Advertisement

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 007



الكتاب: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: 1315هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَلَا زَالَ مسجونا إِلَى الْآن ثمَّ سرح من السجْن واستوطن مراكش عَام ألف وثلاثمائة وَخَمْسَة وَفِي هَذِه الْمدَّة شرع السُّلْطَان أعزه الله فِي بِنَاء دَاره الْعَالِيَة بِاللَّه العامرة المزرية بمصانع الْمُعْتَمد وقباب الزهرة وَذَلِكَ فِي الْبُسْتَان الْمَعْرُوف ببستان آمِنَة دَاخل فاس الْجَدِيد عمد أعزه الله إِلَى نَاحيَة من ذَلِك الْبُسْتَان فَقطع مَا كَانَ بهَا من الشّجر وَبنى فِيهَا قبَّة فارهة فائقة الْحسن بديعة الْجمال يُقَال إِنَّه ضاهى بهَا بعض قباب الْمُعْتَمد بن عباد بإشبيلية ثمَّ بنى الدَّار الْكُبْرَى بإزائها وَهِي من عجائب الدُّنْيَا حَسْبَمَا بلغنَا بَالغ أيده الله فِي تنجيدها وتنميقها وأودعها من النقش العجيب والترخيم البديع والزليج الرفيع المزري بخمائل الزهر وقطائف الْهِنْد وبديع الطوس بِحَيْثُ جزم كل من رأى ذَلِك بِأَن مثله لم يتَقَدَّم فِي دولة من دوَل الْمغرب وجلب لقبابها الْأَبْوَاب من بِلَاد الأروام يُقَال إِن ثمن أحد الْأَبْوَاب خَمْسَة عشر ألف ريال مسامره من الْفضة المذهبة وَعوده من أفضل أَنْوَاع الْعود لَا تعرف لَهُ قيمَة وَفِيه من التخريم والنقش مَا يدهش الْفِكر ويحير النّظر وَبَاقِي الْأَبْوَاب من البلور الصافي الْمَذْهَب الْمُودع فِيهِ كل نقش غَرِيب وَبهَا خوخات مركبة بهيئة بديعة كل ذَلِك قد عَمه الذَّهَب النضار الَّذِي يدهش الْأَبْصَار وجلب لذَلِك من الأثاث الرُّومِي مَا قِيمَته أُلُوف من الريال وفيهَا من الْفرش والحائطيات المزخرفة مَا لَا يدرى ثمنه وَلَا يعرف معدنه وموطنه إِلَى غير ذَلِك من المقاعد الْحَسَنَة والمنازل المستحسنة الرائقة الطّرف البديعة الصَّنْعَة والرصف وَفِي مُدَّة مقَام السُّلْطَان أيده الله بفاس بلغه عَن ولد البشير بن مَسْعُود بعض استبداد فَاقْتضى نظر السُّلْطَان أعزه الله أَن يبْعَث من قبله عَاملا لجباية تِلْكَ النواحي فعقد لِأَخِيهِ الْمولى عَليّ على جَيش وأضاف إِلَيْهِ الْقَائِد أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن الشليح الزراري بِمَنْزِلَة الْوَزير والظهير وبعثهما إِلَى نَاحيَة وَجدّة وَكَانَ ابْن الشليح الْمَذْكُور يَوْمئِذٍ يتَوَلَّى عمالة تازا وَكَانَ أهل وَجدّة وأعمالها يكْرهُونَ ولَايَة ولد البشير عَلَيْهِم وَيُحِبُّونَ ولَايَة ابْن الشليح إِذْ كَانَ لَهُ ذكر وصيت فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَرُبمَا كَاتبه عرب آنقاد وكاتبهم وَلما أحس ولد البشير بذلك انصبغت الْعَدَاوَة بَينه وَبَين ابْن الشليح فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى
(3/145)

وَجه السُّلْطَان أيده الله ابْن الشليح الْمَذْكُور واليا على وَجدّة وأعمالها وجابيا لأموالها وناظرا فِي شؤونها وَأَحْوَالهَا فَقَامَتْ قِيَامَة ولد البشير وَعلم أَنه لَا يصفو لَهُ عَيْش مَعَه فعزم على أَن يطرده عَن تِلْكَ الْبِلَاد وَيَردهُ من حَيْثُ جَاءَ وَكَانَ ولد البشير هَذَا حسن الطَّاعَة للسُّلْطَان إِلَّا أَنه انفسد أمره بِمَا ذَكرْنَاهُ وَلما قرب ابْن الشليح من أرضه خرج إِلَيْهِ فِي خيله وَرجله وَلما الْتَقت مُقَدّمَة الْجَيْش بهم انتشبت الْحَرْب بَينهم وَقَامَت الْفِتْنَة على سَاق وَكَانَ غَرَض ولد البشير أَن يضم إِلَيْهِ أَخا السُّلْطَان وجيشه وَيقوم بخدمتهم ويطرد عَنهُ عدوه فَقَط فَلم يستقم لَهُ ذَلِك وَكَانَ رَأْيه هَذَا خطأ إِذْ لَيست هَذِه بِطَاعَة كَمَا لَا يخفى ثمَّ انهزم الْجَيْش وعمدت بَنو يزناسن وَالْعرب إِلَى الْمحلة فانتهبوها وَعَاد عبد الرَّحْمَن بن الشليح إِلَى السُّلْطَان أعزه الله وَهُوَ بفاس فَأخْبرهُ الْخَبَر وبإثر ذَلِك كتب ابْن البشير إِلَى السُّلْطَان يتنصل من أَمر ابْن الشليح ومحلته وَأَنه لَا زَالَ على الطَّاعَة لم يُبدل وَلم يُغير وَإِنَّمَا الَّذِي انتهب الْمحلة هم السُّفَهَاء من غير إِذن لَهُم وَلَا مُوَافقَة على ذَلِك وَحَتَّى الْآن فَكل مَا ضَاعَ من تِلْكَ الْمحلة يُؤَدِّيه بِأَكْثَرَ مِنْهُ فطوى لَهُ السُّلْطَان أيده الله عَلَيْهَا وأرجأ أمره إِلَى وَقت آخر وَكَانَ قد اتَّصل بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت خبر أبي عبد الله مُحَمَّد الكنتافي صَاحب جبل تينملل وَكَانَ أصل هَذَا الرجل أَنه كَانَ من أَشْيَاخ قبيلته وَكَانَ الْمُتَوَلِي عَلَيْهِم هُوَ قَائِد الْجَيْش السُّوسِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سعيد الجراوي وَكَانَ الكنتافي هَذَا أحذر من غراب وَأَمْنَع من عِقَاب قد اتخذ حصنا فِي رَأس جبل تينملل حَيْثُ كَانَ ظُهُور مهْدي الْمُوَحِّدين حَسْبَمَا مر فِي أخبارهم وتحصن بِهِ وَصَارَ يُؤَدِّي للقائد الجراوي كل مَا يَأْمُرهُ بِهِ من غير توقف إِلَّا أَنه لَا ينزل إِلَيْهِ فَلَمَّا توفّي الجراوي الْمَذْكُور وَولى السُّلْطَان على الْجَيْش السُّوسِي وَمَا أضيف لَهُ وصيفه الْقَائِد أَحْمد بن مَالك ضايق الكنتافي بعض الشَّيْء وَسَار مَعَه بِغَيْر سيرة الجراوي قبله فَأَنف الكنتافي من ذَلِك وأعلن أَنه فِي طَاعَة السُّلْطَان ومتقلد بيعَته يَمُوت عَلَيْهَا وَيبْعَث عَلَيْهَا وَلَا يقبل ولَايَة أَحْمد بن مَالك وَلَو ألقِي فِي النَّار فَكتب أَحْمد بن مَالك إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بفاس يُعلمهُ بِأَن الكنتافي قد خلع الطَّاعَة وَفَارق الْجَمَاعَة وأشاع
(3/146)

المرجفون بِأَنَّهُ يحاول الِاسْتِقْلَال بِالْأَمر التفاتا إِلَى مَا كَانَ لسلفه من أهل ذَلِك الْجَبَل مُنْذُ سَبْعمِائة سنة وَرُبمَا حن هُوَ إِلَى ذَلِك أَيْضا وَقد حكى ابْن خلدون أَن أهل ذَلِك الْجَبَل كَانُوا فِي زَمَانه على هَذَا الِاعْتِقَاد
(تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب)
وَاسْتَأْذَنَ أَحْمد بن مَالك السُّلْطَان أعزه الله فِي غَزْو هَذَا الكنتافي فَأذن لَهُ فَبعث إِلَيْهِ كَتِيبَة من الْجند ففضها الكنتافي فازداد المرجفون تقولا وتخرصا ثمَّ بعث إِلَيْهِ ابْن مَالك جَيْشًا آخر أعظم من الأول فَهَزَمَهُ الكنتافي أَيْضا وَقبض على جمَاعَة مِنْهُم بِالْيَدِ فَمن كَانَ من جَيش السُّلْطَان سرحه إِظْهَارًا للطاعة وَمن كَانَ من الْقَبَائِل الْمُجَاورَة لَهُ ضرب عُنُقه وَكَانُوا عددا وافرا فتفاحش أَمر الكنتافي فِي الْحَوْز وَكَاد يَسْتَحِيل إِلَى فَسَاد فَبعث وَلَده إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان بفاس وَكتب لَهُ بشرح قَضيته وَأَنه مظلوم من قبل أَحْمد بن مَالك وَمَا ارْتَكَبهُ فِي حق الْجَيْش إِنَّمَا هُوَ مدافعة عَن نَفسه وَأَنه لم يقتل جنديا قطّ وَبَالغ فِي التنصل وَتَقْدِيم الشفاعات والذبائح والعارات فأرجأ السُّلْطَان أعزه الله أمره ونهض من فاس منتصف رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فوصل إِلَى رِبَاط الْفَتْح لَيْلَة عيد الْفطر فاتفق أَن وَقع بهَا نادرة وَهِي أَن جمَاعَة من شُهُود اللفيف اثنى عشر جاؤوا إِلَى القَاضِي أبي عبد الله بن إِبْرَاهِيم رَحمَه الله لَيْلَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وشهدوا عِنْده أَنهم رَأَوْا هِلَال شَوَّال بعد الْغُرُوب رُؤْيَة مُحَققَة لم يلحقهم فِيهَا شكّ وَلَا رِيبَة فَسمع القَاضِي شَهَادَتهم وسجلها وَكتب للسُّلْطَان بذلك وَهُوَ بقرميم فارتحل السُّلْطَان فِي جَوف اللَّيْل وَدخل دَاره وَأصْبح من الْغَد معيدا وَعِيد أهل العدوتين وأعمالهما والجم الْغَفِير من أهل الْمغرب الَّذين حَضَرُوا مَعَ السُّلْطَان وَلما كَانَ ظهر ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ التَّاسِع وَالْعشْرُونَ من رَمَضَان حقق الفلكيون من أهل الدولة أَن الْعِيد لَا يُمكن فِي ذَلِك الْيَوْم وَتَكَلَّمُوا بذلك وفاهوا بِهِ فَكثر الْكَلَام بذلك وَكَانَ جلّ النَّاس على شكّ أَيْضا وَلما حَان وَقت الْغُرُوب ارتقب النَّاس الْهلَال وَالسَّمَاء مصحية لَيْسَ فِيهَا قزعة فَلم يرَوا لَهُ أثرا فَأمر السُّلْطَان أعزه الله بالنداء وَأَن النَّاس يُصْبِحُونَ صياما لِأَن رَمَضَان لَا زَالَ فصَام النَّاس من الْغَد وَبعد ذَلِك
(3/147)

ظهر الْهلَال ظهورا مُعْتَادا وَتبين كذب الشُّهُود فسجنوا ثمَّ سرحوا بعد حِين وَلما قضى السُّلْطَان أعزه الله سنة الْعِيد نَهَضَ إِلَى مراكش فَلَمَّا قرب من زَاوِيَة ابْن ساسي بَين بِلَاد الرحامنة وزمران نزل هُنَالك على الرحامنة وَكَانُوا قد حصل مِنْهُم اعوجاج وتمرض فوظف عَلَيْهِم من الْأَمْوَال مَا أثقل ظُهُورهمْ وَفرض عَلَيْهِم من الْعَسْكَر وَالْخَيْل مَا امتحنوا فِي أَدَائِهِ وَلم يقم عَنْهُم حَتَّى أَدّوا جَمِيع ذَلِك وَحَتَّى خرج الْأَشْرَاف والمنتسبون من أهل مراكش إِلَى السُّلْطَان للشفاعة فيهم وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فِي دُخُوله منزله فَقبل السُّلْطَان أيده الله شفاعتهم وارتحل عَنْهُم فَدخل مراكش آخر ذِي الْقعدَة من السّنة وَكَانَت مُدَّة مقَامه على الرحامنة سِتَّة عشر يَوْمًا وَكَانَ يَوْم دُخُوله إِلَى مراكش يَوْمًا مشهودا وَفِي رَابِع ذِي الْحجَّة بعده قبض على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ شخصا من أَعْيَان أَوْلَاد أبي السبَاع وَكَانُوا قد عاثوا فِي ذَلِك الْحَوْز على عَادَتهم وَعظم ضررهم واستطار شررهم وَخَرجُوا على عاملهم السَّيِّد عبد الله بن بلعيد وصالوا على الْقَائِد أبي حَفْص عمر المتوكي وَكَانَ الْقَتْل بَينهم وَبَين شيعَة عاملهم ابْن بلعيد الْمَذْكُور ففر إِلَى السُّلْطَان بفاس فَأرْخى أعزه الله لَهُم الْحَبل وَأطَال عَلَيْهِم الرسن وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن زروال الرحماني صُورَة حَتَّى اطمأنوا بذلك وأنسوا وَلما قدم أعزه الله مراكش ضرب الْبعُوث على قبائل الْحَوْز فناب أَوْلَاد أبي السبَاع فِي ذَلِك ثَلَاثمِائَة فَارس فَقدمت مراكش بخيلها وأسلحتها وَكَانَ السُّلْطَان أيده الله يَوْمئِذٍ قد أَخذ فِي عرض بعوث الْقَبَائِل دَاخل مشور أبي الخصيصات فجَاء أَوْلَاد أبي السبَاع للعرض فَلَمَّا توسطوا المشور الْمَذْكُور أغلقت الْأَبْوَاب وَقبض عَلَيْهِم وجردوا من السِّلَاح وحملوا إِلَى السجْن وَكَانُوا مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ كَمَا قُلْنَا ثمَّ وَجه السُّلْطَان أعزه الله إِلَى حلتهم الْقَائِد الْعَرَبِيّ الرحماني مَعَ كَتِيبَة من الْجَيْش فنزلوا عَلَيْهِم وأغرمهم سِتِّينَ ألف ريال فأدوها فِي الْحَال بعد بيع ماشيتهم بأبخس ثمن وَحِينَئِذٍ بعث السُّلْطَان إِلَى عاملهم عبد الله بن بلعيد فاستدعاه من فاس وَقدم وولاه عَلَيْهِم فاطمأنوا وأطاعوا وجد السُّلْطَان أيده الله فِي جمع العساكر والاستعداد إِلَى أَوَاخِر صفر من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(3/148)

فَقدم عَلَيْهِ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الكنتافي صَاحب الْجَبَل مستأمنا بالمرابط أبي عَليّ الْحسن بن تيمكيلشت فقابله السُّلْطَان بِالْعَفو والصفح وَأكْرم وفادته وولاه على إخوانه وانقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا وَلما حضر عيد المولد الْكَرِيم احتفل السُّلْطَان أيده الله غَايَة الاحتفال على عَادَة أسلافه الْكِرَام قدس الله أَرْوَاحهم وَجعل فِي عليين عدوهم ورواحهم وتشنفت الأسماع بالأمداح النَّبَوِيَّة فِي اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة بِالْمَسْجِدِ الْمعد لذَلِك وأنشدت قصائد لأدباء الْعَصْر وَبعد الْعِيد كسا السُّلْطَان نَصره الله جَمِيع الْجَيْش والعسكر وَالْكتاب حَتَّى الْأُمَنَاء والطلبة وَفِي مهل ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة خرج من مراكش يؤم بِلَاد الغرب فَجعل طَرِيقه على ثغر الجديدة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا بعد أَن زار تربة بني آمغار برباط تيط وتفقد أَحْوَال ثغر الجديدة ووقف على أبراجها وأسوارها وباشر فِي الرماية بالمدفع وَكَانَ رميه صَوَابا بِحَيْثُ أصَاب الْغَرَض أعزه الله وَأهْدى لَهُ جَمِيع تجارها من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود فَقبل ذَلِك وكافأ عَلَيْهِ وَكَانَ أعزه الله حِين عزم على النهوض من مراكش قد كتب إِلَى عَامله على مَدِينَة آنفى وَهُوَ الْقَائِد الْأَجَل الأنصح أَبُو عبد الله الْحَاج مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن حمان الجراري أَن يتَقَدَّم إِلَى ثغر الجديدة وَيُقِيم هُنَالك حَتَّى يَأْمُرهُ بِمَا يكون عَلَيْهِ عمله فامتثل الْقَائِد الْمَذْكُور وَلما قدم السُّلْطَان أعزه الله إِلَى الثغر الْمَذْكُور اجْتمع بِهِ الْقَائِد الْمَذْكُور وَطلب مِنْهُ أَن يجدد لَهُ ظهيرا بالتوقير والاحترام حَسْبَمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ ووالده من قبله مَعَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى عبد الرَّحْمَن وَابْنه السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد رحمهمَا الله فَأَجَابَهُ أعزه الله إِلَى ذَلِك وَكتب لَهُ ظهيرا يَقُول فِيهِ مَا نَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله كتَابنَا هَذَا أسماه الله وأعز أمره وَجعل فِي الصَّالِحَات طيه ونشره يسْتَقرّ بيد ماسكه خديمنا الأرضى الطَّالِب مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري ويتعرف مِنْهُ أننا بحول الله وقوته أَنزَلْنَاهُ الْمنزلَة الَّتِي كَانَ بهَا هُوَ ووالده عِنْد أسلافنا الْكِرَام ولحظناه بِعَين الرِّعَايَة والبرور والاحترام هُوَ وَأَوْلَاده وَإِخْوَته فَلَا يرَوا من جانبنا العالي بِاللَّه إِلَّا الْخَيْر لأَنهم خدام أَبنَاء خدام ودارهم دَار الْمحبَّة والنصيحة فَلَا نسلمهم وَلَا نفوتهم وَلَا نضيع لَهُم
(3/149)

سالف خدمتهم وَلَا نكشف عَنْهُم جِلْبَاب حرمتهم بحول الله وقوته وَالسَّلَام صدر بِهِ أمرنَا المعتز بِاللَّه فِي تَاسِع ربيع الثَّانِي عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما قضى السُّلْطَان أعزه الله أربه من ثغر الجديدة نَهَضَ إِلَى آزمور فَتَلقاهُ أَهلهَا بالفرح وَالسُّرُور والبهجة والحبور فهش لَهُم وقابلهم بِمَا يُنَاسب ودعا لَهُم بِخَير وزار ضريح الشَّيْخ أبي شُعَيْب وَأبي عبد الله مُحَمَّد واعدود رَضِي الله عَنْهُمَا وَقدم لضريحهما ذَبَائِح وَطَاف بأسوار الْبَلَد وأبراجه وَأمر بتحصين برج هُنَالك كَانَ مُقَابلا للمرسى ثمَّ خرج من آزمور بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَانْتهى إِلَى مَدِينَة آنفى فَدَخلَهَا فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي الْمَذْكُور وعزل عَنْهَا الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري وَولى مَكَانَهُ الْحَاج عبد الله بن قَاسم حِصَار السلاوي ثمَّ كتب إِلَى أبي عبد الله الجراري الْمَذْكُور بولايته على الجديدة وأعمالها وَنَصّ كِتَابه إِلَيْهِ خديمنا الأرضى الطَّالِب مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإنَّا أعفيناك من ولَايَة الدَّار الْبَيْضَاء ووليناك على الجديدة وَلم نعزلك عَنْهَا سخطا لسيرتك وَلَا هضما لجَانب خدمتك وَإِنَّمَا اقْتَضَت الْمصلحَة ذَلِك تَقْدِيمًا للأهم فالأهم وَأَنت منا وإلينا ودارك دَار الْخدمَة وَالصَّلَاح فَلَا نسلمكم وَلَا نفوتكم وَلَا نهضم لكم جانبا وَالسَّلَام فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ
وَاعْلَم أَن هَذَا الْعَامِل من أمثل عُمَّال السُّلْطَان نَصره الله وأعقلهم وأرجحهم وأنصحهم قد اسْتَعْملهُ الْمُلُوك الثَّلَاثَة الْمولى عبد الرَّحْمَن وَابْنه سَيِّدي مُحَمَّد وَابْنه الْمولى الْحسن رَضِي الله عَنْهُم فظهرت كِفَايَته ونصيحته وحمدت ولَايَته وَسيرَته وَهُوَ الْآن بِهَذَا الْحَال حفظنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين آمين وَلما احتل السُّلْطَان أعزه الله بِالدَّار الْبَيْضَاء طَاف فِي أبراجها وَأمر الطبجية بِنصب الْأَغْرَاض الْمُسَمَّاة بالقريبيات فِي الْبَحْر ثمَّ أَمر برميها وَهُوَ حَاضر وَرُبمَا بَاشر مَعَهم ثمَّ اجتاز بعد الْفَرَاغ على بَاب المرسى وَمحل وضع السّلْعَة للتجار بهَا فَوقف عَلَيْهِ وتأمله كَمَا فعل بثغر الجديدة ووعد
(3/150)

بإصلاح المون على شاطىء الْبَحْر لِأَن البحرية يتعبون فِيهِ وَقت إِنْزَال السّلع ووسقها وَأقَام بِالدَّار الْبَيْضَاء بالمحلة خَارج الْبَلَد يَوْمَيْنِ وَأهْدى إِلَيْهِ تجارها من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَالْمُسْلِمين وَأظْهر النَّصَارَى الْفَرح وَأَكْثرُوا من تَعْلِيق الصناجق وَإِيقَاد الحراقيات بِاللَّيْلِ وإرسالها فِي الجو فقابلهم السُّلْطَان أعزه الله بالجميل وَحمل النَّصَارَى مِنْهُم على خيل مُكَافَأَة لَهُم على هديتهم فطاروا بذلك فَرحا حَتَّى أَنهم كتبُوا بذلك لأهل دولتهم ونشروه فِي كوازيطهم وأجوبتهم وَفِي هَذِه الْمدَّة وَجه السُّلْطَان أعزه الله خديمه الأنجد الْفَاضِل أَبَا عبد الله الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج الطَّاهِر الزُّبْدِيُّ الرباطي باشدورا وسفيرا عَنهُ إِلَى دوَل الإفرنج مثل دولة افرانسا ودولة النجليز ودولة الطاليان ودولة البلجيك واستصحب مَعَه هَدَايَا نفيسة وأموالا طائلة صيرها فِي وجهته تِلْكَ ورافقه فِي سفارته هَذِه الْأمين الأرضى السَّيِّد بناصر ابْن السَّيِّد الْحَاج أَحْمد غَنَّام الرباطي برسم الْقيام بخطة الْأَمَانَة والقهرمانية وصاحبنا الْفَقِيه الأديب فلكي الْعَصْر وحاسبه الشريف أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس بن مُحَمَّد الجعيدي السلاوي برسم الْقيام بخطة الْكِتَابَة فوصلوا إِلَى أهل هَذِه الدول وقضوا الْغَرَض على أكمل الْوُجُوه وأحسنها وعادوا مسرورين فِي أَوَاخِر شعْبَان من السّنة وَفِي هَذِه الوجهة قيد صاحبنا أَبُو الْعَلَاء الْمَذْكُور رحلته البديعة الْمُسَمَّاة بتحفة الْأَحْبَار بِغَرَائِب الْأَخْبَار قد اشْتَمَلت على كل نادرة وغريبة وأفصحت عَن صنائع الفرنج وحيلها العجيبة وَعند قفوله وقدومه على حَضْرَة السُّلْطَان أيده الله مدحه بقصيدة جَيِّدَة مطْلعهَا
(أسالم دهري فِي المرام وَفِي الْقَصْد ... فينقض مَا أبرمت للصلح من عقد)
(وأسأله الرحمى فيبدي ازوراره ... ونفرته عني فيا عظم مَا يُبْدِي)
(وَكم لي استرضيه وَهُوَ مغاضب ... وَلَا يرعوي عَمَّا جناه على عمد) وَمِنْهَا فِي آخرهَا
(وهذي بَنَات الْفِكر مني هَدِيَّة ... إِلَى الْملك الْمَنْصُور ذِي الْجُود والرفد)
(3/151)

(فَإِن أهملت عدلا فَإِنِّي مهمل ... وإ، صادفت وَقت الْقبُول فيا سعدي)
(وَمَا كنت فِي بَاب القريض مبرزا ... شهيرا وَلَكِنِّي تعاطيته جهدي)
(لأجل امتحاني لذت فِيهِ بربنا ... فَأَصْبَحت ذَا وجد وَقد كنت ذَا فقد)
(فها أَنا ضيف زائر لحماكم ... وحسبي رضاكم فَهُوَ نفس المنى عِنْدِي)
(وَيَا رَبنَا أعْط الْأَمِير مرامه ... وظفره بالمطلوب مِنْك وبالقصد)
ثمَّ إِن السُّلْطَان أعزه الله نَهَضَ من الدَّار الْبَيْضَاء وَمَعَهُ الْجند الوافر والعسكر المجر والجم الْغَفِير من قبائل الْحَوْز وَأهل دكالة وتامسنا فأوقع بعرب الزيايدة أهل تامسنا وَتقدم إِلَى رِبَاط الْفَتْح فدخله غرَّة جُمَادَى الأولى من السّنة فَمَكثَ بِهِ نَحْو سَبْعَة أَيَّام وَعبر إِلَى سلا فزار أولياءها وَدخل مَسْجِدهَا الْأَعْظَم وَصلى الظّهْر بِهِ وَأمه فِي صلَاته يَوْمئِذٍ صاحبنا الْفَقِيه الْعَلامَة البارع أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي بن خضراء وَدخل السُّلْطَان أعزه الله خزانَة الْكتب العلمية بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور وتأملها وَمَعَهُ يَوْمئِذٍ شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي أَبُو بكر بن مُحَمَّد عواد فَطلب من السُّلْطَان أيده الله أَن يزِيد فِي شِرَاء الْكتب للخزانة الْمَذْكُورَة فَأذن لَهُ بِأَن يَشْتَرِي من ذَلِك مَا ثمنه نَحْو مائَة ريال فَفعل وَهِي يَوْمئِذٍ بالخزانة الْمَذْكُورَة وَوصل أيده الله عُلَمَاء العدوتين ومجاهديها على الْعَادة وَقد كنت أنشأت قصيدة فِي غَرَض من الْأَغْرَاض فَلَمَّا اتّفق قدوم السُّلْطَان أيده الله هَذِه الْمرة حولتها إِلَى مدحه وَنَصهَا
(قلب كواه من النَّوَى مقباس ... فغدا بِهِ الوسواس والخناس)
(ونحول جسم يشتكي ألم الضنى ... وجوى بِهِ تتصاعد الأنفاس)
(والدمع فِي الوجنات محمرا غَدا ... ولدى الوشاة بِهِ انْتَفَى الإلباس)
(إِن الألى يستعذبون ملامه ... مَا أَن لَهُم بعذابه إحساس)
(قدما عذلت ذَوي الغرام سفاهة ... حَتَّى غَدَوْت بمنسميه أداس)
(وحسبته حُلْو الجنى فأساغني ... من بأسه مَا لَا يسيغ الباس)
(إِن الَّذين علقتهم قد انجدوا ... بمها الْخُدُور ودونها الحراس)
(أبدا أُؤَمِّل فِي حَياتِي وصلهم ... وَالْيَوْم قد غلب الرَّجَاء الياس)
(3/152)

(مَا كنت أَحسب قبل إلمامي بهم ... إِن الظباء لَهَا الْبيُوت كناس)
(تحكى بدور التم يخفي ضوءها ... ضوء الشموس إِذا بِهن تقاس)
(من كل خود كاعب يهدي لنا ... نشر الخزامي عطفها المياس)
(تسبي بقد السمهري وباسم ... يَرْمِي الشعاع كَأَنَّهَا النبراس)
(وَكَأن هاتيك الخدود وفاحما ... فِي ظلها ورد حواه الآس)
(لله مَا عَيْش تقضي بَيْننَا ... فَكَأَنَّمَا أَيَّامه الأعراس)
(طَابَ السرُور لنا بِهِ وتأرجت ... آصاله وافترت الأغراس)
(أَيَّام روض اللَّهْو غض نوره ... ومنادمي فِيهِ المنى والكاس)
(بِاللَّه يَا قلب استفق ودع الْهوى ... إِن الْهوى غول النهى الفراس)
(أَو مَا رَأَيْت المخلدين إِلَى المنا ... سكنوا الثرى وعراهم الإفلاس)
(واعمل ليَوْم لَا تخس شعيرَة ... فِيهِ إِذا مَا ينصب القسطاس)
(وابك الذُّنُوب بكاء خندف بَعْلهَا ... لما جلا عَن ربعهَا الياس)
(وَإِذا حوت كَفاك فَابْن مبادرا ... مجدا تخلده لَك الأنقاس)
(من غير تبذير لمَالِك لَا تكن ... حُلْو الجنا فتلوكك الأضراس)
(كم من فَتى جَازَ الحضيض إِلَى الذرى ... وَبنى على لم تبله الأرماس)
(وَإِذا وعدت فَكُن لوعدك مُنجزا ... كَيْمَا ترى لَك فِي الفخار غراس)
(فالمنع فِي جنب الْوَفَاء صَنِيعَة ... والتبر فِي جنب المطال نُحَاس)
(وَإِذا حصلت على الرياسة فاذكرن ... من كَانَ يجمعه بك الإيناس)
(وَاحْذَرْ مناصبة الدنى فَرُبمَا ... خَان الحسام وطاشت الأقواس)
(كم يغن يَوْمًا عَن كُلَيْب مجده ... لما حشاه بالقنا جساس)
(وَإِذا تصاحب فاصحبن مهذب ... راز النهى وَله بِهن مراس)
(فالمرء وَيحك إِنَّمَا يذري بِهِ ... ويزينه الْأَصْحَاب والجلاس)
(وَإِذا البذي جفاك يَوْمًا فاحتسب ... فالجهل بالطبع الْكَرِيم يساس)
(وَإِذا عرتك ملمة فاصبر وَلَا ... تكن الجزوع وهمك الإيجاس)
(واحفظ لسَانك واله من عيب الورى ... كل امرىء بفعاله منقاس)
(وادأب على حفظ الْعُلُوم وَكن بهَا ... ذَا خبْرَة وملاذك الأطراس)
(3/153)

