Advertisement

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء 001



الكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء
المؤلف: سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع (المتوفى: 634هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] [المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ترجمة المصنف «1»
هو أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان بن سليمان بن أحمد بن عبد السلام الحميري الكلاعي البلنسي الأندلسي المالكي المعروف بابن سالم.
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة (565 هـ) ، ونشأ ببلنسية، وتلقى العلوم في رحلته إلى إشبيلية وشاطبة وغرناطة والإسكندرية.
توفي شهيدا سنة أربع وثلاثين وستمائة للهجرة (634 هـ) في موقعة أنيشة حاملا اللواء بنفسه.
من مؤلفاته:
1- أحاديث مصافحة أبي بكر ابن العربي الإمامين.
2- أحاديث مصافحة أبي علي الإمامين.
3- أربعون السباعية من الحديث.
4- الأربعون حديثا عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة في أربعين معنى.
5- الإعلام بأخبار البخاري الإمام ومن بلغت روايته عنه من الأغفال والأعلام.
__________
(1) انظر ترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي (وفيات سنة 634) ، وتذكرة الحفاظ (4/ 1417) ، وسير أعلام النبلاء (23/ 134) ، والعبر للذهبي (5/ 137) ، والوافي (15/ 432) ، ومرآة الجنان (5/ 85) ، وشذرات الذهب (5/ 164) ، وهدية العارفين (1/ 399) .
(المقدمة/1)

6- الاكتفاء؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
7- الامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال.
8- برنامج مروياته.
9- تحفة الرواد في العوالي البلدية الإسناد.
10- جنى الرطب في سني الخطب.
11- جهد النصيح في معارضة المعري في خطبة الفصيح.
12- حلية الأمالي في الواقعات والعوالي.
13- ديوان الرسائل.
14- ديوان شعره.
15- الصحف المبشرة في القطع المعشرة.
16- مجازفة اللحن للاحن الممتحن.
17- المسلسلات والإنشادات.
18- مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام.
19- المعجم فيمن وافقت كنيته زوجته.
20- مفاوضة القلب والعليل في منابذة الأمل الطويل بطريقة المعري وملقى السبيل.
21- ميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين.
22- نتيجة الحب الصميم وزكاة النثير والنظيم.
23- نكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال. بنى فيه الكلام على التوشيح بما تضمنه كتاب أبي عبيد من أمثال العرب واضطرار الكلام إليها.
(المقدمة/2)

عملنا في التحقيق
1- قمنا بنسخ المخطوط من النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت تحت رقم 2074، وهي نسخة جيدة كتبت بخط مشرقي دقيق، ثم قمنا بضبطها بالاستعانة بالنسخة المطبوعة بالقاهرة.
2- قمنا بتخريج آيات القرآن الكريم وإثبات التخريج عقب الآية بين معقوفتين.
3- قمنا بتخريج الأحاديث المذكورة بالكتاب.
4- ترجمنا لبعض الأعلام وإن كان قليلا.
5- قمنا بالتعليق على بعض المواضع بالكتاب، وشرح بعض الألفاظ الغريبة.
6- قمنا بتخريج بعض الأبيات الشعرية.
7- قمنا بعمل عجالة للتعريف بالمؤلف.
والله سبحانه المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه بعباده رؤوف رحيم.
(المقدمة/3)

الجزء الأول
صورة الصفحة الأولى من الخطوط
(1/1)

صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
(1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المصنف
قال الشيخ الفقيه الخطيب المحدث الثبت الشهيد أبو الربيع، سليمان بن موسى بن سالم، الكلاعى، البلنسى، كرم الله مثواه، وجعل الجنة مستقره ومأواه:
الحمد لله الذى منّ علينا بالإسلام، وأكرمنا بنبيه محمد عليه أفضل الصلوات والسلام، وجعل آثاره الكريمة ضالتنا المنشودة، والاقتداء بهديه الأهدى، ونوره الأوضح الأبدى غايتنا المقصودة وأمنيتنا المودودة، وأنعم على قلوبنا بالارتياح والاهتزاز عند سماع مصدره أو إليه منتماه.
وإنه لأثر رجاء فى هذه القلوب البطالة وأثاره خير يرجى، أن يذودها عن مشارع الجهالة ومنازع الضلالة، فإن الارتياح للذكر شهادة الحب وأمارة المحب.
وقد روى عنه صلوات الله عليه نقلة السنة أن من أحبه كان معه فى الجنة. فنسأل الله أن يكتبنا فى محبيه حقيقة، ويسلك بنا من الوقوف عند مقتضيات أوامره ونواهيه طريقة بالسعادة خليفة.
فما نزال طالبين ذلك من أكرم مطلوب لديه، راغبين فيه إلى خير مرغوب إليه. وإن لم نكن أهلا للإسعاف بتقصيرنا فى الأعمال، فإنه جل جلاله أهل الجود والإفضال.
ونصلى قبل وبعد على هذا النبى المبارك الكريم، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتخبين، خير صحب وخير آل.
وهذا كتاب ذهبت فيه إلى إيقاع الإقناع، وإمتاع النفوس والأسماع، باتساق الخبر عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر نسبه ومولده وصفته ومبعثه، وكثير من خصائصه، وأعلام نبوته ومغازيه، وأيامه من لدن مولده إلى أن استأثر به وقبض روحه الطيبة إليه، صلوات الله وبركاته عليه.
مقدما لذلك ما يجب تقديمه، ومتمما من ذكر أوليته المباركة بلدا ومحتدا، بما يحسن علمه وتعليمه، ملخصا جميعه من كتب أئمة هذا الشأن الذين صرفوا إليه اعتناءهم،
(1/3)

واستنفذوا فى آناءهم، ككتاب محمد بن إسحاق، الذى تولى عبد الملك بن هشام تهذيبه واختصاره، وكتاب موسى بن عقبة، الذى استحسن الأئمة اقتصاده واقتصاره، وغيرهما من المجموعات التى لا يديم الإنصاف قصد جماعها ولا يذم الاختبار اختياره.
ولكنه عظم المعول بحكم الخاطر الأول على كتاب ابن إسحاق، إياه أردت وتجريده من اللغات وكثير من الأنساب والأشعار قصدت، وعلى ترتيبه غالبا جريت، ومنزعه فى أكثر ما يخص المغازى تحريت.
فإنه الذى شرب ماء هذا الشأن فأنقع، ووقع كتابه من نفوس الخاص والعام أجل موقع.
إلا أنه يتخلله، كما أشرنا إليه قبل، أشياء من غير المغازى تقدح عند الجمهور فى إمتاعه، وتقطع بالخواطر المستجمعة لسماعه.
وإن كانت تلك القواطع عريقة فى نسب العلم، وحقيقة بالتقييد والنظم. فسعى أن يكون لها مكان هو بإيرادها أخص، إذ لكل مقام لا يحسن فى غيره الإيراد له والنص.
ولذلك نويت فيه أن أحذف ما تخلله من مشبع الأنساب التى ليس احتياج كل الناس إليها بالضرورى الحثيث، ونفيس اللغات المعوق اعتراضها اتصال الأحاديث، حتى لا يبقى إلا الأخبار المجردة، وخلاصة المغازى التى هى فى هذا المجموع المقصودة المعتمدة.
ظنا منى أنه إذا أذن الله فى تمامه، وتكفل تعالى بتيسير محاولته وفق المأمول وتقريب مرامه، استأنفت النفوس له قبولا وعليه إقبالا، ولم يزده هذا النقص لدى جمهورهم إلا كمالا.
ثم بدا لى أن أزيد على هذا المقدار ما يحسن فى هذا المضمار، وأعوض مما حذفت منه من اللغات والأنساب والأشعار، بما يكون له إن شاء الله مزية الاختيار، ويروق عليه رونق الإيثار، منتقيا ذلك من الدواوين التى طار بها فى الناس طائر الاشتهار، ومتخيرا له من الأماكن التى لا يستقل بحصر فوائدها وانتقاء فرائدها كل مختار.
ككتاب ابن عقبة، وقد سميته، فإنه وإن اختصره جدا فقد أحسن العبارة، وأتى مواضع من المغازى حذاها بسطه وحماها اختصاره.
وسأضع على كثير منها ميسمه وأرسمها فى هذا المختصر على نحو ما رسمه.
(1/4)

وقد وقفت على كتاب محمد بن عمر الواقدى فى المغازى، ولم يحضرنى الآن، لكنى رأيته كثيرا ما يجرى مع ابن إسحاق، فاستغنيت عنه به لفضل فصاحة ابن إسحاق فى الإيراد، وحسن بيانه الذى لا يفقد معه استحسان الحديث المعاد.
وللواقدى أيضا كتاب المبعث، وهو مشبع فى بابه، ممتع باستيفائه واستيعابه، قد نقلت هنا منه جملا، تناسب الغرض المسطور، وتصد المعترض أن يجور.
وكذلك كتاب الزبير بن أبى بكر القاضى رحمه الله فى أنساب قريش، وهو كما سمعت شيخنا الخطيب أبا القاسم ابن حبيش رحمه الله يحكى عن شيخه أبى الحسن ابن مغيث أنه كان يقول فيه: هو كتاب عجب لا كتاب نسب.
التقطت أيضا من درره نفائس معجبة، وتخيرت من فوائده نخبا لمتخيرها موجبة.
ومثله التاريخ الكبير لأبى بكر ابن أبى خيثمة، وناهيك به من بحر لا تكدره الدلاء، وغمر لا ينفذه الأخذ الدراك ولا يستنزفه الورد الولاء.
وكم شىء أستحسنه من غير هذه الكتب المسماة فأنظمه فى هذا النظام، وأضطر إلى الإفادة به مساق الكلام. إما متمما لحديث سابق، وإما مفيدا بغرض لما تقدمه مطابق.
فإن لم يكن بينهم فى الأحاديث اختلاف يشعر بنقض، فكثيرا ما أدخل حديث بعضهم فى حديث بعض، ليكون المساق أبين والاتساق أحسن.
وإن عرض عارض خلاف فالفصل حينئذ أرفع للإشكال وأدفع للمقال.
وربما فصلت بين بعض أحاديثهم وإن اشتبهت معانيها، بحسب ما تدعو إليه ضرورة الموضع، أو تحمل على إعادته حلاوة الموقع.
وكل ذلك يشهد الله أن المراد فيه بالقصد الأول وجهه الكريم، وإحسانه العميم، ورحمته التى منها شق لنفسه أنه الرحمن الرحيم.
ثم القصد الثانى متوفر على إيثار الرغبة فى إيناس الناس بأخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم، وعمارة خواطرهم بما يكون لهم فى العاجل والآجل أنفع وأسلم.
وقد عم عليه الصلاة والسلام ببركة دعائه سامع حديثه ومبلغه، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أفاد المسلم أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه» .
ولا أحسن بعد كتاب الله الذى هو أحسن القصص وأصدق القصص، وأفضل
(1/5)

الحصص، وأجلى الأشياء للغصص من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم التى بالوقوف عليها توجد حلاوة الإسلام، ويعرف كيف تمهدت السبل إلى دار السلام.
فإنه لا يخلو الحاضرون لهذا الكتاب من أن يسمعوا ما صنع الله لرسوله فى أعداء تنزيله، فيستجزلوا ثواب الفرح بنصر الله، أو يستمعوا ما امتحنه الله به من المحن التى لا يطيق احتمالها إلا نفوس أنبياء الله بتأييد الله، فيعتبروا بعظيم ما لقيه من شدائد الخطوب، ويصطبروا لعوارض الكروب، تأدبا بآدابه، وجريا فى الصبر على ما يصيبهم والاحتساب لما ينوبهم على طريقة صبره واحتسابه.
وتلك غايات لن نبلغ عفوها بجهدنا، ولن نصل أدانيها بنهاية ركضنا وشدنا، وإنما علينا بذل الجهد فى قصد الاهتداء، وعلى الله سبحانه المعونة فى الغاية والابتداء.
وإذا استوفيت بفضل الله طلق هذا المعنى كما نويت، وبلغت حاجة نفسى منه وقضيت، فلى نية، إن ساعدت المشيئة عليها، فى أن أصل هذا الغرض المتقدم، من ذكر مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذكر مغازى الخلفاء الثلاثة الأول، رضى الله عنهم، منتحلا على رجاء معونة الله أسبابها، ومنتخلا من كتاب شيخنا الخطيب أبى القاسم، رحمه الله، ومن غيره مما هو فى نحو معناه، صفوها ولبابها، لتنتظم الفائدتان معا، ويكون الخبر عن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى خلفائه، الذين بهديهم الائتمام، فى مكان واحد مجتمعا.
وأرجو بحول الله الذى له الطول وبيده القوة والحول، أن يكون هذا المجموع كافيا فى البابين، وافيا بالغرضين المنتابين، ولذلك ترجمته بكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى الخلفاء.
وفضله جل جلاله نعم الكفيل أن يجزى به خير الجزاء، ويجعله من عددنا النافعة يوم اللقاء، فهو عز وجهه الملجأ والمعول، وبه أستعين وعليه أتوكل، لا إله إلا هو سبحانه، هو حسبى وإليه أنيب.
(1/6)

ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وكيف طهره الله نفسا وخيما وشرفه حديثا وقديما وألقى إلى آبائه الأقدمين من الدلائل على اصطفائه إياه فى الآخرين وابتعاثه له رحمة للعالمين ما صيره لديهم قبل وجوده بطوائل السنين معلوما
فى الصحيح من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» «1» .
وفى حديث عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يزل الله عز وجل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، صفيا مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» «2» .
وخرج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى، من حديث المطلب بن أبى وداعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال: «من أنا» ؟ فقالوا: «أنت رسول الله عليك السلام» قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلنى فى خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا» . وفى رواية:
«فأنا خيرهم نفسا، من خيرهم بيتا» «3» .
__________
(1) أخرجه الترمذى (3605) ، الإمام أحمد فى المسند (4/ 107) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (163) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (9/ 89) ، السيوطى فى الدر المنثور (3/ 294، 4/ 274) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (11/ 478) .
(2) أخرجه السيوطى فى الدر المنثور (3/ 294، 5/ 98) .
(3) أخرجه الترمذى (1/ 76) باب ما جاء فى فضل النبى، البيهقى فى السنن الكبرى (7/ 387، 388، 10/ 57) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 64، 3/ 258) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (11/ 20) ، الطبرانى فى الكبير (7/ 383، 17/ 136) ، الهيثمى فى المجمع (1/ 22، -
(1/7)

وصدق صلى الله عليه وسلم، والصدق شيمته، وفوق العالمين طرا قدره الرفيع وقيمته، هو أشرفهم حسبا وأفضلهم نسبا وأكرمهم أما وأبا.
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «1» بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصى- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب، ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
هذا الصحيح المجتمع عليه فى نسبه، وما فوق ذلك مختلف فيه.
ولا خلاف فى أن عدنان من ولد إسماعيل نبى الله، ابن إبراهيم خليل الله، عليهما السلام، وإنما الاختلاف فى عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء. فمقلل ومكثر.
وكذلك من إبراهيم إلى آدم عليهما السلام، لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله.
روى عن ابن عباس قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك ثم يقول:
«كذب النسابون» ، قال الله تعالى: «وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» [الفرقان: 38] .
ومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل.
فولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان.
فصارت عك فى دار اليمن، لأن عكا تزوج فى الأشعريين منهم وأقام فيهم، فصارت الدار واللغة واحدة.
والأشعريون هم بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب ابن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «2» .
وقحطان هو عند جمهور العلماء بالنسب أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، والعرب كلها عندهم من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب كلها. والله أعلم.
__________
4/ 238، 244، 10/ 375) ، شرح السنة للبغوى (3/ 239، 9/ 246) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (2/ 206، 7/ 194) ، المتقى الهندى فى الكنز (29687) .
(1) قال ابن إسحاق فى السيرة: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم. وانظر ذكر نسب النبى فى: السيرة (1/ 23، 24) ، والبداية والنهاية كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه (2/ 257) .
(2) انظر: السيرة (1/ 27) ذكر نسب ولد إسماعيل.
(1/8)

وأما معد، فذكر الزبير بن أبى بكر رحمه الله، أن بختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب وإدخال الجنود عليهم فيها، وقتل مقاتلهم لانتهاكهم معاصى الله، واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياءه، وردهم رسالاته، أمر أرميا بن حلقيا، وكان فيما ذكر نبى بنى إسرائيل فى ذلك الزمان: أن ائت معد بن عدنان الذى من ولده محمد خاتم النبيين، فأخرجه عن بلاده واحمله معك إلى الشام، وتول أمره قبلك.
ويقال: بل المحمول عدنان، والأول أكثر.
وفى حديث عن ابن عباس، أن الله بعث ملكين، فاحتملا معدا، فلما أدبر الأمر رده فرجع إلى موضعه من تهامة، بعدما دفع الله بأسه عن العرب، فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم، وبها منهم بقية هم ولاة البيت يومئذ، فاختلط بهم وناكحهم.
فولد معد بن عدنان نفرا، منهم قضاعة، وكان بكره الذى به يكنى فيما يزعمون، وقنص، ونزار، وإياد.
فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ وانتمت إلى ابنه مالك بن حمير، حتى قال قائل منهم يفخر بذلك:
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر ... فى الحجر المنقوش تحت المنبر «1»
وأنكر كثير من الناس منتماهم هذا، وجرت بينهم وبين من قال به من القضاعيين فى ذلك أقاويل معروفة وأشعار محفوظة.
قال الزبير: ولم يجتمع رأى قضاعة على الانتساب فى اليمن، بل أهل العلم منهم والدين مقيمون على نسبهم فى معد.
وأما قنص بن معد، فهلكت بقيتهم فيما زعموا، وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة «2» .
واحتج من قال ذلك بأن عمر- رضى الله عنه- حين أتى بسيف النعمان بن
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 28) .
(2) انظر: السيرة (1/ 28) .
(1/9)

المنذر، دعا جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى «1» ، فسلحه إياه، ثم قال: ممن كان يا جبير النعمان بن المنذر؟.
فقال: كان من أشلاء، قنص بن معد.
وكان جبير أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر الصديق.
وكان أبو بكر رضى الله عنه، أنسب العرب «2» .
وقد قيل فى نسب النعمان غير ذلك، مما سيأتى ذكره عند تأدية الحديث إليه، إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر أيضا فى بنى معد الضحاك بن معد.
ذكر الزبير بإسناد له إلى مكحول قال: أغار الضحاك بن معد على بنى إسرائيل فى أربعين رجلا من بنى معد، عليهم دراريع الصوف خاطمى خيلهم بحبال الليف، وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى، إن بنى معد أغاروا علينا، وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت نبينا؟ فادع الله عليهم.
فتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله صلى، ثم قال: يا رب إن بنى معد أغاروا على بنى إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا، وسألونى أن أدعوك عليهم.
فقال الله تعالى: يا موسى لا تدع عليهم، فإنهم عبادى، وإنهم ينتهون عند أول أمرى، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته.
قال: يا رب، ما بلغ من محبتك له؟.
قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته؟.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (1/ 303) ، الإصابة ترجمة رقم (1094) ، أسد الغابة ترجمة رقم (698) ، نسب قريش (201) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (43) ، التاريخ الكبير (2/ 223) ، المعارف (485) ، الجرح والتعديل (2/ 512) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (35) ، جمهرة أنساب العرب (116) ، العقد الثمين (3/ 408) .
(2) انظر: السيرة (1/ 28) .
(1/10)

قال: يستغفرنى مستغفرهم فأغفر له، ويدعونى داعيهم فأستجيب له.
قال: يا رب فاجعلهم من أمتى.
قال: نبيهم منهم.
قال: يا رب فاجعلنى منهم.
قال: تقدمت واستأخروا.
قال الزبير: وحدثنى على بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى عليه السلام، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثم أغاروا، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثلاث مرات.
فقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء.
فقال: يا موسى، دعوتنى على قوم منهم خيرتى فى آخر الزمان.
وأما نزار بن معد، واسمه مشتق من النزر وهو القليل، فيقال: إن أباه معدا لما ولد له نظر إلى نور بين عينيه، ففرح لذلك فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إن هذا كله لنزر فى حق هذا المولود.
وما كان الذى رآه إلا نور النبوة، الذى لم يزل ينتقل فى الأصلاب، حتى انتهى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فطبق الأرض نورا، وهدى الله به من أراد سعادته من عباده، صراطا مستقيما.
وكل هذه الأنوار والآثار شاهدة له- عليه السلام- بعظيم عناية الله، وكريم المكانة عنده، فلم تزل بركته صلى الله عليه وسلم متعرفة فى آبائه الماضين، وظاهرة على أسلافه الأكرمين، تشير المخايل اللائحة فيهم إليه، وتدل الدلائل الواضحة فى أوليتهم عليه، صلوات الله وبركاته عليه.
فولد نزار بن معد: مضر وربيعة وأنمارا وإيادا، وإليه دفع أبوه حجابة الكعبة فيما ذكر الزبير. وأمه سودة بنت عك بن عدنان.
وقيل هى أم مضر خاصة، وأم إخوته الثلاثة أختها شقيقة ابنة عك بن عدنان.
وقد قيل: إن إيادا شقيق لمضر، أمهما معا سودة.
(1/11)

فإنمار هو أبو بجيلة وخثعم، وقد تيامنت بجيلة إلا من كان منهم بالشام والمغرب، فإنهم على نسبهم إلى أنمار بن نزار.
وجرير بن عبد الله «1» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سادات بجيلة وله يقول القائل:
لولا جرير هلكت بجيلة ... نعم الفتى وبئست القبيلة
وكذلك تيامنت الدار أيضا بخثعم، وهم بنو أقيل بن أنمار، وإنما خثعم جبل تحالفوا عنده فسموا به، وهم بالسراة على نسبهم إلى أنمار.
وإذا كان بين مضر واليمن فيما هنالك حرب، كانت خثعم مع اليمن على مضر «2» .
ويروى أن نزارا لما حضرته الوفاة، قسم ماله بين بنيه الأربع: مضر وربيعة وإياد وأنمار.
فقال: هذه القبة لقبة كانت له حمراء من أدم، وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء، وما أشبها لإياد. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه.
وقال لهم: إن أشكل عليكم الأمر فى ذلك واختلفتم فى القسمة، فعليكم بالأفعى الجرهمى. وكان بنجران.
فاختلفوا بعده وأشكل أمر القسمة عليهم، فتوجهوا إلى الأفعى. فبينا هم فى مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذى رعى هذا لأعور.
فقال ربيعة: وهو أزور. وقال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار: وهو شرود.
فلم يسيروا إلا قليلا، حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال له مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر؟ قال نعم. قال أنمار: وهو شرود؟ قال: نعم، هذه والله صفة بعيرى دلونى عليه. فحلفوا له ما
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (326) ، الإصابة الترجمة رقم (1139) ، أسد الغابة الترجمة (730) ، طبقات ابن سعد (6/ 22) ، طبقات خليفة (116، 138) ، تاريخ خليفة (218) ، التاريخ الكبير (2/ 211) ، الجرح والتعديل (2/ 502) ، تهذيب الكمال (191) ، تاريخ الإسلام (2/ 274) ، العبر (1/ 57) ، تهذيب التهذيب (2/ 73) ، خلاصة تذهيب الكمال (61) ، شذرات الذهب (1/ 57، 58) .
(2) انظر: السيرة (1/ 78) .
(1/12)

رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته!! فساروا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمى، فنادى صاحب البعير: بعيرى، وصفوا لى صفته، ثم قالوا: لم نره!
فقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه، ولم تروه؟
فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور.
وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعلمت أنه أفسدها لشدة وطئه لازوراره.
وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به.
وقال أنمار: عرفت أنه شرود، أنه كان يرعى فى المكان المتلف نبته، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث.
قال الشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه.
ثم سألهم من هم؟
فأخبروه، فرحب بهم وقال: تحتاجون إلى وأنتم كما أرى!
فدعا لهم بطعام، فأكل وأكلوا وشرب وشربوا.
فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر.
وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربى بلبن كلبة.
وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا سرنى لولا أنه ليس لأبيه الذى يدعى له.
وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع فى حاجتنا.
وسمع صاحبهم كلامهم، فقال: ما هؤلاء؟! إنهم لشياطين.
ثم أتى أمه، فسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها، فوطئها، فجاءت به.
وقال للقهرمان: الخمر التى شربناها ما أمرها؟
قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك.
(1/13)

وسأل الراعى عن اللحم، فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، ولم يكن ولد فى الغنم غيرها. فأتاهم، فقال: قصوا على قصتكم، فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم، وما كان من اختلافهم.
فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير والإبل، وهى حمر، فسميت مضر الحمراء.
قال: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة. فصارت له الخيل، وهى دهم، فسمى ربيعة الفرس.
قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال فيه بلق، فهو لإياد. فصارت له الماشية البلق. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.
وكان يقال: مضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل.
وروى ميمون بن مهران، عن عبد الله بن العباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين» «1» .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه: «إذا اختلف الناس فالحق مع مضر» «2» .
وسمع عليه السلام قائلا يقول:
إنى امرؤ حميرى حين تنسبنى ... لا من ربيعة آبائى ولا مضرا
فقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك أبعد لك من الله ومن رسوله» «3» .
ومما يؤثر من حكم مضر بن نزار ووصاياه: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق.
فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان بن مضر.
قال الزبير: وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد.
__________
(1) أخرجه ابن حجر فى الفتح (7/ 146) ، المتقى الهندى فى الكنز (23987) .
(2) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (33989) ، ابن حجر فى المطالب العالية (4188) ، ابن عدى فى الكامل فى الضعفاء (1456) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (12/ 198) .
(3) أخرجه أبو داود فى السنن كتاب البيوع باب (88) ، البيهقى فى السنن الكبرى (6/ 174) ، الزيلعى فى نصب الراية (4/ 128) .
(1/14)

وقال ابن هشام: أمهما جرهمة. ولما أدرك إلياس بن مضر، أنكر على بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم، حتى جمعهم على رأيه، ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد.
فردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنتهم تامة على أولها.
وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، أو فى زمانه.
وأول من وضع الركن للناس بعد هلاكه، حين غرق البيت وانهدم زمن نوح عليه السلام.
فكان أول من سقط عليه إلياس، أو فى زمانه، فوضعه فى زاوية البيت للناس.
ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وهو الأشبه، إن شاء الله.
ولم تبرح العرب تعظم إلياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كلقمان وأشباهه.
فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة، وطابخة، وقمعة.
وأمهم خندف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمها ليلى، واسم مدركة عامر، واسم طابخة عمرو، واسم قمعة عمير.
وإنما حالت أسماؤهم إلى الذى ذكرنا أولا عنهم، فيما ذكروا، أن أرنبا أنفرت إبل إلياس بن مضر، فصاح ببنيه هؤلاء أن يطلبوا الإبل والأرنب.
فأما عمير فاطلع من المظلة ثم قمع. فسمى قمعة.
وخرج عامر وعمرو فى آثار الإبل، وخرجت أمهم ليلى تسعى خلفهم.
فقال لها زوجها إلياس: أين تخندفين؟ أى أين تسعين. فسميت خندف «1» .
ومر عامر وعمرو بظبى، فرماه عمرو فقتله، ويقال: بل رمى الأرنب التى أنفرت الإبل، فقال له عامر: اطبخ صيدك، وأنا أكفيك الإبل. فطبخ عمرو، فسمى طابخة.
وأدرك الإبل عامر، فسمى مدركة.
__________
(1) قال ابن حجر فى فتح البارى (6/ 633) : خندف هى بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء، وهو اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها: ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها والخندف: الهرولة.
(1/15)

واشتهر بنو خندف هؤلاء بأمهم خندف للذى سار من فعلها فى الناس.
وذلك أنه لما مرض زوجها إلياس وجدت لذلك وجدا شديدا، ونذرت إن هلك، ألا تقيم فى بلد مات فيه، ولا يظلها بيت بعده، وأن تسيح فى الأرض. وحرمت الرجال والطيب.
فلما هلك إلياس خرجت سائحة فى الأرض حتى هلكت حزنا.
وكانت وفاته يوم الخميس، فكانت كلما طلعت الشمس من ذلك اليوم تبكيه حتى تغيب، فصارت خندف وما صنعت عجبا فى الناس، يتحدثون به ويذكرونه فى أشعارهم.
فقيل لرجل من إياد، أو همدان، وقد هلكت امرأته: ألا تبكى عليها؟
فقال: لو كان ذلك يردها لفعلت كما فعلت خندف على إلياس. ثم اندفع يقول:
لو أنه يغنى بكيت كخندف ... على إلياس حتى ملها الشر تندب
إذا مونس لاحت خراطيم شمسه ... بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب
ولم تر عيناها سوى الدفن قبره ... فساحت وما تدرى إلى أين تذهب
فلم يغن شيئا طول ما بلغت به ... وما طلها دهر وعيش معذب
وفقدت امرأة من غسان أخاها ثم أباها، فمكثت دهرا تبكى عليهما، فنهاها قومها، فقالت:
تلحون سلمى أن بكت أباها ... وقبل ما قد ثكلت أخاها
فحولوا العذل إلى سواها ... عصتكم سلمى إلى هواها
كما عصت خندف من نهاها ... خلت بنيها أسفا وراها
تبكى على آلياس فما أتاها
فولد مدركة بن إلياس نفرا، منهم خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة.
وأمهما امرأة من قضاعة، قيل: هى سلمى بنت سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقيل غير ذلك.
(1/16)

فولد خزيمة بن مدركة كنانة وأسدا وأسدة والهون.
وأم كنانة منهم، عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. وقيل: هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. قرأته بخط أحمد بن يحيى بن جابر.
فولد كنانة بن خزيمة جماعة منهم: النضر، وبه كان يكنى، ونضير، ومالك، وملكان، وعمرو، وعامر، وأمهم برة بنت مر، خلف عليها كنانة بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله، إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها.
فنهى الله عن ذلك بقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: 22] «1» .
ويقال: إن برة هذه، لما أهديت أولا إلى خزيمة بن مدركة، قالت له: إنى رأيت فى المنام كأنى ولدت غلامين من خلاف بينهما سابياء، فبينا أنا أتأملهما إذا أحدهما أسد يزأر وإذا الآخر قمر ينير.
فأتى خزيمة كاهنة بتهامة، فقص عليها الرؤيا، فقالت: لئن صدقت رؤياها لتلدن منك غلاما يكون لولده قلوب باسلة، ثم لتموتن عنها فيختلف عليها ابن لك، فتلد منه غلاما يكون لولده عدل وعدد وقروم مجد وعز إلى آخر الأبد.
ثم توفى خزيمة، فخلف عليها كنانة بعد أبيه، فولدت له النضر وإخوته، وإنما سمى النضر، لنضارة وجهه وجماله.
وأتى أبوه كنانة بن خزيمة وهو نائم فى الحجر، فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر.
فقال: كل يا رب.
فصار هذا كله فى قريش.
والنضر هو جماع قريش فى قول طائفة من أهل العلم بالنسب، والأكثر على أن فهر بن مالك بن النضر هو قريش.
فمن كان من ولده فهو قرشى، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى.
وذكر الزبير أن هذا هو رأى كل من أدرك من نساب قريش.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 93) .
(1/17)

فولد النضر بن كنانة مالكا، ويخلد، والصلت «1» .
فولد مالك فهر بن مالك. وأمه جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعيد بن الحارث بن مضاض الجرهمى. وهو جماع قريش عند الأكثر.
قال الزبير: قد اجتمع النساب من قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت عن فهر.
ويقال: إن قريشا هو اسمه الذى سمته به أمه، ولقبته فهرا.
فولد فهر بن مالك غالبا ومحاربا والحارث وأسدا، وأختهم جندلة. وأم جميعهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة «2» .
ولما حضرت الوفاة فهر بن مالك، قال لابنه غالب: يا بنى، إن فى الحزن إقلاق النفوس قبل المصائب، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما القلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك وعن شمالك، وبما ترى من آثارها فى محيى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك.
فولد غالب بن فهر لؤيا وتيما، وهو الأدرم، كان منقوص الذقن.
ويقال لقومه: بنو الأدرم.
وأمهما فى قول ابن إسحاق «3» : سلمى بنت عمرو الخزاعى.
وفى قول الزبير: عاتكة بنت يخلد بن النضر.
وروى أن لؤى بن غالب قال لأبيه، وهو غلام حديث: يا أبت، من رب معروفة قل إخلاقه، ونضر ماؤه. ومن أخلقه أخمله، وإذا أخلق الشىء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.
فقال له أبوه غالب: إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك، وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول فعد على قومك بفضلك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل ولم تعل به درجة على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 94- 95) .
(2) انظر: السيرة (1/ 95) .
(3) انظر: السيرة (1/ 95) .
(1/18)

فولد لؤى بن غالب كعبا وعامرا، وسامة، وعوفا وسعدا، وخزيمة «1» .
فدخل بنو خزيمة فى شيبان، ويسمون فيهم بعائذة، وهى امرأة من اليمن، كانت أم بنى عبيد بن خزيمة فنسبوا إليها.
وكذلك دخل بنو سعد، فى شيبان، ويسمون فيهم ببنانة حاضنة كانت لهم من قضاعة، وقيل من النمر بن قاسط، فنسبوا إليها.
وأما سامة بن لؤى، فخرج إلى عمان، ويزعمون أن عامر بن لؤى أخرجه.
وذلك أنه كان بينهما شىء، ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عمان.
فيزعمون أن سامة بن لؤى بينا هو يسير على ناقته، إذ وضعت رأسها ترتع، فأخذت حية بمشفرها، فهصرتها «2» حتى وقعت الناقعة لشقها، ثم نهشت ساقه فقتلته. فقال سامة حين أحس بالموت، فيما يزعمون:
عين فابكى لسامة بن لؤى ... علقت ما بسامة العلاقة
لا أرى مثل سامة بن لؤى ... يوم حلوا به قتيلا لناقة
بلغا عامرا وكعبا رسولا ... أن نفسى إليهما مشتاقة
إن تكن فى عمان دارى فإنى ... غالبى خرجت من غير فاقة
رب كأس هرقت يا بن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة
رمت دفع الحتوف يا بن لؤى ... ما لمن رام ذاك بالحتف طاقة
وخروس السرى تركت رديا ... بعد جد وحدة ورشاقة «3»
قال ابن هشام: وبلغنى أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى سامة بن لؤى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألشاعر؟» فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:
رب كأس هرقت يابن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة
قال: «أجل» «4» .
__________
(1) انظر: السيرة (96) .
(2) الهصر: هو الكسر، هصر الشىء يهصره هصرا: جبذه وأماله وأهتصره، وقال أبو عبيدة: هصرت الشىء ووقصته إذا كسرته. انظر: اللسان (مادة هصر) .
(3) خروس السرى: يعنى ناقة صموتا صبورا. السرى: هو سير الليل، وقيل: سير الليل كله.
(4) ذكره الأصفهانى فى كتاب الأغانى (9/ 104) ، وليس له إسناد يعرف.
(1/19)

قال ابن إسحاق «1» : وأما عوف بن لؤى، فإنه خرج فيما يزعمون فى ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطئ به، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، فحبسه والتاطه وآخاه وزوجه، فانتسب بتلك المؤاخاة إلى سعد بن ذبيان أبى ثعلبة.
وثعلبة، يزعمون، هو القائل له:
احبس على ابن لؤى جملك ... تركتك القوم ولا مترك لك
ويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: لو كانت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لا دعيت بنى مرة بن عوف، إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع؛ يعنى عوف بن لؤى.
وهم فى نسب غطفان مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهم يقولون إذا ذكر لهم النسب: ما ننكره ولا نجحده، وإنه لأحب النسب إلينا.
وقيل: إن عمر بن الخطاب قال لرجال من بنى مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. وكان القوم أشرافا فى غطفان هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان ابن أبى حارثة، وأخوه خارجة بن سنان، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهشام بن حرملة، قوم لهم صيت وذكر فى غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم.
على أن الحصين بن الحمام قد تحير فى هذا واختلف رأيه، فلما سمع قول الحارث ابن ظالم، أحد بنى مرة بن عوف، حين هرب من النعمان بن المنذر ولحق بقريش:
وما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا «2»
فقومى إن سألت بنو لؤى ... بمكة علموا مضر الضرابا
سفهنا باتباع بنى بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا
سفاهة مخلف لما تروى ... هراق الماء واتبع السرابا «3»
فلو طوعت عمرك كنت فيهم ... وما ألفيت انتجع السحابا «4»
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 98- 99) .
(2) الشعر: جمع أشعر، وهو الكثير الشعر.
(3) المخلف: الذى يسقى الماء. هراق: أى صبه.
(4) انتجع: أى ذهب فى طلب الكلاء فى موضعه. وذكره ابن إسحاق فى السيرة وزاد فى آخره بيت هو:
وخش رواحة القرشى رحلى ... بناحية ولم يطلب ثوابا
انظر: السيرة (1/ 98- 99) .
(1/20)

قال الحصين بن الحمام يرد عليه وينتمى إلى غطفان:
ألا لستم منا ولسنا إليكم ... برئنا إليكم من لؤى بن غالب
أقمنا على عز الحجاز وأنتم ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب
يعنى قريشا.
ثم ندم الحصين على ما قال، وعرف صدق الحارث، فأكذب نفسه وقال:
ندمت على قول مضى كنت قلته ... تبينت فيه أنه جد كاذب
فليت لسانى كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
أبونا كنانى بمكة قبره ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب
لنا الربع من بيت الحرام وراثة ... وربع البطاح عند دار ابن حاطب
يعنى أن بنى لؤى كانوا أربعة، كعبا، وعامرا، وسامة، وعوفا.
وفى بنى مرة بن عوف كان البسل، وذلك ثمانية أشهر حرم لهم من كل سنة من بين العرب، يسيرون به إلى أى بلاد العرب شاؤا، ولا يخافون منهم شيئا، قد عرفوا ذلك لهم لا يدفعونه ولا ينكرونه.
وكان سائر العرب إنما يأمنون فى الأشهر الحرم الأربعة فقط.
وذكر الزبير عن أبى عبيدة، أنه كانت لقريش فى هذا مزية على سائر العرب قاطبة، وذلك أن العربى لم يكن ليخرج من داره فى غير الأشهر الحرم إلا فى جماعة، وكان القرشى يخرج حيث شاء وأنى شاء، فيقال: رجل من أهل الله فلا يعرض له عارض، ولا يريبه أحد بمكروه، ويعظمه من لقيه أو ورد عليه، ولذلك قال من قال منهم:
القرشى بكل بلد حرام.
وأما كعب بن لؤى، وعامر بن لؤى، فهما أهل الحرم وصريح ولد لؤى.
وكان كعب منهما عظيم القدر فى العرب، وأرخوا بموته إعظاما له، إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به «1» .
وكان بين موته والفيل، فيما ذكروا، خمسمائة سنة وعشرون سنة. وكان يوم الجمعة يسمى العروبة، فسماه كعب الجمعة لاجتماع قومه فيه يخطبهم ويذكرهم.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 102) .
(1/21)

فيقول فيما يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار ضاح، والسماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عن أمرها صفحا، الآخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم وتمسكوا به فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج به نبى كريم. ثم ينشد أبياتا منها:
صروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقدة ما يستحيل مريرها
على غفلة يأتى النبى محمد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
ثم يقول:
يا ليتنى شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغى الحق خذلانا
أما والله لو كنت ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الفحل، ولأرقلت فيها إرقال الجمل، فرحا بدعوته جذلا بصرخته.
فولد كعب بن لؤى بن مرة، وهصيصا، وعديا «1» .
وأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك.
وقيل: إن أم عدى وحده امرأة من فهر، وهى حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.
فولد مرة بن كعب كلابا، وتيما، ويقظة «2» .
فولد كلاب رجلين: قصيا وزهرة. وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل، أحد الجدرة من خثعمة الأسد من اليمن، حلفاء فى بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويقال خثعمة الأسد «3» .
واسم سيل: خير، وإنما سمى سيلا لطوله. وسيل اسم جبل، وهو خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن خثعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 102) .
(2) انظر: السيرة (1/ 102) .
(3) انظر: السيرة (1/ 103) .
(1/22)

وسمى عامر الجادر لأنه بنى جدارا للكعبة، كان وهى من سيل أتى أيام ولاية جرهم البيت.
وكان عامر تزوج منهم بنت الحارث بن مضاض، وقيل لولده الجدرة لذلك.
وذكر الشرفى بن القطامى، أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة ويأخذون من طينها وحجارتها تبركا بذلك، وأن عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ما شعث من جدرها، فسمى الجادر. والله أعلم.
وسعد بن سيل جد قصى بن كلاب، وهو أول من حلى السيوف بالفضة والذهب، وأهدى إلى كلاب بن مرة مع ابنته فاطمة سيفين محليين، فجعلا فى خزانة الكعبة.
وقصى هو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا لما جمع من أمرها. وسمى قصيا لتقصيه عن بلاد قومه مع أمه فاطمة بعد وفاة أبيه كلاب بن مرة.
وحديثه فى ذلك طويل، وسنذكره إن شاء الله عند ذكر ولايته البيت، وهناك نذكر مآثره وعظيم غنائه فى إقامة أمر قومه، إن شاء الله، فإن القصد هنا الإيجاز ما أمكن فى إيراد هذا النسب المبارك، لتحصل لسامعه الفائدة بانتظامه واتصاله، ولا يضل ذلك عليه بما تخلل أثناءه من القواطع التى تباعد بين أطرافه.
فولد قصى بن كلاب أربعة نفر وامرأتين «1» :
عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبدا، وتخمر، وبرة.
وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى.
وساد عبد مناف فى حياة أبيه، وكان مطاعا فى قريش، وهو الذى يدعى القمر لجماله، واسمه المغيرة.
ذكر الزبير عن موسى بن عقبة، أنه وجد كتابا فى حجر، فيه: أنا المغيرة بن قصى، آمر بتقوى الله وصلة الرحم.
وإياه عنى القائل بقوله:
كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف
فولد عبد مناف أربعة نفر: هاشما، وعبد شمس، والمطلب، ونوفلا «2» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 103- 104) .
(2) انظر: السيرة (1/ 104) .
(1/23)

وكلهم لعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.
إلا نوفلا فليس منهم، فإنه لوافدة بنت عمرو المازنية. مازن بن منصور بن عكرمة.
فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة «1» .
عبد المطلب، وأسدا، وأبا صيفى، ونضلة، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية، وأم عبد المطلب أمهم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار.
فولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة «2» .
العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبا طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، والحارث، وهو أكبرهم، والحجل، والمقوم، وضرارا، وعبد العزى أبا لهب، وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبرة.
فأم عبد الله وأبى طالب وجميع النساء غير صفية، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى.
فولد عبد الله بن عبد المطلب، محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، ونخبة الخلق أجمعين، فنسبه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنساب، وسببه إلى الله سبحانه باصطفائه إياه واختياره له أفضل الأسباب، وبيته فى قريش أوسط بيوتها الحرمية، وأعرق معادنها الكرمية، لم تخل قط مكة من سيد منهم أو سادات، يكونون خير جيلهم ورؤساء قبيلهم، حتى إذا درجوا سما قسماؤهم فى المجد الصميم، وشركاؤهم فى النسب الكريم إلى ذلك المقام، فعرجوا فصحبوا على ذلك الزمان.
لواؤهم على من ناوأهم منصور، وسؤدد البطحاء عليهم مقصور، والعيون إليهم أية سلكوا صور.
ثم أتى الوادى فطم على القرى، وشد الله أركان مجدهم العريق العتيق بهذا النبى الأمى، فاحتازوا المجد عن آخره. وفازوا من شرف الدين والدنيا بما تعجز ألسنة البلغاء عن أدنى مفاخره.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 104) .
(2) انظر: السيرة (1/ 105) .
(1/24)

وأمه صلى الله عليه وسلم هى آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب «1» ، قسمية أبيه من هذا الأب، وكريمة قومها أولى المكان النبيه والحسب.
وحسبها من الشرف المتين والكرم المبين والفخر الممكن غاية التمكين، أن كانت أما لخاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.
فكيف ولها من نصاعة الحسب المحسب، وعتاقة المنسب والمنصب، ما يقف عند البطاح، وتعترف له قريش البطاح.
فرسول الله صلوات الله وبركاته عليه، خيرة الخير من كلا طرفيه، وقد اعتنى الناس بنسبه الكريم نثرا ونظما، ونقبوا عن آبائه الأمجاد، وأمهاته الطاهرات الميلاد أبا فأبا وأما فأما.
فرادوا من ذلك الفخار حدائق غلبا، وسادوا من شرف تلك الآثار مراقى شمّا.
وقد تقدمت من ذلك نبذ منثورة أثناء الكلام، وستأتى إن شاء الله منظومة مع أشكالها، تفوق العقد فى النظام، فى قصيدة فريدة مفيدة، لأبى عبد الله بن أبى الخصال، خاتمة رؤساء الآداب، والعلماء المبرزين فى هذا الباب، سماها «معراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب، فى ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ومناقب أصحابه» ، قرأتها على شيخنا الخطيب أبى القاسم بن حبيش، عنه فقد رأيت أن أورد منها هنا ما يختص بهذا النسب الكريم على اختصار، يفى إن شاء الله بالغرض المروم، إذ الكلام المنظوم أعذب جريا على الألسان وأهذب رأيا فى الإفادة بالمستحسن.
وأولها:
إليك فهمى والفؤاد بيثرب ... وإن عاقنى عن مطلع الوحى مغربى
أعلل بالآمال نفسا أغرها ... بتقديم غاياتى وتأخير مذهبى
ودينى على الأيام زورة أحمد ... فهل ينقضى دينى ويقرب مطلبى
وهل أردن فضل الرسول بطيبة ... فيا برد أحشائى ويا طيب مشربى
وهل فضلت من مركب العمر فضلة ... تبلغنى أم لا بلاغ لمركب
ألا ليت زادى شربة من مياهها ... وهل مثلها ريا لغلة مذنب
__________
(1) انظر نسبها فى: السيرة (1/ 105) ، وذكرها هناك من جهة الأب، ومن جهة الأم وقال بعد نسبها من جهة الأب: وأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
(1/25)

ويا ليتنى فيها إلى الله صائر ... وقلبى عن الإيمان غير مقلب
وإن امرؤ وارى البقيع عظامه ... لفى زمرة تلقى بسهل ومرحب
وفى ذمة من خير من وطئ الثرى ... ومن يعتلقه حبله لا يعذب
وما لى لا أشرى الجنان بعزمة ... يهون عليها كل طام ويسبسب
وماذا الذى يثنى عنانى وإننى ... لجواب آفاق كثير التقلب
أفقر ففى كفى لله نعمة ... وبين فقد فارقت قبل بنى أبى
وقد مرنت نفسى على البعد وانطوت ... على مثل حد السمهرى المدرب
وكم غربة فى غير حق قطعتها ... فهلا لذات الله كان تغربى
وكم فاز دونى بالذى رمت فائز ... وأخطأنى ما ناله من تغرب
أراه وأهوى فعلة البر قاعدا ... فيا قعدى البر قم وتلبب
أمانى قد أفنى الشباب انتظارها ... وكيف بما أعيى الشباب لأشيب
وقد كانت أسرى فى الظلام بأدهم ... فهأنا أغدو فى الصباح بأشهب
فمن لى وأنى لى بريح تحطنى ... إلى ذروة البيت الرفيع المطنب
إلى الهاشمى الأبطحى محمد ... إلى خاتم الرسل المكين المقرب
إلى صفوة الله الأمين لوحيه ... أبى القاسم الهادى إلى خير مشعب
إلى ابن الذبيحين الذى صيغ مجده ... ولما تصغ شمس ولا بدر غيهب
إلى المنتقى من عهد آدم فى الذرى ... يردد فى سر الصريح المهذب
إلى من تولى الله تطهير بيته ... وعصمته من كل عيص مؤشب
فجاء برىء العرض من كل وصمة ... فما شئت من أم حصان ومن أب
كروض الربا كالشمس فى رونق الضحى ... كناشئ ماء المزن قبل التصوب
عليه من الرحمن عين كلاءة ... تجنبه إلمام كل مجنب
إذا أعرضت أعراقه عن قبيلة ... فما أعرضت إلا لأمر مغيب
وما عبرت إلا على مسلك الهدى ... ولا عثرت إلا على كل طيب
فمن مثل عبد الله خير لداته ... وآمنة فى خير ضنء ومنصب
إذا اتصلت جاءتك أفلاذ زهرة ... كأسد الشرى من كل أشوس أغلب
ولا خال إلا دون سعد بن مالك ... ولو كان فى عليا معد ويعرب
ومن ذا له جد كشيبة ذى الندى ... وساقى الحجيج بين شرق ومغرب
له سؤدد البطحاء غير مدافع ... وحومة ما بين الصفا والمحصب
أبو الحارث السامى إلى كل ذروة ... يقصر عن إدراكها كل كوكب
(1/26)

به وبما فى برده من أمانة ... حمى الله ذاك البيت من كل مرهب
وأهلك بالطير الأبابيل جمعهم ... فيا لهم من عارض غير خلب
وفيما رآه شيبة الحمد آية ... تلوح لعين الناظر المتعجب
وفى ضربه عنه القداح مروعا ... ومن يرم بين العين والأنف يرهب
وما زال يرمى والسهام تصيبه ... إلى أن وقبه الكوم من نسل أرحب
وكانوا أناسا كلما أمهم أذى ... تكشف عن صنع من الله معجب
وعاش بنو الحاجات فيهم وأخصبوا ... وإن أصبحوا فى منزل غير مخصب
وعمرو المعالى هاشم وثريده ... بمكة يدعو كل أغبر مجدب
بمثنى جفان كالجواب منيخة ... ملئن عبيطات السنام المرعب
هو السيد المتبوع والقمر الذى ... على صفحته فى الرضا ماء مذهب
بنى الله للإسلام عزا بصهره ... إلى منتهى الأحياء من آل يثرب
وعبد مناف دوحة الشرف الذى ... تفرع منها كل أروع محرب
مطاع قريش والكفيل بعزها ... ومانعها من كل ضيم ومنهب
وزيد ومن زيد قصى مجمع ... سمعت وبلغنا وحسبك فاذهب
به اجتمعت أحياء فهر وأحرزت ... تراث أبيها دون كل مذبذب
وأصبح حكم الله فى آل بيته ... فهم حوله من سادنين وحجب
وما أسلمته عن تراخ خزاعة ... ولكن كما عض الهناء بأجرب
ولاذت قريش من كلاب بن مرة ... بجذل حكاك أو بعذق مرحب
ومرة ذو نفس لدى الحرب مرة ... وفى السلم نفس الصرخدى المذوب
وكعب عقيد الجود والحكم والنهى ... وذو الحكم الغر المبشر بالنبى
خطيب لؤى واللواء بكفه ... لخطبة ناد أو لخطة مقنب
وأول من سمى العروبة جمعة ... وصدر أما بعد يلحى ويطبى
وأرخ آل الله دهرا بموته ... سنين سدى يتعبن كف المحسب
وأضحى لؤى غالبا كل ماجد ... ومن غالب يمينه للمجد يغلب
وفهر أبو الأحياء جامع شملها ... وكاسبها من فخره خير مكسب
تقرش فامتازت قريش بفضله ... وسد فسدوا خلة المتأوب
وغادره اسما فى الكتاب منزلا ... يمر به فى آية كل معرب
ومالك المربى على كل مالك ... فتى النضر حابته السيادة بل حبى
هو الليث فى الهيجاء والغيث فى الندى ... وبدر الدياجى حين يسرى ويحتبى
(1/27)

