بالقصبة وَنحن خفنا أَن يبرز من ولدك أَمر فتعاقبنا عَلَيْهِ فأخبرناك بالواقع
(3/73)

وَلما وصل كِتَابه إِلَى السُّلْطَان بعث للحين قائده الْعَبَّاس البُخَارِيّ فِي مائَة من الْخَيل للقبض على الْمولى يزِيد وَأَصْحَابه وَقد قُلْنَا لَك أَن الْجند والرعية مَعًا كَانُوا مغتبطين بالمولى يزِيد فَلَمَّا وصل الْقَائِد الْعَبَّاس إِلَى سلا دس إِلَى الْمولى يزِيد أَنه مَقْبُوض فلينج بِنَفسِهِ فَخرج الْمولى يزِيد من مكناسة لَيْلًا فِي خاصته وَأَصْحَابه من جروان وقصدوا آيت ومالو وَلما وصل الْقَائِل الْعَبَّاس إِلَى مكناسة ألفاها مقفرة من الْمولى يزِيد وشيعته فَأَقَامَ بهَا وَكتب إِلَى السُّلْطَان يُعلمهُ بالْخبر فَبعث السُّلْطَان إِلَى الْمولى يزِيد كَاتبه أَبَا عُثْمَان سعيد الشليخ فَقدم عَلَيْهِ بزاوية آيت إِسْحَاق لِأَنَّهُ لم يجد من قبائل آيت ومالو إِلَّا مهاوش وشقيرين فتجاوزهم إِلَى الزاوية الْمَذْكُورَة وَلما أَتَاهُ أَبُو عُثْمَان الْمَذْكُور بِكِتَاب وَالِده وأمانه سَار مَعَه إِلَى مراكش وَلما وصل إِلَيْهَا دخل ضريح أبي الْعَبَّاس السبتي فاحترم بِهِ ثمَّ عَفا عَنهُ السُّلْطَان وَاجْتمعَ بِهِ فتنصل مِمَّا رمي بِهِ وَنسب ذَلِك إِلَى سُفَهَاء جروان وَأَنه لم يوافقهم على ذَلِك فأضمر السُّلْطَان الْإِيقَاع بهم وَلما قدم من مراكش سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف قصدهم بالكريكرة وأوقع بهم وَقتل مِنْهُم نَحْو الْخَمْسمِائَةِ حَسْبَمَا مر وَأنزل الْمولى يزِيد مَعَ أَخَوَيْهِ الْمولى عَليّ وَالْمولى عبد الرَّحْمَن بفاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ حدثت حَرْب بَينه وَبَين أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بوسط فاس الْعليا وَهلك فِيمَا بَينهمَا عدد وَبلغ خبر ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَقدم مكناسة وَبعث من يقبض عَلَيْهِمَا فَقبض على الْمولى عبد الرَّحْمَن وَأَصْحَابه وفر الْمولى يزِيد إِلَى ضريح الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر بزرهون فَأتى بِهِ الْأَشْرَاف إِلَى وَالِده فسامحه ثمَّ سرح الْمولى عبد الرَّحْمَن وَسَأَلَ عَن أَحْوَال أَصْحَاب الْأَخَوَيْنِ مَعًا ثمَّ عرف صَالحهمْ من طالحهم فَأخْرجهُمْ من السجْن وَقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف وَكَانُوا ثَلَاثِينَ رجلا وسرح البَاقِينَ وَنقل الْمولى عبد الرَّحْمَن إِلَى مكناسة وَترك الْمولى يزِيد بفاس ثمَّ إِن الْمولى عبد الرَّحْمَن كَانَ يسابق يَوْمًا فِي الميدان ويلعب بالبارود فَقتل رجلا من بني مطير فجَاء إخْوَته إِلَى
(3/74)

قائدهم مُحَمَّد بن مُحَمَّد واعزيز فَأدى دِيَته من عِنْده وعفوا وَكتب عَلَيْهِم سجلا بذلك وسكنت الهيعة فاتفق أَن وَجه السُّلْطَان قائده الْعَبَّاس إِلَى مكناسة لقتل أنَاس كَانُوا بسجن مكناسة فَلَمَّا سمع بِهِ الْمولى عبد الرَّحْمَن ظن أَنه قدم فِي شَأْن المطيري الْمَقْتُول وَأَن خَبره قد بلغ السُّلْطَان ففر من مكناسة لَيْلًا إِلَى وَجدّة ثمَّ إِلَى تلمسان واتصل خبر فراره بالسلطان فَسَأَلَ عَن السَّبَب فَأخْبرهُ الْقَائِد الْعَبَّاس بالواقع فَبعث إِلَيْهِ الْأمان فَلم يَثِق ثمَّ سَار إِلَى تلمسان إِلَى سجلماسة فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان من يُؤمنهُ وَيَأْتِي بِهِ إِلَيْهِ فَلم يَثِق وفر إِلَى السوس فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان أَمَانًا إِلَى السوس ففر إِلَى الْقبْلَة وَأقَام يتَرَدَّد فِي قبائلها إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان رَحمَه الله فجَاء إِلَى تارودانت فَأَقَامَ بهَا وَطلب الْأَمر فَلم يتم لَهُ أَمر وَمَات رَحمَه الله وَأما الْمولى يزِيد فَإِنَّهُ أَقَامَ بفاس إِلَى أَن استدعاه وَالِده للقدوم عَلَيْهِ بمراكش فَقدم عَلَيْهِ
ثمَّ اتّفق قيام العبيد على السُّلْطَان بِسَبَب الإدالة الَّتِي أَمرهم بتوجيهها إِلَى طنجة حَسْبَمَا مر فَبعث الْمولى يزِيد لإصلاحهم وردهم عَن غيهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم استفزوه بقَوْلهمْ وحركوا مِنْهُ مَا كَانَ سَاكِنا وَاسْتَخْرَجُوا مَا كَانَ كامنا فَبَايعُوهُ وخطبوا بِهِ حَسْبَمَا مر الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى وانحرف قدور بن الْخضر بالودايا عَنهُ وَلما فتح الْمولى يزِيد بَيت المَال وَأعْطى العبيد بعث إِلَى الودايا بعطائهم يستهويهم بِهِ وَكَانَ شَيْئا كثيرا فَردُّوهُ عَلَيْهِ وانضم مُحَمَّد واعزيز فِي بربره إِلَى الودايا فقصدهم الْمولى يزِيد والتقوا بالمشتهى من مكناسة فهزموه وَقتل من العبيد مَا ينيف على الْخَمْسمِائَةِ ثمَّ قدم السُّلْطَان فِي العساكر وجموع الْقَبَائِل ففر الْمولى يزِيد إِلَى زرهون فَتَبِعَهُ السُّلْطَان وزار الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ فشفع لَهُ الْأَشْرَاف الأدارسة فِيهِ فَقبل شفاعتهم وَعَفا عَنهُ حَسْبَمَا مر ثمَّ بعد هَذَا بَعثه إِلَى الْمشرق وَصدر مِنْهُ بِمَكَّة فِي حق شيخ الركب مَا صدر فَكَانَت تِلْكَ الفعلة هِيَ الْمُخَالفَة وَبهَا تَبرأ السُّلْطَان مِنْهُ ثمَّ قفل من الْمشرق سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَألف والتجأ إِلَى ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش إِلَى أَن توفّي وَالِده حَسْبَمَا قَصَصنَا عَلَيْك من قبل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
(3/75)

بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد رَحمَه الله

لما توفّي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَبلغ خبر مَوته الْمولى يزِيد وَهُوَ بِالْحرم المشيشي بَايعه الْأَشْرَاف هُنَالك وَسَائِر أهل الْجَبَل وَتقدم إِلَيْهِ السَّابِقُونَ من الْجند الَّذين كَانُوا محاصرين لَهُ فَبَايعُوهُ واستتب أمره فَتوجه إِلَى تطاوين إِذْ هِيَ أقرب الثغور إِلَيْهِ فَبَايعهُ أَهلهَا والقبائل الْمُجَاورَة لَهَا وَأطلق الْجند على يهود تطاوين فاستباحهم وَاصْطلمَ نعمتهم ثمَّ وَفد عَلَيْهِ أهل طنجة والعرائش وآصيلا فقابلهم بِمَا يجب ثمَّ توجه إِلَى طنجة فَخرج عسكرها للقائه ففرح بهم وَأحسن إِلَيْهِم وَبهَا قدم عَلَيْهِ وَفد أهل فاس من أَشْرَافهَا وعلمائها وأعيانها فأكرمهم وَولى عَلَيْهِم أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الذيب ثمَّ انْتقل إِلَى العرائش فوفاه بهَا حَاشِيَة أَبِيه وخدمه ووجوه دولته بمتخلف وَالِده وقبابه وخيله وبغاله وَسَائِر أثاثه فَأحْسن إِلَيْهِم وصاروا مَعَه فِي ركابه إِلَى زرهون وَلما وصل إِلَيْهَا قدم عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمولى سُلَيْمَان من تافيلالت بقبائل الصَّحرَاء عربها وبربرها وَمَعَهُ بِيعَتْ أهل سجلماسة وَكَانَ قد استجار بِهِ مُحَمَّد واعزيز فَإِنَّهُ كَانَ خَائفًا على نَفسه من الْمولى يزِيد لانحرافه عَنهُ أَيَّام أَبِيه فَسَار فِي صحبته بقبائله وَلما اجْتمع بالسلطان سامحه وأبقاه على قومه وَلما دخل مكناسة قدمت عَلَيْهِ قبائل الغرب كلهَا عربها وبربرها حَتَّى عصاة آيت ومالو ودجالهم مهاوش فَأعْطى مهاوش وَحده عشرَة آلَاف ريال وَأعْطى الَّذين قدمُوا مَعَه مائَة ألف ريال ثمَّ قدمت عَلَيْهِ قبائل الْحَوْز كُله من عرب وبربر لم يتَخَلَّف عَن بيعَته أحد وَقدم عَلَيْهِ أهل مراكش وأعمالها ببيعتهم وَنَصهَا
الْحَمد لله الْمُنْفَرد بِالْملكِ والخلق وَالتَّدْبِير الَّذِي أبدع الْأَشْيَاء بِحِكْمَتِهِ واخترع الْجَلِيل مِنْهَا والحقير الْغَنِيّ عَن الْمعِين والمرشد والوزير أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير يُؤْتِي الْملك من يَشَاء ويعز من يَشَاء وَهُوَ
(3/76)

الْمُدبر الْقَدِير جَاعل الْمُلُوك كفا للأكف العادية وولايتهم مرتعا للعباد فِي ظلّ الْأَمْن والعافية وبيعتهم أمنا من الْهَرج وَالْفساد وقمعا لأهل الشَّرّ والعناد فهم ظلّ الله على الْأَنَام وحصن حُصَيْن للخاص وَالْعَام حَسْبَمَا أفْصح بذلك سيد الْأَنَام عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وأزكى السَّلَام فَتَبَارَكَ الله رَبنَا الَّذِي شرف هَذَا الْوُجُود وزين هَذَا الْعَالم الْمَوْجُود بِهَذِهِ الْخلَافَة الْمُبَارَكَة والإمامة الحسنية الهاشمية العلوية والطلعة القرشية المحمدية الَّتِي انصرفت الْوُجُوه إِلَى قبلتها الْمَشْرُوعَة واستبان الْحق عِنْد مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة نحمده تَعَالَى على مَا من بِهِ علينا من هَؤُلَاءِ الْإِمَامَة السعيدة ونشكره جلّ جَلَاله شكرا نستوجب بِهِ من الهنا أفضاله ومزيده ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله أجْرى الأقدار على حسب مَا افتضاه حكمه وعدله ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ومصطفاه من خلقه وخليله سيد الْمَخْلُوقَات كلهَا من إنس وجان الْمُصَفّى من ذؤابة معد بن عدنان صَاحب الشَّرِيعَة المطهرة الَّتِي لَا يخْتَلف فِي فَضلهَا اثْنَان وَالدّين القويم الَّذِي هُوَ أفضل الْأَدْيَان الَّذِي اختصه الله مَا بَين الْأَنْبِيَاء بمزية التَّفْضِيل والتقديم وافترض على أمته الغراء فَرِيضَة الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم وَأثْنى عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْحَكِيم فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست صِفَاته وأسماؤه {وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم} الْقَلَم 4 صلى الله عَلَيْهِ صَلَاة مُتَّصِلَة الدَّوَام متعاقبة بتعاقب اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وعَلى آله الْكِرَام الْأَطْهَار وصحابته النجباء البررة الأخيار الَّذين أوضحُوا لنا الْحق تبيانا وأسسوا لهَذِهِ الْملَّة السمحة قَوَاعِد وأركانا وعَلى من اقتفى أَثَرهم القويم واهتدى بهديهم الْمُسْتَقيم إِلَى يَوْم الدّين أما بعد فَإِن الله تَعَالَى جعل صَلَاح هَذَا الْعَالم وأقطاره المعمورة ببني آدم مَنُوطًا بالأئمة الْأَعْلَام محوطا بالملوك الَّذين هم ظلّ الله على الْأَنَام فطاعتهم مَا داموا على الْحق وَاتَّقوا الله سَعَادَة والاعتصام بحبلهم إِذْ ذَاك وَاجِب وَعبادَة قَالَ عز من قَائِل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ل}
(3/77)

أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن) النِّسَاء 59 وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِن أَمر عَلَيْكُم عبد مجدع أسود يقودكم بِكِتَاب الله فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب وَكره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام من خرج عَن الطَّاعَة وَفَارق الْجَمَاعَة فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَمن قَاتل تَحت راية عمية يغْضب لعصبية أَو يَدْعُو إِلَى عصبية أَو ينصر عصبية فَقتل فَقتلته جَاهِلِيَّة وَمن خرج على أمتِي يضْرب برهَا وفاجرها وَلَا يتحاشى مؤمنها وَلَا يَفِي لذِي عهدها فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ أخرجهَا مُسلم كلهَا وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام السُّلْطَان ظلّ الله فِي الأَرْض يأوي إِلَيْهِ الضَّعِيف وَبِه ينتصر الْمَظْلُوم وَمن أكْرم سُلْطَان الله فِي الدُّنْيَا أكْرمه الله يَوْم الْقِيَامَة أَو كَمَا قَالَ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام السُّلْطَان الْعدْل المتواضع ظلّ الله وَرمحه فِي الأَرْض يرفع الله لَهُ عمل سبعين صديقا وَلما كَانَ أهل بَيت سيد الْمُرْسلين أعظم قُرَيْش فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَأكْرمهمْ منزلَة عِنْد رب الْعَالمين أنالهم الله تَعَالَى فِي خلقه فضلا كَبِيرا ومنحهم إجلالا ورفعة وتعظيما وتكبيرا قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا} الْأَحْزَاب 33 وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي وَإِن مِمَّن امتن الله بِهِ علينا من أهل هَذَا الْبَيْت الشريف الَّذِي أولاه الله أشرف التَّعْظِيم وَأعظم التشريف وَقدمه تَعَالَى لسلطانه الْعَزِيز وَرَفعه جلّ وَعلا على منصة التبريز عميد الْمجد الَّذِي لَا يتناهى فخره ووحيد الْحسب جلّ منصبه وَقدره الإِمَام الَّذِي أَلْقَت لَهُ الْإِمَامَة زمامها وقدمته الأفاضل لفضله إمامها من جَاءَت لَهُ الْخلَافَة تجر أذيالها وَأَخذهَا دون بني أَبِيه وَلم تَكُ تصلح إِلَّا لَهُ وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا وَمن جبلت قُلُوب الْخَلَائق على محبته وَألقى لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض لمجده ولعلو همته السُّلْطَان السعيد الواثق بربه الْمعِين الرشيد أَبَا المكارم والمفاخر سيدنَا ومولانا يزِيد ابْن مَوْلَانَا الإِمَام السُّلْطَان
(3/78)

الْهمام المرحوم بِاللَّه سَيِّدي مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ سيدنَا ومولانا عبد الله ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا إِسْمَاعِيل ابْن موالينا السَّادة الْأَشْرَاف ذَوي الْفضل وَالْكَرم والإنصاف قدس الله أَرْوَاحهم فِي أَعلَى الْجنان ومنحهم بفضله الرِّضَا والرضوان أيد الله بِبَقَائِهِ الدّين وطوق بِسَيْفِهِ الْمُلْحِدِينَ وَكتب تَحت لوائه الْمُعْتَدِينَ وَكتب لَهُ النَّصْر إِلَى يَوْم الدّين وأعاذ بِهِ الأَرْض من لايدين بدين وَأعَاد بعدله أَيَّام آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأسكن فِي الْقُلُوب سكينته ووقاره وَمكن لَهُ فِي الْوُجُود وَجمع لَهُ أقطاره هُوَ وَالله مِمَّن فِيهِ اسْتِحْقَاق مِيرَاث آبَائِهِ الْأَعْلَام وتراث أجداده الْكِرَام الْمجمع عَلَيْهِ أَنه فِي هَذِه الْأَيَّام فَرد هُوَ الأنان وَوَاحِد وَهَكَذَا فِي الْوُجُود الإِمَام الراقي فِي صبح سَمَاء هَذِه الذرْوَة المنيفة الْبَاقِي بعد الْأَئِمَّة الماضين نعم الإِمَام وَنعم الْخَلِيفَة سلالة الأخيار وخلاصة أَبنَاء النَّبِي الْمُخْتَار أسمى الله إيالته الشَّرِيفَة وأنار البسيطة بأنوار مَمْلَكَته الشامخة المنيفة انْعَقَد الْإِجْمَاع من أهل هَذِه الحضرة المراكشية حاطها الله وَمَا حولهَا من أهل السوس وكافة الرحامنة وَغَيرهم من قبائل عديدة حَسْبَمَا تضمنته أَسمَاء من يكْتب اسْمه مِنْهُم عقبه بِخَط من يكْتب مِنْهُم أَو خطوط الْعُدُول الثِّقَات عَمَّن لم يكن يحسن الْكِتَابَة وأذنوا لمن يكْتب عَنْهُم بيعَة تمّ بِمَشِيئَة الله تَمامهَا وَعم بالصوب المغدق غمامها سعيدة مَيْمُونَة شريفة لَهَا السَّلامَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا مَضْمُونَة صَحِيحَة شَرْعِيَّة ملحوظة مرعية دائبة دائمة لَازِمَة جازمة صَحِيحَة صَرِيحَة متعبة مريحة على الْأَمْن وَالْأَمَانَة والعفاف والديانة وعَلى مَا بُويِعَ بِهِ مَوْلَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء الراشدون من بعده وَالْأَئِمَّة المهتدون الموفون بعهده وعَلى السّمع وَالطَّاعَة وملازمة السّنة وَالْجَمَاعَة قرت بهَا نواظرهم وَشهِدت بذلك على صفاء بواطنهم ظواهرهم وأعطوا بهَا صَفْقَة أَيْديهم وأمضوها إِمْضَاء يدينون بِهِ فِي السِّرّ والجهر والمنشط وَالْمكْره واليسر والعسكر أجمع عَلَيْهَا أَرْبَاب العقد
(3/79)

والحل وَأَصْحَاب الْكَلَام فِيمَا قل وَجل وَمن يُوصف بِعلم وَقَضَاء وَمن يرجع إِلَيْهِ فِي رد وإمضاء لم يُخَالف فِيهَا إِمَام مَسْجِد وَلَا خطيب وَلَا ذُو فَتْوَى يسْأَل فيجيب وَلَا من يجْتَهد فِي رَأْي فيخطىء أَو يُصِيب وَلَا مَعْرُوف بدين وَصَلَاح وَلَا فرسَان حَرْب وكفاح وَلَا طَاعن بِرُمْح وَلَا ضَارب بصفاح وَلَا وُلَاة الْأَمر وَالْأَحْكَام وَلَا حَملَة الْعلم الْأَعْلَام وَلَا حماة السيوف والأقلام وَلَا أَعْيَان السَّادة الْأَشْرَاف وَلَا أكَابِر الْفُقَهَاء وَمن انخفض قدره وَمن أناف بيعَة تمت بهَا نعْمَة من وحد الله قائلين {الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} الْأَعْرَاف 43 {إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله} الْفَتْح 10 الْآيَة فَمن حضر خَواص من ذكر وعوامهم قيد شَهَادَته بمضمن العقد الْمَنْصُوص مُلْتَزما لجَمِيع مَا اقْتَضَاهُ من الْعُمُوم وَالْخُصُوص باسطا كَفه بِالدُّعَاءِ والابتهال والتضرع لذِي الْعِزَّة والجلال قَائِلا اللَّهُمَّ كَمَا خصصت مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بمزيد الْكَرَامَة وارتضيته لمقام الْإِمَامَة وانتخبته من أَشْرَاف النَّاس وصنت بِهِ وُجُوههم عَن الباس فانصره اللَّهُمَّ نصرا مؤزرا وَاجعَل نصِيبه من عنايتك وكفايتك جزيلا موفرا وَأَن لَهُ فِي كل مرام فتحا مُبينًا وظفرا ميسرًا معينا وأسعدنا اللَّهُمَّ بأيامه واكلأه بكلاءتك فِي ظعنه ومقامه وَاجعَل بيعَته الْمُبَارَكَة بيعَة تخلد بهَا مآثره تخليدا وتؤيد علوه وتأييده وَنَصره تأييدا وأبقه على الْأَنَام شفيقا وبجميعهم بارا رَفِيقًا وأعنه اللَّهُمَّ على مَا وليته من أُمُور عِبَادك ومهد لَهُ أتم التَّمْهِيد فِي أقطار بلادك وَكن لَهُ فِيمَا يرضيك مؤيدا وظهيرا وَاجعَل لَهُ من لَدُنْك وليا وسلطانا نَصِيرًا أجب دعاءنا إِنَّك با مَوْلَانَا ولي ذَلِك وَبِه قدير وَأَنت نعم الْمولى وَنعم النصير وبالإجابة جدير وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْكَبِير وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين فِي ثامن عشر شعْبَان عَام أَرْبَعَة وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتَهَت
(3/80)

انْتِقَال الودايا من مكناسة إِلَى فاس وَعبيد الثغور مِنْهَا إِلَى مكناسة

لما كَانَ السُّلْطَان الْمولى يزِيد رَحمَه الله بمكناسة أَمر الودايا أَن يَنْتَقِلُوا مِنْهَا إِلَى فاس الْجَدِيد مسْقط رؤوسهم ومنبت شوكتهم وبأسهم وبذل لَهُم خمسين ريالا للرأس إِعَانَة لَهُم على نقلتهم فعادوا إِلَى فاس الْجَدِيد واستوطنوه بعد تغريبهم عَنهُ بمكناسة ثَلَاثِينَ سنة كَمَا سبق ثمَّ أَمر عبيد الثغور أَن يَنْتَقِلُوا مِنْهَا إِلَى مكناسة لتجتمع كلمتهم بهَا وأنعم على أهل كل ثغر مِنْهُم بِبَيْت مَاله الَّذِي بِهِ فَاقْتَسمُوهُ وانقلبوا إِلَى مكناسة مغتبطين
نقض الصُّلْح مَعَ جَيش الإصبنيول وحصاره سبتة

قَالَ منويل القشتيلي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الْمغرب لما ولي الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد رَحمَه الله أظهره معاداة الإصبنيول وصمم على حربهم فتفادى طاغيتهم من حربه بِكُل وَجه وَبعث باشدوره إِلَيْهِ بطنجة يهنئه بِالْملكِ ويتملق لَهُ فَأَعْرض عَن ذَلِك وَلم يحفل بِهِ وَلَا بهديته بل عمد إِلَى من كَانَ بمراسيه من نَصَارَى الإصبنيول تجارًا وفرايلية وَغَيرهم وَقبض عَلَيْهِم وسلكهم فِي السلَاسِل وساقهم إِلَى طنجة فحبسهم بهَا قَالَ وَكَانَت قراصين الْمُسلمين الحربية يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر قرصانا وفيهَا من المدافع ثَلَاثمِائَة مدفع وَسِتَّة مدافع
قلت قد تقدم أَن القراصين أَكثر من ذَلِك بِكَثِير وَاسْتمرّ النَّصَارَى محبوسين بطنجة إِلَى أَن اتّفق أَن كَانَ قرصان للإصبنيول يطوف بساحل العرائش فظفر بمركب هُنَالك وَأسر بَعضهم وَكَانَ الْمولى يزِيد يَوْمئِذٍ بالعرائش فَنظر إِلَيْهِم بِمِرْآة الْهِنْد وَهُوَ على سطح دَاره إِذْ أسروهم وَبعث الصَّرِيخ فِي أَثَرهم ففاتوه ثمَّ وَقع التفادي بَينه وَبَين الطاغية فِي أُولَئِكَ الأسرى بأسرى طنجة اه كَلَام منويل
(3/81)

ثمَّ إِن السُّلْطَان الْمولى يزِيد رَحمَه الله زحف إِلَى سبتة واستنفر النَّاس لجهادها والمرابطة عَلَيْهَا واستصحب مَعَه آلَة الْحَرْب من المدافع والمهاريس وَنصب عَلَيْهَا سَبْعَة أشبارات كَانَ جلها لفنانشة سلا وأهرعت إِلَيْهِ المتطوعة من حَاضر وباد ونسلوا إِلَيْهِ من كل حدب وواد وَأقَام على حصارها مُدَّة ثمَّ أفرج عَنْهَا وَسَار إِلَى نَاحيَة مراكش لأمر اقْتضى ذَلِك فَلَمَّا وصل إِلَى مَدِينَة آنِفا بدا لَهُ من الرُّجُوع فَرجع وَنزل عَلَيْهَا واستأنف الْجد وأرهف الْحَد وَأرْسل إِلَى قبائل الْحَوْز يستنفرهم للْجِهَاد والمرابطة فتقاعدوا عَنهُ بعد أَن أشرف على فتحهَا وَكَانَ مَا نذكرهُ
انْتِقَاض أهل الْحَوْز على السُّلْطَان الْمولى يزِيد ابْن مُحَمَّد وبيعتهم لِأَخِيهِ الْمولى هِشَام رحمهمَا الله

لما قدمت قبائل الْحَوْز على السُّلْطَان الْمولى يزِيد بمكناسة ظهر لَهُم مِنْهُ بعض التَّجَافِي عَنْهُم وأنزلهم فِي الْعَطاء دون البربر والودايا وَغَيرهم فَسَاءَتْ ظنونهم بِهِ وانفسدت قُلُوبهم عَلَيْهِ وَلما رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ تمشت رجالاتهم بَعْضهَا إِلَى بعض وخب الرحامنة فِي ذَلِك وَوَضَعُوا واتفقت كلمتهم مَعَ أهل مراكش وَعَبدَة وَسَائِر قبائل الْحَوْز فقدموا الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد للْقِيَام بأمرهم وآتوه بيعتهم وطاعتهم وَلما اتَّصل خبر ذَلِك بالمولى يزِيد وَهُوَ محاصر لسبتة أقلع عَنْهَا وَسَار إِلَى الْحَوْز فشرد قبائله وَوصل إِلَى مراكش فَدَخلَهَا عنْوَة يُقَال إِن دُخُوله إِلَيْهَا كَانَ من الْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب يغلى فاستباحها وَقتل وسمل وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما ثمَّ استجاش عَلَيْهِ الْمولى هِشَام قبائل دكالة وَعَبدَة وقصده بمراكش فبرز إِلَيْهِ الْمولى يزِيد وَلما التقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُقَال لَهُ تازكورت انهزم جمع الْمولى هِشَام وتبعهم الْمولى يزِيد فأصيب برصاصة فِي خَدّه فَرجع إِلَى مراكش يعالج جرحه فَكَانَ فِي ذَلِك حتفه رَحمَه الله وَذَلِكَ أَوَاخِر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(3/82)

وَدفن بقبور الْأَشْرَاف قبلي جَامع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش وَلَقَد كَانَ رَحمَه الله من فتيَان آل عَليّ وسمحائهم وأبطالهم لَهُ فِي النجدة والكفاية الْمحل الَّذِي لَا يجهل والسبق الَّذِي لَا يلْحق وَالْغُبَار الَّذِي لَا يشق وَلَا يضرّهُ تنقيص من نَقصه من الحسدة عَفا الله عَنَّا وعنهم فَإِن مَكَان الرجل غير مكانهم وهمته الْعَالِيَة فَوق تزويراتهم تغمد الله الْجَمِيع بعفوه وغفرانه آمين ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي بسلا أَبُو عبد الله مُحَمَّد السُّوسِي المنصوري وَدفن قرب الْوَلِيّ الصَّالح سَيِّدي مغيث من طالعة سلا وَله شرح على مُخْتَصر السنوسي فِي الْمنطق وَآخر على كبراه وَفِي ضحى يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من الْمحرم فاتح سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف توفّي الْفَقِيه المرابط الْبركَة سَيِّدي الْحَاج الغزواني ابْن الْبَغْدَادِيّ من حفدة الْوَلِيّ الْأَشْهر سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي رَضِي الله عَنهُ وَدفن بداره بجوار سَيِّدي مغيث أَيْضا
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الإِمَام صَاحب التصانيف المفيدة والأجوبة العتيدة أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن زكري الفاسي رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع من رَجَب سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف كمل بِنَاء قبَّة ولي الله تَعَالَى أبي الْعَبَّاس سَيِّدي الْحَاج أَحْمد بن عَاشر رَضِي الله عَنهُ على يَد الْقَائِد أبي عبد الله الحوات وَفِي الشَّهْر نَفسه توفّي الْفَقِيه القَاضِي النوازلي أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد الشدادي بزاوية زرهون
وَفِي سنة خمسين وَمِائَة وَألف ولد الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التجاني شيخ الطَّائِفَة التجانية وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله وفيهَا كَانَت المجاعة الْعَظِيمَة بالغرب والفتن وَنهب الدّور بِاللَّيْلِ بفاس وَغَيرهَا وَصَارَ جلّ النَّاس لصوصا
(3/83)

فَكَانَ أهل الْيَسَار لَا ينامون لحراستهم دُورهمْ وأمتعتهم وَهلك من الْجُوع عددا لَا حصر لَهُ حَتَّى لقد أخبر صَاحب المارستان أَنه كفن فِي رَجَب وَشَعْبَان ورمضان ثَمَانِينَ ألفا وَزِيَادَة سوى من كَفنه أَهله هَذَا بفاس وليقس عَلَيْهَا غَيرهَا
وَفِي زَوَال يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف توفّي قَاضِي سلا الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَبُو عَمْرو عُثْمَان التواتي وَدفن دَاخل رَوْضَة سَيِّدي الْحَاج أَحْمد بن عَاشر رَضِي الله عَنهُ
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف كَانَ الوباء بالمغرب وانحباس الْمَطَر فلحق النَّاس من ذَلِك شدَّة ثمَّ تداركهم الله بِلُطْفِهِ
وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف كَانَت الزلزلة الْعَظِيمَة بالمغرب الَّتِي هدمت جلّ مكناسة وزرهون وَمَات فِيهَا خلق كثير بِحَيْثُ أحصي من العبيد وحدهم نَحْو خَمْسَة آلَاف وَتكلم لويز مَارِيَة على هَذِه الزلزلة فَقَالَ إِنَّهَا مكثت ربع سَاعَة وتشققت الأَرْض مِنْهَا واضطراب الْبَحْر وفاض حَتَّى ارْتَفع مَاؤُهُ على سور الجديدة وَفرغ فِيهَا وَلما رَجَعَ الْبَحْر إِلَى مقره ترك عددا كثيرا من السّمك بِالْبَلَدِ وفاض على مسارحهم ومزارعهم وأشباراتهم فنسف ذَلِك كُله نسفا واضطربت المراكب والفلك بالمرسى فتكسرت كلهَا وفر نَصَارَى الْبَلَد إِلَى الْكَنِيسَة وَتركُوا دِيَارهمْ منفتحة وَمَعَ ذَلِك لم يفقد مِنْهَا شَيْء لاشتغال النَّاس بِأَنْفسِهِم وَتكلم صَاحب نشر المثاني على هَذِه الزلزلة فَقَالَ وَفِي ضحوة يَوْم السبت السَّادِس وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا ومادت شرقا وغربا واستمرت كَذَلِك نَحْو درج زماني وفاض مَاء البرك والصهاريج على الْبيُوت وتكدرت الْعُيُون ووقف مَاء الأودية عَن الجري وَسَقَطت الدّور وتصدعت الْحِيطَان وَأخذ النَّاس فِي هدم مَا تصدع خوف سُقُوطه وفزع النَّاس وَتركُوا حوانيتهم وأمتعتهم وَوَقع بِمَدِينَة سلا أَن مَاء الْبَحْر انحصر عَنهُ إِلَى أقصاه فجَاء النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَرجع المَاء إِلَى جِهَة الْبر وَتجَاوز حَده الْمُعْتَاد بمسافة كَبِيرَة
(3/84)

فأغرق جَمِيع من كَانَ خَارج الْمَدِينَة فِي تِلْكَ الْجِهَة وصادف قافلة ذَاهِبَة إِلَى مراكش فِيهَا من الدَّوَابّ وَالنَّاس عدد كثير فأتلف الْجَمِيع وَرمى بالقوارب والزوارق الَّتِي فِي الْوَادي إِلَى مَسَافَة بعيدَة جدا ثمَّ بعد هَذِه بِنَحْوِ سِتَّة وَعشْرين يَوْمًا عَادَتْ زَلْزَلَة أُخْرَى أَشد من الأولى بعد صَلَاة الْعشَاء هِيَ الَّتِي أثرت فِي مكناسة غَايَة وَهلك تَحت الْهدم بهَا نَحْو عشرَة آلَاف نفس وَفعلت بفاس أَيْضا فعلا شنيعا انْظُر تَمام كَلَامه فقد أَطَالَ فِي وصفهَا
وَفِي يَوْم الْأَحَد التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَألف انكسفت الشَّمْس وَبَقِي مِنْهَا مثل الْهلَال ثمَّ انجلت بعد حِين
وَفِي فجر يَوْم الْأَحَد الثَّامِن وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف توفّي الشريف الْبركَة مولَايَ الطّيب بن مُحَمَّد الوزاني وعمره ينيف على الثَّمَانِينَ سنة وَبعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف انكسفت الشَّمْس وَظَهَرت النُّجُوم لِكَثْرَة الظلام ثمَّ انجلت وَرجعت لحالها بعد نصف سَاعَة وَنَحْوهَا
وَفِي أَعْوَام تسعين وَمِائَة وَألف كَانَت المجاعة الْكَبِيرَة بالمغرب وانحبس الْمَطَر وَوَقع الْقَحْط وَكثر الْهَرج ودام ذَلِك قَرِيبا من سبع سِنِين
وَفِي أَوَاخِر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الإِمَام الْمُحَقق البارع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بناني الفاسي الْفَقِيه الْمَشْهُور صَاحب التآليف الحسان مثل حَاشِيَته البديعة على شرح الشَّيْخ عبد الْبَاقِي الزّرْقَانِيّ على مُخْتَصر خَلِيل حكى الْعَلامَة الرهوني فِي حَاشِيَته قَالَ لما أخبر الشَّيْخ التاودي ابْن سَوْدَة بوفاته جَاءَ فَزعًا وَهُوَ يبكي فَلَقِيَهُ بعض النَّاس فَقَالَ لَهُ الله يَجْعَل الْبركَة فِيكُم فَقَالَ لم تبْق بركَة بعد هَذَا الرجل وَذَلِكَ لمعرفته بمكانته
وَفِي ضحى يَوْم السبت الثَّامِن عشر من صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف توفّي الشريف الْبركَة الْمولى أَحْمد بن الطّيب الوزاني رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وبأسلافه آمين
(3/85)

حُدُوث الْفِتْنَة بالمغرب وَظُهُور الْمُلُوك الثَّلَاثَة من أَوْلَاد سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

لما قتل الْمولى يزِيد رَحمَه الله بمراكش افْتَرَقت الْكَلِمَة بالمغرب فَأَقَامَ أهل الْحَوْز وَأهل مراكش على التَّمَسُّك بدعوة الْمولى هِشَام وشايعه على أمره الْقَائِد أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر الْعَبْدي صَاحب آسفي وأعمالها والقائد أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْهَاشِمِي بن عَليّ بن العروسي الدكالي البوزراري وَكَانَ الْمولى مسلمة بن مُحَمَّد شَقِيق الْمولى يزِيد خَليفَة عَنهُ بِبِلَاد الهبط والجبل يدبر الْأَمر بثغورها وَينظر فِي أمورها فَلَمَّا اتَّصل بِهِ خبر وَفَاة أَخِيه دَعَا إِلَى نَفسه أهل تِلْكَ الْبِلَاد فَبَايعُوهُ واتفقت كلمتهم عَلَيْهِ وَوصل خبر موت الْمولى يُزْبِد إِلَى فاس وأعمالها فَبَايعُوا الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رَحمَه الله وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الرّبيع الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رَحمَه الله

كَانَ الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رَحمَه الله أعلق بقلب أَبِيه من سَائِر إخْوَته على مَا قيل لسعيه فِيمَا يُرْضِي الله وَرَسُوله ويرضي وَالِده واشتغاله بِالْعلمِ والعكوف عَلَيْهِ بسجلماسة وَغَيرهَا وَلم يلْتَفت قطّ إِلَى شَيْء مِمَّا كَانَ يتعاطاه إخْوَته الْكِبَار وَالصغَار من أُمُور اللَّهْو كالصيد وَالسَّمَاع ومعاقرة الندمان وَمَا يزري بالمروءة وَلم يَأْتِ فَاحِشَة قطّ من صغره إِلَى كبره وَكَانَ رَحمَه الله يرى لَهُ ذَلِك ويثيبه عَلَيْهِ بالعطايا الْعَظِيمَة والذخائر النفيسة وَالْأُصُول الْمُعْتَبرَة الَّتِي تغل الْألف وَأكْثر وينوه بِذكرِهِ فِي المحافل وَيبْعَث إِلَيْهِ بأعيان الْفُقَهَاء والأدباء إِلَى سجلماسة ليقْرَأ عَلَيْهِم وَيَأْخُذ عَنْهُم وَيَدْعُو لَهُ فِي كل موقف على رُؤُوس الأشهاد وَيَقُول إِن وَلَدي سُلَيْمَان رَضِي الله عَنهُ لم يبلغنِي عَنهُ قطّ مَا يكدر باطني عَلَيْهِ فأشهدكم أَنِّي عَنهُ رَاض وَنَشَأ رَحمَه الله نشأة حَسَنَة
(3/86)

طيبَة وَكَانَت شمائل الْملك لائحة عَلَيْهِ إِلَى أَن أظفره الله بِهِ وَكُنَّا قدمنَا أَنه قدم على أَخِيه الْمولى يزِيد بقبائل الصَّحرَاء فأجل مقدمه وَأكْرم وفادته فَأَقَامَ الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله بفاس إِلَى أَن كَانَت وَفَاة الْمولى يزِيد فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم فاتصل خبر مَوته بِأَهْل فاس ومكناسة فَقَامُوا على سَاق وَاتفقَ العبيد والودايا والبربر وَأهل فاس على بيعَته لما كَانَ عَلَيْهِ من الْعلم وَالدّين وَالْفضل وَسَائِر الْأَوْصَاف الحميدة الَّتِي تفرد بهَا عَن غَيره وَلما قدم العبيد والبربر من مكناسة إِلَى فاس اجْتَمعُوا بأعيان الودايا وَأهل فاس ودخلوا ضريح الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ وَبَايَعُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان يَوْم الأثنين سَابِع عشر رَجَب سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما تمت بيعَته انْتقل إِلَى فاس الْجَدِيد فاستقر بدار الْملك مِنْهَا وقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْقَبَائِل من الْعَرَب والبربر بهداياهم ثمَّ قدم عَلَيْهِ بعدهمْ قبائل بني حسن وَأهل الغرب ثمَّ أهل العدوتين سلا ورباط الْفَتْح وانحرف بعض أهل رِبَاط الْفَتْح عَن بيعَته كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ قدم عَلَيْهِ أهل الثغور الهبطية بعد أَن توقفوا عَن بيعَته مُدَّة يسيرَة لأَنهم كَانُوا قد بَايعُوا الْمولى مسلمة كَمَا مر
وَنَصّ بيعَة أهل فاس الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه الْحَمد لله الَّذِي نظم بالخلافة شَمل الدّين وَالدُّنْيَا وَأَعْلَى قدرهَا على كل قدر فَكَانَت لَهَا الدرجَة الْعليا وأشرق شمسها على العوالم وأنار بنورها المعالم وَأصْلح بهَا أَمر المعاش والمعاد وَألف بهَا بَين قُلُوب الْعباد من الْحَاضِر والباد وَجعلهَا صونا للدماء وَالْأَمْوَال والأعراض وغل بهَا أَيدي الْجَبَابِرَة فَلم تصل إِلَى مفاسد الْأَغْرَاض وَقَامَ بهَا أَمر الْخلق واستقام وأقيمت الشَّرَائِع وَالْحُدُود وَالْأَحْكَام وَنصب منارها علما هاديا وأقامه إِلَى الْحق دَاعيا فأوى لظلها الوريف الْقوي والضعيف والمشروف والشريف فسبحان من قدر فهدى وَلم يتْرك الْإِنْسَان سدى بل أمره وَنَهَاهُ وحذره اتِّبَاع هَوَاهُ وطوقه الْقيام بالنفل وَالْفَرْض وَهُوَ أحكم
(3/87)

الْحَاكِمين {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين} الْبَقَرَة 25 فَمن رَحمته نصب الْمُلُوك ومهد الطَّرِيق للسير والسلوك وَلَو ترك النَّاس فوضى لأكل بَعضهم بَعْضًا وَآل الْأَمر إِلَى الخراب وأفضى لَوْلَا الْخلَافَة لم تؤمن لنا سبل وَكَانَ أضعفنا نهبا لقوانا وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْمَبْعُوث رَحْمَة للأنام أصل الْوُجُود ومبدأه وَغَايَة الْكَمَال ومنتهاه سيد الْأَوْلِيَاء وَإِمَام الْأَنْبِيَاء وقائد الأصفياء وعَلى آله أولي الْمجد العميم وَالْقدر الْعَظِيم وَأَصْحَابه الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والهداة المهتدين الَّذين شيدوا أَرْكَان الدّين ومهدوا قَوَاعِده للمشيدين وأخبروا عَنهُ وأسندوا إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الله اخْتصَّ بِهَذَا الْأَمر قُريْشًا وَأنزل عَلَيْهِ {وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء} الْبَقَرَة 247 هَذَا وَلما قضى الله سُبْحَانَهُ وَله الْبَقَاء والدوام بنزول مَا لَا بُد مِنْهُ من فَجْأَة الْحمام لمن كَانَ قَائِما بِهَذَا الْأَمر الْعَظِيم وانتقاله إِلَى دَار عَفوه ورضوانه العميم أسْكنهُ الله فسيح الْجنان وَسَقَى ثراه سحائب الرَّحْمَة والغفران وَجب على النَّاس نصب إِمَام لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من مَاتَ وَلَيْسَت فِي عُنُقه بيعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة فجالت أفكارهم وخاصت عُقُولهمْ وأنظارهم فِيمَن يقدمُونَ لهَذَا المنصب الْأَعْظَم ويسلك بهم السَّبِيل الأقوم فهداهم التَّوْفِيق والتسديد والرأي الصَّالح السديد إِلَى من نَشأ فِي عفة وصيانة ومروءة وديانة وعكوف على تَحْصِيل الْعلم الشريف ودؤب على التحلي بحلى الْعَمَل المنيف مَعَ نجدة ونباهة وذكاء وفطانة ونزاهة وعلو همة وَقُوَّة عَزمَة وتدبير وسياسة وَخَبره بالأمور وفراسة فَتى جمع الله لَهُ بَين الصرامة والحلم وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم وَألبسهُ الهيبة وَالْوَقار ورقاه أَعلَى رتب الْعِزّ والفخار وَهُوَ السّري الْمُقدم الشهم الأبر الْهمام ذُو الْأَخْلَاق الطاهرة الزكية والمآثر الظَّاهِرَة السّنيَّة عالي الْقدر والشأن فريد الْعَصْر ووحيد الأوان أَبُو الرّبيع مَوْلَانَا سُلَيْمَان ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد ابْن
(3/88)

مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الله ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِسْمَاعِيل ابْن مَوْلَانَا الشريف فانعقد الْإِجْمَاع من أهل هَذِه الحضرة الإدريسية وَمَا حولهَا من الْبِقَاع على تقدمه وإمامته وَاسْتَبْشَرُوا بإمرته وخلافته وَبَادرُوا إِلَى تَعْيِينه وَبَايَعُوهُ بيعَة انْعَقَد على ألوية النَّصْر عقدهَا وطلع فِي أفق الهناء سعدها حضرها الصُّدُور والأعيان وَأهل الوجاهة فِي هَذَا الزَّمَان وذوو الْحل وَالْعقد وَمن إِلَيْهِم الْقبُول وَالرَّدّ من عُلَمَاء وأعلام وَأَصْحَاب الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام وَعُظَمَاء أَشْرَاف كرام ورماة كبرا وولاة أمرا ورؤساء أجناد والمتقدمين فِي كل نَاد من عرب البدو والحضر وجيوش العبيد والبربر فانعقدت بِحَمْد الله مؤسسة على التَّقْوَى وَاشْتَدَّ بهَا عضد الْإِسْلَام وتقوى بيعَة تَامَّة محكمَة الشُّرُوط وفية العهود وَثِيقَة الربوط جَارِيَة على سنَن السّنة وَالْجَمَاعَة سَالِمَة من كل كلفة ومشقة وتباعة رَضِي الْكل بهَا وارتضاها وألزم حكمهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وأمضاها شهد بذلك الْحَاضِرُونَ على أنفسهم طَوْعًا وأدوا إِلَيْهِ تَعَالَى مَا وَجب عَلَيْهِم شرعا جعلهَا الله رَحْمَة على الْخلق وَأقَام بهَا فِي البسيطة الْعدْل وَالْحق وأيد بعونه وتأييده وتوفيقه وتسديده من تلقاها بِالْقبُولِ وَأَحْيَا بِهِ سنة سيدنَا ومولانا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشرف وكرم فهنيئا لأرضنا إِذْ أَلْقَت مقاليدها إِلَى من يحمي حماها ويحقن دماها ويكبت عَداهَا وَيدْفَع رداها وينصر الشَّرِيعَة ويشيد مبناها ويعلن بِحَقِيقَة الْحق ويوضح مَعْنَاهَا نَصره الله وَنصر بِهِ وأمات الْبدع والظلالة بِسَبَبِهِ وَدَمرَ بِهِ شيعَة الْجور وَالْفساد وَأبقى الْخلَافَة فِي بَيته إِلَى يَوْم التناد وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النبيئين وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ والراوين عَنْهُم والمتلقين مِنْهُم آمين وَفِي ثامن عشر رَجَب الْفَرد الْحَرَام من سِتَّة وَمِائَتَيْنِ وَألف من هِجْرَة الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وأزكى السَّلَام أفقر العبيد إِلَى الله سُبْحَانَهُ عبد الله تَعَالَى مُحَمَّد التاودي بن الطَّالِب ابْن سَوْدَة المري كَانَ الله لَهُ وليا وَبِه حفيا أَحْمد بن التاودي الْمَذْكُور أَخذ
(3/89)

الله بِيَدِهِ وَكَانَ لَهُ فِي جَمِيع الْأُمُور وأناله الثَّوَاب والأجور وَعبد الله تَعَالَى مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الفاسي لطف الله بِهِ آمين وَعبد الْقَادِر بن أَحْمد بن الْعَرَبِيّ بن شقرون أَمنه الله بمنه آمين وَمُحَمّد بن أَحْمد بنيس كَانَ الله لَهُ وليا ونصيرا آمين وَعبد ربه وأفقر عبيده إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الْمجِيد الفاسي لطف الله بِهِ وَعبد ربه سُبْحَانَهُ يحيى بن الْمهْدي الشفشاوني الحسني لطف الله بِهِ وَعبد ربه عَليّ بن إِدْرِيس كَانَ الله لَهُ ولطف بِهِ آمين وَعبد ربه تَعَالَى مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم لطف الله بِهِ وَعبد ربه سُبْحَانَهُ مُحَمَّد بن مَسْعُود الطرنباطي وَفقه الله بمنه آمين وَعبد ربه سُبْحَانَهُ سُلَيْمَان بن أَحْمد الشهير بالفشتالي كَانَ الله لَهُ وَأصْلح حَاله وَعبد ربه مُحَمَّد الْهَادِي بن زين العابدين الْعِرَاقِيّ الْحُسَيْنِي وَفقه الله وَعبد ربه سُبْحَانَهُ مُحَمَّد التهامي طَاهِر الحسني وَفقه الله آمين وَعبد الْملك بن الْحسن الفضيلي الحسني لطف الله بِهِ آمين وَعبد ربه إِدْرِيس بن هَاشم الحسني الجوطي لطف الله بِهِ آمين انْتهى
حَرْب السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان لِأَخِيهِ الْمولى مسلمة وطرده إِلَى بِلَاد الْمشرق

لما تمت بيعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رَحمَه الله بفاس بِاتِّفَاق أهل الْحل وَالْعقد من الْجند وَالْعُلَمَاء والأشراف وَسَائِر الْأَعْيَان تداعى أَمر الْمولى مسلمة إِلَى الاختلال وَكَانَ أول مَا ابْتَدَأَ بِهِ عمله بعد تِلْكَ الْبيعَة المستعجلة أَن بعث جَرِيدَة من الْخَيل إِلَى نظر الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد الزعري إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَذَلِكَ باستدعاء محتسبها أبي الْفضل الْعَبَّاس مرينو وَأبي عبد الله مُحَمَّد الْمَكِّيّ بن الْعَرَبِيّ فرج من أَهلهَا المنحرفين عَن الْمولى سُلَيْمَان إِلَى التَّمَسُّك بدعوة الْمولى مسلمة وَكَانَ أهل رِبَاط الْفَتْح يَوْمئِذٍ على فرْقَتَيْن فرقة دخلت فِي طَاعَة الْمولى سُلَيْمَان وَفرْقَة أَقَامَت بالتمسك ببيعة الْمولى مسلمة
(3/90)

وَلما اتَّصل بالمولى سُلَيْمَان خبر مسير الزعري إِلَى رِبَاط الْفَتْح عقد لِأَخِيهِ الْمولى الطّيب على بني حسن وَبَعثه فِي اعتراضه فتوافى الجيشان مَعًا برباط الْفَتْح وَوَقعت الْحَرْب فَانْهَزَمَ الزعري وشيعته وَقتل الْعَبَّاس مرينو وفر الْمَكِّيّ فرج إِلَى الزاوية التهامية فَاسْتَجَارَ بهَا وَقبض الْمولى الطّيب على الزعري وَجَمَاعَة من أَصْحَابه ثمَّ سرحه بِأَمْر السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَاجْتمعت كلمة أهل العدوتين على طَاعَته هَكَذَا سَاق صَاحب الْبُسْتَان هَذَا الْخَبَر وَآل فرج يثبتونه وَيَقُولُونَ إِن أصل هَذِه الْفِتْنَة أَن آل مرينو كَانَت لَهُم الوجاهة مَعَ الْمولى يزِيد رَحمَه الله فسعوا عِنْده بآل فرج وَقَالُوا لَهُ إِنَّهُم تقاعدوا على مَال الْوَزير أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ قادوس الَّذِي أَمنه عِنْدهم فبطش بهم الْمولى يزِيد وصادرهم واستحكمت الْعَدَاوَة يَوْمئِذٍ بَينهم وَبَين آل مرينو فَلَمَّا توفّي الْمولى يزِيد بَادر آل مرينو وَمن لافهم إِلَى بيعَة الْمولى مسلمة وانحرف عَنْهُم إِلَى بيعَة الْمولى سُلَيْمَان من لم يكن من حزبهم وَلما قتل الْعَبَّاس مرينو عمد أوباش رِبَاط الْفَتْح إِلَى شلوه وربطوا فِي رجله حبلا وجروه فِي أسواق الْمَدِينَة وعرضوه على حوانيتها حانوتا حانوتا إِذْ كَانَ فِي حَيَاته محتسبا رَحمَه الله وَكَانَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما بفاس لم يَتَحَرَّك مِنْهُ ثمَّ أَن الْمولى مسلمة صَاحب بِلَاد الهبط بعث وَلَده إِلَى آيت يمور وَأمرهمْ أَن يشنوا الْغَارة على أهل زرهون الَّذين هم فِي طَاعَة السُّلْطَان فَفَعَلُوا وَكثر عيثهم فِي الرعايا فَسَار السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى مكناسة واستنفر جَيش العبيد وقبائل البربر ثمَّ وافاه الودايا وَأهل فاس وشراقة فَاجْتمع عَلَيْهِ الجم الْغَفِير وصمد بهم إِلَى آيت يمور فألفاهم على نهر سبو بالموضع الْمَعْرُوف بِالْحجرِ الْوَاقِف فصمدت إِلَيْهِم العساكر وأوقعت بهم وقْعَة شنعاء وفر ولد الْمولى مسلمة فلحق بِأَبِيهِ ولجأ آيت يمور بقضهم وقضيضهم إِلَى جبل سلفات وَبقيت حلتهم بماشيتها وأثاثها بيد السُّلْطَان فانتهبتها جيوشه من العبيد والودايا والبربر وَبَات السُّلْطَان هُنَالك وَلما أصبح بعث إِلَيْهِ آيت يمور نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ للشفاعة وَطلب الْعَفو فَعَفَا عَنْهُم وثابوا إِلَيْهِ وَبَايَعُوهُ فأنعم عَلَيْهِم بماشيتهم وزرعهم وَعَاد إِلَى فاس ثمَّ
(3/91)

بلغه أَن الْمولى مسلمة معسكر بِبِلَاد الحياينة فَنَهَضَ إِلَيْهِ من فاس فأوقع بِهِ فَانْهَزَمَ الْمولى مسلمة وجيشه وَنهب جَيش السُّلْطَان حلَّة الحياينة وجاؤوا تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم ونظمهم فِي سلك الْجَمَاعَة وتفرق عَن الْمولى مسلمة كل من كَانَ مَعَه من عرب الْخَلْط وَأهل الْجَبَل وَلم يبْق مَعَه إِلَّا خاصته وَأَوْلَاده وَابْن أَخِيه الْمولى حسن بن يزِيد فَسَار إِلَى جبل الزَّبِيب فَلم يقبلوه ثمَّ انْتقل إِلَى الرِّيف فأهملوه ثمَّ صعد إِلَى جبل بني يزناسن فطردوه ثمَّ توجه إِلَى ندرومة فَمَنعه صَاحبهَا من الْوُصُول إِلَى الباي صَاحب الجزائر وَكَانَ ذَلِك عَن أَمر مِنْهُ فَتوجه إِلَى تلمسان وَأقَام بهَا
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَهُنَاكَ اجْتمعت بِهِ فِي ضريح الشَّيْخ أبي مَدين بالعباد يَعْنِي حِين قدم تلمسان مفارقا للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَزعم أَن الْمولى مسلمة لما اجْتمع بِهِ لامه على تخذيل النَّاس عَن بيعَته وحضه إيَّاهُم على بيعَة أَخِيه الْمولى سُلَيْمَان قَالَ فبينت لَهُ حَال الْمولى سُلَيْمَان وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من اتِّبَاع سيرة وَالِده فِي الْعدْل والرفق بالرعية وَبِذَلِك أحبه النَّاس فَلَمَّا سمع كَلَامي بَكَى واعترف بِالْحَقِّ وتلا قَوْله تَعَالَى {وَلَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر} الْأَعْرَاف 188 ثمَّ طلب من صَاحب الجزائر أَن يَأْذَن لَهُ فِي الذّهاب إِلَى الْمشرق والمرور بإيالته فَأبى وَبعث من أزعجه من تلمسان إِلَى سجلماسة
وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان الْمولى سُلَيْمَان وَأَنه عَاد إِلَى سجلماسة أرسل إِلَيْهِ مَالا وكسى وَعين لَهُ قَصَبَة ينزلها ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ فِي كل شهر كَسَائِر إخْوَته فَلم يطب لَهُ مقَام بهَا وَسَار إِلَى الْمشرق فاجتاز فِي طَرِيقه بِصَاحِب تونس الْأَمِير حمودة باشا ابْن عَليّ باي
قَالَ صَاحب الْخُلَاصَة النقية قدم الْمولى مسلمة بن مُحَمَّد على الْأَمِير حمودة باشا شَرِيدًا أثر خلعه من مملكة فاس فأنزله أَسْنَى منزلَة وأجرى عَلَيْهِ جراية سلطانية وَبَالغ فِي بره اه ثمَّ أَن الْمولى مسلمة سَافر إِلَى الْمشرق فَأَقَامَ بِمصْر مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى مَكَّة فَنزل على سلطانها صهره على أُخْته فَأكْرمه ورتب لَهُ جراية ثمَّ عَاد من مَكَّة إِلَى مصر وَسَاءَتْ حَاله فِي هَذِه الْمدَّة وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فَرجع إِلَى تونس وَنزل على حمودة
(3/92)

باشا الْمَذْكُور فعاود إكرامه ثمَّ طلب مِنْهُ أَن يشفع لَهُ عِنْد أَخِيه الْمولى سُلَيْمَان فَكتب لَهُ بذلك فَأخذ كِتَابه وَانْحَدَرَ إِلَى وهران وَطلب من أميرها الشَّفَاعَة أَيْضا فَكتب لَهُ وَبعث بمكاتيب الأميرين إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فَقبله وَأمره أَن يذهب إِلَى سجلماسة ينزل بهَا بدار وَالِده ويرتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ من مُؤنَة وَكِسْوَة ويقاسمه نعْمَته وَيبقى بَعيدا عَن سماسرة الْفِتَن حَتَّى لَا يَجدوا سَبِيلا إِلَى إيقاد نَار الْفِتْنَة فَلَمَّا بلغه جَوَاب أَخِيه لم يرض ذَلِك وَعَاد إِلَى الْمشرق فَبَقيَ يتَرَدَّد بِهِ إِلَى أَن وافته منيته واستراح من تَعب الدُّنْيَا رَحمَه الله
نهب عرب آنقاد لركب حَاج الْمغرب وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

ثمَّ بلغ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله أَن جمَاعَة من التُّجَّار وَالْحجاج الَّذين قدمُوا من الْمشرق خَرجُوا من وَجدّة متوجهين إِلَى فاس فَلَمَّا توسطوا أَرض آنقاد عدت عَلَيْهِم عربها فنهبتهم فاستدعى السُّلْطَان رَحمَه الله الْكَاتِب أَبَا الْقَاسِم الصياني وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَى وَجدّة يكون واليا بهَا وَيصْلح مَا فسد من أَعمالهَا فكره الصياني ذَلِك واستقال فَلم يقلهُ السُّلْطَان وعزم عَلَيْهِ فِي الْمسير إِلَيْهَا وَعين لَهُ مائَة فَارس تذْهب مَعَه فامتثل راغما وأضمر أَنه إِن فَارق السُّلْطَان يذهب إِلَى أحد الْحَرَمَيْنِ الشريفين فيقيم بِهِ بَقِيَّة عمره وَجمع موجوده وَخرج فَخرج مَعَه قفل التُّجَّار الَّذِي كَانَ محصورا بفاس وَلما توسطوا أَرض آنكاد وجدوا الْعَرَب فِي انتظارهم فثأروا بهم وقاتلوهم فتماسكت خيل السُّلْطَان هنيئة ثمَّ كثرهم الْعَرَب فهزموهم وَلم يبْق من تِلْكَ الْخَيل إِلَّا قائدها فِي عشرَة من إخوانه وانتهبت الْعَرَب مَا كَانَ فِي ذَلِك القفل من أَمْتعَة التُّجَّار وسلعها وَلم ينج من نجا مِنْهُ إِلَّا بِنَفسِهِ قَالَ الصياني فلجأنا إِلَى قَصَبَة الْعُيُون وتفرق جَمعنَا وَقتل منا سَبْعَة نفر وجرح آخَرُونَ فَبعثت من أَتَانَا بالقتلى فدفناهم ثمَّ سرحت قَائِد الْخَيل إِلَى وَجدّة مَعَ بعض الْعَرَب الَّذين هُنَالك وطلعت أَنا مَعَ برابرة بني يزناسن وَلَيْسَ معي إِلَّا مركوبي
(3/93)

وَفرس آخر كَانَ عَلَيْهِ مَمْلُوك لي قتل فِي المعركة قَالَ ثمَّ خلصت إِلَى وهران فَنزلت عِنْد الباي مُحَمَّد باشا فأظهر التأسف والتوجع وراودني على الْمقَام فأبيت ثمَّ ذكر الصياني أَنه بعد هَذَا ذهب إِلَى تلمسان وَاجْتمعَ هُنَالك بالمولى مسلمة بن مُحَمَّد وتلاوما وتعاتبا حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَكَانَ ذَلِك أَوَاخِر سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف
بعث السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان الجيوش إِلَى الْحَوْز ونهوضه على أَثَرهَا إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَعوده إِلَى فاس
قد قدمنَا أَن أهل مراكش وقبائل الْحَوْز كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدعوة الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد من لدن دولة الْمولى يزِيد رَحمَه الله وَلما صفت بِلَاد الغرب للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله تاقت نَفسه إِلَى تمهيد بِلَاد الْحَوْز والاستيلاء عَلَيْهَا فعقد لِأَخِيهِ الْمولى الطّيب بن مُحَمَّد على عشرَة آلَاف من الْخَيل وَعين مَعَه جمَاعَة من قواد الْجَيْش وبعثهم إِلَى قبائل الشاوية وَذَلِكَ أَوَاخِر سنة سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف ثمَّ زحف السُّلْطَان على أَثَرهم إِلَى رِبَاط الْفَتْح فمحا بَقِيَّة آثَار الْفِتْنَة الَّتِي نشأت بهَا وَأقَام ينْتَظر مَا يكون من أَمر أَخِيه
وَفِي سادس شَوَّال من السّنة صلى السُّلْطَان الْجُمُعَة بِمَسْجِد القصبة مِنْهَا وَكَانَ هُوَ الإِمَام وخطب خطْبَة بليغة تشْتَمل على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والتحذير من الْحَرَام وَاجْتنَاب الآثام ووعد وأوعد وَقَالَ فِي آخر خطبَته وانصر اللَّهُمَّ جيوش الْمُسلمين وعساكرهم ودعا لكافة الْأمة وَصلى فِي الرَّكْعَة الأولى بِسُورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة بِسُورَة الغاشية الخ وَلما قدم الْمولى الطّيب بِلَاد الشاوية تنافس قواد الْجَيْش الَّذين مَعَه وَتَنَازَعُوا الرياسة وَصَارَ كل وَاحِد مِنْهُم يرى أَنه صَاحب الْأَمر وَكَانَ من أعظمهم تهورا الْقَائِد الغنيمي كَانَ من قواد الْمولى يزِيد رَحمَه الله فأبقاه الْمولى سُلَيْمَان على رياسته تألفا لَهُ فاستبد على سَائِر القواد فِي الرَّأْي إِذْ كَانَ رَدِيف
(3/94)

الْخَلِيفَة الْمولى الطّيب وَصَاحب مشورته فَلَمَّا كَانَ وَقت اللِّقَاء تخاذلوا عَنهُ وجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة وَتركُوا أخبيتهم وأثاثهم بيد الْعَدو وَرَجَعُوا مفلولين إِلَى السُّلْطَان برباط الْفَتْح وهم عشرَة آلَاف فَارس كَمَا مر فَمَا وسع السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَّا الرُّجُوع بهم إِلَى فاس لتجديد آلَة السّفر والغزو ثَانِيًا وإخلاف مَا ضَاعَ من الأخبية وَالسِّلَاح والأثاث حَسْبَمَا يذكر بعد إِن شَاءَ الله
ثورة مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الخمسي الْمَعْرُوف بزيطان بِالْجَبَلِ

لما كَانَت سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَألف ثار بقبيلة الْأَخْمَاس من جبال عمَارَة رجل من طلبتها يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن عبد السَّلَام ويدعى زيطان فاجتمعت عَلَيْهِ سماسرة الْفِتَن من كل قَبيلَة وَكثر تابعوه وَكَانَ السَّبَب فِي ثورته أَن الْقَائِد قاسما الصريدي كَانَ واليا بِتِلْكَ النَّاحِيَة أَيَّام الْمولى يزِيد رَحمَه الله فَلَمَّا بُويِعَ الْمولى سُلَيْمَان ولى على تِلْكَ النَّاحِيَة الْقَائِد الغنيمي الْمُتَقَدّم الذّكر وَكَانَ عسوفا فِيمَا قيل فَقبض على الْقَائِد قَاسم واستصفى أَمْوَاله وَبث عَلَيْهِ الْعَذَاب كي يظْهر مَا بَقِي عِنْده حَتَّى هلك فِي الْعَذَاب فثار زيطان وَاجْتمعت عَلَيْهِ الغوغاء من أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَلما شرى داؤه بعث السُّلْطَان بِجَيْش إِلَى الْقَائِد الغنيمي وَأمره أَن يقْصد زيطان وَجمعه فزحف إِلَيْهِ بِبِلَاد غصاوة قرب وازان وأوغل فِي طلبه فَنَهَاهُ من مَعَه من رُؤَسَاء الْجَيْش عَن التورط بِالنَّاسِ فِي تِلْكَ الْجبَال والشعاب فلج واقتحمها بخيله وراميته وَلما توسطها سَالَتْ عَلَيْهِ الشعاب بالرماة من كل جَانب وهاجت الْحَرْب وأحاط الْعَدو بالجيش فَقتلُوا مِنْهُم وسلبوا كَيفَ شاؤوا وردوهم على أَعْقَابهم منهزمين وَلما اتَّصل خبر الْهَزِيمَة بالسلطان اغتاظ وَقبض على الغنيمي وَمكن مِنْهُ أَوْلَاد قَاسم الصريدي فباشروا قَتله بِأَيْدِيهِم وَاقْتَصُّوا مِنْهُ بأبيهم وَولى على قبائل الْجَبَل أَخَاهُ الْمولى الطّيب وفوض إِلَيْهِ أَمر الثغوروأنزله طنجة وَبَقِي الْمولى
(3/95)

الطّيب يدبر أَمر الْقَبَائِل الجبلية وثغورها من تطاوين إِلَى طنجة إِلَى العرائش وَكلما بَدَت لَهُ فُرْجَة سدها أَو فرْصَة انتهزها وَحَارب قبائل الفحص إِلَى أَن اسْتَكَانُوا وانقادوا إِلَى الطَّاعَة ثمَّ حَارب أهل حوز طنجة وآصيلا من بني يُدِير والأخماس من أَصْحَاب زيطان فَكَانَت الْحَرْب بَينهم سجالا
ثمَّ لما دخلت سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف أمد السُّلْطَان أَخَاهُ الْمولى الطّيب بِجَيْش وافاه بطنجة فَخرج مِنْهَا وَمَعَهُ عسكرها وعسكر العرائش وصمد إِلَى بني جرفط عش الْفساد وَنزل على بِلَادهمْ وَقَاتلهمْ فِي عقر دِيَارهمْ فَقتل مُقَاتلَتهمْ وأحرق مداشرهم وانتهب أَمْوَالهم ومزقهم كل ممزق فجاؤوه خاضعين تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ تقدم إِلَى بني حرشن من بني يُدِير على تفيئة ذَلِك ففر الثائر زيطان إِلَى قبيلته بالأخماس وتسللت عَنهُ الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت ملتفة عَلَيْهِ واستنزله الْمولى الطّيب بالأمان فظفر بِهِ وَبعث بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَأمْضى لَهُ أَمَانَة وولاه على قبيلته وَصَارَ من جملَة خدام الدولة ونصحائها إِلَى أَن ملك زمامها وَتعين غَيره للْقِيَام بأمرها فَأخر وَنَقله السُّلْطَان إِلَى تطاوين فسكنها ورتب لَهُ بهَا مَا يَكْفِيهِ وَبَقِي إِلَى أَوَاخِر دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَلما خرج عَلَيْهِ الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد وَدخل تطاوين كَانَت لزيطان هَذَا فِي التَّمَسُّك بدعوة السُّلْطَان الْيَد الْبَيْضَاء وأغنى غناء جميلا فِي تثبيت تِلْكَ الْقَبَائِل وتسكينها ثمَّ وَفد على السُّلْطَان بطنجة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقد طعن فِي السن فَأحْسن إِلَيْهِ غَايَة الْإِحْسَان وَإِلَى الْآن لَا زَالَ أهل الْأَخْمَاس يستنصرون بحفدته ويعتقدون فيهم مَا تعتقده آيت ومالو فِي آل مهاوش وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين
وَفِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة أَعنِي سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْعَلامَة الإِمَام السَّيِّد التاودي بن سَوْدَة المري الفاسي صَاحب الْحَاشِيَة على البُخَارِيّ والحاشية على شرح الشَّيْخ عبد الْبَاقِي الزّرْقَانِيّ على الْمُخْتَصر وَشرح العاصمية والزقاقية وَغير ذَلِك من التآليف المفيدة وَكَانَ رَحمَه الله خَاتِمَة الشُّيُوخ بفاس ومناقبه شهيرة
(3/96)

أَخْبَار الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد بمراكش والحوز وَمَا يتَّصل بذلك

قد قدمنَا أَن أهل مراكش وقبائل الْحَوْز كَانُوا قد خَرجُوا على السُّلْطَان الْمولى يزِيد وَبَايَعُوا أَخَاهُ الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد وَلما قتل الْمولى يزِيد بمراكش اسْتَقَرَّتْ قدم الْمولى هِشَام بهَا وأطاعته قبائل الْحَوْز كلهَا وَكَانَ وزيراه القائمان بأَمْره صَاحب آسفي الْقَائِد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر الْعَبْدي وَكَانَ غَايَة فِي الْجُود وَبسط الْكَفّ وَصَاحب دكالة والحوز الْقَائِد مُحَمَّد الْهَاشِمِي بن العروسي وَكَانَ ذَا شَوْكَة بعصبيته وَقَومه فَكَانَ هَذَانِ القائدان إِلَيْهِمَا النَّقْض والإبرام فِي دولة الْمولى هِشَام هَذَا بِكَثْرَة مَاله وعطائه وَهَذَا بعصبيته وَشدَّة شوكته فدانت للْمولى هِشَام قبائل دكالة وَعَبدَة وأحمر والشياظمة وحاحة وَغير ذَلِك وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك بُرْهَة من الدَّهْر إِلَى أَن افْتَرَقت عَلَيْهِ كلمة الرحامنة وتجنوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قتل عاملهم الْقَائِد أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الرحماني غيلَة على أَنه كَانَ مُدبر دولته والقائم بأَمْره
قَالَ أكنسوس هَكَذَا شاع أَن الْمولى هشاما هُوَ الَّذِي أَمر بقتل عبد الله الرحماني وَابْن الدَّاودِيّ قَالَ وَالَّذِي تحدث بِهِ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان مَعَ بعض النَّاس هُوَ أَن الْفرْقَة المنحرفة من الرحامنة قَتَلُوهُ وأظهروا أَن الْمولى هشاما هُوَ الَّذِي دس إِلَيْهِم بذلك وَكَذَلِكَ أَمر ابْن الدَّاودِيّ وَالله أعلم وَلما قتل الْقَائِد عبد الله خلعت الرحامنة طَاعَة الْمولى هِشَام وبايعت أَخَاهُ الْمولى حُسَيْن بن مُحَمَّد وزحفوا بِهِ إِلَى مراكش فَلم يرع الْمولى هشاما إِلَّا طبولهم تقرع حول القصبة وأرهفوه وأعجلوه عَن ركُوب فرسه فَخرج يسْعَى على قَدَمَيْهِ إِلَى أَن أَتَى ضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي فعاذ بِهِ وثابت إِلَيْهِ نَفسه وَبعد أَيَّام تسلل وَسَار فِي جمَاعَة من حَاشِيَته إِلَى آسفي وَنزل على وزيره الْقَائِد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر فَأكْرم مثواه وَأحسن نزله وَغدا وَرَاح فِي طَاعَته ومرضاته وَدخل الْمولى حُسَيْن قصر الْخلَافَة
(3/97)

بمراكش فاستولى على مَا فِيهِ من الذَّخِيرَة والأثاث من مَتَاع الْمولى هِشَام ومتخلف الْمولى يزِيد فاضطر أهل مراكش حِينَئِذٍ إِلَى مبايعة الْمولى حُسَيْن وَالْخطْبَة بِهِ وَكَانَ ذَلِك سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف وافترقت الْكَلِمَة بالحوز فَكَانَ بعضه كعبدة وأحمر ودكالة مَعَ الْمولى هِشَام وَبَعضه مثل الرحامنة وَسَائِر قبائل حوز مراكش مَعَ الْمولى حُسَيْن واتقدت نَار الْفِتْنَة بَين هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل وتفانوا فِي الحروب إِلَى أَن بلغ عدد الْقَتْلَى بَينهم أَكثر من عشْرين ألفا هَذَا كُله وَالسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان مُقيم بفاس معرض عَن الْحَوْز ومتربصين بأَهْله الدَّوَائِر إِلَى أَن ملوا الْحَرْب وملتهم وَكَانَ ذَلِك من سعادته فصاروا يَتَسَلَّلُونَ إِلَيْهِ أَرْسَالًا ويسألونه الذّهاب إِلَى بِلَادهمْ ليعطوه صَفْقَة بيعتهم فَكَانَ يعدهم بذلك وَيَقُول إِذا فرغت من أَمر الشاوية قدمت عَلَيْكُم إِن شَاءَ الله
ثورة الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس بآنفا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَت قبائل الشاوية مُنْذُ هزموا جَيش الْمولى الطّيب بن مُحَمَّد وهم حذرون من سطوة السُّلْطَان عالمون بِأَنَّهُ غير تاركهم فعزموا على تلافي أَمرهم عِنْده وأوفدوا عَلَيْهِ جماعات من أعيانهم الْمرة بعد الْمرة يسألونه أَن يولي عَلَيْهِم رجلا يكونُونَ عِنْد نظره ويقفون عِنْد أمره وَنَهْيه فولى عَلَيْهِم ابْن عَمه وصهره على أُخْته الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس بن الْمُنْتَصر وَوَجهه مَعَهم فَقدم الْمولى عبد الْملك أَرض تامسنا وَنزل بِمَدِينَة آنِفا وَهِي الْمُسَمَّاة الْيَوْم بِالدَّار الْبَيْضَاء وَتَوَلَّى الْقيام على مُسْتَفَاد مرْسَاها وَصَارَ يُسهم فِيهِ لأعيان الشاوية الَّذين مَعَه وَكَانَ قَصده بذلك أَن يتألفهم على الطَّاعَة والخدمة فَلَمَّا حصل لَهُم ذَلِك السهْم من المَال تطاولوا إِلَى الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَقد قيل فِي الْمثل قَدِيما لَا تطعم العَبْد الكراع فيطمع فِي الذِّرَاع فَصَارَ الْمولى عبد الْملك يقاسمهم الْمُسْتَفَاد شقّ الأبلمة فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك كتب إِلَيْهِ يعاتبه على
(3/98)

فعله ثمَّ نَهَضَ على تفئة ذَلِك من فاس يُرِيد تامسنا إِذْ لم يشف الْمولى عبد الْملك الغليل فِي ضَبطهَا فَلَمَّا بلغ كتاب السُّلْطَان الْمولى عبد الْملك أنف من ذَلِك العتاب وَكَانَت لَهُ وجاهة عِنْد السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَكَانَ من كبار بني عَمه وخواص قرَابَته ثمَّ اتَّصل بِهِ الْخَبَر بِخُرُوج السُّلْطَان من فاس فطارت نَفسه شعاعا وَاسْتَشَارَ بطانته من الشاوية فَقَالَ لَهُم إِن هَذَا الرجل قادم علينا لَا محَالة وَلَيْسَ لَهُ قصد إِلَّا أَنا وَأَنْتُم فَمَا الرَّأْي قَالُوا الرَّأْي أَن نُبَايِعك ونحاربه قَالَ ذَلِك الَّذِي أُرِيد فَبَايعُوهُ وَلما انْفَصل السُّلْطَان عَن رِبَاط الْفَتْح بعث فِي مقدمته أَخَاهُ وخليفته الْمولى الطّيب وَعقد لَهُ على كَتِيبَة من الْخَيل وَتَبعهُ السُّلْطَان على أَثَره وَلما بَات بقنطرة الحلاج جَاءَهُ الْخَبَر بِأَن قبائل الشاوية قد بَايعُوا الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس واتصل بالمولى عبد الْملك وَهُوَ بآنفا أَن السُّلْطَان بائت بالقنطرة فتضاعف خَوفه وفر فِيمَن بَايعُوهُ من أهل الشاوية وأخلى مَدِينَة آنِفا من خيله وَرجله ففرح أَهلهَا بِخُرُوجِهِ من بَين أظهرهم لِئَلَّا يعديهم جربه وَبَادرُوا بِإِخْرَاج المدافع لَيْلًا إعلاما للسُّلْطَان بفراره ثمَّ أنفذوا إِلَيْهِ رسلهم بجلية الْخَبَر فهش لَهُم السُّلْطَان وَبعث مَعَهم كَتِيبَة من الْخَيل تقيم بآنفا وَتقدم هُوَ بالعساكر إِلَى قَصَبَة عَليّ بن الْحسن فَأَغَارَ على حلَّة مديونة وزناته فنهبها وامتلأت أَيدي الْجَيْش وأوغل الْمولى عبد الْملك فِي الْفِرَار إِلَى جِهَة أم الرّبيع وَعَاد السُّلْطَان بِالنعَم والماشية إِلَى رِبَاط الْفَتْح فَدَخلَهَا مؤيدا منصورا وَنقل تجار النَّصَارَى الَّذين كَانُوا بآنفا إِلَى رِبَاط الْفَتْح وأبطل مرْسَاها واستمرت معطلة إِلَى دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام فأحياها كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله ثمَّ ارتحل السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى مكناسة فاحتل بهَا وَقَالَ فِي ذَلِك الْعَلامَة الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن شقرون
(مولَايَ أَنْت الَّذِي صفت مشاربه ... إِن تغز نَاحيَة أوليتها جِلْدك)
(هذي البشائر وافت وَهِي قائلة ... أعوذ بِاللَّه من شَرّ الَّذِي حسدك)
(3/99)

(فاصعد على مِنْبَر الإقبال معتليا ... فالسعد أنْجز مَا كَانَ بِهِ وَعدك)
(وانهض إِلَى غَايَة الآمال تدركها ... فَالْآن قَالَت لَك العلياء هَات يدك)
(وَلَا تخف أبدا من سوء عَاقِبَة ... فَلَيْسَ يفلح من بالسوء قد قصدك)
(ألبسك الْملك العميم نائله ... من الرضى حللا قوى بهَا مددك)
(فضلا من الحكم الترضي حكومته ... جعلهَا كالشجا فِي حلق من جحدك)
(فاشكر صَنِيع الَّذِي أولاك مكرمَة ... تنَلْ رِضَاهُ وتبلغ بالرضى رشدك)
قدوم عرب الرحامنة على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ومسيره إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

قد قدمنَا أَن أهل الْحَوْز افْتَرَقت كلمتهم على قسمَيْنِ فبعضهم بَايع الْمولى حُسَيْن بن مُحَمَّد وَبَعْضهمْ أَقَامَ على بيعَة أَخِيه الْمولى هِشَام وَأَنه نَشأ عَن ذَلِك حروب تفانى فِيهَا الْخلق
فَلَمَّا كَانَت سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف قدم على السُّلْطَان بمكناسة جمَاعَة من أَعْيَان الرحامنة مبايعين لَهُ وسائلين لَهُ الْمسير مَعَهم إِلَى بِلَادهمْ لتجتمع كلمتهم عَلَيْهِ فَوَعَدَهُمْ بِأَنَّهُ إِذْ فرغ من أَمر الشاوية ومهد طَرِيقه بهَا إِلَى الْحَوْز سَار إِلَيْهِم ثمَّ قوى عزمه رَحمَه الله فَخرج فِي العساكر من مكناسة وَقصد تامسنا فَلَمَّا احتل بهَا قدم عَلَيْهِ أَوْلَاد أبي رزق وفر أَوْلَاد أبي عَطِيَّة وَأَوْلَاد حريز الَّذين عِنْدهم الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس ولجؤوا إِلَى وَادي أم الرّبيع فقصدهم السُّلْطَان هُنَالك وأوقع بهم وفر الْمولى عبد الْملك إِلَى أَخْوَاله بالسوس فَأَقَامَ عِنْدهم إِلَى أَن شفع فِيهِ أَخُو السُّلْطَان الْمولى عبد السَّلَام بن مُحَمَّد وَأُخْته الملاة صَفِيَّة وَكَانَت زَوْجَة الْمولى عبد الْملك فَقبل السُّلْطَان شفاعتهما فَعَفَا عَنهُ وَعَاد إِلَى فاس وَاطْمَأَنَّ جنبه وَأما الشاوية فَإِنَّهُم قدمُوا على السُّلْطَان تَائِبين خاضعين فَعَفَا عَنْهُم وَولى عَلَيْهِم الْأُسْتَاذ الْغَازِي بن الْمدنِي المزمري فصلحت الْأَحْوَال على يَده
(3/100)

وَرجع السُّلْطَان إِلَى فاس مظفرا منصورا فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فتهيأ للغزو وَخرج إِلَى بِلَاد دكالة فاستولى عَلَيْهَا وعَلى مَدِينَة آزمور وتيط وَبَايَعَهُ أهل تِلْكَ النَّاحِيَة وَقدم عَلَيْهِ أَعْيَان دكالة تَائِبين وَخَرجُوا من زمرة عَبدة وسلطانهم الْمولى هِشَام وانتظموا فِي سلك الْجَمَاعَة وَهُنَاكَ قدم عَلَيْهِ أَعْيَان الرحامنة ثَانِيَة ببيعتهم فَأكْرم مقدمهم وزحف إِلَى مراكش وهم فِي ركَانَة فَلَمَّا شارفها فر عَنْهَا سلطانها الْمولى حُسَيْن إِلَى زَاوِيَة الْمولى إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الأمغاري بِالْجَبَلِ فَدخل السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا وَقدم عَلَيْهَا بهَا قبائل الْحَوْز والدير وقبائل حاحة والسوس بهداياهم مغتبطين فسر بهم وَأكْرمهمْ وَأصْلح بَين قبائل الْحَوْز وَجمع كلمتهم وأهدر دِمَاءَهُمْ ومهد بِلَادهمْ ورتب حاميتها وَأنزل بقصبة مراكش أهل الْحَوْز الَّذين كَانُوا بهَا أَيَّام وَالِده ورتب لَهُم الجرايات وَأمر بِأَلف من عبيد السوس يأْتونَ لسكنى القصبة واستقامت الْأُمُور
دُخُول آسفي وصاحبها الْقَائِد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر الْعَبْدي فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

كَانَ عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر هَذَا على مَا وصفناه قبل من الوجاهة ونفوذ الْكَلِمَة بآسفي وأعمالها وَكَانَ مستوليا على جباية مرْسَاها وخلد بهَا آثارا مثل الدَّار الْكُبْرَى الَّتِي على شاطىء الْبَحْر وَمَسْجِد الزاوية وَغير ذَلِك وَكَانَ جوادا بالعطاء وَلما استولى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله على مراكش بعث إِلَيْهِ كَاتبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عُثْمَان المكناسي ليَأْتِيه بِهِ أَو يَأْذَن بحربه وَلما وصل الْكَاتِب الْمَذْكُور إِلَيْهِ بآسفي ألفاه مَرِيضا فَاعْتَذر عَن الْقدوم على السُّلْطَان بِالْمرضِ وَكتب بيعَته وَأدّى طَاعَته وانتقل الْمولى هِشَام عَنهُ إِلَى زَاوِيَة الشرابي فَأَقَامَ بهَا فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان من أَمنه وَجَاء بِهِ إِلَيْهِ فلقاه مبرة وتكرمة وَقدم إِلَيْهِ المراكب والكسي وأنزله بدار أَخِيه الْمولى الْمَأْمُون
(3/101)

ريثما استراح ثمَّ بَعثه إِلَى رِبَاط الْفَتْح فاستوطنها ورتب لَهُ من الجراية مَا يَكْفِيهِ وَلما قدم الْكَاتِب ابْن عُثْمَان على السُّلْطَان ببيعة عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر وَاعْتذر لَهُ عَنهُ بِالْمرضِ قبل ظَاهر عذره وأرجأ أمره إِلَى يَوْم مَا
وَحكى صَاحب الْجَيْش أَن الْمولى هشاما لما قدم على السُّلْطَان بمراكش وَنزل بدار أَخِيه الْمولى الْمَأْمُون أَتَاهُ السُّلْطَان بعد ثَلَاث إِلَى منزله رَاجِلا لقرب الْمسَافَة وَلما التقيا تعانقا وتراحما ثمَّ جَاءَ مَعَه الْمولى هِشَام حَتَّى دخلا بُسْتَان النّيل من بَاب الرئيس وَنصب لَهُ السُّلْطَان كرسيا جلس عَلَيْهِ وَجلسَ هُوَ أَمَامه إعظاما لَهُ لكَونه أسن مِنْهُ ثمَّ صَار يستدعيه صباحا وَمَسَاء فيجلسان ويتحدثان ثمَّ يفترقان وَكَانَ لَا يتغدى وَلَا يتعشى إِلَّا وَهُوَ مَعَه وَكلما دخل عَلَيْهِ رفع مَجْلِسه وأجله وَإِذا ذكره لَا يذكرهُ إِلَّا بِلَفْظ الْأُخوة بِأَن يَقُول أخي الْمولى هِشَام دون سَائِر بني أَبِيه وَلما طلب الْمولى هِشَام مِنْهُ السُّكْنَى برباط الْفَتْح أَجَابَهُ إِلَيْهَا وَقضى مآربه وأزاح علله ثمَّ عَاد إِلَى مراكش فَكَانَت منيته بهَا كَمَا نذكرهُ
دُخُول الصويرة وأعمالها فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

كَانَ من خبر دُخُول الصويرة وأعمالها فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله أَن الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الصَّادِق المسجيني وَهُوَ من عبيد الصويرة كَانَ قد قدم من الْحَج عامئذ فَمر على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَهُوَ بالغرب فَدخل عَلَيْهِ فولاه على الصويرة وَكتب لَهُ الْعَهْد بذلك وَأمره بإخفائه حَتَّى يختبر حَال أَهلهَا وَيعلم أَيْن هواهم إِذْ كَانَ ذَلِك قبل أَن يطَأ السُّلْطَان بِلَاد الْحَوْز ويستولي عَلَيْهَا وَكَانَت الصويرة حِينَئِذٍ من جملَة النواحي الَّتِي إِلَى نظر عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر وَمن فِي حزبه وَتَحْت غَلَبَة حاحة وعصبيتها وَكَانَ الْوَالِي بهَا يَوْمئِذٍ الْقَائِد أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن بيهي الحاحي وَكَانَت
(3/102)

لَهُ نباهة وَذكر فِي قبائل حاحة وَمَا اتَّصل بهَا فَقدم ابْن عبد الصَّادِق الصويرة على أَنه قدم من حجه لَا غير فأراح بمنزله ثَلَاثًا ثمَّ جَاءَ إِلَى بَاب الْقَائِد وَأظْهر عبد الْملك بن بيهي وَأقَام من جملَة الأعوان فِي الْخدمَة المخزنية إِذْ تِلْكَ هِيَ وظيفته وخف فِي خدمَة الْقَائِد الْمَذْكُور واعتمل فِي مرضاته وَأظْهر من النصح مَا قدر عَلَيْهِ ولازم الْبَاب لَيْلًا وَنَهَارًا فَكَانَ عبد الْملك لَا يخرج إِلَّا ويجده قَائِما محتزما على الْبَاب كَمَا قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد فِي فَتى بني شَيبَان يزِيد بن مُزْبِد بن زَائِدَة
(ترَاهُ فِي الْأَمْن فِي درع مضاعفة ... لَا يَأْمَن الدَّهْر أَن يدعى على عجل)
فَلم يلبث أَن حلى بِعَيْنيهِ وعظمت مَنْزِلَته لَدَيْهِ فقدمه على الأعوان وعَلى الْحَاشِيَة حَتَّى اتَّخذهُ صَاحب رَأْيه وَجعله عَيْبَة سره وَابْن عبد الصَّادِق فِي أثْنَاء ذَلِك يحكم أمره مَعَ إخوانه مسكينة وَأهل آكادير سرا وَأذنه صاغية لخَبر السُّلْطَان مَتى يطَأ بِلَاد الْحَوْز فَلَمَّا سمع بوصوله إِلَى دكالة واستيلائه على آزمور وتيط أفْضى بِأَمْر ولَايَته إِلَى خاصته وشيعته وواعدهم لمظاهرتهم إِيَّاه على أمره لَيْلَة مَعْلُومَة وَعبد الْملك لَا علم لَهُ بِمَا يُرَاد بِهِ وَكَانَ ابْن عبد الصَّادِق فِيمَا قيل قد أَخذ عَلَيْهِ أَنه إِذا حدث أَمر وَلَو لَيْلًا يخرج إِلَيْهِ حَتَّى يفاوضه فِيمَا يكون عَلَيْهِ الْعَمَل فَجَاءَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَقد هيأ جمَاعَة من عبيد الصويرة الَّذين أعدهم للْقِيَام مَعَه وتركهم بِحَيْثُ يسمعُونَ كَلَامه إِذا تكلم وَقَالَ لَهُم إِذا سمعتموني ُأكَلِّمهُ وأراجعه فِي القَوْل فبادروه واقبضوا عَلَيْهِ ثمَّ تقدم وَاسْتَأْذَنَ على عبد الْملك فَخرج إِلَيْهِ وبينما هُوَ يكلمهُ أحَاط بِهِ العبيد وقبضوا عَلَيْهِ وعَلى جمَاعَة من أَصْحَابه من حاحة الَّذين كَانُوا يخدمونه وَلم يملكوهم من أنفسهم شَيْئا حَتَّى أخرجوهم عَن الْبَلَد فِي تِلْكَ السَّاعَة ودفعوا لعبد الْملك فرسه وَأَغْلقُوا الْبَاب خَلفه وَصفا لَهُم أَمر الْبَلَد وَمن الْغَد جمع ابْن عبد الصَّادِق أهل الصويرة وَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب السُّلْطَان بولايته عَلَيْهِم فأذعنوا وَأَجَابُوا وَلم يرق فِيهَا محجمة دم ثمَّ ورد الْخَبَر عقب ذَلِك بِدُخُول السُّلْطَان إِلَى مراكش واستيلائه عَلَيْهَا وَبهَا تمّ لَهُ أَمر الْمغرب وَصفا لَهُ ملكه وَلم يبْق لَهُ فِيهَا مُنَازع وَذَلِكَ بعد مُضِيّ خمس
(3/103)

سِنِين من ولَايَته رَحمَه الله ثمَّ إِنَّه اسْتخْلف أَخَاهُ الْمولى الطّيب نَائِبا عَنهُ بمراكش وقفل إِلَى فاس من عَامه فَمر على طَرِيق تادلا وَأمر عاملها الْقَائِد عبد الْملك أَن يُغير على بني زمور وينهب أَمْوَالهم وَيقبض على مُقَاتلَتهمْ ويلقاه بهم إِلَى الصَّخْرَة فكرب الْقَائِد عبد الْملك فِي الْجَيْش الَّذِي كَانَ مَعَه واحتال عَلَيْهِم بِأَن أرسل إِلَيْهِم بالقدوم عَلَيْهِ فُرْسَانًا فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ أَمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم وشدهم وثاقا وَحَازَ خليهم وسلاحهم ثمَّ أغار على حلتهم فنهبها وَقدم على السُّلْطَان بمالهم ورقابهم وَكَانُوا مِائَتي رجل بالتثنية فَبعث بهم السُّلْطَان إِلَى مكناسة فسجنوا بهَا حَتَّى صلحت أَحْوَالهم بعد ذَلِك وسرحهم
استرجاع السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان مَدِينَة وَجدّة وأعمالها من يَد التّرْك

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف بعث السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بالعساكر من فاس إِلَى وَجدّة فعقد على الودايا للقائد أبي السرُور عياد بن أبي شفرة وعَلى شراقة للقائد مُحَمَّد بن خدة وعَلى الأحلاف للقائد عبد الله بن الْخضر وَأمرهمْ أَن يَأْتُوا أَرض وَجدّة ويدوخوها ويقاتلوا التّرْك الَّذين استحوذوا عَلَيْهَا ومانعوا دونهَا وَكتب مَعَ ذَلِك إِلَى الباي مُحَمَّد باشا فِي أَن يتخلى عَنْهَا وَعَن قبائلها الَّتِي كَانَ يتَصَرَّف فِيهَا أَيَّام الفترة أَو يَأْذَن بِالْحَرْبِ فامتثل الباي مُحَمَّد ذَلِك وَلم يمانع بل كتب إِلَى نَائِبه بهَا أَن يَتْرُكهَا لأربابها ويتخلى عَن قبائل بني يزناسن وسقونة والمهاية وَأَوْلَاد زكرى وَأَوْلَاد عَليّ وَرَأس الْعين فامتثل وَدخل جَيش السُّلْطَان لوجدة وجبى عَامله زكواتها وأعشارها واستخلف نَائِبه بهَا وقفل بالعساكر على السُّلْطَان وَهُوَ بفاس وَقد تمهد الْملك ووشجت عروقه وَألقى السعد بجرانه وَالْحَمْد لله
وَفِي هَذِه السّنة قدم الشَّيْخ الْفَقِيه المتصوف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التجاني إِلَى
(3/104)

فاس فاستوطنها وَكَانَ الباي مُحَمَّد بن عُثْمَان صَاحب وهران قد أزعجه من تلمسان إِلَى قَرْيَة أبي صمغون فَأَقَامَ بهَا وَأَقْبل أَهلهَا عَلَيْهِ ثمَّ لما مَاتَ الباي الْمَذْكُور وَولي بعده ابْنه عُثْمَان بن مُحَمَّد سعى عِنْده بالشيخ التجاني فَبعث إِلَى أهل أبي صمغون وتهددهم ليخرجوه وَلما سمع بذلك الشَّيْخ الْمَذْكُور خرج مَعَ بعض تلامذته وَأَوْلَاده وسلك طَرِيق الصَّحرَاء حَتَّى احتل بفاس وَلما دَخلهَا بعث رَسُوله بكتابه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان يُعلمهُ بِأَنَّهُ هَاجر إِلَيْهِ من جور التّرْك وظلمهم واستجار مِنْهُم بِأَهْل الْبَيْت الْكَرِيم فَقبله السُّلْطَان وَأذن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ والحضور بمجلسه وَلما اجْتمع بِهِ وَرَأى سمته ومشاركته فِي الْعُلُوم أقبل عَلَيْهِ واعتقده وَأَعْطَاهُ دَارا مُعْتَبرَة من دوره كَانَ أنْفق فِي عمارتها نَحوا من عشْرين ألف مِثْقَال ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخلق واشتهر أمره بفاس وَالْمغْرب وَهُوَ شيخ الطَّائِفَة التجانية رَحمَه الله ونفعنا بِهِ
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان فِي العساكر من مكناسة يُرِيد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر بآسفي وعزم على حربه إِلَّا أَن يُؤَدِّي الطَّاعَة هُوَ وقبيلته مُبَاشرَة طَوْعًا أَو كرها وَلما عبر وَادي أم الرّبيع قدم إِلَيْهِ الْقَائِد أَبُو السرُور عياد بن أبي شفرة فِي جَيش الودايا وَقَالَ لَهُ إِذا قدمت عَلَيْهِ فأزعجه للمجيء فَإِن قدم فأقم أَنْت بآسفي وَإِن امْتنع من الْمَجِيء فَاكْتُبْ إِلَيّ وأقم هُنَالك حَتَّى أقدم عَلَيْك فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْقَائِد عياد لم يَسعهُ إِلَّا الْمَجِيء لملاقاة السُّلْطَان فجَاء وَهُوَ مَرِيض فِي محفته وَمَعَهُ جموعه وقبائله حَتَّى اجْتمع بالسلطان بالموضع الْمَعْرُوف بِمِائَة بير وبير بَين عَبدة ودكالة فَبَايعهُ مُبَاشرَة وَأدّى الطَّاعَة هُوَ وإخوانه مُبَاشرَة كَمَا اقترح السُّلْطَان وَتحقّق بِأَن تَأَخره إِنَّمَا كَانَ للمرض الَّذِي بِهِ فوفى لَهُ السُّلْطَان بعهده وَزَاد فِي كرامته بوصوله مَعَه إِلَى آسفي ودخوله إِلَى دَاره بعد تثبيط رُؤَسَاء الْجَيْش لَهُ عَن الدُّخُول مَعَه ثمَّ عقد لَهُ على قبائله وَأمره بِقَبض الْوَاجِب مِنْهُم زَاد صَاحب الْجَيْش وشكره على إيوائه لِأَخِيهِ الْمولى هِشَام ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى مراكش فَدَخلَهَا مظفرا منصورا
(3/105)