(فالعلم أَنْفَع للفتى وأجله ... مَا قد وعاه الْقلب لَا القرطاس)
(وارو الحَدِيث وَكن بِهِ متأدبا ... وَالْفِقْه حَقَّقَهُ يطعك قِيَاس)
(وأقم بِعلم النَّحْو لفظك ولتكن ... فِيهِ الْمُقدم إِذْ بِهِ الإيناس)
(كل الْعُلُوم إِذا نظرت رَأَيْتهَا ... والنحو مِصْبَاح لَهَا وأساس)
(واكتب من الشّعْر الْمُهَذّب نبذة ... فالشعر أفضل مَا وعاه الراس)
(إِن لم تقله فَكُن لَهُ مستحضرا ... إِن رمت نطقا يرتضيه النَّاس)
(كم من وضيع قد علا بقريضه ... رتبا تشرفه وحسبك شَاس)
(إِذْ خلصته من الأسار وقده ... أَبْيَات عَلْقَمَة الْفَتى القنعاس)
(وَإِذا قصدت أَخا النوال بمدحة ... فاقصد فَتى لَهُ فِي الندى آراس)
(مثل الإِمَام أبي عَليّ الرضي ... حسن الَّذِي هُوَ فِي العلى نبراس)
(الْمَاجِد الْملك الْهمام المرتضى ... فَخر الْمُلُوك سنامها والراس)
(شملت بِلَاد الغرب رأفته وَقد ... بهج الزَّمَان وعمت الأرغاس)
(وحبا الورى من نيله حَتَّى لقد ... طَابَ السرُور وَطَابَتْ الأنفاس)
(سعدت بمقدمه سلا وتقدست ... مراكش الْحَمْرَاء مِنْهُ وفاس)
(أبدا سيوف الْعَزْم مِنْهُ على العدا ... برق وغيث نواله بجاس)
(شهم بَصِير بالأمور مجرب ... يقظان من دَاء الضَّلَالَة ياس)
(حلب الزَّمَان شطوره فَمَتَى اعتصى ... دَاء الخطوب فرأيه النسطاس)
(يلقى الْوُفُود بحشمة وطلاقة ... لَا يختشى مِنْهُ أَذَى وشماس)
(فِي الْجُود كَعْب والبسالة عَامر ... والحلم قيس والذكاء إِيَاس)
(فَالله يحفظه ويحفظ ملكه ... حَتَّى يُصِيب عداهُ مِنْهُ عماس)
(ويشيد لِلْإِسْلَامِ من عزماته ... عزا تطأطىء دونه الْأَجْنَاس)
(وينيله مجدا ينسى ذكره ... فِي عزة قعساء لَيْسَ نقاس)
(فليعل ملك بني على وليدم ... مَا خلدت مَرْوَان وَالْعَبَّاس)
وَقد تَبِعنِي صاحبنا شَاعِر الْعَصْر الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر حركات فِي رُوِيَ هَذِه القصيدة دون بحرها وَهِي من ميلادياته قَالَ
(3/154)

(أدر كؤوسك فالسراء فِي الكأس ... واشرب على طرب بروضك الكاسي)
(وقم لتنظر وَجه الدَّهْر مبتهجا ... مُسْتَبْشِرًا بعد تقطيب وتعباس)
(والأفق طلق وَذَا النسيم منطلق ... مسكي نشر خلال الجو جواس)
(وَالْأَرْض تضحك من بكا الْغَمَام كَمَا ... يشكو الكئيب على مستهزىء قاسي)
(كَأَنَّهَا وَهِي بِالربيعِ حَالية ... عواطل قد تحلت يَوْم أعراس)
(وَالْوَرق من ضحك الأزهار نائحة ... كنوح صب على أحبابه آسى)
(والدوح زاهية الأفنان زاهرة ... تهدي الْبَهَاء إِلَى البهار والآس)
(كَأَنَّمَا الزهر إِذْ ترَاهُ منتثرا ... على جداولها الْحباب فِي الكاس)
(كَأَنَّمَا طيب نشره شمائل من ... قد سَاد بالمكرمات سَائِر النَّاس)
(إمامنا الْحسن المجلي بطلعته ... عَن الورى كل أزمة وقسقاس)
(كسا الرّعية أَثوَاب المنى جددا ... من بعد مَا اشْتَمَلت بِكُل إدراس)
(سبط الرَّسُول وَفرع من سلالته ... طيب الْفُرُوع ترى بِطيب أغراس)
(خَليفَة الله من دَانَتْ لعزته ... شم الْمُلُوك برغم كل دمناس)
(أنداهم فِي الندى كفا وأشجعهم ... قلبا وأسطاهم بِكُل دعاس)
(من ذَا ينازله عِنْد الجلاد وَهل ... يهول اللَّيْث يَوْمًا صوب ولاس)
(قد عَمه النَّصْر فِي ورد وَفِي صدر ... وحفه الْيمن من سَاق إِلَى راس)
(مولى تردى رِدَاء المكرمات فَقل ... مَا شِئْت فِي شيم لَهُ واتواس)
(لم يمض مشبهه على الْحَقِيقَة فِي ... بني أُميَّة أَو أَبنَاء عَبَّاس)
(من ذَا يدانيه فِي حلم وَفِي كرم ... وَمن يضاهيه فِي الْإِقْدَام والباس)
(يَا كم بِهِ قوي الضَّعِيف وامتلأت ... كف الْفَقِير وأثرى رب إفلاس)
(سلا كَمثل سلا الغرا وضرتها ... أَو مثل مراكش وحضرتي فاس)
(فكم بهَا من مآثر لَهُ كرمت ... لَيست تعد بأقلام وأنقاس)
(بل كل مصر وقرية لَهُ ديم ... تهمي لأهلهما بِكُل ارغاس)
(فدا الْأَمِير أدام الله عزته ... طول المدى كل أنفس وأنفاس)
(إليكها أَيهَا الجحجاح مائسة ... أزرت طلاوتها بِكُل مياس)
(خريدة من بَنَات الْفِكر غانية ... لرقمها يتَمَنَّى كل قرطاس)
(3/155)

(جاءتك تطلبك الْقبُول عائذة ... بِاللَّه من شَرّ وسواس وخناس)
(فليهنها أَنَّهَا تشرفت بك إِذْ ... حوت مَعَاني من مديحك الراسي)
(وَأَنَّهَا لَك قد وافت مهنئة ... بليلة ذَات أسفار وإهلاس)
(أكْرم بهَا لَيْلَة غراء قد فضلت ... بِأَفْضَل الرُّسُل كل ذَات إغباس)
(إِذْ أشرق الْكَوْن من أنوار مولده ... حَتَّى كَفاهُ سناها كل نبراس)
(والشرك فِي الْهون قد أضحت طوائفه ... مستيقنين حُلُول الْبُؤْس والبأس)
(إِذْ هالهم أَمر أَحْمد وأوقعهم ... فِي حيرة عبثت بهم وإبلاس)
(تيقنوا أَنه مَا كَانَ يُخْبِرهُمْ ... بِشَأْنِهِ كل قسيس وشماس)
(وأصبحت جملَة الْأَصْنَام سَاقِطَة ... منكسات الرؤوس أَي تنكاس)
(وَفِي انصداع الْبناء أَصبَحت عبر ... لَهُم كَذَا فِي خمود نَار أَفْرَاس)
(وَالْجِنّ لَا تصل السَّمَاء إِذْ منعت ... مِنْهَا بشهب لرميها وحراس)
(وَمن يرم مِنْهُم للسمع مسترقا ... ينحط محترقا مِنْهَا بمقباس)
(مُحَمَّد صفوة الْبَارِي وَخيرته ... من خلقه الْجِنّ والأملاك وَالنَّاس)
(جَاءَت شَرِيعَته البيضا مطهرة ... للدّين من كل أدران وأدناس)
(وَلم تزل أمد الْأَعْصَار رَافِعَة ... عَن الْهَدْي كل شُبْهَة وتدلاس)
(أصل الْهدى والندى فَلَيْسَ يُشبههُ ... هطال غيث وَلَا تيار رجاس)
(فَلَا تقسه بِشَيْء فِي مكارمه ... فَمَا ترام خلاله بمقياس)
(فَإِنَّهُ الْبَحْر فِي فضل وَفِي كرم ... وَفِي الشجَاعَة ضيغم بأخياس)
(كَانُوا بِهِ يَتَّقُونَ فِي الوغا بَدَلا ... عَن اتِّخَاذ مغافر وأتراس)
(أسرى بِهِ الْملك الْأَعْلَى لحضرته ... وَالروح مونسه أتم إيناس)
(وَاللَّيْل أحرس لَيْسَ فِيهِ يسمع من ... صياح ديك وَلَا عواء لواس)
(حَتَّى دنا فَتَدَلَّى ثمَّ كَلمه ... وَقد رأى ربه بمقة الراس)
(ونال من فَضله عزت جلالته ... مَا لَا يسام بأوهام وأحداس)
(فآب وَالدّين أسست قَوَاعِده ... على أصُول حميدة وأساس)
(ترَاهُ كَالْقَمَرِ الْمُنِير فِي غسق ... من الدجى بَين أَصْحَاب وجلاس)
(غَدا يحدث والملا يصدقهُ ... وَلَيْسَ يرتاب غير المائق الماس)
(3/156)

(دَعَا على المعتدي عتيبة فغدا ... يَوْمًا بدعوته قَتِيل هماس)
(ورد عين قَتَادَة فَصَارَ بهَا ... بعد الْعَمى ذَا تمقل وإيناس)
(وَالْمَاء من كَفه السمحاء سَالَ فكم ... من وَارِد عذبه الروي وَكم حاسي)
(هُوَ الرَّسُول الَّذِي جمت فضائله ... فَلَيْسَ تحصر أَو تحصى بأطراس)
(مديم ذكر فَإِن تذهل لواحظه ... فالقلب لَيْسَ بذاهل وَلَا ناسي)
(فالأرض طاولت السَّمَاء قائلة ... لخير رسل بِبَطن خير ارماس)
(كل النَّبِيين طرا لائذون بِهِ ... كَمثل نوح وَيُونُس والياس)
(كَذَاك مُوسَى وَعِيسَى والخليل بِهِ ... لدفع باس بِيَوْم الْحَشْر أباس)
(يَا أكْرم الْخلق يَا خير الورى شرفا ... يَا من أَتَانَا بتطهير وتقداس)
(أشكوك دَاء أساي فأسه كرما ... فَمَا لداء الأسى سواك من آسى)
(قسا الزَّمَان وَفِي قسم النوائب لم ... يعدل فيا ويحه من قَاسم قاسي)
(لَكِن قصدتك والكريم قاصده ... مَا أَن يرد بخيبة وَلَا يأس)
(وَقد توسلت للْمولى بجاهك أَن ... يشد بالشرعة الْبَيْضَاء أمراسي)
(وَأَن يحسن أعمالي ومعتقدي ... فِيهِ ويكشف بلبالي ووسواسي)
(وَأَن يعاملني بِالْعَفو عَن زللي ... وَأَن يُبدل إقلالي بإقعاس)
(وَأَن يهيىء أَسبَاب السَّعَادَة لي ... حَتَّى أُنِيخ بِذَاكَ الْبَيْت عرماسي)
(إِذْ قلت من أم طيبتي وَمَات بهَا ... نَالَ الشَّفَاعَة فِي أهل وَفِي نَاس)
(صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا نفحت ... نوافح الزهر من دوح وأخياس)
(صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا اعتصمت ... بك الْخَلَائق من عَار وَمن كاس)
(صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا رمقت ... بيض الْقَرَاطِيس يَوْمًا سود أنقاس)
(والآل مَا قَالَ نشوان بحبهم ... أدر كؤوسك فالسراء فِي الكاس)
ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان أعزه الله من رِبَاط الْفَتْح فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف قَاصِدا مكناسة وَجعل طَرِيقه على زمور الشلح فَخَرجُوا إِلَيْهِ متذللين خاضعين متقربين إِلَيْهِ بالهدايا والضيافات فَضرب عَلَيْهِم الإتاوة والبعث فانقادوا ثمَّ دخل أعزه الله مكناسة ثامن عشر الشَّهْر الْمَذْكُور فَمَكثَ بهَا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ نَهَضَ إِلَى فاس فَمَكثَ بهَا أَيَّامًا يسيرَة كَذَلِك ريثما
(3/157)

اجْتمعت إِلَيْهِ الْجنُود وَخرج قَاصِدا بِلَاد وَجدّة وَبني يزناسن وَكَبِيرهمْ الْحَاج مُحَمَّد بن البشير بن مَسْعُود وَكَانَ خُرُوجه من فاس منتصف جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة فاجتاز بتازا وأناخ على قَبيلَة غياثة جاعلا الهضبة الْمَعْرُوفَة بِذِرَاع اللوز أَمَامه قبْلَة ووظف عَلَيْهِم الْمُؤْنَة قيل إِنَّه وظف عَلَيْهِم مائَة صَحْفَة من الْقَمْح وَالشعِير فدفعوا شَيْئا يَسِيرا وعجزوا وتعللوا بِأَن هَذَا الَّذِي جرت الْعَادة أَن يدفعوا للملوك من قبل وَكَانَت هَذِه الْقَبِيلَة لم يهجها هيج مُنْذُ قديم لتحصنهم بجبالهم وأوعارهم وَلَهُم استطالة على أهل تازا يركبونهم كل خسف فَظهر للسُّلْطَان أعزه الله قِتَالهمْ فَقَاتلهُمْ يَوْم الْخَمِيس أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور واقتحم عَلَيْهِم حصنهمْ الْمَعْرُوف بالشقة وَهُوَ خَنْدَق بَين جبلين فِيهِ وَاد وعَلى حافتيه بناءات ودور فَحرق ذَلِك كُله وهدمه وانتسف مَا فِيهِ من قَمح وشعير وأدام وَغير ذَلِك وَقطع مِنْهُم رؤوسا يسيرَة وَلما كَانَ الْغَد وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعشْرُونَ من الشَّهْر الْمَذْكُور ركب السُّلْطَان أيده الله وَركب مَعَه أهل الْمحلة إِلَّا قَلِيلا وَقدم المدافع والمهاريس أَمَامه واقتحم الشقة فَتَبِعَهُ النَّاس ودخلوا بِلَاد غياثة وتوسطوها وقاتلوا أَهلهَا فهزموهم وَالسُّلْطَان أَمَام الْجَيْش فِي موكبه فَسَار حَتَّى بلغ المداشر وَرمى عَلَيْهَا من الكور والبنب شَيْئا يَسِيرا وَكَانَت غياثة قد وضعت الكمائن على الأنقاب وشحنوها بالرماة وَتركُوا منفذا وَاحِدًا يُفْضِي إِلَى مهواة متلفة ذَات شقوق غامضة وأشجار شائكة وصخور متراكمة لَا يدْرك قعرها وَلَا يبصرها إِلَّا من وقف عَلَيْهَا وَلما وغل الْجَيْش فِي مَزَارِعهمْ ومداشرهم خرجت الكمائن من خَلفهم ورموهم عَن يَد وَاحِدَة بالرصاص فدهش النَّاس وتذكروا فعلهم الْقَدِيم من الانهزام عَن الْمُلُوك بِلَا مُوجب إِذْ لم يكن فِي شَوْكَة غياثة هَؤُلَاءِ وكثرتهم مَا ينهزم مِنْهُ ذَلِك الْجَيْش اللهام وَلَو تلبثوا يَسِيرا وقاوموهم لهزموهم فِي الْحَال كَمَا هزموهم أول مرّة وَلَكِن الْعَادة الْعَادة فَوَلوا مُدبرين لَا يلوون على شَيْء وتكاثر الرصاص على موكب السُّلْطَان حَتَّى سقط حَامِل الرَّايَة وجرح الْمولى عَرَفَة أَخُو السُّلْطَان وَقتل سَيِّدي مُحَمَّد بن الحبيب نقيب الْأَشْرَاف بالعدوتين وَأما الْجَيْش وقواده فَإِنَّهُم لما انْهَزمُوا صرفُوا وُجُوههم إِلَى المهواة
(3/158)

الَّتِي ذكرنَا وقصدوها على عمياء وَقد ارْتَفع دُخان البارود وغبار الْخَيل فتهافتوا فِيهَا تهافت الْفراش فِي النَّار لَا يعلم اللَّاحِق مَا وَقع بالسابق إِلَى أَن امْتَلَأت من الْخَيل وَالرِّجَال والأثاث وَمَا كَادَت وَكَانَ ذَلِك قَضَاء من الله وتمحيصا مِنْهُ فَهَلَك من النَّاس وَالْخَيْل مَا لَا يُحْصى وَبقيت أشلاؤهم ناشبة فِي تِلْكَ الأوعار تلوح مثل المجزرة وترجل السُّلْطَان أعزه الله عَن فرسه حَتَّى خلص من تِلْكَ الشقوق ثمَّ ركب وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ وراجعوا بصائرهم بعد الكائنة ثمَّ انشمر غياثة بعْدهَا إِلَى رُؤُوس الْجبَال وَتركُوا المداشر والجنات فاقتحهما السُّلْطَان بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة عَلَيْهِم فَلم يقف أَمَامه مِنْهُم أحد فعاث فِيهَا وحرقها وَجعلهَا حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس وَكتب أيده الله بذلك إِلَى الْآفَاق وَذكر فِي كِتَابه أَن الْخَيل وَالرُّمَاة قد انتسفوا بِلَادهمْ انتسافا ودوخوها أماما وخلفا حَتَّى أشرفوا على بِلَاد جيرانهم وأناخوا فِيهَا بكلكلهم وجرانهم ثمَّ توجه السُّلْطَان نَصره الله إِلَى نواحي وَجدّة فَانْتهى إِلَيْهَا أَوَائِل شعْبَان من السّنة فَتَلقاهُ بَنو يزناسن خاضعين تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم لكَوْنهم ثغرا من ثغور الْمُسلمين وعصبة تدخر لنصرة الدّين إِلَّا أَنه عزل عَنْهُم ولد البشير وَبعث بِهِ مسجونا إِلَى فاس وَولى عَلَيْهِم قوادا مِنْهُم من أهل الحزم والنجدة ووظف عَلَيْهِم قدرا صَالحا من المَال فشرعوا فِي دَفعه فِي الْحَال والتزموا رد مَا تعلق بذممهم من الْمَظَالِم وصلحت أَحْوَالهم واستقام أَمر تِلْكَ النَّاحِيَة وَلما قضى السُّلْطَان أعزه الله غَرَضه مِنْهَا قفل رَاجعا إِلَى فاس فَدَخلَهَا لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْمُعظم وَكتب بذلك إِلَى الْأَمْصَار يَقُول هَذَا وَقد كتبنَا لكم هَذَا بعد القفول من حركتنا السعيدة وحلولنا بحضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه بفاس بالفتوحات الجديدة والإنعامات المزيدة حُلُول عز وظفر وإسعاد وَنصر من لَدنه لم يكن بحيلة وَلَا استعداد وَذَلِكَ بعد الْفَرَاغ من تَرْتِيب تِلْكَ الْقَبَائِل وتطهيرها مِمَّا تعلق بهَا من الرذائل ونلنا بِفضل الله فِي هَذِه الْحَرَكَة من أثر الْخَيْر واليمن وَالْبركَة مَا أثلج الصُّدُور وحمدنا غبه فِي الْوُرُود والصدور وَتَركنَا أهل تِلْكَ النواحي وساكني جبالها والضواحي على أحسن مَا يكون صلاحا واطمئنانا وسلوكا للجادة المخزنية بِالْقَلْبِ والقالب سرا
(3/159)

وإعلانا وأبقينا طَائِفَة من جيشنا السعيد عِنْد قبائل الرِّيف زِيَادَة فِي الاطمئنان والتأليف بِقصد اسْتِيفَاء مَا بذممهم من الْوَاجِب واستخلاص مَا تعلق بهم من الْحُقُوق الَّتِي ألزموها ضَرْبَة لازب وَذَلِكَ كُله من تيسير الله ورفده وفضله على عَبده فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده فَأَما نَحن فَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة وَلَا أنصار مرجوة وَلَا نعتمد على عدَّة وَلَا عدد بل على فَضله تَعَالَى الْمعول وَالْمُعْتَمد عرفنَا الله حق النِّعْمَة وألهمنا شكرها وحمدها وأجرانا على عوائده الجميلة وفوائده الجليلة الَّتِي لَا يقدر قلم الواصف أَن يدْرك حصرها وَحدهَا وَقد اقْتضى نَظرنَا العالي بِاللَّه إعلامكم بذلك لِتَأْخُذُوا حظكم من الْفَرح بتأييد الله وَنَصره وتخلصوا فِي حمد نعمه الجزيلة وشكره وَالسَّلَام فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه اسْتمرّ السُّلْطَان أعزه الله مُقيما بفاس وجد فِي بِنَاء مقاصيره ومنتزهاته ببستان آمِنَة من فاس الْجَدِيد وَكتب أيده الله إِلَى وصيفه أَحْمد بن مَالك قَائِد الْجَيْش السُّوسِي بالمنشية من حَضْرَة مراكش أَن بيني لَهُ على الْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب الرئيس من الدَّار الْكُبْرَى بالحضرة المراكشية قبَّة فارهة ويبالغ فِي رَفعهَا وتنجيدها وتنميقها فشرع فِيهَا فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكُنَّا يَوْمئِذٍ نتولى إحصاء صائرها وصائر غَيرهَا من البناءات المراكشية فَكَانَ مَا صير على الْقبَّة وَحدهَا أَكثر من مائَة ألف مِثْقَال وَكَذَلِكَ بنى بمكناسة الْقبَّة الْعَظِيمَة الَّتِي طاولت السَّمَاء ترفعا وَذَهَبت فِي الجو صعدا بِحَيْثُ أشرفت على مَا حولهَا من بسيط سائس وَغَيره حَتَّى صَارَت مثلا فِي الطول والاشتهار وَبنى أعزه الله قبَّة عَظِيمَة حفيلة على ضريح الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الصَّالح ابْن الْمُعْطِي الشرقاوي بِأبي الْجَعْد فصير عَلَيْهَا أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف مِثْقَال تقبل الله مِنْهُ
وَفِي عَاشر شَوَّال من هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الناسك قَاضِي رِبَاط الْفَتْح أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن التهامي البريبري وَدفن بزاوية حنصالة من الْبَلَد الْمَذْكُور وَكَانَ رَحمَه الله من أمثل قُضَاة الْوَقْت وَمن المتحريين للعدل ولي
(3/160)

الْقَضَاء برباط الْفَتْح أَكثر من عشْرين سنة ثمَّ تخلى عَنهُ من غير عزل وَدخل دَاره فَلم يخرج بعد فَاحْتمل السُّلْطَان وَالنَّاس ذَلِك واعتقدوه وَاسْتمرّ حَاله على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور رحمنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من محرم مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب شَاعِر الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد أكنسوس المراكشي وَدفن قرب ضريح الإِمَام أبي الْقَاسِم السُّهيْلي خَارج بَاب الرب من مراكش وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من النَّاس وَهُوَ صَاحب كتاب الْجَيْش رَحمَه الله
وَفِي صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع عشر من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ولد لنا ولد سميناه مُحَمَّدًا الْعَرَبِيّ وَكَانَ من عَجِيب صنع الله أَنه ولد مختونا وَلذَا ذَكرْنَاهُ هُنَا وَهُوَ الْآن حَيّ أصلحه الله وأنبته نباتا حسنا وَجعله من عباد الله الصَّالِحين وَمن الْعلمَاء العاملين آمين وَفِي جُمَادَى الأولى من السّنة أَخذ السُّلْطَان أعزه الله فِي الاستعداد بالحضرة الفاسية للحركة اسْتِعْدَادًا لم يتَقَدَّم لَهُ مثله حَتَّى أَنه كتب إِلَى أَخِيه وخليفته بمراكش الْمولى عُثْمَان بن مُحَمَّد أَن يُوَجه إِلَيْهِ من الْعدة الرومية وَهِي مكاحل مركبة فِيهَا توافلها مَا قدرهَا ألف وسِتمِائَة وَعِشْرُونَ مكحلة تخرج أبخاشها بالحبة الرومية وَأَن يُوَجه إِلَيْهِ أَرْبَعمِائَة ألف وَعشرَة آلَاف من الْحبَّة الْمَذْكُورَة وَعشرَة قناطير من البارود وَمِائَة قِنْطَار من ملحه ومدفعين وَكتب أعزه الله إِلَى أُمَنَاء الصائر بِأَن يبعثوا إِلَيْهِ بثلاثمائة وَسِتِّينَ سرجا وسِتمِائَة كسْوَة من الملف للعسكر وَخَمْسَة عشر ألفا من الْبلْغَة وَمثلهَا من النعالة وَبعث أعزه الله عَمه الْمولى الْأمين بن عبد الرَّحْمَن إِلَى رِبَاط الْفَتْح لجمع عَسَاكِر الثغور وحشد قبائل دكالة وتامسنا والغرب وَبني حسن وَغَيرهم وَوجه أَخَاهُ الْمولى الْحسن الصَّغِير لحشد قبائل الدَّيْر والجيش المتفرق بهَا ثمَّ كَانَ خُرُوج السُّلْطَان من فاس إِلَى مكناسة أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما سَمِعت قبائل البربر بِخُرُوجِهِ ارتابت وحذرت وظنت كل قَبيلَة أَنَّهَا الْمَقْصُودَة ففرت مجاط وَبَنُو مطير إِلَى رُؤُوس الْجبَال
(3/161)

وفرت عرب عَامر من بني حسن إِلَى زمور الشلح وَكَانَ النَّاس يظنون أَن السُّلْطَان يَغْزُو فِي هَذِه السّنة برابرة الْجبَال والصحراء فَخرج الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك
وَفِي هَذِه الْمدَّة وَفد على السُّلْطَان أيده الله عدَّة باشدورات للآجناس مثل باشدور الفرنسيس والإصبنيول والبرتغال وَتكلم الفرنسيس فِي شَأْن بابور الْبر والتلغراف وإجرائهما بالمغرب كَمَا هما بِسَائِر بِلَاد الْمَعْمُور وَزعم أَن فِي ذَلِك نفعا كَبِيرا للْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَهُوَ الله عين الضَّرَر وَإِنَّمَا النَّصَارَى أجربوا سَائِر الْبِلَاد فأرادوا أَن يجربوا هَذَا الْقطر السعيد الَّذِي طهره الله من دنسهم نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ أَن يكْتب كيدهم ويحفظ الْمُسلمين من شرهم ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان نَصره الله من مكناسة فِي أواسط رَجَب فِي جمع وافر وعدة كَامِلَة فاجتاز بِبِلَاد زمور الشلح فأظهروا لَهُ غَايَة الطَّاعَة والخضوع وقدمت عَلَيْهِ وفودهم من كل جَانب رافعين أعلامهم وشارتهم وزينتهم الَّتِي يستعملونها فِي مواسمهم وأعيادهم وأدوا لَهُ من المَال والمؤن والضيافات مَا استكثر النَّاس ذَلِك وتحدثوا بِهِ ثمَّ زحف إِلَى عرب السهول من أَعمال سلا فأوقع بهم وشرد بهم من خَلفهم وَكتب أعزه الله فِي الْعشْرين من رَمَضَان إِلَى الْآفَاق يعلمهُمْ بِمَا أتاح الله لَهُ من الظُّهُور والنصر والسعادة وخضوع قبائل البربر لَهُ وتباريهم فِي طَاعَته وخدمته وبذلهم من الجباية مَا لم يَكُونُوا يبذلون الْقَلِيل مِنْهُ لغيره وَذكر فِي كِتَابه أَن ذَلِك كُله بمحض فضل الله ومجاري السَّعَادَة وَحسن السياسة من غير ضرب وَلَا طعن وَلَا سفك دم حَتَّى أَن قَبيلَة بني حكم قد أظهرُوا بعض الاعوجاج فَقَامَ إِلَيْهِم إخْوَانهمْ من زمور فَقومُوا اعوجاجهم حَتَّى فاؤوا إِلَى أَمر الله وَكفى الله السُّلْطَان أَمرهم ثمَّ ذكر فِي كِتَابه أعزه الله أَمر السهول وَأَنه بعد أَن أوقع بهم أَمر بِجمع فَلهم وَرَأى استصلاح كلهم تَأْمِين جلهم لعمارة بِلَادهمْ بهم رَجَاء نفع مَا تقدم من أدبهم
وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الرَّابِع عشر من شعْبَان من السّنة خسف الْقَمَر خسوفا
(3/162)