تردى بفضفاض على المجد نسجه ... وليس عليه، فليجر ويسحب
وللنضر يا للنضر من كل مشهد ... هو الشمس صعد فى سناها وصوب
وأعرض بحر من كنانة زاخر ... يساق إلى أمواجه كل مذنب
وخير حكما فى الصهيل أو الوغا فلم ... أو البيت أو عز على الدهر مصحب
يقتصر واختار كلا فحازه ... إلى غاية العزم المديد المعقب
له البيت محجوبا وعز مخلد ... وأجرد يعبوب إلى جانب أصهب
وخزم آناف العتاة خزيمة ... فلاذوا بأخلاق الذلول المغرب
عظيم لسلمى بنت سود بن أسلم ... لكل قضاعى كريم مصعب
ومدركة ذو اليمن والنجح عامر ... وخير مسمى فى العلا وملقب
تراءى مطلا إذ تقمع صنوه ... ففاز بقدح ظافر لم يخيب
لأم الجبل الشم والقطر والحصى ... لخندف إن تستركب الأرض تركب
وإلياس مأوى الناس فى كل أزمة ... ومهربهم فى كل خوف ومرهب
وزاجرهم إذ بدلوا الدين ضيلة ... وأضحوا بلا هاد ولا متحوب
وجاءهم بالركن بعد هلاكه ... وقد كان فى صدع من الرض أنكب
وما هو إلا معجز لنبوة ... وبشرى وعقبى للبشير المعقب
وحج وأهدى البدن أول مشعر ... لها وفروض الحج لم تترتب
وكم حكمة لم تسمع الأذن مثلها ... له إن تلح فى ناظر العين تكتب
إلى قنص تنميه سوداء نبته ... كلا طرفيه من معد لمنسب
وفى مضر تاه الكلام وأقبلت ... مآثر سدت كل وجه ومذهب
وحينا وكاثرنا النجوم بجمعها ... بأكثر منها فى العديد وأثقب
هنالك آتى الله من شاء فضله ... وقيل لهذا سر وللآخر اركب
وكانا شقيقى نبعة فتفاوتا ... لعلم وحكم ماله من معقب
وما منهما إلا حنيف ومسلم ... على نهج إسماعيل غير منكب
وقد سلم الأفعى بنجران حكمه ... إليهم ولم ينظر إلى متعقب
رأى فطنا أبدت له عن نجاره ... وكان لنبع فاستحال لأثأب
وتلك علامات النبوة كلها ... تشير إلى منظورها المترقب
وقال رسول الله مهما اختلفتم ... ولم تعرفوا قصد السبيل الملحب
ففى مضر جرثومة الحق فاعمدوا ... إلى مضر تلفوه لم يتنقب
وما سيد إلا نزار يفوته ... ومن فاته بدر الدجى لم يؤنب
(1/28)

قريع معد والذى سد نفده ... متى يأتهم شعب من الدهر يرأب
أبو أبحر الدنيا وأطوادها التى ... بها ثبتت طرّا فلم تنقلب
ولم يكفه حتى أعانت معانة ... بكل عتيق جرهمى مهذب
وجاء والسماء شموسها ... وأقمارها فى ذيله المتسحب
وبين يديه الأنجم الزهر بثها ... على الأرض حتى لا مساغ لأجنبى
وقدما تحفى الله من يختنصر ... به والورى من هالك ومعذب
وجنبه أرض البوار وحازه ... إلى معقل من حرزه متأشب
وحل بأرمينية تحت حفظه ... لدى ملك عن جانبيه مذبب
فلما تجلى الروع أسرى بعبده ... إلى حرم أمن لأبنائه اجتبى
وقد كان رد الله عنهم كليمه ... ليالى يدعو دعوة المتغضب
وجاء بنو يعقوب يشكون منهم ... ينادونه هذا قتيل وذا سبى
فقال له لا تدع موسى عليهم ... فمنهم نبى أصطفيه وأجتبى
أحبهم فيه رضا وأحبه ... كذلك من أحببه يكرم ويحبب
وأغفر إن يستغفرونى ذنوبهم ... ومهما دعا داع أجبهخ وأقرب
فقال إذن فاجعلهم رب أمتى ... فمن ترضاه يا رب يرض ويرغب
فقال هم فى آخر الدهر صفوتى ... يقضون أعدائى ويستنصرون بى
دعائم إيمان وأركان سؤدد ... مضت بعلاها مهدد بنت جلحب
ومصعد عدنان إلى جذم آدم ... بأبين من قصد الصباح وألحب
ونهى رسول الله صد وجوهها ... وكان لنا فى نظمها شد ملهب
وإلا فأد بن الهميسع ماثل ... ونبت بن قيدار سلالة أشجب
وواجه أعراق الثرى كل من ترى ... وأسمع إسماعيل دعوة مكثب
وقام خليل الله يتلوه آزر ... أغر صباحى لأدهم غيهب
إلى الناحر ابن الشارع الغمر يرتقى ... وللداع ثم القاسم الشامخ الأب
ويعبر ينميه إلى المجد شالخ ... إلى الرافد الوهاب برك وطيب
لسام أبى السامين طرا سما بهم ... لنوح للمكان العلى لمثوب
لإدريس ثم الرائد بن مهلهل ... لقينن ثم الطاهر المتطيب
إلى هبة الرحمن شيث بن آدم ... أبى البشر الأعلى لطين لأثلب
فمنه خلقنا ثم فيه معادنا ... ومنه إلى عدن فسدد وقارب
وهنا انتهى ما يخص المنتمى العلى من هذه الكلمة، التى فرى ناظمها فى الإحسان
(1/29)

الفرى المحمود، فاقتصرت منها على ما وفى بالغرض المقصود، واستوفى رجال النسب المجيد والحسب التليد، تعجيلا لقرى المستفيد، واكتفاء من القلادة بالقدر المحيط بالجيد، وإنها إن شاء الله لكافية فى الباب، ومقدمة فى الكلام اللباب، وتحفة إنما يعرف قدرها أولو الألباب.
والله يجزى قائلها الحسنى، وينفعه بمقصده الأسنى.
وإذ قد انتهينا إلى ما حسن لدينا إيراده فى هذا المعنى وصفا وذكرا، وخدمنا النسب الأشرف نظما ونثرا، فلنعرج على ذكر البقعة التى اختارها الله لرسوله الكريم منشأ، وجعلها لقومه قرارا ومتبوأ، وأولية البيت العتيق الذى جعله الله مثابة وأمنا للناس، ورفعه على أفضل القواعد وأكرم الأساس، ثم دحا الأرض من تحته رفعا للشبهة فى شرفه والالتباس.
ثم نذكر من وليه من آبائه الكرام، إذا هم أهله الأعلون وأولياؤه الأحقاء به الأولون، وهو مأثرتهم التى لم يزالوا إياها يرعون، ومن جرائها يراعون، وتراث المجد الذى إليهم يعزى وإليه يعزون، وبسيما شرفه يعرفون وباسمه يدعون.
ونشير إلى حرمته العظيمة فى الحرمات، وما أنزل الله تعالى بمن بغاه بسوء أو أتى فيه بأمر مذموم مشنوء من أليم العقوبات وعظيم النقمات.
لنخدم البلد كما خدمنا المحتد، ونقضى حق المكان الشريف كما قضينا حق الحسب التليد والطريف.
حق نخلص إلى ذكر المولد المبارك الذى منه نتدرج إلى المقصود، الذى نحن عليه عاملون، ولتمامه آملون، رجاء أن نجد ذلك مذخورا عند المولى الذى يضاعف لعبيده الحسنات ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون.

ذكر أولية بيت الله المحرم وركنه المستلم ومن تولى بناءه من ملائكته وأنبيائه صلى الله على جميعهم وسلم
قال الله العظيم: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: 96] .
(1/30)

وفى الصحيح من حديث أبى ذر الغفارى، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ فقال له: «المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أى؟ قال: «ثم المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما» «1» .
وذكر الزبير بن أبى بكر بإسناده إلى جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه، قال:
كنت مع أبى محمد بن على بمكة فى ليالى العشر قبل التروية بيوم أو يومين، وأبى قائم يصلى فى الحجر، وأنا جالس وراءه، فجاء رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام بعيد ما بين المنكبين عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان فى هيئة محرم، فجلس إلى جنبه، فخفف أبى الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه، فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرنى عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟.
فقال له أبو جعفر محمد بن على: ممن أنت يرحمك الله؟ قال: رجل من أهل الشام.
فقال له محمد بن على: إن أحاديثنا إذا سقطت إلى الشام جاءتنا صحاحا، وإذا سقطت إلى العراق حجاءتنا وقد زيد فيها ونقص.
ثم قال: بدء خلق هذا البيت أن الله تبارك وتعالى، قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فردوا عليه: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية.
وغضب عليهم، فعاذوا بالعرش، وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضى عنهم وقال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا فيعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم ويطوفون حوله، كما فعلتم بعرشى، فأرضى عنهم.
فبنوا له هذا البيت. فهذا يا عبد الله بدء خلق هذا البيت.
فقال الرجل: يا أبا جعفر، فما بدء خلق هذا الركن؟.
فقال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق، قال لبنى آدم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
وأقروا. وأجرى نهرا أحلى من العسل وألذ من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذى ترى إنما هو بيعة على إقرارهم بالذى كانوا أقروا به.
__________
(1) أخرجه البخارى (4/ 177، 197) ، مسلم فى صحيحه كتاب المساجد (1، 2) ، البيهقى فى السنن الكبرى (2/ 433) ، السيوطى فى الدر المنثور (2/ 52) ، ابن كثير فى التفسير (2/ 63، 5/ 409) ، القرطبى فى التفسير (4/ 137) ، أبو نعيم فى الحلية (4/ 216) .
(1/31)

وقال جعفر بن محمد: كان أبى إذا استلم الركن قال: اللهم أمانتى أديتها، وميثاقى وفيت به، ليشهد لى عندك بالوفاء. قال: وقام الرجل فذهب.
قال جعفر بن محمد: فأمرنى أبى أن أرده عليه، فخرجت فى أثره وأنا أراه، يحول بينى وبينه الزحام، حتى دخل نحو الصفا، فتبصرته على الصفا فلم أره، ثم ذهبت إلى المروة فلم أره عليها، فجئت إلى أبى فأخبرته فقال لى أبى: لم تكن لتجده، وذلك الخضر عليه السلام؟!!
وخرج الترمذى من حديث عبد الله بن عباس وصححه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بنى آدم» «1» .
ومن حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا وموقوفا، قال: «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاآ ما بين المشرق والمغرب» «2» .
ومن حديث ابن عباس أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحجر: «والله ليبعثه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما ولسان ينطق، يشهد على من استلمه بحق» «3» .
وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى من حديث عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره، قال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدسك غيرى؟
قال الله تعالى: إنى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدى ويقدسنى، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبح فيها خلقى ويذكر فيها اسمى، وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتى وأوثره باسمى، فأسميه بيتى، وعليه وضعت جلالى، ثم أنا
__________
(1) أخرجه الترمذى حديث رقم (877) ، ابن خزيمة فى صحيحه (2733) ، المتقى الهندى فى الكنز (34737) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (4/ 344) ، التبريزى فى مشكاة المصابيح (2577) .
(2) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (2/ 213) ، الحاكم فى المستدرك (1/ 456) ، المتقى الهندى فى كنز العمال (34741) ، التبريزى فى مشكاة المصابيح (2579) ، السيوطى فى جمع الجوامع (5570) .
(3) أخرجه الترمذى فى سننه حديث (961) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (4/ 276) ، المتقى الهندى فى الكنز (34723) .
(1/32)

مع ذلك فى كل شىء ومع كل شىء، أجعل ذلك البيت حرما آمنا، يتحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه بحرمتى استوجب بذلك كرامتى ومن أخاف أهله فقد أخفر ذمتى وأباح حرمتى، أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يزجون بالتلبية زجيجا ويثجون بالبكاء ثجيجا، ويعجون بالتكبير عجيجا.
فمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلى وزارنى وضافنى، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كلا بحاجته.
تعمره يا آدم ما كنت حى، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن «1» .
وفى حديث غير هذا عن عطاء وقتادة، أن آدم عليه السلام، لما أهبطه الله من الجنة وفقد ما كان يسمعه ويأنس إليه من أصوات الملائكة وتسبيحهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله تعالى فى دعائه وصلاته، فوجهه إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن.
وقال الله: يا آدم، إنى قد أهبطت لك بيتا تطوف به، كما يطاف حول عرشى وتصلى عنده كما يصلى عند عرشى.
فانطلق إليه آدم، فطاف به هو ومن بعده من الأنبياء، إلى أن كان الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى أمر الله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت، فبناه، فذلك قوله تعالى:
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ الآية.
وعن ابن عباس، أن الله أوحى إلى آدم: أن لى حرما بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيتا فيه، ثم حف به كما رأيت ملائكتى يحفون بعرشى، فهنالك أستجيب لك ولولدك، من كان منهم فى طاعتى.
فقال آدم: أى رب، وكيف لى بذلك؟ لست أقوى عليه ولا أهتدى لمكانه.
فقيض الله له ملكا فانطلق به نحو مكة، فكان آدم عليه السلام إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بنا هاهنا. فيقول له الملك: أمامك.
حتى قدم مكة، فبنى البيت من خمسة أجبل، من طور سيناء، وطور زيتا، ومن لبنان، والجودى، وبنى قواعده من حراء.
__________
(1) أخرجه الطبرى فى التاريخ (1/ 131) .
(1/33)

فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات، فأراه المناسك كلها، التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات بها.
وفى رواية أنه حج من الهند أربعين حجة على رجليه.
وذكر الواقدى عن أبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة العدوى قال: قلت لأبى جهم ابن حذيفة: يا عم، حدثنى عن بناء البيت ونزول إسماعيل عليه السلام الحرم.
قال: يا ابن أخى سلنى عنه على نشاط منى فإنى أعلم من ذلك ما لا يعلمه غيرى.
قال: فمكثت شهرا أذكره المرة بعد المرة، فيقول مثل قوله الأول، وكان قد كبر ورق وضعف، فدخلت عليه يوما وهو مسرور، فقال لى: اسمع حديثك الذى سألتنى عنه.
إن البيت بناؤه حرم فى السماء السابعة وفى الأرض السابعة. يعنى أن ما يقابله حرم.
وإن آدم عليه السلام، أمر بأساسه فبناه هو وحواء، أسساه بصخر أمثال الخلفات، يعنى النوق التى فى بطونها أجنة، واحدتها خلفة. أذن الله عز وجل للصخر أن يطيعهما.
ثم نزل البيت من السماء من ذهب أحمر، وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك، فوضعوه على رأس آدم عليه السلام، ونزل الركن، وهو يومئذ درة بيضاء، فوضع موضعه اليوم من البيت، وطاف به آدم وصلى فيه. فلما مات آدم عليه السلام وليه بعده ابنه شيث، فكان كذلك حتى حجه نوح عليه السلام. فلما كان الغرق يعنى الطوفان، بعث الله جل ثناؤه سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء، كى لا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده، وجاءت السفينة فدارت به سبعا ثم دثر البيت، فلم يحجه من بين نوح وبين إبراهيم أحد من الأنبياء على جميعهم السلام «1» .
وعن غير الواقدى فى غير حديث أبى الجهم، أن شيث بن آدم عليهما السلام، هو أول من بنى الكعبة، وأنها كانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها أنزلت إليه من الجنة، وكان قد حج إلى موضعها من الهند.
وفى الخبر أن موضعها كان غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فلما
__________
(1) قد أورد الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية الكثير من الأخبار عن بناء البيت. انظرها فى البداية والنهاية (1/ 167- 170) .
(1/34)

بدأ الله خلق الأشياء، خلق التربة قبل السماء، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات، دحا الأرض، أى بسطها، وإنما دحاها من تحت الكعبة، فلذلك سميت مكة أم القرى.
وذكر ابن هشام أن الماء لم يصل الكعبة حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت هى فى هواء إلى السماء، وأن نوحا قال لأهل السفينة، وهى تطوف بالبيت: إنكم فى حرم الله عز وجل وحول بيته، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة. وجعل بينهم وبين النساء حاجزا، فتعدى حام، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه، فأجابه الله على وفق ما دعاه، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة.
وقد قيل فى سبب دعوته غير هذا، فالله أعلم.
ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان، بقى مكان البيت ربوة من مدرة، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما، وأن يعرب قال لهود عليه السلام: ألا تبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبى كريم يأتى من بعدى، يتخذه الرحمن خليلا.
قال أبو الجهم، من حديث الواقدى «1» : حتى أراد الله بإبراهيم ما أراد، فولد له إسماعيل وهو ابن تسعين سنة، فكان بكر أبيه، فلما أراد الله عز وجل، أن يبوئ لإبراهيم مكان البيت وأعلامه، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وحمل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين، وهاجر خلفه، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: لا. حتى قدم به مكة، وهى إذ ذاك عضاة وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة، وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل حين دخل من كداء «2» ، وهو الجبل الذى يطلعك على الحجون «3» والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم: بهذا أمرت؟ قال: نعم.
__________
(1) انظر ما ذكره ابن كثير فى البداية (1/ 159) .
(2) كداء: بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، جبل بمكة، وهو عرفة وهى كلها موقف إلا عرنة فليست فى الحرم بينها وبين الحرم رمية حجر. انظر: الروض المعطار (490) ، معجم ما استعجم (4/ 1117، 1118) .
(3) الحجون: بفتح الحاء، موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذى يلى شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين فى حائط عوف، وقيل: الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. انظر: الروض المعطار (188) .
(1/35)

فانتهى إلى موضع البيت، فعمد إبراهيم إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر وإسماعيل، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا، فلما أراد إبراهيم أن يخرج، ورأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر، تركت ابنها فى مكانه وتبعت إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا؟ فسكت عنها، حتى إذا دنا من كداء قال: إلى الله عز وجل أدعكم. فقالت: فالله عز وجل أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: فحسبى تركتنا إلى كاف.
وانصرفت هاجر إلى ابنها، وخرج إبراهيم حتى وقف على كداء، ولا بناء ولا ظل ولا شىء يحول دون ابنه، فنظر إليه، فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.
ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام، وعمدت هاجر فجعلت عريشا فى موضع الحجر من سمر وثمام ألقته عليه ومعها شن فيه شىء من ماء، فلما نفد الماء عطش إسماعيل وعطشت أمه، فانقطع لبنها، فأخذ إسماعيل كهيئة الموت، فظنت أنه ميت، فجزعت وخرجت جزعا أن تراه على تلك الحال، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون على، وعسى الله أن يجعل لى فى ممشاى خيرا.
فانطلقت فنظرت إلى جبل الصفا، فأشرفت عليه تستغيث ربها عز وجل وتدعوه، ثم انحدرت إلى المروة، فلما كانت فى الوادى خبت حتى انتهت إلى المروة، فعلت ذلك سبع مرار، كلما أشرفت على الصفا نظرت إلى ابنها، فتراه على حاله، وإذا أشرفت على المروة فمثل ذلك.
فكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة. وكان من قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة، ولا يقفون المواقف، حتى كان إبراهيم.
فلما كان الشوط السابع ويئست سمعت صوتا، فاستمعت فلم تسمع إلا الأول، فظنت أنه شىء عرض لسمعها من الظمأ والجهد.
فنظرت إلى ابنها فإذا هو يتحرك، فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول، فقالت: إنى سمعت صوتك فأعجبنى، فإن كان عندك خير فأغثنى، فإنى قد هلكت وهلك ما عندى.
(1/36)

فخرج الصوت يصوت بين يديها، وخرجت تتلوه قد قويت له نفسها، حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل، ثم بدا لها جبريل، فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم، فضرب بعقبه مكان البئر، فظهر الماء فوق الأرض حين فحص بعقبه، وفارت بالرواء، وجعلت أم إسماعيل تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتى بشنتها، فاستقت وبادرت إلى ابنها فسقته وشربت، فجعل ثدياها يتقطران لبنا، فكان ذلك اللبن طعاما وشرابا لإسماعيل، وكانت تجتزئ بماء زمزم، فقال لها الملك: لا تخافى أن ينفد هذا الماء، وأبشرى، فإن ابنك سيشب ويأتى أبوه من الشام، فتبنون ها هنا بيتا يأتيه عباد الله من أقطار الأرضين ملبين لله جل ثناؤه شعثا غبرا، فيطوفون به ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله عز وجل، الذين يزورون بيته.
فقالت: بشرك الله بخير، وطابت نفسها، وحمدت الله عز وجل.
ويقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما، فقد عطشا وأهلهما بعرفة، فنظرا إلى طير يهوى قبل الكعبة فاستنكرا ذلك، وقالا: أنى يكون الطير على غير ماء؟
فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد، ثم نسلك فى مهوى الطير.
فأبردا ثم تروحا، فإذا الطير ترد وتصدر، فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبى قبيس، فنظرا إلى الماء وإلى العريش، فنزلا وكلما هاجر وسألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما، وقالا: لمن هذا الماء؟ فقالت: لى ولابنى. فقالا: من حفره؟ فقالت: سقيا الله جل ثناؤه.
فعرفا أن أحدا لا يقدر على أن يحفر هناك ماء، وعهدهما بما هناك قريب وليس به ماء.
فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما، فأخبراهم، فتحولوا حتى نزلوا معها على الماء فأنست بهم، ومعهم الذرية، فنشأ إسماعيل مع ولدانهم.
وكان إبراهيم يزور هاجر فى كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتى مكة، ثم يرجع فيقيل فى منزله بالشام.
فزارها بعد، ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء، فسر بذلك.
ولما بلغ إسماعيل عليه السلام، تزوج امرأة من العماليق، فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل، وإسماعيل فى ماشية يرعاها ويخرج متنكبا قوسه، فيرمى الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم عليه السلام إلى منزله، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت.
(1/37)

قال: فسكتت فلم ترد، إلا أن تكون ردت فى نفسها، فقال: هل من منزل؟ فقالت:
لا هيم الله إذن، قال: فكيف طعامكم وشرابكم وشاؤكم؟ فذكرت جهدا، فقالت: أما الطعام فلا طعام، وأما الشاء فإنما نحلب الشاة بعد الشاة المصر، وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ، قال: فأين رب البيت؟ قالت: فى حاجته.
قال: فإذا جاء فأقرئيه السلام، وقولى له غير عتبة بيتك.
ورجع إبراهيم إلى منزله، وأقبل إسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله عز وجل، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته هل جاءك أحد؟ فأخبرته بإبراهيم وقوله وما قالت له، ففارقها وأقام ما شاء الله أن يقيم.
وكانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم واستحلوا منه أمورا عظاما ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام فيهم رجل منهم يقال له عموق، فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا، تواصلوا ولا تستخفوا بحرم الله عز وجل وموضع بيته.
فلم يقبلوا ذلك منه، وتمادوا فى هلكة أنفسهم.
ثم إن جرهما وقطوراء، وهما أبناء عم خرجوا سيارة من اليمن، أجدبت البلاد عليهم، فساروا بذراريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معينا وشجرا ملتفا، ونباتا كثيرا، وسعة من البلاد، ودفئا فى الشتاء.
فقالوا: إن هذا الموضوع يجمع لنا ما نريد.
فأعجبهم ونزلوا به، وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، سنة فيهم جروا عليها واعتادوها ولو كانوا نفرا يسيرا.
فكان مضاض بن عمرو على قومه من جرهم، وكان على قطوراء السميدع، رجل منهم.
فنزل مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة بقعيقعان «1» فما حاز.
ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد «2» ، فما حاز.
__________
(1) قعيقعان: جبل بأعلى مكة، قيل سمى قعيقعان لأن مضاض بن عمرو لما سار إلى السميدع معه كتيبة فيها عدتها من الرماح والدرق والسيوف تقعقع بذلك فسمى قعيقعان، والقصة طويلة. انظر: الروض المعطار (477) ، معجم ما استعجم (3/ 1086) .
(2) أجياد: بفتح أوله وإسكان ثانية وبالياء أخت الواو والدال المهملة، كأنه جمع جيد، أحد جبال-
(1/38)

وذهبت العماليق إلى أن ينازعوهم أمرهم فعلت أيديهم على العماليق وأخرجوهم من الحرم كله، فصاروا فى أطرافه لا يدخلونه.
وجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من قومهما فكثروا وأثروا، فكان مضاض يعشر، كل من دخل مكة من أعلاها، وكان السميدع يشعر كل من دخل من أسفلها، وكل على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه، وكانوا قوما عربا وكان اللسان عربيا.
وكان إبراهيم يزور إسماعيل، فلما نظر إلى جرهم نظر إلى لسان عجيب وسمع كلاما حسنا، ونظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض بن عمرو، فأعجبته فخطبها إلى أبيها فتزوجها.
فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل، فجاء إلى بيت إسماعيل، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقامت إليه المرأة فردت عليه ورحبت به، فقال: كيف عيشكم ولبنكم وما شيتكم؟ فقالت خير عيش بحمد الله عز وجل، نحن فى لبن كثير ولحم كثير وماؤنا طيب، قال: هل من حب؟ قالت: يكون إن شاء الله ونحن فى نعم. قال: بارك الله لكم.
قال أبو جهم: فكان أبى يقول: ليس أحد يخلى عن اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه، ولعمرى لو وجد عندنا حبا لدعا فيه بالبركة فكانت أرض زرع.
ويقال: إن إبراهيم قال لها: ما طعامكم؟ قالت: اللحم واللبن. قال: فما شرابكم؟
قالت: اللبن والماء. قال: بارك الله لكم فى طعامكم وشرابكم، فاللبن طعام وشراب.
قالت: فانزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: إنى لا أستطيع النزول. قالت: فإنى أراك شعثا أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت. فجاءته بالمقام وهو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة، ملقى فى بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى وقدم إليها رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغت حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى، وقدم إليها رأسه فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذى فى المقام من ذلك. قال أبو الجهم: فقد رأيت موضع العقب والإصبع.
__________
- مكة وهو الجبل الأخضر العالى بغربى المسجد الحرام، وفى رأسه منار يذكر أن أبا بكر رضى الله عنه أمر ببنائه ينادى عليه المؤذنون فى رمضان، يقابل من الكعبة الركن اليمانى يخرج إليه من باب إبراهيم عليه السلام، ويقابل قعيقعان من ناحية الغرب. انظر: الروض المعطار (12، 13) .
(1/39)

وعن الواقدى من غير حديث أبى الجهم أن أبا سعيد الخدرى سأل عبد الله بن سلام عن الأثر الذى فى المقام، فقال: كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن الله جل ثناؤه، أراد أن يجعل المقام آية من آياته.
قال أبو الجهم: فلما فرغت يعنى المرأة، من غسل رأس إبراهيم عليه السلام، قال لها:
إذا جاء إسماعيل فقولى له: أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة.
فلما جاء إسماعيل قال: هل جاءك أحد بعدى؟ فأخبرته بإبراهيم وما صنعت به، ثم قال لها: هل قال لك أن تقولى لى شيئا؟ قالت: قال لى أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة.
ففرح إسماعيل وقال: أتدرين من هو؟ قالت: لا. قال: هذا خليل الله إبراهيم أبى، وأما قوله: «أثبت عتبة بابك» فقد أمرنى أن أقرك وقد كنت على كريمة وقد ازددت على كرامة. فصاحت وبكت، فقال: ما لك؟ قالت: ألا أكون علمت بمن هو فأكرمه وأصنع به غير الذى صنعت! فقال لها إسماعيل: لا تبكى ولا تجزعى فقد أحسنت ولم تكونى تقدرين أن تفعلى فوق الذى فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذى صنع بك.
فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت «1» .
فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، أوحى الله جل ثناؤه إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا. قال إبراهيم: أى رب أين أبنيه؟.
فأوحى الله إليه: أن اتبع السكينة، وهى ريح لها وجه وجناحان ومع إبراهيم الملك والصرد.
فانتهوا بإبراهيم إلى مكة، فنزل إسماعيل إلى الموضع الذى بوأه الله جل وعز، لإبراهيم، وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها.
فحفر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وليس معهما غيرهما، أساس البيت، يريدان أساس آدم الأول.
__________
(1) قال ابن هشام فى السيرة (1/ 24- 28) : حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ولد إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، اثنى عشر رجلا: نابتا، وكان أكبرهم، وقيذر، وأذبل، وميشا، ومسمغا، وماشى، ودما، وأذر، وطيما، ويطور، ونبش، وقيذما، وأمهم: رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى. قال ابن هشام: ويقال: مضاض، وجرهم بن قحطان، وقحطان أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
(1/40)

فحفرا عن ربض البيت يعنى حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم ثم بنى عليه، وحلقت السكينة كأنها سحابة، على موضع البيت، فقالت: ابن علىّ.
فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا، كافر ولا جبار، إلا رأيت عليه السكينة.
فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، فجعل طوله فى السماء تسع أذرع، وعرضه ثلاثين ذراعا، وطوله فى الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع فى البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل.
وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت، يلقى فيها ما أهدى للبيت وجعل الركن علما للناس.
فذهب إسماعيل إلى الوادى يطلب حجرا، ونزل جبريل بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض، كما رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بالحجر من الوادى فوجد إبراهيم قد وضع الحجر، فقال:
من أين هذا؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلنى إليك ولا إلى حجرك «1» .
وعن الواقدى أيضا من غير حديث أبى الجهم، أن يزيد بن رومان، قال: سمعت ابن الزبير يقول: إن إبراهيم عليه السلام ابتغى الحجر، فناداه من فوق أبى قبيس: ألا أنا هذا.
فرقى إليه إبراهيم فأخذه، فوضعه موضعه الذى هو فيه اليوم.
وكان الله جل ثناؤه لما غرقت الأرض استودع أبا قبيس الركن، وقال: إذا رأيت خليلى يا بنى لى بيتا فأعطه الركن فأعطاه الركن.
وعن غير ابن الزبير أن أبا قبيس لذلك كان يسمى فى الجاهلية الأمين، لوفائه بما استودعه الله إياه.
__________
(1) قال ابن كثير فى البداية باب بناء البيت العتيق: قال السدى: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس فى صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حين يقول تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ فلما بلغا القواعد بنيا الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنى، اطلب لى الحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبتى، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. وانظر ما ورد فى ذكر بناء البيت فى البداية (1/ 167) وما بعدها.
(1/41)

قال أبو جهم: ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر فى البيت، جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل، فلما كانت قريش قصر الخشب عليهم، فأخرجوا الحجر، وكان ما أخرجوا منه سبعة أذرع.
وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن فى الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتى؟!
قال الله جل ثناؤه: أذّن وعلىّ البلاغ.
فارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت، فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه فى أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا، يقول: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم عز وجل.
فأجابه من تحت البحور السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك.
أفلا تراهم يأتون يلبون؟!
فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله عز وجل.
وذلك قول الله جل ثناؤه: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: 97] يعنى نداء إبراهيم على المقام بالحج فهى الآية.
قال الواقدى: وقد روى أن الآية هى أثر إبراهيم على المقام.
قال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليها الحجارة، ففعل إبراهيم ذلك، وكان أول من أقام أنصاب الحرم، ويريه إياها جبريل.
فلما كان اليوم السابع من ذى الحجة، خطب إبراهيم عليه السلام بمكة، حين زاغت الشمس قائما، وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين، مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية.
فأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا فى الجانب الأيمن، ثم أقام حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج يمشى هو وإسماعيل حتى أتيا
(1/42)

عرفة، وجبريل معهما يريهما الأعلام، حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: قد عرفت: فسميت عرفات.
فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل عليه السلام، حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات، وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر، ثم ارتفع بهما إلى الهضاب، فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما، حتى انتهيا إلى جمع فنزلا، فصلى إبراهيم المغرب والعشاء فى ذلك الموضع الذى يصلى فيه اليوم، ثم باتا حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفر قبل طلوع الشمس دفعا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فى الجانب الأيمن، ثم ذبحا فى المنحر اليوم، وحلقا رؤسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين تزيغ الشمس ماشيين ذاهبين وراجعين، وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل عليه السلام.
قال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، فكان يحج البيت كل عام، وحجته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط، والأنبياء هلم جرا.
وحجه موسى بن عمران عليه السلام.
روى الواقدى بإسناد له عن ابن عباس قال: مر موسى عليه السلام، بصفاح الروحاء يلبى، تجاوبه الجبال، عليه عباءتان قطوانيتان من عباء الشام.
وعن جابر بن عبد الله قال: حج هارون نبى الله البيت، فمر بالمدينة يريد الشام، فمرض بالمدينة فأوصى أن يدفن بأصل أحد، ولا تعلم به يهود، مخافة أن ينبشوه فدفنوه فقبره هناك.
وعن ابن عباس، أن الحواريين كانوا إذا بلغوا الحرم نزلوا يمشون حتى يأتوا البيت.
وعن ابن الزبير: أن الحواريين خلعوا نعالهم حين دخلوا الحرم، إعظاما أن ينتعلوا فيه.
ثم توفى الله خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بعد أن وجه إليه ملك الموت، فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله قبضه، فأخبره بما أمر به، فسلم إبراهيم لأمر ربه عز وجل فقال له ملك الموت: يا خليل الله، على أى حال تحب أن أقبضك؟ قال: تقبضنى وأنا ساجد، فقبضه وهو ساجد، وصعد بروحه إلى الله عز وجل، ودفن إبراهيم عليه السلام بالشام «1» .
__________
(1) قال ابن كثير: قد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب فى-
(1/43)

وعاش إسماعيل عليه السلام بعد أبيه ما عاش، وتوفى بمكة، فدفن داخل الحجر، مما يلى باب الكعبة، وهنالك قبر أمه هاجر، ودفن معها وكانت توفيت قبله.
ولما توفى إسماعيل عليه السلام، ولى البيت بعده ابنه نابت، ولم يله أحد من ولده غيره. ثم مات فدفن فى الحجر مع أمه رعلة بنت مضاض.
فولى البيت بعده جده مضاض بن عمرو، ثم أخواله من جرهم، وقاموا عليه، فكانوا هم ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة.
وكان البيت قد دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، وجعلت له مصراعين وقفلا.
قال ابن إسحاق: ثم إن جرهما وقطوراء بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك بها، ومع مضاض يومئذ إسماعيل وبنو نابت وإليه ولاية البيت دون السميدع. فسار بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض من قعيقعان فى كتيبته سائرا إلى السميدع، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب يقعقع بذلك معه.
فيقال: ما سمى قعيقعان قعيقعان إلا لذلك. وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال. فيقال: ما سمى أجياد أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل مع السميدع منه «1» .
وغير ابن إسحاق يقول: إنما سمى أجياد لأن مضاضا ضرب فى ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة. وقيل: بل أمر بعض الملوك غير مسمى بضرب رقاب فيه، فكان يقول لسيافه: توسط الأجياد. وهذا ونحوه أصح فى تسمية الموضع بأجياد، مما قال ابن إسحاق.
قال: فالتقوا بفاضح «2» ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت قطوراء.
فيقال: ما سمى فاضح فاضحا إلا بذلك.
__________
- صفة مجىء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة، الله أعلم بصحتها، وقد قيل: إنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان، والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك، قالوا: ثم مرض إبراهيم عليه السلام، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل: وتسعين سنة، ودفن فى المغارة التى كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة، التى فى مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتى سنة، كما قاله ابن الكلبى. انظر البداية باب ذكر موته عليه السلام (1/ 178) وما بعدها.
(1) انظر: السيرة (1/ 107- 108) .
(2) فاضح: موضع بمكة. انظر الروض المعطار (ص 433) .
(1/44)

ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ «1» شعبا بأعلى مكة، فاصطلحوا به وأسلموا الأمر إلى مضاض.
فلما رجع إليه أمر مكة فصار ملكها له، نحر للناس وأطعمهم، فاطبخ الناس وأكلوا.
فيقال: ما سميت المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم، وكان منزله.
فكان الذى كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة، فيما يزعمون.
ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك، لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال.
فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل، انتشروا فى البلاد، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم.
ثم إن جرهم بغوا بمكة، واستحلوا [خلالا] «2» من الحرمة، وظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها، فرق أمرهم.
فلما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب. فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة.
وكانت مكة فى الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. فيقال: ما سميت ببكة «3» ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.
__________
(1) المطابخ: موضع معروف بمكة. انظر: الروض المعطار (ص 543) .
(2) ما بين المعقوفتين فى الأصول: «حلالا» ، وما أوردناه من السيرة. وخلال: جمع خلة وهى الخصلة.
(3) قال ابن هشام فى السيرة (1/ 109) : أخبرنى أبو عبيدة: أن بكة اسم لبطن مكة؛ لأنهم يتباكون فيها، أى: يزدحمون، وأنشدنى:
إذا الشريب أخذته أكه ... فخله حتى يبك بكه
أى: فدعه حتى يبك إبله، أى يخليها إلى الماء، فتزدحم عليه، وهو موضع البيت والمسجد، وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
(1/45)

فلم يزل أهلها على وجه الدهر يصونون جنابها ويحافظون على حرمتها.
يقال: إنه اجتمع رأى بنى إسماعيل وخيارهم على أن لا يدعوا أحدا أحدث فى حرم الله حدثا إلا غربوه منه، ثم لم يرجع فيه. ويقال: بل كان ذلك مما سن لهم أولوهم، فصارت سنة فيهم يدينون بها، ثم خلف من خلف بعدهم على ذلك، يرون فيه رأيهم، وتكبر مواقعة الظلم فى حرم الله والتعدى به فى نفوسهم، ويعتقدون أن الباغى فيه معاقب فى دنياه فى نفسه وماله، وأن الحالف عند البيت حانثا مخوف عليه مما أصاب قبله ممن فعل فعله، وأن دعاء المظلوم عنده وخصوصا فى الشهر الحرام مجاب فى ظالمه، ويوثرون فى ذلك أشياء أراها الله إياهم، صونا لحرمه الكريم، وتنزيها لبيت خليله إبراهيم.
ذكر الواقدى من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: عدا رجل من بنى كنانة بن هذيل على ابن عم له وظلمه واضطهده فناشده بالرحم وعظم عليه، فأبى إلا ظلمه، فقال: والله لألحقن بحرم الله فى هذا الشهر، ولأدعون الله عليك. فقال له ابن عمه مستهزئا به: هذه ناقتى فلانة، فأنا أفقرك ظهرها فاذهب فاجتهد.
فأعطاه ناقة، وخرج حتى جاء الحرم فى الشهر الحرام، فقال: اللهم إنى أدعوك جاهدا مضطرا على ابن عمى فلان، ترميه بداء لا دواء له.
ثم انصرف، فيجد ابن عمه قد رمى فى بطنه فصار مثل الزق، فمازال ينتفخ حتى انشق.
قال عبد المطلب: لحدثت بهذا الحديث ابن عباس، فقال: أنا رأيت رجلا دعا على ابن عم له بالعمى، يعنى فى الحرم، فرأيته يقاد أكمة العميان.
وعن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يسأل رجلا من بنى سليم عن ذهاب بصره. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، كنا فى بنى ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم، فكنا نظلمه ونضطهده، فكان يذكرنا بالله والرحم، وكنا أهل بيت نرتكب كل الأمور، فلما رأى ابن عمنا أنا لا نكف عنه ولا نرد إليه ظلامته، أمهل حتى دخلت الأشهر الحرم، انتهى إلى الحرم فجعل يرفع يديه إلى الله جل ثناؤه، ويقول:
لاهم «1» أدعوك دعاء جاهدا ... اقتل بنى الضبغاء إلا واحدا
__________
(1) لاهم: أى اللهم، والعرب تحذف منها الألف واللام للتخفيف.
(1/46)

ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ... أعمى إذا قيد يعنى القائدا
قال: فمات إخوتى تسعة فى تسعة أشهر، فى كل شهر واحد، وبقيت أنا، فعميت، ورمانى الله عز وجل فى رجلى، وكمهت فليس يلائمنى قائد.
قال ابن عباس: فسمعت عمر يقول: سبحان الله إن هذا لهو العجب!
قال: وسمعت عمر يسأل ابن عمهم الذى دعا عليهم، فقال: دعوت عليهم كل ليلة رجب الشهر كله بهذا الدعاء، فأهلكوا فى تسعة أشهر وأصاب الباقى ما أصابه.
قال ابن عباس: وعدا رجل على ابن عم له فاستاق ذودا له، فخرج يطلبه حتى أصابه فى الحرم، فقال: ذودى. فقال اللص: كذبت ليس لك. قال: فاحلف. قال: إذا أحلف. فحلف عند المقام بالله الخالق رب هذا البيت ما هن لك.
فقيل له: لا سبيل لك عليه.
فقام رب الذود بين الركن والمقام باسطا يديه يدعو على صاحبه، فما برح مقامه يدعو عليه حتى دله فذهب عقله، فجعل يصيح بمكة: ما لى وللذود، ما لى ولفلان رب الذود.
فبلغ ذلك عبد المطلب، فجمع الذود فدفعها إلى المظلوم فخرج بها، وبقى الآخر مدلها حتى تردى من جبل فمات فأكلته السباع.
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول: لو وجدت قاتل الخطاب فى الحرم ما هجته.
وكان يقول: لأن أذنب بركبة سبعين ذنبا أحب إلى من أن أذنب ذنبا واحدا فى الحرم. وركبه خارج الحرم، محاذية لذات عرق.
وذكر رضى الله عنه، يوما وهو خليفة ما كان يعاقب به من حلف ظلما، يعنى فى الحرم، زمن الجاهلية، فقال: إن الناس ليرتكبون ما هو أعظم منها ثم لا يعجل لهم من العقوبة مثل ما كان يعجل لأولئك، فما ترون ذلك؟
فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين.
قال: إن الله جل ثناؤه، جعل فى الجاهلية، إذ لا دين حرمة حرمها وعظمها وشرفها، وجعل العقوبة لمن استحل شيئا مما حرم، ليتنكب عن انتهاك ما حرم مخافة
(1/47)

تعجيل العقوبة، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أو عدهم فيما انتهكوا مما حرم الساعة، فقال:
وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [القمر: 46] .
فأخر العقاب إلى يوم القيامة، وأراهم الله الاستجابة بعضهم لبعص ليتناهوا عن الظلم، وأخر أهل الإسلام ليوم الجمع، ويستجب الله لمن يشاء، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
ومن المشهور فى هذا الباب أمر إساف ونائلة، وهما صنما قريش اللذان أقاموهما على زمزم ينحرون عندهما. ذكروا أنهما كان رجلا وامرأة من جرهم، إساف بن بغى، ونائلة بنت ديك، فوقع إساف على نائلة فى الكعبة، فمسخهما الله حجرين. ويقال:
أحدثا فيها فمسخهما الله؛ فالله أعلم.
وأمرهما معدود فيما بلغت إليه جرهم من الاستخفاف بحرمة الحرم وقلة مبالاتهم بالبغى فيه، مع ما أراهم الله من عظيم الآية بمسخهما حجرين، فما نهاهم ذلك عن قبيح ما كانوا عليه، حتى أخرجهم الله عن جوار بيته بأيدى آخرين من عباده، فكان من أمرهم مع خزاعة ما كان.
فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالى الكعبة وبحجر الركن فدفنها فى زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، وحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا. فقال عمرو بن الحارث بن مضاض فى ذلك، وليس بمضاض الأكبر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «1»
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالى والجدود العواثر «2»
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحى غيرنا ثم فاخر
ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
__________
(1) هذه الأبيات ذكرها فى السيرة وذكر قبل هذا البيت:
وقائلة والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالدمع منها المحاجر
انظر: السيرة (1/ 109) .
(2) صورف الليالى: شدائدها. والجدود: هو البخت والحظ.
(1/48)

فإن تنثنى الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجرى المقادر
أقول إذا نام الخلى ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منها أو جها لا أحبها ... قبائل منها حمير ويحابر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... بذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تبكى لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به أمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر
وقال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا وغبشان وساكنى مكة الذين خلفوا فيما بعدهم:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا
قال ابن هشام: هذا ما صح له منها، وحدثنى بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل فى العرب، وأنها وجدت مكتوبة فى حجر باليمن ولم يسم لنا قائلها «1» .
ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة.
وغبشان لقب، واسمه الحارث، وخزاعة يقال: إنهم من ولد قمعة بن إلياس بن مضر، وأن أباهم عمرو بن لحى، هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف، وخزاعة يأبون هذا النسب، ويقولون: إنهم من ولد كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن غسان.
وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فسألته عمن بينى وبينه من الأمم، فقال: هلكوا» «2» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 111) .
(2) أخرجه البخارى فى صحيحه (4/ 224، 6/ 69) ، كنز العمال للمتقى الهندى (34095) ، الخطيب البغدادى فى تاريخه (5/ 173) ، السيوطى فى الحاوى للفتاوى (2/ 375) ، الطحاوى فى مشكل الآثار (2/ 207) .
(1/49)

فقيل له: ومن عمرو بن لحى؟ قال: أبو هؤلاء الحى من خزاعة، وهو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم، وأول من نصب الأوثان حول الكعبة «1» .
فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا، فرسول الله أعلم وما قال فهو الحق.
وعمرو بن ربيعة الذى تنتسب إليه خزاعة يقال: هو عمرو بن لحى، وإن حارثة بن ثعلبة بن عمرو خلف على أم لحى، ولحى هو ربيعة، بعد أن تأيمت من قمعة، ولحى صغير، فتبناه حارثة وانتسب إليه.
فيكون النسب على هذا صحيحا بالوجهين، إلى قمعة بالولادة وفق ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وإلى حارثة بن ثعلبة بالتبنى، والانتساب به موجود كثيرا فى العرب.
فلما وليت خزاعة البيت حفظوه مما كانت جرهم استباحته، وتوافروا على تعظيمه والذب عنه، وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى، ثم قومه من بعده، وقريش إذ ذاك حلول وصرم «2» متقطعون وبيوتات متفرقون فى قومهم من بنى كنانة.
فأقامت خزاعة على ولاية البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. وبعده انتقلت ولاية البيت إلى قصى بن كلاب.
وكان من حديث قصى «3» أنه لما هلك أبوه كلاب بن مرة، خلف ولديه زهرة وقصيا، مع أمهما فاطمة بنت سعد بن سيل من عذرة، وزهرة يومئذ رجل، وقصى فطيم، فقدم مكة بعد مهلك كلاب حاج مع قضاعة فيهم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد كبير بن عذرة، فتزوج فاطمة بنت سعد فاحتملها إلى بلاده، فاحتملت ابنها قصيا لصغره، وأقام زهرة فى قومه.
فولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فكان أخا قصى لأمه، وكان لربيعة بنون ثلاثة من امرأة أخرى، وهم: حن ومحمود وجلهمة، بنو ربيعة.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 81)
(2) قال فى اللسان (مادة صرم) : الصرم بالكسر: الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، وهو الفرقة من الناس ليسوا بالكثير والجمع أصرم وأصاريم وصرمان.
(3) انظر: السيرة (1/ 115- 120) .
(1/50)

وأقام قصى بأرض قضاعة لا ينسب إلا إلى ربيعة بن حرام.
فناضل يوما رجلا من قضاعة يدعى رفيعا، فنضله قصى، وهو يومئذ شاب، فغضب المنضول، فوقع بينهما حتى تقاولا وتنازعا، فقال رفيع: ألا تلحق ببلدك وبقومك، فإنك لست منا!.
فرجع قصى إلى أمه، وقد وجد فى نفسه مما قال، فسألها عن ذلك فقالت: أو قد قال هذا؟ أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا ونسبا وأشرف منزلا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله، تفد العرب إلى ذلك البيت، وقد قالت لى كاهنة رأتك: هذا يلى أمرا جليلا، فطب نفسا.
فأجمع قصى الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، وضاق ذرعا بالمقام فيهم، فقالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس.
فأقام قصى حتى إذا دخل الشهر الحرام وخرج حاج قضاعة خرج معهم، وهم يظنون أنه إنما يريد الحج ثم يرجع إلى بلاده، حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وعالجه القضاعيون على الخروج معهم فأبى.
وكان رجلا جلدا نهدا نسيبا، فلم ينشب أن خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى، فعرف حليل النسب ورغب فى الرجل فزوجه، وحليل يومئذ يلى أمر مكة والحكم فيها وحجابة البيت.
فأقام قصى معه بمكة، وولدت له حبى بنيه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا.
فلما انتشر ولد قصى وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وأن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وصريح ولده.
فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة، فأجابوه إلى ذلك، فكتب عند ذلك قصى إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته والقيام معه، فخرج رزاح ومعه إخوته لأبيه، حن ومحمود وجلهمة، فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه.
(1/51)

فلما اجتمع الناس بمكة وفرغوا من الحج ولم يبق إلا أن يصدر الناس، كان أول ما تعرض له قصى من المناسك أمر الإجازة للناس بالحج.
وكانت صوفة هى التى تلى ذلك مع الدفع بهم من عرفة ورمى الجمار، وهم ولد الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر «1» .
والغوث هو أول من ولى ذلك منهم.
وذلك أن أمه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هى ولدت ولدا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت الغوث وكان يقوم على الكعبة فى الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولى الإجازة بالناس من عرفة لمكانه الذى كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا.
فقال مر بن أد أبو الغوث لوفاء نذر أمه:
إنى جعلت رب من بنيه ... ربطة بمكة العليه
فباركن لى بها إليه ... واجعله لى من صالح البريه
وكان الغوث بن مر، زعموا، إذا دفع بالناس قال:
لا هم إنى تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعه
وذلك أن قضاعة كان منهم أحياء يستحلون الحرمة فى الجاهلية، فكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز بهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمى الجمار، ورجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون حتى يرمى، فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك. فيقول: لا والله حتى تميل الشمس. فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك، ويقولون له:
ويلك قم فارم بنا. فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه.
فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة فحبسوا الناس وقالوا: أجيزى «2» صوفة. فلم يجز أحد من الناس حتى يرموا، فإذا نفذت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك حتى انقرضوا.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 116) .
(2) أجيزى: جزت الطريق وجاز الموضع: أى سار فيه وسلكه، وأجازه: حلفه وقطعه، وأجازه: أنفذه. انظر: اللسان (مادة جوز) .
(1/52)

فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت من بنى سعد فى آل صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد.
فكان صفوان هو الذى يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام كرب بن صفوان.
وفى ذلك يقول ابن مغراء السعدى:
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
فأما قول ذى الإصبع العدوانى، واسمه حرثان بن عمرو، وقيل له ذو الإصبع لحية لدغته فى إصبعه فقطعها:
عذير الحى من عدوا ... ن كانوا حية الأرض «1»
بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض
ومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
وإنما قال ذلك لأن الإفاضة من المزدلفة كانت فى عدوان، وهو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل.
قال حويطب بن عبد العزى: رأيت أبا سيارة يدفع بالناس من جمع على أتان له عقوق. وذكروا أنه أجاز عليها أربعين سنة «2» .
قالوا: وكان إذا وقف بالناس قال: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا أموالكم، واحفظوا جيرانكم، وقاتلوا أعداءكم، اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل أمر الناس بأيدى صالحائنا؛ ثم يقول: أفيضوا على بركة الله.
وفيه يقول شاعر من العرب:
نحن دفعنا عن أبى سياره ... وعن مواليه بنى فزاره
__________
(1) حية الأرض: يقال حية فلان وحية الوادى، إذا كان مهيبا شديد الشكيمة حاميا لحوزته، أراد أنهم كانوا ذوى إرب وشدة لا يضيعون ثأرا. انظر: اللسان (مادة حيا) .
(2) انظر: السيرة (1/ 114) .
(1/53)

حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره
قوله: «حكم يقضى» يعنى عامر بن ظرب العدوانى، وكانت العرب لا يكون بينها ثائرة ولا عضلة «1» فى قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ثم رضوا بما قضى فيه.
فاختصم إليه، فى بعض ما كانوا يختلفون فيه، فى رجل خنثى له ما للرجل وله ما للمرأة، أيجعله رجلا أو امرأة؟ ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه.
فقال: حتى أنظر فى أمركم، فو الله ما نزل بى مثل هذه منكم يا معشر العرب.
فاستأخروا عنه، فبات ليلته ساهرا يقلب أمره وينظر فى شأنه فلا يتوجه له من وجه، وكانت له جارية يقال لها: سخيلة، ترعى عليه غنمه، فكان يعاتبها إذا سرحت فيقول:
صبحت والله يا سخيل. وإذا راحت عليه يقول: مسيت والله يا سخيل. وذلك أنها كانت تؤخر السرح حتى يسبقها بعض الناس، وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس.
فلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت: ما لك لا أبالك! ما عراك فى ليلتك هذه؟! قال: ويلك دعينى، أمر ليس من شأنك. ثم عادت له بمثل قولها، فقال فى نفسه:
عسى أن تأتى مما أنا فيه بفرج. فقال: ويحك، اختصم إلى فى ميراث خنثى، أأجعله رجلا أو امرأة؟ فو الله ما أدرى ما أصنع وما يتوجه لى فيه وجه.
فقالت: سبحان الله! لا أبالك! اتبع القضاء المبال، أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة. قال: مسى سخيل بعدها أو ضحى، فرجتها والله. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذى أشارت إليه «2» .
وهذا كله من الخبر معترض قطع اتصال حديث صوفة وقصى، فنرجع الآن إليه ونصله بموضع انقطاعه.
حيث ذكر أن صوفة هى التى كانت تلى الإجازة بالناس من منى والدفع بهم من عرفة، وأن قصيا عزم على انتزاع ذلك من أيديهم والقيام به دونهم، واستدعى لمظاهرته على ذلك أخاه رزاحا فوصله مع من ذكر وصوله معه.
فلما كان ذلك العام فعلت صوفة مثل ما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين فى أنفسهم من عهد جرهم وخزاعة.
__________
(1) العضلة: الأمر الشديد، وقيل: الإعوجاج، والعضلة أيضا من أسماء الداهية.
(2) انظر: السيرة (1/ 115) .
(1/54)

فأتاهم قصى بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا الأمر منكم.
فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك.
وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه بادأهم وأجمع لحربهم، وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا بالأبطح، حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا، وفشت الجراح فيهم وأكثر ذلك فى خزاعة.
ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن قصى.
فقضى بينهم أن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه «1» تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة ومكة.
فسمى يعمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء، ووضع منها، ويقال:
الشداح أيضا.
فولى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا أنه قد أقر العرب على ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينا فى نفسه لا ينبغى تغييره.
فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه؛ حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله «2» .
وبنو مرة بن عوف هم أهل البسل وقد تقدم ذكرهم.
وأما النسأة «3» فهم بنو فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
__________
(1) يشدخه: الشدخ الكسر فى كل شىء رطب، وقيل: هو التهشيم يعنى به كسر اليابس وكل أجوف. وقال الليث: الشدخ كسرك الشىء الأجوف كالرأس ونحوه. انظر: اللسان (مادة اشدخ) .
(2) انظر: السيرة (1/ 116) .
(3) انظر: السيرة (1/ 54) .
(1/55)

وهم الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب فى الجاهلية، فيحلون الشهر من أشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، ففيه أنزل الله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [التوبة: 37] .
وكان أول من نسأ الشهور منهم على العرب، فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما حرم: القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى، وتوارث ذلك بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة، وهو القلمس.
قال الزبير: وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمرا، يقال: إنه نسأ أربعين سنة.
وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة:
رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفرا فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم.
فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إنى قد أحللت أحد الصفرين، الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل.
وفى ذلك يقول عمير بن قيس، جذل الطعان، أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، يفخر بالنسأة على العرب:
لقد علمت معد أن قومى ... كرام الناس إن لهم كراما «1»
فأى الناس فاتونا بوتر ... وأى الناس لم نعلك لجاما «2»
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما
فهذا كان شأن النسأة فى الجاهلية، فأقره قصى على ما كان عليه، مع سائر ما ذكر إقراره العرب عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله.
فكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه
__________
(1) أن لهم كراما: أراد أن لهم آباء كراما أو أخلاقا كراما.
(2) الوتر: قيل طالب الثأر، وقيل: هو الظلم فى الزّحل، وقيل هو الزحل عامة. وقوله: لم نعلك لجاما: أى لم نزجرهم كما ينزجر الفرس باللجام. وتقول: أعلكت الفرس لجامه، إذا رددته من نشاطه فعلك اللجام.
(1/56)

الحجابة والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء. فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها.
ويزعم الناس أن قريشا هابوا قطع الشجر من الحرم فى منازلهم، فقطعها قصى بيده وأعوانه؛ فسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا يزوج رجل من قريش، ولا يشاورون فى أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا فى داره، يعقده لهم بعض ولده، ولا يعذر غلام إلا فى داره، ولا تدرع جارية «1» من قريش إلا فى داره، يشق عليها فيها درعها إذا بلغت ذلك، ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها.
ولا تخرج عير من قريش فيرحلون إلا من داره، ولا يقدمون إلا نزلوا فى داره.
فكان أمره فى قريش فى حياته ومن بعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره.
واتخذ لنفسه الندوة، وجعل بابها إلى المسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها.
ولما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاح إلى بلاده بمن معه من قومه، فلما استقر فى بلاده نشره الله ونشر حبا، فهما قبيلا عذرة اليوم.
فهذا حديث قصى فى ولاية البيت بعد حليل بن حبشية وإخراج خزاعة عنه «2» .
وخزاعة تزعم أن حليلا أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصى ما طلب.
قال ابن إسحاق: ولم يسمع ذلك من غيرهم؛ فالله أعلم.
وقد ذكر الواقدى الأمرين على نحو ما ذكر ابن إسحاق.
قال: وقد سمعنا فى ذلك وجها آخر، ذكر أن أبا غبشان رجلا من خزاعة، كان ولى الكعبة فباع حجابتها من قصى بن كلاب بيعا. وذكر غيره أنه باع منه مفتاح الكعبة بزق خمر. فلذلك قيل: أخسر صفقة من أبى غبشان.
__________
(1) تدرع جارية: من درع: ودرع المرأة: قميصها وهو أيضا الثوب الصغير فى بيتها والجمع أدرع. وفى التهذيب: الدرع: ثوب تجوب المرأة وسطه وتجعل له يدين وتخيط فرجته. انظر: اللسان (مادة درع) .
(2) انظر: السيرة (1/ 115) .
(1/57)

وذكر الواقدى أيضا بإسناد له، أن رجلا من قضاعة يقال له: أبو الشموس؛ حدث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو خليفة حديث قصى بن كلاب، وكيف استعان بإخوته على خزاعة، فاستمع له عمر وتعجب لأول الحديث وقال: ذكرتنا أمرا كان دثر منا، فالحمد لله رب العالمين، إن الله عز وجل ليصنع لهذا الحى من قريش، وهم أولى الناس أن يتقوا الله وتحسن سيرة من ولى منهم، بصنع الله لهم، جعل فيهم الإمامة وقبل ذلك النبوة.
قالوا: فلما كبر قصى ورق، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العزى وعبد، قال قصى لعبد الدار: أما والله يا بنى لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك.
لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الحرم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا فى دارك.
فأعطاه دار الندوة التى لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.
وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش فى كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد «1» .
وذلك أن قصيا فرضها على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» .
ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره فى الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى فى الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضى الحج.
فمضى أمر قصى فى عبد الدار ابنه، وجعل إليه كل ما كان بيده من أمر قومه؛ وكان قصى لا يخالف ولا يرد عليه شىء صنعه.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 120) .
(1/58)

ثم إن قصيا هلك، فأقام أمره فى قومه وفى غيرهم بنوه من بعده. فاختطوا مكة رباعا بعد الذى كان قصى قطع لقومه بها، فكانوا يقطعونها فى قومهم وفى غيرهم من حلفائهم ويبيعونها.
فأقامت قريش على ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع «1» .
ثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا أن يأخذوا ما فى يدى بنى عبد الدار بن قصى مما كان قصى جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة منهم مع بنى عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بنى عبد الدار لمكانهم فى قومهم، وكانت طائفة مع بنى عبد الدار يرون ألا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم.
فكان صاحب أمر بنى عبد مناف، عبد شمس بن عبد مناف؛ وذلك أنه كان أسنهم.
وكان صاحب أمر بنى عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وكانت بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة ابن كعب، وبنو الحارث بن فهر مع بنى عبد مناف.
وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو عدى بن كعب مع بنى عبد الدار.
وخرجت عامر بن لؤى ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.
فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة «2» .
فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا «3» فوضعوها لأحلافهم فى المسجد عند
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 120)
(2) قال فى اللسان (مادة صوف) : صوف البحر شىء على شكل هذا الصوف الحيوانى واحدته صوفة، ومن الأبديات قولهم: لا آتيك ما بل بحر صوفة.
(3) قال فى السيرة: يزعمون أن بعض نساء بنى عبد مناف قد أخرجته لهما، ولم يسمها. وقال السهيلى فى الروض الأنف: سماها الزبير فى موضعين من كتابه فقال: هى أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوأمة أبيه. انظر: الروض الأنف (1/ 153) .
(1/59)

الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين.
وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدواهم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف.
ثم سوند بين القبائل ولز بعضها ببعض، فعبئت عبد مناف لبنى سهم، وعبئت بنو أسد لبنى عبد الدار، وعبئت زهرة لبنى جمح، وعبئت تيم لبنى مخزوم، وعبئت بنو الحارث بن فهر لبنى عدى، ثم قالوا: لتغن كل قبيلة من أسند إليها.
فبينما الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان من حلف فى الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة» «1» .
فهذا حلف المطيبين «2» .
وقد كان فى قريش حلف آخر بعده، وهو حلف الفضول «3» ، تداعت إليه قبائل من قريش، فاجتمعوا إليه فى دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
واختلف فى السبب الذى دعا قريشا إلى هذا الحلف، ولم سمى بهذا الاسم، فأما ما
__________
(1) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (6/ 335) .
(2) انظر: السيرة (1/ 120- 122) .
(3) قال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 155) : قال ابن قتيبة: كان قد سبق قريشا إلى مثل هذا الحلف جرهم فى الزمن الأول، فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم، أحدهم: الفضل بن فضالة، والثانى: الفضل بن وداعة، والثالث: فضيل بن الحارث، هذا قول القتبى. وقال الزبير: الفضيل ابن شراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن قطاعة، فلما أشبه حلف قريش الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمى: حلف الفضول، والفضول جمع فضل، وهى أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم، وهذا الذى قال ابن قتيبة حسن.
(1/60)

دعاهم إليه، فذكر الزبير وغيره أن رجلا من أهل اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة له، فاشتراها رجل من بنى سهم، ويقال: إنه العاص بن وائل، فلوى الرجل بحقه، فسأله ماله فأبى عليه، وسأله متاعه فأبى عليه، فجاء إلى بنى سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا له، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف فى قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك قام على الحجر، ويقال: بل أشرف على أبى قبيس حين أخذت قريش مجالسها ثم نادى بأعلى صوته ثم قال:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنفر
وأشعث محرم لم يقض حرمته ... بين الإله وبين الحجر والحجر
أقائم من بنى سهم بذمتهم ... أم ذاهب فى ضلال مال معتمر
فلما سمعت ذلك قريش أعظموه وتكلموا فيه، فقال المطيبون: والله لئن قمنا فى هذا لتغضبن الأحلاف، وقال الأحلاف: والله لئن تكلمنا فى هذا ليغضبن المطيبون. فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفا فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فلذلك قيل له:
حلف الفضول.
فاجتمعوا فى دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاما كثيرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، فاجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب وزهرة وأسد وتيم، فتحالفوا على أن لا يظلم بمكة قريب ولا غريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه ويردوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء من ماء زمزم فجعلوه فى جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت فيه أركانه، ثم أتوا به فشربوه، ثم انطلقوا إلى الرجل الذى تعدى على الرجل المستصرخ، العاص بن وائل أو غيره. فقالوا:
والله لا نفارقك حتى تؤدى إليه حقه.
فأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقه بمكة إلا أخذوه له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت» «1» .
وحكى الزبير أيضا أنه إنما سمى حلف الفضول لأنهم تحالفوا على أن لا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلا أخذوه. وقيل: إنما سمى بذلك لأنه لما تداعى له من ذكر من قبائل قريش كره ذلك سائر المطيبين والأحلاف بأسرهم، وسموه حلف الفضول، عيبا
__________
(1) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (6/ 167) ، القرطبى فى تفسيره (6/ 33، 10/ 169) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (2/ 291) .
(1/61)

له، وقالوا: هذا من فضول القوم.
وقيل: بل كان هذا الحلف على مثل حلف تقدم إليه نفر من جرهم يقال لهم:
الفضل وفضال والفضيل، فسمى لذلك هذا الآخر حلف الفضول، وأيا ما كان من ذلك، فهى مأثره لقريش من مآثرها الكرام، وآثارها العظام، نالتهم فيه بركة حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو وإن كان فعلا جاهليا دعتهم السياسة إليه، فقد صار لحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم له وما قاله بعد النبوة فيه وأكده من أمره، حكما شرعيا وفعلا نبويا.
وقد نشأ بين حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان زمن معاوية، والوليد يومئذ أمير المدينة من قبله منازعة فى مال كان بينهما بذى المروة، فكأن الوليد تحامل على حسين فى حقه لسلطانه، فقال له حسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقى أو لآخذن سيفى ثم لأقومن فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول.
فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة الزهرى فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد أنصف الحسين من حقه حتى رضى. ولم تكن بنو عبد شمس دخلت فى هذا الحلف.
وقد سأل عبد الملك بن مروان عن ذلك محمد بن جبير بن مطعم إذ قدم عليه حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، وكان محمد بن جبير أعلم قريش، فلما دخل عليه قال: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم، يعنى بنى عبد شمس وبنى نوفل ابنى عبد مناف، فى حلف الفضول؟ قال: أنت أعلم. قال عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد بالحق من ذلك. فقال: لا والله، لقد خرجنا منه نحن وأنتم. قال: صدقت.
فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل فى حلف الفضول.
وكانت لقريش أحلام عظام، كانوا منها فى جاهليتهم على مثل السلطان الضابط، عناية من الله بهم ومنا منه سبحانه عليهم، هم سكان الحرم، وأهل الله وحجاب بيته، وأهل السقاية والرفادة والرياسة واللواء والندوة ومكارم مكة، وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، من قرى الضيف ورفد الحاج وتعظيم
(1/62)

الحرم ومنعه من البغى فيه والإلحاد، وقمع الظالم ومنع المظلوم.
إلا أنه دخلت على أوليتهم أحداث غيرت أصول الحنيفية عندهم، وطال الزمان حتى أفضى ذلك بهم إلى جهالات بشرائع الدين وضلالات عن سنن التوحيد فتدارك الله ذلك كله بنبيه صلى الله عليه وسلم، فهدى من الضلالة وعلم من الجهالة.
فيقال: إنه كان أول من غير الحنيفية دين إبراهيم ونصب الأوثان حول الكعبة ودعا إلى عبادتها: عمرو بن لحى بن قمعة بن إلياس بن مضر.
روى أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعى: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه» . فقال أكثم: عسى أن يضرنى بشبهه يا نبى الله، قال: «لا، لأنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى» «1» .
فالبحيرة «2» : عند العرب الناقة تشق أذنها ولا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم.
والسائبة: التى ينذر الرجل إن برئ من مرضه أو أصاب أمرا يطلبه أن يسيبها ترعى لا ينتفع بها.
والوصيلة: التى تلد أمها اثنين فى كل بطن، فيجعل صاحبها لآلهته الإناث منها ولنفسه الذكور، فتلدها أمها ومعها ذكر فى بطن فيقولون: وصلت أخاها، فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به.
والحامى: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره، فلم يركب ولم يجز وبره وخلى فى إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك.
فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أنزل عليه: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:
103] .
__________
(1) أخرجه الطبرى فى تفسيره (7/ 56) ، ابن كثير فى تفسيره (3/ 204) ، الألبانى فى السلسلة الصحيحة (1677) .
(2) انظر: السيرة (1/ 90- 92) ، أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى.
(1/63)

وذكر بعض أهل العلم أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم من ولد عملاق، ويقال:
عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التى أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها ونستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا.
فقال لهم: أفلا تعطوننى منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له: «هبل» ؛ فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسيح فى البلاد، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة. حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، وأعجبهم حتى خلفت الخلوف «1» ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات «2» .
وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه.
فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» ، فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده! يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106] ، أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى.
وقد كانت لقوم نوح أصنام عكفوا عليها، قص الله تبارك وتعالى خبرها على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح: 23] .
وذكر الواقدى بإسناد له عن أبى هريرة أن أول ما عبدت الأصنام فى زمن نوح عليه
__________
(1) الخلوف: جمع خلاف، وهو القرن بعد القرن.
(2) انظر: السيرة (1/ 82) .
(1/64)

السلام، وأن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا رجالا صالحين من قوم نوح، أهل عبادة وفضل، فماتوا، فوجد عليهم أهلوهم وتوحش الناس لفقدهم، فقال لهم رجل: ألا أصورهم لكم صورا من خشب فتنظرون إليهم وتسكنون إلى رؤيتهم؟ قالوا: بلى إن قدرت، قال: أنا أقدر على تصويرهم، ولا أقدر أن أنفخ الروح فيهم.
فجاء بالصور كهيئتهم أحياء، فأخذ أهل كل بيت صورة صاحبهم فوضعوها فى منزلهم ينظرون إليها، فأذهب ذلك بعض حزنهم. فكانوا على ذلك ما شاء الله، حتى هلك ذلك القرن، ثم خلف قرن آخر ثم ثالث بعده فكانوا على ما كان عليه القرن الأول حتى هلكوا.
ثم خلف القرن الرابع، فقالوا: لو أنا عبدنا هؤلاء لقربونا إلى الله وشفعوا لنا عنده، ولا يزيدونا إلا خيرا إنما نريد ما يقربنا منه، فعبدوها حتى هلكوا، وعبدها من بعدهم.
فلما غرقت الأرض زمن نوح عليه السلام، غرقت تلك الأصنام، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم استخرجها عمرو بن لحى ففرقها فى القبائل. فالله تعالى أعلم.
وقد خرج البخارى فى صحيحه من حديث عبد الله بن عباس موقوفا عليه فى التفسير نحو ما ذكره الواقدى مختصرا، أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشياطين إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون إليها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.
قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، وكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: 5] «1» .
__________
(1) ذكر الإمام أحمد فى مسنده (1/ 227) أن هذه الآية نزلت حين مرض أبو طالب فدخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل وشكوا النبى صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب فقال له أبو طالب: أى ابن أخى ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عم إنى أريدهم على لمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية» ، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة، نعم وأبيك عشرا، قالوا: فما هى؟ قال: «لا إله إلا الله» ، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: أَجَعَلَ-
(1/65)

وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدى إليها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها، وتنحر عندها، وهى تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام ومسجده.
وسيمر فى تضاعيف هذا الكتاب بعض أخبار هذه الطواغيت وكيف جعل الله عاقبة أمرها خسرا، فأزهق الحق باطلها وعفى الإسلام آثارها، وأكمل الله تعالى دينه، وتم نوره ونعمته، ونصر دين الهدى والحق، فأظهره على الدين كله.
ومع إصفاق العرب مضرها ويمنها على هذا الضلال، فقد كان وقع إلى بعضهم باليمن دين اليهودية فدانوا به، ووقع أيضا دين النصرانية بنجران من أرض العرب على ما نذكره.
فأما موقع اليهودية باليمن فمن جهة تبع الآخر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن كلكى ابن كرب بن زيد، وهو تبع الأول بن عمرو ذى الأذعار بن أبرهة ذى المنار. وتبان أسعد هو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه.
وكان قد جعل طريقه حين أقبل من المشرق على المدينة، وكان قد مر بها فى بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها.
فجمع له هذا الحى من الأنصار، ورئيسهم عمرو بن ظلة أخو بنى النجار، وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار يقال له: أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع، حين نزل بهم، فقتله. وذلك أنه وجده فى عذق له يجده «1» ، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أبره «2» . فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم.
فاقتتلوا، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل! فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام.
__________
- الْآلِهَةَ الآية، فزل فيهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وأخرجه الترمذى فى كتاب التفسير (3232) . وذكره ابن كثير فى البداية (3/ 135) .
(1) العذق: كل غصن له شعب، وقيل: هى النخلة عند أهل الحجاز، ويجده: أى يقطعه.
(2) أبره: أى أصلحه، والأبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمأبور: الزرع والنخل المصلح. انظر: اللسان (مادة أبر) .
(1/66)

فبينا تبع على ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك: لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بيتك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش فى آخر الزمان، تكون داره وقراره.
فتناهى ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما.
وهذا الحى من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود، الذين كانوا بين أظهرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه، ثم انصرف عنهم، ولذلك قال فى شعره:
حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد
وذكر ابن هشام أن الشعر الذى فيه هذا البيت مصنوع «1» .
وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج «2» أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا له: أيها الملك:
ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده «3» .
وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده. فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، وما نعلم بيتا لله اتخذه فى الأرض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا.
__________
(1) قال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 29) : الشعر الذى زعم ابن هشام أنه مصنوع، قد ذكره فى كتاب التيجان وهو قصيد مطول أوله:
ما بال عينيك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بسم الأسود
انتهى باختصار.
(2) أمج: بفتح أوله وثانيه وبالجيم، قرية جامعة ما بين مكة والمدينة على أميال من قديد لها سور، وهى كثيرة المزارع وأهلها من خزاعة، وبها آثار كثيرة وبها نخل، وهى محلة بنى نمرة وجماعة من الناس. انظر: الروض المعطار (ص 30، 31) .
(3) انظر: السيرة (1/ 37) .
(1/67)

قال: فماذا تأمرانى أن أصنع إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده، وتذلل له حتى تخرج من عنده.
قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التى نصبوها حوله، وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك؛ أو كما قالا له.
فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم.
ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل.
ورأى فى المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف «1» ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت.
وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة «2» وهى المحائض وجعل له بابا ومفتاحا. ثم خرج موجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه، حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن.
ويقال: إنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم.
وكان باليمن فيما يزعم أهل اليمن، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم.
فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به فى دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار عليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها. فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من
__________
(1) الخصف: سفائف تسف من سعف النخل، فيسوى منها شقائق تلبس بيوت الأعراب، وقيل: هى ثياب غلاظ. انظر: اللسان (مادة/ خصف) .
(2) مئلاة: هى خرقة الحائض وهى أيضا خرقة النائحة.
(1/68)

رجال حمير.
وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما. فأصفقت عند ذلك حمير على دينه. من هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن.
قال ابن إسحاق «1» : وقد حدثنى محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، وحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص «2» عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه.
فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما. فالله أعلم أى ذلك كان.
وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم فخل بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن، كلبا أسود، فذبحاه ثم هدما ذلك الييت.
قال ابن إسحاق «3» : فبقاياه اليوم كما ذكر لى، بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه. وتبع هذا هو أحد الملوك الذين وطئوا البلاد ودوخوا الأرض ودانت لهم الممالك، ويقال: إنه المسمى فى قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ [الدخان: 37] ، ذلك لأنه لما آمن فى آخر عمره ووحد، خالفته حمير فتفرقوا عنه، فانتقهم الله منهم.
وحكى الحسن بن أحمد الهمدانى: أنه أول ملك بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به، وهو رتب الملوك وأبناء الملوك من قومه فى قبائل العرب والعجم ومدائنها وأمصارها، وكان لكل قبيلة من العرب ولكل حى من العجم ملك من قومه، إما حميرى وإما كهلانى يسمع له ويطاع.
ويذكر أنه جمع الملوك وأبناء الملوك والأقاول وأبناء الأقاول من قومه، وقال لهم:
أيها الناس: إن الدهر نفد أكثره ولم يبق إلا أقله، وإن الكثير إذا قل إلى النقصان
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 40- 41) .
(2) تنكص: من النكوص: وهو الإحجام عن شىء، وقيل: هو الرجوع إلى الوراء، وقيل: هو القهقرى. انظر: اللسان (مادة/ نكص) .
(3) انظر: السيرة (1/ 41) .
(1/69)

أجرى منه إلى الزيادة، سارعوا إلى المكارم، فإنها تقربكم إلى الفلاح، واعملوا، على أنه من سلم من يومه لم يسلم من غده، ومن سلم من الغد لا يسلم مما بعده، وإنكم لتؤوبون مآب الآباء والأجداد وتصيرون إلى ما صاروا إليه، والموت كل يوم أقرب إلى المرء من حياته منه، ولكل زمان أهل، ولكل دائرة سبب، وسبب عطلان هذه الفترة التى من عز فيها بز من هو دونه، ظهور نبى يعز الله به دينه ويخصه بالكتاب المبين، على يأس من المرسلين، رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين، فليكن ذلك عندكم وعند أبنائكم بعدكم وأبناء أبنائكم قرنا فقرنا وجيلا فجيلا، ليتوقعوا ظهوره وليؤمنوا به وليجتهدوا فى نصره على كافة الأحياء، حتى يفىء الناس له إلى أمر الله.
وأنشد له:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النسم
فلو مد دهرى إلى دهره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وألزمت طاعته كل من ... على الأرض من عرب أو عجم
ولكن قولى له دائما ... سلام على أحمد فى الأمم
فى أبيات ذكرها، وأشعار غير هذا أثبت فى «إكليله» كثيرا منها.
قال: وذكروا أن الملوك وأبناء الملوك من حمير وكهلان لم تزل تتوقع ظهور النبى صلى الله عليه وسلم وتبشر به، وتوصى بالطاعة له والإيمان به والجهاد معه والقيام بنصره، منذ ذلك العصر إلى أن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا بذلك حين بعث من أحرص الناس على نصره وطاعته.
فمنهم من سمع له وأطاع وآمن به قبل أن يراه، ومنهم من وصل إليه كتابه فسمع وأطاع وآمن وصدق، ومنهم من آواه ونصره وأيده وجاهد فى سبيل الله دونه، نطق بذلك الكتاب المنير فى قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: 9] .
وقوله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: 54، 55] إلى آخر الآية.
قال الهمدانى: عن أبى الحسن الخزاعى يقال: إنهم همدان. ثم أشار إلى ذكر سيف
(1/70)

ابن ذى يزن للنبى صلى الله عليه وسلم وما ألقاه من أمره إلى جده عبد المطلب عند وفادته عليه.
قال: وذكروا أنه لم يكن لسيف بن ذى يزن ذلك العلم فى قصة النبى صلى الله عليه وسلم إلا من جهة تبع، وما تناهى إليه مما كان ألقاه إليهم وعرفهم به من خبر النبى صلى الله عليه وسلم، وسنذكر خبر سيف هذا فى موضعه إن شاء الله.
وأما موقع النصرانية «1» بأرض العرب، فقد كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط أرض العرب فى ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له: «فيميون» ، وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به.
فحدث وهب بن منبه: أن فيميون كان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا فى الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف فى قرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض، فصلى فيها حتى يمسى.
قال: وكان فى قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح، فأحبه صالح حبا لم يحب شيئا كان قبله مثله، فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون، حتى خرج مرة فى يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد أتبعه صالح، وفيميون لا يدرى، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم بمكانه، وقام فيميون يصلى، فبينا هو يصلى إذ أقبل نحوه التنين، الحية ذات الرؤس السبعة، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخاف عليه فعيل عوله فصرخ: يا فيميون التنين قد أقبل نحوك.
فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ منها.
وأمسى فانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فقال له: يا فيميون تعلم والله أنى ما أحببت شيئا قط حبك، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت.
قال: ما شئت، أمرى كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا ما جاءه العبد به الضر دعا له فشفى، وإذا
__________
(1) راجع السيرة (1/ 46) ، وما بعدها. أمر عبد الله بن الثامر، وأصحاب الأخدود.
(1/71)

دعى إلى أحد به ضر لم يأته.
وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنه لا يأتى أحدا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه فى حجرته وألقى عليه ثوبا، ثم جاءه فقال: يا فيميون، إنى قد أردت أن أعمل فى بيتى عملا، فانطلق معى حتى تنظر إليه فأشارطك عليه.
فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال له: ما تريد أن تعمل فى بيتك هذا؟ قال:
كذا وكذا. ثم انتشط الثوب عن الصبى وقال: يا فيميون: عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له. فدعا له فيميون فقام الصبى ليس به بأس «1» .
وعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينا هو يمشى فى بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال: يا فيميون ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى تقوم على، فإنى ميت الآن.
قال: فمات. وقام عليه حتى واراه، ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فاحتفظتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد فى كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما.
فابتاع فيميون رجل من أشرافهم، وابتاع صالحا آخر، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلى فى بيت أسكنه إياه سيده، استسرج له البيت نورا حتى يصبح، من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه فأخبره به، وقال له فيميون: إنما أنتم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها إلهى الذى أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا فى
__________
(1) قال فى الروض الأنف (1/ 46) : ذكر الطبرى قصة الرجل الذى دعى لابنه فشفى بأتم مما ذكره ابن إسحاق، قال: فيميون حين دخل الرجل وكشف له عن ابنه: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك فى نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه، فقام الصبى ليس به بأس، فتبين من هذا أن الصبى كان مجنونا لقوله: دخل عليه عدوك: يعنى الشيطان، وليس هذا فى حديث ابن إسحاق.
(1/72)

دينك وتركنا ما نحن عليه.
فقام فيميون فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها. فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم عليه السلام، ثم دخلت عليهم الأحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران، فيما ذكر وهب بن منبه فى حديثه هذا.
وأما محمد بن كعب القرظى، وبعض أهل نجران، فذكروا أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان، وكان فى قرية من قراها ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيميون ولم يسمه محمد بن كعب ولا شركاؤه فى الحديث، قالوا: رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التى بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه، فقال: يا ابن أخى إنك لن تحمله، أخشى عليك ضعفك عنه.
والثامر أبو عبد الله بن الثامر، لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان.
فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه فى قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أو قد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بذلك الاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذى كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال أى ابن أخى، قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل.
فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل فى دينى فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم.
فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى.
(1/73)

حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفى. حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال: أفسدت على أهل قريتى وخالفت دينى ودين آبائى، لأمثلن بك.
قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع أحد فيها إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس..
فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطك الله على، فقتلتنى. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا فى يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه.
واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران.
قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظى وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، فالله أعلم أى ذلك كان «1» .
وحديث عبد الله بن الثامر هذا قد ورد فى الصحيح مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم من طرق ثابتة، خرجه مسلم بن الحجاج من حديث صهيب، وبينه وبين حديث ابن إسحاق اختلاف، وفيه مع ذلك زوائد تحسن لأجلها إعادة الحديث.
فروى عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إنى قد كبرت، فابعث إلى غلاما أعلمه السحر.
فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان فى طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 46- 48) .
(1/74)

فبينما هو كذلك، إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل. فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس.
فرماها فقتلها، ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أى بنى، أنت اليوم أفضل منى، قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل على.
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوى الناس من سائر الأدواء، فسمع به جليس للملك، وكان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتنى.
قال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله، فإن آمنت بالله، دعوت الله فشفاك. فآمن بالله، فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربى، قال: ولك رب غيرى؟! قال: ربى وربك الله.
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجىء بالغلام فقال له الملك: أى بنى، قد بلغ من سحرك ما يبرىء الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل. فقال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله.
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجىء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جىء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه.
ثم جىء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال:
اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا.
وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه فى قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى إلى الملك.
فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.
(1/75)

فقال للملك: إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟.
قال: تجمع الناس فى صعيد واحد، وتصلبنى على جذع، ثم خذ سهما من كنانتى، ثم ضع السهم فى كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمنى، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. فجمع الناس فى صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم فى كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم فى صدغه، فوضع يده فى صدغه فى موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس.
فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، يعنى فأقحموه فيها. أو قيل له: اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبى لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبرى فإنك على الحق!!.
فهذا حديث مسلم عن عبد الله بن الثامر وأهل نجران، وإن وقعت الأسماء فيه مبهمة، فقد فسرها العلماء بما ورد من ذلك مبينا فى حديث ابن إسحاق وغيره، وجعلوا ذلك كله حديثا واحدا «1» .
وذكر ابن إسحاق «2» أنه لما كان من اجتماع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ما تقدم الحديث به، سار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا.
ففى ذى نواس وجنده ذلك أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إلى آخر الآيات «3» .
والأخدود هنا هو الحفر المستطيل فى الأرض، كالخندق والجدول، ويقال أيضا لأثر السيف والسوط والسكين ونحوه فى الجلد: أخدود.
__________
(1) انظر: غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال (8/ 534، 535) . وانظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 17) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 334) .
(2) انظر: السيرة (1/ 48) .
(3) ذكره ابن كثير فى تفسيره (8/ 390) ، والطبرى فى التاريخ (1/ 436) .
(1/76)

قال ابن إسحاق: ويقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رأسهم وإمامهم. وحدث عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أن رجلا من أهل نجران حفر خربة من خرب نجران فى زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة فى رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها، فى يده خاتم مكتوب فيه: ربى الله.
فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليهم: أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذى كان عليه. ففعلوا «1» .
وذو نواس هذا هو زرعة بن تبان أسعد أبى كرب، وهو تبع الآخر، وقد تقدم خبره، وابنه زرعة ذو نواس هذا كان من صغار بنيه، وصار إليه ملك اليمن، وأمر حمير بعد أبيه بزمان.
وذلك أنه ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، ربيعة بن نضر بن أبى حارثة ابن عمرو بن عامر، وكان من سادات اليمن وأهل الشرف منها. وهو صاحب الرؤيا التى يعرف من تأويلها استيلاء الحبشة على اليمن، والبشارة بظهور النبى صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنه رأى رؤياه هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرونى به وبتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.
فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح «2» وشق «3» ، فإنه
__________
(1) ذكره ابن كثير فى تفسيره (8/ 391) من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا.... وساق القصة.
(2) اسم سطيح هو: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن غسان. وقال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 27) : كان سطيح جسما ملقى لا جوارح له، فيما يذكرون، ولا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس، وكان شعه شعّة إنسان، فيما يذكرون، إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة، ويذكر عن وهب بن منبه أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى موسى عليه السلام، فهو يؤدى إلىّ من ذلك ما يؤديه.
(3) اسم شق هو ابن صعب، بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش، وأنمار أبو بجيلة وخثعم. قاله ابن إسحاق. انظر: السيرة (1/ 30) وما بعدها.
(1/77)

ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرنى بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.
فقال: أفعل. رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة.
فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك فى تأويلها؟.
فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين «1» إلى جرش» .
فقال الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين.
قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقاتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم بن ذى يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن.
قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال:
نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى. قال: وممن هو هذا النبى؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر.
قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرنى؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والقمر إذا اتسق، إن ما أنبأتك لحق، ثم قدم عليه شق، له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان.
قال: نعم، رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أن قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا
__________
(1) أبين: بلاد باليمن، قيل فيه بكسر الألف وفتحها، وهو اسم رجل فى الزمن القديم إليه تنيب عدن وأبين من بلاد اليمن وبينها وبين عدن اثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار (ص 11) .
(2) جرش: بلاد باليمن، وهى من البلاد التى كان أهلها اتخذوا الأصنام بعد دين إسماعيل عليه السلام، وهم مذحج بن أدد، وهم الذين قالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً انظر: الروض المعطار (ص 159) .
(1/78)

قال: «بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة» ، وقال شق: «وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة» .
فقال: الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك فى تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، ليهبطن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران «1» .
قال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ فقال، لا، بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان.
قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج من بيت ذى يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتى بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك فى قومه إلى يوم الفصل.
قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات.
قال: أحق ما تقول؟ قال: إى ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض، فوقع فى نفس ربيعة بن نضر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكنهم الحيرة.
فمن بقية ولد ربيعة بن نضر فيما يزعمون، النعمان بن المنذر، فهو فى نسب اليمن وعلمهم: النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نضر، ذلك الملك.
وقد تقدم قول من قال من العلماء أن النعمان من ولد قنص بن معد. وقد قيل أيضا إن النعمان من ولد الساطرون صاحب الحضر، وهو حصن عظيم كالمدينة على شاطئ الفرات، وهو الذى ذكره عدى بن زيد فى قوله:
__________
(1) نجران: من بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. انظر: الروض المعطار (ص 573) .
(1/79)

وأخو الحضر إذا بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كل ... سا فللطير فى ذراه وكور «1»
لم يهبه ريب المنون فباد الم ... لك عنه فبابه مهجور
وأما شق وسطيح، فإن شقا هو ابن صعب بن يشكر من بنى أنمار بن نزار أبى بجيلة وخثعم. وكان شق إنسان فيما زعموا، إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحد، ولذلك سمى بشق «2» .
وسطيح هو ربيع بن ربيعة من بنى ذبيان بن عدى بن مازن بن غسان، وكانت العرب تسميه الذيبى، وإياه عنى ميمون بن قيس الأعشى بقوله:
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذيبى إذ سجعا
وإنما قيل له سطيح، لأنه كان جسدا ملقى له رأس وليس له جوارح، فيما ذكروا.
وكان لا يقدر على الجلوس، فإذا غضب انتفخ وجلس. وذكر أنه قيل له: أنى لك هذا العلم؟
فقال: لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء، حين كلم الله منه موسى عليه السلام، فهو يؤدى إلى من ذلك ما يؤديه. وعاش سطيح بعد هذا الحديث زمانا طويلا، حتى أدرك مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذكر الخطابى وغيره من حديث هانئ بن هانئ المخزومى، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، أنه لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى فسقط منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادى السماوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك ألف عام. وأرى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها.
فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فصبر عليه تشجعا، حتى إذا عيل صبره رأى ألا يدخر ذلك عن قومه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت فيكم؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك.
فبينا هم كذلك، إذ ورد عليه كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبر بما
__________
(1) شاده: أى بناه وأعلاه. والمرمر: الرخام. وجلله: أى كساه. وكلسا: هو ما طلى به الحائط من حصى وجيار. وكور: جمع وكر وهو عش الطائر.
(2) انظر: السيرة (1/ 31) .
(1/80)

رأى وما هاله من ذلك. فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت فى هذه الليلة رؤيا. ثم قص عليه رؤيا فى الإبل. فقال: أى شىء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب. وكان أعلمهم فى أنفسهم.
فكتب عند ذلك كسرى إلى النعمان بن المنذر أن يوجه إليه برجل عالم بما يريد أن يسأله عنه. فوجد إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغسانى. فلما قدم عليه قال له الملك: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرنى الملك عما أحب، فإن كان عندى منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه.
فأخبره بالذى وجه إليه فيه. فقال له: علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشام، يقال له سطيح. قال: فائته فسله عما سألتك عنه، ثم ائتنى بتفسيره. فخرج عبد المسيح حتى أتى إلى سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وكلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فاز لم به شأو العنن
يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحى من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم ينمى للوسن ... لا يرهب الوغد ولا ريب الزمن
تجوب بى الأرض علنداة شزن ... ترفعنى وجنا وتهوى فيه وجن
حتى أتى عارى الجاحى والقطن ... تلفه فى الريح بوغاء الدمن
فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، أتى إلى سطيح، على جمل مشيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها.
عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادى السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.
ثم قضى سطيح مكانه، فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بمقالة سطيح.
فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور. فملك منهم عشرة إلى أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه.
(1/81)

فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب، فسار بأهل اليمن يريد أن يطأبهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كان بأرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه فى جيشه فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم.
فاجتمعوا على ذلك إلا ذو رعين الحميرى، فإنه نهاه عن ذلك ولم يقبل منه. فقال ذو رعين الحميرى:
ألا من يشترى سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين
ثم كتبهما فى رقعة وختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له: ضع لى هذا الكتاب عندك. ففعل. ثم قتل عمرو أخاه حسان ورجع بمن معه إلى اليمن «1» .
فلما نزل اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر، فلما جهده ذلك سأل الأطباء والحزاة «2» من الكهان والعرافين عما به؛ فقال له قائل منهم: إنه والله ما قتل رجل أخاه أو ذا رحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر.
فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن حتى خلص إلى ذى رعين. فقال له ذو رعين: إن لى عندك براءة. قال: وما هى؟ قال:
الكتاب الذى دفعت إليك.
فأخرجه فإذا فيه البيتان، فتركه ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة، يقال له لخنيعة «3» ينوف ذو شناتر «4» ، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير:
تقتل أبناها وتنفى سراتها ... وتبنى بأيديها لها الذل حمير
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 41) .
(2) الحزاة: جمع حاز، والحازى هو الذى ينظر فى الأعضاء وفى خيلان الوجه يتكهن، وقال الليث: هو الكاهن.
(3) لخنيعة: قال ابن دريد: وهو من اللخع، وهو استرخاء فى الجسم.
(4) ذو شناتر: الشناتر هو الأصابع بلغة حمير، واحدها: شنترة.
(1/82)

تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر
كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتى الشرور فتخسر
وكان لخنيعة امرآ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه فى مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه وجنده قد أخذ مسواكا فجعله فى فيه علامة للفراغ من خبيث فعله.
حتى بعث إلى زرعة ذى نواس، بن تبان أسعد، أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدمه ونعله، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه، فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه فوضعه فى الكوة التى كان يشرف منها، ووضع مسواكه فى فيه ثم خرج على الناس، فسألوه فأشار لهم إلى الرأس فنظروا فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا فى أثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، ويسمى يوسف، فأقام فى ملكه سنين «1» .
قال ابن قتيبة: ثمانيا وستين سنة. إلى أن كان منه فى أهل نجران ما تقدم ذكره، فكان ذلك سببا لاستئصال ملكه واستيلاء الحبشة على اليمن.