وَفِي هَذِه السّنة حدث الوباء بِبِلَاد الْمغرب وَعم حاضره وبواديه وَلما فَشَا بمراكش وأعمالها رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة وَترك أَخَاهُ الْمولى الطّيب نَائِبا عَنهُ بهَا فَبَلغهُ أثْنَاء الطَّرِيق وَفَاة كَاتبه أبي عبد الله مُحَمَّد بن عُثْمَان تَركه بمراكش مصابا بالوباء
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى مكناسة استقدمني من فاس فَقدمت عَلَيْهِ وقلدني كِتَابَته بعد أَن أخرني عَنْهَا سنة وَفِي أثْنَاء ذَلِك بلغه وَفَاة إخْوَته الْأَرْبَعَة خَلِيفَته الْمولى الطّيب وَالْمولى هِشَام وَالْمولى حُسَيْن وَالْمولى عبد الرَّحْمَن بالوباء الثَّلَاثَة الأول بمراكش وَالرَّابِع بالسوس وَدفن الْمولى هِشَام وَالْمولى حُسَيْن بقبة إِلَى جنب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رَضِي الله عَنهُ وقبرهما مَشْهُور بمراكش
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان فَبَعَثَنِي السُّلْطَان إِلَى مراكش لآتيه بمتخلف إخْوَته الَّذين هَلَكُوا بهَا ومتخلف الْكَاتِب ابْن عُثْمَان وَبعث معي خيلا وبغالا لأحمل المتخلف الْمَذْكُور والوباء لَا زَالَ لم يَنْقَطِع قَالَ فوصلت إِلَى مراكش وجمعت المتخلف وَرجعت بِهِ إِلَى فاس وَقد ارْتَفع الوباء وازدهرت الدُّنْيَا وَدرت ألبان الجباية للسُّلْطَان وَفِي هَذِه الْمدَّة قدم على حَضْرَة السُّلْطَان باشدور الإصبنيول فعقد مَعَه شُرُوط المهادنة وَكَانَ الَّذِي تولى عقدهَا مَعَه الْكَاتِب ابْن عُثْمَان المكناسي قبل وَفَاته بِيَسِير وَهِي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ شرطا مرجعها إِلَى الصُّلْح والأمان من الْجَانِبَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا أَشد بِيَسِير من الشُّرُوط الَّتِي انْعَقَدت مَعَ السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله من ذَلِك أَن شُرُوط سَيِّدي مُحَمَّد كَانَت تَتَضَمَّن أَنه إِذا تشاجر مُسلم وَنَصْرَانِي فَالَّذِي يفصل بَينهمَا هُوَ الْحَاكِم إِلَّا أَن القنصل يحضر وَقت الْفَصْل عَسى أَن يدْفع عَن ابْن جنسه بِحجَّة إِن كَانَت وَصَارَت شُرُوط السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان تَتَضَمَّن أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَوَلَّى أَخذ الْحق مِنْهُ حاكمه ويدفعه لخصمه وَإِذا فر نَصْرَانِيّ من سبتة أَو مليلية أَو نكور أَو بادس وَأَرَادَ إسلاما فَلَا بُد من حُضُور القنصل إِن كَانَ وَإِلَّا فالعدول يسمعُونَ مِنْهُ ثمَّ شَأْنه وَمَا يُرِيد
(3/106)

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا وَجه السُّلْطَان كَاتبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد الرهوني لجمع أَمْوَال المنقطعين فَجمع مِنْهَا مَا قدر عَلَيْهِ وَعَاد سالما معافى
ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا أرسل السُّلْطَان كَاتبه الْمَذْكُور عَاملا على السوس وَمَعَهُ طَائِفَة من الْجند فجبى قبائله وَرجع وأحبه أهل السوس لحسن سيرته ولين جَانِبه وَفِي هَذِه السّنة فِي الْيَوْم الثَّامِن من ربيع الثَّانِي مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الماهر أَبُو عبد الله مُحَمَّد المير السلاوي وَكَانَ من أهل الْمُشَاركَة وَالتَّحْقِيق والخط الْحسن رَحمَه الله
ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان العساكر لبرابرة آيت ومالو وَعقد عَلَيْهَا لِلْكَاتِبِ أبي عبد الله الحكماوي وَبعث مَعَه جمَاعَة من قواد الْجَيْش وقواد الْقَبَائِل فَلم يرْضوا إمارته عَلَيْهِم إِذْ كلهم كَانُوا أسن مِنْهُ وَفِيهِمْ من هُوَ أعرف بأحوال البربر ومكايدهم فخذلوه وَقت اللِّقَاء وجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة وأستولى البربر على أثاثهم ومدافعهم وجردوا الْكثير مِنْهُم وقبضوا على الْكَاتِب حَتَّى أجاره بعض البربر فأبقوا عَلَيْهِ إِلَى أَن بعثوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان
ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان الْجَيْش إِلَى بِلَاد درعة مَعَ كَاتبه أبي الْعَبَّاس أَحْمد آشقراس فَدَخلَهَا وَاسْتولى على قُصُورهَا الْمَغْصُوبَة وَأخرج مِنْهَا الْعَرَب والبربر وجبى أموالها ومهد نَوَاحِيهَا وَأمن سبلها حَتَّى صَار مَا بَين السوس ودرعة والفائجة مجالا للتِّجَارَة وممرا لأبناء السَّبِيل يَغْدُونَ بِهِ وَيَرُوحُونَ آمِنين على أَمْوَالهم وأنفسهم
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان العساكر إِلَى بِلَاد الرِّيف مَعَ أَخِيه الْمولى عبد الْقَادِر والقائد مُحَمَّد بن خدة الشَّرْقِي وقائد الْعَسْكَر أَحْمد بن الْعَرَبِيّ فجبى قبائل الرِّيف من قلعية وكبدانة وَغَيرهمَا عَن ثَلَاث سِنِين سلفت وَلما رجعت العساكر أغارت على المطالسة وَبني أبي
(3/107)

يحيى بِكَسْر الْيَاء الْأَخِيرَة فَاسْتَاقُوا ماشيتهم وَسَبْيهمْ وَقدمُوا بهما على السُّلْطَان فسرح السُّلْطَان السَّبي
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانِينَ وَألف فِيهَا أغار آيت أدراسن على رفاق تافيلالت بطرِيق ملوية ونهبوا بعض القفل وَذَلِكَ بِسَبَب أَن السُّلْطَان كَانَ قد قبض على مُحَمَّد بن مُحَمَّد واعزيز وسجنه بالجزيرة وَولى عَلَيْهِم أَخَاهُ أَبَا عزة بن مُحَمَّد واعزيز فَلم يقبلوه وجمعوا كلمتهم على ابْن عَمه أبي عزة بن نَاصِر وَكَانَ منحرفا عَن السُّلْطَان ومفارقا لَهُ فولوه أَمرهم وَلما رأى السُّلْطَان اعوجاجهم سرح لَهُم مُحَمَّدًا واعزيز وولاه عَلَيْهِم وَأمره بِالْقَبْضِ على أبي عزة بن نَاصِر فَأبى فَغَضب السُّلْطَان عَلَيْهِ ثَانِيَة وهم بِهِ ففر مُحَمَّد واعزيز وكشف وَجه الْعِصْيَان فَنَهَضَ حِينَئِذٍ إِلَى آيت أدراسن فِي العساكر وَأرْسل إِلَى قبائل آيت ومالو أَن يأتوهم من خَلفهم وَتقدم هُوَ حَتَّى نزل بِقرب آعليل وَوَقعت الْحَرْب فنصر الله السُّلْطَان وَانْهَزَمَ آيت أدراسن ونهبت مَوَاشِيهمْ واحتوى البربر على حللهم وفر أَوْلَاد واعزيز الثَّلَاثَة برؤوسهم لآيت ومالو وشرعت العساكر فِي إِخْرَاج زُرُوعهمْ إِلَى أَن استصفوها وَأمر السُّلْطَان بهدم قصورهم فهدمت وَأعْطى كروان بِلَادهمْ وَرجع إِلَى فاس مظفرا منصورا ثمَّ لم يقم بهَا إِلَّا يَسِيرا حَتَّى خرج إِلَى تازا وَترك عَامل فاس أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد اليموري بِبِلَاد الحياينة لقبض خراجهم وَلما احتل بتازا جهز العساكر إِلَى وَجدّة مَعَ الشَّيْخ عبد الله بن الْخضر لجباية قبائلها وجهز جَيْشًا آخر مَعَ عَامل سجلماسة أبي عبد الله مُحَمَّد الصريدي فَنزل ملوية وجبى قبائلها وطلع إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء مَعَ أَوديتهَا إِلَى نَاحيَة فجيج فجبى أَمْوَال تِلْكَ النواحي ثمَّ توجه إِلَى سجلماسة فَفرق الْجَيْش على أقاليم صحرائها درعة والفائجة وتدغة وفركلة وغريس وزيز وَالْخَنْدَق ومدغرة والرتب فجبى أَمْوَال تِلْكَ الْقَبَائِل كلهَا وَقرر عماله ونوابه بِكُل إقليم مِنْهَا ومهد طَرِيق الصَّحرَاء وَرجعت عساكره منصورة
(3/108)

ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا عزل السُّلْطَان الْقَائِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد اليموري عَن فاس وَولى عَلَيْهَا صهره الْمولى حبيب بن عبد الْهَادِي فَقَامَ بهَا أحسن قيام وَكَانَ ذَا عقل ومروءة وسمت ودهاء وفيهَا توجه السُّلْطَان فِي العساكر إِلَى مراكش وَلما احتل بهَا بعث جَيْشًا إِلَى السوس لنظر الْكَاتِب أبي عبد الله الرهوني وَبعث جَيْشًا آخر إِلَى عَامل حاحة لنظر أبي الْعَبَّاس أَحْمد اليموري ثمَّ خرج السُّلْطَان فِي جَيش ثَالِث إِلَى ثغر الصويرة لمشاهدتها وَالْوُقُوف على آثَار وَالِده بهَا فَانْتهى إِلَيْهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا وَفرق المَال على جندها أحرارا وعبيدا وَنظر فِي أُمُور مرْسَاها وَأمر بإصلاح مَا لَا بُد مِنْهُ فِيهَا وَعَاد إِلَى الغرب مؤيدا منصورا
فتْنَة الْفَقِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن الشريف الفليتي واستحواذه على تلمسان وبيعته للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف هَاجَتْ الْفِتْنَة بَين عرب تلمسان وَالتّرْك وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن باي وهران كَانَ لَهُ انحراف عَن الْفُقَرَاء والمنتسبين وَسُوء اعْتِقَاد فيهم فَقتل بعض الطَّائِفَة الدرقاوية وَأمر بِالْقَبْضِ على مقدمهم أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن الشريف الفليتي تلميذ الشَّيْخ الْأَكْبَر أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد الدرقاوي شيخ الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة ففر أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الْمَذْكُور إِلَى الصَّحرَاء وَنزل بحلة الْأَحْرَار فَاجْتمع عَلَيْهِ أهل طائفته وامتعضوا لمن قتل مِنْهُم ولنفي مقدمهم عَن وَطنه وعشيرته وامتعضت لَهُم عَشَائِرهمْ من قبائل الْعَرَب الَّذِي هُنَالك وزحفوا لِحَرْب التّرْك على حِين غَفلَة مِنْهُم فَقَتَلُوهُمْ فِي كل وَجه
وَلما دخل فصل الرّبيع من السّنة الْمَذْكُورَة بعث صَاحب الجزائر عسكرا إِلَى باي وهران وَأمره بغزو الْعَرَب فَنَهَضَ إِلَيْهِم وَوَقعت الْحَرْب بَينه
(3/109)

وَبينهمْ فَانْهَزَمَ التّرْك ثَانِيَة وَنهب الْعَرَب محلتهم وتبعوهم إِلَى وهران فحاصروهم وَلما مني الباي مِنْهُم بالداء العضال كتب إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان يعرفهُ بِمَا دهاه مِنْهُم وَيطْلب مِنْهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِم شيخهم أَبَا عبد الله الْمَذْكُور ليكفهم عَنهُ ويراجعوا طَاعَة المخزن فَبعث السُّلْطَان رَحمَه الله الشَّيْخ الْمَذْكُور وَمَعَهُ الْأمين الْحَاج الطَّاهِر بادو المكناسي فَانْتهى الشَّيْخ إِلَى ابْن الشريف وَهُوَ فِي جموعه بِظَاهِر وهران فَشَكا إِلَى الشَّيْخ مَا نَالَ الْفُقَرَاء والمنتسبين وَسَائِر الرعيه من عسف التّرْك وجورهم وانتهائهم فِي ذَلِك إِلَى الْقَتْل والطرد عَن الوطن فتوقف الشَّيْخ وَرُبمَا صدر مِنْهُ بعض تقبيح لفعل التّرْك وَمَا هم عَلَيْهِ فازدادت الْعَرَب بذلك تظاهرا على التّرْك وتكالبا عَلَيْهِم فاتهم الباي السُّلْطَان بِأَنَّهُ الَّذِي يغريهم لِأَنَّهُ كَانَ ينْتَظر الْفرج على يَده ويرجو رقع الْخرق من جِهَته فأخفق سَعْيه وَحِينَئِذٍ نصب مدافعه فِي وَجه جموع الْعَرَب وفرقهم بالكور والضوبلي فَانْهَزَمُوا عَن وهران وأبعدوا المفر ثمَّ تذامروا وتحالفوا وزحفوا إِلَى تلمسان فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروها وَكَانَ أهل تلمسان خُصُوصا وقبائلها عُمُوما لَهُم الْتِفَات كَبِير إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله لما أكْرمه الله بِهِ من شرف النّسَب وَطيب المنبت وَلما اشْتهر عَنهُ من الْعدْل والرفق بالرعية والشفقة عَلَيْهَا فَكَانُوا يحبونَ الدُّخُول فِي طَاعَته والانخراط فِي سلك رَعيته فَلَمَّا نزلت الْعَرَب على تلمسان تمشت الرُّسُل بَينهم وَبَين الْحَضَر من أَهلهَا وَاتَّفَقُوا على خلع طَاعَة التّرْك ومبايعة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ففتحوا بَاب الْمَدِينَة وَدخل ابْن الشريف وطائفته وَأخذ الْبيعَة بهَا للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وخطب بِهِ على منابرها وَوجه وفده وهديته إِلَى السُّلْطَان مَعَ شَيْخه أبي عبد الله الْمَذْكُور ثمَّ نهد فِي عربه وحضره من أهل تلمسان لِحَرْب الكرغلية الَّذين بالقصبة فأجحرهم بهَا وضيق عَلَيْهِم فَلم يبْق للترك حِينَئِذٍ شكّ فِي أَن ذَلِك كُله بِأَمْر السُّلْطَان فَكَتَبُوا إِلَى الدولاتي وَهُوَ باشاهم الْأَعْظَم صَاحب الجزائر يعلمونه بالواقع واستمرت الْحَرْب بَينهم
(3/110)

وَبَين ابْن الشريف فِي وسط الْمَدِينَة وَعظم الْخطب وَاشْتَدَّ الكرب وَقدم الشَّيْخ على السُّلْطَان بوفد أهل تلمسان وَالْعرب وهدية ابْن الشريف وبيعته وَأخْبرهُ بِأَن النَّاس فِي شدَّة من أَمر التّرْك وَأَنَّهُمْ قد تطارحوا على بَابه وعلقت آمالهم بِهِ وراموا الاستظلال بِظِل عدله فَرَأى السُّلْطَان رَحمَه الله أَن يسْلك فِي حَقهم وَحقّ التّرْك مسلكا هُوَ أرْفق بِالْجَمِيعِ فَبعث الْقَائِد أَبَا السرُور عياد بن أبي شفرة الوديي وَأمره أَن يحجز بَين الْحَضَر وَالتّرْك حَتَّى يقدم الباي إِلَى تلمسان ورد مَعَه الْوَفْد الَّذين قدمُوا مَعَ الشَّيْخ وَتقدم إِلَيْهِ فِي الْقَبْض على ابْن الشريف إِن هُوَ لم يرجع عَن الْحَرْب إِلَى السّلم ثمَّ كتب السُّلْطَان إِلَى الباي بِمَا أَزَال شكه وأبطل وهمه وَلما شَارف الْقَائِد عياد تلمسان فر الشريف إِلَى منجاته وَدخل الْقَائِد عياد الْمَدِينَة فحجز بَين الْفَرِيقَيْنِ وَقدم الباي إِلَى تلمسان فَأصْلح بَينه وَبَين رَعيته ومكنه من بَلَده وانقلب إِلَى حَال سَبيله وَمَعَ ذَلِك لم يتم للترك مَا أَرَادوا من أجل الْقَحْط الَّذِي كَانَ قد عَم حَتَّى عدمت الأقوات وجلا أهل تلمسان عَنْهَا إِلَى بِلَاد الْمغرب وَكَذَا عربها وَأهل جبالها كلهم جلوا عَن أوطانهم حَتَّى لم يبْق لباشا التّرْك مَعَ من يتَكَلَّم فضلا عَن أَن يتأمر فَجعل يكْتب إِلَى السُّلْطَان ويرغب إِلَيْهِ أَن يرد عَلَيْهِ أهل تلمسان وعربها فَكَلَّمَهُمْ السُّلْطَان رَحمَه الله فِي الرُّجُوع فَأَبَوا وَقَالُوا نَذْهَب إِلَى بِلَاد النَّصَارَى وَلَا نجاور التّرْك فنجمع علينا الْجُوع وَالْقَتْل فرق لَهُم السُّلْطَان وتركهم بل جبرهم بِأَن صَار يعينهم بالعطاء ويتخولهم بالصدقات الْمرة بعد الْمرة حَتَّى كَانَ عطاؤه إيَّاهُم كالراتب الْمَفْرُوض وعالج داءهم مَعَ التّرْك إِلَى أَن أخصبت بِلَادهمْ ورخصت أسعارهم فتراجعوا حِينَئِذٍ إِلَى أوطانهم وَكتب السُّلْطَان إِلَى الباي فِي شَأْنهمْ بِالْعَدْلِ وَحسن السِّيرَة فامتثل وكف أَيدي الكرغلية عَنْهُم وَلم يبْق مِنْهُم بالمغرب إِلَّا من كَانَ عَلَيْهِ دين للترك فَلم يقدر على الرُّجُوع لِأَن أَرْبَاب الدُّيُون لَا يُقِيمُونَ لَهُم وزنا وَلَا يعْملُونَ مَعَهم شرعا وَالله أعلم
(3/111)

ذكر مَا اتّفق للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فِي وسط دولته من الخصب والأمن والسعادة واليمن

كَانَ هَذَا السُّلْطَان رَحمَه الله مَوْصُوفا بِالْعَدْلِ مَعْرُوفا بِالْخَيرِ مَرْفُوع الذّكر عِنْد الْخَاصَّة والعامة قد ألْقى الله عَلَيْهِ مِنْهُ الْمحبَّة فأحبته الْقُلُوب ولهجت بِهِ الْأَلْسِنَة لحسن سيرته وَطيب سَرِيرَته وَاتفقَ لَهُ فِي أواسط دولته من السَّعَادَة والأمن والعافية ورخاء الأسعار وابتهاج الزَّمَان وتبلج أنوار السعد والإقبال مَا جعله النَّاس تَارِيخا وتحدثوا بِهِ دهرا طَويلا حَتَّى صَارَت أَيَّام السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان مثلا فِي أَلْسِنَة الْعَامَّة وَلَقَد أدركنا الجم الْغَفِير مِمَّن أدْرك أواسط دولته فكلهم يثني عَلَيْهَا بملء فِيهِ وَيذْهب فِي إطرائها كل مَذْهَب لَوْلَا مَا كدر آخرهَا من فتْنَة البربر الَّتِي جرت مَعهَا فتنا أخر كَمَا نذْكر بعد إِن شَاءَ الله
فمما هيأ الله لَهُ من أَسبَاب الْخَيْر والسعادة أَنه بُويِعَ مَطْلُوبا لَا طَالبا ومرغوبا لَا رَاغِبًا ثمَّ لما بُويِعَ كَانَ ثَلَاثَة من إخْوَته كلهم يزاحمه فِي المنصب ثمَّ لم يزل أَمرهم يضعف وَأمره يقوى إِلَى أَن كفى الْجَمِيع من غير ضرب ولاطعن وَلَا بارز أحدا مِنْهُم قطّ وَلَا واجهه بِسوء وَمن ذَلِك أَنه لما دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَجه السُّلْطَان عَامله إِلَى صحراء فجيج وجبى أموالها واسترجع قصر المخزن الَّذِي أغتصبه أَهلهَا من يَد العبيد الَّذين كَانُوا بِهِ أَيَّام السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله وَوجه فِي السّنة الْمَذْكُورَة جَيْشًا مَعَ عَامل فاس باعقيل السُّوسِي وَمَعَهُ جمَاعَة من قواد الْقَبَائِل إِلَى نَاحيَة الشرق فَنزل الْعَامِل مَدِينَة وَجدّة وجبى تِلْكَ الْقَبَائِل كلهَا ثمَّ بدا لَهُ فَنَهَضَ إِلَى عرب الأعشاش وَكَانَ ذَلِك خطأ مِنْهُ فِي الرَّأْي إِذْ كَانَت لَهُم شَوْكَة وَكَانَ فِي غنى عَن التَّعَرُّض لَهُم بِمَا در عَلَيْهِ من الجبايات الوافرة من تِلْكَ الْقَبَائِل لَكِن الْحِرْص لَا يزَال بِصَاحِبِهِ حَتَّى يقطع عُنُقه فَلَمَّا علمُوا بِقَصْدِهِ إيَّاهُم عدلوا عَن لِقَائِه إِلَى الْمحلة فَأَغَارُوا عَلَيْهِ وانتهبوها فَرجع أَهلهَا منهزمين
(3/112)

من غير قتال وَتركُوا أثقالهم بيد الْعَدو وَلم يجتمعوا إِلَّا على وَادي ملوية وَمن هُنَاكَ انفض الأحلاف إِلَى بِلَادهمْ ووقف باعقيل بالجيش وأحجم عَن الْقدوم خوفًا من السُّلْطَان فَبعث إِلَيْهِ من قبض عَلَيْهِ وَأَتَاهُ بِهِ فنكبه وعزله عَن فاس وَولى عَلَيْهَا وصيفه ابْن عبد الصَّادِق ثمَّ عَزله وَولى عَلَيْهَا مُحَمَّد واعزيز
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بالعساكر إِلَى تادلا يُرِيد بني مُوسَى وآيت أعتاب ورفالة وَبني عياط الذّبْح آووا بني مُوسَى فَبَثَّ السُّلْطَان عَلَيْهِم العساكر فنهبوا بني مُوسَى وَمن آواهم من رفالة وَبني عياط وأحرقوا مداشرهم وَقَطعُوا أَشْجَارهم وأبلغوا فِي النكاية إِلَى أَن أذعنوا إِلَى الطَّاعَة وجبوا زكواتهم وأعشارهم وعادوا منصورين وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة فتح على السُّلْطَان إقليم تيكرارين وتوات من أقْصَى الصَّحرَاء وجبى عَامله خراجهم وَعَاد سالما معافى وفيهَا حدثت الْحَرْب بَين السُّلْطَان مصطفى بن عبد الحميد العثماني وَبَين الموسكوب فَكتب العثماني إِلَى السُّلْطَان يطْلب مِنْهُ أَن يشد عضده بِأَن يُقيم قراصينه بِبَاب البوغاز من مرسى طنجة لِئَلَّا تدخل قراصين الموسكوب مِنْهُ وتعيث فِي الجزر الَّتِي هِيَ فِي ملكة العثماني كَمَا فعلت فِي دولة عَمه السُّلْطَان مصطفى بن أَحْمد فَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله رُؤَسَاء قراصينه بالتهيىء وَالْمقَام هُنَالك فَفَعَلُوا وَلم يظْهر شَيْء حكى هَذَا الخبرصاحب الْبُسْتَان
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا عقد السُّلْطَان لوصيفه الْقَائِد أَحْمد بن مبارك صَاحب الطابع على جَيش كثيف وَضم إِلَيْهِ جمَاعَة من قواد الْجند والقبائل وَسَار حَتَّى نزل على حُدُود بِلَاد آيت ومالو وأحاطت العساكر السُّلْطَانِيَّة بهم من كل جِهَة وَكَانَ ذَلِك فِي فصل الشتَاء فمنعوهم من النُّزُول إِلَى الْبَسِيط للمرعى وجلب الْميرَة إِلَى أَن ضَاعَت مَوَاشِيهمْ وأذعنوا
(3/113)

لدفع مَا وظف عَلَيْهِم فدفعوا الْمَاشِيَة والكراع وخلى سبيلهم وفيهَا خرج السُّلْطَان من مكناسة لتفقد أَحْوَال الثغور البحرية وَكَانَ الْمُتَوَلِي على جمعهَا الْقَائِد الشهير أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عَليّ أشعاش التطواني فَعَزله السُّلْطَان فِي هَذِه الْمرة وَولى عَلَيْهَا الْقَائِد مُحَمَّد السلاوي البُخَارِيّ ثمَّ ولاه على قبائل الغرب وَالْجِبَال كلهَا وتتبع السُّلْطَان رَحمَه الله الثغور كلهَا وَأحسن إِلَى أَهلهَا
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان إِلَى تادلا يُرِيد عرب ورديغة وقبائل البربر الَّذين هُنَالك فأغارت عَسَاكِر السُّلْطَان عَلَيْهِم وَوَقعت بَينهم حَرْب فظيعة هلك فِيهَا عدد من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انتصرت العساكر السُّلْطَانِيَّة عَلَيْهِم فهزموهم ونهبوا أَمْوَالهم وألجؤوهم إِلَى الطَّاعَة فجاؤوا تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ أنفذ جَيْشًا كثيفا لآيت يسري بعد أَن قبض مِنْهُم على عدد مُعْتَبر فَشُنُّوا الْغَارة عَلَيْهِم وقاتلوهم فأذعنوا لإعطاء المَال وَلما بذلوه سرح لَهُم إخْوَانهمْ الْمَقْبُوض عَلَيْهِم وَعَاد السُّلْطَان مظفرا منصورا
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان بِلَاد الرِّيف فَنزل عين زورة وسرح الْكَتَائِب فِي قبائل الرِّيف فحاربوها وهزموها وَقتلُوا مقاتلتها وسلبوا ذراريها وحرقوا مداشرها وألجؤوهم إِلَى الطَّاعَة فقدموا على السُّلْطَان تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم على أَن يدفعوا مَا ترَتّب عَلَيْهِم ثمَّ عين السُّلْطَان الْأُمَنَاء الَّذين استوفوه مِنْهُم على التَّمام وَعَاد مظفرا منصورا وَفِي هَذِه السنين كلهَا كَانَت الرّعية فِي غَايَة الطُّمَأْنِينَة والعافية والأمن وَالْخصب والرخاء وَكَمَال السرُور والهناء حَتَّى كَانَت هَذِه الْمدَّة غرَّة فِي جبهة ذَلِك الْعَصْر ودمية فِي محراب ذَلِك الْقصر ثمَّ انعكست الْأَحْوَال وتراكمت الْأَهْوَال وعظمت الأوجال واتسع فِي الْفِتْنَة المجال وَتمّ على هَذَا السُّلْطَان الْجَلِيل الْعَالم النَّبِيل فِي آخر عمره مَا لم يتم على أحد من مُلُوك بني أَبِيه وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد
(3/114)

بَدْء هيجان فتْنَة البربر وَمَا نَشأ عَنْهَا من التفاقم الْأَكْبَر

لما دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف قَامَت الْفِتْنَة بَين قبائل البربر وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا أَولا بَين آيت أدراسن وكروان وَبَين أعدائهم آيت ومالو أهل جبل فازاز ثمَّ لما انتشبوا الْحَرْب غدرت كروان بإخوانهم آيت أدراسن وانحازوا إِلَى آيت ومالو فانهزمت آيت أدراسن وَوضع آيت ومالو فيهم السَّيْف ونهبوا حلتهم بِمَا فِيهَا وتركوهم بالقاع مدقعين ولعصا الذل مهطعين وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا أَصْحَاب الْخَيل الَّذين نَجوا بنواصيها وَقدمُوا على السُّلْطَان شاكين بَاكِينَ فَقَامَ وَقعد لذَلِك لما أوجب الله عَلَيْهِ من النّظر لَهُم إِذْ هم رَعيته وشيعته وشيعة وَالِده من قبله فَجهز العساكر لنصرتهم وعادوا إِلَى حَرْب كروان فظاهرهم آيت ومالو عَلَيْهِم وهزموهم مرّة أُخْرَى ثمَّ بعد هَذَا اتّفقت البربر على حَرْب آيت أدراسن مناوأة للسُّلْطَان وبغضا فِي قائدهم مُحَمَّد واعزيز الَّذِي كَانَ يوليه عَلَيْهِم وبعثوا إِلَى دجالهم مهاوش الْمعد عِنْدهم لأمثالها وتحالفوا عِنْده على مَعْصِيّة السُّلْطَان وَطَاعَة الشَّيْطَان وعاثوا فِي الطرقات والرعايا واتسع الْخرق وَعظم الفتق فسارت إِلَيْهِم العساكر من بَاب السُّلْطَان حَتَّى نزلت بأحواز صفرو وَكَانَت لنظر الْقَائِد مُحَمَّد الصريدي الَّذِي يبغضه البربر كبغض مُحَمَّد واعزيز أَو أَكثر فكشفوا القناع فِي الْعِصْيَان وزحفوا إِلَى الْجَيْش وَهُوَ نَازل حول صفرو فأحاطوا بِهِ وانتهبوه ففر من أفلت مِنْهُ وتحصن الْبَاقِي بِمَدِينَة صفرو ونهبت الْقرى الْمُجَاورَة لَهَا وعاثوا فِي طرقات الصَّحرَاء فنهبوا من وجدوا بهَا مُقبلا أَو مُدبرا وأعضل الدَّاء وأعوز الدَّوَاء وَالسُّلْطَان مُقيم بمكناسة يعالج دائهم فَمَا نفع فِيهِ ترياق وشمخت أنوف البربر وَكلما بعث إِلَيْهِم جَيْشًا هزموه أَو سَرِيَّة انتهبوها قيل إِن منشأ ذَلِك كَانَ من أجل تمسك السُّلْطَان رَحمَه الله بِمُحَمد واعزيز وجبرهم على طَاعَته وَكَانُوا قد نفروا عَنهُ لسوء سيرته فيهم
(3/115)

وَالْمَعْرُوف من حَال السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله خلاف هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ قَلما تَشْكُو رعية إِلَيْهِ بعاملها إِلَّا ويعزله عَنْهَا تحريا للعدل واتهاما للعمال حَتَّى لقد عيب عَلَيْهِ ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال من جِهَة السياسة وَلما أعيا السُّلْطَان أَمرهم تَركهم فوضى ووكل الْقَائِد عياد بن أبي شفرة بتدبير أمرهَا وَتوجه إِلَى مراكش فَكَانَ عياد على أَمرهم أعجز وبسياستهم أَجْهَل وَصَارَ يتألفهم بالعطاء وَيجْرِي الْمُؤَن على كل من يقدم عَلَيْهِ مِنْهُم من طَعَام وعلف وَنَحْو ذَلِك فَكَانَ ذَلِك مِمَّا زَاد فِي طغيانهم حَتَّى كَانُوا ينهبون أَمْوَال النَّاس ومتاعهم بِبَاب فاس ويدخلون لقبض الخفارة وَأخذ الْميرَة وَإِذا تكلم أحد من أهل الْبَلَد قَالَ الْقَائِد الْمَذْكُور إِن السُّلْطَان أَمرنِي بذلك وَرُبمَا عاقب من يعْتَرض عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أمره السُّلْطَان أَن يسوسهم على الْوَجْه الَّذِي لَا ضَرَر فِيهِ على الدولة وَلَا على الرّعية وَالله أعلم
إجلاب السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان على برابرة كروان ورجوعه عَنْهُم من آصرو وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

لما وصل السُّلْطَان إِلَى مراكش اسْتنْفرَ قبائل الْحَوْز كلهَا وَقدم بهم إِلَى مكناسة واستنفر قبائل الغرب من الأحلاف والحياينة وَأهل الفحص وَأهل الغرب وَبني حسن وَأهل الثغور وَضرب الْبَعْث على جَيش العبيد والودايا وشراقة وَأَوْلَاد جَامع واستصحب مَعَه البربر الَّذين هم فِي طَاعَته حَتَّى لم يبْق أحد بالمغرب وَخرج فِي هَذَا الْجمع الْعَظِيم قَاصِدا كروان وهم يَوْمئِذٍ بتاسماكت وَلما وصل إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بآصرو وَبَقِي بَينهم وَبَينه نصف مرحلة بِحَيْثُ صَار يرى محلتهم ويرون محلته بدا لَهُ فَرجع يُرِيد آيت يوسي فَكَانَ ذَلِك الرُّجُوع سَبَب الخذلان وَلما رَأَتْهُ عُيُون كروان رَاجعا ظنُّوا بِهِ جبنا فجرؤوا على الْجَيْش وتبعوه من خَلفه إِلَى أَن خالطوا أخريات
(3/116)

النَّاس فأوقعوا بهم وَقتلُوا ونهبوا وَأَيْنَ أَوله بَينهمَا مرحلة وَلَا علم للسابق بِمَا جرى على اللَّاحِق ثمَّ نزل السُّلْطَان على آيت يوسي بِقرب آعليل وصاروا بَنو مكيلد أَمَامه وكروان من خَلفه وَلم يكن علم بِمَا وَقع فِي الْعَسْكَر من النهب وَالْقَتْل إِلَى أَن ورد عَلَيْهِ منهزمة العبيد لَيْلًا فأخبروه بِمَا وَقع وَأَن قَائِد عسكره أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الشَّاهِد قد قتل فِي جمَاعَة من القواد وَغَيرهم ففت ذَلِك فِي عضده وتجلد رَحمَه الله ليلته تِلْكَ وَلما أصبح ركبت العساكر وقصدت آيت ومالو الَّذين كَانُوا مَعَ آيت يوسي وَلما وَقعت الْحَرْب انهزم عَسْكَر السُّلْطَان وألجأهم البربر إِلَى شعب لَا منفذ لَهُ فترجلوا وَتركُوا الْخَيل ونجوا بأعناقهم وحمتهم آيت يمور وآيت أدراسن حَتَّى خلصوهم وَكَانَت حلتهم قَرِيبا من الْعَسْكَر فَلَو تبعوهم لوقعوا عَلَيْهَا وَلما حصلت هَذِه المزية لهَؤُلَاء البربر الَّذين هم شيعَة السُّلْطَان وَلم تظهر للْعَرَب مزية حقدوا ذَلِك عَلَيْهِم وصاروا كل من دنا من الْمحلة مِنْهُم قبضوا عَلَيْهِ وقتلوه وَقَالُوا إِن البربر كلهم سَوَاء فَلَمَّا وَقع ذَلِك بشيعة السُّلْطَان امتعضوا وَرفعُوا أَمرهم إِلَيْهِ فَأمر كَاتبه وعامله مُحَمَّدًا السلاوي أَن ينظر فِي أَمرهم فبحث الْقَائِد الْمَذْكُور حَتَّى اطلع على حَقِيقَة الْأَمر وَعلم فَسَاد نِيَّة البربر لما وَقع بهم من الْقَتْل وسط الْمحلة وَرَأى أَن الْقصاص فِي ذَلِك الْوَقْت مُتَعَذر وَأَن عاقبته غير مَأْمُونَة فَأَشَارَ على السُّلْطَان بِالرُّجُوعِ قبل أَن يَتَّسِع الْخرق على الراقع فَرجع وَكَانَ رُجُوعه أكبر غنيمَة وَكَثْرَة هَذِه الجموع بِلَا تَرْتِيب سَبَب تِلْكَ الْهَزِيمَة وَالْأَمر كُله لله وَهَذِه الْوَقْعَة تعرف عِنْد النَّاس بوقعة آصرو إِضَافَة إِلَى الْموضع الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ السُّلْطَان من بِلَاد البربر ثمَّ رَجَعَ عَنهُ وَقد جعلهَا الْعَامَّة تَارِيخا يَقُولُونَ كَانَ ذَلِك عَام وقْعَة آصرو وَالله تَعَالَى أعلم
(3/117)

مراسلة صَاحب تونس حمودة باشا ابْن عَليّ باي للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وَمَا اتّفق فِي ذَلِك

وَفِي هَذِه الْمدَّة أَو مَا يقرب مِنْهَا بعث صَاحب تونس وَهُوَ الرئيس حمودة باشا ابْن عَليّ باي الْعَالم الأديب الطَّائِر الصيت الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر الريَاحي إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فَقدم عَلَيْهِ حَضْرَة فاس وَمَعَهُ هَدِيَّة وَكتاب يتَضَمَّن طلب الْإِمْدَاد بالميرة لحدوث المسغبة بالبلاد التونسية فأعظم السُّلْطَان رَحمَه الله مقدم هَذَا الشَّيْخ واهتزت لَهُ فاس وامتدح السُّلْطَان بقصيدة من جيد شعره يَقُول فِي أَولهَا
(إِن عز من خير الْأَنَام مَزَار ... فلنا بزورة نجله استبشار)
وَمن جُمْلَتهَا قَوْله
(هَذَا الْخَلِيفَة وَابْن أكْرم مُرْسل ... وسليل من تمطى لَهُ الأكوار)
(وخلاصة الْأَشْرَاف وَالْخُلَفَاء من ... بَيت البتول وحبذا الأظهار)
(وَأجل وَارِث ملك إِسْمَاعِيل من ... بَطل شذا أخباره معطار)
(وأعز سُلْطَان وأشرف مَالك ... شَرقَتْ بِملك يَمِينه الْأَحْرَار)
(وأحق من تَحت السَّمَاء بِأَن يرى ... ملك البسيطة والورى أنصار)
(لَكِن إِذا كل الْقُلُوب تحبه ... فلغيره الْأَجْسَام وَهِي نفار)
(هَذَا سُلَيْمَان الرضي ابْن مُحَمَّد ... من أشرقت لجبينه الْأَنْوَار)
(هَذَا الَّذِي رد الْخلَافَة غضه ... وسما بِهِ للْمُسلمين منار)
(وأعز دين الله فَهُوَ بشكره ... فِي أيكها تترنم الأطيار)
فأعجب السُّلْطَان وَمن حضر بهَا وأمده بمطلبه من الْميرَة وبهدية جليلة وآب الشَّيْخ من سفارته بِخَير مآب
(3/118)

وُصُول كتاب صَاحب الْحجاز عبد الله بن سعود الوهابي إِلَى فاس وَمَا قَالَه الْعلمَاء فِي ذَلِك

وَفِي هَذِه الْمدَّة أَيْضا وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابع بِجَزِيرَة الْعَرَب المتغلب على الْحَرَمَيْنِ الشريفين الْمظهر لمَذْهَب بهما إِلَى فاس المحروسة وأصل هَذِه الطَّائِفَة الوهابية كَمَا عِنْد صَاحب التعريبات الشافية وَغَيره أَن فَقِيرا من عرب نجد يُقَال لَهُ سُلَيْمَان رأى فِي الْمَنَام كَأَن شعلة من نَار خرجت من بدنه وانتشرت وَصَارَت تَأْكُل مَا قابلها فَقص رُؤْيَاهُ على بعض المعبرين فَفَسَّرَهَا لَهُ بِأَن أحد أَوْلَاده يجدد دولة قَوِيَّة فتحققت الرُّؤْيَا فِي ابْن ابْنه الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن سُلَيْمَان فالمؤسس للْمَذْهَب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَلَكِن نسب إِلَى عبد الْوَهَّاب فَلَمَّا كبر مُحَمَّد احترمه أهل بِلَاده ثمَّ أخبر بِأَنَّهُ قرشي وَمن أهل بَيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَألف لَهُم قَوَاعِد وعقائد وَهِي عبَادَة الله وَاحِد قديم قَادر حق رحمان يثيب الْمُطِيع ويعاقب العَاصِي وَأَن الْقُرْآن قديم يجب اتِّبَاعه دون الْفُرُوع المستنبطة وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وحبيبه وَلَكِن لَا يَنْبَغِي وَصفه بأوصاف الْمَدْح والتعظيم إِذْ لَا يَلِيق ذَلِك إِلَّا بالقديم وَأَن الله تَعَالَى حَيْثُ لم يرض بِهَذَا الْإِشْرَاك سَخَّرَهُ ليهدي النَّاس إِلَى سَوَاء الطَّرِيق فَمن امتثل فبها ونعمت وَمن أَبى فَهُوَ جدير بِالْقَتْلِ فَهَذِهِ أصُول مذْهبه وَكَانَ قد بثه أَولا سرا فقلده أنَاس ثمَّ سَافر إِلَى الشَّام لهَذَا الْأَمر فَلَمَّا لم يجد بِهِ مُرَاده رَجَعَ إِلَى بِلَاد الْعَرَب بعد غيبته عَنْهَا ثَلَاث سِنِين فاتصل بشيخ من أَشْيَاخ عرب نجد يُقَال لَهُ عبد الله بن سعود وَكَانَ شهما كريم النَّفس فقلده وَقَامَ بنصرة مذْهبه وَقَاتل عَلَيْهِ حَتَّى أظهره واقتسم الرياسة هُوَ وَمُحَمّد بن عبد الْوَهَّاب فَابْن عبد الْوَهَّاب صَاحب الِاجْتِهَاد فِي مسَائِل الدّين وَابْن سعود أَمِير الوهابية وَصَاحب حربهم وَلَا زَالَ أَمر هَؤُلَاءِ الوهابية يظْهر شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن تغلبُوا على الْحجاز والحرمين الشريفين وَسَائِر بِلَاد الْعَرَب ثمَّ
(3/119)

قَالَ صَاحب التعريبات الشافية إِن مَسَاجِد الوهابية خَالِيَة عَن المنارات والقباب وَغَيرهَا من الْبدع المستحسنة لَا يعظمون الْأَئِمَّة وَلَا الْأَوْلِيَاء ويدفنون موتاهم من غير مشْهد واحتفال يَأْكُلُون خبز الشّعير وَالتَّمْر وَالْجَرَاد والسمك وَلَا يَأْكُلُون اللَّحْم والأرز إِلَّا نَادرا وَلَا يشربون القهوة وملابسهم ومساكنهم غير مزينة اه
وَلما استولى ابْن سعود على الْحَرَمَيْنِ الشريفين بعث كتبه إِلَى الْآفَاق كالعراق وَالشَّام ومصر وَالْمغْرب يَدْعُو النَّاس إِلَى اتِّبَاع مذْهبه والتمسك بدعوته وَلما وصل كِتَابه إِلَى تونس بعث مفتيها نُسْخَة مِنْهُ إِلَى عُلَمَاء فاس فتصدى للجواب عَنهُ الشَّيْخ الْعَلامَة الأديب أَبُو الْفَيْض حمدون بن الْحَاج
قَالَ صَاحب الْجَيْش كَانَ تصدي الشَّيْخ أبي الْفَيْض لذَلِك الْجَواب بِأَمْر السُّلْطَان وعَلى لِسَانه وَذهب بجوابه وَلَده الْمولى إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان حِين سَافر لِلْحَجِّ قلت وَهَذَا يَقْتَضِي أَن كتاب ابْن سعود ورد عِلّة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بِالْقَصْدِ الأول لَا أَن نُسْخَة مِنْهُ وَردت بِوَاسِطَة عُلَمَاء تونس وَالله تَعَالَى أعلم
حج الْمولى أبي اسحاق إِبْرَاهِيم ابْن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَجه السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وَلَده الْأُسْتَاذ الْأَفْضَل الْمولى أَبَا اسحاق إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان إِلَى الْحجاز لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج مَعَ الركب النَّبَوِيّ الَّذِي جرت الْعَادة بِخُرُوجِهِ من فاس على هَيْئَة بديعة من الاحتفال وإبراز الأخبية لظَاهِر الْبَلَد وقرع الطبول وَإِظْهَار الزِّينَة وَكَانَت الْمُلُوك تعنى بذلك وتختار لَهُ أَصْنَاف النَّاس من الْعلمَاء والأعيان والتجار وَالْقَاضِي وَشَيخ الركب وَغير ذَلِك مِمَّا يضاهي ركب مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا فَوجه السُّلْطَان وَلَده الْمَذْكُور فِي جمَاعَة
(3/120)

من عُلَمَاء الْمغرب وأعيانه مثل الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي أبي الْفضل الْعَبَّاس بن كيران والفقيه الشريف الْبركَة الْمولى الْأمين بن جَعْفَر الحسني الرتبي والفقيه الْعَلامَة الشهير أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الساحلي وَغَيرهم من عُلَمَاء الْمغرب وشيوخه فوصلوا إِلَى الْحجاز وقضوا الْمَنَاسِك وزاروا الرَّوْضَة المشرفة على حِين تعذر ذَلِك وَعدم اسْتِيفَائه على مَا يَنْبَغِي لاشتداد شَوْكَة الوهابيين بالحجاز يَوْمئِذٍ ومضايقتهم لحجاج الْآفَاق فِي أُمُور حجهم وزياراتهم إِلَّا على مُقْتَضى مَذْهَبهم
حكى صَاحب الْجَيْش أَن الْمولى إِبْرَاهِيم ذهب إِلَى الْحَج واستصحب مَعَه جَوَاب السُّلْطَان فَكَانَ سَببا لتسهيل الْأَمر عَلَيْهِم وعَلى كل من تعلق بهم من الْحجَّاج شرقا وغربا حَتَّى قضوا مناسكهم وزيارتهم على الْأَمْن والأمان وَالْبر وَالْإِحْسَان قَالَ حَدثنَا جماع وافرة مِمَّن حج مَعَ الْمولى إِبْرَاهِيم فِي تِلْكَ السّنة أَنهم مَا رَأَوْا من ذَلِك السُّلْطَان يَعْنِي ابْن سعود مَا يُخَالف مَا عرفوه من ظَاهر الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا شاهدوا مِنْهُ وَمن أَتْبَاعه غَايَة الاسْتقَامَة وَالْقِيَام بشعائر الْإِسْلَام من صَلَاة وطهارة وَصِيَام وَنهي عَن الْمُنكر الْحَرَام وتنقية الْحَرَمَيْنِ الشريفين من القاذورات والآثام الَّتِي كَانَت تفعل بهما جهارا من غير نَكِير وَذكروا أَن حَاله كَحال آحَاد النَّاس لَا يتَمَيَّز عَن غَيره بزِي وَلَا مركوب ولالباس وَأَنه لما اجْتمع بالشريف الْمولى إِبْرَاهِيم أظهر لَهُ التَّعْظِيم الْوَاجِب لأهل الْبَيْت الْكَرِيم وَجلسَ مَعَه كجلوس أحد أَصْحَابه وحاشيته وَكَانَ الَّذِي تولى الْكَلَام مَعَه هُوَ الْفَقِيه القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الزداغي فَكَانَ من جملَة مَا قَالَ ابْن سعود لَهُم إِن النَّاس يَزْعمُونَ أننا مخالفون للسّنة المحمدية فَأَي شَيْء رَأَيْتُمُونَا خَالَفنَا من السّنة وَأي شَيْء سمعتموه عَنَّا قبل اجتماعكم بِنَا فَقَالَ لَهُ القَاضِي بلغنَا أَنكُمْ تَقولُونَ بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى فَقَالَ لَهُم معَاذ الله إِنَّمَا نقُول كَمَا قَالَ مَالك الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة فَهَل فِي هَذَا من مُخَالفَة فالوا
(3/121)

لَا وبمثل هَذَا نقُول نَحن أَيْضا ثمَّ قَالَ لَهُ القَاضِي وبلغنا عَنْكُم أَنكُمْ تَقولُونَ بِعَدَمِ حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحياة إخوانه من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي قُبُورهم فَلَمَّا سمع ذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ارتعد وَرفع صَوته بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَالَ معَاذ الله إِنَّمَا نقُول إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيّ فِي قَبره وَكَذَا غَيره من الآنبياء حَيَاة فَوق حَيَاة الشُّهَدَاء ثمَّ قَالَ لَهُ القَاضِي وبلغنا أَنكُمْ تمْنَعُونَ من زيارته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وزيارة سَائِر الْأَمْوَات مَعَ ثُبُوتهَا فِي الصِّحَاح الَّتِي لَا يُمكن إنكارها فَقَالَ معَاذ الله أَن ننكر مَا ثَبت فِي شرعنا وَهل منعناكم أَنْتُم لما عرفنَا أَنكُمْ تعرفُون كيفيتها وآدابها وَإِنَّمَا نمْنَع مِنْهَا الْعَامَّة الَّذين يشركُونَ الْعُبُودِيَّة بالألوهية وَيطْلبُونَ من الْأَمْوَات أَن تقضى لَهُم أغراضهم الَّتِي لَا تقضيها إِلَّا الربوبية وَإِنَّمَا سَبِيل الزِّيَارَة الِاعْتِبَار بِحَال الْمَوْتَى وتذكر مصير الزائر إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ المزور ثمَّ يَدْعُو لَهُ بالمغفرة ويستشفع بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَيسْأل الله تَعَالَى الْمُنْفَرد بالإعطاء وَالْمَنْع بجاه ذَلِك الْمَيِّت إِن كَانَ مِمَّن يَلِيق أَن يتشفع بِهِ هَذَا قَول إمامنا أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله عَنهُ وَلما كَانَ الْعَوام فِي غَايَة الْبعد عَن إِدْرَاك هَذَا الْمَعْنى منعناهم سدا للذريعة فَأَي مُخَالفَة للسّنة فِي هَذَا الْقدر أه
ثمَّ قَالَ صَاحب الْجَيْش هَذَا مَا حدث بِهِ أُولَئِكَ المذكورون سمعنَا ذَلِك من بَعضهم جمَاعَة ثمَّ سَأَلنَا الْبَاقِي أفرادا فاتفق خبرهم على ذَلِك اه
قلت مَسْأَلَة زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء والأولياء مَشْهُورَة فِي كتب الْأَئِمَّة وَهِي من الْقرب المرغوب فِيهَا عِنْد الْجُمْهُور ومنعها قوم من الحنابل وشدد تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية مِنْهُم فِيهَا محتجا بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهُوَ عِنْد الْجُمْهُور مؤول بِأَن الْمَعْنى لَا تشد الرّحال لصَلَاة فِي مَسْجِد إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد اه وَقد بسط القَوْل فِي هَذَا صَاحب الْمَوَاهِب اللدنية وَالْقَوْل الْفَصْل أَن التَّبَرُّك بآثار الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والأولياء رَضِي الله عَنْهُم وزيارة مشاهدهم من الْأَمر الْمَعْرُوف عِنْد أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمجمع عَلَيْهِ
(3/122)

خلفا وسلفا لَا يسع إِنْكَاره غير أَن للزيارة آدابا تجب الْمُحَافظَة عَلَيْهَا وشروطا لَا بُد من مراعاتها وَالْوُقُوف لَدَيْهَا ثمَّ القَوْل بمنعها مُطلقًا سدا للذريعة فِي حق الْعَامَّة إِذْ هم أَكثر النَّاس وغولا فِي ذَلِك فِيهِ نظر أما الْأَنْبِيَاء فَلَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يحرم نَفسه من الْوُقُوف على مشاهدهم والتبرك بتربتهم والاحتماء بحماهم وَلَا أَن يَقُول بذلك لمزيد ارْتِفَاع درجتهم عِنْد الله تَعَالَى ولندور اتِّفَاق زيارتهم لأكْثر الغرباء وَأما الْأَوْلِيَاء فَالْقَوْل بِمَنْع زيارتهم سدا للذريعة مَعَ بَيَان الْعلَّة وإشهارها بَين النَّاس حَتَّى لَا يلتبس عَلَيْهِم الْمَقْصُود قَول وجيه لَا تأباه قَوَاعِد الشَّرِيعَة بل تَقْتَضِيه وَالله أعلم وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي رَآهُ الشَّيْخ الْفَقِيه الصُّوفِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التجاني رَحمَه الله حَتَّى نهى أَصْحَابه عَن زِيَارَة الْأَوْلِيَاء
وَأَقُول إِن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله كَانَ يرى شَيْئا من ذَلِك ولأجله كتب رسَالَته الْمَشْهُورَة الَّتِي تكلم فِيهَا على حَال متفقرة الْوَقْت وحذر فِيهَا رَضِي الله عَنهُ من الْخُرُوج عَن السّنة والتغالي فِي الْبِدْعَة وَبَين فِيهَا بعض آدَاب زِيَارَة الْأَوْلِيَاء وحذر من تغالي الْعَوام فِي ذَلِك وَأَغْلظ فِيهَا مُبَالغَة فِي النصح للْمُسلمين جزاه الله خيرا وَمن كَلَامه فِيهَا مَا نَصه تَنْبِيه من الغلو الْبعيد ابتهال أهل مراكش بِهَذِهِ الْكَلِمَة سَبْعَة رجال فَهَل كَانَ لسبعة رجال شيعَة يطوفون عَلَيْهِم إِلَى أَن قَالَ فعلينا أَن نقتدي بسبعة رجال وَلَا نتخذهم آلِهَة لِئَلَّا يؤول الْحَال فيهم إِلَى مَا آل إِلَيْهِ فِي يَغُوث ويعوق ونسرا إِلَى آخر كَلَامه وَصدق رَحمَه الله فكم من ضَلَالَة وَكفر أَصْلهَا الغلو فِي التَّعْظِيم وَمَا ضلت النَّصَارَى إِلَّا من غلوهم فِي عِيسَى وَأمه عَلَيْهِمَا السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى {يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق} النِّسَاء 17 الْآيَة وَمن ذَلِك قصَّة يَغُوث ويعوق ونسرا الْمشَار إِلَيْهَا وَهِي مَذْكُورَة فِي الصَّحِيح وَفِي كتب التَّفْسِير
وَحكى ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة أَن أصل حُدُوث عبَادَة الْحجر فِي بِلَاد الْعَرَب أَن آل إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام لما كَثُرُوا حول الْحرم وَضَاقَتْ بهم
(3/123)

فجاج مَكَّة تفَرقُوا فِي النواحي وَأخذُوا مَعَهم أحجارا من الْحرم تبركا بهَا فَكَانَ أحدهم يضع الْحجر فِي بَيته فيطوف ويتمسح بِهِ ويعظمه ثمَّ توالت السنون وخلفت الخلوف فعبدوا تِلْكَ الْأَحْجَار ثمَّ عبدُوا غَيرهَا وَذَهَبت مِنْهُم ديانَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام إِلَّا يَسِيرا جدا بَقِي فيهم إِلَى أَن صبحهمْ الْإِسْلَام هَذَا معنى مَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَقد تكلم الشاطبي وَغَيره من الْعلمَاء فِيمَا يقرب من هَذَا وَذكروا أَن الغلو فِي التَّعْظِيم أصل من أصُول الضلال وَلَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا قَضِيَّة الشِّيعَة لَكَانَ كَافِيا فَالْحَاصِل أَن خير الْأُمُور الْوسط وَمن هُنَا أَيْضا كَانَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله قد أبطل بِدعَة المواسم بالمغرب وَهِي لعمري جديرة بالإبطال فسقى الله ثراه وَجعل فِي عليين مثواه
وَلما كَانَ رَمَضَان من سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف قدم الْمولى إِبْرَاهِيم ابْن السُّلْطَان الْمَذْكُور من الْحجاز وَنزل بطنجة وَكَانَ قدومه فِي قرصان الإنجليز لِأَن وَالِده رَحمَه الله كَانَ قد وَجهه إِلَيْهِ مَعَ بضع قراصينه إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فصادفوه قد انحدر إِلَى جَزِيرَة مالطة فَركب الْمولى الْمَذْكُور فِيمَا خف من حَاشِيَته فِي قرصان النجليز وَسبق إِلَى طنجة فاحتل بهَا ثمَّ سَار إِلَى حَضْرَة وَالِده بمكناسة فَأَقَامَ عِنْده ثَلَاثًا ريثما استراح ثمَّ انْفَصل عَنهُ إِلَى دَاره بفاس فَخرج لملاقاته جَيش الودايا وأشراف فاس وأعلامها وَسَائِر عامتها بفرح وسرور وَكَانَ يَوْم دُخُوله يَوْمًا مشهودا وَلما وصل الْقَوْم الَّذين كَانُوا مَعَه نشرُوا محاسنه وفضائله ومكارمه المحمودة وفواضله وَمَا فعله من الْبر فِي طَرِيق الْحَج خُصُوصا فِي مفاوز الْحجاز فقد أنْفق فِيهَا على الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين مَا لايحصى وشاع ذكره فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وتجاوزهما إِلَى مصر وَالشَّام والعراقين وَلما نفذ مَا عِنْده استسلف من التُّجَّار الَّذين كَانُوا مَعَه أَمْوَالًا طائلة أنفقها فِي سَبِيل الله وَلما قدم أَرْبَابهَا على السُّلْطَان عرفوه بِمَا استسلفه مِنْهُم وَلَده وأطلعوه على حساباتهم فَعرف أَن مَا فعله وَلَده صَوَاب فَأمر رَحمَه الله لأولئك التُّجَّار بِقَضَاء مَا أسلفوه وَأَن يُزَاد لَهُم مِقْدَار ربحه
(3/124)

تطييبا لنفوسهم وَقَالَ إِنَّمَا تتعاطون التِّجَارَة لتنموا أَمْوَالكُم وتربحوا فَلَا يَنْبَغِي أَن ننقصكم من ربحكم شَيْئا فَأَما نَحن فربحنا هُوَ مَا أنفقهُ ولدنَا قي سَبِيل الله

وَقد مدح هَذَا النجل الأرضي جمَاعَة من أدباء مصر وَغَيرهَا بقصائد نفيسة وَمن جملَة من مدحه الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم عبد الْقَادِر الريَاحي التّونسِيّ فَإِنَّهُ بعث بقصيدة رائقة إِلَى وَالِده السُّلْطَان المرحوم يمدح النجل الْمَذْكُور ويهنئه بالقدوم وألم فِيهَا بِذكر السُّلْطَان فَأَعْجَبتهُ وهزت من عطفه وَأمر كتاب دولته أَن يَأْخُذُوا مِنْهَا نسخا وَشَرحهَا بَعضهم وَنَصهَا
(هذي المنى فأنعم بِطيب وصال ... فلطالما أضناك طول مطال)
(مَاذَا وَكم أوليتني يَا مخبري ... بقدومه من منَّة ونوالي)
(بشرتني بحياتي الْعُظْمَى الَّتِي ... قد كنت أحسبها حَدِيث خيال)
(بشرتني بِابْن الرَّسُول لَو إِنَّمَا ... روحي ملكت بذلتها فِي الْحَال)
(بشرتني بسلالة الْخُلَفَاء من ... أمداحهم تثنى بِكُل مقَال)
(من حبهم فرض الْكتاب أما ترى ... إِلَّا الْمَوَدَّة حِين يَتْلُو التَّالِي)
(من ضمهم شَمل العباء وأذهبوا ... رجسا فيالك من مقَام عالي)
(من قومُوا أود المكارم بعد مَا ... شادوا الْهدى بمعارف ونصال)
(لولاهم كَانَ الورى فِي ظلمَة ... مدت غياهبها بِكُل ضلال)
(آباءك الْأَطْهَار فاقصد يَا أَبَا ... إِسْحَاق يَا نجل المليك العالي)
(يَا حبه وَصفيه من قومه ... وخياره من سَائِر الأنجال)
(لَو لم تكن أَهلا لصفو وداده ... لم يستنبك لجدك المفضال)
(لَكِن توسم فِيك كل فَضِيلَة ... فحبى يَمِينك راية الإقبال)
(وَأقَام جودك بل وجودك زَاد من ... يَبْغِي بِبَيْت الله حط رحال)
(أَنْت استطاعتهم فَمَا عذر الَّذِي ... ترك الزِّيَارَة خيفة الإقلال)
(وَبِك المشاعر أطربت طرب الَّتِي ... وجدت على وَله فقيد فصَال)
(ووصلتها رحما هُنَاكَ قطيعة ... دهرا وَلم تبلل بِهِ ببلال)
(3/125)

(وتأنس الحرمان مِنْك بطلعة ... أغنتهما عَن وابل هطال)
(كرم لكم أدريه يَوْم أفاضه ... عني سُلَيْمَان باي سِجَال)
(وهب الألوف وَكَانَ أكْرم منزل ... يسلى الْغَرِيب ببره المتوال)
(يَوْم التشرف لي بلثم يَمِينه ... وتمتعي من وَجهه بِجَمَال)
(وتلذذي بخطابه المعسول إِذْ ... حفت بِهِ للدرس أَي رجال)
(لم أنسه يَوْمًا حسبت نعيمه ... بلذائذ الجنات ضرب مِثَال)
(عجبا لَهُ يحيي الْقُلُوب بِعِلْمِهِ ... وَيُمِيت جند الْفقر مِنْهُ بِمَال)
(وَإِذا تقلد للوغي فحسامه ... تعنو الرّقاب لَهُ بِدُونِ قتال)
(تتلوه بِالْفَتْح الْمُبين عَسَاكِر ... قد أرهفت بالنصر حد نصال)
(تخشى الْمُلُوك مقَامه ولذكره ... رعْبًا تطير فرائص الْأَبْطَال)
(وينال آمله بخفض جنَاحه ... ماليس يخْطر قطّ مِنْهُ ببال)
(حَتَّى سعى لصفي منهله الَّذِي ... يسْعَى لمروته ذَوُو الأثقال)
(وَأَتَتْ لمغربه الشريف مَشَارِق ... وَالشَّمْس تغرب لاقْتِضَاء كَمَال)
(لما تكدر صفوها بضلاله ... جَاءَتْهُ كَيْمَا ترتوي بزلال)
(وَمَتى تخلف عَاجز فبقلبه ... يسْعَى لفعل شَعَائِر الإجلال)
(أُمْنِية وَقعت أَشرت لذكرها ... فِي مدحه قدما بِصدق مقَال)
(تهوى الْمَشَارِق أَن تكون مغاربا ... لتنال من جدواه كل منال)
(يَا فَخر دين الله مِنْهُ بناصر ... وسعادة الدُّنْيَا بِهِ من وَال)
(لَا تفتخر فاس وَلَا مراكش ... بولائه كل الْأَنَام موَالٍ)
(أَو لَيْسَ فِي كل الْبِقَاع ثَنَاؤُهُ ... ورد البكور وسحة الآصال)
(أَو لم يشد للدّين وَالْعُلَمَاء ... والأشراف والصلحاء أَي جلال)
(أَو لم يعم بجوده أقطارها ... لَا فرق بَين جنوبها وشمال)
(أَو لم يسر ركبانها بمحاسن ... ضاءت لَهَا سرج بجنح لَيَال)
(أَو لَيْسَ أَحْيَا سنة العمرين فِي ... زمن إِلَى بدع الْهوى ميال)
(شيم يهز الراسيات سماعهَا ... ويعجن فِي أنف الزَّمَان غوال)
(أَوْصَاف والدك الإِمَام المرتضى ... للدّين وَالدُّنْيَا بِحسن خلال)
(3/126)

(ذَاك الرّبيع أَبُو الرّبيع وَمن بِهِ ... حيى الْهدى وَشَرَائِع الأفضال)
(كل الْكَمَال لَهُ وَأَنت مقره ... وَالْفرع عين الأَصْل عِنْد مَال)
(يَا ابْن المليك ابْن المليك ابْن المليك ... ابْن المليك سلالة الْأَقْيَال)
(أنسيتم ذكر العباسية الأولى ... زَالُوا وَمَا زَالُوا بِعَين جلال)
(لكم الفخار بِذَاتِهِ وسواكم ... مستمسك من فخركم بظلال)
(ولي الفخار بِأَن نسجت مديحكم ... حللا تَجِد وكل شَيْء بَال)
(أملي مَعَانِيهَا على ودادكم ... فَجرى بِهِ طبع كَمَا السلسال)
(وَلَو أنني حاولت مدح سواكم ... عقل القريحة عَنهُ أَي عقال)
(فَكَأَنَّمَا طبعي شرِيف حَيْثُمَا ... لَا يَهْتَدِي لسوى مديح الْآل)
(أَو قد درى أَن المديح تعرض ... وسواكم لَا يرتضي لسؤال)
(أبقاكم كهفا يلاذ بمجدكم ... مختاركم لإنالة الآمال))
(وأدام لِلْإِسْلَامِ والدك الَّذِي ... هُوَ رَحْمَة وسعت بِغَيْر جِدَال)
(وَعَلَيْكُم وعَلى الَّذِي يهواكم ... أزكى الرضى من حَضْرَة المتعال)
(مَا دَامَ ذكركُمْ بِكُل صحيفَة ... تبعا لِأَحْمَد سيد الْإِرْسَال)
(صلى عَلَيْهِ مُسلما رب الورى ... وعَلى مقدم حزبه والتالي)
وعزز هَذِه القصيدة بِمِثْلِهَا بحرا وقافية ورويا الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب أَبُو الْفَيْض حمدون بن الْحَاج الفاسي يَقُول فِي مطْلعهَا
(بِشِرَاك إِبْرَاهِيم بالإقبال ... إقبال عز لم يكن بالبال)
وَهِي طَوِيلَة تركناها اختصارا وَفِي هَذِه السّنة توفّي الشريف الْبركَة الْمولى عَليّ ابْن الْمولى أَحْمد الوزاني وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء آخر يَوْم ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
غَزْو السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بِلَاد الرِّيف وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بلغ السُّلْطَان أَن قبائل الرِّيف من قلعية وَغَيرهم صَارُوا يبيعون الزَّرْع لِلنَّصَارَى ويسوقونه من بِلَادهمْ فعقد لعامله على الثغور أبي عبد الله مُحَمَّد السلاوي على جَيش كثيف وأنفذه إِلَيْهِم
(3/127)

فَسَار الْعَامِل الْمَذْكُور وَقصد قلعية عش الْفساد وَلما شارفها سرب إِلَيْهِم العساكر فنهبوا أَمْوَالهم وحرقوا مداشرهم وانتسفوا أَرضهم وديارهم وتركوهم أفقر من ابْن المدلق ثمَّ بَث عماله فِي تِلْكَ الْقَبَائِل فجبوها واستوفوا زكواتها وأعشارها وَعَاد ظافرا وَفِي هَذِه السّنة وَذَلِكَ صباح يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع عشر من محرم مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الإِمَام خَاتِمَة الْمُحَقِّقين بالمغرب سَيِّدي مُحَمَّد الطّيب بن عبد الْمجِيد بن عبد السَّلَام ابْن كيران الفاسي صَاحب التآليف البديعة والحواشي المحررة مثل شرح الحكم العطائية وَشرح السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَغير ذَلِك من التآليف الْمَعْرُوفَة والموجودة بأيدي النَّاس
ثمَّ لما دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بلغ السُّلْطَان ثَانِيًا أَن أهل الرِّيف لَا زَالُوا مقيمين على بيع الزَّرْع لِلنَّصَارَى وَأَنَّهُمْ أضافوا إِلَى بيع الزَّرْع بيع الْمَاشِيَة وَقد كَانَ السُّلْطَان منع النَّصَارَى من وسق ذَلِك بالمراسي فافتات هَؤُلَاءِ الْقَوْم على السُّلْطَان وأعطوهم من ذَلِك مَا أَرَادوا طَمَعا فِي الرِّبْح وَكَانَ السُّلْطَان قد تقدم إِلَى الْقَائِد مُحَمَّد السلاوي فِي كفهم عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ قد ولاه عَلَيْهِم وأضافهم إِلَى من كَانَ إِلَى نظره من أهل الْجَبَل والثغور فَكَانَ لَا يلْتَفت إِلَيْهِم وَرُبمَا قبض أهل الْمُرُوءَة مِنْهُم على سفلتهم مِمَّن يتعاطى ذَلِك ويبعثون بهم إِلَيْهِ فيسرحهم على طمع فاتسع الْخرق وَصَارَ كلهم يفعل ذَلِك وَلما تحقق السُّلْطَان بفعلهم أَمر رُؤَسَاء قراصينه أَن يذهبوا إِلَى جِهَة الرِّيف ومراسيها وكل من عثروا عَلَيْهِ بهَا من مراكب النَّصَارَى فليأخذوه فَسَارُوا وقبضوا على بعض النَّصَارَى فأسروهم وَلم يقنعه ذَلِك حَتَّى أَمر بغزو الرِّيف وعزم على النهوض إِلَيْهِم بِنَفسِهِ وَأذن فِي النَّاس بذلك وجهز العساكر مَعَ الْقَائِد مُحَمَّد السلاوي وَوجه مَعَه وَلَده الْمولى إلراهيم بعساكر الثغور وعرب سُفْيَان وَبني مَالك فَسَارُوا على طَرِيق الْجَبَل وَخرج السُّلْطَان من فاس فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَمَعَهُ السوَاد الْأَعْظَم فسلك الجادة إِلَى تازا وكارت حَتَّى نفذ إِلَى بِلَاد الرِّيف فَلم يرعهم إِلَّا العساكر مُحِيطَة بهم من كل وَجه فنهبوهم وحرقوا مداشرهم وَاسْتَخْرَجُوا
(3/128)

أمراسهم ودفائنهم وَولى السُّلْطَان عَلَيْهِم أَحْمد بن عبد الصَّادِق الريفي وَتَركه فِي بِلَادهمْ فِي حِصَّة من الْعَسْكَر يستخلص مِنْهُم الْأَمْوَال وَعَاد السُّلْطَان إِلَى دَار ملكه مؤيدا منصورا
خُرُوج السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى بِلَاد الْحَوْز وتمهيدها ثمَّ دُخُوله مراكش

كَانَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله قد ولى على قبائل تامسنا الْقَائِد كريران الحريزي فَيُقَال إِنَّه أَسَاءَ السِّيرَة فيهم فنبذوا طَاعَته وَخَرجُوا عَلَيْهِ فَقدم على السُّلْطَان مستصرخا عَلَيْهِم فَخرج إِلَيْهِم فِي العساكر سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَتقدم إِلَى جيرانهم من الْقَبَائِل بِأَن يزحفوا إِلَيْهِم من خَلفهم فَفَعَلُوا وهجم هُوَ عَلَيْهِم من أمامهم وأوقع بهم وقْعَة شنعاء أتلفت موجودهم وأباحت نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وفر مِنْهُم طَائِفَة فعبروا وَادي أم الرّبيع زمَان مُدَّة فَهَلَك جلهم ثمَّ ترك فيهم عَامله فِي حِصَّة من الْجند وَأمره باستخلاص الْأَمْوَال مِنْهُم وَتقدم هُوَ إِلَى نَاحيَة مراكش لقمع أهل الْفساد من قبائل الْحَوْز مثل دكالة وَعَبدَة والشياظمة الَّذين خَرجُوا أَيْضا على عاملهم الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الصَّادِق صَاحب الصويرة فَأصْلح من شَأْنهمْ وعزله عَنْهُم لما علمه من سوء سيرته فيهم وَنَقله من الصويرة إِلَى مراكش ثمَّ مِنْهَا إِلَى فاس فولى أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد على عَسْكَر القلعة بمراكش وَعَاد رَحمَه الله إِلَى الغرب
وَفِي هَذِه السّنة فِي الثَّالِث عشر من رَمَضَان مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الْفَقِيه الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْحَاج الرهوني صَاحب الْحَاشِيَة الْكَبِيرَة على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل وَغَيرهَا من التآليف النافعة والخطب البارعة وَبَاعه فِي الْعُلُوم خُصُوصا الْفِقْه مُقَرر مَعْلُوم رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الْخَامِس عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الشَّيْخ الْعَالم الْعَارِف الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التجاني
(3/129)

شيخ الطَّائِفَة التجانية وَكَانَت وَفَاته بفاس المحروسة وضريحه بهَا شهير عَلَيْهِ بِنَاء حفيل رَحمَه الله ونفعنا بِهِ
غَزْو السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان قبائل الصَّحرَاء وإيقاعة بآيت عطة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما كَانَت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف بلغ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان أَن بعض قبائل الصَّحرَاء كعرب الصَّباح وبرابرة آيت عطه اشتغلوا بِالْفَسَادِ وَعظم ضررهم واستولوا على قُصُور المخزن الَّتِي هُنَالك من عهد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل فعقد لِابْنِهِ الْمولى إِبْرَاهِيم على جَيش كثيف وَوَجهه إِلَيْهِم فَسَار وَنزل أَولا على قُصُور الْعَرَب وَنصب عَلَيْهِم آلَة الْحَرْب فبددهم ثمَّ زَاد إِلَى قُصُور آيت عطه فنصب عَلَيْهِم الْآلَة كَذَلِك وضيق عَلَيْهِم إِلَى أَن طلبُوا الْأمان فَأَمنَهُمْ فطلبوا أَن يفرج بالجيش عَنْهُم قَلِيلا حَتَّى يخرجُوا بعيالهم خوفًا من معرة الْجَيْش فأشفق لَهُم وَأَفْرج عَنْهُم وَكَانَ ذَلِك مكيدة مِنْهُم فَلَمَّا نفس عَن مخنقهم أدخلُوا مَعَهم مَا شاؤوا من رجال وَسلَاح وقوت وتمادوا على الْحَرْب فَسقط فِي يَد الْمولى إِبْرَاهِيم وَحمى أَنفه وَكَانَ مَعَه جمَاعَة وافرة من أعيانهم رهنا عِنْده فَقتل طَائِفَة مِنْهُم وسَاق نَحْو الْمِائَة إِلَى فاس فَقَتلهُمْ بِبَاب المحروق وَلما أنهى خبر فعلة البربر إِلَى السُّلْطَان عَابَ على ابْنه إفراجه عَنْهُم أَولا وَقتل الرهائن ثَانِيًا ثمَّ أَنهم أوفدوا جمَاعَة مِنْهُم على السُّلْطَان راغبين إلية أَن يبقيهم بالقصور فردهم بالخيبة وَقَالَ لَهُم لَا بُد لي من الْوُصُول إِلَى تِلْكَ الْقُصُور إِن شَاءَ الله حَتَّى تكون لي أولكم وَلما انْسَلَخَ رَمَضَان من السّنة وَأقَام سنة عيد الْفطر شرع فِي تجهيز العساكر إِلَى الصَّحرَاء وقمع ظلمَة آيت عطه ثمَّ بعث فِي مقدمته السوَاد الاعظم من جَيش العبيد وَعقد عَلَيْهِم لوصيفه الأنجب الْقَائِد أَحْمد بن مبارك صَاحب الحاتم وَبعث مَعَه الطبجية بالمدافع والمهاريس وَآلَة الْحصار وَالْهدم فَخَرجُوا من فاس فِي
(3/130)

زِيّ فاخر وشوكة تَامَّة وَبعد انفصالهم عَنْهَا طَرَأَ على السُّلْطَان من بعض الثغور البحرية خبر بِأَن عمَارَة الْعَدو تروج بالبحر وتجتمع عِنْد جبل طَارق وَلم ندر إِلَى أَيْن تُرِيدُ فَتَأَخر السُّلْطَان عَن الْخُرُوج حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ أَمر هَذِه الْعِمَارَة ثمَّ ورد الْخَبَر الْيَقِين بِأَنَّهَا قد قصدت ثغر الجزائر وَأصَاب الفرنج من هدم الأبراج وتخريب الدّور والمساجد وَحرق الْأَشْجَار شَيْئا كثيرا لَكِن لما رجعُوا مفلولين مقتولين هان الْأَمر وصغرت الْمُصِيبَة وَلما جَاءَ البشير بانهزام الفرنج عَن الجزائر قوي عزم السُّلْطَان على مُتَابعَة من وَجه من عسكره إِلَى الصَّحرَاء فَخرج فِي غرَّة ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فِيمَن تخلف مَعَه من الْعَسْكَر وقبائل الْعَرَب والبربر وجد السيرإلى أَن عمر وَادي ملوية فَلَقِيَهُ البشير هُنَالك بِخَبَر الْفَتْح والاستيلاء على الْقُصُور وَقتل أَهلهَا وَسَبْيهمْ وَنهب بضائعهم وأمتعتهم فجد السّير إِلَى أَن خيم بأغريس وَمِنْهَا كتب إِلَى الْقَائِد أَحْمد أَن يوافيه بالجيش لبلاد فركلة للنزول على الْقُصُور الخربات الَّتِي بهَا آيت عطة فَاجْتمعُوا مَعَ السُّلْطَان بهَا ونصبوا عَلَيْهَا المدافع والمهاريس ودام الرَّمْي عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى كثر الْهدم وَالْقَتْل وعاينوا الْمَوْت الْأَحْمَر فأرسلوا إِلَى السُّلْطَان النِّسَاء وَالصبيان للشفاعة فِي الْخُرُوج بؤوسهم فَأَمنَهُمْ وَلما جن اللَّيْل خَرجُوا حاملين أَوْلَادهم على ظُهُورهمْ خوفًا من معرة الْجَيْش وَلما أصبح السُّلْطَان أَمر بِنَهْب مَا فِي الْقُصُور من الْقُوت وَالْمَتَاع والكراع وكمل فتح هَذِه الْأَمَاكِن الَّتِي كَانَت نقمة لأهل ذَلِك الْقطر الصحراوي وَلما من الله على السُّلْطَان بِهَذَا الْفَتْح شكر صنع الله لَهُ بِأَن فرق على الْعَسْكَر وقبائل تِلْكَ الأقطار مَا وسعهم من الْخيرَات
قَالَ صَاحب الْجَيْش أعْطى الشرفاء مائَة ألف مِثْقَال غير مَا كَانَ يعطيهم فِي كل سنة وَقسم رَحمَه الله ذَلِك بِخَط يَده فَكتب لدار مولَايَ عبد الله كَذَا ولشريفات حموبكة كَذَا ولشرفاء تافيلالت كَذَا ولشرفاء تيزيمي وَأَوْلَاد الزهراء كَذَا ولشرفاء الرتب كَذَا ولشرفاء مدغرة كَذَا ولشرفاء زيز
(3/131)

والخنق والقصابي كَذَا وَأعْطى الطّلبَة والعميان والمقعدين والزمنى وزوايا تافيلالت مائَة ألف مِثْقَال قسم ذَلِك بِخَط يَده أَيْضا وَجعل للفقيه الْمدرس أَرْبَعَة أسْهم وَلغيره سَهْمَيْنِ والسهم من كَذَا وللطالب الَّذِي يحفظ الْقُرْآن برسمه حَتَّى صفا لوحه سَهْمَان وَلغيره سهم والسهم من كَذَا وَلَا فرق بَين الْأَحْرَار والحراطين وَلكُل وَاحِد من الضُّعَفَاء والعمى والمقعدين كَذَا الْأَحْرَار والحراطين سَوَاء وللزوايا كَذَا فلزاوية الشَّيْخ سَيِّدي الْغَازِي كَذَا ولزاوية سَيِّدي أبي بكر بن عمر كَذَا ولزاوية سَيِّدي أَحْمد الحبيب كَذَا ولزاوية سَيِّدي عَليّ بن عبد الله كَذَا ولزاوية ضريح مَوْلَانَا عَليّ الشريف كَذَا ولمقبرة أخنسوس كَذَا وَوجه المَال مَعَ الْأمين السَّيِّد الْمُعْطِي مرينو الرباطي وَأمر الشرفاء أَن يعينوا أَرْبَعِينَ من ثقاتهم وأمنائهم حَتَّى لَا تقع زِيَادَة فِيمَا كتبه بِيَدِهِ وَلَا نُقْصَان وَأمر القَاضِي أَن يعين عشرَة من الطّلبَة وَعشرَة من الْعَوام للْقِيَام على تَفْرِقَة ذَلِك ثمَّ أعْطى المدرسين زِيَادَة على مَا تقدم وَكَذَا الْأَئِمَّة والمؤذنين وَلم ينس أحدا كل ذَلِك بِخَط يَده رَحمَه الله
قَالَ صَاحب الْجَيْش وَلَا زَالَ هَذَا الزِّمَام عِنْدِي ثمَّ بعد قَضَاء وطره من الزِّيَارَة والصلة توجه إِلَى مراكش على طَرِيق الفائجة لتفقد أَحْوَال جَيش الْحَوْز الَّذِي كَانَ وَجهه من مراكش لإقليم درعة فَبَلغهُ أثْنَاء الطَّرِيق أَن آيت عطه الَّذين بدرعة لما سمعُوا بِقُرْبِهِ مِنْهُم خَرجُوا من الْقُصُور هاربين وتركوها يبابا وتحصنوا بجبل صاغرو وَلما دخل السُّلْطَان مراكش سرح العساكر إِلَى السوس لتفقد أَحْوَاله وجباية أَمْوَاله وتمهيد أَطْرَافه وَأخذ هُوَ رَحمَه الله فِي استصلاح قبائل الْحَوْز من دكالة وَعَبدَة والشياظمة فَقتل وَعزا وسجن وَولى من ولى وطهر تِلْكَ الْأَعْمَال من وُلَاة السوء الَّذين كَانُوا بهَا وَعَاد إِلَى حَضرته بفاس وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما دَخلهَا أَخذ فِي تجهيز ولديه الْمولى عَليّ وَالْمولى عمر لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج إِلَى أَن استوفى الْغَرَض فِي ذَلِك وَعين من يتَوَجَّه مَعَهُمَا من الخدم والتجار
(3/132)

وَسَائِر الْحَاشِيَة وخرجا مَعَ الركب النَّبَوِيّ على الْهَيْئَة الْمَعْهُودَة فِي حفظ الله وَفِي هَذِه السّنة عزل السُّلْطَان وصيفه ابْن عبد الصَّادِق عَن فاس وَولى عَلَيْهَا كَاتبه أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الرِّفَاعِي الرباطي الْمَدْعُو القسطالي كَانَ يعلم أَوْلَاده فنقله عَن ذَلِك إِلَى مرتبَة الْولَايَة وأوصاه أَن يسير بِالْعَدْلِ فِي الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين ويشتد على الفجرة والمتمردين وَفِي هَذِه السّنة عَشِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الثَّانِي مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الْمُحَقق الأديب البليغ أَبُو الْفَيْض حمدون بن عبد الرَّحْمَن بن حمدون بن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ المرداسي الشهير بِابْن الْحَاج صَاحب التآليف الْحَسَنَة والفوائد المستحسنة والخطب النافعة وَالْحكم الجامعة رَحمَه الله ونفعنا بِهِ
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف عزل السُّلْطَان الْفَقِيه أَبَا الْعَبَّاس عَن فاس لعَجزه عَن الْقيام بالخطة وَولى على فاس خديمه الْحَاج أَبَا عبد الله مُحَمَّد الصفار من بَيت رياسة وَفِي هَذِه السّنة أبطل السُّلْطَان الْجِهَاد فِي الْبَحْر وَمنع رؤساءه من القرصنة بِهِ على الْأَجْنَاس وَفرق بعض قراصينه على الإيالات الْمُجَاورَة مثل الجزائر وطرابلس وَمَا بَقِي مِنْهَا أنزل مِنْهَا المدافع وَغَيرهَا من آلَة الْحَرْب وَأعْرض عَن أَمر الْبَحْر رَأْسا بعد أَن كَانَت قراصين الْمغرب أَكثر وَأحسن من قراصين صَاحب الجزائر وتونس قَالَه منويل وَفِي هَذِه السّنة قدم ولدا السُّلْطَان الْمولى عَليّ وَالْمولى عمر من الْمشرق مَعَ الركب ونزلوا بثغر طنجة وَكَانَ السُّلْطَان قد بعث إِلَيْهِمَا بمركب من مراكب النجليز فَانْتهى إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وحملهما وَمن مَعَهُمَا من الخدم والتجار وَسَائِر الْحَاج وَلما نزلُوا بطنجة حدث الوباء بالمغرب فَقَالَ النَّاس إِن ذَلِك بسببهم فانتشر أَولا بِتِلْكَ السواحل وَمِنْهَا شاع فِي الحواضر والبوادي إِلَى أَن بلغ فاسا ومكناسة فِي بَقِيَّة الْعَام
وَلما دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف شاع الوباء وَكثر فِي بِلَاد الغرب فَتوجه السُّلْطَان إِلَى مراكش وَكَانَ الْأَمر لَا زَالَ مُحْتملا ثمَّ زَاد
(3/133)

وتفاحش حَتَّى أصَاب النَّاس مِنْهُ أَمر عَظِيم وَفِي هَذَا الوباء توفّي الشَّيْخ المرابط الْبركَة سَيِّدي الْعَرَبِيّ ابْن الْوَلِيّ الْأَشْهر سَيِّدي الْمُعْطى بن الصَّالح الشرقاوي وضريحه شهير بِأبي الْجَعْد رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وأسلافه آمين
وقْعَة ظيان وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

لما وصل السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَى مراكش سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف أَقَامَ بهَا إِلَى رَجَب مِنْهَا ثمَّ أَخذ فِي الاستعداد لغزو برابرة فازاز وهم آيت ومالو بطن من صنهاجة وَعرفت الْوَقْعَة بوقعة ظيان فَخذ مِنْهُم فحشد السُّلْطَان رَحمَه الله عرب الْحَوْز كلهم وَكتب إِلَى العبيد بمكناسة يَأْمُرهُم أَن يوافوه بتادلا وَكتب إِلَى وَلَده وخليفته بفاس الْمولى إِبْرَاهِيم أَن يوافيه بهَا بِجَيْش الودايا وشراقة وعرب الغرب وبرابرته وعسكر الثغور وَكَانَ النَّاس يَوْمئِذٍ فِي شدَّة من هَذَا الوباء الَّذِي عَم الحواضر والبوادي وَكَانَ السُّلْطَان لما أَخذ فِي استنفار هَذِه الْقَبَائِل لَا علم لَهُ بتفاحش الوباء بالمغرب وَكَانَ الْوَاجِب على ابْن السُّلْطَان أَن يعلم أَبَاهُ بِمَا النَّاس فِيهِ من فتْنَة الوباء فيعفيهم من الْغَزْو أَو يُؤَخِّرهُ إِلَى يَوْم مَا فَجمع ولد السُّلْطَان الجموع وجلهم كَارِه وَسَار لميعاد أَبِيه فوافاه بتادلا فَاجْتمع للسُّلْطَان فِيمَا يُقَال من الجيوش نَحْو سِتِّينَ ألفا وزحف إِلَى البربر فَانْتهى إِلَى بسيط آدخسان وَبهَا مزارع البربر وفدنها فَأرْسل السُّلْطَان الجيوش فِي تِلْكَ الزروع وَكَانَت شَيْئا كثيرا فَأتوا عَلَيْهَا وَبعث البربر إِلَيْهِ بنسائهم وولدانهم للشفاعة وَأَن يدفعوا للسُّلْطَان كل مَا يَأْمُرهُم بِهِ من المَال وينصرف عَنْهُم فَأبى وزحف إِلَيْهِم فَقَاتلهُمْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْل وَلَقَد أَخْبرنِي من حضر الْوَقْعَة أَن الْمُقَاتلَة كَانَت فِي هَذَا الْيَوْم من عرب الغرب وَمن برابرة زمور وجروان وآيت أدراسن إِلَّا أَن الْقَتْل استحر فِي الْعَرَب دون البربر وَذَلِكَ أَن كَبِير زمور الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي دس إِلَى
(3/134)

ظيان بأنما نَحن وَأَنْتُم وَاحِد فَإِذا كَانَ اللِّقَاء فَلَا ترمونا وَلَا نرميكم إِلَّا بالبارود وَحده وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان لما قدمهم لِلْقِتَالِ فِي أول يَوْم مِنْهُ وَأخر عرب الْحَوْز استرابوا بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَن يصدم بَعضهم بِبَعْض وتسلم لَهُ الْعَرَب فَفعل ابْن الْغَازِي مَا فعل وَلما رَاح مقاتلة الْعَرَب مَعَ الْعشي أخبروا السُّلْطَان بِأَن هَؤُلَاءِ البربر الَّذين مَعَه لَا أَمَان فيهم وَإِنَّمَا ظلوا يترامون بالبارود لَا غير وَلأَجل ذَلِك قد هلك من إِخْوَاننَا كثير وَلم يهْلك مِنْهُم أحد فأسرها السُّلْطَان فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم وَلما كَانَ الْغَد وَركب النَّاس لِلْقِتَالِ أرسل إِلَى البربر أَن لَا يركب مِنْهُم أحد وَقَالَ لَهُم إِنِّي أردْت أَن أجرب الْعَرَب الْيَوْم وأختبر فائدتهم فأظهروا الطَّاعَة وَتقدم الْعَرَب إِلَى الْقِتَال وَأقَام البربر فِي أخبيتهم إِلَى منتصف النَّهَار ثمَّ ركبُوا خيولهم وتسابقوا إِلَيْهَا عَن آخِرهم قَالَ الْمخبر بِهَذَا الْخَبَر شاهدتهم سَاعَة ركبُوا فَكنت لَا ألتفت إِلَى جِهَة إِلَّا رَأَيْتهَا حَمْرَاء من كَثْرَة سروجهم الَّتِي كَانَت على ظُهُور الْخَيل إِذْ ذَاك ثمَّ تصايحت البربر فِيمَا بَينهَا وَتَقَدَّمت براياتها إِلَى الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْقِتَال وَأتوا من خلف الْعَرَب الَّذين كانو فِي نحر الْعَدو وهم يتصايحون فَلم يردهم إِلَّا صياح البربر من خَلفهم وراياتهم قد أطلت عَلَيْهِم من كل جِهَة وَكَانَت شَيْئا كثيرا فظنوا أَن ظيان قد التحفتهم من خَلفهم فخشعت نُفُوسهم وفشلوا وَرَجَعُوا منهزمين لايلوي حميم على حميم فَأَخَذتهم البربر من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم يقتلُون ويسلبون وَحصل انزعاج كَبِير فِي الْمحلة وتمت الْهَزِيمَة عَلَيْهَا وَلم يبْق بهَا إِلَّا جَيش الودايا وَالْعَبِيد هَكَذَا أَخْبرنِي من شَاهد هَذِه الْوَقْعَة مِمَّن يوثق بِهِ
وسَاق صَاحب الْجَيْش الْخَبَر عَنْهَا بِأَن قَالَ كَانَ انخذال برابرة زمور بِرَأْي كَبِيرهمْ الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي وَكَانَت لَهُ وجاهة فِي الدولة وَكَانَ الْحسن بن حمو واعزيز كَبِير آيت أدراسن يساميه فِي الْمنزلَة وَلما خرج الْمولى إِبْرَاهِيم بن السُّلْطَان فِي هَذِه الْغَزْوَة كَانَ ابْن واعزيز قد حظي لَدَيْهِ حَتَّى صَار من أخص ندمائه فَنَفْس ابْن الْغَازِي عَلَيْهِ ذَلِك ودبر بِأَن جر
(3/135)

الْهَزِيمَة على الْجَيْش أجمع فَإِنَّهُ أظهر الْفِرَار وَقت اللِّقَاء حَتَّى سرى الفشل فِي النَّاس وانهزموا ثمَّ عطفت البرابر مَعَ الْعشي على محلّة السُّلْطَان فشرعوا فِي نهبها وأحاط عَسْكَر العبيد بهَا من كل جِهَة وصاروا يُقَاتلُون البربر على أَطْرَاف الأخبية وَلما أقبل الْمسَاء ترك العبيد الأخبية وأرزوا إِلَى أفراك السُّلْطَان وَصَارَ الْقِتَال على أفراك إِلَى وَقت الْعشَاء فَهَلَك من العبيد خلق كثير وَصَارَ الْقِتَال بِالسُّيُوفِ والرماح وَمَا زَالَ أَصْحَاب السُّلْطَان يترسون عَلَيْهِ بِأَنْفسِهِم حَتَّى عجزوا عَن الدفاع وخلص البربر إِلَى السُّلْطَان وَأَرَادَ رجل مِنْهُم يُقَال إِنَّه من بني مكيلد أَن يجرده فَأعلمهُ بِأَنَّهُ السُّلْطَان فاستحلفه الْبَرْبَرِي فَحلف لَهُ فَنزل عَن فرسه وأركبه وطار بِهِ إِلَى خيمته وَكَانَ البربر يلقونه وَهُوَ ذَاهِب بِهِ فَيَقُولُونَ من هَذَا الَّذِي مَعَك فَيَقُول أخي أَصَابَته جِرَاحَة وَلما وصل بِهِ إِلَى خيمته أعلن بِأَنَّهُ السُّلْطَان فَأَقْبَلت نسَاء الْحَيّ من كل جِهَة يفرحن ويضربن بِالدُّفُوفِ ثمَّ جعلن يتمسحن بأطرافه تبركا بِهِ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ إعجابا بِهِ حَتَّى أضجرنه وَلما جَاءَ رجال الْحَيّ أعظموا حُلُوله بَين أظهرهم وأجلوه وَسعوا فِيمَا يرضيه ويلائمه من وطاء ومطعم ومشرب بِكُل مَا قدرُوا عَلَيْهِ فَلم يقر لَهُ قَرَار مَعَهم وَيُقَال إِنَّه بَقِي عِنْدهم ثَلَاثًا لَا يَأْكُل وَلَا يشرب أسفا على مَا أَصَابَهُ إِلَّا أَنه كَانَ يسد رمقه بِشَيْء من الحليب وَالتَّمْر وتنصل البربر لَهُ مِمَّا شجر بَينهم وَبَينه وأظهروا لَهُ غَايَة الخضوع والاستكانة حَتَّى أَنهم كتفوا نِسَاءَهُمْ وقدموهن إِلَيْهِ مستشفعين بِهن على عَادَتهم فِي ذَلِك وَبعد ثَلَاث أركبوه وَقدمُوا بِهِ فِي جمَاعَة من الْخَيل إِلَى قَصَبَة آكراي فنزلوا بِهِ قَرِيبا مِنْهَا وَبعث رَحمَه الله إِلَى مكناسة يعلم الْجَيْش بمكانه فجاؤوه مُسْرِعين وَدخل مكناسة بعد أَن أحسن إِلَى ذَلِك الْفَتى الْبَرْبَرِي وَإِلَى جَمِيع أهل حيه غَايَة الْإِحْسَان وَأمر رَحمَه الله أَن يعْطى لكل من أَتَى سليبا من المنهزمين حائك وَثَلَاثُونَ أُوقِيَّة فَفرق من ذَلِك شَيْئا كثيرا بِبَاب مَنْصُور العلج من مكناسة وَأُصِيب الْمولى إِبْرَاهِيم ابْن السُّلْطَان فِي هَذِه
(3/136)