كليا بِحَيْثُ ذهب نوره واختفى شخصه حَتَّى لم ير مِنْهُ شَيْء وَبَقِي كَذَلِك نَحْو ساعتين ثمَّ أَخذ فِي التجلي شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن عَاد إِلَى امتلائه وَفِي هَذِه الْمدَّة قلت فلوس النّحاس بمراكش وأعمالها حَتَّى كَادَت تنعدم وَذَلِكَ بِسَبَب غلاء الريال الإفرنجي بمراكش ورخصه بفاس فَكَانَ صرفه بمراكش يَوْمئِذٍ بِثَلَاث وَسِتِّينَ أُوقِيَّة وَصَرفه بفاس بِثَلَاث وَخمسين أُوقِيَّة فَصَارَ التُّجَّار يجلبون فلوس النّحاس من مراكش إِلَى فاس ويصرفونها بالريال فيربحون فِي كل ريال نَحْو مِثْقَال وتمالؤوا على ذَلِك وتوفرت دواعيهم عَلَيْهِ حَتَّى قلت الْفُلُوس بمراكش وتقاعد النَّاس عَلَيْهَا لما فِيهَا من الرِّبْح وتعطل معاش الضُّعَفَاء بذلك وَلحق النَّاس ضَرَر كثير فَكَانَ الرجل يطوف بالبسيطة والريال فِي الْأَسْوَاق فَلَا يجد من يصرفهُ لَهُ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَن يَشْتَرِي من ضروريات معاشه مَا قِيمَته أقل من بسيطة واتصل الْخَبَر بالسلطان أعزه الله فَكتب فِي الْآفَاق يَأْمر النَّاس برد صرف الريال إِلَى الثَّلَاثَة مَثَاقِيل وَربع مِثْقَال فامتثل النَّاس ذَلِك وَنُودِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق فانعكس الْحَال على التُّجَّار وتقاعدوا على الريال والبسيطة وفاضت الْفُلُوس فِي الْأَسْوَاق حَتَّى صَارَت مُعَاملَة النَّاس لَيست إِلَّا بهَا وَحصل للتجار من الضَّرَر فِي رخص الريال مَا كَانَ حصل للضعفاء فِي قلَّة الْفُلُوس لِأَن التُّجَّار حِينَئِذٍ صَارُوا يبيعون سلعهم الَّتِي بذلوا فِيهَا الريال الغالي بالقراريط النحاسية الَّتِي صَار صرف الريال فِيهَا على النّصْف فَأمْسك النَّاس سلعهم وامتنعوا من بيعهَا وتعطلت الْمرَافِق أَو كَادَت فَكتب السُّلْطَان ثَانِيًا برد أسعار السّلع والأقوات على النّصْف مِمَّا كَانَت حَتَّى تحصل الْمُسَاوَاة بَين الْأَثْمَان والمثمنات فَنَشَأَ بذلك هرج كَبِير وضرر للنَّاس فِي معاشهم وأبى الله إِلَّا أَن تعود السِّكَّة إِلَى حالتها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقد بَينا الْعلَّة فِي ذَلِك قبل هَذَا وَأَن السكَك والأسعار لَا تزَال فِي الزِّيَادَة مَا دَامَت المخالطة مَعَ الفرنج تكْثر بكثرتها وتقل بقلتها
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث رَمَضَان من السّنة توفّي عَالم الْمغرب السَّيِّد الْمهْدي بن الطَّالِب ابْن سَوْدَة الفاسي كَانَ عَلامَة متقنا فصيحا عَارِفًا بصناعة الدَّرْس حسن الْإِيرَاد فِيهِ بِحَيْثُ فاق أهل زَمَانه يُقَال إِن لَهُ تآليف لَكِن لم
(3/163)

نقف على شَيْء مِنْهَا رَحمَه الله ثمَّ عيد السُّلْطَان عيد الْفطر من هَذِه السّنة بزبيدة من بِلَاد زعير وَلم يدْخل رِبَاط الْفَتْح على قربه مِنْهَا ووفدت عَلَيْهِ هُنَالك قبائل الْمغرب وَأهل الْأَمْصَار فَشَهِدُوا الْعِيد مَعَه وَأَجَازَهُمْ وكساهم على الْعَادة وَلما فرغ من أَمر الْعِيد عين عَامل رِبَاط الْفَتْح وَهُوَ الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مُحَمَّد السُّوسِي وَعين الْحَاج عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بريشاء التطاوني والحاج مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق ابْن شقرون الفاسي للذهاب إِلَى مادريد دَار ملك الإصبنيول بِقصد السفارة عَنهُ إِلَى دولتهم والمكافأة لَهُم على مَجِيء باشدورهم حَسْبَمَا مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَفَعَلُوا وعادوا بِحَيْثُ أدركوا عيد الْأَضْحَى من السّنة مَعَ السُّلْطَان أعزه الله بمراكش ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان بعد عيد الْفطر من زبيدة يؤم الْبِلَاد المراكشية فاجتاز بتادلا وَسكن قبائلها وأوقع ببني عُمَيْر وَقبض مِنْهُم على مَا يناهز أَرْبَعمِائَة مسجون سيقت فِي السلَاسِل والأغلال إِلَى السجْن وفر بَنو مُوسَى إِلَى رُؤُوس الْجبَال حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ السُّلْطَان على الْأمان ودخلوا فِي الطَّاعَة والتزموا الْخدمَة ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان أيده الله إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي عشر ذِي الْحجَّة من السّنة فَكَانَ بهَا عيد لم يعْهَد النَّاس مثله مُنْذُ قديم وَكتب إِلَى الْآفَاق يعلم النَّاس بِمَا من الله بِهِ من النَّصْر والتأييد وَالْفَتْح والعز المديد وَأقَام السُّلْطَان بمراكش فِي هَذِه الْمرة مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَكَانَت هَذِه السّنة من أَشد السنين على الْمُسلمين قد تعدّدت فِيهَا المصائب والكروب وتلونت فِيهَا النوائب والخطوب لَا أَعَادَهَا الله عَلَيْهِم فَكَانَ فِيهَا أَولا غلاء الأسعار وَكَانَ منشأه وابتداؤه من تثقيف السِّكَّة فِي آخر السّنة الْمَاضِيَة ثمَّ عقب ذَلِك انحباس الْمَطَر لم تنزل من السَّمَاء قَطْرَة وأجيحت النَّاس وَهَلَكت الدَّوَابّ والأنعام وعقب ذَلِك الْجُوع ثمَّ الوباء على ثَلَاثَة أَصْنَاف كَانَت أَولا بالإسهال والقيء فِي أوساط النَّاس بادية وحاضرة ثمَّ كَانَ الْمَوْت بِالْجُوعِ فِي أهل الْبَادِيَة خَاصَّة هلك مِنْهُم الجم الْغَفِير وَكَانَ إخْوَانهمْ يحفرون على من دفن مِنْهُم لَيْلًا ويستلبونهم من أكفانهم عثر بسلا على عدد مِنْهُم وَأمر
(3/164)

السُّلْطَان أعزه الله عُمَّال الْأَمْصَار وأمناءها أَن يرتبوا للنَّاس من الأقوات مَا ينتعشون بِهِ فَفَعَلُوا وَبعد هَذَا كُله حدث الوباء بالحمى فِي أَعْيَان النَّاس وأماثلهم فَهَلَك مِنْهُم عدد كثير وَفِي هَذِه المسغبة مد النَّصَارَى أَيْديهم إِلَى الرَّقِيق فاشتروه وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك أَنهم كَانُوا يعاملون ضعفاء الْمُسلمين وصبيانهم بالصدقات والإرفاقات ثمَّ تجاوزوا ذَلِك إِلَى شِرَاء الرَّقِيق مِنْهُم وَالْأَمر لله وَحده يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَكَانَ فِي أوائلها موت النَّاس بالحمى كَمَا قُلْنَا فَمَاتَ فِي الْمحرم مِنْهَا الْوَزير الْأَعْظَم أَبُو عمرَان مُوسَى بن أَحْمد وَكَانَ شعلة ذكاء وتمثال فطنة ودهاء غفر الله لنا وَله واستوزر السُّلْطَان مَكَانَهُ الْفَقِيه الْأَخير أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ بن الْمُخْتَار بن عبد الْملك الجامعي من بَيت الوزارة وَأهل العراقة فِيهَا ويبلغنا عَنهُ أَنه يحب أهل الْخَيْر ويلين جَانِبه للضعفاء وَالْمَسَاكِين وَيُحب السُّلْطَان وَينْصَح لَهُ ويغار على جَانِبه الْمُعظم وحماه الْمُحْتَرَم ويتجافى عَن الطمع الَّذِي هُوَ أصل كل مفْسدَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا سدده الله وَفِي ظهر يَوْم الْأَحَد عَاشر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي أَبُو بكر ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي مُحَمَّد عواد كَانَ رَحمَه الله من أهل الْمُشَاركَة فِي الْعلم والاعتناء بِهِ كثير الدَّرْس كثير التَّقْيِيد ختمنا عَلَيْهِ رَحمَه الله عدَّة كتب كبار جعلهَا الله فِي ميزَان حَسَنَاته مِنْهَا صَحِيح البُخَارِيّ نَحْو عشر مَرَّات وصحيح مُسلم ثَلَاث مَرَّات وشفاء القَاضِي عِيَاض مرَارًا وَكتاب الاكتفا لأبي الرّبيع الكلَاعِي مرّة وَأُخْرَى إِلَى غَزْوَة خَيْبَر وشمائل التِّرْمِذِيّ مرَّتَيْنِ بشرح أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم جسوس وإحياء الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ وعوارف المعارف للسهروردي وتآليف غَيرهَا من كتب النَّحْو وَالْفِقْه وَالْبَيَان وَالْكَلَام وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَبِالْجُمْلَةِ فقد انتفعنا عَلَيْهِ واستفدنا مِنْهُ رَحمَه الله ونفعنا بِهِ وَولي الْقَضَاء بعده الْفَقِيه الْعَالم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْجريرِي عرف بِابْن الْفَقِيه من بَيت الْعلم وَالدّين والصون وَهُوَ رَحمَه الله يتحَرَّى المعدلة فِي أَحْكَامه وينتهج صَرِيح الشَّرْع فِي جَمِيع أُمُوره سدده الله وكلاه وَتَوَلَّى
(3/165)

الخطابة بِالْمَسْجِدِ بعد شَيخنَا الْمَذْكُور شقيقه الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد عواد وَهُوَ مجيد فِي الخطابة وَمن أهل الْمُرُوءَة وَالدّين وَالْعلم وفقنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين لما يُحِبهُ ويرضاه وَفِي هَذِه الْأَيَّام استدعى السُّلْطَان أيده الله خديمه الْأمين الأرضى السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحَاج مُحَمَّد التازي الرباطي إِلَى حَضرته الْعَالِيَة بِاللَّه بمراكش فَقدم عَلَيْهِ الْأمين الْمَذْكُور وَأجل السُّلْطَان مقدمه وَأسْندَ إِلَيْهِ أَمر خراج الْمغرب ومراسيه ومستفاداتها وَمَا يتبع ذَلِك من صوائرها وفوض إِلَيْهِ فِي ذَلِك تفويضا تَاما لعلمه بنصحه وأمانته وَضَبطه وَهَذَا الرجل من أمثل أهل الْمغرب وأصدقهم وأنصحهم للسُّلْطَان وأشدهم غيرَة على الدّين والوطن حَتَّى لَو كَانَ فِي الدولة عشرَة رجال على شاكلته ومذهبه لَكَانَ يظنّ أَن يكون لَهَا بذلك النجاح التَّام نسْأَل الله تَعَالَى أَن يصلح أمرهَا ويشيد بمنه عزها وَفَخْرهَا وَفِي ربيع الثَّانِي من السّنة ورد أَمر السُّلْطَان أعزه الله على وُلَاة العدوتين أَن يوجهوا عددا من أمنائهم وعدولهم للْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بالمراسي المغربية فقدموا عَلَيْهِ بمراكش وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ أخونا فِي الله الْفَقِيه الْعَلامَة الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي بن خضراء السلاوي فَقَالَ قصيدة فِي مدح السُّلْطَان نَصره الله نَصهَا
(لبيْك لبيْك يَا خير السلاطين ... أدامك الله فِي عز وتمكين)
(دَعَوْت عَبدك فَاسْتَجَاب مبتدرا ... وَقد اناخ على الطير الميامين)
(يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مباركة ... أذكى وَأطيب من مسك ونسرين)
(ممرغا وجنتيه فارحا جذلا ... إِذا فَازَ مِنْك بتخصيص وَتَعْيِين)
(مؤملا راجيا بُلُوغ مقْصده ... مُسْتَبْشِرًا برضى بالنجح مقرون)
(يَا نجح سعيي وَيَا بشراي قد سعدت ... حَالي وفزت بتقريب وتأمين)
(من مبلغ معشري أَنِّي أويت إِلَى ... ظلّ مديد يُظِلنِي ويؤويني)
(ظلّ الْإِلَه على عباده وَكفى ... بِهِ كَفِيلا وذخرا للْمَسَاكِين)
(رب السماح فَمَا معن بن زَائِدَة ... وَأَيْنَ من راحتيه نهر سيحون)
(لله من ملك جلت مآثره ... عَن أَن يُحِيط بهَا حصر بتدوين)
(دَعَا الْمَعَالِي فانقادت ملبية ... يضيق عَن وصفهَا بطن الدَّوَاوِين)
(3/166)

(لَهُ السَّعَادَة قد أَلْقَت أزمتها ... وَالْفَتْح رائده فِي كل مَا حِين)
(وَبشر طلعته يسر ذَا حزن ... وَأَيْنَ مَا حل كَانَ خير مَيْمُون)
(حامي الشَّرِيعَة والرحمن ناصره ... ماضي الْعَزِيمَة لَا يرضى بتوهين)
(فِي كل قطر ثَنَاء عَنهُ منتشر ... أَي انتشار يفوق مسك دارين)
(سَاس الْعباد بتدبير ومعدلة ... وَأحسن الْأَمر فِي الدُّنْيَا وَفِي الدّين)
(وَلَيْسَ يعبأ بالدنيا وَزينتهَا ... لكنه بَين مَفْرُوض ومسنون)
(وطبق الأَرْض عدله وَنعمته ... مجاله بَين تسكين وتحسين)
(بسعده الغرب قد بَدَت محاسنه ... فجر ذيلا على بَغْدَاد والصين)
(وتاه مزدريا بِكُل مملكة ... يميس فِي حلل ذَوَات تلوين)
(نعم الإِمَام الْهمام المرتضى حسن ... فَخر الْمُلُوك سلالة السلاطين)
(السَّيِّد الْملك ابْن السَّيِّد الْملك ابْن ... السَّيِّد الْملك الْمَعْرُوف باللين)
(بَحر خضم مغيث سيد بَطل ... بُد الليوث وفرسان الميادين)
(دَانَتْ بِطَاعَتِهِ العدا بأجمعها ... مذ البست ملبس الصغار والهون)
(وفَاق من قبله حلما ومكرمة ... وسطوة بهرت أهل الأواوين)
(لَا غرو إِن نَالَ مَا فَاتَ الألى غبروا ... وشاد مَا عجزوا عَنهُ بتحصين)
(قد يدْرك الآخر الشأو الَّذِي قصرت ... عَنهُ الْأَوَائِل فِي ماضي الْأَحَايِين)
(تبَارك الله مَا أسمى مفاخره ... كسبا وَارِثا من الشم العرانين)
(وَلَا ترى الْغَرْس قد زكتْ أرومنه ... إِلَّا أَتَى الْفَرْع مِنْهُ فِي أفانين)
(يَا خير من أمه الراجي وَأكْرم من ... يثني عَلَيْهِ بمعرب وملحون)
(وَيَا ابْن خير الْأَنَام من نبوته ... لَهُ وآدَم بَين المَاء والطين)
(وَيَا ملاذ الورى يَا من سما كرما ... يَا نعْمَة عظمت يَا كنز مِسْكين)
(يَا منبع الْجُود يَا تَاج الفخار وَيَا ... مأوى العفاة وَيَا سلوان محزون)
(يَا من روى عَن أَبِيه رفع سؤدده ... يَا من أوامره إِلَيْهِ تَدعُونِي)
(وفدت ملتمسا رضاك يَا سندي ... وَلَيْسَ شَيْء سوى رضاك يرضيني)
(فأمنن عَليّ بعطفة تُصَاحِبنِي ... مدى الدهور وللعلى ترقيني)
(بقيت مَا شِئْت فِي عز ومقدرة ... ودمت فِي نعم بِحَق جبرين)
(3/167)

وَلما وقف السُّلْطَان أعزه الله على هَذِه القصيدة هزت من عطفه وَأمر أَن يسْأَل منشئها عَن مطلبه فاقترح أَن يُؤذن لَهُ فِي الْإِفْتَاء وَأَن يعْطى ظهيرا بالتوقير والاحترام وَأَن ينعم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي الاعتناء بِهِ فأنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان أعزه الله بِالْإِذْنِ فِي الْإِفْتَاء وبظهير الاحترام وَنفذ لَهُ راتبا من أحباس جَامع ابْن يُوسُف إِعَانَة لَهُ على الدَّرْس بِهِ ثمَّ كَانَ نهوض السُّلْطَان أيده الله من مراكش قَاصِدا بِلَاد الغرب غرَّة جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فاجتاز فِي طَرِيقه بتادلا وأناخ على قَبيلَة آيت أعتاب فأوقع بهم فِي أوعارهم وأعز معاقلهم وأوكارهم وَقطع مِنْهُم وَاحِدًا وَعشْرين رَأْسا ثمَّ زحف إِلَى بني مُوسَى فأدوا الطَّاعَة وَقَامُوا بواجبها ثمَّ سَار محفوفا بالنصر واليمن إِلَى أَن دنا من مكناسة الزَّيْتُون فزحف إِلَى بني مطير وَكَانَ شررهم قد استطار فِي تِلْكَ النواحي كل مطير فَإِنَّهُ لما سَافر السُّلْطَان نَصره الله عَن مكناسة سنة أَربع وَتِسْعين كَمَا مر زحف بَنو مطير هَؤُلَاءِ إِلَى عرب دخيسة وَأَوْلَاد نصير الَّذين أنزلهم السُّلْطَان بسايس وبوأهم إِيَّاه عوض مجاط وأوقعوا بهم وقْعَة شنعاء وَقد صبرت الْعَرَب فِي ذَلِك الْيَوْم صبرا جميلا حَتَّى أَن جمَاعَة مِنْهُم قد عقلوا أنفسهم فِي حومة الْحَرْب لِئَلَّا يَفروا وَقَاتل إخْوَانهمْ دونهم حَتَّى كثرهم البربر فقبضوا عَلَيْهِم بِالْيَدِ وضربوا أَعْنَاقهم وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو مِائَتَيْنِ وَهلك من البربر مثل ذَلِك أَو أَكثر وَلما انْهَزَمت الْعَرَب عمد بَنو مطير إِلَى مجاط فأنزلوهم بسائس على مَا كَانُوا عَلَيْهِ قبل ثمَّ انْطَلقُوا فِي الطرقات بالعيث والإفساد فِيهَا والنهب للمارة وَلم يدخروا شَيْئا من الشيطنة ليَوْم آخر وَكَثُرت الشكايات بهم على السُّلْطَان وَهُوَ بمراكش فَلَمَّا قدم أعزه الله قَدمته هَذِه لم يقدم شَيْئا على تأديبهم فَنَهَضَ إِلَى رَأس بِلَادهمْ ومزرعة فسادهم آكراي والحاجب وَغَيرهمَا وتقرى آثَارهم فِي تِلْكَ الْجِهَات حَتَّى جَاوَزت عساكره الْحَاجِب بمسايف كَثِيرَة وتوغلت البربر فِي قنن الْجبَال فَأمر السُّلْطَان أدام الله علاهُ بني مكيلد أَن يزحفوا إِلَيْهِم من نَاحيَة قبْلَة آكراي فزحفوا وانبثوا على حدودهم إِلَى غابة افقفاق الَّتِي هِيَ الْحَد بَين بني مكيلد وآيت شغروسن وآيت يوسي فحصروهم من تِلْكَ الْجِهَات ثمَّ نزل بإزائهم
(3/168)

آيت يوسي وآيت شغروسن وآيت عَيَّاش وآيت والان من جِهَة الشمَال وامتدوا امتدوا إِلَى حُدُود وَادي النجَاة وربط حذوهم من جِهَة الغرب وَرَاء وَادي النجَاة الْقَائِد الْعَرَبِيّ بن مُحَمَّد الشَّرْقِي الْمَدْعُو بَابا مُحَمَّد وَوصل جنَاحه عَلَيْهِم قبائل الغرب والحوز وَصَارَ بَنو مطير فِي مثل أفحوص القطاة وضاق بهم رحب الفضاء وأيقنوا بِالْهَلَاكِ والبوار ولفظتهم السهول والأوعار ونهبت الْجنُود زُرُوعهمْ الْقَائِم والحصيد واستخرجت من مخزونهم الْكثير والعتيد وَلما انْتهى الْحَال بهم إِلَى هَذِه الْغَايَة تطارحوا على السُّلْطَان بالشفاعات وَأَكْثرُوا من التوسل بالذبائح والعارات فرق لَهُم وأقلع عَنْهُم بعد أَن ألزمهم إِعْطَاء خَمْسمِائَة مَرْهُون ووظف عَلَيْهِم مائَة وَخمسين ألف ريال بعد أَدَاء الْحُقُوق ورد الْمَظَالِم وَشرط عَلَيْهِم إِخْرَاج قَبيلَة مجاط من بَين أظهرهم وضمنهم طَرِيق مكناسة وفاس وَجعل الْعهْدَة فِيهَا عَلَيْهِم جَريا على عَادَتهم الْقَدِيمَة من جعلهم النزائل بهَا والحراس فالتزموا ذَلِك كُله وأدوه وَبعد ذَلِك نَهَضَ السُّلْطَان عَنْهُم إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا أَوَاخِر رَجَب الْفَرد من السّنة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَنَهَضَ إِلَى فاس وَلما احتل بهَا فرق الجيوش فِي النواحي لجباية الزكوات والأعشار والوظائف المخزنية فانتهت السَّرَايَا والبعوث إِلَى آيت يزدق من برابرة الصَّحرَاء فأذعنوا وأدوا مَا كلفوا بِهِ من الزكوات والأعشار وَغَيرهَا وَإِلَى آيت يوسي وَغَيرهم فأطاعوا وأذعنوا إِلَّا آيت حلى وهم بطن من آيت يوسي فَإِنَّهُم انحرفوا عَن عاملهم وأبوا من أَدَاء مَا وظف عَلَيْهِم فأوقع بهم جَيش السُّلْطَان وَقَطعُوا مِنْهُم عددا من الرؤوس وَسَاقُوا مثلهَا من المساجين فعلقت الرؤوس بأسوار فاس وَبعد ذَلِك أذعن آيت حلى للطاعة فقبلهم السُّلْطَان أيده الله وألزمهم ولَايَة عاملهم الَّذِي كَانُوا منحرفين عَنهُ وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَاخِر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ كَانَ عيد المولد الْكَرِيم فاحتفل لَهُ السُّلْطَان على الْعَادة وَبعث إِلَى حَضرته صاحبنا الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن خضراء بقصيدة ميلادية يَقُول فِيهَا
(أمل المديح محبرا يَا منشد ... وأعده تطريبا فَذَلِك أَحْمد)
(هَذَا أَوَان مَسَرَّة وسعادة ... هذي اللَّيَالِي الغر هَذَا الْموعد)
(3/169)

(أَو مَا ترى علم الْبشَارَة لائحة ... أَو مَا تشاهد نورها يتَرَدَّد)
(هَذَا زمَان ظُهُور طلعة أَحْمد ... فِي عَالم الأجساد هَذَا المولد)
(طُوبَى لمن يروي غَرِيب حَدِيثه ... متأدبا ويعيده ويردد)
(طُوبَى لمن يقْضِي حُقُوق مديحه ... ويجيده نظما بديعا ينشد)
(فمديح خير الْخلق أعظم قربَة ... لكنه فِي ذَا الأوان مُؤَكد)
(يَا لَيْلَة مَا كَانَ أعظم قدرهَا ... مَعَ فجرها طلع النَّبِي مُحَمَّد)
(فاسرد شمائله الحسان وَمَا لَهُ ... من معجزات بِالنُّبُوَّةِ تشهد)
(وَاذْكُر عجائب مولد قرت بِهِ ... عين الْمُحب وضاق مِنْهُ الأحقد)
(وَاجعَل دعاءك للْإِمَام المرتضى ... إِن الدُّعَاء لَهُ لحق أوكد)
(واملأ بدر مديحه أسماع من ... حَضَرُوا لَدَيْهِ وضمهم ذَا المشهد)
(سَاس الرّعية صَادِقا فعنت لَهُ ... أُمَم وَقد كَانَت قَدِيما تشرد)
(من كَفه فاضت مواهب جمة ... فالكف مِنْهُ للعفاة المورد)
(طود أتآد شامخ ذُو همة ... علياء يقصر عَن علاها الفرقد)
(مَا جود حَاتِم طيىء مَا حلم أحنف ... إِن ذَا لَهو الْحَلِيم الأجود)
(أزكى الْمُلُوك أرومة وأجلهم ... قدرا وأسبقهم لأمر يحمد)
(باهى بِهِ الغرب الممالك فاغتدى ... مِنْهُ يغار قريبها والأبعد) وَمن آخرهَا
(مولَايَ يَا تَاج الْمُلُوك وفخرهم ... فليهنك الْعِيد الْأَغَر الأسعد)
(لله موسم مولد لَك عَائِد ... بمسرة مَوْصُولَة تتجدد)
(لَا زلت ممنوحا جلائل أنعم ... مَا اهتز فِي روض بهي أملد)
(لَا زلت محروسا بِعَين عناية ... مَا رنم الْحَادِي وَحبر منشد)
وَفِي ربيع الثَّانِي من سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورد كتاب السُّلْطَان أعزه الله على قَاضِي سلا بِتَعْيِين صاحبنا الشريف الأديب فلكي الْعَصْر أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن مُحَمَّد الجعيدي السلاوي للذهاب إِلَى مراكش برسم الْقيام على إحصاء صائر السُّلْطَان بهَا بَدَلا عَن الْفَقِيه أبي مُحَمَّد عبد الله بن
(3/170)

خضراء فامتثل الشريف الْمَذْكُور وسافر فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور ومدح جناب السُّلْطَان أسماه الله بِهَذِهِ القصيدة الَّتِي يَقُول فِيهَا
(لبيْك يَا منقذي من لجة الْعَدَم ... سعيا على الجفن لَا مشيا على الْقدَم)
(فَذا أَوَان سعود كنت أرصده ... وَذي مناي كَمَا فِي سَابق الْقدَم)
(فَهُوَ المرام وكل الْعِزّ يعقبه ... وَلَا يُحَال بِأَنِّي أَحْقَر الخدم)
(قصدت أعتاب ملك شامخ بهج ... يقري الضيوف ويغني صَاحب الْعَدَم)
(أنزلت رحلي بهَا وَعِنْدهَا أملي ... وَهل يخيب نزيل الْجُود وَالْكَرم)
(شمرت عَن ساعدي وَالْأُذن وَاعِيَة ... فهاب أهل الحسام سطوة الْقَلَم)
(أرْضى بِذَاكَ الَّذِي أَضَاء مغربنا ... بعدله فغدا يميس فِي نعم)
(أزكى الْأَئِمَّة شِيمَة وأرفعهم ... قدرا وأسبقهم لكل مغتنم)
(أميرنا الْحسن الْمَحْمُود سيرته ... تروع صولته الْأسود فِي الأجم)
(نجل السلاطين قد أَحْيَا مآثرهم ... ونال مَا عجزت عَنهُ ذَوُو الهمم)
(قد شاد للدولة الغراء مفخرها ... فَسَاد عِنْد مُلُوك الْعَرَب والعجم)
(تَاج الْمُلُوك وفخرهم وسيدهم ... وَخير من قد مضى فِي غابر الْأُمَم)
(قد لاحظته السُّعُود وَهِي فِي شرف ... وكل نحس عداهُ وَهُوَ عَنهُ عَم)
(النَّصْر سابقه والسعد قائده ... وَالْفَتْح يَخْدمه من جملَة الخدم)
(والجود سيرته والحلم حليته ... وَالْجد عَادَته فاحذر من النَّدَم)
(لَيْث إِذا مَا أحس الْحَيّ سطوته ... ألقوا سِلَاحهمْ مَخَافَة النقم)
(غيث إِذا الأَرْض يَوْمًا مَسهَا عَطش ... غوث توسل بِهِ لبارىء النسم)
(مدير عَالم مفكر فطن ... ومفحم باهر بأفصح الْكَلم)
(كل الفهوم لَهُ أَلْقَت أزمتها ... ونوره يَهْتَدِي بِهِ لَدَى الظُّلم)
(بهَا يُقَاوم من بغى ويدمغه ... بهَا يدافع أهل الريب والتهم)
(كم دبر الرّوم من كرّ وَمن حيل ... توجو النجاح بهَا والنجح فِي عقم)
(يرى بِنور حجاه كل عَاقِبَة ... وَعين تَدْبيره لِلْأَمْرِ لم تنم)
(فصل الْخطاب حباه الله مكرمَة ... وَحِكْمَة عظمت من أبدع الحكم)
(فاطلب رِضَاهُ وَدم على محبته ... مدا الدهور وجانب دَاعِي السأم)
(3/171)