ذكر دخول الحبشة أرض اليمن واستيلائهم على ملكها وذكر السبب فى ذلك مع ما يتصل به من أمر الفيل
ولما انتهى زرعة ذو نواس إلى ما انتهى إليه بأهل نجران من التحريق والقتل، أفلت منهم رجل من سبأ يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكنى سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك.
فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 43) .
(1/83)

فقدم دوس على النجاشى بكتاب قيصر، فبعث سبعين ألفا من الحبشة، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه فى جنده أبرهة الأشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، فسار إليه ذو نواس فى حمير، ومن أطاعه من قبائل اليمن، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل به، فخاض به ضحضاح «1» البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيه، فكان آخر العهد به.
ودخل أرياط اليمن، فملكها «2» .
فأقام بها سنين فى سلطانه ذلك، ثم نازعه فى أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشى، حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لى وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده. فأرسل إليه أرياط: أنصفت.
فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما، وكان ذا دين فى النصرانية، وخرج إليه أرياط، وكان رجلا عظيما جميلا طويلا، وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام له يقال له عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه «3» ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الأشرم.
وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله. فانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشى غضب غضبا شديدا وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته.
فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشى، وكتب إليه:
أيها الملك إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، اختلفنا فى أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسى كله حين
__________
(1) الضحضاح: هو الماء القليل يكون فى الغدير، وقيل: هو الماء اليسير، وقيل: هو ما لا غرق فيه ولا له غمر، وقيل: هو الماء إلى الكعبين إلى أنصاف السوق. انظر: اللسان (مادة، ضحح) .
(2) انظر: السيرة (1/ 49- 50) .
(3) يافوخه: أى وسط رأسه ويجمع على يآفيخ.
(1/84)

بلغنى قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضى ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه فى.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشى رضى عنه، وكتب إليه: أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى «1» .
فأقام بها، ثم إن أبرهة بنى القليس «2» بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها فى زمانها بشىء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشى: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب.
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشى غضب رجل من النسأة أحد بنى فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، فخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة؛ فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل هذا البيت الذى تحج العرب إليه بمكة، لما سمع قولك: «أصرف إليها حج العرب» غضب فجاء فقعد فيها، أى أنها ليست لذلك بأهل «3» .
فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم ساروا وخرج معه بالفيل. وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام.
فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه.
فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلنى، فإنه عسى أن يكون بقائى معك خيرا لك من قتلى.
وكان أبرهة رجلا حليما، فتركه من القتل وحبسه عنده فى وثاق.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 53- 54) .
(2) القليس: هى الكنيسة التى بناها أبرهة على باب صنعاء، وسميت القليس لارتفاع بنيانها وعلوه.
(3) انظر: السيرة (1/ 56) .
(1/85)

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبيلى خثعم «1» : شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به، فلما هم بقتله قال له نفيل:
أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس، بالسمع والطاعة.
فخلى سبيله وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ابن مالك الثقفى فى رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد. يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث من يدلك عليه.
فتجاوز عنهم. واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة، فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس «2» .
فلما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها.
فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.
وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم. فإن هو لم يرض حربى فائتنى به.
__________
(1) قال فى الروض الأنف: خثعم اسم جبل سمى به بنو عفرس لأنهم نزلوا عنده، ويقال: إنهم تخثعموا بالدم عند حلف عقدوه، وقيل: بل خثعم ثلاث: شهران، وناهس، وأكلب عند أهل النسب هو ابن لهيعة بن نزار.
(2) المغمس: مكان يبعد عن مكة بثلثى فرسخ، وهو فى طرف الحرم فيه برك محمود فيل أبرهة حين توجه به إلى مكة لأخراب الكعبة بزعمه، والميم الثانية فى المغمس مكسورة وروى فتحها فأما الأولى فمضمومة.
(1/86)

فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة؛ فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أو كما قال فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه.
فقال حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرنى أن آتيه بك.
فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى المعسكر فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه فى محبسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير فى يدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندى غناء فى شىء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى.
فبعث: ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش فى رؤس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتى بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل.
فكلم أنيس أبرهة، قال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، فأذن له فليكلمك فى حاجته. ووصفه له بما وصفه ذو نفر لأنيس.
فإذن له أبرهة، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجمله وأعظمه، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان. فقال: حاجتى أن يرد على الملك مائتى بعير أصابها لى. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى! أتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه!؟.
قال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منى.
قال: أنت وذاك. ويزعم بعض أهل العلم أنه كان ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة يعمر ابن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بنى بكر، وخويلد بن واثلة الهذلى، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة
(1/87)

على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، فالله أعلم أكان ذلك أم لا.
فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل التى أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز فى شعف الجبال والشعاب، تخوفا عليهم من معرة الجيش.
ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لا هم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك «1»
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه. وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت والانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة قام نفيل بن حبيب إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال له: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك فى بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى أصعد فى الجبل.
وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوه فى رأسه بالطبرزين «2» ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم فى مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.
وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، يحملها حجر فى منقاره وحجران فى رجليه، أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت.
وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذى منه جاؤا ويسألون عن نفيل بن حبيب
__________
(1) لا هم: أى اللهم، والعرب تحذف منها الألف واللام للتخفيف، حلالك: جمع حلة وهى جماعة البيوت وربما أريد بها القوم المجتمعون لأنهم يحلون فيها.
(2) الطبرزين: آلة من الحديد. وقال السهيلى فى الروض الأنف: طبر هو الفأس، وذكر الطبرستان بفتح الباء وقال معناه: شجر قطع بفأس.
(1/88)

ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
وقال نفيل أيضا:
ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت ولا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتنى وحمدت أمرى ... ولم تأسى على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا
فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علىّ للحبشان دينا «1»
فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة منها اتبعتها مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون.
ويقال: إنه أول ما رئيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام، وإنه أول ما رئى بها مرائر الشجر الحرمل «2» والحنظل والعشر «3» ذلك العام.
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
وقالت عائشة رضى الله عنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعمين مقعدين يستطعمان.
قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم به من النقمة،
__________
(1) ذكر هذه الأبيات فى السيرة (1/ 62) . فقال:
ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا
ثم ذكرها سواء.
(2) الحرمل: حب نبات معروف يخرج السوداء والبلغم إسهالا.
(3) العشر: شجر مر يحمل ثمرا كالأترج وليس فيه منتفع.
(1/89)

أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، فقالوا فى ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة وما رد عن قريش من كيدهم، فقال عبد الله بن الزبعرى السهمى:
تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالى حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الحبش عنها ما رأى ... ولسوف ينبى الجاهلين عليهما
ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصارى ثم الخطمى، من قصيدة سيأتى ذكرها بجملتها:
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبى يكسوم هادى الكتائب
كتيبته بالسهل تمشى ورجله ... على القاذفات فى رؤس المناقب «1»
فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى قومه ملحبش غير عصائب «2»
وقالت سبيعة بنت الأحب بن زبينة من بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور، لابنها خارجة بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، تعظم عليه حرمة مكة وتنهاه عن البغى فيها وتذكر تبعا وتذلله لها، والفيل وهلاك جيشه عندها:
أبنى لا تظلم بمك ... ة لا الصغير ولا الكبير
واحفظ محارمها بن ... ى ولا يغرنك الغرور
أبنى من يظلم بمك ... ة يلق أطراف الشرور
أبنى يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير
أبنى قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور
الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور
والله آمن طيرها ... والعصم «3» تأمن فى ثبير
ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير «4»
__________
(1) القاذفات: أعالى الجبال البعيدة. والمناقب: جمع منقبة، وهى الطريق فى رأس الجبل.
(2) ملحبش: أى من الحبش، والعصائب: الجماعات.
(3) العصم: جمع أعصم، وهو الوعل، قيل له ذلك لأنه يعتصم بالجبال.
(4) الحبير: هو الثور الحبير: أى هو الجديد الناعم، وقيل: الثياب الموشية.
(1/90)

وأذل ربى ملكه ... فيها فأوفى بالنذور
يمشى إليها حافيا ... بفنائها ألفا بعير
ويظل يطعم أهلها ... لحم المهارى والجزور
يسقيهم العسل المصف ... ى والرحيض من الشعير
والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور
والملك فى أقصى البلا ... د وفى الأعاجم والجزير
فاسمع إذا حدثت واف ... هم كيف عاقبة الأمور
ولم يزل شعراء أهل الجاهلية يذكرون ذلك فى أشعارهم معتدين بصنع الله فيه، وقد جرى على ذلك شعراء الإسلام، فقال الفرزدق بن غالب التميمى، يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان ويعرض للحجاج بن يوسف، ويذكر الفيل وجيشه:
فلما طغى الحجاج حين طغى به ... غنى قال إنى مرتق فى السلالم
فقال كما قال ابن نوح سأرتقى ... إلى جبل من خشية الماء عاصم
رمى الله فى جثمانه مثل ما رمى ... عن القبلة البيضاء ذات المحارم
جنودا تسوق الفيل حتى أعادهم ... هباء وكانوا مطرخيمى الطراخم «1»
نصر كنصر البيت إذ ساق فيله ... إليه عظيم المشركين الأعاجم
قال ابن إسحاق «2» : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن فى الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة.
فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذى يزن الحميرى حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فلم يشكه.
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة فى كل عام، فأقم حتى يكون ذلك؛ ففعل.
ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس فى إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القلنقل العظيم، فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد
__________
(1) الطراخم: جمع الطراخم وهو الممتلئ كبرا المتعظم.
(2) انظر: السيرة (1/ 69) .
(1/91)

واللؤلؤ بالذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب فى رأس طاقة فى مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس فى مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه فى تاجه، فإذا استوى فى مجلسه كشفت عنه الثياب، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له.
فلما دخل عليه سيف بن يزن برك، وقيل: إنه لما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك:
إن هذا لأحمق! يدخل على من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه!.
فقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمى، لأنه يضيق عنه كل شىء. ثم قال:
أيها الملك، غلبنا على بلادنا الأغربة.
فقال كسرى: أى الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرنى ويكون ملك بلادى لك. قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك.
ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس. فبلغ ذلك الملك فقال: إن لهذا لشأنا.
ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس! فقال: وما أصنع بهذا؟! ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة، يرغبه فيها.
فجمع كسرى مرازبته «1» فقال: ماذا ترون فى أمر هذا الرجل وما جاء له؟ فقال قائل: أيها الملك إن فى سجونك رجالا حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت، وإن ظفروا كان ملكا ازددته.
فبعث معه كسرى من كان فى سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل، واستعمل عليهم رجلا منهم يقال له: وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا فى ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصلت إلى ساحل عدن ست سفائن.
فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلى مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال وهرز: أنصفت.
وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنوده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس
__________
(1) مرازبته: أى وزراءه. وقيل: هو الفارس الشجاع المقدم عند الملك.
(1/92)

على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم. قالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء؟. قال: نعم. قالوا: ذلك ملكهم. قال: اتركوه.
فوقفوا طويلا ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحول على الفرس. قال: اتركوه. فوقفوا طويلا. ثم قال: علام هو؟ قالوا: على البغلة. قال وهرز: بنت الحمار! ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه، وكانت فيما يزعمون، لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له، ثم رمى فصك الياقوتة التى بين عينيه فتغلغلت النشابة فى رأسه حتى خرجت من قفاه؟ ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس وانهزموا فقتلوا وهربوا فى كل وجه.
وأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا الباب. فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته. وقال فى ذلك أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفى، وتروى لابنه أمية بن أبى الصلت:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... مذيم فى البحر للأعداء أحوالا
يهم قيصر لما حاز رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذى سالا
حتى أتى ببنى الأحرار يحملهم ... إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا «1»
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم فى الناس أمثالا
بيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب فى الغيضات أشبالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلالا «2»
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا «3»
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم فى برديك إسبالا»
__________
(1) بنو الأحرار: أراد بهم الفرس، والقلقال: التحرك بسرعة.
(2) الفلال: جمع فل وهم القوم المنهزمون.
(3) رأس غمدان: قال ياقوت فى معجم البلدان (4/ 210) : قيل إنه قصر بناه يشرح بن يحصب على أربعة أوجه وبنى فى داخله قصرا على سبعة سقوف، وقيل: إن الذى بناه سليمان بن داود عليهما السلام، وقيل: إنه بين صنعاء وطيوه وهدم غمدان فى أيام عثمان بن عفان رضى الله عنه.
(4) شالت نعامتهم: أى هلكوا، والإسبال: إرخاء الثوب.
(1/93)

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم.
وكان ملك الحبشة باليمن منذ دخلها أرياط إلى أن أخرجتهم الفرس عنها اثنتين وسبعين سنة، وفق ما ذكره سطيح وشق فى تأويل رؤيا ربيعة بن نصر.
ثم مات وهرز، فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزبان، ثم مات فأمر كسرى ابن التينجان، ثم عزله وولى باذان، فلم يزل عليها حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم «1» .
فلما بلغ مبعثه كسرى كتب إلى باذان: إنه بلغنى أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه. فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد وعدنى أن يقتل كسرى فى يوم كذا من شهر كذا.
فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال. فقتل الله كسرى على يد ابنه شيرويه فى اليوم الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلام من معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الرسل من الفرس: إلى من نحن يا رسول الله، قال: «أنتم منا وإلينا أهل البيت» .
قال الزهرى: فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت» «2» .
وكأن هذه الأخبار وإن قطعت بعض ما كنا بسبيله من أمر بنى قصى فلها أيضا من الإفادة بنحو ما قصدناه وحسن الإمتاع بالشأن المناسب لما اعتمدناه ما يحسن اعتراضها وينظم فى سلك واحد مع ما مر من ذلك أو يأتى أغراضها.
وعلينا بمعونة الله فى تجويد الترتيب لذلك كله تطبيق المنفصل ورد هذه الأحاديث المتفرقة فى حكم الحديث المتصل، فنطيل ولا نمل، ونقصر فلا نخل كل ذلك ببركة
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 74) .
(2) انظر الحديث فى: المستدرك للحاكم (3/ 598) ، المعجم الكبير للطبرانى (6/ 261) ، تفسير الطبرى (21/ 85) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 180، 4/ 99) ، طبقات ابن سعد (7/ 65) ، كنز العمال للمتقى الهندى (33340) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 418) ، كشف الخفاء للعجلونى (1/ 558) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 130) .
(1/94)

المختار الذى يممنا تخليد أوليته، وتيمنا بخدمة آثاره وسيرته، صلى الله عليه وعلى آله الأكرمين وصحابته.
وكنا انتهينا من شأن بنى قصى بعده، إلى ما تراضوا به بينهم من الصلح على أن تكون السقاية والرفادة لبنى عبد مناف، وتكون حجابة البيت واللواء والندوة لبنى عبد الدار، على نحو ما جعله قصى إلى أبيهم.
فولى السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف. وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد كثير، وكان هاشم موسرا، وكان فيما يزعمون، إذا حضر الحج قام صبيحة هلال ذى الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيحض قومه على رفادة الحاج التى سنها لهم قصى، ويقول لهم فى خطبته: يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوها، وأعظمها أحلاما، وأوسط العرب أنسابا، وأقرب العرب بالعرب أرحاما.
يا معشر قريش، إنكم جيران بيت الله، أكرمكم الله بولايته وخصكم بجواره دون بنى إسماعيل، حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره، وإنه يأتيكم فى هذا الموسم زوار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح، وقد أزحفوا وأرملوا فأقروهم وأعينوهم، فورب هذه البنية لو كان لى مال يحمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالى وحلاله، ما لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعله. وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ غصبا «1» .
فكانت بنو كعب بن لؤى وسائر قريش يجتهدون فى ذلك ويترافدون عليه، ويخرجون ذلك من أموالهم حتى يأتوا به هاشم بن عبد مناف فيضعوه فى داره، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم. وكان هاشم يخرج فى كل سنة مالا كثيرا. وكان قوم من قريش أهل يسار، ربما أرسل كل إنسان منهم بمائة مثقال هرقلية.
وكان هاشم يأمر بحياض من أدم، فتجعل فى موضع زمزم من قبل أن تحفر، ثم يستقى فيها من البيار التى بمكة، فيشرب الحاج.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 120) .
(1/95)

وكان يطعمهم أول ما يطعمهم بمكة قبل التروية بيوم، ثم بمنى، وبجمع وعرفة، يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا.
وكان اسم هاشم عمرا، ويقال له: عمرو العلا. وإنما سمى هاشما لهشمه الخبز بمكة لقومه، وهو فيما يذكرون أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف. وفى ذلك يقول بعض شعرائهم:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف «1»
سنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الإصياف
وذلك أن قريشا كانوا قوما تجارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما يقدم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم، ويبيعون ممن حولهم من العرب. فلم يزالوا كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة، فيصنع جفنة ثريد، ويدعو من حوله فيأكلون.
وكان هاشم من أحسن الناس وأجملهم، إلى شرف نفسه وكرم فعاله. فذكر لقيصر فدعا به فلما رآه وكلمه أعجب به وأدناه. فلما رأى هاشم مكانه منه، طلب منه أمانا لقومه ليقدموا بلاده بتجاراتهم. فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم قيصر كتاب أمان لمن أتى منهم.
فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فكلما مر بحى من أحياء العرب أخذ من أشرافهم إيلافا لقومه يأمنون به عندهم وفى أرضهم من غير حلف، وإنما هو أمان الطريق.
واستوفى أخذ ذلك ممن بين مكة والشام، فأتى قومه بأعظم شىء أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم ليوفيهم إيلافهم الذى أخذ لهم من العرب، فلم يزل يوفيهم إياه، ويجمع بينهم وبين العرب حتى قدم بهم الشام.
فهلك هاشم فى سفره ذلك بغزة من أرض الشام. وكان أول بنى عبد مناف هلكا.
وخرج المطلب بن عبد مناف، وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله، إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم أمانا لمن تجر من قومه إلى بلادهم، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن
__________
(1) هشم الثريد: به سمى هاشم بن عبد مناف أبو عبد المطلب جد النبى صلى الله عليه وسلم كان يسمى عمرا وهو أول من ثرد الثريد وهشمه فسمى هاشما، فقالت فيه ابنته هذه الأبيات، وقال ابن برى: الشعر لابن الزبعرى. انظر هذا القول والبيت فى اللسان (12/ 611) .
(1/96)

كان على طريقه من العرب، كما فعل أخوه هاشم، حتى أتى مكة، ثم رجع إلى اليمن، فمات بردمان.
وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة، فأخذ منه أمانا كذلك لمن تجر من قريش إلى بلاده، ثم أخذ الإيلاف من العرب الذين على الطريق إليها حتى بلغ مكة، وتوفى بها فقبره بالحجون.
وخرج نوفل بن عبد مناف، وكان أصغر ولد أبيه إلى العراق، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة، ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من ناحية العراق.
فجبر الله قريشا بهؤلاء النفر الأربعة من بنى عبد مناف، فنمت أموالهم، واتسعت تجارتهم، فكان بنو عبد مناف يسمون لأجل ذلك المجيزين، والعرب تسميهم أقداح النضار، لطيب أحسابهم، وكرم فعالهم.
وقال مطرود بن كعب الخزاعى يبكيهم جميعا حين أتاه نعى نوفل منهم، وكان آخرهم هلكا:
يا ليلة هيجت ليلاتى ... إحدى ليالى القسيات «1»
وما أقاسى من هموم وما ... عالجت من رزء المنيات
إذا تذكرت أخى نوفلا ... ذكرنى بالأوليات
ذكرنى بالأزر الحمر وال ... أردية الصفر القشيبات «2»
أربعة كلهم سيد ... أبناء سادات لسادات
ميت بردمان وميت بسل ... مان وميت بين غزات «3»
وميت أسكن لحدا لدى ال ... حجون شرقى البنيات
أخلصهم عبد مناف فهم ... من لوم من لام بمنجاة
إن المغيرات وأبناءها ... من خير أحياء وأموات «4»
__________
(1) القسيات: من القسوة أى لا لين عندهن ولا رأفة، والقسى: الشديد.
(2) القشيبات: واحدها القشب: وهو الجديد والناس تقول ثوب قشيب أى جديد.
(3) ردمان: بفتح أوله وهو فعلان من الردم وهو موضع باليمن. اسم ماء قديم جاهلى وبه قبر نوفل بن عبد مناف، وكان فى الجاهلية طريق إلى تهامة من العراق. غزات: أى غزة.
(4) المغيرات: المقصود بها بنو المغيرة وهو عبد مناف.
(1/97)

وإنما سماهم المغيرات لأن عبد مناف أباهم كان اسمه المغيرة. فقيل لمطرود فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل مما هو كان أحسن.
فقال: أنظرونى ليالى. فمكث أياما ثم قال:
يا عين جودى وأذرى الدمع وانهمرى ... وابكى على السر من كعب المغيرات
يا عين واسحنفرى بالدمع واحتفلى ... وابكى خبيئة نفسى فى الملمات «1»
وابكى على كل فياض أخى ثقة ... ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات «2»
محض الضريبة عالى الهم مختلق ... جلد النجيزة ناء بالعظيمات «3»
صعب البديهة لا نكس ولا وكل ... ماضى العزيمة متلاف الكريمات
صقر توسط من كعب إذا نسبوا ... بحبوحة المجد والشم الرفيعات
ثم اندبى الفيض والفياض مطلبا ... واستخرطى بعد فياض بجمات
أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا ... يا لهف نفسى عليه بين أموات
وابكى لك الويل إما كنت باكية ... لعبد شمس بشرقى البنيات
وهاشم فى ضريح وسط بلقعة ... تسفى الرياح عليه بين غزات
ونوفل كان دون القوم خالصتى ... أمسى بسلمان فى رمس بمومات
لم ألق مثلهم عجما ولا عربا ... إذا استقلت بهم أدم المطيات
أمست ديارهم منهم معطلة ... وقد يكونون زينا فى السريات*
أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم ... أم كل من عاش أزواد المنيات
أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم ... بسط الوجوه وإلقاء التحيات
يا عين وابكى أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات**
يبكين أكرم من يمشى على قدم ... يعولنه بدموع بعد عبرات
__________
(1) اسحنفرى: أى أديمى الدمع. والخبيئة: الشىء المخبوء يريد أنه ذخيرة عند نزول الشدائد.
(2) الدسيعة: العطية وضخم الدسيعة أى كثير العطية.
(3) محض الضريبة: أى مخلص الطبيعة. والمختلق: تام الخلق. والنجيزة: الطبيعة من العين المختلف من كل شىء.
(*) السريات: جمع سرية وهى طائفة من الجيش يبلغ أقصاه أربعمائة وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشىء السرى النفيس وقيل سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية. انظر: اللسان (مادة سرا) .
(**) البليات: جمع بلية، وهى: الناقة كانت تشد فى الجاهلية عند قبر صاحبها حتى تموت، وكانوا يقولون: يبعث صاحبها عليها. انظر: اللسان (مادة بلا) .
(1/98)

يبكين شخصا طويل الباع ذا فخر ... أبى الهضيمة فراج الجليلات
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه ... سمح السجية بسام العشيات
يبكينه مستكينات على حزن ... يا طول ذلك من حزن وعولات
يبكين لما جلاهن الزمان له ... خضر الخدود كأمثال الحميات
محتزمات على أوساطهن لما ... جر الزمان من أحداث المصيبات
أبيت ليلى أراعى النجم من ألم ... أبكى وتبكى معى شجوى بنياتى
ما فى القروم لهم عدل ولا خطر ... ولا لمن تركوا شروى بقيات
أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم ... خير النفوس لدى جهد الأليات
كم وهبوا من طمر سابح أرن ... ومن طمرة نهب فى طمرات
ومن سيوف من الهندى مخلصة ... ومن رماح كأشطان الركيات
ومن توابع مما يفضلون بها ... عند المسائل من بذل العطيات
فلو حسبت وأحصى الحاسبون معى ... لم أحص أفعالهم تلك الهنيات
هم المدلون إما معشر فخروا ... عند الفخار بأنساب نقيات
زين البيوت التى خلوا مساكنها ... فأصبحت منهم وحشا خليات
أقول والعين لا ترقا مدامعها ... لا يبعد الله أصحاب الرزيات
وكان هاشم بن عبد مناف قد قدم المدينة فتزوج بها سلمى بنت عمرو أحد بنى عدى بن النجار، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح فيما ذكر ابن إسحاق. قال:
وكانت لا تنكح الرجال لشرفها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إن كرهت رجلا فارقته.
فولدت لهاشم عبد المطلب فسمته شيبة «1» ، فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك. ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى:
لست بمرسلته معك.
فقال لها المطلب: إنى غير منصرف حتى أخرج به معى، إن ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه، ونحن أهل بيت شرف فى قومنا نلى كثيرا من أمرهم، ورهطه وعشيرته وبلده خير له من الإقامة فى غيرهم. أو كما قال.
وقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون: لست بمفارقها إلا أن تأذن لى. فأذنت له
__________
(1) قال الطبرى فى تاريخه (1/ 501) : سمى شيبة لشيبة كانت فى رأسه ويكنى بأبى الحارث والحارث أكبر ولده.
(1/99)

ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به مكة مردفه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب ابتاعه.
فبها سمى شيبة: عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم إنما هو ابن أخى هاشم قدمت به من المدينة «1» .
وذكر الزبير أن شيبة إنما سمى عبد المطلب، لأن عمه المطلب لما قدم به من يثرب ودخل به مكة ضحوة مردفه خلفه والناس فى أسواقهم ومجالسهم، قاموا يرحبون به ويقولون: من هذا معك؟ فيقول: عبد لى ابتعته بيثرب، فلما كان العشية ألبسه حلة ابتاعها له، ثم أجلسه فى مجلس بنى عبد مناف وأخبرهم خبره، فجعل بعد ذلك يخرج فى تلك الحلة فيطوف فى سكك مكة، وكان أحسن الناس، فيقولون: هذا عبد المطلب، لقول المطلب فيه ذلك، فلج اسمه عبد المطلب، وترك شيبة.
وكان يقال لعبد المطلب: شيبة الحمد، وإنما سمى شيبة لأنه كان فى ذؤابته شعرة بيضاء.
ثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من أمرهم قبله، وشرف فى قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم.
ويقال: كان يعرف فى عبد المطلب نور النبوة وهيبة الملك.
قال الزبير: ومكارم عبد المطلب أكثر من أن أحيط بها، كان سيد قريش غير مدافع نفسا وأبا وبيتا وجمالا وبهاء وفعالا وكمالا. فصلى الله على المنتخب من ذريته، المخصوص بأولية الفخر وآخريته، وعلى آله الأكرمين وعترته وسلم تسليما.

ذكر حفر عبد المطلب زمزم وما يتصل بذلك من حديث مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد تقدم الخبر عن زمزم أنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، التى سقاه الله حين ظمأ وهو صغير.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 125- 126) .
(1/100)

وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة بين صنمى قريش إساف ونائلة عند منحر قريش، فبقى أمرها كذلك إلى أن أمر عبد المطلب بن هاشم بحفرها.
فذكر ابن إسحاق «1» وغيره من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم فى الحجر إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر برة.
فقلت: وما برة؟ ثم ذهب عنى.
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر المضنونة.
فقلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟.
قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الأعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل «2» . فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر.
فلما بدا لعبد المطلب الطى كبر. فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشر كنا معك فيها.
قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم.
قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: اجعلوا بينى وبينكم من شئتم نحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم، قال: نعم. وكانت بأطراف الشام.
فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أبيه من بنى عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسا مثل ما أصابكم.
فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 130) .
(2) قال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 169) : قرية النمل لا تحرث ولا تبذر وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب.
(1/101)

ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت. قال: فإنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا.
قالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل رجل منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب فى الأرض ولا نبتغى لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا.
فارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم.
ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا.
فجاؤا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك فى زمزم أبدا، إن الذى سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.
فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. وفى غير حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه، أن عبد المطلب قيل له حين أمر بحفر زمزم:
ثم ادع بالماء الروى غير الكدر ... يسقى حجيج الله فى كل مبر
ليس يخاف منه شىء ما عمر
فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلمون أنى قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هى؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك.
فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم، تستقى الحجيج الأعظم،
(1/102)

مثل نعام جافل «1» لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم.
فزعموا أنه حين قيل له ذلك قال: وأين هى؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها، بين الوثنين إساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحهما.
فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركنك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه الحارث:
ذب عنى فو الله لأمضين لما أمرت به.
فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافا قلعية «2» وأدراعا.
فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، فضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولى قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شىء فهو له ومن تخلف قدحاه فلا شىء له، قالوا: أنصفت.
فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش. ثم أعطوا القداح الذى يضرب بها عند هبل، وهبل صنم فى جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وهو الذى عنى أبو سفيان بن حرب لما نادى يوم أحد: اعل هبل، أى أظهر دينك.
وقام عبد المطلب يدعو الله، وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على
__________
(1) جافل: الجفول هو سرعة الذهاب والندور فى الأرض، يقال: جفلت الإبل جفولا إذا شردت. انظر: اللسان (مادة جفل) .
(2) قلعية: اسم معدن ينسب إليه الرصاص الجيد، قيل: وهو جبل بالشام، وقيل أيضا: هو قلعة عظيمة فى أول بلاد الهند من جهة الصين فيه معدن الرصاص القلعى لا يكون إلا فى قلعتها وفى هذه القلعة تضرب السيوف القلعية وهى الهندية العتيقة. انظر: معجم البلدان (4/ 389) .
(1/103)

الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش.
فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب فى الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة، فيما يزعمون «1» .
وذكر الزبير أن عبد المطلب لما أنبط الماء فى زمزم حفرها فى القرار ثم بحرها حتى لا تنزف، ثم بنى عليها حوضا فطفق هو وابنه ينزعان عليها فيملآن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاج. وكان قوم حسدة من قريش لا يزالوان يكسرون حوضه ذلك بالليل ويغتسلون فيه، فيصلحه عبد المطلب حين يصبح.
فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فقيل له فى المنام: قل: اللهم إنى لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل.
فقام عبد المطلب فى المسجد فنادى بالذى أرى، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش أو يغتسل فيه إلا رمى فى جسده بداء، حتى تركوا حوضه ذلك وسقايته فرقا.
وذكر الزبير أيضا أن عبد المطلب لما حفر زمزم وأدرك منها ما أدرك وجدت قريش فى أنفسها مما أعطى، فلقيه خويلد بن أسد بن عبد العزى، فقال: يا ابن سلمى، لقد سقيت ماء رغدا ونثلت عادية حتدا، قال: يا ابن أسد، أما إنك تشرك فى فضلها، والله لا يساعفنى أحد عليها ببر ولا يقوم معى بأزر إلا بذلت له خيرا لصهر.
فقال خويلد بن أسد:
أقول وما قولى عليهم بسنة ... إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن آجر ... وركضة جبريل على عهد آدم
فقال عبد المطلب: ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج، وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة «2» ، وكانت خارجا من مكة آبار حفائر قديمة من عهد مرة بن كعب وكلاب بن
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 132- 133) .
(2) قال ابن هشام فى السيرة (1/ 133- 136) : وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة، فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق، ثم أخذ يذكر أسماء الآبار التى حفرت قبل زمزم فقال: حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوى، وهى البئر التى بأعلى مكة عند البيضاء، دار محمد بن يوسف الثقفى. وحفر هاشم بن عبد مناف بذر، وهى البئر التى-
(1/104)

مرة وكبراء قريش الأول، منها يشربون، فعفت زمزم على تلك البئار التى كانت قبلها يسقى عليها الحاج.
وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب.
وكان عبد المطلب فيما يزعمون «1» والله أعلم، قد نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عز وجل عند الكعبة.
فلما توافى بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء به، فأطاعوه وقالوا: وكيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب اسمه فيه ثم ائتونى ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل فى جوف الكعبة، وكان على بئر فى جوف الكعبة، فيها يجمع ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة بها يضربون على ما يريدون، وإلى ما تخرج به القداح ينتهون فى أمورهم.
فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه. وأخبره بنذره الذى نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه. وكان عبد الله بن عبد المطلب أحب بنى أبيه إليه فيما يزعمون، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى.
فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله،
__________
- عند المستنذر، خطم الخندمة على فم شعب أبى طالب، وحفر سجلة، وهى بئر المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف التى يسقون عليها اليوم، ويزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد بن هاشم، ويزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم، فاستغنوا بها عن تلك الآبار وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه. وحفرت بنو أسد بن عبد العزى: شفية، وهى بئر بنى أسد. وحفرت بنو عبد الدار: أم أحراد. وحفرت بنو جمح السنبلة، وهى بئر خلف بن وهب. وحفرت بنو سهم: الغمر، وهى بئر بنى سهم. وكانت آبار حفائر خارجا من مكة قديمة من عهد مرة بن كعب، وكلاب بن مرة، وكبراء قريش الأوائل منها يشربون، وهى رم، ورم: بئر مرة بن كعب بن لؤى. وخم، وخم: بئر بنى كلاب بن مرة. والحفر. انتهى باختصار.
(1) انظر: السيرة (1/ 136- 139) ، تاريخ الطبرى (2/ 239، 243) ، طبقات ابن سعد (1/ 88، 89) .
(1/105)

ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه فما بقاء الناس على هذا؟!.
وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بنم مخزوم، وكان عبد الله بن أخت القوم، أمه وأم أخويه الزبير وأبى طالب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم:
والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فتسألها ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته.
فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها فيما يزعمون، بخيبر، فركبوا حتى جاؤها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذره فيه. فقالت لهم:
ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله.
فرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءنى الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، ومازالوا كذلك يزيدون عشرا فعشرا من الإبل ويضربون عليها، كل ذلك يخرج القدح على عبد الله، حتى بلغت الإبل مائة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش: قد انتهى، رضى ربك يا عبد المطلب.
فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة وعبد المطلب قائم يدعو الله، فخرج القدح فى كلتيهما على الإبل.
(1/106)

فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع.
ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به فيما يزعمون، على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى «1» ، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهى عند الكعبة.
قال الزبير: وكان عبد الله أحسن رجل رئى فى قريش قط، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله. قال: مع أبى. قالت: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن، قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.
فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا.
فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما عرضت بالأمس، قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان تنصر واتبع الكتب، أنه كائن فى هذه الأمة نبى.
ويقال: إن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة ابنة وهب، وقد عمل فى طين له وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسها، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك، ثم خرج عائدا إلى آمنة، فمر بتلك المرأة فدعته إلى نفسها فأبى عليها، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بى وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها.
فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت:
فدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى على ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) قال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 180) : واسم هذه المرأة رقية بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل تكنى أم فتال وبهذه التكنية وقع ذكرها فى رواية يونس بن إسحاق وذكر البرقى عن هشام الكلبى، قال: إنما مر على امرأة اسمها فاطمة بنت مر، كانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت قد قرأت الكتب، فرأت نور النبوة فى وجهه فدعته إلى نفسها فلما أبى قالت شعرا. انتهى باختصار.
(1/107)

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا، من قبل أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم، ويزعمون فيما يتحدث الناس، والله أعلم، أن أمه كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا.
ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هلك وأمه حامل به.
هذا قول ابن إسحاق «1» . وخالفه كثير من العلماء، فقالوا: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان فى المهد حين توفى أبوه. ذكره الدولابى وغيره. وذكر ابن أبى خيثمة أنه كان ابن شهرين، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم.
وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل. قيل: بعد الفيل بخمسين يوما «2» .
وحكى الواقدى عن سليمان بن سحيم قال: كان بمكة يهودى يقال له يوسف، فلما كان اليوم الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم به أحد من قريش قال: يا معشر قريش قد ولد نبى هذه الأمة فى بحرتكم هذه اليوم. وجعل يطوف فى أنديتهم فلا يجد خبرا، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل فقيل له: ولد لابن عبد المطلب غلام.
فقال: هو نبى والتوراة.
وقال حسان بن ثابت: والله إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 140- 141) .
(2) هذا قول ابن إسحاق. انظر: السيرة (1/ 142) . وذكره ابن كثير فى البداية باب مولد النبى صلى الله عليه وسلم (2/ 264- 267) وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل على قول الجمهور، فقيل: بعده بشهر، وقيل: بأربعين يوما، وقيل: بخمسين يوما، وهو أشهر. وعن أبى جعفر الباقر: كان قدوم الفيل للنصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة، وقال آخرون: بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين قاله ابن أبزى. وقيل: بثلاث وعشرين سنة، رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده. وقيل: بعد الفيل بثلاثين سنة، قاله موسى بن عقبة عن الزهرى رحمه الله، واختاره موسى بن عقبة أيضا رحمه الله. وقال أبو زكريا العجلانى: بعد الفيل بأربعين عاما، رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما قال خليفة بن خياط: حدثنى شعيب بن حبان عن عبد الواحد بن أبى عمرو عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا، قال خليفة بن خياط: والمجتمع عليه أنه عليه السلام ولد عام الفيل.
(1/108)

أسمع إذا سمعت يهوديا يصرخ على أطمة بيثرب: يا معشر يهود. حتى إذا اجتمعوا قالوا: ويلك! مالك! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذى ولد به «1» .
وذكر ابن السكن من حديث عثمان بن أبى العاص عن أمه فاطمة بنت عبد الله، أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا. قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإنى لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول لتقعن على.
وذكر ابن مخلد فى تفسيره أن إبليس رن أربع رنات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب!
قال ابن إسحاق «2» : فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام، فائته فانظر إليه. فأتاه ونظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه.
فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها. ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها.
زعموا أنه أرى فى منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء وطرف فى الأرض وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها.
فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض. فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته أمه.
ولا يعرف فى العرب أحد تسمى بهذا الاسم قبله، سوى نفر سموا به من أجله منهم محمد بن سفيان بن مجاشع التميمى، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح، وآخر من ربيعة.
وكان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك ممن كان عنده علم بالكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم وتقارب زمانه، وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا.
ففعلوا ذلك رجاء أن يكونه. والله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقد وقع فى مواضع أخر أن هؤلاء النفر كانوا أربعة، ولم يذكر فيهم محمد بن أحيحة، وحديثهم مخالف لما ذكرناه خلافا يسيرا.
__________
(1) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (1/ 91) .
(2) انظر: السيرة (1/ 143) .
(1/109)

روينا من حديث عبد الملك بن أبى سوية عن أبيه عن جده قال: سألت محمد بن عدى بن ربيعة: كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال: سألت أبى عما سألتنى عنه، فقال:
خرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا فيهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم وأسامة بن مالك ابن خندف ويزيد بن ربيعة، نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا إلى غدير عليه شجرات وقربه شخص نائم، فتحدثنا فاستمع كلامنا وأشرف علينا فقال: إن هذه لغة ما هى لغة أهل هذه البلاد. فقلنا: نحن قوم من مضر قال: من أى المضريين؟
قلنا: من خندف. قال: أما إنه يبعث فيكم وشيكا نبى خاتم النبيين فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا.
فقلت له: ما اسمه؟ قال: محمد: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل رجل منا ابن سماه محمدا. والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء، فاسترضع له من امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب «1» .
وكانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه، فى نسوة من بنى سعد بن بكر تلتمس الرضعاء. قالت: وفى سنة شهباء «2» لم تبق لنا شيئا.
قالت: فخرجت على أتان لى قمراء «3» معنا شارف لنا «4» ، والله ما تبض بقطرة ولا ننام ليلتان أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج.
فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفا وعجفا. حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله
__________
(1) هى حليمة بنت أبى ذؤيب، وأبو ذؤيب هو عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن غيلان بن مضر. وانظر ترجمتها: فى الاستيعاب الترجمة رقم (3336) ، الإصابة الترجمة رقم (11056) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6855) .
(2) سنة شهباء: إذا كانت مجدبة بيضاء من الجدب لا يرى فيها خضرة، وقيل الشهباء التى ليس فيها مطر. انظر: اللسان (مادة شهب) .
(3) القمراء: لون يميل إلى الخضرة، وقيل بياض، فيه كدرة يقال: حمار أقمر وأتان قمراء أى بيضاء وليلة قمراء أى مضيئة. انظر: اللسان (مادة قمر) .
(4) الشارف: الناقة التى قد أسنت وقال أبو الأعرابى الشارف الناقة الهمة، والشارف من الإبل المسن والمسنة والجمع شوارف. انظر: اللسان (مادة شرف) .
(1/110)

صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده!! فكنا نكرهه لذلك.
فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه.
قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.
فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى. ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجى إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل «1» ، فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا.
فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة! قلت: والله إنى لأرجو ذلك. ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب، ما يقدر على شىء من حميرهم، حتى إن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك! اربعى «2» علينا! أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها؟! فأقول لهن: بلى والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لها لشأنا.
قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم:
ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب. فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمى شباعا لبنا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتان وفصلته. وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جعفرا. فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته.
__________
(1) حافل: ممتلئة الضرع من اللبن، والحفل اجتماع اللبن فى الضرع، والمحفلة التى اجتمع لبنها فى ضرعها أياما.
(2) اربعى: أى انتظرينا، وهى من ربع يربع إذا وقف وانتظر. انظر: اللسان (مادة ربع) .
(1/111)

فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنى عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة. فلم نزل بها حتى ردته معنا، فرجعنا به.
فو الله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لى ولأبيه ذاك أخى القرشى قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه.
قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا: ما لك يا بنى؟ قال: «جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى فشقا بطنى فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو» «1» .
قالت: فرجعنا به إلى خبائنا وقال لى أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به. قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر «2» ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟.
قلت: قد بلغ والله بابنى، وقضيت الذى على، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنك، فاصدقينى خبرك. قالت: فلم تدعنى حتى أخبرتها.
قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم.
قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لبنى لشأنا، أفلا أخبرك خبره، قلت:
بلى. قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى قصور بصرى من أرض الشام.
ثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقى راشدة «3» .
__________
(1) قصة شق صدر النبى، وهو عند حليمة السعدية مشهوره، وقد رواها الإمام مسلم فى صحيحه (1/ 101، 102) عن أنس بن مالك: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ثم لزمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعنى مرضعته، أن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون» .
(2) الظئر: مهموز العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس والإبل الذكر والأنثى فى ذلك سواء والجمع اظئار. انظر: اللسان (مادة ظئر) .
(3) انظر: السيرة (144- 146) .
(1/112)

ويروى أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن نفسك. قال: «نعم، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذانى فشقا بطنى ثم استخرجا قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبى وبطنى بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزننى بعشرة فوزنتهم. ثم قال زنه بمائة من أمته. فوزننى بهم فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزننى بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها» «1» .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبى إلا وقد رعى الغنم» . قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا» «2» .
وكان يقول لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشى واسترضعت فى بنى سعد بن بكر» «3» .
وزعم الناس فيما يتحدثون «4» ، والله أعلم، أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها فى الناس وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فقالت له: إنى قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلنى، فو الله ما أدرى أين هو.
فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به عبد المطلب فقالا: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة. فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له؛ ثم أرسل به إلى أمه آمنة.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير القرطبى (2/ 131) ، تفسير الطبرى (1/ 435) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 139، 5/ 207) ، كنز العمال للمتقى الهندى (31833، 31834، 31835، 31889) ، دلائل النبوة للبيهقى (1/ 69) ، طبقات ابن سعد (1/ 1/ 96) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 275) .
(2) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (9242) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 324) .
(3) انظر الحديث فى: كشف الخفاء للعجلونى (1/ 232) ، كنز العمال للمتقى الهندى (31884) ، طبقات ابن سعد (1/ 1/ 71) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 277) .
(4) انظر: السيرة (1/ 148) .
(1/113)

وذكر بعض أهل العلم «1» أن مما هاج أمه السعدية على رده، ما ذكرت لأمه وما أخبرتها عنه، أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره. فلم تكد تنفلت به منهم.
وذكر الواقدى أن أمه حليمة السعدية بعد أن رجعت به من عند أمه حضرت به سوق ذى المجاز، وبها يومئذ عراف من هوازن يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الحمرة فى عينيه وإلى خاتم النبوة، صاح: يا معشر العرب فاجتمع إليه أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبى. وانسلت به حليمة. فجعل الناس يقولون: أى صبى هو؟ فيقول: هذا الصبى. فلا يرون شيئا، قد انطلقت به أمه، فيقال له:
ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما، وآلهتكم، ليغلبن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فطلب بعكاظ فلم يوجد.
ورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعد هذا لا تعرضه لأحد من الناس. ولقد نزل بهم عراف، فأخرج إليه صبيان أهل الحاضر، وأبت حليمة أن تخرجه إليه، إلى أن غفلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من المظلة فرآه العراف فدعاه فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل الخيمة، فجهد بهم العراف أن يخرج إليه فأبت. فقال: هذا نبى.
وقد عرضه عمه أبو طالب على عائف من لهب، كان إذا قدم من مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم، فأتاه به أبو طالب وهو غلام مع من يأتيه، قال:
فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شىء فقال: الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه، فجعل يقول: ويلكم ردوا على الغلام الذى رأيت آنفا، فو الله ليكونن له شأن.
وانطلق به أبو طالب. وكانت حليمة بعد رجوعها به من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا. فغفلت عنه يوما فى الظهيرة، فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته. فقالت:
فى هذا الحر؟! فقالت أخته: يا أمه، ما وجد أخى حرا، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع.
تقول أمها: أحقا يا بنية؟ قالت: إى والله. قال: تقول حليمة: أعوذ بالله من شر ما يحذر على ابنى. فكان ابن عباس يقول: رجع إلى أمه وهو ابن خمسن سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين. هذا كله عن الواقدى.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 148- 149) .
(1/114)

قال ابن إسحاق: فكان النبى صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة وجده عبد المطلب فى كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد من كرامته. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه بالأبواء بين مكة والمدينة «1» .
وكان قد قدمت به إلى أخواله من بنى عدى بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهى راجعة به إلى مكة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب.
وكان يوضع لعبد المطلب فراش فى ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى فو الله إن له لشأنا.
ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع «2» .
قالوا: وكانت أم أيمن تحدث تقول: كنت أحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسى يقول: يا بركة، قلت: لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابنى؟ قلت: لا أدرى. قال: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلى عن ابنى، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم.
وكان لا يأكل طعاما إلا قال: على بابنى. فيؤتى به إليه.
وحدث كعب بن مالك عن شيوخ من قومه أنهم خرجوا عمارا، وعبد المطلب يومئذ حى بمكة، ومعهم رجل من يهود تيماء، صحبهم للتجارة يريد مكة أو اليمن، فنظر إلى عبد المطلب، فقال: إنا نجد فى كتابنا الذى لم يبدل أنه يخرج من ضئضى هذا نبى يقتلنا وقومه قتل عاد.
وجلس عبد المطلب يوما فى الحجر وعنده أسقف نجران: وكان صديقا له، وهو يحادثه وهو يقول: إنا نجد صفة نبى بقى من ولد إسماعيل، هذه مولده، من صفته كذا وكذا.
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الحديث، فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه، فقال: هو هذا. فقال الأسقف: ما هذا منك؟ قال: ابنى. قال الأسقف: لا،
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 149) .
(2) انظر: السيرة (1/ 149) .
(1/115)

ما نجد أباه حيّا. قال عبد المطلب: هو ابن ابنى مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت.
قال عبد المطلب: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه؟!.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يلعب مع الغلمان حتى بلغ الردم، فرآه قوم من بنى مدلج فدعوه، فنظروا إلى قدميه وإلى أثره، ثم خرجوا فى طلبه حتى صادفوا عبد المطلب قد لقيه فاعتنقه، فقالوا لعبد المطلب: ما هذا منك؟ قال: ابنى. قالوا: فاحتفظ به، فإنا لم نر قدما قط أشبه بالقدم الذى فى المقام من قدمه.
فقال عبد المطلب لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء. فكان أبو طالب يحتفظ به.
وقد روى أبو داود السجستانى من حديث ابن عباس، قال: أتى نفر من قريش امرأة كاهنة، فقالوا: أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام.
قالت: إن جررتم على السهلة عباءة ومشيتم عليها أنبأتكم بأقربكم شبها به. فجروا عليها عباءة، ثم مشوا عليها، فرأت أثر قدم لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالت: هذا والله أقربكم شبها به.
قال ابن عباس: فمكثوا بعد عشرين سنة، ثم بعث محمد صلى الله عليه وسلم. ولما ظهر سيف بن ذى يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبى صلى الله عليه وسلم أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها يهنئونه ويمدحونه ويذكرون من حسن بلائه وطلبه بثأر قومه.
فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فى أناس من وجوه قريش، فقدموا عليه صنعاء فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه فى الكلام، فقال:
إن كنت ممن يتكلم بين يدى الملوك فقد أذنا لك.
فقال عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، فى أكرم موطن، وأطيب معدن.
وأنت أيها الملك رأس العرب الذى به تنقاد، وعمودها الذى عليه العماد، ومعقلها الذى يلجأ إليه العباد، سلفك لك خير سلف، وأنت لنا فيه خير خلف، فلم يخمل من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجنا بكشف الكرب الذى فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
(1/116)

فقال له سيف: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ فقال: أنت عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم؟ قال: أدنه، فأدناه. ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال لهم: مرحبا وأهلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل والنهار، فلكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم.
ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب، فقال له: إنى مفوض إليك من سنى علمى أمرا لو يكون غيرك لم أبح له به، ولكنى رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مكنونا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره.
إنى أجد فى الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اختزناه لأنفسنا واجتبيناه دون غيرنا خيرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة، ولك خاصة.
فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر.. فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
فقال له عبد المطلب: لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياى ما أزداد به سرورا.
فقال له ابن ذى يزن: هذا حينه الذى يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، ويكسر الصلبان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال له عبد المطلب: عز جدك وعلا كعبك ودام ملكك وطال عمرك، فهل الملك سارى بإفصاح، فقد أوضح لى بعض الإيضاح.
فقال له ابن ذى يزن: والبيت والحجب، والعلامات والنصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك، هل أحسست بشىء مما ذكرت لك؟.
(1/117)

فقال عبد المطلب: كان لى ابن، وكنت عليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، فجاء بغلام فسميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا.
فقال له ابن ذى يزن: إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود، فإنهم أعداؤه، ولن يجعل الله عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لا آمن أن تدخلهم التعاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مخترمى قبل مبعثه لسرت بخيلى ورجلى حتى أصير بيثرب دار ملكه، فإنى أجد فى الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل النصرة له، وموضع قبره، ولولا أنى أخاف عليه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه بذكره، ولكنى صارف ذلك إليك، من غير تقصير بمن معك.
ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء، وحلس من البرود، ومائة من الإبل، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوءة عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك كله، وقال له: إذا حال الحول فائتنى. فمات ابن ذى يزن قبل أن يحول الحول، فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغبطنى أحدكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطنى بما يبقى لى ولعقبى من بعدى ذكره، وفخره وشرفه. فإذا قيل له: فما ذاك؟ قال: ستعلمون نبأه ولو بعد حين.
وحديث سيف بن ذى يزن هذا عن غير ابن إسحاق وهو عندنا بالإسناد، وقد تقدم ما ألقاه تبع الآخر إلى ملوك حمير وأبنائهم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن علم سيف بذلك إنما كان من تلك الجهات. والله أعلم.
ثم إن عبد المطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف فى حقيقتها «1» . أدناها فيما انتهى إلى ووقفت عليه، خمس وتسعون سنة؛ ذكره الزبير.
وأعلاها فيما ذكر الزبير أيضا، عن نوفل بن عمارة قال: كان عبيد بن الأبرص ترب عبد المطلب، وبلغ مائة وعشرين سنة، وبقى عبد المطلب بعده عشرين سنة.
وقال محمد بن سعيد بن المسيب: لما حضرت الوفاة عبد المطلب وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ستا: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة وأروى، فقال
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 149) .
(1/118)

لهن: ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. فقالت كل واحدة منهن شعرا ترثيه به وأنشدته إياه، فأشار برأسه، وقد أصمت: أن هكذا فابكيننى. وذكر ابن إسحاق تلك الأشعار «1» .
وقال ابن هشام: إنه لم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها «2» .
قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب يبكى عبد المطلب بن هاشم، ويذكر فضله، وفضل قصى على قريش وفضل ولده من بعده عليهم:
أعينى جودا بالدموع على الصدر ... ولا تسأما أسقيتما سبل القطر «3»
وجودا بدمع واشفحا كل شارق ... بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر «4»
وسحا وجما واسجما ما بقيتما ... على ذى حياء من قريش وذى ستر
على رجل جلد القوى ذى حفيظة ... جليل المحيا غير نكس ولا هذر
على المزد البهلول ذى البأس والندى ... ربيع لؤى فى القحوط وفى العسر
على خير حاف من معد وناعل ... كريم المساعى طيب الخيم والنجر «5»
على شيبة الحمد الذى كان وجهه ... يضىء سواد الليل كالقمر البدر
وساقى الحجيج ثم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهرى
طوى زمزما عند المقام فأصبحت ... سقايته فخرا على ذى فخر
ليبك عليه كل عان بكربة ... وآل قصى من مقل وذى وفر
بنوه سراة كهلهم وشبابهم ... تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر
__________
(1) انظر ما ذكره ابن إسحاق فى: السيرة (1/ 150- 154) .
(2) هذا قول ابن هشام فى السيرة وقد ذكر أنه ذكرها لأنه رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب فكتبه. انظر: السيرة (1/ 150) .
(3) سبل: أى المطر، وقيل: هو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ويخرج من الأرض. انظر: اللسان (مادة سبل) .
(4) كل شارق: الشارق أى كل يوم طلعت فيه الشمس، وقيل: الشارق قرن الشمس. ولم يشوه: الإشواء يوضع موضع الإبقاء، قال أبو منصور: هذا كله من إشواء الرامى وذلك إذا رمى فأصاب الأطراف ولم يصيب المقتل فيوضع الإشواء موضع الخطأ والشىء الهين.
(5) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما:
وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا ... وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر
وأولاهم بالمجد والحلم والنهى ... وبالفضل عند المجحفات من الغبر
انظر: السيرة (1/ 155) .
(1/119)

قصى الذى عادى كنانة كلها ... ورابط بيت الله فى العسر واليسر
فإن تك غالته المنايا وصرفها ... فقد عاش ميمون النقيبة والأمر
وأبقى رجالا سادة غير عزل ... مصاليت أمثال الردينية السمر
أبو عتبة الملقى إلى حباءه ... أغر هجان اللون من نفر غر
وحمزة مثل البدر يهتز للندى ... نقى الثياب والذمام من الغدر
وعبد مناف ماجد ذو حفيظة ... وصول لذى القربى رحيم بذى الصهر
كهولهم خير الكهول ونسلهم ... كنسل الملوك لا تبور ولا تحرى
متى ما تلاقى منهم الدهر ناشئا ... تجده بإجريا أوائله يجرى
هم ملأوا البطحاء مجدا وسؤددا ... إذا استبق الخيرات فى سالف العصر
وهم حضروا والناس باد فريقهم ... وليس بها إلا شيوخ بنى عمرو
بنوها ديارا جمة وطووا بها ... بئرا تسح الماء من ثبج بحر
لكى يشرب الحجاج منها وغيرهم ... إذا ابتدروها صبح تابعة النحر
ثلاثة أيام تظل ركابهم ... محبسة بين الأخاشب والحجر
وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ... ولا نستقى إلا بخم أو الحفر
هم يغفرون الذنب ينقم دونه ... ويعفون عن قول السفاهة والهجر
أخارج إما أهلكن فلا تزل ... لهم شاكرا حتى تغيب فى القبر
ولا تنس ما أسدى ابن لبنى فإنه ... قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر
وأنت ابن لبنى من قصى إذا انتموا ... بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر
وأمك سر من خزاعة جوهر ... إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر
إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمى ... وأكرم بها منسوبة فى ذرى الدهر*
ابن لبنى هذا أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أبو عتبة الذى ذكره قبل فى هذا الشعر. وكانت أمه امرأة من خزاعة اسمها لبنى بنت هاجر. ولذلك قال: «وأمك سر من خزاعة» «1» .
ونماها إلى سبأ الأبطال بناء على ما قدمناه من انتماء خزاعة إلى عمرو بن عامر، من
__________
(*) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما:
أبو شمير منهم وعمرو بن مالك ... وذو جدن من قومها وأبو الجبر
وأسعد قاد الناس عشرين حجة ... يؤيد فى تلك المواطن بالنصر
انظر: السيرة (1/ 157، 158) .
(1) انظر: السيرة (1/ 158) .
(1/120)