الْوَقْعَة بجراحات معظمها فِي رَأسه فَحمل جريحا إِلَى فاس فَمَاتَ بهَا وَكَانَت مصيبته على السُّلْطَان أعظم مِمَّا أَصَابَهُ فِي نَفسه وَالْأَمر لله وَحده
قَالَ صَاحب الْجَيْش كَانَ السُّلْطَان الحازم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله لَا يرد الشَّفَاعَة فِي مثل هَذَا الْمقَام وَرُبمَا دس إِلَى من يظْهر ذَلِك صُورَة حَتَّى يكون نهوضه عَن عز وَذَلِكَ من حسن سياسته وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة الفادحة سَبَب سُقُوط هَيْبَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من قُلُوب الرّعية فَلم يمتثل لَهُ بعْدهَا أَمر فِي عصاتها حَتَّى لَقِي الله تَعَالَى
وَلما دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كثر عيث البربر وإفسادهم السابلة واستحوذوا على مزارع مكناسة ومسارحها فنصب لَهُم السُّلْطَان رَحمَه الله حبالة الطمع وكادهم بهَا بِأَن صَار كلما وَفد عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم كساها وَأحسن إِلَيْهَا فتسامعوا بذلك فقادهم الطمع إِلَى أَن وَفد عَلَيْهِ مِنْهُم فِي مرّة وَاحِدَة سَبْعمِائة فَارس من أعيانهم فَقبض عَلَيْهِم وجردهم من الْخَيل وَالسِّلَاح وأودعهم السجْن ثمَّ أَمر بِالْقَبْضِ على كل من وجد مِنْهُم بسوق مكناسة وصفرو فَقبض بصفرو على نَحْو الثلاثمائة من آيت يوسي وَقَامَت بِسَبَب ذَلِك فتْنَة البربر على سَاق فَإِنَّهُم امتعضوا لمن قبض عَلَيْهِ من إخْوَانهمْ وزحفوا إِلَى مكناسة وحاصروها وجاؤوا مَعَهم بدجالهم أبي بكر مهاوش وتحزبوا وصاروا يدا وَاحِدَة على كل من يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ بالمغرب وَكَانَ مهاوش فِي هَذِه الْأَيَّام قد أَمر أمره لِأَنَّهُ لما عزم السُّلْطَان على غزوهم كَانَ يعدهم بِأَن الظُّهُور يكون لَهُم فَلَمَّا صدق عَلَيْهِم ظَنّه اعتقدوه وافتتنوا بِهِ وزحفوا إِلَى مكناسة فضيقوا على السُّلْطَان بهَا فَجعل رَحمَه الله يعالج أَمرهم بِالْحَرْبِ تَارَة وَالسّلم أُخْرَى إِلَى أَن طلبُوا مِنْهُ أَن يسرح لَهُم إخْوَانهمْ ويرجعوا إِلَى الطَّاعَة وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَة فسرحهم لَهُم على يَد المرابط أبي مُحَمَّد عبد الله بن حَمْزَة العياشي فَلَمَّا ظفروا بإخوانهم نقضوا الْعَهْد الَّذِي أَخذ عَلَيْهِم المرابط الْمَذْكُور وعادوا إِلَى العيث وإفساد السابلة ثمَّ تَبِعَهُمْ على
(3/137)

ذَلِك قبائل الْعَرَب وَاخْتَلَطَ الحابل بالنابل وَاشْتَدَّ الْأَمر وَبلغ الحزام الطبيين وَللَّه در الْعَلامَة أبي مَرْوَان عبد الْملك التاجموعتي إِذْ يَقُول
(هم البرابر لَا ترجو نوالهم ... وسل من الله تَعْجِيل النَّوَى لَهُم)
(لَا بلغ الله قلبا مِنْهُم أملا ... وَبلغ الله قلبِي مَا نوي لَهُم)
ثمَّ لما سَقَطت هَيْبَة السُّلْطَان وَزَالَ وقعه من الْقُلُوب سرى فَسَاد الْقَبَائِل إِلَى الْجند فَإِن العبيد عَادوا على كَبِيرهمْ الْقَائِد أَحْمد بن مبارك صَاحب الْخَاتم فَقَتَلُوهُ افتياتا على السُّلْطَان مَعَ أَنه كَانَ من أخص دولته لنجابته وكفايته وديانته واعتماد السُّلْطَان عَلَيْهِ فِي سَائِر مهماته وَلما قَتَلُوهُ اعتذروا للسُّلْطَان بأعذار كَاذِبَة فَقبل ظَاهر عذرهمْ وطوى لَهُم على الْبَتّ
قَالَ أكنسوس كَانَ الْقَائِد أَحْمد وَأَبَوَاهُ وَإِخْوَته قد أَعْطَاهُم السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله لِابْنِهِ الْمولى سُلَيْمَان فَنَشَأَ الْقَائِد أَحْمد فِي كفَالَته وتخلق بأخلاقه من زمن الصِّبَا إِلَى مماته وَكَانَت حَيَاته مقرونة بسعادة السُّلْطَان الْعَادِل الْمولى سُلَيْمَان فَإِنَّهُ من يَوْم قتل رَحمَه الله سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف لم يلتئم شَمل المملكة حَتَّى توفّي السُّلْطَان الْمَذْكُور
ذكر آل مهاوش وأوليتهم وَمَا آل إِلَيْهِ أَمرهم

أما الَّذِي كَانَ مِنْهُم فِي دولة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فاسمه مُحَمَّد وناصر وَالْوَاو فِي لُغَة البربر بِمَعْنى ابْن وَكَانَ وَالِده مرابطا من آيت مهاوش فرقة من آيت سخمان مِنْهُم وَكَانَ جده أَبُو بكر من أَتبَاع الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر الدرعي رَحمَه الله وَكَانَ الشَّيْخ الْمَذْكُور قد جرى فِي مَجْلِسه يَوْمًا ذكر الدَّجَّال فَقَالَ الشَّيْخ لَا يخرج الدَّجَّال حَتَّى تخرج دجاجيل من جُمْلَتهمْ مهاوش وَمَعْنَاهُ من جُمْلَتهمْ ولد هَذَا الرجل فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ لما شب مُحَمَّد وناصر قَرَأَ الْقُرْآن والعربية وَالْفِقْه وَحصل على طرف من علم الشَّرِيعَة ثمَّ تنسك وتزهد وَلبس الخشن فَيُقَال إِنَّه حصل
(3/138)

لَهُ نوع من الْكَشْف شاع بِهِ خَبره عِنْد البربر وأكبوا عَلَيْهِ واشتهر أمره أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَلما انْتهى أمره نَهَضَ إِلَى قَبيلَة جروان الَّذين كَانُوا يخدمونه فنهبهم بِسَبَبِهِ وفر مهاوش إِلَى رُؤُوس الْجبَال وَبَقِي مختفيا إِلَى أَن بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى يزِيد رَحمَه الله وَكَانَ قد اتَّصل بمهاوش قبل ولَايَته وَذَلِكَ حِين فر من وَالِده ولجأ إِلَيْهِ حَسْبَمَا مر فآواه مهاوش وَأحسن إِلَيْهِ
وَلما بُويِعَ السُّلْطَان الْمَذْكُور وَفد عَلَيْهِ مهاوش فِي جمَاعَة من قومه ففرح بهم الْمولى يزِيد وَأعْطى مهاوش عشرَة آلَاف ريال وَأعْطى الَّذين قدمُوا مَعَه مائَة ألف ريال وَلما هلك مُحَمَّد وناصر هَذَا ترك عدَّة أَوْلَاد أكبرهم أَبُو بكر وَمُحَمّد وَالْحسن إِلَّا أَنهم تبعوا سيرة أَبِيهِم فِي مُجَرّد التدجيل والتمويه على جهلة البربر وتثبيطهم على طَاعَة السُّلْطَان وَلم يكن مَعَهم مَا كَانَ مَعَ والدهم من التظاهر بِالْخَيرِ وَالدّين فَأمر أَمرهم عِنْد أهل جبل فازاز واعتقدوهم ووقفوا عِنْد إشارتهم ثمَّ لما جَاءَت دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله واتفقت لَهُ الْهَزِيمَة الَّتِي مر ذكرهَا وأمتلأت أَيدي البربر من خيل المخزن وسلاحه وأثاث الْجند وفرشه بطروا وَظهر لَهُم إِن ذَلِك إِنَّمَا نالوه ببركة مهاوش لِأَنَّهُ كَانَ يعدهم بِشَيْء من ذَلِك فَتمكن ناموسه من قُلُوبهم واستحكمت طاعتهم لَهُ وتمردوا على السُّلْطَان بِسَبَب مَا كَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ إِلَّا أَن كَيده كَانَ قاصرا على أهل لِسَانه ووطنه لَا يتعداهم إِلَى غَيرهم ثمَّ بعد ذَلِك بِزَمَان انطفأ ذباله وَلم يزل فِي انتقاص إِلَى الْآن وَالله غَالب على أمره
حُدُوث الْفِتْنَة بفاس وقيامهم على عاملهم الصفار

لما توالت هَذِه الْفِتَن على السُّلْطَان رَحمَه الله وانفتقت عَلَيْهِ الفتوق وَصَارَ النَّاس كَأَنَّهُمْ فوضى لَا سُلْطَان لَهُم قَامَ عَامَّة أهل فاس على عاملهم الْحَاج مُحَمَّد الصفار فأرادوا عَزله وتعصبت لَهُ طَائِفَة من أهل عدوته وافترقت
(3/139)

الْكَلِمَة بفاس حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى الْحَرْب وَسَفك الدِّمَاء وَنهب الدكاكين وتراموا بالرصاص من أَعلَى منار مَسْجِد الرصيف وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمكناسة يعالج دَاء البربر فزاده ذَلِك وَهنا على وَهن فَكتب إِلَى أهل فاس كتابا شحنه بالوعظ والعتب وَأمر ابْنه الْمولى عليا أَن يقرأه عَلَيْهِم فَجَمعهُمْ وقرأه عَلَيْهِم حَتَّى سَمِعُوهُ وفهموه وَنَصّ الْكتاب الْمَذْكُور بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم إِلَى أهل فاس السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإِن العثماني بإصطنبول وَأمره ممتثل بتلمسان والهند واليمن وَمَا رَأَوْهُ قطّ وَلَكِن أَمر الله يمتثلون {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن} النِّسَاء 59 وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يعْفُو ويصفح وَاعْلَمُوا أَن الْعمَّال ثَلَاثَة عَامل أكل السُّحت وأطعمه الغوغاء والسفلة وعامل لم يَأْكُل وَلم يطعم غَيره انتصف من الظَّالِم وعامل أكل وَحده وَلم يطعم غَيره فَالْأول تحبه الْعَامَّة والسفلة ويبغضه الله وَالسُّلْطَان والصالحون وَالثَّانِي يُحِبهُ الله ويكفيه مَا أهمه من أَمر السُّلْطَان وَالثَّالِث كعمال الْيَوْم يَأْكُل وَحده وَيمْنَع رفده وَلَا ينصر الْمَظْلُوم فَهَذَا يبغضه الله وَرَسُوله وَالسُّلْطَان وَالنَّاس أَجْمَعُونَ وَهَذَا معنى حَدِيث أزهد فِيمَا فِي أَيدي النَّاس يحبك النَّاس الخ
وَحَدِيث الْعمَّال ثَلَاثَة الخ فَلَو كَانَ للصفار مائدة خمر وَطَعَام يَأْخُذهُ من الْأَسْوَاق ويتغذى عِنْده ويتعشى السفلة والفساق وَيَدْعُو الْيَوْم ابْن كيران وَغدا ابْن شقرون وَبعده بنيس وَابْن جلون وَيفرق عَلَيْهِم من الذعائر لأحبوه وَمَا قَامُوا عَلَيْهِ وَلَو أردتم النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ ولأميره لقدم علينا ثَلَاثَة مِنْكُم أَو ذكرْتُمْ ذَلِك لولدنا مولَايَ عَليّ أصلحه الله فَأخْبرنَا بذلك وَقل للصفار الْكلاب لَا تتهارش إِلَى على الطَّعَام والجيف فَإِذا رَأَتْ كَلْبا بِبَاب دَار سَيّده وَلَا شَيْء أَمَامه لم تعرج عَلَيْهِ وَإِن رَأَتْهُ يَأْكُل فَإِن هُوَ تعامى وأشركهم فِيمَا يَأْكُل أكلُوا مَعَه وسكتوا وَإِن هُوَ قطب وَجهه وكشر عَن أنيابه تراموا عَلَيْهِ وغلبوه على مَا فِي يَده وَهَذَا الصفار لم يتق الله ويزهد الزّهْد الَّذِي ينصره الله بِهِ وَلم يلاق النَّاس بِوَجْه طلق ويطرف مِمَّا يَأْكُلهُ فسلطهم
(3/140)

الله عَلَيْهِ وَلما رأى يُوسُف بن تاشفين النِّعْمَة الَّتِي فِيهَا ابْن عباد قَالَ أكل أَصْحَابه وأعوانه مثله فَقَالُوا لَا فَقَالَ إِنَّهُم يبغضونه ويسلمونه للمكاره لاستبداده دونهم ولتغيير الْمُنكر شُرُوط وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَكم من مرّة قُلْنَا لكم الْعلمَاء هُوَ يُنكرُونَ مَا يُنكر ويعلموننا بِمَا كَانَ وَلَكِن الْجُلُوس بِلَا شغل والفراغ وَعدم الْحَمد حملكم على مَا يحرم عَلَيْكُم الْكَلَام فِيهِ
(إِن الشَّبَاب والفراغ والجده ... مفسده للمرء أَي مفْسدَة)
وَأما بَيت مَال الله والأحباس فَالله حسيب من بدل وَقد كُنْتُم تتكلمون على المكس وَالْحَرِير والقشينية وَغير ذَلِك فَأرى حكم الله من ذَلِك وانظروا لمن تعرفونه من الْعمَّال وَأما الْفسق فَهُوَ عَادَة وديدن كل من قَامَ فِي الْفِتْنَة وَكم مرّة رمت قِطْعَة فَلم أجد إِلَيْهِ سَبِيلا لِأَن جلّ كبرائكم بالمصاري والعرصات وَإِنَّمَا أولي عَلَيْكُم البراني لأنكم لَا تحسدونه وَإِن أكل وَحده والحاسد يُرِيد زَوَال النِّعْمَة عَن محسوده والتجار لِأَن التَّاجِر لَا يطْمع فِي مَال أحد ويكفيه الرّفْعَة والجاه لنماء مَاله وانظروا مَا أجبتكم بِهِ وَمَا كتبتم لنا بِهِ واعرضوه على فقهائكم فَمن قَالَ الْحق منا وَمن قَالَ الْبَاطِل أَخَذْتُم بحظكم من الْفِتَن اهـ
وَهَذِه الرسَالَة قد شرحها الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر بن عبد الْكَرِيم اليازغي وَكَانَ أهل فاس قد كتبُوا إِلَى السُّلْطَان رَحمَه الله فِي شَأْن عاملهم الصفار الْمَذْكُور وَاعْتَذَرُوا عَن خُرُوجهمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ اشْتغل بِمَا لَا يُرْضِي الله من الْفسق وَمد الْيَد إِلَى الْحَرِيم فأنكروا عَلَيْهِ فَأجَاب السُّلْطَان رَحمَه الله بالرسالة الْمَذْكُورَة
خُرُوج السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من مكناسة إِلَى فاس وَمَا لَقِي من سُفَهَاء البربر فِي طَرِيقه إِلَيْهَا

قد تقدم لنا أَن البربر طلبُوا من السُّلْطَان تَسْرِيح إخْوَانهمْ وَأَنه بذلك
(3/141)

تصلح أَحْوَالهم ويراجعون الطَّاعَة وَلما سرحهم نكثوا الْعَهْد وازدادوا تمردا فَلَمَّا أعيا السُّلْطَان أَمرهم وكل أَمرهم إِلَى الله وعزم على الْخُرُوج من مكناسة إِلَى فاس لما حدث بهَا من الشغب أَيْضا فولى على مكناسة وجند العبيد وَلَده الْمولى الْحسن وَكَانَ لَهُ علم وحزم ثمَّ خرج السُّلْطَان رَحمَه الله من مكناسة لَيْلًا على خطر عَظِيم وَأسرى ليلته وَلم يعلم البربر بِخُرُوجِهِ حَتَّى أصبح وَقد جَاوز المهدومة وشارف وَادي النجَاة فتبعوه على الصعب والذلول ونهبوا كل من تخلف من الْجَيْش واستولوا على كثير من روام السُّلْطَان وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة المرابط الْبركَة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حَمْزَة العياشي فَجعل يكف البربر عَن الْجَيْش فَلم يغن شَيْئا لِأَنَّهُ كَانَ كلما كفهم من نَاحيَة أَغَارُوا من نَاحيَة أُخْرَى وخلص السُّلْطَان إِلَى فاس وَقد ازْدَادَ حنقة على البربر فَلَمَّا دَخلهَا أَمر بِنَهْب دور البربر القاطنين بفاس فنهبوا كل من فِيهِ رَائِحَة البربرية وَلَو قَدِيما فَكَانَ ذَلِك فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَادًا كَبِيرا وَأقَام السُّلْطَان بفاس إِلَى رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف ثمَّ خرج لإِصْلَاح نواحي بِلَاد الهبط فوصل فِي خرجته هَذِه إِلَى قصر كتامة فمهد تِلْكَ الْبِلَاد وَأمن سبلها وَرجع إِلَى رِبَاط الْفَتْح فَقدم عَلَيْهِ بهَا قبائل الْحَوْز على بكرَة أَبِيهِم من حاحا والشياظمة وَعَبدَة والرحامنة وَأهل السوس والسراغنة وزمران وَأهل دكالة وقبائل الشاوية وتادلا وَقدم عَلَيْهِ أَيْضا قبائل بني حسن وَعبيد الدِّيوَان وَقبض فِي هَذِه الْمرة على نَحْو الْمِائَة من زعير وأودعهم السجْن وَدخل شهر رَمَضَان فَفرق عُمَّال الْقَبَائِل كلا إِلَى عمله وَأمرهمْ بالقدوم عَلَيْهِ لعيد الْفطر ويستصحبوا زكواتهم وأعشارهم وَكَانَ قد عزم على الْمقَام برباط الْفَتْح إِلَى أَن يُقيم سنة الْعِيد بِهِ وتجتمع عَلَيْهِ العساكر فَيتَوَجَّه بهَا لغزو البربر ثمَّ بدا لَهُ رَحمَه الله فسافر مَعَ قبائل الْحَوْز إِلَى مراكش فِي عَاشر رَمَضَان الْمَذْكُور
(3/142)

ذكر مَا حدث من الْفِتَن بفاس وأعمالها بعد سفر السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى مراكش

لما عزم السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله على السّفر إِلَى مراكش ندب جند العبيد إِلَى السّفر مَعَه فتثاقلوا عَلَيْهِ وَظهر مِنْهُم قلَّة المبالاة بِهِ وأحس مِنْهُم بذلك فَأَعْرض عَنْهُم وَبعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ انْسَلَّ من بَين أظهرهم وَقصد محلّة أهل الْحَوْز فَدخل قبَّة الْقَائِد مُحَمَّد بن الجيلاني ولد مُحَمَّد الصَّغِير السرغيني وَكَانَ السُّلْطَان يطمئن إِلَيْهِ مُنْذُ كَانَ رَفِيقه فِي نكبته عِنْد ظيان إِذا كَانَ ابْن الجيلاني الْمَذْكُور مأسورا عِنْدهم وسرحوه للسُّلْطَان فرافقه إِلَى مكناسة حَسْبَمَا مر وَلما احتل السُّلْطَان بمحلة أهل الْحَوْز ازْدَادَ فَسَاد نِيَّة العبيد وسافر السُّلْطَان إِلَى مراكش وَترك مضاربه وأثاثه بيدهم فتوزعوها وعادوا إِلَى مكناسة وَسمع النَّاس بِمَا ارْتَكَبهُ هَؤُلَاءِ العبيد فِي حق السُّلْطَان فَعَاد شباب الْفِتْنَة إِلَى عنفوانه وسرى فِي الحواضر والبوادي سم أفعوانه فخب عبيد مكناسة بعد قدوم إخْوَانهمْ عَلَيْهِم فِي الْفِتْنَة وَوَضَعُوا وَامْتنع عُمَّال الغرب وَبني حسن من دفع الزكوات والأعشار وطردوا جباة السُّلْطَان وَعمد الودايا بفاس إِلَى حارة الْيَهُود الَّتِي بَين أظهرهم بفاس الْجَدِيد فانتهبوها واستصفوا موجودها وَأخذُوا مَا كَانَ تَحت أَيدي الْيَهُود من كتَّان وحرير وَفِضة وَذهب لتجار أهل فاس إِذْ كَانُوا يخيطون لَهُم ويصنعون مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَى خياطته وصنعته فَضَاعَت فِي ذَلِك أَمْوَال لَا يحصيها قلم حاسب ثمَّ جردوهم رجَالًا وَنسَاء وَسبوا نِسَاءَهُمْ وافتضوا أبكارهم وسفكوا دِمَاءَهُمْ وَشَرِبُوا الْخُمُور فِي نَهَار رَمَضَان وَقتلُوا الْأَطْفَال ازدحاما على النهب ثمَّ تجاوزوا هَذَا كُله إِلَى حفر الْبيُوت على الدفائن فوقعوا بِسَبَب ذَلِك على أَمْوَال طائلة وَلما رَأَوْا ذَلِك قبضوا على أعيانهم وتجارهم وصادروهم بِالضَّرْبِ والنكال ليدلوهم على مَا دفنوه من المَال وَمن عِنْده يَهُودِيَّة حسناء حالوا بَينه وَبَينهَا حَتَّى يفتديها بِالْمَالِ وَكَانَ هَذَا الْحَادِث الْعَظِيم فِي الثَّالِث عشر من رَمَضَان سنة
(3/143)

خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما فرغوا من الْيَهُود التفتوا إِلَى أهل فاس فَاسْتَاقُوا السَّرْح وبهائم الْحَرْث والجنات وَمنعُوا الدَّاخِل وَالْخَارِج فَقَامَ بفاس هرج عَظِيم وغلقوا الْأَبْوَاب ومالوا على من وجدوه من الودايا دَاخل الْبَلَد فأوقعوا بهم ونهبوهم وَحمل النَّاس السِّلَاح ونقلت البضائع والسلع من الْأَسْوَاق إِلَى الدّور خوفًا عَلَيْهَا وَاجْتمعَ أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم فعينوا من يقوم بأمرهم فَقدم اللمطيون رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ الْحَاج أَحْمد الْحَارِثِيّ وَقدم أهل العدوة رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ قدور المقرف وَقدم أهل الأندلس رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن بن فَارس فضبطوا الْبَلَد وبينما هم كَذَلِك قدم عَلَيْهِم جمَاعَة من أَعْيَان الودايا وتلافوا أَمرهم مَعَهم والتزموا رد مَا نهبوه لَهُم من السَّرْح وَمَا نهب فِي جملَة أَمْوَال الْيَهُود مِمَّا كَانَ يصنع عِنْدهم فخمدت بذلك نَار الْفِتْنَة بعض الشَّيْء وَقد قَالَ أدباء الْوَقْت فِي هَذَا الْخطب الَّذِي اتّفق فِي هَذِه الْمدَّة جملَة من الْأَشْعَار من ذَلِك قَول الْكَاتِب البارع أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الفاسي
(أعين الْعين للمحبين دَاء ... والدوا فِي شفاهها والشفاء)
(فَإِذا مَا رمين سَهْما لصب ... فالهوى قد هوى بِهِ والهواء)
(كَيفَ يعدل نَحْو رَأْيِي عذول ... من رمته ظَبْي اللحاظ الظباء)
(سعد ساعد أَخا الغرام بِقرب ... من سعاد فقد عناه العناء)
(زارني ضيف طيفها فشجاني ... وسرى الطيف للمحب حباء)
(هَب شوقي أذهب نشر كباها ... وعرتني من ذكرهَا العرواء)
(فسقى عهدها العهاد وَحيا ... الْملك الْعَادِل الْحيَاء الْحيَاء)
(لَيْسَ إِلَّا أَبَا الرّبيع ربيع ... خلقه الْجُود والجدي وَالْوَفَاء)
(بِسُلَيْمَان قد سلمنَا وسدنا ... فالعلي منزل لَهُ والْعَلَاء)
(ملك ملك الْعلَا والمعالي ... وسما فَلهُ الفخار سَمَاء)
(غرَّة الْمجد درة العقد من قد ... راق من فَضله السنا والسناء)
(نجل خير الورى وَأفضل من فذ ... نبأت بظهوره الْأَنْبِيَاء)
(3/144)

(من إِذا رجاه راج لنول ... قبل حل الحبى أَتَاهُ الحباء)
(خلق دمث وَخلق بهي ... من ذكي نوره تغار ذكاء)
(كَفه كفت الْفساد وكفت ... كل عَاد فَمَا لَهُ أكفاء)
(رَاحَة رَاحَة لكل فَقير ... بحياء تحيا بِهِ الْأَحْيَاء)
(رَوْضَة راضت الْعُلُوم وَلَكِن ... عرفهَا الْعرف والثراء الثَّنَاء)
(قد روى فَضله الأفاضل طرا ... فعلى الْفضل والرواة رواء)
(لأبي الْقَاسِم الظياني لديهم ... فضل سبق لَهُ علا وعلاء)
(جمع الْوَصْف أحكم الْوَصْف صدقا ... وَأَتَاهُ الْإِنْشَاء كَيفَ يَشَاء)
(صَالح نَاصح أَمِين رصين ... قد ثناه إِلَى علاك السناء)
(كَيفَ لَا يحسن السناء ويسمو ... فِي إِمَام لَهُ الْمَعَالِي رِدَاء)
(إِنَّمَا هُوَ معجز مُسْتَقل ... يَقْتَدِي بفعاله الْعُقَلَاء)
(بسط الْعدْل فِي البسيطة فالدين ... لَهُ بسطة بِهِ وارتقاء)
(وَغدا بِإِقَامَة الدّين فالغرب ... غَرِيبا أنصاره الغرباء)
(لم يجد فِي البرابر الغلف برا ... شَأْنه الْبر فِي البدا والبراء)
(نقضوا الْعَهْد خالفوا الْأَمر وَالنَّهْي ... إِلَّا إِنَّهُم هُوَ السُّفَهَاء)
خالفوا منتقى الْخَلَائق جهلا ... بعماهم فَلَا عداهم عماء)
(عَادَة فِي جدودهم جددوها ... لَهُم الدَّهْر الارتداد رِدَاء)
(قد دعاهم مهاوش لضلال ... فَعَلَيْهِم وبالهم والوباء)
(شقّ جهلا عَصا الإِمَام شقاقا ... وَعصى الله لَا هَناه الهناء)
(واقتفى أَثَرهم الغواة ضلالا ... فغاباهم مَا أَن عَلَيْهِ غباء)
(وَإِذا خبثت أصُول فروع ... لَاحَ من فعلهم عَلَيْهِ لِوَاء)
(وَكَذَا الْعَرَب أعربوا عَن مساوفهم ... فِي سوى الْخُرُوج سَوَاء)
(نافقوا رافقوا الخبيثين كفرا ... همزوا لمزوا فَلَيْسَ برَاء)
(والودايا جاؤوا بادوء عيب ... داؤهم مَاله الزَّمَان دَوَاء)
(قتلوا سلبوا أخافوا وحافوا ... مَا ثناهم عَن الْقَبِيح ثَنَاء)
(مَا رعوا ذمَّة وَلَا فعل ذمّ ... بل عراهم من الْحيَاء عراء)
(3/145)

(وَإِمَام الْأَنَام يُحِلهُمْ عَنْهُم ... ويوالي وَمَا يُفِيد الْوَلَاء)
(نهبوا حارة الْيَهُود وهدوا ... دُورهمْ وعرى النِّسَاء سباء)
(لَو تراهم بَين الرعايا عُرَاة ... يحتذيهم رِجَالهمْ وَالنِّسَاء)
(خفروا ذمَّة النَّبِي فذموا ... لعماء فَلَا سقاهم عماء)
(يَا إِمَام الْهدى عَلَيْك بِقوم ... مَلأ الغرب بغيهم والبغاء)
(قد طم ظلمهم وَعم أذاهم ... وانجلى عَنْهُم فَحق الْجلاء)
(كم سدلت عَلَيْهِم أَي ستر ... ووهبت فَمَا أَفَادَ الْعَطاء)
(وحدوت إِلَى الرشاد فحادوا ... ودعوت فَمَا أَفَادَ الدُّعَاء)
(نلْت رشدا برشدهم وجهادا ... فَأبى مِنْهُم الرشاد إباء))
(وَإِذا خذل الْإِلَه أُنَاسًا ... من محياهم يَزُول الْحيَاء)
(فعبيد الْإِلَه خير عبيد ... قد كفى مِنْهُم الإِمَام كفاء)
(حَاربُوا ضاربوا على الْحق راعوا ... ذمَّة الله لَا عداهم عَلَاء)
(فاتخذهم مواليا وجنودا ... واصطفيهم فَإِنَّهُم أصفياء)
(قد أصَاب الأعادي مِنْهُم عَذَاب ... ودهى مِنْهُم الدهاة دهاء)
(وَإِذا سخر الْإِلَه أُنَاسًا ... لسَعِيد فَإِنَّهُم سعداء)
(يَا إِلَه الْأَنَام خُذ بيدَيْهِ ... وأعنه فقد عناه العناء)
(فينام الْأَنَام فِي ظلّ أَمن ... ورداه للماردين رِدَاء)
(وَعَلِيهِ السَّلَام مَا سَار سَار ... وشدت فَوق وَرقهَا الورقاء)
ثمَّ حدث على تفئة ذَلِك فتْنَة أُخْرَى بفاس بِسَبَب نزاع جرى بَين قاضيها الْفَقِيه أبي الْفضل عَبَّاس بن أَحْمد التاودي وَبَين مفتيها الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الدكالي فِي قَضِيَّة الشريفين الشفشاوني والعراقي من أهل فاس وَهِي مَعْلُومَة فأنهى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان فَأخر الْفَقِيه أَبَا عبد الله عَن الْفَتْوَى فَغَضب للمفتي جمَاعَة من المدرسين وطلبة الْعلم وتعصبوا لَهُ وتحزبوا على القَاضِي فَكَتَبُوا رسما يتَضَمَّن الشَّهَادَة بجوره وجهله وَوَضَعُوا خطوطهم وناطوا بِهِ قصيدة تَتَضَمَّن الشكوى بِهِ وَشرح حَاله للسُّلْطَان ووجهوا بهما إِلَيْهِ وَنَصّ القصيدة
(3/146)

(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي عَدَالَته ... أحيت مآثرها الصّديق أَو عمرا)
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي مناقبه ... فِي غرَّة الدَّهْر قد لاحت لنا قمرا)
(أَنْت الَّذِي وضع الْأَشْيَاء موضعهَا ... وَفِي الْعُلُوم الَّذِي أَحْيَا الَّذِي اندثرا)
(أَنْت الَّذِي صير الدّين القويم كَمَا ... أوصى بِهِ من سما الْأَمْلَاك والبشرا)
(وَلم يزل بك فِي عز وَفِي حرم ... يجني ذَوُو الْعلم من رياضة ثمرا)
(تذب عَنهُ بأسياف وآونة ... بفكرة تحكم الْأَحْكَام والصورا)
(وَمن يرم هَدمه تَأْخُذهُ صَاعِقَة ... من راحتيك فَلَا تبقى لَهُ أثرا)
(وَقد شكا الدّين من هضم وَمن كمد ... أَصَابَهُ فَهُوَ يبكي الدمع منهمرا)
(سطت عَلَيْهِ يَد القَاضِي الَّذِي غمرت ... أقضية الْجور مِنْهُ البدو والحضرا)
(أعفى مراسمه جورا وأبدله ... جهلا بِمَا يذهب الْأَلْبَاب والفكرا)
(جَاءَ الْولَايَة وَهُوَ من شبيبته ... يرى القضا حِرْفَة يجني بهَا وطرا)
(فَلم يكن همه فِيهِ سوى قنص ... أَو نخوة تتْرك الضَّعِيف منكسرا)
(أما حُقُوق الورى فَإِنَّهَا عدم ... مَجْهُولَة جعلت منبوذة بعرا)
(فاستنقذت مِلَّة الْمُخْتَار جدك من ... هَذَا الَّذِي مَا درى وردا وَلَا صَدرا)
(يَأْتِي الْحُكُومَة عباسا ومنقبضا ... مِمَّا بِهِ من سقام يجلب الكدرا)
(فَلَا يرى أرسم الْخَصْمَيْنِ من ملل ... لَكِن يحكم أوهاما بهَا جَهرا)
(ويستبد بِرَأْيهِ وَحَيْثُ بَدَت ... فَتْوَى تبصره ألْقى بهَا حجرا)
(وَلَا يُمكن خصما قد دَعَاهُ إِلَى ... تسجيله مَا رأى فِي الحكم مُعْتَبرا)
(ملت قُلُوب الورى مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُم ... إلاك يَا من بِهِ الْإِسْلَام قد نصرا)
(ضجوا لعزتكم يَشكونَ سيرته ... بعبرة تتْرك الْفُؤَاد منفطرا)
(فأدركن يَا عماد الدّين صارمه ... رعية ترتجي من حلمكم مَطَرا)
(فأنزلنه لقد طَغى بعزته ... وَلم يخف فِي غَد لظى وَلَا سقرا)
(واصرفه عَنْهُم كصرفه ضعيفهم ... واعزله عزلا فَإِن الْأَمر قد أمرا)
(فَأَنت غيثهم إِن أزمة أزمت ... وَأَنت كهفهم إِن حَادث ظهرا)
وَلما وصل الرَّسْم وَالْقَصِيدَة إِلَى السُّلْطَان رأى أَن ذَلِك من التعصب الَّذِي يحدث بَين الأقران فرفضه لكَمَال أناته وعقله وَلم يقبل شَهَادَة عَالم
(3/147)

على مثله فَلَمَّا رَأَوْا أَن السُّلْطَان لم يساعدهم هجموا على القَاضِي وَهُوَ بِمَجْلِس حكمه وَأَرَادُوا قَتله وسدد نَحوه الشريف أَبُو عبد الله مُحَمَّد الطَّاهِر الكتاني كابوسا أخرجه فِيهِ فأخطأه فانزعج القَاضِي وَلزِمَ بَيته وَقدمُوا مَكَانَهُ الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدلائي ثمَّ عزلوه وولوا مَكَانَهُ الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد الزرهوني فَكَانَت عَاقِبَة أمره أَنه لما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله نَفَاهُ إِلَى الصويرة وَالله تَعَالَى أعلم
خُرُوج أهل فاس على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وبيعتهم للولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

لما اسْتمرّ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله مُقيما بمراكش والفتن بفاس وَسَائِر بِلَاد الغرب قد تجاوزت مداها وَعم أذاها وَرفعت الشكايات إِلَيْهِ من فاس وَغَيرهَا بِمَا النَّاس فِيهِ من الكرب الْعَظِيم والخطب الجسيم كتب رَحمَه الله بِخَط يَده كتابا إِلَى أهل فاس يرشدهم إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحهمْ من حلف البربر والاعتماد عَلَيْهِم فِي حراسة بِلَادهمْ وَسَائِر مرافقهم كَمَا كَانُوا قَدِيما أَيَّام الفترة فِي دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى أَن يفرغ من شَأْن الْحَوْز وَيقدم عَلَيْهِم هَكَذَا زعم صَاحب الْبُسْتَان
قَالَ أكنسوس كَانَ مُرَاد السُّلْطَان بذلك الْكتاب تهييج أهل فاس على التَّمَسُّك بِطَاعَتِهِ وترغيبهم فِي محبته ونصرته وَقد فعل مثل ذَلِك بمراكش فَإِنَّهُ جمع أعيانها وأعيان الرحامنة عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَقَالَ لَهُم قد رَأَيْتُمْ مَا جرت بِهِ الأقدار من فَسَاد قُلُوب الرّعية وتمادي الْقَبَائِل على الغي وَالْفساد وَمن يَوْم رَجعْنَا من وقْعَة ظيان وَنحن نعالج أَمر النَّاس فَلم يزدادوا إِلَّا فَسَادًا وَقد جرى على الْمُلُوك الْمُتَقَدِّمين أَكثر من هَذَا فَلم ينقصهم ذَلِك عِنْد رعيتهم بل قَامُوا مَعَهم وأعانوهم على أهل الْفساد حَتَّى أصلحوهم وَإِنِّي قد عجزت
(3/148)

بِشَهَادَة الله لِأَنِّي مَا وجدت معينا على الْحق وَكم مرّة تُحَدِّثنِي نَفسِي أَن أترك هَذَا الْأَمر وأتجرد لعبادة رَبِّي حَتَّى أَمُوت فَقَالَ من حضر من أَعْيَان الرحامنة وَغَيرهم يَا مَوْلَانَا بَارك الله لنا فِي عمرك وَجَعَلنَا فداءك وَنحن أمامك ووراءك فمرنا بِمَا تشَاء فقولك مُطَاع وأمرك ممتثل وَمَا رَأينَا مِنْك إِلَّا الْخَيْر فسر السُّلْطَان بمقالتهم ودعا لَهُم بِخَير وَلما فعل مَعَ أهل مراكش هَذَا الْأَمر أَرَادَ أَن يسْلك مثله مَعَ أهل فاس فَوَقع مَا وَقع وَلما بعث السُّلْطَان بِالْكتاب الْمَذْكُور إِلَى ابْنه الْمولى عَليّ بفاس أمره أَن يقرأه على أَهلهَا بِمحضر الْفَقِيه الْمُفْتِي السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الدكالي والفقيه الشريف السَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر الفيلالي والفقيه الْكَاتِب السَّيِّد أبي الْقَاسِم الظياني والأمين السَّيِّد الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون الفاسي فَجَمعهُمْ الْمولى عَليّ فِي الْمَسْجِد الَّذِي بِبَاب دَاره بزقاق الْحجر وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْكتاب الْمَذْكُور وَكَانَ الْمَسْجِد غاصا بالخاصة والعامة فازدحموا عَلَيْهِ ليروا الْكتاب بأعينهم وَأَكْثرُوا عَلَيْهِ فضجر وَقَامَ وَدخل دَاره وأغلقها عَلَيْهِ فَقَالَ بعض النَّاس إِن السُّلْطَان قد خلع نَفسه وَقَالَ لكم قدمُوا من ترضونه وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه لم يخلع نَفسه وَجعل آخَرُونَ يقرعون بَاب الْمولى عَليّ وَيَقُولُونَ أخرج إِلَيْنَا كتاب السُّلْطَان حَتَّى نقرأه ونعلم مَا فِيهِ فَقَالَ لَهُم إِنِّي أحرقته فازدادوا رِيبَة وَصَدقُوا أَن السُّلْطَان قد خلع نَفسه وَاجْتمعَ رُؤَسَاء أهل فاس مِنْهُم الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الرزيق وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وعلال الْعَافِيَة وقدور بن عَامر الجامعي وَلم يكن من أهل فاس وَإِنَّمَا كَانَ قاطنا بالطالعة وَهَؤُلَاء من أهل عدوة الأندلس وَكَذَلِكَ عيرهم من أهل عدوة الْقرَوِيين واللمطيين ثمَّ جمعُوا الطّلبَة الَّذين حَضَرُوا قِرَاءَة الْكتاب وألزموهم أَن يكْتب كل وَاحِد مِنْهُم مَا سمع فَكتب لَك وَاحِد مَا ظهر لَهُ ثمَّ حازوا خطوطهم وخلصوا مِنْهَا مَا هُوَ مُرَادهم وَهُوَ أَن السُّلْطَان عجز وعزل نَفسه وَأمر النَّاس أَن ينْظرُوا لأَنْفُسِهِمْ هَذَا وَالْحَرب قَائِمَة بَين أهل فاس والودايا
(3/149)

فَكتب أهل فاس إِلَى قواد البربر يستنصرونهم على الودايا ويستقدمونهم للنَّظَر والخوض مَعَهم فِيمَن يتَوَلَّى أَمر النَّاس فَقدم الْحسن بن حمو واعزيز المطيري كَبِير آيت أدراسن فِي وُجُوه قومه وَقدم الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي كَبِير زمور وَبني حكم فِي وُجُوه قومه فَاجْتمعُوا بِأَهْل فاس وتفاوضوا فِي أَمر الْبيعَة فَوَقع اختيارهم على الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد وَكَانَ ذَا سمت وانقباض وصهر السُّلْطَان على ابْنَته وَكَانَ يسكن بدرب ابْن زيان قرب الْمدرسَة العنانية فَكَانَ لَا يخرج إِلَّا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة يُصَلِّي بِالْمَدْرَسَةِ ثمَّ يعود إِلَى دَاره فاختاروه لذَلِك من غير اختبار وَلَا تمحيص ثمَّ قَالُوا إِن السُّلْطَان لَا بُد لَهُ من مَال وَرِجَال فتكفل ابْن واعزيز بِالرِّجَالِ وَقَالَ عندنَا من الْخَيل وَالرِّجَال مَا لن يغلب من قلَّة وتكفل الْحَاج الطَّالِب بن جلون بِالْمَالِ وأحال على جمَاعَة من التُّجَّار وَسَمَّاهُمْ وَذكر أَن السُّلْطَان لما عزم على السّفر إِلَى مراكش ودع عِنْدهم بواسطته مَالا لَهُ بَال وَلما تمّ لَهُم مَا أَرَادوا غدوا على الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد فأحضروه وشرطوا عَلَيْهِ شُرُوطًا مِنْهَا إِخْرَاج الودايا من فاس الْجَدِيد وَكَانُوا كلما شرطُوا عَلَيْهِ شرطا حرك لَهُم رَأسه أَي نعم ثمَّ بَايعُوهُ صَبِيحَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من محرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَيُقَال إِنَّهُم لما خاطبوه أَولا امْتنع فَقَالُوا لَهُ إِن لم نُبَايِعك بَايعنَا رجلا من آل الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ فخاف خُرُوج الْأَمر من بَيتهمْ وَأجَاب وَالله أعلم وَحضر هَذِه الْبيعَة الشريف سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ ابْن عَليّ الوزاني وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الدرقاوي وَكَانَ ابْن الْغَازِي الزموري من أخص أَتْبَاعه وَهُوَ رَئِيس البربر فِي ذَلِك الْوَقْت وَعَلِيهِ وعَلى ابْن واعزيز كَانَت تَدور هَذِه الْأُمُور وحضرها أَيْضا أَبُو بكر مهاوش كَبِير آيت ومالو وَلما أحكموا أَمرهم كتبُوا إِلَى العبيد بمكناسة ليساعدوهم فامتنعوا إِلَّا أَن من كَانَ يبغض السُّلْطَان مِنْهُم وعدهم سرا ثمَّ كتبُوا إِلَى الودايا بِمثل مَا كتبُوا بِهِ إِلَى العبيد فَكَانُوا عَنْهَا أبعد فَبعث أهل فاس الشَّيْخ
(3/150)

أَبَا عبد الله الدرقاوي إِلَى الودايا ليَأْتِي بيعتهم وَكَانَ لَهُ فيهم أَتبَاع فقبضوا عَلَيْهِ وأودعوه السجْن وَكَتَبُوا بذلك إِلَى السُّلْطَان فَمَا سخط وَلَا رَضِي وَاسْتمرّ الْمولى إِبْرَاهِيم والبربر مقيمين بفاس إِلَى أَن نفذ مَا عِنْدهم من المَال الَّذِي أظهره لَهُم الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون فاتفق رَأْيهمْ على الْخُرُوج من فاس وَكَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ
مسير الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد إِلَى تطاوين ووفاته بهَا

لما نفذ مَا كَانَ عِنْد الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد وشيعته من المَال واستهلكوه فِي غير فَائِدَة تفاوضوا فِيمَا يصنعون فأجمع رَأْيهمْ على أَن يَسِيرُوا إِلَى المراسي بِقصد فتحهَا والاستيلاء على مَالهَا فَخَرجُوا بالمولى إِبْرَاهِيم مستبدين عَلَيْهِ ضاربين على يَده وَإِنَّمَا الْمُتَصَرف والآمر والناهي هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وَأما ابْن عبد الرزيق وَجَمَاعَة من أَصْحَابه الَّذين أسسوا هَذَا الْأَمر فَإِنَّهُم هَلَكُوا فِي حَرْب الودايا فِي عَشِيَّة وَاحِدَة فِي وقْعَة ظهر المهراس وحزت رؤوسهم وَبعث بهَا إِلَى السُّلْطَان بمراكش وَلما برزوا من فاس مروا بآيت يمور ونزلوا بالولجة الطَّوِيلَة وراودوا من هُنَالك من عرب بني حسن وَأهل الغرب ودخيسة وَأَوْلَاد نصير على الانخراط فِي سلكهم فَأَبَوا عَلَيْهِم وعزم الْقَائِد مُحَمَّد بن يشو على أَن يبيتهم بغارة شعواء تفرق جمعهم فَدس إِلَيْهِم مُحَمَّد بن قَاسم السفياني اللوشي وَكَانَ منحرفا عَن السُّلْطَان بِمَا عزم عَلَيْهِ ابْن يشو وَأَشَارَ عَلَيْهِم أَن يعبروا النَّهر إِلَى ناحيته ليحميهم مِمَّن أَرَادَهُم فعبروا إِلَيْهِ وانضم إِلَيْهِم فِيمَن مَعَه وَسَارُوا إِلَى قصر كتامة فنزلوا بالكدية الإسماعيلية وَمِنْهَا كتبُوا إِلَى أهل الثغور والعرائش وطنجة وتطاوين يَدعُونَهُمْ إِلَى بيعَة سلطانهم وَالدُّخُول فِي حزبهم فَأَما أهل العرائش وطنجة فَأَجَابُوا بِالْمَنْعِ وَقيل أَن أهل العرائش بَايعُوا ووفد عَلَيْهِ بَعضهم وَلَعَلَّ ذَلِك
(3/151)

كَانَ فِي ثَانِي حَال وَأما أهل تطاوين فامتثلوا وَكَانَ قَاضِي طنجة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْفُلُوس قد عزم على بيعَة الْمولى إِبْرَاهِيم فَنَذر بِهِ عاملها أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ السعيدي فنفاه وَقدم للْقَضَاء مَكَانَهُ الْفَقِيه الأديب أَبَا الْبَقَاء خَالِد الطنجي وَلما ورد على الْمولى إِبْرَاهِيم وَحزبه جَوَاب أهل تطاوين بِالْقبُولِ سَارُوا إِلَيْهَا فَدَخَلُوهَا واستولوا على مَال المرسى وعَلى مخازن السُّلْطَان وَمَا فِيهَا من سلَاح وكتان وملف وَغير ذَلِك فتوزعته البربر ثمَّ انتهبوا ملاح الْيَهُود واكتسحوه فعثروا فِيهِ على أَمْوَال طائلة يُقَال إِنَّهُم وجدوا بِهِ عددا كثيرا من فنائق الضبلون والبندقي فَكَانَ ابْن الْغَازِي الزموري وَغَيره من رُؤَسَاء ذَلِك الْجمع لَا يُعْطون أَصْحَابهم إِلَّا البندقي فَكثر جمعهم لذَلِك وَلما مَضَت لَهُم من قدومهم تطاوين سَبْعَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا توفّي الْمولى إِبْرَاهِيم رَحمَه الله وَكَانَ قد دَخلهَا مَرِيضا يُقَاد بِهِ فِي المحفة فأخفوا مَوته ودفنوه بداره وَكَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ
بيعَة الْمولى السعيد بن يزِيد بتطاوين ورجوعه إِلَى فاس

لما توفّي الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد اخفى رُؤَسَاء دولته مَوته لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ دعوا أهل تطاوين إِلَى بيعَة أَخِيه الْمولى السعيد بن يزِيد فافترقت كلمتهم فَمنهمْ من أَبى وَمِنْهُم من أجَاب فأحضر ابْن سُلَيْمَان وَابْن الْغَازِي وأشياعهما من أَبى من أهل تطاوين وألزموهم الْبيعَة فالتزموها وكتبوها وأحكموا عقدهَا وَكَانَ الْمُتَوَلِي يَوْمئِذٍ بتطاوين الْحَاج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ أشعاش فأخروه وولوا مَكَانَهُ أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن يُوسُف المسلماني وَكَانَ داهية شهما وبينما هم فِي ذَلِك ورد عَلَيْهِم الْخَبَر بمجيء السُّلْطَان من مراكش وَأَنه قد وصل إِلَى قصر كتامة ففت ذَلِك فِي عضدهم وَخَرجُوا مبادرين إِلَى فاس على طَرِيق الْجَبَل وَكَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ
(3/152)

مَجِيء السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من مراكش إِلَى الْقصر ثمَّ مسيره إِلَى فاس وحصاره إِيَّاهَا

كَانَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما بمراكش وَكَانَ العبيد قد ندموا على مَا فرط مِنْهُم برباط الْفَتْح من التَّخَلُّف عَن السُّلْطَان وَنهب أثاثه حَسْبَمَا مر فَجعلُوا يَتَسَلَّلُونَ إِلَيْهِ من مكناسة مثنى وفرادى حَتَّى اجْتمع عِنْده جلهم لَا سِيمَا من كَانَ مِنْهُم مَعْرُوفا بِعَيْنِه مثل القواد وأرباب الْوَظَائِف وَلما بلغه مَا كَانَ من بيعَة الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد تربص قَلِيلا حَتَّى إِذا بلغه خُرُوجه إِلَى المراسي قلق وَخرج من مراكش فِي جَيش العبيد وَبَعض قبائل الْحَوْز يبادره إِلَيْهَا وَلما وصل إِلَى رِبَاط الْفَتْح عبر إِلَى سلا وَنزل بِرَأْس المَاء وَلما حضرت الْجُمُعَة دخل الْمَدِينَة فصلى بالجامع الْأَعْظَم مِنْهَا وَدخل دَار الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الله معنينو من أَعْيَان أهل سلا واستصحب مَعَه الْفَقِيه الْمُؤَقت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمَكِّيّ الزواوي من أهل سلا أَيْضا بِقصد الْقيام بوظيفة التَّوْقِيت وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى قصر كتامة أَتَاهُ الْخَبَر بِدُخُول الْمولى إِبْرَاهِيم إِلَى تطاوين فَأَقَامَ هُنَالك وَكتب إِلَى الودايا وَإِلَى من بَقِي بمكناسة يحضهم على التَّمَسُّك بِالطَّاعَةِ وَكتب إِلَى وَلَده الْمولى الطّيب بفاس الْجَدِيد يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالفقيه الأديب أبي عبد الله مُحَمَّد أكنسوس وَهُوَ صَاحب كتاب الْجَيْش
قَالَ أكنسوس فقدمنا على السُّلْطَان بريصانة على مرحلَتَيْنِ من الْقصر قَاصِدا تطاوين ومحاصرة الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد بهَا قَالَ فورد عَلَيْهِ كتاب من عِنْد الْقَائِد أبي عبد الله الْعَرَبِيّ السعيدي صَاحب طنجة بوفاة الْمولى إِبْرَاهِيم وبيعة أَخِيه الْمولى السعيد وَأَنَّهُمْ قد عَادوا بِهِ إِلَى فاس وَلما تحقق بذلك رَجَعَ على طَرِيق الْقصر يؤم فاسا ويسابق السعيد إِلَيْهَا فوافياها فِي يَوْم وَاحِد فَنزل السعيد بجموعه بقنطرة سبو وَدخل السُّلْطَان دَار الْإِمَارَة بفاس الْجَدِيد مَعَ الودايا وَلما كَانَ فجر الْغَد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أغارت خيل الودايا
(3/153)

على محلّة الْمولى السعيد بالقنطرة فانتسفوها بِمَا فِيهَا وَقتلُوا من البربر وَأهل فاس وَغَيرهم خلقا كثيرا واحتووا على أَمْوَال طائلة مِمَّا كَانَت البربر قد نهبته من ملاح تطاوين وأفلت الْمولى السعيد وبطانته بجريعة الذقن ودخلوا فاسا فأغلقوها عَلَيْهِم وثابت إِلَيْهِم نُفُوسهم وَفِي هَذِه الْأَيَّام قتل الْمعلم الْأَكْبَر أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد عنيقيد التطاوني وَكَانَ عجبا فِي صناعَة الرَّمْي بالمهراس وَكَانَ الْمولى السعيد قد أَتَى بِهِ من تطاوين ليحاصر بِهِ على فاس الْجَدِيد فَدس إِلَيْهِ السُّلْطَان من قَتله ناداه رجل وَهُوَ فِي محلّة أَصْحَابه لَيْلًا يَا فلَان أجب مَوْلَانَا السُّلْطَان فَظن أَنه دعِي إِلَى الْمولى السعيد فَقَالَ هَا أَنا ذَا وبرز من خبائه فَرَمَاهُ الْمُنَادِي برصاصة كَانَ فِيهَا حتفه ثمَّ عزم السُّلْطَان على محاصرة فاس حَتَّى يفيئوا إِلَى أَمر الله وَلَكِن اكْتفى من الْحصار بمنعهم من الدُّخُول وَالْخُرُوج وَكَانَ الودايا قد ألحوا عَلَيْهِ فِي أَن يرميهم بالبنب فَأبى رَحمَه الله وَقَالَ لَو كَانَت البنبة الَّتِي نرميها تذْهب حَتَّى تقع بدار ابْن سُلَيْمَان أَو بدار الطّيب البياز أَو غَيرهمَا من رُؤُوس الْفِتْنَة لفعلنَا وَلَكِن إِنَّمَا تقع فِي دَار أرملة أَو يَتِيم أَو ضَعِيف حَبسه الْعَجز مَعَهم ثمَّ إِن أهل فاس بدؤوا بِالرَّمْي وَكَانَ مَعَهم سعيد الْعجل عَارِفًا بِالرَّمْي فَجعلُوا يقصدون دَار السُّلْطَان فَوَقَعت بنبة بالموضع الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ للْقِرَاءَة وَوَقعت أُخْرَى بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِبَاب دَاره وَكَانَ بهَا جمَاعَة من طبجية سلا ورباط الْفَتْح فقتلت مِنْهُم أَربع نفر مِنْهُم الباشا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن فنيش السلاوي فَعِنْدَ ذَلِك حنق السُّلْطَان وَأمر أَن يُؤْتى بالمهاريس الْكِبَار من طنجة من فرمة ثَمَانِينَ إِلَى فرمة مائَة فجيء بهَا ونصبها عَلَيْهِم فَكَانَ الْقِتَال لَا يفتر لَيْلًا وَنَهَارًا والكور والبنب تخْتَلف بَين أهل البلدين فِي كل وَقت وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك قَرِيبا من عشرَة أشهر وَلَا يدْخل أحد إِلَى فاس وَلَا يخرج مِنْهَا إِلَّا على خطر وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة نَهَضَ السُّلْطَان إِلَى طنجة للنَّظَر فِي أَمر تطاوين الْخَارِجَة عَلَيْهِ بعد أَن تقدم إِلَى الودايا فِي الْحصار والتضييق على فاس إِلَى
(3/154)

أَن يعود إِلَيْهِم وَلما اسْتَقر بطنجة بعث إِلَى أهل تطاوين وراودهم على الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة فَأَبَوا ولجوا فِي عصيانهم فَبعث إِلَيْهِم جَيْشًا كثيفا مَعَ الْقَائِد حمان الصريدي البُخَارِيّ فَنزل بوادي أبي صفيحة وحاصرهم مُدَّة فَكَانَت الْحَرْب بَينه وَبينهمْ سجالا مرّة لَهُ وَمرَّة عَلَيْهِ وَهَلَكت نفوس من أَعْيَان تطاوين وَغَيرهم
مَجِيء الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام من الصويرة إِلَى الغرب واستخلافه بفاس وَمَا تخَلّل ذَلِك

كَانَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام فِي ابْتِدَاء أمره بتافيلالت وَلما توسم فِيهِ عَمه الْمولى سُلَيْمَان مخايل الْخَيْر والنجابة استقدمه مِنْهَا وولاه على الصويرة وأعمالها فكفاه أمرهَا وَقَامَ بشأنها ثمَّ لما كَانَ الْمولى سُلَيْمَان بطنجة فِي هَذِه الْمرة واستعصى عَلَيْهِ أَمر فاس وتطاوين وانصرم فصل الشتَاء وَأَقْبل فصل الرّبيع كتب إِلَى ابْن أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور يَأْمُرهُ بالقدوم عَلَيْهِ فِي قبائل الْحَوْز ويلقاه بهم برباط الْفَتْح وَكَانَ غَرَض السُّلْطَان أَن يزحف بهم إِلَى فاس إِلَّا أَن السياسة اقْتَضَت أَن يكون الْأَمر هَكَذَا فَجمع الْمولى عبد الرَّحْمَن قبائل الْحَوْز وقواده وَقدم بهم إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَلما لم يَجدوا السُّلْطَان بِهِ تثاقلوا عَن العبور مَعَ الْمولى عبد الرَّحْمَن إِلَى بِلَاد الغرب لِأَن السُّلْطَان إِنَّمَا وعدهم أَن يلقوه برباط الْفَتْح فَكتب الْمولى عبد الرَّحْمَن إِلَى عَمه يُعلمهُ بِصُورَة الْحَال وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه قد استوزر فِي هَذِه الْمدَّة الْفَقِيه أَبَا عبد الله أكنسوس فَبَعثه إِلَى الْمولى عبد الرَّحْمَن وأصحبه مَالا يفرقه على جَيْشه لينشطوا للقدوم وَكَانَ قدر المَال خمسين أُوقِيَّة لكل فَارس وَأمره إِذا قدم أَرض سلا أَن ينزل عِنْد عاملها أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عزة الْمَعْرُوف بِأبي جميعة وَبعث للْمولى عبد الرحمن ليعبر إِلَيْهِ فِي وُجُوه الْجَيْش لقبض الصِّلَة وَلَا يذكر لَهُم سفرا فَإِذا قبضوها فليقرأ عَلَيْهِم كِتَابه وَكَانَ مضمنه أَنه يَأْمُرهُم بالقدوم عَلَيْهِ لقصر كتامة لقبض الْكسْوَة
(3/155)

الَّتِي أَتَى بهامن طنجة وَحِينَئِذٍ يذهب مَعَهم السُّلْطَان إِلَى الْحَوْز فَفعل الْوَزير ذَلِك كُله وَتقدم الْمولى عبد الرَّحْمَن فِي جَيْشه إِلَى قصركتامة
قَالَ الْوَزير الْمَذْكُور فَلَمَّا جِئْنَا الْقصر وجدنَا السُّلْطَان لَا زَالَ مُقيما بطنجة فتقدمت إِلَيْهِ وأعلمته بوصول الْمولى عبد الرَّحْمَن وجيشه إِلَى الْقصر فَخرج السُّلْطَان من طنجة وَجعل طَرِيقه على آصيلا وَلما بَات بسوق الْأَحَد بالغربية بعث إِلَيْهِ الْمولى المجذوب سَيِّدي مُحَمَّد بن مَرْزُوق يَدعُوهُ للقدوم عَلَيْهِ والبيات عِنْده فَأجَاب دَعوته وَدخل عَلَيْهِ وتبرك بِهِ وَمن هُنَاكَ كتب إِلَى ابْن أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن أَن يتَقَدَّم بالجيش إِلَى العرائش ويلقاه بِهِ هُنَالك فَفعل الْمولى عبد الرَّحْمَن وَهُنَاكَ اجْتمع بِعَمِّهِ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فسر بمقدمه ودعا لَهُ بِخَير وَأثْنى عَلَيْهِ بِمحضر أُولَئِكَ الْمَلأ من النَّاس ثمَّ دَعَا السُّلْطَان قواد الْحَوْز فيهم الْقَائِد عبد الْملك بن بيهي والقائد عَليّ بن مُحَمَّد الشيظمي وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن الغنيمي نَائِبا عَن الْحَاج حمان الْعَبْدي وَكَانَ فِي ركابه ابْنه فضول بن حمان صَغِيرا والقائد بلعباس بن المزوار الدكالي البوزراري والحاج الْعَرَبِيّ بن رقية البوزراري والقائد مُحَمَّد بن حَدِيدَة البوعزيزي والقائد الْمُعْطى الحمري والقائد الصّديق ابْن الْفَقِيه العمراني وَلم يكن فيهم من الرحامنة إِلَّا الْحَاج الْمُعْطى بن مُحَمَّد الْحَاج وَلم يكن فيهم من السراغنة وَلَا من الشاوية أحد وَلما اجْتَمعُوا خرج عَلَيْهِم السُّلْطَان وَجلسَ على طنفسة ثمَّ دَعَا بالقائد عبد الْملك بن بيهي فأجلسه إِلَى جنبه ودعا لَهُ بِخَير ثمَّ قَالَ إِنَّكُم تعبتم فِي سَبِيل الله وَنحن أتعب مِنْكُم ونسأل الله أَن لَا يضيع أجرنا وأجركم وأعلموا أَنكُمْ فِي طَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله وَلكم المزية التَّامَّة وَقد وَجب علينا الْإِحْسَان إِلَيْكُم وَقد ظهر لي أَنكُمْ حِين وصلتم إِلَى هَذَا الْمحل لَا يَنْبَغِي لكم أَن ترجعوا بِدُونِ زِيَارَة مَوْلَانَا إِدْرِيس وَكنت أردْت أَن أوجهكم إِلَى بِلَادكُمْ من هُنَا وَلَكِن أَنا لايمكنني أَن أرجع إِلَّا بعد أَن يحكم الله بيني وَبَين هَؤُلَاءِ الخارجين عَن الْحق وَأَنْتُم لَا يجمل بكم أَن ترجعوا بِغَيْر سُلْطَان فَاصْبِرُوا قَلِيلا وتمموا عَمَلكُمْ حَتَّى تذْهبُوا إِن شَاءَ الله بسلطانكم فرحين مستبشرين
(3/156)

فَقَالُوا كلهم سمعا وَطَاعَة لَا نُفَارِقك حَتَّى نرْجِع بك وَلَو مكثنا عشر سِنِين وعَلى أثر هَذَا عقد السُّلْطَان لقائد خيل الْجَيْش البُخَارِيّ الْحَاج إِبْرَاهِيم بن رزوق على مِائَتَيْنِ من الْخَيل مَفْرُوضَة من الحوزية وَالْعَبِيد وَأمره أَن يسير إِلَى تطاوين وَيُقِيم بمرتيل وَيمْنَع أَهلهَا من الْوُصُول إِلَى المرسى فَفعل وارتحل السُّلْطَان من العرائش يُرِيد فاسا فِي قبائل الْحَوْز فَمر بِبِلَاد سُفْيَان وَنزل بسوق الْأَرْبَعَاء مِنْهَا قرب ضريح سَيِّدي عِيسَى بن الْحسن المصباحي فَأَصَابَهُ مرض هُنَالك وَورد عَلَيْهِ الْخَبَر بِأَن إِبْرَاهِيم بن رزوق قد كاده صَاحب تطاوين الْعَرَبِيّ بن يُوسُف حَتَّى قبض عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وسلبهم وسجنهم فآلم هَذَا الْخَبَر السُّلْطَان وزاده إِلَى مَا بِهِ من الْمَرَض ثمَّ أبل مِنْهُ بعد أَيَّام فَنَهَضَ إِلَى فاس وعرج على طَرِيق تازا وَلما بَات بسوق الْخَمِيس بالكور من بِلَاد الحياينة أغارت عَلَيْهِ غياثة وَمن شايعهم من أهل تِلْكَ النواحي وَكَانُوا قد دخلُوا فِي بيعَة أبي يزِيد فَدَارُوا بالمحلة ونضحوها بالرصاص فَقَامَ السُّلْطَان وَجعل يسكن النَّاس بِنَفسِهِ ونهاهم عَن الرّكُوب وَالِاضْطِرَاب فحفظ الله الْمحلة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم يصب أحد من النَّاس وَلَا من الدَّوَابّ وأصبحت قَتْلَى الْعَدو مصرعة حول الْمحلة ثمَّ دخل السُّلْطَان مَدِينَة تازا فوفد عَلَيْهِ بهَا أهل الرِّيف وعرب آنقاد والصحراء وَجعلُوا يزدحمون عَلَيْهِ ليروا وَجهه وَيَقُولُونَ إِنَّه وَالله للسُّلْطَان لِأَن أهل فاس كَانُوا يشيعون مَوته ويكتبون بذلك إِلَى الْقَبَائِل ثمَّ تقدم السُّلْطَان إِلَى فاس فَنزل بقنطرة وَادي سبو وَذَلِكَ أَوَاخِر رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ أهل فاس قد سئموا الْحَرْب وعضهم الْحصار وملوا دولة أبي يزِيد فاختلفت كلمتهم عِنْد مَا قدم السُّلْطَان وهاجت الْحَرْب دَاخل الْبَلَد بَين شيعَة السُّلْطَان وشيعة السعيد فكثرهم شيعَة السُّلْطَان وفتحوا الْبَاب وَخَرجُوا إِلَيْهِ بالأشراف وَالصبيان والمصاحف وتهافتوا على فسطاطه تَائِبين خاضعين وَجَاء السعيد فِي جوَار الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَمَعَهُ الْأمين الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون فَكَانَ جَوَاب السُّلْطَان لَهُم أَن قَالَ {قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ} يُوسُف 92 وَكَانَ رَحمَه الله قد رأى
(3/157)

وَهُوَ سَائِر إِلَى فاس رُؤْيا وَهِي أَنه دخل فاسا وزار تربة الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ وقلده سَيْفا وَصعد الْمنَار وَأذن فَكَانَ من عَجِيب صنع الله أَن فتح عَلَيْهِ فاسا ودخلها وزار الْمولى إِدْرِيس وَأذن بمنارة على الْهَيْئَة الَّتِي رأى وَجَاء رجل من أَوْلَاد الْبَقَّال فقلده سَيْفا تَصْدِيقًا للرؤيا وَلما دخل ضريح الْمولى إِدْرِيس وجد الشريف الْبركَة سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ الوزاني هُنَالك فَعَاتَبَهُ السُّلْطَان عتابا خَفِيفا وَزَالَ مَا بصدره عَلَيْهِ وانقطعت أَسبَاب الْفِتَن وَالْحَمْد لله
وَاعْلَم أَن مَا صدر من أهل فاس وَمن وافقهم على هَذِه الْبيعَة لَا لوم عَلَيْهِم فِيهِ وماكان من حق السُّلْطَان رَحمَه الله أَن يبْعَث إِلَيْهِم بذلك الْكتاب الَّذِي أوقعهم فِي حيص بيص وَكَانَ سَببا لهَذِهِ الْفِتَن وَقَول أكنسوس إِن السُّلْطَان أَرَادَ تهييجهم على التَّمَسُّك بِطَاعَتِهِ كَمَا فعل مَعَ أهل مراكش لَيْسَ بِشَيْء أَو مَا علم السُّلْطَان رَحمَه الله كَلَام الكبراء خُصُوصا الْمُلُوك مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله وَأَن الْعَامَّة إِذا نقلته وَضعته غَالِبا فِي غير مَحَله وَفِي الصَّحِيح أَن عمر رَضِي الله عَنهُ بلغه وَهُوَ بمنى أَن رجلا قَالَ وَالله لَو قد مَاتَ عمر لبايعنا فلَانا يُرِيد رجلا من غير قُرَيْش فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ لأقومن العشية فأحذر هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين يُرِيدُونَ أَن يغصبوهم فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ لَا تفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الْمَوْسِم يجمع رعاع النَّاس يغلبُونَ على مجلسك فَأَخَاف أَن يسمعوا مِنْك كلمة فَلَا ينزلوها على وَجههَا ويطيروا بهَا عَنْك كل مطير فامهل حَتَّى تقدم الْمَدِينَة دَار الْهِجْرَة وَدَار السّنة فتخلص بأصحاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فيحفظوا مَقَالَتك وينزلوها على وَجههَا فَقَالَ عمر وَالله لأقومن بِهِ فِي أول مقَام أقومه بِالْمَدِينَةِ الحَدِيث فَانْظُر كَيفَ منع عبد الرَّحْمَن عمر رَضِي الله عَنهُ من الْكَلَام بِالْمَوْسِمِ وبمحضر الْعَامَّة خوفًا من وُقُوع الْفِتْنَة وانقاد لَهُ عمر حَيْثُ علم أَن ذَلِك هُوَ الصَّوَاب وَكَانَ وقافا عِنْد الْحق هَذَا وَالنَّاس نَاس وَالزَّمَان زمَان وَفِي خير الْقُرُون فَكيف فِي زمَان قل علمه وَكثر
(3/158)

جَهله وغاض خَيره وفاض شَره وَأمر السُّلْطَان متداع مختل والفتنة قَائِمَة على سَاق كَمَا رَأَيْت فَلهَذَا قُلْنَا مَا كَانَ من حق السُّلْطَان أَن يبْعَث بذلك الْكتاب الموجه بمقصدين الْمُحْتَمل احْتِمَالَيْنِ وَلَكِن قَضَاء الله غَالب
وَلما افْتتح السُّلْطَان رَحمَه الله فاسا وَصفا لَهُ أمرهَا عزم على النهوض إِلَى تطاوين فاستخلف على فاس وأعمالها ابْن أَخِيه الْفَارِس الأنجد السّري الأسعد الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام لعدالته وكفايته وَحسن سياسته وَأخذ مَعَه الْمولى السعيد بن يزِيد وَخرج فِي جَيش الودايا وَالْعَبِيد وقبائل الْحَوْز أَوَائِل شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فَجعل طَرِيقه على بِلَاد سُفْيَان وَلما وصل إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِالْحجرِ الْوَاقِف بَين نهري سبو وورغة قدم عَلَيْهِ هُنَالك الْقَائِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن العامري اليحياوي فِي قومه بني حسن والقائد أَبُو عبد الله مُحَمَّد المعتوجي السفياني وقاسم بن الْخضر فِي قومهما سُفْيَان وَبني مَالك وَقدم عَلَيْهِ هُنَالك أَوْلَاد الشَّيْخ أبي عبد الله سَيِّدي الْعَرَبِيّ الدرقاوي صبية صغَارًا يشفعون فِي أَبِيهِم ليسرحه لَهُم فوصلهم وكساهم وَقَالَ لَهُم وَالله مَا سجنته وَلَا أمرت بسجنه وَلَكِن اتركوه فسيسرحه الله الَّذِي سجنه فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ بَقِي فِي السجْن حَتَّى توفّي السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وبويع الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام فَافْتتحَ عمله بتسريحه وَلما نزل السُّلْطَان رَحمَه بمشرع مسيعيدة من نهر سبو وَفد عَلَيْهِ أهل تطاوين تَائِبين وَمَعَهُمْ قائدهم الْعَرَبِيّ بن يُوسُف المسلماني وَكَانَ النَّاس يظنون أَنه ينكل بِهِ وبمن قَامَ مَعَه فِي الْفِتْنَة فَلم يفل لَهُم إِلَّا خيرا حَتَّى لقد قَالَ لَهُ ابْن يُوسُف يَا مَوْلَانَا إِن أهل تطاوين لم يَفْعَلُوا شَيْئا وَإِنِّي أَنا الَّذِي فعلت يُرِيد أَن يبرئهم ويفديهم بِنَفسِهِ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان رَحمَه الله مَا عنْدك مَا تفعل أَنْت وَلَا هم وَإِنَّمَا الْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى وصفح عَنْهُم وَأحسن إِلَيْهِم وَلما صفا أَمر تطاوين وَلم يبْق بِبِلَاد الغرب مُنَازع انْقَلب السُّلْطَان رَاجعا إِلَى الْحَوْز وجد السّير إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة
(3/159)

وقْعَة زَاوِيَة الشرادي وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

هَؤُلَاءِ الشراردة أصلهم من عرب معقل من الصَّحرَاء وهم طوائف زُرَارَة والشبانات وهم الخلص مِنْهُم ويضاف لَهُم بعض أَوْلَاد دليم وتكنة وذوو بِلَال وَغَيرهم وَكَانَت مَنَازِلهمْ فِي دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله غربي مراكش على بعض يَوْم مِنْهَا فَنَشَأَ فيهم الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشرادي من أهل الصّلاح زمن أَصْحَاب الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر الدرعي فاعتقدوه وَرُبمَا ناله بعض الْإِحْسَان من السُّلْطَان الْمَذْكُور ثمَّ نَشأ ابْنه السَّيِّد أبي مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس فَجرى مجْرى أَبِيه وَبنى الزاوية المنسوبة إِلَيْهِم واعتقده قومه أَيْضا بل وَغَيرهم
فقد ذكر صَاحب نشر المثاني أَن السَّيِّد مُحَمَّدًا هَذَا لما قدم من الْحَج سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَألف اجتاز بِمَدِينَة فاس فَاجْتمع عَلَيْهِ نَاس مِنْهَا وتلمذوا لَهُ وبنوا لَهُ زَاوِيَة بدرب الدرج من عدوة الأندلس وَأثْنى عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه فَانْظُرْهُ ثمَّ جَاءَ ابْنه الْمهْدي بن مُحَمَّد فسلك ذَلِك المسلك أَيْضا وَنَشَأ فِي دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وَاتخذ شَيْئا من كتب الْعلم من غير أَن يكون لَهُ فِيهِ يَد تعْتَبر ثمَّ تظاهر بِمَعْرِِفَة السيميا والحدثان فازداد ناموسه وَتمكن من جهلة قومه وَرُبمَا نمى شَيْء من أمره إِلَى السُّلْطَان فتغافل عَنهُ ثمَّ لما قدم السُّلْطَان رَحمَه الله مراكش هَذِه الْمرة وجد أمره قد زَاد واستفحل وَكَانَ الشراردة يَوْمئِذٍ قد حسنت حَالهم فأثروا وكثروا وَكَانَ السُّلْطَان قد ولى عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم اسْمه قَاسم الشرادي فَحدث بَينه وَبَين الْمهْدي مَا يحدث بَين المرابطين وأرباب الْولَايَة وَكَانَ رُبمَا التجأ جَان إِلَى زَاوِيَة الْمهْدي فَيقبض عَلَيْهِ الْقَائِد ويخرجه مِنْهَا فاستحكمت الْعَدَاوَة بَين الْقَائِد وَبَين الْمهْدي ثمَّ جرى شنآن بَين الْمهْدي وَبَين بعض قرَابَته ففر ذَلِك الْقَرِيب إِلَى مراكش وَكَانَ الْقَائِد قَاسم بهَا فَشَكا إِلَيْهِ عَمه الْمهْدي فاغتنمها
(3/160)

الْقَائِد وَدخل على السُّلْطَان فشرح لَهُ حَال الْمهْدي وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من التهور والسمو بِنَفسِهِ إِلَى الْمحل الَّذِي لَا يبلغهُ وَأَنه لَا يَسْتَقِيم أَمر المخزن بِتِلْكَ الْقَبِيلَة مَعَه وَلم يزل بِهِ حَتَّى أعطَاهُ السُّلْطَان مِائَتَيْنِ من الْخَيل أغار بهَا على الزاوية فانتهبوها على حِين غَفلَة من أَهلهَا وجلهم غَائِب فِي أَعماله فتسامعوا بِأَن الْخَيل قد عاثت فِي دِيَارهمْ وجاؤوا على الصعب والذلول وأوقعوا بخيل المخزن واستلبوهم من خيلهم وسلاحهم وعادوا إِلَى مراكش راجلين فَعظم ذَلِك على السُّلْطَان واغتاظ وَاتفقَ أَن كَانَ مَعَ السُّلْطَان عَامل مراكش أَبُو حَفْص عمر بن أبي سِتَّة وعامل الرحامنة الْقَائِد قَاسم الرحماني وَكِلَاهُمَا عَدو للشراردة لَا سِيمَا الرحماني فشنعوا فِي ذَلِك بِمحضر السُّلْطَان وأسدوا وألحموا فِي غَزْو الشراردة وتأديبهم حَتَّى لَا يعودوا لمثلهَا وَفِي أثْنَاء ذَلِك نَدم الشراردة على مَا كَانَ مِنْهُم وبعثوا إِلَى السُّلْطَان بالشفاعات وذبحوا عَلَيْهِ وعَلى صلحاء مراكش فَلم يقبل مِنْهُم وَيُقَال إِن ذَلِك لم يكن يبلغ السُّلْطَان لِأَن النَّقْض والإبرام إِنَّمَا كَانَ لعمر بن أبي سِتَّة وقاسم الرحماني وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله كالمغلوب على أمره مَعَهُمَا فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى بعث إِلَى قبائل الْحَوْز يستنفرهم لغزو الشراردة فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وَكَانَ مَعَه جَيش الودايا وكبارهم مثل الطَّاهِر بن مَسْعُود الحساني والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر وَغَيرهمَا وَمَعَهُ الْقَائِد مُحَمَّد بن العامري فِي بني حسن وَغَيرهم من قبائل الغرب
وَلما أجمع السُّلْطَان الْخُرُوج إِلَيْهِم قدم أَمَامه قاسما الرحماني إِذْ كَانَ قد تكفل لَهُ بِأَن يَكْفِيهِ أَمر الشراردة وَحده فَكَانَ متسرعا إِلَيْهِم قبل كل أحد فرابط بِعَين دادة ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا والوسائط تَتَرَدَّد بَين السُّلْطَان وَبَين الشراردة وكادت كلمتهم تخْتَلف إِذْ قَامَ فيهم رجل مرابط اسْمه الحبيب من أَوْلَاد سَيِّدي أَحْمد الزاوية وَبعث نَحْو الْأَرْبَعين من الشراردة إِلَى السُّلْطَان سعيا فِي الصُّلْح فَأَشَارَ الرحماني وَابْن أبي سِتَّة فِيمَا قيل على السُّلْطَان بِالْقَبْضِ
(3/161)

عَلَيْهِم فَقبض عَلَيْهِم وحيزت خيلهم وسلاحهم فشرى الدَّاء وأعوز الدَّوَاء ثمَّ زحف السُّلْطَان وانتشبت الْحَرْب أول النَّهَار وَلما اشْتَدَّ الْحر وَكَانَ الزَّمَان زمَان مصيف تحاجزوا ثمَّ عَاد قَاسم الرحماني فأنشب الْحَرْب مَعَ الْعشي فَكَانَت الدبرة عَلَيْهِ وَقتل وَحمل رَأسه على رمح وَانْهَزَمَ جَيش المخزن وَوَقع الفشل فِي الْمحلة فتفرقت الْقَبَائِل وَبَاتُوا لَا يلوون على شَيْء وَلما طلع النَّهَار لم يبْق مَعَ السُّلْطَان إِلَّا جَيش المخزن فزحف الشراردة إِلَى الْمحلة وَرَأَوا السُّلْطَان قد بَقِي فِي قلَّة فطمعوا فِيهِ وأنشبوا الْحَرْب فَانْهَزَمَ الْجَيْش الَّذين كَانُوا مَعَ السُّلْطَان وَتركُوا الْمحلة بِمَا فِيهَا فتوزعتها الشراردة شذر مذر وانحاز السُّلْطَان فِي حَاشِيَته وَقصد مراكش فلقيتهم فِي طريقهم ساقية مَاء حبستهم عَن الْمُرُور وخالط الشراردة الْقَوْم الَّذين كَانُوا مَعَ السُّلْطَان وَجعلُوا يستلبون من ظفروا بِهِ مِنْهُم وتراكم المنهزمة على السُّلْطَان ولجؤوا إِلَيْهِ وَقتل الشراردة عمر بن أبي سِتَّة خلف ظَهره
وَلما رأى السُّلْطَان رَحمَه الله ذَلِك نَادَى فِي النَّاس أَن لَا يقتل أحد نَفسه على وَلَا على هَذِه الأسلاب أعطوهم مِنْهَا مَا شاؤوا وَاجْتمعَ نَحْو الْعشْرين من كبار الشراردة وتقدموا إِلَى السُّلْطَان فَقَالُوا يَا مَوْلَانَا تحيز إِلَيْنَا لِئَلَّا تصيبك الْعَامَّة فانحاز إِلَيْهِم وَكَانَ رَاكِبًا على بغلته فالتفوا عَلَيْهِ وَسَارُوا بِهِ إِلَى زاويتهم وأنزلوه بِالدَّار الْمَعْرُوفَة عِنْدهم بدار الْمَوْسِم واحترموه وغدوا وراحوا فِي خدمته وَكَانَ مَعَ وصيفه فرجى صَبيا صَغِيرا وَهُوَ الَّذِي ولي إِمَارَة فاس الْجَدِيد فِي دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَكَانَ مَعَه أَيْضا عبد الْخَالِق بن كريران الحريزي شَابًّا كَمَا بقل عذاره وَبَقِي عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام وَحَضَرت الْجُمُعَة فَصلاهَا عِنْدهم وخطبوا بِهِ وَمن الْغَد ركبُوا مَعَه وصحبوه إِلَى مراكش إِلَى أَن وصلوا إِلَى عين أبي عكاز فودعوه وَرَجَعُوا وَمِمَّا قَالَ لَهُم عِنْد الْوَدَاع إِن الَّذين أَرَادوا أَن يفتحوا بَاب الْفِتْنَة على النَّاس قد سد الله أَبْوَابهَا برؤوسهم يَعْنِي الرحامنة وَبعد وُصُول السُّلْطَان إِلَى مراكش
(3/162)

بِيَوْم أَو نَحوه عدا الرحامنة على مُحَمَّد بن أبي سِتَّة فَقَتَلُوهُ بِسَبَب أَن الشراردة كَانُوا قد أسروه ثمَّ استحيوه وَاتَّخذُوا عِنْده عهدا ويدا بِأَنَّهُ إِذا أفضت إِلَيْهِ ولَايَة مراكش بعد أَخِيه عمر الْمَقْتُول يحسن فِي إدارة أَمرهم عِنْد السُّلْطَان فَسمع الرحامنة بذلك فَقَتَلُوهُ
قَالَ صَاحب الْجَيْش لما عزم السُّلْطَان على الْخُرُوج إِلَى زَاوِيَة الشرادي بَعَثَنِي قبل ذَلِك بِثَلَاث إِلَى السوس فِي شَأْن ابْن أَخِيه الْمولى بناصر بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ عَاملا عَلَيْهَا فكثرت الشكايات بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَبَعَثَنِي فِي شَأْنه فَلَمَّا جِئْت تارودانت تربصت قَلِيلا فَلم يفجأنا إِلَّا خبر الْهَزِيمَة على السُّلْطَان بالروايات الْمُخْتَلفَة فَقَائِل يَقُول إِنَّه قد قتل وَآخر يَقُول إِنَّه قد مَاتَ حتف أَنفه وَآخر يَقُول لَا بَأْس عَلَيْهِ ثمَّ ورد علينا كِتَابَانِ من عِنْد السُّلْطَان أَحدهمَا بِخَط الْكَاتِب مطبوعا وَالْآخر بِخَط يَده تَحْقِيقا لسلامته يَقُول فِيهِ إِن هَذِه الْحَرَكَة مَا وَقعت إِلَّا لهلاك الظلمَة والملبسين علينا المظهرين للمحبة لنا وهم فِي الْبَاطِن أعدى الأعادي مثل قَاسم الرحماني وَفُلَان وَفُلَان وَأما أَوْلَاد أبي سِتَّة فقد قتل زُرَارَة عمر على رَائِحَة الرحامنة وَقتل الرحامنة مُحَمَّدًا على رَائِحَة أهل السوس والشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الْجَلِيل الوزاني أَصَابَته رصاصة رِعَايَة رَحمَه الله عَلَيْهِ وَالْحَاصِل هان علينا كسر الخابية بِمَوْت الفار وَقد أَحْسَنت فِي التَّرَبُّص فاترك الْأَمر على طيته واصحب مَعَك أَشْيَاخ السوس وعدهم منا بِالْإِحْسَانِ ومساعدتهم على مَا يطلبونه منا وَالسَّلَام اه
وَلما دخل السُّلْطَان مراكش رَاجع الْقَوْم الَّذين انْهَزمُوا عَنهُ بصائرهم وَأَقْبلُوا إِلَيْهِ خاضعين تَائِبين وعَلى أبوابه فِي الْعَفو راغبين فَمَا وَسعه إِلَّا الْإِعْرَاض عَن أفعالهم الذميمة وطاعتهم السقيمة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ أَمرهم بالتهيىء لغزو برابرة الغرب فتوجهوا إِلَى بِلَادهمْ ليأتوا بحصصهم إِلَى عيد المولد الْكَرِيم فانقضى أَجله رَحمَه الله
(3/163)

وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رَحمَه الله

كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فِي هَذِه الْمدَّة قد سئم الْحَيَاة ومل الْعَيْش وَأَرَادَ أَن يتْرك أَمر النَّاس لِابْنِ أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام ويتخلى هُوَ لعبادة ربه إِلَى أَن يَأْتِيهِ الْيَقِين قَالَ ذَلِك غير مرّة وتعددت فِيهِ رسائله ومكاتيبه فمما كتبه فِي ذَلِك هَذِه الْوَصِيَّة الَّتِي يَقُول فِيهَا الْحَمد لله لما رَأَيْت مَا وَقع من الْإِلْحَاد فِي الدّين واستيلاء الفسقة والجهلة على أَمر الْمُسلمين وَقد قَالَ عمر إِن تابعناهم تابعناهم على مَا لَا نرضى وَإِلَّا وَقع الْخلاف وَأُولَئِكَ عدُول وَهَؤُلَاء كلهم فساق وَقَالَ عمر فَبَايعْنَا أَبَا بكر فَكَانَ وَالله خير وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حق أبي بكر يَأْبَى الله وَيدْفَع الْمُسلمُونَ ورشحه بتقديمه للصَّلَاة إِذْ هِيَ عماد الدّين وَقَالَ أَبُو بكر للْمُسلمين بَايعُوا عمر وَأخذ لَهُ الْبيعَة فِي حَيَاته فلزمت وَصحت بعد مَوته وَقَالَ عمر هَؤُلَاءِ السِّتَّة أفضل الْمُسلمين وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعم العَبْد صُهَيْب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَمِين هَذِه الْأمة وَقَالَ مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذَر وَقَالَ فِي أبي بكر وَعمر أَكثر من هَذَا فَصَارَ الْمَدْح للتعريف وَاجِبا ولإظهار حَال الرجل لينْتَفع بِهِ فَأَقُول جعله الله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مَا أَظن فِي أَوْلَاد مَوْلَانَا الْجد عبد الله وَلَا فِي أَوْلَاد سَيِّدي مُحَمَّد وَالِدي رَحمَه الله وَلَا أَوْلَاد أَوْلَاده أفضل من مولَايَ عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَلَا أصلح لهَذَا الْأَمر مِنْهُ لِأَنَّهُ إِن شَاءَ الله حفظه الله لَا يشرب الْخمر ويزني ولايكذب وَلَا يخون وَلَا يقدم على الدِّمَاء وَالْأَمْوَال بِلَا مُوجب وَلَو ملك ملك المشرقين لِأَنَّهَا عبَادَة صهيبية ويصوم الْفَرْض وَالنَّفْل وَيُصلي الْفَرْض وَالنَّفْل وَإِنَّمَا أتيت بِهِ من الصويرة ليراه النَّاس ويعرفوه وأخرجته من تافيلالت لأظهره لَهُم لِأَن الدّين النَّصِيحَة فَإِن اتبعهُ أهل الْحق صلح أَمرهم كَمَا صلح سَيِّدي مُحَمَّد جده وَأَبوهُ حَيّ وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَيّ أبدا ويغبطه أهل الْمغرب ويتبعونه إِن شَاءَ الله
(3/164)

وَكَانَ من اتبعهُ اتبع الْهدى والنور وَمن اتبع غَيره اتبع الْفِتْنَة والضلال وَاحْذَرْ النَّاس أَوْلَاد يزِيد كَمَا حذر وَالِدي وَقد رأى من اتبعهُ أَو اتبع أَوْلَاده كَيفَ خَاضَ الظلمَة ونالته دَعْوَة وَالِده وَخرج على الْأمة وَأما أَنا فقد خفت قواي ووهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا حفظني الله فِي أَوْلَادِي وَالْمُسْلِمين آمين نصيحة وَصِيَّة سُلَيْمَان بن مُحَمَّد لطف الله بِهِ اه
وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة وَقعت غدرة ذَوي بِلَال فِي انتهابهم الصاكة الْوَارِدَة من مرسى الصويرة وَكَانَ انتهابهم إِيَّاهَا بِاتِّفَاق من الشياظمة الَّذين جاؤوا مَعهَا وَقَائِدهمْ عَليّ بن مُحَمَّد الشيظمي هُوَ الَّذِي انتهب أَكْثَرهَا وَكَانَ فِيهَا من الذَّخَائِر النفيسة وَالْأَمْوَال الثَّقِيلَة شَيْء كثير وَهَذِه الْوَقْعَة هِيَ الَّتِي هدت أَرْكَان السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فاعتراه مَرضه الَّذِي كَانَ سَبَب وَفَاته وَلما أثقله الْمَرَض أعَاد الْعَهْد للْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَبعث بِهِ إِلَى فاس إِذْ كَانَ خَليفَة بهَا كَمَا مر فَدَعَا رَحمَه الله بِصَحِيفَة بَيْضَاء ودعا بالطابع الْكَبِير فجيء بِهِ وَلم يحضرهُ إِلَّا أَهله من النِّسَاء فطبع الصَّحِيفَة بِيَدِهِ وَكتب بعض الْكتاب وأكملته بعض حظاياه مِمَّن كَانَت تحسن الْكِتَابَة ثمَّ طواه وَختم عَلَيْهِ ودعا الْقَائِد الجيلاني الرحماني الحويوي وَكَانَ قَائِد المشور وَقَالَ لَهُ ادْع لي فارسين يذهبان بِهَذَا الْكتاب إِلَى فاس وَقد عينت لَهما سخرة كَبِيرَة يقبضانها هُنَاكَ إِذا أَسْرعَا السّير فَكَانَ ذَلِك الْكتاب هُوَ الْعَهْد الَّذِي قرىء بفاس وَنَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم أخوالنا الودايا ورماة فاس وأعيانها ورؤساءها سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وعَلى ابْن عمنَا الْفَقِيه القَاضِي مولَايَ أَحْمد والفقيهين ابْن إِبْرَاهِيم والآزمي وَبعد فقد وجدت من نَفسِي مَا لَيْسَ بتارك أحدا فِي الدُّنْيَا وَهَذِه وَصِيَّة أقدمها بَين يَدي أَجلي وَالله مَا بَقِي فِي قلبِي مِثْقَال ذرة على أحد من خلق الله لِأَن ذَلِك أَمر قد قدره الله وَسبق علمه بِهِ وَلست فِيهِ بأوحد وَمَا وَقع لمن قبلي أشنع وأقطع وَإِنِّي قد عقدت
(3/165)

بَين أخوالي وَأهل فاس أخوة بحول الله لَا تنفصم يَرِثهَا الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء وأوصي الْجَمِيع بِمَا أوصى الله بِهِ الْأَوَّلين {وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا} النِّسَاء 131 {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله} الْحَشْر 7 وبسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَلنْ تزَال هَذِه الْأمة بِخَير مَا أخذُوا بِكِتَاب الله وَقد عهِدت لِابْنِ أخي مولَايَ عبد الرَّحْمَن بن هِشَام ورجوت الله أَن يكون لي فِي هَذَا الْأَمر مثل مَا لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي عَهده لعمر بن عبد الْعَزِيز {إِنَّا نَحن نحيي الْمَوْتَى ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم} يس 12 من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع على عقد الْبيعَة بالعهد وَالْقَاضِي والفقيهان يبينون لكم هَذَا {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} النِّسَاء 59 وَإِنِّي أشهد الله أَنِّي مقرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لعبد الله عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وببيعته أَلْقَاهُ وَقد أدّيت لأمة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا عَليّ من النَّصِيحَة وأرجوا الله أَن يثيبني بِهَذِهِ النِّيَّة الصَّحِيحَة وَهُوَ المطلع على مَا فِي الضمائر والعالم بالسرائر وَالسَّلَام وَفِي رَابِع ربيع النَّبَوِيّ عَام ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اه
ثمَّ تَمَادى بالسلطان رَحمَه الله مَرضه إِلَى أَن توفّي ثَالِث عشر ربيع الأول وَهُوَ الثَّانِي من عيد المولد الْكَرِيم من السّنة الْمَذْكُورَة وَمَات رَحمَه الله ثَابت الذِّهْن صَحِيح الميز على غَايَة من الْيَقِين والفرح بلقاء ربه وَدفن بضريح جده الْمولى عَليّ الشريف بِبَاب آيلان من مراكش وَقد رثاه جمَاعَة من أدباء الْعَصْر من ذَلِك قَول الْفَقِيه الأديب الْكَاتِب البليغ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الفاسي
(نبأ عرى أَوْهَى عرى الْإِيمَان ... وَأَبَان حسن الصَّبْر عَن إِمْكَان)
(شقَّتْ لموقعه الْقُلُوب وزلزلت ... أَرض النُّفُوس ورج كل مَكَان)
(3/166)

(فقد الإِمَام أبي الرّبيع المرتضى ... جزعت لعظم مصابه الثَّقَلَان)
(وبكت عُيُون الدّين مَاء جفونها ... وجدا عَلَيْهِ وكل ذِي إِيمَان)
(لم نعى الناعون خير خَليفَة ... وعرا الْفُؤَاد طوارق الأحزان)
(مزقت ثوب تجلدي من فَقده ... وَنَثَرت در الدمع من أجفاني)
(عجبا لمَوْت غاله إِذْ لم يخف ... فتك الْمُلُوك وسطوة السُّلْطَان)
(وسما لمنصبه المنيف وَلم يهب ... غضب الْجنُود وغيرة الأعوان)
(لَو كَانَ ينفع خَاضَ فرسَان الوغا ... حرصا عَلَيْهِ مواقد النيرَان)
(وحموه بِالنَّفسِ النفيسة إِنَّمَا ... يحْمُونَ روح الْعدْل وَالْإِحْسَان)
(لَكِن قَضَاء الله حم فَلَا يرى ... للمرء فِي دفع الْقَضَاء يدان)
(وَالْمَوْت مورد كل حَيّ كأسه ... وَسوى الْمُهَيْمِن فِي الْحَقِيقَة فان)
(إِن غَابَ عَنَّا شخصه فَلَقَد ثوى ... فِينَا الثَّنَاء لَهُ بِكُل لِسَان)
(ومناقب ومفاخر ومآثر ... شاعت لَهُ فِي سَائِر الأوطان)
(ومعارف وعوارف ووسائل ... ومسائل قد أوضحت ومعاني)
(وبدور أَوْلَاد وَآل قد قفوا ... آثاره فِي الْعلم والعرفان)
(تخذوا الدّيانَة والصيانة شرعة ... وتقلدوا بصوارم الإيقان)
(أَخْلَاقهم ووجوههم وأكفهم ... كالزهر والأزهار والأمزان)
(إِن حَاربُوا أبدوا شجاعة جدهم ... أَو خاطبوا أزروا على سحبان)
(من كل من جعل الْقُرْآن سميره ... وسما بِوَصْف الْعلم والتبيان))
(كم آيَة ظَهرت لَهُ وكرامة ... دَامَت دلائلها مدى الْأَزْمَان)
(قد كَانَ أوحد دهره ولذاته ... فِي الْعدْل والتمكين وَالْإِحْسَان)
(قد كَانَ عَالم عصره وفريده ... فِي الْفَهم وَالتَّحْقِيق والإتقان)
(قد كَانَ فَردا فِي البلاغة إِن جرت ... أقلامه بهرت بِسحر بَيَان)
(من للعلى من بعده من للنَّهْي ... من للتقى وتلاوة الْقُرْآن)
(يَا رمسه مَاذَا حويت من العلى ... وطويت من علم وَمن عرفان)
(3/167)