(فَهُوَ المنى لِذَوي الحجا وبغيتهم ... وسيب يمناه مثل الزاخر العرم)
(يدني الْأُصُول إِلَى نيل الْوُصُول ويحيينا ... بنعمته كالأرض بالديم)
(مَا زَالَ يحيى بهَا بِلَاد مغربنا ... فاقرع بصدقك بَاب الْجُود تغتنم)
(واسلك سَبِيل الصَّفَا تنَلْ بِهِ شرفا ... وَاقْبَلْ نصيحة من حباك واستقم)
(يَا غَايَة الْقَصْد إِنِّي رَاغِب طرب ... مستمسك بجوار مِنْك لم يضم)
(مولَايَ يَا من مزاياه وأنعمه ... فِي النَّاس أشهر من نَار على علم)
(مولَايَ أَنْت الَّذِي تغني الضَّعِيف إِذا ... مَا الدَّهْر أفْضى بِهِ لقبضة الْهَرم)
(بِشِرَاك إِن الفرنج سَوف يُدْرِكهَا ... مِنْكُم صغَار بِهِ تداس بالقدم)
(فَأَنت ذُو مدد وهم ذَوُو نكد ... وَأَنت ذُو جذل وهم ذَوُو غمم)
(مولَايَ جد برضاك لي وَخذ بيَدي ... واحرس جنابي بِهِ من سَائِر الْأَلَم)
(وَاجعَل ثِيَاب الرضى سترا عَليّ وَلَا ... يرى بِهِ حَبل عروتي بمنفصم)
(فها أَنا ذَاك عِنْد بَاب سيدنَا ... أَرْجُو قبولا ووصلا غير منصرم)
(أبقاك رَبك فِي عز ومكرمة ... بِاللَّه أَمرك نَافِذ على الْأُمَم)
(أدامك الله مَنْصُور اللِّوَاء على ... كل الأعادي وَلَا بَرحت فِي نعم)
وَفِي آخر هَذِه السّنة ورد كتاب السُّلْطَان أيده الله باستدعاء صاحبنا أبي مُحَمَّد بن خضراء الْمَذْكُور آنِفا لتوليته خطة الْقَضَاء بِحَضْرَة مراكش فامتثل ووفد على أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله علاهُ بِحَضْرَتِهِ السعيدة من فاس المحروسة بِاللَّه فولاه الْقَضَاء بمراكش وَسَار إِلَيْهَا وَهُوَ الْآن بهَا مَحْمُود السِّيرَة حسن السريرة سدده الله وكلاه وَقَالَ فِي وفادته على الحضرة الشَّرِيفَة قصيدة يمدح بهَا الجناب المولوي وَنَصهَا
(لبيْك دمت مؤيدا ومظفرا ... وَلَك الْكَمَال كَمَا تشَاء موفرا)
(وافى خديمك أَمرك العالي الَّذِي ... فِي ضمنه إسعاده بَين الورى)
(إِذْ خص دونهم بأشرف دَعْوَة ... يَا سعد من أضحى بهَا مُسْتَبْشِرًا)
(فَأجَاب مبتدرا إِجَابَة صَادِق ... لم يلهه أهل وَلَا حب الذرى)
(وطوى المراحل كي يحل بِحَضْرَة ... يلقى بهَا وَجه الْأَمَانِي مُسْفِرًا)
(3/172)

(فبدت لَهُ الدَّار المنيفة يَا لَهَا ... دَارا أعز حمى وأبهى منْظرًا)
(ونحا الجناب المستجار بظله ... وأناخ فِيهِ خاضعا ومعفرا)
(يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مختارة ... أذكى من الْمسك الذكي وأعطرا)
(ويمد كفيه بِصدق دَاعيا ... لَك بِالْبَقَاءِ مهنئا وَمُبشرا)
(ويجيد شكر مواهب أوليتها ... كرما وَحقّ لمثلهَا أَن يشكرا)
(وَيُعِيد ذكر محَاسِن أوتيتها ... ويصوغ مدحك صوغ تبر أحمرا)
(ويروم إقبالا عَلَيْهِ بالرضى ... يَا فوزه إِن بالرضى هُوَ بشرا)
(إِن ناله نجحت لَهُ آماله ... وَدنت مناه وارتقى واستبشرا)
(يَا من يؤمل رفْعَة وسعادة ... يمم حمى الْمولى الْهمام لتظفرا)
(ملك عَظِيم الْقدر جلّ كَمَاله ... عَن أَن تعد خصاله أَو تحصرا)
(ملك كريم الطَّبْع عز مِثَاله ... خلقا كَرِيمًا لم يضاه ومفخرا)
(ملك جزيل الْفضل عَم نواله ... كل الْأَنَام وفَاق غيثا ممطرا)
(ملك أَفَاضَ على الرّعية خَيره ... وأنامهم فِي ظله متبصرا)
(ملك جميل سياسة وسريرة ... وَيدل ظَاهره على مَا أضمرا)
(ملك ترقى فِي سَمَاء مَكَارِم ... فغدا بِهِ أفق المكرم مقعرا)
(ملك رَحِيم خاشع متواضع ... وَيرى اكْتِسَاب الْحَمد أربح متجرا)
(قرت بِهِ عين الْخلَافَة واغتدى ... من سعده ذَا الْقطر أنعم أزهرا)
(من أهل بَيت الْمُصْطَفى أكْرم بِهِ ... نسبا شريفا مَا أجل وأطهرا)
(جمع المفاخر مكسبا ووراثة ... وحوى مآثر حَقّهَا أَن تؤثرا)
(ماضي الْعَزِيمَة فِي الْأُمُور مُسَدّد ... فِي رَأْيه الميمون لَيْسَ مقصرا)
(قل للمحاول شأوه فِي مجده ... أَو رفده أَو حلمه أطرق كرا)
(هَذَا همام لَا يشق غباره ... هَذَا همام لن يجارى إِن جرى)
(مولَايَ يَا أزكى الْأَئِمَّة شِيمَة ... وافيت بابك أَبْتَغِي مِنْك القرا)
(لَا أَبْتَغِي إِلَّا الرضى وَكفى بِهِ ... فأنلني الْحَظ الجزيل الأوفرا)
(مولَايَ مَا عِنْدِي إِلَيْك هَدِيَّة ... إِلَّا مديحك هاك مِنْهُ جوهرا)
(نظمته فكرة مخلص متودد ... خُذْهُ إِلَيْك منظما ومحبرا)
(3/173)

(لَا زلت فِي نعم تدوم ونصرة ... وسعادة لَا زلت أَنْت الأكبرا)
(لَا زلت فِي حلل الْعِنَايَة رافلا ... لَا زلت فِي ملك كَبِير أبهرا)
وَاعْلَم أَن الأمداح فِي جناب هَذَا الْملك الْجَلِيل الشريف الْأَصِيل كَثِيرَة والقصائد المفصحة عَن علو قدره وشموخ مجده وفخره شهيرة خطيرة لَا سِيمَا لِأَصْحَابِنَا السلاويين مِمَّن ذَكرْنَاهُ مِنْهُم وَمِمَّنْ لم نذكرهُ وَلَوْلَا خوف الإطالة لأثبتنا من ذَلِك مَا يزرى بالحبر ويفصح بالذكرى والعبر وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله يَجْزِي كلا بنيته وخلوص طويته
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا تَجَدَّدَتْ الشُّرُوط بَين السُّلْطَان أعزه الله وَبَين أَجنَاس الفرنج فِي سَبِيل تَأْكِيد المهادنة وجلب نفع التِّجَارَة وَكَانَ من جُمْلَتهَا أَن النَّصَارَى وَأهل حمايتهم يلزمون بغرامة الْوَظَائِف المخزنية الْمرتبَة على الْأَبْوَاب كَسَائِر رعية السُّلْطَان وَقدر ذَلِك الوظيف سِتَّة بلايين لكل حمل وَفِي هَذِه الْمدَّة الَّتِي هِيَ أواسط السّنة الْمَذْكُورَة أَخذ السُّلْطَان أعزه الله فِي التأهب للحركة والنهوض من مكناسة الزَّيْتُون قَاصِدا حَضْرَة مراكش الْحَمْرَاء فاحتلها فِي آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَعِيد بهَا عيد الْأَضْحَى
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا تحرّك السُّلْطَان أعزه الله لغزو بِلَاد السوس الْأَقْصَى فَأخذ فِي التأهب والاستعداد لذَلِك وَأمر قبائل دكالة وتامسنا بِحمْل الْقَمْح وَالشعِير والتبن إِلَى مرسى الجديدة ومرسى الدَّار الْبَيْضَاء ليحمل مِنْهُمَا فِي المراكب إِلَى سَاحل السوس الْأَقْصَى بِقصد إرفاق الْجَيْش وإعانته وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن جنس الإصبنيول كَانَ متشوفا لتملك بعض المراسي السوسية مُنْذُ انْعِقَاد الْهُدْنَة مَعَه عقب حَرْب تطاوين وَكَثِيرًا مَا كَانَت مراكبه الحربية والتجارية تَتَرَدَّد إِلَى تِلْكَ النواحي فيستهوي أَهلهَا بِأَسْبَاب التِّجَارَة ونيل الأرباح فَرُبمَا سكنوا إِلَيْهِ وَرُبمَا نفروا مِنْهُ وَتكلم السُّلْطَان أعزه الله مَعَ كبرائهم فِي ذَلِك فاحتجوا بِأَن صلح تطاوين كَانَ منعقدا على فتح بعض المراسي السوسية وَأَنَّهُمْ الْآن قد عزموا على الْأَخْذ بشرطهم
(3/174)

الْمَذْكُور وَإِلَّا أفْضى الْحَال إِلَى مَا لَا يَلِيق فَرَأى السُّلْطَان أعزه الله أَن من الْوَاجِب أَن ينْهض إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد ليباشر أمرهَا بِنَفسِهِ لَا سِيمَا وَكَانَ أَهلهَا قد بعد عَهدهم بإجراء الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِيمَا بَينهم على مقتضياتها فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَانْتهى مِنْهَا إِلَى قرب وَادي نول ومهد أقطارها وَولى على أَهلهَا الْقُضَاة والعمال وَاتخذ هُنَاكَ مرسى للوسق والوضع تسمى آساكا وَكتب فِي ذَلِك كتابا لولاة الْمغرب يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح أما بعد فَإنَّا لما نهضنا من مراكش بحول الله وقوته وسطوته الباهرة وصولته وجيوش الله المظفرة موفورة وَجُنُوده سُبْحَانَهُ مقطورة وأعلامها منشورة منصورة نهضة مُعْتَمد على مَوْلَاهُ متقلد لما قذف فِي قلبه فأبداه متمسك بعروته الوثقى الَّتِي من استمسك بهَا بلغ مناه وانتهينا بمعونة الله لمبدأ هَذِه الأقطار السوسية وامتطينا صهوتها وَهِي ذلولا فِي ربوع الْيمن ساعيه وبنود الله خافقة على مفارق الظفر وبذرى الْمجد سامية تواردت على حضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه الْوُفُود متناسقة متتابعة وانتظمت فِي سلك السّمع وَالطَّاعَة والخدمة الجامعة فتسارعوا إِلَى مَا إِلَيْهِ دعوا وتلقوه تلقي الظمآن فنهلوا وكرعوا وأوقدوا لوفود كبرائهم وأعيانهم وأشياخهم مصباحا واستضاؤوا بضياء نور الله غدوا ورواحا ومدوا أَعْنَاق الإذعان وبسطوا أَيدي المسالمة والإبقاء عَلَيْهِم والامتنان بعد مَا كَانَت قد بلغت مِنْهُم الْقُلُوب الْحَنَاجِر وارتعدت فرائصهم من هَيْبَة الله ثمَّ اطْمَأَن الْبر وشرق الْفَاجِر وانتهبت أجفان المراسم المخزنية الَّتِي عفت بعد نومتها فَانْظُر إِلَى أثر رَحْمَة الله كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وصرفنا إِلَيْهِم عنان التَّرْتِيب بعد أَن وطأنا لَهُم كنف الترحيب فبوأنا من توسمنا فِيهِ الْأَهْلِيَّة للتولية على إخوانه مهادا وقلدناه أَمرهم جمعا وفرادى وضربنا للْكُلّ فِيهَا على مُقْتَضى السياسة بمعونة الله بِسَهْم مُصِيب وأرعيناه من مربع خدمتنا الشَّرِيفَة المرعى الخصيب حَتَّى وَقع التَّمَكُّن من أزمتهم وأجلسنا خاصتهم وعمالهم على أسرتهم فاتصلت بهم المخزنية اتِّصَال الْأَرْوَاح بالأجساد واستنارت هَذِه الأرجاء بِنور الله اسْتِنَارَة عَمت الْحَاضِر والباد فأدوا من الطّرف والهدايا مَا فِيهِ غنية لمن ركب متن المزايا
(3/175)

مَعَ كَون الْبِلَاد لم تنْكح بالمخزن مُدَّة من السنين تنيف على عدد السِّتين وَلَو لم ننل من هَذ الْفتُوح الباهرة بِفضل الله إِلَّا عشرا لَكَانَ فِي جنب من قدم عَهده بالمخزنية كثرا ولكان مَا عودنا سُبْحَانَهُ إِلَّا الْجَمِيل إِذْ هُوَ الْمُتَصَرف الْغَنِيّ القاهر الْقوي الْكَفِيل وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل ثمَّ ولينا عَلَيْهِم من الْقُضَاة من فيهم الْكِفَايَة لإِقَامَة شرائع الدّين وَلم نأل جهدا فِي انتخابهم من أمثل المقلدين علما بِأَن الشَّرْع عَلَيْهِ المبنى وَبِه يعمر المغنى ويغزر الْحس وَالْمعْنَى ثمَّ تطارح شرفاؤهم ومرابطوهم على أَعلَى جنابنا بإقرارهم على عوائدهم وإبقائهم على أعرافهم ومحاتدهم الَّتِي عِنْدهم عَلَيْهَا ظهائر أسلافنا المقدسين أَئِمَّة الْمُسلمين وأمراء الْمُؤمنِينَ وَكَذَا ظهائر من غبر من الْمُلُوك الْمُتَقَدِّمين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فانتهجنا نهجهم وسمكنا بحول الله أوجهم وساعدناهم فأقررنا وجددنا لكل ظهيره وأجريناه على مَا أسس لَهُ من الْمجد وجعلناه نجيه وسميره وَحَيْثُ كَانَ الْقَصْد الأهم من هَذِه الوجهة الْمُبَارَكَة هُوَ حماية ذمار هَؤُلَاءِ الْمُسلمين والدفاع عَن بِلَادهمْ ورقابهم وَأَمْوَالهمْ مِمَّا طمحت إِلَيْهِ نفوس المؤملين وَكَانَ ملاك ذَلِك هُوَ فتح المرسى بوادي نول بِمحل يُسمى آساكا بِأَرْض قبيلتي تكنة وآيت باعمران إِذْ بِفَتْحِهَا يَسْتَقِيم أَمر الدفاع ويسهل على أهل ذَلِك الْمحل البيع والابتياع يَقِينا بِأَن سد أَبْوَاب الضَّرَر من الْأَمر المحتوم وإرشاد الضال فِي الشَّرْع من الْمُقَرّر الْمَعْلُوم تسابق القبيلتان المذكورتان اللَّتَان تلقيتا جنابنا العالي حِين عبرنا وَادي والغاس وقصدنا بجيوش الله بِلَادهمْ قصد طَبِيب آس فتلقوا رِكَابنَا السعيد بِمحل يعرف بآمصاو قرب مرسى تسمى باكلو إِذْ هُوَ الطّرف الموَالِي لآيت باعمران الْمُسَمّى بالسَّاحل وَإِلَيْهِ شدت هَذِه المراحل وَبَين آمصاو وَمحل المرسى الَّذِي أُرِيد فَتحه مرحلتان وبثلاث عشرَة سَاعَة ميقاتية مقدرتان فَأتوا بشرفائهم وفقهائهم ومرابطيهم وأعيانهم وأشياخهم المالكين لقيادهم فقوبلوا بِمَا قوبل بِهِ أمثالهم وناسب أَن يَتَّصِف بِهِ حَالهم ثمَّ ولينا عَلَيْهِم عدَّة من الْعمَّال جعلناهم بحول الله عدَّة فِي تِلْكَ الْأَعْمَال وَحِينَئِذٍ وَقع الْكَلَام مَعَهم فِي شَأْن المرسى فامتثلوا مَا أمرناهم بِهِ من فتحهَا امْتِثَال
(3/176)

من أضحى يتقلب فِي رضَا الله وَرَسُوله وَأمسى ثمَّ وجهنا مَعَهم سَرِيَّة من أَعْيَان الْجَيْش مُعْتَبرَة وَمَعَهُمْ من الْفُقَهَاء والمهندسين من يعْتد بهم فِي رسم تِلْكَ المرسى وتخطيطها على نهج الْقَوَاعِد المقررة والأعمال المحررة اقْتضى الْمقَام وَالْحَال تسبيقها رفقا بعباد الله واعتبارا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد قضى الْغَرَض ووهبه وأسداه وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله قل إِن الْفضل بيد الله وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله ثمَّ أَقَمْنَا فِي الْمحل الْمَذْكُور لانتظارهم فِي تشييد منارهم فَإِن انقلبوا بِالْمَقْصُودِ فَالْحَمْد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَإِن لم يشفوا الغليل شددنا بحول الله لذَلِك المرسى عَزمَات الرحيل وقطعنا تِلْكَ المفازات هَذَا وَقد نصبنا قائدا من قواد جيشنا السعيد مُخْتَارًا من ذَوي الرَّأْي السديد وأقمناه بقصبة تيزنيت مَحل المخزن فِي الْقَدِيم بِقصد أَن يكون إِعَانَة لسَائِر عُمَّال الْقطر السُّوسِي من وَادي والغاس إِلَى مُنْتَهى وَادي نول وكليميم يتفاوضون مَعَه فِيمَا عَسى أَن يعرض لَهُم من الْمُهِمَّات وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المخزن بَعيدا عَن هَذِه الشرفات بعد مَا عرفناهم بِأَنا أقمناه مشرفا للتفاوض مَعَه وبصيرة على مَا قصدنا من فتح ذَلِك المرسى إيثارا للنعمى ودفعا للبؤسى فَفَرِحُوا بذلك فَرح الظمآن الْوَارِد والضال الْوَاجِد وَوَقع الْإِشْهَاد عَلَيْهِم بِكُل مَا فصلناه وأبرم عقده مَعَهم على نَحْو مَا رسمناه فَكَانَ ذَلِك تَمام الْعَمَل الَّذِي قصدناه والمورد الَّذِي أردناه وانتحيناه وَالله تَعَالَى يخلص فِي ذَاته الْعَمَل وَيجْعَل هَذِه الوجهة الْمُبَارَكَة بفضله ومنته من الْجِهَاد المتقبل إِنَّه جواد كريم متفضل غَنِي حَلِيم وَالسَّلَام فِي متم شعْبَان عَام تِسْعَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله
وَفِي أَوَاخِر صفر سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَألف قَامَ نواب الإصبنيول من مراسي الْمغرب الْأَقْصَى بعد أَن أَقَامُوا بهَا نيفا وَعشْرين سنة لِاسْتِيفَاء مَا وَقع الصُّلْح عَلَيْهِ فِي حَرْب تطاوين وَكَانَ جملَة المَال الْمصَالح عَلَيْهِ عشْرين مليونا من الريال الْكَبِير وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله قد دفع مِنْهُ عشرَة ملايين مُعجلَة وَالْعشرَة الْبَاقِيَة هِيَ الَّتِي استوفاها الإصبنيول فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة أَقَامَ أمناءه مَعَ أُمَنَاء السُّلْطَان بمراسي الْمغرب
(3/177)

فَكَانَ كل فريق يَسْتَوْفِي نصف الدَّاخِل حَتَّى تمّ الْعَمَل وَفِي صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الشَّيْخ الْمنور الذاكر الخاشع أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْهَاشِمِي الطَّالِبِيُّ من صلحاء أهل سلا وَكَانَت وَفَاته فَجْأَة تعشى تِلْكَ اللَّيْلَة عشَاء خَفِيفا على عَادَته وَصلى الْعشَاء وتلا أوراده مُنْفَردا فِي بَيته كَمَا كَانَ يفعل ثمَّ أصبح مَيتا من غير أَن يحضرهُ أحد وَكَانَ قد ناهز الثَّمَانِينَ وشاخ وابيضت لحيته وَرَأسه وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من أهل العدوتين سلا والرباط وازدحموا على نعشه وتناوبوه تبركا بِهِ وَصلى عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الْأَعْظَم من سلا عقب صَلَاة الظّهْر وَدفن بِالْبَيْتِ القبلي من دَاره وَتردد الطّلبَة إِلَى قَبره مُدَّة لقِرَاءَة الْقُرْآن والبردة وَغَيرهَا من الأمداح وَعظم مصاب النَّاس بِمَوْتِهِ وَكَيف لَا وَقد كَانَ مِصْبَاح العدوتين بل وَغَيرهمَا فِي زَمَانه مَعَ مَا اكرمه الله تَعَالَى بِهِ من التَّوَاضُع وَحسن الْخلق ولين الْجَانِب مَعَ النَّاس بِحَيْثُ لم يعْهَد ذَلِك وَلم يرو إِلَّا عَن السّلف الصَّالح وَمن سلك سبيلهم من أمثالهم رَضِي الله عَنْهُم وَكَانَ مَجْلِسه مجْلِس علم وحياء وَوعظ وَذكر للأولياء وَالصَّالِحِينَ وسيرهم وأخبارهم لَا يسمع فِي مَجْلِسه لَغْو وَلَا خوض فِي دنيا إِنَّمَا هُوَ سرد الْأَحَادِيث وأخبار الصَّالِحين وَنَحْو ذَلِك محافظا على الصَّلَوَات وَقيام اللَّيْل والأذكار وبذل الْمَعْرُوف وَالْأَمر بِهِ مَا أمكن وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ فِي سيرته وأخلاقه على مُقْتَضى السّنة النَّبَوِيَّة وآثار السّلف الصَّالح رَضِي الله عَنْهُم ونفعنا بمحبتهم ومحبة أمثالهم آمين وَبعد غرُوب الشَّمْس من لَيْلَة الْجُمُعَة فاتح ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة البارع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْمدنِي كنون عَالم فاس وَالْمغْرب وَصلى عَلَيْهِ عقب صَلَاة الْجُمُعَة بِجَامِع الأندلس من فاس حرسها الله وَدفن بالموضع الْمَعْرُوف بالقباب وَكَانَ رَحمَه الله فَقِيها عَالما متضلعا قولا بِالْحَقِّ صادعا بِهِ لَا يهاب فِي ذَلِك كَبِيرا وَلَا صَغِيرا وَلَقَد امتحن فِي ذَلِك من قبل السُّلْطَان فَلم يفل ذَلِك من غربه وَلم يوه من صرامته وَلَا حَده وَله عدَّة تآليف من أحْسنهَا اخْتِصَار حَاشِيَة الرهوني على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل جدد الله عَلَيْهِ الرحمات آمين
(3/178)

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَألف فَفِي لَيْلَة الْعشْرين من صفر مِنْهَا وَقع فِي النُّجُوم تناثر كَبِير وَرمي شَدِيد تشريقا وتغريبا وَغير ذَلِك على خلاف الْمُعْتَاد حَتَّى لقد أذكرت قَول بشار بن برد الْأَعْمَى فِي وصف الْحَرْب
(كَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
ودام ذَلِك من وَقت الْغُرُوب إِلَى نصف اللَّيْل وَفِي هَذِه الْأَيَّام كَانَت بَين جيوش الرجل الْمَنْصُور الْقَائِم بِبِلَاد الْحَبَشَة والنوبة المتسمي بالمهدي وَبَين جَيش النجليز حروب عَظِيمَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا وَكَانَ للمهدي الْمَذْكُور على النجليز غَايَة النَّصْر والظهور وَلَوْلَا أَن التَّعَرُّض لخبره لَيْسَ من مَوْضُوع الْكتاب لشرحت ذَلِك فَإِن أمره عَجِيب جدا وَفِي أواسط ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ورد أَمر السُّلْطَان أيده الله بتسريح مَا كَانَ موظفا على أَبْوَاب المدن والقرى مِمَّا كَانَت تُؤَدِّيه الْعَامَّة على أحمال السّلع والتجارات من المكوس وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عَامل سلا وقته بِمَا نَصه بعد الِافْتِتَاح والطابع الْمُشْتَمل على اسْم السُّلْطَان أيده الله خديمنا الأرضى الْحَاج مُحَمَّد بن سعيد السلاوي وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبعد فقد شرح الله صدرنا لرفع الْعَطاء فِي سَائِر الْأَبْوَاب بالمدن والمراسي عَن كل مَا يمر بِهِ عَلَيْهَا دَاخِلا وخارجا وأصدرنا أمرنَا الشريف لأمين المستفادات بثغر سلا المحروس بِاللَّه كَغَيْرِهِ بإنهاض المشترين لأبوابه الجالسين للقبض بهَا والمتصرفين فِي شؤونها لحَال سبيلهم وإعمال الْحساب مَعَ مشتريها الْمَذْكُورين على مَا تصرفوا فِيهِ إِلَى يَوْم الإنهاض وتوجيه الْقَائِمَة بذلك لحضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه وَغير الْأَبْوَاب من الْأَمَاكِن الْمُعْطى فِيهَا وَعَلَيْهَا تبقى على حَالهَا حَتَّى نَنْظُر فِي أمرهَا بحول الله وأعلمناك لتَكون على بَال وَالسَّلَام فِي ثَانِي ربيع الأول عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف وَلما ورد هَذَا الْكتاب فَرح النَّاس بِهِ ودعوا للسُّلْطَان بالنصر والتأييد من خَالص نياتهم نطلب الله تَعَالَى أَن يتمم نعْمَته على الْمُسلمين بتسريح مَا بَقِي موظفا من مبيعات الْأَسْوَاق ويريح النَّاس من شؤمه فَإِنَّهُ لَا شَيْء أشأم من هَذِه المكوس على الدول نسْأَل الله الْعَافِيَة وَفِي عَاشر جُمَادَى الثَّانِيَة من
(3/179)

السّنة الْمَذْكُورَة خرج السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله من حَضْرَة مراكش غازيا بِلَاد السوس الْأَقْصَى وَمَا وَرَاءَهَا من عرب معقل وَسَائِر قبائل الصَّحرَاء لما بلغه من اضْطِرَاب الرعايا بِتِلْكَ الْبِلَاد وخروجهم على ولاتهم وَأَن بعض تجار النجليز قد تسور على مرسى بِتِلْكَ السواحل يُسمى طرفاية وَوصل يَده فِي البيع وَالشِّرَاء بِبَعْض الْقَبَائِل الَّذين هُنَاكَ وَأَرَادَ أَن يَبْنِي بِالْمحل الْمَذْكُور فَنَهَضَ السُّلْطَان أيده الله لحسم مَادَّة هَذَا الْفساد وَلما توَسط بِلَاد السوس وَأصْلح أحوالها وثقف أطرافها كتب كتابا إِلَى وُلَاة الْمغرب يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح مَا نَصه وَبعد فَإنَّا بحول الله الْقوي الْمعِين الفاتح لما اغلق كَمَا يَشَاء فِي الْحِين أَو بعد حِين الْمُؤَيد بعنايته عَبده فِي كل مصدر ومورد وتحريك وتسكين كتبنَا إِلَيْكُم هَذَا يَوْم حلولنا وسط خدامنا قبائل آيت باعمران بحبوحة مجامع قبائل السوس الْأَقْصَى ومناخ الْأَعْيَان نعلمكم بِمَا وَاجَهنَا الْمولى سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْحَرَكَة الْمُبَارَكَة من تعاقب المنن والأيادي وابتسام ثغر الزَّمَان بِمَا أملناه من الْعلي المنان فِي هَذَا النادي لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَبِيَدِهِ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْوَلِيّ والنصير والسميع والبصير فَكَانَ من أَمر هَذِه الْقَبَائِل السوسية والقساملة الساحلية أَن تلقوا رِكَابنَا السعيد أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا ناشرين أَعْلَام الْفَرح تجاه جيوش الله المظفرة سري وإدلاجا حاشدين جموعهم مصحوبة بأعيانهم وَمن يعْتد بِهِ من فقهائهم وشرفائهم ومرابطيهم من غير أَن يكون جمعهم خداجا مستنتجين للفوز بخاطرنا الشريف مُقَدمَات الِامْتِثَال والسمع وَالطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ استنتاجا مقدمين بَين يديهم هداياهم متترسين بأبنائهم وإخوانهم وسراياهم مادين أَعْنَاق الِامْتِثَال عاضين بالنواجذ على الْخدمَة وَصَالح الْأَعْمَال فَأتوا بمؤنتهم على قدر الِاسْتِطَاعَة ومهدوا لسلوك الْجَيْش السعيد مَا صَعب من طرقهم حَتَّى صَارَت مسلوكة مشاعة وَنحن فِي كل ذَلِك نعاملهم بالبرور ونبسط الْبشر إِلَيْهِم ونقابلهم بِمَا ارتسم فيهم من السرُور وَهَا نَحن بحول الله جادون فِي الخلوص إِلَى الْمَقْصد الَّذِي لأَجله نقلنا هَذِه الخطوات واستعملنا
(3/180)