غسان وانتفائهم من المضرية. واليد التى ذكر هذا الشاعر أنها ترتبت عليه لأبى لهب:
وذكر ابن إسحاق أنه كان أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها، فمر به أبو لهب فافتكه.
ونسب الزبير هذا الشعر لحذافة بن غانم، ودليله قوله فيه:
«أخارج إما أهلكن» ... البيت.
فإن خارجة هو ابن حذافة وحذيفة الذى نسب ابن إسحاق إليه الشعر هو أخو حذافة، ولا يعرف له ابن يسمى خارجة، وإنما هو والد أبى جهم بن حذيفة، واسم أبى جهم عبيد «1» ، وهو الذى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخميصة ذات الأعلام التى ألهته عن صلاته، وأمر أن يؤتى بأنبجانية.
ولما هلك عبد المطلب، ولى زمزم والسقاية عليها ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهى بيده، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما مضى من ولايته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجله إجلال الولد الوالد.
يقول كريب مولى ابن عباس: وما ينبغى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجل إلا والدا أو عما، فضيلة خص الله بها العباس دون من سواه. وقال صلى الله عليه وسلم: «احفظونى فى عمى عباس، فإن عم الرجل صنو أبيه» «2» .
وطلع يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا العباس أجود قريش كفّا وأوصلها» «3» .
ولم يزل العباس سيدا فى الجاهلية والإسلام، يمنع الجار ويبذل المال ويعطى فى النوائب.
قال الزبير: وكان يقال: كان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعارى بنى هاشم، وجفنة
__________
(1) هو: أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب القرشى العدوى، قيل: اسمه عامر بن حذيفة، وقيل: عبيد الله بن حذيفة. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2929) ، الإصابة الترجمة رقم (9703) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5780) .
(2) أخرجه الطبرانى فى الصغير (1/ 207) ، الخطيب البغدادى فى التاريخ (10/ 68) ، الهيثمى فى المجمع (9/ 269) ، المتقى الهندى فى الكنز (33389، 33395، 33396، 33411) ، ابن عدى فى الضعفاء (2/ 768) .
(3) أخرجه ابن كثير فى البداية والنهاية (7/ 161) ، السيوطى فى اللآلئ المصنوعة (1/ 223) ، الحاكم فى المستدرك (3/ 328، 329) .
(1/121)

لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم. والمقطرة: خشبة ذات سلسلة يحبس فيها الناس. وفى ذلك يقول إبراهيم بن على بن هرمة:
وكانت لعباس ثلاث نعدها ... إذا ما جناب الحى أصبح أشهبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة ... تناخ فيكسوها السنام المرغبا
وحلمة عصب ما تزال معدة ... لعار ضريك ثوبه قد تهدبا
وقال ابن شهاب: لقد جاء الله بالإسلام وإن جفنة العباس لتدور على فقراء بنى هاشم، وإن قيده وسوطه لمعد لسفهائهم. قال: فكان ابن عمر يقول: هذا والله الشرف، يطعم الجائع ويؤدب السفيه!.
وكان أبو بكر وعمر فى ولايتهما لا يلقى العباس واحد منهما وهو راكب إلا نزل عن دابته وقادها ومشى مع العباس حتى يبلغ منزله أو مجلسه فيفارقه. وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلك جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب. وكان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون.
وذلك أن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأم، فكان أبو طالب هو الذى يلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فكان إليه ومعه «1» .
وذكر الواقدى أن أبا طالب كان مقلا من المال، وكانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة، فيبدو إليها فيكون فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة.
فكان عيال أبى طالب إذا أكلوا جميعا وفرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا. فكان أبو طالب إذا أراد أن يعشيهم أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يأتى ابنى.
فيأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم؛ وإن كان لبنا شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم، ثم يناول العيال القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبا!. فيقول أبو طالب: إنك لمبارك!. وكان الصبيان يصبحون شعثا رمضا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا.
وقالت أم أيمن «2» ، وكانت تحضنه: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا جوعا قط ولا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 159) .
(2) هى: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، غلبت عليها كنيتها. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3287) ، الإصابة الترجمة رقم (10921) .
(1/122)

عطشا، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغذاء فيقول: لا أريده أنا شبعان.
قال ابن إسحاق «1» : ثم إن أبا طالب خرج فى ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل صب به «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون، فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا أو كما قال.
فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى «3» من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر.
فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شىء رآه وهو فى صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت «4» أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم:
والله يا بحيرى إن لك اليوم لشأنا! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟.
قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه فى رحال القوم، فلما نظر بحيرى فى القوم لم ير الصفة التى يعرف
__________
(1) هذه قصة بحيرى، وقد ذكرها ابن إسحاق فى السيرة (1/ 160- 162) .
(2) صب به: الصبابة الشوق، وقيل: رقته وحرارته، وقيل: رقة الهواء، وصب الرجل إذا عشق يصب صبابا. انظر: اللسان (مادة صبب) .
(3) بصرى: موضع بالشام من أعمال دمشق وهى قصبة كورة حوران مشهورة عند العرب. انظر: معجم البلدان (1/ 441) .
(4) تهصرت: قال الجوهرى: هصرت الفض بالكسر إذا أخذت برأسه فأملته إليك، وتهصرت أغصان الشجر أى تهدلت عليه. انظر: اللسان (مادة هصر) .
(1/123)

ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامى.
فقالوا له: يا بحيرى ما تخلف عنك أحد ينبغى له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف فى رحالهم. فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش: واللات والعزى، إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسألنى باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما» . فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. قال له: سلنى عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته وأموره ويخبره. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده. فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال:
ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده «1» .
فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى بحيرى فى ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه أبى طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله
__________
(1) ذكر قصة بحيرى: الترمذى فى السنن (3620) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (11/ 479، 14/ 286) ، أبو نعيم فى الدلائل (129) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 616) ، ابن حجر فى الفتح (8/ 587) ، ابن هشام فى السيرة (1/ 160) ، ابن سعد فى الطبقات (1/ 120) ، الطبرى فى التاريخ (2/ 277) ، ابن عساكر فى تاريخ دمشق (1، 10) ، السهيلى فى الروض الأنف (1/ 205- 208) .
(1/124)

وما يجدون فى الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا إلى ما أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه.
فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته. حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التى تدنس الرجال، تنزها وتكرما. حتى ما اسمه فى قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
وكان صلى الله عليه وسلم يحدث عما كان الله يحفظه به فى صغره وأمر جاهليته، أنه قال: لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك. قال: فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى على من بين أصحابى «1» . وذكر البخارى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين» «2» .
وروى غيره أن إحدى المرتين كان فى غنم يرعاها هو وغلام من قريش، فقال لصاحبه: «اكفنى أمر الغنم حتى آتى مكة» ، وكان بها عرس فيها لهو، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم، فنام حتى ضربته الشمس، عصمة من الله له!. والمرة الأخرى مثل الأولى سواء.
وذكر الواقدى عن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك له وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى الليل فى كل سنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك.
قالت: حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا. ويقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا؟!
فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن له: ما
__________
(1) ذكره ابن إسحاق فى السيرة (1/ 162- 163) ، البيهقى فى دلائل النبوة (2/ 31) ، ابن حجر فى فتح البارى (7/ 181) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (2/ 287) .
(2) أخرجه الهيثمى فى المجمع (8/ 226) ، المتقى الهندى فى الكنز (35438) .
(1/125)

دهاك؟ قال: إنى أخشى أن يكون بى لمم. فقلن: ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذى رأيت؟.
قال: إنى كلما دنوت من صنم منها تمثل لى رجل أبيض طويل يصيح بى: وراءك يا محمد لا تمسه. قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ صلوات الله عليه وعلى آله.
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد، فيما ذكره غير واحد من أهل العلم «1» .
وذكر الواقدى بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، وقد رويناه أيضا من طريق أبى على بن السكن، وحديث أحدهما داخل فى حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشىء اليسير، وكلاهما ينمى إلى نفيسة.
قالت: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين، لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال أبو طالب: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها فيتجرون لها فى مالها ويصيبون منافع.
فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتى الشام وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا.
وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة.
وكانت قريش قوما تجارا، ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشىء.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلها ترسل إلى فى ذلك. فقال أبو طالب: إنى أخاف أن تولى غيرك، فتطلب أمرا مدبرا. فافترقا، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكريم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 165) ، طبقات ابن سعد (8/ 14- 19) ، الروض الأنف للسهيلى (4/ 267) ، تاريخ الطبرى (3/ 161) .
(1/126)

ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعانى إلى البعث إليك ما بلغنى من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقى أبا طالب فذكر له ذلك، فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.
فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدم الشام فنزلا فى سوق بصرى فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له:
نسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة، من هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة؟.
فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى. ثم قال له: فى عينيه حمرة. قال ميسرة: نعم، لا تفارقه.
فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أنى أدركه حين يؤمر بالخروج.
فوعى ذلك ميسرة. ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بصرى، فباع سلعته التى خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف فى سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهما قط. فقال الرجل: القول قولك.
ثم قال لميسرة، وخلا به: يا ميسرة، هذا نبى، والذى نفسى بيده إنه لهو، تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم فوعى ذلك ميسرة. ثم انصرف أهل العير جميعا. وكان ميسرة يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره.
قال: وكان الله عز وجل قد ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة من ميسرة، فكان كأنه عبد لرسول الله. فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة فى ساعة الظهيرة، وخديجة فى علية لها، معها نساء فيهن نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل وهو راكب على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك.
ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبرها بما ربحوا، فسرت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بقول الراهب نسطورا، وقول الآخر الذى خالفه فى البيع. قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له. فلما استقر عندها هذا، وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى
(1/127)

يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو يقدر عليه، عرضت عليه نفسها.
فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وصيتك فى قومك وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك. فلما قالت له ذلك، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها. هكذا ذكر ابن إسحاق «1» .
وذكر الواقدى وغيره من حديث نفيسة، أن خديجة أرسلت إليه دسيسا، فدعته إلى تزوجها. فلما أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى عمها عمرو بن أسد فحضر، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عمومته فزوجه أحدهم. وقال عمرو: هذا الفحل لا يقدح أنفه.
قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة «2» . وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
قال ابن إسحاق فولدت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم، إلا إبراهيم: القاسم وبه كان يكنى والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة «3» .
فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا فى الجاهلية. وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه. هذا قول ابن إسحاق فى ذكور البنين، أنهم هلكوا فى الجاهلية «4» .
وقال الزبير بن بكار، وهو من أئمة هذا الشأن: ولدت له القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، ولد بعد النبوة ومات صغيرا «5» . وفى مسند الفريابى، ما يدل على أنه مات قبل أن يتم رضاعه وبعد النبوة.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 165- 168) .
(2) انظر: السيرة (1/ 166) .
(3) انظر: السيرة (1/ 166) .
(4) انظر: السيرة (1/ 167) .
(5) قيل: أن عبد الله يسمى الطيب والطاهر وهو ولد بعد النبوة على الصحيح وهو الذى مات بمكة صغيرا، فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع ولده فهو أبتر، يعنى النبى، فنزل فيه قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. وانظر: المختصر الصغير (68) ، تاريخ دمشق لابن عساكر (1/ 103- 108) ، ابن الجوزى فى تلقيح فهوم أهل الأثر (30) .
(1/128)

وذلك أن خديجة دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت القاسم وهى تبكى عليه، فقالت: يا رسول الله، لو كان عاش حتى تكمل رضاعته لهون على. فقال: إن له مرضعا فى الجنة تستكمل رضاعته. فقالت: لو أعلم ذلك لهون على. فقال: إن شئت أسمعتك صوته فى الجنة. فقالت: بل أصدق الله ورسوله.
قال ابن هشام «1» : وأما إبراهيم فأمه مارية سرية النبى صلى الله عليه وسلم التى أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصناء. وهى قبطية من قبط مصر، وهذا هو الصهر الذى ذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: «الله الله فى أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا» «2» .
قال مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبى عليه السلام منهم، وصهرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسرر فيهم. وفى حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» .
قال ابن إسحاق «3» : وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه.
فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبى هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبى ينتظر، هذا زمانه. أو كما قال. فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول:
حتى متى؟! وقال فى ذلك:
لججت وكنت فى الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا «4»
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظارى يا خديجا
ببطن المكتين على رجائى ... حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا «5»
بأن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 167) .
(2) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (34023) ، الهيثمى فى المجمع (10/ 63) ، السيوطى فى جمع الجوامع (9659) .
(3) انظر: السيرة (1/ 167) .
(4) النشيجا: هو البكاء مع صوت، والألف الملقحة للإطلاق.
(5) القس: هو عابد النصارى.
(1/129)

ويظهر فى البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتى إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا
ولوجا فى الذى كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجى بالذى كرهوا جميعا ... إلى ذى العرش إن سلفوا عروجا
وهل أمر السفاهة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة حروجا
وقال ورقة بن نوفل أيضا فى ذلك، وهو مما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق:
أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاك الذى وجهت يا خير حرة ... بغدو وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى فى الركاب التى غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظنى به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤى بن غالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإنى به مستبشر الود فارح
وإلا فإنى يا خديجة فاعلمى ... عن أرضك فى الأرض العريضة سائح

ذكر بنيان قريش الكعبة مع ذكر ما أحدثوه فى المناسك
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة. قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على ذلك أن السيل كان أتى من فوق الردم الذى صنعوا فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له: مليح سرق طيب الكعبة.
(1/130)

فأرادوا أن يشدوا بنيانها، وأن يرفعوا بابها، حتى لا يدخلها إلا من شاؤا وأعدوا لذلك نفقة، وعمالا، ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر من أن يمنعهم الله الذى أرادوا.
قال ابن إسحاق «1» : وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما «2» فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون فى بئر فى جوف الكعبة.
قال: وكان الذى وجد عنده الكنز دويك مولى لبنى مليح بن عمرو، من خزاعة قال ابن هشام: فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك.
قال: وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطى نجار، فتهيأ فى أنفسهم بعض ما يصلحها.
وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرف على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدخلها أحد إلا احزألت «3» وكشت «4» وفتحت فاها، فكانوا يهابونها. فبينا هى يوما تتشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها.
فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.
فلما أجمعوا أمرهم فى هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها معر بغى ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم «5» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 168) .
(2) رضما: الرضم الحجارة يجعل بعضها على بعض.
(3) احزألت: أى رفعت رأسها.
(4) كشت: صوتت باحتكاك بعض جلدها ببعض.
(5) ذكره الطبرى فى تاريخه (1/ 525) ، البيهقى فى الدلائل (2/ 61) .
(1/131)

ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليمانى لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم، وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصى، ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى، ولبنى عدى بن كعب رهو الحطيم.
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، ويقال: لم نزع اللهم إنا لا نريد إلا الخير.
ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء هدمنا، فقد رضى الله ما صنعنا.
فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر، كالأسنة آخذ بعضها بعضا.
وقال ابن إسحاق «1» : فحدثنى بعض من يروى الحديث: أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال «2» : وحدثت أن قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى الماء واللبن.
وحدثت أنهم وجدوا فى المقام كتابا فيه: مكة بيت الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا حجرا فى الكعبة قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة إن كان ما يذكر حقا، مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يرزع شرا يحصد ندامة، تعملون السيئات، وتجزون الحسنات!! أجل كما لا يجتنى من الشوك العنب.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 170- 171) .
(2) انظر: السيرة (1/ 171) .
(1/132)

قال ابن إسحاق «1» : ثم إن القبائل من قريش، جمعت الحجارة لبنيانها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تجاوزوا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد، فتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية، أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم؛ ففعلوا. فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم:
«هلم إلى ثوبا» . فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا» . ففعلوا: حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم، ثم بنى عليه «2» .
وكانت الكعبة على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، ثمانى عشرة ذراعا، كانت تكسى القباطى، ثم كسيت البرود. وأول من كساها الديباج، الحجاج بن يوسف. هذا قول ابن إسحاق «3» . وقال الزبير: أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير.
وذكر جماعة سواهما منهم الدار قطنى: أن نتلة بنت جناب، أم العباس بن عبد المطلب، كانت قد أضلت العباس يومئذ وهو صغير، فنذرت إن هى وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته.
وذكر الزبير أن الذى أضلته نتلة بنت جناب إنما هو ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس، ونذرت أن تكسو البيت إن وجدته، فكسته حين وجدته ثيابا بيضا، فالله تعالى أعلم.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 171) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 425) ، مسند أبى داود الطيالسى (113) ، مستدرك الحاكم (1/ 458) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 56، 57) ، مصنف عبد الرزاق (5/ 98، 100) ، الهيثمى فى المجمع (3/ 292) .
(3) انظر: السيرة (1/ 173) .
(1/133)

قال ابن إسحاق «1» : وكانت قريش لا أدرى أقبل الفيل أم بعده ابتدعت أمر الحمس «2» ، رأيا رأوه وأداروه.
فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطن مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم.
فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، وليس ينبغى لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذى لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
ثم ابتدعوا فى ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغى للحمس أن يأتقطوا الأقط «3» ، ولا يسألوا السمن «4» وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا فى بيوت الأدم ما كانوا حرما.
ثم رفعوا فى ذلك فقالوا: لا ينبغى لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا فى ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب أحمس فطاف فى ثيابه التى جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا، فكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى.
فحملوا على ذلك العرب فدانت به، فوقفوا على عرفات وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا ثوبا مفرجا عليها، ثم تطوف فيه.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 173- 177) .
(2) الحمس: جمع أحمس، وهو شديد الصلب.
(3) الأقط: شىء يتخذ من المخيض الغنمى، وجمعه أقطان.
(4) يسلئوا السمن: يقال سلأت السمن وأستلأته إذا طبخ.
(1/134)

فكانوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الآية [البقرة: 199] . يعنى قريشا، والناس العرب. فرفعهم فى سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وأنزل عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت، حين طافوا عند البيت عراة وحرموا ما جاؤا به من الحل من الطعام: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ الآية كلها [الأعراف: 31- 32] .
فوضع الله أمر الحمس، وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس، بالإسلام حين بعث الله به رسوله «1» . ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافق قومه على تغيير مشاعر الحج والعدول عن مواقف الناس.
قال جبير بن مطعم: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحى، وإنه لواقف على بعيره بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من الله له «2» .
وقد تقدم ما أحدثوه فى النسىء، وما أبطل الله من حكمه بقوله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: 37] ، فأغنى ذلك عن إعادته.

ذكر ما حفظ عن الأحبار والرهبان والكهان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه سوى ما تقدم من ذلك مع ذكر شىء مما سمع من ذلك عند الأصنام أو هتفت به الهواتف
قال ابن إسحاق «3» : وكانت الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، فعما وجدوا فى كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 177) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (2/ 305) .
(3) انظر: السيرة (1/ 177- 182) .
(1/135)

وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين فيما تسترق من السمع، إذ كانت لا تحجب عن ذلك، وكان الكاهن والكاهنة، لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقى العرب لذلك فيه بالا، حتى بعثه الله ووقعت تلك الأمور التى كانوا يذكرون فعرفوها.
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه، حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد فيها لاستراقه، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله فى العباد.
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن: 1، 10] .
فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحى بشىء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه، لوقوع الحجة وقطع الشبهة، فآمنوا به وصدقوا. ثم: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: 29، 30] .
وقول الجن: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ الآية [الجن:
6] ، هو أن الرجل من العرب من قريش وغيرهم كان إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه قال: إنى أعوذ بعزيز هذا الوادى من الجن الليلة من شر ما فيه.
وذكر «1» أن أول العرب فزع للرمى بالنجوم، حين رمى بها، ثقيف، وأنهم جاؤا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية، أحد بنى علاج، وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث فى السماء من القذف بهذه النجوم؟.
قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها فى البر والبحر، وتعرف
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 179) .
(1/136)

بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس فى معايشهم، هى التى يرمى بها فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذى فيها.
وإن كانت نجوما غيرها، وهى ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق.
فما هو؟!.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار: «ما كنتم تقولون فى هذا النجم الذى يرمى به؟» . قالوا: يا نبى الله، كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملّك ملك ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك كذلك، ولكن الله تبارك وتعالى، كان إذا قضى فى خلقه أمرا سمعه حملة العرش فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحوا. ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم. فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى الله فى خلقه كذا وكذا؟ للأمر الذى كان. فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهى إلى السماء الدنيا، فيتحدثوا به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان فيخطئون بعضا ويصيبون بعضا، ثم إن الله حجب الشياطين بهذه النجوم التى يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة» «1» .
وذكر أبو جعفر العقيلى بإسناد له، إلى لهيب بن مالك اللهبى قال: حضرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبى أنت وأمى نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له: خطر بن مالك، وكان شيخا كبيرا، قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة، وكان من أعلم كهاننا، فقلنا: يا خطر، هل عندك علم من هذه النجوم التى يرمى بها؟ فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها.
فقال: ائتونى بسحر، أخبركم الخبر، ألخير أم ضرر، ولأمن أو حذر. قال: فانصرفنا عن يومنا، فلما كان من غد فى وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص فى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطر، يا خطر. فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا.
__________
(1) أخرجه مسلم فى صحيحه كتاب السلام باب تحريم الكهانة (571) ، الترمذى فى سننه (3224) ، الإمام أحمد فى المسند (1/ 218) ، البيهقى فى الدلائل (2/ 236، 237) .
(1/137)

فانقض نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعا صوته: أصابه أصابه، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويحه ما حاله، بلبله بلباله، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله.
ثم أمسك طويلا وقال: يا معشر بنى قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسمت بالكعبة والأركان، والبلد المؤتمن السدان، لقد منع السمع عتاة الجان، بثاقب، بكف ذى سلطان من أجل مبعوث عظيم الشأن يبعث بالتنزيل والقرآن وبالهدى وفاصل الفرقان، تبطل به عبادة الأوثان. قال: فقلنا: يا خطر، إنك لتذكر أمرا عظيما، فماذا ترى لقومك؟. فقال:
أرى لقومى ما أرى لنفسى ... أن يتبعوا خير بنى الإنس
برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث فى مكة دار الحمس
بمحكم التنزيل غير اللبس
فقلنا له: يا خطر، وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما فى حلمه طيش ولا فى خلقه هيش يكون فى جيش وأى جيش! من آل قحطان وآل أيش. فقلنا:
بين لنا من أى قريش هو؟. فقال: والبيت ذى الدعائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم. ثم قال: هذا هو البيان، أخبرنى به رئيس الجان. ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ثم سكت وأغمى عليه، فما أفاق إلا بعد ثالثة، فقال: لا إله إلا الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، لقد نطق عن مثل نبوة، وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده» .
قال ابن إسحاق «1» : وحدثنى بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم يقال لها الغيطلة، كانت كاهنة فى الجاهلية، جاءها صاحبها ليلة من الليالى فانقض تحتها «2» ، ثم قال: بدر ما بدر، يوم عقر ونحر. فقالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها، ثم قال: شعوب ما شعوب، تصرع فيه كعب لجنوب. فلما بلغ
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 180) .
(2) انقض تحتها: أى تكلم بصوت خفى.
(1/138)

ذلك قريشا، قالوا: ماذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو. فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه كان الذى جاء به إلى صاحبته.
قال «1» : وحدثنى على بن نافع الجرشى أن جنبا «2» بطنا من اليمن، كان لهم كاهن فى الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر فى العرب قالت له جنب: انظر لنا فى أمر هذا الرجل. واجتمعوا له فى أسفل جبله.
فنزل عليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو ثم قال: أيها الناس، إن الله أكرم محمدا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل. ثم أسند فى جبله راجعا من حيث جاء.
وحدثنى من لا أتهم «3» ، أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس فى الناس فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجل من العرب يريد عمر، فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه ما فارقه، أو لقد كان كاهنا فى الجاهلية، فسلم عليه الرجل، ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فهل كنت كاهنا فى الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين! لقد خلت فى واستقبلتنى بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت، فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا فى الجاهلية على شر من هذا، نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام، قال:
نعم، والله يا أمير المؤمنين، لقد كنت كاهنا فى الجاهلية. قال: فأخبرنى، ما جاء به صاحبك، قال: جاءنى قبيل الإسلام بشهر أو شيعه، فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها «4» وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص «5» وأحلاسها «6» !.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 180) .
(2) جنبا: جنب من مزحش وهم عبد الله، وأنس الله، وزيد الله، وأوس الله، وجعفى والحكم وجروة بنو سعد العشيرة بن مزحش، ومزحش هو مالك بن أدد وسموا جنبا لأنهم جانبوا بنى عمهم صداء ويزيد ابنى سعد العشيرة بن مزحش.
(3) انظر: السيرة (1/ 181) .
(4) إبلاسها: أبلس الرجل إذا سكت ذليلا أو مغلوبا.
(5) القلاص: القلاص من الإبل: الفتية.
(6) أحلاسها: جمع حلاس، وهو كساء جلد يوضع على ظهر البعير ثم يوضع عليه الرجل ليقيه من الدبر.
(1/139)

قال ابن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر، وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر:
عجبت للجن وإبلاسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمن الجن كأنجاسها
فقال عمر رضى الله عنه، عند ذلك، يحدث الناس: والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية فى نفر من قريش، قد ذبح لهم رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت قط أنفذ منه، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح أمر نجيح، رجل يصيح يقول: لا إله إلا الله «1» .
قال ابن هشام: ويقال: رجل يصيح بلسان فصيح يقول: لا إله إلا الله. وهذا الرجل الذى ظن به عمر رضى الله عنه، ما ظن، هو سواد بن قارب الدوسى «2» ، وكان يتكهن فى الجاهلية.
وقد ذكر خبره غير ابن إسحاق، فساقه سياقة أحسن من هذه وأتم، وذكر فيه أنه كان نائما على جبل من جبال السراة ليلة من الليالى، فأتاه آت، فضربه برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤى بن غالب. قال: فرفعت رأسى وجلست فأدبر وهو يقول:
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذنابها «3»
وأتاه فى الليلة الثانية، فضربه برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤى بن غالب. قال: فرفعت رأسى وجلست، فأدبر وهو يقول:
عجبت للجن وأخبارها ... ورحلها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل كفارها
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى فى كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام عمر، رضى الله عنه (7/ حديث رقم 3866) .
(2) هو: سواد بن قارب الدوسى. كذا قال الكلبى، وقال ابن أبى خيثمة: سواد بن قارب سدوسى من بنى سدوس. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1114) ، الإصابة الترجمة رقم (3596) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2334) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 248) ، الوافى بالوفيات (16/ 35) ، التاريخ الكبير (4/ 202) ، الأعلام (3/ 144) .
(3) انظر الأبيات فى: الاستيعاب (2/ 224) .
(1/140)

فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأدبارها
وأتاه فى الليلة الثالثة بعدما نام، فضربه برجله وقال: قم يا سواد بن قارب أتاك رسول الله صلى الله عليه وسلم من لؤى بن غالب قال: فرفعت رأسى فجلست، فأدبر وهو يقول:
عجبت للجن وإبلاسها ... ورحلها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... وارم بعينيك إلى رأسها
قال: فلما أصبحت اقتعدت بعيرى فأتيت مكة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر، فأخبرته الخبر وبايعته. وفى بعض طرق حديثه أنه أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا منه فى معنى ما جاءه به رئيه «1» :
أتانى رئى بعد هدء وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤى بن غالب
فرفعت أذيال الإزار وشمرت ... بى العرمس الوجنا هجول السباسب
فأشهد أن الله لا شىء غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك من وحى ربنا ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائب
وكن لى شفيعا حين لا ذو قرابة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
ولسواد بن قارب هذا مقام حميد فى قومه دوس، حين بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يثبتهم فى الدين ويحضهم على التمسك بالإسلام، سنذكره إن شاء الله مع نظائره بعد استيفاء الخبر عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر الواقدى بإسناد له قال: كان أبو هريرة يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا، وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم، فيقال لأبى هريرة: هل كنت أنت تفعل ذلك؟ فيقول: قد والله فعلت فأكثرت، فالحمد لله الذى تنقذنى بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قال أبو هريرة: فبينا الخثعميون عند صنمهم إذ سمعوا هاتفا يهتف:
يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ومسندو الحكم إلى الأصنام
أكلكم أوره كالكهام
__________
(1) ذكرها فى الاستيعاب (2/ 224) .
(1/141)

ألا ترون ما أرى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام
ذاك نبى سيد الأنام ... من هاشم فى ذروة السنام
مستعلن بالبلد الحرام ... جاء بهدم الكفر بالإسلام
أكرمه الرحمن من إمام
قال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا، فلم تمض بهم ثالثة حتى فجأهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ظهر بمكة. قال: فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامهم ورأوا عبرا عند صنمهم.
وذكر الواقدى أيضا أن رجلا من الأنصار حدث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: انطلقت أنا وصاحبان لى نريد الشام، حتى إذا كانا بقفرة من الأرض نزلنا بها، فبينا نحن كذلك لحقنا راكب، فكنا أربعة وقد أصابنا سغب شديد، والتفت فإذا أنا بظبية عضباء ترتع قريبا منى فوثبت إليها. فقال الرجل الذى لحقنا: خل سبيلها، لا أبا لك، والله لقد رأيتنا ونحن نسلك هذا الطريق ونحن عشرة أو أكثر فيختطف بعضنا بعضا، فما هو إلا أن كانت هذه الظبية فما يهاج بها أحد.
فأبيت وقلت: لا لعمر الله لا أخليها، فارتحلنا وقد شددتها معى، حتى إذا ذهب سدف من الليل إذا هاتف يهتف بنا ويقول:
يا أيها الركب السراع الأربعه ... خلوا سبيل النافر المفزعه
خلوا عن العضباء فى الوادى سعه ... لا تذبحن الظبية المروعه
فيها لأيتام صغار منفعه
قال: فخليت سبيلها، ثم انطلقنا حتى أتينا الشام، فقضينا حوائجنا، ثم أقبلنا حتى إذا كنا بالمكان الذى كنا فيه هتف بنا هاتف من خلفنا:
إياك لا تعجل وخذها من ثقه ... فإن شر السير سير الحقحقه
(1/142)

قد لاح نجم فأضاء مشرقه ... يخرج من ظلما عسوف موبقه
ذاك رسول مفلح من صدقه ... الله أعلى أمره وحققه
قال الرجل: فأتيت مكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام. فقال عمر: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وروينا عن أبى المنذر هشام بن محمد الكلبى بإسناد متصل إليه قال: لقيت شيوخا من شيوخ طيئ المقدمين، فسألتهم عن قصة مازن يعنى مازن بن الغضوبة الطائى، وسبب إسلامه ووفوده على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقطاعه أرض عمان، وذلك بمن الله وفضله.
وكان مازن بأرض عمان بقرية تدعى سنابل. قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، وهى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن أقبل أقبل، فاسمع ما لا تجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعزل، عن حر نار تشعل، وقودها بالجندل.
قال مازن: فقلت: إن هذا والله لعجب، ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا أبين من الأول، وهو يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبى من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حر سقر.
قال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب وإنه لخير يراد بى، وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال: خرج بتهامة رجل يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله، يقال له: أحمد.
فقلت: هذا والله نبأ ما سمعت. فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وشددت راحلتى ورحلت، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لى الإسلام فأسلمت، فأنشأت أقول:
كسرت ياجر أجذاذا وكان لنا ... ربا نطيف به ضلا بتضلال
بالهاشمى هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منا على بال
يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها ... أنى لمن قال ربى ياجر قالى
وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر وبالهلوك إلى النساء، وألحت على السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحياء، ويهب لى ولدا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «اللهم أبدله
(1/143)

بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وآتهم بالحياء، وهب له ولدا» «1» .
قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لى حيان بن مازن، وأنشأت أقول:
إليك رسول الله سقت مطيتى ... تجوب الفيافى من عمان إلى العرج
لتشفع لى يا خير من وطئ الحصى ... فيغفر لى ربى فأرجع بالفلج
إلى معشر خالفت فى الله دينهم ... فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجى
وكنت امرأ بالزغب والخمر مولعا ... شبابى حتى أذن الجسم بالنهج
فأصبحت همى فى جهاد ونيتى ... فلله ما صومى ولله ما حجى
ومما يلحق بهذا الباب من حسان أخبار الكهان وإن كان بعد المبعث بزمان ولكنه يجتمع مع الأحاديث السابقة فى الدلالة على صدق الرسول، والإعلام بالغيب المجهول، والإرشاد إلى سواء السبيل، ما ذكره أبو على إسماعيل بن القاسم فى أماليه بإسناد له إلى ابن الكلبى عن أبيه قال:
كان خنافر بن التوأم الحميرى كاهنا، وكان قد أوتى بسطة فى الجسم وسعة فى المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن على النبى صلى الله عليه وسلم وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر فحالف جودان بن يحيى الفرضمى، وكان سيد منيعا، ونزل بواد من أودية الشحر مخصب كثير الشجر من الأيك والعرين.
قال خنافر: وكان رئيى فى الجاهلية لا يغيب عنى، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءنى ذلك، فبينا أنا ليلة فى ذلك الوادى نائما إذ هوى هوى العقاب، فقال خنافر: قلت شصار؟ فقال: اسمع أقل. قلت: أسمع. فقال: عه تغنم، لكل مدة نهاية وكل ذى أمد إلى غاية. قلت: أجل. فقال: كل دولة إلى أجل ثم يتاح لها حول، انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير موصول والنصح لك مبذول.
إنى آنست بأرض الشام نفرا من أهل العزام حكاما على الحكام يذكرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا بالسجع المتكلف فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت، فقلت: بم تهينمون وإلام تعتزون؟ فقالوا: خطاب كبار جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار تنج من أوار النار.
قلت: وما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، ابتعث
__________
(1) أخرجه البيهقى فى الدلائل (2/ 36، 256) ، الهيثمى فى المجمع (8/ 248) .
(1/144)

فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر.
فقلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قالوا: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر. فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل نجس كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق عن لا تلاق.
قلت: من أين أبغى هذا الدين؟ قال: من ذات الإحرين والنفر الميامين أهل الماء والطين. قلت: أوضح. قال: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهنالك أهل الفضل والطول والمواساة والبذل.
ثم أملس عنى فبت مذعورا أراعى الصباح، فلما برق لى النور امتطيت راحلتى وآذنت أعبدى واحتملت بأهلى، حتى وردت الجوف فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقايها، وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت فيها معاذ بن جبل أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعته على الإسلام، وعلمنى من القرآن. فمن الله على بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة، وقلت فى ذلك:
ألم تر أن الله عاد بفضله ... فأنقذ من لفح الزخيخ خنافرا
وكشف لى عن حجمتى عماهما ... وأوضح لى نهجى وقد كان داثرا
دعانى شصار للتى لو رفضتها ... لصليت جمرا من لظى الهوب واهرا
فأصبحت والإسلام حشو جوانحى ... وجانبت من أمسى عن الحق نائرا
وكان مضلى من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا
نجوت بحمد الله من كل قحمة ... تؤرث هلكا يوم شايعت شاصرا
فقد أمنتنى بعد ذاك يحابر ... بما كنت أغشى المنديات يحابرا
فمن مبلغ فتيان قومى ألوكة ... بأنى من أقتال من كان كافرا
عليكم سواء القصد لا فل حذكم ... فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا
وذكر ابن هشام أن بعض أهل العلم حدثه، أنه كان لمرداس أبى عباس بن مرداس السلمى وثن يعبده، وهو حجر يقال له: ضمار، فلما حضر مرداسا الموت قال لعباس:
أى بنى اعبد ضمار، فإنه ينفعك ويضرك. فبينما العباس يوما عند ضمار، إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول:
قل للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد
(1/145)

إن الذى ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى
أودى ضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب إلى النبى محمد
فحرق العباس ضمار، ولحق بالنبى صلى الله عليه وسلم فأسلم. والأخبار فى هذا الباب مما نقل من ذلك عن الكهان، أو سمع عند الأصنام، أو هتفت به هواتف الجان كثيرة جدا، وقد أتينا منها بما استحسناه مما ذكره ابن إسحاق، أو ذكره سواه.
قال ابن إسحاق «1» : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله لنا وهداه، لما كنا نسمع من أحبار يهود.
كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به، فبادرنا إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية من البقرة: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: 89] «2» .
قال «3» : وحدثنى صالح بن إبراهيم، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان من أصحاب بدر، قال كان لنا جار من يهود فى بنى عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الأشهل، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم. قال: نعم والذى يحلف به: ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور فى الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجو من تلك النار غدا، فقالوا له: ويحك يا فلان، وما آية ذلك؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلى، وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 182) .
(2) أخرجه الطبرى فى تفسيره (1/ 325) ، ابن كثير فى تفسيره (1/ 178) .
(3) انظر: السيرة (1/ 183) .
(1/146)

قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. فقلنا له: ويحك يا فلان! ألست بالذى قلت لنا فيه ما قلت؟! قال: بلى، ولكن ليس به! «1» .
قال «2» : وحدثنى عاصم بن عمر، عن شيخ من بنى قريظة، قال: قال لى: هل تدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من هدل إخوة بنى قريظة كانوا معهم فى جاهليتهم، ثم كانوا ساداتهم فى الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال:
فإن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهيبان، قدم علينا قبل الإسلام بيسير، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدى مخرجكم صدقة. فنقول له: كم؟ فيقول: صاعا من تمر أو مدين من شعير. فنخرجهما ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا فيستسقى لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، ثم حضرته الوفاة عندنا. فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترون أنه أخرجنى من أرض الخمر والحمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم.
قال: فإنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.
فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية، وكنا شبابا أحداثا: يا بنى قريظة، والله إنه للنبى الذى عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم «3» . قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود.
قال «4» : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى، عن محمود، عن ابن عباس، قال: حدثنى سلمان الفارسى من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (3/ 467) .
(2) انظر: السيرة (1/ 183- 184) .
(3) أخرجه البيهقى فى الدلائل (2/ 80- 81) ، وذكره ابن سيد الناس فى عيون الأثر (1/ 131) .
(4) انظر: السيرة (1/ 184- 185) .
(1/147)

أهل قرية يقال لها: جى، وكان أبى دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، لم يزل به حبه إياى حتى حبسنى فى بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت فى المجوسية حتى كنت قطن النار الذى يوقدها، ولا يتركها تخبو ساعة، وكانت لأبى ضيعة عظيمة، فشغل فى بنيان له يوما، فقال لى: يا بنى، إنى قد شغلت فى بنيانى هذا اليوم عن ضيعتى، فاذهب إليها فاطلعها. وأمرنى فيها ببعض ما يريد، ثم قال لى: ولا تحتبس عنى، فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتى وشغلتنى عن كل شىء من أمرى، فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس، لحبس أبى إياى فى بيته.
فلما سمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذى نحن عليه. فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أى بنى أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟! قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون فى كنيسة لهم فأعجبنى ما رأيت فى دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.
قال: أى بنى ليس فى ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، فقلت له: كلا والله، إنه لخير من ديننا، قال: فخافنى، فجعل فى رجلى قيدا ثم حبسنى فى بيته، وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبرونى بهم، فقدم عليهم تجار من النصارى، فأخبرونى. فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذنونى بهم.
قال: فلما أرادوا الرجعة أخبرونى بهم، فألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا: الأسقف فى الكنيسة. فجئته فقلت له: إنى قد رغبت فى هذا الدين، وأحببت أن أكون معك وأخدمك فى كنيستك، وأتعلم منك، وأصلى معك. قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق. فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات. واجتمعت النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء،
(1/148)

يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا. فقالوا لى: وما علمك بذلك. فقلت: أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها، قالوا: والله لا ندفنه أبدا.
فصلبوه ورجموه بالحجارة.
وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس، رأى أنه أفضل منه، أزهد فى الدنيا ولا أرغب فى الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا منه، فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنى كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى، وبم تأمرنى.
فقال: أى بنى، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل «1» وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصانى عند موته أن ألحق بك، وأخبرنى أنك على أمره. فقال لى: أقم عندى.
فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه. فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك، وأمرنى باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى؟ وبم تأمرنى؟ فقال: يا بنى، والله ما أعلم رجلا على ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين «2» ، وهو فلان فالحق به.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى، وما أمرنى به صاحبى فقال: أقم عندى. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى: وبم تأمرنى.
__________
(1) الموصل: فى الجانب الغربى من دجلة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها وصلت بين الفرات ودجلة، وشراب أهلها من ماء الدجلة. انظر: الروض المعطار (ص 563) ، نزهة المشتاق (199) .
(2) نصيبين: مدينة فى ديار ربيعة العظمى، وهى من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، وهى قديمة عظيمة كثيرة الأنهار، ولها نهار عظيم، يقال له الهرماس عليه قناطر حجارة، وأهلها قوم من ربيعة من بنى تغلب، وافتتحها عياض بن غنم الفهرى فى خلافة عمر رضى الله عنه سنة ثمان عشرة، وكانت مدينة رومية، فلما افتتحها عياض أسكنها المسلمين. انظر: الروض المعطار (ص 577) ، نزهة المشتاق (199) ، آثار البلاد (467) .
(1/149)

قال: يا بنى، والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه، إلا رجلا بعمورية «1» من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته. فلما مات وغيب، لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبرى، فقال: أقم عندى.
فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة، ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان، إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى؟
وبم تأمرنى؟.
قال: أى بنى، والله ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين «2» بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل. ثم مات وغيب.
فمكثت بعمورية، ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بى نفر من كلب تجار. فقلت لهم:
احملونى إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتى هذه وغنيمتى هذه، فقالوا: نعم.
فأعطيتهموها وحملونى معهم، حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلمونى، فباعونى من رجل يهودى عبدا، فكنت عنده فرأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحق فى نفسى.
فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فاحتملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبى فأقمت بها.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر، مع ما أنا فيه من شغل الرق.
ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إنى لفى رأس عذق لسيدى أعمل له فيه بعض العمل، وسيدى جالس تحتى، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه. فقال: يا فلان قاتل الله بنى قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى.
__________
(1) عمورية: فى بلاد الروم من ناحية بلاد طوس وتفسيره المشرق، وهى مدينة كبيرة مشهورة فى بلاد الروم وبلاد المسلمين، أزلية، غير أن الفتوح تتوالى عليها من عهد المسلمين والروم، ولها سور حصين، وهى على نهر كبير يصب فى الفرات، ومنها الطريق إلى طرسوس، وبين عمورية والخليج مائة وخمسة وسبعين ميلا، وكانت منزلا لبعض ملوك الروم. انظر: الروض المعطار (ص 413، 414) ، نزهة المشتاق (260) .
(2) حرتين: الحرة كل أرض ذات حجارة سود متشيطة من أثر احتراق بركانى.
(1/150)

فلما سمعتها أخذتنى العرواء حتى ظننت أنى سأسقط على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا، أقبل على عملك. فقلت: لا شىء إنما أردت أن أستثبته عما قال.
وقد كان عندى شىء جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شىء كان عندى للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «كلوا» . وأمسك يده فلم يأكل.
فقلت فى نفسى: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئا، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها. فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه.
فقلت فى نفسى هاتان ثنتان. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع «1» الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه، على شملتان لى وهو جالس فى أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبى؟ فلما رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستدير به، عرف أنى أستثبت فى شىء وصف لى، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى. فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحول» . فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يا ابن عباس.
فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق، حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب يا سلمان» . فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير «2» وأربعين أوقية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعينوا أخاكم» فأعانونى بالنخل، الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت إلى ثلاثمائة ودية، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتنى، أكن أنا أضعها بيدى» .
__________
(1) بقيع: أصل البقيع فى اللغة الموضع الذى فيه أروم الشجر من ضروب شتى وبه سمى بقيع الغرقد، والغرقد كبار العوسج وهو مقبرة أهل المدينة، وهى داخل المدينة. انظر: معجم البلدان (1/ 473) .
(2) أحييها له بالفقير: أى بالحفر والغرس، بفقرات الأرض إذا حفرتها، ومنها سميت البئر فقرا.
(1/151)

ففقرت وأعاننى أصحابى حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج معى إليها، فجعلنا نقرب إليه الودى ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغت. فو الذى نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقى على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسى المكاتب فدعيت له فقال:
«خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان» . قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما على؟! قال:
«خذها فإن الله سيؤدى بها عنك» . فأخذتها فوزنت لهم منها، والذى نفس سلمان بيده، أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرا. ثم لم يفتنى معه مشهد «1» .
وعن سلمان أنه قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذى على يا رسول الله؟! أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه. ثم قال: «خذها فأوفهم منها» . فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية «2» .
وعنه أيضا أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره خبره: أن صاحب عمورية قال له:
أيت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين، يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا، يعترضاه ذوو الأسقام. فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى، فسله عن هذا الدين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه.
قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس مرضاهم، لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبونى عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل، إلا منكبه فتناولته فقال: من هذا؟ والتفت إلى، فقلت:
يرحمك الله أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم. قال: إنك لتسأل عن شىء ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبى يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فائته فهو يحملك عليه.
ثم دخل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت صدقتنى يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم» «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 443) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 335) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (1/ 169) ، المعجم الكبير للطبرانى (6065) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 444) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 336) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 310) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (1/ 365) ، طبقات ابن سعد (4/ 1/ 57) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 314) .
(1/152)

ومن حديث غير ابن إسحاق، عن أبى سفيان بن حرب قال: خرجت أنا وأمية بن أبى الصلت، وآخر سقط اسمه من كتابى، تجارا إلى الشام. قال أبو سفيان: فكلما نزلنا منزلا أخرج أمية سفرا يقرأه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا بقرية من قرى النصارى، فرأوه وعرفوه وأهدوا له فذهب معهم إلى بيعتهم، ثم رجع فى وسط النهار، فطرح ثوبيه، واستخرج ثوبين أسودين، فلبسهما ثم قال: يا أبا سفيان، هل لك فى عالم من علماء النصارى إليه تناهى علم الكتب تسله عما بدا لك؟. قال: قلت لا أرب لى فيه، والله لئن حدثنى ما أحب لا أثق به، ولئن حدثنى ما أكره لأوجلن منه.
قال: وذهب يخالفه شيخ من النصارى، فدخل علينا فقال، يعنى له وللآخر الذى كان معه: ما منعكما أن تذهبا إلى هذا الشيخ؟ قلنا: لسنا على دينه. قال: وإن، فإنكما تسمعان عجبا وتريانه. قال: قلنا: لا أرب لنا فى ذلك. قال أثقفيان أنتما؟ قلنا: لا ولكن من قريش. قال: فما منعكما من الشيخ، فو الله إنه ليحبكم ويوصى بكم.
وخرج من عندنا، ومكث أمية عنا حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فو الله ما قام ولا نام حتى أصبح. قال: فأصبح كئيبا حزينا، ساقطا غبوقه على صبوحه ما يكلمنا، ثم قال: ألا ترحلان؟ قلنا: وهل بك من رحيل؟ قال:
نعم، فارحلا.
فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين من همه وبثه. ثم قال ليلة: ألا تحدث يا أبا سفيان؟ قلت:
وهل بك من حديث! فو الله ما رأيت مثل الذى رجعت به من عند صاحبك. قال: أما إن ذلك شىء لست فيه إنما ذلك شىء وجلت به من منقلبى. قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إى والله لأموتن ولأحاسبن. قلت: فهل أنت قابل أمانى؟ قال: وعلى ماذا؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب؛ فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان لنبعثن ولنحاسبن، وليدخلن فريق فى الجنة وفريق فى النار. قلت: فى أيتهما أنت أخبرك صاحبك. قال: لا علم لصاحبى بذلك فى ولا فى نفسه.
فكنا فى ذلك ليلتنا، يعجب منا ونضحك منه، حتى قدمنا غوطة دمشق وإياها كنا نريد، فبعنا متاعنا وأقمنا بذلك شهرين، ثم ارتحلنا حتى نزلنا بتلك القرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤه فأهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاءنا مع نصف النهار، فلبس ثوبيه الأسودين، فذهب ولم يدعنا إليه كما دعانا أول مرة، ثم جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم رمى بنفسه على فراشه فو الله ما نام ولا قام، فأصبح
(1/153)

مبثوثا حزينا، لا يكلمنا ولا نكلمه ثم قال لى: ألا ترحلان؟ قلت: بلى إن شئت. قال:
فارحلا.
فرحلنا فسرنا كذلك من بثه وحزنه ليالى. ثم قال لى ليلة: يا أبا سفيان، هل لك فى المسير؟ وتخلف هذا الغلام يستأنس بأصحابنا ويستأنسون به؟ قلت له: ما شئت. قال:
فسر. فسرنا حتى برزنا. قال: هى يا صخر!. قلت: ما لك؟. قال: هى عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: إى والله. قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟
قلت: نعم ويصل الرحم ويأمر بصلتها. قال: وكريم الطرفين، واسط فى العشيرة؟
قلت: كريم الطرفين واسط فى العشيرة. قال: فهل تعلم قرشيا أشرف منه؟ قلت: لا والله ما أعلم. قال: ومحوج هو؟ قلت: لا بل ذو مال. قال: فكم أتى له؟ قلت: هو ابن سبعين نظر إليها قد قاربها، هو لها، هو ابنها. قال: فالسن والشرف أزريا به؟ قلت:
وما لهما أزريا به؟ لا والله بل هما زاداه خيرا. قال: هو ذاك هل لك فى المبيت؟ قلت:
هل لك فيه حاجة؟ قال: فاضطجعنا. حتى مر الثقل فسرنا حتى نزلنا فكنا فى المنزل وبتنا.
ثم رحلنا، فلما كان الليل قال: يا أبا سفيان. قلت: لبيك. قال: هل لك فى البارحة؟ قلت: هل لى. قال: فسرنا على ناقتين ناجيتين، حتى إذا برزنا قال: يا صخر، إيه عن عتبة. قلت: إيه عنه. قال: أيجتنب المحارم والمظالم ويأمر بصلة الرحم ويصلها؟
قلت: ويفعل. قال: ومحوج؟ قلت: ومحوج.
قال: هل تعلم قرشيا أسود منه؟ قلت: والله ما أعلمه. قال: أو كم أتى له؟ قلت:
سبعون هو لها هو ابنها قد واقعها. قال: فإن السن والشرف أزريا به. قلت: لا والله ما أزريا به ولكنهما زاداه، وأنت قائل شيئا فقله. قال: والله لا تذكر حديثى حتى يأتى ما هو آت. قلت: والله لا أذكره. قال: الذى رأيت أصابنى فإنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء. قلت: أخبرنى عن هذا النبى الذى ينتظر؟ قال: هو رجل من العرب. قلت:
قد علمت فمن أى العرب؟ قال: هو من أهل بيت تحجه العرب. قلت: فينا بيت تحجه العرب. قال: لا، هم إخوتكم وجيرانكم من قريش. قال: فأصابنى والله شىء ما أصابنى مثله قط. وخرج من يدى فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو.
قلت: فإذا كان ما كان فصفه لى؟ قال: بلى، هو شاب حين دخل فى الكهولة بدء أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج ليس ينازع
(1/154)