(يَا رمس كم واريت من كرم وَمن ... جود وَمن فضل وَمن إِحْسَان)
(يَا رمس كم حجبت عَنَّا شمسه ... وضياؤها فِي سَائِر الْبلدَانِ)
(ووسعت بَحر علومه وسخائه ... فطمى بِضيق بَطْنك البحران)
(فَلَو اسْتَطَعْت جعلت قلبِي قَبره ... حبا وأحشائي من الأكفان)
(وَلَو أَن عمري فِي يَدي لوهبته ... وفديته بالأهل والإخوان)
(لَكِن يُخَفف بعض أثقال الأسى ... علمي بِهِ فِي جنَّة الرضْوَان)
(فسقى ثراه من الْمَوَاهِب دِيمَة ... وهمت عَلَيْهِ سحائب الغفران)
(ورد الرَّسُول بِمَوْت خير خَليفَة ... وَولَايَة الْعَهْد الرفيع الشَّأْن)
(فَجَزِعت من حزن لما قد نابني ... وطربت من فَرح بِمَا أولاني)
(مَا مَاتَ من ترك الْخَلِيفَة بعده ... مثل الْمُؤَيد عَابِد الرَّحْمَن)
(ملك تسربل بالتقى حَتَّى ارْتقى ... من نهجه الأتقى على كيوان)
(يَا وَاحِدًا فِي الْفضل غير مشارك ... أَقْسَمت مَا لَك فِي الْبَريَّة ثَان)
(لله بيعتك الَّتِي قد أشبهت ... فِيمَا تَوَاتر بيعَة الرضْوَان)
(قد أحكمتها يَد الشَّرِيعَة والتقى ... بعرى النُّصُوص وواضح الْبُرْهَان)
(سعد الَّذِي أضحى بهَا متمسكا ... وَهوى العنيد بهوة الخسران)
(وَجرى على التَّيْسِير أَمرك فَاسْتَوَى ... ملك الورى لَك فِي أقل زمَان)
(وَأَتَتْ لنصرتك المغارب كلهَا ... فبعيدها لَك فِي الْحَقِيقَة داني)
(عقدوا على النصح الْقُلُوب وَإِنَّمَا ... عقدوا بنصرك رايه الْإِيمَان)
(لَو شِئْت من أهل الْمَشَارِق طَاعَة ... لأتوك من يمن وَمن بغدان)
(هابتك أَصْنَاف الطغاة بزعمهم ... لما وثقت بنصرة الرَّحْمَن)
(وَبسطت عدلك فِي الورى فَكَأَنَّمَا ... قد عَاشَ فِي أيامك الْعمرَان)
(يَا أهل بَيت الْمُصْطَفى أوصافكم ... جلت عَن الإحصاء والحسبان)
(طَابَ المديح مَعَ الرثاء بذكركم ... فنظمته كقلائد العقيان)
(3/168)

بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله ومآثره وَسيرَته

لما بُويِعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله رد الْفُرُوع إِلَى أُصُولهَا وأجرى الْخلَافَة على قوانينها بِإِقَامَة الْعدْل والرفق بالرعية والضعفاء وَالْمَسَاكِين وَمن وفور عقله وعدله إِسْقَاط المكوس الَّتِي كَانَت موظفة على حواضر الْمغرب فِي الْأَبْوَاب والأسواق وعَلى السّلع والغلل وعَلى الْجلد وعشبة الدُّخان فقد كَانَ يقبض فِي ذَلِك أَيَّام وَالِده رَحمَه الله خَمْسمِائَة ألف مِثْقَال مَعْلُومَة مثبتة فِي الدفاتر مبيعة فِي ذمم عُمَّال الْبلدَانِ وقواد الْقَبَائِل كل مَدِينَة وَمَا عَلَيْهَا وَمن ذَلِك المكس كَانَ صائر الْعَسْكَر فِي الْكسْوَة والسروج وَالسِّلَاح وَالْعدة وَالْإِقَامَة والخياطة والتنافيذ لوفود الْقَبَائِل والعفاة والمؤنة للعسكر ولدور السُّلْطَان وَسَائِر تعلقاته فَكَانَ ذَلِك المكس كَافِيا لصوائر الدولة كلهَا وَلَا يدْخل بَيت المَال إِلَّا مَال المراسي وأعشار الْقَبَائِل وزكواتهم وَكَانَ مُسْتَفَاد هَذَا المكس يعادل مَال المراسي وأعشار الْقَبَائِل فزهد فِيهِ هَذَا السُّلْطَان الْعَادِل فَعوضهُ الله أَكثر مِنْهُ من الْحَلَال الْمَحْض الَّذِي هُوَ الزكوات والأعشار من الْقَبَائِل وزكوات أَمْوَال التُّجَّار وَالْعشر الْمَأْخُوذ من تجار النَّصَارَى وَأهل الذِّمَّة بالمراسي وَأما الْمُسلمُونَ فقد مَنعهم من التِّجَارَة بِأَرْض الْعَدو لِئَلَّا يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى تعشير مَا بِأَيْدِيهِم أَو المشاجرة مَعَ الْأَجْنَاس هَكَذَا بلغنَا وَالله أعلم
وَكَانَت الْقَبَائِل فِي دولته قد تمولت ونمت مواشيها وَكَثُرت الْخيرَات لَدَيْهَا من عدله وَحسن سيرته فَصَارَت الْقَبِيلَة الَّتِي كَانَت تُعْطِي عشرَة آلَاف مِثْقَال مُضَارَبَة أَيَّام وَالِده يسْتَخْرج مِنْهَا على النّصاب الشَّرْعِيّ عشرُون وَثَلَاثُونَ ألف مِثْقَال وَذَلِكَ من توفيق الله لَهُ وتمسكه بِالْعَدْلِ والحلم والجود وَالْحيَاء وَجَمِيل الصَّبْر وَحسن السياسة والتأني فِي الْأُمُور واجتنابه لما هُوَ بضد ذَلِك
فَأَما الْحلم فَهُوَ دأبه وطبعه وَقد اتّفق أهل عصره على أَنه كَانَ أحلم النَّاس فِي زَمَانه وأملك لنَفسِهِ عِنْد الْغَضَب من أَن يَقع فِي الْخَطَأ ومذهبه
(3/169)

دَرْء الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ والتماس التَّأْوِيل وَقبُول الْعذر حَتَّى لقد حكى عَنهُ أَنه مَا اعْتمد الْبَطْش بِأحد وتصدى لنكبته لغَرَض نفساني أَو لحظ دُنْيَوِيّ وحسبك من حلمه مَا قَابل بِهِ الخارجين عَلَيْهِ
قَالَ صَاحب الْجَيْش لما عزمت على الْخُرُوج من فاس أَيَّام الْفِتْنَة لملاقاة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بقصر كتامة جِئْت إِلَى القَاضِي أبي الْفضل عَبَّاس بن أَحْمد التاودي لأودعه فَكَانَ من جملَة مَا أَوْصَانِي بِهِ قَالَ قل لمولانا السُّلْطَان يَقُول لَك عَبَّاس إِنَّا نَخَاف إِذا ظَفرت بهؤلاء الظلمَة أَن تصفح عَنْهُم فَلَمَّا اجْتمعت بالسلطان أبلغته مقَالَة القَاضِي فَقَالَ كَيفَ أصفح عَنْهُم وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي عَزِيز لَا أتركك تمسح سبلتك بِمَكَّة وَتقول خدعت مُحَمَّدًا مرَّتَيْنِ فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِ فاسا كَانَ جَوَابه أَن قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ بل تعجل بِالْخرُوجِ مِنْهَا مَخَافَة أَن يغريه بعض بطانته بِأحد مِنْهُم فلعمري لقد صدق من قَالَ إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق
وَأما الدّين وَالتَّقوى فَذَلِك شعاره الَّذِي يمتاز بِهِ ومذهبه الَّذِي يدين الله بِهِ من أَدَاء الْفَرِيضَة لوَقْتهَا الْمُخْتَار حضرا وسفرا وَقيام رَمَضَان وإحياء لياليه بالإشفاع ينتقي لذَلِك الأساتيذ ومشايخ الْقُرَّاء وَيجمع أَعْيَان الْعلمَاء لسرد الحَدِيث الشريف وتفهمه والمذاكرة فِيهِ على مر اللَّيَالِي وَالْأَيَّام ويتأكد ذَلِك عِنْده فِي رَمَضَان ويشاركهم بغزارة علمه وَحسن ملكته ويتناول راية السَّبق فِي فهم الْمسَائِل الَّتِي يعجز عَنْهَا غَيره فَيُصِيب الْمفصل ويواظب على صِيَام الْأَيَّام المستحبة من كل شهر ويعظم الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَيرْفَع مناصبهم على سَائِر رجال دولته وَيجْرِي عَلَيْهِم الأرزاق ويعطيهم الدّور الْمُعْتَبرَة والضياع المغلة وَيحسن مَعَ ذَلِك إِلَى من دونهم فِي الْمرتبَة من المدرسين وطلبة الْعلم ويؤثر المعتنين مِنْهُم وَذَوي الْفَهم بمزيد البروتضعيف الجراية حَتَّى لقد تنافس النَّاس فِي أَيَّامه فِي اقتناء الْعُلُوم وانتحال صناعتها لاعتزاز الْعلم وَأَهله فِي دولته وسعة أَرْزَاقهم
(3/170)

وَأما صبره عِنْد الشدائد وَاحْتِمَال العظائم وتجلده عِنْد حُلُول الْخطب ونزول الْمَقْدُور فَحدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج وَعَن الْجَبَل سكونا ورسوخ قدم
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَلَو حَدثنَا بِمَا شَاهَدْنَاهُ مِنْهُ لَكَانَ عجبا وَأما الْعدْل فَإِنَّهُ مَا رئي فِي مُلُوك عصره أعدل مِنْهُ وَمن عَجِيب سيرته أَنه كَانَ يلْزم الْعمَّال رد مَا يقبضونه من الرعايا على وَجه الظُّلم من غير إِقَامَة بَيِّنَة عَلَيْهِم على مَا جرى بِهِ عمل الْفُقَهَاء من قلب الحكم فِي الدَّعْوَى على الظلمَة وَأهل الْجور حَسْبَمَا ذكره الوانشريسي وَغَيره وَمن عدله واقتصاده مَا حَكَاهُ لنا الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمَكِّيّ الزواوي الْمُؤَقت بِالْمَسْجِدِ الْأَعْظَم من سلا قَالَ مر السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بسلا سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فَنزل بِرَأْس المَاء واستدعاني للْقِيَام بوظيفة التَّوْقِيت عِنْده قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ رجل طَوِيل أَبيض جميل الصُّورَة ففاوضني فِي مسَائِل من التَّوْقِيت وَكَانَ يُحسنهُ فأجبته عَنْهَا فأعجبه ذَلِك ثمَّ وصلني بضبلونين وَأخرج مجانته من جيبه ليحققها فَرَأَيْت مجدولها من صوف ثمَّ حضرت صَلَاة الْعَصْر فَتقدم وَصلى بِنَا فَرَأَيْت سراويله مرقعة وَكَانَ إِمَام صلَاته الرَّاتِب هُوَ الْفَقِيه السَّيِّد الْحَاج الْعَرَبِيّ الساحلي لكنه صلى بِنَا تِلْكَ الصَّلَاة وَلما فَرغْنَا من الصَّلَاة وانقلبنا إِلَى مَنَازلنَا جِيءَ بِالطَّعَامِ وَهُوَ قصيعة من الكسكس عَلَيْهَا شَيْء من اللَّحْم والخضرة وَلَيْسَ مَعهَا غَيرهَا قَالَ وَكَانَت عَادَة الْمولى سُلَيْمَان فِي السّفر أَن لَا يتَّخذ كشينة أَي مطبخا إِنَّمَا هُوَ طَعَام يسير يصنع لَهُ ولبعض الْخَواص مِمَّا يَكْفِي من غير إِسْرَاف حَتَّى أَن الْكتاب كَانُوا يقبضون سِتّ موزونات ويعولون أنفسهم وَكَانَت أقواتهم وأزوادهم خَفِيفَة اه
وَأما سياسته الْخَاصَّة فِي جبر الْقُلُوب واستئلاف الشارد وتسكين المرتاب وإرضاء الْوَلِيّ ومجاداة الْعَدو والدفاع بِالَّتِي هِيَ أحسن عِنْد اشْتِبَاه الْأُمُور ومعاناة الرِّجَال بِوُجُودِهِ المكائد والحيل فِي الْأُمُور الَّتِي لَا ينفع فِيهَا حَرْب وَلَا قُوَّة فشيء لَا يبلغ فِيهِ شأوه وَلَا يشق غباره
وَأما عَادَته فِي الْحَرْب فقد أَخذ فِيهَا بسيرة الْعَجم بِحَيْثُ لَا يُبَاشر
(3/171)

الحروب بِنَفسِهِ وَيعْمل بِعَمَل أهل الصَّدْر الأول فيقف فِي قلب الْجَيْش كالجبل الراسي وأمراؤه يباشرون الْحُرُوف بِأَنْفسِهِم فِي الميمنة والميسرة وَهُوَ ردء لَهُم كلما رأى فُرْجَة سدها أَو خللا أصلحه وَهُوَ كالصقر مطل على حومة الوغا فَإِذا أمكنته فرْصَة أنتهزها وَمن شدَّة ثباته وَعدم تزحزحه أَنه كَانَ لَا يركب وَقت الْحَرْب إِلَّا البغلة وَبِذَلِك جرى عَلَيْهِ فِي وقْعَة ظيان والشراردة مَا جرى فَكَانَ حماته يفرون عَنهُ بِلَا حَيَاء وَيبقى هُوَ ثَابتا رَحمَه الله
وَأما جمعه لأشتات الْعُلُوم فَلَقَد كَانَ وَارِثا من وَرَثَة الْأَنْبِيَاء حَامِلا للواء الشَّرِيعَة جَامعا مَانِعا إِذا بوحث فِي الْأَخْبَار كَانَ كجامع سُفْيَان أَو فِي الْأَشْعَار فكنابغة ذبيان أَو فِي الفطنة والفراسة فكإياس أَو فِي النجدة والرأي فكالمهلب وَإِذا خَاضَ فِي السّنة وَالْكتاب أبدى ملكة مَالك وَابْن شهَاب وَلَو تصدى فِي الْفِقْه للفتيا والتدريس لم يشك سامعه أَنه ابْن الْقَاسِم أَو ابْن إِدْرِيس وَإِذا تكلم فِي عُلُوم الْقُرْآن أنهل بِمَا يغمر مورد الظمآن
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَلَا يعرف مِقْدَار هَذَا السُّلْطَان إِلَّا من تغرب عَن الأوطان وَحمل عَصا التسيار ورمت بِهِ فِي الأقطار الْأَسْفَار وَشَاهد سيرة الْمُلُوك فِي الْعباد وَمَا عَمت بِهِ الْبلوى فِي سَائِر الْبِلَاد وَلَا يتَحَقَّق أهل الْمغرب بعدله إِلَّا بعد مغيبه وفقده
(الْمَرْء مَا دَامَ حَيا يستهان بِهِ ... ويعظم الرزء فِي حِين يفتقد)
وَمن آثاره الْبَاقِيَة وبناءاته العادية فبفاس الْمَسْجِد الْأَعْظَم بالرصيف الَّذِي لَا نَظِير لَهُ كَانَ حفر أساسه الْمولى يزِيد واشتغل عَنهُ وَتَركه فَافْتتحَ هُوَ عمله ببنائه وتشييده وأبقاه دينا على الْمُلُوك وَبنى مَسْجِد الدِّيوَان كَانَ صَغِيرا فهدمه وَزَاد فِيهِ أملاكا وَجعله مَسْجِدا جَامعا تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة وَبنى مَسْجِد الشرابليين زَاد فِيهِ ووسعه وَجعله مَسْجِدا جَامعا كَذَلِك وَبنى مَسْجِد الشَّيْخ أبي الْحسن بن غَالب وضريحه وَبنى ضريح الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب التازي وَهدم مدرسة الْوَادي ومسجدها لتلاشيهما وجددهما على شكل آخر وجدد الْمدرسَة العنانية وَأصْلح مَسْجِد القصبة البالية وبيضه بالجص وزلجه وَبنى بَاب الْفتُوح على هَيْئَة ضخمة وَبَاب بني مُسَافر وَالْبَاب الْجَدِيد
(3/172)

على براح أبي الْجُلُود وَبنى القنطرة على الْوَادي بَينهمَا وجدد قنطرة الرصيف مرَّتَيْنِ وَأصْلح قنطرة وَادي سبو وَأصْلح طرقات فاس الْجَدِيد كلهَا من دَاخل وخارج ورصفها بِالْحِجَارَةِ وَأصْلح أَبْوَاب فاس الْجَدِيد كلهَا ورمم مَا تلثم مِنْهَا وجدد قُصُور الْملك الخربة بهَا وَزَاد غَيرهَا وَأمر بتبييض مَسَاجِد الْخطب وتبليط أرْضهَا وَبنى مَسْجِد صفرو وجدد أسواره وَبنى لأَهله حَماما بِهِ وَبنى مَسْجِد الْمنزل ببني يازغة وَبنى مَسْجِد وَجدّة وحماما بهَا وَأصْلح قلعتها وَدَار إمارتها وَبنى مَسْجِد وازان وَمَسْجِد تطاوين وَأخرج أهل الذِّمَّة من جواره وَبنى لَهُم حارة بطرِيق الْمَدِينَة وَبنى الصقائل والأبراج بطنجة وجدد مَسْجِد آصيلا وأسوارها وجدد قُصُور الْملك بمكناسة بعد تلاشيها وَأصْلح القناطر الَّتِي بَين فاس ومكناسة وَبنى قنطرة على وَادي سَيِّدي حرازم بخولان وَبنى مَسْجِد الجزارين بسلا ووقف عَلَيْهِ أوقافا تقوم بمصلحته وَأخرج يهودها من وسط الْبَلَد من حومة بَاب حُسَيْن وَبنى لَهُم حارة على حدتها غربي الْبَلَد وَبنى الْمَسْجِد الْأَعْظَم بحومة السويقة من رِبَاط الْفَتْح وَبنى دَار الْبَحْر لنزوله وَبنى قنطرة وَادي حِصَار بتامسنا وَبنى مَسْجِد أبي الْجَعْد بتادلا وَبنى قنطرة وَادي أم الرّبيع وقنطرة تانسيفت بمراكش بعد سُقُوطهَا وَبنى الْمَسْجِد الْأَعْظَم الَّذِي كَانَ أسسه على بن يُوسُف اللمتوني بمراكش وبناه بِنَاء ضخما وأزال منارته الَّتِي كَانَت بِهِ قَدِيما وشيد مَنَارَة أُخْرَى بديعة الْحسن رائقة الصَّنْعَة وأكمل مَسْجِد الرحبة الَّذِي كَانَ أسسه وَالِده رَحمَه الله وَمَات قبل تَمَامه وجدد قُصُور وَالِده بمراكش وَأَصْلَحهَا وصان القصبة وعمرها ثمَّ ختم رَحمَه الله ديوانه بِالْحَسَنَة الْعَظِيمَة والمنقبة الفخيمة وَهِي عَهده بالخلافة لِابْنِ أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام على كَثْرَة أَوْلَاده وَوُجُود بعض إخْوَته ولعمري أَن هَذَا الْعَهْد لمنقبة جليلة للعاهد والمعهود إِلَيْهِ أما العاهد فَإنَّا لم نسْمع بعد أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ بِأحد من خلفاء الأسلام وملوكه عدل بِولَايَة الْعَهْد عَن وَلَده الْمُسْتَحق لَهَا إِلَى غَيره حَتَّى كَانَ هَذَا الإِمَام الْجَلِيل الَّذِي أَحْيَا سيرة العمرين نعم قد عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك لِابْنِ عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز
(3/173)

رحمهمَا الله لَكِن حكى ابْن الْأَثِير أَن سُلَيْمَان لما حَضرته الْوَفَاة عزم أَن يعْهَد لِابْنِ لَهُ صَغِير فوعظه رَجَاء بن حَيْوَة فَرجع عَن ذَلِك وشاوره فِي ابْنه دَاوُد وَكَانَ غازيا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقَالَ لَهُ رَجَاء لَا تَدْرِي أَحَي هُوَ أم ميت فَحِينَئِذٍ رَجَعَ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ وَأما الْمَعْهُود إِلَيْهِ فَإِن فِي الْعَهْد إِلَيْهِ دون الْأَبْنَاء وَالإِخْوَة شَاهدا عدلا على كَمَال فَضله وإحرازه لخلال الْخَيْر وتبريزه فِيهَا على من عداهُ من بني أَبِيه وعشيرته ولعمري أَن ذَلِك لكذلك فَإِن الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله قد اشتهرت ديانته وأمانته عِنْد القاصي والدان حَتَّى صَار لَا يخْتَلف فِي عَدَالَته اثْنَان
تمّ الْجُزْء الثَّامِن ويليه الْجُزْء التَّاسِع وأوله الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام
(3/174)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الدولة العلوية

الْقسم الثَّالِث

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وأوليته ونشأته

كَانَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله مُنْذُ نَشأ وَهُوَ متمسك بالتقوى والعفاف متصف بالصيانة وَجَمِيل الْأَوْصَاف من الانقباض عَن الْخلق وملازمة الْعِبَادَة وَالصَّوْم وَقيام اللَّيْل وَترك مَا لَا يَعْنِي وَالْجد فِي الْأُمُور كلهَا حَتَّى عرفت لَهُ هَذِه الشنشنة وتطابقت على حبه ومدحه الْقُلُوب والألسنة وَلما نَشأ هَذِه النشأة الطّيبَة أقبل عَلَيْهِ عَمه السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وضمه إِلَيْهِ واعتنى بِشَأْنِهِ وَرفع مَنْزِلَته حَتَّى علا أَوْلَاده وَلما بعث أَوْلَاده إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين بِقصد أَدَاء فَرِيضَة الْحَج بَعثه فِي جُمْلَتهمْ فَظهر لَهُ فِي تِلْكَ السفرة من الْوَرع وَالدّين والتمسك بِأَسْبَاب الْيَقِين مَا رفع قدره وأشاع بالصلاح ذكره وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قد أعطَاهُ بضَاعَة ينفقها فِي سفرته تِلْكَ ويستعين بهَا على حجه فَلَمَّا آب من سَفَره أَتَى بالبضاعة إِلَى عَمه وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي هَذِه البضاعة الَّتِي أَعْطَيْتنِي إِنَّمَا أَخَذتهَا لأنفق مِنْهَا إِذا نفذ مَا عِنْدِي وَكَانَت معي بضَاعَة جمعتها بِقصد إنفاقها فِي هَذِه الوجهة وَلم أرد أَن أخلطها بغَيْرهَا وَقد حصلت الْكِفَايَة بهَا وَالْحَمْد لله فَعجب عَمه من شَأْنه وازداد محبَّة وغبطة فِيهِ ورد لَهُ البضاعة وطيبها لَهُ ودعا لَهُ بِخَير وَكَانَ فِي أول أمره مُقيما بتافيلالت ثمَّ استقدمه السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فِي آخر عمره وولاه بثغر الصويرة وأعمالها
(3/3)

فَقَامَ بذلك أحسن قيام ثمَّ استقدمه مِنْهَا فِي فتْنَة ابْني يزِيد كَمَا مر واستخلفه على حَاضِرَة الْمغرب وَأم أمصاره مَدِينَة فاس فقرت بولايته الْعُيُون وَطَابَتْ الأنفاس كل ذَلِك فعله بِهِ ترشيحا لِلْأَمْرِ وتقديما لَهُ فِيهِ على زيد وَعَمْرو
بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله

قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان لما حَضرته الْوَفَاة جدد الْعَهْد لِابْنِ أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَبعث بِهِ إِلَى فاس ثمَّ كَانَت وَفَاة السُّلْطَان عقب ذَلِك فوصل خبر وَفَاته إِلَى فاس فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فَحَضَرَ القَاضِي الشريف الْمولى أَحْمد بن عبد الْملك والعلامة الْمُفْتِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم والتاجر الْأَمِير الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون وَسَائِر أَعْيَان فاس من الْعلمَاء والأشراف وَغَيرهم وَحضر أَعْيَان الودايا وقوادهم وَلما قرىء الْعَهْد ترحموا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَبَايَعُوا للسُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وَتمّ أمره وسر النَّاس بذلك خَاصَّة وَعَامة ثمَّ ترادفت على حَضرته بيعَة أهل الدِّيوَان وَسَائِر الْجنُود وَحل من الْملك الْعَزِيز فِي فلك السُّعُود وكتبت البشائر بذلك إِلَى الْبلدَانِ فوفدت بيعات أهل الْأَمْصَار وهداياهم وَلم يتَوَقَّف عَن هَذِه الْبيعَة الشَّرْعِيَّة أحد مِنْهُم واستبشر أهل الْمغرب بولايته وَبَان لَهُم مصداق يمنه وسعادته بتوالي الأمطار وَرخّص الأسعار والعافية آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَلما تمت هَذِه الْبيعَة الْمُبَارَكَة وَحصل مَا ذكرنَا من الْأَمْن والعافية وَحسن الْحَال والرفاهية استوزر السُّلْطَان رَحمَه الله الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الفاسي فَقَالَ
(مولَايَ بِشِرَاك بالتأييد بشراكا ... قد أكمل الله بالتوفيق سراكا)
(الْفَتْح والنصر قد وافاك جيشهما ... والسعد واليمن قد حَيا محياكا)
(الله ألبسك الإقبال تكرمة ... وبالتقى والنهى وَالْعلم حلاكا)
(فراسة الْملك المرحوم قد صدقت ... لما تفرس فِيك حِين ولاكا)
(3/4)

(أعدت للدّين وَالدُّنْيَا جمالهما ... فأصبحا فِي حلى من حسن مغناكا)
(وزادك الْغَيْث غوثا فِي سحائبه ... فجاد بالقطر قطرا فِيهِ مأواكا)
ثمَّ وَردت على السُّلْطَان تهنئة عَالم إفريقية ومفتيها وأديبها الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر الريَاحي بقصيدة يَقُول فِيهَا
(نصر من الرَّحْمَن جلّ لعَبْدِهِ ... أيروم خلق نقض مبرم عقده)
(وعدت بِهِ الأقدار وَهِي نوافذ ... لَا تحسبن الله مخلف وعده)
(وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل نَصره ... فِي الشَّاكِرِينَ لَهُ سوابغ رفده)
(فلتبسم ثغر الهنا مُسْتَبْشِرًا ... فالوقت ينْطق عَن سَعَادَة جده)
(أَن يمض مَوْلَانَا سُلَيْمَان الرِّضَا ... وَعَلِيهِ تبْكي الباكيات لفقده)
(الْعلم وَالتَّقوى وكل فَضِيلَة ... منشورة طويت بِهِ فِي لحده)
(فَلَقَد أَقَامَ لنا أَبَا زيد هدى ... نورا مُبينًا يستضاء برشده)
(لَو لم يكن كفئا لما أوصى بِهِ ... وَبَنوهُ ترفل فِي ملابس مجده)
(سعدت بِهِ الْأَيَّام ثمَّ أَرَادَ أَن ... تبقى السَّعَادَة للورى من بعده)
(أعظم بِهِ نصرا يَدُوم سروره ... للخافقين سرى تضوع رنده)
(أهْدى إِلَى الْأَعْدَاء أقتل غُصَّة ... والأوليا متنعمون بشهده)
(فاستبشروا بِالْيمن من مرضاته ... واستمطروا نيل المنى من وده)
(مَا هُوَ إِلَّا ابْن الرَّسُول وَهل فَتى ... فِي النَّاس يعدل عَن مَكَارِم جده)
(وتناسقت أسلافه كرما كَمَا ... راق النواظر لُؤْلُؤ فِي عقده)
(لَا غرو أَن جمع المحاسن كلهَا ... مِنْهُم فإرث الْجمع حق لفرده)
(لَا يأفك الخراص حَيْثُ يَقُول قد ... ذهب الزَّمَان بعمره وبزيده)
(فبسيف مَا ننسخ يقد أديمه ... حَتَّى وَلَو وفى العيان برده)
(فلكم وَكم من آخر زَمنا لَهُ ... فضل عَظِيم لَا يحاط بسرده)
(يَا أهل فاس والمغارب كلهَا ... والشرق من مصر لغاية حَده)
(يهنيكم هَذَا الزَّمَان فَإِن فِي ... أَيَّامه للدّين مطلع سعده)
(وَالْعلم وَالتَّقوى وكل مُعظم ... عِنْد الشَّرِيعَة فَهُوَ بَالغ قَصده)
(النُّور أوقد مِنْهُم أَترَاهُم ... يرضون إِلَّا باستدامة وقده)
(3/5)

(الله يبقي نوره متوقدا ... يفنى الزَّمَان وَلَا فنَاء لخلده)
(ويخص مَوْلَانَا الْأَمِير بِنِعْمَة ... لَا تَنْقَضِي وعناية من عِنْده)
(ويديمه ظلا وريفا كلما ... حمى الورى هرعوا لجنة برده)
(وحسام فتح كلما نهضت بِهِ ... عزماته فالنصر شاحذ حَده)
(وَتَمام بدر كلما اقتعد السرى ... لم يسر إِلَّا فِي منَازِل سعده)
(وَعَلِيهِ تَسْلِيم تأرج نده ... لكنه فِي الْفضل عادم نده)
(ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله ... وَالْحَمْد فِي بَدْء الْكَلَام وَعوده)
اجْتِمَاع البربر على بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد تقدم لنا أَن البربر بعد وقْعَة ظيان اتَّفقُوا على مناوأة السُّلْطَان ومنابذته وَأَنَّهُمْ صَارُوا يدا وَاحِدَة عَلَيْهِ وعَلى كل من يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ بالمغرب فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وبويع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن زَاد البربر ذَلِك الْحلف توكيدا وَشدَّة وَأَعدُّوا لعصيانهم واعوجاجهم أكمل عدَّة لَا سِيمَا رئيسهم الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي الزموري فَإِنَّهُ لما فعل فعلته فِي وقْعَة ظيان من جرة الْهَزِيمَة على الْمولى سُلَيْمَان ثمَّ عززها بأختها من بيعَته للْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد والإجلاب فِيهَا بالقريب والبعيد خَافَ أَن يَأْخُذهُ بذلك من يَأْتِي بعده من بني أَبِيه وعشيرته فجد فِي صرف وُجُوه البربر عَن السُّلْطَان واستعان فِي ذَلِك بِأبي بكر مهاوش فروض لَهُ رُؤَسَاء البربر حَتَّى اجْتمعت كلمتهم على أَن لَا يتْركُوا بِأَرْض الْمغرب ذكرا للسُّلْطَان وَحزبه وَرُبمَا شايعهم على ذَلِك بعض غواة الْعَرَب مثل الصفافعة والتوازيط من بني حسن وزعير وَجل عرب تادلا فَلَمَّا أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ نقض مَا أبرموا ونثر مَا جمعُوا من ذَلِك ونظموا جعل لذَلِك سَببا وَهُوَ أَن الشَّيْخ أَبَا عبد الله الدرقاوي كَانَ مسجونا عِنْد الودايا كَمَا تقدم فِي أَخْبَار فتْنَة ابْني يزِيد وَاسْتمرّ فِي السجْن
(3/6)

إِلَى أَن بُويِعَ الْمولى عبد الرَّحْمَن وَكَانَ ابْن الْغَازِي من أَصْحَاب الشَّيْخ الْمَذْكُور وَمِمَّنْ لَهُ فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير فوفد عَلَيْهِ أَوْلَاد الشَّيْخ ونزلوا عَلَيْهِ لكَي يسْعَى فِي تَسْرِيح والدهم وألحوا عَلَيْهِ فَلم يجد بدا من إِظْهَار الطَّاعَة للسُّلْطَان وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَة فوفد على السُّلْطَان فِي جمع من وُجُوه قومه بهديتهم وبيعتهم فَلَمَّا رأى بَاقِي البربر الَّذين حالفوه من آيت أدراسن وجروان أَنه قدم على السُّلْطَان ظهر لَهُم خيانته فنبذوا ذَلِك الْعَهْد وسارعوا إِلَى بيعَة السُّلْطَان وخدمته بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فَقدم عَلَيْهِ الْحسن بن حمو واعزيز كَبِير آيت أدراسن فِي وُجُوه قومه وَأدّى الطَّاعَة وَدخل فِي حزب الْجَمَاعَة وَعَلِيهِ وعَلى ابْن الْغَازِي كَانَ يَدُور أَمر البربر فِي ذَلِك الْوَقْت فخذل الله فِيمَا بَينهم وَجمع كلمتهم على السُّلْطَان من غير ضرب وَلَا طعن وَلَا إيجَاف بخيل وَلَا رجل فقابلهم السُّلْطَان بغاية الْإِحْسَان لَا سِيمَا ابْن الْغَازِي فَإِنَّهُ إستخلصه وَجعله عُمْدَة رَأْيه وعيبة سيره حَتَّى كَانَ لَا يقطع أمرا دونه بعد أَن سرح لَهُ الشَّيْخ أَبَا عبد الله الدرقاوي رَحمَه الله
ثمَّ إِن السُّلْطَان زوج ابْن الْغَازِي بِإِحْدَى حظايا عَمه السُّلْطَان المرحوم وَهِي ابْنة الْقَائِد عمر بن أبي سِتَّة فعلا قدر ابْن الْغَازِي فِي الدولة بذلك وَاطْمَأَنَّ إِلَى السُّلْطَان بعد أَن كَانَ يسايره على أوفاز وَذهب مَعَه إِلَى مراكش مرَّتَيْنِ حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن لتفقد أَحْوَال الرّعية ووصوله إِلَى رِبَاط الْفَتْح

لما فرغ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله من أَمر الْوُفُود والتهاني بِحَضْرَة فاس الْتفت إِلَى النّظر فِي أَحْوَال الرّعية وتثقيف أَطْرَاف المملكة فولى على فاس وصيفه أَبَا جُمُعَة بن سَالم الَّذِي كَانَ بوابا على الدَّار الْكُبْرَى بفاس الْجَدِيد ثمَّ لما عزم على السّفر عَزله وَولى مَكَانَهُ ابْن عَمه سَيِّدي
(3/7)

مُحَمَّد بن الطّيب ثمَّ نَهَضَ من فاس الْجَدِيد بِقصد تفقد الممالك فَجعل طَرِيقه على بِلَاد سُفْيَان وَسَار حَتَّى وصل إِلَى قصر كتامة وعسكر هُنَالك بالكدية الإسماعيلية وَبهَا وَفد عَلَيْهِ الْمولى عبد السَّلَام ابْن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فِي جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالْكتاب فيهم أَبُو عبد الله أكنسوس وَكَانَ الْمولى عبد السَّلَام الْمَذْكُور قد قدم من تافيلالت إِلَى مراكش عقب وَفَاة وَالِده بِقصد أَخذ الْبيعَة على أهل مراكش لِأَخِيهِ الْمولى عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان وَكَانَ قد بُويِعَ بتافيلالت وَأَعْطوهُ صَفْقَة أَيْمَانهم فَلَمَّا صَادف الْمولى عبد السَّلَام الْأَمر قد تمّ للسُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وَاجْتمعت كلمة أهل الْمغرب عَلَيْهِ سقط فِي يَده فَأَعْرض عَمَّا جَاءَ لأَجله وتدارك أمره عِنْد السُّلْطَان بالوفادة عَلَيْهِ وَالدُّخُول فِي بيعَته
قَالَ أكنسوس لما قدمنَا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن من مراكش إِلَى قصر كتامة أَمر بإدخالي عَلَيْهِ لشدَّة تشوفه إِلَى أَخْبَار السُّلْطَان المرحوم الْمولى سُلَيْمَان فَدخلت عَلَيْهِ وَجَلَست بَين يَدَيْهِ نَحْو ساعتين وسألني عَن كل شَاذَّة وفاذة قَالَ ثمَّ دخلت عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْمغرب وسألني عَن بَقِيَّة الْأَخْبَار ثمَّ ذكر أَوْلَاد عَمه السُّلْطَان المرحوم وَقَالَ وَالله لَا يرَوْنَ مني إِلَّا الْخَيْر ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة نَهَضَ إِلَى رِبَاط الْفَتْح فاستقر بهَا ثمَّ وفدت عَلَيْهِ قبائل الْحَوْز ورؤساؤها فعيد هُنَالك عيد الْفطر من سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس وَمَعَهُ أَعْيَان قبائل الْحَوْز الَّذين وفدوا عَلَيْهِ وَلما احتل بفاس قدم عَلَيْهِ عَمه الْمولى مُوسَى بن مُحَمَّد مَعَ جمَاعَة من أهل مراكش وَفِيهِمْ الْمولى عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان المبايع بسجلماسة فأكرمهم وأجلهم وَلم يلم أحدا من شيعَة الْمولى عبد الْوَاحِد وَلَكِن عَفا وصفح وقابل بِالْإِحْسَانِ ثمَّ ولى على مراكش ابْن عَمه الْمولى مبارك بن عَليّ بن مُحَمَّد وَبَعثه فِي صحبتهم فَقَدمهَا وَتصرف فِي أمرهَا إِلَى أَن كَانَ مِنْهُ مَا نذكرهُ ثمَّ أَمر السُّلْطَان رَحمَه الله بشرَاء دَار أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام شقشاق الفاسي وَكَانَت مجاورة لقبة الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ بَينهَا وَبَين القيسارية ثمَّ
(3/8)

أَمر بهدمها وزيادتها فِي مَسْجِد الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ وَجمع الصناع والعملة على ذَلِك فتأنقوا فِيهِ مَا شاؤوا حَتَّى جَاءَ أحسن من الْمَسْجِد الْقَدِيم وَكَانَ الَّذِي تولى الْقيام على ذَلِك الشريف الْمولى الْهَاشِمِي بن مُلُوك البلغيني فكمل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة على غَايَة من الإبداع والإتقان وَكتب الله أجر ذَلِك فِي صحيفَة السُّلْطَان وَفِي هَذِه الْمدَّة توفّي الشَّيْخ الْأَكْبَر الْعَارِف الْأَشْهر أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد الدرقاوي رَضِي الله عَنهُ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء بِأبي برِيح من بِلَاد غمارة وقبره شهير وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ عَجِيب الْحَال كَبِير الشَّأْن ورسائله مَوْجُودَة فِي أَيدي النَّاس وَله فِيهَا نفس مبارك نفعنا الله بِهِ وبأمثاله
خُرُوج السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن إِلَى مكناسة وَنَقله آيت يمور إِلَى الْحَوْز ومسيره إِلَى مراكش

لما سَافر السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن السفرة الأولى إِلَى رِبَاط الْفَتْح كَانَ قَصده أَن ينظر فِي أَحْوَال الرعايا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ حَتَّى يكون على بَصِيرَة فِيمَا يَأْتِي ويذر من أمرهَا ثمَّ لما عَاد إِلَى فاس استعد الاستعداد التَّام بِقصد تدويخ الْمغرب وتمهيد أقطاره وَلم شعثه وتدارك رمقه إِذْ كَانَت الْفِتْنَة أَيَّام الفترة قد أحالت حَاله وكسفت باله وَكَانَ الْمولى مبارك بن عَليّ صَاحب مراكش قد استولت عَلَيْهِ بطانة السوء وَكَثُرت بِهِ الشكايات إِلَى السُّلْطَان فعزم السُّلْطَان رَحمَه الله على إِعْمَال السّفر إِلَى مراكش فَخرج من فاس وَقصد أَولا مكناسة فَلَمَّا دنا مِنْهَا خرج العبيد إِلَى لِقَائِه بالأعلام مَرْفُوعَة على العصي وَكَانُوا جمَاعَة يسيرَة فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان رَحمَه الله أَيْن جند عبيد البُخَارِيّ فَقَالُوا هَذِه الْبركَة الَّتِي أشأرتها الْفِتْنَة وعَلى الله ثمَّ عَلَيْك الْخلف فَدخل السُّلْطَان رَحمَه الله مكناسة وتفقد بَيت مَالهَا فَأَلْقَاهُ أنقى من الرَّاحَة وَوجد العبيد على غَايَة من الْقلَّة والخصاصة حَتَّى لقد باعوا الْخَيل وَالسِّلَاح وأكلوا
(3/9)

أثمانها فأنعشهم وجدد رسمهم وقواهم بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح والجرايات حَتَّى صلح أَمرهم وَذهب فَقرهمْ
قَالَ صَاحب الْجَيْش وَحَاصِل الْأَمر أَن هَذَا السُّلْطَان رَحمَه الله وجد الدولة قد ترادفت عَلَيْهَا الهزاهز وَصَارَت بعد حسن الشبيبة إِلَى قبح الْعَجَائِز قد تفانت رجالها وضاق مجالها وَذَلِكَ من وقْعَة ظيان إِلَى موت السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فَلَمَّا جَاءَ الله بِهَذَا السُّلْطَان الْمُؤَيد لم يجد بهَا إِلَّا رمقا قَلِيلا وخيالا عليلا قد وهت دعائمها وأشرفت على الانهدام المفضي إِلَى حَالَة الانعدام فأمده الله بضروب السَّعَادَة الخارقة للْعَادَة فَقَامَ بأعبائها بِلَا مَال وَلَا رجال والعناية من الله تساعده والفشل يباعده حَتَّى أَقَامَ بِنَاء الْملك الْإِسْمَاعِيلِيّ على أساسه ورد روحه إِلَى الْجَسَد بعد خمود أنفاسه وَلما قضى رَحمَه الله أربه من مكناسة صرف عزمه إِلَى آيت يمور وَكَانُوا نازلين بجبل سلفات وبالولجة الطَّوِيلَة من عهد السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله فعفوا وكثروا وأطغاهم نزولهم بِتِلْكَ الأَرْض العجيبة ذَات الْمزَارِع الخصيبة فأضروا بجيرانهم من أهل زرهون وَأهل الغرب وَغَيرهم فَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يشو الْمَالِكِي العروي أَن يحتال فِي كيادهم والإيقاع بهم فَفعل وَقبض على نَحْو الأربعمائة مِنْهُم وَبعث بهم إِلَى السُّلْطَان ثمَّ نقلهم السُّلْطَان إِلَى حوز مراكش وَسَار إِلَى رِبَاط الْفَتْح فاحتل بِهِ وَعقد لِأَخِيهِ الْمولى الْمَأْمُون بن هِشَام على مراكش وولاه عَلَيْهَا مَكَان الْمولى مبارك بن عَليّ
ثمَّ خرج السُّلْطَان من رِبَاط الْفَتْح قَاصِدا مراكش فَمر بقبائل الشاوية وساس أَمرهم بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَال وَقتل الْهَاشِمِي بن الْعَبَّاس الزياني وَكَانَ هَذَا قد قتل قَائِد الشاوية أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الوراوي احتال عَلَيْهِ بِأَن دَعَاهُ للاصطياد فَلَمَّا خلا بِهِ رَمَاه برصاصة فَقتله بالموضع الْمَعْرُوف بتادارت قرب مديونة فَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله بالهاشمي أَن تضرب عُنُقه بذلك الْموضع وَذَلِكَ بعد أَن ولاه على قبيلته مُدَّة ثمَّ مر بقبائل دكالة فأوقع بالعونات وَتقدم إِلَى مراكش فَلَمَّا دَخلهَا بعث من جَاءَ بِمُحَمد بن سُلَيْمَان الفاسي موقد نَار
(3/10)

فتْنَة إِبْرَاهِيم بن يزِيد فَأتى بِهِ من سجن الجزيرة فَضربت عُنُقه وَنصب رَأسه على بَاب الْخَمِيس من مراكش وَكَانَ مسجونا مَعَه أَبُو عبد الله مُحَمَّد الطّيب البياز الفاسي فَأخْرجهُ السُّلْطَان من السجْن وَمن عَلَيْهِ إِذْ لم يكن على مَذْهَب ابْن سُلَيْمَان بل كَانَ صَاحب مُرُوءَة وجد فِي الْأُمُور وَلذَلِك استخدمه السُّلْطَان رَحمَه الله فَجعله أَمينا على مرسى طنجة أَولا ثمَّ ولاه على فاس ثَانِيًا وَالله تَعَالَى أعلم
نكبة ابْن الْغَازِي الزموري وَمَا آل إِلَيْهِ أمره

قد قدمنَا أَن الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي الزموري كَانَ قد بَايع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وسعى فِي سراح الشَّيْخ أبي عبد الله الدرقاوي رَضِي الله عَنهُ وَأَن السُّلْطَان استخلصه وصاهره بِإِحْدَى حظايا عَمه الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله لما وصل مَعَه إِلَى مراكش ثمَّ اضْطربَ كَلَام أكنسوس فِي أَن السُّلْطَان قبض على ابْن الْغَازِي فِي أول قدمة قدمهَا مَعَه إِلَى مراكش أَو بعْدهَا وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن ابْن الْغَازِي الْمَذْكُور كَانَت لَهُ دَالَّة على السُّلْطَان قد جَاوَزت الْحَد الَّذِي يَنْبَغِي أَن تسير بِهِ الرّعية مَعَ الْمُلُوك وَكَانَت عَادَته أَن يحضر بِالْغَدَاةِ والعشي إِلَى بَاب السُّلْطَان كَغَيْرِهِ من كبار الدولة ووجوهها على الْعَادة فِي ذَلِك فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي وَهُوَ رَاجع إِلَى منزله رصده بعض العبيد بِالطَّرِيقِ فَرَمَاهُ برصاصة فأخطأه فوصل إِلَى منزله وَقد ارتاب بالسلطان فَمن دونه من أهل الدولة وَحَمَلته دالته على أَن أطلق لِسَانه وأبرق وأرعد وتألى وأوعد وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فأغضى لَهُ عَنْهَا ثمَّ أفْضى بِهِ التهور إِلَى أَن انْقَطع عَن الْحُضُور بِبَاب السُّلْطَان غَضبا على الدولة فَأطَال لَهُ السُّلْطَان الرسن كي يرجع فَلم يرجع وَبلغ السُّلْطَان أَنه يحتال فِي الْفِرَار فعاجله بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَبعث بِهِ إِلَى جَزِيرَة الصويرة الَّتِي هِيَ سجن أهل الجرائم الْعِظَام فسجن بهَا مُدَّة ثمَّ أصبح ذَات يَوْم مَيتا وَذَلِكَ فِي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف على مَا قيل
(3/11)

وَفِي هَذِه السّنة انْعَقَدت الشُّرُوط بَين السُّلْطَان رَحمَه الله وَبني جنس الصاردو وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ شرطا كلهَا ترجع إِلَى تَمام الصُّلْح ودوام الْأَمْن والمجاملة فِي التِّجَارَات وَسَائِر أَنْوَاع المخالطات وَالثَّالِث عشر مِنْهَا يتَضَمَّن لُزُوم مراكب الْمُسلمين أَن تعْمل الكرنتينة إِن تعين مُوجبهَا عِنْد دُخُول مرسى من مراسي الصاردو وَكَذَلِكَ هم أَيْضا
ولَايَة الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب على تامسنا ودكالة وأعمالها

كَانَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قد ولى ابْن عَمه الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد بن عبد الله على فاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ ولاه على قبائل تامسنا ودكالة بأسرها وفوض إِلَيْهِ النّظر فِي أمرهَا وَكَانَ سَيِّدي مُحَمَّد هَذَا ذَا شدَّة وشكيمة على العصاة دوسري الْبَطْش حجاجي السَّيْف وَكَانَ قد اتخذ كلابا ضخاما تسميها الْعَامَّة القناجر يُوهم النَّاس أَنه إِذا غضب على أحد أَلْقَاهُ إِلَيْهَا فتفترسه وَكَانَ رُبمَا جِيءَ إِلَيْهِ بالجاني فَيقوم إِلَيْهِ ويباشر ذبحه بِيَدِهِ حَتَّى لقد حز أُصْبُعه فِي ذبحه لبَعض الجناة فَقدم سَيِّدي مُحَمَّد هَذَا تامسنا وأوقع بأولاد حريز وقْعَة شنعاء فَقبض على جمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم وَضرب مِنْهُم نَحْو مِائَتي رَقَبَة وَهدم قَصَبَة كريران الحريزي الْمُسَمَّاة بمرجانة فَتَسَامَعَتْ الْقَبَائِل بسطوته فذعروا واقشعرت جُلُودهمْ لهيبته ثمَّ زحف إِلَى دكالة وَمَعَهُ بعض مساجين أهل تامسنا فَلَمَّا وصل إِلَى شاطىء وَادي آزمور أحضر أُولَئِكَ المساجين فَقطع الْبَعْض وَقتل الْبَعْض ثمَّ عبر الْوَادي وَنزل بآزمور فازداد النَّاس رعْبًا مِنْهُ وخشعت لَهُ قبائل دكالة بأسرها ثمَّ تقدم إِلَى الجديدة فاحتل بهَا وَكَانَت يَوْمئِذٍ خربة لَا زَالَت على الْهَيْئَة الَّتِي فتحت عَلَيْهَا أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله وَكَانَت تسمى قبل الْفَتْح بالبريجة فَلَمَّا فتحت وتهدم صورها بالمينى صَار النَّاس يسمونها بالمهدومة فَأمر سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب بِبِنَاء سورها وترميم مَا تلثم مِنْهَا وسماها
(3/12)

الجديدة وتهدد من يسميها بِغَيْر ذَلِك فسميت الجديدة من يَوْمئِذٍ وَهُوَ الَّذِي بنى القبيبة الصُّغْرَى الْمُقَابلَة لباب الْمَسْجِد الْجَامِع بهَا
ثمَّ لما صفا للسُّلْطَان أَمر هَذِه الْبِلَاد بِسَبَب ابْن الطّيب وبسبب مَا حدث فِي الْمغرب من الْجُوع الَّذِي أهلك النَّاس وَكَاد يَأْتِي عَلَيْهِم بَعثه إِلَى الصَّحرَاء لتدويخ أَهلهَا وجباية زكواتها وأعشارها فَذهب إِلَيْهَا وَعَاد مخففا فولاه السُّلْطَان على وَجدّة فَأَقَامَ بهَا يَسِيرا وَرجع بِلَا طائل
شُرُوع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله فِي غرس أجدال بِحَضْرَة مراكش

لما صفا للسُّلْطَان رَحمَه الله أَمر الْمغرب شرع فِي غرس آجدال غربي مراكش وَهُوَ بُسْتَان عَظِيم جدا يشْتَمل على جنَّات كَثِيرَة مَعْرُوفَة بحدودها وأسمائها وأكرتها وتشتمل كل وَاحِدَة مِنْهَا على نوع أَو أَنْوَاع من الْأَشْجَار المثمرة النفاعة من زيتون ورمان وتفاح وليمون وعنب وتين وَجوز ولوز وَغير ذَلِك وكل نوع مِنْهَا يغل ألوفا فِي السّنة بِحَيْثُ أَن غلَّة الليمون وَحده تبَاع بِخَمْسِينَ ألفا وَأكْثر إِذا كَانَت صَالِحَة وَفِي خلال هَذِه الجنات من قطع الأزهار والرياحين والبقول الْمُخْتَلفَة اللَّوْن والطعم والرائحة والخاصية مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر حَتَّى أَن مِنْهَا مَا لَا يعرفهُ جلّ أهل الْمغرب وَلَا رَأَوْهُ قطّ لكَونه جلب من أقطار أُخْرَى وَفِي وَسطه برك عِظَام تسير فِيهَا القوارب والفلك وتصب فِيهِ الْعُيُون كأمثال الْأَنْهَار لسقي تِلْكَ الجنات وَعَلِيهِ من الأرحاء شَيْء كثير وَتلك البرك مِنْهَا مَا ضلعها الْوَاحِد يكون مِائَتَيْنِ خطْوَة وَأَقل وَأكْثر وَفِي دَاخله أَيْضا من المنتزهات الكسروية والقباب القيصرية والمقاعد المروانية مَا يستوقف الطّرف ويستغرق الْوَصْف مثل دَار الهناء وَالدَّار الْبَيْضَاء والصالحة والزاهرة وَغير ذَلِك ويتصل بِهِ جنان رضوَان الْفَائِق بحسنه وقبابه ومقاعده البهية على ذَلِك كُله وَالْحَاصِل أَن هَذَا الْبُسْتَان
(3/13)

جنَّة من جنان الدُّنْيَا يزري بشعب بوان وينسى ذكر غمدان إِلَى جنَّة المنارة والعافية وَغير ذَلِك من منتزهات مراكش العجيبة الَّتِي أنشأتها هَذِه الدولة فِي إبان الإقبال والشبيبة
وَلما شرع السُّلْطَان رَحمَه الله فِي غرس هَذَا الْبُسْتَان جلب لَهُ الْعين الْآتِيَة من بِلَاد مسفيوة الْمُسَمَّاة بتاسلطانت وَهِي من أعذب الْعُيُون مَاء وأخفها وأنفعها للبدن وَكَانَت مسفيوة متغلبة على هَذِه الْعين من لدن دولة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله يَعْمِدُونَ إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فيفرقونها سواقي على جناتهم ومزارعهم فَكَانَ ذَلِك دأبهم إِلَى أَن جَاءَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فأعياه أَمرهم فِيهَا فأقطعهم إِيَّاهَا على ألف مِثْقَال يؤدونه كل سنة فَلَمَّا جَاءَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن انتزعها مِنْهُم رغما عَلَيْهِم وَجَاء بهَا تشق الوهاد والربى حَتَّى أَلْقَت جِرَانهَا بأجدال السعيد وَعم نَفعهَا وريها الْقَرِيب مِنْهُ والبعيد وَفِي ذَلِك يَقُول الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس رَحمَه الله
(وَردت وَكَانَ لَهَا السُّعُود مواجها ... وَالْحسن مَقْصُورا على مواجها)
(وبدت طلائع بشرها من قبلهَا ... كَالشَّمْسِ طالعة لَدَى أبراجها)
(وتسير مَا بَين الأباطح والربى ... ترمي فريد الدّرّ من أمواجها)
(وتصوغ من صافي النضار سبائكا ... حلت بهَا الأعطاف من أثباجها)
(هَبَطت إِلَيْك من الْجبَال وطالما ... تعبت مُلُوك الأَرْض فِي إخْرَاجهَا)
(وأتتك راغبة تجر ذيولها ... وَتفِيض غمر النّيل من أفواجها)
(تنساب مثل الأفعوان وتنثني ... كالغصن بَين وهادها وفجاجها)
(خطب الْمُلُوك نِكَاحهَا فتمنعت ... وأتتك واهبة حَلَال زواجها)
(فلتهنك الخود الرفيع فخارها ... وليهنها أَن صرت من أزواجها)
(حراء عباسية بدوية ... نشرت ذوائبها على ديباجها)
(وافتك وافدة وَقد صبغ الحيا ... وجناتها وَجرى على أدراجها)
(فَكَأَنَّهَا بلقيس جَاءَت صرحها ... لكنه صرح بِغَيْر زجاجها)
(عرفت أناملك الشَّرِيفَة أبحرا ... غرقت بحار الأَرْض فِي عجاجها)
(3/14)

(فأتتك طالبة الْأمان لنَفسهَا ... لتنال بعض الطّيب من ثجاحها)
(لبتك إِذْ سَمِعت نداك وَأَقْبَلت ... مرهوبة تستن من إزعاجها)
(ونزعتها بالقهر من غصابها ... وَالسَّابِقُونَ رَضوا بِبَعْض خراجها)
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي سردناها من أول هَذِه الدولة السعيدة إِلَى هُنَا تبعنا فِي جلها أَبَا عبد الله أكنسوس وَقد سَاقهَا رَحمَه الله مُجَرّدَة عَن التَّارِيخ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من الْفَنّ وَنحن لما لم نعثر فِي الْوَقْت على مَا يُحَقّق لنا تواريخها رتبناها بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ الْفِكر والروية وأثبتناها لِئَلَّا تذْهب فائدتها بِالْكُلِّيَّةِ وعَلى كل حَال فَهِيَ فِي حُدُود الْأَرْبَعين من مائَة التَّارِيخ وَالله أعلم
ولَايَة الْقَائِد أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن حمان الجراري على وَجدّة وأعمالها

قد قدمنَا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله كَانَ قد ولى ابْن عَمه سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب على وَجدّة وَرجع عَنْهَا بِلَا طائل وَكَانَت ولَايَة هَذَا الثغر عِنْد السُّلْطَان من أهم الولايات وأخصها بمزيد الاعتناء لبعدها عَن دَار الْملك ومتاخمتها لمملكة التّرْك فَكَانَت ثغرا من الثغور ولكثرة قبائلها وَاخْتِلَاف آراء أَهلهَا وتعدد عصبياتهم فِي الْعَرَب والبربر ففكر السُّلْطَان رَحمَه الله فِيمَن يَكْفِيهِ هَذَا المهم ويسد لَهُ هَذَا المسد فَوَقع اخْتِيَاره على الْقَائِد الأنجد أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن حمان بن الْعَرَبِيّ الوديي الجراري فَرَمَاهَا بِهِ وَجعل أمرهَا إِلَيْهِ وعول فِي شَأْنهَا عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا الرجل نَسِيج وَحده وقريع دهره فِي جودة الرَّأْي وإدارة الْأُمُور على وَجههَا وإجرائها على مُقْتَضى صوابها ومحبة السُّلْطَان ونصحه فولاه عَلَيْهَا فِي أَوَائِل سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَقَامَ بأمرها أحسن قيام وَاسْتوْفى جباية أهل المداشر مِنْهَا والخيام ثمَّ حمله نصحه وَصدق خدمته على أَن يسْتَأْذن السُّلْطَان فِي أَن يكون يكاتبه بِجَمِيعِ مَا يحدث فِي تِلْكَ الْبِلَاد من الْأُمُور الدَّاخِلَة فِي الدولة
(3/15)

والخارجة عَنْهَا ليَكُون السُّلْطَان على بَال من ذَلِك الثغر فَاسْتَأْذن فِي ذَلِك بِوَاسِطَة الْوَزير أبي عبد الله بن إِدْرِيس فَكَانَ من جَوَاب الْوَزير لَهُ أَن قَالَ حَسْبَمَا وقفت عَلَيْهِ بِخَطِّهِ إِنِّي أخْبرت سيدنَا الْمَنْصُور بِاللَّه بِمَا كتبت فِي شَأْنه فأعجبه ذَلِك وَقَالَ لَا بَأْس بِهِ وَليكن خفِيا من غير شُعُور أحد ليطلع سيدنَا على الْأُمُور وَيكون على بَصِيرَة فِيهَا فَلَا تقصر فِي ذَلِك واجتهد فِي إصْلَاح مَا ولاك وَأعظم ذَلِك وأهمه أَمَان الطَّرِيق وخمود الْفِتْنَة حَتَّى لَا يصل من تِلْكَ النَّاحِيَة إِلَّا الْخَيْر فَأَنت من فضل الله ذُو رَأْي وبصيرة بالأمور وخصوصا تِلْكَ النواحي وَالله يوفقك ويسددك وَهَذِه النواحي بِخَير وعافية وَفِي نعم من الله وافية قد نزل فِيهَا الْمَطَر الغزير وَكثر الخصب وحرث النَّاس الْحَرْث الْكثير وَسَيِّدنَا بمكناسة الزَّيْتُون وَلَا مَا يشوش البال غير أَن والدته المقدسة صَارَت إِلَى عَفْو الله وَرَحمته وَذَلِكَ قبل تَارِيخه بِشَهْر وَنحن على الْمحبَّة وَالسَّلَام فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف مُحَمَّد بن إِدْرِيس لطف الله بِهِ انْتهى لفظ الْكتاب الْمَذْكُور
وَفِي هَذِه الْمدَّة كَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قد اسْتعْمل الشَّيْخ أَبَا زيان بن الشاوي الأحلافي على تازا وأعمالها وأوصاه بالتعاون على أَمر الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بالقائد إِدْرِيس فَكَانَا فِي إدارة الْأُمُور بِتِلْكَ النواحي كفرسي رهان وَلَكِن التبريز إِنَّمَا هُوَ للقائد إِدْرِيس وَلما دخل رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة عزم السُّلْطَان رَحمَه الله على الْمسير إِلَى بِلَاد الشرق وَجدّة وأعمالها للوقوف على تِلْكَ التخوم بِنَفسِهِ وَالنَّظَر فِي أمورها بِرَأْيهِ إِذْ لم يكن وَطأهَا قبل ذَلِك فاستنفر الْقَبَائِل لحضور عيد الْفطر والنهوض إِلَيْهَا وَلما حضر الْعِيد وَفد على السُّلْطَان جمَاعَة من بني يزناسن وعرب آنقاد فباحثهم رَحمَه الله عَن حَال بِلَادهمْ فشكوا قلَّة الخصب فصده ذَلِك عَن الْمسير إِلَيْهِم وَوَعدهمْ بِأَنَّهُ سيطأ أَرضهم من الْعَام الْقَابِل فِي أول يناير ثمَّ صرف رَحمَه الله وجهته تِلْكَ إِلَى التطواف على مراسي الْمغرب وَالنَّظَر فِي أمورها وإحياء مراسم الْجِهَاد بهَا فَخرج من مكناسة منتصف شَوَّال من السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَمر بأرضات من أَعمال وازان وَصَارَ إِلَى تطاوين ثمَّ إِلَى طنجة ثمَّ
(3/16)

أصيلا وزار وَليهَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق وتبرك بِهِ ثمَّ مر بالعرائش وَهَكَذَا تتبع الثغور ثغرا ثغرا إِلَى آسفي وَفِي أثْنَاء ذَلِك ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بانتقاض الشراردة على الْمولى الْمَأْمُون صَاحب مراكش وخروجهم عَن الطَّاعَة وإفسادهم السابلة ونهبهم الرفاق وأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا حَتَّى كَانُوا يصلونَ إِلَى جنَّات مراكش فسدد السُّلْطَان رَحمَه الله قَصده نحوهم وَكَانَ من أمره مَعَهم مَا نذكرهُ
فتح زَاوِيَة الشرادى وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى غزوها

قد قدمنَا مَا كَانَ من أَمر الْمهْدي بن الشرادي الزراري مَعَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله بِمَا فِيهِ كِفَايَة ثمَّ لما بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بَايعه الْمهْدي فِي جملَة النَّاس وَلما قدم السُّلْطَان مراكش قَدمته الأولى لقِيه الشراردة فِي خَمْسمِائَة فَارس بمشرع ابْن حمى مؤدين الطَّاعَة ففرح السُّلْطَان بهم وَأكْرم وفادتهم وَلما عزموا على الرُّجُوع كَانَ فِي جملَة مَا قَالَ لَهُم السُّلْطَان رَحمَه الله إِن مَا فَاتَ قد مَاتَ وَمَا نهب فِي أَيَّام الْفِتْنَة فَهُوَ هدر وَمن الْآن من فعل شَيْئا يخَاف على نَفسه فَرجع الشراردة إِلَى بِلَادهمْ وَعِيد السُّلْطَان بمراكش عيد المولد فَحَضَرت الْوُفُود وَحضر الشراردة فِي جُمْلَتهمْ وَسَاقُوا للسُّلْطَان خَمْسَة عشر جملا من الْكَتَّان وَخَمْسَة أحمال من الملف وَأَرْبَعَة آلَاف مِثْقَال عينا مِمَّا كَانُوا نهبوه من صاكة الصويرة قبيل وَفَاة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله حَسْبَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ قبل فَكَانَ من تَمام إِحْسَان السُّلْطَان إِلَيْهِم وتألفه إيَّاهُم أَن قَالَ لَهُم افرضوا لي مِائَتي فَارس مِنْكُم تذْهب إِلَى درعة وَهَذَا الْكَتَّان والملف هُوَ كسوتهم وَالْمَال صائرهم فَفَعَلُوا وكساهم السُّلْطَان وأنعم عَلَيْهِم ثمَّ لما ولى أَخَاهُ الْمولى الْمَأْمُون على مراكش مرضوا فِي طَاعَته ودعا الْمهْدي تهوره إِلَى أَن شكاه إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بمكناسة يَوْمئِذٍ ويعتد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْهُم الزكوات والأعشار على غير وَجههَا الشَّرْعِيّ وَأَنه ولي عَلَيْهِم أَرْبَعَة عُمَّال أَو خَمْسَة عوض عَامل وَاحِد
(3/17)

كَانَ يتَوَلَّى عَلَيْهِم فأغضى السُّلْطَان عَن ذَلِك وَبَالغ فِي الأنة القَوْل لَهُ فِي كِتَابه ووعده بِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى مراكش يشكيه من أَخِيه وَفِي أثْنَاء ذَلِك وَقبل وُصُول كتاب السُّلْطَان إِلَيْهِ أغرى إخوانه بِالْخرُوجِ عَن طَاعَة السُّلْطَان والاشتغال بِمَا يسْخط الله ويرضي الشَّيْطَان فانبثت خيولهم فِي الطرقات ومخروها مخرا وانتسفوها نسفا وعمدوا إِلَى قوادهم الَّذين ولاهم الْمولى الْمَأْمُون عَلَيْهِم فقبضوا عَلَيْهِم وأودعوهم السجْن وانتهبوا دُورهمْ وَوصل المسافرون والتجارإلى بَاب السُّلْطَان مجردين عُرَاة يَشكونَ مَا دهمهم من أَمر الشراردة وتكاثر عَلَيْهِ شذاذهم فَحِينَئِذٍ اسْتَأْنف السُّلْطَان جده وأرهف حَده وَكتب إِلَى أَخِيه الْمولى الْمَأْمُون باستنفار قبائل الْحَوْز وَجَمعهَا عَلَيْهِ حَتَّى يقدم عَلَيْهِ وَسَار السُّلْطَان فِي جَيش العبيد والودايا وآيت أدراسن وزمور وعرب بني حسن وَبني مَالك وسُفْيَان وَكتب إِلَى الشاوية ودكالة أَن تكون خيلهم معدة حِين يمر بهم وَكَانَ الْمهْدي قد عظم ناموسه وَتمكن من جهلة قومه وَكَاد يتجاوزهم إِلَى غَيرهم حَتَّى صَار يعرض أَو يُصَرح بِأَنَّهُ الْمهْدي المنتظر وَكَانَ السَّبَب الْأَقْوَى فِي طغيانه وطغيان قومه مَا اتّفق لَهُ فِي هزيمَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله فَظن الْمهْدي وشراردته أَن لَا غَالب لَهُم من الله وَلما برز السُّلْطَان رَحمَه الله من رِبَاط الْفَتْح لقِيه ركب الْحجَّاج الَّذين انتهبهم هشتوكة والشياظمة الَّذين بأحواز آزمور وَكَانَت الْعَادة يَوْمئِذٍ بالمغرب أَن ركاب الْحَاج تَأتي من آفَاق الْمغرب فتجتمع بفاس وَمِنْهَا يخرج الركب على الْهَيْئَة الْمَعْهُودَة فِي ذَلِك الزَّمَان فَلَمَّا وصل هَؤُلَاءِ الْحجَّاج من أهل السوس وَغَيرهم إِلَى الشياظمة وهشتوكة انتهبوهم وجردوهم من الْمخيط وَالْمُحِيط فَسمع السُّلْطَان رَحمَه الله شكواهم وامتعض لانتهاك حرمتهم وزحف إِلَى هَؤُلَاءِ المفسدين فأوقع بهم وقْعَة شنعاء بالموضع الْمَعْرُوف بفرقالة من أَعمال آزمور حَتَّى كَانُوا يلقون أنفسهم فِي الْبَحْر طلبا للنجاة بعد أَن أثروا فِي الْمحلة أول النَّهَار ثمَّ كَانَت الكرة عَلَيْهِم وَحكم السُّلْطَان السَّيْف فِي رقابهم وامتلأت أَيدي الْعَسْكَر من أثاثهم وماشيتهم وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة طَلِيعَة الْفَتْح ومقدمة الظفر ثمَّ عبر إِلَى آزمور وَمِنْهَا إِلَى الجديدة ثمَّ سَار مَعَ السَّاحِل
(3/18)

حَتَّى وصل إِلَى آسفي فزار الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد صَالح رَضِي الله عَنهُ وَعطف إِلَى الزاوية الشرادية فبغتها وطلعت عَلَيْهَا راياته المنصورة بِاللَّه مَعَ الصَّباح وَلم يعرج على مراكش وَقبل نزُول الْجَيْش وَضرب الأخبية أنشبت الْحَرْب مَعَهم فتقاتلوا وتحاجزوا مَعَ الظّهْر وَكَانَ الزَّمَان زمَان مصيف ودامت الْحَرْب سَبْعَة أَيَّام وَنصب عَلَيْهِم السُّلْطَان المدافع والمهاريس الْعِظَام وَفِي الْيَوْم الْخَامِس من تِلْكَ الْأَيَّام كَانَ عيد المولد الْكَرِيم يَوْم الْأَرْبَعَاء من سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَأَرَادَ السُّلْطَان رَحمَه الله أَن يعفي النَّاس من الْحَرْب ذَلِك الْيَوْم فَحمل الشراردة طغيانهم وبغيهم على أَن تقدمُوا للجيش وأنشبوا الْحَرْب فَأمر السُّلْطَان بالزحف إِلَيْهِم والنكاية فيهم وَكَانَ الْمعلم الْأَكْبَر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله ملاح السلاوي حَاضرا فِي هَذِه الْوَقْعَة فَتقدم إِلَيْهِ السُّلْطَان بالوصاة بالجد وَالِاجْتِهَاد فِي الرَّمْي فَرمى عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْيَوْم مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بنبة كلهَا فِي وسط الزاوية تتفرقع عِنْد نُزُولهَا فتأتي على مَا جاورها من جِدَار وَغَيره حَتَّى شاهدوا فِي ذَلِك الْيَوْم الْمَوْت الْأَحْمَر وَكَانُوا هم أَيْضا يرْمونَ بالكور والبنب من المدافع والمهاريس الَّتِي استولوا عَلَيْهَا فِي محلّة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ثمَّ لما كَانَ عشي الْجُمُعَة السَّابِع من أَيَّام الْحَرْب افْتَرَقت كلمتهم وعزم الْمهْدي على الْفِرَار فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه كَيفَ تَفِر وتتركنا وَأَيْنَ مَا كنت تعدنا فَقَالَ لَهُم أما أَنْتُم فَالَّذِي أورثكم أسلافكم هُوَ الْخدمَة مَعَ السُّلْطَان فَلَا تستنكفوا مِنْهَا وَأما أَنا فَالَّذِي عِنْدِي وسمعته من آبَائِي أَن الْحَرْب تدوم على هَذِه الْقرْيَة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ يستولي عَلَيْهَا السُّلْطَان الَّذِي يَجِيء من نَاحيَة الْبَحْر وَهُوَ هَذَا فِي كَلَام آخر تكهن لَهُم فِيهِ واعتقد الجهلة صدقه بعد أَن أتلفوا عَلَيْهِ نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد وَلما جن اللَّيْل ركب فِيمَا قيل على حمَار وَركب مَعَه شرذمة من أَصْحَابه نَحْو الْعشْرين فَارِسًا فشيعوه إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بتيزكي فودعهم وَذهب إِلَى السوس بعد أَن سفك الدَّم الْحَرَام وانتهب المَال الْحَرَام وملأ صَحِيفَته من الآثام نسْأَل الله الْعَفو والعافية وَلما فر الْمهْدي عَنْهُم تفَرقُوا شذر مذر وَبَاتُوا يتحملون بنسائهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى منجاتهم وَالَّذين صَعب عَلَيْهِم الْخُرُوج
(3/19)

اجْتَمعُوا وَسَارُوا إِلَى القواد الْأَرْبَعَة فسرحوهم وَرَغبُوا إِلَيْهِم فِي الوساطة عِنْد السُّلْطَان فَأَصْبحُوا على أَطْرَاف الْمحلة يستأذنون على الْمولى الْمَأْمُون فَأذن لَهُم ودخلوا عَلَيْهِ وشفعوا فِيمَن بَقِي مِنْهُم وطلبوا الْأمان فَأَمنَهُمْ ثمَّ تقدمُوا إِلَى السُّلْطَان فَاسْتَأْذنُوا فَأذن لَهُم ودخلوا وأخبروا بِمَا عقد لَهُم الْمولى الْمَأْمُون من الْأمان فأمضاه لَهُم ثمَّ أَمر السُّلْطَان بِجمع الشراردة الَّذين بقوا بالقصبة فَجمع لَهُ مِنْهُم نَحْو الْأَلفَيْنِ وعاثت الجيوش فِي بُيُوتهم وأمتعتهم
وَقيل إِن السُّلْطَان رَحمَه الله لم يؤمنهم وَلما قبض عَلَيْهِم عزم على تحكيم السَّيْف فِي رقابهم فاستفتى الْعلمَاء فيهم فتحاموا الْإِفْتَاء بإراقة الدَّم حَتَّى أَن مِنْهُم من أفتى وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المرابط المراكشي بِأَنَّهُم تَابُوا قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِم فتوقف السُّلْطَان رَحمَه الله عَن قَتلهمْ وَكَانَ وقافا عِنْد الْحق دائرا مَعَ الشَّرْع حَيْثُ دَار ثمَّ أَمر رَحمَه الله بِالِاحْتِيَاطِ على عِيَال الْمهْدي وَأَوْلَاده فاحتيط عَلَيْهِم فجيء بهم إِلَيْهِ وبعثهم إِلَى مكناسة فأنزلوا بدار الْقَائِد مُحَمَّد بن الشَّاهِد البُخَارِيّ الَّذِي هلك فِي وقْعَة آعليل مَعَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَأمر السُّلْطَان بسور القصبة فهدم إبرارا لقسمه وحيزت المدافع والمهاريس الَّتِي كَانَت مَنْصُوبَة عَلَيْهِ وَلما انْقَضى أَمر الْحَرْب وَتمّ الْفَتْح هلك الْمعلم مُحَمَّد ملاح نفطت فِيهِ بنبة فَقتلته وَقتلت جمَاعَة مَعَه فَوقف السُّلْطَان عَلَيْهِ بِنَفسِهِ حَتَّى أقبر وَأحسن إِلَى أَوْلَاده بعد ذَلِك وَرَأَيْت بِخَط الْوَزير ابْن إِدْرِيس فِي بعض مكاتيبه مَا نَصه وَاعْلَم أَن الله سُبْحَانَهُ قد فتح علينا الزاوية الشرادية وَأهْلك أَهلهَا الظَّالِمين وَلم تبْق لَهُم بَاقِيَة وَلَا زَالَت العساكر مُقِيمَة على هدمها وتخريبها وَقد قبض مِنْهُم على أَكثر من سِتّمائَة رجل وربحت النَّاس بِمَا وجدت فِيهَا من الأثاث والذخائر والأنعام اه
ثمَّ إِن السُّلْطَان رَحمَه الله فرق مساجين الشراردة فسجن بَعضهم برباط الْفَتْح وَبَعْضهمْ بمكناسة وَبَعْضهمْ بفاس ثمَّ بعد مُضِيّ نَحْو السّنة سرحهم ونقلهم إِلَى بسيط آزغار وَجمع إخْوَانهمْ من الْقَبَائِل فضمهم إِلَيْهِم وَلَا زَالُوا
(3/20)

موطنين بِهِ إِلَى الْآن وَأما الْمهْدي فَإِنَّهُ ذهب إِلَى السوس وانْتهى إِلَى آيت باعمران من ولتيتة فَنزل على مرابطها أبي عبد الله مُحَمَّد آعجلي الباعمراني وَاسْتمرّ عِنْده ثَلَاث سِنِين وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ بعث من شفع لَهُ عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقبل السُّلْطَان شَفَاعَته وَجَاء الْمهْدي فِي قَيده إِلَى أَن دخل على السُّلْطَان بمراكش وَبكى أَمَامه وتضرع فسامحه السُّلْطَان ثمَّ بَعثه إِلَى مكناسة فَاجْتمع بأولاده وَبعد مُدَّة يسيرَة ولاه السُّلْطَان على إخوانه
قَالَ أكنسوس عاملهم بالإساءة فَعَادَت محبتهم لَهُ عَدَاوَة وضجوا إِلَى السُّلْطَان مِنْهُ فَعَزله ثمَّ حج الْمهْدي بِإِذن السُّلْطَان وَرجع فولاه أَيْضا فَلم يقبلوه ثمَّ سجن ثمَّ سرح وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال وتأخرت وَفَاته إِلَى أَوَائِل شَوَّال من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي أول دولة سُلْطَان الْعَصْر وَإِمَام النَّصْر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الْحسن بن مُحَمَّد رَضِي الله عَنهُ وَلما تمّ فتح الزاوية الْمَذْكُورَة قَالَ شعراء الْعَصْر فِي ذَلِك فَمنهمْ الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله أكنسوس قَالَ
(بشائر لَا تحيط بهَا الشُّرُوح ... كَأَن سميعها فنن مروح)
(سقى ربع البشير بهَا غمام ... يباكرها هتون أَو يروح)
(تفديه المحافل وَهُوَ يشدو ... فتوح فِي مضمنها فتوح)
(وَتَأمل أَن تقبله الغواني ... تذيل لَهُ المباسم أَو تبيح)
(بشائر كَاد يسْمعهَا دَفِين ... ويسري فِي الجماد بِهن روح)
(شفى الْمولى الْمُؤَيد كل صدر ... بِهِ من قبل وقعتها جروح)
(وَأدْركَ ثار عصبته وأضحى ... لعزة قدره شرف صَرِيح)
(لقد حسم الْفساد بِكُل أَرض ... فَسَاد بِهِ لنا الدّين السميح)
(وزر على زُرَارَة كل خزي ... تشق لَهُ المجاسد إِذْ تنوح)
(وَقد كَانَت تصر على ازورار ... وَكَانَت لَا ينهنهها قَبِيح)
(وَمن كَانَت مراكبه جماحا ... فسحقا حِين تصرعه الجموح)
(أتيح لَهُم لحينهم جهول ... غوى للضلال لَهُ جنوح)
(3/21)

(يقودهم إِلَى الْعِصْيَان سرا ... وَيظْهر أَنه الْبر النصوح)
(يُحَدِّثهُمْ إِذا مَا حم خطب ... حَدِيثا كَانَ مصدره سطيح)
(هُوَ الدَّجَّال فِي سمت وَفعل ... فَمن يَدعُوهُ مهديا وقوح)
(فَأَهْلَكَهُ الإِمَام فَكَانَ عِيسَى ... كَذَا الدَّجَّال يهلكه الْمَسِيح)
(فصير دَار منعته فلاتا ... على أطلالها البوم السنيح)
(وفر عَن الذمار على حمَار ... عليل الْعرض جؤجؤه صَحِيح)
(فيالؤم الذَّلِيل فَلَا وهين ... فيعذر بالفرار وَلَا جريح)
(وَخير من جباة فِي هوان ... يبوء بِهِ الْفَتى موت مريح)
(أيطمع فِي النجَاة فَلَا نجاة ... سيدركه الهزيز المستبيح)
(إِذا كَانَ الشَّرَاب لَهُ بحارا ... تخوض إِلَيْهِ سلهبة سبوح)
(ستدركه العزائم من إِمَام ... تدك لَهُ المعاقل والصروح)
(إِمَام قد أعَاد لنا سُرُورًا وجاد لنا بِهِ الزَّمن الشحيح)
(أعز الله ملك بني عَليّ ... بصولته وَتمّ لَهُ الوضوح)
(وجرد من جلالته حساما ... يزِيل بِهِ الضَّلَالَة أَو يزيح)
(وَقد كَانَ الْخَلَائق فِي ظلام ... فلاح على الْخَلَائق مِنْهُ بوح)
(وأصبحت الأباطح باسمات ... وَكَانَ على مناظرها كلوح)
(أعز معود للنصر ساع ... إِلَى العلياء مسعاه نجيح)
(يخاطر فِي منال الْعِزّ دأبا ... بِرَأْي كل مدركه رجيح)
(فرايات السُّعُود عَلَيْهِ نشر ... وساحات الفخار لَدَيْهِ جوح)
(أَبَا زيد فَأَنت لنا ملاذ ... وجاهك فِي المهم لنا فسيح)
(فقد زانت مآثرك اللَّيَالِي ... ولاح لعدلك الْوَجْه الْمليح)
(وَهَذَا الدَّهْر كالطوفان موجا ... وطاعتك السفين وَأَنت نوح)
(وَأَنت خَليفَة الرَّحْمَن من لَا ... تؤمنه فمشربه نشوح)
(كَمَا أَن الشبانة حِين زاغت ... وهب لَهَا من الطغيان ريح)
(عصفت عَلَيْهِم باليأس تزجي ... كتائب كالسحاب إِذا تلوح)
(فألقيت الجران على ذراهم ... بِجَيْش كلهم بَطل مشيح)
(3/22)

(فجَاء الْعَفو مِنْك وهم ثَلَاث ... أَسِير أَو كسير أَو ذبيح)
(وَقد قسمت بِلَادهمْ بِعدْل ... ودورهم كَمَا قسم الوطيح)
(وَقد نظمت مكايدهم قَدِيما ... بني سعد وزيدان نطيح)
(فظنوا آل إِسْمَاعِيل يرنو ... لغير الحزم طرفهم الطموح)
(وَمَا علمُوا بأنكم سيوف ... لحدكم نجيعهم سفوح)
(أَبَا زيد إِذا تبقى عَلَيْهِم ... بصفح رُبمَا نَدم الصفوح)
(فَلَا تحلم فَإِن الْجرْح يكوي ... طريا بالمحاور أَو يقيح)
(فَلَا زَالَت بك الدُّنْيَا عروسا ... ومجدك من مفارقها يفوح)
وَمن ذَلِك قَول بَعضهم وَلَعَلَّه الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله الديماني قَالَ
(بشرى تقر بأعين الْإِيمَان ... كالوصل ينْسَخ دولة الهجران)
(جاد الزَّمَان بهَا على مقداركم ... فتقاصرت عَنْهَا خطا الأذهان)
(أَيْن المفر لمن عَنَّا عَن أَمركُم ... أَتَرَى البغاث تفوت مَا لعقبان)
(الْأَمر أَمر الله غير مُنَازع ... لَاحَ الصَّباح لمن لَهُ عينان)
(يَا من يُطَالب أَمرهم بدلائل ... أتطالب الْبُرْهَان بالبرهان)
(إِن كنت تجْهَل فالحسام معلم ... يشفي البريء بِهِ ويشقي الْجَانِي)
(كم من غوي قد عتا عَن أَمرهم ... كزرارة فَمضى إِلَى الخسران)
(أَيْن المفر لمن عتا عَن أَمركُم ... يَوْم الكفاح إِذا التقى الْجَمْعَانِ)
(لم يمْنَع الْأَعْدَاء مِنْهُم معقل ... لَو أَنهم صعدوا إِلَى كيوان)
(لكِنهمْ باؤوا بأخسر صَفْقَة ... فكأنهم غصبوا أَبَا غبشان)
(جَيش تسد وفوده مسرى الصِّبَا ... وتهد وطأته ذرى ثهلان)
(يَا مَالِكًا مَلأ الْوُجُود محاسنا ... لَا تختفي عَن أعين العميان)
(أجريت بَين المعتقين مكارما ... يسلوا الْغَرِيب بهَا عَن الأوطان)
(لوقيل للغيث اعْترف لم يعْتَرف ... إِلَّا بِفضل نداكم الهتان)
(إِنْسَان عين الدَّهْر أَنْت وَإِنَّمَا ... تَكْمِيل شكل الْعين بالإنسان)
(ذكراك بالأفواه تعذب كاللما ... وتخف كالبشرى على الآذان)
(أيقظت جفن الْحق من إغفائه ... وأقمت مَيْلَة عطفه الكسلان)
(3/23)

(ألْقى لَك الزَّمن العصى زمامه ... وعنا لطاعة أَمرك الثَّقَلَان)
(فالدهر دُونك دَافع ومدافع ... وصروفه لكم من العبدان)
(فَإِذا أشرتم فِي الزَّمَان لمقصد ... كَانَ الْقَضَاء لكم من الأعوان)
(أخلصت للرحمن فِي طاعاته ... فَلِذَا دعيت بعابد الرَّحْمَن)
(ألقيت رحلي فِي ذراك مخيما ... فجريت فِي الآمال طوع عنان)
(وَتركت أوطاني وَجئْت وَإِنَّمَا ... من فرط حبك غبت عَن أوطاني)
(يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بأنني ... من جودكم أرد الْفُرَات الثَّانِي)
(لَا زلتم فِي أسعد مبسوطة ... مَقْبُوضَة عَنْهَا يَد الْحدثَان)
وَاسْتمرّ السُّلْطَان مُقيما بمراكش مُدَّة طَوِيلَة وَبعث أَخَاهُ الْمولى الْمَأْمُون بن هِشَام لقطر السوس فجباه
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَفِي شعْبَان مِنْهَا عقد السُّلْطَان الصُّلْح مَعَ جنس النابريال وَيُقَال لَهُ استرياك وَهِي اثْنَا عشر شرطا مضمنها المخالطة بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَغير ذَلِك مَعَ الْأمان والاحترام من الْجَانِبَيْنِ وَالْآخر مِنْهَا مضمنه الصُّلْح الدَّائِم على هَذِه الشُّرُوط لَا يُفْسِدهُ أَمر يحدث بعده وَلَا يَقع فِيهِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان ثمَّ حدثت الْفِتْنَة عقب هَذَا بِيَسِير على مَا نذكرهُ
هجوم جنس النابريال على ثغر العرائش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد قدمنَا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قد طَاف فِي آخر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف على ثغور الْمغرب ومراسيه وَأَنه أَرَادَ إحْيَاء سنة الْجِهَاد فِي الْبَحْر الَّتِي كَانَ أغفلها السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وَأمر أَعنِي الْمولى عبد الرَّحْمَن بإنشاء أساطيل تضم إِلَى مَا كَانَ قد بَقِي من آثَار جده سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَأذن لرؤساء الْبحار من أهل العدوتين
(3/24)

سلا ورباط الْفَتْح أَن يخرجُوا فِي القراصين الجهادية للتطواف بسواحل الْمغرب وَمَا جاورها فَخرج الرئيسان الْحَاج عبد الرَّحْمَن باركاش والحاج عبد الرَّحْمَن بريطل فصادفوا بعض مراكب النابريال فاستاقوها غنيمَة إِذْ لم يَجدوا مَعهَا ورقة الباصبورط الْمَعْهُودَة عِنْدهم وعثروا فِيهَا على شَيْء كثير من الزَّيْت وَغَيرهَا وَكَانَ بَعْضهَا قد جِيءَ بِهِ إِلَى مرسى العدوتين وَبَعضهَا إِلَى مرسى العرائش فهجم النابريال على مرسى العرائش بِسِتَّة قراصين يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَرمى عَلَيْهَا من الكور شَيْئا كثيرا من الضُّحَى إِلَى الاصفرار وَعمد فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى سَبْعَة قوارب فشحنها بِنَحْوِ خَمْسمِائَة من الْعَسْكَر ونزلوا إِلَى الْبر من جِهَة الْموضع الْمَعْرُوف بالمقصرة وتقدموا صُفُوفا قد انتشب بَعضهم فِي بعض بمخاطيف من حَدِيد لِئَلَّا يَفروا وَمَشوا إِلَى مراكب السُّلْطَان الَّتِي كَانَت مرساة بداخل الْوَادي وهم يقرعون طنابيرهم ويصفرون ومراكبهم الَّتِي فِي الْبَحْر ترمي بالضوبلي مَعَ امتداد الْوَادي لتمنع من يُرِيد العبور إِلَيْهِم فَانْتَهوا إِلَى المراكب وأوقدوا فِيهَا النَّار وقصدوا بذلك أَخذ ثأرهم فِيمَا انتزع مِنْهُم فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى انثال عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ من كل جِهَة من أهل السَّاحِل وَغَيرهم وَعبر إِلَيْهِم أهل العرائش وأحوازها سبحا فِي الْوَادي وعَلى ظهر الْفلك إِلَى أَن خالطوهم وفتكوا فيهم فتكة بكرا وَكَانَ هُنَالك جملَة من الحصادة يحصدون الزروع فِي الفدن فَشَهِدُوا الْوَقْعَة وأبلوا بلَاء حسنا حَتَّى كَانُوا يحتزون رُؤُوس النابريال بمناجلهم وَقد ذكر منويل هَذِه الْوَقْعَة وبسطها وَقَالَ إِن النابريال قتل مِنْهُم ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ سوى الأسرى وَتركُوا مدفعا وَاحِدًا وشيئا كثيرا من الْعدة وأفلت الْبَاقِي مِنْهُم إِلَى مراكبهم وذهبوا يلتفتون وَرَاءَهُمْ
وَاعْلَم أَن هَذِه الْوَقْعَة هِيَ الَّتِي كَانَت سَببا فِي إِعْرَاض السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن عَن الْغَزْو فِي الْبَحْر والاعتناء بِشَأْنِهِ فَإِنَّهُ رَحمَه الله لما أَرَادَ إحْيَاء هَذِه السّنة صَادف إبان قيام شَوْكَة الفرنج ووفور عَددهمْ وأدواتهم
(3/25)

البحرية وَصَارَ الْغَزْو فِي الْبَحْر يثير الْخُصُومَة والدفاع والتجادل والنزاع ويهيج الضغن بَين الدولة الْعلية ودول الْأَجْنَاس الموالية لَهَا حَتَّى كَاد عقد المهادنة ينفصم وأكد ذَلِك اتِّفَاق اسْتِيلَاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وَهُوَ مَا هُوَ فَوَجَمَ السُّلْطَان رَحمَه الله وأعمل فكره ورويته فَظهر لَهُ التَّوَقُّف عَن أَمر الْبَحْر رعيا للْمصْلحَة الوقتية ولقلة الْمَنْفَعَة العائدة من غَزْو المراكب الإسلامية وانضم إِلَى ذَلِك إعلان الدول الْكِبَار من الفرنج مثل النجليز والفرنسيس بِأَن لَا تكون المراكب إِلَّا لمن يقوم بضبط قوانين الْبَحْر الَّتِي يَسْتَقِيم بهَا أمره وتحمد مَعهَا الْعَاقِبَة وتدوم بحفظها الْمَوَدَّة على مُقْتَضى الشُّرُوط وَمن مهمات ذَلِك تَرْتِيب القناصل بالمراسي الَّتِي تُرِيدُ الدولة دُخُول مراكبها إِلَيْهَا وتجارتها فِيهَا أَي دولة كَانَت وَمن هَذِه الْمُهِمَّات مَا قد لَا يساعد عَلَيْهِ الشَّرْع أَو الطَّبْع مثل الكرنتينات وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ هوس كَبِير فَاشْتَدَّ عزم السُّلْطَان رَحمَه الله على ترك مَا يُفْضِي إِلَى ذَلِك وتأكد لَدَيْهِ إهماله لتوفر هَذِه الْأَسْبَاب ولعمري أَن تَركه لمصْلحَة كَبِيرَة لمن أمعن النّظر فِيهَا وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَأما فتْنَة النابريال هَذِه فَإِنَّهَا تفاصلت بِوَاسِطَة النجليز حَيْثُ وَجه باشدوره مَعَ باشدور النابريال فَقدما على السُّلْطَان رَحمَه الله مكناسة فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
اسْتِيلَاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وَمَا ترَتّب على ذَلِك من دُخُول أهل تلمسان فِي بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله

كَانَ اسْتِيلَاء طاغية الفرنسيس على ثغر الجزائر فِي آخر الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن أتراك الجزائر كَانُوا يَوْمئِذٍ مَعَ الفرنسيس على طرفِي نقيض قد تعدّدت بَينهم الوقعات برا وبحرا وَكَثُرت بَينهم الذحول والترات وَكَانَ التّرْك يؤذونهم أَشد الإذاية وأمير
(3/26)

الجزائر يَوْمئِذٍ واسْمه أَحْمد باشا قد أَمر أمره وَأَرَادَ الاستبداد على الدولة العثمانية وَرُبمَا شكا طاغية الفرنسيس إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود العثماني فَقَالَ لَهُ شَأْنك وإياه فهجم الفرنسيس فِي الْعدَد وَالْعدَد على ثغر الجزائر فاستولى عَلَيْهِ بعد مقاتلات ومجاولات فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن يَوْمئِذٍ بمراكش فاتصل بِهِ خبر الجزائر فِي أَوَائِل صفر فَنَهَضَ إِلَى مكناسة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَلما وَقع بِأَهْل الجزائر مَا وَقع اجْتمع أهل تلمسان وتفاوضوا فِي شَأْنهمْ وَاتَّفَقُوا على أَن يدخلُوا فِي بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله فجاؤوا إِلَى عَامله بوجدة الْقَائِد أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن حمان الْجَوَارِي وعرضوا عَلَيْهِ أَن يتوسط لَهُم عِنْد السُّلْطَان فِي قبُول بيعتهم وَالنَّظَر لَهُم بِمَا يصلح شَأْنهمْ ويحفظ من الْعَدو جانبهم ثمَّ عينوا جمَاعَة مِنْهُم للوفادة على السُّلْطَان تَأْكِيدًا للطلب واستعجالا لحُصُول هَذَا الأرب فقدموا على السُّلْطَان بمكناسة غرَّة ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَأكْرم السُّلْطَان وفادتهم وَأجل مقدمهم وَلما صَرَّحُوا لَهُ عَن مُرَادهم توقف فِي ذَلِك رَحمَه الله وَكَانَ هَوَاهُ إِلَى قبولهم أميل إِلَّا أَنه أَرَادَ أَن يَبْنِي ذَلِك على صَرِيح الشَّرْع كَمَا هِيَ عَادَته فاستفتى عُلَمَاء فاس فَأفْتى جلهم بنقيض الْمَقْصُود وَرخّص لَهُ بَعضهم فِي ذَلِك فَأخذ السُّلْطَان رَحمَه الله بقول المرخص مَعَ أَن أهل تلمسان لما بَلغهُمْ فَتْوَى أهل فاس كتبُوا إِلَى السُّلْطَان فِي الرَّد عَلَيْهِم مَا نَصه
ليعلم سيدنَا قطب الْمجد ومركزه وَمحل الْفَخر ومحرزه أساس الشّرف الباذخ ومنبعه وبساط الْفضل الشامخ ومجمعه السُّلْطَان الْأَعْظَم الأمجد الأفخم نجل الْمُلُوك الْعِظَام سيدنَا ومولانا عبد الرَّحْمَن بن هِشَام أبقى الله سيدنَا للْمُسلمين ذخْرا ومنحه مَوَدَّة وَأَجرا أَن فَتْوَى سَادَاتنَا عُلَمَاء فاس مَبْنِيَّة على غير أساس لأَنهم اعتقدوا أَن فِي عنقنا للْإِمَام العثماني بيعَة وَهَذَا لَو صَحَّ لَكَانَ علينا حجَّة وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا لَهُ مُجَرّد الِاسْم هُنَالك وعامل الجزائر إِنَّمَا كَانَ متغلبا وبالدين متلاعبا فَأَهْلَكَهُ الله بظلمه وتطاوله على عباد الله وجوره وفسقه إِن الله يُمْهل على الظَّالِم حَتَّى يَأْخُذهُ
(3/27)

فَإِذا أَخذه لم يفلته وَيدل على تغلبه واستقلاله عدم وُقُوفه عِنْد أَمر العثماني وامتثاله بل لَا يكترث بِهِ أصلا وَلَا يتبع لَهُ قولا وَلَا فعلا كَيفَ وَقد أمره أَن يعْقد مَعَ النَّصَارَى صلحا فَلم يقبل لَهُ قولا وَلَا نصحا وَطلب مِنْهُ بعض الْأَمْوَال ليستعين بهَا على مَا حل بِهِ مَعَ النَّصَارَى من الْأَهْوَال فَامْتنعَ غَايَة الِامْتِنَاع وَلم يُمكنهُ من شبر مِنْهَا فضلا عَن الباع حَتَّى أَخذهَا الْعَدو الْكَافِر وَهَذَا جَزَاء كل فَاسق فَاجر مَال جمع من حرَام سلط الله عَلَيْهِ الْأَعْدَاء اللئام وَهَذَا كُله من هَذَا المتغلب متواتر مشَاهد بالعيان مستغن عَن إِقَامَة الدَّلِيل والبرهان النَّاس كلهم عبيد الله وإماؤه وَالسُّلْطَان وَاحِد مِنْهُم ملكه الله أَمرهم ابتلاء وامتحانا فَإِن قَامَ فيهم بِالْعَدْلِ وَالرَّحْمَة والإنصاف وَالصَّلَاح مثل سيدنَا نَصره الله فَهُوَ خَليفَة الله فِي أرضه وظل الله على عبيده وَله الدرجَة عِنْد الله تَعَالَى وَإِن قَامَ فيهم بالجور والعسف والطغيان وَالْفساد مثل هَذَا المتغلب فَهُوَ متجاسر على الله فِي مَمْلَكَته ومتسلط ومتكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق ومتعرض لعقوبة الله الشَّدِيدَة وَسخطه هَذَا وعَلى فرض تَسْلِيم أَن للعثماني فِي عنقنا بيعَة فَلَا تكون علينا حجَّة لِأَنَّهُ تبَاعد علينا قطره فَلم يغن عَنَّا شَيْئا ملكه لما بَيْننَا وَبَينه من المفاوز والقفار والبحار والقرى والمدن والأمصار وَرُبمَا قرب مَحَله من جِهَة الْبَحْر لَكِن مَنعه الْآن من ركُوبه الْكفَّار على أَنه ثَبت بتواتر الْأَخْبَار الْبَالِغَة حد الْكَثْرَة والانتشار أَنه مشتغل لنَفسِهِ ومقره عَاجز عَن الدّفع عَن إيالته الْقَرِيبَة من مَحَله حَتَّى أَنه هادن النَّصَارَى خمس سِنِين على عدد كثير من المئين وَأعْطى فِيهِ مِنْهُم ضَامِنا ليَكُون فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة على نَفسه وحشمه آمنا فَكيف يُمكنهُ مَعَ هَذَا الدفاع عَن قطرنا وناحيتنا وَبَلَدنَا وأدل دَلِيل على بعده عَن هَذَا المرام خبر مصر ونواحي الشَّام فقد استولى عَلَيْهَا أَعدَاء الدّين مُدَّة تزيد على الْخمس سِنِين فَلم يجد لَهُم نفعا وَلَا ملك عَنْهُم دفعا حَتَّى اسْتَعَانَ بالعدو الْكَافِر وَالله تَعَالَى قد يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر هَذَا وَنَصّ الأبي فِي شرح مُسلم مفصح عَن مثل قَضِيَّتنَا ومعلم على أَن الإِمَام إِذا لم ينفذ فِي نَاحيَة أمره جَازَ إِقَامَة غَيره فِيهَا وَنَصره فانتظار نصرته يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك كَيفَ وَقد تطاولت
(3/28)