فِيهِ الْفِكر وأسهرنا أحداق الاعتبارات من صرف النّظر لفتح مرسى آساكا مَرْكَز سَاحل وَادي نول وَمجمع الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة والبربرية ومنتهى ذَلِك المسكون وَلَا سِيمَا من جَاءَت بَينهمَا كالام والعنصر وهما كالتوأمين لَهَا يستمدان مِنْهَا ويرضعان خُلَاصَة لبن ثديها وهما القبيلتان الباعمرانية والتكنة وَمن تراكم عَلَيْهِمَا وارتدف من قبائل الْعَرَب والبربر أَو كَانَ على حكمهمَا فِيمَا ارتضع وارتشف هَذَا إِن كَانَت تصلح لذَلِك وتعود مَنْفَعَتهَا على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام بعد الاستخارة مرَارًا فِي اختطاطها وتتحقق بصلاحيتها كشفا واستبصارا ونتوخى فِي الْإِقْدَام على ذَلِك بحول الله الْأسد من الأنظار والمنهاج القويم الْجَارِي على اعْتِرَاف هاتيك الأقطار ثمَّ إِن كَانَت مُوَافقَة للأصلح أقدمنا وَإِن لم يظْهر وَجه الْمصلحَة أعرضنا عَنْهَا إِلَى غَيرهَا قَالَ الله الْعَظِيم {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} الْبَقَرَة 106 وَمَا آل إِلَيْهِ الْأَمر نعلمكم بِهِ ونشنف آذانكم بِمَا سنح من سره فَإِنَّهُ لكل عمل نتيجة بعد العنوان وَالله الْمولى الْمُسْتَعَان وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل وَهُوَ نعم الْمولى وَنعم الْوَكِيل وَالسَّلَام فِي تَاسِع شعْبَان الأبرك عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف ثمَّ تجَاوز السُّلْطَان أيده الله قطر السوس الْأَقْصَى إِلَى صحراء كليميم فوفدت عَلَيْهِ هُنَاكَ أَشْيَاخ عرب معقل وكبراؤها خاضعين مُطِيعِينَ وفرحوا بِمقدم السُّلْطَان ووطئه بِلَادهمْ غَايَة الْفَرح حَتَّى لقد اتَّخذُوا مَوضِع خبائه الَّذِي كَانَ مَضْرُوبا بِهِ مزارا يتبركون بِهِ إِلَى الْآن إِذْ لم يَكُونُوا هم وَلَا آباؤهم من قبل رَأَوْا سُلْطَانا بأرضهم وَلَا سمعُوا بوصوله إِلَيْهَا وأجروا خيولهم وإبلهم بمحضره ولعبوا عَلَيْهَا بالبارود إِذْ عَادَة عرب الصَّحرَاء أَن يسابقوا على الْإِبِل كَمَا يسابقون على الْخَيل وَمن هُنَاكَ وَجه السُّلْطَان أيده الله كَتِيبَة من جَيْشه إِلَى مرسى طرفاية فغيروا مَا كَانَ أحدثه أُولَئِكَ التُّجَّار من النجليز بهَا وطمسوا أَعْلَامه وفر من كَانَ بهَا من النَّصَارَى إِلَى بابوراتهم الَّتِي كَانَت على ذَلِك السَّاحِل وَأمر أيده الله بِبِنَاء مرسى آساكا واتخاذها محلا للوسق والوضع هُنَاكَ ورتب الحامية والعسات بِتِلْكَ
(3/181)

السواحل من آكادير إِلَى كليميم وَكتب بذلك كُله إِلَى وُلَاة الْمغرب وقفل رَاجعا فأوقع فِي رُجُوعه بقبيلة ذاوتنان من أهل السوس الْأَقْصَى ثمَّ كَانَت عَاقِبَة الْقَضِيَّة النجليزية أَن قَامَ فهيا أَرْبَاب دولتهم وقعدوا وخبوا فِي التشغيب على عَادَتهم وَوَضَعُوا حَتَّى وَقع الصُّلْح على مَال دَفعه السُّلْطَان إِلَيْهِم تسكينا لِلْأَمْرِ ودفعا لما هُوَ أعظم وَالْأَمر لله وَحده
وَفِي عَشِيَّة يَوْم الثُّلَاثَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة الْمَذْكُورَة غيمت السَّمَاء غيما كثيفا أسود وَذَلِكَ بمراكش ونواحيها وهبت ريح سَوْدَاء مَعَ رعد قاصف ثمَّ نزل برد مثل الْبيض وَأعظم وتهدمت بمراكش دور كَثِيرَة وَمَات تَحت الْهدم خلق كثير نيفوا فِيمَا قيل على الْمِائَة وفر النَّاس إِلَى أضرحة الْأَوْلِيَاء بعد أَن ودعوا عَشَائِرهمْ وأحبتهم ولزموا الاسْتِغْفَار والتضرع إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى انجلى الْغَيْم بعد نَحْو ساعتين وَالْحَمْد لله على حلمه بعد علمه وعَلى عَفوه بعد قدرته
وَفِي هَذِه السّنة اشْتَدَّ حرص أَجنَاس الفرنج على تنقيص صاكة الأعشار وطلبوا من السُّلْطَان أيده الله أَن يحط عَنْهُم من صاكة السّلع الموسوقة الَّتِي كَانَت مسرحة من قبل وَأَن يسرح لَهُم مَا كَانَ مثقفا قبل ذَلِك وأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا وَقَامُوا فِيهِ وقعدوا فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أيده الله شدَّة حرصهم وتكالبهم كتب كتابا إِلَى الرّعية يستشيرهم فِيهِ وَيَقُول بعد الِافْتِتَاح أما بعد فقد كَانَ طلب منا بعض نواب الْأَجْنَاس بطنجة على وَجه الْخَيْر والمحبة فِيمَا سلف من أَعْوَام تَجْدِيد شُرُوط التِّجَارَة بِقصد تَسْرِيح الْأَشْيَاء الممنوعة الوسق كالحبوب مُطلقًا والأنعام والبهائم وَنَحْو ذَلِك ونقصان صاكة الْخَارِج ذاكرين أَن تَسْرِيح ذَلِك فَهِيَ النَّفْع لبيت المَال وللرعية وَهَذِه مُدَّة من خَمْسَة أَعْوَام وَنحن ندافع ونسدد ونقارب بِمَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْت وَالْحَال عملا بقول سيد الْوُجُود صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وقائع وقضايا سددوا وقاربوا لإبقاء مَا كَانَ على مَا كَانَ إِذْ لَا أقل من ذَلِك سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله يَأْتِي على النَّاس زمَان يمر فِيهِ الْحَيّ على قبر الْمَيِّت فَيَقُول لَيْتَني مَكَانك وحاشى لله
(3/182)

أَن نتسبب للْمُسلمين فِي غلاء أَو نوافق لَهُم على ضَرَر وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَكَيف وَالله سُبْحَانَهُ قد استرعانا عَلَيْهِم وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول كلكُمْ رَاع وكل رَاع مسؤول عَن رَعيته والآن قد اشْتَدَّ حرصهم على ذَلِك وتمالؤوا فِيهِ على كلمة وَاحِدَة وصمموا عَلَيْهِ وَلما أفْضى الْحَال إِلَى مَا افضى إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَلم يُمكن إِلَّا الإعلان بذلك والمشاورة فِيهِ مَعَ من يعْتد بِهِ استشرنا فِيهِ جَمِيع من يشار إِلَيْهِ بِالْخَيرِ وَالْفضل وَالدّين وَالْعقل والذكاء والدهاء موثوقا بديانته وأمانته فَلم يشيروا فِيهِ بِخَير وَاتَّفَقُوا على أَن لَا مصلحَة فِي تَسْرِيح ذَلِك أصلا وبينوا مَا يَتَرَتَّب على الْكل من الْمَفَاسِد ففصل الْحَيَوَان أول مَا يَتَرَتَّب على تسريحه من الضَّرَر غلاؤه على ضعفاء الرّعية بل يُؤَدِّي إِلَى فَقده بِالْكُلِّيَّةِ من هَذِه الإيالة وَأَشْيَاء أخر لَا يَفِي بهَا التَّعْبِير هُنَا وَفصل النَّقْص من الصاكة يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ضعف الْمَدْخُول الَّذِي مِنْهُ يقوم المخزن الْجَيْش والعسكر ومصالح الرّعية وَأَعْظَمهَا تَضْعِيف الرّعية بِالْقَبْضِ مِنْهُم كتضعيف المكوس وَضرب الْخراج عَلَيْهَا تَقْوِيَة لبيت المَال والجيوش وَمَا أبداه بعض نواب الْأَجْنَاس الراغبون فِي تَسْرِيح ذَلِك من الْمصَالح الْمَالِيَّة العائدة على رعيتنا السعيدة على مُقْتَضى مَا ظهر لَهُم ردُّوهُ بِمَا يطول شَرحه وَلَا يَفِي بِهِ قرطاس وَلما رَأينَا الْأَمر اسْتَحَالَ إِلَى أَسْوَأ حَال أَو كَاد تداركنا هَذَا الْخرق بالرفء وجنحنا إِلَى السّلم امتثالا لقَوْله تَعَالَى {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} الْأَنْفَال 61 الْآيَة وارتكبنا أخف الضررين فَاقْتضى نَظرنَا الشريف أَن ظهر لكم درءا لتِلْك الْمَفَاسِد الْمُقدم على جلب الْمصَالح أَن يساعدوا على تَسْرِيح أَشْيَاء بِقصد الاختبار من تِلْكَ الْأُمُور الممنوعة الوسق كالقمح وَالشعِير وذكران الْبَقر وَالْغنم والمعز وَالْحمير ثَلَاث سِنِين فَقَط على شَرط الاختبار فِي الْمَنْفَعَة الَّتِي ذكروها فِي تسريحه الْكل بأعشاره الْمَعْلُومَة فِي مثله على أَن يكون تَسْرِيح ذَلِك فِي وَقت غَلَّته مَعَ وجود الخصب مُدَّة من ثَلَاثَة أشهر وَبعد مضيها يثقف وَلَا يسمع كَلَام من أحد فِي تسريحه وَلَا يقبل مِنْهُ عذر فِيهِ وَفِي الْعَام الْمقبل إِذا كَانَ صَالحا يسرح ثَلَاثَة أشهر بِقصد الاختبار أَيْضا وَإِذا كَانَ نَاقِصا لَا يَقع اختبار بتسريحه الْمدَّة
(3/183)

المحدودة وَيبقى مثقفا على أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الاختبار حَتَّى يظْهر ولتعلموا أَنكُمْ لن تزالوا فِي سَعَة فَإِن ظهر لكم ذَلِك فَالْأَمْر يبْقى بِحَالهِ وَإِن ظهر لكم مَا هُوَ أَسد وأحوط فِي الدفاع عَن الْمُسلمين فأعلمونا بِهِ إِذْ مَا أَنا إِلَّا وَاحِد من الْمُسلمين وأعلمناكم بِمَا كَانَ امتثالا لقَوْله تَعَالَى {لَهُم وشاورهم فِي} آل عمرَان 159 وَإِلَّا فَمَا {مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو وَمن التِّجَارَة وَالله خير الرازقين} الجمعه 11 وَالسَّلَام فِي سَابِع رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أعزه الله وَلما قرىء هَذَا الْكتاب على خَاصَّة النَّاس وعامتهم أجابوا كلهم بِأَن الرَّأْي مَا رَآهُ السُّلْطَان وَفقه الله إِلَّا مَا كَانَ من بعض الْعَامَّة الأغمار الَّذين لم يجربوا الْأُمُور وَلَا اهتدوا إِلَى النّظر فِي العواقب فَإِنَّهُم قَالُوا مَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف لَكِن لم يلْتَفت إِلَيْهِم
وَقد كتبت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة جَوَابا مطولا رَأَيْت إثْبَاته هُنَا خشيَة ضيَاعه وَنَصه اعلموا حفظكم الله أَن النّظر فِي هَذِه النَّازِلَة يكون من وُجُوه أَحدهَا من جِهَة الْفِقْه وَالْحكم الشَّرْعِيّ ثَانِيهَا من جِهَة الرَّأْي والسياسة وَهَذَا لَا بُد أَن يجْرِي على ضَابِط الْفِقْه أَيْضا ثَالِثهَا من جِهَة الْفَهم عَن الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي تَصَرُّفَاته سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْوُجُود بِعَين الِاعْتِبَار فَأَما الْوَجْه الأول فَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم قد نصوا على أَنه لَا يجوز بيع آلَة الْحَرْب من السِّلَاح والكراع والسروج والترسة وَنَحْو ذَلِك من الْكفَّار الْحَرْبِيين لما يخْشَى من تقويهم بذلك على الْمُسلمين هَذِه عِلّة الْمَنْع وَهِي تفِيد أَمريْن أَحدهمَا أَن كل ماهو فِي معنى السِّلَاح مِمَّا يفيدهم تَقْوِيَة حكمه حكم السِّلَاح فِي الْمَنْع وَهُوَ مَنْصُوص عَلَيْهِ فَلَا نحتاج إِلَى التَّطْوِيل بجلبه ثَانِيهمَا إِن مَا لَا يتقوون بِهِ وَيجوز بَيْعه مِنْهُم كَيفَ مَا كَانَ وَعدم التقوي يكون بِأحد وَجْهَيْن إِمَّا يكون ذَلِك الْمَبِيع لَيْسَ من شَأْنه التقوي بِهِ فِي الْحَرْب كبعض المأكولات والملبوسات وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مسرح لَهُم الْيَوْم وَقَبله بِزَمَان وَإِمَّا بِكَوْنِهِ من شَأْنه أَن يتقوى بِهِ فِيهَا وَلكنه عديم الْفَائِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالهم الْيَوْم لما تقرر من أَنهم صَارُوا من الْقُوَّة والاستعداد والتفنن فِي أَنْوَاع الْآلَات الحربية إِلَى
(3/184)

حَيْثُ صَارَت آلاتنا عِنْدهم هِيَ والحطب سَوَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم يبيعوننا أنواعا من الْآلَات الحربية نقضي الْعجب من جودتها وإتقانها وَمَعَ ذَلِك فينقل لنا عَنْهُم أَنهم لَا يبيعوننا مِنْهَا إِلَّا مَا انعدمت فَائِدَته عِنْدهم لكَوْنهم ترقوا عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَجود مِنْهَا واستنبطوا مَا هُوَ أتقن وأنفع إِلَّا فِيمَا قل وعَلى هَذَا فتنبغي الْيَوْم الْفَتْوَى بِجَوَاز بيع سِلَاحنَا مِنْهُم فضلا عَن غَيره لجزمنا بِأَن ذَلِك لَا يفيدهم فِي معنى التقوي شَيْئا وَإِن كَانَت هُنَاكَ فَائِدَة فَهِيَ كلا فَائِدَة هَذَا إِذا لم نتوقع ضَرَرا مِنْهُم عِنْد امتناعنا من البيع فَأَما إِذا كُنَّا نتوقعه مِنْهُم كَمَا هُوَ حَالنَا الْيَوْم فيرتقي الحكم عَن الْجَوَاز إِلَى مَا هُوَ فَوْقه وللضرورة أَحْكَام تخصها فَإِن قلت فقد أقدمت بِهَذَا الْكَلَام على مَا لم يقدم عَلَيْهِ أحد قبلك فِي استجازتك بيع السِّلَاح من الْحَرْبِيين قلت إِنَّمَا ذكرت السِّلَاح تَوْطِئَة لما الْكَلَام فِيهِ حَتَّى يُؤْخَذ حكمه بالأحرى ثمَّ إِنِّي مَا أقدمت عَلَيْهِ إِلَّا بالقاعدة الْفِقْهِيَّة لَا مجازفة كَمَا أقدم من قبلي على إجَازَة بِنَاء الْكَنَائِس بِأَرْض الْمُسلمين لأجل الضَّرُورَة الداعية إِلَى ذَلِك فقد أفتى عُلَمَاء الأندلس فِي الْقرن الْخَامِس بِالْإِذْنِ لِلنَّصَارَى فِي إِحْدَاث الْكَنَائِس بِأَرْض العنوة وَبِمَا اختطه الْمُسلمُونَ من الْأَمْصَار مَعَ أَن الْمَوْجُود فِي كتب السّلف هُوَ الْمَنْع وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَن الْأَحْكَام الْمرتبَة على الْأَعْرَاف تخْتَلف باخْتلَاف تِلْكَ الْأَعْرَاف قَالَ الْقَرَافِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام فِي الْفرق بَين الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام فِي السُّؤَال التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ مَا نَصه إِن قلت مَا الصَّحِيح فِي هَذِه الْأَحْكَام الْوَاقِعَة فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا الْمرتبَة على الْعَادة وَالْعرْف اللَّذين كَانَا حاصلين حَالَة جزم الْعلمَاء بِهَذِهِ الْأَحْكَام فَهَل إِذا تَغَيَّرت تِلْكَ العوائد وَصَارَت تدل على ضد مَا كَانَت تدل عَلَيْهِ أَولا فَهَل تبطل هَذِه الْفَتَاوَى المسطورة فِي الْكتب ونفتي بِمَا تَقْتَضِيه هَذِه العوائد المتجددة أَو يُقَال نَحن مقلدون وَمَا لنا أَحْدَاث شرع لعدم أهليتنا للِاجْتِهَاد فنفتي بِمَا فِي الْكتب المنقولة عَن الْمُجْتَهدين فَالْجَوَاب إِن إِجْرَاء هَذِه الْأَحْكَام الَّتِي مدركها العوائد مَعَ تغير تِلْكَ العوائد خلاف الْإِجْمَاع وجهالة فِي الدّين بل كل مَا هُوَ فِي الشَّرِيعَة يتبع العوائد يتَغَيَّر الحكم فِيهِ عِنْد تغير الْعَادة إِلَى مَا تَقْتَضِيه الْعَادة
(3/185)

المتجددة وَلَيْسَ ذَلِك تجديدا للِاجْتِهَاد من الْمُقَلّد حَتَّى تشْتَرط فِيهِ أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد بل هَذِه قَاعِدَة اجْتهد فِيهَا الْعلمَاء وَأَجْمعُوا عَلَيْهَا فَنحْن نتبعهم فِيهَا من غير اسْتِئْنَاف اجْتِهَاد اهـ وَنَحْوه لَهُ فِي كتاب الفروق وَنَقله عَنهُ الْأَئِمَّة واعتمدوه فَبَان من هَذَا أَنه لَا معنى للإفتاء الْيَوْم بِمَنْع بيع شَيْء من الْكفَّار أيا كَانَ إِلَّا الْمُصحف وَالْمُسلم وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا لأَنهم بلغُوا الْيَوْم من الْقُوَّة إِلَى الْحَد الَّذِي لم يكن لأحد فِي ظن وَلَا حِسَاب إِلَّا أَن يُرِيد الله كفايتنا إيَّاهُم بِأَمْر من عِنْده فَهُوَ سُبْحَانَهُ ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وَذَلِكَ ظننا بِهِ تَعَالَى فَإِن قلت هَهُنَا مضرَّة أُخْرَى تمنع من بيع مَا طلبوه وَهِي التَّضْيِيق على الْمُسلمين فِي مَعَايشهمْ ومرافقهم لأَنهم إِذا أَكَبُّوا على شِرَاء هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا بُد أَن تغلو وترتفع أثمانها وَفِي ذَلِك من الْإِضْرَار بِالْمُسْلِمين مَا لَا يخفى وَلذَا أفتى الْأَئِمَّة بِمَنْع الحكرة فِي كل مَا للنَّاس بِهِ حَاجَة من طَعَام وأدام وعروض فَإِن كَانَ فِي الْحَال سَعَة وَلم يضر الاحتكار بِالنَّاسِ جَازَ فِي الطَّعَام وَغَيره قلت وَالنَّاس الْيَوْم وَالْحَمْد لله فِي سَعَة وَأما حُصُول التَّضْيِيق عَلَيْهِم فِي مَعَايشهمْ ومرافقهم بِسَبَب تَسْرِيح وسق هَذِه الْأَشْيَاء لِلنَّصَارَى فمشكوك فِيهِ قد يحصل وَقد لَا يحصل وَالشَّكّ مطروح فِي نظر الشَّرْع بِخِلَاف الْمضرَّة المتوقعة مِنْهُم عِنْد الْمَنْع والمحاربة فمقطوع بهَا نظرا للقرائن القوية وَالْعَادَة فَإِن قلت بل الْغَالِب حُصُول التَّضْيِيق لَا أَنه مَشْكُوك فَقَط قلت لَيْسَ بغالب فقد رأيناهم مُنْذُ أزمان وهم مكبون على وسق أَشْيَاء كَثِيرَة مثل القطاني وَغَيرهَا وَمَعَ ذَلِك لم يحصل فِيهَا وَالْحَمْد لله إِلَّا الرخَاء بل الْحق إِن هَذَا من علم الْغَيْب لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحكم عَلَيْهِ بِغَلَبَة وَلَا قلَّة لِأَن الحكم فِي ذَلِك بالتخمين من بَاب التخرص على الله تَعَالَى فِي غيبه وَهُوَ حرَام على أَن النَّصَارَى إِذا اشْتَروا منا شَيْئا من ذَلِك فَإِنَّمَا يشترونه بِالثّمن الَّذِي لَهُ بَال ويعشرونه بالصاكة الَّتِي لَهَا بَال فَتحصل الأرباح للرعية وللسلطان وَهَذِه مَنْفَعَة مَقْطُوع بهَا وَأما الغلاء فمشكوك كَمَا قُلْنَا وَالْحَاصِل أَن الأبحاث والتفريعات فِي هَذَا الْمَوْضُوع كَثِيرَة وَفِي هَذِه النبذة كِفَايَة لمن استبصر وَالله الْمُوفق وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ النّظر من جِهَة الرَّأْي والسياسة وَلَا بُد فِيهِ من
(3/186)

الْفِقْه أَيْضا إِذْ كل سياسة لَا تستضيء بِنور الشَّرْع فَهِيَ ضلال فَنَقُول لَا يخفى أَن النَّصَارَى الْيَوْم على غَايَة من الْقُوَّة والاستعداد والمسلمون لم الله شعثهم وجبر كسرهم على غَايَة من الضعْف والاختلال وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف يسوغ فِي الرَّأْي والسياسة بل وَفِي الشَّرْع أَيْضا أَن ينابذ الضَّعِيف الْقوي أَو يحارب الأعزل الشاكي السِّلَاح وَكَيف يستجاز فِي الطَّبْع أَن يصارع المقعد الْقَائِم على رجلَيْهِ أَو يعقل فِي النّظر أَن تناطح الشَّاة الْجَمَّاء الشَّاة القرناء كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(أهم بِأَمْر الحزم لَو أستطيعه ... وَقد حيل بَين العير والنزوان)
فالمحاربة على هَذَا الْوَجْه مِمَّا لم تقل بِهِ سياسة وَلَا وَردت بِهِ شَرِيعَة فَهَذَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ خير الْخلق عِنْد ربه وَأكْرمهمْ لَدَيْهِ قد صَالح الْمُشْركين يَوْم الْحُدَيْبِيَة صلحا قَالَ فِيهِ بعض كبار الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم نَحن الْمُسلمُونَ فَكيف نعطي الدنية فِي ديننَا ورد أَبَا جندل رَضِي الله عَنهُ إِلَى الْمُشْركين وَهُوَ يرسف فِي قيوده ويصرخ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر الْمُسلمين كَيفَ أرد إِلَى الْمُشْركين يفتنونني فِي ديني والقصة مَشْهُورَة لَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بهَا وَقد عزم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحْزَاب أَن يُعْطي عُيَيْنَة بن حصن والْحَارث بن عَوْف وهما قائدا غطفان ثلث تمر الْمَدِينَة على أَن يرجعا بِمن مَعَهُمَا عَنهُ وَعَن أَصْحَابه حَتَّى رده عَن ذَلِك سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة رَضِي الله عَنْهُمَا حِين أحسوا من أنفسهم بمقاومة الْعَدو وَأَيْنَ نَحن مِنْهُم دينا ويقينا وبصيرة وثباتا فِي الْحَرْب وَقد أفتى الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم لأجل هَذَا الْوَارِد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجَوَاز عقد الْهُدْنَة مَعَ الْكفَّار على إِعْطَاء المَال انْظُر الْمُخْتَصر وَغَيره فَإِذا كَانَ إِعْطَاء المَال مجَّانا جَائِزا عِنْد الضَّرُورَة فَكيف لايجوز إِعْطَاء بعض المتمولات بأثمانها الَّتِي لَهَا بَال وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ الْأَجْنَاس إِنَّمَا دَعونَا فِي ظَاهر الْأَمر إِلَى السّلم لَا إِلَى الْحَرْب وَغَايَة مطلوبهم فِي هَذِه النَّازِلَة الاستكثار من ضروب المتاجرة الَّتِي ينشأ عَنْهَا فِي الْغَالِب كَثْرَة المازجة بَيْننَا وَبينهمْ ولعمري أَن فِي اختلاطهم بِنَا وممازجتهم لنا لمضرة وَأي مضرَّة وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَلكنهَا تستصغر بِالنِّسْبَةِ إِلَى
(3/187)

مضرَّة الْمُحَاربَة وَلَيْسَ من الرَّأْي والسياسة أَن يَدْعُوك خصمك إِلَى السّلم فتدعوه إِلَى الْحَرْب مَا وجدت إِلَى السّلم سَبِيلا وَهَذَا هُوَ الَّذِي فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِنَّهُ قَالَ لأَصْحَابه لما اغتاظوا من ذَلِك الصُّلْح وَقَالَ بَعضهم وَالله مَا هَذَا بِفَتْح لقد صُدِدْنَا عَن الْبَيْت وَصد هدينَا بل هُوَ أعظم الْفتُوح قد رَضِي الْمُشْركُونَ أَن يَدْفَعُوكُمْ بِالرَّاحِ عَن بِلَادهمْ وَيَسْأَلُوكُمْ الْقَضِيَّة وَيرغبُوا إِلَيْكُم من الْأمان إِلَى آخر مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَى هَذَا وَنَحْوه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا وتوكل على الله} الْأَنْفَال 61 ذكر تَعَالَى ذَلِك عقب قَوْله {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل} الْأَنْفَال 60 إِشَارَة إِلَى أَن الصُّلْح يجوز وَلَو كَانَ بِالْمُسْلِمين قُوَّة واستعداد كَمَا نبه عَلَيْهِ بعض الْمُفَسّرين فَكيف وَلَا قُوَّة وَلَا استعداد إِلَّا أَن يتداركنا الله بلطف من عِنْده وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ هَل الْآيَة مَنْسُوخَة أم لَا وَالصَّحِيح كَمَا فِي الْكَشَّاف وَغَيره إِن الْأَمر مَوْقُوف على مايرى فِيهِ الإِمَام مصلحَة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله من حَرْب أَو سلم وَلَيْسَ بحتم أَن يقاتلوا أبدا أَو يجابوا إِلَى الْهُدْنَة أبدا اهـ وهذ مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا وَلذَلِك جَازَت عندنَا الْهُدْنَة وَإِن على مَال كَمَا مر فدلت الْآيَة الْكَرِيمَة على أَن السّلم أولى من الْحَرْب وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُوم الْمُسلم شرعا وطبعا أما الشَّرْع فَهَذِهِ الْآيَة وقصة الْحُدَيْبِيَة وَقَوله تَعَالَى {وَالصُّلْح خير} النِّسَاء 128 وَقَوله {والفتنة أَشد من الْقَتْل} الْبَقَرَة 191 وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ وَإِن نزلتا فِي شَيْء خَاص لَكِن يجوز الاستشهاد بهما فِيمَا نَحن فِيهِ وَفِي غَيره إِذْ هما من الْكَلَام الْجَامِع الْجَارِي مجْرى الْمثل وَالْحكمَة وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ مَا دَعَوْت إِلَى المبارزة قطّ وَمَا دَعَاني أحد إِلَيْهَا إِلَّا أَجَبْته فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ الدَّاعِي إِلَى الْحَرْب بَاغ والباغي مصروع وَأما الطَّبْع فَلَا يحْتَاج إِلَى شَاهد لِأَن كل عَاقل يعلم أَن السّلم خير من الْحَرْب وَقد قَالَ شريك لمعاوية رَضِي الله عَنْهُمَا فِي مقاولة جرت بَينهمَا إِنَّك ابْن حَرْب وَالسّلم خير من الْحَرْب وَقَالَ الْحصين بن نمير السكونِي لِابْنِ الزبير رَضِي الله عَنهُ يَوْم مَاتَ يزِيد اذْهَبْ معي إِلَى الشَّام لأدعو النَّاس إِلَى بيعتك فَلَا يتَخَلَّف عَنْك أحد فَقَالَ ابْن
(3/188)