شرفا كريم الطرفين، متوسط فى العشيرة أكثر جنده من الملائكة قلت: وما آية ذلك؟
قال: قد رجف بالشام منذ هلك عيسى ابن مريم ثمانون رجفة كلها فيهم مصيبة عامة، وبقيت رجفة عامة، فيها مصيبة يخرج على أثرها.
قال أبو سفيان: قلت: وإن هذا هو الباطل، لئن بعث الله رسولا، لا يأخذه إلا شريفا مسنا. قال: والذى يحلف به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان. هل لك فى المبيت. فبتنا حتى مر بنا الثقل، فرحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا الخبر من خلفنا:
أصاب الشام بعدكم رجفة دمر أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة. قال: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: أرى والله ما أظن صاحبك إلا صادقا.
وقدمنا مكة فقضيت ما كان معى، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة تاجرا، فمكثت بها خمسة أشهر، ثم أقبلت حتى قدمت مكة فبينا أنا فى منزلى، جاءنى الناس يسلمون على، حتى جاءنى فى آخرهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وعندى هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم على ورحب بى وسألنى عن سفرى ومقدمى، ثم انطلق.
فقلت: والله إن هذا الفتى لعجب، ما جاءنا أحد من قريش له معى بضاعة، إلا سألنى عنها وما بلغت وو الله إن له معى لبضاعة، ما هو بأغناهم عنها، ثم ما سألنى فقالت: أو ما علمت بشأنه؟ قلت وفزعت: ما شأنه؟! قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله. قال:
فوقذنى ذلك وذكرنى قول النصرانى، ووجمت حتى قالت لى: ما لك؟ فانتبهت وقلت:
إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقوله، ويؤتى عليه وإن له لصاحبة معه على أمره. قلت: هو والله باطل.
فخرجت فبينا أنا أطوف إذ لقيته، فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان فيها خير، فأرسل إليها فخذها، ولست آخذا فيها ما آخذ من قومك قال: فإنى غير آخذها حتى تأخذ منى ما تأخذ من قومى. قلت: ما أنا بفاعل. قال: فو الله إذا لا آخذها. قلت:
فأرسل إليها. فأخذت منها ما كنت آخذ، وبعثت إليه ببضاعته.
ولم أنشب أن خرجت تاجرا إلى اليمن فقدمت الطائف فنزلنا على أمية، فتغديت معه ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصرانى؟ قال: أذكره. قلت: فقد كان، قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند. قال:
فالله يعلم أنه تصبب عرقا ثم قال: يا أبا سفيان لعله، وإن صفته لهيه، ولئن ظهر وأنا حى لأبلين الله فى نصرته عذرا.
(1/155)

ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءنى هناك استهلاله، وأقبلت حتى قدمت الطائف فنزلنا على أمية بن أبى الصلت. قلت: قد كان من هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت.
قال: قد كان. قلت: فأين أنت؟ قال: ما كنت لأومن برسول ليس من ثقيف! قال أبو سفيان: فأقبلت إلى مكة وو الله ما أنا منه ببعيد حتى جئت فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟! ودخلنى ما دخل الناس من النفاسة.
ووقع فى هذا الحديث من قول أبى سفيان: أن عتبة بن ربيعة ذو مال، ووقع بعد ذلك من قول أبى سفيان أيضا أنه محوج، ولا يصح أن يجتمع الأمران، وأحدهما غلط من الناقل، والله أعلم.
والمشهور من حال عتبة أنه كان فقيرا وكان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال. وأما أمية بن أبى الصلت فرجل من ثقيف، لم يرض دين أهل الجاهلية، ولا وفقه الله للدخول فى السمحة الحنيفية.
فكان كما روى عن عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمية بن أبى الصلت فقال: «أوتى علما فضيعه» . وكما روى عن الحسن وقتادة أنهما قالا فى قول الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ [الأعراف: 175] أنه أمية بن أبى الصلت.
ولغيرهما من العلماء فى المعنى بهذه الآية قول أشهر من هذا، وهو أن المراد بها بلعام بن باعوراء، فالله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق «1» : واجتمعت قريش يوما فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه، وينحرون له، ويعكفون عنده، فخلص منهم أربعة نفر نجيا «2» ، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض.
قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شىء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع!!. يا قوم: التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شىء.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 191- 192) .
(2) نجى: النجى جماعة يتحدثون سرا يخفون حديثهم عن غيرهم، وهو لفظ يستوى فيه الواحد والاثنان والجماعة.
(1/156)

فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية، واتبع الكتب من أهلها. وذكر الزبير بن أبى بكر بإسناد له إلى عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل.
فقال: «لقد رأيته فى المنام عليه ثياب بيض، فقد أظن أن لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض» . وكان يذكر الله فى شعره فى الجاهلية، ويسبحه وهو الذى يقول:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلها غير خالقكم ... فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذى العرش سبحانا يدوم له ... رب البرية فرد واحد صمد
سبحان ذى العرش سبحانا نعود له ... وقبل سبحه الجودى والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له ... لا ينبغى أن ينادى ملكه أحد
لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد
أين الملوك التى كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
وفى هذا الشعر ألفاظ عن غير الزبير، والبيت الأخير كذلك، وفيه أبيات تروى لأمية بن أبى الصلت.
قال ابن إسحاق «1» : وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان مسلمة، فلما قدماها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة، وكان حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: فقحنا وصأصأتم. أى أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد.
وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.
وذكر الزبير: أن قيصر ملكه على أهل مكة، وكتب له إليهم كتابا. فأنفت قريش أن يدنيوا لأحد، وصاح فيه ابن عمه أبو زمعة الأسود بن المطلب بن أسد والناس فى الطواف: إن قريشا لقاح لا تملك ولا تملك فمضت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 192) .
(1/157)

ما جاء يطلب، فرجع إلى قيصر ومات بالشام مسموما. يقال: سمه عمرو بن حفنة الغسانى الملك، وكان يقال لعثمان: هذا البطريق، ولا عقب له.
قال ابن إسحاق «1» : وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان، والميتة والدم، والذبائح التى تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه.
قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذى نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيرى. ثم يقول: اللهم لو أنى أعلم أى الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكن لا أعلمه. ثم يسجد على راحلته «2» .
وسأل ابنه سعيد بن زيد وابن عمه عمر بن الخطاب بن نفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنستغفر لزيد بن عمرو؟ قال: «نعم، فإنه يبعث أمه وحده» «3» .
وقال زيد بن عمرو بن نفيل فى فراق دين قومه:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمى بنى عمرو أزور
ولا غنما* أدين وكان ربا ... لنا فى الدهر إذ حلمى يسير
عجبت وفى الليالى معجبات ... وفى الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن المطير «4»
ولكن أعبد الرحمن ربى ... ليغفر ذنبى الرب الغفور
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 193) .
(2) ذكره البخارى فى صحيحه تعليقا فى كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل (7/ 143) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 124) ، البداية والنهاية لابن كثير (2/ 239) ، المطالب العالية لابن حجر (4055) .
(*) هكذا فى الأصول، وفى السيرة (1/ 194) : «ولا هبلا» .
(4) ثاب: رجع. يتروح: يهتز ويحتضر، وينبت ورقة بعد سقوطه.
(1/158)

فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير
وخزى فى الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور
وقال زيد بن عمرو بن نفيل، وذكر ابن هشام: أن أكثرها لأمية بن أبى الصلت «1» ، فى قصيدة له:
إلى الله أهدى مدحتى وثنائيا ... وقولا رصينا لا ينى الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذى ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفى من الله خافيا
فإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الجن كانت رجاؤهم ... وأنت إلهى ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا
وأنت من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له إذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذى كان طاغيا
وقولا له آنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له آنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذا بك بانيا «2»
وقولا له آنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب فى الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه فى رؤسه ... وفى ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات فى أضعاف حوت لياليا
وإنى وإن سبحت باسمك ربنا ... لأكثر إلا ما غفرت خطائيا
فرب العباد ألق سيبا ورحمة ... على وبارك فى بنى وماليا
وقال زيد بن عمرو أيضا:
وأسلمت وجهى لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا
__________
(1) أمية بن الصلت بن أبى ربيعة بن عبد عوف بن عقدة بن غيرة. انظر ترجمته فى: الشعر والشعراء (ص 300) .
(2) أرفق إذا بك بانيا: هذا على التعجب، أى أرفقك بانيا؟.
(1/159)

وأسلمت وجهى لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هى سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا
ويروى أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقّا حقّا تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم مستقبل القبلة وهو قائم، إذ قال: إنى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، البر أبقى لا الخال، ليس مهجر كمن قال. ويقال: البر أبقى لا الحال «1» .
وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيدا حتى أخرجه إلى أعلى مكة. فنزل حرا مقابل مكة. وكان الخطاب عمه وأخاه لأمه، وكل به شبابا من شباب قريش وسفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة. فكان لا يدخلها إلا سرا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه، مخافة أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه «2» .
وكان زيد قد أجمع الخروج من مكة ليضرب فى الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت امرأته صفية بنت الحضرمى كلما رأته تهيأ للخروج أو أراده، آذنت به الخطاب بن نفيل، وكان الخطاب وكلها به وقال: إذا رأيته هم بأمر فآذنينى به «3» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 196) .
(2) انظر: السيرة (1/ 197) ، وهناك أورد شعر قاله فى ذلك وهو:
لاهم إنى محرم لا حله ... وإن بيتى أوسط المحله
عند الصفا ليس بذى مضله
(3) ذكره فى السيرة وذكر هناك شعر يعاتب فى امرأته على ذلك وهو:
لا تحبسينى فى الهوا ... ن صفى ما دابى ودابه
إنى إذا خفت الهوا ... ن مشيع ذلل ركابه
دعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق نابه
قطاع أسباب تذل ... بغير أقران صعابه
وإنما أخذ الهوا ... ن العير إذ يوهى إهابه
ويقول إنى لا أذل ... بصك جنبيه صلابه
وأخى ابن أمى ثم ... عمى لا يواتينى خطابه
وإذا يعاتبنى بسو ... ء قلت أعيانى جوابه
ولو أشاء لقلت ... ما عندى مفاتحه وبابه
انظر السير: (1/ 195- 196) .
(1/160)

ثم خرج يطلب دين إبراهيم ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كلها، حتى انتهى إلى راهب بميفعة «1» من أرض البلقاء «2» ، كان ينتهى إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين براهيم، فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق به فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه.
وقد كان زيد رام اليهودية والنصرانية فلم يرض منها شيئا، فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه. فقال ورقة بن نوفل يبكيه «3» :
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغى كما هيا
وإدراكك الدين الذى قد طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت فى دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقى خليل الله فيها ولم تكن ... من الناس جبارا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين ودايا
قال ابن إسحاق «4» : وكان فيما بلغنى عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله فى الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت لهم يحنس الحوارى حين نسخ لهم الإنجيل من عهد عيسى ابن مريم إليهم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أبغضنى فقد أبغض الرب، ولولا أنى صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلى ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا، وظنوا أنهم يعزوننى وأيضا للرب، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التى فى الناموس، أنهم أبغضونى مجانا، أى باطلا، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذى يرسله الله إليكم من عند الرب، روح القسط هو الذى من عند الرب خرج
__________
(1) ميفعة: أصل الميفعة الموضع المرتفع من البقاع.
(2) البلقاء: مدينة بالشام من عمل دمشق سميت بالبلقاء بن سورية من بنى عبيل بن لوط وهو بناها، وبها كان اجتماع الحكمين أبى موسى وعمرو بن العاص، رضى الله عنهما، فكان من أمرهما ما كان، وقيل كان ذلك بدومة الجندل على عشرة أيام من دمشق. انظر: الروض المعطار (ص 96، 97) .
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (1/ 198) .
(4) انظر: السيرة (1/ 198) .
(1/161)

فهو شهيد على، وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معى، هذا قلت لكم لكيلا تشكوا.
والمنحمنا بالسريانية هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو بالرومية البرقليطس.
قال ابن هشام: وبلغنى أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبى صلى الله عليه وسلم يمشى فعثر، فقال ابنه: تعس الأبعد. يريد النبى صلى الله عليه وسلم، فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبى واسمه فى الوضائع. يعنى الكتب. فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم، فأسلم فحسن إسلامه وحج.
وهو الذى يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا فى بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
وقد جاءت أحاديث حسان بما وقع من صفة النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة، لم يذكر ابن إسحاق منها شيئا. فمن ذلك ما ذكره الواقدى عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرنى عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة؟ فقال: أجل والله إنه لموصوف فى التوراة بصفته فى الفرقان: يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته فما اختلفا فى حرف! وذكر الواقدى أيضا، عن النعمان السبئى قال: وكان من أحبار اليهود باليمن، فلما سمع بذكر النبى صلى الله عليه وسلم قدم عليه فسأله عن أشياء، ثم قال: إن أبى كان يختم على سفر يقول: لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبى قد خرج بيثرب، فإذا سمعت به فافتحه.
قال نعمان: فلما سمعت بك فتحت السفر، فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، وإذا فيه ما تحل وما تحرم، وإذا فيه أنك خير الأنبياء وأمتك خير الأمم واسمك أحمد صلى الله عليك وسلم، وأمتك الحمادون، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم صدورهم، لا يحضرون
(1/162)

قتالا إلا وجبريل معهم، يتحنن الله إليهم كتحنن الطير على أفراخه.
ثم قال لى: إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به وصدق به. فكان النبى صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع أصحابه حديثه، فأتاه يوما فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يا نعمان حدثنا» ، فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، ثم قال: «أشهد أنى رسول الله» «1» ، ويقال: إن النعمان هذا هو الذى قتله الأسود العنسى وقطعه عضوا عضو وهو يقول:
أشهد أن محمدا رسول الله، وأنك كذاب مفتر على الله عز وجل. ثم حرقه بالنار.

ذكر المبعث
قال ابن إسحاق «2» : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس. وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق.
فيه يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أى ثقل ما حملتكم من عهدى قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81] . فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
وعن عائشة رضى الله عنها، أن أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده «3» .
__________
(1) أخرجه البخارى (4/ 88، 7/ 103) ، مسلم كتاب الإيمان (178) ، البيهقى فى الدلائل (1/ 142) ، السيوطى فى الدر المنثور (1/ 273) ، ابن كثير فى البداية (6/ 190) ، العجلونى فى كشفا الخفاء (1/ 142) ، أبو نعيم فى الدلائل (165) .
(2) انظر: السيرة (1/ 199) .
(3) انظر الحديث فى: البخارى فى صحيحه كتاب بدء الوحى (1/ 22) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (1/ 252) ، مسند الإمام أحمد (6/ 153، 232، 233) . مستدرك الحاكم (3/ 183، 184) .
(1/163)

وعن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته وابتدائه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحجر ولا شجرة إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. فيلتفت حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء فى رمضان «1» .
وعن عبيد بن عمير بن قتادة الليثى، يحدث كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور فى حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش فى الجاهلية، والتحنث: التبرر.
فكان يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله، ثم يرجع إلى بيته «2» .
حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه ما أراد من كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءنى وأنا نائم بنمط «3» من ديباج فيه كتاب «4» ، فقال: إقرأ.
قلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أقرأ» فغتنى «5» به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ: قلت: «ماذا أقرأ؟» ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ
__________
(1) ذكره ابن سعد فى الطبقات (1/ 157) ، البيهقى فى دلائل النبوة (2/ 146) ، الحاكم فى المستدرك (4/ 70) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 12) .
(3) النمط: هو ضرب من البسط.
(4) كتاب: قال فى الروض الأنف: قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ إنها إشارة إلى الكتاب الذى جاء به جبريل حين قال له: اقرأ.
(5) فغتنى: قال ابن الأثير: الغت والغط سواء كأنه أراد عصرنى عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس فى الماء قهرا.
(1/164)

مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1، 5] ، فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، «فكأنما كتبت فى قلبى كتابا» .
فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسى إلى السماء أنظر، فإذا جبريل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.
فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه فى آفاق السماء، فلا أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى وانصرفت عنه راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها. فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعث رسلى فى طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمى واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقيل يا فوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله «1» .
ويروى عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أى ابن عم، أتستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال: «نعم» . قالت: فإذا جاءك فأخبرنى به،
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 146، 149) ، فتح البارى لابن حجر (8/ 588، 589) .
(1/165)

فجاءه جبريل كما كان يصنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خديجة، هذا جبريل قد جاءنى» ، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذى اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت:
هل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاقعد على فخذى اليمنى، فتحول فقعد على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاجلس فى حجرى، فتحول فجلس فى حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: «نعم» ؛ فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: «لا» . قالت: يا ابن عم، اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك ما هذا بشيطان «1» .
ويروى أن خديجة أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، وابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل فى رمضان.
يقول الله عز وجل: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: 181] ، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:
1] إلى خاتمة السورة.
وقال: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: 1، 4] ، وقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: 42] ، يعنى ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر، وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.
هكذا أورد ابن إسحاق «2» رحمه الله هذه الآيات كالمستشهد بها على ابتداء التنزيل فى شهر رمضان على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى صورة هذا الاستشهاد نظر. فإن ظاهر قوله سبحانه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عموم نزول القرآن بجملته فيه.
وكذلك قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.
ولم يقع الأمر فى إنزاله على رسوله صلى الله عليه وسلم هكذا، بل أنزله الله عليه فى رمضان وفى غيره متفرقا، آيات وسورا، بحسب سؤال السائلين، أو أحداث المحدثين، أو ما شاء الله من هداية العالمين.
وقد قيل فى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ أى
__________
(1) انظر الحديث فى: الجامع الكبير (2/ 721) .
(2) انظر: السيرة (1/ 204) .
(1/166)

الذى أنزل فى شأنه القرآن، أى نزل الأمر من الله عز وجل، بصيامه كتابا يتلى وقرآنا لا يدرس ولا يبلى.
كما يقال: «نزل القرآن بالصلاة» أى نزل جزء منه بفرضها و «نزل القرآن فى عائشة» رضى الله عنها، وإنما نزلت منه آيات ببراءتها من الإفك. ومثل هذا الإطلاق موجود فى الأحاديث والآثار كثيرا.
ولنسلم أن معنى قوله: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أى ابتدىء فيه إنزاله، فقد قيل ذلك وليس ببعيد فى المفهوم ولا مما تضيق عنه سعة الكلام، ثم نجرى ذلك المجرى الآيتين الأخيرتين، وهما: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وإن بعد ذلك فيهما لما ورد من الآثار المصححة لحكم عمومهما حسبما نذكره بعد، فما بال الآية الأخرى التى هى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ تنتظم فى هذا النظام، وقد أعقبها مفسرا بأن المعنى بذلك يوم بدر، وهو الحق؟!.
وهل كان يوم بدر إلا فى السنة الثانية من الهجرة، وبعد اثنتى عشرة سنة من البعث ونزول الوحى، أو بعد خمس عشرة سنة، على ما ورد من الخلاف فى مدة مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة، وما زال القرآن المكى والمدنى ينزل فى ماضى تلك السنين!.
فإن كان ابن إسحاق عنى ما ذكرناه عنه ونسبناه إليه فقد بينا وجه رده واستوفينا التنبيه عليه، وإن كان عنى غير ذلك فقصر عنه تحرير عبارته أو سقط على الناقل من كلامه ما كان يفى لو بقى بإفهامه، فالله تعالى أعلم. والرجل أولى منا بأن يصيب ويسلم، إلا أنه لا ينكر أن يغلط هذا البشر.
ونعوذ بالله أن نقصد بهذا الاعتداء على ذى علم أو الغض من ذى حق، فإن العلماء هم آباؤنا الأقدمون وهداتنا المتقدمون، بأنوارهم نسرى فنبصر ونستبصر، وإلى غاياتهم نجرى فطورا نصل وأطوارا نقصر، فلهم دوننا قصب السبق، ولهم علينا فى كل الأحوال أعظم الحق، إذا أصابوا اعتمدنا، وإذا أخطأوا استفدنا، وإذا أفادوا استمددنا، فجزاهم الله عنا أفضل الجزاء، ووفقنا لتوفية حقوق الأئمة والعلماء.
وبعد: فمن أحسن ما يتقلد فى تلك الآيات الثلاث التى صدر بها كلامه، مما يحفظ حكم عمومها ويطابق ظاهر مفهومها، ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم أجمعين، أن القرآن أنزل جملة واحدة فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم أنزل على النبى صلى الله عليه وسلم شيئا فشيئا إلى حين وفاته.
(1/167)

وقيل للشعبى: شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، أما كان ينزل فى سائر السنة؟
قال: بلى، ولكن جبريل عليه السلام، كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم فى شهر رمضان ما أنزل فى ماضى السنة فيمحو الله ما يشاء ويثبت.
قال ابن إسحاق «1» : ثم تتام الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مؤمن بالله مصدق لما جاءه منه، قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم. وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها، ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاؤا به عن الله عز وجل.
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، وآزرته على أمره. فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه.
فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس. يرحمها الله «2» .
ثم فتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى حتى شق عليه وأحزنه. فجاءه جبريل بسورة وَالضُّحى، يقسم له ربه جل وعلا، وهو الذى أكرمه بما أكرمه به، ما ودعه ولا قلاة.
فقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، يقول: ما حرمك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى أى لما عندى من مرجعك إلى خير لك مما عجلت لك من الكرامة فى الدنيا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى من الفلج فى الدنيا والثواب فى الآخرة، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى «3» .
يعرفه بما ابتدأه به من كرامته فى عاجل أمره، ومنه عليه فى يتمه وعيلته وضلالته، واستنفاذه من ذلك برحمته، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ أى لا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا فظا على الضعفاء من بعاد الله، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ اذكرها وادع إليها «4» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 204) .
(2) انظر: السيرة (1/ 205) .
(3) انظر: السيرة (1/ 206) .
(4) انظر: السيرة (1/ 207) .
(1/168)

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن به إليه من أهله. وافترضت عليه الصلاة، فصلى صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.
قالت عائشة رحمها الله: افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت ركعتين ركعتين كل صلاة، ثم إن الله أتمها فى الحضر أربعا وأقرها فى السفر على فرضها الأولى ركعتين «1» .
وعن بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبة فى ناحية الوادى فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة فتوضأ ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها ثم صلى بها كما صلى به جبريل فصلت بصلاته «2» .
وعن نافع بن جبير بن مطعم، وكان كثير الرواية عن ابن عباس، قال: لما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر. ثم صلى به الظهر حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق. ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (1/ 464) ، سنن أبى داود (1198) ، النسائى (1/ 225) ، أحمد فى المسند (6/ 272) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (1/ 535، 536) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 223، 224) ، وذكره السهيلى فى الروض الأنف (1/ 283، 284) .
(3) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (1/ 393) ، سنن الترمذى (149) ، مسند الإمام أحمد (3081) ، مستدرك الحاكم (1/ 193) . وذكره السهيلى فى الروض الأنف (1/ 284) ، وقال: هذا الحديث لم يكن ينبغى له أن يذكره فى هذا الموضع، لأن أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة كانت فى الغد من ليلة
(1/169)

قال ابن إسحاق «1» : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى وصدق بما جاءه من الله تبارك وتعالى، علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وهو ابن عشر سنين يومئذ.
وكان مما أنعم الله به عليه أنه كان فى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام. وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: «يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه» ، قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، ويقال: عقيلا وطالبا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه على وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه «2» .
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبى طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله: يا ابن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟! قال: «أى عم، هذا دين الله ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم. «بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» . أو كما قال.
فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشىء تكرهه ما بقيت «3» .
__________
- الإسراء، وذلك بعد ما نبئ بخمسة أعوام، وقد قيل: إن الإسراء كان قبل الهجرة بعام ونصف، وقيل: بعام، فذكره ابن إسحاق فى بدء نزول الوحى، وأول أحوال الصلاة.
(1) انظر: السيرة (1/ 208- 209) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 162) .
(3) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 313) .
(1/170)

وذكروا أنه قال لعلى: أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه؟. فقال: يا أبت، آمنت برسول الله وصدقت بما جاء به وصليت معه لله واتبعته. فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
قال ابن إسحاق «1» : ثم أسلم زيد بن حارثة الكلبى مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد على بن أبى طالب، وعن غير ابن إسحاق أن زيدا أصابه فى الجاهلية سباء فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد وقيل: بل وهبه لها، فوهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان حارثة أبوه قد جزع عليه جزعا شديدا وبكى عليه حين فقده، فقال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتى أو تأتى على منيتى ... فكل امرىء فإن وإن غره الأمل
ثم إن أناسا من كلب حجوا فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه وعند من هو. فخرج أبوه حارثة وعمه كعب ابنا شراحيل لفدائه.
وقدما مكة فسألا عن النبى صلى الله عليه وسلم فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب بن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العانى وتطعمون الأسير، جئناك فى ابننا عبدك، فامنن عليه وأحسن إلينا فى فدائه. قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارنى فو الله ما أنا بالذى أختار على من اختارنى أحدا» .
قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت.
فدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم. قال: «من هذا؟» قال: أبى وهذا عمى.
قال: «فأنا من قد علمت ورأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» . قال زيد: ما أنا بالذى اختار عليك أحدا، أنت منى مكان الأب والعم!، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 210) .
(1/171)

العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر، اشهدوا أن زيدا ابنى يرثنى وأرثه» . فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما، فانصرفوا «1» .
فدعى: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية [الأحزاب: 4] . فدعى من يومئذ زيد بن حارثة «2» .
قال ابن إسحاق «3» : ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، واسمه عتيق، وقيل: عبد الله، وعتيق لقب، لحسن وجهه وعتقه، فيما قال ابن هشام. واسم أبى قحافة عثمان بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى.
فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.
قال «4» : فأسلم بدعائه فيما بلغنى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وسعد بن أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغنى «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه» «5» .
__________
(1) انظر الحديث فى: معجم الطبرانى الكبير (5/ 66، 12/ 114) ، تفسير ابن كثير (3/ 469) كنز العمال للمتقى الهندى (36493، 36496) .
(2) ذكره الهيثمى فى المجمع (9/ 274) .
(3) انظر: السيرة (1/ 211) .
(4) انظر: السيرة (1/ 2129) .
(5) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (1/ 108، 3/ 27) ، الدلائل للبيهقى (2/ 164) .
(1/172)

قال «1» : فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقوا بما جاءه من الله، ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والأرقم بن أبى الأرقم بن أسد أبى جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى.
وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى.
وامرأته فاطمة بنت عمه الخطاب بن نفيل أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر الصديق، وعائشة بنت أبى بكر الصديق وهى صغيرة، وخباب بن الأرت حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، حليف بنى زهرة، وجماعة سوى هؤلاء سماهم ابن إسحاق «2» .
قال: ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادى الناس بأمره ويدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستسر به إلى أن أمره الله بإظهار ثلاث سنين فيما بلغنى، من مبعثه، ثم قال الله له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: 94] ، ثم قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 114، 115] . وفى موضع آخر:
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: 89] .
قال «3» : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم ناس من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 212) .
(2) انظر: السيرة (1/ 212- 216) .
(3) انظر: السيرة (1/ 217) .
(1/173)

عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير «1» فشجه. فكان أول دم هريق فى الإسلام.
فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون.
وحدب «2» على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمره الله مظهرا له، لا يرده عنه شىء.
فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شىء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبى طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب، وأبو البخترى بن هشام، والحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصى، والأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، ومن مشى منهم.
فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى الأمر «3» بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا له.
__________
(1) لخى بعير: اللحى العظم الذى على الخد، وهو من الإنسان العظم الذى تنبت عليه اللحية.
(2) حدب: أى عطف عليه ومنعه، يقال: فلان حدب على فلاذن، إذا كان عاطفا عليه مانعا له.
(3) شرى الأمر: أى كثر واستفحل، يقال: شرى البرق إذا كثر لمعانه، ويقال: شرى الرجل إذا غضب.
(1/174)

ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه. وذكر أن أبا طالب حين قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له: يا ابن أخى، إن قومك قد جاؤنى فقالوا كذا وكذا، للذى قالوا له فأبق على وعلى نفسك ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته!» ، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى! ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخى، فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا «1» .
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجل كرجل، قال: والله لبئس ما تسوموننى! أتعطوننى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدا. فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف:
والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال له أبو طالب: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 48) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (909) ، وقال: هذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد وجدت للحديث طريقا أخرى بسند حسن لكن بلفظ: «ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لى منها شعلة» يعنى الشمس، وقد خرجته فى الأحاديث الصحيحة (92) .
(2) قال فى السيرة بعد أن ذكر ما أورد ابن هشام هنا: فقال أبو طالب عند ذلك، يعرض بالمطعم ابن عدى، ويعم من خذله من بنى عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد من أمرهم:
(1/175)

قال «1» : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه. فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله تبارك وتعالى، رسوله منهم بعمه أبى طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليهم، إلا ما كان من أبى لهب.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم وفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره، فقال:
إذا اجتمعت يوما قريش لمخفر ... فعبد مناف سرها وصميمها «2»
فإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففى هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها «3»
وكنا قديما لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
__________
-
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ... ألا ليت حظى من حياطتكم بكر
من الخور حبحاب كثير رغاؤه ... يرش على الساقين من بوله قطر
تخلف خلف الورد ليس بلا حق ... إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
بلى لهما أمر ولكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذى علق صخر
أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر
هما أغمزا للقوم فى أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفهما صفر
هما أشركا فى المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرس له ذكر
وتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر
فو الله لا تنفك منا عداوة ... ولا منهم ما كان من نسلنا شفر
فقد أسفهت أحلامهم وعقولهم ... وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر
انظر: السيرة (1/ 219- 220) .
(1) انظر: السيرة (1/ 220) .
(2) سرها وصميمها: أى خالصها وكريمها.
(3) غثها وسمينها: الغث اللحم الضعيف، والسمين الماقبل أو العكس. طاشت حلومها: أى ذهبت عقولها.
(1/176)

ونحمى حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذوى وإنما ... بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول فيه، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة «1» الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه «2» ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده «3» ، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق «4» وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها «5» .
فلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى يعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم فى ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشىء أبدا حتى يهلك دونه.
وأولها:
__________
(1) زمزمة الكاهن: أى كلام خفى لا يهم.
(2) التخالج: اختلاج الأعضاء وتحركها عن غير إراده.
(3) نفثه وعقده: هذه إشارة إلى ما كان يفعل الساحر إذ كان يأخذ خيطا فيعقده ثم ينفث عليه بلا ريق.
(4) العذق: الكثير الشعب والأطراف، ومن رواه عذق فمعناه كثير الماء، والعذق: كل غصن له شعب، وأيضا هو النخلة عند أهل الحجاز. انظر: اللسان (مادة عذق) .
(5) انظر: السيرة (1/ 222- 224) .
(1/177)

ولما رأيت القوم لاود فيهم ... وقد قطعوا كمل العرى والوسائل «1»
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل «2»
صبرت لهم نفسى بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتى ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضى حلفه كل نافل
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل
موسمة الأعضاء أو قصراتها ... مخيسة بين السديس وبازل
ترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق فى الدين ما لم نحاول
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى فى حراء ونازل
وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر الأسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطىء إبراهيم فى الصخر وطأة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب ... ومن كل ذى نذر ومن كل راجل
وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له ... إلال إلى مفضى الشراج القوابل «3»
وتوقافهم فوق الجبال عشية ... يقيمون بالأيدى صدور الرواحل
وليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل
وجمع إذا ما المقربات أجزنه ... سراعا كما يخرجن من وقع وابل «4»
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمنون قذفا رأسها بالجنادل
وكندة إذ هم بالحصاب عشية ... تجيز بهم حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما اختلفا له ... وردا عليه عاطفات الوسائل
__________
(1) الوسائل: جمع وسيلة، وهى الوصلة والقربة، وقيل: هى المنزلة عند الملك.
(2) أظنة: جمع ظنين، وهو المتهم الذى تظن به التهمة.
(3) إلال: بالفتح هو جبل بعرفات، وسمى إلال لأن الحجيج إذا رأوه الوا فى السير واجتهدوا ليدركوا الموقف.
(4) المقربات: الخيل التى تقرب مرابطها من البيوت لكرمها. وابل: المطر الشديد.
(1/178)

وحطمهم سمر الصفاح وسرحه ... وشبرقه وخد النعام الجوافل «1»
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقى الله عاذل
يطاع بنا الأعدا وودوا لو أننا ... تسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم فى بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم فى الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل «2»
وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل
وإنا لعمرو الله إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفى فتى مثل الشهاب سميدع ... أخى ثقة حامى الحقيقة باسل «3»
وما ترك قوم لا أبالك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل «4»
وأبيض يستسقى الغمام بكفه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى رحمة وفواضل «5»
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
__________
(1) سمر: يحتمل أن يكون أصله سمرا بفتح فضم وهو من شجر الطلح. الصفاح: هو جمع صفح، وهو عرض الجبل، ويقال: أسفله حيث يسيل ماؤه، سرحه: السرح: شجر. شبرقة: الشبرق بالكسر نبات غض، وقيل: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته شاكة صغيرة الجرم حمراء مثل الدم وواحدته شبرق. وخد النعام: الوخد ضرب من سير الإبل وهو سعة الخطوة فى المشى.
(2) الروايا: الإبل التى تحمل الماء. الصلاصل: واحدتها صلصلة وهى الصوت وذات الصلاصل: الزادات التى فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل.
(3) سميدع: السيد من الرجال. الباسل: الأسد لكراهة منظره وقبحه، والبسالة الشجاعة، والباسل الشديد، وقيل الشجاع، والجمع بسلاء وبسل.
(4) جاء فى السيرة قبل هذه البيت بيت آخر وهو:
شهورا وأياما وحولا مجرما ... علينا وتأتى حجة بعد قابل
وما ترك قوم ... ... ... مواكل
انظر: السيرة (1/ 226) .
(5) ذكر بعد هذا البيت فى السيرة أبيات آخر لم يذكرها هنا. انظرها فى: السيرة (1/ 227- 228) .
(1/179)

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بنى خلف قيضا بنا والغياطل «1»
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصى فى الخطوب الأوائل
وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا ... علينا العدى من كل طمل وخامل
فعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا فى أمركم كل واغل «2»
لعمرى لقد وهنتم وعجزتم ... وجئتم بأمر مخطىء للمفاصل «3»
فإن يك قوما نتئر ما صنعتم ... وتحتلبوها لقحة غير باهل «4»
فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا ... وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل
ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم فى المداخل
ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل
فإن نك كعب من لوى صميمة ... فلا بد يوما مرة من تزايل «5»
فكل صديق وابن أخت نعده ... لعمرى وجدنا غبه غير طائل
سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقة خاذل «6»
ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حساما مفردا من حمائل
أشم من الشم البهاليل ينتمى ... إلى حسب فى حومة المجد فاضل «7»
لعمرى لقد كلفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحب المواصل
فلا زال فى الدنيا جمالا لأهلها ... وزينا لمن والاه رب المشاكل
فمن مثله فى الناس أى مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالى إلها ليس عنه بغافل «8»
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 228) .
(2) الواغل: هو الداخل على القوم فى شرابهم وهو الذى يهجم على الشراب ليشرب معهم وليس منهم.
(3) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهما. انظرهما فى: السيرة (1/ 228) .
(4) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرهما فى: السيرة (1/ 229) .
(5) هذا البيت لم يذكره فى السيرة.
(6) ذكر فى السيرة بعد هذ البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرها فى: السيرة (1/ 229) .
(7) أشم: قيل: جبل أشم أى طويل الرأس. البهاليل: جمع بهلول وهو العزيز الجامع لكل خير، وقيل: هو الحيى الكريم.
(8) الأبيات التى وردت هنا بعد هذا البيت غير موجود فى السيرة بهذا التريتب فقد ذكرها هناك بترتيب أخر وهو:
(1/180)

فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقه غير باطل
فو الله لولا أن أجئ بسبة ... تجر على أشياخنا فى القبائل
لكنا ابتعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد فى أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
والقصيدة أطول من هذا، وإنما تركنا ما تركنا منها اختصارا.
وذكر ابن هشام أن بعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها «1» ، قال: وحدثنى من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه ذلك، فصعد المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحى يشكون منه الغرق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حوالينا ولا علينا» . فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل «2» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره» ، فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت لقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال: «أجل» «3» .
__________
-
فو الله لولا أن أجىء بسبة ... تجر على أشياخنا فى المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد فى أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقه غير باطل
رجال كرام غير ميل نماهم ... إلى الخير آباء كرام المحاصل
فإن تك كعب من لؤى صقيبة ... فلا بد يوما مرة من تزايل
انظر: السيرة (1/ 230) .
(1) انظر: السيرة (1/ 230) .
(2) الإكليل: هو شبه عصابة مزينة بالجواهر، وقيل: يريد أن الغيم تقشع عنها واستدار بآفاقها، وقيل: هو منزل من منازل القمر وهى أربعة أنجم. انظر: اللسان (مادة كلل) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (2/ 15، 35، 37، 38، 40، 8/ 92) ، مسلم كتاب الاستسقاء (8/ 9) ، النسائى (3/ 160، 161، 162، 166، 167) ، سنن ابن ماجه-
(1/181)

قال ابن إسحاق «1» : فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يك حى من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من الأوس والخروج، وذلك لما كانوا يسمعون من أخبار يهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم فى بلادهم.
فلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت الأوسى، وكان يحب قريشا، وكان يقيم فيهم السنين بامرأته أرنب بنت أسد ابن عبد العزى بن قصى، قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه الفيل عنهم فقال:
ويا راكبا إما عرضت فبلغن ... مغلغلة عنى لؤى بن غالب «2»
رسول امرىء قد راعه ذات بينكم ... على النأى محزون بذلك ناصب
وقد كان عندى للهموم معرس ... ولم أقض منها حاجتى ومآربى
أعيذكم بالله من شر صنعكم ... وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة ... كوخز الأثافى وقعها حق صائب «3»
فذكرهم بالله أول وهلة ... وإحلال إحرام الظباء الشوازب «4»
__________
- (1269) ، مسند الإمام أحمد (3/ 104، 187، 194، 261، 271، 4/ 236) ، البيهقى فى السنن الكبرى (3/ 353، 354، 355، 356، 4/ 221) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 28) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 12) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5902) ، نصب الراية للزيلعى (2/ 239) ، فتح البارى (2/ 413، 501، 508، 510، 512، 519، 10/ 504، 11/ 143) ، صحيح ابن خزيمة (1423، 1789) ، شرح السنة للبغوى (4/ 414) ، كنز العمال للمتقى الهندى (23540، 23548) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 195) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 107، 5/ 89، 6/ 102، 106) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 89، 6/ 139، 144) ، طبقات ابن سعد (1/ 1/ 17، 1/ 2/ 42) ، المعجم الكبير للطبرانى (10/ 346) ، مصنف ابن أبى شيبة (10/ 219، 346، 11/ 481) .
(1) انظر: السيرة (1/ 232) .
(2) مغلغله: قال السهيلى: المغلغلة: الداخل إلى أقصى ما يراد بلوغه منها أى محموة من بلد إلى بلد وقيل: المسرعة من الفلفلة وهى سرعة السير. انظر: اللسان (مادة غلغل) .
(3) الوخز: الطعن الغير نافذ، وقيل: هو الطعن النافذ فى جنب المطعون. الأشافى: جمع إشفى، وهى حديدة يفرز بها الأسكافى.
(4) أحرام الظباء: التى يحرم صيدها فى الحرم. الشوازب: المضمرات، وقيل: الشازب الضامر اليابس من الناس وغيرهم.
(1/182)

وقل لهم والله يحكم حكمه ... ذروا الحرب تذهب عنكم فى المراحب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... هى الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة ... وتبرى السديف من سنام وغارب «1»
فإياكم والحرب لا تغلقنكم ... وحوضا وخيم الماء مر المشارب «2»
تزين للأقوام ثم يرونها ... بعاقبة إذ بينت أم صاحب «3»
تحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحى ... ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان فى حرب داحس ... فتعتبروا أو كان فى حرب حاطب
وكم قد أصابت من شريف مسود ... طويل العماد ضيفه غير خائب
وماء هريق فى الضلال كأنما ... أذاعت به ريح الصبا والجنائب «4»
يخبركم عنها امرؤ حق عالم ... بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا ... حسابكم والله خير محاسب
ولى امرىء فاختار دينا فلا يكن ... عليكم رقيبا غير رب الثواقب
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم ... لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة ... تؤمون والأحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهم ... لكم سره البطحاء شم الأرانب «5»
تصونون أجسادا كراما عتيقة ... مهذبة الأنساب غير أشائب
ترى طالبى الحاجات نحو بيوتكم ... عصائب هلكى تهتدى بعصائب
__________
(1) تبرى: تقطع. السديف: هو اللحم الذى يكون فى أعلى ظهر الإبل، وهو ما يسمى بالسنام، والغارب: أعلى الظهر.
(2) ذكر فى السيرة قبل هذا البيت بيتان لم يذكرهما هنا وهما:
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها ... شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك الكافور غبرا سوابغا ... كأن قتيريها عيون الجنادب
انظر: السيرة (1/ 234) .
(3) بينت: أى ظهر أمرها واتضح. أم صاحب: قال السهيلى فى الروض الأنف: أى عجوز كأم صاحب لك إذا لا يصحب الرجل إلا الرجل فى سنه.
(4) ريح الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور، وقيل: الصبا ريح ومهبها المستوى أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وينحتها الدبور، وقيل: الصبا ريح تستقبل البيت. انظر: اللسان (مادة صبا) .
(5) سرة: قيل: سرة الشىء، خيره وأعلاه. الشم: ارتفاع فى قصبة الأنف مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة قليلا. الأرانب: جمع أرنبة وهى القصبة التى فيها ثقب الأنف.
(1/183)

لقد علم الأقوام أن سراتكم ... على كل حال خير أهل الجباجب «1»
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق ... غداة أبى يكسوم هادى الكتائب
كتيبته بالسهل تمسى ورجله ... على القاذفات فى رؤس المناقب «2»
فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم ... جنود إله بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى قومه ملحبش غير عصائب
فإن تهلكوا نهلك وتهلك عصائب ... يعاش بها قول امرىء غير كاذب
ثم إن قريشا اشتد أمرهم، للشقاء الذى أصابهم، فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.
فحدث عروة بن الزبير أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط! سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا معه على أمر عظيم. أو كما قالوا. فبينما هم فى ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول.
قال: فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش؟! والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح» . قال:
فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم وصاة فيه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا. قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد
__________
(1) الجباجب: بالضم هو المستوى من الأرض وهى هنا أسماء منازل بمنى سميت به لأنه كروش الأضاحى تلقى فيها أيام الحج.
(2) القاذفات: أعالى الجبال، وقيل: هى كل ما أشرف من رؤس الجبال وأعاليها. المناقب: جمع منقبة، الطريق الضيق بين دارين أو جبلين لا يستطاع سلوكه.
(1/184)

اجتمعوا فى الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه!.
فبيناهم فى ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا، للذى يقول من عيب آلهتهم. فيقول رسول الله:
«نعم أنا الذى أقول ذلك» . فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله!! ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط «1» .

ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه
قال ابن إسحاق «2» : وحدثنى رجل من أسلم، كان واعية، أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينة والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها تسمع ذلك. ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث حمزة ابن عبد المطلب أن أقبل متوحشا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش وأشده شكيمة.
فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى الحكم بن هشام! وجده ها هنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف على أحد، معدا لأبى جهل إذا لقيه أن يقع به.
فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه بها شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه، فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد على إن استطعت. فقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل،
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 276) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 66) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 15) .
(2) انظر: السيرة (1/ 240) .
(1/185)

فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه «1» .
وعن محمد بن كعب القرظى، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس فى نادى قريش، والنبى صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه.
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السطة فى العشيرة والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منا بعضها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع» .
قال: يا ابن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا لا تستطيع رده من نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له.
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال:
نعم. قال: «فاسمع منى» . قال: أفعل، قال: بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [فصلت: 1، 4] . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها
__________
(1) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (1/ 40) ، وفى الدلائل (194) ، الهيثمى فى المجمع (9/ 267) ، ابن عساكر فى التاريخ (12/ 720) .
(1/186)

يستمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك» . فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به.
فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها بى، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة فى قبائل قريش فى الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه.
فبعثوا إليه فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فلما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا به، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بى ما تقولون، ما جئت بما جئت به أطلب أموالكم ولا
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (35428) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 204، 205) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 62- 64) .
(2) انظر: السيرة (1/ 243) .
(1/187)

الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتمكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لحكم الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا إلينا كما تقول.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» ، قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بفاعل وما أنا بالذى يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا» . أو كما قال: «فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» .
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن بك إلا أن تفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل» . قالوا:
يا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع فى ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله ما نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك، وما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
(1/188)

فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك، فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب، فلم تفعل. أو كما قال له، فو الله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلمأ ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، ثم تأتى معك بصك معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما طننت أنى أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، أو كما قال، فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشىء أبدا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدر، وكان بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلى صلى بين الركنين: الركن اليمانى والحجر الأسود وجعل الكعبة بينه وبين الشام.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، وقد غدت قريش فى أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده. وقامت إليه رجال قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم بى أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق «1» : فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذلك جبريل، لو دنا لأخذه» «2» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 246) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 191) .
(1/189)

فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصى، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر.
لا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة نفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن. لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة تخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. وقلتم: مجنون. لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش، انظروا فى شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء.
فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا!.
فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبى، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط حتى قدما مكة، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء، فإن أخبركم عنها فهو نبى، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم.
فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن تلك الأشياء، فقال لهم: «أخبركم بما سألتم عنه غدا» ، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله عز وجل، إليه فى ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف آل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشىء مما
(1/190)

سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه وشق عليه ما يتلكم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح.
فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه: «لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سؤت ظنا» . فقال له جبريل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: 64] «1» .
فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله وتركوا أمره عيانا ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:
26] أى اجعلوه لغوا وباطلا، واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم.
فقال أبو جهل بن هشام يوما وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم فى النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أعظم الناس عددا وكثرة، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم؟!.
فأنزل الله فى ذلك من قوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [المدثر:
31] إلى آخر القصة «2» .
فلما قال ذلك بعضهم لبعض، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلى يتفرقون عنه ويأبون أن يستمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلى استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذا هم فلم يستمع، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فظن الذى يستمع أنهم لا يسمعون شيئا من قراءته وسمع هو شيئا دونهم أصاخ يستمع له «3» .
__________
(1) ذكره الواحدى فى أسباب النزول (252) ، ابن حجر فى فتح البارى (8/ 284) .
(2) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (5/ 471) ، وقال: أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ولم يذكر له إسنادا.
(3) ذكره الطبرى فى تفسيره (15/ 164) .
(1/191)

وقال عبد الله بن عباس «1» : إنما نزلت هذه الآية: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: 110] من أجل أولئك النفر «2» .
يقول: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيتفرقوا عنك وَلا تُخافِتْ بِها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوى إلى بعض ما يستمع فينتفع بذلك.
وكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود فيما حدث به عروة بن الزبير «3» قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود:
أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال:
دعونى فإن الله سيمنعنى. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى، وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رافعا بها صوته الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. ثم استقبلها يقرؤها، وتأمموه فجعلوا يقولون: ما قال ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد.
فقاموا إليه فجعلوا يضربون فى وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذى خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون «4» .
وذكر الزهرى «5» أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا.
ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 259) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى حديث رقم (7490) ، صحيح مسلم كتاب الصلاة (1/ 145) ، سنن الترمذى (3146) .
(3) انظر: السيرة (1/ 259- 260) .
(4) ذكره القرطبى فى تفسيره (7/ 147) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 334، 335) .
(5) انظر: السيرة (1/ 260- 261) .
(1/192)

يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان فى بيته فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذى حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطمعوا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء!!.
فمن يدرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه «1» .
قال ابن إسحاق «2» : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله قالوا يستهزئون به: قلوبنا فى أكنة لا نفقه ما تقول، وفى آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه إنا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئا، فأنزل الله عليه فى ذلك من قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً إلى قوله: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [الإسراء: 45، 46] .
أى كيف فهموا توحيدك ربك، إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة وفى آذانهم وقرا وبينك وبينهم حجابا بزعمهم؟ أى أنى لم أفعل. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الإسراء: 47] .
أى ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء: 48] ، أى أخطأوا المثل الذى ضربوا لك، فلا يصيبون
__________
(1) ذكره ابن كثير فى تفسيره (5/ 81) .
(2) انظر: السيرة (1/ 261- 262) .
(1/193)

به هدى ولا يعتدل بهم فيه قول وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: 49] أى قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا وذلك ما لا يكون. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: 50، 51] أى الذى خلقكم مما تعرفون، فليس خلقكم من تراب بأعز من ذلك عليه. وسئل ابن عباس عن قول الله عز وجل: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ما الذى أراد الله به؟ فقال:
الموت.
قال ابن إسحاق «1» : ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، منهم من يفتتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.
فكان بلال بن رباح وهو ابن حمامة لبعض بنى جمح «2» مولدا من مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:
لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو فى ذلك البلاء: أحد أحد.
وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد والله يا بلال! «3» ثم يقبل على أمية ومن يصنع ذلك به من بنى جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا.
أى: لأتخذن قبره منسكا ومسترحما، والحنان: الرحمة. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك به فقال لأمية: ألا تتقى الله فى هذا المسكين؟! حتى متى؟!
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 262) .
(2) بنى جمح: ينتسبون إلى جمح بن عمرو، وهو بطن من العدنانية. انظر: معجم قبائل العرب (1/ 202، 203) .
(3) قال ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 107) : قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفى بعد البعثة فى فترة الوحى، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب؟ وفيه نظر.
(1/194)

قال: أنت الذى أفسدته فأنقذه. فقال أبو بكر: أفعل: عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت. قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه «1» .
وأعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر ابن فهيرة، وأم عبيس «2» ، وزنيرة «3» ، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان. فرد الله إليها بصرها «4» .
وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بنى عبد الدار، فمر بهما أبو بكر وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر: حلا يا أم فلان. فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: قد أخذتهما، وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: أو ذلك إن شيئتما «5» .
ومر بجارية بنى نوفل حى من بنى عدى، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. وقال له أبوه أبو قحافة: يا بنى، إنى أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر: يا أبت إنى إنما أريد ما أريد.
فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى إلى آخر السورة [الليل: 7] «6» .
__________
(1) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (1/ 148) ، ابن سعد فى الطبقات (1/ 243) .
(2) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (4/ 500) : أم عبيس، قال الزبير: كانت فتاة لبنى تيم بن مرة فأسلمت، وكانت ممن يعذب فى الله فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
(3) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (4/ 406) : زنيرة: مولاة أبى بكر الصديق، هى أحد السبعة الذين كانوا يعذبون فى الله، فاشتراهم أبو بكر وأعتقهم. انظر ترجمتها فى: أسد الغابة الترجمة رقم (6948) ، الإصابة الترجمة رقم (11222) .
(4) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 107) .
(5) ذكره ابن كثير فى البداية (3/ 107) .
(6) ذكره الطبرى فى تفسيره (30/ 221) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 525) ، وابن كثير فى تفسيره (8/ 444) .
(1/195)

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول فيما بلغنى:
«صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «1» . فأما أمه فقتلوها وهى تأبى إلا الإسلام.
وكان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم، فى رجال من قريش، إذا سمع بالرجل له شرف ومنعة قد أسلم أنبه وأخزاه فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهن حلمك ولنفيلن رأيك ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به.
وقال سعيد بن جبير لعبد الله بن عباس «2» : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به فى ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضر الذى به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟
فيقول: نعم. افتداء منهم مما يلغون من جهده «3» .

ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة
قال ابن إسحاق «4» : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد،
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 383) ، المطالب العالية لابن حجر (4034) ، كنز العمال للمتقى الهندى (37366، 37368) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (1/ 140) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 59) .
(2) انظر: السيرة (1/ 265) .
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 171) . وقال: وفى مثل هذا أنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ الآية، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.
(4) انظر: السيرة (1/ 266- 268) .
(1/196)

وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» «1» .
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا بدينهم إلى الله. فكانت أول هجرة كانت فى الإسلام.
وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى معه امرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب بن نفيل معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة، وسهل بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر، وأبو سبرة بن أبى رهم، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو. ويقال: هو كان أول من قدمها.
وكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين، ثم خرج جعفر بن أبى طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة منهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه.
فكان جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.
وكان مما قيل من الشعر فى الحبشة أن عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشى، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا قال:
يا راكبا بلغن عنى مغلغلة ... من كان يرجو بلاغ الله والدين «2»
كل امرىء من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
أنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجى من الذى والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ... ى فى الممات وغيب غير مأمون
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبى وعالوا فى الموازين
فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا ... وعائذا بك أن يعلوا فيطغونى
وقال عبد الله بن الحارث أيضا، يذكر نفى قريش إياهم من بلادهم ويعاتب بعض
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 66) .
(2) مغلغلة: بفتح العين هى الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد.
(1/197)

قومه فى ذلك:
أبت كبدى لا أكذبنك قتالهم ... على وتأباه على أناملى
وكيف قتالى معشرا أدبوكم ... على الحق ألا تأشبوه بباطل
نفتهم عباد الجن من حر أرضهم ... فأضحوا على أمر شديد البلابل «1»
فإن تك كانت فى عدى أمانة ... عدى بن سعد عن تقى أو تواصل
فقد كنت أرجو أن ذلك فيهم ... بحمد الذى لا يطبى بالجعائل
وبدلت شبلا شبل كل ضعيفة ... بذى فجر مأوى الضعاف الأرامل «2»
وقال عبد الله بن الحارث أيضا:
وتلك قريش تجحد الله حقه ... كما جحدت عاد ومدين والحجر «3»
فإن أنا لم أبرق فلا يسعنى ... من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر
بأرض بها عبد الإلة محمد ... أبين ما فى النفس إذ بلغ النفر
فسمى عبد الله يرحمه الله، المبرق ببيته الذى قال.
وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف وهو ابن عمه، وكان يؤذيه فى إسلامه، وكان أمية شريف قومه فى زمانه ذلك:
أتيم بن عمرو للذى جاء بغضه ... ومن دونه الشرمان والبرك أكتع «4»
أأخرجتنى من بطن مكة آمنا ... وأسكنتنى فى صرح بيضاء تقذع
تريش نبالا لا يواتيك ريشها ... وتبرى نبالا ريشها لك أجمع
وحاربت أقواما كراما أعزة ... وأهلكت أقواما بهم كنت تقرع
ستعلم إن نابتك يوما ملمة ... وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
وتيم بن عمرو، الذى يدعو عثمان، هو جمح بن عمرو، كان اسمه تيما.
قال ابن إسحاق «5» : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا
__________
(1) حر أرضهم: هى الأرض الكريمة. البلابل: شدة الهم والوساوس فى الصدور وحديث النفس.
(2) لا يطبى: أى لا يستمال ولا يستدعى. الجعائل: جمع جعالة وهى الرشوة.
(3) الحجر: هو اسم ديار ثمود بوادى القرى من المددينة والشام، وقيل: هو من وادى القرى على يوم بين جبال وبها قامت منازل ثمود. انظر: معجم البلدان (2/ 221) .
(4) الشرم: لجة البحر، وقيل: موضع فيه: وقيل: هو أبعد قعره والشروم غمرات البحر واحدها شرم. انظر: اللسان (مادة شرم) . البرك: هو جماعة الإبل الباركة، وقيل: اسم موضع.
(5) انظر: السيرة (1/ 275- 279) .
(1/198)

بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى، فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من دارهم، التى اطمأنوا بها وأمنوا فيها.
فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص وجمعوا لهما هدايا للنجاشى ولبطارقته ثم بعثوهما.
فقال أبو طالب، حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه، أبياتا يحض النجاشى على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعرى كيف فى النأى جعفر ... وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشى جعفرا ... وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد ... كريم فلا يشقى لديك المجانب «1»
تعلّم فإن الله زادك بسطة ... وأسباب خير كلها بك لازب
وأنك فيض ذو سجال غزيرة ... ينال الأعادى نفعها والأقارب
وذكر ابن إسحاق: من حديث «2» أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، تعنى مع زوجها الأول أبى سلمة، جاورنا بها خير جار النجاشى، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جليدين، وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا لهم، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا حتى قدما إلى النجاشى، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلماه، وقالا لكل بطريق: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم
__________
(1) أبيت اللعن: هذه تحية العرب فى الجاهلية للملوك. المجانب: أراد به الداخل فى حماه.
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 202) ، مجمع الزوائد (6/ 24، 27) .
(1/199)

إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا «1» ، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم.
ثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشى فقبلها، ثم قالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، جاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شىء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص من أن لا يسمع كلامهما النجاشى. فقالت بطارقته: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
فغضب النجاشى، ثم قال: لاها الله، إذا لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاورونى. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن.
فلما جاؤا، وقد دعا النجاشى أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى ولا فى دين أحد من هذه الملل؟.
قالت: فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب، قال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام.
__________
(1) أعلى بهم عينا: أى أبصر بهم، وقيل: أى عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم.
(1/200)

فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك، فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شىء؟ فقال له جعفر: نعم.
قال: فاقرأه علىّ. فقرأ عليه صدرا من: كهيعص، فبكى والله النجاشى حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما يتلى عليهم.
ثم قال لهم النجاشى: إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة «1» واحدة، انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا ولا يكادون.
فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه عنهم غدا بما أستأصل به خضراءهم «2» . قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى ابن مريم قولا عظيما، فسلهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه، ولم ينزل مثلها قط. فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون فى عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ فقالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنا فى ذلك ما هو كائن.
قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال جعفر ابن أبى طالب: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا، نقول: عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشى بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت «3» بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضى أى آمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، فما أحب أن لى دبرا من ذهب وأنى
__________
(1) مشكاة: أى الثقب الذى يوضع فيه الفتيل والمصباح، وهى الكوة غير النافذ.
(2) استأصل به خضراءهم: أى جماعتهم وقوتهم ومعظمهم، وقيل: شجرتهم التى تفرعوا منها.
(3) تناخرت: أى تكلمت وكأنه كلام من غضب ونفور.
(1/201)

آذيت رجلا منكم. ويقال دبرا، وهو الجبل بلسان الحبشة فيما قال ابن هشام.
ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه فى ملكه فو الله ما علمتنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشى فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرف منه.
وسار إليه النجاشى وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا قالوا: فأنت.
وكان من أحدث القوم سنا، فنفخوا له قربة فجعلنها فى صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
قالت: ودعونا الله للنجاشى بالظهور على عدوه والتمكين له فى بلاده. فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى، فلمع بثوبه يقول: ألا أبشروا فقد ظهر النجاشى وأهلك الله عدوه فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها.
ورجع النجاشى، وقد أهلك الله عدوه ومكن له فى بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده فى خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الزهرى «1» : فحدثت عروة بن الزبير هذا الحديث، فقال: هل تدرى ما قوله: «ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيع الناس فيه» قلت: لا والله.
قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتنى أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشى، وكان للنجاشى عم له من صلبه إثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشى وملكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه إثنى عشر رجلا فتوارثوا ملكهم من بعده بقيت الحبشة بعده دهرا.
فعدوا على أبى النجاشى فقتلوه وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا ونشأ
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 279- 281) .
(1/202)

النجاشى مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلننا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه.
فمشوا إلى عمه، فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى أو لتخرجنه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا. قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه فى سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته.
ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هو محمق ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه قال بعضهم لبعض: تعلموا والله أن ملككم الذى لا يقيم أمركم غيره الذى بعتموه غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه.
قالت: فخرجوا فى طلبه وطلب الرجل الذى باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك، فجاءهم التاجر الذى كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطونى مالى وإما أن أكلمه فى ذلك. فقالوا: لا نعطيك شيئا.
قال: إذا والله أكلمه. قالوا: فدونك.
فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسلموا إلى غلامى وأخذوا دراهمى، حيث إذا سرت أدركونى فأخذوا غلامى ومنعونى دراهمى.
فقال لهم النجاشى: لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده فى يده فليذهبن به حيث شاء! قالوا: بل نعطيه دراهمه «1» .
وكان ذلك أول ما خبر من صلابته فى دينه وعدله فى حكمه رحمه الله تعالى، وعن عائشة قالت: لما مات النجاشى كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
وذكر ابن إسحاق «2» أيضا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحبشة اجتمعت، فقالوا للنجاشى، يعنى عندما وافق جعفر بن أبى طالب على قوله فى عيسى ابن مريم:
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 123- 124) .
(2) انظر: السيرة (1/ 281) .
(1/203)

إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه وهيأ سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شيئتم، وإن ظفرت فاثبتوا.
ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم.
ثم جعله فى قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتى فيكم؟ قالوا:
خير سيرة. قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم فى عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. قال النجاشى، ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئا. وإنما يعنى على ما كتب. فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشى صلى عليه واستغفر له «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ولما قدم عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهما النجاشى بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازوا قريشا.
فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه «3» .
وقال ابن مسعود فى رواية البكائى عن غير ابن إسحاق: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلى عند الكعبة، حث أسلم عمر، وذكر مثل ما تقدم نصا إلى آخره.
__________
(1) وردت من الأحاديث الكثير فى صلاة النبى صلى الله عليه وسلم على النجاشى، ومنها ما أخرجه الإمام أحمد فى المسند (4/ 360، 363) عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخاكم النجاشى قد مات فاستغفروا له» .
(2) انظر: السيرة (1/ 281- 282) .
(3) ذكره الهيثمى فى المجمع (9/ 62) ، ابن سعد فى الطبقات (1/ 270) . الحاكم فى المستدرك (3/ 83، 84) .
(1/204)

ذكر الحديث عن إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه
حدث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه، أم عبد الله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر فى بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف على، وهو على شركه، قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله! فقلت: نعم، والله لنخرجن فى أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا! فقال: صحبكم الله! ورأيت له رقة لم أكن أرها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته علينا! قال: أطمعت فى إسلامه؟
قالت: نعم. قال: لا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب! قالت: يأسا منه لما كان يرى منه من غلظته وقسوته عن الإسلام «1» .
قال ابن إسحاق «2» : وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة.
قال: وكان إسلامه فيما بلغنى، أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام من بنى عدى قد أسلم، وكان يستخفى بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن.
فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له أنهم اجتمعوا فى بيت عند الصفا، قريبا من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة، وأبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، فى رجال من المسلمين.
فلقيه نعيم فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا هذا الصابىء الذى فرق أمر قريش وسفه أحلامها وأعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 282) .
(2) انظر: السيرة (1/ 282- 283) .
(1/205)

قال: أى أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
فرجع عمر عائدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب معه صحيفة فيها «طه» يقرؤهما إياها، فلما سمعوا حسّ عمر تغيب خباب فى مخدع لهم، أو فى بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التى سمعت؟ قالا: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه.
وبطش بختنه سعيد، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!.
ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وارعوى، وقال لها: أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد. وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردنها إليها إذا قرأها. فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه، فقالت له: يا أخى، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها «طه» فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب:
هو فى بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه.
فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل منهم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف فرجع وهو فزع فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له. فأذن له الرجل. ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه فى الحجرة فأخذ بحجرته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة. وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة!» ، فقال عمر: يا رسول الله، جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عنده. قال: فكبر رسول
(1/206)

الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم. فتفرقوا من مكانهم وقد عزوا فى أنفسهم حين أسلم عمر، مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم «1» . فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر.
وقد روى غيرهم إن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر فى الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة «2» ، فخرجت ليلة أريد جلسائى أولئك فى مجلسهم ذلك فلم أجد فيه منهم أحدا، فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها، فجئته فلم أجده، فقلت: فلو أنى جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين. فجئت أريد ذلك فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل بينه وبينها الكعبة، فكان مصلاه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليمانى، فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أستمع ما يقول.
فقلت: لئن دنوت منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشى رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى يقرأ القرآن حتى قمت فى قبلته مستقبله ما بينى وبينه إلا ثياب الكعبة. فلما سمعت القرآن رق له قلبى! فبكيت ودخلنى الإسلام، فلم أزل قائما فى مكانى ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين، وكانت طريقه حتى يخرج المسعى ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب وبين دار ابن أزهر.
فتبعته حتى إذا دخل بينهما أدركته، فلما سمع حسى عرفنى، فظن أنى إنما تبعته لأوذيه فنهمنى ثم قال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟» قلت: جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «قد هداك الله يا عمر» ، ثم مسح صدرى ودعا لى بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (3/ 91) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 219) .
(2) الحزورة: هى الآن قطعة من المسجد فى مكة.
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 129) .
(1/207)

قال ابن إسحاق «1» : فالله أعلم أى ذلك كان.
وذكر محمد بن عبد الله بن سنجر الحافظ فى إسلام عمر رضى الله عنه، زيادة لم يذكرها ابن إسحاق، فروى بإسناد له إلى شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب:
خرجت أتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [الحاقة: 40، 41] ، قال: قلت: كاهن علم ما فى نفسى فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: 42] إأى آخر السورة.
قال: فوقع الإسلام فى قلبى كل موقع.
قال ابن إسحاق «2» : وحدثنى نافع عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أى قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحى. فغدا عليه وغدوت أتبع أثره أنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أنى أسلمت ودخلت فى دين محمد؟! فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعت أبى، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم فى أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، قال: يقول عمر من خلفه: كذب ولكنى أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤسهم.
قال: وطلع فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا، فبيناهم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا:
صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بنى عدى بن كعب يسلمون لكم صاحبهم. هكذا عن الرجل. فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. فقلت لأبى بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذى زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهو يقاتلونك؟ جزاه الله خيرا. قال: أى بنى، ذلك العاص بن وائل السهمى، لا جزاه الله خيرا «3» .
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 286) .
(2) انظر: السيرة (1/ 286) .
(3) ذكره ابن كثر فى البداية والنهاية (3/ 129- 130) .
(1/208)

وهذا الدعاء عليه وله مما زاده ابن هشام عن غير ابن إسحاق.
وعن بعض آل عمر قال عمر «1» : لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أى الناس أشد عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى آتيه فأخبره أنى قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل. وكان عمر ابنا لحنتمة بنت هشام بن المغيرة، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلى فقال: مرحبا وأهلا يا ابن أختى، ما جاء بك؟ قلت: جئتك أخبرك أنى قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به، فضرب الباب فى وجهى وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.
وفيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن عمر رضى الله عنه، قال حين أسلم.
الحمد لله ذى المن الذى وجبت ... له علينا أياد كلها عبر
وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبى عنده الخبر
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ... ربى عشية قالوا قد صبا عمر
لما دعت ربها ذا العرش جاهدة ... والدمع من عينها عجلان يبتدر
أيقنت أن الذى تدعوه خالقها ... تكاد تسبقنى من عبرة درر
فقلت أشهد أن الله خلقنا ... وأن أحمد فينا اليوم مشتهر
نبى صدق أتى بالحق من ثقة ... وفى الأمانة ما فى عوده خور
قال ابن إسحاق «2» : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشى قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشوا فى القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على نبى هاشم وبنى المطلب، على أن لا يتكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم.
فلما اجتمعوا لذلك كتبوا فى صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة فى جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم.
فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه فى شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بنى هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم، ولقى هندا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 287) .
(2) انظر: السيرة (1/ 287- 288) .
(1/209)

بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليم قريشا، فقال لها: يا بنت عتبة، هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
وقال أبو طالب فيما صنعت قريش من ذلك واجتمعوا عليه:
ألا أبلغا عنى على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤى بنى كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط فى أول الكتب
وأن عليه فى العباد محبة ... ولا خير ممن خصه الله بالحب
وأن الذى لصقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السقب «1»
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذى الذنب
ولا تبتغوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما ... أمر على من ضاقه حلب الحرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف ... وأيد أترت بالقساسية الشهب «2»
بمعترك ضنك ترى كسر القنا ... به والنسور الطخم يعكفن كالشرب
كأن مجال الخيل فى حجراته ... ومعمعة الأبطال معركة الحرب «3»
أليس أبونا هاشم شد أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ... ولا نتشكى ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرعب
فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شىء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.
وقد كان أبو جهل فيما يذكرون، لقى حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم؟ فقال له أبو البخترى: طعام كان لعمته عنده، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟
خل سبيل الرجل.
__________
(1) كراغية السقب: الراغية من الرغاء بضم أوله وهو أصوات الإبل. والسقب ولد الناقة.
(2) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. أثرت: يعنى قطعت. القساسية: سيوف تنسب إلى قساس وهو جعل لبنى أسد فيه معدن الحديد.
(3) مجال الخيل: إيجالة الفرسان إياها. حجراته: أى النواحى. معمعة: الصوت.
(1/210)

فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البخترى لحى بعير فضربه، فشجه ووطئه وطأ شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهرا، مباديا لأمر الله لا يتقى فيه أحدا من الناس.
فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه وجعل القرآن ينزل فى قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن فى عامة من ذكر الله من الكفار.
فكان من سمى لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب، وإنما سماها الله عز وجل حمالة الحطب أنها كانت فيما بلغنى، تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر.
وكان أبو لهب يقول فى بعض ما يقول: يعدنى محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع فى يدى بعد ذلك! ثم ينفخ فى يديه ويقول: تبا لكما ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد!
فأنزل الله عز وجل فيهما: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: 1، 5] «1» .
قال ابن إسحاق «2» : فذكر لى أن أم جميل حين سمعت ما نزل فيها وفى زوجها من
__________
(1) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (5/ 745) . وروى البخارى فى سبب نزول هذا السورة عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش: فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدم مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقونى؟» قالوا: نعم، قال: «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد» ، فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا؟ تبا لك فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخرها. وفى رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.
(2) انظر: السيرة (1/ 291- 292) .
(1/211)

القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفى يدها فهر «1» من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغنى أنه يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إنى لشاعرة، ثم قالت:
مذ مما عصينا ... وأمره أبينا
وعن غير ابن إسحاق: ودينه قلينا، ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال: «ما أرتنى، لقد أخذ الله ببصرها عنى» «2» .
وكانت قريش إنما تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ثم يسبونه، فكان عليه السلام، يقول:
«ألا تعجبون لما صرف الله عنى من أذى قريش! يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد!» «3» .
وأمية بن خلف الجمحى، كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه، فأنزل الله فيه:
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] إلى آخر السورة «4» .
والعاص بن وائل السهمى، كان خباب بن الأرت، قد باع منه سيوفا عملها له وكان قينا بمكة، فجاءه يتقاضاه، فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟! قال: بلى.
قال: فأنظرنى إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك، فو الله لا تكون أنت وأصحابك يا خباب آثر عند الله منى ولا أعظم حظا فى ذلك!.
فأنزل الله فى ذلك: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [مريم: 77، 80] «5» .
__________
(1) الفهر: حجر على مقدار ملء الكف.
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 195) ، تفسير ابن كثير (8 م 536، 357) ، مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 144) ، المطالب العالية لابن حجر (3/ 399) . مستدرك الحاكم (2/ 361) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المناقب (3533) ، مسند الإمام أحمد (2/ 244، 369) .
(4) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 135) .
(5) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب البيوع (2091) ، صحيح مسلم كتاب صفات المنافقين (4/ 35) .
(1/212)

ولقى أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى، فقال له: والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذى بعثك، فأنزل الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108] ، فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم وجعل يدعوهم إلى الله «1» .
والنضر بن الحارث بن كلدة، من شياطين قريش ممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكر فيه بالله ودعا فيه إلى الله وحذر قومه ما أصاب الأمم الخالية من نقمة الله، خلفه فى مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن رستم الشيذ واسبنديار وملوك فارس، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى؟ والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها، فأنزل الله عز وجل فيه:
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان: 5، 6] وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن، وأنزل أيضا فيه: يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: 7، 8] «2» . وهو القائل: سأنزل مثل ما أنزل الله! فيما ذكر ابن هشام.
قال ابن إسحاق «3» : وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى، يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النضر بن الحارث فجلس معهم فى المجلس، وفيه غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: 98، 100] «4» .
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال له الوليد: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا
__________
(1) ذكره الطبرى فى تفسيره (7/ 207) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 136) .
(3) انظر: السيرة (1/ 294- 295) .
(4) ذكره ابن كثير فى تفسيره (5/ 375) .
(1/213)

وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم.
فعجب الوليد ومن كان معه من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته» . فأنزل الله عليه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: 101] ، أى عيسى وعزيرا ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله «1» .
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله:
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:
26، 29] «2» .
وأنزل فيما ذكر من أمر عيسى أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف: 57، 61] ، أى ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
والأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه، فأنزل الله فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ن: 10، 13] ، إلى قوله: زَنِيمٍ.
ولم يقل: «زنيم» لعيب فى نسبه، إن الله لا يعب أحدا بنسبه ولكنه حقق بذلك نعته
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 104) ، مسند الإمام أحمد (1/ 317) ، مستدرك الحاكم (3/ 284، 285) .
(2) انظر: السيرة (1/ 296) .
(1/214)

ليعرف، والزنيم العديد للقوم «1» . قال الخطيم التميمى، فى الجاهلية:
زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد فى عرض الأديم الأكارع «2»
والوليد بن المغيرة، قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفى سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين! فأنزل الله فيه، فيما بلغنى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى قوله: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 20، 22] .
وأبى بن خلف الجمحى وعقبة بن أبى معيط، وكانا متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبة بن أبى معيط قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال: ألم يبلغنى أنك جالست محمدا وسمعت منه؟! ثم قال: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك، واستغلظ من اليمين، إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه.
ففعل ذلك عدو الله عقبة، فأنزل الله فيه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [الفرقان: 27، 29] .
ومشى أبى بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد ارفتّ فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما [أرمّ] «3» ؟! ثم فته بيده ثم نفخه فى الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار» «4» ، فأنزل الله فيه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: 78، 80] .
واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم [وهو يطوف بالكعبة] «5» ، فيما بلغنى، الأسود بن المطلب
__________
(1) العديد للقوم: الذى يعد فى الناس وليس منهم.
(2) الأكارع: جمع كراع بضم الكاف بمعنى الأطراف.
(3) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «أرى» ، وما أوردناه من السيرة. وأرم: أى بليت.
(4) ذكره ابن الجوزى فى زاد المسير (6/ 283) ، الطبرى فى تفسيره (23/ 21) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 429) ، الواحدى فى أسباب النزول (308) .
(5) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وما أوردناه من السيرة، والمصنف ينقل منها.
(1/215)

والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وكانوا ذوى أسنان فى قومهم، فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه!.
فأنزل الله فيهم: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، السورة كلها، أى إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لى بذلك منكم، لكم دينكم ولى دين.
وأبو جهل بن هشام، لما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا بها لهم، قال يا معشر قريش:
هل تدرون ما شجرة الزقوم التى يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لتنزقمنها تزقما «1» !.
فأنزل الله فيه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: 43] ، ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يكلمه وقد طمع فى إسلامه، فبينا هو فى ذلك مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه، فأنزل الله فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى إلى قوله: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس: 1، 14] «2» .
أى: إنما بعثتك بشيرا ونذيرا لم أخص بك أحدا دون أحد، فلا تمنعه ممن ابتغاه ولا تتصد به لمن لا يريده.
قال ابن إسحاق «3» : ولما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم، إلا بجوار أو مستخفيا.
وذكر موسى بن عقبة أن رجوع هؤلاء الذين رجعوا كان قبل خروج جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وأنهم الذين خرجوا أولا قبله ثم رجعوا حين أنزل الله سورة النجم.
__________
(1) لتزقمنها تزقما: أى تبتلعها ابتلاعا.
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (5/ 331) ، تفسير الطبرى (30/ 33) ، فتح القدير للشوكانى (5/ 544) ، المستدرك للحاكم (2/ 514) .
(3) انظر: السيرة (1/ 300- 302) .
(1/216)

قال: وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارة بمثل الذى يذكر به آلهتنا من الشتم والشر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم وكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة «النجم» قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان عندها على لسانه كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: وإنهم لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهى التى ترتجى «1» .
كان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان فى قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين أبائه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر «والنجم» سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه.
فعجب الفريقان كلاهما من اجتماعهم فى السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان على ألسنة المشركين.
وأما المشركون فاطمأنت نفوسهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما ألقى الشيطان فى أمنية النبى صلى الله عليه وسلم فسجدوا لتعظيم آلهتهم.
وفشت تلك الكلمة فى الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة. فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته، وقال عز من قائل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
__________
(1) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (2/ 66) ، وأشار إلى أن هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقد جرح رواتها. وذكره القاضى عياض فى الشفاء (2/ 116- 123) وقال: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب روايته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلمته.
(1/217)

وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: 52، 54] .
فلما بين الله قضاءه فبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين فاشتدوا عليهم. فلهذا الذى ذكره ابن عقبة لم يستطع أحد ممن رجع من أرض الحبشة أن يدخل مكة إلا بجوار أو مستخفيا، كما ذكر ابن إسحاق.
قال: فكان جميع من قدم مكة منهم ثلاثة وثلاثين رجلا، دخل منهم بجوار، فيمن سمى لنا: عثمان بن مظعون الجمحى، دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بجوار خاله أبى طالب.
فأما عثمان «1» فإنه لما رأى ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء، وهو يغدو ويروح فى أمان الوليد، قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيا بنى لنقص كبير فى نفسى.
فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومى؟ قال: لا ولكنى أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فرد على جوارى علانية كما أجرتك علانية.
فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان جاء يرد على جوارى. قال:
صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكنى أحببت أن لا أستجير بغير الله. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة فى مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد «2» :
__________
(1) هو: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص القرشى الجمحى، يكنى أبا السائب، وأمه سخيلة بنت العنبس بن أهبان بن حذافة بن جمح، وهى أم السائب وعبد الله. انظر ترجمته فى: الاستيعاب (3/ 165) الترجمة رقم (1798) .
(2) هو: لبيد أبى ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرى، ويكنى لبيد بن عقيل وكان من شعراء الجاهلية وأدرك لبيد الإسلام وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وفد بنى كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. انظر ترجمته فى: الشعر والشعراء (ص 69) .
(1/218)

ألا كل شىء ما خلا الله باطل
قال عثمان: صدقت. قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.
قال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فى سفهاء معه فارقوا ديننا فلا تجدن فى نفسك منه.
فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فحضرها والوليد ابن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت فى ذمة منيعة، قال: بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها فى الله: وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس.
فقال له الوليد: هلم يا ابن أخى إن شئت إلى جوارك. فقال: لا «1» .
وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فإنه لما استجار بأبى طالب مشى إليه رجال بنى مخزوم فقالوا: يا أبا طالب هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟
فقال: إنه استجار بى وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه فى كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقوا على ذلك.
فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما قال، ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يحرضه على ذلك:
وإن امرآ أبو عتيبة عمه ... لفى روضة ما إن يسام المظالما
أقول له وأين منه نصيحتى ... أبا معتب ثبت سوادك قائما «2»
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما
وول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما
__________
(1) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (1/ 103، 104) ، ابن الأثير فى أسد الغابة (3/ 598، 599) .
(2) ثبت سوادك: يريد كثر قومك ولا تقللهم بفراقك والسواد الشخص.
(1/219)

وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعصى الخسف حتى يسالما
وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما أو مغارما
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قائما
وكان أبو بكر رضى الله عنه، كما حدثت عائشة رضى الله عنها، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى، قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الهجرة فأذن له، فخرج مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة، أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش فقال: أين يا أبا بكر؟.
قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا على. قال: لم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، فارجع فأنت فى جوارى. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه.
وكان لأبى بكر مسجد عند باب داره فى بنى جمح فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا له: إنك لم تجر هذا ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فائته فأمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء، فمشى ابن الدغنة فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى فشأنكم بصاحبكم «1» .
وعن القاسم بن محمد أن أبا بكر لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه التراب، فمر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال أبو بكر: ألا ترى
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الكفالة (2297) ، مسند الإمام أحمد (6/ 198) .
(1/220)

ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك، وهو يقول: أى رب ما أحلمك أى رب ما أحلمك! «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم إنه قام فى نقض الصحيفة التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش، ولم يبل أحد فيها أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبنى هشام واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان فيما بلغنى ليلا بالبعير قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبله فى فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه ليدخل الشعب عليهم، ويأتى به قد أوقره [برّا] «3» فيفعل به مثل ذلك.
ثم إنه مشى إلى زهير بن أمية بن المغيرة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله، أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا.
فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ أنما أنا رجل واحد. والله لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا.
قال له زهير: ابغنا ثالثا.
فذهب إلى المطعم بن عدى فقال له: يا مطعم، أرضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟
قال: زهير بن أبى أمية. قال: ابغنا رابعا.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 306) .
(2) انظر: السيرة (1/ 306- 308) .
(3) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى السيرة: بزا. وقال السهيلى فى الروض الأنف: بزا بالزى المعجمة وفى غير نسخة الشيخ أبى بحر: برا، وفى رواية يونس: بزا أو برا، على الشك من الراوى.
(1/221)

فذهب إلى أبى البخترى بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى. فقال:
وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية والمطعم ابن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا.
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم ومكانهم.
فقال: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم. ثم سمى له القوم.
فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل، وكان فى ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد، وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده فيما يزعمون.
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى طالب: «يا عم، إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته ونفت منها القطيعة والظلم والبهتان» . قال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: فو الله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخى أخبرنى بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. قال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش فى نقض الصحيفة ما صنعوا «1» .
__________
(1) ذكره السيوطى فى الخصائص الكبرى (1/ 250، 251) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 97) .
(1/222)

قال ابن إسحاق «1» : فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك الذين قاموا فى نقضها يمدحهم:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود «2»
فنخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد «3»
جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدى لحزم ويرشد
قعودا لدى خطم الحجون كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى فى رفرف الدرع أحرد
جرى على جل الخطوب كأنه ... شهاب بكفى قابس يتوقد
من الأكرمين من لؤى بن غالب ... إذا سيم خسفا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه ... على وجهه نسقى الغمام ونسعد
عظيم الرماد سيد وابن سيد ... يحض على مقرى الضيوف ويحشد
ويا بنى لأفياء العشيرة صالحا ... إذا نحن طفنا فى البلاد ويمهد
ألظ بهذا الصلح كل مبرأ ... عظيم اللواء أمره ثم يحمد
قضوا ما قضوا فى ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد
متى شرك الأقوام فى جل أمرنا ... وكنا قديما قبلها نتودد
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 309) .
(2) بحرينا: يقصد به من هاجر من المسلمين فى البحر.
(3) ذكر بعد هذا البيت، أبيات آخره لم يذكرها هنا وهى:
تداعى لها من ليس فيها بقرقر ... فطائرها فى رأسها يتردد
وكانت كفاء رقعة بأثيمة ... ليقطع منها ساعد ومقلد
ويظعن أهل المكتين فيهربوا ... فرائصهم من خشية الشر ترعد
ويترك حراث يقلب أمره ... أيتهم فيهم عند ذاك وينجد
وتصعد بين الأخشبين كتيبة ... لها حدج سهم وقوس ومرهد
فمن ينش من حضار مكة عزه ... فعزتنا فى بطن مكة أتلد
نشأنا بها والناس فيها قلائل ... فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد
ونطعم حتى يترك الناس فضلهم ... إذا جعلت أيدى المفيضين ترعد
انظر: السيرة (1/ 309- 310) .
(1/223)

وكنا قديما لا نقر ظلامة ... وندرك ما شئنا ولا نتشدد
فيا لقصى هل لكم فى نفوسكم ... وهل لكم فيما يجىء به غد
فإنى وإياكم كما قال قائل ... لديك البيان لو تكلمت أسود
أسود هنا اسم جبل كان قتل فيه قتيل لم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول هذه المقالة، يعنون بها أن هذا الجبل لو تكلم لأبان عن القائل ولعرف بالجانى، ولكنه لا يتكلم، فذهبت مقالتهم تلك مثلا.
قال ابن إسحاق «1» : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب.
فكان طفيل بن عمرو الدوسى «2» وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا «3» ، فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق به بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه.
قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا «4» فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر وما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 312- 313) .
(2) هو: الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس الدوسى من دوس. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1283) ، طبقات ابن سعد (4/ 1/ 175) ، طبقات خليفة (13/ 114) ، تاريخ خليفة (111) الجرح والتعديل (4/ 489) ، العبر (1/ 14) ، تاريخ ابن عساكر (7/ 62) .
(3) أعضل بنا: أى أشد أمره ولم يوجد له وجه.
(4) كرسفا: الكرسف يعنى القطن.
(1/224)

فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى امرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنى فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك، فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له آية.
فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت على ثنية تطلعنى على الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح. قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم. قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى، فجعل أهل الحاضر يتراؤن ذلك النور فى سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم، فلما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبا فلست منك ولست منى.
قال: لم يا بنى؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد. قال: أى بنى فدينى دينك. فقلت:
فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها: إليك عنى فلست منك ولست منى. قالت: لم بأبى أنت وأمى؟! قلت: فرق بينى وبينك الإسلام وتابعت دين محمد. قالت: فدينى دينك. قلت: فاذهبى إلى حنا ذى الشرى.
قال ابن هشام «1» : ويقال: حمى ذى الشرى، فتطهرى منه، وكان ذو الشرى صنما لدوس والحنا حمى حموه له، به وشل من ماء يهبط من جبل. فقالت: بأبى أنت وأمى، أتخشى على الصبية من ذى الشرى شيئا؟ قلت: لا أنا ضامن لذلك. فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا على، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقلت يا نبى الله، إنه غلبنى على دوس الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم.
فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معى من قومى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 314) .
(1/225)

برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فتح الله عليه مكة قلت: يا رسول الله، ابعثنى إلى ذى الكفين، صنم عمرو بن حممة، حتى أحرقه.
قال ابن إسحاق «1» : فخرج إليه فجعل وهو يوقد عليه النار يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إنى حشوت النار فى فؤادكا «2»
ثم رجع، فكان بالمدينة حتى قبض الله رسوله، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى. رأيت أن رأسى حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتنى امرأة فأدخلتنى فى فرجها وأرى ابنى يطلبنى طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى.
قالوا: خيرا؛ قال: أما أنا والله فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسى فوضعه، وأما الطائر الذى خرج من فمى فروحى، وأما المرأة التى أدخلتنى فى فرجها فالأرض تحفر لى وأغيب فيها، وأما طلب ابنى إياى ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابنى، فقتل رحمه الله شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم [استبلّ] «3» منها ثم قتل عام اليرموك فى زمان عمر شهيدا «4» .
وذكر ابن هشام «5» أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة «6» خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 314) .
(2) انظر: الأبيات فى الاستيعاب الترجمة رقم (1283) ، الإصابة الترجمة رقم (4273) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2613) .
(3) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «استقل» ، وما أوردناه من السيرة. واستبل منها: يقال بل وأبل واستبل المريض من مرضه إذا أفاق وبرىء.
(4) ذكره بنحوه ابن عبد البر فى الاستيعاب الترجمة رقم (1283) ، ابن حجر فى الإصابة (3/ 287) بنحوه مختصرا، ابن لأثير فى أسد الغابة (3/ 78) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 99) .
(5) انظر: السيرة (1/ 317- 319) .
(6) قال فى كتاب الشعر والشعراء (154) : هو من سعد بن ضبيعة بن قيس، وكان أعمى، ويكنى أبا بصير، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع.
(1/226)

الإسلام، وقال قصيدة يمدحه فيها، نذكرها بعد. فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضاه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم.
فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر «1» . فقال: أما هذه فو الله إن فى النفس منها لعلالات، ولكنى منصرف فأتروى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم.
فانصرف فمات فى عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما ذكر ابن هشام فى قصة الأعشى، وظاهره يقتضى أن قصده كان إلى مكة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حينئذ لم يهاجر بعد.
ويعارض هذا الظاهر ما ذكر من تحريم الخمر، فإن أهل النقل مجمعون على أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد أن مضى بدر وأحد ونزل تحريمها فى سورة المائدة وهى من آخر ما نزل من القرآن فإن صح أن خروج الأعشى كان قبل الهجرة كما فى ظاهر الخبر فلعل المشرك الذى لقيه وأخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، أراد بهذا القول تنفيره عن الإسلام وإبعاده عنه، مع ما كان من كراهية رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا للخمر وتنزيه الله إياه عنها.
ألا تراه ليلة الإسراء لما عرضت عليه آنية الخمر واللبن اختار اللبن فقيل له: هديت للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. والإسراء إنما كان بمكة فى صدر الإسلام. وقد يمكن أن يكون قصد الأعشى إلى المدينة بعد الهجرة وبعد تحريم الخمر فتلقاه بعض المشركين من قريش ممن لم يكن أسلم بعد.
ولعل هذا هو الأولى بدليل قوله فى قصيدته الآتية بعد:
ألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا
والله أعلم بالحقيقة فى ذلك كله، والقصيدة التى مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هى قوله:
__________
(1) قال السهيلى فى الروض الأنف (2/ 136) : هذه غفلة من ابن هشام، ومن قال بقوله: فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضيت بدر وأحد، وحرمت فى سورة المائدة وهى من أخر ما نزل، وفى الصحيحين من ذلك قصة حمزة حين شربها، وغتنه القينتان: ألا يا حمز للشرف النواء، فبقر خواصر الشارفين، واجتنب أسمنتها، وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم: هل أنتم إلا عبيد لآبائى، وهو ثمل، ... الحديث، فإن صح خبر الأعشى وما ذكر له فى الخمر، فلم يكن هذا بمكة، وإنما كان بالمدينة، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر من المنافقين أو من اليهود، فالله أعلم.
(1/227)

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا «1»
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذى هو خائن ... إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا
كهولا وشبابا فقدت وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وأبتذل العيس المراقيل تعتلى ... مسافة ما بين النجير فصرخدا «2»
ألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا
فإن تسألى عنى فيا رب سائل ... حفى عن الأعشى به حيث [أصهدا] «3»
أجدت برجليها النجاء وراجعت ... يداها خنفاا لينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجرت عجرفية ... إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا «4»
وآليت لا آوى لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقى محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هشام ... تراحى وتلقى من فواضله ندا
نبيا يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «5»
له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبى الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذى كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «6»
ولا تقربن حرة كان سرها ... عليك حراما فانكحن أو تأبدا
__________
(1) الأرمد: الذى يشتكى عينيه من الرمد. المسهد: الذى منع النوم.
(2) العيس: الإبل البيض يخالطها حمرة. المراقيل: مأخوذ من الإرقال وهو السرعة فى السير. النجير: موضع فى حضرموت فى اليمن. صرخد: موضع بالجزيرة.
(3) ما بين المعقفوتين ورد فى الأصل: «أصعدا» ، وما أوردناه من السيرة. وأصهدا: أى ذهب.
(4) العجرفية: أى تخليط من غير استقامة. الحرباء: بكسر فسكون دويبة تكون فى أعلى الشجرة.
(5) أغار لعمرى: معناه بلغ الغور وهو منخفض من الأرض. أنجد: بلغ النجد وهو ما ارتفع من الأرض.
(6) النصب: حجارة كان يذبحون لها. النسك: الدم كانوا يعترون عند أصناهم ثم يطلون رؤس الأصنام بدماء العتائر.
(1/228)

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه ... لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
قال ابن إسحاق «1» : وقد كان عدو الله أبو جهل مع عداوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه، يذله الله إذا رآه.
حدثنى «2» عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان الثقفى، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش «3» بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشى حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب ابن سبيل وقد غلبنى على حقى.
فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يهزأون به لما يعلمون بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يؤديك عليه.
فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام غلبنى على حق لى قبله وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدينى عليه، يأخذ لى حقى منه، فأشاروا لى إليك فخذ لى حقى منه يرحمك الله.
قال: انطلق إليه. وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم:
اتبعه فانظر ما يصنع.
قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ فقال:
محمد. فاخرج إلى. فخرج إليه وما فى وجهه من رائحة، لقد انتقع لونه، فقال: أعط هذا حقه. قال نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذى له.
فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا ويحك، ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج
__________
(1) انظر: السيرة (1/ 318) .
(2) انظر: السيرة (1/ 318- 319) .
(3) إراش: هو ابن الغوث أو ابن عمرو بن الغوث ابن بنت مالك وهو والد أنمار الذى ولد بجيله وخثعم.
(1/229)

إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه. قال: نعم، لا يبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه، ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال: ويحكم! والله ما هو إلا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلنى «1» .
وذكر الواقدى عن يزيد بن رومان قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فى المسجد معه رجال من أصحابه أقبل رجل من بنى زبيد يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب إليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم فى حرمكم. يقف على الحلق حلقة حلقة.
حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أصحابه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن ظلمك؟
فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرة إبله، فسامه أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد على سلعتى وظلمنى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأين أجمالك؟» قال: هى هذه بالحزورة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم معه وقام أصحابه، فنظر إلى الجمال فرأى جمالا فرها. فساوم الزبيدى حتى ألحقه برضاه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بنى عبد المطلب ثمنه، وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلم. ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ما تكره» . فجعل يقول: لا أعود يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم، فقالوا: ذللت فى يدى محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه. قال: لا أتبعه أبدا، إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه، لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى، لو خالفته لكانت إياها. أى لأتوا على نفسى.
وذكر محمد بن إسحاق «2» عن أبيه قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أشد قريش، فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض شعاب مكة، فقال له: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟! قال: لو أعلم أن الذى تقول حق لا تبعتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: نعم. قال: فقم
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 94- 95) .
(2) انظر: السيرة (1/ 319- 320) .
(1/230)

حتى أصارعك. فقام إليه ركانة فصارعه، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، إن ذا للعجب أتصرعنى!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمرى» ، قال: ما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتينى» . قال:
ادعها. فدعا بها، فأقبلت حتى وقفت بين يدى رسول صلى الله عليه وسلم فقال لها: «ارجعى إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها» ، فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فو الله ما رأيت أسحر منه قط. ثم أخبرهم بالذى رأى وصنع «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك، من النصارى، يقال: إنهم من أهل نجران، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه! ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا.
فيقال والله أعلم: فيهم نزلت هؤلاء الآيات: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلى قوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص:
52، 55] .
فقال «3» : وقد سألت الزهرى فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت فى النجاشى وأصحابه. والآيات من المائدة قول الله عز وجل: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً
__________
(1) انظر الحديث فى: البدآية والنهاية لابن كثير (3/ 103) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 250) ، أبى داود فى المراسيل (308) ، البيهقى فى السنن الكبرى (10/ 18) .
(2) انظر: السيرة (1/ 320- 321) .
(3) انظر: السيرة (1/ 321) .
(1/231)

لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: 82، 83] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس فى المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه، خباب وعمار وأبو فكيهة يسار وصهيب وأشباههم هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا.
فأنزل الله عليهم: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 52، 54] «1» .
وهؤلاء أيضا، ومن قال بقولهم هم الذين عنى الله سبحانه بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: 11] .
قال ابن إسحاق «2» : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصرانى يقال له: جبر، عبد لبنى الحضرمى، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتى به إلا جبر النصرانى، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: 103] «3» .
وكان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله عز وجل، فى ذلك من قوله: إِنَّا
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الفضائل (4/ 46) ، سنن ابن ماجه (4127) ، تفسير الطبرى (7/ 127) .
(2) انظر: السيرة (1/ 322) .
(3) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (2/ 357) ، الواحدى فى أسباب النزول (ص 235) ، تفسير الطبرى (14/ 119، 120) .
(1/232)

أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 1، 4] «1» ، أى أعطيناك ما هو خير من الدنيا وما فيها. والكوثر العظيم. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر الذى أعطاك الله؟ قال: «نهر كما بين صنعاء إلى أيلة آنيته كعدد نجوم السماء ترده طير لها أعناق كأعناق الإبل» . قال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة.
قال: «آكلها أنعم منها» «2» .
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما إلى الإسلام، فقال له زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبى بن خلف والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك؟ فأنزل الله فى ذلك: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: 8، 9] «3» .
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عليه: لا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: 10] «4» .