إِلَيْهَا الْأَعْنَاق وتشوفت إِلَيْهَا من كل جَانب الْعُيُون والأحداق فأعرضنا عَن الْكل صفحا وطوينا عَنهُ الجوانب كشحا مُقْبِلين إِلَى عتبَة بَاب سيدنَا نَصره الله وسدته داخلين تَحت طَاعَته ملتزمين لخدمته متوافقين مَعَ الْقَبَائِل والأمصار وَأهل الرَّأْي والاستبصار لعلمنا أَن سيدنَا نَصره الله المتأهل فِي هَذَا الْأَمر العريق الجدير بِالْإِمَامَةِ الْحقيق كَيفَ وَقد ورثهَا كَابِرًا عَن كَابر وإليهم انْتَهَت المآثر والمفاخر فنطلب من سيدنَا نَصره الله أَن يلْتَزم لنا بفضله من هَذِه الْبيعَة الْقبُول مستشفعين بجاه جده الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين وصحابته المنتخبين وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين اه
وَلما وقف السُّلْطَان رَحمَه الله على هَذَا الْكَلَام قبل بيعتهم والتزمها وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه الْمولى عَليّ بن سُلَيْمَان وأضاف إِلَيْهِ كَتِيبَة من الْجند من أَعْيَان الودايا وَالْعَبِيد وَوجه الْجَمِيع مَعَ أهل تلمسان بعد إكرامهم وَتَمام الْإِحْسَان إِلَيْهِم وَكتب إِلَى عَامله الْقَائِد إِدْرِيس يستوصيه بِالْجَمِيعِ خيرا وَيكون بَصِيرَة عَلَيْهِم وأشركه فِي النّظر والرأي مَعَ الْمولى عَليّ بل الِاعْتِمَاد فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ وَقد وقفت على كتاب الْوَزير أبي عبد الله بن إِدْرِيس بِخَط يَده للقائد الْمَذْكُور فِي هَذِه الْقَضِيَّة يَقُول فِيهِ مَا نَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله محبنا وخال سيدنَا الأرضى السَّيِّد إِدْرِيس بن حمان الجراري سَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته عَن خير سيدنَا أيده الله وَبعد فقد وصلنا كتابك صُحْبَة أَعْيَان تلمسان وقبائل أحوازها فوقفنا مَعَهم كل الْوُقُوف وبذلنا المجهود فَوق الطَّاقَة وقبلهم مَوْلَانَا وقابلهم بِالْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَام كَمَا هُوَ شَأْنه ذَهَابًا وإيابا وهاهم وجههم مَوْلَانَا مكرمين وَرشح ابْن عَمه مولَايَ عليا للخلافة عَلَيْهِم لما يعلم من عقله ودرايته وسياسته وَأَنه ذُو نفس أبيَّة لكَون تِلْكَ النواحي لَا يصلح لَهَا إِلَّا من اتّصف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف ليميزوا حَالَة السَّاعَة مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ وكما رشح مَوْلَانَا ابْن عَمه الْمَذْكُور رشحك لتَكون وَاسِطَة بَينهم وَبَينه لكَون الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة مَوْجُودَة فِيك فَكُن عِنْد الظَّن بك وَإِيَّاك والطمع وازهدوا فِيمَا فِي أَيدي
(3/29)

النَّاس وكل مَا تحتاجون إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُد مِنْهُ أخبرونا بِهِ يصلكم وَلَا تكتموا عَنَّا شَاذَّة وَلَا فاذة وَاعْلَم أَن مَوْلَانَا انتخبك من وسط أَبنَاء جنسك وقربك مِنْهُ وَلَا زلت لَدَيْهِ فِي الترقي فَالله الله فَكُن عِنْد الظَّن بك بَارك الله فِيك آمين وَقد أكْرم سيدنَا كل وَاحِد بِمَا يُنَاسِبه من الْكسْوَة وصنع لَهُم فِي كل بلد دَخَلُوهُ مهرجانا وأدخلهم سيدنَا لوسط دَاره وَجَمِيع جناته وأماكن المملكة الَّتِي لَا يدخلهَا إِلَّا الْخَاصَّة غَايَته أَنهم نالوا من الْعِنَايَة فَوق الظَّن ووقفنا مَعَهم فَوق مَا تحب وَفِيهِمْ الْكِفَايَة وَلم يبْق إِلَّا مَا عنْدك فَكُن عِنْد الظَّن بك فَإِن سيدنَا نَصره الله جرب غَيْرك وَطَرحه وَهَذَا معيارك نسْأَل الله أَن يكون معيار التبر الْخَالِص وَمَا وَعدك بِهِ سيدنَا سيرد عَلَيْك حِين تَسْتَقِر بِالْبَلَدِ وَيحسن تصرفك على عين الْحَاضِر والبادي وَفِي وَصِيَّة سيدنَا فِي كِتَابه الشريف مقنع وعَلى الْمحبَّة وَالسَّلَام فِي ثَالِث عشر ربيع الثَّانِي عَام سِتَّة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف مُحَمَّد بن إِدْرِيس لطف الله بِهِ اه نَص الْكتاب بِحُرُوفِهِ
وَلما وصل الْمولى عَليّ إِلَى تلمسان وَجه السُّلْطَان فِي أَثَره خَمْسمِائَة فَارس وَمِائَة رام وَجَمَاعَة وافرة من حذاق الطبجية من أهل سلا ورباط الْفَتْح فيهم ولد عَامل سلا مُحَمَّد ابْن الْحَاج مُحَمَّد أبي جميعة وَكَانَ من النجباء ثمَّ لما دخل الْمولى عَليّ تلمسان وَاسْتقر بهَا فَرح بِهِ الْحَضَر من أهل تلمسان واغتبطوا بِهِ وقدمت عَلَيْهِ الْوُفُود من كل نَاحيَة وَأخذ عَلَيْهِم الْبيعَة للسُّلْطَان هُوَ والقائد إِدْرِيس وانحرف عَنهُ الكرغلية من التّرْك الَّذين كَانُوا إدالة بقصبة تلمسان من لدن قديم وحاصرهم الْمولى عَليّ وَقَاتلهمْ مُدَّة إِلَى أَن ظفر بهم وَاسْتولى على مَا فِي أَيْديهم وانحرف عَنهُ أَيْضا قبيلتا الدَّوَائِر والزمالة من عرب تِلْكَ النَّاحِيَة وَيُقَال إِن أصلهم من جند كَانَ للْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله بَعثه إدالة بِتِلْكَ النَّاحِيَة واستمروا هُنَالك وتناسلوا إِلَى هَذَا التَّارِيخ فأظفر الله الْمولى عليا بهم وانتهب الْجَيْش مَتَاعهمْ ومتاع الكرغلية من قبلهم وَنَشَأ عَن ذَلِك من الْفساد مَا نذكرهُ بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
(3/30)

وَفِي أَوَائِل رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة خرج الْقَائِد إِدْرِيس من تلمسان فِي جمَاعَة من الْجَيْش الَّذين مَعَه بِقصد تدويخ الْقَبَائِل الَّذين هُنَالك وَأخذ الْبيعَة على من لم يكن بَايع مِنْهُم وَكَانَ الَّذين بَايعُوا هم أهل معسكر والحشم والمشاشيل مِنْهُم وَبَنُو شقران والمرابطون أهل غريس وورغية وتحليت وحميان وَغير هَؤُلَاءِ وَنَصّ بيعتهم الْحَمد لله الَّذِي أنار الْخلَافَة وَجه الزَّمَان وأطلع فِي صحيفَة غرته طوالع السعد واليمن والأمان وَهدى من ارْتَضَاهُ من الْأَنَام للدخول تَحت ظلّ راية مَوْلَانَا الإِمَام وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد الْمَبْعُوث رَحْمَة للْعَالمين وعَلى آله وَصَحبه الطيبين وَبعد فَلَمَّا وَفد على حَضْرَة مَوْلَانَا الْخَلِيفَة أبي الْحسن عَليّ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا سُلَيْمَان أَعلَى الله ثراه فِي عليين جَمِيع الْقَبَائِل المسطرة يمنته وَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب مَوْلَانَا الْمَنْصُور ذِي اللِّوَاء المنشور وَالسيف الْمَشْهُور أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عبد الرَّحْمَن ابْن مَوْلَانَا هِشَام أدام الله رعيه وَجعل فِيمَا يرضيه سَعْيه بِمحضر خَلِيفَته الطَّالِب الأرشد الْمَاجِد الأسعد الْقَائِد السَّيِّد إِدْرِيس الْجَوَارِي وتلقوه بالإجلال والتعظيم والتبجيل والتكريم أشهدوا على أنفسهم أَنهم عقدوا الْبيعَة لمولانا الإِمَام أيده الله وأدام عزه وعلاه والتزموها بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَفِي جيدهم انتظموها بيعَة تَامَّة مستوفية الشُّرُوط وافية العهود وَثِيقَة الربوط قبلهَا الْكل وارتضاها وَأوجب الْعَمَل بمقتضاها فَمن سمع مَا ذكر مِمَّن ذكر قَيده فِي مهل جُمَادَى الثَّانِيَة عَام سِتَّة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَبعده عَلامَة العدلين المتلقيين من رُؤَسَاء الْقَبَائِل الْمَذْكُورَة فهولاء الَّذين بَايعُوا وَمن لم يكن بَايع بعد فهم الَّذين خرج الْقَائِد إِدْرِيس الْمَذْكُور لأخذ الْبيعَة عَلَيْهِم كَمَا قُلْنَا
وَالْحَاصِل أَن السُّلْطَان رَحمَه الله كَانَ قد اعتنى بِأَمْر هَذِه النَّاحِيَة غَايَة الاعتناء وبذل المجهود فِي إمدادها بِالْعدَدِ وَالْعدَد وَالْمَال مرّة بعد أُخْرَى وَبعث الشريف الْبركَة سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ الوزاني إِلَى أهل تِلْكَ الْبِلَاد يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة ويحضهم على الدُّخُول فِي أَمر الْجَمَاعَة لكَوْنهم كَانَ لَهُم فِيهِ وَفِي سلفه اعْتِقَاد كَبِير وَبعث الشريف الْأَخير أَبَا مُحَمَّد عبد
(3/31)

السَّلَام البوعناني فولاه خطة الْحِسْبَة بتلمسان وَبعث من الكسي والرايات والأعلام والمدافع والمهاريس والبارود والرصاص شَيْئا كثيرا لَكِن لم يكن إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله تَعَالَى فافترقت كلمة الْعَرَب الَّذين هُنَالك لضعف إِيمَانهم وَقلة همتهم فجلهم مَال إِلَى الدُّخُول فِي حزب النَّصَارَى عِنْدَمَا استولوا على مَدِينَة وهران فِي هَذِه الْأَيَّام ثمَّ سرى ذَلِك الِاخْتِلَاف فِي قواد جَيش السُّلْطَان فتنافسوا وتحاسدوا وَكثر القيل والقال مِنْهُم على السُّلْطَان ثمَّ ختموا عَمَلهم بانتهاب أثاث الكرغلية وتقاعدهم عَلَيْهِ ثمَّ بانتهاب مَال الزمالة والدوائر وماشيتهم فِي جوَار الشريف سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ الوزاني وَفَسَد الْعَمَل وخاب الأمل فَحِينَئِذٍ رأى السُّلْطَان رَحمَه الله استرجاع تِلْكَ الجيوش الَّتِي لم يبْق طمع فِي صَلَاحهَا بعد أَن أَمر بِالْقَبْضِ على الْقَائِد إِدْرِيس لكَونه سعى بِهِ عِنْده وَأَنه شَارك فِي نهب الكرغلية والزمالة والدوائر وتقاعد على النفيس من أثاثهم فَرَجَعت الْحلَّة وَكَانَ رُجُوعهَا فِي آخر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي هَذِه السّنة منتصف جُمَادَى الثَّانِيَة مِنْهَا حدثت زَلْزَلَة بقرية من قرى تلمسان تسمى البليدة فَجعلت عاليها سافلها وَهلك أَهلهَا وَالْأَمر لله كَيفَ شَاءَ فعل
خُرُوج جَيش الودايا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ خُرُوج جَيش الودايا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله فِي الْمحرم فاتح سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الطَّاهِر بن مَسْعُود المغفري الحساني والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر الغفري الْعقيلِيّ والحاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ الجراري كَانُوا من كبار قواد هَذَا الْجَيْش وأعيانه وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله يَبْعَثهُم فِي الْمُهِمَّات ويستكفي بهم فِي الأقطار النائية والجهات وَكَانُوا هم يظهرون للسُّلْطَان الطَّاعَة وهم فِي الْبَاطِن منحرفون عَنهُ بِسَبَب أَن الدَّالَّة الَّتِي كَانُوا يدلون بهَا على السُّلْطَان الْمولى
(3/32)

سُلَيْمَان رَحمَه الله انْقَطَعت عَنْهُم مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وزالت من أَيْديهم فَكَانُوا يمرضون فِي الطَّاعَة بعض الأحيان وَالسُّلْطَان يطويهم على غرهم ويلبسهم على عرهم إِلَى أَن كَانَ الْبَعْث إِلَى تلمسان فوجههم إِلَيْهِ فِيمَن وَجه من أَعْيَان الْجَيْش ورؤسائه فَكَانَت قوارصهم لَا تَنْقَطِع عَن الدولة وشغبهم لَا يفتر من التطاول والصولة ثمَّ كَانَ نهب الزمالة والدوائر فأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا وشايعهم على فعلهم الْقَائِد أَحْمد بن المحجوب البُخَارِيّ وأظهروا عدم المبالاة بالسلطان وخليفته وعامله وَكَانَت بَينهم وَبَين الْقَائِد إِدْرِيس الجراري مُنَافَسَة باطنية فخاف من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم فِيمَا ارتكبوه من النهب أَن يسدوا بِرَأْسِهِ هَذَا الْخرق فأسعفهم وانتهب مَعَهم وَكَانَ مَا قدمْنَاهُ من استرجاع السُّلْطَان لذَلِك الْجَيْش وَبعث من قبض على الْقَائِد إِدْرِيس بوجدة وَجِيء بِهِ إِلَى تازا فسجن بهَا وَلما وصل جَيش تلمسان إِلَى عنق الْجمل قرب فاس خرج إِلَيْهِم الْقَائِد الطّيب الوديني البُخَارِيّ وَكَانَ واليا على فاس فَقيل أَرَادَ أَن يقبض عَلَيْهِم بِإِذن من السُّلْطَان وَقيل أَرَادَ أَن يحوز مِنْهُم أرحلهم وحقائبهم الَّتِي ملؤوها من النهب وَكَانَ الودايا وَالْعَبِيد لما فعلوا فعلتهم تحالفوا وتعاهدوا على أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدًا على من أَرَادَهُم بِسوء كَائِنا من كَانَ فَلَمَّا خرج إِلَيْهِم الطّيب الوديني تجهموه وهموا بِهِ فَرجع أدراجه وأنهى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأغضى عَنْهُم ثمَّ بعد أَيَّام عزم السُّلْطَان على الْقَبْض على الْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر الْعقيلِيّ فأحس هُوَ بذلك فَذهب إِلَى الطَّاهِر بن مَسْعُود وتطارح عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِنِّي مَقْبُوض لَا محَالة فَإِن ولاك السُّلْطَان من أَمْرِي شَيْئا فَأحْسن وَلَا تؤاخذني بِمَا كَانَ مني إِلَيْك وَقد كَانَ الطَّاهِر بن مَسْعُود قبل هَذِه الْمدَّة عَاملا بتارودانت فَعَزله السُّلْطَان بِابْن الطَّاهِر فأساء إِلَيْهِ فَلهَذَا قَالَ لَهُ مَا قَالَ فَقَالَ الطَّاهِر بن مَسْعُود وَأَنت مَقْبُوض قَالَ نعم قَالَ عَليّ وَعلي لَا جرى عَلَيْك أَمر تكرههُ مَا دمت حَيا ثمَّ إِن السُّلْطَان أحضر الْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر وَأحمد بن المحجوب فقرعهما وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا فَقبض أعوان الودايا على أخيهم وَقبض أعوان العبيد على أخيهم وَخَرجُوا بهما إِلَى السجْن مَعَ الْعشي وَكَانَ الطَّاهِر بن مَسْعُود قد
(3/33)

ترصد بِبَاب دَار السُّلْطَان للْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر ليفتكه وَصَاحبه فَلَمَّا خرجا قَامَ الطَّاهِر بن مَسْعُود إِلَى الأعوان فراودهم على إِطْلَاق المسجونين فَأَبَوا وَقَالُوا إنَّهُمَا مسجونان عَن أَمر السُّلْطَان فتصامم عَن ذَلِك واستل خنجره وَضرب إِدْرِيس البواب الوديي على ترقوته فخدشه وانتزع مِنْهُ المسجون وَتقدم لافتكاك أَحْمد بن المحجوب فَأبى وانتهره وَقَالَ لَا أُخَالِف أَمر السُّلْطَان وَكَانَ الودايا يظنون قيام العبيد مَعَهم لحلفهم السَّابِق فخذل الله فِيمَا بَينهم ثمَّ أسْرع الطَّاهِر وَابْن الطَّاهِر إِلَى فرسيهما فركباهما ونجوا إِلَى نَاحيَة دَار الدبيبغ وثارت المغافرة بِبَاب دَار السُّلْطَان وحملوا السِّلَاح وأخرجوا البارود والرصاص وَقَامَت شيعَة السُّلْطَان لمدافعتهم فكثرهم الودايا وهزموهم حَتَّى أغلقوا عَلَيْهِم بَاب المشور وَسَأَلَ السُّلْطَان عَن الهيعة فَأعْلم بالْخبر وَكَانَ مَعَه الْحسن بن حمو واعزيز فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن هَؤُلَاءِ مَا جسروا على هَذَا الْفِعْل ببابك حَتَّى عزموا على مَا هُوَ أَكثر فَدَعَا السُّلْطَان بفرسه وَركبهُ مَعَ الْغُرُوب وَخرج من بَاب البجاة وَمَعَهُ ابْن واعزيز وَبَعض أَصْحَابه خيلا ورجلا وَلما علم الودايا بِخُرُوج السُّلْطَان ركبُوا بقضهم وقضيضهم من فاس الْجَدِيد وَمن قَصَبَة شراقة فأدركوا السُّلْطَان عِنْد قنطرة عياد فنزلوا إِلَى الأَرْض يقبلُونَ حوافر فرسه ويتشفعون لَهُ ويتبرؤون من فعل أُولَئِكَ السُّفَهَاء وَكَانَ الْحَال إِذْ ذَاك حَال مطر خَفِيف وَالشَّمْس قد غربت أَو كَادَت تغرب فساعدهم رَحمَه الله على الرُّجُوع وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْحَاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ بِأَن يذهب مَعَه إِلَى قَصَبَة شراقة وَكَانَت يَوْمئِذٍ لأهل السوس فَذهب مَعَه إِلَى دَاره من غير أَن يطمئن إِلَيْهِ وَلَكِن ذَلِك الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَال فِي تِلْكَ السَّاعَة وَلما اسْتَقر بدار ابْن فَرِحُونَ اجْتمع عَلَيْهِ المغافرة والودايا وَأهل السوس وأساء عَلَيْهِ المغافرة الْأَدَب بل عزموا على الفتك بِهِ وَلَكِن الله تَعَالَى وَقَاه شرهم فاختلفت كلمتهم وتذامر أهل السوس فِيمَا بَينهم وَقَالُوا لَا يبيتن السُّلْطَان اللَّيْلَة إِلَّا بداره واستنهضوه فَنَهَضَ رَحمَه الله وَركب فرسه وصحبوه إِلَى دَاره فِي ذَلِك اللَّيْل فاستقر بهَا وَبعد ذَلِك بأيام انْتقل السُّلْطَان إِلَى بُسْتَان أبي الْجُلُود خَارج فاس الْجَدِيد على حِين غَفلَة من الودايا وانحاز
(3/34)

شيعَة السُّلْطَان إِلَيْهِ من العبيد وَغَيرهم وَنزل جلهم بفاس الْقَدِيم وَبَقِي الودايا وحدهم بفاس الْجَدِيد ثمَّ استدعى السُّلْطَان عبيد مكناسة فقدموا عَلَيْهِ وَلما علم الودايا بعزم السُّلْطَان على الْخُرُوج من بَين أظهرهم ساءهم ذَلِك وَعَلمُوا أَنه إِن خرج من بَين أظهرهم لَا يتركهم حَتَّى يُوقع بهم فراودوه على الْمقَام وتنصلوا وأظهروا التَّوْبَة وَتقدم سفهاؤهم إِلَى العبيد فأنشبوا مَعَهم الْحَرْب وَهلك من الْفَرِيقَيْنِ عدد ثمَّ تدارك السُّلْطَان أَمرهم وتلطف وَطيب أنفسهم وَأجْمع على الْخُرُوج إِلَى مكناسة فَخرج بثقله وأثاثه وأمواله وسلك طَرِيق قبقب وَعقبَة المساجين كَأَنَّهُ يُرِيد بِلَاد الغرب وَخرج لتشييعه جمَاعَة وافرة من أَعْيَان الودايا ثمَّ أَنهم ندموا ونكسوا على رؤوسهم وَرُبمَا سمعُوا من العبيد بعض كَلَام فحميت أنوفهم وتحزبوا وأوقعوا بالعبيد فَانْهَزَمُوا عَن السُّلْطَان وانتهب الودايا خيرته وأثاثه وَقَامَ عقالهم دون الْعِيَال حَتَّى ردُّوهُ إِلَى الدَّار مَحْفُوظًا مصونا وَلم يَفْعَلُوا أحسن مِنْهَا وَأما المَال والأثاث فقد أَتَى عَلَيْهِ النهب وَكَانَ شَيْئا كثيرا وَتقدم السُّلْطَان رَحمَه الله لطيته وَتَبعهُ سَفِيه من سُفَهَاء الودايا كَانَ أَرَادَ الفتك فِيهِ فحماه الله مِنْهُ وَوصل السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَى مكناسة فاستقر بهَا واتصل خبر هَذِه الْفِتْنَة بالقائد إِدْرِيس بن حمان الجراري وَهُوَ مسجون بتازا فاحتال على سراح نَفسه بِأَن افتعل كتابا على لِسَان السُّلْطَان وَبعث بِهِ إِلَى عَامل تازا فسرحه وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قد بعث إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس الْمَذْكُور وَهُوَ بتلمسان أَربع وَرَقَات مَخْتُومًا عَلَيْهَا بالخاتم السلطاني الْكَبِير وَأمره السُّلْطَان رَحمَه الله أَن يحْتَفظ بِتِلْكَ الورقات وَلَا يسْتَعْمل وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا فِي أهم الْمُهِمَّات مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ غَرَض السُّلْطَان والدولة وَلَا تمكن مشاورته فِيهِ لبعد الْمسَافَة بَين فاس وتلمسان فَعمد الْقَائِد إِدْرِيس إِلَى وَاحِدَة من تِلْكَ الورقات فَكتب فِيهَا بتسريحه فسرح وَجَاء يجد السّير إِلَى فاس وبنفس وُصُوله كتب إِلَى السُّلْطَان يُعلمهُ بِمَا صنع وَأَنه لَا زَالَ على مَا يعْهَد مَوْلَانَا من بذل النصح وَالسَّعْي فِي صَلَاح السُّلْطَان والجيش فَأَجَابَهُ السُّلْطَان رَحمَه الله بِمَا نَصه
وَبعد فقد وصلنا كتابك وعرفنا مَا فِيهِ وَالْحَمْد لله على سلامتك وَمَا
(3/35)

وجهنا لَك إِلَّا بِقصد أَن نسرحك لأننا تحققنا أَنَّك كنت مَغْلُوبًا عَلَيْك فَلَا عُهْدَة عَلَيْك بل من تَمام عقلك مساعدتك لمن نهب وَلَو منعتهم من ذَلِك لتفاقم الْأَمر هُنَالك وَأَنت عَلَيْك الْأمان ظَاهرا وَبَاطنا فِي الْحَال والاستقبال فَلَا تخش من شَيْء أبدا فَإنَّك مِمَّن نتهمه بِالدّينِ وَالْعقل والصدق وَقد عَايَنت وَسمعت مَا صدر من إِخْوَاننَا من النزعة الشيطانية وَلَا يَنْبَغِي أَن نقابلهم بِمثل مَا قابلنا بِهِ من لاعقل لَهُ مِنْهُم وَإِن قابلناهم بِهِ لَا نَلْتَقِي أبدا وَأَنت اسع فِي الْخَيْر وَالصَّلَاح مَا أمكنك وَتحمل لَهُم عَنَّا بالأمن من كل مَا يخافونه من جانبنا فجسارتهم أولى من صَلَاح الْقَبَائِل فقف على سَاق الْجد لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَالسَّلَام فِي السَّابِع عشر من الْمحرم فاتح عَام سَبْعَة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتهى لفظ الْكتاب الشريف
ثمَّ إِن الْقَائِد إِدْرِيس أحسن الْقيام على عِيَال السُّلْطَان الَّذين بقوا بفاس الْجَدِيد وَكَانَ فيهم حظيته المولاة فَاطِمَة بنت الْمولى سُلَيْمَان وَتقدم الْقَائِد إِدْرِيس إِلَى أَمِين الصائر من قبل وَقَالَ لَهُ مَا كنت تدفع إِلَى دَار السُّلْطَان كل يَوْم من دَقِيق وَلحم وإدام وَغير ذَلِك فَاكْتُبْ لي بِقَدرِهِ وَابعث إِلَى بِهِ فأحصاه الْأمين الْمَذْكُور وَبعث إِلَيْهِ بِهِ فَصَارَ يبْعَث بذلك الْقدر إِلَى دَار السُّلْطَان كل يَوْم وَانْقطع المَاء ذَات يَوْم عَن دَار السُّلْطَان فَكَانَ الْقَائِد إِدْرِيس يحمل قرب المَاء إِلَيْهَا كل يَوْم وَأصْلح القنوات وجد فِي ذَلِك حَتَّى رَجَعَ المَاء إِلَى مجْرَاه ثمَّ إِن السُّلْطَان رَحمَه الله اسْتنْفرَ قبائل الغرب كلهَا حوزا وغربا وثغورا فقدموا مكناسة على بكرَة أَبِيهِم وَسمع الودايا بذلك فاستدعوا الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب من بعض الْأَعْمَال والتفوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ فَحِينَئِذٍ تبرأت مِنْهُم الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت تعدهم بِالْقيامِ مَعَهم من مجاوريهم لِأَن سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب كَانَت قبائل الْمغرب قد تناذرته مُنْذُ أَيَّام ولَايَته على تامسنا ودكالة وَفعله بِأَهْلِهَا الأفاعيل فَكَانَ مبغضا عِنْد الْعَامَّة وزحف السُّلْطَان إِلَى فاس الْجَدِيد فَحَاصَرَهُمْ بهَا وَنصب عَلَيْهِم المدافع والمهاريس وتعاقب عَلَيْهِم الرَّمْي بهَا من محلّة السُّلْطَان بِعَين قادوس وَمن بستيون أبي الْجُلُود وبستيون
(3/36)

بَاب الجيسة وبستيون بَاب الْفتُوح ودام الْحصار أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَالْحَرب لَا تَنْقَطِع فِي كل وَقت وَكَانَ الودايا يرْمونَ أَيْضا بالكور والبنب وابلى بنوحسن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الْبلَاء الْحسن ثمَّ إِن السُّلْطَان عزم على الْبناء عَلَيْهِم وجلب اللواحين فشرعوا فِي الْعَمَل وسئم الودايا الْحَرْب وملوها فأذعنوا إِلَى الصُّلْح وسعى فِي الوساطة بَينهم وَبَين السُّلْطَان الْأمين الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون الفاسي فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان على شَرط الْخُرُوج من فاس الْجَدِيد فأذعنوا ثمَّ بعثوا شفاعاتهم بالمشايخ وَالصبيان والألواح على رؤوسها وَمَعَهُمْ سلطانهم ابْن الطّيب فسامح رَحمَه الله الْجَمِيع وَقَالَ لَهُم فِي جملَة مَا قَالَ الْحَمد لله إِذْ لم أغلبكم وَلم تغلبوني لِأَنِّي لَو غلبتكم لذبحت هَذِه الجيوش أَوْلَادكُم وَلم أقدر أَن أردهَا عَنْكُم وَلَو غلبتموني لفعلتم كل مَا تقدرون عَلَيْهِ فَهَذَا من لطف الله بِي وبكم
قلت وَهَذَا كَلَام دَال على وفور عقل السُّلْطَان رَحمَه الله وَكَمَال شفقته وَرَحمته ثمَّ لما عزم السُّلْطَان على النهوض إِلَى مكناسة ولى على جَيش الودايا كُله الْقَائِد إِدْرِيس بن حمان الجراري وَذَلِكَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ثمَّ نَهَضَ إِلَى مكناسة فاحتل بهَا وَلما حضر عيد الْفطر قدمت الْوُفُود على السُّلْطَان بمكناسة واستقامت الْأَحْوَال وَكتب رَحمَه الله إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس أَن يحضر الْعِيد فِي جمَاعَة وافرة من إخوانه نَحْو الْخَمْسمِائَةِ فَحَضَرُوا ودخلوا على السُّلْطَان ذَات عَشِيَّة بالمشور فوبخهم حَتَّى ظن النَّاس أَنه يقبض عَلَيْهِم ثمَّ سرحهم فعادوا إِلَى فاس الْجَدِيد وَلما عزم السُّلْطَان رَحمَه الله على النهوض إِلَى مراكش قدم أَولا فاسا وَنزل خَارج الْبَلَد وَنظر فِي شَأْنه وشأن الْجَيْش والرعية ثمَّ ارتحل يُرِيد مراكش فَلَمَّا انْفَصل عَن فاس بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ كتب إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالطاهر بن مَسْعُود والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر يذهبان مَعَه إِلَى مراكش بِقصد الْخدمَة بهَا مَعَ وَلَده وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فذهبا على فرسيهما مسرحين إِلَّا أَنَّهُمَا كَانَا حذرين من السُّلْطَان لما قدما من الْفِعْل الشنيع الَّذِي كَانَ سَبَب هَذِه الْفِتْنَة الْعَظِيمَة فَقدما مراكش وترتبا فِي
(3/37)

الْخدمَة مَعَ الْخَلِيفَة الْمَذْكُور وانسلخت هَذِه السّنة وفيهَا عزل السُّلْطَان وزيره الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس وامتحنه وَبَقِي عاطلا مُدَّة ثمَّ رده إِلَى خطته وَكَانَ السُّلْطَان فِي مُدَّة تَأْخِيره إِيَّاه قد استوزر مَكَانَهُ الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب السَّيِّد الْمُخْتَار بن عبد الْملك الجامعي فَقَامَ بأعباء الخطة وبرز فِيهَا رَحمَه الله وفيهَا بنى السُّلْطَان رَحمَه الله المارستان الْكَبِير على ضريح ولي الله تَعَالَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر بسلا وَكَانَ على ضريح الْوَلِيّ الْمَذْكُور الْقبَّة وَالْمَسْجِد فَقَط فأدار السُّلْطَان رَحمَه الله على ذَلِك كُله مارستانا كَبِيرا وَبنى بِهِ مَسْجِدا آخر وبيوتا للمرضى تنيف على الْعشْرين وأجرى إِلَيْهِ المَاء وَجعل ميضأة بِإِزَاءِ الْمَسْجِد للرِّجَال وَأُخْرَى شرقيها للنِّسَاء فجَاء ذَلِك من أحسن الْأَعْمَال وَكتب الله أجره فِي صحيفَة السُّلْطَان
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَفِي صفر مِنْهَا ورد على الْقَائِد إِدْرِيس كتاب من عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ لَا زَالَ برباط الْفَتْح يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالحاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ الجراري فوصل إِلَيْهِ مسرحا فَقبض عَلَيْهِ وَبَعثه إِلَى الصويرة وبإثر ذَلِك ورد على السُّلْطَان كتاب من عِنْد وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد يُعلمهُ بِأَنَّهُ قبض على الطَّاهِر بن مَسْعُود والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر لِكَوْنِهِمَا لم يقلعا عَن ضلالهما وشيطنتهما حَتَّى أَنَّهُمَا عزما على اغتياله بمصلى عيد الْأَضْحَى من السّنة الفارطة فحماه الله مِنْهُمَا وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى مراكش صَار يكْتب إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس برؤوس الْفِتْنَة وَالْقَبْض عَلَيْهِم وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن استوفى جلهم وَكَانَ الْقَائِد إِدْرِيس فِي هَذِه الْمدَّة قد أحس بِأَن بَاطِن السُّلْطَان لَا زَالَ متغيرا على الودايا فألح عَلَيْهِ فِي الْبَحْث والاستكشاف عَمَّا هُوَ مضمره لَهُم وَمَا يُرِيد بهم وَمَا الَّذِي يجلب رِضَاهُ عَنْهُم ويصفي بَاطِنه عَلَيْهِم فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان رَحمَه الله كتابا أفْصح فِيهِ عَن مُرَاده يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح والطابع الشريف بَينه وَبَين الْخطاب مَا نَصه خَالنَا الأرضى الْقَائِد إِدْرِيس الجراري سَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبعد فَاعْلَم بأنك طلبت منا مشافهة وَكِتَابَة أَن نعرب لَك عَن مرادنا
(3/38)

ونطالعك بغاية قصدنا وأمنيتنا فِي الْجَيْش وَمَا يجلب رضانا عَنْهُم وَكُنَّا نجيبك عَن ذَلِك جَوَابا إقناعيا لعدم وثوقنا وقتئذ بِصدق لهجتك وَكَانَ يخيل لنا أَنَّك تباحثنا على جِهَة الِاطِّلَاع على خبيئة أمرنَا والآن اتَّضَح مَا أَنْت عَلَيْهِ من الصدْق ووفور الْمحبَّة وخلوص النِّيَّة حَتَّى صرت بِهِ كَأحد أَوْلَادنَا
(وَلَيْسَ يَصح فِي الأذهان شَيْء ... إِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل)
وَعَلِيهِ فَأَنت أولى من نبثه سرنا وَلَا ندخر عَنهُ شَيْئا من دخيلة أمرنَا فَاعْلَم أرشدك الله أَن من بارزنا بالسوء قولا وفعلا من ذَلِك الْجَيْش هم المغافرة كَافَّة واستوى فِي ذَلِك كَبِيرهمْ وصغيرهم قويهم وضعيفهم وَلم يلف مِنْهُم رجل رشيد وَلَو ساعدهم الودايا وَأهل السوس وخلوا بَينهم وَبَين هواهم لَكَانَ مَا أرادوه من تلف مهجتنا وَلَكِن الله سلم وَلَا يخفى على أحد مَا استوجبوه لذَلِك شرعا وطبعا ولسالف خدمتهم وكظم الغيظ المرغب فِيهِ ارتكبنا فِي جانبهم أخف مَا أوجبه الله تَعَالَى على أمثالهم قَالَ جلّ علاهُ {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْمَائِدَة 33 الْآيَة وَقد آلَيْت على نَفسِي وأشهدت الله وَمَلَائِكَته أَن لَا يضمني سور فاس الْجَدِيد والمغافرة بِهِ فَهَذَا هُوَ مَحْض الصدْق والآن بَين لنا كَيفَ يكون الْعَمَل فِي ذَلِك وَمَا نقدم وَمَا نؤخر لِأَن المُرَاد قَضَاء الْغَرَض من غير مشقة وَلَا فضيحة للجيش وَهل تفشي هَذَا أَو تكتمه وعَلى تَقْدِير امتثالهم عين لنا أَي مَحل ينتقلون إِلَيْهِ من ثغور إيالتنا كالرباط وَغَيره أَو قَصَبَة مراكش فَإِن النَّفس لم تسمح بهم بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد زجرهم وَإِقَامَة بعض حق الله فيهم وَيحصل لنا الاطمئنان والسكينة ونبر قسمنا فالمؤمن لَا يلْدغ من جُحر مرَّتَيْنِ وَمَا ذكرت من أَنا عاهدناك ووعدناك بِالْإِحْسَانِ والتنويه بشأنك فَإِنَّهُ وعد صدق لَا مرية فِيهِ إِن شَاءَ الله وَكَيف وَقد اسْتَوْجَبت منا كل جميل وقدمك لمعالي الْأُمُور عقلك وصدقك وَلَو ألفينا فِي الْجَيْش مثلك لضممنا عَلَيْهِ البراجم والرواجب وَفعلنَا فِي جَانِبه مَا هُوَ الْوَاجِب وَقد اقتصرت حَيْثُ طلبت أَن تكون بِمَنْزِلَة الْقَائِد قدور بن الْخضر عِنْد سَيِّدي الْكَبِير رحمهمَا الله فَأَنت
(3/39)

عندنَا بِمَنْزِلَة أعظم من مَنْزِلَته وَالْيَد الَّتِي اتَّخذت عندنَا أعظم مِمَّا اتخذ هُوَ عِنْد سَيِّدي الْكَبِير قدس الله سره فقد جازاه على الصدْق فَقَط أما أَنْت فقد شاركته فِي هَذِه الْمرتبَة وفقته بِمَا هُوَ أعظم وَهُوَ إحسانك لعيالنا وَأَوْلَادنَا وَلَوْلَا أَنْت لهلكوا جوعا فَلَا يكفر هَذِه الضَّيْعَة إِلَّا لئيم وحاشانا الله من ذَلِك فطب نفسا وقر عينا فلك عندنَا من المكانة والخطوة مالو اطَّلَعت على حَقِيقَته لطربت سُرُورًا ونشاطا وسترى إِذا انجلى الْغُبَار وَلَا زَالَ أهلنا يتذكرون إحسانك إِلَيْهِم بحضرتنا ويلتمسون لَك الدُّعَاء الصَّالح من جانبنا وَفِي الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ أَن أمْرَأَة من بني اسرائيل أَبْصرت كَلْبا يلعق الحمئة من شدَّة الْعَطش فسقته فغفر الله لَهَا فَكيف بِمن أسدى مَعْرُوفا لجَماعَة انْقَطع رجاؤهم إِلَّا من الله وَالله لن يخزيك الله أبدا وَالسَّلَام فِي ثامن عشر رَمَضَان الْمُعظم عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب ثمَّ إِن الله تَعَالَى هيأ للسُّلْطَان أمره فِي الودايا وألهمه رشده فيهم فَأمر أَولا بِنَقْل رحى المغافرة إِلَى قَصَبَة الشرادي من أَعمال مراكش وَظن النَّاس أَنه يقْتَصر على ذَلِك لِأَنَّهُ رَحمَه الله لم يكن يظْهر إِلَّا أَنه يُرِيد نقل المغافرة فَقَط ثمَّ نقل رحى الودايا إِلَى العرائش وأحوازها ثمَّ ردهم إِلَى جبل سلفات ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة يسيرَة نقل رحى أهل السوس إِلَى رِبَاط الْفَتْح فَأنْزل حلتهم بالمنصورية على شاطىء وَادي النفيفيخ وقوادهم ووجوههم بقصبة رِبَاط الْفَتْح ثمَّ رد الْحلَّة بعد مُضِيّ سِتّ سِنِين إِلَى قَصَبَة تمارة قرب رِبَاط الْفَتْح وَكَانَت متلاشية فَأمر السُّلْطَان بعد سنتَيْن أَو ثَلَاث بترميمها وإصلاحها وَكَانَ رَحمَه الله قد أسقط هَذَا الْجند الوديي من الجندية وَأعْرض عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ سِنِين ثمَّ استردهم فِي حُدُود السِّتين كَمَا سَيَأْتِي وَلما أخلى السُّلْطَان فاسا الْجَدِيد من جَيش الودايا بأسره وَكَانَ بمراكش بعث بالطاهر بن مَسْعُود وبالحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر فسجنا بِهِ مُدَّة ثمَّ قدمت عريفة الدَّار الْحَاجة زويدة بِكِتَاب من عِنْد السُّلْطَان على وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد بفاس يتَضَمَّن الْأَمر بقتل الطَّاهِر وَابْن الطَّاهِر بِالْمحل الَّذِي افتك فِيهِ الأول الثَّانِي فأخرجا إِلَى الْمحل الْمَذْكُور وَحضر
(3/40)

الوصيف الْقَائِد فرجى وَقدم الطَّاهِر بن مَسْعُود فأخرجت فِيهِ عمَارَة وحز رَأسه ثمَّ قدم الْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر فَفعل بِهِ مثل صَاحبه فَيُقَال إِنَّه زهقت نَفسه قبل الْقَتْل لِأَنَّهُ لم يسل مِنْهُ دم وَأما الطَّاهِر بن مَسْعُود فَسَالَ مِنْهُ دم كثير وَأمر سَيِّدي مُحَمَّد ولد السُّلْطَان بمواراته فووري وَأما ابْن الطَّاهِر فَإِنَّهُ رمي على المزبلة ووكل بِهِ الحرس إِلَى أَن أَكلته الْكلاب وَلم يبْق إِلَّا رِجْلَاهُ بالقيد وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود خمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَأما ابْن فَرِحُونَ وَأَصْحَابه فَإِنَّهُم استمروا فِي سجن الجزيرة إِلَى أَن هَلَكُوا
وَاعْلَم أَن هَذِه الْوَقْعَة الهائلة دَالَّة على كَمَال عقل السُّلْطَان ووفور حلمه وفضله حَتَّى أَنه مَا عَامل هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين آذوه أَشد الإذاية إِلَّا بِبَعْض الْبَعْض مِمَّا استوجبوه كَمَا قَالَ وكما رَأَيْت وَعلمت ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن يتغمدنا وَالْمُسْلِمين برحمته ويقينا وإياهم مصَارِع السوء وينيلنا الْأَمْن فِي الدُّنْيَا والفوز فِي الْآخِرَة بجنته إِنَّه على ذَلِك قدير وبالإجابة جدير
ظُهُور الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين الْمُخْتَار بالمغرب الْأَوْسَط وَبَعض أخباره

لما رَجَعَ جَيش السُّلْطَان من تلمسان مَعَ الْمولى على بن سُلَيْمَان حَسْبَمَا مر بَقِي أهل تلمسان فوضى وَرجعت الْحَرْب بَين الْحَضَر من أَهلهَا والكرغلية جَذَعَة وهاجت الْفِتَن بَين قبائل الْعَرَب الَّذين هُنَالك وَاخْتَلَطَ الحابل بالنابل وَكَانَ الْفَقِيه المرابط محيي الدّين عبد الْقَادِر المختاري نِسْبَة إِلَى أحد أجداده الْمَشْهُورين بِتِلْكَ النَّاحِيَة نازلا وسط حلَّة الحشم عِنْد المشاشيل مِنْهُم وَكَانَ متظاهرا بِالْخَيرِ وتدريس الْعلم وَاتخذ زَاوِيَة لطلبة الْعلم وقراء الْقُرْآن فاشتهر عِنْد أُولَئِكَ الْقَبَائِل واعتقدوه فَلَمَّا دهم الْعَدو أهل تِلْكَ الْبِلَاد وجاشت فِيمَا بَينهم الْفِتَن اجْتمع الحشم وَبَعض بني عَامر وتفاوضوا فِيمَا نزل بهم فأجمع رَأْيهمْ على بيعَة الشَّيْخ محيي الدّين الْمَذْكُور فَذَهَبُوا إِلَيْهِ
(3/41)

وعرضوا عَلَيْهِ مَا فِي أنفسهم فتجافى عَن منصب الرياسة وَأظْهر الْوَرع وَاعْتذر بِأَنَّهُ قد شاخ وَذهب مِنْهُ الأطيبان وَإِنَّمَا هُوَ هَامة الْيَوْم أَو غَد فسدكوا بِهِ وتطارحوا عَلَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِم بولده الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين وَكَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ عدَّة أَوْلَاد لَيْسَ الْحَاج عبد الْقَادِر أكبرهم وَلَا أعلمهم وَلَا أَصْلحهم وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ مضاء وإقدام فأسعفوه بِشَرْط أَن يكون نظره منسحبا عَلَيْهِ ومشيرا بِمَا تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَيْهِ وَلما تمّ أَمر الْحَاج عبد الْقَادِر جمع كَتِيبَة من بني عَامر والحشم وزحف إِلَى وهران وَكَانَت يَوْمئِذٍ فِي ملكة النَّصَارَى قد استولوا عَلَيْهَا مُنْذُ سِتَّة أشهر أَو سَبْعَة فأوقع بهم وقْعَة شنعاء قتل فِيهَا وَأسر وأبلغ فِي النكاية وَرجع مظفرا منصورا فتيمنوا بِهِ وأحبوه وَتمكن مِنْهُم ناموسه وَاتخذ عسكرا من الحشم وَبني عَامر لَا بَأْس بِهِ وَلما سمع بِهِ أهل تلمسان وهم أحْوج مَا كَانُوا إِلَى من يقوم بأمرهم وفدوا عَلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْهُم من مبايعة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن صَاحب مراكش وفاس وَأَنَّهُمْ يبايعونه على بيعَته والإعلان بدعوته فأجابهم الْحَاج عبد الْقَادِر إِلَى ذَلِك وَأخذ عَلَيْهِم الْبيعَة وَأظْهر الطَّاعَة والانقياد للسُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وخطب بِهِ على مَنَابِر تلمسان وَغَيرهَا وَولى على تلمسان وأعمالها وزيره أَبَا عبد الله مُحَمَّد البوحميدي الولهاصي وَكتب إِلَى السُّلْطَان يُعلمهُ بِأَنَّهُ بعض خدمه وقائد من قواد جنده واستقام أَمر الْحَاج عبد الْقَادِر وَثبتت قدمه فِي تِلْكَ الإيالة التلمسانية ثمَّ إِن قبيلتي الزمالة والدوائر الَّذين قدمنَا ذكرهم انحرفوا عَن الْحَاج عبد الْقَادِر لأسباب مِنْهَا أَنهم كَانُوا معادين للحشم وَلما قرب الْحَاج عبد الْقَادِر الحشم وجعلهم جنده ازدادت عداوتهم ونفرتهم عَن الْحَاج عبد الْقَادِر وَسَارُوا إِلَى وهران وأعلنوا بدعوة الفرنسيس فقبلهم وحماهم وَحدثت بَينه وَبَين الْحَاج عبد الْقَادِر بسببهم حروب صعبة
حَدثنِي الْأمين السَّيِّد الْحَاج عبد الْكَرِيم ابْن الْحَاج أَحْمد الرزيني التطاوني قَالَ ذهبت سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف إِلَى مَدِينَة وهران بِقصد التِّجَارَة بهَا وَذَلِكَ عقب اسْتِيلَاء الفرنسيس عَلَيْهَا قَالَ وَكنت يَوْمئِذٍ فِي سنّ
(3/42)

الشَّبَاب حِين بقل عِذَارَيْ فأقمت بهَا مُدَّة وَكَانَ الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين إِذْ ذَاك مهادنا لكبير الفرنسيس بوهران والجزائر قد أنزل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِبَلَد الآخر قنصله وتجاره على الْعَادة فِي ذَلِك أَيَّام الْهُدْنَة فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم ورد الْخَبَر بِأَن قبيلتي الزمالة والدوائر من إيالة الْحَاج عبد الْقَادِر وهم نَحْو الْأَلفَيْنِ كَانُوا قد فروا مِنْهُ ونزلوا حول مَدِينَة وهران مستجيرين بالفرنسيس وَقد رفعوا سنجقة وأعلنوا بِأَنَّهُم تَحت حكمه وَمن جملَة رَعيته فَبعث إِلَيْهِم الفرنسيس يعلمهُمْ بِأَنَّهُ قد قبلهم وَلَا يصيبهم مَكْرُوه فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث الْحَاج عبد الْقَادِر مَعَ كَبِير دولته الْحَاج الحبيب ولد الْمهْر المعسكري كتابا إِلَى الفرنسيس يَقُول فِيهِ إِنَّك قد علمت أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين فروا إِلَيْك هم رعيتي وَمن إيالتي وَعَلِيهِ فَلَا بُد أَن تردهم عَليّ وَإِلَّا فالحرب بيني وَبَيْنك فَامْتنعَ الفرنسيس من ردهم وَأجَاب إِلَى الْحَرْب وَاتَّفَقُوا أَن يخرج كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر تجاره الَّذين فِي أرضه وَأَن من بَقِي مِنْهُم بعد ثَلَاث فَهُوَ هدر وَاتَّفَقُوا أَيْضا على أَن يكون القنصلان آخر من يخرج وَأَن يكون خروجهما فِي سَاعَة مَعْلُومَة من اللَّيْل بِحَيْثُ يَلْتَقِيَانِ على المحدة الَّتِي بَين أَرض الْمُسلمين وَأَرْض النَّصَارَى فَفَعَلُوا وخلص كل إِلَى مأمنه
وَلما انْقَضى الْأَجَل تزاحفوا لِلْقِتَالِ فِي يَوْم مَعْلُوم فَكَانَت بَينهم حَرْب يشيب لَهَا الْوَلِيد وَلما كَانَ عشي النَّهَار سمع النَّاس من دَاخل الْبَلَد ضوضاء وجلبة عَظِيمَة وبارودا كثيرا وَإِذا بالحاج عبد الْقَادِر هزم الْكفَّار هزيمَة شنعاء حَتَّى ألجأهم إِلَى سور الْبَلَد وازدحموا على أبوابه وَركب بَعضهم بَعْضًا وَجَاءَت خيالتهم من خَلفهم فركبوهم أَيْضا وَمَشوا عَلَيْهِم ورفسوهم بخيلهم فَهَلَك بِهَذَا الازدحام من الفرنسيس نَحْو أَرْبَعَة آلَاف دون الَّذين هَلَكُوا خَارج الْبَلَد بالكور والرصاص والتوافل والرماح وَاسْتولى الْمُسلمُونَ على معسكر النَّصَارَى بِمَا فِيهِ من مدافع وعجلات وفساطيط وأخبية وأثاث وَكَانَت فتكة بكرا قَالَ الْحَاج عبد الْكَرِيم الْمَذْكُور وَكنت فِي تِلْكَ الْمدَّة مساكنا لبَعض كبراء عَسْكَر الفرنسيس فِي دَار وَاحِدَة فَلَمَّا انْقَضتْ الْوَقْعَة بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ سَأَلته كم ترَاهُ يكون هلك من عَسْكَر الفرنسيس فِي هَذِه الْوَقْعَة قَالَ أقرب لَك أم
(3/43)

أبعد قلت بل أقرب قَالَ أَنا كَبِير من كبراء الْعَسْكَر وَتَحْت نَظَرِي ثَمَان عشرَة مائَة بَقِي مِنْهَا فِي هَذِه الْوَقْعَة ثَمَانِيَة عشر عسكريا انْتهى كَلَام هَذَا الْمخبر
ثمَّ إِن الزمالة والدوائر لجوا فِي مُوالَاة الفرنسيس وأحكموا أَمرهم مَعَه وولوا عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ الْمُصْطَفى بن إِسْمَاعِيل كَانَ هُوَ السَّبَب الْأَكْبَر فِي تملك الفرنسيس بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وَجل الحروب الَّتِي كَانَت تكون بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى فِي تِلْكَ الْمدَّة على يَده إِلَى أَن قتل منتصف سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف ضاعف الله عَلَيْهِ غَضَبه ونقمته وَلما اتَّصل بالسلطان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله مَا عَلَيْهِ الْحَاج عبد الْقَادِر من جِهَاد عَدو الدّين وحماية بَيْضَة الْمُسلمين أعجبه حَاله وَحسنت مَنْزِلَته عِنْده لِأَنَّهُ رأى أَنه قد قَامَ بنصرة الْإِسْلَام على حِين لَا نَاصِر لَهُ فَصَارَ السُّلْطَان رَحمَه الله يمده بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح وَالْمَال الْمرة بعد الْمرة على يَد الْأمين الْحَاج الطَّالِب بن جلون الفاسي وَغَيره وطالت الْحَرْب بَينه وَبَين الفرنسيس وَاسْتولى الفرنسيس فِي بعض الكرات على تلمسان وضايقه الْحَاج عبد الْقَادِر فِيهَا حَتَّى أخرجه مِنْهَا ثمَّ استردها الفرنسيس بعد معارك شَدِيدَة ومواقف صعبة إِلَّا أَن ضَرَر الْحَاج عبد الْقَادِر للفرنسيس كَانَ مَقْصُورا على قتل النُّفُوس واستلاب الْأَمْوَال وَأما الفرنسيس فَكَانَ ضَرَره بِالْمُسْلِمين عَائِدًا على تملك بِلَادهمْ وتنقصها من أطرافها ودام ذَلِك مُدَّة من سِتّ عشرَة سنة
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَقَد كَانَ الْحَاج عبد الْقَادِر هَذَا فِي أول أمره على مَا يَنْبَغِي من المثابرة على الْجِهَاد والدرء فِي نحر الْعَدو وَلَوْلَا أَنه انعكس حَاله فِي آخر الْأَمر وخلصت الأَرْض للفرنسيس وَالله غَالب على أمره
وَفِي سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف ولد مؤلف هَذَا الْكتاب أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي أَخْبَرتنِي والدتي السِّت فَاطِمَة بنت الْفَقِيه السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن قَاسم بن زَرُّوق الحسني الإدريسي الجباري أَنِّي ولدت بعد طُلُوع الْفجْر صَبِيحَة يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة من السّنة
(3/44)

الْمَذْكُورَة وَفِي محرم فاتح سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْوَزير الشهير السَّيِّد الْمُخْتَار بن عبد الْملك الجامعي بمراكش واستوزر السُّلْطَان بعده الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الحاجي النكنافي مُدَّة يسيرَة ثمَّ أَخّرهُ ورد وزيره الأقدم أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس رحم الله الْجَمِيع وَفِي هَذِه السّنة كَانَ الوباء بالمغرب بالإسهال والقيء وغور الْعَينَيْنِ وبرودة الْأَطْرَاف
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورد سُؤال من عِنْد الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين إِلَى عُلَمَاء فاس يَقُول فِيهِ مَا نَصه
الْحَمد لله سادتنا الْأَعْلَام أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الظلام فُقَهَاء الحضرة الإدريسية ومرمى المطالب ومحط الرّحال العيسية أطباء أدواء الدّين ومحقين حَقه ومبطلين باطله ومنتجين قضاياه المتخيلة عقيمة وباطلة جوابكم أبقاكم الله فِيمَا عظم بِهِ الْخطب وَاشْتَدَّ بِهِ الكرب بوطن الجزائر الَّذِي صَار لغربال الْكفَّار جزائر وَذَلِكَ أَن الْعَدو الْكَافِر يحاول ملك الْمُسلمين مَعَ استرقاقهم بِالسَّيْفِ وَتارَة بحيل سياسته وَمن الْمُسلمين من يداخلهم ويبايعهم ويجلب الْخَيل إِلَيْهِم وَلَا يَخْلُو من دلالتهم على عورات الْمُسلمين ويطالعهم وَمن أَحيَاء الْعَرَب المجاورين لَهُم من يفعل ذَلِك ويتمالؤون على الْجُحُود وَالْإِنْكَار فَإِذا طلبُوا بتعيينه جعجعوا وَالْحَال أَنهم يعلمُونَ مِنْهُم الْأَعْين والْآثَار فَمَا حكم الله فِي الْفَرِيقَيْنِ فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَهَل لَهُم من عِقَاب أم يتركون على حَالهم وَمَا الحكم فِيمَن يتَخَلَّف عَن المدافعة عَن الْحَرِيم وَالْأَوْلَاد إِذا استنفره نَائِب الإِمَام للدفاع والجلاد فَهَل يعاقبون وَكَيف عقابهم وَلَا يَتَأَتَّى بِغَيْر قِتَالهمْ وَهل تُؤْخَذ أَمْوَالهم وأسلابهم كَيفَ الْعَمَل فِيمَن يمْنَع الزَّكَاة أَو يمْنَع بَعْضهَا من التحقق بعمارة ذمَّته فِي الْحَال فَهَل يصدق مَعَ قلَّة الدّين فِي هَذَا الزَّمَان أم يكون للِاجْتِهَاد فِيهِ مجَال وَمن أَيْن يرْزق الْجَيْش المدافع عَن الْمُسلمين الساد ثغورهم عَن المغيرين وَلَا بَيت مَال وَمَا يجمع من الزَّكَاة لَا يَفِي بشبعهم فضلا
(3/45)

عَن كسوتهم وسلاحهم وخيلهم ومؤنتهم وزيهم فَهَل تتْرك فيستبيح الْكَافِر الوطن أم يكون مَا يلْزمهُم على جمَاعَة الْمُسلمين وَإِذا كَانَ فَهَل على الْعُمُوم أم على الْأَغْنِيَاء فَقَط وَلَا يُمكن اخْتِصَاص الْأَغْنِيَاء لجفوة الْأَعْرَاب وجهلهم وَهل يعد مَانع المعونة بَاغِيا أم لَا وَمَا حكم أَمْوَال الْبُغَاة وَهل القَوْل بِعَدَمِ ردهَا يجوز الْعَمَل بِهِ أم لَا أجِيبُوا عَمَّا ذكرنَا وَعَما يُنَاسب الْمقَام وَالْحَال مِمَّا لم يحضرنا داووا عللنا أبقاكم الله فقد ضَاقَ من هَذِه الْأُمُور الذرع وَكَاد الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين لضيق الْأَسْبَاب أَن يتخلى عَن الْأَمر ويطرح ثوب الْإِمَارَة والدرع مَأْجُورِينَ وَالسَّلَام فِي تَاسِع عشر من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة صَدره عَن إِذن الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين لطف الله بِهِ
وَقد أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال بِإِشَارَة السُّلْطَان الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد السَّلَام مديدش التسولي بِجَوَاب طَوِيل يشْتَمل على خمس كراريس وَزِيَادَة وَهُوَ مَوْجُود بأيدي النَّاس وَلأَجل مَا كَانَ يصل من هَذِه الْأُمُور من جَانب الْحَاج عبد الْقَادِر كَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله يبْذل مجهوده فِي إمداده بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح وَالْمَال وَغير ذَلِك ثمَّ لم يكن إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعد ظهر يَوْم السبت الْعشْرين من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة المتفنن الْمُحدث أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحَاج الْمَكِّيّ السدراتي السلاوي وَدفن صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد فِي الْجَبانَة الَّتِي قرب ضريح ولي الله تَعَالَى سَيِّدي الْحَاج أَحْمد بن عَاشر وَشهد جنَازَته خلق كثير وأمهم الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْهَاشِمِي طُوبَى وللفقيه أبي الْعَبَّاس الْمَذْكُور شرح حفيل على موطأ الإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ مَوْجُود بأيدي النَّاس
وَفِي سنة أَربع وَخمسين بعْدهَا وَذَلِكَ صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي أَبُو عبد الله طُوبَى الْمَذْكُور آنِفا وَكَانَ رَحمَه الله من قُضَاة الْعدْل وَأهل الْعلم بالنوازل وَالْأَحْكَام مَحْمُود السِّيرَة ذَا سكينَة ووقار
(3/46)

وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ فِي سَابِع جُمَادَى الأولى مِنْهَا كمل بِنَاء الْمنَار بِالْمَسْجِدِ الْأَعْظَم من سلا وَكَانَ الْمنَار الَّذِي قبله قد أَصَابَته صَاعِقَة تداعت لَهَا أَرْكَانه فَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله بنقضه وإعادته جَدِيدا فأعيد على هَيْئَة متقنة أحسن مِمَّا كَانَ وَأعظم وصير عَلَيْهِ بِوَاسِطَة أُمَنَاء مرسى العدوتين ثَلَاثَة آلَاف مِثْقَال وَأَرْبَعمِائَة مِثْقَال وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ مِثْقَالا وست أَوَاقٍ وَثلث الْأُوقِيَّة والريال الْكَبِير يَوْمئِذٍ من سعر سِتّ عشرَة أُوقِيَّة وَكَانَ جلّ الصائر من بَيت المَال وَأقله من مَال الْحَبْس وَكَانَ الَّذِي يتَوَلَّى النظارة يَوْمئِذٍ وَالْقِيَام على الْبناء عَامل سلا الأبر الْأَخير السَّيِّد الْحَاج أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْهَاشِمِي عواد
وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الْمُحَقق البارع أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد السَّلَام التسولي الْمَدْعُو مديدش صَاحب الشَّرْح الْكَبِير على تحفة ابْن عَاصِم فِي الْأَحْكَام وَشرح الشَّامِل وحاشية الزقاقية وَغير ذَلِك من التآليف الحسان رَحمَه الله ونفعنا بِهِ
وَفِي منتصف سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف غزا السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قَبيلَة زمور الشلح وَكَانُوا قد تجاوزوا الْحَد فِي الْإِفْسَاد وإخافة الْعباد والبلاد فأوقع بهم وقْعَة شنعاء كسرت من حَدهمْ وفلت من غربهم وَكتب السُّلْطَان رَحمَه الله فِي ذَلِك إِلَى وَلَده وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد كتابا من إنْشَاء وزيره أبي عبد الله بن إِدْرِيس يَقُول فِيهِ مَا نَصه ولدنَا الأرضى الأبر الأرشد سَيِّدي مُحَمَّد أصلحك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فقد كُنَّا أردنَا الْإِبْقَاء على قَبيلَة زمور رَحْمَة وإشفاقا وَحَملهمْ على الاسْتقَامَة بالإرهاب من الشدَّة فِي بعض الْأُمُور هِدَايَة وإرفاقا فَلم يرد الله بهم خيرا لفساد نيتهم وخبث طويتهم واتكالهم على حَولهمْ وقوتهم فَمَا رَأَوْا منا لينًا وسدادا إِلَّا ازدادوا شدَّة وَفَسَادًا وَلَا أظهرنَا لَهُم عظة وإرشادا إِلَّا أظهرُوا تطاولا وعنادا وَمَا أخرنا الْمحلة المنصورة عَن الرّكُوب إِلَيْهِم إبْقَاء وألفا إِلَّا ظنُّوا ذَلِك عَجزا وضعفا قد طمس الْإِعْجَاب مِنْهُم بصرا وسمعا وَلم يرَوا أَن الله قد أهلك من قبلهم من الْقُرُون من هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة وَأكْثر جمعا
(3/47)

(إِذا أَنْت أكرمت الْكَرِيم ملكته ... وَإِن أَنْت أكرمت اللَّئِيم تمردا)
(وَوضع الندا فِي مَوضِع السَّيْف بالعلى ... مضربه كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندا)
فَلَمَّا رَأينَا لجاجهم فِي عمالهم وَعدم رجوعهم عَن هواهم وَأَنَّهُمْ لم يعتبروا بجلائهم عَن بِلَادهمْ وَلَا بِمَا أَصَابَهُم من الْفِتْنَة فِي أنفسهم وَأَوْلَادهمْ وَلم يراعوا مَا نهب من زرعهم الْقَائِم والحصيد وَلَا مَا استخرج من مخزونهم الْكثير العتيد رَأينَا قِتَالهمْ شرعا وجهادهم ذبا عَن الدّين ودفعا فاعتمدنا على حول الله وقوته وأمرنا بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِم فِي الْأَخْذ والتضييق وَالْمُبَالغَة فِي النهب وَالتَّحْرِيق وتركهم مَحْصُورين فِي أوعارهم ومقهورين فِي أوكارهم إِذْ رب مطاولة أبلغ من مصاولة فتوالت عَلَيْهِم الغارات وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِم النكبات لَا يَجدونَ إِلَى الرَّاحَة سَبِيلا أَيْنَمَا ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا فَفِي كل يَوْم تثمر العوالي رُؤُوس رُؤَسَائِهِمْ وتتخطف أَيدي المنايا أهل بأسائهم وَكلما رادوهم إقداما وطلبا ازدادوا توغلا فِي الْجبَال وهربا حَتَّى نهكتهم الْحَرْب وضرستهم مُوالَاة الطعْن وَالضَّرْب وَضاع بالحصار الْكسْب وَالْمَال وَلحق الضَّرَر الْأَوْلَاد والعيال فَجعلُوا يرحلون لقبائل جوارهم طَالِبين لحلفهم وجوارهم وَبلغ الْبُؤْس فيهم غَايَته وَأظْهر الله فيهم آيَته وهم فِي خلال هَذَا كل حِين يتشفعون ويتذللون فِي قبُول تَوْبَتهمْ ويتضرعون وَنحن نظهر لَهُم التمنع والإباية لنبني أَمرهم على أساس الْجد ونجازيهم على مَا ارتكبوه من خلف الْوَعْد فَلَمَّا أنجزت القهرية فيهم وعدها وَبَلغت الْعقُوبَة فيهم حَدهَا قابلنا إساءتهم بِالْإِحْسَانِ وراعينا فيهم وَجه الْمَسَاكِين وَالنِّسَاء وَالصبيان فولينا عَلَيْهِم مِنْهُم ثَلَاثَة عُمَّال ووظفنا عَلَيْهِم خمسين ألف مِثْقَال وشرطنا عَلَيْهِم تَقْوِيم مِائَتَيْنِ من الحراك مثل قبائل الطَّاعَة والتزام الصّلاح والخدمة جهد الِاسْتِطَاعَة فَقَامُوا بذلك أحسن قيام وأعطوا المراهين فِي أَدَاء المَال بعد أَيَّام وَكَانَ أَخذهم بعد تَقْدِيم الْأَعْذَار وتكرير الْإِنْذَار وعفونا عَنْهُم عَفْو غلب واقتدار وَرب عِقَاب أنتج حسن طَاعَة وتوبة نصوح تداركت مَا سلف من التَّفْرِيط والإضاعة وَفِي النَّاس من لَا يصلح إِلَّا مَعَ التَّشْدِيد وَرَبك يخلق مَا يَشَاء وَيفْعل مَا يُرِيد
(3/48)

(وَمَا عَن رضى مِنْهَا عَطِيَّة أسلمت ... وَلكنهَا قد قادها للهدى الْقَهْر)
(أردنَا بهَا الْإِبْقَاء فازداد عجبها ... وأدبها التَّشْدِيد والفتك والأسر)
وَلَو قيدوا النِّعْمَة بالشكر لأمنوا الزَّوَال {وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال} الرَّعْد 11 وَالسَّلَام فِي فاتح رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام تِسْعَة وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف
انْتِقَاض الْهُدْنَة مَعَ الفرنسيس وتمحيص الْمُسلمين بإيسلي قرب وَجدّة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَت الْهُدْنَة معقودة بَين هَذِه الدولة الشَّرِيفَة وَبَين جنس الفرنسيس من لدن دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله وَلما حدث الشنآن بَين ترك الجزائر والفرنسيس وَاسْتولى الفرنسيس على ثغورهم جَاءَ أهل تلمسان إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله راغبين فِي بيعَته وَالدُّخُول فِي طَاعَته فقبلهم بعد التَّوَقُّف والمشاورة كَمَا مر وَلما أعرى جَيش السُّلْطَان تلمسان وَاجْتمعَ أهل ذَلِك الْقطر على الْحَاج عبد الْقَادِر محيي الدّين تَحت كلمة السُّلْطَان بر بِهِ وَأحسن إِلَيْهِ وقاوم الفرنسيس بِتِلْكَ الْبِلَاد أَشد المقاومة إِلَّا أَن فَائِدَة حربه كَانَت تظهر فِي قتل النُّفُوس واستلاب الْأَمْوَال وَفَائِدَة حَرْب الفرنسيس كَانَت تظهر فِي انتقاص الأَرْض والاستيلاء عَلَيْهَا وشتان مَا بَينهمَا
وَلما كَانَت سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف تمّ اسْتِيلَاء الفرنسيس على جَمِيع بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وَصَارَ الْحَاج عبد الْقَادِر يتنقل فِي أطرافها فَتَارَة بالصحراء وَتارَة ببني يزناسن وَتارَة بوجدة والريف وَغير ذَلِك وَرُبمَا استكثر فِي هَذِه التنقلات بِمن هُوَ من رعية السُّلْطَان أَو جنده فَمد الفرنسيس يَده إِلَى إيالة السُّلْطَان رَحمَه الله فشن الْغَارة على بني يزناسن وعَلى وَجدّة وأعمالها الْمرة بعد الْمرة ثمَّ اقتحم وَجدّة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وانتهبها وَكثر عيثه
(3/49)

فِي الْحُدُود فَكلم من جَانب السُّلْطَان رَحمَه الله فِيمَا ارْتَكَبهُ من إيالته فتعلل بِأَن الْهُدْنَة قد انتقضت بإمداد الْحَاج عبد الْقَادِر بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح وَالْمَال الْمرة بعد الْمرة وبمحاربة جَيش السُّلْطَان المرابط على الْحُدُود لَهُ وبمحاربة بني يزناسن لَهُ مَعَ الْحَاج عبد الْقَادِر وَغير ذَلِك مِمَّا اعْتد بِهِ وَكَانَ الْحَاج عبد الْقَادِر فِي هَذِه الْمدَّة قد فَسدتْ نِيَّته أَيْضا فِي السُّلْطَان وَفِي الْجِهَاد مَعَ أَنه مَا كَانَ لجهاده ثَمَرَة ورام الِاسْتِقْلَال وَأخذ فِي استفساد الْقَبَائِل الَّذين هُنَالك وَتحقّق السُّلْطَان بأَمْره وشرى الشَّرّ وتفاقم الْأَمر فَعمد السُّلْطَان رَحمَه الله على حَرْب الفرنسيس وَتقدم إِلَى أهل الثغور بالاستعداد والحراسة وإرهاف الْحَد لما عَسى أَن يحدث ثمَّ عقد لِابْنِ عَمه الْمولى الْمَأْمُون بن الشريف على كَتِيبَة من الْجند ووجهها إِلَى نَاحيَة وَجدّة وعززه بالفقيه أبي الْحسن عَليّ بن الجناوي من أَعْيَان رِبَاط الْفَتْح فَكَانَت لَهُم مناوشة مَعَ رابطة الفرنسيس الَّتِي هُنَالك ثمَّ أَخذ السُّلْطَان رَحمَه الله فِي أَسبَاب الْغَزْو والاستعداد التَّام وحشد الْجنُود واتخاذ الرَّايَات والبنود واستنفار الْقَبَائِل وَقَالَ فِي ذَلِك الْوَزير ابْن إِدْرِيس أشعارا يستنفر بهَا أهل الْمغرب ويحضهم على الْجِهَاد وإيقاظ العزائم لَهُ من ذَلِك قَوْله
(يَا أهل مغربنا حق النفير لكم ... إِلَى الْجِهَاد فَمَا فِي الْحق من غلط)
(فالشرك من جنبات الشرق جاوركم ... من بعد مَا سلم أهل الدّين بالشطط)
(فَلَا يَغُرنكُمْ من لين جَانِبه ... مَا عَاد قبل على الْإِسْلَام بالسخط)
(فَعنده من ضروب الْمَكْر مَا عجزت ... عَن دركه فكرة الشبَّان والشمط)
(فواتح الْمَكْر تبدو من خواتمه ... فَعنده الْمَكْر وَالْمَكْرُوه فِي نمط)
(وَأَنْتُم الْقَصْد لَا تبقن فِي دعة ... إِن السّكُون إِلَى الأعدا من السقط)
(من جاور الشَّرّ لَا يعْدم بوائقه ... كَيفَ الْحَيَاة مَعَ الْحَيَّات فِي سقط)
(قد يغبط الْحر فِي عز يخلده ... وَلَيْسَ حَيّ على ذل بمغتبط)
وَفِي هَذَا الشّعْر تضمين بَيت ابْن الْعَسَّال وَهُوَ مَشْهُور فَاجْتمع للسُّلْطَان رَحمَه الله فِي هَذَا الاستنفار ثَلَاثُونَ ألف فَارس تزيد قَلِيلا أَو تنقص قَلِيلا فِيهَا
(3/50)

الْجند وحصص الْقَبَائِل فِي أكمل شكة وَأحسن زِيّ وَلم يشهدها من الودايا سوى نفر يسير لأَنهم كَانُوا فِي زَاوِيَة الإهمال عِنْد السُّلْطَان ثمَّ عقد رَحمَه الله على هَذِه الْجنُود لوَلَده وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَسَار حَتَّى نزل بوادي إيسلي من أَعمال وَجدّة وَكَانَ الْحَاج عبد الْقَادِر لَا زَالَ جائلا فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَمَعَهُ نَحْو خَمْسمِائَة فَارس مِمَّن كَانَ قد بَقِي مَعَه من أهل الْمغرب الْأَوْسَط لِأَن حَاله كَانَ قد أَخذ فِي التراجع والانحطاط وَلم تبْق لَهُ هُنَالك كَبِير فَائِدَة بل انْقَلب نَفعه ضَرَرا وحزمه خورا بِفساد نِيَّته واستفساده لجند السُّلْطَان ورعيته وَلما احتل الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد بإيسلي وعسكر بِهِ جَاءَهُ الْحَاج عبد الْقَادِر يسْتَأْذن عَلَيْهِ فِي الِاجْتِمَاع بِهِ فَأذن لَهُ وَاجْتمعَ بِهِ وَهُوَ على فرسه فدار بَينهمَا كَلَام كَانَ من جملَته أَن قَالَ الْحَاج عبد الْقَادِر إِن هَذِه الْفرش والأثاث والشارة الَّتِي جئْتُمْ بهَا حَتَّى وضعتموها بِبَاب جَيش الْعَدو لَيْسَ من الرَّأْي فِي شَيْء وَمهما نسيتم فَلَا تنسوا أَن لَا تلاقوا الْعَدو إِلَّا وَأَنْتُم متحملون منكمشون بِحَيْثُ لَا يبْقى لكم خباء مَضْرُوب على الأَرْض وَإِلَّا فَإِن الْعَدو مني رأى الأخبية مَضْرُوبَة لم ينْتَه دون الْوُصُول إِلَيْهَا وَلَو أفنى عَلَيْهَا عساكره وَبَين كَيفَ كَانَ هُوَ يقاتله وَكَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْهُ صَوَابا إِلَّا أَنه لم ينجع فِي الْقَوْم لانفساد البواطن وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَرُبمَا انتهره بعض حَاشِيَة الْخَلِيفَة على التفصح بمحضره وَالْإِشَارَة عَلَيْهِ فَبل استيشاره فَرجع الْحَاج عبد الْقَادِر عوده على بدئه وانتبذ نَاحيَة فِي جَيْشه ولسان حَاله يَقُول لم آمُر بهَا وَلم تسؤني وَلما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي وَقعت الْحَرْب صبيحتها جَاءَ رجلَانِ من أَعْرَاب تِلْكَ النَّاحِيَة وطلبوا الدُّخُول على الْحَاجِب وَهُوَ الْفَقِيه السَّيِّد الطّيب بن الْيَمَانِيّ الْمَدْعُو بِأبي عشْرين فدخلا عَلَيْهِ وَقَالا إِن الْعَدو عازم على أَن يصبحكم غَدا إِن شَاءَ الله فَاسْتَعدوا لَهُ وأعلموا الْأَمِير فَيُقَال إِن الْحَاجِب قَالَ إِن الْأَمِير الْآن نَائِم وَلست بِالَّذِي أوقظه ثمَّ جَاءَ عقب ذَلِك أَرْبَعَة أنَاس آخَرُونَ يعلمُونَ بِأَمْر الْعَدو فَكَانَ سبيلهم سَبِيل الْأَوَّلين وَلما طلع الْفجْر وَصلى الْخَلِيفَة الصُّبْح جَاءَ عشرَة من الْخَيل قيل من الْعَرَب وَقيل من حرس الْخَلِيفَة فأعلموا بمجيء الْعَدو وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ قد أَخذ
(3/51)

فِي الرحيل فَأمر الْخَلِيفَة رَحمَه الله النَّاس بالركوب والاستعداد وَأَن لَا يبْقى بالمحلة إِلَّا الرُّمَاة وَكَانُوا دون الْألف وَبعث إِلَى بني يزناسن بالركوب فَرَكبُوا فِي أُلُوف كَادَت تَسَاوِي جَيش الْخَلِيفَة وَصَارَت الْخَيل نَحْو الْعَدو مصطفة مد الْبَصَر وراياتها تخفق على هَيْئَة عَجِيبَة وترتيب بديع وَكَانَ الْخَلِيفَة سائرا فِي وَسطهمْ ناشرا المظلة على رَأسه رَاكِبًا على فرس أَبيض وَعَلِيهِ طيلسان أرجواني قد تميز بزيه وشارته وَلما تقَارب الجيشان جعلت الفرسان تبرز من الصُّفُوف كَأَنَّمَا تتعجل الْقِتَال فَأمر الْخَلِيفَة رَحمَه الله بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار وَالسير بسير النَّاس
ثمَّ لما التقى الْجَمْعَانِ وانتشبت الْحَرْب رصد الْعَدو الْخَلِيفَة وقصده بِالرَّمْي مَرَّات عديدة حَتَّى سَقَطت بنبة أَمَام حَامِل المظلة وجمح فرسه بِهِ وَكَاد يسْقط وَلما رأى الْخَلِيفَة ذَلِك غير زيه بِأَن أسقط المظلة ودعا بفرس كميت فَرَكبهُ وَلبس طيلسانا آخر فاختفى حِينَئِذٍ وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد أَحْسنُوا دفاع الْعَدو وصدموه صدمة قَوِيَّة برقتْ لَهُم بهَا بارقة وَكَانَت خيلهم تنفر من صَوت المدافع وَلَكنهُمْ كَانُوا يقحمونها إقحاما وثبتوا فِي نحر الْعَدو مِقْدَار سَاعَة وَلما التفتوا إِلَى جِهَة الْخَلِيفَة وَلم يروه بِسَبَب تغير زيه خَشَعت نُفُوسهم وَقَالَ المرجفون إِن الْخَلِيفَة قد هلك فماج النَّاس بَعضهم فِي بعض وتسابق الشراردة إِلَى الْمحلة فعمدوا إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ المَال فانتهبوه وتقاتلوا عَلَيْهِ وتبعهم غَيرهم مِمَّن كَانَ الرعب قد ملك قلبه وَجعل النَّاس يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى ظهر الفشل فِي الْجَيْش من كل جِهَة فَتقدم بعض الْحَاشِيَة إِلَى الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن النَّاس قد انْهَزمُوا وهم الْآن بالمحلة يقتل بَعضهم بَعْضًا ويسلب بَعضهم بَعْضًا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله والتفت فَرَأى مَا هاله من أَمر النَّاس فَرجع عوده على بدئه وَانْهَزَمَ من كَانَ قد بَقِي مَعَه عَن آخِرهم وتبعهم الْعَدو يَرْمِي الكور والضوبلي من غير فَتْرَة وَثَبت الله بعض الطبجية بالمحلة وَلَكِن سَالَ الْوَادي فطم على الْقرى وَنفذ أَمر الله وَلم يهْزم الْمُسلمين إِلَّا الْمُسلمُونَ كَمَا رَأَيْت وَلما استولى الْعَدو على الْمحلة فر النهاب الَّذين كَانُوا
(3/52)

بهَا وَبقيت فِي يَده بِمَا فِيهَا وَكَانَت مُصِيبَة عَظِيمَة وفجيعة كَبِيرَة لم تفجع الدولة الشَّرِيفَة بِمِثْلِهَا وَكَانَ هَذَا الْحَادِث الْعَظِيم فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة من النَّهَار منتصف شعْبَان سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما رَجَعَ المنهزمة تفَرقُوا شذر مذر وَأهْلك النَّاس الْعَطش والجوع والتعب حَتَّى كَانَ نسَاء عرب آنكاد يستلبنهم كَيفَ شئن وانْتهى الْخَلِيفَة إِلَى تازا فَأَقَامَ بهَا أَرْبَعَة أَيَّام ريثما اجْتمع إِلَيْهِ الرُّمَاة وضعاف الْجَيْش ثمَّ قدم فاسا وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قادما من مراكش إِلَى فاس فاتصل بِهِ خبر الْوَقْعَة وَهُوَ برباط الْفَتْح فَنَهَضَ إِلَى فاس مجدا واتصل بِهِ فِي أثْنَاء طَرِيقه خبر وقعتين اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وهما هجوم الفرنسيس على طنجة والصويرة ورميه إيَّاهُمَا بألوف من الكور والبنب وَوَقع بالصويرة حَادث عَظِيم بِسَبَب الغوغاء الَّذين بِالْبَلَدِ والشياظمة المجاورين لَهُم فَإِنَّهُم لما رَأَوْا الْعَدو دخل الجزيرة ظنُّوا أَنه سيدخل الْبَلَد فمدوا أَيْديهم للنهب وَكَانَ ذَلِك أَولا فِي الْيَهُود ثمَّ عَم غَيرهم وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لست أذكرهُ فَكَانَ هَذَا مِمَّا زَاد غيظ السُّلْطَان وكمده فَعمد إِلَى جمَاعَة من قواد الْجَيْش وَحلق لحاهم تأديبا لَهُم
وَذكر منويل هَذِه الْوَقْعَة فَزعم أَن عَسَاكِر الفرنسيس كَانَت يَوْمئِذٍ عشرَة آلَاف وَإنَّهُ كَانَ غَرَضه محاربة الَّذين كَانُوا يحاربونه على أَطْرَاف الْبِلَاد حَتَّى لقد أعْطى خطّ يَده للنجليز أَنه إِذا حَارب وَغلب لَا يتَمَلَّك من أَرض الْمغرب شَيْئا قَالَ فَلذَلِك لما وَقعت الْهَزِيمَة بعث بإثرها رسله يطْلب الصُّلْح مَعَ أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن لم يظْهر عَجزا وَلَا فل ذَلِك من غربه بل اسْتَأْنف الْجد وَشرع فِي جمع الْعدَد اه كَلَامه
ثمَّ إِن السُّلْطَان رَحمَه الله هادن الفرنسيس على يَد الْفَقِيه أبي سلهام بن عَليّ آزطوط عَامل طنجة والعرائش على شُرُوط ثَمَانِيَة من جُمْلَتهَا نفي الْحَاج عبد الْقَادِر من تِلْكَ الْبِلَاد لما فِي بَقَائِهِ هُنَالك من آثاره الْفِتْنَة بَين الدولتين بِلَا فَائِدَة ودعت الْمصلحَة الوقتية السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَى أَن أسقط عَن جنس
(3/53)

الدينمرك وجنس السويد مَا كَانَا يؤديانه إِلَى الدولة الْعلية كل سنة فَالْأول خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف ريال وَالثَّانِي عشرُون ألف ريال وَكَذَلِكَ أسقط عَن غَيرهم وظائف أخر والأمور كلهَا بيد الله {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون} الْأَنْبِيَاء 23
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف أخذت السِّكَّة فِي الِارْتفَاع وَكَانَ الريال الْكَبِير ذُو المدفع بست عشرَة أُوقِيَّة والريال الصَّغِير الإفرنك بِخمْس عشرَة أُوقِيَّة والبندقي بِثَلَاثِينَ أُوقِيَّة وَالدِّرْهَم الصَّغِير بِأَرْبَع موزونات وَالْكَبِير بست موزونات وَلما أخذت السِّكَّة فِي الِارْتفَاع أخذت الأسعار فِي الِارْتفَاع أَيْضا وحاول السُّلْطَان رَحمَه الله حصرها فَلم تَنْحَصِر وَعلة ذَلِك وَالله أعلم أَنه لما وَقع مَعَ الفرنسيس هَذَا الصُّلْح وَأسْقط السُّلْطَان عَن الْأَجْنَاس مَا كَانَت تُؤَدِّيه كثر خطارهم وتجارهم بمراسي الْمغرب وازدادت مخالطتهم وممازجتهم لأَهله وَكَثُرت تِجَارَتهمْ فِي السّلع الَّتِي كَانُوا ممنوعين مِنْهَا وَانْفَتح لَهُم بَاب كَانَ مسدودا عَلَيْهِم من قبل فَظهر أثر ذَلِك فِي السِّكَّة وَفِي السّلع أما السِّكَّة فَلِأَن سكتهم كَانَت هِيَ الْغَالِبَة وَهِي أَكثر روجانا من سكَّة الْمغرب فَلَا بُد أَن يكون الحكم والتأثير لَهَا والتجار يعتبرون فِيهَا من الفضول والأرباح الناشئة عَن تغاير القطرين مَا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ غَيرهم من الْعَامَّة وتبعهم على ذَلِك تجار الْمُسلمين وَأما السّلع فَلِأَن تجار النصاري يغالون فِي أثمانها أَكثر من غَيرهم كَمَا هُوَ مشَاهد ثمَّ مَا دَامَت بِلَاد الفرنج مترقية فِي التمدن وَحسن التَّرْتِيب واتساع الْأَمْن وَالْعدْل إِلَّا وسككنا وأسعارنا دائمة الترقي فِي الغلاء على نِسْبَة كَثْرَة المخالطة واتساع مَادَّة البيع وَالشِّرَاء فَتَأَمّله وَالله الْمُوفق
وَفِي هَذِه السّنة ثار أهل رِبَاط الْفَتْح على عاملهم الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج مُحَمَّد السُّوسِي وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج الطَّاهِر الزُّبْدِيُّ من أهل الوجاهة بالرباط ومتبوع الْعقب فِيهَا وَكَانَ كثيرا مَا يُجَالس
(3/54)

الْعَامِل الْمَذْكُور ويدلي عِنْده بالصداقة والمودة فَيُقَال إِنَّه تشفع عِنْده فِي بعض أهل الْبَلَد فَرد شَفَاعَته فَغَضب الزُّبْدِيُّ وَعظم عَلَيْهِ ذَلِك وَكَانَ أهل الْبَلَد قد سئموا ملكة السُّوسِي ومرضوا فِي طَاعَته لأسباب تعدها الرّعية على الْعمَّال فجَاء الزُّبْدِيُّ إِلَى منزله وَجمع جمَاعَة من أَعْيَان الْبَلَد مِمَّن يعلم انحرافهم عَن الْعَامِل الْمَذْكُور وأطعمهم وأطلعهم على خبيئة صَدره فِي أَمر الْعَامِل فَوَجَدَهُمْ إِلَيْهِ سرَاعًا فتحالفوا وتعاهدوا على أَن لَا يبْقى مُتَوَلِّيًا عَلَيْهِم بِحَال ثمَّ مَشوا إِلَيْهِ وأنذروه وتقدموا إِلَيْهِ بِأَن يلْزم بَيته ثمَّ أجمع رَأْيهمْ على تَقْدِيم الزُّبْدِيُّ مَكَانَهُ فقدموه وَضبط أَمر الْبَلَد واتصل الْخَبَر بالسلطان رَحمَه الله وَهُوَ بفاس فَقَامَ وَقعد وَكتب إِلَيْهِم بالوعظ والتقريع فصموا عَن سَمَاعه وتمادوا على شَأْنهمْ ثمَّ بعث إِلَيْهِم الْقَائِد الطّيب الوديني البُخَارِيّ يتَوَلَّى عَلَيْهِم وَيقبض على أهل الْفساد مِنْهُم فأفحشوا عَلَيْهِ وطردوه من الْبَلَد مَعَ الْعشي فَعبر إِلَى سلا فِي مطر غزير وَرجع إِلَى السُّلْطَان فَأعلمهُ الْخَبَر فاحتال السُّلْطَان رَحمَه الله بِأَن بعث الْفَقِيه الْكَاتِب أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن الْمُخْتَار الجامعي فَقدم رِبَاط الْفَتْح وَجمع أعيانها وَخَيرهمْ فِيمَن يتَوَلَّى عَلَيْهِم فَاخْتَارُوا الزُّبْدِيُّ فولاه السُّلْطَان عَلَيْهِم وحمدوا سيرته وَبعد نَحْو سِتَّة أشهر قدم السُّلْطَان رِبَاط الْفَتْح وتريث بهَا مُدَّة حَتَّى نقر عَن رُؤُوس الْفِتْنَة فَقبض عَلَيْهِم وعَلى قائدهم الزُّبْدِيُّ وَبعث بهم إِلَى فاس فسجنوا بهَا ثمَّ سرحوا بعد حِين
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف نَهَضَ السُّلْطَان من فاس ونهض الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد من مراكش والتقيا بمشرع أبي الأعوان من دكالة وعيدا هُنَالك عيد المولد الْكَرِيم ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى مراكش وَانْحَدَرَ الْخَلِيفَة إِلَى فاس وَفِي هَذَا الْعِيد بعث أَبُو عبد الله أكنسوس إِلَى السُّلْطَان بالقصيدة
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف تمّ بِنَاء البرج الْكَبِير بسلا الْمَعْرُوف بالصقالة الجديدة وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله شرع فِي بنائِهِ زمَان انْتِقَاض الصُّلْح مَعَ الفرنسيس وَتمّ فِي هَذِه الْمدَّة على أكمل الْأَحْوَال وأحسنها
(3/55)

بَقِيَّة أَخْبَار الْحَاج عبد الْقَادِر وانقراض أمره وَمَا آل إِلَيْهِ حَاله

قد قدمنَا مَا كَانَ من فَسَاد نِيَّة الْحَاج عبد الْقَادِر وَأَنه رام الاستبداد بل والتملك على الْمغرب فَلَمَّا كَانَت الْهَزِيمَة بإيسلي ازْدَادَ طمعه فَصَارَ يَدْعُو أهل النواحي إِلَى مبايعته وَالدُّخُول فِي طَاعَته وَكَاتب الْخَواص من أهل فاس والدولة وكاتبوه على مَا قيل ثمَّ احتال بِأَن بعث جمَاعَة وافرة من الحشم وَبني عَامر شيعته إِلَى السُّلْطَان قدمهم أَمَامه فِي صُورَة هراب مستجيرين بالسلطان فقبلهم السُّلْطَان وأنزلهم على نهر سبو ثمَّ تقدم الْحَاج عبد الْقَادِر حَتَّى وصل إِلَى الْقعدَة الْحَمْرَاء بَين التسول والبرانس وَكَانَ قَصده أَن يجْتَمع بشيعته ويصل يدهم بِيَدِهِ وَيتم لَهُ مَا أَرَادَ فَلَمَّا أطلع السُّلْطَان على دسيسته بعث إِلَى أُولَئِكَ الْجَمَاعَة عسكرا من الشراردة عَلَيْهِم الْقَائِد إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الأكحل فاجتاحوهم بعد جهد جهيد وقتال شَدِيد من ذَلِك أَنهم اعتصموا بِرَبْوَةٍ وَجعلُوا يُقَاتلُون على حريمهم وَكَانُوا رُمَاة لَا تسْقط لَهُم رصاصة فِي الأَرْض فَكَانُوا كلما تَوَجَّهت إِلَيْهِم طَائِفَة من الْجَيْش استأصلوها بالرصاص وَكَانُوا يجمعُونَ موتاهم وينصبونهم أشبارا يتترسون بِهِ ويقاتلون من خَلفه وَلما أعيا الْجَيْش أَمرهم حملُوا عَلَيْهِم حَملَة وَاحِدَة حَتَّى خالطوهم فِي معتصمهم وجالدوهم بِالسُّيُوفِ وطاعنوهم بِالرِّمَاحِ والتوافل وَانْقطع البارود فَكَانُوا يقتلُون أَبْنَاءَهُم ونساءهم بِأَيْدِيهِم فِرَارًا من السَّبي والعار ثمَّ جعلُوا يقتلُون أنفسهم حِين تحققوا أَنهم فِي قَبْضَة الأسار وَبعد هَذَا وَجه السُّلْطَان وَلَده سَيِّدي مُحَمَّدًا لحسم دائه فِي جَيش كثيف وَكَانَ رَئِيس الْجَيْش وكبيره بعد الْخَلِيفَة الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشَّرْقِي الْمَدْعُو أَبَا مُحَمَّد وَكَانَ لَهُ ذكر فِي الشجَاعَة والرأي وَلما وصل الْخَلِيفَة إِلَى سلوان بعث إِلَيْهِ الْحَاج عبد الْقَادِر جمَاعَة فيهم وزيره أَبُو عبد الله البوحميدي يتنصل مِمَّا رمي بِهِ وَأَنه لَا زَالَ على الطَّاعَة والخدمة للسُّلْطَان وَقدمُوا إِلَى الْخَلِيفَة هَدِيَّة ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن يقدموا على السُّلْطَان رَحمَه الله فينهوا إِلَيْهِ الْأَمر وَالْعَمَل على مَا قَالَ
(3/56)

فَوجه مَعَهم الْخَلِيفَة من يصحبهم إِلَى أَبِيه بفاس وَفِي أثْنَاء ذَلِك عمد الْحَاج عبد الْقَادِر ذَات لَيْلَة إِلَى طَائِفَة من جنده نَحْو الْخمس عشرَة مائَة على مَا قيل كلهم بَطل مجرب انتقاهم انتقاء وَكَانَ جَيش الْخَلِيفَة منقسما قسمَيْنِ بعضه مَعَه وَبَعضه مَعَ أَخِيه الْمولى أَحْمد فضمد الْحَاج عبد الْقَادِر إِلَيْهِمَا
(فِي لَيْلَة من جُمَادَى ذَات أندية ... لَا يبصر الْكَلْب من ظلمائها الطنبا)
بِتِلْكَ الْعصبَة الَّذين هم فتيَان الكريهة ومساعير الهيجاء وجمرات الْحَرْب كالما شهد بهم الوقائع وخاض غَمَرَات الْمَوْت مَعَ الفرنسيس وَغَيره فَلم يقف بهم إِلَّا بَين المجلتين وأطلقوا الرصاص مثل الْمَطَر وَأَرْسلُوا حراقيات على الْجمال وتهاويل مفزعة فماج النَّاس فِي ذَلِك الظلام الْغَاسِق وَنزل بهم من الهول مَا يقصر اللِّسَان عَن وَصفه وَقَامَ الْخَلِيفَة فَجعل يسكن النَّاس بِنَفسِهِ ويمنعهم من الرّكُوب خوف الْفِرَار وَأمر الْعَسْكَر والطبجية بِالرَّمْي بالكور والضوبلي فَكَانُوا يرْمونَ إِلَى جِهَة محلّة الْمولى أَحْمد ظنا مِنْهُم أَن الْعَدو لَا زَالَ مقابلهم ومحلة الْمولى أَحْمد يرْمونَ إِلَى جهتهم كَذَلِك فَهَلَك من المحلتين بِسَبَب ذَلِك بشر كثير وَأما الْحَاج عبد الْقَادِر فَإِنَّهُ فر فِي أَصْحَابه بعد أَن حملُوا الْكثير من موتاهم مَعَهم وَكَانَ للقائد مُحَمَّد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة ذكر وَلما أصبح النَّاس وتفقدوا حَالهم وجدوا فيهم من الْجَرْحى نَحْو الْألف وَمن الْقَتْلَى مَا يقرب ذَلِك وَأصْبح حول الْمحلة من قَتْلَى أَصْحَاب الْحَاج عبد الْقَادِر الَّذين أجهضهم الْقِتَال عَن حملهمْ نَحْو الْخمسين وأسروا نَفرا أَحيَاء فشاهدوا من طمأنينتهم عِنْد الْقَتْل مَا قضوا مِنْهُ الْعجب ووجدوا عَلَيْهِم كسى رفيعة مطرزة بالصقلى وَالْحَرِير وَنَحْو ذَلِك فَلَقَد كَانَ للرجل اعتناء بالجيش كَمَا نرى ثمَّ إِن الْخَلِيفَة رَحمَه الله أَمر بِاتِّبَاع الْحَاج عبد الْقَادِر فتبعته الْكَتَائِب المختارة فَكَانَ اللِّقَاء ثَانِيًا بمشرع الرحائل من وَادي ملوية قرب الْبَحْر عِنْد مسْقط ملوية فِي الْبَحْر فصدمته الجيوش صدمة أُخْرَى فنى فِيهَا كماته وَكسرت شوكته وفل حَده وخشعت نَفسه وأيس من جبر حَاله ففر إِلَى الفرنسيس ولجأ إِلَيْهِ وَترك محلته بِمَا فِيهَا فاستولى جَيش الْخَلِيفَة عَلَيْهَا
(3/57)