الزبير أما دون أَن أقتل بِكُل وَاحِد من أهل الْحجاز عشرَة من أهل الشَّام فَلَا وَجعل ابْن الزبير يجْهر بذلك فَقَالَ لَهُ الْحصين أُكَلِّمك سرا وتكلمني جَهرا وأدعوك إِلَى السّلم والخلافة وتدعوني إِلَى الْحَرْب والمناجزة كذب من زعم أَنَّك داهية الْعَرَب اهـ فقد عَابَ عَلَيْهِ ذَلِك من جِهَة الرَّأْي كَمَا ترى وَأنْشد صَاحب الْكَشَّاف وَغَيره لَدَى قَوْله تَعَالَى {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} الْأَنْفَال 61 قَول الْعَبَّاس بن مرداس رَضِي الله عَنهُ
(السّلم تَأْخُذ مِنْهَا مَا رضيت بِهِ ... وَالْحَرب يَكْفِيك من أنفاسها جرع)
وَفِي كتاب الْفِتَن من صَحِيح البُخَارِيّ مَا نَصه كَانَ السّلف يستحبون أَن يتمثلوا بِهَذِهِ الأبيات عِنْد الْفِتَن
(الْحَرْب أول مَا تكون فتية ... تسْعَى بزينتها لكل جهول)
(حَتَّى إِذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزا غير ذَات حليل)
(شَمْطَاء ينكسر لَوْنهَا وتغيرت ... مَكْرُوهَة للشم والتقبيل)
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ المُرَاد أَنهم يتمثلون بِهَذِهِ الأبيات ليستحضروا مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا اهـ وَلَا شكّ أَن هَذِه حَالَة الْعَامَّة الأغمار الَّذين لم تضرسهم الحروب وَلَا حنكتهم التجارب تجدهم إِذا ظَهرت مخايل فتْنَة نسْأَل الله الْعَافِيَة استشرفوا إِلَيْهَا وتمنوا خوضها وَرُبمَا تألى بَعضهم وَقَالَ وَالله لَئِن حضرتها لَأَفْعَلَنَّ وأفعلن وَقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو وَحَال هَذَا الْغمر المتألي هُوَ الَّذِي أفْصح عَنهُ المتنبي بقوله
(وَإِذا مَا خلا الجبان بِأَرْض ... طلب الطعْن وَحده والنزالا)
فَهَذَا الْقطر المغربي تدارك الله رمقه على مَا ترى من غَايَة الضعْف وَقلة الاستعداد فَلَا تنبغي لأَهله المسارعة إِلَى الْحَرْب مَعَ الْعَدو الْكَافِر مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من غَايَة الشَّوْكَة وَالْقُوَّة وَقد تقرر فِي علم الْحِكْمَة أَن المعاندة والمدافعة إِنَّمَا تحصل بَين المتضادين والمتماثلين وَلَا تحصل بَين المتخالفين وحالنا الْيَوْم مَعَ الْعَدو لَيْسَ من بَاب التضاد وَلَا من بَاب التَّمَاثُل وَإِنَّمَا هُوَ من
(3/189)

بَاب التخالف فَافْهَم بل لَو فَرضنَا أَن أهل الْمغرب الْيَوْم مماثلون لِلْعَدو فِي الْقُوَّة والاستعداد لما كَانَ يَنْبَغِي لَهُم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيست الْعدة وَحدهَا كَافِيَة فِي الْحَرْب وَلَا كَثْرَة الرِّجَال والمقاتلة وَحدهَا بِالَّذِي يُغني فِيهَا شَيْئا بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من اجْتِمَاع الْكَلِمَة وَكَون النَّاس فِيهَا على قلب رجل وَاحِد وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من ضَابِط بِجَمْعِهِمْ وقانون يسوسهم حَتَّى تكون الْجَمَاعَة كالبدن الْوَاحِد يقوم جَمِيعًا وَيقْعد جَمِيعًا وَهَذَا معنى مَا صَحَّ فِي الحَدِيث من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان المرصوص يشد بعضه بَعْضًا فَإِن لم يكن ضَابِط وقانون فَلَا بُد من نَفاذ البصيرة فِي الدّين وَقُوَّة الْيَقِين والألفة فِيمَا بَين الْمُسلمين والغيرة على الوطن والحريم وجودة الرَّأْي والتمرس بالحروب ومكايد الْمُشْركين وَأهل الْمغرب الْيَوْم إِلَّا الْقَلِيل منسلخون من هَذَا كُله أَو جله فقد توالت عَلَيْهِم الأجيال فِي السّلم والهدنة وَبعد عهد أسلافهم فضلا عَنْهُم بِالْحَرْبِ وشدائدها ومعاناة الْأَعْدَاء ومكايدها وَإِنَّمَا هَمهمْ مأكولهم ومشروبهم وملبوسهم كَمَا لَا يخفى حَتَّى لم يبْق من هَذِه الْحَيْثِيَّة فرق بَينهم وَبَين نِسَائِهِم وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان فَكيف يحسن فِي الرَّأْي المسارعة إِلَى عقد الْحَرْب مَعَ أَجنَاس الفرنج وَمَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمثل طائرين أَحدهمَا ذُو جناحين يطير بهما حَيْثُ شَاءَ وَالْآخر مقصوصهما وَاقع على الأَرْض لَا يَسْتَطِيع طيرانا وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ سَبِيلا فَهَل ترى لهَذَا المقصوص الجناحين الَّذِي هُوَ لحم على وَضم أَن يحارب ذَلِك الَّذِي يطير حَيْثُ شَاءَ وَهل يكون فِي ذَلِك إِن كَانَ إِلَّا هَلَاك هَذَا وسلامة ذَاك بل وغنيمته فَإِن ذَاك ينقر هَذَا مَتى وجد فِيهِ فرْصَة للنقر وَيبعد عَنهُ ويطير إِذا لم يجدهَا وَهَكَذَا يسْتَمر حَاله مَعَه حَتَّى يُثبتهُ أَو يملكهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ فِي طوق هَذَا إِلَّا أَن يَدْفَعهُ عَن نَفسه فِي بعض الأحيان إِذا تأتى لَهُ ذَلِك وَلَكِن إِلَى مَتى فَهَكَذَا حَالنَا مَعَ عدونا فَإِنَّهُ بقراصينه الحربية ذُو أَجْنِحَة كَثِيرَة فَهُوَ علينا بِالْخِيَارِ يهجم علينا فِي ثغورنا إِذا شَاءَ وَيبعد عَنَّا فَلَا ندركه مَتى شَاءَ وقصارانا مَعَه الدّفع عَن أَنْفُسنَا إِذا اتّفقت كلمتنا وَلم تشغلنا غوغاء الْأَعْرَاب من خلفنا وهيهات فقد جرب ذَلِك مرَارًا فصح وَالْمُؤمن لَا يلْدغ من جُحر مرَّتَيْنِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالْكَلَام فِي
(3/190)

هَذَا الْفَصْل أَيْضا طَوِيل وَفِيمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ كِفَايَة فَإِن قلت أَرَاك قد صيرت الْجِهَاد الَّذِي حث عَلَيْهِ الشَّرْع ووعد عَلَيْهِ بالثواب الْعَظِيم مَحْض فتْنَة وَقد زهدت النَّاس فِيهِ وَقطعت آمالهم مِنْهُ بِهَذَا الْكَلَام قلت أعلمت يَا أخي مَا هُوَ الْجِهَاد الَّذِي حث عَلَيْهِ الشَّرْع ووعد عَلَيْهِ بالثواب الْعَظِيم اعْلَم أَن الْجِهَاد الْمَذْكُور هُوَ قتال أهل الشّرك والطغيان على إعلاء كلمة الرَّحْمَن لينساقوا بذلك إِلَى الدُّخُول فِي دين الله طَوْعًا أَو كرها ولتكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَكلمَة الشَّيْطَان هِيَ السُّفْلى مَعَ نَفاذ البصيرة وخلوص النِّيَّة والغيرة على دين الله وكل ذَلِك بِشَرْط الْقُوَّة المكافئة أَو الْقَرِيبَة مِنْهَا وَمهما اخْتَلَّ ركن أَو شَرط مِمَّا ذكرنَا كَانَ إِلَى الْفِتْنَة أقرب مِنْهُ إِلَى الْجِهَاد بل نقُول إِن الْجِهَاد الشَّرْعِيّ قد تعذر مُنْذُ أحقاب فَكيف تطلبه الْيَوْم فَإِن كنت تسارع إِلَى الْحَرْب لتدركه جهلا مِنْك بِحَقِيقَة الْأَمر فَاعْلَم أَنَّك إِنَّمَا تسارع إِلَى إيقاد نَار الْفِتْنَة وايجاد الْعَدو السَّبِيل عَلَيْك وإمكانه من ثغرتك وتسليطه على السَّبي لحريمك وَمَالك ودمك نسْأَل الله الْعَافِيَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون مِمَّن اخْتَارَهُمْ الله وأهلهم لذَلِك وَكتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ كَمَا نسْمع الْيَوْم عَن أمة الْحَبَشَة والنوبة الَّذين يُقَاتلُون عَسَاكِر النجليز على تخوم صَعِيد مصر وَغَيرهَا فقد تَوَاتر النَّقْل وَصَحَّ الْخَبَر أَن دولة النجليز قد بارت حيلها مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَأَنَّهَا وجهت إِلَيْهِم العساكر من الديار المصرية بِكُل قُوَّة وشوكة مرّة بعد أُخْرَى فمحقوهم محقا مَعَ أَنهم لايقاتلونهم فِي الْغَالِب إِلَّا بالحراب على عَادَة السودَان فِي ذَلِك والنصر بيد الله وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ الْفَهم عَن الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي تَصَرُّفَاته سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْوُجُود بِعَين الِاعْتِبَار فَهَذَا حق الْكَلَام فِيهِ أَن يكون من أَرْبَاب البصائر المتنورة والقلوب المطهرة لَا من أمثالنا الَّذين أَصْبحُوا على أنفسهم مسرفين وَفِي أَوديَة الشَّهَوَات منهمكين تداركنا الله بِلُطْفِهِ لَكنا نقُول وَإِن كَانَ القَوْل من بَاب الفضول إِذا نَظرنَا مَا عَامل الله تَعَالَى بِهِ عَبده أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا الْحسن أيده الله وَجَدْنَاهُ وَالْحَمْد لله مصنوعا لَهُ مصحوبا بالعناية الإلهية مكلوء بِعَين الرِّعَايَة الربانية تصحبه السَّعَادَة أَيْنَمَا توجه ويختار لَهُ فِي جَمِيع مَا يحاوله وَلَا تنجلي مهماته إِلَّا عَن
(3/191)

مَا يسر الصّديق ويسوء الْعَدو فَالْحَمْد لله على ذَلِك حمدا كثيرا وَهُوَ مَعَ ذَلِك جميل الظَّن بربه حسن العقيدة فِي توكله عَلَيْهِ مُفردا وجهته إِلَيْهِ حَرِيصًا على استصلاح رَعيته ذَا غيرَة تَامَّة على الدّين والوطن بِحَيْثُ فاق بذلك وَغَيره من خِصَال الْخَيْر كثيرا من مُلُوك عشيرته الَّذين تقدموه وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن الرَّأْي الَّذِي لَا رَأْي فَوْقه أَن نفوض إِلَيْهِ فِي ذَلِك ونثق بِحسن رَأْيه ويمن نقيبته ونجاوبه فِي هَذِه النَّازِلَة بِأَن الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره إِذْ هُوَ الَّذِي طوقه الله أمرنَا وكلفه النّظر لنا والنصح لدينا وَإِن كَانَ لَا بُد من المشورة فَلَيْسَتْ إِلَّا مَعَ أهل الْحل وَالْعقد وَقد قَالَ الْعلمَاء أهل الْحل وَالْعقد هم أهل الْعلم وَالدّين وَالْبَصَر بِهَذَا الْأَمر الْخَاص لِأَنَّهُ يشْتَرط فِي كل من ولي النّظر فِي أَمر مَا من الْأُمُور الْعلم بِهِ فَمَا اخْتَارَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ اخترناه وَمَا انْشَرَحَ لَهُ صَدره وأمضاه أمضيناه وَكَيف لَا وَمَا عوده الله إِلَّا خيرا {وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم} الْآيَة وَعَسَى أَن يكون فِيمَا طلبه هَؤُلَاءِ الْأَجْنَاس فَسَاد أَمرهم وَصَلَاح أمرنَا وَذَلِكَ الظَّن بِهِ تَعَالَى وَمَا هُوَ عَلَيْهِ بعزيز فَيكون تدميرهم فِي تدبيرهم وَقد استروحنا وَالْحَمْد لله نسيم الْفرج مِمَّا كُنَّا فِيهِ قبل الْيَوْم تمم الله علينا نعْمَته آمين وَأَيْضًا فَفِي التَّفْوِيض فِي هَذِه النَّازِلَة ضرب من التبري من الْحول وَالْقُوَّة فَحَيْثُ ساقت الأقدار إِلَيْنَا هَذَا الْأَمر فَيَنْبَغِي أَن نتلقاه بالرضى وَالتَّسْلِيم بِخِلَاف مَا إِذا استعملنا فِيهِ حيلتنا ورأينا فَيكون من بَاب الدُّخُول فِي التَّدْبِير وشتان مَا بَين التَّفْوِيض وَالتَّدْبِير وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَه وَكتبه أَحْمد بن خَالِد الناصري كَانَ الله لَهُ فِي عَاشر شعْبَان سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَألف اهـ ثمَّ إِن الله تَعَالَى لطف فِي هَذِه النَّازِلَة بمنه اللَّطِيف الْجَمِيل وَكفى مؤنتها من ذَلِك الْمَطْلُوب بِشَيْء قَلِيل وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان أيده الله سرح لَهُم وسق الْقَمْح وَالشعِير ثَلَاث سِنِين وَوضع عَنْهُم من صاكتهما نَحْو الرّبع لَا غير وَلم يحصل وَالْحَمْد لله للرعية ضَرَر قطّ
ثمَّ دخلت سنة أَربع وثلاثمائة وَألف فِيهَا كتب السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله إِلَى عُلَمَاء فاس كتابا يستفتيهم فِي حكم التِّجَارَة فِي الأعشاب المرقدة
(3/192)

والمفسدة ويستشيرهم فِي تسريحها وإمساكها وَنَصّ ذَلِك الْكتاب بعد الِافْتِتَاح أحباءنا فُقَهَاء فاس الأجلة المرضيين وعلماءها المرشدين سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فطالما قدمنَا رجلا وأخرنا أُخْرَى فِي تَسْرِيح الصاكة الَّتِي هِيَ الأعشاب المرقدة والمفسدة وَنَحْوهَا وَكَانَ تسريحها من أهم الْأُمُور لدينا وآكد من تَسْرِيح غَيرهَا كالأبواب لما نجده فِي نفسنا لَهَا من الاستقباح ونستقذره من أمرهَا فِي الغدو والرواح مَعَ مزِيد ثقلهَا على فؤادنا وَكَونهَا أحرج فِي روعنا وَكَانَ أسلافنا قدسهم الله اجتهدوا فِي قطعهَا وحسم مادتها بِكُل مَا أمكنهم وأفضى بهم الْحَال إِلَى إحراقها مرَارًا وَلما رَأَوْا تمالؤ الرعاع والسفهاء والمقلين والمعدمين عَلَيْهَا ارتكبوا فِيهَا مَا يحصل بِهِ التَّضْيِيق على مستعمليها وتمنع مِنْهُم فَلَا يلْحقهَا إِلَّا من عِنْده مَا يشريها بِهِ وهم فِي أُولَئِكَ الرعاع قَلِيل مَعَ النّظر لما يحصل لبيت المَال من النَّفْع الْكثير فحيزت لجَانب المخزن لتَحْصِيل المقصدين الْمَذْكُورين وَحَيْثُ قذف الله فِي قلبنا تسريحها ورفض درن مَا يحصل مِنْهَا تعَارض لدينا أَمْرَانِ وهما إبقاؤها بيد المخزن وتسريحها أما الأول فَهُوَ الَّذِي فَرَرْنَا مِنْهُ وَبينا علله وَأما الثَّانِي وَهُوَ التسريح فمقتضاه إغراء الرعاع والسفهاء على اسْتِعْمَالهَا وَلَا سِيمَا مَعَ انحطاط ثمنهَا فيتناولها الْقوي والضعيف فَيصير ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى إِبَاحَة مَا كَانُوا ممنوعين مِنْهُ فيتجاهرون بِهِ وَلَا يَخْشونَ رقيبا وَيَأْتِي مِنْهَا من بر النَّصَارَى مَا لَا حصر لَهُ فيعشر كَسَائِر المعشرات الْمُبَاحَة وتنبني على ذَلِك مفاسد هِيَ أعظم من كَونهَا محوزة وأشكل الْأَمر فلتبينوا المخلص من ذَلِك بِمَا تَقْتَضِيه قَوَاعِد الشَّرِيعَة المطهرة حَتَّى نخرج من عُهْدَة ذَلِك فَإِن الْخطب عَظِيم وَالسَّلَام فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم عَام أَرْبَعَة وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله وَأجَاب عَنهُ عُلَمَاء فاس وفرهم الله بِجَوَاب طَوِيل مرجعه إِلَى حُرْمَة اسْتِعْمَال تِلْكَ الأعشاب وَالتِّجَارَة فِيهَا حَسْبَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء والصوفية رضوَان الله عَلَيْهِم وَلما كَانَ الْمَقْصُود الأهم للسُّلْطَان أيده الله هُوَ الْإِشَارَة بكيفية التَّخَلُّص من ورطة تسريحها والحصول على السَّلامَة مِمَّا عَسى أَن ينشأ عَنهُ من الْمَفَاسِد المرموز إِلَيْهَا فِي الْكتاب الشريف كتب
(3/193)

إِلَى بعض الْأَحِبَّة من فاس بِقصد المذاكرة فِي النَّازِلَة فأجبته عَنْهَا بِمَا نَصه اعْلَم حفظك الله أَن مَا أجَاب بِهِ سادتنا فُقَهَاء فاس من حرمتهَا وَوُجُوب تخلي المخزن عَن بيعهَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا محيد عَنهُ لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ تِلْكَ الأعشاب من الْمَفَاسِد العديدة الَّتِي كل وَاحِدَة مِنْهَا كَافِيَة فِي الْجَزْم بحرمتها وَقد بَينا شَيْئا من ذَلِك فِي كتاب الِاسْتِقْصَاء عِنْد الْكَلَام على حدوثها ودخولها لبلاد الْمغرب أَيَّام الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فلينظره من أَرَادَهُ فَإِنَّهُ كَاف فِي هَذَا الْبَاب وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكتاب الشريف من أَن مصلحَة احتياز المخزن لَهَا واستبداده بِبَيْعِهَا هِيَ التَّضْيِيق على مستعمليها حَتَّى لَا يَتَنَاوَلهَا مِنْهُم إِلَّا الملي بِثمنِهَا دون الْفَقِير الخ فَهِيَ مصلحَة موهوبة أَو مَعْدُومَة لجزمنا بِأَن الْحَامِل لمتعاطيها على اسْتِعْمَالهَا إِنَّمَا هُوَ التبذل وَقلة الْمُرُوءَة ورقة الدّيانَة وخسة النَّفس وَسُقُوط الهمة كَمَا أَن الْوَازِع لمن لم يتعاطاها إِنَّمَا هُوَ كَمَال الْمُرُوءَة ومتانة الدّيانَة وَشرف النَّفس وعلو الهمة لَا فقدان ذَلِك الثّمن التافه كَيفَ لَا وَهِي لَا يتعاطاها فِي الْغَالِب إِلَّا الْفُقَرَاء المقلون فمصلحة التَّضْيِيق عَلَيْهِم فِي ثمنهَا مفقودة كَمَا ترى وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْوَاجِب شرعا ومروءة هُوَ تَنْزِيه منصب الْإِمَامَة الإسلامية والخلافة النَّبَوِيَّة الَّتِي هِيَ أهم الخطط الدِّينِيَّة والمناصب الشَّرْعِيَّة عَن التِّجَارَة فِيهَا وتطهير تِلْكَ الساحة الْكَرِيمَة من التلوث بأقذارها إِذْ لَا يُنَاسب ذَلِك حَال مُطلق الْمُسلمين فَكيف بجناب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فَفِي تنَاول ذَلِك الجناب لَهَا بِالتِّجَارَة والاستبداد بِالرِّبْحِ تهييج للعامة عَلَيْهَا وإغراء لَهُم بتعاطيها كَمَا قَرَّرَهُ عُلَمَاء فاس حفظهم الله وَلَو نهوا عَنْهَا لما انْتَهوا بل رُبمَا احْتَجُّوا بِأَنَّهَا لَو كَانَت حَرَامًا مَا احتازها المخزن واستبد بربحها وَمن الْعَادة المقررة أَنه لَا يمتثل إِلَّا قَول الممتثل وَلَا يؤتمر إِلَّا بِأَمْر المؤتمر وَلما انبرم الصُّلْح بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين قُرَيْش يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَأمر أَصْحَابه أَن ينحروا ويحلقوا أَمْسكُوا وَلم يَفْعَلُوا حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد قَامَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس فَقَالَت أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا يَا نَبِي الله اخْرُج ثمَّ لَا تكلم مِنْهُم أحدا كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيلحقك فَخرج صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(3/194)

وَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا فنحروا وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا حَتَّى كَادُوا يقتتلون اهـ فَكَذَلِك نقُول هُنَا إِن الْعَامَّة مهما رَأَوْا الْأَمِير تعاطى شَيْئا تعاطوه وَإِذا رَأَوْهُ نبذ أمرا نبذوه لِأَن الْعَامَّة مولعون بالاقتداء بالأمير وَمن فِي مَعْنَاهُ من الكبراء حَسْبَمَا قَرَّرَهُ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان من تَارِيخه وَأما التخوف من الْإِتْيَان بهَا من بر النَّصَارَى واشتغالهم بِالتِّجَارَة فِيهَا بأسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لبيعها وَمَا ينشأ عَن ذَلِك من الْمَفَاسِد فَهُوَ مَأْمُون بِمُقْتَضى الشُّرُوط المنعقدة بَيْننَا وَبينهمْ حَسْبَمَا تضمنه الشَّرْط الثَّانِي وَالْخَامِس وَالسَّابِع من شُرُوط التِّجَارَة المنعقدة مَعَ النجليز خُصُوصا وَغَيره عُمُوما سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فقد صرح فِي الشَّرْط الثَّانِي مِنْهَا بِأَن هَذِه الأعشاب وَنَحْوهَا من جملَة الممنوعات دُخُولا وخروجا ثمَّ نبه على ذَلِك أَيْضا فِي الْخَامِس وَالسَّابِع فلينظره من أَرَادَهُ وَإِنَّمَا يكون لَهُم بعد تخلي السُّلْطَان عَن بيعهَا أَن يجلبوا مِنْهَا مَا يحتاجونه لأَنْفُسِهِمْ فَقَط لَا أَكثر مِنْهُ كَالْخمرِ أَلا ترى أَنهم الْيَوْم إِنَّمَا يجلبون مِنْهَا مَا يشربونه ويتبايعونه فِيمَا بَينهم وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى التِّجَارَة بهَا فِي أسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لبيعها فَكَذَلِك هَذِه الأعشاب حكمهَا حكم الْخمر حَذْو النَّعْل بالنعل وَإِذا امْتنع المخزن من التِّجَارَة فِيهَا مَعَ بَقَاء منع الرّعية مِنْهَا أَيْضا فَلَا حجَّة لِلنَّصَارَى فِي ذَلِك وَلَا مُتَكَلم لَهُم فِيهِ إِذْ لَيْسَ فِي امْتنَاع المخزن حِينَئِذٍ إِلَّا تَأْكِيد الْمَنْع الَّذِي كَانَ قبل وَإِنَّمَا تكون لَهُم الْحجَّة إِذا بِيعَتْ لبَعض الرعايا دون بعض لِأَن حَاصِل شُرُوط التِّجَارَة الْخَمْسَة عشر ومدارها على أَن رعايا الْأَجْنَاس يكون لَهَا مَا لرعية الإيالة المغربية من التحجير وَالْإِطْلَاق والتخصيص والتعميم بِحَيْثُ لَا يستبد أحد من الْفَرِيقَيْنِ بِنَوْع من أَنْوَاع التِّجَارَة دون الآخر إِلَّا مَا للمخزن فِيهِ غَرَض ومصلحة فِي تثقيفه من أَشْيَاء مَخْصُوصَة فَإِنَّهُ يثقفه بنظره إِذا شَاءَ ويسرحه كَذَلِك مَتى شَاءَ وَإِن اقْتضى نظره أَن يستبد بأرباح شَيْء من ذَلِك دون رعايا الْفَرِيقَيْنِ فَلهُ ذَلِك وَإِنَّمَا الْمَمْنُوع أَن يُبِيح لرعيته دون رعايا غَيره أَو يُبِيح لبَعض الْأَجْنَاس دون بعض هَذَا هُوَ الْمَمْنُوع فِي الشُّرُوط أما هُوَ فِي خَاصَّة نَفسه ومصلحة ملكه فَلهُ أَن
(3/195)

يستبد من تِلْكَ الممنوعات بِمَا شَاءَ هَذَا حَاصِل تِلْكَ الشُّرُوط وَإِن طَالَتْ وامتدت إِذا علمت هَذَا فَكيف يتخوف عِنْد امْتنَاع السُّلْطَان من بيع تِلْكَ الأعشاب مَعَ اسْتِمْرَار منع الرّعية مِنْهَا أَيْضا الْإِتْيَان بهَا من بر النَّصَارَى ومتاجرتهم بهَا فِي أسواق الْمُسلمين وَنصب الدكاكين لَهَا الخ هَذَا لَا يتَوَهَّم نعم يتخوف من ذَلِك إِذا امْتنع السُّلْطَان من بيعهَا وَأذن للنَّاس فِيهِ وَأطلق لَهُم يَد التَّصَرُّف بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَاد السُّلْطَان أيده الله وَإِن أَوْهَمهُ لفظ الْكتاب الشريف حَيْثُ قَالَ طالما قدمنَا رجلا وأخرنا أُخْرَى فِي تَسْرِيح الصاكة الخ وَلَعَلَّ الْكَاتِب أَو المملي عَلَيْهِ لم يحرر مُرَاد السُّلْطَان أيده الله فنسج الْكتاب على ذَلِك المنوال وأوهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله يُرِيد أَن يمْتَنع من بيع تِلْكَ الأعشاب تقذرا لَهَا وتأففا مِنْهَا ويبيحها لرعيته من الْمُسلمين وَغَيرهم ومعاذ الله أَن يكون هَذَا مُرَاده كَيفَ وَهُوَ أيده الله من أخْشَى الْمُلُوك وأتقاهم لله وأحبهم لرعاياه وأحدبهم عَلَيْهَا وأحرصهم على جلب النَّفْع لَهَا وَدفع الضّر عَنْهَا وأعلمهم بقول جده عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يحب لِأَخِيهِ الْمُؤمن مَا يحب لنَفسِهِ فقد بَان لَك من هَذَا التَّقْرِير أَن الْوَاجِب شرعا ومروءة هُوَ الْمُبَادرَة إِلَى رفض التِّجَارَة فِي تِلْكَ الأعشاب وتطهير ساحة الْإِمَامَة الإسلامية من قذرها قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف رَسُوله صلوَات الله عَلَيْهِ {وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث} الْأَعْرَاف 157 وكما يجب على أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله تَطْهِير ساحة الْخلَافَة مِنْهَا يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي تَطْهِير ساحة الْمُسلمين أَيْضا مِنْهَا لما أسلفناه آنِفا فَإِن قلت أما مَا ذكرته من الْمُبَادرَة إِلَى تَطْهِير ساحة الْخلَافَة مِنْهَا فسهل متيسر إِن شَاءَ الله وَأما تَطْهِير ساحة الْمُسلمين مِنْهَا فَيظْهر أَنه فِي غَايَة الصعوبة لِأَن الْعَامَّة إِذا حملُوا على رفضها كرة وألجئوا إِلَى ترك اسْتِعْمَالهَا بالمرة ضَاقَ بهم المتسع وَسَاءَتْ أَخْلَاقهم وحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَرُبمَا صدر مِنْهُم مَا لَا يَنْبَغِي من الإعلان بِالْخِلَافِ والمجاهرة بالعصيان
وَمن وَصَايَا أرسطوطاليس الْحَكِيم لتلميذه الْإِسْكَنْدَر يَا إسكندر تغافل عَن الْعَامَّة مَا أمكن وَلَا تلجئها أَن تَقول فِيك إِلَّا خيرا فَإِن الْعَامَّة إِذا قدرت
(3/196)