ذكر الحديث عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق «5» : ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 143) ، أسباب النزول للواحدى (ص 404) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 220، 221، 236) ، مجمع الزوائد للهيثمى (10/ 360، 361) .
(3) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (2/ 147) .
(4) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (2/ 148) .
(5) انظر: السيرة (2/ 5- 7) . قلت: ولم يذكر ابن إسحاق تحديد السنة التى وقع فيها الإسراء، وقد تعرض ابن كثير فى البداية والنهاية لذلك، فقال: ذكر ابن عساكر أحاديث الإسراء فى أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها فى هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقى من طريق موسى بن عقبة، عن الزهرى أنه قال: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة ... ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدى أنه قال: فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ببيت المقدس ليلة أسرى به-
(1/233)

وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام مكة فى قريش وفى القبائل كلها.
فكان من الحديث فيما بلغنى، عن مسراه صلوات الله عليه وسلامه، عن عبد الله بن مسعود، وأبى سعيد الخدرى، وعائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم، ومعاوية بن أبى سفيان، وأم هانىء بنت أبى طالب، والحسن بن أبى الحسن، وابن شهاب الزهرى، وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع فى هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسرى به.
وكان فى مسراه وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من الله فى قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولى الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق.
وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التى يصنع بها ما يريد.
فكان عبد الله بن مسعود، فيما بلغنى عنه، يقول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها فى منتهى طرفها، فحمل عليه، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السموات والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء عليهم السلام قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، قال:
فسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر فغوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته. قال: «فأخذت إناء اللبن فشربت، فقال له جبريل: هديت وهديت أمتك يا محمد» «1» .
قال «2» : وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم فى الحجر
__________
- قبل مهاجره بستة عشر شهرا. فعلى قول السدى يكون الإسراء فى شهر ذى القعدة، وعلى قول الزهرى وعروة يكون فى ربيع الأول. ثم ذكر عن جابر، وابن عباس قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول، وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر ومات. وفيه انقطاع، ثم ذكر أن المقدسى أورد حديثا لا يصح سند: أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم. انظر: المنتظم لابن الجوزى (حاشية 3/ 26) تحقيقنا.
(1) ذكره ابن كثير فى تفسيره (5/ 28) ، ابن حجر فى فتح البارى (7/ 256) ، الهيثمى فى المجمع (1/ 78) ، السيوطى فى الخصائص الكبرى (1/ 268، 269) .
(2) انظر: السيرة (2/ 7) .
(1/234)

جاءنى جبريل فهمزنى بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى، فجاءنى الثانية فهمزنى بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى فجاءنى الثالثة فهمزنى بقدمه فجلست فأخذ بعضدى، فقمت معه فخرج بى إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه. يضع يديه فى منتهى طرفه، فحملنى عليه ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته» «1» .
وفى حديث قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما دنوت منه لأركبه شمش فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع! فو الله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه. فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته» «2» .
وفى حديث الحسن من انتهاء جبريل بالنبى صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وإمامته فيه بمن وجد عنده من الأنبياء، على جميعهم السلام، نحو ما تقدم من ذلك فى حديث ابن مسعود.
قال: ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هديت للفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر.
وذكر تحريم الخمر هنا غريب جدا، والذى عليه العلماء أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد سنين من الهجرة.
قال الحسن: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس: هذا والله الإمر البين «3» ، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة!. قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر، فقالوا: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك! يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.
فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك فى المسجد يحدث به الناس.
فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟! فو الله إنه
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (15/ 3، 4) .
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3331) ، تفسير الطبرى (15/ 12، 13) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 247) ، مسند الإمام أحمد (3/ 164) .
(3) الإمر البين: هو الأمر العظيم أو الشنيع، وقيل: هو العجب.
(1/235)

ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم» . قال: يا نبى الله، فصفه لى فإنى قد جئته.
قال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فرفع لى حتى نظرت إليه» ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت أشهد رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر:
وأنت يا أبا بكر الصديق أشهد أنك. فيومئذ سماه الصديق.
قال الحسن: وأنزل الله فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً [الإسراء: 60] ، فهذا حديث عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دخل فيه من حديث قتادة «1» .
قال ابن إسحاق «2» : وحدثنى بعض آل أبى بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أسرى بروحه «3» .
وكان معاوية بن أبى سفيان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة «4» .
فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت فى ذلك، قول الله:
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ولقوله تعالى فى الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: 102] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما.
__________
(1) ذكر البخارى فى صحيحه (4716) كتاب التفسير باب وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، من حديث ابن عباس، قال: هى رؤيا عين رأيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به والشجرة الملعونة هى شجرة الزقوم. وأخرجه أحمد فى مسنده (1/ 221، 370) ، الترمذى فى كتاب التفسير (3134) ، الحاكم فى المستدرك (2/ 362) .
(2) انظر: السيرة (2/ 9) .
(3) ذكره الطبرى فى تفسيره (15/ 13) .
(4) ذكره الطبرى فى تفسيره (15/ 13) .
(1/236)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تنام عينى وقلبى يقظان» «1» . فالله أعلم أى ذلك كان قد جاءه وعاين ما عاين من أمر الله، على أى حاليه كان نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.
وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم فى تلك الليلة صلوات الله على جميعهم، فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس تخال رأسه يقطر ماء وليس فيه ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفى» «2» .
قال ابن هشام «3» : وكانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، قال: كان علىّ إذا نعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكند دقيق المسربة أجرد شئن الكفين والقدمين، إذا تمشى تقلع كأنما يمشى فى صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين أجود الناس كفا وأجرأ الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم «4» .
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (15/ 13) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (15/ 12) .
(3) انظر: السيرة (2/ 11) .
(4) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3638) ، وقال: حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل. وقال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين، يقول: سمعت الأصمعى يقول فى تفسير صفة النبى صلى الله عليه وسلم: الممغط: الذاهب طولا، وقال: سمعت أعرابيا يقول فى كلامه تمغط فى نشابته، أى مدها مدا شديدا. والمتردد: الداخل بعضه فى بعض قصرا. وأما القطط: فالشديد الجعودة. والرجل: الذى فى شعره حجونة، أى تثن قليل. وأما المطهم: فالبادن الكثير اللحم. والمكلثم: المدور الوجه. والمشرب: الذى فى بياضه حمرة. والأدعج: الشديد سواد العين. والأهدب: الطويل الأشفار. والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكامل. والمسربة: هو الشعر الدقيق الذى كأنه قضيب من الصدر إلى السربة. والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين. والتقلع: أن-
(1/237)

قال ابن إسحاق «1» : وكان فيما بلغنى عن أم هانىء بنت أبى طالب أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو فى بيتى، نام عندى تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانىء، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادى، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت معكم صلاة الغداة الآن كما ترين، ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه وكأنه قبطية مطوية، فقلت: يا نبى الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهموه. فقلت لجارية لى حبشية: ويحك، اتبعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعى ما يقول للناس وما يقولون له، فلما خرج إلى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد، فإنا لم نسمع بمثل هذا قط؟ قال: آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا، فأنفرهم حسن الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كانت بضجنان مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشىء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل، كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوا ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا فى الوادى الذى ذكر وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه «2» .
قال ابن إسحاق «3» : وحدثنى من لا أتهم، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما فرغت مما كان فى بيت المقدس أتى بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدنى صاحبى فيه حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة يقال له:
__________
- يمشى بقوة. والصبب: الحدور، يقال: إنحدرنا فى صبوب وصبب. وقوله: جليل المشاش: يريد رؤس المناكب. العشرة: الصحبة. والعشير: الصاحب. والبديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر أى فجأته.
(1) انظر: السيرة (2/ 12- 13) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (15/ 2) ، تفسير ابن كثير (5/ 39) ، مجمع الزوائد للهيثمى (1/ 76، 9/ 42) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 174) .
(3) انظر: السيرة (2/ 13) .
(1/238)

إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدى كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: 31] ، فلما دخل بى قال: «من هذا يا جبريل؟ قال: محمد. قال: أو قد بعث؟
قال: نعم، فدعا لى بخير» . وقاله «1» .
قال «2» : وحدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثم تلقتنى الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقنى ملك إلا ضاحكا مستبشرا، يقول خيرا ويدعو به، حتى لقينى ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: من هذا الملك الذى قال لى مثل ما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذى رأيت منهم. فقال جبريل: أما إنه لو كان ضحك إلى أحد قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت لجبريل، وهو من الله بالمكان الذى وصف لكم مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: 21] ألا تأمره أن يرينى النار؟ فقال: بلى، يا مالك أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى.
فقلت لجبريل: مره فليردها إلى مكانها. فأمره، فقال لها: اخبى فرجعت إلى مكانها الذى خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها «3» .
قال أبو سعيد الخدرى فى حديثه «4» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بنى آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف، ويعبس بوجهه، روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.
قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 390) ، تفسير ابن كثير (5/ 20، 22) ، البداية والنهاية (3/ 110، 111) ، الكامل فى الضعفاء لابن عدى (5/ 79) .
(2) انظر: السيرة (2/ 14) .
(3) لم أقف على تخريجه، بهذا اللفظ فيما بين يديه من مصادر.
(4) تقدم تخريجه.
(1/239)

مرت به روح المؤمن منهم سر بها وإذا مرت به روح الكافر منهم أنف منها وكرهها.
قال: ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر «1» الإبل، فى أيديهم قطع من نار كالأفهار «2» يقذفونها فى أفواههم فتخرج من أدبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما.
ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط، بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة «3» حتى يعرضوا على النار، يطأونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا.
ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن.
ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال: ثم صعد بى إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا.
قال: ثم أصعد بى إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، ثم أصعد بى إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته من هو؟ فقال: هذا إدريس. قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: 57] .
قال: ثم أصعد بى إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون لم أر كهلا أجمل منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب فى قومه:
هارون بن عمران.
قال: ثم أصعد بى إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.
__________
(1) مشافر: جمع شفر، وهو للبعير كالشفة للإنسان والجعفلة للفرس. انظر: اللسان (مادة شفر) .
(2) الأفهار: جمع فهر بكسر فسكون وهو الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه وتصغيرها فهير. انظر: اللسان (مادة فهر) .
(3) المهيومة: العطشى، وقيل: هو من الداء، وقيل: الهيم الإبل التى يصيبها داء فلا تروى من الماء.
(1/240)

ثم أصعد بى إلى السماء السابعة فإذا كهل جالس على كرسى إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم.
ثم دخل بى الجنة فرأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟ وقد أعجبتنى فقالت:
لزيد بن حارثة. فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا.
ومن حديث عبد الله بن مسعود «1» أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن فى دخولها: من هذا يا جبريل؟ فيقول: محمد. فيقولون: أو قد بعث؟ فيقول: نعم. فيقولون حياه الله من أخ وصاحب. حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأقبلت راجعا فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألنى: كم فرض عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة فى كل يوم.
قال: إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فسله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا، ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا ثم لم يزل يقول لى مثل ذلك كلما رجعت إليه، فأرجع فأسأل حتى انتهيت إلى أن وضع عنى ذلك إلا خمس صلوات فى كل يوم وليلة.
ثم رجعت على موسى فقال لى مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربى وسألته حتى استحييت منه، فلما أنا بفاعل. فمن أداهن منكم إيمانا واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة «2» .
قال ابن إسحاق «3» : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله صابرا محتسبا مؤديا إلى قومه النصيحة، على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء، وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر من قومه، وكانوا ذوى أسنان وشرف فى قومهم: الأسود بن المطلب الأسدى، أبو زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 17) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم (1/ 259) .
(3) انظر: السيرة (2/ 19) .
(1/241)

واستهزائه به فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله ولده» «1» .
والأسود بن عبد يغوث الزهرى، والوليد بن المغيرة المخزومى، والعاص بن وائل السهى، والحارث بن الطلاطله الخزاعى. فلما تمادوا فى الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: 94، 96] .
فأتى جبريل عليه السلام، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى فى وجهه بورقة خضراء فعمى، وسيأتى بعد أنه أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، ابناه زمعة وعقيل وابن ابنه الحارث بن زمعة، فاستوفى الله سبحانه بذلك فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم إجابة دعوته عليه بالعمى والثكل.
ثم مر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا، وعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95] نزل جبريل عليه السلام، فحنا ظهر الأسود بن عبد يغوث الزهرى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خالى خالى فقال له جبريل: خله عنك، ثم حناه حتى قتله.
قال ابن إسحاق: ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت فى أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله «2» .
قال «3» : وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى ابن حمراء الثقفى، وابن الأصداء الهذلى، وكانوا جيرانه لم يسلم أحد منهم إلا الحكم.
فكان أحدهم فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها فى برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 105) ، تفسير الطبرى (14/ 48) ، تفسير ابن كثير (4/ 470) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (4/ 470) ، تفسير الطبرى (14/ 48) .
(3) انظر: السيرة (2/ 26) .
(1/242)

صلى. فكان صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود فيقف به على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أى جوار هذا؟! ثم يلقيه فى الطريق «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا فى عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يسكن إليها، وبمهلك أبى طالب عمه، وكان له عضدا وحرزا فى أمره ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين.
فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به فى حياة أبى طالب، حتى اعترضاه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: «لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك.
ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «3» .
قال: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد فى قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه ولنعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا «4» أمرنا.
فمشوا إلى إبى طالب فكلموه، وهم أشراف قومه، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب فى رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاء فقال: يا ابن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه.
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 201) ، تاريخ الطبرى (1/ 553) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 134، 135) .
(2) انظر: السيرة (1/ 27) .
(3) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (1/ 553) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 122) .
(4) يبتزونا: البز هو السلب ومعناه يسلبوننا إياه ويغلوبننا عليه.
(1/243)

قال: فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا «1» .
فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا ابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا. فلما قالها طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له: أى عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخى والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك به. فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنيه، فقال: يا ابن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أسمع» «2» .
وخرج مسلم بن الحجاج فى صحيحه من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» «3» .
فأنزل الله عز وجل: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: 113] . وأنزل فى أبى طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: 56] .
وفى الصحيح أيضا أن العباس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا طالب كان يحوطك
__________
(1) انظر الحديث فى: المستدرك للحاكم (2/ 432) ، تفسير الطبرى (23/ 79) ، البيهقى فى السنن الكبرى (9/ 188) ، أسباب النزول للواحدى (ص 309) .
(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 234) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 123) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (2/ 119) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (39) ، طبقات ابن سعد (1/ 1/ 77) ، تفسير ابن كثير (6/ 256) ، الدر المنثور للسيوطى (5/ 134) ، تفسير القرطبى (8/ 272) ، تفسير الطبرى (11/ 30) .
(1/244)

وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» «1» .
وفيه أيضا من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه» «2» .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه» «3» .
ويروى أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيبا إلا احتزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، وإنى أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة، صلوا أرحاكم ولا تقطعوها فإن فى صلة الرحم منسأة فى الأجل وزيادة فى العدد، واتركوا البغى والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعى وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيها محبة فى الخاص ومكرمة فى العام، وإنى أوصيتم بمحمد خيرا فإنه الأمين فى قريش والصديق فى العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله لكأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر فى الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (195) ، مسند الحميدى (460) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 66، 8/ 144) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 513) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 347) ، كنز العمال للمتقى الهندى (34092) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 125) ، تفسير القرطبى (8/ 163) ، فتح البارى لابن حجر (11/ 417) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (1/ 54) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان (362) ، مسند الإمام أحمد (1/ 290) ، مستدرك الحاكم (4/ 581) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5668) ، مسند أبو عوانة (1/ 98) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 348) ، كنز العمال للمتقى الهندى (91512) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 125) .
(1/245)

فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أخطأهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منهم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهى.

ذكر خروج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد مهلك عمه أبى طالب
قال ابن إسحاق «1» : ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنال منه فى حياته، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وحده يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله.
فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة، عبد ياليل ومسعود وخبيب، بنو عمرو بن عمير بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا! لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكر لى: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على. وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فيذئرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
قال موسى بن عقبة: وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه.
وزاد سليمان التيمى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون!.
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 29) .
(1/246)

قال ابن عقبة: فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل فى ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وإذا فى الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله.
وذكر ابن إسحاق «1» : أن الحائط كان لهما، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اطمأن، يعنى فى ظل الحبلة، قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» «2» .
قال: فلما رآه ابنا ربيعة وما لقى، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه فى هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: له: كل. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال: بسم الله ثم أكل، فنظر عداس فى وجهه ثم قال له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أى البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال: نصرانى وأنا من أهل نينوى «3» . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس ابن متى؟ قال له عداس: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدى ما فى الأرض شىء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبى. قالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه «4» .
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 30) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (1/ 80، 81) ، وضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (1/ 358) .
(3) نينوى: هى قرية يونس بن متى عليه السلام بالموصل وبسواد الكوفية، ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء.
(4) انظر تخريج الحديث السابق.
(1/247)

وقد خرج البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها، أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم:
هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت على وجهى وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فنادانى وقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم» . فنادانى ملك الجبال فسلم على فقال: يا محمد ذلك لك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «1» .
وذكر ابن هشام «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته، سار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب. فبعث إلى المطعم بن عدى فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله.
ولأجل هذه السابقة التى سبقت للمطعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدى حيّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى، لتركتهم له.
وفى انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف مر به النفر من الجن الذين ذكر الله تعالى، فى كتابه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة «3» قد قام من جوف الليل يصلى، فمر به أولئك النفر من الجن فيما ذكر ابن إسحاق قال: وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 139) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد (112) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (9/ 88) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5848) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 166) ، كنز العمال للمتقى الهندى (31982) ، تفسير ابن كثير (3/ 259) .
(2) انظر: السيرة (2/ 31) .
(3) نخلة: موضع على ليلة من مكة، وكان بها لقريش وبنى كنانة بعض الطواغيت التى كانت تعظمها مع الكعبة لأنهم قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً فكانت لهم بيوت تعظمها وتطوف بها كطوافها بالكعبة. انظر الروض المعطار (ص 576) .
(1/248)

قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم «1» ، قال عز من قائل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: 29، 31] .

ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب
قال ابن إسحاق «2» : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه فى المواسم إذا كانت على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به «3» .
قال ربيعة بن عباد الدؤلى: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى وتصدقونى وتمنعونى حتى أبين عن الله ما بعثنى به، وخلفه رجل أحول وضىء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال ربيعة: فقلت لأبى: من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما قال؟ قال: هذا عمه
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 240) ، سنن الترمذى (3379) .
(2) انظر: السيرة (2/ 33) .
(3) انظر الحديث فى: الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 93) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (2/ 257) .
(1/249)

عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب «1» .
وعن غير ربيعة «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى كندة فى منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه «3» .
وأتى كلبا فى منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: «يا بنى عبد الله: إن الله قد أحسن اسم أبيكم» . فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم «4» .
وعرض نفسه على بنى حنيفة فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم «5» .
ذكر الواقدى بإسناد له عن عامر بن سلمة الحنفى، وكان قد أسلم فى آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: نسأل الله عز وجل، أن لا يحرمنا الجنة، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ وبمجنة وبذى المجاز يدعونا إلى الله عز وجل، وأن نمنع له ظهره حتى يبلغ رسالات ربه، ويشرط لنا الجنة، فما استجبنا له ولا رددنا جميلا، لقد أفحشنا عليه وحلم عنا.
قال عامر: فرجعت إلى حجر فى أول عام فقال لى هوذة بن على: هل كان فى موسمكم هذا خبر؟ فقلت: رجل من قريش يطوف على القبائل، يدعوهم إلى الله وحده، وإلى أن يمنعوا ظهره حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة. فقال هوذة: من أى قريش؟ قلت: هو من أوسطهم نسبا من بنى عبد المطلب.
قال هوذة: أهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو. قال: أما إن أمره سيظهر على ما ها هنا، فقلت: ها هنا قط من بين البلدان؟ قال: وغير ما ها هنا.
ثم وافيت السنة الثانية فقدمت حجرا، فقال: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيته على حاله فى العام الماضى. قال: ثم وافيت فى السنة الثالثة وهى آخر ما رأيته، وإذا بأمره قد أمر،
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 492، 493) ، مستدرك الحاكم (1/ 15) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 35) ، تاريخ الطبرى (1/ 556) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 138) .
(2) ذكر فى السيرة (2/ 34) هذا الحديث عن ابن شهاب الزهرى.
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 139) ، تاريخ الطبرى (1/ 556) .
(4) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 418) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 139) ، تاريخ الطبرى (1/ 556) .
(5) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 139) ، تاريخ الطبرى (1/ 556) .
(1/250)

وإذا ذكره كثير فى الناس، وأسمع أن الخزرج تبعته، فقدمت حجرا، فقال لى هوذة: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيت أمره قد أمر ورأيت قومه عليه أشداء. فقال هوذة: هو الذى قلت لك، ولو أنا تبعناه كان خيرا لنا، ولكنا نضن بملكنا. وكان قومه قد توجوه وملكوه.
قال عامر: فمر بى سليط بن عمرو العامرى، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة، فضيفته وأكرمته وأخبرنى من خبر هوذة، أنه لم يسلم، وقد رد ردا دون رد. قال:
فأخبرت سليطا خبرى لهوذة، فأخبره سليط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم عامر بن سلمة، ومات هوذة بن على سنة ثمان من الهجرة كافرا على نصرانيته. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى عبس إلى الإسلام فلم يقبلوا.
قال أبو وابصة العبسى فيما ذكر الواقدى: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منزلنا بمنى، فدعانا إلى الله، فو الله ما استجبنا له، وما خير لنا، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسى فقال لنا: أحلف بالله لو صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط رحالنا لكان الرأى. فقال له القوم: من بين العرب نفعل هذا؟ قال: نعم من بين العرب، فأحلف بالله ليظهرن أمره، حتى يبلغ كل مبلغ. فقال له القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به.
وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ميسرة، فكلمه، فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومى يخالفوننى، وإنما الرجل بقومه. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين إلى أهليهم، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك فإن بها يهود، نسألهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سفرا لهم فوضعوه، ثم درسوا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم، الأمى العربى يركب الحمار ويجتزىء بالكسرة، وليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالبسط، فى عينيه حمرة مشرب اللون. قالوا: فإن كان هذا الذى دعاكم فأجيبوه، وادخلوا فى دينه، فإنا نحسده ولا نتبعه ولنا منه فى مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى فى العرب أحد إلا تبعه أو قتله، فكونوا ممن يتبعه.
قال ميسرة: يا قوم والله ما بقى شىء، إن هذا لأمر بين. قال القوم: نرجع إلى الموسم ونلقاه، ورجع القوم إلى بلادهم، فأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقيه ميسرة، فعرفه فقال: يا رسول الله، والله مازلت حريصا على اتباعك منذ يوم رأيتك أنخت بنا حتى
(1/251)

كان ما كان، وأبى الله عز وجل، إلا ما ترى من تأخر إسلامى، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معى، فأين مدخلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . فقال ميسرة: الحمد لله الذى تنقدنى. فأسلم، فحسن إسلامه، وكان له عند أبى بكر الصديق رضى الله عنه، مكان.
وعن ابن إسحاق «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» . قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك «2» .
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافى معهم موسمهم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون فى ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان فى موسمهم، فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه بنى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا.
فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بنى عامر، هل لنا من تلاف، هل لذباباها من مطلب؟ «3» والذى نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلى قط وإنها لحق، فأين رأسكم كان عنكم؟!.
وزاد الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام عن بنى عامر وانصرف إلى راحلته ليركبها أتاه بيجرة، ونسبه الواقدى: بيجرة بن عبد الله بن سلمة، ورجلان معه فنخسوا به راحلته حتى سقط عنها، ويقال: قطعوا بطان راحلته.
قال: فقامت امرأة منهم يقال لها: ضباعة بنت قرط، وكانت قد أسلمت وكانت تحت عبد الله بن جدعان، فكرهته ففارقها وخلف عليها بعده هشام بن المغيرة، وهى أم ابنه سلمة، وصاحت: يا بنى عامر أيؤذى محمد وأنا شاهدة؟! فقام إليهم غطيف
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 34- 35) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 139، 140) ، تاريخ الطبرى (1/ 556) .
(3) قال السهيلى فى الروض الأنف (2/ 181) : هو مثل يضرب لما فاته منها، وأصله: من ذنابى الطائر إذا أفلت من حباله فطلبت الأخذ بذنابيه.
(1/252)

وغطفان ابنا سهيل وعذرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير، فضربوهم حتى هزموهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم صنعوا ما صنعوا: اللهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء الآخرين. فأسلم الذين بارك عليهم جميعا ومات الذين لعن وهم كفار.
وذكر الواقدى أيضا، من حديث جهم بن أبى جهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على بنى عامر يدعوهم إلى الله، فقام رجل منهم فقال له: عجبا لك والله، أعياك قومك ثم أعياك أحياء العرب كلها، حتى تأتينا وتردد علينا مرة بعد مرة! والله لأجعلنك حديثا لأهل الموسم.
ونهض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جالسا فكسر الله عز وجل ساقه، فجعل يصيح من رجله، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. قال الواقدى بإسناد ذكره: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم غسان فى منازلهم بعكاظ، وهم جماعة كثيرة، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله تعالى، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
قال: وأن تمنعوا لى ظهرى حتى أبلغ رسالات ربى ولكم الجنة. فقال رجل منهم:
هذا والله يا قوم الذى تذكر النصارى فى كتبها والذى يقولون: بقى من الأنبياء نبى اسمه أحمد، فتعالوا نؤمن به ونتبعه فنكون من أنصاره وأوليائه، فإنهم يزعمون أنه يظهر على ما بلغ الخف والحافر، فيجتمع لنا شرف الدنيا مع ما يكون بعد الموت.
قال القوم: فنكون نحن أول العرب دخل فى هذا الأمر فتنصب لنا العرب قاطبة ويبلغ ملوك بنى الأصفر فيخرجوننا من ديارهم، ولكننا نقف عنه وننظر ما تصنع العرب، ثم ندخل فيما يدخل فيه الناس.
قال الرجل: يا محمد تأبى عشيرتى أن يتبعوا قولى فيك، ولو أطاعونى رشدوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه القلوب بيد الله عز وجل. فانصرف عنهم، ثم عاد بعد ذلك إليهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: نرجع إلى من وراءنا ثم نلقاك قابلا.
فرجعوا فوفد منهم نفر إلى الحارث بن أبى شمر، فذكروا له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الحارث: إياكم أن يتبعه رجل منكم، إذا يبيد ملكى من الشام ويتهمنى هرقل.
قال: فأمسكوا عن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى محارب بن خصفة بعكاظ فوجدهم فى محالهم فيهم شيخ منهم وهو جالس فى أصحابه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته ودعا إلى الله
(1/253)

وطلب المنعة حتى يبلغ رسالات ربه، فرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد وقال له: عجبا لك! يأبى قومك أن يتبعوك، وتأتى إلى محارب تدعوهم إلى ترك ما كان عليه آباؤهم! اذهب فإنه غير متبعك رجل من محارب آخر الدهر.
ويقبل إليه سفيه منهم فقال: يا محمد، ما فى بطن ناقتى هذه إن كنت صادقا؟
فلعمرى إنك لتدعى من العلم أعظم مما سألتك عنه، تزعم أن الله يوحى إليك ويكلمك.
فأسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل إليه رجل منهم يقال له: سلمة بن قيس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا قريبا من منزلهم، فأراد أن يطرحه فى البئر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنحى عن البئر، فجعل سلمة يقول: لو وقعت فى البئر استراح منك أهل الموسم. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بزمام راحلته يقودها وهم يرمونها بالحجارة حتى توارى عنهم وهو يقول: «اللهم إنك لو شئت لم يكونوا هكذا، وإن قلوبهم بيدك وأنت أعلم بهم، فإن كان هذا عن سخط بك على فلك العتبى، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
وذكر قاسم بن ثابت بن حزم العوفى من حديث عبد الله بن عباس، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، أنه قال: لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق؛ حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وكان رجلا نسابة ومقدما فى كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال:
ومن رأى ربيعة؟ أمن هامتها أم من لهازمها: قالوا: بل من هامتها العظمى، قال: وأى هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر «1» .
فذكر الحديث فى مناسبة أبى بكر إياهم ومقاولته لهم، وانبراء دغفل بن حنظلة النسابة إليهم من بينهم وهو يومئذ غلام حين بقل وجهه، وموافقته لأبى بكر، حتى اجتذب أبو بكر زمام الناقة ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث مشهور تركته لشهرته، مع أن المقصود فيما بعده.
قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وكان مقدما فى كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر فى قومهم. وفيهم مفروق بن عمرو وهانىء بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه وكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر.
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 184- 185) .
(1/254)

فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال له مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال: علنيا الجهد ولكل قوم جد، قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟.
فقال أبو بكر: أو قد بلغكم أنه رسول الله؟ فها هو ذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فالإم تدعو يا أخا قريش؟.
فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وإلى أن تتؤونى وتنصرونى، فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد» .
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: 151] .
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90] .
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يشركه فى الكلام هانىء بن قبيصة.
فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك، لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، زلة فى الرأى وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة فقال:
وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة
(1/255)

فى ترك ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنما منزلنا بين صريى اليمامة والسمامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذان الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، وإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم فى الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال النعمان:
اللهم لك ذا.
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: 45] . ثم نهض النبى صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدى فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أية أخلاق فى الجاهلية! ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم «1» .
قال ابن إسحاق «2» : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله تعالى من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.
وقدم سويد بن صامت «3» أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الله وإلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى.
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 184- 185) .
(2) انظر: السيرة (2/ 35) .
(3) هو: سويد بن الصامت الأوسى، لقى النبى صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز من مكة فى حجة حجها سويد على ما كانوا يحجون عليه فى الجاهلية. انظر ترجمته فى: الاستيعاب (2/ 235، 236) الترجمة رقم (1121) .
(1/256)

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الذى معك؟» قال: مجلة لقمان «1» ، يعنى حكمة لقمان.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها على فعرضها عليه. فقال: «إن هذا الكلام حسن والذى معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله على هو هدى ونور» .
فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل بعاث. فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم «2» .
وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل، لجلده وشعره وشرفه ونسبه وهو القائل:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفرى
مقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبترى عقب الظهر «3»
تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشنى بخير طال ما قد بريتنى ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى
ولما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ فقالوا له: وما ذاك؟ قال:
أنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل على الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
__________
(1) قال السهيلى فى الروض الأنف (2/ 183) : مجلة لقمان وهى الصحيفة وكأنها مفصلة من الجلال والجلالة: أما الجلالة فمن صفة المخلوق، والجلال من صفة الله تعالى وقد أجاز بعضهم أن يقاس المخلوق: جلا وجلالة وأنشد:
فلا ذا جلال هبته لجلالة ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر
ولقمان كان نوبيا من أهل آيلة، وهو لقمان بن عنقاء بن سرور فيما ذكروا وابنه الذى ذكر فى القرآن هو ثاران فيما ذكر الزجاج وغيره، وقد قيل فى اسمه غير ذلك، وليس بلقمان بن عاد الحميرى. انتهى.
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 419) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 147) .
(3) ذكر هذا البيت ابن عبد البر فى الاستيعاب (2/ 236) فذكر شطره الأول كما ورد هنا أما الثانى:
... ... منحية شر يفترى عقب الظهر
وانظر الأبيات أيضا فى أسد الغابة الترجمة رقم (2348) .
(1/257)

فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أى قوم، هذا والله خير لكم مما جئتم له.
فيأخذ أبو الحيسر جفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا منك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج «1» .
ثم لم يلبث إياس أن هلك، فأخبر من حضر من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام فى ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.

بدء إسلام الأنصار وذكر العقبة الأولى
قال ابن إسحاق «2» : فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعوده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموسم الذى لقى فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالى يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
وكان مما صنع الله به فى الإسلام أن يهود كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكان قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: «إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم» .
فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 427) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 420، 421) ، المستدرك للحاكم (3/ 180، 181) .
(2) انظر: السيرة (2/ 38) .
(1/258)

فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا «1» .
وهم فيما ذكر لى «2» ، ستة نفر من الخزرج: منهم من بنى النجار: أسعد بن زرارة أبو أمامة «3» ، وعوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء «4» . ومن بنى زريق: رافع بن مالك بن العجلان «5» ، ومن بنى سلمة: قطبة بن عامر بن حديدة «6» وعقبة بن عامر بن نابى «7» ، وجابر بن عبد الله بن رئاب «8» .
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فيهم من الستة المسمين قبل: أبو أمامة وعوف ورافع وقطبة وعقبة، ومن غير الستة من الخزرج أيضا:
__________
(1) انظر الحديث فى: عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 262) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 433، 434) ، تاريخ الطبرى (1/ 588) .
(2) انظر: السيرة (2/ 39- 40) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (30) ، الإصابة الترجمة رقم (111) ، أسد الغابة الترجمة رقم (98) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2025) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4128) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (739) ، الإصابة الترجمة رقم (2550) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1598) ، الثقات (3/ 123) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 174) ، تقريب التهذيب (1/ 241) ، الجرح والتعديل (3/ 2159) ، تهذيب التهذيب (3/ 232) ، سير أعلام النبلاء (1/ 219) ، دائرة معارف الأعلمى (18/ 202) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2140) ، الإصابة الترجمة رقم (7173) ، أسد الغابة الترجمة (4308) ، الثقات (3/ 347) ، الطبقات الكبرى (9/ 159) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 15) ، الاستبصار (163) .
(7) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1844) ، الإصابة الترجمة رقم (5619) .
(8) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (289) ، الإصابة الترجمة رقم (1027) ، أسد الغابة الترجمة رقم (646) ، طبقات خليفة الترجمة رقم (623) ، التاريخ الكبير (2/ 207) ، الجرح والتعديل (2/ 492) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (25) ، تهذيب الكمال (182) ، تاريخ الإسلام (3/ 143) ، تذكرة الحفاظ (1/ 40) ، تذهيب التهذيب (1/ 99) ، خلاصة تذهيب الكمال (50) ، شذرات الذهب (1/ 84) ، تهذيب ابن عساكر (3/ 389) .
(1/259)

ذكوان بن عبد قيس بن خلدة الزرقى «1» ، وعبادة بن الصامت «2» ، ويزيد بن ثعلبة «3» من بنى غصينة من بلى حليف لهم، والعباس بن عبادة بن نضلة العجلانى «4» ، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة «5» ، وهو ابن عفراء، ومن الأوس: أبو الهيثم بن مالك بن التيهان «6» ، وعويم بن ساعدة «7» ، فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الأولى.
قال عبادة بن الصامت: كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا ولا نأتى بهتانا نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه فى معروف. قال: «فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأصبتم بحد فى الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر» «8» .
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (710) ، الإصابة الترجمة رقم (2442) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1531) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 167) ، الوافى بالوفيات (14/ 38) ، الاستبصار (47) ، الجرح والتعديل (3/ 2038) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1380) ، الإصابة الترجمة رقم (4515) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2791) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2791) ، الإصابة الترجمة رقم (9261) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5536) ، الثقات (3/ 445) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 135) ، الطبقات الكبرى (1/ 220) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1385) ، الإصابة الترجمة رقم (2525) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2798) ، الوافى بالوفيات (16/ 634) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 295) ، الثقات (3/ 288) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2450) ، الإصابة الترجمة رقم (8068) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3246) ، الإصابة الترجمة رقم (10689) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6331) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 210) ، التاريخ لابن معين (2/ 148) ، تنقيح المقال (3/ 24) .
(7) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2075) ، الإصابة الترجمة رقم (6127) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4138) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 30) ، مشاهير علماء الأمصار (107) ، حلية الأولياء (2/ 11) ، تهذيب الكمال (1068) ، تهذيب التهذيب (8/ 174) ، خلاصة تذهيب الكمال (306) .
(8) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3892، 3893) ، صحيح-
(1/260)

قال ابن إسحاق «1» : فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم فى الدين، فكان مصعب يسمى المقرىء بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة، وكان يصلى بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض «2» .

إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يدى مصعب بن عمير رضى الله عنه
ذكر ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه «3» أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بنى ظفر، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
فلما سمع بذلك سعد بن معاذ «4» وأسيد بن حضير «5» وهما يومئذ سيدا قومهما بنى عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقدما.
__________
- مسلم كتاب الحدود (3/ 43) ، مسند الإمام أحمد (5/ 316) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 246، 247) ، مستدرك الحاكم (2/ 624) .
(1) انظر: السيرة (2/ 43) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (1/ 559) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 264) .
(3) انظر: السيرة (2/ 44) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (963) ، الإصابة الترجمة رقم (3213) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2046) ، طبقات خليفة (77) ، التاريخ الكبير (4/ 65) ، الجرح والتعديل (4/ 93) ، تهذيب الكمال (477) ، العبر (1/ 7) ، تهذيب التهذيب (3/ 481) ، خلاصة تذهيب الكمال (635) ، شذرات الذهب (1/ 11) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (54) ، الإصابة الترجمة رقم (185) ، أسد الغابة الترجمة رقم (170) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 21) ، تهذيب الكمال (1/ 113) ، تقريب التهذيب (1/ 78) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (1/ 98) ، الوافى بالوفيات (9/ 258) ، سير الإعلام (1/ 299) ، تهذيب التهذيب (1/ 347) ، الجرح والتعديل (2/ 1163) ، الأنساب (1/ 278) ، الرياض المستطابة (29) .
(1/261)

فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال: فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما ذكر عنهما: والله لعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تتشهد شهادة الحق ثم تصلى.
فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما:
إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد ابن معاذ. ثم انصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك «1» .
فقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما ثم قال: يا أبا أمامه، والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارينا بما نكره!.
وقد قال أسعد لمصعب بن عمير: أى مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.
قالا: فعرفنا والله فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين؟.
قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين. فقام فاغتسل
__________
(1) ليخفروك: أخفره أى نقض عهده وخاس به وغدره، وأخفر الذمة لم يف بها.
(1/262)

وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا، أفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة «1» . قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام على حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
قال: فو الله ما أمسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون «2» ، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة.
وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت «3» وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإسلام وما اختلف الناس فيه من أمره:
أرب الناس أشياء المت ... يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إما إن ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا ... وما دين اليهود بذى شكول «4»
ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان فى جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا عن كل جيل «5»
نسوق الهدى ترسف مذعنات ... مكشفة المناكب فى الجلول
__________
(1) أيمننا نقيبة: النقيبة أيمن النعل، وقال ابن بزرج: اللهم نقيبة أى نفاذ رأى، ورجل ميمون النقيبة: مبارك النفس، مظفر بما يحاول. انظر: اللسان (مادة نقب) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 438، 439) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 42) .
(3) انظر ترجمته فى: طبقات فحول الشعراء (1/ 226) .
(4) قال السهيلى فى الروض الأنف: شكول جمع شكل، وشكل الشىء بالفتح هو مثله، والشكل بالكسر الدل والحسن، فكأنه أراد أن دين اليهود بدع فليس له شكول أى: ليس له نظير فى الحقائق ولا مثيل يعضده من الأمر بالمعروف المقبول.
(5) خنيفا: من حنف إذا مال، أى مائلا عن الأديان الباطلة، والميل هو الصنف من الناس.
(1/263)

ذكر العقبة الثانية
قال ابن إسحاق «1» : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله.
حدث كعب بن مالك «2» ، وكان ممن شهد العقبة وبايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
خرجنا فى حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور «3» سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال لنا البراء: يا هؤلاء، إنى قد رأيت رأيا وو الله ما أدرى أتوافقونى عليه أم لا. فقلنا: وما ذاك؟ قال: رأيت ألا أدع هذه البنية منى بظهر، يعنى الكعبة، وأن أصلى إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا يصلى إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إنى لمصل إليها. فقلنا له: لكنا لا نفعل.
فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة، فلما قدمناها وقد كنا عبنا عليه ما صنع، قال لى: يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت فى سفرى هذا فإنه والله لقد وقع فى نفسى منه شىء لما رأيت من خلافكم إياى فيه، فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عنه فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس عمه؟ قلنا: نعم. وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا.
قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس.
فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، فو الله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 48- 49) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2231) ، الإصابة الترجمة رقم (7447) ، شذرات الذهب (1/ 56) ، تهذيب الكمال (1147) ، تاريخ الإسلام (2/ 243) ، تهذيب التهذيب (8/ 440، 441) ، خلاصة تذهيب الكمال (321) ، طبقات خليفة (103) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (171) ، الإصابة الترجمة رقم (622) ، أسد الغابة الترجمة رقم (392) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 146) ، شذرات الذهب (1/ 9) ، العبر (1/ 3) ، الاستبصار (142) .
(1/264)

ألشاعر؟ قال: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا نبى الله، إنى خرجت فى سفرى هذا وقد هدانى الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر، فصليت إليها، وخالفنى أصحابى فى ذلك، حتى وقع فى نفسى منه شىء فماذا ترى يا رسول الله؟
قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كما قالوا، نحن أعلم به منهم «1» .
قال كعب «2» : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام «3» ، أبو جابر، سيد من ساداتنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك أن تكون حطبا للنار غدا.
ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا وكان نقيبا. فنمنا تلك الليلة مع قومنا فى رجالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب أم عمارة «4» ، إحدى نساء بنى مازن بن النجار، وأسماء بنت [عمرو بن عدى بن نابى] «5» ، أم منيع»
، إحدى نساء بنى سلمة، فاجتمعنا فى الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 461) ، صحيح ابن خزيمة (429) ، الهيثمى فى المجمع (6/ 42، 43) .
(2) انظر: السيرة (2/ 49- 50) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1633) ، الإصابة الترجمة رقم (4856) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3086) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 325) ، تاريخ الإسلام (2/ 205) ، سير أعلام النبلاء (1/ 324) ، حلية الأولياء (2/ 4) ، الأعلام (4/ 11) .
(4) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3624) ، الإصابة الترجمة رقم (12183) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7550) ، تهذيب التهذيب (12/ 474) ، خلاصة تذهيب الكمال (499) .
(5) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عدى بن عمرو» ، والتصحيح من السيرة والاستيعاب.
(6) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3263) ، الإصابة الترجمة رقم (6712) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3274) .
(1/265)

فلما جلس كان أول متكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها، إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده.
فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب فى الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.
فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا ونحن قاطعوها، يعنى اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟.
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. قال كعب: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم.
فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، من الخزرج:
أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع «1» ، وعبد الله بن رواحة «2» ، ورافع بن مالك
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (936) ، الإصابة الترجمة رقم (3161) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1994) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 77) ، تاريخ خليفة (71) ، الجرح والتعديل (4/ 82- 83) ، الاستبصار (114) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1548) ، الإصابة الترجمة رقم (4694) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2943) ، الثقات (3/ 221) ، حلية الأولياء (1/ 118، 121) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 310) ، تهذيب التهذيب (5/ 212) ، تهذيب الكمال (2/ 681) ، تقريب التهذيب (1/ 415) ، خلاصة تذهيب (2/ 55) ، الوافى بالوفيات (17/ 168) ، سير أعلام النبلاء (1/ 230) ، الأعلام (4/ 86) .
(1/266)

ابن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة بن دليم «1» ، والمنذر بن عمرو «2» . ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد ابن خيثمة «3» ، ورفاعة بن عبد المنذر «4» .
قال ابن هشام «5» : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفاله الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومى» ، قالوا: نعم «6» .
وحدث «7» عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة، أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر، والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (949) ، الإصابة الترجمة رقم (3181) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2012) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 142) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (201) ، تهذيب الكمال (474) ، تهذيب التهذيب (3/ 475) ، خلاصة تذهيب الكمال (2134) ، شذرات الذهب (1/ 28) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2523) ، الإصابة الترجمة رقم (8242) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5114) ، الثقات (3/ 386) ، الاستبصار (100) ، الأعلام (7/ 294) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 95) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (934) ، الإصابة الترجمة رقم (3155) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1986) ، شذرات الذهب (1/ 9) ، سير أعلام النبلاء (1/ 266) ، الوافى بالوفيات (15/ 216) ، الأعلام (3/ 84) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 213) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (780) ، الإصابة الترجمة رقم (2675) ، أسد الغابة الترجمة (1692) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 184) ، سير أعلام النبلاء (1/ 135، 185) ، الوافى بالوفيات (14/ 171) ، تهذيب التهذيب (3/ 282) ، تقريب التهذيب (1/ 251) ، حلية الأولياء (1/ 366) ، خلاصة تذهيب (1/ 327) .
(5) انظر: السيرة (2/ 54) .
(6) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 162) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 292) ، تاريخ الطبرى (1/ 562، 563) .
(7) انظر: السيرة (2/ 55) .
(1/267)

نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟
قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه «1» .
قال عاصم: والله، ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أعناقهم.
وقال غيره: ما قاله إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم. فالله أعلم أى ذلك كان.
قال ابن إسحاق «2» : فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.
وفى حديث معبد بن كعب عن أخيه عبد الله، عن أبيه قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب، وهى المنازل، هل لكم فى مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب، ويقال ابن أزيب، أتسمع أى عدو الله، أما والله لأفرغن لك» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفضوا إلى رحالكم» ، فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذى بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أومر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا فى منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
فانبعث من هنالك من مشركى قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شىء، وما علمناه.
وصدقوا، لم يعلموه، وبعضنا ينظر إلى بعض.
ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام المخزومى «3» ، وعليه نعلان له جديدان فقلت
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 48) ، مسند الإمام أحمد (4/ 119، 120) ، تاريخ الطبرى (1/ 563) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 162) .
(2) انظر: السيرة (2/ 56- 57) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (452) ، الإصابة الترجمة رقم (1509) ، أسد الغابة الترجمة رقم (979) ، تهذيب الكمال (223) ، تذهيب التهذيب (1/ 116) ، خلاصة تذهيب الكمال (69) ، تهذيب ابن عساكر (4/ 8) ، العقد الثمين (4/ 32) .
(1/268)

له كلمة، كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر ما تستطيع وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟! فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إلى فقال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه. قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنه «1» .
وفى حديث غير كعب أنهم أتوا عبد الله بن أبى سلول، فقالوا: مثل ما ذكر كعب من القول، فقال لهم: إن هذا لأمر جسيم، ما كان قومى ليتفوتوا على بمثل هذا، وما علمته كان، فانصرفوا عنه.
ونفر الناس من منى، فتنطس «2» القوم الخبر، فوجدوه قد كان، وخرجوا فى طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع «3» رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة، يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير.
قال سعد: فو الله، إنى لفى أيديهم إذ طلع علىّ نفر من قريش فيهم رجل وضىء أبيض شعشاع حلو من الرجال، قال فقلت فى نفسى: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى، رفع يده فلكمنى لكمة شديدة، فقلت فى نفسى: لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير، فو الله إنى لفى أيديهم يسحبوننى إذ أوى إلى رجل ممن معهم، فقال لى: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش تجارة ولا عهد؟ فقلت: بلى والله لقد كنت أجيز لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب ابن أمية. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما.
قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا، قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله، إن كان ليجيز لنا تجارنا ويمنعهم
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 181) ، فتح البارى لابن حجر (3/ 262) .
(2) تنطس القوم: تنطس عن الأخبار أى بحث وكل مبالف فى شىء متنطس وتنتطست الأخبار تجسستها. انظر: اللسان (مادة تنطس) .
(3) النسع: هو سير يضفر على هيئة لأعنة النعال تشد به الرحال، والجمع أنساع ونسوع ونسع، والقطعة منه نسعة، وقيل: هو سير مضفور يجعل زماما وغيره وقد تنسج عريضة تجعل على صدور البعير. انظر: اللسان (مادة نسع) .
(1/269)

أن يظلموا ببلده، قال: فجاآ فخلصا سعدا من أيديهم، وكان الذى لكم سعدا سهيل ابن عمرو «1» .
قال ابن هشام: والذى أوى له أبو البحترى بن هشام.
قال ابن إسحاق «2» : فكان أول شعر قيل فى الهجرة بيتين قالهما ضرار بن الخطاب ابن مرداس «3» ، أخو بنى محارب بن فهر. قال:
تداركت سعدا عنوة فأخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا
ولو نلته ظلت هناك جراحة ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا
فأجابه حسان بن ثابت «4» فقال:
ولست إلى عمرو ولا المرء منذر ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
فلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البرقاء يهوين حسرا
أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد تلبس الأنباط ريطا مقصرا
فلا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل ... عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا
ولا تك كالشاة التى كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
ولا تك كالعاوى فأقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
فإنا ومن يهدى القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا
قال «5» : فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم: عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ شهد العقبة وبايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو سيدا من سادات بنى سلمة، وشريفا من أشرافهم، وكان
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 44، 449) ، مسند الإمام أحمد (3/ 460، 462) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 45) ، مستدرك الحاكم (3/ 252) .
(2) انظر: السيرة (2/ 58- 59) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1260) ، الإصابة الترجمة رقم (4193) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2563) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 271) ، الثقات (3/ 200) ، الوافى بالوفيات (16/ 363) ، تاريخ بغداد (1/ 200) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (1/ 400) الترجمة رقم (525) ، الإصابة الترجمة رقم (1709) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1153) .
(5) انظر: السيرة (2/ 60) .
(1/270)

قد اتخذ فى داره صنما من خشب، يقال له: مناة، كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلها يعظمه، ويطهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل فى فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة، وفيها عذر الناس، منكسا على رأسه.
فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم، من عدا على آلهتنا هذه الليلة، ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله، لو أعلم من فعل بك هذا لأخزيته، فإذا أمسى ونام عمرو، عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إنى والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو، عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده فى مكانه.
فخرج يتتبعه حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف يذكر صنمه ذلك، وما أبصره من أمره، ويشكر الله الذى أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر فى قرن «1»
أف لملقاك إلها مستدن ... الآن فتشناك من سوء الغبن «2»
الحمد لله العلى ذى المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذى أنقذنى من قبل أن ... أكون فى ظلمة قبر مرتهن
قال ابن إسحاق «3» : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له فى الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله تبارك وتعالى، والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم
__________
(1) القرن: بفتح القاف والراء، قيل: هو شىء من لحاء شجر يفتل منه حبل، وقيل: الحبل من اللحاء، وقيل: هو الخصلة المفتولة من العهن.
(2) مستدن: أى ذليل مستبعد، وقال السهيلى فى الروض الأنف: هو من السدانة وهى خدمة البيت. والغبن: يكون فى الرأى تقول غبن رأى فلان كما تقول سفهت نفس فلان.
(3) انظر: السيرة (2/ 74- 75) .
(1/271)

عن بلادهم، فهم من بين مفتون فى دينه وبين معذب فى أيديهم وبين هارب فى البلاد، منهم بأرض الحبشة، ومنهم بالمدينة وفى كل وجه.
فلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فى القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت فى إذنه فى الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم، فيما بلغنى عن عروة بن الزبير، وغيره من العلماء «1» ، قول الله تبارك وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 39، 41] .
ثم أنزل الله عليه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أى حتى لا يفتن مؤمن عن دينه وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: 193] أى وحتى يعبد الله لا يعبد غيره.

بدء الهجرة إلى المدينة
قال ابن إسحاق «2» : فلما أذن الله تبارك وتعالى لرسوله فى الحرب، وبايعه هذا الحى من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه فى الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة «3» .
فكان أول من هاجر إليها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش من بنى مخزوم: أبو
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3171) ، سنن النسائى الكبرى (6/ 411) ، المستدرك للحاكم (2/ 66) ، تفسير ابن كثير (5/ 430) .
(2) انظر: السيرة (2/ 77) .
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 169) .
(1/272)

سلمة بن عبد الأسد «1» ، هاجر إليها قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا «2» .
قالت أم سلمة: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملنى عليه وحمل معى ابنى سلمة فى حجرى، ثم خرج بى يقود بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها فى البلاد؟! قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذونى منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذبوا بنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده! وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسنى بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجى أبو سلمة إلى المدينة، ففرق بينى وبين زوجى وبين ابنى، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قرييا منها. حتى مر بى رجل من بنى عمى فرأى ما بى فرحمنى فقال لبنى المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابنى، فارتحلت بعيرى ثم أخذت بنى فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة وما معى أحد من خلق الله، قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجى.
حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة «3» ، أخا بنى عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ قلت: أريد زوجى بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت:
لا والله، إلا الله وبنى هذا! قال: والله مالك من مترك. فأخذ بخطام البعير يقودنى معه يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3043) ، الإصابة الترجمة رقم (10049) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5978) ، تهذيب الكمال (1610) ، تقريب التهذيب (2/ 430) ، تهذيب التهذيب (12/ 115) .
(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 268) ، تاريخ الطبرى (1/ 565) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1790) ، الإصابة الترجمة رقم (5456) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3580) ، الثقات (3/ 260) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 373) ، تقريب التهذيب (2/ 10) ، تهذيب التهذيب (7/ 124) ، تهذيب الكمال (2/ 910) ، الجرح والتعديل (6/ 1055) ، سير أعلام النبلاء (3/ 10) .
(1/273)

المنزل أناخ بى ثم استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى فحط عنه ثم قيده فى الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فرحله ثم استأخر عنى فقال: اركبى، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادنى حتى ينزل بى، فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة، فلما نظرنا إلى قرية بنى عمرو بن عوف وكان أبو سلمة بها، قال: زوجك فى هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت أم سلمة تقول: ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا كان أكرم من عثمان بن طلحة «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة، عامر بن ربيعة»
حليف بنى عدى بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم «4» ، ثم عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة حليف بنى أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه أبى أحمد [عبد] «5» بن جحش «6» ، وكان أبو أحمد رجلا ضرير يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفرعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب.
فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن، فتنفس الصعداء ثم قال:
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب
ولما خرج بنو جحش من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخى بنى عامر بن لؤى، فذكر ذلك عبد الله بن جحش، لما بلغه لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
__________
(1) ذكر هذه القصة ابن حجر فى الإصابة (8/ 240) ، البخارى فى التاريخ الكبير (4/ 80) .
(2) انظر: السيرة (2/ 77- 79) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1335) ، الإصابة الترجمة رقم (4339) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2693) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 284) .
(4) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3516) ، الإصابة الترجمة رقم (11712) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7261) .
(5) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عبيد» ، والتصحيح من السيرة، والاستيعاب.
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1388، 2860) ، الإصابة الترجمة رقم (9505) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5669) .
(1/274)