حكى من حضر أَن الْخَيل كَانَ يطردون الْجَمَاعَة من أَصْحَاب الْحَاج عبد الْقَادِر وهم راجلون ليأسروهم فَمَا كَانُوا يدركونهم إِلَّا بعد الْمسَافَة الْبَعِيدَة جدا وَالْحَاصِل أَن مقَام هَذَا الرجل فِي الشجَاعَة مَعْرُوف وبصارته بمكائد الْحَرْب مَعْلُومَة لَوْلَا مَا ذَكرْنَاهُ من انعكاس حَاله ورومه الاستبداد وخلعه طَاعَة الإِمَام الْحق الَّذِي كَانَت بيعَته فِي عُنُقه
وَاعْلَم أَنه قد يقف بعض المنتقدين على مَا حكيناه من أَخْبَار هَذَا الرجل فينسبنا إِلَى تعصب وَسُوء أدب وَالْجَوَاب أَنا مَا حكينا إِلَّا الْوَاقِع وَأَيْضًا فَلَقَد قَالَ لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله حضرت يَوْمًا بَين يَدي السُّلْطَان أبي عنان فِي بعض وفاداتي عَلَيْهِ لغَرَض الرسَالَة وَجرى ذكر بعض أعدائه فَقلت مَا أعتقد فِي إطراء ذَلِك الْعَدو وَمَا عَرفته من فَضله فَأنْكر عَليّ بعض الْحَاضِرين مِمَّن لَا يحطب إِلَّا فِي حَبل السُّلْطَان فصرفت وَجْهي وَقلت أيدكم الله تحقير عَدو السُّلْطَان بَين يَدَيْهِ لَيْسَ من السياسة فِي شَيْء بل غير ذَلِك أَحَق وَأولى فَإِن كَانَ السُّلْطَان قد غلب عدوه كَانَ قد غلب غير حقير وَهُوَ الأولى بفخره وجلالة قدره وَإِن غَلبه الْعَدو لم يغلبه حقير فَيكون أَشد للحسرة وآكد للفضيحة فَوَافَقَ رَحمَه الله على ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وشكر عَلَيْهِ وخجل الْمُعْتَرض اه
وَلما كَانَ هَذَا الْفَتْح كتب السُّلْطَان إِلَى الْبِلَاد وزينت الْأَسْوَاق وأعلمت المفرحات وَنَصّ مَا كتب بِهِ السُّلْطَان بعد الِافْتِتَاح وَبعد فَإِن الْفَاسِد الفتان وَخَلِيفَة الشَّيْطَان أبعد فِي الجسارة وامتطى مطي الخسارة وَاسْتَوْسَعَ سَبِيل العناد واستضل سَبِيل الرشاد وَقَالَ من أَشد مِنْهُ قُوَّة وسولت لَهُ نَفسه الأمارة الاتصاف بالإمارة وَأَرَادَ شقّ عَصا الْإِسْلَام وصدع مهج الْأَنَام فأعلن بِكُل قَبِيح وَاسْتشْكل كل صَرِيح واستبطن الْمَكْر وَالْخداع وفَاق فِيهِ عابدي ود وسواع وشاع فِي طرف الإيالة ضَرَره وساء مخبره وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يظْهر مظَاهر يستهوي بهَا أهل الْجَهَالَة والعماية والضلالة فأيسنا من رشده وعرفنا مُضْمر قَصده فجهزنا لَهُ محلّة منصورة ذَات أَعْلَام منشورة جعلنَا فِي وَسطهَا ولدنَا الأبر سَيِّدي مُحَمَّد أصلحه الله وأسندنا إِلَيْهِ
(3/58)

أمرهَا وقلدناه تدبيرها وعهدنا إِلَيْهِ أَن يسْعَى فِي حقن الدِّمَاء جهد الْإِمْكَان ويحتال على إِقَامَة أود هَذَا الفتان وَأَن يعالج داءه بِكُل دَوَاء وَأَن لَا يتبع فِيهِ الْأَغْرَاض والأهواء وَأَن يَجْعَل الْقِتَال آخر عمله وَعَدَمه غَايَة أمله فَلَمَّا رأى عَدو نَفسه إحاطة الجيوش بِهِ وَجه وَفْدًا من قبله يَدعِي التَّوْبَة فِيمَا مضى والكون على وفْق الْمُقْتَضى فأجبناهم بِأَن أحب الحَدِيث إِلَى الله أصدقه إِن صَاحبكُم هَذَا إِن أَرَادَ الْخَيْر لنَفسِهِ واحتاط لدينِهِ وَعمل لرمسه يخْتَار أحد أَمريْن أما أَن يدْخل لإيالتنا هُوَ وَمن مَعَه آمِنين على أنفسهم ومالهم لَهُم وَمَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا أَو يصحر فطلبوا منا الْإِمْهَال حَتَّى يوجهوا بَعضهم يخبرونه بالملاقاة ويستدركون الْأَمر قبل الْفَوات فأجبناهم إِلَى ذَلِك فَمَا وصلوا حَتَّى ضرب على الْمحلة لَيْلًا فَرده الله بالخيبة وأشوه أوبة وَترك قتلاه صرعى بعد مَا حمل مِنْهُم عددا وَجعل يدْفن مِنْهُم فِي قفوله ويخفي مَا حل بِهِ فِي أفوله فتقدمت إِلَيْهِ الْمحلة الْغَالِبَة بِاللَّه وقاتلته قتالا أذاقته فِيهِ الوبال والخبال فَكَانَت الكرة عَلَيْهِ فأجفل إجفال النعام واستدبر المعركة وهام وَمَات من خاصته ورؤسائه وَأهل شدته وَذَوي بأسائه عدد مُعْتَبر وَمن هُوَ أدهى وَأمر وعادت جموعه جمع تكسير وجيوشه موزعة بَين قَتِيل وأسير وسخر بهم بعد أَن كَانُوا ساخرين وغلبوا هُنَالك وانقلبوا صاغرين وَمن الله أَسْتَمدّ التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة إِلَى أرشد طَرِيق وَالسَّلَام فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من محرم الْحَرَام فاتح سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف وَأما الْحَاج عبد الْقَادِر فَإِنَّهُ فر إِلَى الفرنسيس كَمَا قُلْنَا فَبَقيَ عِنْده مُدَّة
قَالَ صَاحب قطف الزهور مَا صورته لما فر الْحَاج عبد الْقَادِر إِلَى الفرنسيس بَقِي عِنْدهم سِتّ سِنِين ثمَّ أعْتقهُ نابليون الثَّالِث وَعين لَهُ مُرَتبا سنويا يدْفع إِلَيْهِ من بَيت مَال الدولة فسكن دمشق الشَّام وَلم يزل قاطنا بهَا إِلَى هَذَا الْيَوْم اه قلت وَهُوَ الْآن فِي قيد الْحَيَاة حَسْبَمَا يبلغنَا وَالله تَعَالَى يتَوَلَّى أَمر الْمُسلمين ويتداركهم بِلُطْفِهِ وفضله آمين
(3/59)

قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس وَفِي ضحى يَوْم الْإِثْنَيْنِ الرَّابِع من الْمحرم فاتح سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْوَزير الْأَعْظَم الْفَقِيه الْأَجَل الأكرم إِمَام عملة اليراع ومقدم حَملَة ذَلِك الشراع مقلد الدولة بقلائد النثار والنظام فِي المواقف الْعِظَام والمزري ببدائعه وأوابده وروائعه ببديع الزَّمَان وَالْفَتْح بن خاقَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس جدد الله عَلَيْهِ ملابس الرِّضَا كلما لَاحَ نجم وأضا فولى السُّلْطَان مَكَانَهُ الْفَقِيه النجيب ذَا الْأَخْلَاق العاطرة والأنامل الواكفة الماطرة والرأي الْأَصِيل وَالْأَمر المحبوك وَالْبَاطِن الصافي الَّذِي يحاكيه الذَّهَب المسبوك أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن الْمُخْتَار الجامعي ثمَّ لما قدم السُّلْطَان رَحمَه الله لحضرة مراكش آخر قدمة قدمهَا سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف عَزله وَولى مَكَانَهُ الْفَقِيه الْكَاتِب اليحيى النزيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار التطاوني
وَفِي أَوَائِل رَمَضَان من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف خرج السُّلْطَان رَحمَه الله من فاس إِلَى نَاحيَة وَجدّة فوصل إِلَى عين زورة فَوقف على تِلْكَ النواحي وَأصْلح من شَأْنهَا وَعَاد إِلَى فاس لَيْلَة عيد الْأَضْحَى من السّنة
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَت فتْنَة عرب عَامر بأحواز سلا وفتنة عرب زعير بأحواز رِبَاط الْفَتْح وكلب هَاتَانِ القبيلتان على المدينتين وألحوا عَلَيْهِمَا بالغارات والنهب وَالْمُبَالغَة فِي العيث والإفساد بالطرقات والجنات واستافوا السَّرْح مرَارًا وَبَقِي النِّتَاج عِنْد أربابه حَتَّى هلك ضيَاعًا إِلَى غير ذَلِك وَلما تجاوزوا الْحَد فِي الطغيان بعث السُّلْطَان وصيفه الباشا فرجى صَاحب فاس الْجَدِيد فأوقع بعامر وقْعَة شنعاء رَابِع يَوْم النَّحْر من السّنة ومزقهم شذر مذر بعد أَن تحَصَّنُوا بالغراك فِيمَا بَين سلا والمهدية
وَفِي هَذِه السّنة حج ولد السُّلْطَان الْمولى الرشيد وَالْمولى سُلَيْمَان واعتنى بشأنهما صَاحب مصر وَصَاحب الْحجاز غَايَة ورجعا من السّنة الْقَابِلَة وَفِي هَذِه السّنة ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب كَانَ يطلع فِي نَاحيَة الْمغرب ويغرب بعد
(3/60)

الْعشَاء مُدَّة من شهر وَنَحْوه فَفَزعَ النَّاس من ذَلِك وتخوفوه كَمَا قَالَ أَبُو تَمام
(وخوفوا النَّاس من دهياء مظْلمَة ... إِذا بدا الْكَوْكَب الغربي ذُو الذَّنب)
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف أحدث السُّلْطَان المكس بفاس وَغَيرهَا من الْأَمْصَار أحدثه أَولا فِي الْجلد على يَد الْمُصْطَفى الدكالي بن الجيلاني الرباطي والمكي القباج الفاسي ثمَّ أحدثه فِي الْبَهَائِم ثمَّ تفاحش أمره فِي دولة ابْنه السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله وهلم جرا
وَفِي هَذِه السّنة وَذَلِكَ لَيْلَة السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان توفّي ولي الله أَبُو عبد الله سَيِّدي عبد الْقَادِر العلمي الْبركَة الشهير صَاحب الأزجال الملحونة وَكَانَت وَفَاته بمكناسة الزَّيْتُون وَدفن بحومة سَيِّدي أبي الطّيب وَعَلِيهِ بِنَاء حفيل إِلَى الْغَايَة رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ وَفِي هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى عبد الْقَادِر وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَى سلا بِقصد الْقِرَاءَة بهَا فَنزل بدار قاضيها أبي عبد الله مُحَمَّد بن حسون عواد وَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان رَحمَه الله بِأَن يعود الْوَلَد الْمَذْكُور الخشن من الْمطعم والملبس وَأَن لَا يُمكنهُ من شرب الأتاي إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ فِي الْجُمُعَة وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا كَانَ الغلاء الْكَبِير والجوع المفرط وَكَانَ أَكْثَره بقبائل الْحَوْز من ابْن مِسْكين وَعَبدَة ودكالة وَغَيرهم فأهرعت هَذِه الْقَبَائِل إِلَى بِلَاد الغرب والفحص وأكلت النَّاس الْجِيَف وَالْميتَة والنبات وَصَارَ يعرف عِنْد أهل الْبَادِيَة بعام الخبيزي وعام يرني وَكَانَ الرجل يَأْكُل وَلَا يشْبع وَإِذا أمعن فِي الْأكل وتضلع شبعا لم تمض إِلَّا هنيهة حَتَّى تضطرم أحشاؤه جوعا وَكَانَ الْمَدّ بسلا ورباط الْفَتْح وَهُوَ مد كَبِير جدا قد بلغ ثَمَانِيَة عشر مِثْقَالا فَجعله الْعَامَّة تَارِيخا يَقُولُونَ كَانَ ذَلِك عَام ثَمَانِيَة عشر مِثْقَالا
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي بسلا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حسون عواد وَدفن بزاوية الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد بن عبد الْقَادِر التستاوتي من
(3/61)

حومة بَاب أحسين من الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة وَكَانَ رَحمَه الله عَارِفًا بالفقه والْحَدِيث والنحو قد أفنى عمره فِي جمع الْكتب ونسخها وخطه مُعْتَمد سَالم من التَّصْحِيف وَكَانَت فِيهِ شَفَقَة على الضُّعَفَاء والأشراف وَذَوي البيوتات كثير البرور بهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم رَحمَه الله وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء فاتح هَذِه السّنة توفّي الشريف الْبركَة الْأَفْضَل أَبُو عبد الله سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ الوزاني وَكَانَ جليل الْقدر شهير الذّكر نفعنا الله بِهِ وبأسلافه
وَفِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف هجم الفرنسيس على ثغر سلا وَذَلِكَ بِسَبَب مركبين وردا إِلَى مرسى العدوتين مملوءين قمحا وَكَانَت السّنة سنة مسغبة فنشب المركبان بساحل سلا فتسارعت الْعَامَّة إِلَيْهِمَا وانتهبوهما ثمَّ تجاوزوا ذَلِك إِلَى أَلْوَاح المركبين وآلتهما فتوزعوها وَكَانَ المركبان لتجار الفرنسيس فتكلموا فِي شَأْنهمَا مَعَ السُّلْطَان رَحمَه الله فَكتب إِلَى عَامل سلا أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي زنيبر يستكشفه عَن الْخَبَر فَجحد ذَلِك ظنا مِنْهُ أَنه يدْفع بذلك عَن الْبَلَد وَلما لم يحصل الفرنسيس بالْكلَام مَعَ السُّلْطَان على طائل هجم على سلا يَوْم الثُّلَاثَاء مهل صفر من السّنة الْمَذْكُورَة فِي خَمْسَة بابورات وقاباق كَبِير وَيُقَال لَهُ النابيوس يشْتَمل على نَحْو سِتِّينَ مدفعا أَو أَكثر وَمن الْغَد زحف بمراكبه حَتَّى سامت بهَا الْبَلَد فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة من النَّهَار وَشرع فِي رمي الكور والبنب إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا فَإِنَّهُ تبَاعد قَلِيلا وَبَقِي ينظر قيل هُوَ للنجليز وَكَانَ ترادف الكور والبنب على الْبَلَد على صُورَة فظيعة مثل الرَّعْد القاصف تكَاد تنهد لَهُ الْجبَال وَكَانَ فِي أول النَّهَار لَا يفتر وَبعد الزَّوَال صَار تتخلله فترات يسيرَة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن غربت الشَّمْس وَمضى نَحْو نصف سَاعَة وَكَانَت مُدَّة الرَّمْي ثَمَانِي سَاعَات وَنصفا وبذل النَّاس مجهودهم فِي مقابلتهم بِالرَّمْي وَفِي آخر النَّهَار عجز النَّاس وَبَقِي يَرْمِي وَحده وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو سَبْعَة أنفس وَكَانَ الكور والبنب الَّذِي رمى بِهِ الْعَدو فِي ذَلِك الْيَوْم شَيْئا كثيرا فالمقلل يَقُول سَبْعَة آلَاف وَالْمُكثر يَقُول اثْنَا عشر ألفا وَكَانَ البنب يتفرقع بعد مُدَّة وَقتل أُنَاسًا وَوَقع فِي الْمَسْجِد الْأَعْظَم ومناره كور كثير خرق
(3/62)

السقوف والحيطان وَكَذَا فِي دور أهل الْبَلَد فأنعم السُّلْطَان على النَّاس بإصلاحها من بَيت المَال
وَقد سَاق منويل خبر هَذِه الْقِصَّة وَقَالَ إِنَّه لما انْقَضى للفرنسيس الزَّاد يَعْنِي الكور والبارود أقلع لَيْلًا لِأَنَّهُ خَافَ إِن لم يذهب طَوْعًا ذهب كرها وَلما اتَّصل الْخَبَر بالسلطان رَحمَه الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس كتب كتابا يَقُول فِيهِ مَا نَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه عبد الرَّحْمَن بن هِشَام الله وليه خديمنا الأرضى الطَّالِب مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي زنيبر وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فقد وصلنا كتابك مخبرا بِمَا صدر من مراكب عَدو الله الفرنسيس من استرسال الرَّمْي على الْمَدِينَة من ضحى النَّهَار إِلَى قرب الْعشَاء ثمَّ أقلعوا بالخيبة والهوان وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا ومنح الله الْمُسلمين من الصَّبْر والثبات وَالْيَقِين ماقرت بِهِ عين الدّين وَكَانَ قذا فِي عين أهل الشّرك الْمُعْتَدِينَ وَاسْتشْهدَ من الْمُجَاهدين من ختم الله لَهُ بالسعادة الأبدية والحياة السرمدية فَالْحَمْد لله على إعزاز دينه وَنصر مِلَّة نبيه وَلَا زَالَت وَالْحَمْد لله مشكاة الْإِسْلَام ساطعة الْأَنْوَار مشيدة الْمنَار {وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ} الصَّفّ 8 وَلَا يخفى عَلَيْكُم مَا ورد من اآيات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فِي فضل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَالصَّبْر لإعلاء كلمة الله وَقد قُمْتُم بِالْوَاجِبِ عَلَيْكُم فِي ذَلِك وكنتم عَن الظَّن بكم وأتيتم بالمطلوب مِنْكُم أصلحكم الله وَرَضي عَنْكُم وَمن قتل فقد أكْرمه الله بالنعيم الَّذِي لَا نفاد لَهُ وكل مَا تلف يخلفه الله فَمَا كَانَ فِي الله تلفه فَعَلَيهِ سُبْحَانَهُ خَلفه فزيدوا فِي التيقظ وَالصَّبْر أعانكم الله وَقد أمرنَا خدامنا أُمَنَاء العدوتين بتوجبه معلمين للغابة لقطع الكراريط وكتبنا لخديمنا ابْن الحفيان بإنزال خيام بقربهم يأوون إِلَيْهَا حَسْبَمَا طلبت وَلَا تعدمون شَيْئا مِمَّا يخصكم إِن شَاءَ الله وَمَا ذكرت من اجْتِمَاع أهل الْمَدِينَة عنْدك مَعَ القَاضِي والأمين راغبين فِي الْكتب لحضرتنا الْعلية بالإنعام عَلَيْهِم بِمَا يصلحون بِهِ صقالتهم ومساجدهم ودورهم وأسوارهم فها نَحن كتبنَا لأمناء العدوتين بالقدوم عَلَيْكُم والتطواف على الْمحَال المتهدمة دور
(3/63)

وَغَيرهَا بمحضرك مَعَ القَاضِي والعدول وتقويم إصْلَاح كل مَحل بالمناسب وَأما الْجَامِع الْكَبِير وسيدي ابْن عَاشر فييسرون لَهما الْإِقَامَة وَعَن تيسيرها يشرعون فِي إصلاحهما وَأما الصقالة الجديدة والسور فيشرعون الْآن فِي إصلاحهما إصلاحا متقنا بالطابية الجيدة الَّتِي لَا يُؤثر الكور فِيهَا شَيْئا ويجعلون لَهَا ساترا على كَيْفيَّة بِحَيْثُ يكون الضَّارِب فِي أَمَان وَلَا تتراخوا فِي ذَلِك وَنحن على نِيَّة إِحْدَاث بستيون جيد إِن شَاءَ الله عِنْد مُنْتَهى السُّور من جِهَة الصقالة الجديدة فالعزم الْعَزْم والحزم الحزم ويصلك كتاب اقرأه على خداما أهل سلا وَالسَّلَام فِي ثامن صفر عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتهى نَص الْكتاب الشريف وَقد أحدث السُّلْطَان رَحمَه الله هَذَا البستيون فجَاء فِي غَايَة الْجَوْدَة والمتانة وَالْحسن وَهُوَ أثر من آثَار الدول الْعِظَام
وَفِي هَذِه السّنة ورد كتاب من السُّلْطَان فِي شَأْن حصر السِّكَّة يَقُول فِيهِ مَا نَصه وَبعد فقد طالما حاولنا حصر الزِّيَادَة فِي السِّكَّة وحذرنا وأنذرنا وأوعدنا من تعدى فِيهَا حدا أَو مد فِيهَا بِغَيْر مَا عينا يدا فَلم يزدْ النَّاس إِلَّا تطاولا فِيهَا وإقداما عَلَيْهَا فاستخرنا الله فِي أمرهَا فَظهر لنا أَن نزيد فِيهَا مَا تواطأ النَّاس على زِيَادَته وَلم يرجِعوا عَنهُ تتميما للأعذار وتكميلا للإنذار فَمن وقف عِنْد مَا حددنا وَلم يحد عَمَّا أبرمنا فقد اخْتَار سَلامَة نَفسه وَمَاله وَمن تعدى وافتات فِي ذَلِك بِأَدْنَى شَيْء فقد سعى فِي هَلَاك نَفسه ويناله من الوبال والنكال مَا يتْركهُ عِبْرَة لمن اعْتبر وَتَذْكِرَة لم تذكر وَقد أعذر من أنذر وَهَا نَحن جعلنَا للبندقي أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة وللضبلون اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِثْقَالا وللريال ذِي المدفع عشْرين أُوقِيَّة وللذي لَا مدفع فِيهِ تسع عشرَة أُوقِيَّة وللبسيطة الَّتِي بالمدفع خمس أَوَاقٍ وللتي لَا مدفع فِيهَا أَربع أَوَاقٍ وللدرهم الرباعي أَربع موزونات وَنصف موزونة وللدرهم السداسي سبع موزونات فعلى هَذَا الْعَمَل فأعلموا بِهِ من إِلَى نظركم وَفِي إيالتكم ومروهم بِالْوُقُوفِ عِنْده وَمن حاد عَنهُ وشممتم عَلَيْهِ رَائِحَة الْخَوْض والتعدي فِيهِ ازجروه زجرا شَدِيدا وأعلمونا وَالسَّلَام فِي رَابِع عشر ربيع الثَّانِي عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(3/64)

وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف غزا السُّلْطَان رَحمَه الله قَبيلَة زمور الثَّلج وَكَانَ بمكناسة فَكتب أَولا لِابْنِهِ وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش فَنَهَضَ مِنْهَا وَمر على تادلا فأوقع ببني مُوسَى وَقطع مِنْهُم أَرْبَعَة وَسِتِّينَ رَأْسا وَقبض على مائَة وَخمسين مسجونا وَكَانُوا قد قتلوا عاملهم أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن زيدوح ثمَّ دخل الْخَلِيفَة رِبَاط الْفَتْح يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بِهِ إِلَى يَوْم السبت السَّادِس عشر مِنْهُ ثمَّ عبر الْوَادي وَنزل بقرميم من أَعمال سلا ثمَّ سَار من الْغَد وَبَات بسيدي علال البحراوي فَأَقَامَ هُنَالك يَوْمَيْنِ ثمَّ رَحل فَنزل بتيفلت وَأقَام أَيَّامًا ثمَّ تقدم إِلَى دَار ابْن الْغَازِي وَكَانَ السُّلْطَان رَحمَه الله قد خرج من مكناسة فَنزل الخمسينات وَشن الغارات على زمور فتوغلوا فِي الْجبَال فانتسف السُّلْطَان أَمْوَالهم وَأكل زُرُوعهمْ حَتَّى أشجاهم ثمَّ ارتحل عَنْهُم إِلَى مراكش وارتحل الْخَلِيفَة إِلَى فاس وَذَلِكَ فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة من السّنة وَمن هَذَا التَّارِيخ صَار السُّلْطَان والخليفة رحمهمَا الله يغزوانهم كل سنة ويجتمعان عَلَيْهِم فتنتسف الْجنُود زُرُوعهمْ وَأَمْوَالهمْ حَتَّى أضرّ بهم الْحَال وأشرفوا على الْهَلَاك وكادت تعدم عِنْدهم الأقوات وأذعنوا إِلَى الطَّاعَة طَوْعًا وَكرها وَلما نَهَضَ السُّلْطَان عَنْهُم فِي هَذِه الْمرة كتب كتابا يَقُول فِيهِ وَبعد فَإِن فَسَاد زمور يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام وَالْجُمْهُور أَشد سوادا من اللَّيْل وَأقوى مضاهاة بالسيل وطالما ذَكَرْنَاهُمْ ووعظناهم وحذرناهم وأنذرناهم وغضضنا الطّرف عَنْهُم مقابلين شدتهم باللين وتحريكهم بالتسكين فأطغاهم الْعجب وأبطرهم وغطى الشَّرّ سمعهم وبصرهم {وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا} الْمَائِدَة 41 وَلما رَأينَا ضلالهم لم يسفر عَنهُ صبح الإقلاع وشعائر الْإِسْلَام استولت عَلَيْهَا يَد الضّيَاع استنهضنا إِلَيْهِم الجيوش المنصورة الَّتِي لم تزل ألوية الْفَتْح أمامها بحول الله منشورة واستقدمنا ولدنَا الأبر سَيِّدي مُحَمَّدًا حفظه الله من مراكش فِي جَيش يقدمهُ الْيمن والإقبال ويسوقه السعد فِي الْمقَام والترحال ونهضنا نَحن من مكناسة الزَّيْتُون فِي جَيش شحن الفضاء وملأ النواحي والأرجاء خيلا ورجالا خفافا وثقالا وَكُنَّا فِيمَا تقدم
(3/65)

نحارب هَؤُلَاءِ المفسدين فِي الْمحل الْمَشْهُور بالخميسات فَكَانَت الْمحَال لَا تستوعبهم قتلا ونهبا وتشريدا وَضَربا فَرَأَيْنَا هَذِه الْمرة أَن ننزل عَلَيْهِم أَولا بِعَين العرمة مَحل أفسدهم على الْإِطْلَاق والشمول والاستغراق فخيمنا بهَا أَيَّامًا ثمَّ رحلنا مِنْهَا ونزلنا بمحصى ثمَّ رحلنا مِنْهُ ونزلنا الخميسات وَفِي خلال مقامنا ورحيلنا حل ولدنَا سَيِّدي مُحَمَّد حفظه الله من الرِّبَاط وَنزل بتيفلت مَحل المفسدين ومحط رحال الْبُغَاة الْمُعْتَدِينَ وتقاربت المحلتان فعظمت على المفسدين بذلك النكاية وَبَلغت فيهم الْحَد وَالنِّهَايَة واشتغلت الْمحَال بِأَكْل زُرُوعهمْ وتبديدها واستخراج خباياهم قديمها وجديدها وهم حيارى ينظرُونَ وَإِلَى مَا حل بهم من الْبلَاء يبصرون وَكلما عزموا على المدافعة رجعُوا بالهوان وتخطفت رُؤُوس زعمائهم العقبان فعجزوا إِذا وَخَرجُوا من بِلَادهمْ وأيقنوا أَن الشَّقَاء الْمَكْتُوب عَلَيْهِم حكم بطردهم وبعادهم وَلم يبْق بهَا أنيس إِلَّا اليعافير والا العيس وتحصنوا بأوعارهم الْمَعْلُومَة وصياصيهم المشؤومة فِي جبال تنقبت بالغيوم وكادت تصافح النُّجُوم فَضَاقَ بهم الْحَال وَهلك الْعِيَال وضاعت الْأَمْوَال جوعا وعطشا وَتصرف فيهم الْبلَاء كَيفَ شَاءَ وَمَعَ تحصنهم بِتِلْكَ الأوعار وملتف تِلْكَ الْأَشْجَار كَانَت الجيوش تود أَن تقتحمها عَلَيْهِم وتهب نَفِيس أعمارها فِي أَخذهم وَنحن قد هبنا الرِّفْق الَّذِي يزين وَتَركنَا الْخرق الَّذِي يشين فَأمرنَا بالإمساك عَنْهُم حَتَّى تلفظهم أوعارهم وتحرقهم نارهم فَلَمَّا طَال بهم الأمد وتجرعوا حمى الكمد استجاروا بولدنا سَيِّدي مُحَمَّد حفظه الله فشفع عندنَا فيهم فَقبلنَا شَفَاعَته على شُرُوط قبلوها وَحُقُوق التزموها ومثالب نبذوها وجنحنا إِلَى الْحلم وَالْعَفو اللَّذين أَمر الله بهما وأسندنا أَمرهم إِلَى ولدنَا الْمَذْكُور قطعا لأعذارهم ونهضنا عَنْهُم وَالْحَمْد لله محتسبين وَالله أسَال توفيق الْمُسلمين أَجْمَعِينَ آمين فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة الْحَرَام عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف
وَفِي هَذِه السّنة ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب أَيْضا وَفِي أوائلها استوزر السُّلْطَان رَحمَه الله الْفَقِيه الْعَلامَة الْأَفْضَل أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله
(3/66)

الصفار التطاوني عقب قدومه إِلَى مراكش وفيهَا تمّ بِنَاء البستيون الْعَظِيم بسلا الْمَوْضُوع بالزاوية الشمالية مِنْهَا على شاطىء الْبَحْر وَكَانَ الصائر عَلَيْهِ بِأَمْر السُّلْطَان من أحباس الْمَسْجِد الْأَعْظَم برباط الْفَتْح خَمْسُونَ ألف مِثْقَال أَو مَا يقرب مِنْهَا وفيهَا أَيْضا وَقعت نادرة بفاس وَهِي أَن الإِمَام كَانَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة بِمَسْجِد الْقرَوِيين فَسقط بالصف الثَّالِث مِنْهُ قِطْعَة من الجبص الْمَبْنِيّ بِهِ السّقف تزن نَحْو ربع قِنْطَار ففر النَّاس الَّذين كَانُوا بذلك الصَّفّ فَرَآهُمْ الَّذين من خَلفهم فَفرُّوا لفرارهم فَرَآهُمْ غَيرهم فَفَعَلُوا مثلهم حَتَّى تقوضت صُفُوف الْمَسْجِد كلهَا وَخَرجُوا يتسابقون إِلَى الْأَبْوَاب وَوَقع عَلَيْهَا ازدحام شَدِيد وجاوزت مقدمتهم سوق الشماعين وَتركُوا نعَالهمْ ولبدهم وطيالسهم بل وَقَلَانِسِهِمْ وَضاع من الْمَصَاحِف والأجزاء وَدَلَائِل الْخيرَات مَا لَا يُحْصى كل ذَلِك وهم لَا يَدْرُونَ مَا وَقع وَمَا تراجعوا إِلَّا بعد حِين
ثورة إِبْرَاهِيم يسمور اليزدكي بالصحراء

لما كَانَت أواسط إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ظهر إِبْرَاهِيم يسمور اليزدكي بصحراء تافيلالت وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن برابرة الصَّحرَاء يَوْمئِذٍ كَانُوا حزيين حزب آيت عطة وَلَهُم الْعِزَّة وَالْكَثْرَة بذلك الْقطر وحزب آيت يفلمان وهم دون ذَلِك وَكَانَت آيت عطة تؤذي الْأَشْرَاف بِتِلْكَ النَّاحِيَة وتسيء جوارهم فَقَامَ إِبْرَاهِيم هَذَا فِي آيت يفلمان وجنح إِلَى الْأَشْرَاف وَبَالغ فِي إكرامهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَصَارَ يَأْمر قومه بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيذكر السُّلْطَان بِخَير ويحض قومه على طَاعَته حَتَّى اشْتهر بذلك الْقطر وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وَاتفقَ أَن حدث فِي أثْنَاء ذَلِك بَينهم وَبَين آيت عطة شنآن فزحف إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم وأوقع بهم وقْعَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا فازداد قومه فِيهِ محبَّة وغبطة وعلقت بِهِ آمال الْأَشْرَاف وأحبوه لِأَن غَلَبَة آيت عطة يَوْمئِذٍ كَانَت من الْأَمر الْغَرِيب وانضم إِلَى ذَلِك بسط يَده بالعطاء للبعيد والقريب واتصل خَبره بالسلطان وَكَانَ من طبعه رَحمَه الله محبَّة أهل الْخَيْر والجنوح لَهُم فَأقبل عَلَيْهِ
(3/67)

وَرفع من قدره وولاه على تِلْكَ النَّاحِيَة فَاشْتَدَّ أمره وطار ذكره وسرت فِيهِ نخوة الرياسة فَأَرَادَ الاستبداد واستحال حَاله إِلَى الْفساد حَتَّى صَار يرد على السُّلْطَان أوامره ثمَّ تدنى قَلِيلا قَلِيلا من أَطْرَاف المملكة وَقَوي حسه بالمغرب فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان رَحمَه الله الْكَتَائِب وَبعث الْبعُوث فقاتلوه بُرْهَة ثمَّ قبض الله بعض قرَابَته فاغتاله واحتز رَأسه وَجَاء بِهِ متقربا إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمراكش فَأمر السُّلْطَان بإعمال المفرحات واستدعى أهل مراكش على طبقاتهم فَأَفَاضَ عَلَيْهِم النعم وغمرهم بِالْإِحْسَانِ غمر الديم
نادرة كَانَ مِمَّن استدعاه السُّلْطَان رَحمَه الله فِي هَذَا الصَّنِيع أهل الْمدَارِس من طلبة الْعلم المتغربين بهَا فجلسوا نَاحيَة من الْقَوْم وَلما خرج الطَّعَام من دَار السُّلْطَان وَفرق على طَبَقَات النَّاس اتّفق تَأْخِيره عَن هَؤُلَاءِ الطّلبَة وَاتفقَ أَيْضا أَن سَأَلَ بعض الْحَاشِيَة بعض الأعوان القائمين على الطَّعَام فَقَالَ لَهُ من الَّذِي بَقِي بِدُونِ إطْعَام فَقَالَ لم يبْق إِلَّا الطّلبَة والطحانون وَكَانَ كَذَلِك فَسَمعهُ أحد الطّلبَة فَقَالَ لأَصْحَابه أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُول هَذَا فَقَالُوا وَمَا قَالَ قَالَ لَهُم قَالَ إِنَّه لم يبْق إِلَّا أَنْتُم والطحانون فقد شوركتم مَعَهم بالْعَطْف بِالْوَاو وَالله لَا جلستم وَقَامُوا مغضبين فَتَبِعهُمْ بعض حَاشِيَة السُّلْطَان واستعطفهم فَلم يرجِعوا واتصل الْخَبَر بالسلطان فَقَالَ دعهم فسنصلح شَأْنهمْ وَمن الْغَد دعاهم إِلَى بُسْتَان الْوَزير إِبْنِ إِدْرِيس دَاخل بَاب الرب من مراكش وأفاض عَلَيْهِم من النعم مَا غمرهم ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى رَضوا ثمَّ عَمدُوا إِلَى ثمار الْبُسْتَان فاستلبوها عَن آخرهَا وَهَذِه الْقِصَّة تدل على كرم طبع السُّلْطَان رَحمَه الله وسعة أخلاقه وتعظيمه للْعلم وَأَهله وَقد ذكرت بِهَذِهِ النادرة قَول الْقَائِل
(إِذا شوركت فِي أَمر بِدُونِ ... فَلَا يَك مِنْك فِي هَذَا نفور)
(فَفِي الْحَيَوَان يجْتَمع اضطرارا ... أرسطاليس وَالْكَلب الْعَقُور)
وَتَحْقِيق مَسْأَلَة هَذَا الْعَطف مَذْكُور فِي بَاب الْفَصْل والوصل من علم الْمعَانِي وبستان ابْن إِدْرِيس هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ أَبُو عبد الله أكنسوس رَحمَه الله
(3/68)

(ألمم بمغنى الْيمن من ذَا الْمجْلس ... وأدر بساحته نُجُوم الأكؤس)
(واسعد فَإِن الدَّهْر أسعد أَهله ... وأحلهم فِيهِ حُلُول المعرس)
(واشرب هنيء البال فِي جنباته ... يُغْنِيك عَن جيرون أهل الْمُقَدّس)
(واصرف عَن الزهراء ذكرك ساليا ... وَعَن الخورنق والرسوم الدَّرْس)
(لَو قلت مَا نَالَتْ بَدَائِع حسنه ... غرف البديع وَحقّ مجدك لم تس)
(نصر تحف بِهِ المحاسن كلهَا ... وتحار فِي مرآه عين الأكيس)
(فَإِذا أردْت إِصَابَة الْأَغْرَاض من ... كل المنى أَو كل معنى أنفس)
(أرسل مهام اللَّفْظ فِي أكنافه ... إِن الحنايا الحدب فِيهِ كالقس)
(لَا شَيْء أهنى من تفيىء ظله ... المخضل أَو من زهره المتنفس)
(تتمثل الأزهار فِي أنهاره ... مثل المجرة والنجوم النكس)
(وَترى الجداول تلتوي بغصونه ... تحكي البرين عَن الغواني الميس)
(طابت حسى الكاسات تَحت ظلاله ... وتسابقوا اللَّذَّات نَحْو المحتس)
(يَا منزلا قد خصصته سَعَادَة ... واستبدلته أنعما من أبؤس)
(أَصبَحت مأوى للوزير مُحَمَّد ... نجل الأدارسة الْكِرَام المغرس)
(إِنْسَان عين الْكَوْن من لبست بِهِ ... رتب العلى أبهى وأبهج ملبس)
(يَا أَيهَا الْبَحْر الَّذِي من فيضه ... كل الْأَمَانِي والغنى للْمُفلس)
(يهنيك ذَا الْقصر الَّذِي أنشأته ... بالسعد فِي عَام انْشِرَاح الْأَنْفس)
(قَابل قدور الدوح فِي جنباته ... بالغيد ترفل فِي بهي السندس)
(وَمَتى شربت زلاله فامزج بِهِ ... رَاح المراشف من أغن ألعس)
(لَا زلت تشرف من مطالع سعده ... كالبدر يظْهر من خلال الحندس)
(والدهر يخْدم جانبيك ويحتمي ... بجلالك العالي الْأَعَز الأقعس)
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ الوباء بالمغرب وَهُوَ إسهال مفرط يعتري الشَّخْص ويصحبه وجع حاد فِي الْبَطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون فَإِذا تَمَادى بالشخص حَتَّى جَاوز أَرْبعا وَعشْرين سَاعَة فالغالب السَّلامَة وَإِلَّا فَهُوَ الحتف وَفِي هَذَا الوباء مَاتَ
(3/69)

شيخ الطَّرِيقَة أَبَا عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الحراق التطاوني وبموته أقلع الوباء من تِلْكَ الْبَلدة وَمَات بِهِ بسلا منتصف ذِي الْقعدَة من السّنة مائَة وَعِشْرُونَ نفسا وَفِي هَذَا الْيَوْم توفّي عَامل سلا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي زنيبر
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف الْتفت الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن إِلَى عرب الْخَلْط فاستعملهم فِي الجندية بعد أَن كَانُوا فِي عداد الْقَبَائِل الغارمة من لدن الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فاعتنى بهم الْخَلِيفَة الْمَذْكُور ونقلهم من بِلَاد سُفْيَان وَبني مَالك وأحواز العرائش وأنزلهم بزقوطة ووادي مكس من أَعمال مكناسة وكساهم وأجرى عَلَيْهِم الجرايات ثمَّ اخْتَلَّ أَمرهم بعد سنتَيْن أَو ثَلَاث
وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورد كتاب من السُّلْطَان رَحمَه الله يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح مَا نَصه خديمنا الأرضى الطَّالِب عبد الْعَزِيز محبوبة وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فبوصول كتَابنَا هَذَا إِلَيْك عين عشْرين من الْولدَان النجباء لتعلم علم تاطبجيت وَانْظُر لَهُم معلما ماهرا أَو معلمين من طبجية الْبَلَد يعلمهُمْ ويشرعون فِي التَّعَلُّم الْآن فيبدؤون بمقدماته ثمَّ يتدربون مِنْهَا إِلَى الْأَخْذ فِي تعلم رماية المدفع والمهراس وَهَكَذَا حَتَّى ينجبوا ويمهروا فِي الصَّنْعَة ويصيروا قَادِرين على الْخدمَة ونطلب الله أَن يعينهم وَيفتح بصائرهم وَهَؤُلَاء الْعشْرين يكونُونَ زائدين على من هُنَالك من الطبجية ونأمر الْأُمَنَاء أَن يرتبوا لَهُم إِعَانَة على ذَلِك خمس عشرَة أُوقِيَّة فِي كل شهر للْوَاحِد ثمَّ من ظَهرت نجابته مِنْهُم وفَاق غَيره فَإنَّا نزيده فِي الْمُرَتّب كَمَا نأمرهم أَن يرتبوا لمعلمهم وَاحِد أَو أثنين ثَلَاثِينَ أُوقِيَّة للْوَاحِد فِي كل شهر زِيَادَة على راتبهم الْمَعْلُوم واعتن بأمرهم غَايَة الاعتناء وَقد كتبنَا لغيركم من المراسي مثل هَذَا وسننظر من تظهر ثَمَرَته واعتناؤه وَالسَّلَام فِي عشْرين من ذِي الْقعدَة عَام ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف
(3/70)

وَفِي هَذِه السّنة انْعَقَدت الشُّرُوط بَين السُّلْطَان وَبَين النجليز وَهِي قِسْمَانِ قسم فِي أُمُور التِّجَارَة وَبَيَان الصاكة والأعشار وَأَن لَا تُعْطى من أَعْيَان السّلع إِلَّا إِذا أَرَادَ التَّاجِر ذَلِك عَن طيب نَفسه وَهِي خَمْسَة عشر شرطا وَقسم فِي أُمُور الْهُدْنَة بشمول الْأَمْن والاحترام لرعيتي الْجَانِبَيْنِ فِي أَي مَوضِع كَانُوا وَهِي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ شرطا وَكَانَ الْمُبَاشر لعقدها أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْخَطِيب التطاوني بطنجة
بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن أَوْلَاده إِلَى الْحجاز وَمَا اتّفق لَهُم فِي ذَلِك

وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعث السُّلْطَان رَحمَه الله أَوْلَاده إِلَى الْحجاز بِقصد أَدَاء فَرِيضَة الْحَج وهم الْمولى عَليّ وَالْمولى إِبْرَاهِيم وَالْمولى عبد الله وَالْمولى جَعْفَر وَابْن عمهم الْمولى أَبُو بكر بن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد بن عبد الله وَبَالغ السُّلْطَان رَحمَه الله فِي حسن تجهيزهم بِمَا لم يتَقَدَّم مثله لإخوتهم الَّذين حجُّوا قبلهم لَا من الْأَمْوَال وَلَا من الرِّجَال وَلَا من الأدوات والمراكب الفارهة والمرافق العديدة وَبعث مَعَهم من الْأَمْوَال شَيْئا كثيرا لأشراف الْحَرَمَيْنِ ولخواص مُعينين من الْفُقَهَاء والمجاورين وَوجه أكَابِر التُّجَّار والأمناء العارفين بعوائد الْبِلَاد والأقاليم والأمم مثل الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج أَحْمد الرزيني التطاوني والحاج مُحَمَّد بن جنان البارودي التلمساني وَبعث مَعَهم قَاضِي مكناسة الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد الْمهْدي بن الطَّالِب بن سَوْدَة المري الفاسي وأخاه الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن سَوْدَة فِي جملَة من الْفُقَهَاء يقرؤون عَلَيْهِم
أَخْبرنِي الْحَاج عبد الْكَرِيم بن الْحَاج أَحْمد الرزيني وَهُوَ أَخُو الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور آنِفا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله لما عزم على بعث أَوْلَاده إِلَى الْحجاز استدعى الْأمين الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور فَدخل عَلَيْهِ
(3/71)

فَأَوْصَاهُ بِمَا تنبغي الوصاة بِهِ وَأخْبرهُ أَن المَال الَّذِي عينه للنَّفَقَة على الْأَوْلَاد الْمَذْكُورين هِيَ نَفَقَة جمعت من حَلَال بَعْضهَا من أصُول بتافيلالت وَبَعضهَا من غَيرهَا مِمَّا هُوَ حَلَال وَقَالَ لَهُ احتفظ بذلك المَال وَاجعَل السخاء فِيهِ بِمَنْزِلَة الْملح فِي الطَّعَام اه وَلما عزم الْأَوْلَاد الْمَذْكُورين على الِانْفِصَال إِلَى وجهتهم أصحبهم السُّلْطَان رَحمَه الله وَصِيَّة كَافِيَة يَقُول فِيهَا مَا نَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَوْلَادنَا عبد الله وَإِبْرَاهِيم وعليا وَأَبا بكر وجعفرا وفقنا الله وَإِيَّاكُم للْعَمَل بِطَاعَتِهِ وحفظكم وأرشدكم وتولاكم وَكَانَ لكم فِي سَائِر أحوالكم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإِنَّهُ لما كَانَت الْأَوْلَاد قطع الأكباد وعماد الظُّهُور وثمار الْقُلُوب وشفاء الصُّدُور وَجب أَن يكون لَهُم الْآبَاء السَّمَاء الظليلة والسحابة المنيلة وَخير الْآبَاء للأبناء مَا لم تَدعه الْمَوَدَّة للتفريط فِي الْحُقُوق وَخير الْأَبْنَاء للآباء مَا لم يَدعه التَّقْصِير إِلَى الْمُخَالفَة والعقوق قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَوْلَاد من رياحين الْجنَّة وَقَالَ الْقَائِل
(وَإِنَّمَا أَوْلَادنَا بَيْننَا أكبادنا ... تمشي على الأَرْض)
(إِن هبت الرّيح على بَعضهم ... تمْتَنع الْعين من الغمض)
هَذَا وَإِن أولى مَا زود بِهِ وَالِد وَلَده وَصِيَّة يتخذها فِي سَفَره إِمَامه ومعتمده فاعلموا أَنا وجهناكم لحج بَيت الله الْحَرَام وزيارة قبر نبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام واستودعناكم الله الَّذِي لَا تضيع ودائعه فاقدروا قدر هَذِه الوجهة الَّتِي قصدتموها واعرفوا حق هَذِه الْعِبَادَة الَّتِي يممتموها فتوجهوا لَهَا بِحسن النِّيَّة راجين من الله سُبْحَانَهُ بُلُوغ الْقَصْد والأمنية وأوصيكم بتقوى الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى وَبِمَا أوصى بِهِ إِبْرَاهِيم بنيه {يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} الْبَقَرَة 132 وَبِمَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه {يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم} {يَا بني أقِم الصَّلَاة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر} لُقْمَان 13، 17 الْآيَة وَاسْتَوْصُوا بَعْضكُم بَعْضًا خيرا وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة وأخوكم مولَايَ عبد الله أكبركم فكونوا عِنْد إِشَارَته فَإِن للسن حَقًا فِي
(3/72)

التَّقَدُّم وَفِي الحَدِيث الشريف كبر كبر ومنذ نوينا توجيهكم لهَذِهِ الوجهة السعيدة وَنحن نجيل الْفِكر فِيمَن نوجهه مَعكُمْ حَتَّى وَقع اختيارنا على خديمنا الْحَاج مُحَمَّد الرزيني لكَونه نعم الرجل وَاجْتمعَ فِيهِ من الْأَوْصَاف المحمودة مَا افترق فِي غَيره فكونوا لَهُ بِمَنْزِلَة الْأَوْلَاد البررة وَليكن لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد الشفيق كَمَا قَالَ الْقَائِل
(وَكَانَ لَهَا أَبُو حسن عَليّ ... أَبَا برا وَنحن لَهُ بَنِينَ)
وآزرناه بالحاج أبي جنان البارودي لمروءته وَحسن هَدْيه وسمته وَكِلَاهُمَا خير وَالْحَمْد لله وآثرناكم على أَنْفُسنَا بالفقيه الأوحد المشارك السَّيِّد الْمهْدي ابْن سَوْدَة وَتوجه مَعَه أَخُوهُ وَهُوَ أَيْضا مِمَّن يشفع بِعِلْمِهِ فأوفوا كل وَاحِد مِنْهُم قسطه ومستحقه مِمَّا أرشد إِلَيْهِ الرَّسُول فهذب وأدب إِذْ قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا حَقه وحافظوا على دينكُمْ وَاشْتَغلُوا بِمَا يعنيكم واتركوا مَا لَا يعنيكم فَفِي الحَدِيث الشريف من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَالا يعنيه واعكفوا على قراءتكم وَلَا تضيعوا الْأَوْقَات فِي البطالة خُصُوصا مَا يتَعَلَّق بِالْعبَادَة الَّتِي أَنْتُم بصددها فَمن الْآن اصرفوا كليتكم لقِرَاءَة الْمَنَاسِك وابدؤوا بأسهلها وأقربها مَنَاسِك المرشد الْمعِين ثمَّ مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ أوسع فروعا وَأكْثر مسَائِل وعَلى الْفَقِيه السَّيِّد الْمهْدي الْمَذْكُور أَن لَا يألو جهدا ونصيحة فِي تعليمكم وَالْقِرَاءَة مَعكُمْ وَاجْعَلُوا أَيْضا وقتا مَعَ أَخِيه فَإِنَّهُ من طلبة الْوَقْت المدرسين فَلم يبْق لكم عذر فِي التَّقْصِير والبطالة وكل من توجه مَعكُمْ من الْأَصْحَاب والأتباع والدايات فَهُوَ فِي رعايتكم وَفِي الحَدِيث كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته فعلموهم أَمر دينهم ومناسك حجهم وخاطبوهم فِي ذَلِك على قدر مَا يفهمون ليَكُون عَمَلهم فِي صحيفتكم وَفِي الحَدِيث خَيركُمْ من تعلم وَعلم وَفِيه أَيْضا لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير لَك مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وتحلوا بحلية أهل الْفضل والكمال وَكُونُوا على مَا يَنْبَغِي من الْأَدَب مَعَ الْخلق وَمَعَ الْخَالِق وهذبوا أخلاقكم وهشوا وبشوا لملاقاة النَّاس وعاملوا كل وَاحِد بِمَا يسْتَحقّهُ وَلَا زَالَ النَّاس يذكرُونَ هُنَالك أَخَاكُم مولَايَ سُلَيْمَان
(3/73)

أصلحه الله وَيدعونَ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة لما رَأَوْا من سَعَة أخلاقه وَحسن بشره وبشاشته مَعَ النَّاس ونعهد إِلَيْكُم أَن لَا تتركونا من الدُّعَاء فِي أَي موطن حللتموه من تِلْكَ المواطن الشَّرِيفَة خُصُوصا عِنْد الْمُلْتَزم وَالْمقَام وَغَيرهمَا من الْأَمَاكِن الَّتِي ترجى إِجَابَة الدُّعَاء عِنْدهَا وتوبوا عَنَّا فِي استلام الْحجر الأسعد وَفِي زِيَارَة قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ وعَلى صَاحِبيهِ أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَعَلَيْكُم بالاستقامة فِي جَمِيع أُمُوركُم وسلوك سَبِيل الْمُوَافقَة والائتلاف وَترك المشاجرة وَالِاخْتِلَاف وَمُخَالفَة الْهوى وَالنَّفس والشيطان فَإِن لَهُ مزِيد تسلط بِالشَّرِّ فِي طرق الْخَيْر فكونوا فِي جَمِيعهَا على حذر قَالَ تَعَالَى {إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا} فاطر 6 نسْأَل الله لكم الْحِفْظ والسلامة والأمن والعافية ذَهَابًا وإيابا فِي أَنفسكُم ودينكم ودنياكم ونستودع الله دينكُمْ وأمانتكم وخواتم عَمَلكُمْ فتوجهوا فِي حفظ الله على مهل حَتَّى تصلوا إِلَى الْقصر وَأقِيمُوا بِهِ فِي جوَار أبي الْحسن بن غَالب نفعنا الله وَإِيَّاكُم ببركاته كَمَا فعل إخْوَانكُمْ قبل فَإِن الْمقَام بِالْقصرِ خير من الْمقَام بطنجة حَتَّى يقدم البابور وَيكْتب لكم الْخَطِيب بالإعلام وَحِينَئِذٍ توجهوا إِلَيْهَا راشدين وَقد كتبنَا بذلك للطَّالِب مُحَمَّد الْخَطِيب وطالعوا الْحَاج مُحَمَّد الرزيني على كتَابنَا هَذَا حِين تتلاقوا مَعَه إِن شَاءَ الله وَاعْلَمُوا أننا عينا عشْرين ألف ريال بِقصد أَن يَشْتَرِي بهَا حبس فِي سَبِيل الله عشرَة آلَاف ريال يَشْتَرِي بهَا مَا يكون حبسا بِمَكَّة وَعشرَة آلَاف ريال يَشْتَرِي بهَا مَا يكون حبسا فِي سَبِيل الله بِالْمَدِينَةِ المنورة وَهِي من جملَة مَا حَاز الْحَاج مُحَمَّد الرزيني ورفيقه فِيمَا حازا من الصائر رَجَاء أَن يبْقى أجر ذَلِك جَارِيا مُنْتَفعا بِهِ إِن شَاءَ الله وَالسَّلَام فِي السَّادِس من رَمَضَان الْمُعظم عَام أَرْبَعَة وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
قَالَ أكنسوس وَكَانَ ركوبهم من طنجة فِي قرصان النجليز فَلَمَّا بلغُوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة تلقاهم صَاحب مصر بغاية الْفَرح وَالسُّرُور وَفَوق مَا يُوصف من الْإِكْرَام والبرور وأنزلهم فِي أعز مساكنه وأبهاها وأبهجها وأشهاها وَأعد فِيهَا كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أواني الْفضة وَالذَّهَب وفرش الْحَرِير
(3/74)

والديباج والنفائس الغريبة ورتب لَهُم الرَّوَاتِب الْعَالِيَة من أَنْوَاع الْأَطْعِمَة والأشربة الفاخرة الَّتِي تناسب أقدارهم وأباح لَهُم الدُّخُول إِلَى كل مَحل أَرَادوا رُؤْيَته من الْأَبْنِيَة والمصانع والرياض والبساتين الملوكية الَّتِي يتعجب من رؤيتها وتنقل أَخْبَارهَا فشاهدوا من ذَلِك مَا لَا يكْشف حَقِيقَته اللِّسَان وَمَا لَا يظنّ أَن تناله قدرَة الْإِنْسَان ثمَّ ركبُوا فِي بَحر القلزم إِلَى جدة فقضوا مناسكهم وشفوا غلتهم من مُبَاشرَة شَعَائِر الشَّرِيعَة المطهرة من الطّواف وَالسَّعْي وَالْوُقُوف وزيارة الْمشَاهد الْمُبَارَكَة وتوجهوا إِلَى أعظم الْمَقَاصِد وأسناها الَّتِي هِيَ لنفوس الْمُؤمنِينَ غَايَة منأها زِيَارَة شَفِيع الْأُمَم فِي الْموقف الْأَعْظَم وَكَانُوا صادفوا بِمَكَّة وخما وَفَسَاد هَوَاء مَاتَ مِنْهُ كثير من الْحجَّاج الأفاقين فَمَاتَ من أَصْحَابهم جملَة وَمَات من أَوْلَاد السُّلْطَان الْمولى إِبْرَاهِيم وَالْمولى جَعْفَر الأول بِمَكَّة وَالثَّانِي بِالْمَدِينَةِ وَسلم الله الْبَاقِي وأكرمه وَأَعْلَى مقَامه وعظمه وَجمع لَهُ بَين شرف الْحَيَاة وثواب احتساب مصيبته لمن مَاتَ وَلما فازوا بزيارة سيد الْأَرْضين وَالسَّمَوَات ووافقتهم السَّعَادَة فِي ذَلِك الْمقَام الَّذِي تتضاءل دونه جَمِيع المقامات وأدركوا مَا أَملوهُ من لثم تُرَاب أشرف الْبِقَاع وَأكْرم الْحجر وانفجر عَلَيْهِم من كرم الله مَا انفجر ونال كل وَاحِد مَا كَانَ يؤمله ويرجوه فَخَرجُوا من الْمَدِينَة رَاجِعين بِكُل خير وغسلوا بالدموع مَا كَانُوا عفروه فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن من الْوُجُوه وَلَكِن نالتهم مشقة فادحة من عتاة الْأَعْرَاب فِي الْمسَافَة الَّتِي بَين الْمَدِينَة وينبع لأَنهم انفردوا عَن الركب عِنْد الرُّجُوع وَلَوْلَا لطف الله لاستؤصلوا عَن آخِرهم وَلَقَد كَانَت نجاتهم من تِلْكَ الشدَّة من أعجب العجاب وَفِي خلوصهم مِنْهَا عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب فَإِنَّهُم كمن بعث بعد مماته وإقباره وَانْقِطَاع أنفاسه وأخباره وَالْحَمْد لله الَّذِي لَا تخفر ذمَّته وَلَا تنتهك حرمته فَلَمَّا بلغُوا يَنْبع وجدوا المراكب الَّتِي تحملهم فِي انتظارهم فَرَكبُوا قافلين ورياح السَّلامَة تسوقهم وأرباح التِّجَارَة والسعادة قد تكفل بهَا سوقهم فَلَمَّا وردوا حَضْرَة مراكش تَحت ظلال السَّلامَة وَقد نشر عَلَيْهِم الْقبُول بنوده وأعلامه باتوا بقنطرة تانسيفت وَفِي الْغَد ركبت الْخُيُول والعساكر السُّلْطَانِيَّة لتلقيهم وَخرج أهل
(3/75)

مراكش فِي زيهم وزينتهم وَكَانَ يَوْم لقائهم يَوْمًا مشهودا وموسما من المواسم المعظمة معدودا اه
وَفِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع عشر من محرم مِنْهَا توفّي عَالم فاس وَالْمغْرب والمجيد فِي صناعَة التدريس والتحرير لَا سِيمَا مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل الْفَقِيه الْعَلامَة الأوحد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الفيلالي الفاسي وَكَانَ الْمُصَاب بِهِ خُصُوصا عِنْد طلبة الْعلم عَظِيما وَلم يتْرك بعده فِي إجادة تَحْرِير الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة مثله رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَفِي لَيْلَة السَّادِس من شعْبَان مِنْهَا بعد الْعشَاء الْأَخِيرَة زلزلت الأَرْض زلزالا يَسِيرا وَفِي رَابِع شَوَّال من هَذِه السّنة ورد الْمُجَاهِد أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ فنيش السلاوي من مَدِينَة لوندرة إِلَى ثغر سلا وَمَعَهُ مركب موسوق فِيهِ سَبْعَة عشر مدفعا ومهراسان عظيمان من الْمَعْدن وَأَشْيَاء أخر من آلَة الْحَرْب وَكَانَ جلبه لذَلِك بِأَمْر السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن لعمارة البستيون الْجَدِيد بسلا الَّذِي قدمنَا ذكره قبل وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي هَذِه السّنة ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب أَيْضا وَهِي الْمرة الثَّالِثَة فِي هَذِه الْمدَّة
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله

كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قد قدم مراكش فاتح سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ولأول دُخُوله عزل الْوَزير أَبَا عبد الله الجامعي ورتب مَكَانَهُ الْفَقِيه أَبَا عبد الله غريط أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ استوزر الْفَقِيه أَبَا عبد الله الصفار التطاوني وَاسْتمرّ السُّلْطَان مُقيما بمراكش إِلَى آخر سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فغزا زمور الشلح وَاجْتمعَ عَلَيْهَا هُوَ والخليفة سَيِّدي مُحَمَّد على الْعَادة ثمَّ صَار الْخَلِيفَة إِلَى مراكش وَانْحَدَرَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة فاستمر مُقيما بهَا يَغْزُو زمور الشلح وَيعود إِلَيْهَا وَرُبمَا ذهب فِي بعض
(3/76)

الأحيان إِلَى فاس إِلَى أَن دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَمَرض مرض مَوته وَقد كَانَ ابْتَدَأَ بِهِ وَهُوَ منَازِل لزمور فَنَهَضَ عَنْهَا إِلَى مكناسة وَتَمَادَى بِهِ مَرضه إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ التَّاسِع وَالْعِشْرين من محرم فاتح سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَدفن بَين العشاءين أول لَيْلَة من صفر بضريح السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى إِسْمَاعِيل رحم الله الْجَمِيع بمنه وَقد كنت رثيته بقصيدة شذت عني الْآن وأولها
(أَمن طيف ذَات الْخَال قَلْبك هائم ... ودمعك هام واكتئابك دَائِم)
(وَهل أذكرتك النائبات عشائرا ... عفت مِنْهُم بعد الْمَعَالِي معالم)
ورثاه الْفَقِيه أَبُو عبد الله أكنسوس بقوله
(هذي الْحَيَاة شَبيهَة الأحلام ... مَا النَّاس إِن حققت غير نيام)
(حسب الْفَتى إِن كَانَ يعقل أَن يرى ... مِنْهُ لآدام رُؤْيَة استعلام)
(فَيرى بداية كل حَيّ تَنْتَهِي ... أبدا وَإِن طَال المدا لتَمام)
(وَالنَّفس من حجب الْهوى فِي غَفلَة ... عَمَّا يُرَاد بهَا من الْأَحْكَام)
(أوليس يَكْفِي مَا يرى متعاقبا ... بَين الورى من سطوة الْأَيَّام)
(من لم يصب فِي نَفسه فمصابه ... بحبيبه حكما على إِلْزَام)
(بعد الشبيبة شيبَة يخْشَى لَهَا ... ذُو صِحَة أَن يبتلى بسقام)
(دَار أُرِيد بهَا العبور لغَيْرهَا ... ويظنها الْمَغْرُور دَار مقَام)
(منع الْبَقَاء بهَا تخَالف حَالهَا ... وتكرر الْإِشْرَاق والإظلام)
(لَو كَانَ ينجو من رداها مَالك ... فِي كَثْرَة الْأَنْصَار والخدام)
(لنجا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن غَدا ... أَعلَى مُلُوك الأَرْض نجل هِشَام)
(خير السلاطين الَّذين تقدمُوا ... فِي الغرب أوفي الشرق أَو فِي الشَّام)
(سر الْإِلَه وَرَحْمَة منشورة ... كَانَت سرادق مِلَّة الْإِسْلَام)
(قصدته عَادِية الْحمام فَمَا عدت ... إِن هددت علما من الْأَعْلَام)
(لم تحجب الْحجاب مِنْهَا طَارِقًا ... كلا وَلَا دفعت يَد الأقوام)
(وَالْملك فِي عز مهيب شامخ ... وإمامه فِي جرْأَة الضرغام)
(3/77)

(عجبا لَهَا لم تخش من فتكاته ... والأسد تزأر حوله وتحامي)
(عجبا لَهَا لم تستح من وَجهه ... وَالْوَجْه أبهج من بدور تَمام)
(عجبا لَهَا لم ترع طول قِيَامه ... متهجدا لله خير قيام)
(تَبًّا لَهَا لم تدر من فجعت بِهِ ... من مُعتق وأرامل الْأَيْتَام)
(أسفا على ذَات الْجلَال وَأَنه ... لأجل من أَسف وفرط هيام)
(يَا مَالِكًا كَانَت لنا أَيَّامه ... ظلا ظليلا دَائِم الإنعام)
(لَا ضير أَنَّك قد رحلت ميمما ... دَار الهناء وجنة الْإِكْرَام)
(فِي حَضْرَة تَغْدُو عَلَيْك بشائر ... من حورها بِتَحِيَّة وَسَلام)
(ضاجعت فِي تِلْكَ الْقُصُور كواعبا ... درية الألوان والأجسام)
(تسقيك صرف السلسبيل مروقا ... وتدير كأسا من مدام مدام)
(فلك الرضى فانعم بِمَا أَعْطيته ... وَلَك الهناء بنيل كل مرام)
بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن وَسيرَته ومآثره

يَكْفِيك أَيهَا الْوَاقِف على أَخْبَار هَذَا الإِمَام الْجَلِيل السّري النَّبِيل من مناقبه خصلتان إِحْدَاهمَا شَهَادَة عَمه السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان لَهُ بالتقوى وَالْعَدَالَة والمحافظة على خِصَال الْخَيْر ونوافله حَتَّى قدمه على بنيه حَسْبَمَا مر ذَلِك كُله مُسْتَوفى وَالثَّانيَِة إِقَامَته صلب هَذِه الدولة الشَّرِيفَة بعد إشرافها على الاختلال وردهَا إِلَى شبابها بعد أَن حَان مِنْهَا الزَّوَال والارتحال كَمَا رَأَيْته أَيْضا فعلى التَّحْقِيق أَن الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله هُوَ الْمولى إِسْمَاعِيل الثَّانِي وَأما حزمه وَضَبطه وَكَمَال عقله وتأنيه فِي الْأُمُور وَوَضعه الْأَشْيَاء موَاضعهَا وتبصره فِي مبادئها وعواقبها وإجراؤها على قوانينها فَمَا أَظُنك تجْهَل مِنْهُ شَيْئا بعد أَن قَصَصنَا عَلَيْك مَا مضى من أخباره رَحمَه الله وَقد رَأَيْت كَيفَ نزلت بِهِ النَّوَازِل وترادفت عَلَيْهِ الهزاهز من غير معِين يذكر أَو وَزِير يعْتَبر إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر فَقَامَ رَحمَه الله بأعباء ذَلِك كُله وعالج حلوه ومره حَتَّى رد النّصاب الملكي
(3/78)

إِلَى أَصله وَأحل عزه فِي مَحَله وَأما ورعه وَصَبره وحياؤه وتوقفه فِي الدِّمَاء توقفا تَاما إِلَّا إِذا حصحص الْحق وَصرح الشَّرْع فَكل ذَلِك أَمر مَعْلُوم يُعلمهُ الْخُصُوص والعموم وَأما آثاره بالمغرب فشيء كثير من ذَلِك مَا افْتتح بِهِ ولَايَته من بِنَاء مَا تهدم من مرسى طنجة وصير عَلَيْهِ مَالا عَظِيما حَتَّى أَعَادَهُ أحسن وَأحْصن مِمَّا كَانَ وَمن ذَلِك تَجْدِيد الْحرم الإدريسي بفاس وَبِنَاء مَسْجده وتوسعته وتنميقه حَسْبَمَا مر وَمن ذَلِك البرجان العظيمان بسلا وأشبار الْكَبِير المواجه للبحر مِنْهَا والمارستان الْكَبِير بضريح الشَّيْخ ابْن عَاشر والمنار الشهير بِالْمَسْجِدِ الْأَعْظَم مِنْهَا وخزين البارود بالقليعة وَغير ذَلِك وأشبار الْكَبِير برباط الْفَتْح وَبنى بأعمالها لحفظها وتأمين طرقها قصبتين كبيرتين إِحْدَاهمَا الصخيرات وَالْأُخْرَى قَصَبَة أبي زنيقة فأمن النَّاس بهما وارتفقوا بالتردد إِلَيْهِمَا وجدد مَا تهدم من أبراج الصويرة واعتنى بهَا وصير عَلَيْهَا أَمْوَالًا ثقالا فَجَاءَت فِي غَايَة الإتقان والحصانة وَمن آثاره بمراكش آجدال الشهير وتجديد جَامع الْمَنْصُور بالقصبة بعد أَن لم يبْق مِنْهُ إِلَّا الِاسْم فَأَعَادَهُ إِلَى حَالَته الأولى على ضخامته وانفساحه وعلو بنائِهِ وتجديد جَامع الكتبيين مرَّتَيْنِ وَإِصْلَاح قبَّة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي رَضِي الله عَنهُ وَالزِّيَادَة فِي جَامع الشَّيْخ أبي إِسْحَاق البلفيقي بسوق الدقاقين مِنْهَا وَهدم جَامع الْوُسْطَى وإعادته على شكل بديع وهيئة حَسَنَة وَبِنَاء جَامع أبي حسون وَإِقَامَة الْجُمُعَة بِهِ كَمَا كَانَت أَولا وَبِنَاء جَامع القنارية وَالزِّيَادَة فِيهِ وَمن آثاره بِحَضْرَة فاس الْعليا تَجْدِيد بُسْتَان آمِنَة المرينية
قَالَ أكنسوس وَكَانَ هَذَا الْبُسْتَان خرابا تألفه الوحوش مَعَ أَنه بِبَاب دَار السُّلْطَان وَفِي سرة الحضرة وَقد كَانَ فِي الدول المرينية على هَيْئَة بهية فِيهِ ظَهرت زِينَة تِلْكَ الدولة وضخامتها وَفِيه مَقَاعِدهمْ ومنازلهم الْعَالِيَة ومجالسهم المشرفة على بساتين المستقى إِلَى أَن قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَت تِلْكَ الْعَرَصَة منية من زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وجنة حائزة من الْبَهْجَة الْمرتبَة الْعليا ثمَّ أخنت عَلَيْهَا الْأَيَّام بصروفها ومحت من تِلْكَ الرسوم جَمِيع حروفها فرآها
(3/79)

الْمُلُوك قبل مَوْلَانَا الْمُؤَيد فَلم يرقوا لحالها وَلَا أنقذوها من أوحالها مَعَ أَنَّهَا فِي جوارهم وعقر دِيَارهمْ فعطف الله عَلَيْهَا هَذَا السُّلْطَان الْمُبَارك فَأَعَادَ بعد الْمَمَات محياها وأبرز من ظلمات الْعَدَم جميل محياها
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله

كَانَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رَحمَه الله بِعَين الرضى من وَالِده مُنْذُ نَشأ وشب وَكَانَ متميزا عَن سَائِر إخْوَته بِشدَّة البرور بِأَبِيهِ ومتصفا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار وَالصَّلَاح وَالتَّقوى وَسَائِر خِصَال الْخَيْر واستخلفه أَبوهُ صَغِيرا فَجرى على السّنَن الأقوم وحمدت سيرته وَلما رأى مِنْهُ السُّلْطَان رَحمَه الله مخايل النجابة وَالصَّلَاح فوض إِلَيْهِ وَألقى بزمام مَمْلَكَته بيدَيْهِ وَلم يدّخر عَنهُ شَيْئا من أُمُور الْملك ووظائفه فاستلحق فِي أَيَّام أَبِيه واستركب وَاتخذ العساكر وجند الأجناد وَقدم وَأخر وخفض وَرفع وَأعْطى وَمنع حَتَّى كَأَنَّهُ ملك مُسْتَقل وَكَانَت الْعَادة أَنه إِذا كَانَ السُّلْطَان بمراكش كَانَ سَيِّدي مُحَمَّد هَذَا بفاس أَو بمكناسة وَبِالْعَكْسِ فَلَمَّا مرض السُّلْطَان رَحمَه الله مرض مَوته بمكناسة كَانَ سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش فَلم يرعه إِلَّا وُرُود الْكتب عَلَيْهِ من أَخِيه الْمولى الْعَبَّاس وَمن الْوَزير أبي عبد الله الصفار أَن السُّلْطَان قد أشرف وَوَقع الْيَأْس مِنْهُ فَنَهَضَ سَيِّدي مُحَمَّد من مراكش منزعجا وجد السّير لَعَلَّه يدْرك حَيَاة أَبِيه فَلَمَّا كَانَ بِبِلَاد السراغنة على مرحلَتَيْنِ من مراكش اتَّصل بِهِ الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان رَحمَه الله ثمَّ قدمت عَلَيْهِ بيعَة أهل الحضرتين فاس ومكناسة وَجَمِيع الْجَيْش البُخَارِيّ وَسَائِر أهل الْحل وَالْعقد من أَعْيَان الْقَبَائِل والبربر فَاسْتَرْجع السُّلْطَان لمصابه وشكر الله إِذْ أبقى أَمر الْمُسلمين فِي نصابه وَكتب بالْخبر إِلَى مراكش وَبعث بالبيعة الْوَارِدَة عَلَيْهِ فَاجْتمع أهل مراكش على طبقاتهم بِجَامِع الكتبيين وَحضر عَامل الْبَلَد يَوْمئِذٍ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن أبي سِتَّة وقائد الْجَيْش السُّوسِي بالقصبة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سعيد
(3/80)

الجراوي وقواد الْحَوْز من الرحامنة وَغَيرهم فقرىء كتاب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بالأخبار بِمَوْت وَالِده واجتماع النَّاس على بيعَته فارتفعت الْأَصْوَات بالترحم على السُّلْطَان الصائر إِلَى عَالم الرضى وَالرَّحْمَة وبالنصر لهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الله لحماية الْأمة وَكتب أهل مراكش بيعتهم من إنْشَاء أبي عبد الله أكنسوس وَكَذَا الْجَيْش السُّوسِي وَأهل الْحَوْز وَقدمُوا على السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بمكناسة مؤدين الطَّاعَة داخلين فِيمَا دخلت فِيهِ الْجَمَاعَة فَأكْرم وفادتهم وَأجل مقدمهم وأفاض عَلَيْهِم من الْإِحْسَان مَا غمرهم وَكَانَ مِمَّا قيل فِي تهنئته بِالْملكِ قَول أبي عبد الله أكنسوس
(وُجُوه الْأَمَانِي حسنها متجدد ... ومنظرها يحكيه خد مورد)
(قضى الْحبّ فِي كل الْقُلُوب بِأَنَّهَا ... مماليك أَرْبَاب الْجمال وأعبد)
(وَكم من عصي للهوى متعفف ... يفر من السود الْعُيُون وَيبعد)
(تصيده ظَبْي على حِين غَفلَة ... مهفهف مستن الوشاحين أغيد)
(فَأصْبح مَفْقُود الْفُؤَاد مخبلا ... وَأي فؤاد عاشق لَيْسَ يفقد)
(وَللَّه فِي أسر الغرام ونهره ... نفوس ضِعَاف ليلهن مسهد)
(إِذا اللَّيْل أضواها تكنفها الْهوى ... وَلَيْسَ لَهَا غير الكواعب منجد)
(وَذي ظمأ بَين الضلوع يجنه ... إِلَى رشفات للصبابة تبرد)
(ترَاءى لَهُ من منحنى الْجزع برقه ... فَظن بِأَن الْجزع ثغر منضد)
(وتذكره تِلْكَ البروق مباسما ... عَلَيْهِنَّ مرفض الجفان معقد)
(يراقب أسراب النُّجُوم بمقلة ... تقسمها شطرين نسر وفرقد)
(ويهفو لأيام العقيق فتنثني ... مدامعه مثل العقيق تبدد)
(وَهل يتناهى عهد من سكن اللوى ... إِذا الْعَيْش غض والحبائب تسعد)
(وَمَا زَالَت الْأَيَّام تغري بِنَا النَّوَى ... وتنفي الَّذِي نهواه عَنَّا وتبعد)
(وَلست أُبَالِي للزمان صروفه ... وكهفي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد)
(خَليفَة رب الْعَالمين بأرضه ... وصارمه الشاكي الشبات المهند)
(إِمَام تولى الله تشييد ملكه ... وناهيك ملكا بالإله يشيد)
(وصفوة هَذَا الْخلق من آل هَاشم ... وَأَعْلَى ذَوي التيجان فخرا وأمجد)
(3/81)

(وأرحبهم فِي الْعِزّ باعا وَفِي العلى ... وَأَكْثَرهم فِي الْفضل حظا وأزيد)
(أَتَتْهُ عروس الْملك عاشقة لَهُ ... وَكم عاشق عَنْهَا يذاذ ويطرد)
(وَأَلْقَتْ على شوق إِلَيْهِ زمامها ... فطاب لَهَا مِنْهُ الجناب الممهد)
(فَأَصْبَحت الْأَيَّام تزهو بعدله ... وتنعم فِي ظلّ الهناء وتسعد)
(فَفِي بَابه مأوى المكارم والندى ... وَفِي بَابه الْخيرَات تولي وتوجد)
(ودولته للعز والنصر مألف ... وحضرته للأمن واليمن موعد)
(تذل مُلُوك الْعَالمين لِبَأْسِهِ ... وتركع مهما أبصرته وتسجد)
(لَهُ رَاحَة فِي الْجُود مَا الْغَيْث عِنْدهَا ... وَمَا الْبَحْر والدر النفيس الْمُقَلّد)
(لَهُ أنعم تأوي إِلَى ظلها المنى ... وتسحب أذيال السماح وترفد)
(وعزم على الْخيرَات لَيْسَ بسامع ... مقَالَة من فِي المكرمات يزهد)
(ورأي ينير الْخطب عِنْد اعتكاره ... وَيفْسخ مَا أَيدي النوائب تعقد)
(وَوجه إِذا مَا لَاحَ أيقنت أَنه ... محيا لَهُ وَقت السَّعَادَة مولد)
(حييّ كثير الابتسام مبارك ... يكبر رَبِّي إِن بدا ويوحد)
(أهز بِهَذَا الْمَدْح مِنْهُ معاطفا ... تجر ذيول الْفَخر إِن هُوَ يحمد)
(لَهُ الْعَسْكَر الجرار تبرق فِي الوغا ... صوارم مِنْهُ والمدافع ترْعد)
(يعد إِلَى الْأَعْدَاء كل كَتِيبَة ... من الرَّعْد يحدوها الوشيح المسدد)
(وكل كمى كالغضنفر مغضبا ... وكل صقيل وَهُوَ مَاض مُجَرّد)
(يبد العدا قبل اللِّقَاء مهابة ... فصارمه يفري الطلى وَهُوَ مغمد)
(هُوَ الْملك الْمَشْهُور بالحلم والدها ... وبالعلم والشهب الدراري تشهد)
(تشد لإدراك الْغنى عِنْد بَابه ... ركائب أنضاها الدؤب المشدد)
(يحدث عَنهُ الْوَفْد عِنْد صدوره ... أَحَادِيث من بَحر إِذا الْبَحْر يزِيد)
(إِلَى مجده آمالنا قد تطاولت ... وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا حماه الْمُؤَيد)
(فيا ملكا يحمي الرّعية بأسه ... ويحييهم بالبذل والبذل أرغد)
(يدبر فيهم كل يَوْم مصالحا ... تعود بِمَا يرضون وَالْعود أَحْمد)
(ويشملهم بِالْعَدْلِ وَالْفضل والندا ... وَيصْلح بالصمصام من هُوَ مُفسد)
(هَنِيئًا لَك الْملك الْجَدِيد فَإِنَّهُ ... يَدُوم بِحَمْد الله وَهُوَ مسرمد)
(3/82)

(هَنِيئًا لنا نَحن العبيد فإننا ... بسؤدد مَوْلَانَا الإِمَام نسود)
(ودونك يَا خير السلاطين كاعبا ... بديعة حسن للنَّهْي تتودد)
(تدير كؤوس الراح دون تأثم ... إِذا هِيَ أثْنَاء المحافل تنشد)
(فَلَا زلت مَا بَين الْمُلُوك مُخَيّرا ... كَمَا اختبر مَا بَين الْمَعَادِن عسجد)
وَفِي هَذِه الْأَيَّام ظهر الْمولى عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد وَقرب من فاس طَالبا للْملك قيل إِن بعض أَبنَاء عَمه بفاس ومكناسة لما توفّي السُّلْطَان رَحمَه الله كاتبوه واستحثوه للقدوم وواطأهم على ذَلِك بعض عبيد البُخَارِيّ وَبَعض البربر الَّذين بأحواز مكناسة وَلما قرب من فاس كَانَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن الْمُخْتَار الجامعي يَوْمئِذٍ يَلِي أَمر شراقة بهَا فَقَامَ فِي ذَلِك أحسن قيام وَحمل النَّاس على الثَّبَات والتمسك بِطَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فَكَانَ ذَلِك سَببا فِي سُكُون هَذِه الْفِتْنَة وانحسام مادتها فَرجع الْمولى عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عوده على بدئه وآيس من بُلُوغ قَصده وَأقَام بزاوية العياشي عِنْد البربر إِلَى أَن أضمحل أمره وَلما قدم السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله من مراكش إِلَى مكناسة اجتاز بِمَدِينَة سلا وَنزل بِرَأْس المَاء فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَبعد الزَّوَال دخل فِي جمَاعَة من حَاشِيَته وزار الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن حسون وَالشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر رَضِي الله عَنْهُمَا وَدخل البستيون الْكَبِير وَرَأى مدافعه مَنْصُوبَة على عجلات الْحَدِيد وَكَانَت تغوص فِي الأَرْض إِذا جرت من شدَّة ثقل المدافع فَأَشَارَ بِأَن يفرش لَهَا بِسَاط من الْعود الْجيد الْمُحكم الصَّنْعَة والتركيب حَتَّى يَتَأَتَّى جريانها عَلَيْهِ بِلَا كلفة فصنعت لَهَا كَمَا أَشَارَ رَحمَه الله وَقد كنت مدحته بقصيدة لم يبْق على ذكري الْآن مِنْهَا إِلَّا بيتان وهما
(حوى العلويون الْمَعَالِي كلهَا ... وَمَا مِنْهُم إِلَّا ذرى الْمجد صاعد)
(وَلَكِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد ... هُوَ الْبَدْر فِي العلياء وَهِي الفراقد)
(3/83)

انْتِقَاض الصُّلْح مَعَ الإصبنيول واستيلاؤه على تطاوين ورجوعه عَنْهَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ السَّبَب فِي انْتِقَاض الصُّلْح مَعَ جنس الإصبنيول أَن الْعَادة كَانَت جَارِيَة مَعَ أهل سبتة من النَّصَارَى وَأهل اللانجرة من الْمُسلمين أَن يتَّخذ كل من الْفَرِيقَيْنِ محلا للحراسة على المحدة الَّتِي بَينهمَا وَكَانَ النَّصَارَى يتخذون هُنَالك بُيُوتًا صغَارًا من اللَّوْح والمسلمون يتخذون أخصاصا من البردى وَنَحْوه فَلَمَّا كَانَ آخر دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله بنى نَصَارَى سبتة على المحدة بَيْتا من حجر وطين وَجعلُوا فِيهِ عَلامَة طاغيتهم الْمُسَمَّاة عِنْدهم بالكرونة فَتقدم إِلَيْهِم أهل اللانجرة وَقَالُوا لَهُم لَا بُد أَن تهدموا هَذَا الْبَيْت الَّذِي لم تجر الْعَادة ببنائه وترجعوا إِلَى حالتكم الأولى من اتِّخَاذ بيُوت الْخشب فَامْتنعَ النَّصَارَى من ذَلِك فَعمد أهل اللانجرة إِلَى ذَلِك الْبَيْت فهدموه وَإِلَى تِلْكَ الكرونة فنجسوها بالعذرة وَقتلُوا مِنْهُم أُنَاسًا وضيقوا على أهل سبتة بالغارات حَتَّى كَانُوا يصلونَ إِلَى السُّور فَرفع أهل سبتة أَمرهم إِلَى كَبِيرهمْ بطنجة فَكلم كَبِيرهمْ نَائِب السُّلْطَان بهَا وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الْحَاج عبد الله الْخَطِيب التطاوني وشكا إِلَيْهِ مَا نَالَ أهل سبتة من عيث اللانجرة فدافعه الْخَطِيب فَلم ينْدَفع وَقَالَ لَا بُد من حُضُور اثْنَي عشر رجلا مِنْهُم بطنجة وَسَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَلَا بُد من قَتلهمْ جَزَاء على فعلهم فَعظم الْأَمر على الْخَطِيب وَرُبمَا كلم فِي ذَلِك باشدور النجليز فَقَالَ لَهُ أحضر هَؤُلَاءِ المطلوبين على عين الْأَجْنَاس وَإِذا حَضَرُوا وَظهر حق الإصبنيول فَأَنا ضَامِن أَن لَا يصيبهم شَيْء فأعجب الْخَطِيب ذَلِك وعزم عَلَيْهِ فاتصل الْخَبَر بِأَهْل اللانجرة وَأَن الْخَطِيب عازم على أَن يكْتب إِلَى السُّلْطَان فِي شَأْن اثْنَي عشر رجلا مِنْهُم بأعيانهم فَمَشَوْا إِلَى الشريف سَيِّدي الْحَاج عبد السَّلَام بن الْعَرَبِيّ الوزاني وَقَالُوا لَهُ إِن الْخَطِيب لَا ينصح السُّلْطَان وَلَا الْمُسلمين وَإِن كل مَا قَالَه النَّصَارَى يساعدهم عَلَيْهِ حَتَّى جسرهم علينا وَنحن جئْنَاك لتعلم السُّلْطَان بأمرنا وتسأله أَن يمدنا بالقبائل الْمُجَاورَة لنا وَنحن نكفيه
(3/84)

هَذَا المهم وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة توفّي السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله وَولي ابْنه سَيِّدي مُحَمَّد وَقدم مكناسة وَاجْتمعت كلمة أهل الْمغرب عَلَيْهِ فَكتب لَهُ الشريف سَيِّدي الْحَاج عبد السَّلَام بِأَمْر أهل اللانجرة وَقرر لَهُ مطلبهم فَشَاور السُّلْطَان فِي ذَلِك بعض حَاشِيَته فَمَال إِلَى الْحَرْب وَذَلِكَ كَانَ الرَّاجِح عِنْد السُّلْطَان لِأَنَّهُ عظم عَلَيْهِ أَن يُمكن الْعَدو من اثْنَي عشرا من الْمُسلمين وفْق اقتراحه واختياره يقتلهُمْ بِمحضر الْمَلأ من نواب الْأَجْنَاس وَرَأى رَحمَه الله أَن لَا يُمكنهُ من مطلبه حَتَّى يعْذر فِيهِ فاستخار الله تَعَالَى وَبعث خديمه الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج الطَّاهِر الزُّبْدِيُّ الرباطي إِلَى الْخَطِيب بطنجة وَأمره أَن ينظر فِي الْقَضِيَّة ويستكشف الْحَال وَأَن لَا يجنح إِلَى الصُّلْح إِلَّا إِذا لم يجد عَنهُ محيصا وَكثر المتنصحون لَدَى السُّلْطَان وهونوا عَلَيْهِ أَمر الْعَدو جدا مَعَ أَنه لَيْسَ من السياسة تهوين أَمر الْعَدو وتحقيره وَلَو كَانَ هينا حَقِيرًا فوصل الزُّبْدِيُّ إِلَى طنجة وَاجْتمعَ بالخطيب وفاوضه فِي الْقَضِيَّة فَوجدَ الْخَطِيب جانحا إِلَى السّلم فَأبى أَن يساعده على ذَلِك وَأظْهر كتاب السُّلْطَان بتفويض النّظر إِلَيْهِ فِي النَّازِلَة فَتَأَخر الْخَطِيب عَنْهَا وَترك الْخَوْض وَالْكَلَام فِيهَا وَآخر الْأَمر أَن الزُّبْدِيُّ انْفَصل مَعَ نَائِب الإصبنيول على الْحَرْب وَذهب إِلَى حَال سَبيله وأزال الإصبنيول سنجقه من طنجة وَركب إِلَى بِلَاده فِي الْحِين وَكتب الزُّبْدِيُّ إِلَى السُّلْطَان بالْخبر فَكتب السُّلْطَان إِلَى الثغور يُخْبِرهُمْ بِمَا عقده مَعَ الإصبنيول من الْحَرْب وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا على حذر وَأَن يَأْخُذُوا أهبتهم للْجِهَاد وَفتح السُّلْطَان بَيت المَال وأبدأ وَأعَاد فِي تَفْرِيق المَال وَالسِّلَاح والكسي وَقدم أَولا الْقَائِد الْمَأْمُون الزراري إِلَى تطاوين فِي نَحْو مائَة فَارس وَخَمْسمِائة من رُمَاة الْعَسْكَر فرابطوا خَارج تطاوين إِلَى جِهَة سبتة ثمَّ برز جَيش الإصبنيول من سبتة فِي نَحْو عشْرين ألفا من الْعَسْكَر فِي غَايَة الاستعداد وَكَمَال الشَّوْكَة وَنزل على طرف المحدة دَاخل أرضه وَكَانَ خُرُوجه يَوْم السبت أواسط ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَنَهَضَ إِلَيْهِ أهل اللانجرة وَمن جاورهم من قبائل الْجَبَل وتسامع النَّاس بذلك فقدموا من كل جِهَة حَتَّى اجْتمع مِنْهُم نَحْو
(3/85)

الْخَمْسَة آلَاف وزحفوا إِلَى الْعَدو وقاتلوه نَحْو نصف شهر وكل يَوْم يقتل مِنْهُ ضعف مَا يقتل من الْمُسلمين لِأَن حربه كَانَ زحفا بالصف وحربهم كَانَ مطاردة بالكر والفر فَلَا بُد أَن يهْلك مِنْهُ أَكثر مِمَّا يهْلك من الْمُسلمين غير أَنهم لم يتمكنوا من مخالطته فِي مُعَسْكَره وَلَا من هزيمته لِأَنَّهُ كَانَ يحصن على نَفسه بأشبارات والمتارزات بخناشى الرمل وَغَيرهَا غَايَة التحصين ثمَّ بعث السُّلْطَان رَحمَه الله أَخَاهُ الْفَقِيه الْعَلامَة الْمولى الْعَبَّاس فِي كَتِيبَة من الْخَيل نَحْو الْخَمْسمِائَةِ فَارس فَنزل بِموضع يعرف بِعَين الدالية قرب طنجة ثمَّ بعد أَيَّام زحف إِلَى الْعَدو فَنزل بمدشر يُقَال لَهُ الْبيُوت باللانجرة وَاسْتمرّ الْقِتَال بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى على نَحْو ماسبق نَحْو الْعشْرَة أَيَّام ثمَّ انْتقل الْمُسلمُونَ إِلَى مَوضِع آخر يعرف بِأبي كدان خوفًا من كرة الْعَدو ودهمه إيَّاهُم فَكَانَ ذَلِك مِمَّا جرأ الْعَدو عَلَيْهِم وَأظْهر الفشل فيهم وقاتلوا هُنَالك نَحْو الْخَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ إِن الْعَدو اجْتمع يَوْمًا وَتحمل بخيله وَرجله وزحف إِلَى الْمُسلمين فصدمهم بِجَمِيعِ قوته وشوكته فصبروا لَهُ وَصَدقُوهُ اللِّقَاء فَردُّوهُ على عقبه وَلما لم يستقم لَهُ ذَلِك جمع نَفسه ذَات لَيْلَة من غير شُعُور من الْمُسلمين وَركب الْبَحْر وَنزل بِمحل يعرف بالفنيدق لِأَنَّهُ كَانَ هُنَالك فندق قديم وَكَانَ الْعَدو فِي تنقلاته هَذِه لَا يُفَارق السَّاحِل ليحمي ظَهره بمراكبه البحرية وَكَانَ بَين الفندق ومحلة الْمُسلمين نَحْو سَاعَة وَنصف فَأَشَارَ أهل الرَّأْي على الْمولى الْعَبَّاس بِأَن يتَأَخَّر فليلا لكَون الْعَدو قد ضايقه فَتَأَخر الْمولى الْعَبَّاس بالجيش إِلَى مَوضِع يعرف بمجاز الْحَصَا فازداد طمع الْعَدو فِي الْمُسلمين وَظهر لَهُ ضعف رَأْيهمْ فِي مَكَائِد الْحَرْب وَعدم ثباتهم لَدَى الطعْن وَالضَّرْب وَكَانَ قَائِد عَسْكَر الإصبنيول يُسمى أردنيل ووزيره المشير عَلَيْهِ يُسمى بريم ورينتهم يَوْمئِذٍ إيسابيلا الثَّانِيَة ثمَّ عَاد الْمُسلمُونَ إِلَى مطاردة الْعَدو ومقاتلته على نَحْو مَا أسلفنا فَكَانُوا يذهبون إِلَيْهِ وَهُوَ بالفنيدق فيقاتلونه من الصَّباح إِلَى الْمسَاء فَكَانُوا ينالون مِنْهُ وينال مِنْهُم وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة وَفد جمَاعَة من أهل تطاوين على السُّلْطَان رَحمَه الله بمكناسة فأعظموا أَمر الْعَدو
(3/86)

وتخوفوا معرته فِي مَالهم وَأَوْلَادهمْ لأَنهم كَانُوا قد أحسوا بِشدَّة شوكته فَوَعَدَهُمْ السُّلْطَان رَحمَه الله بِأَن يمدهُمْ ويحامي عَنْهُم وَلَا يدّخر عَنْهُم شَيْئا من الْعدَد وَالْعدَد حَتَّى يعْذر فيهم وَفِي غَيرهم ثمَّ إِن الْعَدو ارتحل من الفنيدق بعد نَحْو عشرَة أَيَّام وَتقدم نَحْو تطاوين وَكَانَ النَّاس قبل هَذَا لَا يَدْرُونَ أَيْن هُوَ قَاصد وَلما ارتحل من الفنيدق عرفُوا أَنه قَاصد تطاوين فَنزل بِموضع يُقَال لَهُ النيكرو فَأَقَامَ هُنَالك نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام والقتال على حَاله الْمُتَقَدّم غير أَن الْعَدو كَانَ فِي مَادَّة قَوِيَّة من الْبر وَالْبَحْر يصل إِلَيْهِ من سبتة وَغَيرهَا كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من طَعَام وعلف وأرز وشعير وبقسماط وَغير ذَلِك حَتَّى أَنه كَانَ إِذا ارتحل ترك من ذَلِك فضلَة كَثِيرَة يتعيش فِيهَا ضعفاء أهل تِلْكَ النَّاحِيَة وَكَانَ ذَلِك مكيدة مَقْصُودَة عِنْده يظْهر بهَا الْقُوَّة والرفاهية وَكَانَ شذاذ المتطوعة من أهل الْبَادِيَة يهجمون على مُعَسْكَره بِاللَّيْلِ ويجلبون مِنْهُ البغال والنيران ويصبحون بهَا فِي تطاوين وَغَيرهَا وَكَانَ ضعفاء الْعُقُول من الْعَامَّة يستحسنون ذَلِك وينشطون لَهُ ويرون أَنهم قد صَنَعُوا شَيْئا مَعَ أَن ذَلِك لَا عِبْرَة بِهِ فِي جنب مَا كَانَ يستولي عَلَيْهِ الْعَدو من الأَرْض ويتقدم بِهِ فِي نحر الْمُسلمين وهم يتأخرون وَالْحَاصِل أَن الْمُسلمين لم يَكُونُوا يقاتلونه على تَرْتِيب مَخْصُوص وهيئة منضبطة إِنَّمَا كَانُوا يقاتلونه وهم متفرقون أَيدي سبا فَإِذا حَان الْمسَاء تفَرقُوا إِلَى محالهم فِي غير وَقت مَعْلُوم وعَلى غير تعبية فَكَانَ قِتَالهمْ على هَذَا الْوَجْه لَا يجدي شَيْئا وَكَانَ الْعَدو يُقَاتل بالصف وعَلى تَرْتِيب مُحكم وَكَانَت عنايته بِمَا يستولي عَلَيْهِ من الأَرْض وَيرى تقدمه إِلَى أَمَام وَتَأَخر الْمُسلمين بَين يَدَيْهِ إِلَى خلف هزيمَة عَلَيْهِم
وَقد ذكر ابْن خلدون فِي فصل الحروب قتال أهل الْمغرب الَّذِي هُوَ المطاردة بالكر والفر وعابه فَقَالَ وَصفَة الحروب الْوَاقِعَة بَين أهل الْخَلِيفَة مُنْذُ أول وجودهم على نَوْعَيْنِ نوع بالزحف صُفُوفا وَنَوع بالكر والفر أما الَّذِي بالزحف فَهُوَ قتال الْعَجم كلهم على تعاقب أجيالهم وَأما الَّذِي بالكر والفر فَهُوَ قتال الْعَرَب والبربر من أهل الْمغرب وقتال الزَّحْف أوثق وَأَشد
(3/87)