أَن تَقول قدرت أَن تفعل أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَالْحَاصِل أَن فطم الْعَامَّة عَمَّا اعتادوه من بعض الجهالات وصرفهم عَمَّا مرنوا عَلَيْهِ من بعض الضلالات فِي غَايَة الصعوبة وَلَا يَتَيَسَّر ذَلِك إِلَّا لمن هيأه الله لَهُ من نَبِي مُرْسل أَو ولي كَامِل أَو إِمَام عَادل وَإِذا كَانَ صرف الْعَامَّة عَن هَذِه الْمفْسدَة الَّتِي اعتادوها ونشؤوا عَلَيْهَا جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن يُؤَدِّي إِلَى الْهَرج وَالْخلاف جزما أَو ظنا فَالْوَاجِب هُوَ تَركهم على مَا هم عَلَيْهِ لِأَن تَغْيِير الْمُنكر لَهُ شُرُوط مِنْهَا أَن لَا يُؤَدِّي إِلَى مُنكر أعظم كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع
قُلْنَا كل مَا قَرّرته فِي هَذَا السُّؤَال حق لَا محيد عَنهُ وَلَكِن نَحن لَا نقُول إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله يحمل الْعَامَّة على رفضها كرة ويلجئهم إِلَى تَركهَا بالمرة بل يسْلك مَعَهم فِي ذَلِك سَبِيل التدريج كَمَا سلكه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَحْرِيم الْخمر على الْعَرَب فَإِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْعرب من أعشق الْأُمَم للخمر وأشدهم بهَا ولوعا وَأَكْثَرهم لَهَا حبا حَتَّى كَانَت شَقِيقَة روحهم ومغناطيس أنسهم قد اتَّخذُوا لَهَا الْمجَالِس الحفيلة واختاروا لَهَا الْقَيْنَات الجميلة وضربوا عَلَيْهَا بالمعازف والدفوف وحكموا لَهَا على غَيرهَا من مألوفاتها بغاية الشفوف حَتَّى نسبوا بهَا فِي أشعارهم وتوجوا بهَا بَنَات أفكارهم وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُؤثر عَن أمة من محبَّة الْخمر ومدحها مَا أثر عَن الْعَرَب فَلذَلِك لما انصرفت عناية الشَّرْع الْكَرِيم إِلَى تَحْرِيمهَا كَانَ ذَلِك على سَبِيل التدريج كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي الْكتاب وَالسّنة حَتَّى تمّ مُرَاد الله وَرَسُوله من الْعَرَب فرفضوها بِالْكُلِّيَّةِ وسماها الشَّارِع أم الْخَبَائِث زِيَادَة فِي التنفير مِنْهَا وَمَا حرمت آلَات اللَّهْو إِلَّا من أجلهَا ومبالغة فِي تَحْرِيمهَا إِذْ هِيَ وَسِيلَة إِلَيْهَا كَمَا حَقَّقَهُ الْغَزالِيّ رَحمَه الله فِي كتاب السماع من الْإِحْيَاء وَفِي تَفْسِير الخازن بعد سرده كَيْفيَّة التَّحْرِيم مَا نَصه وَالْحكمَة فِي وُقُوع التَّحْرِيم على هَذَا التَّرْتِيب أَن الله تَعَالَى علم أَن الْقَوْم كَانُوا قد ألفوا شرب الْخمر وَكَانَ انتفاعهم بذلك كثيرا فَعلم أَنه لَو مَنعهم من الْخمر دفْعَة وَاحِدَة لشق عَلَيْهِم فَلَا جرم اسْتعْمل هَذَا التدريج وَهَذَا الرِّفْق قَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ حرمت الْخمر وَلم يكن للْعَرَب يَوْمئِذٍ عَيْش أعجب مِنْهَا وَمَا
(3/197)

حرم عَلَيْهِم شَيْء أَشد عَلَيْهِم من الْخمر اهـ إِذا علمت هَذَا فَنَقُول كَذَلِك يَنْبَغِي لأمير الْمُؤمنِينَ أيده الله أَن يسْعَى فِي تَطْهِير رَعيته من خبث هَذِه الأعشاب الَّتِي لَا شَيْء أَخبث مِنْهَا كَمَا أوضحته فِي كتاب الِاسْتِقْصَاء ويسلك مَعَهم فِيهَا سَبِيل التدريج صارفا همته إِلَيْهِ ومستعينا بِاللَّه ومتوكلا فِي ذَلِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصعب ذَلِك عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله
(إِذا كَانَ عون الله للمرء ناصرا ... تهَيَّأ لَهُ من كل صَعب مُرَاده)
وَقَالَ البوصيري لسَيِّد الْوُجُود صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَقُول ولأمير الْمُؤمنِينَ من حَال جده قسط وَالْحَمْد لله
(كل أَمر تعنى بِهِ تغلب الْأَعْيَان ... فِيهِ ويعجب البصراء)
وَكَيْفِيَّة التدريج فِي ذَلِك أَن يَأْمر أيده الله عُلَمَاء الْمجَالِس وخطباء المنابر ووعاظ الكراسي بالتواطىء على ذمّ تِلْكَ الأعشاب وتقبيحها فِي نفوس الْعَامَّة وإبداء معايبها لَهُم وَشرح مفاسدها لديهم والتغليظ فِي ذَلِك بأبلغ مَا يُمكن وَمن قدر على تأليف أَلفه أَو شعر نظمه أَو رِسَالَة أَنْشَأَهَا ويستمرون على ذَلِك ثَلَاثَة أشهر أَو أَرْبَعَة أَو أَكثر من ذَلِك فَإِن ذَلِك لَا بُد أَن يُؤثر فِي نفوس الْعَامَّة بعض التَّأْثِير فَإِن الهمم إِذا تواطأت على شَيْء أثرت فِيهِ بعون الله لَا سِيمَا همم أهل الْخَيْر وَفِي الحَدِيث يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ بعد مُضِيّ هَذِه الْمدَّة وتقرر قبحها فِي نفوس الْعَامَّة يكْتب أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله إِلَى قُضَاته وَيَأْمُرهُمْ بتفقد الشُّهُود وأئمة الْمَسَاجِد فَمن عثروا عَلَيْهِ أَنه يسْتَعْمل شَيْئا من تِلْكَ الْخَبَائِث أسقطوا شَهَادَته وحظروا إِمَامَته وَأَن لَا يقبلوه وَلَو فِي اللفيف ويوالي الْكِتَابَة والاعتناء بذلك مُدَّة مثل الأولى أَو أَكثر فَيَزْدَاد قبحها فِي نفوس الْعَامَّة وتعزف نفوس كثير مِنْهُم عَنْهَا ثمَّ بعد هَذَا كُله يكْتب لولاة الْأَمْصَار وعمال الْبَوَادِي أَن يتقدموا إِلَى رعاياهم بِمَنْع ازدراعها وادخار شَيْء مِنْهَا أَو التِّجَارَة فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِذا تمّ هَذَا الْغَرَض على هَذَا الْوَجْه تخلى هُوَ حِينَئِذٍ عَن بيعهَا وَأمر بإحراق بَاقِيهَا وسد حاناتها الْمُسَمَّاة فِي عرفنَا بالقهاوي وَيمْنَع النَّاس من اسْتِعْمَالهَا فِي المجامع الْعَامَّة كالأسواق وَنَحْوهَا ويشدد فِي ذَلِك ويعلن بالنداء فِي جَمِيع الإيالة المغربية بِأَن حكم هَذِه
(3/198)

الأعشاب حكم الْخمر فَكَمَا لَا يتجاهر بِالْخمرِ فِي الْأَسْوَاق وَنَحْوهَا كَذَلِك لَا يتجاهر بِاسْتِعْمَال هَذِه الأعشاب فِيهَا وَمن فعل ذَلِك أدب أدبا يَلِيق بِهِ ويرتدع بِهِ غَيره فَهَذَا أقْصَى مَا يَفْعَله السُّلْطَان والتوفيق بعد ذَلِك بيد الله وَإِذا تمّ هَذَا الْعَمَل فِي نَحْو ثَلَاث سِنِين فَهُوَ قريب وَإِذا يسر الله ذَلِك كَانَ فِيهِ بشرى للْمُسلمين وعنوانا لَهُم على تَجْدِيد دينهم ولعمري مَا كَانَ أَمر الْخمر فِي الْعَرَب إِلَّا أرسخ من أَمر هَذِه الأعشاب فِي النَّاس الْيَوْم بِكَثِير وَأَن الشُّبْهَة كَانَت فِيهَا أقوى مِنْهَا فِي هَذِه وَذَلِكَ مَظَنَّة سهولة زَوَالهَا وتطهير الْبِلَاد والعباد مِنْهَا وَمَا ذَلِك على الله بعزيز قَالَه وَكتبه أَحْمد بن خَالِد الناصري لطف الله بِهِ فِي خَامِس عشر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وثلاثمائة وَألف
ثمَّ إِن السُّلْطَان أيده الله رفض التِّجَارَة فِيهَا وأحرق مَا كَانَ محوزا لجَانب المخزن مِنْهَا وَمنع تجار الْأَجْنَاس من جلبها إِلَى قطر الْمغرب إِلَّا الْقدر الَّذِي يستعملونه فِي خَاصَّة أنفسهم مِنْهَا بِشَرْط تعشيره وَقصر نُزُوله على مرسى طنجة دون سَائِر المراسي المغربية وَالْحَال على ذَلِك لهَذَا الْعَهْد
وَلما دخلت سنة خمس وثلاثمائة وَألف غزا السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله آيت ومالو من برابرة فازاز وهم بطن من صنهاجة يشْتَمل على أفخاذ كَثِيرَة مثل ظيان وَبني مكيلد وشقيرين وآيت سخمان وآيت يسري وَغَيرهم أُمَم لَا يحصيهم إِلَّا خالقهم قد عمروا جبال فازاز وملؤوا قننها وتحصنوا بأوعارها مُنْذُ تملك البربر الْمغرب قبل الْإِسْلَام بأعصار طَوِيلَة فَلَمَّا كَانَت السّنة الْمَذْكُورَة خرج السُّلْطَان من مكناسة الزَّيْتُون عَاشر رَمَضَان مِنْهَا بِقصد غَزْو هَذِه الْقَبَائِل العاصية وتدويخ بلادها إِذْ لم تكن تبذل الطَّاعَة إِلَّا للْوَاحِد بعد الْوَاحِد من مُلُوك دوَل الْمغرب فِي الْأَعْصَار المتراخية حَسْبَمَا يعلم مِمَّا أسلفناه فِي هَذَا الدِّيوَان من أخبارهم وأخبار غَيرهم فَانْتهى السُّلْطَان إِلَى تِلْكَ الْجبَال ودوخها ثمَّ إِلَى قَصَبَة آدخسان الَّتِي بناها الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله فوفد عَلَيْهِ هُنَاكَ جلّ تِلْكَ الْقَبَائِل وبذلوا الطَّاعَة وأظهروا الخضوع وبذلوا الْمُؤَن والأنزال للجيش والهدايا للسُّلْطَان إِلَّا مَا كَانَ من آيت سخمان فَإِنَّهُم أظهرُوا الطَّاعَة أَولا كغيرهم وطلبوا من السُّلْطَان أَن يبْعَث مَعَهم طَائِفَة من
(3/199)

الْجَيْش ليدفعوا لَهُم الْمُؤَن وَمَا وظف عَلَيْهِم من الْهَدَايَا والأنزال فَأرْسل مَعَهم السُّلْطَان مِائَتي فَارس وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه الشريف الْفَاضِل الناسك مولَايَ سرُور بن إِدْرِيس بن سُلَيْمَان وجده سُلَيْمَان هَذَا هُوَ أحد مُلُوك هَذِه الدولة العلوية حَسْبَمَا تقدم فَلَمَّا توسطوا حلَّة آيت سخمان مَعَ الْعشي تناجوا فِيمَا بَينهم والشيطان لَا يفارقهم فاتفقوا على الْغدر بأصحاب السُّلْطَان وفرقوهم على مداشرهم وحللهم فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء الْأَخِيرَة أظهرُوا عَلامَة بَينهم وسعت كل طَائِفَة إِلَى من عِنْدهَا من أَصْحَاب السُّلْطَان فأوقعوا بهم فَقتلُوا مِنْهُم نَحْو الْعشْرين على مَا قيل وأفلت الْبَاقُونَ بجريعاء الذقن وَكَانَ فِيمَن قتل مِنْهُم كَبِيرهمْ الشريف مولَايَ سرُور الْمَذْكُور وَكَانَ من خِيَار عشيرته رَحْمَة الله عَلَيْهِ رَمَوْهُ برصاصة وطعنوه بتفالة وَكَانَت هَذِه الفعلة الشنعاء بِإِشَارَة كَبِيرهمْ عَليّ بن الْمَكِّيّ من بَقِيَّة آل مهاوش الَّذين تقدم الْخَبَر عَنْهُم فِي دولة السُّلْطَان مولَايَ سُلَيْمَان رَحمَه الله ثمَّ أَسرُّوا من ليلتهم تِلْكَ فَلم يصبحوا إِلَّا بآيت حديدو وآيت مرغاد وَغَيرهمَا من قبائل البربر وَتَفَرَّقُوا شذر مذر وَبَقِي مِنْهُم نفر يسير على مَا قيل فَقبض عَلَيْهِم من الْغَد وَضربت أَعْنَاقهم وَقَالَ بعض من حضر الْوَقْعَة إِنَّهُم لما فعلوا فعلتهم هربوا من تَحت اللَّيْل وَتركُوا زُرُوعهمْ وأمتعتهم فِي مداشرهم وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان بعث فِي طَلَبهمْ طَائِفَة من عسكره وَضم إِلَيْهِم خيل شقيرين إخْوَانهمْ وَكَانُوا راكبين مَعَ السُّلْطَان مظهرين للطاعة فانتهبوا أمتعتهم وانتسفوا رزوعهم وهدموا أبنيتهم وحرقوا بُيُوتهم وأبلغوا فِي النكاية وتحامت خيل شقيرين ذَلِك إبْقَاء على إخْوَانهمْ وتعصبا للبربرية وَرُبمَا دسوا إِلَيْهِم من أعلمهم بِالْحَال وَأمرهمْ بالإبعاد فِي الارتحال وَلما اطلع السُّلْطَان على خبيئة شقيرين أَمر بِنَهْب حللهم وَأسر من ظفر بِهِ مِنْهُم وَقَتله فأوقع بهم جَيش السُّلْطَان وقْعَة شنعاء فأسروا مِنْهُم عددا وافرا وضربوا أَعْنَاق نَحْو الثَّلَاثِينَ مِنْهُم وانتهبوا حللهم ومداشرهم حَتَّى كَأَن لم تغن بالْأَمْس وَمن الْغَد جَاءَت نِسَاؤُهُم وأطفالهم فاستجاروا بالمدافع واستغاثوا بالسلطان فرق لَهُم وسرح مساجينهم وكساهم وَعَفا عَنْهُم وَكَانَ هَذَا كُله فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي
(3/200)

سنة خمس وثلاثمائة وَألف ثمَّ قفل السُّلْطَان رَاجعا فَدخل مكناسة الزَّيْتُون أَوَاخِر ذِي الْحجَّة خَاتِمَة السّنة الْمَذْكُورَة
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وثلاثمائة وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان جبال غمارة فَخرج من حَضْرَة فاس عَاشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فسلك تِلْكَ الْجبَال ودوخها وزار تربة الشَّيْخ الْأَكْبَر والكبريت الْأَحْمَر أَبَا مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش رَضِي الله عَنهُ ثمَّ تقدم إِلَى مَدِينَة تطاوين فَدَخلَهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن الْمحرم من السّنة الَّتِي تَلِيهَا أَعنِي سنة سبع وثلاثمائة وَألف فَأَقَامَ بهَا نَحْو الْخَمْسَة عشر يَوْمًا وزار صلحاءها وَتَطوف فِي معالمها وتبارى وُجُوه أهل تطاوين وكبراؤهم فِي الإهداء إِلَيْهِ وبذل المجهود فِي الاعتناء بحاشيته وجيشه وأعجب ذَلِك السُّلْطَان وحاشيته وَرَأَوا مِنْهُم مَا تقر بِهِ أَعينهم وأنعم عَلَيْهِم السُّلْطَان بِعشْرَة آلَاف ريال لبِنَاء قنطرة يرتفقون بهَا فِي وَادِيهمْ الْمُحِيط بمدينتهم لَكِن لم يحصل مَقْصُود من ذَلِك لعدم إتقان بنائها فتهدمت فِي الْحَال وَضاع ذَلِك المَال ثمَّ سَار السُّلْطَان من تطاوين إِلَى طنجة ثمَّ مِنْهَا إِلَى العرائش ثمَّ عَاد إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا إِلَى أواسط شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ غزا آيت سخمان الَّذين قتلوا ابْن عَمه مولَايَ سرُور فأوقع بهم وَقبض على نفر مِنْهُم وَلم يتَمَكَّن مِنْهُم على مَا يَنْبَغِي ثمَّ سَار إِلَى مراكش فأعرس لجَماعَة من بنيه وَبنَاته ووفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من أقطار الْمغرب بالتهنئة وتباروا فِي الْهَدَايَا والتحف على مَا يَنْبَغِي وَبَالغ السُّلْطَان فِي إكرامهم وإفاضة الإنعام عَلَيْهِم وَاسْتمرّ أيده الله على كرْسِي ملكه وأريكة عزه وسلطانه وَالْأَيَّام سلم لَهُ وَالدُّنْيَا مهنأة بعزه وَنَصره والرعية طوع نَهْيه وَأمره إِلَّا مَا كَانَ من نواب أَجنَاس الدول فَإِنَّهُم أَكْثرُوا التَّرَدُّد إِلَيْهِ والاقتراحات عَلَيْهِ والتلونات لَدَيْهِ فَمرَّة بالنصائح الفارغة وَمرَّة بالتظلمات الْبَاطِلَة والحجج الْوَاهِيَة وَأُخْرَى بِطَلَب التَّخْفِيف من الأعشار والتنقيص من الصاكات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا تكَاد تقوم لَهُ الْجبَال الراسية وَهُوَ يدافعهم ويراوغهم وحيدا لَا نَاصِر لَهُ وَلَا معِين إِلَّا الله الَّذِي أيد بِهِ الدّين وعصم بِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
وَلما كَانَت سنة عشر وثلاثمائة وَألف خرج السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده
(3/201)

الله غازيا صحراء تافيلالت وقبائلها فَخرج إِلَيْهَا من فاس عقب عيد الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة فَقضى الأوطار من تمهيد تِلْكَ الأقطار على مَا يَنْبَغِي ثمَّ كتب كتابا إِلَى وُلَاة الْمغرب يصف فِيهِ الْحَال وَمَا قاساه فِي تِلْكَ السفرة من الْحل والارتحال فَقَالَ فِي كِتَابه بعد الِافْتِتَاح والطابع الْمُشْتَمل على اسْمه الْمُبَارك مَا نَصه وَبعد فَإِن الله تَعَالَى لما أَقَامَ عَبده بمحض الْفضل وَالِاخْتِيَار وأورثه الأَرْض وَعمر بِهِ الأقاليم والديار لم تكن لنا همة فِيمَا عدا السَّعْي فِي صَلَاح الْمُسلمين وانتظام أُمُورهم وَجمع كلمة الْمُؤمنِينَ وَلم نأل فِي ذَلِك جهدا حَتَّى يسر الله سُبْحَانَهُ قبل فِي الْوُصُول إِلَى سَائِر قبائل رعيتنا السعيدة وتخللنا أراضيهم كلهَا بجيوش الله المصحوبة بالعناية المزيدة فَلم نَتْرُك من الأقاليم إِلَّا النزر الْغَيْر الْمُعْتَبر أَو مَا كَانَ فِي الْوُصُول إِلَيْهِ إِلَّا مُجَرّد الْمَشَقَّة وَالضَّرَر وتفقدنا من أحوالها الْأُمُور وأجريناها على مَا يُرْضِي الله من الاسْتقَامَة فِي الْوُرُود والصدور وَكَانَ مِمَّا بَقِي علينا الْوُصُول إِلَيْهِ هَذِه الأصقاع الصحراوية والمعاقل البربرية الَّتِي كَانَ يفهم قبل أَنَّهَا صعبة المرتقى عديمة وُجُوه الارتقا فاستخرنا الله تَعَالَى وتوكلنا عَلَيْهِ وفوضنا الْأَمر كُله إِلَيْهِ وَعلمنَا أَنه تَعَالَى إِذا أَرَادَ أمرا هيأ لَهُ الْأَسْبَاب وَفتح إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ المغالق والأبواب وكل شَيْء مِنْهُ وَإِلَيْهِ كَمَا قَالَ ابْن عَطاء الله فِي حكمه إِذا أَرَادَ أَن يظْهر فَضله عَلَيْك خلق وَنسب إِلَيْك وَمَا من نفس تبديه إِلَّا وَله فِيك قدر يمضيه فنهضنا من حضرتنا الْعلية فاس المحمية واستقبلنا هَذِه النواحي البربرية وَنصر الله وفتحه يواليان علينا فِي كل أَوَان ويتجددان مَا تجدّد الملوان وَنعم الله لدينا متسابقة وتدبيرات قدرته الجلية لنا محكمَة العقد متناسقة فجاوزنا بِلَاد آيت يوسي مرورا وعبرنا بِلَاد بني مكيلد عبورا ووجدناهم جَمِيعًا منقادين للطاعة أتم انقياد ملقين لجانبنا العالي بِاللَّه الرسن والمقاد واقفين مَعَ النَّهْي وَالْأَمر لم يتَخَلَّف عَنْهُم فِي ذَلِك زيدهم وَلَا عَمْرو واستقبلنا بجيوش الله المنصورة وَجُنُوده الموفورة قَبيلَة آيت أزدك الَّذين هم بَيت القصيد وَعتبَة القصيد فسيقت إِلَيْهِم من الله الْهِدَايَة وطويت عَنْهُم اعلام الضَّلَالَة والغواية وتلقونا بأوائل بِلَادهمْ خَائِفين وجلين وَمن
(3/202)

سطوة الله فزعين فجنحنا للعفو إيثارا لَهُ وحرصا على حقن الدِّمَاء وعدولا عَن الْقِتَال نظرا للصبيان والعجائز والشيوخ وضعفاء الْحَال ومعاملة بالصفح لمن كَانَ مِنْهُم ضل وغوى أخذا بقول الله تَعَالَى {وَأَن تعفوا أقرب للتقوى} الْبَقَرَة 237 وَبعد أَن تحققت مِنْهُم التَّوْبَة وَسعوا فِي تَحْصِيل مرضات الله وخاطرنا الشريف بِمَا محا عَنْهُم الهفوة والحبوة وصير سيئاتهم حَسَنَات وأبعدهم عَن المثلات فقابلناهم بِمَا أَزَال دهشتهم وفزعهم وكشف جزعهم فانشرحوا وسايروا رِكَابنَا الشريف فِي زيهم وجموعهم بسرور ونشاط مغتبطين بمقدمنا السعيد أتم اغتباط إِلَى أَن خيمنا عَلَيْهِم بأوطاط فأظهروا من حسن الِامْتِثَال وَالطَّاعَة مَا وصلوا بِهِ إِلَى الْغَايَة وَقَامُوا بِوَاجِب الْمحلة السعيدة من الضيافات والمبرة وشرعوا على الْفَوْر فِي دفع مَا وظفناه عَلَيْهِم من الْأَمْوَال متسارعين إِلَى الْأَدَاء فِي الْحَال منقادين لكل مَا أُرِيد مِنْهُم من الْأَعْمَال فنهضنا للتخييم بمركز بِلَادهمْ على وَادي زيز وحادي الميامين يَحْدُو بِالْفَتْح الْمُبين والنصر الْعَزِيز فاستوفينا مِنْهُم فِيهِ مَا بَقِي من المفترض وحصلنا مِنْهُم بعناية الله على غَايَة الْغَرَض ثمَّ ارتحلنا عَنْهُم مصحوبين بكتيبة مِنْهُم مُعْتَبرَة وافرة الْعدَد كَثِيرَة المدد مُشْتَمِلَة على عدد لَهُ بَال من خيولهم وصناديد رِجَالهمْ وحللنا بِبِلَاد آيت مرغاد فتلقوا رِكَابنَا الشريف بِطَاعَة وخضوع وانقياد مظهرين الإذعان فِي كل مَا مِنْهُم يُرَاد وَقَامُوا بأَدَاء الْفَرَائِض والنوافل مبتهجين بطلعتنا الشَّرِيفَة فِي سَائِر الْمنَازل وكل ذَلِك بتيسير الله وتسديده وإرشاده وتوفيقه وإرادته وتسهيله كَمَا قَالَ صَاحب الحكم مَا توقف مطلب أَنْت طَالبه بِرَبِّك وَلَا تيَسّر مطلب أَنْت طَالبه بِنَفْسِك مَعَ سياسة صدقت بهَا أنباء الْكتب وادخرت بهَا المرهفات فِي الحقب وحقنت الدِّمَاء بإراقة مداد الأقلام وصينت الْأَعْرَاض وأغنى الْكَلَام السياسي عَن الْكَلَام ودوخنا بِلَادهمْ كلهَا غورها ونجدها على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الوعورة وتعاظم الْجبَال الَّتِي يخال أَنَّهَا تنادم الْقَمَر وتصافح الْكَوْكَب مهما بزغ وَظهر فسبحان الله مَا أعظم شَأْنه وأوضح برهانه إِلَى أَن حللنا بمركز أَرضهم بتادغوست وَبهَا قَرَار قطب رحاهم فِي جاهليتهم الْمُفْسد عَليّ بن
(3/203)

يحيى المرغادي الَّذِي طالما حذره الْإِنْذَار ولسان حَاله يَقُول لَا حَيَاة لمن تنادي فَوَقع الْقَبْض عَلَيْهِ ووجهناه مصفدا إِلَى مراكش على سنة الله فِيمَن زلت بِهِ الْقدَم وَصَارَ حَلِيف التأسف والندم وأراح الله مِنْهُ الْعباد وطهر مِنْهُ الْبِلَاد وَفِيمَا قبل ذَلِك كُنَّا وجهنا من يَسْتَوْفِي من آيت حديدو مَا وظف عَلَيْهِم فِي المغارم وَيَأْتِي من عِنْدهم بِمَا هُوَ لَهُم لَازم فَلم يظْهر مِنْهُم مَا يُفِيد وَرجع الموجهون بِغَيْر طائل وَلَا عتيد فترصدنا من أعيانهم وَأهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم جمَاعَة وافرة تقرب من الْمِائَتَيْنِ وقبضنا عَلَيْهِم بأجمعهم جَزَاء وفَاقا حَتَّى يؤدوا جَمِيع مَا فرض عَلَيْهِم بحول الله وتوجهنا والسعادة تقدمنا والميامين تحفنا وصحبة رِكَابنَا الشريف من جَيش آيت مرغاد قدر كثير الْعدَد قوي المدد مُشْتَمل على أُلُوف من الْخَيل والأبطال وليوث الْحَرْب والنزال إِلَى أَن وصلنا إِلَى قصر السُّوق فَوَجَدنَا بِهِ جَيش خدامنا آيت عطة فِي انْتِظَار جانبنا الشريف لمصاحبة رِكَابنَا السعيد المنيف وهم فِي عدد عديد وَقُوَّة مَا عَلَيْهَا من مزِيد يقربون من الْأَرْبَعَة آلَاف فَارس وَكلهمْ لُيُوث عوابس وَمَعَهُمْ من رُمَاة إخْوَانهمْ عدد كثير مُعْتَبر كَأَنَّهُمْ سيل إِذا انحدر فنهضوا مَعَ جانبنا العالي بِاللَّه فِي جموعهم وَكَثْرَة عَددهمْ وعديدهم إِلَى مدغرة فتبركنا مِنْهَا بمواطىء الأسلاف وتعاهدنا أُمُور أَهلهَا بِحسن مُبَاشرَة وإسعاف وأنعمنا على شرفائها بِعشْرين ألفا من الريال ووجهناها إِلَيْهِم صُحْبَة ولدنَا مولَايَ عبد الْعَزِيز أصلحه الله وَفرقت فيهم صلَة لَهُم وَأَدَاء لحقوق الْقَرَابَة والاتصال وتزودنا من دُعَائِهِمْ الصَّالح بمقبول مستجاب يُرْجَى أَن لَا يكون بَينه وَبَين الله حجاب ونهضنا عَنْهُم إِلَى بِلَاد عرب الصَّباح فتلقوا مواكبنا السعيدة فِي زيهم بفرح وانشراح وَقَامُوا بالواجبات من الْميرَة والضيافات ودفعوا فِي الْحِين جَمِيع المفروضات ونهضنا من بِلَادهمْ إِلَى تافيلالت بِقصد زِيَارَة جدنا الْأَكْبَر القطب الْوَاضِح ذِي السِّرّ الْأَظْهر مَوْلَانَا عَليّ الشريف رَضِي الله عَنهُ ونفعنا بِهِ فَخرج أَهلهَا من جَمِيع الشرفاء والعامة لملاقاتنا رجَالًا وَنسَاء وصبيانا وشيوخا وكهولا أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا جموعا وفرادى وأزواجا وَحصل لَهُم ابتهاج عَظِيم برؤيتنا وامتلؤوا فَرحا وسرورا
(3/204)