من قتال الْكر والفر وَذَلِكَ لِأَن قتال الزَّحْف ترَتّب فِيهِ الصُّفُوف وتسوى كَمَا تسوى القداح أَو صُفُوف الصَّلَاة ويمشون بصفوفهم إِلَى الْعَدو قدما فَلذَلِك تكون أثبت عِنْد المصارع وأصدق فِي الْقِتَال وأرهب لِلْعَدو لِأَنَّهُ كالحائط الممتد وَالْقصر المشيد لَا يطْمع فِي إِزَالَته
وَفِي التَّنْزِيل {إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص} الصَّفّ 4 اه ولازال الْعَدو هَكَذَا يتنقل شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى وصل إِلَى وَادي يعرف بوادي آسمير وَكَانَ يتحَرَّى فِي تنقلاته يَوْم السبت مُعْتَمدًا فِي ذَلِك حكما نجوميا على مَا قيل فَلَمَّا احتل بآسمير صَادف ريحًا شرقية هاج من أجلهَا الْبَحْر حَتَّى لم تقدر مراكبه أَن تحاذيه قرب السَّاحِل فَانْقَطَعت عَنهُ مَادَّة الْبَحْر وطلع مَاء الْبَحْر فِي وَادي النيكرو من خَلفه فأفعمه وَقطع عَنهُ الْمَادَّة من سبتة كَمَا طلع أَيْضا فِي وَادي آسمير من أَمَامه فحبسه عَن العبور وَصَارَ الْعَدو متوسطا بَين الوادين وَالْبَحْر عَن يسَاره وانقطعت عَنهُ الْموَاد حَتَّى حكى بعض عسكره بعد ذَلِك الْيَوْم أَن الكليطة وَهِي خبْزَة صَغِيرَة تشبه البقسماط كَانَت أول النَّهَار تبَاع ببسيطة وَفِي آخِره بِيعَتْ بريال وَلَا وجود لَهَا وأيقنوا بِالْهَلَاكِ لَو وجدوا من ينتهز الفرصة فيهم وَلَكِن أَيْن الْيَد الباطشة وبقوا على تِلْكَ الْحَال يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة ثمَّ سكن الْبَحْر وانفش الواديان وجاءه المدد وَلما رأى الْمُسلمُونَ أَن الْعَدو وصل إِلَى ذَلِك الْمحل تقهقروا ونزلوا بمدشر القلالين بَينه وَبَين تطاوين نَحْو نصف سَاعَة ثمَّ إِن الْعَدو عبر الْوَادي من آخر اللَّيْل وَأصْبح بِموضع يُقَال لَهُ الْمضيق وَكَانَ متطوعة الْأَعْرَاب فِي هَذِه الْمدَّة على قسمَيْنِ الحازمون وَأهل الْغيرَة مِنْهُم يَقُولُونَ لَوْلَا أَنه بَين الْجبَال ومتحصن بالمتارزات لفعلنَا وَفعلنَا وَالْآخرُونَ يَقُول أحدهم مَا لي وللتقدم إِلَى هَذِه الشرشمة وَإِنَّمَا أهل تطاوين يُقَاتلُون عَن تطاونهم وَأما أَنا فحتى يصل إِلَيّ بخيمتي فِي عَبدة أَو دكالة أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ يعْتَقد أَنه لَا تجب عَلَيْهِ نصْرَة الْمُسلمين نعم الَّذين قَاتلُوا قتالا شَدِيدا وأحسنوا الدفاع وَقَامُوا بالنصرة بنية خَالِصَة وهمة صَادِقَة هم طَائِفَة من شُبَّان أهل فاس وَطَائِفَة من أهل زرهون وَالْبَعْض من آيت يمور وخصوصا
(3/88)

الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِأبي ريالة مِنْهُم فَإِنَّهُ أبدأ وَأعَاد وأتى بِمَا لم يسمع إِلَّا فِي زمَان الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
حكى من حضر وتواتر عَنهُ أَنه كَانَ معلما براية صفراء وَكَانَ يضمها إِلَى صَدره ويسددها نَحْو الْعَدو ثمَّ يحمل على صفهم فيخرقه حَتَّى يَأْتِي من خَلفه ويفتك فيهم أَشد الفتك ثمَّ يعود ويستلب خيل الْعَدو ويقودها بأرسانها وَيَأْتِي بهَا حَتَّى يَدْفَعهَا لمن بإزائه وَكَانَ إِذا تقدم نَحْو الْعَدو يَقُول لمن حوله تقدمُوا فَأَنا درقتكم وَأَنا سوركم تكَرر ذَلِك مِنْهُ الْمرة بعد الْمرة وَلما أصبح الْعَدو بالمضيق فَارق الْبَحْر وصمد إِلَى تطاوين فَدخل بَين جبلين وَكَانَ فِي انْتِهَاء ذَلِك الْمضيق الَّذِي بَين الجبلين من جِهَة تطاوين وَيُسمى فَم العليق بعض أخبية أهل فاس وَغَيرهم فصمد الْعَدو نحوهم وبغتهم بالكور والضوبلي وَهُوَ يقرع طبوله حَتَّى أعجل الْبَعْض مِنْهُم عَن حمل أثقاله وَلما وصل إِلَى هَذَا الْموضع حصل بتطاوين انزعاج كَبِير واستأنف النَّاس الْجد وَالِاجْتِهَاد والقتال وتذامر جَيش الْمُسلمين وَكَانَ الْيَوْم شَدِيد الْمَطَر وقاتلوا قتالا شَدِيدا وأبدأ أَبُو ريالة وَأعَاد فِي هَذَا الْيَوْم هلك تَحْتَهُ فرسَان وَأرْسل لَهُ الْمولى الْعَبَّاس فرسه وَكَانَ يعتني بِهِ وينوه بِقَدرِهِ وَيبْعَث الطبل يقرع على خبائه وأصابته فِي هَذَا الْيَوْم جِرَاحَة خَفِيفَة وَهلك من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى عدد كثير قيل هلك من أهل تطاوين فَقَط نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وَكَانَ الظُّهُور فِي ذَلِك الْيَوْم لِلْعَدو وَمن الْغَد ارتحل من فَم العليق وَعدل يسارا إِلَى المرسى فَنزل بهَا ليتَمَكَّن من مدد الْبَحْر وَاسْتولى على برج مرتيل وَمَا وَالَاهُ كدار مرتيل الَّتِي هِيَ الديوانة وبمجرد وُصُوله إِلَيْهَا حصنها بأشبارات الرمل والمدافع وَغير ذَلِك وَاتخذ بهَا دورا من اللَّوْح وحوانيت مِنْهُ وَأقَام مطمئنا وَصَارَت المراكب تَتَرَدَّد لَهُ فِي الْبَحْر بالأقوات وَالْعدة والعسكر وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ حَتَّى استراح ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَلم يكن فِي هَذِه الْمدَّة قتال وَلَا أنشبه الْعَدو وَفِي هَذِه الْأَيَّام ورد الْمولى أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن فِي جَيش بعث بِهِ السُّلْطَان من مكناسة وَنزل بِموضع يُقَال لَهُ فَم الجزيرة بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَ الْمولى الْعَبَّاس نازلا بمدشر القلالين بِمحل مُرْتَفع يشرف على مَا حوله وَلما استراح الْعَدو
(3/89)

وصلحت أَحْوَال جَيْشه أنشب الْقِتَال فَكَانَ يخرج فيحوم حول المحلتين فَيُقَاتل وَيرجع فَكَانَ بريم دَائِما يكون فِي أول الْمُقدمَة على فرس أَبيض مَشْهُورا عِنْدهم مَوْصُوفا بالشجاعة وجودة الرَّأْي ثمَّ إِن الْعَدو عزم على مصادمة الْمُسلمين والهجوم على تطاوين فارتحل يَوْم السبت الْحَادِي عشر من رَجَب سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وانكمش وَاجْتمعَ وَتقدم لِلْقِتَالِ وَأرْسل جنَاحا من الْخَيل طالعا مَعَ الْوَادي إِلَى جِهَة الْمَدِينَة وجناحا من الْعَسْكَر الرجالة طالعا من الغابة إِلَى جِهَتهَا أَيْضا وزحف بعسكره شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ فِي ذَلِك يَرْمِي الكور والضوبلي وَالْبِغَال تجر المدافع والجناحات ممتدان يكتنفان محلّة الْمولى أَحْمد وَلما قربا مِنْهَا وَكَاد ينطبقان عَلَيْهَا فر من كَانَ بهَا وَتركُوا الأخبية والأثاث بيد الْعَدو فاستولى عَلَيْهَا وَنزل هُنَالك بعسكره وحصن عَلَيْهِ وتقهقر الْمولى الْعَبَّاس بجيشه حَتَّى نزل خلف تطاوين وَبقيت بَينه وَبَين الْعَدو وَكَانَ فِي تقهقره هَذَا قد دخل الْمَدِينَة وَمر فِي وَسطهَا وَاضِعا منديلا على عَيْنَيْهِ وَهُوَ يبكي أسفا على الدّين وَقلة ناصره وَلما اسْتَقر بالمحلة مَعَ الْعشي خرج إِلَيْهِ أهل تطاوين وَشَكوا إِلَيْهِ مَا نزل بهم من أَمر الْعَدو وَاسْتَأْذَنُوا فِي تَحْويل أثاثهم وأمتعتهم وحريمهم إِلَى مداشر الْجَبَل وَحَيْثُ يأمنون على أنفسهم قبل حُلُول معرة الْعَدو بهم فَأذن لَهُم وَعذرهمْ وَكَانَ قبل ذَلِك قد منع النَّاس من نقل أمتعتهم وحريمهم لِئَلَّا يفتنوا الْمُسلمين ويجروا عَلَيْهِم الْهَزِيمَة ولكي يقاتلوا عَلَيْهَا بِالْقَلْبِ والقالب فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْم وَشَكوا إِلَيْهِ أَمر الْعَدو الَّذِي قد أطل عَلَيْهِم وَلم يبْق إِلَّا أَن يثب وثبة أُخْرَى فَيصير بهَا فِي وسط الْبَلَد عذرهمْ وَكَانَ الْعَدو حِين نزل بِفَم الجزيرة عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم قد أرسل أَربع كورات على تطاوين فَوَقَعت فِي وسط الْمَدِينَة كَأَنَّهُ يعلمهُمْ بِأَنَّهُ قد أشرف عَلَيْهِم وَلم يبْق دون أَخذهم قَلِيل وَلَا كثير وَلما سمع النَّاس كَلَام الْمولى الْعَبَّاس انْطَلقُوا مُسْرِعين إِلَى نقل أمتعتهم وَقَامَ الضجيج فِي الْمَدِينَة وَاخْتَلَطَ المرعى بالهمل وامتدت أَيدي الغوغاء إِلَى النهب وخلع النَّاس جِلْبَاب الْحيَاء وانهار من كَانَ هُنَالك من أهل الْجَبَل والأعراب والأوباش ينقبون ويكسرون أَبْوَاب الدّور والحوانيت والداخل للمدينة أَكثر من الْخَارِج
(3/90)

وَبَاتُوا ليلتهم كَذَلِك إِلَى الصَّباح وَلما طلع النَّهَار وتراءت الْوُجُوه انتقلوا من نهب الْأَمْتِعَة إِلَى الْمُقَاتلَة عَلَيْهَا فَهَلَك دَاخل الْمَدِينَة نَحْو الْعشْرين نفسا وعظمت الْفِتْنَة وتخوف من بَقِي بتطاوين عَاجِزا عَن الْفِرَار فَاجْتمع جمَاعَة مِنْهُم على الْحَاج أَحْمد بن عَليّ آبعير أَصله من طنجة وَسكن تطاوين وَتَشَاوَرُوا فِيمَا نزل بهم فأجمع رَأْيهمْ على أَن يكتبوا كتابا إِلَى كَبِير محلّة الْعَدو أردنيل يطْلبُونَ مِنْهُ أَن يقدم عَلَيْهِم لتحسم مَادَّة الْفِتْنَة الَّتِي هم فِيهَا فَكَتَبُوا الْكتاب ووجهوه مَعَ جمَاعَة مِنْهُم فَمَا انفصلوا عَن الْمَدِينَة غير بعيد حَتَّى عثروا على طلائع الْعَدو يطوفون حول الْمَدِينَة ويحرسون محلتهم فتسابقوا إِلَيْهِم وهشوا وبشوا وسألوهم مَا الَّذِي أقدمكم فَقَالُوا جِئْنَا بِكِتَاب إِلَى أردنيل فأبلغوهم إِلَيْهِ فأظهر أَيْضا الْبشر والفرح وَقدم إِلَيْهِم طَعَاما من الْحَلْوَاء وَقَالَ لَهُم فِي جملَة كَلَامه إِنِّي أفعل مَعكُمْ مَا لم يَفْعَله الفرنسيس مَعَ أهل الجزائر وتلمسان يَعْنِي من الْإِحْسَان وَكذب خذله الله فَإِن ذَلِك من حيله الَّتِي يستهوي بهَا الأغمار وَيفْسد بهَا الدّين وَإِلَّا فَأَي إِحْسَان فعله الفرنسيس مَعَ أهل الجزائر وتلمسان أَلسنا نرى دينهم قد ذهب وَأَن الْفساد قد عَم فيهم وَغلب وَأَن ذَرَارِيهمْ قد نشؤوا على الزندقة وَالْكفْر إِلَّا قَلِيلا وَعَما قريب يلْحق التَّالِي بالمقدم وَالله تَعَالَى يحوط مِلَّة الْإِسْلَام وَيكسر بقوته شَوْكَة الزَّنَادِقَة وَعَبدَة الْأَصْنَام وَلما عرضوا على الْعَدو الدُّخُول إِلَى بلدهم قَالَ لَهُم أما الْيَوْم فَيوم الْأَحَد وَهُوَ عيد النَّصَارَى وَلَا يحل لي التحرك والانتقال وَأما غَدا فانظروني فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة من النَّهَار فَرَجَعُوا إِلَى أهلهم وأصحابهم وأعلموهم بمقالة الْعَدو وَالْحَال مَا حَال والقتال لَا زَالَ وأبواب الحوانيت تكسر والدور تخرب وَالْقَوِي يَأْكُل الضَّعِيف وَبَاتُوا لَيْلَة الِاثْنَيْنِ كَذَلِك وَأَصْبحُوا من الْغَد كَذَلِك ثمَّ إِن الْعَدو استعد وَأخذ أهبته وَتقدم إِلَى تطاوين بعد أَن فرق عسكره على جِهَتَيْنِ فرقة مرت مَعَ أردنيل على الْجَبانَة قاصدة الْبَاب الَّذِي يُفْضِي إِلَيْهَا وَفرْقَة ذهبت مستعلية إِلَى جِهَة القصبة والبرج وَلما وصل أردنيل إِلَى الْبَاب وصل الْآخرُونَ إِلَى القصبة فَأَما أردنيل فَوجدَ الْبَاب مغلقا وَكَلمه الْمُسلمُونَ من دَاخل الْمَدِينَة فَأَمرهمْ
(3/91)

بِالْفَتْح فَقَالُوا إِن المفاتيح قد ذهبت فِي الْفِتْنَة فَقَالَ اكسروا الأقفال فكسروها وَدخل وَدخل مَعَه كبراء عسكره فَتوجه هُوَ إِلَى دَار المخزن فَنزل بهَا وافترق كبراء الْعَسْكَر فِي الْمَدِينَة بِأَيْدِيهِم وَرَقَات مَكْتُوب فِيهَا أَسمَاء الدّور الَّتِي ينزلون بهَا كل وَاحِد بداره مَكْتُوبَة فِي ورقته فَكَانَ أحدهم يسْأَل عَن دَار الرزيني وَآخر يسْأَل عَن دَار اللبادي وَآخر يسْأَل عَن دَار ابْن الْمُفْتِي وَهَكَذَا بِحَيْثُ دخلُوا على بَصِيرَة بأَمْره الْبَلَد ودور كِبَارهَا فاستقر كل وَاحِد مِنْهُم فِي دَاره الَّتِي عينت لَهُ وَأما الَّذين ذَهَبُوا نَحْو القصبة فَإِنَّهُم لما وصلوا إِلَى السُّور أنشبوا فِيهِ سلاليم من قمن غِلَاظ برؤوسها مخاطيف معوجة وتسلقوا فِيهَا بِسُرْعَة وَلما صَارُوا فِي أَعلَى البرج رفعوا سنجقهم فِي أَعلَى الصاري وأخرجوا عَلَيْهَا مدفعا وَلما سمع المشتغلون بالنهب وَالْقَتْل حس المدفع رفعوا رؤوسهم إِلَى البرج وبمجرد مَا وَقع بصرهم على بنديرة الْعَدو تلوح خَرجُوا على وُجُوههم فارين كالنعم الشارد فَالْأَمْر لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَا أسفي على الدّين وَأَهله وَلما اسْتَقر الْعَدو بِالْبَلَدِ رتب حكامها وكف الْيَد العادية عَنْهَا وَولى على الْمُسلمين الْحَاج أَحْمد آبعير الْمَذْكُور آنِفا وَكَانَ دُخُوله إِلَى تطاوين واستيلاؤه عَلَيْهَا ضحوة يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّالِث عشر من رَجَب سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثاها الأديب الشريف السَّيِّد الْفضل أفيلال بقصيدة يَقُول فِيهَا
(يَا دهر قل لي على مَه ... كسرت جمع السَّلامَة)
(نصبته للدواهي ... وَلم تخف من ملامة)
(خفضت قدر مقَام ... للرفع كَانَ علامه)
(ملكته لأعاد ... لَيست تَسَاوِي قلامة)
(فالدين يبكي بدمع ... يحكيه صوب الغمامة)
(على مَسَاجِد أضحت ... تبَاع فِيهَا المدامة)
(كم من ضريح ولي ... تلوح مِنْهُ الْكَرَامَة)
(علق فِيهِ رهيب ... صليبه ولجامه)
(ومنزل لشريف ... وعالم ذِي استقامة)
(3/92)

(صَار كنيفا لعلج ... وَلم يراع احترامه)
(وَكم وَكم من أُمُور ... للدّين فِيهَا اهتضامه)
(تبْكي عَلَيْهَا عُيُون ... كآبة وندامة)
(تطوان مَا كنت إِلَّا ... بَين الْبِلَاد حمامة)
(أَو كخطيب تردى ... من بعد لبس الْعِمَامَة)
(بل كنت روضا بهيجا ... زهرك أبدى ابتسامه)
(أَو كمحيا عروس ... علاهُ فِي الخد شامة)
(فقت بهاء وحسنا ... فاسا ومصر وشامه)
(رماك بِالْعينِ دهر ... وَلَا كزرق الْيَمَامَة)
(فَفرق الْأَهْل حَتَّى ... لم يبْق إِلَّا ارتسامه)
(مَا كَانَ أحلى زَمَانا ... وَمَا ألذ غرامه)
(مضى لنا مَعَ بدور ... ذَوي نهى وفخامه)
(مَا بَين إنشاد شعر ... وَبَين إنشا مقَامه)
(وشملنا فِي التئام ... والبسيط يهوى التئامه)
(حن السرُور إِلَيْهِ ... شوقا ورام التثامه)
(ساعده السعد حَتَّى ... نَالَ المنى ومرامه)
(يَا حسنها من لَيَال ... لَو لم تصر كالمنامة)
(تطوان يَا دَار أنس ... وخيس أهل الزعامة)
(هَل للوصال سَبِيل ... فالهجر أكمل عَامه)
(وَالْقلب ذاب اشتياقا ... وحسرة واستهامة)
(والوجد أَضْعَف جسما ... وَكَاد يبري عِظَامه)
(يَا أهل تطوان صبرا ... فَمَا لخطب أدامه)
(دوَام حَال محَال ... وَهل لظل إِقَامَة)
(إِن غَابَ نجم سعود ... ولاح نجم شآمة)
(فَسَوف يطلع بدر ... يمحو سناه ظلامه)
(فَاعْتَصمُوا برجاء ... وارعوا بِصدق ذمامه)
(3/93)

(وحسنوا الظَّن تنجوا ... دنيا وَيَوْم الْقِيَامَة)
(وفوضوا الْأَمر لله ... يكف عَنَّا انتقامه)
(مَا فَازَ إِلَّا ذكي ... قدم خيرا أَمَامه)
(حَيْثُ أَقَامَهُ يرضى ... وَلَو بقصر كتامة)
(وَلَا يزل ذَا انْتِظَار ... فِي كل وَقت ختامه)
(يراقب الله سرا ... وجهرة باستدامه)
(يطْلب حسن ختام ... وَحل دَار المقامة)
ثمَّ إِن أردنيل بعد أَن رتب الْحُكَّام بتطاوين عَاد إِلَى محلته وَقسم عسكره قسمَيْنِ وأنزله مكتنفا للبلد شرقا وغربا وَاخْتَارَ مِنْهُ عشرَة آلَاف فَأدْخلهَا الْمَدِينَة وَبَقِي هُوَ خَارِجا بِإِحْدَى المحلتين قَالَ إِن جَيْشه كَانَ يَوْم دخل تطاوين سبعين ألفا كلهَا مقاتلة فِي غَايَة الاستعداد وَكَمَال الشَّوْكَة ثمَّ أَمر بالنداء فِي الْبَلَد أَن من أوقد نَارا تلْزمهُ الْعقُوبَة الشَّدِيدَة حذرا من أَن تكون هُنَالك مينا للْمُسلمين أَو مَا أشبههَا فَبَقيَ النَّاس على ذَلِك نَحْو أَرْبَعَة أَيَّام لم يوقدوا فِيهَا نَارا ونادى أَيْضا بِأَن من فر من أهل الْبَلَد وَلم يَأْتِ إِلَى مَتَاعه وَأَصله إِلَى سَبْعَة أَيَّام فَلَا شَيْء لَهُ بعد وَلم يقدم شَيْئا على نقل البارود والمدفع الَّذِي كَانَ للْمُسلمين بِالْمَدِينَةِ فَأَما المدفع فَحَمله إِلَى أصبانيا وَأما البارود فَجعله بضريح ولي الله تَعَالَى سَيِّدي السعيدي وَكَذَا فعل بِجَمِيعِ آلَات الْجِهَاد ثمَّ عمد إِلَى ضريح سَيِّدي عبد الله الْبَقَّال فَجعله كَنِيسَة وَجعل مَسْجِد الباشا مختزنا للأرز وَالشعِير وَمَسْجِد القصبة مختزنا للكليط ثمَّ سَار فِي الْمُسلمين بالتوقير والاحترام وَلم يسمهم خسفا وَلَا كلفهم شغلا وَلَا اقْتضى مِنْهُم مغرما كَانَ يتألفهم بذلك وَمن بَاعَ مِنْهُم شَيْئا أَضْعَف لَهُ فِي الثّمن وأربحه وَكَذَا فعل مَعَ أهل المداشر الَّذين حول الْبَلَد حَتَّى اتخذ النَّاس سوقا بِموضع يعرف بكدية المدفع خَارج تطاوين وشاع خَبره فِي قبائل الْجَبَل فانهاروا عَلَيْهِ من كل جَانب وربحت النَّاس فِيهِ ثمَّ كتب أردنيل كتبا وَبعث بهَا إِلَى قبائل الْجَبَل يعدهم ويمنيهم إِن هم قدمُوا عَلَيْهِ وخالطوه بِالْبيعِ وَالشِّرَاء ويتوعدهم إِن لم يَفْعَلُوا فقدموا من كل أَوب وَارْتَفَعت الأسعار
(3/94)

فزادت ضعف مَا كَانَت عَلَيْهِ وَأكْثر واستمرت كَذَلِك فَلم ترجع بعد ثمَّ أَخذ فِي تَرْتِيب بِنَاء الْمَدِينَة وتبديل شكلها حَسْبَمَا جرت بِهِ عَادَة النَّصَارَى فِي مدنهم فهدم مَا لم يُوَافق نظره وفرز الدّور من سور الْبَلَد وكل دَار كَانَت ملتصقة بالسور فصلها عَنهُ وَاسْتمرّ على هَذَا الْحَال نَحْو الْعشْرين يَوْمًا ثمَّ دَار الْكَلَام بَينه وَبَين الْمولى الْعَبَّاس فِي الصُّلْح وتسامع النَّاس بِهِ ففرح الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى مَعًا أما الْمُسلمُونَ فَوجه فَرَحهمْ ظَاهر وَأما النَّصَارَى فَإِنَّهُم وَإِن كَانَ لَهُم الظُّهُور فهم لَا يدركونه سهلا بل مَعَ الْقَتْل الْعَظِيم وَالْجرْح الْكثير وَالْمَشَقَّة الفادحة قَالَ تَعَالَى {إِن تَكُونُوا تألمون فَإِنَّهُم يألمون كَمَا تألمون وترجون من الله مَا لَا يرجون} النِّسَاء 104 هَذَا إِلَى مُفَارقَة بِلَادهمْ الَّتِي ألفوها وعوائدهم الَّتِي ربوا عَلَيْهَا لَا سِيمَا عَامَّة جيشهم الَّذين الْغَلَبَة فِي ضمن هلاكهم فدماؤهم هِيَ ثمنهَا كَمَا قيل بجبهة العير يفد حافر الْفرس
حكى من حضر أَن عَسْكَر النَّصَارَى لما سمعُوا بتناول الصُّلْح حصل لَهُم من الْفَرح أَضْعَاف مَا حصل للْمُسلمين وصاروا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِم ويبحثونهم عَمَّا تجدّد من الْأَخْبَار وَكلما سمعُوا بِشَيْء من أَمر الصُّلْح طاروا فَرحا وَذَلِكَ لِأَن قتال النَّصَارَى كُله على الْإِكْرَاه إِذْ لَا يُمكن عسكريا مِنْهُم أَن يفر من الزَّحْف حَال الْقِتَال لِأَن الخيالة والسيافة من ورائهم يذمرونهم إِلَى الإِمَام وَمهما رَجَعَ أحد مِنْهُم إِلَى خلف وَترك فِي الصَّفّ فُرْجَة ضربت عُنُقه فِي الْحِين فالموت عِنْدهم فِي الْفِرَار مُحَقّق وَفِي التَّقَدُّم مظنون فيختارون المظنون على الْمُحَقق اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا اشتدت الْحَرْب وحمي الْوَطِيس وَاخْتَلَطَ الرِّجَال بِالرِّجَالِ أمكن الْفِرَار حِينَئِذٍ لاشتغال الرئيس والمرؤوس كل بِنَفسِهِ وَبِهَذَا الضَّبْط لم تتفق لَهُم هزيمَة مُنْذُ خَرجُوا من سبتة وَمن عَادَة الْعَدو فِي الْحَرْب أَنه إِذا نَهَضَ لِلْقِتَالِ ارتحل بِجَمِيعِ مَا فِي عسكره كَأَنَّهُ مُسَافر فترى العسكري مِنْهُم إِذا تقدم لِلْقِتَالِ حَامِلا مَعَه جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من مَاء وَطَعَام وبارود ورصاص حَتَّى الموسى والمقص والمرآة والصابون وَغير ذَلِك قد اتخذ لجَمِيع ذَلِك أوعية لطافا وعلقها عَلَيْهِ فَلَا يؤده حملهَا لِأَنَّهُ اقْتصر من كل على
(3/95)

قدر الْحَاجة وَأما الأخبية فَيحمل كل ثَلَاثَة رجال خباء وَلَا تلحقهم كلفة فِي حمله لِأَن أخبيتهم فِي غَايَة اللطافة والصفافة وأعمدتها لطاف صلبة فَهِيَ مَعَ كفايتها على الْوَجْه الأتم فِي غَايَة الخفة بِحَيْثُ إِذا لف الخباء بِمَا فِيهِ كَانَ كلا شَيْء وَلَو أَرَادَ أَن يحملهُ وَاحِد لفعل لكنه يقسمهُ ثَلَاثَة أشخاص زِيَادَة فِي الرِّفْق وَلِئَلَّا يحصل الضجر إِذا طَال السّفر وَأما المدافع فقد اتَّخذُوا لَهَا عجلات أفرغت إفراغا وَركبت عَلَيْهَا على وَجه مُحكم وَاتَّخذُوا للعجلات بغالا خصية تجرها فِي غَايَة الفراهة والارتياض ويجعلون فَوق تِلْكَ العجلات صناديق الْإِقَامَة من بارود ورصاص وضوبلي وَغير ذَلِك وتجلس الطبجية على تِلْكَ الصناديق وَيقوم آخَرُونَ حَولهمْ قد أخذُوا أهبتهم لِلْقِتَالِ بِكُل مَا يُمكن ثمَّ تنْدَفع العساكر على هَذَا التَّرْتِيب صُفُوفا صُفُوفا وتتقدم شَيْئا فَشَيْئًا يخلف بَعْضهَا بَعْضًا كَأَنَّهَا أمواج الْبَحْر تبرق الشَّمْس على طموس رؤوسها وتلمع على عَددهَا المصقولة وآلاتها وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة لَا يفتر من رمي الكور والضوبلي والشرشم على كل جِهَة هَكَذَا قِتَاله أبدا وَإِذا أدْركهُ الْمسَاء أَو وَقعت محاجزة أثْنَاء النَّهَار وَكَانَ قَصده الثَّبَات ثَبت بمحله ذَلِك وَلَا يتزحزح عَنهُ بِحَال إِلَّا إِذا فني كل عسكره أَو جله فبمثل هَذَا الضَّبْط كَانَ لَهُ الِاسْتِيلَاء والظهور وَأما مقاتلة الْمُسلمين لَهُ فَكَانَت غير منضبطة وَإِنَّمَا قَاتله من قَاتله مِنْهُم بِاخْتِيَارِهِ وَمن قبل نَفسه وَإِن كَانَ هُنَالك ضبط من أَمِير الْجَيْش فكلا ضبط وَمَتى ظهر لَهُ أَن يذهب ذهب مَعَ أَن الله تَعَالَى يَقُول {وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر جَامع لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه} النُّور 62 لَكِن الْمقَاتل من الْمُسلمين يَأْتِي الْقِتَال وَلَيْسَ مَعَه مَا يَأْكُل وَلَا مَا يشرب فبالضرورة إِذا جَاع أَو عَطش ذهب يبْحَث عَمَّا يُقيم بِهِ صلبه ثمَّ هم يُقَاتلُون على غير صف وَلَا تعبية بل يتفرقون فِي الشعاب ومخارم الأودية وحول الْأَشْجَار فيقاتلون من وَرَائِهَا وَإِذا دفعُوا فِي نحر الْعَدو دفعُوا زرافات ووحدانا ثمَّ إِذا أدركهم الْمسَاء وَوَقعت المحاجزة ذهب كل إِلَى خبائه الَّذِي تَركه وَرَاءه بمسافة بعيدَة
(3/96)

وهم فِي هَذَا كُله لَيْسَ لَهُم وازع يحملهم على مَا يُرَاد مِنْهُم
فَالْحَاصِل أَن جَيش مغربنا إِذا حَضَرُوا الْقِتَال وَكَانُوا على ظُهُور خيولهم فهم فِي تِلْكَ الْحَال مساوون فِي الاستبداد لأمير الْجَيْش لَا يملك من أَمرهم شَيْئا وَإِنَّمَا يُقَاتلُون هِدَايَة من الله لَهُم وحياء من الْأَمِير وَقَلِيل مَا هم وَقد جربنَا ذَلِك فصح فَفرُّوا عَن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان فِي وقْعَة ظيان أَولا وَفِي وقْعَة الشراردة ثَانِيًا وَكَانَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن أهيب فِي نُفُوسهم مِنْهُ فَكَانُوا يلزمون غرزه لكنه لما بَعثهمْ إِلَى تلمسان فعلوا فعلتهم وسلكوا عَادَتهم وَلما شهدُوا مَعَ الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وقْعَة إيسلي جاؤوا بهَا شنعاء غَرِيبَة فِي الْقبْح وَلَوْلَا أَنه قَامَ بِنَفسِهِ لَيْلَة الْحَاج عبد الْقَادِر وَمنع النَّاس من الرّكُوب لربما عَادوا إِلَى فعلهم وَأحسن مَا كَانَت حَالهم فِي هَذَا الْحَرْب فَإِنَّهُم قاوموا الْعَدو وَفرقُوا صفوفه غير مرّة لكِنهمْ أَتَوا من عدم الضَّبْط الَّذِي هُوَ كضبطه فَعدم ملاقاتهم لِلْعَدو فِي الْكَيْفِيَّة القتالية هُوَ الَّذِي أضرّ بهم وَأوجب لعدوهم الظُّهُور عَلَيْهِم إِذْ الشَّيْء كَمَا علمت إِنَّمَا يُقَاوم بِمثلِهِ وَالشَّر إِنَّمَا يدْفع بضده فالتنافي إِنَّمَا يحصل بَين الضدين أَو المثلين وحربنا وَحرب الإصبنيول كَانَ من بَاب الخلافين وَلَا تنَافِي بَين الخلافين كَمَا هُوَ مُقَرر فِي علم الْحِكْمَة والتوفيق إِنَّمَا هُوَ بيد الله
ولنرجع إِلَى الْكَلَام على الصُّلْح المتناول فَنَقُول لما دَار الْكَلَام بَين الْمولى الْعَبَّاس رَحمَه الله وَبَين أردنيل فِي الصُّلْح اسْتَعدوا للاجتماع فِي يَوْم مَعْلُوم بمَكَان سوي بَين المحلتين فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم ضرب بِالْمحل الْمعِين خباء وَجَاء الْمولى الْعَبَّاس وَمَعَهُ جمَاعَة من وُجُوه جَيْشه وَفِيهِمْ أَبُو عبد الله الْخَطِيب التطاوني وَخرج أردنيل وَمَعَهُ جمَاعَة من وُجُوه عسكره وَخرج مَعَه مقدم الْمُسلمين بتطاوين الْحَاج أَحْمد آبعير رَجَاء أَن يكون هُوَ الترجمان بَين الأميرين فيفوز بِذكر ذَلِك الْجمع وفخره فأخفق رجاؤه لِأَنَّهُ لما توافى الْجَمْعَانِ إِلَى الخباء بَقِي النَّاس كلهم قَائِمين على بعد مِنْهُ وَلم يدْخلهُ إِلَّا الْمولى الْعَبَّاس وأردنيل والخطيب لَا رَابِع لَهُم فِيمَا قيل وَأبْدى أردنيل من
(3/97)

الْأَدَب والخضوع للْمولى الْعَبَّاس مَا جَاوز الْحَد وتفاوضوا سَاعَة ثمَّ انفض الْمجْلس وتناقل النَّاس أَن حَاصِل مَا دَار بَينهمَا أَن أردنيل رغب فِي الصُّلْح وتأكيد الوصلة بَينهم وَبَين الْمُسلمين على شُرُوط ذكرهَا وَأَن الْمولى الْعَبَّاس توقف فِيهَا وأحال ذَلِك على مشورة أَخِيه السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد وَذهب كل إِلَى سَبيله وَبَقِي النَّاس ينتظرون الْجَواب بِأَيّ شَيْء يَأْتِي من عِنْد السُّلْطَان وَبعد أَيَّام ورد الْخَبَر بِأَن السُّلْطَان لم يقبل ذَلِك الصُّلْح فاستمر النَّاس على حالتهم الأولى من كَون محلّة الْعَدو بتطاوين وَبَعضهَا خَارِجهَا شرقا وغربا ومحلة مولَايَ الْعَبَّاس على بعد من الْبَلَد مِقْدَار نصف يَوْم ثمَّ إِن الْمُسلمين اجْتَمعُوا ذَات يَوْم وبيتوا محلّة الْعَدو النَّازِلَة خَارج الْبَلَد فِي لَيْلَة مَعْلُومَة فتقدموا إِلَيْهَا وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وهجموا عَلَيْهَا فِي لَيْلَة مظْلمَة وَالنَّصَارَى غَارونَ وفتكوا فيهم فتكة بكرا باتوا يَقْتُلُونَهُمْ اللَّيْل كُله وَمن الْغَد كَذَلِك إِلَى الْمسَاء وَقَاتل النَّصَارَى ذَلِك الْيَوْم أَيْضا وَلَكِن الظُّهُور كَانَ للْمُسلمين وَلَوْلَا قُوَّة نفوس الْعَدو باستنادهم إِلَى الْبَلَد وتحصن كَبِيرهمْ بهَا لكانوا انكسروا كسرة شنيعة وَكَانَ عدد الْقَتْلَى من النَّصَارَى فِي هَذِه الْوَقْعَة نَحْو الْخَمْسمِائَةِ والجرحى أَكثر من ألف وَأما الْمُسلمُونَ فَكَانَ الْقَتْل فيهم ضَعِيفا وَلما أصبح أردنيل وَرَأى مَا حل بعسكره ساءت أخلاقه وقلب لأهل تطاوين ظهر الْمِجَن وأبدل تِلْكَ الشَّفَقَة الَّتِي كَانَ يعاملهم بهَا بالغلظة والبشاشة بالاكفهرار وَعمد إِلَى مَسْجِد الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بركَة رَحمَه الله فاتخذه مارستانا للجرحى فظلت الْجَرْحى تنقل إِلَيْهِ وَفرض على أهل تطاوين اللحف والقطائف فَجمع من ذَلِك شَيْئا كثيرا فرشه بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور لجرحاه وَصَارَ عَامَّة عَسْكَر النَّصَارَى بتطاوين كلما لقوا أحدا من الْمُسلمين عيروه بالغدر وقبحوه ثمَّ إِن أردنيل أَقَامَ بعد هَذِه الْوَقْعَة نَحْو عشرَة أَيَّام ريثما استجم جَيْشه وأبلت جرحاه وَخرج فِي تَمام الشَّوْكَة وَكَمَال الاستعداد يُرِيد أَن يضْرب فِي محلّة الْمُسلمين فَجعل تطاوين
(3/98)

خَلفه وَتقدم حَتَّى كَانَ بوادي أبي صفيحة فَلَمَّا شعر بِهِ النَّاس من أهل المداشر والمتطوعة تسابقوا إِلَيْهِ من كل جَانب وَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم قدوم عرب الحياينة جاؤوا فِي حرد كَبِير وحنق شَدِيد فَقَوِيت قُلُوب النَّاس بهم وَاشْتَدَّ أزرهم وتقدموا إِلَى الْعَدو فأنشبوا مَعَه الْحَرْب بِأبي صفيحة قبل أَن يصل إِلَى محلّة الْمُسلمين وكثروه فأوقعوا بِهِ وقْعَة أنست مَا قبلهَا فَقتلُوا مِنْهُ مَا خرج عَن الْحصْر وَأما الْجَرْحى فَقل مَا شِئْت وكست قتلاه الأَرْض وَلما أعياه الدّفن جعل يجمع الْجَمَاعَة من الثَّمَانِية إِلَى الْعشْرَة ويهيل عَلَيْهَا التُّرَاب وَمَعَ ذَلِك بَقِي مِنْهُ عدد كَبِير بِلَا دفن حَتَّى أنتن مَوضِع المعركة من شدَّة نَتن الْجِيَف ونال الْمُسلمُونَ من عدوهم فِي هَذَا الْيَوْم مَا لم ينالوا قبله مثله وَلَا مَا يُقَارِبه وَكَانَ الذّكر فِيهِ لعرب الحياينة ثمَّ للمتطوعة غَيرهم وَأما محلّة الْمولى الْعَبَّاس فَكَانَت بعيدَة عَن المعركة بمسافة كَبِيرَة
وَقد ذكر منويل خبر هَذَا الْيَوْم فَأقر بِأَنَّهُ أهرق مِنْهُم دم كثير وخسروا فِيهِ عددا كَبِيرا من نفوس الْعَسْكَر وَالْخَيْل وَلما بلغ الْمولى الْعَبَّاس أَن الْعَدو قد برز من تطاوين وَأَن الْمُسلمين يقاتلونه الْآن فِي أبي صفيحة قلب رَأْيه واستأنف النّظر فِي عَاقِبَة أمره وَرَأى أَن الْمُسلمين وَإِن نالوا من الْعَدو فِي هَذِه الْمرة وأبلغوا فِي نكايته لَكِن الثَّمَرَة ضَعِيفَة من جِهَة أَن نكايتنا لَهُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْقَتْل وَالْجرْح ونكايته فِي أَخذ الأَرْض والاستيلاء عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَا غير مرّة فجنح رَحمَه الله إِلَى الصُّلْح وَاخْتَارَهُ على الْحَرْب حَتَّى تَدور للْمُسلمين سعود إِن شَاءَ الله
أَخْبرنِي صاحبنا الْقَائِد الْأَجَل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن حمان الجراري حفظه الله قَالَ لما طَالَتْ الْحَرْب بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى على تطاوين استدعاني السُّلْطَان وسيدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله وَأَعْطَانِي سِتِّينَ ألف مِثْقَال أذهب بهَا إِلَى جَيش الْمُسلمين المرابط على تطاوين بِقصد الْمُؤْنَة والصائر وَقَالَ لي مَعَ ذَلِك إِذا وصلت إِلَى محلّة الْمُسلمين فَانْظُر
(3/99)

حَالهم وتبصر فِي جَمِيع أُمُورهم وَمَا هم عَلَيْهِ فِي قتال عدوهم من الضَّبْط وَعَدَمه وَهل هم مكفيون فِي جَمِيع مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ أم لَا واستوعب ذَلِك وائتنى بِالْأَمر على وَجهه قَالَ فَذَهَبت فوصلت إِلَى الْمحلة يَوْم الْخَمِيس وَفِي صَبِيحَة الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ كَانَ حَرْب أبي صفيحة فجَاء النذير إِلَى الْمولى الْعَبَّاس وَأخْبرهُ بِأَن الْمُسلمين الْآن يُقَاتلُون الْعَدو قَالَ فركبت فِي جمَاعَة من النَّاس وَذَهَبت لأنظر حَال الْمُسلمين وَحَال عدوهم كَمَا أَمرنِي السُّلْطَان رَحمَه الله فوصلت إِلَى مقاتلة الْمُسلمين فَإِذا هم يرتادون موضعا ينزلون بِهِ أثقالهم ويضربون بِهِ أخبيتهم ليتفرغوا لقِتَال عدوهم فَإِذا هم عزموا على النُّزُول بوادي آكراز فأجهضهم الْعَدو عَنهُ بِالرَّمْي بالكور والضوبلي وَهُوَ مُتَقَدم أَمَام لَا يثنيه شَيْء فتأخروا عَن ذَلِك الْمحل ونزلوا بِمحل أمنُوا بِهِ على أخبيتهم وأثاثهم ثمَّ تقدمُوا إِلَيْهِ وقاتلوه قتالا شَدِيدا حَتَّى ردُّوهُ على عقبه بالموضع الْمَعْرُوف بآمصال مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَقتلُوا مِنْهُ مَا جَاوز الْحصْر وَفِي ذَلِك الْيَوْم اسْتشْهد عَامل سُفْيَان وَبني مَالك أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن عبد الْكَرِيم بن عودة الْحَارِثِيّ وَبَات الْعَدو تِلْكَ اللَّيْلَة بوادي آكراز الَّذِي كَانَ الْمُسلمُونَ أَرَادوا أَن ينزلُوا بِهِ وباتت محلّة الْمُسلمين بالفنيديق وتفرق جلّ متطوعتها كل إِلَى حَال سَبيله على عَادَتهم وَكَانَ الْوَقْت وَقت شتاء وَبرد غَايَة
قَالَ فَلم يُعجبنِي ذَلِك وَمن الْغَد وَهُوَ يَوْم السبت أصبح الْعَدو مُقيما والمسلمون مقيمين كَذَلِك وَكَانَ الرَّأْي أَن يعاجلوه بوقعة أُخْرَى ويلحوا عَلَيْهِ كي يكسروا شوكته ويهضموا مَا دَامَ متألما وَلَا يَتْرُكُوهُ حَتَّى يجم ويستريح لكِنهمْ لم يَفْعَلُوا وَدَار الْكَلَام فِي ذَلِك الْيَوْم فِي الصُّلْح فأذعن كل من الأميرين أَمِير الْمُسلمين وأمير النَّصَارَى وجنحوا إِلَيْهِ لأَنهم كَانُوا مَعًا قد سئموا الْحَرْب وملوا الْقِتَال ثمَّ من الْغَد وَهُوَ يَوْم الْأَحَد تداعوا للاجتماع بعد أَن نَهَضَ الْعَدو من مَحَله الَّذِي كَانَ نازلا بِهِ وَاجْتمعَ وانكمش وَأظْهر الْقُوَّة بالتهييىء للحرب والتعبئة لِلْقِتَالِ حَتَّى أَنه إِذا كَانَ صلح فَذَاك وَإِلَّا فالقتال فعل ذَلِك مكيدة وَالْحَاصِل أَن الْمولى الْعَبَّاس تقدم فِي جمَاعَة من وُجُوه الْجَيْش
(3/100)

وتدنى أردنيل فِي جمَاعَة من أَصْحَابه كَذَلِك بعد أَن أمربضرب خباء صَغِير يَجْتَمِعَانِ بِهِ وَتقدم أردنيل على الخباء بِكَثِير لملاقاة الْمولى الْعَبَّاس وإظهارا للأدب مَعَه فتلاقى بِهِ وعادا إِلَى الخباء وَحضر مَعَهم الترجمان ورجلان آخرَانِ وأبرموا الصُّلْح وَأعْطى كل خطّ يَده بذلك وانفصلوا وَذهب كل إِلَى مَحَله وَكَانَ ذَلِك آخر حَرْب بَين الْمُسلمين والإصبنيول وَلما وصل الْخَبَر بانعقاد الصُّلْح إِلَى عَسْكَر النَّصَارَى فرحوا فَرحا لم يعْهَد مثله وَجعلُوا ينادون الباص الباص أَي الصُّلْح الصُّلْح ودخلوا تطاوين وهم رافعون بهَا أَصْوَاتهم وَكلما لقوا مُسلما هشوا لَهُ كَأَنَّهُمْ يهنئونه بِالصُّلْحِ وَكَانَ الصُّلْح قد انْعَقَد بَين الْمُسلمين والإصبنيول على شُرُوط مِنْهَا أَن يدْفع السُّلْطَان إِلَيْهِم عشْرين مليونا من الريال ويخرجوا من تطاوين وَمَا استولوا عَلَيْهِ من الأَرْض الَّتِي بَينهَا وَبَين سبتة إِلَّا شَيْئا يَسِيرا يُزَاد لَهُم فِي المحدة على سَبِيل التَّوسعَة وَكَانَ انْعِقَاد هَذَا الصُّلْح فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وتراخى السُّلْطَان رَحمَه الله فِي دفع هَذَا المَال فاستمر الْعَدو مُقيما بتطاوين حَتَّى يَسْتَوْفِيه وَبعد سنة من يَوْم هَذَا الصُّلْح استوفى عشرَة ملايين مِنْهُ وَبقيت عشرَة وَقع الِاتِّفَاق فِيهَا على أَن يقتضيها الْعَدو من مُسْتَفَاد مراسي الْمغرب فَأَقَامَ أمناءه بهَا لاقْتِضَاء نصف دَاخل كل شهر مِنْهَا وهم الْآن بِهَذَا الْحَال وَالله تَعَالَى يَكْفِي الْمُسلمين شرهم وَشر كل شَرّ وَبعد مَا وَقع هَذَا الِاتِّفَاق أسلم النَّصَارَى تطاوين إِلَى الْمُسلمين وَكَانَ خُرُوجهمْ مِنْهَا ضحوة يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي من ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعد أَن مَكَثُوا فِيهَا سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَنصفا ووقعة تطاوين هَذِه هِيَ الَّتِي أزالت حجاب الهيبة عَن بِلَاد الْمغرب واستطال النَّصَارَى بهَا وانكسر الْمُسلمُونَ انكسارا لم يعْهَد لَهُم مثله وَكَثُرت الحمايات وَنَشَأ عَن ذَلِك ضَرَر كَبِير نسْأَل الله تَعَالَى الْعَفو والعافية فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلما فرغ السُّلْطَان رَحمَه الله من أَمر تطاوين جد فِي جمع الْعَسْكَر الْمُرَتّب على التَّرْتِيب الْمَعْهُود الْيَوْم وَكَانَ هَذَا السُّلْطَان أول من أحدثه من مُلُوك الْمغرب وَكَانَ إحداثه إِيَّاه فِي دولة أَبِيه رَحمَه الله بعد رُجُوعه
(3/101)

من وقْعَة إيسلي مَعَ الفرنسيس ثمَّ جد فِيهِ فِي هَذِه الْأَيَّام فَجمع مِنْهُ مَا تيَسّر جمعه ثمَّ رتب المكوس على الْأَبْوَاب والمبيعات وَكتب فِي ذَلِك كتبا للآفاق فمما كتبه لأمناء مرسى الدَّار الْبَيْضَاء فِي ذَلِك مَا نَصه وَبعد فَإنَّا لما أَخذنَا فِي جمع النظام للْمصْلحَة المتعينة الْوَاضِحَة الْبَيِّنَة الْمقر أمرهَا لَدَى الْخَاص وَالْعَام وَاجْتمعَ مِنْهُ عدد يسير واختبرنا مَا صير عَلَيْهِ فِي شهر وَاحِد فَاجْتمع فِيهِ عدد كثير فَكيف أَن جَمعنَا مِنْهُ عددا مُعْتَبرا يحصل بِهِ المُرَاد وَيكون قذى فِي أعين أهل العناد اقْتضى الْحَال ذكر ذَلِك لكبراء التُّجَّار لينظروا فِيمَا يستعان بِهِ على أَمرهم إِذْ لَا بُد من كفايتهم وَإِلَّا انحل نظام جمعهم وَفِي ذَلِك مَا لَا يجهله من لَهُ أدنى عقل ومحبة فِي الدّين فأشاروا بِفَرْض إِعَانَة لَا ضررفيها على الرّعية وسطروها فِي ورقة وَهِي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ لما ارْتَكَبهُ الْمُلُوك فِي مثل هَذَا للاستعانة بِهِ على الْمصَالح المرعية وللضرورة أَحْكَام تخصها كَمَا هُوَ مَعْلُوم مُقَرر ومسطر فِي غير مَا ديوَان مُحَرر ثمَّ اقْتضى نَظرنَا أَن نسند الْأَمر فِي ذَلِك لأهل الْعلم ليقرروا للنَّاس حكمه تقريرا تَنْشَرِح لَهُ الصُّدُور وَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ فِي الْوُرُود والصدور وَإِن كَانَ جلهم يعلم هَذَا إِذْ من الْمَعْلُوم أَن الرّعية لَا يَسْتَقِيم أمرهَا إِلَّا بجند قوي بِاللَّه وَلَا جند إِلَّا بِمَال وَهُوَ لَا يكون إِلَّا من الرّعية على وَجه لَا ضَرَر فِيهِ وَقد أَخذ النَّاس هَذِه مُدَّة بحضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه وبمكناسة وتازا والعدوتين ومراكش فِي ذَلِك وسلكوا فِي ترتيبه أحسن المسالك وَلَا نشك أَن بركَة ذَلِك تعود عَلَيْهِم فِي أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وأنفسهم فبوصول هَذَا إِلَيْكُم قومُوا على سَاق الْجد فِي الْقَبْض من النَّاس بِالْبَابِ على نَحْو مَا فِي الورقة الْمشَار إِلَيْهَا وَلَا دخل لِلنَّصَارَى فِي ذَلِك وَالله أسَال أَن يُبَارك للْمُسلمين فِي مَالهم ويعوضهم خلفا آمين وَالسَّلَام فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام سَبْعَة وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَإِذا انجر بِنَا الْكَلَام على اتِّخَاذ الْعَسْكَر وترتيبه فَلَا بُد من تتميم الْفَائِدَة بِذكر كَلَام نَافِع
(3/102)

القَوْل فِي اتِّخَاذ الْجَيْش وترتيبه وَبَعض آدابه

اعْلَم أَنه وَاجِب على الإِمَام حماية بَيْضَة الْإِسْلَام وحياطة الرّعية وكف الْيَد العادية عَنْهَا والنصح لَهَا وَالنَّظَر فِيمَا يصلحها وَيعود عَلَيْهَا نَفعه فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَلَا يُمكنهُ ذَلِك إِلَّا بجند قوي وشوكة تَامَّة بِحَيْثُ تكون يَده غالبة على الكافة وقاهرة لَهُم فاتخاذ الْجند إِذا وَاجِب وَعَلِيهِ فَينْدب لَهُ أَن يتَّخذ لَهُم ديوانا يجمع أَسْمَاءَهُم ويحصي عَددهمْ ليحصل الضَّبْط وينتفي اللّبْس وَأول من اتخذ الدِّيوَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أَمر عقيل بن أبي طَالب ومخزمة بن نَوْفَل وَجبير بن مطعم وَكَانُوا من كتاب قُرَيْش فَكَتَبُوا ديوَان العساكر الإسلامية على تَرْتِيب الْأَنْسَاب مُبْتَدأ من قرَابَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا بعْدهَا الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب فَهَكَذَا يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يرتب جُنُوده فِي ديوَان يحفظها ودستور يجمعها ثمَّ يَنْبَغِي أَن يكون عِنْده أَولا ديوَان كَبِير هُوَ الْأُم يجمع أَسمَاء العساكر كلهَا الْحَاضِرَة والغائبة والخاصة والعامة ثمَّ يَجْعَل دواوين صغَارًا يشْتَمل كل وَاحِد مِنْهَا على طَائِفَة مَخْصُوصَة مثل عَسْكَر الإِمَام الَّذِي يلازمه حضرا وسفرا وعساكر الثغور والقلاع وَنَحْو ذَلِك وَتَكون هَذِه الدَّوَاوِين الصغار بِمَنْزِلَة الْفُرُوع للكبير تجدّد كلما تَجَدَّدَتْ الطوائف كَمَا سَيَأْتِي وكل ديوَان مِنْهَا يشْتَمل على أرحاء مثلا وكل رحى على مئين وكل مائَة بضباطها وطبيبها وعالمها الَّذِي يعلمهَا أَمر دينهَا وَغير ذَلِك
قَالَ صَاحب مِصْبَاح الساري مَا ملخصه كَانَت الدولة العثمانية فِي أول أمرهَا إِذا استخدمت طَائِفَة من الْجند بقيت فِي الْخدمَة طول عمرها وَلما كَانَ هَذَا الْأَمر صعبا يَعْنِي وَغير مُقْتَض للتسوية بَين الرّعية فِي هَذَا الْحق الْعَظِيم اقْتضى نظرهم أَن يعملوا الْقرعَة بَين أَبنَاء الرعايا عِنْد انْتِهَاء كل خمس سِنِين فَمن اسْتكْمل مُدَّة خدمته وتبصر بِمَا يلْزمه من حَرْب عدوه وَقدر على الْمُطَالبَة والمدافعة ذهب إِلَى حَال سَبيله لطلب معيشته فذو الحرفة يرجع إِلَى حرفته
(3/103)

والتاجر إِلَى تِجَارَته وَهَكَذَا وَيُؤْتى بطَائفَة أُخْرَى بدلهَا حَتَّى تصير الرّعية كلهَا جندا قادرة على الْمُطَالبَة والمدافعة مَتى احْتَاجَت إِلَى ذَلِك ثمَّ من استوفى مُدَّة خدمته بَقِي معدودا فِي صنف الرديف سبع سِنِين أُخْرَى وَمعنى الرديف أَنهم يكونُونَ عدَّة للدولة مَتى احْتَاجَت إِلَيْهِم فِي نازلة عَظِيمَة أَو حَرْب عَامَّة مثل مَا يكون بَين الْأَجْنَاس فَإِذا انسلخت السَّبع سِنِين فَهُوَ حر دَائِما وأبدا فَلَا يضْرب عَلَيْهِ بعث وَلَا يُكَلف بغزو إِلَّا أَن يَشَاء فجملة مُدَّة الْخدمَة العسكرية بَين أَصْلِيَّة ورديفية اثْنَتَا عشرَة سنة وَشرط المستخدمين فِي الْعَسْكَر أَن يَكُونُوا فِي سنّ الْعشْرين إِلَى خمس وَعشْرين سنة فَمن زَاد على ذَلِك أَو نقص لَا تقبله الدولة لينضبط الْأَمر وَإِن اصْطلحَ على أقل من ذَلِك أَو أَكثر فَلَا بَأْس فَإِذا أُرِيد إِعْمَال الْقرعَة بَينهم وَذَلِكَ عِنْد رَأس خمس سِنِين كَمَا قُلْنَا اجْتمع كل من هُوَ فِي ذَلِك السن من أهل النَّاحِيَة مثل مراكش وأعمالها وفاس وأعمالها والعدوتين وأعمالهما فِي يَوْم مَعْلُوم من السّنة لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر فيحضر نَائِب السُّلْطَان ويحضر القَاضِي وَالشُّهُود وتكتب بطائق على عدد رُؤُوس الْحَاضِرين فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ سنة كَذَا فَإِذا اجْتمع لنا من البطائق مائَة وَنحن غرضنا اسْتِخْدَام خمسين مثلا أَخذنَا تِلْكَ البطائق وَاحِدَة وَاحِدَة حَتَّى نستوفي الْخمسين ثمَّ نفتحها فَمن عثرنا عَلَيْهِ فِيهَا فَهُوَ عسكري فِي تِلْكَ الْمدَّة وَمن أخطأته الْقرعَة ذهب إِلَى حَال سَبيله لكنه إِن جَاوز سنّ العسكرية الَّذِي هُوَ خمس وَعِشْرُونَ سنة وَلم تصبه الْقرعَة فَهُوَ فِي صنف الرديف إِلَى سبع سِنِين كَمَا قُلْنَا وَالَّذين أَصَابَتْهُم الْقرعَة وأثبتوا فِي الدِّيوَان يرخص لَهُم فِي الذّهاب إِلَى محالهم عشْرين يَوْمًا لقَضَاء أوطارهم ثمَّ يحْضرُون بعْدهَا إِلَى القشلة وَمن تخلف عَن حُضُور هَذَا الْجمع بِدُونِ عذر مَقْبُول يثبت فِي الدِّيوَان بِلَا قرعَة وَيسْقط من أصل الْعدَد الْمَطْلُوب وَلَا تقبل فِيهِ شَفَاعَة وَلَا فدَاء وَمن لَيْسَ لَهُ إِلَّا ابْن وَاحِد من رجل كَبِير أَو امْرَأَة أرملة أَو نَحْو ذَلِك وَلَا كَافِي لَهُ سواهُ فَإِنَّهُ يسرح لَهُ لِئَلَّا يضيع لَكِن بعد حُضُور الْجمع وَإِثْبَات مَا ادَّعَاهُ وَمن لَهُ ولدان وأصابتهما مَعًا الْقرعَة فَيمسك وَاحِد ويسرح لَهُ الآخر وَمن لَهُ أَرْبَعَة أَو خَمْسَة وأصابت الْقرعَة مِنْهُم ثَلَاثَة
(3/104)

فَأكْثر أمسك اثْنَان وسرح الْبَاقِي ويعفى عَن كل من كَانَ مُفردا فِي بَيته وَعَن كل أَعور وأشل وأعرج وأحدب وَعَن كل مبتلى بداء مزمن أَو عِلّة معدية أَو ضَعِيف الْجِسْم نحيف البنية لَا يقدر على الْأَعْمَال الجندية وَغير سَالم المزاج وَهَكَذَا ويعفى عَن طلبة الْعلم لَكِن بعد حضورهم وامتحانهم فَمن ظَهرت نجابته خلى سَبيله لِأَنَّهُ قد قَامَ بوظيف هُوَ من أهم الْوَظَائِف وَمن كَانَ قَلِيل الْفَهم أَو مقسم البال أَو طائش الفكرة لَا ترجى فَائِدَته وَإِنَّمَا تستر بِطَلَب الْعلم دخل فِي الْقرعَة وَإِذا كَانَ لرجل ولدان وأصابت الْقرعَة أَحدهمَا وَأَرَادَ إِبْدَاله بِالْآخرِ فَذَلِك لَهُ إِذا توفرت فِيهِ شُرُوط الْخدمَة وَإِذا أَرَادَ أَن يُبدلهُ بِغَيْر أَخِيه من عبد أَو أجِير فَلَا بُد من زِيَادَة قدر مَعْلُوم من المَال لَا يجحف بِهِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل تِجَارَته وَلَا بيع أَصله وَلِهَذَا الْبَدَل شُرُوط الأول أَن يكون سالمامن الْآفَات الْمُتَقَدّمَة الثَّانِي أَن لَا يكون مِمَّن استوفى مُدَّة الْخدمَة الَّتِي هِيَ خمس سِنِين وَدخل فِي صنف الرديف اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا لم تكن الْقرعَة أَصَابَته حَتَّى جَاوز السن الْمَعْلُوم وَصَارَ فِي صنف الرديف فَهَذَا يقبل الثَّالِث أَن يكون من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة فَلَا يقبل مراكشي عَن فاسي مثلا وَبِالْعَكْسِ الرَّابِع أَن لَا يكون من العبيد السود اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْجند صنف مِنْهُم فَيقبل فِي صنفه وَلَا بَأْس إِذا كَانَ مَمْلُوكا أَبيض الْخَامِس أَن لَا يكون من الَّذين استعملوا فِي الجندية وأخرجوا مِنْهَا لعَارض خلقي أَو خلقي مثل آفَة بدنية أَو فعل قَبِيح من سَرقَة وَنَحْوهَا السَّادِس أَن لَا يكون الْبَدَل قد جِيءَ بِهِ بعد ثَلَاثَة أشهر ثمَّ إِذا فر الْبَدَل فينتظر مَجِيئه إِلَى شهر فَإِن جَاءَ وَإِلَّا أَخذ بِهِ صَاحبه الَّذِي جَاءَ بِهِ ثمَّ إِذا انتظم هَذَا الْجمع العسكري فَأول مَا يعلمونهم أَمر دينهم مِمَّا لَا بُد مِنْهُ على سَبِيل الِاخْتِصَار بِأَن يلقنوا كَيْفيَّة اللَّفْظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبَين لَهُم مَعْنَاهَا بِوَجْه إجمالي فَإِن جلّ الْعَوام سِيمَا أهل الْبَادِيَة والقرى النائية لَا يفقهُونَ ضروريات دينهم ويعلمون كَيْفيَّة الْوضُوء وَالصَّلَاة ويلزمون بالمحافظة عَلَيْهَا حَتَّى أَن من لم يحضر مِنْهُم وَقت النداء لَهَا يُعَاقب عقَابا شَدِيدا وَإِلَّا فَلم يحضر عِنْد سَمَاعه الطرنبيطة وَلَا يحضر إِذا سمع دَاعِي الله فَهَذَا أول مَا يتعلمونه لتعود عَلَيْهِم بركَة الدّين وينجح سَعْيهمْ فِي حماية
(3/105)

الْمُسلمين فَإنَّا لم نرد بِجمع هَذَا الْجند إِلَّا حفظ الدّين فَإِذا كَانَ الْجند مضيعا لَهُ فَكيف يحفظه على غَيره وَيعود على الْمُسلمين نَفعه ثمَّ بعد هَذَا يعلمُونَ الْأُمُور الَّتِي تدل على كَمَال الْمُرُوءَة وعلو الهمة من الْحيَاء والحشمة والإيثار وَترك الْكَلَام الْفُحْش وتوفير الْكَبِير وَرَحْمَة الصَّغِير ويلقنون أَن من أفضل الْخِصَال عِنْد الله وَعند الْعباد الْغيرَة على الدّين والوطن ومحبة السُّلْطَان ونصحه وَيُقَال لَهُ مثلا إِذا كَانَ العجمي الزنديق يغْضب لدينِهِ الْبَاطِل ووطنه فَكيف لَا يغْضب الْعَرَبِيّ الْمُؤمن لدينِهِ ودولته ووطنه وَلَا بُد من تَرْتِيب مجْلِس يومي يسمعُونَ فِيهِ سيرة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومغازيه وَمَغَازِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَسلف الْأمة وأخبار رُؤَسَاء الْعَرَب وحكمائها وشعرائها ومحاسنهم وسياساتهم وليتخير لَهُم من الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي ذَلِك أنفعها مثل كتاب الْأَكفاء لأبي الرّبيع الكلَاعِي وَكتاب ابْن النّحاس فِي الْجِهَاد وَكتاب سراج الْمُلُوك وَنَحْوهَا فَإِن ذَلِك مِمَّا يُقَوي إِيمَانهم ويحرك هممهم ويؤكد محبتهم فِي الدّين وَأَهله وينبهون على التحافظ على ثِيَابهمْ وأطرافهم من الأوساخ والأوضار الَّتِي تدل على دناءة الهمة ونقصان الإنسانية وَعدم النخوة ويلزمون بترك اسْتِعْمَال الدُّخان فَإِنَّهُ منَاف لنظافة الدّين وَمذهب للمروءة وَالْمَال بِلَا فَائِدَة ثمَّ إِذا رسخت فيهم هَذِه الْآدَاب فِي سِتَّة أشهر أَو عشرَة أَو أَكثر أخذُوا فِي تعلم الثقافة وَأُمُور الْحَرْب ثمَّ من أهم مَا يعتنى بِهِ فِي شَأْنهمْ أَن لَا يتخلقوا بأخلاق الْعَجم وَلَا يسلكوا سبيلهم فِي اصطلاحاتهم ومحاوراتهم وَكَلَامهم وسلامهم وَغير ذَلِك فقد عَمت الْمُصِيبَة فِي عَسْكَر الْمُسلمين بالتخلق بِخلق الْعَجم فيريدون تعلم الْحَرْب ليحفظوا الدّين فيضيعون الدّين فِي نفس ذَلِك التَّعَلُّم فَلَا تمْضِي على أَوْلَاد الْمُسلمين سنتَانِ أَو ثَلَاث حَتَّى يصيروا عجما متخلقين بأخلاقهم متأدبين بآدابهم حَتَّى أَنهم تركُوا السَّلَام الْمَشْرُوع فِي الْقُرْآن وأبدلوه بِوَضْع الْيَد خلف الْأذن فَيجب على معلمهم فِي حَالَة تَعْلِيمه إيَّاهُم أَن يعدل عَن الِاصْطِلَاح العجمي إِلَى الْعَرَبِيّ ويعبر عَن الْأَلْفَاظ العجمية بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِن كَانَ أصل الْعَمَل مأخوذا عَن الْعَجم فليجتهد
(3/106)

الْمعلم الحاذق فِي تعريبه وَلَيْسَ ذَلِك بعسير على من وَفقه الله إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِبْدَال لفظ عجمي بِلَفْظ عَرَبِيّ بِأَن يَقُول مثلا أَمَام خلف دَائِرَة نصف دَائِرَة وَهَكَذَا فَإِذا مرنوا عَلَيْهِ شهرا أَو شَهْرَيْن كَانَ أسهل شَيْء عَلَيْهِم لِأَن تِلْكَ هِيَ لغتهم الَّتِي فِيهَا نشأوا وَعَلَيْهَا ربوا فَالْعَمَل عجمي وَالْكَلَام الَّذِي ينبهون بِهِ على ذَلِك الْعَمَل عَرَبِيّ فَأَي كلفة فِي هَذَا وَبِه ينْدَفع عَنْهُم التَّشَبُّه بالعجم الْمنْهِي عَنهُ شرعا فَإِن التزيي بزيهم لَا يَأْتِي بِخَير أبدا وَهُوَ وَالله من أفسد الْأَشْيَاء للدّين الَّذِي نُرِيد أَن نحوطه بهم
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ من لم تصلحه السّنة فَلَا أصلحه الله ثمَّ عَمُود هَذَا كُله وصلبه الْعَقِيم لَهُ وروحه الَّذِي بِهِ حَيَاته هُوَ الْكِفَايَة فِي الْمطعم والملبس وليختر لَهُم من الأغذية أطيبها وأنفعها للبدن وليجعل لَهُم كسوتان كسْوَة الشتَاء وَكِسْوَة الصَّيف وليتخير لَهُم من المساكن والمنازل أطيبها وَأَصْلَحهَا هَوَاء وأبعدها عَن مَحل الوخم وليلزمهم بالاعتناء بتنظيف مساكنهم وتبريدها وتطييبها حَتَّى لَا ينشأ عَنْهَا دَاء وَإِذا تراخوا فِي مثل ذَلِك عوقبوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ دَال على دناءة الهمة ودنيء الهمة لَا يَأْتِي مِنْهُ شَيْء وليرتب لَهُم الْأَطِبَّاء العارفون حَتَّى إِذا أصَاب أحدا مِنْهُم مرض عالجه الطَّبِيب فِي الْحَال فَإِن هَذَا الْجند هُوَ سور الْإِسْلَام وسياج الدّين فبحفظه يحفظ الدّين وبسلامته يسلم فَإِذا اتخذ الْجند على هَذِه الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرنَا سهل على النَّاس الدُّخُول فِي الجندية وتنافسوا فِيهَا وَمن كَانَ عِنْده من الرّعية دِرْهَم طابت نَفسه بِأَن يقتسمه مَعَهم وَيكون الْجند حِينَئِذٍ فِي مرتبَة هِيَ أشرف من مرتبَة الرّعية بِكَثِير لِأَن الْجند يحفظهم والرعية تكسب وتبذل لَهُم ثمَّ إِذا ظهر من آحَاد الْجند نجابة أَو شجاعة أَو نصيحة فِي الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة رفع قدره ونوه باسمه ليغتبط هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ ويزداد فِي خدمته ويغبطه غَيره وينافسه فِي خصاله الَّتِي أكسبته تِلْكَ الْمنزلَة وليقس مَا لم يقل وَالله الْهَادِي إِلَى التَّوْفِيق بمنه ولنرجع إِلَى التَّارِيخ فَنَقُول
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي عشر
(3/107)

من ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي والدنا الْفَقِيه المرابط الْأَخير أَبُو الْبَقَاء خَالِد بن حَمَّاد بن مُحَمَّد الْكَبِير الناصري بقبيلة سُفْيَان وَدفن بتربة الشَّيْخ أبي سلهام رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ رَحمَه الله من الْوَرع والتحري فِي أكل الْحَلَال على جَانب عَظِيم بِحَيْثُ فاق أَكثر أهل زَمَانه فِي ذَلِك وَكَانَ دينا وقورا كثيرالأوراد ذَا صمت وجد وَله إِلْمَام بالفقه والسيرة النَّبَوِيَّة مرجو الْبركَة عِنْد الْعَامَّة رحمنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين
ثورة الجيلاني الروكي ومقتله

كَانَ الجيلاني الروكي من عرب سُفْيَان رجلا خامل الذّكر سَاقِط الْقدر حرفته رعي الْبَهَائِم وَنَحْو ذَلِك من عمل أهل الْبَادِيَة فَوكل بِهِ جني أَو شَيْطَان ففاه بالمخاريق وتبعته الْعَامَّة فثار بِبِلَاد كورت وَتقدم إِلَى دَار الْقَائِد عبد الْكَرِيم بن عبد السَّلَام بن عودة الْحَارِثِيّ السفياني فِي أخلاط من الأوباش بِالْعِصِيِّ والمقاليع فحاصر الْقَائِد الْمَذْكُور فِي دَاره من الظّهْر إِلَى الْغُرُوب ثمَّ اقتحم الْعَامَّة عَلَيْهِ دَاره فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا جمَاعَة من إخْوَته وَبني عَمه ونهبوا مَا وجدوا بداره وَكَانَ شَيْئا كثيرا من المَال والأثاث وَبَقِي أُولَئِكَ الْقَتْلَى مصرعين بِفنَاء الدَّار ثَلَاثَة أَيَّام لم يدفنوا وافتتنت الْعَامَّة بِهَذَا الروكي ونسبوا لَهُ الخوارق والكرامات من غير استناد إِلَى دَلِيل وَوَعدهمْ بِأَنَّهُ يستولي على الْملك وَيحكم المتمسكين بدعوته فِي الْأَمْوَال كَيفَ شاؤوا وضاعت نفوس فِي تِلْكَ الْفِتْنَة ونهبت أَمْوَال وَاخْتَلَطَ المرعى بالهمل وَكنت حَاضرا لهَذَا الْخطب الْعَظِيم فَكَانَ من افتتان الْعَامَّة بِهَذَا الْمَعْتُوه واعتقادهم فِيهِ وجهلهم الْمركب فِي أمره مَا لَا يكَاد يصدق بِهِ إِذا حُكيَ وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله يَوْمئِذٍ برباط الْفَتْح فاهتز لهَذَا الْخطب لِأَن الشَّيْطَان كَانَ قد نفخ فِي أباطيل الروكي وشاعت فِي الْعَالم حَتَّى اهتز لَهَا النَّصَارَى الَّذين كَانُوا بتطاوين وَحَدثُوا أنفسهم بالفرار ثمَّ إِن السُّلْطَان رَحمَه الله أغراه أَخَاهُ الْمولى الرشيد فَلَمَّا سمع الروكي بمجيئه وعد أوباشه بِأَنَّهُ سينصر عَلَيْهِ وَأَن خيل السُّلْطَان
(3/108)

تكون غنيمَة لَهُ وَقَالَ لَهُم اتَّخذُوا الشكائم أَي الأرسان من الدوم وأعدوها لتقودوا بهَا خيل السُّلْطَان فَاتخذ جمع عَظِيم من الْعَامَّة الحبال والأرسان وتوشحوا بهَا تَحت الثِّيَاب وَجعلُوا يتبعُون الروكي أَيْنَمَا ذهب انتظارا لوعده وَلما قرب الْمولى الرشيد مِنْهُ أَخذ أمره فِي النُّقْصَان وناموسه فِي الْبطلَان وَلما كَانَ الْمولى الرشيد قرب سوق الْأَرْبَعَاء من بِلَاد سُفْيَان جعل الشكائمية يقربون من الْمحلة ويتطوفون حولهَا مختفين بالأودية والشعاب والكدى ينتظرون هزيمتها بخارق من خوارق دجالهم فَأعْلم الْمولى الرشيد بمكانهم فَبعث الْخَيل فالتقطوهم فِي سَاعَة وَاحِدَة وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل وسيقوا إِلَى رِبَاط الْفَتْح فسجنوا بِهِ مُدَّة وَأما الروكي فَإِنَّهُ قصد جبل زرهون وَدخل رَوْضَة الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر رَضِي الله عَنهُ فَاجْتمع عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَشْرَاف الأدارسة والعلويين وغلقوا أَبْوَاب الْقبَّة وَتقدم إِلَيْهِ شرِيف علوي ففتك فِيهِ وأراح النَّاس من شَره واحتزوا رَأسه وَيَده وحملوهما إِلَى السُّلْطَان فَبعث بهما إِلَى مراكش فعلقا بِجَامِع الفناء مُدَّة وَكَانَ جهلة الْعَوام لَا يصدقون بِمَوْتِهِ وبقوا ينتظرون رجعته سنتَيْن أَو ثَلَاثًا {وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد} الرَّعْد 33 وَكَانَ مقتل الروكي فِي أواسط شعْبَان سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلم تجَاوز مدَّته أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ مِمَّا كتبه السُّلْطَان فِي شَأْنه مَا نَصه وَبعد فَإِن فتانا من سُفْيَان مرق من الدّين وَفتن بِأُمُور شيطنته من اغْترَّ بِهِ من الْمُسلمين وَجمع عَلَيْهِ أوباشا من أَمْثَاله وَأَضْرَابه وأشكاله وَتقدم بهم لدار خديمنا ابْن عودة فَقَتَلُوهُ ثمَّ تقدم بهم للشراردة فقاتلوه ثمَّ تقدم بهم لزاوية مَوْلَانَا إِدْرِيس فقاتله أَهلهَا قتالا يُرْضِي الله وَرَسُوله وَلم يحصل لَهُم من قِتَاله ضجر ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وقتلوه وعلقوا رَأسه بِبَاب الزاوية الْمُسَمّى بِبَاب الْحجر وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب بعد ذَلِك على من دخل مَعَه من أَتْبَاعه وأنصاره وأشياعه فقبضوا عَلَيْهِم وجعلوهم فِي السلَاسِل والأغلال وَنحن على نِيَّة إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم إِن شَاءَ الله جَزَاء وفَاقا على مَا ارتكبوه من الْفساد وقبيح الْأَعْمَال وَمن كَانَ مِنْهُم حِينَئِذٍ خَارِجا عَن الْبَاب تخطفته الْأَيْدِي وجنوا ثمار مَا سعوا فِيهِ من الْبَغي والتعدي وَقطع دابر جَمِيعهم فَالْحَمْد لله حق حَمده وَمَا كل نعْمَة إِلَّا
(3/109)

من عِنْده وأعلمناكم لِتَكُونُوا على بَصِيرَة إِذْ رُبمَا يبلغ المرجفون على عَادَتهم النَّازِلَة على غير وَجههَا وَالسَّلَام فِي ثامن عشر شعْبَان الْمُعظم عَام ثَمَانِيَة وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله بعرب الرحامنة

لما كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله بِبِلَاد الغرب مشتغلا بِأَمْر الإصبنيول وحربه على تطاوين ثار عرب الرحامنة بالحوز وعمدوا إِلَى سوق الْخَمِيس بمراكش فَأَغَارُوا عَلَيْهِ وانتهبوه وسلبوا الْمَارَّة وأرباب الجنات وضايقوا أهل مراكش حَتَّى منعوهم من الارتفاق حول الْمَدِينَة فَانْقَطَعت السبل وَارْتَفَعت الأسعار وَقطع الرحامنة مَا حول الأسوار من الْأَشْجَار واحتطبوها وحصدوا الزروع فِي الفدن واغتصبوها وَاشْتَدَّ الْحصار وتخاذلت الْأَنْصَار ودام الْحَال إِلَى أَن فرغ السُّلْطَان رَحمَه الله من حَرْب الإصبنيول وفتنة الروكي فَوجه وجهته إِلَى مراكش فَلَمَّا قرب مِنْهَا تحزب الرحامنة وَأَجْمعُوا على حربه فانحازوا إِلَى نَاحيَة الرميلة والأودية وزاوية ابْن ساسي ليحولوا بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَى مراكش فهجم عَلَيْهِم وأوقع بهم وقْعَة سيقوا بهَا بعد سَاعَة إِلَى مراكش مُقرنين فِي الحبال حَتَّى ضَاقَتْ بهم السجون وَلَوْلَا أَنه رَحمَه الله كف أَيدي الْجَيْش عَنْهُم لاستأصلوهم ثمَّ عَفا عَنْهُم بعد أَن انتزع مِنْهُم بِلَاد آيت سَعَادَة وغواطم والأودية وَهِي من أخصب الْبِلَاد وأزكاها وَكتب السُّلْطَان فِي هَذِه الْوَقْعَة لِأَخِيهِ الْمولى الرشيد بِكِتَاب مختوم عَلَيْهِ بالخاتم الْكَبِير بن الِافْتِتَاح وَالْخطاب وبداخل الْخَاتم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن غفر الله لَهُ وبدائرته
(وَمن تكن برَسُول الله نصرته ... إِن تلقه الْأسد فِي آجامها تجم) {وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب} هود 88 وبأركان الْخَاتم الله
(3/110)

مُحَمَّد أَبُو بكر عمر عُثْمَان عَليّ وَنَصّ الِافْتِتَاح الْحَمد لله الَّذِي تدارك الْأمة باللطف الْكَفِيل بتمهيد أقطارها وتيسير أوطارها وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه الَّذين نصروا الدّين بالصفاح والأسنة وأوضحوا أَحْكَام السّنة أخانا الْأَعَز الأرضى مولَايَ الرشيد أصلحك الله وأعانك وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإِنَّهُ لما تَوَاتَرَتْ الأنباء المحققة بعد التباسها وتواردت الْأَخْبَار الَّتِي يُغني نَصهَا عَن قياسها بِمَا ارْتَكَبهُ ظالموا أنفسهم الرحامنة من أَنْوَاع الْفساد الَّتِي أذاعوها وأظهروها وأشاعوها وَقد كَانَت فِي صُدُورهمْ كامنة صرفنَا الوجهة إِلَيْهِم وطوينا المراحل من أَجلهم وَلما حللنا ببلادهم أرسلنَا عَلَيْهِم سيل العرم من العساكر المنصورة والجيوش الموفورة فَمَا كَانَ غير بعيد حَتَّى أَتَوا برؤوس مِنْهُم كَثِيرَة مَحْمُولَة على أسنة الرماح وأسارى من مُقَاتلَتهمْ مجردين من الثِّيَاب وَالسِّلَاح وَمن نجى مِنْهُم رَجَعَ مُجَردا إِلَّا من خيبة سَعْيه وَمَا سقِِي إِلَّا بكأس بغيه واستولت العساكر والأجناد على جَمِيع مَا كَانَ عِنْد أهل الْفساد وَمن الْمَعْلُوم أَن من سل سيف الْبَغي يعود إِلَى نَحره وَمن ركب متن الشقاق يغرق فِي بحره وَأَن الْفِتْنَة نَار تحرق من أوقدها والمخالفة صَفْقَة تعود بالخسارة على من عقدهَا وَلما أردنَا معادوتهم لقطع دابرهم وتشتيت مَا بَقِي من رماد أَثَرهم تعلقوا بالمرابطين من ذَوي الوجاهات وَأَكْثرُوا من الذَّبَائِح على الْمحَال وتوجيه العارات وَقَامُوا بِوَاجِب السّمع وَالطَّاعَة فِي كل مَا أمرناهم بِهِ جهد الِاسْتِطَاعَة فأبقينا عَلَيْهِم وَإِن عَادَتْ الْعَقْرَب عدنا بحول الله لَهَا وَكَانَت النَّعْل لَهَا حَاضِرَة فَالْحَمْد لله الَّذِي خيب آمالهم وأبطل أَعْمَالهم وخذل أنصارهم وأركد أعمارهم لما اعمى أَبْصَارهم وردهم ناكصين على الأعقاب بعد سلب الْأَمْوَال وَقطع الرّقاب {ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب} الْأَنْفَال 13 ونعوذ بِاللَّه من الآراء المعكوسة والحظوظ المنكوسة وَسُوء الْفِعْل الَّذِي يُورد المهالك والحرمان الَّذِي يَجْعَل الْبَصِير كالأعمى فِي دجنة اللَّيْل الحالك هَذَا ويصلكم مَا قطع من رُؤُوس قتلاهم لتتعلق بِبَاب الْمَدِينَة وَيعْتَبر بهَا المعتبرون ويتذكر بهَا
(3/111)

المتذكرون وَالله أسأَل أَن لَا يكلنا إِلَى أَنْفُسنَا طرفَة عين وَلَا أقل من ذَلِك وَأَن يكون لنا وللمسلمين بِمَا كَانَ لأوليائه وأحبائه وأصفيائه وَأَن يوفقنا وإياهم لما يُحِبهُ ويرضاه وَيخْتم للْجَمِيع بِخَير وَالسَّلَام فِي ذِي الْحجَّة الْحَرَام عَام ثَمَانِيَة وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَمن تَمَامه وَأَن علقت يَوْمًا وَاحِدًا فادفعها لحملتها وَلَا بُد ليتوجهوا بهَا إِلَى مكناسة صَحَّ بِهِ اهـ نَص الْكتاب الشريف
وَفِي سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف سَافر شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة البارع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز محبوبة السلاوي إِلَى الْحجاز لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج فوافته منيته بِمَكَّة المشرفة بعد الْفَرَاغ من الْحَج وَالْعمْرَة وَدفن بالمعلاة وَكَانَ رَحمَه الله وَاعِيَة دراكة نفاعة كثير الدَّرْس وَالتَّقْيِيد والنسخ للكتب الْمُعْتَبرَة فصيح الْعبارَة حسن النغمة وَالصَّوْت عَارِفًا بِالْحَدِيثِ دؤوبا على سرده عَارِفًا بالنحو وَالْفِقْه وعلوم الْآلَة لازمناه وانتفعنا بِهِ وعادت علينا بركاته رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَكنت رثيته بقصيدة ذهبت فِي جملَة مَا ذهب من شعري إِذْ لم يكن لي اعتناء بتقييده ومطلعها
(مُلَازمَة التذْكَار تذْهب باللب ... وتغري قديم الوجد بالهائم الصب)
وَفِي سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ يَوْم السبت الرَّابِع عشر من شعْبَان مِنْهَا كَانَت هدة البارود بمراكش وَذَلِكَ أَنه كَانَ بِجَامِع الفناء مِنْهَا فندق فِي بعض بيوته نَحْو أَرْبَعمِائَة قِنْطَار من البارود وَبِه أَيْضا شَيْء من فَحم الريش الْمُتَّخذ للبارود فَوَقَعت فِيهِ نَار وسرت مِنْهُ إِلَى البارود فنفض وَقت الْغُرُوب من الْيَوْم الْمَذْكُور وَالنَّاس كَثِيرُونَ حول الفندق فطار الفندق بِمَا فِيهِ وَكَانَت حيطانه عَادِية وطار من كَانَ حوله من النَّاس قيل نَحْو الثلاثمائة فَمنهمْ من لم يُوجد أصلا وَمِنْهُم من وجد بعضه من يَد أَو رجل وَنَحْو ذَلِك وتهدمت كل دَار كَانَت متلاشية بمراكش وانخلعت الأقفال من الْأَبْوَاب وصرصرت السقوف والحيطان وَكَانَ الْحَادِث عَظِيما وَفِي هَذِه السّنة ورد يَهُودِيّ من اللوندرة على السُّلْطَان بمراكش يطْلب مِنْهُ الْحُرِّيَّة ليهود الْمغرب وَذَلِكَ لِأَنَّهُ
(3/112)

لما كَانَت وقْعَة تطاوين ودهم النَّاس مَا دهمهم من أَمر الحمايات وَأكْثر من تعلق بهَا الْيَهُود لم يقتصروا على ذَلِك وراموا الْحُرِّيَّة تشبها بيهود مصر وَنَحْوهَا فَكَتَبُوا إِلَى يَهُودِيّ من كبار تجارهم باللوندرة اسْمه روشابيل وَكَانَ هَذَا الْيَهُودِيّ قَارون زَمَانه وَكَانَت لَهُ وجاهة كَبِيرَة فِي دولة النجليز لِأَنَّهَا كَانَت تحْتَاج إِلَيْهِ فيسلفها الْأَمْوَال الطائلة وَله فِي ذَلِك أَخْبَار مَشْهُورَة فَكتب يهود الْمغرب إِلَيْهِ أَو بَعضهم يَشكونَ إِلَيْهِ مَا هم فِيهِ من الذلة وَالصغَار وَيطْلبُونَ مِنْهُ الوساطة لَهُم عِنْد السُّلْطَان رَحمَه الله فِي الإنعام عَلَيْهِم بِالْحُرِّيَّةِ فعين هَذَا الْيَهُودِيّ صهرا لَهُ للوفادة على السُّلْطَان رَحمَه الله فِي هَذَا الْغَرَض وَفِي غَيره وأصحبه هَدَايَا نفيسة وَسَأَلَ من دولة النجليز أَن يشفعوا لَهُ عِنْد السُّلْطَان ويكتبوا لَهُ فِي قَضَاء غَرَضه فَفَعَلُوا وَقدم على السُّلْطَان بمراكش وَقدم هداياه وَسَأَلَ تَنْفِيذ مطلبه فتجافى السُّلْطَان رَحمَه الله عَن رده مخفقا وَأَعْطَاهُ ظهيرا فتمسك بِهِ الْيَهُودِيّ يتَضَمَّن صَرِيح الشَّرْع وَمَا أوجب الله لَهُم من حفظ الذِّمَّة وَعدم الظُّلم والعسف وَلم يعطهم فِيهِ حريَّة كحرية النَّصَارَى وَنَصّ الظهير الْمَذْكُور بالطابع الْكَبِير
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم نأمر من يقف على كتَابنَا هَذَا أسماه الله وأعز أمره وأطلع فِي سَمَاء الْمَعَالِي شمسه المنيرة وبدره من سَائِر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أَعمالنَا أَن يعاملوا الْيَهُود الَّذين بِسَائِر إيالتنا بِمَا أوجبه الله تَعَالَى من نصب ميزَان الْحق والتسوية بَينهم وَبَين غَيرهم فِي الْأَحْكَام حَتَّى لَا يلْحق أحدا مِنْهُم مِثْقَال ذرة من الظُّلم وَلَا يضام وَلَا ينالهم مَكْرُوه وَلَا اهتضام وَأَن لَا يتعدوا هم وَلَا غَيرهم على أحد مِنْهُم لَا فِي أنفسهم وَلَا فِي أَمْوَالهم وَأَن لَا يستعلموا أهل الْحَرْف مِنْهُم إِلَّا عَن طيب أنفسهم وعَلى شَرط توفيتهم بِمَا يستحقونه على عَمَلهم لِأَن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَنحن لَا نوافق عَلَيْهِ لَا فِي حَقهم وَلَا فِي حق غَيرهم وَلَا نرضاه لِأَن النَّاس كلهم عندنَا فِي الْحق سَوَاء وَمن ظلم أحدا مِنْهُم أَو تعدى عَلَيْهِ فَإنَّا نعاقبه بحول الله وَهَذَا الْأَمر الَّذِي قَرَّرْنَاهُ وأوضحناه وبيناه كَانَ مقررا ومعروفا محررا لَكِن زِدْنَا هَذَا المسطور تقريرا وتأكيدا
(3/113)

ووعيدا فِي حق من يُرِيد ظلمهم وَتَشْديد ليزِيد الْيَهُود أمنا إِلَى أَمنهم وَمن يُرِيد التَّعَدِّي عَلَيْهِم خوفًا إِلَى خوفهم صدر بِهِ أمرنَا المعتز بِاللَّه فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من شعْبَان الْمُبَارك عَام ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما مكنهم السُّلْطَان من هَذَا الظهير أخذُوا مِنْهُ نسخا وفرقوها فِي جَمِيع يهود الْمغرب وَظهر مِنْهُم تطاول وطيش وَأَرَادُوا أَن يختصوا فِي الْأَحْكَام فِيمَا بَينهم لَا سِيمَا يهود المراسي فَإِنَّهُم تحالفوا وتعاهدوا على ذَلِك ثمَّ أبطل الله كيدهم وَخيَّب سَعْيهمْ على أَن السُّلْطَان رَحمَه الله لما أحس بطيش الْيَهُود عقب ذَلِك الظهير بِكِتَاب آخر بَين فِيهِ المُرَاد وَأَن ذَلِك الْإِيصَاء إِنَّمَا هُوَ فِي حق أهل الْمُرُوءَة وَالْمَسَاكِين مِنْهُم المشتغلين بِمَا يعنيهم وَأما صعاليكهم المعروفون بِالْفُجُورِ والتطاول على النَّاس والخوض فِيمَا لَا يَعْنِي فيعاملون بِمَا يستحقونه من الْأَدَب
وَاعْلَم أَن هَذِه الْحُرِّيَّة الَّتِي أحدثها الفرنج فِي هَذِه السنين هِيَ من وضع الزَّنَادِقَة قطعا لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِم إِسْقَاط حُقُوق الله وَحُقُوق الْوَالِدين وَحُقُوق الإنسانية رَأْسا أما إِسْقَاطهَا لحقوق الله فَإِن الله تَعَالَى أوجب على تَارِك الصَّلَاة وَالصَّوْم وعَلى شَارِب الْخمر وعَلى الزَّانِي طَائِعا حدودا مَعْلُومَة وَالْحريَّة تَقْتَضِي إِسْقَاط ذَلِك كَمَا لَا يخفى وَأما إِسْقَاطهَا لحقوق الْوَالِدين فلأنهم خذلهم الله يَقُولُونَ إِن الْوَلَد الْحَدث إِذا وصل إِلَى حد الْبلُوغ وَالْبِنْت الْبكر إِذا بلغت سنّ الْعشْرين مثلا يفْعَلَانِ بأنفسهما مَا شاءا وَلَا كَلَام للْوَالِدين فضلا عَن الْأَقَارِب فضلا عَن الْحَاكِم وَنحن نعلم أَن الْأَب يسخطه مَا يرى من وَلَده أَو بنته من الْأُمُور الَّتِي تهتك الْمُرُوءَة وتزري بِالْعرضِ سِيمَا إِذا كَانَ من ذَوي البيوتات فارتكاب ذَلِك على عينه مَعَ مَنعه من الْكَلَام فِيهِ مُوجب للعقوق ومسقط لحقه من البرور وَأما إِسْقَاطهَا لحقوق الإنسانية فَإِن الله تَعَالَى لما خلق الْإِنْسَان كرمه وشرفه بِالْعقلِ الَّذِي يعقله عَن الْوُقُوع فِي الرذائل ويبعثه على الاتصاف بالفضائل وَبِذَلِك تميز عَمَّا عداهُ من الْحَيَوَان وَضَابِط الْحُرِّيَّة عِنْدهم لَا يُوجب مُرَاعَاة هَذِه الْأُمُور بل يُبِيح للْإنْسَان أَن يتعاطى مَا ينفر عَنهُ الطَّبْع وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنى وَغير ذَلِك إِن شَاءَ لِأَنَّهُ مَالك أَمر نَفسه فَلَا يلْزم أَن يتَقَيَّد بِقَيْد وَلَا فرق بَينه وَبَين الْبَهِيمَة
(3/114)

الْمُرْسلَة إِلَّا فِي شَيْء وَاحِد هُوَ إِعْطَاء الْحق لإِنْسَان آخر مثله فَلَا يجوز لَهُ أَن يَظْلمه وَمَا عدا ذَلِك فَلَا سَبِيل لأحد على إِلْزَامه إِيَّاه وَهَذَا وَاضح الْبطلَان لِأَن الله تَعَالَى حَكِيم وَمَا ميز الْإِنْسَان بِالْعقلِ إِلَّا ليحمله هَذِه التكاليف الشَّرْعِيَّة من معرفَة خالقه وبارئه والخضوع لَهُ لتَكون لَهُ بهَا الْمنزلَة عِنْد الله فِي العقبى {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض} الْأَحْزَاب 72 الْآيَة
وَاعْلَم أَن الْحُرِّيَّة الشَّرْعِيَّة هِيَ الَّتِي ذكرهَا الله فِي كِتَابه وَبَينهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته وحررها الْفُقَهَاء رَضِي الله عَنْهُم فِي بَاب الْحجر من كتبهمْ فراجع ذَلِك وتفهمه ترشد وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كمل بِنَاء الدَّار الفيحاء الَّتِي أَنْشَأَهَا السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله بآجدال من ظَاهر رِبَاط الْفَتْح بجوار ضريح جده سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَهِي دَار كَبِيرَة حَسَنَة الْبناء وَاسِعَة المقاعد والفناء يُقَال إِنَّهَا من أَخَوَات بديع الْمَنْصُور وَلما كمل بناؤها أَمر السُّلْطَان رَحمَه الله أَن يخْتم فِيهَا فُقَهَاء رِبَاط الْفَتْح صَحِيح البُخَارِيّ أَولا وفقهاء سلا ثَانِيًا فدخلناها فِي جُمْلَتهمْ وتقصينا منازلها ومقاعدها فَرَأَيْنَا مَا مَلأ أبصارنا حسنا وإتقانا وَعَجِيب صَنْعَة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف حدثت فتْنَة بفاس وَذَلِكَ أَن النَّاس كَانُوا فِي صَلَاة الْجُمُعَة بِمَسْجِد الْقرَوِيين خَامِس ربيع الأول وَكَانَ فيهم التَّاجِر الأمجد أَبُو عبد الله حبيب بن هَاشم بن جلون الفاسي فَلَمَّا سجد مَعَ النَّاس شدخ بعض اللُّصُوص رَأسه بِحجر كَبِير من أَحْجَار التَّيَمُّم الَّتِي تكون بِالْمَسْجِدِ ثمَّ انحنى عَلَيْهِ بخنجر كَانَ بِيَدِهِ فَقطع بِهِ صفاق بَطْنه وساوره التَّاجِر الْمَذْكُور وَمَا بالعير من قماص وَلما وَقعت الضجة قطع النَّاس صلَاتهم وَخَرجُوا فارين من الْمَسْجِد وَتركُوا ثِيَابهمْ ونعالهم ومصاحفهم وَغير ذَلِك فَقَائِل يَقُول إِن الإِمَام الْمهْدي قد خرج وَآخر يَقُول إِن النَّاس يذبح بَعضهم بَعْضًا فِي الْجَامِع واهتزت الْمَدِينَة ثمَّ تراجع النَّاس بعد حِين وَأما اللص فَإِنَّهُ خرج شاهرا سلاحه حَتَّى وصل إِلَى بَاب الْمَسْجِد فكثره النَّاس وقبضوا عَلَيْهِ وانتزعوا السِّلَاح من يَده وكشفوه فَإِذا بِهِ قد أدَار حِبَالًا كَثِيرَة من تَحت الثِّيَاب
(3/115)

على بدنه وقاية لَهُ فَقَتَلُوهُ هُنَالك وَبَقِي التَّاجِر ابْن جلون يعالج جراحاته إِلَى أَن مَاتَ من آخر اللَّيْل واتهم أولياؤه نَاسا من أَعْيَان فاس بِأَنَّهُم أغروا بقتْله وَلم يثبت ذَلِك
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَجه السُّلْطَان رَحمَه الله قَائِد جَيْشه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشَّرْقِي وعامل سلا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن سعيد السلاوي باشدورين إِلَى دولة فرنسا بباريس وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك مَا أَخْبرنِي بِهِ الْقَائِد أَبُو عبد الله بن سعيد الْمَذْكُور قَالَ كَانَ سيدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قد أصحبنا كتابا إِلَى طاغية الفرنسيس وأمرنا بالْكلَام مَعَه فِي شَأْن هَؤُلَاءِ النواب الَّذين يَبْعَثهُم إِلَى الْمغرب وَأَن يكون ينتخبهم من بيُوت الْأَعْيَان وَمِمَّنْ يَتَّصِف بالتأني وَحسن السِّيرَة وَالْوُقُوف عِنْد مَا حد لَهُم وَلما وصلنا إِلَى باريس شرحنا ذَلِك للطاغية الْمَذْكُور كِتَابَة ففرح وقابلنا بمالا مزِيد عَلَيْهِ من البرور الَّذِي لَا نقدر على شَرحه مَعَ إِن إكرامنا وَالْحَمْد لله لَهُم يفوق ذَلِك فِي الصوائر وَكُنَّا توجهنا ومعنا خُيُول وَغَيرهَا وأقمنا بباريس شهرا وَكَانَ مقامنا بدار كَثِيرَة الْفرش والأثاث من الْفضة والمعدن ووكل بِنَا أَمِين يصير علينا حسب نَظرنَا وقومة يباشرون فرش الْمنزل وتنظيفه وَغير ذَلِك ومعنا أَصْحَابنَا وطباخنا إِلَّا أَنهم منعزلون بِمحل يخصهم وَفِي كل يَوْم تستدعينا الدولة للفرجة بِمحل يُسمى التياترو فِيهِ مواعظ وَحكم لمن تبصر ومتعة للنَّفس لمن كَانَ حَظه النّظر وَقد أكرمنا الطاغية بمنزله وَأَكْرمنَا الوزراء وعامل الْبَلَد والأعيان لَيْلًا وكل وَاحِد يجمع علينا أَعْيَان الدولة وَأهل الْبَلَد نسَاء ورجالا وعادتهم عِنْد دخولك الْمنزل أَن تحيي الزَّوْجَة وَمن مَعهَا بِالسَّلَامِ أَولا ثمَّ بعد ذَلِك تحيي الرجل ورأينا من الطاغية ووزيره على الْأُمُور البرانية من البرور والبشاشة مَا جَاوز الْحَد وَطلب منا هَذَا الطاغية أَن نبحث لَهُ فِي كتب التَّارِيخ بالمغرب هَل نعثر على تَارِيخ بِنَاء رومة وَفِي أَي وَقت بنيت وَاسم بانيها ونبعث بِهِ إِلَيْهِ اهـ كَلَام الْعَامِل الْمَذْكُور وَهُوَ حفظه الله من أمثل النَّاس
(3/116)

وأعدلهم وأتقاهم وَله الْمنزلَة الْكَبِيرَة عِنْد السُّلْطَان وَعند النَّاس حرس الله مجادته وأدام بمنه عافيته وسلامته
وَنَصّ الْكتاب الَّذِي وجههم بِهِ السُّلْطَان رَحمَه الله مَكْتُوبًا فِيهِ اسْم السُّلْطَان بداخل الطابع الشريف بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم من عبد الله المتَوَكل على الله الْمُفَوض أمره إِلَى الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ بالمغرب الْأَقْصَى وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَفقه الله أدام الله نَصره وزين بالخيرات عصره إِلَى الْمُحب الَّذِي حل من مَرَاتِب الرياسة أسناها وَحَازَ من خِصَال التَّقَدُّم أقصاها وَأَدْنَاهَا فَأَصْبَحت ألسن الرؤساء لهجة بِذكرِهِ مفصحة بِتَسْلِيم نتائج فكره ملك الممالك الفرنساوية السُّلْطَان نابليون الثَّالِث بونابارتي أما بعد فموجب تَحْرِير هَذَا المسطور إِلَيْكُم إعلامكم بِمَا تضمنه الْفُؤَاد من خَالص الْمحبَّة وَحفظ الوداد وإننا مسرورون بِمَا يَتَجَدَّد لدينا كل وَقت من عقد أَسبَابهَا وَمَا يظْهر كل حِين من تشييد أَرْكَانهَا وَفتح أَبْوَابهَا فَإِن محبتنا مَعكُمْ الشخصية زَادَت على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد الأسلاف وَذَلِكَ لما جبلتم عَلَيْهِ من صفاء الطوية وَحسن الائتلاف فَإِن الْقُلُوب فِي الوداد تتضاهى وَمَا بني على أصل وثيق كَانَ جَدِيرًا بِأَن يعظم ويتناهى وبموجب ذَلِك عينا للسفارة إِلَيْكُم خَالنَا الأرضى الأنجد الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشَّرْقِي وَهُوَ أحد باشات جيشنا وَمن كبراء رجال دولتنا مَعَ مَا تشرف بِهِ من قرَابَة الرَّحِم لدينا وَمَعَهُ خديمنا الأرضي الْأمين الْحَاج مُحَمَّد بن سعيد قَائِد سلا وَهُوَ عندنَا أَيْضا بِالْمَكَانِ المكين لما تخلق بِهِ من الْأَدَب وَالْعقل الرصين وَالْغَرَض من توجيههما تَجْدِيد الْعَهْد بكم والحرص على مُوالَاة المواصلة مَعكُمْ لما فِي ذَلِك من تَأْكِيد أَسبَاب الْمحبَّة بَين الدولتين وتمهيد طَرِيق الْخَيْر بَين الإيالتين وَالظَّن بشيمتكم مقابلتهم بِحسن الْقبُول وتبليغهم فِي وجهتهم غَايَة المأمول جَريا على عادتكم الْقَدِيمَة وسلوكا على طريقتكم القويمة وَقد حملناهم مَا فِي خاطرنا من أُمُور السياسة الجالبة لمصَالح الْجَانِبَيْنِ مَا يقررونه لديكم ويعرضونه عَلَيْكُم فَفِي أخبارهم كِفَايَة وأوصيناهم بِحسن الِاسْتِمَاع لما تلقونه
(3/117)

إِلَيْهِم وَالْأَدب فِي تلقي مَا تعرضونه عَلَيْهِم كَمَا أننا نتحقق أَنكُمْ لحسن معاملتكم ومزيد محبتكم توصون نوابكم الَّذين توجهونهم للْخدمَة بإيالتنا السعيدة بِحسن الْمُعَامَلَة والتقصي فِي ترحيب الصَّدْر والمجاملة وَالْوُقُوف عِنْد الشُّرُوط وَالْعَمَل بمقتضاها والتمام فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ
وَاعْلَم أَن هَذَا الْكتاب بديع فِي بَابه غَرِيب فِي منواله قد اشْتَمَل من التوريات والنكات ومقتضيات الْأَحْوَال على مَا يشْهد لمنشئه بالمعرفة والمهارة والبصيرة والبصارة رَحمَه الله وَفِي شَوَّال من هَذِه السّنة مرض السُّلْطَان رَحمَه الله مَرضا شَدِيدا أشرف مِنْهُ على الْهَلَاك بل أشاع المرجفون أَنه قد هلك واضطربت أَحْوَال الرّعية وَعَاد أَعْرَاب الْبَادِيَة إِلَى العيث فِي الطرقات واستلاب النَّاس بهَا من الْمَارَّة وَغَيرهم وحاصر عرب عَامر مَدِينَة سلا وعاثوا فِي جناتها وَمنعُوا الدَّاخِل إِلَيْهَا وَالْخَارِج مِنْهَا وغلقت الْأَبْوَاب وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى عيد الْأَضْحَى ثمَّ ورد الْخَبَر الْيَقِين بإبلال السُّلْطَان وإفاقته من علته وَكَانَت علته الدَّاء الْمَعْرُوف بالخوانق بلغ بِهِ إِلَى حد الْيَأْس والإشراف ثمَّ تدارك الله الْمُسلمين بِلُطْفِهِ وَمن على إمَامهمْ بعافيته فأعملت المفرحات والولائم فِي جَمِيع الْأَمْصَار
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس مَا ملخصه لما أَفَاق السُّلْطَان رَحمَه الله من علته هَذِه كتب حجاب الحضرة ووزراؤها لِابْنِهِ الْخَلِيفَة الْمُنْتَصر بِاللَّه أبي عَليّ الْمولى حسن بن مُحَمَّد يهنئونه بعافية السُّلْطَان فَأمر هَذَا الْخَلِيفَة أعزه الله بِإِخْرَاج المدافع والأنفاض حَتَّى اهتزت الْجبَال ثمَّ دَعَا أيده الله النَّاس الدعْوَة الحفلا فَلم يتَخَلَّف مِمَّن كَانَ بمراكش أحد من الْعُقَلَاء فَأمر أيده الله بتهيئة جنان رضوَان ففتحت أبوابه وفرشت قصوره وقبابه وفجرت أنهاره حَتَّى تفتقت أزهاره وَحضر وُجُوه الدولة وأعيانها ورؤساء الْقَبَائِل وأقيالها وَكَانَ ذَلِك بأثر عيد الْأَضْحَى قبل انْفِصَال وُفُود الْعِيد عَن الحضرة ثمَّ انْدفع عَلَيْهِم من الدَّار المولوية من سيول مَوَائِد الطَّعَام الفاخر مَا عَم الأول مِنْهُم وَالْآخر هَذَا للعامة الْمُطلقَة والأوزاع الملفقة وَأما الْخَواص وَالْوُجُوه
(3/118)

فَلهم الْحَظ الأوفر من الْعِنَايَة وَالْخطاب بِصَرِيح الترحيب دون كِنَايَة بالقعود على الْفرش الحريرية المذهبة والمقاعد الْعَالِيَة المطنبة والرش بمياه الأزهار ومباخر الطّيب وكل معنى لطيف ومنظر عَجِيب وَقد أحضر كل وَاحِد مَا شَاءَ من آلَات اللَّهْو والفرح على حسب مَا اشْتهى واقترح فَلَا تكَاد تسمع فِي تِلْكَ الْمجَالِس والمغاني إِلَّا أصوات المثالث والمثاني وضروب الألحان والأغاني وَاسْتمرّ النَّاس فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام وَالْمولى الْخَلِيفَة أعزه الله مَعَ إخْوَته وَبني عَمه فِي الْقبَّة المحمدية الصويرية المشرفة على مجاري الْخَيل وملاعبها ومطاردها ومتاعبها وكل عَشِيَّة يركب من بالحضرة من الْوُجُوه والأكابر على عتاق الْخَيل والجياد الضوامر ويبدي مَا عِنْده من الثقافة والفروسية مَعَ إِظْهَار الشارة المخزنية والأبهة الملوكية ثمَّ بعد هَذَا شرع كبار الدولة ووجوهها ورؤساؤها وقوادها فِي انتخاب الصَّنَائِع والولائم كل على حسب مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اخْتِيَاره واعتناؤه ثمَّ تتَابع النَّاس فِي مزهاتهم وَإِظْهَار أبهاتهم وانتخاب دواعي الأفراح ومقتضيات الازدهاء والانشراح فَمَا يمر اُحْدُ ببستان إِلَّا ويجد بِهِ جمَاعَة زاهية وَطَائِفَة منبسطة لاهية اهـ
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ بالمغرب جَراد سد الْأُفق وَذَلِكَ فِي ربيع الأول الْمُوَافق لشهر مارس العجمي فَأكل النَّجْم وَالشَّجر ثمَّ عقبه فرخه الْمَعْرُوف بآمرد فَأكل كل خضراء على وَجه الأَرْض واستلب الأعواد من أوراقها وقشرها من لحائها وفاض فِي الْأَمْصَار حَتَّى دخل على النَّاس فِي بُيُوتهم
وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ الغلاء المفرط بالمغرب الَّذِي لم يتَقَدَّم مثله بلغ فِيهِ الرّبيع وَهُوَ ربع ثمن الْمَدّ بسلا ورباط الْفَتْح سِتِّينَ أُوقِيَّة وَبَاعَ النَّاس أثاثهم وحليهم بالبخس وَكَانَ الْأَمر شَدِيدا على الضُّعَفَاء وَفِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة توفّي الْقَائِد الْأَجَل أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الْملك بن بيهي الحاحي وَكَانَ من كبار قواد الْمغرب وَأهل الْبَذْل والإيثار وَالْمَعْرُوف لَهُ فِي ذَلِك أَخْبَار مَذْكُورَة رَحمَه الله
(3/119)

وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ الوباء بالمغرب بالقيء والإسهال المفرطين على نَحْو مَا وصفناه فِي السنين الْمَاضِيَة وَفِي زَوَال يَوْم الْأَحَد الْحَادِي عشر من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي قَاضِي سلا الْفَقِيه الْعَلامَة الْوَرع أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد بن مَنْصُور وَدفن بالجبانة الْمُتَّصِلَة بضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس بن عَاشر رَضِي الله عَنهُ وَكَانَت لهَذَا القَاضِي سيرة حَسَنَة وَعدل فِي الْأَحْكَام وتأن فِيهَا مَعَ سمت ومروءة وانقباض رَحمَه الله وَبقيت سلا بِلَا قَاض أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى وَقع اخْتِيَار السُّلْطَان على شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي أبي بكر ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي مُحَمَّد عواد رحم الله الْجَمِيع
وَفِي هَذِه السّنة أَمر السُّلْطَان رَحمَه الله بِضَرْب الدِّرْهَم الشَّرْعِيّ وحاول ضبط السِّكَّة بِهِ وَحمل النَّاس على أَن لَا يذكرُوا فِي معاملاتهم وأنكحتهم وَسَائِر عقودهم إِلَّا الدِّرْهَم الشَّرْعِيّ وشدد فِي ذَلِك وَكتب فِيهِ إِلَى وُلَاة الْأَمْصَار يَقُول فِي كِتَابه مَا نَصه وَبعد فَإِن أَمر السِّكَّة من الْأُمُور الْوَاجِبَة الْمُتَعَيّن رد البال إِلَيْهَا والاهتمام بشأنها وَالنَّظَر فِيمَا يصدر بِسَبَبِهَا من النَّفْع وَالضَّرَر للْمُسلمين وَبَيت مَالهم وَقد كَانَ أسلافنا رَحِمهم الله اعتنوا كثيرا بشأنها وبضبط مصالحها وَدفع مفاسدها وجعلوها على قدر شَرْعِي مَعْلُوم لضبط أمرهَا والتبرك بِتِلْكَ النِّسْبَة إِذْ بذلك يعلم الْمُسلم علم يَقِين كَمَال النّصاب عِنْده فَتجب عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاة الَّتِي هِيَ من دعائم الْإِسْلَام أَو عدم كَمَاله فَلَا يكون مُخَاطبا فِي بِشَيْء وَلما رَأينَا مَا حدث فِيهَا من التَّغَيُّر وَعدم الضَّبْط وَنَشَأ عَن ذَلِك من الضَّرَر للْمُسلمين وَبَيت مَالهم مَا لم يخف على أحد اقْتضى نَظرنَا السديد ردهَا لأصلها الْأَصِيل الَّذِي أسسه أسلافنا الْكِرَام سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف أذلنا فيهم أُسْوَة حَسَنَة فِي الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل فَرددْنَا الدِّرْهَم الْكَبِير المسلوك على وزن الدِّرْهَم الشَّرْعِيّ والمنهاج المرعي كَمَا كَانَ على عهد جدنا سَيِّدي الْكَبِير قدسه الله وجدد عَلَيْهِ وابل رحماه بِحَيْثُ تكون عشرَة دَرَاهِم مِنْهُ هِيَ المثقال كَمَا هُوَ مَعْلُوم إِن عشرَة دَرَاهِم من الدَّرَاهِم الَّتِي كَانَت تروج قبل على عهد أسلاقنا رَحِمهم الله هِيَ المثقال وَبِهَذَا الْعدَد
(3/120)

الَّذِي هُوَ عشرَة مِنْهُ فِي المثقال تكون جَمِيع الْمُعَامَلَات والمخالطات فِي البيع والابتياع وَغَيرهمَا بَين جَمِيع رعيتنا السعيدة فِي كل الْبَوَادِي والحواضر وَبِه أمرنَا جَمِيع الْعمَّال وَمن هُوَ مُكَلّف بِعَمَل من الْأَعْمَال وإشاعته ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَبِه يقبل لجَانب المَال وأمرناهم بِالْعَمَلِ بِهَذَا الْأَمر الَّذِي أصدرناه وأبرمناه بحول الله وأمضيناه وَأَن يعاقبوا كل من عثروا عَلَيْهِ ارْتكب خلاف ذَلِك وَبِأَن يسلكوا بِهِ أضيق المسالك جَزَاء وفَاقا على مُخَالفَته وتعديه الْحَد وافتياته نعم مَا سلف من الْمُعَامَلَات بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا فِيمَا تقدم قبل تَارِيخ هَذَا الْكتاب فَحكمه حكم مَا تقدم فِي السِّكَّة فَلَا يُكَلف أحد بِزِيَادَة وَمن كَانَ بِذِمَّتِهِ شَيْء فِيمَا سلف يُؤَدِّيه بِحِسَاب مَا كَانَت تروج بِهِ السِّكَّة فِي الريال وَالدِّرْهَم وَالْعَمَل بِهَذَا الَّذِي أمرنَا بِهِ هُوَ من الْآن لما يسْتَقْبل إِن شَاءَ الله وَبِهَذَا يَزُول الْإِشْكَال فِيمَا تقدم بَين النَّاس فِي الْمُعَامَلَات ونسأل الله أَن يخلص الْعَمَل فِي سَبيله ومرضاته ويجازي من فَضله وَكَرمه على قَصده وَصَلَاح نياته وَالسَّلَام فِي ثامن شَوَّال عَام خَمْسَة وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس عشر من شَوَّال الْمَذْكُور توفّي الْبركَة الْخَيْر المنتسب سَيِّدي الْحَاج مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ الدلائي الرباطي بِالدَّار الْبَيْضَاء وَدفن يَوْم الْجُمُعَة بالزاوية المنسوبة إِلَيْهِ بهَا رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَفِي هَذِه السّنة كَانَ سوق دَار البلار بباريس من أَرض افرانسا وَذَلِكَ أَن الطاغية نابليون الثَّالِث لما بلغ من ضخامة الدولة ونفوذ الْكَلِمَة مَا قل اتفاقه لغيره من الْأَجْنَاس حاول أَن يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى أَن يجلب إِلَى رَعيته وَدَار ملكه كل أَمر غَرِيب فِي الْعَالم حَتَّى يجْتَمع عِنْده مَا افترق عِنْد غَيره فَكتب إِلَى مُلُوك الْآفَاق يَقُول إِنَّه قد عزم على إِقَامَة سوق بباريس فِي وَقت مَعْلُوم وَطلب مِنْهُم أَن يبعثوا بتجارهم لحضورها وجلب سلعهم وغرائبهم إِلَيْهَا وقصده بذلك عُمُوم النَّفْع وتعدي الصَّنَائِع والحرف من أمة إِلَى أُخْرَى فَأجَاب الْمُلُوك داعيه بِمُقْتَضى الْعرف الْجَارِي بَين الدول وَالْعَادَة المقررة من عهد الْمُلُوك الأول وَلم يبْق إِلَّا من بعث تجاره ونفائسه وغرائبه من الْجَلِيل إِلَى الحقير وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله قد بعث تاجره الْحَاج مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ القباج الفاسي
(3/121)

الْمَعْرُوف بالفرنساوي وَهَذَا الرجل من العارفين بِاللِّسَانِ الفرنجي البصيرين بعوائد ذَلِك الجيل وَلذَا لقب بالفرنساوي وَبعث مَعَه السُّلْطَان رَحمَه الله كل شَيْء غَرِيب مِمَّا اخْتصَّ بِهِ قطر الْمغرب من سروج مذهبَة ومناطق مزخرفة وقطائف منمقة وَغير ذَلِك من الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى حَتَّى الزليج الفاسي والمعلمين الَّذين يباشرون ترصيعه فِي محاله وَحضر هَذَا السُّوق الْمُلُوك فَمن دونهم من كل إقليم حَتَّى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز العثماني رَحمَه الله فَكَانَ الْحَال كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب المتنبي
(تجمع فِيهِ كل لسن وَأمة ... فَمَا تفهم الحداث إِلَّا التراجم)
وأقامت عمارتها ثَلَاثَة أشهر ثمَّ انفض النَّاس إِلَى بِلَادهمْ وَلما بلغ نابليون الثَّالِث إِلَى هَذِه الْغَايَة فَجِئْته وقْعَة البروس الَّتِي كسرت من شوكته وفلت من غربه وَقبض عَلَيْهِ بِالْيَدِ وحوصرت دَار ملكه باريس مُدَّة طَوِيلَة فَبلغ فِيهَا لحم الْحمار أَرْبَعَة ريالات افرنك لكل رَطْل على مَا قيل وَلم تغب عَنْهُم محنة وَوَقع الصُّلْح على شُرُوط مِنْهَا ألف مليون من الريال تدفعها دولة افرانسا لدول البروس
وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع عشر من شعْبَان مِنْهَا توفّي الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد الطّيب بن الْيَمَانِيّ الْمَدْعُو بِأبي عشْرين وَكَانَ سَبَب وَفَاته أَنه كَانَ بِهِ دَاء الْحصْر فَدخل الميضأة الَّتِي بمشور أبي الخصيصات من دَار السُّلْطَان بِحَضْرَة مراكش فَيُقَال إِن مثانته تمزقت فَمَاتَ رَحمَه الله وَحمل إِلَى دَاره وَصلى عَلَيْهِ بعد الْجُمُعَة بِمَسْجِد المواسين وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير وَدفن بضريح الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني من حومة الْقُصُور وَكَانَ رَحمَه الله ذَا جد فِي الْأُمُور ونصح للسُّلْطَان وللمسلمين
وَفِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ لَيْلَة الْخَمِيس الرَّابِع عشر من ربيع الثَّانِي مِنْهَا خسف الْقَمَر خسوفا كليا بعد الْغُرُوب إِلَى نصف اللَّيْل وَفِي فجر يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْوَلِيّ الصَّالح الناسك السّني أَبُو عبد الله مُحَمَّد الطّيب ابْن الشَّيْخ الْأَشْهر مولَايَ
(3/122)

الْعَرَبِيّ الدرقاوي وَدفن بِمحل زاويته بآمجوط من بِلَاد بني زروال وَكَانَ من خِيَار عبد الله على غَايَة من التَّقْوَى والورع والتواضع من النَّاس يركب الْحمار ويلبس الْجُبَّة وَلَا يتَمَيَّز عَن أَصْحَابه بِشَيْء مَعَ السكينَة وَالْوَقار وَعدم الْخَوْض فِيمَا لَا يَعْنِي والإعراض عَن زهرَة الدُّنْيَا وَأَهْلهَا رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَفِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة انكسفت الشَّمْس وَكَانَ ابْتِدَاء الْكُسُوف على مَا أعطَاهُ التَّعْدِيل بعد الزَّوَال بِنَحْوِ نصف سَاعَة وَكَاد يكون كليا حَتَّى أظلم الجو وَبَقِي من الشَّمْس حَلقَة نورانية يسيرَة وَلم يُمكن تَحْقِيق وَقت التجلي لتراكم السَّحَاب وَفِي هَذِه الْأَيَّام ظَهرت حمرَة فِي السَّمَاء غَرِيبَة أرجوانية مَعَ غَايَة الصحو وَكَانَ ظُهُورهَا يكون فِيمَا بَين العشاءين معظمها فِي جِهَة الشمَال ودامت كَذَلِك نَحْو سَبْعَة أَيَّام وانقطعت وَفِي لَيْلَة السبت الثَّامِن من شَوَّال من السّنة وَذَلِكَ فِي السَّاعَة الثَّالِثَة مِنْهَا زلزلت الأَرْض وَلم يشْعر بهَا كثير من النَّاس لكَوْنهم نياما
وَفِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف غزا السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله قبائل تادلا فَمر على السماعلة منتصف رَجَب ثمَّ مِنْهُم لبني زمور ثمَّ لأبي الْجَعْد ثمَّ مِنْهُ توجه لقصبة تادلا وَعبر القنطرة وَنزل على بني عُمَيْر ثمَّ زحف لبني مُوسَى فأوقع بهم لأَنهم كَانُوا خَارِجين على عاملهم الغزواني ابْن زيدوح فَقطع مِنْهُم خمسين رَأْسا وَقبض على أَرْبَعِينَ مسجونا وَفِي أثْنَاء ذَلِك قدم عَلَيْهِ وَفد أهل مراكش وَكَانُوا قد ثَارُوا على عاملهم أَحْمد بن دَاوُد لكَونه كَانَ يسير فيهم سيرة غير حميدة فقدموا على السُّلْطَان متنصلين مِمَّا فرط مِنْهُم فَأَعْرض السُّلْطَان عَنْهُم وَلم يسمع مِنْهُم كلَاما وَلَا قبل لَهُم عذرا فَرَجَعُوا مخفقين ثمَّ تقدم السُّلْطَان رَحمَه الله إِلَى مراكش وَهُوَ غَضْبَان على أَهلهَا وَكَانُوا مظلومين فِيمَا قيل إِلَّا أَنه لبس على السُّلْطَان فِي أَمرهم فَلَمَّا شَارف الْمَدِينَة خَرجُوا إِلَيْهِ بالعلماء والقراء وصبيان الْمكَاتب متشفعين فَلم يقف لَهُم وَلَا الْتفت إِلَيْهِم وَكَانَ ابْنه وخليفته الْمولى الْحسن حَاضرا يَوْمئِذٍ فَتقدم إِلَى أهل مراكش ورق لَهُم وَقَالَ لَهُم قولا جميلا وَكَانَ هَذَا الْحَادِث فِي رَمَضَان
(3/123)

من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ لم يلبث ابْن دَاوُد بعد ذَلِك إِلَّا مُدَّة يسيرَة حَتَّى توفّي وتخلصت قائبة من قوب وعفو الله بعد ذَلِك مرقوب
وَفِي سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَت جَائِحَة النَّار بِكَثِير من بِلَاد الْمغرب أحرقت الزروع وَالثِّمَار وأجيحت الجنات وتراجع النَّاس فِي أَثمَان مَا بيع مِنْهَا بعد إِثْبَات الموجبات وَكَانَت أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله فِي أَولهَا شَدِيدَة بِسَبَب ظُهُور الْعَدو على الْمُسلمين وَمَا عقبه من الغلاء وَالْمَوْت ثمَّ بعد ذَلِك اتَّسع الْحَال وَحصل الْأَمْن وانخضدت شَوْكَة قبائل الْعَرَب بالمغرب وَأمنت الطرقات من عيثهم وازدهت الدُّنْيَا ورخصت الأسعار رخصا يَسِيرا وَكَانَ النَّاس ممعشين فِي أَيَّامه وغلت الدّور والأملاك حَتَّى كَانَت فِي بعض السنين لَا تسمسر وَمن يَشْتَرِي دَارا إِنَّمَا يَشْتَرِيهَا بالتنقير عَنْهَا والطلب من رَبهَا بِالثّمن الجافي وَاتخذ النَّاس ذَوُو الْيَسَار المراكب الفارهة والكسي الرفيعة والذخائر النفسية وتأنقوا فِي الْبُنيان بالزليج والرخام والنقش البديع لَا سِيمَا بفاس ورباط الْفَتْح ولاحت على النَّاس سمة الحضارة الأعجمية وَكَانَ للسُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله فِي كل بلد عُيُون يَكْتُبُونَ لَهُ بِمَا يَقع من الْوُلَاة فَمن دونهم فَكَانَت الرّعية كَأَنَّهَا فِي كف يَده وَكَانَ يخْتَار أُولَئِكَ الْعُيُون من الْعَوام فَكَانُوا يَكْتُبُونَ لَهُ بالغث والسمين فَيسمع ذَلِك كُله فينتقي مِنْهُ الصَّحِيح ويطرح السقيم فاستقامت أَحْوَال الرّعية بذلك
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله

كَانَت وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله فِي زَوَال يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن عشر من رَجَب الْفَرد الْحَرَام سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف بداره بِحَضْرَة مراكش فِي الْبُسْتَان الْمُسَمّى بالنيل وَلم يمرض إِلَّا يَوْمًا أَو بعض يَوْم قيل إِنَّه شرب دَوَاء مسهلا فَكَانَ فِيهِ أَجله وَالله أعلم وَدفن لَيْلًا بضريح جده الْمولى عَليّ الشريف قرب ضريح القَاضِي عِيَاض وَكتب على رخامة قَبره أَبْيَات لَيست من جيد الشّعْر وَهِي
(3/124)

(أمستعبرا حَولي رويدك إِنَّنِي ... ضريح سعيد حل فِيهِ سعيد)
(هُوَ الْعلوِي الْهَاشِمِي مُحَمَّد ... إِمَام لَهُ فِي الْملك سعي حميد)
(أَبوهُ أَبُو زيد وَقدس ذكره ... فقد كَانَ يُبْدِي فِي العلى وَيُعِيد)
(ترحم عَلَيْهِ وَاعْتبر بمصابه ... فعقد نَفِيس قد أُصِيب فريد)
(وَمن رام تَارِيخ الْوَفَاة فَقل لَهُ ... بشعرك أرخ مَا عَلَيْهِ مزِيد)
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله ومآثره وَسيرَته

كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله متقيا لله تَعَالَى بانيا أمره على الشَّرْع لَا يشذ عَنهُ طرفَة عين حَتَّى أَنه لما عزم على بِنَاء دَاره الَّتِي برباط الْفَتْح قَامَ جمَاعَة من أهل الْبَلَد يطْلبُونَ مِنْهُ النصفة فِي جناتهم الَّتِي هُنَالك فأذعن رَحمَه الله لإعمال الشَّرْع مَعَهم واستناب وَكيلا عَنهُ واستنابوا هم وكيلهم أَيْضا وتحاكموا لَدَى قَاضِي سلا الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد بن مَنْصُور ثمَّ انفصلت الْقَضِيَّة عَن ضرب من الصُّلْح بِأَن أَعْطَاهُم أَثمَان جناتهم أَو بَعْضهَا وذهبوا بِسَلام وَكَانَ رَحمَه الله حازما فِي أمره عالي الهمة راميا بهَا الْغَرَض الْأَقْصَى إِلَّا أَن الزَّمَان لم يساعده كل المساعدة فَكَانَت همته أجل من دهره وَكَانَ ذَا سياسة وسكينة وتأن فِي الْأُمُور وتبصر بالعواقب كثير الْحيَاء بعيد الْغَضَب سريع الرضى مشفقا على الرّعية متوقفا فِي الدِّمَاء لَا يزايل خوف الله قلبه رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وبأسلافه وَله آثَار بالمغرب مِنْهَا مَا خلده أَيَّام خِلَافَته فِي حَيَاة وَالِده وَمِنْهَا مَا فعله بعد ولَايَته
فَمن آثاره فِي أَيَّام أَبِيه كَمَا قَالَ أكنسوس إِجْرَاء الْأَنْهَار وتفجير الْعُيُون الَّتِي عجز الْمُلُوك المتقدمون عَنْهَا وتكملة غرس آجدال بِحَضْرَة مراكش وَكَانَ فِي زمَان الصَّيف يَنَالهُ الجدب من قلَّة المَاء لِأَن بركه الَّتِي كَانَ يختزن بهَا المَاء كَانَت قد تعطلت بامتلائها بِالتُّرَابِ والطين الَّذِي
(3/125)

تجلبه السُّيُول إِلَيْهَا وَأَعْظَمهَا الْبركَة الْكُبْرَى الَّتِي بدار الهناء وَكَانَ يُقَال لَهَا الْبَحْر الْأَصْغَر وطولها اثْنَتَا عشرَة مائَة قدم وعرضها تِسْعمائَة قدم حَسْبَمَا أخبر من قاسها وَكَانَ تربيعها بِمَنْزِلَة سور قَصَبَة فجَاء من بني فِي وَسطهَا قَرْيَة بدورها وأزقتها وأسواقها فجَاء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله أَيَّام خِلَافَته فَأمر بِإِخْرَاج مَا فِي تِلْكَ البرك والصهاريج كلهَا وتنقيتها من الطيون المتحجرة فَاجْتمع على ذَلِك عَالم من النَّاس فكنسوها وعادت إِلَى حَالهَا الَّذِي بنيت لأَجله وَهُوَ اختزان المَاء لوقت المصيف وَبِذَلِك كمل المُرَاد من آجدال وَصَارَ آمنا من الْعَطش والأمحال وَمن ذَلِك أَيْضا إحْيَاء عين أبي عكاز خَارج بَاب الطبول من مراكش وَكَانَت لَهَا بركَة بائدة على الْوَصْف الَّذِي ذكرنَا فَعمد إِلَيْهَا سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله وفجر لَهَا عينا ثرة وَمَاء غدقا وأجراه إِلَى الْبركَة الْمَذْكُورَة بعد أَن أَمر بتنقيتها وإصلاحها فَعَاد ذَلِك الْبَسِيط الَّذِي حولهَا مزارع نفاعة تغني الزارعين وتبهج الناظرين وَبنى رَحمَه الله حولهَا قلعة يأوي إِلَيْهَا الأكرة والحراثون بأنعامهم ومواشيهم وَاتخذ هُنَالك من إناث الْخَيل الْمعدة للنتاج عددا كثيرا وَمن ذَلِك إحْيَاء عين المنارة وبركتها الْعُظْمَى الَّتِي تقرب من الْبَحْر الْأَصْغَر بدار الهناء وَكَانَت قد عطلت مُنْذُ زمَان فقيض الله لَهَا هَذَا السُّلْطَان فَجمع الْأَيْدِي عَلَيْهَا حَتَّى أخرج مَا فِي جوفها من جبال الطين وَأصْلح مَا تشعث من حيطانها وأجرى إِلَيْهَا الْعُيُون والأنهار وَأمر بغرس مَا حولهَا من الفضاء بأنواع الْأَشْجَار وضاهى بهَا جنَّة آجدال وَمن ذَلِك أَيْضا إِجْرَاء النَّهر الْمُسَمّى بتاركي المستمد من وَادي نَفِيس فَإِنَّهُ ضاهى بِهِ النَّهر الْقَدِيم الَّذِي هُنَاكَ وَهَذَا النَّهر الْجَدِيد أَنْفَع مِنْهُ وأوسع أحيى الله بِهِ تِلْكَ البسائط الَّتِي بَين مراكش ووادي نَفِيس وَمن ذَلِك أَيْضا إِجْرَاء النَّهر الَّذِي جلبه من تاستاوت إِلَى الْبَسِيط الَّذِي بَين بِلَاد زمران والرحامنة والسراغنة وَهُوَ الْمُسَمّى بفيطوط فَصَارَ ذَلِك كُله رياضا مخضرة وبساتين
(3/126)

ذَات أزهار مفترة وَبنى رَحمَه الله فِيهَا قَصَبَة عامرة يأوي إِلَيْهَا الوكلاء والفلاحون وَصَارَت آهلة بعد أَن كَانَت بائدة غامرة
وَمن آثاره بعد ولَايَته أَمر الْمُؤمنِينَ دَاره الْكُبْرَى بآجدال رِبَاط الْفَتْح والسور الْكَبِير الْمُحِيط ببسيطها وجلب المَاء إِلَيْهَا بعد أَن صير عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وأحيى جَامع السّنة قربهَا وَكَانَ بائدا يعشش فِيهِ الصدى والبوم وَأقَام فِيهِ الصَّلَوَات الْخمس وَالْخطْبَة كل جُمُعَة وَأَحْيَا الْمَسْجِد الصَّغِير هُنَالك الْمُسَمّى بِمَسْجِد أهل فاس واعتنى بِهِ وزخرف سقوفه وانتهج الطَّرِيق من الدَّار الْمَذْكُورَة إِلَى الْوَادي أَسْفَل من حسان تسهيلا على الْمَارَّة وتقريبا عَلَيْهِم وَمِنْهَا أَنه نقل طَائِفَة من الْجَيْش السُّوسِي الَّذِي بالمنشية وأوطنها حول الدَّار الْمَذْكُورَة بآجدال فاستطابوا الْمقَام هُنَاكَ وَحسنت حَالهم وانعمرت بهم تِلْكَ النَّاحِيَة وهم الْآن بِهَذَا الْحَال وَمِنْهَا بِالدَّار الْبَيْضَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِالسوقِ وَكَانَ الصائر عَلَيْهِ من أحباس الْمَسْجِد الْقَدِيم وَإِنَّمَا السُّلْطَان رَحمَه الله أذن فِي بنائِهِ بِإِشَارَة عاملها يَوْمئِذٍ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري وَمِنْهَا الْحمام الْقَدِيم الَّذِي بهَا وَكَانَ الصائر عَلَيْهِ من بَيت المَال وَأصْلح رَحمَه الله أسوار الجديدة وأبراجها واعتنى بشأن الثغور وَبعث من نوابه من يتفقد أحوالها وَمِنْهَا بمراكش دَار فابريكة السكر بآجدال مِنْهَا صير عَلَيْهَا أَمْوَالًا طائلة وَجَاءَت على عمل متقن وهيئة ضخمة إِلَّا أَنَّهَا الْيَوْم معطلة لقلَّة الْمَادَّة وَمِنْهَا دَار فابريكة تزديج البارود بِالْمحل الْمَعْرُوف بالسجينة من مراكش أَيْضا وَمن ذَلِك برج الفنار الَّذِي على سَاحل الْبَحْر بأشقار قرب طنجة يسرج فِيهِ ضوء كثير يظْهر للسيارة فِي الْبَحْر لَيْلًا من مَسَافَة بعيدَة وصير عَلَيْهِ مَالا لَهُ بَال وَكَانَت المراكب تنشب بذلك السَّاحِل كثيرا إِذْ لم يكن لَهَا عَلامَة تهتدي بهَا فِي الْبَحْر وَلما اتخذ السُّلْطَان رَحمَه الله هَذَا الفنار أمنت من تِلْكَ الآفة وَله رَحمَه الله آثَار كَثِيرَة يطول ذكرهَا جعلهَا الله فِي ميزَان حَسَنَاته وَرفع بهَا فِي عليين درجاته
(3/127)

الْخَبَر عَن دولة ملك الزَّمن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى حسن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خلد الله ملكه

لما توفّي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله اجْتمع أهل الْحل وَالْعقد من كبار الدولة وقواد الْجَيْش والقضاة وَالْعُلَمَاء والأشراف وأعيان مراكش وأحوازها على بيعَة نجله أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى أبي عَليّ حسن بن مُحَمَّد لما توفر فِيهِ من شُرُوط الْإِمَامَة وتكامل فِيهِ من النجدة والشهامة والزعامة وَلما اتّصف بِهِ من الْفضل وَالدّين وَسَائِر خِصَال الْخَيْر وَأَسْبَاب الْيَقِين وَلِأَن وَالِده رَحمَه الله كَانَ اسْتَخْلَفَهُ فِي حَيَاته وَألقى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مهماته فَنَهَضَ بأعبائها وتقلب من مغاني السَّعَادَة فِي ظلالها وأفيائها
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس لما اسْتخْلف الْمولى الْحسن حفظه الله لم تشغله شؤون الْخلَافَة المترادفة آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَلَا فِي قصوره السُّلْطَانِيَّة من الحدائق والأزهار عَن وظائف الدّين وَأَسْبَاب الْيَقِين من نوافل الْخَيْر من صَلَاة وَصِيَام وتلاوة كَمَا حَدثنِي بذلك بعض بطائنه وَأَنه يجد لَهَا فِي خلواته لَذَّة وحلاوة فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان كَمَا قُلْنَا كَانَ الْمولى حسن أيده الله غَائِبا عَن الحضرة بِأبي ريقي من بِلَاد حَاجَة فَكتب إِلَيْهِ رُؤَسَاء الدولة بِمَا حدث من موت السُّلْطَان واجتماع النَّاس على بيعَته فَقدم مراكش فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما دنا مِنْهَا خرج للقائه الوزراء والقضاة والأشراف والأعيان وَسَائِر أهل مراكش برجالهم وَنِسَائِهِمْ وصبيانهم فملؤوا تِلْكَ البطاح وَضَاقَتْ بهم الأَرْض وَأخذُوا يعزونه ويهنئونه وَهُوَ أيده الله يقف لكل جمَاعَة مِنْهُم عل حدتها حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان إشفاقا عَلَيْهِم وتطييبا لنفوسهم وَكَانَ يَوْم دُخُوله لحضرة مراكش يَوْمًا مشهودا وموسما من مواسم الْخيرَات معدودا وَلما اسْتَقر بدار الْملك قدمت عَلَيْهِ الْوُفُود من جَمِيع الْأَمْصَار ونسلوا إِلَيْهِ من سَائِر النواحي والأقطار وكل وَفد يَأْتِي ببيعته وهديته واغتبط النَّاس بولايته وتيمنوا بطلعته فقابل أيده الله كلا
(3/128)

بِمَا يسْتَحقّهُ من الْإِكْرَام وأفاض على الرّعية جلائل الإنعام وَشرع فِي تجهيز الجيوش وَفتح بيُوت الْأَمْوَال فغمر النَّاس بالعطاء وكسا وأركب ونهض من مراكش يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة قَاصِدا حَضْرَة فاس وَالْوُقُوف على الرِّعَايَة وَالنَّظَر فِيهَا بِمَا يصلحها فَمر على بِلَاد السراغنة وَخرج مِنْهَا إِلَى البروج وَمِنْهَا إِلَى كيسر من بِلَاد تامسنا فاتصل بِهِ هُنَالك خبر فتْنَة أهل فاس وإيقاعهم بالأمين الْحَاج مُحَمَّد بن الْمدنِي بنيس وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك على مَا قيل أَنه لما وصل خبر وَفَاة السُّلْطَان إِلَى فاس وَأَن النَّاس اجْتَمعُوا على بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى حسن أعزه الله وَاجْتمعَ أهل فاس لعقد الْبيعَة أَيْضا اشْترط عامتهم لَا سِيمَا الدباغون أَن يزَال عَنْهُم المكس فَيُقَال إِن بعض من أَرَادَ جمع الْكَلِمَة من الْعلمَاء والأعيان تكفل لَهُم بذلك عَن السُّلْطَان وَلما تمت الْبيعَة أصبح الْأمين بنيس غاديا على عمله من تَرْتِيب وكلائه لقبض الوظيف فِي الْأَسْوَاق والأبواب وَغَيرهَا فَكَلمهُ بعض أَعْيَان فاس فِي التَّأَخُّر عَن هَذَا الْأَمر قَلِيلا حَتَّى تطمئِن النُّفُوس وَيثبت الْحق فِي نصابه وَحِينَئِذٍ يُؤْتى الْأَمر من بَابه فَأبى وأصر على مَا هُوَ بصدده فثار بِهِ الْعَامَّة وهدموا دَاره وانتهبوا أثاثه واستصفوا موجوده وَأَرَادُوا قَتله فاختفى بِبَعْض الْأَمَاكِن حَتَّى سكنت الهيعة ثمَّ تسرب إِلَى حرم الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ فَأَقَامَ بِهِ وَأمن على نَفسه وَكَانَت فتْنَة عَظِيمَة يطول شرحها واتصل بالسلطان وَهُوَ بكيسر أَيْضا خبر فتْنَة أهل آزمور وقتلهم لنائب عاملهم وَكَانَ عاملهم يَوْمئِذٍ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن أبي سِتَّة المراكشي ونائبه هُوَ أَحْمد بن الْمُؤَذّن الْفَرَجِيِّ من سكان آزمور وَكَانَ قَتلهمْ لَهُ تَاسِع عشر رَمَضَان من السّنة ثمَّ أَن أهل فاس كتبُوا إِلَى السُّلْطَان أعزه الله وَهُوَ بِبِلَاد تامسنا رِسَالَة بليغة يتنصلون فِيهَا من فعلة بنيس ويرمون بهَا الْعَامَّة والغوغاء وَمن لَا خلاق لَهُم وَنَصهَا
الْحَمد لله وَحده الْكَرِيم الَّذِي لَا يعجل بعقوبة من ارْتكب الذَّنب وتعمده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد صَاحب الشَّفَاعَة الْكُبْرَى والجاه الْعَظِيم الْمُخَاطب بقول مَوْلَانَا فِي كِتَابه الْحَكِيم {وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم}
(3/129)

الْقَلَم 4 وعَلى آله الَّذين أوجب الله لَهُم مَوَدَّة وحبا وَأنزل فيهم {قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} الشورى 23 وَأَصْحَابه الَّذين كَانُوا أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم فَكَانَت الْمَلَائِكَة يَوْم حنين نَصرهم وعونهم هَذَا ونخص الْمقَام الَّذِي علا قدره واستنار ضوءه وفجره وجلله الفخار وَالْوَقار وعلاه الْبَهَاء وكساه وَألبسهُ الرَّسُول من رِدَاء الشّرف يَوْم كَانَ عَليّ وَفَاطِمَة والحسنان فِي دَاخل كَسَاه من ارْتقى وفَاق وساد ومهد بِهِ للخلافة المهاد والوساد وتزينت بمدائحه الطروس العاطلة وخجلت لسماحته الغيوث الهاطلة من ضربت المفاخر رواقها بناديه وَلم تزل الْمَعَالِي تَدعُوهُ لنَفسهَا وتناديه واتخذت بيعَته جلبابا للأجياد والاعناق وأغضت مهابته الجفون والأحداق عين أَعْيَان الدولة الشَّرِيفَة المولوية وَصدر المملكة العلوية الَّذين لم تزل سيرتهم فِي سجلات الْآثَار المحمودة مرسومة ومآثرهم فِي الدَّوَاوِين مرقومة وَألقى إِلَيْهِ هَذَا الْقطر المغربي الرسن وَحل مِنْهُ مَحل الوسن السُّلْطَان الْمُؤَيد مَوْلَانَا الْحسن سلالة الْقَوْم الَّذين زكتْ نُفُوسهم وأينعت فِي حدائق المزايا غروسهم ويسير الْمجد تَحت أَلْوِيَتهم وتتعطر الْمجَالِس بِطيب أفنيتهم لَا زَالَ السعد يراوحك ويغاديك والعز نَائِما بواديك والطعن فِي عين حاسديك والقذى فِي عين أعاديك وجعلك الله من صروف الزَّمَان فِي أَمَان وَلَا قطع الله عَن جمَاعَة الْعلمَاء جميل عادتكم وَلَا سلب الْمُسلمين ملابس سعادتكم وَرفع فِي بروج السَّعَادَة أعلامك وَمكن من رِقَاب الْأَعْدَاء حسامك وَجعل الْفَتْح أَيْنَمَا تَوَجَّهت قبالتك وأمامك وَشَرِيعَة جدك مقلدك وأمامك فِي نعْمَة طَوِيلَة الْأَعْمَار وروضة حلوة الثِّمَار أما بعد أبعد الله عَن ساحة سيدنَا كل شَرّ وَقرب مِنْهَا المحسن وَالْبر وأبقاها ملْجأ للمحتاج والمضطر فَإِنَّهُ لما ورد علينا من حَضْرَة سيدنَا الْعُظْمَى ومكانته الشما كتاب سنى مُعظم الصِّفَات والأسما بديع الْمعَانِي رائق المباني غمر ببلاغته البلغا ورقي ببراعته أَعلَى المنابر فَمن تكلم دونه فقد لَغَا بادرناه بالتقبيل وأحللناه مَحل التَّاج والإكليل فقرىء على الجم الْغَفِير وَفَرح بوروده الْكَبِير وَالصَّغِير واطمأنت بنشره النُّفُوس وارتفع بِهِ كل كدر وبوس وَتَشَوُّقِ الْحَاضِرُونَ
(3/130)

لسَمَاع مَا فِيهِ وأنصت لقرَاءَته ذُو الْمُرُوءَة وَالسَّفِيه وَالْجَامِع غاص بأَهْله وكل حَال بمحله فَلَمَّا قرىء الْكتاب تبين أَن صَدره مدح وعجزه لوم وعتاب فَاشْتَمَلَ على بسط وجمال وَقبض وجلال وَجمع بَين ترغيب وترهيب فارتاب مِنْهُ كل مريب فَلَمَّا تمّ وَختم وتقرر كل مَا فِيهِ وَعلم تَفَرَّقت الْجَمَاعَات أَفْوَاجًا وارتجت الْمَدِينَة ارتجاجا وَحصل للنَّاس بذلك الْجزع وعمهم الْخَوْف والفزع وَالَّذِي أوقع النَّاس فِي ذَلِك مَا فِي الْكتاب من الْأَمر بتدارك مَا وَقع ففهموا أَن ذَلِك برد مَا ضَاعَ وَقد تفرق فِي الْآفَاق وَمَا اجْتمع وَذَلِكَ غير مُمكن كَمَا سيتبين وَالْحق أوضح وَأبين من أَن يبين على أَن الْمَقْصُود بذلك وَالْمرَاد حسم مَادَّة الْفساد لينقطع من جمَاعَة السُّفَهَاء عداؤها وَلِئَلَّا تتقد نَار الْفِتْنَة فيتعذر إطفاؤها أما مَا وَقع فِي قَضِيَّة الْحَاج مُحَمَّد بنيس حَتَّى أفْضى بِهِ الْحَال إِلَى الاحترام بمولانا إِدْرِيس وَفعل بأمكنته الْفِعْل الخسيس وليم بِسَبَبِهِ المرؤوس والرئيس حَتَّى تَوَجَّهت الْحجَّة على مسموع الْكَلِمَات إِذْ هِيَ متوجهة من جِهَات فقد تنْدَفع الْحجَّة بشرح الْقَضِيَّة على وَجههَا وإيرادها على مُقْتَضى كنهها من غير قلب للْحَقِيقَة وَلَا خُرُوج عَن متن الطَّرِيقَة وَفِي كريم علم سيدنَا أَن للْإنْسَان أعذارا يرْتَفع عَنهُ بهَا الملام وَلَا يُعَاتب مَعهَا وَلَا يلام وَذَلِكَ أَن مَا وَقع من النهب وَقع بَغْتَة فِي يَوْم يستعظم شَاهده وَصفه ونعته وَالْمَدينَة وقتئذ عامرة بالبادية والحاضرة وَلَا معرفَة لنا بِمن نهب وَلَا بِمن أَتَى وَلَا بِمن ذهب أَمر أبرزته الْقُدْرَة لم يمكنا تلافيه وَلم يفد فِيهِ نهي سَفِيه فَلَو صدر ذَلِك من آحَاد مُعينين وأفراد مخصوصين لأمكن الانتصاف وانتزع مِنْهُم مَا أَخَذُوهُ من غير اعتساف لَكِن الْأَمر برز وَصدر من قوم مختلطين من بَدو وَحضر فيهم الْأَبْيَض وَالْأسود والأحمر وَمَا مِنْهُم إِلَّا من أستأسد وتنمر وَلَيْسَ فِي وُجُوههم من الْحيَاء عَلامَة وَلَا أثر لَا يقلبون موعظة إِذْ لَيْسُوا من أهل الْفِكر فَلَا يُمكن دفعهم إِلَّا بِجَيْش عَظِيم وعسكر يصاح فيهم بِالنَّهْي وهم فِي طغيانهم يعمهون وَلَا يلتفتون إِلَى من نَهَاهُم بل لَا يَشْعُرُونَ وَلَا يسمع الصم الدُّعَاء إِذا مَا ينذرون ثمَّ لما كَانَ الْيَوْم الْعَاشِر من شهر تَارِيخه وَقع
(3/131)

بِالْحرم الإدريسي مَا وصلكم وَلَا أَظُنهُ إِلَّا فصل لكم لَكِن عمتنا ألطاف الله ورحماته وَحفظ الضريح ورحباته وَلم تنتهك حرماته وحمته حماته ورماته فأبوابه قد فتحت وزواره بمشاهدة أنواره قد منحت وَمِمَّا فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَن السَّفِيه إِذا لم ينْتَه فَهُوَ مَأْمُور ولعمرك أَنه لَيْسَ منا علم بذلك وَلَا شُعُور وَكَيف يَأْمر الْعَاقِل بالمحظور أم كَيفَ يرضى مُسلم بهتك حُرْمَة الْإِسْلَام وَأَهله وَمَا يُوجب افْتِرَاق الْكَلِمَة من قَول أحد أَو فعله وَقد جَاءَ الْوَعيد بِمَا يلْزم من سكت وَحضر فَكيف بِمن بَاشر أَو أَمر لَكِن بَاب التَّوْبَة وَالْحَمْد لله مَفْتُوح لمن يَغْدُو عَلَيْهِ أَو يروح فنسأل الله أَن يمن عَلَيْهِم بِالتَّوْبَةِ من ارْتِكَاب هَذِه الحوبة وَقد كتبنَا لسيدنا بِهَذَا الْكتاب وَالْمَدينَة بِحَمْد الله آمِنَة والنفوس مطمئنة سَاكِنة وَالْأَيْدِي على التَّعَدِّي مَكْفُوفَة والطرق مسلوكة غير مخوفة وَذَلِكَ بعد معاناة فِي إخماد نَار الْفِتْنَة وَنصب وألطاف الله تتوارد وتصب بعد أَن كَانَت نَار الْفِتْنَة توقدت وتأججت وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وبالأكدار قد مزجت وكل من لَهُ مُرُوءَة وَدين وعد من المهتدين بذل فِي صَلَاح الْمُسلمين جهده وَأبْدى من الْفِعْل الْجَمِيل مَا عِنْده ولقاضينا بَارك الله فِيهِ الْيَد الطُّولى فَلم يَقع مِنْهُ تَقْصِير فِي الْقَضِيَّة الثَّانِيَة وَلَا الأولى هَذَا وكما فِي علمكُم أَن الْملك من ملك هَوَاهُ وَلم يغتر بِهَذَا الْعرض الفاني وَمَا أغواه وقهر نَفسه عِنْد الْغَضَب وابتكر مَا يوصله إِلَى الله واقتضب وَأَن الْكَرِيم إِذا حاسب مسامح وَإِذا قدر عَفا وَلَو أبدى الْمُسِيء إساءته وهفا فليتفضل سيدنَا بِقبُول شَفَاعَة من يضع اسْمه فِي هَذَا الْكتاب من الْعلمَاء والأشراف وَمِنْهُم بِعَدَمِ صَوَاب مَا صدر من السُّفَهَاء إِقْرَار واعتراف وَلَا يستغرب صُدُور الْخَيْر من معدنه وَالْفضل من موطنه وتتحاشى أخلاقك الفاخرة وشيمك الطاهرة أَن تكون شفاعتنا فِي هَؤُلَاءِ العصاة مَرْدُودَة وجماعتنا عَن ساحتكم مبعدة مطرودة ولحسن الظَّن بكم تحمل لجانبكم الزعيم وَالْكَفِيل على أَن لَا نرى مِنْكُم إِلَّا الْجَمِيل فليمن سيدنَا على هَذِه الحضرة الفاسية منا وَلَا يؤاخذنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا وَكَيف والحلم من داركم برز وَخرج وَفِي أوصافكم الحسان اندرج فأحببنا أَن تكون هَذِه
(3/132)

المنقبة فِي أوصافكم تذكر وَفِي صحيفتكم تكْتب وتسطر فقابلوا بالصفح والإغضا عَمَّا سلف وَمضى وكلنَا من رعيتكم ومقتطفون من ثمار روضتكم ومستمدون من مائدتكم وَالظَّن الْأَقْوَى بكم أَنكُمْ تقبلون الشَّفَاعَة منا وتمنون على الْمُسْتَضْعَفِينَ من رعيتكم منا وكأنا بِكِتَابِكُمْ بضمن ذَلِك يُتْلَى وكلماته أشهر من الْعَسَل وَأحلى وَالله يتَوَلَّى أَمر الائتلاف بمتعود إحسانه وَيجمع قُلُوبنَا على طَاعَته وموجبات رضوانه حَتَّى نَكُون فِي ذَات الله إخْوَانًا وعَلى الدّين أنصارا وأعوانا والقلوب بيد من لَهُ الْأَمر وَالِاخْتِيَار وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار وَإِذا تَعَارَضَت الحظوظ فَمَا عِنْد الله خير للأبرار وَخير الْعَمَل عمل قرب إِلَى الْجنَّة وَأبْعد من النَّار فَالْوَاجِب على كل مُسلم أَن يدع مَا يزري بِالْإِسْلَامِ ويهينه وَلَا يلْتَفت لدواعي القطيعة فَإِنَّهَا تقَوِّي الْكفْر وتعينه أما علمنَا أَن من وَرَائِنَا عدوا يَشْتَهِي مواطىء أقدامنا وتنكيس أعلامنا تقضي أخوة الْإِسْلَام ومناصرته ومعاضدته ومواصلته أَن لَا يكون لجميعنا طموح إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا تمالؤ إِلَّا عَلَيْهِ وفقنا الله لما فِيهِ رِضَاهُ وَجعل سعينا فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه آمين وَالسَّلَام فِي منتصف رَمَضَان الْمُعظم عَام تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ
ثمَّ دخل السُّلْطَان الْمولى الْحسن أعزه الله رِبَاط الْفَتْح صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور وَكَانَ الْعِيد يَوْم السبت فَأَقَامَ السُّلْطَان أيده الله سنة الْعِيد برباط الْفَتْح وَختم بِهِ صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ على الْعَادة وَكَانَ فَقِيه الْمجْلس ومدرسه يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد الْمهْدي بن الطَّالِب ابْن سَوْدَة الفاسي وَحضر ذَلِك الْمجْلس وُفُود الْمغرب وقضاة العدوتين وعلماؤها وحضرنا فِي جُمْلَتهمْ ومدح السُّلْطَان بقصائد بليغة واحتفل أعزه الله لهَذَا الْخَتْم بأنواع الْأَطْعِمَة والأشربة وَالطّيب وَفرق الْأَمْوَال على من حضر ثمَّ وصل أهل العدوتين من علمائهما وقرائهما ومؤذنيهما وطبجيتها وبحريتهما على الْعَادة وَهُنَاكَ قدم عَلَيْهِ أهل آزمور متنصلين مِمَّا صدر من عامتهم فِي حق مُحَمَّد بن الْمُؤَذّن فقابلهم بالبشر والصفح إِلَى أَن بحث عَن رُؤُوس الْفِتْنَة بعد ذَلِك فعاملهم بِمَا يستحقونه وَأقَام السُّلْطَان أعزه
(3/133)

الله برباط الْفَتْح إِلَى يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة فَنَهَضَ قَاصِدا مكناسة فَعبر الْمجَاز وَمَعَهُ من جنود الدولة وعساكر الْقَبَائِل مَا يجل عَن الْحصْر وَكَانَ نهوضه عَن إزعاج بِسَبَب مَا اتَّصل بِهِ من خبر الْمولى عبد الْكَبِير بن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان ولد الَّذِي كَانَ ثار لأوّل بيعَة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فسلك هَذَا الْوَلَد مَسْلَك أَبِيه وأطمعه شياطين البربر فِي الْملك حَتَّى أوردوه مورد الردى وحان وَسقط الْعشي بِهِ على سرحان وَلما كَانَ السُّلْطَان أعزه الله بِبِلَاد بني حسن بلغه خبر الْقَبْض عَلَيْهِ فَكتب كتابا إِلَى الْأَمْصَار يَقُول فِيهِ مَا نَصه وَبعد فَإِن عبد الْكَبِير بن عبد الرَّحْمَن الَّذِي سَوَّلت لَهُ نَفسه مَا سَوَّلت من الرَّأْي المنكوس والحظ المعكوس كَانَ تحزب بشياطين وأوباش من برابرة بني أمكليد وَأتوا بِهِ لآيت عَيَّاش قرب فاس فَلَمَّا سمع بذلك خدامنا أهل فاس وأخوالنا شراقة وَغَيرهم من الْجَيْش السُّوسِي وقبائل الصّلاح قَامُوا على سَاق فِي طرده وإبعاده ونفيه من ساحتهم وتشتيت رماده وقابلوه بالنكاية والوبال وَرَأى مِنْهُم مَا لم يخْطر لَهُ ببال وَرجع بخفي حنين ثمَّ بعد الطَّرْد والإبعاد لم يبال بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من سوء الْحَال وَلَا أقلع عَمَّا طمع فِيهِ من الْمحَال وَلَا انتبه من نومته وَلَا أَفَاق من سكرته وَبَقِي على دورانه عِنْد البربر إِلَى أَن ختم مطافه بالوصول لآيت يوسي فَحكم الله فِيهِ هُنَالك وأتى بِهِ مَقْبُوضا عَلَيْهِ وَذَهَبت رِيحه وَسقط فِي أَيدي من كَانَ آواه من البربر وحصلوا كلهم على الخسران والخزي والخذلان وَهَا الفتان متقف تَحت يَد أخينا الأرضى مولَايَ إِسْمَاعِيل رعاه الله فَالْحَمْد لله حق حَمده وَلَا نعْمَة إِلَّا من عِنْده وَهُوَ المسؤول بِنَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومجد وَعظم أَن يُؤَدِّي عَنَّا وَعَن الْمُسلمين شكر نعْمَته وَأَن يجزينا على مَا عودنا من جزيل فَضله ومنته هَذَا وَقد كتبنَا لكم هَذَا بعد مَا خيمنا بحول الله بِبِلَاد الصفافعة من بني حسن ومحلتنا المظفرة بِاللَّه محفوفة بالنصر والعز بِحَمْد الله وأعلامنا المنصورة بِاللَّه ريَاح الْيمن والسعادة تسوقها والأرباح تكفل بهَا سوقها وَقد أعلمناكم لِتَأْخُذُوا حظكم من الْفَرح بِمَا خول مَوْلَانَا جلّ وَعلا من عَظِيم نعمه فَللَّه الْحَمد وَله الْمِنَّة
(3/134)

وَالسَّلَام فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من شَوَّال عَام تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ ثمَّ تقدم السُّلْطَان أعزه الله إِلَى دَار ابْن العامري فأوقع بأولاد يحيى فرقة من بني حسن وَكَانُوا قد ثَارُوا بعاملهم عبد الْقَادِر بن أَحْمد المحروقي فهدموا دَاره وانتهبوها وعاثوا فِي الطرقات وأخافوها فأوقع بهم السُّلْطَان الْمولى الْحسن أعزه الله وقْعَة كَادَت تستأصلهم وَتَأْتِي عَلَيْهِم فتشفعوا إِلَيْهِ وتطارحوا عَلَيْهِ وأظهروا التَّوْبَة والخضوع فَقبل تَوْبَتهمْ وَولى عَلَيْهِم ثَلَاثَة عُمَّال ووظف عَلَيْهِم مَالا لَهُ بَال ونهض أعزه الله إِلَى مكناسة الزَّيْتُون ف 4 ي سَابِع ذِي الْقعدَة من السّنة فَدَخلَهَا مظفرا منصورا وَلما احتل بهَا كتب أيده الله إِلَى الْأَمْصَار بِمَا نَصه وَبعد فَأَنا بإثر الْفَرَاغ من أَمر الْقَبِيلَة اليحيوية وَبِنَاء أمرهَا على أساس الْجد بحول الله وَحُصُول المُرَاد من كَمَال استقامتها بِحَمْد الله وجهنا الوجهة السعيدة لوطن أسلافنا الْكِرَام قدسهم الله بمكناسة الزَّيْتُون وتقدمنا فِي محلتنا السعيدة المنصورة الَّتِي أرْخى الْيمن وَالظفر عَلَيْهَا ستوره فلقينا فِي طريقنا أهل هَذَا الْقطر المغربي من البرابرة وَغَيرهم على اخْتِلَاف شعوبهم وقبائلهم مظهرين غَايَة الْفَرح بمقدمنا ومتبركين بيمن طلعتنا وقائمين بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لعَلي جانبنا وحللنا حضرتنا السعيدة بمكناسة الزَّيْتُون فِي يَوْم كَانَ من الْأَيَّام السعيدة المشهودة والأوقات المعدودة بل فاق ذَلِك الْيَوْم السعيد بِمَا وَقع فِيهِ من السرُور كل موسم وَعِيد فَالْحَمْد لله على مَا خول وَأولى من فَضله العميم وخيره الجسيم وَهُوَ المسؤول بِنَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومجد وَعظم أَن يُؤَدِّي عَنَّا وَعَن الْمُسلمين شكر نعْمَته وَأَن يجرينا على مَا عودنا من جزيل فَضله ومنته آمين وَالسَّلَام فِي الْعشْرين من ذِي الْقعدَة الْحَرَام عَام تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ
وَكَانَ دُخُوله أعزه الله إِلَى مكناسة بعد زيارته تربة الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر وَصلَاته الْجُمُعَة بهَا وَأطَال أيده الله الْمقَام بمكناسة وَفِي مُدَّة مقَامه بهَا أوقع ببني مطير وَمن لافهم من مجاط وَبني مكيلد وآيت يوسي وَغَيرهم بعد أَن طَال قِتَاله لَهُم ثمَّ اقتحم عَلَيْهِم معاقلهم وانْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالحاجب بحبوحة قرارهم وَمحل منعتهم وانتصارهم بل تجاوزته عساكره
(3/135)

المنصورة وأعلامه المنشورة بمسافة بعيدَة إِلَى أَن دخلت فَم الخنيق الَّذِي هُوَ أول بني مكيلد فاستباحت هُنَالك حلاتهم وطارت برؤوس عناتهم ومزقتهم فِي أعز مكانهم كل ممزق وقبضت مِنْهُم على عدد وافر من الأسرى بعث بِهِ السُّلْطَان أعزه الله إِلَى الْأَمْصَار فَكَانَت عِبْرَة لأولي الْأَبْصَار وَكَانَ إِيقَاعه ببني مطير منتصف محرم فاتح سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَاسْتمرّ مُقيما بمكناسة إِلَى فاتح ربيع الأول مِنْهَا وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث الشَّهْر الْمَذْكُور نَهَضَ أيده الله إِلَى فاس فَدَخلَهَا يَوْم الْخَمِيس السَّادِس مِنْهُ بعد مَا تَلقاهُ أَشْرَافهَا وأعلامها وأعيانها وَجَمِيع رماتها حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان مَعَ الْعَامِل وَالْقَاضِي وَاجْتمعت بِهِ مقدمتهم بوادي النجَاة فألان جَانِبه لَهُم وتنزل لملاقاتهم تطييبا لنفوسهم وَلما وصل إِلَى الْبَلَد لم يعرج على شَيْء دون قصد ضريح الْمولى إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ وزيارته والتبرك بِهِ وانهار عَلَيْهِ الضُّعَفَاء وَالنِّسَاء وَالصبيان يقبلُونَ أَطْرَافه ويتمسحون بأذياله وَقدم الذَّبَائِح للحرم الإدريسي وَغَيره وأفاض من العطايا على الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين مَا جَاوز الْحصْر وَكَانَ يَوْم دُخُوله يَوْمًا مشهودا وموسما من مواسم الْخيرَات معدودا وَعِيد بفاس عيد المولد الْكَرِيم وقدمت عَلَيْهِ الْوُفُود من كل نَاحيَة وَاجْتمعت بِبَابِهِ وُجُوه الْقَبَائِل من كل قاصية ودانية وازدان الْعَصْر وَعم الْفَتْح والنصر واستقامت الْأُمُور ونادى مُنَادِي السرُور فِي الْخَاص وَالْجُمْهُور وَلما فرغ السُّلْطَان أعزه الله من شَأْن الْعِيد أَمر أَمِينه أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن شقرون المراكشي أَن يرتب الوظيف المجعول على أَبْوَاب فاس وأسواقها على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رَحمَه الله فَفعل وَكَانَ ذَلِك أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما جَلَست الْأُمَنَاء كل بمحله واستقامت الْأَحْوَال وَذَهَبت الْأَهْوَال ثقل ذَلِك على الدباغين ومرضوا فِيهِ وذهبوا إِلَى الشريف الْفَقِيه الْمولى عبد الْملك الضَّرِير وَقَالُوا لَهُ أَنْت الَّذِي أوقعتنا فِي هَذَا كُله بضمانك إِسْقَاط المكس أَولا حَتَّى صدر منا فِي حق بنيس مَا صدر والآن أخرجنَا مِمَّا أوقعتنا فِيهِ أما بِإِسْقَاط المكس وَأما بِإِخْرَاج بنيس من بَين أظهرنَا لِئَلَّا تدول لَهُ دولة علينا وَالرجل قد صَار عدوا لنا فَقَامَ الْفَقِيه الْمَذْكُور وَقدم على السُّلْطَان
(3/136)

أعزه الله وَذكر لَهُ مَا عزم عَلَيْهِ السفلة من الدباغين فَأَعْرض السُّلْطَان أيده الله عَن ذَلِك وقابل بالجميل فَقَالَ الْفَقِيه الْمَذْكُور إِن لم يكن شَيْء مِمَّا ذكرت لسيدنا فَالْأولى بِي أَن أنتقل إِلَى تافيلالت وَلَا أبقى بَين أظهر هَؤُلَاءِ الْقَوْم فأسعفه السُّلْطَان وَبعث جملَة من الحمارين لحمله وَحمل أَوْلَاده وَلما رأى الدباغون ذَلِك نفخ الشَّيْطَان فيهم وعمدوا إِلَى الحمارين فطردوهم وارتجت فاس وَمَاجَتْ الْأَسْوَاق وَقَامَت الْفِتْنَة على سَاق واتصل الْخَبَر بالسلطان أيده الله فاستدعى عَامل فاس إِدْرِيس بن عبد الرَّحْمَن السراج وَكَانَ مُتَّهمًا بالخوض فِي وقْعَة بنيس وَمَا ترَتّب عَلَيْهَا بعد فأظهر الطَّاعَة والامتثال وَركب بغلته يُرِيد الْقدوم على السُّلْطَان بفاس الْجَدِيد فَقَامَ الدباغون دونه ومنعوه من الذّهاب إِلَى السُّلْطَان وتهددوه بِالْقَتْلِ إِن فعل فَقعدَ وَوَقع ذَلِك مِنْهُ الْموقع لِأَنَّهُ كَانَ متخوفا على نَفسه وَلما رأى السُّلْطَان أيده الله تمادي هَؤُلَاءِ الطغام ومحكهم ولجاجهم بعد أَن بَالغ فِي إلانة الْجَانِب والمقابلة بالجميل وَمن ذَلِك إعراضه أعزه الله عَن الْكَلَام فِي أَمر بنيس أَمر بحصارهم والتضييق عَلَيْهِم لَعَلَّهُم يرجعُونَ ثمَّ لم يَكفهمْ عصيانهم حَتَّى صعدوا على منار الْمدرسَة العثمانية وعَلى غَيرهَا مِمَّا هُوَ مطل على فاس الْجَدِيد وَأخذُوا فِي الرَّمْي بالرصاص حَتَّى أَصَابُوا بعض من كَانَ بِأبي الْجُلُود وَلما انْتَهوا من سوء الْأَدَب إِلَى هَذِه الْغَايَة أَمر السُّلْطَان أيده الله بمقابلتهم على قدر جريمتهم فطافت بهم العساكر ورموهم بالكور من كل نَاحيَة ثمَّ اقتحمت طَائِفَة من الْعَسْكَر سور فاس من جِهَة الطالعة وَأخذُوا فِي النهب وَالْقَتْل وَعظم الْخطب وَاشْتَدَّ الكرب وَفِي أثْنَاء ذَلِك بعث السُّلْطَان أعزه الله وزيره أَبَا عبد الله الصفار يَعِظهُمْ ويعرض عَلَيْهِم الْأمان بِشَرْط التَّوْبَة وَالرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة فأذعنوا وامتثلوا وانطفأت نَار الْفِتْنَة وانحسمت أَسبَاب المحنة فَعجل السُّلْطَان أيده الله بِالْكِتَابَةِ لجَمِيع الْآفَاق وتلطف وَاعْتذر بِأَنَّهُم الَّذين بدؤوا بِالْحَرْبِ والبادي أظلم وَمَعَ ذَلِك فبمجرد مَا أذعنوا إِلَى الطَّاعَة كف عَنْهُم رَحْمَة لَهُم وإبقاء عَلَيْهِم وَكَانَ هَذَا الْحَادِث يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع ربيع الثَّانِي من السّنة
(3/137)

وَنَصّ كتاب السُّلْطَان أعزه الله وَبعد فَبعد مَا كتبنَا لكم فِي شَأْن مَا تلقانا بِهِ أهل فاس من الْفَرح وَالسُّرُور والاحتفال فِي جَمِيع الْأُمُور اختبرناهم وبلونا أَحْوَالهم فألفينا أَحْوَالهم تصدق أَقْوَالهم فأمرناهم حِينَئِذٍ برد المستفادات لحالها الْمُعْتَاد كَمَا فعلنَا بمكناسة وَغَيرهَا من الْبِلَاد فامتثلوا طائعين وجدوا فِي دَفعهَا مسارعين وَمن جملَة من أمنا عَلَيْهَا ابْن شقرون المراكشي الْأمين فَلم نشعر بالدباغين أَصْحَاب فعلة بنيس إِلَّا وَقد ملئوا رعْبًا وتخوفوا أَن يركبُوا فِي الْمُؤَاخَذَة بهَا مركبا صعبا فطلبوا إِخْرَاج بنيس من بَين أظهرهم وإبعاده وهم حِينَئِذٍ عِنْد السّمع وَالطَّاعَة الْمُعْتَادَة فَلم نساعدهم فازدادوا تخوفا وَظهر مِنْهُم طيش أبان مِنْهُم تشوشا وتشوفا فتصدينا بحول الله وقوته لتربيتهم وتأنينا كل التأني فِي مفاجأتهم وأحجمنا حَيَاء من معاجلتهم تأدبا مَعَ حرمهم الْأَكْبَر سيدنَا ومولانا إِدْرِيس الْأَزْهَر ومراعاة لجَماعَة أهل الله الْأَحْيَاء والنائمة وإعذارا وإنذارا لتَكون الْحجَّة عَلَيْهِم شرعا وطبعا قَائِمَة حَتَّى ابتدؤونا وكسروا الْحرم فقابلناهم والبادي أظلم فَمَا كَانَ إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب حَتَّى ظهر نصر الله فهدمت دور وصوامع وَخَربَتْ فنادق ومصانع كَانُوا يضْربُونَ مِنْهَا ويتترسون بهَا ونهبت حوانيت ودور واستلبت أَيدي الْجَيْش أَقْوَامًا مِنْهُم وأسرت أسرى وَأخذُوا نكالا للآخرة وَالْأولَى لَكنا بِمُجَرَّد ظُهُور سطوة الله الْقَاهِرَة فيهم وَالْفَتْح أمرنَا بالنداء فِي الْحِين بِالْعَفو والصفح وكف أَيدي الْقَتْل والأسر عَنْهُم إبْقَاء عَلَيْهِم وشفقة لَهُم حَتَّى يظْهر مآل أَمرهم ويصفوا كدر غمرهم وَفِي عصر ذَلِك الْيَوْم ورد الْعلمَاء والشرفاء والرؤساء والعرفاء ضارعين صارخين شُفَعَاء على شَرط أَدَاء الْحُقُوق والتزام الشُّرُوط والبقاء على مَا كَانُوا عَلَيْهِ قيد حَيَاة مَوْلَانَا الْمُقَدّس من اللوازم والمغارم فشفعناهم على الشُّرُوط الْمَذْكُورَة وقبلناهم على الْتِزَام الْحُدُود المحصورة وأعلمناكم لتفرحوا بنصر الله وتكونوا على بَال من حَقِيقَة الْوَاقِع وَلِئَلَّا تصيخوا للْأَخْبَار الكاذبة مسام المسامع أَو تلتفتوا إِلَى أقاويل المرجفين الَّذين لَا يدينون الله بدين ولايريدون إِلَّا فتْنَة الْمُؤْمِنَات وَالْمُؤمنِينَ وَالسَّلَام فِي رَابِع ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(3/138)

اهـ ثمَّ إِن السُّلْطَان أعزه الله قبض على عَامل فاس إِدْرِيس السراج وعَلى وَلَده واثنين آخَرين مَعَه من رُؤُوس الْفِتْنَة وغربهم إِلَى مراكش وَولى على فاس الْقَائِد الجياني بن حمو البُخَارِيّ أحد قواده واستقامت الْأَحْوَال
وَكَانَ مِمَّا قيل من الشّعْر فِي هَذِه الْوَقْعَة قَول صاحبنا الْفَقِيه الأديب أبي عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر حركات السلاوي حفظه الله
(لله ياتلك الَّتِي تأوي الفنا ... لَا تَنْقَضِي مَا كَانَ صبري قد بنى)
(كلا وَقد هيجت مني لوعة ... قد أوشكت فِي مهجتي أَن تهدنا)
(وأتيت موطن مصرع العشاق ثمَّ ... بَكَيْت حَتَّى كدت تبْكي الموطنا)
(لَو كَانَت الأجبال تعقل لانثنت ... تبْكي لما بك رأفة وتحننا)
(فَبِأَي رَأْي يَا حميمة قد غَدا ... مِنْك البكا عوض الترنم والغنا)
(وَبِأَيِّ ذَنْب قد فجعت قُلُوبنَا ... وسقيتنا كأس الأسى بدل الهنا)
(أَو مَا كَفاك من المتيم مهجة ... مَا شَأْنهَا إِلَّا معاناة العنا)
(صب لَهُ فِي كل يَوْم عِبْرَة ... وتلهف يقتده قد القنا)
(كَيفَ اصْطِبَارِي والحبيب مصارمي ... والدهر مغرا بالوشاية بَيْننَا)
(دَعْنِي فعدلك للمتيم ضلة ... شَرّ عَلَيْهِ من مقاساة الضنا)
(تالله لارقأت لعَيْنِي عِبْرَة ... حَتَّى ترى وَجه المليك الأيمنا)
(الْيَد الشهم السّري الأصيد الفخم ... النَّهْي الباهي الْهمام الصيدنا)
(الْأَعْظَم المستعظم العذب الْحلِيّ المستعذب ... الْحسن الثنا المستحسنا)
(قد حَاز فِي الْأَشْرَاف كل فَضِيلَة ... مَلأ المسامع حسنها والأعينا)
(ومكارما ومحاسنا ومفاخرا ... لَو ذاق لذتها الكفور لآمَنَّا)
(فلذاك سيدنَا الْمُقَدّس خصّه ... بمآثر مَا تَنْتَهِي فتدونا)
(ورث الْخلَافَة كَابِرًا عَن كَابر ... لَا كَالَّذي يَأْتِي إِلَيْهَا ضعيفنا)
(عشقته عشق ابْن الملوح خذنه ... وصبت إِلَيْهِ صبا الْعُيُون إِلَى الرنا)
(وَله وَقد لبته قبل دُعَائِهِ ... أَلْقَت أزمتها وَقَالَت هَا أَنا)
(ملك بِهِ الْملك الْأَغَر تشيدت ... أَرْكَانه فِي الْعِزّ محكمَة الْبَنَّا)
(أضحى بِهِ يختال فخرا قَائِلا ... لسواك يَا ركن الورى لن أركنا)
(3/139)

(والدهر سلم والحظوظ بواسم ... والنصر يقبل من هُنَاكَ وَمن هُنَا)
(والسعد قد ألْقى عَصا تسياره ... فِي قصره متاليا أَن يقطنا)
(حسنت بطلعته الدنا فَكَأَنَّهَا ... حلى بِهِ هَذَا الزَّمَان تزينا)
(إِن المزايا والعطايا والحجا ... أَخْلَاق سيدنَا تناء أودنا)
(لَا لَا تقس قيسا بِهِ فِي النبل أَو ... فِي الْفضل قعقاعا وأحنف فِي الأنا)
(أَو فِي الشجَاعَة عَامِرًا أَو فِي الندى ... مَعنا وَفِي الإفصاح قس الألسنا)
(فهم لَو اطلعوا على خصلاته ... لغدت ظنونهم بِذَاكَ تَيَقنا)
(فاستصغروا مَا كَانَ يصدر مِنْهُم ... وأتى جَمِيعهم إِلَيْهِ مذعنا)
(لَيْت الْمُلُوك السالفين قد أحضروا ... فَرَأَوْا مليكا مَالِكًا حسن الثنا)
(وَلَو أَنهم علمُوا ضخامة ملكه ... قَالُوا لنا ملك وَلَكِن قدونا)
(وَلَو أَنهم سمعُوا بِعظم سماحه ... تاقوا وَقَالُوا ليته فِي عصرنا)
(وَلَو أَنهم قد أبصروا إقدامه ... بهتُوا وَقَالُوا لَيْسَ ذَا فِي طوقنا)
(هَذَا الْأَمِير ابْن الْأَمِير ابْن الْأَمِير ... ابْن الْأَمِير الْمَالِكِي رسن الدنا)
(هاذ العصامي العظامي الَّذِي ... وسع الْأَمَاكِن فَضله والأزمنا)
(مَا زَالَ يسمح بالجوائز واللها ... حَتَّى لقد تخذ السماحة ديدنا)
(فخم نتيه تلذذا بحَديثه ... حَتَّى نظن الأَرْض قد مادت بِنَا)
(طبع الْفُؤَاد على مودنه فَمَا ... نَدْعُو لَهُ بالنصر إِلَّا هيمنا)
(يَا أَيهَا الْملك السميذع وَالَّذِي ... مَا كَانَ مشبهه مضى فِي غربنا)
(مَا زلت تجتاب الْبِلَاد بسيرة ... عمرية تذر الْمعاصِي مذعنا)
(وَتبين للنَّاس الرشاد وسبله ... وتريهم نهج السوَاء البينا)
(وتدمر العاتي بأبيض صارم ... وَتقوم المعوج بالسمر القنا)
(لَوْلَا الْبُغَاة من الْأَنَام وجورهم ... مَا فَارَقت بيض السيوف الأجفنا)
(لَكِن بِحِلْمِك قد حقنت دِمَاءَهُمْ ... مَا أوشكت من بغيهم أَن تحقنا)
(وأنمت فِي ظلّ الْأمان جفونهم ... لولاك لم يَك لامرىء أَن يأمنا)
(وَلَقَد تَركتهم وكل قَبيلَة ... تثني عَلَيْك ثَنَا الْقُلُوب على المنا)
(حَتَّى أتيت الحضرة الفاسية الغراء ... معتجرا بأثواب السنا)
(3/140)

(وَالْملك من فرط السرُور بك أزدهى ... وَله فَم بجميل ذكرك أعلنا)
(وأتاك أَهلهَا قؤلا هَل لنا ... يَا ماجدا من عطفة تشفي الضنى)
(يَا طالما اشتاقت إِلَيْك قُلُوبنَا ... شوق الْفَقِير إِلَى ملاقاة الْغنى)
(فمنحتهم بعد الضراعة عزة ... وكسوتهم بعد الأسا ثوب الهنا)
(هَذَا وَمَا صبحتهم بكريهة ... حَتَّى جنى جهلا بِفَضْلِك من جنا)
(شربوا كؤوس الحتف لَوْلَا أَنَّهَا ... أبقت عَلَيْهِم رأفة وتحننا)
(وأتاك أَرْبَاب البصائر قولا ... يَا لَا تُؤَاخِذنَا بزلة غَيرنَا)
(فصفحت عَنْهُم صفح مقتدر وَلم ... تتْرك جيوشك فيهم أَن تثخنا)
(وحبوتهم بعد الآسى بمسرة ... منعت قُلُوب النَّاس أَن تتحزنا)
(فغدى ببغيته المصافي وانثنى ... بندامة الكسفى من قد شيطنا)
(لَو كَانَ فِي الْإِحْسَان شَيْء يتقى ... لنهاك طبع الْجُود أَن لَا تحسنا)
(إِن الْكَرِيم إِذا تمكن من أَذَى ... صاحت بِهِ أحلامه فتحننا)
(مثل الشجاع إِذا سطى يَوْم الوغا ... أضحى بري طعم الردى حُلْو الجنا)
(لَا كالجبان فَلَو تكلّف نجدة ... صدته خَشيته الْحمام فأقبنا)
(وَكَذَا اللَّئِيم إِذا أَرَادَ تفضلا ... جَاءَتْهُ أَخْلَاق اللئام فأشقنا)
(لَو أَن جودك فِي الورى متفرق ... مَا كَانَ فيهم من بَرى متمسكنا)
(وَلَو أَن بأسك قد تفرق بَينهم ... مَا كَانَ يُمكن لامرىء أَن يجبنا)
(لَو لم تكن مولى خَمِيس أرعن ... لكفتك هيبتك الْخَمِيس الأرعنا)
(لَو أَن من أثنى على هرم رأى ... يَوْمًا علاك لقَالَ غَيْرك مَا عَنَّا)
(شهد الْأَنَام بِأَن مجدك باهر ... لم يجحدنه جَاحد فنبرهنا)
(يدعونك الْحسن الرضى طرا وَلَو ... شوركت فِي حسن دعوك الأحسنا)
(يَا أَيهَا الشهم السّري وَمن بِهِ ... أضحى على الأقطار يفخر قطرنا)
(إِنِّي امتدحتك والمحبة شَافِعِيّ ... ومحبة الْأَشْرَاف نعم المقتنى)
(وتحصني أبدا بعزة ركنكم ... ومعزز من بالكرام تَحَصُّنًا)
(لَا زَالَت أمداحي لأقعس مجدكم ... مُتَوَالِيَات أَو يصدني المنا)
(تالله لَا قمنا بشكركم وَلَو ... أعضاؤنا كَانَت جَمِيعًا أَلسنا)
(3/141)

(فلنمدحنك فِي الْحَيَاة وَإِن نمت ... قَامَت عظامتنا بمدحك بَعدنَا)
(خُذْهَا إِلَيْك خريدة فكرية ... طلعت بغيظ قُلُوب أَبنَاء الزِّنَى)
(بهرت قُلُوب ذَوي النَّهْي بمحاسن ... منعت خرائد فكرهم أَن تحسنا)
(فاصرف إِلَيْهَا منَّة عين الرضى ... وامنع بِفَضْلِك حسنها أَن يغبنا)
(دَامَت إِلَيْك من الْمُهَيْمِن نصْرَة ... تدع المعاند ضارعا مستهجنا)
(بِمُحَمد الْمُخْتَار جدك خير من ... قد أوضح النهج الْقَدِيم وَبينا)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا جن الدجى ... وأمالت الرّيح الْجنُوب الأغصنا)
(والآل والصحب الصناديد الذرى ... والمانحي قصادهم نيل المنا)
ثمَّ شرع السُّلْطَان أعزه الله بِجمع الْعَسْكَر وتنظيمه زِيَادَة على مَا كَانَ فِي حَيَاة وَالِده فألزم أهل فاس بِخَمْسِمِائَة وألزم أهل العدوتين بستمائة وألزم غَيرهمَا من الثغور بمائتين مِائَتَيْنِ وَلم يتَّخذ من مراكش وَلَا أَعمالهَا شَيْئا فصعب على النَّاس ذَلِك وجمعوا مِنْهُ مَا قدرُوا عَلَيْهِ واعتنى السُّلْطَان أعزه الله بِهِ فَكَانَ يُبَاشر عرضه وترتيبه بِنَفسِهِ وَفِي أَيَّام مقَامه بفاس نبغ نابغ بأعمال وَجدّة يُقَال لَهُ أَبُو عزة الهبري من هبرة بطن من سُوَيْد وسُويد من عرب بني مَالك بن زغبة الهلاليين وَكَانَ هَذَا الرجل فِيمَا زَعَمُوا يخط فِي الرمل وَيتَعَاطَى بعض السحريات فَتَبِعَهُ بعض الأوباش الَّذين لَا شغل لَهُم وتأشبوا عَلَيْهِ ودنا من أَطْرَاف الإيالة وَقَوي حسه وَكَانَ السُّلْطَان أعزه الله عَازِمًا على النهوض إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة وتمهيدها وَنفي الدجاجلة عَنْهَا فاستعد غَايَة الاستعداد وجدد الفساطيط وكسى الْجنُود فرسانها ورماتها قديمها وحديثها وعرضها كلهَا ثمَّ نَهَضَ من فاس منتصف رَجَب سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما بَات فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة بآيت شغروسن أغار على الْمحلة لَيْلًا أَبُو عزة الهبري وَمَعَهُ سعيد بن أَحْمد الشغروسني وَيُقَال إِنَّه إدريسي النّسَب فماجت الْمحلة بعض الشَّيْء ثمَّ تراجع النَّاس وَأخذُوا مراكزهم وصوبوا المدافع وآلات الْحَرْب نَحْو عدوهم فشردوهم فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بهم وَقبض على عدد من أَصْحَابه وَقطعت رُؤُوس مِنْهُم وَتقدم السُّلْطَان أعزه الله
(3/142)

فِي جموع مؤلفة من الْجَيْش السعيد المظفر وأنجاد نظام الْعَسْكَر وغزاة الْقَبَائِل الغربية بربرية وعربية إِلَى بني سادان وآيت شغروسن فأوقع بهم وَقتل وَأسر وانتسفت الجيوش زُرُوعهمْ وبعثرت أَرضهم وديارهم فلجؤوا إِلَى بني وراين فَأمر السُّلْطَان أيده الله بِقِتَال الْجَمِيع ثمَّ جَاءَ بَنو وراين متنصلين متبرئين إِلَى السُّلْطَان مِنْهُم فقبلهم وَولى عَلَيْهِم رجلا من أعيانهم ثمَّ جَاءَ بَنو سادان وآيت شغروسن تَائِبين خاضعين فَعَفَا عَنْهُم ووظف عَلَيْهِم مائَة ألف مِثْقَال وَزِيَادَة أَرْبَعمِائَة من الْخَيل فأذعنوا لأدائها واستوفاها السُّلْطَان أعزه الله مِنْهُم فِي أَوَائِل شعْبَان من السّنة ثمَّ تقدم إِلَى تازا فَدَخلَهَا فِي أَوَائِل الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما احتل بهَا قدمت عَلَيْهِ وُفُود قبائلها مُتَمَسِّكِينَ بِحَبل الطَّاعَة داخلين فِيمَا دخلت فِيهِ الْجَمَاعَة فرحين مغتبطين وَبِكُل مَا أمكنهم من الْخدمَة متقربين وَجَاءَت عرب الأحلاف وَمن جاورهم حاملين هوادجهم المحلاة بِأَحْسَن حليهم وشاراتهم الَّتِي يستعملونها فِي مواسمهم وزيهم فقابل السُّلْطَان أعزه الله كلا بِمَا يجب من المجاملة وَحسن الْمُعَامَلَة مَا عدا ثَلَاث فرق من غياثة المجاورين لتازا وهم بَنو أبي قيطون وَأهل الشقة وَأهل الدولة فَإِنَّهُم كَانُوا يضرون بِأَهْل تازا ويغيرون عَلَيْهِم فألزمهم السُّلْطَان أيده الله بأَدَاء مَا تعلق لَهُم بِذِمَّتِهِمْ فأدوه فِي الْحَال ثمَّ وظف عَلَيْهِم ثَلَاثِينَ ألف ريال أُخْرَى لبيت المَال فأدوها أَيْضا عَن طيب أنفسهم وَمن عداهم من أهل غياثة فَإِنَّمَا أَدّوا الزكوات والأعشار وأظهروا حسن الطَّاعَة والامتثال وَفِي هَذِه الْأَيَّام جِيءَ إِلَى السُّلْطَان بالهبري أَسِيرًا فَإِنَّهُ لما خرج السُّلْطَان أعزه فِي طلبه وَطلب غَيره أبعد فِي الصَّحرَاء وَلم تزل تلفظه الْبِلَاد وتتدافعه الشعاب والوهاد إِلَى أَن ساقته خَاتِمَة النكال إِلَى قَبيلَة بني كلال وهم على أَربع مراحل من تازا فقبضوا عَلَيْهِ وجاؤوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان أَسِيرًا حَتَّى أوقفوه بَين يَدَيْهِ مصفدا كسيرا فأظهر الهبري الْجزع وتضرع وخضع فحقن السُّلْطَان أعزه الله دَمه وَأمر بِهِ فطيف فِي الْمحلة على جمل ثمَّ أَمر ببعثه إِلَى فاس فسجن بهَا بعد أَن طيف
(3/143)

بِهِ فِي أسواقها ثمَّ مضى السُّلْطَان أعزه الله لوجهه حَتَّى بلغ قَصَبَة سلوان على طرف الإيالة المغربية من جِهَة الشرق فوفدت عَلَيْهِ قبائل تِلْكَ النواحي وأهدوا ومانوا وأظهروا غَايَة الْفَرح وَالسُّرُور
حكى من حضر أَنهم كَانُوا يزدحمون عَلَيْهِ لتقبيل يَده وركابه وَوضع ثِيَابه على أَعينهم تبركا بِهِ وَفِي أَوَائِل رَمَضَان من هَذِه السّنة فِي لَيْلَة الْخَامِس أَو السَّادِس وَقع تناثر فِي الْكَوَاكِب وتداخل واضطراب عَظِيم على هَيْئَة مفزعة بَعْضهَا مشرق وَبَعضهَا مغرب وَبَعضهَا إِلَى هَيْئَة أُخْرَى فَكَانَ الْحَال كَمَا وصف الْأَعْمَى بقوله
(كَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
دَامَ ذَلِك إِلَى قرب السحر وَأقَام السُّلْطَان أعزه الله بِهَذِهِ الْبِلَاد حَتَّى عيد بهَا بعيد الْفطر وَكَانَ المشهد هُنَالك عَظِيما والموسم مخيما وَحضر بَنو يزناسن وَمَعَهُمْ كَبِيرهمْ الْحَاج مُحَمَّد بن البشير بن مَسْعُود فأهدى هَدِيَّة كَبِيرَة وولاه السُّلْطَان على تِلْكَ الْقَبَائِل من بني يزناسن وَغَيرهَا وقفل أعزه الله رَاجعا فأدركه فصل الشتَاء بِتِلْكَ الْجبَال والفيافي فَاشْتَدَّ الْبرد وَقلت الأقوات وَهلك بِسَبَب ذَلِك عدد كثير من الْجند وَلحق النَّاس مشقة فادحة وَأظْهر السُّلْطَان نَصره الله يَوْمئِذٍ من الشَّفَقَة والبرور مَا تناقله النَّاس وتحدثوا بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يسير بسير الضَّعِيف وَيقف على المرضى حَتَّى يصلح من شَأْنهمْ وَيَأْمُر بدفن من يدْفن وَحمل من يحمل وَإِذا سقط لأحد دَابَّته أَو رَحْله وقف عَلَيْهِ بِنَفسِهِ حَتَّى يعان عَلَيْهِ وَهَكَذَا إِلَى أَن دخل حَضْرَة فاس بِحَيْثُ أدْرك بِهِ عيد الْأَضْحَى من السّنة فعيد بهَا وتفرغ للنَّظَر فِي أَمر الْعَسْكَر يقوم عَلَيْهِ بِنَفسِهِ ويعرضه على عينه ويتصفح قَوَائِم مؤنه ورواتبه فَاطلع أيده الله على مَا كَانَ يدلسه القائمون على ذَلِك من الزِّيَادَة الْبَاطِلَة فعزل من عزل وأدب من يسْتَحق التَّأْدِيب ثمَّ قبض على كَبِير الْعَسْكَر السُّوسِي وَهُوَ الْحَاج منو الحاحي وَكَانَت فِيهِ شجاعة وإقدام إِلَّا أَنه كَانَ مفرطا فِي التهور والإدلال على الدولة وكبرائها فَأدى ذَلِك إِلَى الانتقام مِنْهُ بِالضَّرْبِ والسجن وَالِاحْتِيَاط على مَاله وضياعه
(3/144)