بمقدمنا وانشرحت هُنَالك الخواطر وسرت الضمائر وأدينا وَاجِبا بصلَة رحم من هُنَالك من ذَوي الْقَرَابَة وَالرحم وَكَانَ ذَلِك عندنَا من الْأَمر المهم وأنعمنا عَلَيْهِم بِعشْرين ألف ريال أُخْرَى كَأَهل مدغرة وجهناها إِلَيْهِم مَعَ ولدينا مولَايَ عبد الْعَزِيز ومولاي بلغيث حفظهما الله وَقسمت فيهم صلَة وأقمنا هُنَاكَ ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا بِقصد الاسْتِرَاحَة والزيارة ومشاهدة آثَار الأسلاف قدسهم الله وَمَا اجلها مآثر وَأعظم سناها فِي تِلْكَ الْمظَاهر وعاينا مَا لَهُم من الْأَمْلَاك وَالْأُصُول وتفقدناها بِمَا أَحْيَا مواتها كفاحا وازدادت بِهِ بهجة ونجاحا فَللَّه الْحَمد بداية وَنِهَايَة وَله مزِيد الشُّكْر أَولا وَغَايَة نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ أَن يَجْعَل مَا ارتكبناه فِي ذَلِك كُله خَالِصا لوجهه جَارِيا على سَبيله الْمُسْتَقيم ونهجه ويتقبله بِأَحْسَن قبُول ويبلغنا فِي صَلَاح الْمُسلمين غَايَة المأمول وَيجْعَل فِي طَاعَته الْحَرَكَة والسكون وعَلى حوله وقوته الِاعْتِمَاد والركون وَقد نهضنا إِلَى حضرتنا الشَّرِيفَة المراكشية سائلين من الله سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة وَالْقُوَّة والتيسير وبلوغ الأمنية وأعلمناكم لِتَكُونُوا مستبصرين بِمَا كَانَ وتفرحوا بِفضل الله وفتحه وَنَصره فِي الْإِسْرَار والإعلان وَهُوَ المسؤول سُبْحَانَهُ أَن يَجْعَل الْبِدَايَة عنوان الاختتام ويبلغنا من كل خير غَايَة المرام وَالسَّلَام فِي خَامِس عشر جُمَادَى الأولى عَام أحد عشر وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله
وَكَانَ رُجُوعه إِلَى مراكش على طَرِيق الفائجة وَلما انْتهى إِلَى ثنية الكلاوي أصَاب النَّاس ثلج كثير وَبرد شَدِيد تألموا مِنْهُ حَتَّى السُّلْطَان ثمَّ خلصوا مِنْهُ بعد عصب الرِّيق وَفِي مُدَّة غيبَة السُّلْطَان هَذِه حدثت حَرْب شَدِيدَة بَين زناتة الرِّيف وَبَين نَصَارَى الإصبنيول من أهل مليلية وَمَا والاها فمحقتهم زناتة محقا وشردوا بهم من خَلفهم استئصالا وقتلا وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنهم اقترحوا على السُّلْطَان أَن يزيدهم فِي مساحة أَرض مليلية على عَادَتهم فِي كَثْرَة الاقتراحات والتلونات فأسعفهم وَزَادَهُمْ من أَرض زناتة نَحْو الغلوة وَصَارَ الْحَد الْمُشْتَرك بَين الْفَرِيقَيْنِ قَرِيبا من تربة ولي الله سَيِّدي وارياش وَهُوَ عِنْد أهل تِلْكَ الْبِلَاد عَظِيم الْقدر شهير الذّكر يتناوبونه للزيارة ويتبركون
(3/205)

بِهِ ويدفنون عِنْده موتاهم فَلم يحل لنصارى مليلية بِنَاء العسات وَغَيرهَا إِلَّا بِمحل يشرف على تربة الْوَلِيّ الْمَذْكُور ويكشف عَنْهَا فراودهم أهل الرِّيف عَن التخلي عَن ذَلِك الْموضع وَالْبناء بِغَيْرِهِ فَأَبَوا وأصروا على الِامْتِنَاع وَرُبمَا لسعوهم بِمَا أحفظهم من الْكَلَام المؤلم على عَادَتهم فِي ذَلِك فَإِن هَذَا الإصبنيول مُنْذُ كَانَت لَهُ الْغَلَبَة فِي حَرْب تطاوين وَأهل الْمغرب مَعَه فِي عناء شَدِيد من كَثْرَة مَا يتعنت ويتجنى عَلَيْهِم وَيسْمعهُمْ من محفظات الْكَلَام وصريح الملام لَا سِيمَا أوباشهم ورعاعهم وتالله لقد سَمِعت أذناي من ذَلِك مَا يضيق لَهُ الصَّدْر وَلَا ينْطَلق بِهِ اللِّسَان وَإِذا رفعت الشكاية بهم إِلَى أكابرهم غمصوا الْحق وجادلوا بِالْبَاطِلِ هَذَا دأبهم وديدنهم وَإِلَى الله وَحده المشتكى وَله سُبْحَانَهُ العتبى حَتَّى يرضى وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ فَلَمَّا سلكوا هَذَا المسلك وَنَحْوه مَعَ أهل الرِّيف أذاقوهم من بأسهم شَدِيد الْعقَاب وأليم الْعَذَاب كَمَا هُوَ مَعْلُوم فَلَمَّا احتل السُّلْطَان أيده الله بِحَضْرَة مراكش من هَذِه السفرة قدم عَلَيْهِ وَفد الإصبنيول يطْلبُونَ الْإِنْصَاف من أهل الرِّيف فِي هَذِه النَّازِلَة واستصحبوا مَعَهم سربا من الْحمام الطيار بالمكاتيب وَالْأَخْبَار وَدَار الْكَلَام بَينهم وَبَين السُّلْطَان فِي النَّازِلَة وَحكم فِيهَا من لم يكن ذَا بَصِيرَة بمعضلات النَّوَازِل من غافل أَو متغافل فَوَقع الْفَصْل على أَن يدْفع السُّلْطَان عَن دِمَاء قتلاهم أَرْبَعَة ملايين من الريال وَتمّ الصُّلْح على ذَلِك وَكَانُوا فِي تِلْكَ الْمدَّة كلما دَار بَينهم وَبَين السُّلْطَان كَلَام فِي الْقَضِيَّة أطاروا بِهِ الْحمام إِلَى أَرْبَاب دولتهم بمادريد وَالله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد
وَفِي آخرهذه السّنة كَانَت وَفَاة السُّلْطَان مولَايَ الْحسن بن مُحَمَّد رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه فَإِنَّهُ خرج من مراكش فاتح ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة غازيا قبائل البربر الَّذين بجبال فازاز لَا سِيمَا آيت سخمان الَّذين غدروا بِأَصْحَابِهِ وَابْن عَمه حَسْبَمَا تقدم قَرِيبا وَكَانَ رَحمَه الله قد قدم من حَرَكَة تافيلالت وَهُوَ مَرِيض مَرضا خَفِيفا فِي الظَّاهِر وَلكنه مزمن فِي الْبَاطِن فَكَانَ يتَكَلَّف مَعَه الْخُرُوج للنَّاس وَينفذ القضايا وَيجْلس للوفود ويجيزهم وَيفْعل جَمِيع الْأُمُور المخزنية ثمَّ خرج من مراكش فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور على مَا بِهِ
(3/206)

من الْأَلَم وَالْمَرَض وتحامل حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي العبيد من أَرض تادلا فأدركه أَجله هُنَالك فِي السَّاعَة الْحَادِيَة عشرَة من لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث ذِي الْحجَّة الْحَرَام متم عَام أحد عشر وثلاثمائة وَألف وَحمل فِي تَابُوت إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَدفن بِإِزَاءِ جده الْأَعْلَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحْمَة الله على جَمِيعهم آمين
وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَكَانَ رَحمَه الله من خِيَار الْمُلُوك العلوية وأفاضلهم بِمَا نشر من الْعدْل وَأصْلح من الرعايا وَأبقى من الْآثَار بالمغرب وثغوره فَالله تَعَالَى يجْبر كسر الْمُسلمين فِيهِ ويعوضهم أجرا عَن مصابه آمين
وَبَايع أهل العقد والحل نجله الأرضى الأبر المرتضى مَوْلَانَا عبد الْعَزِيز ابْن مَوْلَانَا الْحسن نَصره الله نصرا عَزِيزًا وَفتح لَهُ فتحا مُبينًا آمين وَهُوَ الْآن على كرْسِي ملكه بفاس المحروسة كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي وَقد تسرب إِلَيْهِ جمَاعَة من نواب الْأَجْنَاس كعادتهم مَعَ وَالِده من قبله فقدموا عَلَيْهِ حَضْرَة فاس مظهرين أَنهم إِنَّمَا قدمُوا للتهنئة ومرادهم خلاف ذَلِك {ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين} الْأَنْفَال 30 وَمَا ظَنك بِمن يزْعم أَنه قدم للتهنئة وَهُوَ مُقيم بالحضرة هَذِه مُدَّة من أَرْبَعَة أشهر يتجسس الْأَخْبَار ويتطلع العورات ويترصد الغفلات ويحصي الأنفاس لَعَلَّه تظهر لَهُ خلة أَو تمكنه فرْصَة نسْأَل الله تَعَالَى أَن يرد كَيده فِي نَحره ويعديه بعاره وعره آمين ولعمري مَا الْحَامِل على هَذَا وَنَحْوه إِلَّا قلَّة الْحيَاء من الله وَمن النَّاس وَإِلَّا فَمَا معنى الْإِقَامَة فِي سَبِيل التهنئة أَرْبَعَة أشهر ثمَّ انْظُر مايزاد مِنْهَا بعد ذَلِك وَكَانَ مِمَّا يُؤثر من كَلَام النُّبُوَّة الأولى إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
وَاعْلَم أَن أَحْوَال هَذَا الجيل الَّذِي نَحن فِيهِ قد باينت أَحْوَال الجيل الَّذِي قبله غَايَة التباين وانعكست عوائد النَّاس فِيهِ غَايَة الانعكاس وانقلبت أطوار أهل التِّجَارَة وَغَيرهَا من الْحَرْف فِي جَمِيع متصرفاتهم لَا فِي سككهم وَلَا فِي
(3/207)

أسعارهم وَلَا فِي سَائِر نفقاتهم بِحَيْثُ ضَاقَتْ وُجُوه الْأَسْبَاب على النَّاس وصعبت عَلَيْهِم سبل جلب الرزق والمعاش حَتَّى لَو نَظرنَا فِي حَال الجيل الَّذِي قبلنَا وَحَال جيلنا الَّذِي نَحن فِيهِ وقايسنا بَينهمَا لوجدناهما كالمتضادين وَالسَّبَب الْأَعْظَم فِي ذَلِك مُلَابسَة الفرنج وَغَيرهم من أهل الأربا للنَّاس وَكَثْرَة مخالطتهم لَهُم وانتشارهم فِي الْآفَاق الإسلامية فَغلبَتْ أَحْوَالهم وعوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إِلَيْهَا جذبة قَوِيَّة وَأَنا أحكي لَك حِكَايَة تعْتَبر بهَا وتستدل بهَا على مَا وَرَاءَهَا وَهِي أَنِّي ذاكرت ذَات يَوْم رجلا من أهل جيلنا فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ لي إِن لي راتبا سلطانيا أقبضهُ فِي كل شهر قدره ثَلَاثُونَ أُوقِيَّة قَالَ فَكنت فِي حُدُود السِّتين وَمِائَتَيْنِ وَألف أَقبض فِيهِ عشر بسائط لِأَن صرف البسيطة يَوْمئِذٍ ثَلَاث أَوَاقٍ فَلَمَّا أخذت السِّكَّة فِي الِارْتفَاع بعد السِّتين صرت أَقبض فِيهِ تسع بسائط وفلوسا ثمَّ بعد ذَلِك بِسنة أَو سنتَيْن صرت أَقبض ثَمَان بسائط وفلوسا ثمَّ سبع بسائط وفلوسا وَهَكَذَا إِلَى أَن صرت الْيَوْم فِي أَعْوَام التسعين أَقبض فِي الثَّلَاثِينَ أُوقِيَّة بسيطة وَاحِدَة وشيئا من الْفُلُوس اهـ فَانْظُر إِلَى هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي حصل فِي الجيل فِي مُدَّة من ثَلَاثِينَ سنة أَو نَحْوهَا فقد زَادَت السكَك والأسعار فِيهَا كَمَا ترى نَحْو تِسْعَة أعشار وَالْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ وَيكثر بِكَثْرَة الِاخْتِلَاط والممازجة مَعَ الفرنج ويقل بقلتها وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن أهل الْمغرب أقل الْأُمَم اختلاطا بهم فهم أرخص النَّاس أسعارا وأرفقهم معاشا وأبعدهم زيا وَعَادَة من هَؤُلَاءِ الفرنج وَفِي ذَلِك من سَلامَة دينهم مَا لَا يخفى بِخِلَاف مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا من الْأَمْصَار فَإِنَّهُ يبغلنا عَنْهُم مَا تصم عَنهُ الآذان فَلْيتَأَمَّل هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ وليعرف مِنْهُ سر الله فِي خلقه
وَاعْلَم أَيْضا أَن أَمر هَؤُلَاءِ الفرنج فِي هَذِه السنين قد علا علوا مُنْكرا وَظهر ظهورا لَا كفاء لَهُ وأسرعت أَحْوَاله فِي التَّقَدُّم وَالزِّيَادَة إسراعا متضاعفا كتضاعف حبات الْقَمْح فِي بيُوت الشطرنج حَتَّى كَاد يَسْتَحِيل إِلَى فَسَاد وَعلم عَاقِبَة ذَلِك وغايته إِلَى الله تَعَالَى الْمُنْفَرد بِالْغَيْبِ
(3/208)

(وَأعلم علم الْيَوْم والأمس قبله ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَد عَم)
وَهَذَا مَا قصدنا جمعه من هَذَا الْكتاب وَالله الملهم للصَّوَاب {رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} الْأَعْرَاف 23 وَصلي الله وَسلم وَبَارك على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين
(3/209)

تقريظ الطبعة الأولى لكتاب الاستقصا

تقريظ الْعَلامَة الأديب السَّيِّد أَحْمد بن الْمَأْمُون البلغيثي الْحُسَيْنِي

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم وعَلى آله وَصَحبه ذَوي الْمجد الفخيم
الْحَمد لله الَّذِي أنعم علينا بالكمال الإنساني وتكرم إِلَيْنَا بِأَحْسَن التَّقْوِيم فِي النُّطْق اللساني نحمده وَله الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة على نعمه الَّتِي لَا تحصى ونشكره على مننه الَّتِي لَا تعد بالاستقصا وَنُصَلِّي ونسلم على نبيه سيدنَا ومولانا مُحَمَّد أفْصح من بالضاد نطق الْمنزل عَلَيْهِ فِي حَكِيم الذّكر وَكَذَلِكَ نقص عَلَيْك من أنباء مَا قد سبق وعَلى آله وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ وَمن قصّ علينا قصصهم من أَئِمَّة الدّين صَلَاة وَسلَامًا ندرك بهما مدارك الْكَمَال ونبلغ بهما مُنْتَهى الآمال أما بعد فَيَقُول العَبْد الْفَقِير إِلَى مَوْلَاهُ الْغَنِيّ الْكَبِير أَحْمد بن الْمَأْمُون الحسني الْعلوِي البلغيثي السجلماسي أصلا ودارا الفاسي منشأ وقرارا تقبل الله صَالح أَعماله وبلغه فِي الدَّاريْنِ غَايَة آماله لما أَن وقفت على هَذَا التَّارِيخ الْمُفِيد وقُوف طَالب مستفيد ألفيته مَرْغُوب اللبيب ومحبوب الحبيب قد جمع فأوعى وَبلغ من الإتقان غَايَة الْمَسْعَى حَيْثُ احتوى على أَخْبَار الأقطار المغربية واستقصى أهم الأوطار من أنبائها الشهية فطابق اسْمه مُسَمَّاهُ وَوَافَقَ لَفظه مَعْنَاهُ
(كتاب رَأَيْت الْحسن فِيهِ مفصلا ... كَمَا فصل الْيَاقُوت بالدر ناظمه)
(فَكَانَ لَهُ نشر يفوح وبهجة ... كَمَا افتر عَن زهر الرياض كمائمه)
ولعمري أَنه لتاريخ تشد إِلَيْهِ الرّحال وتعتكف بجامعه الْأَزْهَر جهابذة
(3/210)

الرِّجَال إِذْ أغْنى وأقنى وَبلغ النَّاظر فِيهِ مَا تمنى يُغني عَن غَيره من الموضوعات فِي فنه بِصِحَّة أسانيده المرفوعات على أَعْلَام حسنه تناديك مِنْهُ سطوره والطروس لَا تلْتَفت لغيري فَلَا عطر بعد عروس وَكَيف لَا ومؤلفه الْعَلامَة من هُوَ فِي غرَّة هَذَا الْعَصْر عَلامَة الطالع الأسعد والسند الأصعد الْمُحَقق النقاد والمشارك فِي جَمِيع الْفُنُون بالذهن الْوَقَّاد المرتوي من نهر كل فَضِيلَة بِمَا راق وحلا أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد الناصري الدرعي شمس ثغر سلا أبقى الله بركته وأدام فِي اكْتِسَاب الْمَعَالِي حركته فَللَّه دره من مؤلف ألف بَين الكمالات وشنف السّمع بأصح المقالات فِي هَذَا التَّارِيخ الَّذِي أرخت فِي صَحَائِف الْكَمَال آيَاته وخلدت فِي دفاتر الْمجد فضائله وكراماته وَقد زَاده رونق الطَّبْع نورا على نور وأفاده اجتلاء على مَنَابِر الظُّهُور فَقرب نوره لمقتبسه وَسَهل ملكه لملتمسه وَلما ملك حسنه خاطري وفؤادي وسلك بَين مَنْهَج قصدي ومرادي وصرت بِهِ أنشط من ظَبْي مقمر وأسلط عَلَيْهِ من ذِئْب متنمر تشوفت لإنشاء امتداحه وتشوقت لإملاء أمداحه بِمَا لَا أعده فِي شَيْء من طَبَقَات الفصاحة عِنْد فرسَان هَذَا الميدان وَلَكِن عُذْري عِنْد الْوَاقِع عَلَيْهِ أَنه لقطَة عجلَان مَا لَهُ فِي الْأَدَب يدان فَقلت فِي ذَلِك مؤرخا تَمام طبعه فِي بداعة صنعه ورقة طبعه بقول وسيط من بَحر الْبَسِيط
(أَخْبَار أهل الْهوى مَا زَالَ يَرْوِيهَا ... أَحْبَار كأس رحيق الراح يَرْوِيهَا)
(حَتَّى إِذا سمعُوا العشاق مخبرها ... هاموا وَقَامُوا بألحان تواتيها)
(لكِنهمْ أبدا فِي الدَّهْر مَا سمعُوا ... مَا نالني فِي هوى خود أفديها)
(خود بهَا الصب قد لذ الْعَذَاب لَهُ ... لما غَدا وَهُوَ مطروح بناديها)
(يَرْجُو رِضَاهَا وَلم تسمح بوصلته ... وبالتذلل والشكوى يناديها)
(قد استرقته فِي شرع الغرام وَمَا ... رقت لما بِهِ من نَار يقاسيها)
(حَتَّى استبان لَهَا أَنِّي على تلف ... وَأَن مَا بِي مِنْهَا لَيْسَ تمويها)
(جَاءَت إِلَيّ على فَور تعللني ... بالْعَطْف من طلعة سُبْحَانَ باريها)
(فأتحفتني بحتف الرَّمْز من مقل ... السَّيْف حاجبها وَالْحسن كاسيها)
(إِن أَوْمَأت بلحاظ جرحت كَبِدِي ... أَو أَعرَضت بلغت روحي تراقيها)
(3/211)

(مَا حيلتي فِي الْهوى وَمَا دوا كَبِدِي ... الْعَطف يجرحها والهجر يبليها)
(إِنِّي خلعت عِذَارَيْ فاعذروني فِي ... حب الملاح فَإِن الْقلب يبغيها)
(فَهَل ملام على من صَار ذَا وَله ... بغاة سلبت عَقْلِي مَعَانِيهَا)
(إِذا بَدَت لأولي الْأَلْبَاب شمتهم ... صرعى وطرحى جَمِيعًا فِي مغانيها)
(يَا حسن مَا حَدَّثتنِي عِنْدَمَا عطفت ... فِي شَأْن من ببعادي كَانَ يغريها)
(قَالَت لَك الْوَصْل مني لَيْسَ يعقبه ... هجر على رغم من يَبْغِي لَك التيها)
(تخال نطق لماها عِنْدَمَا نطقت ... أَخْبَار تَارِيخ الِاسْتِقْصَاء تمليها)
(ذَاك الْكتاب الَّذِي فاقت صناعته ... كل التواريخ بالإتقان عاديها)
(لله مَا قد حوى من كل وَاقعَة ... يُلْهِيك عَن نَغمَة الألحان راويها)
(وَمن محَاسِن أَحْوَال تتوق لَهَا الأسماع ... من كل ذِي لب يدانيها)
(وَمن نَوَادِر قد كَانَت لذِي أدب ... تود إِذن الْعلَا أَن لَو تحليها)
(أغْنى وأقنى بأخبار مصححة ... قد كَانَ فِي الْمغرب الْأَقْصَى دواعيها)
(كم من فَوَائِد قد كَانَت أوابد لم ... تظفر بهَا بِهِ يستدعيك قاصيها)
(مَا شِئْت من أدب غض وَمن ملح ... تشتاقها همم ترحو توافيها)
(فاعكف عَلَيْهِ ونزه فِي بدائعه ... أبصار فكرك تستجني أمانيها)
(فَإِنَّهُ رَوْضَة أشجارها قصَص ... أزهارها حكم إِن رمت تجنيها)
(أنهارها من معِين مَا بِهِ كدر ... من كل معنى غَدا للنَّفس شافيها)
(بل جنَّة جمعت آمال أَنْفُسنَا ... وتستلذ بهَا أبصار رائيها)
(لَا غرو حَيْثُ غَدا مِفْتَاح بهجتها ... من فِيهِ يُرْسل أعْط الْقوس باريها)
(ذَاك الأديب الأريب الْعَالم الْعلم الْهمام ... غَايَته من ذَا يجاريها)
(الناصري أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد من ... نَالَ الْعلَا واعتلى أَعلَى أعاليها)
(نقاد كل فنون الْعلم لَيْسَ لَهُ ... بغَيْرهَا شغل دأبا يواليها)
(فكم أَجَاد وَكم أسدى فوائدها ... فِي كل قطر من الأقطار يوليها)
(أنسى إياسا بأفكار لَهُ وقدت ... ترى شموس الْهَدْي كشفا لباغيها)
(فَهَذِهِ قبسة من نور عمله قد ... مدت إِلَيْهَا أقاصي الأَرْض أيديها)
(نَالَتْ أشعتها الْأَيْدِي على بعد ... كَالشَّمْسِ مَعَ رَفعهَا يَبْدُو تدانيها)
(3/212)

(تريك سيرة قطر الغرب كَيفَ مَضَت ... رأى الْحَقِيقَة فِي أفكار قاريها)
(إِن التواريخ فِي أخباره كثرت ... لَكِن ذَا قد حوى أصح مَا فِيهَا)
(بل زَاد أنباء قوم لم تكن جمعت ... مِمَّا جرى عَن قريب فِيهِ تلفيها)
(مَعَ مَا حوى من عُلُوم من مؤلفة ... بَدَت معالمهما هَديا لآتيها)
(أعظم بهَا منحة قد عَم نائلها ... وَطَاف فِي شاسع الأقطار سَاقيهَا)
(فرقة الطَّبْع قد نمت بهَا وسرت ... لطبع آياتها كَيْمَا تجليها)
(فَعَاد مِنْهَا محياها كَمَا قمر ... يهدي الضليل بهَا إِن جا يماشيها)
(كَمَال طبع حلاها جَاءَ وفْق منى ... فَالْحَمْد لله كم نعماء يسديها)
(مَعَ مُنْتَهى أرب قل كي تؤرخه ... معالم الطَّبْع بالبشرى تناهيها) 181 113 545 472 سنة 1312
هَذَا التَّارِيخ يعرف من بَين أَنْوَاعه بالمذيل وَحَقِيقَته أَن تكون جملَة التَّارِيخ نَاقِصَة فتكمل بِحرف أَو أَكثر مَعَ التَّنْبِيه عل ذَلِك بِإِشَارَة تَتَضَمَّن تورية وَبَيَان ذَلِك هُنَا أَن جَامع عدد قولي معالم الطَّبْع بالبشرى تناهيها هُوَ عشرَة وثلاثمائة وَألف فتوقف الْعدَد المؤرخ بِهِ على اثْنَيْنِ أَشرت لَهَا بِقَوْلِي مَعَ مُنْتَهى أرب ومنتهى أرب هُوَ الْبَاء الَّتِي بِاثْنَيْنِ فاستوفى عدد التَّارِيخ هَذَا وليعلم من يقف عَلَيْهِ من أدباء أهل الْمغرب أَنِّي حسبت حرف الشين من قولي بالبشرى بثلاثمائة على اصْطِلَاح المشارقة فِيهَا لَا بِأَلف كَمَا هُوَ اصطلاحنا وَهِي أحد الْحُرُوف السِّتَّة الَّتِي اخْتلف فِيهَا اصْطِلَاح الْفَرِيقَيْنِ وَقد تمذهبت بمذهبهم فِي هَذَا التَّارِيخ مُرَاعَاة لمحل الطَّبْع كَمَا يستحسن ذَلِك مني سَالم القريحة والطبع وَالله الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
(3/213)

تقريظ الأديب السَّيِّد إِبْرَاهِيم الْأَزْهَرِي

حمدا لمن أَضَاء عقول الْخلف بأنوار تواريخ السّلف وَصَلَاة وَسلَامًا على من قصّ عَلَيْهِ أحسن الْقَصَص فِي كِتَابه الْمكنون وَأخْبرهُ بسرائر مَا كَانَ وَمَا يكون وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين أشرقت صَحَائِف التَّارِيخ بآياتهم الباهية الباهرة وتزينت المحافل بمحاسن إحسانهم الزاهية الزاهرة أما بعد فَإِن علم التَّارِيخ كنز يجب التحلي بنفائس فرائده وَروض لَا غنية لأحد عَن مجاني فَوَائده وَكم للْعُلَمَاء فِيهِ من تصانيف مهمة عَادَتْ بالمنافع الجمة على كل أمة فَلم ترتق أمة إِلَى عرش تمدنها إِلَّا بتبحرها فِي هَذَا الْفَنّ وتفننها وَأَن أجل مَا ألف فِيهِ كتاب الاستقصا لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى فَهُوَ أول كتاب كشف الغطاء عَن هَذِه الممالك وَقرب لمن يهمه الْوُقُوف على حَقِيقَة أَخْبَارهَا جَمِيع المسالك وَأَبَان عَن أول من دَخلهَا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لرفع أَعْلَام الْإِسْلَام وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من المعارف الَّتِي لم تطو سجلات نشرها تعاقب الْأَيَّام لَا سِيمَا بِلَاد الأندلس وَمَا لَهَا من الحضارة والأبهة والنضارة وَمَا لبلاد الجزائر من كل أثر جليل يشْهد برفعة قدرهَا جيلا بعد جيل مَعَ تَحْرِير التراجم للملوك والأعاظم وَمَا دهم هَذِه الْبِلَاد من الوقائع الحربية الَّتِي أثارت غبارها يَد الدسائس الْأَجْنَبِيَّة وَمَا ثَبت لهَذِهِ الدول من الاختراعات والاستكشافات وَمَا بَينهَا وَبَين الدول الْأُخْرَى من المواصلات والمعاهدات كل ذَلِك بعبارات صَادِقَة ومحررات شائقة
(حَدِيث الْمغرب الْأَقْصَى ... قد استقصاه الاستقصا)
(كتاب جلّ مبدعه ... على نسق بِهِ اختصا)
(بدا وَالنَّاس فِي شغف ... ليقتنص النهى قنصا)
(فتاهوا فِي محاسنه ... فَأَرْشَدَهُمْ بِمَا أوصى)
(فيالله مَا أَعلَى ... وَمَا أغْلى وَمَا أحصى)
(فَكَّيْهِ فِي فكاهته ... صَدُوق القَوْل إِن قصا)
(3/214)

(عَلَيْهِ فَكُن أَشد النَّاس ... فِي اسْتِقْصَائِهِ حرصا)
(تَجِد غررا حوت دررا ... عَلَيْهَا تكْثر الغوصا)
وَكَيف لَا ومؤلفه إِنْسَان عين الْأَدَب وترجمان لِسَان الْعَرَب جَوْهَر بحور المعارف وسويداء صُدُور العوارف من أَجمعت الْفَضَائِل على التباهي بسيرته وتسابقت المحامد إِلَى الاقتباس من مشكاة سَرِيرَته ألفته الْحِكْمَة فسامرها وَمَا سلا عَلامَة الْمشرق وَالْمغْرب فضلا عَن كَونه تَاج مجد سلا بَحر الْعلم الخضم الرَّاوِي شهَاب الدّين أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي وَلأَجل أَن يعم النَّفْع الجزيل بِهَذَا الْأَثر الْجَلِيل قَامَ حَضْرَة مُؤَلفه بطبعه فِي إِحْدَى مطابع الْقطر الْمصْرِيّ حَتَّى أشرق بدر كَمَاله على الْكَوْكَب الدُّرِّي بمشاركة كل من صَاحب الْحسب العاطر وَالنّسب الطَّاهِر صَاحب الشّرف وَالْمجد السّني السَّيِّد الحبيب البلغيتي الحسني وحضرة من هُوَ لكل كَمَال مصطفى جناب مُحَمَّد أَفَنْدِي مصطفى فَهَؤُلَاءِ السَّادة هم السَّبَب فِي تَعْمِيم نَفعه وتعطير الْآفَاق بعبير طبعه بمطبعة حَضْرَة الأفندي الشهيرة بإتقان الصِّنَاعَة وَكَمَال رونق الطباعة جزاهم الله بمنه وفضله أكمل جَزَاء عَن الْعلم وَأَهله وَكَانَ انْتِهَاء طبعه الأنيق واستكمال حسنه الرَّقِيق فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان الْمُعظم سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف والثلاثمائة من هجرته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
تمّ الْجُزْء التَّاسِع والأخير من كتاب الاستقصا
(3/215)